Tafsir Ibn Uthaymeen — آل عمران 3:36 – آل عمران 3:42
المحتويات
آل عمران 3:36
ثم قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران ٣٥] يعني: اذكر إذ قالت، وهذا التركيب موجود في القرآن كثيرًا، وإنما حذف العامل لدلالة السياق عليه، وتلك قاعدة مشهورة عند النحويين أشار إليها ابن مالك في الألفية فقال:
وَحَـــــذْفُ مَــا يُعْلَـــــمُ جَائِـــــزٌكَمَــــــــــا ∗∗∗ تَقُـــــولُ: زَيْـــــدٌ، بَعْـــــدَ مَـــــنْعِنْدَكُمَـــــا؟
فهنا العامل المحذوف معلوم بالسياق، اذكر إذ قالت، يعني: اذكر هذه الحال التي صدر فيها هذا القول من امرأة عمران ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾. مَن امرأة عمران؟
هي أم مريم؛ يعني جدة عيسى بن مريم. ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ [آل عمران ٣٥].
﴿رَبِّ﴾ منادى حذفت منه ياء النداء، وأصله: يا ربي، ولكن تحذف ياء النداء في مثل هذا التركيب اختصارًا لكثرة استعماله، وحذف منه ضمير المتكلم الياء، وأصله: ربي إني، حُذفت تخفيفًا.
وقولها: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ ﴿نَذَرْتُ﴾ بمعنى: التزمت أن يكون ما في بطني محررًا من خدمتي وتقيده بها ليكون خادمًا للمسجد؛ المسجد الأقصى، وكان من عادتهم أن يفعلوا ذلك؛ أي أن الإنسان منهم ينذر ولده ليكون قائمًا بخدمة المسجد الأقصى تعظيمًا له، فتقول: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. وقولها: ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ اسم موصول يفيد العموم، فيشمل ما لو وضعت واحدًا أو اثنين، وذكرًا أو أنثى.
فإذا قال قائل: كيف تقول إنه يشمل ما لو وضعت اثنين وهي تقول: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ ومحررًا واحد، ولم تقل: محررين؟
فالجواب: أن الأسماء الموصولة المشتركة -أي: التي تصلح للمفرد وغيره- يجوز فيها مراعاة لفظها بالإفراد، ومراعاة معناها بالإفراد إن كان مرادًا بها المفرد، والتثنية إن كان مرادًا بها المثنى، والجمع إن كان المراد بها الجمع مذكرًا كان أو مؤنثًا، وعليه فلا يمنع أن يكون قولها: ﴿مُحَرَّرًا﴾ أن يكون شاملًا لما تضعه ولو كانوا أكثر من واحد؛ لأنه أفرد باعتبار أيش؟ باعتبار اللفظ، وكذلك (مَن) الشرطية يجوز فيها مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى، ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ [التغابن ٩] باعتبار أيش؟
الإفراد هنا باعتبار اللفظ ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ذكره باعتبار اللفظ. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ باعتبار المعنى.
﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١] باعتبار اللفظ.
تقول: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ عام يشمل كل ما في بطنها من ذكور أو إناث، واحد أو متعدد، ﴿مُحَرَّرًا﴾ من أيش؟ من قيد خدمتي إلى خدمة المسجد الأقصى.
﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ يعني: تقبل مني هذا التقرب إليك بنذر هذا الحمل الذي نذرته ليقوم بخدمة بيتك.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ هذه الجملة استئنافية للتعليل؛ يعني أني سألتك أن تتقبل مني؛ لأنك السميع العليم، السميع تشمل هنا سمع الإدراك وسمع الإجابة، يعني أنك تسمع دعائي وتستجيبه، وقد مر علينا أن السميع من أسماء الله يتضمن سمع الإدراك وسمع الإجابة، وأن (سمع) تأتي بمعنى (استجاب) كما في قول المصلي: سمع الله لمن حمده، أي: استجاب، فهنا ﴿سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أيهما أنسب الإدراك أو الاستجابة؟
* الطلبة: الاستجابة.. يشمل الأمرين.
* الشيخ: يشمل الأمرين، لكن فائدة الداعي بماذا؟ بالاستجابة.
وقولها: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾ يعني: السامع لدعائي المستجيب له العليم بما يكون صالحًا، وبكل شيء، لكن ذِكر العلم هنا؛ لأن الإنسان قد يسأل الشيء وليس من صالحه حصوله فيسند الأمر إلى علم الله عز وجل.
ومن المعلوم أن الداعي إذا دعا فإنه يحصل له واحد من أمور ثلاثة؛ إما أن يستجيب الله له الدعاء، وإما أن يدخر له ذلك يوم القيمة، فيعطيه مثل ما دعا به، وإما أن يصرف عنه من السوء ما هو أعظم، هذا بالإضافة إلى أن الدعاء نفسه عبادة يُثاب عليه الإنسان. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ ولم يقل: فلما وضعته، مراعاة لأيش؟
* الطلبة: مراعاة للمعنى.
* الشيخ: مراعاة للمعنى؛ لأنها وضعت أنثى، فلما وضعتها، وكان قد نذرته محررًا بناءً على أنه ذكر، لما وضعتها اعتذرت لربها ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران ٣٦]، وهذا اعتذار منها إلى الله أنها وضعتها أنثى، والأنثى ليس من العادة أن تخدم المسجد فكأنها تعتذر من الله عز وجل من هذا النذر.
قال: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ وفي قراءة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ قراءة سبعية، ونفسرها على الوجهين؛ أما قولها: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ فقد علمتم أن الغرض من هذه الجملة أيش؟
* الطلبة: الاعتذار.
* الشيخ: الاعتذار لا إخبار الله بما وضعت؛ لأنه عالم عز وجل، هو الذي خلقها وهو الذي وضعت بإذنه وأمره، فالأمر لا يخفى عليه، لكن ذكرتها اعتذارًا، وعلى هذا فنقول على قراءة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ تكون الجملة من باب الاحتراس حتى لا يُظن بها أنها تعتقد أن الله لم يعلم، فقالت: رب إني وضعتها أنثى، والله أعلم بما وَضَعْتُ، فلست أخبر الله بأمر يخفى عنه، بل إني أؤمن بأنه عالم بما وضعت، هذا على قراءة ضم التاء، أما على قراءة السكون: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ فالكلام من الله، وفيه دفاع عن هذه المرأة بأن الله تعالى يعلم أنها لم تقل: ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ إخبارًا منها لله؛ لأنه سبحانه وتعالى زكَّاها بقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. هذا من وجه، من وجه آخر: ليبين عز وجل أن قولها: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ لا يعني أن الله لا يعلم بما وضعت، بل هو عالم وإن قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾.
و(أعلم) اسم تفضيل يدل على أن المفضل زائد على المفضل عليه في هذا الوصف، كما لو قلت: فلان أكرم من فلان معناه: أن هذا المفضل -وهو فلان- زائد في الكرم على المفضل عليه، فـ(أعلم) هنا يعني أعلم من كل أحد بما وضعت، ففيه إثبات العلم لله عز وجل مع الزيادة، وبهذا التقرير نعلم ضَعف قول من قال: إن اسم التفضيل هنا بمعنى اسم الفاعل، وأن معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ أي: والله عالم بما وضعت، فإن هذا القول لا شك قصور، قصور في تفسير كلام الله؛ لأن إثبات العلم بلا تفضيل أنقص من إثبات العلم مع التفضيل، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: لأنك إذا قلت: فلان عالم لا يمنع أن سيكون غيره مساويًا له في العلم، لكن إذا قلت: فلان أعلم من فلان صار فاضلًا غيره بالعلم، وغيره مفضولًا، ولا أعلم -سبحان الله- كيف يفر بعض العلماء من إثبات المفاضلة بين الله سبحانه وتعالى وبين خلقه مع أن المفاضلة لا تدل على أي نقص، بل اللفظ الذي يقتضي المشاركة هو الذي قد يحتمل النقص والمماثلة، لكن اللفظ الدال على المفاضلة ليس فيه نقص بوجه من الوجوه، فالله أعلم من كل أحد، سواء كان هذا العلم مقيدًا أو مطلقًا.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ فيه بحث؛ وهو أن (ما) اسم موصول، واسم الموصول يحتاج إلى عائد، فأين العائد؟ ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ أو: ﴿بِمَا وَضَعْتُ﴾ . السؤال مرة ثانية: إلى أين ذهبت في فكرك؟
* الطالب: (...) وضَعَتْ و(وَضَعْتُ) قراءة (...).
* الشيخ: إيه، يعني العائد محذوف، ضمير مفعول به محذوف، التقدير: ما وضَعْتُه أو بما وضَعَتْه على القراءتين.
قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ ليس الذكر كالأنثى، هل هذا من كلامها أو من كلام الله؟
أما على قراءة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ فالظاهر أنه من كلام الله، أن كونه من كلام الله أرجح؛ لأن قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ من كلام الله.
وأما على قراءة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ فإن كونه من كلامها أرجح لئلا تتشتت الجمل، ولنقرأ الآية: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ تكون الآن متسقة متناسقة، لكن إذا جعلنا ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ من كلام الله صار قوله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ متسقًا مع قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، ومن ثم اختلف العلماء هل هذه الجملة من كلام الله أو من كلام امرأة عمران؟
ونحن نقول: الاحتمال موجود، يعني احتمال الوجهين موجود بكل حال، لكن على قراءة: ﴿بِمَا وَضَعْتُ﴾ يترجح أنه من كلام من؟ امرأة عمران، وعلى قراءة: ﴿بِمَا وَضَعَتْ﴾ يترجح أنه من كلام الله عز وجل.
على كل حال في هذه الجملة بيان أن الذكر لا يماثل الأنثى، وكأن الإنسان يحدث نفسه ويقول: إن مقتضى الحال أن تكون العبارة: وليس الأنثى كالذكر؛ لأن العادة أن الأدنى هو الذي يُشبَّه بالأعلى، فهنا: ليس الأنثى كالذكر، أقرب إلى بادئ الرأي من: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾.
ولهذا ادعى بعض العلماء أن في التشبيه قلبًا، أن في التشبيه قلبًا، والتشبيه المقلوب أسلوب من أساليب اللغة العربية، ولا سيما عند الشعراء في العصور الوسطى حتى إن بعضهم يبالغ في التشبيه المقلوب حتى يقول:
وَبَــــــــــدَا الصَّبَــــــــــاحُكَــــــــــأَنَّ غُرَّتَـــــــــــــــهُ ∗∗∗ وَجْــــــــــهُ الْخَلِيفَــــــــــةِحِيــــــــــنَ يُمْتَـــــــــــــــدَحُ
الصباح الذي يملأ الأفق ويضيء الدنيا كأن غرته (بياضه) وجه الخليفة إذا امتدح، وأيش بياض الخليفة؟ يعني بياض وجهه. هذا من المبالغة الكريهة في الواقع، المهم أن بعضهم قال: إنه على تشبيه المقلوب، وبعضهم قال: إنه تشبيه على أصله ووضعه، فليس الذكر كالأنثى، وشرف الذكر على الأنثى يُعلم من أدلة أخرى، ومن قرائن أخرى، ولكن ليس الذكر في خدمته لبيت المقدس كالأنثى، أرفع (ولَّا) أدنى؟ أرفع.
* طالب: ما يفتح لنا أخبار (أبو مريم)؟
* الشيخ: أبو أيش؟
* الطالب: (...) أبو مريم.
* الشيخ: بينهما أزمنة متطاولة، وقد أورد هذا على الرسول ﷺ، قيل: مريم ابنت عمران، وهارون، لا، في قوله: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨]. فقال: إنما كانوا يسمون بأنبيائهم. امرأة مريم بنت عمران لا يمكن أن تكون أختًا لموسى بن عمران؛ لأن الرسول يقول: هارون ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ «أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمَّوْنَ بِأَسْمَائِهِمْ»[[أخرجه مسلم (٢١٣٥ / ٩) بلفظ: «إِنّهم كانوا يسمّون بأنبيائِهم والصالحينَ قَبلَهُم» من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.]] يعني وبينهم أزمنة كثيرة، وموسى بن عمران.
* الطالب: إي نعم، هي أخت هارون، بنت هارون، أخت هارون.
* الشيخ: أخت هارون غير أخت موسى.
* طالب: شيخ، أم مريم عليها السلام لما نذرت هل هناك سبب (...) الأنثى هكذا؟
* الشيخ: أبدًا، رغبة منهم في خدمة المسجد.
* الطالب: شيخ، قلنا: إنه العالمين (...) شيخ، وذكرنا كذلك أنه أشكل في قول الله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ من الدرس هذا؟
* الشيخ: إيه، نحن استشكلنا هذا؟
* الطالب: فضيلة الشيخ، لأنه هنا (...) الخلق (...).
* الشيخ: أحيانًا العام يخصصه قرينة الحال أو قرينة المقال؛ يعني قد تكون قرينة حالية أو لفظية، إن كانت لفظية فهي قرينة مقال، وإن كانت حالية فهي قرينة الحال، الله ذكر أنه فضل بني إسرائيل على العالمين، ومعلوم أن أمة محمد أفضل منهم، قال الله تعالى في بني إسرائيل: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان ٣٢]، فالمراد على عالمي زمانهم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران ٣٦ - ٣٩].
* الشيخ: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ يعني ليس الذكر مساويًا للأنثى، وإذا انتفت مساواة الذكر للأنثى انتفت مساواة الأنثى للذكر؛ لأن التساوي يكون بين شيئين، فإذا انتفت المساواة في أحدهما لزم أن تكون منتفية في الآخر، فلا سواء بين الذكر والأنثى، بل لكل واحد منهما ميزاته وخصائصه؛ الأنثى تفوق الرجل في شيء، والرجل يفوق الأنثى في شيء، لكن الغالب أن الصالح لخدمة المساجد هو الرجل؛ لأنه أقوى وأذكى وأعقل وأدوم في العمل، الأنثى إذا حاضت مثلًا ما تستطيع أن تخدم المسجد؛ لأنها سوف تخرج منه ما تجلس، هذا إن كانت شريعتهم كشريعتنا، وأيضًا الأنثى لا تتحمل من الأعمال ما هو مشق، بل هي أضعف من الرجل، وإن كانت قد يكون عندها من الجلَد والصبر أكثر من مما عند الرجل في معاناة الأشخاص لا في معاناة المصائب، فإن المرأة في معاناة المصائب أدنى بكثير من الرجل كما هو معروف، قال: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ تقولها من؟ تقولها أمها: إني سميتها مريم، وهذا الاسم إما أن يكون مشهورًا عندهم أو أنها اختارته لأمر يريده الله عز وجل.
على كل حال لا أستطيع أن أعلل لماذا اختارت هذا الاسم؛ لأن هذه قضية عين، والله أعلم ما هو السبب أنها اختارت هذا الاسم. قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾ أعيذها أي: أستجير بك لها؛ لأن الاستعاذة معناها الاستجارة، الاستعاذة: الاستجارة من أمر مكروه، ولهذا نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ونستعيذ بالله من عذاب جهنم وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، قالوا: -أي أهل اللغة- العياذ من المكروه، واللياذ في رجاء المحبوب، اللياذ في رجاء المحبوب، وأنشدوا على ذلك قول الشاعر:
يَــا مَـــــــــنْ أَلُــــــــوذُ بِــــــــهِفِيمَــــــــا أُؤَمِّلُـــــــــــــــــــهُ ∗∗∗ وَمَـــــــــنْ أَعُـــــــــوذُ بِـــــــــهِمِمَّـــــــــا أُحَـــــــــــــــاذِرُهُ؎لَا يَجْبُـــــرُ النَّـــاسُ عَظْمًـــــا أَنْــتَكَاسِــــــرُهُ ∗∗∗ وَلَا يُهِيضُـــــونَ عَظْمًــــــا أَنْــــتَجَابِـــــــــرُهُ
هو يخاطب ملكًا من الملوك، وهذا الوصف لا يليق إلا بالله عز وجل، لكن الشعراء يتبعهم الغاوون. إذن أعيذها بك من الشيطان الرجيم يعني: أستجير بك لها من الشيطان الرجيم، والشيطان هو أبو الجن كما قال الله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف ٥٠].
وهنا نقول: شيطان من (شَطَن) أو من (شاط)؟
قولان؛ فمنهم من قال: إنه من (شَطَن) أي: بعد، ومنهم من قال: من (شاط) أي: غضب؛ لأن طبيعة الشيطان الغضب والسرعة وعدم التأني، وهو أيضًا قد بعد من رحمة الله، ولكن الظاهر أنه من (شَطَنَ)، وأن النون أصلية؛ ولذلك لا يمنع من الصرف. وقوله: ﴿الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ الرجيم: بمعنى المرجوم، وأصل الرجم القذف بالحجارة، ومنه: رجم الزاني، وعلى هذا فيكون في الكلام استعارة؛ أي: أننا استعرنا الرجم بالحجارة الدال على إبعاد المرجوم للمبعد المطرود، فالرجيم هنا (فَعِيل) بمعنى (مَفْعول) أي: مطرود مبعد عن رحمة الله عز وجل. ومن العلماء من قال: إن الرجم يأتي بمعنى الطرد حقيقة لا استعارة. وعلى كل حال، فإذا اتضح المعنى فسواء كان الرجم استعارة أو كان أصليًّا حقيقة.
﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وإنما استعاذت بالله لها من الشيطان الرجيم؛ لأن الشيطان الرجيم مبعد عن رحمة الله، والمبعد عن الرحمة يريد أن يبعد كل إنسان عن الرحمة لا سيما بنو آدم؛ لأن بني آدم أعداء للشيطان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر ٦]، فهو عدو، والعدو لا يريد من عدوه إلا ما فيه هلاكه، ولهذا استعاذت بربها عز وجل لهذه الأنثى من الشيطان الرجيم لئلا يغويها ويضلها، قال الله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء ٦٠].
يقول: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ لم يكن لها ذرية إلا واحد، مَنْ؟
* الطلبة: عيسى بن مريم.
* الشيخ: عيسى بن مريم، وهل لعيسى ذرية؟ الله أعلم، قد يكون له ذرية، وقد لا يكون، لكن مهما كان هي قالت: ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾ بناءً على أي شيء؟ بناء على الأصل والغالب، الأصل والغالب أن الأنثى تتزوج ويكون لها ذرية، ولكن الله سبحانه وتعالى أراد لهذه المرأة شيئًا آخر.
قال الله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾. (تقبَّل) قال أهل اللغة: بمعنى قَبِل، ولهذا قال: قَبول، ولم يقل: تَقَبُّل، فتقبلها بقبول، ولم يقل: بتقبل، والمصدر الموافق لتقبلها: (تقبُّل)، أما (قبول) فهو في هذا الموضع اسم مصدر وليس بمصدر كقوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح ١٧] ولم يقل: إنباتًا، لكن هل (تقبَّل) و(قبِل) بمعنى واحد، أو أن في (تقبَّل) شدة عناية ومبالغة؟
قولان، وما أكثر القولين؛ قول: أن (تقبل) بمعنى قبل، كتعجب بمعنى عجب، وتبرأ بمعنى برئ، تقول: تبرأ من فلان بمعنى برئ منه، وقول ثان: أن (تقبل) أبلغ من (قبل)، وعلَّلوا ذلك بعلة الغالبية؛ وهي أن الغالب أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، كيف زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى؟ يعني إذا جعلت البيت طابقين صار أكثر من الطابق الواحد؟ نعم، هو صحيح، الطابق الواحد يسع مئة نفر مثلًا، الطابقين؟
* الطلبة: مئتين.
* الشيخ: مئتين، لكن هم لا يريدون هذا، يريدون أن زيادة بنية الكلمة تدل على زيادة معناها، وهذا -كما مر علينا كثيرًا- ليس مطردًا بل هذا هو الغالب، وقد يكون الأمر بالعكس، كنَمل ونملة، وشَجَر وشجرة، وبَقَر وبقرة، أيهم أكثر؟ الزائد أو الناقص؟
* الطلبة: الناقص.
* الشيخ: الناقص أكثر. ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾ الرب: بمعنى الخالق المالك المدبر، هذا رب بالنسبة لله عز وجل، إذا أضيفت الربوبية إلى الله عز وجل فهذا معناها؛ أنه الخالق فلا خالق غيره، المالك فلا مالك غيره، المدبر فلا مدبر غيره، وهذا النفي باعتبار الإطلاق، فلا خالق على سبيل الإطلاق إلا الله، وإذا أضيف الخلق إلى غيره فإنما هو باعتبار التغيير والتصيير لا باعتبار الأصل، فخلق الباب من الخشبة ليس أصليًّا، بل هو تغيير وتصيير، صيَّر الخشبة بابًا فخلقه، لكن أصل هذه الخشبة من الذي خلقه؟ الله عز وجل، ولا يستطيع أحد من الخلق أن يخلق خشبة واحدة ولا غصن شجرة، المالِك على الإطلاق، وإضافة الملك لغير الله إضافة جزئية وإلا فقد قال الله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦]، فأضاف الملك إلى الإنسان، وقال تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور ٦١] فأضافه أيضًا إلى الإنسان، لكن هذا الملك مقيد غاية التقييد. المدبِّر كذلك، التدبير على الإطلاق هو لله عز وجل، أما الإنسان فإنه وإن أضيف إلى التدبير فهو تدبير خاص محصور، على كل حال الرب المضاف إلى الله أيش معناه؟ الخالق المالك المدبر. ربوبية الله نوعان: عامة وخاصة، ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وما فيهن، هذه عامة، خاصة: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢] وهنا ﴿رَبُّهَا﴾ من العامة ولَّا الخاصة؟
* الطلبة: الخاصة.
* الشيخ: الخاصة، من الخاصة، واعلم أن كل خاص من الربوبية والمعية والسمع والبصر وما أشبه ذلك ممن قال العلماء إنه ينقسم إلى عام وخاص أن الخاص يتضمن العام والعكس، فكل من كان الله ربه على وجه الخصوص فهو ربه على وجه العموم، وكل من كان الله معه على وجه الخصوص فهو معه على وجه العموم، وكل من سمعه الله على وجه الخصوص فقد سمعه على وجه العموم، وهلم جرًّا، وهنا أضاف الربوبية إلى مريم؛ لأنه عز وجل تقبلها هذا القبول الحسن ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ والقبولُ من الله الحسَنُ أنه سبحانه وتعالى يسرها لليسرى، وسهل أمرها، وجعلها من خيرة نساء العالمين حتى ألحقها بالرجال في صلاحهم فقال: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢]. وتأمل أنه قال: ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ ولم يقل: من القانتات؛ لأنه كما جاء في الحديث: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤١١) ومسلم (٢٤٣١ / ٧٠) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]. ولم يكمل من النساء إلا عدد قليل لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.
إذن نقول: إن هذا القبول هو ما حصل لها من الرفعة عند الله عز وجل وتيسير الأمور والذكرى الحسنة وغير ذلك مما أفاض الله عليها من نعمه.
﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ هذا ﴿أَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ قد يعود إلى المعنى، وقد يعود إلى الحس، قد يعود إلى المعنى فيكون ﴿أَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ يعني في كمال الآداب والعفة والحشمة وغير ذلك، وقد يكون ﴿أَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ باعتبار الجسم يعني بمعنى أنه نمَّاها تنمية جيدة لم يتعثر فيها جسمها حتى إن بعضهم -ولعلها من الإسرائيليات- قال: إنها تنمو في العام ما ينموه غيرها في عامين. فالله أعلم، إنما يكفي من ذلك أن الله أنبتها نباتًا حسنًا، لو لم يكن من ذلك إلا أنه سلَّمها من الأمراض المؤذية المتعبة لكان هذا كافيًا، المهم أن الله سبحانه وتعالى تقبلها بقبول حسن، وأنبتها نباتًا حسنًا معنويًّا وحسيًّا.
﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ هذا أيضًا من التيسير، أن الله يسر لها من يكفلها من الرسل، ولا شك أن الإنسان إذا كان عند كافل مستقيم صالح كان هذا من أسباب صلاحه واستقامته، وإذا كان عند فاسق كان بالعكس، ولهذا قال العلماء: لا يجوز أن يُترك المحضون -الطفل المحضون- بيد شخص لا يصونه ولا يصلحه.
قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ هذه القراءة المعروفة اللي في المصحف، وتكون (كفَّل) ناصبة لمفعولين، أحدهما: (الهاء)، والثاني: (زكريا)، وهذا الفعل من أخوات (كان) ولَّا من أخوات (كسا)؟
* الطلبة: كسا.
* الشيخ: ما الذي أعلمكم بأنه من أخوات (كسا)؟
* الطلبة: نصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
* الشيخ: ولكن اسمحوا لي، هذا ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فإذا وجدت فعلًا ناصبًا مفعولين لا يصح أن يكون مبتدأ وخبرًا فاعلم أنه من باب (كسا)، وهنا لو قلت: هي زكريا، يستقيم المعنى ولَّا لا؟
* الطلبة: لا يستقيم.
* الشيخ: لا يستقيم. وفي قراءة: ﴿كَفَّلَهَا زَكَرِيَّاء﴾ والفرق بينهما: أن القراءة الأولى بألف مقصورة والثانية بألف ممدودة.
فيها قراءة ثالثة: ﴿وكَفَلَها زَكَرِيَّا﴾ ﴿كَفَلَهَا﴾ على أن زكريا فاعل.
في قراءة رابعة: ﴿وكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءُ﴾ على أنه فاعل أيضًا، لكن الفرق بين هذه والتي قبلها أيش؟ القصر والمد، فصار زكريا الآن تمد وتقصر، وكفل تخفف وتشدد، والإعراب على حسب الوضع.
﴿كَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ وهنا سؤال هل زكريا منصرف أو غير منصرف؟
* الطلبة: غير منصرف.
* الشيخ: إيه ممنوع من الصرف، لماذا؟
* الطلبة: للعلمية والعجمة.
* الشيخ: للعلمية والعجمة، ما رأيكم لو وُجدت العجمة بدون علمية؟ ينصرف؟
* طالب: نعم، ينصرف.
* الشيخ: عجمة بدون علمية ينصرف؟
* الطالب: نعم ينصرف، كيف؟
* الشيخ: تكون كلمة أعجمية لكن ما هي علم؟
* الطالب: ينصرف.
* الشيخ: لأنه لا بد من علتين: العلمية والعجمة، ولهذا قال عليّ لشريح: قَالُونٌ، فَنوَّن، ومعنى قالون: (جيِّد) في اللغة الرومية.
إذن نقول: زكريا علم أعجمي فهو ممنوع من الصرف. ما معنى ﴿كفَلَها﴾ أي: صار كافلًا لها. ﴿وَكفَّلَهَا﴾ أي: جعل كفيلها زكريا.
﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ أو ﴿زَكَرِيَّاءُ﴾ ؟
* الطلبة: قراءتان.
* الشيخ: قراءتان. ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّاءُ الْمِحْرَابَ﴾ ، ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران ٣٧]. كلما دخل المحراب عليها، والمحراب (مِفْعَال) من الحرب، وهو مكان العبادة، وليس المحراب هو طاق القبلة كما هو عند الناس، ورأيت في بعض المساجد مكتوب على طاق القبلة على القوس: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ فيجعلون الإمام مريم وهم لا يشعرون، ويخطئون أيضًا في اللفظ؛ لأن المحراب قلت: مكان العبادة، سواء كان طاقًا، وسواء كان مقوسًا، أو مربعًا أو حجرة؛ حتى الحجرة التي يتعبد فيها الإنسان محراب، ولهذا قال الله تعالى في قصة داود: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص ٢١] يعني (...) المحراب: مكان يتعبد فيه، قالوا: فهو (مِفْعال) من الحرب، وسمي بذلك؛ لأن المتعبد فيه يحارب مَنْ؟
* الطلبة: الشيطان.
* الشيخ: الشيطان؛ ولذلك سمي مِحرابًا.
﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ وهي امرأة منقطعة للعبادة دائمًا في محرابها ويجد عندها رزقًا، والرزق هنا ما يقوم به البدن؛ يعني رزقًا تأكله ليقوم بدنها وتحفظ حياتها، هذا الرزق ما هو؟
قال بعض المفسرين وهو من الإسرائيليات: «يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء »[[أخرجه الطبري في التفسير (٥ / ٣٥٦) من حديث ابن عباس موقوفًا بلفظ: وَجَدَ عندَهَا ثِمارَ الجنّةِ، فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشّتَاءِ وفاكِهَةَ الشّتَاءِ في الصَّيْف.]]. وسبحان الله، ما هذا الداعي هذا؟! إذا وجد عندها فاكهة الصيف في الصيف أو فاكهة الشتاء في الشتاء وهي امرأة متعبدة منقطعة للعبادة فهو آية، لأيش نروح نجيب البرتقال وقت القيظ، والعنب وقت الشتاء؟! ما هو لازم، فلذلك نقول: كلمة رزق ما يقوم به البدن، وليكن فاكهة أو طعامًا أو تمرًا، أو أي شيء آخر. المهم أنه يجد عندها رزقًا تتقوت به، وهذا من الآيات، كيف امرأة متعبدة منقطعة للعبادة يوجد عندها الرزق؟!
﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ أي من أين لك هذا؟! وخاطبها بقوله: ﴿يَا مَرْيَمُ﴾ إشارة إلى أنها في حال لا تقتضي أن يكون عندها ذلك؛ لأنها امرأة لا تكتسب، امرأة منقطعة للعبادة، والمنقطع للعبادة ولو كان ذكرًا قد لا يتيسر له الرزق، ولهذا ناداها باسمها قال: ﴿يَا مَرْيَمُ﴾ يعني انتبهي أيتها الأنثى، كيف يجيكِ هذا الرزق؟! ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾، فكان جوابها جوابًا عجيبًا: ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. وكلمة ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لا يلزم أن يكون الله تعالى ينزلها من السماء إليها، بل قد يكون ذلك بتسخير الله لها من يأتي لها بذلك الرزق، ولا يلزم أن يكون ينزل من السماء أو يأتي به جبريل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل ٩٦] فيمكن أن هذا الرزق يأتيها على حسب الطبيعة، لكن أيضًا تسخير الله لها من يأتيه بها لا شك أنه من معونة الله وكرامة الله لها.
* طالب: شيخ، زكريا هل هو من محارِم مريم عليها السلام؟
* الشيخ: ما هو بالظاهر، الظاهر أنه ما هو من محارمها، لكنه زوج أختها.
* الطالب: زوج الأخت (...) في شريعتهم؟
* الشيخ: لا، ما أعرف عن شريعتهم، ما هو يحيى بن زكريا وعيسى رآهما النبي عليه الصلاة والسلام ليلة المعراج وقال: «هُمَا ابْنَا الْخَالَةِ»[[أخرجه البخاري (٣٨٨٧) من حديث مالك بن صعصعة.]].
* طالب: شيخ، قلنا يا شيخ: إن امرأة عمران لما وضعتها قالت: ربي إني وضعتها أنثى، فيكون هذا فيه من الإلزام أن المرأة يعني ما هي مثل الرجل في القيام على المسجد، طيب المرأة يا شيخ، يعني هل يجوز لها أن (...)؟
* الشيخ: أولا أن الحديث الذي أشرت إليه اختلف فيه الرواة، فبعضهم قال: إنه رجل، وبعضهم قال: إنها امرأة، ومعلوم أن خدمة المرأة للمسجد متهيئة أكثر في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الرجال مشتغلون بتحصيل الرزق، ولو أن أحدًا من الرجال خدم المسجد لكان أقوى منها خدمة، لكن كما قلت لكم في أثناء الدرس اليوم: المرأة قد تكون أصبر من الرجل من وجه آخر؛ لأن عندها من الجلد أكثر مما عند الرجل، الرجل قوي وده كل شيء يتم بسرعة، والمرأة ربما تعطي مهلة أكثر.
* الطالب: يا شيخ، بالنسبة للمحراب يعني إذا كان داخل المسجد؟
* الشيخ: وأيش المحراب داخل المسجد؟! اللي عندنا داخل المسجد؟
* الطالب: لا يا شيخ، يعني: اللي يقدر صاحب (...) أن يطلع (...) المحاريب، هل يقصد هذا؟
* الشيخ: إي نعم، يقصد هذا.
* الطالب: كانت أولًا بالبيوت أو بالمساجد؟
* الشيخ: لا لا، كانت في المساجد وليست أيضًا من عهد قديم، في عهد الرسول ﷺ ما فيه محاريب، فيه منبر، وما فيه محاريب.
* الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، بعضهم الآن يا شيخ يبدع المحاريب، يقولون: إنها بدعة؟
* الشيخ: ما هو صحيح؛ لأن بعض الناس لا يفهمون معنى البِدعة من السنة؛ لأنهم لا يفرقون بين الوسيلة وبين ما قُصد بعينه، فالمسلمون الذين أقروها من مئات السنين علماء أجلاء أبعد عن البدعة من هؤلاء، عرفوا أنهم لم يتخذوها ليتعبدوا لله باتخاذها، لكن ليدلوا المسلمين على اتجاه القبلة، لو أن عاميًّا دخل ولا في المسجد محراب وين يتجه؟ وأنا رأيت بعيني أول ما جاءت الفرش في الرياض؛ الفرَّاش الذي فرشها كان فيها في الأول صورة محاريب، أما تذكرون؟
* الطلبة: موجودة إلى الآن. إلى الآن موجودة.
* الشيخ: فيها صورة محاريب، فرشها الفراش وجاء وجه المحراب خلف القبلة بالعكس، فدخل الرجل وشاف المحراب ما راح قبلة المسجد، كبر وخلّى يصلي وراءها، إذن فيها فائدة، فهي مقصودة لغيرها لا لذاتها، المسلمون لا يقولون: فعلناها اتباعًا لرسول الله ﷺ، أو فعلناها تقربًا إلى الله، يقولون: فعلناها ليستدل بها الجاهل على القبلة.
* * *
* طالب: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران ٣٨ - ٤١].
* الشيخ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ إن الله يرزق، الرزق بمعنى العطاء، والعطاء ينقسم إلى قسمين: عطاء كوني، وعطاء شرعي؛ فالعطاء الكوني ما يرزق الله به سائر الحيوان؛ الإنسان والحيوان؛ الحلال والحرام، هذا عطاء أيش؟
* الطلبة: كوني.
* الشيخ: كوني، لا يختص بالمؤمنين ولا بالطيب من الرزق، والثاني: العطاء الشرعي، وهو ما يعطاه المؤمن من الرزق الحلال، وهو الرزق الخاص الذي ليس فيه تبعة، ويشمل أيضًا العطاء الشرعي ما ثبت إعطاؤه بمقتضى الشرع كإعطاء الفقراء من الزكاة مثلًا، وإعطاء الغانمين من الغنيمة، فهذا إيتاء شرعي، دليله قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر ٧]. إيتاء هنا هذا الإيتاء شرعي وإلا كوني؟
* الطلبة: شرعي.
* الشيخ: شرعي. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة ٥٩، ٦٠] إلى آخره، هذا أيضًا إيتاء شرعي.
إذن الرزق إما كوني وإما شرعي، فما كان للانتفاع في الدنيا أو ما كان به قوام الجسد فهو كوني، وما كان به قوام الروح والقلب أو كان بإذن من الشرع فهو شرعي. العلم والإيمان شرعي ولَّا كوني؟
* الطلبة: شرعي.
* الشيخ: هذا شرعي؛ لأن به قوام الروح والقلب.
وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ هذه لا شك أنها عائدة إلى مشيئة الله، الرزق لا يكون إلا بمشيئة الله، ولكن أتحسبون أن المشيئة مطلقة مجردة؟ لا، بل هي مربوطة بالحكمة، يعطي من يشاء لحكمة ويمنع من يشاء لحكمة، والدليل على أن كلما أثبت الله به المشيئة فهو مقرون بالحكمة قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]. فلا يشاء إلا ما اقتضت الحكمة مشيئته.
وقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قلنا: إنه لا بد أن يكون مقرونًا بالحكمة.
﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: بغير مكافئة، يُطعِم ولا يُطعَم، يَرزق ولا يُرزق، ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ [الذاريات ٥٧، ٥٨] بخلاف غيره فإنه قد يُعطي ليُعطى، أليس كذلك؟ أما الله عز وجل فإنه يُعطي لا ليعطى، بل يرزق بغير حساب أي: بلا مكافأة، لا يطلب من أحد مكافأة، وأما الحساب على ما أعطاه الله من الرزق مما اكتسبه، وأين أنفقه، وما أشبه ذلك، فإن هذا سوف يكون، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر ٨] فصار الحساب المراد به هنا أيش؟ المكافأة؛ يعني لا يحاسب خلقًا ليكافِئوه، ولكن يحاسبهم لينظر أو ليعلم عز وجل ماذا أنفقوا فيما أعطاهم.
في هذه الآيات فوائد وأظننا نبدأ من قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ ولَّا لا؟
* من فوائد هذه الآيات:
أولًا: تعظيم هذه القصة؛ لأن الله أمر رسوله أن يبينها للناس، إذ إن التقدير: اذكر إذ قالت امرأة عمران.
من فوائدها أيضًا: جواز النذر في الأمر المجهول لقولها: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. فهل يعني ينبني على ذلك أن يقول القائل: لله عليَّ نذر أن أتصدق بما في بطن هذه الشاة، أو هذه البعير وينفذ النذر.
* ومن فوائد الآية: جواز تصدق المرأة بدون إذن زوجها، وجهه؟ أنها نذرت التحرر أو تحرير هذا الولد بدون إذن الزوج، فإن قال قائل: ما دليلكم على أنه بدون إذن زوجها، أفلا يمكن أن تكون استأذنت؟
الجواب: بلى، لكنه لم يُذكر، فإن قال قائل: عدم الذكر ليس ذِكرًا للعدم. فرق بين أن أسكت عن الشيء وبين أن أنفي الشيء؛ نفي الشيء ذكر لعدمه، لكن السكوت عنه ليس ذكرًا للعدم. قلنا: نقول هذا ليس في كل مكان، بل نقول: هذا فيما إذا كان هناك نصوص عامة، ثم ادعى أحد إخراجها أو تقييدها أو ما أشبه ذلك، هذا هو الذي نقول له: عدم الذكر ليس ذكرًا للعدم، وأما إذا جاءت قصة مرسَلة ولم يذكر فيها قيود فالأصل أيش؟
* الطلبة: عدم القيد.
* الشيخ: الأصل عدم القيد، وقد جاءت الشريعة الإسلامية مؤيدة لهذا؛ أي: أن المرأة تتصرف في مالها حرة؛ دليله: «أن الرسول ﷺ لَمَّا خَطَبَ النِّسَاءَ يَوْمَ الْعِيدِ وَقَالَ:«يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ» فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ مِنَ الْخَوَاتِمِ وَالْخُرُوصِ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠) واللفظ للبخاري من حديث أبي سعيد الخدري. ]]. فهل قال النبي ﷺ: استأذن أزواجكن؟ وهل قلن: سنستأذن؟ لا.
خذ أيضًا من القرآن: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء ٤] طبن مَنْ؟
* الطلبة: النساء.
* الشيخ: النساء، كلوه هنيئًا مريئًا؛ إذن المرأة حرة تتصرف، وليس لزوجها أن يمنعها من أي تصرف شاءت، اللهم إلا في مسألة واحدة قد يُقال إنه يمنعها من التصرف مثل أن يشتري لها حُليًّا وثياب زينة تتجمل بهن له، فهنا ربما نقول: إن له أن يمنعها من التصرف في هذا الثياب وهذا الحلي من بيع أو هبة؛ لأن ذلك يضر بمقصوده، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: فهي الآن إذا باعت هذا الحلي وهذا الثياب الجميل، وخرجت على زوجها ليس شيء من الحلي، وعليها ثياب رديئة خلقة وسخة فهو بين أمرين: إما أن يعاشرها متكرِّهًا لها، وإما أن لا يرضى بهذه الحال، ثم تقول: يلَّا أعطني فيشتري لها، وإذا اشترى لها جاءتها امرأة ثانية تشكو إليها الحال قالت: خذي، تخرج عليه في اليوم الثاني ما عليها شيء، يتسلسل الأمر، ففي هذه الحال قد نقول: إن للزوج أن يمنعها من التصرف فيما أعطاها؛ لأن ذلك مضر به إما ماليًّا وإما متعة.
من فوائد الآية الكريمة: أن الولد يخدم والده من أم أو أب، توافقون على هذا؟
* الطلبة: نعم، إي نعم.
* الشيخ: كيف؟
* الطلبة: لأنها قالت: نذرته.
* الشيخ: لأنها قالت: نذرته محررًا؛ يعني محررًا من الخدمة بحيث لا أستخدمه ولا أستغل حياته.
من فوائد الآية الكريمة: طرد الإعجاب بالنفس، وذلك بأن الإنسان إذا عمل عملًا لا يُدل به على الله يقول: أنا عملت أنا عملت، بل يعمل ويشعر أنه مفتقر إلى الله عز وجل في قبول ذلك العمل، ولهذا قالت: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ وقال إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة ١٢٧]. والإنسان إذا علم أنه مفتقر إلى ربه عز وجل في العمل وفي قبول العمل زال عنه الإعجاب، وإذا زال عنه الإعجاب صار حريًّا بأن الله تعالى يقبل منه ويثيبه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع والعليم، وقد سبق لنا الكلام على السميع وما يدل عليه من الصفة، وأنه يكون بمعنى استجابة الدعاء، وبمعنى إدراك المسموع، وأما العليم فسبقت أيضًا، العليم هو إدراك الشيء على ما هو عليه، فمن لم يدرك فليس بعالم، ومن أدركه على خلاف ما هو عليه فليس بعالم، والأول: جاهل بسيط، والثاني: جاهل مركب، وأيهما أحسن حالًا؟
* الطلبة: البسيط.
* الشيخ: البسيط، البسيط أحسن حالًا من المركب؛ لأن المركب يجهل، ويجهل أنه يجهل، فيبقى كأنه عالم وهو جاهل، لكن البسيط يقول: أنا ما أعلم جاهل، ونضرب لهذا مثلًا: سأل رجل آخر فقال: أخبرني متى كانت غزوة بدر؟ فقال: على الخبير سقطت ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر ١٤] غزوة بدر كانت في السنة السادسة من الهجرة في شهر ذي القعدة، وأيش تقولون لهذا؟
* الطلبة: هذا جهل مركب.
* الشيخ: هذا جهل مركب، هو يقول: على الخبير سقطت ولا ينبئك مثل خبير؟ وهذا أيضًا من جهله.
* طالب: فليراجع!
* الشيخ: على كل حال هذا جاهل مركب. والثاني سألناه فقال: لا أدري، هذا جاهل بسيط، الثاني: إذا قلنا له إنها في الثانية في رمضان قبل؛ لأنه ليس عنده ما يعارض به، لكن هذاك الأول يعارض يقول: أبدًا، أنا متأكد وأنا خبير بالموضوع.
ويُذكر أن رجلًا يقال له: (توما) ويلقب نفسه بالحكيم، قال فيه الشاعر على لسان حماره، له حمار يركبه:
قَـــــــــالَ حِمَـــــــارُ الْحَكِيـــــــــمِتومَــــــــــــــــــــــــــــا ∗∗∗ لَـــــوْ أَنْصَـــــفَ الدَّهْـــــرُ كُنْـــــتُأَرْكَـــــــــــــبْ؎لِأَنَّنِـــــــــــــــــيجَاهِــــــــــــــــــــــــــــــلٌ بَسِيـــــــــــــــطٌ ∗∗∗ وَصَاحِبِـــــــــــــــيجَاهِــــــــــــــــــــــــــــــلٌ مُرَكَّـــــــــــــبْ
الحمار يقول: لو أنصف الدهر، على كل حال الحمار ما هو طيّب الكلام منه هذا، يقول: لو أنصف الدهر كنت أنا اللي أركب؛ لأنني جاهل بسيط وصاحبي جاهل مركب، ومن جهل (توما) ما أشار إليه الشاعر بقوله:
وَمَـــــــنْ رَامَ الْعُلُـــــــومَ بِغَيْـــــــرِشَيْـــــــــــــــخٍ ∗∗∗ يَضِـــــــلُّ عَـــــــنِ الصِّـــــــرَاطِالْمُسْتَقِيــــــــــــمِ؎وَتَلْتَبِـــــسُ الْعُلُـــــومُ عَلَيْــــــــــهِحَتَّــــــــــــــــى ∗∗∗ يَكُـــــونَ أَضَـــــلَّ مِـــــنْ تومَـــــاالْحَكِيـــــــــــمِ؎تَصَـــــدَّقَ بِالْبَنَـــــاتِ عَلَـــــىرِجَــــــــــــالٍ ∗∗∗ يُرِيـــــــدُ بِــــــــــــذَاكَ جَنَّــــــــــاتِالنَّعِيــــــــــــــــــــمِ
هذا علم ولَّا جهل؟
* الطلبة: جهل.
* الشيخ: جهل، البنات ما يتصدق بهن، البنات يزوجن بشروط معلومة ومهر ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء ٢٤] وأيش بعدها؟ ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ لا بد من المهر.
على كل حال العلم ذكرنا أنه إدراك الشيء على ما هو عليه، علم الله عز وجل واسع شامل، واسع شامل كامل، لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان، قال الله تعالى على لسان موسى: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥٢]، ﴿لَا يَضِلُّ﴾ يعني: لا يجهل، ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ ما علم، بل هو عز وجل عالم بما يكون لو كان كيف يكون، وعالم بما كان لا ينساه، وشامل لكل شيء، واقرأ -إن شئت- قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام ٥٩] أي ورقة تسقط، ولهذا جاءت (مِن) المؤكدة ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، هذا العموم العظيم والسعة والشمول يدل على كمال الله عز وجل.
ما ثمرة إيماننا بعلم الله وسمعه؟ ثمرة إيماننا بذلك عظيمة إذا آمنا به حق الإيمان، أما الأول فإننا إذا آمنَّا بأنه هو السميع بالمعنيين: الاستجابة والإدراك حذرنا أن نُسمعه ما لا يرضاه؛ لأنه يسمع، فنحذر أن نسمعه ما لا يرضاه، وإذا علمنا أنه سميع بمعنى (مُستجيب) ألححنا عليه في الدعاء، ومن كرمه جل وعلا أنه يحب الملحين في الدعاء، بل يأمر ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠] وينزل آخر الليل يقول: «مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرْنِي فَأَغْفِرَ لهُ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨ / ١٦٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، اللهم وفقنا. فالحاصل أن هذا من ثمرات الإيمان بالسميع.
﴿الْعَلِيم﴾ إذا آمنت به حق الإيمان خفت من أن يسمع لك قولًا، أو يرى لك فعلًا، أو يعلم منك ما ليس بقول ولا فعل كحديث النفس، تخشى من هذا كله؛ لأن الله يعلمه ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق ١٦، ١٧].
يقول الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأم تتكلف الحمل كما يُشعر به كلمة: ﴿وَضَعَتْهَا﴾ أنها حاملة لها، وهو كذلك لا شك أنها تتكلف بالحمل، وإذا قدرنا أن هذا الطفل الذي في بطنها سيبقى تسعة شهور وهي حاملة له في بطنها في أرق ما يكون من البدن قائمة وقاعدة ومستيقظة ونائمة، فماذا نتصور من التعب؟ ولهذا قال الله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف ١٥] ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان ١٤]. ثم مع ذلك هل هو مجمد هذا الطفل في البطن؟ لا، غير مجمد، يتحرك وهي تحس به، ولولا لطف الله بعباده ما استطاعت أن تحمل هذا، ولكن الله عز وجل يعينها.
فيتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى، وهي عظم حق الأم على ولدها؛ لأن من أحسن إليك وأتعبته كان أحق الناس ببرك، ولهذا جعلها النبي عليه الصلاة والسلام أحق الناس بحسن الصحبة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: اعتذار الإنسان لربه أو عند ربه إذا وقع الأمر خلاف ما أراد لقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ فإن هذا شبه اعتذار لقولها: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾، والأنثى لا تخدم المساجد عندهم؛ فلهذا اعتذرت.
ومن فوائدها: التوسل إلى الله تعالى بربوبيته، من أين يؤخذ؟ ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه من تمام البلاغة الاحتراز -أو بالسين إن شئت- الاحتراس عن كل موهم لأمر خطأ، الإنسان ينبغي أن يحترس عن كل موهم لأمر خطأ سواء كان في المقال أو في الفعال، من أين يؤخذ؟
* الطلبة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾.
* الشيخ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، على القراءتين، على قراءة الضم واضح ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ . قلنا: إن الإنسان يعتذر سواء وقع منه ما يكون في المقال أو في الفِعال، في المقال كما رأيتم، في الفِعال مثل: «قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا خَرَجَ بِصَفِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا يَقْلِبُهَا حِينَ جَاءَتْ إِلَيْهِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، وَتَحَدَّثَتْ مَعَهُ فَقَامَتْ، خَرَجَتْ بِاللَّيْلِ فَخَرَجَ بِهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَإِذَا بِرَجُلَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ يَمُرَّانِ فَأَسْرَعَا، فَقَالَ لَهُمَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ». فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ. يعني ما عندنا إشكال في الموضوع حتى تعتذر، فقال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خِفْتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا» أَوْ قَالَ: «شَيْئًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٣٥)، ومسلم (٢١٧٥ / ٢٤) من حديث صفية بنت حيي رضي الله عنها.]].
هذا صحيح، لا شك أن أبعد الناس عن سوء الظن هو الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا سيما من أصحابه لا يمكن أن يظنوا به سوء الظن، ومع ذلك خاف عليهم، خاف أن الشيطان يلقي في قلوبهما شرًّا أو شيئًا، وهذا ينبغي للإنسان أيضًا أن يدرأ الغِيبة عن نفسه ما استطاع، لا يقول: أنا ما أبالي بالناس، حسبنا الله ونعم الوكيل، هذا طيب، لكن افعل الأسباب التي تدرأ عنك الشر حتى لا يظن الناس بك سوءًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات التفضيل في أوصاف الله، ها؟
* الطلبة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾.
* الشيخ: ﴿أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ خلافًا لمن منع ذلك، وفسر أعلم بعالم؛ لأنه -في الواقع- فر من شيء ووقع في شر منه، إذا قال: عالم، فإنه لم يمنع الاشتراك، لا يمنع الاشتراك؛ لأنه عالم وغيره؟ عالم، فإذا قال: أعلم، مَنع الاشتراك، لأيش؟ لأن اسم التفضيل يقتضي أن يكون المفضل في القمة لا يساويه أحد، أليس كذلك؟
إذن أعلم أوْلى من عالم، بل نقول: إن الله قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠] يعني: الوصف الأكمل ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ هل تقول: لله المثل العلِي؟ ما يستقيم ﴿الْأَعْلَى﴾. هم يقولون: إذا قلت: أعلم، فإن المقارنة بين الشيئين: العالي والنازل تجعل العالي نازلًا كقول الشاعر:
أَلَـــــمْ تَـــــرَ أَنَّ السَّيْـــــفَيَنْقُـــــصُ قَـــــدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا
فنقول: هناك فرق بين اسم التفضيل بين شيئين يشتركان في الوصف أو في أصل الوصف، وبين اسم التفضيل في شيئين لا يشتركان، فالعصا ما فيه مضاء، وَلِهَذَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ مَا قُتِلَ بِهِ مِنَ الصَّيْدِ فَهُوَ وَقِيذٌ حَرَامٌ[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٥٤)، ومسلم (١٩٢٩ / ٣، ٤) بلفظ «إذا أصابَ بِحدّه فَكُلْ، وإذا أصابَ بعرْضِهِ فقَتَلَ، فلا تأكلْ؛ فإنّه وَقِيذٌ» من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.]]؛ لأنه لا يُنهر الدم ولا فيه مضاء، والسيف فيه مضاء، أنت لو جئت إلى إنسان زمن وإنسان شاب جلد سريع العدو، وقلت: فلان أسرع في عدوه من فلان، من الزمن، ينقص ولَّا ما ينقص؟
* الطلبة: ينقص.
* الشيخ: ينقص؛ لأن الزَّمِن ما عنده عدو، الزَّمِن معناه المشلول اللي ما يقدر يتحرك، يعني يسمونه الناس (محرول) أو (مقصمل) كلمة بمعنى هذا. على كل حال الصواب بلا شك أنه يجوز التفضيل في أوصاف الله ﴿أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾.
* الطالب: شيخ، بعض الناس يخلو بالمرأة وإذا قلنا له: هذا ما يجوز (...).
* الشيخ: سمعتم سؤاله؟ يقول: فيه ناس، يخلو بالمرأة وإذا قلنا له: هذا ما يجوز، قال: قلبي نظيف، الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٣٣)، ومسلم (١٣٤١ / ٤٢٤) واللفظ للبخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]]. وقال: «مَا خَلَا رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٦٥).]]. والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وهذا شيء مشاهَد محسوس حتى لو كان من الناس الملتزمين الطيبين إذا خلا بالمرأة فلا بد أن يُوقع الشيطان في قلبه شيئًا ولو كان نظيفًا، قل له إذا هو قال: قلبي نظيف. نقول: توسَّخ بهذه الخلوة.
* طالب: شيخ، يفهم من الآية أنه يجوز نذر المجهول، إذا نذر الإنسان نذر مجهولٍ، ثم تبين أنه لم يوجد شيء، ولم يأخذ شيئًا، فهل يلزمه بدله؟
* الشيخ: لا، ما يلزمه، لا يلزمه.
* الطالب: تؤخذ من الآية هذه ولَّا؟
* الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا حصل واقع.
* طالب: شيخ، حفظكم الله، تكلمنا عن الفوائد، تكلمنا من قبل، شيخ، ما يكون هذا خاص بشريعتهم؟
* الشيخ: سمعتم السؤال؟
* الطلبة: لا، ما سمعنا.
* الشيخ: يقول: الفوائد التي استفدناها من قصة مريم يمكن أن نبطلها بربع كلمة فنقول: هذا خاص، ما هو صحيح. الله عز وجل يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١] عبرة في كل شيء؛ فيما يفعلونه من الشرائع والمعاملات، وفيما يحصل عليهم من عقوبات الله عز وجل، في كل شيء، وإلا وأيش الفائدة من القصة.
* الطالب: من هذا يا شيخ يعني الريبة ما يفعله بعض إخواننا الدعاة.
* الشيخ: أيش، أعد السؤال.
* الطالب: أقول: بعض الدعاة يدخلون إلى أماكن الفجور وأماكن شرب الخمر بنية الدعوة إلى الله، فهل من هذا يا شيخ أنه يجب عليهم أن يدفعوا الريبة؟
* الشيخ: عن أيش؟
* الطالب: أن يدفعوا الريبة عن أنفسهم.
* الشيخ: إيه، لا، هم دخلوا يدعونهم وينهونهم عن المنكر؛ لأنه وأيش معنى ينهون عن المنكر بدون الدخول عليهم؟! لكن لو دخلوا مثلًا أماكن اللهو، ولا رُئي منهم مشاهدة الإنكار، ما رُئي منهم الإنكار يمكن يتهمون، أما ناس دخلوا إلى قوم يشربون الخمر وقال: يا عبادَ الله، اتقوا الله، هذا حرام لا يجوز، ما فيه شيء.
* طالب: ممكن يا شيخ (...).
* الشيخ: نعم، أحسنت إذا خِيف من هذه المفسدة لا يدخل، يكتبون رسائل ولَّا يدخلون في حال ليسوا موجودين ويقولون لصاحب المكان: احذر هذا الشيء.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، كيف تتصدق الزوجة بطفل، وهو ليس ملكًا لها ملك لزوجها؟
* الشيخ: وأيش قلنا يا جماعة؟
* طالب: استأثر.
* الشيخ: ما هو من حقها أن يخدمها؟
* الطالب: زوجها كذلك من حقه أن يخدمها.
* الشيخ: نعم، لا بأس من حقه أن يخدمها، لكن هي حررته من خدمتها هي، يعني فيما يتعلق بخدمتها حررته، أما ما لا تملكه ما تقدر عليه.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران ٣٨ - ٤١].
* الشيخ: قال: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ إلى آخره، في هذا دليل على استعمال الاحتراس في الكلام، أي: أن الإنسان إذا أتى بكلام يوهم وجب عليه أن يذكر احتراسًا يرفع فيه هذا الوهم من قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ على كلتا القراءتين، وكما يكون الاحتراس بالقول يكون الاحتراس بالفعل أيضًا، مثل أن يظهر الإنسان فعلًا مباحًا حلالًا فيخشى أن يتوهم الناس أنه فعل محرم فيأتي بما يدل على أنه فعل مباح، كما صنع النبي ﷺ حين مر به رجلان وهو يقلب صفية إلا بيتها فقال: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ».
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات كمال علم الله، وأنه فوق كل علم لقوله: ﴿أَعْلَمُ﴾ فإن اسم التفضيل يدل على اتصاف المفضل في أكمل الصفة التي فُضل بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يستوي الذكور والإناث ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾، لا في الطبيعة ولا في الأخلاق ولا في المعاملة، بل ولا في الأحكام في بعض الأحيان، الذَّكر ليس كالأنثى، وإذا كان الذكر ليس كالأنثى فالأنثى أيضًا ليست كالذكر.
* ومن فوائد الآية الكريمة:
ومن فوائد الآية الكريمة: تسمية المولود حين يولد؛ لقولها: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ [آل عمران 36]، وهذا هو السُّنَّة أن يسمَّى الإنسان حين يولد إلا إذا لم يتهيأ الاسم فإنه يسمى في اليوم السابع، وبهذا تجتمع الأدلة؛ فإن النبي ﷺ لما ولد إبراهيم قال: «وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ وَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ»[[أخرجه مسلم (٢٣١٥ / ٦٢) من حديث أنس بن مالك بلفظ: «وُلِدَ لي الليلةَ غلامٌ، فسمّيتُه باسم أبي إبراهِيم».]]، وفي حديث العقيقة قال: «تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ وَيُسَمَّى»[[أخرجه أبو داود (٢٨٣٨) والترمذي (١٥٢٢) من حديث سمرة بن جندب.]]، فيكون الجمع بين هذا وهذا أن من كان مهيئًا للاسم من قبل الولادة فالأفضل أن يسميه حال الولادة، ومن لم يهيئ فالأفضل أن يؤجله إلى اليوم السابع.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التسمية تعود للأم.
* طالب: لا.
* الشيخ: لأيش؟
* طالب: لأن هنا ليس (...).
* الشيخ: هي ما قالت: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾؟
* طالب: ليس له أب.
* الشيخ: كيف ما له أب، هذا له أب، فيه احتمال، لكن أقرب شيء أن يقال: إن في هذا دليلًا على جواز تصرف الفضول، أي أن الإنسان يتصرف في حق غيره فينفذ إذا وافق عليه الغير، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: أنتم عرفتم تصرف الفضول، مثلًا رجل باع ساعة رجل بدون إذنه فأجازه صاحب الساعة ووافق على البيع، نقول: هذا البيع صحيح؛ لأنه أجازه، فهنا يحتمل أن الاتفاق كان جاريًا بين الأم والأب في التسمية، أو أن الأم رأت أن الأب لا يعارض فسمّت، وإلا فالأصل أن التسمية تكون للأب؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وُلِدَ لِي وَلَدٌ وَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ»[[سبق تخريجه.]]، ولكن الأفضل أن لا يتنازع الأبوان في تسمية الولد، وأن يكون الاتفاق بينهما، أحيانًا تصر الأم أن يسمى ولدها بفلان أو ابنتها بفلانة، وأحيانًا يصر الأب على عكس ذلك، والذي ينبغي أن لا يكون هذا موضع نزاع بينهما، وأن يتفقا على الاسم، فإذا اختلفا يُرجع إلى أفضل الأسماء، لو قالت الأم: أنا أريد أن يسمى ابني على اسم جده واسم جده ناصر، وقال الأب: أنا أحب أن يسمى بعبد الله، فالحق للأب وأيضًا جانبه أرجح؛ لأن «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه مسلم (٢١٣٢ / ٢) والترمذي (٢٨٣٣) من حديث ابن عمر واللفظ له.]] ولكن عند النزاع وعدم المرجِّح من حيث التسمية لا شك أن الحق للأب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية إعاذة الإنسان أبناءه بالله عز وجل من الشيطان الرجيم ومن شر الخلق؛ لقولها: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: جواز الدعاء للمعدوم، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾؛ لأن ذريتها لم تأت بعد، فهي امرأة صغيرة طفلة، لكن يجوز أن يقال: أصلحك الله وذريتك، غفر الله لك ولذريتك، وما أشبه ذلك.
هل يقال: إن في هذه الآية كرامة لامرأة عمران؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: نعم، كيف؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: لا غير هذا، من قوله: ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾؛ فإنها توقعت أن يكون لها ذرية، فصار لها ذرية، توقعت أن يكون لها ذرية فصار لها ذرية وهو عيسى عليه الصلاة والسلام، وإلا فقد يقال: كيف تقول: ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾؟ هل هي على علم بأن هذه الطفلة ستبقى وسيكون لها أولاد؟ ليست على علم بلا شك، لكن كونها تقول هكذا جازمة بذلك فيأتي الأمر فيقع على حسب ما توقعت هذا نوع من الكرامات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان عدو لبني آدم، حيث يطلب الإنسان من الله عز وجل أن يعيذه منه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى على كل شيء، ومن ذلك الإجارة من الشيطان، وإلا لكان الاستعاذة به من الشيطان عبثًا.
ثم قال الله عز وجل: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ إلى آخره، من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل سميع قريب مجيب؛ لأنها دعت فسمعها الله، ولأنها دعت فأجابها الله، وفي القرآن الكريم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة ١٨٦].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الملاحدة الذين ينكرون وجود الرب، وجهه؟
* طالب: (...) الرد على الملاحدة.
* الشيخ: وأيش لون الرد على الملاحدة وأين الملاحدة؟
* الطالب: قولها إنك..
* الشيخ: لكن من ذكر الرد على الملاحدة؟
* الطالب: أنت الذي ذكرت.
* الشيخ: أنا؟
* الطالب: وجه الرد على الملاحدة لأنهم ينكرون وجود الله، فقالت: إنك سميع الدعاء، فلا يسمع الدعاء إلا موجود.
* الشيخ: أنا قلت هكذا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: أنا قلت فيه الرد على الملاحدة لقوله: إن ربي سميع الدعاء؟
* الطالب: قلت لنا: فيه رد على الملاحدة الذين ينكرون وجود الله ما قلت (...).
* الشيخ: طيب، من أين يؤخذ هذا؟
* الطالب: قولها إنك أنت سميع الدعاء.
* الشيخ: ما.. هذا سبق فين؟
* الطالب: ما قلت (...).
* الشيخ: لكن من أين؟ ها الآن أقول.
* الطالب: نأخذ (...) قولها: إنك أنت سميع الدعاء.
* الشيخ: ما ذكرت فيما قالت: ﴿سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، فيه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
* الطالب: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
* الشيخ: سبق هذا في درس مضى وأخذنا فوائده.
* الطالب: إي نعم نأخذ من قولها: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
* الشيخ: لا إله إلا الله.
* طالب: شيخ.
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: من قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾؛ لأنها لما دعت قال: ﴿فَتَقَبَّلَهَا﴾، والفاء هذه عاطفة تدل على السببية وعلى الترتيب والفورية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل منَّ على هذه الطفلة بشيئين: بالقبول الحسن، والنبات الحسن، فصار في ذلك تنمية لأخلاقها ولجسمها وبدنها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن تطور الإنسان في حياته بأمر الله؛ لقوله: ﴿أَنْبَتَهَا﴾، وما الغذاء والعناية بالطفل إلا سبب، والله تعالى هو المسبب وهو المكوِّن للإنسان والمنبت له.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد ييسر للإنسان من يكفله من أهل الخير فيكون ذلك من أسباب إعاذته من الشيطان الرجيم؛ لقوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: إثبات الحضانة للطفل، الدليل؟ قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾، هل يؤخذ من ذلك أن الكفالة تكون للأب دون الأم؟ الجواب: ليس بظاهر؛ لأنه قد يراد بالكفالة هنا كفالة التأديب والتربية وإيجاد النفقة دون القيام عليه بالحَضن، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأم طفل: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تُنْكَحِي»[[أخرجه أبو داود (٢٢٧٦) من حديث عبد الله بن عمرو. ]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الطفلة صارت من العابدات القانتات؛ لقوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد ييسر للإنسان من الرزق ما لا يكون في حسبانه؛ لقوله: ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن لكل ضَعف لطفًا، فهذه المرأة الضعيفة التي منّ الله عليها بالاشتغال بالعبادة يسر الله لها من يأتيها بالرزق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأشياء تضاف إلى الله وإن كان لها سبب؛ لقوله: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وإضافة الأشياء إلى أسبابها ليست إلا مجرد إضافة مسبَّب إلى سببه لا إلى موجِده، وإلا فإن الموجِد هو الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء لا يعلمون الغيب؛ لقوله: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾.
ومن فوائدها: إثبات أن الله عز وجل يرزق في غير مكافأة ولا انتظار لمكافأة؛ لقولها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
آل عمران 3:37
ثم قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران ٣٥] يعني: اذكر إذ قالت، وهذا التركيب موجود في القرآن كثيرًا، وإنما حذف العامل لدلالة السياق عليه، وتلك قاعدة مشهورة عند النحويين أشار إليها ابن مالك في الألفية فقال:
وَحَـــــذْفُ مَــا يُعْلَـــــمُ جَائِـــــزٌكَمَــــــــــا ∗∗∗ تَقُـــــولُ: زَيْـــــدٌ، بَعْـــــدَ مَـــــنْعِنْدَكُمَـــــا؟
فهنا العامل المحذوف معلوم بالسياق، اذكر إذ قالت، يعني: اذكر هذه الحال التي صدر فيها هذا القول من امرأة عمران ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾. مَن امرأة عمران؟
هي أم مريم؛ يعني جدة عيسى بن مريم. ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ [آل عمران ٣٥].
﴿رَبِّ﴾ منادى حذفت منه ياء النداء، وأصله: يا ربي، ولكن تحذف ياء النداء في مثل هذا التركيب اختصارًا لكثرة استعماله، وحذف منه ضمير المتكلم الياء، وأصله: ربي إني، حُذفت تخفيفًا.
وقولها: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ ﴿نَذَرْتُ﴾ بمعنى: التزمت أن يكون ما في بطني محررًا من خدمتي وتقيده بها ليكون خادمًا للمسجد؛ المسجد الأقصى، وكان من عادتهم أن يفعلوا ذلك؛ أي أن الإنسان منهم ينذر ولده ليكون قائمًا بخدمة المسجد الأقصى تعظيمًا له، فتقول: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. وقولها: ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ اسم موصول يفيد العموم، فيشمل ما لو وضعت واحدًا أو اثنين، وذكرًا أو أنثى.
فإذا قال قائل: كيف تقول إنه يشمل ما لو وضعت اثنين وهي تقول: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ ومحررًا واحد، ولم تقل: محررين؟
فالجواب: أن الأسماء الموصولة المشتركة -أي: التي تصلح للمفرد وغيره- يجوز فيها مراعاة لفظها بالإفراد، ومراعاة معناها بالإفراد إن كان مرادًا بها المفرد، والتثنية إن كان مرادًا بها المثنى، والجمع إن كان المراد بها الجمع مذكرًا كان أو مؤنثًا، وعليه فلا يمنع أن يكون قولها: ﴿مُحَرَّرًا﴾ أن يكون شاملًا لما تضعه ولو كانوا أكثر من واحد؛ لأنه أفرد باعتبار أيش؟ باعتبار اللفظ، وكذلك (مَن) الشرطية يجوز فيها مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى، ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ [التغابن ٩] باعتبار أيش؟
الإفراد هنا باعتبار اللفظ ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ذكره باعتبار اللفظ. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ باعتبار المعنى.
﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١] باعتبار اللفظ.
تقول: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ عام يشمل كل ما في بطنها من ذكور أو إناث، واحد أو متعدد، ﴿مُحَرَّرًا﴾ من أيش؟ من قيد خدمتي إلى خدمة المسجد الأقصى.
﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ يعني: تقبل مني هذا التقرب إليك بنذر هذا الحمل الذي نذرته ليقوم بخدمة بيتك.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ هذه الجملة استئنافية للتعليل؛ يعني أني سألتك أن تتقبل مني؛ لأنك السميع العليم، السميع تشمل هنا سمع الإدراك وسمع الإجابة، يعني أنك تسمع دعائي وتستجيبه، وقد مر علينا أن السميع من أسماء الله يتضمن سمع الإدراك وسمع الإجابة، وأن (سمع) تأتي بمعنى (استجاب) كما في قول المصلي: سمع الله لمن حمده، أي: استجاب، فهنا ﴿سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أيهما أنسب الإدراك أو الاستجابة؟
* الطلبة: الاستجابة.. يشمل الأمرين.
* الشيخ: يشمل الأمرين، لكن فائدة الداعي بماذا؟ بالاستجابة.
وقولها: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾ يعني: السامع لدعائي المستجيب له العليم بما يكون صالحًا، وبكل شيء، لكن ذِكر العلم هنا؛ لأن الإنسان قد يسأل الشيء وليس من صالحه حصوله فيسند الأمر إلى علم الله عز وجل.
ومن المعلوم أن الداعي إذا دعا فإنه يحصل له واحد من أمور ثلاثة؛ إما أن يستجيب الله له الدعاء، وإما أن يدخر له ذلك يوم القيمة، فيعطيه مثل ما دعا به، وإما أن يصرف عنه من السوء ما هو أعظم، هذا بالإضافة إلى أن الدعاء نفسه عبادة يُثاب عليه الإنسان. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ ولم يقل: فلما وضعته، مراعاة لأيش؟
* الطلبة: مراعاة للمعنى.
* الشيخ: مراعاة للمعنى؛ لأنها وضعت أنثى، فلما وضعتها، وكان قد نذرته محررًا بناءً على أنه ذكر، لما وضعتها اعتذرت لربها ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران ٣٦]، وهذا اعتذار منها إلى الله أنها وضعتها أنثى، والأنثى ليس من العادة أن تخدم المسجد فكأنها تعتذر من الله عز وجل من هذا النذر.
قال: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ وفي قراءة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ قراءة سبعية، ونفسرها على الوجهين؛ أما قولها: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ فقد علمتم أن الغرض من هذه الجملة أيش؟
* الطلبة: الاعتذار.
* الشيخ: الاعتذار لا إخبار الله بما وضعت؛ لأنه عالم عز وجل، هو الذي خلقها وهو الذي وضعت بإذنه وأمره، فالأمر لا يخفى عليه، لكن ذكرتها اعتذارًا، وعلى هذا فنقول على قراءة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ تكون الجملة من باب الاحتراس حتى لا يُظن بها أنها تعتقد أن الله لم يعلم، فقالت: رب إني وضعتها أنثى، والله أعلم بما وَضَعْتُ، فلست أخبر الله بأمر يخفى عنه، بل إني أؤمن بأنه عالم بما وضعت، هذا على قراءة ضم التاء، أما على قراءة السكون: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ فالكلام من الله، وفيه دفاع عن هذه المرأة بأن الله تعالى يعلم أنها لم تقل: ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ إخبارًا منها لله؛ لأنه سبحانه وتعالى زكَّاها بقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. هذا من وجه، من وجه آخر: ليبين عز وجل أن قولها: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ لا يعني أن الله لا يعلم بما وضعت، بل هو عالم وإن قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾.
و(أعلم) اسم تفضيل يدل على أن المفضل زائد على المفضل عليه في هذا الوصف، كما لو قلت: فلان أكرم من فلان معناه: أن هذا المفضل -وهو فلان- زائد في الكرم على المفضل عليه، فـ(أعلم) هنا يعني أعلم من كل أحد بما وضعت، ففيه إثبات العلم لله عز وجل مع الزيادة، وبهذا التقرير نعلم ضَعف قول من قال: إن اسم التفضيل هنا بمعنى اسم الفاعل، وأن معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ أي: والله عالم بما وضعت، فإن هذا القول لا شك قصور، قصور في تفسير كلام الله؛ لأن إثبات العلم بلا تفضيل أنقص من إثبات العلم مع التفضيل، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: لأنك إذا قلت: فلان عالم لا يمنع أن سيكون غيره مساويًا له في العلم، لكن إذا قلت: فلان أعلم من فلان صار فاضلًا غيره بالعلم، وغيره مفضولًا، ولا أعلم -سبحان الله- كيف يفر بعض العلماء من إثبات المفاضلة بين الله سبحانه وتعالى وبين خلقه مع أن المفاضلة لا تدل على أي نقص، بل اللفظ الذي يقتضي المشاركة هو الذي قد يحتمل النقص والمماثلة، لكن اللفظ الدال على المفاضلة ليس فيه نقص بوجه من الوجوه، فالله أعلم من كل أحد، سواء كان هذا العلم مقيدًا أو مطلقًا.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ فيه بحث؛ وهو أن (ما) اسم موصول، واسم الموصول يحتاج إلى عائد، فأين العائد؟ ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ أو: ﴿بِمَا وَضَعْتُ﴾ . السؤال مرة ثانية: إلى أين ذهبت في فكرك؟
* الطالب: (...) وضَعَتْ و(وَضَعْتُ) قراءة (...).
* الشيخ: إيه، يعني العائد محذوف، ضمير مفعول به محذوف، التقدير: ما وضَعْتُه أو بما وضَعَتْه على القراءتين.
قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ ليس الذكر كالأنثى، هل هذا من كلامها أو من كلام الله؟
أما على قراءة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ فالظاهر أنه من كلام الله، أن كونه من كلام الله أرجح؛ لأن قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ من كلام الله.
وأما على قراءة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ فإن كونه من كلامها أرجح لئلا تتشتت الجمل، ولنقرأ الآية: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ تكون الآن متسقة متناسقة، لكن إذا جعلنا ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ من كلام الله صار قوله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ متسقًا مع قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، ومن ثم اختلف العلماء هل هذه الجملة من كلام الله أو من كلام امرأة عمران؟
ونحن نقول: الاحتمال موجود، يعني احتمال الوجهين موجود بكل حال، لكن على قراءة: ﴿بِمَا وَضَعْتُ﴾ يترجح أنه من كلام من؟ امرأة عمران، وعلى قراءة: ﴿بِمَا وَضَعَتْ﴾ يترجح أنه من كلام الله عز وجل.
على كل حال في هذه الجملة بيان أن الذكر لا يماثل الأنثى، وكأن الإنسان يحدث نفسه ويقول: إن مقتضى الحال أن تكون العبارة: وليس الأنثى كالذكر؛ لأن العادة أن الأدنى هو الذي يُشبَّه بالأعلى، فهنا: ليس الأنثى كالذكر، أقرب إلى بادئ الرأي من: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾.
ولهذا ادعى بعض العلماء أن في التشبيه قلبًا، أن في التشبيه قلبًا، والتشبيه المقلوب أسلوب من أساليب اللغة العربية، ولا سيما عند الشعراء في العصور الوسطى حتى إن بعضهم يبالغ في التشبيه المقلوب حتى يقول:
وَبَــــــــــدَا الصَّبَــــــــــاحُكَــــــــــأَنَّ غُرَّتَـــــــــــــــهُ ∗∗∗ وَجْــــــــــهُ الْخَلِيفَــــــــــةِحِيــــــــــنَ يُمْتَـــــــــــــــدَحُ
الصباح الذي يملأ الأفق ويضيء الدنيا كأن غرته (بياضه) وجه الخليفة إذا امتدح، وأيش بياض الخليفة؟ يعني بياض وجهه. هذا من المبالغة الكريهة في الواقع، المهم أن بعضهم قال: إنه على تشبيه المقلوب، وبعضهم قال: إنه تشبيه على أصله ووضعه، فليس الذكر كالأنثى، وشرف الذكر على الأنثى يُعلم من أدلة أخرى، ومن قرائن أخرى، ولكن ليس الذكر في خدمته لبيت المقدس كالأنثى، أرفع (ولَّا) أدنى؟ أرفع.
* طالب: ما يفتح لنا أخبار (أبو مريم)؟
* الشيخ: أبو أيش؟
* الطالب: (...) أبو مريم.
* الشيخ: بينهما أزمنة متطاولة، وقد أورد هذا على الرسول ﷺ، قيل: مريم ابنت عمران، وهارون، لا، في قوله: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨]. فقال: إنما كانوا يسمون بأنبيائهم. امرأة مريم بنت عمران لا يمكن أن تكون أختًا لموسى بن عمران؛ لأن الرسول يقول: هارون ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ «أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمَّوْنَ بِأَسْمَائِهِمْ»[[أخرجه مسلم (٢١٣٥ / ٩) بلفظ: «إِنّهم كانوا يسمّون بأنبيائِهم والصالحينَ قَبلَهُم» من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.]] يعني وبينهم أزمنة كثيرة، وموسى بن عمران.
* الطالب: إي نعم، هي أخت هارون، بنت هارون، أخت هارون.
* الشيخ: أخت هارون غير أخت موسى.
* طالب: شيخ، أم مريم عليها السلام لما نذرت هل هناك سبب (...) الأنثى هكذا؟
* الشيخ: أبدًا، رغبة منهم في خدمة المسجد.
* الطالب: شيخ، قلنا: إنه العالمين (...) شيخ، وذكرنا كذلك أنه أشكل في قول الله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ من الدرس هذا؟
* الشيخ: إيه، نحن استشكلنا هذا؟
* الطالب: فضيلة الشيخ، لأنه هنا (...) الخلق (...).
* الشيخ: أحيانًا العام يخصصه قرينة الحال أو قرينة المقال؛ يعني قد تكون قرينة حالية أو لفظية، إن كانت لفظية فهي قرينة مقال، وإن كانت حالية فهي قرينة الحال، الله ذكر أنه فضل بني إسرائيل على العالمين، ومعلوم أن أمة محمد أفضل منهم، قال الله تعالى في بني إسرائيل: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان ٣٢]، فالمراد على عالمي زمانهم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران ٣٦ - ٣٩].
* الشيخ: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ يعني ليس الذكر مساويًا للأنثى، وإذا انتفت مساواة الذكر للأنثى انتفت مساواة الأنثى للذكر؛ لأن التساوي يكون بين شيئين، فإذا انتفت المساواة في أحدهما لزم أن تكون منتفية في الآخر، فلا سواء بين الذكر والأنثى، بل لكل واحد منهما ميزاته وخصائصه؛ الأنثى تفوق الرجل في شيء، والرجل يفوق الأنثى في شيء، لكن الغالب أن الصالح لخدمة المساجد هو الرجل؛ لأنه أقوى وأذكى وأعقل وأدوم في العمل، الأنثى إذا حاضت مثلًا ما تستطيع أن تخدم المسجد؛ لأنها سوف تخرج منه ما تجلس، هذا إن كانت شريعتهم كشريعتنا، وأيضًا الأنثى لا تتحمل من الأعمال ما هو مشق، بل هي أضعف من الرجل، وإن كانت قد يكون عندها من الجلَد والصبر أكثر من مما عند الرجل في معاناة الأشخاص لا في معاناة المصائب، فإن المرأة في معاناة المصائب أدنى بكثير من الرجل كما هو معروف، قال: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ تقولها من؟ تقولها أمها: إني سميتها مريم، وهذا الاسم إما أن يكون مشهورًا عندهم أو أنها اختارته لأمر يريده الله عز وجل.
على كل حال لا أستطيع أن أعلل لماذا اختارت هذا الاسم؛ لأن هذه قضية عين، والله أعلم ما هو السبب أنها اختارت هذا الاسم. قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾ أعيذها أي: أستجير بك لها؛ لأن الاستعاذة معناها الاستجارة، الاستعاذة: الاستجارة من أمر مكروه، ولهذا نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ونستعيذ بالله من عذاب جهنم وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، قالوا: -أي أهل اللغة- العياذ من المكروه، واللياذ في رجاء المحبوب، اللياذ في رجاء المحبوب، وأنشدوا على ذلك قول الشاعر:
يَــا مَـــــــــنْ أَلُــــــــوذُ بِــــــــهِفِيمَــــــــا أُؤَمِّلُـــــــــــــــــــهُ ∗∗∗ وَمَـــــــــنْ أَعُـــــــــوذُ بِـــــــــهِمِمَّـــــــــا أُحَـــــــــــــــاذِرُهُ؎لَا يَجْبُـــــرُ النَّـــاسُ عَظْمًـــــا أَنْــتَكَاسِــــــرُهُ ∗∗∗ وَلَا يُهِيضُـــــونَ عَظْمًــــــا أَنْــــتَجَابِـــــــــرُهُ
هو يخاطب ملكًا من الملوك، وهذا الوصف لا يليق إلا بالله عز وجل، لكن الشعراء يتبعهم الغاوون. إذن أعيذها بك من الشيطان الرجيم يعني: أستجير بك لها من الشيطان الرجيم، والشيطان هو أبو الجن كما قال الله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف ٥٠].
وهنا نقول: شيطان من (شَطَن) أو من (شاط)؟
قولان؛ فمنهم من قال: إنه من (شَطَن) أي: بعد، ومنهم من قال: من (شاط) أي: غضب؛ لأن طبيعة الشيطان الغضب والسرعة وعدم التأني، وهو أيضًا قد بعد من رحمة الله، ولكن الظاهر أنه من (شَطَنَ)، وأن النون أصلية؛ ولذلك لا يمنع من الصرف. وقوله: ﴿الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ الرجيم: بمعنى المرجوم، وأصل الرجم القذف بالحجارة، ومنه: رجم الزاني، وعلى هذا فيكون في الكلام استعارة؛ أي: أننا استعرنا الرجم بالحجارة الدال على إبعاد المرجوم للمبعد المطرود، فالرجيم هنا (فَعِيل) بمعنى (مَفْعول) أي: مطرود مبعد عن رحمة الله عز وجل. ومن العلماء من قال: إن الرجم يأتي بمعنى الطرد حقيقة لا استعارة. وعلى كل حال، فإذا اتضح المعنى فسواء كان الرجم استعارة أو كان أصليًّا حقيقة.
﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وإنما استعاذت بالله لها من الشيطان الرجيم؛ لأن الشيطان الرجيم مبعد عن رحمة الله، والمبعد عن الرحمة يريد أن يبعد كل إنسان عن الرحمة لا سيما بنو آدم؛ لأن بني آدم أعداء للشيطان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر ٦]، فهو عدو، والعدو لا يريد من عدوه إلا ما فيه هلاكه، ولهذا استعاذت بربها عز وجل لهذه الأنثى من الشيطان الرجيم لئلا يغويها ويضلها، قال الله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء ٦٠].
يقول: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ لم يكن لها ذرية إلا واحد، مَنْ؟
* الطلبة: عيسى بن مريم.
* الشيخ: عيسى بن مريم، وهل لعيسى ذرية؟ الله أعلم، قد يكون له ذرية، وقد لا يكون، لكن مهما كان هي قالت: ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾ بناءً على أي شيء؟ بناء على الأصل والغالب، الأصل والغالب أن الأنثى تتزوج ويكون لها ذرية، ولكن الله سبحانه وتعالى أراد لهذه المرأة شيئًا آخر.
قال الله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾. (تقبَّل) قال أهل اللغة: بمعنى قَبِل، ولهذا قال: قَبول، ولم يقل: تَقَبُّل، فتقبلها بقبول، ولم يقل: بتقبل، والمصدر الموافق لتقبلها: (تقبُّل)، أما (قبول) فهو في هذا الموضع اسم مصدر وليس بمصدر كقوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح ١٧] ولم يقل: إنباتًا، لكن هل (تقبَّل) و(قبِل) بمعنى واحد، أو أن في (تقبَّل) شدة عناية ومبالغة؟
قولان، وما أكثر القولين؛ قول: أن (تقبل) بمعنى قبل، كتعجب بمعنى عجب، وتبرأ بمعنى برئ، تقول: تبرأ من فلان بمعنى برئ منه، وقول ثان: أن (تقبل) أبلغ من (قبل)، وعلَّلوا ذلك بعلة الغالبية؛ وهي أن الغالب أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، كيف زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى؟ يعني إذا جعلت البيت طابقين صار أكثر من الطابق الواحد؟ نعم، هو صحيح، الطابق الواحد يسع مئة نفر مثلًا، الطابقين؟
* الطلبة: مئتين.
* الشيخ: مئتين، لكن هم لا يريدون هذا، يريدون أن زيادة بنية الكلمة تدل على زيادة معناها، وهذا -كما مر علينا كثيرًا- ليس مطردًا بل هذا هو الغالب، وقد يكون الأمر بالعكس، كنَمل ونملة، وشَجَر وشجرة، وبَقَر وبقرة، أيهم أكثر؟ الزائد أو الناقص؟
* الطلبة: الناقص.
* الشيخ: الناقص أكثر. ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾ الرب: بمعنى الخالق المالك المدبر، هذا رب بالنسبة لله عز وجل، إذا أضيفت الربوبية إلى الله عز وجل فهذا معناها؛ أنه الخالق فلا خالق غيره، المالك فلا مالك غيره، المدبر فلا مدبر غيره، وهذا النفي باعتبار الإطلاق، فلا خالق على سبيل الإطلاق إلا الله، وإذا أضيف الخلق إلى غيره فإنما هو باعتبار التغيير والتصيير لا باعتبار الأصل، فخلق الباب من الخشبة ليس أصليًّا، بل هو تغيير وتصيير، صيَّر الخشبة بابًا فخلقه، لكن أصل هذه الخشبة من الذي خلقه؟ الله عز وجل، ولا يستطيع أحد من الخلق أن يخلق خشبة واحدة ولا غصن شجرة، المالِك على الإطلاق، وإضافة الملك لغير الله إضافة جزئية وإلا فقد قال الله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦]، فأضاف الملك إلى الإنسان، وقال تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور ٦١] فأضافه أيضًا إلى الإنسان، لكن هذا الملك مقيد غاية التقييد. المدبِّر كذلك، التدبير على الإطلاق هو لله عز وجل، أما الإنسان فإنه وإن أضيف إلى التدبير فهو تدبير خاص محصور، على كل حال الرب المضاف إلى الله أيش معناه؟ الخالق المالك المدبر. ربوبية الله نوعان: عامة وخاصة، ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وما فيهن، هذه عامة، خاصة: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢] وهنا ﴿رَبُّهَا﴾ من العامة ولَّا الخاصة؟
* الطلبة: الخاصة.
* الشيخ: الخاصة، من الخاصة، واعلم أن كل خاص من الربوبية والمعية والسمع والبصر وما أشبه ذلك ممن قال العلماء إنه ينقسم إلى عام وخاص أن الخاص يتضمن العام والعكس، فكل من كان الله ربه على وجه الخصوص فهو ربه على وجه العموم، وكل من كان الله معه على وجه الخصوص فهو معه على وجه العموم، وكل من سمعه الله على وجه الخصوص فقد سمعه على وجه العموم، وهلم جرًّا، وهنا أضاف الربوبية إلى مريم؛ لأنه عز وجل تقبلها هذا القبول الحسن ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ والقبولُ من الله الحسَنُ أنه سبحانه وتعالى يسرها لليسرى، وسهل أمرها، وجعلها من خيرة نساء العالمين حتى ألحقها بالرجال في صلاحهم فقال: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢]. وتأمل أنه قال: ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ ولم يقل: من القانتات؛ لأنه كما جاء في الحديث: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤١١) ومسلم (٢٤٣١ / ٧٠) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]. ولم يكمل من النساء إلا عدد قليل لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.
إذن نقول: إن هذا القبول هو ما حصل لها من الرفعة عند الله عز وجل وتيسير الأمور والذكرى الحسنة وغير ذلك مما أفاض الله عليها من نعمه.
﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ هذا ﴿أَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ قد يعود إلى المعنى، وقد يعود إلى الحس، قد يعود إلى المعنى فيكون ﴿أَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ يعني في كمال الآداب والعفة والحشمة وغير ذلك، وقد يكون ﴿أَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ باعتبار الجسم يعني بمعنى أنه نمَّاها تنمية جيدة لم يتعثر فيها جسمها حتى إن بعضهم -ولعلها من الإسرائيليات- قال: إنها تنمو في العام ما ينموه غيرها في عامين. فالله أعلم، إنما يكفي من ذلك أن الله أنبتها نباتًا حسنًا، لو لم يكن من ذلك إلا أنه سلَّمها من الأمراض المؤذية المتعبة لكان هذا كافيًا، المهم أن الله سبحانه وتعالى تقبلها بقبول حسن، وأنبتها نباتًا حسنًا معنويًّا وحسيًّا.
﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ هذا أيضًا من التيسير، أن الله يسر لها من يكفلها من الرسل، ولا شك أن الإنسان إذا كان عند كافل مستقيم صالح كان هذا من أسباب صلاحه واستقامته، وإذا كان عند فاسق كان بالعكس، ولهذا قال العلماء: لا يجوز أن يُترك المحضون -الطفل المحضون- بيد شخص لا يصونه ولا يصلحه.
قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ هذه القراءة المعروفة اللي في المصحف، وتكون (كفَّل) ناصبة لمفعولين، أحدهما: (الهاء)، والثاني: (زكريا)، وهذا الفعل من أخوات (كان) ولَّا من أخوات (كسا)؟
* الطلبة: كسا.
* الشيخ: ما الذي أعلمكم بأنه من أخوات (كسا)؟
* الطلبة: نصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
* الشيخ: ولكن اسمحوا لي، هذا ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فإذا وجدت فعلًا ناصبًا مفعولين لا يصح أن يكون مبتدأ وخبرًا فاعلم أنه من باب (كسا)، وهنا لو قلت: هي زكريا، يستقيم المعنى ولَّا لا؟
* الطلبة: لا يستقيم.
* الشيخ: لا يستقيم. وفي قراءة: ﴿كَفَّلَهَا زَكَرِيَّاء﴾ والفرق بينهما: أن القراءة الأولى بألف مقصورة والثانية بألف ممدودة.
فيها قراءة ثالثة: ﴿وكَفَلَها زَكَرِيَّا﴾ ﴿كَفَلَهَا﴾ على أن زكريا فاعل.
في قراءة رابعة: ﴿وكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءُ﴾ على أنه فاعل أيضًا، لكن الفرق بين هذه والتي قبلها أيش؟ القصر والمد، فصار زكريا الآن تمد وتقصر، وكفل تخفف وتشدد، والإعراب على حسب الوضع.
﴿كَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ وهنا سؤال هل زكريا منصرف أو غير منصرف؟
* الطلبة: غير منصرف.
* الشيخ: إيه ممنوع من الصرف، لماذا؟
* الطلبة: للعلمية والعجمة.
* الشيخ: للعلمية والعجمة، ما رأيكم لو وُجدت العجمة بدون علمية؟ ينصرف؟
* طالب: نعم، ينصرف.
* الشيخ: عجمة بدون علمية ينصرف؟
* الطالب: نعم ينصرف، كيف؟
* الشيخ: تكون كلمة أعجمية لكن ما هي علم؟
* الطالب: ينصرف.
* الشيخ: لأنه لا بد من علتين: العلمية والعجمة، ولهذا قال عليّ لشريح: قَالُونٌ، فَنوَّن، ومعنى قالون: (جيِّد) في اللغة الرومية.
إذن نقول: زكريا علم أعجمي فهو ممنوع من الصرف. ما معنى ﴿كفَلَها﴾ أي: صار كافلًا لها. ﴿وَكفَّلَهَا﴾ أي: جعل كفيلها زكريا.
﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ أو ﴿زَكَرِيَّاءُ﴾ ؟
* الطلبة: قراءتان.
* الشيخ: قراءتان. ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّاءُ الْمِحْرَابَ﴾ ، ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران ٣٧]. كلما دخل المحراب عليها، والمحراب (مِفْعَال) من الحرب، وهو مكان العبادة، وليس المحراب هو طاق القبلة كما هو عند الناس، ورأيت في بعض المساجد مكتوب على طاق القبلة على القوس: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ فيجعلون الإمام مريم وهم لا يشعرون، ويخطئون أيضًا في اللفظ؛ لأن المحراب قلت: مكان العبادة، سواء كان طاقًا، وسواء كان مقوسًا، أو مربعًا أو حجرة؛ حتى الحجرة التي يتعبد فيها الإنسان محراب، ولهذا قال الله تعالى في قصة داود: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص ٢١] يعني (...) المحراب: مكان يتعبد فيه، قالوا: فهو (مِفْعال) من الحرب، وسمي بذلك؛ لأن المتعبد فيه يحارب مَنْ؟
* الطلبة: الشيطان.
* الشيخ: الشيطان؛ ولذلك سمي مِحرابًا.
﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ وهي امرأة منقطعة للعبادة دائمًا في محرابها ويجد عندها رزقًا، والرزق هنا ما يقوم به البدن؛ يعني رزقًا تأكله ليقوم بدنها وتحفظ حياتها، هذا الرزق ما هو؟
قال بعض المفسرين وهو من الإسرائيليات: «يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء »[[أخرجه الطبري في التفسير (٥ / ٣٥٦) من حديث ابن عباس موقوفًا بلفظ: وَجَدَ عندَهَا ثِمارَ الجنّةِ، فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشّتَاءِ وفاكِهَةَ الشّتَاءِ في الصَّيْف.]]. وسبحان الله، ما هذا الداعي هذا؟! إذا وجد عندها فاكهة الصيف في الصيف أو فاكهة الشتاء في الشتاء وهي امرأة متعبدة منقطعة للعبادة فهو آية، لأيش نروح نجيب البرتقال وقت القيظ، والعنب وقت الشتاء؟! ما هو لازم، فلذلك نقول: كلمة رزق ما يقوم به البدن، وليكن فاكهة أو طعامًا أو تمرًا، أو أي شيء آخر. المهم أنه يجد عندها رزقًا تتقوت به، وهذا من الآيات، كيف امرأة متعبدة منقطعة للعبادة يوجد عندها الرزق؟!
﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ أي من أين لك هذا؟! وخاطبها بقوله: ﴿يَا مَرْيَمُ﴾ إشارة إلى أنها في حال لا تقتضي أن يكون عندها ذلك؛ لأنها امرأة لا تكتسب، امرأة منقطعة للعبادة، والمنقطع للعبادة ولو كان ذكرًا قد لا يتيسر له الرزق، ولهذا ناداها باسمها قال: ﴿يَا مَرْيَمُ﴾ يعني انتبهي أيتها الأنثى، كيف يجيكِ هذا الرزق؟! ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾، فكان جوابها جوابًا عجيبًا: ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. وكلمة ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لا يلزم أن يكون الله تعالى ينزلها من السماء إليها، بل قد يكون ذلك بتسخير الله لها من يأتي لها بذلك الرزق، ولا يلزم أن يكون ينزل من السماء أو يأتي به جبريل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل ٩٦] فيمكن أن هذا الرزق يأتيها على حسب الطبيعة، لكن أيضًا تسخير الله لها من يأتيه بها لا شك أنه من معونة الله وكرامة الله لها.
* طالب: شيخ، زكريا هل هو من محارِم مريم عليها السلام؟
* الشيخ: ما هو بالظاهر، الظاهر أنه ما هو من محارمها، لكنه زوج أختها.
* الطالب: زوج الأخت (...) في شريعتهم؟
* الشيخ: لا، ما أعرف عن شريعتهم، ما هو يحيى بن زكريا وعيسى رآهما النبي عليه الصلاة والسلام ليلة المعراج وقال: «هُمَا ابْنَا الْخَالَةِ»[[أخرجه البخاري (٣٨٨٧) من حديث مالك بن صعصعة.]].
* طالب: شيخ، قلنا يا شيخ: إن امرأة عمران لما وضعتها قالت: ربي إني وضعتها أنثى، فيكون هذا فيه من الإلزام أن المرأة يعني ما هي مثل الرجل في القيام على المسجد، طيب المرأة يا شيخ، يعني هل يجوز لها أن (...)؟
* الشيخ: أولا أن الحديث الذي أشرت إليه اختلف فيه الرواة، فبعضهم قال: إنه رجل، وبعضهم قال: إنها امرأة، ومعلوم أن خدمة المرأة للمسجد متهيئة أكثر في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الرجال مشتغلون بتحصيل الرزق، ولو أن أحدًا من الرجال خدم المسجد لكان أقوى منها خدمة، لكن كما قلت لكم في أثناء الدرس اليوم: المرأة قد تكون أصبر من الرجل من وجه آخر؛ لأن عندها من الجلد أكثر مما عند الرجل، الرجل قوي وده كل شيء يتم بسرعة، والمرأة ربما تعطي مهلة أكثر.
* الطالب: يا شيخ، بالنسبة للمحراب يعني إذا كان داخل المسجد؟
* الشيخ: وأيش المحراب داخل المسجد؟! اللي عندنا داخل المسجد؟
* الطالب: لا يا شيخ، يعني: اللي يقدر صاحب (...) أن يطلع (...) المحاريب، هل يقصد هذا؟
* الشيخ: إي نعم، يقصد هذا.
* الطالب: كانت أولًا بالبيوت أو بالمساجد؟
* الشيخ: لا لا، كانت في المساجد وليست أيضًا من عهد قديم، في عهد الرسول ﷺ ما فيه محاريب، فيه منبر، وما فيه محاريب.
* الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، بعضهم الآن يا شيخ يبدع المحاريب، يقولون: إنها بدعة؟
* الشيخ: ما هو صحيح؛ لأن بعض الناس لا يفهمون معنى البِدعة من السنة؛ لأنهم لا يفرقون بين الوسيلة وبين ما قُصد بعينه، فالمسلمون الذين أقروها من مئات السنين علماء أجلاء أبعد عن البدعة من هؤلاء، عرفوا أنهم لم يتخذوها ليتعبدوا لله باتخاذها، لكن ليدلوا المسلمين على اتجاه القبلة، لو أن عاميًّا دخل ولا في المسجد محراب وين يتجه؟ وأنا رأيت بعيني أول ما جاءت الفرش في الرياض؛ الفرَّاش الذي فرشها كان فيها في الأول صورة محاريب، أما تذكرون؟
* الطلبة: موجودة إلى الآن. إلى الآن موجودة.
* الشيخ: فيها صورة محاريب، فرشها الفراش وجاء وجه المحراب خلف القبلة بالعكس، فدخل الرجل وشاف المحراب ما راح قبلة المسجد، كبر وخلّى يصلي وراءها، إذن فيها فائدة، فهي مقصودة لغيرها لا لذاتها، المسلمون لا يقولون: فعلناها اتباعًا لرسول الله ﷺ، أو فعلناها تقربًا إلى الله، يقولون: فعلناها ليستدل بها الجاهل على القبلة.
* * *
* طالب: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران ٣٨ - ٤١].
* الشيخ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ إن الله يرزق، الرزق بمعنى العطاء، والعطاء ينقسم إلى قسمين: عطاء كوني، وعطاء شرعي؛ فالعطاء الكوني ما يرزق الله به سائر الحيوان؛ الإنسان والحيوان؛ الحلال والحرام، هذا عطاء أيش؟
* الطلبة: كوني.
* الشيخ: كوني، لا يختص بالمؤمنين ولا بالطيب من الرزق، والثاني: العطاء الشرعي، وهو ما يعطاه المؤمن من الرزق الحلال، وهو الرزق الخاص الذي ليس فيه تبعة، ويشمل أيضًا العطاء الشرعي ما ثبت إعطاؤه بمقتضى الشرع كإعطاء الفقراء من الزكاة مثلًا، وإعطاء الغانمين من الغنيمة، فهذا إيتاء شرعي، دليله قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر ٧]. إيتاء هنا هذا الإيتاء شرعي وإلا كوني؟
* الطلبة: شرعي.
* الشيخ: شرعي. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة ٥٩، ٦٠] إلى آخره، هذا أيضًا إيتاء شرعي.
إذن الرزق إما كوني وإما شرعي، فما كان للانتفاع في الدنيا أو ما كان به قوام الجسد فهو كوني، وما كان به قوام الروح والقلب أو كان بإذن من الشرع فهو شرعي. العلم والإيمان شرعي ولَّا كوني؟
* الطلبة: شرعي.
* الشيخ: هذا شرعي؛ لأن به قوام الروح والقلب.
وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ هذه لا شك أنها عائدة إلى مشيئة الله، الرزق لا يكون إلا بمشيئة الله، ولكن أتحسبون أن المشيئة مطلقة مجردة؟ لا، بل هي مربوطة بالحكمة، يعطي من يشاء لحكمة ويمنع من يشاء لحكمة، والدليل على أن كلما أثبت الله به المشيئة فهو مقرون بالحكمة قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]. فلا يشاء إلا ما اقتضت الحكمة مشيئته.
وقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قلنا: إنه لا بد أن يكون مقرونًا بالحكمة.
﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: بغير مكافئة، يُطعِم ولا يُطعَم، يَرزق ولا يُرزق، ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ [الذاريات ٥٧، ٥٨] بخلاف غيره فإنه قد يُعطي ليُعطى، أليس كذلك؟ أما الله عز وجل فإنه يُعطي لا ليعطى، بل يرزق بغير حساب أي: بلا مكافأة، لا يطلب من أحد مكافأة، وأما الحساب على ما أعطاه الله من الرزق مما اكتسبه، وأين أنفقه، وما أشبه ذلك، فإن هذا سوف يكون، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر ٨] فصار الحساب المراد به هنا أيش؟ المكافأة؛ يعني لا يحاسب خلقًا ليكافِئوه، ولكن يحاسبهم لينظر أو ليعلم عز وجل ماذا أنفقوا فيما أعطاهم.
في هذه الآيات فوائد وأظننا نبدأ من قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ ولَّا لا؟
* من فوائد هذه الآيات:
أولًا: تعظيم هذه القصة؛ لأن الله أمر رسوله أن يبينها للناس، إذ إن التقدير: اذكر إذ قالت امرأة عمران.
من فوائدها أيضًا: جواز النذر في الأمر المجهول لقولها: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. فهل يعني ينبني على ذلك أن يقول القائل: لله عليَّ نذر أن أتصدق بما في بطن هذه الشاة، أو هذه البعير وينفذ النذر.
* ومن فوائد الآية: جواز تصدق المرأة بدون إذن زوجها، وجهه؟ أنها نذرت التحرر أو تحرير هذا الولد بدون إذن الزوج، فإن قال قائل: ما دليلكم على أنه بدون إذن زوجها، أفلا يمكن أن تكون استأذنت؟
الجواب: بلى، لكنه لم يُذكر، فإن قال قائل: عدم الذكر ليس ذِكرًا للعدم. فرق بين أن أسكت عن الشيء وبين أن أنفي الشيء؛ نفي الشيء ذكر لعدمه، لكن السكوت عنه ليس ذكرًا للعدم. قلنا: نقول هذا ليس في كل مكان، بل نقول: هذا فيما إذا كان هناك نصوص عامة، ثم ادعى أحد إخراجها أو تقييدها أو ما أشبه ذلك، هذا هو الذي نقول له: عدم الذكر ليس ذكرًا للعدم، وأما إذا جاءت قصة مرسَلة ولم يذكر فيها قيود فالأصل أيش؟
* الطلبة: عدم القيد.
* الشيخ: الأصل عدم القيد، وقد جاءت الشريعة الإسلامية مؤيدة لهذا؛ أي: أن المرأة تتصرف في مالها حرة؛ دليله: «أن الرسول ﷺ لَمَّا خَطَبَ النِّسَاءَ يَوْمَ الْعِيدِ وَقَالَ:«يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ» فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ مِنَ الْخَوَاتِمِ وَالْخُرُوصِ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠) واللفظ للبخاري من حديث أبي سعيد الخدري. ]]. فهل قال النبي ﷺ: استأذن أزواجكن؟ وهل قلن: سنستأذن؟ لا.
خذ أيضًا من القرآن: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء ٤] طبن مَنْ؟
* الطلبة: النساء.
* الشيخ: النساء، كلوه هنيئًا مريئًا؛ إذن المرأة حرة تتصرف، وليس لزوجها أن يمنعها من أي تصرف شاءت، اللهم إلا في مسألة واحدة قد يُقال إنه يمنعها من التصرف مثل أن يشتري لها حُليًّا وثياب زينة تتجمل بهن له، فهنا ربما نقول: إن له أن يمنعها من التصرف في هذا الثياب وهذا الحلي من بيع أو هبة؛ لأن ذلك يضر بمقصوده، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: فهي الآن إذا باعت هذا الحلي وهذا الثياب الجميل، وخرجت على زوجها ليس شيء من الحلي، وعليها ثياب رديئة خلقة وسخة فهو بين أمرين: إما أن يعاشرها متكرِّهًا لها، وإما أن لا يرضى بهذه الحال، ثم تقول: يلَّا أعطني فيشتري لها، وإذا اشترى لها جاءتها امرأة ثانية تشكو إليها الحال قالت: خذي، تخرج عليه في اليوم الثاني ما عليها شيء، يتسلسل الأمر، ففي هذه الحال قد نقول: إن للزوج أن يمنعها من التصرف فيما أعطاها؛ لأن ذلك مضر به إما ماليًّا وإما متعة.
من فوائد الآية الكريمة: أن الولد يخدم والده من أم أو أب، توافقون على هذا؟
* الطلبة: نعم، إي نعم.
* الشيخ: كيف؟
* الطلبة: لأنها قالت: نذرته.
* الشيخ: لأنها قالت: نذرته محررًا؛ يعني محررًا من الخدمة بحيث لا أستخدمه ولا أستغل حياته.
من فوائد الآية الكريمة: طرد الإعجاب بالنفس، وذلك بأن الإنسان إذا عمل عملًا لا يُدل به على الله يقول: أنا عملت أنا عملت، بل يعمل ويشعر أنه مفتقر إلى الله عز وجل في قبول ذلك العمل، ولهذا قالت: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ وقال إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة ١٢٧]. والإنسان إذا علم أنه مفتقر إلى ربه عز وجل في العمل وفي قبول العمل زال عنه الإعجاب، وإذا زال عنه الإعجاب صار حريًّا بأن الله تعالى يقبل منه ويثيبه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع والعليم، وقد سبق لنا الكلام على السميع وما يدل عليه من الصفة، وأنه يكون بمعنى استجابة الدعاء، وبمعنى إدراك المسموع، وأما العليم فسبقت أيضًا، العليم هو إدراك الشيء على ما هو عليه، فمن لم يدرك فليس بعالم، ومن أدركه على خلاف ما هو عليه فليس بعالم، والأول: جاهل بسيط، والثاني: جاهل مركب، وأيهما أحسن حالًا؟
* الطلبة: البسيط.
* الشيخ: البسيط، البسيط أحسن حالًا من المركب؛ لأن المركب يجهل، ويجهل أنه يجهل، فيبقى كأنه عالم وهو جاهل، لكن البسيط يقول: أنا ما أعلم جاهل، ونضرب لهذا مثلًا: سأل رجل آخر فقال: أخبرني متى كانت غزوة بدر؟ فقال: على الخبير سقطت ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر ١٤] غزوة بدر كانت في السنة السادسة من الهجرة في شهر ذي القعدة، وأيش تقولون لهذا؟
* الطلبة: هذا جهل مركب.
* الشيخ: هذا جهل مركب، هو يقول: على الخبير سقطت ولا ينبئك مثل خبير؟ وهذا أيضًا من جهله.
* طالب: فليراجع!
* الشيخ: على كل حال هذا جاهل مركب. والثاني سألناه فقال: لا أدري، هذا جاهل بسيط، الثاني: إذا قلنا له إنها في الثانية في رمضان قبل؛ لأنه ليس عنده ما يعارض به، لكن هذاك الأول يعارض يقول: أبدًا، أنا متأكد وأنا خبير بالموضوع.
ويُذكر أن رجلًا يقال له: (توما) ويلقب نفسه بالحكيم، قال فيه الشاعر على لسان حماره، له حمار يركبه:
قَـــــــــالَ حِمَـــــــارُ الْحَكِيـــــــــمِتومَــــــــــــــــــــــــــــا ∗∗∗ لَـــــوْ أَنْصَـــــفَ الدَّهْـــــرُ كُنْـــــتُأَرْكَـــــــــــــبْ؎لِأَنَّنِـــــــــــــــــيجَاهِــــــــــــــــــــــــــــــلٌ بَسِيـــــــــــــــطٌ ∗∗∗ وَصَاحِبِـــــــــــــــيجَاهِــــــــــــــــــــــــــــــلٌ مُرَكَّـــــــــــــبْ
الحمار يقول: لو أنصف الدهر، على كل حال الحمار ما هو طيّب الكلام منه هذا، يقول: لو أنصف الدهر كنت أنا اللي أركب؛ لأنني جاهل بسيط وصاحبي جاهل مركب، ومن جهل (توما) ما أشار إليه الشاعر بقوله:
وَمَـــــــنْ رَامَ الْعُلُـــــــومَ بِغَيْـــــــرِشَيْـــــــــــــــخٍ ∗∗∗ يَضِـــــــلُّ عَـــــــنِ الصِّـــــــرَاطِالْمُسْتَقِيــــــــــــمِ؎وَتَلْتَبِـــــسُ الْعُلُـــــومُ عَلَيْــــــــــهِحَتَّــــــــــــــــى ∗∗∗ يَكُـــــونَ أَضَـــــلَّ مِـــــنْ تومَـــــاالْحَكِيـــــــــــمِ؎تَصَـــــدَّقَ بِالْبَنَـــــاتِ عَلَـــــىرِجَــــــــــــالٍ ∗∗∗ يُرِيـــــــدُ بِــــــــــــذَاكَ جَنَّــــــــــاتِالنَّعِيــــــــــــــــــــمِ
هذا علم ولَّا جهل؟
* الطلبة: جهل.
* الشيخ: جهل، البنات ما يتصدق بهن، البنات يزوجن بشروط معلومة ومهر ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء ٢٤] وأيش بعدها؟ ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ لا بد من المهر.
على كل حال العلم ذكرنا أنه إدراك الشيء على ما هو عليه، علم الله عز وجل واسع شامل، واسع شامل كامل، لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان، قال الله تعالى على لسان موسى: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥٢]، ﴿لَا يَضِلُّ﴾ يعني: لا يجهل، ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ ما علم، بل هو عز وجل عالم بما يكون لو كان كيف يكون، وعالم بما كان لا ينساه، وشامل لكل شيء، واقرأ -إن شئت- قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام ٥٩] أي ورقة تسقط، ولهذا جاءت (مِن) المؤكدة ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، هذا العموم العظيم والسعة والشمول يدل على كمال الله عز وجل.
ما ثمرة إيماننا بعلم الله وسمعه؟ ثمرة إيماننا بذلك عظيمة إذا آمنا به حق الإيمان، أما الأول فإننا إذا آمنَّا بأنه هو السميع بالمعنيين: الاستجابة والإدراك حذرنا أن نُسمعه ما لا يرضاه؛ لأنه يسمع، فنحذر أن نسمعه ما لا يرضاه، وإذا علمنا أنه سميع بمعنى (مُستجيب) ألححنا عليه في الدعاء، ومن كرمه جل وعلا أنه يحب الملحين في الدعاء، بل يأمر ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠] وينزل آخر الليل يقول: «مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرْنِي فَأَغْفِرَ لهُ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨ / ١٦٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، اللهم وفقنا. فالحاصل أن هذا من ثمرات الإيمان بالسميع.
﴿الْعَلِيم﴾ إذا آمنت به حق الإيمان خفت من أن يسمع لك قولًا، أو يرى لك فعلًا، أو يعلم منك ما ليس بقول ولا فعل كحديث النفس، تخشى من هذا كله؛ لأن الله يعلمه ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق ١٦، ١٧].
يقول الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأم تتكلف الحمل كما يُشعر به كلمة: ﴿وَضَعَتْهَا﴾ أنها حاملة لها، وهو كذلك لا شك أنها تتكلف بالحمل، وإذا قدرنا أن هذا الطفل الذي في بطنها سيبقى تسعة شهور وهي حاملة له في بطنها في أرق ما يكون من البدن قائمة وقاعدة ومستيقظة ونائمة، فماذا نتصور من التعب؟ ولهذا قال الله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف ١٥] ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان ١٤]. ثم مع ذلك هل هو مجمد هذا الطفل في البطن؟ لا، غير مجمد، يتحرك وهي تحس به، ولولا لطف الله بعباده ما استطاعت أن تحمل هذا، ولكن الله عز وجل يعينها.
فيتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى، وهي عظم حق الأم على ولدها؛ لأن من أحسن إليك وأتعبته كان أحق الناس ببرك، ولهذا جعلها النبي عليه الصلاة والسلام أحق الناس بحسن الصحبة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: اعتذار الإنسان لربه أو عند ربه إذا وقع الأمر خلاف ما أراد لقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ فإن هذا شبه اعتذار لقولها: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾، والأنثى لا تخدم المساجد عندهم؛ فلهذا اعتذرت.
ومن فوائدها: التوسل إلى الله تعالى بربوبيته، من أين يؤخذ؟ ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه من تمام البلاغة الاحتراز -أو بالسين إن شئت- الاحتراس عن كل موهم لأمر خطأ، الإنسان ينبغي أن يحترس عن كل موهم لأمر خطأ سواء كان في المقال أو في الفعال، من أين يؤخذ؟
* الطلبة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾.
* الشيخ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، على القراءتين، على قراءة الضم واضح ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ . قلنا: إن الإنسان يعتذر سواء وقع منه ما يكون في المقال أو في الفِعال، في المقال كما رأيتم، في الفِعال مثل: «قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا خَرَجَ بِصَفِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا يَقْلِبُهَا حِينَ جَاءَتْ إِلَيْهِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، وَتَحَدَّثَتْ مَعَهُ فَقَامَتْ، خَرَجَتْ بِاللَّيْلِ فَخَرَجَ بِهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَإِذَا بِرَجُلَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ يَمُرَّانِ فَأَسْرَعَا، فَقَالَ لَهُمَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ». فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ. يعني ما عندنا إشكال في الموضوع حتى تعتذر، فقال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خِفْتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا» أَوْ قَالَ: «شَيْئًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٣٥)، ومسلم (٢١٧٥ / ٢٤) من حديث صفية بنت حيي رضي الله عنها.]].
هذا صحيح، لا شك أن أبعد الناس عن سوء الظن هو الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا سيما من أصحابه لا يمكن أن يظنوا به سوء الظن، ومع ذلك خاف عليهم، خاف أن الشيطان يلقي في قلوبهما شرًّا أو شيئًا، وهذا ينبغي للإنسان أيضًا أن يدرأ الغِيبة عن نفسه ما استطاع، لا يقول: أنا ما أبالي بالناس، حسبنا الله ونعم الوكيل، هذا طيب، لكن افعل الأسباب التي تدرأ عنك الشر حتى لا يظن الناس بك سوءًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات التفضيل في أوصاف الله، ها؟
* الطلبة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾.
* الشيخ: ﴿أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ خلافًا لمن منع ذلك، وفسر أعلم بعالم؛ لأنه -في الواقع- فر من شيء ووقع في شر منه، إذا قال: عالم، فإنه لم يمنع الاشتراك، لا يمنع الاشتراك؛ لأنه عالم وغيره؟ عالم، فإذا قال: أعلم، مَنع الاشتراك، لأيش؟ لأن اسم التفضيل يقتضي أن يكون المفضل في القمة لا يساويه أحد، أليس كذلك؟
إذن أعلم أوْلى من عالم، بل نقول: إن الله قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠] يعني: الوصف الأكمل ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ هل تقول: لله المثل العلِي؟ ما يستقيم ﴿الْأَعْلَى﴾. هم يقولون: إذا قلت: أعلم، فإن المقارنة بين الشيئين: العالي والنازل تجعل العالي نازلًا كقول الشاعر:
أَلَـــــمْ تَـــــرَ أَنَّ السَّيْـــــفَيَنْقُـــــصُ قَـــــدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا
فنقول: هناك فرق بين اسم التفضيل بين شيئين يشتركان في الوصف أو في أصل الوصف، وبين اسم التفضيل في شيئين لا يشتركان، فالعصا ما فيه مضاء، وَلِهَذَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ مَا قُتِلَ بِهِ مِنَ الصَّيْدِ فَهُوَ وَقِيذٌ حَرَامٌ[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٥٤)، ومسلم (١٩٢٩ / ٣، ٤) بلفظ «إذا أصابَ بِحدّه فَكُلْ، وإذا أصابَ بعرْضِهِ فقَتَلَ، فلا تأكلْ؛ فإنّه وَقِيذٌ» من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.]]؛ لأنه لا يُنهر الدم ولا فيه مضاء، والسيف فيه مضاء، أنت لو جئت إلى إنسان زمن وإنسان شاب جلد سريع العدو، وقلت: فلان أسرع في عدوه من فلان، من الزمن، ينقص ولَّا ما ينقص؟
* الطلبة: ينقص.
* الشيخ: ينقص؛ لأن الزَّمِن ما عنده عدو، الزَّمِن معناه المشلول اللي ما يقدر يتحرك، يعني يسمونه الناس (محرول) أو (مقصمل) كلمة بمعنى هذا. على كل حال الصواب بلا شك أنه يجوز التفضيل في أوصاف الله ﴿أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾.
* الطالب: شيخ، بعض الناس يخلو بالمرأة وإذا قلنا له: هذا ما يجوز (...).
* الشيخ: سمعتم سؤاله؟ يقول: فيه ناس، يخلو بالمرأة وإذا قلنا له: هذا ما يجوز، قال: قلبي نظيف، الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٣٣)، ومسلم (١٣٤١ / ٤٢٤) واللفظ للبخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]]. وقال: «مَا خَلَا رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٦٥).]]. والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وهذا شيء مشاهَد محسوس حتى لو كان من الناس الملتزمين الطيبين إذا خلا بالمرأة فلا بد أن يُوقع الشيطان في قلبه شيئًا ولو كان نظيفًا، قل له إذا هو قال: قلبي نظيف. نقول: توسَّخ بهذه الخلوة.
* طالب: شيخ، يفهم من الآية أنه يجوز نذر المجهول، إذا نذر الإنسان نذر مجهولٍ، ثم تبين أنه لم يوجد شيء، ولم يأخذ شيئًا، فهل يلزمه بدله؟
* الشيخ: لا، ما يلزمه، لا يلزمه.
* الطالب: تؤخذ من الآية هذه ولَّا؟
* الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا حصل واقع.
* طالب: شيخ، حفظكم الله، تكلمنا عن الفوائد، تكلمنا من قبل، شيخ، ما يكون هذا خاص بشريعتهم؟
* الشيخ: سمعتم السؤال؟
* الطلبة: لا، ما سمعنا.
* الشيخ: يقول: الفوائد التي استفدناها من قصة مريم يمكن أن نبطلها بربع كلمة فنقول: هذا خاص، ما هو صحيح. الله عز وجل يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١] عبرة في كل شيء؛ فيما يفعلونه من الشرائع والمعاملات، وفيما يحصل عليهم من عقوبات الله عز وجل، في كل شيء، وإلا وأيش الفائدة من القصة.
* الطالب: من هذا يا شيخ يعني الريبة ما يفعله بعض إخواننا الدعاة.
* الشيخ: أيش، أعد السؤال.
* الطالب: أقول: بعض الدعاة يدخلون إلى أماكن الفجور وأماكن شرب الخمر بنية الدعوة إلى الله، فهل من هذا يا شيخ أنه يجب عليهم أن يدفعوا الريبة؟
* الشيخ: عن أيش؟
* الطالب: أن يدفعوا الريبة عن أنفسهم.
* الشيخ: إيه، لا، هم دخلوا يدعونهم وينهونهم عن المنكر؛ لأنه وأيش معنى ينهون عن المنكر بدون الدخول عليهم؟! لكن لو دخلوا مثلًا أماكن اللهو، ولا رُئي منهم مشاهدة الإنكار، ما رُئي منهم الإنكار يمكن يتهمون، أما ناس دخلوا إلى قوم يشربون الخمر وقال: يا عبادَ الله، اتقوا الله، هذا حرام لا يجوز، ما فيه شيء.
* طالب: ممكن يا شيخ (...).
* الشيخ: نعم، أحسنت إذا خِيف من هذه المفسدة لا يدخل، يكتبون رسائل ولَّا يدخلون في حال ليسوا موجودين ويقولون لصاحب المكان: احذر هذا الشيء.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، كيف تتصدق الزوجة بطفل، وهو ليس ملكًا لها ملك لزوجها؟
* الشيخ: وأيش قلنا يا جماعة؟
* طالب: استأثر.
* الشيخ: ما هو من حقها أن يخدمها؟
* الطالب: زوجها كذلك من حقه أن يخدمها.
* الشيخ: نعم، لا بأس من حقه أن يخدمها، لكن هي حررته من خدمتها هي، يعني فيما يتعلق بخدمتها حررته، أما ما لا تملكه ما تقدر عليه.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران ٣٨ - ٤١].
* الشيخ: قال: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ إلى آخره، في هذا دليل على استعمال الاحتراس في الكلام، أي: أن الإنسان إذا أتى بكلام يوهم وجب عليه أن يذكر احتراسًا يرفع فيه هذا الوهم من قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ على كلتا القراءتين، وكما يكون الاحتراس بالقول يكون الاحتراس بالفعل أيضًا، مثل أن يظهر الإنسان فعلًا مباحًا حلالًا فيخشى أن يتوهم الناس أنه فعل محرم فيأتي بما يدل على أنه فعل مباح، كما صنع النبي ﷺ حين مر به رجلان وهو يقلب صفية إلا بيتها فقال: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ».
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات كمال علم الله، وأنه فوق كل علم لقوله: ﴿أَعْلَمُ﴾ فإن اسم التفضيل يدل على اتصاف المفضل في أكمل الصفة التي فُضل بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يستوي الذكور والإناث ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾، لا في الطبيعة ولا في الأخلاق ولا في المعاملة، بل ولا في الأحكام في بعض الأحيان، الذَّكر ليس كالأنثى، وإذا كان الذكر ليس كالأنثى فالأنثى أيضًا ليست كالذكر.
* ومن فوائد الآية الكريمة:
ومن فوائد الآية الكريمة: تسمية المولود حين يولد؛ لقولها: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ [آل عمران 36]، وهذا هو السُّنَّة أن يسمَّى الإنسان حين يولد إلا إذا لم يتهيأ الاسم فإنه يسمى في اليوم السابع، وبهذا تجتمع الأدلة؛ فإن النبي ﷺ لما ولد إبراهيم قال: «وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ وَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ»[[أخرجه مسلم (٢٣١٥ / ٦٢) من حديث أنس بن مالك بلفظ: «وُلِدَ لي الليلةَ غلامٌ، فسمّيتُه باسم أبي إبراهِيم».]]، وفي حديث العقيقة قال: «تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ وَيُسَمَّى»[[أخرجه أبو داود (٢٨٣٨) والترمذي (١٥٢٢) من حديث سمرة بن جندب.]]، فيكون الجمع بين هذا وهذا أن من كان مهيئًا للاسم من قبل الولادة فالأفضل أن يسميه حال الولادة، ومن لم يهيئ فالأفضل أن يؤجله إلى اليوم السابع.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التسمية تعود للأم.
* طالب: لا.
* الشيخ: لأيش؟
* طالب: لأن هنا ليس (...).
* الشيخ: هي ما قالت: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾؟
* طالب: ليس له أب.
* الشيخ: كيف ما له أب، هذا له أب، فيه احتمال، لكن أقرب شيء أن يقال: إن في هذا دليلًا على جواز تصرف الفضول، أي أن الإنسان يتصرف في حق غيره فينفذ إذا وافق عليه الغير، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: أنتم عرفتم تصرف الفضول، مثلًا رجل باع ساعة رجل بدون إذنه فأجازه صاحب الساعة ووافق على البيع، نقول: هذا البيع صحيح؛ لأنه أجازه، فهنا يحتمل أن الاتفاق كان جاريًا بين الأم والأب في التسمية، أو أن الأم رأت أن الأب لا يعارض فسمّت، وإلا فالأصل أن التسمية تكون للأب؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وُلِدَ لِي وَلَدٌ وَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ»[[سبق تخريجه.]]، ولكن الأفضل أن لا يتنازع الأبوان في تسمية الولد، وأن يكون الاتفاق بينهما، أحيانًا تصر الأم أن يسمى ولدها بفلان أو ابنتها بفلانة، وأحيانًا يصر الأب على عكس ذلك، والذي ينبغي أن لا يكون هذا موضع نزاع بينهما، وأن يتفقا على الاسم، فإذا اختلفا يُرجع إلى أفضل الأسماء، لو قالت الأم: أنا أريد أن يسمى ابني على اسم جده واسم جده ناصر، وقال الأب: أنا أحب أن يسمى بعبد الله، فالحق للأب وأيضًا جانبه أرجح؛ لأن «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه مسلم (٢١٣٢ / ٢) والترمذي (٢٨٣٣) من حديث ابن عمر واللفظ له.]] ولكن عند النزاع وعدم المرجِّح من حيث التسمية لا شك أن الحق للأب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية إعاذة الإنسان أبناءه بالله عز وجل من الشيطان الرجيم ومن شر الخلق؛ لقولها: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: جواز الدعاء للمعدوم، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾؛ لأن ذريتها لم تأت بعد، فهي امرأة صغيرة طفلة، لكن يجوز أن يقال: أصلحك الله وذريتك، غفر الله لك ولذريتك، وما أشبه ذلك.
هل يقال: إن في هذه الآية كرامة لامرأة عمران؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: نعم، كيف؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: لا غير هذا، من قوله: ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾؛ فإنها توقعت أن يكون لها ذرية، فصار لها ذرية، توقعت أن يكون لها ذرية فصار لها ذرية وهو عيسى عليه الصلاة والسلام، وإلا فقد يقال: كيف تقول: ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾؟ هل هي على علم بأن هذه الطفلة ستبقى وسيكون لها أولاد؟ ليست على علم بلا شك، لكن كونها تقول هكذا جازمة بذلك فيأتي الأمر فيقع على حسب ما توقعت هذا نوع من الكرامات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان عدو لبني آدم، حيث يطلب الإنسان من الله عز وجل أن يعيذه منه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى على كل شيء، ومن ذلك الإجارة من الشيطان، وإلا لكان الاستعاذة به من الشيطان عبثًا.
ثم قال الله عز وجل: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ إلى آخره، من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل سميع قريب مجيب؛ لأنها دعت فسمعها الله، ولأنها دعت فأجابها الله، وفي القرآن الكريم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة ١٨٦].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الملاحدة الذين ينكرون وجود الرب، وجهه؟
* طالب: (...) الرد على الملاحدة.
* الشيخ: وأيش لون الرد على الملاحدة وأين الملاحدة؟
* الطالب: قولها إنك..
* الشيخ: لكن من ذكر الرد على الملاحدة؟
* الطالب: أنت الذي ذكرت.
* الشيخ: أنا؟
* الطالب: وجه الرد على الملاحدة لأنهم ينكرون وجود الله، فقالت: إنك سميع الدعاء، فلا يسمع الدعاء إلا موجود.
* الشيخ: أنا قلت هكذا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: أنا قلت فيه الرد على الملاحدة لقوله: إن ربي سميع الدعاء؟
* الطالب: قلت لنا: فيه رد على الملاحدة الذين ينكرون وجود الله ما قلت (...).
* الشيخ: طيب، من أين يؤخذ هذا؟
* الطالب: قولها إنك أنت سميع الدعاء.
* الشيخ: ما.. هذا سبق فين؟
* الطالب: ما قلت (...).
* الشيخ: لكن من أين؟ ها الآن أقول.
* الطالب: نأخذ (...) قولها: إنك أنت سميع الدعاء.
* الشيخ: ما ذكرت فيما قالت: ﴿سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، فيه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
* الطالب: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
* الشيخ: سبق هذا في درس مضى وأخذنا فوائده.
* الطالب: إي نعم نأخذ من قولها: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
* الشيخ: لا إله إلا الله.
* طالب: شيخ.
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: من قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾؛ لأنها لما دعت قال: ﴿فَتَقَبَّلَهَا﴾، والفاء هذه عاطفة تدل على السببية وعلى الترتيب والفورية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل منَّ على هذه الطفلة بشيئين: بالقبول الحسن، والنبات الحسن، فصار في ذلك تنمية لأخلاقها ولجسمها وبدنها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن تطور الإنسان في حياته بأمر الله؛ لقوله: ﴿أَنْبَتَهَا﴾، وما الغذاء والعناية بالطفل إلا سبب، والله تعالى هو المسبب وهو المكوِّن للإنسان والمنبت له.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد ييسر للإنسان من يكفله من أهل الخير فيكون ذلك من أسباب إعاذته من الشيطان الرجيم؛ لقوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: إثبات الحضانة للطفل، الدليل؟ قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾، هل يؤخذ من ذلك أن الكفالة تكون للأب دون الأم؟ الجواب: ليس بظاهر؛ لأنه قد يراد بالكفالة هنا كفالة التأديب والتربية وإيجاد النفقة دون القيام عليه بالحَضن، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأم طفل: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تُنْكَحِي»[[أخرجه أبو داود (٢٢٧٦) من حديث عبد الله بن عمرو. ]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الطفلة صارت من العابدات القانتات؛ لقوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد ييسر للإنسان من الرزق ما لا يكون في حسبانه؛ لقوله: ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن لكل ضَعف لطفًا، فهذه المرأة الضعيفة التي منّ الله عليها بالاشتغال بالعبادة يسر الله لها من يأتيها بالرزق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأشياء تضاف إلى الله وإن كان لها سبب؛ لقوله: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وإضافة الأشياء إلى أسبابها ليست إلا مجرد إضافة مسبَّب إلى سببه لا إلى موجِده، وإلا فإن الموجِد هو الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء لا يعلمون الغيب؛ لقوله: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾.
ومن فوائدها: إثبات أن الله عز وجل يرزق في غير مكافأة ولا انتظار لمكافأة؛ لقولها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
آل عمران 3:38
ثم قال الله عز وجل: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران 38]، وهذا مبتدأ الدرس.
﴿هُنَالِكَ﴾ هذه اسم إشارة إلى المكان، واللام يقولون: إنها للبعد، والكاف حرف خطاب، يعني: في ذلك الزمن، والإشارة هنا يحتمل أن تكون للزمن، أي في ذلك الزمان، أو في المكان الذي هو محراب مريم. ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك المكان وفي ذلك الزمان. ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾، و﴿زَكَرِيَّا﴾ فيها قراءتان: المد والقصر؛ ﴿زَكَرِيَّاءُ رَبَّهُ﴾ هذا مد، ﴿زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ هذا القصر.
﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾، ﴿هَبْ لِي﴾: أعطني، والهبة هي التبرع بالشيء بلا عوض، لكن قال العلماء: إن هناك هبة وهدية وصدقة، كم؟ ثلاثة أشياء، فالصدقة: ما أريد به ثواب الآخرة، والهدية: ما أريد به التودد والتقرب بين المهدِي والمهدَى إليه، والهبة: ما قُصِد به مجرد انتفاع الموهوب له، وهنا ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي﴾ أي: أعطني عطاء بلا ثمن.
﴿مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾، ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾: من عندك، وأضافه إلى عندية الله عز وجل ليكون أبلغ وأعظم؛ لأن هدية الكريم أكرم. وقوله: ﴿ذُرِّيَّةً﴾ بمعنى: مذروءة أي: مخلوقة، وقوله: ﴿طَيِّبَةً﴾ أي: طيبة في أقوالها وأفعالها وكذلك في أجسامها، فهو متناول للطيب الحسي والطيب المعنوي.
﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي: مجيبه، والدعاء هو سؤال العبد ربه حاجته إما بجلب منفعة وإما بدفع مضرة.
قال: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾، وفي قراءة: ﴿فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ، فأما على قراءة الجمع: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ فالتأنيث في الفعل ظاهر؛ لأن ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ جمع وكل جمع يجوز تأنيث فعله، كل جمع إلا جمع المذكر السالم فإنه لا يؤنث إلا نادرًا جدًّا، فمثال التأنيث في الجمع ولو للمذكر قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٣]، فالرسل هنا مؤنث، ما الدليل؟ الإشارة بالتأنيث، بصيغة التأنيث، وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات ١٤] قالت الأعراب، ولم يقل: قال الأعراب؛ لأنه جمع، وأما جمع المؤنث السالم فيجب تأنيثه، وجمع المذكر السالم يجب تذكيره، ولهذا قال ابن مالك رحمه الله:
وَالتَّــاءُ مَعْ جَمْــعٍ سِــوَى السَّالِــــمِمِــــنْ ∗∗∗ مُذَكَّــــرٍ كَالتّــــَاءِ مَــــعْ إِحْــــدَىاللَّبِــــــــنْ
المعنى أن التاء مع الجمع كالتاء مع إحدى اللبِن، ما هي إحدى اللبن؟ لبنة، فلبنة مؤنث لكن تأنيثها مجازي، فيجوز في فعلها التذكير والتأنيث، فتقول: انكسرت اللبنة، وانكسر اللبنة، وظاهر كلامه حتى جمع المؤنث السالم لا يجب تأنيثه، والصحيح أنه يجب تأنيث المؤنث السالم، فالسالم من مذكر أو مؤنث حسب (...)، المذكر يجب تذكيره والمؤنث يجب تأنيثه، وما عدا ذلك من الجموع يجوز فيه التذكير والتأنيث.
فهنا ﴿نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ليس في تأنيث الفعل إشكال، لماذا؟ لأنه جمع؛ لأن الفاعل جمع، لكن على قراءة: ﴿فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ، هل فيه إشكال؟ نقول: لا إشكال فيه أيضًا، لا إشكال فيه، لماذا؟ لأن الملائكة جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه التذكير والتأنيث، فتقول: قام الرجال وقامت الرجال، ويمكن أن يراد بالملائكة واحد وهو جبريل ناداه، وعبّر عنه بالجمع باعتبار الجنس؛ لأنه واحد منهم.
﴿نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، جملة ﴿وَهُوَ قَائِمٌ﴾ في محل نصب على الحال، الحال من الضمير الهاء في قوله: ﴿نَادَتْهُ﴾، وقوله: ﴿قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، (المحراب) مكان الصلاة أو مكان العبادة، وسمي بذلك لأنه مكان حرب الشياطين؛ فإن العبادة حرب للشياطين، وليس المراد بالمحراب طاق القبلة كما يظنه بعض الناس فيفسر الآية به، ويقول: إن هذه المحاريب موجودة من قديم الزمان، ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾، وإلى قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، ولكن هذا ليس بصحيح.
﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾، ﴿أَنَّ﴾ قراءة بالفتح وقراءة بالكسر، فأما على قراءة الكسر ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ؛ فلأن النداء قول، ومقول القول إذا صُدِّر بـ (إنّ) يجب فيه كسر (إن)، كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم ٣٠] ولا يجوز أن تقول: قال: أني عبد الله، كذا؟ طيب. وأما على قراءة الفتح فهي على تقدير حرف الجر: فنادته الملائكة بأن الله يبشرك، أي: ببشرى، بشرى الله تعالى بهذا الابن يحيى.
وَأيضًا في قوله: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ قراءتان ﴿يَبْشُرُكَ﴾ و﴿يُبَشِّرُكَ﴾، وكلاهما سبعيتان، فصار في هذه الآية في ثلاث كلمات منها كل كلمة فيها قراءتان:﴿فَنَادَتْهُ﴾، ﴿فَنَادَاهُ﴾ ، ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَبْشُرُكَ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ ، نعم، والبَشارة الإخبار بما يسُرّ، وسميت بذلك لتأثر البشرة بالخبر؛ لأن الإنسان إذا بُشِّر بما يسره يفرح ويظهر ذلك على وجهه، ألم تر إلى وجه النبي ﷺ حين دخل مُجَزِّزٌ المدلجي على أسامة بن زيد وزيد بن حارثة وعليهما كساء لم يَبْدُ منه إلا أقدامهما، فنظر إلى أقدامهما وقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فدخل النبي عليه الصلاة والسلام على عائشة تبرق أسارير وجهه[[متفق عليه البخاري (٣٥٥٥)، ومسلم (١٤٥٩ / ٣٨) من حديث عائشة.]]، تأثر، بماذا؟ بالخبر السارّ، طيب، إذا قال قائل: إن قلتم هكذا فاجعلوا الإخبار بما يسوء بُشرى؛ لأن البشرة تتأثر بذلك، الرجل إذا أخبرته بما يسوؤه التفع وجهه وتغيّر فسمِّها بشرى؟ فما الجواب؟ نقول: هذا قد يطلق عليه، أي الخبر بما يسوء قد يطلق عليه بشارة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١]، ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء ١٣٨]؛ لأن هذا يؤثر في البشرة.
* طالب: شيخ، ما (...) مريم (...) بأنها نذرتها ثم (...)؟
* الشيخ: مريم يعني أن أباها مات قبل أن تولد؟
* الطالب: أيوه لأنها نذرتها ولم (...).
* الشيخ: والله ما هو ببعيد.
* الطالب: بعدين سمتها.
* الشيخ: وأيضًا كفلها زكريا، إي نعم، فهذا جيد أن والدها كان غير موجود، نعم، لا يؤخذ منها، وحينئذ يزول الإشكال.
* طالب: مريم كم عمرها كان؟
* الشيخ: عمرها متى؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: والله لا بد يمكن المؤرخون يذكرون ذلك، ولكن الظاهر أنها كبيرة شابة؛ لأنها حملته فانتبذت به مكانًا قصيًّا.
* الطالب: متوسطة العمر.
* الشيخ: الله أعلم، لكنها لا شك أنها كبيرة نشيطة، لا وصلت إلى حد الكبر ولا إلى الصغر الذي لا تستطيع الحمل.
* طالب: شيخ، (...)، أقول إذا ذكرتم بأن الاسم إذا كان مهيأ فإنه حين الولادة، وإذا لم يكن مهيأ ففي اليوم السابع، وأحسن الله إليكم فإذا تهيأ بعد الولادة بيوم أو يومين فهل يسمى في الحال ولّا..؟
* الشيخ: لا، الأحسن يؤجل.
* الطالب: إلى حين السابع؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة للقراءات يعني هل يجوز يخلط بين قراءتين في آن واحد، في وقت واحد يعني؟
* الشيخ: إن كان هذا على سبيل التعليم فلا شك أنه جائز، على سبيل التعليم، وإن كان على سبيل القراءة فمن العلماء من أجاز ذلك ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنهم من لم يجز وقال: إذا قرأت على قراءة واحد من القراء فاستمِر عليه، لكن الذي يظهر أن القرآن شيء واحد، وأنه يجوز أن تقرأ بقراءة واحد، والحرف الثاني بقراءة آخر.
* الطالب: يعنى في وقت واحد؟
* الشيخ: إي ما فيه بأس، نعم؟ لا قصدك فيه يعني بمعنى أنك تردد الكلمة مرتين؟
* الطالب: لا لا، يعني يقرأ..
* الشيخ: مثلًا تقرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ و﴿أَنَّ اللَّهَ يَبْشُرُكَ﴾ كذا؟
* الطالب: لا لا، يعني يقرأ الآية بقراءة مثلًا حفص والآية الثانية بقراءة قارئ آخر الآية التي تليها.
* الشيخ: في نفس الوقت أو التي تليها الآية الثانية؟
* طالب: الآية التي تليها.
* الشيخ: لا بأس، هذه اللي فيها الخلاف، هذا هو اللي فيه الخلاف.
* طالب: شيخ ما يمكن يستدل بقوله سبحانه تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ بأن هذه الآية مؤيدة لقصة تنازع جعفر وعلي بن أبي طالب.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لما تنازعوا في ابنة.. فأيد الرسول ﷺ أعطاها جعفر لأن خالتها (...)، وخالة مريم تحت زكريا؟
* الشيخ: بس هل في هذا نزاع؟ ما نعرف هل في هذا نزاع أو لا.
* الطالب: يمكن يعني..
* الشيخ: ما نقدر نقول فيه نزاع وهو ما ذُكِر في القصة، والظاهر كما ذكر الأخ أن أباها كان توفي، أبو مريم الظاهر أنه توفي ولعله توفي قبل أن تولَد، بدليل أن مريم تصرفت فيها وسمتها.
* الطالب: ما يكون تأييد.
* الشيخ: تأييد لأيش؟
* الطالب: للنبي ﷺ.
* الشيخ: لا ما فيه تأييد، ما فيه نزاع، من نازع زكريا.
* الطالب: بالنسبة لحفظه، بالنسبة مثلًا أنه تكون الحضانة أو تكون كفالة لزوج الخالة.
* الشيخ: أصلًا الأب ما هو موجود.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وأمها موجودة، وهي عند أمها.
* * *
* طالب: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران ٣٩ - ٤١]
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ هذا المبَشَّر به، وعندنا (بشارة) كما أسلفنا و(مُبَشِّر) و (مُبَشَّر به) و(مُبَشَّر)، كم هذه؟
* الطلبة: أربعة.
* الشيخ: أربعة، كلها تضمنها قوله: ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾، ويحيى قيل إنه من الحياة، وأن الله سماه بذلك إشارة إلى أنه سيحيى ويبقى، وعلى هذا فهو ممنوع من الصرف للعلَمية ووزن الفعل، والعلَمية ووزن الفعل علّتان توجبان المنع من الصرف، وقيل: بل هو اسم أعجمي، والأسماء الأعجمية ليست بمشتقة؛ لأنها غير عربية، وعلى هذا فالمانع له من الصرف العلَمية والعُجمة؛ لأن العلمية والعجمة علتان مانعتان من الصرف، وموانع الصرف نذكرها الآن استطرادًا، تسعة، مجموعة في البيت، أنت؟
* طالب: لا أحفظه.
* الشيخ: لا تحفظ البيت، نعم؟
* طالب:
مَوَانِعُ الصَّرْفِ تِسْــــعٌ إِنْ أَرَدْتَبِهَــــا ∗∗∗ عَوْنًــــا لِتَبْلُــــغَ فِــــي إِعْرَابِــــكَالْأَمَــــــــــــــلَا؎اجْمَــــعْ وَزِنْ عَــــادِلًا أَنِّــــثْبِمَعْرِفَــــــــــــــــةٍ ∗∗∗ رَكِّبْ وَزِدْ عُجْمَةً فَالْوَصْفُ قَدْكَملَا
* الشيخ: أحسنت.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما هو؟
* طالب:
جَمْــــــــعٌ وَعَــــــــدْلٌ زَادَ وَزْنٌصِفَــــــــــــــــــــهْ ∗∗∗ رَكِّــــــــــــبْ وَأَنِّــــــــــــثْعُجْمَــــــــــــــــةً (...)
* الشيخ: إي، طيب.
* طالب: أسمعنا.
* الشيخ: نعم، سمّع.
* الطالب: جَمْعٌ وَعَدْلٌ زَادَ وَزْنٌ وَصِفَهْ
* الشيخ: اصبر، لكن نبغي نسمّعكم بشرط أن تحفظوه، يلّا.
* الطالب: أقولها من الأول.
* الشيخ: إي.
* الطالب:
جَمْــــــــعٌ وَعَــــــــدْلٌ زَادَ وَزْنٌصِفَــــــــــــــــــــهْ ∗∗∗ رَكِّـــــــــبْ وَأَنِّـــــــــثْعُجْمَـــــــــــــةً و (...)
* طالب: على ما (...) أحسن.
* الشيخ: سمعتم؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: نيجي بالدور الثاني إن شاء الله، البيت الأول من حفظه معروف مشهور:
اجْمَــــعْ وَزِنْ عَــــادِلًا أَنِّــــثْبِمَعْرِفَــــــــــــــــةٍ ∗∗∗ رَكِّبْ وَزِدْ عُجْمَةً فَالْوَصْفُ قَدْكَملَا
هذه تسعة ثلاثة منها لا تحتاج إلا إلى علة واحدة، وثلاث منها تحتاج إلى علتين إحداهما العلَمية مع علة الأخرى، وثلاثة تحتاج إلى علتين إحداهما العلَمية أو الوصفية مع علة أخرى، فهذه العلل التسعة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يكفي فيها علة واحدة، وقسم علتان إحداهما العلَمية، وقسم علتان إحداهما العلَمية أو الوصفية، الذي معنا فيها العلَمية والعجمة، وهذه لا تأتي بها الوصفية، العجمة ما تأتي بها الوصفية، العلمية ووزن الفعل تأتي فيها الوصفية ولّا لا؟ تأتي؛ لأن الوصفية ووزن الفعل علتان مانعتان من الصرف، والعلَمية ووزن الفعل علتان مانعتان من الصرف.
طيب، ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا﴾، ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من ﴿يَحْيَى﴾، ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ هو عيسى ابن مريم، يعني مصدقًا بعيسى؛ لأن عيسى كلمة من الله أو كلمة الله، وسمي بذلك لأنه كان بكلمة الله، لم يكن من أب كما يكون البشر، بل كان بكلمة الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ﴾ [آل عمران ٥٩] أي: آدم، ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩]، ولهذا سُمِّي عيسى بالكلمة، بكلمة الله؛ لأنه كان بكلمته وليس هو كلمة الله، لماذا؟ لأن كلمة الله وصف لله عز وجل، فالكلام وصف للموصوف، ولا يمكن أن يكون وصف الله عينًا بائنة منه، بل هو يعني يتعين أن يكون معنى كونه كلمة أنه كان أيش؟ بكلمة الله ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾.
وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ بيان لابتداء الأمر وليست للتبعيض، فالكلمة ليست هنا بعضًا من الله، بل منشؤها منه، فـ(من) للابتداء؛ لأن منشأ الكلمة من الله؛ لأنه هو الذي تكلم، ﴿وَسَيِّدًا﴾ معطوفة على ﴿مُصَدِّقًا﴾ فتكون منصوبة على أيش؟ على الحال، تكون منصوبة على الحال، ﴿سَيِّدًا﴾ مَن السيد؟ السيد مَن ساد غيره وشرُف عليه بالعلم والدين والخلق والمعاملة، وقولنا (الخلق) يشمل كل خلق يسود به الإنسان غيره من الجود والشجاعة والإيثار وغير ذلك، المهم أن السيد من ساد غيره في الكمالات، يعني فضل عليه وزاد عليه، فيكون جامعًا لصفات الكمال الممكنة في المخلوق، وكذلك أيضا قال في وصفه: ﴿وَحَصُورًا﴾ معطوفة على ﴿مُصَدِّقًا﴾ فهي منصوبة على الحال، ﴿حَصُورًا﴾ فَعُول بمعنى فاعل، أي حاصرًا نفسه عن أراذل الأخلاق، فيكون هذا المبشَّر به موصوفًا بصفات الكمال الدال عليها قوله أيش؟ ﴿سَيِّدًا﴾ مبرأً من النقص وسوء الأخلاق الدال عليه ﴿حَصُورًا﴾، فيكون جمع له بين النفي والإثبات، وذلك لأن الإنسان لا يكمل إلا بوجود صفات الكمال وانتفاء صفات النقص، ولاحظوا أيها الإخوة أن صفات الكمال والنقص هنا لا نعني بها النقص المطلق والكمال المطلق، هذا لا يكون إلا لمن؟ لله، لكنه أمر نسبي، قد يكون الإنسان عنده كمال في الصفات لكن عنده سوء من جهة أخرى، هذا ناقص، وقد يكون عنده سوء ونقص في الكمال فيكون هذا أنقص، وقد يكون عنده كمال في الكمال وتنَزّه عن النقص وهذا هو أيش؟ الكمال كما وُصِف به يحيى عليه الصلاة والسلام.
وأما من قال من المفسرين: إن الحصور الممنوع عن إتيان النساء، يعني ما يقدر على النساء، فإن في هذا نظرًا، نظرًا واضحًا؛ لأن عدم قدرة الإنسان على النساء ليس كمالًا، إذ إن ذلك ليس منه بتخلق ولكنه عيب ولّا لا؟ عيب، نعم فيها قول آخر: أنه لا يأتي من النساء مَن لا تحل له، فيكون وصفًا له بماذا؟ بكمال العفة، هذا يُمدح عليه الإنسان، هذا يمدح، لكن ما قلنا أشمل من هذا القول، أشمل، ومعلوم أنه إذا وُجِد معنى أشمل فهو مقدم على المعنى الأقل؛ لأن الأقل داخل في الأشمل، ولا عكس، المهم أن (الحصور) هو الذي منع نفسه عن مساوئ الأخلاق وأراذلها، فيكون في الآية وصف له بكمال الأخلاق وانتفاء المساوئ، وهذا غاية الكمال.
﴿وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ هذه معطوفة أيضًا على ﴿مُصَدِّقًا﴾، فهو مصدق ونبي، ولا يلزم من تصديقه بعيسى أن يكون تابعًا له، فها هو محمد ﷺ مصدق لجميع الأنبياء، وهو تابع لهم؟ لا، هم يتبعونه ولا يتبعهم، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَوْ كَانَ أَخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي»[[أخرجه أحمد في المسند (١٥١٥٦) والدارمي (٤٤٩) من حديث جابر بن عبد الله. ]]، ولهذا صار إمامًا لهم ليلة المعراج، ولهذا إذا نزل عيسى في آخر الزمان يحكم بشريعة النبي عليه الصلاة والسلام، المهم أن تصديقه لعيسى ابن مريم لا ينافي أن يكون نبيًّا، فهو نبي مصدِّق بالأنبياء، ولهذا قال: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: من جملتهم، وإنما قلنا ذلك؛ لأن النبوة وصف أعلى من الصلاح، لكن هو في جملة الصالحين، النبوة صلاح وزيادة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء ٦٩]، فالصالحون في المرتبة الرابعة، كل من قبلهم داخل فيهم، ولّا لا؟ فكل نبي صالح ولا عكس، كل صدِّيق صالح ولا عكس، كل شهيد صالح ولا عكس، كذا؟ كل صالح صالح، صحيح كل صالح فهو صالح.
* طالب: ولا عكس.
* الشيخ: ولا عكس أيش؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: العكس ما هم؟ يعني كل فاسد فاسد ولا أيش؟
* طالب: عكس كل صالح صالح.
* الشيخ: إي نعم، على كل حال قوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي من جملتهم؛ لأن النبي أَخَذ بوصف النبوة والصلاح فهو من جملتهم.
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾، قال لما بَشَّره الله عز وجل: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ﴾ يعني: كيف، يقول ذلك ليس استبعادًا ولا استنكارًا ولكن تثبتًا، وإلا فإنّا نعلم أن زكريا عليه الصلاة والسلام قد آمن بما بشّره الله به ولا يمكن أن يستبعدها، ولكنه قال ذلك من أجل أيش؟ التثبت، والإنسان بشر ناقص في الإدراك والعلم يحتاج إلى شيء يثبّت له الأمور، إبراهيم عليه الصلاة والسلام لا شك أنه يؤمن إيمانًا كاملًا لا شك معه بأن الله يحيي الموتى، ومع ذلك قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]؛ لأنه ليس الخبر كالمعاينة، إذا أخبرك إنسان بخبر مهما بلغ في الصدق لن يكون خبره عندك مثل المعاينة، فزكريا عليه الصلاة والسلام سأل الله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ بقصد أيش؟ التثبت وتثبيت هذا الأمر لا استبعادًا لقدرة الله عز وجل ولا شكًّا في خبره عز وجل، بل هو مؤمن بذلك ومؤمن بقدرة الله سبحانه وتعالى، وأنه إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون لا سيما وأنه كان قد رأى عند مريم الرزق فقال: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾، قال: ﴿غُلَامٌ﴾ مع أنه لم يولد بعد، لكن هذا باعتبار ما سيكون، والتعبير بما سيكون أمر سائغ في اللغة وارد في القرآن ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف ٣٦]، يعني أعصر عنبًا يكون خمرًا؛ لأن الخمر ما هو بيُعصر، اللي يُعصر العنب وعصيره يتحول إلى خمر، فعبّر عن الشيء بما يؤول إليه، طيب هنا ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾، كيف يكون غلام وهو ما بعد وُلِد؟ نقول: باعتبار ما سيكون.
ثم قال: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ الواو هذه يسميها العلماء: واو الحال، يعني أنها تدل على أن الجملة التي بعدها في موضع نصب على الحال، يعني والحال أنه قد بلغني الكبر، حال من أين؟ من الياء في قوله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا يا أخي، هي حال من الياء في قوله: ﴿لِي﴾، ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾، فهي في موضع نصب على الحال من الياء في قوله: ﴿لِي﴾.
﴿بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ يعني: وصل إليّ الكبر، والحقيقة أنه قد يتراءى للإنسان أن في المعنى قلبًا، هل الكبر بلغك أو أنت بلغت الكبر؟ أو يجوز هذا وهذا؟ قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم ٨]، فصار هو الذي بلغ الكبر، وهنا يقول: ﴿قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾، إذن فالتعبير صحيح في هذا وهذا، فأنت إن بلغت الكبر فقد بلغك الكبر، وإذا بلغك الكبر فقد بلغت، ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ يعني: أصابني، وعادة أن الكبير إذا لم يولَد له في حال في سن الشباب فإنه لن يرى الأولاد؛ لأن الإنجاب والإخصاب إنما يكون في حال الشباب، وكلما تقدمت السن بالإنسان من رجل أو امرأة قلّ إنجابه، فيقول: كيف لما كنت شابًّا لا يأتيني ولد والآن بيأتيني الولد؟ أيضًا المرأة، امرأته عاقر، عاقر يعني لا تحمل، وعاقر لفظه مذكر لكن معناه هنا مؤنث، ويطلق على الذكر والأنثى، يقال: رجل عاقر، وامرأة عاقر، وهو الذي لا يولد له، فالآن كل من الزوجين يعني ليسَا بصدد الولادة، ولكن الله على كل شيء قدير، إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن فيكون، ولهذا قال: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ﴾ (كذلك) يجوز عندي فيها وجهان؛ الوجه الأول: أنها خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: الأمر كذلك، يعني أنك بلغك الكبر وامرأتك عاقر ولكن الله يفعل ما يشاء، والوجه الثاني: أن تكون في موضع نصب على المفعولية المطلقة، أي: مثل ذلك الفعل يفعله الله؛ لأنه يفعل ما يشاء، وكلا الوجهين صحيح، فإنه سيكون له ولد ولو كان بلغه الكبر ولو كانت امرأته عاقرًا، لماذا؟ لأن الله يفعل ما يشاء، فكل ما شاءه الله فعله؛ لأنه عز وجل لا يمنعه مانع كما نقول نحن في دبر كل صلاة: اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٣٠) ومسلم (٥٩٣ / ١٣٧) من حديث المغيرة بن شعبة.]]، فالله عز وجل يفعل ما يشاء؛ لأن له الملك المطلق في خلقه فلا أحد يمنعه ولا أحد يسأله: لِمَ فعلت، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٣]، ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، فلما أيقن بأن الله تعالى سيهب له الولد قال: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾، أي: صَيِّر لي علامة تدل على هذا الولد، يعني كأنه يقول: متى تكون هذه العلامة، رب اجعل لي آية تدل على حصول هذا الولد، وأن الولد بدأ ينشأ، لماذا؟ ليزداد أيش؟ طمأنينة، ليزداد طمأنينة فيما بشّره الله به، ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أستدل بها على أن الولد بدأ ينشأ، أو ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أزداد بها طمأنينة على ما بشرتني به، والآية في اللغة: العلامة، وآيات الله عز وجل كونية وشرعية، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أُيِّدُوا بماذا؟ بالآيات الدالة على صدقهم، الآيات الكونية والآيات الشرعية، وكثير من الناس يسمي آيات الأنبياء معجزات، وهذه التسمية وإن اشتهرت على الألسن لكن فيها قصورًا، والتعبير الصحيح السليم أن نسميها آيات كما سماها الله، نسمي ما يحصل من خوارق العادات على أيدي الأنبياء نسميها آيات، ولهذا لا تجد آية في القرآن سمى الله هذه الخوارق معجزات أبدًا، بل كان يسميها آيات، علامات على الصدق، أما معجزات فهي قاصرة؛ لأنها لو أخذناها على ظاهرها لشملت ما يأتي به السحرة، أو ما تأتي به الجن؛ لأن ما يأتي به السحرة والجن مُعْجِز ولّا لا؟ معجز، لكن هل هو آية؟ لا، لهذا كان التعبير الذي في القرآن خيرًا من التعبير الذي عبّر به بعض العلماء بتسمية خوارق العادات التي يجريها الله على أيدي الأنبياء معجزات.
﴿قَالَ آيَتُكَ﴾ يعني: الآية التي تدلك، فأضافها إلى زكريا مع أنه ليس هو الذي أوجدها، لكن لأنها علامة له، ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾، أنا أحب أن أفهم إعراب ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ﴾؟
* طالب: ﴿آيَتُكَ﴾ مبتدأ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: والكاف مضاف إليه، والمصدر المؤول من (أن) و(...) في محل رفع الخبر.
* الشيخ: (أن) وما تحويه في تأويل مصدر؟
* الطالب: في محل رفع الخبر.
* الشيخ: في محل رفع ولّا في تأويل مصدر خبر، ولا في محل الرفع؟
* الطالب: خبر.
* الشيخ: خبر؛ لأنها مفرد، واللي يقال: في محل، الجملة، طيب، قدِّر؟
* الطالب: الآية (...).
* الشيخ: أحسنت تمام، ﴿آيَتُكَ﴾ يعني العلامة التي أعطيك إياها ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾، ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ يعني لا تخاطبهم، ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾، ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ ثلاثة أيام بلياليها؟ نعم، بدليل قوله تعالى في سورة مريم: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم ١٠]، آيته أن لا يكلم الناس بلياليها، قال: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾، ﴿إِلَّا﴾ هذه أداة استثناء، ولكن أحب أن أفهم هل هذا الاستثناء متصل أو منقطع؟
* طالب: منقطع.
* الشيخ: منقطع؟
* الطالب: لأن ما بعد (إلا) ليس من جنس ما قبلها.
* الشيخ: الرمز ليس كلامًا؟ كلام ولّا غير كلام؟
* الطلبة: لا، غير كلام.
* الشيخ: طيب، نعم؟
* طالب: السياق أنه متصل؛ لأنه قال ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾، ثم قال له: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ عده كلامًا بمعنى أنه متصل.
* الشيخ: متصل، هذان قولان.
* طالب: أما عند النحويين فلا يسمونه كلامًا، والبلاغيون يسمونه كلامًا.
* الشيخ: نعم، هذا قول مفصّل، والواقع أن المفسرين اختلفوا هل الاستثناء متصل فتكون الإشارة من الكلام؛ لأن الكلام هو ما يعبر عما في النفس من قول أو إشارة أو كتابة، وبعض المفسرين يقول: إن الاستثناء منقطع؛ لأن الرمز ليس بكلام، ولذلك لو رمز الإنسان في الصلاة لم تبطل صلاته، ولو كان كلامًا لبطلت؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم. ]]، فمن نظر إلى المعنى قال: إن الرمز كلام؛ لأنه ينبئ عما في النفس، وقد اعتبره الشارع، الشارع اعتبر الإشارة، «أليس النبي عليه الصلاة والسلام قتل اليهودي بإشارة الأنصارية، الجارية الأنصارية التي قالت حينما قالوا: من قتلك؟ فلان، فلان، فلان. فأشارت: نعم »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٩٥)، ومسلم (١٦٧٢ / ١٥) من حديث أنس.]]، فاعتبر الإشارة، ولا شك أن الإشارة تعبر عن ما في النفس، لكنها ليست القول الذي هو الصوت لا شك فيه هذا أيضًا، فمن لحظ المعنى قال: الاستثناء متصل، ومن لحظ اللفظ وأن الكلام هو الصوت قال: الاستثناء منقطع، ولكن على القولين المعنى واحد، لن يستطيع أن ينطق بلسانه مع الناس، ولكن يشير إليهم إشارة، ووجه كون هذا آية أنه عجز عن النطق مع أنه سليم، وأنه عجز عن النطق مع الناس لا مع الله، وهذا شيء غريب، يعني إنسان يتكلم يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، إنسان سويّ لم يأته آفة ولا علة في لسانه ولا يستطيع أن يكلم الناس؟ هذه آية، عجزٌ في مقام القدرة وقدرة في مقام العجز، عجز عن كلام الناس في مقام القدرة على الكلام، وقدرة على الكلام مع الله بالتسبيح وغيره وعجز عن الكلام مع الناس، فهذا من آيات الله عز وجل؛ ليريه أنه سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، الكلام الذي أنا وغيري يعلم أنه أخف حركة في البدن ولّا لا؟ يستطيع الواحد يتكلم من إلى صار يعطيه الله إمداد في المعنى يتكلم كم ساعة؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: إلى (...) والله ما (...) عن هذا، لكن يتكلم كثيرًا ولا يتعب، لكن المشي يتعب والبطش يتعب، أما هذا الكلام اليسير اللي كلٌّ يستطيعه يمتنع من هذا الرجل ما يقدر يكلم الناس إلا رمزًا، وأما مع الله فقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾، ما انتهى الوقت.
* طالب: شيخ، الراجح من المسألة الأولى..
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: التي ذكرناها قبل؟
* الشيخ: ما هي؟
* الطالب: الكلام يعني الرمز هو كلام..
* الشيخ: إن أحببت أن يكون الراجح أن الاستثناء منقطع فهو منقطع، وإن أحب من قال إنه متصل فهو متصل، وإن أحب التفصيل مَن فصل فلنفصل، المسألة ما يترتب عليها شيء.
* الطالب: (...).
* الشيخ: والله فيه احتمال الحقيقة.
* طالب: شيخ..
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: قلنا من شروط استجابة الدعاء الجزم بالدعاء، أن يكون الإنسان موقن الإجابة، وهنا زكريا يعني لما قال ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ مع أنه دعا أول كأنه يعني لم يكن يوقن الإجابة.
* الشيخ: لا إله إلا الله! هذا لو كان الاستفهام على سبيل الاستبعاد، وما استفهم مستبعدًا الواقع، مستفهم للتثبت، أنا الآن لو قلت: بأعطيك مثلًا عشرين ريال وأنت ترى أني صادق، قلت: تعطيني عشرين ريال؟ وأيش قصدك بهذا؟ التثبت، ما قصد الاستبعاد ولا الشك.
* * *
* طالب: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١) وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران ٤١ - ٤٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ أمره الله تعالى بأن يذكر ربه كثيرًا؛ لأن بذكر الله تطمئن القلوب، ويزداد الإيمان ويستنير القلب، فلهذا أمره الله أن يذكر ربه كثيرًا، وفائدة الذكر كثيرًا هنا أو الأمر بالذكر كثيرًا؛ لأن الله لما أخبره بأنه سيمنعه من مكالمة الناس بشَّره بأنه لن يمتنع من ذكر الله الذي هو أجلّ وأشرف من مخاطبة الناس وكلامهم، فقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾؛ لأنه ربما يقع في قلبه لما قال الله له: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ ربما يقع في قلبه أن يُمنع من الكلام، فأراد الله تعالى أن يُسَرِّي عنه وأن يُذهب عنه ما قد يقع في قلبه وقال له: ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾، وهنا لم يقل له: وإنك ستذكر ربك، بل قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾، فأمره بذكر الله؛ ليكون ذكره لله تعالى في حال امتناع مكالمة الناس عبادةً خاصة مأمورًا بها، لما مُنع من مخاطبة الناس صار متفرغًا، فأُمِر بأن يشغل هذا الفراغ بماذا؟ بذكر الله عز وجل، وهذا أحسن له وأفيد له مما لو قال الله له: وإنك ستذكر ربك كثيرًا، ووجهه كما قلت لكم أنه إذا أُمِر به صار طاعة، وإن كان الذكر من أصله طاعة، لكن يكون هذا طاعة خاصة في هذه الحال التي يمتنع فيها من مكالمة الناس.
وقوله: ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾، هل ﴿كَثِيرًا﴾ صفة لزمن محذوف؟ أي زمانًا كثيرًا، أو لمصدر محذوف أي ذكرًا كثيرًا؟ الثاني، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب ٤١، ٤٢]، وهنا قال: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، العشي آخر النهار، والإبكار أول النهار، وهذان الوقتان قد أمر الله بذكره فيهما فقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق ٣٩]، وقال تعالى: ﴿سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ هنا، ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص ١٨]، والآيات في هذا كثيرة؛ لأن في الإشراق مستقبَل النهار، وفي العشي مستدبَر النهار، فيكون الإنسان شاغلًا وقته أوله وآخره بماذا؟ بذكر الله، من أين يبتدئ العشي؟ العشي يبتدئ من زوال الشمس، بدليل حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي»[[متفق عليه البخاري (١٢٢٩)، ومسلم (٥٧٣ / ٩٧) من حديث أبي هريرة.]]. وهي إما الظهر وإما العصر، وقيل: العشي ما بعد صلاة العصر إلى منتصف الليل، ولكن الأول أصح، نعم المساء يطلَق من صلاة العصر إلى منتصف الليل، وأما العشي فهو آخر النهار.
وقوله تعالى: ﴿وَالْإِبْكَارِ﴾، (الإبكار) ليست جمعًا لـ(بَكَر)؛ لأن جمع (بَكَر) (أبكار) كـ(سبب) و(أسباب)، لكنها مصدر أو اسم لهذا الوقت المعين الذي هو أول النهار.
وقوله: ﴿سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ يشمل تنزيه الله عز وجل عن كل ما لا يليق به، وقد مر علينا أن تسبيح الله يكون عن أمور ثلاثة: عن صفة العيب، وعن نقص في كماله، وعن مماثلة المخلوقين، انتبهوا (المشابهة) هذه أخرجوها من ألسنتكم، قولوا: مماثلة؛ لأن هذا هو اللفظ الذي جاء به القرآن، فيُسَبَّح الله عن هذه الأمور الثلاثة، ما هي؟ النقص، والنقص في الكمال، ومماثلة المخلوقين.
فالنقص كقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان ٥٨]، والنقص في الكمال مثل قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة ٢٥٥]، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]، ومماثلة المخلوقين مثل قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم ٦٥]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤].
والتسبيح يكون بالقول ويكون بالفعل، فكل مَن عَبَدَ الله فقد سبَّحه، كل من عبد الله فقد سبحه، بالقول ولّا بالفعل؟ بالفعل، وإن لم يكن فيها كلمة (سبحان)؛ لأن العابد تستلزم عبادته المعبود أن يكون كاملًا؛ لأن الناقص لا يمكن للعاقل أن أيش؟ أن يَعْبُدَه، فكونه يعبد الله يستلزم أن يكون مقرًّا له بالكمال مسبِّحًا له عن النقص، واضح يا جماعة؟
﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، الباء في قوله: ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ يحتمل أن تكون للاستيعاب، يعني في كل الوقت، وأن تكون للظرفية، أي في العشي، فإن جعلناها للظرفية لم يلزم أن يستوعب الوقتَ بالتسبيح؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨]، هم يمرون عليهم كل ليل يدلجون عليهم؟ لا، يمرون في أوله، في آخره، في وسطه، وإذا كانت للاستيعاب فإن المعنى إن الله أمره أن يستوعب هذين الوقتين كلهما، بماذا؟ بالتسبيح.
نرجع الآن إلى الفوائد، قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً﴾، إلى آخره، يؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله، حتى الأنبياء لا يستغنون عن دعاء الله؛ لقوله: ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القياس، من أين؟ لأنه لما رأى أن الله يرزق هذه المرأة بدون سبب معلوم علم أن الذي يسوق لها الرزق وهي امرأة منقطعة عن التكسب في محرابها قادر على أن يرزقه ولدًا، فيكون انتقال من الشيء إلى نظيره، وهذا هو نفس القياس، صح؟ إذن هو استدل أو أخذ من هذه القصة عبرة وهو أن يسأل الله أمرًا وإن كان مستبعدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصيغة التي يُتَوَسَّل بها في الدعاء هي اسم الرب؛ لقوله: ﴿رَبَّهُ﴾، ولم يقل: الله، ولهذا تجدون أكثر الأدعية مصدرة بالرب؛ لأن إجابة الداعي من مقتضى الربوبية، ولّا لا؟ لأنها فعل، وكل الأفعال من مقتضى الربوبية، فلهذا يتوسل الداعي دائمًا إلى الله بالرب، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة. ]].
* ومن فوائد الآية الكريمة:أن زكريا عليه الصلاة السلام بلغ سنًّا بعيدًا دون أن يأتيه الولد، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾.
* طالب: بقول يا شيخ بفرضكم ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ و﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، بكرة وعشيا تعني (...) كله، والعشي والإبكار تعني (...).
* الشيخ: إذا جعلنا الباء للظرفية صحيح صار بينهما فرق، إن جعلناها للاستيعاب لم يكن فرق.
* الطالب: أن الاستيعاب بس..
* الشيخ: لا الاستيعاب إن كل الوقت، يستوعب كل الوقت، وليس المعنى دون غيرهما، لكن هذين الوقتين مخصوصان بالتسمية ولا غيره يسبح، لكن هذا أهم شيء.
* طالب: (...) مخصوص معًا ولا..؟
* الشيخ: لا ليس معًا، ولهذا أكثر ما تكون التسبيحات والتهليلات في أول النهار وآخره.
* طالب: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، من هو القائل اللي رد عليه زكريا؟
* الشيخ: اقرأ من نادى زكريا؟
* الطالب: الملائكة.
* الشيخ: إذن يكون القائل معناه واصل، ما وصلنا للحقيقة، هذا سؤال مطروح.
* طالب: التسبيح، قلنا: التسبيح يشمل الفعل والقول، الذي يسبح في سره ما يشمل ذلك؟
* الشيخ: حديث النفس يعني؟ حديث النفس يدخل في هذا، لكنه من الفعل؛ لأنه حدّث نفسه.
* طالب: هل نقول: سيدنا محمد ﷺ؟
* الشيخ: أن سيدنا محمد، والله محمد سيدنا، لكن هل الصحابة يقولون كذا؟
* طالب: رسول الله.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: نشأ من أبوين مشركين، بينما يحيى عليه السلام من أبوين صالحين، فيؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الجمع بين النبي والصلاح؟
* الشيخ: يعني أنه وُلِد من صالحين.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ما هو بالظاهر، هذه من بيان لحال يحيى.
* طالب: شيخ بعض الناس يقولون: يا سيدي، هل فيها شيء؟
* الشيخ: يا سيدي من؟
* الطالب: يعني إذا تكلم يقول: يا سيدي.
* الشيخ: إذا كان الرجل أهلًا للسيادة لا بأس، يعني مثلًا لو قال: يجي واحد لفاسق فاجر يقول له: يا سيدي، ما يجوز، لكن الأهل للسيادة لا بأس.
* طالب: القياس يا شيخ، هل صح الإنسان إذا شاف أي شيء يعني مثلًا دعاء يقيس عليه يعني؟
* الشيخ: إذا كان لا عدوان في ذلك فلا بأس، إذا ما فيه عدوان لا بأس، أما مثلًا يجيء يدعو الله يقول: اللهم اجعلني نبيًّا رسولًا، هذا حرام، طيب كلامنا مع الأخ السائل يقول: سيدي، سيدنا محمد، هل معنى ذلك إنه يحرم إن الإنسان يقول: قال سيدنا محمد؟
* طالب: لا يحرم.
* الشيخ: لا يحرم.
* الطالب: لأنه سيد الأولين والآخرين.
* الشيخ: ولأننا نحن ينبغي أن نتأدب كأدب الصحابة، كأدب الصحابة، إذا ساقوا الحديث عن الرسول ما هم بيقولون: قال سيدنا، قال رسول الله، قال نبي الله.
* طالب: شيخ، (...) يا سيدي يا مولاي..
* الشيخ: إذا صدق الوصف فلا بأس، لو قال العتيق لمن أعتقه: يا مولاي، صح.
* * *
* طالب: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران ٤٢ - ٤٦].
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، أخذنا منها أربعة فوائد؟
* طالب: الأولى: أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله حتى الأنبياء، ثانيًا: إثبات القياس؛ لأنه لما رأى أن الله يرزق هذه المرأة بدون سبب معلوم علم أن الذي يسوق لها الرزق وهي امرأة منقطعة التكسب في محرابها قادر على أن يرزقه..
* الشيخ: أن يرزقه الولد، ولّا لا؟ نعم.
* الطالب: الثالثة: أن الصيغة التي يتوسل بها بالدعاء هي اسم الرب، الرابعة: أن زكريا عليه الصلاة السلام بلغ سنًّا بعيدًا دون أن يأتيه ولد.
* الشيخ: طيب الثالثة؟
* الطالب: أن الصيغة التي يتوسل بها بالدعاء هي اسم الرب.
* الشيخ: غالبًا، الرابعة؟
* الطالب: الرابعة: أن زكريا عليه الصلاة السلام بلغ سنًّا بعيدًا دون أن يأتيه ولد؛ لقوله: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾.
* الشيخ: نعم.
من فوائد الآية ما يستفاد من قوله: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾، حيث أضاف الهبة إلى الله عز وجل، وهبة الكريم تكون كبيرة، ونظير هذا قوله ﷺ فيما علّمه أبو بكر الدعاء الذي يدعو به في صلاته قال: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٢٦)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨) من حديث أبي بكر. ]]، وكما أشرنا إليه أن الشيء من الكريم يكون عظيمًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل مطلق الذرية؛ لأن الذرية قد يكونون نكدًا وفتنة، وإنما يسأل الذرية الطيبة.
ومن فوائد الآية الكريمة التي تشير إليها إشارة: أنه ينبغي للإنسان أن يفعل الأسباب التي تكون بها ذريته طيبة ومنها الدعاء، دعاء الله، وهو من أكبر الأسباب، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عن الرجل يبلغ الأشد أنه يقول: ﴿أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف ١٥]، ولا شك أن صلاح الذرية أمر مطلوب؛ لأن الذرية الصالحة تنفعك في الحياة والممات؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»[[أخرجه مسلم (١٦٣١ / ١٤) من حديث أبي هريرة. ]].
* من فوائد الآية الكريمة: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه المناسبة للحاجة؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، أي: مجيبه، وهكذا ينبغي أن تكون الأسماء التي يتوسل بها الإنسان في دعائه مناسبة لأيش؟ للمدعو به، فالداعي بالمغفرة يتوسل باسم الله الغفور، وبالرحمة الرحيم، وبالرزق باسم الرزاق، وهكذا، ويدل لهذا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف ١٨٠]، فإن قوله: ﴿ادْعُوهُ بِهَا﴾ يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة، يشمل دعاء المسألة؛ أن تجعلها وسيلة لدعائك، ودعاء العبادة أن تتعبد لله تعالى بمقتضاها، فإذا علمت أنه سبحانه غفور فتعرض لمغفرته، وإذا علمت أنه رحيم كذلك، وهكذا، فقوله عز وجل: ﴿ادْعُوهُ بِهَا﴾ يتناول هذا وهذا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات سمع الله وكرم الله وقدرة الله، من أين يؤخذ؟
* طالب: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
* طالب: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
* الشيخ: وجه ذلك؟
* الطالب: أنه سمع الدعاء فأجابه.
* الشيخ: طيب، هذا واحد، إثبات القدرة؟
* طالب: القدرة على الإجابة.
* الشيخ: القدرة على الإجابة، نعم، الثالث؟
* طالب: أنه لا يعطي إلا الكريم.
* الشيخ: نعم، إثبات الكرم لله؛ لكونه عز وجل يجب من دعاه، فإن قال قائل: أحيانًا يدعو المرء ولا يستجيب الله دعاءه؟ وهنا زكريا ﷺ يقول: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، وقال إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، فما الجواب؟ الجواب أن يقال: إن عدم إجابة الله الدعاء إما أن تكون لوجود مانع، وإما أن تكون لمصلحة الداعي، أو لفوات شرط، فأما إذا تمت الشروط وانتفت الموانع ولم تقتضِ المصلحة خلاف ما دعا به الداعي فإن الله تعالى يستجيب الدعاء قطعًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠]، فإذا دعا الإنسان ربه وقلبه لاهٍ، يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرّب إليه من قول وعمل، لكنه في زمن الاختبار قلبه يتجول بين صفحات الكتاب، هذا غافل ولّا حاضر؟
* الطلبة: غافل.
* الشيخ: غافل؟ نعم، لا يستجيب دعاءً من قلب غافل، كيف تسأل الله سبحانه وتعالى وهو يعلم ما في نفسك وتناجيه: يا رب أعطني كذا، وأنت قلبك مشغول بشيء آخر؟ هذا والله فيه سوء أدب، هذا تتخلف إجابة الدعوة لعدم وجود الشرط، لانتفاء الشرط، ما حضر قلبه، قد يكون ذلك لوجود مانع، ومنها - أي من الموانع - أن يكون الإنسان آكلًا للحرام -والعياذ بالله - فإن أكل الحرام من أكبر موانع إجابة الدعاء؛ لأن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾، ثم ذكر النبي الله ﷺ الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب»، أربعة أسباب من أسباب إجابة الدعاء «وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة.]] - أعوذ بالله - استبعد أن الله يجيب هذا الداعي، فهنا تخلفت إجابة الدعاء، لماذا؟ لوجود مانع.
وقد تكون لمصلحة الداعي، يدّخر الله له عنده ما هو أعظم مما سأل، أو يعلم سبحانه وتعالى أنه لو أجابه لحصل عليه مضرة في دينه، مثل أن تكون إجابته سببًا لفتنته عن دينه، فبرحمة الله وحكمته لا يستجيب له هذا الدعاء، لمصلحة من؟
* الطلبة: الداعي.
* الشيخ: لمصلحة الداعي، ولهذا ينبغي للإنسان أن لا يضجر إذا دعا الله فلم يستجب له، وأن لا يسأم ويستحسر، فيقول: دعوت ثم دعوت فلم يستجب لي، فإنه إذا قال ذلك لم يستجب له، فزال الإشكال الآن؟ زال الإشكال الذي قد يَرِد على قوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، وبقي إشكال آخر وهو أن يقال: لا فائدة من الدعاء؛ لأن المدعوّ به إن كان قد كُتِب لك فسوف يأتيك بلا دعاء، وإن لم يُكتب لك فلن يأتيك ولو دعوت، هكذا يقول بعض الناس، فبماذا نجيب؟ نجيب أولًا: أن هذا قول باطل من أصله؛ لأنه يقتضي تسفيه الرسل والأنبياء والصالحين، بل يقتضي أن الله عز وجل يأمر بما لا فائدة فيه، فإن الله قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾، فكيف يأمر عز وجل بأمر لا فائدة منه؟! هذا مستحيل، فهذا القول باطل من أصله، ثم نقول: الشيء يُكتب لك لكن بسبب، فإذا كان الله قد كتب لك ذرية طيبة بسبب دعائك فإنه إذا انتفى الدعاء انتفت الذرية الطيبة؛ لأن الله قدرها -أي الذرية الطيبة- مقرونة بأيش؟ بالدعاء، وهل يقول عاقل: أنا لا أتزوج، إن كان الله قد أراد لي ولدًا جاء بلا نكاح، وإن لم يُرِد لي ولدًا لم يأت ولو تزوجت، هل يقول هذا عاقل؟ لا، ما يقوله، نقول: إن الله قدر لك الولد بالنكاح، تزوج يأتيك الولد.
وهل يقول عاقل: أنا لا أتزوج، إن كان الله قد أراد لي ولدا جاء بلا نكاح، وإن لم يرد لي ولدا لم يأت ولو تزوجت، هل يقول هذا عاقل؟ لا، ما يقوله، نقول: إن الله قدر لك الولد بالنكاح، تزوج يأتيك الولد، وهكذا الدعاء.
إذن فالدعاء لا شك أنه من أقوى الأسباب لحصول المطلوب وزوال المكروه، وهذا أمر معلوم، ويكون الله تعالى قد قدر هذا الشيء الذي هو حصول مطلوبك أو زوال مكروهك، قد قدره مقرونا بأيش؟ بهذا السبب، بالدعاء، فيكون الدعاء مقدرا والمدعو به مقدرا من عند الله عز وجل، لكن أنت لا تدري، أنت عليك فعل السبب الذي تعلمه وهو الدعاء، وما وراء ذلك فليس إليك، وهكذا جميع المقدورات كلها يرد عليها هذا الإيراد، ولكن يجاب بهذا الجواب؛ بأن الله قدر هذه الأشياء مقرونة بأسبابها.
ثم إننا نقول: إن الدعاء نفسه عبادة، نفس الدعاء عبادة، إذا رفعت يديك إلى ربك: يا رب، هذا ذل وخضوع لله عز وجل، وهو من أجل العبادات، فالدعاء نفسه عبادة، سواء أجبت أم لم تجب، فلماذا لا تكثر من الدعاء؟ كذا؟ وأيش قلت؟
* طالب: الدعاء عبادة في ذاته، فالإنسان يدعو الله سبحانه وتعالى ولو لم..
* الشيخ: ويكثر من الدعاء.
قال: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران ٣٨] ثم قال عز وجل: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران ٣٩].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الملائكة، وقد سبق عن قريب شيء من الكلام عليهم، وأنهم عالم غيبي مخلوقون من نور، خلقهم الله عز وجل لما أعدهم له، فقاموا به على حسب ما أراد خالقهم عز وجل، كأن ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠) من حديث أبي ذر.]]. الأطيط: ما يسمع من صرير الرحل على البعير المحمل حملا ثقيلا.
* طالب: الصريح يا شيخ ولا الصرير؟
* الشيخ: الصرير، «مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ».
ففي هذه الآية: ﴿نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ إثبات الملائكة، ما حكم إنكار الملائكة؟
حكمه الكفر؛ لأنه تكذيب للقرآن.
لو قال قائل: أنا لا أنكرهم وأقول: فيه ملائكة، لكن الملائكة هي قوى الخير والشياطين قوى الشر، فأجعلهم معاني لا ذوات.
نقول: وهذا أيضا إنكار لهم؛ لأن الله قال: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر ١] كيف تكون قوى؟ ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة تتكلم بصوت مسموع؛ لقوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران ٣٩].
* ومن فوائدها: جواز تكليم المصلي؛ لقوله: ﴿نَادَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يكلم بعضهم بعضا في الصلاة، لكن المكلم وهو يصلي لا يخاطب الآخر، لكن يفهم ما يقول ويجيبه بالإشارة، لكن هل هذا على إطلاقه بالنسبة لجواز الكلام مع المصلي؟
الجواب: هذا الأفضل تركه إلا لحاجة؛ وذلك لأنك إذا كلمته وهو يصلي فإنك تشوش عليه، وربما ينسى ويخاطب كما يقع هذا كثيرا.
* من فوائد الآية الكريمة: مشروعية تبشير الإنسان بما يسره؛ لقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران ٣٩] وهذا أمر مشروط في نوعه وجنسه، ففي النوع سبق أن الله تعالى أخبر عن الملائكة أنها بشرت إبراهيم بإسماعيل وبإسحاق، إسماعيل قال الله فيه: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات ١٠١]، وإسحاق ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات ٢٨].
وهل من البشارة ما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ وَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ»[[أخرجه مسلم (٢٣١٥ / ٦٢) من حديث أنس.]]، أو هذا من باب التحدث بنعمة الله؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: هذا هو الأصل، الثاني، أنه من باب التحدث بنعمة الله هو الأصل.
ومن فوائد الآية الكريمة..
* طالب: البشارة بالجنس.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: النوع والجنس.
* الشيخ: البشارة بالجنس أن الإنسان يبشر بأي خير كان، بأي شيء كان جاءت به السنة من مفهوم قوله ﷺ: «لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ حَتَّى يَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٢٩٠)، ومسلم (٢١٨٤ / ٣٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، فإن هذا يدل على إدخال السرور على المسلم، وهو كذلك، سواء كان ببشارة أو بغيرها.
قال: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٣٩] إلى آخره، يستفاد من هذا أيضا: جواز تقديم التسمية على اليوم السابع، وهو كذلك، أنه يجوز أن يسمي الإنسان مولوده من ذكر أو أنثى قبل اليوم السابع، وهذا إذا كان الاسم مهيأ، أما إذا كان غير مهيأ فإنه ينبغي أن يؤخر إلى اليوم السابع.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على من صدق المرسلين؛ لقوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فإن الله قال ذلك على سبيل الثناء على يحيى، ولا شك أن من صدق من قامت البينات على صدقه فإنه محمود، حتى في الأمور الدنيوية، إذا صدقت من قامت البينة على صدقه فهذا لا شك أنه خير، وأما إذا صدقت من لم تقم البينة على صدقه فهذا استعجال، وأما إذا صدقت من قامت البينة على كذبه فهذا خبال؛ أن تصدق من قامت البينة على كذبه.
فالأحوال ثلاثة: من قامت البينة على كذبه فتصديقه خبال وسفه في العقل وضلال في الدين، ومن قامت البينة على صدقه فتصديقه كمال يحمد الإنسان عليه، ومن لم تقم البينة على صدقه ولا كذبه فتصديقه استعجال؛ لأن مثل هذا الخبر ينبغي أن يتأنى الإنسان فيه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] لم يقل عز وجل: ردوه ولا اقبلوه، نتبين حتى ننظر؛ لأنه قد يكون صادقا.
* من فوائد الآية الكريمة: أن يحيى عليه الصلاة والسلام سيكون سيدا؛ وذلك لأنه أحد الأنبياء، والأنبياء هم سادة الخلق وأفضل الخلق.
* ومن فوائدها أيضا: أن يحيى عليه الصلاة السلام مع توافر صفات الكمال في حقه بالسيادة فإنه بالإضافة إلى ذلك كان ممنوعا من سوء الأخلاق؛ لقوله: ﴿وَحَصُورًا﴾، فإن أصح وأعم ما قيل فيها أنه ممنوع عن مساوئ الأخلاق.
* ومن فوائدها أيضا: أن يحيى من الأنبياء؛ لقوله: ﴿وَنَبِيًّا﴾، وكل من وصف بالنبوة في القرآن فإنه رسول، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [النساء ١٦٣] إلى آخره، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨] وما قصهم الله علينا يقصهم بلفظ النبوة في الأكثر، فيكون كل من ذكر في القرآن بوصف النبوة فهو رسول.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء من الصالحين، بل هم في أعلى مراتب الصلاح، فإن مراتب الصلاح أربعة: النبوة والصديقية والشهادة والصلاح، إذا ذكرت جميعا صارت مراتب، وإن لم تذكر جميعا صار الصلاح عاما؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ -عِبَاد اللهِ الصَّالِحِينَ- فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ [آل عمران ٤٠] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حرج على الإنسان في طلب ما تطمئن به نفسه؛ لأن زكريا عليه الصلاة والسلام ما شك في خبر الله، لكن أراد أن يتقدم إليه الفرح والاستبشار بقوة البراهين؛ لأن خبر الله لا شك أنه برهان، لكن كلما ازدادت البراهين ازدادت قوة اليقين، فهنا سأل ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ يعني تعجبا من قدرة الله عز وجل؛ أن يكون له غلام وقد بلغه الكبر؛ لأن الغالب أن الإنسان إذا بلغ الكبر يقل إنجابه، وربما عدم بالكلية، والعقر إلى النساء أقرب منه إلى الرجال، ولهذا تكون المرأة عاقرا قبل أن يكون الرجل عاقرا.
* ومن فوائد الآية الكريمة نقول: إن الإنسان يملك ولده؟
طلبة: ﴿لِي﴾..
طلبة آخرون: اللام.
* الشيخ: اللام، تأملوا.
* طالب: اختصاص.
* الشيخ: أو نقول: اللام لا تتعين للملك؟
* طالب: لا غلط.
* الشيخ: إي ما تتعين، اللام لا تتعين للملك، قد تكون للاختصاص؛ لأن الإنسان لا يملك ولده كما يملك عبده، لو أراد أن يبيع ولده ما صح، وأما قول النبي ﷺ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٣٠)، وابن ماجه (٢٢٩١) من حديث جابر بن عبد الله، واللفظ له.]] فالمراد بذلك المنافع، أو أن المراد بذلك المبالغة؛ لأن هذا الرجل لما جاء يشكو إلى الرسول ﷺ أن أباه اجتاح ماله -يعني: أخذه- قال له: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»، فيكون هذا إما من باب المبالغة أو أن منافعك لأبيك كما أن مالك لأبيك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز وصف الإنسان بما يكره إذا كان المراد مجرد البيان، لا القدح والعيب؛ لقوله: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران ٤٠]؛ لأنك لو وصفت المرأة بأنها عاقر لكرهت ولّا سرت؟ كرهت، معلوم، لو تقول لها: أنت لك أربعين سنة ربت، نعم كيف عاد تقول: أنت عاقر، لكن إذا كان المراد بيان الأمر على وجهه دون العيب والقدح فإن هذا لا بأس به، ودليل ذلك أن رسول الله ﷺ قال: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٤٨٠ / ٣٦) من حديث فاطمة بنت قيس. ]]، لكن هذا من باب المشورة، ولكن لم يقصد الرسول ﷺ أن يعيب الرجل، بل قصد أن يبين حاله ليكون الإنسان معه على بصيرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات فعل الله؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٠].
ومذهب أهل السنة والجماعة إثبات أفعال الله الاختيارية المتعلقة به والمتعدية إلى غيره، أفعال الله الاختيارية يعني التي تقع باختياره، ولا شيء يقع من أفعال الله إلا باختياره، لكن منها شيء متعلق به مثل الاستواء والنزول والضحك والفرح، وأشياء متعلقة بغيره، مثل: الخلق، فإن الخلق يتعدى إلى الغير، فأهل السنة والجماعة يثبتون النوعين: الفعل الخاص به عز وجل الذي لا يتعداه إلى غيره، والفعل الذي يتعداه إلى غيره، ويقولون بلا شك: إن الرب الذي يفعل ما يشاء أكمل من الرب الذي لا يستطيع الفعل.
غالب الأشاعرة إن لم أقل: كل الأشاعرة والمعتزلة ومن ضاهاهم يقولون: إن الله ليس له أفعال اختيارية؛ لا يستوي، ولا ينزل، ولا يجيء، ولا يضحك، ولا يفرح، ولا يحب، ولا يكره... إلى آخر ما يقولون في نفي الأفعال الاختيارية.
علتهم أوهى من أي علة كانت، العلة قالوا: لأن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، والله عز وجل أزلي أبدي، فيقال لهم: أولا: من قال لكم هذا: إن الحوادث لا تكون إلا بحادث، من قال هذا؟! عندكم بذلك وحي، أو مجرد قياس عقلي فاسد ذكرتموه؟!
الحقيقة أن هذا قياس عقلي فاسد؛ فإن الحوادث لا يلزم ألا تقوم إلا بحادث؛ لأنه من المعلوم أن المحدث سابق على الحدث، وإذا كان المحدث سابقا على الحدث لم يلزم أن يكون المحدث حادثا؛ أنت الآن تأكل الغداء اليوم، والغداء اليوم بالنسبة لك حادث متى؟ وقت حدوثه، وأنت موجود من قبل، فالرب عز وجل يفعل الأفعال هذه في وقت فعلها، وهو لم يزل موجودا، لكن على زعمكم أنتم وعلى مذهبكم الباطل يلزم أن يكون الله سبحانه وتعالى لا يفعل أي فعل، معطلا عن الأفعال، وهذا عيب ولّا كمال؟ عيب؛ لأن من يفعل أكمل ممن لا يفعل باتفاق الناس، وليس يعتري الله عز وجل من إثبات الفعل في حقه أي نقص بأي وجه من الوجوه.
والآيات كثيرة في إثبات فعل الله ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٠]، ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٦]، ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٢٧]، والنصوص في هذا كثيرة ولله الحمد، وأهل السنة والجماعة يؤمنون بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الجمع على الواحد، أو ما يصلح؟ قوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ من القائل؟ الله؟ إن كان هو الله فهذه الفائدة لاغية، وإن كانت الملائكة فهذه الآية تدل على أن القائل واحد وأن قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران ٣٩] يعني واحدا منهم، وقد سبق في التفسير الخلاف في ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله.
* طالب: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
* الشيخ: وأين؟
* الطالب: ﴿مَا يَشَاءُ﴾.
* الشيخ: ﴿مَا يَشَاءُ﴾ صح، ولكن كل شيء قيده الله بالمشيئة فهو؟
* طالب: فهو بحكمة.
* الشيخ: مقرون بالحكمة، ما دليلك على هذا؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠].
* الشيخ: نعم فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، فدل على أنه لا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة، وهو كذلك.
إذا قال قائل: يشكل على هذا: أن الله قد شاء الخير والشر، فما الحكمة من الشر؟ تأملوها إلى الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
* طالب: يا شيخ فيه فائدة (...) فأجاب دعاءه؛ لأنه قال: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (...) الدعاء؟
* الشيخ: إي نعم يقول: فيها فائدة سرعة إجابة الله تعالى الدعاء؛ لقوله: ﴿فَنَادَتْهُ﴾ فإن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب. وعند محمد الواصل فائدة هنا، ما هي؟
* الطالب: في قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ﴾ جواز إطلاق الكلمة الواحدة على الكلام الكثير؛ لأن يحيى عليه الصلاة والسلام ليس مصدقا بكلمة واحدة، وإنما مصدق بجميع كلام الله عز وجل.
* الشيخ: ما هي الكلمة التي صدق بها يحيى؟
* الطالب: الكلمة التي صدق بها؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...) في قصة عيسى.
* الشيخ: ما هي الكلمة التي في قصة عيسى؟
* الطالب: نسيتها، هي الآية التي في سورة آل عمران.
* طالب: نقول يا شيخ: الكلمة فعلا كلمة؛ لأن الكلمة هي: ﴿كُنْ﴾.
* الشيخ: صحيح، يقول: إن الكلمة هي قوله تعالى في عيسى: ﴿كُنْ﴾ لكن إطلاق الكلمة على الكلام هو الأصل في اللغة العربية؛ أن الكلمة يراد بها الكلام ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ [المؤمنون ٩٩، ١٠٠] كم قال من كلمة هو؟ أربع كلمات، أربع جمل أيضا هو قائلها، وقال النبي ﷺ: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٨٤١)، ومسلم (٢٢٥٦ / ٣) من حديث أبي هريرة. ]].
(ألا كل شيء ما خلا الله باطل) كلمة ولّا كلمات؟ كلمات، فقول ابن مالك رحمه الله:
............................. ∗∗∗ وَكِلْمَــــةٌ بِهَــــا كَــــلَامٌ قَــــدْيُــــــــــــــــــــــــؤَمْ
يعني باصطلاح النحويين، لا بمقتضى اللغة العربية، اللغة العربية لا تطلق الكلمة إلا على الكلام المفيد، لكن النحويون رحمهم الله أطلقوا الكلمة على القول المفرد.
* طالب: جزاكم الله خيرا، فيه بعضهم يقول: إن من يأكل الربا إنه لا يدعو الله لأنه لا فائدة من دعائه، لأنه لو دعا لن يجاب له (...)؟
* الشيخ: إيه، والله مشكل كأنه كبير، أقول: هذا مشكل يعني: مشكل حقيقة، هذا مشكل، لكن الرسول ﷺ استبعد ولم يقل: إنه مؤكد، قال: «أَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة. ]] يعني استبعد الإجابة، ليس معناه أنه قطعا لا يجاب، ولكن الذي يأكل الربا نقول: هل تحب أن الله يغفر لك؟
* الطالب: سيقول: نعم.
* الشيخ: يقول: نعم لكن ما أنا بداع والله ما يجيبني، نقول: اترك الربا، مثلما قال الفقهاء رحمهم الله في الرجل العاصي بسفره إذا اضطر إلى الميتة إما أن يأكل منها أو يموت؟ قالوا: يموت ولا يأكل منها، ولكن الله ما أحل الميتة للمضطر؟ هم يقولون: لا يمكن، ولا تحل له، وأيش يسوي؟ يموت؟ قالوا: يموت، لكن هنا شيء قبل الموت يقدره وهو أن يتوب، نقول: تب وكل، إذا كنت قاطعا تذكرة لتروح لبلد تفجر به الغِ التذكرة وكل.
يصلي ركعتين الرباعية ولّا ما يصلي؟ ما يصلي ركعتين الرباعية، فيه خلاف على كل حال القائلين بأنه لا يجوز، قال: وأيش أسوي يا جماعة أنا مسافر؟ نقول: تب وصل ركعتين.
كاد يهلك من العطش في رمضان وهو مسافر وقال: هل أفطر؟ ماذا نقول له؟ لا تفطر، قال: يا جماعة، أنا مت من الظمأ، نقول: مت. وأيش الطريق؟
طلبة: تب إلى الله.
* الشيخ: نقول: تب واشرب.
* طالب: يا شيخ يقال لهم: تب وبعدين ادع؟
* الشيخ: إي نعم يقول: تب وادع الله.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، بعض الناس -أحسن الله إليكم- إذا دخل المسجد والناس يتسننون في المسجد يسلم عليهم، علما كثير من الناس تخفى عليه (...) الرد بالإشارة، وبعض الناس إذا دخل على مكان خالٍ كغرفة أو ما شابه ذلك ما فيه أحد سلم وقال: أنا أسلم على الملائكة؟
* الشيخ:كلاهما لا أصل له، لكن السلام على المصلي لا بأس به أحيانا؛ لأن الصحابة كانوا يفعلون هذا مع النبي ﷺ ولا ينهاهم.
* طالب: شيخ، لكن الناس ما يعرفون ما يردون..؟
* الشيخ: على كل حال أحيانا لا يجعله دائما.
* * *
* طالب: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران ٤١ - ٤٤]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أظن بقي علينا فوائد من؟
* طالب: إن الله شاء الخير والشر..
* الشيخ: إي نعم، إثبات المشيئة لله في قوله: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٠] وبينا أن المشيئة المطلقة مقيدة بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، ليست مجرد مشيئة ولكنها مشيئة مقرونة بالحكمة. وذكرنا أنه يستفاد من العموم ﴿مَا يَشَاءُ﴾ الشمول للخير والشر، ولكن الشر لا يضاف إلى الله؛ كما قال النبي ﷺ: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) من حديث علي بن أبي طالب. ]]، ولهذا جاء في الثناء على الله: «بِيَدِهِ الْخَيْرُ»[[أخرجه الترمذي (٣٤٢٨)، وابن ماجه (٢٢٣٥) من حديث عمر بن الخطاب. ]]، ولم يقل: والشر؛ لأن الشر لا ينسب إليه، وإنما الشر في المفعولات البائنة منه، أما فعله نفسه -يعني نفس الفعل- فليس فيه شر؛ لأن الله لا يفعل شيئا فيه شر إلا لخير، فمثلا الشر يشاؤه الله عز وجل ومشيئته له ليست شرا، بل هي خير، لوجوه متعددة؛ الأول: أنه لا يمكن أن يتبين الخير إلا إذا وجد الشر، إذ لا تتبين الأشياء إلا بضدها، ولو كانت كل مفعولات الله خيرا ما عرف الشر، ولا وجد الشر أصلا، فلا يتبين الخير وخيريته إلا بوجود ما يقابله وهو الشر، هذه من الحكمة.
ومن الحكم أيضا: ابتلاء الناس وامتحانهم؛ فإن الطريق لو كان كله خيرا ما حصل في ذلك ابتلاء وامتحان، إنما يكون الابتلاء والامتحان إذا وجد طريقان، أحدهما خير وقيل للناس: اسلكوه، والثاني شر وقيل للناس: لا تسلكوه، تبين بذلك الصادق من الكاذب، ولا يمكن الامتحان إلا بذلك.
ومنها -من الحكم في إيجاد الشر- أنه لا يستقيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي فضلت به هذه الأمة إلا بوجود الشر، حتى يؤمر بالخير الذي يقابله وينهى عن الشر الذي هو مفسدة، لو كانت كل الأمور خيرا ومعروفا لم يكن هناك أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؛ لأن الإنسان لا سبيل له إلا هذا المعروف الخير، فلا يمكن أن يؤمر بشيء لا سبيل له إلا هو.
ومن الحكم أيضا: إقامة الجهاد في سبيل الله، فإنه لولا الخير والشر ما قام الجهاد في سبيل الله؛ إذ إن الجهاد صراع بين أولياء الله القائمين بالخير وأعداء الله القائمين بالشر، ولولا هذا ما حصل الجهاد في سبيل الله.
ومن الحكم في ذلك: بيان قدرة الله عز وجل بخلق الأشياء المتضادة، فإن خلق الأشياء المتضادة لا شك أن فيه دليلا على قدرة الله سبحانه وتعالى، ولولا هذه المتضادات خلقها وإيجادها لم يتبين كمال القدرة؛ لأن خلق الشيء مع ضده أبلغ في القدرة من خلق الشيء الذي لا ضد له.
ومن حكم إيجاد الشر: أنه حافز إلى لجوء الإنسان إلى ربه، وكثيرا ما يحمل الناس على اللجوء إلى الله والأوراد والاحترازات وجود الشر، ولولا وجود الشر ما لجأ الناس إلى الله؛ لأنهم في خير.
ومنها -أي من حكم إيجاد الشر- أن الإنسان يعرف به قدر نعمة الله عليه، حيث يجد أناسا كثيرين من أهل الشر والفساد، وقد منّ الله عليه هو بالخير والصلاح والإصلاح، فيعرف بذلك قدر نعمة الله عليه، فيشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة التي منّ بها عليه بمحبة الخير والسعي فيه، ثم يحمد الله مرة ثانية أن نجاه من الشر والفساد وأهله، والنجاة من الشر والفساد وأهله لا شك أنها نعمة عظيمة ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون ٢٨].
ومن الحكمة في خلق الشر: إظهار ضعف الإنسان وعجزه أمام قوى الشر، فإن الإنسان تؤرقه عن منامه وتقض مضجعه بعوضة، بعوضة من أوهن المخلوقات تمنعه من النوم، وإذا كان شابا ثقيل النوم منعته من لذة النوم، يمكن ينام لكن يتحقرص؛ تقرصه مرة مع اليد، مرة مع الرجل، مرة مع الوجه، فتحرمه من لذيذ النوم، وهي ما هي؟ شيء ضعيف بعوضة، فيعرف الإنسان بذلك قدر نفسه، وأنه ضعيف أمام قوى الشر، حتى لا يتكبر ويتعاظم.
ولهذا ذكر أن ملكا من الملوك الجبابرة كان يتحدث مع قومه ويسخر ويقول: ما الحكمة من خلق الذباب؟ الذباب يحمل الجراثيم ويحمل الأمراض وما أشبه ذلك فما الحكمة منه؟ فقال أحد الحاضرين: الحكمة منه أن يذل أو أن يرغم أنوف الجبابرة مثلك. نعم لأن هذا الذباب المهين يقع على أنف هذا الرجل الجبار الذي لا يدخل البشر إليه إلا باستئذان وله حاجب من وراء حاجب، وهذا الذباب المهين يأتي ويقع على أنفه، وربما يصيبه بعذرته أيضا، نعم إذا جاءه وهو نائم وكان ثقيل النوم يمكن الذباب يكيف عليه.
على كل حال هذا أيضا من حكمة الله سبحانه وتعالى في خلق الشر، وهناك حكم ربما يظهر للمتأمل منها شيء كثير.
وبهذا نعرف كمال حكمة الله سبحانه وتعالى وربوبيته، ومن عرف الله ازداد في عبادته، كما قيل: من كان بالله أعرف كان منه أخوف وله أطوع.
قال: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٠] ثم قال الله عز وجل: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران ٤١].
من فوائد هذه الآية: جواز البحث عما يزيد به الإيمان، وإن كان الإيمان موجودا، بل قد نقول: وجوب البحث عما يزيد به الإيمان؛ لأن الإنسان مطلوب منه أن يقوي إيمانه بكل وسيلة.
ومن فوائدها -من فوائد الآية الكريمة- تمام قدرة الله سبحانه وتعالى بخوارق العادات، فإن كون زكريا عليه الصلاة والسلام لا يكلم الناس إلا رمزا، لكن في باب التسبيح ينطلق لسانه، هذا من آيات الله، ولهذا قال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآية قد تكون على عكس ما طلبت له، فهي قد طلبت لتحقق الوجود فيما بشر به، والآية كانت على العكس، كانت إعدام موجود، وهو أيش؟ الكلام، كان قادرا على الكلام فمنع من الكلام، كان في الأول كبير السن وامرأته عاقر فوُجد له الولد، فالآية وما كانت آية له بينهما أيش؟ تضاد، هذا وجود وهذا عدم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإشارة تقوم مقام العبارة، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾.
* الشيخ: كيف يعني من أين تؤخذ؟
* الطالب: ألا تكلم الناس إلا رمزا.
* الشيخ: ما هي الفائدة اللي قلنا؟
* الطالب: تكلم الناس بالإشارة.
* الشيخ: لا.
* طالب: أن الإشارة تقوم مقام العبارة.
* الشيخ: أن الإشارة تقوم مقام العبارة، لقوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ... إِلَّا رَمْزًا﴾ وهذه الفائدة مبنية على أيش؟
* طالب: فائدة (...)
* الشيخ: إيه لكن مبنية على أي شيء بالنسبة لتفسير الآية؟
* الطالب: مبنية على قوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم ١٠].
* الشيخ: لا.
* الطالب: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران ٤١].
* طالب: على أساس أن الاستثناء متصل.
* الشيخ: نعم، مبنية على أن الاستثناء متصل، فتكون الإشارة من الكلام.
وفائدة أخرى: أن الإشارة تقوم مقام العبارة عند العجز عن التعبير، من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: من أين تؤخذ قبل وبعدين نشوف وجه المأخذ؟
* طالب: قوله: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾.
* الشيخ: وجه المأخذ؟
* الطالب: نأخذ القول الثاني على أن الاستثناء هنا منقطع فلا يكون كلاما.
* الشيخ: فلا يكون كلاما لكنه يكون مقامه عند؟
* الطالب: عند العجز.
* الشيخ: عند العجز عنه. وكلا الأمرين حق، فالإشارة تقوم مقام العبارة في الإفهام، ولاسيما عند العجز، وذكرنا في التفسير أمثلة لمفارقة الإشارة للكلام، وأمثلة لموافقة الإشارة للكلام، أتستحضرونها الآن؟
مثال لمفارقة الإشارة للكلام؟
* طالب: (...)
* الشيخ: نعم يعني أنها ليست كلاما.
* الطالب: كما لو أشار في الصلاة.
* الشيخ: نعم كما لو أشار في الصلاة؛ فإن الإشارة لا تبطل الصلاة والكلام يبطلها. طيب مثال؟
* الشيخ: مثال لقيام الإشارة مقام الكلام؟
* طالب: في قول مريم (...): ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم ٢٩] (...) أشارت إليه، الإشارة هنا..
* الشيخ: لما عرّضوا بقذفها أشارت إليه، وغير؟
* طالب: حديث المرأة التي قتلها اليهودي[[أخرجه أبو عوانة في مسنده (٦١٣٤) من حديث أنس.]]، عندما سألوها فأشارت إلى اليهودي.
* الشيخ: ما أشارت إلى اليهودي.
* الطالب: أومأت.
* الشيخ: أشارت حين ذكر اسمه.
* طالب: في قصة ذي اليدين حين قال النبي: «أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟»، فأومؤوا أن نعم[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧١٤)، ومسلم (٥٧٣ / ٩٩)، وأبو داود في سننه (١٠٠٨) من حديث أبي هريرة.]].
* الشيخ: بعضهم، وبعضهم قالوا: نعم.
إذن نقول: الآية على الوجهين تدل على أن الإشارة تقوم مقام العبارة مطلقا أو عند الحاجة إليها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان ينبغي له إذا انقطع عن الناس أن يشغل وقته بذكر الله، من قوله لما منع من الكلام مع الناس وصار لا يكلمهم إلا رمزا، ومعلوم أن الإنسان الذي لا يكلم الناس إلا رمزا سوف لا يكون حريصا على مكالمتهم لئلا يتعب أو يتعب، أمره الله قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران ٤١].
* ومن فوائدها: فضيلة التسبيح والذكر في هذين الوقتين: العشي آخر النهار، والإبكار أول النهار. ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق ٣٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذكر ينبغي أن يكون مقرونا بالتسبيح، إلا ما ورد النص بإفراد أحدهما عن الآخر؛ لأنه قال: اذكر ربك وسبح، ولكن الذكر قال: ﴿كَثِيرًا﴾، والتسبيح قال: ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ فهل نقول: إن الذكر لا يتقيد بالعشي والإبكار، أو نقول: إنه متقيد لكن يكثر منه؟
يحتمل هذا وهذا، لكن الآيات الأخرى تدل على أن الإنسان مأمور بأن يذكر الله كثيرا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب ٤١، ٤٢]، وقال تعالى في وصف أهل الصلاح: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب ٣٥]، وعلى هذا فالذكر يكون أكثر من التسبيح، لكن القرن بينهما أيضا فيه فائدة وهو أنه يجمع بين الثناء على الله وتنزيهه من النقائص.
آل عمران 3:39
ثم قال الله عز وجل: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران 38]، وهذا مبتدأ الدرس.
﴿هُنَالِكَ﴾ هذه اسم إشارة إلى المكان، واللام يقولون: إنها للبعد، والكاف حرف خطاب، يعني: في ذلك الزمن، والإشارة هنا يحتمل أن تكون للزمن، أي في ذلك الزمان، أو في المكان الذي هو محراب مريم. ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك المكان وفي ذلك الزمان. ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾، و﴿زَكَرِيَّا﴾ فيها قراءتان: المد والقصر؛ ﴿زَكَرِيَّاءُ رَبَّهُ﴾ هذا مد، ﴿زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ هذا القصر.
﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾، ﴿هَبْ لِي﴾: أعطني، والهبة هي التبرع بالشيء بلا عوض، لكن قال العلماء: إن هناك هبة وهدية وصدقة، كم؟ ثلاثة أشياء، فالصدقة: ما أريد به ثواب الآخرة، والهدية: ما أريد به التودد والتقرب بين المهدِي والمهدَى إليه، والهبة: ما قُصِد به مجرد انتفاع الموهوب له، وهنا ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي﴾ أي: أعطني عطاء بلا ثمن.
﴿مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾، ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾: من عندك، وأضافه إلى عندية الله عز وجل ليكون أبلغ وأعظم؛ لأن هدية الكريم أكرم. وقوله: ﴿ذُرِّيَّةً﴾ بمعنى: مذروءة أي: مخلوقة، وقوله: ﴿طَيِّبَةً﴾ أي: طيبة في أقوالها وأفعالها وكذلك في أجسامها، فهو متناول للطيب الحسي والطيب المعنوي.
﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي: مجيبه، والدعاء هو سؤال العبد ربه حاجته إما بجلب منفعة وإما بدفع مضرة.
قال: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾، وفي قراءة: ﴿فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ، فأما على قراءة الجمع: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ فالتأنيث في الفعل ظاهر؛ لأن ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ جمع وكل جمع يجوز تأنيث فعله، كل جمع إلا جمع المذكر السالم فإنه لا يؤنث إلا نادرًا جدًّا، فمثال التأنيث في الجمع ولو للمذكر قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٣]، فالرسل هنا مؤنث، ما الدليل؟ الإشارة بالتأنيث، بصيغة التأنيث، وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات ١٤] قالت الأعراب، ولم يقل: قال الأعراب؛ لأنه جمع، وأما جمع المؤنث السالم فيجب تأنيثه، وجمع المذكر السالم يجب تذكيره، ولهذا قال ابن مالك رحمه الله:
وَالتَّــاءُ مَعْ جَمْــعٍ سِــوَى السَّالِــــمِمِــــنْ ∗∗∗ مُذَكَّــــرٍ كَالتّــــَاءِ مَــــعْ إِحْــــدَىاللَّبِــــــــنْ
المعنى أن التاء مع الجمع كالتاء مع إحدى اللبِن، ما هي إحدى اللبن؟ لبنة، فلبنة مؤنث لكن تأنيثها مجازي، فيجوز في فعلها التذكير والتأنيث، فتقول: انكسرت اللبنة، وانكسر اللبنة، وظاهر كلامه حتى جمع المؤنث السالم لا يجب تأنيثه، والصحيح أنه يجب تأنيث المؤنث السالم، فالسالم من مذكر أو مؤنث حسب (...)، المذكر يجب تذكيره والمؤنث يجب تأنيثه، وما عدا ذلك من الجموع يجوز فيه التذكير والتأنيث.
فهنا ﴿نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ليس في تأنيث الفعل إشكال، لماذا؟ لأنه جمع؛ لأن الفاعل جمع، لكن على قراءة: ﴿فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ، هل فيه إشكال؟ نقول: لا إشكال فيه أيضًا، لا إشكال فيه، لماذا؟ لأن الملائكة جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه التذكير والتأنيث، فتقول: قام الرجال وقامت الرجال، ويمكن أن يراد بالملائكة واحد وهو جبريل ناداه، وعبّر عنه بالجمع باعتبار الجنس؛ لأنه واحد منهم.
﴿نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، جملة ﴿وَهُوَ قَائِمٌ﴾ في محل نصب على الحال، الحال من الضمير الهاء في قوله: ﴿نَادَتْهُ﴾، وقوله: ﴿قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، (المحراب) مكان الصلاة أو مكان العبادة، وسمي بذلك لأنه مكان حرب الشياطين؛ فإن العبادة حرب للشياطين، وليس المراد بالمحراب طاق القبلة كما يظنه بعض الناس فيفسر الآية به، ويقول: إن هذه المحاريب موجودة من قديم الزمان، ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾، وإلى قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، ولكن هذا ليس بصحيح.
﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾، ﴿أَنَّ﴾ قراءة بالفتح وقراءة بالكسر، فأما على قراءة الكسر ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ؛ فلأن النداء قول، ومقول القول إذا صُدِّر بـ (إنّ) يجب فيه كسر (إن)، كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم ٣٠] ولا يجوز أن تقول: قال: أني عبد الله، كذا؟ طيب. وأما على قراءة الفتح فهي على تقدير حرف الجر: فنادته الملائكة بأن الله يبشرك، أي: ببشرى، بشرى الله تعالى بهذا الابن يحيى.
وَأيضًا في قوله: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ قراءتان ﴿يَبْشُرُكَ﴾ و﴿يُبَشِّرُكَ﴾، وكلاهما سبعيتان، فصار في هذه الآية في ثلاث كلمات منها كل كلمة فيها قراءتان:﴿فَنَادَتْهُ﴾، ﴿فَنَادَاهُ﴾ ، ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَبْشُرُكَ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ ، نعم، والبَشارة الإخبار بما يسُرّ، وسميت بذلك لتأثر البشرة بالخبر؛ لأن الإنسان إذا بُشِّر بما يسره يفرح ويظهر ذلك على وجهه، ألم تر إلى وجه النبي ﷺ حين دخل مُجَزِّزٌ المدلجي على أسامة بن زيد وزيد بن حارثة وعليهما كساء لم يَبْدُ منه إلا أقدامهما، فنظر إلى أقدامهما وقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فدخل النبي عليه الصلاة والسلام على عائشة تبرق أسارير وجهه[[متفق عليه البخاري (٣٥٥٥)، ومسلم (١٤٥٩ / ٣٨) من حديث عائشة.]]، تأثر، بماذا؟ بالخبر السارّ، طيب، إذا قال قائل: إن قلتم هكذا فاجعلوا الإخبار بما يسوء بُشرى؛ لأن البشرة تتأثر بذلك، الرجل إذا أخبرته بما يسوؤه التفع وجهه وتغيّر فسمِّها بشرى؟ فما الجواب؟ نقول: هذا قد يطلق عليه، أي الخبر بما يسوء قد يطلق عليه بشارة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١]، ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء ١٣٨]؛ لأن هذا يؤثر في البشرة.
* طالب: شيخ، ما (...) مريم (...) بأنها نذرتها ثم (...)؟
* الشيخ: مريم يعني أن أباها مات قبل أن تولد؟
* الطالب: أيوه لأنها نذرتها ولم (...).
* الشيخ: والله ما هو ببعيد.
* الطالب: بعدين سمتها.
* الشيخ: وأيضًا كفلها زكريا، إي نعم، فهذا جيد أن والدها كان غير موجود، نعم، لا يؤخذ منها، وحينئذ يزول الإشكال.
* طالب: مريم كم عمرها كان؟
* الشيخ: عمرها متى؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: والله لا بد يمكن المؤرخون يذكرون ذلك، ولكن الظاهر أنها كبيرة شابة؛ لأنها حملته فانتبذت به مكانًا قصيًّا.
* الطالب: متوسطة العمر.
* الشيخ: الله أعلم، لكنها لا شك أنها كبيرة نشيطة، لا وصلت إلى حد الكبر ولا إلى الصغر الذي لا تستطيع الحمل.
* طالب: شيخ، (...)، أقول إذا ذكرتم بأن الاسم إذا كان مهيأ فإنه حين الولادة، وإذا لم يكن مهيأ ففي اليوم السابع، وأحسن الله إليكم فإذا تهيأ بعد الولادة بيوم أو يومين فهل يسمى في الحال ولّا..؟
* الشيخ: لا، الأحسن يؤجل.
* الطالب: إلى حين السابع؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة للقراءات يعني هل يجوز يخلط بين قراءتين في آن واحد، في وقت واحد يعني؟
* الشيخ: إن كان هذا على سبيل التعليم فلا شك أنه جائز، على سبيل التعليم، وإن كان على سبيل القراءة فمن العلماء من أجاز ذلك ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنهم من لم يجز وقال: إذا قرأت على قراءة واحد من القراء فاستمِر عليه، لكن الذي يظهر أن القرآن شيء واحد، وأنه يجوز أن تقرأ بقراءة واحد، والحرف الثاني بقراءة آخر.
* الطالب: يعنى في وقت واحد؟
* الشيخ: إي ما فيه بأس، نعم؟ لا قصدك فيه يعني بمعنى أنك تردد الكلمة مرتين؟
* الطالب: لا لا، يعني يقرأ..
* الشيخ: مثلًا تقرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ و﴿أَنَّ اللَّهَ يَبْشُرُكَ﴾ كذا؟
* الطالب: لا لا، يعني يقرأ الآية بقراءة مثلًا حفص والآية الثانية بقراءة قارئ آخر الآية التي تليها.
* الشيخ: في نفس الوقت أو التي تليها الآية الثانية؟
* طالب: الآية التي تليها.
* الشيخ: لا بأس، هذه اللي فيها الخلاف، هذا هو اللي فيه الخلاف.
* طالب: شيخ ما يمكن يستدل بقوله سبحانه تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ بأن هذه الآية مؤيدة لقصة تنازع جعفر وعلي بن أبي طالب.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لما تنازعوا في ابنة.. فأيد الرسول ﷺ أعطاها جعفر لأن خالتها (...)، وخالة مريم تحت زكريا؟
* الشيخ: بس هل في هذا نزاع؟ ما نعرف هل في هذا نزاع أو لا.
* الطالب: يمكن يعني..
* الشيخ: ما نقدر نقول فيه نزاع وهو ما ذُكِر في القصة، والظاهر كما ذكر الأخ أن أباها كان توفي، أبو مريم الظاهر أنه توفي ولعله توفي قبل أن تولَد، بدليل أن مريم تصرفت فيها وسمتها.
* الطالب: ما يكون تأييد.
* الشيخ: تأييد لأيش؟
* الطالب: للنبي ﷺ.
* الشيخ: لا ما فيه تأييد، ما فيه نزاع، من نازع زكريا.
* الطالب: بالنسبة لحفظه، بالنسبة مثلًا أنه تكون الحضانة أو تكون كفالة لزوج الخالة.
* الشيخ: أصلًا الأب ما هو موجود.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وأمها موجودة، وهي عند أمها.
* * *
* طالب: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران ٣٩ - ٤١]
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ هذا المبَشَّر به، وعندنا (بشارة) كما أسلفنا و(مُبَشِّر) و (مُبَشَّر به) و(مُبَشَّر)، كم هذه؟
* الطلبة: أربعة.
* الشيخ: أربعة، كلها تضمنها قوله: ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾، ويحيى قيل إنه من الحياة، وأن الله سماه بذلك إشارة إلى أنه سيحيى ويبقى، وعلى هذا فهو ممنوع من الصرف للعلَمية ووزن الفعل، والعلَمية ووزن الفعل علّتان توجبان المنع من الصرف، وقيل: بل هو اسم أعجمي، والأسماء الأعجمية ليست بمشتقة؛ لأنها غير عربية، وعلى هذا فالمانع له من الصرف العلَمية والعُجمة؛ لأن العلمية والعجمة علتان مانعتان من الصرف، وموانع الصرف نذكرها الآن استطرادًا، تسعة، مجموعة في البيت، أنت؟
* طالب: لا أحفظه.
* الشيخ: لا تحفظ البيت، نعم؟
* طالب:
مَوَانِعُ الصَّرْفِ تِسْــــعٌ إِنْ أَرَدْتَبِهَــــا ∗∗∗ عَوْنًــــا لِتَبْلُــــغَ فِــــي إِعْرَابِــــكَالْأَمَــــــــــــــلَا؎اجْمَــــعْ وَزِنْ عَــــادِلًا أَنِّــــثْبِمَعْرِفَــــــــــــــــةٍ ∗∗∗ رَكِّبْ وَزِدْ عُجْمَةً فَالْوَصْفُ قَدْكَملَا
* الشيخ: أحسنت.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما هو؟
* طالب:
جَمْــــــــعٌ وَعَــــــــدْلٌ زَادَ وَزْنٌصِفَــــــــــــــــــــهْ ∗∗∗ رَكِّــــــــــــبْ وَأَنِّــــــــــــثْعُجْمَــــــــــــــــةً (...)
* الشيخ: إي، طيب.
* طالب: أسمعنا.
* الشيخ: نعم، سمّع.
* الطالب: جَمْعٌ وَعَدْلٌ زَادَ وَزْنٌ وَصِفَهْ
* الشيخ: اصبر، لكن نبغي نسمّعكم بشرط أن تحفظوه، يلّا.
* الطالب: أقولها من الأول.
* الشيخ: إي.
* الطالب:
جَمْــــــــعٌ وَعَــــــــدْلٌ زَادَ وَزْنٌصِفَــــــــــــــــــــهْ ∗∗∗ رَكِّـــــــــبْ وَأَنِّـــــــــثْعُجْمَـــــــــــــةً و (...)
* طالب: على ما (...) أحسن.
* الشيخ: سمعتم؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: نيجي بالدور الثاني إن شاء الله، البيت الأول من حفظه معروف مشهور:
اجْمَــــعْ وَزِنْ عَــــادِلًا أَنِّــــثْبِمَعْرِفَــــــــــــــــةٍ ∗∗∗ رَكِّبْ وَزِدْ عُجْمَةً فَالْوَصْفُ قَدْكَملَا
هذه تسعة ثلاثة منها لا تحتاج إلا إلى علة واحدة، وثلاث منها تحتاج إلى علتين إحداهما العلَمية مع علة الأخرى، وثلاثة تحتاج إلى علتين إحداهما العلَمية أو الوصفية مع علة أخرى، فهذه العلل التسعة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يكفي فيها علة واحدة، وقسم علتان إحداهما العلَمية، وقسم علتان إحداهما العلَمية أو الوصفية، الذي معنا فيها العلَمية والعجمة، وهذه لا تأتي بها الوصفية، العجمة ما تأتي بها الوصفية، العلمية ووزن الفعل تأتي فيها الوصفية ولّا لا؟ تأتي؛ لأن الوصفية ووزن الفعل علتان مانعتان من الصرف، والعلَمية ووزن الفعل علتان مانعتان من الصرف.
طيب، ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا﴾، ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من ﴿يَحْيَى﴾، ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ هو عيسى ابن مريم، يعني مصدقًا بعيسى؛ لأن عيسى كلمة من الله أو كلمة الله، وسمي بذلك لأنه كان بكلمة الله، لم يكن من أب كما يكون البشر، بل كان بكلمة الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ﴾ [آل عمران ٥٩] أي: آدم، ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩]، ولهذا سُمِّي عيسى بالكلمة، بكلمة الله؛ لأنه كان بكلمته وليس هو كلمة الله، لماذا؟ لأن كلمة الله وصف لله عز وجل، فالكلام وصف للموصوف، ولا يمكن أن يكون وصف الله عينًا بائنة منه، بل هو يعني يتعين أن يكون معنى كونه كلمة أنه كان أيش؟ بكلمة الله ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾.
وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ بيان لابتداء الأمر وليست للتبعيض، فالكلمة ليست هنا بعضًا من الله، بل منشؤها منه، فـ(من) للابتداء؛ لأن منشأ الكلمة من الله؛ لأنه هو الذي تكلم، ﴿وَسَيِّدًا﴾ معطوفة على ﴿مُصَدِّقًا﴾ فتكون منصوبة على أيش؟ على الحال، تكون منصوبة على الحال، ﴿سَيِّدًا﴾ مَن السيد؟ السيد مَن ساد غيره وشرُف عليه بالعلم والدين والخلق والمعاملة، وقولنا (الخلق) يشمل كل خلق يسود به الإنسان غيره من الجود والشجاعة والإيثار وغير ذلك، المهم أن السيد من ساد غيره في الكمالات، يعني فضل عليه وزاد عليه، فيكون جامعًا لصفات الكمال الممكنة في المخلوق، وكذلك أيضا قال في وصفه: ﴿وَحَصُورًا﴾ معطوفة على ﴿مُصَدِّقًا﴾ فهي منصوبة على الحال، ﴿حَصُورًا﴾ فَعُول بمعنى فاعل، أي حاصرًا نفسه عن أراذل الأخلاق، فيكون هذا المبشَّر به موصوفًا بصفات الكمال الدال عليها قوله أيش؟ ﴿سَيِّدًا﴾ مبرأً من النقص وسوء الأخلاق الدال عليه ﴿حَصُورًا﴾، فيكون جمع له بين النفي والإثبات، وذلك لأن الإنسان لا يكمل إلا بوجود صفات الكمال وانتفاء صفات النقص، ولاحظوا أيها الإخوة أن صفات الكمال والنقص هنا لا نعني بها النقص المطلق والكمال المطلق، هذا لا يكون إلا لمن؟ لله، لكنه أمر نسبي، قد يكون الإنسان عنده كمال في الصفات لكن عنده سوء من جهة أخرى، هذا ناقص، وقد يكون عنده سوء ونقص في الكمال فيكون هذا أنقص، وقد يكون عنده كمال في الكمال وتنَزّه عن النقص وهذا هو أيش؟ الكمال كما وُصِف به يحيى عليه الصلاة والسلام.
وأما من قال من المفسرين: إن الحصور الممنوع عن إتيان النساء، يعني ما يقدر على النساء، فإن في هذا نظرًا، نظرًا واضحًا؛ لأن عدم قدرة الإنسان على النساء ليس كمالًا، إذ إن ذلك ليس منه بتخلق ولكنه عيب ولّا لا؟ عيب، نعم فيها قول آخر: أنه لا يأتي من النساء مَن لا تحل له، فيكون وصفًا له بماذا؟ بكمال العفة، هذا يُمدح عليه الإنسان، هذا يمدح، لكن ما قلنا أشمل من هذا القول، أشمل، ومعلوم أنه إذا وُجِد معنى أشمل فهو مقدم على المعنى الأقل؛ لأن الأقل داخل في الأشمل، ولا عكس، المهم أن (الحصور) هو الذي منع نفسه عن مساوئ الأخلاق وأراذلها، فيكون في الآية وصف له بكمال الأخلاق وانتفاء المساوئ، وهذا غاية الكمال.
﴿وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ هذه معطوفة أيضًا على ﴿مُصَدِّقًا﴾، فهو مصدق ونبي، ولا يلزم من تصديقه بعيسى أن يكون تابعًا له، فها هو محمد ﷺ مصدق لجميع الأنبياء، وهو تابع لهم؟ لا، هم يتبعونه ولا يتبعهم، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَوْ كَانَ أَخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي»[[أخرجه أحمد في المسند (١٥١٥٦) والدارمي (٤٤٩) من حديث جابر بن عبد الله. ]]، ولهذا صار إمامًا لهم ليلة المعراج، ولهذا إذا نزل عيسى في آخر الزمان يحكم بشريعة النبي عليه الصلاة والسلام، المهم أن تصديقه لعيسى ابن مريم لا ينافي أن يكون نبيًّا، فهو نبي مصدِّق بالأنبياء، ولهذا قال: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: من جملتهم، وإنما قلنا ذلك؛ لأن النبوة وصف أعلى من الصلاح، لكن هو في جملة الصالحين، النبوة صلاح وزيادة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء ٦٩]، فالصالحون في المرتبة الرابعة، كل من قبلهم داخل فيهم، ولّا لا؟ فكل نبي صالح ولا عكس، كل صدِّيق صالح ولا عكس، كل شهيد صالح ولا عكس، كذا؟ كل صالح صالح، صحيح كل صالح فهو صالح.
* طالب: ولا عكس.
* الشيخ: ولا عكس أيش؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: العكس ما هم؟ يعني كل فاسد فاسد ولا أيش؟
* طالب: عكس كل صالح صالح.
* الشيخ: إي نعم، على كل حال قوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي من جملتهم؛ لأن النبي أَخَذ بوصف النبوة والصلاح فهو من جملتهم.
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾، قال لما بَشَّره الله عز وجل: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ﴾ يعني: كيف، يقول ذلك ليس استبعادًا ولا استنكارًا ولكن تثبتًا، وإلا فإنّا نعلم أن زكريا عليه الصلاة والسلام قد آمن بما بشّره الله به ولا يمكن أن يستبعدها، ولكنه قال ذلك من أجل أيش؟ التثبت، والإنسان بشر ناقص في الإدراك والعلم يحتاج إلى شيء يثبّت له الأمور، إبراهيم عليه الصلاة والسلام لا شك أنه يؤمن إيمانًا كاملًا لا شك معه بأن الله يحيي الموتى، ومع ذلك قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]؛ لأنه ليس الخبر كالمعاينة، إذا أخبرك إنسان بخبر مهما بلغ في الصدق لن يكون خبره عندك مثل المعاينة، فزكريا عليه الصلاة والسلام سأل الله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ بقصد أيش؟ التثبت وتثبيت هذا الأمر لا استبعادًا لقدرة الله عز وجل ولا شكًّا في خبره عز وجل، بل هو مؤمن بذلك ومؤمن بقدرة الله سبحانه وتعالى، وأنه إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون لا سيما وأنه كان قد رأى عند مريم الرزق فقال: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾، قال: ﴿غُلَامٌ﴾ مع أنه لم يولد بعد، لكن هذا باعتبار ما سيكون، والتعبير بما سيكون أمر سائغ في اللغة وارد في القرآن ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف ٣٦]، يعني أعصر عنبًا يكون خمرًا؛ لأن الخمر ما هو بيُعصر، اللي يُعصر العنب وعصيره يتحول إلى خمر، فعبّر عن الشيء بما يؤول إليه، طيب هنا ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾، كيف يكون غلام وهو ما بعد وُلِد؟ نقول: باعتبار ما سيكون.
ثم قال: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ الواو هذه يسميها العلماء: واو الحال، يعني أنها تدل على أن الجملة التي بعدها في موضع نصب على الحال، يعني والحال أنه قد بلغني الكبر، حال من أين؟ من الياء في قوله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا يا أخي، هي حال من الياء في قوله: ﴿لِي﴾، ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾، فهي في موضع نصب على الحال من الياء في قوله: ﴿لِي﴾.
﴿بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ يعني: وصل إليّ الكبر، والحقيقة أنه قد يتراءى للإنسان أن في المعنى قلبًا، هل الكبر بلغك أو أنت بلغت الكبر؟ أو يجوز هذا وهذا؟ قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم ٨]، فصار هو الذي بلغ الكبر، وهنا يقول: ﴿قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾، إذن فالتعبير صحيح في هذا وهذا، فأنت إن بلغت الكبر فقد بلغك الكبر، وإذا بلغك الكبر فقد بلغت، ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ يعني: أصابني، وعادة أن الكبير إذا لم يولَد له في حال في سن الشباب فإنه لن يرى الأولاد؛ لأن الإنجاب والإخصاب إنما يكون في حال الشباب، وكلما تقدمت السن بالإنسان من رجل أو امرأة قلّ إنجابه، فيقول: كيف لما كنت شابًّا لا يأتيني ولد والآن بيأتيني الولد؟ أيضًا المرأة، امرأته عاقر، عاقر يعني لا تحمل، وعاقر لفظه مذكر لكن معناه هنا مؤنث، ويطلق على الذكر والأنثى، يقال: رجل عاقر، وامرأة عاقر، وهو الذي لا يولد له، فالآن كل من الزوجين يعني ليسَا بصدد الولادة، ولكن الله على كل شيء قدير، إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن فيكون، ولهذا قال: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ﴾ (كذلك) يجوز عندي فيها وجهان؛ الوجه الأول: أنها خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: الأمر كذلك، يعني أنك بلغك الكبر وامرأتك عاقر ولكن الله يفعل ما يشاء، والوجه الثاني: أن تكون في موضع نصب على المفعولية المطلقة، أي: مثل ذلك الفعل يفعله الله؛ لأنه يفعل ما يشاء، وكلا الوجهين صحيح، فإنه سيكون له ولد ولو كان بلغه الكبر ولو كانت امرأته عاقرًا، لماذا؟ لأن الله يفعل ما يشاء، فكل ما شاءه الله فعله؛ لأنه عز وجل لا يمنعه مانع كما نقول نحن في دبر كل صلاة: اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٣٠) ومسلم (٥٩٣ / ١٣٧) من حديث المغيرة بن شعبة.]]، فالله عز وجل يفعل ما يشاء؛ لأن له الملك المطلق في خلقه فلا أحد يمنعه ولا أحد يسأله: لِمَ فعلت، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٣]، ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، فلما أيقن بأن الله تعالى سيهب له الولد قال: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾، أي: صَيِّر لي علامة تدل على هذا الولد، يعني كأنه يقول: متى تكون هذه العلامة، رب اجعل لي آية تدل على حصول هذا الولد، وأن الولد بدأ ينشأ، لماذا؟ ليزداد أيش؟ طمأنينة، ليزداد طمأنينة فيما بشّره الله به، ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أستدل بها على أن الولد بدأ ينشأ، أو ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أزداد بها طمأنينة على ما بشرتني به، والآية في اللغة: العلامة، وآيات الله عز وجل كونية وشرعية، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أُيِّدُوا بماذا؟ بالآيات الدالة على صدقهم، الآيات الكونية والآيات الشرعية، وكثير من الناس يسمي آيات الأنبياء معجزات، وهذه التسمية وإن اشتهرت على الألسن لكن فيها قصورًا، والتعبير الصحيح السليم أن نسميها آيات كما سماها الله، نسمي ما يحصل من خوارق العادات على أيدي الأنبياء نسميها آيات، ولهذا لا تجد آية في القرآن سمى الله هذه الخوارق معجزات أبدًا، بل كان يسميها آيات، علامات على الصدق، أما معجزات فهي قاصرة؛ لأنها لو أخذناها على ظاهرها لشملت ما يأتي به السحرة، أو ما تأتي به الجن؛ لأن ما يأتي به السحرة والجن مُعْجِز ولّا لا؟ معجز، لكن هل هو آية؟ لا، لهذا كان التعبير الذي في القرآن خيرًا من التعبير الذي عبّر به بعض العلماء بتسمية خوارق العادات التي يجريها الله على أيدي الأنبياء معجزات.
﴿قَالَ آيَتُكَ﴾ يعني: الآية التي تدلك، فأضافها إلى زكريا مع أنه ليس هو الذي أوجدها، لكن لأنها علامة له، ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾، أنا أحب أن أفهم إعراب ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ﴾؟
* طالب: ﴿آيَتُكَ﴾ مبتدأ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: والكاف مضاف إليه، والمصدر المؤول من (أن) و(...) في محل رفع الخبر.
* الشيخ: (أن) وما تحويه في تأويل مصدر؟
* الطالب: في محل رفع الخبر.
* الشيخ: في محل رفع ولّا في تأويل مصدر خبر، ولا في محل الرفع؟
* الطالب: خبر.
* الشيخ: خبر؛ لأنها مفرد، واللي يقال: في محل، الجملة، طيب، قدِّر؟
* الطالب: الآية (...).
* الشيخ: أحسنت تمام، ﴿آيَتُكَ﴾ يعني العلامة التي أعطيك إياها ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾، ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ يعني لا تخاطبهم، ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾، ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ ثلاثة أيام بلياليها؟ نعم، بدليل قوله تعالى في سورة مريم: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم ١٠]، آيته أن لا يكلم الناس بلياليها، قال: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾، ﴿إِلَّا﴾ هذه أداة استثناء، ولكن أحب أن أفهم هل هذا الاستثناء متصل أو منقطع؟
* طالب: منقطع.
* الشيخ: منقطع؟
* الطالب: لأن ما بعد (إلا) ليس من جنس ما قبلها.
* الشيخ: الرمز ليس كلامًا؟ كلام ولّا غير كلام؟
* الطلبة: لا، غير كلام.
* الشيخ: طيب، نعم؟
* طالب: السياق أنه متصل؛ لأنه قال ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾، ثم قال له: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ عده كلامًا بمعنى أنه متصل.
* الشيخ: متصل، هذان قولان.
* طالب: أما عند النحويين فلا يسمونه كلامًا، والبلاغيون يسمونه كلامًا.
* الشيخ: نعم، هذا قول مفصّل، والواقع أن المفسرين اختلفوا هل الاستثناء متصل فتكون الإشارة من الكلام؛ لأن الكلام هو ما يعبر عما في النفس من قول أو إشارة أو كتابة، وبعض المفسرين يقول: إن الاستثناء منقطع؛ لأن الرمز ليس بكلام، ولذلك لو رمز الإنسان في الصلاة لم تبطل صلاته، ولو كان كلامًا لبطلت؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم. ]]، فمن نظر إلى المعنى قال: إن الرمز كلام؛ لأنه ينبئ عما في النفس، وقد اعتبره الشارع، الشارع اعتبر الإشارة، «أليس النبي عليه الصلاة والسلام قتل اليهودي بإشارة الأنصارية، الجارية الأنصارية التي قالت حينما قالوا: من قتلك؟ فلان، فلان، فلان. فأشارت: نعم »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٩٥)، ومسلم (١٦٧٢ / ١٥) من حديث أنس.]]، فاعتبر الإشارة، ولا شك أن الإشارة تعبر عن ما في النفس، لكنها ليست القول الذي هو الصوت لا شك فيه هذا أيضًا، فمن لحظ المعنى قال: الاستثناء متصل، ومن لحظ اللفظ وأن الكلام هو الصوت قال: الاستثناء منقطع، ولكن على القولين المعنى واحد، لن يستطيع أن ينطق بلسانه مع الناس، ولكن يشير إليهم إشارة، ووجه كون هذا آية أنه عجز عن النطق مع أنه سليم، وأنه عجز عن النطق مع الناس لا مع الله، وهذا شيء غريب، يعني إنسان يتكلم يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، إنسان سويّ لم يأته آفة ولا علة في لسانه ولا يستطيع أن يكلم الناس؟ هذه آية، عجزٌ في مقام القدرة وقدرة في مقام العجز، عجز عن كلام الناس في مقام القدرة على الكلام، وقدرة على الكلام مع الله بالتسبيح وغيره وعجز عن الكلام مع الناس، فهذا من آيات الله عز وجل؛ ليريه أنه سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، الكلام الذي أنا وغيري يعلم أنه أخف حركة في البدن ولّا لا؟ يستطيع الواحد يتكلم من إلى صار يعطيه الله إمداد في المعنى يتكلم كم ساعة؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: إلى (...) والله ما (...) عن هذا، لكن يتكلم كثيرًا ولا يتعب، لكن المشي يتعب والبطش يتعب، أما هذا الكلام اليسير اللي كلٌّ يستطيعه يمتنع من هذا الرجل ما يقدر يكلم الناس إلا رمزًا، وأما مع الله فقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾، ما انتهى الوقت.
* طالب: شيخ، الراجح من المسألة الأولى..
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: التي ذكرناها قبل؟
* الشيخ: ما هي؟
* الطالب: الكلام يعني الرمز هو كلام..
* الشيخ: إن أحببت أن يكون الراجح أن الاستثناء منقطع فهو منقطع، وإن أحب من قال إنه متصل فهو متصل، وإن أحب التفصيل مَن فصل فلنفصل، المسألة ما يترتب عليها شيء.
* الطالب: (...).
* الشيخ: والله فيه احتمال الحقيقة.
* طالب: شيخ..
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: قلنا من شروط استجابة الدعاء الجزم بالدعاء، أن يكون الإنسان موقن الإجابة، وهنا زكريا يعني لما قال ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ مع أنه دعا أول كأنه يعني لم يكن يوقن الإجابة.
* الشيخ: لا إله إلا الله! هذا لو كان الاستفهام على سبيل الاستبعاد، وما استفهم مستبعدًا الواقع، مستفهم للتثبت، أنا الآن لو قلت: بأعطيك مثلًا عشرين ريال وأنت ترى أني صادق، قلت: تعطيني عشرين ريال؟ وأيش قصدك بهذا؟ التثبت، ما قصد الاستبعاد ولا الشك.
* * *
* طالب: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١) وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران ٤١ - ٤٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ أمره الله تعالى بأن يذكر ربه كثيرًا؛ لأن بذكر الله تطمئن القلوب، ويزداد الإيمان ويستنير القلب، فلهذا أمره الله أن يذكر ربه كثيرًا، وفائدة الذكر كثيرًا هنا أو الأمر بالذكر كثيرًا؛ لأن الله لما أخبره بأنه سيمنعه من مكالمة الناس بشَّره بأنه لن يمتنع من ذكر الله الذي هو أجلّ وأشرف من مخاطبة الناس وكلامهم، فقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾؛ لأنه ربما يقع في قلبه لما قال الله له: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ ربما يقع في قلبه أن يُمنع من الكلام، فأراد الله تعالى أن يُسَرِّي عنه وأن يُذهب عنه ما قد يقع في قلبه وقال له: ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾، وهنا لم يقل له: وإنك ستذكر ربك، بل قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾، فأمره بذكر الله؛ ليكون ذكره لله تعالى في حال امتناع مكالمة الناس عبادةً خاصة مأمورًا بها، لما مُنع من مخاطبة الناس صار متفرغًا، فأُمِر بأن يشغل هذا الفراغ بماذا؟ بذكر الله عز وجل، وهذا أحسن له وأفيد له مما لو قال الله له: وإنك ستذكر ربك كثيرًا، ووجهه كما قلت لكم أنه إذا أُمِر به صار طاعة، وإن كان الذكر من أصله طاعة، لكن يكون هذا طاعة خاصة في هذه الحال التي يمتنع فيها من مكالمة الناس.
وقوله: ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾، هل ﴿كَثِيرًا﴾ صفة لزمن محذوف؟ أي زمانًا كثيرًا، أو لمصدر محذوف أي ذكرًا كثيرًا؟ الثاني، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب ٤١، ٤٢]، وهنا قال: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، العشي آخر النهار، والإبكار أول النهار، وهذان الوقتان قد أمر الله بذكره فيهما فقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق ٣٩]، وقال تعالى: ﴿سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ هنا، ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص ١٨]، والآيات في هذا كثيرة؛ لأن في الإشراق مستقبَل النهار، وفي العشي مستدبَر النهار، فيكون الإنسان شاغلًا وقته أوله وآخره بماذا؟ بذكر الله، من أين يبتدئ العشي؟ العشي يبتدئ من زوال الشمس، بدليل حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي»[[متفق عليه البخاري (١٢٢٩)، ومسلم (٥٧٣ / ٩٧) من حديث أبي هريرة.]]. وهي إما الظهر وإما العصر، وقيل: العشي ما بعد صلاة العصر إلى منتصف الليل، ولكن الأول أصح، نعم المساء يطلَق من صلاة العصر إلى منتصف الليل، وأما العشي فهو آخر النهار.
وقوله تعالى: ﴿وَالْإِبْكَارِ﴾، (الإبكار) ليست جمعًا لـ(بَكَر)؛ لأن جمع (بَكَر) (أبكار) كـ(سبب) و(أسباب)، لكنها مصدر أو اسم لهذا الوقت المعين الذي هو أول النهار.
وقوله: ﴿سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ يشمل تنزيه الله عز وجل عن كل ما لا يليق به، وقد مر علينا أن تسبيح الله يكون عن أمور ثلاثة: عن صفة العيب، وعن نقص في كماله، وعن مماثلة المخلوقين، انتبهوا (المشابهة) هذه أخرجوها من ألسنتكم، قولوا: مماثلة؛ لأن هذا هو اللفظ الذي جاء به القرآن، فيُسَبَّح الله عن هذه الأمور الثلاثة، ما هي؟ النقص، والنقص في الكمال، ومماثلة المخلوقين.
فالنقص كقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان ٥٨]، والنقص في الكمال مثل قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة ٢٥٥]، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]، ومماثلة المخلوقين مثل قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم ٦٥]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤].
والتسبيح يكون بالقول ويكون بالفعل، فكل مَن عَبَدَ الله فقد سبَّحه، كل من عبد الله فقد سبحه، بالقول ولّا بالفعل؟ بالفعل، وإن لم يكن فيها كلمة (سبحان)؛ لأن العابد تستلزم عبادته المعبود أن يكون كاملًا؛ لأن الناقص لا يمكن للعاقل أن أيش؟ أن يَعْبُدَه، فكونه يعبد الله يستلزم أن يكون مقرًّا له بالكمال مسبِّحًا له عن النقص، واضح يا جماعة؟
﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، الباء في قوله: ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ يحتمل أن تكون للاستيعاب، يعني في كل الوقت، وأن تكون للظرفية، أي في العشي، فإن جعلناها للظرفية لم يلزم أن يستوعب الوقتَ بالتسبيح؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨]، هم يمرون عليهم كل ليل يدلجون عليهم؟ لا، يمرون في أوله، في آخره، في وسطه، وإذا كانت للاستيعاب فإن المعنى إن الله أمره أن يستوعب هذين الوقتين كلهما، بماذا؟ بالتسبيح.
نرجع الآن إلى الفوائد، قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً﴾، إلى آخره، يؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله، حتى الأنبياء لا يستغنون عن دعاء الله؛ لقوله: ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القياس، من أين؟ لأنه لما رأى أن الله يرزق هذه المرأة بدون سبب معلوم علم أن الذي يسوق لها الرزق وهي امرأة منقطعة عن التكسب في محرابها قادر على أن يرزقه ولدًا، فيكون انتقال من الشيء إلى نظيره، وهذا هو نفس القياس، صح؟ إذن هو استدل أو أخذ من هذه القصة عبرة وهو أن يسأل الله أمرًا وإن كان مستبعدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصيغة التي يُتَوَسَّل بها في الدعاء هي اسم الرب؛ لقوله: ﴿رَبَّهُ﴾، ولم يقل: الله، ولهذا تجدون أكثر الأدعية مصدرة بالرب؛ لأن إجابة الداعي من مقتضى الربوبية، ولّا لا؟ لأنها فعل، وكل الأفعال من مقتضى الربوبية، فلهذا يتوسل الداعي دائمًا إلى الله بالرب، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة. ]].
* ومن فوائد الآية الكريمة:أن زكريا عليه الصلاة السلام بلغ سنًّا بعيدًا دون أن يأتيه الولد، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾.
* طالب: بقول يا شيخ بفرضكم ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ و﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، بكرة وعشيا تعني (...) كله، والعشي والإبكار تعني (...).
* الشيخ: إذا جعلنا الباء للظرفية صحيح صار بينهما فرق، إن جعلناها للاستيعاب لم يكن فرق.
* الطالب: أن الاستيعاب بس..
* الشيخ: لا الاستيعاب إن كل الوقت، يستوعب كل الوقت، وليس المعنى دون غيرهما، لكن هذين الوقتين مخصوصان بالتسمية ولا غيره يسبح، لكن هذا أهم شيء.
* طالب: (...) مخصوص معًا ولا..؟
* الشيخ: لا ليس معًا، ولهذا أكثر ما تكون التسبيحات والتهليلات في أول النهار وآخره.
* طالب: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، من هو القائل اللي رد عليه زكريا؟
* الشيخ: اقرأ من نادى زكريا؟
* الطالب: الملائكة.
* الشيخ: إذن يكون القائل معناه واصل، ما وصلنا للحقيقة، هذا سؤال مطروح.
* طالب: التسبيح، قلنا: التسبيح يشمل الفعل والقول، الذي يسبح في سره ما يشمل ذلك؟
* الشيخ: حديث النفس يعني؟ حديث النفس يدخل في هذا، لكنه من الفعل؛ لأنه حدّث نفسه.
* طالب: هل نقول: سيدنا محمد ﷺ؟
* الشيخ: أن سيدنا محمد، والله محمد سيدنا، لكن هل الصحابة يقولون كذا؟
* طالب: رسول الله.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: نشأ من أبوين مشركين، بينما يحيى عليه السلام من أبوين صالحين، فيؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الجمع بين النبي والصلاح؟
* الشيخ: يعني أنه وُلِد من صالحين.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ما هو بالظاهر، هذه من بيان لحال يحيى.
* طالب: شيخ بعض الناس يقولون: يا سيدي، هل فيها شيء؟
* الشيخ: يا سيدي من؟
* الطالب: يعني إذا تكلم يقول: يا سيدي.
* الشيخ: إذا كان الرجل أهلًا للسيادة لا بأس، يعني مثلًا لو قال: يجي واحد لفاسق فاجر يقول له: يا سيدي، ما يجوز، لكن الأهل للسيادة لا بأس.
* طالب: القياس يا شيخ، هل صح الإنسان إذا شاف أي شيء يعني مثلًا دعاء يقيس عليه يعني؟
* الشيخ: إذا كان لا عدوان في ذلك فلا بأس، إذا ما فيه عدوان لا بأس، أما مثلًا يجيء يدعو الله يقول: اللهم اجعلني نبيًّا رسولًا، هذا حرام، طيب كلامنا مع الأخ السائل يقول: سيدي، سيدنا محمد، هل معنى ذلك إنه يحرم إن الإنسان يقول: قال سيدنا محمد؟
* طالب: لا يحرم.
* الشيخ: لا يحرم.
* الطالب: لأنه سيد الأولين والآخرين.
* الشيخ: ولأننا نحن ينبغي أن نتأدب كأدب الصحابة، كأدب الصحابة، إذا ساقوا الحديث عن الرسول ما هم بيقولون: قال سيدنا، قال رسول الله، قال نبي الله.
* طالب: شيخ، (...) يا سيدي يا مولاي..
* الشيخ: إذا صدق الوصف فلا بأس، لو قال العتيق لمن أعتقه: يا مولاي، صح.
* * *
* طالب: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران ٤٢ - ٤٦].
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، أخذنا منها أربعة فوائد؟
* طالب: الأولى: أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله حتى الأنبياء، ثانيًا: إثبات القياس؛ لأنه لما رأى أن الله يرزق هذه المرأة بدون سبب معلوم علم أن الذي يسوق لها الرزق وهي امرأة منقطعة التكسب في محرابها قادر على أن يرزقه..
* الشيخ: أن يرزقه الولد، ولّا لا؟ نعم.
* الطالب: الثالثة: أن الصيغة التي يتوسل بها بالدعاء هي اسم الرب، الرابعة: أن زكريا عليه الصلاة السلام بلغ سنًّا بعيدًا دون أن يأتيه ولد.
* الشيخ: طيب الثالثة؟
* الطالب: أن الصيغة التي يتوسل بها بالدعاء هي اسم الرب.
* الشيخ: غالبًا، الرابعة؟
* الطالب: الرابعة: أن زكريا عليه الصلاة السلام بلغ سنًّا بعيدًا دون أن يأتيه ولد؛ لقوله: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾.
* الشيخ: نعم.
من فوائد الآية ما يستفاد من قوله: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾، حيث أضاف الهبة إلى الله عز وجل، وهبة الكريم تكون كبيرة، ونظير هذا قوله ﷺ فيما علّمه أبو بكر الدعاء الذي يدعو به في صلاته قال: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٢٦)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨) من حديث أبي بكر. ]]، وكما أشرنا إليه أن الشيء من الكريم يكون عظيمًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل مطلق الذرية؛ لأن الذرية قد يكونون نكدًا وفتنة، وإنما يسأل الذرية الطيبة.
ومن فوائد الآية الكريمة التي تشير إليها إشارة: أنه ينبغي للإنسان أن يفعل الأسباب التي تكون بها ذريته طيبة ومنها الدعاء، دعاء الله، وهو من أكبر الأسباب، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عن الرجل يبلغ الأشد أنه يقول: ﴿أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف ١٥]، ولا شك أن صلاح الذرية أمر مطلوب؛ لأن الذرية الصالحة تنفعك في الحياة والممات؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»[[أخرجه مسلم (١٦٣١ / ١٤) من حديث أبي هريرة. ]].
* من فوائد الآية الكريمة: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه المناسبة للحاجة؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، أي: مجيبه، وهكذا ينبغي أن تكون الأسماء التي يتوسل بها الإنسان في دعائه مناسبة لأيش؟ للمدعو به، فالداعي بالمغفرة يتوسل باسم الله الغفور، وبالرحمة الرحيم، وبالرزق باسم الرزاق، وهكذا، ويدل لهذا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف ١٨٠]، فإن قوله: ﴿ادْعُوهُ بِهَا﴾ يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة، يشمل دعاء المسألة؛ أن تجعلها وسيلة لدعائك، ودعاء العبادة أن تتعبد لله تعالى بمقتضاها، فإذا علمت أنه سبحانه غفور فتعرض لمغفرته، وإذا علمت أنه رحيم كذلك، وهكذا، فقوله عز وجل: ﴿ادْعُوهُ بِهَا﴾ يتناول هذا وهذا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات سمع الله وكرم الله وقدرة الله، من أين يؤخذ؟
* طالب: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
* طالب: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
* الشيخ: وجه ذلك؟
* الطالب: أنه سمع الدعاء فأجابه.
* الشيخ: طيب، هذا واحد، إثبات القدرة؟
* طالب: القدرة على الإجابة.
* الشيخ: القدرة على الإجابة، نعم، الثالث؟
* طالب: أنه لا يعطي إلا الكريم.
* الشيخ: نعم، إثبات الكرم لله؛ لكونه عز وجل يجب من دعاه، فإن قال قائل: أحيانًا يدعو المرء ولا يستجيب الله دعاءه؟ وهنا زكريا ﷺ يقول: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، وقال إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، فما الجواب؟ الجواب أن يقال: إن عدم إجابة الله الدعاء إما أن تكون لوجود مانع، وإما أن تكون لمصلحة الداعي، أو لفوات شرط، فأما إذا تمت الشروط وانتفت الموانع ولم تقتضِ المصلحة خلاف ما دعا به الداعي فإن الله تعالى يستجيب الدعاء قطعًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠]، فإذا دعا الإنسان ربه وقلبه لاهٍ، يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرّب إليه من قول وعمل، لكنه في زمن الاختبار قلبه يتجول بين صفحات الكتاب، هذا غافل ولّا حاضر؟
* الطلبة: غافل.
* الشيخ: غافل؟ نعم، لا يستجيب دعاءً من قلب غافل، كيف تسأل الله سبحانه وتعالى وهو يعلم ما في نفسك وتناجيه: يا رب أعطني كذا، وأنت قلبك مشغول بشيء آخر؟ هذا والله فيه سوء أدب، هذا تتخلف إجابة الدعوة لعدم وجود الشرط، لانتفاء الشرط، ما حضر قلبه، قد يكون ذلك لوجود مانع، ومنها - أي من الموانع - أن يكون الإنسان آكلًا للحرام -والعياذ بالله - فإن أكل الحرام من أكبر موانع إجابة الدعاء؛ لأن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾، ثم ذكر النبي الله ﷺ الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب»، أربعة أسباب من أسباب إجابة الدعاء «وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة.]] - أعوذ بالله - استبعد أن الله يجيب هذا الداعي، فهنا تخلفت إجابة الدعاء، لماذا؟ لوجود مانع.
وقد تكون لمصلحة الداعي، يدّخر الله له عنده ما هو أعظم مما سأل، أو يعلم سبحانه وتعالى أنه لو أجابه لحصل عليه مضرة في دينه، مثل أن تكون إجابته سببًا لفتنته عن دينه، فبرحمة الله وحكمته لا يستجيب له هذا الدعاء، لمصلحة من؟
* الطلبة: الداعي.
* الشيخ: لمصلحة الداعي، ولهذا ينبغي للإنسان أن لا يضجر إذا دعا الله فلم يستجب له، وأن لا يسأم ويستحسر، فيقول: دعوت ثم دعوت فلم يستجب لي، فإنه إذا قال ذلك لم يستجب له، فزال الإشكال الآن؟ زال الإشكال الذي قد يَرِد على قوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، وبقي إشكال آخر وهو أن يقال: لا فائدة من الدعاء؛ لأن المدعوّ به إن كان قد كُتِب لك فسوف يأتيك بلا دعاء، وإن لم يُكتب لك فلن يأتيك ولو دعوت، هكذا يقول بعض الناس، فبماذا نجيب؟ نجيب أولًا: أن هذا قول باطل من أصله؛ لأنه يقتضي تسفيه الرسل والأنبياء والصالحين، بل يقتضي أن الله عز وجل يأمر بما لا فائدة فيه، فإن الله قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾، فكيف يأمر عز وجل بأمر لا فائدة منه؟! هذا مستحيل، فهذا القول باطل من أصله، ثم نقول: الشيء يُكتب لك لكن بسبب، فإذا كان الله قد كتب لك ذرية طيبة بسبب دعائك فإنه إذا انتفى الدعاء انتفت الذرية الطيبة؛ لأن الله قدرها -أي الذرية الطيبة- مقرونة بأيش؟ بالدعاء، وهل يقول عاقل: أنا لا أتزوج، إن كان الله قد أراد لي ولدًا جاء بلا نكاح، وإن لم يُرِد لي ولدًا لم يأت ولو تزوجت، هل يقول هذا عاقل؟ لا، ما يقوله، نقول: إن الله قدر لك الولد بالنكاح، تزوج يأتيك الولد.
وهل يقول عاقل: أنا لا أتزوج، إن كان الله قد أراد لي ولدا جاء بلا نكاح، وإن لم يرد لي ولدا لم يأت ولو تزوجت، هل يقول هذا عاقل؟ لا، ما يقوله، نقول: إن الله قدر لك الولد بالنكاح، تزوج يأتيك الولد، وهكذا الدعاء.
إذن فالدعاء لا شك أنه من أقوى الأسباب لحصول المطلوب وزوال المكروه، وهذا أمر معلوم، ويكون الله تعالى قد قدر هذا الشيء الذي هو حصول مطلوبك أو زوال مكروهك، قد قدره مقرونا بأيش؟ بهذا السبب، بالدعاء، فيكون الدعاء مقدرا والمدعو به مقدرا من عند الله عز وجل، لكن أنت لا تدري، أنت عليك فعل السبب الذي تعلمه وهو الدعاء، وما وراء ذلك فليس إليك، وهكذا جميع المقدورات كلها يرد عليها هذا الإيراد، ولكن يجاب بهذا الجواب؛ بأن الله قدر هذه الأشياء مقرونة بأسبابها.
ثم إننا نقول: إن الدعاء نفسه عبادة، نفس الدعاء عبادة، إذا رفعت يديك إلى ربك: يا رب، هذا ذل وخضوع لله عز وجل، وهو من أجل العبادات، فالدعاء نفسه عبادة، سواء أجبت أم لم تجب، فلماذا لا تكثر من الدعاء؟ كذا؟ وأيش قلت؟
* طالب: الدعاء عبادة في ذاته، فالإنسان يدعو الله سبحانه وتعالى ولو لم..
* الشيخ: ويكثر من الدعاء.
قال: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران ٣٨] ثم قال عز وجل: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران ٣٩].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الملائكة، وقد سبق عن قريب شيء من الكلام عليهم، وأنهم عالم غيبي مخلوقون من نور، خلقهم الله عز وجل لما أعدهم له، فقاموا به على حسب ما أراد خالقهم عز وجل، كأن ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠) من حديث أبي ذر.]]. الأطيط: ما يسمع من صرير الرحل على البعير المحمل حملا ثقيلا.
* طالب: الصريح يا شيخ ولا الصرير؟
* الشيخ: الصرير، «مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ».
ففي هذه الآية: ﴿نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ إثبات الملائكة، ما حكم إنكار الملائكة؟
حكمه الكفر؛ لأنه تكذيب للقرآن.
لو قال قائل: أنا لا أنكرهم وأقول: فيه ملائكة، لكن الملائكة هي قوى الخير والشياطين قوى الشر، فأجعلهم معاني لا ذوات.
نقول: وهذا أيضا إنكار لهم؛ لأن الله قال: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر ١] كيف تكون قوى؟ ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة تتكلم بصوت مسموع؛ لقوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران ٣٩].
* ومن فوائدها: جواز تكليم المصلي؛ لقوله: ﴿نَادَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يكلم بعضهم بعضا في الصلاة، لكن المكلم وهو يصلي لا يخاطب الآخر، لكن يفهم ما يقول ويجيبه بالإشارة، لكن هل هذا على إطلاقه بالنسبة لجواز الكلام مع المصلي؟
الجواب: هذا الأفضل تركه إلا لحاجة؛ وذلك لأنك إذا كلمته وهو يصلي فإنك تشوش عليه، وربما ينسى ويخاطب كما يقع هذا كثيرا.
* من فوائد الآية الكريمة: مشروعية تبشير الإنسان بما يسره؛ لقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران ٣٩] وهذا أمر مشروط في نوعه وجنسه، ففي النوع سبق أن الله تعالى أخبر عن الملائكة أنها بشرت إبراهيم بإسماعيل وبإسحاق، إسماعيل قال الله فيه: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات ١٠١]، وإسحاق ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات ٢٨].
وهل من البشارة ما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ وَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ»[[أخرجه مسلم (٢٣١٥ / ٦٢) من حديث أنس.]]، أو هذا من باب التحدث بنعمة الله؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: هذا هو الأصل، الثاني، أنه من باب التحدث بنعمة الله هو الأصل.
ومن فوائد الآية الكريمة..
* طالب: البشارة بالجنس.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: النوع والجنس.
* الشيخ: البشارة بالجنس أن الإنسان يبشر بأي خير كان، بأي شيء كان جاءت به السنة من مفهوم قوله ﷺ: «لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ حَتَّى يَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٢٩٠)، ومسلم (٢١٨٤ / ٣٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، فإن هذا يدل على إدخال السرور على المسلم، وهو كذلك، سواء كان ببشارة أو بغيرها.
قال: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٣٩] إلى آخره، يستفاد من هذا أيضا: جواز تقديم التسمية على اليوم السابع، وهو كذلك، أنه يجوز أن يسمي الإنسان مولوده من ذكر أو أنثى قبل اليوم السابع، وهذا إذا كان الاسم مهيأ، أما إذا كان غير مهيأ فإنه ينبغي أن يؤخر إلى اليوم السابع.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على من صدق المرسلين؛ لقوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فإن الله قال ذلك على سبيل الثناء على يحيى، ولا شك أن من صدق من قامت البينات على صدقه فإنه محمود، حتى في الأمور الدنيوية، إذا صدقت من قامت البينة على صدقه فهذا لا شك أنه خير، وأما إذا صدقت من لم تقم البينة على صدقه فهذا استعجال، وأما إذا صدقت من قامت البينة على كذبه فهذا خبال؛ أن تصدق من قامت البينة على كذبه.
فالأحوال ثلاثة: من قامت البينة على كذبه فتصديقه خبال وسفه في العقل وضلال في الدين، ومن قامت البينة على صدقه فتصديقه كمال يحمد الإنسان عليه، ومن لم تقم البينة على صدقه ولا كذبه فتصديقه استعجال؛ لأن مثل هذا الخبر ينبغي أن يتأنى الإنسان فيه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] لم يقل عز وجل: ردوه ولا اقبلوه، نتبين حتى ننظر؛ لأنه قد يكون صادقا.
* من فوائد الآية الكريمة: أن يحيى عليه الصلاة والسلام سيكون سيدا؛ وذلك لأنه أحد الأنبياء، والأنبياء هم سادة الخلق وأفضل الخلق.
* ومن فوائدها أيضا: أن يحيى عليه الصلاة السلام مع توافر صفات الكمال في حقه بالسيادة فإنه بالإضافة إلى ذلك كان ممنوعا من سوء الأخلاق؛ لقوله: ﴿وَحَصُورًا﴾، فإن أصح وأعم ما قيل فيها أنه ممنوع عن مساوئ الأخلاق.
* ومن فوائدها أيضا: أن يحيى من الأنبياء؛ لقوله: ﴿وَنَبِيًّا﴾، وكل من وصف بالنبوة في القرآن فإنه رسول، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [النساء ١٦٣] إلى آخره، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨] وما قصهم الله علينا يقصهم بلفظ النبوة في الأكثر، فيكون كل من ذكر في القرآن بوصف النبوة فهو رسول.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء من الصالحين، بل هم في أعلى مراتب الصلاح، فإن مراتب الصلاح أربعة: النبوة والصديقية والشهادة والصلاح، إذا ذكرت جميعا صارت مراتب، وإن لم تذكر جميعا صار الصلاح عاما؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ -عِبَاد اللهِ الصَّالِحِينَ- فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ [آل عمران ٤٠] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حرج على الإنسان في طلب ما تطمئن به نفسه؛ لأن زكريا عليه الصلاة والسلام ما شك في خبر الله، لكن أراد أن يتقدم إليه الفرح والاستبشار بقوة البراهين؛ لأن خبر الله لا شك أنه برهان، لكن كلما ازدادت البراهين ازدادت قوة اليقين، فهنا سأل ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ يعني تعجبا من قدرة الله عز وجل؛ أن يكون له غلام وقد بلغه الكبر؛ لأن الغالب أن الإنسان إذا بلغ الكبر يقل إنجابه، وربما عدم بالكلية، والعقر إلى النساء أقرب منه إلى الرجال، ولهذا تكون المرأة عاقرا قبل أن يكون الرجل عاقرا.
* ومن فوائد الآية الكريمة نقول: إن الإنسان يملك ولده؟
طلبة: ﴿لِي﴾..
طلبة آخرون: اللام.
* الشيخ: اللام، تأملوا.
* طالب: اختصاص.
* الشيخ: أو نقول: اللام لا تتعين للملك؟
* طالب: لا غلط.
* الشيخ: إي ما تتعين، اللام لا تتعين للملك، قد تكون للاختصاص؛ لأن الإنسان لا يملك ولده كما يملك عبده، لو أراد أن يبيع ولده ما صح، وأما قول النبي ﷺ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٣٠)، وابن ماجه (٢٢٩١) من حديث جابر بن عبد الله، واللفظ له.]] فالمراد بذلك المنافع، أو أن المراد بذلك المبالغة؛ لأن هذا الرجل لما جاء يشكو إلى الرسول ﷺ أن أباه اجتاح ماله -يعني: أخذه- قال له: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»، فيكون هذا إما من باب المبالغة أو أن منافعك لأبيك كما أن مالك لأبيك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز وصف الإنسان بما يكره إذا كان المراد مجرد البيان، لا القدح والعيب؛ لقوله: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران ٤٠]؛ لأنك لو وصفت المرأة بأنها عاقر لكرهت ولّا سرت؟ كرهت، معلوم، لو تقول لها: أنت لك أربعين سنة ربت، نعم كيف عاد تقول: أنت عاقر، لكن إذا كان المراد بيان الأمر على وجهه دون العيب والقدح فإن هذا لا بأس به، ودليل ذلك أن رسول الله ﷺ قال: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٤٨٠ / ٣٦) من حديث فاطمة بنت قيس. ]]، لكن هذا من باب المشورة، ولكن لم يقصد الرسول ﷺ أن يعيب الرجل، بل قصد أن يبين حاله ليكون الإنسان معه على بصيرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات فعل الله؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٠].
ومذهب أهل السنة والجماعة إثبات أفعال الله الاختيارية المتعلقة به والمتعدية إلى غيره، أفعال الله الاختيارية يعني التي تقع باختياره، ولا شيء يقع من أفعال الله إلا باختياره، لكن منها شيء متعلق به مثل الاستواء والنزول والضحك والفرح، وأشياء متعلقة بغيره، مثل: الخلق، فإن الخلق يتعدى إلى الغير، فأهل السنة والجماعة يثبتون النوعين: الفعل الخاص به عز وجل الذي لا يتعداه إلى غيره، والفعل الذي يتعداه إلى غيره، ويقولون بلا شك: إن الرب الذي يفعل ما يشاء أكمل من الرب الذي لا يستطيع الفعل.
غالب الأشاعرة إن لم أقل: كل الأشاعرة والمعتزلة ومن ضاهاهم يقولون: إن الله ليس له أفعال اختيارية؛ لا يستوي، ولا ينزل، ولا يجيء، ولا يضحك، ولا يفرح، ولا يحب، ولا يكره... إلى آخر ما يقولون في نفي الأفعال الاختيارية.
علتهم أوهى من أي علة كانت، العلة قالوا: لأن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، والله عز وجل أزلي أبدي، فيقال لهم: أولا: من قال لكم هذا: إن الحوادث لا تكون إلا بحادث، من قال هذا؟! عندكم بذلك وحي، أو مجرد قياس عقلي فاسد ذكرتموه؟!
الحقيقة أن هذا قياس عقلي فاسد؛ فإن الحوادث لا يلزم ألا تقوم إلا بحادث؛ لأنه من المعلوم أن المحدث سابق على الحدث، وإذا كان المحدث سابقا على الحدث لم يلزم أن يكون المحدث حادثا؛ أنت الآن تأكل الغداء اليوم، والغداء اليوم بالنسبة لك حادث متى؟ وقت حدوثه، وأنت موجود من قبل، فالرب عز وجل يفعل الأفعال هذه في وقت فعلها، وهو لم يزل موجودا، لكن على زعمكم أنتم وعلى مذهبكم الباطل يلزم أن يكون الله سبحانه وتعالى لا يفعل أي فعل، معطلا عن الأفعال، وهذا عيب ولّا كمال؟ عيب؛ لأن من يفعل أكمل ممن لا يفعل باتفاق الناس، وليس يعتري الله عز وجل من إثبات الفعل في حقه أي نقص بأي وجه من الوجوه.
والآيات كثيرة في إثبات فعل الله ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٠]، ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٦]، ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٢٧]، والنصوص في هذا كثيرة ولله الحمد، وأهل السنة والجماعة يؤمنون بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الجمع على الواحد، أو ما يصلح؟ قوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ من القائل؟ الله؟ إن كان هو الله فهذه الفائدة لاغية، وإن كانت الملائكة فهذه الآية تدل على أن القائل واحد وأن قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران ٣٩] يعني واحدا منهم، وقد سبق في التفسير الخلاف في ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله.
* طالب: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
* الشيخ: وأين؟
* الطالب: ﴿مَا يَشَاءُ﴾.
* الشيخ: ﴿مَا يَشَاءُ﴾ صح، ولكن كل شيء قيده الله بالمشيئة فهو؟
* طالب: فهو بحكمة.
* الشيخ: مقرون بالحكمة، ما دليلك على هذا؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠].
* الشيخ: نعم فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، فدل على أنه لا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة، وهو كذلك.
إذا قال قائل: يشكل على هذا: أن الله قد شاء الخير والشر، فما الحكمة من الشر؟ تأملوها إلى الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
* طالب: يا شيخ فيه فائدة (...) فأجاب دعاءه؛ لأنه قال: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (...) الدعاء؟
* الشيخ: إي نعم يقول: فيها فائدة سرعة إجابة الله تعالى الدعاء؛ لقوله: ﴿فَنَادَتْهُ﴾ فإن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب. وعند محمد الواصل فائدة هنا، ما هي؟
* الطالب: في قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ﴾ جواز إطلاق الكلمة الواحدة على الكلام الكثير؛ لأن يحيى عليه الصلاة والسلام ليس مصدقا بكلمة واحدة، وإنما مصدق بجميع كلام الله عز وجل.
* الشيخ: ما هي الكلمة التي صدق بها يحيى؟
* الطالب: الكلمة التي صدق بها؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...) في قصة عيسى.
* الشيخ: ما هي الكلمة التي في قصة عيسى؟
* الطالب: نسيتها، هي الآية التي في سورة آل عمران.
* طالب: نقول يا شيخ: الكلمة فعلا كلمة؛ لأن الكلمة هي: ﴿كُنْ﴾.
* الشيخ: صحيح، يقول: إن الكلمة هي قوله تعالى في عيسى: ﴿كُنْ﴾ لكن إطلاق الكلمة على الكلام هو الأصل في اللغة العربية؛ أن الكلمة يراد بها الكلام ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ [المؤمنون ٩٩، ١٠٠] كم قال من كلمة هو؟ أربع كلمات، أربع جمل أيضا هو قائلها، وقال النبي ﷺ: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٨٤١)، ومسلم (٢٢٥٦ / ٣) من حديث أبي هريرة. ]].
(ألا كل شيء ما خلا الله باطل) كلمة ولّا كلمات؟ كلمات، فقول ابن مالك رحمه الله:
............................. ∗∗∗ وَكِلْمَــــةٌ بِهَــــا كَــــلَامٌ قَــــدْيُــــــــــــــــــــــــؤَمْ
يعني باصطلاح النحويين، لا بمقتضى اللغة العربية، اللغة العربية لا تطلق الكلمة إلا على الكلام المفيد، لكن النحويون رحمهم الله أطلقوا الكلمة على القول المفرد.
* طالب: جزاكم الله خيرا، فيه بعضهم يقول: إن من يأكل الربا إنه لا يدعو الله لأنه لا فائدة من دعائه، لأنه لو دعا لن يجاب له (...)؟
* الشيخ: إيه، والله مشكل كأنه كبير، أقول: هذا مشكل يعني: مشكل حقيقة، هذا مشكل، لكن الرسول ﷺ استبعد ولم يقل: إنه مؤكد، قال: «أَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة. ]] يعني استبعد الإجابة، ليس معناه أنه قطعا لا يجاب، ولكن الذي يأكل الربا نقول: هل تحب أن الله يغفر لك؟
* الطالب: سيقول: نعم.
* الشيخ: يقول: نعم لكن ما أنا بداع والله ما يجيبني، نقول: اترك الربا، مثلما قال الفقهاء رحمهم الله في الرجل العاصي بسفره إذا اضطر إلى الميتة إما أن يأكل منها أو يموت؟ قالوا: يموت ولا يأكل منها، ولكن الله ما أحل الميتة للمضطر؟ هم يقولون: لا يمكن، ولا تحل له، وأيش يسوي؟ يموت؟ قالوا: يموت، لكن هنا شيء قبل الموت يقدره وهو أن يتوب، نقول: تب وكل، إذا كنت قاطعا تذكرة لتروح لبلد تفجر به الغِ التذكرة وكل.
يصلي ركعتين الرباعية ولّا ما يصلي؟ ما يصلي ركعتين الرباعية، فيه خلاف على كل حال القائلين بأنه لا يجوز، قال: وأيش أسوي يا جماعة أنا مسافر؟ نقول: تب وصل ركعتين.
كاد يهلك من العطش في رمضان وهو مسافر وقال: هل أفطر؟ ماذا نقول له؟ لا تفطر، قال: يا جماعة، أنا مت من الظمأ، نقول: مت. وأيش الطريق؟
طلبة: تب إلى الله.
* الشيخ: نقول: تب واشرب.
* طالب: يا شيخ يقال لهم: تب وبعدين ادع؟
* الشيخ: إي نعم يقول: تب وادع الله.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، بعض الناس -أحسن الله إليكم- إذا دخل المسجد والناس يتسننون في المسجد يسلم عليهم، علما كثير من الناس تخفى عليه (...) الرد بالإشارة، وبعض الناس إذا دخل على مكان خالٍ كغرفة أو ما شابه ذلك ما فيه أحد سلم وقال: أنا أسلم على الملائكة؟
* الشيخ:كلاهما لا أصل له، لكن السلام على المصلي لا بأس به أحيانا؛ لأن الصحابة كانوا يفعلون هذا مع النبي ﷺ ولا ينهاهم.
* طالب: شيخ، لكن الناس ما يعرفون ما يردون..؟
* الشيخ: على كل حال أحيانا لا يجعله دائما.
* * *
* طالب: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران ٤١ - ٤٤]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أظن بقي علينا فوائد من؟
* طالب: إن الله شاء الخير والشر..
* الشيخ: إي نعم، إثبات المشيئة لله في قوله: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٠] وبينا أن المشيئة المطلقة مقيدة بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، ليست مجرد مشيئة ولكنها مشيئة مقرونة بالحكمة. وذكرنا أنه يستفاد من العموم ﴿مَا يَشَاءُ﴾ الشمول للخير والشر، ولكن الشر لا يضاف إلى الله؛ كما قال النبي ﷺ: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) من حديث علي بن أبي طالب. ]]، ولهذا جاء في الثناء على الله: «بِيَدِهِ الْخَيْرُ»[[أخرجه الترمذي (٣٤٢٨)، وابن ماجه (٢٢٣٥) من حديث عمر بن الخطاب. ]]، ولم يقل: والشر؛ لأن الشر لا ينسب إليه، وإنما الشر في المفعولات البائنة منه، أما فعله نفسه -يعني نفس الفعل- فليس فيه شر؛ لأن الله لا يفعل شيئا فيه شر إلا لخير، فمثلا الشر يشاؤه الله عز وجل ومشيئته له ليست شرا، بل هي خير، لوجوه متعددة؛ الأول: أنه لا يمكن أن يتبين الخير إلا إذا وجد الشر، إذ لا تتبين الأشياء إلا بضدها، ولو كانت كل مفعولات الله خيرا ما عرف الشر، ولا وجد الشر أصلا، فلا يتبين الخير وخيريته إلا بوجود ما يقابله وهو الشر، هذه من الحكمة.
ومن الحكم أيضا: ابتلاء الناس وامتحانهم؛ فإن الطريق لو كان كله خيرا ما حصل في ذلك ابتلاء وامتحان، إنما يكون الابتلاء والامتحان إذا وجد طريقان، أحدهما خير وقيل للناس: اسلكوه، والثاني شر وقيل للناس: لا تسلكوه، تبين بذلك الصادق من الكاذب، ولا يمكن الامتحان إلا بذلك.
ومنها -من الحكم في إيجاد الشر- أنه لا يستقيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي فضلت به هذه الأمة إلا بوجود الشر، حتى يؤمر بالخير الذي يقابله وينهى عن الشر الذي هو مفسدة، لو كانت كل الأمور خيرا ومعروفا لم يكن هناك أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؛ لأن الإنسان لا سبيل له إلا هذا المعروف الخير، فلا يمكن أن يؤمر بشيء لا سبيل له إلا هو.
ومن الحكم أيضا: إقامة الجهاد في سبيل الله، فإنه لولا الخير والشر ما قام الجهاد في سبيل الله؛ إذ إن الجهاد صراع بين أولياء الله القائمين بالخير وأعداء الله القائمين بالشر، ولولا هذا ما حصل الجهاد في سبيل الله.
ومن الحكم في ذلك: بيان قدرة الله عز وجل بخلق الأشياء المتضادة، فإن خلق الأشياء المتضادة لا شك أن فيه دليلا على قدرة الله سبحانه وتعالى، ولولا هذه المتضادات خلقها وإيجادها لم يتبين كمال القدرة؛ لأن خلق الشيء مع ضده أبلغ في القدرة من خلق الشيء الذي لا ضد له.
ومن حكم إيجاد الشر: أنه حافز إلى لجوء الإنسان إلى ربه، وكثيرا ما يحمل الناس على اللجوء إلى الله والأوراد والاحترازات وجود الشر، ولولا وجود الشر ما لجأ الناس إلى الله؛ لأنهم في خير.
ومنها -أي من حكم إيجاد الشر- أن الإنسان يعرف به قدر نعمة الله عليه، حيث يجد أناسا كثيرين من أهل الشر والفساد، وقد منّ الله عليه هو بالخير والصلاح والإصلاح، فيعرف بذلك قدر نعمة الله عليه، فيشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة التي منّ بها عليه بمحبة الخير والسعي فيه، ثم يحمد الله مرة ثانية أن نجاه من الشر والفساد وأهله، والنجاة من الشر والفساد وأهله لا شك أنها نعمة عظيمة ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون ٢٨].
ومن الحكمة في خلق الشر: إظهار ضعف الإنسان وعجزه أمام قوى الشر، فإن الإنسان تؤرقه عن منامه وتقض مضجعه بعوضة، بعوضة من أوهن المخلوقات تمنعه من النوم، وإذا كان شابا ثقيل النوم منعته من لذة النوم، يمكن ينام لكن يتحقرص؛ تقرصه مرة مع اليد، مرة مع الرجل، مرة مع الوجه، فتحرمه من لذيذ النوم، وهي ما هي؟ شيء ضعيف بعوضة، فيعرف الإنسان بذلك قدر نفسه، وأنه ضعيف أمام قوى الشر، حتى لا يتكبر ويتعاظم.
ولهذا ذكر أن ملكا من الملوك الجبابرة كان يتحدث مع قومه ويسخر ويقول: ما الحكمة من خلق الذباب؟ الذباب يحمل الجراثيم ويحمل الأمراض وما أشبه ذلك فما الحكمة منه؟ فقال أحد الحاضرين: الحكمة منه أن يذل أو أن يرغم أنوف الجبابرة مثلك. نعم لأن هذا الذباب المهين يقع على أنف هذا الرجل الجبار الذي لا يدخل البشر إليه إلا باستئذان وله حاجب من وراء حاجب، وهذا الذباب المهين يأتي ويقع على أنفه، وربما يصيبه بعذرته أيضا، نعم إذا جاءه وهو نائم وكان ثقيل النوم يمكن الذباب يكيف عليه.
على كل حال هذا أيضا من حكمة الله سبحانه وتعالى في خلق الشر، وهناك حكم ربما يظهر للمتأمل منها شيء كثير.
وبهذا نعرف كمال حكمة الله سبحانه وتعالى وربوبيته، ومن عرف الله ازداد في عبادته، كما قيل: من كان بالله أعرف كان منه أخوف وله أطوع.
قال: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٠] ثم قال الله عز وجل: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران ٤١].
من فوائد هذه الآية: جواز البحث عما يزيد به الإيمان، وإن كان الإيمان موجودا، بل قد نقول: وجوب البحث عما يزيد به الإيمان؛ لأن الإنسان مطلوب منه أن يقوي إيمانه بكل وسيلة.
ومن فوائدها -من فوائد الآية الكريمة- تمام قدرة الله سبحانه وتعالى بخوارق العادات، فإن كون زكريا عليه الصلاة والسلام لا يكلم الناس إلا رمزا، لكن في باب التسبيح ينطلق لسانه، هذا من آيات الله، ولهذا قال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآية قد تكون على عكس ما طلبت له، فهي قد طلبت لتحقق الوجود فيما بشر به، والآية كانت على العكس، كانت إعدام موجود، وهو أيش؟ الكلام، كان قادرا على الكلام فمنع من الكلام، كان في الأول كبير السن وامرأته عاقر فوُجد له الولد، فالآية وما كانت آية له بينهما أيش؟ تضاد، هذا وجود وهذا عدم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإشارة تقوم مقام العبارة، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾.
* الشيخ: كيف يعني من أين تؤخذ؟
* الطالب: ألا تكلم الناس إلا رمزا.
* الشيخ: ما هي الفائدة اللي قلنا؟
* الطالب: تكلم الناس بالإشارة.
* الشيخ: لا.
* طالب: أن الإشارة تقوم مقام العبارة.
* الشيخ: أن الإشارة تقوم مقام العبارة، لقوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ... إِلَّا رَمْزًا﴾ وهذه الفائدة مبنية على أيش؟
* طالب: فائدة (...)
* الشيخ: إيه لكن مبنية على أي شيء بالنسبة لتفسير الآية؟
* الطالب: مبنية على قوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم ١٠].
* الشيخ: لا.
* الطالب: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران ٤١].
* طالب: على أساس أن الاستثناء متصل.
* الشيخ: نعم، مبنية على أن الاستثناء متصل، فتكون الإشارة من الكلام.
وفائدة أخرى: أن الإشارة تقوم مقام العبارة عند العجز عن التعبير، من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: من أين تؤخذ قبل وبعدين نشوف وجه المأخذ؟
* طالب: قوله: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾.
* الشيخ: وجه المأخذ؟
* الطالب: نأخذ القول الثاني على أن الاستثناء هنا منقطع فلا يكون كلاما.
* الشيخ: فلا يكون كلاما لكنه يكون مقامه عند؟
* الطالب: عند العجز.
* الشيخ: عند العجز عنه. وكلا الأمرين حق، فالإشارة تقوم مقام العبارة في الإفهام، ولاسيما عند العجز، وذكرنا في التفسير أمثلة لمفارقة الإشارة للكلام، وأمثلة لموافقة الإشارة للكلام، أتستحضرونها الآن؟
مثال لمفارقة الإشارة للكلام؟
* طالب: (...)
* الشيخ: نعم يعني أنها ليست كلاما.
* الطالب: كما لو أشار في الصلاة.
* الشيخ: نعم كما لو أشار في الصلاة؛ فإن الإشارة لا تبطل الصلاة والكلام يبطلها. طيب مثال؟
* الشيخ: مثال لقيام الإشارة مقام الكلام؟
* طالب: في قول مريم (...): ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم ٢٩] (...) أشارت إليه، الإشارة هنا..
* الشيخ: لما عرّضوا بقذفها أشارت إليه، وغير؟
* طالب: حديث المرأة التي قتلها اليهودي[[أخرجه أبو عوانة في مسنده (٦١٣٤) من حديث أنس.]]، عندما سألوها فأشارت إلى اليهودي.
* الشيخ: ما أشارت إلى اليهودي.
* الطالب: أومأت.
* الشيخ: أشارت حين ذكر اسمه.
* طالب: في قصة ذي اليدين حين قال النبي: «أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟»، فأومؤوا أن نعم[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧١٤)، ومسلم (٥٧٣ / ٩٩)، وأبو داود في سننه (١٠٠٨) من حديث أبي هريرة.]].
* الشيخ: بعضهم، وبعضهم قالوا: نعم.
إذن نقول: الآية على الوجهين تدل على أن الإشارة تقوم مقام العبارة مطلقا أو عند الحاجة إليها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان ينبغي له إذا انقطع عن الناس أن يشغل وقته بذكر الله، من قوله لما منع من الكلام مع الناس وصار لا يكلمهم إلا رمزا، ومعلوم أن الإنسان الذي لا يكلم الناس إلا رمزا سوف لا يكون حريصا على مكالمتهم لئلا يتعب أو يتعب، أمره الله قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران ٤١].
* ومن فوائدها: فضيلة التسبيح والذكر في هذين الوقتين: العشي آخر النهار، والإبكار أول النهار. ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق ٣٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذكر ينبغي أن يكون مقرونا بالتسبيح، إلا ما ورد النص بإفراد أحدهما عن الآخر؛ لأنه قال: اذكر ربك وسبح، ولكن الذكر قال: ﴿كَثِيرًا﴾، والتسبيح قال: ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ فهل نقول: إن الذكر لا يتقيد بالعشي والإبكار، أو نقول: إنه متقيد لكن يكثر منه؟
يحتمل هذا وهذا، لكن الآيات الأخرى تدل على أن الإنسان مأمور بأن يذكر الله كثيرا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب ٤١، ٤٢]، وقال تعالى في وصف أهل الصلاح: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب ٣٥]، وعلى هذا فالذكر يكون أكثر من التسبيح، لكن القرن بينهما أيضا فيه فائدة وهو أنه يجمع بين الثناء على الله وتنزيهه من النقائص.
آل عمران 3:40
ثم قال الله عز وجل: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران 38]، وهذا مبتدأ الدرس.
﴿هُنَالِكَ﴾ هذه اسم إشارة إلى المكان، واللام يقولون: إنها للبعد، والكاف حرف خطاب، يعني: في ذلك الزمن، والإشارة هنا يحتمل أن تكون للزمن، أي في ذلك الزمان، أو في المكان الذي هو محراب مريم. ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك المكان وفي ذلك الزمان. ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾، و﴿زَكَرِيَّا﴾ فيها قراءتان: المد والقصر؛ ﴿زَكَرِيَّاءُ رَبَّهُ﴾ هذا مد، ﴿زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ هذا القصر.
﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾، ﴿هَبْ لِي﴾: أعطني، والهبة هي التبرع بالشيء بلا عوض، لكن قال العلماء: إن هناك هبة وهدية وصدقة، كم؟ ثلاثة أشياء، فالصدقة: ما أريد به ثواب الآخرة، والهدية: ما أريد به التودد والتقرب بين المهدِي والمهدَى إليه، والهبة: ما قُصِد به مجرد انتفاع الموهوب له، وهنا ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي﴾ أي: أعطني عطاء بلا ثمن.
﴿مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾، ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾: من عندك، وأضافه إلى عندية الله عز وجل ليكون أبلغ وأعظم؛ لأن هدية الكريم أكرم. وقوله: ﴿ذُرِّيَّةً﴾ بمعنى: مذروءة أي: مخلوقة، وقوله: ﴿طَيِّبَةً﴾ أي: طيبة في أقوالها وأفعالها وكذلك في أجسامها، فهو متناول للطيب الحسي والطيب المعنوي.
﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي: مجيبه، والدعاء هو سؤال العبد ربه حاجته إما بجلب منفعة وإما بدفع مضرة.
قال: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾، وفي قراءة: ﴿فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ، فأما على قراءة الجمع: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ فالتأنيث في الفعل ظاهر؛ لأن ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ جمع وكل جمع يجوز تأنيث فعله، كل جمع إلا جمع المذكر السالم فإنه لا يؤنث إلا نادرًا جدًّا، فمثال التأنيث في الجمع ولو للمذكر قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٣]، فالرسل هنا مؤنث، ما الدليل؟ الإشارة بالتأنيث، بصيغة التأنيث، وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات ١٤] قالت الأعراب، ولم يقل: قال الأعراب؛ لأنه جمع، وأما جمع المؤنث السالم فيجب تأنيثه، وجمع المذكر السالم يجب تذكيره، ولهذا قال ابن مالك رحمه الله:
وَالتَّــاءُ مَعْ جَمْــعٍ سِــوَى السَّالِــــمِمِــــنْ ∗∗∗ مُذَكَّــــرٍ كَالتّــــَاءِ مَــــعْ إِحْــــدَىاللَّبِــــــــنْ
المعنى أن التاء مع الجمع كالتاء مع إحدى اللبِن، ما هي إحدى اللبن؟ لبنة، فلبنة مؤنث لكن تأنيثها مجازي، فيجوز في فعلها التذكير والتأنيث، فتقول: انكسرت اللبنة، وانكسر اللبنة، وظاهر كلامه حتى جمع المؤنث السالم لا يجب تأنيثه، والصحيح أنه يجب تأنيث المؤنث السالم، فالسالم من مذكر أو مؤنث حسب (...)، المذكر يجب تذكيره والمؤنث يجب تأنيثه، وما عدا ذلك من الجموع يجوز فيه التذكير والتأنيث.
فهنا ﴿نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ليس في تأنيث الفعل إشكال، لماذا؟ لأنه جمع؛ لأن الفاعل جمع، لكن على قراءة: ﴿فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ، هل فيه إشكال؟ نقول: لا إشكال فيه أيضًا، لا إشكال فيه، لماذا؟ لأن الملائكة جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه التذكير والتأنيث، فتقول: قام الرجال وقامت الرجال، ويمكن أن يراد بالملائكة واحد وهو جبريل ناداه، وعبّر عنه بالجمع باعتبار الجنس؛ لأنه واحد منهم.
﴿نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، جملة ﴿وَهُوَ قَائِمٌ﴾ في محل نصب على الحال، الحال من الضمير الهاء في قوله: ﴿نَادَتْهُ﴾، وقوله: ﴿قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، (المحراب) مكان الصلاة أو مكان العبادة، وسمي بذلك لأنه مكان حرب الشياطين؛ فإن العبادة حرب للشياطين، وليس المراد بالمحراب طاق القبلة كما يظنه بعض الناس فيفسر الآية به، ويقول: إن هذه المحاريب موجودة من قديم الزمان، ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾، وإلى قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، ولكن هذا ليس بصحيح.
﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾، ﴿أَنَّ﴾ قراءة بالفتح وقراءة بالكسر، فأما على قراءة الكسر ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ؛ فلأن النداء قول، ومقول القول إذا صُدِّر بـ (إنّ) يجب فيه كسر (إن)، كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم ٣٠] ولا يجوز أن تقول: قال: أني عبد الله، كذا؟ طيب. وأما على قراءة الفتح فهي على تقدير حرف الجر: فنادته الملائكة بأن الله يبشرك، أي: ببشرى، بشرى الله تعالى بهذا الابن يحيى.
وَأيضًا في قوله: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ قراءتان ﴿يَبْشُرُكَ﴾ و﴿يُبَشِّرُكَ﴾، وكلاهما سبعيتان، فصار في هذه الآية في ثلاث كلمات منها كل كلمة فيها قراءتان:﴿فَنَادَتْهُ﴾، ﴿فَنَادَاهُ﴾ ، ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَبْشُرُكَ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ ، نعم، والبَشارة الإخبار بما يسُرّ، وسميت بذلك لتأثر البشرة بالخبر؛ لأن الإنسان إذا بُشِّر بما يسره يفرح ويظهر ذلك على وجهه، ألم تر إلى وجه النبي ﷺ حين دخل مُجَزِّزٌ المدلجي على أسامة بن زيد وزيد بن حارثة وعليهما كساء لم يَبْدُ منه إلا أقدامهما، فنظر إلى أقدامهما وقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فدخل النبي عليه الصلاة والسلام على عائشة تبرق أسارير وجهه[[متفق عليه البخاري (٣٥٥٥)، ومسلم (١٤٥٩ / ٣٨) من حديث عائشة.]]، تأثر، بماذا؟ بالخبر السارّ، طيب، إذا قال قائل: إن قلتم هكذا فاجعلوا الإخبار بما يسوء بُشرى؛ لأن البشرة تتأثر بذلك، الرجل إذا أخبرته بما يسوؤه التفع وجهه وتغيّر فسمِّها بشرى؟ فما الجواب؟ نقول: هذا قد يطلق عليه، أي الخبر بما يسوء قد يطلق عليه بشارة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١]، ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء ١٣٨]؛ لأن هذا يؤثر في البشرة.
* طالب: شيخ، ما (...) مريم (...) بأنها نذرتها ثم (...)؟
* الشيخ: مريم يعني أن أباها مات قبل أن تولد؟
* الطالب: أيوه لأنها نذرتها ولم (...).
* الشيخ: والله ما هو ببعيد.
* الطالب: بعدين سمتها.
* الشيخ: وأيضًا كفلها زكريا، إي نعم، فهذا جيد أن والدها كان غير موجود، نعم، لا يؤخذ منها، وحينئذ يزول الإشكال.
* طالب: مريم كم عمرها كان؟
* الشيخ: عمرها متى؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: والله لا بد يمكن المؤرخون يذكرون ذلك، ولكن الظاهر أنها كبيرة شابة؛ لأنها حملته فانتبذت به مكانًا قصيًّا.
* الطالب: متوسطة العمر.
* الشيخ: الله أعلم، لكنها لا شك أنها كبيرة نشيطة، لا وصلت إلى حد الكبر ولا إلى الصغر الذي لا تستطيع الحمل.
* طالب: شيخ، (...)، أقول إذا ذكرتم بأن الاسم إذا كان مهيأ فإنه حين الولادة، وإذا لم يكن مهيأ ففي اليوم السابع، وأحسن الله إليكم فإذا تهيأ بعد الولادة بيوم أو يومين فهل يسمى في الحال ولّا..؟
* الشيخ: لا، الأحسن يؤجل.
* الطالب: إلى حين السابع؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة للقراءات يعني هل يجوز يخلط بين قراءتين في آن واحد، في وقت واحد يعني؟
* الشيخ: إن كان هذا على سبيل التعليم فلا شك أنه جائز، على سبيل التعليم، وإن كان على سبيل القراءة فمن العلماء من أجاز ذلك ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنهم من لم يجز وقال: إذا قرأت على قراءة واحد من القراء فاستمِر عليه، لكن الذي يظهر أن القرآن شيء واحد، وأنه يجوز أن تقرأ بقراءة واحد، والحرف الثاني بقراءة آخر.
* الطالب: يعنى في وقت واحد؟
* الشيخ: إي ما فيه بأس، نعم؟ لا قصدك فيه يعني بمعنى أنك تردد الكلمة مرتين؟
* الطالب: لا لا، يعني يقرأ..
* الشيخ: مثلًا تقرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ و﴿أَنَّ اللَّهَ يَبْشُرُكَ﴾ كذا؟
* الطالب: لا لا، يعني يقرأ الآية بقراءة مثلًا حفص والآية الثانية بقراءة قارئ آخر الآية التي تليها.
* الشيخ: في نفس الوقت أو التي تليها الآية الثانية؟
* طالب: الآية التي تليها.
* الشيخ: لا بأس، هذه اللي فيها الخلاف، هذا هو اللي فيه الخلاف.
* طالب: شيخ ما يمكن يستدل بقوله سبحانه تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ بأن هذه الآية مؤيدة لقصة تنازع جعفر وعلي بن أبي طالب.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لما تنازعوا في ابنة.. فأيد الرسول ﷺ أعطاها جعفر لأن خالتها (...)، وخالة مريم تحت زكريا؟
* الشيخ: بس هل في هذا نزاع؟ ما نعرف هل في هذا نزاع أو لا.
* الطالب: يمكن يعني..
* الشيخ: ما نقدر نقول فيه نزاع وهو ما ذُكِر في القصة، والظاهر كما ذكر الأخ أن أباها كان توفي، أبو مريم الظاهر أنه توفي ولعله توفي قبل أن تولَد، بدليل أن مريم تصرفت فيها وسمتها.
* الطالب: ما يكون تأييد.
* الشيخ: تأييد لأيش؟
* الطالب: للنبي ﷺ.
* الشيخ: لا ما فيه تأييد، ما فيه نزاع، من نازع زكريا.
* الطالب: بالنسبة لحفظه، بالنسبة مثلًا أنه تكون الحضانة أو تكون كفالة لزوج الخالة.
* الشيخ: أصلًا الأب ما هو موجود.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وأمها موجودة، وهي عند أمها.
* * *
* طالب: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران ٣٩ - ٤١]
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ هذا المبَشَّر به، وعندنا (بشارة) كما أسلفنا و(مُبَشِّر) و (مُبَشَّر به) و(مُبَشَّر)، كم هذه؟
* الطلبة: أربعة.
* الشيخ: أربعة، كلها تضمنها قوله: ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾، ويحيى قيل إنه من الحياة، وأن الله سماه بذلك إشارة إلى أنه سيحيى ويبقى، وعلى هذا فهو ممنوع من الصرف للعلَمية ووزن الفعل، والعلَمية ووزن الفعل علّتان توجبان المنع من الصرف، وقيل: بل هو اسم أعجمي، والأسماء الأعجمية ليست بمشتقة؛ لأنها غير عربية، وعلى هذا فالمانع له من الصرف العلَمية والعُجمة؛ لأن العلمية والعجمة علتان مانعتان من الصرف، وموانع الصرف نذكرها الآن استطرادًا، تسعة، مجموعة في البيت، أنت؟
* طالب: لا أحفظه.
* الشيخ: لا تحفظ البيت، نعم؟
* طالب:
مَوَانِعُ الصَّرْفِ تِسْــــعٌ إِنْ أَرَدْتَبِهَــــا ∗∗∗ عَوْنًــــا لِتَبْلُــــغَ فِــــي إِعْرَابِــــكَالْأَمَــــــــــــــلَا؎اجْمَــــعْ وَزِنْ عَــــادِلًا أَنِّــــثْبِمَعْرِفَــــــــــــــــةٍ ∗∗∗ رَكِّبْ وَزِدْ عُجْمَةً فَالْوَصْفُ قَدْكَملَا
* الشيخ: أحسنت.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما هو؟
* طالب:
جَمْــــــــعٌ وَعَــــــــدْلٌ زَادَ وَزْنٌصِفَــــــــــــــــــــهْ ∗∗∗ رَكِّــــــــــــبْ وَأَنِّــــــــــــثْعُجْمَــــــــــــــــةً (...)
* الشيخ: إي، طيب.
* طالب: أسمعنا.
* الشيخ: نعم، سمّع.
* الطالب: جَمْعٌ وَعَدْلٌ زَادَ وَزْنٌ وَصِفَهْ
* الشيخ: اصبر، لكن نبغي نسمّعكم بشرط أن تحفظوه، يلّا.
* الطالب: أقولها من الأول.
* الشيخ: إي.
* الطالب:
جَمْــــــــعٌ وَعَــــــــدْلٌ زَادَ وَزْنٌصِفَــــــــــــــــــــهْ ∗∗∗ رَكِّـــــــــبْ وَأَنِّـــــــــثْعُجْمَـــــــــــــةً و (...)
* طالب: على ما (...) أحسن.
* الشيخ: سمعتم؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: نيجي بالدور الثاني إن شاء الله، البيت الأول من حفظه معروف مشهور:
اجْمَــــعْ وَزِنْ عَــــادِلًا أَنِّــــثْبِمَعْرِفَــــــــــــــــةٍ ∗∗∗ رَكِّبْ وَزِدْ عُجْمَةً فَالْوَصْفُ قَدْكَملَا
هذه تسعة ثلاثة منها لا تحتاج إلا إلى علة واحدة، وثلاث منها تحتاج إلى علتين إحداهما العلَمية مع علة الأخرى، وثلاثة تحتاج إلى علتين إحداهما العلَمية أو الوصفية مع علة أخرى، فهذه العلل التسعة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يكفي فيها علة واحدة، وقسم علتان إحداهما العلَمية، وقسم علتان إحداهما العلَمية أو الوصفية، الذي معنا فيها العلَمية والعجمة، وهذه لا تأتي بها الوصفية، العجمة ما تأتي بها الوصفية، العلمية ووزن الفعل تأتي فيها الوصفية ولّا لا؟ تأتي؛ لأن الوصفية ووزن الفعل علتان مانعتان من الصرف، والعلَمية ووزن الفعل علتان مانعتان من الصرف.
طيب، ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا﴾، ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من ﴿يَحْيَى﴾، ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ هو عيسى ابن مريم، يعني مصدقًا بعيسى؛ لأن عيسى كلمة من الله أو كلمة الله، وسمي بذلك لأنه كان بكلمة الله، لم يكن من أب كما يكون البشر، بل كان بكلمة الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ﴾ [آل عمران ٥٩] أي: آدم، ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩]، ولهذا سُمِّي عيسى بالكلمة، بكلمة الله؛ لأنه كان بكلمته وليس هو كلمة الله، لماذا؟ لأن كلمة الله وصف لله عز وجل، فالكلام وصف للموصوف، ولا يمكن أن يكون وصف الله عينًا بائنة منه، بل هو يعني يتعين أن يكون معنى كونه كلمة أنه كان أيش؟ بكلمة الله ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾.
وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ بيان لابتداء الأمر وليست للتبعيض، فالكلمة ليست هنا بعضًا من الله، بل منشؤها منه، فـ(من) للابتداء؛ لأن منشأ الكلمة من الله؛ لأنه هو الذي تكلم، ﴿وَسَيِّدًا﴾ معطوفة على ﴿مُصَدِّقًا﴾ فتكون منصوبة على أيش؟ على الحال، تكون منصوبة على الحال، ﴿سَيِّدًا﴾ مَن السيد؟ السيد مَن ساد غيره وشرُف عليه بالعلم والدين والخلق والمعاملة، وقولنا (الخلق) يشمل كل خلق يسود به الإنسان غيره من الجود والشجاعة والإيثار وغير ذلك، المهم أن السيد من ساد غيره في الكمالات، يعني فضل عليه وزاد عليه، فيكون جامعًا لصفات الكمال الممكنة في المخلوق، وكذلك أيضا قال في وصفه: ﴿وَحَصُورًا﴾ معطوفة على ﴿مُصَدِّقًا﴾ فهي منصوبة على الحال، ﴿حَصُورًا﴾ فَعُول بمعنى فاعل، أي حاصرًا نفسه عن أراذل الأخلاق، فيكون هذا المبشَّر به موصوفًا بصفات الكمال الدال عليها قوله أيش؟ ﴿سَيِّدًا﴾ مبرأً من النقص وسوء الأخلاق الدال عليه ﴿حَصُورًا﴾، فيكون جمع له بين النفي والإثبات، وذلك لأن الإنسان لا يكمل إلا بوجود صفات الكمال وانتفاء صفات النقص، ولاحظوا أيها الإخوة أن صفات الكمال والنقص هنا لا نعني بها النقص المطلق والكمال المطلق، هذا لا يكون إلا لمن؟ لله، لكنه أمر نسبي، قد يكون الإنسان عنده كمال في الصفات لكن عنده سوء من جهة أخرى، هذا ناقص، وقد يكون عنده سوء ونقص في الكمال فيكون هذا أنقص، وقد يكون عنده كمال في الكمال وتنَزّه عن النقص وهذا هو أيش؟ الكمال كما وُصِف به يحيى عليه الصلاة والسلام.
وأما من قال من المفسرين: إن الحصور الممنوع عن إتيان النساء، يعني ما يقدر على النساء، فإن في هذا نظرًا، نظرًا واضحًا؛ لأن عدم قدرة الإنسان على النساء ليس كمالًا، إذ إن ذلك ليس منه بتخلق ولكنه عيب ولّا لا؟ عيب، نعم فيها قول آخر: أنه لا يأتي من النساء مَن لا تحل له، فيكون وصفًا له بماذا؟ بكمال العفة، هذا يُمدح عليه الإنسان، هذا يمدح، لكن ما قلنا أشمل من هذا القول، أشمل، ومعلوم أنه إذا وُجِد معنى أشمل فهو مقدم على المعنى الأقل؛ لأن الأقل داخل في الأشمل، ولا عكس، المهم أن (الحصور) هو الذي منع نفسه عن مساوئ الأخلاق وأراذلها، فيكون في الآية وصف له بكمال الأخلاق وانتفاء المساوئ، وهذا غاية الكمال.
﴿وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ هذه معطوفة أيضًا على ﴿مُصَدِّقًا﴾، فهو مصدق ونبي، ولا يلزم من تصديقه بعيسى أن يكون تابعًا له، فها هو محمد ﷺ مصدق لجميع الأنبياء، وهو تابع لهم؟ لا، هم يتبعونه ولا يتبعهم، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَوْ كَانَ أَخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي»[[أخرجه أحمد في المسند (١٥١٥٦) والدارمي (٤٤٩) من حديث جابر بن عبد الله. ]]، ولهذا صار إمامًا لهم ليلة المعراج، ولهذا إذا نزل عيسى في آخر الزمان يحكم بشريعة النبي عليه الصلاة والسلام، المهم أن تصديقه لعيسى ابن مريم لا ينافي أن يكون نبيًّا، فهو نبي مصدِّق بالأنبياء، ولهذا قال: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: من جملتهم، وإنما قلنا ذلك؛ لأن النبوة وصف أعلى من الصلاح، لكن هو في جملة الصالحين، النبوة صلاح وزيادة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء ٦٩]، فالصالحون في المرتبة الرابعة، كل من قبلهم داخل فيهم، ولّا لا؟ فكل نبي صالح ولا عكس، كل صدِّيق صالح ولا عكس، كل شهيد صالح ولا عكس، كذا؟ كل صالح صالح، صحيح كل صالح فهو صالح.
* طالب: ولا عكس.
* الشيخ: ولا عكس أيش؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: العكس ما هم؟ يعني كل فاسد فاسد ولا أيش؟
* طالب: عكس كل صالح صالح.
* الشيخ: إي نعم، على كل حال قوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي من جملتهم؛ لأن النبي أَخَذ بوصف النبوة والصلاح فهو من جملتهم.
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾، قال لما بَشَّره الله عز وجل: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ﴾ يعني: كيف، يقول ذلك ليس استبعادًا ولا استنكارًا ولكن تثبتًا، وإلا فإنّا نعلم أن زكريا عليه الصلاة والسلام قد آمن بما بشّره الله به ولا يمكن أن يستبعدها، ولكنه قال ذلك من أجل أيش؟ التثبت، والإنسان بشر ناقص في الإدراك والعلم يحتاج إلى شيء يثبّت له الأمور، إبراهيم عليه الصلاة والسلام لا شك أنه يؤمن إيمانًا كاملًا لا شك معه بأن الله يحيي الموتى، ومع ذلك قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]؛ لأنه ليس الخبر كالمعاينة، إذا أخبرك إنسان بخبر مهما بلغ في الصدق لن يكون خبره عندك مثل المعاينة، فزكريا عليه الصلاة والسلام سأل الله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ بقصد أيش؟ التثبت وتثبيت هذا الأمر لا استبعادًا لقدرة الله عز وجل ولا شكًّا في خبره عز وجل، بل هو مؤمن بذلك ومؤمن بقدرة الله سبحانه وتعالى، وأنه إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون لا سيما وأنه كان قد رأى عند مريم الرزق فقال: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾، قال: ﴿غُلَامٌ﴾ مع أنه لم يولد بعد، لكن هذا باعتبار ما سيكون، والتعبير بما سيكون أمر سائغ في اللغة وارد في القرآن ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف ٣٦]، يعني أعصر عنبًا يكون خمرًا؛ لأن الخمر ما هو بيُعصر، اللي يُعصر العنب وعصيره يتحول إلى خمر، فعبّر عن الشيء بما يؤول إليه، طيب هنا ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾، كيف يكون غلام وهو ما بعد وُلِد؟ نقول: باعتبار ما سيكون.
ثم قال: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ الواو هذه يسميها العلماء: واو الحال، يعني أنها تدل على أن الجملة التي بعدها في موضع نصب على الحال، يعني والحال أنه قد بلغني الكبر، حال من أين؟ من الياء في قوله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا يا أخي، هي حال من الياء في قوله: ﴿لِي﴾، ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾، فهي في موضع نصب على الحال من الياء في قوله: ﴿لِي﴾.
﴿بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ يعني: وصل إليّ الكبر، والحقيقة أنه قد يتراءى للإنسان أن في المعنى قلبًا، هل الكبر بلغك أو أنت بلغت الكبر؟ أو يجوز هذا وهذا؟ قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم ٨]، فصار هو الذي بلغ الكبر، وهنا يقول: ﴿قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾، إذن فالتعبير صحيح في هذا وهذا، فأنت إن بلغت الكبر فقد بلغك الكبر، وإذا بلغك الكبر فقد بلغت، ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ يعني: أصابني، وعادة أن الكبير إذا لم يولَد له في حال في سن الشباب فإنه لن يرى الأولاد؛ لأن الإنجاب والإخصاب إنما يكون في حال الشباب، وكلما تقدمت السن بالإنسان من رجل أو امرأة قلّ إنجابه، فيقول: كيف لما كنت شابًّا لا يأتيني ولد والآن بيأتيني الولد؟ أيضًا المرأة، امرأته عاقر، عاقر يعني لا تحمل، وعاقر لفظه مذكر لكن معناه هنا مؤنث، ويطلق على الذكر والأنثى، يقال: رجل عاقر، وامرأة عاقر، وهو الذي لا يولد له، فالآن كل من الزوجين يعني ليسَا بصدد الولادة، ولكن الله على كل شيء قدير، إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن فيكون، ولهذا قال: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ﴾ (كذلك) يجوز عندي فيها وجهان؛ الوجه الأول: أنها خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: الأمر كذلك، يعني أنك بلغك الكبر وامرأتك عاقر ولكن الله يفعل ما يشاء، والوجه الثاني: أن تكون في موضع نصب على المفعولية المطلقة، أي: مثل ذلك الفعل يفعله الله؛ لأنه يفعل ما يشاء، وكلا الوجهين صحيح، فإنه سيكون له ولد ولو كان بلغه الكبر ولو كانت امرأته عاقرًا، لماذا؟ لأن الله يفعل ما يشاء، فكل ما شاءه الله فعله؛ لأنه عز وجل لا يمنعه مانع كما نقول نحن في دبر كل صلاة: اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٣٠) ومسلم (٥٩٣ / ١٣٧) من حديث المغيرة بن شعبة.]]، فالله عز وجل يفعل ما يشاء؛ لأن له الملك المطلق في خلقه فلا أحد يمنعه ولا أحد يسأله: لِمَ فعلت، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٣]، ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، فلما أيقن بأن الله تعالى سيهب له الولد قال: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾، أي: صَيِّر لي علامة تدل على هذا الولد، يعني كأنه يقول: متى تكون هذه العلامة، رب اجعل لي آية تدل على حصول هذا الولد، وأن الولد بدأ ينشأ، لماذا؟ ليزداد أيش؟ طمأنينة، ليزداد طمأنينة فيما بشّره الله به، ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أستدل بها على أن الولد بدأ ينشأ، أو ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أزداد بها طمأنينة على ما بشرتني به، والآية في اللغة: العلامة، وآيات الله عز وجل كونية وشرعية، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أُيِّدُوا بماذا؟ بالآيات الدالة على صدقهم، الآيات الكونية والآيات الشرعية، وكثير من الناس يسمي آيات الأنبياء معجزات، وهذه التسمية وإن اشتهرت على الألسن لكن فيها قصورًا، والتعبير الصحيح السليم أن نسميها آيات كما سماها الله، نسمي ما يحصل من خوارق العادات على أيدي الأنبياء نسميها آيات، ولهذا لا تجد آية في القرآن سمى الله هذه الخوارق معجزات أبدًا، بل كان يسميها آيات، علامات على الصدق، أما معجزات فهي قاصرة؛ لأنها لو أخذناها على ظاهرها لشملت ما يأتي به السحرة، أو ما تأتي به الجن؛ لأن ما يأتي به السحرة والجن مُعْجِز ولّا لا؟ معجز، لكن هل هو آية؟ لا، لهذا كان التعبير الذي في القرآن خيرًا من التعبير الذي عبّر به بعض العلماء بتسمية خوارق العادات التي يجريها الله على أيدي الأنبياء معجزات.
﴿قَالَ آيَتُكَ﴾ يعني: الآية التي تدلك، فأضافها إلى زكريا مع أنه ليس هو الذي أوجدها، لكن لأنها علامة له، ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾، أنا أحب أن أفهم إعراب ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ﴾؟
* طالب: ﴿آيَتُكَ﴾ مبتدأ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: والكاف مضاف إليه، والمصدر المؤول من (أن) و(...) في محل رفع الخبر.
* الشيخ: (أن) وما تحويه في تأويل مصدر؟
* الطالب: في محل رفع الخبر.
* الشيخ: في محل رفع ولّا في تأويل مصدر خبر، ولا في محل الرفع؟
* الطالب: خبر.
* الشيخ: خبر؛ لأنها مفرد، واللي يقال: في محل، الجملة، طيب، قدِّر؟
* الطالب: الآية (...).
* الشيخ: أحسنت تمام، ﴿آيَتُكَ﴾ يعني العلامة التي أعطيك إياها ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾، ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ يعني لا تخاطبهم، ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾، ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ ثلاثة أيام بلياليها؟ نعم، بدليل قوله تعالى في سورة مريم: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم ١٠]، آيته أن لا يكلم الناس بلياليها، قال: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾، ﴿إِلَّا﴾ هذه أداة استثناء، ولكن أحب أن أفهم هل هذا الاستثناء متصل أو منقطع؟
* طالب: منقطع.
* الشيخ: منقطع؟
* الطالب: لأن ما بعد (إلا) ليس من جنس ما قبلها.
* الشيخ: الرمز ليس كلامًا؟ كلام ولّا غير كلام؟
* الطلبة: لا، غير كلام.
* الشيخ: طيب، نعم؟
* طالب: السياق أنه متصل؛ لأنه قال ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾، ثم قال له: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ عده كلامًا بمعنى أنه متصل.
* الشيخ: متصل، هذان قولان.
* طالب: أما عند النحويين فلا يسمونه كلامًا، والبلاغيون يسمونه كلامًا.
* الشيخ: نعم، هذا قول مفصّل، والواقع أن المفسرين اختلفوا هل الاستثناء متصل فتكون الإشارة من الكلام؛ لأن الكلام هو ما يعبر عما في النفس من قول أو إشارة أو كتابة، وبعض المفسرين يقول: إن الاستثناء منقطع؛ لأن الرمز ليس بكلام، ولذلك لو رمز الإنسان في الصلاة لم تبطل صلاته، ولو كان كلامًا لبطلت؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم. ]]، فمن نظر إلى المعنى قال: إن الرمز كلام؛ لأنه ينبئ عما في النفس، وقد اعتبره الشارع، الشارع اعتبر الإشارة، «أليس النبي عليه الصلاة والسلام قتل اليهودي بإشارة الأنصارية، الجارية الأنصارية التي قالت حينما قالوا: من قتلك؟ فلان، فلان، فلان. فأشارت: نعم »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٩٥)، ومسلم (١٦٧٢ / ١٥) من حديث أنس.]]، فاعتبر الإشارة، ولا شك أن الإشارة تعبر عن ما في النفس، لكنها ليست القول الذي هو الصوت لا شك فيه هذا أيضًا، فمن لحظ المعنى قال: الاستثناء متصل، ومن لحظ اللفظ وأن الكلام هو الصوت قال: الاستثناء منقطع، ولكن على القولين المعنى واحد، لن يستطيع أن ينطق بلسانه مع الناس، ولكن يشير إليهم إشارة، ووجه كون هذا آية أنه عجز عن النطق مع أنه سليم، وأنه عجز عن النطق مع الناس لا مع الله، وهذا شيء غريب، يعني إنسان يتكلم يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، إنسان سويّ لم يأته آفة ولا علة في لسانه ولا يستطيع أن يكلم الناس؟ هذه آية، عجزٌ في مقام القدرة وقدرة في مقام العجز، عجز عن كلام الناس في مقام القدرة على الكلام، وقدرة على الكلام مع الله بالتسبيح وغيره وعجز عن الكلام مع الناس، فهذا من آيات الله عز وجل؛ ليريه أنه سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، الكلام الذي أنا وغيري يعلم أنه أخف حركة في البدن ولّا لا؟ يستطيع الواحد يتكلم من إلى صار يعطيه الله إمداد في المعنى يتكلم كم ساعة؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: إلى (...) والله ما (...) عن هذا، لكن يتكلم كثيرًا ولا يتعب، لكن المشي يتعب والبطش يتعب، أما هذا الكلام اليسير اللي كلٌّ يستطيعه يمتنع من هذا الرجل ما يقدر يكلم الناس إلا رمزًا، وأما مع الله فقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾، ما انتهى الوقت.
* طالب: شيخ، الراجح من المسألة الأولى..
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: التي ذكرناها قبل؟
* الشيخ: ما هي؟
* الطالب: الكلام يعني الرمز هو كلام..
* الشيخ: إن أحببت أن يكون الراجح أن الاستثناء منقطع فهو منقطع، وإن أحب من قال إنه متصل فهو متصل، وإن أحب التفصيل مَن فصل فلنفصل، المسألة ما يترتب عليها شيء.
* الطالب: (...).
* الشيخ: والله فيه احتمال الحقيقة.
* طالب: شيخ..
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: قلنا من شروط استجابة الدعاء الجزم بالدعاء، أن يكون الإنسان موقن الإجابة، وهنا زكريا يعني لما قال ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ مع أنه دعا أول كأنه يعني لم يكن يوقن الإجابة.
* الشيخ: لا إله إلا الله! هذا لو كان الاستفهام على سبيل الاستبعاد، وما استفهم مستبعدًا الواقع، مستفهم للتثبت، أنا الآن لو قلت: بأعطيك مثلًا عشرين ريال وأنت ترى أني صادق، قلت: تعطيني عشرين ريال؟ وأيش قصدك بهذا؟ التثبت، ما قصد الاستبعاد ولا الشك.
* * *
* طالب: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١) وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران ٤١ - ٤٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ أمره الله تعالى بأن يذكر ربه كثيرًا؛ لأن بذكر الله تطمئن القلوب، ويزداد الإيمان ويستنير القلب، فلهذا أمره الله أن يذكر ربه كثيرًا، وفائدة الذكر كثيرًا هنا أو الأمر بالذكر كثيرًا؛ لأن الله لما أخبره بأنه سيمنعه من مكالمة الناس بشَّره بأنه لن يمتنع من ذكر الله الذي هو أجلّ وأشرف من مخاطبة الناس وكلامهم، فقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾؛ لأنه ربما يقع في قلبه لما قال الله له: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ ربما يقع في قلبه أن يُمنع من الكلام، فأراد الله تعالى أن يُسَرِّي عنه وأن يُذهب عنه ما قد يقع في قلبه وقال له: ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾، وهنا لم يقل له: وإنك ستذكر ربك، بل قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾، فأمره بذكر الله؛ ليكون ذكره لله تعالى في حال امتناع مكالمة الناس عبادةً خاصة مأمورًا بها، لما مُنع من مخاطبة الناس صار متفرغًا، فأُمِر بأن يشغل هذا الفراغ بماذا؟ بذكر الله عز وجل، وهذا أحسن له وأفيد له مما لو قال الله له: وإنك ستذكر ربك كثيرًا، ووجهه كما قلت لكم أنه إذا أُمِر به صار طاعة، وإن كان الذكر من أصله طاعة، لكن يكون هذا طاعة خاصة في هذه الحال التي يمتنع فيها من مكالمة الناس.
وقوله: ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾، هل ﴿كَثِيرًا﴾ صفة لزمن محذوف؟ أي زمانًا كثيرًا، أو لمصدر محذوف أي ذكرًا كثيرًا؟ الثاني، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب ٤١، ٤٢]، وهنا قال: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، العشي آخر النهار، والإبكار أول النهار، وهذان الوقتان قد أمر الله بذكره فيهما فقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق ٣٩]، وقال تعالى: ﴿سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ هنا، ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص ١٨]، والآيات في هذا كثيرة؛ لأن في الإشراق مستقبَل النهار، وفي العشي مستدبَر النهار، فيكون الإنسان شاغلًا وقته أوله وآخره بماذا؟ بذكر الله، من أين يبتدئ العشي؟ العشي يبتدئ من زوال الشمس، بدليل حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي»[[متفق عليه البخاري (١٢٢٩)، ومسلم (٥٧٣ / ٩٧) من حديث أبي هريرة.]]. وهي إما الظهر وإما العصر، وقيل: العشي ما بعد صلاة العصر إلى منتصف الليل، ولكن الأول أصح، نعم المساء يطلَق من صلاة العصر إلى منتصف الليل، وأما العشي فهو آخر النهار.
وقوله تعالى: ﴿وَالْإِبْكَارِ﴾، (الإبكار) ليست جمعًا لـ(بَكَر)؛ لأن جمع (بَكَر) (أبكار) كـ(سبب) و(أسباب)، لكنها مصدر أو اسم لهذا الوقت المعين الذي هو أول النهار.
وقوله: ﴿سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ يشمل تنزيه الله عز وجل عن كل ما لا يليق به، وقد مر علينا أن تسبيح الله يكون عن أمور ثلاثة: عن صفة العيب، وعن نقص في كماله، وعن مماثلة المخلوقين، انتبهوا (المشابهة) هذه أخرجوها من ألسنتكم، قولوا: مماثلة؛ لأن هذا هو اللفظ الذي جاء به القرآن، فيُسَبَّح الله عن هذه الأمور الثلاثة، ما هي؟ النقص، والنقص في الكمال، ومماثلة المخلوقين.
فالنقص كقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان ٥٨]، والنقص في الكمال مثل قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة ٢٥٥]، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]، ومماثلة المخلوقين مثل قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم ٦٥]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤].
والتسبيح يكون بالقول ويكون بالفعل، فكل مَن عَبَدَ الله فقد سبَّحه، كل من عبد الله فقد سبحه، بالقول ولّا بالفعل؟ بالفعل، وإن لم يكن فيها كلمة (سبحان)؛ لأن العابد تستلزم عبادته المعبود أن يكون كاملًا؛ لأن الناقص لا يمكن للعاقل أن أيش؟ أن يَعْبُدَه، فكونه يعبد الله يستلزم أن يكون مقرًّا له بالكمال مسبِّحًا له عن النقص، واضح يا جماعة؟
﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، الباء في قوله: ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ يحتمل أن تكون للاستيعاب، يعني في كل الوقت، وأن تكون للظرفية، أي في العشي، فإن جعلناها للظرفية لم يلزم أن يستوعب الوقتَ بالتسبيح؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨]، هم يمرون عليهم كل ليل يدلجون عليهم؟ لا، يمرون في أوله، في آخره، في وسطه، وإذا كانت للاستيعاب فإن المعنى إن الله أمره أن يستوعب هذين الوقتين كلهما، بماذا؟ بالتسبيح.
نرجع الآن إلى الفوائد، قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً﴾، إلى آخره، يؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله، حتى الأنبياء لا يستغنون عن دعاء الله؛ لقوله: ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القياس، من أين؟ لأنه لما رأى أن الله يرزق هذه المرأة بدون سبب معلوم علم أن الذي يسوق لها الرزق وهي امرأة منقطعة عن التكسب في محرابها قادر على أن يرزقه ولدًا، فيكون انتقال من الشيء إلى نظيره، وهذا هو نفس القياس، صح؟ إذن هو استدل أو أخذ من هذه القصة عبرة وهو أن يسأل الله أمرًا وإن كان مستبعدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصيغة التي يُتَوَسَّل بها في الدعاء هي اسم الرب؛ لقوله: ﴿رَبَّهُ﴾، ولم يقل: الله، ولهذا تجدون أكثر الأدعية مصدرة بالرب؛ لأن إجابة الداعي من مقتضى الربوبية، ولّا لا؟ لأنها فعل، وكل الأفعال من مقتضى الربوبية، فلهذا يتوسل الداعي دائمًا إلى الله بالرب، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة. ]].
* ومن فوائد الآية الكريمة:أن زكريا عليه الصلاة السلام بلغ سنًّا بعيدًا دون أن يأتيه الولد، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾.
* طالب: بقول يا شيخ بفرضكم ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ و﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، بكرة وعشيا تعني (...) كله، والعشي والإبكار تعني (...).
* الشيخ: إذا جعلنا الباء للظرفية صحيح صار بينهما فرق، إن جعلناها للاستيعاب لم يكن فرق.
* الطالب: أن الاستيعاب بس..
* الشيخ: لا الاستيعاب إن كل الوقت، يستوعب كل الوقت، وليس المعنى دون غيرهما، لكن هذين الوقتين مخصوصان بالتسمية ولا غيره يسبح، لكن هذا أهم شيء.
* طالب: (...) مخصوص معًا ولا..؟
* الشيخ: لا ليس معًا، ولهذا أكثر ما تكون التسبيحات والتهليلات في أول النهار وآخره.
* طالب: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، من هو القائل اللي رد عليه زكريا؟
* الشيخ: اقرأ من نادى زكريا؟
* الطالب: الملائكة.
* الشيخ: إذن يكون القائل معناه واصل، ما وصلنا للحقيقة، هذا سؤال مطروح.
* طالب: التسبيح، قلنا: التسبيح يشمل الفعل والقول، الذي يسبح في سره ما يشمل ذلك؟
* الشيخ: حديث النفس يعني؟ حديث النفس يدخل في هذا، لكنه من الفعل؛ لأنه حدّث نفسه.
* طالب: هل نقول: سيدنا محمد ﷺ؟
* الشيخ: أن سيدنا محمد، والله محمد سيدنا، لكن هل الصحابة يقولون كذا؟
* طالب: رسول الله.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: نشأ من أبوين مشركين، بينما يحيى عليه السلام من أبوين صالحين، فيؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الجمع بين النبي والصلاح؟
* الشيخ: يعني أنه وُلِد من صالحين.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ما هو بالظاهر، هذه من بيان لحال يحيى.
* طالب: شيخ بعض الناس يقولون: يا سيدي، هل فيها شيء؟
* الشيخ: يا سيدي من؟
* الطالب: يعني إذا تكلم يقول: يا سيدي.
* الشيخ: إذا كان الرجل أهلًا للسيادة لا بأس، يعني مثلًا لو قال: يجي واحد لفاسق فاجر يقول له: يا سيدي، ما يجوز، لكن الأهل للسيادة لا بأس.
* طالب: القياس يا شيخ، هل صح الإنسان إذا شاف أي شيء يعني مثلًا دعاء يقيس عليه يعني؟
* الشيخ: إذا كان لا عدوان في ذلك فلا بأس، إذا ما فيه عدوان لا بأس، أما مثلًا يجيء يدعو الله يقول: اللهم اجعلني نبيًّا رسولًا، هذا حرام، طيب كلامنا مع الأخ السائل يقول: سيدي، سيدنا محمد، هل معنى ذلك إنه يحرم إن الإنسان يقول: قال سيدنا محمد؟
* طالب: لا يحرم.
* الشيخ: لا يحرم.
* الطالب: لأنه سيد الأولين والآخرين.
* الشيخ: ولأننا نحن ينبغي أن نتأدب كأدب الصحابة، كأدب الصحابة، إذا ساقوا الحديث عن الرسول ما هم بيقولون: قال سيدنا، قال رسول الله، قال نبي الله.
* طالب: شيخ، (...) يا سيدي يا مولاي..
* الشيخ: إذا صدق الوصف فلا بأس، لو قال العتيق لمن أعتقه: يا مولاي، صح.
* * *
* طالب: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران ٤٢ - ٤٦].
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، أخذنا منها أربعة فوائد؟
* طالب: الأولى: أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله حتى الأنبياء، ثانيًا: إثبات القياس؛ لأنه لما رأى أن الله يرزق هذه المرأة بدون سبب معلوم علم أن الذي يسوق لها الرزق وهي امرأة منقطعة التكسب في محرابها قادر على أن يرزقه..
* الشيخ: أن يرزقه الولد، ولّا لا؟ نعم.
* الطالب: الثالثة: أن الصيغة التي يتوسل بها بالدعاء هي اسم الرب، الرابعة: أن زكريا عليه الصلاة السلام بلغ سنًّا بعيدًا دون أن يأتيه ولد.
* الشيخ: طيب الثالثة؟
* الطالب: أن الصيغة التي يتوسل بها بالدعاء هي اسم الرب.
* الشيخ: غالبًا، الرابعة؟
* الطالب: الرابعة: أن زكريا عليه الصلاة السلام بلغ سنًّا بعيدًا دون أن يأتيه ولد؛ لقوله: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾.
* الشيخ: نعم.
من فوائد الآية ما يستفاد من قوله: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾، حيث أضاف الهبة إلى الله عز وجل، وهبة الكريم تكون كبيرة، ونظير هذا قوله ﷺ فيما علّمه أبو بكر الدعاء الذي يدعو به في صلاته قال: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٢٦)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨) من حديث أبي بكر. ]]، وكما أشرنا إليه أن الشيء من الكريم يكون عظيمًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل مطلق الذرية؛ لأن الذرية قد يكونون نكدًا وفتنة، وإنما يسأل الذرية الطيبة.
ومن فوائد الآية الكريمة التي تشير إليها إشارة: أنه ينبغي للإنسان أن يفعل الأسباب التي تكون بها ذريته طيبة ومنها الدعاء، دعاء الله، وهو من أكبر الأسباب، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عن الرجل يبلغ الأشد أنه يقول: ﴿أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف ١٥]، ولا شك أن صلاح الذرية أمر مطلوب؛ لأن الذرية الصالحة تنفعك في الحياة والممات؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»[[أخرجه مسلم (١٦٣١ / ١٤) من حديث أبي هريرة. ]].
* من فوائد الآية الكريمة: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه المناسبة للحاجة؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، أي: مجيبه، وهكذا ينبغي أن تكون الأسماء التي يتوسل بها الإنسان في دعائه مناسبة لأيش؟ للمدعو به، فالداعي بالمغفرة يتوسل باسم الله الغفور، وبالرحمة الرحيم، وبالرزق باسم الرزاق، وهكذا، ويدل لهذا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف ١٨٠]، فإن قوله: ﴿ادْعُوهُ بِهَا﴾ يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة، يشمل دعاء المسألة؛ أن تجعلها وسيلة لدعائك، ودعاء العبادة أن تتعبد لله تعالى بمقتضاها، فإذا علمت أنه سبحانه غفور فتعرض لمغفرته، وإذا علمت أنه رحيم كذلك، وهكذا، فقوله عز وجل: ﴿ادْعُوهُ بِهَا﴾ يتناول هذا وهذا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات سمع الله وكرم الله وقدرة الله، من أين يؤخذ؟
* طالب: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
* طالب: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
* الشيخ: وجه ذلك؟
* الطالب: أنه سمع الدعاء فأجابه.
* الشيخ: طيب، هذا واحد، إثبات القدرة؟
* طالب: القدرة على الإجابة.
* الشيخ: القدرة على الإجابة، نعم، الثالث؟
* طالب: أنه لا يعطي إلا الكريم.
* الشيخ: نعم، إثبات الكرم لله؛ لكونه عز وجل يجب من دعاه، فإن قال قائل: أحيانًا يدعو المرء ولا يستجيب الله دعاءه؟ وهنا زكريا ﷺ يقول: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، وقال إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، فما الجواب؟ الجواب أن يقال: إن عدم إجابة الله الدعاء إما أن تكون لوجود مانع، وإما أن تكون لمصلحة الداعي، أو لفوات شرط، فأما إذا تمت الشروط وانتفت الموانع ولم تقتضِ المصلحة خلاف ما دعا به الداعي فإن الله تعالى يستجيب الدعاء قطعًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠]، فإذا دعا الإنسان ربه وقلبه لاهٍ، يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرّب إليه من قول وعمل، لكنه في زمن الاختبار قلبه يتجول بين صفحات الكتاب، هذا غافل ولّا حاضر؟
* الطلبة: غافل.
* الشيخ: غافل؟ نعم، لا يستجيب دعاءً من قلب غافل، كيف تسأل الله سبحانه وتعالى وهو يعلم ما في نفسك وتناجيه: يا رب أعطني كذا، وأنت قلبك مشغول بشيء آخر؟ هذا والله فيه سوء أدب، هذا تتخلف إجابة الدعوة لعدم وجود الشرط، لانتفاء الشرط، ما حضر قلبه، قد يكون ذلك لوجود مانع، ومنها - أي من الموانع - أن يكون الإنسان آكلًا للحرام -والعياذ بالله - فإن أكل الحرام من أكبر موانع إجابة الدعاء؛ لأن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾، ثم ذكر النبي الله ﷺ الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب»، أربعة أسباب من أسباب إجابة الدعاء «وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة.]] - أعوذ بالله - استبعد أن الله يجيب هذا الداعي، فهنا تخلفت إجابة الدعاء، لماذا؟ لوجود مانع.
وقد تكون لمصلحة الداعي، يدّخر الله له عنده ما هو أعظم مما سأل، أو يعلم سبحانه وتعالى أنه لو أجابه لحصل عليه مضرة في دينه، مثل أن تكون إجابته سببًا لفتنته عن دينه، فبرحمة الله وحكمته لا يستجيب له هذا الدعاء، لمصلحة من؟
* الطلبة: الداعي.
* الشيخ: لمصلحة الداعي، ولهذا ينبغي للإنسان أن لا يضجر إذا دعا الله فلم يستجب له، وأن لا يسأم ويستحسر، فيقول: دعوت ثم دعوت فلم يستجب لي، فإنه إذا قال ذلك لم يستجب له، فزال الإشكال الآن؟ زال الإشكال الذي قد يَرِد على قوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، وبقي إشكال آخر وهو أن يقال: لا فائدة من الدعاء؛ لأن المدعوّ به إن كان قد كُتِب لك فسوف يأتيك بلا دعاء، وإن لم يُكتب لك فلن يأتيك ولو دعوت، هكذا يقول بعض الناس، فبماذا نجيب؟ نجيب أولًا: أن هذا قول باطل من أصله؛ لأنه يقتضي تسفيه الرسل والأنبياء والصالحين، بل يقتضي أن الله عز وجل يأمر بما لا فائدة فيه، فإن الله قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾، فكيف يأمر عز وجل بأمر لا فائدة منه؟! هذا مستحيل، فهذا القول باطل من أصله، ثم نقول: الشيء يُكتب لك لكن بسبب، فإذا كان الله قد كتب لك ذرية طيبة بسبب دعائك فإنه إذا انتفى الدعاء انتفت الذرية الطيبة؛ لأن الله قدرها -أي الذرية الطيبة- مقرونة بأيش؟ بالدعاء، وهل يقول عاقل: أنا لا أتزوج، إن كان الله قد أراد لي ولدًا جاء بلا نكاح، وإن لم يُرِد لي ولدًا لم يأت ولو تزوجت، هل يقول هذا عاقل؟ لا، ما يقوله، نقول: إن الله قدر لك الولد بالنكاح، تزوج يأتيك الولد.
وهل يقول عاقل: أنا لا أتزوج، إن كان الله قد أراد لي ولدا جاء بلا نكاح، وإن لم يرد لي ولدا لم يأت ولو تزوجت، هل يقول هذا عاقل؟ لا، ما يقوله، نقول: إن الله قدر لك الولد بالنكاح، تزوج يأتيك الولد، وهكذا الدعاء.
إذن فالدعاء لا شك أنه من أقوى الأسباب لحصول المطلوب وزوال المكروه، وهذا أمر معلوم، ويكون الله تعالى قد قدر هذا الشيء الذي هو حصول مطلوبك أو زوال مكروهك، قد قدره مقرونا بأيش؟ بهذا السبب، بالدعاء، فيكون الدعاء مقدرا والمدعو به مقدرا من عند الله عز وجل، لكن أنت لا تدري، أنت عليك فعل السبب الذي تعلمه وهو الدعاء، وما وراء ذلك فليس إليك، وهكذا جميع المقدورات كلها يرد عليها هذا الإيراد، ولكن يجاب بهذا الجواب؛ بأن الله قدر هذه الأشياء مقرونة بأسبابها.
ثم إننا نقول: إن الدعاء نفسه عبادة، نفس الدعاء عبادة، إذا رفعت يديك إلى ربك: يا رب، هذا ذل وخضوع لله عز وجل، وهو من أجل العبادات، فالدعاء نفسه عبادة، سواء أجبت أم لم تجب، فلماذا لا تكثر من الدعاء؟ كذا؟ وأيش قلت؟
* طالب: الدعاء عبادة في ذاته، فالإنسان يدعو الله سبحانه وتعالى ولو لم..
* الشيخ: ويكثر من الدعاء.
قال: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران ٣٨] ثم قال عز وجل: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران ٣٩].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الملائكة، وقد سبق عن قريب شيء من الكلام عليهم، وأنهم عالم غيبي مخلوقون من نور، خلقهم الله عز وجل لما أعدهم له، فقاموا به على حسب ما أراد خالقهم عز وجل، كأن ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠) من حديث أبي ذر.]]. الأطيط: ما يسمع من صرير الرحل على البعير المحمل حملا ثقيلا.
* طالب: الصريح يا شيخ ولا الصرير؟
* الشيخ: الصرير، «مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ».
ففي هذه الآية: ﴿نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ إثبات الملائكة، ما حكم إنكار الملائكة؟
حكمه الكفر؛ لأنه تكذيب للقرآن.
لو قال قائل: أنا لا أنكرهم وأقول: فيه ملائكة، لكن الملائكة هي قوى الخير والشياطين قوى الشر، فأجعلهم معاني لا ذوات.
نقول: وهذا أيضا إنكار لهم؛ لأن الله قال: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر ١] كيف تكون قوى؟ ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة تتكلم بصوت مسموع؛ لقوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران ٣٩].
* ومن فوائدها: جواز تكليم المصلي؛ لقوله: ﴿نَادَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يكلم بعضهم بعضا في الصلاة، لكن المكلم وهو يصلي لا يخاطب الآخر، لكن يفهم ما يقول ويجيبه بالإشارة، لكن هل هذا على إطلاقه بالنسبة لجواز الكلام مع المصلي؟
الجواب: هذا الأفضل تركه إلا لحاجة؛ وذلك لأنك إذا كلمته وهو يصلي فإنك تشوش عليه، وربما ينسى ويخاطب كما يقع هذا كثيرا.
* من فوائد الآية الكريمة: مشروعية تبشير الإنسان بما يسره؛ لقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران ٣٩] وهذا أمر مشروط في نوعه وجنسه، ففي النوع سبق أن الله تعالى أخبر عن الملائكة أنها بشرت إبراهيم بإسماعيل وبإسحاق، إسماعيل قال الله فيه: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات ١٠١]، وإسحاق ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات ٢٨].
وهل من البشارة ما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ وَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ»[[أخرجه مسلم (٢٣١٥ / ٦٢) من حديث أنس.]]، أو هذا من باب التحدث بنعمة الله؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: هذا هو الأصل، الثاني، أنه من باب التحدث بنعمة الله هو الأصل.
ومن فوائد الآية الكريمة..
* طالب: البشارة بالجنس.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: النوع والجنس.
* الشيخ: البشارة بالجنس أن الإنسان يبشر بأي خير كان، بأي شيء كان جاءت به السنة من مفهوم قوله ﷺ: «لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ حَتَّى يَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٢٩٠)، ومسلم (٢١٨٤ / ٣٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، فإن هذا يدل على إدخال السرور على المسلم، وهو كذلك، سواء كان ببشارة أو بغيرها.
قال: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٣٩] إلى آخره، يستفاد من هذا أيضا: جواز تقديم التسمية على اليوم السابع، وهو كذلك، أنه يجوز أن يسمي الإنسان مولوده من ذكر أو أنثى قبل اليوم السابع، وهذا إذا كان الاسم مهيأ، أما إذا كان غير مهيأ فإنه ينبغي أن يؤخر إلى اليوم السابع.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على من صدق المرسلين؛ لقوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فإن الله قال ذلك على سبيل الثناء على يحيى، ولا شك أن من صدق من قامت البينات على صدقه فإنه محمود، حتى في الأمور الدنيوية، إذا صدقت من قامت البينة على صدقه فهذا لا شك أنه خير، وأما إذا صدقت من لم تقم البينة على صدقه فهذا استعجال، وأما إذا صدقت من قامت البينة على كذبه فهذا خبال؛ أن تصدق من قامت البينة على كذبه.
فالأحوال ثلاثة: من قامت البينة على كذبه فتصديقه خبال وسفه في العقل وضلال في الدين، ومن قامت البينة على صدقه فتصديقه كمال يحمد الإنسان عليه، ومن لم تقم البينة على صدقه ولا كذبه فتصديقه استعجال؛ لأن مثل هذا الخبر ينبغي أن يتأنى الإنسان فيه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] لم يقل عز وجل: ردوه ولا اقبلوه، نتبين حتى ننظر؛ لأنه قد يكون صادقا.
* من فوائد الآية الكريمة: أن يحيى عليه الصلاة والسلام سيكون سيدا؛ وذلك لأنه أحد الأنبياء، والأنبياء هم سادة الخلق وأفضل الخلق.
* ومن فوائدها أيضا: أن يحيى عليه الصلاة السلام مع توافر صفات الكمال في حقه بالسيادة فإنه بالإضافة إلى ذلك كان ممنوعا من سوء الأخلاق؛ لقوله: ﴿وَحَصُورًا﴾، فإن أصح وأعم ما قيل فيها أنه ممنوع عن مساوئ الأخلاق.
* ومن فوائدها أيضا: أن يحيى من الأنبياء؛ لقوله: ﴿وَنَبِيًّا﴾، وكل من وصف بالنبوة في القرآن فإنه رسول، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [النساء ١٦٣] إلى آخره، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨] وما قصهم الله علينا يقصهم بلفظ النبوة في الأكثر، فيكون كل من ذكر في القرآن بوصف النبوة فهو رسول.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء من الصالحين، بل هم في أعلى مراتب الصلاح، فإن مراتب الصلاح أربعة: النبوة والصديقية والشهادة والصلاح، إذا ذكرت جميعا صارت مراتب، وإن لم تذكر جميعا صار الصلاح عاما؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ -عِبَاد اللهِ الصَّالِحِينَ- فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ [آل عمران ٤٠] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حرج على الإنسان في طلب ما تطمئن به نفسه؛ لأن زكريا عليه الصلاة والسلام ما شك في خبر الله، لكن أراد أن يتقدم إليه الفرح والاستبشار بقوة البراهين؛ لأن خبر الله لا شك أنه برهان، لكن كلما ازدادت البراهين ازدادت قوة اليقين، فهنا سأل ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ يعني تعجبا من قدرة الله عز وجل؛ أن يكون له غلام وقد بلغه الكبر؛ لأن الغالب أن الإنسان إذا بلغ الكبر يقل إنجابه، وربما عدم بالكلية، والعقر إلى النساء أقرب منه إلى الرجال، ولهذا تكون المرأة عاقرا قبل أن يكون الرجل عاقرا.
* ومن فوائد الآية الكريمة نقول: إن الإنسان يملك ولده؟
طلبة: ﴿لِي﴾..
طلبة آخرون: اللام.
* الشيخ: اللام، تأملوا.
* طالب: اختصاص.
* الشيخ: أو نقول: اللام لا تتعين للملك؟
* طالب: لا غلط.
* الشيخ: إي ما تتعين، اللام لا تتعين للملك، قد تكون للاختصاص؛ لأن الإنسان لا يملك ولده كما يملك عبده، لو أراد أن يبيع ولده ما صح، وأما قول النبي ﷺ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٣٠)، وابن ماجه (٢٢٩١) من حديث جابر بن عبد الله، واللفظ له.]] فالمراد بذلك المنافع، أو أن المراد بذلك المبالغة؛ لأن هذا الرجل لما جاء يشكو إلى الرسول ﷺ أن أباه اجتاح ماله -يعني: أخذه- قال له: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»، فيكون هذا إما من باب المبالغة أو أن منافعك لأبيك كما أن مالك لأبيك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز وصف الإنسان بما يكره إذا كان المراد مجرد البيان، لا القدح والعيب؛ لقوله: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران ٤٠]؛ لأنك لو وصفت المرأة بأنها عاقر لكرهت ولّا سرت؟ كرهت، معلوم، لو تقول لها: أنت لك أربعين سنة ربت، نعم كيف عاد تقول: أنت عاقر، لكن إذا كان المراد بيان الأمر على وجهه دون العيب والقدح فإن هذا لا بأس به، ودليل ذلك أن رسول الله ﷺ قال: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٤٨٠ / ٣٦) من حديث فاطمة بنت قيس. ]]، لكن هذا من باب المشورة، ولكن لم يقصد الرسول ﷺ أن يعيب الرجل، بل قصد أن يبين حاله ليكون الإنسان معه على بصيرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات فعل الله؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٠].
ومذهب أهل السنة والجماعة إثبات أفعال الله الاختيارية المتعلقة به والمتعدية إلى غيره، أفعال الله الاختيارية يعني التي تقع باختياره، ولا شيء يقع من أفعال الله إلا باختياره، لكن منها شيء متعلق به مثل الاستواء والنزول والضحك والفرح، وأشياء متعلقة بغيره، مثل: الخلق، فإن الخلق يتعدى إلى الغير، فأهل السنة والجماعة يثبتون النوعين: الفعل الخاص به عز وجل الذي لا يتعداه إلى غيره، والفعل الذي يتعداه إلى غيره، ويقولون بلا شك: إن الرب الذي يفعل ما يشاء أكمل من الرب الذي لا يستطيع الفعل.
غالب الأشاعرة إن لم أقل: كل الأشاعرة والمعتزلة ومن ضاهاهم يقولون: إن الله ليس له أفعال اختيارية؛ لا يستوي، ولا ينزل، ولا يجيء، ولا يضحك، ولا يفرح، ولا يحب، ولا يكره... إلى آخر ما يقولون في نفي الأفعال الاختيارية.
علتهم أوهى من أي علة كانت، العلة قالوا: لأن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، والله عز وجل أزلي أبدي، فيقال لهم: أولا: من قال لكم هذا: إن الحوادث لا تكون إلا بحادث، من قال هذا؟! عندكم بذلك وحي، أو مجرد قياس عقلي فاسد ذكرتموه؟!
الحقيقة أن هذا قياس عقلي فاسد؛ فإن الحوادث لا يلزم ألا تقوم إلا بحادث؛ لأنه من المعلوم أن المحدث سابق على الحدث، وإذا كان المحدث سابقا على الحدث لم يلزم أن يكون المحدث حادثا؛ أنت الآن تأكل الغداء اليوم، والغداء اليوم بالنسبة لك حادث متى؟ وقت حدوثه، وأنت موجود من قبل، فالرب عز وجل يفعل الأفعال هذه في وقت فعلها، وهو لم يزل موجودا، لكن على زعمكم أنتم وعلى مذهبكم الباطل يلزم أن يكون الله سبحانه وتعالى لا يفعل أي فعل، معطلا عن الأفعال، وهذا عيب ولّا كمال؟ عيب؛ لأن من يفعل أكمل ممن لا يفعل باتفاق الناس، وليس يعتري الله عز وجل من إثبات الفعل في حقه أي نقص بأي وجه من الوجوه.
والآيات كثيرة في إثبات فعل الله ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٠]، ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٦]، ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٢٧]، والنصوص في هذا كثيرة ولله الحمد، وأهل السنة والجماعة يؤمنون بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الجمع على الواحد، أو ما يصلح؟ قوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ من القائل؟ الله؟ إن كان هو الله فهذه الفائدة لاغية، وإن كانت الملائكة فهذه الآية تدل على أن القائل واحد وأن قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران ٣٩] يعني واحدا منهم، وقد سبق في التفسير الخلاف في ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله.
* طالب: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
* الشيخ: وأين؟
* الطالب: ﴿مَا يَشَاءُ﴾.
* الشيخ: ﴿مَا يَشَاءُ﴾ صح، ولكن كل شيء قيده الله بالمشيئة فهو؟
* طالب: فهو بحكمة.
* الشيخ: مقرون بالحكمة، ما دليلك على هذا؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠].
* الشيخ: نعم فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، فدل على أنه لا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة، وهو كذلك.
إذا قال قائل: يشكل على هذا: أن الله قد شاء الخير والشر، فما الحكمة من الشر؟ تأملوها إلى الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
* طالب: يا شيخ فيه فائدة (...) فأجاب دعاءه؛ لأنه قال: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (...) الدعاء؟
* الشيخ: إي نعم يقول: فيها فائدة سرعة إجابة الله تعالى الدعاء؛ لقوله: ﴿فَنَادَتْهُ﴾ فإن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب. وعند محمد الواصل فائدة هنا، ما هي؟
* الطالب: في قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ﴾ جواز إطلاق الكلمة الواحدة على الكلام الكثير؛ لأن يحيى عليه الصلاة والسلام ليس مصدقا بكلمة واحدة، وإنما مصدق بجميع كلام الله عز وجل.
* الشيخ: ما هي الكلمة التي صدق بها يحيى؟
* الطالب: الكلمة التي صدق بها؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...) في قصة عيسى.
* الشيخ: ما هي الكلمة التي في قصة عيسى؟
* الطالب: نسيتها، هي الآية التي في سورة آل عمران.
* طالب: نقول يا شيخ: الكلمة فعلا كلمة؛ لأن الكلمة هي: ﴿كُنْ﴾.
* الشيخ: صحيح، يقول: إن الكلمة هي قوله تعالى في عيسى: ﴿كُنْ﴾ لكن إطلاق الكلمة على الكلام هو الأصل في اللغة العربية؛ أن الكلمة يراد بها الكلام ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ [المؤمنون ٩٩، ١٠٠] كم قال من كلمة هو؟ أربع كلمات، أربع جمل أيضا هو قائلها، وقال النبي ﷺ: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٨٤١)، ومسلم (٢٢٥٦ / ٣) من حديث أبي هريرة. ]].
(ألا كل شيء ما خلا الله باطل) كلمة ولّا كلمات؟ كلمات، فقول ابن مالك رحمه الله:
............................. ∗∗∗ وَكِلْمَــــةٌ بِهَــــا كَــــلَامٌ قَــــدْيُــــــــــــــــــــــــؤَمْ
يعني باصطلاح النحويين، لا بمقتضى اللغة العربية، اللغة العربية لا تطلق الكلمة إلا على الكلام المفيد، لكن النحويون رحمهم الله أطلقوا الكلمة على القول المفرد.
* طالب: جزاكم الله خيرا، فيه بعضهم يقول: إن من يأكل الربا إنه لا يدعو الله لأنه لا فائدة من دعائه، لأنه لو دعا لن يجاب له (...)؟
* الشيخ: إيه، والله مشكل كأنه كبير، أقول: هذا مشكل يعني: مشكل حقيقة، هذا مشكل، لكن الرسول ﷺ استبعد ولم يقل: إنه مؤكد، قال: «أَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة. ]] يعني استبعد الإجابة، ليس معناه أنه قطعا لا يجاب، ولكن الذي يأكل الربا نقول: هل تحب أن الله يغفر لك؟
* الطالب: سيقول: نعم.
* الشيخ: يقول: نعم لكن ما أنا بداع والله ما يجيبني، نقول: اترك الربا، مثلما قال الفقهاء رحمهم الله في الرجل العاصي بسفره إذا اضطر إلى الميتة إما أن يأكل منها أو يموت؟ قالوا: يموت ولا يأكل منها، ولكن الله ما أحل الميتة للمضطر؟ هم يقولون: لا يمكن، ولا تحل له، وأيش يسوي؟ يموت؟ قالوا: يموت، لكن هنا شيء قبل الموت يقدره وهو أن يتوب، نقول: تب وكل، إذا كنت قاطعا تذكرة لتروح لبلد تفجر به الغِ التذكرة وكل.
يصلي ركعتين الرباعية ولّا ما يصلي؟ ما يصلي ركعتين الرباعية، فيه خلاف على كل حال القائلين بأنه لا يجوز، قال: وأيش أسوي يا جماعة أنا مسافر؟ نقول: تب وصل ركعتين.
كاد يهلك من العطش في رمضان وهو مسافر وقال: هل أفطر؟ ماذا نقول له؟ لا تفطر، قال: يا جماعة، أنا مت من الظمأ، نقول: مت. وأيش الطريق؟
طلبة: تب إلى الله.
* الشيخ: نقول: تب واشرب.
* طالب: يا شيخ يقال لهم: تب وبعدين ادع؟
* الشيخ: إي نعم يقول: تب وادع الله.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، بعض الناس -أحسن الله إليكم- إذا دخل المسجد والناس يتسننون في المسجد يسلم عليهم، علما كثير من الناس تخفى عليه (...) الرد بالإشارة، وبعض الناس إذا دخل على مكان خالٍ كغرفة أو ما شابه ذلك ما فيه أحد سلم وقال: أنا أسلم على الملائكة؟
* الشيخ:كلاهما لا أصل له، لكن السلام على المصلي لا بأس به أحيانا؛ لأن الصحابة كانوا يفعلون هذا مع النبي ﷺ ولا ينهاهم.
* طالب: شيخ، لكن الناس ما يعرفون ما يردون..؟
* الشيخ: على كل حال أحيانا لا يجعله دائما.
* * *
* طالب: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران ٤١ - ٤٤]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أظن بقي علينا فوائد من؟
* طالب: إن الله شاء الخير والشر..
* الشيخ: إي نعم، إثبات المشيئة لله في قوله: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٠] وبينا أن المشيئة المطلقة مقيدة بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، ليست مجرد مشيئة ولكنها مشيئة مقرونة بالحكمة. وذكرنا أنه يستفاد من العموم ﴿مَا يَشَاءُ﴾ الشمول للخير والشر، ولكن الشر لا يضاف إلى الله؛ كما قال النبي ﷺ: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) من حديث علي بن أبي طالب. ]]، ولهذا جاء في الثناء على الله: «بِيَدِهِ الْخَيْرُ»[[أخرجه الترمذي (٣٤٢٨)، وابن ماجه (٢٢٣٥) من حديث عمر بن الخطاب. ]]، ولم يقل: والشر؛ لأن الشر لا ينسب إليه، وإنما الشر في المفعولات البائنة منه، أما فعله نفسه -يعني نفس الفعل- فليس فيه شر؛ لأن الله لا يفعل شيئا فيه شر إلا لخير، فمثلا الشر يشاؤه الله عز وجل ومشيئته له ليست شرا، بل هي خير، لوجوه متعددة؛ الأول: أنه لا يمكن أن يتبين الخير إلا إذا وجد الشر، إذ لا تتبين الأشياء إلا بضدها، ولو كانت كل مفعولات الله خيرا ما عرف الشر، ولا وجد الشر أصلا، فلا يتبين الخير وخيريته إلا بوجود ما يقابله وهو الشر، هذه من الحكمة.
ومن الحكم أيضا: ابتلاء الناس وامتحانهم؛ فإن الطريق لو كان كله خيرا ما حصل في ذلك ابتلاء وامتحان، إنما يكون الابتلاء والامتحان إذا وجد طريقان، أحدهما خير وقيل للناس: اسلكوه، والثاني شر وقيل للناس: لا تسلكوه، تبين بذلك الصادق من الكاذب، ولا يمكن الامتحان إلا بذلك.
ومنها -من الحكم في إيجاد الشر- أنه لا يستقيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي فضلت به هذه الأمة إلا بوجود الشر، حتى يؤمر بالخير الذي يقابله وينهى عن الشر الذي هو مفسدة، لو كانت كل الأمور خيرا ومعروفا لم يكن هناك أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؛ لأن الإنسان لا سبيل له إلا هذا المعروف الخير، فلا يمكن أن يؤمر بشيء لا سبيل له إلا هو.
ومن الحكم أيضا: إقامة الجهاد في سبيل الله، فإنه لولا الخير والشر ما قام الجهاد في سبيل الله؛ إذ إن الجهاد صراع بين أولياء الله القائمين بالخير وأعداء الله القائمين بالشر، ولولا هذا ما حصل الجهاد في سبيل الله.
ومن الحكم في ذلك: بيان قدرة الله عز وجل بخلق الأشياء المتضادة، فإن خلق الأشياء المتضادة لا شك أن فيه دليلا على قدرة الله سبحانه وتعالى، ولولا هذه المتضادات خلقها وإيجادها لم يتبين كمال القدرة؛ لأن خلق الشيء مع ضده أبلغ في القدرة من خلق الشيء الذي لا ضد له.
ومن حكم إيجاد الشر: أنه حافز إلى لجوء الإنسان إلى ربه، وكثيرا ما يحمل الناس على اللجوء إلى الله والأوراد والاحترازات وجود الشر، ولولا وجود الشر ما لجأ الناس إلى الله؛ لأنهم في خير.
ومنها -أي من حكم إيجاد الشر- أن الإنسان يعرف به قدر نعمة الله عليه، حيث يجد أناسا كثيرين من أهل الشر والفساد، وقد منّ الله عليه هو بالخير والصلاح والإصلاح، فيعرف بذلك قدر نعمة الله عليه، فيشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة التي منّ بها عليه بمحبة الخير والسعي فيه، ثم يحمد الله مرة ثانية أن نجاه من الشر والفساد وأهله، والنجاة من الشر والفساد وأهله لا شك أنها نعمة عظيمة ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون ٢٨].
ومن الحكمة في خلق الشر: إظهار ضعف الإنسان وعجزه أمام قوى الشر، فإن الإنسان تؤرقه عن منامه وتقض مضجعه بعوضة، بعوضة من أوهن المخلوقات تمنعه من النوم، وإذا كان شابا ثقيل النوم منعته من لذة النوم، يمكن ينام لكن يتحقرص؛ تقرصه مرة مع اليد، مرة مع الرجل، مرة مع الوجه، فتحرمه من لذيذ النوم، وهي ما هي؟ شيء ضعيف بعوضة، فيعرف الإنسان بذلك قدر نفسه، وأنه ضعيف أمام قوى الشر، حتى لا يتكبر ويتعاظم.
ولهذا ذكر أن ملكا من الملوك الجبابرة كان يتحدث مع قومه ويسخر ويقول: ما الحكمة من خلق الذباب؟ الذباب يحمل الجراثيم ويحمل الأمراض وما أشبه ذلك فما الحكمة منه؟ فقال أحد الحاضرين: الحكمة منه أن يذل أو أن يرغم أنوف الجبابرة مثلك. نعم لأن هذا الذباب المهين يقع على أنف هذا الرجل الجبار الذي لا يدخل البشر إليه إلا باستئذان وله حاجب من وراء حاجب، وهذا الذباب المهين يأتي ويقع على أنفه، وربما يصيبه بعذرته أيضا، نعم إذا جاءه وهو نائم وكان ثقيل النوم يمكن الذباب يكيف عليه.
على كل حال هذا أيضا من حكمة الله سبحانه وتعالى في خلق الشر، وهناك حكم ربما يظهر للمتأمل منها شيء كثير.
وبهذا نعرف كمال حكمة الله سبحانه وتعالى وربوبيته، ومن عرف الله ازداد في عبادته، كما قيل: من كان بالله أعرف كان منه أخوف وله أطوع.
قال: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٠] ثم قال الله عز وجل: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران ٤١].
من فوائد هذه الآية: جواز البحث عما يزيد به الإيمان، وإن كان الإيمان موجودا، بل قد نقول: وجوب البحث عما يزيد به الإيمان؛ لأن الإنسان مطلوب منه أن يقوي إيمانه بكل وسيلة.
ومن فوائدها -من فوائد الآية الكريمة- تمام قدرة الله سبحانه وتعالى بخوارق العادات، فإن كون زكريا عليه الصلاة والسلام لا يكلم الناس إلا رمزا، لكن في باب التسبيح ينطلق لسانه، هذا من آيات الله، ولهذا قال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآية قد تكون على عكس ما طلبت له، فهي قد طلبت لتحقق الوجود فيما بشر به، والآية كانت على العكس، كانت إعدام موجود، وهو أيش؟ الكلام، كان قادرا على الكلام فمنع من الكلام، كان في الأول كبير السن وامرأته عاقر فوُجد له الولد، فالآية وما كانت آية له بينهما أيش؟ تضاد، هذا وجود وهذا عدم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإشارة تقوم مقام العبارة، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾.
* الشيخ: كيف يعني من أين تؤخذ؟
* الطالب: ألا تكلم الناس إلا رمزا.
* الشيخ: ما هي الفائدة اللي قلنا؟
* الطالب: تكلم الناس بالإشارة.
* الشيخ: لا.
* طالب: أن الإشارة تقوم مقام العبارة.
* الشيخ: أن الإشارة تقوم مقام العبارة، لقوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ... إِلَّا رَمْزًا﴾ وهذه الفائدة مبنية على أيش؟
* طالب: فائدة (...)
* الشيخ: إيه لكن مبنية على أي شيء بالنسبة لتفسير الآية؟
* الطالب: مبنية على قوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم ١٠].
* الشيخ: لا.
* الطالب: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران ٤١].
* طالب: على أساس أن الاستثناء متصل.
* الشيخ: نعم، مبنية على أن الاستثناء متصل، فتكون الإشارة من الكلام.
وفائدة أخرى: أن الإشارة تقوم مقام العبارة عند العجز عن التعبير، من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: من أين تؤخذ قبل وبعدين نشوف وجه المأخذ؟
* طالب: قوله: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾.
* الشيخ: وجه المأخذ؟
* الطالب: نأخذ القول الثاني على أن الاستثناء هنا منقطع فلا يكون كلاما.
* الشيخ: فلا يكون كلاما لكنه يكون مقامه عند؟
* الطالب: عند العجز.
* الشيخ: عند العجز عنه. وكلا الأمرين حق، فالإشارة تقوم مقام العبارة في الإفهام، ولاسيما عند العجز، وذكرنا في التفسير أمثلة لمفارقة الإشارة للكلام، وأمثلة لموافقة الإشارة للكلام، أتستحضرونها الآن؟
مثال لمفارقة الإشارة للكلام؟
* طالب: (...)
* الشيخ: نعم يعني أنها ليست كلاما.
* الطالب: كما لو أشار في الصلاة.
* الشيخ: نعم كما لو أشار في الصلاة؛ فإن الإشارة لا تبطل الصلاة والكلام يبطلها. طيب مثال؟
* الشيخ: مثال لقيام الإشارة مقام الكلام؟
* طالب: في قول مريم (...): ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم ٢٩] (...) أشارت إليه، الإشارة هنا..
* الشيخ: لما عرّضوا بقذفها أشارت إليه، وغير؟
* طالب: حديث المرأة التي قتلها اليهودي[[أخرجه أبو عوانة في مسنده (٦١٣٤) من حديث أنس.]]، عندما سألوها فأشارت إلى اليهودي.
* الشيخ: ما أشارت إلى اليهودي.
* الطالب: أومأت.
* الشيخ: أشارت حين ذكر اسمه.
* طالب: في قصة ذي اليدين حين قال النبي: «أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟»، فأومؤوا أن نعم[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧١٤)، ومسلم (٥٧٣ / ٩٩)، وأبو داود في سننه (١٠٠٨) من حديث أبي هريرة.]].
* الشيخ: بعضهم، وبعضهم قالوا: نعم.
إذن نقول: الآية على الوجهين تدل على أن الإشارة تقوم مقام العبارة مطلقا أو عند الحاجة إليها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان ينبغي له إذا انقطع عن الناس أن يشغل وقته بذكر الله، من قوله لما منع من الكلام مع الناس وصار لا يكلمهم إلا رمزا، ومعلوم أن الإنسان الذي لا يكلم الناس إلا رمزا سوف لا يكون حريصا على مكالمتهم لئلا يتعب أو يتعب، أمره الله قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران ٤١].
* ومن فوائدها: فضيلة التسبيح والذكر في هذين الوقتين: العشي آخر النهار، والإبكار أول النهار. ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق ٣٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذكر ينبغي أن يكون مقرونا بالتسبيح، إلا ما ورد النص بإفراد أحدهما عن الآخر؛ لأنه قال: اذكر ربك وسبح، ولكن الذكر قال: ﴿كَثِيرًا﴾، والتسبيح قال: ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ فهل نقول: إن الذكر لا يتقيد بالعشي والإبكار، أو نقول: إنه متقيد لكن يكثر منه؟
يحتمل هذا وهذا، لكن الآيات الأخرى تدل على أن الإنسان مأمور بأن يذكر الله كثيرا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب ٤١، ٤٢]، وقال تعالى في وصف أهل الصلاح: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب ٣٥]، وعلى هذا فالذكر يكون أكثر من التسبيح، لكن القرن بينهما أيضا فيه فائدة وهو أنه يجمع بين الثناء على الله وتنزيهه من النقائص.
آل عمران 3:41
ثم قال الله عز وجل: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران 38]، وهذا مبتدأ الدرس.
﴿هُنَالِكَ﴾ هذه اسم إشارة إلى المكان، واللام يقولون: إنها للبعد، والكاف حرف خطاب، يعني: في ذلك الزمن، والإشارة هنا يحتمل أن تكون للزمن، أي في ذلك الزمان، أو في المكان الذي هو محراب مريم. ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك المكان وفي ذلك الزمان. ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾، و﴿زَكَرِيَّا﴾ فيها قراءتان: المد والقصر؛ ﴿زَكَرِيَّاءُ رَبَّهُ﴾ هذا مد، ﴿زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ هذا القصر.
﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾، ﴿هَبْ لِي﴾: أعطني، والهبة هي التبرع بالشيء بلا عوض، لكن قال العلماء: إن هناك هبة وهدية وصدقة، كم؟ ثلاثة أشياء، فالصدقة: ما أريد به ثواب الآخرة، والهدية: ما أريد به التودد والتقرب بين المهدِي والمهدَى إليه، والهبة: ما قُصِد به مجرد انتفاع الموهوب له، وهنا ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي﴾ أي: أعطني عطاء بلا ثمن.
﴿مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾، ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾: من عندك، وأضافه إلى عندية الله عز وجل ليكون أبلغ وأعظم؛ لأن هدية الكريم أكرم. وقوله: ﴿ذُرِّيَّةً﴾ بمعنى: مذروءة أي: مخلوقة، وقوله: ﴿طَيِّبَةً﴾ أي: طيبة في أقوالها وأفعالها وكذلك في أجسامها، فهو متناول للطيب الحسي والطيب المعنوي.
﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي: مجيبه، والدعاء هو سؤال العبد ربه حاجته إما بجلب منفعة وإما بدفع مضرة.
قال: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾، وفي قراءة: ﴿فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ، فأما على قراءة الجمع: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ فالتأنيث في الفعل ظاهر؛ لأن ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ جمع وكل جمع يجوز تأنيث فعله، كل جمع إلا جمع المذكر السالم فإنه لا يؤنث إلا نادرًا جدًّا، فمثال التأنيث في الجمع ولو للمذكر قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٣]، فالرسل هنا مؤنث، ما الدليل؟ الإشارة بالتأنيث، بصيغة التأنيث، وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات ١٤] قالت الأعراب، ولم يقل: قال الأعراب؛ لأنه جمع، وأما جمع المؤنث السالم فيجب تأنيثه، وجمع المذكر السالم يجب تذكيره، ولهذا قال ابن مالك رحمه الله:
وَالتَّــاءُ مَعْ جَمْــعٍ سِــوَى السَّالِــــمِمِــــنْ ∗∗∗ مُذَكَّــــرٍ كَالتّــــَاءِ مَــــعْ إِحْــــدَىاللَّبِــــــــنْ
المعنى أن التاء مع الجمع كالتاء مع إحدى اللبِن، ما هي إحدى اللبن؟ لبنة، فلبنة مؤنث لكن تأنيثها مجازي، فيجوز في فعلها التذكير والتأنيث، فتقول: انكسرت اللبنة، وانكسر اللبنة، وظاهر كلامه حتى جمع المؤنث السالم لا يجب تأنيثه، والصحيح أنه يجب تأنيث المؤنث السالم، فالسالم من مذكر أو مؤنث حسب (...)، المذكر يجب تذكيره والمؤنث يجب تأنيثه، وما عدا ذلك من الجموع يجوز فيه التذكير والتأنيث.
فهنا ﴿نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ليس في تأنيث الفعل إشكال، لماذا؟ لأنه جمع؛ لأن الفاعل جمع، لكن على قراءة: ﴿فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ، هل فيه إشكال؟ نقول: لا إشكال فيه أيضًا، لا إشكال فيه، لماذا؟ لأن الملائكة جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه التذكير والتأنيث، فتقول: قام الرجال وقامت الرجال، ويمكن أن يراد بالملائكة واحد وهو جبريل ناداه، وعبّر عنه بالجمع باعتبار الجنس؛ لأنه واحد منهم.
﴿نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، جملة ﴿وَهُوَ قَائِمٌ﴾ في محل نصب على الحال، الحال من الضمير الهاء في قوله: ﴿نَادَتْهُ﴾، وقوله: ﴿قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، (المحراب) مكان الصلاة أو مكان العبادة، وسمي بذلك لأنه مكان حرب الشياطين؛ فإن العبادة حرب للشياطين، وليس المراد بالمحراب طاق القبلة كما يظنه بعض الناس فيفسر الآية به، ويقول: إن هذه المحاريب موجودة من قديم الزمان، ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾، وإلى قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، ولكن هذا ليس بصحيح.
﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾، ﴿أَنَّ﴾ قراءة بالفتح وقراءة بالكسر، فأما على قراءة الكسر ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ؛ فلأن النداء قول، ومقول القول إذا صُدِّر بـ (إنّ) يجب فيه كسر (إن)، كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم ٣٠] ولا يجوز أن تقول: قال: أني عبد الله، كذا؟ طيب. وأما على قراءة الفتح فهي على تقدير حرف الجر: فنادته الملائكة بأن الله يبشرك، أي: ببشرى، بشرى الله تعالى بهذا الابن يحيى.
وَأيضًا في قوله: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ قراءتان ﴿يَبْشُرُكَ﴾ و﴿يُبَشِّرُكَ﴾، وكلاهما سبعيتان، فصار في هذه الآية في ثلاث كلمات منها كل كلمة فيها قراءتان:﴿فَنَادَتْهُ﴾، ﴿فَنَادَاهُ﴾ ، ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَبْشُرُكَ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ ، نعم، والبَشارة الإخبار بما يسُرّ، وسميت بذلك لتأثر البشرة بالخبر؛ لأن الإنسان إذا بُشِّر بما يسره يفرح ويظهر ذلك على وجهه، ألم تر إلى وجه النبي ﷺ حين دخل مُجَزِّزٌ المدلجي على أسامة بن زيد وزيد بن حارثة وعليهما كساء لم يَبْدُ منه إلا أقدامهما، فنظر إلى أقدامهما وقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فدخل النبي عليه الصلاة والسلام على عائشة تبرق أسارير وجهه[[متفق عليه البخاري (٣٥٥٥)، ومسلم (١٤٥٩ / ٣٨) من حديث عائشة.]]، تأثر، بماذا؟ بالخبر السارّ، طيب، إذا قال قائل: إن قلتم هكذا فاجعلوا الإخبار بما يسوء بُشرى؛ لأن البشرة تتأثر بذلك، الرجل إذا أخبرته بما يسوؤه التفع وجهه وتغيّر فسمِّها بشرى؟ فما الجواب؟ نقول: هذا قد يطلق عليه، أي الخبر بما يسوء قد يطلق عليه بشارة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١]، ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء ١٣٨]؛ لأن هذا يؤثر في البشرة.
* طالب: شيخ، ما (...) مريم (...) بأنها نذرتها ثم (...)؟
* الشيخ: مريم يعني أن أباها مات قبل أن تولد؟
* الطالب: أيوه لأنها نذرتها ولم (...).
* الشيخ: والله ما هو ببعيد.
* الطالب: بعدين سمتها.
* الشيخ: وأيضًا كفلها زكريا، إي نعم، فهذا جيد أن والدها كان غير موجود، نعم، لا يؤخذ منها، وحينئذ يزول الإشكال.
* طالب: مريم كم عمرها كان؟
* الشيخ: عمرها متى؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: والله لا بد يمكن المؤرخون يذكرون ذلك، ولكن الظاهر أنها كبيرة شابة؛ لأنها حملته فانتبذت به مكانًا قصيًّا.
* الطالب: متوسطة العمر.
* الشيخ: الله أعلم، لكنها لا شك أنها كبيرة نشيطة، لا وصلت إلى حد الكبر ولا إلى الصغر الذي لا تستطيع الحمل.
* طالب: شيخ، (...)، أقول إذا ذكرتم بأن الاسم إذا كان مهيأ فإنه حين الولادة، وإذا لم يكن مهيأ ففي اليوم السابع، وأحسن الله إليكم فإذا تهيأ بعد الولادة بيوم أو يومين فهل يسمى في الحال ولّا..؟
* الشيخ: لا، الأحسن يؤجل.
* الطالب: إلى حين السابع؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة للقراءات يعني هل يجوز يخلط بين قراءتين في آن واحد، في وقت واحد يعني؟
* الشيخ: إن كان هذا على سبيل التعليم فلا شك أنه جائز، على سبيل التعليم، وإن كان على سبيل القراءة فمن العلماء من أجاز ذلك ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنهم من لم يجز وقال: إذا قرأت على قراءة واحد من القراء فاستمِر عليه، لكن الذي يظهر أن القرآن شيء واحد، وأنه يجوز أن تقرأ بقراءة واحد، والحرف الثاني بقراءة آخر.
* الطالب: يعنى في وقت واحد؟
* الشيخ: إي ما فيه بأس، نعم؟ لا قصدك فيه يعني بمعنى أنك تردد الكلمة مرتين؟
* الطالب: لا لا، يعني يقرأ..
* الشيخ: مثلًا تقرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ و﴿أَنَّ اللَّهَ يَبْشُرُكَ﴾ كذا؟
* الطالب: لا لا، يعني يقرأ الآية بقراءة مثلًا حفص والآية الثانية بقراءة قارئ آخر الآية التي تليها.
* الشيخ: في نفس الوقت أو التي تليها الآية الثانية؟
* طالب: الآية التي تليها.
* الشيخ: لا بأس، هذه اللي فيها الخلاف، هذا هو اللي فيه الخلاف.
* طالب: شيخ ما يمكن يستدل بقوله سبحانه تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ بأن هذه الآية مؤيدة لقصة تنازع جعفر وعلي بن أبي طالب.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لما تنازعوا في ابنة.. فأيد الرسول ﷺ أعطاها جعفر لأن خالتها (...)، وخالة مريم تحت زكريا؟
* الشيخ: بس هل في هذا نزاع؟ ما نعرف هل في هذا نزاع أو لا.
* الطالب: يمكن يعني..
* الشيخ: ما نقدر نقول فيه نزاع وهو ما ذُكِر في القصة، والظاهر كما ذكر الأخ أن أباها كان توفي، أبو مريم الظاهر أنه توفي ولعله توفي قبل أن تولَد، بدليل أن مريم تصرفت فيها وسمتها.
* الطالب: ما يكون تأييد.
* الشيخ: تأييد لأيش؟
* الطالب: للنبي ﷺ.
* الشيخ: لا ما فيه تأييد، ما فيه نزاع، من نازع زكريا.
* الطالب: بالنسبة لحفظه، بالنسبة مثلًا أنه تكون الحضانة أو تكون كفالة لزوج الخالة.
* الشيخ: أصلًا الأب ما هو موجود.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وأمها موجودة، وهي عند أمها.
* * *
* طالب: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران ٣٩ - ٤١]
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ هذا المبَشَّر به، وعندنا (بشارة) كما أسلفنا و(مُبَشِّر) و (مُبَشَّر به) و(مُبَشَّر)، كم هذه؟
* الطلبة: أربعة.
* الشيخ: أربعة، كلها تضمنها قوله: ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾، ويحيى قيل إنه من الحياة، وأن الله سماه بذلك إشارة إلى أنه سيحيى ويبقى، وعلى هذا فهو ممنوع من الصرف للعلَمية ووزن الفعل، والعلَمية ووزن الفعل علّتان توجبان المنع من الصرف، وقيل: بل هو اسم أعجمي، والأسماء الأعجمية ليست بمشتقة؛ لأنها غير عربية، وعلى هذا فالمانع له من الصرف العلَمية والعُجمة؛ لأن العلمية والعجمة علتان مانعتان من الصرف، وموانع الصرف نذكرها الآن استطرادًا، تسعة، مجموعة في البيت، أنت؟
* طالب: لا أحفظه.
* الشيخ: لا تحفظ البيت، نعم؟
* طالب:
مَوَانِعُ الصَّرْفِ تِسْــــعٌ إِنْ أَرَدْتَبِهَــــا ∗∗∗ عَوْنًــــا لِتَبْلُــــغَ فِــــي إِعْرَابِــــكَالْأَمَــــــــــــــلَا؎اجْمَــــعْ وَزِنْ عَــــادِلًا أَنِّــــثْبِمَعْرِفَــــــــــــــــةٍ ∗∗∗ رَكِّبْ وَزِدْ عُجْمَةً فَالْوَصْفُ قَدْكَملَا
* الشيخ: أحسنت.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما هو؟
* طالب:
جَمْــــــــعٌ وَعَــــــــدْلٌ زَادَ وَزْنٌصِفَــــــــــــــــــــهْ ∗∗∗ رَكِّــــــــــــبْ وَأَنِّــــــــــــثْعُجْمَــــــــــــــــةً (...)
* الشيخ: إي، طيب.
* طالب: أسمعنا.
* الشيخ: نعم، سمّع.
* الطالب: جَمْعٌ وَعَدْلٌ زَادَ وَزْنٌ وَصِفَهْ
* الشيخ: اصبر، لكن نبغي نسمّعكم بشرط أن تحفظوه، يلّا.
* الطالب: أقولها من الأول.
* الشيخ: إي.
* الطالب:
جَمْــــــــعٌ وَعَــــــــدْلٌ زَادَ وَزْنٌصِفَــــــــــــــــــــهْ ∗∗∗ رَكِّـــــــــبْ وَأَنِّـــــــــثْعُجْمَـــــــــــــةً و (...)
* طالب: على ما (...) أحسن.
* الشيخ: سمعتم؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: نيجي بالدور الثاني إن شاء الله، البيت الأول من حفظه معروف مشهور:
اجْمَــــعْ وَزِنْ عَــــادِلًا أَنِّــــثْبِمَعْرِفَــــــــــــــــةٍ ∗∗∗ رَكِّبْ وَزِدْ عُجْمَةً فَالْوَصْفُ قَدْكَملَا
هذه تسعة ثلاثة منها لا تحتاج إلا إلى علة واحدة، وثلاث منها تحتاج إلى علتين إحداهما العلَمية مع علة الأخرى، وثلاثة تحتاج إلى علتين إحداهما العلَمية أو الوصفية مع علة أخرى، فهذه العلل التسعة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يكفي فيها علة واحدة، وقسم علتان إحداهما العلَمية، وقسم علتان إحداهما العلَمية أو الوصفية، الذي معنا فيها العلَمية والعجمة، وهذه لا تأتي بها الوصفية، العجمة ما تأتي بها الوصفية، العلمية ووزن الفعل تأتي فيها الوصفية ولّا لا؟ تأتي؛ لأن الوصفية ووزن الفعل علتان مانعتان من الصرف، والعلَمية ووزن الفعل علتان مانعتان من الصرف.
طيب، ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا﴾، ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من ﴿يَحْيَى﴾، ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ هو عيسى ابن مريم، يعني مصدقًا بعيسى؛ لأن عيسى كلمة من الله أو كلمة الله، وسمي بذلك لأنه كان بكلمة الله، لم يكن من أب كما يكون البشر، بل كان بكلمة الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ﴾ [آل عمران ٥٩] أي: آدم، ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩]، ولهذا سُمِّي عيسى بالكلمة، بكلمة الله؛ لأنه كان بكلمته وليس هو كلمة الله، لماذا؟ لأن كلمة الله وصف لله عز وجل، فالكلام وصف للموصوف، ولا يمكن أن يكون وصف الله عينًا بائنة منه، بل هو يعني يتعين أن يكون معنى كونه كلمة أنه كان أيش؟ بكلمة الله ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾.
وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ بيان لابتداء الأمر وليست للتبعيض، فالكلمة ليست هنا بعضًا من الله، بل منشؤها منه، فـ(من) للابتداء؛ لأن منشأ الكلمة من الله؛ لأنه هو الذي تكلم، ﴿وَسَيِّدًا﴾ معطوفة على ﴿مُصَدِّقًا﴾ فتكون منصوبة على أيش؟ على الحال، تكون منصوبة على الحال، ﴿سَيِّدًا﴾ مَن السيد؟ السيد مَن ساد غيره وشرُف عليه بالعلم والدين والخلق والمعاملة، وقولنا (الخلق) يشمل كل خلق يسود به الإنسان غيره من الجود والشجاعة والإيثار وغير ذلك، المهم أن السيد من ساد غيره في الكمالات، يعني فضل عليه وزاد عليه، فيكون جامعًا لصفات الكمال الممكنة في المخلوق، وكذلك أيضا قال في وصفه: ﴿وَحَصُورًا﴾ معطوفة على ﴿مُصَدِّقًا﴾ فهي منصوبة على الحال، ﴿حَصُورًا﴾ فَعُول بمعنى فاعل، أي حاصرًا نفسه عن أراذل الأخلاق، فيكون هذا المبشَّر به موصوفًا بصفات الكمال الدال عليها قوله أيش؟ ﴿سَيِّدًا﴾ مبرأً من النقص وسوء الأخلاق الدال عليه ﴿حَصُورًا﴾، فيكون جمع له بين النفي والإثبات، وذلك لأن الإنسان لا يكمل إلا بوجود صفات الكمال وانتفاء صفات النقص، ولاحظوا أيها الإخوة أن صفات الكمال والنقص هنا لا نعني بها النقص المطلق والكمال المطلق، هذا لا يكون إلا لمن؟ لله، لكنه أمر نسبي، قد يكون الإنسان عنده كمال في الصفات لكن عنده سوء من جهة أخرى، هذا ناقص، وقد يكون عنده سوء ونقص في الكمال فيكون هذا أنقص، وقد يكون عنده كمال في الكمال وتنَزّه عن النقص وهذا هو أيش؟ الكمال كما وُصِف به يحيى عليه الصلاة والسلام.
وأما من قال من المفسرين: إن الحصور الممنوع عن إتيان النساء، يعني ما يقدر على النساء، فإن في هذا نظرًا، نظرًا واضحًا؛ لأن عدم قدرة الإنسان على النساء ليس كمالًا، إذ إن ذلك ليس منه بتخلق ولكنه عيب ولّا لا؟ عيب، نعم فيها قول آخر: أنه لا يأتي من النساء مَن لا تحل له، فيكون وصفًا له بماذا؟ بكمال العفة، هذا يُمدح عليه الإنسان، هذا يمدح، لكن ما قلنا أشمل من هذا القول، أشمل، ومعلوم أنه إذا وُجِد معنى أشمل فهو مقدم على المعنى الأقل؛ لأن الأقل داخل في الأشمل، ولا عكس، المهم أن (الحصور) هو الذي منع نفسه عن مساوئ الأخلاق وأراذلها، فيكون في الآية وصف له بكمال الأخلاق وانتفاء المساوئ، وهذا غاية الكمال.
﴿وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ هذه معطوفة أيضًا على ﴿مُصَدِّقًا﴾، فهو مصدق ونبي، ولا يلزم من تصديقه بعيسى أن يكون تابعًا له، فها هو محمد ﷺ مصدق لجميع الأنبياء، وهو تابع لهم؟ لا، هم يتبعونه ولا يتبعهم، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَوْ كَانَ أَخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي»[[أخرجه أحمد في المسند (١٥١٥٦) والدارمي (٤٤٩) من حديث جابر بن عبد الله. ]]، ولهذا صار إمامًا لهم ليلة المعراج، ولهذا إذا نزل عيسى في آخر الزمان يحكم بشريعة النبي عليه الصلاة والسلام، المهم أن تصديقه لعيسى ابن مريم لا ينافي أن يكون نبيًّا، فهو نبي مصدِّق بالأنبياء، ولهذا قال: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: من جملتهم، وإنما قلنا ذلك؛ لأن النبوة وصف أعلى من الصلاح، لكن هو في جملة الصالحين، النبوة صلاح وزيادة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء ٦٩]، فالصالحون في المرتبة الرابعة، كل من قبلهم داخل فيهم، ولّا لا؟ فكل نبي صالح ولا عكس، كل صدِّيق صالح ولا عكس، كل شهيد صالح ولا عكس، كذا؟ كل صالح صالح، صحيح كل صالح فهو صالح.
* طالب: ولا عكس.
* الشيخ: ولا عكس أيش؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: العكس ما هم؟ يعني كل فاسد فاسد ولا أيش؟
* طالب: عكس كل صالح صالح.
* الشيخ: إي نعم، على كل حال قوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي من جملتهم؛ لأن النبي أَخَذ بوصف النبوة والصلاح فهو من جملتهم.
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾، قال لما بَشَّره الله عز وجل: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ﴾ يعني: كيف، يقول ذلك ليس استبعادًا ولا استنكارًا ولكن تثبتًا، وإلا فإنّا نعلم أن زكريا عليه الصلاة والسلام قد آمن بما بشّره الله به ولا يمكن أن يستبعدها، ولكنه قال ذلك من أجل أيش؟ التثبت، والإنسان بشر ناقص في الإدراك والعلم يحتاج إلى شيء يثبّت له الأمور، إبراهيم عليه الصلاة والسلام لا شك أنه يؤمن إيمانًا كاملًا لا شك معه بأن الله يحيي الموتى، ومع ذلك قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]؛ لأنه ليس الخبر كالمعاينة، إذا أخبرك إنسان بخبر مهما بلغ في الصدق لن يكون خبره عندك مثل المعاينة، فزكريا عليه الصلاة والسلام سأل الله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ بقصد أيش؟ التثبت وتثبيت هذا الأمر لا استبعادًا لقدرة الله عز وجل ولا شكًّا في خبره عز وجل، بل هو مؤمن بذلك ومؤمن بقدرة الله سبحانه وتعالى، وأنه إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون لا سيما وأنه كان قد رأى عند مريم الرزق فقال: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾، قال: ﴿غُلَامٌ﴾ مع أنه لم يولد بعد، لكن هذا باعتبار ما سيكون، والتعبير بما سيكون أمر سائغ في اللغة وارد في القرآن ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف ٣٦]، يعني أعصر عنبًا يكون خمرًا؛ لأن الخمر ما هو بيُعصر، اللي يُعصر العنب وعصيره يتحول إلى خمر، فعبّر عن الشيء بما يؤول إليه، طيب هنا ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾، كيف يكون غلام وهو ما بعد وُلِد؟ نقول: باعتبار ما سيكون.
ثم قال: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ الواو هذه يسميها العلماء: واو الحال، يعني أنها تدل على أن الجملة التي بعدها في موضع نصب على الحال، يعني والحال أنه قد بلغني الكبر، حال من أين؟ من الياء في قوله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا يا أخي، هي حال من الياء في قوله: ﴿لِي﴾، ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾، فهي في موضع نصب على الحال من الياء في قوله: ﴿لِي﴾.
﴿بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ يعني: وصل إليّ الكبر، والحقيقة أنه قد يتراءى للإنسان أن في المعنى قلبًا، هل الكبر بلغك أو أنت بلغت الكبر؟ أو يجوز هذا وهذا؟ قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم ٨]، فصار هو الذي بلغ الكبر، وهنا يقول: ﴿قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾، إذن فالتعبير صحيح في هذا وهذا، فأنت إن بلغت الكبر فقد بلغك الكبر، وإذا بلغك الكبر فقد بلغت، ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ يعني: أصابني، وعادة أن الكبير إذا لم يولَد له في حال في سن الشباب فإنه لن يرى الأولاد؛ لأن الإنجاب والإخصاب إنما يكون في حال الشباب، وكلما تقدمت السن بالإنسان من رجل أو امرأة قلّ إنجابه، فيقول: كيف لما كنت شابًّا لا يأتيني ولد والآن بيأتيني الولد؟ أيضًا المرأة، امرأته عاقر، عاقر يعني لا تحمل، وعاقر لفظه مذكر لكن معناه هنا مؤنث، ويطلق على الذكر والأنثى، يقال: رجل عاقر، وامرأة عاقر، وهو الذي لا يولد له، فالآن كل من الزوجين يعني ليسَا بصدد الولادة، ولكن الله على كل شيء قدير، إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن فيكون، ولهذا قال: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ﴾ (كذلك) يجوز عندي فيها وجهان؛ الوجه الأول: أنها خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: الأمر كذلك، يعني أنك بلغك الكبر وامرأتك عاقر ولكن الله يفعل ما يشاء، والوجه الثاني: أن تكون في موضع نصب على المفعولية المطلقة، أي: مثل ذلك الفعل يفعله الله؛ لأنه يفعل ما يشاء، وكلا الوجهين صحيح، فإنه سيكون له ولد ولو كان بلغه الكبر ولو كانت امرأته عاقرًا، لماذا؟ لأن الله يفعل ما يشاء، فكل ما شاءه الله فعله؛ لأنه عز وجل لا يمنعه مانع كما نقول نحن في دبر كل صلاة: اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٣٠) ومسلم (٥٩٣ / ١٣٧) من حديث المغيرة بن شعبة.]]، فالله عز وجل يفعل ما يشاء؛ لأن له الملك المطلق في خلقه فلا أحد يمنعه ولا أحد يسأله: لِمَ فعلت، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٣]، ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، فلما أيقن بأن الله تعالى سيهب له الولد قال: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾، أي: صَيِّر لي علامة تدل على هذا الولد، يعني كأنه يقول: متى تكون هذه العلامة، رب اجعل لي آية تدل على حصول هذا الولد، وأن الولد بدأ ينشأ، لماذا؟ ليزداد أيش؟ طمأنينة، ليزداد طمأنينة فيما بشّره الله به، ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أستدل بها على أن الولد بدأ ينشأ، أو ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أزداد بها طمأنينة على ما بشرتني به، والآية في اللغة: العلامة، وآيات الله عز وجل كونية وشرعية، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أُيِّدُوا بماذا؟ بالآيات الدالة على صدقهم، الآيات الكونية والآيات الشرعية، وكثير من الناس يسمي آيات الأنبياء معجزات، وهذه التسمية وإن اشتهرت على الألسن لكن فيها قصورًا، والتعبير الصحيح السليم أن نسميها آيات كما سماها الله، نسمي ما يحصل من خوارق العادات على أيدي الأنبياء نسميها آيات، ولهذا لا تجد آية في القرآن سمى الله هذه الخوارق معجزات أبدًا، بل كان يسميها آيات، علامات على الصدق، أما معجزات فهي قاصرة؛ لأنها لو أخذناها على ظاهرها لشملت ما يأتي به السحرة، أو ما تأتي به الجن؛ لأن ما يأتي به السحرة والجن مُعْجِز ولّا لا؟ معجز، لكن هل هو آية؟ لا، لهذا كان التعبير الذي في القرآن خيرًا من التعبير الذي عبّر به بعض العلماء بتسمية خوارق العادات التي يجريها الله على أيدي الأنبياء معجزات.
﴿قَالَ آيَتُكَ﴾ يعني: الآية التي تدلك، فأضافها إلى زكريا مع أنه ليس هو الذي أوجدها، لكن لأنها علامة له، ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾، أنا أحب أن أفهم إعراب ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ﴾؟
* طالب: ﴿آيَتُكَ﴾ مبتدأ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: والكاف مضاف إليه، والمصدر المؤول من (أن) و(...) في محل رفع الخبر.
* الشيخ: (أن) وما تحويه في تأويل مصدر؟
* الطالب: في محل رفع الخبر.
* الشيخ: في محل رفع ولّا في تأويل مصدر خبر، ولا في محل الرفع؟
* الطالب: خبر.
* الشيخ: خبر؛ لأنها مفرد، واللي يقال: في محل، الجملة، طيب، قدِّر؟
* الطالب: الآية (...).
* الشيخ: أحسنت تمام، ﴿آيَتُكَ﴾ يعني العلامة التي أعطيك إياها ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾، ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ يعني لا تخاطبهم، ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾، ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ ثلاثة أيام بلياليها؟ نعم، بدليل قوله تعالى في سورة مريم: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم ١٠]، آيته أن لا يكلم الناس بلياليها، قال: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾، ﴿إِلَّا﴾ هذه أداة استثناء، ولكن أحب أن أفهم هل هذا الاستثناء متصل أو منقطع؟
* طالب: منقطع.
* الشيخ: منقطع؟
* الطالب: لأن ما بعد (إلا) ليس من جنس ما قبلها.
* الشيخ: الرمز ليس كلامًا؟ كلام ولّا غير كلام؟
* الطلبة: لا، غير كلام.
* الشيخ: طيب، نعم؟
* طالب: السياق أنه متصل؛ لأنه قال ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾، ثم قال له: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ عده كلامًا بمعنى أنه متصل.
* الشيخ: متصل، هذان قولان.
* طالب: أما عند النحويين فلا يسمونه كلامًا، والبلاغيون يسمونه كلامًا.
* الشيخ: نعم، هذا قول مفصّل، والواقع أن المفسرين اختلفوا هل الاستثناء متصل فتكون الإشارة من الكلام؛ لأن الكلام هو ما يعبر عما في النفس من قول أو إشارة أو كتابة، وبعض المفسرين يقول: إن الاستثناء منقطع؛ لأن الرمز ليس بكلام، ولذلك لو رمز الإنسان في الصلاة لم تبطل صلاته، ولو كان كلامًا لبطلت؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم. ]]، فمن نظر إلى المعنى قال: إن الرمز كلام؛ لأنه ينبئ عما في النفس، وقد اعتبره الشارع، الشارع اعتبر الإشارة، «أليس النبي عليه الصلاة والسلام قتل اليهودي بإشارة الأنصارية، الجارية الأنصارية التي قالت حينما قالوا: من قتلك؟ فلان، فلان، فلان. فأشارت: نعم »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٩٥)، ومسلم (١٦٧٢ / ١٥) من حديث أنس.]]، فاعتبر الإشارة، ولا شك أن الإشارة تعبر عن ما في النفس، لكنها ليست القول الذي هو الصوت لا شك فيه هذا أيضًا، فمن لحظ المعنى قال: الاستثناء متصل، ومن لحظ اللفظ وأن الكلام هو الصوت قال: الاستثناء منقطع، ولكن على القولين المعنى واحد، لن يستطيع أن ينطق بلسانه مع الناس، ولكن يشير إليهم إشارة، ووجه كون هذا آية أنه عجز عن النطق مع أنه سليم، وأنه عجز عن النطق مع الناس لا مع الله، وهذا شيء غريب، يعني إنسان يتكلم يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، إنسان سويّ لم يأته آفة ولا علة في لسانه ولا يستطيع أن يكلم الناس؟ هذه آية، عجزٌ في مقام القدرة وقدرة في مقام العجز، عجز عن كلام الناس في مقام القدرة على الكلام، وقدرة على الكلام مع الله بالتسبيح وغيره وعجز عن الكلام مع الناس، فهذا من آيات الله عز وجل؛ ليريه أنه سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، الكلام الذي أنا وغيري يعلم أنه أخف حركة في البدن ولّا لا؟ يستطيع الواحد يتكلم من إلى صار يعطيه الله إمداد في المعنى يتكلم كم ساعة؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: إلى (...) والله ما (...) عن هذا، لكن يتكلم كثيرًا ولا يتعب، لكن المشي يتعب والبطش يتعب، أما هذا الكلام اليسير اللي كلٌّ يستطيعه يمتنع من هذا الرجل ما يقدر يكلم الناس إلا رمزًا، وأما مع الله فقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾، ما انتهى الوقت.
* طالب: شيخ، الراجح من المسألة الأولى..
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: التي ذكرناها قبل؟
* الشيخ: ما هي؟
* الطالب: الكلام يعني الرمز هو كلام..
* الشيخ: إن أحببت أن يكون الراجح أن الاستثناء منقطع فهو منقطع، وإن أحب من قال إنه متصل فهو متصل، وإن أحب التفصيل مَن فصل فلنفصل، المسألة ما يترتب عليها شيء.
* الطالب: (...).
* الشيخ: والله فيه احتمال الحقيقة.
* طالب: شيخ..
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: قلنا من شروط استجابة الدعاء الجزم بالدعاء، أن يكون الإنسان موقن الإجابة، وهنا زكريا يعني لما قال ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ مع أنه دعا أول كأنه يعني لم يكن يوقن الإجابة.
* الشيخ: لا إله إلا الله! هذا لو كان الاستفهام على سبيل الاستبعاد، وما استفهم مستبعدًا الواقع، مستفهم للتثبت، أنا الآن لو قلت: بأعطيك مثلًا عشرين ريال وأنت ترى أني صادق، قلت: تعطيني عشرين ريال؟ وأيش قصدك بهذا؟ التثبت، ما قصد الاستبعاد ولا الشك.
* * *
* طالب: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١) وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران ٤١ - ٤٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ أمره الله تعالى بأن يذكر ربه كثيرًا؛ لأن بذكر الله تطمئن القلوب، ويزداد الإيمان ويستنير القلب، فلهذا أمره الله أن يذكر ربه كثيرًا، وفائدة الذكر كثيرًا هنا أو الأمر بالذكر كثيرًا؛ لأن الله لما أخبره بأنه سيمنعه من مكالمة الناس بشَّره بأنه لن يمتنع من ذكر الله الذي هو أجلّ وأشرف من مخاطبة الناس وكلامهم، فقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾؛ لأنه ربما يقع في قلبه لما قال الله له: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ ربما يقع في قلبه أن يُمنع من الكلام، فأراد الله تعالى أن يُسَرِّي عنه وأن يُذهب عنه ما قد يقع في قلبه وقال له: ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾، وهنا لم يقل له: وإنك ستذكر ربك، بل قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾، فأمره بذكر الله؛ ليكون ذكره لله تعالى في حال امتناع مكالمة الناس عبادةً خاصة مأمورًا بها، لما مُنع من مخاطبة الناس صار متفرغًا، فأُمِر بأن يشغل هذا الفراغ بماذا؟ بذكر الله عز وجل، وهذا أحسن له وأفيد له مما لو قال الله له: وإنك ستذكر ربك كثيرًا، ووجهه كما قلت لكم أنه إذا أُمِر به صار طاعة، وإن كان الذكر من أصله طاعة، لكن يكون هذا طاعة خاصة في هذه الحال التي يمتنع فيها من مكالمة الناس.
وقوله: ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾، هل ﴿كَثِيرًا﴾ صفة لزمن محذوف؟ أي زمانًا كثيرًا، أو لمصدر محذوف أي ذكرًا كثيرًا؟ الثاني، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب ٤١، ٤٢]، وهنا قال: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، العشي آخر النهار، والإبكار أول النهار، وهذان الوقتان قد أمر الله بذكره فيهما فقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق ٣٩]، وقال تعالى: ﴿سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ هنا، ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص ١٨]، والآيات في هذا كثيرة؛ لأن في الإشراق مستقبَل النهار، وفي العشي مستدبَر النهار، فيكون الإنسان شاغلًا وقته أوله وآخره بماذا؟ بذكر الله، من أين يبتدئ العشي؟ العشي يبتدئ من زوال الشمس، بدليل حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي»[[متفق عليه البخاري (١٢٢٩)، ومسلم (٥٧٣ / ٩٧) من حديث أبي هريرة.]]. وهي إما الظهر وإما العصر، وقيل: العشي ما بعد صلاة العصر إلى منتصف الليل، ولكن الأول أصح، نعم المساء يطلَق من صلاة العصر إلى منتصف الليل، وأما العشي فهو آخر النهار.
وقوله تعالى: ﴿وَالْإِبْكَارِ﴾، (الإبكار) ليست جمعًا لـ(بَكَر)؛ لأن جمع (بَكَر) (أبكار) كـ(سبب) و(أسباب)، لكنها مصدر أو اسم لهذا الوقت المعين الذي هو أول النهار.
وقوله: ﴿سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ يشمل تنزيه الله عز وجل عن كل ما لا يليق به، وقد مر علينا أن تسبيح الله يكون عن أمور ثلاثة: عن صفة العيب، وعن نقص في كماله، وعن مماثلة المخلوقين، انتبهوا (المشابهة) هذه أخرجوها من ألسنتكم، قولوا: مماثلة؛ لأن هذا هو اللفظ الذي جاء به القرآن، فيُسَبَّح الله عن هذه الأمور الثلاثة، ما هي؟ النقص، والنقص في الكمال، ومماثلة المخلوقين.
فالنقص كقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان ٥٨]، والنقص في الكمال مثل قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة ٢٥٥]، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]، ومماثلة المخلوقين مثل قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم ٦٥]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤].
والتسبيح يكون بالقول ويكون بالفعل، فكل مَن عَبَدَ الله فقد سبَّحه، كل من عبد الله فقد سبحه، بالقول ولّا بالفعل؟ بالفعل، وإن لم يكن فيها كلمة (سبحان)؛ لأن العابد تستلزم عبادته المعبود أن يكون كاملًا؛ لأن الناقص لا يمكن للعاقل أن أيش؟ أن يَعْبُدَه، فكونه يعبد الله يستلزم أن يكون مقرًّا له بالكمال مسبِّحًا له عن النقص، واضح يا جماعة؟
﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، الباء في قوله: ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ يحتمل أن تكون للاستيعاب، يعني في كل الوقت، وأن تكون للظرفية، أي في العشي، فإن جعلناها للظرفية لم يلزم أن يستوعب الوقتَ بالتسبيح؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨]، هم يمرون عليهم كل ليل يدلجون عليهم؟ لا، يمرون في أوله، في آخره، في وسطه، وإذا كانت للاستيعاب فإن المعنى إن الله أمره أن يستوعب هذين الوقتين كلهما، بماذا؟ بالتسبيح.
نرجع الآن إلى الفوائد، قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً﴾، إلى آخره، يؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله، حتى الأنبياء لا يستغنون عن دعاء الله؛ لقوله: ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القياس، من أين؟ لأنه لما رأى أن الله يرزق هذه المرأة بدون سبب معلوم علم أن الذي يسوق لها الرزق وهي امرأة منقطعة عن التكسب في محرابها قادر على أن يرزقه ولدًا، فيكون انتقال من الشيء إلى نظيره، وهذا هو نفس القياس، صح؟ إذن هو استدل أو أخذ من هذه القصة عبرة وهو أن يسأل الله أمرًا وإن كان مستبعدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصيغة التي يُتَوَسَّل بها في الدعاء هي اسم الرب؛ لقوله: ﴿رَبَّهُ﴾، ولم يقل: الله، ولهذا تجدون أكثر الأدعية مصدرة بالرب؛ لأن إجابة الداعي من مقتضى الربوبية، ولّا لا؟ لأنها فعل، وكل الأفعال من مقتضى الربوبية، فلهذا يتوسل الداعي دائمًا إلى الله بالرب، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة. ]].
* ومن فوائد الآية الكريمة:أن زكريا عليه الصلاة السلام بلغ سنًّا بعيدًا دون أن يأتيه الولد، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾.
* طالب: بقول يا شيخ بفرضكم ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ و﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، بكرة وعشيا تعني (...) كله، والعشي والإبكار تعني (...).
* الشيخ: إذا جعلنا الباء للظرفية صحيح صار بينهما فرق، إن جعلناها للاستيعاب لم يكن فرق.
* الطالب: أن الاستيعاب بس..
* الشيخ: لا الاستيعاب إن كل الوقت، يستوعب كل الوقت، وليس المعنى دون غيرهما، لكن هذين الوقتين مخصوصان بالتسمية ولا غيره يسبح، لكن هذا أهم شيء.
* طالب: (...) مخصوص معًا ولا..؟
* الشيخ: لا ليس معًا، ولهذا أكثر ما تكون التسبيحات والتهليلات في أول النهار وآخره.
* طالب: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، من هو القائل اللي رد عليه زكريا؟
* الشيخ: اقرأ من نادى زكريا؟
* الطالب: الملائكة.
* الشيخ: إذن يكون القائل معناه واصل، ما وصلنا للحقيقة، هذا سؤال مطروح.
* طالب: التسبيح، قلنا: التسبيح يشمل الفعل والقول، الذي يسبح في سره ما يشمل ذلك؟
* الشيخ: حديث النفس يعني؟ حديث النفس يدخل في هذا، لكنه من الفعل؛ لأنه حدّث نفسه.
* طالب: هل نقول: سيدنا محمد ﷺ؟
* الشيخ: أن سيدنا محمد، والله محمد سيدنا، لكن هل الصحابة يقولون كذا؟
* طالب: رسول الله.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: نشأ من أبوين مشركين، بينما يحيى عليه السلام من أبوين صالحين، فيؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الجمع بين النبي والصلاح؟
* الشيخ: يعني أنه وُلِد من صالحين.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ما هو بالظاهر، هذه من بيان لحال يحيى.
* طالب: شيخ بعض الناس يقولون: يا سيدي، هل فيها شيء؟
* الشيخ: يا سيدي من؟
* الطالب: يعني إذا تكلم يقول: يا سيدي.
* الشيخ: إذا كان الرجل أهلًا للسيادة لا بأس، يعني مثلًا لو قال: يجي واحد لفاسق فاجر يقول له: يا سيدي، ما يجوز، لكن الأهل للسيادة لا بأس.
* طالب: القياس يا شيخ، هل صح الإنسان إذا شاف أي شيء يعني مثلًا دعاء يقيس عليه يعني؟
* الشيخ: إذا كان لا عدوان في ذلك فلا بأس، إذا ما فيه عدوان لا بأس، أما مثلًا يجيء يدعو الله يقول: اللهم اجعلني نبيًّا رسولًا، هذا حرام، طيب كلامنا مع الأخ السائل يقول: سيدي، سيدنا محمد، هل معنى ذلك إنه يحرم إن الإنسان يقول: قال سيدنا محمد؟
* طالب: لا يحرم.
* الشيخ: لا يحرم.
* الطالب: لأنه سيد الأولين والآخرين.
* الشيخ: ولأننا نحن ينبغي أن نتأدب كأدب الصحابة، كأدب الصحابة، إذا ساقوا الحديث عن الرسول ما هم بيقولون: قال سيدنا، قال رسول الله، قال نبي الله.
* طالب: شيخ، (...) يا سيدي يا مولاي..
* الشيخ: إذا صدق الوصف فلا بأس، لو قال العتيق لمن أعتقه: يا مولاي، صح.
* * *
* طالب: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران ٤٢ - ٤٦].
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، أخذنا منها أربعة فوائد؟
* طالب: الأولى: أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله حتى الأنبياء، ثانيًا: إثبات القياس؛ لأنه لما رأى أن الله يرزق هذه المرأة بدون سبب معلوم علم أن الذي يسوق لها الرزق وهي امرأة منقطعة التكسب في محرابها قادر على أن يرزقه..
* الشيخ: أن يرزقه الولد، ولّا لا؟ نعم.
* الطالب: الثالثة: أن الصيغة التي يتوسل بها بالدعاء هي اسم الرب، الرابعة: أن زكريا عليه الصلاة السلام بلغ سنًّا بعيدًا دون أن يأتيه ولد.
* الشيخ: طيب الثالثة؟
* الطالب: أن الصيغة التي يتوسل بها بالدعاء هي اسم الرب.
* الشيخ: غالبًا، الرابعة؟
* الطالب: الرابعة: أن زكريا عليه الصلاة السلام بلغ سنًّا بعيدًا دون أن يأتيه ولد؛ لقوله: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾.
* الشيخ: نعم.
من فوائد الآية ما يستفاد من قوله: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾، حيث أضاف الهبة إلى الله عز وجل، وهبة الكريم تكون كبيرة، ونظير هذا قوله ﷺ فيما علّمه أبو بكر الدعاء الذي يدعو به في صلاته قال: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٢٦)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨) من حديث أبي بكر. ]]، وكما أشرنا إليه أن الشيء من الكريم يكون عظيمًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل مطلق الذرية؛ لأن الذرية قد يكونون نكدًا وفتنة، وإنما يسأل الذرية الطيبة.
ومن فوائد الآية الكريمة التي تشير إليها إشارة: أنه ينبغي للإنسان أن يفعل الأسباب التي تكون بها ذريته طيبة ومنها الدعاء، دعاء الله، وهو من أكبر الأسباب، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عن الرجل يبلغ الأشد أنه يقول: ﴿أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف ١٥]، ولا شك أن صلاح الذرية أمر مطلوب؛ لأن الذرية الصالحة تنفعك في الحياة والممات؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»[[أخرجه مسلم (١٦٣١ / ١٤) من حديث أبي هريرة. ]].
* من فوائد الآية الكريمة: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه المناسبة للحاجة؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، أي: مجيبه، وهكذا ينبغي أن تكون الأسماء التي يتوسل بها الإنسان في دعائه مناسبة لأيش؟ للمدعو به، فالداعي بالمغفرة يتوسل باسم الله الغفور، وبالرحمة الرحيم، وبالرزق باسم الرزاق، وهكذا، ويدل لهذا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف ١٨٠]، فإن قوله: ﴿ادْعُوهُ بِهَا﴾ يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة، يشمل دعاء المسألة؛ أن تجعلها وسيلة لدعائك، ودعاء العبادة أن تتعبد لله تعالى بمقتضاها، فإذا علمت أنه سبحانه غفور فتعرض لمغفرته، وإذا علمت أنه رحيم كذلك، وهكذا، فقوله عز وجل: ﴿ادْعُوهُ بِهَا﴾ يتناول هذا وهذا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات سمع الله وكرم الله وقدرة الله، من أين يؤخذ؟
* طالب: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
* طالب: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
* الشيخ: وجه ذلك؟
* الطالب: أنه سمع الدعاء فأجابه.
* الشيخ: طيب، هذا واحد، إثبات القدرة؟
* طالب: القدرة على الإجابة.
* الشيخ: القدرة على الإجابة، نعم، الثالث؟
* طالب: أنه لا يعطي إلا الكريم.
* الشيخ: نعم، إثبات الكرم لله؛ لكونه عز وجل يجب من دعاه، فإن قال قائل: أحيانًا يدعو المرء ولا يستجيب الله دعاءه؟ وهنا زكريا ﷺ يقول: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، وقال إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، فما الجواب؟ الجواب أن يقال: إن عدم إجابة الله الدعاء إما أن تكون لوجود مانع، وإما أن تكون لمصلحة الداعي، أو لفوات شرط، فأما إذا تمت الشروط وانتفت الموانع ولم تقتضِ المصلحة خلاف ما دعا به الداعي فإن الله تعالى يستجيب الدعاء قطعًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠]، فإذا دعا الإنسان ربه وقلبه لاهٍ، يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرّب إليه من قول وعمل، لكنه في زمن الاختبار قلبه يتجول بين صفحات الكتاب، هذا غافل ولّا حاضر؟
* الطلبة: غافل.
* الشيخ: غافل؟ نعم، لا يستجيب دعاءً من قلب غافل، كيف تسأل الله سبحانه وتعالى وهو يعلم ما في نفسك وتناجيه: يا رب أعطني كذا، وأنت قلبك مشغول بشيء آخر؟ هذا والله فيه سوء أدب، هذا تتخلف إجابة الدعوة لعدم وجود الشرط، لانتفاء الشرط، ما حضر قلبه، قد يكون ذلك لوجود مانع، ومنها - أي من الموانع - أن يكون الإنسان آكلًا للحرام -والعياذ بالله - فإن أكل الحرام من أكبر موانع إجابة الدعاء؛ لأن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾، ثم ذكر النبي الله ﷺ الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب»، أربعة أسباب من أسباب إجابة الدعاء «وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة.]] - أعوذ بالله - استبعد أن الله يجيب هذا الداعي، فهنا تخلفت إجابة الدعاء، لماذا؟ لوجود مانع.
وقد تكون لمصلحة الداعي، يدّخر الله له عنده ما هو أعظم مما سأل، أو يعلم سبحانه وتعالى أنه لو أجابه لحصل عليه مضرة في دينه، مثل أن تكون إجابته سببًا لفتنته عن دينه، فبرحمة الله وحكمته لا يستجيب له هذا الدعاء، لمصلحة من؟
* الطلبة: الداعي.
* الشيخ: لمصلحة الداعي، ولهذا ينبغي للإنسان أن لا يضجر إذا دعا الله فلم يستجب له، وأن لا يسأم ويستحسر، فيقول: دعوت ثم دعوت فلم يستجب لي، فإنه إذا قال ذلك لم يستجب له، فزال الإشكال الآن؟ زال الإشكال الذي قد يَرِد على قوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، وبقي إشكال آخر وهو أن يقال: لا فائدة من الدعاء؛ لأن المدعوّ به إن كان قد كُتِب لك فسوف يأتيك بلا دعاء، وإن لم يُكتب لك فلن يأتيك ولو دعوت، هكذا يقول بعض الناس، فبماذا نجيب؟ نجيب أولًا: أن هذا قول باطل من أصله؛ لأنه يقتضي تسفيه الرسل والأنبياء والصالحين، بل يقتضي أن الله عز وجل يأمر بما لا فائدة فيه، فإن الله قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾، فكيف يأمر عز وجل بأمر لا فائدة منه؟! هذا مستحيل، فهذا القول باطل من أصله، ثم نقول: الشيء يُكتب لك لكن بسبب، فإذا كان الله قد كتب لك ذرية طيبة بسبب دعائك فإنه إذا انتفى الدعاء انتفت الذرية الطيبة؛ لأن الله قدرها -أي الذرية الطيبة- مقرونة بأيش؟ بالدعاء، وهل يقول عاقل: أنا لا أتزوج، إن كان الله قد أراد لي ولدًا جاء بلا نكاح، وإن لم يُرِد لي ولدًا لم يأت ولو تزوجت، هل يقول هذا عاقل؟ لا، ما يقوله، نقول: إن الله قدر لك الولد بالنكاح، تزوج يأتيك الولد.
وهل يقول عاقل: أنا لا أتزوج، إن كان الله قد أراد لي ولدا جاء بلا نكاح، وإن لم يرد لي ولدا لم يأت ولو تزوجت، هل يقول هذا عاقل؟ لا، ما يقوله، نقول: إن الله قدر لك الولد بالنكاح، تزوج يأتيك الولد، وهكذا الدعاء.
إذن فالدعاء لا شك أنه من أقوى الأسباب لحصول المطلوب وزوال المكروه، وهذا أمر معلوم، ويكون الله تعالى قد قدر هذا الشيء الذي هو حصول مطلوبك أو زوال مكروهك، قد قدره مقرونا بأيش؟ بهذا السبب، بالدعاء، فيكون الدعاء مقدرا والمدعو به مقدرا من عند الله عز وجل، لكن أنت لا تدري، أنت عليك فعل السبب الذي تعلمه وهو الدعاء، وما وراء ذلك فليس إليك، وهكذا جميع المقدورات كلها يرد عليها هذا الإيراد، ولكن يجاب بهذا الجواب؛ بأن الله قدر هذه الأشياء مقرونة بأسبابها.
ثم إننا نقول: إن الدعاء نفسه عبادة، نفس الدعاء عبادة، إذا رفعت يديك إلى ربك: يا رب، هذا ذل وخضوع لله عز وجل، وهو من أجل العبادات، فالدعاء نفسه عبادة، سواء أجبت أم لم تجب، فلماذا لا تكثر من الدعاء؟ كذا؟ وأيش قلت؟
* طالب: الدعاء عبادة في ذاته، فالإنسان يدعو الله سبحانه وتعالى ولو لم..
* الشيخ: ويكثر من الدعاء.
قال: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران ٣٨] ثم قال عز وجل: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران ٣٩].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الملائكة، وقد سبق عن قريب شيء من الكلام عليهم، وأنهم عالم غيبي مخلوقون من نور، خلقهم الله عز وجل لما أعدهم له، فقاموا به على حسب ما أراد خالقهم عز وجل، كأن ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠) من حديث أبي ذر.]]. الأطيط: ما يسمع من صرير الرحل على البعير المحمل حملا ثقيلا.
* طالب: الصريح يا شيخ ولا الصرير؟
* الشيخ: الصرير، «مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ».
ففي هذه الآية: ﴿نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ إثبات الملائكة، ما حكم إنكار الملائكة؟
حكمه الكفر؛ لأنه تكذيب للقرآن.
لو قال قائل: أنا لا أنكرهم وأقول: فيه ملائكة، لكن الملائكة هي قوى الخير والشياطين قوى الشر، فأجعلهم معاني لا ذوات.
نقول: وهذا أيضا إنكار لهم؛ لأن الله قال: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر ١] كيف تكون قوى؟ ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة تتكلم بصوت مسموع؛ لقوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران ٣٩].
* ومن فوائدها: جواز تكليم المصلي؛ لقوله: ﴿نَادَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يكلم بعضهم بعضا في الصلاة، لكن المكلم وهو يصلي لا يخاطب الآخر، لكن يفهم ما يقول ويجيبه بالإشارة، لكن هل هذا على إطلاقه بالنسبة لجواز الكلام مع المصلي؟
الجواب: هذا الأفضل تركه إلا لحاجة؛ وذلك لأنك إذا كلمته وهو يصلي فإنك تشوش عليه، وربما ينسى ويخاطب كما يقع هذا كثيرا.
* من فوائد الآية الكريمة: مشروعية تبشير الإنسان بما يسره؛ لقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران ٣٩] وهذا أمر مشروط في نوعه وجنسه، ففي النوع سبق أن الله تعالى أخبر عن الملائكة أنها بشرت إبراهيم بإسماعيل وبإسحاق، إسماعيل قال الله فيه: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات ١٠١]، وإسحاق ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات ٢٨].
وهل من البشارة ما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ وَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ»[[أخرجه مسلم (٢٣١٥ / ٦٢) من حديث أنس.]]، أو هذا من باب التحدث بنعمة الله؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: هذا هو الأصل، الثاني، أنه من باب التحدث بنعمة الله هو الأصل.
ومن فوائد الآية الكريمة..
* طالب: البشارة بالجنس.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: النوع والجنس.
* الشيخ: البشارة بالجنس أن الإنسان يبشر بأي خير كان، بأي شيء كان جاءت به السنة من مفهوم قوله ﷺ: «لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ حَتَّى يَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٢٩٠)، ومسلم (٢١٨٤ / ٣٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، فإن هذا يدل على إدخال السرور على المسلم، وهو كذلك، سواء كان ببشارة أو بغيرها.
قال: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٣٩] إلى آخره، يستفاد من هذا أيضا: جواز تقديم التسمية على اليوم السابع، وهو كذلك، أنه يجوز أن يسمي الإنسان مولوده من ذكر أو أنثى قبل اليوم السابع، وهذا إذا كان الاسم مهيأ، أما إذا كان غير مهيأ فإنه ينبغي أن يؤخر إلى اليوم السابع.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على من صدق المرسلين؛ لقوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فإن الله قال ذلك على سبيل الثناء على يحيى، ولا شك أن من صدق من قامت البينات على صدقه فإنه محمود، حتى في الأمور الدنيوية، إذا صدقت من قامت البينة على صدقه فهذا لا شك أنه خير، وأما إذا صدقت من لم تقم البينة على صدقه فهذا استعجال، وأما إذا صدقت من قامت البينة على كذبه فهذا خبال؛ أن تصدق من قامت البينة على كذبه.
فالأحوال ثلاثة: من قامت البينة على كذبه فتصديقه خبال وسفه في العقل وضلال في الدين، ومن قامت البينة على صدقه فتصديقه كمال يحمد الإنسان عليه، ومن لم تقم البينة على صدقه ولا كذبه فتصديقه استعجال؛ لأن مثل هذا الخبر ينبغي أن يتأنى الإنسان فيه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] لم يقل عز وجل: ردوه ولا اقبلوه، نتبين حتى ننظر؛ لأنه قد يكون صادقا.
* من فوائد الآية الكريمة: أن يحيى عليه الصلاة والسلام سيكون سيدا؛ وذلك لأنه أحد الأنبياء، والأنبياء هم سادة الخلق وأفضل الخلق.
* ومن فوائدها أيضا: أن يحيى عليه الصلاة السلام مع توافر صفات الكمال في حقه بالسيادة فإنه بالإضافة إلى ذلك كان ممنوعا من سوء الأخلاق؛ لقوله: ﴿وَحَصُورًا﴾، فإن أصح وأعم ما قيل فيها أنه ممنوع عن مساوئ الأخلاق.
* ومن فوائدها أيضا: أن يحيى من الأنبياء؛ لقوله: ﴿وَنَبِيًّا﴾، وكل من وصف بالنبوة في القرآن فإنه رسول، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [النساء ١٦٣] إلى آخره، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨] وما قصهم الله علينا يقصهم بلفظ النبوة في الأكثر، فيكون كل من ذكر في القرآن بوصف النبوة فهو رسول.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء من الصالحين، بل هم في أعلى مراتب الصلاح، فإن مراتب الصلاح أربعة: النبوة والصديقية والشهادة والصلاح، إذا ذكرت جميعا صارت مراتب، وإن لم تذكر جميعا صار الصلاح عاما؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ -عِبَاد اللهِ الصَّالِحِينَ- فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ [آل عمران ٤٠] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حرج على الإنسان في طلب ما تطمئن به نفسه؛ لأن زكريا عليه الصلاة والسلام ما شك في خبر الله، لكن أراد أن يتقدم إليه الفرح والاستبشار بقوة البراهين؛ لأن خبر الله لا شك أنه برهان، لكن كلما ازدادت البراهين ازدادت قوة اليقين، فهنا سأل ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ يعني تعجبا من قدرة الله عز وجل؛ أن يكون له غلام وقد بلغه الكبر؛ لأن الغالب أن الإنسان إذا بلغ الكبر يقل إنجابه، وربما عدم بالكلية، والعقر إلى النساء أقرب منه إلى الرجال، ولهذا تكون المرأة عاقرا قبل أن يكون الرجل عاقرا.
* ومن فوائد الآية الكريمة نقول: إن الإنسان يملك ولده؟
طلبة: ﴿لِي﴾..
طلبة آخرون: اللام.
* الشيخ: اللام، تأملوا.
* طالب: اختصاص.
* الشيخ: أو نقول: اللام لا تتعين للملك؟
* طالب: لا غلط.
* الشيخ: إي ما تتعين، اللام لا تتعين للملك، قد تكون للاختصاص؛ لأن الإنسان لا يملك ولده كما يملك عبده، لو أراد أن يبيع ولده ما صح، وأما قول النبي ﷺ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٣٠)، وابن ماجه (٢٢٩١) من حديث جابر بن عبد الله، واللفظ له.]] فالمراد بذلك المنافع، أو أن المراد بذلك المبالغة؛ لأن هذا الرجل لما جاء يشكو إلى الرسول ﷺ أن أباه اجتاح ماله -يعني: أخذه- قال له: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»، فيكون هذا إما من باب المبالغة أو أن منافعك لأبيك كما أن مالك لأبيك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز وصف الإنسان بما يكره إذا كان المراد مجرد البيان، لا القدح والعيب؛ لقوله: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران ٤٠]؛ لأنك لو وصفت المرأة بأنها عاقر لكرهت ولّا سرت؟ كرهت، معلوم، لو تقول لها: أنت لك أربعين سنة ربت، نعم كيف عاد تقول: أنت عاقر، لكن إذا كان المراد بيان الأمر على وجهه دون العيب والقدح فإن هذا لا بأس به، ودليل ذلك أن رسول الله ﷺ قال: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٤٨٠ / ٣٦) من حديث فاطمة بنت قيس. ]]، لكن هذا من باب المشورة، ولكن لم يقصد الرسول ﷺ أن يعيب الرجل، بل قصد أن يبين حاله ليكون الإنسان معه على بصيرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات فعل الله؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٠].
ومذهب أهل السنة والجماعة إثبات أفعال الله الاختيارية المتعلقة به والمتعدية إلى غيره، أفعال الله الاختيارية يعني التي تقع باختياره، ولا شيء يقع من أفعال الله إلا باختياره، لكن منها شيء متعلق به مثل الاستواء والنزول والضحك والفرح، وأشياء متعلقة بغيره، مثل: الخلق، فإن الخلق يتعدى إلى الغير، فأهل السنة والجماعة يثبتون النوعين: الفعل الخاص به عز وجل الذي لا يتعداه إلى غيره، والفعل الذي يتعداه إلى غيره، ويقولون بلا شك: إن الرب الذي يفعل ما يشاء أكمل من الرب الذي لا يستطيع الفعل.
غالب الأشاعرة إن لم أقل: كل الأشاعرة والمعتزلة ومن ضاهاهم يقولون: إن الله ليس له أفعال اختيارية؛ لا يستوي، ولا ينزل، ولا يجيء، ولا يضحك، ولا يفرح، ولا يحب، ولا يكره... إلى آخر ما يقولون في نفي الأفعال الاختيارية.
علتهم أوهى من أي علة كانت، العلة قالوا: لأن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، والله عز وجل أزلي أبدي، فيقال لهم: أولا: من قال لكم هذا: إن الحوادث لا تكون إلا بحادث، من قال هذا؟! عندكم بذلك وحي، أو مجرد قياس عقلي فاسد ذكرتموه؟!
الحقيقة أن هذا قياس عقلي فاسد؛ فإن الحوادث لا يلزم ألا تقوم إلا بحادث؛ لأنه من المعلوم أن المحدث سابق على الحدث، وإذا كان المحدث سابقا على الحدث لم يلزم أن يكون المحدث حادثا؛ أنت الآن تأكل الغداء اليوم، والغداء اليوم بالنسبة لك حادث متى؟ وقت حدوثه، وأنت موجود من قبل، فالرب عز وجل يفعل الأفعال هذه في وقت فعلها، وهو لم يزل موجودا، لكن على زعمكم أنتم وعلى مذهبكم الباطل يلزم أن يكون الله سبحانه وتعالى لا يفعل أي فعل، معطلا عن الأفعال، وهذا عيب ولّا كمال؟ عيب؛ لأن من يفعل أكمل ممن لا يفعل باتفاق الناس، وليس يعتري الله عز وجل من إثبات الفعل في حقه أي نقص بأي وجه من الوجوه.
والآيات كثيرة في إثبات فعل الله ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٠]، ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٦]، ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٢٧]، والنصوص في هذا كثيرة ولله الحمد، وأهل السنة والجماعة يؤمنون بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الجمع على الواحد، أو ما يصلح؟ قوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ من القائل؟ الله؟ إن كان هو الله فهذه الفائدة لاغية، وإن كانت الملائكة فهذه الآية تدل على أن القائل واحد وأن قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران ٣٩] يعني واحدا منهم، وقد سبق في التفسير الخلاف في ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله.
* طالب: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
* الشيخ: وأين؟
* الطالب: ﴿مَا يَشَاءُ﴾.
* الشيخ: ﴿مَا يَشَاءُ﴾ صح، ولكن كل شيء قيده الله بالمشيئة فهو؟
* طالب: فهو بحكمة.
* الشيخ: مقرون بالحكمة، ما دليلك على هذا؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠].
* الشيخ: نعم فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، فدل على أنه لا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة، وهو كذلك.
إذا قال قائل: يشكل على هذا: أن الله قد شاء الخير والشر، فما الحكمة من الشر؟ تأملوها إلى الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
* طالب: يا شيخ فيه فائدة (...) فأجاب دعاءه؛ لأنه قال: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (...) الدعاء؟
* الشيخ: إي نعم يقول: فيها فائدة سرعة إجابة الله تعالى الدعاء؛ لقوله: ﴿فَنَادَتْهُ﴾ فإن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب. وعند محمد الواصل فائدة هنا، ما هي؟
* الطالب: في قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ﴾ جواز إطلاق الكلمة الواحدة على الكلام الكثير؛ لأن يحيى عليه الصلاة والسلام ليس مصدقا بكلمة واحدة، وإنما مصدق بجميع كلام الله عز وجل.
* الشيخ: ما هي الكلمة التي صدق بها يحيى؟
* الطالب: الكلمة التي صدق بها؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...) في قصة عيسى.
* الشيخ: ما هي الكلمة التي في قصة عيسى؟
* الطالب: نسيتها، هي الآية التي في سورة آل عمران.
* طالب: نقول يا شيخ: الكلمة فعلا كلمة؛ لأن الكلمة هي: ﴿كُنْ﴾.
* الشيخ: صحيح، يقول: إن الكلمة هي قوله تعالى في عيسى: ﴿كُنْ﴾ لكن إطلاق الكلمة على الكلام هو الأصل في اللغة العربية؛ أن الكلمة يراد بها الكلام ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ [المؤمنون ٩٩، ١٠٠] كم قال من كلمة هو؟ أربع كلمات، أربع جمل أيضا هو قائلها، وقال النبي ﷺ: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٨٤١)، ومسلم (٢٢٥٦ / ٣) من حديث أبي هريرة. ]].
(ألا كل شيء ما خلا الله باطل) كلمة ولّا كلمات؟ كلمات، فقول ابن مالك رحمه الله:
............................. ∗∗∗ وَكِلْمَــــةٌ بِهَــــا كَــــلَامٌ قَــــدْيُــــــــــــــــــــــــؤَمْ
يعني باصطلاح النحويين، لا بمقتضى اللغة العربية، اللغة العربية لا تطلق الكلمة إلا على الكلام المفيد، لكن النحويون رحمهم الله أطلقوا الكلمة على القول المفرد.
* طالب: جزاكم الله خيرا، فيه بعضهم يقول: إن من يأكل الربا إنه لا يدعو الله لأنه لا فائدة من دعائه، لأنه لو دعا لن يجاب له (...)؟
* الشيخ: إيه، والله مشكل كأنه كبير، أقول: هذا مشكل يعني: مشكل حقيقة، هذا مشكل، لكن الرسول ﷺ استبعد ولم يقل: إنه مؤكد، قال: «أَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة. ]] يعني استبعد الإجابة، ليس معناه أنه قطعا لا يجاب، ولكن الذي يأكل الربا نقول: هل تحب أن الله يغفر لك؟
* الطالب: سيقول: نعم.
* الشيخ: يقول: نعم لكن ما أنا بداع والله ما يجيبني، نقول: اترك الربا، مثلما قال الفقهاء رحمهم الله في الرجل العاصي بسفره إذا اضطر إلى الميتة إما أن يأكل منها أو يموت؟ قالوا: يموت ولا يأكل منها، ولكن الله ما أحل الميتة للمضطر؟ هم يقولون: لا يمكن، ولا تحل له، وأيش يسوي؟ يموت؟ قالوا: يموت، لكن هنا شيء قبل الموت يقدره وهو أن يتوب، نقول: تب وكل، إذا كنت قاطعا تذكرة لتروح لبلد تفجر به الغِ التذكرة وكل.
يصلي ركعتين الرباعية ولّا ما يصلي؟ ما يصلي ركعتين الرباعية، فيه خلاف على كل حال القائلين بأنه لا يجوز، قال: وأيش أسوي يا جماعة أنا مسافر؟ نقول: تب وصل ركعتين.
كاد يهلك من العطش في رمضان وهو مسافر وقال: هل أفطر؟ ماذا نقول له؟ لا تفطر، قال: يا جماعة، أنا مت من الظمأ، نقول: مت. وأيش الطريق؟
طلبة: تب إلى الله.
* الشيخ: نقول: تب واشرب.
* طالب: يا شيخ يقال لهم: تب وبعدين ادع؟
* الشيخ: إي نعم يقول: تب وادع الله.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، بعض الناس -أحسن الله إليكم- إذا دخل المسجد والناس يتسننون في المسجد يسلم عليهم، علما كثير من الناس تخفى عليه (...) الرد بالإشارة، وبعض الناس إذا دخل على مكان خالٍ كغرفة أو ما شابه ذلك ما فيه أحد سلم وقال: أنا أسلم على الملائكة؟
* الشيخ:كلاهما لا أصل له، لكن السلام على المصلي لا بأس به أحيانا؛ لأن الصحابة كانوا يفعلون هذا مع النبي ﷺ ولا ينهاهم.
* طالب: شيخ، لكن الناس ما يعرفون ما يردون..؟
* الشيخ: على كل حال أحيانا لا يجعله دائما.
* * *
* طالب: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران ٤١ - ٤٤]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أظن بقي علينا فوائد من؟
* طالب: إن الله شاء الخير والشر..
* الشيخ: إي نعم، إثبات المشيئة لله في قوله: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٠] وبينا أن المشيئة المطلقة مقيدة بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، ليست مجرد مشيئة ولكنها مشيئة مقرونة بالحكمة. وذكرنا أنه يستفاد من العموم ﴿مَا يَشَاءُ﴾ الشمول للخير والشر، ولكن الشر لا يضاف إلى الله؛ كما قال النبي ﷺ: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) من حديث علي بن أبي طالب. ]]، ولهذا جاء في الثناء على الله: «بِيَدِهِ الْخَيْرُ»[[أخرجه الترمذي (٣٤٢٨)، وابن ماجه (٢٢٣٥) من حديث عمر بن الخطاب. ]]، ولم يقل: والشر؛ لأن الشر لا ينسب إليه، وإنما الشر في المفعولات البائنة منه، أما فعله نفسه -يعني نفس الفعل- فليس فيه شر؛ لأن الله لا يفعل شيئا فيه شر إلا لخير، فمثلا الشر يشاؤه الله عز وجل ومشيئته له ليست شرا، بل هي خير، لوجوه متعددة؛ الأول: أنه لا يمكن أن يتبين الخير إلا إذا وجد الشر، إذ لا تتبين الأشياء إلا بضدها، ولو كانت كل مفعولات الله خيرا ما عرف الشر، ولا وجد الشر أصلا، فلا يتبين الخير وخيريته إلا بوجود ما يقابله وهو الشر، هذه من الحكمة.
ومن الحكم أيضا: ابتلاء الناس وامتحانهم؛ فإن الطريق لو كان كله خيرا ما حصل في ذلك ابتلاء وامتحان، إنما يكون الابتلاء والامتحان إذا وجد طريقان، أحدهما خير وقيل للناس: اسلكوه، والثاني شر وقيل للناس: لا تسلكوه، تبين بذلك الصادق من الكاذب، ولا يمكن الامتحان إلا بذلك.
ومنها -من الحكم في إيجاد الشر- أنه لا يستقيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي فضلت به هذه الأمة إلا بوجود الشر، حتى يؤمر بالخير الذي يقابله وينهى عن الشر الذي هو مفسدة، لو كانت كل الأمور خيرا ومعروفا لم يكن هناك أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؛ لأن الإنسان لا سبيل له إلا هذا المعروف الخير، فلا يمكن أن يؤمر بشيء لا سبيل له إلا هو.
ومن الحكم أيضا: إقامة الجهاد في سبيل الله، فإنه لولا الخير والشر ما قام الجهاد في سبيل الله؛ إذ إن الجهاد صراع بين أولياء الله القائمين بالخير وأعداء الله القائمين بالشر، ولولا هذا ما حصل الجهاد في سبيل الله.
ومن الحكم في ذلك: بيان قدرة الله عز وجل بخلق الأشياء المتضادة، فإن خلق الأشياء المتضادة لا شك أن فيه دليلا على قدرة الله سبحانه وتعالى، ولولا هذه المتضادات خلقها وإيجادها لم يتبين كمال القدرة؛ لأن خلق الشيء مع ضده أبلغ في القدرة من خلق الشيء الذي لا ضد له.
ومن حكم إيجاد الشر: أنه حافز إلى لجوء الإنسان إلى ربه، وكثيرا ما يحمل الناس على اللجوء إلى الله والأوراد والاحترازات وجود الشر، ولولا وجود الشر ما لجأ الناس إلى الله؛ لأنهم في خير.
ومنها -أي من حكم إيجاد الشر- أن الإنسان يعرف به قدر نعمة الله عليه، حيث يجد أناسا كثيرين من أهل الشر والفساد، وقد منّ الله عليه هو بالخير والصلاح والإصلاح، فيعرف بذلك قدر نعمة الله عليه، فيشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة التي منّ بها عليه بمحبة الخير والسعي فيه، ثم يحمد الله مرة ثانية أن نجاه من الشر والفساد وأهله، والنجاة من الشر والفساد وأهله لا شك أنها نعمة عظيمة ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون ٢٨].
ومن الحكمة في خلق الشر: إظهار ضعف الإنسان وعجزه أمام قوى الشر، فإن الإنسان تؤرقه عن منامه وتقض مضجعه بعوضة، بعوضة من أوهن المخلوقات تمنعه من النوم، وإذا كان شابا ثقيل النوم منعته من لذة النوم، يمكن ينام لكن يتحقرص؛ تقرصه مرة مع اليد، مرة مع الرجل، مرة مع الوجه، فتحرمه من لذيذ النوم، وهي ما هي؟ شيء ضعيف بعوضة، فيعرف الإنسان بذلك قدر نفسه، وأنه ضعيف أمام قوى الشر، حتى لا يتكبر ويتعاظم.
ولهذا ذكر أن ملكا من الملوك الجبابرة كان يتحدث مع قومه ويسخر ويقول: ما الحكمة من خلق الذباب؟ الذباب يحمل الجراثيم ويحمل الأمراض وما أشبه ذلك فما الحكمة منه؟ فقال أحد الحاضرين: الحكمة منه أن يذل أو أن يرغم أنوف الجبابرة مثلك. نعم لأن هذا الذباب المهين يقع على أنف هذا الرجل الجبار الذي لا يدخل البشر إليه إلا باستئذان وله حاجب من وراء حاجب، وهذا الذباب المهين يأتي ويقع على أنفه، وربما يصيبه بعذرته أيضا، نعم إذا جاءه وهو نائم وكان ثقيل النوم يمكن الذباب يكيف عليه.
على كل حال هذا أيضا من حكمة الله سبحانه وتعالى في خلق الشر، وهناك حكم ربما يظهر للمتأمل منها شيء كثير.
وبهذا نعرف كمال حكمة الله سبحانه وتعالى وربوبيته، ومن عرف الله ازداد في عبادته، كما قيل: من كان بالله أعرف كان منه أخوف وله أطوع.
قال: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٠] ثم قال الله عز وجل: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران ٤١].
من فوائد هذه الآية: جواز البحث عما يزيد به الإيمان، وإن كان الإيمان موجودا، بل قد نقول: وجوب البحث عما يزيد به الإيمان؛ لأن الإنسان مطلوب منه أن يقوي إيمانه بكل وسيلة.
ومن فوائدها -من فوائد الآية الكريمة- تمام قدرة الله سبحانه وتعالى بخوارق العادات، فإن كون زكريا عليه الصلاة والسلام لا يكلم الناس إلا رمزا، لكن في باب التسبيح ينطلق لسانه، هذا من آيات الله، ولهذا قال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآية قد تكون على عكس ما طلبت له، فهي قد طلبت لتحقق الوجود فيما بشر به، والآية كانت على العكس، كانت إعدام موجود، وهو أيش؟ الكلام، كان قادرا على الكلام فمنع من الكلام، كان في الأول كبير السن وامرأته عاقر فوُجد له الولد، فالآية وما كانت آية له بينهما أيش؟ تضاد، هذا وجود وهذا عدم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإشارة تقوم مقام العبارة، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾.
* الشيخ: كيف يعني من أين تؤخذ؟
* الطالب: ألا تكلم الناس إلا رمزا.
* الشيخ: ما هي الفائدة اللي قلنا؟
* الطالب: تكلم الناس بالإشارة.
* الشيخ: لا.
* طالب: أن الإشارة تقوم مقام العبارة.
* الشيخ: أن الإشارة تقوم مقام العبارة، لقوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ... إِلَّا رَمْزًا﴾ وهذه الفائدة مبنية على أيش؟
* طالب: فائدة (...)
* الشيخ: إيه لكن مبنية على أي شيء بالنسبة لتفسير الآية؟
* الطالب: مبنية على قوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم ١٠].
* الشيخ: لا.
* الطالب: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران ٤١].
* طالب: على أساس أن الاستثناء متصل.
* الشيخ: نعم، مبنية على أن الاستثناء متصل، فتكون الإشارة من الكلام.
وفائدة أخرى: أن الإشارة تقوم مقام العبارة عند العجز عن التعبير، من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: من أين تؤخذ قبل وبعدين نشوف وجه المأخذ؟
* طالب: قوله: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾.
* الشيخ: وجه المأخذ؟
* الطالب: نأخذ القول الثاني على أن الاستثناء هنا منقطع فلا يكون كلاما.
* الشيخ: فلا يكون كلاما لكنه يكون مقامه عند؟
* الطالب: عند العجز.
* الشيخ: عند العجز عنه. وكلا الأمرين حق، فالإشارة تقوم مقام العبارة في الإفهام، ولاسيما عند العجز، وذكرنا في التفسير أمثلة لمفارقة الإشارة للكلام، وأمثلة لموافقة الإشارة للكلام، أتستحضرونها الآن؟
مثال لمفارقة الإشارة للكلام؟
* طالب: (...)
* الشيخ: نعم يعني أنها ليست كلاما.
* الطالب: كما لو أشار في الصلاة.
* الشيخ: نعم كما لو أشار في الصلاة؛ فإن الإشارة لا تبطل الصلاة والكلام يبطلها. طيب مثال؟
* الشيخ: مثال لقيام الإشارة مقام الكلام؟
* طالب: في قول مريم (...): ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم ٢٩] (...) أشارت إليه، الإشارة هنا..
* الشيخ: لما عرّضوا بقذفها أشارت إليه، وغير؟
* طالب: حديث المرأة التي قتلها اليهودي[[أخرجه أبو عوانة في مسنده (٦١٣٤) من حديث أنس.]]، عندما سألوها فأشارت إلى اليهودي.
* الشيخ: ما أشارت إلى اليهودي.
* الطالب: أومأت.
* الشيخ: أشارت حين ذكر اسمه.
* طالب: في قصة ذي اليدين حين قال النبي: «أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟»، فأومؤوا أن نعم[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧١٤)، ومسلم (٥٧٣ / ٩٩)، وأبو داود في سننه (١٠٠٨) من حديث أبي هريرة.]].
* الشيخ: بعضهم، وبعضهم قالوا: نعم.
إذن نقول: الآية على الوجهين تدل على أن الإشارة تقوم مقام العبارة مطلقا أو عند الحاجة إليها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان ينبغي له إذا انقطع عن الناس أن يشغل وقته بذكر الله، من قوله لما منع من الكلام مع الناس وصار لا يكلمهم إلا رمزا، ومعلوم أن الإنسان الذي لا يكلم الناس إلا رمزا سوف لا يكون حريصا على مكالمتهم لئلا يتعب أو يتعب، أمره الله قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران ٤١].
* ومن فوائدها: فضيلة التسبيح والذكر في هذين الوقتين: العشي آخر النهار، والإبكار أول النهار. ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق ٣٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذكر ينبغي أن يكون مقرونا بالتسبيح، إلا ما ورد النص بإفراد أحدهما عن الآخر؛ لأنه قال: اذكر ربك وسبح، ولكن الذكر قال: ﴿كَثِيرًا﴾، والتسبيح قال: ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ فهل نقول: إن الذكر لا يتقيد بالعشي والإبكار، أو نقول: إنه متقيد لكن يكثر منه؟
يحتمل هذا وهذا، لكن الآيات الأخرى تدل على أن الإنسان مأمور بأن يذكر الله كثيرا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب ٤١، ٤٢]، وقال تعالى في وصف أهل الصلاح: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب ٣٥]، وعلى هذا فالذكر يكون أكثر من التسبيح، لكن القرن بينهما أيضا فيه فائدة وهو أنه يجمع بين الثناء على الله وتنزيهه من النقائص.
آل عمران 3:42
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ الواو حرف عطف، و(إذ) نقول فيها مثلما قلنا فيما سبق في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران ٣٥] يعني أنها منصوبة بفعل محذوف تقديره: اذكر، وتضمين الجملة لهذا يدل على العناية بها، وأنه ينبغي إشهارها وإظهارها حتى تتبين وتتضح للناس.
وإنما ذكر الله قصة زكريا ومريم هنا، وعيسى فيما بعد، في أول هذه السورة لأنها نزلت في وفد نجران الذين قدموا على النبي ﷺ وهم من النصارى، فأراد الله أن يبين لنبيه ﷺ قصة المسيح ومن حوله كاملة حتى يتبين له الأمر تماما، فإذا احتاج إلى محاجة النصارى وإذا عندهم علم قريب منها مما عندهم.
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ الملائكة المراد بهم الجنس؛ إذ ليس المراد كل الملائكة، بل واحد منهم، وهو في الغالب جبريل، ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾، ونداؤها باسمها العلم نوع من التكريم؛ إذ لم يقل: يا هذه باسم الإشارة، بل أتى باسمها العلم تكريما لها، ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أي: اختارك؛ وذلك لأن اصطفى أصلها: اصتفى بالتاء، لكن لعلة تصريفية قلبت التاء طاء، وهي مأخوذة من الصفوة، يعني جعلك من صفوة الخلق، واصطفاؤه إياها سبحانه وتعالى من عدة وجوه:
الوجه الأول: أنه تقبلها بقبول حسن حين قالت أمها: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران ٣٥]، مع أن المعروف عندهم أنه لا يخدم المساجد إلا الرجال، لكن هي قبلت.
ومنها -من اصطفائه لها- أنه أنبتها نباتا حسنا، وقد سبق الكلام على معنى الكلمتين وأنهما تتضمنان التربيتين الروحية والجسدية.
ومن اصطفائه لها أيضا: أن الله تعالى اختار أن تكون عند نبي من الأنبياء؛ حتى تتربى ببيت نبوة.
وقوله: ﴿طَهَّرَكِ﴾ طهرك من أي شيء؟ هل هو من الأرجاس الحسية؟ أو من الأرجاس المعنوية؟
الظاهر الثاني، وأنها بالنسبة للأرجاس الحسية كالبول والغائط والحيض كغيرها من النساء، لكنه طهرها من الأرجاس المعنوية، فبرأها الله تعالى مما رماها به اليهود، وكذلك طهرها من سفاسف الأخلاق حتى كانت دائما في عبادة الله سبحانه وتعالى، كما سيتبين إن شاء الله.
ثم قال: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ الواو حرف عطف، ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ أي ميزك من بينهن، فالاصطفاء الأول اصطفاء عام، وهذا اصطفاء خاص بالنساء، اصطفاها الله تعالى من بين سائر النساء حيث جعلها من النساء الكمل، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن مريم عليها الصلاة والسلام خير نساء البشر، هي وخديجة بنت خويلد وآسية امرأة فرعون، و«فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (3411)، ومسلم (2431 / 70) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، فهي من النساء الكمل رضي الله عنها، ولهذا قال: ﴿اصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾.
وهل المراد نساء العالمين في زمنها؛ لأن النساء اللاتي في زمن النبي عليه الصلاة والسلام لا شك أنهن في أمة هي خير الأمم، أو المراد العموم؟
فيه قولان للعلماء، منهم من قال: إنه خاص بنساء زمانهم، كما ذكر الله عن بني إسرائيل أنه فضلهم على العالمين، ومع ذلك فهذه الأمة أفضل منهم ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ٤٧] ومن المعلوم أنهم ليسوا أفضل من هذه الأمة؛ لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠]. ثم قال..
* طالب: والراجح؟
* الشيخ: يأتي إن شاء الله الكلام عليه.
* طالب: قول الرسول ﷺ: «فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ» ما يأتي عامة (...)؟
* الشيخ: والله بعض العلماء أخذ من هذا أنها أفضل من الثلاث التي معها؛ لأنه قال: «فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ» بعد أن ذكر فضل هؤلاء الثلاث، وبعضهم قال: إن المراد: على النساء سواهن، والله أعلم بمراد رسوله.
* طالب: شيخ (...).
* الشيخ: هي ما ذكرت معهن.
* الطالب: (...)
* الشيخ: لا ثلاث.
* الطالب: (...) تعقيب على (...)
* الشيخ: يعني فيه احتمال أنه عليه الصلاة والسلام أفردها لتكون أكمل منهن، وفيه احتمال أنها أفضل من النساء اللاتي سواها (...) والله أعلم بمراد رسوله، ما عندي في هذا.
* طالب: إن القول الأفضل إنها أفضل على نساء أهل زمانها، القول الثاني يا شيخ.
* الشيخ: إن ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ مطلقة، حتى نساء هذه الأمة هي أفضل منهن، وإن شاركتهن في الفضيلة لكن هي أفضل منهن.
* طالب: اسم مريم عليها السلام لم يذكر في القرآن سوى هذا الاسم، نأخذ منه فوائد.
* الشيخ: نحن وصلنا الفوائد؟
* طالب: حكمة التطهير بعد الاصطفاء، الاصطفاء يعم (...)؟
* الشيخ: الاصطفاء الاختيار، ونص على التطهير لدفع ما قاله اليهود في أنها كانت بغيا.
* الطالب: شيخ، أحسن الله إليكم، هو قول الأخ حينما سأل: عليها السلام.
* الشيخ: من عنى؟
* الطالب: عنى مريم.
* الشيخ: عليها السلام؟
* طالب: إي.
* الشيخ: ما فيها مانع، «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، ما فيها مانع أبدا، لكن الأحسن أن يقال: رضي الله عنها أحسن؛ لئلا يتوهم واهم أنها نبية.
* طالب: الله سبحانه وتعالى يذكر في آيات أخر أن مؤمن آل فرعون مع الرجل الذي جاء يسعى من أقصى المدينة ولم يذكر اسم الرجل، وهنا ذكر مريم رضي الله عنها كان أيش يصير فيها؟
* الشيخ: يعني هذا خطاب خاص، وهذاك تحدث عن شخص غائب.
* الطالب: يا شيخ هذا فيه فضيلة لو ذكر اسمه له؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: مؤمن آل فرعون؟
* الشيخ: لا؛ لأن الله يذكر القصص أحيانا للعبرة فقط، حتى لا يكون الإنسان معتنيا بالاطلاع على الأشخاص، فالعبرة بالمعاني وما سيقت القصة من أجله، أما كونه فلان وفلان ما يهم، حتى لو علمت الآن أن الرجل هذا اسمه فلان تستفيد فائدة كثيرة؟
* طالب: يعني أعرف الثناء عليه مثل مريم.
* الشيخ: الثناء عليه يكفي أنه قال رجل مؤمن من آل فرعون، أنه من آل فرعون يكفي، أنه آمن وهو من آل فرعون، أما هذا الخطاب.. يعني أنا لو قلت لك: يا رجل أو قلت: يا عبد الرحمن، أيهن أبلغ في الإكرام؟ أو قلت: يا هذا؟
الخطاب غير مسألة التحدث عن شخص، الخطاب ليس كالتحدث عن شخص، الخطاب إذا ذكر الإنسان باسمه العلم صار هذا دليلا على التفخيم والتكريم.
* طالب: في بعض الآيات يقول: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾، وفي آيات ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾؟
الشيخ يقول: في بعض الأحيان يقول: ﴿اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، وأحيانا يقول: ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ﴾ كيف يعني نقول؟
الجواب: أن المعنى واحد، وأن المراد بـ ﴿اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ يعني اذكر ربك باسمه، وأما من قال: إن (اسم) زائد فهذا قول ضعيف، وأن ﴿اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ يعني: اذكر ربك، هذا قول لا صحة له، ولكن المعنى: اذكر ربك باسمه؛ لأن هذا هو الذي يتم به الذكر.
* طالب: خيرية مريم وغيرها من النساء في الدنيا والآخرة أم في الدنيا فقط وفي الآخرة فقط؟
* الشيخ: في الدنيا والآخرة.
* الطالب: ورد في الحديث أن فاطمة رضي الله عنها سيدة (...).
* الشيخ: لا هذيك سيدة نساء أهل الجنة، لكنهن خير.
* طالب: شيخ، ما استدل به بعض المفسرين أن هذه القصة على أن الخال بمنزلة (...)، قصة زكريا.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: قصة زكريا ومريم وعيسى، بعض المفسرين على أن الخال بمنزلة (...).
شيخ: وجه ذلك؟
* الطالب: أن أخت مريم خالة عيسى كانت تحت مريم.
* الشيخ: تحت زكريا، وبعدين؟
* الطالب: هل يصح هذا الاستدلال يا شيخ؟
* * *
* طالب:
﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران ٤٣ - ٤٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾، ذكرنا أن الاصطفاء معناه الاختيار، وهو مأخوذ من الصفوة، وصفوة كل شيء خلاصته.
﴿وَطَهَّرَكِ﴾ ظاهرا وباطنا، من العيوب الظاهرة ومن العيوب الباطنة، ومن الأخلاق السافلة، فهي مطهرة ظاهرا وباطنا. ونص الله تعالى على ذلك دفعا لقول اليهود -قاتلهم الله ولعنهم-: إنها كانت بغيا، وإن عيسى عليه الصلاة والسلام كان ولد زنا.
وقوله: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ قلنا: إن المراد بذلك نساء عالمي زمانهم، على أنها هي وخديجة بنت خويلد وآسية امرأة فرعون هؤلاء الثلاث كملن من النساء، و«فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»[[سبق تخريجه.]].
وقوله: ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ العالمين هم كل من سوى الله في الأصل، كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، فالرب والمربوب لا يوجد سواهما، وعليه فالعالم كل من سوى الله، هذا في الأصل، وسمي عالما لأنه علم على خالقه عز وجل، فإن ما في هذه المخلوقات من الآيات الدالة على كمال الله سبحانه وتعالى وعلى كل ما تتضمنه هذه المخلوقات علم واضح على ما تتضمنه هذه المخلوقات من الصفات الكاملة.
﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ هذا من خطاب الملائكة أيضا، تقول لها: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ والقنوت هو دوام الطاعة، واللام في قوله: ﴿لِرَبِّكِ﴾ للاختصاص، أي قنوتا خالصا لله، أي طاعة خالصة له؛ لأن من شرط الطاعة أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿لِرَبِّكِ﴾ الربوبية هنا ربوبية خاصة، وقد مر علينا أن الربوبية تنقسم إلى ربوبية عامة وربوبية خاصة، فالعامة هي الشاملة لكل أحد، والخاصة تختص بمن خصها الله به، لكنها تفيد تربية أكثر اعتناء واختصاصا من الربوبية العامة.
وقوله: ﴿وَاسْجُدِي﴾ الواو حرف عطف، ﴿وَاسْجُدِي﴾ يعني السجود المعروف، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة أمرت أن تسجد على سبعة أعظم[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨١٠)، ومسلم (٤٩٠ / ٢٢٨) من حديث ابن عباس.]]، وعطف السجود على القنوت من باب عطف العام على الخاص أو الخاص على العام؟ الخاص على العام. وذكر الخاص بعد العام يدل على فضله ومزيته. ولا شك أن السجود من أفضل أنواع الطاعة، ولهذا كان «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢ / ٢١٥) من حديث أبي هريرة.]].
وقوله: ﴿ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ الركوع معروف، وهو انحناء الظهر، وقوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي في جملتهم، وليس المراد أنها تصلي مع الجماعة؛ لأن المرأة لا تخاطَب بالصلاة مع الجماعة، لكن كوني في جملة الراكعين الذين يركعون لله عز وجل.
وفي قوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ولم يقل: مع الراكعات، مع أنها امرأة؛ لأن الكُمّل من الرجال أكثر من الكمل من النساء، ولهذا لم يكمل من النساء إلا ثلاث[[سبق تخريجه.]].
وقوله: ﴿اسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ قدم السجود على الركوع؛ لأن هيئة السجود أفضل وأبلغ في الخضوع، فقدمها على الركوع، أما من حيث الترتيب الفعلي بالنسبة للصلاة فإن الركوع قبل السجود.
ثم قال الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾، ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه كل ما سبق من قصة زكريا وقصة مريم. وقوله: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ أي من أخبار الغيب، أي من أخبار الشيء الغائب الذي لا يعلم، لكن من الذي لا يعلمه؟ ليس المراد من وقع في زمنه؛ لأن من وقع في زمنه فهم يعلمونه، لكن المراد: لا يعلمها النبي ﷺ ولا قومه؛ كما قال تعالى في سورة هود: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود ٤٩]
إذن هي غيب نسبي ولّا حقيقي؟ غيب نسبي بالنسبة لمن لم تكن في زمنه، أما من كانت في زمنه فهي مشاهدة، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام وقومه كانوا أميين، لا يعلمون شيئا عن الأمم السابقين، فأوحى الله إلى نبيه ﷺ ما أوحى من أخبار السابقين التي ما كان يعلمها لا هو ولا قومه، وهو دليل على أنه رسول الله حقا، وأن الوحي يأتيه من الله.
وقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ الوحي في اللغة الإعلام بسرعة وخفاء، فإذا أعلمك إنسان بسرعة على وجه خفي يسمى في اللغة وحيا، وحيا، ولكنه في الشرع: إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما يشاء من شرعه، هذا الوحي، إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما أيش؟ بما يشاء من شرعه. ثم إن كلفه بتبليغه كان رسولا، وإلا كان نبيا.
* الشيخ: الأخ عرفنا ما هو الوحي شرعا؟ أنت إي نعم.
* طالب: الوحي ما أمر (...) بالشرع ولم يؤمر بتبليغه.
* الشيخ: هذا الوحي شرعا.
* الطالب: خلاف الرسول، فإذا أمر بتبليغه..
* الشيخ: صار الوحي شرعا من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه! هذا الوحي شرعا! أعتقد أنك ما أنت معنا؟
* طالب: (...)
* الشيخ: لا لا، تأملها في غير وقت الدرس، وقت الدرس تأمل ما يقول المدرس، ما تابعتنا ولهذا أخطأت في تعريف الوحي. طيب إذن الوحي؟
* طالب: الوحي هو ما يوحي الله سبحانه وتعالى شرعا نبيا من أنبيائه، فإن أمره بالتبليغ فهو كان رسولا، وإن لم يؤمره فهو نبي.
* الشيخ: أيش الوحي؟
* الطالب: هو ما يوحيه الله سبحانه وتعالى إلى نبي من أنبيائه من شرعه.
* الشيخ: لا.
* طالب: إيحاء الله لنبي.. إيحاء الله عز وجل..
* الشيخ: لا.
* الطالب: تبليغ وتكليف الله عز وجل.
* الشيخ: لا.
* طالب: إخبار الله لنبي من الأنبياء بما يشاء من شرعه.
* الشيخ: نعم، هذا الوحي: إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما يشاء من شرعه، ثم إن أمر بتبليغه كان رسولا وإلا فهو نبي.
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ أي نخبرك به على الوصف الذي ذكرنا، وهو إخبار الله تعالى لنبي من أنبيائه بما شاء من شرعه، هذا الوحي.
وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أي ما كنت عندهم، يعني عند زكريا وقومه ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾، ﴿إِذْ﴾ أي حين، وهي متعلقة بقوله: ﴿كُنْتَ﴾، يعني ما كنت في ذلك الوقت عندهم ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾، ﴿أَقْلَامَهُمْ﴾ اختلف العلماء في تفسيره، فقيل: إنها على ظاهرها؛ أنهم ألقوا أقلامهم التي يكتبون بها، وقيل: إن المراد بها سهامهم التي تكون في النصل يرمون بها، وسميت قلما لأنها تشبهه في الاستطالة ودقة الرأس، السهم عندهم بمنزلة الرصاصة عندنا في الوقت الحاضر.
على كل حال أيها ظاهر القرآن؟ ظاهر القرآن أن المراد بالأقلام الأقلام الحقيقة التي يكتب بها، ولا نعدل عن ظاهر القرآن إلا بدليل، هذه هي القاعدة الشرعية في تفسير القرآن، بل وفي تفسير الحديث النبوي، بل وفي كلام الغير، حتى كلام الناس يجب أن نعمل بظاهره إلا بدليل، ولكن ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ كيف ألقوا هذه الأقلام؟
المعروف أنهم ألقوها في النهر؛ في الماء الذي يمشي، فما انحبس منها فصاحبه الذي يكفل مريم، وما جرى فهو الذي لا يكفلها، ولكن القرآن ليس فيه بيان ذلك، يعني ليس فيه أنهم وضعوا هذه الأقلام في النهر، إنما ألقوا أقلامهم على وجهٍ اللهُ أعلم بكيفيته، لكنهم ألقوها من باب الاقتراع، يعني قرعة أيهم يكفل مريم، فخرجت القرعة لمن؟ لزكريا؛ كما قال تعالى في أول القصة: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران ٣٧].
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ يعني وما كنت عندهم أيضا في حال اختصامهم أيهم يكفل مريم، هذا الاختصام هل هو قبل إلقاء الأقلام أو بعده؟ قبله، الظاهر أنه قبله، لكن أخر في الذكر لمناسبة الآيات؛ رؤوس الآيات ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هذا هو الذي يظهر، على أنه قد يقال: إن الله سبحانه وتعالى ذكر النتيجة قبل المقدمة أو قبل السبب لأنها هي الغاية، فإن إلقاء الأقلام والاستهام هو غاية الاختصام، فاختصموا أيهم يكفلها فقالوا: لنسهم بإلقاء الأقلام.
وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ هذا كالدليل لقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ يعني فأنت ما قلتها لأنك شاهد، ولكن قلتها لأنها أوحيت إليك.
وأيضا فيه إشارة إلى أن هذا الذي أنبئ به كأنما يراه بعينه، كأنه حاضر، وهو كذلك، بل كما قلنا فيما سبق: إن إخبار الله عز وجل أشد ثبوتا وحقيقة مما يُرى في العين.
ثم قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ﴾، يعني: اذكر إذ قالت الملائكة: يا مريم، وهل المراد جنس الملائكة أو الملائكة كلهم؟ الظاهر الأول أن المراد الجنس؛ لأن القائل واحد، والمشهور أنه جبريل. قال لها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ إلى آخره.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ سبق أن معنى البشارة في الأصل: الإخبار بما يسر، وأنها قد تطلق على الإخبار بما يسوء؛ بجامع أن كلا مما يسر وما يسوء يغير البشرة ويؤثر فيها.
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ قوله: ﴿بِكَلِمَةٍ﴾ تحتمل وجهين:
الوجه الأول: أن الكلمة هي المبشر به، كما تقول: بشرته بولد، بشرته بولد، فتكون الكلمة هي المبشر به.
والوجه الثاني: أن المراد بالكلمة هنا الصيغة التي حصلت بها البشارة، أي: يبشرك بشارة عن طريق النطق بها، عن طريق النطق، كما تقول: بشرته بالقول، لا بالكتابة.
فأنت مثلا تبشر الإنسان إما بواسطة النطق، وإما بواسطة الكتابة، وإما بواسطة الإشارة، فقوله: ﴿يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ أي أن الوسيلة التي حصلت بها البشارة هي الكلمة، يعني أن الله قال سبحانه وتعالى كلمة فيها البشرى بالمسيح عيسى ابن مريم.
فالوجهان محتملان، الوجه الأول ما هو؟ أن المراد بالكلمة عيسى، يعني المبشر به، كما تقول: بشرته بولد، أو أن المراد بالكلمة الصيغة التي حصلت بها البشارة، أي أن البشارة حصلت من الله بالقول، كما تقول: بشرته بالنطق، بشرته بالكتابة، بشرته بالإشارة.
فأما على الاحتمال الثاني فلا إشكال، لا إشكال أن تقع البشارة بالنطق، لكن على الاحتمال الأول أن الكلمة هي المبشر به، فكيف يكون المبشر به كلمة مع أنه إنسان؟
أجاب العلماء عن ذلك بأنه أطلق عليه الكلمة لأنه كان بالكلمة، لا بالوسائل الحسية المعلومة؛ لأن الولد في العادة يأتي بواسطة النكاح، لكن هذا لم يأت بالنكاح، أتى بالكلمة ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩]، فلهذا صح أن يطلق عليه الكلمة.
وفي هذه الآية إشكال آخر: إذا قلنا: إن قوله: ﴿بِكَلِمَةٍ﴾ تعني المبشر به، وهو قوله: ﴿مِنْهُ﴾، ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ فإن (من) لها معانٍ، منها: التبعيض؛ كما قال ابن مالك رحمه الله في الخلاصة:
بَعِّــضْ وَبَيِّــنْ وَابْتَــدِئْ فِــــيالْأَمْكِنَــــــــــهْ ∗∗∗ بِمِــــــــنْ وَقَــــدْ تَأْتِــــي لِبَــــدْءِالْأَزْمِنَــــــــــــــــهْ
الشاهد قوله: (بعّض)، فإن (من) تفيد التبعيض، فهل معنى ذلك أن عيسى بعض من الله كما قال ذلك النصارى؟
الجواب: لا، الجواب ليس بعضا من الله، لأن الله واحد أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ولا يتبع أحد هذه الآية ويدعي التبعيضية أو يدعي البعضية، إلا من في قلبه زيغ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٧]، والنصراني كما اتبع المتشابه في هذه الآية اتبع المتشابه في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩] قال: هذا كلام الله يقول: ﴿إِنَّا﴾ وإنا تفيد الجمع، فاتبع المتشابه انتصارا لرأيه الفاسد، ولا يخفى على كل ذي لب أن المراد بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ وما أشبهها التعظيم، لا التعدد. كذلك هنا ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ لا يقتضي أن يكون عيسى بعضا من الله عز وجل؛ لأنك إن ادعيت أنه بعض من الله فلتدع أنه كلمة الله، ومعلوم أنه لا أحد يدعي أن عيسى كلمة، عيسى بشر، له جسم وروح، يأكل ويشرب، وهل الكلمة كذلك؟ لا.
فأنت إن ادعيت أنها من الله فادع أن عيسى كلمة، ومعلوم أن عيسى ليس بكلمة.
إذن فيتعين أن تكون (من) إما ابتدائية وإما بيانية، يعني: بكلمة صادرة من الله عز وجل بأن قال: كن فكان.
نظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية ١٣]، هل يدعي أحد أن ما في السماوات وما في الأرض بعض من الله؟ لا، لا يدعي، حتى النصراني ما يدعي ذلك، ولكن هنا (من) إما للابتداء، يعني ابتداء التسخير من الله، أو للبيان، بيان مَن المسخر، أو من أين جاء هذا التسخير.
قال: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾، اسم: مبتدأ، و﴿الْمَسِيحُ﴾ خبر، و﴿عِيسَى﴾ خبر ثانٍ، و﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ خبر ثالث، وإنما قلنا ذلك لأنك لو أفردت كل واحد عن الآخر لاستقام الكلام، لو قلت: اسمه ابن مريم صح؟ اسمه عيسى، اسمه المسيح صح، وعلى هذا فكل واحد منها خبر، وقيل: بل الثلاثة خبر واحد، كقولك: البرتقال حلو حامض، هنا لا يصح أن تقول: حلو خبر وحامض خبر؛ لأنك لو أفردت أحدهما عن الآخر فسد المعنى، لو قلت: البرتقال حلو ما صح، لو قلت: البرتقال حامض، ما صح، ما أدى المعنى الذي يؤديه قوله: حلو حامض؛ لأن حلو حامض يعني: جامع بينهما، يعني: مز، كذا؟ فلهذا نقول في قول القائل: البرتقال حلو حامض، حلو حامض جميعها خبر، لكن في الآية التي معنا: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ لا يستقيم هذا المعنى فيها، وبناء على ذلك نقول: إن كل واحد منها خبر.
مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٤ - ١٦] خمسة أخبار.
هذه الأخبار الثلاثة جمعت أنواع العَلَم التي أشار إليها ابن مالك في قوله:
وَاسْمًــــــــا أَتَــــــــى وَكُنْيَــــــــةًوَلَقَبَــــــــــــــــــــــــا ∗∗∗ وَأَخِّــــــــرَنْ ذَا إِنْ سِــــــــوَاهُصَحِبَــــــــــــــــــــا
معلوم؟ أين الاسم؟
طلبة: عيسى.
* الشيخ: اللقب؟
طلبة: المسيح.
* الشيخ: الكنية؟
طلبة: ابن مريم
* الشيخ: وإذا كان هذه الكلمات الثلاث قد جمعت أنواع العلم الثلاثة: الاسم، واللقب، والكنية، يبقى عندنا إشكال في قول ابن مالك: (وأخرن ذا) يعني اللقب (إن سواه صحبا)؛ فإنه في الآية الكريمة قدم اللقب، فيبقى إشكال، فهل نأخذ بقول ابن مالك ونقول: القرآن شاذ؟ حاشا حاشا، نقول: ابن مالك وألفيته الشاذة ولا يشذ القرآن.
إذن كيف نجمع بين هذا الكلام من هذا العالم في النحو وبين الآية؟
من المعروف أن علماء النحو رحمهم الله لا تضييق عليهم أبدا، ولهذا يقولون في ضرب الأمثال: حجة نحوي، أو يقولون: حجج النحاة كبيوت اليرابيع، واضح؟ حجج النحاة كبيوت اليرابيع، أيش معنى هذا؟
اليرابيع جمع يربوع، وعندنا باللغة العامية: جرابيع، طيب اليربوع من ذكائه يتخذ جحرا في الأرض له باب، وإذا بلغ منتهاه خرق الأرض متعليا إلى فوق، فإذا بقي قشرة رقيقة وقف؛ من أجل إذا دخل عليه أحد من باب الجحر خرج من هذه النطاقة؛ كما يقولون، نطق.
أقول: النحويون رحمهم الله لا تضييق عليهم، قالوا: الجواب عن الآية: هو أن اللقب إذا اشتهر به الإنسان حتى صار كالعلم، أو كالاسم، جاز أن يقدم، جاز أن يقدم، ولهذا نجد في كلام العلماء: الإمام أحمد بن حنبل، المسيح عيسى ابن مريم، على أوزان المسيح عيسى ابن مريم، الإمام محمد بن إدريس الشافعي، فيقدم الإمام مع أنه لقب، لماذا؟ للاشتهار، إذن لا إشكال الآن.
قال: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ واختار الله تعالى له اسم المسيح لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، أو لكثرة مسحه الأرض وسيره فيها، أو من المسحة وهي الجمال، والمعنى الأول أشهر، يعني أنه لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، فهو يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويخرجهم من قبورهم، وهذه الأمور لا تتم لكل أحد، بل لا تتم لأحد أبدا إلا بإذن الله عز وجل.
﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ولم ينسبه إلى ذَكر؛ لأنه لا أب له، وأظن ذلك واضحا أنه لم ينسبه إلى أب لأنه لا أب له، لكن لماذا نسبه إلى أمه؟ إشارة إلى ألا يقول قائل: إنه ينسب إلى كافله زكريا، يعني لئلا يقول قائل: ما دام هذا الطفل ليس له أب فلينسب إلى كافله حتى يُعرف به، فبدأت الملائكة وبينت أن هذا الرجل ينسب إلى أمه ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾.
﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قوله: ﴿وَجِيهًا﴾ هذه منصوبة على الحال، من أين؟ حال من أين؟
طلبة: من عيسى.
* الشيخ: أو المسيح، حال كونه وجيها في الدنيا، والوجيه هو ذو الجاه، وهو الشرف والمكانة والسيادة، وقد كان كذلك عليه الصلاة والسلام، أما وجاهته في الدنيا فلأنه كان أحد الرسل الكرام، بل هو من أولي العزم، وأعظم الناس جاها في الدنيا والآخرة هم أولو العزم، كما قال الله تبارك وتعالى عن موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب ٦٩]، وأما وجاهته في الآخرة فكما قلنا أيضا لأنه من أولي العزم من الرسل الذين هم في أعلى درجات الجنة ولهم في الآخرة مقامات لا تكون لغيرهم.
وقوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾..
وهو الشرف والمكانة والسيادة، وقد كان كذلك عليه الصلاة والسلام، أما وجاهته في الدنيا؛ فلأنه كان أحد الرسل الكرام، بل هو من أولي العزم، وأعظم الناس جاهًا في الدنيا والآخرة هم؟
* طالب: أولو العزم.
* الشيخ: أولو العزم كما قال الله تبارك وتعالى عن موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب ٦٩].
وأما وجاهته في الآخرة فكما قلنا أيضًا؛ لأنه من أولي العزم من الرسل الذين هم في أعلى درجات الجنة، ولهم في الآخرة مقامات لا تكون لغيرهم.
وقوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ هذا وصف ثالث أنه من المقربين إلى مَنْ؟
* الطلبة: إلى الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: إلى الله عز وجل، من المقربين إلى الله في الدنيا ولَّا في الآخرة؟
* الطلبة: في الدنيا والآخرة.
* طالب: كلاهما.
* الشيخ: في الدنيا والآخرة؛ لأن المقرب يكون مقربًا في الدنيا ويكون كذلك مقربًا في الآخرة، فعيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام كان وجيهًا في الدنيا والآخرة وكان من المقربين إلى الله، وهل هذا الوصف حاصل لغيره من الأنبياء؟
الجواب: نعم، أولو العزم من الرسل لا شك لهم وجاهة في الدنيا والآخرة وأنهم مقربون إلى الله.
* طالب: شيخ، في الآية السابقة ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ منه زائدة؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾.
* الشيخ: زائدة؟ أيهم اللي زائدة؟
* الطالب: ﴿مِنْهُ﴾.
* الشيخ: الحرف هذا الجر والضمير كلها؟
* الطالب: نعم، (...) منه.
* الشيخ: كيف يكون التقدير؟
* الطالب: يعني كلمة اسمه المسيح.
* الشيخ: معناه زادت الهاء ضمير.
* الطالب: هذه مضاف إليه.
* الشيخ: يعني بأيش؟
* الطالب: بكلمته (المسيح).
* الشيخ: ما يستقيم؛ أولًا: أن (مِن) لا تزاد إلا في النكرة، ولا تزاد إلا بعد نفي أو شبهه، وثانيًا: أنها لا تزاد مع الضمير أبدًا. وثالثًا: أنه لا محظور فيه.
* طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة لتقدير الفعل (اذكر) هل كان النبي ﷺ يعرف أن الله (...)؟
* الشيخ: إيه.
* الطالب: يُذكر الناس.
* الشيخ: إيه، أمره الله أن يذكرها للناس.
* الطالب: يعني كان من قبل عنده علم؟
* الشيخ: لا، ما يعلمها إلا بوحي الله.
* الطالب: في نفس الخطاب اذكر؟
* الشيخ: لا، نعم.
* الطالب: في نفس الخطاب اذكر، يعني كان عنده علم؟
* الشيخ: إيه، نعم.
* الطالب: أو ما كان عنده علم سابق؟
* الشيخ: لا، ما كان عنده علم سابق.
* طالب: طيب تصلح أن نقول اذكر؟
* الشيخ: إيه، يصلح، لو قلت لك أنا: اذكر للناس كذا وكذا، وأنت ما تدري عنها بالأول.
* الطالب: بمعنى بلِّغ؟
* الشيخ: بمعنى بلِّغ، إيه.
* الطالب: المنازل اللي يأخذونها الأنبياء أولي العزم.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: المنازل اللي عند الله لأولي العزم من الرسل، يعني هل المؤمنين في الجنة يصلون إلى هذه المنازل يعني؟
* الشيخ: إيه يصلون، لكن ليس يصلونها على سبيل السكنى.
* الطالب: الزيارة يعني.
* الشيخ: إيه ما فيه شك، يعني المؤمنون -اللهم اجعلنا جميعًا منهم- يزورون حتى الله عز وجل، الله أكبر!
* الطالب: شيخ، أحسن الله إليك شيخنا، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ [آل عمران ٤٤] ألا نقول يا شيخ أقلامهم هي الأسهم، والدليل على ذلك أن العرب عادتهم إذا كانوا يلقون الأصنام يلقون الأسهم، فيكون قصُّه دليل على هذا؟
* الشيخ: إيه لا، نحن نقول: ما دام أن الله قال: أقلام، والأقلام في اللغة العربية معروفة ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم ١] معروفة لماذا نعدل عن الظاهر؟! يمكن العرب أنهم يجعلون السهام؛ لأنهم أميون لا يكتبون ولا يقرؤون، وهناك فيما سبق يقول: أقلام.
* طالب: شيخ، (المسيح) ذكره فعيل، وهذا فاعل؟
* الشيخ: وبعضهم أبدى المناسبة في مسألة الأقلام؛ لأنهم يكتبون بها الكتب المنزلة.
* طالب: نقول: المسيح هل هو بمعنى (فاعل) ولَّا بمعنى (مفعول)، المسيح؟
* الشيخ: لا، بمعنى (فاعل) إلا على قول من يقول المراد بذلك المسحة من الجمال، فهذا يكون بمعنى (مفعول).
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، بالنسبة للفرق بين الذكر والتسبيح؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: وردت الآية: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران ٤١] ما الفرق بين الذكر والتسبيح؟
* الشيخ: التسبيح: تنزيه الله عما لا يليق به، والذكر: الثناء عليه بما يستحق.
* طالب: شيخ، قلنا: إن الله عز وجل نسب عيسى إلى مريم، وقلنا: لا ينسبه إلى غيرها حتى لا (...) بالنسبة (...) هو يقول: (...).
* الشيخ: لا، هو ذكرنا لماذا يعني هم بادروا بأن ينسب إلى أمه ابن مريم، بادروا بذلك لأن لا يُنسب إلى أحد غيرها.
* طالب: لماذا قلنا: رب (...).
* الشيخ: لا، كونه ابنًا لا شك أنه رد على النصارى سواء نسب إليها أو إلى غيرها، لكن كونهم يبادرون بهذا بأن يُنسب إلى أمه لأن لا يقول القائل: ننسبه للرجل؛ لأن هذا العادة بالنسبة وأقرب من ينسب إليه زكريا.
* طالب: أولو العزم يعني أيش المقصود بالعزم؟
* الشيخ: أولو العزم؛ معنى العزم يعني الحزم في الأمور والصبر عليها وملاحاة الناس مثل ما نقول: إن فلانًا صاحب عزيمة؛ يعني قوي مصمم على تنفيذ ما يريد.
* الطالب: مختصين بهذا عن بقية الرسل.
* الشيخ: إي نعم، هذا هو المشهور أن قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٣٥] أن (مِن) للتبعيض، وأن أولو العزم هم الخمسة المذكورون في آيتين من القرآن، وبعضهم جعل (مِن) بيانية، فعلى هذا يكون جميع الرسل من أولي العزم، لكن المشهور الأول. ذُكرت في آيتين من القرآن ما هما؟
* الطالب: إحداهما.
* الشيخ: ما هي؟
* الطالب: في الشوري: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى ١٣].
* الشيخ: نعم، هذه واحدة، وفي الأحزاب؟
* الطالب: في الأحزاب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب ٧].
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: قلنا يا شيخ: إن هذه للبداءة والمعاينة؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: البداءة والمعاينة؟
* الشيخ: المعاينة، بيانية.
* الطالب: بيانية، طيب يا شيخ فيه آية: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم ١٧] يعني كيف المخرج من مفهوم الآية؟
* الشيخ: أيهم الثانية ولَّا الأولى؟
* الطالب: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾.
* الشيخ: إيه يعنى جبريل.
* الطالب: يا عم الشيخ، يرد علينا أسئلة وإحنا لا نستطيع..، نريد حجة يا شيخ دامغة لهؤلاء.
* الشيخ: نسأل الله، الله يعينك، أيش عندك؟
* الطالب: إرسال ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم ١٧] يقولون هذا.
* الشيخ: طيب صحيح، نحن نقول هذا، إن جبريل عليه الصلاة والسلام تمثل لها بشرًا سويًّا ليمتحنها.
* الطالب: رجل؟
* الشيخ: رجل، رجل، فهمت؟ ولهذا قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم ١٨] وأيش قال لها؟ ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم ١٩] الآيات متواصلة، ما هو بس جاء بشر وحملت، بيَّن أنه رسول الله.
* طالب: الإشكال يقولون: إن هذا بشر؛ يعني رجل (...) يعني قد يقولون: إنها حملت منه أو كذا.
* طالب آخر: هذا القول يا شيخ (...).
* الشيخ: هم قالوا هذا، ولهذا هم قالوا من أول ما جاءتهم ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٨] وأيش معنى هذا؟ هذا تعريض بأنها زانية، يقولون: كيف جئت بالزنا وأبوك ما كان امرأ سوء وما كانت أمك بغيًّا، لو كان هذه وراثة ما استغربنا، لو كان أبوك امرأ سوء أو كانت أمك بغيًّا زانية -والعياذ بالله- قلنا: هذه مثل آبائها، هذا تعريض، لكن وأيش اللي حصل؟ أشارت إليه، انظر الآية، فدافع عن نفسه.
* طالب: شيخ، فيه إرسال يا شيخ، فيه إشكال؟
* الشيخ: ما فيه إشكال يا أخي، ما فيه إشكال، هذا الرجل، هذا جبريل عليه الصلاة والسلام أرسله الله تعالى ليمتحنها، ولهذا لجأت إلى الله ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ ما فيه إشكال.
* طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، أنت قلت: قدمت ثلاثة أقوال في اسم المسيح فإنه إذا مسح المريض بالعمى يبرأ؟
* الشيخ: ذا عاهة.
* الطالب: ذا عاهة يبرأ، وأنه يمسح الأرض (...).
* * *
* طالب: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٤٥ - ٤٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ وهذا قرأناه.
قال: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ (الواو) حرف عطف، والجملة معطوفة على ما سبق.
﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ أي: في حال الصغر، وأصل المهد أو الْمِهاد الفراش يوضع للإنسان فيطؤه ويستريح عليه.
وقوله: ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ أي: في الفراش وهو صغير، وهذا من آيات الله عز وجل؛ لأن العادة التي أجرى الله سبحانه وتعالى البشر عليها أن لا يتكلم أحد إلا في سن معين، وفي المهد لم يتكلم إلا ثلاثة؛ منهم المسيح عيسى ابن مريم، وتكلم بكلام من أبلغ الكلام لما جاءت به قومها تحمله ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم ٢٧ - ٢٩] فقالوا: كيف نكلم من كان في المهد صبيًّا؟ ﴿قَالَ﴾ يعني حين سمعهم: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم ٣٠ - ٣٣] كلام من أفصح الكلام وأعظمه وهو في المهد، وهذا من آيات الله عز وجل الدالة على قدرته، ولهذا كان آيات عيسى كلها تدور حول هذا الأمر، حول خوارق العادات في الأمور الكونية، فهو نفسه آية خُلق بلا أب، وكلم الناس في المهد، وهذا من الآيات، يصنع من الطين كهيئة الطير فينفخه فيكون طيرًا، يبرئ الأكمه والأبرص، ولا أحد يبرئهما من الأطباء، يحيي الموتى ويخرجهم من القبور.
قال أهل العلم: لأنه بُعث في زمن ترقى فيه الطب ترقيًا عظيمًا فجاء بآيات من جنس الأعمال التي يعملونها ليكون ذلك أبلغ في الإعجاز كما جاء موسى عليه الصلاة والسلام بالعصا واليد التي تُبطل سحر السحرة، وكان السحر في وقته قد زاد وانتشر، وكما أتى محمد ﷺ بكلام أبلغ الكلام وأفصحه لانتشار الفصاحة في زمنه وعهده حتى يعجز هؤلاء البلغاء، ويتبين أنه ليس من كلام البشر.
قال: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ يعني ويكلمهم وهو كهل من الحادية والثلاثين إلى الأربعين، يكلمهم في هذه الحال، في هذه الحال ليس غريبًا أن يكلم الناس، ولكنه أتى بها لفائدة وهي أن كلامه في المهد ككلامه وهو كهل؛ يعني ليس ككلام الصبي الذي يتكلم في المهد (يا بابا، يا ماما) وما أشبه ذلك، بل كلام فصيح من أبلغ الكلام كما يتكلم به وهو أيش؟
* طالب: كهل.
* الشيخ: وهو كهل. ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ من الصالحين أيضًا، يعني وهو من الصالحين، وسبق لنا أن الصالح من صلحت سريرته وعلانيته يعني ظاهره وباطنه، ظاهره بالإخلاص لله والطهارة من كل شرك ونفاق وشك وأحقاد وبغضاء للمؤمنين وما أشبه ذلك، ظاهره بأيش؟ بالمتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام وعدم الابتداء، فهو عليه الصلاة والسلام من الصالحين الذين صلحت ظواهرهم وبواطنهم، وإن شئت فقل: سرائرهم وعلانيتهم.
﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ﴾ هي الآن تخاطب الله، والذي كان يخاطبها الملائكة أو جبريل، لكنها لما قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ [آل عمران ٤٥] وعلمت أن الأمر من الله وجهت الخطاب إليه سبحانه وتعالى، فقالت: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ وتأمل هذا الاستعطاف منها حيث قالت: ﴿رَبِّ﴾. ومعلوم أن كلمة ﴿رَبِّ﴾ هنا مضافة إلى ياء المتكلم التي حذفت للتخفيف، وأصلها: ربي أنى يكون لي ولد؟
وقولها: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ هذا استفهام يعني من أين يكون لي ولد ولم يمسسني بشر؟ وهذا الاستفهام ليس على سبيل الشك، وليس على سبيل الاستبعاد، ولكنه على سبيل الاستثبات وزيادة الطمأنينة كقول إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة ٢٦٠] وإلا ما عندها شك.
وقوله: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ الجملة حالية؛ يعني: والحال أنه لم يمسسني بشر، أي: لم يجامعني؛ لأن المس يطلق على الجماع؛ يعني يكنى به عن الجماع، كما قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٦] أي: تجامعوهن. ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ يعني لا بنكاح ولا بغير نكاح، فمن أين يكون الولد؟
﴿قَالَ كَذَلِكِ﴾ قال من؟ الله عز وجل؛ لأنها نادت الله ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ ﴿قَالَ كَذَلِكِ﴾ يعني: الأمر كذلك، فالجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف تقديره: الأمر، وعلى هذا فيحسن الوقوف هنا، أي يحسن أن تقف، فتقول: ﴿كَذَلِكِ﴾، ثم تبتدئ فتقول: ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾.
وهذا التركيب له نظائر في القرآن مثل قوله: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان ٥٤] وإنما تأتي هذه الصيغة للتقرير والتثبيت؛ يعني الأمر مثل ما وقع تمامًا.
وقوله: ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ سبحانه وتعالى، ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، و﴿يَخْلُقُ﴾ الجملة خبر، يعني أن الله سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء سواء كان على وفق العادة أو على خلاف العادة، فعيسى عليه الصلاة والسلام جاء على خلاف العادة، لكن مَثله عند الله ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران ٥٩] أي خلق آدم من تراب ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩] والله على كل شيء قدير.
وقد ذكر أهل العلم أن البشر منهم من خُلق بلا أم ولا أب، ومنهم من خلق من أم بلا أب، ومنهم من خلق من أب بلا أم، وأكثر الخلق من أم وأب، فالذي خُلق من غير أم ولا أب: آدم، ومن أب بلا أم: حواء؛ امرأة آدم، ومن أم بلا أب: عيسى، وسائر الناس من أم وأب.
﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: الذي يشاء كمًّا وكيفًا، وعلى سبب معلوم، وعلى سبب غير معلوم؛ فالله سبحانه وتعالى لا معقب لحكمه يخلق ما يشاء، قلنا: بالكمية والكيفية، والسبب المعلوم والسبب غير المعلوم، والنوعية أيضًا، ما أكثر أنواع الخلق لا يحصيها الإنسان فضلًا عن أفرادها! وما أكثر الخلق لو أردت أن تحصى الخلائق ما استطعت، والله تعالى قد أحصاهم ورزقهم وأمدهم، وأعد كل مخلوق لما خُلق له، قال فرعون: ﴿مَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٤٩، ٥٠] كل شيء أعطاه خلقه المناسب له ثم هداه، هداه لما خُلق له، انظر أحيانًا تفتش الكتاب، تفتش الكتاب مراجعة تجد فيه حيوانًا لا يدركه البصر إلا بكلفة، حيوان داخل هذا الكتاب لا يدركه البصر إلا بكلفة، من خلقه؟ الله. ومن أعده للرزق؟ الله. ومن أمده برزقه المناسب له؟ هو الله عز وجل، فما بالك بالخلق الكثير الذي أكبر من هذا بكثير، فالمهم أن الله تعالى يخلق ما يشاء كمًّا وكيفًا ونوعًا، وبسبب معتاد، وبسبب غير معتاد، لا حرج على الله عز وجل يخلق ما يشاء ويفعل ما يشاء، قال: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٧]. ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿إِذَا قَضَى﴾ قضى أي: قضاء كونيًّا؛ لأن القضاء له معنيان: كوني وشرعي، فمن أمثلة الشرعي قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]. هذا قضاء شرعي، ومن أمثلة الكوني هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء ٤] قضينا شرعًا ولَّا كونًا؟
* الطلبة: كونًا.
* الشيخ: ما يصح شرعًا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لأن الله لا يقضي شرعًا بالفساد أبدًا، فهو لا يحب الفساد، لكنه قضاء كوني، ما الفرق بين القضاءين الكوني والشرعي؟
الفرق بينهما أن القضاء الشرعي متعلق بما يحبه الله من فعل المأمور أو ترك المحظور.
ثانيا: القضاء الشرعي قد يقع وقد لا يقع، قد يقع من المقضي عليه وقد لا يقع، القضاء الكوني يتعلق فيما أحبه الله وما لا يحبه الله، القضاء الكوني لا بد أن يقع من المقضي عليه، فصار الفرق؟
* الطلبة: وجهين.
* الشيخ: أربعة أوجه أو وجهين؟
* الطلبة: وجهين.
* الشيخ: وجهين، وعند ما نذكر الشيء وضده تكون أربعة.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ [سبأ ١٤]؟
* الطلبة: كوني.
* الشيخ: هذا كوني ولَّا شرعي؟
* الطلبة: كوني.
* الشيخ: كوني، قوله تعالى: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [هود ٤٤]؟
* الطلبة: كوني.
* الشيخ: كوني. ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر ٢٠]؟
* الطلبة: شرعي..
* طالب: شامل.
* الشيخ: شرعي، أو شامل؟
* الطلبة: شامل.
* الشيخ: شامل، يعني حتى الكوني الذي يقضيه الله وإن كان شرًّا، لكن في المفعولات، أما في نفس القضاء فهو حق.
يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ (أمرًا) مفرد جمعه أمور ولَّا أوامر؟
* الطلبة: أمور.
* الشيخ: أمور، والمراد بالأمر هنا الشأن، يعني إذا قضى شأنًا أي شأن من الشؤون ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ما يحتاج إلى عمل، ولا إلى آلات، ولا إلى أي سبب، كل الخلائق مُسلِمة لله عز وجل ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ٨٣] تنتظر الأوامر إذا صدر الأمر من الله عز وجل كان المأمور؛ الأمر الكوني يقول: ﴿كُنْ﴾ فقط ﴿فَيَكُونُ﴾.
قال الله تعالى عن البعث؛ بعث الخلائق كلها: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، وبين الله تعالى في سورة القمر كيف هذا الأمر هل يكرر؟ هل يتأخر المأمور؟ فقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر ٥٠] ما فيه التكرار واحدة، يتأخر المأمور؟ أيش؟
* الطلبة: ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾.
* الشيخ: ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ يعني لو شاء ربنا عز وجل لأمر هذه الأرض أن تزول ومن فيها بلحظة ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، هذه القدرة التامة العظمية التي لا تُنسب قُدر الخلق إليها.
﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (الفاء) هذه تفيد الترتيب، وإن شئت فقل: تفيد السببية، فإن قلت: إنها تفيد السببية فاقرأها بالنصب، وإن قلت: إنها تفيد الترتيب فاقرأها بالرفع، وكلتا القراءتين سبعية صحيحة، أن ﴿يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ﴾ أن ﴿يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فعلى قراءة الرفع تكون استئنافيه، والفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب كن فهو يكون في الحال، وعلى قراءة النصب تكون الفاء للسببية، فكأن الكون مسبب عن القول، ومعلوم أن المسبب يأتي مقارنًا للسبب، على قراءة النصب ﴿كُنْ﴾ سبب ﴿فَيَكُونَ﴾ مسبب، ومن المعلوم أن المسبب يأتي عقب السبب فورًا؛ لأنه سببه، والسبب مقارن للمسبب، وعلى هذا فتكون كل من القراءتين مفيدة لمعنى غير المعنى الثاني لكنهما متلازمان، المعنيان متلازمان.
﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ طيب ﴿كُنْ﴾ ما ذكر الله سبحانه وتعالى أي شيء يكون عليه، بس يقول: ﴿كُنْ﴾ فيقع الشيء على مراد الله أو لا بد أن يقول: ﴿كُنْ﴾ ويبين ماذا يكون؟
* الطلبة: الأول.
* الشيخ: طيب الأول.
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الأول، الثاني، الأول، الثاني، لما خلق الله القلم قال له: اكتب، كتب ولَّا ما كتب؟
* الطلبة: كتب.
* الشيخ: لا، ما كتب، «قَالَ: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.[[أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٥٧٢) من حديث عبد الله بن عمر.]] » فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيمة. الله أكبر!
فالظاهر -والله أعلم- أن الشيء إذا قال الله له: كن، فلا بد أن يعين ماذا يكون بدليل حديث القلم، ولكنه إذا عين ما يكون فلا بد أن يكون الشيء على ما عين، فالقلم ما يعلم الغيب، لكن لما قال له الرب عز وجل: اكتب إلى ما هو كائن إلى يوم القيمة كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة؛ لأن الله أعلمه، أعلمه فكتب.
إذن كن كذا، وهذه لا بد منها بيان مجمل الأمر، لا بد منها، فهذا هو الظاهر، وإذا كان الله عز وجل إذا أمره فقال: كن كان على مراد الله فليس هذا بغريب على قدرة الله أيضًا، أن الله تعالى يجعل هذا الشيء يخضع لأمر الله الذي أراده عز وجل، وإن كان لم يُطلعه عليه، لكن الذي يترجح عندي بناء على حديث القلم أن الله عز وجل يأمره أن يكون، ويبين ماذا يكون عليه. ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ﴿يُعَلِّمُهُ﴾ الضمير يعود على عيسى، والفاعل الله عز وجل.
﴿يُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ لأن عيسى كغيره من البشر؛ يعني لا يعلم إلا ما علمه الله، قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن ٢٦، ٢٧].
﴿يُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الكتاب بمعنى المكتوب، وهل المراد أنه يُعلمه الكتابة؛ يعني يحسن الخط؟ أو المراد يعلمه الكتب السابقة؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني، كلاهما لا يتنافيان، فعلَّمه الكتابة فكتب، وعلَّمه الكتب السابقة، وعلمه التوراة والإنجيل. ﴿وَالتَّوْرَاةَ﴾ من باب عطف الخاص على العام لشرفها، وأما ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ فهو لم ينزل على أحد قبل عيسى.
وقوله: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ الشريعة؛ لأن الشريعة من الله، وكل ما كان من الله فهو متضمن للحكمة، قال الله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء ١١٣].
فالحكمة هي الشرع، وهو موافق لمن فسر ذلك بالسنة؛ لأن سنة النبي ﷺ هي شرعه، هي شرعه الذي جاء به من الله، فعلمه الله عز وجل الحكمة، و(أل) في ﴿الْحِكْمَةَ﴾ هنا للعهد الذهني؛ يعني الشرع الذي شرعه الله لعيسى، ليس كل الحكمة، لكن للحكمة التي شرعت له.
﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ التوراة: الكتاب الذي أنزله الله على موسى، والإنجيل: الكتاب الذي أنزله الله على عيسى، التوراة كتبها الله تعالى كتابة ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٤٥] ولهذا قال أهل العلم من علماء السلف: إن الله تعالى غرس جنة عدن بيده، وخلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده سبحانه وتعالى، فالتوراة مكتوبة من الله، كتبها بيده سبحانه وتعالى، ونزلت ألواحًا على موسى، وفيها ما تقتضيه المصلحة والحاجة والضرورة في ذلك الوقت، وأما الإنجيل فهو الكتاب الله الذي أنزله الله تعالى على عيسى، وهو بالنسبة للتوراة كالمكل لها كما قال تعالى فيما يأتي بالآيات: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران ٥٠] فهو كالمتمم للتوراة؛ لأنه بالحقيقة نزل على بني إسرائيل الذين أنزلت عليهم التوراة، ومن المعلوم أن حال بني إسرائيل تغيرت من وقت موسى إلى عيسى، فكان في الإنجيل أشياء فيها تعديل أو زيادة، المهم أنه متمم للتوراة.
ثم قال: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿وَرَسُولًا﴾ (الواو) حرف عطف، ﴿وَرَسُولًا﴾ معطوف بجملتها على ما سبق أي: ويرسله رسولًا إلى بني إسرائيل.
والرسول: هو الذي أوحي إليه بالشرع وأُمر بتبليغه، فإن لم يؤمر بتبليغه فهو نبي، هذا هو المشهور عند عامة العلماء رحمهم الله.
وقيل: إن النبي لم يُوحَ إليه بشرع، وإنما كان مؤيدًا لشريعة قبله، يعني يُوحى إليه بتأييد الشريعة التي قبله، فكانت الأنبياء فيما سبق كالعلماء في هذه الأمة، وهذا وإن كان له وجه كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة ٤٤]. فقال: ﴿يَحْكُمُ بِهَا﴾ أي: بهذه التوراة ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾، لكن هذا القول يعكر عليه قضية آدم، فإن آدم نبي ومع ذلك لم يكن مجددًا لشريعة سابقة؛ إذ لم تنزل شريعة على البشر قبل آدم عليه الصلاة السلام، فلهذا يترجح تعريف الجمهور في النبي والرسول، وإذا قلنا: النبي من أوحي إليه بالشرع، فلا يمنع أن يكون هذا الشرع الذي أوحي إلى النبي هو شرع من قبله يوحى إليه تأكيدًا وتثبيتًا.
قال: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بني إسرائيل هذه بني اسم قبيلة، ولَّا اسم أشخاص معينين؟
* الطلبة: اسم قبيلة.
* الشيخ: اسم قبيلة كما يُقال: بنو تميم، والعلماء رحمهم الله تعالى يفرقون بين ابن وبني إذا كان اسمًا لقبيلة واسمًا لشخص معين، فإذا قالوا، وذكروا ذلك في باب الوقف وفرعوا عليه مسائل، إذا قلت: هذا وقف على بني فلان -وهم قبيلة- كبني تميم مثلًا، فهل يعم الجميع؟ وهل يشمل الذكور والإناث؟
قالوا: نعم، يعم الجميع، ويشمل الذكور والإناث، ولكن لا يجب التعميم، التعميم لا يجب، فلي أن أوزع هذا الوقف على ثلاثة من بني تميم فقط، ولي أن أعطي ثلاث نساء فقط؛ لأنه لا يختص بالرجال، بل يشمل الذكور والإناث؛ ولأنه لا يستلزم التعميم، أما لو قلت: هذا وقف على بني فلان، واحد من الناس، فإنه يجب تعميمهم دون الإناث، تعميم من؟ الذكور دون الإناث؛ لأن الابن غير البنت؛ ولأن بني فلان المعيّن محصورون يمكن حصرهم، فيجب تعميمهم والتساوي بينهم وإخراج النساء منهم، فبنو إسرائيل من أي الصنفين؟ من الأول من القبيلة، وإسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وهم بني عم لبني إسماعيل، ولهذا لما بُعث النبي ﷺ في بني عمهم بني إسماعيل غارت اليهود من ذلك وأنكروه، وكانوا بالأول يستفتحون على الذين كفروا، يقولون: سيبعث نبي ونتبعه ونكتسحكم ونغلبكم ظنًّا منهم أنه سيكون من بني إسرائيل، وليس ظنًّا حقيقيًّا بل هو وهم؛ لأنهم يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم، ويعلمون أنه سيُبعث في مكة، لكن توهموا ذلك، أوهمتهم أنفسهم الكاذبة، فلما بُعث ببني إسماعيل أنكروه وكذبوه.
إسرائيل وأيش معناها؟ في السريانية قالوا: إن معناها، أو في العبرية: عبد الله، معناها عبد الله، الآن تُسمى الدولة اليهودية إسرائيل (...).
* * *
* طالب: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران 49 - ٥١].
* الشيخ: (...) ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ عبر هنا بالخلق، وفي قصة زكريا بالفعل ﴿يَفْعَلُ﴾ [آل عمران ٤٠] وهنا قال: ﴿يَخْلُقُ﴾ فهل هناك يعني نكتة، أو أنه اختلاف تعبير وهو من باب التفنن في التعبير كما يقولون؟
* طالب: اختلاف تعبير.
* الشيخ: اختلاف تعبير طيب.
* طالب: هنا فيه نكتة لطيفة.
* الشيخ: وهي؟
* الطالب: وهو عندما أخبر الملك كليم الله كلامًا كان هذا من الغريب الذي ليس (...) بينما في مريم فهو غريب تمامًا خارج عن العادة، ولم يكن لها زوج.
* طالب: يا شيخ، الحال هو وجود الإثبات (...) إنما هنا (...).
* الشيخ: إيه، هذا قريب منه، الظاهر اختلاف لفظ.
* طالب: شيخ، قد يكون يا شيخ في قصة زكريا أن الله عز وجل عندما أخبره بالفعل، أخبر بالفعل، لأن الخلق فاعل في الأصل.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: أن الخلق سيكون من أصله، أما هنا قد لا يتوقع الخلق؛ لأن.
* الشيخ: اختلاف تعبير.
* الطالب: يعني يا شيخ ولدت هذه المرأة وهي لم يمسسها بشر، شابة، ولم يمسسها بشر أعجب من أن تلد عجوز عاقر.
* الشيخ: اختلاف تعبير.
* طالب: كما يقال: حتى (...).
* الشيخ: لا، هو على كل حال يقولون: إن ما ذكرتم هو قريب مما قاله العلماء، وهو صحيح؛ أن عيسى عليه الصلاة والسلام خُلق من غير ما جرت العادة به، خُلق على وجه لم تجرِ العادة بمثله إطلاقًا، فناسب التعبير بالخلق الدال على الإبداع، ولهذا يُقال: خلَق الله السماوات، ولا يقال: فعل الله السماوات، مع أن الخلق فِعله، لكن الخلق فيه نوع من الإبداع، ولذلك قال: خلق.
الوجه الثاني: الرد على شُبه النصارى الذين يقولون: إن عيسى هو الله، والله ثالث ثلاثة، فيكون فيه التصريح بأنه مخلوق، ويكون هذا قطعًا لدابر قولهم، ففيه إذن: نكتة كونية، ونكتة شرعية، يعني حكمة: شرعية وكونية، وأظن أنني لم أذكرها (...).
قوله: ﴿وَرَسُولًا﴾ رسولًا: ما الذي نصبها؟
* الطالب: حال.
* الشيخ: حال، رسول حال، من غير مشتق؟!
* الطالب: إي نعم، معطوف.
* الشيخ: إي، معطوف على أيش؟
* الطالب: مصدقًا ورسولًا.
* الشيخ: ما يصلح، ولا فيها، هو فيها مصدقا؟ ﴿يُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَرَسُولًا﴾.
* طالب: نعم على ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ على ما قبل الإنجيل.
* الشيخ: يعني ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ويعلمه رسولًا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا اصبر خليني أناقشة، ما أود الواحد يقول تخرصًا هكذا، أجب، يستقيم المعنى؟
* الطالب: لا يستقيم.
* الشيخ: إذن.
* الطالب: معطوفة على والإنجيل.
* الشيخ: والله المستعان! ما يصلح.
* طالب: شيخ، منصوب بفعل محذوف تقديره يرسله رسولًا.
* الشيخ: صح، ويرسله رسولًا. بنو إسرائيل من هم؟
* الطالب: بنو إسرائيل هم أبناء يعقوب الاثنا عشر.
* الشيخ: أبناء يعقوب الاثنا عشر، إذن إسرائيل هو؟
* الطالب: يعقوب عليه السلام.
* الشيخ: هو يعقوب ابن؟
* الطالب: ابن إسحاق.
* الشيخ: بن إبراهيم كذا؟ ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾. ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ فيها قراءتان، أخبرناكم بهما ولَّا لا؟
* الطلبة: لا (...).
* الشيخ: فيها قراءة بكسر الهمزة وفتحها، وبفتح الياء مع فتح الهمزة؛ ثلاث قراءات، ﴿أَنِّيَ﴾ ، ﴿أَنِّي﴾، ﴿إِنِّي﴾ .
قوله: ﴿أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾. ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فيكون طيرًا بإذن الله، يكون هذا الشيء طيرًا.
وقوله: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أي: كمثله وصورته، فينفخ فيه فيكون طيرًا، وفي قراءة السبعية: ﴿فَيَكُونُ طَائرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ، والقراءتان لكل واحدة منهما معنى يكمل الأخرى، فقوله: ﴿يَكُونُ طَيْرًا﴾ أي: طيرا حيًّا بعد أن كان على صورة الطير وليس فيه روح، ﴿يَكُونُ طَائرًا﴾ أي يطير؛ تشاهدونه يطير بالفعل، فعندنا ثلاث مراتب؛ تصوير على هيئة الطير، الثاني: طير فيه روح، على قراءة: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾، الثالث: طير يطير بالفعل على قراءة: ﴿طَائرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وعلى هذا فيكون يخلق شيئًا على هيئة الطير، فينفخ فيه فيكون فيه الروح، ثم يطير.
وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي بإذنه الكوني والشرعي؛ لأن كونه يصور مضاهيًا لخلق الله يحتاج إلى إذن شرعي؛ لأن الأصل أنه لا يجوز لأحد أن يُصور على تصوير الله عز وجل، قال الله تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١ / ١٠١) من حديث أبي هريرة.]] لكن الله تعالى أذن لعيسى عليه الصلاة والسلام لحكمة، هذا على تفسير بإذن الله، الإذن أيش؟
* الطلبة: الشرعي.
* الشيخ: الشرعي، كذلك الإذن الكوني، يعني بإذن الله الإذن الكوني؛ لأن خلق هذا الطير حتى يطير يكون بإذن الله الكوني ولَّا الشرعي؟
* الطلبة: الكوني.
* الشيخ: الكوني، أي: فيطير بإذن الله إذنًا كونيًّا، فعيسى عليه الصلاة والسلام يخلق كهيئة الطير بإذن الله الشرعي، فيكون طيرًا إذا نفخ فيه ويطير بإذن الله الكوني.
وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ هذا من أجل تحقيق التوحيد، حتى لا يظن ظانّ أنه يخلق استقلالًا؛ لأنه لولا هذا التقييد بإذن الله لتوهم النصراني وغير النصراني أن عيسى عليه الصلاة والسلام يخلق، كما خلق الله آدم من طين على صورته، ثم نفخ فيه الروح، فصار بشرًا، فيظن الظان أن عيسى يخلق كخلق الله، فلهذا كان يقول عليه الصلاة والسلام: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ أبرئ: بمعنى أشفي، والبُرء في الأصل من البراءة، والبراءة من الشيء السلامة منه، ومنه بَرِئَ من دَيْنِهِ: أي سلم من غائلته؛ غائلة الدين وضيق الدين، فالبُرء من المرض يعني السلامة والشفا منه.
وقوله: ﴿الْأَكْمَهَ﴾ الأكمه: قيل: إنه الذي لا يبصر ليلًا ويبصر نهارًا، وقيل: هو الذي يبصر ليلًا ولا يبصر نهارًا، وقيل: هو الذي لا يبصر إلا بمشقة، وقيل: الذي وُلد بلا عين، فإن كان الأكمه في اللغة العربية يحتمل هذه المعاني كلها، فهو للمعاني كلها، وإن كان لا يحتمل إلا معنى واحدًا، فأقرب الأقوال في ذلك أن الأكمه من وُلد بلا عين؛ لأن هذا أبلغ في القدرة؛ لأنه كلما كان أبلغ في القدرة كان أعظم في الآية، فنحن نقول: إن كانت اللغة العربية تُطلِق الأكمه على كل ما قيل فلتكن الآية شاملة، وإن لم تحتمل إلا معنى واحدًا فأقربها أن الأكمه من ولد بلا عين؛ لأن هذا أبلغ في القدرة، والأبرص من به برص، والبرص عيب يخرج في الإنسان من العيوب الجلدية، وهو قد يؤثر على الصحة العامة في البدن، وقد لا يؤثر، لكن البرص ليس له دواء، ليس له دواء فلهذا قال: أُبرئ الأبرص بإذن الله.
وقوله: ﴿أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أحيي الموتى الذين ماتوا أحييهم بإذن الله، وليس المراد بالموتى هنا موتى معينين، بل هو للجنس، فأي واحد من الأموات يمكن أن يقع عليه هذا الأمر، أما قول من قال: إنه أحيا سام بن نوح، أو أحيا فلانًا أو أحيا فلانًا، فهذا من الإسرائيليات، لكن الآية أنه يحيي الموتى أي ميت يقف عليه وهو ميت يأمره فيحيا بإذن الله.
﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ أنبئكم: أخبركم بما تأكلونه اليوم وما تدخرونه للغد في بيوتكم، من غير أن يأتي أحد يخبره بذلك، وهذا فيه شيء من علم الغيب، فيه شيء من علم الغيب، فأخبرهم أن من جملة آياته أنه يخبر الإنسان، يقول: أكلت اليوم كذا وكذا وكذا، وادخرت لغد أو بعد غد كذا وكذا، مع أنه لم يبعث أحدًا يطلع على ما في البيت، وهذا لا يكون إلا بوحي من الله، إذا لم يكن هناك بشر يُطلعه على ما في البيوت، فإنه يكون من وحي الله، وقد يكون بواسطة الجن، فإن الجن ربما تخدم الإنس، فتذهب إلى الأمكنة البعيدة، أو تتسوَّر الجدران وتخبر بما في البيوت، لكن الجن على هذا الوصف لا يجوز الاستمتاع به، أو الاتصال به، لماذا؟
لأن اطلاعه على أحوال الناس ظلم وعدوان، ولا يجوز للإنسان أن يستعين بظالم على ظلمه، ولهذا يمتنع هذا التقدير في حق مَنْ؟ في حق عيسى عليه الصلاة والسلام.
يعني لو قال قائل: إن الذين يستعينون بالجن ربما يطلعون على ما يؤكل ويُدخر في البيوت. قلنا: لكن هذا لا يرد بالنسبة إلى عيسى؛ لأن الاستمتاع بالجن -على هذا الوجه- محرم، لما فيه من العدوان والظلم، لكن هو عيسى لا يمكن أن يفعل هذا، فتبين أنه يأتيه عن طريق الوحي.
والحكمة من إخبارهم بهذا هو إطلاعهم على أنه هو عليه الصلاة والسلام يأتيه الوحي من الله في أمور خاصة، في الأمور الخاصة، في البيوت، والثاني -والله أعلم- تحذيرهم من أن يأكلوا شيئًا محرمًا عليهم، ولهذا سيأتي أنه قال لهم: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران ٥٠]؛ لأنهم إذا كانوا يعلمون أنه يعلم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم فسوف يتوقفون عن الشيء المحرم، وهم إذا توقفوا عن الشيء المحرم ربما يسر الله لهم فيحله لهم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران ٤٩ - ٥١].
* الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وهذه قرأناها كلها. قال الله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إن في ذلك: المشار إليه ما سبق من عدة أمور؛ قوله: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ هذه ثلاث آيات، كل آية تدل على صدق عيسى عليه الصلاة والسلام، وأنه رسول الله حقًّا؛ لأن مثل هذا لا يستط
يعه البشر، وآيات الأنبياء التي جاءت هي علامات على صدقهم لا يستطيع أن يأتي بمثلها البشر؛ لأن الآية لو أمكن للبشر أن يأتي بمثلها لم تكن آية، إذ إن كل إنسان يستطيع أن يفعل مثل هذا. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني أنها آية بهذا القيد؛ أي: إن كنتم مؤمنين، وأما غير المؤمن فإنه لا ينتفع بالآيات، ولا تكون الآية آية له، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١]؛ لأن قلوبهم قاسية مطبوع عليها والعياذ بالله، لا يصل إليها الخير ولا تلين من أجل العقوبات والنذر؛ لأنها قاسية؛ فالمؤمن هو الذي ينتفع بالآيات، بل إن غير المؤمن يرى أن هذه الآيات العظيمة أساطير الأولين ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين ١٣]. وذلك بسبب ما كان على قلبه من ظلمات المعاصي والعياذ بالله لقوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]. والإيمان سبق لنا معناه كثيرًا بأنه التصديق المستلزم للقبول والإذعان، وليس مجرد التصديق، ودليل ذلك أنه لا يتعدى بما يتعدى به التصديق، فإنه لا يقال: آمنته، ويقال: صدقته، بل إنه يتضمن الإقرار والاعتراف والانقياد والتسليم، ومَن صدّق ولم يقبل ولم يذعن فليس بمؤم
ن، فأبو طالب عم النبي ﷺ كان مصدقًا برسالته، لكنه لم يقبل ولم يُذعن فلم يكن مؤمنًا، وإلا فإنه يصدق بما يقول بأشعاره وفي أحواله لكنه -والعياذ بالله- ليس بمؤمن، إذن الإيمان معنى زائد على التصديق، وليس هو مجرد التصديق. قال: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ هذه معطوفة على ما سبق؛ يعني أنها تكون منصوبة على الحال؛ يعني: وجئتكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة، وما بين يدي هو ما سبقه، ويطلق ما بين اليدين على ما سيأتي، فما بين اليدين يُطلق على ما مضى ويطلق على ما يستقبل، فإن قُرن بالخلف فهو للمستقبل، وإلا فإنه صالح للمستقبل والماضي، ففي قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] المراد؟
* الطلبة: المستقبل.
* الشيخ: المستقبل لقوله: ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. وفي هذه الآية: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾ أي: لما سبقني من التوراة، وتصديقه للتوراة له وجهان:
الوجه الأول: أنه يقرر صدقها ويقول: إنها كتاب حق.
والوجه الثاني: أنه يصدق ما أخبرت به، فإذا كانت أخبرت به، ثم بعث كان مصدقًا لما فيها.
وقوله: ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: هي الكتاب الذي أنزله الله على موسى ﷺ وهي أصل الكتب المنزلة على بني إسرائيل وأعظمها، بل هي أعظم الكتب -فيما نعلم- بعد القرآن.
﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ﴾ يعني: وجئتكم أيضًا لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم قوله: ﴿لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي﴾ ولم يقل: كل، والمحرم عليهم ذَكره الله في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام ١٤٦]. وقال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء ١٦٠]، فلما حُرِّمت عليهم هذه الطيبات بظلمهم وعدوانهم، وبعث الله عيسى ﷺ أحل لهم بعض ما حرم عليهم، ولم يُذكر في القرآن بيان هذا البعض، فيكون باقيًا على إطلاقه، ولو كان لنا مصلحة في تعيين ذلك لبينه الله.
وقوله: ﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ الفعل هنا مبني للمجهول، ولكن فاعله معلوم، من هو؟
* الطلبة: الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: الله عز وجل كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام ١٤٦].
﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ كرر هذا مرة بعد قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾، فإما أن يقال: إن الآية التي ذُكرت هنا ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ تقتصر على تصديقه لما بين يديه من التوراة وعلى إحلاله بعض الذي حُرّم عليهم، وحينئذٍ لا يكون في الآية تكرار، وإما أن يقال: إن قوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ يشمل كل ما جاء من الآيات، ويكون من باب التأكيد وإقامة الحجة عليهم، فكرر مجيئه بالآيات احتجاجًا عليهم بما كذبوه.
قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ اتقوا الله: يعني اتخذوا وقاية من عذابه؛ لأن التقوى مأخوذة من أي شيء؟
* الطلبة: من الوقاية.
* الشيخ: من الوقاية، فبماذا تكون الوقاية من عذابه؟ تكون بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا هو المعنى الشامل للتقوى عند الإطلاق، وإذا قُرنت التقوى بالبر صار المراد بها اجتناب المحارم مثل قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢]. وقد عرَّف أهل العلم التقوى بعدة تعريفات لكن يجمعها ما ذكرناه من أنها اتخاذ الوقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
قال: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ أطيعون فيما أمرتكم به، وفيما نهيتكم عنه، وطاعته من التقوى بلا شك لكن نص عليها؛ لأنها تقوى خاصة فيما جاء به عيسى؛ لأن التقوى يُؤمر بها كل إنسان فإذا قال: أطيعون صارت تقوى خاصة في طاعة هذا الرسول الذي بُعث إلى قومه.
والطاعة قال العلماء في تفسيرها: إنها موافَقة الأمر تجنبًا للنهي وفعلًا للمأمور، فمن تجنب النهي ناويًا بذلك امتثال الأمر فهو مطيع، ومن فعل الأمر ناويًا بذلك امتثال الأمر أيضًا فهو مطيع، أما من ترك النهي -أو بعبارة أصح المنهي عنه- عجزًا عنه، فإن هذا ليس بمطيع، بل إذا سعى في أسبابه حتى عجز كان كمن فعله لقول النبي ﷺ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «لِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨ / ١٦) من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث.]].
ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ لما أمرهم بتقوى الله ذكر ما هو كالسبب في ذلك، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ والرب: هو الخالق المالك المتصرف، وتوحيد الله بالربوبية أن نؤمن بأنه لا خالق ولا مالك ولا مدبر إلا الله سبحانه وتعالى، وما يضاف من الخلق أو الملك أو التدبير لغير الله فإنه على وجه النقص ناقص، من حيث الشمول ومن حيث التصرف، فمثلًا الخلق يُضاف إلى غير الله، وقد مر علينا قريبًا أن عيسى قال: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ [آل عمران ٤٩]، وقال الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون ١٤] وقال الله في الحديث القدسي: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؟»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١ / ١٠١) من حديث أبي هريرة.]] وقال النبي ﷺ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٩٥٠)، ومسلم (٢١٠٩ / ٩٨) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. وقال عليه الصلاة والسلام: «يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢١٠٥)، ومسلم (٢١٠٧ / ٩٦)من حديث عائشة.]]، ولكن الخلق المضاف إلى غير الله عز وجل خلق ناقص ليس إيجادًا حقيقة، ولكنه تغيير لصورة، فمثلًا الإنسان يخلق من الخشب بابًا، هل هو خلق الخشب؟ ومن الحديد سيارة، هل خلق الحديد؟ أبدًا، ولكن غيَّر، حوّله من حال إلى حال فصار هذا خلقًا، لكنه ليس هو الذي أوجد الحديد أو الخشب حتى يقال: إن خلقه كخلق الله، أيضًا خلق الإنسان أو البشر عمومًا ليس عامًّا شاملًا؛ لأن كل إنسان يخلق ما صنع فقط، وما لم يصنعه فليس من خلقه، كذلك الملك ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ١٨٩]. ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون ٨٨]، والآيات في إثبات الملك لله وحده كثيرة، ومع ذلك أضاف الله إلى غيره الملك في قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦]، وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور ٦١]، فهل نقول: إن هذا الملك كملك الله؟ لا، لا من حيث الشمول ولا من حيث التصرف، أما من حيث الشمول فلأن كل إنسان لا يملك أكثر مما تحت يده، ولذلك لا تملك كتابي، ولا أملك كتابك، أما ملك الله فهو عام شامل، وأما من حيث التصرف، فملك غير الله قاصر، لأن الإنسان لا يملك التصرف المطلق كما يريد، وإنما يتصرف حسب ما تقتضيه شريعة الله وحسب ما
يأذن به الله، لو أراد الإنسان أن يمزق كتابه، هل يملك ذلك؟ * طالب: ليس له ذلك.
* الشيخ: لا يملك ذلك، حرام عليه، يأثم، ولو أراد أن يمزق كتاب غيره كان حرامًا من وجهين: من وجه إفساد المال، ومن وجه العدوان على الغير؛ فالحاصل أن ملك الإنسان قاصر من ناحيتين: هما.
* طالب: ملك (...).
* الشيخ: لا ملك الإنسان قاصر
* الطالب: ملك الإنسان إي نعم، (...).
* الشيخ: نعم، فهو قاصر في التصرف.
* الطالب: من حيث الشمول.
* الشيخ: فهو قاصر من حيث الشمول طيب، أما التدبير فكذلك، الذي هو المعنى الثالث للربوبية التدبير، فالتدبير أيضًا يكون لغير الله، لكنه تدبير ناقص من حيث الشمول ومن حيث التصرف أيضًا، فالإنسان لا يُدبر كل شيء، لا يدبر إلا ما يملك تدبيره، ومع ذلك فتدبيره له تدبير ناقص على حسب ما يقتضيه به الشرع، لو أراد أن يدبر بعيره على وجه يشق عليه، يمشيها مع الوحل، يمشيها على النار وما أشبه ذلك هل يجوز؟
* الطلبة: لا يجوز.
* الشيخ: لا يجوز، فهو ناقص، لو أراد أن يرسل عليها شواظًا من نار يملك؟
* الطلبة: ما يملك.
* الشيخ: ما يملك، لكن الله عز وجل يملك، يملك هذا كله، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ولا معارض له، المهم أن الربوبية هي انفراد الله بالملك بالخلق أيش؟ والملك والتدبير، ولا يعني ذلك أن لا أحد يشاركه في خلق أو ملك أو تدبير، لكن على وجه لا يماثل ما يثبت للخالق من ذلك، فالإنسان قد يخلق، يقال: إنه خلق، ويقال: إنه ملك، ويقال: دبر، لكنه -كما سمعتم- ناقص.
قوله: ﴿رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ بدأ بنفسه ليكون أول مذعن لهذا الرب عز وجل؛ لأن الرب خالق مالك مدبر فبدأ بنفسه ليكون هو أول من يذعن وينقاد لهذا الرب.
قال: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ (الفاء) هنا عاطفة وتفيد السببية؛ أي: فبسبب كونه ربًّا فاعبدوه، ولهذا نقول: إن الإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم الإقرار بتوحيد الألوهية، وأن من أقر بتوحيد الربوبية وأنكر توحيد الألوهية فقد تناقض، ولذلك سفَّه الله المشركين الذين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ثم ينكرون توحيد الإلهية فيقول: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر ٦٩]، ﴿أَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس ٣٢]، ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة ٧٥] وما أشبه ذلك مما يدل على أنه من السفه أن يقر الإنسان بأن الله وحده هو الخالق المالك المدبر، ثم يعبد غيره! فنقول مثلًا للمشرك: ألست تؤمن بالله؟ سيقول: بلى، أنه الخالق؟ بلى، أنه المالك؟ بلى، أنه المدبر؟ بلى، أنه لا خالق معه ولا مالك ولا مدبر؟ بلى، أؤمن بهذا كله، إذن كيف تجعل معه إلهًا تعبده؟ ومن كان غير الله فهو معبود أو عابد؟
* الطلبة: عابد.
* الشيخ: عابد مربوب، هو عبد مربوب لله عز وجل فكيف تجعله معبودًا مع الله؟! ولهذا قال: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ فالفاء إذن عاطفة تفيد السببية؛ أي: فبسبب كونه ربي وربكم اعبدوه وحده.
ما هي العبادة؟ العبادة مأخوذة من الذل (عَبَد) بمعنى (ذَلّ)، ومنه قولهم: طريق معبد؛ أي: مذلل لسالكيه، فأصلها الذل، لكنها بالنسبة لله عز وجل ذُل مقرون بمحبة وتعظيم، فكل من تعبد لله فإن تعبده هذا مقرون بهذين الأمرين؛ المحبة والتعظيم، فبالمحبة يكون الطلب وبالتعظيم يكون الهرب؛ فالإنسان إذا أحب شيئًا طلبه، وإذا عظم شيئًا هابه وهرب منه وخاف منه، ولهذا كانت العبادة مبنية على الرجاء والخوف.
والعبادة تطلق أحيانًا على هذا المعنى الذي ذكرنا باعتبارها مصدرًا، ما هو الذي ذكرناه؟ التذلل لله مع المحبة والتعظيم، وتطلق أحيانًا على اسم المفعول أو على الشيء المتعبد به، وحينئذٍ نقول: إنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة فالصلاة مثلًا؟
* الطلبة: عبادة.
* الشيخ: عبادة، والزكاة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، وبر الوالدين عبادة، وصلة الأرحام عبادة، وهكذا، فأحيانًا تطلق على الفعل، وأحيانًا تطلق على المفعول، على الفعل فنفسرها بماذا؟ بأنها التذلل لله عز وجل حبًّا وتعظيمًا، وباعتبار المعمول أو المفعول اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه مما أمر به ورسوله.
قال: ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ هذا المشار إليه إما أقرب مذكور أو كل ما سبق، من قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا﴾ أي: تقوى الله، وطاعة رسوله، وتحقيق العبادة له صراط مستقيم أي: طريق، ولا يسمى الطريق صراطًا إلا إذا اجتمع فيه السعة والاعتدال؛ لأنه مأخوذ من (السَّرْط) وهو الابتلاع بسرعة، وإن شئت فقل: من (الزَّرْط) وهو الابتلاع بسرعة، والطريق الواسع المستقيم يبتلع سالكيه بسرعة؛ لأن الضيق لا يمشي الناس فيه إلا أيش؟
* الطلبة: ببطء.
* الشيخ: رويدًا رويدًا ببطء، وغير المستقيم لا يُوصل إلى الغاية إلا ببطء سواء كان انحرافه عن يمين وشمال، أو من حيث الصعود والنزول؛ فإنه إذا كان صاعدًا نازلًا أتعب السالك ولَّا لا؟
* الطلبة: إي نعم.
* الشيخ: فإذا قدرنا مثلًا أن جبلًا طوله خمسون مترًا وعرضه خمسون مترًا، كم يكون ما بين عرضه وعرضه الآخر؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: لا، صاعده الإنسان صاعده.
* الطلبة: مئة.
* الشيخ: لا، مئة وخمسين، مئة وخمسين، عرضه خمسون، وطوله خمسون في السماء ارتفاعه، بيصير مئة وخمسين، الصعود خمسون، والنزول خمسون، والمسطح خمسون، فإذا كان الصراط مستقيمًا في انحرافاته يمينًا وشمالًا وكذلك في الصعود والنزول اختصر الطريق، وهكذا أيضًا الصراط إذا قدَّرنا أن الغاية تصل إليها بالطريق المستقيم في ثلاثين مترًا، وهذا فيه تعاريج، كل تعريجه عشرة أمتار، وفيه عشر تعاريج، كم تصل إلى الغاية في المتر؟
بمئة، فالحاصل أن الصراط قال العلماء: لا يكون صراطًا إلا إذا كان واسعًا مستقيمًا وهو مأخوذ من (السَّرْط) أو (الزَّرْط)، والزرط تعرفون معناه عندكم في الأكل، أعطيته لقمة وحطها في فمه على طول بلعها وأيش يقول؟
* طالب: ازرطها.
* الشيخ: يقول: ازرطها. ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ مستقيم؛ يعني لا اعوجاج فيه، ووصفه بالاستقامة بعد أن قلنا: إن الطريق هو الواسع المستقيم الذي ليس فيه اعوجاج من باب التوكيد كما تقول: هو رجل رجل، كيف رجل رجل؟ وأيش معنى رجل رجل؟ يعني جامع لمعاني الرجولة، كذلك طريق مستقيم جامع لكل معنى الطريق، هذا صراط مستقيم.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ﴾.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ في هذه الآية من الفوائد: تعظيم شأن مريم عليها الصلاة والسلام؛ حيث أمر الله نبيه أن يذكر قصتها لهذه الأمة، لأنّا قلنا: ﴿إِذْ قَالَتِ﴾ مفعول لفعل محذوف تقديره: اذكر إذ قالت.
* ومن فوائدها: فضيلة مريم، حيث خاطبتها الملائكة لقولها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ إلى آخره.
ومن فوائدها على ما ذهب إليه بعض أهل العلم: أن مريم نبية؛ لأن الملائكة أوحت إليها، وقالت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ إلى آخره، ولكن في هذا الاستدلال نظر؛ لأنه ليس بصريح في أنها نُبِّئت، ومجرد خطاب الملائكة لها لا يثبت نبوتها؛ لأن النبوة إنما هي لمن أوحي إليه بشرع لا لمن أوحي إليه بثناء أو بتهيئته لما سيكون، بل لمن أوحي إليه بشرع، وهي لم يُوحَ إليها بشرع، فالأمر ليس بصريح، ولدينا آية تدل على أنه لا يُبعث من النساء نبي، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف ١٠٩]. إلا رجالًا: و(إلا) تفيد الحصر فتدل على أنه لا يمكن أن تكون امرأة من النساء نبية، وكذلك أيضًا قال النبي عليه الصلاة والسلام حين بلغه أن الفرس أمَّرُوا عليهم بنت كسرى قال: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٥) من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث.]]. وإذا كان القوم لا يفلحون مع الانتخاب فإنهم هم الذين انتخبوها وولَّوها، فكيف يمكن أن يُرسل الله تعالى امرأة ليفلح الناس على يدها؟!
صحيح أن المرأة تكون عالمة، تكون داعية، كما هو الواقع، أما أن تكون نبية يوحى إليها لتتولى السلطة -كما يقولون التشريعية والتنفيذية- فهذا بعيد، فالصواب: أن مريم من الصالحات القانتات، وليست من الأنبياء والرسل.
* ومن فوائد الآيات الكريمة: أن الله تعالى يصطفي من الناس من يشاء لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أي: اختارك اختيارًا لم يشاركها فيه أحد؛ لأنها صارت خادمة لبيت المقدس مع أنه لا يخدمه عندهم إلا الرجال، فهذا نوع من الاصطفاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: براءة مريم مما ادعاه اليهود من كونها بغِيًّا لقوله: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾.
ومن فوائد الآية الكريمة: براءة مريم مما ادعاه اليهود من كونها بغيًّا؛ لقوله: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾، واليهود -قبحهم الله- اعتدوا على مريم وابنها، فقالوا في مريم: إنها بغي، وقالوا في ابنها عيسى: إنه ولد زنا وكذبوه، وقتلوه إثمًا لا حقيقة، كيف قتلوه إثمًا لا حقيقة؟ لأنهم أمضوا هذا الأمر الذي يظنون أنهم قتلوا به عيسى وصلبوه، وقالوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾، قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٥٧]، فكانوا قتلة إثمًا لا حقيقة؛ لأن عيسى باقٍ إلى الآن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مريم مفضلة ومصطفاة على نساء العالمين، ولكن هل هذا يتناول نساء العالمين إلى يوم القيامة؟ أو نساء العالمين في زمنها؟ يحتمل المعنيين، إما أن المراد: نساء العالمين في زمنها، ويكون قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسْيَا امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٤١١)، ومسلم (٢٤٣١ / ٧٠) من حديث أبي موسى الأشعري دون لفظ «وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ» أما حديثها فهو حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٤٣٢)، ومسلم (٢٤٣٠/ ٦٩) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه بلفظ: «خَيْر نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَيْر نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ».]]، يكون هذا مما أطلع الله عليه نبيه ولم تطلع الملائكة على هذا، والملائكة بلغت مريم ما بلغت به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تكرار أو جواز تكرار المناقب؛ لأن أوصاف الكمال كلما كررت ظهر من كمال الموصوف ما لم يكن معلومًا من قبل، واضح؟
ننطلق من هذه الفائدة إلى فائدة تتعلق بصفات الله عز وجل وهي: أن أكثر ما وصف الله به نفسه الصفاتُ الثبوتية التي يثبتها لنفسه، أما الصفات التي ينفيها عن نفسه فوصفه بها قليل بالنسبة لوصفه بصفات الإثبات؛ لأن صفات الإثبات كمال، كمالات، وصفات النفي نقائص، تُنفى لا لذاتها ولكن لإثبات كمال ضدها، مع أنها هي منفية أيضًا حقيقة.
ثم قال عز وجل: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.
* من فوائد الآية الكريمة: بيان أنه كلما من الله على إنسان بشيء كانت مطالبته بالعبادة أكثر؛ لأن الملائكة لما قالت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ أمرتها بأيش؟ بالقنوت والسجود والركوع، فدل هذا على أنه ينبغي للإنسان كلما ازدادت عليه نعم الله أن يزداد على ذلك شكرًا بالقنوت لله والركوع والسجود وسائر العبادات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة القنوت لله، ولكن ما هو القنوت؟ دوام الطاعة والخشوع والاشتغال بالطاعة عما سواه؛ ولهذا لما نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] أمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام ليشتغلوا بالطاعة عما سواها، فالقنوت: دوام الطاعة مع الاشتغال بها عن غيرها.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: فضيلة السجود والركوع؛ لقوله: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، مع أنه من القنوت، لكن لفضيلتهما نص عليهما.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز ترك الترتيب للمصلحة أو لمراعاة شيء آخر، وهو قوله: ﴿اسْجُدِي وَارْكَعِي﴾.
ولا يقول قائل: لعل الصلاة في عهدهم يقدم فيها السجود وفي هذه الشريعة يقدم فيها الركوع؟ تقول: الأصل خلاف ذلك، لكن نص على السجود بدأ به؛ لأنه أبلغ في القنوت من الركوع، كما ذكرناه في أثناء التفسير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العبَّاد من الرجال أكثر من العبّاد من النساء، وأكثر لقوله: ﴿ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ولم يقل: مع الراكعات، إشارة إلى أن الكمال في الرجال، وكثرة العمل في الرجال أظهر منها في النساء؛ ولهذا كانت النساء أكثر أهل النار، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ».]].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إلّا بلى، هذا في الصراط اللي يوم القيامة.
* طالب: كيف يسمى صراط؟
* الشيخ: نعم، يسمى صراطًا؛ لأن السالكين فيه ينفذون بسرعة بعضهم مثل لمح البصر، وبعضهم مثل البرق، ما في عائق يعوق، مع أنه ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه دَحْض ومَزِلَّة[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣ / ٣٠٢) واللفظ له من حديث أبي سعيد الخدري.]]، وهذا يدل على أنه طريق واسع كالعادة، والعلماء -مر علينا في التوحيد- أنهم مختلفون هل هو طريق عادي أو أنه كما جاء في صحيح مسلم -أنا أظنه عن أبي سعيد بلاغًا-: «أَنَّهُ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ»[[أخرجه مسلم (١٨٣ / ٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري بلاغًا.]].
* طالب: (...).
* الشيخ: ويش الأصل؟ ما الأصل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إيه، لكن ما هو الأصل في إضافة الفعل إلى فاعله؟ أن يكون فعله هو أو فعله غيره؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: خلها قاعدة عامة: الأصل في إضافة الفعل إلى فاعله أنه قائم به، هذا هو الأصل، وذكرنا لكم أن العلماء قالوا: إن الله خلق آدم بيده، وغرس جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: هذا عام أريد به الخاص، (...) وأيضًا الرسول قال: «عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٦٠٤) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.]]، فهذا مما جهله الناس، يعني: ربما يكون عند الله له دواء ما ندري عنه.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: اختلاف الضميرين؛ لأنه قال: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء ٩١].
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني قصدك الطيور؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: أنا ظننت قصة مريم، الطيور، اقرأ آية المائدة.
* الطالب: قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠].
* الشيخ: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ وهنا قال: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إذا حاول الإنسان وجود فرق معنوي واتضح له فهو الفرق، وإن لم يوجد فإنه يكون من باب اختلاف التعبير، يعني: لأن (هيئة) صالحة للتذكير والتأنيث، ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ يعني: مثل هيئة الطير، ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ أي: في الهيئة، أو تنفخ في المِثْل، فعلى تقدير أنه ينفخ في المثل يكون؟
* طالب: ﴿فِيهِ﴾.
* الشيخ: ﴿فِيهِ﴾، أو ينفخ في الهيئة؟
* طلبة: ﴿فِيهَا﴾.
* الشيخ: يكون ﴿فِيهَا﴾.
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، عندما قال: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ ثم قال: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ قال: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وقال: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ ولم يقل: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؟
* الشيخ: لأن هذا علم، صفة فيه، وهذاك شيء متعدٍ إلى غيره، هذا خلق وإبراء، وإحياء.
* الطالب: وكذلك.
* الشيخ: لا هذا العلم، كلٌّ يعرف، اللي في البيت يعلم، اللي في بيت الإنسان يعلم ما أكله وما ادخره.
* طالب: على كده يا شيخ يترجح القول بأنه كان يستعين كما استعان سليمان عليه السلام بالجن؟
* الشيخ: لا، ما يتوجه؛ لأن هذا من باب الوحي.
* طالب: هل يوجد تفاضل بين أركان الصلاة في الركوع والسجود؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: يعني التفاضل بينها هي نفسها؟
* الشيخ: إي نعم، هي نفسها.
* الطالب: كيف ذلك؟
* الشيخ: الركوع أفضل من وجه، والسجود أفضل من وجه، من جهة أن الساجد أقرب ما يكون لله، وقد وضع أعز ما فيه على الأرض يكون السجود أفضل.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]