Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — آل عمران 3:48 – آل عمران 3:54

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. آل عمران 3:48
  2. آل عمران 3:49
  3. آل عمران 3:50
  4. آل عمران 3:51
  5. آل عمران 3:52
  6. آل عمران 3:53
  7. آل عمران 3:54

آل عمران 3:48

ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ الواو حرف عطف، و(إذ) نقول فيها مثلما قلنا فيما سبق في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران ٣٥] يعني أنها منصوبة بفعل محذوف تقديره: اذكر، وتضمين الجملة لهذا يدل على العناية بها، وأنه ينبغي إشهارها وإظهارها حتى تتبين وتتضح للناس. وإنما ذكر الله قصة زكريا ومريم هنا، وعيسى فيما بعد، في أول هذه السورة لأنها نزلت في وفد نجران الذين قدموا على النبي ﷺ وهم من النصارى، فأراد الله أن يبين لنبيه ﷺ قصة المسيح ومن حوله كاملة حتى يتبين له الأمر تماما، فإذا احتاج إلى محاجة النصارى وإذا عندهم علم قريب منها مما عندهم. ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ الملائكة المراد بهم الجنس؛ إذ ليس المراد كل الملائكة، بل واحد منهم، وهو في الغالب جبريل، ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾، ونداؤها باسمها العلم نوع من التكريم؛ إذ لم يقل: يا هذه باسم الإشارة، بل أتى باسمها العلم تكريما لها، ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أي: اختارك؛ وذلك لأن اصطفى أصلها: اصتفى بالتاء، لكن لعلة تصريفية قلبت التاء طاء، وهي مأخوذة من الصفوة، يعني جعلك من صفوة الخلق، واصطفاؤه إياها سبحانه وتعالى من عدة وجوه: الوجه الأول: أنه تقبلها بقبول حسن حين قالت أمها: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران ٣٥]، مع أن المعروف عندهم أنه لا يخدم المساجد إلا الرجال، لكن هي قبلت. ومنها -من اصطفائه لها- أنه أنبتها نباتا حسنا، وقد سبق الكلام على معنى الكلمتين وأنهما تتضمنان التربيتين الروحية والجسدية. ومن اصطفائه لها أيضا: أن الله تعالى اختار أن تكون عند نبي من الأنبياء؛ حتى تتربى ببيت نبوة. وقوله: ﴿طَهَّرَكِ﴾ طهرك من أي شيء؟ هل هو من الأرجاس الحسية؟ أو من الأرجاس المعنوية؟ الظاهر الثاني، وأنها بالنسبة للأرجاس الحسية كالبول والغائط والحيض كغيرها من النساء، لكنه طهرها من الأرجاس المعنوية، فبرأها الله تعالى مما رماها به اليهود، وكذلك طهرها من سفاسف الأخلاق حتى كانت دائما في عبادة الله سبحانه وتعالى، كما سيتبين إن شاء الله. ثم قال: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ الواو حرف عطف، ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ أي ميزك من بينهن، فالاصطفاء الأول اصطفاء عام، وهذا اصطفاء خاص بالنساء، اصطفاها الله تعالى من بين سائر النساء حيث جعلها من النساء الكمل، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن مريم عليها الصلاة والسلام خير نساء البشر، هي وخديجة بنت خويلد وآسية امرأة فرعون، و«فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (3411)، ومسلم (2431 / 70) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، فهي من النساء الكمل رضي الله عنها، ولهذا قال: ﴿اصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾. وهل المراد نساء العالمين في زمنها؛ لأن النساء اللاتي في زمن النبي عليه الصلاة والسلام لا شك أنهن في أمة هي خير الأمم، أو المراد العموم؟ فيه قولان للعلماء، منهم من قال: إنه خاص بنساء زمانهم، كما ذكر الله عن بني إسرائيل أنه فضلهم على العالمين، ومع ذلك فهذه الأمة أفضل منهم ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ٤٧] ومن المعلوم أنهم ليسوا أفضل من هذه الأمة؛ لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠]. ثم قال.. * طالب: والراجح؟ * الشيخ: يأتي إن شاء الله الكلام عليه. * طالب: قول الرسول ﷺ: «فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ» ما يأتي عامة (...)؟ * الشيخ: والله بعض العلماء أخذ من هذا أنها أفضل من الثلاث التي معها؛ لأنه قال: «فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ» بعد أن ذكر فضل هؤلاء الثلاث، وبعضهم قال: إن المراد: على النساء سواهن، والله أعلم بمراد رسوله. * طالب: شيخ (...). * الشيخ: هي ما ذكرت معهن. * الطالب: (...) * الشيخ: لا ثلاث. * الطالب: (...) تعقيب على (...) * الشيخ: يعني فيه احتمال أنه عليه الصلاة والسلام أفردها لتكون أكمل منهن، وفيه احتمال أنها أفضل من النساء اللاتي سواها (...) والله أعلم بمراد رسوله، ما عندي في هذا. * طالب: إن القول الأفضل إنها أفضل على نساء أهل زمانها، القول الثاني يا شيخ. * الشيخ: إن ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ مطلقة، حتى نساء هذه الأمة هي أفضل منهن، وإن شاركتهن في الفضيلة لكن هي أفضل منهن. * طالب: اسم مريم عليها السلام لم يذكر في القرآن سوى هذا الاسم، نأخذ منه فوائد. * الشيخ: نحن وصلنا الفوائد؟ * طالب: حكمة التطهير بعد الاصطفاء، الاصطفاء يعم (...)؟ * الشيخ: الاصطفاء الاختيار، ونص على التطهير لدفع ما قاله اليهود في أنها كانت بغيا. * الطالب: شيخ، أحسن الله إليكم، هو قول الأخ حينما سأل: عليها السلام. * الشيخ: من عنى؟ * الطالب: عنى مريم. * الشيخ: عليها السلام؟ * طالب: إي. * الشيخ: ما فيها مانع، «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، ما فيها مانع أبدا، لكن الأحسن أن يقال: رضي الله عنها أحسن؛ لئلا يتوهم واهم أنها نبية. * طالب: الله سبحانه وتعالى يذكر في آيات أخر أن مؤمن آل فرعون مع الرجل الذي جاء يسعى من أقصى المدينة ولم يذكر اسم الرجل، وهنا ذكر مريم رضي الله عنها كان أيش يصير فيها؟ * الشيخ: يعني هذا خطاب خاص، وهذاك تحدث عن شخص غائب. * الطالب: يا شيخ هذا فيه فضيلة لو ذكر اسمه له؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: مؤمن آل فرعون؟ * الشيخ: لا؛ لأن الله يذكر القصص أحيانا للعبرة فقط، حتى لا يكون الإنسان معتنيا بالاطلاع على الأشخاص، فالعبرة بالمعاني وما سيقت القصة من أجله، أما كونه فلان وفلان ما يهم، حتى لو علمت الآن أن الرجل هذا اسمه فلان تستفيد فائدة كثيرة؟ * طالب: يعني أعرف الثناء عليه مثل مريم. * الشيخ: الثناء عليه يكفي أنه قال رجل مؤمن من آل فرعون، أنه من آل فرعون يكفي، أنه آمن وهو من آل فرعون، أما هذا الخطاب.. يعني أنا لو قلت لك: يا رجل أو قلت: يا عبد الرحمن، أيهن أبلغ في الإكرام؟ أو قلت: يا هذا؟ الخطاب غير مسألة التحدث عن شخص، الخطاب ليس كالتحدث عن شخص، الخطاب إذا ذكر الإنسان باسمه العلم صار هذا دليلا على التفخيم والتكريم. * طالب: في بعض الآيات يقول: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾، وفي آيات ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾؟ الشيخ يقول: في بعض الأحيان يقول: ﴿اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، وأحيانا يقول: ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ﴾ كيف يعني نقول؟ الجواب: أن المعنى واحد، وأن المراد بـ ﴿اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ يعني اذكر ربك باسمه، وأما من قال: إن (اسم) زائد فهذا قول ضعيف، وأن ﴿اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ يعني: اذكر ربك، هذا قول لا صحة له، ولكن المعنى: اذكر ربك باسمه؛ لأن هذا هو الذي يتم به الذكر. * طالب: خيرية مريم وغيرها من النساء في الدنيا والآخرة أم في الدنيا فقط وفي الآخرة فقط؟ * الشيخ: في الدنيا والآخرة. * الطالب: ورد في الحديث أن فاطمة رضي الله عنها سيدة (...). * الشيخ: لا هذيك سيدة نساء أهل الجنة، لكنهن خير. * طالب: شيخ، ما استدل به بعض المفسرين أن هذه القصة على أن الخال بمنزلة (...)، قصة زكريا. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: قصة زكريا ومريم وعيسى، بعض المفسرين على أن الخال بمنزلة (...). شيخ: وجه ذلك؟ * الطالب: أن أخت مريم خالة عيسى كانت تحت مريم. * الشيخ: تحت زكريا، وبعدين؟ * الطالب: هل يصح هذا الاستدلال يا شيخ؟ * * * * طالب: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران ٤٣ - ٤٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾، ذكرنا أن الاصطفاء معناه الاختيار، وهو مأخوذ من الصفوة، وصفوة كل شيء خلاصته. ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ ظاهرا وباطنا، من العيوب الظاهرة ومن العيوب الباطنة، ومن الأخلاق السافلة، فهي مطهرة ظاهرا وباطنا. ونص الله تعالى على ذلك دفعا لقول اليهود -قاتلهم الله ولعنهم-: إنها كانت بغيا، وإن عيسى عليه الصلاة والسلام كان ولد زنا. وقوله: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ قلنا: إن المراد بذلك نساء عالمي زمانهم، على أنها هي وخديجة بنت خويلد وآسية امرأة فرعون هؤلاء الثلاث كملن من النساء، و«فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»[[سبق تخريجه.]]. وقوله: ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ العالمين هم كل من سوى الله في الأصل، كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، فالرب والمربوب لا يوجد سواهما، وعليه فالعالم كل من سوى الله، هذا في الأصل، وسمي عالما لأنه علم على خالقه عز وجل، فإن ما في هذه المخلوقات من الآيات الدالة على كمال الله سبحانه وتعالى وعلى كل ما تتضمنه هذه المخلوقات علم واضح على ما تتضمنه هذه المخلوقات من الصفات الكاملة. ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ هذا من خطاب الملائكة أيضا، تقول لها: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ والقنوت هو دوام الطاعة، واللام في قوله: ﴿لِرَبِّكِ﴾ للاختصاص، أي قنوتا خالصا لله، أي طاعة خالصة له؛ لأن من شرط الطاعة أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿لِرَبِّكِ﴾ الربوبية هنا ربوبية خاصة، وقد مر علينا أن الربوبية تنقسم إلى ربوبية عامة وربوبية خاصة، فالعامة هي الشاملة لكل أحد، والخاصة تختص بمن خصها الله به، لكنها تفيد تربية أكثر اعتناء واختصاصا من الربوبية العامة. وقوله: ﴿وَاسْجُدِي﴾ الواو حرف عطف، ﴿وَاسْجُدِي﴾ يعني السجود المعروف، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة أمرت أن تسجد على سبعة أعظم[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨١٠)، ومسلم (٤٩٠ / ٢٢٨) من حديث ابن عباس.]]، وعطف السجود على القنوت من باب عطف العام على الخاص أو الخاص على العام؟ الخاص على العام. وذكر الخاص بعد العام يدل على فضله ومزيته. ولا شك أن السجود من أفضل أنواع الطاعة، ولهذا كان «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢ / ٢١٥) من حديث أبي هريرة.]]. وقوله: ﴿ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ الركوع معروف، وهو انحناء الظهر، وقوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي في جملتهم، وليس المراد أنها تصلي مع الجماعة؛ لأن المرأة لا تخاطَب بالصلاة مع الجماعة، لكن كوني في جملة الراكعين الذين يركعون لله عز وجل. وفي قوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ولم يقل: مع الراكعات، مع أنها امرأة؛ لأن الكُمّل من الرجال أكثر من الكمل من النساء، ولهذا لم يكمل من النساء إلا ثلاث[[سبق تخريجه.]]. وقوله: ﴿اسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ قدم السجود على الركوع؛ لأن هيئة السجود أفضل وأبلغ في الخضوع، فقدمها على الركوع، أما من حيث الترتيب الفعلي بالنسبة للصلاة فإن الركوع قبل السجود. ثم قال الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾، ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه كل ما سبق من قصة زكريا وقصة مريم. وقوله: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ أي من أخبار الغيب، أي من أخبار الشيء الغائب الذي لا يعلم، لكن من الذي لا يعلمه؟ ليس المراد من وقع في زمنه؛ لأن من وقع في زمنه فهم يعلمونه، لكن المراد: لا يعلمها النبي ﷺ ولا قومه؛ كما قال تعالى في سورة هود: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود ٤٩] إذن هي غيب نسبي ولّا حقيقي؟ غيب نسبي بالنسبة لمن لم تكن في زمنه، أما من كانت في زمنه فهي مشاهدة، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام وقومه كانوا أميين، لا يعلمون شيئا عن الأمم السابقين، فأوحى الله إلى نبيه ﷺ ما أوحى من أخبار السابقين التي ما كان يعلمها لا هو ولا قومه، وهو دليل على أنه رسول الله حقا، وأن الوحي يأتيه من الله. وقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ الوحي في اللغة الإعلام بسرعة وخفاء، فإذا أعلمك إنسان بسرعة على وجه خفي يسمى في اللغة وحيا، وحيا، ولكنه في الشرع: إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما يشاء من شرعه، هذا الوحي، إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما أيش؟ بما يشاء من شرعه. ثم إن كلفه بتبليغه كان رسولا، وإلا كان نبيا. * الشيخ: الأخ عرفنا ما هو الوحي شرعا؟ أنت إي نعم. * طالب: الوحي ما أمر (...) بالشرع ولم يؤمر بتبليغه. * الشيخ: هذا الوحي شرعا. * الطالب: خلاف الرسول، فإذا أمر بتبليغه.. * الشيخ: صار الوحي شرعا من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه! هذا الوحي شرعا! أعتقد أنك ما أنت معنا؟ * طالب: (...) * الشيخ: لا لا، تأملها في غير وقت الدرس، وقت الدرس تأمل ما يقول المدرس، ما تابعتنا ولهذا أخطأت في تعريف الوحي. طيب إذن الوحي؟ * طالب: الوحي هو ما يوحي الله سبحانه وتعالى شرعا نبيا من أنبيائه، فإن أمره بالتبليغ فهو كان رسولا، وإن لم يؤمره فهو نبي. * الشيخ: أيش الوحي؟ * الطالب: هو ما يوحيه الله سبحانه وتعالى إلى نبي من أنبيائه من شرعه. * الشيخ: لا. * طالب: إيحاء الله لنبي.. إيحاء الله عز وجل.. * الشيخ: لا. * الطالب: تبليغ وتكليف الله عز وجل. * الشيخ: لا. * طالب: إخبار الله لنبي من الأنبياء بما يشاء من شرعه. * الشيخ: نعم، هذا الوحي: إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما يشاء من شرعه، ثم إن أمر بتبليغه كان رسولا وإلا فهو نبي. ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ أي نخبرك به على الوصف الذي ذكرنا، وهو إخبار الله تعالى لنبي من أنبيائه بما شاء من شرعه، هذا الوحي. وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أي ما كنت عندهم، يعني عند زكريا وقومه ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾، ﴿إِذْ﴾ أي حين، وهي متعلقة بقوله: ﴿كُنْتَ﴾، يعني ما كنت في ذلك الوقت عندهم ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾، ﴿أَقْلَامَهُمْ﴾ اختلف العلماء في تفسيره، فقيل: إنها على ظاهرها؛ أنهم ألقوا أقلامهم التي يكتبون بها، وقيل: إن المراد بها سهامهم التي تكون في النصل يرمون بها، وسميت قلما لأنها تشبهه في الاستطالة ودقة الرأس، السهم عندهم بمنزلة الرصاصة عندنا في الوقت الحاضر. على كل حال أيها ظاهر القرآن؟ ظاهر القرآن أن المراد بالأقلام الأقلام الحقيقة التي يكتب بها، ولا نعدل عن ظاهر القرآن إلا بدليل، هذه هي القاعدة الشرعية في تفسير القرآن، بل وفي تفسير الحديث النبوي، بل وفي كلام الغير، حتى كلام الناس يجب أن نعمل بظاهره إلا بدليل، ولكن ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ كيف ألقوا هذه الأقلام؟ المعروف أنهم ألقوها في النهر؛ في الماء الذي يمشي، فما انحبس منها فصاحبه الذي يكفل مريم، وما جرى فهو الذي لا يكفلها، ولكن القرآن ليس فيه بيان ذلك، يعني ليس فيه أنهم وضعوا هذه الأقلام في النهر، إنما ألقوا أقلامهم على وجهٍ اللهُ أعلم بكيفيته، لكنهم ألقوها من باب الاقتراع، يعني قرعة أيهم يكفل مريم، فخرجت القرعة لمن؟ لزكريا؛ كما قال تعالى في أول القصة: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران ٣٧]. ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ يعني وما كنت عندهم أيضا في حال اختصامهم أيهم يكفل مريم، هذا الاختصام هل هو قبل إلقاء الأقلام أو بعده؟ قبله، الظاهر أنه قبله، لكن أخر في الذكر لمناسبة الآيات؛ رؤوس الآيات ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هذا هو الذي يظهر، على أنه قد يقال: إن الله سبحانه وتعالى ذكر النتيجة قبل المقدمة أو قبل السبب لأنها هي الغاية، فإن إلقاء الأقلام والاستهام هو غاية الاختصام، فاختصموا أيهم يكفلها فقالوا: لنسهم بإلقاء الأقلام. وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ هذا كالدليل لقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ يعني فأنت ما قلتها لأنك شاهد، ولكن قلتها لأنها أوحيت إليك. وأيضا فيه إشارة إلى أن هذا الذي أنبئ به كأنما يراه بعينه، كأنه حاضر، وهو كذلك، بل كما قلنا فيما سبق: إن إخبار الله عز وجل أشد ثبوتا وحقيقة مما يُرى في العين. ثم قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ﴾، يعني: اذكر إذ قالت الملائكة: يا مريم، وهل المراد جنس الملائكة أو الملائكة كلهم؟ الظاهر الأول أن المراد الجنس؛ لأن القائل واحد، والمشهور أنه جبريل. قال لها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ إلى آخره. قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ سبق أن معنى البشارة في الأصل: الإخبار بما يسر، وأنها قد تطلق على الإخبار بما يسوء؛ بجامع أن كلا مما يسر وما يسوء يغير البشرة ويؤثر فيها. ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ قوله: ﴿بِكَلِمَةٍ﴾ تحتمل وجهين: الوجه الأول: أن الكلمة هي المبشر به، كما تقول: بشرته بولد، بشرته بولد، فتكون الكلمة هي المبشر به. والوجه الثاني: أن المراد بالكلمة هنا الصيغة التي حصلت بها البشارة، أي: يبشرك بشارة عن طريق النطق بها، عن طريق النطق، كما تقول: بشرته بالقول، لا بالكتابة. فأنت مثلا تبشر الإنسان إما بواسطة النطق، وإما بواسطة الكتابة، وإما بواسطة الإشارة، فقوله: ﴿يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ أي أن الوسيلة التي حصلت بها البشارة هي الكلمة، يعني أن الله قال سبحانه وتعالى كلمة فيها البشرى بالمسيح عيسى ابن مريم. فالوجهان محتملان، الوجه الأول ما هو؟ أن المراد بالكلمة عيسى، يعني المبشر به، كما تقول: بشرته بولد، أو أن المراد بالكلمة الصيغة التي حصلت بها البشارة، أي أن البشارة حصلت من الله بالقول، كما تقول: بشرته بالنطق، بشرته بالكتابة، بشرته بالإشارة. فأما على الاحتمال الثاني فلا إشكال، لا إشكال أن تقع البشارة بالنطق، لكن على الاحتمال الأول أن الكلمة هي المبشر به، فكيف يكون المبشر به كلمة مع أنه إنسان؟ أجاب العلماء عن ذلك بأنه أطلق عليه الكلمة لأنه كان بالكلمة، لا بالوسائل الحسية المعلومة؛ لأن الولد في العادة يأتي بواسطة النكاح، لكن هذا لم يأت بالنكاح، أتى بالكلمة ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩]، فلهذا صح أن يطلق عليه الكلمة. وفي هذه الآية إشكال آخر: إذا قلنا: إن قوله: ﴿بِكَلِمَةٍ﴾ تعني المبشر به، وهو قوله: ﴿مِنْهُ﴾، ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ فإن (من) لها معانٍ، منها: التبعيض؛ كما قال ابن مالك رحمه الله في الخلاصة: بَعِّــضْ وَبَيِّــنْ وَابْتَــدِئْ فِــــيالْأَمْكِنَــــــــــهْ ∗∗∗ بِمِــــــــنْ وَقَــــدْ تَأْتِــــي لِبَــــدْءِالْأَزْمِنَــــــــــــــــهْ الشاهد قوله: (بعّض)، فإن (من) تفيد التبعيض، فهل معنى ذلك أن عيسى بعض من الله كما قال ذلك النصارى؟ الجواب: لا، الجواب ليس بعضا من الله، لأن الله واحد أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ولا يتبع أحد هذه الآية ويدعي التبعيضية أو يدعي البعضية، إلا من في قلبه زيغ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٧]، والنصراني كما اتبع المتشابه في هذه الآية اتبع المتشابه في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩] قال: هذا كلام الله يقول: ﴿إِنَّا﴾ وإنا تفيد الجمع، فاتبع المتشابه انتصارا لرأيه الفاسد، ولا يخفى على كل ذي لب أن المراد بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ وما أشبهها التعظيم، لا التعدد. كذلك هنا ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ لا يقتضي أن يكون عيسى بعضا من الله عز وجل؛ لأنك إن ادعيت أنه بعض من الله فلتدع أنه كلمة الله، ومعلوم أنه لا أحد يدعي أن عيسى كلمة، عيسى بشر، له جسم وروح، يأكل ويشرب، وهل الكلمة كذلك؟ لا. فأنت إن ادعيت أنها من الله فادع أن عيسى كلمة، ومعلوم أن عيسى ليس بكلمة. إذن فيتعين أن تكون (من) إما ابتدائية وإما بيانية، يعني: بكلمة صادرة من الله عز وجل بأن قال: كن فكان. نظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية ١٣]، هل يدعي أحد أن ما في السماوات وما في الأرض بعض من الله؟ لا، لا يدعي، حتى النصراني ما يدعي ذلك، ولكن هنا (من) إما للابتداء، يعني ابتداء التسخير من الله، أو للبيان، بيان مَن المسخر، أو من أين جاء هذا التسخير. قال: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾، اسم: مبتدأ، و﴿الْمَسِيحُ﴾ خبر، و﴿عِيسَى﴾ خبر ثانٍ، و﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ خبر ثالث، وإنما قلنا ذلك لأنك لو أفردت كل واحد عن الآخر لاستقام الكلام، لو قلت: اسمه ابن مريم صح؟ اسمه عيسى، اسمه المسيح صح، وعلى هذا فكل واحد منها خبر، وقيل: بل الثلاثة خبر واحد، كقولك: البرتقال حلو حامض، هنا لا يصح أن تقول: حلو خبر وحامض خبر؛ لأنك لو أفردت أحدهما عن الآخر فسد المعنى، لو قلت: البرتقال حلو ما صح، لو قلت: البرتقال حامض، ما صح، ما أدى المعنى الذي يؤديه قوله: حلو حامض؛ لأن حلو حامض يعني: جامع بينهما، يعني: مز، كذا؟ فلهذا نقول في قول القائل: البرتقال حلو حامض، حلو حامض جميعها خبر، لكن في الآية التي معنا: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ لا يستقيم هذا المعنى فيها، وبناء على ذلك نقول: إن كل واحد منها خبر. مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٤ - ١٦] خمسة أخبار. هذه الأخبار الثلاثة جمعت أنواع العَلَم التي أشار إليها ابن مالك في قوله: وَاسْمًــــــــا أَتَــــــــى وَكُنْيَــــــــةًوَلَقَبَــــــــــــــــــــــــا ∗∗∗ وَأَخِّــــــــرَنْ ذَا إِنْ سِــــــــوَاهُصَحِبَــــــــــــــــــــا معلوم؟ أين الاسم؟ طلبة: عيسى. * الشيخ: اللقب؟ طلبة: المسيح. * الشيخ: الكنية؟ طلبة: ابن مريم * الشيخ: وإذا كان هذه الكلمات الثلاث قد جمعت أنواع العلم الثلاثة: الاسم، واللقب، والكنية، يبقى عندنا إشكال في قول ابن مالك: (وأخرن ذا) يعني اللقب (إن سواه صحبا)؛ فإنه في الآية الكريمة قدم اللقب، فيبقى إشكال، فهل نأخذ بقول ابن مالك ونقول: القرآن شاذ؟ حاشا حاشا، نقول: ابن مالك وألفيته الشاذة ولا يشذ القرآن. إذن كيف نجمع بين هذا الكلام من هذا العالم في النحو وبين الآية؟ من المعروف أن علماء النحو رحمهم الله لا تضييق عليهم أبدا، ولهذا يقولون في ضرب الأمثال: حجة نحوي، أو يقولون: حجج النحاة كبيوت اليرابيع، واضح؟ حجج النحاة كبيوت اليرابيع، أيش معنى هذا؟ اليرابيع جمع يربوع، وعندنا باللغة العامية: جرابيع، طيب اليربوع من ذكائه يتخذ جحرا في الأرض له باب، وإذا بلغ منتهاه خرق الأرض متعليا إلى فوق، فإذا بقي قشرة رقيقة وقف؛ من أجل إذا دخل عليه أحد من باب الجحر خرج من هذه النطاقة؛ كما يقولون، نطق. أقول: النحويون رحمهم الله لا تضييق عليهم، قالوا: الجواب عن الآية: هو أن اللقب إذا اشتهر به الإنسان حتى صار كالعلم، أو كالاسم، جاز أن يقدم، جاز أن يقدم، ولهذا نجد في كلام العلماء: الإمام أحمد بن حنبل، المسيح عيسى ابن مريم، على أوزان المسيح عيسى ابن مريم، الإمام محمد بن إدريس الشافعي، فيقدم الإمام مع أنه لقب، لماذا؟ للاشتهار، إذن لا إشكال الآن. قال: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ واختار الله تعالى له اسم المسيح لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، أو لكثرة مسحه الأرض وسيره فيها، أو من المسحة وهي الجمال، والمعنى الأول أشهر، يعني أنه لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، فهو يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويخرجهم من قبورهم، وهذه الأمور لا تتم لكل أحد، بل لا تتم لأحد أبدا إلا بإذن الله عز وجل. ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ولم ينسبه إلى ذَكر؛ لأنه لا أب له، وأظن ذلك واضحا أنه لم ينسبه إلى أب لأنه لا أب له، لكن لماذا نسبه إلى أمه؟ إشارة إلى ألا يقول قائل: إنه ينسب إلى كافله زكريا، يعني لئلا يقول قائل: ما دام هذا الطفل ليس له أب فلينسب إلى كافله حتى يُعرف به، فبدأت الملائكة وبينت أن هذا الرجل ينسب إلى أمه ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾. ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قوله: ﴿وَجِيهًا﴾ هذه منصوبة على الحال، من أين؟ حال من أين؟ طلبة: من عيسى. * الشيخ: أو المسيح، حال كونه وجيها في الدنيا، والوجيه هو ذو الجاه، وهو الشرف والمكانة والسيادة، وقد كان كذلك عليه الصلاة والسلام، أما وجاهته في الدنيا فلأنه كان أحد الرسل الكرام، بل هو من أولي العزم، وأعظم الناس جاها في الدنيا والآخرة هم أولو العزم، كما قال الله تبارك وتعالى عن موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب ٦٩]، وأما وجاهته في الآخرة فكما قلنا أيضا لأنه من أولي العزم من الرسل الذين هم في أعلى درجات الجنة ولهم في الآخرة مقامات لا تكون لغيرهم. وقوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.. وهو الشرف والمكانة والسيادة، وقد كان كذلك عليه الصلاة والسلام، أما وجاهته في الدنيا؛ فلأنه كان أحد الرسل الكرام، بل هو من أولي العزم، وأعظم الناس جاهًا في الدنيا والآخرة هم؟ * طالب: أولو العزم. * الشيخ: أولو العزم كما قال الله تبارك وتعالى عن موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب ٦٩]. وأما وجاهته في الآخرة فكما قلنا أيضًا؛ لأنه من أولي العزم من الرسل الذين هم في أعلى درجات الجنة، ولهم في الآخرة مقامات لا تكون لغيرهم. وقوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ هذا وصف ثالث أنه من المقربين إلى مَنْ؟ * الطلبة: إلى الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إلى الله عز وجل، من المقربين إلى الله في الدنيا ولَّا في الآخرة؟ * الطلبة: في الدنيا والآخرة. * طالب: كلاهما. * الشيخ: في الدنيا والآخرة؛ لأن المقرب يكون مقربًا في الدنيا ويكون كذلك مقربًا في الآخرة، فعيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام كان وجيهًا في الدنيا والآخرة وكان من المقربين إلى الله، وهل هذا الوصف حاصل لغيره من الأنبياء؟ الجواب: نعم، أولو العزم من الرسل لا شك لهم وجاهة في الدنيا والآخرة وأنهم مقربون إلى الله. * طالب: شيخ، في الآية السابقة ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ منه زائدة؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾. * الشيخ: زائدة؟ أيهم اللي زائدة؟ * الطالب: ﴿مِنْهُ﴾. * الشيخ: الحرف هذا الجر والضمير كلها؟ * الطالب: نعم، (...) منه. * الشيخ: كيف يكون التقدير؟ * الطالب: يعني كلمة اسمه المسيح. * الشيخ: معناه زادت الهاء ضمير. * الطالب: هذه مضاف إليه. * الشيخ: يعني بأيش؟ * الطالب: بكلمته (المسيح). * الشيخ: ما يستقيم؛ أولًا: أن (مِن) لا تزاد إلا في النكرة، ولا تزاد إلا بعد نفي أو شبهه، وثانيًا: أنها لا تزاد مع الضمير أبدًا. وثالثًا: أنه لا محظور فيه. * طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة لتقدير الفعل (اذكر) هل كان النبي ﷺ يعرف أن الله (...)؟ * الشيخ: إيه. * الطالب: يُذكر الناس. * الشيخ: إيه، أمره الله أن يذكرها للناس. * الطالب: يعني كان من قبل عنده علم؟ * الشيخ: لا، ما يعلمها إلا بوحي الله. * الطالب: في نفس الخطاب اذكر؟ * الشيخ: لا، نعم. * الطالب: في نفس الخطاب اذكر، يعني كان عنده علم؟ * الشيخ: إيه، نعم. * الطالب: أو ما كان عنده علم سابق؟ * الشيخ: لا، ما كان عنده علم سابق. * طالب: طيب تصلح أن نقول اذكر؟ * الشيخ: إيه، يصلح، لو قلت لك أنا: اذكر للناس كذا وكذا، وأنت ما تدري عنها بالأول. * الطالب: بمعنى بلِّغ؟ * الشيخ: بمعنى بلِّغ، إيه. * الطالب: المنازل اللي يأخذونها الأنبياء أولي العزم. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: المنازل اللي عند الله لأولي العزم من الرسل، يعني هل المؤمنين في الجنة يصلون إلى هذه المنازل يعني؟ * الشيخ: إيه يصلون، لكن ليس يصلونها على سبيل السكنى. * الطالب: الزيارة يعني. * الشيخ: إيه ما فيه شك، يعني المؤمنون -اللهم اجعلنا جميعًا منهم- يزورون حتى الله عز وجل، الله أكبر! * الطالب: شيخ، أحسن الله إليك شيخنا، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ [آل عمران ٤٤] ألا نقول يا شيخ أقلامهم هي الأسهم، والدليل على ذلك أن العرب عادتهم إذا كانوا يلقون الأصنام يلقون الأسهم، فيكون قصُّه دليل على هذا؟ * الشيخ: إيه لا، نحن نقول: ما دام أن الله قال: أقلام، والأقلام في اللغة العربية معروفة ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم ١] معروفة لماذا نعدل عن الظاهر؟! يمكن العرب أنهم يجعلون السهام؛ لأنهم أميون لا يكتبون ولا يقرؤون، وهناك فيما سبق يقول: أقلام. * طالب: شيخ، (المسيح) ذكره فعيل، وهذا فاعل؟ * الشيخ: وبعضهم أبدى المناسبة في مسألة الأقلام؛ لأنهم يكتبون بها الكتب المنزلة. * طالب: نقول: المسيح هل هو بمعنى (فاعل) ولَّا بمعنى (مفعول)، المسيح؟ * الشيخ: لا، بمعنى (فاعل) إلا على قول من يقول المراد بذلك المسحة من الجمال، فهذا يكون بمعنى (مفعول). * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، بالنسبة للفرق بين الذكر والتسبيح؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: وردت الآية: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران ٤١] ما الفرق بين الذكر والتسبيح؟ * الشيخ: التسبيح: تنزيه الله عما لا يليق به، والذكر: الثناء عليه بما يستحق. * طالب: شيخ، قلنا: إن الله عز وجل نسب عيسى إلى مريم، وقلنا: لا ينسبه إلى غيرها حتى لا (...) بالنسبة (...) هو يقول: (...). * الشيخ: لا، هو ذكرنا لماذا يعني هم بادروا بأن ينسب إلى أمه ابن مريم، بادروا بذلك لأن لا يُنسب إلى أحد غيرها. * طالب: لماذا قلنا: رب (...). * الشيخ: لا، كونه ابنًا لا شك أنه رد على النصارى سواء نسب إليها أو إلى غيرها، لكن كونهم يبادرون بهذا بأن يُنسب إلى أمه لأن لا يقول القائل: ننسبه للرجل؛ لأن هذا العادة بالنسبة وأقرب من ينسب إليه زكريا. * طالب: أولو العزم يعني أيش المقصود بالعزم؟ * الشيخ: أولو العزم؛ معنى العزم يعني الحزم في الأمور والصبر عليها وملاحاة الناس مثل ما نقول: إن فلانًا صاحب عزيمة؛ يعني قوي مصمم على تنفيذ ما يريد. * الطالب: مختصين بهذا عن بقية الرسل. * الشيخ: إي نعم، هذا هو المشهور أن قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٣٥] أن (مِن) للتبعيض، وأن أولو العزم هم الخمسة المذكورون في آيتين من القرآن، وبعضهم جعل (مِن) بيانية، فعلى هذا يكون جميع الرسل من أولي العزم، لكن المشهور الأول. ذُكرت في آيتين من القرآن ما هما؟ * الطالب: إحداهما. * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: في الشوري: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى ١٣]. * الشيخ: نعم، هذه واحدة، وفي الأحزاب؟ * الطالب: في الأحزاب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب ٧]. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: قلنا يا شيخ: إن هذه للبداءة والمعاينة؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: البداءة والمعاينة؟ * الشيخ: المعاينة، بيانية. * الطالب: بيانية، طيب يا شيخ فيه آية: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم ١٧] يعني كيف المخرج من مفهوم الآية؟ * الشيخ: أيهم الثانية ولَّا الأولى؟ * الطالب: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾. * الشيخ: إيه يعنى جبريل. * الطالب: يا عم الشيخ، يرد علينا أسئلة وإحنا لا نستطيع..، نريد حجة يا شيخ دامغة لهؤلاء. * الشيخ: نسأل الله، الله يعينك، أيش عندك؟ * الطالب: إرسال ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم ١٧] يقولون هذا. * الشيخ: طيب صحيح، نحن نقول هذا، إن جبريل عليه الصلاة والسلام تمثل لها بشرًا سويًّا ليمتحنها. * الطالب: رجل؟ * الشيخ: رجل، رجل، فهمت؟ ولهذا قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم ١٨] وأيش قال لها؟ ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم ١٩] الآيات متواصلة، ما هو بس جاء بشر وحملت، بيَّن أنه رسول الله. * طالب: الإشكال يقولون: إن هذا بشر؛ يعني رجل (...) يعني قد يقولون: إنها حملت منه أو كذا. * طالب آخر: هذا القول يا شيخ (...). * الشيخ: هم قالوا هذا، ولهذا هم قالوا من أول ما جاءتهم ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٨] وأيش معنى هذا؟ هذا تعريض بأنها زانية، يقولون: كيف جئت بالزنا وأبوك ما كان امرأ سوء وما كانت أمك بغيًّا، لو كان هذه وراثة ما استغربنا، لو كان أبوك امرأ سوء أو كانت أمك بغيًّا زانية -والعياذ بالله- قلنا: هذه مثل آبائها، هذا تعريض، لكن وأيش اللي حصل؟ أشارت إليه، انظر الآية، فدافع عن نفسه. * طالب: شيخ، فيه إرسال يا شيخ، فيه إشكال؟ * الشيخ: ما فيه إشكال يا أخي، ما فيه إشكال، هذا الرجل، هذا جبريل عليه الصلاة والسلام أرسله الله تعالى ليمتحنها، ولهذا لجأت إلى الله ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ ما فيه إشكال. * طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، أنت قلت: قدمت ثلاثة أقوال في اسم المسيح فإنه إذا مسح المريض بالعمى يبرأ؟ * الشيخ: ذا عاهة. * الطالب: ذا عاهة يبرأ، وأنه يمسح الأرض (...). * * * * طالب: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٤٥ - ٤٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ وهذا قرأناه. قال: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ (الواو) حرف عطف، والجملة معطوفة على ما سبق. ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ أي: في حال الصغر، وأصل المهد أو الْمِهاد الفراش يوضع للإنسان فيطؤه ويستريح عليه. وقوله: ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ أي: في الفراش وهو صغير، وهذا من آيات الله عز وجل؛ لأن العادة التي أجرى الله سبحانه وتعالى البشر عليها أن لا يتكلم أحد إلا في سن معين، وفي المهد لم يتكلم إلا ثلاثة؛ منهم المسيح عيسى ابن مريم، وتكلم بكلام من أبلغ الكلام لما جاءت به قومها تحمله ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم ٢٧ - ٢٩] فقالوا: كيف نكلم من كان في المهد صبيًّا؟ ﴿قَالَ﴾ يعني حين سمعهم: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم ٣٠ - ٣٣] كلام من أفصح الكلام وأعظمه وهو في المهد، وهذا من آيات الله عز وجل الدالة على قدرته، ولهذا كان آيات عيسى كلها تدور حول هذا الأمر، حول خوارق العادات في الأمور الكونية، فهو نفسه آية خُلق بلا أب، وكلم الناس في المهد، وهذا من الآيات، يصنع من الطين كهيئة الطير فينفخه فيكون طيرًا، يبرئ الأكمه والأبرص، ولا أحد يبرئهما من الأطباء، يحيي الموتى ويخرجهم من القبور. قال أهل العلم: لأنه بُعث في زمن ترقى فيه الطب ترقيًا عظيمًا فجاء بآيات من جنس الأعمال التي يعملونها ليكون ذلك أبلغ في الإعجاز كما جاء موسى عليه الصلاة والسلام بالعصا واليد التي تُبطل سحر السحرة، وكان السحر في وقته قد زاد وانتشر، وكما أتى محمد ﷺ بكلام أبلغ الكلام وأفصحه لانتشار الفصاحة في زمنه وعهده حتى يعجز هؤلاء البلغاء، ويتبين أنه ليس من كلام البشر. قال: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ يعني ويكلمهم وهو كهل من الحادية والثلاثين إلى الأربعين، يكلمهم في هذه الحال، في هذه الحال ليس غريبًا أن يكلم الناس، ولكنه أتى بها لفائدة وهي أن كلامه في المهد ككلامه وهو كهل؛ يعني ليس ككلام الصبي الذي يتكلم في المهد (يا بابا، يا ماما) وما أشبه ذلك، بل كلام فصيح من أبلغ الكلام كما يتكلم به وهو أيش؟ * طالب: كهل. * الشيخ: وهو كهل. ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ من الصالحين أيضًا، يعني وهو من الصالحين، وسبق لنا أن الصالح من صلحت سريرته وعلانيته يعني ظاهره وباطنه، ظاهره بالإخلاص لله والطهارة من كل شرك ونفاق وشك وأحقاد وبغضاء للمؤمنين وما أشبه ذلك، ظاهره بأيش؟ بالمتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام وعدم الابتداء، فهو عليه الصلاة والسلام من الصالحين الذين صلحت ظواهرهم وبواطنهم، وإن شئت فقل: سرائرهم وعلانيتهم. ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ﴾ هي الآن تخاطب الله، والذي كان يخاطبها الملائكة أو جبريل، لكنها لما قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ [آل عمران ٤٥] وعلمت أن الأمر من الله وجهت الخطاب إليه سبحانه وتعالى، فقالت: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ وتأمل هذا الاستعطاف منها حيث قالت: ﴿رَبِّ﴾. ومعلوم أن كلمة ﴿رَبِّ﴾ هنا مضافة إلى ياء المتكلم التي حذفت للتخفيف، وأصلها: ربي أنى يكون لي ولد؟ وقولها: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ هذا استفهام يعني من أين يكون لي ولد ولم يمسسني بشر؟ وهذا الاستفهام ليس على سبيل الشك، وليس على سبيل الاستبعاد، ولكنه على سبيل الاستثبات وزيادة الطمأنينة كقول إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة ٢٦٠] وإلا ما عندها شك. وقوله: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ الجملة حالية؛ يعني: والحال أنه لم يمسسني بشر، أي: لم يجامعني؛ لأن المس يطلق على الجماع؛ يعني يكنى به عن الجماع، كما قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٦] أي: تجامعوهن. ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ يعني لا بنكاح ولا بغير نكاح، فمن أين يكون الولد؟ ﴿قَالَ كَذَلِكِ﴾ قال من؟ الله عز وجل؛ لأنها نادت الله ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ ﴿قَالَ كَذَلِكِ﴾ يعني: الأمر كذلك، فالجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف تقديره: الأمر، وعلى هذا فيحسن الوقوف هنا، أي يحسن أن تقف، فتقول: ﴿كَذَلِكِ﴾، ثم تبتدئ فتقول: ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾. وهذا التركيب له نظائر في القرآن مثل قوله: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان ٥٤] وإنما تأتي هذه الصيغة للتقرير والتثبيت؛ يعني الأمر مثل ما وقع تمامًا. وقوله: ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ سبحانه وتعالى، ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، و﴿يَخْلُقُ﴾ الجملة خبر، يعني أن الله سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء سواء كان على وفق العادة أو على خلاف العادة، فعيسى عليه الصلاة والسلام جاء على خلاف العادة، لكن مَثله عند الله ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران ٥٩] أي خلق آدم من تراب ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩] والله على كل شيء قدير. وقد ذكر أهل العلم أن البشر منهم من خُلق بلا أم ولا أب، ومنهم من خلق من أم بلا أب، ومنهم من خلق من أب بلا أم، وأكثر الخلق من أم وأب، فالذي خُلق من غير أم ولا أب: آدم، ومن أب بلا أم: حواء؛ امرأة آدم، ومن أم بلا أب: عيسى، وسائر الناس من أم وأب. ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: الذي يشاء كمًّا وكيفًا، وعلى سبب معلوم، وعلى سبب غير معلوم؛ فالله سبحانه وتعالى لا معقب لحكمه يخلق ما يشاء، قلنا: بالكمية والكيفية، والسبب المعلوم والسبب غير المعلوم، والنوعية أيضًا، ما أكثر أنواع الخلق لا يحصيها الإنسان فضلًا عن أفرادها! وما أكثر الخلق لو أردت أن تحصى الخلائق ما استطعت، والله تعالى قد أحصاهم ورزقهم وأمدهم، وأعد كل مخلوق لما خُلق له، قال فرعون: ﴿مَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٤٩، ٥٠] كل شيء أعطاه خلقه المناسب له ثم هداه، هداه لما خُلق له، انظر أحيانًا تفتش الكتاب، تفتش الكتاب مراجعة تجد فيه حيوانًا لا يدركه البصر إلا بكلفة، حيوان داخل هذا الكتاب لا يدركه البصر إلا بكلفة، من خلقه؟ الله. ومن أعده للرزق؟ الله. ومن أمده برزقه المناسب له؟ هو الله عز وجل، فما بالك بالخلق الكثير الذي أكبر من هذا بكثير، فالمهم أن الله تعالى يخلق ما يشاء كمًّا وكيفًا ونوعًا، وبسبب معتاد، وبسبب غير معتاد، لا حرج على الله عز وجل يخلق ما يشاء ويفعل ما يشاء، قال: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٧]. ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿إِذَا قَضَى﴾ قضى أي: قضاء كونيًّا؛ لأن القضاء له معنيان: كوني وشرعي، فمن أمثلة الشرعي قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]. هذا قضاء شرعي، ومن أمثلة الكوني هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء ٤] قضينا شرعًا ولَّا كونًا؟ * الطلبة: كونًا. * الشيخ: ما يصح شرعًا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لأن الله لا يقضي شرعًا بالفساد أبدًا، فهو لا يحب الفساد، لكنه قضاء كوني، ما الفرق بين القضاءين الكوني والشرعي؟ الفرق بينهما أن القضاء الشرعي متعلق بما يحبه الله من فعل المأمور أو ترك المحظور. ثانيا: القضاء الشرعي قد يقع وقد لا يقع، قد يقع من المقضي عليه وقد لا يقع، القضاء الكوني يتعلق فيما أحبه الله وما لا يحبه الله، القضاء الكوني لا بد أن يقع من المقضي عليه، فصار الفرق؟ * الطلبة: وجهين. * الشيخ: أربعة أوجه أو وجهين؟ * الطلبة: وجهين. * الشيخ: وجهين، وعند ما نذكر الشيء وضده تكون أربعة. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ [سبأ ١٤]؟ * الطلبة: كوني. * الشيخ: هذا كوني ولَّا شرعي؟ * الطلبة: كوني. * الشيخ: كوني، قوله تعالى: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [هود ٤٤]؟ * الطلبة: كوني. * الشيخ: كوني. ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر ٢٠]؟ * الطلبة: شرعي.. * طالب: شامل. * الشيخ: شرعي، أو شامل؟ * الطلبة: شامل. * الشيخ: شامل، يعني حتى الكوني الذي يقضيه الله وإن كان شرًّا، لكن في المفعولات، أما في نفس القضاء فهو حق. يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ (أمرًا) مفرد جمعه أمور ولَّا أوامر؟ * الطلبة: أمور. * الشيخ: أمور، والمراد بالأمر هنا الشأن، يعني إذا قضى شأنًا أي شأن من الشؤون ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ما يحتاج إلى عمل، ولا إلى آلات، ولا إلى أي سبب، كل الخلائق مُسلِمة لله عز وجل ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ٨٣] تنتظر الأوامر إذا صدر الأمر من الله عز وجل كان المأمور؛ الأمر الكوني يقول: ﴿كُنْ﴾ فقط ﴿فَيَكُونُ﴾. قال الله تعالى عن البعث؛ بعث الخلائق كلها: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، وبين الله تعالى في سورة القمر كيف هذا الأمر هل يكرر؟ هل يتأخر المأمور؟ فقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر ٥٠] ما فيه التكرار واحدة، يتأخر المأمور؟ أيش؟ * الطلبة: ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾. * الشيخ: ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ يعني لو شاء ربنا عز وجل لأمر هذه الأرض أن تزول ومن فيها بلحظة ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، هذه القدرة التامة العظمية التي لا تُنسب قُدر الخلق إليها. ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (الفاء) هذه تفيد الترتيب، وإن شئت فقل: تفيد السببية، فإن قلت: إنها تفيد السببية فاقرأها بالنصب، وإن قلت: إنها تفيد الترتيب فاقرأها بالرفع، وكلتا القراءتين سبعية صحيحة، أن ﴿يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ﴾ أن ﴿يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فعلى قراءة الرفع تكون استئنافيه، والفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب كن فهو يكون في الحال، وعلى قراءة النصب تكون الفاء للسببية، فكأن الكون مسبب عن القول، ومعلوم أن المسبب يأتي مقارنًا للسبب، على قراءة النصب ﴿كُنْ﴾ سبب ﴿فَيَكُونَ﴾ مسبب، ومن المعلوم أن المسبب يأتي عقب السبب فورًا؛ لأنه سببه، والسبب مقارن للمسبب، وعلى هذا فتكون كل من القراءتين مفيدة لمعنى غير المعنى الثاني لكنهما متلازمان، المعنيان متلازمان. ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ طيب ﴿كُنْ﴾ ما ذكر الله سبحانه وتعالى أي شيء يكون عليه، بس يقول: ﴿كُنْ﴾ فيقع الشيء على مراد الله أو لا بد أن يقول: ﴿كُنْ﴾ ويبين ماذا يكون؟ * الطلبة: الأول. * الشيخ: طيب الأول. * طالب: الثاني. * الشيخ: الأول، الثاني، الأول، الثاني، لما خلق الله القلم قال له: اكتب، كتب ولَّا ما كتب؟ * الطلبة: كتب. * الشيخ: لا، ما كتب، «قَالَ: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.[[أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٥٧٢) من حديث عبد الله بن عمر.]] » فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيمة. الله أكبر! فالظاهر -والله أعلم- أن الشيء إذا قال الله له: كن، فلا بد أن يعين ماذا يكون بدليل حديث القلم، ولكنه إذا عين ما يكون فلا بد أن يكون الشيء على ما عين، فالقلم ما يعلم الغيب، لكن لما قال له الرب عز وجل: اكتب إلى ما هو كائن إلى يوم القيمة كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة؛ لأن الله أعلمه، أعلمه فكتب. إذن كن كذا، وهذه لا بد منها بيان مجمل الأمر، لا بد منها، فهذا هو الظاهر، وإذا كان الله عز وجل إذا أمره فقال: كن كان على مراد الله فليس هذا بغريب على قدرة الله أيضًا، أن الله تعالى يجعل هذا الشيء يخضع لأمر الله الذي أراده عز وجل، وإن كان لم يُطلعه عليه، لكن الذي يترجح عندي بناء على حديث القلم أن الله عز وجل يأمره أن يكون، ويبين ماذا يكون عليه. ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ﴿يُعَلِّمُهُ﴾ الضمير يعود على عيسى، والفاعل الله عز وجل. ﴿يُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ لأن عيسى كغيره من البشر؛ يعني لا يعلم إلا ما علمه الله، قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن ٢٦، ٢٧]. ﴿يُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الكتاب بمعنى المكتوب، وهل المراد أنه يُعلمه الكتابة؛ يعني يحسن الخط؟ أو المراد يعلمه الكتب السابقة؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني، كلاهما لا يتنافيان، فعلَّمه الكتابة فكتب، وعلَّمه الكتب السابقة، وعلمه التوراة والإنجيل. ﴿وَالتَّوْرَاةَ﴾ من باب عطف الخاص على العام لشرفها، وأما ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ فهو لم ينزل على أحد قبل عيسى. وقوله: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ الشريعة؛ لأن الشريعة من الله، وكل ما كان من الله فهو متضمن للحكمة، قال الله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء ١١٣]. فالحكمة هي الشرع، وهو موافق لمن فسر ذلك بالسنة؛ لأن سنة النبي ﷺ هي شرعه، هي شرعه الذي جاء به من الله، فعلمه الله عز وجل الحكمة، و(أل) في ﴿الْحِكْمَةَ﴾ هنا للعهد الذهني؛ يعني الشرع الذي شرعه الله لعيسى، ليس كل الحكمة، لكن للحكمة التي شرعت له. ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ التوراة: الكتاب الذي أنزله الله على موسى، والإنجيل: الكتاب الذي أنزله الله على عيسى، التوراة كتبها الله تعالى كتابة ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٤٥] ولهذا قال أهل العلم من علماء السلف: إن الله تعالى غرس جنة عدن بيده، وخلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده سبحانه وتعالى، فالتوراة مكتوبة من الله، كتبها بيده سبحانه وتعالى، ونزلت ألواحًا على موسى، وفيها ما تقتضيه المصلحة والحاجة والضرورة في ذلك الوقت، وأما الإنجيل فهو الكتاب الله الذي أنزله الله تعالى على عيسى، وهو بالنسبة للتوراة كالمكل لها كما قال تعالى فيما يأتي بالآيات: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران ٥٠] فهو كالمتمم للتوراة؛ لأنه بالحقيقة نزل على بني إسرائيل الذين أنزلت عليهم التوراة، ومن المعلوم أن حال بني إسرائيل تغيرت من وقت موسى إلى عيسى، فكان في الإنجيل أشياء فيها تعديل أو زيادة، المهم أنه متمم للتوراة. ثم قال: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿وَرَسُولًا﴾ (الواو) حرف عطف، ﴿وَرَسُولًا﴾ معطوف بجملتها على ما سبق أي: ويرسله رسولًا إلى بني إسرائيل. والرسول: هو الذي أوحي إليه بالشرع وأُمر بتبليغه، فإن لم يؤمر بتبليغه فهو نبي، هذا هو المشهور عند عامة العلماء رحمهم الله. وقيل: إن النبي لم يُوحَ إليه بشرع، وإنما كان مؤيدًا لشريعة قبله، يعني يُوحى إليه بتأييد الشريعة التي قبله، فكانت الأنبياء فيما سبق كالعلماء في هذه الأمة، وهذا وإن كان له وجه كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة ٤٤]. فقال: ﴿يَحْكُمُ بِهَا﴾ أي: بهذه التوراة ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾، لكن هذا القول يعكر عليه قضية آدم، فإن آدم نبي ومع ذلك لم يكن مجددًا لشريعة سابقة؛ إذ لم تنزل شريعة على البشر قبل آدم عليه الصلاة السلام، فلهذا يترجح تعريف الجمهور في النبي والرسول، وإذا قلنا: النبي من أوحي إليه بالشرع، فلا يمنع أن يكون هذا الشرع الذي أوحي إلى النبي هو شرع من قبله يوحى إليه تأكيدًا وتثبيتًا. قال: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بني إسرائيل هذه بني اسم قبيلة، ولَّا اسم أشخاص معينين؟ * الطلبة: اسم قبيلة. * الشيخ: اسم قبيلة كما يُقال: بنو تميم، والعلماء رحمهم الله تعالى يفرقون بين ابن وبني إذا كان اسمًا لقبيلة واسمًا لشخص معين، فإذا قالوا، وذكروا ذلك في باب الوقف وفرعوا عليه مسائل، إذا قلت: هذا وقف على بني فلان -وهم قبيلة- كبني تميم مثلًا، فهل يعم الجميع؟ وهل يشمل الذكور والإناث؟ قالوا: نعم، يعم الجميع، ويشمل الذكور والإناث، ولكن لا يجب التعميم، التعميم لا يجب، فلي أن أوزع هذا الوقف على ثلاثة من بني تميم فقط، ولي أن أعطي ثلاث نساء فقط؛ لأنه لا يختص بالرجال، بل يشمل الذكور والإناث؛ ولأنه لا يستلزم التعميم، أما لو قلت: هذا وقف على بني فلان، واحد من الناس، فإنه يجب تعميمهم دون الإناث، تعميم من؟ الذكور دون الإناث؛ لأن الابن غير البنت؛ ولأن بني فلان المعيّن محصورون يمكن حصرهم، فيجب تعميمهم والتساوي بينهم وإخراج النساء منهم، فبنو إسرائيل من أي الصنفين؟ من الأول من القبيلة، وإسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وهم بني عم لبني إسماعيل، ولهذا لما بُعث النبي ﷺ في بني عمهم بني إسماعيل غارت اليهود من ذلك وأنكروه، وكانوا بالأول يستفتحون على الذين كفروا، يقولون: سيبعث نبي ونتبعه ونكتسحكم ونغلبكم ظنًّا منهم أنه سيكون من بني إسرائيل، وليس ظنًّا حقيقيًّا بل هو وهم؛ لأنهم يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم، ويعلمون أنه سيُبعث في مكة، لكن توهموا ذلك، أوهمتهم أنفسهم الكاذبة، فلما بُعث ببني إسماعيل أنكروه وكذبوه. إسرائيل وأيش معناها؟ في السريانية قالوا: إن معناها، أو في العبرية: عبد الله، معناها عبد الله، الآن تُسمى الدولة اليهودية إسرائيل (...). * * * * طالب: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران 49 - ٥١]. * الشيخ: (...) ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ عبر هنا بالخلق، وفي قصة زكريا بالفعل ﴿يَفْعَلُ﴾ [آل عمران ٤٠] وهنا قال: ﴿يَخْلُقُ﴾ فهل هناك يعني نكتة، أو أنه اختلاف تعبير وهو من باب التفنن في التعبير كما يقولون؟ * طالب: اختلاف تعبير. * الشيخ: اختلاف تعبير طيب. * طالب: هنا فيه نكتة لطيفة. * الشيخ: وهي؟ * الطالب: وهو عندما أخبر الملك كليم الله كلامًا كان هذا من الغريب الذي ليس (...) بينما في مريم فهو غريب تمامًا خارج عن العادة، ولم يكن لها زوج. * طالب: يا شيخ، الحال هو وجود الإثبات (...) إنما هنا (...). * الشيخ: إيه، هذا قريب منه، الظاهر اختلاف لفظ. * طالب: شيخ، قد يكون يا شيخ في قصة زكريا أن الله عز وجل عندما أخبره بالفعل، أخبر بالفعل، لأن الخلق فاعل في الأصل. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: أن الخلق سيكون من أصله، أما هنا قد لا يتوقع الخلق؛ لأن. * الشيخ: اختلاف تعبير. * الطالب: يعني يا شيخ ولدت هذه المرأة وهي لم يمسسها بشر، شابة، ولم يمسسها بشر أعجب من أن تلد عجوز عاقر. * الشيخ: اختلاف تعبير. * طالب: كما يقال: حتى (...). * الشيخ: لا، هو على كل حال يقولون: إن ما ذكرتم هو قريب مما قاله العلماء، وهو صحيح؛ أن عيسى عليه الصلاة والسلام خُلق من غير ما جرت العادة به، خُلق على وجه لم تجرِ العادة بمثله إطلاقًا، فناسب التعبير بالخلق الدال على الإبداع، ولهذا يُقال: خلَق الله السماوات، ولا يقال: فعل الله السماوات، مع أن الخلق فِعله، لكن الخلق فيه نوع من الإبداع، ولذلك قال: خلق. الوجه الثاني: الرد على شُبه النصارى الذين يقولون: إن عيسى هو الله، والله ثالث ثلاثة، فيكون فيه التصريح بأنه مخلوق، ويكون هذا قطعًا لدابر قولهم، ففيه إذن: نكتة كونية، ونكتة شرعية، يعني حكمة: شرعية وكونية، وأظن أنني لم أذكرها (...). قوله: ﴿وَرَسُولًا﴾ رسولًا: ما الذي نصبها؟ * الطالب: حال. * الشيخ: حال، رسول حال، من غير مشتق؟! * الطالب: إي نعم، معطوف. * الشيخ: إي، معطوف على أيش؟ * الطالب: مصدقًا ورسولًا. * الشيخ: ما يصلح، ولا فيها، هو فيها مصدقا؟ ﴿يُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَرَسُولًا﴾. * طالب: نعم على ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ على ما قبل الإنجيل. * الشيخ: يعني ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ويعلمه رسولًا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا اصبر خليني أناقشة، ما أود الواحد يقول تخرصًا هكذا، أجب، يستقيم المعنى؟ * الطالب: لا يستقيم. * الشيخ: إذن. * الطالب: معطوفة على والإنجيل. * الشيخ: والله المستعان! ما يصلح. * طالب: شيخ، منصوب بفعل محذوف تقديره يرسله رسولًا. * الشيخ: صح، ويرسله رسولًا. بنو إسرائيل من هم؟ * الطالب: بنو إسرائيل هم أبناء يعقوب الاثنا عشر. * الشيخ: أبناء يعقوب الاثنا عشر، إذن إسرائيل هو؟ * الطالب: يعقوب عليه السلام. * الشيخ: هو يعقوب ابن؟ * الطالب: ابن إسحاق. * الشيخ: بن إبراهيم كذا؟ ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾. ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ فيها قراءتان، أخبرناكم بهما ولَّا لا؟ * الطلبة: لا (...). * الشيخ: فيها قراءة بكسر الهمزة وفتحها، وبفتح الياء مع فتح الهمزة؛ ثلاث قراءات، ﴿أَنِّيَ﴾ ، ﴿أَنِّي﴾، ﴿إِنِّي﴾ . قوله: ﴿أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾. ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فيكون طيرًا بإذن الله، يكون هذا الشيء طيرًا. وقوله: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أي: كمثله وصورته، فينفخ فيه فيكون طيرًا، وفي قراءة السبعية: ﴿فَيَكُونُ طَائرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ، والقراءتان لكل واحدة منهما معنى يكمل الأخرى، فقوله: ﴿يَكُونُ طَيْرًا﴾ أي: طيرا حيًّا بعد أن كان على صورة الطير وليس فيه روح، ﴿يَكُونُ طَائرًا﴾ أي يطير؛ تشاهدونه يطير بالفعل، فعندنا ثلاث مراتب؛ تصوير على هيئة الطير، الثاني: طير فيه روح، على قراءة: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾، الثالث: طير يطير بالفعل على قراءة: ﴿طَائرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وعلى هذا فيكون يخلق شيئًا على هيئة الطير، فينفخ فيه فيكون فيه الروح، ثم يطير. وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي بإذنه الكوني والشرعي؛ لأن كونه يصور مضاهيًا لخلق الله يحتاج إلى إذن شرعي؛ لأن الأصل أنه لا يجوز لأحد أن يُصور على تصوير الله عز وجل، قال الله تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١ / ١٠١) من حديث أبي هريرة.]] لكن الله تعالى أذن لعيسى عليه الصلاة والسلام لحكمة، هذا على تفسير بإذن الله، الإذن أيش؟ * الطلبة: الشرعي. * الشيخ: الشرعي، كذلك الإذن الكوني، يعني بإذن الله الإذن الكوني؛ لأن خلق هذا الطير حتى يطير يكون بإذن الله الكوني ولَّا الشرعي؟ * الطلبة: الكوني. * الشيخ: الكوني، أي: فيطير بإذن الله إذنًا كونيًّا، فعيسى عليه الصلاة والسلام يخلق كهيئة الطير بإذن الله الشرعي، فيكون طيرًا إذا نفخ فيه ويطير بإذن الله الكوني. وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ هذا من أجل تحقيق التوحيد، حتى لا يظن ظانّ أنه يخلق استقلالًا؛ لأنه لولا هذا التقييد بإذن الله لتوهم النصراني وغير النصراني أن عيسى عليه الصلاة والسلام يخلق، كما خلق الله آدم من طين على صورته، ثم نفخ فيه الروح، فصار بشرًا، فيظن الظان أن عيسى يخلق كخلق الله، فلهذا كان يقول عليه الصلاة والسلام: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ أبرئ: بمعنى أشفي، والبُرء في الأصل من البراءة، والبراءة من الشيء السلامة منه، ومنه بَرِئَ من دَيْنِهِ: أي سلم من غائلته؛ غائلة الدين وضيق الدين، فالبُرء من المرض يعني السلامة والشفا منه. وقوله: ﴿الْأَكْمَهَ﴾ الأكمه: قيل: إنه الذي لا يبصر ليلًا ويبصر نهارًا، وقيل: هو الذي يبصر ليلًا ولا يبصر نهارًا، وقيل: هو الذي لا يبصر إلا بمشقة، وقيل: الذي وُلد بلا عين، فإن كان الأكمه في اللغة العربية يحتمل هذه المعاني كلها، فهو للمعاني كلها، وإن كان لا يحتمل إلا معنى واحدًا، فأقرب الأقوال في ذلك أن الأكمه من وُلد بلا عين؛ لأن هذا أبلغ في القدرة؛ لأنه كلما كان أبلغ في القدرة كان أعظم في الآية، فنحن نقول: إن كانت اللغة العربية تُطلِق الأكمه على كل ما قيل فلتكن الآية شاملة، وإن لم تحتمل إلا معنى واحدًا فأقربها أن الأكمه من ولد بلا عين؛ لأن هذا أبلغ في القدرة، والأبرص من به برص، والبرص عيب يخرج في الإنسان من العيوب الجلدية، وهو قد يؤثر على الصحة العامة في البدن، وقد لا يؤثر، لكن البرص ليس له دواء، ليس له دواء فلهذا قال: أُبرئ الأبرص بإذن الله. وقوله: ﴿أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أحيي الموتى الذين ماتوا أحييهم بإذن الله، وليس المراد بالموتى هنا موتى معينين، بل هو للجنس، فأي واحد من الأموات يمكن أن يقع عليه هذا الأمر، أما قول من قال: إنه أحيا سام بن نوح، أو أحيا فلانًا أو أحيا فلانًا، فهذا من الإسرائيليات، لكن الآية أنه يحيي الموتى أي ميت يقف عليه وهو ميت يأمره فيحيا بإذن الله. ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ أنبئكم: أخبركم بما تأكلونه اليوم وما تدخرونه للغد في بيوتكم، من غير أن يأتي أحد يخبره بذلك، وهذا فيه شيء من علم الغيب، فيه شيء من علم الغيب، فأخبرهم أن من جملة آياته أنه يخبر الإنسان، يقول: أكلت اليوم كذا وكذا وكذا، وادخرت لغد أو بعد غد كذا وكذا، مع أنه لم يبعث أحدًا يطلع على ما في البيت، وهذا لا يكون إلا بوحي من الله، إذا لم يكن هناك بشر يُطلعه على ما في البيوت، فإنه يكون من وحي الله، وقد يكون بواسطة الجن، فإن الجن ربما تخدم الإنس، فتذهب إلى الأمكنة البعيدة، أو تتسوَّر الجدران وتخبر بما في البيوت، لكن الجن على هذا الوصف لا يجوز الاستمتاع به، أو الاتصال به، لماذا؟ لأن اطلاعه على أحوال الناس ظلم وعدوان، ولا يجوز للإنسان أن يستعين بظالم على ظلمه، ولهذا يمتنع هذا التقدير في حق مَنْ؟ في حق عيسى عليه الصلاة والسلام. يعني لو قال قائل: إن الذين يستعينون بالجن ربما يطلعون على ما يؤكل ويُدخر في البيوت. قلنا: لكن هذا لا يرد بالنسبة إلى عيسى؛ لأن الاستمتاع بالجن -على هذا الوجه- محرم، لما فيه من العدوان والظلم، لكن هو عيسى لا يمكن أن يفعل هذا، فتبين أنه يأتيه عن طريق الوحي. والحكمة من إخبارهم بهذا هو إطلاعهم على أنه هو عليه الصلاة والسلام يأتيه الوحي من الله في أمور خاصة، في الأمور الخاصة، في البيوت، والثاني -والله أعلم- تحذيرهم من أن يأكلوا شيئًا محرمًا عليهم، ولهذا سيأتي أنه قال لهم: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران ٥٠]؛ لأنهم إذا كانوا يعلمون أنه يعلم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم فسوف يتوقفون عن الشيء المحرم، وهم إذا توقفوا عن الشيء المحرم ربما يسر الله لهم فيحله لهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران ٤٩ - ٥١]. * الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وهذه قرأناها كلها. قال الله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إن في ذلك: المشار إليه ما سبق من عدة أمور؛ قوله: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ هذه ثلاث آيات، كل آية تدل على صدق عيسى عليه الصلاة والسلام، وأنه رسول الله حقًّا؛ لأن مثل هذا لا يستط يعه البشر، وآيات الأنبياء التي جاءت هي علامات على صدقهم لا يستطيع أن يأتي بمثلها البشر؛ لأن الآية لو أمكن للبشر أن يأتي بمثلها لم تكن آية، إذ إن كل إنسان يستطيع أن يفعل مثل هذا. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني أنها آية بهذا القيد؛ أي: إن كنتم مؤمنين، وأما غير المؤمن فإنه لا ينتفع بالآيات، ولا تكون الآية آية له، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١]؛ لأن قلوبهم قاسية مطبوع عليها والعياذ بالله، لا يصل إليها الخير ولا تلين من أجل العقوبات والنذر؛ لأنها قاسية؛ فالمؤمن هو الذي ينتفع بالآيات، بل إن غير المؤمن يرى أن هذه الآيات العظيمة أساطير الأولين ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين ١٣]. وذلك بسبب ما كان على قلبه من ظلمات المعاصي والعياذ بالله لقوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]. والإيمان سبق لنا معناه كثيرًا بأنه التصديق المستلزم للقبول والإذعان، وليس مجرد التصديق، ودليل ذلك أنه لا يتعدى بما يتعدى به التصديق، فإنه لا يقال: آمنته، ويقال: صدقته، بل إنه يتضمن الإقرار والاعتراف والانقياد والتسليم، ومَن صدّق ولم يقبل ولم يذعن فليس بمؤم ن، فأبو طالب عم النبي ﷺ كان مصدقًا برسالته، لكنه لم يقبل ولم يُذعن فلم يكن مؤمنًا، وإلا فإنه يصدق بما يقول بأشعاره وفي أحواله لكنه -والعياذ بالله- ليس بمؤمن، إذن الإيمان معنى زائد على التصديق، وليس هو مجرد التصديق. قال: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ هذه معطوفة على ما سبق؛ يعني أنها تكون منصوبة على الحال؛ يعني: وجئتكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة، وما بين يدي هو ما سبقه، ويطلق ما بين اليدين على ما سيأتي، فما بين اليدين يُطلق على ما مضى ويطلق على ما يستقبل، فإن قُرن بالخلف فهو للمستقبل، وإلا فإنه صالح للمستقبل والماضي، ففي قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] المراد؟ * الطلبة: المستقبل. * الشيخ: المستقبل لقوله: ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. وفي هذه الآية: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾ أي: لما سبقني من التوراة، وتصديقه للتوراة له وجهان: الوجه الأول: أنه يقرر صدقها ويقول: إنها كتاب حق. والوجه الثاني: أنه يصدق ما أخبرت به، فإذا كانت أخبرت به، ثم بعث كان مصدقًا لما فيها. وقوله: ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: هي الكتاب الذي أنزله الله على موسى ﷺ وهي أصل الكتب المنزلة على بني إسرائيل وأعظمها، بل هي أعظم الكتب -فيما نعلم- بعد القرآن. ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ﴾ يعني: وجئتكم أيضًا لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم قوله: ﴿لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي﴾ ولم يقل: كل، والمحرم عليهم ذَكره الله في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام ١٤٦]. وقال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء ١٦٠]، فلما حُرِّمت عليهم هذه الطيبات بظلمهم وعدوانهم، وبعث الله عيسى ﷺ أحل لهم بعض ما حرم عليهم، ولم يُذكر في القرآن بيان هذا البعض، فيكون باقيًا على إطلاقه، ولو كان لنا مصلحة في تعيين ذلك لبينه الله. وقوله: ﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ الفعل هنا مبني للمجهول، ولكن فاعله معلوم، من هو؟ * الطلبة: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: الله عز وجل كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام ١٤٦]. ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ كرر هذا مرة بعد قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾، فإما أن يقال: إن الآية التي ذُكرت هنا ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ تقتصر على تصديقه لما بين يديه من التوراة وعلى إحلاله بعض الذي حُرّم عليهم، وحينئذٍ لا يكون في الآية تكرار، وإما أن يقال: إن قوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ يشمل كل ما جاء من الآيات، ويكون من باب التأكيد وإقامة الحجة عليهم، فكرر مجيئه بالآيات احتجاجًا عليهم بما كذبوه. قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ اتقوا الله: يعني اتخذوا وقاية من عذابه؛ لأن التقوى مأخوذة من أي شيء؟ * الطلبة: من الوقاية. * الشيخ: من الوقاية، فبماذا تكون الوقاية من عذابه؟ تكون بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا هو المعنى الشامل للتقوى عند الإطلاق، وإذا قُرنت التقوى بالبر صار المراد بها اجتناب المحارم مثل قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢]. وقد عرَّف أهل العلم التقوى بعدة تعريفات لكن يجمعها ما ذكرناه من أنها اتخاذ الوقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. قال: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ أطيعون فيما أمرتكم به، وفيما نهيتكم عنه، وطاعته من التقوى بلا شك لكن نص عليها؛ لأنها تقوى خاصة فيما جاء به عيسى؛ لأن التقوى يُؤمر بها كل إنسان فإذا قال: أطيعون صارت تقوى خاصة في طاعة هذا الرسول الذي بُعث إلى قومه. والطاعة قال العلماء في تفسيرها: إنها موافَقة الأمر تجنبًا للنهي وفعلًا للمأمور، فمن تجنب النهي ناويًا بذلك امتثال الأمر فهو مطيع، ومن فعل الأمر ناويًا بذلك امتثال الأمر أيضًا فهو مطيع، أما من ترك النهي -أو بعبارة أصح المنهي عنه- عجزًا عنه، فإن هذا ليس بمطيع، بل إذا سعى في أسبابه حتى عجز كان كمن فعله لقول النبي ﷺ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «لِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨ / ١٦) من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث.]]. ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ لما أمرهم بتقوى الله ذكر ما هو كالسبب في ذلك، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ والرب: هو الخالق المالك المتصرف، وتوحيد الله بالربوبية أن نؤمن بأنه لا خالق ولا مالك ولا مدبر إلا الله سبحانه وتعالى، وما يضاف من الخلق أو الملك أو التدبير لغير الله فإنه على وجه النقص ناقص، من حيث الشمول ومن حيث التصرف، فمثلًا الخلق يُضاف إلى غير الله، وقد مر علينا قريبًا أن عيسى قال: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ [آل عمران ٤٩]، وقال الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون ١٤] وقال الله في الحديث القدسي: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؟»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١ / ١٠١) من حديث أبي هريرة.]] وقال النبي ﷺ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٩٥٠)، ومسلم (٢١٠٩ / ٩٨) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. وقال عليه الصلاة والسلام: «يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢١٠٥)، ومسلم (٢١٠٧ / ٩٦)من حديث عائشة.]]، ولكن الخلق المضاف إلى غير الله عز وجل خلق ناقص ليس إيجادًا حقيقة، ولكنه تغيير لصورة، فمثلًا الإنسان يخلق من الخشب بابًا، هل هو خلق الخشب؟ ومن الحديد سيارة، هل خلق الحديد؟ أبدًا، ولكن غيَّر، حوّله من حال إلى حال فصار هذا خلقًا، لكنه ليس هو الذي أوجد الحديد أو الخشب حتى يقال: إن خلقه كخلق الله، أيضًا خلق الإنسان أو البشر عمومًا ليس عامًّا شاملًا؛ لأن كل إنسان يخلق ما صنع فقط، وما لم يصنعه فليس من خلقه، كذلك الملك ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ١٨٩]. ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون ٨٨]، والآيات في إثبات الملك لله وحده كثيرة، ومع ذلك أضاف الله إلى غيره الملك في قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦]، وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور ٦١]، فهل نقول: إن هذا الملك كملك الله؟ لا، لا من حيث الشمول ولا من حيث التصرف، أما من حيث الشمول فلأن كل إنسان لا يملك أكثر مما تحت يده، ولذلك لا تملك كتابي، ولا أملك كتابك، أما ملك الله فهو عام شامل، وأما من حيث التصرف، فملك غير الله قاصر، لأن الإنسان لا يملك التصرف المطلق كما يريد، وإنما يتصرف حسب ما تقتضيه شريعة الله وحسب ما يأذن به الله، لو أراد الإنسان أن يمزق كتابه، هل يملك ذلك؟ * طالب: ليس له ذلك. * الشيخ: لا يملك ذلك، حرام عليه، يأثم، ولو أراد أن يمزق كتاب غيره كان حرامًا من وجهين: من وجه إفساد المال، ومن وجه العدوان على الغير؛ فالحاصل أن ملك الإنسان قاصر من ناحيتين: هما. * طالب: ملك (...). * الشيخ: لا ملك الإنسان قاصر * الطالب: ملك الإنسان إي نعم، (...). * الشيخ: نعم، فهو قاصر في التصرف. * الطالب: من حيث الشمول. * الشيخ: فهو قاصر من حيث الشمول طيب، أما التدبير فكذلك، الذي هو المعنى الثالث للربوبية التدبير، فالتدبير أيضًا يكون لغير الله، لكنه تدبير ناقص من حيث الشمول ومن حيث التصرف أيضًا، فالإنسان لا يُدبر كل شيء، لا يدبر إلا ما يملك تدبيره، ومع ذلك فتدبيره له تدبير ناقص على حسب ما يقتضيه به الشرع، لو أراد أن يدبر بعيره على وجه يشق عليه، يمشيها مع الوحل، يمشيها على النار وما أشبه ذلك هل يجوز؟ * الطلبة: لا يجوز. * الشيخ: لا يجوز، فهو ناقص، لو أراد أن يرسل عليها شواظًا من نار يملك؟ * الطلبة: ما يملك. * الشيخ: ما يملك، لكن الله عز وجل يملك، يملك هذا كله، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ولا معارض له، المهم أن الربوبية هي انفراد الله بالملك بالخلق أيش؟ والملك والتدبير، ولا يعني ذلك أن لا أحد يشاركه في خلق أو ملك أو تدبير، لكن على وجه لا يماثل ما يثبت للخالق من ذلك، فالإنسان قد يخلق، يقال: إنه خلق، ويقال: إنه ملك، ويقال: دبر، لكنه -كما سمعتم- ناقص. قوله: ﴿رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ بدأ بنفسه ليكون أول مذعن لهذا الرب عز وجل؛ لأن الرب خالق مالك مدبر فبدأ بنفسه ليكون هو أول من يذعن وينقاد لهذا الرب. قال: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ (الفاء) هنا عاطفة وتفيد السببية؛ أي: فبسبب كونه ربًّا فاعبدوه، ولهذا نقول: إن الإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم الإقرار بتوحيد الألوهية، وأن من أقر بتوحيد الربوبية وأنكر توحيد الألوهية فقد تناقض، ولذلك سفَّه الله المشركين الذين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ثم ينكرون توحيد الإلهية فيقول: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر ٦٩]، ﴿أَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس ٣٢]، ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة ٧٥] وما أشبه ذلك مما يدل على أنه من السفه أن يقر الإنسان بأن الله وحده هو الخالق المالك المدبر، ثم يعبد غيره! فنقول مثلًا للمشرك: ألست تؤمن بالله؟ سيقول: بلى، أنه الخالق؟ بلى، أنه المالك؟ بلى، أنه المدبر؟ بلى، أنه لا خالق معه ولا مالك ولا مدبر؟ بلى، أؤمن بهذا كله، إذن كيف تجعل معه إلهًا تعبده؟ ومن كان غير الله فهو معبود أو عابد؟ * الطلبة: عابد. * الشيخ: عابد مربوب، هو عبد مربوب لله عز وجل فكيف تجعله معبودًا مع الله؟! ولهذا قال: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ فالفاء إذن عاطفة تفيد السببية؛ أي: فبسبب كونه ربي وربكم اعبدوه وحده. ما هي العبادة؟ العبادة مأخوذة من الذل (عَبَد) بمعنى (ذَلّ)، ومنه قولهم: طريق معبد؛ أي: مذلل لسالكيه، فأصلها الذل، لكنها بالنسبة لله عز وجل ذُل مقرون بمحبة وتعظيم، فكل من تعبد لله فإن تعبده هذا مقرون بهذين الأمرين؛ المحبة والتعظيم، فبالمحبة يكون الطلب وبالتعظيم يكون الهرب؛ فالإنسان إذا أحب شيئًا طلبه، وإذا عظم شيئًا هابه وهرب منه وخاف منه، ولهذا كانت العبادة مبنية على الرجاء والخوف. والعبادة تطلق أحيانًا على هذا المعنى الذي ذكرنا باعتبارها مصدرًا، ما هو الذي ذكرناه؟ التذلل لله مع المحبة والتعظيم، وتطلق أحيانًا على اسم المفعول أو على الشيء المتعبد به، وحينئذٍ نقول: إنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة فالصلاة مثلًا؟ * الطلبة: عبادة. * الشيخ: عبادة، والزكاة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، وبر الوالدين عبادة، وصلة الأرحام عبادة، وهكذا، فأحيانًا تطلق على الفعل، وأحيانًا تطلق على المفعول، على الفعل فنفسرها بماذا؟ بأنها التذلل لله عز وجل حبًّا وتعظيمًا، وباعتبار المعمول أو المفعول اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه مما أمر به ورسوله. قال: ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ هذا المشار إليه إما أقرب مذكور أو كل ما سبق، من قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا﴾ أي: تقوى الله، وطاعة رسوله، وتحقيق العبادة له صراط مستقيم أي: طريق، ولا يسمى الطريق صراطًا إلا إذا اجتمع فيه السعة والاعتدال؛ لأنه مأخوذ من (السَّرْط) وهو الابتلاع بسرعة، وإن شئت فقل: من (الزَّرْط) وهو الابتلاع بسرعة، والطريق الواسع المستقيم يبتلع سالكيه بسرعة؛ لأن الضيق لا يمشي الناس فيه إلا أيش؟ * الطلبة: ببطء. * الشيخ: رويدًا رويدًا ببطء، وغير المستقيم لا يُوصل إلى الغاية إلا ببطء سواء كان انحرافه عن يمين وشمال، أو من حيث الصعود والنزول؛ فإنه إذا كان صاعدًا نازلًا أتعب السالك ولَّا لا؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: فإذا قدرنا مثلًا أن جبلًا طوله خمسون مترًا وعرضه خمسون مترًا، كم يكون ما بين عرضه وعرضه الآخر؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: لا، صاعده الإنسان صاعده. * الطلبة: مئة. * الشيخ: لا، مئة وخمسين، مئة وخمسين، عرضه خمسون، وطوله خمسون في السماء ارتفاعه، بيصير مئة وخمسين، الصعود خمسون، والنزول خمسون، والمسطح خمسون، فإذا كان الصراط مستقيمًا في انحرافاته يمينًا وشمالًا وكذلك في الصعود والنزول اختصر الطريق، وهكذا أيضًا الصراط إذا قدَّرنا أن الغاية تصل إليها بالطريق المستقيم في ثلاثين مترًا، وهذا فيه تعاريج، كل تعريجه عشرة أمتار، وفيه عشر تعاريج، كم تصل إلى الغاية في المتر؟ بمئة، فالحاصل أن الصراط قال العلماء: لا يكون صراطًا إلا إذا كان واسعًا مستقيمًا وهو مأخوذ من (السَّرْط) أو (الزَّرْط)، والزرط تعرفون معناه عندكم في الأكل، أعطيته لقمة وحطها في فمه على طول بلعها وأيش يقول؟ * طالب: ازرطها. * الشيخ: يقول: ازرطها. ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ مستقيم؛ يعني لا اعوجاج فيه، ووصفه بالاستقامة بعد أن قلنا: إن الطريق هو الواسع المستقيم الذي ليس فيه اعوجاج من باب التوكيد كما تقول: هو رجل رجل، كيف رجل رجل؟ وأيش معنى رجل رجل؟ يعني جامع لمعاني الرجولة، كذلك طريق مستقيم جامع لكل معنى الطريق، هذا صراط مستقيم. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ في هذه الآية من الفوائد: تعظيم شأن مريم عليها الصلاة والسلام؛ حيث أمر الله نبيه أن يذكر قصتها لهذه الأمة، لأنّا قلنا: ﴿إِذْ قَالَتِ﴾ مفعول لفعل محذوف تقديره: اذكر إذ قالت. * ومن فوائدها: فضيلة مريم، حيث خاطبتها الملائكة لقولها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ إلى آخره. ومن فوائدها على ما ذهب إليه بعض أهل العلم: أن مريم نبية؛ لأن الملائكة أوحت إليها، وقالت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ إلى آخره، ولكن في هذا الاستدلال نظر؛ لأنه ليس بصريح في أنها نُبِّئت، ومجرد خطاب الملائكة لها لا يثبت نبوتها؛ لأن النبوة إنما هي لمن أوحي إليه بشرع لا لمن أوحي إليه بثناء أو بتهيئته لما سيكون، بل لمن أوحي إليه بشرع، وهي لم يُوحَ إليها بشرع، فالأمر ليس بصريح، ولدينا آية تدل على أنه لا يُبعث من النساء نبي، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف ١٠٩]. إلا رجالًا: و(إلا) تفيد الحصر فتدل على أنه لا يمكن أن تكون امرأة من النساء نبية، وكذلك أيضًا قال النبي عليه الصلاة والسلام حين بلغه أن الفرس أمَّرُوا عليهم بنت كسرى قال: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٥) من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث.]]. وإذا كان القوم لا يفلحون مع الانتخاب فإنهم هم الذين انتخبوها وولَّوها، فكيف يمكن أن يُرسل الله تعالى امرأة ليفلح الناس على يدها؟! صحيح أن المرأة تكون عالمة، تكون داعية، كما هو الواقع، أما أن تكون نبية يوحى إليها لتتولى السلطة -كما يقولون التشريعية والتنفيذية- فهذا بعيد، فالصواب: أن مريم من الصالحات القانتات، وليست من الأنبياء والرسل. * ومن فوائد الآيات الكريمة: أن الله تعالى يصطفي من الناس من يشاء لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أي: اختارك اختيارًا لم يشاركها فيه أحد؛ لأنها صارت خادمة لبيت المقدس مع أنه لا يخدمه عندهم إلا الرجال، فهذا نوع من الاصطفاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: براءة مريم مما ادعاه اليهود من كونها بغِيًّا لقوله: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾. ومن فوائد الآية الكريمة: براءة مريم مما ادعاه اليهود من كونها بغيًّا؛ لقوله: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾، واليهود -قبحهم الله- اعتدوا على مريم وابنها، فقالوا في مريم: إنها بغي، وقالوا في ابنها عيسى: إنه ولد زنا وكذبوه، وقتلوه إثمًا لا حقيقة، كيف قتلوه إثمًا لا حقيقة؟ لأنهم أمضوا هذا الأمر الذي يظنون أنهم قتلوا به عيسى وصلبوه، وقالوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾، قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٥٧]، فكانوا قتلة إثمًا لا حقيقة؛ لأن عيسى باقٍ إلى الآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مريم مفضلة ومصطفاة على نساء العالمين، ولكن هل هذا يتناول نساء العالمين إلى يوم القيامة؟ أو نساء العالمين في زمنها؟ يحتمل المعنيين، إما أن المراد: نساء العالمين في زمنها، ويكون قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسْيَا امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٤١١)، ومسلم (٢٤٣١ / ٧٠) من حديث أبي موسى الأشعري دون لفظ «وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ» أما حديثها فهو حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٤٣٢)، ومسلم (٢٤٣٠/ ٦٩) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه بلفظ: «خَيْر نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَيْر نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ».]]، يكون هذا مما أطلع الله عليه نبيه ولم تطلع الملائكة على هذا، والملائكة بلغت مريم ما بلغت به. * ومن فوائد الآية الكريمة: تكرار أو جواز تكرار المناقب؛ لأن أوصاف الكمال كلما كررت ظهر من كمال الموصوف ما لم يكن معلومًا من قبل، واضح؟ ننطلق من هذه الفائدة إلى فائدة تتعلق بصفات الله عز وجل وهي: أن أكثر ما وصف الله به نفسه الصفاتُ الثبوتية التي يثبتها لنفسه، أما الصفات التي ينفيها عن نفسه فوصفه بها قليل بالنسبة لوصفه بصفات الإثبات؛ لأن صفات الإثبات كمال، كمالات، وصفات النفي نقائص، تُنفى لا لذاتها ولكن لإثبات كمال ضدها، مع أنها هي منفية أيضًا حقيقة. ثم قال عز وجل: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: بيان أنه كلما من الله على إنسان بشيء كانت مطالبته بالعبادة أكثر؛ لأن الملائكة لما قالت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ أمرتها بأيش؟ بالقنوت والسجود والركوع، فدل هذا على أنه ينبغي للإنسان كلما ازدادت عليه نعم الله أن يزداد على ذلك شكرًا بالقنوت لله والركوع والسجود وسائر العبادات. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة القنوت لله، ولكن ما هو القنوت؟ دوام الطاعة والخشوع والاشتغال بالطاعة عما سواه؛ ولهذا لما نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] أمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام ليشتغلوا بالطاعة عما سواها، فالقنوت: دوام الطاعة مع الاشتغال بها عن غيرها. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: فضيلة السجود والركوع؛ لقوله: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، مع أنه من القنوت، لكن لفضيلتهما نص عليهما. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز ترك الترتيب للمصلحة أو لمراعاة شيء آخر، وهو قوله: ﴿اسْجُدِي وَارْكَعِي﴾. ولا يقول قائل: لعل الصلاة في عهدهم يقدم فيها السجود وفي هذه الشريعة يقدم فيها الركوع؟ تقول: الأصل خلاف ذلك، لكن نص على السجود بدأ به؛ لأنه أبلغ في القنوت من الركوع، كما ذكرناه في أثناء التفسير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العبَّاد من الرجال أكثر من العبّاد من النساء، وأكثر لقوله: ﴿ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ولم يقل: مع الراكعات، إشارة إلى أن الكمال في الرجال، وكثرة العمل في الرجال أظهر منها في النساء؛ ولهذا كانت النساء أكثر أهل النار، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ».]]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إلّا بلى، هذا في الصراط اللي يوم القيامة. * طالب: كيف يسمى صراط؟ * الشيخ: نعم، يسمى صراطًا؛ لأن السالكين فيه ينفذون بسرعة بعضهم مثل لمح البصر، وبعضهم مثل البرق، ما في عائق يعوق، مع أنه ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه دَحْض ومَزِلَّة[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣ / ٣٠٢) واللفظ له من حديث أبي سعيد الخدري.]]، وهذا يدل على أنه طريق واسع كالعادة، والعلماء -مر علينا في التوحيد- أنهم مختلفون هل هو طريق عادي أو أنه كما جاء في صحيح مسلم -أنا أظنه عن أبي سعيد بلاغًا-: «أَنَّهُ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ»[[أخرجه مسلم (١٨٣ / ٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري بلاغًا.]]. * طالب: (...). * الشيخ: ويش الأصل؟ ما الأصل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إيه، لكن ما هو الأصل في إضافة الفعل إلى فاعله؟ أن يكون فعله هو أو فعله غيره؟ * الطالب: (...). * الشيخ: خلها قاعدة عامة: الأصل في إضافة الفعل إلى فاعله أنه قائم به، هذا هو الأصل، وذكرنا لكم أن العلماء قالوا: إن الله خلق آدم بيده، وغرس جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا عام أريد به الخاص، (...) وأيضًا الرسول قال: «عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٦٠٤) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.]]، فهذا مما جهله الناس، يعني: ربما يكون عند الله له دواء ما ندري عنه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: اختلاف الضميرين؛ لأنه قال: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء ٩١]. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني قصدك الطيور؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: أنا ظننت قصة مريم، الطيور، اقرأ آية المائدة. * الطالب: قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠]. * الشيخ: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ وهنا قال: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إذا حاول الإنسان وجود فرق معنوي واتضح له فهو الفرق، وإن لم يوجد فإنه يكون من باب اختلاف التعبير، يعني: لأن (هيئة) صالحة للتذكير والتأنيث، ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ يعني: مثل هيئة الطير، ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ أي: في الهيئة، أو تنفخ في المِثْل، فعلى تقدير أنه ينفخ في المثل يكون؟ * طالب: ﴿فِيهِ﴾. * الشيخ: ﴿فِيهِ﴾، أو ينفخ في الهيئة؟ * طلبة: ﴿فِيهَا﴾. * الشيخ: يكون ﴿فِيهَا﴾. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، عندما قال: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ ثم قال: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ قال: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وقال: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ ولم يقل: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؟ * الشيخ: لأن هذا علم، صفة فيه، وهذاك شيء متعدٍ إلى غيره، هذا خلق وإبراء، وإحياء. * الطالب: وكذلك. * الشيخ: لا هذا العلم، كلٌّ يعرف، اللي في البيت يعلم، اللي في بيت الإنسان يعلم ما أكله وما ادخره. * طالب: على كده يا شيخ يترجح القول بأنه كان يستعين كما استعان سليمان عليه السلام بالجن؟ * الشيخ: لا، ما يتوجه؛ لأن هذا من باب الوحي. * طالب: هل يوجد تفاضل بين أركان الصلاة في الركوع والسجود؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: يعني التفاضل بينها هي نفسها؟ * الشيخ: إي نعم، هي نفسها. * الطالب: كيف ذلك؟ * الشيخ: الركوع أفضل من وجه، والسجود أفضل من وجه، من جهة أن الساجد أقرب ما يكون لله، وقد وضع أعز ما فيه على الأرض يكون السجود أفضل. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

آل عمران 3:49

ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ الواو حرف عطف، و(إذ) نقول فيها مثلما قلنا فيما سبق في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران ٣٥] يعني أنها منصوبة بفعل محذوف تقديره: اذكر، وتضمين الجملة لهذا يدل على العناية بها، وأنه ينبغي إشهارها وإظهارها حتى تتبين وتتضح للناس. وإنما ذكر الله قصة زكريا ومريم هنا، وعيسى فيما بعد، في أول هذه السورة لأنها نزلت في وفد نجران الذين قدموا على النبي ﷺ وهم من النصارى، فأراد الله أن يبين لنبيه ﷺ قصة المسيح ومن حوله كاملة حتى يتبين له الأمر تماما، فإذا احتاج إلى محاجة النصارى وإذا عندهم علم قريب منها مما عندهم. ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ الملائكة المراد بهم الجنس؛ إذ ليس المراد كل الملائكة، بل واحد منهم، وهو في الغالب جبريل، ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾، ونداؤها باسمها العلم نوع من التكريم؛ إذ لم يقل: يا هذه باسم الإشارة، بل أتى باسمها العلم تكريما لها، ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أي: اختارك؛ وذلك لأن اصطفى أصلها: اصتفى بالتاء، لكن لعلة تصريفية قلبت التاء طاء، وهي مأخوذة من الصفوة، يعني جعلك من صفوة الخلق، واصطفاؤه إياها سبحانه وتعالى من عدة وجوه: الوجه الأول: أنه تقبلها بقبول حسن حين قالت أمها: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران ٣٥]، مع أن المعروف عندهم أنه لا يخدم المساجد إلا الرجال، لكن هي قبلت. ومنها -من اصطفائه لها- أنه أنبتها نباتا حسنا، وقد سبق الكلام على معنى الكلمتين وأنهما تتضمنان التربيتين الروحية والجسدية. ومن اصطفائه لها أيضا: أن الله تعالى اختار أن تكون عند نبي من الأنبياء؛ حتى تتربى ببيت نبوة. وقوله: ﴿طَهَّرَكِ﴾ طهرك من أي شيء؟ هل هو من الأرجاس الحسية؟ أو من الأرجاس المعنوية؟ الظاهر الثاني، وأنها بالنسبة للأرجاس الحسية كالبول والغائط والحيض كغيرها من النساء، لكنه طهرها من الأرجاس المعنوية، فبرأها الله تعالى مما رماها به اليهود، وكذلك طهرها من سفاسف الأخلاق حتى كانت دائما في عبادة الله سبحانه وتعالى، كما سيتبين إن شاء الله. ثم قال: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ الواو حرف عطف، ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ أي ميزك من بينهن، فالاصطفاء الأول اصطفاء عام، وهذا اصطفاء خاص بالنساء، اصطفاها الله تعالى من بين سائر النساء حيث جعلها من النساء الكمل، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن مريم عليها الصلاة والسلام خير نساء البشر، هي وخديجة بنت خويلد وآسية امرأة فرعون، و«فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (3411)، ومسلم (2431 / 70) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، فهي من النساء الكمل رضي الله عنها، ولهذا قال: ﴿اصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾. وهل المراد نساء العالمين في زمنها؛ لأن النساء اللاتي في زمن النبي عليه الصلاة والسلام لا شك أنهن في أمة هي خير الأمم، أو المراد العموم؟ فيه قولان للعلماء، منهم من قال: إنه خاص بنساء زمانهم، كما ذكر الله عن بني إسرائيل أنه فضلهم على العالمين، ومع ذلك فهذه الأمة أفضل منهم ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ٤٧] ومن المعلوم أنهم ليسوا أفضل من هذه الأمة؛ لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠]. ثم قال.. * طالب: والراجح؟ * الشيخ: يأتي إن شاء الله الكلام عليه. * طالب: قول الرسول ﷺ: «فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ» ما يأتي عامة (...)؟ * الشيخ: والله بعض العلماء أخذ من هذا أنها أفضل من الثلاث التي معها؛ لأنه قال: «فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ» بعد أن ذكر فضل هؤلاء الثلاث، وبعضهم قال: إن المراد: على النساء سواهن، والله أعلم بمراد رسوله. * طالب: شيخ (...). * الشيخ: هي ما ذكرت معهن. * الطالب: (...) * الشيخ: لا ثلاث. * الطالب: (...) تعقيب على (...) * الشيخ: يعني فيه احتمال أنه عليه الصلاة والسلام أفردها لتكون أكمل منهن، وفيه احتمال أنها أفضل من النساء اللاتي سواها (...) والله أعلم بمراد رسوله، ما عندي في هذا. * طالب: إن القول الأفضل إنها أفضل على نساء أهل زمانها، القول الثاني يا شيخ. * الشيخ: إن ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ مطلقة، حتى نساء هذه الأمة هي أفضل منهن، وإن شاركتهن في الفضيلة لكن هي أفضل منهن. * طالب: اسم مريم عليها السلام لم يذكر في القرآن سوى هذا الاسم، نأخذ منه فوائد. * الشيخ: نحن وصلنا الفوائد؟ * طالب: حكمة التطهير بعد الاصطفاء، الاصطفاء يعم (...)؟ * الشيخ: الاصطفاء الاختيار، ونص على التطهير لدفع ما قاله اليهود في أنها كانت بغيا. * الطالب: شيخ، أحسن الله إليكم، هو قول الأخ حينما سأل: عليها السلام. * الشيخ: من عنى؟ * الطالب: عنى مريم. * الشيخ: عليها السلام؟ * طالب: إي. * الشيخ: ما فيها مانع، «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، ما فيها مانع أبدا، لكن الأحسن أن يقال: رضي الله عنها أحسن؛ لئلا يتوهم واهم أنها نبية. * طالب: الله سبحانه وتعالى يذكر في آيات أخر أن مؤمن آل فرعون مع الرجل الذي جاء يسعى من أقصى المدينة ولم يذكر اسم الرجل، وهنا ذكر مريم رضي الله عنها كان أيش يصير فيها؟ * الشيخ: يعني هذا خطاب خاص، وهذاك تحدث عن شخص غائب. * الطالب: يا شيخ هذا فيه فضيلة لو ذكر اسمه له؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: مؤمن آل فرعون؟ * الشيخ: لا؛ لأن الله يذكر القصص أحيانا للعبرة فقط، حتى لا يكون الإنسان معتنيا بالاطلاع على الأشخاص، فالعبرة بالمعاني وما سيقت القصة من أجله، أما كونه فلان وفلان ما يهم، حتى لو علمت الآن أن الرجل هذا اسمه فلان تستفيد فائدة كثيرة؟ * طالب: يعني أعرف الثناء عليه مثل مريم. * الشيخ: الثناء عليه يكفي أنه قال رجل مؤمن من آل فرعون، أنه من آل فرعون يكفي، أنه آمن وهو من آل فرعون، أما هذا الخطاب.. يعني أنا لو قلت لك: يا رجل أو قلت: يا عبد الرحمن، أيهن أبلغ في الإكرام؟ أو قلت: يا هذا؟ الخطاب غير مسألة التحدث عن شخص، الخطاب ليس كالتحدث عن شخص، الخطاب إذا ذكر الإنسان باسمه العلم صار هذا دليلا على التفخيم والتكريم. * طالب: في بعض الآيات يقول: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾، وفي آيات ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾؟ الشيخ يقول: في بعض الأحيان يقول: ﴿اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، وأحيانا يقول: ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ﴾ كيف يعني نقول؟ الجواب: أن المعنى واحد، وأن المراد بـ ﴿اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ يعني اذكر ربك باسمه، وأما من قال: إن (اسم) زائد فهذا قول ضعيف، وأن ﴿اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ يعني: اذكر ربك، هذا قول لا صحة له، ولكن المعنى: اذكر ربك باسمه؛ لأن هذا هو الذي يتم به الذكر. * طالب: خيرية مريم وغيرها من النساء في الدنيا والآخرة أم في الدنيا فقط وفي الآخرة فقط؟ * الشيخ: في الدنيا والآخرة. * الطالب: ورد في الحديث أن فاطمة رضي الله عنها سيدة (...). * الشيخ: لا هذيك سيدة نساء أهل الجنة، لكنهن خير. * طالب: شيخ، ما استدل به بعض المفسرين أن هذه القصة على أن الخال بمنزلة (...)، قصة زكريا. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: قصة زكريا ومريم وعيسى، بعض المفسرين على أن الخال بمنزلة (...). شيخ: وجه ذلك؟ * الطالب: أن أخت مريم خالة عيسى كانت تحت مريم. * الشيخ: تحت زكريا، وبعدين؟ * الطالب: هل يصح هذا الاستدلال يا شيخ؟ * * * * طالب: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران ٤٣ - ٤٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾، ذكرنا أن الاصطفاء معناه الاختيار، وهو مأخوذ من الصفوة، وصفوة كل شيء خلاصته. ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ ظاهرا وباطنا، من العيوب الظاهرة ومن العيوب الباطنة، ومن الأخلاق السافلة، فهي مطهرة ظاهرا وباطنا. ونص الله تعالى على ذلك دفعا لقول اليهود -قاتلهم الله ولعنهم-: إنها كانت بغيا، وإن عيسى عليه الصلاة والسلام كان ولد زنا. وقوله: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ قلنا: إن المراد بذلك نساء عالمي زمانهم، على أنها هي وخديجة بنت خويلد وآسية امرأة فرعون هؤلاء الثلاث كملن من النساء، و«فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»[[سبق تخريجه.]]. وقوله: ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ العالمين هم كل من سوى الله في الأصل، كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، فالرب والمربوب لا يوجد سواهما، وعليه فالعالم كل من سوى الله، هذا في الأصل، وسمي عالما لأنه علم على خالقه عز وجل، فإن ما في هذه المخلوقات من الآيات الدالة على كمال الله سبحانه وتعالى وعلى كل ما تتضمنه هذه المخلوقات علم واضح على ما تتضمنه هذه المخلوقات من الصفات الكاملة. ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ هذا من خطاب الملائكة أيضا، تقول لها: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ والقنوت هو دوام الطاعة، واللام في قوله: ﴿لِرَبِّكِ﴾ للاختصاص، أي قنوتا خالصا لله، أي طاعة خالصة له؛ لأن من شرط الطاعة أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿لِرَبِّكِ﴾ الربوبية هنا ربوبية خاصة، وقد مر علينا أن الربوبية تنقسم إلى ربوبية عامة وربوبية خاصة، فالعامة هي الشاملة لكل أحد، والخاصة تختص بمن خصها الله به، لكنها تفيد تربية أكثر اعتناء واختصاصا من الربوبية العامة. وقوله: ﴿وَاسْجُدِي﴾ الواو حرف عطف، ﴿وَاسْجُدِي﴾ يعني السجود المعروف، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة أمرت أن تسجد على سبعة أعظم[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨١٠)، ومسلم (٤٩٠ / ٢٢٨) من حديث ابن عباس.]]، وعطف السجود على القنوت من باب عطف العام على الخاص أو الخاص على العام؟ الخاص على العام. وذكر الخاص بعد العام يدل على فضله ومزيته. ولا شك أن السجود من أفضل أنواع الطاعة، ولهذا كان «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢ / ٢١٥) من حديث أبي هريرة.]]. وقوله: ﴿ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ الركوع معروف، وهو انحناء الظهر، وقوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي في جملتهم، وليس المراد أنها تصلي مع الجماعة؛ لأن المرأة لا تخاطَب بالصلاة مع الجماعة، لكن كوني في جملة الراكعين الذين يركعون لله عز وجل. وفي قوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ولم يقل: مع الراكعات، مع أنها امرأة؛ لأن الكُمّل من الرجال أكثر من الكمل من النساء، ولهذا لم يكمل من النساء إلا ثلاث[[سبق تخريجه.]]. وقوله: ﴿اسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ قدم السجود على الركوع؛ لأن هيئة السجود أفضل وأبلغ في الخضوع، فقدمها على الركوع، أما من حيث الترتيب الفعلي بالنسبة للصلاة فإن الركوع قبل السجود. ثم قال الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾، ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه كل ما سبق من قصة زكريا وقصة مريم. وقوله: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ أي من أخبار الغيب، أي من أخبار الشيء الغائب الذي لا يعلم، لكن من الذي لا يعلمه؟ ليس المراد من وقع في زمنه؛ لأن من وقع في زمنه فهم يعلمونه، لكن المراد: لا يعلمها النبي ﷺ ولا قومه؛ كما قال تعالى في سورة هود: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود ٤٩] إذن هي غيب نسبي ولّا حقيقي؟ غيب نسبي بالنسبة لمن لم تكن في زمنه، أما من كانت في زمنه فهي مشاهدة، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام وقومه كانوا أميين، لا يعلمون شيئا عن الأمم السابقين، فأوحى الله إلى نبيه ﷺ ما أوحى من أخبار السابقين التي ما كان يعلمها لا هو ولا قومه، وهو دليل على أنه رسول الله حقا، وأن الوحي يأتيه من الله. وقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ الوحي في اللغة الإعلام بسرعة وخفاء، فإذا أعلمك إنسان بسرعة على وجه خفي يسمى في اللغة وحيا، وحيا، ولكنه في الشرع: إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما يشاء من شرعه، هذا الوحي، إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما أيش؟ بما يشاء من شرعه. ثم إن كلفه بتبليغه كان رسولا، وإلا كان نبيا. * الشيخ: الأخ عرفنا ما هو الوحي شرعا؟ أنت إي نعم. * طالب: الوحي ما أمر (...) بالشرع ولم يؤمر بتبليغه. * الشيخ: هذا الوحي شرعا. * الطالب: خلاف الرسول، فإذا أمر بتبليغه.. * الشيخ: صار الوحي شرعا من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه! هذا الوحي شرعا! أعتقد أنك ما أنت معنا؟ * طالب: (...) * الشيخ: لا لا، تأملها في غير وقت الدرس، وقت الدرس تأمل ما يقول المدرس، ما تابعتنا ولهذا أخطأت في تعريف الوحي. طيب إذن الوحي؟ * طالب: الوحي هو ما يوحي الله سبحانه وتعالى شرعا نبيا من أنبيائه، فإن أمره بالتبليغ فهو كان رسولا، وإن لم يؤمره فهو نبي. * الشيخ: أيش الوحي؟ * الطالب: هو ما يوحيه الله سبحانه وتعالى إلى نبي من أنبيائه من شرعه. * الشيخ: لا. * طالب: إيحاء الله لنبي.. إيحاء الله عز وجل.. * الشيخ: لا. * الطالب: تبليغ وتكليف الله عز وجل. * الشيخ: لا. * طالب: إخبار الله لنبي من الأنبياء بما يشاء من شرعه. * الشيخ: نعم، هذا الوحي: إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما يشاء من شرعه، ثم إن أمر بتبليغه كان رسولا وإلا فهو نبي. ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ أي نخبرك به على الوصف الذي ذكرنا، وهو إخبار الله تعالى لنبي من أنبيائه بما شاء من شرعه، هذا الوحي. وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أي ما كنت عندهم، يعني عند زكريا وقومه ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾، ﴿إِذْ﴾ أي حين، وهي متعلقة بقوله: ﴿كُنْتَ﴾، يعني ما كنت في ذلك الوقت عندهم ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾، ﴿أَقْلَامَهُمْ﴾ اختلف العلماء في تفسيره، فقيل: إنها على ظاهرها؛ أنهم ألقوا أقلامهم التي يكتبون بها، وقيل: إن المراد بها سهامهم التي تكون في النصل يرمون بها، وسميت قلما لأنها تشبهه في الاستطالة ودقة الرأس، السهم عندهم بمنزلة الرصاصة عندنا في الوقت الحاضر. على كل حال أيها ظاهر القرآن؟ ظاهر القرآن أن المراد بالأقلام الأقلام الحقيقة التي يكتب بها، ولا نعدل عن ظاهر القرآن إلا بدليل، هذه هي القاعدة الشرعية في تفسير القرآن، بل وفي تفسير الحديث النبوي، بل وفي كلام الغير، حتى كلام الناس يجب أن نعمل بظاهره إلا بدليل، ولكن ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ كيف ألقوا هذه الأقلام؟ المعروف أنهم ألقوها في النهر؛ في الماء الذي يمشي، فما انحبس منها فصاحبه الذي يكفل مريم، وما جرى فهو الذي لا يكفلها، ولكن القرآن ليس فيه بيان ذلك، يعني ليس فيه أنهم وضعوا هذه الأقلام في النهر، إنما ألقوا أقلامهم على وجهٍ اللهُ أعلم بكيفيته، لكنهم ألقوها من باب الاقتراع، يعني قرعة أيهم يكفل مريم، فخرجت القرعة لمن؟ لزكريا؛ كما قال تعالى في أول القصة: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران ٣٧]. ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ يعني وما كنت عندهم أيضا في حال اختصامهم أيهم يكفل مريم، هذا الاختصام هل هو قبل إلقاء الأقلام أو بعده؟ قبله، الظاهر أنه قبله، لكن أخر في الذكر لمناسبة الآيات؛ رؤوس الآيات ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هذا هو الذي يظهر، على أنه قد يقال: إن الله سبحانه وتعالى ذكر النتيجة قبل المقدمة أو قبل السبب لأنها هي الغاية، فإن إلقاء الأقلام والاستهام هو غاية الاختصام، فاختصموا أيهم يكفلها فقالوا: لنسهم بإلقاء الأقلام. وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ هذا كالدليل لقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ يعني فأنت ما قلتها لأنك شاهد، ولكن قلتها لأنها أوحيت إليك. وأيضا فيه إشارة إلى أن هذا الذي أنبئ به كأنما يراه بعينه، كأنه حاضر، وهو كذلك، بل كما قلنا فيما سبق: إن إخبار الله عز وجل أشد ثبوتا وحقيقة مما يُرى في العين. ثم قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ﴾، يعني: اذكر إذ قالت الملائكة: يا مريم، وهل المراد جنس الملائكة أو الملائكة كلهم؟ الظاهر الأول أن المراد الجنس؛ لأن القائل واحد، والمشهور أنه جبريل. قال لها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ إلى آخره. قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ سبق أن معنى البشارة في الأصل: الإخبار بما يسر، وأنها قد تطلق على الإخبار بما يسوء؛ بجامع أن كلا مما يسر وما يسوء يغير البشرة ويؤثر فيها. ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ قوله: ﴿بِكَلِمَةٍ﴾ تحتمل وجهين: الوجه الأول: أن الكلمة هي المبشر به، كما تقول: بشرته بولد، بشرته بولد، فتكون الكلمة هي المبشر به. والوجه الثاني: أن المراد بالكلمة هنا الصيغة التي حصلت بها البشارة، أي: يبشرك بشارة عن طريق النطق بها، عن طريق النطق، كما تقول: بشرته بالقول، لا بالكتابة. فأنت مثلا تبشر الإنسان إما بواسطة النطق، وإما بواسطة الكتابة، وإما بواسطة الإشارة، فقوله: ﴿يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ أي أن الوسيلة التي حصلت بها البشارة هي الكلمة، يعني أن الله قال سبحانه وتعالى كلمة فيها البشرى بالمسيح عيسى ابن مريم. فالوجهان محتملان، الوجه الأول ما هو؟ أن المراد بالكلمة عيسى، يعني المبشر به، كما تقول: بشرته بولد، أو أن المراد بالكلمة الصيغة التي حصلت بها البشارة، أي أن البشارة حصلت من الله بالقول، كما تقول: بشرته بالنطق، بشرته بالكتابة، بشرته بالإشارة. فأما على الاحتمال الثاني فلا إشكال، لا إشكال أن تقع البشارة بالنطق، لكن على الاحتمال الأول أن الكلمة هي المبشر به، فكيف يكون المبشر به كلمة مع أنه إنسان؟ أجاب العلماء عن ذلك بأنه أطلق عليه الكلمة لأنه كان بالكلمة، لا بالوسائل الحسية المعلومة؛ لأن الولد في العادة يأتي بواسطة النكاح، لكن هذا لم يأت بالنكاح، أتى بالكلمة ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩]، فلهذا صح أن يطلق عليه الكلمة. وفي هذه الآية إشكال آخر: إذا قلنا: إن قوله: ﴿بِكَلِمَةٍ﴾ تعني المبشر به، وهو قوله: ﴿مِنْهُ﴾، ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ فإن (من) لها معانٍ، منها: التبعيض؛ كما قال ابن مالك رحمه الله في الخلاصة: بَعِّــضْ وَبَيِّــنْ وَابْتَــدِئْ فِــــيالْأَمْكِنَــــــــــهْ ∗∗∗ بِمِــــــــنْ وَقَــــدْ تَأْتِــــي لِبَــــدْءِالْأَزْمِنَــــــــــــــــهْ الشاهد قوله: (بعّض)، فإن (من) تفيد التبعيض، فهل معنى ذلك أن عيسى بعض من الله كما قال ذلك النصارى؟ الجواب: لا، الجواب ليس بعضا من الله، لأن الله واحد أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ولا يتبع أحد هذه الآية ويدعي التبعيضية أو يدعي البعضية، إلا من في قلبه زيغ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٧]، والنصراني كما اتبع المتشابه في هذه الآية اتبع المتشابه في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩] قال: هذا كلام الله يقول: ﴿إِنَّا﴾ وإنا تفيد الجمع، فاتبع المتشابه انتصارا لرأيه الفاسد، ولا يخفى على كل ذي لب أن المراد بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ وما أشبهها التعظيم، لا التعدد. كذلك هنا ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ لا يقتضي أن يكون عيسى بعضا من الله عز وجل؛ لأنك إن ادعيت أنه بعض من الله فلتدع أنه كلمة الله، ومعلوم أنه لا أحد يدعي أن عيسى كلمة، عيسى بشر، له جسم وروح، يأكل ويشرب، وهل الكلمة كذلك؟ لا. فأنت إن ادعيت أنها من الله فادع أن عيسى كلمة، ومعلوم أن عيسى ليس بكلمة. إذن فيتعين أن تكون (من) إما ابتدائية وإما بيانية، يعني: بكلمة صادرة من الله عز وجل بأن قال: كن فكان. نظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية ١٣]، هل يدعي أحد أن ما في السماوات وما في الأرض بعض من الله؟ لا، لا يدعي، حتى النصراني ما يدعي ذلك، ولكن هنا (من) إما للابتداء، يعني ابتداء التسخير من الله، أو للبيان، بيان مَن المسخر، أو من أين جاء هذا التسخير. قال: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾، اسم: مبتدأ، و﴿الْمَسِيحُ﴾ خبر، و﴿عِيسَى﴾ خبر ثانٍ، و﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ خبر ثالث، وإنما قلنا ذلك لأنك لو أفردت كل واحد عن الآخر لاستقام الكلام، لو قلت: اسمه ابن مريم صح؟ اسمه عيسى، اسمه المسيح صح، وعلى هذا فكل واحد منها خبر، وقيل: بل الثلاثة خبر واحد، كقولك: البرتقال حلو حامض، هنا لا يصح أن تقول: حلو خبر وحامض خبر؛ لأنك لو أفردت أحدهما عن الآخر فسد المعنى، لو قلت: البرتقال حلو ما صح، لو قلت: البرتقال حامض، ما صح، ما أدى المعنى الذي يؤديه قوله: حلو حامض؛ لأن حلو حامض يعني: جامع بينهما، يعني: مز، كذا؟ فلهذا نقول في قول القائل: البرتقال حلو حامض، حلو حامض جميعها خبر، لكن في الآية التي معنا: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ لا يستقيم هذا المعنى فيها، وبناء على ذلك نقول: إن كل واحد منها خبر. مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٤ - ١٦] خمسة أخبار. هذه الأخبار الثلاثة جمعت أنواع العَلَم التي أشار إليها ابن مالك في قوله: وَاسْمًــــــــا أَتَــــــــى وَكُنْيَــــــــةًوَلَقَبَــــــــــــــــــــــــا ∗∗∗ وَأَخِّــــــــرَنْ ذَا إِنْ سِــــــــوَاهُصَحِبَــــــــــــــــــــا معلوم؟ أين الاسم؟ طلبة: عيسى. * الشيخ: اللقب؟ طلبة: المسيح. * الشيخ: الكنية؟ طلبة: ابن مريم * الشيخ: وإذا كان هذه الكلمات الثلاث قد جمعت أنواع العلم الثلاثة: الاسم، واللقب، والكنية، يبقى عندنا إشكال في قول ابن مالك: (وأخرن ذا) يعني اللقب (إن سواه صحبا)؛ فإنه في الآية الكريمة قدم اللقب، فيبقى إشكال، فهل نأخذ بقول ابن مالك ونقول: القرآن شاذ؟ حاشا حاشا، نقول: ابن مالك وألفيته الشاذة ولا يشذ القرآن. إذن كيف نجمع بين هذا الكلام من هذا العالم في النحو وبين الآية؟ من المعروف أن علماء النحو رحمهم الله لا تضييق عليهم أبدا، ولهذا يقولون في ضرب الأمثال: حجة نحوي، أو يقولون: حجج النحاة كبيوت اليرابيع، واضح؟ حجج النحاة كبيوت اليرابيع، أيش معنى هذا؟ اليرابيع جمع يربوع، وعندنا باللغة العامية: جرابيع، طيب اليربوع من ذكائه يتخذ جحرا في الأرض له باب، وإذا بلغ منتهاه خرق الأرض متعليا إلى فوق، فإذا بقي قشرة رقيقة وقف؛ من أجل إذا دخل عليه أحد من باب الجحر خرج من هذه النطاقة؛ كما يقولون، نطق. أقول: النحويون رحمهم الله لا تضييق عليهم، قالوا: الجواب عن الآية: هو أن اللقب إذا اشتهر به الإنسان حتى صار كالعلم، أو كالاسم، جاز أن يقدم، جاز أن يقدم، ولهذا نجد في كلام العلماء: الإمام أحمد بن حنبل، المسيح عيسى ابن مريم، على أوزان المسيح عيسى ابن مريم، الإمام محمد بن إدريس الشافعي، فيقدم الإمام مع أنه لقب، لماذا؟ للاشتهار، إذن لا إشكال الآن. قال: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ واختار الله تعالى له اسم المسيح لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، أو لكثرة مسحه الأرض وسيره فيها، أو من المسحة وهي الجمال، والمعنى الأول أشهر، يعني أنه لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، فهو يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويخرجهم من قبورهم، وهذه الأمور لا تتم لكل أحد، بل لا تتم لأحد أبدا إلا بإذن الله عز وجل. ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ولم ينسبه إلى ذَكر؛ لأنه لا أب له، وأظن ذلك واضحا أنه لم ينسبه إلى أب لأنه لا أب له، لكن لماذا نسبه إلى أمه؟ إشارة إلى ألا يقول قائل: إنه ينسب إلى كافله زكريا، يعني لئلا يقول قائل: ما دام هذا الطفل ليس له أب فلينسب إلى كافله حتى يُعرف به، فبدأت الملائكة وبينت أن هذا الرجل ينسب إلى أمه ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾. ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قوله: ﴿وَجِيهًا﴾ هذه منصوبة على الحال، من أين؟ حال من أين؟ طلبة: من عيسى. * الشيخ: أو المسيح، حال كونه وجيها في الدنيا، والوجيه هو ذو الجاه، وهو الشرف والمكانة والسيادة، وقد كان كذلك عليه الصلاة والسلام، أما وجاهته في الدنيا فلأنه كان أحد الرسل الكرام، بل هو من أولي العزم، وأعظم الناس جاها في الدنيا والآخرة هم أولو العزم، كما قال الله تبارك وتعالى عن موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب ٦٩]، وأما وجاهته في الآخرة فكما قلنا أيضا لأنه من أولي العزم من الرسل الذين هم في أعلى درجات الجنة ولهم في الآخرة مقامات لا تكون لغيرهم. وقوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.. وهو الشرف والمكانة والسيادة، وقد كان كذلك عليه الصلاة والسلام، أما وجاهته في الدنيا؛ فلأنه كان أحد الرسل الكرام، بل هو من أولي العزم، وأعظم الناس جاهًا في الدنيا والآخرة هم؟ * طالب: أولو العزم. * الشيخ: أولو العزم كما قال الله تبارك وتعالى عن موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب ٦٩]. وأما وجاهته في الآخرة فكما قلنا أيضًا؛ لأنه من أولي العزم من الرسل الذين هم في أعلى درجات الجنة، ولهم في الآخرة مقامات لا تكون لغيرهم. وقوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ هذا وصف ثالث أنه من المقربين إلى مَنْ؟ * الطلبة: إلى الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إلى الله عز وجل، من المقربين إلى الله في الدنيا ولَّا في الآخرة؟ * الطلبة: في الدنيا والآخرة. * طالب: كلاهما. * الشيخ: في الدنيا والآخرة؛ لأن المقرب يكون مقربًا في الدنيا ويكون كذلك مقربًا في الآخرة، فعيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام كان وجيهًا في الدنيا والآخرة وكان من المقربين إلى الله، وهل هذا الوصف حاصل لغيره من الأنبياء؟ الجواب: نعم، أولو العزم من الرسل لا شك لهم وجاهة في الدنيا والآخرة وأنهم مقربون إلى الله. * طالب: شيخ، في الآية السابقة ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ منه زائدة؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾. * الشيخ: زائدة؟ أيهم اللي زائدة؟ * الطالب: ﴿مِنْهُ﴾. * الشيخ: الحرف هذا الجر والضمير كلها؟ * الطالب: نعم، (...) منه. * الشيخ: كيف يكون التقدير؟ * الطالب: يعني كلمة اسمه المسيح. * الشيخ: معناه زادت الهاء ضمير. * الطالب: هذه مضاف إليه. * الشيخ: يعني بأيش؟ * الطالب: بكلمته (المسيح). * الشيخ: ما يستقيم؛ أولًا: أن (مِن) لا تزاد إلا في النكرة، ولا تزاد إلا بعد نفي أو شبهه، وثانيًا: أنها لا تزاد مع الضمير أبدًا. وثالثًا: أنه لا محظور فيه. * طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة لتقدير الفعل (اذكر) هل كان النبي ﷺ يعرف أن الله (...)؟ * الشيخ: إيه. * الطالب: يُذكر الناس. * الشيخ: إيه، أمره الله أن يذكرها للناس. * الطالب: يعني كان من قبل عنده علم؟ * الشيخ: لا، ما يعلمها إلا بوحي الله. * الطالب: في نفس الخطاب اذكر؟ * الشيخ: لا، نعم. * الطالب: في نفس الخطاب اذكر، يعني كان عنده علم؟ * الشيخ: إيه، نعم. * الطالب: أو ما كان عنده علم سابق؟ * الشيخ: لا، ما كان عنده علم سابق. * طالب: طيب تصلح أن نقول اذكر؟ * الشيخ: إيه، يصلح، لو قلت لك أنا: اذكر للناس كذا وكذا، وأنت ما تدري عنها بالأول. * الطالب: بمعنى بلِّغ؟ * الشيخ: بمعنى بلِّغ، إيه. * الطالب: المنازل اللي يأخذونها الأنبياء أولي العزم. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: المنازل اللي عند الله لأولي العزم من الرسل، يعني هل المؤمنين في الجنة يصلون إلى هذه المنازل يعني؟ * الشيخ: إيه يصلون، لكن ليس يصلونها على سبيل السكنى. * الطالب: الزيارة يعني. * الشيخ: إيه ما فيه شك، يعني المؤمنون -اللهم اجعلنا جميعًا منهم- يزورون حتى الله عز وجل، الله أكبر! * الطالب: شيخ، أحسن الله إليك شيخنا، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ [آل عمران ٤٤] ألا نقول يا شيخ أقلامهم هي الأسهم، والدليل على ذلك أن العرب عادتهم إذا كانوا يلقون الأصنام يلقون الأسهم، فيكون قصُّه دليل على هذا؟ * الشيخ: إيه لا، نحن نقول: ما دام أن الله قال: أقلام، والأقلام في اللغة العربية معروفة ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم ١] معروفة لماذا نعدل عن الظاهر؟! يمكن العرب أنهم يجعلون السهام؛ لأنهم أميون لا يكتبون ولا يقرؤون، وهناك فيما سبق يقول: أقلام. * طالب: شيخ، (المسيح) ذكره فعيل، وهذا فاعل؟ * الشيخ: وبعضهم أبدى المناسبة في مسألة الأقلام؛ لأنهم يكتبون بها الكتب المنزلة. * طالب: نقول: المسيح هل هو بمعنى (فاعل) ولَّا بمعنى (مفعول)، المسيح؟ * الشيخ: لا، بمعنى (فاعل) إلا على قول من يقول المراد بذلك المسحة من الجمال، فهذا يكون بمعنى (مفعول). * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، بالنسبة للفرق بين الذكر والتسبيح؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: وردت الآية: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران ٤١] ما الفرق بين الذكر والتسبيح؟ * الشيخ: التسبيح: تنزيه الله عما لا يليق به، والذكر: الثناء عليه بما يستحق. * طالب: شيخ، قلنا: إن الله عز وجل نسب عيسى إلى مريم، وقلنا: لا ينسبه إلى غيرها حتى لا (...) بالنسبة (...) هو يقول: (...). * الشيخ: لا، هو ذكرنا لماذا يعني هم بادروا بأن ينسب إلى أمه ابن مريم، بادروا بذلك لأن لا يُنسب إلى أحد غيرها. * طالب: لماذا قلنا: رب (...). * الشيخ: لا، كونه ابنًا لا شك أنه رد على النصارى سواء نسب إليها أو إلى غيرها، لكن كونهم يبادرون بهذا بأن يُنسب إلى أمه لأن لا يقول القائل: ننسبه للرجل؛ لأن هذا العادة بالنسبة وأقرب من ينسب إليه زكريا. * طالب: أولو العزم يعني أيش المقصود بالعزم؟ * الشيخ: أولو العزم؛ معنى العزم يعني الحزم في الأمور والصبر عليها وملاحاة الناس مثل ما نقول: إن فلانًا صاحب عزيمة؛ يعني قوي مصمم على تنفيذ ما يريد. * الطالب: مختصين بهذا عن بقية الرسل. * الشيخ: إي نعم، هذا هو المشهور أن قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٣٥] أن (مِن) للتبعيض، وأن أولو العزم هم الخمسة المذكورون في آيتين من القرآن، وبعضهم جعل (مِن) بيانية، فعلى هذا يكون جميع الرسل من أولي العزم، لكن المشهور الأول. ذُكرت في آيتين من القرآن ما هما؟ * الطالب: إحداهما. * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: في الشوري: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى ١٣]. * الشيخ: نعم، هذه واحدة، وفي الأحزاب؟ * الطالب: في الأحزاب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب ٧]. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: قلنا يا شيخ: إن هذه للبداءة والمعاينة؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: البداءة والمعاينة؟ * الشيخ: المعاينة، بيانية. * الطالب: بيانية، طيب يا شيخ فيه آية: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم ١٧] يعني كيف المخرج من مفهوم الآية؟ * الشيخ: أيهم الثانية ولَّا الأولى؟ * الطالب: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾. * الشيخ: إيه يعنى جبريل. * الطالب: يا عم الشيخ، يرد علينا أسئلة وإحنا لا نستطيع..، نريد حجة يا شيخ دامغة لهؤلاء. * الشيخ: نسأل الله، الله يعينك، أيش عندك؟ * الطالب: إرسال ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم ١٧] يقولون هذا. * الشيخ: طيب صحيح، نحن نقول هذا، إن جبريل عليه الصلاة والسلام تمثل لها بشرًا سويًّا ليمتحنها. * الطالب: رجل؟ * الشيخ: رجل، رجل، فهمت؟ ولهذا قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم ١٨] وأيش قال لها؟ ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم ١٩] الآيات متواصلة، ما هو بس جاء بشر وحملت، بيَّن أنه رسول الله. * طالب: الإشكال يقولون: إن هذا بشر؛ يعني رجل (...) يعني قد يقولون: إنها حملت منه أو كذا. * طالب آخر: هذا القول يا شيخ (...). * الشيخ: هم قالوا هذا، ولهذا هم قالوا من أول ما جاءتهم ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٨] وأيش معنى هذا؟ هذا تعريض بأنها زانية، يقولون: كيف جئت بالزنا وأبوك ما كان امرأ سوء وما كانت أمك بغيًّا، لو كان هذه وراثة ما استغربنا، لو كان أبوك امرأ سوء أو كانت أمك بغيًّا زانية -والعياذ بالله- قلنا: هذه مثل آبائها، هذا تعريض، لكن وأيش اللي حصل؟ أشارت إليه، انظر الآية، فدافع عن نفسه. * طالب: شيخ، فيه إرسال يا شيخ، فيه إشكال؟ * الشيخ: ما فيه إشكال يا أخي، ما فيه إشكال، هذا الرجل، هذا جبريل عليه الصلاة والسلام أرسله الله تعالى ليمتحنها، ولهذا لجأت إلى الله ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ ما فيه إشكال. * طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، أنت قلت: قدمت ثلاثة أقوال في اسم المسيح فإنه إذا مسح المريض بالعمى يبرأ؟ * الشيخ: ذا عاهة. * الطالب: ذا عاهة يبرأ، وأنه يمسح الأرض (...). * * * * طالب: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٤٥ - ٤٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ وهذا قرأناه. قال: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ (الواو) حرف عطف، والجملة معطوفة على ما سبق. ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ أي: في حال الصغر، وأصل المهد أو الْمِهاد الفراش يوضع للإنسان فيطؤه ويستريح عليه. وقوله: ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ أي: في الفراش وهو صغير، وهذا من آيات الله عز وجل؛ لأن العادة التي أجرى الله سبحانه وتعالى البشر عليها أن لا يتكلم أحد إلا في سن معين، وفي المهد لم يتكلم إلا ثلاثة؛ منهم المسيح عيسى ابن مريم، وتكلم بكلام من أبلغ الكلام لما جاءت به قومها تحمله ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم ٢٧ - ٢٩] فقالوا: كيف نكلم من كان في المهد صبيًّا؟ ﴿قَالَ﴾ يعني حين سمعهم: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم ٣٠ - ٣٣] كلام من أفصح الكلام وأعظمه وهو في المهد، وهذا من آيات الله عز وجل الدالة على قدرته، ولهذا كان آيات عيسى كلها تدور حول هذا الأمر، حول خوارق العادات في الأمور الكونية، فهو نفسه آية خُلق بلا أب، وكلم الناس في المهد، وهذا من الآيات، يصنع من الطين كهيئة الطير فينفخه فيكون طيرًا، يبرئ الأكمه والأبرص، ولا أحد يبرئهما من الأطباء، يحيي الموتى ويخرجهم من القبور. قال أهل العلم: لأنه بُعث في زمن ترقى فيه الطب ترقيًا عظيمًا فجاء بآيات من جنس الأعمال التي يعملونها ليكون ذلك أبلغ في الإعجاز كما جاء موسى عليه الصلاة والسلام بالعصا واليد التي تُبطل سحر السحرة، وكان السحر في وقته قد زاد وانتشر، وكما أتى محمد ﷺ بكلام أبلغ الكلام وأفصحه لانتشار الفصاحة في زمنه وعهده حتى يعجز هؤلاء البلغاء، ويتبين أنه ليس من كلام البشر. قال: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ يعني ويكلمهم وهو كهل من الحادية والثلاثين إلى الأربعين، يكلمهم في هذه الحال، في هذه الحال ليس غريبًا أن يكلم الناس، ولكنه أتى بها لفائدة وهي أن كلامه في المهد ككلامه وهو كهل؛ يعني ليس ككلام الصبي الذي يتكلم في المهد (يا بابا، يا ماما) وما أشبه ذلك، بل كلام فصيح من أبلغ الكلام كما يتكلم به وهو أيش؟ * طالب: كهل. * الشيخ: وهو كهل. ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ من الصالحين أيضًا، يعني وهو من الصالحين، وسبق لنا أن الصالح من صلحت سريرته وعلانيته يعني ظاهره وباطنه، ظاهره بالإخلاص لله والطهارة من كل شرك ونفاق وشك وأحقاد وبغضاء للمؤمنين وما أشبه ذلك، ظاهره بأيش؟ بالمتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام وعدم الابتداء، فهو عليه الصلاة والسلام من الصالحين الذين صلحت ظواهرهم وبواطنهم، وإن شئت فقل: سرائرهم وعلانيتهم. ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ﴾ هي الآن تخاطب الله، والذي كان يخاطبها الملائكة أو جبريل، لكنها لما قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ [آل عمران ٤٥] وعلمت أن الأمر من الله وجهت الخطاب إليه سبحانه وتعالى، فقالت: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ وتأمل هذا الاستعطاف منها حيث قالت: ﴿رَبِّ﴾. ومعلوم أن كلمة ﴿رَبِّ﴾ هنا مضافة إلى ياء المتكلم التي حذفت للتخفيف، وأصلها: ربي أنى يكون لي ولد؟ وقولها: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ هذا استفهام يعني من أين يكون لي ولد ولم يمسسني بشر؟ وهذا الاستفهام ليس على سبيل الشك، وليس على سبيل الاستبعاد، ولكنه على سبيل الاستثبات وزيادة الطمأنينة كقول إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة ٢٦٠] وإلا ما عندها شك. وقوله: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ الجملة حالية؛ يعني: والحال أنه لم يمسسني بشر، أي: لم يجامعني؛ لأن المس يطلق على الجماع؛ يعني يكنى به عن الجماع، كما قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٦] أي: تجامعوهن. ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ يعني لا بنكاح ولا بغير نكاح، فمن أين يكون الولد؟ ﴿قَالَ كَذَلِكِ﴾ قال من؟ الله عز وجل؛ لأنها نادت الله ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ ﴿قَالَ كَذَلِكِ﴾ يعني: الأمر كذلك، فالجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف تقديره: الأمر، وعلى هذا فيحسن الوقوف هنا، أي يحسن أن تقف، فتقول: ﴿كَذَلِكِ﴾، ثم تبتدئ فتقول: ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾. وهذا التركيب له نظائر في القرآن مثل قوله: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان ٥٤] وإنما تأتي هذه الصيغة للتقرير والتثبيت؛ يعني الأمر مثل ما وقع تمامًا. وقوله: ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ سبحانه وتعالى، ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، و﴿يَخْلُقُ﴾ الجملة خبر، يعني أن الله سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء سواء كان على وفق العادة أو على خلاف العادة، فعيسى عليه الصلاة والسلام جاء على خلاف العادة، لكن مَثله عند الله ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران ٥٩] أي خلق آدم من تراب ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩] والله على كل شيء قدير. وقد ذكر أهل العلم أن البشر منهم من خُلق بلا أم ولا أب، ومنهم من خلق من أم بلا أب، ومنهم من خلق من أب بلا أم، وأكثر الخلق من أم وأب، فالذي خُلق من غير أم ولا أب: آدم، ومن أب بلا أم: حواء؛ امرأة آدم، ومن أم بلا أب: عيسى، وسائر الناس من أم وأب. ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: الذي يشاء كمًّا وكيفًا، وعلى سبب معلوم، وعلى سبب غير معلوم؛ فالله سبحانه وتعالى لا معقب لحكمه يخلق ما يشاء، قلنا: بالكمية والكيفية، والسبب المعلوم والسبب غير المعلوم، والنوعية أيضًا، ما أكثر أنواع الخلق لا يحصيها الإنسان فضلًا عن أفرادها! وما أكثر الخلق لو أردت أن تحصى الخلائق ما استطعت، والله تعالى قد أحصاهم ورزقهم وأمدهم، وأعد كل مخلوق لما خُلق له، قال فرعون: ﴿مَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٤٩، ٥٠] كل شيء أعطاه خلقه المناسب له ثم هداه، هداه لما خُلق له، انظر أحيانًا تفتش الكتاب، تفتش الكتاب مراجعة تجد فيه حيوانًا لا يدركه البصر إلا بكلفة، حيوان داخل هذا الكتاب لا يدركه البصر إلا بكلفة، من خلقه؟ الله. ومن أعده للرزق؟ الله. ومن أمده برزقه المناسب له؟ هو الله عز وجل، فما بالك بالخلق الكثير الذي أكبر من هذا بكثير، فالمهم أن الله تعالى يخلق ما يشاء كمًّا وكيفًا ونوعًا، وبسبب معتاد، وبسبب غير معتاد، لا حرج على الله عز وجل يخلق ما يشاء ويفعل ما يشاء، قال: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٧]. ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿إِذَا قَضَى﴾ قضى أي: قضاء كونيًّا؛ لأن القضاء له معنيان: كوني وشرعي، فمن أمثلة الشرعي قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]. هذا قضاء شرعي، ومن أمثلة الكوني هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء ٤] قضينا شرعًا ولَّا كونًا؟ * الطلبة: كونًا. * الشيخ: ما يصح شرعًا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لأن الله لا يقضي شرعًا بالفساد أبدًا، فهو لا يحب الفساد، لكنه قضاء كوني، ما الفرق بين القضاءين الكوني والشرعي؟ الفرق بينهما أن القضاء الشرعي متعلق بما يحبه الله من فعل المأمور أو ترك المحظور. ثانيا: القضاء الشرعي قد يقع وقد لا يقع، قد يقع من المقضي عليه وقد لا يقع، القضاء الكوني يتعلق فيما أحبه الله وما لا يحبه الله، القضاء الكوني لا بد أن يقع من المقضي عليه، فصار الفرق؟ * الطلبة: وجهين. * الشيخ: أربعة أوجه أو وجهين؟ * الطلبة: وجهين. * الشيخ: وجهين، وعند ما نذكر الشيء وضده تكون أربعة. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ [سبأ ١٤]؟ * الطلبة: كوني. * الشيخ: هذا كوني ولَّا شرعي؟ * الطلبة: كوني. * الشيخ: كوني، قوله تعالى: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [هود ٤٤]؟ * الطلبة: كوني. * الشيخ: كوني. ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر ٢٠]؟ * الطلبة: شرعي.. * طالب: شامل. * الشيخ: شرعي، أو شامل؟ * الطلبة: شامل. * الشيخ: شامل، يعني حتى الكوني الذي يقضيه الله وإن كان شرًّا، لكن في المفعولات، أما في نفس القضاء فهو حق. يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ (أمرًا) مفرد جمعه أمور ولَّا أوامر؟ * الطلبة: أمور. * الشيخ: أمور، والمراد بالأمر هنا الشأن، يعني إذا قضى شأنًا أي شأن من الشؤون ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ما يحتاج إلى عمل، ولا إلى آلات، ولا إلى أي سبب، كل الخلائق مُسلِمة لله عز وجل ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ٨٣] تنتظر الأوامر إذا صدر الأمر من الله عز وجل كان المأمور؛ الأمر الكوني يقول: ﴿كُنْ﴾ فقط ﴿فَيَكُونُ﴾. قال الله تعالى عن البعث؛ بعث الخلائق كلها: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، وبين الله تعالى في سورة القمر كيف هذا الأمر هل يكرر؟ هل يتأخر المأمور؟ فقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر ٥٠] ما فيه التكرار واحدة، يتأخر المأمور؟ أيش؟ * الطلبة: ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾. * الشيخ: ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ يعني لو شاء ربنا عز وجل لأمر هذه الأرض أن تزول ومن فيها بلحظة ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، هذه القدرة التامة العظمية التي لا تُنسب قُدر الخلق إليها. ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (الفاء) هذه تفيد الترتيب، وإن شئت فقل: تفيد السببية، فإن قلت: إنها تفيد السببية فاقرأها بالنصب، وإن قلت: إنها تفيد الترتيب فاقرأها بالرفع، وكلتا القراءتين سبعية صحيحة، أن ﴿يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ﴾ أن ﴿يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فعلى قراءة الرفع تكون استئنافيه، والفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب كن فهو يكون في الحال، وعلى قراءة النصب تكون الفاء للسببية، فكأن الكون مسبب عن القول، ومعلوم أن المسبب يأتي مقارنًا للسبب، على قراءة النصب ﴿كُنْ﴾ سبب ﴿فَيَكُونَ﴾ مسبب، ومن المعلوم أن المسبب يأتي عقب السبب فورًا؛ لأنه سببه، والسبب مقارن للمسبب، وعلى هذا فتكون كل من القراءتين مفيدة لمعنى غير المعنى الثاني لكنهما متلازمان، المعنيان متلازمان. ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ طيب ﴿كُنْ﴾ ما ذكر الله سبحانه وتعالى أي شيء يكون عليه، بس يقول: ﴿كُنْ﴾ فيقع الشيء على مراد الله أو لا بد أن يقول: ﴿كُنْ﴾ ويبين ماذا يكون؟ * الطلبة: الأول. * الشيخ: طيب الأول. * طالب: الثاني. * الشيخ: الأول، الثاني، الأول، الثاني، لما خلق الله القلم قال له: اكتب، كتب ولَّا ما كتب؟ * الطلبة: كتب. * الشيخ: لا، ما كتب، «قَالَ: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.[[أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٥٧٢) من حديث عبد الله بن عمر.]] » فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيمة. الله أكبر! فالظاهر -والله أعلم- أن الشيء إذا قال الله له: كن، فلا بد أن يعين ماذا يكون بدليل حديث القلم، ولكنه إذا عين ما يكون فلا بد أن يكون الشيء على ما عين، فالقلم ما يعلم الغيب، لكن لما قال له الرب عز وجل: اكتب إلى ما هو كائن إلى يوم القيمة كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة؛ لأن الله أعلمه، أعلمه فكتب. إذن كن كذا، وهذه لا بد منها بيان مجمل الأمر، لا بد منها، فهذا هو الظاهر، وإذا كان الله عز وجل إذا أمره فقال: كن كان على مراد الله فليس هذا بغريب على قدرة الله أيضًا، أن الله تعالى يجعل هذا الشيء يخضع لأمر الله الذي أراده عز وجل، وإن كان لم يُطلعه عليه، لكن الذي يترجح عندي بناء على حديث القلم أن الله عز وجل يأمره أن يكون، ويبين ماذا يكون عليه. ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ﴿يُعَلِّمُهُ﴾ الضمير يعود على عيسى، والفاعل الله عز وجل. ﴿يُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ لأن عيسى كغيره من البشر؛ يعني لا يعلم إلا ما علمه الله، قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن ٢٦، ٢٧]. ﴿يُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الكتاب بمعنى المكتوب، وهل المراد أنه يُعلمه الكتابة؛ يعني يحسن الخط؟ أو المراد يعلمه الكتب السابقة؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني، كلاهما لا يتنافيان، فعلَّمه الكتابة فكتب، وعلَّمه الكتب السابقة، وعلمه التوراة والإنجيل. ﴿وَالتَّوْرَاةَ﴾ من باب عطف الخاص على العام لشرفها، وأما ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ فهو لم ينزل على أحد قبل عيسى. وقوله: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ الشريعة؛ لأن الشريعة من الله، وكل ما كان من الله فهو متضمن للحكمة، قال الله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء ١١٣]. فالحكمة هي الشرع، وهو موافق لمن فسر ذلك بالسنة؛ لأن سنة النبي ﷺ هي شرعه، هي شرعه الذي جاء به من الله، فعلمه الله عز وجل الحكمة، و(أل) في ﴿الْحِكْمَةَ﴾ هنا للعهد الذهني؛ يعني الشرع الذي شرعه الله لعيسى، ليس كل الحكمة، لكن للحكمة التي شرعت له. ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ التوراة: الكتاب الذي أنزله الله على موسى، والإنجيل: الكتاب الذي أنزله الله على عيسى، التوراة كتبها الله تعالى كتابة ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٤٥] ولهذا قال أهل العلم من علماء السلف: إن الله تعالى غرس جنة عدن بيده، وخلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده سبحانه وتعالى، فالتوراة مكتوبة من الله، كتبها بيده سبحانه وتعالى، ونزلت ألواحًا على موسى، وفيها ما تقتضيه المصلحة والحاجة والضرورة في ذلك الوقت، وأما الإنجيل فهو الكتاب الله الذي أنزله الله تعالى على عيسى، وهو بالنسبة للتوراة كالمكل لها كما قال تعالى فيما يأتي بالآيات: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران ٥٠] فهو كالمتمم للتوراة؛ لأنه بالحقيقة نزل على بني إسرائيل الذين أنزلت عليهم التوراة، ومن المعلوم أن حال بني إسرائيل تغيرت من وقت موسى إلى عيسى، فكان في الإنجيل أشياء فيها تعديل أو زيادة، المهم أنه متمم للتوراة. ثم قال: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿وَرَسُولًا﴾ (الواو) حرف عطف، ﴿وَرَسُولًا﴾ معطوف بجملتها على ما سبق أي: ويرسله رسولًا إلى بني إسرائيل. والرسول: هو الذي أوحي إليه بالشرع وأُمر بتبليغه، فإن لم يؤمر بتبليغه فهو نبي، هذا هو المشهور عند عامة العلماء رحمهم الله. وقيل: إن النبي لم يُوحَ إليه بشرع، وإنما كان مؤيدًا لشريعة قبله، يعني يُوحى إليه بتأييد الشريعة التي قبله، فكانت الأنبياء فيما سبق كالعلماء في هذه الأمة، وهذا وإن كان له وجه كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة ٤٤]. فقال: ﴿يَحْكُمُ بِهَا﴾ أي: بهذه التوراة ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾، لكن هذا القول يعكر عليه قضية آدم، فإن آدم نبي ومع ذلك لم يكن مجددًا لشريعة سابقة؛ إذ لم تنزل شريعة على البشر قبل آدم عليه الصلاة السلام، فلهذا يترجح تعريف الجمهور في النبي والرسول، وإذا قلنا: النبي من أوحي إليه بالشرع، فلا يمنع أن يكون هذا الشرع الذي أوحي إلى النبي هو شرع من قبله يوحى إليه تأكيدًا وتثبيتًا. قال: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بني إسرائيل هذه بني اسم قبيلة، ولَّا اسم أشخاص معينين؟ * الطلبة: اسم قبيلة. * الشيخ: اسم قبيلة كما يُقال: بنو تميم، والعلماء رحمهم الله تعالى يفرقون بين ابن وبني إذا كان اسمًا لقبيلة واسمًا لشخص معين، فإذا قالوا، وذكروا ذلك في باب الوقف وفرعوا عليه مسائل، إذا قلت: هذا وقف على بني فلان -وهم قبيلة- كبني تميم مثلًا، فهل يعم الجميع؟ وهل يشمل الذكور والإناث؟ قالوا: نعم، يعم الجميع، ويشمل الذكور والإناث، ولكن لا يجب التعميم، التعميم لا يجب، فلي أن أوزع هذا الوقف على ثلاثة من بني تميم فقط، ولي أن أعطي ثلاث نساء فقط؛ لأنه لا يختص بالرجال، بل يشمل الذكور والإناث؛ ولأنه لا يستلزم التعميم، أما لو قلت: هذا وقف على بني فلان، واحد من الناس، فإنه يجب تعميمهم دون الإناث، تعميم من؟ الذكور دون الإناث؛ لأن الابن غير البنت؛ ولأن بني فلان المعيّن محصورون يمكن حصرهم، فيجب تعميمهم والتساوي بينهم وإخراج النساء منهم، فبنو إسرائيل من أي الصنفين؟ من الأول من القبيلة، وإسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وهم بني عم لبني إسماعيل، ولهذا لما بُعث النبي ﷺ في بني عمهم بني إسماعيل غارت اليهود من ذلك وأنكروه، وكانوا بالأول يستفتحون على الذين كفروا، يقولون: سيبعث نبي ونتبعه ونكتسحكم ونغلبكم ظنًّا منهم أنه سيكون من بني إسرائيل، وليس ظنًّا حقيقيًّا بل هو وهم؛ لأنهم يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم، ويعلمون أنه سيُبعث في مكة، لكن توهموا ذلك، أوهمتهم أنفسهم الكاذبة، فلما بُعث ببني إسماعيل أنكروه وكذبوه. إسرائيل وأيش معناها؟ في السريانية قالوا: إن معناها، أو في العبرية: عبد الله، معناها عبد الله، الآن تُسمى الدولة اليهودية إسرائيل (...). * * * * طالب: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران 49 - ٥١]. * الشيخ: (...) ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ عبر هنا بالخلق، وفي قصة زكريا بالفعل ﴿يَفْعَلُ﴾ [آل عمران ٤٠] وهنا قال: ﴿يَخْلُقُ﴾ فهل هناك يعني نكتة، أو أنه اختلاف تعبير وهو من باب التفنن في التعبير كما يقولون؟ * طالب: اختلاف تعبير. * الشيخ: اختلاف تعبير طيب. * طالب: هنا فيه نكتة لطيفة. * الشيخ: وهي؟ * الطالب: وهو عندما أخبر الملك كليم الله كلامًا كان هذا من الغريب الذي ليس (...) بينما في مريم فهو غريب تمامًا خارج عن العادة، ولم يكن لها زوج. * طالب: يا شيخ، الحال هو وجود الإثبات (...) إنما هنا (...). * الشيخ: إيه، هذا قريب منه، الظاهر اختلاف لفظ. * طالب: شيخ، قد يكون يا شيخ في قصة زكريا أن الله عز وجل عندما أخبره بالفعل، أخبر بالفعل، لأن الخلق فاعل في الأصل. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: أن الخلق سيكون من أصله، أما هنا قد لا يتوقع الخلق؛ لأن. * الشيخ: اختلاف تعبير. * الطالب: يعني يا شيخ ولدت هذه المرأة وهي لم يمسسها بشر، شابة، ولم يمسسها بشر أعجب من أن تلد عجوز عاقر. * الشيخ: اختلاف تعبير. * طالب: كما يقال: حتى (...). * الشيخ: لا، هو على كل حال يقولون: إن ما ذكرتم هو قريب مما قاله العلماء، وهو صحيح؛ أن عيسى عليه الصلاة والسلام خُلق من غير ما جرت العادة به، خُلق على وجه لم تجرِ العادة بمثله إطلاقًا، فناسب التعبير بالخلق الدال على الإبداع، ولهذا يُقال: خلَق الله السماوات، ولا يقال: فعل الله السماوات، مع أن الخلق فِعله، لكن الخلق فيه نوع من الإبداع، ولذلك قال: خلق. الوجه الثاني: الرد على شُبه النصارى الذين يقولون: إن عيسى هو الله، والله ثالث ثلاثة، فيكون فيه التصريح بأنه مخلوق، ويكون هذا قطعًا لدابر قولهم، ففيه إذن: نكتة كونية، ونكتة شرعية، يعني حكمة: شرعية وكونية، وأظن أنني لم أذكرها (...). قوله: ﴿وَرَسُولًا﴾ رسولًا: ما الذي نصبها؟ * الطالب: حال. * الشيخ: حال، رسول حال، من غير مشتق؟! * الطالب: إي نعم، معطوف. * الشيخ: إي، معطوف على أيش؟ * الطالب: مصدقًا ورسولًا. * الشيخ: ما يصلح، ولا فيها، هو فيها مصدقا؟ ﴿يُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَرَسُولًا﴾. * طالب: نعم على ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ على ما قبل الإنجيل. * الشيخ: يعني ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ويعلمه رسولًا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا اصبر خليني أناقشة، ما أود الواحد يقول تخرصًا هكذا، أجب، يستقيم المعنى؟ * الطالب: لا يستقيم. * الشيخ: إذن. * الطالب: معطوفة على والإنجيل. * الشيخ: والله المستعان! ما يصلح. * طالب: شيخ، منصوب بفعل محذوف تقديره يرسله رسولًا. * الشيخ: صح، ويرسله رسولًا. بنو إسرائيل من هم؟ * الطالب: بنو إسرائيل هم أبناء يعقوب الاثنا عشر. * الشيخ: أبناء يعقوب الاثنا عشر، إذن إسرائيل هو؟ * الطالب: يعقوب عليه السلام. * الشيخ: هو يعقوب ابن؟ * الطالب: ابن إسحاق. * الشيخ: بن إبراهيم كذا؟ ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾. ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ فيها قراءتان، أخبرناكم بهما ولَّا لا؟ * الطلبة: لا (...). * الشيخ: فيها قراءة بكسر الهمزة وفتحها، وبفتح الياء مع فتح الهمزة؛ ثلاث قراءات، ﴿أَنِّيَ﴾ ، ﴿أَنِّي﴾، ﴿إِنِّي﴾ . قوله: ﴿أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾. ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فيكون طيرًا بإذن الله، يكون هذا الشيء طيرًا. وقوله: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أي: كمثله وصورته، فينفخ فيه فيكون طيرًا، وفي قراءة السبعية: ﴿فَيَكُونُ طَائرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ، والقراءتان لكل واحدة منهما معنى يكمل الأخرى، فقوله: ﴿يَكُونُ طَيْرًا﴾ أي: طيرا حيًّا بعد أن كان على صورة الطير وليس فيه روح، ﴿يَكُونُ طَائرًا﴾ أي يطير؛ تشاهدونه يطير بالفعل، فعندنا ثلاث مراتب؛ تصوير على هيئة الطير، الثاني: طير فيه روح، على قراءة: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾، الثالث: طير يطير بالفعل على قراءة: ﴿طَائرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وعلى هذا فيكون يخلق شيئًا على هيئة الطير، فينفخ فيه فيكون فيه الروح، ثم يطير. وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي بإذنه الكوني والشرعي؛ لأن كونه يصور مضاهيًا لخلق الله يحتاج إلى إذن شرعي؛ لأن الأصل أنه لا يجوز لأحد أن يُصور على تصوير الله عز وجل، قال الله تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١ / ١٠١) من حديث أبي هريرة.]] لكن الله تعالى أذن لعيسى عليه الصلاة والسلام لحكمة، هذا على تفسير بإذن الله، الإذن أيش؟ * الطلبة: الشرعي. * الشيخ: الشرعي، كذلك الإذن الكوني، يعني بإذن الله الإذن الكوني؛ لأن خلق هذا الطير حتى يطير يكون بإذن الله الكوني ولَّا الشرعي؟ * الطلبة: الكوني. * الشيخ: الكوني، أي: فيطير بإذن الله إذنًا كونيًّا، فعيسى عليه الصلاة والسلام يخلق كهيئة الطير بإذن الله الشرعي، فيكون طيرًا إذا نفخ فيه ويطير بإذن الله الكوني. وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ هذا من أجل تحقيق التوحيد، حتى لا يظن ظانّ أنه يخلق استقلالًا؛ لأنه لولا هذا التقييد بإذن الله لتوهم النصراني وغير النصراني أن عيسى عليه الصلاة والسلام يخلق، كما خلق الله آدم من طين على صورته، ثم نفخ فيه الروح، فصار بشرًا، فيظن الظان أن عيسى يخلق كخلق الله، فلهذا كان يقول عليه الصلاة والسلام: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ أبرئ: بمعنى أشفي، والبُرء في الأصل من البراءة، والبراءة من الشيء السلامة منه، ومنه بَرِئَ من دَيْنِهِ: أي سلم من غائلته؛ غائلة الدين وضيق الدين، فالبُرء من المرض يعني السلامة والشفا منه. وقوله: ﴿الْأَكْمَهَ﴾ الأكمه: قيل: إنه الذي لا يبصر ليلًا ويبصر نهارًا، وقيل: هو الذي يبصر ليلًا ولا يبصر نهارًا، وقيل: هو الذي لا يبصر إلا بمشقة، وقيل: الذي وُلد بلا عين، فإن كان الأكمه في اللغة العربية يحتمل هذه المعاني كلها، فهو للمعاني كلها، وإن كان لا يحتمل إلا معنى واحدًا، فأقرب الأقوال في ذلك أن الأكمه من وُلد بلا عين؛ لأن هذا أبلغ في القدرة؛ لأنه كلما كان أبلغ في القدرة كان أعظم في الآية، فنحن نقول: إن كانت اللغة العربية تُطلِق الأكمه على كل ما قيل فلتكن الآية شاملة، وإن لم تحتمل إلا معنى واحدًا فأقربها أن الأكمه من ولد بلا عين؛ لأن هذا أبلغ في القدرة، والأبرص من به برص، والبرص عيب يخرج في الإنسان من العيوب الجلدية، وهو قد يؤثر على الصحة العامة في البدن، وقد لا يؤثر، لكن البرص ليس له دواء، ليس له دواء فلهذا قال: أُبرئ الأبرص بإذن الله. وقوله: ﴿أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أحيي الموتى الذين ماتوا أحييهم بإذن الله، وليس المراد بالموتى هنا موتى معينين، بل هو للجنس، فأي واحد من الأموات يمكن أن يقع عليه هذا الأمر، أما قول من قال: إنه أحيا سام بن نوح، أو أحيا فلانًا أو أحيا فلانًا، فهذا من الإسرائيليات، لكن الآية أنه يحيي الموتى أي ميت يقف عليه وهو ميت يأمره فيحيا بإذن الله. ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ أنبئكم: أخبركم بما تأكلونه اليوم وما تدخرونه للغد في بيوتكم، من غير أن يأتي أحد يخبره بذلك، وهذا فيه شيء من علم الغيب، فيه شيء من علم الغيب، فأخبرهم أن من جملة آياته أنه يخبر الإنسان، يقول: أكلت اليوم كذا وكذا وكذا، وادخرت لغد أو بعد غد كذا وكذا، مع أنه لم يبعث أحدًا يطلع على ما في البيت، وهذا لا يكون إلا بوحي من الله، إذا لم يكن هناك بشر يُطلعه على ما في البيوت، فإنه يكون من وحي الله، وقد يكون بواسطة الجن، فإن الجن ربما تخدم الإنس، فتذهب إلى الأمكنة البعيدة، أو تتسوَّر الجدران وتخبر بما في البيوت، لكن الجن على هذا الوصف لا يجوز الاستمتاع به، أو الاتصال به، لماذا؟ لأن اطلاعه على أحوال الناس ظلم وعدوان، ولا يجوز للإنسان أن يستعين بظالم على ظلمه، ولهذا يمتنع هذا التقدير في حق مَنْ؟ في حق عيسى عليه الصلاة والسلام. يعني لو قال قائل: إن الذين يستعينون بالجن ربما يطلعون على ما يؤكل ويُدخر في البيوت. قلنا: لكن هذا لا يرد بالنسبة إلى عيسى؛ لأن الاستمتاع بالجن -على هذا الوجه- محرم، لما فيه من العدوان والظلم، لكن هو عيسى لا يمكن أن يفعل هذا، فتبين أنه يأتيه عن طريق الوحي. والحكمة من إخبارهم بهذا هو إطلاعهم على أنه هو عليه الصلاة والسلام يأتيه الوحي من الله في أمور خاصة، في الأمور الخاصة، في البيوت، والثاني -والله أعلم- تحذيرهم من أن يأكلوا شيئًا محرمًا عليهم، ولهذا سيأتي أنه قال لهم: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران ٥٠]؛ لأنهم إذا كانوا يعلمون أنه يعلم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم فسوف يتوقفون عن الشيء المحرم، وهم إذا توقفوا عن الشيء المحرم ربما يسر الله لهم فيحله لهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران ٤٩ - ٥١]. * الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وهذه قرأناها كلها. قال الله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إن في ذلك: المشار إليه ما سبق من عدة أمور؛ قوله: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ هذه ثلاث آيات، كل آية تدل على صدق عيسى عليه الصلاة والسلام، وأنه رسول الله حقًّا؛ لأن مثل هذا لا يستط يعه البشر، وآيات الأنبياء التي جاءت هي علامات على صدقهم لا يستطيع أن يأتي بمثلها البشر؛ لأن الآية لو أمكن للبشر أن يأتي بمثلها لم تكن آية، إذ إن كل إنسان يستطيع أن يفعل مثل هذا. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني أنها آية بهذا القيد؛ أي: إن كنتم مؤمنين، وأما غير المؤمن فإنه لا ينتفع بالآيات، ولا تكون الآية آية له، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١]؛ لأن قلوبهم قاسية مطبوع عليها والعياذ بالله، لا يصل إليها الخير ولا تلين من أجل العقوبات والنذر؛ لأنها قاسية؛ فالمؤمن هو الذي ينتفع بالآيات، بل إن غير المؤمن يرى أن هذه الآيات العظيمة أساطير الأولين ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين ١٣]. وذلك بسبب ما كان على قلبه من ظلمات المعاصي والعياذ بالله لقوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]. والإيمان سبق لنا معناه كثيرًا بأنه التصديق المستلزم للقبول والإذعان، وليس مجرد التصديق، ودليل ذلك أنه لا يتعدى بما يتعدى به التصديق، فإنه لا يقال: آمنته، ويقال: صدقته، بل إنه يتضمن الإقرار والاعتراف والانقياد والتسليم، ومَن صدّق ولم يقبل ولم يذعن فليس بمؤم ن، فأبو طالب عم النبي ﷺ كان مصدقًا برسالته، لكنه لم يقبل ولم يُذعن فلم يكن مؤمنًا، وإلا فإنه يصدق بما يقول بأشعاره وفي أحواله لكنه -والعياذ بالله- ليس بمؤمن، إذن الإيمان معنى زائد على التصديق، وليس هو مجرد التصديق. قال: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ هذه معطوفة على ما سبق؛ يعني أنها تكون منصوبة على الحال؛ يعني: وجئتكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة، وما بين يدي هو ما سبقه، ويطلق ما بين اليدين على ما سيأتي، فما بين اليدين يُطلق على ما مضى ويطلق على ما يستقبل، فإن قُرن بالخلف فهو للمستقبل، وإلا فإنه صالح للمستقبل والماضي، ففي قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] المراد؟ * الطلبة: المستقبل. * الشيخ: المستقبل لقوله: ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. وفي هذه الآية: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾ أي: لما سبقني من التوراة، وتصديقه للتوراة له وجهان: الوجه الأول: أنه يقرر صدقها ويقول: إنها كتاب حق. والوجه الثاني: أنه يصدق ما أخبرت به، فإذا كانت أخبرت به، ثم بعث كان مصدقًا لما فيها. وقوله: ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: هي الكتاب الذي أنزله الله على موسى ﷺ وهي أصل الكتب المنزلة على بني إسرائيل وأعظمها، بل هي أعظم الكتب -فيما نعلم- بعد القرآن. ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ﴾ يعني: وجئتكم أيضًا لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم قوله: ﴿لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي﴾ ولم يقل: كل، والمحرم عليهم ذَكره الله في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام ١٤٦]. وقال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء ١٦٠]، فلما حُرِّمت عليهم هذه الطيبات بظلمهم وعدوانهم، وبعث الله عيسى ﷺ أحل لهم بعض ما حرم عليهم، ولم يُذكر في القرآن بيان هذا البعض، فيكون باقيًا على إطلاقه، ولو كان لنا مصلحة في تعيين ذلك لبينه الله. وقوله: ﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ الفعل هنا مبني للمجهول، ولكن فاعله معلوم، من هو؟ * الطلبة: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: الله عز وجل كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام ١٤٦]. ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ كرر هذا مرة بعد قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾، فإما أن يقال: إن الآية التي ذُكرت هنا ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ تقتصر على تصديقه لما بين يديه من التوراة وعلى إحلاله بعض الذي حُرّم عليهم، وحينئذٍ لا يكون في الآية تكرار، وإما أن يقال: إن قوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ يشمل كل ما جاء من الآيات، ويكون من باب التأكيد وإقامة الحجة عليهم، فكرر مجيئه بالآيات احتجاجًا عليهم بما كذبوه. قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ اتقوا الله: يعني اتخذوا وقاية من عذابه؛ لأن التقوى مأخوذة من أي شيء؟ * الطلبة: من الوقاية. * الشيخ: من الوقاية، فبماذا تكون الوقاية من عذابه؟ تكون بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا هو المعنى الشامل للتقوى عند الإطلاق، وإذا قُرنت التقوى بالبر صار المراد بها اجتناب المحارم مثل قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢]. وقد عرَّف أهل العلم التقوى بعدة تعريفات لكن يجمعها ما ذكرناه من أنها اتخاذ الوقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. قال: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ أطيعون فيما أمرتكم به، وفيما نهيتكم عنه، وطاعته من التقوى بلا شك لكن نص عليها؛ لأنها تقوى خاصة فيما جاء به عيسى؛ لأن التقوى يُؤمر بها كل إنسان فإذا قال: أطيعون صارت تقوى خاصة في طاعة هذا الرسول الذي بُعث إلى قومه. والطاعة قال العلماء في تفسيرها: إنها موافَقة الأمر تجنبًا للنهي وفعلًا للمأمور، فمن تجنب النهي ناويًا بذلك امتثال الأمر فهو مطيع، ومن فعل الأمر ناويًا بذلك امتثال الأمر أيضًا فهو مطيع، أما من ترك النهي -أو بعبارة أصح المنهي عنه- عجزًا عنه، فإن هذا ليس بمطيع، بل إذا سعى في أسبابه حتى عجز كان كمن فعله لقول النبي ﷺ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «لِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨ / ١٦) من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث.]]. ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ لما أمرهم بتقوى الله ذكر ما هو كالسبب في ذلك، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ والرب: هو الخالق المالك المتصرف، وتوحيد الله بالربوبية أن نؤمن بأنه لا خالق ولا مالك ولا مدبر إلا الله سبحانه وتعالى، وما يضاف من الخلق أو الملك أو التدبير لغير الله فإنه على وجه النقص ناقص، من حيث الشمول ومن حيث التصرف، فمثلًا الخلق يُضاف إلى غير الله، وقد مر علينا قريبًا أن عيسى قال: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ [آل عمران ٤٩]، وقال الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون ١٤] وقال الله في الحديث القدسي: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؟»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١ / ١٠١) من حديث أبي هريرة.]] وقال النبي ﷺ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٩٥٠)، ومسلم (٢١٠٩ / ٩٨) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. وقال عليه الصلاة والسلام: «يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢١٠٥)، ومسلم (٢١٠٧ / ٩٦)من حديث عائشة.]]، ولكن الخلق المضاف إلى غير الله عز وجل خلق ناقص ليس إيجادًا حقيقة، ولكنه تغيير لصورة، فمثلًا الإنسان يخلق من الخشب بابًا، هل هو خلق الخشب؟ ومن الحديد سيارة، هل خلق الحديد؟ أبدًا، ولكن غيَّر، حوّله من حال إلى حال فصار هذا خلقًا، لكنه ليس هو الذي أوجد الحديد أو الخشب حتى يقال: إن خلقه كخلق الله، أيضًا خلق الإنسان أو البشر عمومًا ليس عامًّا شاملًا؛ لأن كل إنسان يخلق ما صنع فقط، وما لم يصنعه فليس من خلقه، كذلك الملك ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ١٨٩]. ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون ٨٨]، والآيات في إثبات الملك لله وحده كثيرة، ومع ذلك أضاف الله إلى غيره الملك في قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦]، وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور ٦١]، فهل نقول: إن هذا الملك كملك الله؟ لا، لا من حيث الشمول ولا من حيث التصرف، أما من حيث الشمول فلأن كل إنسان لا يملك أكثر مما تحت يده، ولذلك لا تملك كتابي، ولا أملك كتابك، أما ملك الله فهو عام شامل، وأما من حيث التصرف، فملك غير الله قاصر، لأن الإنسان لا يملك التصرف المطلق كما يريد، وإنما يتصرف حسب ما تقتضيه شريعة الله وحسب ما يأذن به الله، لو أراد الإنسان أن يمزق كتابه، هل يملك ذلك؟ * طالب: ليس له ذلك. * الشيخ: لا يملك ذلك، حرام عليه، يأثم، ولو أراد أن يمزق كتاب غيره كان حرامًا من وجهين: من وجه إفساد المال، ومن وجه العدوان على الغير؛ فالحاصل أن ملك الإنسان قاصر من ناحيتين: هما. * طالب: ملك (...). * الشيخ: لا ملك الإنسان قاصر * الطالب: ملك الإنسان إي نعم، (...). * الشيخ: نعم، فهو قاصر في التصرف. * الطالب: من حيث الشمول. * الشيخ: فهو قاصر من حيث الشمول طيب، أما التدبير فكذلك، الذي هو المعنى الثالث للربوبية التدبير، فالتدبير أيضًا يكون لغير الله، لكنه تدبير ناقص من حيث الشمول ومن حيث التصرف أيضًا، فالإنسان لا يُدبر كل شيء، لا يدبر إلا ما يملك تدبيره، ومع ذلك فتدبيره له تدبير ناقص على حسب ما يقتضيه به الشرع، لو أراد أن يدبر بعيره على وجه يشق عليه، يمشيها مع الوحل، يمشيها على النار وما أشبه ذلك هل يجوز؟ * الطلبة: لا يجوز. * الشيخ: لا يجوز، فهو ناقص، لو أراد أن يرسل عليها شواظًا من نار يملك؟ * الطلبة: ما يملك. * الشيخ: ما يملك، لكن الله عز وجل يملك، يملك هذا كله، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ولا معارض له، المهم أن الربوبية هي انفراد الله بالملك بالخلق أيش؟ والملك والتدبير، ولا يعني ذلك أن لا أحد يشاركه في خلق أو ملك أو تدبير، لكن على وجه لا يماثل ما يثبت للخالق من ذلك، فالإنسان قد يخلق، يقال: إنه خلق، ويقال: إنه ملك، ويقال: دبر، لكنه -كما سمعتم- ناقص. قوله: ﴿رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ بدأ بنفسه ليكون أول مذعن لهذا الرب عز وجل؛ لأن الرب خالق مالك مدبر فبدأ بنفسه ليكون هو أول من يذعن وينقاد لهذا الرب. قال: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ (الفاء) هنا عاطفة وتفيد السببية؛ أي: فبسبب كونه ربًّا فاعبدوه، ولهذا نقول: إن الإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم الإقرار بتوحيد الألوهية، وأن من أقر بتوحيد الربوبية وأنكر توحيد الألوهية فقد تناقض، ولذلك سفَّه الله المشركين الذين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ثم ينكرون توحيد الإلهية فيقول: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر ٦٩]، ﴿أَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس ٣٢]، ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة ٧٥] وما أشبه ذلك مما يدل على أنه من السفه أن يقر الإنسان بأن الله وحده هو الخالق المالك المدبر، ثم يعبد غيره! فنقول مثلًا للمشرك: ألست تؤمن بالله؟ سيقول: بلى، أنه الخالق؟ بلى، أنه المالك؟ بلى، أنه المدبر؟ بلى، أنه لا خالق معه ولا مالك ولا مدبر؟ بلى، أؤمن بهذا كله، إذن كيف تجعل معه إلهًا تعبده؟ ومن كان غير الله فهو معبود أو عابد؟ * الطلبة: عابد. * الشيخ: عابد مربوب، هو عبد مربوب لله عز وجل فكيف تجعله معبودًا مع الله؟! ولهذا قال: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ فالفاء إذن عاطفة تفيد السببية؛ أي: فبسبب كونه ربي وربكم اعبدوه وحده. ما هي العبادة؟ العبادة مأخوذة من الذل (عَبَد) بمعنى (ذَلّ)، ومنه قولهم: طريق معبد؛ أي: مذلل لسالكيه، فأصلها الذل، لكنها بالنسبة لله عز وجل ذُل مقرون بمحبة وتعظيم، فكل من تعبد لله فإن تعبده هذا مقرون بهذين الأمرين؛ المحبة والتعظيم، فبالمحبة يكون الطلب وبالتعظيم يكون الهرب؛ فالإنسان إذا أحب شيئًا طلبه، وإذا عظم شيئًا هابه وهرب منه وخاف منه، ولهذا كانت العبادة مبنية على الرجاء والخوف. والعبادة تطلق أحيانًا على هذا المعنى الذي ذكرنا باعتبارها مصدرًا، ما هو الذي ذكرناه؟ التذلل لله مع المحبة والتعظيم، وتطلق أحيانًا على اسم المفعول أو على الشيء المتعبد به، وحينئذٍ نقول: إنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة فالصلاة مثلًا؟ * الطلبة: عبادة. * الشيخ: عبادة، والزكاة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، وبر الوالدين عبادة، وصلة الأرحام عبادة، وهكذا، فأحيانًا تطلق على الفعل، وأحيانًا تطلق على المفعول، على الفعل فنفسرها بماذا؟ بأنها التذلل لله عز وجل حبًّا وتعظيمًا، وباعتبار المعمول أو المفعول اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه مما أمر به ورسوله. قال: ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ هذا المشار إليه إما أقرب مذكور أو كل ما سبق، من قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا﴾ أي: تقوى الله، وطاعة رسوله، وتحقيق العبادة له صراط مستقيم أي: طريق، ولا يسمى الطريق صراطًا إلا إذا اجتمع فيه السعة والاعتدال؛ لأنه مأخوذ من (السَّرْط) وهو الابتلاع بسرعة، وإن شئت فقل: من (الزَّرْط) وهو الابتلاع بسرعة، والطريق الواسع المستقيم يبتلع سالكيه بسرعة؛ لأن الضيق لا يمشي الناس فيه إلا أيش؟ * الطلبة: ببطء. * الشيخ: رويدًا رويدًا ببطء، وغير المستقيم لا يُوصل إلى الغاية إلا ببطء سواء كان انحرافه عن يمين وشمال، أو من حيث الصعود والنزول؛ فإنه إذا كان صاعدًا نازلًا أتعب السالك ولَّا لا؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: فإذا قدرنا مثلًا أن جبلًا طوله خمسون مترًا وعرضه خمسون مترًا، كم يكون ما بين عرضه وعرضه الآخر؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: لا، صاعده الإنسان صاعده. * الطلبة: مئة. * الشيخ: لا، مئة وخمسين، مئة وخمسين، عرضه خمسون، وطوله خمسون في السماء ارتفاعه، بيصير مئة وخمسين، الصعود خمسون، والنزول خمسون، والمسطح خمسون، فإذا كان الصراط مستقيمًا في انحرافاته يمينًا وشمالًا وكذلك في الصعود والنزول اختصر الطريق، وهكذا أيضًا الصراط إذا قدَّرنا أن الغاية تصل إليها بالطريق المستقيم في ثلاثين مترًا، وهذا فيه تعاريج، كل تعريجه عشرة أمتار، وفيه عشر تعاريج، كم تصل إلى الغاية في المتر؟ بمئة، فالحاصل أن الصراط قال العلماء: لا يكون صراطًا إلا إذا كان واسعًا مستقيمًا وهو مأخوذ من (السَّرْط) أو (الزَّرْط)، والزرط تعرفون معناه عندكم في الأكل، أعطيته لقمة وحطها في فمه على طول بلعها وأيش يقول؟ * طالب: ازرطها. * الشيخ: يقول: ازرطها. ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ مستقيم؛ يعني لا اعوجاج فيه، ووصفه بالاستقامة بعد أن قلنا: إن الطريق هو الواسع المستقيم الذي ليس فيه اعوجاج من باب التوكيد كما تقول: هو رجل رجل، كيف رجل رجل؟ وأيش معنى رجل رجل؟ يعني جامع لمعاني الرجولة، كذلك طريق مستقيم جامع لكل معنى الطريق، هذا صراط مستقيم. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ في هذه الآية من الفوائد: تعظيم شأن مريم عليها الصلاة والسلام؛ حيث أمر الله نبيه أن يذكر قصتها لهذه الأمة، لأنّا قلنا: ﴿إِذْ قَالَتِ﴾ مفعول لفعل محذوف تقديره: اذكر إذ قالت. * ومن فوائدها: فضيلة مريم، حيث خاطبتها الملائكة لقولها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ إلى آخره. ومن فوائدها على ما ذهب إليه بعض أهل العلم: أن مريم نبية؛ لأن الملائكة أوحت إليها، وقالت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ إلى آخره، ولكن في هذا الاستدلال نظر؛ لأنه ليس بصريح في أنها نُبِّئت، ومجرد خطاب الملائكة لها لا يثبت نبوتها؛ لأن النبوة إنما هي لمن أوحي إليه بشرع لا لمن أوحي إليه بثناء أو بتهيئته لما سيكون، بل لمن أوحي إليه بشرع، وهي لم يُوحَ إليها بشرع، فالأمر ليس بصريح، ولدينا آية تدل على أنه لا يُبعث من النساء نبي، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف ١٠٩]. إلا رجالًا: و(إلا) تفيد الحصر فتدل على أنه لا يمكن أن تكون امرأة من النساء نبية، وكذلك أيضًا قال النبي عليه الصلاة والسلام حين بلغه أن الفرس أمَّرُوا عليهم بنت كسرى قال: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٥) من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث.]]. وإذا كان القوم لا يفلحون مع الانتخاب فإنهم هم الذين انتخبوها وولَّوها، فكيف يمكن أن يُرسل الله تعالى امرأة ليفلح الناس على يدها؟! صحيح أن المرأة تكون عالمة، تكون داعية، كما هو الواقع، أما أن تكون نبية يوحى إليها لتتولى السلطة -كما يقولون التشريعية والتنفيذية- فهذا بعيد، فالصواب: أن مريم من الصالحات القانتات، وليست من الأنبياء والرسل. * ومن فوائد الآيات الكريمة: أن الله تعالى يصطفي من الناس من يشاء لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أي: اختارك اختيارًا لم يشاركها فيه أحد؛ لأنها صارت خادمة لبيت المقدس مع أنه لا يخدمه عندهم إلا الرجال، فهذا نوع من الاصطفاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: براءة مريم مما ادعاه اليهود من كونها بغِيًّا لقوله: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾. ومن فوائد الآية الكريمة: براءة مريم مما ادعاه اليهود من كونها بغيًّا؛ لقوله: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾، واليهود -قبحهم الله- اعتدوا على مريم وابنها، فقالوا في مريم: إنها بغي، وقالوا في ابنها عيسى: إنه ولد زنا وكذبوه، وقتلوه إثمًا لا حقيقة، كيف قتلوه إثمًا لا حقيقة؟ لأنهم أمضوا هذا الأمر الذي يظنون أنهم قتلوا به عيسى وصلبوه، وقالوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾، قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٥٧]، فكانوا قتلة إثمًا لا حقيقة؛ لأن عيسى باقٍ إلى الآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مريم مفضلة ومصطفاة على نساء العالمين، ولكن هل هذا يتناول نساء العالمين إلى يوم القيامة؟ أو نساء العالمين في زمنها؟ يحتمل المعنيين، إما أن المراد: نساء العالمين في زمنها، ويكون قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسْيَا امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٤١١)، ومسلم (٢٤٣١ / ٧٠) من حديث أبي موسى الأشعري دون لفظ «وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ» أما حديثها فهو حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٤٣٢)، ومسلم (٢٤٣٠/ ٦٩) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه بلفظ: «خَيْر نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَيْر نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ».]]، يكون هذا مما أطلع الله عليه نبيه ولم تطلع الملائكة على هذا، والملائكة بلغت مريم ما بلغت به. * ومن فوائد الآية الكريمة: تكرار أو جواز تكرار المناقب؛ لأن أوصاف الكمال كلما كررت ظهر من كمال الموصوف ما لم يكن معلومًا من قبل، واضح؟ ننطلق من هذه الفائدة إلى فائدة تتعلق بصفات الله عز وجل وهي: أن أكثر ما وصف الله به نفسه الصفاتُ الثبوتية التي يثبتها لنفسه، أما الصفات التي ينفيها عن نفسه فوصفه بها قليل بالنسبة لوصفه بصفات الإثبات؛ لأن صفات الإثبات كمال، كمالات، وصفات النفي نقائص، تُنفى لا لذاتها ولكن لإثبات كمال ضدها، مع أنها هي منفية أيضًا حقيقة. ثم قال عز وجل: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: بيان أنه كلما من الله على إنسان بشيء كانت مطالبته بالعبادة أكثر؛ لأن الملائكة لما قالت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ أمرتها بأيش؟ بالقنوت والسجود والركوع، فدل هذا على أنه ينبغي للإنسان كلما ازدادت عليه نعم الله أن يزداد على ذلك شكرًا بالقنوت لله والركوع والسجود وسائر العبادات. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة القنوت لله، ولكن ما هو القنوت؟ دوام الطاعة والخشوع والاشتغال بالطاعة عما سواه؛ ولهذا لما نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] أمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام ليشتغلوا بالطاعة عما سواها، فالقنوت: دوام الطاعة مع الاشتغال بها عن غيرها. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: فضيلة السجود والركوع؛ لقوله: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، مع أنه من القنوت، لكن لفضيلتهما نص عليهما. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز ترك الترتيب للمصلحة أو لمراعاة شيء آخر، وهو قوله: ﴿اسْجُدِي وَارْكَعِي﴾. ولا يقول قائل: لعل الصلاة في عهدهم يقدم فيها السجود وفي هذه الشريعة يقدم فيها الركوع؟ تقول: الأصل خلاف ذلك، لكن نص على السجود بدأ به؛ لأنه أبلغ في القنوت من الركوع، كما ذكرناه في أثناء التفسير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العبَّاد من الرجال أكثر من العبّاد من النساء، وأكثر لقوله: ﴿ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ولم يقل: مع الراكعات، إشارة إلى أن الكمال في الرجال، وكثرة العمل في الرجال أظهر منها في النساء؛ ولهذا كانت النساء أكثر أهل النار، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ».]]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إلّا بلى، هذا في الصراط اللي يوم القيامة. * طالب: كيف يسمى صراط؟ * الشيخ: نعم، يسمى صراطًا؛ لأن السالكين فيه ينفذون بسرعة بعضهم مثل لمح البصر، وبعضهم مثل البرق، ما في عائق يعوق، مع أنه ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه دَحْض ومَزِلَّة[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣ / ٣٠٢) واللفظ له من حديث أبي سعيد الخدري.]]، وهذا يدل على أنه طريق واسع كالعادة، والعلماء -مر علينا في التوحيد- أنهم مختلفون هل هو طريق عادي أو أنه كما جاء في صحيح مسلم -أنا أظنه عن أبي سعيد بلاغًا-: «أَنَّهُ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ»[[أخرجه مسلم (١٨٣ / ٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري بلاغًا.]]. * طالب: (...). * الشيخ: ويش الأصل؟ ما الأصل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إيه، لكن ما هو الأصل في إضافة الفعل إلى فاعله؟ أن يكون فعله هو أو فعله غيره؟ * الطالب: (...). * الشيخ: خلها قاعدة عامة: الأصل في إضافة الفعل إلى فاعله أنه قائم به، هذا هو الأصل، وذكرنا لكم أن العلماء قالوا: إن الله خلق آدم بيده، وغرس جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا عام أريد به الخاص، (...) وأيضًا الرسول قال: «عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٦٠٤) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.]]، فهذا مما جهله الناس، يعني: ربما يكون عند الله له دواء ما ندري عنه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: اختلاف الضميرين؛ لأنه قال: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء ٩١]. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني قصدك الطيور؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: أنا ظننت قصة مريم، الطيور، اقرأ آية المائدة. * الطالب: قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠]. * الشيخ: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ وهنا قال: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إذا حاول الإنسان وجود فرق معنوي واتضح له فهو الفرق، وإن لم يوجد فإنه يكون من باب اختلاف التعبير، يعني: لأن (هيئة) صالحة للتذكير والتأنيث، ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ يعني: مثل هيئة الطير، ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ أي: في الهيئة، أو تنفخ في المِثْل، فعلى تقدير أنه ينفخ في المثل يكون؟ * طالب: ﴿فِيهِ﴾. * الشيخ: ﴿فِيهِ﴾، أو ينفخ في الهيئة؟ * طلبة: ﴿فِيهَا﴾. * الشيخ: يكون ﴿فِيهَا﴾. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، عندما قال: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ ثم قال: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ قال: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وقال: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ ولم يقل: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؟ * الشيخ: لأن هذا علم، صفة فيه، وهذاك شيء متعدٍ إلى غيره، هذا خلق وإبراء، وإحياء. * الطالب: وكذلك. * الشيخ: لا هذا العلم، كلٌّ يعرف، اللي في البيت يعلم، اللي في بيت الإنسان يعلم ما أكله وما ادخره. * طالب: على كده يا شيخ يترجح القول بأنه كان يستعين كما استعان سليمان عليه السلام بالجن؟ * الشيخ: لا، ما يتوجه؛ لأن هذا من باب الوحي. * طالب: هل يوجد تفاضل بين أركان الصلاة في الركوع والسجود؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: يعني التفاضل بينها هي نفسها؟ * الشيخ: إي نعم، هي نفسها. * الطالب: كيف ذلك؟ * الشيخ: الركوع أفضل من وجه، والسجود أفضل من وجه، من جهة أن الساجد أقرب ما يكون لله، وقد وضع أعز ما فيه على الأرض يكون السجود أفضل. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

آل عمران 3:50

ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ الواو حرف عطف، و(إذ) نقول فيها مثلما قلنا فيما سبق في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران ٣٥] يعني أنها منصوبة بفعل محذوف تقديره: اذكر، وتضمين الجملة لهذا يدل على العناية بها، وأنه ينبغي إشهارها وإظهارها حتى تتبين وتتضح للناس. وإنما ذكر الله قصة زكريا ومريم هنا، وعيسى فيما بعد، في أول هذه السورة لأنها نزلت في وفد نجران الذين قدموا على النبي ﷺ وهم من النصارى، فأراد الله أن يبين لنبيه ﷺ قصة المسيح ومن حوله كاملة حتى يتبين له الأمر تماما، فإذا احتاج إلى محاجة النصارى وإذا عندهم علم قريب منها مما عندهم. ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ الملائكة المراد بهم الجنس؛ إذ ليس المراد كل الملائكة، بل واحد منهم، وهو في الغالب جبريل، ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾، ونداؤها باسمها العلم نوع من التكريم؛ إذ لم يقل: يا هذه باسم الإشارة، بل أتى باسمها العلم تكريما لها، ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أي: اختارك؛ وذلك لأن اصطفى أصلها: اصتفى بالتاء، لكن لعلة تصريفية قلبت التاء طاء، وهي مأخوذة من الصفوة، يعني جعلك من صفوة الخلق، واصطفاؤه إياها سبحانه وتعالى من عدة وجوه: الوجه الأول: أنه تقبلها بقبول حسن حين قالت أمها: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران ٣٥]، مع أن المعروف عندهم أنه لا يخدم المساجد إلا الرجال، لكن هي قبلت. ومنها -من اصطفائه لها- أنه أنبتها نباتا حسنا، وقد سبق الكلام على معنى الكلمتين وأنهما تتضمنان التربيتين الروحية والجسدية. ومن اصطفائه لها أيضا: أن الله تعالى اختار أن تكون عند نبي من الأنبياء؛ حتى تتربى ببيت نبوة. وقوله: ﴿طَهَّرَكِ﴾ طهرك من أي شيء؟ هل هو من الأرجاس الحسية؟ أو من الأرجاس المعنوية؟ الظاهر الثاني، وأنها بالنسبة للأرجاس الحسية كالبول والغائط والحيض كغيرها من النساء، لكنه طهرها من الأرجاس المعنوية، فبرأها الله تعالى مما رماها به اليهود، وكذلك طهرها من سفاسف الأخلاق حتى كانت دائما في عبادة الله سبحانه وتعالى، كما سيتبين إن شاء الله. ثم قال: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ الواو حرف عطف، ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ أي ميزك من بينهن، فالاصطفاء الأول اصطفاء عام، وهذا اصطفاء خاص بالنساء، اصطفاها الله تعالى من بين سائر النساء حيث جعلها من النساء الكمل، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن مريم عليها الصلاة والسلام خير نساء البشر، هي وخديجة بنت خويلد وآسية امرأة فرعون، و«فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (3411)، ومسلم (2431 / 70) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، فهي من النساء الكمل رضي الله عنها، ولهذا قال: ﴿اصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾. وهل المراد نساء العالمين في زمنها؛ لأن النساء اللاتي في زمن النبي عليه الصلاة والسلام لا شك أنهن في أمة هي خير الأمم، أو المراد العموم؟ فيه قولان للعلماء، منهم من قال: إنه خاص بنساء زمانهم، كما ذكر الله عن بني إسرائيل أنه فضلهم على العالمين، ومع ذلك فهذه الأمة أفضل منهم ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ٤٧] ومن المعلوم أنهم ليسوا أفضل من هذه الأمة؛ لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠]. ثم قال.. * طالب: والراجح؟ * الشيخ: يأتي إن شاء الله الكلام عليه. * طالب: قول الرسول ﷺ: «فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ» ما يأتي عامة (...)؟ * الشيخ: والله بعض العلماء أخذ من هذا أنها أفضل من الثلاث التي معها؛ لأنه قال: «فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ» بعد أن ذكر فضل هؤلاء الثلاث، وبعضهم قال: إن المراد: على النساء سواهن، والله أعلم بمراد رسوله. * طالب: شيخ (...). * الشيخ: هي ما ذكرت معهن. * الطالب: (...) * الشيخ: لا ثلاث. * الطالب: (...) تعقيب على (...) * الشيخ: يعني فيه احتمال أنه عليه الصلاة والسلام أفردها لتكون أكمل منهن، وفيه احتمال أنها أفضل من النساء اللاتي سواها (...) والله أعلم بمراد رسوله، ما عندي في هذا. * طالب: إن القول الأفضل إنها أفضل على نساء أهل زمانها، القول الثاني يا شيخ. * الشيخ: إن ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ مطلقة، حتى نساء هذه الأمة هي أفضل منهن، وإن شاركتهن في الفضيلة لكن هي أفضل منهن. * طالب: اسم مريم عليها السلام لم يذكر في القرآن سوى هذا الاسم، نأخذ منه فوائد. * الشيخ: نحن وصلنا الفوائد؟ * طالب: حكمة التطهير بعد الاصطفاء، الاصطفاء يعم (...)؟ * الشيخ: الاصطفاء الاختيار، ونص على التطهير لدفع ما قاله اليهود في أنها كانت بغيا. * الطالب: شيخ، أحسن الله إليكم، هو قول الأخ حينما سأل: عليها السلام. * الشيخ: من عنى؟ * الطالب: عنى مريم. * الشيخ: عليها السلام؟ * طالب: إي. * الشيخ: ما فيها مانع، «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، ما فيها مانع أبدا، لكن الأحسن أن يقال: رضي الله عنها أحسن؛ لئلا يتوهم واهم أنها نبية. * طالب: الله سبحانه وتعالى يذكر في آيات أخر أن مؤمن آل فرعون مع الرجل الذي جاء يسعى من أقصى المدينة ولم يذكر اسم الرجل، وهنا ذكر مريم رضي الله عنها كان أيش يصير فيها؟ * الشيخ: يعني هذا خطاب خاص، وهذاك تحدث عن شخص غائب. * الطالب: يا شيخ هذا فيه فضيلة لو ذكر اسمه له؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: مؤمن آل فرعون؟ * الشيخ: لا؛ لأن الله يذكر القصص أحيانا للعبرة فقط، حتى لا يكون الإنسان معتنيا بالاطلاع على الأشخاص، فالعبرة بالمعاني وما سيقت القصة من أجله، أما كونه فلان وفلان ما يهم، حتى لو علمت الآن أن الرجل هذا اسمه فلان تستفيد فائدة كثيرة؟ * طالب: يعني أعرف الثناء عليه مثل مريم. * الشيخ: الثناء عليه يكفي أنه قال رجل مؤمن من آل فرعون، أنه من آل فرعون يكفي، أنه آمن وهو من آل فرعون، أما هذا الخطاب.. يعني أنا لو قلت لك: يا رجل أو قلت: يا عبد الرحمن، أيهن أبلغ في الإكرام؟ أو قلت: يا هذا؟ الخطاب غير مسألة التحدث عن شخص، الخطاب ليس كالتحدث عن شخص، الخطاب إذا ذكر الإنسان باسمه العلم صار هذا دليلا على التفخيم والتكريم. * طالب: في بعض الآيات يقول: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾، وفي آيات ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾؟ الشيخ يقول: في بعض الأحيان يقول: ﴿اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، وأحيانا يقول: ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ﴾ كيف يعني نقول؟ الجواب: أن المعنى واحد، وأن المراد بـ ﴿اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ يعني اذكر ربك باسمه، وأما من قال: إن (اسم) زائد فهذا قول ضعيف، وأن ﴿اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ يعني: اذكر ربك، هذا قول لا صحة له، ولكن المعنى: اذكر ربك باسمه؛ لأن هذا هو الذي يتم به الذكر. * طالب: خيرية مريم وغيرها من النساء في الدنيا والآخرة أم في الدنيا فقط وفي الآخرة فقط؟ * الشيخ: في الدنيا والآخرة. * الطالب: ورد في الحديث أن فاطمة رضي الله عنها سيدة (...). * الشيخ: لا هذيك سيدة نساء أهل الجنة، لكنهن خير. * طالب: شيخ، ما استدل به بعض المفسرين أن هذه القصة على أن الخال بمنزلة (...)، قصة زكريا. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: قصة زكريا ومريم وعيسى، بعض المفسرين على أن الخال بمنزلة (...). شيخ: وجه ذلك؟ * الطالب: أن أخت مريم خالة عيسى كانت تحت مريم. * الشيخ: تحت زكريا، وبعدين؟ * الطالب: هل يصح هذا الاستدلال يا شيخ؟ * * * * طالب: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران ٤٣ - ٤٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾، ذكرنا أن الاصطفاء معناه الاختيار، وهو مأخوذ من الصفوة، وصفوة كل شيء خلاصته. ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ ظاهرا وباطنا، من العيوب الظاهرة ومن العيوب الباطنة، ومن الأخلاق السافلة، فهي مطهرة ظاهرا وباطنا. ونص الله تعالى على ذلك دفعا لقول اليهود -قاتلهم الله ولعنهم-: إنها كانت بغيا، وإن عيسى عليه الصلاة والسلام كان ولد زنا. وقوله: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ قلنا: إن المراد بذلك نساء عالمي زمانهم، على أنها هي وخديجة بنت خويلد وآسية امرأة فرعون هؤلاء الثلاث كملن من النساء، و«فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»[[سبق تخريجه.]]. وقوله: ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ العالمين هم كل من سوى الله في الأصل، كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، فالرب والمربوب لا يوجد سواهما، وعليه فالعالم كل من سوى الله، هذا في الأصل، وسمي عالما لأنه علم على خالقه عز وجل، فإن ما في هذه المخلوقات من الآيات الدالة على كمال الله سبحانه وتعالى وعلى كل ما تتضمنه هذه المخلوقات علم واضح على ما تتضمنه هذه المخلوقات من الصفات الكاملة. ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ هذا من خطاب الملائكة أيضا، تقول لها: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ والقنوت هو دوام الطاعة، واللام في قوله: ﴿لِرَبِّكِ﴾ للاختصاص، أي قنوتا خالصا لله، أي طاعة خالصة له؛ لأن من شرط الطاعة أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿لِرَبِّكِ﴾ الربوبية هنا ربوبية خاصة، وقد مر علينا أن الربوبية تنقسم إلى ربوبية عامة وربوبية خاصة، فالعامة هي الشاملة لكل أحد، والخاصة تختص بمن خصها الله به، لكنها تفيد تربية أكثر اعتناء واختصاصا من الربوبية العامة. وقوله: ﴿وَاسْجُدِي﴾ الواو حرف عطف، ﴿وَاسْجُدِي﴾ يعني السجود المعروف، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة أمرت أن تسجد على سبعة أعظم[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨١٠)، ومسلم (٤٩٠ / ٢٢٨) من حديث ابن عباس.]]، وعطف السجود على القنوت من باب عطف العام على الخاص أو الخاص على العام؟ الخاص على العام. وذكر الخاص بعد العام يدل على فضله ومزيته. ولا شك أن السجود من أفضل أنواع الطاعة، ولهذا كان «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢ / ٢١٥) من حديث أبي هريرة.]]. وقوله: ﴿ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ الركوع معروف، وهو انحناء الظهر، وقوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي في جملتهم، وليس المراد أنها تصلي مع الجماعة؛ لأن المرأة لا تخاطَب بالصلاة مع الجماعة، لكن كوني في جملة الراكعين الذين يركعون لله عز وجل. وفي قوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ولم يقل: مع الراكعات، مع أنها امرأة؛ لأن الكُمّل من الرجال أكثر من الكمل من النساء، ولهذا لم يكمل من النساء إلا ثلاث[[سبق تخريجه.]]. وقوله: ﴿اسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ قدم السجود على الركوع؛ لأن هيئة السجود أفضل وأبلغ في الخضوع، فقدمها على الركوع، أما من حيث الترتيب الفعلي بالنسبة للصلاة فإن الركوع قبل السجود. ثم قال الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾، ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه كل ما سبق من قصة زكريا وقصة مريم. وقوله: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ أي من أخبار الغيب، أي من أخبار الشيء الغائب الذي لا يعلم، لكن من الذي لا يعلمه؟ ليس المراد من وقع في زمنه؛ لأن من وقع في زمنه فهم يعلمونه، لكن المراد: لا يعلمها النبي ﷺ ولا قومه؛ كما قال تعالى في سورة هود: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود ٤٩] إذن هي غيب نسبي ولّا حقيقي؟ غيب نسبي بالنسبة لمن لم تكن في زمنه، أما من كانت في زمنه فهي مشاهدة، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام وقومه كانوا أميين، لا يعلمون شيئا عن الأمم السابقين، فأوحى الله إلى نبيه ﷺ ما أوحى من أخبار السابقين التي ما كان يعلمها لا هو ولا قومه، وهو دليل على أنه رسول الله حقا، وأن الوحي يأتيه من الله. وقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ الوحي في اللغة الإعلام بسرعة وخفاء، فإذا أعلمك إنسان بسرعة على وجه خفي يسمى في اللغة وحيا، وحيا، ولكنه في الشرع: إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما يشاء من شرعه، هذا الوحي، إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما أيش؟ بما يشاء من شرعه. ثم إن كلفه بتبليغه كان رسولا، وإلا كان نبيا. * الشيخ: الأخ عرفنا ما هو الوحي شرعا؟ أنت إي نعم. * طالب: الوحي ما أمر (...) بالشرع ولم يؤمر بتبليغه. * الشيخ: هذا الوحي شرعا. * الطالب: خلاف الرسول، فإذا أمر بتبليغه.. * الشيخ: صار الوحي شرعا من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه! هذا الوحي شرعا! أعتقد أنك ما أنت معنا؟ * طالب: (...) * الشيخ: لا لا، تأملها في غير وقت الدرس، وقت الدرس تأمل ما يقول المدرس، ما تابعتنا ولهذا أخطأت في تعريف الوحي. طيب إذن الوحي؟ * طالب: الوحي هو ما يوحي الله سبحانه وتعالى شرعا نبيا من أنبيائه، فإن أمره بالتبليغ فهو كان رسولا، وإن لم يؤمره فهو نبي. * الشيخ: أيش الوحي؟ * الطالب: هو ما يوحيه الله سبحانه وتعالى إلى نبي من أنبيائه من شرعه. * الشيخ: لا. * طالب: إيحاء الله لنبي.. إيحاء الله عز وجل.. * الشيخ: لا. * الطالب: تبليغ وتكليف الله عز وجل. * الشيخ: لا. * طالب: إخبار الله لنبي من الأنبياء بما يشاء من شرعه. * الشيخ: نعم، هذا الوحي: إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما يشاء من شرعه، ثم إن أمر بتبليغه كان رسولا وإلا فهو نبي. ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ أي نخبرك به على الوصف الذي ذكرنا، وهو إخبار الله تعالى لنبي من أنبيائه بما شاء من شرعه، هذا الوحي. وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أي ما كنت عندهم، يعني عند زكريا وقومه ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾، ﴿إِذْ﴾ أي حين، وهي متعلقة بقوله: ﴿كُنْتَ﴾، يعني ما كنت في ذلك الوقت عندهم ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾، ﴿أَقْلَامَهُمْ﴾ اختلف العلماء في تفسيره، فقيل: إنها على ظاهرها؛ أنهم ألقوا أقلامهم التي يكتبون بها، وقيل: إن المراد بها سهامهم التي تكون في النصل يرمون بها، وسميت قلما لأنها تشبهه في الاستطالة ودقة الرأس، السهم عندهم بمنزلة الرصاصة عندنا في الوقت الحاضر. على كل حال أيها ظاهر القرآن؟ ظاهر القرآن أن المراد بالأقلام الأقلام الحقيقة التي يكتب بها، ولا نعدل عن ظاهر القرآن إلا بدليل، هذه هي القاعدة الشرعية في تفسير القرآن، بل وفي تفسير الحديث النبوي، بل وفي كلام الغير، حتى كلام الناس يجب أن نعمل بظاهره إلا بدليل، ولكن ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ كيف ألقوا هذه الأقلام؟ المعروف أنهم ألقوها في النهر؛ في الماء الذي يمشي، فما انحبس منها فصاحبه الذي يكفل مريم، وما جرى فهو الذي لا يكفلها، ولكن القرآن ليس فيه بيان ذلك، يعني ليس فيه أنهم وضعوا هذه الأقلام في النهر، إنما ألقوا أقلامهم على وجهٍ اللهُ أعلم بكيفيته، لكنهم ألقوها من باب الاقتراع، يعني قرعة أيهم يكفل مريم، فخرجت القرعة لمن؟ لزكريا؛ كما قال تعالى في أول القصة: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران ٣٧]. ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ يعني وما كنت عندهم أيضا في حال اختصامهم أيهم يكفل مريم، هذا الاختصام هل هو قبل إلقاء الأقلام أو بعده؟ قبله، الظاهر أنه قبله، لكن أخر في الذكر لمناسبة الآيات؛ رؤوس الآيات ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هذا هو الذي يظهر، على أنه قد يقال: إن الله سبحانه وتعالى ذكر النتيجة قبل المقدمة أو قبل السبب لأنها هي الغاية، فإن إلقاء الأقلام والاستهام هو غاية الاختصام، فاختصموا أيهم يكفلها فقالوا: لنسهم بإلقاء الأقلام. وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ هذا كالدليل لقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ يعني فأنت ما قلتها لأنك شاهد، ولكن قلتها لأنها أوحيت إليك. وأيضا فيه إشارة إلى أن هذا الذي أنبئ به كأنما يراه بعينه، كأنه حاضر، وهو كذلك، بل كما قلنا فيما سبق: إن إخبار الله عز وجل أشد ثبوتا وحقيقة مما يُرى في العين. ثم قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ﴾، يعني: اذكر إذ قالت الملائكة: يا مريم، وهل المراد جنس الملائكة أو الملائكة كلهم؟ الظاهر الأول أن المراد الجنس؛ لأن القائل واحد، والمشهور أنه جبريل. قال لها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ إلى آخره. قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ سبق أن معنى البشارة في الأصل: الإخبار بما يسر، وأنها قد تطلق على الإخبار بما يسوء؛ بجامع أن كلا مما يسر وما يسوء يغير البشرة ويؤثر فيها. ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ قوله: ﴿بِكَلِمَةٍ﴾ تحتمل وجهين: الوجه الأول: أن الكلمة هي المبشر به، كما تقول: بشرته بولد، بشرته بولد، فتكون الكلمة هي المبشر به. والوجه الثاني: أن المراد بالكلمة هنا الصيغة التي حصلت بها البشارة، أي: يبشرك بشارة عن طريق النطق بها، عن طريق النطق، كما تقول: بشرته بالقول، لا بالكتابة. فأنت مثلا تبشر الإنسان إما بواسطة النطق، وإما بواسطة الكتابة، وإما بواسطة الإشارة، فقوله: ﴿يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ أي أن الوسيلة التي حصلت بها البشارة هي الكلمة، يعني أن الله قال سبحانه وتعالى كلمة فيها البشرى بالمسيح عيسى ابن مريم. فالوجهان محتملان، الوجه الأول ما هو؟ أن المراد بالكلمة عيسى، يعني المبشر به، كما تقول: بشرته بولد، أو أن المراد بالكلمة الصيغة التي حصلت بها البشارة، أي أن البشارة حصلت من الله بالقول، كما تقول: بشرته بالنطق، بشرته بالكتابة، بشرته بالإشارة. فأما على الاحتمال الثاني فلا إشكال، لا إشكال أن تقع البشارة بالنطق، لكن على الاحتمال الأول أن الكلمة هي المبشر به، فكيف يكون المبشر به كلمة مع أنه إنسان؟ أجاب العلماء عن ذلك بأنه أطلق عليه الكلمة لأنه كان بالكلمة، لا بالوسائل الحسية المعلومة؛ لأن الولد في العادة يأتي بواسطة النكاح، لكن هذا لم يأت بالنكاح، أتى بالكلمة ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩]، فلهذا صح أن يطلق عليه الكلمة. وفي هذه الآية إشكال آخر: إذا قلنا: إن قوله: ﴿بِكَلِمَةٍ﴾ تعني المبشر به، وهو قوله: ﴿مِنْهُ﴾، ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ فإن (من) لها معانٍ، منها: التبعيض؛ كما قال ابن مالك رحمه الله في الخلاصة: بَعِّــضْ وَبَيِّــنْ وَابْتَــدِئْ فِــــيالْأَمْكِنَــــــــــهْ ∗∗∗ بِمِــــــــنْ وَقَــــدْ تَأْتِــــي لِبَــــدْءِالْأَزْمِنَــــــــــــــــهْ الشاهد قوله: (بعّض)، فإن (من) تفيد التبعيض، فهل معنى ذلك أن عيسى بعض من الله كما قال ذلك النصارى؟ الجواب: لا، الجواب ليس بعضا من الله، لأن الله واحد أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ولا يتبع أحد هذه الآية ويدعي التبعيضية أو يدعي البعضية، إلا من في قلبه زيغ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٧]، والنصراني كما اتبع المتشابه في هذه الآية اتبع المتشابه في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩] قال: هذا كلام الله يقول: ﴿إِنَّا﴾ وإنا تفيد الجمع، فاتبع المتشابه انتصارا لرأيه الفاسد، ولا يخفى على كل ذي لب أن المراد بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ وما أشبهها التعظيم، لا التعدد. كذلك هنا ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ لا يقتضي أن يكون عيسى بعضا من الله عز وجل؛ لأنك إن ادعيت أنه بعض من الله فلتدع أنه كلمة الله، ومعلوم أنه لا أحد يدعي أن عيسى كلمة، عيسى بشر، له جسم وروح، يأكل ويشرب، وهل الكلمة كذلك؟ لا. فأنت إن ادعيت أنها من الله فادع أن عيسى كلمة، ومعلوم أن عيسى ليس بكلمة. إذن فيتعين أن تكون (من) إما ابتدائية وإما بيانية، يعني: بكلمة صادرة من الله عز وجل بأن قال: كن فكان. نظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية ١٣]، هل يدعي أحد أن ما في السماوات وما في الأرض بعض من الله؟ لا، لا يدعي، حتى النصراني ما يدعي ذلك، ولكن هنا (من) إما للابتداء، يعني ابتداء التسخير من الله، أو للبيان، بيان مَن المسخر، أو من أين جاء هذا التسخير. قال: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾، اسم: مبتدأ، و﴿الْمَسِيحُ﴾ خبر، و﴿عِيسَى﴾ خبر ثانٍ، و﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ خبر ثالث، وإنما قلنا ذلك لأنك لو أفردت كل واحد عن الآخر لاستقام الكلام، لو قلت: اسمه ابن مريم صح؟ اسمه عيسى، اسمه المسيح صح، وعلى هذا فكل واحد منها خبر، وقيل: بل الثلاثة خبر واحد، كقولك: البرتقال حلو حامض، هنا لا يصح أن تقول: حلو خبر وحامض خبر؛ لأنك لو أفردت أحدهما عن الآخر فسد المعنى، لو قلت: البرتقال حلو ما صح، لو قلت: البرتقال حامض، ما صح، ما أدى المعنى الذي يؤديه قوله: حلو حامض؛ لأن حلو حامض يعني: جامع بينهما، يعني: مز، كذا؟ فلهذا نقول في قول القائل: البرتقال حلو حامض، حلو حامض جميعها خبر، لكن في الآية التي معنا: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ لا يستقيم هذا المعنى فيها، وبناء على ذلك نقول: إن كل واحد منها خبر. مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٤ - ١٦] خمسة أخبار. هذه الأخبار الثلاثة جمعت أنواع العَلَم التي أشار إليها ابن مالك في قوله: وَاسْمًــــــــا أَتَــــــــى وَكُنْيَــــــــةًوَلَقَبَــــــــــــــــــــــــا ∗∗∗ وَأَخِّــــــــرَنْ ذَا إِنْ سِــــــــوَاهُصَحِبَــــــــــــــــــــا معلوم؟ أين الاسم؟ طلبة: عيسى. * الشيخ: اللقب؟ طلبة: المسيح. * الشيخ: الكنية؟ طلبة: ابن مريم * الشيخ: وإذا كان هذه الكلمات الثلاث قد جمعت أنواع العلم الثلاثة: الاسم، واللقب، والكنية، يبقى عندنا إشكال في قول ابن مالك: (وأخرن ذا) يعني اللقب (إن سواه صحبا)؛ فإنه في الآية الكريمة قدم اللقب، فيبقى إشكال، فهل نأخذ بقول ابن مالك ونقول: القرآن شاذ؟ حاشا حاشا، نقول: ابن مالك وألفيته الشاذة ولا يشذ القرآن. إذن كيف نجمع بين هذا الكلام من هذا العالم في النحو وبين الآية؟ من المعروف أن علماء النحو رحمهم الله لا تضييق عليهم أبدا، ولهذا يقولون في ضرب الأمثال: حجة نحوي، أو يقولون: حجج النحاة كبيوت اليرابيع، واضح؟ حجج النحاة كبيوت اليرابيع، أيش معنى هذا؟ اليرابيع جمع يربوع، وعندنا باللغة العامية: جرابيع، طيب اليربوع من ذكائه يتخذ جحرا في الأرض له باب، وإذا بلغ منتهاه خرق الأرض متعليا إلى فوق، فإذا بقي قشرة رقيقة وقف؛ من أجل إذا دخل عليه أحد من باب الجحر خرج من هذه النطاقة؛ كما يقولون، نطق. أقول: النحويون رحمهم الله لا تضييق عليهم، قالوا: الجواب عن الآية: هو أن اللقب إذا اشتهر به الإنسان حتى صار كالعلم، أو كالاسم، جاز أن يقدم، جاز أن يقدم، ولهذا نجد في كلام العلماء: الإمام أحمد بن حنبل، المسيح عيسى ابن مريم، على أوزان المسيح عيسى ابن مريم، الإمام محمد بن إدريس الشافعي، فيقدم الإمام مع أنه لقب، لماذا؟ للاشتهار، إذن لا إشكال الآن. قال: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ واختار الله تعالى له اسم المسيح لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، أو لكثرة مسحه الأرض وسيره فيها، أو من المسحة وهي الجمال، والمعنى الأول أشهر، يعني أنه لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، فهو يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويخرجهم من قبورهم، وهذه الأمور لا تتم لكل أحد، بل لا تتم لأحد أبدا إلا بإذن الله عز وجل. ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ولم ينسبه إلى ذَكر؛ لأنه لا أب له، وأظن ذلك واضحا أنه لم ينسبه إلى أب لأنه لا أب له، لكن لماذا نسبه إلى أمه؟ إشارة إلى ألا يقول قائل: إنه ينسب إلى كافله زكريا، يعني لئلا يقول قائل: ما دام هذا الطفل ليس له أب فلينسب إلى كافله حتى يُعرف به، فبدأت الملائكة وبينت أن هذا الرجل ينسب إلى أمه ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾. ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قوله: ﴿وَجِيهًا﴾ هذه منصوبة على الحال، من أين؟ حال من أين؟ طلبة: من عيسى. * الشيخ: أو المسيح، حال كونه وجيها في الدنيا، والوجيه هو ذو الجاه، وهو الشرف والمكانة والسيادة، وقد كان كذلك عليه الصلاة والسلام، أما وجاهته في الدنيا فلأنه كان أحد الرسل الكرام، بل هو من أولي العزم، وأعظم الناس جاها في الدنيا والآخرة هم أولو العزم، كما قال الله تبارك وتعالى عن موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب ٦٩]، وأما وجاهته في الآخرة فكما قلنا أيضا لأنه من أولي العزم من الرسل الذين هم في أعلى درجات الجنة ولهم في الآخرة مقامات لا تكون لغيرهم. وقوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.. وهو الشرف والمكانة والسيادة، وقد كان كذلك عليه الصلاة والسلام، أما وجاهته في الدنيا؛ فلأنه كان أحد الرسل الكرام، بل هو من أولي العزم، وأعظم الناس جاهًا في الدنيا والآخرة هم؟ * طالب: أولو العزم. * الشيخ: أولو العزم كما قال الله تبارك وتعالى عن موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب ٦٩]. وأما وجاهته في الآخرة فكما قلنا أيضًا؛ لأنه من أولي العزم من الرسل الذين هم في أعلى درجات الجنة، ولهم في الآخرة مقامات لا تكون لغيرهم. وقوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ هذا وصف ثالث أنه من المقربين إلى مَنْ؟ * الطلبة: إلى الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إلى الله عز وجل، من المقربين إلى الله في الدنيا ولَّا في الآخرة؟ * الطلبة: في الدنيا والآخرة. * طالب: كلاهما. * الشيخ: في الدنيا والآخرة؛ لأن المقرب يكون مقربًا في الدنيا ويكون كذلك مقربًا في الآخرة، فعيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام كان وجيهًا في الدنيا والآخرة وكان من المقربين إلى الله، وهل هذا الوصف حاصل لغيره من الأنبياء؟ الجواب: نعم، أولو العزم من الرسل لا شك لهم وجاهة في الدنيا والآخرة وأنهم مقربون إلى الله. * طالب: شيخ، في الآية السابقة ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ منه زائدة؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾. * الشيخ: زائدة؟ أيهم اللي زائدة؟ * الطالب: ﴿مِنْهُ﴾. * الشيخ: الحرف هذا الجر والضمير كلها؟ * الطالب: نعم، (...) منه. * الشيخ: كيف يكون التقدير؟ * الطالب: يعني كلمة اسمه المسيح. * الشيخ: معناه زادت الهاء ضمير. * الطالب: هذه مضاف إليه. * الشيخ: يعني بأيش؟ * الطالب: بكلمته (المسيح). * الشيخ: ما يستقيم؛ أولًا: أن (مِن) لا تزاد إلا في النكرة، ولا تزاد إلا بعد نفي أو شبهه، وثانيًا: أنها لا تزاد مع الضمير أبدًا. وثالثًا: أنه لا محظور فيه. * طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة لتقدير الفعل (اذكر) هل كان النبي ﷺ يعرف أن الله (...)؟ * الشيخ: إيه. * الطالب: يُذكر الناس. * الشيخ: إيه، أمره الله أن يذكرها للناس. * الطالب: يعني كان من قبل عنده علم؟ * الشيخ: لا، ما يعلمها إلا بوحي الله. * الطالب: في نفس الخطاب اذكر؟ * الشيخ: لا، نعم. * الطالب: في نفس الخطاب اذكر، يعني كان عنده علم؟ * الشيخ: إيه، نعم. * الطالب: أو ما كان عنده علم سابق؟ * الشيخ: لا، ما كان عنده علم سابق. * طالب: طيب تصلح أن نقول اذكر؟ * الشيخ: إيه، يصلح، لو قلت لك أنا: اذكر للناس كذا وكذا، وأنت ما تدري عنها بالأول. * الطالب: بمعنى بلِّغ؟ * الشيخ: بمعنى بلِّغ، إيه. * الطالب: المنازل اللي يأخذونها الأنبياء أولي العزم. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: المنازل اللي عند الله لأولي العزم من الرسل، يعني هل المؤمنين في الجنة يصلون إلى هذه المنازل يعني؟ * الشيخ: إيه يصلون، لكن ليس يصلونها على سبيل السكنى. * الطالب: الزيارة يعني. * الشيخ: إيه ما فيه شك، يعني المؤمنون -اللهم اجعلنا جميعًا منهم- يزورون حتى الله عز وجل، الله أكبر! * الطالب: شيخ، أحسن الله إليك شيخنا، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ [آل عمران ٤٤] ألا نقول يا شيخ أقلامهم هي الأسهم، والدليل على ذلك أن العرب عادتهم إذا كانوا يلقون الأصنام يلقون الأسهم، فيكون قصُّه دليل على هذا؟ * الشيخ: إيه لا، نحن نقول: ما دام أن الله قال: أقلام، والأقلام في اللغة العربية معروفة ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم ١] معروفة لماذا نعدل عن الظاهر؟! يمكن العرب أنهم يجعلون السهام؛ لأنهم أميون لا يكتبون ولا يقرؤون، وهناك فيما سبق يقول: أقلام. * طالب: شيخ، (المسيح) ذكره فعيل، وهذا فاعل؟ * الشيخ: وبعضهم أبدى المناسبة في مسألة الأقلام؛ لأنهم يكتبون بها الكتب المنزلة. * طالب: نقول: المسيح هل هو بمعنى (فاعل) ولَّا بمعنى (مفعول)، المسيح؟ * الشيخ: لا، بمعنى (فاعل) إلا على قول من يقول المراد بذلك المسحة من الجمال، فهذا يكون بمعنى (مفعول). * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، بالنسبة للفرق بين الذكر والتسبيح؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: وردت الآية: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران ٤١] ما الفرق بين الذكر والتسبيح؟ * الشيخ: التسبيح: تنزيه الله عما لا يليق به، والذكر: الثناء عليه بما يستحق. * طالب: شيخ، قلنا: إن الله عز وجل نسب عيسى إلى مريم، وقلنا: لا ينسبه إلى غيرها حتى لا (...) بالنسبة (...) هو يقول: (...). * الشيخ: لا، هو ذكرنا لماذا يعني هم بادروا بأن ينسب إلى أمه ابن مريم، بادروا بذلك لأن لا يُنسب إلى أحد غيرها. * طالب: لماذا قلنا: رب (...). * الشيخ: لا، كونه ابنًا لا شك أنه رد على النصارى سواء نسب إليها أو إلى غيرها، لكن كونهم يبادرون بهذا بأن يُنسب إلى أمه لأن لا يقول القائل: ننسبه للرجل؛ لأن هذا العادة بالنسبة وأقرب من ينسب إليه زكريا. * طالب: أولو العزم يعني أيش المقصود بالعزم؟ * الشيخ: أولو العزم؛ معنى العزم يعني الحزم في الأمور والصبر عليها وملاحاة الناس مثل ما نقول: إن فلانًا صاحب عزيمة؛ يعني قوي مصمم على تنفيذ ما يريد. * الطالب: مختصين بهذا عن بقية الرسل. * الشيخ: إي نعم، هذا هو المشهور أن قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٣٥] أن (مِن) للتبعيض، وأن أولو العزم هم الخمسة المذكورون في آيتين من القرآن، وبعضهم جعل (مِن) بيانية، فعلى هذا يكون جميع الرسل من أولي العزم، لكن المشهور الأول. ذُكرت في آيتين من القرآن ما هما؟ * الطالب: إحداهما. * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: في الشوري: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى ١٣]. * الشيخ: نعم، هذه واحدة، وفي الأحزاب؟ * الطالب: في الأحزاب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب ٧]. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: قلنا يا شيخ: إن هذه للبداءة والمعاينة؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: البداءة والمعاينة؟ * الشيخ: المعاينة، بيانية. * الطالب: بيانية، طيب يا شيخ فيه آية: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم ١٧] يعني كيف المخرج من مفهوم الآية؟ * الشيخ: أيهم الثانية ولَّا الأولى؟ * الطالب: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾. * الشيخ: إيه يعنى جبريل. * الطالب: يا عم الشيخ، يرد علينا أسئلة وإحنا لا نستطيع..، نريد حجة يا شيخ دامغة لهؤلاء. * الشيخ: نسأل الله، الله يعينك، أيش عندك؟ * الطالب: إرسال ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم ١٧] يقولون هذا. * الشيخ: طيب صحيح، نحن نقول هذا، إن جبريل عليه الصلاة والسلام تمثل لها بشرًا سويًّا ليمتحنها. * الطالب: رجل؟ * الشيخ: رجل، رجل، فهمت؟ ولهذا قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم ١٨] وأيش قال لها؟ ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم ١٩] الآيات متواصلة، ما هو بس جاء بشر وحملت، بيَّن أنه رسول الله. * طالب: الإشكال يقولون: إن هذا بشر؛ يعني رجل (...) يعني قد يقولون: إنها حملت منه أو كذا. * طالب آخر: هذا القول يا شيخ (...). * الشيخ: هم قالوا هذا، ولهذا هم قالوا من أول ما جاءتهم ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٨] وأيش معنى هذا؟ هذا تعريض بأنها زانية، يقولون: كيف جئت بالزنا وأبوك ما كان امرأ سوء وما كانت أمك بغيًّا، لو كان هذه وراثة ما استغربنا، لو كان أبوك امرأ سوء أو كانت أمك بغيًّا زانية -والعياذ بالله- قلنا: هذه مثل آبائها، هذا تعريض، لكن وأيش اللي حصل؟ أشارت إليه، انظر الآية، فدافع عن نفسه. * طالب: شيخ، فيه إرسال يا شيخ، فيه إشكال؟ * الشيخ: ما فيه إشكال يا أخي، ما فيه إشكال، هذا الرجل، هذا جبريل عليه الصلاة والسلام أرسله الله تعالى ليمتحنها، ولهذا لجأت إلى الله ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ ما فيه إشكال. * طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، أنت قلت: قدمت ثلاثة أقوال في اسم المسيح فإنه إذا مسح المريض بالعمى يبرأ؟ * الشيخ: ذا عاهة. * الطالب: ذا عاهة يبرأ، وأنه يمسح الأرض (...). * * * * طالب: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٤٥ - ٤٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ وهذا قرأناه. قال: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ (الواو) حرف عطف، والجملة معطوفة على ما سبق. ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ أي: في حال الصغر، وأصل المهد أو الْمِهاد الفراش يوضع للإنسان فيطؤه ويستريح عليه. وقوله: ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ أي: في الفراش وهو صغير، وهذا من آيات الله عز وجل؛ لأن العادة التي أجرى الله سبحانه وتعالى البشر عليها أن لا يتكلم أحد إلا في سن معين، وفي المهد لم يتكلم إلا ثلاثة؛ منهم المسيح عيسى ابن مريم، وتكلم بكلام من أبلغ الكلام لما جاءت به قومها تحمله ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم ٢٧ - ٢٩] فقالوا: كيف نكلم من كان في المهد صبيًّا؟ ﴿قَالَ﴾ يعني حين سمعهم: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم ٣٠ - ٣٣] كلام من أفصح الكلام وأعظمه وهو في المهد، وهذا من آيات الله عز وجل الدالة على قدرته، ولهذا كان آيات عيسى كلها تدور حول هذا الأمر، حول خوارق العادات في الأمور الكونية، فهو نفسه آية خُلق بلا أب، وكلم الناس في المهد، وهذا من الآيات، يصنع من الطين كهيئة الطير فينفخه فيكون طيرًا، يبرئ الأكمه والأبرص، ولا أحد يبرئهما من الأطباء، يحيي الموتى ويخرجهم من القبور. قال أهل العلم: لأنه بُعث في زمن ترقى فيه الطب ترقيًا عظيمًا فجاء بآيات من جنس الأعمال التي يعملونها ليكون ذلك أبلغ في الإعجاز كما جاء موسى عليه الصلاة والسلام بالعصا واليد التي تُبطل سحر السحرة، وكان السحر في وقته قد زاد وانتشر، وكما أتى محمد ﷺ بكلام أبلغ الكلام وأفصحه لانتشار الفصاحة في زمنه وعهده حتى يعجز هؤلاء البلغاء، ويتبين أنه ليس من كلام البشر. قال: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ يعني ويكلمهم وهو كهل من الحادية والثلاثين إلى الأربعين، يكلمهم في هذه الحال، في هذه الحال ليس غريبًا أن يكلم الناس، ولكنه أتى بها لفائدة وهي أن كلامه في المهد ككلامه وهو كهل؛ يعني ليس ككلام الصبي الذي يتكلم في المهد (يا بابا، يا ماما) وما أشبه ذلك، بل كلام فصيح من أبلغ الكلام كما يتكلم به وهو أيش؟ * طالب: كهل. * الشيخ: وهو كهل. ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ من الصالحين أيضًا، يعني وهو من الصالحين، وسبق لنا أن الصالح من صلحت سريرته وعلانيته يعني ظاهره وباطنه، ظاهره بالإخلاص لله والطهارة من كل شرك ونفاق وشك وأحقاد وبغضاء للمؤمنين وما أشبه ذلك، ظاهره بأيش؟ بالمتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام وعدم الابتداء، فهو عليه الصلاة والسلام من الصالحين الذين صلحت ظواهرهم وبواطنهم، وإن شئت فقل: سرائرهم وعلانيتهم. ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ﴾ هي الآن تخاطب الله، والذي كان يخاطبها الملائكة أو جبريل، لكنها لما قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ [آل عمران ٤٥] وعلمت أن الأمر من الله وجهت الخطاب إليه سبحانه وتعالى، فقالت: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ وتأمل هذا الاستعطاف منها حيث قالت: ﴿رَبِّ﴾. ومعلوم أن كلمة ﴿رَبِّ﴾ هنا مضافة إلى ياء المتكلم التي حذفت للتخفيف، وأصلها: ربي أنى يكون لي ولد؟ وقولها: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ هذا استفهام يعني من أين يكون لي ولد ولم يمسسني بشر؟ وهذا الاستفهام ليس على سبيل الشك، وليس على سبيل الاستبعاد، ولكنه على سبيل الاستثبات وزيادة الطمأنينة كقول إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة ٢٦٠] وإلا ما عندها شك. وقوله: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ الجملة حالية؛ يعني: والحال أنه لم يمسسني بشر، أي: لم يجامعني؛ لأن المس يطلق على الجماع؛ يعني يكنى به عن الجماع، كما قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٦] أي: تجامعوهن. ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ يعني لا بنكاح ولا بغير نكاح، فمن أين يكون الولد؟ ﴿قَالَ كَذَلِكِ﴾ قال من؟ الله عز وجل؛ لأنها نادت الله ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ ﴿قَالَ كَذَلِكِ﴾ يعني: الأمر كذلك، فالجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف تقديره: الأمر، وعلى هذا فيحسن الوقوف هنا، أي يحسن أن تقف، فتقول: ﴿كَذَلِكِ﴾، ثم تبتدئ فتقول: ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾. وهذا التركيب له نظائر في القرآن مثل قوله: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان ٥٤] وإنما تأتي هذه الصيغة للتقرير والتثبيت؛ يعني الأمر مثل ما وقع تمامًا. وقوله: ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ سبحانه وتعالى، ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، و﴿يَخْلُقُ﴾ الجملة خبر، يعني أن الله سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء سواء كان على وفق العادة أو على خلاف العادة، فعيسى عليه الصلاة والسلام جاء على خلاف العادة، لكن مَثله عند الله ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران ٥٩] أي خلق آدم من تراب ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩] والله على كل شيء قدير. وقد ذكر أهل العلم أن البشر منهم من خُلق بلا أم ولا أب، ومنهم من خلق من أم بلا أب، ومنهم من خلق من أب بلا أم، وأكثر الخلق من أم وأب، فالذي خُلق من غير أم ولا أب: آدم، ومن أب بلا أم: حواء؛ امرأة آدم، ومن أم بلا أب: عيسى، وسائر الناس من أم وأب. ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: الذي يشاء كمًّا وكيفًا، وعلى سبب معلوم، وعلى سبب غير معلوم؛ فالله سبحانه وتعالى لا معقب لحكمه يخلق ما يشاء، قلنا: بالكمية والكيفية، والسبب المعلوم والسبب غير المعلوم، والنوعية أيضًا، ما أكثر أنواع الخلق لا يحصيها الإنسان فضلًا عن أفرادها! وما أكثر الخلق لو أردت أن تحصى الخلائق ما استطعت، والله تعالى قد أحصاهم ورزقهم وأمدهم، وأعد كل مخلوق لما خُلق له، قال فرعون: ﴿مَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٤٩، ٥٠] كل شيء أعطاه خلقه المناسب له ثم هداه، هداه لما خُلق له، انظر أحيانًا تفتش الكتاب، تفتش الكتاب مراجعة تجد فيه حيوانًا لا يدركه البصر إلا بكلفة، حيوان داخل هذا الكتاب لا يدركه البصر إلا بكلفة، من خلقه؟ الله. ومن أعده للرزق؟ الله. ومن أمده برزقه المناسب له؟ هو الله عز وجل، فما بالك بالخلق الكثير الذي أكبر من هذا بكثير، فالمهم أن الله تعالى يخلق ما يشاء كمًّا وكيفًا ونوعًا، وبسبب معتاد، وبسبب غير معتاد، لا حرج على الله عز وجل يخلق ما يشاء ويفعل ما يشاء، قال: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٧]. ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿إِذَا قَضَى﴾ قضى أي: قضاء كونيًّا؛ لأن القضاء له معنيان: كوني وشرعي، فمن أمثلة الشرعي قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]. هذا قضاء شرعي، ومن أمثلة الكوني هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء ٤] قضينا شرعًا ولَّا كونًا؟ * الطلبة: كونًا. * الشيخ: ما يصح شرعًا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لأن الله لا يقضي شرعًا بالفساد أبدًا، فهو لا يحب الفساد، لكنه قضاء كوني، ما الفرق بين القضاءين الكوني والشرعي؟ الفرق بينهما أن القضاء الشرعي متعلق بما يحبه الله من فعل المأمور أو ترك المحظور. ثانيا: القضاء الشرعي قد يقع وقد لا يقع، قد يقع من المقضي عليه وقد لا يقع، القضاء الكوني يتعلق فيما أحبه الله وما لا يحبه الله، القضاء الكوني لا بد أن يقع من المقضي عليه، فصار الفرق؟ * الطلبة: وجهين. * الشيخ: أربعة أوجه أو وجهين؟ * الطلبة: وجهين. * الشيخ: وجهين، وعند ما نذكر الشيء وضده تكون أربعة. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ [سبأ ١٤]؟ * الطلبة: كوني. * الشيخ: هذا كوني ولَّا شرعي؟ * الطلبة: كوني. * الشيخ: كوني، قوله تعالى: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [هود ٤٤]؟ * الطلبة: كوني. * الشيخ: كوني. ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر ٢٠]؟ * الطلبة: شرعي.. * طالب: شامل. * الشيخ: شرعي، أو شامل؟ * الطلبة: شامل. * الشيخ: شامل، يعني حتى الكوني الذي يقضيه الله وإن كان شرًّا، لكن في المفعولات، أما في نفس القضاء فهو حق. يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ (أمرًا) مفرد جمعه أمور ولَّا أوامر؟ * الطلبة: أمور. * الشيخ: أمور، والمراد بالأمر هنا الشأن، يعني إذا قضى شأنًا أي شأن من الشؤون ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ما يحتاج إلى عمل، ولا إلى آلات، ولا إلى أي سبب، كل الخلائق مُسلِمة لله عز وجل ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ٨٣] تنتظر الأوامر إذا صدر الأمر من الله عز وجل كان المأمور؛ الأمر الكوني يقول: ﴿كُنْ﴾ فقط ﴿فَيَكُونُ﴾. قال الله تعالى عن البعث؛ بعث الخلائق كلها: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، وبين الله تعالى في سورة القمر كيف هذا الأمر هل يكرر؟ هل يتأخر المأمور؟ فقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر ٥٠] ما فيه التكرار واحدة، يتأخر المأمور؟ أيش؟ * الطلبة: ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾. * الشيخ: ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ يعني لو شاء ربنا عز وجل لأمر هذه الأرض أن تزول ومن فيها بلحظة ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، هذه القدرة التامة العظمية التي لا تُنسب قُدر الخلق إليها. ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (الفاء) هذه تفيد الترتيب، وإن شئت فقل: تفيد السببية، فإن قلت: إنها تفيد السببية فاقرأها بالنصب، وإن قلت: إنها تفيد الترتيب فاقرأها بالرفع، وكلتا القراءتين سبعية صحيحة، أن ﴿يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ﴾ أن ﴿يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فعلى قراءة الرفع تكون استئنافيه، والفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب كن فهو يكون في الحال، وعلى قراءة النصب تكون الفاء للسببية، فكأن الكون مسبب عن القول، ومعلوم أن المسبب يأتي مقارنًا للسبب، على قراءة النصب ﴿كُنْ﴾ سبب ﴿فَيَكُونَ﴾ مسبب، ومن المعلوم أن المسبب يأتي عقب السبب فورًا؛ لأنه سببه، والسبب مقارن للمسبب، وعلى هذا فتكون كل من القراءتين مفيدة لمعنى غير المعنى الثاني لكنهما متلازمان، المعنيان متلازمان. ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ طيب ﴿كُنْ﴾ ما ذكر الله سبحانه وتعالى أي شيء يكون عليه، بس يقول: ﴿كُنْ﴾ فيقع الشيء على مراد الله أو لا بد أن يقول: ﴿كُنْ﴾ ويبين ماذا يكون؟ * الطلبة: الأول. * الشيخ: طيب الأول. * طالب: الثاني. * الشيخ: الأول، الثاني، الأول، الثاني، لما خلق الله القلم قال له: اكتب، كتب ولَّا ما كتب؟ * الطلبة: كتب. * الشيخ: لا، ما كتب، «قَالَ: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.[[أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٥٧٢) من حديث عبد الله بن عمر.]] » فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيمة. الله أكبر! فالظاهر -والله أعلم- أن الشيء إذا قال الله له: كن، فلا بد أن يعين ماذا يكون بدليل حديث القلم، ولكنه إذا عين ما يكون فلا بد أن يكون الشيء على ما عين، فالقلم ما يعلم الغيب، لكن لما قال له الرب عز وجل: اكتب إلى ما هو كائن إلى يوم القيمة كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة؛ لأن الله أعلمه، أعلمه فكتب. إذن كن كذا، وهذه لا بد منها بيان مجمل الأمر، لا بد منها، فهذا هو الظاهر، وإذا كان الله عز وجل إذا أمره فقال: كن كان على مراد الله فليس هذا بغريب على قدرة الله أيضًا، أن الله تعالى يجعل هذا الشيء يخضع لأمر الله الذي أراده عز وجل، وإن كان لم يُطلعه عليه، لكن الذي يترجح عندي بناء على حديث القلم أن الله عز وجل يأمره أن يكون، ويبين ماذا يكون عليه. ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ﴿يُعَلِّمُهُ﴾ الضمير يعود على عيسى، والفاعل الله عز وجل. ﴿يُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ لأن عيسى كغيره من البشر؛ يعني لا يعلم إلا ما علمه الله، قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن ٢٦، ٢٧]. ﴿يُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الكتاب بمعنى المكتوب، وهل المراد أنه يُعلمه الكتابة؛ يعني يحسن الخط؟ أو المراد يعلمه الكتب السابقة؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني، كلاهما لا يتنافيان، فعلَّمه الكتابة فكتب، وعلَّمه الكتب السابقة، وعلمه التوراة والإنجيل. ﴿وَالتَّوْرَاةَ﴾ من باب عطف الخاص على العام لشرفها، وأما ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ فهو لم ينزل على أحد قبل عيسى. وقوله: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ الشريعة؛ لأن الشريعة من الله، وكل ما كان من الله فهو متضمن للحكمة، قال الله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء ١١٣]. فالحكمة هي الشرع، وهو موافق لمن فسر ذلك بالسنة؛ لأن سنة النبي ﷺ هي شرعه، هي شرعه الذي جاء به من الله، فعلمه الله عز وجل الحكمة، و(أل) في ﴿الْحِكْمَةَ﴾ هنا للعهد الذهني؛ يعني الشرع الذي شرعه الله لعيسى، ليس كل الحكمة، لكن للحكمة التي شرعت له. ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ التوراة: الكتاب الذي أنزله الله على موسى، والإنجيل: الكتاب الذي أنزله الله على عيسى، التوراة كتبها الله تعالى كتابة ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٤٥] ولهذا قال أهل العلم من علماء السلف: إن الله تعالى غرس جنة عدن بيده، وخلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده سبحانه وتعالى، فالتوراة مكتوبة من الله، كتبها بيده سبحانه وتعالى، ونزلت ألواحًا على موسى، وفيها ما تقتضيه المصلحة والحاجة والضرورة في ذلك الوقت، وأما الإنجيل فهو الكتاب الله الذي أنزله الله تعالى على عيسى، وهو بالنسبة للتوراة كالمكل لها كما قال تعالى فيما يأتي بالآيات: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران ٥٠] فهو كالمتمم للتوراة؛ لأنه بالحقيقة نزل على بني إسرائيل الذين أنزلت عليهم التوراة، ومن المعلوم أن حال بني إسرائيل تغيرت من وقت موسى إلى عيسى، فكان في الإنجيل أشياء فيها تعديل أو زيادة، المهم أنه متمم للتوراة. ثم قال: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿وَرَسُولًا﴾ (الواو) حرف عطف، ﴿وَرَسُولًا﴾ معطوف بجملتها على ما سبق أي: ويرسله رسولًا إلى بني إسرائيل. والرسول: هو الذي أوحي إليه بالشرع وأُمر بتبليغه، فإن لم يؤمر بتبليغه فهو نبي، هذا هو المشهور عند عامة العلماء رحمهم الله. وقيل: إن النبي لم يُوحَ إليه بشرع، وإنما كان مؤيدًا لشريعة قبله، يعني يُوحى إليه بتأييد الشريعة التي قبله، فكانت الأنبياء فيما سبق كالعلماء في هذه الأمة، وهذا وإن كان له وجه كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة ٤٤]. فقال: ﴿يَحْكُمُ بِهَا﴾ أي: بهذه التوراة ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾، لكن هذا القول يعكر عليه قضية آدم، فإن آدم نبي ومع ذلك لم يكن مجددًا لشريعة سابقة؛ إذ لم تنزل شريعة على البشر قبل آدم عليه الصلاة السلام، فلهذا يترجح تعريف الجمهور في النبي والرسول، وإذا قلنا: النبي من أوحي إليه بالشرع، فلا يمنع أن يكون هذا الشرع الذي أوحي إلى النبي هو شرع من قبله يوحى إليه تأكيدًا وتثبيتًا. قال: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بني إسرائيل هذه بني اسم قبيلة، ولَّا اسم أشخاص معينين؟ * الطلبة: اسم قبيلة. * الشيخ: اسم قبيلة كما يُقال: بنو تميم، والعلماء رحمهم الله تعالى يفرقون بين ابن وبني إذا كان اسمًا لقبيلة واسمًا لشخص معين، فإذا قالوا، وذكروا ذلك في باب الوقف وفرعوا عليه مسائل، إذا قلت: هذا وقف على بني فلان -وهم قبيلة- كبني تميم مثلًا، فهل يعم الجميع؟ وهل يشمل الذكور والإناث؟ قالوا: نعم، يعم الجميع، ويشمل الذكور والإناث، ولكن لا يجب التعميم، التعميم لا يجب، فلي أن أوزع هذا الوقف على ثلاثة من بني تميم فقط، ولي أن أعطي ثلاث نساء فقط؛ لأنه لا يختص بالرجال، بل يشمل الذكور والإناث؛ ولأنه لا يستلزم التعميم، أما لو قلت: هذا وقف على بني فلان، واحد من الناس، فإنه يجب تعميمهم دون الإناث، تعميم من؟ الذكور دون الإناث؛ لأن الابن غير البنت؛ ولأن بني فلان المعيّن محصورون يمكن حصرهم، فيجب تعميمهم والتساوي بينهم وإخراج النساء منهم، فبنو إسرائيل من أي الصنفين؟ من الأول من القبيلة، وإسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وهم بني عم لبني إسماعيل، ولهذا لما بُعث النبي ﷺ في بني عمهم بني إسماعيل غارت اليهود من ذلك وأنكروه، وكانوا بالأول يستفتحون على الذين كفروا، يقولون: سيبعث نبي ونتبعه ونكتسحكم ونغلبكم ظنًّا منهم أنه سيكون من بني إسرائيل، وليس ظنًّا حقيقيًّا بل هو وهم؛ لأنهم يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم، ويعلمون أنه سيُبعث في مكة، لكن توهموا ذلك، أوهمتهم أنفسهم الكاذبة، فلما بُعث ببني إسماعيل أنكروه وكذبوه. إسرائيل وأيش معناها؟ في السريانية قالوا: إن معناها، أو في العبرية: عبد الله، معناها عبد الله، الآن تُسمى الدولة اليهودية إسرائيل (...). * * * * طالب: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران 49 - ٥١]. * الشيخ: (...) ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ عبر هنا بالخلق، وفي قصة زكريا بالفعل ﴿يَفْعَلُ﴾ [آل عمران ٤٠] وهنا قال: ﴿يَخْلُقُ﴾ فهل هناك يعني نكتة، أو أنه اختلاف تعبير وهو من باب التفنن في التعبير كما يقولون؟ * طالب: اختلاف تعبير. * الشيخ: اختلاف تعبير طيب. * طالب: هنا فيه نكتة لطيفة. * الشيخ: وهي؟ * الطالب: وهو عندما أخبر الملك كليم الله كلامًا كان هذا من الغريب الذي ليس (...) بينما في مريم فهو غريب تمامًا خارج عن العادة، ولم يكن لها زوج. * طالب: يا شيخ، الحال هو وجود الإثبات (...) إنما هنا (...). * الشيخ: إيه، هذا قريب منه، الظاهر اختلاف لفظ. * طالب: شيخ، قد يكون يا شيخ في قصة زكريا أن الله عز وجل عندما أخبره بالفعل، أخبر بالفعل، لأن الخلق فاعل في الأصل. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: أن الخلق سيكون من أصله، أما هنا قد لا يتوقع الخلق؛ لأن. * الشيخ: اختلاف تعبير. * الطالب: يعني يا شيخ ولدت هذه المرأة وهي لم يمسسها بشر، شابة، ولم يمسسها بشر أعجب من أن تلد عجوز عاقر. * الشيخ: اختلاف تعبير. * طالب: كما يقال: حتى (...). * الشيخ: لا، هو على كل حال يقولون: إن ما ذكرتم هو قريب مما قاله العلماء، وهو صحيح؛ أن عيسى عليه الصلاة والسلام خُلق من غير ما جرت العادة به، خُلق على وجه لم تجرِ العادة بمثله إطلاقًا، فناسب التعبير بالخلق الدال على الإبداع، ولهذا يُقال: خلَق الله السماوات، ولا يقال: فعل الله السماوات، مع أن الخلق فِعله، لكن الخلق فيه نوع من الإبداع، ولذلك قال: خلق. الوجه الثاني: الرد على شُبه النصارى الذين يقولون: إن عيسى هو الله، والله ثالث ثلاثة، فيكون فيه التصريح بأنه مخلوق، ويكون هذا قطعًا لدابر قولهم، ففيه إذن: نكتة كونية، ونكتة شرعية، يعني حكمة: شرعية وكونية، وأظن أنني لم أذكرها (...). قوله: ﴿وَرَسُولًا﴾ رسولًا: ما الذي نصبها؟ * الطالب: حال. * الشيخ: حال، رسول حال، من غير مشتق؟! * الطالب: إي نعم، معطوف. * الشيخ: إي، معطوف على أيش؟ * الطالب: مصدقًا ورسولًا. * الشيخ: ما يصلح، ولا فيها، هو فيها مصدقا؟ ﴿يُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَرَسُولًا﴾. * طالب: نعم على ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ على ما قبل الإنجيل. * الشيخ: يعني ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ويعلمه رسولًا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا اصبر خليني أناقشة، ما أود الواحد يقول تخرصًا هكذا، أجب، يستقيم المعنى؟ * الطالب: لا يستقيم. * الشيخ: إذن. * الطالب: معطوفة على والإنجيل. * الشيخ: والله المستعان! ما يصلح. * طالب: شيخ، منصوب بفعل محذوف تقديره يرسله رسولًا. * الشيخ: صح، ويرسله رسولًا. بنو إسرائيل من هم؟ * الطالب: بنو إسرائيل هم أبناء يعقوب الاثنا عشر. * الشيخ: أبناء يعقوب الاثنا عشر، إذن إسرائيل هو؟ * الطالب: يعقوب عليه السلام. * الشيخ: هو يعقوب ابن؟ * الطالب: ابن إسحاق. * الشيخ: بن إبراهيم كذا؟ ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾. ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ فيها قراءتان، أخبرناكم بهما ولَّا لا؟ * الطلبة: لا (...). * الشيخ: فيها قراءة بكسر الهمزة وفتحها، وبفتح الياء مع فتح الهمزة؛ ثلاث قراءات، ﴿أَنِّيَ﴾ ، ﴿أَنِّي﴾، ﴿إِنِّي﴾ . قوله: ﴿أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾. ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فيكون طيرًا بإذن الله، يكون هذا الشيء طيرًا. وقوله: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أي: كمثله وصورته، فينفخ فيه فيكون طيرًا، وفي قراءة السبعية: ﴿فَيَكُونُ طَائرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ، والقراءتان لكل واحدة منهما معنى يكمل الأخرى، فقوله: ﴿يَكُونُ طَيْرًا﴾ أي: طيرا حيًّا بعد أن كان على صورة الطير وليس فيه روح، ﴿يَكُونُ طَائرًا﴾ أي يطير؛ تشاهدونه يطير بالفعل، فعندنا ثلاث مراتب؛ تصوير على هيئة الطير، الثاني: طير فيه روح، على قراءة: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾، الثالث: طير يطير بالفعل على قراءة: ﴿طَائرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وعلى هذا فيكون يخلق شيئًا على هيئة الطير، فينفخ فيه فيكون فيه الروح، ثم يطير. وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي بإذنه الكوني والشرعي؛ لأن كونه يصور مضاهيًا لخلق الله يحتاج إلى إذن شرعي؛ لأن الأصل أنه لا يجوز لأحد أن يُصور على تصوير الله عز وجل، قال الله تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١ / ١٠١) من حديث أبي هريرة.]] لكن الله تعالى أذن لعيسى عليه الصلاة والسلام لحكمة، هذا على تفسير بإذن الله، الإذن أيش؟ * الطلبة: الشرعي. * الشيخ: الشرعي، كذلك الإذن الكوني، يعني بإذن الله الإذن الكوني؛ لأن خلق هذا الطير حتى يطير يكون بإذن الله الكوني ولَّا الشرعي؟ * الطلبة: الكوني. * الشيخ: الكوني، أي: فيطير بإذن الله إذنًا كونيًّا، فعيسى عليه الصلاة والسلام يخلق كهيئة الطير بإذن الله الشرعي، فيكون طيرًا إذا نفخ فيه ويطير بإذن الله الكوني. وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ هذا من أجل تحقيق التوحيد، حتى لا يظن ظانّ أنه يخلق استقلالًا؛ لأنه لولا هذا التقييد بإذن الله لتوهم النصراني وغير النصراني أن عيسى عليه الصلاة والسلام يخلق، كما خلق الله آدم من طين على صورته، ثم نفخ فيه الروح، فصار بشرًا، فيظن الظان أن عيسى يخلق كخلق الله، فلهذا كان يقول عليه الصلاة والسلام: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ أبرئ: بمعنى أشفي، والبُرء في الأصل من البراءة، والبراءة من الشيء السلامة منه، ومنه بَرِئَ من دَيْنِهِ: أي سلم من غائلته؛ غائلة الدين وضيق الدين، فالبُرء من المرض يعني السلامة والشفا منه. وقوله: ﴿الْأَكْمَهَ﴾ الأكمه: قيل: إنه الذي لا يبصر ليلًا ويبصر نهارًا، وقيل: هو الذي يبصر ليلًا ولا يبصر نهارًا، وقيل: هو الذي لا يبصر إلا بمشقة، وقيل: الذي وُلد بلا عين، فإن كان الأكمه في اللغة العربية يحتمل هذه المعاني كلها، فهو للمعاني كلها، وإن كان لا يحتمل إلا معنى واحدًا، فأقرب الأقوال في ذلك أن الأكمه من وُلد بلا عين؛ لأن هذا أبلغ في القدرة؛ لأنه كلما كان أبلغ في القدرة كان أعظم في الآية، فنحن نقول: إن كانت اللغة العربية تُطلِق الأكمه على كل ما قيل فلتكن الآية شاملة، وإن لم تحتمل إلا معنى واحدًا فأقربها أن الأكمه من ولد بلا عين؛ لأن هذا أبلغ في القدرة، والأبرص من به برص، والبرص عيب يخرج في الإنسان من العيوب الجلدية، وهو قد يؤثر على الصحة العامة في البدن، وقد لا يؤثر، لكن البرص ليس له دواء، ليس له دواء فلهذا قال: أُبرئ الأبرص بإذن الله. وقوله: ﴿أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أحيي الموتى الذين ماتوا أحييهم بإذن الله، وليس المراد بالموتى هنا موتى معينين، بل هو للجنس، فأي واحد من الأموات يمكن أن يقع عليه هذا الأمر، أما قول من قال: إنه أحيا سام بن نوح، أو أحيا فلانًا أو أحيا فلانًا، فهذا من الإسرائيليات، لكن الآية أنه يحيي الموتى أي ميت يقف عليه وهو ميت يأمره فيحيا بإذن الله. ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ أنبئكم: أخبركم بما تأكلونه اليوم وما تدخرونه للغد في بيوتكم، من غير أن يأتي أحد يخبره بذلك، وهذا فيه شيء من علم الغيب، فيه شيء من علم الغيب، فأخبرهم أن من جملة آياته أنه يخبر الإنسان، يقول: أكلت اليوم كذا وكذا وكذا، وادخرت لغد أو بعد غد كذا وكذا، مع أنه لم يبعث أحدًا يطلع على ما في البيت، وهذا لا يكون إلا بوحي من الله، إذا لم يكن هناك بشر يُطلعه على ما في البيوت، فإنه يكون من وحي الله، وقد يكون بواسطة الجن، فإن الجن ربما تخدم الإنس، فتذهب إلى الأمكنة البعيدة، أو تتسوَّر الجدران وتخبر بما في البيوت، لكن الجن على هذا الوصف لا يجوز الاستمتاع به، أو الاتصال به، لماذا؟ لأن اطلاعه على أحوال الناس ظلم وعدوان، ولا يجوز للإنسان أن يستعين بظالم على ظلمه، ولهذا يمتنع هذا التقدير في حق مَنْ؟ في حق عيسى عليه الصلاة والسلام. يعني لو قال قائل: إن الذين يستعينون بالجن ربما يطلعون على ما يؤكل ويُدخر في البيوت. قلنا: لكن هذا لا يرد بالنسبة إلى عيسى؛ لأن الاستمتاع بالجن -على هذا الوجه- محرم، لما فيه من العدوان والظلم، لكن هو عيسى لا يمكن أن يفعل هذا، فتبين أنه يأتيه عن طريق الوحي. والحكمة من إخبارهم بهذا هو إطلاعهم على أنه هو عليه الصلاة والسلام يأتيه الوحي من الله في أمور خاصة، في الأمور الخاصة، في البيوت، والثاني -والله أعلم- تحذيرهم من أن يأكلوا شيئًا محرمًا عليهم، ولهذا سيأتي أنه قال لهم: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران ٥٠]؛ لأنهم إذا كانوا يعلمون أنه يعلم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم فسوف يتوقفون عن الشيء المحرم، وهم إذا توقفوا عن الشيء المحرم ربما يسر الله لهم فيحله لهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران ٤٩ - ٥١]. * الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وهذه قرأناها كلها. قال الله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إن في ذلك: المشار إليه ما سبق من عدة أمور؛ قوله: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ هذه ثلاث آيات، كل آية تدل على صدق عيسى عليه الصلاة والسلام، وأنه رسول الله حقًّا؛ لأن مثل هذا لا يستط يعه البشر، وآيات الأنبياء التي جاءت هي علامات على صدقهم لا يستطيع أن يأتي بمثلها البشر؛ لأن الآية لو أمكن للبشر أن يأتي بمثلها لم تكن آية، إذ إن كل إنسان يستطيع أن يفعل مثل هذا. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني أنها آية بهذا القيد؛ أي: إن كنتم مؤمنين، وأما غير المؤمن فإنه لا ينتفع بالآيات، ولا تكون الآية آية له، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١]؛ لأن قلوبهم قاسية مطبوع عليها والعياذ بالله، لا يصل إليها الخير ولا تلين من أجل العقوبات والنذر؛ لأنها قاسية؛ فالمؤمن هو الذي ينتفع بالآيات، بل إن غير المؤمن يرى أن هذه الآيات العظيمة أساطير الأولين ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين ١٣]. وذلك بسبب ما كان على قلبه من ظلمات المعاصي والعياذ بالله لقوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]. والإيمان سبق لنا معناه كثيرًا بأنه التصديق المستلزم للقبول والإذعان، وليس مجرد التصديق، ودليل ذلك أنه لا يتعدى بما يتعدى به التصديق، فإنه لا يقال: آمنته، ويقال: صدقته، بل إنه يتضمن الإقرار والاعتراف والانقياد والتسليم، ومَن صدّق ولم يقبل ولم يذعن فليس بمؤم ن، فأبو طالب عم النبي ﷺ كان مصدقًا برسالته، لكنه لم يقبل ولم يُذعن فلم يكن مؤمنًا، وإلا فإنه يصدق بما يقول بأشعاره وفي أحواله لكنه -والعياذ بالله- ليس بمؤمن، إذن الإيمان معنى زائد على التصديق، وليس هو مجرد التصديق. قال: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ هذه معطوفة على ما سبق؛ يعني أنها تكون منصوبة على الحال؛ يعني: وجئتكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة، وما بين يدي هو ما سبقه، ويطلق ما بين اليدين على ما سيأتي، فما بين اليدين يُطلق على ما مضى ويطلق على ما يستقبل، فإن قُرن بالخلف فهو للمستقبل، وإلا فإنه صالح للمستقبل والماضي، ففي قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] المراد؟ * الطلبة: المستقبل. * الشيخ: المستقبل لقوله: ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. وفي هذه الآية: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾ أي: لما سبقني من التوراة، وتصديقه للتوراة له وجهان: الوجه الأول: أنه يقرر صدقها ويقول: إنها كتاب حق. والوجه الثاني: أنه يصدق ما أخبرت به، فإذا كانت أخبرت به، ثم بعث كان مصدقًا لما فيها. وقوله: ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: هي الكتاب الذي أنزله الله على موسى ﷺ وهي أصل الكتب المنزلة على بني إسرائيل وأعظمها، بل هي أعظم الكتب -فيما نعلم- بعد القرآن. ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ﴾ يعني: وجئتكم أيضًا لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم قوله: ﴿لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي﴾ ولم يقل: كل، والمحرم عليهم ذَكره الله في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام ١٤٦]. وقال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء ١٦٠]، فلما حُرِّمت عليهم هذه الطيبات بظلمهم وعدوانهم، وبعث الله عيسى ﷺ أحل لهم بعض ما حرم عليهم، ولم يُذكر في القرآن بيان هذا البعض، فيكون باقيًا على إطلاقه، ولو كان لنا مصلحة في تعيين ذلك لبينه الله. وقوله: ﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ الفعل هنا مبني للمجهول، ولكن فاعله معلوم، من هو؟ * الطلبة: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: الله عز وجل كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام ١٤٦]. ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ كرر هذا مرة بعد قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾، فإما أن يقال: إن الآية التي ذُكرت هنا ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ تقتصر على تصديقه لما بين يديه من التوراة وعلى إحلاله بعض الذي حُرّم عليهم، وحينئذٍ لا يكون في الآية تكرار، وإما أن يقال: إن قوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ يشمل كل ما جاء من الآيات، ويكون من باب التأكيد وإقامة الحجة عليهم، فكرر مجيئه بالآيات احتجاجًا عليهم بما كذبوه. قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ اتقوا الله: يعني اتخذوا وقاية من عذابه؛ لأن التقوى مأخوذة من أي شيء؟ * الطلبة: من الوقاية. * الشيخ: من الوقاية، فبماذا تكون الوقاية من عذابه؟ تكون بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا هو المعنى الشامل للتقوى عند الإطلاق، وإذا قُرنت التقوى بالبر صار المراد بها اجتناب المحارم مثل قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢]. وقد عرَّف أهل العلم التقوى بعدة تعريفات لكن يجمعها ما ذكرناه من أنها اتخاذ الوقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. قال: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ أطيعون فيما أمرتكم به، وفيما نهيتكم عنه، وطاعته من التقوى بلا شك لكن نص عليها؛ لأنها تقوى خاصة فيما جاء به عيسى؛ لأن التقوى يُؤمر بها كل إنسان فإذا قال: أطيعون صارت تقوى خاصة في طاعة هذا الرسول الذي بُعث إلى قومه. والطاعة قال العلماء في تفسيرها: إنها موافَقة الأمر تجنبًا للنهي وفعلًا للمأمور، فمن تجنب النهي ناويًا بذلك امتثال الأمر فهو مطيع، ومن فعل الأمر ناويًا بذلك امتثال الأمر أيضًا فهو مطيع، أما من ترك النهي -أو بعبارة أصح المنهي عنه- عجزًا عنه، فإن هذا ليس بمطيع، بل إذا سعى في أسبابه حتى عجز كان كمن فعله لقول النبي ﷺ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «لِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨ / ١٦) من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث.]]. ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ لما أمرهم بتقوى الله ذكر ما هو كالسبب في ذلك، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ والرب: هو الخالق المالك المتصرف، وتوحيد الله بالربوبية أن نؤمن بأنه لا خالق ولا مالك ولا مدبر إلا الله سبحانه وتعالى، وما يضاف من الخلق أو الملك أو التدبير لغير الله فإنه على وجه النقص ناقص، من حيث الشمول ومن حيث التصرف، فمثلًا الخلق يُضاف إلى غير الله، وقد مر علينا قريبًا أن عيسى قال: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ [آل عمران ٤٩]، وقال الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون ١٤] وقال الله في الحديث القدسي: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؟»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١ / ١٠١) من حديث أبي هريرة.]] وقال النبي ﷺ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٩٥٠)، ومسلم (٢١٠٩ / ٩٨) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. وقال عليه الصلاة والسلام: «يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢١٠٥)، ومسلم (٢١٠٧ / ٩٦)من حديث عائشة.]]، ولكن الخلق المضاف إلى غير الله عز وجل خلق ناقص ليس إيجادًا حقيقة، ولكنه تغيير لصورة، فمثلًا الإنسان يخلق من الخشب بابًا، هل هو خلق الخشب؟ ومن الحديد سيارة، هل خلق الحديد؟ أبدًا، ولكن غيَّر، حوّله من حال إلى حال فصار هذا خلقًا، لكنه ليس هو الذي أوجد الحديد أو الخشب حتى يقال: إن خلقه كخلق الله، أيضًا خلق الإنسان أو البشر عمومًا ليس عامًّا شاملًا؛ لأن كل إنسان يخلق ما صنع فقط، وما لم يصنعه فليس من خلقه، كذلك الملك ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ١٨٩]. ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون ٨٨]، والآيات في إثبات الملك لله وحده كثيرة، ومع ذلك أضاف الله إلى غيره الملك في قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦]، وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور ٦١]، فهل نقول: إن هذا الملك كملك الله؟ لا، لا من حيث الشمول ولا من حيث التصرف، أما من حيث الشمول فلأن كل إنسان لا يملك أكثر مما تحت يده، ولذلك لا تملك كتابي، ولا أملك كتابك، أما ملك الله فهو عام شامل، وأما من حيث التصرف، فملك غير الله قاصر، لأن الإنسان لا يملك التصرف المطلق كما يريد، وإنما يتصرف حسب ما تقتضيه شريعة الله وحسب ما يأذن به الله، لو أراد الإنسان أن يمزق كتابه، هل يملك ذلك؟ * طالب: ليس له ذلك. * الشيخ: لا يملك ذلك، حرام عليه، يأثم، ولو أراد أن يمزق كتاب غيره كان حرامًا من وجهين: من وجه إفساد المال، ومن وجه العدوان على الغير؛ فالحاصل أن ملك الإنسان قاصر من ناحيتين: هما. * طالب: ملك (...). * الشيخ: لا ملك الإنسان قاصر * الطالب: ملك الإنسان إي نعم، (...). * الشيخ: نعم، فهو قاصر في التصرف. * الطالب: من حيث الشمول. * الشيخ: فهو قاصر من حيث الشمول طيب، أما التدبير فكذلك، الذي هو المعنى الثالث للربوبية التدبير، فالتدبير أيضًا يكون لغير الله، لكنه تدبير ناقص من حيث الشمول ومن حيث التصرف أيضًا، فالإنسان لا يُدبر كل شيء، لا يدبر إلا ما يملك تدبيره، ومع ذلك فتدبيره له تدبير ناقص على حسب ما يقتضيه به الشرع، لو أراد أن يدبر بعيره على وجه يشق عليه، يمشيها مع الوحل، يمشيها على النار وما أشبه ذلك هل يجوز؟ * الطلبة: لا يجوز. * الشيخ: لا يجوز، فهو ناقص، لو أراد أن يرسل عليها شواظًا من نار يملك؟ * الطلبة: ما يملك. * الشيخ: ما يملك، لكن الله عز وجل يملك، يملك هذا كله، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ولا معارض له، المهم أن الربوبية هي انفراد الله بالملك بالخلق أيش؟ والملك والتدبير، ولا يعني ذلك أن لا أحد يشاركه في خلق أو ملك أو تدبير، لكن على وجه لا يماثل ما يثبت للخالق من ذلك، فالإنسان قد يخلق، يقال: إنه خلق، ويقال: إنه ملك، ويقال: دبر، لكنه -كما سمعتم- ناقص. قوله: ﴿رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ بدأ بنفسه ليكون أول مذعن لهذا الرب عز وجل؛ لأن الرب خالق مالك مدبر فبدأ بنفسه ليكون هو أول من يذعن وينقاد لهذا الرب. قال: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ (الفاء) هنا عاطفة وتفيد السببية؛ أي: فبسبب كونه ربًّا فاعبدوه، ولهذا نقول: إن الإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم الإقرار بتوحيد الألوهية، وأن من أقر بتوحيد الربوبية وأنكر توحيد الألوهية فقد تناقض، ولذلك سفَّه الله المشركين الذين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ثم ينكرون توحيد الإلهية فيقول: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر ٦٩]، ﴿أَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس ٣٢]، ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة ٧٥] وما أشبه ذلك مما يدل على أنه من السفه أن يقر الإنسان بأن الله وحده هو الخالق المالك المدبر، ثم يعبد غيره! فنقول مثلًا للمشرك: ألست تؤمن بالله؟ سيقول: بلى، أنه الخالق؟ بلى، أنه المالك؟ بلى، أنه المدبر؟ بلى، أنه لا خالق معه ولا مالك ولا مدبر؟ بلى، أؤمن بهذا كله، إذن كيف تجعل معه إلهًا تعبده؟ ومن كان غير الله فهو معبود أو عابد؟ * الطلبة: عابد. * الشيخ: عابد مربوب، هو عبد مربوب لله عز وجل فكيف تجعله معبودًا مع الله؟! ولهذا قال: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ فالفاء إذن عاطفة تفيد السببية؛ أي: فبسبب كونه ربي وربكم اعبدوه وحده. ما هي العبادة؟ العبادة مأخوذة من الذل (عَبَد) بمعنى (ذَلّ)، ومنه قولهم: طريق معبد؛ أي: مذلل لسالكيه، فأصلها الذل، لكنها بالنسبة لله عز وجل ذُل مقرون بمحبة وتعظيم، فكل من تعبد لله فإن تعبده هذا مقرون بهذين الأمرين؛ المحبة والتعظيم، فبالمحبة يكون الطلب وبالتعظيم يكون الهرب؛ فالإنسان إذا أحب شيئًا طلبه، وإذا عظم شيئًا هابه وهرب منه وخاف منه، ولهذا كانت العبادة مبنية على الرجاء والخوف. والعبادة تطلق أحيانًا على هذا المعنى الذي ذكرنا باعتبارها مصدرًا، ما هو الذي ذكرناه؟ التذلل لله مع المحبة والتعظيم، وتطلق أحيانًا على اسم المفعول أو على الشيء المتعبد به، وحينئذٍ نقول: إنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة فالصلاة مثلًا؟ * الطلبة: عبادة. * الشيخ: عبادة، والزكاة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، وبر الوالدين عبادة، وصلة الأرحام عبادة، وهكذا، فأحيانًا تطلق على الفعل، وأحيانًا تطلق على المفعول، على الفعل فنفسرها بماذا؟ بأنها التذلل لله عز وجل حبًّا وتعظيمًا، وباعتبار المعمول أو المفعول اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه مما أمر به ورسوله. قال: ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ هذا المشار إليه إما أقرب مذكور أو كل ما سبق، من قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا﴾ أي: تقوى الله، وطاعة رسوله، وتحقيق العبادة له صراط مستقيم أي: طريق، ولا يسمى الطريق صراطًا إلا إذا اجتمع فيه السعة والاعتدال؛ لأنه مأخوذ من (السَّرْط) وهو الابتلاع بسرعة، وإن شئت فقل: من (الزَّرْط) وهو الابتلاع بسرعة، والطريق الواسع المستقيم يبتلع سالكيه بسرعة؛ لأن الضيق لا يمشي الناس فيه إلا أيش؟ * الطلبة: ببطء. * الشيخ: رويدًا رويدًا ببطء، وغير المستقيم لا يُوصل إلى الغاية إلا ببطء سواء كان انحرافه عن يمين وشمال، أو من حيث الصعود والنزول؛ فإنه إذا كان صاعدًا نازلًا أتعب السالك ولَّا لا؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: فإذا قدرنا مثلًا أن جبلًا طوله خمسون مترًا وعرضه خمسون مترًا، كم يكون ما بين عرضه وعرضه الآخر؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: لا، صاعده الإنسان صاعده. * الطلبة: مئة. * الشيخ: لا، مئة وخمسين، مئة وخمسين، عرضه خمسون، وطوله خمسون في السماء ارتفاعه، بيصير مئة وخمسين، الصعود خمسون، والنزول خمسون، والمسطح خمسون، فإذا كان الصراط مستقيمًا في انحرافاته يمينًا وشمالًا وكذلك في الصعود والنزول اختصر الطريق، وهكذا أيضًا الصراط إذا قدَّرنا أن الغاية تصل إليها بالطريق المستقيم في ثلاثين مترًا، وهذا فيه تعاريج، كل تعريجه عشرة أمتار، وفيه عشر تعاريج، كم تصل إلى الغاية في المتر؟ بمئة، فالحاصل أن الصراط قال العلماء: لا يكون صراطًا إلا إذا كان واسعًا مستقيمًا وهو مأخوذ من (السَّرْط) أو (الزَّرْط)، والزرط تعرفون معناه عندكم في الأكل، أعطيته لقمة وحطها في فمه على طول بلعها وأيش يقول؟ * طالب: ازرطها. * الشيخ: يقول: ازرطها. ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ مستقيم؛ يعني لا اعوجاج فيه، ووصفه بالاستقامة بعد أن قلنا: إن الطريق هو الواسع المستقيم الذي ليس فيه اعوجاج من باب التوكيد كما تقول: هو رجل رجل، كيف رجل رجل؟ وأيش معنى رجل رجل؟ يعني جامع لمعاني الرجولة، كذلك طريق مستقيم جامع لكل معنى الطريق، هذا صراط مستقيم. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ في هذه الآية من الفوائد: تعظيم شأن مريم عليها الصلاة والسلام؛ حيث أمر الله نبيه أن يذكر قصتها لهذه الأمة، لأنّا قلنا: ﴿إِذْ قَالَتِ﴾ مفعول لفعل محذوف تقديره: اذكر إذ قالت. * ومن فوائدها: فضيلة مريم، حيث خاطبتها الملائكة لقولها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ إلى آخره. ومن فوائدها على ما ذهب إليه بعض أهل العلم: أن مريم نبية؛ لأن الملائكة أوحت إليها، وقالت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ إلى آخره، ولكن في هذا الاستدلال نظر؛ لأنه ليس بصريح في أنها نُبِّئت، ومجرد خطاب الملائكة لها لا يثبت نبوتها؛ لأن النبوة إنما هي لمن أوحي إليه بشرع لا لمن أوحي إليه بثناء أو بتهيئته لما سيكون، بل لمن أوحي إليه بشرع، وهي لم يُوحَ إليها بشرع، فالأمر ليس بصريح، ولدينا آية تدل على أنه لا يُبعث من النساء نبي، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف ١٠٩]. إلا رجالًا: و(إلا) تفيد الحصر فتدل على أنه لا يمكن أن تكون امرأة من النساء نبية، وكذلك أيضًا قال النبي عليه الصلاة والسلام حين بلغه أن الفرس أمَّرُوا عليهم بنت كسرى قال: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٥) من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث.]]. وإذا كان القوم لا يفلحون مع الانتخاب فإنهم هم الذين انتخبوها وولَّوها، فكيف يمكن أن يُرسل الله تعالى امرأة ليفلح الناس على يدها؟! صحيح أن المرأة تكون عالمة، تكون داعية، كما هو الواقع، أما أن تكون نبية يوحى إليها لتتولى السلطة -كما يقولون التشريعية والتنفيذية- فهذا بعيد، فالصواب: أن مريم من الصالحات القانتات، وليست من الأنبياء والرسل. * ومن فوائد الآيات الكريمة: أن الله تعالى يصطفي من الناس من يشاء لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أي: اختارك اختيارًا لم يشاركها فيه أحد؛ لأنها صارت خادمة لبيت المقدس مع أنه لا يخدمه عندهم إلا الرجال، فهذا نوع من الاصطفاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: براءة مريم مما ادعاه اليهود من كونها بغِيًّا لقوله: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾. ومن فوائد الآية الكريمة: براءة مريم مما ادعاه اليهود من كونها بغيًّا؛ لقوله: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾، واليهود -قبحهم الله- اعتدوا على مريم وابنها، فقالوا في مريم: إنها بغي، وقالوا في ابنها عيسى: إنه ولد زنا وكذبوه، وقتلوه إثمًا لا حقيقة، كيف قتلوه إثمًا لا حقيقة؟ لأنهم أمضوا هذا الأمر الذي يظنون أنهم قتلوا به عيسى وصلبوه، وقالوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾، قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٥٧]، فكانوا قتلة إثمًا لا حقيقة؛ لأن عيسى باقٍ إلى الآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مريم مفضلة ومصطفاة على نساء العالمين، ولكن هل هذا يتناول نساء العالمين إلى يوم القيامة؟ أو نساء العالمين في زمنها؟ يحتمل المعنيين، إما أن المراد: نساء العالمين في زمنها، ويكون قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسْيَا امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٤١١)، ومسلم (٢٤٣١ / ٧٠) من حديث أبي موسى الأشعري دون لفظ «وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ» أما حديثها فهو حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٤٣٢)، ومسلم (٢٤٣٠/ ٦٩) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه بلفظ: «خَيْر نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَيْر نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ».]]، يكون هذا مما أطلع الله عليه نبيه ولم تطلع الملائكة على هذا، والملائكة بلغت مريم ما بلغت به. * ومن فوائد الآية الكريمة: تكرار أو جواز تكرار المناقب؛ لأن أوصاف الكمال كلما كررت ظهر من كمال الموصوف ما لم يكن معلومًا من قبل، واضح؟ ننطلق من هذه الفائدة إلى فائدة تتعلق بصفات الله عز وجل وهي: أن أكثر ما وصف الله به نفسه الصفاتُ الثبوتية التي يثبتها لنفسه، أما الصفات التي ينفيها عن نفسه فوصفه بها قليل بالنسبة لوصفه بصفات الإثبات؛ لأن صفات الإثبات كمال، كمالات، وصفات النفي نقائص، تُنفى لا لذاتها ولكن لإثبات كمال ضدها، مع أنها هي منفية أيضًا حقيقة. ثم قال عز وجل: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: بيان أنه كلما من الله على إنسان بشيء كانت مطالبته بالعبادة أكثر؛ لأن الملائكة لما قالت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ أمرتها بأيش؟ بالقنوت والسجود والركوع، فدل هذا على أنه ينبغي للإنسان كلما ازدادت عليه نعم الله أن يزداد على ذلك شكرًا بالقنوت لله والركوع والسجود وسائر العبادات. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة القنوت لله، ولكن ما هو القنوت؟ دوام الطاعة والخشوع والاشتغال بالطاعة عما سواه؛ ولهذا لما نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] أمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام ليشتغلوا بالطاعة عما سواها، فالقنوت: دوام الطاعة مع الاشتغال بها عن غيرها. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: فضيلة السجود والركوع؛ لقوله: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، مع أنه من القنوت، لكن لفضيلتهما نص عليهما. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز ترك الترتيب للمصلحة أو لمراعاة شيء آخر، وهو قوله: ﴿اسْجُدِي وَارْكَعِي﴾. ولا يقول قائل: لعل الصلاة في عهدهم يقدم فيها السجود وفي هذه الشريعة يقدم فيها الركوع؟ تقول: الأصل خلاف ذلك، لكن نص على السجود بدأ به؛ لأنه أبلغ في القنوت من الركوع، كما ذكرناه في أثناء التفسير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العبَّاد من الرجال أكثر من العبّاد من النساء، وأكثر لقوله: ﴿ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ولم يقل: مع الراكعات، إشارة إلى أن الكمال في الرجال، وكثرة العمل في الرجال أظهر منها في النساء؛ ولهذا كانت النساء أكثر أهل النار، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ».]]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إلّا بلى، هذا في الصراط اللي يوم القيامة. * طالب: كيف يسمى صراط؟ * الشيخ: نعم، يسمى صراطًا؛ لأن السالكين فيه ينفذون بسرعة بعضهم مثل لمح البصر، وبعضهم مثل البرق، ما في عائق يعوق، مع أنه ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه دَحْض ومَزِلَّة[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣ / ٣٠٢) واللفظ له من حديث أبي سعيد الخدري.]]، وهذا يدل على أنه طريق واسع كالعادة، والعلماء -مر علينا في التوحيد- أنهم مختلفون هل هو طريق عادي أو أنه كما جاء في صحيح مسلم -أنا أظنه عن أبي سعيد بلاغًا-: «أَنَّهُ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ»[[أخرجه مسلم (١٨٣ / ٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري بلاغًا.]]. * طالب: (...). * الشيخ: ويش الأصل؟ ما الأصل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إيه، لكن ما هو الأصل في إضافة الفعل إلى فاعله؟ أن يكون فعله هو أو فعله غيره؟ * الطالب: (...). * الشيخ: خلها قاعدة عامة: الأصل في إضافة الفعل إلى فاعله أنه قائم به، هذا هو الأصل، وذكرنا لكم أن العلماء قالوا: إن الله خلق آدم بيده، وغرس جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا عام أريد به الخاص، (...) وأيضًا الرسول قال: «عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٦٠٤) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.]]، فهذا مما جهله الناس، يعني: ربما يكون عند الله له دواء ما ندري عنه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: اختلاف الضميرين؛ لأنه قال: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء ٩١]. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني قصدك الطيور؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: أنا ظننت قصة مريم، الطيور، اقرأ آية المائدة. * الطالب: قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠]. * الشيخ: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ وهنا قال: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إذا حاول الإنسان وجود فرق معنوي واتضح له فهو الفرق، وإن لم يوجد فإنه يكون من باب اختلاف التعبير، يعني: لأن (هيئة) صالحة للتذكير والتأنيث، ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ يعني: مثل هيئة الطير، ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ أي: في الهيئة، أو تنفخ في المِثْل، فعلى تقدير أنه ينفخ في المثل يكون؟ * طالب: ﴿فِيهِ﴾. * الشيخ: ﴿فِيهِ﴾، أو ينفخ في الهيئة؟ * طلبة: ﴿فِيهَا﴾. * الشيخ: يكون ﴿فِيهَا﴾. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، عندما قال: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ ثم قال: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ قال: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وقال: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ ولم يقل: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؟ * الشيخ: لأن هذا علم، صفة فيه، وهذاك شيء متعدٍ إلى غيره، هذا خلق وإبراء، وإحياء. * الطالب: وكذلك. * الشيخ: لا هذا العلم، كلٌّ يعرف، اللي في البيت يعلم، اللي في بيت الإنسان يعلم ما أكله وما ادخره. * طالب: على كده يا شيخ يترجح القول بأنه كان يستعين كما استعان سليمان عليه السلام بالجن؟ * الشيخ: لا، ما يتوجه؛ لأن هذا من باب الوحي. * طالب: هل يوجد تفاضل بين أركان الصلاة في الركوع والسجود؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: يعني التفاضل بينها هي نفسها؟ * الشيخ: إي نعم، هي نفسها. * الطالب: كيف ذلك؟ * الشيخ: الركوع أفضل من وجه، والسجود أفضل من وجه، من جهة أن الساجد أقرب ما يكون لله، وقد وضع أعز ما فيه على الأرض يكون السجود أفضل. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

آل عمران 3:51

ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ الواو حرف عطف، و(إذ) نقول فيها مثلما قلنا فيما سبق في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران ٣٥] يعني أنها منصوبة بفعل محذوف تقديره: اذكر، وتضمين الجملة لهذا يدل على العناية بها، وأنه ينبغي إشهارها وإظهارها حتى تتبين وتتضح للناس. وإنما ذكر الله قصة زكريا ومريم هنا، وعيسى فيما بعد، في أول هذه السورة لأنها نزلت في وفد نجران الذين قدموا على النبي ﷺ وهم من النصارى، فأراد الله أن يبين لنبيه ﷺ قصة المسيح ومن حوله كاملة حتى يتبين له الأمر تماما، فإذا احتاج إلى محاجة النصارى وإذا عندهم علم قريب منها مما عندهم. ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ الملائكة المراد بهم الجنس؛ إذ ليس المراد كل الملائكة، بل واحد منهم، وهو في الغالب جبريل، ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾، ونداؤها باسمها العلم نوع من التكريم؛ إذ لم يقل: يا هذه باسم الإشارة، بل أتى باسمها العلم تكريما لها، ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أي: اختارك؛ وذلك لأن اصطفى أصلها: اصتفى بالتاء، لكن لعلة تصريفية قلبت التاء طاء، وهي مأخوذة من الصفوة، يعني جعلك من صفوة الخلق، واصطفاؤه إياها سبحانه وتعالى من عدة وجوه: الوجه الأول: أنه تقبلها بقبول حسن حين قالت أمها: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران ٣٥]، مع أن المعروف عندهم أنه لا يخدم المساجد إلا الرجال، لكن هي قبلت. ومنها -من اصطفائه لها- أنه أنبتها نباتا حسنا، وقد سبق الكلام على معنى الكلمتين وأنهما تتضمنان التربيتين الروحية والجسدية. ومن اصطفائه لها أيضا: أن الله تعالى اختار أن تكون عند نبي من الأنبياء؛ حتى تتربى ببيت نبوة. وقوله: ﴿طَهَّرَكِ﴾ طهرك من أي شيء؟ هل هو من الأرجاس الحسية؟ أو من الأرجاس المعنوية؟ الظاهر الثاني، وأنها بالنسبة للأرجاس الحسية كالبول والغائط والحيض كغيرها من النساء، لكنه طهرها من الأرجاس المعنوية، فبرأها الله تعالى مما رماها به اليهود، وكذلك طهرها من سفاسف الأخلاق حتى كانت دائما في عبادة الله سبحانه وتعالى، كما سيتبين إن شاء الله. ثم قال: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ الواو حرف عطف، ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ أي ميزك من بينهن، فالاصطفاء الأول اصطفاء عام، وهذا اصطفاء خاص بالنساء، اصطفاها الله تعالى من بين سائر النساء حيث جعلها من النساء الكمل، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن مريم عليها الصلاة والسلام خير نساء البشر، هي وخديجة بنت خويلد وآسية امرأة فرعون، و«فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (3411)، ومسلم (2431 / 70) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، فهي من النساء الكمل رضي الله عنها، ولهذا قال: ﴿اصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾. وهل المراد نساء العالمين في زمنها؛ لأن النساء اللاتي في زمن النبي عليه الصلاة والسلام لا شك أنهن في أمة هي خير الأمم، أو المراد العموم؟ فيه قولان للعلماء، منهم من قال: إنه خاص بنساء زمانهم، كما ذكر الله عن بني إسرائيل أنه فضلهم على العالمين، ومع ذلك فهذه الأمة أفضل منهم ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ٤٧] ومن المعلوم أنهم ليسوا أفضل من هذه الأمة؛ لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠]. ثم قال.. * طالب: والراجح؟ * الشيخ: يأتي إن شاء الله الكلام عليه. * طالب: قول الرسول ﷺ: «فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ» ما يأتي عامة (...)؟ * الشيخ: والله بعض العلماء أخذ من هذا أنها أفضل من الثلاث التي معها؛ لأنه قال: «فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ» بعد أن ذكر فضل هؤلاء الثلاث، وبعضهم قال: إن المراد: على النساء سواهن، والله أعلم بمراد رسوله. * طالب: شيخ (...). * الشيخ: هي ما ذكرت معهن. * الطالب: (...) * الشيخ: لا ثلاث. * الطالب: (...) تعقيب على (...) * الشيخ: يعني فيه احتمال أنه عليه الصلاة والسلام أفردها لتكون أكمل منهن، وفيه احتمال أنها أفضل من النساء اللاتي سواها (...) والله أعلم بمراد رسوله، ما عندي في هذا. * طالب: إن القول الأفضل إنها أفضل على نساء أهل زمانها، القول الثاني يا شيخ. * الشيخ: إن ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ مطلقة، حتى نساء هذه الأمة هي أفضل منهن، وإن شاركتهن في الفضيلة لكن هي أفضل منهن. * طالب: اسم مريم عليها السلام لم يذكر في القرآن سوى هذا الاسم، نأخذ منه فوائد. * الشيخ: نحن وصلنا الفوائد؟ * طالب: حكمة التطهير بعد الاصطفاء، الاصطفاء يعم (...)؟ * الشيخ: الاصطفاء الاختيار، ونص على التطهير لدفع ما قاله اليهود في أنها كانت بغيا. * الطالب: شيخ، أحسن الله إليكم، هو قول الأخ حينما سأل: عليها السلام. * الشيخ: من عنى؟ * الطالب: عنى مريم. * الشيخ: عليها السلام؟ * طالب: إي. * الشيخ: ما فيها مانع، «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، ما فيها مانع أبدا، لكن الأحسن أن يقال: رضي الله عنها أحسن؛ لئلا يتوهم واهم أنها نبية. * طالب: الله سبحانه وتعالى يذكر في آيات أخر أن مؤمن آل فرعون مع الرجل الذي جاء يسعى من أقصى المدينة ولم يذكر اسم الرجل، وهنا ذكر مريم رضي الله عنها كان أيش يصير فيها؟ * الشيخ: يعني هذا خطاب خاص، وهذاك تحدث عن شخص غائب. * الطالب: يا شيخ هذا فيه فضيلة لو ذكر اسمه له؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: مؤمن آل فرعون؟ * الشيخ: لا؛ لأن الله يذكر القصص أحيانا للعبرة فقط، حتى لا يكون الإنسان معتنيا بالاطلاع على الأشخاص، فالعبرة بالمعاني وما سيقت القصة من أجله، أما كونه فلان وفلان ما يهم، حتى لو علمت الآن أن الرجل هذا اسمه فلان تستفيد فائدة كثيرة؟ * طالب: يعني أعرف الثناء عليه مثل مريم. * الشيخ: الثناء عليه يكفي أنه قال رجل مؤمن من آل فرعون، أنه من آل فرعون يكفي، أنه آمن وهو من آل فرعون، أما هذا الخطاب.. يعني أنا لو قلت لك: يا رجل أو قلت: يا عبد الرحمن، أيهن أبلغ في الإكرام؟ أو قلت: يا هذا؟ الخطاب غير مسألة التحدث عن شخص، الخطاب ليس كالتحدث عن شخص، الخطاب إذا ذكر الإنسان باسمه العلم صار هذا دليلا على التفخيم والتكريم. * طالب: في بعض الآيات يقول: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾، وفي آيات ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾؟ الشيخ يقول: في بعض الأحيان يقول: ﴿اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، وأحيانا يقول: ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ﴾ كيف يعني نقول؟ الجواب: أن المعنى واحد، وأن المراد بـ ﴿اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ يعني اذكر ربك باسمه، وأما من قال: إن (اسم) زائد فهذا قول ضعيف، وأن ﴿اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ يعني: اذكر ربك، هذا قول لا صحة له، ولكن المعنى: اذكر ربك باسمه؛ لأن هذا هو الذي يتم به الذكر. * طالب: خيرية مريم وغيرها من النساء في الدنيا والآخرة أم في الدنيا فقط وفي الآخرة فقط؟ * الشيخ: في الدنيا والآخرة. * الطالب: ورد في الحديث أن فاطمة رضي الله عنها سيدة (...). * الشيخ: لا هذيك سيدة نساء أهل الجنة، لكنهن خير. * طالب: شيخ، ما استدل به بعض المفسرين أن هذه القصة على أن الخال بمنزلة (...)، قصة زكريا. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: قصة زكريا ومريم وعيسى، بعض المفسرين على أن الخال بمنزلة (...). شيخ: وجه ذلك؟ * الطالب: أن أخت مريم خالة عيسى كانت تحت مريم. * الشيخ: تحت زكريا، وبعدين؟ * الطالب: هل يصح هذا الاستدلال يا شيخ؟ * * * * طالب: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران ٤٣ - ٤٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾، ذكرنا أن الاصطفاء معناه الاختيار، وهو مأخوذ من الصفوة، وصفوة كل شيء خلاصته. ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ ظاهرا وباطنا، من العيوب الظاهرة ومن العيوب الباطنة، ومن الأخلاق السافلة، فهي مطهرة ظاهرا وباطنا. ونص الله تعالى على ذلك دفعا لقول اليهود -قاتلهم الله ولعنهم-: إنها كانت بغيا، وإن عيسى عليه الصلاة والسلام كان ولد زنا. وقوله: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ قلنا: إن المراد بذلك نساء عالمي زمانهم، على أنها هي وخديجة بنت خويلد وآسية امرأة فرعون هؤلاء الثلاث كملن من النساء، و«فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»[[سبق تخريجه.]]. وقوله: ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ العالمين هم كل من سوى الله في الأصل، كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، فالرب والمربوب لا يوجد سواهما، وعليه فالعالم كل من سوى الله، هذا في الأصل، وسمي عالما لأنه علم على خالقه عز وجل، فإن ما في هذه المخلوقات من الآيات الدالة على كمال الله سبحانه وتعالى وعلى كل ما تتضمنه هذه المخلوقات علم واضح على ما تتضمنه هذه المخلوقات من الصفات الكاملة. ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ هذا من خطاب الملائكة أيضا، تقول لها: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ والقنوت هو دوام الطاعة، واللام في قوله: ﴿لِرَبِّكِ﴾ للاختصاص، أي قنوتا خالصا لله، أي طاعة خالصة له؛ لأن من شرط الطاعة أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿لِرَبِّكِ﴾ الربوبية هنا ربوبية خاصة، وقد مر علينا أن الربوبية تنقسم إلى ربوبية عامة وربوبية خاصة، فالعامة هي الشاملة لكل أحد، والخاصة تختص بمن خصها الله به، لكنها تفيد تربية أكثر اعتناء واختصاصا من الربوبية العامة. وقوله: ﴿وَاسْجُدِي﴾ الواو حرف عطف، ﴿وَاسْجُدِي﴾ يعني السجود المعروف، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة أمرت أن تسجد على سبعة أعظم[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨١٠)، ومسلم (٤٩٠ / ٢٢٨) من حديث ابن عباس.]]، وعطف السجود على القنوت من باب عطف العام على الخاص أو الخاص على العام؟ الخاص على العام. وذكر الخاص بعد العام يدل على فضله ومزيته. ولا شك أن السجود من أفضل أنواع الطاعة، ولهذا كان «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢ / ٢١٥) من حديث أبي هريرة.]]. وقوله: ﴿ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ الركوع معروف، وهو انحناء الظهر، وقوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي في جملتهم، وليس المراد أنها تصلي مع الجماعة؛ لأن المرأة لا تخاطَب بالصلاة مع الجماعة، لكن كوني في جملة الراكعين الذين يركعون لله عز وجل. وفي قوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ولم يقل: مع الراكعات، مع أنها امرأة؛ لأن الكُمّل من الرجال أكثر من الكمل من النساء، ولهذا لم يكمل من النساء إلا ثلاث[[سبق تخريجه.]]. وقوله: ﴿اسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ قدم السجود على الركوع؛ لأن هيئة السجود أفضل وأبلغ في الخضوع، فقدمها على الركوع، أما من حيث الترتيب الفعلي بالنسبة للصلاة فإن الركوع قبل السجود. ثم قال الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾، ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه كل ما سبق من قصة زكريا وقصة مريم. وقوله: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ أي من أخبار الغيب، أي من أخبار الشيء الغائب الذي لا يعلم، لكن من الذي لا يعلمه؟ ليس المراد من وقع في زمنه؛ لأن من وقع في زمنه فهم يعلمونه، لكن المراد: لا يعلمها النبي ﷺ ولا قومه؛ كما قال تعالى في سورة هود: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود ٤٩] إذن هي غيب نسبي ولّا حقيقي؟ غيب نسبي بالنسبة لمن لم تكن في زمنه، أما من كانت في زمنه فهي مشاهدة، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام وقومه كانوا أميين، لا يعلمون شيئا عن الأمم السابقين، فأوحى الله إلى نبيه ﷺ ما أوحى من أخبار السابقين التي ما كان يعلمها لا هو ولا قومه، وهو دليل على أنه رسول الله حقا، وأن الوحي يأتيه من الله. وقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ الوحي في اللغة الإعلام بسرعة وخفاء، فإذا أعلمك إنسان بسرعة على وجه خفي يسمى في اللغة وحيا، وحيا، ولكنه في الشرع: إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما يشاء من شرعه، هذا الوحي، إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما أيش؟ بما يشاء من شرعه. ثم إن كلفه بتبليغه كان رسولا، وإلا كان نبيا. * الشيخ: الأخ عرفنا ما هو الوحي شرعا؟ أنت إي نعم. * طالب: الوحي ما أمر (...) بالشرع ولم يؤمر بتبليغه. * الشيخ: هذا الوحي شرعا. * الطالب: خلاف الرسول، فإذا أمر بتبليغه.. * الشيخ: صار الوحي شرعا من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه! هذا الوحي شرعا! أعتقد أنك ما أنت معنا؟ * طالب: (...) * الشيخ: لا لا، تأملها في غير وقت الدرس، وقت الدرس تأمل ما يقول المدرس، ما تابعتنا ولهذا أخطأت في تعريف الوحي. طيب إذن الوحي؟ * طالب: الوحي هو ما يوحي الله سبحانه وتعالى شرعا نبيا من أنبيائه، فإن أمره بالتبليغ فهو كان رسولا، وإن لم يؤمره فهو نبي. * الشيخ: أيش الوحي؟ * الطالب: هو ما يوحيه الله سبحانه وتعالى إلى نبي من أنبيائه من شرعه. * الشيخ: لا. * طالب: إيحاء الله لنبي.. إيحاء الله عز وجل.. * الشيخ: لا. * الطالب: تبليغ وتكليف الله عز وجل. * الشيخ: لا. * طالب: إخبار الله لنبي من الأنبياء بما يشاء من شرعه. * الشيخ: نعم، هذا الوحي: إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما يشاء من شرعه، ثم إن أمر بتبليغه كان رسولا وإلا فهو نبي. ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ أي نخبرك به على الوصف الذي ذكرنا، وهو إخبار الله تعالى لنبي من أنبيائه بما شاء من شرعه، هذا الوحي. وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أي ما كنت عندهم، يعني عند زكريا وقومه ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾، ﴿إِذْ﴾ أي حين، وهي متعلقة بقوله: ﴿كُنْتَ﴾، يعني ما كنت في ذلك الوقت عندهم ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾، ﴿أَقْلَامَهُمْ﴾ اختلف العلماء في تفسيره، فقيل: إنها على ظاهرها؛ أنهم ألقوا أقلامهم التي يكتبون بها، وقيل: إن المراد بها سهامهم التي تكون في النصل يرمون بها، وسميت قلما لأنها تشبهه في الاستطالة ودقة الرأس، السهم عندهم بمنزلة الرصاصة عندنا في الوقت الحاضر. على كل حال أيها ظاهر القرآن؟ ظاهر القرآن أن المراد بالأقلام الأقلام الحقيقة التي يكتب بها، ولا نعدل عن ظاهر القرآن إلا بدليل، هذه هي القاعدة الشرعية في تفسير القرآن، بل وفي تفسير الحديث النبوي، بل وفي كلام الغير، حتى كلام الناس يجب أن نعمل بظاهره إلا بدليل، ولكن ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ كيف ألقوا هذه الأقلام؟ المعروف أنهم ألقوها في النهر؛ في الماء الذي يمشي، فما انحبس منها فصاحبه الذي يكفل مريم، وما جرى فهو الذي لا يكفلها، ولكن القرآن ليس فيه بيان ذلك، يعني ليس فيه أنهم وضعوا هذه الأقلام في النهر، إنما ألقوا أقلامهم على وجهٍ اللهُ أعلم بكيفيته، لكنهم ألقوها من باب الاقتراع، يعني قرعة أيهم يكفل مريم، فخرجت القرعة لمن؟ لزكريا؛ كما قال تعالى في أول القصة: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران ٣٧]. ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ يعني وما كنت عندهم أيضا في حال اختصامهم أيهم يكفل مريم، هذا الاختصام هل هو قبل إلقاء الأقلام أو بعده؟ قبله، الظاهر أنه قبله، لكن أخر في الذكر لمناسبة الآيات؛ رؤوس الآيات ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هذا هو الذي يظهر، على أنه قد يقال: إن الله سبحانه وتعالى ذكر النتيجة قبل المقدمة أو قبل السبب لأنها هي الغاية، فإن إلقاء الأقلام والاستهام هو غاية الاختصام، فاختصموا أيهم يكفلها فقالوا: لنسهم بإلقاء الأقلام. وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ هذا كالدليل لقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ يعني فأنت ما قلتها لأنك شاهد، ولكن قلتها لأنها أوحيت إليك. وأيضا فيه إشارة إلى أن هذا الذي أنبئ به كأنما يراه بعينه، كأنه حاضر، وهو كذلك، بل كما قلنا فيما سبق: إن إخبار الله عز وجل أشد ثبوتا وحقيقة مما يُرى في العين. ثم قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ﴾، يعني: اذكر إذ قالت الملائكة: يا مريم، وهل المراد جنس الملائكة أو الملائكة كلهم؟ الظاهر الأول أن المراد الجنس؛ لأن القائل واحد، والمشهور أنه جبريل. قال لها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ إلى آخره. قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ سبق أن معنى البشارة في الأصل: الإخبار بما يسر، وأنها قد تطلق على الإخبار بما يسوء؛ بجامع أن كلا مما يسر وما يسوء يغير البشرة ويؤثر فيها. ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ قوله: ﴿بِكَلِمَةٍ﴾ تحتمل وجهين: الوجه الأول: أن الكلمة هي المبشر به، كما تقول: بشرته بولد، بشرته بولد، فتكون الكلمة هي المبشر به. والوجه الثاني: أن المراد بالكلمة هنا الصيغة التي حصلت بها البشارة، أي: يبشرك بشارة عن طريق النطق بها، عن طريق النطق، كما تقول: بشرته بالقول، لا بالكتابة. فأنت مثلا تبشر الإنسان إما بواسطة النطق، وإما بواسطة الكتابة، وإما بواسطة الإشارة، فقوله: ﴿يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ أي أن الوسيلة التي حصلت بها البشارة هي الكلمة، يعني أن الله قال سبحانه وتعالى كلمة فيها البشرى بالمسيح عيسى ابن مريم. فالوجهان محتملان، الوجه الأول ما هو؟ أن المراد بالكلمة عيسى، يعني المبشر به، كما تقول: بشرته بولد، أو أن المراد بالكلمة الصيغة التي حصلت بها البشارة، أي أن البشارة حصلت من الله بالقول، كما تقول: بشرته بالنطق، بشرته بالكتابة، بشرته بالإشارة. فأما على الاحتمال الثاني فلا إشكال، لا إشكال أن تقع البشارة بالنطق، لكن على الاحتمال الأول أن الكلمة هي المبشر به، فكيف يكون المبشر به كلمة مع أنه إنسان؟ أجاب العلماء عن ذلك بأنه أطلق عليه الكلمة لأنه كان بالكلمة، لا بالوسائل الحسية المعلومة؛ لأن الولد في العادة يأتي بواسطة النكاح، لكن هذا لم يأت بالنكاح، أتى بالكلمة ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩]، فلهذا صح أن يطلق عليه الكلمة. وفي هذه الآية إشكال آخر: إذا قلنا: إن قوله: ﴿بِكَلِمَةٍ﴾ تعني المبشر به، وهو قوله: ﴿مِنْهُ﴾، ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ فإن (من) لها معانٍ، منها: التبعيض؛ كما قال ابن مالك رحمه الله في الخلاصة: بَعِّــضْ وَبَيِّــنْ وَابْتَــدِئْ فِــــيالْأَمْكِنَــــــــــهْ ∗∗∗ بِمِــــــــنْ وَقَــــدْ تَأْتِــــي لِبَــــدْءِالْأَزْمِنَــــــــــــــــهْ الشاهد قوله: (بعّض)، فإن (من) تفيد التبعيض، فهل معنى ذلك أن عيسى بعض من الله كما قال ذلك النصارى؟ الجواب: لا، الجواب ليس بعضا من الله، لأن الله واحد أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ولا يتبع أحد هذه الآية ويدعي التبعيضية أو يدعي البعضية، إلا من في قلبه زيغ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٧]، والنصراني كما اتبع المتشابه في هذه الآية اتبع المتشابه في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩] قال: هذا كلام الله يقول: ﴿إِنَّا﴾ وإنا تفيد الجمع، فاتبع المتشابه انتصارا لرأيه الفاسد، ولا يخفى على كل ذي لب أن المراد بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ وما أشبهها التعظيم، لا التعدد. كذلك هنا ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ لا يقتضي أن يكون عيسى بعضا من الله عز وجل؛ لأنك إن ادعيت أنه بعض من الله فلتدع أنه كلمة الله، ومعلوم أنه لا أحد يدعي أن عيسى كلمة، عيسى بشر، له جسم وروح، يأكل ويشرب، وهل الكلمة كذلك؟ لا. فأنت إن ادعيت أنها من الله فادع أن عيسى كلمة، ومعلوم أن عيسى ليس بكلمة. إذن فيتعين أن تكون (من) إما ابتدائية وإما بيانية، يعني: بكلمة صادرة من الله عز وجل بأن قال: كن فكان. نظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية ١٣]، هل يدعي أحد أن ما في السماوات وما في الأرض بعض من الله؟ لا، لا يدعي، حتى النصراني ما يدعي ذلك، ولكن هنا (من) إما للابتداء، يعني ابتداء التسخير من الله، أو للبيان، بيان مَن المسخر، أو من أين جاء هذا التسخير. قال: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾، اسم: مبتدأ، و﴿الْمَسِيحُ﴾ خبر، و﴿عِيسَى﴾ خبر ثانٍ، و﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ خبر ثالث، وإنما قلنا ذلك لأنك لو أفردت كل واحد عن الآخر لاستقام الكلام، لو قلت: اسمه ابن مريم صح؟ اسمه عيسى، اسمه المسيح صح، وعلى هذا فكل واحد منها خبر، وقيل: بل الثلاثة خبر واحد، كقولك: البرتقال حلو حامض، هنا لا يصح أن تقول: حلو خبر وحامض خبر؛ لأنك لو أفردت أحدهما عن الآخر فسد المعنى، لو قلت: البرتقال حلو ما صح، لو قلت: البرتقال حامض، ما صح، ما أدى المعنى الذي يؤديه قوله: حلو حامض؛ لأن حلو حامض يعني: جامع بينهما، يعني: مز، كذا؟ فلهذا نقول في قول القائل: البرتقال حلو حامض، حلو حامض جميعها خبر، لكن في الآية التي معنا: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ لا يستقيم هذا المعنى فيها، وبناء على ذلك نقول: إن كل واحد منها خبر. مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٤ - ١٦] خمسة أخبار. هذه الأخبار الثلاثة جمعت أنواع العَلَم التي أشار إليها ابن مالك في قوله: وَاسْمًــــــــا أَتَــــــــى وَكُنْيَــــــــةًوَلَقَبَــــــــــــــــــــــــا ∗∗∗ وَأَخِّــــــــرَنْ ذَا إِنْ سِــــــــوَاهُصَحِبَــــــــــــــــــــا معلوم؟ أين الاسم؟ طلبة: عيسى. * الشيخ: اللقب؟ طلبة: المسيح. * الشيخ: الكنية؟ طلبة: ابن مريم * الشيخ: وإذا كان هذه الكلمات الثلاث قد جمعت أنواع العلم الثلاثة: الاسم، واللقب، والكنية، يبقى عندنا إشكال في قول ابن مالك: (وأخرن ذا) يعني اللقب (إن سواه صحبا)؛ فإنه في الآية الكريمة قدم اللقب، فيبقى إشكال، فهل نأخذ بقول ابن مالك ونقول: القرآن شاذ؟ حاشا حاشا، نقول: ابن مالك وألفيته الشاذة ولا يشذ القرآن. إذن كيف نجمع بين هذا الكلام من هذا العالم في النحو وبين الآية؟ من المعروف أن علماء النحو رحمهم الله لا تضييق عليهم أبدا، ولهذا يقولون في ضرب الأمثال: حجة نحوي، أو يقولون: حجج النحاة كبيوت اليرابيع، واضح؟ حجج النحاة كبيوت اليرابيع، أيش معنى هذا؟ اليرابيع جمع يربوع، وعندنا باللغة العامية: جرابيع، طيب اليربوع من ذكائه يتخذ جحرا في الأرض له باب، وإذا بلغ منتهاه خرق الأرض متعليا إلى فوق، فإذا بقي قشرة رقيقة وقف؛ من أجل إذا دخل عليه أحد من باب الجحر خرج من هذه النطاقة؛ كما يقولون، نطق. أقول: النحويون رحمهم الله لا تضييق عليهم، قالوا: الجواب عن الآية: هو أن اللقب إذا اشتهر به الإنسان حتى صار كالعلم، أو كالاسم، جاز أن يقدم، جاز أن يقدم، ولهذا نجد في كلام العلماء: الإمام أحمد بن حنبل، المسيح عيسى ابن مريم، على أوزان المسيح عيسى ابن مريم، الإمام محمد بن إدريس الشافعي، فيقدم الإمام مع أنه لقب، لماذا؟ للاشتهار، إذن لا إشكال الآن. قال: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ واختار الله تعالى له اسم المسيح لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، أو لكثرة مسحه الأرض وسيره فيها، أو من المسحة وهي الجمال، والمعنى الأول أشهر، يعني أنه لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، فهو يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويخرجهم من قبورهم، وهذه الأمور لا تتم لكل أحد، بل لا تتم لأحد أبدا إلا بإذن الله عز وجل. ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ولم ينسبه إلى ذَكر؛ لأنه لا أب له، وأظن ذلك واضحا أنه لم ينسبه إلى أب لأنه لا أب له، لكن لماذا نسبه إلى أمه؟ إشارة إلى ألا يقول قائل: إنه ينسب إلى كافله زكريا، يعني لئلا يقول قائل: ما دام هذا الطفل ليس له أب فلينسب إلى كافله حتى يُعرف به، فبدأت الملائكة وبينت أن هذا الرجل ينسب إلى أمه ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾. ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قوله: ﴿وَجِيهًا﴾ هذه منصوبة على الحال، من أين؟ حال من أين؟ طلبة: من عيسى. * الشيخ: أو المسيح، حال كونه وجيها في الدنيا، والوجيه هو ذو الجاه، وهو الشرف والمكانة والسيادة، وقد كان كذلك عليه الصلاة والسلام، أما وجاهته في الدنيا فلأنه كان أحد الرسل الكرام، بل هو من أولي العزم، وأعظم الناس جاها في الدنيا والآخرة هم أولو العزم، كما قال الله تبارك وتعالى عن موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب ٦٩]، وأما وجاهته في الآخرة فكما قلنا أيضا لأنه من أولي العزم من الرسل الذين هم في أعلى درجات الجنة ولهم في الآخرة مقامات لا تكون لغيرهم. وقوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.. وهو الشرف والمكانة والسيادة، وقد كان كذلك عليه الصلاة والسلام، أما وجاهته في الدنيا؛ فلأنه كان أحد الرسل الكرام، بل هو من أولي العزم، وأعظم الناس جاهًا في الدنيا والآخرة هم؟ * طالب: أولو العزم. * الشيخ: أولو العزم كما قال الله تبارك وتعالى عن موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب ٦٩]. وأما وجاهته في الآخرة فكما قلنا أيضًا؛ لأنه من أولي العزم من الرسل الذين هم في أعلى درجات الجنة، ولهم في الآخرة مقامات لا تكون لغيرهم. وقوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ هذا وصف ثالث أنه من المقربين إلى مَنْ؟ * الطلبة: إلى الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إلى الله عز وجل، من المقربين إلى الله في الدنيا ولَّا في الآخرة؟ * الطلبة: في الدنيا والآخرة. * طالب: كلاهما. * الشيخ: في الدنيا والآخرة؛ لأن المقرب يكون مقربًا في الدنيا ويكون كذلك مقربًا في الآخرة، فعيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام كان وجيهًا في الدنيا والآخرة وكان من المقربين إلى الله، وهل هذا الوصف حاصل لغيره من الأنبياء؟ الجواب: نعم، أولو العزم من الرسل لا شك لهم وجاهة في الدنيا والآخرة وأنهم مقربون إلى الله. * طالب: شيخ، في الآية السابقة ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ منه زائدة؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾. * الشيخ: زائدة؟ أيهم اللي زائدة؟ * الطالب: ﴿مِنْهُ﴾. * الشيخ: الحرف هذا الجر والضمير كلها؟ * الطالب: نعم، (...) منه. * الشيخ: كيف يكون التقدير؟ * الطالب: يعني كلمة اسمه المسيح. * الشيخ: معناه زادت الهاء ضمير. * الطالب: هذه مضاف إليه. * الشيخ: يعني بأيش؟ * الطالب: بكلمته (المسيح). * الشيخ: ما يستقيم؛ أولًا: أن (مِن) لا تزاد إلا في النكرة، ولا تزاد إلا بعد نفي أو شبهه، وثانيًا: أنها لا تزاد مع الضمير أبدًا. وثالثًا: أنه لا محظور فيه. * طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة لتقدير الفعل (اذكر) هل كان النبي ﷺ يعرف أن الله (...)؟ * الشيخ: إيه. * الطالب: يُذكر الناس. * الشيخ: إيه، أمره الله أن يذكرها للناس. * الطالب: يعني كان من قبل عنده علم؟ * الشيخ: لا، ما يعلمها إلا بوحي الله. * الطالب: في نفس الخطاب اذكر؟ * الشيخ: لا، نعم. * الطالب: في نفس الخطاب اذكر، يعني كان عنده علم؟ * الشيخ: إيه، نعم. * الطالب: أو ما كان عنده علم سابق؟ * الشيخ: لا، ما كان عنده علم سابق. * طالب: طيب تصلح أن نقول اذكر؟ * الشيخ: إيه، يصلح، لو قلت لك أنا: اذكر للناس كذا وكذا، وأنت ما تدري عنها بالأول. * الطالب: بمعنى بلِّغ؟ * الشيخ: بمعنى بلِّغ، إيه. * الطالب: المنازل اللي يأخذونها الأنبياء أولي العزم. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: المنازل اللي عند الله لأولي العزم من الرسل، يعني هل المؤمنين في الجنة يصلون إلى هذه المنازل يعني؟ * الشيخ: إيه يصلون، لكن ليس يصلونها على سبيل السكنى. * الطالب: الزيارة يعني. * الشيخ: إيه ما فيه شك، يعني المؤمنون -اللهم اجعلنا جميعًا منهم- يزورون حتى الله عز وجل، الله أكبر! * الطالب: شيخ، أحسن الله إليك شيخنا، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ [آل عمران ٤٤] ألا نقول يا شيخ أقلامهم هي الأسهم، والدليل على ذلك أن العرب عادتهم إذا كانوا يلقون الأصنام يلقون الأسهم، فيكون قصُّه دليل على هذا؟ * الشيخ: إيه لا، نحن نقول: ما دام أن الله قال: أقلام، والأقلام في اللغة العربية معروفة ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم ١] معروفة لماذا نعدل عن الظاهر؟! يمكن العرب أنهم يجعلون السهام؛ لأنهم أميون لا يكتبون ولا يقرؤون، وهناك فيما سبق يقول: أقلام. * طالب: شيخ، (المسيح) ذكره فعيل، وهذا فاعل؟ * الشيخ: وبعضهم أبدى المناسبة في مسألة الأقلام؛ لأنهم يكتبون بها الكتب المنزلة. * طالب: نقول: المسيح هل هو بمعنى (فاعل) ولَّا بمعنى (مفعول)، المسيح؟ * الشيخ: لا، بمعنى (فاعل) إلا على قول من يقول المراد بذلك المسحة من الجمال، فهذا يكون بمعنى (مفعول). * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، بالنسبة للفرق بين الذكر والتسبيح؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: وردت الآية: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران ٤١] ما الفرق بين الذكر والتسبيح؟ * الشيخ: التسبيح: تنزيه الله عما لا يليق به، والذكر: الثناء عليه بما يستحق. * طالب: شيخ، قلنا: إن الله عز وجل نسب عيسى إلى مريم، وقلنا: لا ينسبه إلى غيرها حتى لا (...) بالنسبة (...) هو يقول: (...). * الشيخ: لا، هو ذكرنا لماذا يعني هم بادروا بأن ينسب إلى أمه ابن مريم، بادروا بذلك لأن لا يُنسب إلى أحد غيرها. * طالب: لماذا قلنا: رب (...). * الشيخ: لا، كونه ابنًا لا شك أنه رد على النصارى سواء نسب إليها أو إلى غيرها، لكن كونهم يبادرون بهذا بأن يُنسب إلى أمه لأن لا يقول القائل: ننسبه للرجل؛ لأن هذا العادة بالنسبة وأقرب من ينسب إليه زكريا. * طالب: أولو العزم يعني أيش المقصود بالعزم؟ * الشيخ: أولو العزم؛ معنى العزم يعني الحزم في الأمور والصبر عليها وملاحاة الناس مثل ما نقول: إن فلانًا صاحب عزيمة؛ يعني قوي مصمم على تنفيذ ما يريد. * الطالب: مختصين بهذا عن بقية الرسل. * الشيخ: إي نعم، هذا هو المشهور أن قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٣٥] أن (مِن) للتبعيض، وأن أولو العزم هم الخمسة المذكورون في آيتين من القرآن، وبعضهم جعل (مِن) بيانية، فعلى هذا يكون جميع الرسل من أولي العزم، لكن المشهور الأول. ذُكرت في آيتين من القرآن ما هما؟ * الطالب: إحداهما. * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: في الشوري: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى ١٣]. * الشيخ: نعم، هذه واحدة، وفي الأحزاب؟ * الطالب: في الأحزاب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب ٧]. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: قلنا يا شيخ: إن هذه للبداءة والمعاينة؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: البداءة والمعاينة؟ * الشيخ: المعاينة، بيانية. * الطالب: بيانية، طيب يا شيخ فيه آية: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم ١٧] يعني كيف المخرج من مفهوم الآية؟ * الشيخ: أيهم الثانية ولَّا الأولى؟ * الطالب: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾. * الشيخ: إيه يعنى جبريل. * الطالب: يا عم الشيخ، يرد علينا أسئلة وإحنا لا نستطيع..، نريد حجة يا شيخ دامغة لهؤلاء. * الشيخ: نسأل الله، الله يعينك، أيش عندك؟ * الطالب: إرسال ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم ١٧] يقولون هذا. * الشيخ: طيب صحيح، نحن نقول هذا، إن جبريل عليه الصلاة والسلام تمثل لها بشرًا سويًّا ليمتحنها. * الطالب: رجل؟ * الشيخ: رجل، رجل، فهمت؟ ولهذا قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم ١٨] وأيش قال لها؟ ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم ١٩] الآيات متواصلة، ما هو بس جاء بشر وحملت، بيَّن أنه رسول الله. * طالب: الإشكال يقولون: إن هذا بشر؛ يعني رجل (...) يعني قد يقولون: إنها حملت منه أو كذا. * طالب آخر: هذا القول يا شيخ (...). * الشيخ: هم قالوا هذا، ولهذا هم قالوا من أول ما جاءتهم ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٨] وأيش معنى هذا؟ هذا تعريض بأنها زانية، يقولون: كيف جئت بالزنا وأبوك ما كان امرأ سوء وما كانت أمك بغيًّا، لو كان هذه وراثة ما استغربنا، لو كان أبوك امرأ سوء أو كانت أمك بغيًّا زانية -والعياذ بالله- قلنا: هذه مثل آبائها، هذا تعريض، لكن وأيش اللي حصل؟ أشارت إليه، انظر الآية، فدافع عن نفسه. * طالب: شيخ، فيه إرسال يا شيخ، فيه إشكال؟ * الشيخ: ما فيه إشكال يا أخي، ما فيه إشكال، هذا الرجل، هذا جبريل عليه الصلاة والسلام أرسله الله تعالى ليمتحنها، ولهذا لجأت إلى الله ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ ما فيه إشكال. * طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، أنت قلت: قدمت ثلاثة أقوال في اسم المسيح فإنه إذا مسح المريض بالعمى يبرأ؟ * الشيخ: ذا عاهة. * الطالب: ذا عاهة يبرأ، وأنه يمسح الأرض (...). * * * * طالب: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٤٥ - ٤٩]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ وهذا قرأناه. قال: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ (الواو) حرف عطف، والجملة معطوفة على ما سبق. ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ أي: في حال الصغر، وأصل المهد أو الْمِهاد الفراش يوضع للإنسان فيطؤه ويستريح عليه. وقوله: ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ أي: في الفراش وهو صغير، وهذا من آيات الله عز وجل؛ لأن العادة التي أجرى الله سبحانه وتعالى البشر عليها أن لا يتكلم أحد إلا في سن معين، وفي المهد لم يتكلم إلا ثلاثة؛ منهم المسيح عيسى ابن مريم، وتكلم بكلام من أبلغ الكلام لما جاءت به قومها تحمله ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم ٢٧ - ٢٩] فقالوا: كيف نكلم من كان في المهد صبيًّا؟ ﴿قَالَ﴾ يعني حين سمعهم: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم ٣٠ - ٣٣] كلام من أفصح الكلام وأعظمه وهو في المهد، وهذا من آيات الله عز وجل الدالة على قدرته، ولهذا كان آيات عيسى كلها تدور حول هذا الأمر، حول خوارق العادات في الأمور الكونية، فهو نفسه آية خُلق بلا أب، وكلم الناس في المهد، وهذا من الآيات، يصنع من الطين كهيئة الطير فينفخه فيكون طيرًا، يبرئ الأكمه والأبرص، ولا أحد يبرئهما من الأطباء، يحيي الموتى ويخرجهم من القبور. قال أهل العلم: لأنه بُعث في زمن ترقى فيه الطب ترقيًا عظيمًا فجاء بآيات من جنس الأعمال التي يعملونها ليكون ذلك أبلغ في الإعجاز كما جاء موسى عليه الصلاة والسلام بالعصا واليد التي تُبطل سحر السحرة، وكان السحر في وقته قد زاد وانتشر، وكما أتى محمد ﷺ بكلام أبلغ الكلام وأفصحه لانتشار الفصاحة في زمنه وعهده حتى يعجز هؤلاء البلغاء، ويتبين أنه ليس من كلام البشر. قال: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ يعني ويكلمهم وهو كهل من الحادية والثلاثين إلى الأربعين، يكلمهم في هذه الحال، في هذه الحال ليس غريبًا أن يكلم الناس، ولكنه أتى بها لفائدة وهي أن كلامه في المهد ككلامه وهو كهل؛ يعني ليس ككلام الصبي الذي يتكلم في المهد (يا بابا، يا ماما) وما أشبه ذلك، بل كلام فصيح من أبلغ الكلام كما يتكلم به وهو أيش؟ * طالب: كهل. * الشيخ: وهو كهل. ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ من الصالحين أيضًا، يعني وهو من الصالحين، وسبق لنا أن الصالح من صلحت سريرته وعلانيته يعني ظاهره وباطنه، ظاهره بالإخلاص لله والطهارة من كل شرك ونفاق وشك وأحقاد وبغضاء للمؤمنين وما أشبه ذلك، ظاهره بأيش؟ بالمتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام وعدم الابتداء، فهو عليه الصلاة والسلام من الصالحين الذين صلحت ظواهرهم وبواطنهم، وإن شئت فقل: سرائرهم وعلانيتهم. ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ﴾ هي الآن تخاطب الله، والذي كان يخاطبها الملائكة أو جبريل، لكنها لما قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ [آل عمران ٤٥] وعلمت أن الأمر من الله وجهت الخطاب إليه سبحانه وتعالى، فقالت: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ وتأمل هذا الاستعطاف منها حيث قالت: ﴿رَبِّ﴾. ومعلوم أن كلمة ﴿رَبِّ﴾ هنا مضافة إلى ياء المتكلم التي حذفت للتخفيف، وأصلها: ربي أنى يكون لي ولد؟ وقولها: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ هذا استفهام يعني من أين يكون لي ولد ولم يمسسني بشر؟ وهذا الاستفهام ليس على سبيل الشك، وليس على سبيل الاستبعاد، ولكنه على سبيل الاستثبات وزيادة الطمأنينة كقول إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة ٢٦٠] وإلا ما عندها شك. وقوله: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ الجملة حالية؛ يعني: والحال أنه لم يمسسني بشر، أي: لم يجامعني؛ لأن المس يطلق على الجماع؛ يعني يكنى به عن الجماع، كما قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٦] أي: تجامعوهن. ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ يعني لا بنكاح ولا بغير نكاح، فمن أين يكون الولد؟ ﴿قَالَ كَذَلِكِ﴾ قال من؟ الله عز وجل؛ لأنها نادت الله ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ ﴿قَالَ كَذَلِكِ﴾ يعني: الأمر كذلك، فالجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف تقديره: الأمر، وعلى هذا فيحسن الوقوف هنا، أي يحسن أن تقف، فتقول: ﴿كَذَلِكِ﴾، ثم تبتدئ فتقول: ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾. وهذا التركيب له نظائر في القرآن مثل قوله: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان ٥٤] وإنما تأتي هذه الصيغة للتقرير والتثبيت؛ يعني الأمر مثل ما وقع تمامًا. وقوله: ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ سبحانه وتعالى، ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، و﴿يَخْلُقُ﴾ الجملة خبر، يعني أن الله سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء سواء كان على وفق العادة أو على خلاف العادة، فعيسى عليه الصلاة والسلام جاء على خلاف العادة، لكن مَثله عند الله ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران ٥٩] أي خلق آدم من تراب ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩] والله على كل شيء قدير. وقد ذكر أهل العلم أن البشر منهم من خُلق بلا أم ولا أب، ومنهم من خلق من أم بلا أب، ومنهم من خلق من أب بلا أم، وأكثر الخلق من أم وأب، فالذي خُلق من غير أم ولا أب: آدم، ومن أب بلا أم: حواء؛ امرأة آدم، ومن أم بلا أب: عيسى، وسائر الناس من أم وأب. ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: الذي يشاء كمًّا وكيفًا، وعلى سبب معلوم، وعلى سبب غير معلوم؛ فالله سبحانه وتعالى لا معقب لحكمه يخلق ما يشاء، قلنا: بالكمية والكيفية، والسبب المعلوم والسبب غير المعلوم، والنوعية أيضًا، ما أكثر أنواع الخلق لا يحصيها الإنسان فضلًا عن أفرادها! وما أكثر الخلق لو أردت أن تحصى الخلائق ما استطعت، والله تعالى قد أحصاهم ورزقهم وأمدهم، وأعد كل مخلوق لما خُلق له، قال فرعون: ﴿مَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٤٩، ٥٠] كل شيء أعطاه خلقه المناسب له ثم هداه، هداه لما خُلق له، انظر أحيانًا تفتش الكتاب، تفتش الكتاب مراجعة تجد فيه حيوانًا لا يدركه البصر إلا بكلفة، حيوان داخل هذا الكتاب لا يدركه البصر إلا بكلفة، من خلقه؟ الله. ومن أعده للرزق؟ الله. ومن أمده برزقه المناسب له؟ هو الله عز وجل، فما بالك بالخلق الكثير الذي أكبر من هذا بكثير، فالمهم أن الله تعالى يخلق ما يشاء كمًّا وكيفًا ونوعًا، وبسبب معتاد، وبسبب غير معتاد، لا حرج على الله عز وجل يخلق ما يشاء ويفعل ما يشاء، قال: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٧]. ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿إِذَا قَضَى﴾ قضى أي: قضاء كونيًّا؛ لأن القضاء له معنيان: كوني وشرعي، فمن أمثلة الشرعي قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]. هذا قضاء شرعي، ومن أمثلة الكوني هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء ٤] قضينا شرعًا ولَّا كونًا؟ * الطلبة: كونًا. * الشيخ: ما يصح شرعًا؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: لأن الله لا يقضي شرعًا بالفساد أبدًا، فهو لا يحب الفساد، لكنه قضاء كوني، ما الفرق بين القضاءين الكوني والشرعي؟ الفرق بينهما أن القضاء الشرعي متعلق بما يحبه الله من فعل المأمور أو ترك المحظور. ثانيا: القضاء الشرعي قد يقع وقد لا يقع، قد يقع من المقضي عليه وقد لا يقع، القضاء الكوني يتعلق فيما أحبه الله وما لا يحبه الله، القضاء الكوني لا بد أن يقع من المقضي عليه، فصار الفرق؟ * الطلبة: وجهين. * الشيخ: أربعة أوجه أو وجهين؟ * الطلبة: وجهين. * الشيخ: وجهين، وعند ما نذكر الشيء وضده تكون أربعة. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ [سبأ ١٤]؟ * الطلبة: كوني. * الشيخ: هذا كوني ولَّا شرعي؟ * الطلبة: كوني. * الشيخ: كوني، قوله تعالى: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [هود ٤٤]؟ * الطلبة: كوني. * الشيخ: كوني. ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر ٢٠]؟ * الطلبة: شرعي.. * طالب: شامل. * الشيخ: شرعي، أو شامل؟ * الطلبة: شامل. * الشيخ: شامل، يعني حتى الكوني الذي يقضيه الله وإن كان شرًّا، لكن في المفعولات، أما في نفس القضاء فهو حق. يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ (أمرًا) مفرد جمعه أمور ولَّا أوامر؟ * الطلبة: أمور. * الشيخ: أمور، والمراد بالأمر هنا الشأن، يعني إذا قضى شأنًا أي شأن من الشؤون ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ما يحتاج إلى عمل، ولا إلى آلات، ولا إلى أي سبب، كل الخلائق مُسلِمة لله عز وجل ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ٨٣] تنتظر الأوامر إذا صدر الأمر من الله عز وجل كان المأمور؛ الأمر الكوني يقول: ﴿كُنْ﴾ فقط ﴿فَيَكُونُ﴾. قال الله تعالى عن البعث؛ بعث الخلائق كلها: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، وبين الله تعالى في سورة القمر كيف هذا الأمر هل يكرر؟ هل يتأخر المأمور؟ فقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر ٥٠] ما فيه التكرار واحدة، يتأخر المأمور؟ أيش؟ * الطلبة: ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾. * الشيخ: ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ يعني لو شاء ربنا عز وجل لأمر هذه الأرض أن تزول ومن فيها بلحظة ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، هذه القدرة التامة العظمية التي لا تُنسب قُدر الخلق إليها. ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (الفاء) هذه تفيد الترتيب، وإن شئت فقل: تفيد السببية، فإن قلت: إنها تفيد السببية فاقرأها بالنصب، وإن قلت: إنها تفيد الترتيب فاقرأها بالرفع، وكلتا القراءتين سبعية صحيحة، أن ﴿يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ﴾ أن ﴿يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فعلى قراءة الرفع تكون استئنافيه، والفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب كن فهو يكون في الحال، وعلى قراءة النصب تكون الفاء للسببية، فكأن الكون مسبب عن القول، ومعلوم أن المسبب يأتي مقارنًا للسبب، على قراءة النصب ﴿كُنْ﴾ سبب ﴿فَيَكُونَ﴾ مسبب، ومن المعلوم أن المسبب يأتي عقب السبب فورًا؛ لأنه سببه، والسبب مقارن للمسبب، وعلى هذا فتكون كل من القراءتين مفيدة لمعنى غير المعنى الثاني لكنهما متلازمان، المعنيان متلازمان. ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ طيب ﴿كُنْ﴾ ما ذكر الله سبحانه وتعالى أي شيء يكون عليه، بس يقول: ﴿كُنْ﴾ فيقع الشيء على مراد الله أو لا بد أن يقول: ﴿كُنْ﴾ ويبين ماذا يكون؟ * الطلبة: الأول. * الشيخ: طيب الأول. * طالب: الثاني. * الشيخ: الأول، الثاني، الأول، الثاني، لما خلق الله القلم قال له: اكتب، كتب ولَّا ما كتب؟ * الطلبة: كتب. * الشيخ: لا، ما كتب، «قَالَ: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.[[أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٥٧٢) من حديث عبد الله بن عمر.]] » فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيمة. الله أكبر! فالظاهر -والله أعلم- أن الشيء إذا قال الله له: كن، فلا بد أن يعين ماذا يكون بدليل حديث القلم، ولكنه إذا عين ما يكون فلا بد أن يكون الشيء على ما عين، فالقلم ما يعلم الغيب، لكن لما قال له الرب عز وجل: اكتب إلى ما هو كائن إلى يوم القيمة كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة؛ لأن الله أعلمه، أعلمه فكتب. إذن كن كذا، وهذه لا بد منها بيان مجمل الأمر، لا بد منها، فهذا هو الظاهر، وإذا كان الله عز وجل إذا أمره فقال: كن كان على مراد الله فليس هذا بغريب على قدرة الله أيضًا، أن الله تعالى يجعل هذا الشيء يخضع لأمر الله الذي أراده عز وجل، وإن كان لم يُطلعه عليه، لكن الذي يترجح عندي بناء على حديث القلم أن الله عز وجل يأمره أن يكون، ويبين ماذا يكون عليه. ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ﴿يُعَلِّمُهُ﴾ الضمير يعود على عيسى، والفاعل الله عز وجل. ﴿يُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ لأن عيسى كغيره من البشر؛ يعني لا يعلم إلا ما علمه الله، قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن ٢٦، ٢٧]. ﴿يُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الكتاب بمعنى المكتوب، وهل المراد أنه يُعلمه الكتابة؛ يعني يحسن الخط؟ أو المراد يعلمه الكتب السابقة؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني، كلاهما لا يتنافيان، فعلَّمه الكتابة فكتب، وعلَّمه الكتب السابقة، وعلمه التوراة والإنجيل. ﴿وَالتَّوْرَاةَ﴾ من باب عطف الخاص على العام لشرفها، وأما ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ فهو لم ينزل على أحد قبل عيسى. وقوله: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ الشريعة؛ لأن الشريعة من الله، وكل ما كان من الله فهو متضمن للحكمة، قال الله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء ١١٣]. فالحكمة هي الشرع، وهو موافق لمن فسر ذلك بالسنة؛ لأن سنة النبي ﷺ هي شرعه، هي شرعه الذي جاء به من الله، فعلمه الله عز وجل الحكمة، و(أل) في ﴿الْحِكْمَةَ﴾ هنا للعهد الذهني؛ يعني الشرع الذي شرعه الله لعيسى، ليس كل الحكمة، لكن للحكمة التي شرعت له. ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ التوراة: الكتاب الذي أنزله الله على موسى، والإنجيل: الكتاب الذي أنزله الله على عيسى، التوراة كتبها الله تعالى كتابة ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٤٥] ولهذا قال أهل العلم من علماء السلف: إن الله تعالى غرس جنة عدن بيده، وخلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده سبحانه وتعالى، فالتوراة مكتوبة من الله، كتبها بيده سبحانه وتعالى، ونزلت ألواحًا على موسى، وفيها ما تقتضيه المصلحة والحاجة والضرورة في ذلك الوقت، وأما الإنجيل فهو الكتاب الله الذي أنزله الله تعالى على عيسى، وهو بالنسبة للتوراة كالمكل لها كما قال تعالى فيما يأتي بالآيات: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران ٥٠] فهو كالمتمم للتوراة؛ لأنه بالحقيقة نزل على بني إسرائيل الذين أنزلت عليهم التوراة، ومن المعلوم أن حال بني إسرائيل تغيرت من وقت موسى إلى عيسى، فكان في الإنجيل أشياء فيها تعديل أو زيادة، المهم أنه متمم للتوراة. ثم قال: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿وَرَسُولًا﴾ (الواو) حرف عطف، ﴿وَرَسُولًا﴾ معطوف بجملتها على ما سبق أي: ويرسله رسولًا إلى بني إسرائيل. والرسول: هو الذي أوحي إليه بالشرع وأُمر بتبليغه، فإن لم يؤمر بتبليغه فهو نبي، هذا هو المشهور عند عامة العلماء رحمهم الله. وقيل: إن النبي لم يُوحَ إليه بشرع، وإنما كان مؤيدًا لشريعة قبله، يعني يُوحى إليه بتأييد الشريعة التي قبله، فكانت الأنبياء فيما سبق كالعلماء في هذه الأمة، وهذا وإن كان له وجه كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة ٤٤]. فقال: ﴿يَحْكُمُ بِهَا﴾ أي: بهذه التوراة ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾، لكن هذا القول يعكر عليه قضية آدم، فإن آدم نبي ومع ذلك لم يكن مجددًا لشريعة سابقة؛ إذ لم تنزل شريعة على البشر قبل آدم عليه الصلاة السلام، فلهذا يترجح تعريف الجمهور في النبي والرسول، وإذا قلنا: النبي من أوحي إليه بالشرع، فلا يمنع أن يكون هذا الشرع الذي أوحي إلى النبي هو شرع من قبله يوحى إليه تأكيدًا وتثبيتًا. قال: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بني إسرائيل هذه بني اسم قبيلة، ولَّا اسم أشخاص معينين؟ * الطلبة: اسم قبيلة. * الشيخ: اسم قبيلة كما يُقال: بنو تميم، والعلماء رحمهم الله تعالى يفرقون بين ابن وبني إذا كان اسمًا لقبيلة واسمًا لشخص معين، فإذا قالوا، وذكروا ذلك في باب الوقف وفرعوا عليه مسائل، إذا قلت: هذا وقف على بني فلان -وهم قبيلة- كبني تميم مثلًا، فهل يعم الجميع؟ وهل يشمل الذكور والإناث؟ قالوا: نعم، يعم الجميع، ويشمل الذكور والإناث، ولكن لا يجب التعميم، التعميم لا يجب، فلي أن أوزع هذا الوقف على ثلاثة من بني تميم فقط، ولي أن أعطي ثلاث نساء فقط؛ لأنه لا يختص بالرجال، بل يشمل الذكور والإناث؛ ولأنه لا يستلزم التعميم، أما لو قلت: هذا وقف على بني فلان، واحد من الناس، فإنه يجب تعميمهم دون الإناث، تعميم من؟ الذكور دون الإناث؛ لأن الابن غير البنت؛ ولأن بني فلان المعيّن محصورون يمكن حصرهم، فيجب تعميمهم والتساوي بينهم وإخراج النساء منهم، فبنو إسرائيل من أي الصنفين؟ من الأول من القبيلة، وإسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وهم بني عم لبني إسماعيل، ولهذا لما بُعث النبي ﷺ في بني عمهم بني إسماعيل غارت اليهود من ذلك وأنكروه، وكانوا بالأول يستفتحون على الذين كفروا، يقولون: سيبعث نبي ونتبعه ونكتسحكم ونغلبكم ظنًّا منهم أنه سيكون من بني إسرائيل، وليس ظنًّا حقيقيًّا بل هو وهم؛ لأنهم يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم، ويعلمون أنه سيُبعث في مكة، لكن توهموا ذلك، أوهمتهم أنفسهم الكاذبة، فلما بُعث ببني إسماعيل أنكروه وكذبوه. إسرائيل وأيش معناها؟ في السريانية قالوا: إن معناها، أو في العبرية: عبد الله، معناها عبد الله، الآن تُسمى الدولة اليهودية إسرائيل (...). * * * * طالب: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران 49 - ٥١]. * الشيخ: (...) ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ عبر هنا بالخلق، وفي قصة زكريا بالفعل ﴿يَفْعَلُ﴾ [آل عمران ٤٠] وهنا قال: ﴿يَخْلُقُ﴾ فهل هناك يعني نكتة، أو أنه اختلاف تعبير وهو من باب التفنن في التعبير كما يقولون؟ * طالب: اختلاف تعبير. * الشيخ: اختلاف تعبير طيب. * طالب: هنا فيه نكتة لطيفة. * الشيخ: وهي؟ * الطالب: وهو عندما أخبر الملك كليم الله كلامًا كان هذا من الغريب الذي ليس (...) بينما في مريم فهو غريب تمامًا خارج عن العادة، ولم يكن لها زوج. * طالب: يا شيخ، الحال هو وجود الإثبات (...) إنما هنا (...). * الشيخ: إيه، هذا قريب منه، الظاهر اختلاف لفظ. * طالب: شيخ، قد يكون يا شيخ في قصة زكريا أن الله عز وجل عندما أخبره بالفعل، أخبر بالفعل، لأن الخلق فاعل في الأصل. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: أن الخلق سيكون من أصله، أما هنا قد لا يتوقع الخلق؛ لأن. * الشيخ: اختلاف تعبير. * الطالب: يعني يا شيخ ولدت هذه المرأة وهي لم يمسسها بشر، شابة، ولم يمسسها بشر أعجب من أن تلد عجوز عاقر. * الشيخ: اختلاف تعبير. * طالب: كما يقال: حتى (...). * الشيخ: لا، هو على كل حال يقولون: إن ما ذكرتم هو قريب مما قاله العلماء، وهو صحيح؛ أن عيسى عليه الصلاة والسلام خُلق من غير ما جرت العادة به، خُلق على وجه لم تجرِ العادة بمثله إطلاقًا، فناسب التعبير بالخلق الدال على الإبداع، ولهذا يُقال: خلَق الله السماوات، ولا يقال: فعل الله السماوات، مع أن الخلق فِعله، لكن الخلق فيه نوع من الإبداع، ولذلك قال: خلق. الوجه الثاني: الرد على شُبه النصارى الذين يقولون: إن عيسى هو الله، والله ثالث ثلاثة، فيكون فيه التصريح بأنه مخلوق، ويكون هذا قطعًا لدابر قولهم، ففيه إذن: نكتة كونية، ونكتة شرعية، يعني حكمة: شرعية وكونية، وأظن أنني لم أذكرها (...). قوله: ﴿وَرَسُولًا﴾ رسولًا: ما الذي نصبها؟ * الطالب: حال. * الشيخ: حال، رسول حال، من غير مشتق؟! * الطالب: إي نعم، معطوف. * الشيخ: إي، معطوف على أيش؟ * الطالب: مصدقًا ورسولًا. * الشيخ: ما يصلح، ولا فيها، هو فيها مصدقا؟ ﴿يُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَرَسُولًا﴾. * طالب: نعم على ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ على ما قبل الإنجيل. * الشيخ: يعني ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ويعلمه رسولًا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا اصبر خليني أناقشة، ما أود الواحد يقول تخرصًا هكذا، أجب، يستقيم المعنى؟ * الطالب: لا يستقيم. * الشيخ: إذن. * الطالب: معطوفة على والإنجيل. * الشيخ: والله المستعان! ما يصلح. * طالب: شيخ، منصوب بفعل محذوف تقديره يرسله رسولًا. * الشيخ: صح، ويرسله رسولًا. بنو إسرائيل من هم؟ * الطالب: بنو إسرائيل هم أبناء يعقوب الاثنا عشر. * الشيخ: أبناء يعقوب الاثنا عشر، إذن إسرائيل هو؟ * الطالب: يعقوب عليه السلام. * الشيخ: هو يعقوب ابن؟ * الطالب: ابن إسحاق. * الشيخ: بن إبراهيم كذا؟ ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾. ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ فيها قراءتان، أخبرناكم بهما ولَّا لا؟ * الطلبة: لا (...). * الشيخ: فيها قراءة بكسر الهمزة وفتحها، وبفتح الياء مع فتح الهمزة؛ ثلاث قراءات، ﴿أَنِّيَ﴾ ، ﴿أَنِّي﴾، ﴿إِنِّي﴾ . قوله: ﴿أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾. ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فيكون طيرًا بإذن الله، يكون هذا الشيء طيرًا. وقوله: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أي: كمثله وصورته، فينفخ فيه فيكون طيرًا، وفي قراءة السبعية: ﴿فَيَكُونُ طَائرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ، والقراءتان لكل واحدة منهما معنى يكمل الأخرى، فقوله: ﴿يَكُونُ طَيْرًا﴾ أي: طيرا حيًّا بعد أن كان على صورة الطير وليس فيه روح، ﴿يَكُونُ طَائرًا﴾ أي يطير؛ تشاهدونه يطير بالفعل، فعندنا ثلاث مراتب؛ تصوير على هيئة الطير، الثاني: طير فيه روح، على قراءة: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾، الثالث: طير يطير بالفعل على قراءة: ﴿طَائرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وعلى هذا فيكون يخلق شيئًا على هيئة الطير، فينفخ فيه فيكون فيه الروح، ثم يطير. وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي بإذنه الكوني والشرعي؛ لأن كونه يصور مضاهيًا لخلق الله يحتاج إلى إذن شرعي؛ لأن الأصل أنه لا يجوز لأحد أن يُصور على تصوير الله عز وجل، قال الله تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١ / ١٠١) من حديث أبي هريرة.]] لكن الله تعالى أذن لعيسى عليه الصلاة والسلام لحكمة، هذا على تفسير بإذن الله، الإذن أيش؟ * الطلبة: الشرعي. * الشيخ: الشرعي، كذلك الإذن الكوني، يعني بإذن الله الإذن الكوني؛ لأن خلق هذا الطير حتى يطير يكون بإذن الله الكوني ولَّا الشرعي؟ * الطلبة: الكوني. * الشيخ: الكوني، أي: فيطير بإذن الله إذنًا كونيًّا، فعيسى عليه الصلاة والسلام يخلق كهيئة الطير بإذن الله الشرعي، فيكون طيرًا إذا نفخ فيه ويطير بإذن الله الكوني. وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ هذا من أجل تحقيق التوحيد، حتى لا يظن ظانّ أنه يخلق استقلالًا؛ لأنه لولا هذا التقييد بإذن الله لتوهم النصراني وغير النصراني أن عيسى عليه الصلاة والسلام يخلق، كما خلق الله آدم من طين على صورته، ثم نفخ فيه الروح، فصار بشرًا، فيظن الظان أن عيسى يخلق كخلق الله، فلهذا كان يقول عليه الصلاة والسلام: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ أبرئ: بمعنى أشفي، والبُرء في الأصل من البراءة، والبراءة من الشيء السلامة منه، ومنه بَرِئَ من دَيْنِهِ: أي سلم من غائلته؛ غائلة الدين وضيق الدين، فالبُرء من المرض يعني السلامة والشفا منه. وقوله: ﴿الْأَكْمَهَ﴾ الأكمه: قيل: إنه الذي لا يبصر ليلًا ويبصر نهارًا، وقيل: هو الذي يبصر ليلًا ولا يبصر نهارًا، وقيل: هو الذي لا يبصر إلا بمشقة، وقيل: الذي وُلد بلا عين، فإن كان الأكمه في اللغة العربية يحتمل هذه المعاني كلها، فهو للمعاني كلها، وإن كان لا يحتمل إلا معنى واحدًا، فأقرب الأقوال في ذلك أن الأكمه من وُلد بلا عين؛ لأن هذا أبلغ في القدرة؛ لأنه كلما كان أبلغ في القدرة كان أعظم في الآية، فنحن نقول: إن كانت اللغة العربية تُطلِق الأكمه على كل ما قيل فلتكن الآية شاملة، وإن لم تحتمل إلا معنى واحدًا فأقربها أن الأكمه من ولد بلا عين؛ لأن هذا أبلغ في القدرة، والأبرص من به برص، والبرص عيب يخرج في الإنسان من العيوب الجلدية، وهو قد يؤثر على الصحة العامة في البدن، وقد لا يؤثر، لكن البرص ليس له دواء، ليس له دواء فلهذا قال: أُبرئ الأبرص بإذن الله. وقوله: ﴿أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أحيي الموتى الذين ماتوا أحييهم بإذن الله، وليس المراد بالموتى هنا موتى معينين، بل هو للجنس، فأي واحد من الأموات يمكن أن يقع عليه هذا الأمر، أما قول من قال: إنه أحيا سام بن نوح، أو أحيا فلانًا أو أحيا فلانًا، فهذا من الإسرائيليات، لكن الآية أنه يحيي الموتى أي ميت يقف عليه وهو ميت يأمره فيحيا بإذن الله. ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ أنبئكم: أخبركم بما تأكلونه اليوم وما تدخرونه للغد في بيوتكم، من غير أن يأتي أحد يخبره بذلك، وهذا فيه شيء من علم الغيب، فيه شيء من علم الغيب، فأخبرهم أن من جملة آياته أنه يخبر الإنسان، يقول: أكلت اليوم كذا وكذا وكذا، وادخرت لغد أو بعد غد كذا وكذا، مع أنه لم يبعث أحدًا يطلع على ما في البيت، وهذا لا يكون إلا بوحي من الله، إذا لم يكن هناك بشر يُطلعه على ما في البيوت، فإنه يكون من وحي الله، وقد يكون بواسطة الجن، فإن الجن ربما تخدم الإنس، فتذهب إلى الأمكنة البعيدة، أو تتسوَّر الجدران وتخبر بما في البيوت، لكن الجن على هذا الوصف لا يجوز الاستمتاع به، أو الاتصال به، لماذا؟ لأن اطلاعه على أحوال الناس ظلم وعدوان، ولا يجوز للإنسان أن يستعين بظالم على ظلمه، ولهذا يمتنع هذا التقدير في حق مَنْ؟ في حق عيسى عليه الصلاة والسلام. يعني لو قال قائل: إن الذين يستعينون بالجن ربما يطلعون على ما يؤكل ويُدخر في البيوت. قلنا: لكن هذا لا يرد بالنسبة إلى عيسى؛ لأن الاستمتاع بالجن -على هذا الوجه- محرم، لما فيه من العدوان والظلم، لكن هو عيسى لا يمكن أن يفعل هذا، فتبين أنه يأتيه عن طريق الوحي. والحكمة من إخبارهم بهذا هو إطلاعهم على أنه هو عليه الصلاة والسلام يأتيه الوحي من الله في أمور خاصة، في الأمور الخاصة، في البيوت، والثاني -والله أعلم- تحذيرهم من أن يأكلوا شيئًا محرمًا عليهم، ولهذا سيأتي أنه قال لهم: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران ٥٠]؛ لأنهم إذا كانوا يعلمون أنه يعلم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم فسوف يتوقفون عن الشيء المحرم، وهم إذا توقفوا عن الشيء المحرم ربما يسر الله لهم فيحله لهم. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران ٤٩ - ٥١]. * الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وهذه قرأناها كلها. قال الله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إن في ذلك: المشار إليه ما سبق من عدة أمور؛ قوله: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ هذه ثلاث آيات، كل آية تدل على صدق عيسى عليه الصلاة والسلام، وأنه رسول الله حقًّا؛ لأن مثل هذا لا يستط يعه البشر، وآيات الأنبياء التي جاءت هي علامات على صدقهم لا يستطيع أن يأتي بمثلها البشر؛ لأن الآية لو أمكن للبشر أن يأتي بمثلها لم تكن آية، إذ إن كل إنسان يستطيع أن يفعل مثل هذا. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني أنها آية بهذا القيد؛ أي: إن كنتم مؤمنين، وأما غير المؤمن فإنه لا ينتفع بالآيات، ولا تكون الآية آية له، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١]؛ لأن قلوبهم قاسية مطبوع عليها والعياذ بالله، لا يصل إليها الخير ولا تلين من أجل العقوبات والنذر؛ لأنها قاسية؛ فالمؤمن هو الذي ينتفع بالآيات، بل إن غير المؤمن يرى أن هذه الآيات العظيمة أساطير الأولين ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين ١٣]. وذلك بسبب ما كان على قلبه من ظلمات المعاصي والعياذ بالله لقوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]. والإيمان سبق لنا معناه كثيرًا بأنه التصديق المستلزم للقبول والإذعان، وليس مجرد التصديق، ودليل ذلك أنه لا يتعدى بما يتعدى به التصديق، فإنه لا يقال: آمنته، ويقال: صدقته، بل إنه يتضمن الإقرار والاعتراف والانقياد والتسليم، ومَن صدّق ولم يقبل ولم يذعن فليس بمؤم ن، فأبو طالب عم النبي ﷺ كان مصدقًا برسالته، لكنه لم يقبل ولم يُذعن فلم يكن مؤمنًا، وإلا فإنه يصدق بما يقول بأشعاره وفي أحواله لكنه -والعياذ بالله- ليس بمؤمن، إذن الإيمان معنى زائد على التصديق، وليس هو مجرد التصديق. قال: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ هذه معطوفة على ما سبق؛ يعني أنها تكون منصوبة على الحال؛ يعني: وجئتكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة، وما بين يدي هو ما سبقه، ويطلق ما بين اليدين على ما سيأتي، فما بين اليدين يُطلق على ما مضى ويطلق على ما يستقبل، فإن قُرن بالخلف فهو للمستقبل، وإلا فإنه صالح للمستقبل والماضي، ففي قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٥] المراد؟ * الطلبة: المستقبل. * الشيخ: المستقبل لقوله: ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. وفي هذه الآية: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾ أي: لما سبقني من التوراة، وتصديقه للتوراة له وجهان: الوجه الأول: أنه يقرر صدقها ويقول: إنها كتاب حق. والوجه الثاني: أنه يصدق ما أخبرت به، فإذا كانت أخبرت به، ثم بعث كان مصدقًا لما فيها. وقوله: ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: هي الكتاب الذي أنزله الله على موسى ﷺ وهي أصل الكتب المنزلة على بني إسرائيل وأعظمها، بل هي أعظم الكتب -فيما نعلم- بعد القرآن. ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ﴾ يعني: وجئتكم أيضًا لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم قوله: ﴿لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي﴾ ولم يقل: كل، والمحرم عليهم ذَكره الله في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام ١٤٦]. وقال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء ١٦٠]، فلما حُرِّمت عليهم هذه الطيبات بظلمهم وعدوانهم، وبعث الله عيسى ﷺ أحل لهم بعض ما حرم عليهم، ولم يُذكر في القرآن بيان هذا البعض، فيكون باقيًا على إطلاقه، ولو كان لنا مصلحة في تعيين ذلك لبينه الله. وقوله: ﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ الفعل هنا مبني للمجهول، ولكن فاعله معلوم، من هو؟ * الطلبة: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: الله عز وجل كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام ١٤٦]. ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ كرر هذا مرة بعد قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾، فإما أن يقال: إن الآية التي ذُكرت هنا ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ تقتصر على تصديقه لما بين يديه من التوراة وعلى إحلاله بعض الذي حُرّم عليهم، وحينئذٍ لا يكون في الآية تكرار، وإما أن يقال: إن قوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ يشمل كل ما جاء من الآيات، ويكون من باب التأكيد وإقامة الحجة عليهم، فكرر مجيئه بالآيات احتجاجًا عليهم بما كذبوه. قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ اتقوا الله: يعني اتخذوا وقاية من عذابه؛ لأن التقوى مأخوذة من أي شيء؟ * الطلبة: من الوقاية. * الشيخ: من الوقاية، فبماذا تكون الوقاية من عذابه؟ تكون بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا هو المعنى الشامل للتقوى عند الإطلاق، وإذا قُرنت التقوى بالبر صار المراد بها اجتناب المحارم مثل قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢]. وقد عرَّف أهل العلم التقوى بعدة تعريفات لكن يجمعها ما ذكرناه من أنها اتخاذ الوقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. قال: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ أطيعون فيما أمرتكم به، وفيما نهيتكم عنه، وطاعته من التقوى بلا شك لكن نص عليها؛ لأنها تقوى خاصة فيما جاء به عيسى؛ لأن التقوى يُؤمر بها كل إنسان فإذا قال: أطيعون صارت تقوى خاصة في طاعة هذا الرسول الذي بُعث إلى قومه. والطاعة قال العلماء في تفسيرها: إنها موافَقة الأمر تجنبًا للنهي وفعلًا للمأمور، فمن تجنب النهي ناويًا بذلك امتثال الأمر فهو مطيع، ومن فعل الأمر ناويًا بذلك امتثال الأمر أيضًا فهو مطيع، أما من ترك النهي -أو بعبارة أصح المنهي عنه- عجزًا عنه، فإن هذا ليس بمطيع، بل إذا سعى في أسبابه حتى عجز كان كمن فعله لقول النبي ﷺ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «لِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨ / ١٦) من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث.]]. ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ لما أمرهم بتقوى الله ذكر ما هو كالسبب في ذلك، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ والرب: هو الخالق المالك المتصرف، وتوحيد الله بالربوبية أن نؤمن بأنه لا خالق ولا مالك ولا مدبر إلا الله سبحانه وتعالى، وما يضاف من الخلق أو الملك أو التدبير لغير الله فإنه على وجه النقص ناقص، من حيث الشمول ومن حيث التصرف، فمثلًا الخلق يُضاف إلى غير الله، وقد مر علينا قريبًا أن عيسى قال: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ [آل عمران ٤٩]، وقال الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون ١٤] وقال الله في الحديث القدسي: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؟»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١ / ١٠١) من حديث أبي هريرة.]] وقال النبي ﷺ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٩٥٠)، ومسلم (٢١٠٩ / ٩٨) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. وقال عليه الصلاة والسلام: «يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢١٠٥)، ومسلم (٢١٠٧ / ٩٦)من حديث عائشة.]]، ولكن الخلق المضاف إلى غير الله عز وجل خلق ناقص ليس إيجادًا حقيقة، ولكنه تغيير لصورة، فمثلًا الإنسان يخلق من الخشب بابًا، هل هو خلق الخشب؟ ومن الحديد سيارة، هل خلق الحديد؟ أبدًا، ولكن غيَّر، حوّله من حال إلى حال فصار هذا خلقًا، لكنه ليس هو الذي أوجد الحديد أو الخشب حتى يقال: إن خلقه كخلق الله، أيضًا خلق الإنسان أو البشر عمومًا ليس عامًّا شاملًا؛ لأن كل إنسان يخلق ما صنع فقط، وما لم يصنعه فليس من خلقه، كذلك الملك ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ١٨٩]. ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون ٨٨]، والآيات في إثبات الملك لله وحده كثيرة، ومع ذلك أضاف الله إلى غيره الملك في قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦]، وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور ٦١]، فهل نقول: إن هذا الملك كملك الله؟ لا، لا من حيث الشمول ولا من حيث التصرف، أما من حيث الشمول فلأن كل إنسان لا يملك أكثر مما تحت يده، ولذلك لا تملك كتابي، ولا أملك كتابك، أما ملك الله فهو عام شامل، وأما من حيث التصرف، فملك غير الله قاصر، لأن الإنسان لا يملك التصرف المطلق كما يريد، وإنما يتصرف حسب ما تقتضيه شريعة الله وحسب ما يأذن به الله، لو أراد الإنسان أن يمزق كتابه، هل يملك ذلك؟ * طالب: ليس له ذلك. * الشيخ: لا يملك ذلك، حرام عليه، يأثم، ولو أراد أن يمزق كتاب غيره كان حرامًا من وجهين: من وجه إفساد المال، ومن وجه العدوان على الغير؛ فالحاصل أن ملك الإنسان قاصر من ناحيتين: هما. * طالب: ملك (...). * الشيخ: لا ملك الإنسان قاصر * الطالب: ملك الإنسان إي نعم، (...). * الشيخ: نعم، فهو قاصر في التصرف. * الطالب: من حيث الشمول. * الشيخ: فهو قاصر من حيث الشمول طيب، أما التدبير فكذلك، الذي هو المعنى الثالث للربوبية التدبير، فالتدبير أيضًا يكون لغير الله، لكنه تدبير ناقص من حيث الشمول ومن حيث التصرف أيضًا، فالإنسان لا يُدبر كل شيء، لا يدبر إلا ما يملك تدبيره، ومع ذلك فتدبيره له تدبير ناقص على حسب ما يقتضيه به الشرع، لو أراد أن يدبر بعيره على وجه يشق عليه، يمشيها مع الوحل، يمشيها على النار وما أشبه ذلك هل يجوز؟ * الطلبة: لا يجوز. * الشيخ: لا يجوز، فهو ناقص، لو أراد أن يرسل عليها شواظًا من نار يملك؟ * الطلبة: ما يملك. * الشيخ: ما يملك، لكن الله عز وجل يملك، يملك هذا كله، أليس كذلك؟ * الطلبة: بلى. * الشيخ: ولا معارض له، المهم أن الربوبية هي انفراد الله بالملك بالخلق أيش؟ والملك والتدبير، ولا يعني ذلك أن لا أحد يشاركه في خلق أو ملك أو تدبير، لكن على وجه لا يماثل ما يثبت للخالق من ذلك، فالإنسان قد يخلق، يقال: إنه خلق، ويقال: إنه ملك، ويقال: دبر، لكنه -كما سمعتم- ناقص. قوله: ﴿رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ بدأ بنفسه ليكون أول مذعن لهذا الرب عز وجل؛ لأن الرب خالق مالك مدبر فبدأ بنفسه ليكون هو أول من يذعن وينقاد لهذا الرب. قال: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ (الفاء) هنا عاطفة وتفيد السببية؛ أي: فبسبب كونه ربًّا فاعبدوه، ولهذا نقول: إن الإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم الإقرار بتوحيد الألوهية، وأن من أقر بتوحيد الربوبية وأنكر توحيد الألوهية فقد تناقض، ولذلك سفَّه الله المشركين الذين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ثم ينكرون توحيد الإلهية فيقول: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر ٦٩]، ﴿أَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس ٣٢]، ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة ٧٥] وما أشبه ذلك مما يدل على أنه من السفه أن يقر الإنسان بأن الله وحده هو الخالق المالك المدبر، ثم يعبد غيره! فنقول مثلًا للمشرك: ألست تؤمن بالله؟ سيقول: بلى، أنه الخالق؟ بلى، أنه المالك؟ بلى، أنه المدبر؟ بلى، أنه لا خالق معه ولا مالك ولا مدبر؟ بلى، أؤمن بهذا كله، إذن كيف تجعل معه إلهًا تعبده؟ ومن كان غير الله فهو معبود أو عابد؟ * الطلبة: عابد. * الشيخ: عابد مربوب، هو عبد مربوب لله عز وجل فكيف تجعله معبودًا مع الله؟! ولهذا قال: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ فالفاء إذن عاطفة تفيد السببية؛ أي: فبسبب كونه ربي وربكم اعبدوه وحده. ما هي العبادة؟ العبادة مأخوذة من الذل (عَبَد) بمعنى (ذَلّ)، ومنه قولهم: طريق معبد؛ أي: مذلل لسالكيه، فأصلها الذل، لكنها بالنسبة لله عز وجل ذُل مقرون بمحبة وتعظيم، فكل من تعبد لله فإن تعبده هذا مقرون بهذين الأمرين؛ المحبة والتعظيم، فبالمحبة يكون الطلب وبالتعظيم يكون الهرب؛ فالإنسان إذا أحب شيئًا طلبه، وإذا عظم شيئًا هابه وهرب منه وخاف منه، ولهذا كانت العبادة مبنية على الرجاء والخوف. والعبادة تطلق أحيانًا على هذا المعنى الذي ذكرنا باعتبارها مصدرًا، ما هو الذي ذكرناه؟ التذلل لله مع المحبة والتعظيم، وتطلق أحيانًا على اسم المفعول أو على الشيء المتعبد به، وحينئذٍ نقول: إنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة فالصلاة مثلًا؟ * الطلبة: عبادة. * الشيخ: عبادة، والزكاة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، وبر الوالدين عبادة، وصلة الأرحام عبادة، وهكذا، فأحيانًا تطلق على الفعل، وأحيانًا تطلق على المفعول، على الفعل فنفسرها بماذا؟ بأنها التذلل لله عز وجل حبًّا وتعظيمًا، وباعتبار المعمول أو المفعول اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه مما أمر به ورسوله. قال: ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ هذا المشار إليه إما أقرب مذكور أو كل ما سبق، من قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا﴾ أي: تقوى الله، وطاعة رسوله، وتحقيق العبادة له صراط مستقيم أي: طريق، ولا يسمى الطريق صراطًا إلا إذا اجتمع فيه السعة والاعتدال؛ لأنه مأخوذ من (السَّرْط) وهو الابتلاع بسرعة، وإن شئت فقل: من (الزَّرْط) وهو الابتلاع بسرعة، والطريق الواسع المستقيم يبتلع سالكيه بسرعة؛ لأن الضيق لا يمشي الناس فيه إلا أيش؟ * الطلبة: ببطء. * الشيخ: رويدًا رويدًا ببطء، وغير المستقيم لا يُوصل إلى الغاية إلا ببطء سواء كان انحرافه عن يمين وشمال، أو من حيث الصعود والنزول؛ فإنه إذا كان صاعدًا نازلًا أتعب السالك ولَّا لا؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: فإذا قدرنا مثلًا أن جبلًا طوله خمسون مترًا وعرضه خمسون مترًا، كم يكون ما بين عرضه وعرضه الآخر؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: لا، صاعده الإنسان صاعده. * الطلبة: مئة. * الشيخ: لا، مئة وخمسين، مئة وخمسين، عرضه خمسون، وطوله خمسون في السماء ارتفاعه، بيصير مئة وخمسين، الصعود خمسون، والنزول خمسون، والمسطح خمسون، فإذا كان الصراط مستقيمًا في انحرافاته يمينًا وشمالًا وكذلك في الصعود والنزول اختصر الطريق، وهكذا أيضًا الصراط إذا قدَّرنا أن الغاية تصل إليها بالطريق المستقيم في ثلاثين مترًا، وهذا فيه تعاريج، كل تعريجه عشرة أمتار، وفيه عشر تعاريج، كم تصل إلى الغاية في المتر؟ بمئة، فالحاصل أن الصراط قال العلماء: لا يكون صراطًا إلا إذا كان واسعًا مستقيمًا وهو مأخوذ من (السَّرْط) أو (الزَّرْط)، والزرط تعرفون معناه عندكم في الأكل، أعطيته لقمة وحطها في فمه على طول بلعها وأيش يقول؟ * طالب: ازرطها. * الشيخ: يقول: ازرطها. ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ مستقيم؛ يعني لا اعوجاج فيه، ووصفه بالاستقامة بعد أن قلنا: إن الطريق هو الواسع المستقيم الذي ليس فيه اعوجاج من باب التوكيد كما تقول: هو رجل رجل، كيف رجل رجل؟ وأيش معنى رجل رجل؟ يعني جامع لمعاني الرجولة، كذلك طريق مستقيم جامع لكل معنى الطريق، هذا صراط مستقيم. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ في هذه الآية من الفوائد: تعظيم شأن مريم عليها الصلاة والسلام؛ حيث أمر الله نبيه أن يذكر قصتها لهذه الأمة، لأنّا قلنا: ﴿إِذْ قَالَتِ﴾ مفعول لفعل محذوف تقديره: اذكر إذ قالت. * ومن فوائدها: فضيلة مريم، حيث خاطبتها الملائكة لقولها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ إلى آخره. ومن فوائدها على ما ذهب إليه بعض أهل العلم: أن مريم نبية؛ لأن الملائكة أوحت إليها، وقالت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ إلى آخره، ولكن في هذا الاستدلال نظر؛ لأنه ليس بصريح في أنها نُبِّئت، ومجرد خطاب الملائكة لها لا يثبت نبوتها؛ لأن النبوة إنما هي لمن أوحي إليه بشرع لا لمن أوحي إليه بثناء أو بتهيئته لما سيكون، بل لمن أوحي إليه بشرع، وهي لم يُوحَ إليها بشرع، فالأمر ليس بصريح، ولدينا آية تدل على أنه لا يُبعث من النساء نبي، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف ١٠٩]. إلا رجالًا: و(إلا) تفيد الحصر فتدل على أنه لا يمكن أن تكون امرأة من النساء نبية، وكذلك أيضًا قال النبي عليه الصلاة والسلام حين بلغه أن الفرس أمَّرُوا عليهم بنت كسرى قال: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٥) من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث.]]. وإذا كان القوم لا يفلحون مع الانتخاب فإنهم هم الذين انتخبوها وولَّوها، فكيف يمكن أن يُرسل الله تعالى امرأة ليفلح الناس على يدها؟! صحيح أن المرأة تكون عالمة، تكون داعية، كما هو الواقع، أما أن تكون نبية يوحى إليها لتتولى السلطة -كما يقولون التشريعية والتنفيذية- فهذا بعيد، فالصواب: أن مريم من الصالحات القانتات، وليست من الأنبياء والرسل. * ومن فوائد الآيات الكريمة: أن الله تعالى يصطفي من الناس من يشاء لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أي: اختارك اختيارًا لم يشاركها فيه أحد؛ لأنها صارت خادمة لبيت المقدس مع أنه لا يخدمه عندهم إلا الرجال، فهذا نوع من الاصطفاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: براءة مريم مما ادعاه اليهود من كونها بغِيًّا لقوله: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾. ومن فوائد الآية الكريمة: براءة مريم مما ادعاه اليهود من كونها بغيًّا؛ لقوله: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾، واليهود -قبحهم الله- اعتدوا على مريم وابنها، فقالوا في مريم: إنها بغي، وقالوا في ابنها عيسى: إنه ولد زنا وكذبوه، وقتلوه إثمًا لا حقيقة، كيف قتلوه إثمًا لا حقيقة؟ لأنهم أمضوا هذا الأمر الذي يظنون أنهم قتلوا به عيسى وصلبوه، وقالوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾، قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٥٧]، فكانوا قتلة إثمًا لا حقيقة؛ لأن عيسى باقٍ إلى الآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مريم مفضلة ومصطفاة على نساء العالمين، ولكن هل هذا يتناول نساء العالمين إلى يوم القيامة؟ أو نساء العالمين في زمنها؟ يحتمل المعنيين، إما أن المراد: نساء العالمين في زمنها، ويكون قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسْيَا امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٤١١)، ومسلم (٢٤٣١ / ٧٠) من حديث أبي موسى الأشعري دون لفظ «وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ» أما حديثها فهو حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٤٣٢)، ومسلم (٢٤٣٠/ ٦٩) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه بلفظ: «خَيْر نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَيْر نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ».]]، يكون هذا مما أطلع الله عليه نبيه ولم تطلع الملائكة على هذا، والملائكة بلغت مريم ما بلغت به. * ومن فوائد الآية الكريمة: تكرار أو جواز تكرار المناقب؛ لأن أوصاف الكمال كلما كررت ظهر من كمال الموصوف ما لم يكن معلومًا من قبل، واضح؟ ننطلق من هذه الفائدة إلى فائدة تتعلق بصفات الله عز وجل وهي: أن أكثر ما وصف الله به نفسه الصفاتُ الثبوتية التي يثبتها لنفسه، أما الصفات التي ينفيها عن نفسه فوصفه بها قليل بالنسبة لوصفه بصفات الإثبات؛ لأن صفات الإثبات كمال، كمالات، وصفات النفي نقائص، تُنفى لا لذاتها ولكن لإثبات كمال ضدها، مع أنها هي منفية أيضًا حقيقة. ثم قال عز وجل: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: بيان أنه كلما من الله على إنسان بشيء كانت مطالبته بالعبادة أكثر؛ لأن الملائكة لما قالت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ أمرتها بأيش؟ بالقنوت والسجود والركوع، فدل هذا على أنه ينبغي للإنسان كلما ازدادت عليه نعم الله أن يزداد على ذلك شكرًا بالقنوت لله والركوع والسجود وسائر العبادات. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة القنوت لله، ولكن ما هو القنوت؟ دوام الطاعة والخشوع والاشتغال بالطاعة عما سواه؛ ولهذا لما نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] أمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام ليشتغلوا بالطاعة عما سواها، فالقنوت: دوام الطاعة مع الاشتغال بها عن غيرها. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: فضيلة السجود والركوع؛ لقوله: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، مع أنه من القنوت، لكن لفضيلتهما نص عليهما. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز ترك الترتيب للمصلحة أو لمراعاة شيء آخر، وهو قوله: ﴿اسْجُدِي وَارْكَعِي﴾. ولا يقول قائل: لعل الصلاة في عهدهم يقدم فيها السجود وفي هذه الشريعة يقدم فيها الركوع؟ تقول: الأصل خلاف ذلك، لكن نص على السجود بدأ به؛ لأنه أبلغ في القنوت من الركوع، كما ذكرناه في أثناء التفسير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العبَّاد من الرجال أكثر من العبّاد من النساء، وأكثر لقوله: ﴿ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ولم يقل: مع الراكعات، إشارة إلى أن الكمال في الرجال، وكثرة العمل في الرجال أظهر منها في النساء؛ ولهذا كانت النساء أكثر أهل النار، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ».]]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إلّا بلى، هذا في الصراط اللي يوم القيامة. * طالب: كيف يسمى صراط؟ * الشيخ: نعم، يسمى صراطًا؛ لأن السالكين فيه ينفذون بسرعة بعضهم مثل لمح البصر، وبعضهم مثل البرق، ما في عائق يعوق، مع أنه ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه دَحْض ومَزِلَّة[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣ / ٣٠٢) واللفظ له من حديث أبي سعيد الخدري.]]، وهذا يدل على أنه طريق واسع كالعادة، والعلماء -مر علينا في التوحيد- أنهم مختلفون هل هو طريق عادي أو أنه كما جاء في صحيح مسلم -أنا أظنه عن أبي سعيد بلاغًا-: «أَنَّهُ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ»[[أخرجه مسلم (١٨٣ / ٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري بلاغًا.]]. * طالب: (...). * الشيخ: ويش الأصل؟ ما الأصل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إيه، لكن ما هو الأصل في إضافة الفعل إلى فاعله؟ أن يكون فعله هو أو فعله غيره؟ * الطالب: (...). * الشيخ: خلها قاعدة عامة: الأصل في إضافة الفعل إلى فاعله أنه قائم به، هذا هو الأصل، وذكرنا لكم أن العلماء قالوا: إن الله خلق آدم بيده، وغرس جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا عام أريد به الخاص، (...) وأيضًا الرسول قال: «عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٦٠٤) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.]]، فهذا مما جهله الناس، يعني: ربما يكون عند الله له دواء ما ندري عنه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: اختلاف الضميرين؛ لأنه قال: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء ٩١]. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني قصدك الطيور؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: أنا ظننت قصة مريم، الطيور، اقرأ آية المائدة. * الطالب: قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠]. * الشيخ: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ وهنا قال: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إذا حاول الإنسان وجود فرق معنوي واتضح له فهو الفرق، وإن لم يوجد فإنه يكون من باب اختلاف التعبير، يعني: لأن (هيئة) صالحة للتذكير والتأنيث، ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ يعني: مثل هيئة الطير، ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ أي: في الهيئة، أو تنفخ في المِثْل، فعلى تقدير أنه ينفخ في المثل يكون؟ * طالب: ﴿فِيهِ﴾. * الشيخ: ﴿فِيهِ﴾، أو ينفخ في الهيئة؟ * طلبة: ﴿فِيهَا﴾. * الشيخ: يكون ﴿فِيهَا﴾. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، عندما قال: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ ثم قال: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ قال: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وقال: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ ولم يقل: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؟ * الشيخ: لأن هذا علم، صفة فيه، وهذاك شيء متعدٍ إلى غيره، هذا خلق وإبراء، وإحياء. * الطالب: وكذلك. * الشيخ: لا هذا العلم، كلٌّ يعرف، اللي في البيت يعلم، اللي في بيت الإنسان يعلم ما أكله وما ادخره. * طالب: على كده يا شيخ يترجح القول بأنه كان يستعين كما استعان سليمان عليه السلام بالجن؟ * الشيخ: لا، ما يتوجه؛ لأن هذا من باب الوحي. * طالب: هل يوجد تفاضل بين أركان الصلاة في الركوع والسجود؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: يعني التفاضل بينها هي نفسها؟ * الشيخ: إي نعم، هي نفسها. * الطالب: كيف ذلك؟ * الشيخ: الركوع أفضل من وجه، والسجود أفضل من وجه، من جهة أن الساجد أقرب ما يكون لله، وقد وضع أعز ما فيه على الأرض يكون السجود أفضل. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

آل عمران 3:52

ثم قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾، وفي قراءة: ﴿مَنْ أَنْصَارِيَ إِلَى اللَّهِ﴾ ؛ لأن ياء المتكلم يجوز فيها ثلاث لغات: الفتح بناءً، والسكون بناءً، والحذف تخفيفًا، فتقول: هذا غلامِي، هذا غلاميَ، هذا غلامْ، لكن تبين أنه مضاف. يقول هنا: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ ﴿أَحَسَّ﴾ بمعنى أدرك بحاسته، وتيقن أنهم كفروا، مع هذه الآيات العظيمة التي يشاهدونها لم يؤمنوا -والعياذ بالله-؛ لأن الله إذا ختم على القلب لا يؤمن صاحبه أبدًا ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة ٧]، كان في الآية التي قبلها: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة ١٨]، وقال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]، فهم مع هذه الآيات لم يؤمنوا، لما أحس منهم الكفر وأدركه وتبين له لجأ إلى الاختيار وانتخاب الأكفاء فقال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ ﴿مَنْ أَنْصَارِي﴾، يعني: إذا كان الإيمان تعذر منكم جميعًا فمن الذي يكون ناصري. وقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (إلى) هنا للغاية، ولم يقل: من أنصاري في الله؛ ليكون النصر مبنيًّا على الإخلاص؛ لأن (إلى) للغاية فيريد أن يكون نصرًا موصلًا إلى من؟ * الطلبة: إلى الله. * الشيخ: إلى الله عز وجل، ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ و(من) هذه مبتدأ، و﴿أَنْصَارِي﴾ خبر، و﴿إِلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ(أنصار). قال: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ الحواريون جمع حواري -بتشديد الياء-، وهو من الحوَر وهو: البياض، وسموا حواريين؛ لسلامة قلوبهم من أثر المعاصي؛ لأن المعاصي -نسأل الله العافية- نكت سوداء تكون في القلب، كلما عصى الإنسان نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب صقل وعاد إلى الاستنارة، وإن لم يتب وأحدث معصية أخرى زادت نكتة أخرى، وهكذا حتى يطبع على القلب، فالحواريون إذن هم: الذين أخلصوا دينهم ولم يتلطخوا بالمعاصي. ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ يعني: لا غيرنا، ووجه قولنا: لا غيرنا: أن الجملة هنا مكونة من مبتدأ وخبر، فهي جملة اسمية طرفاها معرفة، والجملة الاسمية التي يكون طرفاها معرفة تفيد الحصر، لكن لا شك أن إفادة الحصر ضعيف، ليس كإفادة (إنما) أو النفي والإثبات. ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ ﴿آمَنَّا﴾ الإيمان في اللغة أخص من التصديق؛ لأنه تصديق بإقرار؛ ولهذا عدي بالباء، فيقال: أمنت به، ولا يمكن أن نجعله بمعنى التصديق؛ وذلك لأن الشيء إذا كان مرادفًا للشيء -أي بمعناه- تعدى بتعديته ولزم بلزومه، ومعلوم أن (آمن) تتعدى بما لا تتعدى به (صدّق)، فيقال: صدّق بالخبر، ولا يقال: صدّق له، ويقال: صدّق زيدًا، ولا يقال: آمن زيدًا، بل: آمن به، وآمن له، فلما اختلفا في المتعلق وجودًا وعدمًا علم أنهما ليسا بمعنًى واحد، مع أن كثيرًا من الذين يعرفون الإيمان في اللغة يقولون: الإيمان في اللغة أيش؟ التصديق، وهذا فيه نظر، بل هو أخص من التصديق. أما الإيمان في الشرع فهو: التصديق، وإن شئت فقل: الإقرار المستلزم للقبول والإذعان، تصديق أو الإقرار المستلزم لأيش؟ للقبول والإذعان، لا يكفي التصديق فقط، بل لا بد من قبول ما جاء به الرسول والإذعان له، وأنتم تعلمون أن أبا طالب كان مصدقًا لرسول الله ﷺ ويعلن ذلك على الملأ بأنه مصدق له، فيقول في لاميته المشهورة: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَــــوْلِالْأَبَاطِـــــل شوف: لا مكذب لدينا، وأنه لا يعنى بقول الأباطل ولا يهتم له، ويقول: وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّــــــــدٍ ∗∗∗ مِــنْ خَيْــرِ أَدْيَـــانِ الْبَرِيَّــــةِدِينَــــــــا وهذا تصديق، لكن لم يحصل منه القبول والإذعان -والعياذ بالله- ما اتبع الرسول عليه الصلاة والسلام ولا أذعن له، بل كان آخر كلامه أن قال: إنه على ملة عبد المطلب، على الكفر، فشفع له النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أبلى بلاء حسنًا في الدفاع عن الرسول ﷺ، لا لأنه عمه؛ لأنه لو كان العلة الحاملة لشفاعة الرسول هي القرابة لشفع لأبي لهب، لكن العلة الحاملة للشفاعة هو أنه أبلى بلاءً حسنًا في الدفاع عن الرسول عليه الصلاة والسلام، كما هو معروف، يقول عليه الصلاة والسلام: «فَكَانَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ وَعَلَيْهِ نَعْلَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» -نسأل الله العافية اللهم أنجنا من النار- قال: «وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس رضي الله عنه.]]. الشاهد أن الرسل عليهم الصلاة والسلام إنما يدعون إلى أي شيء؟ إلى صراط الله ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، وأن الإيمان لا يكون إلا بالتصديق المستلزم للقبول وأيش بعد؟ والإذعان، أما بدون قبول ولا إذعان فليس بإيمان شرعًا. قالوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ أشهدوا نبيهم عليه الصلاة والسلام على إسلامهم، مع أنه شهيد عليهم، سواء استشهدوه أم لم يستشهدوه، كما قال الله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة ١٤٣]، فكل رسول فهو شهيد على أمته بأن الله تعالى أرسله إليهم وأنه بلغهم الرسالة، فقولهم: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ من باب التوكيد وإعلان الإسلام. ثم قالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ هذا أيضًا من قولهم رضي الله عنهم، ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ وهو الإنجيل الذي جاء به عيسى عليه الصلاة والسلام، ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ (أل) هنا في الرسول للعهد الذهني وهو عيسى عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا رسول لهؤلاء القوم من بني إسرائيل إلا عيسى، فالذي عين أن المراد بالرسول عيسى هو العهد الذهني الذي كان معلومًا عندهم، ويحتمل أن يراد بالرسول الجنس، أي: واتبعنا كل من كان رسولًا من عندك، فيكون هذا إقرارًا بأنهم آمنوا بجميع الرسل، وذلك أنه يجب على كل أمة متأخرة أن تؤمن بجميع الرسل السابقة، فنحن -مثلًا- آخر الأمم يجب علينا أن نؤمن بجميع الرسل ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة ٢٨٥] في أصل الإيمان، وإن كنا نفرق بين الرسل من جهة الاتباع، فإننا لا نتبع إلا محمدًا ﷺ وما أذن لنا فيه من شرع من سبق، أما الإيمان فيجب الإيمان بجميعهم. * طالب: يا شيخ، يعني ذكرت لنا فائدة وهي (...) يعني هذا من طريق دائمًا ولّا في بعضها؟ * الشيخ: لا، في بعض المواضع، في النداء مطرد، في غير النداء أحيانًا تحذف وأحيانًا لا تحذف. * طالب: (...). * الشيخ: ما تقولون في هذا؟ الإشكال يقول: كيف أن الله تعالى قال لعبد الله بن حرام رضي الله عنه: «إِنِّي قَضَيْتُ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يَرْجِعُونَ»[[أخرجه الترمذي (٣٠١٠) وابن ماجه (١٩٠) وأحمد في المسند (١٤٨٨١) واللفظ له من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.]] وهنا ذكر أنه أحيا الموتى لعيسى؟ الجواب؟ * طالب: أن هذا هو الأصل طالما أن .. * الشيخ: أن يخصص؟ * الطالب: أن يخصص. * الشيخ: لكن يشكل على هذا أنه قال: «إِنِّي قَضَيْتُ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يَرْجِعُونَ» والقضاء القدري ما يخرم؟ * طالب: شيخ، يمكن يحيى ويموت ويرجع ميتًا في نفس الوقت، يعني يعود حيًّا ثم يعود ميتًا. * الشيخ: طيب. * طالب: ذلك شرع من قبلنا. * الشيخ: لا، هذا قضاء الله، عام. الظاهر -والله أعلم- أن عبد الله بن حرام طلب الرجوع من أجل العمل، وأما ما وقع آية لعيسى فليسوا يرجعون على أنهم يعملون، على أن المسألة فيها أيضًا نظر من جهة؛ لأن الله تعالى لما أخذت الصاعقة أصحاب موسى الذين كانوا معه دعا الله عز وجل، فبعثهم من بعد موتهم وبقوا وعملوا، فيكون المراد إذا لم يكن هناك سبب مثل أن تكون آية، فهذا لا مانع، أما عبد الله بن حرام فليس هناك سبب. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ عبر بـ﴿أَحَسَّ﴾ دون قوله: علم، لماذا؟ * طالب: لأنه أدرك وتيقن. * الشيخ: أيش؟ أدرك وتيقن، فصار الأمر عنده محسوسًا. قوله: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ من الحواريون؟ * طالب: الحواريون هم أتباع عيسى عليه السلام هم صفوتهم من قومه. * الشيخ: هم الصفوة من قومه، منين اشتقت هذه الكلمة؟ * طالب: الصفوة. * الشيخ: لا، الحوَر أو الحواريون؟ * الطالب: من الحور وهو الجمال. * الشيخ: جمال أيش؟ * الطالب: حور العين. * الشيخ: أي؟ * الطالب: جمالها. * الشيخ: أي جمالها صفاؤها. في هذه الآية دليل: على أن النصارى مسلمون قالوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ فماذا تقولون هل هذا الاستنباط صحيح؟ * طالب: نعم صحيح إذا قصدت شريعتهم (...). * الشيخ: نقول: هم المسلمون بالمعنى؟ العام، وذلك أن كل إنسان متبع لرسول شرعه قائم فهو مسلم، كل إنسان متبع لرسول شرعه قائم فهو مسلم، عرفتم؟ فأما إذا ما وجد ما ينسخه، فمن بقي على الدين الأول، فهو كافر إذا كان الرسول مرسلًا إليه، واضح؟ وبناء على ذلك: فإنه لا مسلم بعد بعثة الرسول ﷺ إلا من اتبعه فقط، ومن سواه فهو كافر، وعلى هذا فالنصارى كفار، واليهود كفار من أهل النار، ومن قال: إنهم مسلمون بالمعنى الخاص الذي يدخلون به الجنة اليوم فهو كافر؛ لأنه مكذب لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٨٥]، ولقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران ١٩]. * من فوائد هذه الآيات: عتو بني إسرائيل، وأنهم مع هذه الآيات العظيمة التي جاء بها عيسى لم يؤمن منهم أحد؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا -من فوائد هذه الآيات-: أنه إذا اشتبه الأمر، فينبغي أن ينادي الداعية بالإخلاص فيقول: من المخلص؟ أي: أن ينتدب الصفوة من القوم؛ لقوله: ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾، فهو لما رأى أن القوم تمردوا وأحس منهم الكفر وظهر، انتدب من يرى أنه من صفوتهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرسل صلى الله عليهم وسلم دعوتهم إلى الله لا إلى أنفسهم؛ لقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الرسل محتاجون لمن ينصرهم؛ لقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي﴾ وقال الله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ٦٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الحواريين رضي الله عنهم، حيث أعلنوا أنهم أنصار الله مع كفر قومهم؛ لقوله: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾، وهكذا ينبغي للإنسان أن يعلن اتباعه للرسول بين أئمة الكفر حتى لا يداهن في دين الله؛ لأن المداهنة في دين الله والتقية نفاق في الواقع، نفاق، بل الإنسان يجب أن يكون صريحًا في دين الله، وقد سبق لنا الفرق بين المداهنة والمداراة، المداهنة: أن يقرهم على ما هم عليه من الباطل، والمداراة: أن ينكر عليهم ولكن يداريهم؛ لئلا يمنعوه من الحق. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران ٥٢ - ٥٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. سبق لنا الكلام على بعض الآيات التي قرأها ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ الذي يقول هذا الحواريون، يقولون: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾، ولا يخفى الإعراب في هذه الآية، فإن قوله: ﴿رَبَّنَا﴾ منادى حذفت منه ياء النداء لسببين: السبب الأول: كثرة استعمال هذا الاسم الكريم في الدعاء، والثاني: التبرك بالبداءة باسم الله عز وجل؛ لأن الرب من أسماء الله، وقوله: ﴿بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ فيها عائد محذوف يعود على الموصول، والتقدير: بما أنزلته. وقوله: ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ (أل) هنا للعهد الذكري أو الذهني؟ * الطلبة: الذكري.. الذهني. * الشيخ: هم قالوا: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران ٤٩]؟ إذن الذكري؛ لأنه سبق. وقوله: ﴿اكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (مع) هنا للمصاحبة، والمصاحبة لا تقتضي المخالطة أو الموافقة في الزمن، فقد تكون المصاحبة مع قوم سبقوك، لكن في النهاية يكونون معك، هؤلاء الحواريون لما أعلنوا إسلامهم وأشهدوا على ذلك نبيهم توجهوا إلى الله عز وجل بالإقرار التام فقالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾، والإيمان في اللغة: التصديق المتضمن للقبول والإذعان وليس مجرد التصديق، بل يتضمن انقيادًا وإذعانًا؛ ولهذا لا يكون موافقًا للتصديق في التعدي واللزوم فيقال: آمنت به، وصدّقت به، ويقال: آمنت له، وصدّقت له، لكن لا يقال: آمنته، كما يقال: صدّقته، فافترقا. يقولون: ﴿آمَنَّا﴾ والمراد بالإيمان هنا: كل ما جاء في القرآن، فالمراد به الإيمان في الحقيقة الشرعية لا في الحقيقة اللغوية، والإيمان في الحقيقة الشرعية: التصديق بما أوجب الله الإيمان به مع القبول والإذعان، يعني: الانقياد التام؛ ولهذا لو أن أحدًا قال: آمنت بالله، لكن لم يذعن له ولم ينقد، ما صار مؤمنًا شرعًا. وقولهم: ﴿بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ (ما) هنا اسم الموصول تعم كل ما أنزل، والظاهر أنها تشمل الإنجيل الذي أنزل على عيسى وما قبله وهي: التوراة التي أنزلت على موسى، بل أعم من ذلك تتناول كل ما أخبرهم به نبيهم مما أنزل الله. وقولهم: ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ هذا في الحقيقة هو ثمرة الإيمان: الاتباع، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أشد اتباعًا لمن آمن به، وكلما قل الإيمان قل الاتباع، كذا؟ ويصح أن نقول: كلما قل الاتباع قل الإيمان؟ أو نقول: كان علامة، علامة على نقص الإيمان؛ لأن الإيمان حقًّا لا بد أن يطلب الإنسان الوصول إلى ما آمن به، وهذا يقتضي أن يجد كل جد في العمل الذي يوصله. وقوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ﴿الشَّاهِدِينَ﴾ من؟ قال بعض العلماء: المراد بالشاهدين أمة محمد ﷺ؛ لأن الشهادة المطلقة ليست إلا لهم؛ لأنهم آخر الأمم، فهم شهداء على جميع الرسل وعلى جميع الأمم، والشهداء الذين كانوا من قبلهم ليسوا شهداء إلا على من سبقهم فقط، لكن الشهادة المطلقة العامة لمن؟ لأمة محمد ﷺ، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣]، فقولهم: ﴿اكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ يعني: اكتبنا مع أمة محمد ﷺ. فإن قال قائل: يرِد على هذا التفسير أنهم سبقوا أمة محمد فكيف يطلبون أن يكتبوا معهم؟ والجواب عن ذلك أن نقول: إن عيسى عليه الصلاة والسلام قد بشرهم بمحمد ﷺ فقال: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦]، فكان عندهم علم بهذه الأمة بواسطة البشارة التي ألقاها إليهم عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام. والقول الثاني: أن المراد بـ﴿الشَّاهِدِينَ﴾ الذين شهدوا لرسلك بالحق، وهذا يتناول من؟ سبقهم، يتناول من سبقهم بلا شك، ويتناول أمة محمد إن كان ذلك بعد أن أخبرهم بذلك وبشرهم بها، وهذا القول الثاني أعم من القول الأول وأقل إشكالًا منه. المهم أن القول الصحيح: هو كل من شهد للرسل بالحق. * في هذه الآية من الفوائد، في الآية التي قبلها وهذه، في الآية الأولى أيضًا: أن إشهاد الإنسان على نفسه بالإيمان أو بالإسلام أو ما أشبه ذلك لا يعد من الرياء، لا سيما في مقام الاتباع؛ لأن في ذلك فائدة وهي تقوية المتبوع، إذا قال: اشهد بأني مسلم، أو مؤمن، أو ممن اتبعك، أو ما أشبه ذلك، لا شك أن فيه فائدة وهي تقوية المتبوع، ولا يعد هذا من أيش؟ * الطلبة: من الرياء. * الشيخ: من الرياء. * من فوائد الآية الكريمة: أن الرسل لا يعلمون الغيب؛ لقولهم: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ إذ لو كان عنده علم من ذلك ما احتاج إلى الإشهاد، اللهم إلا على سبيل إقرارهم الظاهري. وهل يؤخذ من الآية الكريمة جواز قول الإنسان: أنا مؤمن؛ لقولهم: ﴿اشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ربما يؤخذ جواز قول الإنسان: أنا مؤمن، ولا شك أن هذا جائز، ولكن الذي وقع فيه خلاف بين أهل العلم هل يجوز أن يستثني في الإيمان فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله، هل يجوز هذا؟ في هذا خلاف بين العلماء منهم من قال: إنه لا يجوز، ومنهم من قال: إنه يجب، ومنهم من قال: إنه يجوز باعتبارين. أما الذين قالوا: إنه لا يجوز، فقالوا: إن هذا الاستثناء يوحي بالشك، أنه شاك وإلا كيف يقول: إن شاء الله؟ فما دام الإيمان قد وقر في قلبه لا يقول: إن شاء الله، ثم قالوا -مؤيدين لتعليلهم-: أرأيت لو صلى شخص فقيل له: أصليت؟ قال: إن شاء الله، لعد ذلك قريبًا من اللغو، لو قيل له: لبثت ثوبك؟ قال: لبثته إن شاء الله، وهو عليه، هذا لغو، لغو من القول، فإذا كان جازمًا بإيمانه فلماذا يقول: إن شاء الله؟ فالاستثناء على هذا حرام؛ لأنه يؤذن بالشك، وإن لم يكن فهو لغو من القول. والقول الثاني: أنه يجب أن يقول: إن شاء الله، يجب وجوبًا، فلو قال: أنا مؤمن، وسكت كان ذلك حرامًا عليه، وعللوا لذلك بأمرين: أحدهما: أن الإيمان النافع هو الذي يموت الإنسان عليه، ما مات عليه الإنسان، والإنسان هل يدري أو لا يدري؟ * الطلبة: لا يدري. * الشيخ: لا يدري، لا يدري ماذا يموت عليه -اللهم ثبتنا على الحق إلى الممات- فهو لا يدري، كم من إنسان زاغ قلبه -والعياذ بالله- كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعَمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يقول: إن شاء الله، وجوبًا، هذا وجه. الوجه الثاني: يقول: هذا غير صحيح، هذا الوجه ليس بصحيح، ليس بعلة؛ لأن الإنسان إنما يتكلم عن حاضره، وحاضره يعلم أنه مؤمن أو لا؟ يعلم أنه مؤمن، والمستقبل علمه عند الله، نعم لو قال: سأموت على الإيمان، قلنا له: قل: إن شاء الله، لكن المأخذ الصحيح أنه إذا قال: أنا مؤمن، وجزم، فإن في ذلك نوعًا من تزكية النفس، فيها نوع من تزكية النفس، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم ٣٢]؛ ولهذا نقول له: مقتضى جزمك بالإيمان أنك جازم بأنك من أهل الجنة، فشهدت لنفسك بأنك من أهل الجنة، ولا يشهد بالجنة لأحد بعينه إلا من شهد له الرسول ﷺ، وحينئذٍ لا بد أن تقول: إن شاء الله، ما هو لأجل أنك ما تدري ماذا تموت عليه ولكن من أجل أن لا تزكي نفسك، فيلزم من تزكيتك إياها أن تشهد لها بالجنة، وهذا ممنوع. وفصل بعض العلماء في هذه المسألة فقال: قد يكون الاستثناء حرامًا، وقد يكون واجبًا، وقد يكون جائزًا، باعتبارات، فإذا كان الإنسان يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، يريد بذلك التبرك أو بيان أن ما حصل من الإيمان كان بمشيئة الله، فهذا جائز، إذا قال: أنا ما قلت إن شاء الله، شكًّا ولا (...) تزكية ولكن قلت: إن شاء الله، يعني: أن إيماني واقع بمشيئة الله، أو قلتها تبركًا، نقول: الاستثناء هنا جائز، إن شئت فقل: إن شاء الله، وإن شئت فلا تقل. والاستثناء بالمشيئة في الأمر الواقع جائز، جائز شرعًا قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ أيش؟ ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح ٢٧]، فقال: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، مع أنهم سيدخلونه، كما قال النبي عليه والسلام لعمر بن الخطاب: «إِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ» في صلح الحديبية، تعرفون القصة؟ القصة «لما حصل ما حصل من الصلح بين رسول الله ﷺ وقريش»، ومن جملة بنود الصلح: «أن يرجع النبي عليه الصلاة والسلام ولا يكمل عمرته، جاءه عمر رضي الله عنه يراجعه في هذا الأمر، فقال: ألست تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به؟ قال: «بَلَى، وَلَكِنْ هَلْ أَنَا قُلْتُ: إِنَّكَ تَأْتِيهِ هَذَا الْعَامَ؟» قال: لا، قال: «إِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ»[[أخرجه البخاري (٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم.]] -اللهم صل وسلم عليه- مع أن الله قال: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، وفي زيارة المقابر يمر الإنسان بها ويقول: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ»[[أخرجه مسلم (٩٧٤ / ١٠٢) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، مع أن لحوقنا بهم مؤكد، لكن هذا من باب بيان أن لحوقنا بهم مقرون بأيش؟ بمشيئة الله. وإن كان الحامل على الاستثناء الشك، وجب أن يستثني، أو حرم؟ * الطلبة: حرم. * الشيخ: حرم أن يستثنى، إذا قال: إن شاء الله؛ لأنه متردد فهذا حرام؛ لأن الشك في الإيمان منافٍ للإيمان؛ إذ إن الإيمان لا بد أن يكون جزمًا. ولكن احذروا أيها الإخوة أن يتلاعب الشيطان بكم في مسألة الوساوس، الوساوس التي كثر الشاكون منها فيما مَنّ الله عليهم من الأقبال، لما أقبل الشباب الآن صار الشيطان يأتيهم بالوساوس، بالشكوك لأجل أن يخلخل إيمانهم، ولكن هذا -والحمد لله- كيد كائد لمن كاد به، كما جاء في الحديث: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ»[[أخرجه أبو داود (٥١١٢) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا صريح الإيمان، هذا صريح الإيمان أن يخالصه، الذي ليس فيه شبهة، وإلا الشيطان يأتي من جملة ما يوسوس به ما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُوا: مَنْ خَلَقَ اللَّهَ، فَإِذَا بَلَغُوا ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلِيَنْتَهِ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٤ / ٢١٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، قل: أعوذ بالله، وانته، اعرض، امش بشغلك لا تلتفت إلى هذا. فالمهم أن الإنسان إذا قال: إن شاء الله، فإنه إذا كان الحامل له على قول: إن شاء الله، الشك كان؟ * طالب: حرامًا. * الشيخ: الاستثناء حرامًا، يحرم أن يقول: إن شاء الله؛ لوجوب اليقين. ثالثًا: إذا كان الإنسان يخشى من تزكية نفسه إذا قال: إن شاء الله، أو يخشى أن يوكل إلى نفسه إن ظهر فيه الإعجاب؛ لأن الإنسان -أعوذ بالله- إذا أعجب بعمله وُكِل إلى نفسه ونزعت بركته، فإذا كان يخشى من ذلك كان؟ * طالب: واجبًا. * الشيخ: كان الاستثناء واجبًا، كيف؟ كان الاستثناء حرامًا؟ * طالب: واجبًا، واجبًا. * الشيخ: ألسنا قلنا قبل قليل: إذا كان الحامل له على ذلك الشك فهو حرام؟ هذا عكسه، يكون الاستثناء واجبًا، واجبًا لأيش؟ لئلا يزكي نفسه أو يعجب بنفسه وأنه مؤمن، كما يقول الشاعر: أَنَــــا ابْــــنُ جَــــلَا وَطَــــلَّاعُالثَّنَايَــــا ∗∗∗ مَتَــــى أَضَــــع الْعَمَامَــــةَتَعْرِفُونِــــــــــــــــــــي هذا القول الذي ذكرنا أو هذا التفصيل الذي ذكرناه هو القول الصحيح، وإذا تأملت تعليلات القولين السابقين وجدت أن هذا القول أو هذا التفصيل يجمع بين الأقوال. قال: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، ثم قال عز وجل: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. * من فوائد هذه الآية: فضيلة الحواريين في لجوئهم إلى الله عز وجل، حيث قالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾، فإنه بعد أن أشهدوا نبيهم لجؤوا إلى ربهم عز وجل. * ومن فوائد الآية: التوسل إلى الله تعالى بربوبيته؛ لأن الربوبية تدور على ثلاثة أشياء وهي: الخلق والملك والتدبير، وإجابة الدعاء داخل في هذه الثلاثة؛ فلذلك كان كثيرًا ما يتوسل الدعاة -دعاة الله- بالربوبية كما جاء في الحديث الصحيح: «يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب أن يكون الإيمان شاملًا لكل ما أنزل الله ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: حسن الاحتراز في قول الحواريين: ﴿بِمَا أَنْزَلْتَ﴾، ولم يطلقوا الإيمان -مثلًا- بالتوراة؛ لأن التوراة التي بأيدي اليهود محرفة مبدلة يبدون شيئًا ويخفون أشياء؛ فلهذا قالوا: ﴿بِمَا أَنْزَلْتَ﴾، ونحن نقول: آمنا بما أنزل الله من التوراة والإنجيل، لا بالتوراة المحرفة التي بين أيدي اليهود، ولا بالإنجيل المحرف الذي بأيدي النصارى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان لا بد له من الاتباع ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾؛ ولهذا يقرن الله عز وجل يقرن الله بين الإيمان والعمل الصالح في آيات كثيرة؛ لأن الإيمان المجرد لا ينفع، العمل الصالح بمنزلة سقي الشجرة إن لم تسقها ماتت؛ ولهذا ينبغي لنا عندما نتكلم على الإسلام أن لا نحاول أن نجعل الإسلام عقيدة فحسب، بل هو عقيدة وعمل، العقيدة لا تكفي؛ لأن العقيدة الآن كلٌّ يدعي أنه معتقد، اليهود والنصارى يقولون: نحن نؤمن بالله واليوم الآخر، الآن يقولون: نؤمن بالله واليوم الآخر، نؤمن بأن هناك ربًّا مدبرًا للخلق، وأنه عز وجل خالق ونؤمن بالبعث، ولكن هذا ليس بإيمان، وإن كان عندهم هذه العقيدة، هذه عقيدة فاسدة، فلا بد من قرن العقيدة بالعمل الصالح حتى لا يتكل الناس على ما عندهم من العقيدة ويقولوا: ما حاجة للعمل؛ ولهذا قال: ﴿آمَنَّا﴾ بعد؟ ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾، لا بد من هذا. وتأمل قوله: ﴿آمَنَّا﴾ ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ هل يؤخذ منها وجوب الإيمان بكل ما أنزل الله من كتاب وأما الاتباع فيكون للرسول الخاص؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: يمكن هذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لأنهم قالوا: ﴿آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ عام، ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ خاص وهو كذلك، فالإيمان واجب بجميع ما أنزل الله ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى ١٥]، ولكن الاتباع خاص بالرسول الذي أرسل إليك، أما الرسول الذي لم يرسل إليك فلست مأمورًا باتباعه إلا إن دلت شريعتك على اتباعه. * ومن فوائد الآية: أنه إذا كان هناك وصفان، وكان أحد الوصفين أخص من الآخر بالعمل أو بالحال التي أنت فيها، فإن الأولى أن تأخذ بالأخص؛ لقوله: ﴿الرَّسُولَ﴾؛ لأن الرسول مرسل إلينا ولم يقولوا: واتبعنا النبي، ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾؛ لأن الرسول مرسل إلينا مبعوث، لكن النبي لا يؤمر بالتبليغ على قول جمهور العلماء، وهنا الاتباع أيهما ألصق به الرسالة ولّا النبوة؟ الرسالة؛ فلهذا اختاروا وصف الرسول. فإن قال قائل: في حديث البراء بن عازب في ذكر النوم لما قرأ النبي ﷺ عليه ذكر النوم الذي يكون آخر يقول الإنسان قال من جملة ما قال: «آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيَّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»، فلما أعادها البراء قال: وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَقَالَ: «قُلْ: وَبِنَبِيَّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٢٤٧)، ومسلم (٢٧١٠ / ٥٦) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.]]، ومعلوم أن المقام مقام اتباع، فلماذا قال لما قال: «ورسولك الذي أرسلت»، والرسالة تتضمن النبوة، قال: «قُلْ: وَبِنَبِيَّكَ»؟ فالجواب على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن دلالة الرسالة على النبوة من باب دلالة الالتزام، ودلالة النبوة على النبوة من باب دلالة المطابقة، ودلالة المطابقة أقوى بلا شك؛ لأن دلالة الالتزام قد يمانع فيها الخصم، قد يقول: هذا ليس بلازم؛ فلهذا اختار وصف النبوة مع أن الرسالة جاءت بعده «الَّذِي أَرْسَلْتَ». فالجواب على هذا من وجهين، الوجه الأول: أن دلالة الرسالة على النبوة من باب دلالة الالتزام، ودلالة النبوة على النبوة من باب دلالة؟ * الطلبة: المطابقة. * الشيخ: المطابقة، ودلالة المطابقة أقوى بلا شك؛ لأن دلالة الالتزام قد يمانع فيها الخصم، قد يقول: هذا ليس بلازم، فلهذا اختار وصف النبوة مع أن الرسالة جاءت بعده الذي أرسلت، لو قال: رسولك الذي أرسلت يدل على النبوة بأي طريق؟ * الطلبة: بطريق الالتزام. * الشيخ: بطريق الالتزام؛ لأن كل رسول نبي، لكن إذا قال: بنبيك الذي أرسلت دل على النبوة بطريق المطابقة؛ لأنه صرح بها بلفظها، ومعلوم أن الدلالة بالمطابقة أقوى من الدلالة بالالتزام لجواز منع الملازمة. الوجه الثاني: أنه إذا قال: برسولك الذي أرسلت لم يكن وصفًا مخصصًا لمحمد ﷺ، إذ قد يراد بذلك جبريل مثلًا، جبريل رسول مرسَل كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾ [التكوير ١٩ - ٢١] فجبريل مرسل فلو قال: برسولك الذي أرسلت لم يحدد أن هذا الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام، أما إذا قال: بنبيك الذي أرسلت تحدد الوصف بمن؟ بالرسول بمحمد ﷺ؛ لأن جبريل لا يسمى نبيًّا وإنما يسمى رسولًا، وبهذا يزول الإشكال الذي أشرنا إليه وهو أنه ينبغي أن يُذكر الوصف المطابق للحال التي عليها المتكلم؛ لأن الحديث حديث البراء اختير فيه النبوة على الرسالة من أجل هذين الوجهين. * من فوائد الآية الكريمة: الحرص على صحبة الأخيار، منين ناخده؟ * الطلبة: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. * الشيخ: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، ولا شك أن صحبة الأخيار خير حتى إن الرسول ﷺ مثَّلها بحامل المسك قال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يَبِيعَكَ أَوْ يَحْذِيَكَ -يَعْنِي يُعْطِيكَ مَجَّانًا هِبَةً- أَوْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً» كل هذا طيب، «الْجَلِيسُ السُّوءُ كَنَافِخِ الْكِيرِ»، تعرفون نافخ الكير؟ * طالب: إي نعرفه. * الشيخ: والله الظاهر ما تعرفون كلكم؟ ولهذا يحسن أن تذهبوا إلى سوق الصناع في الرياض من أجل أن تشاهدوا الكير؛ لأني أظن ما عندنا هنا شيء، على كل حال الكير هو عبارة عن جلد مثل الغَرْب، الغَرْب يعني الذي يكون دلوًا للبعير يُرفع به الماء، وهذا موجود قبل سنة أو سنتين وضعوا سواني إي نعم هذا الغرب، المهم أنه مثل الغرب، فيه طرف مفتوح وفيه طرف متصل بأنبوب يتصل بمكان الضوء بمكان النار فيفتحه كذا ثم يضمه ثم يدفعه، إذا دفعه يكون قد حمل هواء عن طريق هذا الأنبوب، هذا الأنبوب قلنا: إنه يأتي إلى محل النار، تلتهب النار، تلتهب بشدة، وغالبًا ما يكون اثنين واحد هنا على يمين الرجل وواحد على اليسار ويكون هكذا دائمًا دائمًا، وتكون الضوء دائمًا تلتهب، نافخ الكير يقول الرسول ﷺ: «إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢١٠١)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى، واللفظ للبخاري.]]، يحرق ثيابك متى؟ إذا طار عليك شرر من هذا أو أن تجد رائحة كريهة، ولهذا ينبغي للإنسان أن يختار من الجلساء أصلحهم؛ لأن الجليس الصالح كله خير وجليس السوء شر، فأنت اختر الجلساء الصالحين، وإذا غُبِنت بأحد ثم جلست معهم مرة بعد أخرى وتبين أنهم لا يعينونك على طاعة ولا يمنعونك من معصية فالتمس خيرًا منهم؛ لأن الإنسان أحيانًا يتصل بناس أصدقاء، يتصل بناس أصدقاء يغتر بهم مثلًا، فإذا بهم لا يفيدونه بل يضرونه، ولهذا ينبغي أن تكون مجالس الإنسان عامرة بالبحث النافع بالأسئلة في إيراد الأسئلة التي تفتح الذهن، لا أن يكون شغل الإنسان الشاغل في المجالس قال فلان وقال فلان وين راح فلان وين جاء فلان، فلان أخطأ في كذا فلان أصاب في كذا، فلان عنده علم معرفة فلان ما عنده معرفة، فلان طويل وفلان قصير، فلان غني وفلان فقير، ما هو صحيح، هذه إضاعة وقت وربما يكون فيها غيبة فتكون ضرر، «وَمَا مِنْ قَوْمٍ يَجْلِسُونَ مَجْلِسًا لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه النسائي في السنن الكبرى (١٠١٧٠) من حديث أبي سعيد الخدري.]] لأنه فاتهم الخير. * طالب: قد ذكرنا: ﴿اكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: كل من شهد بالرسل بالحق، فيدخل في هذا يا شيخ فيه بعض الكفار الذين شهدوا لبعض الأنبياء بالحق مثل أبو طالب؟ * الشيخ: لو كانت شهادته حقًّا لتبعه. * الطالب: إي لكن شهد له بالحق؟ * الشيخ: ما شهد شهادة نافعة. * طالب: شيخ أحسن الله إليكم، فرقنا بين الرسول والنبي، أن الرسول مَن أوحي إليه وأُمر بالتبليغ، والنبي من أوحي إليه ولم يؤمر بالتبليغ، قوله ﷺ في صحيح مسلم: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانَ حَقٌّ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ لِأُمَّتِهِ خَيْرَ مَا يُبَيِّنُ لَهُمْ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الشَّرِّ»[[أخرجه مسلم (١٨٤٤ / ٤٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]. فدل ذلك أن النبي كذلك بيَّن لأمته ما يبين لهم الرسول، أما يدل أن هذا الحديث بأنه لا فرق بين النبي والرسول؟ * الشيخ: لا، ما يدل؛ لأن هذا الحديث إن قلنا: إنه بيَّن بأمر الله فهو؟ * طلبة: رسول. * الشيخ: فهو رسول، وإن قلنا: بيَّن تطوعًا من غير أن يُلزم بذلك لكن لمحبة الخير بيَّن فهو نبي، مع أن المراد بهذا الحديث الذي ذكرته النبي الذي هو الرسول، ولهذا يذكر الله كثيرًا النبيين دون الرسل ويذكر الرسل دون النبيين: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء ٥٥] وفي آية أخرى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة ٢٥٣]. * طالب: النبي دلالتها على النبوة بالمطابقة ولَّا التضمن؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: دلالة النبي على النبوة بالمطابقة ولَّا التضمن؟ * الشيخ: مطابقة. * الطالب: شو بالذات؟ * الشيخ: إي ها الذات هذه تابعة. * طالب: أحسن الله إليك، قلنا في تفسير قوله تعالى: ﴿الْحَوَارِيُّونَ﴾ إنها من الحور وهو شديد البياض، والحواريون قلوبهم بيضاء نقية لم تدنس بالمعاصي شيخ الآية التي ستأتي ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ * الشيخ: إي بتجينا هذه الذين مكروا غير الحواريين.

آل عمران 3:53

ثم قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾، وفي قراءة: ﴿مَنْ أَنْصَارِيَ إِلَى اللَّهِ﴾ ؛ لأن ياء المتكلم يجوز فيها ثلاث لغات: الفتح بناءً، والسكون بناءً، والحذف تخفيفًا، فتقول: هذا غلامِي، هذا غلاميَ، هذا غلامْ، لكن تبين أنه مضاف. يقول هنا: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ ﴿أَحَسَّ﴾ بمعنى أدرك بحاسته، وتيقن أنهم كفروا، مع هذه الآيات العظيمة التي يشاهدونها لم يؤمنوا -والعياذ بالله-؛ لأن الله إذا ختم على القلب لا يؤمن صاحبه أبدًا ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة ٧]، كان في الآية التي قبلها: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة ١٨]، وقال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]، فهم مع هذه الآيات لم يؤمنوا، لما أحس منهم الكفر وأدركه وتبين له لجأ إلى الاختيار وانتخاب الأكفاء فقال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ ﴿مَنْ أَنْصَارِي﴾، يعني: إذا كان الإيمان تعذر منكم جميعًا فمن الذي يكون ناصري. وقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (إلى) هنا للغاية، ولم يقل: من أنصاري في الله؛ ليكون النصر مبنيًّا على الإخلاص؛ لأن (إلى) للغاية فيريد أن يكون نصرًا موصلًا إلى من؟ * الطلبة: إلى الله. * الشيخ: إلى الله عز وجل، ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ و(من) هذه مبتدأ، و﴿أَنْصَارِي﴾ خبر، و﴿إِلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ(أنصار). قال: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ الحواريون جمع حواري -بتشديد الياء-، وهو من الحوَر وهو: البياض، وسموا حواريين؛ لسلامة قلوبهم من أثر المعاصي؛ لأن المعاصي -نسأل الله العافية- نكت سوداء تكون في القلب، كلما عصى الإنسان نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب صقل وعاد إلى الاستنارة، وإن لم يتب وأحدث معصية أخرى زادت نكتة أخرى، وهكذا حتى يطبع على القلب، فالحواريون إذن هم: الذين أخلصوا دينهم ولم يتلطخوا بالمعاصي. ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ يعني: لا غيرنا، ووجه قولنا: لا غيرنا: أن الجملة هنا مكونة من مبتدأ وخبر، فهي جملة اسمية طرفاها معرفة، والجملة الاسمية التي يكون طرفاها معرفة تفيد الحصر، لكن لا شك أن إفادة الحصر ضعيف، ليس كإفادة (إنما) أو النفي والإثبات. ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ ﴿آمَنَّا﴾ الإيمان في اللغة أخص من التصديق؛ لأنه تصديق بإقرار؛ ولهذا عدي بالباء، فيقال: أمنت به، ولا يمكن أن نجعله بمعنى التصديق؛ وذلك لأن الشيء إذا كان مرادفًا للشيء -أي بمعناه- تعدى بتعديته ولزم بلزومه، ومعلوم أن (آمن) تتعدى بما لا تتعدى به (صدّق)، فيقال: صدّق بالخبر، ولا يقال: صدّق له، ويقال: صدّق زيدًا، ولا يقال: آمن زيدًا، بل: آمن به، وآمن له، فلما اختلفا في المتعلق وجودًا وعدمًا علم أنهما ليسا بمعنًى واحد، مع أن كثيرًا من الذين يعرفون الإيمان في اللغة يقولون: الإيمان في اللغة أيش؟ التصديق، وهذا فيه نظر، بل هو أخص من التصديق. أما الإيمان في الشرع فهو: التصديق، وإن شئت فقل: الإقرار المستلزم للقبول والإذعان، تصديق أو الإقرار المستلزم لأيش؟ للقبول والإذعان، لا يكفي التصديق فقط، بل لا بد من قبول ما جاء به الرسول والإذعان له، وأنتم تعلمون أن أبا طالب كان مصدقًا لرسول الله ﷺ ويعلن ذلك على الملأ بأنه مصدق له، فيقول في لاميته المشهورة: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَــــوْلِالْأَبَاطِـــــل شوف: لا مكذب لدينا، وأنه لا يعنى بقول الأباطل ولا يهتم له، ويقول: وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّــــــــدٍ ∗∗∗ مِــنْ خَيْــرِ أَدْيَـــانِ الْبَرِيَّــــةِدِينَــــــــا وهذا تصديق، لكن لم يحصل منه القبول والإذعان -والعياذ بالله- ما اتبع الرسول عليه الصلاة والسلام ولا أذعن له، بل كان آخر كلامه أن قال: إنه على ملة عبد المطلب، على الكفر، فشفع له النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أبلى بلاء حسنًا في الدفاع عن الرسول ﷺ، لا لأنه عمه؛ لأنه لو كان العلة الحاملة لشفاعة الرسول هي القرابة لشفع لأبي لهب، لكن العلة الحاملة للشفاعة هو أنه أبلى بلاءً حسنًا في الدفاع عن الرسول عليه الصلاة والسلام، كما هو معروف، يقول عليه الصلاة والسلام: «فَكَانَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ وَعَلَيْهِ نَعْلَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» -نسأل الله العافية اللهم أنجنا من النار- قال: «وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس رضي الله عنه.]]. الشاهد أن الرسل عليهم الصلاة والسلام إنما يدعون إلى أي شيء؟ إلى صراط الله ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، وأن الإيمان لا يكون إلا بالتصديق المستلزم للقبول وأيش بعد؟ والإذعان، أما بدون قبول ولا إذعان فليس بإيمان شرعًا. قالوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ أشهدوا نبيهم عليه الصلاة والسلام على إسلامهم، مع أنه شهيد عليهم، سواء استشهدوه أم لم يستشهدوه، كما قال الله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة ١٤٣]، فكل رسول فهو شهيد على أمته بأن الله تعالى أرسله إليهم وأنه بلغهم الرسالة، فقولهم: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ من باب التوكيد وإعلان الإسلام. ثم قالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ هذا أيضًا من قولهم رضي الله عنهم، ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ وهو الإنجيل الذي جاء به عيسى عليه الصلاة والسلام، ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ (أل) هنا في الرسول للعهد الذهني وهو عيسى عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا رسول لهؤلاء القوم من بني إسرائيل إلا عيسى، فالذي عين أن المراد بالرسول عيسى هو العهد الذهني الذي كان معلومًا عندهم، ويحتمل أن يراد بالرسول الجنس، أي: واتبعنا كل من كان رسولًا من عندك، فيكون هذا إقرارًا بأنهم آمنوا بجميع الرسل، وذلك أنه يجب على كل أمة متأخرة أن تؤمن بجميع الرسل السابقة، فنحن -مثلًا- آخر الأمم يجب علينا أن نؤمن بجميع الرسل ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة ٢٨٥] في أصل الإيمان، وإن كنا نفرق بين الرسل من جهة الاتباع، فإننا لا نتبع إلا محمدًا ﷺ وما أذن لنا فيه من شرع من سبق، أما الإيمان فيجب الإيمان بجميعهم. * طالب: يا شيخ، يعني ذكرت لنا فائدة وهي (...) يعني هذا من طريق دائمًا ولّا في بعضها؟ * الشيخ: لا، في بعض المواضع، في النداء مطرد، في غير النداء أحيانًا تحذف وأحيانًا لا تحذف. * طالب: (...). * الشيخ: ما تقولون في هذا؟ الإشكال يقول: كيف أن الله تعالى قال لعبد الله بن حرام رضي الله عنه: «إِنِّي قَضَيْتُ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يَرْجِعُونَ»[[أخرجه الترمذي (٣٠١٠) وابن ماجه (١٩٠) وأحمد في المسند (١٤٨٨١) واللفظ له من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.]] وهنا ذكر أنه أحيا الموتى لعيسى؟ الجواب؟ * طالب: أن هذا هو الأصل طالما أن .. * الشيخ: أن يخصص؟ * الطالب: أن يخصص. * الشيخ: لكن يشكل على هذا أنه قال: «إِنِّي قَضَيْتُ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يَرْجِعُونَ» والقضاء القدري ما يخرم؟ * طالب: شيخ، يمكن يحيى ويموت ويرجع ميتًا في نفس الوقت، يعني يعود حيًّا ثم يعود ميتًا. * الشيخ: طيب. * طالب: ذلك شرع من قبلنا. * الشيخ: لا، هذا قضاء الله، عام. الظاهر -والله أعلم- أن عبد الله بن حرام طلب الرجوع من أجل العمل، وأما ما وقع آية لعيسى فليسوا يرجعون على أنهم يعملون، على أن المسألة فيها أيضًا نظر من جهة؛ لأن الله تعالى لما أخذت الصاعقة أصحاب موسى الذين كانوا معه دعا الله عز وجل، فبعثهم من بعد موتهم وبقوا وعملوا، فيكون المراد إذا لم يكن هناك سبب مثل أن تكون آية، فهذا لا مانع، أما عبد الله بن حرام فليس هناك سبب. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ عبر بـ﴿أَحَسَّ﴾ دون قوله: علم، لماذا؟ * طالب: لأنه أدرك وتيقن. * الشيخ: أيش؟ أدرك وتيقن، فصار الأمر عنده محسوسًا. قوله: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ من الحواريون؟ * طالب: الحواريون هم أتباع عيسى عليه السلام هم صفوتهم من قومه. * الشيخ: هم الصفوة من قومه، منين اشتقت هذه الكلمة؟ * طالب: الصفوة. * الشيخ: لا، الحوَر أو الحواريون؟ * الطالب: من الحور وهو الجمال. * الشيخ: جمال أيش؟ * الطالب: حور العين. * الشيخ: أي؟ * الطالب: جمالها. * الشيخ: أي جمالها صفاؤها. في هذه الآية دليل: على أن النصارى مسلمون قالوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ فماذا تقولون هل هذا الاستنباط صحيح؟ * طالب: نعم صحيح إذا قصدت شريعتهم (...). * الشيخ: نقول: هم المسلمون بالمعنى؟ العام، وذلك أن كل إنسان متبع لرسول شرعه قائم فهو مسلم، كل إنسان متبع لرسول شرعه قائم فهو مسلم، عرفتم؟ فأما إذا ما وجد ما ينسخه، فمن بقي على الدين الأول، فهو كافر إذا كان الرسول مرسلًا إليه، واضح؟ وبناء على ذلك: فإنه لا مسلم بعد بعثة الرسول ﷺ إلا من اتبعه فقط، ومن سواه فهو كافر، وعلى هذا فالنصارى كفار، واليهود كفار من أهل النار، ومن قال: إنهم مسلمون بالمعنى الخاص الذي يدخلون به الجنة اليوم فهو كافر؛ لأنه مكذب لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٨٥]، ولقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران ١٩]. * من فوائد هذه الآيات: عتو بني إسرائيل، وأنهم مع هذه الآيات العظيمة التي جاء بها عيسى لم يؤمن منهم أحد؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا -من فوائد هذه الآيات-: أنه إذا اشتبه الأمر، فينبغي أن ينادي الداعية بالإخلاص فيقول: من المخلص؟ أي: أن ينتدب الصفوة من القوم؛ لقوله: ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾، فهو لما رأى أن القوم تمردوا وأحس منهم الكفر وظهر، انتدب من يرى أنه من صفوتهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرسل صلى الله عليهم وسلم دعوتهم إلى الله لا إلى أنفسهم؛ لقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الرسل محتاجون لمن ينصرهم؛ لقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي﴾ وقال الله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ٦٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الحواريين رضي الله عنهم، حيث أعلنوا أنهم أنصار الله مع كفر قومهم؛ لقوله: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾، وهكذا ينبغي للإنسان أن يعلن اتباعه للرسول بين أئمة الكفر حتى لا يداهن في دين الله؛ لأن المداهنة في دين الله والتقية نفاق في الواقع، نفاق، بل الإنسان يجب أن يكون صريحًا في دين الله، وقد سبق لنا الفرق بين المداهنة والمداراة، المداهنة: أن يقرهم على ما هم عليه من الباطل، والمداراة: أن ينكر عليهم ولكن يداريهم؛ لئلا يمنعوه من الحق. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران ٥٢ - ٥٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. سبق لنا الكلام على بعض الآيات التي قرأها ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ الذي يقول هذا الحواريون، يقولون: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾، ولا يخفى الإعراب في هذه الآية، فإن قوله: ﴿رَبَّنَا﴾ منادى حذفت منه ياء النداء لسببين: السبب الأول: كثرة استعمال هذا الاسم الكريم في الدعاء، والثاني: التبرك بالبداءة باسم الله عز وجل؛ لأن الرب من أسماء الله، وقوله: ﴿بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ فيها عائد محذوف يعود على الموصول، والتقدير: بما أنزلته. وقوله: ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ (أل) هنا للعهد الذكري أو الذهني؟ * الطلبة: الذكري.. الذهني. * الشيخ: هم قالوا: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران ٤٩]؟ إذن الذكري؛ لأنه سبق. وقوله: ﴿اكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (مع) هنا للمصاحبة، والمصاحبة لا تقتضي المخالطة أو الموافقة في الزمن، فقد تكون المصاحبة مع قوم سبقوك، لكن في النهاية يكونون معك، هؤلاء الحواريون لما أعلنوا إسلامهم وأشهدوا على ذلك نبيهم توجهوا إلى الله عز وجل بالإقرار التام فقالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾، والإيمان في اللغة: التصديق المتضمن للقبول والإذعان وليس مجرد التصديق، بل يتضمن انقيادًا وإذعانًا؛ ولهذا لا يكون موافقًا للتصديق في التعدي واللزوم فيقال: آمنت به، وصدّقت به، ويقال: آمنت له، وصدّقت له، لكن لا يقال: آمنته، كما يقال: صدّقته، فافترقا. يقولون: ﴿آمَنَّا﴾ والمراد بالإيمان هنا: كل ما جاء في القرآن، فالمراد به الإيمان في الحقيقة الشرعية لا في الحقيقة اللغوية، والإيمان في الحقيقة الشرعية: التصديق بما أوجب الله الإيمان به مع القبول والإذعان، يعني: الانقياد التام؛ ولهذا لو أن أحدًا قال: آمنت بالله، لكن لم يذعن له ولم ينقد، ما صار مؤمنًا شرعًا. وقولهم: ﴿بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ (ما) هنا اسم الموصول تعم كل ما أنزل، والظاهر أنها تشمل الإنجيل الذي أنزل على عيسى وما قبله وهي: التوراة التي أنزلت على موسى، بل أعم من ذلك تتناول كل ما أخبرهم به نبيهم مما أنزل الله. وقولهم: ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ هذا في الحقيقة هو ثمرة الإيمان: الاتباع، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أشد اتباعًا لمن آمن به، وكلما قل الإيمان قل الاتباع، كذا؟ ويصح أن نقول: كلما قل الاتباع قل الإيمان؟ أو نقول: كان علامة، علامة على نقص الإيمان؛ لأن الإيمان حقًّا لا بد أن يطلب الإنسان الوصول إلى ما آمن به، وهذا يقتضي أن يجد كل جد في العمل الذي يوصله. وقوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ﴿الشَّاهِدِينَ﴾ من؟ قال بعض العلماء: المراد بالشاهدين أمة محمد ﷺ؛ لأن الشهادة المطلقة ليست إلا لهم؛ لأنهم آخر الأمم، فهم شهداء على جميع الرسل وعلى جميع الأمم، والشهداء الذين كانوا من قبلهم ليسوا شهداء إلا على من سبقهم فقط، لكن الشهادة المطلقة العامة لمن؟ لأمة محمد ﷺ، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣]، فقولهم: ﴿اكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ يعني: اكتبنا مع أمة محمد ﷺ. فإن قال قائل: يرِد على هذا التفسير أنهم سبقوا أمة محمد فكيف يطلبون أن يكتبوا معهم؟ والجواب عن ذلك أن نقول: إن عيسى عليه الصلاة والسلام قد بشرهم بمحمد ﷺ فقال: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦]، فكان عندهم علم بهذه الأمة بواسطة البشارة التي ألقاها إليهم عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام. والقول الثاني: أن المراد بـ﴿الشَّاهِدِينَ﴾ الذين شهدوا لرسلك بالحق، وهذا يتناول من؟ سبقهم، يتناول من سبقهم بلا شك، ويتناول أمة محمد إن كان ذلك بعد أن أخبرهم بذلك وبشرهم بها، وهذا القول الثاني أعم من القول الأول وأقل إشكالًا منه. المهم أن القول الصحيح: هو كل من شهد للرسل بالحق. * في هذه الآية من الفوائد، في الآية التي قبلها وهذه، في الآية الأولى أيضًا: أن إشهاد الإنسان على نفسه بالإيمان أو بالإسلام أو ما أشبه ذلك لا يعد من الرياء، لا سيما في مقام الاتباع؛ لأن في ذلك فائدة وهي تقوية المتبوع، إذا قال: اشهد بأني مسلم، أو مؤمن، أو ممن اتبعك، أو ما أشبه ذلك، لا شك أن فيه فائدة وهي تقوية المتبوع، ولا يعد هذا من أيش؟ * الطلبة: من الرياء. * الشيخ: من الرياء. * من فوائد الآية الكريمة: أن الرسل لا يعلمون الغيب؛ لقولهم: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ إذ لو كان عنده علم من ذلك ما احتاج إلى الإشهاد، اللهم إلا على سبيل إقرارهم الظاهري. وهل يؤخذ من الآية الكريمة جواز قول الإنسان: أنا مؤمن؛ لقولهم: ﴿اشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ربما يؤخذ جواز قول الإنسان: أنا مؤمن، ولا شك أن هذا جائز، ولكن الذي وقع فيه خلاف بين أهل العلم هل يجوز أن يستثني في الإيمان فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله، هل يجوز هذا؟ في هذا خلاف بين العلماء منهم من قال: إنه لا يجوز، ومنهم من قال: إنه يجب، ومنهم من قال: إنه يجوز باعتبارين. أما الذين قالوا: إنه لا يجوز، فقالوا: إن هذا الاستثناء يوحي بالشك، أنه شاك وإلا كيف يقول: إن شاء الله؟ فما دام الإيمان قد وقر في قلبه لا يقول: إن شاء الله، ثم قالوا -مؤيدين لتعليلهم-: أرأيت لو صلى شخص فقيل له: أصليت؟ قال: إن شاء الله، لعد ذلك قريبًا من اللغو، لو قيل له: لبثت ثوبك؟ قال: لبثته إن شاء الله، وهو عليه، هذا لغو، لغو من القول، فإذا كان جازمًا بإيمانه فلماذا يقول: إن شاء الله؟ فالاستثناء على هذا حرام؛ لأنه يؤذن بالشك، وإن لم يكن فهو لغو من القول. والقول الثاني: أنه يجب أن يقول: إن شاء الله، يجب وجوبًا، فلو قال: أنا مؤمن، وسكت كان ذلك حرامًا عليه، وعللوا لذلك بأمرين: أحدهما: أن الإيمان النافع هو الذي يموت الإنسان عليه، ما مات عليه الإنسان، والإنسان هل يدري أو لا يدري؟ * الطلبة: لا يدري. * الشيخ: لا يدري، لا يدري ماذا يموت عليه -اللهم ثبتنا على الحق إلى الممات- فهو لا يدري، كم من إنسان زاغ قلبه -والعياذ بالله- كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعَمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يقول: إن شاء الله، وجوبًا، هذا وجه. الوجه الثاني: يقول: هذا غير صحيح، هذا الوجه ليس بصحيح، ليس بعلة؛ لأن الإنسان إنما يتكلم عن حاضره، وحاضره يعلم أنه مؤمن أو لا؟ يعلم أنه مؤمن، والمستقبل علمه عند الله، نعم لو قال: سأموت على الإيمان، قلنا له: قل: إن شاء الله، لكن المأخذ الصحيح أنه إذا قال: أنا مؤمن، وجزم، فإن في ذلك نوعًا من تزكية النفس، فيها نوع من تزكية النفس، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم ٣٢]؛ ولهذا نقول له: مقتضى جزمك بالإيمان أنك جازم بأنك من أهل الجنة، فشهدت لنفسك بأنك من أهل الجنة، ولا يشهد بالجنة لأحد بعينه إلا من شهد له الرسول ﷺ، وحينئذٍ لا بد أن تقول: إن شاء الله، ما هو لأجل أنك ما تدري ماذا تموت عليه ولكن من أجل أن لا تزكي نفسك، فيلزم من تزكيتك إياها أن تشهد لها بالجنة، وهذا ممنوع. وفصل بعض العلماء في هذه المسألة فقال: قد يكون الاستثناء حرامًا، وقد يكون واجبًا، وقد يكون جائزًا، باعتبارات، فإذا كان الإنسان يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، يريد بذلك التبرك أو بيان أن ما حصل من الإيمان كان بمشيئة الله، فهذا جائز، إذا قال: أنا ما قلت إن شاء الله، شكًّا ولا (...) تزكية ولكن قلت: إن شاء الله، يعني: أن إيماني واقع بمشيئة الله، أو قلتها تبركًا، نقول: الاستثناء هنا جائز، إن شئت فقل: إن شاء الله، وإن شئت فلا تقل. والاستثناء بالمشيئة في الأمر الواقع جائز، جائز شرعًا قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ أيش؟ ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح ٢٧]، فقال: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، مع أنهم سيدخلونه، كما قال النبي عليه والسلام لعمر بن الخطاب: «إِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ» في صلح الحديبية، تعرفون القصة؟ القصة «لما حصل ما حصل من الصلح بين رسول الله ﷺ وقريش»، ومن جملة بنود الصلح: «أن يرجع النبي عليه الصلاة والسلام ولا يكمل عمرته، جاءه عمر رضي الله عنه يراجعه في هذا الأمر، فقال: ألست تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به؟ قال: «بَلَى، وَلَكِنْ هَلْ أَنَا قُلْتُ: إِنَّكَ تَأْتِيهِ هَذَا الْعَامَ؟» قال: لا، قال: «إِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ»[[أخرجه البخاري (٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم.]] -اللهم صل وسلم عليه- مع أن الله قال: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، وفي زيارة المقابر يمر الإنسان بها ويقول: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ»[[أخرجه مسلم (٩٧٤ / ١٠٢) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، مع أن لحوقنا بهم مؤكد، لكن هذا من باب بيان أن لحوقنا بهم مقرون بأيش؟ بمشيئة الله. وإن كان الحامل على الاستثناء الشك، وجب أن يستثني، أو حرم؟ * الطلبة: حرم. * الشيخ: حرم أن يستثنى، إذا قال: إن شاء الله؛ لأنه متردد فهذا حرام؛ لأن الشك في الإيمان منافٍ للإيمان؛ إذ إن الإيمان لا بد أن يكون جزمًا. ولكن احذروا أيها الإخوة أن يتلاعب الشيطان بكم في مسألة الوساوس، الوساوس التي كثر الشاكون منها فيما مَنّ الله عليهم من الأقبال، لما أقبل الشباب الآن صار الشيطان يأتيهم بالوساوس، بالشكوك لأجل أن يخلخل إيمانهم، ولكن هذا -والحمد لله- كيد كائد لمن كاد به، كما جاء في الحديث: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ»[[أخرجه أبو داود (٥١١٢) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا صريح الإيمان، هذا صريح الإيمان أن يخالصه، الذي ليس فيه شبهة، وإلا الشيطان يأتي من جملة ما يوسوس به ما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُوا: مَنْ خَلَقَ اللَّهَ، فَإِذَا بَلَغُوا ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلِيَنْتَهِ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٤ / ٢١٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، قل: أعوذ بالله، وانته، اعرض، امش بشغلك لا تلتفت إلى هذا. فالمهم أن الإنسان إذا قال: إن شاء الله، فإنه إذا كان الحامل له على قول: إن شاء الله، الشك كان؟ * طالب: حرامًا. * الشيخ: الاستثناء حرامًا، يحرم أن يقول: إن شاء الله؛ لوجوب اليقين. ثالثًا: إذا كان الإنسان يخشى من تزكية نفسه إذا قال: إن شاء الله، أو يخشى أن يوكل إلى نفسه إن ظهر فيه الإعجاب؛ لأن الإنسان -أعوذ بالله- إذا أعجب بعمله وُكِل إلى نفسه ونزعت بركته، فإذا كان يخشى من ذلك كان؟ * طالب: واجبًا. * الشيخ: كان الاستثناء واجبًا، كيف؟ كان الاستثناء حرامًا؟ * طالب: واجبًا، واجبًا. * الشيخ: ألسنا قلنا قبل قليل: إذا كان الحامل له على ذلك الشك فهو حرام؟ هذا عكسه، يكون الاستثناء واجبًا، واجبًا لأيش؟ لئلا يزكي نفسه أو يعجب بنفسه وأنه مؤمن، كما يقول الشاعر: أَنَــــا ابْــــنُ جَــــلَا وَطَــــلَّاعُالثَّنَايَــــا ∗∗∗ مَتَــــى أَضَــــع الْعَمَامَــــةَتَعْرِفُونِــــــــــــــــــــي هذا القول الذي ذكرنا أو هذا التفصيل الذي ذكرناه هو القول الصحيح، وإذا تأملت تعليلات القولين السابقين وجدت أن هذا القول أو هذا التفصيل يجمع بين الأقوال. قال: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، ثم قال عز وجل: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. * من فوائد هذه الآية: فضيلة الحواريين في لجوئهم إلى الله عز وجل، حيث قالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾، فإنه بعد أن أشهدوا نبيهم لجؤوا إلى ربهم عز وجل. * ومن فوائد الآية: التوسل إلى الله تعالى بربوبيته؛ لأن الربوبية تدور على ثلاثة أشياء وهي: الخلق والملك والتدبير، وإجابة الدعاء داخل في هذه الثلاثة؛ فلذلك كان كثيرًا ما يتوسل الدعاة -دعاة الله- بالربوبية كما جاء في الحديث الصحيح: «يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب أن يكون الإيمان شاملًا لكل ما أنزل الله ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: حسن الاحتراز في قول الحواريين: ﴿بِمَا أَنْزَلْتَ﴾، ولم يطلقوا الإيمان -مثلًا- بالتوراة؛ لأن التوراة التي بأيدي اليهود محرفة مبدلة يبدون شيئًا ويخفون أشياء؛ فلهذا قالوا: ﴿بِمَا أَنْزَلْتَ﴾، ونحن نقول: آمنا بما أنزل الله من التوراة والإنجيل، لا بالتوراة المحرفة التي بين أيدي اليهود، ولا بالإنجيل المحرف الذي بأيدي النصارى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان لا بد له من الاتباع ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾؛ ولهذا يقرن الله عز وجل يقرن الله بين الإيمان والعمل الصالح في آيات كثيرة؛ لأن الإيمان المجرد لا ينفع، العمل الصالح بمنزلة سقي الشجرة إن لم تسقها ماتت؛ ولهذا ينبغي لنا عندما نتكلم على الإسلام أن لا نحاول أن نجعل الإسلام عقيدة فحسب، بل هو عقيدة وعمل، العقيدة لا تكفي؛ لأن العقيدة الآن كلٌّ يدعي أنه معتقد، اليهود والنصارى يقولون: نحن نؤمن بالله واليوم الآخر، الآن يقولون: نؤمن بالله واليوم الآخر، نؤمن بأن هناك ربًّا مدبرًا للخلق، وأنه عز وجل خالق ونؤمن بالبعث، ولكن هذا ليس بإيمان، وإن كان عندهم هذه العقيدة، هذه عقيدة فاسدة، فلا بد من قرن العقيدة بالعمل الصالح حتى لا يتكل الناس على ما عندهم من العقيدة ويقولوا: ما حاجة للعمل؛ ولهذا قال: ﴿آمَنَّا﴾ بعد؟ ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾، لا بد من هذا. وتأمل قوله: ﴿آمَنَّا﴾ ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ هل يؤخذ منها وجوب الإيمان بكل ما أنزل الله من كتاب وأما الاتباع فيكون للرسول الخاص؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: يمكن هذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لأنهم قالوا: ﴿آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ عام، ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ خاص وهو كذلك، فالإيمان واجب بجميع ما أنزل الله ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى ١٥]، ولكن الاتباع خاص بالرسول الذي أرسل إليك، أما الرسول الذي لم يرسل إليك فلست مأمورًا باتباعه إلا إن دلت شريعتك على اتباعه. * ومن فوائد الآية: أنه إذا كان هناك وصفان، وكان أحد الوصفين أخص من الآخر بالعمل أو بالحال التي أنت فيها، فإن الأولى أن تأخذ بالأخص؛ لقوله: ﴿الرَّسُولَ﴾؛ لأن الرسول مرسل إلينا ولم يقولوا: واتبعنا النبي، ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾؛ لأن الرسول مرسل إلينا مبعوث، لكن النبي لا يؤمر بالتبليغ على قول جمهور العلماء، وهنا الاتباع أيهما ألصق به الرسالة ولّا النبوة؟ الرسالة؛ فلهذا اختاروا وصف الرسول. فإن قال قائل: في حديث البراء بن عازب في ذكر النوم لما قرأ النبي ﷺ عليه ذكر النوم الذي يكون آخر يقول الإنسان قال من جملة ما قال: «آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيَّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»، فلما أعادها البراء قال: وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَقَالَ: «قُلْ: وَبِنَبِيَّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٢٤٧)، ومسلم (٢٧١٠ / ٥٦) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.]]، ومعلوم أن المقام مقام اتباع، فلماذا قال لما قال: «ورسولك الذي أرسلت»، والرسالة تتضمن النبوة، قال: «قُلْ: وَبِنَبِيَّكَ»؟ فالجواب على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن دلالة الرسالة على النبوة من باب دلالة الالتزام، ودلالة النبوة على النبوة من باب دلالة المطابقة، ودلالة المطابقة أقوى بلا شك؛ لأن دلالة الالتزام قد يمانع فيها الخصم، قد يقول: هذا ليس بلازم؛ فلهذا اختار وصف النبوة مع أن الرسالة جاءت بعده «الَّذِي أَرْسَلْتَ». فالجواب على هذا من وجهين، الوجه الأول: أن دلالة الرسالة على النبوة من باب دلالة الالتزام، ودلالة النبوة على النبوة من باب دلالة؟ * الطلبة: المطابقة. * الشيخ: المطابقة، ودلالة المطابقة أقوى بلا شك؛ لأن دلالة الالتزام قد يمانع فيها الخصم، قد يقول: هذا ليس بلازم، فلهذا اختار وصف النبوة مع أن الرسالة جاءت بعده الذي أرسلت، لو قال: رسولك الذي أرسلت يدل على النبوة بأي طريق؟ * الطلبة: بطريق الالتزام. * الشيخ: بطريق الالتزام؛ لأن كل رسول نبي، لكن إذا قال: بنبيك الذي أرسلت دل على النبوة بطريق المطابقة؛ لأنه صرح بها بلفظها، ومعلوم أن الدلالة بالمطابقة أقوى من الدلالة بالالتزام لجواز منع الملازمة. الوجه الثاني: أنه إذا قال: برسولك الذي أرسلت لم يكن وصفًا مخصصًا لمحمد ﷺ، إذ قد يراد بذلك جبريل مثلًا، جبريل رسول مرسَل كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾ [التكوير ١٩ - ٢١] فجبريل مرسل فلو قال: برسولك الذي أرسلت لم يحدد أن هذا الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام، أما إذا قال: بنبيك الذي أرسلت تحدد الوصف بمن؟ بالرسول بمحمد ﷺ؛ لأن جبريل لا يسمى نبيًّا وإنما يسمى رسولًا، وبهذا يزول الإشكال الذي أشرنا إليه وهو أنه ينبغي أن يُذكر الوصف المطابق للحال التي عليها المتكلم؛ لأن الحديث حديث البراء اختير فيه النبوة على الرسالة من أجل هذين الوجهين. * من فوائد الآية الكريمة: الحرص على صحبة الأخيار، منين ناخده؟ * الطلبة: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. * الشيخ: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، ولا شك أن صحبة الأخيار خير حتى إن الرسول ﷺ مثَّلها بحامل المسك قال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يَبِيعَكَ أَوْ يَحْذِيَكَ -يَعْنِي يُعْطِيكَ مَجَّانًا هِبَةً- أَوْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً» كل هذا طيب، «الْجَلِيسُ السُّوءُ كَنَافِخِ الْكِيرِ»، تعرفون نافخ الكير؟ * طالب: إي نعرفه. * الشيخ: والله الظاهر ما تعرفون كلكم؟ ولهذا يحسن أن تذهبوا إلى سوق الصناع في الرياض من أجل أن تشاهدوا الكير؛ لأني أظن ما عندنا هنا شيء، على كل حال الكير هو عبارة عن جلد مثل الغَرْب، الغَرْب يعني الذي يكون دلوًا للبعير يُرفع به الماء، وهذا موجود قبل سنة أو سنتين وضعوا سواني إي نعم هذا الغرب، المهم أنه مثل الغرب، فيه طرف مفتوح وفيه طرف متصل بأنبوب يتصل بمكان الضوء بمكان النار فيفتحه كذا ثم يضمه ثم يدفعه، إذا دفعه يكون قد حمل هواء عن طريق هذا الأنبوب، هذا الأنبوب قلنا: إنه يأتي إلى محل النار، تلتهب النار، تلتهب بشدة، وغالبًا ما يكون اثنين واحد هنا على يمين الرجل وواحد على اليسار ويكون هكذا دائمًا دائمًا، وتكون الضوء دائمًا تلتهب، نافخ الكير يقول الرسول ﷺ: «إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢١٠١)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى، واللفظ للبخاري.]]، يحرق ثيابك متى؟ إذا طار عليك شرر من هذا أو أن تجد رائحة كريهة، ولهذا ينبغي للإنسان أن يختار من الجلساء أصلحهم؛ لأن الجليس الصالح كله خير وجليس السوء شر، فأنت اختر الجلساء الصالحين، وإذا غُبِنت بأحد ثم جلست معهم مرة بعد أخرى وتبين أنهم لا يعينونك على طاعة ولا يمنعونك من معصية فالتمس خيرًا منهم؛ لأن الإنسان أحيانًا يتصل بناس أصدقاء، يتصل بناس أصدقاء يغتر بهم مثلًا، فإذا بهم لا يفيدونه بل يضرونه، ولهذا ينبغي أن تكون مجالس الإنسان عامرة بالبحث النافع بالأسئلة في إيراد الأسئلة التي تفتح الذهن، لا أن يكون شغل الإنسان الشاغل في المجالس قال فلان وقال فلان وين راح فلان وين جاء فلان، فلان أخطأ في كذا فلان أصاب في كذا، فلان عنده علم معرفة فلان ما عنده معرفة، فلان طويل وفلان قصير، فلان غني وفلان فقير، ما هو صحيح، هذه إضاعة وقت وربما يكون فيها غيبة فتكون ضرر، «وَمَا مِنْ قَوْمٍ يَجْلِسُونَ مَجْلِسًا لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه النسائي في السنن الكبرى (١٠١٧٠) من حديث أبي سعيد الخدري.]] لأنه فاتهم الخير. * طالب: قد ذكرنا: ﴿اكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: كل من شهد بالرسل بالحق، فيدخل في هذا يا شيخ فيه بعض الكفار الذين شهدوا لبعض الأنبياء بالحق مثل أبو طالب؟ * الشيخ: لو كانت شهادته حقًّا لتبعه. * الطالب: إي لكن شهد له بالحق؟ * الشيخ: ما شهد شهادة نافعة. * طالب: شيخ أحسن الله إليكم، فرقنا بين الرسول والنبي، أن الرسول مَن أوحي إليه وأُمر بالتبليغ، والنبي من أوحي إليه ولم يؤمر بالتبليغ، قوله ﷺ في صحيح مسلم: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانَ حَقٌّ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ لِأُمَّتِهِ خَيْرَ مَا يُبَيِّنُ لَهُمْ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الشَّرِّ»[[أخرجه مسلم (١٨٤٤ / ٤٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]. فدل ذلك أن النبي كذلك بيَّن لأمته ما يبين لهم الرسول، أما يدل أن هذا الحديث بأنه لا فرق بين النبي والرسول؟ * الشيخ: لا، ما يدل؛ لأن هذا الحديث إن قلنا: إنه بيَّن بأمر الله فهو؟ * طلبة: رسول. * الشيخ: فهو رسول، وإن قلنا: بيَّن تطوعًا من غير أن يُلزم بذلك لكن لمحبة الخير بيَّن فهو نبي، مع أن المراد بهذا الحديث الذي ذكرته النبي الذي هو الرسول، ولهذا يذكر الله كثيرًا النبيين دون الرسل ويذكر الرسل دون النبيين: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء ٥٥] وفي آية أخرى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة ٢٥٣]. * طالب: النبي دلالتها على النبوة بالمطابقة ولَّا التضمن؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: دلالة النبي على النبوة بالمطابقة ولَّا التضمن؟ * الشيخ: مطابقة. * الطالب: شو بالذات؟ * الشيخ: إي ها الذات هذه تابعة. * طالب: أحسن الله إليك، قلنا في تفسير قوله تعالى: ﴿الْحَوَارِيُّونَ﴾ إنها من الحور وهو شديد البياض، والحواريون قلوبهم بيضاء نقية لم تدنس بالمعاصي شيخ الآية التي ستأتي ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ * الشيخ: إي بتجينا هذه الذين مكروا غير الحواريين.

آل عمران 3:54

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾ [آل عمران ٥٤ - ٥٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ﴿مَكَرُوا﴾ الضمير يعود على الذين كفروا بعيسى، والمكر هو أن يتوصل إلى الانتقام من خصمه بأسباب غير متوقعة يعني بأسباب خفية، ينتقم من خصمه والمضادِّ له بأسباب خفية، ويشبهه الخداع، فإن الإنسان يتوصل إلى أن ينتقم من خصمه من حيث لا يشعر بأسباب خفية. وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ يعني أن الله سبحانه وتعالى مكر بهم حينما مكروا بعيسى. ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ يعني أقواهم في المكر وأشدهم وأعلمهم بالأسباب التي تحيط بأعدائه. فإذا قال قائل: ما الذي دلنا على أن الضمير في قوله: ﴿مَكَرُوا﴾ يعود على الذين كفروا بعيسى؟ فالجواب على هذا سهل؛ لأن قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ لا يمكن أن يصدر من قوم قالوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ٥٢] وقالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ [آل عمران ٥٣] لا يمكن هذا، بل لا يصدر إلا من قوم كفروا، وهو قوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ [آل عمران ٥٢]. فإن قيل: ما هذا المكر الذي مكروه؟ فالجواب على هذا أنهم مكروا بعيسى حيث تمالؤوا على قتله فأنجاه الله منهم، ومكر بهم فجعل شبهه في رجل إما منهم من الذين جاؤوا لقتله، وإما من أصحاب عيسى، ألقى الله شبهه على واحد منهم فقُتِل، المهم أن هؤلاء تمالؤوا على القتل وجاؤوا إلى عيسى عليه الصلاة والسلام فدخلوا عليه لم يُشعروه أنهم يريدون قتله؛ لئلَّا يستنجد بأحد أو يدافع عن نفسه وما أشبه هذا، ولكن الله عز وجل ألقى شبهه على واحد منهم، أو على واحد من أصحابه الحواريين، في هذا قولان للمفسرين، منهم من قال: إن الله ألقى شبهه على واحد منهم وهو زعيمهم، جعل الله شبه عيسى في هذا الرجل، فلما أرادوا أن يقتلوه قال: أنا صاحبكم، قالوا: كذبت لست صاحبنا بل أنت عيسى، فقتلوه وصلبوه، وهذا مكر أو غير مكر؟ مكر عظيم أعظم من مكرهم؛ لأن هذا الرجل الذي جاء متزعمًا هؤلاء القوم ليقتل عيسى صار هو القتيل، وهذا القول أقوى من حيث إن فيه مكرًا بهؤلاء عظيمًا. أما القول الثاني فيقولون: إن عيسى عليه الصلاة والسلام لما أحس بأنهم دخلوا عليه ليقتلوه قال لأحد أصحابه: من يَقبل أن يلقي الله عليه شبهي فأضمن له الجنة؟ فانتدب واحد منهم لذلك وألقى الله شبهه عليه، وقيل: بل ألقى الله شبهه على جميع من كانوا مع عيسى، حتى إن هؤلاء القوم لما دخلوا كان كل واحد يقول: أيكم عيسى؟ أيكم عيسى؟ أيكم عيسى؟ لم يعلموه. هذان قولان رئيسيان، القول الأول: أن الشبه ألقي على من؟ * الطلبة: زعيمهم. * الشيخ: نعم، على زعيم القوم الذين جاؤوا ليقتلوه فقُتل، والقول الثاني: أنه على رجل من أصحاب عيسى، ثم هل أُلقي الشبه على الجميع فاشتبه على الذين دخلوا؟ أو أنه أُلقي على واحد منهم فيه أيضًا قولان، والمسألة ليس فيها نص عن النبي المعصوم عليه الصلاة والسلام، فالله أعلم، لكن قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٥٧] قد يؤيد القول الأخير أنه صار كل واحد ممن مع عيسى يشبه عيسى فاشتبه عليهم مَن هو عيسى، المهم هذا هو مكرهم أنهم جاؤوا إلى عيسى عليه الصلاة السلام ليقتلوه على وجهٍ لا يَشعر بذلك، أما مكر الله بهم فهو أنه ألقى الشبه إما على واحد منهم أو من أتباع عيسى فقتلوه فظنوا أنهم قتلوا عيسى وصاروا يعلنون قتلنا عيسى وصلبوه، وهم ما قتلوه وما صلبوه. وفي قول الله عز وجل: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ فيها من صفات الله إثبات المكر لله عز وجل، والبحث في هذا أولًا: هل المكر على حقيقته؟ أو هو عبارة عن المجازاة على مكر فسُمِّي المجازاة على المكر مكرًا من باب المقابلة اللفظية لا المعنوية، فهو كقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة ١٩٤] والمقتص لنفسه لا يسمى معتديًا، لكنه يشبهه في اللفظ من باب المقابلة اللفظية لا المعنوية، أو أنه مكر حقيقي لأن صنيع الله بهم مكر، حيث كان القتيل منهم على أحد الأقوال، أو اشتبه عليهم الأمر على القول الثاني، والصحيح في هذا أن الله تعالى يوصَف بما وصف به نفسه، ولسنا أعلم بالله من نفسه، هو أعلم بنفسه وأصدق قيلًا وأحسن حديثًا، ولكنه يجب أن ينزه عن كل نقص، فالمكر هل هو من صفات النقص على سبيل الإطلاق يعني ليس فيه مدح إطلاقًا؟ أو هو نقص في حال دون حال؟ الثاني هو الحقيقة أن المكر في مقام المكر مدح وصفة كمال، والمكر في غير موضعه صفة نقص؛ لأن المكر في غير موضعه خيانة، والخيانة صفة ذم، ولهذا لم يصف الله بها نفسه ولا في باب المقابلة ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنفال ٧١] بعدها؟ * الطلبة: ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾. * الشيخ: ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال ٧١] ولم يقل: فخانهم؛ لأن الخيانة صفة ذم مطلقًا، بخلاف ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ فقابل الله مكرهم بمكر ولم يقابل خيانتهم بخيانة، إذن يكون نجب أن نصف الله بما وصف به نفسه من المكر في الحال التي وصف الله نفسه فيها بالمكر، وذلك في مقابلة مكر أعدائه، فنقول: إن الله يمكر بمن؟ * الطلبة: يمكرون به. * الشيخ: يمكرون به وبرسله وبآياته، أما أن نصف الله بالمكر على الإطلاق فنقول: إن الله ماكر ونطلق فهذا لا يجوز، لماذا؟ لاحتمال النقص؛ لأن المكر كما قلنا ليس كمالًا في كل حال ولا نقصًا في كل حال، فإذا أُطلق صار قابلًا لأن يكون نقصًا، فإذا قُيِّد بالحال التي يكون فيها كمالًا لم يحتمل أن يكون نقصًا، إذن نقول: المكر يوصف الله به لا على سبيل الإطلاق ولكن في الحال التي وصف الله نفسه فيها به، ولهذا جاء في الحديث: «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٠٢٩)، ومسلم (١٧٤٠ / ١٨) من حديث أبي هريرة.]]، وكلٌّ يعرف أن الخدعة في الحرب كمال ولَّا نقص؟ * الطلبة: كمال. * الشيخ: كمال، ويُذكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه لما خرج إليه عمرو بن وُدّ ليبارزه، وتعرفون المبارزة؟ إذا التقى الصفان طلب المتقاتلون المبارزة من يبرز لفلان؟ المبارزة سبب للفتح والنصر أو للهزيمة؛ لأنه إذا تبارز الرجلان وانتصر أحدهما قويت نفوس مَن؟ * الطلبة: أصحابه. * الشيخ: أصحابه، وضعفت نفوس الآخرين، لما خرج إلى مبارزة عمرو بن ودّ خرج إلى مبارزة علي بن أبي طالب رضي الله عنه صاح به وقال: ما خرجت لأبارز رجلين، فظن عمرو بن ودّ أنه قد تبعه أحد من قومه فالتفت لينظر هل لحقه أحد لما التفت ضربه عليٌّ بالسيف حتى طَنَّ رأسه، هذه خدعة ولَّا لا؟ * الطلبة: خدعة. * الشيخ: محمودة ولَّا غير محمودة؟ * الطلبة: محمودة. * الشيخ: محمودة لأنه جاء ليقتله، هو جاء ليقتل عليًّا، فتخلص منه بهذه الخدعة، هذه يعد منقبة لعلي بن أبي طالب وصفة كمال، وحينئذ نقول: المكر في موضعه مدح وكمال. طيب يقول: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ هذه صفة ثابتة مطلقة يعني ما تحتاج قيدًا لأنها وُصفت بكمال، ما هو الكمال؟ ﴿خَيْرُ﴾ ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ يعني ما من أحد يمكر إلا ومكر الله فوقه وخير منه. المكر من الصفات الذاتية أو الفعلية؟ * الطلبة: الفعلية. * الشيخ: الفعلية؛ لأنها تتعلق بمشيئته، وكل صفة لها سبب فهي متعلقة بالمشيئة، كل صفة من صفات الله لها سبب فهي متعلقة بالمشيئة؛ لأن مقدر السبب هو الله فإذا قدر السبب فقد شاءه ويترتب عليه ما يترتب من الصفات. ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ يحتمل أن تكون (إذ) متعلقة بـ ﴿مَكَرَ اللَّهُ﴾ يعني ومكرَ اللهُ إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك، ويحتمل أنها متعلقة بمحذوف تقديره: اذكر يا محمد منوهًا بفضل عيسى إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا. ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ قال بقول مسموع ولَّا غير مسموع؟ * الطلبة: مسموع. * الشيخ: بقول مسموع سمعه عيسى، قال بقول مسموع لأنه يخاطب، ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾. يقول: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ فما معنى هذه الوفاة؟ فيها للعلماء ثلاثة أقوال: القول الأول: قابضك، إني قابضك، مأخوذة من قولهم: توفَّى الدائن دينه أي قبضه، وعيسى قد قبضه الله إليه في السماء ورفعه حتى ينزل في آخر الزمان. القول الثاني: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ وفاة نوم يعني مُنِيمك؛ لأن النائم متوفَّى، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر ٤٢] وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام ٦٠]. القول الثالث: أنها وفاة حقيقية توفاه الله وفاة حقيقية وسيُحْيِيه في آخر الزمان وينزل إلى الدنيا. والصحيح أنها وفاة نوم وأن الله عز وجل لما أراد أن يرفعه إلى السماء أنامه ليسهل عليه الانتقال من الأرض إلى السماء؛ لأن الانتقال من الأرض إلى السماء ليس بالأمر الهين لطول المسافة وبُعدها ورؤية الأهوال فيها فيما بين السماء والأرض وفي السماوات أيضًا، فأنامه الله ثم رفعه نائمًا حتى وصل إلى السماء، لكن هذا القول لا ينافي القول الأول الذي معناه قابضك؛ لأن نهايتهما واحدة، أما القول الثالث أنها وفاة موت فقول ضعيف، يضعِّفه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء ١٥٩] قبل موته أي عيسى، وهذا يدل على أنه لم يمت، ولأن الله تعالى لم يبعث أحدًا بعد الموت فيبقى كما في نزول عيسى عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان، ولأنه -أعني إطلاق الوفاة على النوم- كثير في القرآن يعني ليس بمعنى غريب حتى نقول لا يصح حملها عليه، بل هو معنى له كثرة في القرآن. يقول: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ﴿رَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ﴿رَافِعُكَ﴾ مضافة إلى الكاف كما أن ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ مضافة إلى الكاف فكيف تعربون الكاف فيهما؟ ألأنها في محل جر أو في محل نصب؟ * طلبة: محل نصب. * طلبة آخرون: محل جر. * الشيخ: أليس هو مفعولًا به؟ * طالب: بلى. * الشيخ: متوفى ومرفوع؟ فهل هو في محل نصب ولَّا في محل جر؟ * طلبة: في محل جر. * الشيخ: هو في محل جر؛ لأن عمل الاسم فيه أقوى من عمل المعنى، يعني عمل الاسم إللي هو اللفظ أقوى من عمل المعنى، ومن المعلوم أن الاسم دائمًا يضاف إلى فاعله ويضاف إلى مفعوله. طيب قال: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ﴿إِلَيَّ﴾ إلى أي مكان؟ إلى السماء؛ لأن الرفع يكون من نازل، فمعنى ﴿رَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ يعني في السماء، فرفعه الله سبحانه وتعالى إلى السماء إلى الله. ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مطهرك منهم، التطهير هنا تطهير معنوي لا تطهير حسي، وذلك لأن الذين كفروا ليسوا يلطخون عيسى بالقاذورات الحسية لكنهم يلطخونه بالقاذورات المعنوية، قالوا إنه كذاب، وأنه ابن الزنا -والعياذ بالله- وأنه أمه زانية، واتهموه بأشياء كثيرة فطهره الله منهم، وذلك بما أنزل من براءته في عهده وفيما بعد عهده. وقوله: ﴿مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كفروا بمن؟ كفروا بعيسى؛ لأن الحواريين آمنوا به كما سبق. ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ هذه أيضًا من جملة ما قاله الله له: ﴿جَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿جَاعِلُ﴾ هنا مضافة إلى الفاعل ولَّا المفعول؟ * طالب: فاعل. * الطلبة: إلى المفعول. * الشيخ: إلى المفعول؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: إلى المفعول. ﴿فَوْقَ﴾ محلها النصب هي ظرف متعلق بمحذوف على أنه مفعول ثاني؛ لأن ﴿جَاعِلُ﴾ اسم فاعل مِن (جعل)، و(جعل) تنصب مفعولين، إذن ﴿فَوْقَ﴾ ظرف متعلق بمحذوف للمفعول الثاني، ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. ﴿اتَّبَعُوكَ﴾ اتبعوا شريعتك، ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فوق الكفار إلى يوم القيامة، هذه الآية يطبِّل بها النصارى ويقولون: نحن لنا العلو إلى يوم القيامة ما هو إلى أن بُعث محمد إلى يوم القيامة، فنقول: نعم صدق الله العظيم، إن الذين يتبعون عيسى لهم النصرة على الكافرين إلى يوم القيامة، ولكن مَن الذي يتبع عيسى؟ هم الذين ردوا بشارته وكذبوا من بشر به؟ * طالب: لا. * الشيخ: أبدًا، أنتم لم تتبعوا عيسى، ووالله لو خرج عيسى لكان يقاتلكم حتى ترجعوا إلى الإسلام، ولهذا في آخر الزمان لا يقبل إلا الإسلام، ما يقبل الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، في آخر الزمان ما يقبل حتى الجزية إللي كانت تُقبَل قبل نزوله ما تُقبَل من شدة كراهته لما عليه النصارى واليهود، الآن نحن نقر اليهود والنصارى بالجزية نقول: ابقوا على دينكم، لكن أعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، لكن إذا نزل عيسى ما يقبل هذا يقول: أسلم وإلا فالقتل، لكراهته لما هم عليه لا يريد أن يقرهم ولا على هذا. المهم أن نقول: إن الذين اتبعوا عيسى هم الذين آمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام بعد بعثة محمد، أما قبل بعثة محمد فنعم لا شك أن أتباع عيسى هم المسلمون وأنهم على الحق قبل أن يحرفوا ويبدلوا. فإذا قالوا: كيف تجيبون عن قوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾؟ قلنا: نعم آمِنوا بمحمد ولكم النصرة إلى يوم القيامة. فإن قال قائل: أفلا يمكن أن يراد بالذين اتبعوه أي الذين انتسبوا إليه وتكون لهم الغلبة على الكافرين لا على المسلمين، يعني مثلًا: النصارى يغلبون اليهود، أن النصارى يغلبون الوثنيين وما أشبه ذلك، ويخرج من هذا مَن؟ * الطلبة: المسلمون. * الشيخ: المسلمون، ويكون الله تعالى قد وعد عيسى بأن يكون من انتسب إليه فوق الذين كفروا به؟ فما الجواب؟ الجواب: لا يمكن هذا، لا، ما يمكن هو بعيد متعذر؛ لأن هؤلاء ما اتبعوا عيسى، ألم تسمعوا أن الله يقول يوم القيامة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة ١١٦، ١١٧] وهل النصارى يقولون بهذا؟ أبدًا، إذن ما اتبعوه، فالآية وإن كان قد يتراءى لبعض الناس أن يقول: إن النصارى يغلبون غيرهم من الكفار لهذه الآية، فإننا نقول: لا؛ لأن الله يقول: ﴿جَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ والنصارى الآن لم يتبعوه، ثم إن الآية يعني لو فُسرت بهذا التفسير لكان الواقع يخالفها، فالأمة الصليبية لم تظهر على الأمة الشيوعية، بل هي خائفة منها فأين الفوقية؟ ما فيه فوقية، الآن كل دول أوربا الغربية بأسطولها وحلفها الأطلسي عجزت أن تكون فوق الشيوعية وحلفها وارسو عجزت، كل واحد منهم الآن يخاف من الآخر، وقد يكون أتى في يوم من الأيام أن أوروبا تخاف من الشيوعية أكثر مما تخاف منها هذا اليوم، فالحاصل أن الآية لا يمكن أن تُحمل على النصارى الموجودين اليوم بأي حال من الأحوال. ثم قال: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ ثم يعني بعد، يوم القيامة إلي مرجعكم، ويوم القيامة هو اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين ليُجازَوْا على أعمالهم، وسُمِّي يوم القيامة لثلاثة وجوه، الوجه الأول: أن الناس فيه يقومون لله لرب العالمين كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٦]. والوجه الثاني: أنه يقوم فيه الأشهاد، فالرسل يشهدون على أممهم وهذه الأمة تشهد على الأمم السابقة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]. والوجه الثالث: أنه يقام فيه العدل، قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء ٤٧] فهو يقام فيه العدل، ولهذا أقسم النبي ﷺ وهو الصادق البار المصدوق عليه الصلاة والسلام قال: «وَاللَّهِ لَتُؤَدَّيَنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا حَتَّى إِنَّهُ لَيُقْتَصُّ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٢ / ٦٠) من حديث أبي هريرة.]] هذا عدل، أكبر العدل، فلهذا سُمي يوم القيامة للوجوه الثلاثة، عُدها علينا؟ * طالب: يوم القيامة. * الشيخ: إي نعم، سُمِّي يوم القيامة لوجوه ثلاثة؟ * الطالب: يقام فيه العدل. * الشيخ: يقام فيه العدل. * الطالب: حتى يُقتص من الناس فسُمِّي يوم القيامة. * الشيخ: نعم والثاني؟ * طالب: يقوم الناس فيه. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: يقوم الناس لله رب العالمين. * الشيخ: الدليل؟ * الطالب: لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. * الشيخ: طيب..؟ * طالب: يوم يقوم الأشهاد. * الشيخ: يقوم فيه الأشهاد، الدليل؟ * الطالب: قول الله عز وجل: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]. * الشيخ: دليل الأول؟ دليل الأول اللي قاله الأخ يقام فيه العدل؟ * طالب: قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. والوجه الثاني يقام فيه العدل. * الشيخ: يقام فيه العدل ما الدليل؟ * الطالب: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَة﴾ [الأنبياء ٤٧]. * الشيخ: ثم قال عز وجل: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ يعني ثم بعد هذا الغلبة في الدنيا أو المغالبة في الدنيا حتى يكون بعضكم فوق بعض بعد ذلك ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي مصيركم، وكل المصير إلى الله عز وجل في الدنيا وفي الآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم ٤٢] ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠] الأمر إلى الله أولًا وآخرًا لكن ظهور هذا الرجوع لا يكون إلا يوم القيامة، يتبين فيه للناس جميعًا أن الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى يجازي كل نفس بما عملت، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران ٥٥] الله أكبر وما أعدل هذا الحكم! ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ بين مَن؟ بين الخلائق فيما كانوا فيه يختلفون، وهل الناس يختلفون في شيء؟ نعم ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢] اختلاف عظيم، فيحكم الله عز وجل بين هؤلاء وهؤلاء، ويحكم كذلك بين الرسل وأتباعهم، فتقيم الرسل البينة على أنها بلغت الرسالة، وقد ينكر أتباع الرسل، ينكرون ذلك، لكن لا يتم لهم مقصودهم، فالحكم يوم القيامة بين الناس فيما اختلفوا فيه إلى الله. وقوله: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ هذه فعل مضارع، فهل يشتق منها اسم من أسماء الله؟ القاعدة أن الفعل لا يشتق منه، لكن قد وُجد اسم من دون الرجوع إلى هذا الفعل وهو الحكيم، فإن الحكيم مأخوذ من الحُكم والحكمة، ومن أسماء الله الحكم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ»[[أخرجه أبو داود (٤٩٥٥)، والنسائي (٥٣٨٧)، من حديث هانئ بن يزيد.]] وهذا من الحكم، فالله هو الحكم الذي يرجع الناس إليه في تحاكمهم، واعلم أن الحُكم لله ينقسم إلى قسمين يأتي إن شاء الله في الشرح. * طالب: صفة المكر (...) الإنسان يقول: يا خير (...)؟ * الشيخ: يا خير الماكرين إذا كان المقام يقتضيه مثلًا خائف أنت من مكر إنسان لا بأس، لكن تقول: يا خير الماكرين اغفر لي ما يصلح؛ لأن الله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف ١٨٠] ما تدعو الله باسم تريد أن يكون وسيلة لحصول مطلوبك إلا وهو مناسب، أرأيت لو قال واحد: يا شديد العقاب اغفر لي، مناسب؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: وأيش اللى يناسب؟ * الطلبة: يا غفور. * الشيخ: أو يقول: يا شديد العقاب عاقبني ما أحد قال هكذا. * طالب: شيخ أحسن الله إليك يا شيخنا، لو قال قائل في ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ لو قال قائل بأنه بعث عليه السلام إلى بني إسرائيل واليهود هم الذين كفروا به فالآن الواقع الحاضر أن النصارى هم فوق اليهود ما يمكن هذا؟ * الشيخ: لا، بيَّنا ما يمكن هذا؛ لأن النصارى الآن ما اتبعوه والقرآن ما ينطق إلا بالحقائق، ثم هل ترى الآن أن اليهود فوق النصارى أو النصارى فوق اليهود؟ * الطلبة: اليهود. * الطالب: اليهود بطريقة يعني غير مباشرة. * الشيخ: نحن نسمع الآن إن اليهود عندهم زمام الأمور الاقتصادية والسياسية وأنهم يدبرون العالم، والثقافية. * الطالب: لكن بطريقة غير مباشرة. * الشيخ: نعم بطريق غير مباشر. * الطالب: أما اللي يحكم فهم النصارى. * الشيخ: إي صحيح لكن النصارى ما ترى أنها فوق هؤلاء يعني بمعنى أنهم يخافونهم ويتوددون إليهم. * طالب: شيخ -عفا الله عنك- يوجد الآن مَن يثير دراسات إعلامية أن اليهود والنصارى إخوة لنا وهم لا يسمحون أن (...) في أوساطهم؟ * الشيخ: لكن شوف بارك الله فيك، أنت تمنعهم من هذا؟ هل تستطيع أن تمنعهم من هذا؟ * الطالب: ما أستطيع. * الشيخ: لأنهم إذا قالوا: نحن إخوتهم، نقول لهم: بارك الله لكم فيهم أنتم إخوتهم، وتُحشرون معهم في النار. * الطالب: يغترون بهم يا شيخ. * الشيخ: ما يغتر بهم أحد. * الطالب: قد (...) * الشيخ: أبدًا لا تفكر واحد بيغتر بأن يقول إن الكافر أخ له لا نصراني ولا يهودي ولا غيره، والله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات ١٠]. * طالب: شيخ، ما (...) الشباب الذين يذهبون إلى بلادهم حتى إنهم يقولون: نحن منهم إخوتنا لكن بالفعل يقولون ذلك (...) * الشيخ: لا أبدًا، لا لا، أنا ما أظن إن إنسانًا في قلبه إيمان يسميهم إخوانًا والله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة ١] وين الأخوة؟ * طالب: شيخ بارك الله فيك كيف صعد عيسى من الأرض إلى السماء؟ مع مَن؟ * الشيخ: الله أعلم هل هو بصحبة جبريل أو بغير ذلك الله أعلم، أو قال الله: كن فيكون. * طالب: شيخ، (...) ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ هل يحتمل أن تكون الوفاة والرفع كان يوم القيامة؟ * الشيخ: يوم القيامة فيها بعث؟! ما هو بوفاة. * الطالب: أقصد يوم وفاته بعد ما ينزل إلى الدنيا؟ * الشيخ: يعني في المستقبل؟ * الطالب: إي. * الشيخ: نعم. * الطالب: أيستقيم هذا مع الدنيا؟ * الشيخ: لا يستقيم هذا؛ لأن الرفع بعد الوفاة ﴿مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ والوفاة التي تريد ما تكون إلا بعد الرفع. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: متى؟ يعني في آخر الزمان؟ لا، يدفن في الأرض. * طالب: شيخ قلنا: إن الله سبحانه وتعالى كلمه بصوت مسموع، لمَ لم نقل: إنه كلمه بوحي؟ * الشيخ: بجينا إن شاء الله في الفوائد. * طالب: شيخ عفا الله عنك، نعرف أنه لا يجوز التعرض لأسماء الله بشيء من التعطيل أو التمثيل أو التحريف، والمكر صفة من صفات المخلوقين فكيف من صفات الله؟ يعني هي كالوجه الذي نصف بها الخالق؟ * الشيخ: إي، أن نقول مكر يليق به هو، ما هو مثل مكري أنا أو مكر زيد وعبيد، مثل السمع والبصر وغيره من الصفات تثبت لله لكن على وجه لا يماثل المخلوق. * طالب: شيخ جزاك الله خيرًا، الرسول ﷺ عندما أُسري به رأى عيسى وسلّم عليه وكلمه، طيب يعني النوم فقط في حالة الرفع فقط؟ * الشيخ: كيف يعني؟ لا، رآه في السماء. * طالب: لا أنا قصدي أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ يعني ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ قلنا: التوفي هو النوم، فيكون فقط في حالة الرفع؟ * الشيخ: في حالة الرفع نعم. * الطالب: إذا وصل السماء يعني استيقظ؟ * الشيخ: إي نعم هذا هو الظاهر. * طالب: شيخ أحسن الله إليكم، طيب يجوز يقال لهم أصدقاء الكفار؟ * الشيخ: والله إذا كان بس مجرد القول باللسان يعني صديق بمعنى أنه لم يظهر العداوة فقد يُتسامح فيه؛ لأن الكفار كما تعرف بعضهم يُظهر العداوة ويبارز العداوة، وبعضهم بيننا وبينهم عهد، ولهذا خزاعة قبل أن تسلم يقال فيها إنها عيبة نصح للرسول عليه الصلاة والسلام وهم كفار. * الطالب: (...) يقول: يا صديق صديق. * الشيخ: لا الآن أصحبت كلمة صديق يخاطب بها كل من ليس بعربي. * الطالب: رفيق. * الشيخ: نعم، رفيق من ألقاب الشيوعيين، الرفيق فلان. * * * أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿أَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ الحكم لله عز وجل كونًا وشرعًا، فهو الحاكم كونًا وهو الحاكم شرعًا، أما الحكم الكوني فهو نافذ على كل أحد ولا يستطيع أحد أن يتخلص منه ولا أن يعانده، وأما الحكم الشرعي فإنه باختيار المحكوم عليه، ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩] إذن حكم الله ينقسم إلى قسمين: كوني، وشرعي، فالحكم الكوني ما يُقدِّره الله على عباده ولا يمكن التخلف عنه ويتعلق فيما يحبه وما لا يحبه، فيحكم كونًا بوقوع الطاعات، وهذا مما يحبه، ويحكم كونًا بوقوع السيئات والمعاصي، وهذا لا يحبه، لكنه عز وجل يحكم به كونًا لحكمة ومصالح عظيمة، أما الحكم الشرعي فهو ما قضاه بين العباد شرعًا وهو الذي جاءت به الرسل، وأصله أوامر ونواهي افعلوا كذا لا تفعلوا كذا، ولا يلزم من الحكم الشرعي وقوع المحكوم به بل قد يتخلف عنه كثير من الناس، وها هو الرسل يرسلهم الله عز وجل يتبعهم أناس قليلون وأناس كثيرون، بل قد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٧٠٥)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس، واللفظ له.]] فيتخلف الحكم الشرعي. الحكم الجزائي بعض العلماء قال: إن هناك قسمًا ثالثًا للحكم وهو الحكم الجزائي الذي يحكم الله فيه بالجزاء على من عمل، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، وعليه يتنزل قوله هنا: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي أحكم بينكم حكمًا جزائيًّا، يحكم بينهم حكمًا جزائيًّا، ويعقب هذا الحكم المآل إما إلى الجنة وإما إلى النار، ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الفاء هذه عاطفة على ما سبق عطف تفريع أي أن ما بعدها فرع عما قبلها، يعني هذا الحكم يكون على هذا الوجه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ و(أما) هنا شرطية تفصيلية يعني أنها تفيد التفصيل كما في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل ٥] ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل ٨] وهنا قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ كفروا بمن؟ أي كفروا بالله ورسله، والكفر في اللغة الستر ومنه سمي الكُفُرَّى الذي هو غطاء طلع النخل ويسمى في اللغة العامية الكافور، فالذين كفروا ستروا ما أنعم الله به عليهم من نعمة العقل ونعمة المال والصحة وغير ذلك حيث لم تظهر عليهم آثار هذه الأشياء، فآثار العقل أن الإنسان يفعل ما ينفعه ويدع ما يضره هذه آثار العقل، ومنه سمي العقل حِجْرًا لأنه يحجر صاحبه عما يضره، لكن الذين كفروا ستروا ما يقتضيه العقل من حسن التصرف وذلك بالإيمان بالله ورسله، فلذلك سُموا كفارًا أي أيش؟ ساترين لما أنعم الله به عليهم من نعمة العقل التي مقتضاها الإيمان بالله ورسله. قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ العذاب فِعل ما به مشقة أو حصول ما به مشقة سواء كان عن ذنب أو غير ذنب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ السَّفَرَ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٩٢٧ / ١٧٩) من حديث أبي هريرة.]] وقال: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٣٠٤)، ومسلم (٩٣١ / ٢٥) من حديث ابن عمر.]] يعني هذا عذاب مشقة، ومن عذاب المشقة عذاب العقوبة؛ لأنه شاق على المعاقَب، وهنا المراد بالعذاب هنا عذاب مشقة العقوبة. ﴿أُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ الشديد يعني القوي العظيم. ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ في الدنيا قال العلماء: إن العذاب في الدنيا ما يحصل لقلوبهم من الضيق، والضنك، والقلق، والحسرة، وغير ذلك، وما يحصل لهم على أيدي المؤمنين من القتل، والأسر، والجزية، وغير ذلك، فعذابهم يكون بألمهم القلبي وألمهم البدني، ولهذا قال: ﴿أُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا﴾ أما عذابهم في الآخرة فظاهر يعذَّبون في الآخرة بماذا؟ بالنار، يعذبون في الآخرة بالنار، وهم لا تتخطاهم العقوبتان أو إحداهما، يعني إما أن يحصل لهم هذا وهذا وهو الغالب، وإما أن يحصل لهم عذاب الآخرة ولا بد، ولكن ظاهر الآية الكريمة: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أنه يحصل لهم العذاب في الدارين، قال: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ الدنيا هي هذه الحياة التي نحياها، ووُصفت بذلك لوجهين، الوجه الأول لدُنوِّها؛ لأنها سابقة على الآخرة فهي دانية، والوجه الثاني: لنزول مرتبتها كما يقال: دنيا وعُليا، فالدنيا نازلة مرتبة عن الآخرة مهما بلغ نعيمها، مهما بلغ نعيمها فإنها نازلة عن الآخرة؛ لأن نعيم الدنيا إذا حصل فهو مشوب بالكدر كما قال الشاعر: فَيَــــــــوْمٌ عَلَيْنَــــــــاوَيَـــــــــــــوْمٌ لَنَـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ∗∗∗ وَيَــــوْمٌ نُسَــــاءُ وَيَـــــــــــــوْمٌنُسَــــــــــــــــــــــــــــــرْ وقال الثاني: لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُــــهُ بِادِّكَــــارِ الْمَــــوْتِوَالْهــــــــرَمِ فمهما نُعِّمَ الإنسان في هذه الدنيا فنعيمها دانٍ، ولهذا وُصفت بالدنيا، أما نعيم الآخرة فقد قال الله تعالى: ﴿فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف ٧١] وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧] إذن الدنيا وُصفت بذلك لوجهين، الأول؟ * طالب: الأول: لدنوها لوقوعها قبل الآخرة. * الشيخ: نعم. * الطالب: الثاني: أنها دانية؛ يعني أقل من الآخرة منزلة. * الشيخ: دُنوّ مرتبتها ومنزلتها. وأما قوله: ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ فوُصفت بذلك لأنها متأخرة، متأخرة زمنًا لا مرتبة، فهي في المرتبة فوق الدنيا لكنها زمنًا متأخرة. قال: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يعني هذا العذاب الشديد الذي يوقعه الله فيهم لا يجدون مَن ينصرهم منه أي مَن يدفع عنهم هذا العذاب لا أهل ولا مال ولا صديق ولا قريب ولا أحد من الناس ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا﴾ [المعارج ١١ - ١٥]. وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ (ما) هذه نافية، وهل هي حجازية؟ * طالب: لا. * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: يشترط في الحجازية الترتيب. * الشيخ: ما معنى الترتيب؟ * الطالب: يأتي اسمها أولًا ثم خبرها، نعم. * الشيخ: وهنا؟ * الطالب: هنا تقدم خبرها على اسمها. * الشيخ: لأن ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم. طيب (من) حرف جر زائد، زائد إعرابًا و﴿نَاصِرِينَ﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع بالياء ولَّا بالواو؟ بعض * الطلبة: بالياء. * طالب: منصوب. * طالب آخر: مجرور. * الشيخ: هو عندنا شيء يرفع بالياء يا جماعة؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما يوجد في الدنيا كلها إلا كان لغة غير عربية ما ندري، مرفوع بالواو المقدر وجودها في محل الياء، ومنع من ظهورها اشتغال المحل بالحرف المناسب أو الذي جُلب من أجل حرف الجر الزائد، ولولا (من) لكانت (ناصرون)، وما لهم ناصرون. ثم جاء بالقسيم الثاني قال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم، والرب عز وجل يكرر هذا دائمًا في القرآن، يجمع بين الإيمان والعمل الصالح؛ لأنه لا إيمان بلا عمل ولا عمل بلا إيمان، بل لا بد من الأمرين. ﴿آمَنُوا﴾ وهنا حذف المؤمَن به، فنُقدِّره على أعم ما يكون ونقول: آمنوا بما يجب الإيمان به، وذلك بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي عملوا الأعمال الصالحات، والأعمال الصالحات هي التي تكون لله وفي الله، أي أنها خالصة لله وفي حدود شريعة الله، يعني خالصة صوابًا كما قال الفُضيل بن عياض رحمه الله، خالصة لله صوابًا يعني على السنة هذا هو العمل الصالح، فإن لم تكن خالصة فليست عملًا صالحًا، بل هي مردودة على صاحبها؛ لقوله الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدً﴾ [الكهف ١١٠] وفي الحديث القدسي قال الله تعالى: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]] وأما الموافقة أو الصواب كما قال الفضيل: فلقوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة.]] فلا يُقبل عمل إلا بموافقة الشرع، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء ١٧٣] الفاء واقعة في جواب (أما) الشرطية، و﴿يُوَفِّيهِمْ﴾ فيها قراءتان: ﴿نُوَفِّيهِمْ﴾ و﴿يُوَفِّيهِمْ﴾، فأما على قراءة: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ ففيها التفات من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب صح؟ لأنه قال في الأول: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ وهنا قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ وهذا ضمير غائب، وأما على قراءة النون: ﴿فَنُوَفِّيَهُمْ﴾ ففيها نوع من الالتفات من ضمير الإفراد إلى ضمير الجمع ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ وهنا قال: ﴿فَنُوَفِّيَهُمْ﴾ وأيش اللي معكم؟ * طالب: الجلالين. * الشيخ: شوف وأيش يقول؟ * طالب: يقول: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ بالياء والنون. * الشيخ: بالياء والنون، شوف الحاشية؟ * طالب: قال: بالياء والنون سبعيتان. * الشيخ: نعم، على كل حال المصحف اللي عندي ما كُتبت القراءة الثانية لكنها (...) تحتاج أنها تكتب. طيب قال: ﴿فَنُوَفِّيهِمْ﴾ ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ على كل حال سواء ﴿يُوَفِّيهِمْ﴾ أو ﴿نُوَفِّيهِمْ﴾ ففيها شيء من الالتفات، وقد ذكرنا فيما سبق أن للالتفات فوائد، أو فائدة، منها؟ * طالب: تنبيه المخاطب. * الشيخ: تنبيه المخاطب كيف؟ * الطالب: لأن المخاطب إذا كان يقرأ في وتيرة واحدة ثم يتغير. * الشيخ: إذا كان الكلام على نسق واحد، * الطالب: ثم يتغير هذا النسق فيتنبه. * الشيخ: ينتبه، صحيح هذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي نعم، وطرق تنبيه المخاطب كثيرة منها إذا كنت تتكلم بلسانك بعض الكلمات مثلًا ترفع صوتك أو تخفض صوتك أو ما أشبه ذلك هذا من التنبيه، كذلك الالتفات من ضمير إلى آخر هذا يوجب تنبه المخاطب، على الفائدة الثانية أنه إذا قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ ﴿يُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ صار فيه شيء من تعظيم الموفِّي؛ لأن تعبير المتكلم عن نفسه بصيغة الغيبة قد يوحي بالتعظيم كما يقول: الملك يأمر بكذا وكذا يعني نفسه، هذا فيه شيء من التعظيم، فيه أيضًا شيء من إكرام الذين عملوا الصالحات، إكرام الذين عملوا الصالحات فيوفيهم، كيف ذلك؟ لأن ذكر منة الله عليهم بصيغة التكلم أعظم من ذكر المنة بصيغة الغائب، يعني أن هذا فيه شيء من الإكرام، من الإكرام لهم وقد قال الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠] فجعل كأنهم هم الذين أحسنوا مع أن المحسن هو الله، محسن إليهم في العمل وفي ثواب العمل، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢] فمن أجل إكرام هؤلاء لم يخاطبهم الله بصريح المنة فيقول: فنوفيكم، أو فأوفيكم، بل قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ إذن فائدتان: تعظيم المتكلم نفسه، والثاني: إكرام المثاب، أما على قراءة النون فالتعظيم فيها واضح: ﴿فَنُوَفِّيهِمْ﴾ لأن ضمير الجمع المضاف إلى الله عز وجل أو الذي يراد به الله عز وجل نعلم علم اليقين أنه لا يراد به الجمع الذي هو التعدد، إنما يراد به؟ * الطلبة: التعظيم. * الشيخ: التعظيم. فيه أيضًا إكرام المثاب –بالنون- إكرام المثاب؛ لأنه إذا ظهر إكرامه بصيغة التعظيم فإن الثواب الواقع من العظيم عظيم، يكون عظيمًا، وعلى هذا فيكون على القراءتين فيها ثلاث فوائد، الالتفات على قراءتين فيها ثلاث فوائد، الأولى؟ * الطلبة: التنبيه. * طالب: وهذه عامة. * الشيخ: التنبيه، وهذا عام. الثاني؟ * الطلبة: التعظيم. * الشيخ: تعظيم الموفِّي، والثالث؟ * الطلبة: الإكرام. * الشيخ: إكرام الموفَّى. قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ (أجورهم) لماذا نُصبت وقد استوفى الفعل معموله؟ * طالب: مفعول ثاني للفعل ﴿يُوَفِّيهِمْ﴾ ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ (أجورهم) مفعول ثاني لـ (يوفيهم). * الشيخ: (يوفي) تنصب مفعولين؟ أصلهما المبتدأ والخبر؟ هل أصلهما المبتدأ والخبر؟ * الطالب: إي، كل المفعولين في الأصل مبتدأ والخبر. * الشيخ: لا يا شيخ هذه قاعدة من أكذب القواعد هذه. * الطالب: لا، ما هو مبتدأ وخبر. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: (هم) مفعوله الأول و(أجورهم) مفعوله الثاني. * الشيخ: إي، لكن هل أصل المفعولين المبتدأ والخبر أو لا؟ * الطالب: لا. * الشيخ: إذن أبطلت القاعدة. * الطالب: إي، أنا قلت ممكن كـ (كان) اسم كان وخبره. * الشيخ: لا. * الطالب: راح مني. * الشيخ: إي، إذا قلت: ظننت زيدًا فاهمًا، هذا أصلهما المبتدأ والخبر؛ لأن (ظن) وأخواتها تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ الخبر، طيب فيه كلمات أخرى تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر يسمونه من باب (كسا)، نعم من باب (كسا) وبعضهم يقول من (كسا وأعطى)، هذه من باب؟ * الطلبة: (كسا وأعطى). * الشيخ: (كسا وأعطى) تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر. ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أجورهم أي جزاء أعمالهم، اللهم لك الحمد، انظر إلى هذه المنة كأن هؤلاء عمال يستحقون الأجر ولا بد، حيث سمى الله جزاءهم أجرًا، والأجر من المستأجر حق يجب دفعه، ولكن هذا من فضل الله عز وجل وكرمه؛ لأن الذي أوجب الأجر على نفسه مَن؟ * الطلبة: الله. * الشيخ: الله عز وجل، الله عز وجل هو الذي أوجب ذلك على نفسه لم يوجبه أحد عليه، لو شاء لأمرنا ونهانا ولزمنا أن نطيعه بدون عِوَض؛ لأنه ربنا وخالقنا، وما نعمل فإنه لا يقابل ولا واحد بالملايين من نِعَمه، ولهذا قال النبي ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ». قَالُوا: ولا أنت يا رسولَ اللهِ؟ قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧٥) من حديث أبي هريرة.]] ﷺ، فهذه الأجور التي هي جزاء الأعمال والتي سماها الله أجرًا كالأجرة المفروضة على المستأجر لم يوجبها أحد على الله، بل هو الذي أوجب على نفسه هذا الأجر، قال ابن القيم رحمه الله: مَــــا لِلْعِبَــــادِ عَلَيْــــهِ حَــــقٌّوَاجِــــــــبٌ ∗∗∗ هُــوَ أَوْجَــبَ الْأَجْــرَ الْعَظِيــمَالشَّــــانِ؎كَــــلَّا وَلَا عَمَــــلٌ لَدَيْــــهِضَائِــــــــــــــعٌ ∗∗∗ إِنْ كَــــانَ بِالْإِخْــــلَاصِوَالْإِحْسَــــــانِ؎إِنْ عُذِّبُــــوا فَبِعَدْلِــــهِ أَوْنُعِّمُــــــــــــــــوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِــــــــهِ وَالفَضْــــــــلُلِلْمَنَّــــــــــــــــــــــــــــــانِ اللهم لك الحمد، فالحاصل أننا ليس لنا حق على الله واجب: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ٥٤] اللهم لك الحمد. طيب ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي جزاء أعمالهم، وسُمي أجرًا كأجر المستأجر الواجب عليه ولكن الذي أوجبه من؟ * الطلبة: الله. * الشيخ: الله. قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ختْم الآية بهذا مناسب؛ لأنه لما بيَّن أن هؤلاء آمنوا وعملوا الصالحات فيُوفَّوْن أجورهم بيَّن أن هؤلاء قد قاموا بما يلزمهم وأنهم لم يظلموا أنفسهم، ولذلك أثابهم الله عز وجل هذا الثواب العظيم، وأن الله سبحانه وتعالى لا يحب الظالمين، فلو ظلموا أنفسهم ما استحقوا هذا الثواب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣] فلو أشركوا بالله لحبط عنهم ما كانوا يعملون، وبطل عملهم لكنهم أخلصوا لله، ولو ابتدعوا في دين الله ما قبِله الله منهم، ولكنهم اتبعوا شريعة الله فانتفى عنهم الظلم في الإخلاص وفي العمل، فكانوا أهلًا لإكرام الله عز وجل، أما الذين كفروا واستحقوا العذاب فإنهم ظلموا أنفسهم فحصلوا على مقت الله وعقابه والعياذ بالله وعدم محبته. ثم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾. * طالب: الآية غير واضحة. * الشيخ: نعم ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه كل ما سبق من ذِكر آل عمران ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى آخره [آل عمران: ٣٣] فكل هذا مما تلاه الله تعالى على رسوله محمد ﷺ. وقوله: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ أي نقرؤه عليك متتاليًا، يتلو بعضه بعضًا، ولكن بواسطة جبريل عليه الصلاة السلام كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء ١٩٢ - ١٩٥]. وقوله: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ﴾ ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾ هذه (مِن) قال بعضهم: إنها بيانية تبين المشار إليه في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾، وقال بعضهم: إنها تبعيضية أي بعض الآيات، ولكن الصواب الأول وأن ما تلاه الله على رسوله محمد ﷺ كله آيات. والآيات جمع آية وهي في اللغة العلامة، العلامة على الشيء تسمى آية، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٩٧] وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس ٣٧] يعني علامة على قدرتنا، وما أشبه ذلك من الآيات، ولما أرسل النبي ﷺ رجلًا إلى عامله في خيبر أن يعطيه أوساقًا من التمر قال: «فَإِنْ طَلَبَ مِنْكَ آيَةً -أَوْ قَالَ: أَمَارَةً- فَضَعْ يَدَكَ عَلَى تُرْقُوَتِهِ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٣٦٣٢) من حديث جابر بن عبد الله.]] على هذا، كأن النبي ﷺ قد قال للعامل: إذا بعثت إليك مبعوثًا فإن علامة صدقه أن يضع يده على ترقوته. قال: ﴿مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ﴾ الذكر والمراد بما تلاه الله من الآيات القرآن وكذلك الذكر، والذكر يطلق على معان منها الشرف كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤] أي شرف عظيم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح ٤] أي شرفك، ويطلق الذكر على ما يحصل به التدبر، فيسمَّى الكلام الجيد المشتمل على الموعظة يسمى ذكرًا، قال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى ٩] أي التذكرة، ويطلق الذكر على ذكر الله عز وجل كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ [النساء ١٠٣] والمراد به في هذه الآية المعنيان الأوَّلان: الشرف، وما يحصل به التذكير، فإن هذا القرآن لا شك شرف لمن تمسك به وقام بحقه، فإنه يناله شرف الدنيا والآخرة، وسعادة الدنيا والآخرة، ولم يشرف العرب ولم ينالوا السعادة والنصر والظهور إلا حين تمسكوا به، ولذلك لما تخلَّوْا عنه زال عنهم وصف الشرف والظهور والنصر وصاروا إلى ما ترون، ولن يعود لهم مجدهم السابق مهما طنطنوا بالعروبة والقومية وما أشبه ذلك إلا إذا رجعوا إلى الإسلام، مهما بلغوا في الدعاية فيما يتعلق بالقومية والعروبة وما أشبه ذلك فإنها لن تنفعهم، لن تزيدهم إلا دمارًا كالذين ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن ٦] لن تزيدهم إلا ذلًّا إلا إذا رجعوا إلى دين الله الذي انتصروا به من قبل. طيب هذا القرآن أيضًا ذِكر من جهة التذكير، ذِكر من جهة الشرف وذِكر من جهة التذكير؛ لأن كل إنسان يقرأ القرآن بحضور قلب فلا بد أن يتأثر به ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧] لا بد أن يتذكر به، فهو موعظة عظيمة حتى لغير المؤمنين، إذا سمعوه وهم يعرفون آياته أي معانيها فسوف يتعظون به، وما وقع لبعض العرب في ذلك أمر مشهور في التاريخ حتى إنه ذُكر أن النبي ﷺ لما قرأ عليهم: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ قالوا: أمسكْ، أو: هم أمسكوه ووضعوا أيديهم على فَمِهِ[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٥٣٩) من حديث جابر بن عبد الله.]]. من شدة ما يعلمون من هذه المعاني العظيمة. وقوله: ﴿الْحَكِيمِ﴾ الحكيم يعني ذا الحكمة، فالقرآن كله حكمة وهو فعيل بمعنى مُفْعَل، وفعيل بمعنى فاعل، فهو فعيل بمعنى مُفْعَل أي مُحْكَم مُتْقَن، وهو فعيل بمعنى فاعل أي حاكم؛ لأن القرآن بلا شك حاكم بين الناس، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء ١٠٥] لكن هل يأتي فعيل بمعنى مُفْعَل؟ * طالب: أمِن ريحانةِ الداعي السميع. * الشيخ: هذه بمعنى مُسمِع. * طالب: هي فعيل بمعنى مفعِل * الشيخ: كيف بمعنى مفعِل؟ هي بمعنى محكِم، هذا بمعنى محكَم، هذا على مثل جريح بمعنى مجروح، قتيل بمعنى مقتول، يعني تَرِد فعيل بمعنى مفعول ومُفْعَل، أي ترِد لما لم يسمَّ فاعله، فالقرآن مُحْكَم والقرآن أيضًا حاكم. * طالب: في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ قلنا: إن (ما) هي ما الحجازية، ويشترط فيها الترتيب، وهنا الخبر شبه جملة، فهل يصح أن تكون حجازية؟ * الشيخ: وإذا كان الخبر شبه جملة يصح أن تكون حجازية؟ * الطالب: نعم، أليس كذلك؟ * الشيخ: لا، ليس كذلك، من أين لك هذا الكلام؟ * الطالب: إنهم يقولون: لا بد من الترتيب إلا إذا كان الخبر ظرف أو جار ومجرور. * الشيخ: من قاله؟ * الطالب: قاله ابن مالك. * الشيخ: لا، اقرأ كلام ابن مالك. * الطالب: في قوله: وَسَبْقَ حَرْفِ جَرٍّ أَوْ ظَرْفٍ كَـ (مَــــا ∗∗∗ بِــــي أَنْــــتَ مَعْنِيًّــــا) أَجَــــازَالْعُلَمَــــــــــــا * الشيخ: يعني معناه مفعول الخبر، ولهذا (ما بي أنت معنيًّا) على الترتيب، فـ (أنت): اسمها، و(معنيًّا) هو الخبر، أما (بي) فهي مفعول الخبر، يعني يجوز أن يتقدم معمول الخبر إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا، هذا معنى كلام ابن مالك، عرفت ولَّا لا؟ * الطالب: إي عرفت. * طالب: المعنى الثالث للذكر ما يراد بهذه الآية أنه ذِكر لله؟ * الشيخ: لا، بعيد هذا. * الطالب: القرآن هو ذكر من الله سبحانه وتعالى؟ * الشيخ: إلَّا، لكن بس ذكر الله اللي نريد الذي ذكر الله في القرآن، ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [النساء ١٠٣] * الطالب: لا، يعني ما تصلح الآيات هذه أن تكون ذكرًا؟ * الشيخ: لا ما تصلح، ولهذا ما يقال مثلًا لمن قرأ القرآن إنه ذكر الله إلا بالمعنى العام لأن كل عبادة فهي ذكر لله، لكن الذكر الخاص هو: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وما أشبهه. * الطالب: القرآن ما هو بذكر؟ * الشيخ: الذكر الخاص، ذِكرٌ بالمعنى العام. * طالب: شيخنا جزاكم الله خيرًا، يوم أمس جاء المشركون جاءوا رسول ﷺ ومعه أخ قال له أمسك، هل يدل ذلك على أن ثقتهم بعذاب الدنيا أكبر من ثقتهم بعذاب الأخرة. * الشيخ: إي هم يخافون؛ لأنهم بعضهم يعرف أن الرسول صادق، لكن عندهم عناد والعياذ بالله. * الطالب: إي لكنهم يخافون من عذاب الدنيا وثقتهم تقل في عذاب الآخرة؟! * الشيخ: لكن ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية ٢٣]. * طالب: شيخ ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ﴾ الآيات هل هي تختص بما ذُكر من عيسى وآل عمران؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: الخطاب إذا كان للنبي ﷺ هل تختص بما ذُكر من عيسى نحن قلنا ﴿ذَلِكَ﴾ أي.. * الشيخ: المشار إليها الآن مختصة بالقصص هذه. * الطالب: ما يمكن يا شيخ نقول ﴿ذَلِكَ﴾ يعني ذلك لقصة عيسى وغيرها؟ * الشيخ: بس نقدِّرها على المشار إليه ممكن في هذه القصة. * طالب: شيخ أخذنا من فوائد الالتفات إبعاد السآمة والملل من السامع وكذلك حمله على التفكير في المعنى، نضيف هذه إلى فوائد الالتفات؟ * الشيخ: ممكن لكن الحمل على التفكير قد يكون من باب التنبيه، لكن ما يخالف، هذه فائدتين غابت عنا، هذه فائدتين صحيحتين. * طالب: شيخ، قوله الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ هذا يعني عذاب الدنيا يكون حسي ومعنوي معين ولَّا؟ * الشيخ: ظاهر وغير ظاهر. * الطالب: كيف؟ * الشيخ: ظاهر كالأثر، وغير ظاهر اللي في القلب. * طالب: (...) * الشيخ: ربما، ربما يعني على بعد. الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران ٥٧ - ٦٠] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران ٥٤]. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن أعداء الرسل يكيدون لهم ويمكرون لهم؛ لقوله: ﴿وَمَكَرُوا﴾، وننتقل من هذا إلى أن أعداء الرسل أيضًا يمكرون لأتباع الرسل؛ لأن أعداء الرسل ليسوا يمكرون للرسل أو يمكرون بالرسل من أجل أنهم فلان وفلان لكن من أجل دعوتهم، ودعوتهم إذا ورثها العلماء من بعدهم فإن الذين يمكرون للرسل سيمكرون بأتباع الرسل وورثة الرسل، وينبني على هذه الفائدة: أنه يجب على أهل العلم أن يتحفظوا تحفظًا كاملًا من أعداء الرسل الذين يتربصون بهم الدوائر، وأن يتقوا شرهم بما استطاعوا لئلا يمكروا بهم، والمكر ووسائله وطرقه كثيرة، لكن العاقل الذكي ينتبه، ولهذا قال الله عز وجل للرسول عليه الصلاة والسلام في المنافقين، قال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون ٤]، فبيّن أنهم هم العدو حقيقة وأمر بالحذر منهم. و* من فوائد هذه الآية: وصف الله عز وجل بالمكر، لكنه لا يوصف به على سبيل الإطلاق، بل يقال: إن الله ماكر بمن يمكر به ليعود المكر صفة كمال؛ لأن المكر إذا ذُكِر مطلقًا صار محتملًا للنقص، فإذا ذُكِر مقيدًا بأن قيل: إن الله تعالى ماكر بمن يمكر به وبأوليائه صار صفة كمال يدل على قوة الله عز وجل وإحاطة علمه، وأن علمه أدق من علم هؤلاء الماكرين الذين يأتون بالأسباب الخفية والطرق الملتوية ليوقعوا عباد الله في الشر، فيكون الله سبحانه وتعالى أقوى منهم في ذلك، أقوى منهم في هذا، إذا مكروا مكر الله عز وجل، ولا يجوز أن يسمى الله بالماكر مطلقًا، طيب يسمى بالماكر؟ لا؛ يوصف بالماكر على سبيل الإطلاق؟ لا، يوصف بالماكر مقيدًا، وسبق لنا أن الله وصف نفسه بالمكر والكيد والسخرية والخداع والاستهزاء ولم يصف نفسه بالخيانة أبدًا؛ لأن الخيانة صفة ذم بكل حال، ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال ٧١] ولم يقل: فخانهم؛ لأن الخيانة خديعة في مقام الائتمان، والخديعة في مقام الائتمان صفة ذم، صفة ذم ونقص. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز المفاضلة بين الخالق والمخلوق في الوصف، كما قال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، و(خير) اسم تفضيل، فيجوز أن يفاضَل بين الخالق والمخلوق؛ لأن هذا مطابق للواقع تمامًا، فالله تعالى أكمل من كل ذي كمال، أعرفت؟ ومنه تتفرع قاعدة وهي: خطأ بعض أهل العلم رحمهم الله، حيث يفسرون اسم التفضيل المنسوب إلى الله باسم الفاعل، فيقولون مثلًا في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، يقولون: الله عالم حيث يجعل رسالته، ولم يتفطنوا أنهم إذا قالوا: الله عالم، لم يمنع مشاركة غيره في العلم مع المساواة، لكن إذا قالوا: الله أعلم، أيش؟ امتنع مشاركة غيره له في العلم الذي هو أعلم به من غيره. ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، ثم قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران ٥٥] إلى آخره، في هذه الآية الكريمة: التنبيه على أنه ينبغي أن نذكِّر الناس بأحوال الأنبياء السابقين، وجه ذلك أننا قدّرنا: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ بأيش؟ اذكر إذ قال الله، فينبغي أن يُذَكِّر الإنسان الناس بأحوال الأنبياء السابقين؛ لما في ذلك من محبتهم والثناء عليهم ومعرفة أحوالهم وإبقاء ذكراهم، وغير ذلك من المصالح العظيمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات القول لله، وأنه بحروف وبأصوات مسموعة؛ لقوله: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾، وهذا خطاب من يسمع، ثم هو كلمات من حروف ولّا من غير حروف؟ من حروف، ولهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم كلامًا مسموعًا بحرف وصوت. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على من قال: إن كلام الله هو المعنى النفسي، المعنى القائم بنفسه، فإن هذا لا يسمى قولًا، وإن أُطْلِق عليه القول فلا بد أن يقيد كما في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة ٨]، فلما أراد القول النفسي أيش قيده ﴿يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾، أما إذا جاء القول غير مقيد فالمراد به ما يُسمع، ففيه الرد على الأشاعرة الذين يقولون: إن كلام الله هو الكلام النفسي القائم بنفسه، وأنه أزلي لا يحدُث ولا يسبق بعضه بعضًا؛ لأنه معنى، معنى قائم بالنفس، والحقيقة أن هذا القول مضمونه إنكار كلام الله، ولهذا قال بعض منصفيهم: ليس بيننا وبين المعتزلة فرق؛ لأننا نقول جميعًا إن هذا القرآن الذي في المصحف مخلوق؛ لأن الأشاعرة يقولون: إن الله تعالى لا يتكلم بما يُسمع؛ لكن يخلق كلامًا يعبر به عما في نفسه، وعلى هذا فالمسموع والمقروء والمكتوب مخلوق، فيتفق المعتزلة والأشاعرة، بل إن المعتزلة خير منهم من جهة النسبة؛ لأنهم يقولون: هذا كلام الله، وأولئك يقولون: هذا عبارة عن كلام الله، عبارة عن كلام الله وليس كلام الله، المهم أن هذه الآية وأمثالها فيها الرد على من؟ على الأشاعرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة عيسى ومنقبته لخطاب الله إياه، فإن من خاطبه الله فذلك فخر له بلا شك، خصوصًا وأنه قال له: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ إلى آخره. * ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى رفع عيسى بجسمه؛ لقوله: ﴿وَرَافِعُكَ﴾، والخطاب لعيسى المكوَّن من بدن وروح، فيكون رفعه أيش؟ ببدنه. * ومن فوائدها: إثبات منقبةٍ لرسول الله ﷺ، وذلك أن النبي ﷺ أُسْرِي به إلى السماوات السبع حتى اخترقها كلها وهو يقظان، وعيسى لم يُرفع إلا وهو نائم؛ لأن قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أي: مُنِيمُك، على أحد الأقوال وهو أقربها، ومعلوم أن ثبات قلب من يباشر الشيء وهو يقظان أقوى من ثبات من يباشره وهو نائم، واضح؟ ولهذا تجد بعض الناس إذا سمع الرعد الشديد والبرق الخاطف يغمّض ويضع أصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع، ويقول: ليتني نمت قبل هذا، والإنسان الثابت الذي يقول: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، تجده ما يهمه، المهم أن الرسول ﷺ أسري به يقظة بروحه وبدنه، وعيسى عندما أراد الله أن يرفعه أنامه. * ومن فوائد الآية الكريمة: منقبة لعيسى أخرى، حيث قال: ﴿رَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (إليّ) فأضاف رفعه إلى نفسه عز وجل، وهذا لا شك أنه منقبة أن الله ضمّه إليه ورفعه إليه؛ ليكون أقرب إليه مما لو كان في الأرض. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل منع الأذى عن عيسى الذي يمكن أن يُلحقه بالكفار، حيث قال: ﴿مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران ٥٥] وذلك بالدفاع عنه؛ فإن الذين كفروا قالوا: إنه ولد زنا - قاتلهم الله- فطهّره الله، طهره الله، لما قالوا: ﴿يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٧، ٢٨]، من أين جاء الزنا، من أين جاءك الزنا؛ لأن هذا تعريض، يقولون: أبوك ما كان امرأ سوء بل هو نزيه وأمك كذلك، فمن أين جاءك الزنا؟ شوف أعوذ بالله، لم تجاوبهم، ﴿أَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم ٢٩]، اسألوا الطفل؟ ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم ٢٩]، فأجابهم قبل أن يسألوه، وأيش قال؟ ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم ٣٠] إلى آخره، هذا تطهير عظيم له ولأمه رضي الله عنها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل من رمى عيسى بهذا السوء فهو كافر؛ لأنه لم يقل: مطهرك من الذين قدحوا فيك، قال: ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فيستفاد من هذا أولًا كفر هؤلاء، وثانيًا: أن كل من رماه بذلك فهو كافر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن نصرة الأتباع نصرة للمتبوع، من أين؟ ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، لولا أنه يفرح بذلك ويُسَرَّ ما بشّره الله به، لكن من المعلوم أن كل إنسان يدل على هدى فينتصر أتباعه من المعلوم أنه سيفرح؛ لأنه كلما انتصر أتباعه قوي الهدى الذي قاد الناس إليه فعظُم أجره، فإنّ من دلَّ على هُدًى كان لهُ مثلُ أجرِ فاعلِهِ[[أخرجه مسلم (١٣٣ / ١٨٩٣) من حديث أبي مسعود الأنصاري بلفظ: مَن دلَّ عَلَى هُدًى.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أتباع عيسى منصورون إلى يوم القيامة؛ لقوله: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وسبق لنا مَن أتباعه؟ * طالب: الذين آمنوا به. * الشيخ: بعد بعثة الرسول ﷺ هم أمة محمد، ومن كفر بمحمد فإنه لم يتبع عيسى، وذكرنا وجهًا آخر أن النصارى سيكونون فوق غيرهم من ملل الكفر، لكن الإسلام فوق الجميع، ولكن متى يكون الإسلام فوق الجميع؟ إذا رجع المسلمون إلى الإسلام حقيقة، أما إذا لم يرجعوا إلى الإسلام حقيقة فيخشى أن يكون النصارى فوقهم، والواقع؟ * الطلبة: يشهد لهذا. * الشيخ: الواقع الآن مع الأسف يشهد لهذا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات يوم القيامة؛ لقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، ويوم القيامة هو اليوم الذي يبعث فيه الناس للجزاء إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، وسمي يوم القيامة لماذا؟ * طالب: لأن الناس يقومون فيه. * الشيخ: هذا واحد، كمّل؟ * طالب: يقوم فيه الأشهاد. * الشيخ: يقوم فيه الأشهاد، كمّل؟ * طالب: (...). * الشيخ: أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يقام فيه العدل. * ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الفوقية على الفوقية المعنوية. * طالب: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. * الشيخ: يعني معناه أنهم يكونوا على سقف فوق رؤوسهم؟ * الطلبة: لا، ارتفاع معنوي؟ * الشيخ: لا، حسية، فوقية معنوية، صح، إذن إثبات الفوقية المعنوية كالفوقية الحسية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الخلائق إلى ربهم عز وجل الذي ابتدأ خلقهم ستكون النهاية إليه؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾، ولا بد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ﴾، الإنسان مخاطَب، كل إنسان ما هو بس المؤمن، كل إنسان، ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦] كادح إليه (إلى) للغاية، النهاية إلى الله، ثم أكد هذه النهاية بقوله: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾، يعني: فاستعد لهذا اللقاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حكم الله في الدنيا والآخرة، ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ هذا في الآخرة، في الدنيا ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠]، فالحكم كله راجع إلى الله عز وجل والله تعالى هو الحكم في الدنيا وفي الآخرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: بشارة المؤمنين بأن خلافهم مع الكفار سوف يجري فيه الحكم على يد الواحد القهار، فيحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون، وقد أخبرنا الله عز وجل أن الخاصم هم المؤمنون، الخاصم الغالب هم المؤمنون، قال الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء ١٤١] وأيش بعده؟ ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١]، الحمد لله، شوف ﴿سَبِيلًا﴾ نكرة في سياق أيش؟ نكرة في سياق أيش؟ * طالب: سياق النفي. * الشيخ: النفي، كلما جاءت نكرة فهي في سياق النفي؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: خطأ، خطأ ما هو بصحيح، ليس كذلك، المهم هذه نكرة في سياق النفي فتشمل كل سبيل، أي سبيل، لا قليل ولا كثير، وهذه بشرى، يعني: أي خصم يقال له، أي خصم في الدنيا يقال له: أنت فالج على كل حال، يعني القاضي يقول للخصم: شوف تخاصموا عندي وأنت الغالب على كل حال، هل جرى مثل هذه الخصومة؟ أبدًا، لكن خصوماتنا مع الكافرين - والحمد لله - الحكم لنا فيها مقدم، ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، نعم، الحمد لله. * طالب: (...) الله (...) إليه. * الشيخ: أيوة صحيح، نعم. * من فوائد الآية الكريمة: ثبوت علوّ الله تعالى بذاته؛ لقوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾؛ لأن الرفع معروف أنه الصعود إلى أعلى، فإذا قال: ﴿إِلَيَّ﴾ عُلِمَ يقينًا أن الله فوق - عز وجل - وهو كذلك، هو فوق كل شيء بذاته، ولا ينافي هذا ما ثبت من أنه عز وجل ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، هو نازل وهو عالي، ولا ينافي هذا أيضًا أنه مع الخلق كما قال عز وجل: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤]، فهو مع الخلق وهو عالٍ عليهم، كما قال شيخ الإسلام في الواسطية: عَلِيٌّ فِي دُنُوِّهِ قَرِيبٌ فِي عُلُوِّهِ. ولا ينافي هذا أيضًا أنه يأتي يوم القيامة للفصل بين العباد، فهو يأتي ولكنه فوق كل شيء، ولا ينافي هذا أنه يدنو عشية يوم عرفة يباهي بأهل الموقف الملائكة. إذا قال قائل: كيف لا ينافي هذا؟ أنا لا أتصور أن شيئًا يكون عاليًا نازلًا أبدًا؟ قلنا: تبًّا لك، أنت لا تتصور هذا بالنسبة لمن؟ للمخلوق، أما بالنسبة للخالق فكل ما أخبر الله به عن نفسه فهو حق، حق لا يتناقض، وليس فيه (لا يمكن) أبدًا، إذا قلت: لا يمكن، معناه أنك لن تصدق أخبار الله ورسوله إلا إذا وافقت هواك وإلا فلا، ولهذا ضل مَن ضل مِن الناس في مثل هذه الأمور حيث قالوا: هذا غير ممكن وهذا غير ممكن، وبنوا عقيدتهم على أهوائهم، إذا كان تريد أن تبني عقيدتك على هواك فما الفائدة من الرسل؟ لا فائدة من الرسل، إذا كان أنت تريد أن تبني العقيدة على ما تهوى أنت وإذا جاءت الرسل بكلام يخالف ما عندك ذهبت تحرِّفه، إذن لا فائدة من الرسل، ولهذا أنا أنصحكم دائمًا وأبدًا وأكرر أن تقبلوا كل ما جاء في الكتاب والسنة من صفات الله عز وجل ومن صفات اليوم الآخر أيضًا؛ لأن في اليوم الآخر أشياء ما تكون في الدنيا؛ دنو الشمس من الناس قدر ميل يوم القيامة لو كان في الدنيا احترقت الأرض ومن عليها، لكن في الآخرة شيء آخر، كون الناس هذا في نور وهذا في ظلمة والموقف واحد، في الدنيا لا يمكن، لو جيء بأدنى سراج معك انتفع به من إلى جنبك، في الدنيا ممكن، في الآخرة الناس يعرقون على قدر أعمالهم منهم من يلجمه العرق ومنهم من إلى كعبيه والمقام واحد، في الدنيا يمكن ولاَّ ما يمكن؟ ما يمكن، فأمور الآخرة أمور الغيب كلها لا يجوز لك أن تقيسها بما تشاهد في الدنيا؛ لأن القياس هنا ممتنع، فهو قياس مع الفارق، لا سيما في صفات الخالق عز وجل فإن الفارق فارق بعيد بين صفات الخالق وصفات المخلوق، ولذلك حذار أن تقيس ما أثبت الله لنفسه من الصفات بما تعرفه من صفات المخلوقين فإنك ستضل. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران ٥٩ - ٦٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. * طالب: الفوائد، أخذنا ثبوت علو الله؛ لقوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. * الشيخ: * من فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الخلائق إلى الله نهاية وحكمًا؛ فإن الناس يعرضون يوم القيامة إلى ربهم حُكمًا يحكم بينهم. * ومن فوائدها: إثبات الجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، وهذا حكم جزائي. * ومن فوائدها: أن الخصومة تقع بين المؤمنين والكافرين في يوم القيامة؛ لقوله: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، ويحتمل أن يقال: إن هذا حكم سبقت الخصومة فيه في الدنيا، حيث كان الكفار والمنافقون يختصمون، ولكن الأول أقرب، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاختلاف بين المسلمين والكفار اختلاف جوهري يحكم الله به بين هؤلاء وهؤلاء يوم القيامة، وأما الاختلاف بين المسلمين فيما مصدره الاجتهاد فإنه لا يُحْكَم بينهم؛ لأن المجتهدين وإن اختلفوا في الحكم فإنهم لم يختلفوا في الحقيقة؛ لأن كل واحد منهم يعذر الآخر ولا يرى أنه مخالف له، وإن خالفه في القول والرأي لكنه لم يخالفه في المنهج والطريقة، كل واحد منهم يريد الحق، ولكن اختلفوا في كيفية الوصول إليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾؛ إذ لا حكم إلا بعد علم، ولهذا قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (٤ / ١٧١٣) من حديث أم سلمة.]].