Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — آل عمران 3:55 – آل عمران 3:69

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. آل عمران 3:55
  2. آل عمران 3:56
  3. آل عمران 3:57
  4. آل عمران 3:58
  5. آل عمران 3:59
  6. آل عمران 3:60
  7. آل عمران 3:61
  8. آل عمران 3:62
  9. آل عمران 3:63
  10. آل عمران 3:64
  11. آل عمران 3:65
  12. آل عمران 3:66
  13. آل عمران 3:67
  14. آل عمران 3:68
  15. آل عمران 3:69

آل عمران 3:55

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾ [آل عمران ٥٤ - ٥٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ﴿مَكَرُوا﴾ الضمير يعود على الذين كفروا بعيسى، والمكر هو أن يتوصل إلى الانتقام من خصمه بأسباب غير متوقعة يعني بأسباب خفية، ينتقم من خصمه والمضادِّ له بأسباب خفية، ويشبهه الخداع، فإن الإنسان يتوصل إلى أن ينتقم من خصمه من حيث لا يشعر بأسباب خفية. وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ يعني أن الله سبحانه وتعالى مكر بهم حينما مكروا بعيسى. ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ يعني أقواهم في المكر وأشدهم وأعلمهم بالأسباب التي تحيط بأعدائه. فإذا قال قائل: ما الذي دلنا على أن الضمير في قوله: ﴿مَكَرُوا﴾ يعود على الذين كفروا بعيسى؟ فالجواب على هذا سهل؛ لأن قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ لا يمكن أن يصدر من قوم قالوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ٥٢] وقالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ [آل عمران ٥٣] لا يمكن هذا، بل لا يصدر إلا من قوم كفروا، وهو قوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ [آل عمران ٥٢]. فإن قيل: ما هذا المكر الذي مكروه؟ فالجواب على هذا أنهم مكروا بعيسى حيث تمالؤوا على قتله فأنجاه الله منهم، ومكر بهم فجعل شبهه في رجل إما منهم من الذين جاؤوا لقتله، وإما من أصحاب عيسى، ألقى الله شبهه على واحد منهم فقُتِل، المهم أن هؤلاء تمالؤوا على القتل وجاؤوا إلى عيسى عليه الصلاة والسلام فدخلوا عليه لم يُشعروه أنهم يريدون قتله؛ لئلَّا يستنجد بأحد أو يدافع عن نفسه وما أشبه هذا، ولكن الله عز وجل ألقى شبهه على واحد منهم، أو على واحد من أصحابه الحواريين، في هذا قولان للمفسرين، منهم من قال: إن الله ألقى شبهه على واحد منهم وهو زعيمهم، جعل الله شبه عيسى في هذا الرجل، فلما أرادوا أن يقتلوه قال: أنا صاحبكم، قالوا: كذبت لست صاحبنا بل أنت عيسى، فقتلوه وصلبوه، وهذا مكر أو غير مكر؟ مكر عظيم أعظم من مكرهم؛ لأن هذا الرجل الذي جاء متزعمًا هؤلاء القوم ليقتل عيسى صار هو القتيل، وهذا القول أقوى من حيث إن فيه مكرًا بهؤلاء عظيمًا. أما القول الثاني فيقولون: إن عيسى عليه الصلاة والسلام لما أحس بأنهم دخلوا عليه ليقتلوه قال لأحد أصحابه: من يَقبل أن يلقي الله عليه شبهي فأضمن له الجنة؟ فانتدب واحد منهم لذلك وألقى الله شبهه عليه، وقيل: بل ألقى الله شبهه على جميع من كانوا مع عيسى، حتى إن هؤلاء القوم لما دخلوا كان كل واحد يقول: أيكم عيسى؟ أيكم عيسى؟ أيكم عيسى؟ لم يعلموه. هذان قولان رئيسيان، القول الأول: أن الشبه ألقي على من؟ * الطلبة: زعيمهم. * الشيخ: نعم، على زعيم القوم الذين جاؤوا ليقتلوه فقُتل، والقول الثاني: أنه على رجل من أصحاب عيسى، ثم هل أُلقي الشبه على الجميع فاشتبه على الذين دخلوا؟ أو أنه أُلقي على واحد منهم فيه أيضًا قولان، والمسألة ليس فيها نص عن النبي المعصوم عليه الصلاة والسلام، فالله أعلم، لكن قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٥٧] قد يؤيد القول الأخير أنه صار كل واحد ممن مع عيسى يشبه عيسى فاشتبه عليهم مَن هو عيسى، المهم هذا هو مكرهم أنهم جاؤوا إلى عيسى عليه الصلاة السلام ليقتلوه على وجهٍ لا يَشعر بذلك، أما مكر الله بهم فهو أنه ألقى الشبه إما على واحد منهم أو من أتباع عيسى فقتلوه فظنوا أنهم قتلوا عيسى وصاروا يعلنون قتلنا عيسى وصلبوه، وهم ما قتلوه وما صلبوه. وفي قول الله عز وجل: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ فيها من صفات الله إثبات المكر لله عز وجل، والبحث في هذا أولًا: هل المكر على حقيقته؟ أو هو عبارة عن المجازاة على مكر فسُمِّي المجازاة على المكر مكرًا من باب المقابلة اللفظية لا المعنوية، فهو كقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة ١٩٤] والمقتص لنفسه لا يسمى معتديًا، لكنه يشبهه في اللفظ من باب المقابلة اللفظية لا المعنوية، أو أنه مكر حقيقي لأن صنيع الله بهم مكر، حيث كان القتيل منهم على أحد الأقوال، أو اشتبه عليهم الأمر على القول الثاني، والصحيح في هذا أن الله تعالى يوصَف بما وصف به نفسه، ولسنا أعلم بالله من نفسه، هو أعلم بنفسه وأصدق قيلًا وأحسن حديثًا، ولكنه يجب أن ينزه عن كل نقص، فالمكر هل هو من صفات النقص على سبيل الإطلاق يعني ليس فيه مدح إطلاقًا؟ أو هو نقص في حال دون حال؟ الثاني هو الحقيقة أن المكر في مقام المكر مدح وصفة كمال، والمكر في غير موضعه صفة نقص؛ لأن المكر في غير موضعه خيانة، والخيانة صفة ذم، ولهذا لم يصف الله بها نفسه ولا في باب المقابلة ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنفال ٧١] بعدها؟ * الطلبة: ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾. * الشيخ: ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال ٧١] ولم يقل: فخانهم؛ لأن الخيانة صفة ذم مطلقًا، بخلاف ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ فقابل الله مكرهم بمكر ولم يقابل خيانتهم بخيانة، إذن يكون نجب أن نصف الله بما وصف به نفسه من المكر في الحال التي وصف الله نفسه فيها بالمكر، وذلك في مقابلة مكر أعدائه، فنقول: إن الله يمكر بمن؟ * الطلبة: يمكرون به. * الشيخ: يمكرون به وبرسله وبآياته، أما أن نصف الله بالمكر على الإطلاق فنقول: إن الله ماكر ونطلق فهذا لا يجوز، لماذا؟ لاحتمال النقص؛ لأن المكر كما قلنا ليس كمالًا في كل حال ولا نقصًا في كل حال، فإذا أُطلق صار قابلًا لأن يكون نقصًا، فإذا قُيِّد بالحال التي يكون فيها كمالًا لم يحتمل أن يكون نقصًا، إذن نقول: المكر يوصف الله به لا على سبيل الإطلاق ولكن في الحال التي وصف الله نفسه فيها به، ولهذا جاء في الحديث: «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٠٢٩)، ومسلم (١٧٤٠ / ١٨) من حديث أبي هريرة.]]، وكلٌّ يعرف أن الخدعة في الحرب كمال ولَّا نقص؟ * الطلبة: كمال. * الشيخ: كمال، ويُذكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه لما خرج إليه عمرو بن وُدّ ليبارزه، وتعرفون المبارزة؟ إذا التقى الصفان طلب المتقاتلون المبارزة من يبرز لفلان؟ المبارزة سبب للفتح والنصر أو للهزيمة؛ لأنه إذا تبارز الرجلان وانتصر أحدهما قويت نفوس مَن؟ * الطلبة: أصحابه. * الشيخ: أصحابه، وضعفت نفوس الآخرين، لما خرج إلى مبارزة عمرو بن ودّ خرج إلى مبارزة علي بن أبي طالب رضي الله عنه صاح به وقال: ما خرجت لأبارز رجلين، فظن عمرو بن ودّ أنه قد تبعه أحد من قومه فالتفت لينظر هل لحقه أحد لما التفت ضربه عليٌّ بالسيف حتى طَنَّ رأسه، هذه خدعة ولَّا لا؟ * الطلبة: خدعة. * الشيخ: محمودة ولَّا غير محمودة؟ * الطلبة: محمودة. * الشيخ: محمودة لأنه جاء ليقتله، هو جاء ليقتل عليًّا، فتخلص منه بهذه الخدعة، هذه يعد منقبة لعلي بن أبي طالب وصفة كمال، وحينئذ نقول: المكر في موضعه مدح وكمال. طيب يقول: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ هذه صفة ثابتة مطلقة يعني ما تحتاج قيدًا لأنها وُصفت بكمال، ما هو الكمال؟ ﴿خَيْرُ﴾ ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ يعني ما من أحد يمكر إلا ومكر الله فوقه وخير منه. المكر من الصفات الذاتية أو الفعلية؟ * الطلبة: الفعلية. * الشيخ: الفعلية؛ لأنها تتعلق بمشيئته، وكل صفة لها سبب فهي متعلقة بالمشيئة، كل صفة من صفات الله لها سبب فهي متعلقة بالمشيئة؛ لأن مقدر السبب هو الله فإذا قدر السبب فقد شاءه ويترتب عليه ما يترتب من الصفات. ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ يحتمل أن تكون (إذ) متعلقة بـ ﴿مَكَرَ اللَّهُ﴾ يعني ومكرَ اللهُ إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك، ويحتمل أنها متعلقة بمحذوف تقديره: اذكر يا محمد منوهًا بفضل عيسى إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا. ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ قال بقول مسموع ولَّا غير مسموع؟ * الطلبة: مسموع. * الشيخ: بقول مسموع سمعه عيسى، قال بقول مسموع لأنه يخاطب، ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾. يقول: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ فما معنى هذه الوفاة؟ فيها للعلماء ثلاثة أقوال: القول الأول: قابضك، إني قابضك، مأخوذة من قولهم: توفَّى الدائن دينه أي قبضه، وعيسى قد قبضه الله إليه في السماء ورفعه حتى ينزل في آخر الزمان. القول الثاني: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ وفاة نوم يعني مُنِيمك؛ لأن النائم متوفَّى، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر ٤٢] وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام ٦٠]. القول الثالث: أنها وفاة حقيقية توفاه الله وفاة حقيقية وسيُحْيِيه في آخر الزمان وينزل إلى الدنيا. والصحيح أنها وفاة نوم وأن الله عز وجل لما أراد أن يرفعه إلى السماء أنامه ليسهل عليه الانتقال من الأرض إلى السماء؛ لأن الانتقال من الأرض إلى السماء ليس بالأمر الهين لطول المسافة وبُعدها ورؤية الأهوال فيها فيما بين السماء والأرض وفي السماوات أيضًا، فأنامه الله ثم رفعه نائمًا حتى وصل إلى السماء، لكن هذا القول لا ينافي القول الأول الذي معناه قابضك؛ لأن نهايتهما واحدة، أما القول الثالث أنها وفاة موت فقول ضعيف، يضعِّفه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء ١٥٩] قبل موته أي عيسى، وهذا يدل على أنه لم يمت، ولأن الله تعالى لم يبعث أحدًا بعد الموت فيبقى كما في نزول عيسى عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان، ولأنه -أعني إطلاق الوفاة على النوم- كثير في القرآن يعني ليس بمعنى غريب حتى نقول لا يصح حملها عليه، بل هو معنى له كثرة في القرآن. يقول: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ﴿رَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ﴿رَافِعُكَ﴾ مضافة إلى الكاف كما أن ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ مضافة إلى الكاف فكيف تعربون الكاف فيهما؟ ألأنها في محل جر أو في محل نصب؟ * طلبة: محل نصب. * طلبة آخرون: محل جر. * الشيخ: أليس هو مفعولًا به؟ * طالب: بلى. * الشيخ: متوفى ومرفوع؟ فهل هو في محل نصب ولَّا في محل جر؟ * طلبة: في محل جر. * الشيخ: هو في محل جر؛ لأن عمل الاسم فيه أقوى من عمل المعنى، يعني عمل الاسم إللي هو اللفظ أقوى من عمل المعنى، ومن المعلوم أن الاسم دائمًا يضاف إلى فاعله ويضاف إلى مفعوله. طيب قال: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ﴿إِلَيَّ﴾ إلى أي مكان؟ إلى السماء؛ لأن الرفع يكون من نازل، فمعنى ﴿رَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ يعني في السماء، فرفعه الله سبحانه وتعالى إلى السماء إلى الله. ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مطهرك منهم، التطهير هنا تطهير معنوي لا تطهير حسي، وذلك لأن الذين كفروا ليسوا يلطخون عيسى بالقاذورات الحسية لكنهم يلطخونه بالقاذورات المعنوية، قالوا إنه كذاب، وأنه ابن الزنا -والعياذ بالله- وأنه أمه زانية، واتهموه بأشياء كثيرة فطهره الله منهم، وذلك بما أنزل من براءته في عهده وفيما بعد عهده. وقوله: ﴿مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كفروا بمن؟ كفروا بعيسى؛ لأن الحواريين آمنوا به كما سبق. ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ هذه أيضًا من جملة ما قاله الله له: ﴿جَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿جَاعِلُ﴾ هنا مضافة إلى الفاعل ولَّا المفعول؟ * طالب: فاعل. * الطلبة: إلى المفعول. * الشيخ: إلى المفعول؟ * الطلبة: إي نعم. * الشيخ: إلى المفعول. ﴿فَوْقَ﴾ محلها النصب هي ظرف متعلق بمحذوف على أنه مفعول ثاني؛ لأن ﴿جَاعِلُ﴾ اسم فاعل مِن (جعل)، و(جعل) تنصب مفعولين، إذن ﴿فَوْقَ﴾ ظرف متعلق بمحذوف للمفعول الثاني، ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. ﴿اتَّبَعُوكَ﴾ اتبعوا شريعتك، ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فوق الكفار إلى يوم القيامة، هذه الآية يطبِّل بها النصارى ويقولون: نحن لنا العلو إلى يوم القيامة ما هو إلى أن بُعث محمد إلى يوم القيامة، فنقول: نعم صدق الله العظيم، إن الذين يتبعون عيسى لهم النصرة على الكافرين إلى يوم القيامة، ولكن مَن الذي يتبع عيسى؟ هم الذين ردوا بشارته وكذبوا من بشر به؟ * طالب: لا. * الشيخ: أبدًا، أنتم لم تتبعوا عيسى، ووالله لو خرج عيسى لكان يقاتلكم حتى ترجعوا إلى الإسلام، ولهذا في آخر الزمان لا يقبل إلا الإسلام، ما يقبل الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، في آخر الزمان ما يقبل حتى الجزية إللي كانت تُقبَل قبل نزوله ما تُقبَل من شدة كراهته لما عليه النصارى واليهود، الآن نحن نقر اليهود والنصارى بالجزية نقول: ابقوا على دينكم، لكن أعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، لكن إذا نزل عيسى ما يقبل هذا يقول: أسلم وإلا فالقتل، لكراهته لما هم عليه لا يريد أن يقرهم ولا على هذا. المهم أن نقول: إن الذين اتبعوا عيسى هم الذين آمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام بعد بعثة محمد، أما قبل بعثة محمد فنعم لا شك أن أتباع عيسى هم المسلمون وأنهم على الحق قبل أن يحرفوا ويبدلوا. فإذا قالوا: كيف تجيبون عن قوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾؟ قلنا: نعم آمِنوا بمحمد ولكم النصرة إلى يوم القيامة. فإن قال قائل: أفلا يمكن أن يراد بالذين اتبعوه أي الذين انتسبوا إليه وتكون لهم الغلبة على الكافرين لا على المسلمين، يعني مثلًا: النصارى يغلبون اليهود، أن النصارى يغلبون الوثنيين وما أشبه ذلك، ويخرج من هذا مَن؟ * الطلبة: المسلمون. * الشيخ: المسلمون، ويكون الله تعالى قد وعد عيسى بأن يكون من انتسب إليه فوق الذين كفروا به؟ فما الجواب؟ الجواب: لا يمكن هذا، لا، ما يمكن هو بعيد متعذر؛ لأن هؤلاء ما اتبعوا عيسى، ألم تسمعوا أن الله يقول يوم القيامة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة ١١٦، ١١٧] وهل النصارى يقولون بهذا؟ أبدًا، إذن ما اتبعوه، فالآية وإن كان قد يتراءى لبعض الناس أن يقول: إن النصارى يغلبون غيرهم من الكفار لهذه الآية، فإننا نقول: لا؛ لأن الله يقول: ﴿جَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ والنصارى الآن لم يتبعوه، ثم إن الآية يعني لو فُسرت بهذا التفسير لكان الواقع يخالفها، فالأمة الصليبية لم تظهر على الأمة الشيوعية، بل هي خائفة منها فأين الفوقية؟ ما فيه فوقية، الآن كل دول أوربا الغربية بأسطولها وحلفها الأطلسي عجزت أن تكون فوق الشيوعية وحلفها وارسو عجزت، كل واحد منهم الآن يخاف من الآخر، وقد يكون أتى في يوم من الأيام أن أوروبا تخاف من الشيوعية أكثر مما تخاف منها هذا اليوم، فالحاصل أن الآية لا يمكن أن تُحمل على النصارى الموجودين اليوم بأي حال من الأحوال. ثم قال: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ ثم يعني بعد، يوم القيامة إلي مرجعكم، ويوم القيامة هو اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين ليُجازَوْا على أعمالهم، وسُمِّي يوم القيامة لثلاثة وجوه، الوجه الأول: أن الناس فيه يقومون لله لرب العالمين كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٦]. والوجه الثاني: أنه يقوم فيه الأشهاد، فالرسل يشهدون على أممهم وهذه الأمة تشهد على الأمم السابقة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]. والوجه الثالث: أنه يقام فيه العدل، قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء ٤٧] فهو يقام فيه العدل، ولهذا أقسم النبي ﷺ وهو الصادق البار المصدوق عليه الصلاة والسلام قال: «وَاللَّهِ لَتُؤَدَّيَنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا حَتَّى إِنَّهُ لَيُقْتَصُّ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٢ / ٦٠) من حديث أبي هريرة.]] هذا عدل، أكبر العدل، فلهذا سُمي يوم القيامة للوجوه الثلاثة، عُدها علينا؟ * طالب: يوم القيامة. * الشيخ: إي نعم، سُمِّي يوم القيامة لوجوه ثلاثة؟ * الطالب: يقام فيه العدل. * الشيخ: يقام فيه العدل. * الطالب: حتى يُقتص من الناس فسُمِّي يوم القيامة. * الشيخ: نعم والثاني؟ * طالب: يقوم الناس فيه. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: يقوم الناس لله رب العالمين. * الشيخ: الدليل؟ * الطالب: لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. * الشيخ: طيب..؟ * طالب: يوم يقوم الأشهاد. * الشيخ: يقوم فيه الأشهاد، الدليل؟ * الطالب: قول الله عز وجل: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]. * الشيخ: دليل الأول؟ دليل الأول اللي قاله الأخ يقام فيه العدل؟ * طالب: قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. والوجه الثاني يقام فيه العدل. * الشيخ: يقام فيه العدل ما الدليل؟ * الطالب: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَة﴾ [الأنبياء ٤٧]. * الشيخ: ثم قال عز وجل: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ يعني ثم بعد هذا الغلبة في الدنيا أو المغالبة في الدنيا حتى يكون بعضكم فوق بعض بعد ذلك ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي مصيركم، وكل المصير إلى الله عز وجل في الدنيا وفي الآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم ٤٢] ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠] الأمر إلى الله أولًا وآخرًا لكن ظهور هذا الرجوع لا يكون إلا يوم القيامة، يتبين فيه للناس جميعًا أن الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى يجازي كل نفس بما عملت، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران ٥٥] الله أكبر وما أعدل هذا الحكم! ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ بين مَن؟ بين الخلائق فيما كانوا فيه يختلفون، وهل الناس يختلفون في شيء؟ نعم ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢] اختلاف عظيم، فيحكم الله عز وجل بين هؤلاء وهؤلاء، ويحكم كذلك بين الرسل وأتباعهم، فتقيم الرسل البينة على أنها بلغت الرسالة، وقد ينكر أتباع الرسل، ينكرون ذلك، لكن لا يتم لهم مقصودهم، فالحكم يوم القيامة بين الناس فيما اختلفوا فيه إلى الله. وقوله: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ هذه فعل مضارع، فهل يشتق منها اسم من أسماء الله؟ القاعدة أن الفعل لا يشتق منه، لكن قد وُجد اسم من دون الرجوع إلى هذا الفعل وهو الحكيم، فإن الحكيم مأخوذ من الحُكم والحكمة، ومن أسماء الله الحكم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ»[[أخرجه أبو داود (٤٩٥٥)، والنسائي (٥٣٨٧)، من حديث هانئ بن يزيد.]] وهذا من الحكم، فالله هو الحكم الذي يرجع الناس إليه في تحاكمهم، واعلم أن الحُكم لله ينقسم إلى قسمين يأتي إن شاء الله في الشرح. * طالب: صفة المكر (...) الإنسان يقول: يا خير (...)؟ * الشيخ: يا خير الماكرين إذا كان المقام يقتضيه مثلًا خائف أنت من مكر إنسان لا بأس، لكن تقول: يا خير الماكرين اغفر لي ما يصلح؛ لأن الله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف ١٨٠] ما تدعو الله باسم تريد أن يكون وسيلة لحصول مطلوبك إلا وهو مناسب، أرأيت لو قال واحد: يا شديد العقاب اغفر لي، مناسب؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: وأيش اللى يناسب؟ * الطلبة: يا غفور. * الشيخ: أو يقول: يا شديد العقاب عاقبني ما أحد قال هكذا. * طالب: شيخ أحسن الله إليك يا شيخنا، لو قال قائل في ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ لو قال قائل بأنه بعث عليه السلام إلى بني إسرائيل واليهود هم الذين كفروا به فالآن الواقع الحاضر أن النصارى هم فوق اليهود ما يمكن هذا؟ * الشيخ: لا، بيَّنا ما يمكن هذا؛ لأن النصارى الآن ما اتبعوه والقرآن ما ينطق إلا بالحقائق، ثم هل ترى الآن أن اليهود فوق النصارى أو النصارى فوق اليهود؟ * الطلبة: اليهود. * الطالب: اليهود بطريقة يعني غير مباشرة. * الشيخ: نحن نسمع الآن إن اليهود عندهم زمام الأمور الاقتصادية والسياسية وأنهم يدبرون العالم، والثقافية. * الطالب: لكن بطريقة غير مباشرة. * الشيخ: نعم بطريق غير مباشر. * الطالب: أما اللي يحكم فهم النصارى. * الشيخ: إي صحيح لكن النصارى ما ترى أنها فوق هؤلاء يعني بمعنى أنهم يخافونهم ويتوددون إليهم. * طالب: شيخ -عفا الله عنك- يوجد الآن مَن يثير دراسات إعلامية أن اليهود والنصارى إخوة لنا وهم لا يسمحون أن (...) في أوساطهم؟ * الشيخ: لكن شوف بارك الله فيك، أنت تمنعهم من هذا؟ هل تستطيع أن تمنعهم من هذا؟ * الطالب: ما أستطيع. * الشيخ: لأنهم إذا قالوا: نحن إخوتهم، نقول لهم: بارك الله لكم فيهم أنتم إخوتهم، وتُحشرون معهم في النار. * الطالب: يغترون بهم يا شيخ. * الشيخ: ما يغتر بهم أحد. * الطالب: قد (...) * الشيخ: أبدًا لا تفكر واحد بيغتر بأن يقول إن الكافر أخ له لا نصراني ولا يهودي ولا غيره، والله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات ١٠]. * طالب: شيخ، ما (...) الشباب الذين يذهبون إلى بلادهم حتى إنهم يقولون: نحن منهم إخوتنا لكن بالفعل يقولون ذلك (...) * الشيخ: لا أبدًا، لا لا، أنا ما أظن إن إنسانًا في قلبه إيمان يسميهم إخوانًا والله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة ١] وين الأخوة؟ * طالب: شيخ بارك الله فيك كيف صعد عيسى من الأرض إلى السماء؟ مع مَن؟ * الشيخ: الله أعلم هل هو بصحبة جبريل أو بغير ذلك الله أعلم، أو قال الله: كن فيكون. * طالب: شيخ، (...) ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ هل يحتمل أن تكون الوفاة والرفع كان يوم القيامة؟ * الشيخ: يوم القيامة فيها بعث؟! ما هو بوفاة. * الطالب: أقصد يوم وفاته بعد ما ينزل إلى الدنيا؟ * الشيخ: يعني في المستقبل؟ * الطالب: إي. * الشيخ: نعم. * الطالب: أيستقيم هذا مع الدنيا؟ * الشيخ: لا يستقيم هذا؛ لأن الرفع بعد الوفاة ﴿مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ والوفاة التي تريد ما تكون إلا بعد الرفع. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: متى؟ يعني في آخر الزمان؟ لا، يدفن في الأرض. * طالب: شيخ قلنا: إن الله سبحانه وتعالى كلمه بصوت مسموع، لمَ لم نقل: إنه كلمه بوحي؟ * الشيخ: بجينا إن شاء الله في الفوائد. * طالب: شيخ عفا الله عنك، نعرف أنه لا يجوز التعرض لأسماء الله بشيء من التعطيل أو التمثيل أو التحريف، والمكر صفة من صفات المخلوقين فكيف من صفات الله؟ يعني هي كالوجه الذي نصف بها الخالق؟ * الشيخ: إي، أن نقول مكر يليق به هو، ما هو مثل مكري أنا أو مكر زيد وعبيد، مثل السمع والبصر وغيره من الصفات تثبت لله لكن على وجه لا يماثل المخلوق. * طالب: شيخ جزاك الله خيرًا، الرسول ﷺ عندما أُسري به رأى عيسى وسلّم عليه وكلمه، طيب يعني النوم فقط في حالة الرفع فقط؟ * الشيخ: كيف يعني؟ لا، رآه في السماء. * طالب: لا أنا قصدي أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ يعني ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ قلنا: التوفي هو النوم، فيكون فقط في حالة الرفع؟ * الشيخ: في حالة الرفع نعم. * الطالب: إذا وصل السماء يعني استيقظ؟ * الشيخ: إي نعم هذا هو الظاهر. * طالب: شيخ أحسن الله إليكم، طيب يجوز يقال لهم أصدقاء الكفار؟ * الشيخ: والله إذا كان بس مجرد القول باللسان يعني صديق بمعنى أنه لم يظهر العداوة فقد يُتسامح فيه؛ لأن الكفار كما تعرف بعضهم يُظهر العداوة ويبارز العداوة، وبعضهم بيننا وبينهم عهد، ولهذا خزاعة قبل أن تسلم يقال فيها إنها عيبة نصح للرسول عليه الصلاة والسلام وهم كفار. * الطالب: (...) يقول: يا صديق صديق. * الشيخ: لا الآن أصحبت كلمة صديق يخاطب بها كل من ليس بعربي. * الطالب: رفيق. * الشيخ: نعم، رفيق من ألقاب الشيوعيين، الرفيق فلان. * * * أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿أَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ الحكم لله عز وجل كونًا وشرعًا، فهو الحاكم كونًا وهو الحاكم شرعًا، أما الحكم الكوني فهو نافذ على كل أحد ولا يستطيع أحد أن يتخلص منه ولا أن يعانده، وأما الحكم الشرعي فإنه باختيار المحكوم عليه، ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩] إذن حكم الله ينقسم إلى قسمين: كوني، وشرعي، فالحكم الكوني ما يُقدِّره الله على عباده ولا يمكن التخلف عنه ويتعلق فيما يحبه وما لا يحبه، فيحكم كونًا بوقوع الطاعات، وهذا مما يحبه، ويحكم كونًا بوقوع السيئات والمعاصي، وهذا لا يحبه، لكنه عز وجل يحكم به كونًا لحكمة ومصالح عظيمة، أما الحكم الشرعي فهو ما قضاه بين العباد شرعًا وهو الذي جاءت به الرسل، وأصله أوامر ونواهي افعلوا كذا لا تفعلوا كذا، ولا يلزم من الحكم الشرعي وقوع المحكوم به بل قد يتخلف عنه كثير من الناس، وها هو الرسل يرسلهم الله عز وجل يتبعهم أناس قليلون وأناس كثيرون، بل قد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٧٠٥)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس، واللفظ له.]] فيتخلف الحكم الشرعي. الحكم الجزائي بعض العلماء قال: إن هناك قسمًا ثالثًا للحكم وهو الحكم الجزائي الذي يحكم الله فيه بالجزاء على من عمل، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، وعليه يتنزل قوله هنا: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي أحكم بينكم حكمًا جزائيًّا، يحكم بينهم حكمًا جزائيًّا، ويعقب هذا الحكم المآل إما إلى الجنة وإما إلى النار، ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الفاء هذه عاطفة على ما سبق عطف تفريع أي أن ما بعدها فرع عما قبلها، يعني هذا الحكم يكون على هذا الوجه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ و(أما) هنا شرطية تفصيلية يعني أنها تفيد التفصيل كما في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل ٥] ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل ٨] وهنا قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ كفروا بمن؟ أي كفروا بالله ورسله، والكفر في اللغة الستر ومنه سمي الكُفُرَّى الذي هو غطاء طلع النخل ويسمى في اللغة العامية الكافور، فالذين كفروا ستروا ما أنعم الله به عليهم من نعمة العقل ونعمة المال والصحة وغير ذلك حيث لم تظهر عليهم آثار هذه الأشياء، فآثار العقل أن الإنسان يفعل ما ينفعه ويدع ما يضره هذه آثار العقل، ومنه سمي العقل حِجْرًا لأنه يحجر صاحبه عما يضره، لكن الذين كفروا ستروا ما يقتضيه العقل من حسن التصرف وذلك بالإيمان بالله ورسله، فلذلك سُموا كفارًا أي أيش؟ ساترين لما أنعم الله به عليهم من نعمة العقل التي مقتضاها الإيمان بالله ورسله. قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ العذاب فِعل ما به مشقة أو حصول ما به مشقة سواء كان عن ذنب أو غير ذنب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ السَّفَرَ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٩٢٧ / ١٧٩) من حديث أبي هريرة.]] وقال: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٣٠٤)، ومسلم (٩٣١ / ٢٥) من حديث ابن عمر.]] يعني هذا عذاب مشقة، ومن عذاب المشقة عذاب العقوبة؛ لأنه شاق على المعاقَب، وهنا المراد بالعذاب هنا عذاب مشقة العقوبة. ﴿أُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ الشديد يعني القوي العظيم. ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ في الدنيا قال العلماء: إن العذاب في الدنيا ما يحصل لقلوبهم من الضيق، والضنك، والقلق، والحسرة، وغير ذلك، وما يحصل لهم على أيدي المؤمنين من القتل، والأسر، والجزية، وغير ذلك، فعذابهم يكون بألمهم القلبي وألمهم البدني، ولهذا قال: ﴿أُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا﴾ أما عذابهم في الآخرة فظاهر يعذَّبون في الآخرة بماذا؟ بالنار، يعذبون في الآخرة بالنار، وهم لا تتخطاهم العقوبتان أو إحداهما، يعني إما أن يحصل لهم هذا وهذا وهو الغالب، وإما أن يحصل لهم عذاب الآخرة ولا بد، ولكن ظاهر الآية الكريمة: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أنه يحصل لهم العذاب في الدارين، قال: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ الدنيا هي هذه الحياة التي نحياها، ووُصفت بذلك لوجهين، الوجه الأول لدُنوِّها؛ لأنها سابقة على الآخرة فهي دانية، والوجه الثاني: لنزول مرتبتها كما يقال: دنيا وعُليا، فالدنيا نازلة مرتبة عن الآخرة مهما بلغ نعيمها، مهما بلغ نعيمها فإنها نازلة عن الآخرة؛ لأن نعيم الدنيا إذا حصل فهو مشوب بالكدر كما قال الشاعر: فَيَــــــــوْمٌ عَلَيْنَــــــــاوَيَـــــــــــــوْمٌ لَنَـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ∗∗∗ وَيَــــوْمٌ نُسَــــاءُ وَيَـــــــــــــوْمٌنُسَــــــــــــــــــــــــــــــرْ وقال الثاني: لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُــــهُ بِادِّكَــــارِ الْمَــــوْتِوَالْهــــــــرَمِ فمهما نُعِّمَ الإنسان في هذه الدنيا فنعيمها دانٍ، ولهذا وُصفت بالدنيا، أما نعيم الآخرة فقد قال الله تعالى: ﴿فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف ٧١] وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧] إذن الدنيا وُصفت بذلك لوجهين، الأول؟ * طالب: الأول: لدنوها لوقوعها قبل الآخرة. * الشيخ: نعم. * الطالب: الثاني: أنها دانية؛ يعني أقل من الآخرة منزلة. * الشيخ: دُنوّ مرتبتها ومنزلتها. وأما قوله: ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ فوُصفت بذلك لأنها متأخرة، متأخرة زمنًا لا مرتبة، فهي في المرتبة فوق الدنيا لكنها زمنًا متأخرة. قال: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يعني هذا العذاب الشديد الذي يوقعه الله فيهم لا يجدون مَن ينصرهم منه أي مَن يدفع عنهم هذا العذاب لا أهل ولا مال ولا صديق ولا قريب ولا أحد من الناس ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا﴾ [المعارج ١١ - ١٥]. وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ (ما) هذه نافية، وهل هي حجازية؟ * طالب: لا. * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: يشترط في الحجازية الترتيب. * الشيخ: ما معنى الترتيب؟ * الطالب: يأتي اسمها أولًا ثم خبرها، نعم. * الشيخ: وهنا؟ * الطالب: هنا تقدم خبرها على اسمها. * الشيخ: لأن ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم. طيب (من) حرف جر زائد، زائد إعرابًا و﴿نَاصِرِينَ﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع بالياء ولَّا بالواو؟ بعض * الطلبة: بالياء. * طالب: منصوب. * طالب آخر: مجرور. * الشيخ: هو عندنا شيء يرفع بالياء يا جماعة؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ما يوجد في الدنيا كلها إلا كان لغة غير عربية ما ندري، مرفوع بالواو المقدر وجودها في محل الياء، ومنع من ظهورها اشتغال المحل بالحرف المناسب أو الذي جُلب من أجل حرف الجر الزائد، ولولا (من) لكانت (ناصرون)، وما لهم ناصرون. ثم جاء بالقسيم الثاني قال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم، والرب عز وجل يكرر هذا دائمًا في القرآن، يجمع بين الإيمان والعمل الصالح؛ لأنه لا إيمان بلا عمل ولا عمل بلا إيمان، بل لا بد من الأمرين. ﴿آمَنُوا﴾ وهنا حذف المؤمَن به، فنُقدِّره على أعم ما يكون ونقول: آمنوا بما يجب الإيمان به، وذلك بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي عملوا الأعمال الصالحات، والأعمال الصالحات هي التي تكون لله وفي الله، أي أنها خالصة لله وفي حدود شريعة الله، يعني خالصة صوابًا كما قال الفُضيل بن عياض رحمه الله، خالصة لله صوابًا يعني على السنة هذا هو العمل الصالح، فإن لم تكن خالصة فليست عملًا صالحًا، بل هي مردودة على صاحبها؛ لقوله الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدً﴾ [الكهف ١١٠] وفي الحديث القدسي قال الله تعالى: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]] وأما الموافقة أو الصواب كما قال الفضيل: فلقوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة.]] فلا يُقبل عمل إلا بموافقة الشرع، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء ١٧٣] الفاء واقعة في جواب (أما) الشرطية، و﴿يُوَفِّيهِمْ﴾ فيها قراءتان: ﴿نُوَفِّيهِمْ﴾ و﴿يُوَفِّيهِمْ﴾، فأما على قراءة: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ ففيها التفات من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب صح؟ لأنه قال في الأول: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ وهنا قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ وهذا ضمير غائب، وأما على قراءة النون: ﴿فَنُوَفِّيَهُمْ﴾ ففيها نوع من الالتفات من ضمير الإفراد إلى ضمير الجمع ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ وهنا قال: ﴿فَنُوَفِّيَهُمْ﴾ وأيش اللي معكم؟ * طالب: الجلالين. * الشيخ: شوف وأيش يقول؟ * طالب: يقول: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ بالياء والنون. * الشيخ: بالياء والنون، شوف الحاشية؟ * طالب: قال: بالياء والنون سبعيتان. * الشيخ: نعم، على كل حال المصحف اللي عندي ما كُتبت القراءة الثانية لكنها (...) تحتاج أنها تكتب. طيب قال: ﴿فَنُوَفِّيهِمْ﴾ ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ على كل حال سواء ﴿يُوَفِّيهِمْ﴾ أو ﴿نُوَفِّيهِمْ﴾ ففيها شيء من الالتفات، وقد ذكرنا فيما سبق أن للالتفات فوائد، أو فائدة، منها؟ * طالب: تنبيه المخاطب. * الشيخ: تنبيه المخاطب كيف؟ * الطالب: لأن المخاطب إذا كان يقرأ في وتيرة واحدة ثم يتغير. * الشيخ: إذا كان الكلام على نسق واحد، * الطالب: ثم يتغير هذا النسق فيتنبه. * الشيخ: ينتبه، صحيح هذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: إي نعم، وطرق تنبيه المخاطب كثيرة منها إذا كنت تتكلم بلسانك بعض الكلمات مثلًا ترفع صوتك أو تخفض صوتك أو ما أشبه ذلك هذا من التنبيه، كذلك الالتفات من ضمير إلى آخر هذا يوجب تنبه المخاطب، على الفائدة الثانية أنه إذا قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ ﴿يُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ صار فيه شيء من تعظيم الموفِّي؛ لأن تعبير المتكلم عن نفسه بصيغة الغيبة قد يوحي بالتعظيم كما يقول: الملك يأمر بكذا وكذا يعني نفسه، هذا فيه شيء من التعظيم، فيه أيضًا شيء من إكرام الذين عملوا الصالحات، إكرام الذين عملوا الصالحات فيوفيهم، كيف ذلك؟ لأن ذكر منة الله عليهم بصيغة التكلم أعظم من ذكر المنة بصيغة الغائب، يعني أن هذا فيه شيء من الإكرام، من الإكرام لهم وقد قال الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠] فجعل كأنهم هم الذين أحسنوا مع أن المحسن هو الله، محسن إليهم في العمل وفي ثواب العمل، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢] فمن أجل إكرام هؤلاء لم يخاطبهم الله بصريح المنة فيقول: فنوفيكم، أو فأوفيكم، بل قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ إذن فائدتان: تعظيم المتكلم نفسه، والثاني: إكرام المثاب، أما على قراءة النون فالتعظيم فيها واضح: ﴿فَنُوَفِّيهِمْ﴾ لأن ضمير الجمع المضاف إلى الله عز وجل أو الذي يراد به الله عز وجل نعلم علم اليقين أنه لا يراد به الجمع الذي هو التعدد، إنما يراد به؟ * الطلبة: التعظيم. * الشيخ: التعظيم. فيه أيضًا إكرام المثاب –بالنون- إكرام المثاب؛ لأنه إذا ظهر إكرامه بصيغة التعظيم فإن الثواب الواقع من العظيم عظيم، يكون عظيمًا، وعلى هذا فيكون على القراءتين فيها ثلاث فوائد، الالتفات على قراءتين فيها ثلاث فوائد، الأولى؟ * الطلبة: التنبيه. * طالب: وهذه عامة. * الشيخ: التنبيه، وهذا عام. الثاني؟ * الطلبة: التعظيم. * الشيخ: تعظيم الموفِّي، والثالث؟ * الطلبة: الإكرام. * الشيخ: إكرام الموفَّى. قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ (أجورهم) لماذا نُصبت وقد استوفى الفعل معموله؟ * طالب: مفعول ثاني للفعل ﴿يُوَفِّيهِمْ﴾ ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ (أجورهم) مفعول ثاني لـ (يوفيهم). * الشيخ: (يوفي) تنصب مفعولين؟ أصلهما المبتدأ والخبر؟ هل أصلهما المبتدأ والخبر؟ * الطالب: إي، كل المفعولين في الأصل مبتدأ والخبر. * الشيخ: لا يا شيخ هذه قاعدة من أكذب القواعد هذه. * الطالب: لا، ما هو مبتدأ وخبر. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: (هم) مفعوله الأول و(أجورهم) مفعوله الثاني. * الشيخ: إي، لكن هل أصل المفعولين المبتدأ والخبر أو لا؟ * الطالب: لا. * الشيخ: إذن أبطلت القاعدة. * الطالب: إي، أنا قلت ممكن كـ (كان) اسم كان وخبره. * الشيخ: لا. * الطالب: راح مني. * الشيخ: إي، إذا قلت: ظننت زيدًا فاهمًا، هذا أصلهما المبتدأ والخبر؛ لأن (ظن) وأخواتها تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ الخبر، طيب فيه كلمات أخرى تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر يسمونه من باب (كسا)، نعم من باب (كسا) وبعضهم يقول من (كسا وأعطى)، هذه من باب؟ * الطلبة: (كسا وأعطى). * الشيخ: (كسا وأعطى) تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر. ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أجورهم أي جزاء أعمالهم، اللهم لك الحمد، انظر إلى هذه المنة كأن هؤلاء عمال يستحقون الأجر ولا بد، حيث سمى الله جزاءهم أجرًا، والأجر من المستأجر حق يجب دفعه، ولكن هذا من فضل الله عز وجل وكرمه؛ لأن الذي أوجب الأجر على نفسه مَن؟ * الطلبة: الله. * الشيخ: الله عز وجل، الله عز وجل هو الذي أوجب ذلك على نفسه لم يوجبه أحد عليه، لو شاء لأمرنا ونهانا ولزمنا أن نطيعه بدون عِوَض؛ لأنه ربنا وخالقنا، وما نعمل فإنه لا يقابل ولا واحد بالملايين من نِعَمه، ولهذا قال النبي ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ». قَالُوا: ولا أنت يا رسولَ اللهِ؟ قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧٥) من حديث أبي هريرة.]] ﷺ، فهذه الأجور التي هي جزاء الأعمال والتي سماها الله أجرًا كالأجرة المفروضة على المستأجر لم يوجبها أحد على الله، بل هو الذي أوجب على نفسه هذا الأجر، قال ابن القيم رحمه الله: مَــــا لِلْعِبَــــادِ عَلَيْــــهِ حَــــقٌّوَاجِــــــــبٌ ∗∗∗ هُــوَ أَوْجَــبَ الْأَجْــرَ الْعَظِيــمَالشَّــــانِ؎كَــــلَّا وَلَا عَمَــــلٌ لَدَيْــــهِضَائِــــــــــــــعٌ ∗∗∗ إِنْ كَــــانَ بِالْإِخْــــلَاصِوَالْإِحْسَــــــانِ؎إِنْ عُذِّبُــــوا فَبِعَدْلِــــهِ أَوْنُعِّمُــــــــــــــــوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِــــــــهِ وَالفَضْــــــــلُلِلْمَنَّــــــــــــــــــــــــــــــانِ اللهم لك الحمد، فالحاصل أننا ليس لنا حق على الله واجب: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ٥٤] اللهم لك الحمد. طيب ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي جزاء أعمالهم، وسُمي أجرًا كأجر المستأجر الواجب عليه ولكن الذي أوجبه من؟ * الطلبة: الله. * الشيخ: الله. قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ختْم الآية بهذا مناسب؛ لأنه لما بيَّن أن هؤلاء آمنوا وعملوا الصالحات فيُوفَّوْن أجورهم بيَّن أن هؤلاء قد قاموا بما يلزمهم وأنهم لم يظلموا أنفسهم، ولذلك أثابهم الله عز وجل هذا الثواب العظيم، وأن الله سبحانه وتعالى لا يحب الظالمين، فلو ظلموا أنفسهم ما استحقوا هذا الثواب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣] فلو أشركوا بالله لحبط عنهم ما كانوا يعملون، وبطل عملهم لكنهم أخلصوا لله، ولو ابتدعوا في دين الله ما قبِله الله منهم، ولكنهم اتبعوا شريعة الله فانتفى عنهم الظلم في الإخلاص وفي العمل، فكانوا أهلًا لإكرام الله عز وجل، أما الذين كفروا واستحقوا العذاب فإنهم ظلموا أنفسهم فحصلوا على مقت الله وعقابه والعياذ بالله وعدم محبته. ثم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾. * طالب: الآية غير واضحة. * الشيخ: نعم ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه كل ما سبق من ذِكر آل عمران ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى آخره [آل عمران: ٣٣] فكل هذا مما تلاه الله تعالى على رسوله محمد ﷺ. وقوله: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ أي نقرؤه عليك متتاليًا، يتلو بعضه بعضًا، ولكن بواسطة جبريل عليه الصلاة السلام كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء ١٩٢ - ١٩٥]. وقوله: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ﴾ ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾ هذه (مِن) قال بعضهم: إنها بيانية تبين المشار إليه في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾، وقال بعضهم: إنها تبعيضية أي بعض الآيات، ولكن الصواب الأول وأن ما تلاه الله على رسوله محمد ﷺ كله آيات. والآيات جمع آية وهي في اللغة العلامة، العلامة على الشيء تسمى آية، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٩٧] وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس ٣٧] يعني علامة على قدرتنا، وما أشبه ذلك من الآيات، ولما أرسل النبي ﷺ رجلًا إلى عامله في خيبر أن يعطيه أوساقًا من التمر قال: «فَإِنْ طَلَبَ مِنْكَ آيَةً -أَوْ قَالَ: أَمَارَةً- فَضَعْ يَدَكَ عَلَى تُرْقُوَتِهِ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٣٦٣٢) من حديث جابر بن عبد الله.]] على هذا، كأن النبي ﷺ قد قال للعامل: إذا بعثت إليك مبعوثًا فإن علامة صدقه أن يضع يده على ترقوته. قال: ﴿مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ﴾ الذكر والمراد بما تلاه الله من الآيات القرآن وكذلك الذكر، والذكر يطلق على معان منها الشرف كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤] أي شرف عظيم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح ٤] أي شرفك، ويطلق الذكر على ما يحصل به التدبر، فيسمَّى الكلام الجيد المشتمل على الموعظة يسمى ذكرًا، قال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى ٩] أي التذكرة، ويطلق الذكر على ذكر الله عز وجل كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ [النساء ١٠٣] والمراد به في هذه الآية المعنيان الأوَّلان: الشرف، وما يحصل به التذكير، فإن هذا القرآن لا شك شرف لمن تمسك به وقام بحقه، فإنه يناله شرف الدنيا والآخرة، وسعادة الدنيا والآخرة، ولم يشرف العرب ولم ينالوا السعادة والنصر والظهور إلا حين تمسكوا به، ولذلك لما تخلَّوْا عنه زال عنهم وصف الشرف والظهور والنصر وصاروا إلى ما ترون، ولن يعود لهم مجدهم السابق مهما طنطنوا بالعروبة والقومية وما أشبه ذلك إلا إذا رجعوا إلى الإسلام، مهما بلغوا في الدعاية فيما يتعلق بالقومية والعروبة وما أشبه ذلك فإنها لن تنفعهم، لن تزيدهم إلا دمارًا كالذين ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن ٦] لن تزيدهم إلا ذلًّا إلا إذا رجعوا إلى دين الله الذي انتصروا به من قبل. طيب هذا القرآن أيضًا ذِكر من جهة التذكير، ذِكر من جهة الشرف وذِكر من جهة التذكير؛ لأن كل إنسان يقرأ القرآن بحضور قلب فلا بد أن يتأثر به ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧] لا بد أن يتذكر به، فهو موعظة عظيمة حتى لغير المؤمنين، إذا سمعوه وهم يعرفون آياته أي معانيها فسوف يتعظون به، وما وقع لبعض العرب في ذلك أمر مشهور في التاريخ حتى إنه ذُكر أن النبي ﷺ لما قرأ عليهم: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ قالوا: أمسكْ، أو: هم أمسكوه ووضعوا أيديهم على فَمِهِ[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٥٣٩) من حديث جابر بن عبد الله.]]. من شدة ما يعلمون من هذه المعاني العظيمة. وقوله: ﴿الْحَكِيمِ﴾ الحكيم يعني ذا الحكمة، فالقرآن كله حكمة وهو فعيل بمعنى مُفْعَل، وفعيل بمعنى فاعل، فهو فعيل بمعنى مُفْعَل أي مُحْكَم مُتْقَن، وهو فعيل بمعنى فاعل أي حاكم؛ لأن القرآن بلا شك حاكم بين الناس، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء ١٠٥] لكن هل يأتي فعيل بمعنى مُفْعَل؟ * طالب: أمِن ريحانةِ الداعي السميع. * الشيخ: هذه بمعنى مُسمِع. * طالب: هي فعيل بمعنى مفعِل * الشيخ: كيف بمعنى مفعِل؟ هي بمعنى محكِم، هذا بمعنى محكَم، هذا على مثل جريح بمعنى مجروح، قتيل بمعنى مقتول، يعني تَرِد فعيل بمعنى مفعول ومُفْعَل، أي ترِد لما لم يسمَّ فاعله، فالقرآن مُحْكَم والقرآن أيضًا حاكم. * طالب: في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ قلنا: إن (ما) هي ما الحجازية، ويشترط فيها الترتيب، وهنا الخبر شبه جملة، فهل يصح أن تكون حجازية؟ * الشيخ: وإذا كان الخبر شبه جملة يصح أن تكون حجازية؟ * الطالب: نعم، أليس كذلك؟ * الشيخ: لا، ليس كذلك، من أين لك هذا الكلام؟ * الطالب: إنهم يقولون: لا بد من الترتيب إلا إذا كان الخبر ظرف أو جار ومجرور. * الشيخ: من قاله؟ * الطالب: قاله ابن مالك. * الشيخ: لا، اقرأ كلام ابن مالك. * الطالب: في قوله: وَسَبْقَ حَرْفِ جَرٍّ أَوْ ظَرْفٍ كَـ (مَــــا ∗∗∗ بِــــي أَنْــــتَ مَعْنِيًّــــا) أَجَــــازَالْعُلَمَــــــــــــا * الشيخ: يعني معناه مفعول الخبر، ولهذا (ما بي أنت معنيًّا) على الترتيب، فـ (أنت): اسمها، و(معنيًّا) هو الخبر، أما (بي) فهي مفعول الخبر، يعني يجوز أن يتقدم معمول الخبر إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا، هذا معنى كلام ابن مالك، عرفت ولَّا لا؟ * الطالب: إي عرفت. * طالب: المعنى الثالث للذكر ما يراد بهذه الآية أنه ذِكر لله؟ * الشيخ: لا، بعيد هذا. * الطالب: القرآن هو ذكر من الله سبحانه وتعالى؟ * الشيخ: إلَّا، لكن بس ذكر الله اللي نريد الذي ذكر الله في القرآن، ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [النساء ١٠٣] * الطالب: لا، يعني ما تصلح الآيات هذه أن تكون ذكرًا؟ * الشيخ: لا ما تصلح، ولهذا ما يقال مثلًا لمن قرأ القرآن إنه ذكر الله إلا بالمعنى العام لأن كل عبادة فهي ذكر لله، لكن الذكر الخاص هو: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وما أشبهه. * الطالب: القرآن ما هو بذكر؟ * الشيخ: الذكر الخاص، ذِكرٌ بالمعنى العام. * طالب: شيخنا جزاكم الله خيرًا، يوم أمس جاء المشركون جاءوا رسول ﷺ ومعه أخ قال له أمسك، هل يدل ذلك على أن ثقتهم بعذاب الدنيا أكبر من ثقتهم بعذاب الأخرة. * الشيخ: إي هم يخافون؛ لأنهم بعضهم يعرف أن الرسول صادق، لكن عندهم عناد والعياذ بالله. * الطالب: إي لكنهم يخافون من عذاب الدنيا وثقتهم تقل في عذاب الآخرة؟! * الشيخ: لكن ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية ٢٣]. * طالب: شيخ ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ﴾ الآيات هل هي تختص بما ذُكر من عيسى وآل عمران؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: الخطاب إذا كان للنبي ﷺ هل تختص بما ذُكر من عيسى نحن قلنا ﴿ذَلِكَ﴾ أي.. * الشيخ: المشار إليها الآن مختصة بالقصص هذه. * الطالب: ما يمكن يا شيخ نقول ﴿ذَلِكَ﴾ يعني ذلك لقصة عيسى وغيرها؟ * الشيخ: بس نقدِّرها على المشار إليه ممكن في هذه القصة. * طالب: شيخ أخذنا من فوائد الالتفات إبعاد السآمة والملل من السامع وكذلك حمله على التفكير في المعنى، نضيف هذه إلى فوائد الالتفات؟ * الشيخ: ممكن لكن الحمل على التفكير قد يكون من باب التنبيه، لكن ما يخالف، هذه فائدتين غابت عنا، هذه فائدتين صحيحتين. * طالب: شيخ، قوله الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ هذا يعني عذاب الدنيا يكون حسي ومعنوي معين ولَّا؟ * الشيخ: ظاهر وغير ظاهر. * الطالب: كيف؟ * الشيخ: ظاهر كالأثر، وغير ظاهر اللي في القلب. * طالب: (...) * الشيخ: ربما، ربما يعني على بعد. الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران ٥٧ - ٦٠] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران ٥٤]. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن أعداء الرسل يكيدون لهم ويمكرون لهم؛ لقوله: ﴿وَمَكَرُوا﴾، وننتقل من هذا إلى أن أعداء الرسل أيضًا يمكرون لأتباع الرسل؛ لأن أعداء الرسل ليسوا يمكرون للرسل أو يمكرون بالرسل من أجل أنهم فلان وفلان لكن من أجل دعوتهم، ودعوتهم إذا ورثها العلماء من بعدهم فإن الذين يمكرون للرسل سيمكرون بأتباع الرسل وورثة الرسل، وينبني على هذه الفائدة: أنه يجب على أهل العلم أن يتحفظوا تحفظًا كاملًا من أعداء الرسل الذين يتربصون بهم الدوائر، وأن يتقوا شرهم بما استطاعوا لئلا يمكروا بهم، والمكر ووسائله وطرقه كثيرة، لكن العاقل الذكي ينتبه، ولهذا قال الله عز وجل للرسول عليه الصلاة والسلام في المنافقين، قال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون ٤]، فبيّن أنهم هم العدو حقيقة وأمر بالحذر منهم. و* من فوائد هذه الآية: وصف الله عز وجل بالمكر، لكنه لا يوصف به على سبيل الإطلاق، بل يقال: إن الله ماكر بمن يمكر به ليعود المكر صفة كمال؛ لأن المكر إذا ذُكِر مطلقًا صار محتملًا للنقص، فإذا ذُكِر مقيدًا بأن قيل: إن الله تعالى ماكر بمن يمكر به وبأوليائه صار صفة كمال يدل على قوة الله عز وجل وإحاطة علمه، وأن علمه أدق من علم هؤلاء الماكرين الذين يأتون بالأسباب الخفية والطرق الملتوية ليوقعوا عباد الله في الشر، فيكون الله سبحانه وتعالى أقوى منهم في ذلك، أقوى منهم في هذا، إذا مكروا مكر الله عز وجل، ولا يجوز أن يسمى الله بالماكر مطلقًا، طيب يسمى بالماكر؟ لا؛ يوصف بالماكر على سبيل الإطلاق؟ لا، يوصف بالماكر مقيدًا، وسبق لنا أن الله وصف نفسه بالمكر والكيد والسخرية والخداع والاستهزاء ولم يصف نفسه بالخيانة أبدًا؛ لأن الخيانة صفة ذم بكل حال، ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال ٧١] ولم يقل: فخانهم؛ لأن الخيانة خديعة في مقام الائتمان، والخديعة في مقام الائتمان صفة ذم، صفة ذم ونقص. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز المفاضلة بين الخالق والمخلوق في الوصف، كما قال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، و(خير) اسم تفضيل، فيجوز أن يفاضَل بين الخالق والمخلوق؛ لأن هذا مطابق للواقع تمامًا، فالله تعالى أكمل من كل ذي كمال، أعرفت؟ ومنه تتفرع قاعدة وهي: خطأ بعض أهل العلم رحمهم الله، حيث يفسرون اسم التفضيل المنسوب إلى الله باسم الفاعل، فيقولون مثلًا في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، يقولون: الله عالم حيث يجعل رسالته، ولم يتفطنوا أنهم إذا قالوا: الله عالم، لم يمنع مشاركة غيره في العلم مع المساواة، لكن إذا قالوا: الله أعلم، أيش؟ امتنع مشاركة غيره له في العلم الذي هو أعلم به من غيره. ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، ثم قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران ٥٥] إلى آخره، في هذه الآية الكريمة: التنبيه على أنه ينبغي أن نذكِّر الناس بأحوال الأنبياء السابقين، وجه ذلك أننا قدّرنا: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ بأيش؟ اذكر إذ قال الله، فينبغي أن يُذَكِّر الإنسان الناس بأحوال الأنبياء السابقين؛ لما في ذلك من محبتهم والثناء عليهم ومعرفة أحوالهم وإبقاء ذكراهم، وغير ذلك من المصالح العظيمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات القول لله، وأنه بحروف وبأصوات مسموعة؛ لقوله: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾، وهذا خطاب من يسمع، ثم هو كلمات من حروف ولّا من غير حروف؟ من حروف، ولهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم كلامًا مسموعًا بحرف وصوت. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على من قال: إن كلام الله هو المعنى النفسي، المعنى القائم بنفسه، فإن هذا لا يسمى قولًا، وإن أُطْلِق عليه القول فلا بد أن يقيد كما في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة ٨]، فلما أراد القول النفسي أيش قيده ﴿يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾، أما إذا جاء القول غير مقيد فالمراد به ما يُسمع، ففيه الرد على الأشاعرة الذين يقولون: إن كلام الله هو الكلام النفسي القائم بنفسه، وأنه أزلي لا يحدُث ولا يسبق بعضه بعضًا؛ لأنه معنى، معنى قائم بالنفس، والحقيقة أن هذا القول مضمونه إنكار كلام الله، ولهذا قال بعض منصفيهم: ليس بيننا وبين المعتزلة فرق؛ لأننا نقول جميعًا إن هذا القرآن الذي في المصحف مخلوق؛ لأن الأشاعرة يقولون: إن الله تعالى لا يتكلم بما يُسمع؛ لكن يخلق كلامًا يعبر به عما في نفسه، وعلى هذا فالمسموع والمقروء والمكتوب مخلوق، فيتفق المعتزلة والأشاعرة، بل إن المعتزلة خير منهم من جهة النسبة؛ لأنهم يقولون: هذا كلام الله، وأولئك يقولون: هذا عبارة عن كلام الله، عبارة عن كلام الله وليس كلام الله، المهم أن هذه الآية وأمثالها فيها الرد على من؟ على الأشاعرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة عيسى ومنقبته لخطاب الله إياه، فإن من خاطبه الله فذلك فخر له بلا شك، خصوصًا وأنه قال له: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ إلى آخره. * ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى رفع عيسى بجسمه؛ لقوله: ﴿وَرَافِعُكَ﴾، والخطاب لعيسى المكوَّن من بدن وروح، فيكون رفعه أيش؟ ببدنه. * ومن فوائدها: إثبات منقبةٍ لرسول الله ﷺ، وذلك أن النبي ﷺ أُسْرِي به إلى السماوات السبع حتى اخترقها كلها وهو يقظان، وعيسى لم يُرفع إلا وهو نائم؛ لأن قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أي: مُنِيمُك، على أحد الأقوال وهو أقربها، ومعلوم أن ثبات قلب من يباشر الشيء وهو يقظان أقوى من ثبات من يباشره وهو نائم، واضح؟ ولهذا تجد بعض الناس إذا سمع الرعد الشديد والبرق الخاطف يغمّض ويضع أصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع، ويقول: ليتني نمت قبل هذا، والإنسان الثابت الذي يقول: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، تجده ما يهمه، المهم أن الرسول ﷺ أسري به يقظة بروحه وبدنه، وعيسى عندما أراد الله أن يرفعه أنامه. * ومن فوائد الآية الكريمة: منقبة لعيسى أخرى، حيث قال: ﴿رَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (إليّ) فأضاف رفعه إلى نفسه عز وجل، وهذا لا شك أنه منقبة أن الله ضمّه إليه ورفعه إليه؛ ليكون أقرب إليه مما لو كان في الأرض. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل منع الأذى عن عيسى الذي يمكن أن يُلحقه بالكفار، حيث قال: ﴿مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران ٥٥] وذلك بالدفاع عنه؛ فإن الذين كفروا قالوا: إنه ولد زنا - قاتلهم الله- فطهّره الله، طهره الله، لما قالوا: ﴿يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٧، ٢٨]، من أين جاء الزنا، من أين جاءك الزنا؛ لأن هذا تعريض، يقولون: أبوك ما كان امرأ سوء بل هو نزيه وأمك كذلك، فمن أين جاءك الزنا؟ شوف أعوذ بالله، لم تجاوبهم، ﴿أَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم ٢٩]، اسألوا الطفل؟ ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم ٢٩]، فأجابهم قبل أن يسألوه، وأيش قال؟ ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم ٣٠] إلى آخره، هذا تطهير عظيم له ولأمه رضي الله عنها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل من رمى عيسى بهذا السوء فهو كافر؛ لأنه لم يقل: مطهرك من الذين قدحوا فيك، قال: ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فيستفاد من هذا أولًا كفر هؤلاء، وثانيًا: أن كل من رماه بذلك فهو كافر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن نصرة الأتباع نصرة للمتبوع، من أين؟ ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، لولا أنه يفرح بذلك ويُسَرَّ ما بشّره الله به، لكن من المعلوم أن كل إنسان يدل على هدى فينتصر أتباعه من المعلوم أنه سيفرح؛ لأنه كلما انتصر أتباعه قوي الهدى الذي قاد الناس إليه فعظُم أجره، فإنّ من دلَّ على هُدًى كان لهُ مثلُ أجرِ فاعلِهِ[[أخرجه مسلم (١٣٣ / ١٨٩٣) من حديث أبي مسعود الأنصاري بلفظ: مَن دلَّ عَلَى هُدًى.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أتباع عيسى منصورون إلى يوم القيامة؛ لقوله: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وسبق لنا مَن أتباعه؟ * طالب: الذين آمنوا به. * الشيخ: بعد بعثة الرسول ﷺ هم أمة محمد، ومن كفر بمحمد فإنه لم يتبع عيسى، وذكرنا وجهًا آخر أن النصارى سيكونون فوق غيرهم من ملل الكفر، لكن الإسلام فوق الجميع، ولكن متى يكون الإسلام فوق الجميع؟ إذا رجع المسلمون إلى الإسلام حقيقة، أما إذا لم يرجعوا إلى الإسلام حقيقة فيخشى أن يكون النصارى فوقهم، والواقع؟ * الطلبة: يشهد لهذا. * الشيخ: الواقع الآن مع الأسف يشهد لهذا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات يوم القيامة؛ لقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، ويوم القيامة هو اليوم الذي يبعث فيه الناس للجزاء إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، وسمي يوم القيامة لماذا؟ * طالب: لأن الناس يقومون فيه. * الشيخ: هذا واحد، كمّل؟ * طالب: يقوم فيه الأشهاد. * الشيخ: يقوم فيه الأشهاد، كمّل؟ * طالب: (...). * الشيخ: أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يقام فيه العدل. * ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الفوقية على الفوقية المعنوية. * طالب: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. * الشيخ: يعني معناه أنهم يكونوا على سقف فوق رؤوسهم؟ * الطلبة: لا، ارتفاع معنوي؟ * الشيخ: لا، حسية، فوقية معنوية، صح، إذن إثبات الفوقية المعنوية كالفوقية الحسية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الخلائق إلى ربهم عز وجل الذي ابتدأ خلقهم ستكون النهاية إليه؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾، ولا بد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ﴾، الإنسان مخاطَب، كل إنسان ما هو بس المؤمن، كل إنسان، ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦] كادح إليه (إلى) للغاية، النهاية إلى الله، ثم أكد هذه النهاية بقوله: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾، يعني: فاستعد لهذا اللقاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حكم الله في الدنيا والآخرة، ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ هذا في الآخرة، في الدنيا ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠]، فالحكم كله راجع إلى الله عز وجل والله تعالى هو الحكم في الدنيا وفي الآخرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: بشارة المؤمنين بأن خلافهم مع الكفار سوف يجري فيه الحكم على يد الواحد القهار، فيحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون، وقد أخبرنا الله عز وجل أن الخاصم هم المؤمنون، الخاصم الغالب هم المؤمنون، قال الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء ١٤١] وأيش بعده؟ ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١]، الحمد لله، شوف ﴿سَبِيلًا﴾ نكرة في سياق أيش؟ نكرة في سياق أيش؟ * طالب: سياق النفي. * الشيخ: النفي، كلما جاءت نكرة فهي في سياق النفي؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: خطأ، خطأ ما هو بصحيح، ليس كذلك، المهم هذه نكرة في سياق النفي فتشمل كل سبيل، أي سبيل، لا قليل ولا كثير، وهذه بشرى، يعني: أي خصم يقال له، أي خصم في الدنيا يقال له: أنت فالج على كل حال، يعني القاضي يقول للخصم: شوف تخاصموا عندي وأنت الغالب على كل حال، هل جرى مثل هذه الخصومة؟ أبدًا، لكن خصوماتنا مع الكافرين - والحمد لله - الحكم لنا فيها مقدم، ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، نعم، الحمد لله. * طالب: (...) الله (...) إليه. * الشيخ: أيوة صحيح، نعم. * من فوائد الآية الكريمة: ثبوت علوّ الله تعالى بذاته؛ لقوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾؛ لأن الرفع معروف أنه الصعود إلى أعلى، فإذا قال: ﴿إِلَيَّ﴾ عُلِمَ يقينًا أن الله فوق - عز وجل - وهو كذلك، هو فوق كل شيء بذاته، ولا ينافي هذا ما ثبت من أنه عز وجل ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، هو نازل وهو عالي، ولا ينافي هذا أيضًا أنه مع الخلق كما قال عز وجل: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤]، فهو مع الخلق وهو عالٍ عليهم، كما قال شيخ الإسلام في الواسطية: عَلِيٌّ فِي دُنُوِّهِ قَرِيبٌ فِي عُلُوِّهِ. ولا ينافي هذا أيضًا أنه يأتي يوم القيامة للفصل بين العباد، فهو يأتي ولكنه فوق كل شيء، ولا ينافي هذا أنه يدنو عشية يوم عرفة يباهي بأهل الموقف الملائكة. إذا قال قائل: كيف لا ينافي هذا؟ أنا لا أتصور أن شيئًا يكون عاليًا نازلًا أبدًا؟ قلنا: تبًّا لك، أنت لا تتصور هذا بالنسبة لمن؟ للمخلوق، أما بالنسبة للخالق فكل ما أخبر الله به عن نفسه فهو حق، حق لا يتناقض، وليس فيه (لا يمكن) أبدًا، إذا قلت: لا يمكن، معناه أنك لن تصدق أخبار الله ورسوله إلا إذا وافقت هواك وإلا فلا، ولهذا ضل مَن ضل مِن الناس في مثل هذه الأمور حيث قالوا: هذا غير ممكن وهذا غير ممكن، وبنوا عقيدتهم على أهوائهم، إذا كان تريد أن تبني عقيدتك على هواك فما الفائدة من الرسل؟ لا فائدة من الرسل، إذا كان أنت تريد أن تبني العقيدة على ما تهوى أنت وإذا جاءت الرسل بكلام يخالف ما عندك ذهبت تحرِّفه، إذن لا فائدة من الرسل، ولهذا أنا أنصحكم دائمًا وأبدًا وأكرر أن تقبلوا كل ما جاء في الكتاب والسنة من صفات الله عز وجل ومن صفات اليوم الآخر أيضًا؛ لأن في اليوم الآخر أشياء ما تكون في الدنيا؛ دنو الشمس من الناس قدر ميل يوم القيامة لو كان في الدنيا احترقت الأرض ومن عليها، لكن في الآخرة شيء آخر، كون الناس هذا في نور وهذا في ظلمة والموقف واحد، في الدنيا لا يمكن، لو جيء بأدنى سراج معك انتفع به من إلى جنبك، في الدنيا ممكن، في الآخرة الناس يعرقون على قدر أعمالهم منهم من يلجمه العرق ومنهم من إلى كعبيه والمقام واحد، في الدنيا يمكن ولاَّ ما يمكن؟ ما يمكن، فأمور الآخرة أمور الغيب كلها لا يجوز لك أن تقيسها بما تشاهد في الدنيا؛ لأن القياس هنا ممتنع، فهو قياس مع الفارق، لا سيما في صفات الخالق عز وجل فإن الفارق فارق بعيد بين صفات الخالق وصفات المخلوق، ولذلك حذار أن تقيس ما أثبت الله لنفسه من الصفات بما تعرفه من صفات المخلوقين فإنك ستضل. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران ٥٩ - ٦٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. * طالب: الفوائد، أخذنا ثبوت علو الله؛ لقوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. * الشيخ: * من فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الخلائق إلى الله نهاية وحكمًا؛ فإن الناس يعرضون يوم القيامة إلى ربهم حُكمًا يحكم بينهم. * ومن فوائدها: إثبات الجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، وهذا حكم جزائي. * ومن فوائدها: أن الخصومة تقع بين المؤمنين والكافرين في يوم القيامة؛ لقوله: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، ويحتمل أن يقال: إن هذا حكم سبقت الخصومة فيه في الدنيا، حيث كان الكفار والمنافقون يختصمون، ولكن الأول أقرب، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاختلاف بين المسلمين والكفار اختلاف جوهري يحكم الله به بين هؤلاء وهؤلاء يوم القيامة، وأما الاختلاف بين المسلمين فيما مصدره الاجتهاد فإنه لا يُحْكَم بينهم؛ لأن المجتهدين وإن اختلفوا في الحكم فإنهم لم يختلفوا في الحقيقة؛ لأن كل واحد منهم يعذر الآخر ولا يرى أنه مخالف له، وإن خالفه في القول والرأي لكنه لم يخالفه في المنهج والطريقة، كل واحد منهم يريد الحق، ولكن اختلفوا في كيفية الوصول إليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾؛ إذ لا حكم إلا بعد علم، ولهذا قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (٤ / ١٧١٣) من حديث أم سلمة.]].

آل عمران 3:56

ثم قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران ٥٦، ٥٧]. من فوائد هاتين الآيتين، أولًا: إثبات العذاب للكافرين؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. * ومن فوائدها: أن العذاب في الدنيا قد لا يكفي عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار، أو نقول: أن العذاب في الدنيا لا يغني عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ولهذا يُعَذَّب الكفار في الدنيا ويُهزمون ويُؤسرون وتُسبى ذريتهم ونساؤهم وتُغنم أموالهم، وهذا عذاب عظيم، ومع ذلك لا ينجون من عذاب النار. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران ٥٩ - ٦٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد، منها: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾. ومنها: أن الجزاء من جنس العمل؛ فكلما كان العمل أسوأ كان الجزاء أشد، ولهذا قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. ومنها: أن العذاب عذاب الكافرين يكون في الدنيا ويكون في الآخرة؛ فأما عذاب الدنيا فبالأسر والقتل والزلازل والفيضانات، وما أشبه ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة ١٤]، وهذا بماذا؟ بالقتل والأسر، وأما العذاب بالزلازل وشبهها فكقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان ١٠، ١١]، هذا عذاب من الله عز وجل، والأول عذاب بأيدي المؤمنين. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار لا ناصر لهم من عذاب الله، لا أحد يمنعهم؛ لقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، أما في الآخرة فظاهر؛ لأن الشفاعة لا تنفع فيهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]، وأما في الدنيا فكذلك؛ لأن هؤلاء الكفار إذا عُذِّبُوا بأيدي المؤمنين فالمقاتلة منهم يُقتلون، والنساء والذرية يُسْبَون، والأموال والأراضي تُغْنَم، وهذا لا ناصر لهم فيه. فإن قال قائل: أليس الإمام يخيَّر في الأسرى بين أمور أربعة: بين القتل، والفداء بمال أو بنفس مؤمنة، والاسترقاق، والمن؟ بين أمور أربعة: إما القتل، أو الفداء بمال أو بأسير مسلم، أو الاسترقاق يجعله رقيقًا يُباع ويشترى، أو المن مجانًا، لا إشكال في الأشياء الثلاثة الأولى، الإشكال في الأخير وهو المنّ، وهذا ليس بعذاب، فالجواب عن ذلك أن نقول: إنه لا يجوز للإمام أن يختار واحدة من هذه الأربع إلا حيث يرى للمسلمين فيها مصلحة، فالتخيير هنا تخيير مصلحة وليس تخيير تشهي واختيار، وإذا كان للمسلمين مصلحة فلا بد أن يكون هذا عذابًا على الكافرين؛ لأن كل شيء فيه مصلحة للمسلمين ففيه عذاب للكافرين، وعلى هذا فلا ناصر لهم لا في الدنيا ولا في الآخرة. ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، يستفاد من هذه الآية: بلاغة القرآن وحكمة القرآن؛ بلاغته في الإتيان بالمعاني متقابلة؛ لأن الإتيان بالمعاني متقابلة توجب نشاط الإنسان، حيث ينتقل الذهن من معنى إلى ما يقابله فيزداد نشاطًا وشغفًا، وأما من جهة كمال البلاغة فلأن المعاني إذا تنوعت على وجوه التقابل ازداد اللفظ حسنًا، وهذا معروف عند علماء البلاغة باسم علم أيش؟ علم البديع، وفيه أيضًا تربية للنفس؛ لأن النفس إذا سمعت عقاب الكافرين خافت ووجلت وربما يستولي عليها اليأس، فإذا جاء ثواب المؤمنين طمعت ورجت فصار سيرها إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن وفاء الأجر مرتبط بوصفين: الإيمان والعمل الصالح؛ فالإيمان وحده لا يكفي، بل لا بد من عمل صالح ينمي هذا الإيمان ويشهد بصحته، أما مجرد العقيدة فإنها لا تكفي، على أن العقيدة إذا كانت سليمة استلزمت العمل الصالح؛ لقول الرسول ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٠٧ / ١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالحًا، والعمل الصالح ما جمع وصفين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ، أي ما كان خالصًا صوابًا كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: منّة الله سبحانه وتعالى على عباده، حيث جعل هذا الجزاء كالأجور اللازم وفاؤها؛ لقوله: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، شوف، والفرق بين التعبيرين، هناك قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، وهنا قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، فإن قال قائل: كيف تستدلون على إثبات المحبة بنفي المحبة؛ لأنه قال: ﴿لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾؟ فالجواب: أن نفي المحبة عن الظالمين دليل على ثبوتها لغيرهم؛ ولو كانت منتفية عن الجميع لم يكن لتخصيصها بالظالمين فائدة، ولهذا استدل الشافعي رحمه الله على ثبوت رؤية المؤمنين لله بقول الله تعالى عن الفجار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥]، وقال في وجه الاستدلال: ما حجب أعداءه عن رؤيته في الغضب إلا لثبوت رؤية أوليائه له في الرضا. وهذا واضح. * ومن فوائد الآية الكريمة: شؤم الظلم، شؤم الظلم على الإنسان، وأنه سبب لانتفاء محبة الله له، وإذا انتفت محبة الله للعبد فقد هلك. * ومن فوائدها: أن الظلم من كبائر الذنوب؛ لأنه رُتِّب عليه وعيد وهو انتفاء محبة الله سبحانه وتعالى، ولكن الظاهر أن هذا ليس على سبيل الإطلاق، بل الظلم يكون كبيرة ويكون صغيرة؛ لأن جميع المعاصي ظلم، ومن المعاصي ما هو كبير ومنها ما هو صغير. * ومن فوائد الآية مع التي قبلها: التنوع في الأسلوب، وهو الانتقال من ضمير التكلم إلى ضمير الغيبة ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ وهنا قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾، فهل هناك فرق من حيث المعنى؟ الجواب: نعم، فرق من حيث المعنى، أما اللفظ فظاهر ففيه التفات من ضمير التكلم إلى ضمير الغيبة، لكن نريد الفرق في المعنى، الفرق في المعنى أن العذاب عقوبة يستدعي سلطة وقهرًا وعزة، فكان الأنسب التعبير بماذا؟ بـ (أُعَذِّب) الدالة على قوة السلطان، أما هذه فكأن الله سبحانه وتعالى للتودد مع هؤلاء وبيان فضلهم قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، ولم يسند الإيفاء إلى نفسه؛ ليعطيهم شيئًا من الشكر على عملهم؛ لأن الفرق بين أن تخاطب الإنسان بالتعبير عن فعلك به بضمير التكلم أو أن تعبر بضمير الغيبة؛ لأن المواجهة أشد من الغيبة، وتأمل قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ﴾ [عبس ١ - ٣]، فقال: ﴿عَبَسَ﴾ ولم يقل: عبست، وقال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ ولم يقل: وما أدراه، أو وما يدريه، فهذه والله أعلم الحكمة من أنه جاء التعبير بالعذاب بالفعل مسندًا إلى ضمير المتكلم بخلافه في الجزاء، ويدل لهذا الاعتبار قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، فجعل فعلهم إحسانًا يُشْكَرون عليه ويُحسن إليهم، مع أن الإحسان كله من الله، فإن التوفيق للعمل الصالح من إحسان الله إلى العبد، لكن هذا من كمال رحمة الله عز وجل وثوابه وجزائه، وقال تعالى في سورة الإنسان: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢]، طيب سعيهم مشكورًا من الذي وفقهم للسعي؟ الله، ومع ذلك يقول: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾، فصار في تغيير الأسلوب في الآيتين صار فيه فائدتان: لفظية ومعنوية؛ اللفظية هو الالتفات الذي يوجب الانتباه، والثاني المعنوية هو إظهار السلطة والعظمة والعزة في باب التعذيب، وإظهار الفضل والإحسان للعاملين في باب المثوبة. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران ٥٨]، من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل تكلم بالقرآن، فقال: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾، إذا كانت التلاوة لله حقيقة ونقلها جبريل إلى الرسول ﷺ، ويحتمل أن تكون التلاوة لجبريل لكن لما كان جبريل رسولًا لله نُسِبَ فعله إلى الله، فهو كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٦ - ١٨]، ومعلوم أن الذي يقرؤه جبريل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم آية، بل آيات، كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت ٤٩]، آيات عظيمة، فآياته كثيرة، كل آية فيها عدة آيات، ولكن لا يفهم هذه الآيات إلا من فتح الله قلبه للإيمان والعلم واعتقاد أن هذا القرآن كلام الله وأن فيه آيات بينات، أما الذي تمر عليه مثل هذه الجملة من الآيات مر الكرام ولا يتحرك بها قلبه ولا يتأمل هذه الآيات فإنه لن ينتفع بما في القرآن من الآيات، لا بد أن تؤمن بأن فيه آيات وأن تحاول استخراج هذه الآيات بالتدبر، والإنسان إذا تدبر القرآن وجد فيه آيات عظيمة لا يحصيها البشر. * ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن ذِكْر، لكن هل هو ذكر يُتقرب إلى الله به، أو هو ذكر يتذكر به الإنسان؟ ذكرنا أن المعنى شامل لهذا وهذا، فهو ذكر يقرب إلى الله؛ لأن مَن تلاه فله بكل حرف عشر حسنات، وهو ذكر يتذكر به الإنسان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧]، قيل: وهو ذكر رفع الله به شأن الذين تمسكوا به، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤]، وكقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح ٤]، أي: شأنك أعلوناه، وعلى هذا فيكون للذكر كم؟ ثلاثة معاني: ذكر يُتقرب به إلى الله بتلاوته، وذكر يتذكر به الإنسان، وذكر يعني شرفًا لمن تمسك به. * ومن فوائد الآية الكريمة: وصف القرآن الكريم بهذا الوصف العظيم وهي الحكمة ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران ٥٨]، والحكيم هنا بمعنى الحاكم والمحكِم؛ لأن القرآن حكم بين الناس، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩] أي: إلى كتابه، فهو حكم وهو أيضًا محكَم، محكم متقَن ليس فيه اختلاف ولا اضطراب ولا تناقض. * ومن فوائد الآية: أنه لا يوجد حكم دل عليه القرآن إلا وهو في موضعه اللائق به، من أين يؤخذ؟ من ﴿الْحَكِيمِ﴾؛ لأن الحكيم هو الذي يضع الشيء في مواضعه، فكل حُكْم حَكَم به القرآن فإنه في موضعه، لا يقول العقل: ليته لم يحكم به، أبدًا، سواء كان ثبوتيًّا أم سلبيًّا. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الرسول عليه الصلاة والسلام في قول: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾، فخصه ﷺ بالتلاوة عليه؛ لأنه ﷺ أشرف من يتلقى القرآن وأَقْوَم الناس عملًا به، فكأنه هو المخصوص بالتلاوة عليه ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾، لقد مر علينا أن هذه الآيات نزلت حين قدم وفد نجران إلى رسول الله ﷺ وكانوا نصارى، وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة؛ لأن تلك السنة كثر فيها الوافدون إلى رسول الله ﷺ، ولهذا تسمى سنة الوفود، وهذا أحد الأسباب الذي منعت النبي ﷺ أن يحج في العام التاسع مع أن مكة قد فتحت، ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ يعني: شأنه، إن شأن عيسى عند الله كشأن آدم لا يختلف عنه، فكما أننا متفقون على أن آدم خلقه الله عز وجل من غير أب ولا أم حتى النصارى يؤمنون بهذا، فما بال النصارى يقولون: كيف خلق الله عيسى بلا أب؟ ما هو إلا ابنه - نعوذ بالله – فقالوا: إنه ابن الله جزء منه، ولم يقولوا: إن آدم ابن الله، مع أنه لو كان أحد يدعي البنوة في أحد من البشر لكان الأحق بها آدم، البنوة لله، لكان الأحق آدم؛ لأنه ما له أم ولا أب، أما عيسى فله أم، والأم أحد الوالدين، فإذا كنا نقول: لا يمكن أن يوجد أحد من أم بلا أب فلنقل: ولا أحد يوجد بدون أم ولا أب، فأنتم أيها النصارى أقررتم بأن آدم ليس ابنًا لله فيلزمكم أن تقروا بأن عيسى ليس ابنًا لله؛ لأن مثل عيسى كمثل آدم ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾، خلقه يعني: ابتدأ خلقه من تراب، وضمير المفعول في (خلقه) يعود على آدم؛ لأنه هو المخلوق من التراب، ﴿خَلَقَهُ﴾ أي: خلق آدم من تراب، ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، نحن قلنا: ابتدأ خلقه ثم قال: كن، والأمر هذا لتمام الخلق، وإنما قلنا ذلك؛ لئلا يقول قائل: كيف تكون كلمة (كن) بعد الخلق؛ لأن الترتيب العقلي يقتضي أن تكون كلمة (كن) قبل الخلق، كن، فكان، فنقول: إن معنى ﴿خَلَقَهُ﴾ يعني: ابتدأ خلقه من تراب ثم قال له: كن بشرًا، فكان بشرًا، ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وهذا القول: كن، قول قدري أو شرعي؟ قول قدري، والقول القدري لا يتخلف عنه المقول؛ لأنه أمر حتمي، بخلاف القول الشرعي فإن من الناس من يستكبر عنه، يقول الله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام ٧٢]، فيقول: لا، ما يقيم الصلاة، أما القول الكوني فإنه لا مرد له، ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، ولم يقل: فكان، على حكاية الحال، يعني: لما قال: ﴿كُنْ﴾ فعلًا شرع بالكينونة حتى تمت. في هذه الآية: بيان إقامة الحجة بمثل ما يحتج الخصم به؛ لأنه أقام الحجة على النصارى بمثل ما احتجوا به، فقال: إذا قلتم: إن عيسى ابن لله؛ لأنه خُلِق بلا أب فقولوا: إن آدم ابن الله، وإلا فأنتم متناقضون. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى حيث خلق آدم من غير أم ولا أب، وخلق عيسى من أم بلا أب، وهناك أيضًا صنفان؛ أن الله خلق من أب بلا أم، وخلق بين أب وأم، من الذي خُلِق من أب بلا أم؟ حواء، وسائر البشر من بين أم وأب. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القياس، من أين يؤخذ؟ ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾، وكل مثل مضروب في القرآن فإنه دليل على ثبوت القياس؛ لأنه إلحاق المورِد بالمضرب، يعني أنك ألحقت الممثَّل بأيش؟ بالممثَّل به. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القول للرب عز وجل؛ لقوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ﴾. ومنها، من فوائدها: أن قول الله بصوت مسموع وبحروف مرتبة؛ لقوله: ﴿قَالَ لَهُ كُنْ﴾ فسيسمع هذا القول، وحرف مرتب ولاَّ لا؟ الكاف قبل النون. ومنها، من فوائد الآية: إثبات صفة الخلق لله ﴿خَلَقَهُ﴾، والخلق صفة ذاتية أو فعلية؟ * الطلبة: فعلية. * الشيخ: فعلية، من الصفات الفعلية، لكن قد مر علينا أن جنس الصفات الفعلية أيش؟ ذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال فعَّالًا.

آل عمران 3:57

ثم قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران ٥٦، ٥٧]. من فوائد هاتين الآيتين، أولًا: إثبات العذاب للكافرين؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. * ومن فوائدها: أن العذاب في الدنيا قد لا يكفي عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار، أو نقول: أن العذاب في الدنيا لا يغني عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ولهذا يُعَذَّب الكفار في الدنيا ويُهزمون ويُؤسرون وتُسبى ذريتهم ونساؤهم وتُغنم أموالهم، وهذا عذاب عظيم، ومع ذلك لا ينجون من عذاب النار. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران ٥٩ - ٦٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد، منها: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾. ومنها: أن الجزاء من جنس العمل؛ فكلما كان العمل أسوأ كان الجزاء أشد، ولهذا قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. ومنها: أن العذاب عذاب الكافرين يكون في الدنيا ويكون في الآخرة؛ فأما عذاب الدنيا فبالأسر والقتل والزلازل والفيضانات، وما أشبه ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة ١٤]، وهذا بماذا؟ بالقتل والأسر، وأما العذاب بالزلازل وشبهها فكقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان ١٠، ١١]، هذا عذاب من الله عز وجل، والأول عذاب بأيدي المؤمنين. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار لا ناصر لهم من عذاب الله، لا أحد يمنعهم؛ لقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، أما في الآخرة فظاهر؛ لأن الشفاعة لا تنفع فيهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]، وأما في الدنيا فكذلك؛ لأن هؤلاء الكفار إذا عُذِّبُوا بأيدي المؤمنين فالمقاتلة منهم يُقتلون، والنساء والذرية يُسْبَون، والأموال والأراضي تُغْنَم، وهذا لا ناصر لهم فيه. فإن قال قائل: أليس الإمام يخيَّر في الأسرى بين أمور أربعة: بين القتل، والفداء بمال أو بنفس مؤمنة، والاسترقاق، والمن؟ بين أمور أربعة: إما القتل، أو الفداء بمال أو بأسير مسلم، أو الاسترقاق يجعله رقيقًا يُباع ويشترى، أو المن مجانًا، لا إشكال في الأشياء الثلاثة الأولى، الإشكال في الأخير وهو المنّ، وهذا ليس بعذاب، فالجواب عن ذلك أن نقول: إنه لا يجوز للإمام أن يختار واحدة من هذه الأربع إلا حيث يرى للمسلمين فيها مصلحة، فالتخيير هنا تخيير مصلحة وليس تخيير تشهي واختيار، وإذا كان للمسلمين مصلحة فلا بد أن يكون هذا عذابًا على الكافرين؛ لأن كل شيء فيه مصلحة للمسلمين ففيه عذاب للكافرين، وعلى هذا فلا ناصر لهم لا في الدنيا ولا في الآخرة. ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، يستفاد من هذه الآية: بلاغة القرآن وحكمة القرآن؛ بلاغته في الإتيان بالمعاني متقابلة؛ لأن الإتيان بالمعاني متقابلة توجب نشاط الإنسان، حيث ينتقل الذهن من معنى إلى ما يقابله فيزداد نشاطًا وشغفًا، وأما من جهة كمال البلاغة فلأن المعاني إذا تنوعت على وجوه التقابل ازداد اللفظ حسنًا، وهذا معروف عند علماء البلاغة باسم علم أيش؟ علم البديع، وفيه أيضًا تربية للنفس؛ لأن النفس إذا سمعت عقاب الكافرين خافت ووجلت وربما يستولي عليها اليأس، فإذا جاء ثواب المؤمنين طمعت ورجت فصار سيرها إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن وفاء الأجر مرتبط بوصفين: الإيمان والعمل الصالح؛ فالإيمان وحده لا يكفي، بل لا بد من عمل صالح ينمي هذا الإيمان ويشهد بصحته، أما مجرد العقيدة فإنها لا تكفي، على أن العقيدة إذا كانت سليمة استلزمت العمل الصالح؛ لقول الرسول ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٠٧ / ١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالحًا، والعمل الصالح ما جمع وصفين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ، أي ما كان خالصًا صوابًا كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: منّة الله سبحانه وتعالى على عباده، حيث جعل هذا الجزاء كالأجور اللازم وفاؤها؛ لقوله: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، شوف، والفرق بين التعبيرين، هناك قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، وهنا قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، فإن قال قائل: كيف تستدلون على إثبات المحبة بنفي المحبة؛ لأنه قال: ﴿لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾؟ فالجواب: أن نفي المحبة عن الظالمين دليل على ثبوتها لغيرهم؛ ولو كانت منتفية عن الجميع لم يكن لتخصيصها بالظالمين فائدة، ولهذا استدل الشافعي رحمه الله على ثبوت رؤية المؤمنين لله بقول الله تعالى عن الفجار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥]، وقال في وجه الاستدلال: ما حجب أعداءه عن رؤيته في الغضب إلا لثبوت رؤية أوليائه له في الرضا. وهذا واضح. * ومن فوائد الآية الكريمة: شؤم الظلم، شؤم الظلم على الإنسان، وأنه سبب لانتفاء محبة الله له، وإذا انتفت محبة الله للعبد فقد هلك. * ومن فوائدها: أن الظلم من كبائر الذنوب؛ لأنه رُتِّب عليه وعيد وهو انتفاء محبة الله سبحانه وتعالى، ولكن الظاهر أن هذا ليس على سبيل الإطلاق، بل الظلم يكون كبيرة ويكون صغيرة؛ لأن جميع المعاصي ظلم، ومن المعاصي ما هو كبير ومنها ما هو صغير. * ومن فوائد الآية مع التي قبلها: التنوع في الأسلوب، وهو الانتقال من ضمير التكلم إلى ضمير الغيبة ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ وهنا قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾، فهل هناك فرق من حيث المعنى؟ الجواب: نعم، فرق من حيث المعنى، أما اللفظ فظاهر ففيه التفات من ضمير التكلم إلى ضمير الغيبة، لكن نريد الفرق في المعنى، الفرق في المعنى أن العذاب عقوبة يستدعي سلطة وقهرًا وعزة، فكان الأنسب التعبير بماذا؟ بـ (أُعَذِّب) الدالة على قوة السلطان، أما هذه فكأن الله سبحانه وتعالى للتودد مع هؤلاء وبيان فضلهم قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، ولم يسند الإيفاء إلى نفسه؛ ليعطيهم شيئًا من الشكر على عملهم؛ لأن الفرق بين أن تخاطب الإنسان بالتعبير عن فعلك به بضمير التكلم أو أن تعبر بضمير الغيبة؛ لأن المواجهة أشد من الغيبة، وتأمل قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ﴾ [عبس ١ - ٣]، فقال: ﴿عَبَسَ﴾ ولم يقل: عبست، وقال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ ولم يقل: وما أدراه، أو وما يدريه، فهذه والله أعلم الحكمة من أنه جاء التعبير بالعذاب بالفعل مسندًا إلى ضمير المتكلم بخلافه في الجزاء، ويدل لهذا الاعتبار قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، فجعل فعلهم إحسانًا يُشْكَرون عليه ويُحسن إليهم، مع أن الإحسان كله من الله، فإن التوفيق للعمل الصالح من إحسان الله إلى العبد، لكن هذا من كمال رحمة الله عز وجل وثوابه وجزائه، وقال تعالى في سورة الإنسان: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢]، طيب سعيهم مشكورًا من الذي وفقهم للسعي؟ الله، ومع ذلك يقول: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾، فصار في تغيير الأسلوب في الآيتين صار فيه فائدتان: لفظية ومعنوية؛ اللفظية هو الالتفات الذي يوجب الانتباه، والثاني المعنوية هو إظهار السلطة والعظمة والعزة في باب التعذيب، وإظهار الفضل والإحسان للعاملين في باب المثوبة. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران ٥٨]، من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل تكلم بالقرآن، فقال: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾، إذا كانت التلاوة لله حقيقة ونقلها جبريل إلى الرسول ﷺ، ويحتمل أن تكون التلاوة لجبريل لكن لما كان جبريل رسولًا لله نُسِبَ فعله إلى الله، فهو كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٦ - ١٨]، ومعلوم أن الذي يقرؤه جبريل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم آية، بل آيات، كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت ٤٩]، آيات عظيمة، فآياته كثيرة، كل آية فيها عدة آيات، ولكن لا يفهم هذه الآيات إلا من فتح الله قلبه للإيمان والعلم واعتقاد أن هذا القرآن كلام الله وأن فيه آيات بينات، أما الذي تمر عليه مثل هذه الجملة من الآيات مر الكرام ولا يتحرك بها قلبه ولا يتأمل هذه الآيات فإنه لن ينتفع بما في القرآن من الآيات، لا بد أن تؤمن بأن فيه آيات وأن تحاول استخراج هذه الآيات بالتدبر، والإنسان إذا تدبر القرآن وجد فيه آيات عظيمة لا يحصيها البشر. * ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن ذِكْر، لكن هل هو ذكر يُتقرب إلى الله به، أو هو ذكر يتذكر به الإنسان؟ ذكرنا أن المعنى شامل لهذا وهذا، فهو ذكر يقرب إلى الله؛ لأن مَن تلاه فله بكل حرف عشر حسنات، وهو ذكر يتذكر به الإنسان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧]، قيل: وهو ذكر رفع الله به شأن الذين تمسكوا به، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤]، وكقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح ٤]، أي: شأنك أعلوناه، وعلى هذا فيكون للذكر كم؟ ثلاثة معاني: ذكر يُتقرب به إلى الله بتلاوته، وذكر يتذكر به الإنسان، وذكر يعني شرفًا لمن تمسك به. * ومن فوائد الآية الكريمة: وصف القرآن الكريم بهذا الوصف العظيم وهي الحكمة ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران ٥٨]، والحكيم هنا بمعنى الحاكم والمحكِم؛ لأن القرآن حكم بين الناس، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩] أي: إلى كتابه، فهو حكم وهو أيضًا محكَم، محكم متقَن ليس فيه اختلاف ولا اضطراب ولا تناقض. * ومن فوائد الآية: أنه لا يوجد حكم دل عليه القرآن إلا وهو في موضعه اللائق به، من أين يؤخذ؟ من ﴿الْحَكِيمِ﴾؛ لأن الحكيم هو الذي يضع الشيء في مواضعه، فكل حُكْم حَكَم به القرآن فإنه في موضعه، لا يقول العقل: ليته لم يحكم به، أبدًا، سواء كان ثبوتيًّا أم سلبيًّا. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الرسول عليه الصلاة والسلام في قول: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾، فخصه ﷺ بالتلاوة عليه؛ لأنه ﷺ أشرف من يتلقى القرآن وأَقْوَم الناس عملًا به، فكأنه هو المخصوص بالتلاوة عليه ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾، لقد مر علينا أن هذه الآيات نزلت حين قدم وفد نجران إلى رسول الله ﷺ وكانوا نصارى، وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة؛ لأن تلك السنة كثر فيها الوافدون إلى رسول الله ﷺ، ولهذا تسمى سنة الوفود، وهذا أحد الأسباب الذي منعت النبي ﷺ أن يحج في العام التاسع مع أن مكة قد فتحت، ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ يعني: شأنه، إن شأن عيسى عند الله كشأن آدم لا يختلف عنه، فكما أننا متفقون على أن آدم خلقه الله عز وجل من غير أب ولا أم حتى النصارى يؤمنون بهذا، فما بال النصارى يقولون: كيف خلق الله عيسى بلا أب؟ ما هو إلا ابنه - نعوذ بالله – فقالوا: إنه ابن الله جزء منه، ولم يقولوا: إن آدم ابن الله، مع أنه لو كان أحد يدعي البنوة في أحد من البشر لكان الأحق بها آدم، البنوة لله، لكان الأحق آدم؛ لأنه ما له أم ولا أب، أما عيسى فله أم، والأم أحد الوالدين، فإذا كنا نقول: لا يمكن أن يوجد أحد من أم بلا أب فلنقل: ولا أحد يوجد بدون أم ولا أب، فأنتم أيها النصارى أقررتم بأن آدم ليس ابنًا لله فيلزمكم أن تقروا بأن عيسى ليس ابنًا لله؛ لأن مثل عيسى كمثل آدم ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾، خلقه يعني: ابتدأ خلقه من تراب، وضمير المفعول في (خلقه) يعود على آدم؛ لأنه هو المخلوق من التراب، ﴿خَلَقَهُ﴾ أي: خلق آدم من تراب، ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، نحن قلنا: ابتدأ خلقه ثم قال: كن، والأمر هذا لتمام الخلق، وإنما قلنا ذلك؛ لئلا يقول قائل: كيف تكون كلمة (كن) بعد الخلق؛ لأن الترتيب العقلي يقتضي أن تكون كلمة (كن) قبل الخلق، كن، فكان، فنقول: إن معنى ﴿خَلَقَهُ﴾ يعني: ابتدأ خلقه من تراب ثم قال له: كن بشرًا، فكان بشرًا، ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وهذا القول: كن، قول قدري أو شرعي؟ قول قدري، والقول القدري لا يتخلف عنه المقول؛ لأنه أمر حتمي، بخلاف القول الشرعي فإن من الناس من يستكبر عنه، يقول الله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام ٧٢]، فيقول: لا، ما يقيم الصلاة، أما القول الكوني فإنه لا مرد له، ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، ولم يقل: فكان، على حكاية الحال، يعني: لما قال: ﴿كُنْ﴾ فعلًا شرع بالكينونة حتى تمت. في هذه الآية: بيان إقامة الحجة بمثل ما يحتج الخصم به؛ لأنه أقام الحجة على النصارى بمثل ما احتجوا به، فقال: إذا قلتم: إن عيسى ابن لله؛ لأنه خُلِق بلا أب فقولوا: إن آدم ابن الله، وإلا فأنتم متناقضون. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى حيث خلق آدم من غير أم ولا أب، وخلق عيسى من أم بلا أب، وهناك أيضًا صنفان؛ أن الله خلق من أب بلا أم، وخلق بين أب وأم، من الذي خُلِق من أب بلا أم؟ حواء، وسائر البشر من بين أم وأب. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القياس، من أين يؤخذ؟ ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾، وكل مثل مضروب في القرآن فإنه دليل على ثبوت القياس؛ لأنه إلحاق المورِد بالمضرب، يعني أنك ألحقت الممثَّل بأيش؟ بالممثَّل به. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القول للرب عز وجل؛ لقوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ﴾. ومنها، من فوائدها: أن قول الله بصوت مسموع وبحروف مرتبة؛ لقوله: ﴿قَالَ لَهُ كُنْ﴾ فسيسمع هذا القول، وحرف مرتب ولاَّ لا؟ الكاف قبل النون. ومنها، من فوائد الآية: إثبات صفة الخلق لله ﴿خَلَقَهُ﴾، والخلق صفة ذاتية أو فعلية؟ * الطلبة: فعلية. * الشيخ: فعلية، من الصفات الفعلية، لكن قد مر علينا أن جنس الصفات الفعلية أيش؟ ذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال فعَّالًا.

آل عمران 3:58

ثم قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران ٥٦، ٥٧]. من فوائد هاتين الآيتين، أولًا: إثبات العذاب للكافرين؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. * ومن فوائدها: أن العذاب في الدنيا قد لا يكفي عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار، أو نقول: أن العذاب في الدنيا لا يغني عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ولهذا يُعَذَّب الكفار في الدنيا ويُهزمون ويُؤسرون وتُسبى ذريتهم ونساؤهم وتُغنم أموالهم، وهذا عذاب عظيم، ومع ذلك لا ينجون من عذاب النار. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران ٥٩ - ٦٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد، منها: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾. ومنها: أن الجزاء من جنس العمل؛ فكلما كان العمل أسوأ كان الجزاء أشد، ولهذا قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. ومنها: أن العذاب عذاب الكافرين يكون في الدنيا ويكون في الآخرة؛ فأما عذاب الدنيا فبالأسر والقتل والزلازل والفيضانات، وما أشبه ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة ١٤]، وهذا بماذا؟ بالقتل والأسر، وأما العذاب بالزلازل وشبهها فكقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان ١٠، ١١]، هذا عذاب من الله عز وجل، والأول عذاب بأيدي المؤمنين. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار لا ناصر لهم من عذاب الله، لا أحد يمنعهم؛ لقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، أما في الآخرة فظاهر؛ لأن الشفاعة لا تنفع فيهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]، وأما في الدنيا فكذلك؛ لأن هؤلاء الكفار إذا عُذِّبُوا بأيدي المؤمنين فالمقاتلة منهم يُقتلون، والنساء والذرية يُسْبَون، والأموال والأراضي تُغْنَم، وهذا لا ناصر لهم فيه. فإن قال قائل: أليس الإمام يخيَّر في الأسرى بين أمور أربعة: بين القتل، والفداء بمال أو بنفس مؤمنة، والاسترقاق، والمن؟ بين أمور أربعة: إما القتل، أو الفداء بمال أو بأسير مسلم، أو الاسترقاق يجعله رقيقًا يُباع ويشترى، أو المن مجانًا، لا إشكال في الأشياء الثلاثة الأولى، الإشكال في الأخير وهو المنّ، وهذا ليس بعذاب، فالجواب عن ذلك أن نقول: إنه لا يجوز للإمام أن يختار واحدة من هذه الأربع إلا حيث يرى للمسلمين فيها مصلحة، فالتخيير هنا تخيير مصلحة وليس تخيير تشهي واختيار، وإذا كان للمسلمين مصلحة فلا بد أن يكون هذا عذابًا على الكافرين؛ لأن كل شيء فيه مصلحة للمسلمين ففيه عذاب للكافرين، وعلى هذا فلا ناصر لهم لا في الدنيا ولا في الآخرة. ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، يستفاد من هذه الآية: بلاغة القرآن وحكمة القرآن؛ بلاغته في الإتيان بالمعاني متقابلة؛ لأن الإتيان بالمعاني متقابلة توجب نشاط الإنسان، حيث ينتقل الذهن من معنى إلى ما يقابله فيزداد نشاطًا وشغفًا، وأما من جهة كمال البلاغة فلأن المعاني إذا تنوعت على وجوه التقابل ازداد اللفظ حسنًا، وهذا معروف عند علماء البلاغة باسم علم أيش؟ علم البديع، وفيه أيضًا تربية للنفس؛ لأن النفس إذا سمعت عقاب الكافرين خافت ووجلت وربما يستولي عليها اليأس، فإذا جاء ثواب المؤمنين طمعت ورجت فصار سيرها إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن وفاء الأجر مرتبط بوصفين: الإيمان والعمل الصالح؛ فالإيمان وحده لا يكفي، بل لا بد من عمل صالح ينمي هذا الإيمان ويشهد بصحته، أما مجرد العقيدة فإنها لا تكفي، على أن العقيدة إذا كانت سليمة استلزمت العمل الصالح؛ لقول الرسول ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٠٧ / ١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالحًا، والعمل الصالح ما جمع وصفين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ، أي ما كان خالصًا صوابًا كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: منّة الله سبحانه وتعالى على عباده، حيث جعل هذا الجزاء كالأجور اللازم وفاؤها؛ لقوله: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، شوف، والفرق بين التعبيرين، هناك قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، وهنا قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، فإن قال قائل: كيف تستدلون على إثبات المحبة بنفي المحبة؛ لأنه قال: ﴿لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾؟ فالجواب: أن نفي المحبة عن الظالمين دليل على ثبوتها لغيرهم؛ ولو كانت منتفية عن الجميع لم يكن لتخصيصها بالظالمين فائدة، ولهذا استدل الشافعي رحمه الله على ثبوت رؤية المؤمنين لله بقول الله تعالى عن الفجار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥]، وقال في وجه الاستدلال: ما حجب أعداءه عن رؤيته في الغضب إلا لثبوت رؤية أوليائه له في الرضا. وهذا واضح. * ومن فوائد الآية الكريمة: شؤم الظلم، شؤم الظلم على الإنسان، وأنه سبب لانتفاء محبة الله له، وإذا انتفت محبة الله للعبد فقد هلك. * ومن فوائدها: أن الظلم من كبائر الذنوب؛ لأنه رُتِّب عليه وعيد وهو انتفاء محبة الله سبحانه وتعالى، ولكن الظاهر أن هذا ليس على سبيل الإطلاق، بل الظلم يكون كبيرة ويكون صغيرة؛ لأن جميع المعاصي ظلم، ومن المعاصي ما هو كبير ومنها ما هو صغير. * ومن فوائد الآية مع التي قبلها: التنوع في الأسلوب، وهو الانتقال من ضمير التكلم إلى ضمير الغيبة ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ وهنا قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾، فهل هناك فرق من حيث المعنى؟ الجواب: نعم، فرق من حيث المعنى، أما اللفظ فظاهر ففيه التفات من ضمير التكلم إلى ضمير الغيبة، لكن نريد الفرق في المعنى، الفرق في المعنى أن العذاب عقوبة يستدعي سلطة وقهرًا وعزة، فكان الأنسب التعبير بماذا؟ بـ (أُعَذِّب) الدالة على قوة السلطان، أما هذه فكأن الله سبحانه وتعالى للتودد مع هؤلاء وبيان فضلهم قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، ولم يسند الإيفاء إلى نفسه؛ ليعطيهم شيئًا من الشكر على عملهم؛ لأن الفرق بين أن تخاطب الإنسان بالتعبير عن فعلك به بضمير التكلم أو أن تعبر بضمير الغيبة؛ لأن المواجهة أشد من الغيبة، وتأمل قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ﴾ [عبس ١ - ٣]، فقال: ﴿عَبَسَ﴾ ولم يقل: عبست، وقال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ ولم يقل: وما أدراه، أو وما يدريه، فهذه والله أعلم الحكمة من أنه جاء التعبير بالعذاب بالفعل مسندًا إلى ضمير المتكلم بخلافه في الجزاء، ويدل لهذا الاعتبار قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، فجعل فعلهم إحسانًا يُشْكَرون عليه ويُحسن إليهم، مع أن الإحسان كله من الله، فإن التوفيق للعمل الصالح من إحسان الله إلى العبد، لكن هذا من كمال رحمة الله عز وجل وثوابه وجزائه، وقال تعالى في سورة الإنسان: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢]، طيب سعيهم مشكورًا من الذي وفقهم للسعي؟ الله، ومع ذلك يقول: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾، فصار في تغيير الأسلوب في الآيتين صار فيه فائدتان: لفظية ومعنوية؛ اللفظية هو الالتفات الذي يوجب الانتباه، والثاني المعنوية هو إظهار السلطة والعظمة والعزة في باب التعذيب، وإظهار الفضل والإحسان للعاملين في باب المثوبة. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران ٥٨]، من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل تكلم بالقرآن، فقال: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾، إذا كانت التلاوة لله حقيقة ونقلها جبريل إلى الرسول ﷺ، ويحتمل أن تكون التلاوة لجبريل لكن لما كان جبريل رسولًا لله نُسِبَ فعله إلى الله، فهو كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٦ - ١٨]، ومعلوم أن الذي يقرؤه جبريل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم آية، بل آيات، كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت ٤٩]، آيات عظيمة، فآياته كثيرة، كل آية فيها عدة آيات، ولكن لا يفهم هذه الآيات إلا من فتح الله قلبه للإيمان والعلم واعتقاد أن هذا القرآن كلام الله وأن فيه آيات بينات، أما الذي تمر عليه مثل هذه الجملة من الآيات مر الكرام ولا يتحرك بها قلبه ولا يتأمل هذه الآيات فإنه لن ينتفع بما في القرآن من الآيات، لا بد أن تؤمن بأن فيه آيات وأن تحاول استخراج هذه الآيات بالتدبر، والإنسان إذا تدبر القرآن وجد فيه آيات عظيمة لا يحصيها البشر. * ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن ذِكْر، لكن هل هو ذكر يُتقرب إلى الله به، أو هو ذكر يتذكر به الإنسان؟ ذكرنا أن المعنى شامل لهذا وهذا، فهو ذكر يقرب إلى الله؛ لأن مَن تلاه فله بكل حرف عشر حسنات، وهو ذكر يتذكر به الإنسان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧]، قيل: وهو ذكر رفع الله به شأن الذين تمسكوا به، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤]، وكقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح ٤]، أي: شأنك أعلوناه، وعلى هذا فيكون للذكر كم؟ ثلاثة معاني: ذكر يُتقرب به إلى الله بتلاوته، وذكر يتذكر به الإنسان، وذكر يعني شرفًا لمن تمسك به. * ومن فوائد الآية الكريمة: وصف القرآن الكريم بهذا الوصف العظيم وهي الحكمة ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران ٥٨]، والحكيم هنا بمعنى الحاكم والمحكِم؛ لأن القرآن حكم بين الناس، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩] أي: إلى كتابه، فهو حكم وهو أيضًا محكَم، محكم متقَن ليس فيه اختلاف ولا اضطراب ولا تناقض. * ومن فوائد الآية: أنه لا يوجد حكم دل عليه القرآن إلا وهو في موضعه اللائق به، من أين يؤخذ؟ من ﴿الْحَكِيمِ﴾؛ لأن الحكيم هو الذي يضع الشيء في مواضعه، فكل حُكْم حَكَم به القرآن فإنه في موضعه، لا يقول العقل: ليته لم يحكم به، أبدًا، سواء كان ثبوتيًّا أم سلبيًّا. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الرسول عليه الصلاة والسلام في قول: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾، فخصه ﷺ بالتلاوة عليه؛ لأنه ﷺ أشرف من يتلقى القرآن وأَقْوَم الناس عملًا به، فكأنه هو المخصوص بالتلاوة عليه ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾، لقد مر علينا أن هذه الآيات نزلت حين قدم وفد نجران إلى رسول الله ﷺ وكانوا نصارى، وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة؛ لأن تلك السنة كثر فيها الوافدون إلى رسول الله ﷺ، ولهذا تسمى سنة الوفود، وهذا أحد الأسباب الذي منعت النبي ﷺ أن يحج في العام التاسع مع أن مكة قد فتحت، ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ يعني: شأنه، إن شأن عيسى عند الله كشأن آدم لا يختلف عنه، فكما أننا متفقون على أن آدم خلقه الله عز وجل من غير أب ولا أم حتى النصارى يؤمنون بهذا، فما بال النصارى يقولون: كيف خلق الله عيسى بلا أب؟ ما هو إلا ابنه - نعوذ بالله – فقالوا: إنه ابن الله جزء منه، ولم يقولوا: إن آدم ابن الله، مع أنه لو كان أحد يدعي البنوة في أحد من البشر لكان الأحق بها آدم، البنوة لله، لكان الأحق آدم؛ لأنه ما له أم ولا أب، أما عيسى فله أم، والأم أحد الوالدين، فإذا كنا نقول: لا يمكن أن يوجد أحد من أم بلا أب فلنقل: ولا أحد يوجد بدون أم ولا أب، فأنتم أيها النصارى أقررتم بأن آدم ليس ابنًا لله فيلزمكم أن تقروا بأن عيسى ليس ابنًا لله؛ لأن مثل عيسى كمثل آدم ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾، خلقه يعني: ابتدأ خلقه من تراب، وضمير المفعول في (خلقه) يعود على آدم؛ لأنه هو المخلوق من التراب، ﴿خَلَقَهُ﴾ أي: خلق آدم من تراب، ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، نحن قلنا: ابتدأ خلقه ثم قال: كن، والأمر هذا لتمام الخلق، وإنما قلنا ذلك؛ لئلا يقول قائل: كيف تكون كلمة (كن) بعد الخلق؛ لأن الترتيب العقلي يقتضي أن تكون كلمة (كن) قبل الخلق، كن، فكان، فنقول: إن معنى ﴿خَلَقَهُ﴾ يعني: ابتدأ خلقه من تراب ثم قال له: كن بشرًا، فكان بشرًا، ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وهذا القول: كن، قول قدري أو شرعي؟ قول قدري، والقول القدري لا يتخلف عنه المقول؛ لأنه أمر حتمي، بخلاف القول الشرعي فإن من الناس من يستكبر عنه، يقول الله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام ٧٢]، فيقول: لا، ما يقيم الصلاة، أما القول الكوني فإنه لا مرد له، ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، ولم يقل: فكان، على حكاية الحال، يعني: لما قال: ﴿كُنْ﴾ فعلًا شرع بالكينونة حتى تمت. في هذه الآية: بيان إقامة الحجة بمثل ما يحتج الخصم به؛ لأنه أقام الحجة على النصارى بمثل ما احتجوا به، فقال: إذا قلتم: إن عيسى ابن لله؛ لأنه خُلِق بلا أب فقولوا: إن آدم ابن الله، وإلا فأنتم متناقضون. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى حيث خلق آدم من غير أم ولا أب، وخلق عيسى من أم بلا أب، وهناك أيضًا صنفان؛ أن الله خلق من أب بلا أم، وخلق بين أب وأم، من الذي خُلِق من أب بلا أم؟ حواء، وسائر البشر من بين أم وأب. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القياس، من أين يؤخذ؟ ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾، وكل مثل مضروب في القرآن فإنه دليل على ثبوت القياس؛ لأنه إلحاق المورِد بالمضرب، يعني أنك ألحقت الممثَّل بأيش؟ بالممثَّل به. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القول للرب عز وجل؛ لقوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ﴾. ومنها، من فوائدها: أن قول الله بصوت مسموع وبحروف مرتبة؛ لقوله: ﴿قَالَ لَهُ كُنْ﴾ فسيسمع هذا القول، وحرف مرتب ولاَّ لا؟ الكاف قبل النون. ومنها، من فوائد الآية: إثبات صفة الخلق لله ﴿خَلَقَهُ﴾، والخلق صفة ذاتية أو فعلية؟ * الطلبة: فعلية. * الشيخ: فعلية، من الصفات الفعلية، لكن قد مر علينا أن جنس الصفات الفعلية أيش؟ ذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال فعَّالًا.

آل عمران 3:59

ثم قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران ٥٦، ٥٧]. من فوائد هاتين الآيتين، أولًا: إثبات العذاب للكافرين؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. * ومن فوائدها: أن العذاب في الدنيا قد لا يكفي عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار، أو نقول: أن العذاب في الدنيا لا يغني عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ولهذا يُعَذَّب الكفار في الدنيا ويُهزمون ويُؤسرون وتُسبى ذريتهم ونساؤهم وتُغنم أموالهم، وهذا عذاب عظيم، ومع ذلك لا ينجون من عذاب النار. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران ٥٩ - ٦٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد، منها: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾. ومنها: أن الجزاء من جنس العمل؛ فكلما كان العمل أسوأ كان الجزاء أشد، ولهذا قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. ومنها: أن العذاب عذاب الكافرين يكون في الدنيا ويكون في الآخرة؛ فأما عذاب الدنيا فبالأسر والقتل والزلازل والفيضانات، وما أشبه ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة ١٤]، وهذا بماذا؟ بالقتل والأسر، وأما العذاب بالزلازل وشبهها فكقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان ١٠، ١١]، هذا عذاب من الله عز وجل، والأول عذاب بأيدي المؤمنين. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار لا ناصر لهم من عذاب الله، لا أحد يمنعهم؛ لقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، أما في الآخرة فظاهر؛ لأن الشفاعة لا تنفع فيهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]، وأما في الدنيا فكذلك؛ لأن هؤلاء الكفار إذا عُذِّبُوا بأيدي المؤمنين فالمقاتلة منهم يُقتلون، والنساء والذرية يُسْبَون، والأموال والأراضي تُغْنَم، وهذا لا ناصر لهم فيه. فإن قال قائل: أليس الإمام يخيَّر في الأسرى بين أمور أربعة: بين القتل، والفداء بمال أو بنفس مؤمنة، والاسترقاق، والمن؟ بين أمور أربعة: إما القتل، أو الفداء بمال أو بأسير مسلم، أو الاسترقاق يجعله رقيقًا يُباع ويشترى، أو المن مجانًا، لا إشكال في الأشياء الثلاثة الأولى، الإشكال في الأخير وهو المنّ، وهذا ليس بعذاب، فالجواب عن ذلك أن نقول: إنه لا يجوز للإمام أن يختار واحدة من هذه الأربع إلا حيث يرى للمسلمين فيها مصلحة، فالتخيير هنا تخيير مصلحة وليس تخيير تشهي واختيار، وإذا كان للمسلمين مصلحة فلا بد أن يكون هذا عذابًا على الكافرين؛ لأن كل شيء فيه مصلحة للمسلمين ففيه عذاب للكافرين، وعلى هذا فلا ناصر لهم لا في الدنيا ولا في الآخرة. ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، يستفاد من هذه الآية: بلاغة القرآن وحكمة القرآن؛ بلاغته في الإتيان بالمعاني متقابلة؛ لأن الإتيان بالمعاني متقابلة توجب نشاط الإنسان، حيث ينتقل الذهن من معنى إلى ما يقابله فيزداد نشاطًا وشغفًا، وأما من جهة كمال البلاغة فلأن المعاني إذا تنوعت على وجوه التقابل ازداد اللفظ حسنًا، وهذا معروف عند علماء البلاغة باسم علم أيش؟ علم البديع، وفيه أيضًا تربية للنفس؛ لأن النفس إذا سمعت عقاب الكافرين خافت ووجلت وربما يستولي عليها اليأس، فإذا جاء ثواب المؤمنين طمعت ورجت فصار سيرها إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن وفاء الأجر مرتبط بوصفين: الإيمان والعمل الصالح؛ فالإيمان وحده لا يكفي، بل لا بد من عمل صالح ينمي هذا الإيمان ويشهد بصحته، أما مجرد العقيدة فإنها لا تكفي، على أن العقيدة إذا كانت سليمة استلزمت العمل الصالح؛ لقول الرسول ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٠٧ / ١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالحًا، والعمل الصالح ما جمع وصفين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ، أي ما كان خالصًا صوابًا كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: منّة الله سبحانه وتعالى على عباده، حيث جعل هذا الجزاء كالأجور اللازم وفاؤها؛ لقوله: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، شوف، والفرق بين التعبيرين، هناك قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، وهنا قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، فإن قال قائل: كيف تستدلون على إثبات المحبة بنفي المحبة؛ لأنه قال: ﴿لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾؟ فالجواب: أن نفي المحبة عن الظالمين دليل على ثبوتها لغيرهم؛ ولو كانت منتفية عن الجميع لم يكن لتخصيصها بالظالمين فائدة، ولهذا استدل الشافعي رحمه الله على ثبوت رؤية المؤمنين لله بقول الله تعالى عن الفجار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥]، وقال في وجه الاستدلال: ما حجب أعداءه عن رؤيته في الغضب إلا لثبوت رؤية أوليائه له في الرضا. وهذا واضح. * ومن فوائد الآية الكريمة: شؤم الظلم، شؤم الظلم على الإنسان، وأنه سبب لانتفاء محبة الله له، وإذا انتفت محبة الله للعبد فقد هلك. * ومن فوائدها: أن الظلم من كبائر الذنوب؛ لأنه رُتِّب عليه وعيد وهو انتفاء محبة الله سبحانه وتعالى، ولكن الظاهر أن هذا ليس على سبيل الإطلاق، بل الظلم يكون كبيرة ويكون صغيرة؛ لأن جميع المعاصي ظلم، ومن المعاصي ما هو كبير ومنها ما هو صغير. * ومن فوائد الآية مع التي قبلها: التنوع في الأسلوب، وهو الانتقال من ضمير التكلم إلى ضمير الغيبة ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ وهنا قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾، فهل هناك فرق من حيث المعنى؟ الجواب: نعم، فرق من حيث المعنى، أما اللفظ فظاهر ففيه التفات من ضمير التكلم إلى ضمير الغيبة، لكن نريد الفرق في المعنى، الفرق في المعنى أن العذاب عقوبة يستدعي سلطة وقهرًا وعزة، فكان الأنسب التعبير بماذا؟ بـ (أُعَذِّب) الدالة على قوة السلطان، أما هذه فكأن الله سبحانه وتعالى للتودد مع هؤلاء وبيان فضلهم قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، ولم يسند الإيفاء إلى نفسه؛ ليعطيهم شيئًا من الشكر على عملهم؛ لأن الفرق بين أن تخاطب الإنسان بالتعبير عن فعلك به بضمير التكلم أو أن تعبر بضمير الغيبة؛ لأن المواجهة أشد من الغيبة، وتأمل قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ﴾ [عبس ١ - ٣]، فقال: ﴿عَبَسَ﴾ ولم يقل: عبست، وقال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ ولم يقل: وما أدراه، أو وما يدريه، فهذه والله أعلم الحكمة من أنه جاء التعبير بالعذاب بالفعل مسندًا إلى ضمير المتكلم بخلافه في الجزاء، ويدل لهذا الاعتبار قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، فجعل فعلهم إحسانًا يُشْكَرون عليه ويُحسن إليهم، مع أن الإحسان كله من الله، فإن التوفيق للعمل الصالح من إحسان الله إلى العبد، لكن هذا من كمال رحمة الله عز وجل وثوابه وجزائه، وقال تعالى في سورة الإنسان: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢]، طيب سعيهم مشكورًا من الذي وفقهم للسعي؟ الله، ومع ذلك يقول: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾، فصار في تغيير الأسلوب في الآيتين صار فيه فائدتان: لفظية ومعنوية؛ اللفظية هو الالتفات الذي يوجب الانتباه، والثاني المعنوية هو إظهار السلطة والعظمة والعزة في باب التعذيب، وإظهار الفضل والإحسان للعاملين في باب المثوبة. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران ٥٨]، من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل تكلم بالقرآن، فقال: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾، إذا كانت التلاوة لله حقيقة ونقلها جبريل إلى الرسول ﷺ، ويحتمل أن تكون التلاوة لجبريل لكن لما كان جبريل رسولًا لله نُسِبَ فعله إلى الله، فهو كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٦ - ١٨]، ومعلوم أن الذي يقرؤه جبريل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم آية، بل آيات، كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت ٤٩]، آيات عظيمة، فآياته كثيرة، كل آية فيها عدة آيات، ولكن لا يفهم هذه الآيات إلا من فتح الله قلبه للإيمان والعلم واعتقاد أن هذا القرآن كلام الله وأن فيه آيات بينات، أما الذي تمر عليه مثل هذه الجملة من الآيات مر الكرام ولا يتحرك بها قلبه ولا يتأمل هذه الآيات فإنه لن ينتفع بما في القرآن من الآيات، لا بد أن تؤمن بأن فيه آيات وأن تحاول استخراج هذه الآيات بالتدبر، والإنسان إذا تدبر القرآن وجد فيه آيات عظيمة لا يحصيها البشر. * ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن ذِكْر، لكن هل هو ذكر يُتقرب إلى الله به، أو هو ذكر يتذكر به الإنسان؟ ذكرنا أن المعنى شامل لهذا وهذا، فهو ذكر يقرب إلى الله؛ لأن مَن تلاه فله بكل حرف عشر حسنات، وهو ذكر يتذكر به الإنسان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧]، قيل: وهو ذكر رفع الله به شأن الذين تمسكوا به، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤]، وكقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح ٤]، أي: شأنك أعلوناه، وعلى هذا فيكون للذكر كم؟ ثلاثة معاني: ذكر يُتقرب به إلى الله بتلاوته، وذكر يتذكر به الإنسان، وذكر يعني شرفًا لمن تمسك به. * ومن فوائد الآية الكريمة: وصف القرآن الكريم بهذا الوصف العظيم وهي الحكمة ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران ٥٨]، والحكيم هنا بمعنى الحاكم والمحكِم؛ لأن القرآن حكم بين الناس، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩] أي: إلى كتابه، فهو حكم وهو أيضًا محكَم، محكم متقَن ليس فيه اختلاف ولا اضطراب ولا تناقض. * ومن فوائد الآية: أنه لا يوجد حكم دل عليه القرآن إلا وهو في موضعه اللائق به، من أين يؤخذ؟ من ﴿الْحَكِيمِ﴾؛ لأن الحكيم هو الذي يضع الشيء في مواضعه، فكل حُكْم حَكَم به القرآن فإنه في موضعه، لا يقول العقل: ليته لم يحكم به، أبدًا، سواء كان ثبوتيًّا أم سلبيًّا. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الرسول عليه الصلاة والسلام في قول: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾، فخصه ﷺ بالتلاوة عليه؛ لأنه ﷺ أشرف من يتلقى القرآن وأَقْوَم الناس عملًا به، فكأنه هو المخصوص بالتلاوة عليه ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾، لقد مر علينا أن هذه الآيات نزلت حين قدم وفد نجران إلى رسول الله ﷺ وكانوا نصارى، وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة؛ لأن تلك السنة كثر فيها الوافدون إلى رسول الله ﷺ، ولهذا تسمى سنة الوفود، وهذا أحد الأسباب الذي منعت النبي ﷺ أن يحج في العام التاسع مع أن مكة قد فتحت، ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ يعني: شأنه، إن شأن عيسى عند الله كشأن آدم لا يختلف عنه، فكما أننا متفقون على أن آدم خلقه الله عز وجل من غير أب ولا أم حتى النصارى يؤمنون بهذا، فما بال النصارى يقولون: كيف خلق الله عيسى بلا أب؟ ما هو إلا ابنه - نعوذ بالله – فقالوا: إنه ابن الله جزء منه، ولم يقولوا: إن آدم ابن الله، مع أنه لو كان أحد يدعي البنوة في أحد من البشر لكان الأحق بها آدم، البنوة لله، لكان الأحق آدم؛ لأنه ما له أم ولا أب، أما عيسى فله أم، والأم أحد الوالدين، فإذا كنا نقول: لا يمكن أن يوجد أحد من أم بلا أب فلنقل: ولا أحد يوجد بدون أم ولا أب، فأنتم أيها النصارى أقررتم بأن آدم ليس ابنًا لله فيلزمكم أن تقروا بأن عيسى ليس ابنًا لله؛ لأن مثل عيسى كمثل آدم ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾، خلقه يعني: ابتدأ خلقه من تراب، وضمير المفعول في (خلقه) يعود على آدم؛ لأنه هو المخلوق من التراب، ﴿خَلَقَهُ﴾ أي: خلق آدم من تراب، ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، نحن قلنا: ابتدأ خلقه ثم قال: كن، والأمر هذا لتمام الخلق، وإنما قلنا ذلك؛ لئلا يقول قائل: كيف تكون كلمة (كن) بعد الخلق؛ لأن الترتيب العقلي يقتضي أن تكون كلمة (كن) قبل الخلق، كن، فكان، فنقول: إن معنى ﴿خَلَقَهُ﴾ يعني: ابتدأ خلقه من تراب ثم قال له: كن بشرًا، فكان بشرًا، ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وهذا القول: كن، قول قدري أو شرعي؟ قول قدري، والقول القدري لا يتخلف عنه المقول؛ لأنه أمر حتمي، بخلاف القول الشرعي فإن من الناس من يستكبر عنه، يقول الله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام ٧٢]، فيقول: لا، ما يقيم الصلاة، أما القول الكوني فإنه لا مرد له، ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، ولم يقل: فكان، على حكاية الحال، يعني: لما قال: ﴿كُنْ﴾ فعلًا شرع بالكينونة حتى تمت. في هذه الآية: بيان إقامة الحجة بمثل ما يحتج الخصم به؛ لأنه أقام الحجة على النصارى بمثل ما احتجوا به، فقال: إذا قلتم: إن عيسى ابن لله؛ لأنه خُلِق بلا أب فقولوا: إن آدم ابن الله، وإلا فأنتم متناقضون. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى حيث خلق آدم من غير أم ولا أب، وخلق عيسى من أم بلا أب، وهناك أيضًا صنفان؛ أن الله خلق من أب بلا أم، وخلق بين أب وأم، من الذي خُلِق من أب بلا أم؟ حواء، وسائر البشر من بين أم وأب. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القياس، من أين يؤخذ؟ ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾، وكل مثل مضروب في القرآن فإنه دليل على ثبوت القياس؛ لأنه إلحاق المورِد بالمضرب، يعني أنك ألحقت الممثَّل بأيش؟ بالممثَّل به. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القول للرب عز وجل؛ لقوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ﴾. ومنها، من فوائدها: أن قول الله بصوت مسموع وبحروف مرتبة؛ لقوله: ﴿قَالَ لَهُ كُنْ﴾ فسيسمع هذا القول، وحرف مرتب ولاَّ لا؟ الكاف قبل النون. ومنها، من فوائد الآية: إثبات صفة الخلق لله ﴿خَلَقَهُ﴾، والخلق صفة ذاتية أو فعلية؟ * الطلبة: فعلية. * الشيخ: فعلية، من الصفات الفعلية، لكن قد مر علينا أن جنس الصفات الفعلية أيش؟ ذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال فعَّالًا.

آل عمران 3:60

ثم قال الله عز وجل: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾، ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾، ﴿الْحَقُّ﴾ خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: ذلك الحق، أي هذا الذي قُصّ عليك هو الحق، وعلى هذا فتكون شبه الجملة، وهي: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ تكون في موضع نصب على الحال من ﴿الْحَقُّ﴾، ويحتمل على بُعد أن يكون ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأ، و﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ خبره، وفائدة هذا التركيب على هذا الإعراب فائدته أنك لا تطلب الحق من غير الله، فكأنه يقول: مصدر الحق من الله فلا تطلبه من غيره، ﴿الْحَقُّ﴾ يوصف به الحُكم ويوصف به الخبر؛ فإن وُصف به الحكم صار معناه العدل، وإن وُصف به الخبر صار معناه الصدق، والصدق والعدل كلاهما ثابت، ولهذا وُصِفَا بالحق، وأصل الحق من حَقَّ الشيءُ إذا ثبت، كما قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ٣٣] ﴿حَقَّتْ﴾ يعني؟ * الطلبة: ثبتت. * الشيخ: ثبتت، إذن في إعرابها وجهان، ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ في إعرابها وجهان؟ * طالب: قيل أنه مبتدأ وجملة الجار والمجرور من ربك هي الخبر، وقيل: أنها خبر لمبتدأ محذوف تقديره: ذلك الحق؟ * الشيخ: خبر مبتدؤه محذوف. * الطالب: مبتدأ وخبره محذوف. * الشيخ: مبتدأ وخبره محذوف. * طالب: خبر لمبتدأ محذوف. * الشيخ: خبر لمبتدأ محذوف، صح. * الطالب: ذلك الحق. * الشيخ: نعم، طيب ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ هنا أضاف الربوبية إلى النبي عليه الصلاة والسلام لتكون ربوبية خاصة؛ لأن الربوبية كما مرّ علينا كثيرًا عامة وخاصة، فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق من مؤمن وكافر، وبر وفاجر، وآدمي وبهيم، وحيوان وجماد؛ والخاصة هي التي تختص بالمؤمنين، وتستلزم تربية أخص من التربية العامة، ﴿مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (لا) هذه ناهية، ولهذا جُزِم الفعل بعدها، وهل مثلها الآية الأخرى ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة ١٤٧]؟ لكن فيه إشكال؛ لأن الآية الأخرى ما جُزِمَت ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. * طالب: جزمت الآية. * الشيخ: وأين الجزم؟ * الطالب: الجزم (...) الجزم يكون بحذف النون ويكون بالسكون. * الشيخ: وأين حذف النون؟ * الطالب: ﴿فَلَا تَكُنْ﴾. * الشيخ: ﴿فَلَا تَكُنْ﴾ هذه أيش؟ * الطالب: هذا سكون. * الشيخ: هذا سكون، و﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾؟ * الطالب: النون محذوفة. * الشيخ: النون محذوفة؟ * طالب: النون ثابتة وحُرِّكَت لأجل التقاء الساكنين. * الشيخ: في ﴿لَا تَكُونَنَّ﴾؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: خطأ. * طالب: الفعل هنا مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد. * الشيخ: أحسنت، الفعل هنا ما هو معرب حتى يُجزم، مبني على الفتح؛ لاتصاله بأيش؟ بنون التوكيد ﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾، ولهذا بقي الفعل بجميع حروفه. طيب، قوله: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي: فلا تكن من الشاكين، وقد أشكل هذا التعبير على كثير من الناس، وقال: أفَيَشُكّ الرسول عليه الصلاة والسلام؟ أفيشك؟ والجواب عن هذا أن نقول: هذه الآية أو هذا التعبير لا يدل على وقوع الشك من الرسول ﷺ، بل ولا على إمكانه، وإنما يراد به التعريض بالممترين، التعريض بالممترين وذمهم، فلو قلت لرجل صالح: لا تكن من الفاسقين، هل معنى ذلك أن الرجل فاسق؟ لا، ولكن معناه التعريض بالفاسقين وأنهم على خُلُق ينبغي أن يفر منهم كل عاقل، فكذلك ﴿لَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ليس معناه أن الرسول يمكن أن يكون منهم أو أنه منهم، لكن المعنى التعريض بالممترين الشاكين، ومنهم في هذه المسألة منهم النصارى؛ لأن النصارى يعتقدون بأن عيسى ابن الله، فهم ممترون في خبر الله شاكّون فيه، وإلا فليس في التوراة ولا الإنجيل ولا القرآن ولا غيرها من الكتب المنزلة أن عيسى ابن الله، وليس فيها أيضًا ما يفيد ظاهرًا ولا احتمالًا أن عيسى ابن الله، ومع ذلك شكك هؤلاء النصارى وصاروا يبثون عقيدتهم الفاسدة بأن عيسى ابن الله، طيب إذن ﴿لَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ينهاه الله تعالى أن يكون من الممترين، لا لأنه منهم ولا لأنه يمكن أن يكون منهم، ولكن تعريضًا بهؤلاء الممترين، تعريضًا لهم بالذم، ونظير ذلك كما قلت لكم: أن تقول لشخص مستقيم تقول: لا تكن من الفاسقين، سيقول لك: أنا فاسق؟ الله يهديك، أقول: ما قلت إنك فاسق، لكنني أعرّض بذم هؤلاء الفاسقين. وقال بعض أهل العلم حلًّا لهذا الإشكال المتوهم قال: إن الخطاب للرسول ﷺ والمراد أمته، الخطاب للرسول ﷺ والمراد أمته، ولكن هذا القول ضعيف جدًّا؛ لأن الخطاب صريح بأنه للرسول عليه الصلاة والسلام، وكذلك المحادثة مع الرسول ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة ١٤٧]، كيف نقول: المراد الحق من ربك فلا تكونوا يا أمة محمد من الممترين، هذا مؤدى هذا المعنى أو هذا القول، وهو بعيد من الأسلوب القرآني، ولكن المعنى الذي ذكرته هو الصواب؛ أن الرسول ﷺ لم يمترِ ولن يمتري، ولكن هذا من باب التعريض؛ كأنه يقول: استمر على ما أنت عليه من اليقين وما أقبح حال هؤلاء الممترين! * طالب: شيخ ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ يعني في كل رسالته؟ * الشيخ: لا، في الخلق بس، في الخلق؛ يعني النصارى اشتبه عليهم الأمر لما خُلِق بدون أب، اشتبه عليهم الأمر فقالوا: هو ابن الله. * طالب: ﴿الْحَقُّ﴾ أليس نحن نعربها فاعل لفعل محذوف، أي: جاءك الحق من ربك؟ * الشيخ: إذا قلنا: إنه فعل محذوف، ترتب عليه حذف ثلاثة أشياء، أو لا؟ * الطالب: فاعل لفعل محذوف. * الشيخ: إذا قلنا: فاعل لفعل محذوف، ترتب على هذا حذف ثلاثة أشياء، ما هي؟ الفعل، والفاعل والمفعول، أو الفاعل موجود؟ * الطلبة: موجود. * الشيخ: ترتب حذف شيئين: الفعل والمفعول، وإذا قلنا: إنه خبر مبتدأ محذوف، ترتب على ذلك حذف واحد، وأيضًا واحد يُحذف كثيرًا وهو الاسم؛ لأن حذف الاسم أكثر من حذف الفعل في الغالب. * طالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ، ترى الناس يشبه عليها أمر فيقول، يعني حتى أحيانًا يتورع فيه: يعني النصارى من أهل النار، يعني لو سئل: لماذا؟ يقول: أولًا لماذا فُرضت عليهم الجزية، يعني ما هم مثل غيرهم من الكفار، ثانيًا: ويسمع من بعض الإذاعات تنشر يعني يقترفوا الزنا يعني (...) النصرانية يقول (...)؟ * الشيخ: هذا لا ينبغي الاشتباه فيه مع الآيات الكثيرة الصريحة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٦]، ويقول عز وجل في سورة الأعراف: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف ١٥٨]، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يَتَّبِعُ مَا جِئْتُ بِهِ - أَوْ قَالَ: لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ - إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»[[أخرجه مسلم (٢٤٠ / ١٥٣) من حديث أبي هريرة.]]. * طالب: الحكمة يا شيخ من ضرب الجزية؟ * الشيخ: إذلالًا لهم، ولعلهم إذا عاشوا بيننا يرجعون إلى الحق؛ لأن كتبهم تصرّح بأن محمدًا ﷺ على حق، مع أن القول الراجح أن الجزية تؤخذ منهم ومن غيرهم، تؤخذ من كل إنسان؛ لأن المقصود أن يكون الإسلام هو العالي. * طالب: لماذا لا يقال إن الآية ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ تجرى مجرى حديث عائشة حين قالت: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. * الشيخ: نعم، فيه فرق بين الدعاء وبين الخبر؛ لأن الدعاء كل إنسان عنده إيمان فهو خائف، من كان بالله أعرف كان منه أخوف، والإنسان يخشى، لكن خبر الله عن رسوله أنه جائز أن يكون من الممترين أو هو الآن من الممترين هذا بعيد. * الطالب: للإشارة إلى (...). * الشيخ: لا، بعيد هذا. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك قلنا في قوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ أي: ابتدأ خلقه من تراب ثم بعد ذلك قال: كن فيكون، في النشأة، الله سبحانه وتعالى قادر على أن يكون نشأته وابتداؤه بكن فيكون، كذلك للابتداء والخلق، لماذا اختار النشأة بكن فيكون؟ * الشيخ: هو ما مر علينا مثل هذا؟ كل خلق الله، يقول: إن الله قادر أن يقول كن فيكون قبل أن يخلقه من التراب ثم يكونه، كل المخلوقات قادر أن الله يخلقها بكلمة (كن)، ومع ذلك ما فعل؛ لأن مخلوقات الله تحتاج إلى حكمة وتدرج، وأشياء يحتاج بعضها إلى بعض، ولهذا ما خلق السماوات والأرض بـ(كن)، خلقها في ستة أيام وهو قادر أن يخلقها بكلمة (كن). * طالب: شيخ، استدلينا على قوله سبحانه وتعالى ﴿قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ على أن الله سبحانه وتعالى لفظه مسموع بحروف مرتبة، طيب هل اللغة كانت عربية علشان نستدل هذا الاستدلال؟ * الشيخ: يعني ما يتكلم الله به عند إرادة الخلق ما ندري هل هو باللغة العربية أو لا؟ * طالب: إذن كيف استدلينا بالحروف؟ * الشيخ: كلمة (كن) هذه حرفين اثنين واحد قبل الثاني، هذا هو الترتيب. * طالب: شيخ؟ في قوله: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ يستفاد منها يعني الأمر إذا كان الأمر ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ يعني الشرط محذوف في هذا كله يعني إذا كان الحق من ربك فلا تكن من الممترين. * الشيخ: الأخ يقول: إن الفاء رابطة لجواب شرط مقدَّر، كذا؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: نقول: لا حاجة إلى هذا؛ لأنه ينبغي أن نفهم قاعدة أننا لا نلجأ إلى التقدير إلا عند الضرورة إليه، أما متى استقام الكلام بدون تقدير فهذا هو الواجب؛ لأنك إذا قلت: إن الكلام لا يستقيم إلا بتقدير، إذا قلت: إن الكلام فيه شيء مقدر، معناه أن الكلام الآن ناقص، ولا يمكن أن نصف الكلام بالنقص إلا عند الضرورة؛ إذا رأينا أنه لا يستقيم المعنى إلا بالتقدير فنعم، أما هنا فيستقيم ونجعل الفاء هنا للتفريع، أي: فبسبب كونه من ربك لا تكن من الممترين. * * * * طالب: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران ٥٩ - ٦٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. في هذه الآية من الفوائد: أن الله تعالى لا يصدر منه إلا الحق، ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾. * ومن فوائدها: فضيلة رسول الله ﷺ بإضافة الربوبية إليه، وذلك لأن الربوبية هذه خاصة، والربوبية الخاصة تفيد معنى أخص من الربوبية العامة. * ومن فوائدها: النهي عن الشك فيما أخبر الله به؛ لقوله: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. * ومن فوائدها: أن الممترين كثيرون؛ لقوله: ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾، وإن كان يحتمل أن يراد به الجنس فيصدق بواحد، لكن الظاهر الأول، ولا شك أن الممترين من بني آدم كثيرون؛ لأن ذرية بني آدم منهم تسع مئة وتسعة وتسعون كلهم من أهل النار. * ومن فوائدها: جواز التعريض، أو جواز المخاطبة بالتعريض؛ لأن قوله: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ لا يعني أن الرسول يمكن أن يكون منهم، بل هو تعريض بهؤلاء وأنهم ذوو خلق سيئ فلا تكن منهم، وإن كان هو ليس منهم لا باعتبار الواقع ولا بالمستقبل.

آل عمران 3:61

ثم قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ ﴿حَاجَّكَ﴾ أي: جادلك، وسميت المجادلة محاجة؛ لأن كل واحد من المتجادِلَيْن يدلي بحجته من أجل أن يخصم الآخر ويحجه، ومنه الحديث: «تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (١٤ / ٢٦٥٢) من حديث أبي هريرة.]]، أي: طلب كل واحد منهما أن يحج الآخر، وأيهما الذي حج؟ آدم، نعم، ﴿حَاجَّكَ﴾ إذن: جادلك، وسميت المجادلة محاجة؛ لأن كل واحد من المتجادلين يدلي بحجة ليغلب الآخر. وقوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ﴾ (مَن) هذه شرطية، وجواب الشرط ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾، وقوله: ﴿مَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ الضمير يعود على (عيسى)، والمراد بالمحاجة في عيسى ليس في ذاته؛ لأن عيسى معلوم أنه بشر، لكن في شأنه وقضيته، وقوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾، من الذي يمكن أن يحاج النبي ﷺ في عيسى؟ هم النصارى، وهذه الآية وما قبلها كلها نزلت في وفد نجران من النصارى، ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، يعني: بعد أن علمت قضيته وشأنه وتيقنته فالذي يحاجك فيه ادعه للمباهلة، وفي قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ﴾، أتى بـ(مِن) الدالة على أن النبي ﷺ أُمِر بالمباهلة بعد أن تروّى من العلم؛ لأن ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ تدل على أن هناك مهلة بين العلم الذي جاءه وبين المحاجة التي وقعت، بخلاف لو قال: فمن حاجك فيه بعد ما جاءك، فإنها تفيد البعدية لكن لا تدل على التراخي والمباعدة، ومعلوم أن الإنسان كلما تمعن في النظر فيما علم ازداد به أيش؟ ازداد به علمًا ويقينًا، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ عن أي طريق؟ عن طريق الله عز وجل، فإن الله تعالى أوحى إلى نبيه محمد ﷺ في شأن عيسى من العلم ما لم يكن عند غيره، ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾ قلنا: إنّ ﴿قل﴾ جواب الشرط، و﴿تَعَالَوْا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، وفيه إشكال؛ لأن ﴿تَعَالَوْا﴾ جمع، و﴿من حاجك﴾ أيش؟ مفرد، فكيف صح أن يكون الجمع عائدًا على مفرد؟ الجواب: أن الأسماء الموصولة وأسماء الشرط المشتركة، يعني التي تصلح للمفرد وغيره، يجوز في العائد إليها أن يعود إليها باعتبار اللفظ، وأن يعود إليها باعتبار المعنى، فإن عاد إليها باعتبار اللفظ صار مفردًا، وباعتبار المعنى صار جمعًا، ولا فرق بين أن يكون هذا الجائز في كلام واحد أو في كلامين، فمثلًا ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الطلاق ١١]، ما الذي رُوعِيَ في ذلك؟ * الطلبة: اللفظ. * الشيخ: ﴿يُدْخِلْهُ﴾، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الطلاق ١١]. * الطلبة: المعنى. * الشيخ: المعنى، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الطلاق ١١]. * الطلبة: اللفظ. * الشيخ: اللفظ، آية واحدة روعي فيها اللفظ، ثم المعنى، ثم اللفظ، كذا؟ لو روعي اللفظ في كل هذه الجمل لقيل: خائن، ومن يؤمن بالله ويعمل صالحًا (يدخله) جنات تجري من تحتها الأنهار (خالدًا) فيها أبدًا قد أحسن الله (له). ولو روعي المعنى لقيل: ومن يؤمن بالله ويعمل صالحًا (يدخلهم) جنات تجري من تحتها الأنهار (خالدين) فيها أبدًا قد أحسن الله (لهم) رزقًا. وقوله: ﴿تَعَالَوْا﴾ هل هي اسم فعل أمر، أو فعل أمر؟ نقول: هي فعل أمر؛ لأن اسم فعل الأمر لا تدخله العلامات، يعني ما تتصل به الضمائر، اسم فعل الأمر لا تتصل به الضمائر، قال الله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب ١٨] ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾، لماذا لم يقل: هلموا؟ لأنه اسم فعل أمر، واسم فعل الأمر لا تتصل به الضمائر، ولهذا تقول للجماعة: صه، يعني: اسكتوا، ولا تقول: صهوا، فإن اقترنت به الضمائر صار فعل أمر، ولهذا نقول: ﴿تَعَالَوْا﴾ فعل أمر ولَّا اسم فعل؟ فعل أمر، طيب، ﴿تَعَالَوْا﴾ يعني: أقبلوا، لكنها أقبلوا بتعالٍ وارتفاع، وكأن المنادي ينادي هذا ليرتفع إليه فيكلمه بما يريد. وقوله: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا﴾ (نَدْعُ) كيف (نَدْعُ) وأين الواو؟ هذه محذوفة الواو على سبيل الجزم؛ لأنها جواب؟ * الطلبة: الطلب. * الشيخ: جواب الطلب. * طالب: وهو الأمر. * الشيخ: جواب الطلب وهو الأمر، ومعلوم أن جواب الطلب إذا سقطت منه الفاء وجب الجزم فيه، ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾، كيف قال: ندع، ولم يقل: أدع؟ نعم لم يقل ذلك؛ لأنهم إذا جاءوا معه صاروا جماعة، ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾، هذه الآية كما ترون بصيغة الجمع ﴿أَبْنَاءَنَا﴾، والرسول واحد عليه الصلاة والسلام، ﴿أَبْنَاءَكُمْ﴾ هم جماعة لا بأس، ﴿وَنِسَاءَنَا﴾ الرسول واحد ولم يقل: نسائي، ﴿وَنِسَاءَكُمْ﴾ جماعة واضح، ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ الرسول واحد ولّا عدة أنفس؟ واحد، فما المراد بهذا؟ اختلف المفسرون في ذلك، فقال بعض المفسرين: المراد بقوله: ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ المراد بأبنائنا الحسن والحسين، ﴿وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ المراد بـ﴿نِسَاءَنَا﴾ فاطمة بنت الرسول ﷺ، ﴿وَأَنْفُسَنَا﴾ المراد بـالأنفس علي بن أبي طالب، فيكون أربعة، كذا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: ﴿أَبْنَاءَنَا﴾: الحسن والحسين، ﴿نِسَاءَنَا﴾: فاطمة، ﴿أَنْفُسَنَا﴾: علي بن أبي طالب، أما هؤلاء النفر الوفد فليس معهم نساء وليس معهم أولاد، كلهم رجال بالغون عاقلون، إما أربعة عشر أو اثنان، المهم أنهم رجال ليس معهم أحد، فقال بعض أهل العلم: المراد: ندع نحن المسلمين، ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا﴾ يعني: أبناء المسلمين، يعني: ننتخب طائفة منا تأتي هي وأبناؤها ونساؤها، وأنتم كذلك تنتخبون جماعة يأتون بأبنائهم ونسائهم وأنفسهم، نجتمع ونبتهل، وهذا القول لا شك أنه موافق تمامًا لظاهر الآية؛ لأن الآية بصيغة الجمع، والعادة جرت بأن التباهل وكذلك التفاخر وغيره يكون بين جماعات، بين جماعات، يقول لك: هاتوا رَبْعكم ونجيب رَبْعنا، وقد ذهب إلى هذا محمد رشيد في تفسيره، وهو لا شك تفسير مطابق لظاهر الآية تمامًا، لكن أكثر المفسرين يختارون القول الأول: أن المراد بأبنائنا الحسن والحسين، ﴿وَنِسَاءَنَا﴾: فاطمة، ﴿وَأَنْفُسَنَا﴾: علي بن أبي طالب؛ لحديث ورد في ذلك، والمسألة لا توافق ظاهر الآية، يعني هذا القول لا يوافق ظاهر الآية، أولًا: أن (أبناء) جمع و(نا) جمع، وإذا قلنا: الحسن والحسين صارا اثنين ابنان لجمع ولّا لواحد؟ * طالب: لواحد. * الشيخ: لواحد، أيضًا النساء لم يكن في اللغة العربية أن المراد بالنساء البنات، المراد بالنساء في اللغة العربية أيش؟ الزوجات، المراد الزوجات، وأيضًا (أنفسنا) كيف يعبر الرسول عليه الصلاة والسلام عن علي بن أبي طالب بنفسه ولا يعبر عن الحسن والحسين بنفسه، أيهما أقرب؟ الحسن والحسين، حتى إن الحسن سماه الرسول ابنه، فقال: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ»[[أخرجه البخاري (٢٧٠٤) من حديث أبي بكرة.]]، ولهذا ظاهر الآية لا يطابق هذا التفسير، وقد زعم محمد رشيد رضا أن تفسيرها بالأربعة من تفسير الرافضة، وقال: إن الآية لا تنطبق عليهم، لكن الحديث الوارد في ذلك يدل على أن لها أصلًا، ولا شك أن آل البيت يدخل فيهم هؤلاء الأربعة، لا شك في هذا، لكن انطباقها على الآية في النفس منه شيء، على كل حال المسألة انتهت، لكن ما المراد بالأنفس والأبناء والنساء؟ المراد أنهم يريدون أن يجمعوا جماعة معهم أبناؤهم ونساؤهم وأنفسهم، وهذا أعز ما يكون عند الإنسان في الدنيا، هذا أعز ما يكون؛ نفسه أبناؤه زوجاته، يحضرون، ويُحضر الخصم أيضًا نفسه وأبناءه ونساءه. لكن أكثر المفسرين يختارون القول الأول أن المراد بأبنائنا الحسن والحسين، ﴿وَنِسَاءَنَا﴾ [آل عمران ٦١] فاطمة، ﴿وَأَنْفُسَنَا﴾ علي بن أبي طالب؛ لحديث ورد في ذلك[[أخرجه الترمذي (٣٢٠٥) من حديث عمر بن أبي سلمة.]]. والمسألة لا توافق ظاهر الآية، يعني هذا القول لا يوافق ظاهر الآية. أولا: أن (أبناء) جمع و(نا) جمع، وإذا قلنا: الحسن والحسين صارا اثنين. (ابنان) لجمع ولّا لواحد؟ لواحد. أيضًا النساء، لم يكن في اللغة العربية أن المراد بالنساء البنات، المراد بالنساء في اللغة العربية أيش؟ الزوجات، المراد الزوجات. وأيضا (أنفسنا) كيف يعبر الرسول عليه الصلاة والسلام عن علي بن أبي طالب بنفسه ولا يعبر عن الحسن والحسين بنفسه، أيهما الأقرب؟ الحسن والحسين، حتى إن الحسن سماه الرسول ابنه فقال: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ»[[أخرجه البخاري (٢٧٠٤) من حديث أبي بكرة.]]. ولهذا ظاهر الآية لا يطابق هذا التفسير، وقد زعم محمد رشيد رضا أن تفسيرها بالأربعة من تفسير الرافضة، وقال: إن الآية لا تنطبق عليها، لكن الحديث الوارد في ذلك يدل على أنها لها أصل، ولا شك أن آل البيت يدخل فيهم هؤلاء الأربعة، لا شك في هذا، لكن انطباقها على الآية في النفس منه شيء. على كل حال المسألة انتهت، لكن ما المراد بالأنفس والأبناء والنساء؟ المراد أنهم يريدون أن يجمعوا جماعة معهم أبناؤهم ونساؤهم وأنفسهم، وهذا أعز ما يكون عند الإنسان في الدنيا، هذا أعز ما يكون؛ نفسه، أبناؤه، زوجاته، يحضرون ويحضِر الخصم أيضًا نفسه وأبناءه ونساءه. قال: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أي نتضرع ونبالغ في الدعاء. ثم فسر الابتهال بقوله: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾. وهذا القول في أن ﴿نَبْتَهِلْ﴾ يعني نتضرع ونلح في الدعاء أصح من القول بأن معنى ﴿نَبْتَهِلْ﴾: نلتعن؛ لأننا إذا فسرنا ﴿نَبْتَهِلْ﴾ بنلتعن لم نكسب معنى جديدًا عند قوله: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾، تكون الثانية بالنسبة للأولى مكررة، وإذا قلنا: ﴿نَبْتَهِلْ﴾ نتضرع بالدعاء ونلح؛ استفدنا زيادة معنى، وهو المبالغة في التضرع والإلحاح. ولهذا يقال: ابتهل إلى الله في الدعاء، ولا يفهم المخاطب إلا أن المعنى: تضرع وألح في الدعاء الصالح. ولا يمكن أن يكون المراد ﴿نَبْتَهِلْ﴾ الدعاء السيئ إلا إذا قرن بما يدل عليه. واضح يا جماعة؟ تقول: هذا الرجل ابتهل إلى الله في الدعاء، يعني دعا بالصالح لكن ألح، فالصواب أن معنى ﴿نَبْتَهِلْ﴾ يعني نتضرع ونلح في الدعاء. ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ نجعل معطوفة على ﴿نَدْعُ﴾؛ لأنه مر علينا قاعدة: أنه إذا تكررت المعطوفات فالعطف على الأول؛ لأن المعطوف فرع، والمعطوف عليه هو الأصل، والمعطوف عليه هو الأول. ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾، ﴿لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ أي طرده وإبعاده عن الرحمة. ﴿عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ الكاذبين منا أو منكم، وهذا عدل وإنصاف؛ لأن الله يعلم من الكاذب، فإذا جعلنا لعنة الله على الكاذبين فمن كان كاذبا فعليه اللعنة. ولكن ما الشأن أو ما الحكمة في إحضار الأبناء والزوجات؟ الحكمة في ذلك أنه إذا كان الالتعان فاللعنة تشمل الجميع، اللعنة تشمل الجميع، ولهذا لما دعاهم الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المباهلة، دعا وفد نجران إلى المباهلة[[أخرجه البخاري (٤٣٨٠) من حديث حذيفة بن اليمان.]]، امتنعوا، قالوا: ننظر ثم تشاوروا فيما بينهم، ورجعوا إلى النبي ﷺ من الغد وقالوا: ما نلاعن، ما نلتعن، لأيش؟ لأنهم قالوا: لو أننا التعنا ورجعنا إلى أهلينا ما وجدناهم، فلا نلتعن. يعرفون أن النبي ﷺ على حق وأنهم على باطل. وقوله: ﴿عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ الكاذب: القائل بغير الصدق، هذا الكاذب، من قال بغير الصدق فهو كاذب. في هذه الآية الكريمة: إثبات أن ما جاء النبي ﷺ حق، وجه ذلك أن الله أمر بأن يلتعن مع هؤلاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا تجوز المباهلة إلا بعلم، بأن يكون عند الإنسان علم يقيني، أما إذا كان شاكًّا فلا يجوز، فلا بد أن يكون عنده علم؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز طلب المباهلة عند عناد الخصم؛ لقوله: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا﴾ إلى آخره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من آداب الالتعان إحضار النساء والأبناء؛ لأن ذلك أشد خوفًا بالنسبة للمباهل، يخاف أن يعم الهلاك جميع هؤلاء. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: جواز الدعاء باللعنة على من خالف الحق، لكن بالوصف، لا بالشخص، كيف قلنا بالوصف؟ لأن الكاذبين وصف، أما الشخص فلا يجوز الدعاء عليه باللعن ولو كان كافرًا، الشخص لا يجوز أن تلعنه ولو كان كافرًا؛ لأن النبي ﷺ لما لعن أبا جهل وغيره من طغاة قريش نهاه الله عن ذلك، وقال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران ١٢٨][[رواه البخاري (٤٠٦٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز المباهلة، لكن اشترط العلماء للمباهلة شرطين: الشرط الأول: العلم. والشرط الثاني: أن تكون في أمر هام. أما الأمور التي ليست بهامة فلا ينبغي للإنسان أن يعرض نفسه للخطر. هل يستفاد من الآية الكريمة جواز انغمار الشخص في العدو في باب المقاتلة؟ أنه ينغمر في العدو ويغرر بنفسه؛ لأن هذا الإنسان الذي علم أن الحق معه وجاز أن يلتعن كأنما دخل في أمر يكون سببًا لهلاكه، نعم، فلما كان على الحق وأجزنا له أن يدخل في هذا الأمر الذي يُخشى أن يكون كاذبا فتنطبق عليه اللعنة، نعم، ربما يؤخذ لكنه مأخذ بعيد. * طالب: نأخذ بالنسبة لأي واحد سمع بنسبة في العلم أن يبلغ أهله؟ * الشيخ: نعم؟ أيش؟ نأخذ من الآية. * الطالب: يعني ندعو نساءنا. * الشيخ: يقول: يؤخذ من الآية أنه ينبغي للإنسان أن يعلِّم أهله؛ أبناءه ونساءه؟ * الطلبة: ما يؤخذ. * الشيخ: ما يؤخذ. * طالب: الاستعانة. * الشيخ: إي يعني نجيبهم نحن، نجيبهم عند الالتعان. * طالب: شيخ، ما علل (...) ما عندهم علم؟ * الشيخ: إي يجون وهم ما عندهم علم. * طالب: شيخ، صحيح ما قاله صاحب القاموس أن ابتهل يشمل اللعن والاجتهاد في الدعاء جميعًا؟ * الشيخ: لا، الصواب الثاني فقط. * الطالب: يشمل الاجتهاد في الدعاء فقط. * الشيخ: إي نعم. * طالب: بين المسلمين المباهلة هل جائزة ولّا لا؟ * الشيخ: جائزة في الأمور المتيقنة، ولهذا دعا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما إلى المباهلة في مسألة الفرائض المعروفة[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٢٤٥٧) من حديث ابن عباس.]]. * طالب: إذا كان مثلا الملاعنين مثلا في أهل يعني صاحب الباطل من أهله من هم أصحاب حق. * الشيخ: كيف؟ * طالب: من أهل صاحب الباطل الذين هم (...) أهل الخصم الذي على الباطل من أهله هم أصحاب حق يعني هم يتابعون هذا صاحب الحق لو باهلوا مثلا ونزلت اللعنة هل تعمهم؟ * الشيخ: (...) إذا كانوا على حق وقالوا: والله نحن ما نيجي نباهل لأن ذلك على حق، ما يجون. * الطالب: يخشون من صاحبهم. * الشيخ: لا، لا يخشوا، تقول: لا، ولهذا لما تشاور وفد نجران بعضهم مع بعض قالوا: ما يمكن، بعضهم همّ (...) الآخرين. * طالب: في تعريف الكاذب لو أضفنا كلمة (حقيقةً)؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: لو أضفنا كلمة (حقيقة): (القائل بغير صدق حقيقة) فيخرج التورية؟ * الشيخ: لا ما حاجة؛ لأن التورية يطلق عليها كذب؛ كما في حديث أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَذَبَ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٣٥٨)، ومسلم (٢٣٧١ / ١٥٤) من حديث أبي هريرة.]]. * طالب: يجوز لعن الشخص بعينه ولّا ما يجوز لعنه؟ * الشيخ: يمكن يجوز إذا مات على الكفر، مع أنه قد يقال: إنه لا يجوز لأن الرسول ﷺ قال: «لا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوُا إِلَى مَا قَدَّمُوا»[[أخرجه البخاري (٣٣٥٨) من حديث عائشة.]]. والأحسن تركه. * طالب: أحسن الله إليك، طيب إذا أنا عينت شخص كافر وقلت: عليه من الله ما يستحق؟ * الشيخ: اللهم اهده، أخصر وأنفع. * الطالب: طيب مات؟ * الشيخ: مات يأخذ ما يستحق، لو ما دعوت. * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ٦٢ - ٦٤] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ هذه الجملة كما ترون مؤكدة. * طالب: الفوائد؟ * الشيخ: نعم؟ * الطلبة: الفوائد؟ * الشيخ: أيش الفوائد؟ * طالب: آية المباهلة، كنا سيبنا الفوائد. * الشيخ: طيب آية المباهلة، اقرأهم علي. * طالب: الأولى: إثبات أن ما جاء به النبي ﷺ حق، وجه ذلك أن الله أمره أن يلتعن مع هؤلاء. الثانية: أنه لا تجوز المباهلة إلا بعلم يقيني، أما إذا كان الإنسان شاكا فلا يجوز له؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾. الثالثة: جواز طلب المباهلة عند عناد الخصم، لقوله تعالى. الرابعة: أن من آداب الالتعان إحضار النساء والأولاد؛ لأن ذلك أشد خوفا بالنسبة للمباهلة. الخامسة: جواز الدعاء باللعنة على من خالف الحق، لكن بالوصف لا بالشخص؛ لأن الكاذبين وصف أما الشخص فلا يجوز الدعاء عليه باللعن ولو كان كافرا؛ لأن النبي ﷺ لم لعن أبا جهل وغيره من طغاة قريش نهاه الله عن ذلك[[أخرجه البخاري (٤٠٦٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]. السادسة: جواز المباهلة، لكن اشترط العلماء لجواز المباهلة شرطين، الشرط الأول: العلم، والثاني: أن تكون في أمر هام، أما الأمور التي ليست بهامة فلا ينبغي للإنسان أن يعرض نفسه للخطر. السابعة: هل يستفاد من الآية الكريمة جواز انغمار الشخص في العدو في باب المقاتلة؟ لأن هذا الإنسان الذي علم أن الحق معه وجاز أن يلتعن في أمر يكون سببا لهلاكه، فلما كان على حق وأجزنا له أن يدخل في هذا الأمر لأنه يُخشى أن يكون كاذبا فتنطبق عليه اللعنة. ربما يؤخذ لكن مأخذه بعيد.

آل عمران 3:62

الشيخ: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ هذه الجملة كما ترون مؤكدة بمؤكدين: المؤكد الأول: (إن)؛ لأن (إن) للتوكيد، والمؤكد الثاني: اللام، والمؤكد الثالث: (هو)؛ لأن (هو) ضمير فصل، وضمير الفصل له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: الحصر، والثانية: التوكيد، والثالثة: الفرق بين الصفة والخبر. ويتضح ذلك بالمثال، فإذا قلت: زيد هو الفاضل، فهنا هو ضمير فصل. أفادت هذه الفوائد الثلاث، أفادت الحصر، حصر الفضل في زيد، زيد هو الفاضل، وأفادت التوكيد؛ لأن قولك: زيد الفاضل دون قولك: زيد هو الفاضل، في توكيد أفضليته، الثالث: الفصل بين الصفة والخبر، بأنك لو قلت: زيد الفاضل لتشوَّف المخاطب إلى خبر، طيب زيد الفاضل ويش حاله؟ فإذا قلت: زيد هو الفاضل، عُلم أن كلمة الفاضل أيش؟ هي الخبر. هنا لو كان في غير القرآن وقيل: هذا القصص الحق، استقام الكلام، ولكن يفوت في الكلام أيش؟ هذه المؤكدات الثلاثة. وقوله عز وجل: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ المشار إليه ما ذكره الله تعالى في شأن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، وتعرفون أن الله تعالى تحدث عن عيسى ابن مريم في هذه الآيات حديثًا مسهبًا طويلا عنه وعن أمه. وقوله: ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ القصص مصدر قص يقص قصًّا وقَصصًا، لكنه هنا يحتمل أن يكون مصدرًا بمعنى الفعل، ويحتمل أن يكون مصدرًا بمعنى اسم المفعول، أي: إن هذا لهو المقصوص الحق. وسواء قلنا بهذا أو بهذا فالمؤدى واحد، فإن هذا القصص الحق. والحق هنا صفة للقصص، والحق إن قيل في مقابلة الحكم فهو بمعنى العدل، وإن قيل في مقابلة الخبر فهو بمعنى الصدق؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥] فإذا قيل لك: حكَم القاضي على فلان لفلان بكذا، فقلت: هذا حكمٌ حق، فالمعنى عدل، وإذا قيل لك: أخبَرنا فلان بكذا، فقلت: هذا حق، أي صدق، فالحق إن كان في مقابلة الحكم فهو بمعنى العدل، وإن كان في مقابلة الخبر فهو بمعنى الصدق، هنا هل هو بمعنى الخبر؟ يعني هل هو في مقابل الخبر أو في مقابل الحكم؟ الخبر؛ لأن القصص خبر ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ [طه ٩٩]. ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ أي الصدق الذي لا يخالف الواقع، بل يطابقه تمام المطابقة، فما قاله النصارى في عيسى ابن مريم مما خرج عن خبر الله عنه فهو كذب باطل. ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ هذه الجملة كما ترون أيضًا فيها حصر وفيها توكيد؛ أما الحصر فطريقه النفي والإثبات، النفي في قوله: ﴿مَا﴾، والإثبات في قوله: ﴿إِلَّا﴾، وأما التوكيد ففي قوله: ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾؛ لأن (من) حرف جر زائد من حيث الإعراب، لكنه يزيد المعنى، هو زائد من حيث الإعراب لكنه يزيد المعنى، ماذا يزيد المعنى؟ يزيد المعنى توكيدًا. ولهذا نقول: إن الحروف الزائدة في القرآن الكريمة هي زائدة زائدة، زائدة من حيث الإعراب، زائدة من حيث المعنى؛ أي أنها تفيد معنى زائدًا على ما لو لم تكن موجودة وقوله: ﴿مَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾، إله بمعنى مألوه، والمألوه هو المعبود محبة وتعظيمًا، ولا يصدُق هذا حقًّا إلا على الله عز وجل. وكلمة (إله) هنا على وزن فِعَال، ولكنها بمعنى مفعول، والكلمة هذه -أعني (إله) بمعنى مألوه أو فِعال بمعنى المفعول- كثيرة في اللغة العربية كالغراس والبناء والفراش والوطاء وما أشبه ذلك، غراس مغروس، وبناء بمعنى مبني، فراش بمعنى مفروش، إله بمعنى مألوه. فما معنى مألوه؟ قلنا: هو المعبود محبة وتعظيمًا، هذا المألوه. وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾، (إلا) هذه أداة استثناء، والجملة التي قبلها فيها شيء محذوف تقديره: وما من إله حق إلا الله، وعلى هذا فنعرب كلمة ﴿اللَّهُ﴾ بدل من الخبر محذوف الذي تقديره: وما من إله حق إلا الله. ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ يعني خالق السماوات والأرض عز وجل، فعيسى ليس بإله، وأمه ليست بإله، وجبريل ليس بإله، وميكائيل ليس بإله، ولا أحد يستحق هذا الوصف إلا خالق السماوات والأرض عز وجل، ولهذا قال: ﴿مَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾. هذه الجملة مؤكدة ولّا غير مؤكدة؟ * طلبة: مؤكدة. * الشيخ: بماذا؟ بمن الزائدة، وفيها حصر وطريقه النفي والإثبات. ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ كلمة ﴿اللَّهُ﴾ هي علم خاص بالرب عز وجل، لا يسمَّى به غيره، ولا يوصف به غيره، وهو في الأصل (إله)، لكن لكثرة الاستعمال حذفوا الهمزة وقالوا: الله، كما حذفوا الهمزة في قولهم: الناس، وأصله (أناس)، وكما حذفوها في كلمة: خير وشر، (فلان خير من فلان) أي أخير منه، لكن لكثرة الاستعمال حذفوا الهمزة، وكذلك (شر)، ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [المائدة ٦٠] أصلها (أشر)، لكن حُذفت الهمزة لكثرة الاستعمال. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هذه الجملة كما ترون أيضًا مؤكدة بمؤكدات. * طالب: (إن) واللام وضمير الفصل. * الشيخ: أحسنت، يعني بمؤكدات ثلاثة: إن واللام وضمير الفصل. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ففيها توكيد بثلاث أدوات: إن واللام، والثالث ضمير الفصل، وكما قلنا آنفا: إن ضمير الفصل يفيد الحصر، فيكون: ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ يعني لا غيره، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ﴾ لا غيره ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ العزيز من أسماء الله سبحانه وتعالى، فله العزة جميعا، ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر ١٠] والعزة قال العلماء: إنها ذات ثلاثة معانٍ: عزة بمعنى القدر، وعزة بمعنى القهر والغلبة، والثالث: عزة بمعنى الامتناع. العزة بمعنى القدر: يعني أنه عز وجل ذو قدر عظيم، لا يقدره إلا الله عز وجل، ومنه قول القائل: فلان عزيز عليّ، يعني: ذو قدر عندي، له قدر عندي، فالله تعالى عزيز بمعنى: ذو قدر رفيع عظيم، هذه عزة أيش؟ القدر. وعزة القهر: أي أنه عز وجل هو الغالب الذي لا يغلب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٣] أي غلبني في الخطاب، فهذه عزة الغلبة، ويقول الشاعر الأول: أَيْــــنَ الْمَفَــــرُّ وَالإِلَــــهُالطَّالِــــــــــــب ∗∗∗ وَالأَشْــــرَمُ المَغْلُــــوبُ لَيْــــسَالْغَالِــــب الثالث: عزة الامتناع: عزة الامتناع أي أنه ممتنع عن أن يناله سوء، ومنه قولهم: أرض عزاز؛ لقوتها وصلابتها، فعلى هذا تكون العزة لها ثلاثة معانٍ، المعنى الأول؟ * طالب: عزة الامتناع. * الشيخ: يعني؟ * الطالب: يعني: ذو. * الشيخ: لا، عزة الامتناع ما هي: ذو. * طالب: الأول قلنا: القدر. * الشيخ: عزة قدر، والثاني؟ * الطالب: القهر * الشيخ: والثالث؟ عزة أيش؟ * طالب: الغلبة. * الشيخ: القدر والقهر؟ * طالب: الغلبة. * الشيخ: لا، القهر هو الغلبة. * طالب: امتناع. * الشيخ: عزة الامتناع، طيب عزة القدر؟ * طالب: مثل أن يقول القائل. * الشيخ: لا، مش معناها. * الطالب: إن الله عز وجل ذو قدر علي. * الشيخ: نعم ذو قدر علي ورفيع. ومنه قول القائل؟ * الطالب: قول القائل: فلان عزيز علي. * الشيخ: نعم، الثاني: عزة القهر، ويش معناه؟ * طالب: أي عزيز. * الشيخ: إي ويش معناها؟ * الطالب: أي الغلبة. * الشيخ: أي الغالب، ومنه قوله تعالى؟ * الطالب: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف ٢١]. * الشيخ: نعم. * الطالب: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. * الشيخ: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أي غلبني. طيب الثالث؟ * طالب: الامتناع، أي أن الله ممتنع أن يناله سوء. * الشيخ: أي أن الله ممتنع أن يناله سوء، ومنه قولهم؟ * الطالب: أرض عزاز. * الشيخ: أرض عزاز، الأرض الصلبة التي لا تؤثر فيها المعاول. لما قال المنافقون: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨] سلم الله لهم ذلك قال: نعم يخرج الأعز الأذل، لكن من هو الأعز؟ * الطلبة: الله ورسوله. * الشيخ: قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨]. يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. (الحكيم) مشتقة من الحكم والإحكام، وكل عزيز إذا اقترن في عزته الحكمة والحكم كملت عزته؛ وذلك لأن العزيز إذا غلب ولم يكن له حكمة أداه غلبته إلى الطيش، تؤديه غلبته إلى الطيش وعدم ضبط النفس، فإذا اجتمعت العزة والحكمة كمل الموصوف بهما. أقول: (الحكيم) من الحكم والإحكام، فهو سبحانه وتعالى الحاكم ولا حاكم غيره، وهو المحكِم، أي المتقن لما حكم به، سواء كان الحكم كونيًّا أو شرعيًّا. والإحكام الذي بمعنى الإتقان هو وضع الشيء في موضعه اللائق به، بحيث لا يقال: إن هذا غير لائق أو غير موافق، بل يكون موافقًا، مطابقًا لما تقتضيه المصلحة، إذن (الحكيم) مشتق من الحكم والإحكام. ثم نقول: الحكم نوعان: حكم كوني وحكم شرعي، فالحكم الكوني ما قضى به الله قدرًا، والحكم الشرعي ما قضى به شرعًا، انتبه: الحكم الكوني ما قضى به قدرًا، والشرعي ما قضى به شرعًا. والفرق بينهما ظاهر: الحكم الشرعي يتعلق فيما يحبه الله عز وجل فعلا أو تركًا، فإن نهى عن شيء فهو يحب تركه، وإن أمر بشيء فهو يحب فعله، ويمكن أن يتخلف الحكم الذي حكم الله به؛ هذا الحكم الشرعي. الحكم الكوني يتعلق فيما يحبه وما لا يحبه، ولا يمكن أن يتخلف، لا بد أن يكون. الفرق بينهما إذن: الحكم الكوني لا بد أن يقع، والحكم الشرعي يمكن أن يقع ويمكن ألا يقع. الثاني: أن الشرعي يتعلق فيما يحبه، والكوني يتعلق فيما يحب وما لا يحب. يتضح هذا بالمثال: فإذا قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء ٣٢] هذا حكم شرعي، هل يمكن أن يقع من الموجه إليهم الخطاب ألا يزنوا؟ أو قد يزنون وقد لا يزنون؟ قد يزنون وقد لا يزنون، ولهذا نقول في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣] القضاء هنا شرعي؛ لأننا نرى كثيرًا من الناس، بل أكثر الناس لم يعبدوا الله، بل عبدوا غيره، أو لم يعبدوا أحدًا، فالقضاء هنا شرعي. ثانيا: هل يقضي الله بما لا يحب شرعا؟ لا، لا يقضي إلا بما يحب، فإن كان ما يحبه تركًا جاء بصيغة النهي، وإن كان ما يحبه فعلا جاء بصيغة الأمر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٣] طاعة الله ورسوله محبوبة إلى الله، عدم إبطال الأعمال، أيش؟ محبوب إلى الله، الأول أمر والثاني نهي. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء ٣٦] نفس الشيء، ﴿اعْبُدُوا﴾ أمر ﴿لَا تُشْرِكُوا﴾ نهي، فالشرك محبوب إلى الله تركه، والعبادة محبوب إلى الله فعلها، عبادة الله. القضاء الكوني قلنا: يكون فيما يحبه الله وما لا يحبه، ولا بد من وقوعه، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء ٤]، هذا القضاء كوني ولّا شرعي؟ كوني، لا يمكن أن يكون شرعًا؛ لأن الله لا يحب الفساد ولا يحب المفسدين، لكنه كوني، وقع ولّا ما وقع؟ وقع نعم ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾ إلى آخر الآيات [الإسراء: ٥]. وبعضهم يقول: إن المرة الثانية لم تقع، والله أعلم. على كل حال القضاء الكوني يكون فيما يحب وما لا يحب، ولا بد من وقوع المقضي، ما يمكن أحد يتخلف عنه. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ [سبأ ١٤] كوني ولّا شرعي؟ هذا كوني. الحكم يكون كونيًّا ويكون شرعيًّا، ما هو الكوني؟ ما قضاه الله تعالى قدرًا، والشرعي ما قضاه شرعًا وجاءت به الرسل. الحكم الكوني والشرعي كلاهما مقرون بالحكمة؛ لأن الله حاكم أيش؟ محكم، فلا يمكن أن يكون حكمه إلا على وفق الحكمة. والحكمة إما في الصورة والهيئة، وإما في الغاية، وكلاهما أيضًا موجود في الشرع والقدر، يعني شرعًا وكونًا، فالمخلوقات وجودها على هذا الوصف والهيئة التي هي عليه الآن موافق للحكمة، ولّا لا؟ موافق، يعني لو تفكر في الكليات والجزئيات، فكر في الإنسان كونه على هذا الوصف لا شك أنه موافق للحكمة، ثم فكر في أجزائه الصغيرة والكبيرة تجدها كلها موافقة للحكمة. الشرع نجده أيضا موافقا للحكمة، إن نظرت إلى الصلاة وإذا هي في غاية الحكمة، روضة من رياض العبادات، قيام وقعود وركوع وسجود، قراءة، تسبيح، تعظيم، دعاء، روضة ﴿فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق ٧]. وإن نظرت إلى الزكاة فكذلك، الصيام، الحج، كل العبادات تجد أنها مطابقة لأيش؟ للحكمة في الهيئة التي هي عليها، ثم الغاية، الغاية من هذا الخلق أو من هذا الشرع لا شك أنه غاية حميدة يحمد الله عز وجل عليها ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩] فالغاية من خلق السماوات والأرض غاية حميدة، والغاية من الشرع غاية حميدة، لا صلاح للعباد إلا بالشرع الذي يشرعه الله لهم. حينئذ نقول: بناء على ذلك يتبين أن القول في (الحكيم) يتضمن أربع حالات: حكم كوني وحكمة صورية وغائية، حكم شرعي وحكمة صورية وغائية، فالأقسام أربعة، كلها مأخوذة من قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. * ففي هذه الآية الكريمة من الفوائد: تأكيد أن ما أخبر الله به عن عيسى ابن مريم هو الحق. * ويتفرع على هذه القاعدة: أن كل ما خالفه مما تكلمت فيه النصارى في شأن عيسى فهو كذب باطل لا يوافق الواقع. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من بلاغة الكلام أن يكون مطابقا للواقع، أو موافقًا لمقتضى الحال. من بلاغة الكلام أن يكون موافقًا لمقتضى الحال، وجه ذلك: أن هذه الجملة: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ أكدت بثلاثة مؤكدات؛ لأن المقام يقتضي هذا؛ إذ إن دعاية النصارى قوية لا يبطلها إلا كلام مؤكد إما باللفظ وإما بالحال، يعني إما بالمقال وإما بالحال، وهكذا ينبغي لكل إنسان يتكلم بكلام أن تقتضي الحال أن يكون مؤكدًا، فإن البلاغة أو مقتضى البلاغة أن يؤكده. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القصص قد يكون حقًّا وقد يكون باطلا، القصص من حيث هو، بقطع النظر عن القاص، قد يكون حقًّا وقد يكون باطلا كذبًا، من أين يؤخذ؟ من وصف القصص بالحق؛ لأن الأصل في الصفة أن تكون مخرِجة لما عدا الموصوف، هذا الأصل، ولهذا لو جاءت صفة غير مخرجة لما عد الموصوف يسمونها صفة كاشفة، لا مانعة. إذن نقول: ﴿الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ الأصل أن ﴿الْحَقُّ﴾ صفة أيش؟ مانعة ولّا كاشفة؟ مانعة، يعني تمنع ما سواها، وعلى هذا فتكون الأخبار فيها كذب وفيها صدق من حيث هي خبر، وإنما قيدنا ذلك بقولنا: (من حيث هي خبر) ليخرج بذلك خبر من؟ خبر الله ورسوله؛ فإنه لا يحتمل الكذب بوجه من الوجوه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا إله في الوجود إلا الله، ولكن المراد: لا إله حق، ويتعين أن يكون ذلك هو المراد، لماذا؟ لأن هناك آلهة موجودة تعبد من دون الله، وتسمى آلهة، وينكر حصر الآلهة بواحد، قالت قريش في مخاطبتها للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٤، ٥]، الله أكبر، العجاب أن تكون الآلهة إلهًا واحدًا، أو أن تكون الآلهة متعددة؟ الثاني، هذا العجاب، أما أن يكون الإله واحدًا، فهذا هو الصواب، لكن هم مكابرون. على كل حال لا يوجد في الكون إله حق -يجب أن نقيد هذا- إله حق سوى من؟ سوى الله عز وجل، أما الآلهة الباطلة فهي آلهة باطلة، وإن سميت آلهة فهي كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم ٢٣] * ومن فوائد الآية الكريمة: أن سلامة العقيدة فيها الراحة التامة؛ لأنك إذا سلِمت عقيدتك وآمنت بأنه ما من إله إلا الله، فإنك لن تتجه إلى من سوى الله، ولا شك أن هذا راحة، انحصار الهدف والمقصود من أكبر أسباب راحة الإنسان، إذا تعددت الأهداف والمقاصد تبلبل الإنسان، ولهذا يذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: مَن بُورِكَ له في شيءٍ فلْيلزمْهُ[[أخرجه ابن ماجه (٢١٤٧) عن أنس مرفوعا «مَنْ أَصَابَ مِنْ شَيْءٍ فَلْيَلْزَمْهُ» وقد عزاه الزركشي وغيره إلى ابن ماجه بلفظ «مَن بُورِكَ له في شَيْءٍ» ولم نجده مسندًا من حديث عمر بن الخطاب.]]. أي شيء بارك لك فيه وتشوف إنك مطمئن فيه، سيارة، بيت، زوجة، صاحب، أي شيء فالزمه، فإنه خير من أن تتنقل، بعض الناس يقول: والله بقرأ اليوم بزاد المستقنع، وباكر المنتهى، بعده الإقناع، بعده المهذب، بعده المدونة لمالك، كل يوم له كتاب، هذا يروح عليه الوقت ما هيزيد شيء، لماذا؟ لأن الهدف لم يتحد، هؤلاء المشركون أيضا هذا يعبد اللات، إذا لم تنفع راح للعزى، إذا لم تنفع لمناة، إذا لم تنفع مناصب، أحجار ثلاثة يجعلها للقدر، وواحد الرابع يجعله إلهًا يعبده، إذا لم ينفع عجن عبيطًا من التمر وجعله إلهًا، إذا لم ينفع راح إلى الشمس والقمر. على كل حال إذا كانت العقيدة السليمة بأن لا يتجه الإنسان إلا إلى الله ولا يعبد إلا الله فإنه يجد الراحة التامة، ولهذا قال: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾. وفي هذا رد على النصارى الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، لأنه قال: ﴿مَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾. والعجيب أن من سفه النصارى وضلالهم يقولون: الآلهة ثلاثة لكنها واحد، كيف ثلاثة وواحد؟ هل يمكن الثلاثة واحد؟ إذا جعلت الثلاثة واحدا صار ثلثا، صاروا: إله ثلث، وإله ثان ثلث، وإله ثالث ثلث، أما أن يكون كل واحد مستقلا ثم تقول: هم واحد فهذا مكابرة للمعقول. إذن في الآية الكريمة ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ رد على من؟ على النصارى الذين يقولون: إن المسيح عيسى ابن مريم إله. * وفي الآية الكريمة من الفوائد: إثبات العزة، بل تمام العزة لله؛ لقوله: ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ و(أل) هنا تفيد الاستغراق، أي جميع أنواع العزة ثابتة لله سبحانه وتعالى. * وفيها: إثبات الحكمة لله في قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ وإثبات الحكم أيضًا. * فيتفرع على هذا: أنه لا حاكم إلا الله، الحكومة السلطانية القدرية والحكومة الشرعية هي لله وحده، فمن سيطر على الخلق بالحكم السلطاني ولم يراقب الرب فقد شارك الله، أو فقد جعل نفسه شريكا مع الله في هذا الحكم، ومن شرع للناس قوانين مخالفًا لشرعه فقد جعل نفسه شريكًا مع الله، واتخذ لنفسه منصبًا لا يستحقه، لأن الذي يشرع ويحكم هو الله عز وجل، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ﴾ لا سواه ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. * ويتفرع على هذا أيضًا: أن واجبنا نحو أحكام الله الكونية والشرعية التسليم والرضا والقناعة، وألا نطلب سواها؛ لأننا نعلم أنها مبنية على أيش؟ على الحكمة، مبنية على الحكمة، ولهذا كان السلف الصالح رضي الله عنهم إذا قضى الله، بل كل مؤمن ما هو السلف الصالح فقط، كل مؤمن إذا قضى الله ورسوله أمرًا لم يكن لهم الخيرة من أمرهم، حتى إنهم يجيبون إذا سئلوا عن الحكمة يجيبون بقال الله وقال رسوله، عائشة لما سألتها المرأة: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢١) دون ذكر الصيام، ومسلم (٣٣٥ / ٦٩) واللفظ له من حديث عائشة.]]. والمؤمن حقًّا العابد حقًّا هو الذي يقتنع بما لا يعرف حكمته كما يقتنع بما يعرف حكمته، هذا المؤمن حقًّا، أما لا يقتنع بحكم الله إلا إذا عرف حكمته فهو في الحقيقة ليس عابدًا لله على وجه الكمال، بل عابد لهواه، إن تبينت له الحكمة يقتنع وإن لم تتبين لم يقتنع. ولهذا نرى أن في إيجاب رمي الجمرات، وهي الحصا في مكان معين، نرى أن فيها مع إقامة ذكر الله عز وجل الذي نص عليه الرسول ﷺ أيش؟ تمام العبودية وكمالها؛ لأن كون الإنسان يحمل حصا يرميها في مكان معين تعبدًا لله هذا من كمال العبودية، كون الإنسان مثلا يصلي أو يتجنب الزنا خوفًا من الله ورجاء لثوابه في الصلاة واضح الحكمة فيه، لكن كونه يرمي حصيات في مكان معين قد لا تتضح الحكمة لولا أن الرسول أخبرنا بأنها لإقامة ذكر الله، وفيها تمام العبودية. فالمهم أنك متى آمنت بأن الله له الحكمة في حكمه الكوني والشرعي؛ ازددت قناعة ورضا بما حكم به، أما الحكم الكوني فسينفذ عليك رضيت أو ما رضيت، لكن الشأن كل الشأن في الحكم الشرعي، هو الذي باختيارك، أما الكوني فليس باختيارك، سيكون عليك مهما كان الأمر. * طالب: شيخ، اليهود الرد عليهم لما قالوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣٠] جعلوه إلها ثانيا؟ * الشيخ: لا، ما هو بصريح هذا، ما هو بصريح بالألوهية؛ لأن البنوة دون مرتبة الأبوة، لكن النصارى صرحوا بهذا، ولهذا يقول الله لعيسى ابن مريم: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة ١١٦]. * طالب: شيخ، ما الفرق بين قولنا: هيئة وصورة؟ * الشيخ: الهيئة قد تكون في الأفعال والأقوال، والصورة قد تكون في الأجسام. * طالب: الشكل. * الشيخ: شكل الجسم. * طالب: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران ٦٢] (...) بالحق (...) الإرادة. * الشيخ: لا. * الطالب: نؤكد الفصل. * الشيخ: لا، هذا مستفاد من اللفظ، من قال تأكيد! إذا قلت: هذا حق هل فيه توكيد؟ الجملة ما فيها تأكيد، الجملة نفسها ما فيها تأكيد، لكن الحق مفهوم من المعنى. * طالب: أحسن الله إليك، إذا قيل للنصارى: كيف تقولون: إن الله ثالث ثلاثة والثلاثة إله واحد؟ قالوا: نحن لا نأخذ بهذا التفاصيل وإنما نؤمن فقط. * الشيخ: طيب تؤمن بما لا حقيقة له؟ * الطالب: يقول: هذا مجهول ما نقدر نسأل، نؤمن بما جاء. * الشيخ: لكن هذا من ضلالك أن تؤمن بأن ثلاثة صاروا شيئا واحدا، هذا من ضلالك، هو لو قال: إنه صفات قلنا: نعم، يمكن أن يتصف مثلا بألف صفة، لكن هم يقولون: ذوات أعيان، عيسى وأمه والرب عز وجل، صاروا واحدا، كيف يصيرون واحدا؟! * طالب: ينبغي للإنسان أن يبحث عن الحكمة في الأشياء التي لم يرد في الشرع حكمتها، للاطمئنان؟ * الشيخ: على كل حال البحث في الحكمة للاسترشاد هذا لا بأس به، البحث عن الحكمة للاسترشاد لا بأس به، ولهذا لما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام النساء بأنهن أكثر أهل النار قلن: بم يا رسول الله؟ علمنا ويش الحكمة، قال: «لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ»[[أخرجه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري، وأخرجه مسلم (٧٩ / ١٣٢) من حديث عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله.]]، فالذي يسأل عن الحكمة للاطمئنان لا شك أنه لا بأس به، لكن يسأل الحكمة ليقول: إن علمت بالحكمة وإلا فلا قبول، هذا ما صار مؤمنًا. * طالب: قلنا يا شيخ: الحكم كوني وشرعي، والحكم الكوني ما يحبه الله وما لا يحبه، والشرعي فيما يحبه، ما يصير فيما لا يحبه، قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء ٣٢].. * الشيخ: الحكم ما هو الآن؟ * الطالب: ﴿لَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾. * الشيخ: نهي. * الطالب: لكن الزنا ما هو.. * الشيخ: إي مكروه ولكن نحن قلنا: المحبوب إلى الله إما فعل وإلا ترك، إن كان تركا فهو منهي عنه، إن كان فعلا فهو مأمور به * الطالب: يعني شرعي بس فيما يحب الله؟ * الشيخ: فيما يحب الله، لكن إن الله قد يحب الترك فينهانا وقد يحب الفعل فيأمرنا. * طالب: شيخ، بالنسبة للمؤكدات يا شيخ في القرآن، يعني القرآن يعني يصدق الإنسان القرآن ولو بغير مؤكدات، الحكمة.. * الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ * طالب: رديت عليه. * الشيخ: نعم * الطالب: إجابة على القصص.. * الشيخ: يقول الأخ: إذا كنا نصدق بالقرآن سواء أكد أو ما أكد ويش الفائدة من التوكيد؟ * طالب: الرد. * الشيخ: الرد، ما كل أحد يصدق بالقرآن، لكن قد يقول: إذا كان غير مصدق ما هو مصدق سواء أكد ولّا ما أكد، نقول: هذا غير صحيح غير وارد. أولا: لأن القرآن جرى على أسلوب العرب، والثاني: أن الشيء المؤكد لا بد أن تقتنع به النفوس أكثر حتى لو كانت مؤمنة، لا بد أن تقتنع أكثر. * طالب: عندنا أهل نجد يا شيخ يسمون عبد العزيز، عُزَيِّز، بعضهم يسميه: عَزِيز؟ * الشيخ: نعم. * طلبة: عَزُّوز. * الشيخ: السؤال ويش عنه الآن؟ * الطالب: أن صفة العزة يعني من الإنسان. * الشيخ: المؤمنون لهم عزة، والرسول له عزة، والإنسان اللي يقول: عزيز يسمي ابنه: عزيز مثل الذي سمى ابنه: حكيم في عهد الرسول الله ﷺ، في الصحابة من اسمه حكيم، وحكيم قرينة عزيز، يعني أن كلمة عزيز لا يقصد المسمي بها المعنى الذي اشتقت منه، وإنما يقصد بها مجرد العَلم فقط، ولهذا نقول: ليس فيها شيء. * طالب: شيخ، تكلمنا عن الحكم الشرعي والحكم الكوني كل واحد منهما مقرون بالحكمة الصورية والحكمة الغائية، أيش الحكمة الصورية و...؟ * الشيخ: يعني كون الشيء على هذا الوجه موافق للحكمة، يعني يكون مثلا الإنسان يمشي على رجليه موافق للحكمة لكن لو يمشي على رأسه؟ غير موافق للحكمة. * الطالب: والغاية؟ * الشيخ: الغاية أن الله خلق الإنسان للعبادة... * * * * طالب: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران ٦٣ - ٦٦].

آل عمران 3:63

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾. قال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ الضمير يعود على هؤلاء النصارى الذين طلب منهم النبي ﷺ المباهلة ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران ٦١]، وسبق أنهم امتنعوا عن المباهلة؛ لأنهم يعلمون أنهم لو باهلوا لأخذهم العذاب؛ لأن الرسول ﷺ حق وهم على باطل يقول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يعني عن المباهلة وعن اتباعك يا محمد فإنما هم مفسدون، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ ولم يقل: عليم بهم، بل أظهر في موضع الإضمار. الإظهار في موضع الإضمار له فوائد: الفائدة الأولى: التسجيل أو انطباق الوصف في هذا المُظهَر على من يعود عليه، يعني أن هذا الوصف الذي جُعل في موضع الضمير ينطبق على مرجع الضمير، فكأنه قال: فإن تولوا فإن الله عليم بهم، لكن وصفهم بالفساد. الفائدة الثانية: العموم؛ لأنه لو جاء الضمير هنا حسب السياق: فإن الله عليم بهم، اختص العلم بمن؟ بهم هم، فإذا قال: ﴿بِالْمُفْسِدِينَ﴾ صار عامًّا فيهم وفي غيرهم. الفائدة الثالثة: أن هذا الفعل الذي حصل من هؤلاء الذين جاء الإظهار في موضع الإضمار عنهم هو نوع من هذا الوصف الذي عُبر به في موضع الضمير، يعني أن فعلهم فساد، وهو التولي والإعراض عن دين الله. ففي هذه الآية الكريمة، من فوائدها: تهديد من تولى عن دين الله عز وجل، ووجه ذلك قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾؛ لأن المقصود من ذكر علمه بهم تهديدهم، وأنه لا يخفى عليه حالهم وسيعاقبهم بما تقتضيه حالهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التولي عن دين الله فساد، كما قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١] وهل التولي نفسه فساد أو أنه سبب للفساد؟ الجواب على هذا أن نقول: هو فساد وسبب للفساد. ووجه كونه فسادًا أنه إذا تُولي عن دين الله حل محله ما سواه، ومعلوم أن دين الله صلاح وما سواه فساد، ولهذا نجد القوانين المحكَّمة في عباد الله لا تُصلح الخلق، لا يصلح الخلق منها إلا ما وافق الشرع، وأما ما خالف الشرع فإنه فساد، مهما كان واضع القوانين في الذكاء والفهم لأحوال الناس، فإنهم إذا وضعوا من القوانين ما يخالف شرع الله فإنه فساد بكل حال. إذن نفس التولي فساد، ثم هو أيضا سبب للفساد؛ لأن الجدب والقحط وضيق الرزق والفتن كلها سببها المعاصي، قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل ١١٢]. إذن فالتولي عن دين الله أيش؟ فساد وسبب للفساد. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل من تولى عن دين الله فهو مفسد، وإن زعم أنه مصلح؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾. ولهذا قال كثير من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦]، قال: أي لا تفسدوها بالمعاصي. فكل عاص فهو مفسد، شاء أم أبى، وكل مطيع لله فهو مصلِح؛ لأن بضدها تتبين الأشياء، فإذا كان العاصي مفسدًا فالطائع مصلحًا، لكن الطائع في الحقيقة قد يكون صالحًا بنفسه غير مصلح لغيره، وقد يكون صالحًا بنفسه مصلحًا لغيره، فإذا كان عابدًا داعيًا إلى الله صار صالحًا مصلحًا، وإذا كان عابدًا غير داعٍ لله صار صالحًا غير مصلح، لكنه ليس على وجه التمام في صلاحه؛ لأن من تمام الصلاح أن تدعو إلى الله عز وجل.

آل عمران 3:64

ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. الخطاب في قوله: ﴿قُلْ﴾ للرسول ﷺ. وقد مر بنا قاعدة: أن الله تعالى إذا صدّر الشيء بـ﴿قُلْ﴾ الموجه للرسول ﷺ فإنه يقتضي زيادة العناية به؛ لأنه أمرٌ بأن يبلغ هذا الشيء أيش؟ لخصوصه، وإلا فإن جميع فإن القرآن مأمور النبي عليه الصلاة والسلام أن يقوله. ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ أهل الكتاب يعني بهم اليهود والنصارى، وعلى هذا فالمراد بالكتاب الجنس؛ ليكون شاملًا لأيش؟ ذكرت أن المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، وقلت: على هذا يكون الكتاب للجنس ليكون شاملا؟ * طالب: اليهود والنصارى. * الشيخ: لا. * طالب: التوراة والإنجيل. * الشيخ: التوراة والإنجيل، فـ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ يعني يا أهل التوراة والإنجيل، وإنما خاطب هؤلاء بأهل الكتاب، أو وصفهم بذلك لأنه لا يوجد كتب منزلة باقية آثارها إلا التوراة والإنجيل، ولهذا سموا أهل الكتاب، وإلا فإنه ما من رسول إلا ومعه كتاب يدعو به؛ كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ﴾ يعني مع الرسل ﴿الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥] لكن الكتب التي بقيت وأثرت وإن كان فيها شيء من التغيير هي التي عند اليهود وعند النصارى. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ من المراد بهم؟ اليهود والنصارى. هنا لو قال لنا قائل: ﴿أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ فسرها بمرادها وبلفظها؟ نقول: نفسرها بلفظها أي يا أصحاب الكتاب، يا من حُملتم الكتاب، هذا سماه: تفسير لفظي. التفسير المرادي يعني: مراد به من؟ اليهود والنصارى، فالتفسير اللفظي هو الذي تُفسر به الكلمة بقطع النظر عن المراد بها، والتفسير المرادي الذي هو مقصود الكلام هو من يُراد بالكلام. ﴿تَعَالَوْا﴾ يعني أقبلوا، و(تعال) فعل أمر، وليست اسم فعل، خلافًا لمن زعم من النحويين أنها اسم فعل. والدليل على أنها فعل: لحوق الفاعل بها، يعني: اتصال الضمير بها، واسم الفعل لا يتصل به ضمير، تقول: (تعالَوْا) للجماعة، (تعاليا) لمن؟ للمثنى، (تعالَيْن) لجماعة الإناث، (تعالَيْ) للواحدة، فإذن هي فعل، يعني أقبلوا، بخلاف (هلم)، (هلم) هذه اسم فعل. الدليل: لأنها لا تتغير ولا يلحقها الضمير ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب ١٨] ولم يقل: هلموا إلينا. ﴿تَعَالَوْا﴾ أقبلوا إلينا، ﴿إِلَى كَلِمَةٍ﴾ وفسرها بقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾، لكن وصف هذه الكلمة قبل أن يفسرها: ﴿سَوَاءٍ﴾ سواء يعني: عدل، لأن سواء هنا مصدر بمعنى اسم الفاعل، أي مستوية، ليس فيها حيف، مستوية بيننا وبينكم، والمستوية بين الضد وضده، يعني أنها عدل، ليس فيها جنف من هؤلاء ولا من هؤلاء، سواء. إذن سواء مصدر أيش؟ بمعنى اسم الفاعل، أي مستوية بيننا وبينكم، يعني: عدل، لا فيها ميل لنا ولا ميل لكم. ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الضمير في ﴿بَيْنَنَا﴾ يعود على المسلمين ﴿وَبَيْنَكُمْ﴾ الضمير على أهل الكتاب. ما هذه الكلمة ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾؟ هذه الكلمة سواء، كل الرسل متفقون على هذه الكلمة؛ من نوح إلى محمد ﷺ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]. فإذا كانت الرسل عليهم الصلاة والسلام متفقين على هذه الكلمة إذن فإذا دعوناكم إليها فهذا عدل ليس فيه حيف. سواء بيني وبينكم هي ألا نعبد إلا الله، وعلى هذا فيكون موضع قوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ الجر، على أنها عطف بيان لأيش؟ لـ ﴿كَلِمَةٍ﴾، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف، أي هي أيش؟ ألا نعبد. قوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ نعبد أي نذل ونخضع لغير الله عز وجل، لا نخضع ولا نذل الذل المطلق إلا لله وحده عز وجل؛ لأن العبادة يراد بها الذل والخضوع الكامل المطلق، ويراد بها المتعبد به، يعني تطلق على معنيين: تطلق على فعل العبد، وتطلق على مفعول العبد، العبادة تطلق على فعل العبد ومفعول العبد، فإذا كانت على فعله فهي التذلل والخضوع، إذا كانت على مفعوله فهي العبادات التي يقوم بها والتي فسرها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه. وهنا ﴿أَلَّا نَعْبُدَ﴾ إما أن يقال بشمول هذين المعنيين، وإما بأن المراد بها فعل العبد، يعني ذل العبد وخضوعه. ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ وحده، واستفدنا الوحدانية هنا من أيش؟ من الحصر؛ لأن (لا) نافية و(إلا) مثبتة، وإذا جاء الكلام بهذه الصيغة نفي وإثبات صار دالا على الحصر. من يخالف في هذا؟ يخالف النصارى، ما يعبدون الله وحده، يعبدون من؟ عيسى وأمه، وكذلك اليهود قالوا: عزير ابن الله. ﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾، ﴿وَلَا نُشْرِكَ﴾: الإشراك معناه التسوية، و(شيئا) نكرة في سياق النفي فتعم كل شيء، وهذا تحقيق للتوحيد، تحقيق، كيف كان تحقيقا؟ لأن المراد بهذا النفي إثبات كمال الضد، فهنا المنفي الإشراك؛ لإثبات كمال ضده، وهو التوحيد، أي أن نعبده عز وجل عبادة لا شرك فيها، وذلك أن العبادة قد يكون فيها شرك، قد يكون الإنسان عابدا لله لكن العبادة مخلوطة بالشرك، فإذا قلت: اعبد ربك ولا تشرك به، صارت عبادة خالية من أيش؟ من الشرك. ولهذا نعتبر الجملة الثانية ﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ نعتبرها من حيث المعنى توكيدا للتوحيد في قوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾. وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ يشمل أي شيء كان، من بشر أو ملك أو جن أو جماد، أي شيء، واستفدنا هذا العموم من أين؟ من أنها نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي للعموم. أضرب لكم مثلا يبين لكم هذا: إذا قلت لك: افعل شيئا، ففعلت شيئا من الأشياء وتركت أشياء، هل هذا للعموم؟ لا، (افعل شيئا): (شيئا) الآن ما هي للعموم؛ لأنها نكرة لكنها في سياق الإثبات، وإذا قلت: لا تفعل شيئا، صارت للعموم، يعني أي شيء تفعله فأنت مخالف، ولهذا من قواعد الأصول عندهم أن النكرة في سياق الإثبات للإطلاق، والنكرة في سياق النفي للعموم. النكرة في سياق الإثبات للإطلاق، وفي سياق النفي للعموم، كذا؟ أنا ذكرت لك قبل قليل إذا قلت: افعل شيئا، ولندع (افعل شيئا) ونجيب مثال أوضح: (أعتق رقبة)، هذا لأيش؟ للإطلاق؟ يعني أي رقبة تكون أعتقها ويحصل الامتثال. (لا تعتق رقبة) هذا للعموم، لو أعتقت أي رقبة فأنت مخالف، وهذاك لو أعتقت أي رقبة أجزأ، فالفرق هو هذا. (اشتر لي ثوبا) فاشتريت ثوبا، أي ثوب من الثياب؛ نظيف، وسخ، جديد، أحمر، أسود، أي لون. (لا تشتر ثوبا) هذا للعموم، أي ثوب تجيبه أقول: خطأ، أنا قلت: لا تشتر، فالنكرة في سياق النفي للعموم، والنكرة في سياق الإثبات للإطلاق. قال: ﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ والله هذا العدل، يعني لا تتخذونا نحن نحرم ونحلل ونفرض عليكم ما نحلل ونحرم، ولا تفرضوا علينا أنتم ما تحللون وتحرمون؛ لأن الذي يحلل ويحرم ويطاع قد اتُّخذ ربًّا؛ كما جاء في الحديث في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣١] قال عدي بن حاتم: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، قال: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟». قال: نعم. قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرجه الترمذي (٣٠٩٥) من حديث عدي بن حاتم.]] والأمر ظاهر، طاعة الغير في التحليل والتحريم شرك في الطاعة وفي التشريع. فهو يقول: ﴿نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ هذه باعتبار العبادة، ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ هذا باعتبار التشريع، يعني لا نلزمكم بما نقول، ولا تلزمونا بما تقولون، إذن من المرجع؟ * الطلبة: الله. * الشيخ: ولهذا قال: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، أما إذا كان بالله فأنتم تلزموننا ونحن نلزمكم، نحن لم نقل: اجعلونا ربا نفرض عليكم ما نشاء، أو نجعلكم ربا تفرضون علينا ما تشاءون من دون الله، لكن إذا كان هذا بإذن الله ووحيه وشرعه وجب عليكم. إذن هذا تمام العدل في العبادة وأيش؟ وفي التشريع، نحن لا نلزمكم ولا تلزموننا بشيء دون الله، ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إذن هذا هو تمام العدل والإنصاف في المحاجة والمناظرة؛ أن تكون الكلمة السواء، لا نجنف ولا يُجنف علينا. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا ولم يأتوا لهذه الكلمة السواء، فأعلنوها أنتم من أجل أن يبوءوا بالإثم، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ يعني: منقادون لله تمام الانقياد، ولن نعبأ بكم، فصارت هذه الآية تدعو اليهود والنصارى إلى أيش؟ إلى التوحيد والإسلام وإلى العدل، تفضلوا ائتوا احضروا تعالوا ﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. هذا هو العدل، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ فإنهم لا يريدون الخير، أعلِنوها أنتم ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا﴾ شوف التحدي ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، وإذا أشهدناهم بأنا مسلمون فهو إعلان بأنهم غير مسلمين، بأنهم غير مسلمين؛ إذ لو كانوا مسلمين لانقادوا لهذه الكلمة السواء بيننا وبينهم، ومعلوم أنهم لو انقادوا إلى هذه الكلمة لزمهم أن يؤمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام محمد؛ لأن الذي جاء بالعبادة الصحيحة هو محمد، والذي جاء بالشرع الصالح هو محمد عليه الصلاة والسلام. في هذه الآية الكريمة: أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يدعو أهل الكتاب إلى هذه الكلمة السواء؛ لقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾. وهنا سؤال: هل الرسول قال ذلك؟ نعم قالها، حتى كان يكتب بها إلى الملوك، لما كتب إلى كسرى ما كتب وغيره يكتب: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾، لكنه يقول: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ من كمال أدبه، إذا قال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ فكأنه يقول: إنما كتبت لكم هذه الآية بأمر من؟ بأمر الله، لكن لو قال: يا أهل الكتاب بدون (قل) لكان فيه احتمال أنه كتبها من عند نفسه. المهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال ذلك، ودعاهم إلى هذه الكلمة، لكنهم أبوا، امتنعوا؛ لأنهم مصرون معاندون إلا من هدى الله، هدى الله من النصارى أقوامًا، ومن اليهود أقوامًا، ومن المشركين أقوامًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التنزل مع الخصم لإلزامه بالحق، كيف ذلك؟ لأنه قال: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾، مع أن الحق مع من؟ ما فيه شك مع الرسول ﷺ، لكن من أجل إلزام الخصم وإقامة الحجة عليه أتنزل معه، أقول: انزل كلمة عدل بيننا وبينكم. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب استعمال العدل في المناظرة، حتى مع العدو؛ لأن الرسول أُمر بأن يعلن هذا، وإذا كان هذا واجبًا في مناظرة المسلمين مع الكفار، فهو في مناظرة المسلمين بعضهم مع بعض أوجب وأوكد، ولهذا نقول: من الخطأ العظيم أن بعض الناس إذا رأى رأيًا قال: إنما سواه خطأ، وخطّأ غيره، هو قد يكون خطأ باعتبار اعتقاده، ما ننكر عليه، يعني إذا قال: هذا القول خطأ باعتبار اعتقاده ما ننكر عليه؛ لأنه من المعلوم أنه إذا اختار ضده فهو عنده أيش؟ خطأ ولا ينكر عليه، لكن الإنكار أن يخطِّئ من قال به، وهذا فرق دقيق، فرق بين أن أعتقد أن هذا القول خطأ ولا آخذ به، وبين أن أخطئ من قال به؛ لأني إذا خطأته ادعيت العصمة لي والزلل له، وهذا خطأ، هذا الخطأ، ولهذا يجب في المناظرة بين المسلمين كما يجب في المناظرة بين المسلمين والكفار أن تكون بالعدل، ومن المعلوم أن الميزان العدل في ذلك كتاب الله وسنة الرسول ﷺ، كتاب الله وسنة رسوله. ولكن المشكل أنه ليس كل أحد يفهم الكتاب والسنة كما ينبغي، يعني ومن الناس من يكون ظاهريا محضًا لا ينظر إلى مقاصد الشريعة ومعانيها العظيمة التي يُقصَد بها إصلاح الخلق، فتجده مثلا يريد أن ينفذ شيئا من المسائل التي لا تعتبر ذات شأن كبير في الإسلام وإن فات بذلك مصلحة عظيمة كبيرة، منها مسائل الخلاف التي يظهر فيها النزاع والمباينة بين المسلمين، ولها أمثلة كثيرة ممكن تفهمونها. تجد مثلا بعض الناس يقول: لا بد أن ننفذ هذا لشيء وإن كان سنة وإن كان يلزم على تنفيذه تفرق المسلمين وعداوتهم وحدوث البغضاء بينهم، لا ينظر إلى أن الشرع في الحقيقة مبني على الألفة وائتلاف القلوب، حرم البيع على بيع مسلم لأن ذلك يؤدي إلى العداوة والبغضاء، النجش، الخطبة على خطبة أخيه، أشياء كثيرة إذا تأملتها وجدت أن هذا الشرع يرمي إلى أن يأتلف الناس وتتفق القلوب واتحاد الأهداف، وأن المسائل الجزئية إذا خيف منها فتنة تترك، والحمد لله أنت هل عليك لوم إذا تركت الأدنى للأعلى؟ ليس عليك لوم، بل لك المدح، اللوم أن تفعل الأدنى لتفرط في الأعلى، هذا اللوم، ولهذا نعلم علم اليقين أن الصحابة أفقه منا بكثير، وأقوم منا في أعمالهم، وأنهم أشد منا حبا لشريعة الإسلام، ومع ذلك يتوافق بعضهم مع بعض في أمور لا يرونها، لكن من أجل المصلحة وائتلاف الناس واتفاق القلوب. ولا يخفى عليكم أن رسول الله ﷺ امتنع من هدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم مع أن هذا هو الذي يتمناه، وهو الذي همّ به خوفا من أيش؟ خوفا من الفتنه؛ لأن قريشًا كانوا حديثي عهد بكفر[[متفق عليه؛ البخاري (١٥٨٣)، ومسلم (١٣٣٣ / ٤٠١) من حديث عائشة.]]، وكان عليه الصلاة والسلام يترك ما يحب لمصلحة الناس، كان يصوم في السفر ولما قيل: إن الناس قد شق عليهم ماذا فعل؟ أفطر بعد العصر، ورفع الماء، وهو على بعيره، على فخذه وشرب والناس ينظرون[[أخرجه مسلم (١١١٤ / ٩٠) من حديث جابر بن عبد الله، ولم نقف على لفظة: فخذه.]]، ما قال: والله أنا صائم وما بقي إلا جزء بسيط أبغي أكمل. والصحابة رضي الله عنهم في خلافة عثمان بقي رضي الله عنه سبع أو ثمان سنوات في خلافته يقصر الصلاة في منى، كم بقي في الخلافة؟ اثنتي عشرة سنة، بعد مضي أكثر خلافته رأى رضي الله عنه لسبب من الأسباب أن يتم الصلاة فأتم، فبلغ ذلك من بلغ من الصحابة فأنكروا عليه، قالوا: كيف الرسول ﷺ وأبو بكر وعمر وأنت في أول خلافتك تقصر الصلاة والآن تتم؟ حتى إن ابن مسعود لما بلغه ذلك استرجع قال: «إِنَّا للهِ وإِنَّا إليهِ رَاجِعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٨٤)، ومسلم (٦٩٥ / ١٩) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، كأنه أمر كبير، ومع ذلك يصلون خلفه، يصلون أربعا مع اعتقادهم أنها خلاف السنة، لأيش؟ من أجل اتحاد الكلمة وعدم التفرق. ولما سئل ابن مسعود قيل: كيف تنكر فعل عثمان وتصلي خلفه أربعا؟ قال: «الخِلافُ شَرٌّ »[[أخرجه أبو داود (١٩٦٠)، وأبو يعلى (٥٣٧٧) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، هذا الفقه والله، هذا الفقه، هذه الشريعة.. يعني ومن الناس من يكون ظاهريًّا محضًا لا ينظر إلى مقاصد الشريعة ومعانيها العظيمة التي يُقصَد بها إصلاح الخلق، فتجده مثلًا يريد أن ينفذ شيئًا من المسائل التي لا تعتبر ذات شأن كبير في الإسلام وإن فات بذلك مصلحة عظيمة كبيرة، منها مسائل الخلاف التي يظهر فيها النزاع والمباينة بين المسلمين، ولها أمثلة كثيرة ممكن تفهمونها، تجد مثلًا بعض الناس يقول: لا بد أن ننفذ هذا لشيء وإن كان سنة وإن كان يلزم على تنفيذه تفرق المسلمين وعداوتهم وحدوث البغضاء بينهم، لا ينظر إلى أن الشرع في الحقيقة مبني على الألفة وائتلاف القلوب، حرم البيع على بيع مسلم لأن ذلك يؤدي إلى العداوة والبغضاء، النجش، الخطبة على خطبة أخيه، أشياء كثيرة إذا تأملتها وجدت أن هذا الشرع يرمي إلى أن يأتلف الناس وتتفق القلوب واتحاد الأهداف، وأن المسائل الجزئية إذا خيف منها فتنة تترك، والحمد لله أنت هل عليك لوم إذا تركت الأدنى للأعلى؟ ليس عليك لوم، بل لك المدح، اللوم أن تفعل الأدنى لتفرط في الأعلى، هذا اللوم، ولهذا نعلم علم اليقين أن الصحابة أفقه منا بكثير، وأقوم منا في أعمالهم، وأنهم أشد منا حبًّا لشريعة الإسلام، ومع ذلك يتوافق بعضهم مع بعض في أمور لا يرونها، لكن من أجل المصلحة وائتلاف الناس واتفاق القلوب. ولا يخفى عليكم أن رسول الله ﷺ امتنع من هدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم مع أن هذا هو الذي يتمناه، وهو الذي همّ به خوفًا من أيش؟ خوفًا من الفتنه؛ لأن قريشًا كانوا حديثي عهد بكفر[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٥٨٣) من حديث عائشة، وأخرجه مسلم (١٣٣ / ٣٩٩) من حديث عائشة.]]. وكان عليه الصلاة والسلام يترك ما يحب لمصلحة الناس، كان يصوم في السفر ولما قيل: إن الناس قد شقَّ عليهم ماذا فعل؟ أفطر بعد العصر، ورفع الماء، وهو على بعيره، على فخذه وشرب والناس ينظرون[[أخرجه مسلم (١١١٤ / ٩٠) من حديث جابر بن عبد الله، وأخرجه (٧١٠) من حديث جابر بن عبد الله.]]، ما قال: والله أنا صائم وما بقي إلا جزء بسيط أبغي أكمل. والصحابة رضي الله عنهم في خلافة عثمان بقي رضي الله عنه سبع أو ثمان سنوات في خلافته يقصر الصلاة في منى، كم بقي في الخلافة؟ اثنتي عشرة سنة، بعد مضي أكثر خلافته رأى رضي الله عنه لسبب من الأسباب أن يتم الصلاة فأتم، فبلغ ذلك من بلغ من الصحابة فأنكروا عليه، قالوا: كيف الرسول ﷺ وأبو بكر وعمر وأنت في أول خلافتك تقصر الصلاة والآن تتم؟ حتى إن ابن مسعود لما بلغه ذلك استرجع قال: «إِنَّا للهِ وإِنَّا إليهِ رَاجِعُونَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٠٨٤) من حديث عبد الله بن مسعود، وأخرجه مسلم (٦٩٥ / ١٩) من حديث عبد الله بن مسعود، وأخرجه أبو داود (١٩٦٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، كأنه أمر كبير، ومع ذلك يصلون خلفه، يصلون أربعًا مع اعتقادهم أنها خلاف السنة، لأيش؟ من أجل اتحاد الكلمة وعدم التفرق. ولما سئل ابن مسعود قيل: كيف تنكر فعل عثمان وتصلي خلفه أربعًا؟ قال: «الخِلافُ شَرٌّ »[[أخرجه أبو داود (١٩٦٠) من حديث عبد الله بن مسعود، وأخرجه أبي يعلى في مسنده (٥٣٧٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، هذا الفقه والله، هذا الفقه، هذه الشريعة، أما أن يتفرق الناس ويتخاصمون ولا يعاملون بالعدل، ويقال: قولي هو الحق، وقولك خطأ وأنت مخطئ، فهذا ليس من طريق الشرع، هذا خلاف الشرع، وإن زعم من تمسك به أنه على الشرع، وأنه هو الذي يصدع بالحق، وأنه هو المعصوم، فإن دعواه هذه هي التي جعلته مخطئًا. من ادعى العصمة فأول زلل زل به أيش؟ ادعاؤه العصمة، وأنه هو الصواب وغيره على خطأ. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن جميع الرسل متفقون على هذه الكلمة: لا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئًا، لأن ما دام كلمة سواء بيننا وبينهم معناها أنها عندهم كما هي عندنا، وهذا هو الواقع أن جميع الرسل متفقون على أيش؟ هذه الكلمة: لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا. بل إن الله قال في كتابه العظيم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦] هذا الخلق اللي خلقوا من آدم إلى.. ومن قبل آدم في الجن، ما خلقوا إلا لهذا الأمر العظيم؛ لعبادة الله، ما خلقوا ليتمتعوا في الدنيا، لينالوا الشهوات، لا، ولكن لعبادة الله، ومع هذا إذا عبدوا الله صلحت دنياهم، لكن ابن آدم نظره قاصر، الغريب أنه إذا صلح الدين صلحت الدنيا، لكن لا يلزم من صلاح الدنيا صلاح الدين، بل إنها ربما إذا اعتني بها أكثر من الدين فسد الدين، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَاللهِ مَا الْفَقْرُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُفَتَّحَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا فتَنَافَسُوهَا كمَا تَنَافَسَهَا مَنْ قبْلَكُمْ فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣١٥٨) من حديث عمرو بن عوف الأنصاري، وأخرجه مسلم (٢٩٦١ / ٦) من حديث عمرو بن عوف الأنصاري.]]. * من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الحكم لله بين الناس، وأنه ليس لأحد أن يشرع من دون الله؛ لقوله: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٦٤]. * من فوائد الآية الكريمة: أن الحكم والعبادة مقترنان، الحكم بين الناس والعبادة مقترنان؛ لأن الله قرن بينهما: لَا ﴿نَعْبُدَ﴾ و﴿لَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ لأنك أنت لن تعبد الله إلا بشريعته، إذم يلزم أن يكون المشرع من؟ الله المعبود. ما دمت تعبد الله فلن تعبده إلا بشريعته، وإذن فالمشرع هو المعبود الذي يُعبد، لأنه سنَّ طريقًا أو وضع طريقًا قال: اسلكوا هذا لتصلوا إلي، إذن كل طريق يخالفه فلن يوصل إلى الله، وهذا وجه التلازم بين قوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ﴾ ﴿وَلَا يَتَّخِذَ﴾؛ فإن من اتخذ ربا من دون الله يتبعه في التحليل والتحريم فإنه لم يعبد الله؛ لأن عبادة الله لا تكون إلا بموافقة الشرع. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من دعا الناس إلى حل أو حرم، لكن بإذن الله وشرعه، فهو على حق، تؤخذ منين؟ من قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، انتبهوا، ما قال: ﴿لَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا﴾ وبس، قال: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فأما إذا دعوتك إلى حل أو تحريم، لكن بإذن الله، أقول: هذا شرع الله، فإنني لم أدعك أن تتخذني ربًّا، وإنما بينت لك الطريق لتتخذ الرب، من؟ الله عز وجل. * طالب: شيخ، بعض الناس إذا قلت: غير مشروع، قال (...) علماء (...) قالوا كذا، هل أنت أعلم منهم؟ * الشيخ: هؤلاء فيهم شبه ممن قال الله فيهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٣] هذه خطيرة في الواقع، لكن قد لا يلام عليه العامي لأنه لا يثق منك، وهذه النقطة أظن أننا بحثنا فيها مرة وقلنا: إن المستهزئ بالشرع لا يمكن أن نطلق عليه الكفر، أو المستهزئ ممن يعلم بالشرع ما يمكن نطلق عليه الكفر؛ لأننا نجد العامة الآن إذا قال فلان من الناس: هذا شرع الله قبلوه، وقالوا: هذا خلاص، إذا رأوا هذا الرجل يعمل بشيء على أنه عبادة اتبعوه، لكن لو يصدر القول من غيره ما يقبلونه، ما يثقون به، بل إن بعض الناس من شدة عناده وبغضه لآخرين يقول مثلًا لأولاده: إن عملتم بهذا فأنا أضربكم وأهجركم وأفعل وأفعل، لكن لو قاله غير هذا الرجل أخذ به. هؤلاء العامة ربما يعذرون من بعض الوجوه، إذا قال: والله علماؤنا ما قالوا هكذا، لكن مثل هؤلاء ينبغي أن الإنسان يسايرهم. * طالب: طلبة علم (...). * الشيخ: لا، طلبة العلم ما لهم حق، ولا هم طلبة علم دول، طالب العلم اللي يريد الوصول إلى العلم دول مقلدة دول، دول مقلدة، ما هم طلبة علم، طالب العلم هو الذي يريد الوصول إلى العلم، نقول: تعال تفضل، أنت الآن تحاج بهؤلاء العلماء، عندك دليل على ما قالوه؟ هاته، ونجيب الدليل اللي عندنا، كلمة سواء مثلما قال الله عز وجل هنا، هذا إذا كان طالب علم أما إذا كان عاميًّا، فالعامي جيبوا على شوي شوي مثل الإبل النافرة، الإبل النافرة إن طقطقت وراءها في التنكة زادت ما عاد تمسكها أبدًا، وإن هدأتها جاءت. * طالب: بعض الناس إذا زلَّ مثلًا بعض العلماء وصار عندهم أخطاء يكتبون بالمجلات والصحف دون المناظرات، بحجة أنهم يبينون الحق؟ * الشيخ: هذا غلط، هذا من الغلظ، والحقيقة أن هذا الفعل فيه مضرة من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أنها مضرة على الكاتب؛ لأن الذين يثقون بالشخص الآخر يرون أن هذا مخطئ، ويقل وزنه عندهم. وفيه أيضا إضعاف للثاني المردود عليه؛ إضعاف له، ومعلوم أنه إذا ضعفت منازل العلماء في الأمة ضاعت الأمة؛ لأن العلماء هم القادة، فإذا ضعفت منازلهم عند العامة ضاعوا، وصاروا كالإبل التي ليس لها راع، أو كالغنم التي ليس لها راع. فيها أيضا إضعاف للشرع؛ لأن العالم الذي رد أو المردود عليه إذا قال قولا غير هذه المسألة شكُّوا الناس قالوا: لعل هذه من خطأ فلان، نعم، أو لعل هذا من خطأ فلان، فصار فيه مضرة من ثلاثة وجوه. والواجب على العلماء فيما بينهم إذا أحد من الناس أخطأ أن يتصلوا به فيناقشوه، إن كان الصواب معه تبعوه، وإن كان الصواب معهم يتبعه. ثم لو فرض أنه أصر على ما هو عليه وله وجه؛ لأن المسألة مسألة اجتهاد فلا أرى أن يرد عليه أبدًا؛ لأن مسائل الاجتهاد الرد والأخذ والمناقشة فيها بين العامة لا شك أنه ضرر، خصوصا في هذا الوقت، الآن العلماء فيه أناس، حسب ما سمعت، فيه أناس الآن يدعون إلى التقليل من شأن العلماء، والكلام فيهم في المجالس وفي كل شيء، لأيش؟ لأنهم فقدوا الزعامة التي يريدونها، فصاروا مثل الزعماء الآخرين الذين عارضوا دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، لما فقدوا الزعامة التي يريدونها ليس لهم سبيل إلى ما يريدون إلا أن يضعفوا الجانب الآخر، وهذا على خطر عظيم جدا، فأنا أرى أنه إذا وُجد خطأ من أي عالم يكون والإنسان غير معصوم، الإنسان يخطئ وربما لا يتبين له الخطأ إلا بالمناقشة، أنه يتصل به ويبحث معه، فإن تبين الحق وجب على من تبين له الحق أن يتبعه، وإن لم يتبين وصارت المسألة فيها مسار للاجتهاد فالواجب بحمد الله هذا.. كل العلماء مختلفون من عهد الصحابة إلى يومنا هذا، أما الأخذ والرد والاشتغال بالأخذ والرد هذا يضيع، يضيع أوقات كثيرة. * طالب: في برنامج نور على الدرب في إذاعة القرآن الكريم يأتي السؤال على شكل: ما رأي الشرع أو ما حكم الشرع في نظركم والمفتي قد يجيب خطأ أو صح لكن ينسب الخطأ للشرع على حسب السؤال يعني؟ * الشيخ: (...) هم إذا قالوا: ما رأي الشرع ننهاهم عن هذا، أنا أحد الذين يتكلمون في هذا البرنامج، أنهاهم عن هذا، أقول: لا تقول: ما رأي الشرع، أنا لست أعبر عن الشرع، ما أنا برسول معصوم من الخطأ، قل: ما رأيك، أو ما رأي الشرع في نظرك، أنا أرى في الشرع أنه يقول كذا وأخطئ وأصيب، وخطئي ليس على الشرع، خطئي مني أنا. * طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، هل يؤخذ من الآية أن الأفضل المناظرة دون الردود الكتابية؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: هل يؤخذ من الآية أن الأفضل المناظرة الشفهية دون الردود بالكتابات وعلى المنابر؟ * الشيخ: إي نشوف هذا، ما كملنا الآية. وعلى كل حال المناظرة قد تكون مثلما قلت يعني وجها لوجه، وقد تكون في المراسلة، تختلف الأساليب هذه ترجع.. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٦٢-٦٨] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أظن أننا أخذنا الفوائد المستنبطة من قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾؟ أخذنا منها سبع فوائد؟ * طالب: إلى ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. * طالب: الأولى: أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يدعو أهل الكتاب إلى هذه الكلمة؛ لقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾. الثانية: التنزل مع الخصم لإلزامه بالحق؛ لقوله: ﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. الثالثة: وجوب استعمال العدل في المناظرة حتى مع العدو. الرابعة: أن جميع الرسل متفقون على هذه الكلمة. الخامسة: أن الحكم لله بين الناس وأنه ليس لأحد أن يتبع من دون الله. السادسة: الحكم بين الناس والعبادة مقترنان، لأن الله تعالى قال: لا ﴿نَعْبُدَ ولَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا﴾. السابعة: أن من دعا الناس إلى حل أو حرم، لكن بإذن الله وشرعه، فهو على حق، يؤخذ من قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. * من فوائد هذه الآية: أنه إذا تولى الخصم بعد إقامة الحجة عليه فإنه يعلن له بالبراءة منه والتزام الحق؛ لقوله: ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للمسلم أن يعتز بدينه، وأن يعلنه ويشهره، خلافا للضعفاء الذين عندهم ضعف في الشخصية وقلة الدين، الذين يتسترون بدينهم مخافة أن يعيَّروا به، حتى إن بعضهم كما قيل لي يخجل أن يصلي بين الناس، يقول: أخشى أن أنسب إلى الدين، والعياذ بالله، وهذا يدل على قلة الإيمان وعلى ضعف الشخصية، وأن الإنسان ليس عنده رصيد يفتخر به ويعتز به. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إشهاد الخصم على الحال التي يكون عليها خصمه؛ لقوله: ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾؛ لما في ذلك من الغضاضة عليه وكسر جبروته وعدم انقياده للحق.

آل عمران 3:65

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الظاهر أن هذه الآية منفصلة عما قبلها، وأنها من كلام الله عز وجل، يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ ويعني بهم اليهود والنصارى، ووصفوا وحدهم بذلك لأنهم هم الذين بقيت كتبهم قائمة يهتدى بها، إلى أن بعث النبي ﷺ. قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، وكلنا يعلم أن قوله: ﴿لِمَ﴾ اسم استفهام مشغول باللام، و(ما) الاستفهامية إذا جُرت بالحرف فإنها تحذف ألفها، (لم) ما فيها ألف. ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ ١] ما فيها ألف، (علام تفعل) هذه أيضا ليس فيها ألف، وتغيرت (على) من أجلها؛ لأن (على) تُكتب ألفها ياء، لكنها إذا دخلت على (ما) الاستفهامية كتبت ألفها أيش؟ ألفا: (علام)، مثل اللام. قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ أي تخاصمون، وسميت المخاصمة محاجة لأن كل واحد من المتخاصمين يدلي بحجته، يريد أن يخصم صاحبه، وقوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾، أي: في شأنه، وفي حاله، وفي دينه، وليس المراد: في ذاته؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام بشر متفق عليه ولا محاجة فيه، لكن محاجة في شأنه وحاله، لم تحاجون فيه. وما كيفية هذه المحاجة؟ كيفية هذه المحاجة على قولين لأهل العلم: القول الأول: ادعاؤهم أنهم على ملة إبراهيم، فهم كلهم يقولون: نحن على ملة إبراهيم، اليهود يقولون: نحن على ملة إبراهيم، والنصارى يقولون: نحن على ملة إبراهيم. الوجه الثاني، وهو القول الثاني: يحاجون فيه لأن اليهود يقولون: إن إبراهيم يهودي على دين اليهود، والنصارى يقولون: إن إبراهيم نصراني على دين النصارى. وهذا الوجه عكس الوجه الذي قبله؛ لأن الوجه الذي قبله يدعون هم أنهم على دين إبراهيم، وهذا الوجه يدعون أن إبراهيم على دينهم. وننظر الآن سياق الآية: ما الذي يؤيد من هذين الوجهين، ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ كيف تحاجون فيه وتقولون: إن إبراهيم على ديننا، أو تقولون: إننا نحن على دين إبراهيم؟ كيف المحاجة؟ وكيف يكون إبراهيم على دينكم والتوراة لم تنزل بعد أيها اليهود؟ وكيف يكون إبراهيم على دينكم والإنجيل لم ينزل بعد أيها النصارى؟ أو تقولون: إنكم على دينه وأنتم على الإنجيل، والإنجيل ليس هو دين إبراهيم، أو على دينه التوراة ليست هي دين إبراهيم، إبراهيم له شرعة خاصة ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨] فكيف تحاجون في هذا؟ تدعون أن إبراهيم على التوراة أو على الإنجيل، أو تدعون أنكم أيها المتمسكون بالتوراة أو المتمسكون بالإنجيل على دين إبراهيم، مع أن التوراة والإنجيل لم تنزل إلا من بعده، وهذا عقل ولّا هوس؟ هذا هوس وسخافة، كيف يكون إبراهيم على دين كتاب لم ينزل بعد؟ التوراة نزلت على موسى، والإنجيل نزل على من؟ على عيسى، وهم بعد إبراهيم بأزمنة كثيرة، فكيف يكون إبراهيم على هذا؟ ولهذا قال: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، والهمزة للتوبيخ، استفهام للتوبيخ، يعني: أفلا يكون لكم عقول تعقلون بها ما تقولون؟ وهذا فيه غاية اللوم والتوبيخ. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ تأتي في القرآن كثيرا، وقد مر علينا أن فيها لعلماء النحو قولين، ويش مين يبينهما لنا؟ فيها قولان ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ في إعرابها؟ * طالب: الهمزة للاستفهام دخلت على نفي (لا). * الشيخ: قولان، القول الأول؟ * الطالب: أشربت معنى التحدي. * الشيخ: لا يا أخي، الإعراب، ما هو المعنى، المعنى للتوبيخ واضح. * الطالب: الهمزة للاستفهام، ﴿أَفَلَا﴾ فاء للتنبيه. * الشيخ: نسيت أو لم يمر عليك؟ * الطالب: لم يمر علي. * الشيخ: لم يمر عليك؟ طيب. * طالب: ﴿أَفَلَا﴾ الألف تقدمت على الفاء. * الشيخ: الهمزة. * الطالب: الهمزة تقدمت على الفاء، وأصلها: فألا تعقلون. * الشيخ: يعني نقول الوجه الأول، الوجه الأول. * الطالب: الوجه الثاني.. * الشيخ: اصبر، الوجه الأول، ما فهمنا شيئًا الآن؟ * الطالب: الوجه الأول: أن الهمزة للاستفهام وقدمت لأن الاستفهام له الصدارة. * الشيخ: طيب والفاء؟ * الطالب: والفاء عاطفة. * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على ما قبلها. * الشيخ: على ما قبلها. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: وأصله على هذا الوجه، على هذا القول؟ * الطالب: فألا تعقلون. * الشيخ: فألا تعقلون. طيب، هذا وجه، القول الثاني؟ * الطالب: أن الهمزة زائدة، وأنها معطوفة على فعل محذوف، يعني: أجهلتم فلا تعقلون. * الشيخ: والهمزة زائدة؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: هذا قول من؟ قول وليد! طيب هو حل النصف. * طالب: دخلت على جملة محذوفة. * الشيخ: لكن الهمزة هو يقول: زائدة؟ * الطالب: لا ليست زائدة. * الشيخ: أيش هي؟ * الطالب: هي استفهامية. * الشيخ: استفهامية، إي نعم، لكنها داخلة على جملة محذوفة، التقدير؟ * الطالب: أجهلتم أفلا تعقلون، أو أغفلتم. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: أغفلتم. * الشيخ: (أغفلتم) لا، ما هو ضد العقل؟ * الطالب: الجنون. * الشيخ: إي أو السفه. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ إذن فيها وجهان: الوجه الأول: أن الهمزة للاستفهام والفاء للعطف، لكنها قدمت الهمزة للاستفهام عليها لأن لها الصدارة، وعلى هذا فلا حاجة إلى تقدير لأن الجملة تكون معطوفة على الجملة التي قبلها. والوجه الثاني: أن الفاء حرف عطف وأن المعطوف محذوف يقدر بما يناسب السياق، واللي مناسب هنا أن يقدر: (أسفهتم) مثلًا؛ لأن العقل ضده السفه ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ المراد بالعقل هنا عقل الرشد، وليس عقل الإدراك؛ لأن هؤلاء عندهم عقل إدراك، والفرق بينهما: أن عقل الإدراك مناط التكليف، وعقل الرشد مناط التصرف، يعني بمعنى أن عقل الرشد يكون به حسن التصرف من العاقل، وعقل الإدراك يكون به توجيه التكليف إلى العقل، ولهذا يقال للرجل العاقل الذكي إذا أساء في تصرفه يقال: هذا مجنون، هذا غير عاقل، مع أنه من حيث عقل الإدراك عاقل ولّا غير عاقل؟ عاقل، طيب المنفي هنا في حق هؤلاء أي العقلين؟ عقل الرشد، يعني أفلا يكون لكم عقل ترشدون به؟ ثم قال تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أولا الإعراب في هذه الآية لأن فيها شيئًا من الإشكال، ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ ها: للتنبيه، وأنت: ضمير منفصل مبتدأ، و﴿هَؤُلَاءِ﴾ ها: للتنبيه وأولاء: منادى، والتقدير: هأنتم يا هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم. ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ نقول في قوله: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ﴾ ما قلنا في قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ من حيث الإعراب. ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ أولا التنبيه هنا حسن؛ وذلك لأنه يخاطب قوما لمزهم بعدم العقل، والذي ليس عنده عقل ينبغي أن يصدر الخطاب له بما يقتضي تنبيهه؛ لأنه غافل، تصرفه تصرف مجنون، فاحتيج إلى أن ينبَّه فلذلك أتى بـ (ها) التنبيه. ثم إن قوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إشارة بعد ولّا قرب؟ * الطلبة: بعد.. قرب. * الشيخ: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إشارة بعد ولّا قرب؟ لا إله إلا الله! يحتاج إلى اشتباه ده يا جماعة، إذا كان للبعد يقرن بالكاف، وهنا لم يقرن بالكاف، بل قال: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ عرفتم يا جماعة؟ إذا كان -نرجع اسم الإشارة الآن بالنحو- إذا كان اسم الإشارة للبعيد أتي بالكاف، ولهذا قال ابن مالك: بِالْكَــــافِ حَرْفًــــا دُونَ لَامٍ أَوْمَعَــــهْ ∗∗∗ وَالــــلَّامُ إِنْ قَدَّمْــــتَ هَــــامُمْتَنِعَــــــــــــــــهْ؎بِــــــذَا وَذِي وَتَـــــــا وَتِــــــيأَشِــــــــرْ إِلَــــــى ∗∗∗ دَانِي الْمَكَانِ وَبِهِ الْكَافَ صِــــــــــلَا؎فِي الْبُعْــــــــدِ.................... ∗∗∗ ............................هذا الشاهد: (وبه الكاف صلا في البعد)، معناه: في القرب لا تصل به الكاف، فإذا كان اسم الإشارة للبعيد فلا بد من الكاف، وإذا كان أبعد يؤتى باللام أيضا. إذن المشار إليه قريب ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ ومع قربهم أتى بـ(ها) التنبيه للدلالة على بلادتهم، وأنهم مع قربهم وقرب الإشارة إليهم على بلادة عظيمة يحتاجون إلى أيش؟ التنبيه. ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ يعني خاصمتم فيما لكم به علم، وهو التوراة بالنسبة لليهود، والإنجيل بالنسبة للنصارى، يعني أنكم إذا حاججتم في التوراة والإنجيل وكانت المحاجة في التوراة من اليهود وفي الإنجيل من النصارى، فهذه محاجة فيما فيه علم لكم، نعم لكن لم تحاجون فيما ليس لكم به علم؛ وهو إبراهيم وما هو عليه من الدين. وقيل: المراد بقوله: ﴿حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي في الإسلام، في دين الإسلام، يعني حاججتم فيه وخاصمتم تقولون: ليس على دين إبراهيم، دين إبراهيم دين اليهود والنصارى، وأنتم تعلمون أن الإسلام دين الله الحق؛ لأن اليهود والنصارى يعلمون أن دين محمد ﷺ هو دين الحق، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٤٦] فصار المحاجة الآن في أيش؟ إما في الكتابين وإما في الإسلام، في دين الإسلام، وما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ والمحاجة التي يراد بها إثبات الباطل وإبطال الحق مذمومة، حتى وإن كانت عن علم، بل هي عن علم أشد ذما، فكيف تحاجون فيما ليس لكم به علم وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ والله يعلم الأمر على ما هو عليه في شأن إبراهيم، وفي شأن محمد ﷺ، وفي شأن موسى وعيسى، وأنتم لا تعلمون ما يعلمه الله تعالى من هذا وغيره. ونفي العلم عنهم هنا ليس رفعا للإثم عنهم، ولكنه إيذان بجهلهم وجهالتهم، وأن تصرفهم كتصرف الجاهل، فهو في الأول قال: لا تعقلون، وفي الثاني قال: ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾، فجمعوا بين السفه في الرأي والتدبير، وبين الجهل في العلم والتصور، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ثم ذكر الله عز وجل حال إبراهيم ذكرًا صادرًا عن علم، لا عن جهل، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ يعني ليس على ملتكم أيها اليهود، ولا على ملتكم أيها النصارى، عرفتم؟ هذا على قول من يقول: إن محاجتهم في إبراهيم أن اليهود يقولون: هو منا، والنصارى يقولون: هو منا، فنفى الله ذلك ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾. وعلى القول الثاني، يعني ما كان إبراهيم على ما أنتم عليه من التعصب والتمسك بدينكم وإن كان منسوخًا، بطل بدين الإسلام، ولكن كان حنيفًا مسلمًا، فلو أن إبراهيم كان حيًّا لاتبع من؟ محمدًا ﷺ، ولم يكن كحالكم يبقى على ما هو عليه من دينه كما بقيتم أنتم. فالآية الآن تحتمل الوجهين بناء على القولين السابقين، أي ما كان إبراهيم يسير سير اليهود فيتعصب، ولا يسير سير النصارى فيتعصب، وليس المعنى على القول الثاني أنه ما كان يهوديًّا، أي على دين اليهود، أو على دين النصارى، بل ما كان على طريقتهم في أيش؟ التعصب لما هم عليه، وإن تبين أن الحق في خلافه، ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ عليه الصلاة والسلام، ﴿كَانَ حَنِيفًا﴾ أي مائلًا عن الشرك؛ لأن الحنف في الأصل: الميل، فهو مائل عن الشرك، مثبت للتوحيد، ولهذا قال: ﴿مُسْلِمًا﴾ فهو جامع عليه الصلاة والسلام بين البراءة من الشرك براءة كاملة وبين تحقيق الإسلام تحقيقًا كاملًا، ولهذا قال: ﴿مُسْلِمًا﴾. وهنا إشكال في الإعراب في قوله: ﴿حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ كيف نعربها؟ * طالب: يعني كان هو حنيفًا، هي خبر كان. * الشيخ: ﴿مُسْلِمًا﴾؟ * الطالب: ﴿مُسْلِمًا﴾ خبر كان. * الشيخ: ثاني، يجوز تعدد الخبر؟ * الطالب: يجوز. * الشيخ: إي. * طالب: يكون معطوفًا على حرف عطف، ليس موجودًا الحرف ده أصلًا، حرف مقدر، كان حنيفًا وكان مسلمًا. * الشيخ: نعم. * طالب: يمكن حال يا شيخ؟ * الشيخ: حال؟ منين؟ * طالب: صفة حنيف. * الشيخ: صفة لأيش؟ * الطالب: حنيف. * الشيخ: الظاهر لو نجتهد كل واحد لو سألته يجينا أقوال! ﴿مُسْلِمًا﴾ خبر ثانٍ، وتعدد الخبر جائز، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٠] كثير في القرآن. وقوله: ﴿مُسْلِمًا﴾ يعني مسلمًا لله ظاهرًا وباطنًا، فيشمل الإسلام الذي هو عمل الجوارح، والإيمان الذي هو اعتقاد القلوب وأعمال القلوب. وهذه قاعدة مهمة، وهي أنه إذا أطلق الإسلام وأفرد شمل الإيمان، وإذا أطلق الإيمان وأفرد شمل الإسلام، وإذا اقترنا صار الإسلام في الظاهر والإيمان في الباطن، وهذه هي قاعدة أهل السنة والجماعة، وعليها يدل الكتاب والسنة، فقد وصف النبي ﷺ الإيمان لوفد عبد قيس بالإسلام بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٧) من حديث بن عباس، وأخرجه مسلم (١٧ / ٢٣) من حديث بن عباس.]]، ووصف الله الصلاة بالإيمان في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة ١٤٣] أي صلاتكم إلى بيت المقدس، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران ١٩] وهو يشمل كل الدين؛ الإيمان وأفعال الجوارح، فـ﴿مُسْلِمًا﴾ هنا مسلمًا لله ظاهرًا وباطنًا، فيشمل الإيمان والإسلام. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ هذا تأكيد لقوله: ﴿حَنِيفًا﴾، يعني هذه الجملة وإن كانت معطوفة بالواو لكنها في المعنى مؤكدة لما سبق، يعني ما كان من الذين يشركون بالله، لا شركا خفيا ولا شركا ظاهرا، بل كان يحارب الشرك، وصبر على الدعوة إلى التوحيد إلى أن ألقي في النار عليه الصلاة والسلام، ولكن كان جزاؤه على ذلك أن قيل للنار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩]. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ﴾ هذا الحكم بين هؤلاء الخصوم، الخصوم ثلاثة: اليهود والنصارى والمسلمون، شوف الحكم من الحكم العدل: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ قدم هنا ما كان ينبغي أن يكون خبرا وجعله هو المبتدأ الذي هو ركن الجملة الذي يسند إليه الخبر فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾، ولم يقل: إن الذين اتبعوه أولى به؛ لأجل أن يحكم بأن الأولوية لهؤلاء لا لغيرهم. ﴿أَوْلَى النَّاسِ﴾ من اليهود والنصارى والمشركين وأصحاب الأوثان وغيرهم من؟ ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾. وهنا نسأل عن اللام في قوله: ﴿لَلَّذِينَ﴾ وأيش إعرابها؟ * طالب: حرف جر. * الشيخ: حرف جر؟ لا، حرف الجر يكسر في مثل هذا. * طالب: للتأكيد. * الشيخ: للتوكيد، إي نعم، للتوكيد، و(إنّ) أيضا للتوكيد، فتكون جملة مؤكدة بمؤكدين: بـ(إن) واللام. قال: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ للذين اتبعوه من بني إسرائيل ممن سبق النبي ﷺ، ولا شك أنه تبعه كثير من المؤمنين الذين آمنوا به في حياته والذين اتبعوا طريقته بعد مماته، ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ شوف -الله أكبر- المشار إليه محمد عليه الصلاة والسلام، وكفى به فخرا أن يشير إليه رب العالمين ﴿هَذَا النَّبِيُّ﴾ هذا شرف عظيم لرسول الله ﷺ أن يكون الله يشير إليه بهذه الإشارة المفيدة للقرب، لم يقل: وذلك النبي، بل قال: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ إشارة إلى قربه؛ لأنه ﷺ أقرب الناس منزلة إلى الله سبحانه وتعالى. ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيها قراءة: ﴿النَّبِيءُ﴾ كذا؟ على هذه القراءة ﴿النَّبِيءُ﴾ مشتق من النبأ، فهو فعيل بمعنى فاعل، وبمعنى مفعول، صح؟ بمعنى فاعل لأنه منبئ مخبر، وبمعنى فعيل لأنه مخبَر، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه في وصف الرسول: وهو الصَّادق المَصْدُوق[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٠٨) من حديث عبد الله بن مسعود، وأخرجه مسلم (٢٦٤٣ / ١) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. فهو فعيل بمعنى فاعل، وفعيل بمعنى مفعل. ويبقى عندنا كيف يكون فعيل بمعنى مفعل؟ فعيل بمعنى، أنا قلت بمعنى فاعل؟ بمعنى مفعول وفعيل بمعنى مفعل. فعيل بمعنى مفعول كثير مثل جريح كسير قتيل. كثير، لكن فعيل بمعنى مفعل كيف ذلك؟ نقول: نعم هذا ورد، هذا الآن اللي معنا دليل على هذا، الآن من المعلوم أن الرسول منبئ للناس، أليس كذلك؟ فهي جاءت في القرآن، والقرآن حجة، وإذا أردت أن نأتي بحجة من كلام العرب فاسمع إلى قول الشاعر: أَمِــــنْ رَيْحَانَــــةَ الدَّاعِــــيالسَّمِيــــــــعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِــــــــي وَأَصْحَابِــــــــيهُجُــــــــــــــــوعُ (أمن ريحانة الداعي السميع) السميع بمعنى المسمع، (يؤرقني وأصحابي هجوع). فهذه سميع بمعنى مسمع في لغة العرب، على أننا في الحقيقة لا نحتاج إلى استشهاد للقرآن لإثبات أن هذا لغة، بل القرآن يستشهد به ولا يستشهد عليه، لكن من المعلوم أنه كلما زادت البينات ازداد الإنسان طمأنينة، إذن على قراءة ﴿النَّبِيءُ﴾ يجوز نقرأ بها؟ يجوز، بل يستحب أن نقرأ بها، يستحب أن نقرأ بها أحيانًا. على هذه القراءة: من النبأ، أما على قراءة النَّبِيُّ﴾ بدون همز ففيها وجهان: الوجه الأول: أنها مسهَّلة من (النبيء) بالهمز، مسهَّلة، يعني أن الهمزة جعلت ياء للتسهيل، وهذا موجود في اللغة العربية، أئمة يقال فيها في اللغة العربية: أيمة، تسهل الهمزة تجعل ياء، فالنبي نقول: هذه أصلها النبيء لكن جعلت الهمزة ياء للتخفيف، وعلى هذا الوجه يكون النبي من أين؟ من النبأ. وقيل: إن الياء أصلية لا مسهلة (النبي)، وعلى هذا فيكون مشتقا من النبوة، وهي الشيء المرتفع الناتئ، يقال: نبا ينبو يعني ارتفع، فيكون مشتقا من النبوة وهي الارتفاع، وذلك لارتفاع مرتبة النبي؛ لأن الرسل صلى الله عليهم وسلم ومنهم خاتمهم محمد ﷺ أرفع الناس قدرا عند الله، ولهذا بدأ الله بهم في صدر من أنعم عليهم ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء ٦٩]. لو قال قائل: اجعلوها من الأمرين: من النبأ ومن النبوة؟ ماذا نقول له؟ نقول: يمكن؟ يمكن؛ لأن القول الراجح أنه إذا احتمل اللفظ معنيين بدون تضاد حمل عليهما؛ لأن ذلك أوسع في المعنى، أما مع التضاد فإنه ينظر للراجح ويحمل عليه، لكن مع إمكان الجمع يجب أن يحمل على المعنيين جميعا. فإذا قال قائل: هذا استعمال لمشترك في معنييه، تعرفون اللفظ المشترك؟ اللفظ المشترك ما اتحد لفظه وتعدد معناه، كالعين، العين تقال للباصرة، عينك اللي في وجهك عين، وتقال للعين الجارية، أيش هي؟ عين الماء، وتقال للعين. * طالب: الجاسوس. * الشيخ: لا الجاسوس ما هي حقيقة، وتقال للعين الذهب، عين ورق، ولهذا يقال: عين مورودة وعين منقودة، العين المنقودة الذهب والمورودة الماء، ونقول: عين مكحولة؟ إي نعم، يمكن، العين المكحولة هي العين اللي في الوجه. يقول بعض العلماء: إن المشترك لا يمكن أن يحمل على معنييه؛ لأن كل معنى منهما يضاد الآخر، ولكن الصحيح الذي عليه أكثر أهل العلم أنه يجوز أن يحمل على معنييه بشرط عدم التعارض، فإن تعارضا وجب طلب المرجح. * طالب: شيخ، الآيات ما تؤيد أن القرآن نحن على (...) قولنا. * الشيخ: ما كملنا الآيات الحقيقة، يمكن نخلي الأربع الآيات هذه كلها نتكلم عليها جميعا في الفوائد. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك! القول الثاني في ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ يعني ما كان متعصبًا كما أنتم متعصبون؟ * الشيخ: إي يعني ما كان على طريق اليهود والنصارى. * الطالب: كيف يعني ما كان متعصبًا؟ * الشيخ: يعني ما كان على طريقكم؛ يعني إن كنتم صادقين أنكم على طريق إبراهيم أو أن إبراهيم على طريقكم فاتبعوا محمدًا. * الطالب: بس قولهم: متعصب، كيف.. * الشيخ: يعني مثلًا الآن الذي يأخذ بمذهب قوم ما هو بينسب إليهم؟ * الطالب: بلى. * الشيخ: كذا ولّا لا؟ إذن هؤلاء اليهود متعصبون لدينهم، والنصارى متعصبون لدينهم، إبراهيم ما نقول: إنه كان يهوديًّا متعصبًا أو نصرانيًّا متعصبًا، إبراهيم عليه الصلاة والسلام مسلم لله، ما هو يتعصب ليهودية ولا نصرانية. * الطالب: بس قلنا: إنه لو كان أتى إلى وقت الرسول ﷺ لأسلم. * الشيخ: إي معلوم. * الطالب: هو مسلم أصلًا، كيف يسلم؟ * الشيخ: هذا إقامة الحجة على هؤلاء اليهود والنصارى. * الطالب: نعم أسلم بمعنى ترك شريعته واتبع شريعة محمد؟ * الشيخ: إي نعم يترك شريعته ويتبع محمدًا، إي نعم. * طالب: قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ لا تؤيد القول الثاني أي بزعمكم أنكم أنتم على دينه وليس هو على دينكم؟ * الشيخ: هو قال: تحتمل، تحتمل حتى على ذلك. * الطالب: يعني التوراة والإنجيل ما حدثت إلا بعد موته؟ * الشيخ: إي وكذلك اللي يقولون: نحن على طريقة إبراهيم، وإبراهيم يعني يقولون: يتعصب، ما يذهب عن دينه، هذا معنى قولهم: على طريقتهم. * الطالب: كيف يعني يتعبد إبراهيم معهم وهم يعني..؟ * الشيخ: هم يقولون: (...) عبادتهم الخاصة، يعني طريقتهم، يعني على طريقتهم. * طالب: شيخ، الله سبحانه وتعالى قال: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ مع أنهم في كلا المسألتين عندهم علم، ولكن في الأولى يعني.. لو توضح يعني؟ * الشيخ: لا، في قضية إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما عندهم علم؛ لأن اللي يقول عن إبراهيم: إنه على طريق اليهود والنصارى أو على دين اليهود والنصارى ما عنده علم بذلك، فهو جاهل، سواء قاله بجهل مركب أو بجهل بسيط، لو علم حقيقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لعرف أنه كان حنيفًا مسلمًا. * الطالب: ممكن يكابر يا شيخ يعني يعلم أن هذا..؟ * الشيخ: ربما بعضهم، ربما بعضهم أنه يكابر. * طالب: شيخ جزاك الله خيرًا يا شيخ، قلت: لو كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام عايش لترك دينه واتبع محمدًا، أليس دينه هو نفس دين محمد؟ * الشيخ: يختلف المنهاج، أصل دين الأنبياء كلهم واحد؛ التوحيد أصول الدين كلهم واحد الأنبياء، لكن الله قال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨] وتلوناها في أثناء الدرس، لكن لأنك (...) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. نكمل الكلام على آخر الآية الكريمة: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قوله: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ معطوف على قوله: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾، فهو في محل رفع، بل هو مرفوع، النبي بدل من اسم الإشارة، واسم الإشارة كما نعلم مبني على السكون. قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ آمنوا بمن؟ آمنوا بهذا النبي، والإيمان بالنبي ﷺ يتضمن الإيمان بكل شريعته، وهذا الإيمان أيضا يستلزم القبول وأيش؟ والإذعان؛ أن يقبل بما جاء به النبي ﷺ وأن يذعن له. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولي كل مؤمن؛ هؤلاء وغيرهم، كل مؤمن فالله سبحانه وتعالى وليه، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة ٢٥٧]، وهذه الولاية ولاية خاصة تقتضي أن ييسر المؤمن لليسرى ويجنب العسرى، وهناك ولاية عامة شاملة لكل أحد، فالله تعالى ولي كل أحد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦١، ٦٢] فجعل الله تعالى مولى لهؤلاء وهم كفار، لكن هذا بالولاية العامة. والولاية العامة هي ولاية التصرف، التصرف في الكون والتدبير، والولاية الخاصة ولاية العناية بالمولى عليه، أن الله تعالى يعتني به وييسره لليسرى ويجنبه العسرى. في هذه الآيات الكريمة كثير من الفوائد ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ هذا مبتدأ الفوائد ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية من الفوائد: أولًا: توبيخ هؤلاء، أعني أهل الكتاب بكونهم يحاجون ويجادلون في إبراهيم عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائدها أيضًا: علو شأن إبراهيم ومنزلته بين جميع الطوائف؛ اليهود والنصارى والمسلمين. * ومن فوائدها: بيان الاحتجاج بالعقل؛ لقوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ فكيف تحاجون به مع أن التوراة والإنجيل لم تنزل إلا من بعده، وهذا خلاف العقل. * ويتفرع على هذه الفائدة: أنه لا ينبغي إهمال العقل في الاستدلال، كما لا ينبغي الاعتماد عليه وترك النص، فالناس في الاستدلال بالعقل طرفان ووسط، طرف غالى فيه حتى قدمه على السمع، وذلك بالنسبة للفقهاء في أصحاب الرأي والقياسيين الذين يعتمدون على الرأي وإن خالف النص، وفي باب العقائد جميع أهل البدع يعتمدون على العقل ويدعون السمع، مع أن العقل الذي يعتمدون عليه ليس إلا شبهات، وليس براهين ودلالات، ما فيه دلالة، لكن هم يظنون أن العقل يقتضي كذا فيثبتونه، ويقتضي نفي كذا فينفونه، ولا يرجعون في هذا إلى السمع، ومن ذلك من؟ الأشاعرة، من ذلك الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم، كل من نفى صفة أثبتها الله لنفسه بحجة أو بشبهة عقلية على الأصح -ما هي حجة، شبهة عقلية- فإنه داخل فيمن يغالي في الاستدلال بالعقل. ومن الناس -الطرف الثاني- من أنكر الاعتماد على العقل بالكلية، وقال: ليس للعقل مدخل في إثبات أي حكم، أو أي خبر، فأنكروا القياس، وذلك مثل أهل الظاهر، أنكروا نهائيا وقالوا: لا يمكن أن نرجع إلى العقل في شيء. ومن الناس من هم وسط، رجعوا إلى العقل فيما لا يخالف الشرع؛ لأن العقل إذا لم يخالف الشرع فإن الله تعالى يحيل عليه في مسائل كثيرة، مثل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤] ومثل هذه الآية: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. واستدلال الله تعالى على إحياء الموتى بإحياء الأرض بعد موتها استدلال عقلي حسي، فهو حسي لأنه مشاهد، وهو عقلي لأنه يستدل به على نظيره الذي لا يخالفه تماما. فالحاصل أن في هذه الآية اعتبار العقل دليلا، ولكن كما قلت: بشرط ألا يخالف الشرع، فإن خالف الشرع فالأصح أن نقول: إنه ليس بعقل، الأصح أن نقول إنه ليس بعقل؛ لأن صحيح المنقول لا يعارض صريح المعقول أبدًا. لكن إذا ظن أن العقل يخالف السمع فإما أن يكون لا مخالفة، وإما أن يكون السمع غير ثابت، وإما أن يكون العقل غير صحيح ملوث بالشبهات والشهوات. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن التوراة والإنجيل منزل من عند الله؛ لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾. فإن قال قائل: كيف تستدلون بهذه الآية على أن التوراة والإنجيل منزل من عند الله، مع أن الفعل هنا ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ﴾ يعني كيف يستقيم الاستدلال بهذه الآية على أن التوراة والإنجيل من عند الله نازل من عند الله مع أن الفعل، كمِّل. * طالب: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾. * طالب: الفعل مبني للمجهول. * الشيخ: الفعل مبني للمجهول، كذا؟ طيب ما الجواب على هذا؟ * الطالب: من قوله: من عنده * الشيخ: من أين علمت به؟ * الطالب: (...) الله يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ﴾، لأن المخاطب هو الله عز وجل، المتكلم هو الله، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾. * طالب: شيخ، هو النزول يجيء من العلو، والعلو ما يجيء إلا بإذنه تبارك وتعالى. * الشيخ: ما هو هذا، لا ما هو هذا. * طالب: نقول: القرآن يفسر بعضه بعضا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة ٤٤]. * الشيخ: القرآن يفسر بعضه بعضا هذا صحيح، وفي هذه السورة نفسها في أولها: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران ٣] في نفس السورة، إذن فالمنزل للتوراة والإنجيل هو الله، وحينئذ نقول: بني الفعل للمجهول للعلم بالمنزل، وهو الله، فإذا قيل: من أين علمت أنه منزل؟ قلنا: من نفس السورة في أولها: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ٣، ٤]. وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] من الخالق؟ الله، لكن حذف للعلم به، ولكن لما كان الضعف صفة نقص بني الفعل هنا للمجهول، كما بني للمجهول في قوله: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، الشر ما أضافوه إلى الله مباشرة، قال: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ﴾ والرشد أضافوه إلى الله مباشرة ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله؛ إذا ثبت الآن أن الإنزال من عند الله، فالنزول لا يكون إلا من أعلى. هل يمكن أن نستفيد من هذه الآية: أن كلام الله متعلق بمشيئته؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، كيف؟ * الطالب: أن حدث إنزال التوراة بعد إبراهيم وهذا بمشيئة الله عز وجل. * الشيخ: وهذا بمشيئة الله نعم، ولا شك أن التوراة منزلة من عند الله، لكن الله كتب التوراة، ولهذا قال بعض أهل العلم: لا نستطيع أن نثبت بأن التوراة من كلام الله، لكن الله كتبها بلا شك وهي نازلة من عنده، أما الإنجيل فهو كالقرآن، ما فيه أن الله تعالى كتبه، قال: أنزله، وهو كلام فيكون كلامه، أما التوراة فقال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٤٥]. * من فوائد الآية الكريمة: النداء على بني إسرائيل بالسفه، وأن تصرفاتهم كما هي مخالفة للمنقول فهي مخالفة للمعقول، ومن أراد أن يعرف سفاهة هؤلاء القوم فليرجع إلى كتاب إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم، ذكر أشياء عجيبة من سفه الأمة الغضبية والأمة الضالة، الأمة الغضبية هم اليهود والأمة الضالة هم النصارى، ذكر أشياء عجيبة، ولو لم يكن إلا أن الله تعالى نعى عليهم عقولهم في هذه الآية وفي آية: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤] فاليهود أمة غضبية، جاهلية، في أبعد ما يكون عن الرشد. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشادة بالعقل، وأن العقل لا يحمل صاحبه إلا على السداد والصواب؛ لقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، والمراد بالعقل هنا كما ذكرنا في التفسير عقل الرشد يعني عقل التصرف، عقل التصرف الذي به الرشد، لا عقل الإدراك الذي هو مناط التكليف؛ لأن هؤلاء اليهود والنصارى عندهم عقل، العقل الذي هو عقل إدراك الذي هو مناط التكليف هذا ثابت عند اليهود والنصارى، ولولا ذلك ما كلفوا. ثم قال: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾.* من فوائد الآية الكريمة: التنزل مع الخصم، يعني فرضنا أنه قبلت منكم المحاجة فيما لكم به علم، ولكن لا تقبل منكم المحاجة فيما ليس لكم به علم. * ومن فوائدها: ذم المحاجة بغير علم؛ لقوله: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾، وما أكثر هذا الواقع المؤسف المر في زمننا هذا، كثير من الناس اليوم يحاجون فيما ليس لهم به علم، بل بما تقتضيه عقولهم القاصرة، فيقول مثلًا: لم صار كذا ولم صار كذا، لماذا كان هذا حراما وكان هذا حلالا، لماذا كان هذا واجبا وكان هذا غير واجب، وما أشبه ذلك، فيحاجون فيما ليس لهم به علم، وكثير من العامة الذين عندهم لسن وبيان -والبيان من السحر- كثير منهم يجادل طالب العلم في أمر لا يعلمه هو، بل مجرد مجادلة ومراء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إقرار الإنسان على المحاجة بالعلم، ولكن بشرط أن يكون قصده حسنا، بحيث يريد بالمجادلة الوصول إلى الحق، يكون مقصوده الوصول إلى الحق فيثبت الحق ويبطل الباطل. أما الذي يجادل ولو فيما ليس له به إذا كان قصده إبطال الحق وإثبات الباطل فلا شك أنه مذموم، ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى ١٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلم لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن المحاجة فيما ليس له به علم ليس عنده علم ولو حاج؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ بل ليس عنده عقل أيضا، لأن المحاجة فرع عن العلم، فمن حاج بغير علم فلا عقل له، كما أنه لا علم عنده. * ومن فوائد الآية: إثبات علم الله في الحاضر، ﴿يَعْلَمُ﴾ فعل مضارع، والأصل في المضارع أنه موضوع للحاضر والمستقبل، وربما يتمحض للماضي، وربما يتمحض للمستقبل، يتمحض للماضي إذا دخلت عليه (لم)، ويتمحض للمستقبل مع السين وسوف، يعني هذا على سبيل المثال، وإذا خلا فهو صالح للحاضر والمستقبل، فهنا يقول: ﴿يَعْلَمُ﴾ يعني أن علمه عز وجل مستمر دائم وأنتم لا تعلمون ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ إلى آخره، من فوائد هذه الآية الكريمة: تبرئة إبراهيم من دين اليهود والنصارى أو من طريق اليهود والنصارى؛ لأننا ذكرنا أن الآية لها معنيان، فيها قولان، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام ليس يتدين بدين اليهود؛ لأن دين اليهود من بعده، ولا بدين النصارى؛ لأن دين النصارى من بعده، كذلك أيضا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ليس كالنصارى واليهود يتعصبون لما هم عليه بحق أو بباطل، بل كان حنيفًا مسلمًا منقادًا لأمر الله، يأتمر بأمر الله وينتهي بنهي الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن لم يتصف بوصف أن يبين براءته منه، ولو كان هذا الوصف في أصله محمودًا، لكن إذا كان لم يتصف به فالواجب أن يبين؛ لأن الله نفى أن يكون إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا، مع أن اليهودية والنصرانية بعد بعثة موسى بالنسبة لليهودية وبعثة عيسى بالنسبة للنصرانية كانت حقا قبل أن تنسخ. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على إبراهيم؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وجه الثناء عليه أنه وصفه بالتوحيد الخالص الذي لا يشوبه أي نوع من الشرك؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى ما اشتهر عند الناس من أن التخلية قبل التحلية، يعني البداءة بالنفي قبل الإثبات؛ لأن النفي تخلية والإثبات تحلية يعني: إثبات، فهنا بدأ بالنفي وهو ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ ثم أثبت في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾. والظاهر أن هذا الترتيب موافق للطبيعة؛ لأنك تخلي الشيء مما يشينه أولا، ثم تضيف إليه ما يزينه، أنت عندما تريد أن تنظف ثوبا وسخا ماذا تصنع؟ أزيل الوسخ أولا، ثم أضيف ما يكون به الكمال، وفي الحديث؛ في حديث الاستفتاح: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٤٤) من حديث أبي هريرة، وأخرجه مسلم (٥٩٨ / ١٤٧) من حديث أبي هريرة.]]. فالمباعدة ألا أمارس الذنوب والخطايا، والتنقية أن يزال هذا الأذى، والغسل أن يطهر وينظف، واضح الترتيب هذا؟ وأضرب مثلًا يتبين به: إنسان معه أذى يريد أن يضعه على بساط الصلاة، فأقول: لا تضعه، هذه مباعدة، أليس كذلك؟ مباعدة، ما يضعها، آخر جاء به فوضعه فقلت: انزعه، هذه تنقية. المرتبة الثالثة: لما نزعه قد يكون في مكانه أثر، أقول: اغسله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد في التوحيد من شيئين: نفي وإثبات، النفي في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا﴾، والإثبات في قوله: ﴿مُسْلِمًا﴾؛ لأن الحنيف هو المائل عن الشرك وعن كل دين يخالف الإسلام، والإسلام هو إثبات الاستسلام لله عز وجل، وأكد ذلك بقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. التوحيد لا يتم إلا بإثبات ونفي، والعلة ظاهرة، التعليل ظاهر جدا؛ لأن النفي تعطيل، والإثبات بدون نفي لا يمنع المشاركة، والجمع بينهما إثبات مع نفي المشاركة. نضرب مثلًا: إذا قلت: ليس هنا أحد قائم، هذا نفي، فيه إثبات ولّا ما فيه؟ إذا كان فيه أحد قائم الآن؟ ليس هنا أحد قائم، هذا تعطيل، يعني صفة القيام الآن معطلةلم يتصف به أحد. إذا قلت: زيد قائم، هذا إثبات أن زيدا قائم، فأثبت القيام الآن لواحد من الناس، لكن هل هذه العبارة تمنع أن يكون غير زيد قائما؟ ما تمنع، قد يكون فيه واحد آخر غير زيد قائم، ولهذا إذا قلت أنا: زيد قائم، فقلت أنت: وعمرو قائم، هل يعتبر قولك هذا ردا على كلامي أو إضافة إلى كلامي؟ إضافة إلى كلامي. فإذا قلت: لا قائم إلا زيد، هذا فيه نفي وإثبات، حينئذ حصل التوحيد، صار المتفرد بالقيام من؟ هو زيد، فتبين أن لا توحيد إلا بنفي وإثبات، ولهذا هنا قال سبحانه وتعالى عن وصف إبراهيم: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإسلام إذا أطلق دخل فيه الإيمان، أو إذا أفرد دخل فيه الإيمان، وجهه أن الله وصف إبراهيم بالإسلام، وهو كذلك، فالإسلام إذا أفرد دخل فيه الإيمان، والإيمان إذا أفرد دخل فيه الإسلام، وإذا اقترنا افترقا، صار الإسلام علانية والإيمان في القلب. في حديث جبريل اجتمعا فافترقا، ولهذا فسر النبي ﷺ الإسلام بشيء وفسر الإيمان بشيء آخر. في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤] اجتمعا فافترقا، فصار الإيمان الذي ادعوه غير الإسلام الذي أثبته الله لهم ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] اجتمعا فافترقا، الإخراج لم يكن إلا للمؤمنين، لكن البيت بيت مسلمين، كيف هذا؟ الذي أخرج من؟ لوط وأهله إلا زوجته، إلا امرأته، فصار الذين أخرجوا هم المؤمنين الخلص. البيت يشتمل على أهله الذين آمنوا إيمانا خالصا، وعلى امرأته التي خانته، فهي مسلمة وليست مؤمنة، إذا البيت كله باعتبار الكل مسلم، ولهذا قال: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وأما من زعم أن الإسلام هو الإيمان واستدل بالآية فقد أبعد النجعة؛ للفرق بين التعبيرين ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقل: من المسلمين قال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. إذن الإسلام هنا الذي في الآية الكريمة ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ يشمل الإيمان ولّا لا؟ * طلبة: يشمل. * الشيخ: لماذا؟ لأنه أفرد. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأنه لم يكن فيه صفة من صفات المشركين، ولهذا قال: لم يكن من المشركين ولم يقل: لم يكن مشركا، فليس فيه صفة من صفات المشركين أبدًا، لا الشرك ولا غيره، وهكذا ينبغي لكل مؤمن ألا يتصف بأي صفة من صفات المشركين. فمثلًا: من صفات المشركين الشرك واضح، من صفات المشركين كراهتهم للتوحيد، ولّا لا؟ المشركون يكرهون التوحيد؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم وينكرونه، ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص ٥] فمن كره التوحيد وإن لم يكن مشركا ففيه من صفات المشركين، بل قد يكون كافرا. ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٦٨]. في الآية دليل على أن الأولويات تختلف، أي أن الناس يتفاضلون بالأولوية والولاية؛ لقوله: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ﴾، و(أولى) اسم تفضيل، والتفضيل يدل على مفضل وأيش؟ ومفضل عليه، ولا شك أن الولاية درجات، الولاية درجات، فأحق الناس بالولاية لإبراهيم من اتبعه، يعني القوم الذين اتبعوه في عهده؛ لأن القوم الذين اتبعوه في عهده اتبعوه في أصل الدين وفي فروع الدين، يعني في جليل الدين ودقيقه، اتبعوه، ولهذا قدم الذين اتبعوه على النبي والذين آمنوا؛ لأن النبي ﷺ والذين آمنوا لم يتبعوا إبراهيم في فروع الشريعة، بل ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، لكن اتبعوه في أصل الدين والاستسلام له عز وجل، وإلا فلا شك أن النبي محمدًا ﷺ أفضل من الذين اتبعوا إبراهيم، بلا شك، بل وأتباع الرسول أفضل من أتباع إبراهيم. * من فوائد الآية الكريمة: شرف النبي ﷺ ومن آمن معه، بكونهم أولى الناس بمن؟ بإبراهيم الذي تتنازعه الأمم، كل أمة تقول: أنا أولى به. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على اليهود والنصارى، حيث ادعوا أنهم أولى الناس بإبراهيم، فكذبهم الله. من فوائدها: تشريف النبي ﷺ بالإشارة إليه من رب العالمين، في قوله: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾. * ومن فوائدها: إثبات نبوة الرسول ﷺ، وهذا أمر لا شك فيه، وكل من وصف بالنبوة في القرآن فهو رسول، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، ثم قال في هؤلاء النبيين: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء ١٦٥] إذن فكل من وصف بالنبوة في القرآن فإنه رسول، بدليل آية النساء: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ولاية الله للمؤمنين في قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذه الولاية كما قلنا آنفا ولاية خاصة، تقتضي عناية تامة، وكل من كان أكمل إيمانا فولاية الله له أكمل. (كل من كان أكمل إيمانًا فولاية الله له أكمل) * هذه فائدة، من أين أخذناها؟ من قاعدة معروفة عند أهل العلم، وهي: أن الحكم المعلق بوصف يزداد قوة بقوة هذا الوصف فيه، هذه قاعدة مفيدة: كل حكم معلق بوصف فإن هذا الحكم يزداد قوة بقوة الوصف الذي علق عليه الحكم. فإذا قلت مثلًا: أنا أحب الصالحين، معناه كل من كان أصلح فهو أحب إلي؛ لأن المحبة علقت بالصلاح، فكلما ازداد الصلاح ازدادت المحبة، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ علقت الولاية بالإيمان، فكلما كان الإنسان أقوى إيمانا كانت ولاية الله له أتم وأخص. * ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يحقق إيمانه ويكمله بقدر استطاعته؛ من أجل أن ينال ولاية الله؛ لأن كل إنسان في الحقيقة عاقل يسعى إلى أن يكون الله له وليا. نقول: الأمر سهل، حقق الإيمان يكن الله لك وليا، وكلما ازداد تحقيقك الإيمان ازدادت ولاية الله لك، وإلا فكلنا يطلب ذلك ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أوليائه، كلنا يطلب هذا، لكن بس حقق الإيمان، من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، هذه من أسباب الولاية أن يكون حبك وبغضك وكراهتك وعداوتك وولايتك لله عز وجل، لا للدنيا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب، إثبات الأسباب، من أين يؤخذ؟ ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وجه ذلك أن الإيمان جعله الله سببًا لولاية الله، ولا شك أن الأسباب ثابتة، والأسباب شرعية وعقلية وحسية، فالأسباب الشرعية ما جعلها الله تعالى سببا في القرآن، فمثلًا الإيمان سبب لدخول الجنة، هذا سبب شرعي ولّا لا؟ دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، هذا سبب شرعي. العسل سبب للشفاء. فإذا قلت مثلًا: أنا أحب الصالحين، معناه كل من كان أصلح فهو أحب إليّ؛ لأن المحبة عُلقت بالصلاح، فكلما ازداد الصلاح أيش؟ ازداد المحبة، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٦٨] عُلّقت الولاية بالإيمان، فكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كانت ولاية الله له أتم وأخص. * ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يحقّق إيمانه ويكمّله بقدر استطاعته من أجل أن ينال ولاية الله؛ لأن كل إنسان في الحقيقة عاقل يسعى إلى أن يكون الله له وليًّا، نقول: الأمر سهل؛ حقق الإيمان يكن الله لك وليًّا، وكلما ازداد تحقيقك الإيمان ازدادت ولاية الله لك، وإلا فكلنا يطلب ذلك، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أوليائه، كلنا يطلب هذا، لكن بس حقق الإيمان، من أحبَّ في الله، وأبغضَ في الله، ووالى في الله، وعادى في الله فإنما تُنال ولاية الله بذلك هذه من أسباب الولاية أن يكون حبك وبغضك وكراهتك وعداوتك وولايتك لله عز وجل لا للدنيا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب، من أين يؤخذ؟ ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وجه ذلك أن الإيمان جعله الله سببًا لولاية الله، ولا شك أن الأسباب ثابتة. والأسباب: شرعية، وعقلية، وحسية، فالأسباب الشرعية ما جعلها الله تعالى سببًا في القرآن، فمثلًا الإيمان سبب لدخول الجنة هذا سبب شرعي ولَّا لا؟ دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، هذا سبب شرعي، العسل سبب للشفاء، هو قدَري علمنا به من طريق الشرع؛ يعني من طريق الوحي، كون الماء سببًا لنبات الأرض المطر؟ سبب حسي. * طلبة: شرعي حسي. * الشيخ: نعم، هو أخبر الله به، لكن نحن نشاهد، لو فرض أنه ما في قرآن يدلنا على هذا شاهدنا بأنفسنا فهو سبب حسي. الأدوية الطبيعية التي تستخرج بالتجارب أسباب حسية، أما الأسباب العقلية فهي كثيرة جدًّا، كل شيء يترتب على شيء عقلًا فهو أيش؟ سبب عقلي، والأسباب الشرعية والحسية والعقلية كلها مؤثرة بذاتها حيث أودع الله فيها التأثير. وإنما قلت ذلك؛ لأن بعض الناس غالى في التنزيه فقال: إن الأسباب لا تؤثِّر بذاتها، وإنما يكون التأثير عندها لا بها، فقالوا مثلًا: إن الاحتراق بالنار ليس بالنار، لكن حصل الإحراق عند تماس النار بما يقبل الاحتراق حصل الاحتراق، أما النار ما هي بتحرق، لو جعلت النار تُحرق وتقلب الشيء مما كان عليه من أول لأثبتّ مع الله خالقًا وصِرت مشركًا، من اللي يقلب هذا العود إلى رماد؟ * طلبة: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: يقول: ما يقدر على هذا إلا الله، أنت لو قلت: إن النار هي اللي قلبت أشركت بالله، إذن لا تقول: النار أحرقت، احترق عندها. أخذت حجرًا فرميتَ به كأس زجاج فانكسر قال: لا تقل إن الحجر هو اللي كسره، من يستطيع يفصل بين هذه الأجزاء المتلاصقة إلا الله، فأنت إذا قلت: إن الحجر هو اللي كسرها كنت مشركًا، فإثبات تأثير الأسباب شرك، قال: انكسر عندها لا بها، انكسر عندها عند الحجر لا بالحجر، سبحان الله حط حجرًا ثقيلًا جدًّا جدًّا على الزجاج ينكسر ولَّا لا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: اضربوه بحجر صغير ينكسر، إذن كيف تقول: عندها؟ لو كان عندها كان لو حطينا حجرًا كبيرًا انكسر ولو ضربناه بحجر صغير ما ينكسر. لكن نقول: الأسباب مؤثرة، لكن الله أودع فيها هذا التأثير، الله هو اللي أودع فيها هذا التأثير، لولا أن الله أودع فيها هذا التأثير ما أثرت، ولهذا لما ألقي إبراهيم في النار فقال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] أثَّرت؟ ما أثرت. إذن عرفنا الآن أن الأسباب جعلها الله مؤثرة بذاتها ليست هي اللي تخلق أو خلقت بذاتها، ولكن الله أودع فيها هذه القوة التي يكون بها المسبَّب، واضح يا جماعة؟ وهذا هو المعقول، فنحن لا نغالي أيضًا في إثبات الأسباب ونقول: إن هذا يكون بدون الله ولا نغالي في التنزيه ونقول: إن الأسباب لا تؤثر، وإنما يحصل الأثر عندها لا بها، كلا الأمرين خطأ. والوسط في الغالب يكون هو الحق؛ لأنك تجد المتطرفين كل واحد أخذ بجانب من الحق وترك جانبًا، والوسط يأخذ بالجانبين فيكون وسطًا. * طالب: قلنا: إذا ازداد الإيمان ازدادت ولاية الله مثلًا (...) يقول: إن النبي ﷺ (...) تكرار شديد، كما قلنا أيضًا من زيادة الإيمان هو الحب في الله والبغض في الله، وبعدين ذكر في (...) أشياء لا يمكن للإنسان أن يزيد فيها ولا ينقص أن يؤمن بالله وملائكته؟ * الشيخ: لا، لا، لكن هل إيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله متساوٍ؟ * الطالب: لكن الآن ما أستطيع بالنسبة لي أنا كمؤمن فرداني شخص مؤمن بهذه الأمور كيف أزيد فيها؟ * الشيخ: لكن هل إيمانك مثل إيمان الثاني والثالث؟ * الطالب: لا، طبعًا لا. * الشيخ: حتى إيمانك في يوم من الأيام ليس كإيمانك في يوم آخر. * الطالب: لكن كيف أن أزيد فيها؟ الإيمان بالله. * الشيخ: أنت تزيد فيها؛ يعني أحيانًا يأتي الإنسان مثلًا قوة إيمان كأنما يشاهد الأمر رأي العين وأحيانًا مع الغفلة ما يكون هكذا. * طالب: هنا يقصد يا شيخ بالنسبة الآن قال النبي ﷺ حدد الأمور التي يؤمن بها؟ * الشيخ: طيب أن تؤمن بالله وملائكته إلى آخر الأركان الستة، هل الناس يتساوون في الإيمان بهذه الأمور الستة؟ * الطالب: لا يتساوون. * الشيخ: إذن كلما قوي إيمانك بهذه ازدادت ولاية الله لك. * الطالب: (...) الحب والبغض. * الشيخ: نعم، الحب في الله لإيمانك بالله أحببت في الله. * الطالب: يا شيخ، في الأسباب عندما يذهب أحد المرضى إلى المشعوذين نقول: إنه حصل الشفاء عنده لا به يعني بسببه، ما الفرق بين هذه وبين الأول؟ * الشيخ: لأن الله لم يجعل كلام المشعوذين سببًا، نقول: لا بد أن يشهد الشرع أو الحس أو العقل بأن هذا سبب، أما مجرد يجيء مشعوذ يتكلم عندنا ما نقبل، يعني لو أن واحدًا قال: أنا أدعو هذا الولي ويُستجاب لي، امرأة تقول ليست تحمل أبدًا وراحت لقبر هذا الولي وتمرغت عليه وأخذت منه ترابًا ووضعته في فرجها عند الجماع وأراد الله أن تحمل، نقول: حصل هذا بتراب هذا الولي؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لأيش؟ لأن هذا ليس سببًا شرعيًّا ولا حسيًّا ولا عقليًّا، فلا بد من أن يثبت كون هذا الشيء سببًا، ولهذا كانت التمائم شركًا، لأيش؟ لأنها ليست سببًا حسيًّا ولا شرعيًّا ولا عقليًّا. * الطالب: فيه كون الأنبياء اتفقوا في أصل التوحيد واختلفوا في فروع الدين، فاستدل بعض الناس بخلافهم في فروع الدين بجواز تعدد الجماعات الإسلامية إذا لم تختلف، أما إذا اختلفت؟ * الشيخ: اللهم نعم، أنا أوافقهم على تعدد الجماعات الإسلامية إذا كان كل رئيس لهذه الجماعات يقول: إنه نبي!! نوافقه على هذا!! إذا كان يدعي أنه نبي نقول: لا بأس، أما أن نبينا واحد وديننا واحد فلا يمكن أن نقر هذا المبدأ، تعدد الجماعات الإسلامية أبدًا، هؤلاء أنبياء مستقلون، فإذا كان هؤلاء يدعي رؤساؤهم بأنهم أنبياء فعلى العين والرأس لكن ما يدعون هذا، هم أبعد الناس عن هذه الدعوى.

آل عمران 3:66

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الظاهر أن هذه الآية منفصلة عما قبلها، وأنها من كلام الله عز وجل، يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ ويعني بهم اليهود والنصارى، ووصفوا وحدهم بذلك لأنهم هم الذين بقيت كتبهم قائمة يهتدى بها، إلى أن بعث النبي ﷺ. قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، وكلنا يعلم أن قوله: ﴿لِمَ﴾ اسم استفهام مشغول باللام، و(ما) الاستفهامية إذا جُرت بالحرف فإنها تحذف ألفها، (لم) ما فيها ألف. ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ ١] ما فيها ألف، (علام تفعل) هذه أيضا ليس فيها ألف، وتغيرت (على) من أجلها؛ لأن (على) تُكتب ألفها ياء، لكنها إذا دخلت على (ما) الاستفهامية كتبت ألفها أيش؟ ألفا: (علام)، مثل اللام. قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ أي تخاصمون، وسميت المخاصمة محاجة لأن كل واحد من المتخاصمين يدلي بحجته، يريد أن يخصم صاحبه، وقوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾، أي: في شأنه، وفي حاله، وفي دينه، وليس المراد: في ذاته؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام بشر متفق عليه ولا محاجة فيه، لكن محاجة في شأنه وحاله، لم تحاجون فيه. وما كيفية هذه المحاجة؟ كيفية هذه المحاجة على قولين لأهل العلم: القول الأول: ادعاؤهم أنهم على ملة إبراهيم، فهم كلهم يقولون: نحن على ملة إبراهيم، اليهود يقولون: نحن على ملة إبراهيم، والنصارى يقولون: نحن على ملة إبراهيم. الوجه الثاني، وهو القول الثاني: يحاجون فيه لأن اليهود يقولون: إن إبراهيم يهودي على دين اليهود، والنصارى يقولون: إن إبراهيم نصراني على دين النصارى. وهذا الوجه عكس الوجه الذي قبله؛ لأن الوجه الذي قبله يدعون هم أنهم على دين إبراهيم، وهذا الوجه يدعون أن إبراهيم على دينهم. وننظر الآن سياق الآية: ما الذي يؤيد من هذين الوجهين، ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ كيف تحاجون فيه وتقولون: إن إبراهيم على ديننا، أو تقولون: إننا نحن على دين إبراهيم؟ كيف المحاجة؟ وكيف يكون إبراهيم على دينكم والتوراة لم تنزل بعد أيها اليهود؟ وكيف يكون إبراهيم على دينكم والإنجيل لم ينزل بعد أيها النصارى؟ أو تقولون: إنكم على دينه وأنتم على الإنجيل، والإنجيل ليس هو دين إبراهيم، أو على دينه التوراة ليست هي دين إبراهيم، إبراهيم له شرعة خاصة ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨] فكيف تحاجون في هذا؟ تدعون أن إبراهيم على التوراة أو على الإنجيل، أو تدعون أنكم أيها المتمسكون بالتوراة أو المتمسكون بالإنجيل على دين إبراهيم، مع أن التوراة والإنجيل لم تنزل إلا من بعده، وهذا عقل ولّا هوس؟ هذا هوس وسخافة، كيف يكون إبراهيم على دين كتاب لم ينزل بعد؟ التوراة نزلت على موسى، والإنجيل نزل على من؟ على عيسى، وهم بعد إبراهيم بأزمنة كثيرة، فكيف يكون إبراهيم على هذا؟ ولهذا قال: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، والهمزة للتوبيخ، استفهام للتوبيخ، يعني: أفلا يكون لكم عقول تعقلون بها ما تقولون؟ وهذا فيه غاية اللوم والتوبيخ. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ تأتي في القرآن كثيرا، وقد مر علينا أن فيها لعلماء النحو قولين، ويش مين يبينهما لنا؟ فيها قولان ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ في إعرابها؟ * طالب: الهمزة للاستفهام دخلت على نفي (لا). * الشيخ: قولان، القول الأول؟ * الطالب: أشربت معنى التحدي. * الشيخ: لا يا أخي، الإعراب، ما هو المعنى، المعنى للتوبيخ واضح. * الطالب: الهمزة للاستفهام، ﴿أَفَلَا﴾ فاء للتنبيه. * الشيخ: نسيت أو لم يمر عليك؟ * الطالب: لم يمر علي. * الشيخ: لم يمر عليك؟ طيب. * طالب: ﴿أَفَلَا﴾ الألف تقدمت على الفاء. * الشيخ: الهمزة. * الطالب: الهمزة تقدمت على الفاء، وأصلها: فألا تعقلون. * الشيخ: يعني نقول الوجه الأول، الوجه الأول. * الطالب: الوجه الثاني.. * الشيخ: اصبر، الوجه الأول، ما فهمنا شيئًا الآن؟ * الطالب: الوجه الأول: أن الهمزة للاستفهام وقدمت لأن الاستفهام له الصدارة. * الشيخ: طيب والفاء؟ * الطالب: والفاء عاطفة. * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على ما قبلها. * الشيخ: على ما قبلها. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: وأصله على هذا الوجه، على هذا القول؟ * الطالب: فألا تعقلون. * الشيخ: فألا تعقلون. طيب، هذا وجه، القول الثاني؟ * الطالب: أن الهمزة زائدة، وأنها معطوفة على فعل محذوف، يعني: أجهلتم فلا تعقلون. * الشيخ: والهمزة زائدة؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: هذا قول من؟ قول وليد! طيب هو حل النصف. * طالب: دخلت على جملة محذوفة. * الشيخ: لكن الهمزة هو يقول: زائدة؟ * الطالب: لا ليست زائدة. * الشيخ: أيش هي؟ * الطالب: هي استفهامية. * الشيخ: استفهامية، إي نعم، لكنها داخلة على جملة محذوفة، التقدير؟ * الطالب: أجهلتم أفلا تعقلون، أو أغفلتم. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: أغفلتم. * الشيخ: (أغفلتم) لا، ما هو ضد العقل؟ * الطالب: الجنون. * الشيخ: إي أو السفه. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ إذن فيها وجهان: الوجه الأول: أن الهمزة للاستفهام والفاء للعطف، لكنها قدمت الهمزة للاستفهام عليها لأن لها الصدارة، وعلى هذا فلا حاجة إلى تقدير لأن الجملة تكون معطوفة على الجملة التي قبلها. والوجه الثاني: أن الفاء حرف عطف وأن المعطوف محذوف يقدر بما يناسب السياق، واللي مناسب هنا أن يقدر: (أسفهتم) مثلًا؛ لأن العقل ضده السفه ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ المراد بالعقل هنا عقل الرشد، وليس عقل الإدراك؛ لأن هؤلاء عندهم عقل إدراك، والفرق بينهما: أن عقل الإدراك مناط التكليف، وعقل الرشد مناط التصرف، يعني بمعنى أن عقل الرشد يكون به حسن التصرف من العاقل، وعقل الإدراك يكون به توجيه التكليف إلى العقل، ولهذا يقال للرجل العاقل الذكي إذا أساء في تصرفه يقال: هذا مجنون، هذا غير عاقل، مع أنه من حيث عقل الإدراك عاقل ولّا غير عاقل؟ عاقل، طيب المنفي هنا في حق هؤلاء أي العقلين؟ عقل الرشد، يعني أفلا يكون لكم عقل ترشدون به؟ ثم قال تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أولا الإعراب في هذه الآية لأن فيها شيئًا من الإشكال، ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ ها: للتنبيه، وأنت: ضمير منفصل مبتدأ، و﴿هَؤُلَاءِ﴾ ها: للتنبيه وأولاء: منادى، والتقدير: هأنتم يا هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم. ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ نقول في قوله: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ﴾ ما قلنا في قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ من حيث الإعراب. ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ أولا التنبيه هنا حسن؛ وذلك لأنه يخاطب قوما لمزهم بعدم العقل، والذي ليس عنده عقل ينبغي أن يصدر الخطاب له بما يقتضي تنبيهه؛ لأنه غافل، تصرفه تصرف مجنون، فاحتيج إلى أن ينبَّه فلذلك أتى بـ (ها) التنبيه. ثم إن قوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إشارة بعد ولّا قرب؟ * الطلبة: بعد.. قرب. * الشيخ: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إشارة بعد ولّا قرب؟ لا إله إلا الله! يحتاج إلى اشتباه ده يا جماعة، إذا كان للبعد يقرن بالكاف، وهنا لم يقرن بالكاف، بل قال: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ عرفتم يا جماعة؟ إذا كان -نرجع اسم الإشارة الآن بالنحو- إذا كان اسم الإشارة للبعيد أتي بالكاف، ولهذا قال ابن مالك: بِالْكَــــافِ حَرْفًــــا دُونَ لَامٍ أَوْمَعَــــهْ ∗∗∗ وَالــــلَّامُ إِنْ قَدَّمْــــتَ هَــــامُمْتَنِعَــــــــــــــــهْ؎بِــــــذَا وَذِي وَتَـــــــا وَتِــــــيأَشِــــــــرْ إِلَــــــى ∗∗∗ دَانِي الْمَكَانِ وَبِهِ الْكَافَ صِــــــــــلَا؎فِي الْبُعْــــــــدِ.................... ∗∗∗ ............................هذا الشاهد: (وبه الكاف صلا في البعد)، معناه: في القرب لا تصل به الكاف، فإذا كان اسم الإشارة للبعيد فلا بد من الكاف، وإذا كان أبعد يؤتى باللام أيضا. إذن المشار إليه قريب ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ ومع قربهم أتى بـ(ها) التنبيه للدلالة على بلادتهم، وأنهم مع قربهم وقرب الإشارة إليهم على بلادة عظيمة يحتاجون إلى أيش؟ التنبيه. ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ يعني خاصمتم فيما لكم به علم، وهو التوراة بالنسبة لليهود، والإنجيل بالنسبة للنصارى، يعني أنكم إذا حاججتم في التوراة والإنجيل وكانت المحاجة في التوراة من اليهود وفي الإنجيل من النصارى، فهذه محاجة فيما فيه علم لكم، نعم لكن لم تحاجون فيما ليس لكم به علم؛ وهو إبراهيم وما هو عليه من الدين. وقيل: المراد بقوله: ﴿حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي في الإسلام، في دين الإسلام، يعني حاججتم فيه وخاصمتم تقولون: ليس على دين إبراهيم، دين إبراهيم دين اليهود والنصارى، وأنتم تعلمون أن الإسلام دين الله الحق؛ لأن اليهود والنصارى يعلمون أن دين محمد ﷺ هو دين الحق، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٤٦] فصار المحاجة الآن في أيش؟ إما في الكتابين وإما في الإسلام، في دين الإسلام، وما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ والمحاجة التي يراد بها إثبات الباطل وإبطال الحق مذمومة، حتى وإن كانت عن علم، بل هي عن علم أشد ذما، فكيف تحاجون فيما ليس لكم به علم وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ والله يعلم الأمر على ما هو عليه في شأن إبراهيم، وفي شأن محمد ﷺ، وفي شأن موسى وعيسى، وأنتم لا تعلمون ما يعلمه الله تعالى من هذا وغيره. ونفي العلم عنهم هنا ليس رفعا للإثم عنهم، ولكنه إيذان بجهلهم وجهالتهم، وأن تصرفهم كتصرف الجاهل، فهو في الأول قال: لا تعقلون، وفي الثاني قال: ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾، فجمعوا بين السفه في الرأي والتدبير، وبين الجهل في العلم والتصور، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ثم ذكر الله عز وجل حال إبراهيم ذكرًا صادرًا عن علم، لا عن جهل، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ يعني ليس على ملتكم أيها اليهود، ولا على ملتكم أيها النصارى، عرفتم؟ هذا على قول من يقول: إن محاجتهم في إبراهيم أن اليهود يقولون: هو منا، والنصارى يقولون: هو منا، فنفى الله ذلك ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾. وعلى القول الثاني، يعني ما كان إبراهيم على ما أنتم عليه من التعصب والتمسك بدينكم وإن كان منسوخًا، بطل بدين الإسلام، ولكن كان حنيفًا مسلمًا، فلو أن إبراهيم كان حيًّا لاتبع من؟ محمدًا ﷺ، ولم يكن كحالكم يبقى على ما هو عليه من دينه كما بقيتم أنتم. فالآية الآن تحتمل الوجهين بناء على القولين السابقين، أي ما كان إبراهيم يسير سير اليهود فيتعصب، ولا يسير سير النصارى فيتعصب، وليس المعنى على القول الثاني أنه ما كان يهوديًّا، أي على دين اليهود، أو على دين النصارى، بل ما كان على طريقتهم في أيش؟ التعصب لما هم عليه، وإن تبين أن الحق في خلافه، ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ عليه الصلاة والسلام، ﴿كَانَ حَنِيفًا﴾ أي مائلًا عن الشرك؛ لأن الحنف في الأصل: الميل، فهو مائل عن الشرك، مثبت للتوحيد، ولهذا قال: ﴿مُسْلِمًا﴾ فهو جامع عليه الصلاة والسلام بين البراءة من الشرك براءة كاملة وبين تحقيق الإسلام تحقيقًا كاملًا، ولهذا قال: ﴿مُسْلِمًا﴾. وهنا إشكال في الإعراب في قوله: ﴿حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ كيف نعربها؟ * طالب: يعني كان هو حنيفًا، هي خبر كان. * الشيخ: ﴿مُسْلِمًا﴾؟ * الطالب: ﴿مُسْلِمًا﴾ خبر كان. * الشيخ: ثاني، يجوز تعدد الخبر؟ * الطالب: يجوز. * الشيخ: إي. * طالب: يكون معطوفًا على حرف عطف، ليس موجودًا الحرف ده أصلًا، حرف مقدر، كان حنيفًا وكان مسلمًا. * الشيخ: نعم. * طالب: يمكن حال يا شيخ؟ * الشيخ: حال؟ منين؟ * طالب: صفة حنيف. * الشيخ: صفة لأيش؟ * الطالب: حنيف. * الشيخ: الظاهر لو نجتهد كل واحد لو سألته يجينا أقوال! ﴿مُسْلِمًا﴾ خبر ثانٍ، وتعدد الخبر جائز، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٠] كثير في القرآن. وقوله: ﴿مُسْلِمًا﴾ يعني مسلمًا لله ظاهرًا وباطنًا، فيشمل الإسلام الذي هو عمل الجوارح، والإيمان الذي هو اعتقاد القلوب وأعمال القلوب. وهذه قاعدة مهمة، وهي أنه إذا أطلق الإسلام وأفرد شمل الإيمان، وإذا أطلق الإيمان وأفرد شمل الإسلام، وإذا اقترنا صار الإسلام في الظاهر والإيمان في الباطن، وهذه هي قاعدة أهل السنة والجماعة، وعليها يدل الكتاب والسنة، فقد وصف النبي ﷺ الإيمان لوفد عبد قيس بالإسلام بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٧) من حديث بن عباس، وأخرجه مسلم (١٧ / ٢٣) من حديث بن عباس.]]، ووصف الله الصلاة بالإيمان في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة ١٤٣] أي صلاتكم إلى بيت المقدس، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران ١٩] وهو يشمل كل الدين؛ الإيمان وأفعال الجوارح، فـ﴿مُسْلِمًا﴾ هنا مسلمًا لله ظاهرًا وباطنًا، فيشمل الإيمان والإسلام. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ هذا تأكيد لقوله: ﴿حَنِيفًا﴾، يعني هذه الجملة وإن كانت معطوفة بالواو لكنها في المعنى مؤكدة لما سبق، يعني ما كان من الذين يشركون بالله، لا شركا خفيا ولا شركا ظاهرا، بل كان يحارب الشرك، وصبر على الدعوة إلى التوحيد إلى أن ألقي في النار عليه الصلاة والسلام، ولكن كان جزاؤه على ذلك أن قيل للنار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩]. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ﴾ هذا الحكم بين هؤلاء الخصوم، الخصوم ثلاثة: اليهود والنصارى والمسلمون، شوف الحكم من الحكم العدل: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ قدم هنا ما كان ينبغي أن يكون خبرا وجعله هو المبتدأ الذي هو ركن الجملة الذي يسند إليه الخبر فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾، ولم يقل: إن الذين اتبعوه أولى به؛ لأجل أن يحكم بأن الأولوية لهؤلاء لا لغيرهم. ﴿أَوْلَى النَّاسِ﴾ من اليهود والنصارى والمشركين وأصحاب الأوثان وغيرهم من؟ ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾. وهنا نسأل عن اللام في قوله: ﴿لَلَّذِينَ﴾ وأيش إعرابها؟ * طالب: حرف جر. * الشيخ: حرف جر؟ لا، حرف الجر يكسر في مثل هذا. * طالب: للتأكيد. * الشيخ: للتوكيد، إي نعم، للتوكيد، و(إنّ) أيضا للتوكيد، فتكون جملة مؤكدة بمؤكدين: بـ(إن) واللام. قال: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ للذين اتبعوه من بني إسرائيل ممن سبق النبي ﷺ، ولا شك أنه تبعه كثير من المؤمنين الذين آمنوا به في حياته والذين اتبعوا طريقته بعد مماته، ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ شوف -الله أكبر- المشار إليه محمد عليه الصلاة والسلام، وكفى به فخرا أن يشير إليه رب العالمين ﴿هَذَا النَّبِيُّ﴾ هذا شرف عظيم لرسول الله ﷺ أن يكون الله يشير إليه بهذه الإشارة المفيدة للقرب، لم يقل: وذلك النبي، بل قال: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ إشارة إلى قربه؛ لأنه ﷺ أقرب الناس منزلة إلى الله سبحانه وتعالى. ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيها قراءة: ﴿النَّبِيءُ﴾ كذا؟ على هذه القراءة ﴿النَّبِيءُ﴾ مشتق من النبأ، فهو فعيل بمعنى فاعل، وبمعنى مفعول، صح؟ بمعنى فاعل لأنه منبئ مخبر، وبمعنى فعيل لأنه مخبَر، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه في وصف الرسول: وهو الصَّادق المَصْدُوق[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٠٨) من حديث عبد الله بن مسعود، وأخرجه مسلم (٢٦٤٣ / ١) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. فهو فعيل بمعنى فاعل، وفعيل بمعنى مفعل. ويبقى عندنا كيف يكون فعيل بمعنى مفعل؟ فعيل بمعنى، أنا قلت بمعنى فاعل؟ بمعنى مفعول وفعيل بمعنى مفعل. فعيل بمعنى مفعول كثير مثل جريح كسير قتيل. كثير، لكن فعيل بمعنى مفعل كيف ذلك؟ نقول: نعم هذا ورد، هذا الآن اللي معنا دليل على هذا، الآن من المعلوم أن الرسول منبئ للناس، أليس كذلك؟ فهي جاءت في القرآن، والقرآن حجة، وإذا أردت أن نأتي بحجة من كلام العرب فاسمع إلى قول الشاعر: أَمِــــنْ رَيْحَانَــــةَ الدَّاعِــــيالسَّمِيــــــــعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِــــــــي وَأَصْحَابِــــــــيهُجُــــــــــــــــوعُ (أمن ريحانة الداعي السميع) السميع بمعنى المسمع، (يؤرقني وأصحابي هجوع). فهذه سميع بمعنى مسمع في لغة العرب، على أننا في الحقيقة لا نحتاج إلى استشهاد للقرآن لإثبات أن هذا لغة، بل القرآن يستشهد به ولا يستشهد عليه، لكن من المعلوم أنه كلما زادت البينات ازداد الإنسان طمأنينة، إذن على قراءة ﴿النَّبِيءُ﴾ يجوز نقرأ بها؟ يجوز، بل يستحب أن نقرأ بها، يستحب أن نقرأ بها أحيانًا. على هذه القراءة: من النبأ، أما على قراءة النَّبِيُّ﴾ بدون همز ففيها وجهان: الوجه الأول: أنها مسهَّلة من (النبيء) بالهمز، مسهَّلة، يعني أن الهمزة جعلت ياء للتسهيل، وهذا موجود في اللغة العربية، أئمة يقال فيها في اللغة العربية: أيمة، تسهل الهمزة تجعل ياء، فالنبي نقول: هذه أصلها النبيء لكن جعلت الهمزة ياء للتخفيف، وعلى هذا الوجه يكون النبي من أين؟ من النبأ. وقيل: إن الياء أصلية لا مسهلة (النبي)، وعلى هذا فيكون مشتقا من النبوة، وهي الشيء المرتفع الناتئ، يقال: نبا ينبو يعني ارتفع، فيكون مشتقا من النبوة وهي الارتفاع، وذلك لارتفاع مرتبة النبي؛ لأن الرسل صلى الله عليهم وسلم ومنهم خاتمهم محمد ﷺ أرفع الناس قدرا عند الله، ولهذا بدأ الله بهم في صدر من أنعم عليهم ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء ٦٩]. لو قال قائل: اجعلوها من الأمرين: من النبأ ومن النبوة؟ ماذا نقول له؟ نقول: يمكن؟ يمكن؛ لأن القول الراجح أنه إذا احتمل اللفظ معنيين بدون تضاد حمل عليهما؛ لأن ذلك أوسع في المعنى، أما مع التضاد فإنه ينظر للراجح ويحمل عليه، لكن مع إمكان الجمع يجب أن يحمل على المعنيين جميعا. فإذا قال قائل: هذا استعمال لمشترك في معنييه، تعرفون اللفظ المشترك؟ اللفظ المشترك ما اتحد لفظه وتعدد معناه، كالعين، العين تقال للباصرة، عينك اللي في وجهك عين، وتقال للعين الجارية، أيش هي؟ عين الماء، وتقال للعين. * طالب: الجاسوس. * الشيخ: لا الجاسوس ما هي حقيقة، وتقال للعين الذهب، عين ورق، ولهذا يقال: عين مورودة وعين منقودة، العين المنقودة الذهب والمورودة الماء، ونقول: عين مكحولة؟ إي نعم، يمكن، العين المكحولة هي العين اللي في الوجه. يقول بعض العلماء: إن المشترك لا يمكن أن يحمل على معنييه؛ لأن كل معنى منهما يضاد الآخر، ولكن الصحيح الذي عليه أكثر أهل العلم أنه يجوز أن يحمل على معنييه بشرط عدم التعارض، فإن تعارضا وجب طلب المرجح. * طالب: شيخ، الآيات ما تؤيد أن القرآن نحن على (...) قولنا. * الشيخ: ما كملنا الآيات الحقيقة، يمكن نخلي الأربع الآيات هذه كلها نتكلم عليها جميعا في الفوائد. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك! القول الثاني في ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ يعني ما كان متعصبًا كما أنتم متعصبون؟ * الشيخ: إي يعني ما كان على طريق اليهود والنصارى. * الطالب: كيف يعني ما كان متعصبًا؟ * الشيخ: يعني ما كان على طريقكم؛ يعني إن كنتم صادقين أنكم على طريق إبراهيم أو أن إبراهيم على طريقكم فاتبعوا محمدًا. * الطالب: بس قولهم: متعصب، كيف.. * الشيخ: يعني مثلًا الآن الذي يأخذ بمذهب قوم ما هو بينسب إليهم؟ * الطالب: بلى. * الشيخ: كذا ولّا لا؟ إذن هؤلاء اليهود متعصبون لدينهم، والنصارى متعصبون لدينهم، إبراهيم ما نقول: إنه كان يهوديًّا متعصبًا أو نصرانيًّا متعصبًا، إبراهيم عليه الصلاة والسلام مسلم لله، ما هو يتعصب ليهودية ولا نصرانية. * الطالب: بس قلنا: إنه لو كان أتى إلى وقت الرسول ﷺ لأسلم. * الشيخ: إي معلوم. * الطالب: هو مسلم أصلًا، كيف يسلم؟ * الشيخ: هذا إقامة الحجة على هؤلاء اليهود والنصارى. * الطالب: نعم أسلم بمعنى ترك شريعته واتبع شريعة محمد؟ * الشيخ: إي نعم يترك شريعته ويتبع محمدًا، إي نعم. * طالب: قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ لا تؤيد القول الثاني أي بزعمكم أنكم أنتم على دينه وليس هو على دينكم؟ * الشيخ: هو قال: تحتمل، تحتمل حتى على ذلك. * الطالب: يعني التوراة والإنجيل ما حدثت إلا بعد موته؟ * الشيخ: إي وكذلك اللي يقولون: نحن على طريقة إبراهيم، وإبراهيم يعني يقولون: يتعصب، ما يذهب عن دينه، هذا معنى قولهم: على طريقتهم. * الطالب: كيف يعني يتعبد إبراهيم معهم وهم يعني..؟ * الشيخ: هم يقولون: (...) عبادتهم الخاصة، يعني طريقتهم، يعني على طريقتهم. * طالب: شيخ، الله سبحانه وتعالى قال: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ مع أنهم في كلا المسألتين عندهم علم، ولكن في الأولى يعني.. لو توضح يعني؟ * الشيخ: لا، في قضية إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما عندهم علم؛ لأن اللي يقول عن إبراهيم: إنه على طريق اليهود والنصارى أو على دين اليهود والنصارى ما عنده علم بذلك، فهو جاهل، سواء قاله بجهل مركب أو بجهل بسيط، لو علم حقيقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لعرف أنه كان حنيفًا مسلمًا. * الطالب: ممكن يكابر يا شيخ يعني يعلم أن هذا..؟ * الشيخ: ربما بعضهم، ربما بعضهم أنه يكابر. * طالب: شيخ جزاك الله خيرًا يا شيخ، قلت: لو كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام عايش لترك دينه واتبع محمدًا، أليس دينه هو نفس دين محمد؟ * الشيخ: يختلف المنهاج، أصل دين الأنبياء كلهم واحد؛ التوحيد أصول الدين كلهم واحد الأنبياء، لكن الله قال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨] وتلوناها في أثناء الدرس، لكن لأنك (...) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. نكمل الكلام على آخر الآية الكريمة: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قوله: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ معطوف على قوله: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾، فهو في محل رفع، بل هو مرفوع، النبي بدل من اسم الإشارة، واسم الإشارة كما نعلم مبني على السكون. قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ آمنوا بمن؟ آمنوا بهذا النبي، والإيمان بالنبي ﷺ يتضمن الإيمان بكل شريعته، وهذا الإيمان أيضا يستلزم القبول وأيش؟ والإذعان؛ أن يقبل بما جاء به النبي ﷺ وأن يذعن له. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولي كل مؤمن؛ هؤلاء وغيرهم، كل مؤمن فالله سبحانه وتعالى وليه، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة ٢٥٧]، وهذه الولاية ولاية خاصة تقتضي أن ييسر المؤمن لليسرى ويجنب العسرى، وهناك ولاية عامة شاملة لكل أحد، فالله تعالى ولي كل أحد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦١، ٦٢] فجعل الله تعالى مولى لهؤلاء وهم كفار، لكن هذا بالولاية العامة. والولاية العامة هي ولاية التصرف، التصرف في الكون والتدبير، والولاية الخاصة ولاية العناية بالمولى عليه، أن الله تعالى يعتني به وييسره لليسرى ويجنبه العسرى. في هذه الآيات الكريمة كثير من الفوائد ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ هذا مبتدأ الفوائد ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية من الفوائد: أولًا: توبيخ هؤلاء، أعني أهل الكتاب بكونهم يحاجون ويجادلون في إبراهيم عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائدها أيضًا: علو شأن إبراهيم ومنزلته بين جميع الطوائف؛ اليهود والنصارى والمسلمين. * ومن فوائدها: بيان الاحتجاج بالعقل؛ لقوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ فكيف تحاجون به مع أن التوراة والإنجيل لم تنزل إلا من بعده، وهذا خلاف العقل. * ويتفرع على هذه الفائدة: أنه لا ينبغي إهمال العقل في الاستدلال، كما لا ينبغي الاعتماد عليه وترك النص، فالناس في الاستدلال بالعقل طرفان ووسط، طرف غالى فيه حتى قدمه على السمع، وذلك بالنسبة للفقهاء في أصحاب الرأي والقياسيين الذين يعتمدون على الرأي وإن خالف النص، وفي باب العقائد جميع أهل البدع يعتمدون على العقل ويدعون السمع، مع أن العقل الذي يعتمدون عليه ليس إلا شبهات، وليس براهين ودلالات، ما فيه دلالة، لكن هم يظنون أن العقل يقتضي كذا فيثبتونه، ويقتضي نفي كذا فينفونه، ولا يرجعون في هذا إلى السمع، ومن ذلك من؟ الأشاعرة، من ذلك الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم، كل من نفى صفة أثبتها الله لنفسه بحجة أو بشبهة عقلية على الأصح -ما هي حجة، شبهة عقلية- فإنه داخل فيمن يغالي في الاستدلال بالعقل. ومن الناس -الطرف الثاني- من أنكر الاعتماد على العقل بالكلية، وقال: ليس للعقل مدخل في إثبات أي حكم، أو أي خبر، فأنكروا القياس، وذلك مثل أهل الظاهر، أنكروا نهائيا وقالوا: لا يمكن أن نرجع إلى العقل في شيء. ومن الناس من هم وسط، رجعوا إلى العقل فيما لا يخالف الشرع؛ لأن العقل إذا لم يخالف الشرع فإن الله تعالى يحيل عليه في مسائل كثيرة، مثل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤] ومثل هذه الآية: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. واستدلال الله تعالى على إحياء الموتى بإحياء الأرض بعد موتها استدلال عقلي حسي، فهو حسي لأنه مشاهد، وهو عقلي لأنه يستدل به على نظيره الذي لا يخالفه تماما. فالحاصل أن في هذه الآية اعتبار العقل دليلا، ولكن كما قلت: بشرط ألا يخالف الشرع، فإن خالف الشرع فالأصح أن نقول: إنه ليس بعقل، الأصح أن نقول إنه ليس بعقل؛ لأن صحيح المنقول لا يعارض صريح المعقول أبدًا. لكن إذا ظن أن العقل يخالف السمع فإما أن يكون لا مخالفة، وإما أن يكون السمع غير ثابت، وإما أن يكون العقل غير صحيح ملوث بالشبهات والشهوات. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن التوراة والإنجيل منزل من عند الله؛ لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾. فإن قال قائل: كيف تستدلون بهذه الآية على أن التوراة والإنجيل منزل من عند الله، مع أن الفعل هنا ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ﴾ يعني كيف يستقيم الاستدلال بهذه الآية على أن التوراة والإنجيل من عند الله نازل من عند الله مع أن الفعل، كمِّل. * طالب: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾. * طالب: الفعل مبني للمجهول. * الشيخ: الفعل مبني للمجهول، كذا؟ طيب ما الجواب على هذا؟ * الطالب: من قوله: من عنده * الشيخ: من أين علمت به؟ * الطالب: (...) الله يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ﴾، لأن المخاطب هو الله عز وجل، المتكلم هو الله، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾. * طالب: شيخ، هو النزول يجيء من العلو، والعلو ما يجيء إلا بإذنه تبارك وتعالى. * الشيخ: ما هو هذا، لا ما هو هذا. * طالب: نقول: القرآن يفسر بعضه بعضا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة ٤٤]. * الشيخ: القرآن يفسر بعضه بعضا هذا صحيح، وفي هذه السورة نفسها في أولها: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران ٣] في نفس السورة، إذن فالمنزل للتوراة والإنجيل هو الله، وحينئذ نقول: بني الفعل للمجهول للعلم بالمنزل، وهو الله، فإذا قيل: من أين علمت أنه منزل؟ قلنا: من نفس السورة في أولها: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ٣، ٤]. وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] من الخالق؟ الله، لكن حذف للعلم به، ولكن لما كان الضعف صفة نقص بني الفعل هنا للمجهول، كما بني للمجهول في قوله: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، الشر ما أضافوه إلى الله مباشرة، قال: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ﴾ والرشد أضافوه إلى الله مباشرة ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله؛ إذا ثبت الآن أن الإنزال من عند الله، فالنزول لا يكون إلا من أعلى. هل يمكن أن نستفيد من هذه الآية: أن كلام الله متعلق بمشيئته؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، كيف؟ * الطالب: أن حدث إنزال التوراة بعد إبراهيم وهذا بمشيئة الله عز وجل. * الشيخ: وهذا بمشيئة الله نعم، ولا شك أن التوراة منزلة من عند الله، لكن الله كتب التوراة، ولهذا قال بعض أهل العلم: لا نستطيع أن نثبت بأن التوراة من كلام الله، لكن الله كتبها بلا شك وهي نازلة من عنده، أما الإنجيل فهو كالقرآن، ما فيه أن الله تعالى كتبه، قال: أنزله، وهو كلام فيكون كلامه، أما التوراة فقال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٤٥]. * من فوائد الآية الكريمة: النداء على بني إسرائيل بالسفه، وأن تصرفاتهم كما هي مخالفة للمنقول فهي مخالفة للمعقول، ومن أراد أن يعرف سفاهة هؤلاء القوم فليرجع إلى كتاب إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم، ذكر أشياء عجيبة من سفه الأمة الغضبية والأمة الضالة، الأمة الغضبية هم اليهود والأمة الضالة هم النصارى، ذكر أشياء عجيبة، ولو لم يكن إلا أن الله تعالى نعى عليهم عقولهم في هذه الآية وفي آية: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤] فاليهود أمة غضبية، جاهلية، في أبعد ما يكون عن الرشد. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشادة بالعقل، وأن العقل لا يحمل صاحبه إلا على السداد والصواب؛ لقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، والمراد بالعقل هنا كما ذكرنا في التفسير عقل الرشد يعني عقل التصرف، عقل التصرف الذي به الرشد، لا عقل الإدراك الذي هو مناط التكليف؛ لأن هؤلاء اليهود والنصارى عندهم عقل، العقل الذي هو عقل إدراك الذي هو مناط التكليف هذا ثابت عند اليهود والنصارى، ولولا ذلك ما كلفوا. ثم قال: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾.* من فوائد الآية الكريمة: التنزل مع الخصم، يعني فرضنا أنه قبلت منكم المحاجة فيما لكم به علم، ولكن لا تقبل منكم المحاجة فيما ليس لكم به علم. * ومن فوائدها: ذم المحاجة بغير علم؛ لقوله: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾، وما أكثر هذا الواقع المؤسف المر في زمننا هذا، كثير من الناس اليوم يحاجون فيما ليس لهم به علم، بل بما تقتضيه عقولهم القاصرة، فيقول مثلًا: لم صار كذا ولم صار كذا، لماذا كان هذا حراما وكان هذا حلالا، لماذا كان هذا واجبا وكان هذا غير واجب، وما أشبه ذلك، فيحاجون فيما ليس لهم به علم، وكثير من العامة الذين عندهم لسن وبيان -والبيان من السحر- كثير منهم يجادل طالب العلم في أمر لا يعلمه هو، بل مجرد مجادلة ومراء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إقرار الإنسان على المحاجة بالعلم، ولكن بشرط أن يكون قصده حسنا، بحيث يريد بالمجادلة الوصول إلى الحق، يكون مقصوده الوصول إلى الحق فيثبت الحق ويبطل الباطل. أما الذي يجادل ولو فيما ليس له به إذا كان قصده إبطال الحق وإثبات الباطل فلا شك أنه مذموم، ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى ١٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلم لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن المحاجة فيما ليس له به علم ليس عنده علم ولو حاج؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ بل ليس عنده عقل أيضا، لأن المحاجة فرع عن العلم، فمن حاج بغير علم فلا عقل له، كما أنه لا علم عنده. * ومن فوائد الآية: إثبات علم الله في الحاضر، ﴿يَعْلَمُ﴾ فعل مضارع، والأصل في المضارع أنه موضوع للحاضر والمستقبل، وربما يتمحض للماضي، وربما يتمحض للمستقبل، يتمحض للماضي إذا دخلت عليه (لم)، ويتمحض للمستقبل مع السين وسوف، يعني هذا على سبيل المثال، وإذا خلا فهو صالح للحاضر والمستقبل، فهنا يقول: ﴿يَعْلَمُ﴾ يعني أن علمه عز وجل مستمر دائم وأنتم لا تعلمون ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ إلى آخره، من فوائد هذه الآية الكريمة: تبرئة إبراهيم من دين اليهود والنصارى أو من طريق اليهود والنصارى؛ لأننا ذكرنا أن الآية لها معنيان، فيها قولان، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام ليس يتدين بدين اليهود؛ لأن دين اليهود من بعده، ولا بدين النصارى؛ لأن دين النصارى من بعده، كذلك أيضا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ليس كالنصارى واليهود يتعصبون لما هم عليه بحق أو بباطل، بل كان حنيفًا مسلمًا منقادًا لأمر الله، يأتمر بأمر الله وينتهي بنهي الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن لم يتصف بوصف أن يبين براءته منه، ولو كان هذا الوصف في أصله محمودًا، لكن إذا كان لم يتصف به فالواجب أن يبين؛ لأن الله نفى أن يكون إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا، مع أن اليهودية والنصرانية بعد بعثة موسى بالنسبة لليهودية وبعثة عيسى بالنسبة للنصرانية كانت حقا قبل أن تنسخ. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على إبراهيم؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وجه الثناء عليه أنه وصفه بالتوحيد الخالص الذي لا يشوبه أي نوع من الشرك؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى ما اشتهر عند الناس من أن التخلية قبل التحلية، يعني البداءة بالنفي قبل الإثبات؛ لأن النفي تخلية والإثبات تحلية يعني: إثبات، فهنا بدأ بالنفي وهو ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ ثم أثبت في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾. والظاهر أن هذا الترتيب موافق للطبيعة؛ لأنك تخلي الشيء مما يشينه أولا، ثم تضيف إليه ما يزينه، أنت عندما تريد أن تنظف ثوبا وسخا ماذا تصنع؟ أزيل الوسخ أولا، ثم أضيف ما يكون به الكمال، وفي الحديث؛ في حديث الاستفتاح: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٤٤) من حديث أبي هريرة، وأخرجه مسلم (٥٩٨ / ١٤٧) من حديث أبي هريرة.]]. فالمباعدة ألا أمارس الذنوب والخطايا، والتنقية أن يزال هذا الأذى، والغسل أن يطهر وينظف، واضح الترتيب هذا؟ وأضرب مثلًا يتبين به: إنسان معه أذى يريد أن يضعه على بساط الصلاة، فأقول: لا تضعه، هذه مباعدة، أليس كذلك؟ مباعدة، ما يضعها، آخر جاء به فوضعه فقلت: انزعه، هذه تنقية. المرتبة الثالثة: لما نزعه قد يكون في مكانه أثر، أقول: اغسله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد في التوحيد من شيئين: نفي وإثبات، النفي في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا﴾، والإثبات في قوله: ﴿مُسْلِمًا﴾؛ لأن الحنيف هو المائل عن الشرك وعن كل دين يخالف الإسلام، والإسلام هو إثبات الاستسلام لله عز وجل، وأكد ذلك بقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. التوحيد لا يتم إلا بإثبات ونفي، والعلة ظاهرة، التعليل ظاهر جدا؛ لأن النفي تعطيل، والإثبات بدون نفي لا يمنع المشاركة، والجمع بينهما إثبات مع نفي المشاركة. نضرب مثلًا: إذا قلت: ليس هنا أحد قائم، هذا نفي، فيه إثبات ولّا ما فيه؟ إذا كان فيه أحد قائم الآن؟ ليس هنا أحد قائم، هذا تعطيل، يعني صفة القيام الآن معطلةلم يتصف به أحد. إذا قلت: زيد قائم، هذا إثبات أن زيدا قائم، فأثبت القيام الآن لواحد من الناس، لكن هل هذه العبارة تمنع أن يكون غير زيد قائما؟ ما تمنع، قد يكون فيه واحد آخر غير زيد قائم، ولهذا إذا قلت أنا: زيد قائم، فقلت أنت: وعمرو قائم، هل يعتبر قولك هذا ردا على كلامي أو إضافة إلى كلامي؟ إضافة إلى كلامي. فإذا قلت: لا قائم إلا زيد، هذا فيه نفي وإثبات، حينئذ حصل التوحيد، صار المتفرد بالقيام من؟ هو زيد، فتبين أن لا توحيد إلا بنفي وإثبات، ولهذا هنا قال سبحانه وتعالى عن وصف إبراهيم: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإسلام إذا أطلق دخل فيه الإيمان، أو إذا أفرد دخل فيه الإيمان، وجهه أن الله وصف إبراهيم بالإسلام، وهو كذلك، فالإسلام إذا أفرد دخل فيه الإيمان، والإيمان إذا أفرد دخل فيه الإسلام، وإذا اقترنا افترقا، صار الإسلام علانية والإيمان في القلب. في حديث جبريل اجتمعا فافترقا، ولهذا فسر النبي ﷺ الإسلام بشيء وفسر الإيمان بشيء آخر. في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤] اجتمعا فافترقا، فصار الإيمان الذي ادعوه غير الإسلام الذي أثبته الله لهم ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] اجتمعا فافترقا، الإخراج لم يكن إلا للمؤمنين، لكن البيت بيت مسلمين، كيف هذا؟ الذي أخرج من؟ لوط وأهله إلا زوجته، إلا امرأته، فصار الذين أخرجوا هم المؤمنين الخلص. البيت يشتمل على أهله الذين آمنوا إيمانا خالصا، وعلى امرأته التي خانته، فهي مسلمة وليست مؤمنة، إذا البيت كله باعتبار الكل مسلم، ولهذا قال: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وأما من زعم أن الإسلام هو الإيمان واستدل بالآية فقد أبعد النجعة؛ للفرق بين التعبيرين ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقل: من المسلمين قال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. إذن الإسلام هنا الذي في الآية الكريمة ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ يشمل الإيمان ولّا لا؟ * طلبة: يشمل. * الشيخ: لماذا؟ لأنه أفرد. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأنه لم يكن فيه صفة من صفات المشركين، ولهذا قال: لم يكن من المشركين ولم يقل: لم يكن مشركا، فليس فيه صفة من صفات المشركين أبدًا، لا الشرك ولا غيره، وهكذا ينبغي لكل مؤمن ألا يتصف بأي صفة من صفات المشركين. فمثلًا: من صفات المشركين الشرك واضح، من صفات المشركين كراهتهم للتوحيد، ولّا لا؟ المشركون يكرهون التوحيد؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم وينكرونه، ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص ٥] فمن كره التوحيد وإن لم يكن مشركا ففيه من صفات المشركين، بل قد يكون كافرا. ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٦٨]. في الآية دليل على أن الأولويات تختلف، أي أن الناس يتفاضلون بالأولوية والولاية؛ لقوله: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ﴾، و(أولى) اسم تفضيل، والتفضيل يدل على مفضل وأيش؟ ومفضل عليه، ولا شك أن الولاية درجات، الولاية درجات، فأحق الناس بالولاية لإبراهيم من اتبعه، يعني القوم الذين اتبعوه في عهده؛ لأن القوم الذين اتبعوه في عهده اتبعوه في أصل الدين وفي فروع الدين، يعني في جليل الدين ودقيقه، اتبعوه، ولهذا قدم الذين اتبعوه على النبي والذين آمنوا؛ لأن النبي ﷺ والذين آمنوا لم يتبعوا إبراهيم في فروع الشريعة، بل ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، لكن اتبعوه في أصل الدين والاستسلام له عز وجل، وإلا فلا شك أن النبي محمدًا ﷺ أفضل من الذين اتبعوا إبراهيم، بلا شك، بل وأتباع الرسول أفضل من أتباع إبراهيم. * من فوائد الآية الكريمة: شرف النبي ﷺ ومن آمن معه، بكونهم أولى الناس بمن؟ بإبراهيم الذي تتنازعه الأمم، كل أمة تقول: أنا أولى به. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على اليهود والنصارى، حيث ادعوا أنهم أولى الناس بإبراهيم، فكذبهم الله. من فوائدها: تشريف النبي ﷺ بالإشارة إليه من رب العالمين، في قوله: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾. * ومن فوائدها: إثبات نبوة الرسول ﷺ، وهذا أمر لا شك فيه، وكل من وصف بالنبوة في القرآن فهو رسول، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، ثم قال في هؤلاء النبيين: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء ١٦٥] إذن فكل من وصف بالنبوة في القرآن فإنه رسول، بدليل آية النساء: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ولاية الله للمؤمنين في قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذه الولاية كما قلنا آنفا ولاية خاصة، تقتضي عناية تامة، وكل من كان أكمل إيمانا فولاية الله له أكمل. (كل من كان أكمل إيمانًا فولاية الله له أكمل) * هذه فائدة، من أين أخذناها؟ من قاعدة معروفة عند أهل العلم، وهي: أن الحكم المعلق بوصف يزداد قوة بقوة هذا الوصف فيه، هذه قاعدة مفيدة: كل حكم معلق بوصف فإن هذا الحكم يزداد قوة بقوة الوصف الذي علق عليه الحكم. فإذا قلت مثلًا: أنا أحب الصالحين، معناه كل من كان أصلح فهو أحب إلي؛ لأن المحبة علقت بالصلاح، فكلما ازداد الصلاح ازدادت المحبة، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ علقت الولاية بالإيمان، فكلما كان الإنسان أقوى إيمانا كانت ولاية الله له أتم وأخص. * ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يحقق إيمانه ويكمله بقدر استطاعته؛ من أجل أن ينال ولاية الله؛ لأن كل إنسان في الحقيقة عاقل يسعى إلى أن يكون الله له وليا. نقول: الأمر سهل، حقق الإيمان يكن الله لك وليا، وكلما ازداد تحقيقك الإيمان ازدادت ولاية الله لك، وإلا فكلنا يطلب ذلك ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أوليائه، كلنا يطلب هذا، لكن بس حقق الإيمان، من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، هذه من أسباب الولاية أن يكون حبك وبغضك وكراهتك وعداوتك وولايتك لله عز وجل، لا للدنيا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب، إثبات الأسباب، من أين يؤخذ؟ ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وجه ذلك أن الإيمان جعله الله سببًا لولاية الله، ولا شك أن الأسباب ثابتة، والأسباب شرعية وعقلية وحسية، فالأسباب الشرعية ما جعلها الله تعالى سببا في القرآن، فمثلًا الإيمان سبب لدخول الجنة، هذا سبب شرعي ولّا لا؟ دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، هذا سبب شرعي. العسل سبب للشفاء. فإذا قلت مثلًا: أنا أحب الصالحين، معناه كل من كان أصلح فهو أحب إليّ؛ لأن المحبة عُلقت بالصلاح، فكلما ازداد الصلاح أيش؟ ازداد المحبة، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٦٨] عُلّقت الولاية بالإيمان، فكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كانت ولاية الله له أتم وأخص. * ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يحقّق إيمانه ويكمّله بقدر استطاعته من أجل أن ينال ولاية الله؛ لأن كل إنسان في الحقيقة عاقل يسعى إلى أن يكون الله له وليًّا، نقول: الأمر سهل؛ حقق الإيمان يكن الله لك وليًّا، وكلما ازداد تحقيقك الإيمان ازدادت ولاية الله لك، وإلا فكلنا يطلب ذلك، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أوليائه، كلنا يطلب هذا، لكن بس حقق الإيمان، من أحبَّ في الله، وأبغضَ في الله، ووالى في الله، وعادى في الله فإنما تُنال ولاية الله بذلك هذه من أسباب الولاية أن يكون حبك وبغضك وكراهتك وعداوتك وولايتك لله عز وجل لا للدنيا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب، من أين يؤخذ؟ ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وجه ذلك أن الإيمان جعله الله سببًا لولاية الله، ولا شك أن الأسباب ثابتة. والأسباب: شرعية، وعقلية، وحسية، فالأسباب الشرعية ما جعلها الله تعالى سببًا في القرآن، فمثلًا الإيمان سبب لدخول الجنة هذا سبب شرعي ولَّا لا؟ دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، هذا سبب شرعي، العسل سبب للشفاء، هو قدَري علمنا به من طريق الشرع؛ يعني من طريق الوحي، كون الماء سببًا لنبات الأرض المطر؟ سبب حسي. * طلبة: شرعي حسي. * الشيخ: نعم، هو أخبر الله به، لكن نحن نشاهد، لو فرض أنه ما في قرآن يدلنا على هذا شاهدنا بأنفسنا فهو سبب حسي. الأدوية الطبيعية التي تستخرج بالتجارب أسباب حسية، أما الأسباب العقلية فهي كثيرة جدًّا، كل شيء يترتب على شيء عقلًا فهو أيش؟ سبب عقلي، والأسباب الشرعية والحسية والعقلية كلها مؤثرة بذاتها حيث أودع الله فيها التأثير. وإنما قلت ذلك؛ لأن بعض الناس غالى في التنزيه فقال: إن الأسباب لا تؤثِّر بذاتها، وإنما يكون التأثير عندها لا بها، فقالوا مثلًا: إن الاحتراق بالنار ليس بالنار، لكن حصل الإحراق عند تماس النار بما يقبل الاحتراق حصل الاحتراق، أما النار ما هي بتحرق، لو جعلت النار تُحرق وتقلب الشيء مما كان عليه من أول لأثبتّ مع الله خالقًا وصِرت مشركًا، من اللي يقلب هذا العود إلى رماد؟ * طلبة: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: يقول: ما يقدر على هذا إلا الله، أنت لو قلت: إن النار هي اللي قلبت أشركت بالله، إذن لا تقول: النار أحرقت، احترق عندها. أخذت حجرًا فرميتَ به كأس زجاج فانكسر قال: لا تقل إن الحجر هو اللي كسره، من يستطيع يفصل بين هذه الأجزاء المتلاصقة إلا الله، فأنت إذا قلت: إن الحجر هو اللي كسرها كنت مشركًا، فإثبات تأثير الأسباب شرك، قال: انكسر عندها لا بها، انكسر عندها عند الحجر لا بالحجر، سبحان الله حط حجرًا ثقيلًا جدًّا جدًّا على الزجاج ينكسر ولَّا لا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: اضربوه بحجر صغير ينكسر، إذن كيف تقول: عندها؟ لو كان عندها كان لو حطينا حجرًا كبيرًا انكسر ولو ضربناه بحجر صغير ما ينكسر. لكن نقول: الأسباب مؤثرة، لكن الله أودع فيها هذا التأثير، الله هو اللي أودع فيها هذا التأثير، لولا أن الله أودع فيها هذا التأثير ما أثرت، ولهذا لما ألقي إبراهيم في النار فقال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] أثَّرت؟ ما أثرت. إذن عرفنا الآن أن الأسباب جعلها الله مؤثرة بذاتها ليست هي اللي تخلق أو خلقت بذاتها، ولكن الله أودع فيها هذه القوة التي يكون بها المسبَّب، واضح يا جماعة؟ وهذا هو المعقول، فنحن لا نغالي أيضًا في إثبات الأسباب ونقول: إن هذا يكون بدون الله ولا نغالي في التنزيه ونقول: إن الأسباب لا تؤثر، وإنما يحصل الأثر عندها لا بها، كلا الأمرين خطأ. والوسط في الغالب يكون هو الحق؛ لأنك تجد المتطرفين كل واحد أخذ بجانب من الحق وترك جانبًا، والوسط يأخذ بالجانبين فيكون وسطًا. * طالب: قلنا: إذا ازداد الإيمان ازدادت ولاية الله مثلًا (...) يقول: إن النبي ﷺ (...) تكرار شديد، كما قلنا أيضًا من زيادة الإيمان هو الحب في الله والبغض في الله، وبعدين ذكر في (...) أشياء لا يمكن للإنسان أن يزيد فيها ولا ينقص أن يؤمن بالله وملائكته؟ * الشيخ: لا، لا، لكن هل إيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله متساوٍ؟ * الطالب: لكن الآن ما أستطيع بالنسبة لي أنا كمؤمن فرداني شخص مؤمن بهذه الأمور كيف أزيد فيها؟ * الشيخ: لكن هل إيمانك مثل إيمان الثاني والثالث؟ * الطالب: لا، طبعًا لا. * الشيخ: حتى إيمانك في يوم من الأيام ليس كإيمانك في يوم آخر. * الطالب: لكن كيف أن أزيد فيها؟ الإيمان بالله. * الشيخ: أنت تزيد فيها؛ يعني أحيانًا يأتي الإنسان مثلًا قوة إيمان كأنما يشاهد الأمر رأي العين وأحيانًا مع الغفلة ما يكون هكذا. * طالب: هنا يقصد يا شيخ بالنسبة الآن قال النبي ﷺ حدد الأمور التي يؤمن بها؟ * الشيخ: طيب أن تؤمن بالله وملائكته إلى آخر الأركان الستة، هل الناس يتساوون في الإيمان بهذه الأمور الستة؟ * الطالب: لا يتساوون. * الشيخ: إذن كلما قوي إيمانك بهذه ازدادت ولاية الله لك. * الطالب: (...) الحب والبغض. * الشيخ: نعم، الحب في الله لإيمانك بالله أحببت في الله. * الطالب: يا شيخ، في الأسباب عندما يذهب أحد المرضى إلى المشعوذين نقول: إنه حصل الشفاء عنده لا به يعني بسببه، ما الفرق بين هذه وبين الأول؟ * الشيخ: لأن الله لم يجعل كلام المشعوذين سببًا، نقول: لا بد أن يشهد الشرع أو الحس أو العقل بأن هذا سبب، أما مجرد يجيء مشعوذ يتكلم عندنا ما نقبل، يعني لو أن واحدًا قال: أنا أدعو هذا الولي ويُستجاب لي، امرأة تقول ليست تحمل أبدًا وراحت لقبر هذا الولي وتمرغت عليه وأخذت منه ترابًا ووضعته في فرجها عند الجماع وأراد الله أن تحمل، نقول: حصل هذا بتراب هذا الولي؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لأيش؟ لأن هذا ليس سببًا شرعيًّا ولا حسيًّا ولا عقليًّا، فلا بد من أن يثبت كون هذا الشيء سببًا، ولهذا كانت التمائم شركًا، لأيش؟ لأنها ليست سببًا حسيًّا ولا شرعيًّا ولا عقليًّا. * الطالب: فيه كون الأنبياء اتفقوا في أصل التوحيد واختلفوا في فروع الدين، فاستدل بعض الناس بخلافهم في فروع الدين بجواز تعدد الجماعات الإسلامية إذا لم تختلف، أما إذا اختلفت؟ * الشيخ: اللهم نعم، أنا أوافقهم على تعدد الجماعات الإسلامية إذا كان كل رئيس لهذه الجماعات يقول: إنه نبي!! نوافقه على هذا!! إذا كان يدعي أنه نبي نقول: لا بأس، أما أن نبينا واحد وديننا واحد فلا يمكن أن نقر هذا المبدأ، تعدد الجماعات الإسلامية أبدًا، هؤلاء أنبياء مستقلون، فإذا كان هؤلاء يدعي رؤساؤهم بأنهم أنبياء فعلى العين والرأس لكن ما يدعون هذا، هم أبعد الناس عن هذه الدعوى.

آل عمران 3:67

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الظاهر أن هذه الآية منفصلة عما قبلها، وأنها من كلام الله عز وجل، يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ ويعني بهم اليهود والنصارى، ووصفوا وحدهم بذلك لأنهم هم الذين بقيت كتبهم قائمة يهتدى بها، إلى أن بعث النبي ﷺ. قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، وكلنا يعلم أن قوله: ﴿لِمَ﴾ اسم استفهام مشغول باللام، و(ما) الاستفهامية إذا جُرت بالحرف فإنها تحذف ألفها، (لم) ما فيها ألف. ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ ١] ما فيها ألف، (علام تفعل) هذه أيضا ليس فيها ألف، وتغيرت (على) من أجلها؛ لأن (على) تُكتب ألفها ياء، لكنها إذا دخلت على (ما) الاستفهامية كتبت ألفها أيش؟ ألفا: (علام)، مثل اللام. قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ أي تخاصمون، وسميت المخاصمة محاجة لأن كل واحد من المتخاصمين يدلي بحجته، يريد أن يخصم صاحبه، وقوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾، أي: في شأنه، وفي حاله، وفي دينه، وليس المراد: في ذاته؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام بشر متفق عليه ولا محاجة فيه، لكن محاجة في شأنه وحاله، لم تحاجون فيه. وما كيفية هذه المحاجة؟ كيفية هذه المحاجة على قولين لأهل العلم: القول الأول: ادعاؤهم أنهم على ملة إبراهيم، فهم كلهم يقولون: نحن على ملة إبراهيم، اليهود يقولون: نحن على ملة إبراهيم، والنصارى يقولون: نحن على ملة إبراهيم. الوجه الثاني، وهو القول الثاني: يحاجون فيه لأن اليهود يقولون: إن إبراهيم يهودي على دين اليهود، والنصارى يقولون: إن إبراهيم نصراني على دين النصارى. وهذا الوجه عكس الوجه الذي قبله؛ لأن الوجه الذي قبله يدعون هم أنهم على دين إبراهيم، وهذا الوجه يدعون أن إبراهيم على دينهم. وننظر الآن سياق الآية: ما الذي يؤيد من هذين الوجهين، ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ كيف تحاجون فيه وتقولون: إن إبراهيم على ديننا، أو تقولون: إننا نحن على دين إبراهيم؟ كيف المحاجة؟ وكيف يكون إبراهيم على دينكم والتوراة لم تنزل بعد أيها اليهود؟ وكيف يكون إبراهيم على دينكم والإنجيل لم ينزل بعد أيها النصارى؟ أو تقولون: إنكم على دينه وأنتم على الإنجيل، والإنجيل ليس هو دين إبراهيم، أو على دينه التوراة ليست هي دين إبراهيم، إبراهيم له شرعة خاصة ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨] فكيف تحاجون في هذا؟ تدعون أن إبراهيم على التوراة أو على الإنجيل، أو تدعون أنكم أيها المتمسكون بالتوراة أو المتمسكون بالإنجيل على دين إبراهيم، مع أن التوراة والإنجيل لم تنزل إلا من بعده، وهذا عقل ولّا هوس؟ هذا هوس وسخافة، كيف يكون إبراهيم على دين كتاب لم ينزل بعد؟ التوراة نزلت على موسى، والإنجيل نزل على من؟ على عيسى، وهم بعد إبراهيم بأزمنة كثيرة، فكيف يكون إبراهيم على هذا؟ ولهذا قال: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، والهمزة للتوبيخ، استفهام للتوبيخ، يعني: أفلا يكون لكم عقول تعقلون بها ما تقولون؟ وهذا فيه غاية اللوم والتوبيخ. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ تأتي في القرآن كثيرا، وقد مر علينا أن فيها لعلماء النحو قولين، ويش مين يبينهما لنا؟ فيها قولان ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ في إعرابها؟ * طالب: الهمزة للاستفهام دخلت على نفي (لا). * الشيخ: قولان، القول الأول؟ * الطالب: أشربت معنى التحدي. * الشيخ: لا يا أخي، الإعراب، ما هو المعنى، المعنى للتوبيخ واضح. * الطالب: الهمزة للاستفهام، ﴿أَفَلَا﴾ فاء للتنبيه. * الشيخ: نسيت أو لم يمر عليك؟ * الطالب: لم يمر علي. * الشيخ: لم يمر عليك؟ طيب. * طالب: ﴿أَفَلَا﴾ الألف تقدمت على الفاء. * الشيخ: الهمزة. * الطالب: الهمزة تقدمت على الفاء، وأصلها: فألا تعقلون. * الشيخ: يعني نقول الوجه الأول، الوجه الأول. * الطالب: الوجه الثاني.. * الشيخ: اصبر، الوجه الأول، ما فهمنا شيئًا الآن؟ * الطالب: الوجه الأول: أن الهمزة للاستفهام وقدمت لأن الاستفهام له الصدارة. * الشيخ: طيب والفاء؟ * الطالب: والفاء عاطفة. * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على ما قبلها. * الشيخ: على ما قبلها. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: وأصله على هذا الوجه، على هذا القول؟ * الطالب: فألا تعقلون. * الشيخ: فألا تعقلون. طيب، هذا وجه، القول الثاني؟ * الطالب: أن الهمزة زائدة، وأنها معطوفة على فعل محذوف، يعني: أجهلتم فلا تعقلون. * الشيخ: والهمزة زائدة؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: هذا قول من؟ قول وليد! طيب هو حل النصف. * طالب: دخلت على جملة محذوفة. * الشيخ: لكن الهمزة هو يقول: زائدة؟ * الطالب: لا ليست زائدة. * الشيخ: أيش هي؟ * الطالب: هي استفهامية. * الشيخ: استفهامية، إي نعم، لكنها داخلة على جملة محذوفة، التقدير؟ * الطالب: أجهلتم أفلا تعقلون، أو أغفلتم. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: أغفلتم. * الشيخ: (أغفلتم) لا، ما هو ضد العقل؟ * الطالب: الجنون. * الشيخ: إي أو السفه. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ إذن فيها وجهان: الوجه الأول: أن الهمزة للاستفهام والفاء للعطف، لكنها قدمت الهمزة للاستفهام عليها لأن لها الصدارة، وعلى هذا فلا حاجة إلى تقدير لأن الجملة تكون معطوفة على الجملة التي قبلها. والوجه الثاني: أن الفاء حرف عطف وأن المعطوف محذوف يقدر بما يناسب السياق، واللي مناسب هنا أن يقدر: (أسفهتم) مثلًا؛ لأن العقل ضده السفه ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ المراد بالعقل هنا عقل الرشد، وليس عقل الإدراك؛ لأن هؤلاء عندهم عقل إدراك، والفرق بينهما: أن عقل الإدراك مناط التكليف، وعقل الرشد مناط التصرف، يعني بمعنى أن عقل الرشد يكون به حسن التصرف من العاقل، وعقل الإدراك يكون به توجيه التكليف إلى العقل، ولهذا يقال للرجل العاقل الذكي إذا أساء في تصرفه يقال: هذا مجنون، هذا غير عاقل، مع أنه من حيث عقل الإدراك عاقل ولّا غير عاقل؟ عاقل، طيب المنفي هنا في حق هؤلاء أي العقلين؟ عقل الرشد، يعني أفلا يكون لكم عقل ترشدون به؟ ثم قال تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أولا الإعراب في هذه الآية لأن فيها شيئًا من الإشكال، ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ ها: للتنبيه، وأنت: ضمير منفصل مبتدأ، و﴿هَؤُلَاءِ﴾ ها: للتنبيه وأولاء: منادى، والتقدير: هأنتم يا هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم. ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ نقول في قوله: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ﴾ ما قلنا في قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ من حيث الإعراب. ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ أولا التنبيه هنا حسن؛ وذلك لأنه يخاطب قوما لمزهم بعدم العقل، والذي ليس عنده عقل ينبغي أن يصدر الخطاب له بما يقتضي تنبيهه؛ لأنه غافل، تصرفه تصرف مجنون، فاحتيج إلى أن ينبَّه فلذلك أتى بـ (ها) التنبيه. ثم إن قوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إشارة بعد ولّا قرب؟ * الطلبة: بعد.. قرب. * الشيخ: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إشارة بعد ولّا قرب؟ لا إله إلا الله! يحتاج إلى اشتباه ده يا جماعة، إذا كان للبعد يقرن بالكاف، وهنا لم يقرن بالكاف، بل قال: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ عرفتم يا جماعة؟ إذا كان -نرجع اسم الإشارة الآن بالنحو- إذا كان اسم الإشارة للبعيد أتي بالكاف، ولهذا قال ابن مالك: بِالْكَــــافِ حَرْفًــــا دُونَ لَامٍ أَوْمَعَــــهْ ∗∗∗ وَالــــلَّامُ إِنْ قَدَّمْــــتَ هَــــامُمْتَنِعَــــــــــــــــهْ؎بِــــــذَا وَذِي وَتَـــــــا وَتِــــــيأَشِــــــــرْ إِلَــــــى ∗∗∗ دَانِي الْمَكَانِ وَبِهِ الْكَافَ صِــــــــــلَا؎فِي الْبُعْــــــــدِ.................... ∗∗∗ ............................هذا الشاهد: (وبه الكاف صلا في البعد)، معناه: في القرب لا تصل به الكاف، فإذا كان اسم الإشارة للبعيد فلا بد من الكاف، وإذا كان أبعد يؤتى باللام أيضا. إذن المشار إليه قريب ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ ومع قربهم أتى بـ(ها) التنبيه للدلالة على بلادتهم، وأنهم مع قربهم وقرب الإشارة إليهم على بلادة عظيمة يحتاجون إلى أيش؟ التنبيه. ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ يعني خاصمتم فيما لكم به علم، وهو التوراة بالنسبة لليهود، والإنجيل بالنسبة للنصارى، يعني أنكم إذا حاججتم في التوراة والإنجيل وكانت المحاجة في التوراة من اليهود وفي الإنجيل من النصارى، فهذه محاجة فيما فيه علم لكم، نعم لكن لم تحاجون فيما ليس لكم به علم؛ وهو إبراهيم وما هو عليه من الدين. وقيل: المراد بقوله: ﴿حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي في الإسلام، في دين الإسلام، يعني حاججتم فيه وخاصمتم تقولون: ليس على دين إبراهيم، دين إبراهيم دين اليهود والنصارى، وأنتم تعلمون أن الإسلام دين الله الحق؛ لأن اليهود والنصارى يعلمون أن دين محمد ﷺ هو دين الحق، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٤٦] فصار المحاجة الآن في أيش؟ إما في الكتابين وإما في الإسلام، في دين الإسلام، وما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ والمحاجة التي يراد بها إثبات الباطل وإبطال الحق مذمومة، حتى وإن كانت عن علم، بل هي عن علم أشد ذما، فكيف تحاجون فيما ليس لكم به علم وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ والله يعلم الأمر على ما هو عليه في شأن إبراهيم، وفي شأن محمد ﷺ، وفي شأن موسى وعيسى، وأنتم لا تعلمون ما يعلمه الله تعالى من هذا وغيره. ونفي العلم عنهم هنا ليس رفعا للإثم عنهم، ولكنه إيذان بجهلهم وجهالتهم، وأن تصرفهم كتصرف الجاهل، فهو في الأول قال: لا تعقلون، وفي الثاني قال: ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾، فجمعوا بين السفه في الرأي والتدبير، وبين الجهل في العلم والتصور، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ثم ذكر الله عز وجل حال إبراهيم ذكرًا صادرًا عن علم، لا عن جهل، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ يعني ليس على ملتكم أيها اليهود، ولا على ملتكم أيها النصارى، عرفتم؟ هذا على قول من يقول: إن محاجتهم في إبراهيم أن اليهود يقولون: هو منا، والنصارى يقولون: هو منا، فنفى الله ذلك ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾. وعلى القول الثاني، يعني ما كان إبراهيم على ما أنتم عليه من التعصب والتمسك بدينكم وإن كان منسوخًا، بطل بدين الإسلام، ولكن كان حنيفًا مسلمًا، فلو أن إبراهيم كان حيًّا لاتبع من؟ محمدًا ﷺ، ولم يكن كحالكم يبقى على ما هو عليه من دينه كما بقيتم أنتم. فالآية الآن تحتمل الوجهين بناء على القولين السابقين، أي ما كان إبراهيم يسير سير اليهود فيتعصب، ولا يسير سير النصارى فيتعصب، وليس المعنى على القول الثاني أنه ما كان يهوديًّا، أي على دين اليهود، أو على دين النصارى، بل ما كان على طريقتهم في أيش؟ التعصب لما هم عليه، وإن تبين أن الحق في خلافه، ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ عليه الصلاة والسلام، ﴿كَانَ حَنِيفًا﴾ أي مائلًا عن الشرك؛ لأن الحنف في الأصل: الميل، فهو مائل عن الشرك، مثبت للتوحيد، ولهذا قال: ﴿مُسْلِمًا﴾ فهو جامع عليه الصلاة والسلام بين البراءة من الشرك براءة كاملة وبين تحقيق الإسلام تحقيقًا كاملًا، ولهذا قال: ﴿مُسْلِمًا﴾. وهنا إشكال في الإعراب في قوله: ﴿حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ كيف نعربها؟ * طالب: يعني كان هو حنيفًا، هي خبر كان. * الشيخ: ﴿مُسْلِمًا﴾؟ * الطالب: ﴿مُسْلِمًا﴾ خبر كان. * الشيخ: ثاني، يجوز تعدد الخبر؟ * الطالب: يجوز. * الشيخ: إي. * طالب: يكون معطوفًا على حرف عطف، ليس موجودًا الحرف ده أصلًا، حرف مقدر، كان حنيفًا وكان مسلمًا. * الشيخ: نعم. * طالب: يمكن حال يا شيخ؟ * الشيخ: حال؟ منين؟ * طالب: صفة حنيف. * الشيخ: صفة لأيش؟ * الطالب: حنيف. * الشيخ: الظاهر لو نجتهد كل واحد لو سألته يجينا أقوال! ﴿مُسْلِمًا﴾ خبر ثانٍ، وتعدد الخبر جائز، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٠] كثير في القرآن. وقوله: ﴿مُسْلِمًا﴾ يعني مسلمًا لله ظاهرًا وباطنًا، فيشمل الإسلام الذي هو عمل الجوارح، والإيمان الذي هو اعتقاد القلوب وأعمال القلوب. وهذه قاعدة مهمة، وهي أنه إذا أطلق الإسلام وأفرد شمل الإيمان، وإذا أطلق الإيمان وأفرد شمل الإسلام، وإذا اقترنا صار الإسلام في الظاهر والإيمان في الباطن، وهذه هي قاعدة أهل السنة والجماعة، وعليها يدل الكتاب والسنة، فقد وصف النبي ﷺ الإيمان لوفد عبد قيس بالإسلام بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٧) من حديث بن عباس، وأخرجه مسلم (١٧ / ٢٣) من حديث بن عباس.]]، ووصف الله الصلاة بالإيمان في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة ١٤٣] أي صلاتكم إلى بيت المقدس، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران ١٩] وهو يشمل كل الدين؛ الإيمان وأفعال الجوارح، فـ﴿مُسْلِمًا﴾ هنا مسلمًا لله ظاهرًا وباطنًا، فيشمل الإيمان والإسلام. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ هذا تأكيد لقوله: ﴿حَنِيفًا﴾، يعني هذه الجملة وإن كانت معطوفة بالواو لكنها في المعنى مؤكدة لما سبق، يعني ما كان من الذين يشركون بالله، لا شركا خفيا ولا شركا ظاهرا، بل كان يحارب الشرك، وصبر على الدعوة إلى التوحيد إلى أن ألقي في النار عليه الصلاة والسلام، ولكن كان جزاؤه على ذلك أن قيل للنار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩]. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ﴾ هذا الحكم بين هؤلاء الخصوم، الخصوم ثلاثة: اليهود والنصارى والمسلمون، شوف الحكم من الحكم العدل: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ قدم هنا ما كان ينبغي أن يكون خبرا وجعله هو المبتدأ الذي هو ركن الجملة الذي يسند إليه الخبر فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾، ولم يقل: إن الذين اتبعوه أولى به؛ لأجل أن يحكم بأن الأولوية لهؤلاء لا لغيرهم. ﴿أَوْلَى النَّاسِ﴾ من اليهود والنصارى والمشركين وأصحاب الأوثان وغيرهم من؟ ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾. وهنا نسأل عن اللام في قوله: ﴿لَلَّذِينَ﴾ وأيش إعرابها؟ * طالب: حرف جر. * الشيخ: حرف جر؟ لا، حرف الجر يكسر في مثل هذا. * طالب: للتأكيد. * الشيخ: للتوكيد، إي نعم، للتوكيد، و(إنّ) أيضا للتوكيد، فتكون جملة مؤكدة بمؤكدين: بـ(إن) واللام. قال: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ للذين اتبعوه من بني إسرائيل ممن سبق النبي ﷺ، ولا شك أنه تبعه كثير من المؤمنين الذين آمنوا به في حياته والذين اتبعوا طريقته بعد مماته، ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ شوف -الله أكبر- المشار إليه محمد عليه الصلاة والسلام، وكفى به فخرا أن يشير إليه رب العالمين ﴿هَذَا النَّبِيُّ﴾ هذا شرف عظيم لرسول الله ﷺ أن يكون الله يشير إليه بهذه الإشارة المفيدة للقرب، لم يقل: وذلك النبي، بل قال: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ إشارة إلى قربه؛ لأنه ﷺ أقرب الناس منزلة إلى الله سبحانه وتعالى. ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيها قراءة: ﴿النَّبِيءُ﴾ كذا؟ على هذه القراءة ﴿النَّبِيءُ﴾ مشتق من النبأ، فهو فعيل بمعنى فاعل، وبمعنى مفعول، صح؟ بمعنى فاعل لأنه منبئ مخبر، وبمعنى فعيل لأنه مخبَر، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه في وصف الرسول: وهو الصَّادق المَصْدُوق[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٠٨) من حديث عبد الله بن مسعود، وأخرجه مسلم (٢٦٤٣ / ١) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. فهو فعيل بمعنى فاعل، وفعيل بمعنى مفعل. ويبقى عندنا كيف يكون فعيل بمعنى مفعل؟ فعيل بمعنى، أنا قلت بمعنى فاعل؟ بمعنى مفعول وفعيل بمعنى مفعل. فعيل بمعنى مفعول كثير مثل جريح كسير قتيل. كثير، لكن فعيل بمعنى مفعل كيف ذلك؟ نقول: نعم هذا ورد، هذا الآن اللي معنا دليل على هذا، الآن من المعلوم أن الرسول منبئ للناس، أليس كذلك؟ فهي جاءت في القرآن، والقرآن حجة، وإذا أردت أن نأتي بحجة من كلام العرب فاسمع إلى قول الشاعر: أَمِــــنْ رَيْحَانَــــةَ الدَّاعِــــيالسَّمِيــــــــعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِــــــــي وَأَصْحَابِــــــــيهُجُــــــــــــــــوعُ (أمن ريحانة الداعي السميع) السميع بمعنى المسمع، (يؤرقني وأصحابي هجوع). فهذه سميع بمعنى مسمع في لغة العرب، على أننا في الحقيقة لا نحتاج إلى استشهاد للقرآن لإثبات أن هذا لغة، بل القرآن يستشهد به ولا يستشهد عليه، لكن من المعلوم أنه كلما زادت البينات ازداد الإنسان طمأنينة، إذن على قراءة ﴿النَّبِيءُ﴾ يجوز نقرأ بها؟ يجوز، بل يستحب أن نقرأ بها، يستحب أن نقرأ بها أحيانًا. على هذه القراءة: من النبأ، أما على قراءة النَّبِيُّ﴾ بدون همز ففيها وجهان: الوجه الأول: أنها مسهَّلة من (النبيء) بالهمز، مسهَّلة، يعني أن الهمزة جعلت ياء للتسهيل، وهذا موجود في اللغة العربية، أئمة يقال فيها في اللغة العربية: أيمة، تسهل الهمزة تجعل ياء، فالنبي نقول: هذه أصلها النبيء لكن جعلت الهمزة ياء للتخفيف، وعلى هذا الوجه يكون النبي من أين؟ من النبأ. وقيل: إن الياء أصلية لا مسهلة (النبي)، وعلى هذا فيكون مشتقا من النبوة، وهي الشيء المرتفع الناتئ، يقال: نبا ينبو يعني ارتفع، فيكون مشتقا من النبوة وهي الارتفاع، وذلك لارتفاع مرتبة النبي؛ لأن الرسل صلى الله عليهم وسلم ومنهم خاتمهم محمد ﷺ أرفع الناس قدرا عند الله، ولهذا بدأ الله بهم في صدر من أنعم عليهم ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء ٦٩]. لو قال قائل: اجعلوها من الأمرين: من النبأ ومن النبوة؟ ماذا نقول له؟ نقول: يمكن؟ يمكن؛ لأن القول الراجح أنه إذا احتمل اللفظ معنيين بدون تضاد حمل عليهما؛ لأن ذلك أوسع في المعنى، أما مع التضاد فإنه ينظر للراجح ويحمل عليه، لكن مع إمكان الجمع يجب أن يحمل على المعنيين جميعا. فإذا قال قائل: هذا استعمال لمشترك في معنييه، تعرفون اللفظ المشترك؟ اللفظ المشترك ما اتحد لفظه وتعدد معناه، كالعين، العين تقال للباصرة، عينك اللي في وجهك عين، وتقال للعين الجارية، أيش هي؟ عين الماء، وتقال للعين. * طالب: الجاسوس. * الشيخ: لا الجاسوس ما هي حقيقة، وتقال للعين الذهب، عين ورق، ولهذا يقال: عين مورودة وعين منقودة، العين المنقودة الذهب والمورودة الماء، ونقول: عين مكحولة؟ إي نعم، يمكن، العين المكحولة هي العين اللي في الوجه. يقول بعض العلماء: إن المشترك لا يمكن أن يحمل على معنييه؛ لأن كل معنى منهما يضاد الآخر، ولكن الصحيح الذي عليه أكثر أهل العلم أنه يجوز أن يحمل على معنييه بشرط عدم التعارض، فإن تعارضا وجب طلب المرجح. * طالب: شيخ، الآيات ما تؤيد أن القرآن نحن على (...) قولنا. * الشيخ: ما كملنا الآيات الحقيقة، يمكن نخلي الأربع الآيات هذه كلها نتكلم عليها جميعا في الفوائد. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك! القول الثاني في ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ يعني ما كان متعصبًا كما أنتم متعصبون؟ * الشيخ: إي يعني ما كان على طريق اليهود والنصارى. * الطالب: كيف يعني ما كان متعصبًا؟ * الشيخ: يعني ما كان على طريقكم؛ يعني إن كنتم صادقين أنكم على طريق إبراهيم أو أن إبراهيم على طريقكم فاتبعوا محمدًا. * الطالب: بس قولهم: متعصب، كيف.. * الشيخ: يعني مثلًا الآن الذي يأخذ بمذهب قوم ما هو بينسب إليهم؟ * الطالب: بلى. * الشيخ: كذا ولّا لا؟ إذن هؤلاء اليهود متعصبون لدينهم، والنصارى متعصبون لدينهم، إبراهيم ما نقول: إنه كان يهوديًّا متعصبًا أو نصرانيًّا متعصبًا، إبراهيم عليه الصلاة والسلام مسلم لله، ما هو يتعصب ليهودية ولا نصرانية. * الطالب: بس قلنا: إنه لو كان أتى إلى وقت الرسول ﷺ لأسلم. * الشيخ: إي معلوم. * الطالب: هو مسلم أصلًا، كيف يسلم؟ * الشيخ: هذا إقامة الحجة على هؤلاء اليهود والنصارى. * الطالب: نعم أسلم بمعنى ترك شريعته واتبع شريعة محمد؟ * الشيخ: إي نعم يترك شريعته ويتبع محمدًا، إي نعم. * طالب: قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ لا تؤيد القول الثاني أي بزعمكم أنكم أنتم على دينه وليس هو على دينكم؟ * الشيخ: هو قال: تحتمل، تحتمل حتى على ذلك. * الطالب: يعني التوراة والإنجيل ما حدثت إلا بعد موته؟ * الشيخ: إي وكذلك اللي يقولون: نحن على طريقة إبراهيم، وإبراهيم يعني يقولون: يتعصب، ما يذهب عن دينه، هذا معنى قولهم: على طريقتهم. * الطالب: كيف يعني يتعبد إبراهيم معهم وهم يعني..؟ * الشيخ: هم يقولون: (...) عبادتهم الخاصة، يعني طريقتهم، يعني على طريقتهم. * طالب: شيخ، الله سبحانه وتعالى قال: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ مع أنهم في كلا المسألتين عندهم علم، ولكن في الأولى يعني.. لو توضح يعني؟ * الشيخ: لا، في قضية إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما عندهم علم؛ لأن اللي يقول عن إبراهيم: إنه على طريق اليهود والنصارى أو على دين اليهود والنصارى ما عنده علم بذلك، فهو جاهل، سواء قاله بجهل مركب أو بجهل بسيط، لو علم حقيقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لعرف أنه كان حنيفًا مسلمًا. * الطالب: ممكن يكابر يا شيخ يعني يعلم أن هذا..؟ * الشيخ: ربما بعضهم، ربما بعضهم أنه يكابر. * طالب: شيخ جزاك الله خيرًا يا شيخ، قلت: لو كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام عايش لترك دينه واتبع محمدًا، أليس دينه هو نفس دين محمد؟ * الشيخ: يختلف المنهاج، أصل دين الأنبياء كلهم واحد؛ التوحيد أصول الدين كلهم واحد الأنبياء، لكن الله قال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨] وتلوناها في أثناء الدرس، لكن لأنك (...) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. نكمل الكلام على آخر الآية الكريمة: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قوله: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ معطوف على قوله: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾، فهو في محل رفع، بل هو مرفوع، النبي بدل من اسم الإشارة، واسم الإشارة كما نعلم مبني على السكون. قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ آمنوا بمن؟ آمنوا بهذا النبي، والإيمان بالنبي ﷺ يتضمن الإيمان بكل شريعته، وهذا الإيمان أيضا يستلزم القبول وأيش؟ والإذعان؛ أن يقبل بما جاء به النبي ﷺ وأن يذعن له. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولي كل مؤمن؛ هؤلاء وغيرهم، كل مؤمن فالله سبحانه وتعالى وليه، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة ٢٥٧]، وهذه الولاية ولاية خاصة تقتضي أن ييسر المؤمن لليسرى ويجنب العسرى، وهناك ولاية عامة شاملة لكل أحد، فالله تعالى ولي كل أحد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦١، ٦٢] فجعل الله تعالى مولى لهؤلاء وهم كفار، لكن هذا بالولاية العامة. والولاية العامة هي ولاية التصرف، التصرف في الكون والتدبير، والولاية الخاصة ولاية العناية بالمولى عليه، أن الله تعالى يعتني به وييسره لليسرى ويجنبه العسرى. في هذه الآيات الكريمة كثير من الفوائد ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ هذا مبتدأ الفوائد ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية من الفوائد: أولًا: توبيخ هؤلاء، أعني أهل الكتاب بكونهم يحاجون ويجادلون في إبراهيم عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائدها أيضًا: علو شأن إبراهيم ومنزلته بين جميع الطوائف؛ اليهود والنصارى والمسلمين. * ومن فوائدها: بيان الاحتجاج بالعقل؛ لقوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ فكيف تحاجون به مع أن التوراة والإنجيل لم تنزل إلا من بعده، وهذا خلاف العقل. * ويتفرع على هذه الفائدة: أنه لا ينبغي إهمال العقل في الاستدلال، كما لا ينبغي الاعتماد عليه وترك النص، فالناس في الاستدلال بالعقل طرفان ووسط، طرف غالى فيه حتى قدمه على السمع، وذلك بالنسبة للفقهاء في أصحاب الرأي والقياسيين الذين يعتمدون على الرأي وإن خالف النص، وفي باب العقائد جميع أهل البدع يعتمدون على العقل ويدعون السمع، مع أن العقل الذي يعتمدون عليه ليس إلا شبهات، وليس براهين ودلالات، ما فيه دلالة، لكن هم يظنون أن العقل يقتضي كذا فيثبتونه، ويقتضي نفي كذا فينفونه، ولا يرجعون في هذا إلى السمع، ومن ذلك من؟ الأشاعرة، من ذلك الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم، كل من نفى صفة أثبتها الله لنفسه بحجة أو بشبهة عقلية على الأصح -ما هي حجة، شبهة عقلية- فإنه داخل فيمن يغالي في الاستدلال بالعقل. ومن الناس -الطرف الثاني- من أنكر الاعتماد على العقل بالكلية، وقال: ليس للعقل مدخل في إثبات أي حكم، أو أي خبر، فأنكروا القياس، وذلك مثل أهل الظاهر، أنكروا نهائيا وقالوا: لا يمكن أن نرجع إلى العقل في شيء. ومن الناس من هم وسط، رجعوا إلى العقل فيما لا يخالف الشرع؛ لأن العقل إذا لم يخالف الشرع فإن الله تعالى يحيل عليه في مسائل كثيرة، مثل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤] ومثل هذه الآية: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. واستدلال الله تعالى على إحياء الموتى بإحياء الأرض بعد موتها استدلال عقلي حسي، فهو حسي لأنه مشاهد، وهو عقلي لأنه يستدل به على نظيره الذي لا يخالفه تماما. فالحاصل أن في هذه الآية اعتبار العقل دليلا، ولكن كما قلت: بشرط ألا يخالف الشرع، فإن خالف الشرع فالأصح أن نقول: إنه ليس بعقل، الأصح أن نقول إنه ليس بعقل؛ لأن صحيح المنقول لا يعارض صريح المعقول أبدًا. لكن إذا ظن أن العقل يخالف السمع فإما أن يكون لا مخالفة، وإما أن يكون السمع غير ثابت، وإما أن يكون العقل غير صحيح ملوث بالشبهات والشهوات. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن التوراة والإنجيل منزل من عند الله؛ لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾. فإن قال قائل: كيف تستدلون بهذه الآية على أن التوراة والإنجيل منزل من عند الله، مع أن الفعل هنا ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ﴾ يعني كيف يستقيم الاستدلال بهذه الآية على أن التوراة والإنجيل من عند الله نازل من عند الله مع أن الفعل، كمِّل. * طالب: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾. * طالب: الفعل مبني للمجهول. * الشيخ: الفعل مبني للمجهول، كذا؟ طيب ما الجواب على هذا؟ * الطالب: من قوله: من عنده * الشيخ: من أين علمت به؟ * الطالب: (...) الله يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ﴾، لأن المخاطب هو الله عز وجل، المتكلم هو الله، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾. * طالب: شيخ، هو النزول يجيء من العلو، والعلو ما يجيء إلا بإذنه تبارك وتعالى. * الشيخ: ما هو هذا، لا ما هو هذا. * طالب: نقول: القرآن يفسر بعضه بعضا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة ٤٤]. * الشيخ: القرآن يفسر بعضه بعضا هذا صحيح، وفي هذه السورة نفسها في أولها: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران ٣] في نفس السورة، إذن فالمنزل للتوراة والإنجيل هو الله، وحينئذ نقول: بني الفعل للمجهول للعلم بالمنزل، وهو الله، فإذا قيل: من أين علمت أنه منزل؟ قلنا: من نفس السورة في أولها: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ٣، ٤]. وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] من الخالق؟ الله، لكن حذف للعلم به، ولكن لما كان الضعف صفة نقص بني الفعل هنا للمجهول، كما بني للمجهول في قوله: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، الشر ما أضافوه إلى الله مباشرة، قال: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ﴾ والرشد أضافوه إلى الله مباشرة ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله؛ إذا ثبت الآن أن الإنزال من عند الله، فالنزول لا يكون إلا من أعلى. هل يمكن أن نستفيد من هذه الآية: أن كلام الله متعلق بمشيئته؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، كيف؟ * الطالب: أن حدث إنزال التوراة بعد إبراهيم وهذا بمشيئة الله عز وجل. * الشيخ: وهذا بمشيئة الله نعم، ولا شك أن التوراة منزلة من عند الله، لكن الله كتب التوراة، ولهذا قال بعض أهل العلم: لا نستطيع أن نثبت بأن التوراة من كلام الله، لكن الله كتبها بلا شك وهي نازلة من عنده، أما الإنجيل فهو كالقرآن، ما فيه أن الله تعالى كتبه، قال: أنزله، وهو كلام فيكون كلامه، أما التوراة فقال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٤٥]. * من فوائد الآية الكريمة: النداء على بني إسرائيل بالسفه، وأن تصرفاتهم كما هي مخالفة للمنقول فهي مخالفة للمعقول، ومن أراد أن يعرف سفاهة هؤلاء القوم فليرجع إلى كتاب إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم، ذكر أشياء عجيبة من سفه الأمة الغضبية والأمة الضالة، الأمة الغضبية هم اليهود والأمة الضالة هم النصارى، ذكر أشياء عجيبة، ولو لم يكن إلا أن الله تعالى نعى عليهم عقولهم في هذه الآية وفي آية: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤] فاليهود أمة غضبية، جاهلية، في أبعد ما يكون عن الرشد. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشادة بالعقل، وأن العقل لا يحمل صاحبه إلا على السداد والصواب؛ لقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، والمراد بالعقل هنا كما ذكرنا في التفسير عقل الرشد يعني عقل التصرف، عقل التصرف الذي به الرشد، لا عقل الإدراك الذي هو مناط التكليف؛ لأن هؤلاء اليهود والنصارى عندهم عقل، العقل الذي هو عقل إدراك الذي هو مناط التكليف هذا ثابت عند اليهود والنصارى، ولولا ذلك ما كلفوا. ثم قال: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾.* من فوائد الآية الكريمة: التنزل مع الخصم، يعني فرضنا أنه قبلت منكم المحاجة فيما لكم به علم، ولكن لا تقبل منكم المحاجة فيما ليس لكم به علم. * ومن فوائدها: ذم المحاجة بغير علم؛ لقوله: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾، وما أكثر هذا الواقع المؤسف المر في زمننا هذا، كثير من الناس اليوم يحاجون فيما ليس لهم به علم، بل بما تقتضيه عقولهم القاصرة، فيقول مثلًا: لم صار كذا ولم صار كذا، لماذا كان هذا حراما وكان هذا حلالا، لماذا كان هذا واجبا وكان هذا غير واجب، وما أشبه ذلك، فيحاجون فيما ليس لهم به علم، وكثير من العامة الذين عندهم لسن وبيان -والبيان من السحر- كثير منهم يجادل طالب العلم في أمر لا يعلمه هو، بل مجرد مجادلة ومراء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إقرار الإنسان على المحاجة بالعلم، ولكن بشرط أن يكون قصده حسنا، بحيث يريد بالمجادلة الوصول إلى الحق، يكون مقصوده الوصول إلى الحق فيثبت الحق ويبطل الباطل. أما الذي يجادل ولو فيما ليس له به إذا كان قصده إبطال الحق وإثبات الباطل فلا شك أنه مذموم، ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى ١٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلم لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن المحاجة فيما ليس له به علم ليس عنده علم ولو حاج؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ بل ليس عنده عقل أيضا، لأن المحاجة فرع عن العلم، فمن حاج بغير علم فلا عقل له، كما أنه لا علم عنده. * ومن فوائد الآية: إثبات علم الله في الحاضر، ﴿يَعْلَمُ﴾ فعل مضارع، والأصل في المضارع أنه موضوع للحاضر والمستقبل، وربما يتمحض للماضي، وربما يتمحض للمستقبل، يتمحض للماضي إذا دخلت عليه (لم)، ويتمحض للمستقبل مع السين وسوف، يعني هذا على سبيل المثال، وإذا خلا فهو صالح للحاضر والمستقبل، فهنا يقول: ﴿يَعْلَمُ﴾ يعني أن علمه عز وجل مستمر دائم وأنتم لا تعلمون ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ إلى آخره، من فوائد هذه الآية الكريمة: تبرئة إبراهيم من دين اليهود والنصارى أو من طريق اليهود والنصارى؛ لأننا ذكرنا أن الآية لها معنيان، فيها قولان، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام ليس يتدين بدين اليهود؛ لأن دين اليهود من بعده، ولا بدين النصارى؛ لأن دين النصارى من بعده، كذلك أيضا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ليس كالنصارى واليهود يتعصبون لما هم عليه بحق أو بباطل، بل كان حنيفًا مسلمًا منقادًا لأمر الله، يأتمر بأمر الله وينتهي بنهي الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن لم يتصف بوصف أن يبين براءته منه، ولو كان هذا الوصف في أصله محمودًا، لكن إذا كان لم يتصف به فالواجب أن يبين؛ لأن الله نفى أن يكون إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا، مع أن اليهودية والنصرانية بعد بعثة موسى بالنسبة لليهودية وبعثة عيسى بالنسبة للنصرانية كانت حقا قبل أن تنسخ. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على إبراهيم؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وجه الثناء عليه أنه وصفه بالتوحيد الخالص الذي لا يشوبه أي نوع من الشرك؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى ما اشتهر عند الناس من أن التخلية قبل التحلية، يعني البداءة بالنفي قبل الإثبات؛ لأن النفي تخلية والإثبات تحلية يعني: إثبات، فهنا بدأ بالنفي وهو ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ ثم أثبت في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾. والظاهر أن هذا الترتيب موافق للطبيعة؛ لأنك تخلي الشيء مما يشينه أولا، ثم تضيف إليه ما يزينه، أنت عندما تريد أن تنظف ثوبا وسخا ماذا تصنع؟ أزيل الوسخ أولا، ثم أضيف ما يكون به الكمال، وفي الحديث؛ في حديث الاستفتاح: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٤٤) من حديث أبي هريرة، وأخرجه مسلم (٥٩٨ / ١٤٧) من حديث أبي هريرة.]]. فالمباعدة ألا أمارس الذنوب والخطايا، والتنقية أن يزال هذا الأذى، والغسل أن يطهر وينظف، واضح الترتيب هذا؟ وأضرب مثلًا يتبين به: إنسان معه أذى يريد أن يضعه على بساط الصلاة، فأقول: لا تضعه، هذه مباعدة، أليس كذلك؟ مباعدة، ما يضعها، آخر جاء به فوضعه فقلت: انزعه، هذه تنقية. المرتبة الثالثة: لما نزعه قد يكون في مكانه أثر، أقول: اغسله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد في التوحيد من شيئين: نفي وإثبات، النفي في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا﴾، والإثبات في قوله: ﴿مُسْلِمًا﴾؛ لأن الحنيف هو المائل عن الشرك وعن كل دين يخالف الإسلام، والإسلام هو إثبات الاستسلام لله عز وجل، وأكد ذلك بقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. التوحيد لا يتم إلا بإثبات ونفي، والعلة ظاهرة، التعليل ظاهر جدا؛ لأن النفي تعطيل، والإثبات بدون نفي لا يمنع المشاركة، والجمع بينهما إثبات مع نفي المشاركة. نضرب مثلًا: إذا قلت: ليس هنا أحد قائم، هذا نفي، فيه إثبات ولّا ما فيه؟ إذا كان فيه أحد قائم الآن؟ ليس هنا أحد قائم، هذا تعطيل، يعني صفة القيام الآن معطلةلم يتصف به أحد. إذا قلت: زيد قائم، هذا إثبات أن زيدا قائم، فأثبت القيام الآن لواحد من الناس، لكن هل هذه العبارة تمنع أن يكون غير زيد قائما؟ ما تمنع، قد يكون فيه واحد آخر غير زيد قائم، ولهذا إذا قلت أنا: زيد قائم، فقلت أنت: وعمرو قائم، هل يعتبر قولك هذا ردا على كلامي أو إضافة إلى كلامي؟ إضافة إلى كلامي. فإذا قلت: لا قائم إلا زيد، هذا فيه نفي وإثبات، حينئذ حصل التوحيد، صار المتفرد بالقيام من؟ هو زيد، فتبين أن لا توحيد إلا بنفي وإثبات، ولهذا هنا قال سبحانه وتعالى عن وصف إبراهيم: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإسلام إذا أطلق دخل فيه الإيمان، أو إذا أفرد دخل فيه الإيمان، وجهه أن الله وصف إبراهيم بالإسلام، وهو كذلك، فالإسلام إذا أفرد دخل فيه الإيمان، والإيمان إذا أفرد دخل فيه الإسلام، وإذا اقترنا افترقا، صار الإسلام علانية والإيمان في القلب. في حديث جبريل اجتمعا فافترقا، ولهذا فسر النبي ﷺ الإسلام بشيء وفسر الإيمان بشيء آخر. في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤] اجتمعا فافترقا، فصار الإيمان الذي ادعوه غير الإسلام الذي أثبته الله لهم ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] اجتمعا فافترقا، الإخراج لم يكن إلا للمؤمنين، لكن البيت بيت مسلمين، كيف هذا؟ الذي أخرج من؟ لوط وأهله إلا زوجته، إلا امرأته، فصار الذين أخرجوا هم المؤمنين الخلص. البيت يشتمل على أهله الذين آمنوا إيمانا خالصا، وعلى امرأته التي خانته، فهي مسلمة وليست مؤمنة، إذا البيت كله باعتبار الكل مسلم، ولهذا قال: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وأما من زعم أن الإسلام هو الإيمان واستدل بالآية فقد أبعد النجعة؛ للفرق بين التعبيرين ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقل: من المسلمين قال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. إذن الإسلام هنا الذي في الآية الكريمة ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ يشمل الإيمان ولّا لا؟ * طلبة: يشمل. * الشيخ: لماذا؟ لأنه أفرد. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأنه لم يكن فيه صفة من صفات المشركين، ولهذا قال: لم يكن من المشركين ولم يقل: لم يكن مشركا، فليس فيه صفة من صفات المشركين أبدًا، لا الشرك ولا غيره، وهكذا ينبغي لكل مؤمن ألا يتصف بأي صفة من صفات المشركين. فمثلًا: من صفات المشركين الشرك واضح، من صفات المشركين كراهتهم للتوحيد، ولّا لا؟ المشركون يكرهون التوحيد؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم وينكرونه، ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص ٥] فمن كره التوحيد وإن لم يكن مشركا ففيه من صفات المشركين، بل قد يكون كافرا. ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٦٨]. في الآية دليل على أن الأولويات تختلف، أي أن الناس يتفاضلون بالأولوية والولاية؛ لقوله: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ﴾، و(أولى) اسم تفضيل، والتفضيل يدل على مفضل وأيش؟ ومفضل عليه، ولا شك أن الولاية درجات، الولاية درجات، فأحق الناس بالولاية لإبراهيم من اتبعه، يعني القوم الذين اتبعوه في عهده؛ لأن القوم الذين اتبعوه في عهده اتبعوه في أصل الدين وفي فروع الدين، يعني في جليل الدين ودقيقه، اتبعوه، ولهذا قدم الذين اتبعوه على النبي والذين آمنوا؛ لأن النبي ﷺ والذين آمنوا لم يتبعوا إبراهيم في فروع الشريعة، بل ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، لكن اتبعوه في أصل الدين والاستسلام له عز وجل، وإلا فلا شك أن النبي محمدًا ﷺ أفضل من الذين اتبعوا إبراهيم، بلا شك، بل وأتباع الرسول أفضل من أتباع إبراهيم. * من فوائد الآية الكريمة: شرف النبي ﷺ ومن آمن معه، بكونهم أولى الناس بمن؟ بإبراهيم الذي تتنازعه الأمم، كل أمة تقول: أنا أولى به. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على اليهود والنصارى، حيث ادعوا أنهم أولى الناس بإبراهيم، فكذبهم الله. من فوائدها: تشريف النبي ﷺ بالإشارة إليه من رب العالمين، في قوله: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾. * ومن فوائدها: إثبات نبوة الرسول ﷺ، وهذا أمر لا شك فيه، وكل من وصف بالنبوة في القرآن فهو رسول، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، ثم قال في هؤلاء النبيين: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء ١٦٥] إذن فكل من وصف بالنبوة في القرآن فإنه رسول، بدليل آية النساء: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ولاية الله للمؤمنين في قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذه الولاية كما قلنا آنفا ولاية خاصة، تقتضي عناية تامة، وكل من كان أكمل إيمانا فولاية الله له أكمل. (كل من كان أكمل إيمانًا فولاية الله له أكمل) * هذه فائدة، من أين أخذناها؟ من قاعدة معروفة عند أهل العلم، وهي: أن الحكم المعلق بوصف يزداد قوة بقوة هذا الوصف فيه، هذه قاعدة مفيدة: كل حكم معلق بوصف فإن هذا الحكم يزداد قوة بقوة الوصف الذي علق عليه الحكم. فإذا قلت مثلًا: أنا أحب الصالحين، معناه كل من كان أصلح فهو أحب إلي؛ لأن المحبة علقت بالصلاح، فكلما ازداد الصلاح ازدادت المحبة، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ علقت الولاية بالإيمان، فكلما كان الإنسان أقوى إيمانا كانت ولاية الله له أتم وأخص. * ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يحقق إيمانه ويكمله بقدر استطاعته؛ من أجل أن ينال ولاية الله؛ لأن كل إنسان في الحقيقة عاقل يسعى إلى أن يكون الله له وليا. نقول: الأمر سهل، حقق الإيمان يكن الله لك وليا، وكلما ازداد تحقيقك الإيمان ازدادت ولاية الله لك، وإلا فكلنا يطلب ذلك ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أوليائه، كلنا يطلب هذا، لكن بس حقق الإيمان، من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، هذه من أسباب الولاية أن يكون حبك وبغضك وكراهتك وعداوتك وولايتك لله عز وجل، لا للدنيا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب، إثبات الأسباب، من أين يؤخذ؟ ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وجه ذلك أن الإيمان جعله الله سببًا لولاية الله، ولا شك أن الأسباب ثابتة، والأسباب شرعية وعقلية وحسية، فالأسباب الشرعية ما جعلها الله تعالى سببا في القرآن، فمثلًا الإيمان سبب لدخول الجنة، هذا سبب شرعي ولّا لا؟ دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، هذا سبب شرعي. العسل سبب للشفاء. فإذا قلت مثلًا: أنا أحب الصالحين، معناه كل من كان أصلح فهو أحب إليّ؛ لأن المحبة عُلقت بالصلاح، فكلما ازداد الصلاح أيش؟ ازداد المحبة، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٦٨] عُلّقت الولاية بالإيمان، فكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كانت ولاية الله له أتم وأخص. * ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يحقّق إيمانه ويكمّله بقدر استطاعته من أجل أن ينال ولاية الله؛ لأن كل إنسان في الحقيقة عاقل يسعى إلى أن يكون الله له وليًّا، نقول: الأمر سهل؛ حقق الإيمان يكن الله لك وليًّا، وكلما ازداد تحقيقك الإيمان ازدادت ولاية الله لك، وإلا فكلنا يطلب ذلك، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أوليائه، كلنا يطلب هذا، لكن بس حقق الإيمان، من أحبَّ في الله، وأبغضَ في الله، ووالى في الله، وعادى في الله فإنما تُنال ولاية الله بذلك هذه من أسباب الولاية أن يكون حبك وبغضك وكراهتك وعداوتك وولايتك لله عز وجل لا للدنيا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب، من أين يؤخذ؟ ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وجه ذلك أن الإيمان جعله الله سببًا لولاية الله، ولا شك أن الأسباب ثابتة. والأسباب: شرعية، وعقلية، وحسية، فالأسباب الشرعية ما جعلها الله تعالى سببًا في القرآن، فمثلًا الإيمان سبب لدخول الجنة هذا سبب شرعي ولَّا لا؟ دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، هذا سبب شرعي، العسل سبب للشفاء، هو قدَري علمنا به من طريق الشرع؛ يعني من طريق الوحي، كون الماء سببًا لنبات الأرض المطر؟ سبب حسي. * طلبة: شرعي حسي. * الشيخ: نعم، هو أخبر الله به، لكن نحن نشاهد، لو فرض أنه ما في قرآن يدلنا على هذا شاهدنا بأنفسنا فهو سبب حسي. الأدوية الطبيعية التي تستخرج بالتجارب أسباب حسية، أما الأسباب العقلية فهي كثيرة جدًّا، كل شيء يترتب على شيء عقلًا فهو أيش؟ سبب عقلي، والأسباب الشرعية والحسية والعقلية كلها مؤثرة بذاتها حيث أودع الله فيها التأثير. وإنما قلت ذلك؛ لأن بعض الناس غالى في التنزيه فقال: إن الأسباب لا تؤثِّر بذاتها، وإنما يكون التأثير عندها لا بها، فقالوا مثلًا: إن الاحتراق بالنار ليس بالنار، لكن حصل الإحراق عند تماس النار بما يقبل الاحتراق حصل الاحتراق، أما النار ما هي بتحرق، لو جعلت النار تُحرق وتقلب الشيء مما كان عليه من أول لأثبتّ مع الله خالقًا وصِرت مشركًا، من اللي يقلب هذا العود إلى رماد؟ * طلبة: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: يقول: ما يقدر على هذا إلا الله، أنت لو قلت: إن النار هي اللي قلبت أشركت بالله، إذن لا تقول: النار أحرقت، احترق عندها. أخذت حجرًا فرميتَ به كأس زجاج فانكسر قال: لا تقل إن الحجر هو اللي كسره، من يستطيع يفصل بين هذه الأجزاء المتلاصقة إلا الله، فأنت إذا قلت: إن الحجر هو اللي كسرها كنت مشركًا، فإثبات تأثير الأسباب شرك، قال: انكسر عندها لا بها، انكسر عندها عند الحجر لا بالحجر، سبحان الله حط حجرًا ثقيلًا جدًّا جدًّا على الزجاج ينكسر ولَّا لا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: اضربوه بحجر صغير ينكسر، إذن كيف تقول: عندها؟ لو كان عندها كان لو حطينا حجرًا كبيرًا انكسر ولو ضربناه بحجر صغير ما ينكسر. لكن نقول: الأسباب مؤثرة، لكن الله أودع فيها هذا التأثير، الله هو اللي أودع فيها هذا التأثير، لولا أن الله أودع فيها هذا التأثير ما أثرت، ولهذا لما ألقي إبراهيم في النار فقال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] أثَّرت؟ ما أثرت. إذن عرفنا الآن أن الأسباب جعلها الله مؤثرة بذاتها ليست هي اللي تخلق أو خلقت بذاتها، ولكن الله أودع فيها هذه القوة التي يكون بها المسبَّب، واضح يا جماعة؟ وهذا هو المعقول، فنحن لا نغالي أيضًا في إثبات الأسباب ونقول: إن هذا يكون بدون الله ولا نغالي في التنزيه ونقول: إن الأسباب لا تؤثر، وإنما يحصل الأثر عندها لا بها، كلا الأمرين خطأ. والوسط في الغالب يكون هو الحق؛ لأنك تجد المتطرفين كل واحد أخذ بجانب من الحق وترك جانبًا، والوسط يأخذ بالجانبين فيكون وسطًا. * طالب: قلنا: إذا ازداد الإيمان ازدادت ولاية الله مثلًا (...) يقول: إن النبي ﷺ (...) تكرار شديد، كما قلنا أيضًا من زيادة الإيمان هو الحب في الله والبغض في الله، وبعدين ذكر في (...) أشياء لا يمكن للإنسان أن يزيد فيها ولا ينقص أن يؤمن بالله وملائكته؟ * الشيخ: لا، لا، لكن هل إيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله متساوٍ؟ * الطالب: لكن الآن ما أستطيع بالنسبة لي أنا كمؤمن فرداني شخص مؤمن بهذه الأمور كيف أزيد فيها؟ * الشيخ: لكن هل إيمانك مثل إيمان الثاني والثالث؟ * الطالب: لا، طبعًا لا. * الشيخ: حتى إيمانك في يوم من الأيام ليس كإيمانك في يوم آخر. * الطالب: لكن كيف أن أزيد فيها؟ الإيمان بالله. * الشيخ: أنت تزيد فيها؛ يعني أحيانًا يأتي الإنسان مثلًا قوة إيمان كأنما يشاهد الأمر رأي العين وأحيانًا مع الغفلة ما يكون هكذا. * طالب: هنا يقصد يا شيخ بالنسبة الآن قال النبي ﷺ حدد الأمور التي يؤمن بها؟ * الشيخ: طيب أن تؤمن بالله وملائكته إلى آخر الأركان الستة، هل الناس يتساوون في الإيمان بهذه الأمور الستة؟ * الطالب: لا يتساوون. * الشيخ: إذن كلما قوي إيمانك بهذه ازدادت ولاية الله لك. * الطالب: (...) الحب والبغض. * الشيخ: نعم، الحب في الله لإيمانك بالله أحببت في الله. * الطالب: يا شيخ، في الأسباب عندما يذهب أحد المرضى إلى المشعوذين نقول: إنه حصل الشفاء عنده لا به يعني بسببه، ما الفرق بين هذه وبين الأول؟ * الشيخ: لأن الله لم يجعل كلام المشعوذين سببًا، نقول: لا بد أن يشهد الشرع أو الحس أو العقل بأن هذا سبب، أما مجرد يجيء مشعوذ يتكلم عندنا ما نقبل، يعني لو أن واحدًا قال: أنا أدعو هذا الولي ويُستجاب لي، امرأة تقول ليست تحمل أبدًا وراحت لقبر هذا الولي وتمرغت عليه وأخذت منه ترابًا ووضعته في فرجها عند الجماع وأراد الله أن تحمل، نقول: حصل هذا بتراب هذا الولي؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لأيش؟ لأن هذا ليس سببًا شرعيًّا ولا حسيًّا ولا عقليًّا، فلا بد من أن يثبت كون هذا الشيء سببًا، ولهذا كانت التمائم شركًا، لأيش؟ لأنها ليست سببًا حسيًّا ولا شرعيًّا ولا عقليًّا. * الطالب: فيه كون الأنبياء اتفقوا في أصل التوحيد واختلفوا في فروع الدين، فاستدل بعض الناس بخلافهم في فروع الدين بجواز تعدد الجماعات الإسلامية إذا لم تختلف، أما إذا اختلفت؟ * الشيخ: اللهم نعم، أنا أوافقهم على تعدد الجماعات الإسلامية إذا كان كل رئيس لهذه الجماعات يقول: إنه نبي!! نوافقه على هذا!! إذا كان يدعي أنه نبي نقول: لا بأس، أما أن نبينا واحد وديننا واحد فلا يمكن أن نقر هذا المبدأ، تعدد الجماعات الإسلامية أبدًا، هؤلاء أنبياء مستقلون، فإذا كان هؤلاء يدعي رؤساؤهم بأنهم أنبياء فعلى العين والرأس لكن ما يدعون هذا، هم أبعد الناس عن هذه الدعوى.

آل عمران 3:68

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الظاهر أن هذه الآية منفصلة عما قبلها، وأنها من كلام الله عز وجل، يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ ويعني بهم اليهود والنصارى، ووصفوا وحدهم بذلك لأنهم هم الذين بقيت كتبهم قائمة يهتدى بها، إلى أن بعث النبي ﷺ. قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، وكلنا يعلم أن قوله: ﴿لِمَ﴾ اسم استفهام مشغول باللام، و(ما) الاستفهامية إذا جُرت بالحرف فإنها تحذف ألفها، (لم) ما فيها ألف. ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ ١] ما فيها ألف، (علام تفعل) هذه أيضا ليس فيها ألف، وتغيرت (على) من أجلها؛ لأن (على) تُكتب ألفها ياء، لكنها إذا دخلت على (ما) الاستفهامية كتبت ألفها أيش؟ ألفا: (علام)، مثل اللام. قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ أي تخاصمون، وسميت المخاصمة محاجة لأن كل واحد من المتخاصمين يدلي بحجته، يريد أن يخصم صاحبه، وقوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾، أي: في شأنه، وفي حاله، وفي دينه، وليس المراد: في ذاته؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام بشر متفق عليه ولا محاجة فيه، لكن محاجة في شأنه وحاله، لم تحاجون فيه. وما كيفية هذه المحاجة؟ كيفية هذه المحاجة على قولين لأهل العلم: القول الأول: ادعاؤهم أنهم على ملة إبراهيم، فهم كلهم يقولون: نحن على ملة إبراهيم، اليهود يقولون: نحن على ملة إبراهيم، والنصارى يقولون: نحن على ملة إبراهيم. الوجه الثاني، وهو القول الثاني: يحاجون فيه لأن اليهود يقولون: إن إبراهيم يهودي على دين اليهود، والنصارى يقولون: إن إبراهيم نصراني على دين النصارى. وهذا الوجه عكس الوجه الذي قبله؛ لأن الوجه الذي قبله يدعون هم أنهم على دين إبراهيم، وهذا الوجه يدعون أن إبراهيم على دينهم. وننظر الآن سياق الآية: ما الذي يؤيد من هذين الوجهين، ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ كيف تحاجون فيه وتقولون: إن إبراهيم على ديننا، أو تقولون: إننا نحن على دين إبراهيم؟ كيف المحاجة؟ وكيف يكون إبراهيم على دينكم والتوراة لم تنزل بعد أيها اليهود؟ وكيف يكون إبراهيم على دينكم والإنجيل لم ينزل بعد أيها النصارى؟ أو تقولون: إنكم على دينه وأنتم على الإنجيل، والإنجيل ليس هو دين إبراهيم، أو على دينه التوراة ليست هي دين إبراهيم، إبراهيم له شرعة خاصة ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨] فكيف تحاجون في هذا؟ تدعون أن إبراهيم على التوراة أو على الإنجيل، أو تدعون أنكم أيها المتمسكون بالتوراة أو المتمسكون بالإنجيل على دين إبراهيم، مع أن التوراة والإنجيل لم تنزل إلا من بعده، وهذا عقل ولّا هوس؟ هذا هوس وسخافة، كيف يكون إبراهيم على دين كتاب لم ينزل بعد؟ التوراة نزلت على موسى، والإنجيل نزل على من؟ على عيسى، وهم بعد إبراهيم بأزمنة كثيرة، فكيف يكون إبراهيم على هذا؟ ولهذا قال: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، والهمزة للتوبيخ، استفهام للتوبيخ، يعني: أفلا يكون لكم عقول تعقلون بها ما تقولون؟ وهذا فيه غاية اللوم والتوبيخ. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ تأتي في القرآن كثيرا، وقد مر علينا أن فيها لعلماء النحو قولين، ويش مين يبينهما لنا؟ فيها قولان ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ في إعرابها؟ * طالب: الهمزة للاستفهام دخلت على نفي (لا). * الشيخ: قولان، القول الأول؟ * الطالب: أشربت معنى التحدي. * الشيخ: لا يا أخي، الإعراب، ما هو المعنى، المعنى للتوبيخ واضح. * الطالب: الهمزة للاستفهام، ﴿أَفَلَا﴾ فاء للتنبيه. * الشيخ: نسيت أو لم يمر عليك؟ * الطالب: لم يمر علي. * الشيخ: لم يمر عليك؟ طيب. * طالب: ﴿أَفَلَا﴾ الألف تقدمت على الفاء. * الشيخ: الهمزة. * الطالب: الهمزة تقدمت على الفاء، وأصلها: فألا تعقلون. * الشيخ: يعني نقول الوجه الأول، الوجه الأول. * الطالب: الوجه الثاني.. * الشيخ: اصبر، الوجه الأول، ما فهمنا شيئًا الآن؟ * الطالب: الوجه الأول: أن الهمزة للاستفهام وقدمت لأن الاستفهام له الصدارة. * الشيخ: طيب والفاء؟ * الطالب: والفاء عاطفة. * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على ما قبلها. * الشيخ: على ما قبلها. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: وأصله على هذا الوجه، على هذا القول؟ * الطالب: فألا تعقلون. * الشيخ: فألا تعقلون. طيب، هذا وجه، القول الثاني؟ * الطالب: أن الهمزة زائدة، وأنها معطوفة على فعل محذوف، يعني: أجهلتم فلا تعقلون. * الشيخ: والهمزة زائدة؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: هذا قول من؟ قول وليد! طيب هو حل النصف. * طالب: دخلت على جملة محذوفة. * الشيخ: لكن الهمزة هو يقول: زائدة؟ * الطالب: لا ليست زائدة. * الشيخ: أيش هي؟ * الطالب: هي استفهامية. * الشيخ: استفهامية، إي نعم، لكنها داخلة على جملة محذوفة، التقدير؟ * الطالب: أجهلتم أفلا تعقلون، أو أغفلتم. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: أغفلتم. * الشيخ: (أغفلتم) لا، ما هو ضد العقل؟ * الطالب: الجنون. * الشيخ: إي أو السفه. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ إذن فيها وجهان: الوجه الأول: أن الهمزة للاستفهام والفاء للعطف، لكنها قدمت الهمزة للاستفهام عليها لأن لها الصدارة، وعلى هذا فلا حاجة إلى تقدير لأن الجملة تكون معطوفة على الجملة التي قبلها. والوجه الثاني: أن الفاء حرف عطف وأن المعطوف محذوف يقدر بما يناسب السياق، واللي مناسب هنا أن يقدر: (أسفهتم) مثلًا؛ لأن العقل ضده السفه ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ المراد بالعقل هنا عقل الرشد، وليس عقل الإدراك؛ لأن هؤلاء عندهم عقل إدراك، والفرق بينهما: أن عقل الإدراك مناط التكليف، وعقل الرشد مناط التصرف، يعني بمعنى أن عقل الرشد يكون به حسن التصرف من العاقل، وعقل الإدراك يكون به توجيه التكليف إلى العقل، ولهذا يقال للرجل العاقل الذكي إذا أساء في تصرفه يقال: هذا مجنون، هذا غير عاقل، مع أنه من حيث عقل الإدراك عاقل ولّا غير عاقل؟ عاقل، طيب المنفي هنا في حق هؤلاء أي العقلين؟ عقل الرشد، يعني أفلا يكون لكم عقل ترشدون به؟ ثم قال تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أولا الإعراب في هذه الآية لأن فيها شيئًا من الإشكال، ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ ها: للتنبيه، وأنت: ضمير منفصل مبتدأ، و﴿هَؤُلَاءِ﴾ ها: للتنبيه وأولاء: منادى، والتقدير: هأنتم يا هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم. ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ نقول في قوله: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ﴾ ما قلنا في قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ من حيث الإعراب. ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ أولا التنبيه هنا حسن؛ وذلك لأنه يخاطب قوما لمزهم بعدم العقل، والذي ليس عنده عقل ينبغي أن يصدر الخطاب له بما يقتضي تنبيهه؛ لأنه غافل، تصرفه تصرف مجنون، فاحتيج إلى أن ينبَّه فلذلك أتى بـ (ها) التنبيه. ثم إن قوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إشارة بعد ولّا قرب؟ * الطلبة: بعد.. قرب. * الشيخ: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إشارة بعد ولّا قرب؟ لا إله إلا الله! يحتاج إلى اشتباه ده يا جماعة، إذا كان للبعد يقرن بالكاف، وهنا لم يقرن بالكاف، بل قال: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ عرفتم يا جماعة؟ إذا كان -نرجع اسم الإشارة الآن بالنحو- إذا كان اسم الإشارة للبعيد أتي بالكاف، ولهذا قال ابن مالك: بِالْكَــــافِ حَرْفًــــا دُونَ لَامٍ أَوْمَعَــــهْ ∗∗∗ وَالــــلَّامُ إِنْ قَدَّمْــــتَ هَــــامُمْتَنِعَــــــــــــــــهْ؎بِــــــذَا وَذِي وَتَـــــــا وَتِــــــيأَشِــــــــرْ إِلَــــــى ∗∗∗ دَانِي الْمَكَانِ وَبِهِ الْكَافَ صِــــــــــلَا؎فِي الْبُعْــــــــدِ.................... ∗∗∗ ............................هذا الشاهد: (وبه الكاف صلا في البعد)، معناه: في القرب لا تصل به الكاف، فإذا كان اسم الإشارة للبعيد فلا بد من الكاف، وإذا كان أبعد يؤتى باللام أيضا. إذن المشار إليه قريب ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ ومع قربهم أتى بـ(ها) التنبيه للدلالة على بلادتهم، وأنهم مع قربهم وقرب الإشارة إليهم على بلادة عظيمة يحتاجون إلى أيش؟ التنبيه. ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ يعني خاصمتم فيما لكم به علم، وهو التوراة بالنسبة لليهود، والإنجيل بالنسبة للنصارى، يعني أنكم إذا حاججتم في التوراة والإنجيل وكانت المحاجة في التوراة من اليهود وفي الإنجيل من النصارى، فهذه محاجة فيما فيه علم لكم، نعم لكن لم تحاجون فيما ليس لكم به علم؛ وهو إبراهيم وما هو عليه من الدين. وقيل: المراد بقوله: ﴿حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي في الإسلام، في دين الإسلام، يعني حاججتم فيه وخاصمتم تقولون: ليس على دين إبراهيم، دين إبراهيم دين اليهود والنصارى، وأنتم تعلمون أن الإسلام دين الله الحق؛ لأن اليهود والنصارى يعلمون أن دين محمد ﷺ هو دين الحق، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٤٦] فصار المحاجة الآن في أيش؟ إما في الكتابين وإما في الإسلام، في دين الإسلام، وما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ والمحاجة التي يراد بها إثبات الباطل وإبطال الحق مذمومة، حتى وإن كانت عن علم، بل هي عن علم أشد ذما، فكيف تحاجون فيما ليس لكم به علم وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ والله يعلم الأمر على ما هو عليه في شأن إبراهيم، وفي شأن محمد ﷺ، وفي شأن موسى وعيسى، وأنتم لا تعلمون ما يعلمه الله تعالى من هذا وغيره. ونفي العلم عنهم هنا ليس رفعا للإثم عنهم، ولكنه إيذان بجهلهم وجهالتهم، وأن تصرفهم كتصرف الجاهل، فهو في الأول قال: لا تعقلون، وفي الثاني قال: ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾، فجمعوا بين السفه في الرأي والتدبير، وبين الجهل في العلم والتصور، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ثم ذكر الله عز وجل حال إبراهيم ذكرًا صادرًا عن علم، لا عن جهل، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ يعني ليس على ملتكم أيها اليهود، ولا على ملتكم أيها النصارى، عرفتم؟ هذا على قول من يقول: إن محاجتهم في إبراهيم أن اليهود يقولون: هو منا، والنصارى يقولون: هو منا، فنفى الله ذلك ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾. وعلى القول الثاني، يعني ما كان إبراهيم على ما أنتم عليه من التعصب والتمسك بدينكم وإن كان منسوخًا، بطل بدين الإسلام، ولكن كان حنيفًا مسلمًا، فلو أن إبراهيم كان حيًّا لاتبع من؟ محمدًا ﷺ، ولم يكن كحالكم يبقى على ما هو عليه من دينه كما بقيتم أنتم. فالآية الآن تحتمل الوجهين بناء على القولين السابقين، أي ما كان إبراهيم يسير سير اليهود فيتعصب، ولا يسير سير النصارى فيتعصب، وليس المعنى على القول الثاني أنه ما كان يهوديًّا، أي على دين اليهود، أو على دين النصارى، بل ما كان على طريقتهم في أيش؟ التعصب لما هم عليه، وإن تبين أن الحق في خلافه، ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ عليه الصلاة والسلام، ﴿كَانَ حَنِيفًا﴾ أي مائلًا عن الشرك؛ لأن الحنف في الأصل: الميل، فهو مائل عن الشرك، مثبت للتوحيد، ولهذا قال: ﴿مُسْلِمًا﴾ فهو جامع عليه الصلاة والسلام بين البراءة من الشرك براءة كاملة وبين تحقيق الإسلام تحقيقًا كاملًا، ولهذا قال: ﴿مُسْلِمًا﴾. وهنا إشكال في الإعراب في قوله: ﴿حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ كيف نعربها؟ * طالب: يعني كان هو حنيفًا، هي خبر كان. * الشيخ: ﴿مُسْلِمًا﴾؟ * الطالب: ﴿مُسْلِمًا﴾ خبر كان. * الشيخ: ثاني، يجوز تعدد الخبر؟ * الطالب: يجوز. * الشيخ: إي. * طالب: يكون معطوفًا على حرف عطف، ليس موجودًا الحرف ده أصلًا، حرف مقدر، كان حنيفًا وكان مسلمًا. * الشيخ: نعم. * طالب: يمكن حال يا شيخ؟ * الشيخ: حال؟ منين؟ * طالب: صفة حنيف. * الشيخ: صفة لأيش؟ * الطالب: حنيف. * الشيخ: الظاهر لو نجتهد كل واحد لو سألته يجينا أقوال! ﴿مُسْلِمًا﴾ خبر ثانٍ، وتعدد الخبر جائز، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٠] كثير في القرآن. وقوله: ﴿مُسْلِمًا﴾ يعني مسلمًا لله ظاهرًا وباطنًا، فيشمل الإسلام الذي هو عمل الجوارح، والإيمان الذي هو اعتقاد القلوب وأعمال القلوب. وهذه قاعدة مهمة، وهي أنه إذا أطلق الإسلام وأفرد شمل الإيمان، وإذا أطلق الإيمان وأفرد شمل الإسلام، وإذا اقترنا صار الإسلام في الظاهر والإيمان في الباطن، وهذه هي قاعدة أهل السنة والجماعة، وعليها يدل الكتاب والسنة، فقد وصف النبي ﷺ الإيمان لوفد عبد قيس بالإسلام بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٧) من حديث بن عباس، وأخرجه مسلم (١٧ / ٢٣) من حديث بن عباس.]]، ووصف الله الصلاة بالإيمان في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة ١٤٣] أي صلاتكم إلى بيت المقدس، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران ١٩] وهو يشمل كل الدين؛ الإيمان وأفعال الجوارح، فـ﴿مُسْلِمًا﴾ هنا مسلمًا لله ظاهرًا وباطنًا، فيشمل الإيمان والإسلام. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ هذا تأكيد لقوله: ﴿حَنِيفًا﴾، يعني هذه الجملة وإن كانت معطوفة بالواو لكنها في المعنى مؤكدة لما سبق، يعني ما كان من الذين يشركون بالله، لا شركا خفيا ولا شركا ظاهرا، بل كان يحارب الشرك، وصبر على الدعوة إلى التوحيد إلى أن ألقي في النار عليه الصلاة والسلام، ولكن كان جزاؤه على ذلك أن قيل للنار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩]. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ﴾ هذا الحكم بين هؤلاء الخصوم، الخصوم ثلاثة: اليهود والنصارى والمسلمون، شوف الحكم من الحكم العدل: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ قدم هنا ما كان ينبغي أن يكون خبرا وجعله هو المبتدأ الذي هو ركن الجملة الذي يسند إليه الخبر فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾، ولم يقل: إن الذين اتبعوه أولى به؛ لأجل أن يحكم بأن الأولوية لهؤلاء لا لغيرهم. ﴿أَوْلَى النَّاسِ﴾ من اليهود والنصارى والمشركين وأصحاب الأوثان وغيرهم من؟ ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾. وهنا نسأل عن اللام في قوله: ﴿لَلَّذِينَ﴾ وأيش إعرابها؟ * طالب: حرف جر. * الشيخ: حرف جر؟ لا، حرف الجر يكسر في مثل هذا. * طالب: للتأكيد. * الشيخ: للتوكيد، إي نعم، للتوكيد، و(إنّ) أيضا للتوكيد، فتكون جملة مؤكدة بمؤكدين: بـ(إن) واللام. قال: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ للذين اتبعوه من بني إسرائيل ممن سبق النبي ﷺ، ولا شك أنه تبعه كثير من المؤمنين الذين آمنوا به في حياته والذين اتبعوا طريقته بعد مماته، ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ شوف -الله أكبر- المشار إليه محمد عليه الصلاة والسلام، وكفى به فخرا أن يشير إليه رب العالمين ﴿هَذَا النَّبِيُّ﴾ هذا شرف عظيم لرسول الله ﷺ أن يكون الله يشير إليه بهذه الإشارة المفيدة للقرب، لم يقل: وذلك النبي، بل قال: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ إشارة إلى قربه؛ لأنه ﷺ أقرب الناس منزلة إلى الله سبحانه وتعالى. ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيها قراءة: ﴿النَّبِيءُ﴾ كذا؟ على هذه القراءة ﴿النَّبِيءُ﴾ مشتق من النبأ، فهو فعيل بمعنى فاعل، وبمعنى مفعول، صح؟ بمعنى فاعل لأنه منبئ مخبر، وبمعنى فعيل لأنه مخبَر، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه في وصف الرسول: وهو الصَّادق المَصْدُوق[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٠٨) من حديث عبد الله بن مسعود، وأخرجه مسلم (٢٦٤٣ / ١) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. فهو فعيل بمعنى فاعل، وفعيل بمعنى مفعل. ويبقى عندنا كيف يكون فعيل بمعنى مفعل؟ فعيل بمعنى، أنا قلت بمعنى فاعل؟ بمعنى مفعول وفعيل بمعنى مفعل. فعيل بمعنى مفعول كثير مثل جريح كسير قتيل. كثير، لكن فعيل بمعنى مفعل كيف ذلك؟ نقول: نعم هذا ورد، هذا الآن اللي معنا دليل على هذا، الآن من المعلوم أن الرسول منبئ للناس، أليس كذلك؟ فهي جاءت في القرآن، والقرآن حجة، وإذا أردت أن نأتي بحجة من كلام العرب فاسمع إلى قول الشاعر: أَمِــــنْ رَيْحَانَــــةَ الدَّاعِــــيالسَّمِيــــــــعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِــــــــي وَأَصْحَابِــــــــيهُجُــــــــــــــــوعُ (أمن ريحانة الداعي السميع) السميع بمعنى المسمع، (يؤرقني وأصحابي هجوع). فهذه سميع بمعنى مسمع في لغة العرب، على أننا في الحقيقة لا نحتاج إلى استشهاد للقرآن لإثبات أن هذا لغة، بل القرآن يستشهد به ولا يستشهد عليه، لكن من المعلوم أنه كلما زادت البينات ازداد الإنسان طمأنينة، إذن على قراءة ﴿النَّبِيءُ﴾ يجوز نقرأ بها؟ يجوز، بل يستحب أن نقرأ بها، يستحب أن نقرأ بها أحيانًا. على هذه القراءة: من النبأ، أما على قراءة النَّبِيُّ﴾ بدون همز ففيها وجهان: الوجه الأول: أنها مسهَّلة من (النبيء) بالهمز، مسهَّلة، يعني أن الهمزة جعلت ياء للتسهيل، وهذا موجود في اللغة العربية، أئمة يقال فيها في اللغة العربية: أيمة، تسهل الهمزة تجعل ياء، فالنبي نقول: هذه أصلها النبيء لكن جعلت الهمزة ياء للتخفيف، وعلى هذا الوجه يكون النبي من أين؟ من النبأ. وقيل: إن الياء أصلية لا مسهلة (النبي)، وعلى هذا فيكون مشتقا من النبوة، وهي الشيء المرتفع الناتئ، يقال: نبا ينبو يعني ارتفع، فيكون مشتقا من النبوة وهي الارتفاع، وذلك لارتفاع مرتبة النبي؛ لأن الرسل صلى الله عليهم وسلم ومنهم خاتمهم محمد ﷺ أرفع الناس قدرا عند الله، ولهذا بدأ الله بهم في صدر من أنعم عليهم ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء ٦٩]. لو قال قائل: اجعلوها من الأمرين: من النبأ ومن النبوة؟ ماذا نقول له؟ نقول: يمكن؟ يمكن؛ لأن القول الراجح أنه إذا احتمل اللفظ معنيين بدون تضاد حمل عليهما؛ لأن ذلك أوسع في المعنى، أما مع التضاد فإنه ينظر للراجح ويحمل عليه، لكن مع إمكان الجمع يجب أن يحمل على المعنيين جميعا. فإذا قال قائل: هذا استعمال لمشترك في معنييه، تعرفون اللفظ المشترك؟ اللفظ المشترك ما اتحد لفظه وتعدد معناه، كالعين، العين تقال للباصرة، عينك اللي في وجهك عين، وتقال للعين الجارية، أيش هي؟ عين الماء، وتقال للعين. * طالب: الجاسوس. * الشيخ: لا الجاسوس ما هي حقيقة، وتقال للعين الذهب، عين ورق، ولهذا يقال: عين مورودة وعين منقودة، العين المنقودة الذهب والمورودة الماء، ونقول: عين مكحولة؟ إي نعم، يمكن، العين المكحولة هي العين اللي في الوجه. يقول بعض العلماء: إن المشترك لا يمكن أن يحمل على معنييه؛ لأن كل معنى منهما يضاد الآخر، ولكن الصحيح الذي عليه أكثر أهل العلم أنه يجوز أن يحمل على معنييه بشرط عدم التعارض، فإن تعارضا وجب طلب المرجح. * طالب: شيخ، الآيات ما تؤيد أن القرآن نحن على (...) قولنا. * الشيخ: ما كملنا الآيات الحقيقة، يمكن نخلي الأربع الآيات هذه كلها نتكلم عليها جميعا في الفوائد. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك! القول الثاني في ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ يعني ما كان متعصبًا كما أنتم متعصبون؟ * الشيخ: إي يعني ما كان على طريق اليهود والنصارى. * الطالب: كيف يعني ما كان متعصبًا؟ * الشيخ: يعني ما كان على طريقكم؛ يعني إن كنتم صادقين أنكم على طريق إبراهيم أو أن إبراهيم على طريقكم فاتبعوا محمدًا. * الطالب: بس قولهم: متعصب، كيف.. * الشيخ: يعني مثلًا الآن الذي يأخذ بمذهب قوم ما هو بينسب إليهم؟ * الطالب: بلى. * الشيخ: كذا ولّا لا؟ إذن هؤلاء اليهود متعصبون لدينهم، والنصارى متعصبون لدينهم، إبراهيم ما نقول: إنه كان يهوديًّا متعصبًا أو نصرانيًّا متعصبًا، إبراهيم عليه الصلاة والسلام مسلم لله، ما هو يتعصب ليهودية ولا نصرانية. * الطالب: بس قلنا: إنه لو كان أتى إلى وقت الرسول ﷺ لأسلم. * الشيخ: إي معلوم. * الطالب: هو مسلم أصلًا، كيف يسلم؟ * الشيخ: هذا إقامة الحجة على هؤلاء اليهود والنصارى. * الطالب: نعم أسلم بمعنى ترك شريعته واتبع شريعة محمد؟ * الشيخ: إي نعم يترك شريعته ويتبع محمدًا، إي نعم. * طالب: قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ لا تؤيد القول الثاني أي بزعمكم أنكم أنتم على دينه وليس هو على دينكم؟ * الشيخ: هو قال: تحتمل، تحتمل حتى على ذلك. * الطالب: يعني التوراة والإنجيل ما حدثت إلا بعد موته؟ * الشيخ: إي وكذلك اللي يقولون: نحن على طريقة إبراهيم، وإبراهيم يعني يقولون: يتعصب، ما يذهب عن دينه، هذا معنى قولهم: على طريقتهم. * الطالب: كيف يعني يتعبد إبراهيم معهم وهم يعني..؟ * الشيخ: هم يقولون: (...) عبادتهم الخاصة، يعني طريقتهم، يعني على طريقتهم. * طالب: شيخ، الله سبحانه وتعالى قال: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ مع أنهم في كلا المسألتين عندهم علم، ولكن في الأولى يعني.. لو توضح يعني؟ * الشيخ: لا، في قضية إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما عندهم علم؛ لأن اللي يقول عن إبراهيم: إنه على طريق اليهود والنصارى أو على دين اليهود والنصارى ما عنده علم بذلك، فهو جاهل، سواء قاله بجهل مركب أو بجهل بسيط، لو علم حقيقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لعرف أنه كان حنيفًا مسلمًا. * الطالب: ممكن يكابر يا شيخ يعني يعلم أن هذا..؟ * الشيخ: ربما بعضهم، ربما بعضهم أنه يكابر. * طالب: شيخ جزاك الله خيرًا يا شيخ، قلت: لو كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام عايش لترك دينه واتبع محمدًا، أليس دينه هو نفس دين محمد؟ * الشيخ: يختلف المنهاج، أصل دين الأنبياء كلهم واحد؛ التوحيد أصول الدين كلهم واحد الأنبياء، لكن الله قال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨] وتلوناها في أثناء الدرس، لكن لأنك (...) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. نكمل الكلام على آخر الآية الكريمة: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قوله: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ معطوف على قوله: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾، فهو في محل رفع، بل هو مرفوع، النبي بدل من اسم الإشارة، واسم الإشارة كما نعلم مبني على السكون. قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ آمنوا بمن؟ آمنوا بهذا النبي، والإيمان بالنبي ﷺ يتضمن الإيمان بكل شريعته، وهذا الإيمان أيضا يستلزم القبول وأيش؟ والإذعان؛ أن يقبل بما جاء به النبي ﷺ وأن يذعن له. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولي كل مؤمن؛ هؤلاء وغيرهم، كل مؤمن فالله سبحانه وتعالى وليه، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة ٢٥٧]، وهذه الولاية ولاية خاصة تقتضي أن ييسر المؤمن لليسرى ويجنب العسرى، وهناك ولاية عامة شاملة لكل أحد، فالله تعالى ولي كل أحد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦١، ٦٢] فجعل الله تعالى مولى لهؤلاء وهم كفار، لكن هذا بالولاية العامة. والولاية العامة هي ولاية التصرف، التصرف في الكون والتدبير، والولاية الخاصة ولاية العناية بالمولى عليه، أن الله تعالى يعتني به وييسره لليسرى ويجنبه العسرى. في هذه الآيات الكريمة كثير من الفوائد ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ هذا مبتدأ الفوائد ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى آخره. * في هذه الآية من الفوائد: أولًا: توبيخ هؤلاء، أعني أهل الكتاب بكونهم يحاجون ويجادلون في إبراهيم عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائدها أيضًا: علو شأن إبراهيم ومنزلته بين جميع الطوائف؛ اليهود والنصارى والمسلمين. * ومن فوائدها: بيان الاحتجاج بالعقل؛ لقوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ فكيف تحاجون به مع أن التوراة والإنجيل لم تنزل إلا من بعده، وهذا خلاف العقل. * ويتفرع على هذه الفائدة: أنه لا ينبغي إهمال العقل في الاستدلال، كما لا ينبغي الاعتماد عليه وترك النص، فالناس في الاستدلال بالعقل طرفان ووسط، طرف غالى فيه حتى قدمه على السمع، وذلك بالنسبة للفقهاء في أصحاب الرأي والقياسيين الذين يعتمدون على الرأي وإن خالف النص، وفي باب العقائد جميع أهل البدع يعتمدون على العقل ويدعون السمع، مع أن العقل الذي يعتمدون عليه ليس إلا شبهات، وليس براهين ودلالات، ما فيه دلالة، لكن هم يظنون أن العقل يقتضي كذا فيثبتونه، ويقتضي نفي كذا فينفونه، ولا يرجعون في هذا إلى السمع، ومن ذلك من؟ الأشاعرة، من ذلك الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم، كل من نفى صفة أثبتها الله لنفسه بحجة أو بشبهة عقلية على الأصح -ما هي حجة، شبهة عقلية- فإنه داخل فيمن يغالي في الاستدلال بالعقل. ومن الناس -الطرف الثاني- من أنكر الاعتماد على العقل بالكلية، وقال: ليس للعقل مدخل في إثبات أي حكم، أو أي خبر، فأنكروا القياس، وذلك مثل أهل الظاهر، أنكروا نهائيا وقالوا: لا يمكن أن نرجع إلى العقل في شيء. ومن الناس من هم وسط، رجعوا إلى العقل فيما لا يخالف الشرع؛ لأن العقل إذا لم يخالف الشرع فإن الله تعالى يحيل عليه في مسائل كثيرة، مثل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤] ومثل هذه الآية: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. واستدلال الله تعالى على إحياء الموتى بإحياء الأرض بعد موتها استدلال عقلي حسي، فهو حسي لأنه مشاهد، وهو عقلي لأنه يستدل به على نظيره الذي لا يخالفه تماما. فالحاصل أن في هذه الآية اعتبار العقل دليلا، ولكن كما قلت: بشرط ألا يخالف الشرع، فإن خالف الشرع فالأصح أن نقول: إنه ليس بعقل، الأصح أن نقول إنه ليس بعقل؛ لأن صحيح المنقول لا يعارض صريح المعقول أبدًا. لكن إذا ظن أن العقل يخالف السمع فإما أن يكون لا مخالفة، وإما أن يكون السمع غير ثابت، وإما أن يكون العقل غير صحيح ملوث بالشبهات والشهوات. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن التوراة والإنجيل منزل من عند الله؛ لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾. فإن قال قائل: كيف تستدلون بهذه الآية على أن التوراة والإنجيل منزل من عند الله، مع أن الفعل هنا ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ﴾ يعني كيف يستقيم الاستدلال بهذه الآية على أن التوراة والإنجيل من عند الله نازل من عند الله مع أن الفعل، كمِّل. * طالب: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾. * طالب: الفعل مبني للمجهول. * الشيخ: الفعل مبني للمجهول، كذا؟ طيب ما الجواب على هذا؟ * الطالب: من قوله: من عنده * الشيخ: من أين علمت به؟ * الطالب: (...) الله يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ﴾، لأن المخاطب هو الله عز وجل، المتكلم هو الله، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾. * طالب: شيخ، هو النزول يجيء من العلو، والعلو ما يجيء إلا بإذنه تبارك وتعالى. * الشيخ: ما هو هذا، لا ما هو هذا. * طالب: نقول: القرآن يفسر بعضه بعضا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة ٤٤]. * الشيخ: القرآن يفسر بعضه بعضا هذا صحيح، وفي هذه السورة نفسها في أولها: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران ٣] في نفس السورة، إذن فالمنزل للتوراة والإنجيل هو الله، وحينئذ نقول: بني الفعل للمجهول للعلم بالمنزل، وهو الله، فإذا قيل: من أين علمت أنه منزل؟ قلنا: من نفس السورة في أولها: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ٣، ٤]. وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] من الخالق؟ الله، لكن حذف للعلم به، ولكن لما كان الضعف صفة نقص بني الفعل هنا للمجهول، كما بني للمجهول في قوله: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، الشر ما أضافوه إلى الله مباشرة، قال: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ﴾ والرشد أضافوه إلى الله مباشرة ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله؛ إذا ثبت الآن أن الإنزال من عند الله، فالنزول لا يكون إلا من أعلى. هل يمكن أن نستفيد من هذه الآية: أن كلام الله متعلق بمشيئته؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، كيف؟ * الطالب: أن حدث إنزال التوراة بعد إبراهيم وهذا بمشيئة الله عز وجل. * الشيخ: وهذا بمشيئة الله نعم، ولا شك أن التوراة منزلة من عند الله، لكن الله كتب التوراة، ولهذا قال بعض أهل العلم: لا نستطيع أن نثبت بأن التوراة من كلام الله، لكن الله كتبها بلا شك وهي نازلة من عنده، أما الإنجيل فهو كالقرآن، ما فيه أن الله تعالى كتبه، قال: أنزله، وهو كلام فيكون كلامه، أما التوراة فقال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٤٥]. * من فوائد الآية الكريمة: النداء على بني إسرائيل بالسفه، وأن تصرفاتهم كما هي مخالفة للمنقول فهي مخالفة للمعقول، ومن أراد أن يعرف سفاهة هؤلاء القوم فليرجع إلى كتاب إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم، ذكر أشياء عجيبة من سفه الأمة الغضبية والأمة الضالة، الأمة الغضبية هم اليهود والأمة الضالة هم النصارى، ذكر أشياء عجيبة، ولو لم يكن إلا أن الله تعالى نعى عليهم عقولهم في هذه الآية وفي آية: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤] فاليهود أمة غضبية، جاهلية، في أبعد ما يكون عن الرشد. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشادة بالعقل، وأن العقل لا يحمل صاحبه إلا على السداد والصواب؛ لقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، والمراد بالعقل هنا كما ذكرنا في التفسير عقل الرشد يعني عقل التصرف، عقل التصرف الذي به الرشد، لا عقل الإدراك الذي هو مناط التكليف؛ لأن هؤلاء اليهود والنصارى عندهم عقل، العقل الذي هو عقل إدراك الذي هو مناط التكليف هذا ثابت عند اليهود والنصارى، ولولا ذلك ما كلفوا. ثم قال: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾.* من فوائد الآية الكريمة: التنزل مع الخصم، يعني فرضنا أنه قبلت منكم المحاجة فيما لكم به علم، ولكن لا تقبل منكم المحاجة فيما ليس لكم به علم. * ومن فوائدها: ذم المحاجة بغير علم؛ لقوله: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾، وما أكثر هذا الواقع المؤسف المر في زمننا هذا، كثير من الناس اليوم يحاجون فيما ليس لهم به علم، بل بما تقتضيه عقولهم القاصرة، فيقول مثلًا: لم صار كذا ولم صار كذا، لماذا كان هذا حراما وكان هذا حلالا، لماذا كان هذا واجبا وكان هذا غير واجب، وما أشبه ذلك، فيحاجون فيما ليس لهم به علم، وكثير من العامة الذين عندهم لسن وبيان -والبيان من السحر- كثير منهم يجادل طالب العلم في أمر لا يعلمه هو، بل مجرد مجادلة ومراء. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إقرار الإنسان على المحاجة بالعلم، ولكن بشرط أن يكون قصده حسنا، بحيث يريد بالمجادلة الوصول إلى الحق، يكون مقصوده الوصول إلى الحق فيثبت الحق ويبطل الباطل. أما الذي يجادل ولو فيما ليس له به إذا كان قصده إبطال الحق وإثبات الباطل فلا شك أنه مذموم، ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى ١٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلم لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن المحاجة فيما ليس له به علم ليس عنده علم ولو حاج؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ بل ليس عنده عقل أيضا، لأن المحاجة فرع عن العلم، فمن حاج بغير علم فلا عقل له، كما أنه لا علم عنده. * ومن فوائد الآية: إثبات علم الله في الحاضر، ﴿يَعْلَمُ﴾ فعل مضارع، والأصل في المضارع أنه موضوع للحاضر والمستقبل، وربما يتمحض للماضي، وربما يتمحض للمستقبل، يتمحض للماضي إذا دخلت عليه (لم)، ويتمحض للمستقبل مع السين وسوف، يعني هذا على سبيل المثال، وإذا خلا فهو صالح للحاضر والمستقبل، فهنا يقول: ﴿يَعْلَمُ﴾ يعني أن علمه عز وجل مستمر دائم وأنتم لا تعلمون ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ إلى آخره، من فوائد هذه الآية الكريمة: تبرئة إبراهيم من دين اليهود والنصارى أو من طريق اليهود والنصارى؛ لأننا ذكرنا أن الآية لها معنيان، فيها قولان، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام ليس يتدين بدين اليهود؛ لأن دين اليهود من بعده، ولا بدين النصارى؛ لأن دين النصارى من بعده، كذلك أيضا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ليس كالنصارى واليهود يتعصبون لما هم عليه بحق أو بباطل، بل كان حنيفًا مسلمًا منقادًا لأمر الله، يأتمر بأمر الله وينتهي بنهي الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن لم يتصف بوصف أن يبين براءته منه، ولو كان هذا الوصف في أصله محمودًا، لكن إذا كان لم يتصف به فالواجب أن يبين؛ لأن الله نفى أن يكون إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا، مع أن اليهودية والنصرانية بعد بعثة موسى بالنسبة لليهودية وبعثة عيسى بالنسبة للنصرانية كانت حقا قبل أن تنسخ. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على إبراهيم؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وجه الثناء عليه أنه وصفه بالتوحيد الخالص الذي لا يشوبه أي نوع من الشرك؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى ما اشتهر عند الناس من أن التخلية قبل التحلية، يعني البداءة بالنفي قبل الإثبات؛ لأن النفي تخلية والإثبات تحلية يعني: إثبات، فهنا بدأ بالنفي وهو ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ ثم أثبت في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾. والظاهر أن هذا الترتيب موافق للطبيعة؛ لأنك تخلي الشيء مما يشينه أولا، ثم تضيف إليه ما يزينه، أنت عندما تريد أن تنظف ثوبا وسخا ماذا تصنع؟ أزيل الوسخ أولا، ثم أضيف ما يكون به الكمال، وفي الحديث؛ في حديث الاستفتاح: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٤٤) من حديث أبي هريرة، وأخرجه مسلم (٥٩٨ / ١٤٧) من حديث أبي هريرة.]]. فالمباعدة ألا أمارس الذنوب والخطايا، والتنقية أن يزال هذا الأذى، والغسل أن يطهر وينظف، واضح الترتيب هذا؟ وأضرب مثلًا يتبين به: إنسان معه أذى يريد أن يضعه على بساط الصلاة، فأقول: لا تضعه، هذه مباعدة، أليس كذلك؟ مباعدة، ما يضعها، آخر جاء به فوضعه فقلت: انزعه، هذه تنقية. المرتبة الثالثة: لما نزعه قد يكون في مكانه أثر، أقول: اغسله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد في التوحيد من شيئين: نفي وإثبات، النفي في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا﴾، والإثبات في قوله: ﴿مُسْلِمًا﴾؛ لأن الحنيف هو المائل عن الشرك وعن كل دين يخالف الإسلام، والإسلام هو إثبات الاستسلام لله عز وجل، وأكد ذلك بقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. التوحيد لا يتم إلا بإثبات ونفي، والعلة ظاهرة، التعليل ظاهر جدا؛ لأن النفي تعطيل، والإثبات بدون نفي لا يمنع المشاركة، والجمع بينهما إثبات مع نفي المشاركة. نضرب مثلًا: إذا قلت: ليس هنا أحد قائم، هذا نفي، فيه إثبات ولّا ما فيه؟ إذا كان فيه أحد قائم الآن؟ ليس هنا أحد قائم، هذا تعطيل، يعني صفة القيام الآن معطلةلم يتصف به أحد. إذا قلت: زيد قائم، هذا إثبات أن زيدا قائم، فأثبت القيام الآن لواحد من الناس، لكن هل هذه العبارة تمنع أن يكون غير زيد قائما؟ ما تمنع، قد يكون فيه واحد آخر غير زيد قائم، ولهذا إذا قلت أنا: زيد قائم، فقلت أنت: وعمرو قائم، هل يعتبر قولك هذا ردا على كلامي أو إضافة إلى كلامي؟ إضافة إلى كلامي. فإذا قلت: لا قائم إلا زيد، هذا فيه نفي وإثبات، حينئذ حصل التوحيد، صار المتفرد بالقيام من؟ هو زيد، فتبين أن لا توحيد إلا بنفي وإثبات، ولهذا هنا قال سبحانه وتعالى عن وصف إبراهيم: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإسلام إذا أطلق دخل فيه الإيمان، أو إذا أفرد دخل فيه الإيمان، وجهه أن الله وصف إبراهيم بالإسلام، وهو كذلك، فالإسلام إذا أفرد دخل فيه الإيمان، والإيمان إذا أفرد دخل فيه الإسلام، وإذا اقترنا افترقا، صار الإسلام علانية والإيمان في القلب. في حديث جبريل اجتمعا فافترقا، ولهذا فسر النبي ﷺ الإسلام بشيء وفسر الإيمان بشيء آخر. في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤] اجتمعا فافترقا، فصار الإيمان الذي ادعوه غير الإسلام الذي أثبته الله لهم ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] اجتمعا فافترقا، الإخراج لم يكن إلا للمؤمنين، لكن البيت بيت مسلمين، كيف هذا؟ الذي أخرج من؟ لوط وأهله إلا زوجته، إلا امرأته، فصار الذين أخرجوا هم المؤمنين الخلص. البيت يشتمل على أهله الذين آمنوا إيمانا خالصا، وعلى امرأته التي خانته، فهي مسلمة وليست مؤمنة، إذا البيت كله باعتبار الكل مسلم، ولهذا قال: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وأما من زعم أن الإسلام هو الإيمان واستدل بالآية فقد أبعد النجعة؛ للفرق بين التعبيرين ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقل: من المسلمين قال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. إذن الإسلام هنا الذي في الآية الكريمة ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ يشمل الإيمان ولّا لا؟ * طلبة: يشمل. * الشيخ: لماذا؟ لأنه أفرد. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأنه لم يكن فيه صفة من صفات المشركين، ولهذا قال: لم يكن من المشركين ولم يقل: لم يكن مشركا، فليس فيه صفة من صفات المشركين أبدًا، لا الشرك ولا غيره، وهكذا ينبغي لكل مؤمن ألا يتصف بأي صفة من صفات المشركين. فمثلًا: من صفات المشركين الشرك واضح، من صفات المشركين كراهتهم للتوحيد، ولّا لا؟ المشركون يكرهون التوحيد؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم وينكرونه، ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص ٥] فمن كره التوحيد وإن لم يكن مشركا ففيه من صفات المشركين، بل قد يكون كافرا. ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٦٨]. في الآية دليل على أن الأولويات تختلف، أي أن الناس يتفاضلون بالأولوية والولاية؛ لقوله: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ﴾، و(أولى) اسم تفضيل، والتفضيل يدل على مفضل وأيش؟ ومفضل عليه، ولا شك أن الولاية درجات، الولاية درجات، فأحق الناس بالولاية لإبراهيم من اتبعه، يعني القوم الذين اتبعوه في عهده؛ لأن القوم الذين اتبعوه في عهده اتبعوه في أصل الدين وفي فروع الدين، يعني في جليل الدين ودقيقه، اتبعوه، ولهذا قدم الذين اتبعوه على النبي والذين آمنوا؛ لأن النبي ﷺ والذين آمنوا لم يتبعوا إبراهيم في فروع الشريعة، بل ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، لكن اتبعوه في أصل الدين والاستسلام له عز وجل، وإلا فلا شك أن النبي محمدًا ﷺ أفضل من الذين اتبعوا إبراهيم، بلا شك، بل وأتباع الرسول أفضل من أتباع إبراهيم. * من فوائد الآية الكريمة: شرف النبي ﷺ ومن آمن معه، بكونهم أولى الناس بمن؟ بإبراهيم الذي تتنازعه الأمم، كل أمة تقول: أنا أولى به. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على اليهود والنصارى، حيث ادعوا أنهم أولى الناس بإبراهيم، فكذبهم الله. من فوائدها: تشريف النبي ﷺ بالإشارة إليه من رب العالمين، في قوله: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾. * ومن فوائدها: إثبات نبوة الرسول ﷺ، وهذا أمر لا شك فيه، وكل من وصف بالنبوة في القرآن فهو رسول، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، ثم قال في هؤلاء النبيين: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء ١٦٥] إذن فكل من وصف بالنبوة في القرآن فإنه رسول، بدليل آية النساء: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ولاية الله للمؤمنين في قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذه الولاية كما قلنا آنفا ولاية خاصة، تقتضي عناية تامة، وكل من كان أكمل إيمانا فولاية الله له أكمل. (كل من كان أكمل إيمانًا فولاية الله له أكمل) * هذه فائدة، من أين أخذناها؟ من قاعدة معروفة عند أهل العلم، وهي: أن الحكم المعلق بوصف يزداد قوة بقوة هذا الوصف فيه، هذه قاعدة مفيدة: كل حكم معلق بوصف فإن هذا الحكم يزداد قوة بقوة الوصف الذي علق عليه الحكم. فإذا قلت مثلًا: أنا أحب الصالحين، معناه كل من كان أصلح فهو أحب إلي؛ لأن المحبة علقت بالصلاح، فكلما ازداد الصلاح ازدادت المحبة، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ علقت الولاية بالإيمان، فكلما كان الإنسان أقوى إيمانا كانت ولاية الله له أتم وأخص. * ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يحقق إيمانه ويكمله بقدر استطاعته؛ من أجل أن ينال ولاية الله؛ لأن كل إنسان في الحقيقة عاقل يسعى إلى أن يكون الله له وليا. نقول: الأمر سهل، حقق الإيمان يكن الله لك وليا، وكلما ازداد تحقيقك الإيمان ازدادت ولاية الله لك، وإلا فكلنا يطلب ذلك ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أوليائه، كلنا يطلب هذا، لكن بس حقق الإيمان، من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، هذه من أسباب الولاية أن يكون حبك وبغضك وكراهتك وعداوتك وولايتك لله عز وجل، لا للدنيا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب، إثبات الأسباب، من أين يؤخذ؟ ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وجه ذلك أن الإيمان جعله الله سببًا لولاية الله، ولا شك أن الأسباب ثابتة، والأسباب شرعية وعقلية وحسية، فالأسباب الشرعية ما جعلها الله تعالى سببا في القرآن، فمثلًا الإيمان سبب لدخول الجنة، هذا سبب شرعي ولّا لا؟ دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، هذا سبب شرعي. العسل سبب للشفاء. فإذا قلت مثلًا: أنا أحب الصالحين، معناه كل من كان أصلح فهو أحب إليّ؛ لأن المحبة عُلقت بالصلاح، فكلما ازداد الصلاح أيش؟ ازداد المحبة، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٦٨] عُلّقت الولاية بالإيمان، فكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كانت ولاية الله له أتم وأخص. * ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يحقّق إيمانه ويكمّله بقدر استطاعته من أجل أن ينال ولاية الله؛ لأن كل إنسان في الحقيقة عاقل يسعى إلى أن يكون الله له وليًّا، نقول: الأمر سهل؛ حقق الإيمان يكن الله لك وليًّا، وكلما ازداد تحقيقك الإيمان ازدادت ولاية الله لك، وإلا فكلنا يطلب ذلك، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أوليائه، كلنا يطلب هذا، لكن بس حقق الإيمان، من أحبَّ في الله، وأبغضَ في الله، ووالى في الله، وعادى في الله فإنما تُنال ولاية الله بذلك هذه من أسباب الولاية أن يكون حبك وبغضك وكراهتك وعداوتك وولايتك لله عز وجل لا للدنيا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب، من أين يؤخذ؟ ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وجه ذلك أن الإيمان جعله الله سببًا لولاية الله، ولا شك أن الأسباب ثابتة. والأسباب: شرعية، وعقلية، وحسية، فالأسباب الشرعية ما جعلها الله تعالى سببًا في القرآن، فمثلًا الإيمان سبب لدخول الجنة هذا سبب شرعي ولَّا لا؟ دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، هذا سبب شرعي، العسل سبب للشفاء، هو قدَري علمنا به من طريق الشرع؛ يعني من طريق الوحي، كون الماء سببًا لنبات الأرض المطر؟ سبب حسي. * طلبة: شرعي حسي. * الشيخ: نعم، هو أخبر الله به، لكن نحن نشاهد، لو فرض أنه ما في قرآن يدلنا على هذا شاهدنا بأنفسنا فهو سبب حسي. الأدوية الطبيعية التي تستخرج بالتجارب أسباب حسية، أما الأسباب العقلية فهي كثيرة جدًّا، كل شيء يترتب على شيء عقلًا فهو أيش؟ سبب عقلي، والأسباب الشرعية والحسية والعقلية كلها مؤثرة بذاتها حيث أودع الله فيها التأثير. وإنما قلت ذلك؛ لأن بعض الناس غالى في التنزيه فقال: إن الأسباب لا تؤثِّر بذاتها، وإنما يكون التأثير عندها لا بها، فقالوا مثلًا: إن الاحتراق بالنار ليس بالنار، لكن حصل الإحراق عند تماس النار بما يقبل الاحتراق حصل الاحتراق، أما النار ما هي بتحرق، لو جعلت النار تُحرق وتقلب الشيء مما كان عليه من أول لأثبتّ مع الله خالقًا وصِرت مشركًا، من اللي يقلب هذا العود إلى رماد؟ * طلبة: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: يقول: ما يقدر على هذا إلا الله، أنت لو قلت: إن النار هي اللي قلبت أشركت بالله، إذن لا تقول: النار أحرقت، احترق عندها. أخذت حجرًا فرميتَ به كأس زجاج فانكسر قال: لا تقل إن الحجر هو اللي كسره، من يستطيع يفصل بين هذه الأجزاء المتلاصقة إلا الله، فأنت إذا قلت: إن الحجر هو اللي كسرها كنت مشركًا، فإثبات تأثير الأسباب شرك، قال: انكسر عندها لا بها، انكسر عندها عند الحجر لا بالحجر، سبحان الله حط حجرًا ثقيلًا جدًّا جدًّا على الزجاج ينكسر ولَّا لا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: اضربوه بحجر صغير ينكسر، إذن كيف تقول: عندها؟ لو كان عندها كان لو حطينا حجرًا كبيرًا انكسر ولو ضربناه بحجر صغير ما ينكسر. لكن نقول: الأسباب مؤثرة، لكن الله أودع فيها هذا التأثير، الله هو اللي أودع فيها هذا التأثير، لولا أن الله أودع فيها هذا التأثير ما أثرت، ولهذا لما ألقي إبراهيم في النار فقال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] أثَّرت؟ ما أثرت. إذن عرفنا الآن أن الأسباب جعلها الله مؤثرة بذاتها ليست هي اللي تخلق أو خلقت بذاتها، ولكن الله أودع فيها هذه القوة التي يكون بها المسبَّب، واضح يا جماعة؟ وهذا هو المعقول، فنحن لا نغالي أيضًا في إثبات الأسباب ونقول: إن هذا يكون بدون الله ولا نغالي في التنزيه ونقول: إن الأسباب لا تؤثر، وإنما يحصل الأثر عندها لا بها، كلا الأمرين خطأ. والوسط في الغالب يكون هو الحق؛ لأنك تجد المتطرفين كل واحد أخذ بجانب من الحق وترك جانبًا، والوسط يأخذ بالجانبين فيكون وسطًا. * طالب: قلنا: إذا ازداد الإيمان ازدادت ولاية الله مثلًا (...) يقول: إن النبي ﷺ (...) تكرار شديد، كما قلنا أيضًا من زيادة الإيمان هو الحب في الله والبغض في الله، وبعدين ذكر في (...) أشياء لا يمكن للإنسان أن يزيد فيها ولا ينقص أن يؤمن بالله وملائكته؟ * الشيخ: لا، لا، لكن هل إيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله متساوٍ؟ * الطالب: لكن الآن ما أستطيع بالنسبة لي أنا كمؤمن فرداني شخص مؤمن بهذه الأمور كيف أزيد فيها؟ * الشيخ: لكن هل إيمانك مثل إيمان الثاني والثالث؟ * الطالب: لا، طبعًا لا. * الشيخ: حتى إيمانك في يوم من الأيام ليس كإيمانك في يوم آخر. * الطالب: لكن كيف أن أزيد فيها؟ الإيمان بالله. * الشيخ: أنت تزيد فيها؛ يعني أحيانًا يأتي الإنسان مثلًا قوة إيمان كأنما يشاهد الأمر رأي العين وأحيانًا مع الغفلة ما يكون هكذا. * طالب: هنا يقصد يا شيخ بالنسبة الآن قال النبي ﷺ حدد الأمور التي يؤمن بها؟ * الشيخ: طيب أن تؤمن بالله وملائكته إلى آخر الأركان الستة، هل الناس يتساوون في الإيمان بهذه الأمور الستة؟ * الطالب: لا يتساوون. * الشيخ: إذن كلما قوي إيمانك بهذه ازدادت ولاية الله لك. * الطالب: (...) الحب والبغض. * الشيخ: نعم، الحب في الله لإيمانك بالله أحببت في الله. * الطالب: يا شيخ، في الأسباب عندما يذهب أحد المرضى إلى المشعوذين نقول: إنه حصل الشفاء عنده لا به يعني بسببه، ما الفرق بين هذه وبين الأول؟ * الشيخ: لأن الله لم يجعل كلام المشعوذين سببًا، نقول: لا بد أن يشهد الشرع أو الحس أو العقل بأن هذا سبب، أما مجرد يجيء مشعوذ يتكلم عندنا ما نقبل، يعني لو أن واحدًا قال: أنا أدعو هذا الولي ويُستجاب لي، امرأة تقول ليست تحمل أبدًا وراحت لقبر هذا الولي وتمرغت عليه وأخذت منه ترابًا ووضعته في فرجها عند الجماع وأراد الله أن تحمل، نقول: حصل هذا بتراب هذا الولي؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لأيش؟ لأن هذا ليس سببًا شرعيًّا ولا حسيًّا ولا عقليًّا، فلا بد من أن يثبت كون هذا الشيء سببًا، ولهذا كانت التمائم شركًا، لأيش؟ لأنها ليست سببًا حسيًّا ولا شرعيًّا ولا عقليًّا. * الطالب: فيه كون الأنبياء اتفقوا في أصل التوحيد واختلفوا في فروع الدين، فاستدل بعض الناس بخلافهم في فروع الدين بجواز تعدد الجماعات الإسلامية إذا لم تختلف، أما إذا اختلفت؟ * الشيخ: اللهم نعم، أنا أوافقهم على تعدد الجماعات الإسلامية إذا كان كل رئيس لهذه الجماعات يقول: إنه نبي!! نوافقه على هذا!! إذا كان يدعي أنه نبي نقول: لا بأس، أما أن نبينا واحد وديننا واحد فلا يمكن أن نقر هذا المبدأ، تعدد الجماعات الإسلامية أبدًا، هؤلاء أنبياء مستقلون، فإذا كان هؤلاء يدعي رؤساؤهم بأنهم أنبياء فعلى العين والرأس لكن ما يدعون هذا، هم أبعد الناس عن هذه الدعوى.

آل عمران 3:69

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران ٦٩ - ٧٤] * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿وَدَّتْ﴾ أي: أحبت، والود خالص المحبة، ومن أسماء الله تعالى الودود؛ بمعنى: الوادّ والمودود، فهو سبحانه وتعالى وادّ لأوليائه وأصفيائه، وهو أيضًا مودود من أوليائه وأصفيائه، فالود إذن خالص المحبة؛ يعني أحب هؤلاء أو هذه الطائفة بكل خالص المحبة. وقوله: ﴿طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الطائفة بمعنى الجماعة، والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود والنصارى، ولكن الأغلب هم اليهود؛ لأنهم أكثر ممارسة للعرب من النصارى، فإن اليهود كانوا في المدينة؛ قدموا من أذرعات ومن الشام ينتظرون النبي الذي بشّرت به التوراة، يعني قدموا من بلاد الشام؛ لأنهم علموا أن مهاجَر هذا النبي المدينة حسب ما في التوراة من البشارة به، فقالوا: نذهب إلى هناك لنكون معه. ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩]. ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى، والغالب أنهم اليهود. ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ (لو) هذه مصدرية بمعنى (أن)، والقاعدة في (لو) أنها إذا أتت بعد ما يفيد الودّ والمحبة تكون مصدرية ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي: ودوا أن تدهن، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة ١٠٩] أي: ودوا أن يردوكم، فهي هنا مصدرية، وقد عُلم أنها تأتي شرطية حرف امتناع لامتناع مثل: لو جاء زيد لأكرمتك، فهنا امتنع إكرامي إياك لامتناع مجيء زيد. يقول عز وجل: ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ يعني ودوا أن يضلوكم، والإضلال بمعنى الإتاهة عن الحق؛ يعني ودوا أن يخرجوكم من الهدى إلى الضلال، وما نوع هذا الضلال الذي أرادوه بالمسلمين؟ يمكن أن يُفسّر بالآية الثانية التي في البقرة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩]. يقول عز وجل: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران ٦٩] يعني بمحاولتهم وودهم هذا لا يضلون إلا أنفسهم، وبماذا يضلون أنفسهم؟ المعروف عند أكثر المفسرين أن المعنى: وما يهلكون إلا أنفسهم؛ وذلك لأنهم إذا تمنوا لكم الضلال أثموا على ذلك فصاروا هم كالضالين، وقيل: بل المعنى ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أنهم إذا اشتغلوا بمحاولة إضلالكم اشتغلوا عما فيه هداهم كما هو الواقع أن الإنسان إذا أراد أن يردّ الحق وأن يضلّ غيره اشتغل بمحاولة إضلال غيره عن محاولة هداية نفسه، فيكون المعنى: ما يضلون إلا أنفسهم؛ لأنهم اشتغلوا بمحاولة إضلالهم إياكم عن أيش؟ عن طلب هدايتهم؛ لأن العادة أن الإنسان إذا اشتغل بمحاولة إضلال غيره تجده يطرق كل باب ويسلك كل طريق يحاول به إضلال الغير وينسى نفسه، ينسى نفسه، وهذا واقع كثيرًا حتى بين طلبة العلم أحيانًا يريد الإنسان أن ينتصر لنفسه ولقوله ولو كان على خطأ فتجده يحاول أن يلتمس الأعذار والتحريفات والتأويلات وصرف النصوص عن ظاهرها من أجل أن توافق قوله، وينسى أن يكون الواجب عليه إذا عُورض أن يطلب الحق، وأن يراجع نفسه لعل الصواب مع غيره كما يقع كثيرًا عندما يختار الإنسان قولًا أو يقول قولًا، ثم يراجَع فيه يتبين له أن الصواب في خلاف ما كان يعتقد أولًا. إذن ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ فيها رأيان: الرأي الأول: ﴿مَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالإهلاك وكثرة العقاب حيث حاولوا صد الناس عن دين الله. والثاني: ﴿مَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ بانشغالهم بمحاولة إضلالكم عن طلب هداية أنفسهم. قال بعض المفسرين: وهذا أوْلى؛ وذلك لأن الوعيد عليهم بما يكون في الآخرة غير مُجْدٍ في هذا المقام؛ لأنهم أصلًا لا يؤمنون بمن أنذر بهذا حتى يقال: إنهم لا يهلكون إلا أنفسهم، ولكن الواقع أن هذا غير وارد؛ يعني بمعنى أن الله يتكلم عن الأمر الواقع، فالآية محتملة للمعنيين؛ المعنى الأول المشهور عند أكثر المفسرين أنهم يضلون أنفسهم بماذا؟ بهلاكهم بما يكتسبون من الذنوب والآثام. والمعنى الثاني: يضلون أنفسهم بإضاعتها وانشغالهم بما يكون سببًا لضلالكم. ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني ما يشعرون أنهم أضاعوا الوقت في محاولة إضلالكم ونسوا أنفسهم؛ لأن الإنسان في غمرة الغلَبة أو حب الغلَبة وسكرة حب الظهور ينسى ولا يشعر بالوقت إذا ضاع عليه، فهؤلاء لا يشعرون بأن الوقت ضاع عليهم بانشغالهم بطلب أو بمحاولة إضلالكم، والشعور هو المعنى النفسي الذي يشعر به الإنسان في نفسه توبيخًا وتنديمًا أحيانًا أو عكس ذلك تفريحًا وتفاؤلًا. * في هذه الآية الكريمة: بيان عداوة أهل الكتاب للمسلمين، حيث يودون لهم الإضلال، والطائفة من القوم الغالب أن مشرَب بقية القوم مشربها، فإذا كانت هذه الطائفة تود هذا فغيرها كذلك. * ومن فوائد الآية: التحذير من أهل الكتاب وأنهم يحاولون صدّ المسلمين عن دينهم كالمشركين، وكل من الطائفتين يودّون من المسلمين الضلال، قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء ٨٩] وقال تعالى عن المشركين من قريش: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة ٢] فكل المشركين، وكل الملحدين، وكل من ادعى أنه صاحب كتاب كلهم يودون من المسلمين أن يكفروا ويضلوا بعد هدايتهم وإيمانهم. وإذا كان كذلك فيجب علينا الحذر منهم واعتقاد أنهم أعداء ألداء يودون أن يقضوا علينا وعلى ديننا بين عشية وضحاها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المعتدي يجازَى بمثل عدوانه ويُبتلى بمثل ما ابتلى غيره به، لقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: تعزية المسلمين بما يريد بهم هؤلاء من الإضلال فكأن الله قال: لا تخافوا منهم؛ فإن الإضلال إنما يعود عليهم، ولكن هذا في حق المؤمنين حقًّا الذين يؤمنون بدينهم تمامًا ويفخرون به ويعتزون به دون الذين يجعلون دينهم أقوالًا باللسان أو حروفًا على الأوراق وهم في الحقيقة يتبعون غيرهم ويعظّمون غيرهم في نفوسهم فإن هؤلاء ربما يُصابون برجس هؤلاء الكفار الذين يريدون إضلالهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يعمى عن الباطل مع ممارسته له لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إحاطة علم الله عز وجل بما في قلوب الخلق لقوله: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ﴾ فإن الود محله القلب، ولا يعلم ما في القلوب إلا الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أننا نرد على كل شخص يدعي أو يتوهم أن الكفار يريدون الخير بالمسلمين؛ لأننا نقول له: إنك لا تعلم ما في قلوبهم واسمع إلى علام الغيوب عز وجل يقول: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ فأنت لا تعلم، ولا تغتر بمصانعتهم ومخادعتهم ومكرهم. ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ خطاب من الله لأهل الكتاب على سبيل التوبيخ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى، وبالأخص اليهود. ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ (ما) اسم استفهام حُذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها، والاستفهام هنا للتوبيخ. ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ آيات الله جمع (آية)، وهي العلامة الدالة على الله عز وجل، وكل آية من آيات الله تدل على صفة من صفاته؛ فالانتقام آية تدل على الغضب، وبسط الرزق إذا لم يكن الإنسان على معصية الله آية تدل على الرضا والرحمة. فالآيات تتنوع بحسب متعلقها، هؤلاء كفروا بآيات الله، الآيات الشرعية ما جاءت به الرسل، فما الآيات التي كفر بها هؤلاء؟ الآيات التي كفر بها هؤلاء الآيات التي نزلت على رسلهم وعلى محمد ﷺ؛ فاليهود كفروا بآيات الله؛ وهي التوراة، والنصارى كفروا بآيات الله؛ وهي الإنجيل، كفروا بذلك، كيف كفروا بهما؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف ١٥٧] موجود بهذا الوصف، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦] ما قال: أولادهم أو بناتهم؛ لأن معرفة الإنسان لابنه أقوى من معرفته لبنته لشدة تعلقه به، فهو لا يجهل شيئًا منه، فهم يعرفون الرسول ﷺ كما يعرفون أبناءهم؛ لأن نعته موجود عندهم في التوراة والإنجيل، ولكنهم كفروا بآيات الله ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩] إذن (بآيات الله) تشمل التوراة والإنجيل والقرآن، كفروا بهذه الثلاثة كلها. ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ لم يقل: وأنتم تعلمون؛ لأن الشهادة أقوى؛ لأن الشهادة تقتضي أن يكون العالِم كالمشاهِد للشيء بحسه، والمشاهدة بالحس أقوى من المشاهدة بالذهن أو من العلم بالذهن، فهم يشهدون الآيات ويعلمونها ومع ذلك يكفرون بهذه الآيات. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [آل عمران ٧١] وهم في كفرهم مخادِعون، يلبسون الحق بالباطل، ومعنى لبس الحق بالباطل خلط الحق بالباطل، فهم يأتون بالباطل ويموهِّونه بحق، ووجه ذلك أنهم لو جاؤوا بالباطل صراحًا ما قُبل، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: لكنهم يأتون به مخلوطًا بحق من أجل أن يكون في ذلك تمويه على من لا يعرف الحقائق، وهذا من المكر والخداع لكل مبطل يموّه الحق بالباطل. ومن ذلك أن يأتي بعبارة مجملة تحتمل حقًّا وباطلًا لكن هو يريد بها الباطل، ومن سمعها قد يحملها على إرادة الحق، هذا أيضًا من لبس الحق بالباطل، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد. قال: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ تكتمون الحق: تخفونه. وهنا قد يقول قائل: كيف قال: ﴿تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾؟ أليس في هذا تناقض؟ الجواب: لا، ليس فيه تناقض؛ لأنهم يكتمون الحق الصريح ويأتون به مخلوطًا مموهًا بالباطل، وليس قصدهم أيضًا الحق إذا جاؤوا بالحق مخلوطًا بالباطل، قصدهم أيش؟ الباطل، وهذا الحق الذي جاؤوا به كالثوب الذي يخفي العيب تحت الثياب. ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تعلمون أيش؟ تعلمون الحق، بل وتعلمون حالكم أنكم لابسو الحق بالباطل، فهم يعلمون الأمرين: يعلمون الحق الصريح ويعلمون أنهم قد خلطوا الحق بالباطل ولا سيما اليهود؛ لأن اليهود عصوا الله وهم يعلمون أنهم عصوه، عصوا الله على بصيرة. * في هاتين الآيتين من الفوائد: توبيخ أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله. * ومن فوائد الآية الأولى: أن هذا التوبيخ واقع موقعه؛ لأنهم كفروا بآيات الله وهم يشهدون. * ومن فوائد الآية: الحكم الصريح الذي لا يقبل التأويل على أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ بالكفر. ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ولا يُوبَّخ إلا على أمر واقع، والكفر بآيات الله كفر بالله، وبه نعلم أنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالله فهم كافرون به، كافرون به كفرًا صريحًا خالصًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار كفروا عن علم وشهادة لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. وفي الآية الثانية من الفوائد: أن هؤلاء الكفار من أهل الكتاب كانوا يخادِعون ويمكرون، بماذا؟ بلبس الحق بالباطل، وما أكثر ما يموهّون بالقرآن الكريم على بطلان ما ذهبوا إليه، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة ٦٢] فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المسلمون، ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى﴾ اليهود والنصارى. ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ الصابئة، من آمن منهم بالله واليوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم، فجعلنا نحن وأنتم في صف واحد، المؤمن منا بالله واليوم الآخر له الأجر ولو كنا مخالفين لكم ما كان لنا أجر، ويقولون: عيسى ابن مريم بشّر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، ولم يأتِ بعد؛ لأن الذي جاء اسمه محمد ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران ١٤٤] ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح ٢٩] فنحن ننتظر أحمد. فهم يلبسون الحق بالباطل ويمكرون، ولكن من أعطاه الله علمًا وفهمًا تبيّن له أنهم ملبسون، وقد ألَّف علماء المسلمين -ولله الحمد- في بيان باطلهم ودحض حُججهم ما هو كالشمس إضاءة ونورًا يخفي ضوؤُه كل ساطع، الآية الأولى مثلا: قيد الله عز وجل من له الأجر من هؤلاء الأصناف بأيش؟ ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [البقرة ٦٢] فأنتم ما آمنتم بالله واليوم الآخر بنص هذه الآية: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ كفار، أنتم مؤمنون لما كانت رسالة النبي قائمة، النبي الذي أرسل إليكم قائمة، أما وقد نسخت فإذا بقيتم عليها فأنتم كفار. وأما قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦] فلا مانع من تعدد الأسماء على مسمى واحد، وقد جاءكم أحمد، ولهذا قال الله تعالى في الآية نفسها: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إذن فأحمد جاءكم، ولا نعلم أن نبيًّا جاء بعد عيسى إلا محمد ﷺ، وعلى هذا فيكون هذا التمويه لا يخفى على الإنسان الذي يعطيه الله تعالى علمًا وبصيرة، وقد ألَّف شيخ الإسلام رحمه الله كتابًا في جزأين سماه: الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح. والرد على النصارى من أئمة المسلمين كثير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب الحذر من أهل الباطل إذا لبسوا الحق بالباطل، وأن لا نغتر بهم؛ لأنهم يأتون بزخرف القول غرورًا، ومن هذا ما حصل للمبتدِعة من هذه الأمة فإنك إذا سمعت كلامهم قلت: لا أعدل بذلك شيئًا، هذا هو الحق، ولن أتجاوزه، ولكنه كما قيل: حُجَجٌ تَهَافَتُ كَالزُّجَاجِ تخَالُهَا ∗∗∗ حَقًّــــا وَكُــــلٌّ كَاسِــــرٌمَكْسُــــــــــــــــــــــــورُ حججهم كلها متهافتة ليس لها ما يقوّمها على قدميها فضلًا عن أن يجعلها مهاجمة، هي لا تدافع عن نفسها فضلًا عن أن تهاجم غيرها، لكن مع ذلك يموهّون، ومر علينا في كتاب العقيدة شيء كثير من هذا من تمويههم ودجلهم وزخرفهم للقول، فعلى الإنسان أن يحترز من هؤلاء الذين يلبسون الحق بالباطل. * ومن فوائد الآية الكريمة: التوبيخ أو توبيخ من سلك هذا المسلك، ووجه ذلك أن تخصيص التوبيخ لأهل الكتاب ليس تخصيصًا بالشخص والعين، ولكنه بالجنس والنوع والوصف، فكل من كان على شاكلتهم فإنه يستحق هذا التوبيخ. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب بيان الحق لمن علمه، أو على من علمه، وجوب بيان الحق على من علمه لقوله: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أما من لم يعلم فعُذره ظاهر، لكن من علم وجب عليه بيان الحق، ثم اعلم أن بيان الحق يجب عند السؤال عنه إما بلسان الحال وإما بلسان المقال، السؤال بلسان المقال أن يأتيك شخص ويقول: ما حكم كذا وكذا؟ السؤال بلسان الحال: أن يقع الناس في معصية يحتاجون إلى أن تبين لهم، لا تقل: والله الناس لما لم يأتوا إليّ فأنا ما أنا ما أنا ملزوم، أنت ملزوم، لا بد أن تبيّن، لا تكتم. ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ إلى آخره [آل عمران: ٧٢] لما ذكر الله تعالى مكرهم بالقول ذكر مكرهم بالحيل الفعلية؛ القول: أنهم يلبسون الحق بأيش؟ بالباطل، الحيل الفعلية؛ هذه الحيلة الماكرة ﴿قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني القرآن، وإن شئت فقل: الشريعة كلها، آمنوا به وجه النهار أي أوّله، والدليل على أن المراد بوجه النهار أوّله قوله: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ وهذا أحد الطرق الذي يُعلم به معنى الكلمات في القرآن الكريم، أن يُعلم معنى الكلمة بذكر مقابلها كقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]، لو قال لك قائل: ما معنى ﴿ثُبَاتٍ﴾؟ نشوف قسيمها، ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ إذن انفروا ثباتٍ يعني وحدانًا متفرقين. هنا وجه النهار لو قال قائل: ما الذي أعلمنا أن وجه النهار أوّله؟ لماذا لا يكون وجه النهار وسطه؟ قلنا: دلّنا على ذلك قوله: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ الضمير يعود على المؤمنين، ﴿يَرْجِعُونَ﴾ أي: يرجعون عن دينهم؛ لأنكم أنتم أهل كتاب، فإذا آمنتم أول النهار ثم رجعتم قال الناس: لولا أنهم علموا أن دينهم باطل لم يرجعوا، شوف كيف المكر، ادخلوا معهم في أول النهار وصلّوا كما يصلون واحضروا مجالس الذكر، وإن وُجِدَ بكاء فابكوا، كونوا معهم تمامًا، وإذا كان في آخر النهار اكفروا قولوا: كفرنا بهذا الدين؛ لأن الناس إذا فعلتم هكذا قالوا: لولا أن هذا الدين باطل ما كفر به هؤلاء بعد إيمانهم؛ لأن الإنسان إذا آمن بدين وكان الدين حقًّا ثبت عليه لم يرجع. والدليل على هذا: «أن هرقل سأل أبا سفيان حينما لاقاه في الشام؛ سأله عن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: هل يرجع أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا، ما يرجع أحد. قال: هكذا الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب لم يرجع[[متفق عليه؛ البخاري (٤٥٥٣) ومسلم (١٧٧٣ / ٧٤) من حديث أبي سفيان.]] ». أو كلمة نحوها. المهم أن هؤلاء يموهّون على الناس بفعلهم فإن الناس يقولون: لولا أنهم علموا ببطلانه ما رجعوا عنه؛ لأن الإنسان بطبيعته لا يرجع عن أيش؟ عن دين الحق ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران ٧٣] هذا من قول الطائفة؛ يعني آمنوا ولا تؤمنوا. ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي: لا تظهروا ما أنتم عليه إلا لمن تبع دينكم؛ لأنكم لو أظهرتم للمسلمين أنكم آمنتم ثم رجعتم من أجل إفساد دينهم ما قبلوا منكم هذا ولا رجعوا، لكن إذا أخبرتم بهذا المكر والخديعة من تبع دينكم سلم لكم الأمر؛ يعني كأنهم يقولون: أخفوا هذه الطريقة إلا على من تبع دينكم، فمن تبع دينكم أخبروه لا مانع، أما غيرهم فلا تخبروهم. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ وهذه جملة معترضة، لكنها في محل موافق تمامًا؛ لأنه لما كان الغرض من هذا العمل الماكر أن يُضلوا الناس عن دينهم صار من المناسب تمامًا أن يُفسد هذا المكر ببيان أن الهدى والتوفيق بيد مَن؟ بيد الله؛ يعني قل: لن ينفعكم هذا المكر والخداع فإن الهدى هدى الله حتى لو عملتم هذه الطريقة الماكرة الخادعة فإن ذلك لن يضر المسلمين شيئًا؛ لأن الهدى هدى الله، وبهذا عرفنا أن هذه الجملة المعترضة لها فائدة كبيرة في هذا المقام، لأيش؟ لأن هذا المكر مكر عظيم يخدَع، ولكن من علم أن الهداية بيد الله سبحانه وتعالى لم يهتم بهذا المكر وهذه الخديعة. ثم قال: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾،﴾ قوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ هذه أشكلت على المفسرين والمعربين كثيرًا، لكن لننظر في سياق الآية الكريمة ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ أظهر ما نقول فيها أنها متعلقة بقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾ يعني ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ يعني لا تخبروا أحدًا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ لأنكم لو قلتم للناس: إنكم ستؤتون مثل ما أوتينا من الكتاب والفضائل وغيرها؛ لأن الله أعطى بني إسرائيل كتبًا بل آتاهم التوراة التي فيها الهدى والنور وآتاهم فضائل؛ ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، وقتل عدوهم اللدود حتى شاهدوه، إلى آخره. يقول: لا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم؛ لأنكم لو قلتم للناس إن هذه الأمة الإسلامية ستؤتى مثل ما أوتينا من الفضائل والشرائع لكان في ذلك حث على تمسكهم بدينهم. وقيل: المعنى ﴿لَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي: لا تخبروا بهذا المكر والخداع أنكم تؤمنون أول النهار وتكفرون آخره من أجل أن يرجع المسلمون عن دينهم ﴿لَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ يعني لا تخبروا أحدًا إلا لمن تبع دينكم بأن يؤتى مثل ما أوتيتم من هذا المكر وهذا الخداع. ثم قال الله تعالى: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ يعني ولا تؤمنوا أيضًا أن يحاجوكم عند الله؛ لأنكم لو آمنتم بذلك وأنكم يوم القيامة سيحاجكم هؤلاء عند الله ما قبِل أحد منكم هذه الحيلة، فصارت الآية: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ متعلقة بأيش؟ بقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾ يعني لا تؤمنوا لأحد بل أخفوا عنه. ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. لماذا قالوا: لا تؤمنوا إلا من تبع دينكم؟ لأن من تبع دينهم يعلمون أن الله سيُظهر محمدًا ﷺ ويكون له من الشريعة والفضائل ما كان لهم أو أكثر، ويؤمنون كذلك بأنهم سوف يحاجونهم عند الله كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج ١٧]، فأنتم لا تخبرون الناس بهذا إلا لمن تبع دينكم، إذن هم يؤمنون بأنهم سوف يحاجّهم المسلمون يوم القيامة عند الله. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فمن قالوا: لا تؤمنوا لأحد أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ حتى لو حاولتم أن تخفوا ما يمنّ الله به من الفضائل على هذه الأمة فإن ذلك لن يمنع الأمر الواقع؛ لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد آتى الله هذه الأمة -ولله الحمد- من الفضائل ما يربو بكثير على الفضائل التي أوتيها بنو إسرائيل. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ واسع في كل صفاته، واسع العلم، واسع الرحمة، واسع الحكمة، واسع القدرة، في كل الصفات، عليم بمن يستحق الفضل سبحانه وتعالى؛ فهو يؤتي فضله من يشاء عن علم وحكمة. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٧٤] ﴿يَخْتَصُّ﴾ بمعنى يخص بالرحمة من يشاء، ولكنه عز وجل يختص برحمته من هو أهل للرحمة كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وقد مر علينا قاعدة أن كل فعل من أفعال الله قُرن بالمشيئة فهو تابع للحكمة، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] فهو سبحانه وتعالى عليم حكيم يؤتي فضله من يشاء ممن يستحق ذلك الفضل، يؤتيه من يشاء. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾،﴾ ذُو الْفَضْلِ﴾ أي: صاحب الفضل العظيم يعني الواسع الكثير، فلا فضل أعظم من فضل الله عز وجل، وانظر إلى ما أنعم الله به على العباد من أول الدنيا إلى آخرها، وكل ذلك لم ينقص من عند الله شيئًا، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي شَيْئًا إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا غُمِسَ فِي الْبَحْرِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]. اغمس المخيط في البحر وأخرجه هذا البلل الذي حمله المخيط هل ينقص البحر شيئًا؟ أبدًا ولا شيء، فهكذا كل فضل أعطاه الله عز وجل، لو فُرض أنه خارج عن ملكه ولا هو في ملكه، هو في ملكه، لكن لو فُرض أنه خارج عن ملكه فإنه لن ينقص ملك الله شيئًا إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر، وهذا لا ينقص المخيط شيئًا. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران ٧٥ - ٧٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. في هذه الآية من الفوائد: بيان عداوة أهل الكتاب للمؤمنين، وذلك. * طالب: بعد: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾. * الشيخ: ويش اللي مكتوب عندك؟ ويش آخر ما كتب؟ * الطالب: بيان عداوة أهل الكتاب للمسلمين، حيث يريدون ضلالهم. التحذير من أهل الكتاب وأنهم يحاولون صد المسلمين عن دينهم. ثالثًا: أن المعتدي يجازى بمثل عدوانه لقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. رابعًا: تعزية المسلمين بما يريد بهم هؤلاء من الإضلال. خامسًا: أن الإنسان قد يعمى عن الباطل مع ممارسته له لقوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. سادسًا: إحاطة علم الله بما في قلوب الخلق لقوله: ﴿وَدَّتْ﴾. سابعًا: أننا نردّ على كل شخص يدعي أن الكفار يريدون الخير للمسلمين. * الشيخ: هذه الفائدة ويش هي؟ * الطالب: أننا نردّ على كل شخص يدعي أن الكفار يريدون الخير للمسلمين بهذه الآية. * الشيخ: إيه، لازم بهذه الآية. * الطالب: ثم ذكرنا أيضًا: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ وذكرنا فوائدها أيضًا. وقفنا ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. في هذه الآية: بيان كيد الكفار للمسلمين، وذلك بسلوك طُرُق الحيل المتنوعة؛ لأنهم قالوا: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن أهل الكتاب قد يكون فيهم منافقون لقوله: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ فإن المؤمن حقًّا لا بد أن يستقر الإيمان في قلبه ولا يكفر ويرجع. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن قد يُخدع بمثل هذه الخديعة فيتظاهر عدوه بأنه موافق له، ثم يتبرأ به في النهاية لقوله: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فيريدون أن يرجع المسلمون عن دينهم من أجل أن هؤلاء رجعوا، وقد سبق في تفسيرها ما يبيّن هذا تمامًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: تعصّب أهل الكتاب لدينهم على ضلالهم لقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن المسلم يرد كيد هؤلاء بإعلان أن الهدى هدى الله، وأنهم مهما حاولوا أن يصدونا عن ديننا وقد أراد الله هدايتنا فإن ذلك لا يضرنا، فيتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للعبد أن يعتمد على ربه في طلب الهدى، وأن لا يعتمد على نفسه؛ لأنه إذا اعتمد على نفسه خُذل مهما كان من الذكاء والحيلة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين صنعوا هذه الخديعة بيّنوا وأظهروا أن الذي حملهم على ذلك هو الحسد لقولهم: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ لأن اليهود من أبرز صفاتهم الحسد ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء ٥٤]، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل الكتاب يؤمنون بالبعث والحساب لقوله: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾، ولهذا اتفقت الأديان الثلاثة؛ اليهودية والنصرانية والدين الإسلامي على الإيمان بالبعث، لكن ليس كل من آمن بالبعث يعمل له، فاليهود والنصارى ما داموا على كفرهم بمحمد ﷺ فإنهم لم يعملوا لهذا البعث؛ إذ لو عملوا له لآمنوا بالرسول ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن العطاء عطاء الله عز وجل، وأن الله إذا منَّ على أحد بفضل فلن يستطيع أحد منعه لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائدها: إثبات اليد لله عز وجل لقوله: ﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾، وهذه اليد يد حقيقية يقبضها الله عز وجل، ويقبض بها، ويأخذ بها كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٦٧] وأخبر النبي ﷺ: «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ فِي اللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَفِي النَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ»[[أخرجه مسلم (٢٧٥٩ / ٣١) من حديث أبي موسى.]]. وأخبر ﷺ: «أَنَّ الإنْسَانَ إِذَا تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ -أي بما يعادل التمرة- مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُربِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤١٠) ومسلم (١٠١٤ / ٦٤) من حديث أبي هريرة.]] الحديث. أهل السنة والجماعة يؤمنون بأن ذلك حق على حقيقته؛ لأن الله تعالى أخبر به عن نفسه، وهو أعلم بنفسه وأعلم بغيره، وأخبر به عن نفسه بكلام فصيح بيّن لا يحتمل الشك. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء ٨٧] وأخبر به عن نفسه بخبر هو أصدق الأخبار لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء ١٢٢] فخبر الله أصدق الأخبار، وأخبر به عن نفسه ليهتدي الناس به كما قال الله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦]، وقال تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، فهذه أربعة أوصاف اتصف بها خبر الله تعالى عن نفسه، الوصف الأول؟ * طالب: أولًا: أنه أصدق. * الشيخ: الوصف الأول؟ * الطالب: الوصف الأول أنه أحسن حديثًا. * الشيخ: الوصف الأول؟ * الطالب: أصدق. * الشيخ: نعم. * طالب: يريد الله. * الشيخ: لا، الوصف الأول في كلامه. * طالب: ومن أحسن من الله قيلًا؟ * الشيخ: لا، نريد الوصف الأول، أنا أريد أن أرتبها؟ * الطالب: العلم. * الشيخ: أنه خبر صادر عن علم، كذا؟ فإن الله عالم بنفسه وبغيره، هذه واحدة. الوصف الثاني؟ * الطالب: ومَن أحسن من الله حديثًا. * الشيخ: كيف من أحسن من الله، ويش لونها؟ * الطالب: أن كلام الله أحسن الحديث. * الشيخ: زين، أن كلام الله أحسن الحديث؛ يعني بالفصاحة والبيان والوضوح. الثالث؟ * الطالب: أن الخبر الذي يصدر عن الله أصدقه. * الشيخ: طيب، أن خبر الله عن نفسه أصدق خبر. الرابع؟ * طالب: أنه يريد البيان لنفسه يريد الله أن يبين لكم. * الشيخ: طيب، أن الله تعالى يريد بما أخبر به عن نفسه أن يهتدي الناس به لئلا يضلوا، فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الأربعة في كلام لم يبقَ فيه أدنى شك، ولا يمكن أن نقول: إنه من المتشابه خلافًا لمن زعم أن آيات الصفات من المتشابِه، ولهذا قالوا: إنها من المتشابه، وإنَّ فرْضنا نحوها أن نمرّها بدون أن نتعرض لمعناها، وهذا -كما مر علينا كثيرًا- خطأ، بل نقرأ آيات الصفات ونتعرض لمعناها ونسأل عن معناها، لكن لا نسأل عن الكيفية؛ يعني نسأل: ما معنى استوى؟ نسأل ما فيه مانع، ما معنى استوى على العرش؟ لكن كيف استوى؟ ما نقول، ما نسأل، هنا يد الله، نسأل ما هذه اليد؟ هل هي حسية أو معنوية؟ الجواب: أنها حسية يأخذ بها ويقبض عز وجل، ولكن لا نسأل عن كيفيتها، ما نقول: كيف هذه اليد؟ هل كف الرحمن عز وجل ككفّ الإنسان أو لا؟ ما نقول هكذا. فإن قال قائل: إنه جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٦١٢ / ١١٥) من حديث أبي هريرة. ]] وفي رواية: «عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه الطبراني في الكبير (١٣٥٨٠) من حديث عبد الله بن عمر.]]، وهذا يقتضي أن تكون صفات الله كصفات المخلوق، فوجهه كوجه المخلوق، ويده كيد المخلوق، وعينه كعين المخلوق، وساقه كساق المخلوق، وقدمه كقدم المخلوق، فما الجواب؟ الجواب على ذلك: أن هذا لا يمكن أن يكون مراد الحديث؛ لأنه لو كان هذا مراد الحديث لكان تكذيبًا لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] وخبر الله ورسوله لا يتكاذب، بل يصدّق بعضه بعضًا، فإذا كان كذلك فما معنى الحديث؟ فالجواب أن نقول: لا يلزم من كون آدم على صورة الله أن يماثلة؛ فقد يكون الشيء على صورة الشيء من حيث العموم لا من حيث التفصيل، ويدل لهذا أن النبي ﷺ أخبر بأن «أَوَّل زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٦) ومسلم (٢٨٣٤ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]] وهل يلزم من ذلك أن يكونوا مثل القمر؟ أبدًا لكن من حيث الإجمال على صورة القمر، وإلا فليس للقمر أنف، وليس له عين، وليس له فم، وأهل الجنة لهم آناف وأعين وأفواه، لكن من حيث العموم، وهذا وجه قوي جدًّا ويبقي النص على ظاهره. والوجه الثاني: أن نقول: إن الله خلق آدم على صورة الرحمن أي: على الصورة التي اختارها عز وجل، على صورته على الصورة التي اختارها كما لو قلت: هذا الباب صنعة فلان؛ يعني هو الذي صنعه، فالله هو الذي صوَّر آدم، وإضافة صورة آدم إلى الله تقتضي التشريف؛ ولذلك جاءت هذه الجملة في بعض الأحاديث تعليلًا للنهي عن ضرب الوجه وتقبيح الوجه؛ لأن آدم خُلق على صورة الرحمن، فإذا ضربت الوجه الذي خلقه الله عز وجل واختار هذه الصورة له فإن ذلك الضرب قد يخدشه ويغيّره، وإذا قبّحت الوجه قلت: ما أقبح هذا الوجه! فإن هذا أيضًا قدح في الصورة التي خلقها الله عز وجل واختارها لهذا الوجه. وعلى هذا فيكون إضافة الصورة إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى أيش؟ إلى خالقه كقوله: ناقة الله، وبيت الله، ومساجد الله، بيوت الله، وما أشبه ذلك، وحينئذٍ تبقى النصوص -ولله الحمد- سليمة لا تتناقض ولا تتعارض، فاليد ثابتة لله على الوجه اللائق به من غير أيش؟ من غير مماثلة، نجزم ونعلم علم اليقين أنه لا مماثلة بين صفات الخالق وصفات المخلوق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعلّق الرجاء بالله خوفًا وطمعًا لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ فإذا علمت أن الفضل بيد الله فممن تسأل الفضل؟ من الله، وإذا علمت أن الفضل بيد الله، فمن الذي تخاف أن يمنع الفضل عنك؟ الله، إذن فينبغي، بل يجب على المؤمن أن يعلّق قلبه بالله تعالى رجاءً وخوفًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل، ويش الكلام هذا معناه؟ ويش معنى هذا؟ معنى هذا أن الله تعالى يُوصف بصفات الأفعال المتعلقة بمشيئته لقوله: ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فالإتيان فعل عُلّق بالمشيئة، إذن فنؤمن بأن الله تعالى له أفعال يفعلها يحدثها تتعلق بمشيئته. ففيه ردّ على المعطّلة الذين قالوا: إن الله تعالى لا يُوصف بالصفات الفعلية الاختيارية؛ لأنه ما فيه صفة عندهم ما فيه صفة لله تتعلق بمشيئته، كل الصفات أزلية، ليس فيه صفات تحدث بمشيئة الله، وهذه الآية ترد عليهم، لماذا يقولون: إن الله ما يفعل؟ يقولون: إن الله لا يستوي على العرش استواءً فعليًّا، ولا ينزل إلى السماء الدنيا، ولا يأتي للفصل بين عباده، لماذا؟ قالوا: لأن الحوادث لا تقوم إلا بحادث والله عز وجل ليس بحادث، الله أزلي أبدي، سبحانه وتعالى، فإذا أثبتّ له الأفعال الاختيارية المتعلقة بالمشيئة أثبتّ قيام فعل حادث به ولا يقوم الحادث إلا بحادث. فما هو الجواب عن هذا؟ الجواب: أن هذه القضية أو هذا الحكم حُكم عقلي معارض للنص؛ لأنه يتضمن رد كل نص يدل على قيام الأفعال الاختيارية بالله، وما تضمّن رد النصوص فهو باطل؛ لأن ما تضمن رد الحق فهو باطل. ثانيًا: أن نقول: هذه القضية أو القاعدة التي ذكرتم قاعدة باطلة؛ فإن الأفعال تأتي بعد الفاعل، ولا يلزم أن تكون قديمة بقدمه، ولا يلزم أن يكون حادثًا بحدوثها، ولذلك نحن نأكل اليوم ونأكل بالأمس وما قبل أمس، هل يلزم إذا أكلنا اليوم أننا لم نوجد إلا اليوم؟ * طلبة: لا، لا يلزم. * الشيخ: يعني وجودنا يسبق أفعالنا، فكذلك أفعال الله الاختيارية وجود الله سابق عليها، ولا يلزم أن نقول: إذا أثبتنا الأفعال الحادثة فقد أثبتنا حدوث الفاعل أبدًا، فهذه الملازمة العقلية ملازَمة باطلة لذاتها، وهي أيضًا ملازمة باطلة لمصادمتها لأيش؟ للنصوص. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، ولا أحد ينكر إثبات المشيئة لله فيما يتعلق بفعله، أنه تابع لمشيئته، ولا يكون إلا بمشيئته، لكن اختلفت الأمة في فعل العبد هل يكون بمشيئة الله أو لا يكون، فأهل السنة والجماعة قالوا: إنه يكون بمشيئة الله مع إثبات إرادة العبد، أنتم معنا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: فعل العبد بمشيئة الله مع إثبات إرادة العبد له، وذهبت القدريّة -مجوس هذه الأمة- إلى أن فعل العبد لا يقع بمشيئة الله، وأن العبد حُرّ يفعل ما يشاء، ولا تعلق لإرادة الله ومشيئته بفعله، ولهذا سموا مجوس هذه الأمة؛ لأنهم اعتقدوا أن العبد مستقل بما يحدثه، فجعلوا للحوادث خالقَيْنِ: الله عز وجل فيما يتعلق بفعل نفسه، والإنسان فيما يتعلق بفعل نفسه أيضًا؛ فالله خالق لأفعاله والإنسان خالق لأفعاله، والله شاءٍ لأفعاله والإنسان شاءٍ لأفعاله، ولا تعلق لمشيئة الله بفعل العبد. طائفة أخرى قابلتهم، قالت: أفعال العبد بمشيئة الله ولا إرادة للعبد فيها، عرفتم؟ هؤلاء هم الجبرية، قالوا: إن أفعال العبد بمشيئة الله ولا إرادة له فيها أبدًا، إن قام فهو مجبر، وإن جلس فهو مجبر، وإن نزل من السطح على الدرج فهو مجبر، وإن تدحرج غصبًا عنه فهو مجبر، وإن مات فهو مجبر، وإن شرب فهو مجبر، كله إجبار ما له اختيار، وهؤلاء أيضًا خالفوا المعقول والمنقول والمحسوس، لو أن أحدًا منهم وقف أمامنا وقال: الإنسان مجبر على فعله، فقام أحدنا وضربه كفًّا وقال: والله هذا غصب عليّ، أنا مجبر على أن أضربك كفًّا، ويش يقول؟ ما يرضى، إن قال: أبدا لأيش تتعدى عليّ؟ نقول: الآن أبطلت قاعدتك. ولهذا يذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رُفع إليه سارق فأمر بقطع يده، قال: اقطعوا يده ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة ٣٨] فقال: مهلًا يا أمير المؤمنين، والله ما سرقت إلا بقدر الله؛ يعني غصبًا عليّ، فقال: ونحن لا نقطع يدك إلا بقدَر الله. فرد عليه بحجّته مع أن أمير المؤمنين يقطع يد السارق بقدر الله وشرع الله، والسارق يسرق بأيش؟ بقدر الله لا بشرع الله؛ لأن الله ينهاه عن السرقة. المهم أن إثبات المشيئة لله في الآيات كثير، وهي شاملة لفعله ولفعل المخلوقين. وهنا نقول: هل مشيئة الله مطلقة؟ يعني يشاء ما تقتضيه الحكمة، وما تقتضي الحكمة عدمه، أو مقيدة بالحكمة؟ الجواب: مقيَّدة بالحكمة، كلما مر بك آية فيها إثبات المشيئة فإنها مقيّدة بالحكمة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ يدل على أن مشيئة الله عز وجل مقرونة بالعلم والحكمة وهو كذلك، فلا يشاء سبحانه وتعالى شيئًا إلا لحكمة، ولكن الحكمة قد تبين لنا، وقد أيش؟ وقد تخفى علينا؛ لأن عقولنا قاصرة، قد نظن مثلًا أن نزول المطر في هذا الوقت ضرر وليس بضرر، قد نظن أن حبس المطر عنا ضرر وليس بضرر، فنحن نؤمن بأنه ما من شيء يجريه الله سبحانه وتعالى إلا لحكمة، ولكن الحكمة قد تخفى علينا وقد تظهر لنا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: واسع، والثاني: عليم، واسع بأي شيء؟ في كل صفاته؛ كل صفاته سبحانه وتعالى واسعة، رحمته وسعت كل شيء، وعلمه وسع كل شيء، وسلطانه شمل كل شيء، وقدرته على كل شيء، واسع بكل معناها، حتى إن الله قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١١٥]. أيّ مكان تولي وجهك له فالله أمامك، إذا كنت في الصلاة فإن الله تعالى يناجيك وهو أمامك كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠٦) ومسلم (٥٤٧ / ٥٠) من حديث عبد الله بن عمر.]] أي إنسان، الذين يستقبلون المشرق كالذين يقعون غربًا عن مكة، والذين يستقبلون المغرب كالذين يقعون شرقًا عن مكة، والذين يستقبلون الجنوب كالذين يقعون عنها شمالًا، والذين يستقبلون الشمال كالذين يقعون عنها جنوبًا، كل هؤلاء أينما تولوا فإن ثَمَّ وجه الله؛ لأن الله واسع، واسع عليم. ولكن لا تظن أن الله سبحانه وتعالى في الأرض قِبل وجهك وأنت تصلي، فإنه قِبل وجهك وهو في السماء؛ لأن الله ليس كمثله شيء في جميع صفاته، وإذا كان المخلوق وهو مخلوق يمكن أن يكون في السماء وقِبَل وجهك فما بالك بالخالق؟ لو استقبلت الشمس حين شروقها لكانت أيش؟ قِبل وجهك وأين هي؟ في السماء، وكذلك عند الغروب تكون قِبل وجهك وهي في السماء، فالحاصل أن الله تعالى واسع بجميع صفاته وبكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. * ومن فوائد الآية: إثبات علم الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ عِلم الله في قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾، فما هو العلم؟ العلم إدراك الشيء على ما هو عليه، فمن لم يدرك الشيء فليس بعالم، ومن أدركه على خلاف ما هو عليه فليس بعالم، والأول جاهل بسيط، والثاني جاهل مركب. فلو سألَنا سائل: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: كانت في السنة الثالثة من الهجرة، فالقائل جاهل جهلًا مركبًا، ولو سألنا سائل فقال: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: الله أعلم، فالقائل جاهل لكن جهله بسيط، أيهما أشد عمًى؟ الأول أشد عمًى، المشكل، جاهل وهو جاهل أنه جاهل، ولهذا قيل: إن الجهل المركب أشد قبحًا من الجهل البسيط؛ فعالم لم ينتفع بعلمه أشد إثمًا من الجاهل؛ لأن العالم الذي لم ينتفع بعلمه علم ولكنه -والعياذ بالله- لم يعمل بعلمه. ولو سألنا سائل: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: في السنة الثامنة في رمضان، لكان عالِمًا، إذن الله تعالى عالم مدرك للأشياء على ما هو عليه، وعِلْمه سبحانه وتعالى تامّ من كل وجه أزلًا وأبدًا، فلم يزل عالِمًا يعلم ما سيكون وإذا علم -وهو عالم عز وجل- فلن ينسى كما قال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥٢]. هل يوصف الله بأنه عارف؟ * طلبة: لا. * الشيخ: قال أهل العلم: لا يوصف الله بأنه عارف، لماذا؟ لأن المعرفة انكشاف بعد لُبس، انكشاف بعد خفاء، أحسن أو أبْين لكم، المعرفة انكشاف بعد خفاء، ولهذا إذا علمت الصبي تقول له: هل عرفت؟ فيقول أيش؟ نعم؛ يعني بعد أن كان خافيًا عليه صار الآن معلومًا له، فمن أجل أنها انكشاف بعد خفاء لم يصح إطلاقها على الله؛ لأن الله لم يزل ولا يزال عليمًا. ثانيًا: أن المعرفة تطلق على العلم والظن، ولهذا إذا قلنا: العِلم معرفة الحق بدليله شمل قولنا معرفة الحق بدليله شمل العلم والظن؛ لأن المعلومات إما علمية وإما ظنيَّة؛ لهذا لا يصح أن يطلق على الله بأنه عارف. فإن قال قائل: كيف تقولون هذا وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٨٠٣) من حديث ابن عباس.]] يعرفك، وهذا فعل؟ فالجواب عن ذلك: أن هذه معرفة خاصة تستلزم العناية؛ العناية بالذي تعرَّف إلى الله من قبل، والدليل على أنها ليست معرفة العلم، بل هي معرفة العناية؛ الدليل أنه قال: تعرَّف إلى الله مع أن الله يعرفك سواء قمت بعبادته أم لم تقم، يعلمك عز وجل، يعلمك سواء قمت بعبادته أم لم تقم، لكن إذا قمت بعبادته فقد تعرَّفت إليه، فإذا تعرفت إليه في الرخاء عرفك في الشدة. ثم قال الله عز وجل: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد يرحم بعض العباد رحمة خاصة لقوله: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وقد بيّن الله في آيات أخرى: أن الله تعالى يرحم من يستحق أن يُرحم وهو الذي تعرّض لأسباب الرحمة مثل قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦]، وأن من كان على العكس لم يأتِ بما يقتضي الرحمة فإنه ليس أهلًا لها، قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا﴾ [الأعراف ١٥٦] لمن؟ ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، وقال عز وجل: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف ٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا اعتراض على الله في كونه يختص برحمته زيدًا، ويمنع رحمته عن عمرو؛ لأن الأمر إليه وهو فضل إن شاء منعه وإن شاء أعطاه. * ويتفرع على هذه الفائدة: أن من مُنعوا فضل الله لم يكونوا قد ظُلِموا شيئًا؛ لأن فضل الله يؤتيه من يشاء ويختص برحمته من يشاء، (...) لو كان أمامك عشرة رجال فأعطيت واحدًا عشرة، وواحدًا تسعة، وواحدًا ثمانية، وواحدًا سبعة، وواحدًا ستة، وواحدًا خمسة، وواحدًا أربعة، وواحدًا ثلاثة، وواحدًا اثنين، وواحدًا واحدًا، هل ظلمت من لم تُعطه إلا درهمًا واحدًا؟ لا، ما ظلمته؛ لأن هذا فضل منك، فلا يقال: إنك ظلمت من أعطيته درهمًا واحدًا؛ لأنك أعطيت الأول عشرة دراهم. ولو استأجرت عشرة أجراء على عشرة دراهم كل يوم فقاموا بالعمل، فأعطيت واحدًا عشرة دراهم؛ لأنه عمل يومًا كاملًا، والثاني كلهم عملوا على يوم كامل، أعطيت واحدًا عشرة، والثاني تسعة، والثالث ثمانية، وهكذا تنقص، لعُددتَ ظالِمًا؛ لأن هذا ليس من العدل أن يقوم الجميع بما استأجرتهم عليه، ثم تعطي بعضهم وتحرم بعضًا، والفرق بين هذه والتي قبلها: أن الأولى فضل وإحسان، مجرد فضل وإحسان، وهذه الثانية عدل، والعدل يجب أن يُعطى فيه كل ذي حق حقه. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز وصف غير الله بالعِظم لقوله: ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾؛ لأن الفضل هنا يحتمل أن يراد بها الفضل الذي هو فضل الله أي: عطاؤه، أو أن المراد بها المتفضل به وهو أيش؟ المعطَى، فعلى الثاني لا إشكال في استنباط الفائدة التي ذكرناها، أن العِظم يوصف به غير الله، وعلى الأول إذا قلنا: إن الفضل هو نفس فعل الله فوصفه بالعِظم لا إشكال فيه، لماذا؟ لأنه من صفات الله. الشيخ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران ٧٤]. * ومن فوائد الآيات الكريمة: جوازُ وصف غيرِ الله بالعِظَم؛ لقوله: ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾؛ لأن الفضل هنا يَحتمل أن يُراد بها الفضل الذي هو فضل الله؛ أي عطاؤه، أو أن المراد بها المتفضَّل به وهو أيش؟ الْمُعْطَى، وهو المعطى، فعلى الثاني: لا إشكال في استنباط الفائدة التي ذكرناها؛ أن العِظَمَ يُوصف به غيرُ الله. وعلى الأول: إذا قلنا: إن الفضل هو نفسُ فعلِ الله فوصفُه بالعِظَم لا إشكال فيه، لماذا؟ لأنه من صفات الله، وصفات الله كذاته عظيمة، فإن قال قائل: ما دام الاحتمالان قائمين فلا دلالة على أنه يوصف بالعظم مَن سوى الله ما دمنا نقول: يحتمل أن يكون الفضل هنا صفةَ الله وصفةُ الله عظيمة كذات الله. الجواب عن هذا أن يُقال: إذا لم تقتنع بهذا فاقرأ قول الله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل ٢٣]. فوصف العرش بالعظم مع أن عرشها مخلوق؛ إذن يصح أن نقول والله هذا الفعل عظيم، نعم، يصح أن نقول هذا، هذا رجل عظيم، هذه سيارة عظيمة، هذا بيت عظيم، وما أشبه ذلك؛ ولا يضر، كما أنه يصح أن نقول: فلان عزيز، فلان قوي، يصلح؟ * الطلبة: نعم.. * الشيخ: نعم، فلان قوي، ولا حرج في ذلك ولكن يجب أن نعلم أن ما نصف به المخلوق من صفات الله لا يماثل صفات الله ولا يدانيها أيضًا؛ لأن صفة كل موصوف تناسبه. * طالب: هل فيه هناك مقارنة بين منافقي المسلمين وأهل الكتاب؟ * الشيخ: كيف؟ * طالب: هل بين المسلمين ومنافقو أهل الكتاب بينهما مقارنة في الفعل؟ * الشيخ: مسلمين ومنافقين. * الطالب: المنافقين.. هل المنافقون الذين في عهد النبي ﷺ يقارَنون بمنافقي أهل الكتاب؟ * الشيخ: لا، الآيات التي مرَّت بنا ينافقون ما كل وقت، ينافقون خداعًا في أول النهار ويكفرون في آخره. * طالب: يا شيخ، «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» هذا الحديث «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»؟ * الشيخ: هيه؟ * الطالب: حديث «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»[[أخرجه أحمد (٢٨٠٣)، وعبد بن حميد (٦٣٥)، والحاكم في المستدرك (٦٤٣٦، ٦٤٣٧) من حديث ابن عباس.]]. * الشيخ: نعم. * طالب: صفة العرف هل يعني نثبتها لله صفة فعلية؟ * الشيخ: هيه؟ * طالب: هل نثبت أن الله عارف صفة فعلية؟ * الشيخ: إي نعم، إذا قلنا: المراد بها العناية ما هو المعرفة العلمية؛ لأن الله لم يزل عالمًا من قبل أن تكون فيه الشدة، لكن إذا قلنا: المعرفة التي مقتضاها العناية صارت من هذا النوع، نعم. * طالب: هل يعني يصح أن يُقال: أن الذي لم ينتفع بعلمه أن فيه صفة من صفات اليهود؛ لأنهم كان عندهم علم؟ * الشيخ:كيف؟ نعم، كيف ما فيه شك. * طالب: سؤال ذو شقين. بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى بعض الناس يصفونه يقولون: إن الله قديم؟ * الشيخ: إيه؟ * الطالب: يعني بعض الناس من أهل الفرق يعني يصفون يقولون: إن الله قديم أو أزلي أو كذا، هذه الألفاظ من أين أتت؟ * الشيخ: إيه. * الطالب: من هم الفرق الذين قالوا هذا؟ * الشيخ: نعم، هذه جاءت من المتكلمين ما فيها شك، ما كانت معروفة في عهد الرسول ﷺ ولا الصحابة وإن كان وَرَدَ «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]] وصفًا للسلطان لا لله، لكن معناها حسب ما يريدون بها صحيح؛ لأن عندهم أن القديم هو الذي ليس له أول؛ يعني الذي لم يزل ولا يزال موجودًا، ولا يريدون القديم الذي هو القديم لغةً؛ لأن القديم في اللغة يطلق على الشيء الحادث الذي سبق غيره كقوله: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس ٣٩]. وقد مرَّ علينا أن ما يُخبَر به عن الله إما أن يكون الله قد أخبر به، أو لم يُخبِر به لكن لا ينافي كمالَه، أو لم يخبر به وينافي كماله؛ فالأولُ معلوم الجواز والثالث معلوم الامتناع والثاني جائز جائز؛ فيجوز أن تُخبِر عن الله بما لا ينافي كماله ولكن لا يجوز أن تخبر عن الله بما ينافي كماله حتى إن بعض العلماء يقول: لا يجوز لك أن تُفَصِّل في خلق الله فتقول مثلًا: إن الله خلق الحمير والكلاب والأقذار والأنتان وما أشبه ذلك؛ لأن في هذا نوع من الاستخفاف، لكن قل: خلق كل شيء، ثم لو أنكر إنسان قال: إن الله لم يخلق الحمير قل: لا، بل خلق الحمير، في مقابلة النفي. على كل حال ما يقع خبرًا عن الله إما أن يكون قد أَخبر الله به عن نفسه، فأمرُه ظاهر، أو لم يخبِر به ولكنه ينافي كماله، فأمرُه ظاهر أيضًا، الأول واضح الجواز والثاني واضح الامتناع. أو يكون مما لم يُخبر الله به عن نفسه لكن لا يُنافي كمالَه، فهذا لا بأس به؛ ولهذا نقول: إنَّ الله مُريد متكلم صانع مع أنه لم يَرِد هذه المشتقات من أسماء الله، ولا أخبر الله به عن نفسه بهذا اللفظ. * طالب: جهم بن صفوان يا شيخ عندما مرَّ مع جماعة من الطلاب فذهب بهم إلى أماكن المصابين بالأمراض فقال لهم: انظروا هل يعني هذه رحمة الله هكذا يصاب الناس. * الشيخ: نعم. * الطالب: كيف نرد على هذا القول؟ * الشيخ: نرد أن هذا من رحمة الله. * الطالب: أن يصابوا بهذا.. * الشيخ: نعم، أن يصابوا؛ ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم ٤١] أيش؟ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فإن لم ينتفعوا انتفع غيرهم؛ لأنك لا تعرف قَدْرَ نعمة الله عليك إلا إذا أُصبت بضدها أو رأيت من أصيب بضدها، نراجع يلَّا سمّعنا جزاك الله خيرًا، قوله: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ [آل عمران ٥٢] ما معنى الحواريين؟ * طالب: الحور مشتق من الحَوَر، الحَوَر هو البياض. * الشيخ: نعم. * الطالب: وقلوبهم سالمة من.. * الشيخ: صافية نقية. * الطالب: من الكفر والشرك. * الشيخ: أحسنت، إذن سُمُّوا حواريين؛ لصفاء قلوبهم. * الطالب: لصفاء قلوبهم. * الشيخ: لصفاء قلوبهم. طيب أحسنت، قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٥٤] كيف يُوصف الله بالمكر؟ * الطالب: لأنَّ مَكَر إذا كان في مقابل الخصم يوصف الله تبارك وتعالى وهو صفة الكمال، وإذا كان ليس في مقابلة الغير هو صفة نقص؛ يعني ما يُوصَفُ الله تبارك وتعالى إلا في مقابلة الخصم. * الشيخ: أحسنت، وحينئذ يكون؟ * الطالب: يكون في مقابلة مكر المشركين.. * الشيخ: يكون كمالًا. * الطالب: إي نعم.. * الشيخ: كمالًا؛ لأنه يدل على أنه أقوى من ذاك، من عدوه، قوله: ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ﴾ و﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فيها قراءتان. * طالب: (لهو) بضم الهاء وسكونها. * الشيخ: بضم الهاء وسكونها ﴿لَهُوَ﴾ و﴿لَهْوَ﴾ . طيب، قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ الضمير في ﴿خَلَقَهُ﴾ المفعول يعود على؟ * طالب: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾. * الشيخ: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾. * طالب: أي آدم. * الشيخ: يعود على آدم. ما الغرض من هذه الآية؟ الرد على من؟ * طالب: الرد على الذين قالوا: إن عيسى ابن الله. * الشيخ: الرد على النصارى الذين قالوا: إن عيسى ابن الله، وقالوا: كيف يأتي بدون أب؟ فأبوه هو الله. طيب فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى﴾. * الطالب: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾. * الشيخ: يعني شأنه كشأن آدم؛ خَلَقَهُ الله من تراب ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. طيب هذه الآية اختصت بشيء فما هو الشيء الذي اختصت به ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾؟ * طالب: (...) * الشيخ: لها خصيصة يعني معينة هه؟ * الطالب: (...) * الشيخ: أن النبي ﷺ كان يقرأ بها في الركعة الثانية من سنة؟ * الطالب: صلاة الفجر. * الشيخ: صلاة الفجر، ويقرأ في الركعة الأولى؟ * الطالب: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة ١٣٦]. * الشيخ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الّلي في سورة البقرة. طيب، قوله: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ويش معناها؟ * الطالب: ﴿قُلْ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾.. * الشيخ: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾؟ * الطالب: أي تكون.. * الشيخ: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. * الطالب: أي تكون فاصلة بيننا وبينكم. * الشيخ: كيف؟ * طالب: هي كلمة التوحيد. * الشيخ: أيش لون هذا الفاصل؟ * الطالب: يعني نحتكم نحن وإياكم إلى هذه.. * الشيخ: إي، لكن شو المراد بـ﴿سَوَاءٍ﴾ يعني؟ * طالب: عدل. * الشيخ: عدل، طيب هذه واحدة، المعنى الآخر؟ * طالب: مستويًا. * الشيخ: مستويًا. * الطالب: من اسم فاعل. * الشيخ: إي، يعني بمعنى أنها كاملة، إلى كلمة كاملة؛ لاشتمالها على العدل. طيب، قوله: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ كيف اتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله؟ * طالب: يريد دعاء بعضهم لبعض (...). * الشيخ: هم يدعون بعضهم بعضًا. * طالب: يعني يتخذ بعضهم؛ أي: يعبد بعضهم بعضًا. * الشيخ: لكن هل حديث عدي بن حاتم أنهم يعبد بعضهم بعضًا؟ * الطالب: قال على استثناء (...). * الشيخ: قال: لسنا نعبدهم. * الطالب: لكن قال: نحن ندعوهم. قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرجه الترمذي (٣٠٩٥)، والبيهقي في السنن (١٠ / ١١٦)، والطبراني في المعجم الكبير (٢١٨) (١٧ / ٩٢) من حديث عدي بن حاتم.]]. * الشيخ: لا، ما قال: إنهم يدعونهم. * طالب: يتبعونهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام. * الشيخ: نعم، يتبعونهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال. طيب، أنتم أظن أخذتم الجزء هذا من القرآن؟ أنت؟ * طالب: أنا؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: أخذت منه شيء. * الشيخ: أدركت أوله ولّا لا، من أين أدركت؟ * طالب: من هذه الآيات. * الشيخ: من هذه الآيات، يلَّا سمِّعْنا، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ﴾، سمِّعْنا عن ظهر قلب. * الطالب: لم أحفظ. * الشيخ: شو الفائدة، نعم. * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران ٦٥، ٦٦]. * الشيخ: أحسنت، قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ فيها قراءتان. * طالب: بضم الميم.. * الشيخ: أيش؟ * طالب: ها أنتمُ؟ * الشيخ: لا، نسيت ولا ما حفظت؟ * الطالب: ما عرفت. * الشيخ: قراءتان. * طالب: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ و﴿هَأَنْتُمْ﴾ بالتسهيل. * الشيخ: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ بالمد، و﴿هَأَنْتُمْ﴾ بدون المدِّ. طيب، قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾؟ الاستفهام هنا ما المراد به؟ * طالب: الإنكار. * الشيخ: الإنكار، يعني؟ * طالب: يعني ينكر على الكافر (...). * الشيخ: ما فيه معنى آخر؟ * طالب: التوبيخ والإنكار، المراد به التوبيخ والإنكار. * الشيخ: التوبيخ. * طالب: والإنكار. * الشيخ: والتعجب، هه، كيف الآية، ويش معنى الآية؟ القصة ما هي؟ * طالب: القصة أنهم ادَّعَوْا أنهم على ملة إبراهيم، فالله أنكر عليهم وتعجَّب منهم، كيف تقولون: إنكم على ملة إبراهيم؟! * الشيخ: يعني ادعوا أن إبراهيم على ملة التوراة مثلًا وعلى ملة الإنجيل. * الطالب: نعم. * الشيخ: طيب، وأنهم مُتَّبِعون له، ما وجه الإنكار عليهم؟ * طالب: لأن التوراة والإنجيل ما أُنزلت إلا بعد إبراهيم. * الشيخ: نعم، فكيف يكون؟ * الطالب: فكيف يكون إبراهيم على ملته؟! * الشيخ: على ملة شيء لم ينزل إلا من بعده، كذا؟ طيب، نعم. * طالب: فيه معنى آخر. * الشيخ: فيه معنى آخر. * طالب: وهو أنهم هم على ملة إبراهيم. * الشيخ: أنهم هم.. * طالب: يدَّعون أنهم على ملة إبراهيم. * الشيخ: نعم، وأنهم أولى الناس به. طيب، هل في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ دليل على تحكيم العقل في الأمور الشرعية؟ * طالب: المقصود بالعقل هنا عقل الرشد.. * الشيخ: أي عقل الرشد، لا بأس، لكن هل فيه دليل على الرجوع إلى عقل الرشد للأمور الشرعية؟ أو هنا التوبيخ مُنْصَبٌّ على فعلهم هم؛ يعني كونهم يدَّعون أن إبراهيم تابع للتوراة أو أنهم على ملة إبراهيم وهم مخالفون له؟ * طالب: بل هو على الإنكار عليهم. * الشيخ: ليس على أمر شرعي، هل له نظير؛ أنكر الله تعالى أو نعى الله على قوم عقولَهم لمخالفتهم لما يقتضيه العقل؟ نعم. من يعرف؟ ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤]. طيب، يلَّا. * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [آل عمران ٦٧ - ٦٩]. * الشيخ: أحسنت، قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ هذا رد على من؟ * طالب: من تعني؟ * الشيخ: ﴿إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ردٌّ على من؟ * الطالب: على اليهود والنصارى. * الشيخ: اليهود والنصارى كلهم؟ * الطالب: على النصارى. * الشيخ: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ بس نقرأ هذا ردًّا على من؟ * الطالب: على اليهود. * الشيخ: ﴿وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾؟ * الطالب: على النصارى. * الشيخ: ردًّا على النصارى؛ لأن كل طائفة منهم تدعي أنها على ملته وأنه على ملتهم. طيب، قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ كيف بدأ بـ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ قبل ذِكر النبي محمد ﷺ والنبي أشرف منهم، هه، يلّا؟ * طالب: لأن الاتباع ما يجيء إلا يكون أولًا بتصديق كتاب الله ثم كلام النبي ﷺ. * الشيخ: لا. * طالب: لأنهم الأول في الخلق. * الشيخ: هه. * طالب: لأنهم الأول في الخلق. * الشيخ: أسبقُ زمنًا. * الطالب: أسبق زمنًا من النبي. * الشيخ: لأنهم أسبق زمنًا، هذه واحدة، وجه ثانٍ؟ * طالب: أن الله عز وجل شرَّف الرسول فقال: ﴿وَهَذَا﴾ عطفه. * الشيخ: عطفه؟ * الطالب: أشار.. * الشيخ: أخَّره، مش المشكلة التأخير، لكن الأخ يريد يقول: لأن الذين اتبعوه أسبق زمنًا، شيء آخر؟ * طالب: الظاهر -والعلم عند الله- أن هؤلاء اليهود والنصارى الذين يدَّعون أن إبراهيم من ملتهم وهم لم يتبعوه وليسوا منه في شيء، بيّن الله لهم أن أولى الناس بإبراهيم الذين اتبعوه وهؤلاء لم يتبعوه وإنما يدَّعون أنهم يتبعونه بالاسم. * الشيخ: إي، لكن الرسول ﷺ أشرف من الذين اتبعوه، فلماذا قدَّمهم؟ نعم. * طالب: لأنهم اتبعوه في شريعته (...) أصول الدين. * الشيخ: أيش؟ * طالب: شريعة الرسول الإسلام، ولكن لكل نبي شريعته الخاصة قال: اتبعوه في شريعته الخاصة (...). * الشيخ: إي نعم، صحيح؛ لأن الذين اتبعوه اتبعوه اتباعًا كاملًا، وأمَّا النبي ﷺ فله منهاج يخالف منهاج إبراهيم فيما يتعلَّق بالمصالح ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]. فلمَّا كان الذين اتبعوه آخذين بأصول شريعته وفروعها ودقيقها وجليلها قدَّمَهُم. طيب، قوله: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ اللام هذه ويش معناها؟ * طالب: تعليل. * الشيخ: لا، ما كل لام تعليل، ما كلُّ بيضاءَ شحمة. * طالب: حرف جر. * الشيخ: ولا هي بحرف جر، حرف الجر اسم مكسور مع اسم موصول، نعم.. * طالب: للتوكيد. * الشيخ: الأخ.. * الطالب: للتوكيد. * الشيخ: للتوكيد، ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾. طيب، قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وفي بعض الآيات ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦٢] فأثبت ولايته على الكفار فما الجمع؟ * طالب: اتبعوا الرسول ﷺ. * الشيخ: لكن الله هنا قال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وفي بعض الآيات أثبت الله ولايته لغير المؤمنين. * طالب: إي نعم؛ لأن ولي المؤمنين بالاتباع الرسل. * الشيخ: لا. * طالب: المراد الولاية الخاصة يا شيخ. * الشيخ: المراد هنا الولاية الخاصة، وولاية الله لغير المؤمنين الولاية؟ * الطلبة: عامة. * الشيخ: العامة، طيب. * طالب: بمعنى المحبة يا شيخ؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: بمعنى المحبة الولاية العامة؟ * الشيخ: لا لا، الولاية العامة بمعنى التبليغ والسلطة، تولي الأمور. طيب، الأخ.. اقرأ. * طالب: (...) أعداء المسلمين. * الشيخ: التحذير.. * طالب: من ولاية الكفار. * الشيخ: إي نعم، التحذير من اليهود والنصارى؛ لأنهم يريدون منَّا أيش؟ أن يُضِلُّونا؛ طيب كيف قال: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾؟ ما وجه كونهم لا يُضلون إلا أنفسهم؟ * طالب: لأنهم بهذا الإضلال هم ضالين في الأصل، وبهذا الإضلال يزيدون ضلالًا فيضلون أنفسهم. * الشيخ: أحسنت تمام. قوله: ﴿مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ لماذا سمي القرآن ذِكْرًا؟ هه، يلَّا (...) سهمه الآن. * طالب: سُمي ذكرًا؛ لأن فيه ذكر الله، وكذلك الذكر يطلق على ثلاثة معانٍ. * الشيخ: على ثلاث جماعات؟! * الطالب: على ثلاثة معانٍ. * الشيخ: هيه. * الطالب: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح ٤]، وكذلك واذكر ربك قيامًا وقعودًا، وهذا الذكر القرآن فيه ذكر لله تبارك وتعالى، وكذلك التلفظ والذكر يطلق على التلفظ وكذلك فيه ألفاظ. * الشيخ: كثَّرت علينا يا شيخ، نعم. * طالب:.. * الشيخ: إي نعم. * طالب: لأن فيه ذكر من قبلنا ومن بعدنا. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: لأن فيه ذكر من قبلنا وذكر من بعدنا من القرون. * الشيخ: هيه. * طالب: كما قال النبي ﷺ.. * الشيخ:طيب، وغيره؟ * الطالب: الحديث.. * الشيخ: هيه؟ * الطالب: كما قال النبي ﷺ.. * الشيخ: طيب هات! * الطالب: لا أحفظه. * طالب: لذكره في زبر الأولين. * الشيخ: لا. * طالب: لأنه يُتذكر به. * الشيخ: صح، لأنه يُتذكر به، طيب. * طالب: الذِّكر بمعنى الشرف يقول تعالى: ﴿وَإِنَّهُ﴾.. * الشيخ: نعم. * الطالب: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤]. * الشيخ: زين! * الطالب: ولإنه يُذكر به عزَّ وجلَّ. * الشيخ: لإنه ذكر.. * الطالب: لله عز وجل.. * الشيخ: لمن اتبعه ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾؛ أي: شرف، ﴿وَلِقَوْمِكَ﴾. طيب، يلَّا.. الحكيم وصف للقرآن فهل هو من الحُكم لأن القرآن حاكم بين الناس، أو هو من الإحكام، لأن القرآن مُحكم؟ * طالب: (...). * الشيخ: من المعنيين جميعًا؛ فالقرآن محكم وحاكم، طيب هذا الوصف لكل القرآن؟ * الطالب: إي نعم، ورد الاختلاف فيه (...) إي نعم هو وصف لكل القرآن. * الشيخ: لكل القرآن. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: طيب، أَلَا يَرِدُ على هذا قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران ٧] فلم يجعل الله القرآن كله محكمًا؟ * طالب: لأن المتشابهات بالنسبة لله سبحانه (...)، والمتشابهات بالنسبة للعامة غير حكيم. * الشيخ: يعني التشابه نسبي؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إيه، توافقون على هذا؟ وإذا رُد المتشابه إلى المحكم صار الجميع محكمًا. اتفضل. * طالب: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران ٧٥ - ٧٧].