Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — النور 24:31 – النور 24:51

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. النور 24:31
  2. النور 24:32
  3. النور 24:33
  4. النور 24:34
  5. النور 24:35
  6. النور 24:36
  7. النور 24:37
  8. النور 24:38
  9. النور 24:39
  10. النور 24:40
  11. النور 24:41
  12. النور 24:42
  13. النور 24:43
  14. النور 24:44
  15. النور 24:45
  16. النور 24:46
  17. النور 24:47
  18. النور 24:48
  19. النور 24:49
  20. النور 24:50
  21. النور 24:51

النور 24:31

قوله: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الكلام فيها كالكلام في قوله: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾. قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ما المراد به؟ * طالب: على رأي المؤلف؟ * الشيخ: على رأي المؤلف وعلى غير رأيه، على رأي المؤلف أيش يقول؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الْخُلُقِيَّة أم الْخِلْقِيَّة؟ * الطالب: الْخِلْقِيَّة. * الشيخ: الْخِلْقِيَّة (...) عيِّنِ الذي يراه. * الطالب: الذي يراه (...). * الشيخ: الوجه والكفان، على رأي المؤلف أن المراد بالزينة ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ المراد بالاستثناء هنا أو المستَثنى: الوجه والكفان. القول الثاني؟ * طالب: القول الثاني في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: من اللباس. * الشيخ: من اللباس الذي لا بد من ظهوره. تفسير المؤلف للزينة أنها الزينة الخِلقية التي زيَّن الله بها البدن هل هذا صحيح أو غير صحيح؟ * طالب: غير صحيح. * الشيخ: غير صحيح، والسبب؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) ما نريده: أن نضعّف أن المراد بالاستثناء الوجه والكفان، نُضعّف أن الزينة المراد بها الزينة التي خلق الله عليها المرأة. * طالب: (...). * الشيخ: شوف المراد بالزينة في الصحيح الزينة الخارجية وهي ما تتزين بها المرأة، لا الزينة الْخِلقية التي خلق الله المرأة عليها، أيش الدليل؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف ٣٢] نعم وفي آخر الآية: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل ٨]، وقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف ٤٦] كل مَن تأمل الزينة وجدها في الزينة الخارجية لا فيما زيَّن الله به المرأة. وعلى هذا يكون الاستثناء عائدًا على ما يبدو من الثياب الذي لا بد من ظهوره؛ وذلك لأنها لو حرِّم عليها حتى الثياب التي تبدو ولا بد من ظهورها لوجب عليها أن تبقى في البيت؛ إذ لا يمكن تطبيق هذا الأمر إلا بذلك وهذا أمر لم يكلِّف الله به أحدًا. إذن تبيَّن أن قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أن الراجح فيه ما هو؟ ما ظهر من اللباس يعني الشيء الذي لا بد من ظهوره وظهوره ضروري، هذا مباح، ويدل على ذلك أيضًا من الأدلة أن الزينة لا تستعمل إلا فيما يتزين به الإنسان من لباس وغيره، يؤيدها أيضًا أنه قال: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ﴾ ولو كان المراد الوجه والكفين لقال: (إلا ما أُظهر) مثلًا؛ لأنه هنا أبهم إلا إذا أُظهر، إلا ما أُظهِر منها مثلًا، طيب فيه شيء غير هذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي؛ لأن الحُلي من الأمر الذي يمكن إخفاؤه، ما هو مثل العباءة والجلباب وشبهه. ثم قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ ﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾ ضرب بالشيء على الشيء بمعنى: ألقاه عليه لكن مع الإلصاق. ضرب بالشيء على الشيء بمعنى ألقاه عليه لاصقًا به، ومنه ضربت بيدي على يدي مثلًا أو على فخذى أو ما أشبه ذلك، هذا معنى الضرب على الجيوب. ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ﴾ جمع خمار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها. ﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ جمع جيب، وهو طَوْق الثوب، هذا الجيب هو طوق الثوب؛ يسمى جيبًا، ولا يزال الناس الآن يسمونه بهذا الاسم. أوجب الله تعالى ﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾ اللام لام الأمر كما هو معروف، والسكون في قوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾ ليس سكون إعراب ولكنه سكون بناء؛ لأن الفعل متصل بنون النسوة فيكون مبنيًّا على السكون مهما كان الأمر. هنا أَمر الله سبحانه وتعالى أن تضرب المرأة بخمارها على جيبها، ولازم من ذلك أن ينزل من رأسها إلى الجيب. فهل المراد ضرب الخمار على الجيب أن يكون من تحت الوجه بحيث يبقى الوجه مكشوفًا والجيب مستورًا؟ أو أن المعنى أن تضرب بالخمار على الجيب مارًّا بالوجه؟ لأن هذا هو الأقرب، الخمار ينزل من أعلى لأنه فوق الرأس، ثم الجيب إذا وجب ستره فالوجه من باب أولى. وكان النساء في الجاهلية على حسب ما قاله بعض المفسرين كانت تسدل الخمار من ورائها ولا يَقرب وجهها ولا جيبها؛ ولهذا أمر الله تعالى النساء أن يضربن بخمرهن على جيوبهن. وعند من يرى أن المراد بالزينة الوجه والكفان أن تضرب بخمارها على جيبها من أسفل تجره هكذا فتُغطي الجيب وتكشف الوجه. مع أن الوجه أعظم فتنة من الجيب! (﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ أي: يسترن الرؤوس والأعناق والصدورَ بالمقانع) وهو جمع مقنعة وهي ما تختمر به المرأة ما تقنّع به المرأة يعني ما نسميه عندنا الآن الغترة. (﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الخفية، وهي ما عدا الوجه والكفين، ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ جمع بعل أي زوج) إلى آخره. شوف الأولى: ﴿لَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فاستَثنى من الزينة، وهنا: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ استثنى من يُبدَى له الزينة، وهناك استثنى الزينة بالذات، وهنا استثنى من تُبدى له الزينة، وبينهما فرق. الآن لو أخذنا بظاهر الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ قلنا: المراد بالزينة هي الزينة الأولى تصير: لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، ولا يبدين هذه الزينة أيضًا إلا لبعولتهن. وحينئذ نكون قد خصّصنا عموم ما سبق في الآية، أرجو ننتبه عندنا الآن نَهْيٌ عن إبداء الزينة في موضعين: استُثني من الموضع الأول استُثني الزينة، ومن الموضع الثاني من يُبدى له الزينة، فهل نجعل الاستثناءَيْنِ مُنْصَبَّان على عمل واحد ونقول: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ﴿لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى آخره، وحينئذ يكون غير هؤلاء الذين استُثْنُوا يُحرَم إبداء الزينة لهم مطلقًا الظاهرة والخفية؟ الجواب: هذا احتمال يعني. احتمال آخر: أن نقول: إن الزينة زينتان؛ زينة ظاهرة تُبدى لكل أحد، وزينة خفية لا تبدى إلا لهؤلاء، وعلى هذا مشى المؤلف على أن المراد بالزينة هذه غير الزينة الأولى؛ فالزينة الأولى عامة، وأُبيح منها ما ظهر لكل أحد. والثانية هذه ليست عامة، بل المراد بها الخفية؛ الزينة الخفية التي لا تظهر أو التي ليس من الضروري أن تظهر، هذه الزينة هذا المؤلف يقول: (وهي ما عدا الوجه والكفين) بناء على تفسير الأولى؛ على تفسير قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بأيش؟ بالوجه والكفين. لكن الصحيح أن المراد الخفيّة هي التي ليس من الضرورة أن تظهر؛ يعني الثياب الداخلية كما يقول العامة، هذه لا تُبدَى إلا لهؤلاء المذكورين، ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى آخره. البعولة: جمع بعل وهو الزوج. ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ﴾: وهذا يشمل الأبَ الأدنى ومَن فوقَه كالأجداد. واعلم أن باب التحريم غير باب الإرث: باب الإرث: الأُبوة والبنوة لا تشمل إلا من ينتسبون إليك بطريق الأب؛ يعني بطريق الذكورة، فابن البنت مثلًا وأبو الأم لا علاقة لهم بالإرث. لكن في باب التحريم؛ في باب تحريم النكاح وما يتصل به: يشمل الآباء من قِبل الأب ومن قِبل الأم؛ يعني لا فرق بين مَن بينك وبينه أنثى ومَن ليس بينك وبينه أنثى. هناك في باب الأخوة والفروع في الإرث: اللي بينك وبينه أنثى من الآباء لا يَرث ولا يدخل في الآباء، لكن هنا: اللي بينك وبينه أنثى واللي ما بينك وبينه أنثى على حد سواء. وعليه فنقول: ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ يشمل: الأب الأدنى، والجد من قِبل الأب، ومن قِبل الأم. ﴿أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ نفس الشيء؛ آباء البعولة يجوز للمرأَة أن تُبدي لهم الزينة الخفية كما تُبدي الزينة الظاهرة لكل أحد. وآباء البعولة هنا يشمل: أبا الزوج، وجدَّه من قِبل الأب، ومن قِبل الأم؛ ولهذا كان أبو الزوج مَحرمًا لمن؟ * طالب: للزوجة. * الشيخ: للزوجة، أبو الزوج وإن علا محرم للزوجة، ولزوجة ابنه وإن نزل، سواء تزوجها ودخل بها، أو تزوجها وطلقها قبل الدخول، أو مات عنها؛ فإن آباءه محارم لها. ﴿أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾: الابن هنا نقول فيه ما قلنا في الأب؛ يعني أنه لا فرق بين الابن بالصلب الذي يتصل بالإنسان بالذكَر بطريق الذكورة والابن الذي يتصل بطريق الأنوثة، فابن البنت مثلًا يدخل في الأبناء ولَّا لا؟ يدخل. ومثله أيضًا ﴿أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾؛ ابن الزوج يجوز للزوجة أن تبدي له الزينة الخفية، ابن بنت الزوج كذلك، وعلى هذا يكون جميع من تفرع عن الزوج من ذكور وإناث وإن نزلوا يكونون محارم لزوجة جدهم، إلا أنه في هذه المسألة أيش يشترط الدخول بالمرأة؛ لأنه من الربائب، والربائب لا بد من الدخول. فلو أن رجلًا تزوج امرأة عقد عليها ثم طلقها، أو مات عنها قبل الدخول لم يكن أولاده محارم لها؛ السبب لأن من شرط ذلك الدخول، كما قال الله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء ٢٣]. ﴿أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ﴾ ﴿إِخْوَانِهِنَّ﴾: أشقاء أو لأب أو لأم، سواء كانوا أشقاء أو لأب أو لأم. ﴿أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ﴾ وإن نزلوا. ﴿بَنِي إِخْوَانِهِنَّ﴾ أيش يصيرون لهم؟ عمات، فالعمة يجوز أن تبدي لابن أخيها ما يخفى من زينتها؛ لأنه من محارمها. ﴿أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ ويَكُنَّ لهن خالات، إذن فالخالة يجوز أن تُبدي لابن أختها ما يخفى من زينتها؛ لأنه من محارمها. بقي أحد من الأقارب محارم ولم يُذكروا في هذه الآية؟ * طلبة: الأعمام. * الشيخ: نعم، الأعمام، بقي الأعمام ما ذُكروا في هذه الآية. * طلبة: والأخوال. * الشيخ: والأخوال نعم. الأعمام والأخوال ما ذُكروا في هذه الآية مع أنهم من المحارم، والآية صريحة استثناء ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ فعلى هذا: العم والخال لا يجوز للمرأة أن تبدي له الزينة الخفية؛ لأن الآية حصرت؛ ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ إلا لهؤلاء. وعلى هذا ليس كل مَحرم يجوز أن تبدي له الزينة لماذا؟ قالوا: لأن إبداءها الزينة للعم والخال يُخشى منه أن يصف ذلك لابنه؛ لأن ابن العم يجوز يتزوج بنت عمه، ولَّا لا؟ وابن الخال يجوز يتزوج بنت عمته؛ فلذلك قالوا: لا تُبدِي الزينة للعم والخال وإن كانوا من المحارم. وفي هذا إشارة أو دلالة بينة على أنه ليس المراد بالزينة هنا كما قال المؤلف: ما عدا والوجه والكفين؛ لأن ما عدا الوجه والكفين يجوز إبداؤها للعم والخال؛ لأنه من المحارم، ولكن هذه الزينة زينة اللباس الخفية، وعلى هذا فلا يجوز للمرأة أن تتجمل عند عمها أو خالها. الرضاع ما ذُكر هنا، فهل حُكمُه حكم المذكورين هنا ولَّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ما هو بنعم، نبغي تجيب لي دليلًا؟ * الطالب: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٤٥)، ومسلم (١٤٤٧ / ١٣) من حديث عبد الله بن عباس.]]. * الشيخ: إي معلوم «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» لكن المسألة هنا ليست من باب التحريم؛ ولهذا أُسقط العم والخال (...) المسألة ما هي من باب التحريم. * الطالب: (...). * الشيخ: الزينة غير مسألة أنه يشوف وجهها أو يشوف يدها. * الطالب: إذا كان مثلًا (...). * الشيخ: لماذا العم؟ العم هل يجوز له أن ينظر من المرأة ما ينظره الأخ من حيث المحرمية؟ * الطالب: لا ما يجوز. * الشيخ: من حيث المحرمية لا من حيث الزينة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم ما في شك، محرم لها، يجوز يسافر بها، يخلو بها وكذلك تكشف له الوجه. * الطالب: (...). * الشيخ: لأن حقيقة الأمر أن إبداء الزينة يا جماعة غير مسألة المحرمية، الآية تدل على أن إبداء الزينة منفصلة عن مسألة المحرمية، إذا كان العم والخال ما ذُكِرَا مع أنهما من المحارم دل ذلك على أن مسألة إبداء الزينة غير المحرمية؛ لأن المسألة هنا حساسة في الحقيقة، حساسة جدًّا. ولذلك الأخوة من الرضاع عند (...) وعند الناس كلهم أنه يجوز المرأة تتجمل (...) مع أن المسألة خطيرة في الحقيقة، خطيرة جدًّا، وكم من أناس والعياذ بالله فجروا بأخواتهم من الرضاعة؛ لأن الصلة ما هي صلة رحم ونسب، صلة رضاع، فهي أضعف من صلة النسب والرحم. ولذلك يحصل عند بعض الناس والعياذ بالله اللي ما يخاف الله مِن تحرُّك الشهوة والتمتع بالنظر إلى أخواتهم أو خالاتهم من الرضاع مما هو معلوم؛ لذلك كره بعض العلماء للمرأة أن تبدي زينتها لمحارمها من الرضاع، وقال: إن ذلك فيه خطأ. ولهذا لم يتعرض الله سبحانه وتعالى في هذه الآية للرضاع إطلاقًا أبدًا، وليس هذا من باب التحريم، وإلا كان التحريم يقول النبي ﷺ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ». والمسألة هنا إبداء زينة. وقد عُلم الآن بحسب هذا الحصر أنها ليس لها عَلاقة بمسألة المحرمية، ما لها علاقة؛ ويدل على ذلك أنه استثنى أشياء غير المحارم مثل: ما ملكت أيمانهن، والتابعين غير أولي الإربة، والطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء. فدل ذلك على أن هذه المسألة ليس لها علاقة بمسألة المحرمية، وإنما هي مسألة مستقلة تعود إلى أمرٍ حساس دقيق؛ لأنا قلنا: إن السورة هذه كلها (...) في أيش؟ * طالب: (...). * الشيخ: في حماية الأعراض وتطهير النفوس وإبعادها عن الدنس؛ ولذلك تجد فيها احترازات بالغة الأهمية، فالذي يظهر لي من سياق الآية أنه يجب إبقاؤها على عمومها، وعلى خصوصها أيضًا، وأن ما استُثني فيها فله حكم الاستثناء، وما لم يُذكر فيها فهو باق على النهي؛ ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى آخره، والباقي باقٍ على النهي. * طالب: (...). * الشيخ: لا، يعني هم يلتمسون في الحقيقة (...) من هذا. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: أقول: قال بعض العلماء هكذا (...) قد نُسَلِّم وقد لا نُسَلِّم؛ لأن ما كل خال بهذه المثابة بل وليس أكثر الأخوال بهذه المثابة حتى نقول: إن النادر لا حكم له، إنما نحن نقول: لم يستثنهم الله فيبقون على العموم، العم والخال لا تُبدى لهم الزينة الخفية بخلاف هؤلاء المذكورين. وأقول لكم: إنه لا علاقة بين هذه الآية وبين مسألة المحرمية؛ بدليل أنه ذُكِر أشياء ما هم محارم كمِلْكِ اليمين والتابع؛ أُبيحَ لهم إبداءُ الزينة، وتُرِكَ منها من المحارم؛ وهما العمُّ والخالُ. قد يقول قائل: إذا كان بنو الأخ وبنو الأخت يجوز إبداء الزينة لهم لأنها هي عمتهم أو خالتهم فلماذا لا يكون العكس؟ لأن العمة والخالة وأيش (...) هي؟ ابن أخيها أو ابن أختها، العم تكون بنت أخيه والخال تكون هي بنت أخته. فإذا كان يجوز لها إبداء الزينة لابن أخيها ولابن أختها أفلا يجوز العكس لأن الصلة واحدة؟ نقول: لا؛ لأن ابن أخيها وابن أختها تشعر هي بأن لها العلو عليهم؛ لأنها عمة وخالة، فهم يحترمونها وليست هي التي تحترمهم. لكن مسألة العم والخال وأيش (...)؟ بعلوّ مرتبتهما على بنت أخيهما وبنت أختهما، فهي تحترمهما وهما لا يحترمانها؛ ولذلك يكون القياس هنا غير وجيه، والآية ما فيها مجال لقياس أبدًا؛ لأن فيها تفصيلًا بالعين تفصيلًا بالأعيان؛ إلا فلان وفلان وفلان وفلان، ما هي قواعد عامة. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، ما هي هذه الزينة، إحنا قلنا: الزينة ثياب التجمل؛ يعني نقول: ما تطلع على عمها وخالها بثياب جميلة، هذا معناه. إي نعم. * طالب: (...). * الشيخ: ما فيه شيء؛ لأن إحنا قلنا: الزينة من الأصل عندنا على أن الزينة ليست هي التي تعود إلى ما زين الله به المرأة، وإنما الزينة هي ما تتزين به المرأة من الثياب. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * طالب: (...). * الشيخ: المحرمية يجوز مثلًا أن تبدي له الوجه والكف وما يظهر غالبًا، لكن مسألة الثياب نحن مشينا على أن الراجح في الزينة ما هي الزينة الْخِلقية التي خلق الله المرأة عليها، المراد بالزينة اللباس فنقول: الزينة الخفية التي جرت العادة بأن المرأة ما تتزين بها إلا في حالات معينة ما تكون لهؤلاء؛ للعم والخال. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾: بعولتهن واضح أزواجهن، وآباؤهن واضح، آباء البعولة معناه يكون أبا الزوج وإن علا (...) تقول: هذه زوجة ابنه وإن نزل، وزوجة –مثلًا- ولد بنته داخلة في هذا، نحن قلنا في مسألة المحرمية: النكاح لا فرق بين مَن يدلي بالأم ومَن يدلي بالأب. * طالب: زوج البنت (...) أُمّ الزوجة كيف (...)؟ * الشيخ: زوج البنت؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: أبناء البعولة إذا صار هذا رجلًا وتزوج بامرأة وجاءت بأولاد، ويش يصير هذا الرجل له؟ من أبناء البعولة. فعلى كل حال هذه الآية في الحقيقة ليس لها ارتباط بمسألة المحرمية، يجب أن نعرف هذا الفرق لا طردًا ولا عكسًا، كيف لا طردًا ولا عكسًا؟ لأننا نظرنا أن الأعمام من المحارم ولم يُذكروا، هذا بالنسبة للطرد، وبالعكس نظرنا أن فيها أناسًا ليسوا من المحارم، وعلى هذا فيكون الحكم في هذه الآية مستقلًّا عن مسألة الْمَحرمية، ومن استثنى الله من إبداء الزينة لهم وجب استثناؤه، وما لا فلا. قال الله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ (نسائهن) هذه اختلف المفسرون فيها، فمنهم من قال: إن الإضافة للنوع. ومنهم من قال: إن الإضافة للجنس. الذين قالوا: إن الإضافة للنوع، قالوا: المراد بنسائهن المؤمنات. ومثاله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ﴾ فالمراد بنسائهن: أي من كان من نوعهن، فالإضافة من باب إضافة الشيء إلى نوعه؛ يعني نساء المؤمنات. وبعضهم قال: من باب إضافة الجنس؛ يعني إنه أُضيف النساء إليهن باعتبار الجنس؛ يعني: أو النساء اللاتي من جنسهن؛ يعني هن نساء. فعلى القول الأول: لا يجوز للمرأة المسلمة أن تُبدي زينتها للكافرة، السبب؟ لأنها ليست من نوعها، فلا يجوز إبداؤها، ولأنها في الحقيقة الكافرة غير مؤتمنة قد تُغري بها الفُساق والكفار إذا رأتها تتجمل وتتبهى وتبدي الزينة. والقول الثاني: أن المراد بنسائهن، أيش المراد به؟ الجنس؛ يعني النساء اللاتي من جنسهن. وعليه فيجوز للمرأة أن تُبدي ما خفي من زينتها لجميع النساء؛ من مؤمنات وغير مؤمنات، وهذا هو الأقرب، واحتمال أن هذه المرأة الكافرة تُغري بها الفساق والكفار هذا وارد، لكن هذا الاحتمال أيضًا وارد في المسلمات، فإن المسلمة غير المؤمنة يعني هنا ربما يحصل منها ذلك، وهذه مسائل في الحقيقة دقيقة جدًّا. وقد ترد حتى مع النساء بعضهم البعض، ولذلك المساحقة بين النساء موجودة، لماذا؟ لأن المرأة تعشق المرأة وتتعلق بها كما يتعلق الرجل بالمرأة ويحصل منه هذا التأويل الخطأ. على كل حال الآن النساء ﴿نِسَائِهِنَّ﴾ أقول: إن الإضافة هنا اختلف فيها المفسرون: هل هي للجنس أو للنوع؟ فإن قلنا: للجنس، فالمراد النساء أضيفت إلى هذا من باب الجنس؛ لأن النساء مثلهن، وإذا قلنا: إنها للنوع، قلنا: نساء المؤمنات فقط، وممكن المؤلف يتعرض له بعدين. (﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ فيجوز لهم نظرُهُ إلا ما بين السرة والركبة، فيَحرم نظرُهُ لغير الأزواج) المؤلف ماشي على أن المراد بالزينة هنا: ما زيّن الله به المرأة، وقلنا: هؤلاء الذين استُثنوا. (﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ ) يعني (العبيد). وكذلك الإماء اللاتي ملكهن النساء، ولا بد أن يكون الْمِلك تامًّا، فإن كان لها عبد مشترك فإنه لا يجوز لها إبداء الزينة له، وأيش السبب؟ لأنها لا تكون ملكته، وإنما ملكت بعضه؛ ولهذا لا يجوز للرجل أن يتسرى الأمة المشتركة، إذا كانت أَمَة مشتركة بينه وبين شخص لا يجوز أن يتسرّاها؛ لأنها ليست مِلكه، كما أنه لا يجوز للمرأة أن تبدي شيئًا من زينتها الخفية لمملوك بينها وبين غيرها؛ لأنه لا يَصْدُق عليه أنه ملكها، بل إنه مشترك. يقول: (فيجوز لهم نظره إلا ما بين السرة والركبة فيحرم نظره لغير الأزواج). المؤلف ماشي على ما أشرنا إليه سابقًا بأن المراد بالزينة ما زين الله به المرأة، ويقول: إن هؤلاء المستثنَيْن يجوز للمرأة أن تبدي لهم ما بين السرة والركبة، هذا على رأي يعني مثلًا يجوز للمرأة أن تبدي للأخوة وابن أخيها وابن أختها وابن زوجها يجوز تبدي صدرها وبطنها وثديها وكل شيء ما عدا ما بين السرة والركبة!! يعني: يجوز تأتي بسروال هذا تطلع على أبي زوجها وما أشبه ذلك! لكن هذا فيه نظر وفيه فتنة عظيمة، لو قلنا بجواز هذا لحصل فيه فتنة كبيرة جدًّا، امرأة مثلًا شابة زوجة ابنه تيجي إليه بهذه المثابة! ولنفرض أيضًا أنه هو رجل شاب، هذا ما أحد يقوله! لكن مع هذا يا جماعة لاحظوا أنه بشرط أن تُؤمَن الفتنة، يعني: حتى على رأي المؤلف لا بد من أَمْن الفتنة، فإن لم تُؤمَن الفتنة حرم، لكن حتى وإذا أُمِنت الفتنة فإن هذا فتح باب لها بلا شك. ولهذا الصحيح في هذه المسألة بقطع النظر عن كون هذا المراد بالآية أو غير المراد بالآية فالصحيح أنه لا يجوز للمرأة أن تكشف للمحارم إلا ما جرت العادة به فقط؛ لأن ما جرت العادة به لا يُحتشم منه ولا يُبالى به في عُرفنا. الآن تُخرِج الكف والذراع والساق والرأس والرقبة، كل هذا يَخرج عادة للمحارم، ولهذا لو زاد على هذا الأمر لوجدت الناس ينكرونه (...) يعني إذا جاز كشف الساق فالذراع من باب أولى، وانتقال الإنسان في التفكير من الساق إلى ما فوقه أقرب من انتقاله من الذراع إلى ما تحته. فعلى كل حال الصحيح في هذه المسألة أن يُرجع في هذا إلى ما جرت به العادة إلا في الشيء الذي لا يمكن كشفه إلا بفتنة متوقعة أو لازمة فهذا لا يجوز. يبقى النظر في غير المحارم ممن تبتلى بهم المرأة من غير المحارم، والمرأة تُبتلى بهم مثل إخوان زوجها، إذا كان إنسان عنده في البيت أخ، وطبعًا كل واحد من الأخوين له زوجة، على المشهور من المذهب أنه ما يجوز أن تبدي لا كفًّا ولا وجهًا ولا قدمًا ولا غيره، وأن هذا الرجل مثل الرجل الذي في السوق! ولو أخذنا بهذا في الحقيقة لَلَحِقَ الناس حرجٌ كبير، نقول للمرأة: إذا صار أخو زوجك لازم ما يطلع منك ولا ظفر ولا شعرة! هذا في الحقيقة فيه مشقة وحرج. ولهذا الصحيح في هذه المسألة أن مسألة الكف والقدم مما يُشق التحرز منه لا بأس به، أما الوجه فلا يجوز؛ لأن التحرز منه ممكن بخلاف الكف والرِّجْل، هذه امرأة تعمل في البيت تطبخ مثلًا وتفرش وتكنس، كيف تريد تتحرز من أخي زوجها؟ ويقول: إذا أردت مثلًا غسيل الأواني وأخو زوجك عندك حطي (...) على اليدين! هذا فيه صعوبة. لهذا نقول: إنَّ ما يشق التحرز منه من إظهار القدم والكف فالصحيح أنه لا بأس به، وقد مشى على ذلك بعض فقهاء الحنابلة، وقال في الإنصاف: إنه لا يسع الناسَ العملُ إلا بهذا. وهذا صحيح، ما يسع الناس العمل إلا بهذا الشيء. والله الموفق. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، هذا رأي المؤلف وجماعة من أهل العلم، لكن ما هو ظاهر لنا، نحن نرى أن الزينة على ما هي عليه ما تتزين به المرأة لكنها نوعان: ظاهرة لا يمكن التحرز منها، وهذه جائزة لكل أحد، وخفية يمكن التحرز منها وليس بلازم تظهر، فهذه هي التي ما تُبدَى إلا لمن ذكر اللهُ. * طالب: (...). * الشيخ: أيش؟ الزينة؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: هي التي لا تظهره المرأة، الزينة الظاهرة -مثل ما قلنا-: هي التي لا يمكن إلا أن تظهر؛ مثل الجلباب الذي مثَّل به ابن مسعود: الجلباب، والرداء، والعباءة وما أشبه ذلك، هذا شيء لا بد من ظهوره. والخفية: هي ما يُخفى بلباسه عادة عند الناس، إذا جاءت المرأة تطلع السوق مثلًا تلبس ثيابًا غير الثياب التي تلبسها في بيتها. * طالب: الشيء المستثنى في هذه الآية؟ * الشيخ: مما ذكر في هذه الآية (...) الجمال من الزينة الخفية، لكن ما جرت عادة النساء المؤمنات (...) أن تُظهِر هذا، فكل ثياب تجمُّل ومنها الحلي مثلًا (...) قلادة المرأة هذه كلها ما تظهر. على أي حال الناس الآن في الحقيقة تطبيق الأمور الشرعية عندهم صعب جدًّا؛ لأنها تكون أيضًا واردة علينا، وهي موجودة الآن بكثرة في بيوت الناس مع زوجة الأخ وما أشبه ذلك، زوجة العم، مشكلة التحرز صعب. * طالب: قوله: (...) ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ بمعنى ماذا؟ (...) ﴿لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ هذه من ناحية، ومن ناحية أخرى (...)؟ * الشيخ: إي نعم، القلادة ما تُبدى إلا لمن ذكر اللهُ. * الطالب: إلا لهؤلاء. * الشيخ: إلا لهؤلاء، ما تُبدى إلا لهؤلاء. * طالب: زوج البنت الآية نقرؤها ولا نجد فيها زوج البنت؟ * الشيخ: زوج بنتها؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: زوج البنت؛ يعني قصْدك أم البنت هذه هل يدخل زوجها في الآية؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ما يدخل في الآية، هذا ما هو موجود في الآية؛ لأن هذا في الحقيقة بَعْلُ بناتهن، ما داخل في الآية، إلا (...) قياس الطرد ما معناه؟ أنه يقترب في معناه من ﴿أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ في قياس الطرد هذا، فإذا كان ابن زوجها يجوز فزوج بنتها مثله، ولكن هذا لا يمكن أن نقيسه؛ لأننا لو فتحنا باب القياس لقلنا أيضًا العم والخال يجوز إبداء الزينة له؛ لأنه مثل ابن الأخ وابن الأخت. * طالب: (...). * الشيخ: الحكمة من هذا والله أعلم مشقة التحرز منه؛ لأنه لا يمكن أن تتحرز من خادمها وملك يمينها، ومع ذلك هو ليس بمحرم؛ يعني لو أراد أن يسافر بها ما يسافر إلا بمحرم لها، لكن يجوز إبداء الزينة الخفية له؛ لأن هذا أمر لا يمكن التحرز منه. * طالب: (...). * الشيخ: قد يقع إي نعم، لكن بس هذا أصلها الأخ، لو وقع منه لأنها تصير عمته، وكذلك (...) ابن الأخ أيضًا لو وقع منه تكون هي عمَّةَ عمِّهِ، هذا السبب؛ يعني ما من أحد من الأقارب أبناؤه يجوز التزوج به إلَّا العم والخال، يعني كل مَن ذُكِر فإن فروعهم لا يمكن أن يتزوجوا بهم. * طالب: (...). * الشيخ: لا ربما أنه ما يقول لأجنبي؛ لأن الأجنبي ما في شك أن قرابته أهم عليه من الأجنبي (...) يبدي الزينة (...) تتجمل، وعليها لباس كذا، وعليها لباس كذا، ما راح يبديها لهم، لكن كونه يبدي من بنت أخته لابنه هذا يمكن أن يكون؛ لأن (...) قلبه ميزان واحد، فربما يبدي له، وهذا التعليل (...) في الحقيقة ما هو بظاهر (...)؛ لأن هذا قد يكون أمرًا نادرًا، إلا أنهم التمسوا هذا الشيء، والعلة الوحيدة أن الله لم يستثنه، فإذا لم يستثنه والمسألة ما هي مبنية على المحرمية؛ بدليل أن فيهم مَن ليسوا محارم دل على أن هذه مسألة مستقلة، فمن استثناهم الله استثنيناه، ومن لم يستثنهم الله لم نستثنه. * طالب: (...). * الشيخ: لا هذا وهم، لكن هذا وهم، الزينة التي خلقها الله عندما (...) إنما كون المرأة تيجي مثلًا يمكن يقع تيجي تقول: زوجي والله مراة فلان عليها اللباس الفلاني، والمرأة الفلانية عليها لباس كذا، هذا يمكن يقع، لكن هذا شيء لا يمكن التحرز منه، نقول: لا (...) ولا حريم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إذا بدا له حاجة لا يجوز. * الطالب: (...). * الشيخ: يمكن أنه حصل. * الطالب: (...). * الشيخ: (...) يقتصر على ما أجازه أهل العلم، أهل العلم لا يجيزون إلا الوجه والكفين فقط، اللي يبيحون هذا الشيء، وإحنا قلنا: إنهم يبيحون الوجه والكفين فقط. * الطالب: (...). * الشيخ: الرأس والرقبة والرجلين إلى الركب. * طالب: (...). * الشيخ: ما نقدر نحكم على الله ونقول: أراد كذا، نقول مثلًا: هذه الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا﴾ لكذا وكذا، هذا نص عام استُثْنِيَ منه هذا. * طالب: قول الرسول ﷺ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٤٥)، ومسلم (١٤٤٧ / ١٣) من حديث عبد الله بن عباس.]] (...)؟ * الشيخ: المحرمية نعم، والمحرمية إبداء الوجه واليدين وما أشبه ذلك، هذا ثابت بالنص؛ ولهذا النبي ﷺ قال لزوجاته: «انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٤٧) ومسلم (١٤٥٥ / ٣٢) من حديث عائشة.]]. وأباح لإخوانهن من الرضاع أباح لهم أن يدخلوا على زوجاته مع وجوب الحجاب، فمسألة النظر إلى الوجه والكفين وما أشبه ذلك غير مسألة إبداء الزينة، هذه مسألة مستقلة عن هذه. * طالب: (...). * الشيخ: هذا فيه نظر؛ لأن هذا في الحجاب، في الأحزاب مسألة الحجاب، ومسألة الزينة لأنا قلنا: إن سورة النور كلها لحفظ الفروج وللتزكية والتطهير، ما لها علاقة بمسألة الحجاب وما يتعلق به؛ يعني حتى إن المرأة لا تبدي الزينة للعم والخال خوفًا من أن يحصل ما.. * طالب: (...)؟ * الشيخ: اقرأ الآية: ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: (...) البعل الربيبة؛ ﴿آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني أبو زوجها فهي زوجة ابنه، تصور هذه المسائل قد يكون فيها خفاء على الناس، الربيبة يعتبر الزوج بعل أمها ولَّا لا؟ فهل يدخل في الآية ولَّا ما يدخل؟ أيش تقولون؟ هذا الذي سأل عنه. الربيبة يعني معناه أنها ستبدي الزينة لبعل أمها، أليس كذلك؟ هل يدخل في الآية ولَّا لا؟ * طالب: ما يدخل. * الشيخ: ما يدخل إلَّا على سبيل الطرد؛ ﴿آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ مثل هذا على سبيل الطرد، وإلا فلا. * الطالب: (...). * الشيخ: ما يخالف، إحنا قلنا: التحرز منه يشق، تبدي وجهها ورجليها ونحو ذلك، ولكن لا تيجي له متجملة. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم؛ لأن القاعدة عندنا أن مسألة المحرمية فروع الزوجة وإن نزلوا، هؤلاء محارم للزوج. فروع الزوج وإن نزلوا محارم للزوجة؛ يعني الربيب مثلًا (...) البنات وبنات البنات إلى آخره، ثم تصير زوجته جدتهن. * طالب: (...). * الشيخ: الربيب ولد الزوجة (...). * طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين (...). * الشيخ: نحن قرأنا هذا، قرأنا الباب كله. باب الذكر في الركوع والسجود. * الطالب: باب الذكر في الركوع والسجود: عن حذيفة قال: صليت مع رسول الله ﷺ وكان يقول في ركوعه: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ». وفي سجوده: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى». وما مرت به آية رحمة إلا وقف عندها، ولا آية عذاب إلا تعوذ منها[[أخرجه مسلم (٧٧٢ / ٢٠٣) وأبو داود واللفظ له (٨٧١) والترمذي (٢٦٢) والنسائي في المجتبى (١٠٠٨) وابن ماجه (٨٨٨) وأحمد (٢٣٢٤٠) من حديث حذيفة بن اليمان.]]. رواه الخمسة وصححه الترمذي. وعن عقبة بن عامر قال: لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال لنا رسول الله ﷺ[[أخرجه أبو داود (٨٦٩) وابن ماجه (٨٨٧).]] : (...). * * * * الشيخ: تقدم أن الله سبحانه وتعالى أمر النساء ألَّا يبدين زينتهن، واستثنى استثناءين؛ الأول؟ * طالب: الأول: استثناء من الزينة. * الشيخ: استثناء من الزينة، إيه؟ * طالب: الثاني: استثناء من الإبداء. * الشيخ: استثناء مَن تُبدَى له الزينة. الاستثناء الأول ما هي الزينة في الاستثناء الأول؟ * طالب: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. * الشيخ: ما ظهر منها. وما المراد بما ظهر منها؟ * الطالب: (...). * الشيخ: وعلى رأي المؤلف؟ * الطالب: الوجه والكفان. * الشيخ: الوجه والكفان، إي نعم، والأصح الأول وهو ثابت عن ابن مسعود رضي الله عنه، وكما أشرنا إليه فيما سبق بالنسبة للزينة أنها ما وردت في القرآن إلا فيما يتزين به الإنسان، لا فيما زيَّنه الله به. الزينة الثانية استثني منها؟ * طالب: (...). * الشيخ: استثنى منها مَن تُبدَى لهم الزينة؛ وهم البعولة وما عُطِف عليهم. هل الزينتان مختلفتان في الآية أو إنهما زينة واحدة؟ * طالب: مختلفتان. * الشيخ: مختلفتان. كيف ذلك؟ * الطالب: (...). * الشيخ: وهذه تُبدَى؟ * الطالب: لكل أحد. * الشيخ: لكل أحد؛ لأن بُدُوَّها ضروري لا يمكن التحرز منه. والثانية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الخفية التي لا تبدى إلا لهؤلاء. اللي مضى مِن هؤلاء كم؟ * طالب: (...). * الشيخ: إلا لبعولتهن أو آبائهن أو أبنائهن نعم. وأيش اللي تكلمنا عليه بالأمس؟ كم؟ * طالب: ﴿لَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾. * الشيخ: بس بس عشرة، اللي تكلمنا عليهم عشرة. يقول الله عز وجل: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. (وخرج بنسائهن الكافرات، فلا يجوز للمسلمات الكشف لهن، وشمل ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ العبيد) قوله: (خرج... وشمل) (خرج بنسائهن الكافرات): بناء على أن الإضافة نوعية لا جنسية، وأن المراد بـ ﴿نِسَائِهِنَّ﴾ أي المسلمات. وأما على القول الثاني: أن المراد بالنساء أنه من باب إضافة الجنس إلى جنسه؛ يعني الذين من جنسكم وهُم النساء، فلا تخرج الكافرات، بل يشمل الكافرات والمسلمات. وقد ذكروا أن الصحابة رضي الله عنهم لما فتحوا الأمصار كان فيها قوابل من الكافرات، قوابل الولد من النساء، فأقرهن الصحابة على ذلك، وهذا مما يدل على أن المراد بـ ﴿نِسَائِهِنَّ﴾: النساء دون المسلمات ليس بقيد المسلمات، نعم إن خيف منها ضرر هذا شيء ثانٍ، وخوف الضرر حتى في المسلمات. قوله: (وشمل ما ملكت أيمانهن العبيد) أي ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ شمل العبيد، كيف شمل العبيد؟ وهل يراد به غير العبيد؟ الجواب: نعم يراد به على القول بأن نساءَهن المسلمات مثل ما ملكت أيمانهن ولو من الكافرات، فيجوز إبداء الزينة لهن؛ يعني أنه ليس خاصًّا بالنساء المملوكات، بل يشمل حتى العبيد حتى الذكور يعني، فهمتم الآن ولَّا لا؟ يعني لو قال قائل: المؤلف كيف يقول: شملت ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ العبيد؟ وهل هناك أحد غير العبيد؟ وأيش الجواب؟ * طالب: نعم. * الشيخ: الجواب نعم، على القول بأن المراد بـ ﴿نِسَائِهِنَّ﴾ المسلمات، فإن ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يشمل الأمة الكافرة، يجوز إبداء الزينة لها وإن لم تكن من نسائهن؛ لأنها مملوكة. أما إذا قلنا بنسائهن جميع النساء فإن قوله: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يختص بالذكور فقط؛ لأن النساء معروفات من قوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾. لكن المؤلف رحمه الله اضطر أن يقول ذلك لهذا السبب، على أن من أهل العلم من قصر قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ على النساء الكافرات فقط، وقال: إن العبيد لا يجوز للمرأة لسيدته إبداء الزينة له، وإنما المراد بما ملكت أيمانهن لأجل أن تدخل الأمَة المملوكة إذا كانت كافرة؛ لأنها خرجت بنسائهن ودخلت في ما ملكت أيمانهن. لكن الصحيح أن نساءَهن كما أشرنا إليه سابقًا المراد به الجنس، وأن جميع النساء من مسلمات وكافرات يجوز إبداء الزينة لهن إلا إذا خشي المحذور، فهذا لو مسلمة كما نهى النبي ﷺ المرأة «أَنْ تَنْعَتَ الْمَرْأَةَ لِزَوْجِهَا حَتَّى كَأَنَّهُ يُشَاهِدُهَا»[[أخرجه البخاري (٥٢٤٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، يعني تقول له مثلًا: فلانة كذا وكذا وكذا، وتصفها حتى كأنه يشاهدها؛ لأن الرسول ﷺ نهى المرأة أن تنعت المرأة لزوجها على هذا الوجه، فإذا خشي المحذور هذا شيء ثانٍ، لكن هذه الأشياء بدون محذور. قال: (﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾ في فضول الطعام ﴿غَيْرِ﴾ بالجر صفة والنصب استثناء): ﴿غيرَ﴾ و﴿غَيْرِ﴾. (﴿أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ أصحاب الحاجة إلى النساء). (أصحاب): تفسير لـ ﴿أُولِي﴾. و﴿الْإِرْبَةِ﴾: الحاجة إلى النساء. (﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ بأن لم ينتشر ذَكَرُه). ﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾ التابعين يقول المؤلف: (في فضول الطعام). التابعين المراد بهم الخدم وشبههم الذين يتبعون أهل البيت، هذا المراد بالتابعين. ﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾ أيضًا الذين يأتون إلى الناس ليأكلوا من فضول طعامهم وإن لم يكونوا خدمًا لهم، فهو شامل لهؤلاء وهؤلاء، فالتابع هو الذي يتبع أهل البيت إما لكونه خادمًا عندهم، وإما لكونه يتلقى فضول الطعام منهم. لكن التابعين يجوز إبداء الزينة لهم بشرط؛ ألَّا يكون لهم إربة يعني: حاجة في النساء. وقول المؤلف: (بأن لم ينتشر ذَكَر كُلٍّ) ، ما هو العلامة؟ ليس العلامة ألَّا ينتشر ذكره، بل العلامة ألَّا يُعرف منه ميل إلى النساء؛ لأن من الناس من يميل إلى النساء وإن كان ذكره لا ينتشر، ما هو لازم، فالعلامة ألَّا يوجد منه ميل إلى النساء إطلاقًا لا عند قيام ذَكَره ولا عند عدم قيامه. فالكلام على أنه لا يشتهي النساء ولا يميل إليهن، هذا كالمرأة، لمشقة التحرز منه أباح الله سبحانه وتعالى للنساء أن يبدين زينتهن له، فصار التابع أيش معناه؟ الذي يتبع أهل البيت لتلقي فضول طعامهم إما لكونه خادمًا فيهم أو غير خادم. لكن اشترط الله سبحانه وتعالى في التابع أيش؟ ألَّا يكون له إربة في النساء، وأيش معنى إربة؟ يعني حاجة. وهل العلامة ما ذكره المؤلف؟ لا ليس ما ذكره المؤلف هي العلامة، بل العلامة أن يُعلم أنه لا يميل إلى النساء ولا يرغب فيهن، والغالب أنه لا يقوم ذكره لكنه ليس بلازم، قد يكون الإنسان ممن يميل إلى النساء ويحبهن ويألفهن لكن لا يقوم ذَكَره. لذلك الصحيح في هذه المسألة أننا نعلم عدم حاجته بعدم ميله إلى النساء. «ولهذا كان في بيوتِ آلِ النبيِّ ﷺ رجلٌ مُخَنَّثٌ -يعني من غير أولي الإربة- ما كان يعلمون به، حتى إنه في يوم من الأيام قال لرجل من محارم إحدى زوجات النبي عليه الصلاة والسلام: إذا فَتَحْتُمُ الطائفَ فعليكم بِابنةِ غيلانَ -غَيْلان الثقفيّ- فَإِنَّها تُقْبِلُ بأربعٍ وتُدْبِرُ بِثَمَانٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٢٤) ومسلم (٢٨١٠ / ٣٢) من حديث أم سلمة.]]. كان الأول لا يحسون منه شيئًا، لكن هذا الذي يصف المرأة هذا الوصف أيش يدل عليه؟ يدل على أنه يميل إلى النساء، فمنعه النبي ﷺ من الدخول على أهل بيته؛ لأنه تبين أنه يميل إلى النساء، فإذا وُجِد أن هذا التابع يصف النساء ويذكر جمالهن وما أشبه ذلك عُلِم أنه صاحب حاجة، وأما مسألة قيام الذكر ما هو العلامة. عندكم: (ذَكَر كُلٍّ)؟ طيب شوفوا الحاشية وأيش تقول هذه؟ * طلبة: (...). * الشيخ: ما عندكم حاشية؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم.. ما هي موجودة (...)؟ * طالب: (...). * الشيخ: من الرجال؟ وأيش بعده؟ * الطالب: من الرجال ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾. * الشيخ: إي عجيب؛ (بأن لم ينتشر ذَكَر كلٍّ). لو قال: ذَكَره. صار ما فيه إشكال، لكن (ذكر كلٍّ) يقتضي فيه عددًا. قال: (﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾ بمعنى الأطفال ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ أي يطلعوا ﴿عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ للجماع، فيجوز أن يُبدَى لهم ما عدا ما بين السرة والركبة) ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾: الطفل؛ يقول المؤلف: (بمعنى الأطفال) فهي اسم جنس بمعنى الأطفال، الدليل على أنها بمعنى الأطفال قوله: ﴿الَّذِينَ﴾ حيث وصفها بالجمع، ولا يوصف المفرد بالجمع، لكن فيه دليلًا على أن اسم الجنس إذا حلي بـ(أل) يكون للعموم ولو كان مفردًا، اسم الجنس المحلى بـ(أل) يكون للعموم ولو كان مفردًا. وقوله: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ يظهروا بمعنى: (يطلعوا ﴿عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ للجماع). والمعنى أنهم لا يعرفون ما يتعلق بالعورات. فقوله ﴿لَمْ يَظْهَرُوا﴾ أي: لم يطلعوا بحيث لا يدرون ماذا يُفْعَل بالعورات، هذا المراد، ما هو المراد بالاطلاع بالعين؛ لأن الاطلاع بالعين هذا يكون في الأطفال وغيرهم، لكن المراد بالاطلاع أنهم لا يدرون ماذا يُصنع بالعورات ولا يَرِد لهم على بال. هؤلاء الأطفال يجوز أن تبدى لهم الزينة. وقول المؤلف: (يُظهر لهم ما بين السرة والركبة) بناء على أن المراد بالزينة هنا ما زين الله به المرأة، لا أنها اللباس. ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ﴾ كم صار عندنا الآن؟ اثنا عشر؟ صاروا اثني عشر: ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾، اثنا عشر صنفًا. هؤلاء هم الذين تبدى لهم الزينة الخفية، ومن عداهم لا تبدى لهم، هذا هو ظاهر الآية؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا﴾ والاستثناء هذا مفرغ يقتضي أن مَن سوى هؤلاء لا يجوز إبداء الزينة لهم، لكن بعض العلماء أَلحق بهم بَقِية المحارم من مصاهرة أو نسب أو رضاع؛ لأن فيه أشياء؛ فيه من النسب مَن لم يذكر؛ من المحارم من النسب من لم يذكر، مثل: * طلبة: الأعمام. * الشيخ: الأعمام والأخوال، وفيه أيضًا من المصاهرة من لم يُذكر؛ لأنه قال: ﴿أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ معناه تكون زوجة ابن، ﴿أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ تكون زوجة أب؛ يعني أن زوجة الأب تبدي لأبناء زوجها الزينة، وزوجة الابن تبدي لآباء زوجها الزينة، كذا ولَّا لا؟ زوج البنت يجوز ولّا ما يجوز؟ زوج البنت ما ذكر، وهو من المصاهرة، فبعض العلماء يقول: إنه يلحق بمن ذكر. وعندنا أيضًا الرضاع كله بجميع أقسامه ما ذُكِر، أَلحقه بعض العلماء مُدَّعين أن ذكر البعض يدل على البقية، وأن العرب في كلامهم أحيانًا يقتصرون على ذكر البعض تنبيهًا على البقية، لكن هذا ليس بجيد، وجه ذلك أن ذِكر البعض الذي يراد به إلحاق البَقية يُكتفى منه بذكر واحد، ويكون هذا الواحد على سبيل التمثيل، أما أن يُذكر عدد من جنس ويُحذف الباقي وبطريق الحصر فهذا غير مُسلَّم. لكن يبقى عندنا النظر في مسألة إبداء الزينة التي زينها الله به؛ يعني الوجه واليدين وما أشبه ذلك، فهذا له دليل غير هذه الآية، فنقول: هذه الآية في زينة اللباس وشِبهِه، ويجب إبقاؤها على ما ذكره الله سبحانه تعالى. وأما مسألة إبداء الوجه والكفين والساق والرقبة وما أشبه ذلك فهذا يؤخذ من أدلة أخرى. هذه الآية هؤلاء الاثنا عشر هل هم على حد سواء فيما يبدى من الزينة أو ليسوا على حد سواء؟ ليسوا على حد سواء بلا شك؛ ولهذا بدأ الله بالزوج؛ لأنه أعلى من تُبدى له الزينة بمطلقها، والباقون يمكن أن يقال على الترتيب، ويمكن ألَّا يقال على الترتيب، بل ينظر إلى ما جرت به العادة؛ لأن حقيقة الأمر أن مثلًا الأخ إذا كان عند أخته دائمًا في البيت ليست مثل ما إذا لم يكن لا يأتيها إلا نادرًا، أي الحالين أشد تحشمًا بالنسبة لها إذا كان لا يأتي إلا نادرًا؟ فهي تستحي منه وتحتشم أكثر من ما إذا كان دائمًا عندها. فينبغي لمثل هذه الأشياء يقال: تقييمهم، أما الزوج فهو على كل حال في القمة، وأما البقية فعلى حسب ما يدعو إليه العرف والعادة بالنسبة لإبداء الزينة كاملة أو متوسطة أو أدنى ما يقال: إنه زينة. المسألة الثانية: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ هل يجب على المرأة أن تحتجب عن الرجل؟ يعني هل يحرم عليها أن تنظر إلى الرجل أو لا يحرم؟ يعني إذا قلنا: إن المراد بالزينة هنا ما زين الله به المرأة أو ما زين الله به الرجل فهل يجب عليها أن تغض الطرف عن الرجل أو لا يجب؟ * طلبة: (...). * الشيخ: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم: منهم من قال: إنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل كما لا يجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة؛ لأن الآية واحدة: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾. وأيدوا قولهم هذا «بحديث أم سلمة والمرأة الأخرى التي لما دَخَل ابنُ أُمِّ مكتومٍ قال النبيُّ ﷺ: «احْتَجِبَا مِنْهُ». قالتا: يا رسولَ اللهِ، إنهُ رَجُلٌ أَعْمَى. فقالَ: «أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا؟!»[[أخرجه أبو داود (٤١١٢) والترمذي (٢٧٧٨) من حديث أم سلمة.]]. فلما أوردا عليه أنه أعمى قال: «أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا»، وأمرهما بالاحتجاب. لكن هذا الحديث لا يصح عند أهل العلم؛ لأنه من رواية نبهان مولى أبي سلمة وهو مجهول، ولذلك ضعفه الإمام أحمد رحمه الله، ثم إنه لا يمكن هذا الحديث؛ ولذلك الصحيح أنه يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل إذا لم يكن هناك فتنة أو شهوة، ويدل على ذلك أحاديث صحيحة صريحة منها: «حديث عائشة رضي الله عنها حينما كانت تطِّلعُ إلى الحبشةِ وهُم يلعبونَ في المسجدِ، والنبيُّ ﷺ يستُرُها وهي تنظرُ إليهمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٥٤) ومسلم (٨٩٢ / ١٨) من حديث عائشة.]] حتى إنها هي التي تركت هذا الشيء. وهذا دليل واضح على جواز نظر المرأة إلى الرجل. كذلك أيضًا: «قولُ النبيِّ عليه الصلاةُ والسلامُ لفاطمةَ بنتِ قيسٍ: «اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ»[[أخرجه مسلم (١٤٨٠ / ٣٦) من حديث فاطمة بنت قيس.]]. هذا أيضًا صريح واضح في أن المرأة يجوز أن تنظر إلى الرجل. وأيضًا قال فقهاؤنا رحمهم الله: لو كان يحرم على المرأة أن تنظر إلى الرجل لوجب على الرجال الحجاب، لوجب على الرجال أن يحتجبوا، مثل ما إن المرأة تحتجب عن الرجل لئلا ينظر إليها فنقول أيضًا: الرجل يحتجب عن المرأة لئلا تنظر إليه؛ لأنه ما يتم الواجب إلا بهذا أليس كذلك؟ لأنه إذا صار الرجل مكشوفًا فإن المرأة لا بد تشوفه، ضروري تشوف، ما يمكن تعدم رؤيتها له إلا إذا احتجب مثل ما هي تحتجب. ولا قائل من أهل العلم أنه يجب على الرجل أن يحتجب عن المرأة، ولهذا الصحيح في هذه المسألة مذهب الإمام أحمد أنه يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل، ولكن كل هذه المسائل، هذه وغيرها بشرط أيش؟ * طلبة: أَمن الفتنة. * الشيخ: بشرط أمن الفتنة، أمَّا إذا كان هناك فتنة فإنها لا يجوز أن تنظر ولا إلى صورة الرجل حتى صورة الرجل التي تكون في بطاقة أو تكون مثلًا تظهر في التليفزيون لا يجوز أن تنظر إليها إذا كان يُخْشَى من الفتنة، وكذلك بالنسبة للرجل أيضًا. وهذه مسألة لعلنا نبحثها بحثًا مستقلًّا، وهي: هل يجوز للرجل أن ينظر إلى صورة المرأة الأجنبية منه أو لا يجوز؟ أيش رأيكم؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، يعني متى جاز النظر إلى وجهها جاز النظر إلى صورتها، كذا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يعني تقول متى جاز.. وأمرهما بالاحتجاب، لكن هذا الحديث لا يصح عند أهل العلم؛ لأنه من رواية نبهان مولى أبي سلمة، وهو مجهول؛ ولذلك ضعّفه الإمام أحمد رحمه الله؛ ولذلك الصحيح أنه يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل إذا لم يكن هناك فتنة أو شهوة، ويدل على ذلك أحاديث صحيحة صريحة منها حديث عائشة رضي الله عنها «حينما كانت تطّلع إلى الحبشة، وهم يلعبون في المسجد والنبي ﷺ يسترها وهي تنظر إليهم حتى إنها هي التي تركت هذا الشيء»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٥٠)، ومسلم (٨٩٢ / ١٧) من حديث عائشة. ]]. وهذا دليل واضح على جواز نظر المرأة إلى الرجل، كذلك أيضًا قول النبي عليه الصلاة والسلام لفاطمة بنت قيس: «اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ»[[أخرجه مسلم (١٤٨٠ / ٣٦) من حديث فاطمة بنت قيس. ]] هذا أيضًا صريح واضح في أن المرأة يجوز أن تنظر إلى الرجل. وأيضًا قال فقهاؤنا -رحمهم الله-: لو كان يحرم على المرأة أن تنظر إلى الرجل لوجب على الرجال أن يحتجبوا مثل ما أن المرأة تحتجب عن الرجل لئلا ينظر إليها. فنقول: أيضًا الرجل يحتجب عن المرأة لئلا تنظر إليه؛ لأنه ما يتم الواجب إلا بهذا، أليس كذلك؟ لأن إذا صار الرجل مكشوفًا فالمرأة لا بد بتشوف، ضروري تشوف، ما يمكن تعدم رؤيتها له إلا إذا احتجب مثل ما أن هي تحتجب، ولا قائل من أهل العلم: أنه يجب على الرجل أن يحتجب عن المرأة. ولهذا الصحيح في هذه المسألة مذهب الإمام أحمد؛ أنه يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل، ولكن كل هذه المسائل هذه وغيره كل ما قلنا: يجوز بشرط أيش؟ بشرط أمن الفتنة، أما إذا كان هناك فتنة، فإنه لا يجوز أن تنظر، ولا إلى صورة الرجل حتى صورة الرجل اللي تكون في بطاقة، أو تكون مثلًا تظهر في التليفزيون لا يجوز أن تنظر إليها إذا كان يخشى منه الفتنة، وكذلك بالنسبة للرجل أيضًا. وهذه مسألة لعلنا نبحثها بحثًا مستقلًّا، وهي هل يجوز للرجل أن ينظر إلى صورة المرأة الأجنبية منه أو لا يجوز؟ وأيش رأيكم؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني متى جاز النظر إلى وجهها بغير صورة جاز النظر إلى صورتها، كذا؟ * طالب: (...) حكم النظر إلى الصورة؟ * الشيخ: يعني تقول: متى جاز النظر إلى المرأة لكونه محرمًا أو خاطبًا جاز النظر إلى صورتها؟ * طالب: نعم، حُكم الصور؟ * الشيخ: لا، دعنا من مسألة التصوير، هذا شيء ثانٍ، ومتى مُنع مُنع من النظر، هذا رأي، ورأيكم أنتم؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني تقول أنت: إنه يجوز النظر إلى صورة المرأة مطلقًا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: لأنها لا تساوي النظر إلى المرأة. * طالب: أو تساوي النظر.. * الشيخ: يعني لا تساويه، هذان رأيان. * طالب: منع النظر (...). * الشيخ: يعني أن تكون هذه الصورة ليست هي المرأة، والنهي إنما ورد عن المرأة فقط، لو حصل فتنة مثل ما يفعل بعض الناس -والعياذ بالله- أنا أذكر مرة، أذكر لكم أن فيه مجلة تسمى النهضة كويتية، لكنها نهضة إلى الشر، هذه المجلة وضعت مسابقة لملكة الجمال، وصورت حسب ما تصورت، أجمل من جاءها من النساء طبعًا مثل هذا في ظني أن كثيرًا من الناس الذين ليس عندهم خوف من الله، يقتنون هذه، يقتنون صور الجمال، يتمتع بها في النظر، أو لأي غرض آخر، فهذا لا شك في تحريمه. فنقول: إذن النظر إلى الصورة لا يساوي النظر إلى الحقيقة، وليس هو الذي ورد به النهي، ولكن متى تضمن ذلك فتنة، بكونه يتعلق بها، أو يقتنيها، فإن ذلك يكون حرامًا، وإلا فلا يظهر التحريم. بالنسبة للنظر إليها في التليفزيون؟ * طالب: (...). * الشيخ: هو في الحقيقة، الفرق بين الأول أنها تتحرك، والثاني أنها في الغالب إنه صار ملون التليفزيون يحكي حالها أكثر، وكذلك الصوت، وكذلك التغنّج والتمايل والرقص وما أشبه ذلك، لكن إذا قدرنا أنها امرأة عادية طبيعية تذيع مثلًا، هل يحرم النظر إليها أو لا يحرم؟ * طالب: مثل اللي في الشارع. * الشيخ: مثل اللي في الشارع، إذن يحرم النظر إليها. * طالب: (...). * الشيخ: والله أنا عندي أن النفس ما تتعلق بها، ولو رأتها في التليفزيون مثل ما تتعلق بها لو رأتها حقيقة، أنا عندي فرق بين أنه ينظر امرأة في التليفزيون، أو ينظر امرأة صورة حقيقة، أنا في ظني أن بينهما فرقًا، وهي في الحقيقة بعض الناس يقول: إن الصورة في التليفزيون أشد من الصورة في البطاقة؛ لأنها تحكي الحركة والصوت، فيكون الفتنة بها أعظم، ولكن عندي أيضًا أن هذه تمتاز على الصورة في البطاقة مثل ما قال: تمتاز بأنها تتحرك، ولها صوت وهذا أدعى للفتنة، لكنها تختلف عنها بأنها لا تثبت، والصورة اللي في البطاقة تثبت، والإنسان يمكن يخلي عنده الصورة بالبطاقة كل ما اشتهى أن يتمتع بالنظر إليها ذهب إليها ونظر، لكن هذه ما يتمكن؛ لأنها قد فاتت وأغلق التليفزيون وراحت عنه. * طالب: (...) غض البصر عن المرأة (...)؟ * الشيخ: إي، هذه هي إحنا نقول: لا نساويها، أنا في ظني.. * طالب: لماذا يا شيخ؟ * الشيخ: لماذا؟ لأنه ما يساوي. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما يمكن يتعلق الإنسان قلبه بهذه الصورة مثل ما يتعلق بالنظر نحن لا نسمي.. * طالب: (...) النبي ﷺ منع (...). * الشيخ: معلوم الوصف مهما بلغ لا يمكن أن يكون مثل الصورة، ما فيه شك، الصورة أشد حكاية للحقيقة، لكن في كلامنا إذا لم يكن هناك فتنة ولا ضرر، ووصف نساء المسلمين للكفار هذا ضرر عظيم، ولذلك ما عندنا شك أن الصورة صارت تُبتذل، وتخلي صورة بنت فلان مثلًا بأيدي الفساق أن هذه من المحرم اللي لا شك فيه. ولهذا نرى أنه من أعظم الخطر ما يفعل الآن بالعرائس، تصوير النساء حتى ولو اللي يصور نساء؛ لأن هذه الصور تبقى في أيدي النساء، ومن يأمن النساء أنها تعطيها فلانًا، ولَّا فلانًا، ولَّا ولدها، ولَّا زوجها، لكنكم ربما تحتجون عليه بالحديث الذي أوردته، وهو نهي النبي ﷺ المرأة أن تنعت المرأة لزوجها كأنما يشاهدها، فإذا كان الرسول نهى أن تنعت المرأة للرجل، فهذه مثله. الصورة يمكن أشد، هذا هو الذي يمكن أن يقال: إن الصورة تدخل فيه؛ لأن النعت -في الحقيقة- ذكر الأوصاف، لا يحكي المرأة كما تحكيه الصورة، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام «نَهَى أن الْمَرْأَة تُباشِرُ المرْأَةَ، وتَنْعَتها لزَوْجِهَا كأنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا»[[أخرجه البخاري (٥٢٤٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]] فهذا مثله، ولكن ما الظاهر لي أنا؛ لأن في الحقيقة حكاية الصفة بالنسبة للإغراء أشد، لا سيما إذا كان الرسول يقول: «تَنْعَتُهَا لِزَوْجِهَا»، إن كان هذه الكلمة لزوجها، أنها قيد ليس لبيان الغالب؛ لأن كونها تنعتها لزوجها هذا يفضي إلى مفسدة: أولًا: قد يظن الزوج أن زوجته تكرهه، وتنعت هالمرأة لأجل يتزوج. الشيء الثاني: أنه ربما إذا نعتتها لزوجها، أنه هو زوجها يتعلق قلبه بهذه المرأة المنعوتة، ويكون ذلك سببًا لفراق هذه الزوجة. يعني قد يقال: كون الرسول ﷺ يقول: «تَنْعَتُهَا لِزَوْجِهَا»، أن هذا ليس لبيان الواقع، وأن الغالب أن المرأة ما تصف النساء إلا لو فرطت في زوجها. قد يقال: إنه ليس لبيان الغالب، ولكن لما يترتب عليه من المفاسد حيث يظن الزوج أن هذه المرأة لا تريده، ولذلك تصف له النساء لعله يتعلق بهن، هذا من جهة. ومن جهة أخرى: أنه ربما أن الزوج نفسه إذا وصفت له زوجته هذه المرأة يتعلق قلبه بها، ويرغب عن زوجته التي معه، ويتحول إلى الجديدة. على كل حال أنا ما أستطيع أني أجزم، أنا أخبركم عن رأيي بعد هذه المناقشة؛ لأني ما أستطيع أني أجزم بتحريم النظر إلى المرأة في التليفزيون أو في الصورة، إذا لم يكن في ذلك محظور، فإن كان في ذلك محظور فلا شك أنه لا يجوز. * طالب: (...). * الشيخ: هذه صحيحة؛ لأن مثل هذا يختلف باعتبار إثارة الفتنة: إما بعيد المنال قد لا تتعلق به نفس الإنسان لا سيما الإنسان العاقل؛ لأنه كيف يطمع الإنسان بما لا يمكن أن ينال، بخلاف الأشياء اللي يمكن؛ ولهذا -والله أعلم- أُبيح للمحارم أن يكشفن وجوههن للمحرم؛ لأن نفسه ما يمكن تتعلق بهن أبدًا إلا إنسان -والعياذ بالله- قد قُلِب، وأما الرجال الأجانب فلا، يعني هذه من الحكمة أنه ما يمكن إنسان تتعلق نفسه بأحد من محارمه، ولهذا أُبيح لهن الكشف، لكن هذا الذي قلت يؤيد (...) على خوف الفتنة على الفتنة، أو خوفها. وأما إذا كان الإنسان طبيعيًّا، ولا يهتز قلبه، ولا مشاعره بهذا الذي يشاهد، فالتحريم وتأثيم الناس به أمر فيه إشكال. وتعرفون الآن الصور صور النساء منتشرة كبعض الأقمشة، أظن فيها صور نساء، يُلصق عليها بطاقة صورة امرأة، وكذلك أيضًا بعض.. * طالب: (...). * الشيخ: في الصحف أيضًا، هذه مشكلة؛ يعني تأثيم الناس بشيء ما يتحققه الإنسان أمر صعب؛ أولًا: إنه ما يجوز للإنسان يأثِّم الناس إلا بشيء يغلب على ظنّه أو يقطع به، فأما شيء يشك فيه، فلا ينبغي أن يؤثّم الناس به، ولا شك أن التحرز من هذا أولى، ولكن المسألة ما هي مسألة التحرز (...) الأولوية مسألة التحريم، هل نقول: حرام عليك تنظر، ولَّا ليس حرامًا؟ أما إذا كان الإنسان يجوز أن ينظر إلى المرأة نفسها، فهذا واضح من أنه يجوز أن ينظر إلى صورتها مثل ما قال الأخ؛ في مسألة الخاطب لو أن رجلًا أراد أن يخطب امرأة، وقال بدل من أنه يروح مثلًا لما إذا كان هناك فيه صورة لها، ورّوني صورتها، فهذا لا بأس به وإن كانت الصورة بالحقيقة ما تحكي الواقع تمامًا كما هو مشاهَد، الآن تشاهدون صورًا لشخص واحد، أحيانًا تيجي صورته مشوهة، وأحيانًا تيجي صورته أحسن من الواقعية أيضًا، وأحيانًا تأتي الصورة أحسن من الواقع، وأحيانًا تكون الصورة مطابقة للواقع، الحقيقة أن الصور هذه ما بتحكي الواقع تمامًا. * طالب: (...). * الشيخ: خوف الفتنة. * طالب: (...). * الشيخ: لا، إنما هذا هو المناط؛ يعني هذا هو السبب سدًّا لهذه الذريعة. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، هو هذا؛ ولذلك يجوز في بعض الأحيان إذا كانت المصلحة أكثر. * طالب: هذا مو مطّرد. * الشيخ: لا، مطّرد، هذا مطّرد، كل شيء حُرّم تحريم الوسائل فإنه تبيحه المصلحة ما بالضرورة؛ لأن المحرم لذاته ما تبيحه إلا الضرورة، والمحرم تحريم الوسائل تبيحه المصلحة، فمثلًا: عندكم تحريم ربا الفضل محرم تحريم وسائل، وتبيحة الحاجة كمسألة العرايا، هذه المسألة مسألة النظر مُحرّم تحريم الوسائل كما قاله أهل العلم، ولذلك تبيحه المصلحة والحاجة، مثل: نظر الطبيب للمريضة، ونظر الخاطب للمخطوبة، ونظر الشاهد للمشهود عليها، ونظر المعامل حتى المعامل يجوز أن ينظر لمن تعامله مثل: امرأة جرت العادة تبيع وتشتري من على الدكان يجوز أنك تقول: اكشفي وجهك، يمكن يجي غيرك (...)، لو شكيت أشوف وجهك مرة ثانية، يجوز هذا نص العلماء على جواز هذه المسألة؛ لأن هذا ليس من باب تحريم الذات، محرم تحريم الوسائل، ويدلك على أن هذا محرم تحريم الوسائل، بالنسبة للمحارم لماذا جاز أن المرأة تكشف لمحرمها؟ لأن هذه الذريعة شبه منعدمة. ولذلك لو قُدّر أن فيه محرمًا -والعياذ بالله- مقلوبًا، وأنه ينظر إلى محارمه نظر الأجنبيات وجب منعه منهن. ولا تستغربوا أن ينظر أحد من الرجال إلى محارمه، نظرة الأجنبيات، لا تستغربوا ذلك فأنا قد سُئلت هذه الأيام عن رجل له أخت من الأب صغيرة لها سبع أو ثمان سنين. تقول المرأة السائلة -الله أعلم- أنها صادقة ولَّا لا؟ تقول: إنه -والعياذ بالله- أخوها من أبيها ذهب بها إلى بيته، وفجر بها. والعياذ بالله. يعني هذا ما هو الغريب أن بعض الناس يكون طباعها طباع كلاب، ينزو على أمه ولا يبالي! فالحاصل أننا نقول: إن تحريم النظر أصله ليس تحريمًا لذاته؛ لأن المحرم هو الزنا والفاحشة، لكن النهي عن قربان الزنا، لأجل ألا نتوسل، أو ألا يكون لنا وسيلة إليه، فتحريم النظر من أجل هذا من باب تحريم الوسائل. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تقدم أن الله سبحانه وتعالى أمر النساء ألا يبدين زينتهن، واستثنى استثناءين؛ الأول؟ * طالب: (...). * الشيخ: استثناء من الزينة؟ * طالب: الثاني: من تبدى له. * الشيخ: استثناء من تبدى له الزينة، تمام، الاستثناء الأول ما هي الزينة التي استثنيت أولًا؟ * طالب: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور ٣١]؟ * الشيخ: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ تمام، وما المراد بـ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾؟ * طالب: المراد منها الجلباب، (...). * الشيخ: وعلى رأي المؤلف؟ * الطالب: رأي المؤلف الوجه والكفان. * الشيخ: الوجه والكفان، إي نعم، والأصح الأول كما هو ثابت عن ابن مسعود رضي الله عنه، وكما أشرنا إليه فيما سبق بالنسبة للزينة أنها ما وردت في القرآن إلا فيما يتزين به الإنسان لا فيما زينه الله به. طيب الزينة الثانية استثنى منها؟ * طالب: (...). * الشيخ: استُثني منها من تبدي لهم الزينة وهم البعولة وما عطف عليها، طيب هل الزينتان مختلفتان في الآية أو هما زينة واحدة؟ * طالب: مختلفتان. * الشيخ: مختلفتان، تمام، كيف ذلك؟ * طالب: الأولى (...). * الشيخ: نعم، وهذه تبدى لكل أحد؛ لأن بدوّها ضروري لا يمكن التحرّز منه، والثانية؟ * طالب: الثانية (...). * الشيخ: الخفية التي لا تبدى إلا لهؤلاء. اللي مضى من هؤلاء كم؟ ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ ﴿أو أَبْنَائِهِنَّ﴾ نعم، أيش بعد؟ أيش اللي تكلمنا عليها أمس؟ كم؟ * طالب: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبَائِهِنَّ أو آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أو أَبْنَائِهِنَّ أو أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أو إِخْوَانِهِنَّ أو بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أو بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أو نِسَائِهِنَّ أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور ٣١]. * الشيخ: عشرة، اللي تكلمنا عليه عشرة. يقول الله عز وجل: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أولِي الْإِرْبَةِ﴾. (وخرج بنسائهن الكافرات، فلا يجوز للمسلمات الكشف لهن، وشمل ما ملكت أيمانهن العبيد). قوله: (خرج) (وشمل)، (خرج بنسائهن الكافرات) بناء على أن الإضافة نوعية لا جنسية. وأن المراد (بنسائهن) أي: المسلمات. وأما على القول الثاني: أن المراد بالنساء أنه من باب إضافة الجنس إلى جنسه. يعني: الذين من جنسكم، وهم النساء، فلا تخرج الكافرات بل يشمل الكافرات والمسلمات. وقد ذكروا أن الصحابة رضي الله عنهم لما فتحوا الأمصار كان فيها قوابل من الكافرات، قوابل يولدن النساء، فأقرهن الصحابة على ذلك. وهذا مما يدل على أن المراد بنسائهن: النساء دون المسلمات ليس بقيد المسلمات، نعم، إن خِيف منها ضرر هذا شيء ثانٍ، وخوف الضرر حتى في المسلمات. (وشمل ما ملكت أيمانهن العبيدَ) ﴿أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ شمل العبيد كيف شمل العبيد؟ وهل يراد به غير العبيد؟ الجواب: نعم، يُراد به على القول بأن نساءهن المسلمات مثل ما ملكت أيمانهن ولو من الكافرات، فيجوز إبداء الزينة لهن؛ يعني أنه ليس خاصًّا بالنساء المملوكات، بل يشمل حتى العبيد حتى الذكور يعني، فهمتم الآن ولَّا لا؟ يعني لو قال قائل: المؤلف كيف يقول: (وشمل ما ملكت أيمانهن العبيد)، وهل هناك أحد غير العبيد؟ ويش الجواب؟ الجواب: نعم، على القول بأن المراد بـ﴿نِسَائِهِنَّ﴾ المسلمات، فإن ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يشمل الأمة الكافرة يجوز إبداء الزينة لها، وإن لم تكن من نسائهن؛ لأنها مملوكة. أما إذا قلنا بـ﴿نِسَائِهِنَّ﴾ جميع النساء، فإن قوله: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يختص بمن؟ بالذكور فقط؛ لأن النساء معروفات من قوله: ﴿أو نِسَائِهِنَّ﴾، لكن المؤلف -رحمه الله- اضطر أن يقول ذلك لهذا السبب على أن من أهل العلم من قصر قوله: ﴿أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ على النساء الكافرات فقط، وقال: إن العبد لا يجوز لسيدته إبداء الزينة له، وإنما المراد بـ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ لأجل أن تدخل الأمة المملوكة إذا كانت كافرة؛ لأنها خرجت بنسائهن ودخلت في ما ملكت أيمانهن، لكن الصحيح أن نساءهن كما أشرنا إليه سابقًا المراد به الجنس، وأن جميع النساء من مسلمات وكافرات يجوز إبداء الزينة لهن إلا إذا خُشي المحظور، فهذا لو مسلمة كما نهي النبي ﷺ المرأة: «أن تَنْعَت الْمَرْأَة لِزَوْجِهَا حَتَّى كَأَنَّهُ يُشَاهِدُهَا»[[أخرجه البخاري (٥٢٤٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. يعني تقول له مثلًا: فلانة كذا وكذا وكذا، وتصفها له حتى كأنه يشاهدها؛ لأن الرسول ﷺ نهى المرأة أن تنعت المرأة لزوجها على هذا الوجه، فإذا خُشي المحظور هذا شيء ثانٍ، لكن هذه الأشياء بدون محظور. قال: (﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾ في فضول الطعام ﴿غَيْرِ﴾ بالجر صفة والنصب استثناء) غيرَ وغيرِ. (﴿أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ أصحاب الحاجة إلى النساء). أصحاب تفسير لـ﴿أُولِي﴾، و﴿الْإِرْبَةِ﴾ الحاجة إلى النساء. (﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ بأن لم ينتشر ذكر كل). ﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾ ﴿التَّابِعِينَ﴾ يقول المؤلف: (في فضول الطعام). ﴿التَّابِعِينَ﴾ المراد بهم: الخدم وشبههم الذين يتبعون أهل البيت، هذا المراد بالتابعين. أو ﴿التَّابِعِينَ﴾ أيضًا: الذين يأتون إلى الناس ليأكلوا من فضول طعامهم، وإن لم يكونوا خدمًا لهم، فهو شامل لهؤلاء وهؤلاء، فالتابع هو الذي يتبع أهل البيت؛ إما لكونه خادمًا عندهم، وإما لكونه يتلقى فضول الطعام منهم. لكن التابعين يجوز إبداء الزينة لهم شرط ألا يكون لهم إربة؛ يعني حاجة في النساء. وقول المؤلف: (بأن لم ينتشر ذكر كل) ما هو هذا العلامة، ليس العلامة ألا ينتشر ذكره، بل العلامة ألا يعرف منه ميل إلى النساء؛ لأن من الناس من يميل إلى النساء وإن كان ذكره لا ينتشر، ما هو لازم؛ فالعلامة ألا يوجد منه ميل إلى النساء إطلاقًا، لا عند قيام ذكره، ولا عند عدم قيامه. فالكلام على أنه لا يشتهي النساء، ولا يميل إليهن هذا كالمرأة لمشقة التحرز منه أباح الله سبحانه وتعالى للنساء أن يبدين زينتهن له فصار التابع أيش معناه؟ الذي يتبع أهل البيت كذا؟ لتلقي فضول طعامهم، إما لكونه خادمًا فيهم، أو غير خادم، لكن اشترط الله سبحانه وتعالى في التابع أيش؟ ألا يكون له إربة في النساء، أيش معنى إربة؟ يعني حاجة، وهل العلامة ما ذكره المؤلف؟ لا، ليس ما ذكره المؤلف هو العلامة، بل العلامة أن يُعلم أنه لا يميل إلى النساء، ولا يرغب فيهن، والغالب أنه ما يقوم ذكره، لكنه ليس بلازم، قد يكون الإنسان ممن يميل إلى النساء، ويحبهم، ويألفهم، لكن لا يقوم ذَكره؛ لذلك الصحيح في هذه المسألة أننا نعلم عدم حاجته بعدم ميله إلى النساء. ولهذا كان في بيوت آل النبي ﷺ رجل مُخنَّث -يعني من غير أُولي الإربة- ما كانوا يعلمون به حتى إنه في يوم من الأيام قال لرجل من محارم إحدى زوجات النبي عليه الصلاة والسلام: إذا فتحتم الطائف فعليكم بابنة غيلان -غيلان الثقفي- فإنها تُقبل بأربع وتُدبر بثمانٍ. هم بالأول لا يحسون منه شيئًا، لكن هذا الذي يصف المرأة هذا الوصف أيش يدل عليه؟ يدل على أنه يميل إلى النساء، فمنعه النبي ﷺ من الدخول على أهل بيته[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٢٤)، ومسلم (٢١٨٠ / ٣٢) من حديث أم سلمة.]]؛ لأنه تبين أنه يميل إلى النساء، فإذا وُجد أن هذا التابع يصف النساء، ويذكر جمالهن، وما أشبه ذلك عُلِم أنه صاحب حاجة، وأما مسألة قيام الذكر، وهذا ما هو العلامة، عندكم (ذكر كل) شوفوا الحاشية ويش يقول؟ (كل) هذه، ما عندك حاشية في الجلالين؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما لقيتها؟ * طالب: (...) ما هي موجودة. * الشيخ: ما هي موجودة؟ ما هي موجودة بالكتاب يعني. * طالب: (...). * الشيخ: من الرجال ويش بعده؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، عجيب؛ لأن لم ينتشر (ذكر كل)، لو قال: ذكره صار ما فيه إشكال، لكن (ذكر كل) يقتضي فيه عددًا. (كل) موجودة عندكم في كل النسخ؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...) ما ذكر (ذكر كل). * طالب: (...). * الشيخ: خلِّ الحاشية نفس الأصل. * طالب: (...). * الشيخ: الظاهر أن (...) ما دام اتفقت النسخ. قال: (﴿أو الطِّفْلِ﴾ بمعنى الأطفال ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ أي: يطلعوا ﴿عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ للجماع فيجوز أن يُبدَى لهم ما عدا ما بين السُّرّة والرُّكبة). ﴿أو الطِّفْلِ﴾ يقول المؤلف: (بمعنى الأطفال)، فهي اسم جنس بمعنى الأطفال، الدليل أنها بمعنى الأطفال. قوله: (﴿الَّذِينَ﴾ ) حيث وصفها بالجمع، ولا يوصف المفرد بالجمع، لكن فيه دليل على أن اسم الجنس إذا حُلِّي بـ(أل) يكون للعموم، ولو كان مفردًا. وقوله ﴿أو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾. (﴿يَظْهَرُوا﴾ بمعنى يطلعوا على عورات النساء للجماع). والمعنى: أنهم لا يعرفون ما يتعلق بالعورات، فقوله: ﴿لَمْ يَظْهَرُوا﴾ أي: لم يطلعوا بحيث لا يدرون ماذا يُفعل بالعورات، هذا المراد، ما هو المراد الاطلاع بالعين؛ لأن الاطلاع بالعين هذا يكون في الأطفال وغيرهم، لكن المراد: الاطلاع أنهم لا يدرون ماذا يُصنع بالعورات، ولا يرد لهم على بال، هؤلاء الأطفال، يجوز أن تُبدى لهم الزينة. وقول المؤلف: (يُظهر لهم ما بين السُّرّة والركبة) بناء على أن المراد بالزينة هنا ما زيّن الله به المرأة، لا أنها اللباس. ﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾ كم صار عندنا الآن؟ صار اثني عشر. ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبَائِهِنَّ أو آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أو أَبْنَائِهِنَّ أو أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أو إِخْوَانِهِنَّ أو بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أو بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أو نِسَائِهِنَّ أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أو التَّابِعِينَ غَيْرِ أولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ اثنا عشر صنفًا، هؤلاء هم الذين تُبدى لهم الزينة الخفية، ومن عداهم لا تُبدى لهم، هذا هو ظاهر الآية؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا﴾ والاستثناء هذا مفرَّغ، يقتضي أن من سوى هؤلاء لا يجوز إبداء الزينة لهم. لكن بعض العلماء ألحق بهم بقية المحارم من مصاهرة، أو نسب، أو رضاع؛ لأن فيه أشياء فيه من النسب من المحارم من لم يُذكر، مثل: الأعمام والأخوال، وفيه أيضًا من المصاهرة من لم يُذكر؛ لأنه قال: ﴿آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ معناه تكون زوجة ابن أو ﴿أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ تكون زوجة أب أو لا؟ يعني أن زوجة الأب تُبدي لأبناء زوجها الزينة، وزوجة الابن تُبدي لآباء زوجها الزينة كذا ولَّا لا؟ طيب زوج البنت يجوز، ولَّا ما يجوز؟ زوج البنت ما ذُكر، وهو من المصاهرة؛ فبعض العلماء يقول: إنه يُلحق بمن ذُكر. عندنا أيضًا: الرضاع كله بجميع أقسامه ما ذُكر، ألحقه بعض العلماء مدعين أن ذِكر البعض يدل على البقية، وأن العرب في كلامهم أحيانًا يقتصرون على ذكر البعض، تنبيهًا على البقية، لكن هذا ليس بجيد، وجه ذلك أن ذِكْر البعض الذي يُراد به إلحاق البقية يُكتفى منه بذكر واحد، ويكون هذا الواحد على سبيل التمثيل. أما أن يُذكر عدد من جنس، ويُحذف الباقي، وبطريق الحصر، فهذا غير مُسلَّم، لكن يبقى عندنا النظر في مسألة إبداء الزينة التي زينها الله به؛ يعني الوجه واليدين وما أشبه ذلك، فهذا له دليل غير هذه الآية. فنقول: هذه الآية في زينة اللباس وشبهه، ويجب إبقاؤها على ما ذكره الله سبحانه وتعالى. وأما مسألة: إبداء الوجه، والكفين، والساق، والرقبة، وما أشبه ذلك، فهذا يؤخذ من أدلة أخرى. هذه الآية، هؤلاء الاثنا عشر، هل هم على حد سواء فيما يُبدى من الزينة، أو ليسوا على حد سواء؟ ليسوا على حد سواء بلا شك، ولهذا بدأ الله بالزوج؛ لأنه أعلى من تُبدى له الزينة بمطلقها، والباقين يمكن أن يُقال: على الترتيب، ويمكن ألا يقال: على الترتيب، بل ينظر إلى ما جرت به العادة؛ لأن حقيقة الأمر أنه مثلًا: الأخ إذا كان عند أخته دائمًا في البيت ليست مثل ما إذا لم يكن يأتيها إلا نادرًا، أي الحالين أشد تحشمًا بالنسبة لها؟ إذا كان ما يأتي إلا نادرًا، فهي تستحي منه، وتحتشم أكثر مما إذا كان دائمًا عندها، فينبغي لمثل هذه الأشياء يقال: بترتيبهم، أما الزوج فهو على كل حال في القمة. * * * الخفِيّة إلا لمن ذُكروا في الآية، وصلنا عددهم أمس أو في الدرس السابق كم؟ لاثني عشر صنفًا، ومن عداهم لا يجوز إبداء الزينة الخفية لهم. قال بعد ذلك سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ﴾ الضمير يعود على من؟ على المؤمنات ﴿بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ ضرب برجله معروف؛ يعني حرَّكها على الأرض بقوة. (﴿لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ من خلخال يتقعقع)؛ يعني: يصوّت القعقعة: الصوت؛ لأن المرأة إذا صار عليها خلخال، وقد ستره السراويل وهو ما يبين للناس، لكن بعض النساء للفتنة -والعياذ بالله- تضرب برجلها حتى يُسمع الخلخال؛ أي أن عليها خلخالًا، فنهى الله سبحانه وتعالى المؤمنات أن يفعلن ذلك؛ أن يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن. و(اللام) في قوله: ﴿لِيُعْلَمَ﴾ هل هي للتعليل، أو للعاقبة؟ يختلف المعنى إذا قلت: إنها للتعليل صار النهي مُنصبًّا على ما إذا ما قصدت ذلك؛ أي: ضربت برجلها لأجل أن يُعلم، وعليه فلو ضربت برجلها على حشرة مثلًا على عقرب، أو ما أشبه ذلك وسُمع الخلخال فإنه لا حرج عليها في ذلك؛ لأنها لم تقصد أن يُعلم ما تُخفي من زينتها. وإذا جعلنا (اللام) للعاقبة؛ يعني لا تضرب برجلها، فإن عاقبة هذا الضرب أن يعلم ما تخفي من زينتها صار النهي عن الضرب بالرجل مطلقًا سواء أرادت ذلك أم لم ترده. لا شك أننا إذا نظرنا إلى المحظور من هذا الضرب، وهو علم ما أخفي من الزينة فإن هذا المحظور لا فرق بين أن تكون المرأة قاصدة له أم غير قاصدة. هذا المحظور سيحصل إذا ضربت حتى صوّت الخلخال سواء كانت قاصدة لهذا الأمر أم لم تقصد. وعلى هذا فيرجح أن تكون (اللام) للعاقبة ذلك؛ لأن المحظور سيقع. وإذا نظرنا إلى أن المرأة إذا لم ترد هذا الشيء، فقد قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب.]]، وهي ضربت برجلها لا لهذا الغرض، فلا تكون آثمة به. رجّحنا أن تكون (اللام) للتعليل، ولكن الأول أولى؛ أن يقال: إنه ما يجوز الضرب بالرجل، ولو لغير هذا القصد، وذلك لأنه ينتج أن يعلم ما تخفي من زينتها. و(اللام) للتعليل وردت كثيرًا في القرآن كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة ٢٣١]، وقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، هم ما التقطوه لذلك، وإنما التقطوه ليكون قرة عين لهم، لكن العاقبة صارت هكذا. فعلى كل حال الذي يظهر أن ترجيح كون (اللام) للعاقبة أولى وذلك؛ لأن المفسدة والفتنة حاصلة سواء أرادت أم لم تُرد. إذا كان لا يجوز لها أن تضرب بالرجل خوفًا من ظهور صوت الخلخال، فما بالك بمن تُظهر الخلخال نفسه، وتظهر الأسورة في اليدين، وتُظهر القلادة على العنق، يكون هذا مثله ولّا أولى؟ * طلبة: أشد. * الشيخ: أشد، إي نعم، أشد وأولى في النهي والتحريم؛ ولذلك عمل النساء الآن لا شك أنه محرّم، وأننا في الحقيقة نحن وهم معرّضون لذلك؛ كيف مثلًا نرى هذه النساء تنتهك ما نهى الله عنه سبحانه وتعالى علنًا، ولا نجد أحدًا ينهاها، ويقول: هذا حرام؟! هي في ظني أنها تتقصد إظهار اليد ليرى ما عليها من الحلي، ولذلك تجدها أحيانًا ما تظهر إلا اليد التي فيها الحلي، وهذا أيضًا من العمل المشين الذي تستعمله النساء، كونها تملأ إحدى اليدين بالحلي، وتجعل اليد الأخرى فاضية هذا أيضًا من الخطأ؛ لأن الظاهر أنه من جنس الذي يمشي بنعل واحدة، «وقد نهى النبي ﷺ أن يمشِيَ الرَّجُلُ بِنَعْلٍ وَاحِدَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٨٥٦)، ومسلم (٢٠٩٧ / ٦٨) من حديث أبي هريرة. ]] لما في ذلك من عدم العدل بين الرجلين، والعدل مأمور به كونها مثلًا بتملأ يدًا من الحلي، ويد فاضية فهذا في النفس منه شيء. فنقول: الأوْلى أن تلبس الحلي على حد سواء في اليدين، اللهم إلا إذا كانت إحدى اليدين فيها ساعة، وأرادت أن تنقص من الأسورة بقدر ما تأخذه الساعة من المساحة، فهذا ربما يقال: إنه عدل، ولا فيه شيء. لكن كونك تملأ هذه اليد من الحلي والثانية بيضاء، أو ما فيها إلا ساعة، أو فيها سير أيضًا، ففي النفس من هذا شيء. على كل حال نحن إذا كان الله -سبحانه وتعالى- نهى أن تضرب المرأة برجلها، خوفًا من أن يُعلم ما تُخفي من الخلخال لظهور صوته، فما ذكرناه مما عليه النساء اليوم أشد وأعظم، ولهذا لا يجوز للنساء أن تفعل ذلك حتى عند القائلين بأن الوجه والكف ليس بعورة، يرون أن الذراع عورة، وأنه لا يجوز للمرأة أن تبدي ذراعها المحلَّى بالأسورة، لكن مشكلة الأمر. ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. (مما وقع لكم من النظر الممنوع منه ومن غيره ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ تنجون في ذلك بقبول التوبة منه). ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾ هذا أمر من الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين موجَّه لكل الناس، توبوا أيها المؤمنون، وإنما وُجّه الخطاب للجميع؛ لأن هذه المنكرات إذا أُظهرت عم بلاؤها الجميع، ولهذا وجَّه الله الخطاب للجميع، توبوا إلى الله جميعًا، ثم تأمل تأكيد هذا الأمر بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾، وقوله: ﴿أَيُّهَ﴾ النداء، وقوله ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ كل هذه مُغرِيات توجب إغراء الإنسان، أو هي لإغراء الإنسان على التوبة؛ أن تكون التوبة جماعية، ما يكفي أن يتوب واحد، والباقي يعلن فسقه ومخالفته. ثانيًا: ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ النداء ويش يدل عليه؟ سبق لنا أهميته، ولهذا وُجّه الخطاب بالنداء لبيان الاعتناء به، وأيضًا وصف المؤمنين دليل على أن الإيمان يقضي بتوبة المؤمن، وأنه ما يهمل، ولا يغفل عن الذنوب، وأن عدم التوبة أيش؟ نقص في الإيمان، ما هي التوبة؟ التوبة: هي الرجوع، الرجوع منين؟ من المعصية إلى الطاعة، من معصية الله إلى طاعته؛ وهي نوعان: توبة مطلقة، يستحق التائب بها أن يُوصف بأنه من التوابين الذين يحبهم الله، وهي التوبة من جميع المعاصي بحيث يقلع الإنسان عن كل معصية يعملها قولية كانت أو فعلية، أو عقيدة، هذه قلنا فيها: التوبة المطلقة التي يستحق فاعلها الثناء، وأن يكون من التوابين الذين يحبهم الله عز وجل. والثاني: توبة مقيدة من ذنب معين، فهذه لصاحبها من الثناء ما يستحقه، والصحيح أن التوبة هذه توبة مقبولة. فإذا تاب الإنسان من ذنب، وهو مُصرّ على غيره، فتوبته منه على القول الراجح صحيحة ومقبولة؛ لأن الإيمان يتبعض والأعمال تتبعض، والله سبحانه وتعالى حكم عدل، لا يظلم ولا يغدر. فهذا الرجل الذي تاب من ذنب وهو مُصِرّ على غيره، الصحيح أنه تقبل توبته، وأنه لا مانع من ذلك، لكن لا يستحق ما سبق من كونه تائبًا على وجه الإطلاق، ومن التوابين الذين يستحقون الثناء المطلق؛ فله من الثناء بحسب ما حصل له من التوبة. طيب هذا الأمر: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾ يتوجَّه إلى أي القسمين: المقيد ولَّا العام؟ * الطلبة: العام. * الشيخ: العام المطلق؛ يعني توبة مطلقة عامة من جميع الذنوب لأجل أن يحصل الفلاح، و(لعل) ويش المراد بها ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؟ للتعليل؛ أي: أن التوبة سبب للفلاح، والفلاح -في الحقيقة- ليس كلمة هينة، الفلاح مثل الفوز هو عبارة عن النجاة من المرهوب، وحصول المطلوب ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥] ﴿زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ هذا نجاة من المرهوب ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾ حصول المطلوب، والفلاح أيضًا هنا ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ما قيّده الله في الدنيا ولا في الآخرة دل ذلك على أن الفلاح بالتوبة يكون في الدنيا وفي الآخرة، وهو كذلك؛ فإن التائب يحصل له الفلاح في الدنيا وفي الآخرة. * يستفاد من هذه الجملة: وجوب التوبة؛ لقوله: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾. ولا حاجة بنا إلى ذكر شروط التوبة؛ لأنها سبقت عدة مرات، وأنها كم من شرط؟ خمسة شروط، شروط التوبة خمسة. * ففيه دليل: على وجوب التوبة. * ودليل أيضًا: على محبة الله له؛ لأنه أمر بها في هذه العناية: ﴿جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «الَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِرَاحِلَتِهِ» -وذكر أنها- «عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، وَأَنَّهُ أَضَلَّهَا فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ، وَطَلَبَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا، فَنَامَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ يَنْتَظِرُ الْمَوْتَ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا بِخِطَامِ نَاقَتِهِ مُتَعَلِّقًا بِالشَّجَرَةِ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٠٩)، ومسلم (٢٧٤٧ / ٧) والسياق له، من حديث أنس بن مالك.]]. إذ هذا الفرح -في الحقيقة- نحن الآن نقوله، لكن هل نحن نتصوره؟ ما نتصوره؛ يعني مهما بلغت مخيلتنا من القوة وإدراك الأمور الغائبة ما يمكن نتصور حقيقته. الآن نتخيل أنه فرح عظيم؛ لأنه عبارة عن فرح بالحياة بعد الموت، لكن عندما يقع للإنسان هذا الشيء يجد أنه لا نظير له، ولا يمكن يوجد له نظير، فالله سبحانه وتعالى مع كمال غناه عنّا، وكمال حاجتنا وفقرنا إليه يفرح بتوبة عبده المؤمن أشد من هذا الرجل براحلته، ولهذا أمر الله تعالى بالتوبة مع العناية بها بهذه الوجوه الثلاثة. (...) التوبة محبة الله تعالى لها كرم الله تعالى وفضله، منين نأخذ الكرم والفضل؟ من محبته للتوبة؛ يعني كونه يحب أن يتوب الناس حتى لا يعاقبهم ويش يدل عليه؟ على كرمه وفضله، وأن رحمته سبقت غضبه، بخلاف من لا رحمة عنده، مثلًا افرض مدرس ولا ملك أمر بشيء أو نهى عن شيء، قد يكون بعض الآمرين أو الناهين يحب من الناس المخالفة لأجل أن يعاقبهم، فيظهر بذلك سيطرته عليهم، هذا يحب المخالفين علشان يعرفون أنه مثلًا (...) وللسلطة وللسيطرة، والله جل وعلا مع كمال هذا الأمر له كمال السلطان مع ذلك يحب من عباده أن يتوبوا حتى لا يعاقبهم. * وبهذا نستدل على كمال رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده وفضله وإحسانه. * وفيه دليل: على أن التوبة من مقتضيات الإيمان، منين نأخذه؟ من قوله: ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فالصحيح الإيمان لا بد أن يحمل صاحبه على التوبة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧ / ١٠٠) من حديث أبي هريرة.]]. متى ينتفي عنه الإيمان؟ حين يزني، ما يمكن إنسان مؤمن حقيقة إلا ويترك ما حرَّم الله عليه، ويفعل ما أوجب الله عليه. واعلم أنه إذا وقعت منك معصية، فإن ذلك ضروري من لازم نقص إيمانك ما يمكن يقع منك معصية إلا ملازم لنقص الإيمان. ولهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة -رحمهم الله- أن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، هذا مذهب أهل السنة والجماعة، ونحن منهم إن شاء الله. فعلى كل حال أقول: إن التوبة من مقتضيات الإيمان، وأن من فرط بها فهو دليل على نقص إيمانه، وإذا كان المفرّط بالتوبة يستدل بعمله هذا على نقص الإيمان، فالفاعل للمعصية اللي يباشر المعصية من باب أوْلى، ولهذا أشرنا إلى الحديث الذي قال فيه النبي ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧ / ١٠٠) من حديث أبي هريرة.]]. * طالب: (...). * الشيخ: التمام هنا؛ لأن الظاهر أنه لا يخلو من الإيمان مرة وإلا كان كافرًا. * طالب: (...). * الشيخ: من أين أُخذت؟ ذكرناها، من أين أخذت يا جماعة؟ * طالب: (...). * الشيخ: من أمره بها أولًا، والله ما يأمر إلا بشيء يحبه، لا يأمر شرعًا إلا بما يحب، ومن عنايته بها بهذه التأكيدات ﴿جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. * وفيه دليل على أن: من لم يتب -قلنا: التوبة من مقتضيات الإيمان-فهو ناقص الإيمان، وعلى حسب معصيته يكون نقص إيمانه. * وفيه أيضًا فائدة سادسة: أن التوبة سبب للفلاح؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ والفلاح ما هو؟ النجاة من المرهوب وحصول المطلوب. * وفيه أيضًا الفائدة السابعة: إثبات الأسباب؛ حيث جعل الله التوبة سببًا للفلاح، ففيه رد على من أنكروا الأسباب، وقالوا: إن الأسباب مجرد علامات لا موجبات، وهذا مين مذهبه؟ مذهب الأشعرية، يرون أن الأسباب علامات، لا موجبات حتى إنهم يقولون: الرجل إذا كسر الزجاجة، ما انكسرت بكسره، وإنما انكسرت عند كسره، والنار إذا أحرقت ما تُحرق ما احترق بسببها، وإنما احترق عندها لا بها، فالإنسان إذا أكل حتى شبع، ما شبع بالأكل شبع عند الأكل لا به، أعتقد لو حطوا عنده (...) من الطعام وما أكل يشبع ولَّا لا؟ ما يشبع. على كل حال، هذا قول باطل ما له إطلاقًا محل من الصحة، وحتى العقل ينكره، لكن أقول: هذه الآية وكثير من الآيات يثبت الأسباب، ويدل على أن الأسباب مؤثرة في مسبباتها. ألا يقول قائل: إذا جعلتم الأسباب مؤثرة في مسبباتها ألستم أثبتم مع الله خالقًا وموجدًا مثلًا؟ لا، ما أثبتنا موجدًا؛ لأننا لا نقول: إن الأسباب تستقل بتأثيرها، بل الأسباب إنما كانت أسبابًا بإرادة الله سبحانه وتعالى. ولهذا أحيانًا يوجد السبب تامًّا، ولا يؤثر لوجود مانع معلوم أو غير معلوم. إنما هذا لا يمكن أن يقول قائل: إنكم إذا أثبتم الأسباب أثبتم مع الله شريكًا في الإيجاد والتكوين؟ نقول: لا، الذي جعل هذا السبب سببًا مقتضيًا لمسبّبه هو الله عز وجل، ولهذا نرى كثيرًا ما تتخلف المسبّبات مع وجود الأسباب التامة مما يدل على أن قدرة الله عز وجل فوق كل شيء، وأن هذه الأسباب ليست مستقلة، لكن لا يمكن أن ننكر أمرًا أثبته الشرع وأثبته الواقع من أن الأسباب تؤثِّر في مسبباتها ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. * طالب: هذا السبب قبل المسبب. * الشيخ: هذا السبب قبل المسبّب مثِّل لي به؟ وهل يمكن يوجد مسبّب إلا بوجود سبب؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما يخالف، ما فيه شيء، هذا عبارة عن حمية، والحمية ثبتت في الشرع. * طالب: في قوله: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ﴾؟ * الشيخ: إي نعم، النهي للتحريم، ولهذا قال: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: إذا جعلنا (اللام) للتعليل يمكن؛ لأنك إذا جعلتها للتعليل فهي معناها القصد؛ لا تفعل كذا لكذا. * طالب: (...). * الشيخ: لا، الشيء إذا حُرِّم ولم تذكر العلة مثلًا فهذا يُؤخذ على ظاهره، ولا يمكن لو قال واحد يبغى أكل الميتة لا لقصد أكل الميتة، نقول: ما ينفع هذا، الله ما قال: حرمت عليكم الميتة لقصدكم إياها، لكن إذا علل الحكم يصير يبنى على النية. في هذه الآية الحقيقة أن (اللام) تحتمل التعليل، ويرشح هذا «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب. ]]. لكن قلنا: إن المفسدة ستحدث سواء ضربت بهذه العلة أو لغيرها.

النور 24:32

ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور ٣٢]. (وفي الآية تغليب الذكور على الإناث). لماذا أتى المؤلف بهذه الجملة مع أن هذا كثير في القرآن؟ * طالب: (...). * الشيخ: لأن الخطاب موجَّه للنساء في هذه الآية، لو كان من الأصل موجهًا للذكور ما احتيج لهذه الجملة اللي ذكر المؤلف، لكن لما كان الخطاب في الآية الكريمة موجهًا إلى النساء، ثم قال: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ما قال: توبوا الله جميعًا أيها المؤمنات. نقول: هذا لأجل التغليب، وفيه أيضًا إشارة -والله أعلم- توجيه الخطاب هنا للذكور كما أنه يشمل الإناث بلا شك فيه إشارة إلى رعاية الرجل للمرأة، وأنه لا بد من أنه هو نفسه يتوب، ويُعدّل أهله، وقد قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء ٣٤]. فنقول: في هذا توجيه الخطاب إلى الذكور مع أن الآية كلها خطاب للنساء؛ فيه إشارة إلى رعاية الرجل على المرأة، وأن ذلك لا يستقيم، أو أن المرأة لا تستقيم إلا باستقامة الرجل، والواقع شاهد لذلك، الآن تفريط هؤلاء النساء عندنا، ويش أسبابه؟ * الطلبة: الرجال. * الشيخ: هن طبعًا مائلات لهذا الشيء، فالسبب المباشر منه، لكن عدم رعاية الرجال لهن، وعدم عناية الرجال بهن هذا هو الذي أوجب لهن هذا.. فنقول في هذا: توجيه الخطاب إلى الذكور مع أن الآية كلها خطاب للنساء فيه إشارة إلى رعاية الرجل على المرأة، وأن المرأة لا تستقيم إلا باستقامة الرجل، والواقع شاهد لذلك، الآن تفريط هؤلاء النساء عندنا ويش أسبابه؟ * طلبة: الرجال. * الشيخ: هن طبعًا مائلات لهذا الشيء، فالسبب المباشر هنّ، لكن عدم رعاية الرجال لهن، وعدم عناية الرجال بهن، هذا هو الذي أوجب لهن هذا التوسع الذي لا يُقرّه الشرع؛ لذلك لو كان كل واحد من الناس قد جنَّد نفسه لحماية امرأته ما حصل هذا الشر، والعجيب أن الإنسان منّا تجده (...) نفسه لحماية ماله أو لا؟ صندوق (...) وله مفتاحان والمفاتيح في (...) دائمًا، ولو صار عنده مثلًا واحد بالألف خوفًا على هذا المال قال: حطه بالبنوك حماية له، ويحسب ويناظر، ويش نقص اليوم؟ ويش زاد؟ الأهل اللي هم بالحقيقة حياة الإنسان ما يهمه، أولاده السائحون وبناته السائحات وكل شيء، ولا ينظر، لو أننا اعتنينا بأهلنا نصف ما نعتني بأموالنا لكان حصل خير كثير، مع العلم بأننا نعتني بأموالنا لنا ولَّا لغيرنا؟ لغيرنا؛ لأن هذا المال المكدس ما هو راح يتبعك؛ إذ يرجع، لكن أهلك إذا أصلحهم الله على يدك صرت في الحقيقة تصلحهم لنفسك، فإن النبي ﷺ يقول: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ»، وذكر منها الولد الصالح يدعو له[[أخرجه مسلم (١٦٣١ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]]. ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور ٣٢] ﴿أَنْكِحُوا﴾ واحد لو قرأ: (وانكحوا) يختلف المعنى ولَّا ما يختلف؟ * طالب: يختلف. * الشيخ: يختلف اختلافًا عظيمًا جدًّا؛ ولهذا لو أخطأ أحد في هذه الآية وقال: (وانكحوا) وجب الرد عليه؛ لأن هذا لحن يحيل المعنى. ﴿أَنْكِحُوا﴾ بمعنى زَوِّجوا، لكن: (انكحوا) بمعنى تزوَّجوا، فرق عظيم بينهما، ﴿أَنْكِحُوا﴾ يعني زوجوا الأيامى منكم بدليل قوله: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾. وقوله: ﴿الْأَيَامَى﴾ يقول المؤلف: (الأيامى جمع (أيِّم)، وهي من ليس لها زوج بكرًا كانت أو ثيبًا، ومن ليس له زوج، وهذا في الأحرار والحرائر). ﴿أَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ ﴿الْأَيَامَى﴾ جمع (أيم): وهي التي ليس لها زوج، سواء كانت ثيبًا مات عنها زوجها أو طلّقها، أو كانت بكرًا فإنها تسمى: أيِّمًا، وقد أمر الله تعالى بإنكاحهن؛ وهو دليل على أن المرأة لا تُزوِّج نفسها؛ لأن ﴿أَنْكِحُوا﴾ بمعنى: زوِّجوا، فلو كانت المرأة تُزوِّج نفسها ما احتاج لأن نقول لغيرها: زوِّجها؛ لأن هي ستزوج، وهذا أحد الأدلة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٢]. على كل حال ليس هذا موضع البسط في مسألة الولي وعدم الولي، إنما في هذا الخطاب توجيه لأولياء الأمور للنساء أن يُزوِّجوهن ﴿أَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، ولم يبيِّن الله سبحانه تعالى من يُنْكَح؛ يعني من الذي نزوجه؟ لأنهم فيه مأمورون بالتزويج، لكن من نزوج؟ بيّنت ذلك السُّنة، ويش هي؟ «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ»[[أخرجه الترمذي (١٠٨٤)، وابن ماجه (١٩٦٧) من حديث أبي هريرة.]]، فنحن نزوّج صاحب الدين والخلق، المال صحيح مقصود شرعًا؛ يعني مقصود حسًّا واقعًا، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه الصلاة والسلام «أنَّ المرأةَ تُنكحُ لِمَالِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦ / ٥٣) من حديث أبي هريرة. ]]، والرجل كذلك ينكح لماله، لكن الأصل هو الدين والخلق، هذا هو الأصل. وقوله: ﴿الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ يعني النساء غير المتزوجات، لكن الرجال غير المتزوجين كيف ننكحهم؟ هل معناه إذا خطب مني أُزوِّجه، أو معناه أُعينه على الزواج، أو الأمرين جميعًا؟ الأمران جميعًا؛ لأن الأيامى تُطلق على الرجال والنساء اللي ما تُزوّج اللي ما معهم زوجات، بالنسبة للإناث واضح؛ أننا مأمورون بتزويجهن، إنا ما نمنعهم إذا خطبهم الكفء، لكن كذلك أيضًا الرجال نحن مأمورون بتزويجهم؛ بمعنى إذا خطب منا الأيم نُزوِّجه، طيب واللي ما له زوجة؟ * طالب: ما نزوجه. * الشيخ: يعني ما نزوجه؟ * طالب: لا.. * الشيخ: لا، نُزوِّجه، لكن هذا أشد عناية؛ يعني لو خطب مني رجلان أحدهما معه زوجة، والآخر لا زوجة معه، وكلاهما في الدين والخلق سواء، من أُقدِّم؟ * طلبة: من لا زوجة له. * الشيخ: من لا زوجة له، معلوم؛ لأنه أحوج، وحصن الفرج، وذاك قد حصن فرجه من قبل، فإذن: ﴿الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ بالنسبة للرجال لو كان معهم زوجات مأمورون بالنكاح، لكن إنما نص على الأيم؛ لأنه أحوج، كذلك أيضًا يدخل في ذلك مساعدة الأيامى على الزواج، أن الإنسان يساعدهم، فإن هذا من الأعمال التي يُؤجَر الإنسان عليها؛ لأن الزواج مقصود شرعًا وطبعًا، فإذا تزوج الإنسان فقد فعل ما أمر الله به، وأدرك ما تطلبه نفسه أيضًا، ومع ذلك إذا ساعدناهم على هذا الأمر، فنحن ممتثلون لقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ نعم؛ لأنَّا في الحقيقة زوَّجناه، مساعدتنا له بالزواج هذا تزويج. * طالب: إذا أبت الزوج الصالح (...)؟ * الشيخ: إذا أبت الزوج الصالح وأرادت الزوج غير الصالح ما يُقبل منها. * الطالب: (...). * الشيخ: ما يأذن لها، لكن لو طلبت كفؤًا، لكن هو بنفسه الولي يرى أن هذا أولى، ولكن اللي هي التي طلبت ما فيه قدح في دينه، ويجب أن يتبع ما تريد. * طالب: (...). * الشيخ: قال: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ يعني وأنكحوا (﴿الصَّالِحِينَ﴾ أي المؤمنين ﴿مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ وعباد من جموع عبد). هذا بالنسبة للمملوكين؛ يعني هذا خطاب للأسياد؛ يعني وأنكحوا الصالحين: زوِّجوا الصالحين من عبادكم وإمائكم. وقول المؤلف: (﴿الصَّالِحِينَ﴾ المؤمنين) حمل المؤلف الصلاح هنا على صلاح الدين، وصلاح الدين بالإيمان والعمل الصالح، لكن يحتمل أن يكون شاملًا لصلاح الدين والدنيا؛ يعني أننا إذا كان الإنسان رقيقًا صالحًا في دينه صالحًا في دنياه؛ بمعنى أنه صالح لأن يُزوَّج؛ لكونه بلغ سن الزواج، ولكونه عارفًا لأمور الزواج، ولكونه عاقلًا لا يحصل من تزويجه مفسدة وتعطيل لحق امرأته، المهم أنه ينبغي أن يُفسَّر ﴿الصَّالِحِينَ﴾ بصلاح الدين وصلاح الدنيا؛ يعني صالحًا لأن يتزوج ولأن يُزوَّج، أما بيجيب واحد مثلًا عنده عبد مهبول مجنون، فهذا ما نؤمر بتزويجه على الإطلاق، بل إننا ننظر إن لزم من عدم تزويجه مفسدة زوجناه وإلا فلا؛ لأن هذا جناية على غيره. الحاصل أن الصالح من العباد يُزوَّج مطلقًا، وغير الصالح إن دعت الحاجة إلى تزويجه؛ لكونه يلزم من عدم تزويجه مفسدة أُمرنا لا من هذه الآية، ولكن منين؟ من درء المفاسد؛ من القاعدة العامة في الشريعة: وهي درء المفاسد. وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ عباد: جمع (عَبْد)، والمراد الأرقاء لنا، وسماهم الله عبادًا؛ لأنهم ذليلون لنا ونحن أسيادهم، ذليلون قدَرًا وشرعًا؛ أما شرعًا فواضح أن عبدي أبيعه وأشتريه وآمره وأنهاه، وقدرًا كما هو معلوم أن العبيد أو العباد -وهم الأرقّاء- يرون أنفسهم في قصور عن أسيادهم، وهذه من نعمة الله أن الله أذلّهم لأسيادهم، وإلا لو أنه تمرّد على سيده كما يقولون: الجمل إذا هاج، أيش بعد؟ والعبد إذا صاد، والوادي بعد ما أدري أيش..، والسيل إذا جاد، هذا ما لأحد بهم قبل، على كل حال الله تعالى قد أذل العبيد شرعًا، وأذلهم قدرًا؛ لذلك سماهم الله عبادًا لنا. ﴿وَإِمَائِكُمْ﴾ جمع (أمة): وهي الرقيقة المملوكة، وفي هذا إشارة إلى أن العبد لا يُزوِّج نفسه؛ لقوله: ﴿أَنْكِحُوا﴾ زوِّجوا، هذا إذا كان الخطاب موجهًا للأزواج، أما إذا كان الخطاب موجهًا لعموم الناس؛ بمعنى أن الإنسان لا يترفّع عن تزويج العبد والأمة، لكن هذا بعيد، والظاهر أن الخطاب هنا للأسياد؛ يعني زوِّجوا الصالحين للزواج في دينهم ودنياهم، زوِّجوهم من إماء وعبيد. في هذه الآية إشكال من جهتين؛ الجهة الأولى: في عباد، والجهة الثانية: في إماء؛ فإن الرسول ﷺ يقول: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩ / ١٥) من حديث أبي هريرة.]]. وهنا قال: ﴿عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾. وقال ﷺ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٠٠)، ومسلم (٤٤٢ / ١٣٦) من حديث عبد الله بن عمر.]]. فهل بين الحديث وهذه الآية تعارض أو لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: هو الحقيقة ظاهرهما التعارض، لكن التوفيق بينهما واضح، الخطاب هنا: ﴿عِبَادِكُمْ﴾ من الله للإنسان سماه عبدًا له، سماه رقيقه وعبدًا له، كما أني يصح أن أقول: عبد فلان، أنا أضيفه إلى فلان، أقول: هذا عبد فلان، هذا عبدك، هذه أمتك، وما أشبه ذلك، لكن المحظور، والذي وقع النهي عنه أن الإنسان يضيف العبودية عبودية هؤلاء إلى نفسه، هذا هو المنهي عنه؛ يعني إضافة السيد عبودية وإمائية إلى نفسه هذا هو المحظور، لماذا؟ لأنه يتضمن الغرور بنفسه، والتكبّر على عبده، والترفّع عليه؛ يقول: يا عبدي، تعالَ، يا أمتي، تعالي، لا شك أنه هو يشعر بعظمة وعلوّ، وذاك يشعر أمامه بذُلّ وخضوع، ولا ينبغي أن يكون الأمر هكذا، ولهذا جاء النهي عنه، أما إذا كان الأمر بالعكس جاء الإضافة من غير السيد، فهذا لا بأس به، كما أن أيضًا العبد منهيّ أن يقول: ربي لسيده، «وَلْيَقُلْ: مَوْلَايَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩ / ١٥) من حديث أبي هريرة. ]]. لكن لو أنك قلت: يا عبد، كلِّم ربك، ادعُ ربك لي، يجوز ولَّا لا؟ هذا يجوز، نفس الشيء إذا خاطب العبد سيده بالربوبية، نقول: هذا منهيّ عنه؛ لأن ذاك يتعاظم، وهذا يتواضع؛ ولهذا جاء في الحديث قال: «أَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا». حديث جبريل أمارات الساعة، قال: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا»[[ متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]. هكذا ثبت بهذا اللفظ: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا»، المعروف: «رَبَّتَهَا»[[أخرجه البخاري (٤٧٧٧) من حديث أبي هريرة.]] لكن هنا في رواية أخرى: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا». الحاصل أنه يجب أن نعرف الفرق بين الإضافة إلى ضمير المتكلم والإضافة إلى غيره؛ فالإضافة إلى ضمير المتكلم منهيّ عنها؛ بالنسبة للسيد ما يقول: عبدي وأمتي، وذاك ما يقول: ربي، وأما الإضافة إلى غير ياء المتكلم هذه جائزة، والفرق بينهما من حيث المعنى واضح. ثم قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. (﴿إِنْ يَكُونُوا﴾ أي: الأحرار ﴿فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ﴾ بالتزويج ﴿مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ لخلقه ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ بهم). ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ﴾ أي: المتزوجين. وقول المؤلف: (أي الأحرار) لماذا خصها بالأحرار مع أن الآية يقول: ﴿الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ ثم قال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ﴾؟ لأن الإماء ما يتصور منهم الغِنى والفقر، ويش السبب؟ لا يملكون؛ والدليل على أنه لا يملك قول النبي ﷺ: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْرِطَهُ الْمُبْتَاعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣٧٩)، ومسلم (١٥٤٣/ ٨٠) من حديث عبد الله بن عمر.]]، «مَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ»، ما قال له: للذي باع. فالعبد لا يملك إذن هو فقير، ما يمكن يصير غنيًّا، لكن قد يُقال: إن الغنى يكون لسيده، أنت تزوج عبدك حتى يغنيهم الله من فضله ويوسِّع عليهم من فضله فينكحون، لما أمر الله بالتزويج وبيَّن أنهم إن كانوا فقراء أغناهم الله من فضله أمر من كان فقيرًا بأن يستعفف حتى يغنيه الله من فضله؛ يعني ما يطلق لنفسه العِنان للنظر المحرم، والمباشرات المحرمة، وتتبع النساء، وما أشبه ذلك، بل يجب عليه أن يستعفف عن الزنا وأسبابه ومقدماته، هذا المراد بالعفة: البعد عن الزنا وأسبابه ومقدماته.

النور 24:33

وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور ٣٣]؛ لأنه إذا أغناهم الله من فضله تزوَّجوا إذ لم يمنعهم من الزواج إلا ذلك. وقوله: ﴿لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ المؤلف فسّره بقوله: (ما ينكحون به)، والصواب أن الآية أعم من ذلك، ولهذا قال: ﴿لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ فيشمل ما ذكره المؤلف، ويشمل ما إذا لم يجد امرأة يتزوجها، قد يكون الإنسان غنيًّا، وعنده مهر، وعنده نفقة، ولكن يخطب ولا يُقبل، فهل نقول: هذا وجد نكاحًا أم لا؟ لم يجد نكاحًا، فتخصيص عدم النكاح بما ذكره المؤلف فيه نظر، فالآية أعم: ﴿لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ أي: لا يجدون نفقة له، ولا يجدون امرأة يتزوجونها أيضًا؛ لأنه داخل في عموم الآية. وقوله: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هكذا أرشد الله سبحانه وتعالى إلى العفة لمن لا يجد النكاح، فهل هذا يعارض قول الرسول ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٠٥)، ومسلم (١٤٠٠ / ١) من حديث عبد الله بن مسعود.]]؟ هل بين الآية والحديث تعارض؟ لا، كيف ذلك؟ * طالب: بين فيها الطريق إلى العفة (...). * الشيخ: إي نعم، أحسنت، الآية أمر الله فيها بالعفة، والنبي عليه الصلاة والسلام بيَّن الطريق إلى العفة؛ بأن الإنسان يصوم؛ فإن ذلك يقطع شهوة النكاح، وإذا انقطعت شهوة النكاح، فهذا من أكبر أسباب العفة، إذ إن الإنسان لا يحدوه إلى عدم العفة إلا الشهوة، فإذا انقطعت زالت أسباب وجود عدم العفة، وبهذا نعرف أن الحديث لا ينافي الآية؛ لأن الله أمر بالاستعفاف والنبي عليه الصلاة والسلام بيَّن لنا طريقًا من طرق الاستعفاف، ثم إن الذي لا يجد نكاحًا قد يكون ذا شهوة قوية ربما تغريه بانتهاك المحرم، فدواء ذلك بالصوم، أما الإنسان الذي شهوته عادية وبعيد أن تغريه، فهذا وإن لم يصم؛ لأن قول النبي صلى الله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ» لو أخذناه بظاهره لقلنا: كل إنسان فقير لا يجد نكاحًا وله شهوة فإنه يصوم، ولكن الأمر ليس كذلك، لكن إذا لم يجد الإنسان طريقًا إلى العفة سوى الصوم فليصُم، أما إذا كان الإنسان معتدلًا طبيعيًّا، ولا يخشى على نفسه المحظور؛ فإنه لا حاجة إلى الصوم، ولهذا قال: «فَعَلَيْهِ» و(على) هذه للإغراق دل ذلك على أنه في حالة يحتاج إلى ما يدله على كبح جماح الشهوة؛ وذلك بالصوم. وفي هذا أيضًا إشارة؛ قوله: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ إشارة إلى أن العفة سبب للغنى، كما أن الزواج أيضًا سبب للغنى، فكذلك العفة إذا صبر الإنسان، وأعفَّ نفسه، وأبعد عما حرم الله عليه كان ذلك سببًا للغنى، وقد قال الله تعالى في القرآن: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢، ٣]. وقوله: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ﴾ هل المراد غنى المال أو غنى النكاح؟ * طالب: الأمران، غنى النكاح وغنى المال. * الشيخ: لا، ما هو بالأمرين، غنى النكاح؛ لأنه قال: ﴿لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾. فنقول: غنى النكاح، ليش؟ لأنه -مثل ما أشرنا إليه- قد يكون الإنسان غني المال، لكن ما يجد النكاح، ما يُزوَّج، فنقول: لا يجدون حتى يُغنيهم، لا يجدون نكاحًا حتى يغنيهم الله بالنكاح، ما هو بالمال؛ بالنكاح الذي كانوا لا يجدونه، فيشمل ذلك الغنى بالمال، والغنى بالزوجة. وكم من إنسان -كما تعرفون- كثير المال ولا يجد زوجة، إذن هو مثل الفقير؛ فالأولى أن نقول في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ﴾ بأي شيء بالمال ولَّا بالنكاح؟ بالنكاح، لأجل أن يشمل الأمرين إن كان عدم وجود النكاح له من أجل الفقر فبالمال، إن كان من أجل المنع فبالطاعة، إنما ييسر له من يطيعه ويُزوِّجه. ولما ذكر الله جل وعلا أحكام النكاح وما يتعلق بها انتقل إلى أمر آخر مهم، وهو ما يتعلق بالإماء، بل بالمماليك عمومًا بأن قال: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ فأشار إلى المماليك. انتقل إلى مسألة مهمة جدًّا؛ وهو قوله تعالى: (﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ بمعنى المكاتبة ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من العبيد والإماء، ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أي: أمانة وقدرة على الكسب لأداء مال الكتابة وصيغتها مثلًا كذا). ﴿الَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ بمعنى (يطلبون)، و﴿الْكِتَابَ﴾ بمعنى (المكاتَبة)، والمكاتَبة: هي بيع السيد عبده على نفسه؛ أن يبيع السيد عبده على نفسه، هذه المكاتَبة، وسُمّيت مكاتبة؛ لأنها في الغالب تجري بكتاب يكتب السيد بينه وبين عبده كتابًا بهذا العقد، فإذا طلب العبد من سيده أن يُكاتِبه فقد قال الله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ إذن نقول: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ بمعنى (يطلبون). ﴿الْكِتَابَ﴾ المكاتبة؛ وهي بيع السيد نفس العبد على العبد. وقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ ليش أضاف الفاء؟ * طالب: جواب الأمر. * الشيخ: في جواب الأمر؟ * طالب: لو.. * الشيخ: لو؟! عندنا (لو)؟! * طالب: الفاء هنا رابطة. * الشيخ: إي، الفاء رابطة للخبر بالمبتدأ، هل ربط الخبر بالمبتدأ هل هو محتاج إليه ولَّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما يحتاج إليه، تقول: زيد قائم، الكتاب جميل، السماء رفيعة، لكن إذا كان المبتدأ يُشبه الشرط في العموم فإنه أيش؟ يُربط خبره بالفاء، وذكرنا لكم سابقًا أن النحويين يمثِّلون بقولهم: الذي يأتيني فله دِرهم، وأن هذا في القرآن كثير منه هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ هذه (من) بيان للموصول ﴿الَّذِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَبْتَغُونَ﴾ لأن الموصول حتى وإن وُجِدت صلته فهو مُبهم في الواقع، فـ(مِن) بيانية لبيان المبهم في الموصول. وقوله: ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ في هذا إثبات الْمُلك للبشر. فإذا قال قائل: أليس الله يقول: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ١٨٩] فحصر الملك لنفسه، فكيف يتفق هذا مع إثبات الملك للبشر؟ فالجواب: أن الْمُلك الْمُطلق لله، وأن ملك البشر لما يملك ليس مطلقًا؛ ولذلك هو مقيد؛ مقيد بنوع الملك، ومقيد بنوع التصرف، ومقيد بكل شيء، عندما يكون لي مال، هل أنا مطلق التصرف فيه؟ لا، أتصرف فيه بنوع معين، وعلى حدود معينة؛ لذلك ليس ملكي تامًّا من كل وجه؛ فلهذا نقول: الملك المطلق لله وحده، وملكي أنا يضاف إليَّ، لكنه مُلك مُقيَّد محدد، فإن ملكت العين والمنفعة سميت مالكًا، وإن ملكت المنفعة دون العين سُميت مستأجرًا، وهكذا كل نوع من الملك له اسم خاص. وقوله: ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الأَيْمان جمع (يمين)، وهي مقابل الشمال. هل معنى ذلك أن الإنسان يملك عبده بيده اليمنى فقط واليسرى ما ملكت؟ لا، هذا تغليبًا مثل: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى ٣٠] فلما كان الغالب على الإنسان في الأخذ والإعطاء والبيع والشراء ويش الغالب؟ العمل باليد اليمنى، قال: ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وإلا فالحقيقة أنا مالكه أنا كله، ما هو بس يميني فقط، لكن لما كان هذا هو الغالب في مسألة البيع والشراء والأخذ والإعطاء أضاف الله سبحانه وتعالى الملك إلى اليمين. ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ قلنا: (الفاء) رابطة للخبر بالمبتدأ، وأنها ربطت الخبر بالمبتدأ؛ لأن المبتدأ اسم موصول يشبه الشرط في العموم. وقوله: ﴿كَاتِبُوهُمْ﴾ هذا أمر، وهل الأمر هنا للوجوب أو للاستحباب؟ اختلف فيه أهل العلم؛ فالجمهور على أن الأمر للاستحباب، وحُجّتهم في ذلك: أن العبد مملوك لك، ولا يجب عليك إخراج ملكك إلا برضا منك، فكما أن الإنسان لا يُجبر على بيع بيته وعلى بيع دابته، لا يُجبر كذلك على بيع عبده، فإذا طلب مني المكاتبة فأنا حُرّ؛ لأنه مالي، ولهذا سماه الله تعالى: ملكًا. إذن الجمهور يرون أن الأمر للاستحباب، حُجّتهم في ذلك أن العبد ملك لك، والإنسان لا يُجبر على إخراج ملكه من ملكه، «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ»[[أخرجه أحمد (٢١٠٨٢) من حديث عمرو بن يثربي. ]]، وإذا كان كذلك فإن الأمر هنا للاستحباب، وذهب بعض أهل العلم -ومنهم أهل الظاهر- إلى أن الأمر للوجوب، وأن العبد إذا طلب المكاتَبة فإنه يجب على السيد إجابته، وذلك لأن الأصل في الأمر الوجوب، وقولهم: إن المالك لا يُجبر على إخراج ملكه من ملكه، هذا ليس على إطلاقه، فإن المالِك يُجبر على إخراج ملكه من ملكه في الأمور التي أوجب الله، أليس يجب على الإنسان أن يُخرج الزكاة وهو إخراج شيء من ملكه؟ أليس يجب عليه الكفّارة؟ أليس يجب عليه الإنفاق على غيره من أقارب وزوجات وغيرهم؟ فإذن العبارة (لا يجب على الإنسان أن يخرج ملكه من ملكه) ليست على إطلاقها، وما أكثر المسائل التي يُجبر فيها الإنسان على إخراج ملكه من ملكه، أليس الإنسان إذا تعلَّق بماله حق -حق الغرماء- وصار دينه أكثر من ماله يحجر عليه ولَّا لا؟ يُحجر عليه ويُجبر على أن يبيع ماله، ويُصرف إلى الغرماء، فعلى كل حال نقول: هذه المسألة ليست على إطلاقها، وكم من مسائل صارت واجبة وهي متضمّنة لإخراج الإنسان ملكه من ملكه. ثم إنه يقوِّي أن الأمر للوجوب؛ يعني هذه في الحقيقة دفع لما احتج به الجمهور، أما تقوية الأمر للوجوب فقالوا: إن الشارع متطلِّع للعتق، والرق وارد في الحقيقة، الرق وارد على البشر، وليس أصيلًَا فيهم أو لا؟ فإذا أراد البشر أن يتخلّص من هذا الرق، ويعيد نفسه إلى الأصل فإن الشارع يتطلع لذلك؛ ولهذا تجدون أن الشارع رغّب في العتق كثيرًا حتى إنه أخبر: «أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا أَعْتَقَ اللَّهُ مِنْهُ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ جُزْءًا مِنَ النَّارِ حَتَّى الْفَرْجَ بِالْفَرْجِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧١٥)، ومسلم (١٥٠٩ / ٢٢) من حديث أبي هريرة.]]، هذا ترغيب عظيم. كذلك أيضًا أوجب الله سبحانه وتعالى في كفارات متعددة أوجب فيها أيش؟ عتق الرقبة مثل: كفارة الظهار، وكفارة اليمين، وكفارة القتل، كل هذا دليل على أن الشارع له تشوُّف لتحرير العبيد، فكيف لا نجعل هذا الأمر للوجوب لا سيما مع طلب العبد، العبد هو اللي طالب الآن، وعارف من نفسه أنه سيستغني عن سيده، ويريد أن يخلص نفسه فكيف نمنعه؟! فإذا قال السيد: هذا عبدي، ولا أقدر أتخلص عنه، قلنا له: أنت إذا اتقيت الله سبحانه وتعالى جعل لك من أمرك يسرًا، ربما إنه تحرره، وإذا حررته فاستأجره إذا كنت محتاجًا إليه وعارفًا به، أو ييسر الله لك سواه، على كل حال ما دام أن الله أمر به فالأصل في أوامر الله ورسوله الأصل فيها الوجوب. يقول: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ هذا شرط في الأمر، ﴿كَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فجعل الله سبحانه وتعالى ذلك مشروطًا بعلم الخير فيهم، ما هو الخير؟ يقول المؤلف: (أي: أمانة وقدرة على الكسب لأداء مال الكتابة). نعم، فسّره بعض السلف بقوله: صلاحًا في دينهم وكسبًا، ويمكن أن يكون قوله: (أمانة) يشير إلى ذلك، لكن إذا قلنا: صلاحًا في دينهم، صار أعم من كلمة (أمانة)؛ لأن الأمانة هي الصلاح في الدين ولّا من الصلاح؟ من الصلاح؛ ولهذا نقول: المراد بالخير الصلاح في الدين والكسب؛ الصلاح في الدين بأن نعرف أنه مقيم للصلاة، مقيم للصوم، تارك للمحرمات، مستقيم، ومن الصلاح في الدين الأمانة أيضًا، نعرف أنه ما أريد أن أعتق من يدور يسرق من الناس، أنه أمين، والكسب هذا صلاح الدنيا؛ أن نعرف أن هذا العبد إذا أعتق صار قادرًا على الكسب، وليس كلًّا على غيره؛ لأن إذا صار غير قادر على الكسب وأعتقه سيده منين بيأكل؟! يصير كَلًّا على الناس، وربما يصير عنده قوة فيسرق وينهب؛ لهذا لا بد من هذا الشرط: الصلاح والكسب. وأما قول المؤلف: (لأداء مال الكتابة) فهذا فيه نظر، فلا يكفي أن يكون عنده كسب لأداء مال الكتابة، بل لأداء مال الكتابة وللإنفاق على نفسه في المستقبل، إذن الأمر مشروط بأن نعلم فيهم الخير، طيب إذا لم أعلم فيه خيرًا، هل يجب علي مكاتبته إذا طلب؟ * طالب: لا يجب. * الشيخ: لا يجب، طيب هل يجوز؟ * طالب: (...). * الشيخ: لكن كيف يجوز وأنا أعرف أنه ما فيه خير، أعرف أني إذا أعتقته يبغي يفسد؛ إما يلحق بالكفار إذا كان أصله كافرًا، وإلا يفسد في الأرض بالمعاصي، هو عندي محفوظ، لكن إذا صار حرًّا مين اللي يكلمه؟ ما عنده حد، فالصحيح أن نقول: إذا لم نعلم فيه خيرًا لم نؤمر بمكاتبته، هذه واحدة، هذا مفهوم الآية، ثم إذا لم نؤمر هل يجوز لنا أن نكاتب؟ إن علمنا فيه شرًّا ومفسدة في إجابته صارت إجابته حرامًا، وإن لم نعلم فيه شرًّا ومفسدة فإجابته جائزة، فصار المفهوم فيه تفصيل. بقي علينا الجواب عن السؤال الذي سأله الأخ، إذا قال السيد: أنا لا أعلم فيه خيرًا فلا يجب عليَّ كتابته، ماذا نقول؟ نقول: أنت وأمانتك، الله سبحانه وتعالى هو الذي سيحاسبك، وقد وَكَل الأمر إليك، فإذا قلت: أنا لا أعلم فيه خيرًا، بالنسبة لنا نوافقك، ولا نُجبرك على الكتابة، لكن بالنسبة لله ينفعك إذا كنت تعلم أن فيه خيرًا، وادَّعيت أنك لا تعلم فيه خيرًا ما ينفعك، بالنسبة لله لا ينفعه، فعلى كل حال الأمر موكول إلى السيد في علم الخير وعدمه. بالنسبة لنا أحكام الدنيا على الظاهر، إذا قال: أنا ما أعلم بهذا العبد خيرًا، وأنا أعرف أني لو خلّيته بيروح يَفسد ويُفسد، نقول: بالنسبة لنا ما نجبرك الآن، ولا نقول: يجب عليك، لكن إذا كان الله يعلم أنك تعلم أن فيه خيرًا فإن دعواك هذه مردودة، ولا تقبل. وفي هذه الآية دليل؟ * طالب: الأمر للوجوب؟ * الشيخ: إي نعم، الأمر للوجوب، الصحيح أن الأمر للوجوب. * طالب: (...). * الشيخ: ما هو بلازم، إذا لم يعلم فيه خيرًا ما وجب. * الطالب: (...). * الشيخ: ما هو بلازم؛ لأن الله ما أوجبها إلا إذا علمنا الخير، وضد ذلك أن نعلم فيه شرًّا، أو ألا نعلم خيرًا ولا شرًّا ضده، لكن إن علمنا فيه شرًّا حرمت الكتابة، وإن لم نعلم ولا نعلم لا هذا ولا هذا، فهي محل جواز، نعم؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، هذا موكول إليك، إلا إذا علمنا أن الواقع يُكذّبه، إذا علمنا من هذا العبد أنه صالح دائمًا يصلي، وأمين بين الناس، ويعرف الكسب يكتسب، فهذا طبعًا ما نقبل دعواه. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، وإلا الأصل موكول إلى أمانته. * طالب: (...). * الشيخ: عند مَن؟ * الطالب: عند العبد. * الشيخ: ماله لسيده، وكذلك الأمة. * الطالب: إذا طلبت الكتابة (...)؟ * الشيخ: إذا طلبت الكتابة؛ وهي ما لها كسب لا تكاتبها، ما يجب عليك تكاتبها. * الطالب: ما المانع إذا أعتقها؟ * الشيخ: لا، إذا أعتقها إن كان لها أقارب فهم أولياؤها، وإن لم يكن لها أقارب فهو وليها. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، حتى (...)، وأن يزوجها مثلًا لو أرادت تتزوج، فإن لم يكن أهلًا لذلك فوليها القاضي. في هذا دليل على تشوف الشارع للعتق، وأن من أسباب العتق المكاتَبة التي تجري بين السيد وعبده، يقول: (صيغتها) يعني الكتابة (وصيغتها مثلًا كاتبتك على ألفين في شهرين كل شهر ألف، فإذا أديتهما فأنت حر، فيقول: قبلتُ ذلك). المؤلف يقول: (صيغتها مثلًا)؛ يعني ليس هذه هي الصيغة الوحيدة، بل ما دل على ذلك أجزأ، لكن لاحظوا قوله: (على ألفين في شهرين)، هل المراد الألفان يحلون بنجم واحد في الشهرين، أو كل ألف في شهر؟ * طلبة: كل ألف في شهر. * الشيخ: يقول العلماء: إنه من باب التيسير على العبد أن يكون مُنجَّمًا، المال الذي يُكاتَب عليه مُنجَّمًا بأجلين فأكثر؛ يعني ما يقول: كاتبتك مثلًا على عشرة آلاف يحلّون بعد سنة لا؛ لأن هذا فيه صعوبة على العبد، بل يجعله منجمًا بأجلين فأكثر، مثلًا: عشرة آلاف؛ إما أن يقول: كل شهرين ألف ريال، وإلا كل شهر ألف ريال، وإلا في ستة أشهر خمسة آلاف، وفي ستة أشهر خمسة آلاف، المهم لا بد أن يكون منجمًا في أجلين فأكثر، ويش مراعاة له؟ مراعاة لحال العبد ورفقًا به. وظاهر كلام أهل العلم في هذه المسألة حتى لو فُرِض أن العبد عنده قدرة على أن يُسلِّمها في أجل واحد؛ فإنه لا بد من الأجلين؛ يعني لو فرضنا العبد جايله إنسان وقال له: تعالَ اشرِ نفسك من سيدك، وأنا بانقد لك دراهم حالًا، فإنه لا يصح، ولكن في هذه المسألة نظر، وقضية عائشة مع بريرة حيث كاتبت أهلها على تسع أواقٍ، فقالت عائشة: «إن أحبَّ أهلُك أن أعدَّها لهم ويكون ولاؤُكِ لي فعلتُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٦٨)، ومسلم (١٥٠٤ / ٨).]]. ويش يدل عليه؟ يدل على الجواز، وإن كانت عائشة تبغي تشتريها شراء، لكن يدل على أنه إذا أراد أحد أن يعجِّل ما كاتب عليه العبد لسيده، واتفقا على ذلك فإنه يصح، لكن في هذه الحال يلزم أن العبد يحتاط لنفسه؛ لأنه قد يأتيه هذا الرجل ويقول له ذلك، ثم يتراجع مع أنه لو تراجع ما يضر العبد شيء، ويش آخر أمره؟ أنه إذا عجز عاد إلى سيده رقيقًا، وهذا في الحقيقة ما يضر. * طالب: المال يا شيخ؟ * الشيخ: المال الذي كسبه لسيده. * طالب: إذا طلب منه المال؟ * الشيخ: إذا طلب، من الآن يبدأ. * الطالب: ما عرفه؟ * الشيخ: ما يصير شيء. * الطالب: ما كتب؟ * الشيخ: يعني طلب الكتابة وأبَى سيده، يصبح على حاله، يبقى عبدًا على حاله. * الطالب: ما يملك المال؟ * الشيخ: لا، ما يملك، إذا ملك فهو لسيده على قول الذين يوجبون يُلزم بأنه يكاتبه، ثم العبد يذهب ويتكسب، وإذا كسب سلّم لسيده. يقول الله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (﴿آتُوهُمْ﴾ أمر للسادة ﴿مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ ما يستعينون به في أداء ما التزموه لكم وفي معنى الإيتاء حط شيء مما التزموه). ﴿آتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ يقول المؤلف: (الأمر للسادة)، ويجوز أن يكون الأمر لغير السادة، أو للسادة وغيرهم، يجوز أن يكون الأمر للمسلمين كلهم، ﴿آتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾. إذا كان الأمر مُوجَّهًا للسادة، وفي كيفية الإتيان صورتان: الصورة الأولى: إذا كاتبه أعطاه مالًا لأجل أن يكون أساسًا لكسبه. والكيفية الثانية: إذا أدى ما عليه يحط عنه، ولكن هل يحط عنه في النجم الأول؟ ولَّا في النجم الأخير؟ بعض السلف اختار أن يضع عنه من النجم الأول؛ لأن ذلك أيسر له، وبعض السلف اختار أن يضع عنه من النجم الأخير، وقال: إنني إذا وضعت عنه من النجم الأول، أو أعطيته من النجم الأول، ثم عجز وعاد إليَّ صارت صدقتي عادت إليَّ، بخلاف ما إذا أعطيته من النجم الأخير؛ لأنه إذا أدى النجم الأخير ويش يحصل؟ يعتق، فإذا أعطيته من النجم الأخير ما عاد إليَّ شيء من صدقتي، وهذا هو الأرجح؛ أنه يعطيه من النجم الأخير. إذن الأمر إذا كان موجهًا إلى السادة ففي كيفية الإتيان صورتان: الصورة الأولى: أن يعطيه من أول الأمر؛ يعطيه من ماله الخاص من أول الأمر يعطيه مالًا، لأي شيء؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، ليكون أساسًا للكسب في مال الكتابة. والكيفية الثانية: إذا أدى ما عليه أعطاه مما أدى، ولكننا نقول: الصحيح أنه أمر للسادة بالكيفية المذكورة، وأمر لغير السادة أيضًا أن يعينوا المكاتَب في مكاتبته، ولذلك جُعل له أيش؟ سهم من الزكاة فيجوز للإنسان أن يصرف من زكاته شيئًا للمكاتَبين، وهذا هو الصحيح؛ فالصحيح أن الأمر في قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ شامل للأسياد ولغيرهم، وغيرهم إذا قلنا: إن الزكاة تصرف لهم، فالزكاة مال الله. وقوله: ﴿مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ ما قال: من مالكم. قال ﴿مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ إشارة إلى أنكم وإن آتيتموهم فالمنة لمن؟ المنة لله سبحانه وتعالى، المنة لله؛ لأن المال مال الله، سواء قلنا: إنه مال شرعي لله وهو الزكاة، إذا قلنا بأن الأمر موجَّه (...) أيضًا، أو إن المال اللي هو مال لله غير شرعي، مال الله قدري، مال لله قدرًا، وهو مال الإنسان الذي يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه، فإنه في الحقيقة مال الله، وكأن في الآية إشارة إلى أنه لا فضل لكم رحمة الله سبحانه أن الله أعطاكم مال فأعطوا هؤلاء المكاتبين من مال الله الذي آتاكم. خلاصة الكلام أن في هذه الآية مشروعية المكاتَبة، متى؟ إذا طلبها العبد والأمر فيها لأيش؟ للوجوب، على القول الصحيح، ولكنه مشروط بأي شيء؟ بعلم الخير، والخير: هو الصلاح في الدين والكسب. وفي الآية أيضًا: دليل على وجوب إتيان المكاتَب من المال، سواء كان الخطاب موجهًا للسيد أو موجهًا لعموم الناس، أما لعموم الناس فإنهم يُعطون من الزكاة، وأما بالنسبة للسيد فيعطيه من المال الذي في يده؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي منَّ به عليه، ثم قال. * طالب: السيد يعطيه من زكاته؟ * الشيخ: لا، ما يعطيه من زكاته؛ لأنه إذا أعطاه من زكاته في الحقيقة سيعود إليه قطعًا. * الطالب: (...). * الشيخ: (...) يضع عنه من رأس المال. قال: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾. قد يقول قائل: لماذا تمنعون أن يعطي السيد من زكاته مكاتَبه مع أنكم تجيزون أن يعطي غريمه أو لا؟! يعني إذا صار الإنسان يطلب شخصًا دراهم وأعطاه من زكاته، فلا حرج؟ يقال: الأمر بيِّن الفرق، الغريم إذا أعطيته ربما يقيم وربما لا يقيم، فما يتصرف فيها كما يريد، لكن المكاتَب سيقيم مهما كان إما بيقيم، وإما بيعود رقيقًا ويعود المال إليه، هذا هو الفرق بينهما. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هو إذا صار مكاتبًا ما يجب عليك تنفق عليه، يملك كسبه وكل شيء. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، العتق يبدأ من بداية الكتابة. * طالب: (...). * الشيخ: إي، بدأ لكنه ما يتم إلا بأداء ما في الكتابة. قال: (﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾ أي: إماءكم ﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾ أي: الزنا﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] تعففًا عنه، وهذه الإرادة محل الإكراه، فلا مفهوم للشرط). ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ الفتيات كما قال المؤلف: (الإماء)، وليس المراد بالفتيات هنا الصغيرات من النساء؛ يعني حتى الحرائر لا؛ لأن هذا غير وارد، إنما المراد بالفتيات: (الإماء) و(البغاء): الزنا؛ سمي بغاء؛ لأنه يُطلب، يعني مطلوب، والبغاء بمعنى الطلب، والابتغاء بمعنى الطلب؛ فالزناة -والعياذ بالله- والزانيات يطلبون هذا الأمر. وقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ويش يعني؟ عن الزنا، أي: تعففًا عنه وامتناعًا منه، وهذه الإرادة محل الإكراه، فلا مفهوم للشرط. الآية الكريمة إذا قرأناها ففيها: أن الله تعالى نهى أن نكره الفتيات على البغاء شرط إذا أردن التحصُّن؛ يعني فإن لم يردن التحصُّن فظاهر الآية لنا أن نكرههن، لكن المؤلف يقول: إن محل النهي هو الشرط، إنه ما يتصور الإكراه إلا إذا أردن التحصن، وعلى هذا فلا مفهوم للشرط، هذا ما ذهب إليه المؤلف، وفيه نظر ظاهر. المؤلف يقول رحمه الله يقول: (وهذه الإرادة محل الإكراه)؛ يعني أن الإكراه ما يُتصور إلا مع وجود هذه الإرادة، فلا مفهوم للشرط إذا صار الإكراه لا يُتصور إلا بهذه الإرادة، فالشرط لا مفهوم له؛ لأنه لبيان الواقع اللي هو واقع الإكراه، هذا ما ذهب إليه المؤلف، لكن فيه نظر ظاهر؛ لأنه قد يُكرهها على البغاء، وهي لا تريد التحصن، إنما تكره الذي أكرهه عليها، مثل أن يقول مثلًا: تزنين بهذا الرجل، لكن ما تريد الرجل، تريد رجلًا آخر، فإذا أكرهها على أن تزني بهذا الرجل تحقق الإكراه ولَّا لا؟ * طالب: تحقق. * الشيخ: مع أنها لا تريد التحصُّن، ففي الحقيقة أن الإكراه يمكن أن يرد وإن لم ترد التحصُّن، وأما قولهم: إن الإرادة هي محل النهي؛ لأن لا إكراه بدون إرادة التحصن، فيقال: لا، يمكن يكون إكراه بدون إرادة التحصن، مثل إما أن تكون هي في ذلك الوقت ما لها رغبة في الجماع، أو في مكان لا ترغب أن تُجامَع فيه، أو في زمان لا ترغب أن تُجامَع فيه، أو لا تريد من أُكرِهت عليه، أو ما أشبه ذلك، فليس الإكراه خاصًّا بالزنا حتى نقول: إن هذا الشرط لبيان الواقع فلا مفهوم له. إذن ما هو الرأي في هذه المسألة؟ يعني ما هو القول الراجح؟ ذكر العلماء ثلاثة أوجه غير ما ذكره المؤلف؛ منها: أن هذا بناء على الأغلب، أنهم يكرهونهن وهن يردن التحصن، ومعلوم أن القيد إذا كان لبيان الغالب لا مفهوم له؛ يعني أن الله ينهاهم عن أمر قد وقعوا فيه، وهو أنهم يكرهون فتياتهم على الزنا، وهن يردن التعفف عنه، فيكون هذا بناء على الغالب فلا مفهوم له، وهذا ما ذهب إليه ابن كثير على أن القيد الشرط، هذا لبيان الغالب لا لبيان الواقع. وقال بعض العلماء: إن الشرط هذا بمعنى (إذ)، ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إذ أردن تحصنًا؛ أي: لأنهن يردن التحصن، وهذا القول في الواقع قد يكون راجعًا إلى القول الذي قبله. * * * * طالب: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور ٣٥- ٣٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تقدم أن الله سبحانه وتعالى أمر بإجابة طلب العبد للكتابة، وأن العلماء اختلفوا في ذلك؛ فمنهم من يرى أنه على سبيل الوجوب، ومنهم من يرى أنه على سبيل الاستحباب، وأن الصحيح أنه على سبيل الوجوب، لكن الله -سبحانه وتعالى- اشترط أن نعلم فيهم خيرًا، والخيرية؟ * طالب: (...). * الشيخ: الصلاح في الدين والكسب؛ فصلاح الدين يدخل فيه الأمانة، والكسب ظاهر، وتقدم أيضًا أن الله أمر بأن يؤتوا من مال الله الذي آتانا، وما المراد به؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذا قول، القول الثاني؟ * الطالب: من مال السيد؟ * الشيخ: من مال السيد، كيف من مال السيد؟ * الطالب: القول الثاني: من ماله. * الشيخ: إي نعم، يعني من مال الكتابة، أن يحط عنه من مال الكتابة، وقد اختلف السلف هل يُحطّ عنه من الأول من أول قسط، أو من آخر قسط؛ والراجح أنه من آخر قسط؛ وذلك لأنه ربما يعجز فيعود ما أسقطه الإنسان عنه يعود إلى ملكه، طيب صفة المكاتبة؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني معناه: يشتري نفسه منه من سيده، هذه المكاتَبة، لماذا سُمِّيت مكاتبة؟ لأن الغالب أنه يقع بينهما كتابة، كتابة على أني كاتبت عبدي فلانًا على كذا وكذا. ثم إنه سبق أيضًا أن الله نهى أن نُكره الفتيات على الزنا على البغاء، وقيد ذلك بقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ وأحمد يُبين لنا هذا الإكراه هو للحرائر مطلقًا ولَّا بهذا القيد؟ * الطالب: للحرائر مطلقًا. * الشيخ: للحرائر مطلقًا نعم، أقول: كيف تخرج هذا القيد: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يعني إن النهي وارد عن حالة معينة نعم، هذا رأي، والرأي الثاني؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) هذا الشرط يعني إحنا الآن، الحكم أن الإكراه على البغاء حرام أردن التحصن أم لم يردن، لكن كيف نُخرِّج هذا الشرط؟ * طالب: الغالب.. * الشيخ: بناءً على الغالب؛ يعني أن الله ينهى عن حالة معينة، كان الناس يفعلونها في الجاهلية، ولهذا لا يجوز ولا تمكينها من الزنا فضلًا عن الإكراه، حتى تمكينها من الزنا لا يجوز، لكن القضية يعني النهي وارد على قضية معينة، كانوا يفعلونها في الجاهلية، هذا على رأي من يرى أن هذا القيد يتنزّل على الغالب أو على الحال التي كانوا (...)، لكن فيه رأي ثانٍ. * طالب: (...). * الشيخ: إذن ويش الفائدة منه؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني المبالغة؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني المبالغة في تبكيتهم ولومهم وتوبيخهم، كيف أن هؤلاء الفتيات وهن مماليك يردن التحصن وأنتم تريدون عكسه؟ فيكون هذا مقصودًا به المبالغة في تبكيت هؤلاء الأسياد الذين يُكرهون الفتيات على البغاء مع أن المفروض أنهن لو أردن البغاء لكنتم تريدون التحصُّن لا التعفف. والتخريج الثالث الذي مشى عليه المؤلف: أن صورة الإكراه لا يمكن أن تكون إلا إذا أردن التحصن، وقلنا: إن هذا غير صحيح، هذا لا يصح إطلاقًا؛ السبب؛ لأن صورة الإكراه تقع في غير هذه الإرادة؛ يعني يمكن يكرهها وهي ما تريد التحصن، لكن لا تريد هذا الشخص بعينه الذي أكرهها عليه، أو لا تريد أن يقع منها هذا الأمر في هذا الوقت، أو على هذه الحال، أو ما أشبه ذلك؛ يعني ليس امتناع الفتاة من الزنا ليس هو محصورًا في إرادة التحصن؛ إذ إنه يكون له أغراض أخرى. فعلى كل حال رأي المؤلف رحمه الله ليس بصحيح؛ حيث زعم أن صورة الإكراه لا تتأتى إلا بهذه الإرادة، فيقال له: لا، تتأتى بهذه الإرادة وبإرادة أخرى غير ذلك، افرض أنها تريد أن تراغم السيد، ولَّا هي تريد الزنا، ولا تريد العفاف، لكن تريد أن تراغم السيد ولا توافقه بس، أليس هذا ممكنًا؟ وفي قوله تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إشارة إلى انحطاط رتبة من أراد ذلك، من أراد عرَض الدنيا، وهذا صحيح، وأظن مثله هنا. اللام في قوله: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ هل هي للتعليل أو للعاقبة؟ الظاهر أنها للتعليل، وأن الذين يكرهون فتياتهم على ذلك إنما يريدون عرض الحياة الدنيا؛ أي: متاعها، وسمي متاع الدنيا عرضًا؛ لأنه يزول، وهذا أمر واقع؛ فإن متاع الدنيا كما وصفه الله عز وجل: ﴿قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧] فيزول عنك أو تزول عنه، إذن فهو عرض؛ يعني أمر عارض يزول. وفي قوله تعالى: ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إشارة إلى أن هناك حياة أخرى، وهي حياة الآخرة، والدنيا هل هي من الدنو المعنوي، أو من الدنوّ الزمني أو منهما جميعًا؟ منهما جميعًا، فهي من الدنوّ الزمني؛ لأنها سابقة على الآخرة، ومن الدنو المعنوي؛ لأنها أقل بكثير من الآخرة، ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧]، وأخبر النبي ﷺ: «أَنَّ مَوْضِعَ سَوْطِ أَحَدِنَا فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد. ]]. موضع السوط يعني حوالي متر خير من الدنيا وما فيها، أي دنيا هي؟ هل هي دنياك التي تعيشها أنت أو كل الدنيا؟ كل الدنيا من أولها إلى آخرها، مهما طاب عيشها فموضع سوط أحدنا في الجنة خير منها وما فيها؛ إذن فهي دنيّة بالنسبة للمرتبة، إذن الدنيا زمن أيش بعد؟ ومعنى، أو إن شئت فقل: مرتبة وهو المعنى؛ فهذه هي الدنيا، كيف يريد الإنسان هذا العرَض الزائل من هذه الحياة الدنيا على حساب الحياة الآخرة؟! لا شك أن هذا نقص في العقل، أو نقص في الإيمان، أما رجل مؤمن ما يمكن يفضل الدنيا على الآخرة إطلاقًا، ولهذا خطب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله ذات يوم ووعظ الناس، وقال: أيها الناس، إن كنتم تُقرُّون بذلك -مع المخالفة يعني- فأنتم حمقى، وإن كنتم لا تُقرّون به فأنتم هلكى[[أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٥ / ٢٨٩) بنحوه.]]. هذا صحيح ولَّا لا؟ يعني المخالف لشريعة الله بين أمرين: إما رجل لا يؤمن بالآخرة فهو هالِك، وإما رجل يؤمن بالآخرة وخالف فهو أحمق لا يعرف التصرف ولا يُحسن التصرف، فعلى كل حال ما يليق بالإنسان أن يبتغي عرَض الدنيا على حساب الآخرة. ثم قال الله تعالى: (﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ﴾ لهن ﴿رَحِيمٌ﴾ بهن) (نزلت في عبد الله بن أبي، كان يُكره جواريَه على الكسْب بالزنا). يمكن هذا؛ أنها نزلت في عبد الله بن أبي أو في غيره، لكن ما ذكر المؤلف له سندًا، وهي ذُكرت ذكرها المفسرون بعضهم أنها نزلت في عبد الله بن أُبيّ، ولكن ينبغي أن نعرف أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. لكن نجد أيضًا الفائدة الثانية، أشار إليها بعض العلماء: أن العبرة بعموم اللفظ على الحالة التي نزلت أو التي ورد من أجلها العموم، ما هو بعمومه في كل الأحوال، عموم اللفظ بالنسبة لتقييدها بالشخص، لكن على الحالة التي ورد من أجلها هذا النص. فاهمين الفرق؟ يعني العبرة بعموم اللفظ لا في جميع الأحوال، بل بعموم اللفظ بالنسبة لتقييده بالشخص، فلا يختص بالشخص الذي ورد من أجله، بل يعمه وغيره على الحال التي وردت، مثال ذلك قول النبي ﷺ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥ / ٩٢) من حديث جابر بن عبد الله.]]. لو أخذنا هذا على عمومه في الأشخاص والأحوال لكان الإنسان لا يصوم في السفر مطلقًا، وليس من البر أن يصوم، ولكننا لا نأخذه على عموم الأحوال، بل على عموم الأشخاص في مثل هذه الحال التي ورد من أجلها، وقد ورد الحديث حينما رأى النبي ﷺ زحامًا ورأى رجلا قد ظُلِّل عليه في السفر، فقال: «مَا هَذَا؟». قالوا: صائم. قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ». فإذا وصلت الحال بالصائم في سفره إلى مثل هذا الرجل قلنا له: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ». وما عدا ذلك فلا نقول: إنه ليس من البر؛ لأن النبي ﷺ كان يصوم في السفر[[أخرجه أحمد (٣٨١٣) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، ولا يصنع شيئًا ليس ببر، وكان أيضًا يقر أصحابه على أن يصوموا في السفر إذا لم يصلوا إلى حال هذا الرجل[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٤٧)، ومسلم (١١١٨ / ٩٨) من حديث أنس ولفظه: كنا نسافر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. وغير ذلك من الأحاديث في هذا الباب.]]، طيب العبرة بعموم اللفظ: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾ هنا سواء عبد الله بن أبي وغيره. وقوله: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿مَنْ يُكْرِهْهُنَّ﴾ ﴿مَنْ﴾ هذه شرطية، والشرط للعموم ولَّا لا؟ أسماء الشرط من صيغ العموم، كما أن أسماء الموصول من صيغ العموم كذلك أسماء الشرط؛ يعني أي إنسان يُكره فتاته ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وفي قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾ إشارة إلى أنه لا بد من تحقق الإكراه ﴿مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾؛ يعني بعد التحقق من الإكراه، وألا يكون في قلبها أي ميل إلى ما أكرهها عليه، فإن الله من بعد هذا الإكراه غفور لمن؟ للمكرهَة لا للمُكرِه، المكرِه عاصٍ وليس أهلًا للمغفرة، ولهذا نقول: إن الجملة -جملة الشرط هنا: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾ - لم تعد إلى ما يعود إليه فعل الشرط؛ لأن فعل الشرط ويش يعود عليه؟ على المكرِه ولَّا المكرَه؟ على المكرِه، من يُكرِه، لكن جواب الشرط لم يكن على المكرِه بل على المكرَه؛ وذلك للتلازم بين المكرِه والمكرَه؛ إذ لا مكرِه إلا بمكرَه؛ فلذلك صح أن يكون جواب الشرط ليس عائدًا إلى ما يعود عليه فعل الشرط، إنما هو عائد إلى شيء ملابس له وملازم له وهو المكرَه، جواب الشرط ذكرناه، وأظنه معروف لكم أن جواب الشرط يعود على أيش؟ * طلبة: المكره. * الشيخ: لا، ما هو في الآية هذه، القاعدة العامة: أن جواب الشرط يعود على ما يعود عليه فعل الشرط، لكن ليس ذلك بلازم، بل قد يعود على مُلابسِه وملازمِه كما في هذه الآية، ولهذا نقول: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ﴾ لهن، لا غفور لهم؛ أي المكرهين، بل: لهن -أي للمكرهات- رحيم بهن. وفي قوله: ﴿غَفُورٌ﴾ إشارة إلى أن هذا الذنب لا عقوبة فيه. وفي قوله: ﴿رَحِيمٌ﴾ إشارة إلى أن الله سيجعل لهن فرجًا؛ لأن الرحمة بها حصول المطلوب وزوال المرهوب؛ لذلك نقول: إن في هذه الآية إشارة إلى الفرج لمن أُكره على فعل المحرم، وأن الله تعالى سيجعل له فرَجًا، ويؤيد ذلك قول النبي ﷺ: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه أحمد (٢٨٠٣)، وعبد بن حميد في المنتخب (٦٣٥) من حديث عبد الله بن عباس.]]. فإذا قال قائل: كثيرًا ما نسمع أن من الناس من أُكره على أمر محرم ولم يحصل له الفرج بسرعة. فنقول: إن هذا لا ينافي الآية؛ إذ قد يكون من جملة الفرج أن الله يُهوِّن الأمر عليه في قلبه، ويكون التخلص الحسي من هذا الإكراه بعد ذلك بسبب من الأسباب فوق ما نعلمه. * يستفاد من هذه الآية: أن المكره على فعل الشيء لا يلحقه إثمه، كذا ولَّا لا؟ أن المكره على الفعل لا يلحقه الإثم، ويكون في هذا رد على من فرَّق من أهل العلم بين الإكراه على القول والإكراه على الفعل، فإن من العلماء من فرَّق بين الإكراه على الفعل والإكراه على القول، وقال: إن الإكراه على القول لا يترتب عليه مقتضاه، والإكراه على الفعل يترتب عليه مقتضاه، ولكن الصحيح أنه لا فرق وأن كل من أُكره على قول أو فعل فإنه لا حُكم لفعله ولا لقوله؛ يدل على ذلك قوله تعالى مع هذه الآية: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل ١٠٦]، الآية الكريمة هذه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ على الكفر بالقول أو الكفر بالفعل أو بهما جميعًا؟ * طالب: بهما جميعًا. * الشيخ: بهما جميعًا، ولم تخصص الآية القول، كذلك أيضًا هذا الذي معنا في هذه السورة إكراه البغاء فعل ولَّا قول؟ * طلبة: فعل. * الشيخ: فعل، البغاء فعل. فإن قال قائل: فماذا تصنعون فيما يذكر من حديث« صاحب الذباب: الذي مرّ على صنم هو وصاحب له، وقال أصحاب الصنم لأحدهما: قرِّب، قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئًا دون الله عز وجل، فقتلوه، وقالوا للثاني: قرِّب ولو ذبابًا، فقرَّب ذبابًا، فلم يقتلوه»[[أخرجه ابن أبي شيبة (٣٣٥٨٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٩٦٢) من حديث سلمان الفارسي موقوفًا.]]. نقول في هذا: إن هذه القصة لا صحة لها، ثم لو فُرض أنها صحيحة عن بني إسرائيل فإن ديننا -ولله الحمد- قد وضع الله فيه من الآصار والأغلال التي كانت على بني إسرائيل ما أوجب أن يكون فيه السهولة واليسر، ولهذا كان من صفات الرسول ﷺ أنه: ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف ١٥٧]، فكثير من الآصار والأغلال التي كانت على الأمم السابقة رُفِعت عن هذه الأمة. فعلى كل حال الآن نقول: في هذه الآية دلالة ظاهرة على أن الإكراه على الفعل لا حكم له، وأن المكرَه لا إثم عليه، وفيه رد صريح على من يفرّقون بين الإكراه على القول وعلى الفعل؛ لأننا لو سلّمنا جدلًا أن قوله تعالى في سورة النحل: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ أن هذا خاص بالإكراه على القول لو سلمنا جدلًا مع أنّا ما نُسلّم، فإن هذه الآية ما يمكن فيها التأويل، ولا التفصيل؛ لأن القضية في فعل. لو أُكرهت المرأة وهي صائمة على الجماع؟ زوجها جامعها وهي صائمة غصبًا عليها، ما أمكنها أن تتخلص، فما الحكم؟ لا شيء عليها، لا تفطر، ولا كفارة، وكذلك لو أكرهها على الجماع وهي في إحرامها؛ مُحرِمة، وكذلك أيضًا ليس عليها شيء لا بالنسبة للنسك ولا بالنسبة للفدية، وهذه قاعدة عامة قاعدة في الإسلام، قاعدة مقررة في الدين الإسلامي. لكن لاحظوا أن في ﴿مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾ قلنا: إشارة إلى أي شيء؟ إلى تحقق الإكراه، وإنه لو كان في المكرَه أدنى ميل فقد يتخلّف جواب الشرط، قد تتخلف المغفرة والرحمة إذا كان بعد ما أُكره مال إلى الشيء، فهذا يحصل فيه تخلف الشرط، ومن ثم زعم الفقهاء -رحمهم الله- أن الرجل لا يمكن أن يُكره على الزنا، وقالوا: إن الرجل إذا أُكره على الزنا وَجب عليه إقامة الحد، وإذا أُكره على الوطء في رمضان وجب عليه الكفارة والقضاء، وكذلك في النسك ويش السبب؟ قالوا: الإكراه في الجماع ما يمكن؛ لأنه ما هو فاعل إلا عن ميل، ما يفعل إلا بعد أن انتشار ذكره، ولا ينتشر ذكره إلا إذا مال، وعلى هذا فلا يتحقق الإكراه، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾، لكن خصوصًا في الحد: «ادرؤُوا الحدُود بالشُّبهاتِ»[[أخرجه الترمذي (١٤٢٤) من حديث عائشة، بلفظ: «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم».]]. هذا وإن كان فيه نظر، لكن على كل حال الإنسان إذا كان شابًّا وأُكره أن يزني بامرأة جميلة شابة.. أنا لا أعلم فيه خيرًا بالنسبة لنا نوافقك ولا نجبرك على الكتابة، لكن بالنسبة لله ينفعك إذا كنت تعلم أن فيه خيرًا وادعيت أنك لا تعلم فيه خيرًا؟ ما ينفعه. بالنسبة لله لا ينفعه، فعلى كل حال الأمر موكول إلى السيد في علم الخير وعدمه. بالنسبة لنا أحكام الدنيا على الظاهر، إذا قال: ما أعلم بهذا العبد خيرًا، وأنا أعرف أني لو خليته يروح يَفسد ويُفسد. نقول: بالنسبة لنا ما نجبرك، الآن ما نجبرك ولا نقول: يجب عليك، لكن إذا كان الله يعلم أنك تعلم أن فيه خيرًا فإن دعواك هذه مردودة، ولا تُقبَل. * * * إذا كان شابًّا وأُكره أن يزني بامرأة جميلة شابة نعم، ربما مثلًا يعني يُلصَق بها إلصاقًا، فهذا ربما يقع منه (...) حقيقة أن الإنسان مع الكراهة الشديدة للشيء ما يمكن (...).

النور 24:34

﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ [النور: ٣٤] بفتح الياء وكسرها في هذه السورة، بُين فيها ما ذُكر، أو بَيَّنَتْه، طيب ﴿مبيَّنات﴾ بَيَّنت ولا بُيِّنت لنا. * طالب: بُيِّنت. * الشيخ: بُين فيها ما ذُكر لكن ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي بَيَّنت ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ أو ﴿مبيَّنات﴾ مبيَّن فيها ما ذُكر. (اللام) في قوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ اللام واقعة في جواب القسم، وهي للتوكيد، و(قد) كذلك للتوكيد. ﴿وَلَقَدْ﴾، وعليه فهذه الجملة مؤكَّدة؟ * طالب: أربع. * الشيخ: لا. * الطالب: بثلاث. * الشيخ: ثلاث، ويش هي؟ * الطالب: (...). * الشيخ: القسم المقدر قبل (...) واللام، و(قد)، وهنا أكد الله سبحانه وتعالى هذا بهذه المؤكدات الثلاث للأهمية؛ لأننا إذا علمنا أن هذه آيات مبيِّنات، فإن ذلك سوف يستلزم منا الاعتناء بهذه الآيات. وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ﴾ ما المراد بالآيات هنا: الشرعية ولّا الكونية؟ * طلبة: كونية. * الشيخ: لا، الظاهر أنها الشرعية؛ لأن الإنزال يتضح معها أكثر مما يتضح مع الكونية، فالظاهر أنها الشرعية، وهي الوحي الذي نزل على الرسول ﷺ. وفي قوله: ﴿أَنْزَلْنَا﴾ الوحي الشرعي؛ لأنه ينزل حقيقة من العلو إلى السفل؛ لأنه ينزل منين؟ من الله على قلب النبي ﷺ، فهو نزول حقيقي. وقد حرفه بعضهم إلى أن المراد الإنزال الوحي، قال: ﴿أَنْزَلْنَا﴾ يعني: أوحينا، وقال: إن النزول لا يكون إلا من أعلى، ولا يكون إلا في جرم، يقال: نزل الإنسان من السطح إلى الأرض، والقرآن ليس كذلك. هذا لا شك أن الذي يقول هذا الكلام ويش ينكر؟ علو الله. ولهذا أهل السنة والجماعة من جملة ما استدلوا به على علو الله: أن الله أنزل القرآن على النبي، وقالوا: يلزم من الإنزال أن يكون المنزِل عاليًا. لكن يفسر بالوحي بحجة أن الشيء النازل هو جرم، والقرآن ليس ذا جرم، وإنما هو قول ينزل، فهذا لا شك أنه محرف لكلام الله عز وجل. ونحن نقول: إن القرآن ينزل كما قال الله، فإن كلمة (ينزل) غير كلمة (يوحي) أو (يوحَى)، بل لها معنى آخر خاص، ثم إنه ما المانع من أن يكون النزول في الأمور المعنوية، مثلًا نزول إذا أضيفت إلى الأمور الحسية (...) في الأجرام، ولا الأمور المعنوية، فلها معنى آخر، أليس الله يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح ٤] والسكينة حَجَر يلقى في القلب ولّا أمر معنوي؟ أمر معنوي ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فإذن يكون الإنزال في الأمور المعنوية. ثم ما المانع من أن يكون القرآن أيضًا له جرم، ولكننا لا نعرف هذا الجرم؛ لأن الله يقول للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل ٥] وقد ثبت «أنه ﷺ نزل عليه الوحي ذات يوم، ورأسه على رجل حُذيفة حتى كاد يرضها»[[أخرجه البخاري (٢٨٣٢) من حديث زيد بن ثابت، ولم نجده عن حذيفة. ]]، «وأنه نزل عليه الوحي وهو على الراحلة فتبرك به»[[أخرج أحمد في المسند (٢٧٥٧٥) من حديث أسماء بنت زيد بلفظ: «إذ أنزلت عليه المائدة كلها فكادت من ثقلها تدق بعضد الناقة».]]، فلا مانع من أن يكون جرمًا ولكن ليس كالأجرام المعروفة، الله أعلم، والله سبحانه وتعالى يجعل الأمور المعنوية أمورًا حسية، ألم تروا إلى الموت يوم القيامة يمثل بأيش؟ بكبش يشاهده الناس من أهل النار ومن أهل الجنة ويُذبح أمامهم، كما أن الأعمال توضع في الموازين يوم القيامة، والأعمال أيش أصلها؟ من المعاني، ما هي أجرام، والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وقدرته تعالى فوق إحاطة عقولنا. وعلى كل حال الآية هذه فيها دليل صريح على أن الله أنزل القرآن من عنده، وأنه نزول ليس بمعنى الوحي فقط، بل هو معنى خاص أخص من الوحي. وقوله تعالى: ﴿آيَاتٍ﴾ جمعها، يعني حقيقة الأمر أنها كذلك، والقرآن ليس حكمًا واحدًا ولا خبرًا واحدًا، أخبار كثيرة وأحكام كثيرة، فهي آيات، نعم. طيب ﴿آيَاتٍ﴾ بمعنى أيش؟ علامات. علامات على أي شيء؟ على عظمة من أنزلها وعلى صدق من جاء بها عليه الصلاة والسلام، ووجه ذلك -وجه كونها آيات- أنك إذا تأملت الأحكام التي جاءت بها هذه الآيات وجدتها مطابِقة تمامًا للمصلحة، للمصلحة في المأمورات ودفع المضرة في المنهيات، ووجدت أيضًا أن أخبارها في غاية ما يكون من المصلحة والمنفعة، نعم، ووجدت لها تأثيرًا بالغًا من جملة تأثيره، وآثاره هؤلاء الأمم الذين كانوا منابذين للإسلام فدخلوا في دين الله أفواجًا لمجرد أنهم سمعوا القرآن، ورأوا آدابه وأخلاقه، ثم إن هذا التأثير لمن ألقى السمع، أو كان له قلب، تأثير ما يوجد له نظير في الحقيقة إذا صفا الذهن، وأقبل الإنسان بقلبه على القرآن مهما كان، حتى لو ما هو مسلم لا بد أن يتأثر، جبير بن مطعم كان في أسارى بدر (...) في المدينة، «فسمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾، فقال رضي الله عنه: كاد قلبي أن يطير، نعم، ومن ذاك الوقت ألقى الله الإيمان في قلبه، ثم أسلم بعد»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٤)، ومسلم (٤٦٣ / ١٧٤) من حديث جبير بن مطعم.]]، فهذا دليل على أن القرآن آيات عظيمة تدل على عظمة من أنزلها، ويش عليها أيضًا؟ وعلى صدق من جاء به، وذلك لما تضمنته من الأحكام العادلة التي تبهر العقول، ولا يمكن لبشر أن يأتي بمثلها، ومن الأخبار الصادقة النافعة، وأخبار مممتعة للنفس، ومريحة لها، ونافعة للقلب أيضًا ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]. وقوله تعالى: ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي: تبين الحق من الباطل وتفصل بينهما وتميز بينهما، ثم أيضًا تبين الأحكام بنفسها، لكن منها ما يحتاج إلى بيان من غيره، ومنها ما هو بين في نفسه، وفي هذا إشارة إلى أنه لا يوجد في الشرع بحسب الواقع لا يوجد أمر مشكل، لكن الإشكال بحسب أيش؟ بحسب الفهم؛ لأن الإشكال الذي يقع في المسائل الشرعية ليس لقصور في النصوص، ولكن لقصور في الفهم، أو قصور في العلم، قد يكون إنسان قاصرَ علمٍ لا يحيط بالنصوص كلها، وقد يكون قاصرَ فهمٍ، ومن ثَم يحصل الإشكال. أما مع العلم، والفهم التام، فإنه لا يمكن أن يوجد إشكال في الشريعة. ولذلك تجد أحيانًا، أحدثكم عن نفسي، أحيانًا تعرض لي مسألة ويكون حكمها عندي واضحًا مثل الشمس، ثم في يعني في زمن آخر تأتي نفس المسألة ويكون فيها إشكال، لماذا؟ لأن الصفاء ذهنا وأحوال الإنسان لها تأثير في فهم النصوص، لها تأثير بالغ في فهم النصوص. ولهذا أنا أرى أنه ينبغي لطالب العلم أن المسائل التي تعرض له، المسائل النادرة التي يخشى أن ينساها، أنه يجب يقيدها، ما يعتمد على نفسه يقول: الآية هذه بينة ما حاجة أن أقيدها ولا شيء؛ لأنه يمكن يأتي يوم من الأيام يكون ما فتح الله عليك به بالأمس غير موجود الآن، إما لتخلف السبب، أو لوجود المانع، والإنسان بشر تتقلب به الأحوال، يمكن يغضبه الصبي في بيته، يخرج للناس غضبان، ولا يتحمل ولا كلمة من الناس، ويمكن يرضى في بيته ويخرج للناس (...) فالإنسان بشر في جميع أحواله يتقلب ويتغير. على كل حال أنا أعود إلى أن القرآن -ولله الحمد- مبيِّن، أيش بعد؟ ومبيَّن أيضًا، ولكن الخفاء الذي يدخل للإنسان إنما هو من نفسه، لا من حيث الأدلة، وذلك لأحد أمرين، ما هما؟ القصور في العلم، أو القصور في الفهم، فمن أجل أحد هذين الأمرين يحصل الخفاء في الأحكام الشرعية، أما الآيات التي أنزلها الله فهي آيات مبيَّنة مبيِّنة، ما فيها إشكال، وقد ذكر -رحمه الله- شيخ الإسلام ابن تيمية عبارة في العقيدة الواسطية قال: من تدبر القرآن، طالبًا الهدى منه، تَبَيَّنَ له طريق الحق. هذه في الحقيقة عبارة تكتب بماء الذهب، كما يقول الناس (...) لكن قصدي أن هذه العبارة (...) من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه، لا بد من أمرين، تبين له طريق الحق. ﴿آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾، ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ ﴿مُبَيَّنَاتٍ﴾ و﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾ قراءتان سبعيتان. (﴿وَمَثَلًا﴾ خبرًا عجيبًا، وهو خبر عائشة رضي الله عنها ﴿مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: من جنس أمثالهم، أي أخبارهم العجيبة كخبر يوسف ومريم) يعني أنزل الله أيضًا ﴿مَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، والظاهر -والله أعلم- أن المراد بـ(المثل) هنا ما هو أعم من الواقع، يعني أمثالًا من الذين خلوا، وليس هذا خاصًّا بخبر عائشة رضي الله عنها، ومريم، ويوسف، بل هو أعم من ذلك، لكن المؤلف قصره كعادته -رحمه الله- أنه يقصر الآيات العامة على المعنى حسب السياق، وهذا نقص في الحقيقة، صحيح أن السياق قد يقيد المطلق، وقد يخصص العام، لكن بدليل، أما إن لم يكن دليل على أن هذا خاص، فالأولى العموم. فقوله: ﴿مَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هذا في الحقيقة قد يكون أعم مما ذكر المؤلف من سور القرآن. إذن أحكام شرعية عبر عنها بالآيات المبينات، وأخبار صادقة فيها العبرة عبر عنها بقوله: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، فالله سبحانه وتعالى ضرب لنا أمثالًا ممن خلا من قبلنا، لا فيما يتعلق بالعفة والصيانة، ولا فيما يتعلق بالدين والإيمان والكفر، نعم ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وبعده ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠]، ولما ذكر الله سبحانه وتعالى قصة لوط قال: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود ٨٣]، الإنسان العاقل يقيس؛ لأن سنة الله واحدة، والله جل وعلا البشر بالنسبة إليه سواء إلا بالتقوى، فإذا أهلك الله أمة من الأمم السابقة بمخالفته فهل يمتنع أن يهلك هذه الأمة أيضًا؟ نعم، ما يمتنع، وإن كان يمتنع شيء وهو (...) من الصالحين، وهو الإهلاك العام، هذا ما ينجي الصالحين، بل قال بعض العلماء: إنه لم يوجد من بعد إهلاك فرعون، إذ استدلوا على ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣]، قالوا: فبعدما نزلت التوراة على موسى عليه الصلاة والسلام ما بقي بعد من الأمم السابقين (...)، هذا هو الواقع في الحقيقة، سواء دلت الآية عليه أم لم تدل، إنما هذا هو الواقع. وقوله: ﴿مَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ مثل قصة يوسف عليه الصلاة والسلام، رُمي بما رمي به، وأنجاه الله أو لا (...) وأنجاه الله عز وجل، من الذي رماه بالفاحشة؟ امرأة العزيز، والغريب أن امرأة العزيز هي اللي راودته عن نفسه، وغلقت الأبواب، هيأت كل شيء، ولكنه عليه الصلاة والسلام ﴿هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف ٢٤] بعد أن هم مع توفر الأسباب وانتفاء الموانع ووجود الطلب والهمة بعد ذلك منع نفسه، وهذا أعلى ما يكون في العفة، خلافًا لمن ذهب يخالف كلمة (همّ)، ﴿هَمَّ بِهَا﴾ الغريب أن بعضهم يقول: ﴿هَمَّتْ بِهِ﴾ للزنى، و﴿هَمَّ بِهَا﴾ ليبطش بها، هذا تناقض، لكن يقال: تمام العفة أن تحصل مع وجود الطلب ﴿هَمَّ بِهَا﴾، ولهذا قال النبي ﷺ في الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله قال: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٢٣)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة.]] ما فيه مانع إلا هذا، وإلا ما عندهم أحد، والشهوة متوفرة، والعزيمة موجودة، ما هي العزيمة الهم، يعني: لكن منعه خوف الله عز وجل، وهو عليه الصلاة والسلام بعد أن همت وهم بها وجد الآن الطلب والسبب، وانتفى المانع حينئذ، رأى برهان ربه فتح الله عليه، أو أحس فانصرف، أخيرًا تبين أن الفاعل من؟ امرأة العزيز، ظهر ذلك علنًا، حتى إن يوسف عليه الصلاة والسلام من قوة صبره ومن حكمته لما دُعي أن يخرج من السجن ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف ٥٠] ما خرج حتى بان أمره، وهذا يعتبر من الصبر العظيم، وإلا قد يعذَر، الإنسان مسجون وقال له: اطلع (...) قبل ما يقول: اطلع نعم لكن هو عليه الصلاة والسلام أبى حتى يكون بريئًا تمامًا و(...) هذا اللي حصل. بالنسبة لمريم رضي الله عنها نفس الشيء، اليهود اتهموها، ما قالوا: إنك زانية، لا، عرضوا تعريضًا، قالوا: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٨] يعني منين (...) كذلك الجواب، أبوك ليس امرأ سوء وأمك ليست بغيّة، فمن أين جاءك البغاء؟ هذا معنى كلامهم. ولهذا اختلف العلماء: هل يُحَدّ بالقذف إذا عرَّض أو لا يحد؟ والصحيح أنه إذا كان التعريض واضحًا يُحَدّ، بل إنه أعظم، كما يقول بعض العلماء: إن التعريض بالزنا أعظم من التصريح به؛ لأنه يتضمن قذفًا ولومًا، مثل لو (...) وقال لك: الحمد لله أنا (...) أزني.. * * * أن من أكره فتاته على البغاء فإن الله سبحانه وتعالى يغفر لها ويرحمها، إذا تحقق الإكراه، وأن في هذا دليلًا على أن المكرَه لا حكم لفعله، كما أنه لا حكم لقوله، وأن من فرق بين الإكراه القولي والفعلي فلا وجه لتفريقه، وبينا الأدلة أنها عامة في ذلك. وسبق أيضًا بيان أن الله سبحانه وتعالى أكد بأنه أنزل ﴿آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ أو ﴿مُبَيَّنَاتٍ﴾ تبيِّن ما تدل عليه وتظهره، سواء كانت هذه الآيات من آيات الأحكام أو من آيات الأخبار، وسبق أنها آيات على أي شيء؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، على أي شيء. * طلبة: (...). * الشيخ: على عظمة المنزل وصدق من جاء بها، وهو محمد ﷺ. وفيها أيضًا سبق ضرب الأمثال لهذه الأمة بما سبق مما جرى على الأمم السابقة، وأن في ضرب الأمثال مصلحة كبيرة، وهي أن الإنسان يعتبر بها على حاله، وذلك أن الله سبحانه وتعالى ليس بينه وبين أحد نسب، وأن أكرم الناس عند الله أتقاهم، وسنة الله في الأولين والآخرين واحدة، إلا أنه يُستثنى من ذلك الإهلاك العام، الإهلاك العام رفع عن هذه الأمة، وإلا فأصل العقوبة واردة في هذه الأمة كغيرها. وسبق أيضًا أن القرآن الكريم موعظة، لكن لا ينتفع به إلا المتقون الذين اتخذوا وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. ثم قال المؤلف: (﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ في قوله: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]، ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢] إلى آخره ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ﴾ [النور: ١٦] إلى آخره ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا﴾ [النور: ١٧] إلى آخره، وخصها بالمتقين لأنهم ينتفعون بها). المؤلف -رحمه الله- ذكر هذه الآيات بناءً على عادته، وهو تخصيص العام بالسياق، كان عادته كما رأيتم يخصص العموم بالسياق، والصحيح أن العموم لا يخصص بالسياق؛ لأنه يشمل ما تضمنه السياق وغيره. وعلى هذا فهو موعظة للمتقين في هذه الآيات التي عدها وفي غيرها.

النور 24:35

ثم قال الله سبحانه وتعالى: (﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] أي: منوِّرهما بالشمس والقمر ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي: صفته في قلب المؤمن) إلى آخره. هذه الآية تضمنت عدة أشياء: أولًّا: قال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فما هذه الجملة، هل هي جملة على ظاهرها وحقيقتها، أم هي تحتاج إلى تأويل؟ اختلف فيها أهل السنة وغيرهم كالعادة في بقية آيات الصفات؛ فذهب أهل التأويل إلى أن الآية لها تأويل، وجعلوا التأويل إما أن ﴿نُورُ﴾ بمعنى: منوِّر، كما ذهب إليه المؤلف، أو أن ﴿نُورُ﴾ بمعنى: ذو النور، كما تقول: رجل عدل، أي: ذو عدل. فمعنى ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ﴾ أي: ذو نور السماوات والأرض، أي: صاحب نورهما، أي: الخالق للنور فيهما. وعليه يعود هذا المعنى إلى المعنى الأول، لكن الاختلاف في التقدير، وهذا مذهب أهل التحريف الذي يُسمَّون أهل التأويل، والأصح في تسميتهم (أهل التحريف)؛ لأن التأويل في الحقيقة منه صحيح ومنه غير صحيح. والأليق بالتأويل غير الصحيح أن يسمى تحريفًا؛ لأنه صرف للفظ عن مدلوله بدون دليل، وهذا هو التحريف حقيقة. أما أهل السنة والجماعة فقالوا: إن الآية على حقيقتها وعلى ظاهرها، وأن الله سبحانه وتعالى نور السماوات والأرض، لكن النور نوعان: نور هو ذات الباري جل وعلا، وصفاته وآياته وأحكامه، وهذا غير مخلوق. ونور آخر حسي مخلوق منفصل بائن عن الله. فالنور الذي نراه في الشمس، وفي القمر، وفي النجوم، وفي السرج هذه من أي النوعين؟ من النور الحسي المخلوق، كذا. ثم النور المخلوق منه أيضًا حسي ومعنوي، الحسي هذا الذي مثلنا به. والمعنوي ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ [النور ٣٥] إلى آخره. إذن أهل السنة والجماعة يقولون: إن الله تعالى نور السماوات والأرض، فهو نور بذاته، وكذلك أيضًا صفاته، وكذلك آياته سماها الله تعالى نورًا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]، فهو سبحانه وتعالى نور، لكن أهل التحريف لما ظنوا أن النور هو مادة الإضاءة، أو الضوء نفسه قالوا: هذا عرَض يزول، والله سبحانه منزه عن العرض، أو هذا جسم، يعني: قابل للإضاءة، والله تعالى منزه عن الجسم؛ على حد تعبيرهم وقواعدهم. لكننا نقول: ما الذي يوجب لنا أن نعدل، بل ما الذي يسوغ لنا أن نعدل بالآية عن ظاهرها ولا نقول: الله نور السماوات والأرض، وقد قال النبي ﷺ: «أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ»[[أخرجه الطبراني في الكبير (١٨١)، والدعاء له (١٠٣٦) من حديث عبد الله بن جعفر.]] فأثبت لوجهه نورًا. لكن الطريق السليم أن نقول: نور الله سبحانه وتعالى ليس مخلوقًا، ليس كنور القمر الذي جعله الله فيه ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح ١٦]، وليس كنور المصباح، وليس كالنور الذي يكون في قلب المؤمن من العلم والهداية والإيمان، ولكن النور حقيقي لله سبحانه وتعالى، فهو نور، وصفاته نور، وكذلك آياته نور، سماها الله تعالى نورًا. ولكن التقسيم السليم أن نقول: النور ينقسم إلى قسمين: نور غير مخلوق ونور مخلوق، فغير المخلوق: هو نور الله عز وجل، فالله تعالى نور السماوات والأرض، هو نور، وكلامه نور، وصفاته نور أيضًا، ولكن ليس كالنور الذي نتصوره أو نتخيله، فإن النبي ﷺ يقول: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٣) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، يعني: لأحرقت سبحات وجهه كل شيء؛ لأن بصره ينتهي إلى كل شيء. أما النور المخلوق فإنه ينقسم إلى قسمين: ما هما؟ معنوي وحسي، فالحسي: ما يرى في هذه الأجسام، كنور الشمس، والقمر، والنجوم، والمصابيح، وما أشبهها. والمعنوي: ما يكون في قلب المؤمن من العلم والإيمان. وبهذا التفصيل يزول الإشكال، ونبقي الآية على ظاهرها اللائق بالله عز وجل، ونقول: الله نور، وصفاته نور، وكلامه نور أيضًا؛ وذلك لأن الله تعالى وصف نفسه بهذا الشيء، فما الذي يوجب لنا أن نعدل عنه، بل ما الذي يسوغ. إذن نور السماوات والأرض يعني: هو نفسه نور فيهما. * طالب: (...). * الشيخ: كلام الله نور لما يحصل به من الهداية؛ لأن أصل النور هو الذي يهتدَى به. ............................. ∗∗∗ كَأَنَّــــــهُ عَلَــــــمٌ فِي رَأْسِــــــهِنَارُ إذن نقول: الله سبحانه وتعالى هو نور السماوات والأرض، أي: نور فيهما، ولكن هذا النور الذي وصف الله به نفسه، وجعله من صفاته وأسمائه، هل يشبه نور الأشياء المخلوقة؟ أيش الجواب؟ لا، كسائر الصفات. إذن كلام المؤلف: (أي منوِّرهما)، هذا ليس بصحيح، هذا تحريف، وليس بصحيح، وإنما معناه: نور في السماوات والأرض، نور بذاته وصفاته وآياته تبارك وتعالى. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، مسألة العذر شيء آخر، نحن نبطل القول ونعذر القائل. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، مسألة العذر غير، يعني نحن نبطل القول ونعذر القائل، ونقول للرجل إذا أخطأ: أخطأت، ولكن مع ذلك (...) إذا علمنا منه حسن النية، بل نحبه أيضًا، نحن نعرف الآن علماء أجلاء فضلاء ممن سلكوا هذا المسلك، مسلك التحريف في أسماء الله وصفاته، ومع ذلك نشهد الله على محبتهم؛ لأننا نعرف أنهم ما سلكوا ذلك إلا عن اجتهاد وحسن نية، نعم، لما لهم من قدم الصدق في الإسلام، والنصح للإسلام، والكتابة في الإسلام، مثل: النووي، وابن حجر العسقلاني، وغيرهما كثير، هؤلاء ما حد يكرههم أو يبغضهم، أو يسيء الظن بهم، لكن لا مانع أن نقول إذا أخطؤوا: أخطؤوا. إذا أخطؤوا نقول: أخطؤوا، نقول: قولهم خطأ، نقول: قولهم: باطل، لكن لا يلزم من ذلك أن نلوم هذا الشخص إذا علمنا منه حسن النية، وأن هذا هو الذي أداه إليه اجتهاده. وهذه هي طريقة أهل السنة والجماعة، ولذلك ما تجد بينهم عداوة ولا بغضاء، إذا اختلفت أقوالهم كل واحد منهم يعرف أن صاحبه معذور، لكن أهل الأهواء -والعياذ بالله- هم الذين لا يعذرون أحدًا يخالفهم، وإن كانوا هم على باطل، ولذلك تجدهم يُكِنون العداوة والبغضاء لمن خالفهم، إي نعم. ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال الله تعالى: (﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ أي: صفته في قلب المؤمن) هذا في الحقيقة مثل نوره، أي: نور الله، مثل نوره أي: مثل نور الله كمشكاة. المؤلف -رحمه الله- قال: (في قلب المؤمن ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ ) إلى آخره. لماذا لا نجعل ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ الذي هو نور ذاته وصفته يعني: ما الذي أوجب لنا أن نؤول؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم هذه؛ لأن الله لا مثل له، ما يمكن أن نمثل نوره الذي هو صفته بشيء من مخلوقاته، فإن الله قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، إذن فلا بد من التأويل. وفي الحقيقة إذا قال قائل: ألستم تنكرون التأويل؟ نقول: لا ننكر التأويل مطلقًا، بل ننكر التأويل الذي لا دليل عليه، أما ما يقتضيه العقل فإنه أمر معلوم، يعني حتى الآن عقلًا هل يمكن أن عقلك يصدق أن نور الله بهذا الحجم كمشكاة فيها مصباح، أبدًا، حتى العقل يمنع هذا. إذا كان العقل يمنع هذا فالتأويل لا بد منه، يقول الله عز وجل في ريح عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف ٢٥] عقلًا ما دمرت السماوات، ولا دمرت الأرض، وإنما دمرت كل شيء ينتفعون به، بدليل قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾. فعلى كل حال (...) نقول: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي: مثل نوره الذي يضعه في قلب المؤمن. وبعضهم يقول: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ الذي يهدي به، ويرى أن هذا من باب تقريب المعنوي بالحسي، يقول مثلًا: القرآن نور مثل هذا النور كمشكاة إلى آخره، لكن الأسلم ما ذهب إليه المؤلف أن المراد بالنور هنا: النور الذي يضعه الله تعالى في قلب المؤمن. ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ أيش المشكاة؟ الكوة اللي يسميها الناس الروزنة، هذه المشكاة. ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ سراج (﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ هي القنديل، والمصباح: السراج، أي: الفتيلة الموقودة والمشكاة الطاقة، غير النافذة، أي الأنبوبة في القنديل) إلى آخره. المشكاة كما قال المؤلف رحمه الله: (الطاقة غير النافذة)، يعني يسمونها الناس الروزنة، هذه إذا كان فيها مصباح وفيه زجاجة، وسيأتي أيضًا وصف هذه الزجاجة، يكون نوره أقوى؛ لأن النور ينعكس ولا يتبدد، وهذا في الحقيقة أصل عملية الكوبس اللي يسموه كوبس، هذه اللي تعكس النور مأخوذة من القرآن؛ لأن هذه المشكاة هي في الحقيقة نظرية الكوبس. يقول: (﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا﴾ والنور فيها ﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ أي: مضيء، بكسر الدال وضمها، من الدرء بمعنى الدفع، لدرئه الظلام). * طالب: (لدفعه). * الشيخ: عندي (لدرئه) وهو أولى؛ لأنه يفسر: ﴿دُرِّيٌّ﴾. (بكسر الدال وضمها من الدرء، بمعنى الدفع، لدرئه الظلام، وبضمها وتشديد الياء منسوب إلى الدر اللؤلؤ). ﴿دُرِّيٌّ﴾ هذه القراءة الأخيرة بضمها وتشديد الياء، منسوب إلى الدُّرِّ، يعني اللؤلؤ، ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾. والثاني بكسر الدال وضمها: ﴿دريء﴾ ، ما ذكر الهمزة الحقيقة، وإلا لازم أنها تذكر الهمزة، شوف تكملة في الحاشية، جايبه معك؟ * طالب: أي: مع الهمزة. * الشيخ: لازم همزة، ما دام من الدرء. * طالب: فيه همزة في الأصل. * الشيخ: فيه في الأصل، ما عندي همزة في الأصل. ﴿دِرِّيء﴾ هذه واحدة، و﴿دُرِّيء﴾ هذه الثانية، يعني فِعِّيل وفُعِّيل، من الدَّرء بمعنى الدفع، لكن لا بد لنا أن نتحقق أكثر، ويش يقول؟ * طالب: الدرء بمعنى الدفع. * الشيخ: (...). * الطالب: (...). * الشيخ: طيب اللي بعده. * الطالب: الدرء بمعنى الدفع. * الشيخ: طيب. * الطالب: (...). * الشيخ: دُرِّي. * الطالب: دُرِّي، كذا في أصل (...) ودُرِّي بالضم (...) الدُّر، وقرئ: ﴿دُرِّيء﴾ بالضم والهمزة. * الشيخ: ﴿دُرِّيء﴾ . * الطالب: دُرِّيء بالضم والهمزة، و﴿دَرِّيء﴾ بالفتح والهمزة (...). * الشيخ: لا خلاص (...) القراءات ثلاث: ﴿دُرِّيٌّ﴾ بدون همزة، منسوب إلى الدُّرّ، وهو اللؤلؤ؛ لصفائه. و﴿دِرِّيء﴾ على وزن سِكَّين، مبالغة من الدرء، بمعنى: الدفع. أو﴿دُرِّيء﴾ أيضًا: من الدَّرْء بمعنى: الدفع. والكوكب الدري: معناه العظيم النور، والتوقد يعني توقده، ونوره عظيم، وذلك لأن وصفه بهذا الدرء يدل على قوة نوره ونفوذه، وكلما كان أشد لمعانًا كان أشد درءًا، ولهذا جاءت المسألة على باب المبالغة؛ لأن فِعّيل وفُعّيل كلاهما من صيغ المبالغة؛ إذ إن اسم الفاعل في هذه المسألة لو قال: دارئ، فإذا حول عن اسم الفاعل إلى غيره صار ذلك صيغة مبالغة. دري من أين؟ يشتق من الدرء، درأ يدرأ فهو دارئ، هذا اسم الفاعل، لكن جاءت المسألة على وزن فِعّيل، وفُعّيل لماذا؟ للمبالغة، جاءت للمبالغة؛ لأن كل مشتق بمعنى اسم فاعل إذا عدل به عنه يدل على أحد أمرين: إما المبالغة وإما الصفة المشبهة. فهنا المبالغة يعني لكونه لقوة توقده، وقوة ضوئه، يكون دِرِّيئًا أي: يدرأ الظلام لقوة نفوذه، وطبعًا ما يمكن أن يدرأ الظلام بقوة نفوذه إلا وهو عظيم التوقد وعظيم النور؛ لأنك لو جبت مثلًا سراجًا، أو لمبة صغيرة، هل تدرأ الظلام؟ ما تدرأ إلا درءًا بسيطًا فيما حولها، لكن لو جبت لمبة كبيرة وعظيمة تدرأ الظلام بقوة، ولذلك يكون ما حولها منيرًا جدًّا، وكذلك أيضًا أوسع وأبعد. فيها القراءة الثانية: ﴿دُرِّيٌّ﴾ ويش النسبة له؟ للدر، وهو اللؤلؤ، لصفائه، يعني: ما فيه مثلًا قتم يحول بيننا وبين هذا الكوكب اللي ما هو صافٍ جدًّا مثل الدر. هاتان القراءتان أظنه سبق لنا إشارة إلى أن القراءتين يكون من فوائدهما: سعة المعنى، يكون من فوائدهما أحيانا: سعة المعنى. يعني اختلاف القراءتين له مصلحة، له فائدة عظيمة: منها مثلًا التفسير؛ كقوله: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾. ومنها أيضًا: توسيع المعنى، فمثلا ﴿دُرِّيء﴾ أو ﴿دِرِّيء﴾ و﴿دُرِّيٌّ﴾ ويش اللي يوسع في المعنى؟ أنها بنفسها صافية بناء على دُرِّي، وقوية الإضاءة بناءا على دِرِّيء. فهذه من فوائد اختلاف القراءات: أنه يظهر في كل قراءة معنى غير الذي ظهر في القراءة الأخرى، فيكون ذلك أوسع وأشمل. * طالب: سبيعية. * الشيخ: الظاهر أنها ما هي سبعية، ما ذكرها المؤلف. (قُرِئ) ما هو بسبعية. قال: (﴿تَوَقَّدَ﴾ المصباح بالماضي، وفي قراءة بمضارع أوقد مبنيًّا للمفعول بالتحتانية) أوقد مضارعه: يوقد (مبنيًّا للمفعول بالتحتانية، وفي أخرى بالفوقانية) يعني: ﴿تُوقَدُ﴾ (أي الزجاجة). إذن ثلاث قراءاتٍ هنا: ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ تَوَقَّدَ﴾ ، هذه على أنها فعل ماضٍ (...). استمد الوقود لشجرة مباركة، إلى آخره. وفيه أيضًا: ﴿يُوقَدُ﴾ أي: يوضع فيه الوقود. وفيه أيضًا: ﴿تُوقَدُ﴾ . على تَوَقَّد وعلى يُوقَدُ الضمير يعود على أي شيء؟ على الكوكب؛ لأنه مذكر: كوكب دري تَوَقَّد، كوكب دري يُوقَدُ، لكن على قراءة ﴿تُوقَد﴾ : كأنها كوكب دري تُوقَدُ. يقول المؤلف على هذه القراءة: (أي الزجاجة)، يعود الضمير على الزجاجة، لا على الكوكب، وهنا ما يقال مثلًا: إن الضمير يعود إلى أقرب مذكور؛ لأن القاعدة: الضمير يعود على أقرب مذكور ما لم يوجد مانع لفظي أو معنوي. فهنا وُجد مانع لفظي، ويش المانع اللفظي؟ عود الضمير؛ لأن (تُوقَد) يعود الضمير على مؤنث، والكوكب مذكر. هذا وجد مانع لفظي يمنع من عود الضمير إلى آخر مذكور. وربما يوجد مانع معنوي، مثل قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ وأيش اللي قبل الآية هذه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ﴾ أي: الله ﴿اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج ٧٨] الضمير يعود على من؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، يعود على الله ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ﴾ أي: الله ﴿سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ طبعًا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما سمانا في هذا؛ لأنه لو فرض أنه يصح أنه سماكم من قبل يمكن يصح أن يكون إبراهيم لكن ﴿وَفِي هَذَا﴾ ما يصح. ولذلك نقول: هذا مانع معنوي؛ لأن هو صالح لأن يرجع إلى الله وصالح لأن يرجع إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لكن المعنى يمنع منه. على كل حال نعود إلى قراءتنا، نقول: ﴿تَوَقَّدَ﴾ و﴿يُوقَدُ﴾ كلاهما الضميرُ يعود على أيش؟ الكوكب، وأما ﴿تُوقَدُ﴾ فالضمير يعود على الزجاجة التي فيها المصباح كأنها كوكب دري. ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ (﴿مِنْ﴾ زيت ﴿شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ بل بينهما، فلا يتمكن منها حر ولا برد مضرين). * طالب: توقد المصباح. * الشيخ: قصدك أن المؤلف أعاده على المصباح، إي نعم، هو يعود على المصباح لا شك، وإحنا قررنا أنه يعود على الكوكب، ويلاحظ أن هذا ما يصح تقديرًا؛ لأن الكوكب ما هو بيوقد من هذا الشيء، الكوكب ما هو بيوقد من الشجرة، الذي يوقد هو المصباح. يقول ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾: (﴿مِنْ﴾ زيت ﴿شَجَرَةٍ﴾ ) كيف كان من زيت شجرة؛ لأن الشجرة نفسها ليست هي الوقود، وإنما الوقود زيتها. وقوله: ﴿مُبَارَكَةٍ﴾ أي ذات بركة، والبركة هي الخير الكثير الثابت، مأخوذ من بركة الماء؛ لكثرة مائها وثبوته. وقوله: ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ هل هناك شجرة غير الزيتون يوقد منها؟ * طالب: (...). * الشيخ: فيه، ولكن زيت الزيتون هو أعلاها وأشدها صفاءً وأقواها نورًا. وقوله: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ كيف قال ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ ويش معناه؟ يقول: (بل بينهما فلا يتمكن منها حر ولا برد) عندي (مضرين)، والظاهر الصواب (مضران) لأنها (...). طيب اللي لا شرقية ولا غربية يكون يقولون: معناها أنها في ربوة أو جبل؛ لأنها إذا كانت في منخفض هي لازم تكون شرقية أو غربية، إن كانت في المنخفض من جهة الشرق فهي شرقية، شمس آخر النهار لا تصيبها، وإذا كانت من جهة الغرب فهي غربية شمس أول النهار لا تصيبها، فهي إما في ربوة وذلك أكمل وأبين، وإما في مكان مستوٍ، صحراوية إي نعم، لكنهم قالوا: إنها في ربوة؛ لأنها إذا كانت في ربوة فهي أبين وأعلى وأطيب زيتًا، لكنها موصوفة بقوله: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾. وفي هذا دليل وإرشاد أنه ينبغي للإنسان إذا وضع الشجر ألا يضعه في مكان يحتجب عن الشمس شرقًا أو غربًا، بل ينبغي أن يُوضَع الشجر في مكان يبرز للشمس شرقًا وغربًا. (﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ لصفائه). ﴿يَكَادُ﴾ بمعنى يقرب ﴿زَيْتُهَا﴾ أي: زيت هذه الشجرة ﴿يُضِيءُ﴾ أي: يحدث إضاءة ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾، كيف يمكن يضيء ولو لم تمسسه نار؟ يقول المؤلف: (لصفائه)، فإذا أصابته النار أصله صافٍ يكاد يضيء، ويش صار؟ ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾. (﴿نُورٌ﴾ به ﴿عَلَى نُورٍ﴾ بالنار، ونور الله تبارك وتعالى الذي يوجد للمؤمنين نور).. * طالب: (...). * الشيخ: ويش بعده؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (أي: هداه للمؤمنين، نور على نور الإيمان). الآن يمكن أن نعرف كيف هذا التمثيل، وهل هذا التمثيل مركب ولَّا مفرد؟ الظاهر أنه مركب، يعني معناه مركب من هذه الأشياء، ولا يتحقق، ولا يتم التمثيل إلا بتصور هذه الأشياء مجتمعة. لو قلنا: إنه مفرد كان معناه كل تمثيل لا يتصل بما بعده. نبدأ ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ أين المشبه؟ نور الله، والمشبه به: المشكاة. ثم ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ هل هذا التشبيه مستقل عما قبله، أو هو في ضمن ما قبله؟ الذي نرى -وهو أبلغ- أن يكون في ضمن ما قبله؛ لأجل أن يكون التشبيه مركبًا من الصورة كاملة. ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ هذا إذن تشبيه تمثيلي، بمعنى أن الله شبه النور الذي في قلب المؤمن بهذه القضية كلها ﴿مِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾. طيب أين الذي يقابل المشكاة؟ القلب، والنور الذي يقذفه الله في قلبه مع نور الإيمان هو المصباح. لكن هذا المصباح مركب مم؟ في زجاجة، والزجاجة الصافية لماعة كأنها كوكب دري، ووقود هذا النور من شجرة مباركة زيتونة، زيتها صافٍ وجيد، فصار الآن مادة النور جيدة، وكذلك محله جيد، وكذلك وقايته جيدة؛ لأن الزجاجة تقي النور وتصفيه، النور إذا لم يكن في زجاجة كما هو معلوم يكون مضطربًا ويكون غير صافٍ، فتجد أن هذا النور قد كملت فيه أسباب الصفاء؛ من حيث الوقود والمكان، وكذلك أسباب الشمول من حيث كونه، والقوة من حيث كونه في مشكاة. النور الذي في قلب المؤمن مثل هذا، ولكنه في الحقيقة المؤمن كامل الإيمان، فأما المؤمن ناقص الإيمان فإنه ينقص من نوره بمقدار ما نقص من إيمانه، يعني لا تظنوا أن هذا التشبيه لكل قلب مؤمن، لا، بل المراد المؤمن الكامل الإيمان، فإن الله يجعل في قلبه هذا النور العظيم، وذلك أمر معلوم، كلما قوي إيمان العبد وكلما قوي طلبه للحق فإن الله تعالى يهديه للنور، وكلما ضعف إيمان العبد أو ضعف طلبه للحق فإنه يضعف نوره، ولهذا قال الشافعي رحمه الله: شَكَوْت إِلَى وَكِيعٍ سُـــوءَ حِفْظِــــــــي ∗∗∗ فَأَرْشَدَنِي إِلَى تَرْكِالْمَعاصِـــــــــــــــــــــي؎وَقَــــــالَ: اعْلَــــــمْ بِأَنَّ الْعِلْـــــمَنُـــــــــــورٌ ∗∗∗ وَنُــــــــــــــــورُ اللهِ لَا يُؤْتَاهُعَاصِــــــــــــــي فكلما نقص الإيمان، أو نقص طلب الحق، فإنه يَنقص هذا النور، وكلما ازداد الإنسان في طلب الحق، وذلك بالتعلم، وقوي إيمانه، ازداد نوره. ولذلك تجد أن أهل العلم تَقوَى معرفتهم بالشريعة بحسب ما أُثر عنهم من الإيمان والتقوى. قال الله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾ ما هو النور الذي على النور؟ النور: نور هذا المصباح، ﴿عَلَى نُورٍ﴾ ما في الزيت، فإن هذا الزيت أصله فيه إنارة، يعني ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ فكيف إذا أصابته النار؟ كذلك نور الإيمان في القلب مثل نور الزيت، ونور العلم والهداية مثل النار التي تصيب هذا الزيت. ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. يقول: (﴿نُورٌ﴾ به ﴿عَلَى نُورٍ﴾ بالنار، أي نور الله تعالى، أي هداه للمؤمنين نور على نور الإيمان). إذن فالإيمان بمنزلة الزيت، والهداية بمنزلة النار التي جُعل الزيت وقودًا لها. (﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾ أي: دين الإسلام ﴿مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ تقريبًا لأفهامهم ليعتبروا فيؤمنوا، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ منه ضرب الأمثال). ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾ هذا النور الذي يهدي الله له هو النور الذي يقذفه في قلب المؤمن، ولّا النور الذي ينزله للناس؟ الذي ينزله للناس، يهدي الله المؤمن إليه، فالذي ينزله الله سبحانه وتعالى إلى الناس من الوحي هو نور بلا شك، ويهدي إليه من يشاء. وكلمة ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ تَقدَّم لنا أن كل شيء عُلق بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، فالله تعالى يهدي من يشاء، لكن إذا اقتضت الحكمة هدايته. وقد علمنا أن كل من طلب الحق بنية صادقة، فإن الله سبحانه وتعالى يهديه، وكل من زاغ عن الحق، وتولى عنه، فإن الله تعالى يضله، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٩]. على كل حال ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ يكون ممن تقتضي الحكمة هدايته، وذلك لكونه مستعدًّا وقابلًا للهداية. وقوله: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾: الأمثال: جمع مَثَل، وهو الشَّبَه، أو مِثل وهو الشِّبه أيضًا. والأمثال: كل شيء يشابه غيره، فالله تعالى يضرب الأمثال للناس؛ إما أن يضرب حسيًّا بحسي، أو معنويًّا بمعنوي، أو معنويًّا بحسي. والغالب أن الله يضرب الأمثال إذا كان الأمر معنويًّا يضربه بأمر حسي، أو إذا كان الأمر الحسي أمرًا مستبعدًا، أو منكرًا، فإنه يضربه بحسي معلوم، وذلك لتقريب الأمر إلى أذهان الناس. مثلًا نجد أن الله تعالى ضرب مثلًا للذين يعبدون غير الله بأي شيء؟ ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت ٤١] هذا ضرب أمر معنوي بأمر حسي، فهم يلوذون بهذه الأصنام، كما أن العنكبوت تلوذ ببيتها، لكن هل بيتها يقيها؟ لا، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت ٤١]، ونجد أن الله تعالى يضرب مثلًا لما ينكره الكافرون من إحياء الموتى بأي شيء؟ بإحياء الأرض بعد موتها؛ فإن الأرض تكون ميتة هامدة، فإذا أنزل الله عليها الماء ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]. نجد أنه هنا في الأمر المعنوي اللي هو نور الله في قلب المؤمن، ونور الله سبحانه وتعالى الذي ينزله فيهتدي به المؤمن، نجد أن الله تعالى ضرب به مثلًا في هذه المصباح الذي في المشكاة إلى آخره. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مناسبة هذه الآية أنه سبحانه وتعالى أعلم العالِمين بما يطابق المثل مَضْرِبًا ومَوْرِدًا؛ لأن المثل له مضرب وله مورد، لكن الله سبحانه وتعالى هو أعلم العالِمين بهذا المضرب والمورد، ومطابقة أحدهما للآخر؛ لأنه ربما يأتي إنسان ويشبه شيئًا بشيء، وعندما تمحص وتحقق الأمر تجد أنه لا مشابهة، لكن الله سبحانه وتعالى إذا ضرب مثلًا بشيء، فإنه سبحانه وتعالى بكل شيء عليم، لا يخفى عليه أوجه المشابهة التي يتضمنها هذا المثل. وفي هذه الآية إشارة، بل صريح، إلى عموم علم الله سبحانه وتعالى، وأنه عليم بكل شيء، لا فيما يتعلق بأفعاله، ولا فيما يتعلق بأفعال العباد، من الذي أنكر العلم بأفعال العباد... * * * ...بآيات من متشابه القرآن، والله سبحانه وتعالى حكيم يجعل في وحيه أمرًا متشابهًا، ويش يستدلون به في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١]، قالوا: (حتى) للغاية، فمعنى ذلك أنه سبحانه وتعالى لا يعلم المجاهد والصابر إلا بعد أن يجاهد ويصبر، ولكنه سبق لنا الجواب عن مثل هذا الإشكال: * طالب: (...). * الشيخ: يعني قصدك تقول: إن المراد العلم الذي يترتب عليه الجزاء؟ لا؛ لأن علم الله تعالى بالشيء قبل وقوعه ما يترتب عليه جزاء، يعني كون الله يعلم أن هذا بيجاهد، وهذا ما هو مجاهد، هذا ما يترتب عليه الجزاء، فيكون ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ العلم الذي يترتب عليه الجزاء، وذلك لا يكون إلا بعد الامتحان والابتلاء. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، يعني نقول أيضًا فرقًا آخر: علم الله بالشيء قبل وقوعه: علم بأنه سيقع، فلا يتعلق به شيء، وعلمه بعد وقوعه: علم بأنه وقع. وفرق بين مَدرَك العِلمين: الأول علم بأنه سيقع، ولا يترتب عليه شيء بالنسبة للمكلف. والثاني: علم بأنه وقع، وهو الذي يترتب عليه ما رتبه الله سبحانه وتعالى بالنسبة للمكلَّف. مفهوم يا جماعة، هذا هو ما أجاب به أهل السنة عن مثل هذه الآية. * طالب: (...). * الشيخ: هذه شاملة لها، نعم، فهو بكل شيء عليم في نفس المثل، وفيمن ينتفع به. * * * * طالب: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور ٣٨ - ٤٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق أن الله سبحانه وتعالى وصف نفسه بأنه نور السماوات والأرض، وبينا على ذلك أن النور قسمان: مخلوق وغير مخلوق. فما وصف الله به نفسه، وسمى به نفسه من النور فهو غير مخلوق؛ لأن الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته هو الخالق، وما سواه مخلوق. وأما القسم الثاني، وهو النور المخلوق، فينقسم أيضا إلى قسمين: حسي ومعنوي، فما في السماوات والأرض من الأجرام المضيئة هذا حسي، وما لدى الإنسان من الإيمان والعلم هذا معنوي. وسبق أن الله سبحانه وتعالى ضرب مثلًا لنوره في قلب عبده المؤمن بمصباح كامل في مادته، أي وقوده، وفي محله، وفي حمايته. في وقوده يوقد منين؟ ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور ٣٥] وفي حمايته ووقايته في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري. وفي محله، أو موضعه الذي ينعكس فيه النور، في أيش؟ في مشكاة. وهذا أعلى ما يكون من الإضاءة؛ لوجود أسبابها كاملة، وهذا أيضًا مثل تقريبي، وإلا فنور الإيمان والعلم في قلب المؤمن أشد وأبلغ، لكن تضرب الأشياء المعقولة بالأشياء المحسوسة تقريبًا فقط، لا تحقيقًا ومساواة، بل بينهما فرق. ثم بيّن الله سبحانه وتعالى أنه يضرب الأمثال للناس، الأمثال يعني الأشباه والنظائر، فيضرب أحيانًا المعقول بالمحسوس، وأحيانًا يضرب الغائب بالحاضر، وهذا لا شك أنه من نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده؛ لأن ذلك من تمام التعليم، هذا لا شك أنه من تمام التعليم، وإلا فلو شاء الله سبحانه وتعالى ما ضرب الأمثال للناس، ولتركهم حتى يضلوا، ولكن من تمام رحمته أن كان تعليمه على وجه الكمال والتمام، ولذلك يضرب الله الأمثال لأجل أن يستدل الناس بها على ما يريد الله سبحانه إثباته لهم.

النور 24:36

ثم قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ إلى آخره. (﴿فِي بُيُوتٍ﴾ متعلق بـ﴿يُسَبِّحُ﴾ الآتي) أيش معنى متعلق؟ الفعل يتعدى إلى المفعول بنفسه، وأحيانًا يتعدى إلى المفعول بحرف الجر، إذا تعدى إلى مفعول بحرف الجر يقال: هذا متعلق به، ولَّا في الحقيقة أن الجار والمجرور متعلق، وكذلك الظرف هو مفعول في الحقيقة، لكنه لا يتعدى إليه الفعل بنفسه، فـ﴿يُسَبِّحُ﴾ تعلق بها قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ يعني: أن العامل في الجار والمجرور هو قوله: ﴿يُسَبِّحُ﴾. (﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ تعظم ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ بتوحيده) إلى آخره. ﴿أَذِنَ﴾ المراد هنا الإذن الشرعي، المراد بالإذن: الشرعي، فمعنى ﴿أَذِنَ﴾ أي: شرع أن تُعظَّم، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: «أَمر النبي ﷺ ببناء المساجد في الدُّور -يعني: في الحارات- وأن تُطَيَّب»[[أخرجه أبو داود (٤٥٥)، والترمذي (٥٩٤)، وابن ماجه (٧٥٨) من حديث عائشة.]]. وهذا دليل على أن الإذن هنا بمعنى أيش؟ الشرع، وقد سبق أن قررنا أن الإذن ينقسم إلى قسمين: إذن كوني وإذن شرعي. فمثال الإذن الكوني: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥]، ومثال الإذن الشرعي ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] هذه ما تصح أن تكون إذنًا قدريًّا كونيًّا، لماذا؟ ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، لا تصح أن تكون إذنًا كونيًّا قدريًّا، لماذا؟ لأن الإذن القدري الكوني لم ينتفِ؛ فإنهم شرعوا، وما شرعوا إلا بإذن الله كونًا وقدرًا، فإذن ﴿مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ أي: شرعًا ولا بد. على كل حال الآن الإذن -إذن الله- ينقسم إلى قسمين: كوني وشرعي؛ فالكوني مثله في قوله تعالى. * طالب: (...). * الشيخ: طيب والشرعي ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. وقد يأتي الإذن بمعنى الاستماع، كقوله ﷺ: «مَا أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ إِذْنَهُ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٢٤)، ومسلم (٧٩٢ / ٢٣٢) من حديث أبي هريرة.]] معناه: ما أذن الله لشيء أي: استمع لشيء مثل استماعه لهذا النبي الذي يتغنى بالقرآن يجهر به. إذن ﴿أَذِنَ اللَّهُ﴾ في الآية التي معنا ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ من أي الإذنين؟ الشرعي. هل يتعين أن تكون للشرعي؟ * طالب: (...). * الشيخ: ولماذا؟ * طالب: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾. * الشيخ: طيب ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ جوابكم صحيح، لكن التعليل لو أذن بذلك قدرًا لكانت المساجد تُعظَّم ولا بد، وتُرفع ولا بد؛ لأن الإذن الكوني أو القدري -والمعنى واحد- لا بد فيه من وقوع المأذون. كل ما يتعلق بالأمور الكونية لا بد من وقوعه، فلو كان المراد بالإذن هنا: الإذن الكوني لكان رفع المساجد أيش؟ أمرًا حتميًّا، مع أننا نجد أن المساجد أحيانًا لا تُرفَع ولا تُعظَّم، بل تُمنَع ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة ١١٤]. طيب ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ﴾ أي: شرع ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾ تعظم، وفي الحقيقة أن رفعها أعم من التعظيم، تُرفَع بالتعظيم وبغيره، لكن صحيح أظهر ما يكون الرفع هو التعظيم. ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أي: اسم الله، والمراد: أن الله يُذكر بأسمائه؛ لأنه إذا ذُكر الاسم ذُكر المسمَّى. وقوله: ﴿يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ بأي شيء يذكر؟ * طالب: بالصلاة. * الشيخ: إي نعم، بالقراءة والتسبيح كما سيأتي أيضًا، المهم يُذكر فيها اسمه بالثناء والتمجيد، وهذا يشمل الصلاة وغير الصلاة. ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ وهذا التنزيه، فيكون في الآية إشارة إلى أمرين: إلى إثبات الكمال في قوله: ﴿يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، وإلى نفي النقص في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ﴾ إلى آخره. وقوله تعالى: (﴿يُسَبَّحُ﴾ بفتح الموحدة وكسرها أي: يُصلَّى). ﴿يُسَبَّحُ﴾ فيها قراءتان سبعيتان: الفتح والكسر. وسيأتي -إن شاء الله- تخريج كل منهما في موعده. وقوله: (أي: يُصلِّي)، هذا فيه نظر إن قصد بذلك حصر التسبيح بالصلاة، وإن قصد بذلك التمثيل فهذا صحيح؛ فإن قوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ أعم من كونهم يصلون، بل هم يسبحون الله بالصلاة وغيرها مما يكون به تنزيه الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ﴾. (يُصَلِّي ﴿لَهُ﴾ أي: لله ﴿فِيهَا بِالْغُدُوِّ﴾ مصدر بمعنى الغدوات، أي: البُكَر، ﴿وَالْآصَالِ﴾ العشايا من بعد الزوال). قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (الغدو) يقول المؤلف: إنها جمع، مصدر غدا يغدوا غدوًّا، لكنها بمعنى الجمع، (غُدُوّ) مصدر بمعنى الجمع، بمعنى الغدوات، يعني: أول النهار، وإنما لجأ المؤلف إلى جعل الغدو بمعنى الغدوات للمطابقة، ويش هي المطابقة؟ ﴿وَالْآصَالِ﴾، مطابقة ﴿وَالْآصَالِ﴾؛ لأن الآصال: جمع أصيل، وهو آخر النهار. وقوله: هي العشايا، جمع عشي أيضًا، ما كان بعد الزوال، وفي حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين «قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صَلَاتَيِ العَشِيِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢)، ومسلم (٥٧٣ / ٩٧) من حديث أبي هريرة.]] يقول الراوي عن أبي هريرة. أقول: الغُدُوّ: مصدر بمعنى الجمع، أي: الغدوات، ﴿وَالْآصَالِ﴾ جمع أصيل، أي: العشايا، أي: آخر النهار. طيب وين الصلوات إذا قلنا: ﴿يُسَبِّحُ﴾ بمعنى (يصلي)؟ ويش يكون بالغدو؟ صلاة الفجر، والعشي: الظهر والعصر، وأيش يبقي عندنا؟ المغرب والعشاء، وهي مما يُصلَّى في المساجد. ولهذا نرى أن الصواب في ذلك أن التسبيح أعم من الصلوات. ثم إنه يحتمل أن يُقصد بالغدو والآصال: جميع الوقت، كما في قوله تعالى في أهل الجنة: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢]، الرزق لأهل الجنة هو دائم ولّا بس الصبح وآخر النهار؟ دائم، لكن يقال هكذا والمراد الدوام، فإما أن تحمل الغدو والآصال على معنى الدوام، أي: يسبحون دائمًا، أو على معنى أول النهار وآخره، فيكون هذا إشارة للتسبيحات التي تُذكر في أول النهار وفي آخره، ومنها صلاة الفجر وصلاة العصر؛ فإن الصلاتين هاتين أفضل الصلوات، كما جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٤)، ومسلم (٦٣٥ / ٢١٥) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، وقال ﷺ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣ / ٢١١) من حديث جرير بن عبد الله.]]، أيش يعني؟ الفجر والعصر. على كل حال الغدو والآصال إن أريد بهما حقيقتاهما، وهو أول النهار وآخره، كان في ذلك إشارة إلى أي شيء؟ إلى ما يقال من التسبيح والتعظيم لله والتهليل في أول النهار وآخره، وكذلك أيضًا إلى صلاة الفجر وصلاة العصر. وإن قلنا: المراد بالغدو والآصال المراد: كل الدهر، وأن هذا من باب ذكر الطرفين ليشمل الجميع، كما في قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢]؛ فإنه يشمل كل ما يسبح لله تعالى في المساجد في أول النهار وآخره، وفي الليل؛ أوله وآخره ووسطه. * * * وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾ [النور ٣٦، ٣٧] (فاعل يسبح بكسر الباء، وعلى فتحها نائب الفاعل له، و(رجال) فاعل فِعل مقدَّر جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: من يسبحه؟). الآن توجيه القراءتين السابقتين ﴿يُسَبِّحُ﴾، و﴿يُسَبَّح﴾ : إذا كانت ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: ﴿يُسَبِّحُ﴾ مبني للفاعل ولّا للمفعول؟ * طالب: للفاعل. * الشيخ: للفاعل، وعليه يكون قوله: ﴿رِجَالٌ﴾ فاعل (يسبح) أو لا؟ واضح. على قراءة ﴿يُسَبَّح﴾ يكون الفعل مبنيًّا للمفعول، يحتاج إلى نائب فاعل، ما يصلح أن يكون ﴿رِجَالٌ﴾ نائب فاعل؛ لأنه لو كان نائب فاعل كان اللي يسبحون من؟ الرجال، وهذا شيء غير ممكن، إذن أين نائب الفاعل؟ نائب الفاعل الجار والمجرور في قوله: ﴿لَهُ﴾: ﴿يُسَبَّح لَهُ﴾ ، وإذا لم يوجد المفعول، يعني في الفعل المبني للمفعول، ناب عنه الظرف والجار والمجرور، مثلما لو قلت: (قِيلَ قولٌ).. لا هذه نائب فاعل صريح. (ضُرب الضربُ) وما أشبه ذلك، فإنه ينوب عن المفعول به. يقول ابن مالك: وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ أَوْ مِنْ مَصْدَرِ ∗∗∗ أَوْ حَـــــرْفِ جَـــــرٍّ بِنِيَابَــــــةٍحَـــــــــــرِي اللي معنا الآن ﴿يُسَبَّحُ لَهُ﴾ إذا قلنا: ﴿لَهُ﴾ هو نائب الفاعل.. قِيلَ قولٌ، لا، هذه نائب فاعل صريح، ضُرِبَ الضربُ، وما أشبه ذلك، فإنه ينوب عن المفعول به، ابن مالك: وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ اوْ مِنْ مَصْدَرِ ∗∗∗ أَوْ حَــرْفِ جَرٍّ بِنَيَابَـــةٍحَــــــرِي اللي معنا الآن ﴿يُسَبَّحُ لَهُ﴾ [النور: ٣٦] إذا قلنا: (له) هو نائب الفاعل هو الظرف ولَّا حرف جر؟ البيت في الألفية: وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ اوْ مِنْ مَصْدَرِ ∗∗∗ أَوْ حَــرْفِ جَرٍّ بِنَيَابَـــةٍحَــــــرِي من أي الثلاثة ذا؛ ﴿يُسَبَّحُ لَهُ﴾ ؟ حرف الجر. يبقى الإشكال في ﴿رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٧] على قراءة ﴿يُسَبَّحُ﴾ ، نقول: ﴿رِجَالٌ﴾ فاعل لفعل محذوف، هذا الفعل المحذوف أوجبه كلمة ﴿يُسَبَّحُ﴾ ؛ لأن ﴿يُسَبَّحُ لَهُ﴾ كأنه قيل: من يسبح أو من يسبح له؟ فقيل: رجال، وعلى هذا فتكون ﴿رِجَالٌ﴾ فاعلًا لفعل محذوف دل عليه الفعل المذكور وهو ﴿يُسَبَّحُ﴾ ، واضح؟ إذن (يسبح) فيها قراءتان سبعيتان؛ فتح الباء وكسرها، وتبين الآن توجيه كلٍّ من القراءتين. (﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ﴾ أي: شراء، ﴿وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ حذفت هاء (إقامة) تخفيفًا، ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ﴾ تضطرب، ﴿فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ من الخوف؛ القلوب بين النجاة والهلاك، والأبصار بين ناحيتي اليمين والشمال وهو يوم القيامة). يقول الله عز وجل: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ كلمة (رجال) تدل على المدح والثناء، كما يقال: فلان رجل؛ أي: أنه اتصف بصفة الرجولة، فكلمة (رجال) لا شك أنها تدل على الثناء؛ ولذلك لا تطلق إلا على البالغ العاقل. وقوله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ لم يقل: لا يبيعون ولا يشترون؛ لأن الذي لا يبيع ولا يشتري قد يأتي إلى المسجد ليسد الفراغ، لكن يبيع ويشتري وهو بصدد (...). إليه، لا لأنه سايب ما له عمل ولا له شغل، فهمتم الآن؟ وهذا أبلغ في الثناء كونهم يبيعون ويشترون، لكن هذا البيع والشراء لا يلهيهم عن ذكر الله. وقوله تعالى: ﴿تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ المؤلف فسر التجارة بالشراء لماذا؟ * طالب: تفسير بالمقابل. * الشيخ: في مقابلة ﴿بَيْعٌ﴾، ولكنه تفسير ليس بصحيح؛ لأن الشراء مفهوم من بيع؛ إذ لا يوجد بيع إلا بشراء، لكن التجارة أعم من البيع، قد يلهو الإنسان بتجارته لتصنيفها وتبويبها وحفظها وصيانتها، وما أشبه ذلك، أليس هكذا؟ ربما ما هو يبيع ويشري لكن يلهو بطريق آخر بهذه التجارة؛ لذلك الآية نقول: المراد بالتجارة ما يتجر به الإنسان ولهوه به ليس بالشراء، بل ما هو أعم، أما الشراء فمفهوم من البيع؛ لأنهم إذا شروا فقد باع عليهم غيرهم، وإذا باعوا فقد اشترى منهم غيرهم. وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ يعني: التجارة ما تلهيهم عن ذكر الله، يقدِّمون ذكر الله على تجارتهم، لكن الناس في هذا الباب ينقسمون إلى ثلاثة أقسام في مسألة التجارة والذكر؛ منهم من يقدم التجارة على الذكر، وهذا خاسر؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون ٩]، لو ربحوا في الأموال والأولاد فهم خاسرون، هذا قسم. القسم الثاني: من لا تلهيه التجارة ولا الأموال والأولاد عن ذكر الله، لكن يعمل هذا في محله وهذا في محله، فهذا رابح، ما فاته ماله وولده ولا فاته ذكر الله؛ أتى لهذا بنصيبه ولهذا بنصيبه. القسم الثالث: من هو أعلى من هذا؛ من يجعل تجارته وولده من ذكر الله، بحيث يقصد بهذه التجارة الاستعانة على طاعة ربه وعلى بذل أمواله فيما يرضي ربه، وهو كذلك بالنسبة للأولاد؛ يجعل اشتغاله بهم لتربيتهم والتأمل في نعمة الله عليه بهم، وما أشبه ذلك، هذه هي المرتبة العليا. وعلى هذا يكون هذا الرجل رابحًا في الطرفين، صح ولَّا لا؟ في الطرفين في آن واحد، والقسم الثاني رابح في الطرفين لكن على التناوب؛ يربح في هذا ويعطيه ما يستحق، ويربح في هذا ويعطيه ما يستحق، أما الثالث الأخير فهذا شأنه شأن كبير، ولكن قلَّ من يوجد بهذه الصفة، قلَّ وهو نادر جدًّا، وأكثر الناس اليوم من أي الأقسام؟ * طلبة: الأول. * الشيخ: من القسم الأول اللي هو في الحقيقة أخيرًا في المرتبة وأولًا في الذكر، أكثر الناس اليوم هكذا. * طالب: الثالث. * الشيخ: الثالث؛ من جعل اشتغاله بتجارته ذكرًا لله. أقول: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ (إقام) بمعنى (إقامة)، لكن حذفت التاء تخفيفًا، وإقام الصلاة ليس مجرد فعلها، بل هو أمر فوق الفعل، يعني ويش معنى: أقام الشيء؟ جعله قيِّمًا مستقيمًا، وذلك بفعل شروطها وأركانها وواجباتها، فما كل مصلٍّ مقيمًا للصلاة؛ ولهذا تجدون أن الثناء الذي يذكره الله في القرآن، بل والأوامر التي يأمر الله بها في القرآن غالبًا، ويش نقول؟ بالإقامة؛ لأن ذلك هو الأصل ليس مجرد فعل الصلاة؛ ولهذا نجد أنه يصلي رجلان مع الإمام أفعالهما واحدة، ودخولهما في الصلاة واحد، وخروجهما منها واحد، ولكن بين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، لماذا؟ لأن أحدهما أقام الصلاة، والآخر صلى فعلًا بس، لكن الأول أقامها خاشعًا مستحضرًا مخلصًا، يرجو ثواب الله ويخاف عقاب الله. (إقام الصلاة) المذكور في القرآن كثيرًا بماذا بيِّن؟ بيِّن بالسنة، فيه أشياء مبينة في القرآن، لكن غالب ذلك مبين بالسنة، بينته سنة الرسول ﷺ، وبهذا نعرف أن السنة ضرورية في الشرع، وأن من أنكرها فقد هدم جانبًا كبيرًا من الشرع، وقد وجد بعض الناس أنكر السنة، والعياذ بالله. وسمعنا أن بعض الزعماء من العرب صاروا يصادرون كتب السنة، قيل لي: إنهم يصادرون البخاري ومسلمًا من المكاتب حتى لا تنتشر سنة الرسول ﷺ بين أمته، والعياذ بالله، وهذا لا شك أنه كفر؛ يعني الذي يبيح لنفسه أن يصادر كتب الحديث التي تلقتها الأمة بالقبول، هم لو صادروا كتبًا مضلة ضعيفة موضوعة لكنا نحمدهم على هذا الأمر، لكن يصادرون كتبًا صحيحة تلقتها الأمة بالقبول وعلمها المسلمون واعتبروها سندًا، هؤلاء لا شك أنهم كفار؛ لأنهم كفروا بسنة الرسول ﷺ، بل بالقرآن نفسه؛ لأن الله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١]، ويقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، ويقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١]، ويقول: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧]، ويقول: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٣٦]. على كل حال الآيات في هذا كثيرة وبينة وواضحة، فإقامة الصلاة من هذا النوع ما بينها بيانًا كافيًا إلا سنة الرسول عليه الصلاة والسلام. وقوله: ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ أي: إعطائها، والزكاة معروفة لنا وهي الجزء الذي أوجبه الله تعالى في أموالنا، ولم يبين المؤتى إليه لكنه مبين في القرآن في سورة التوبة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة ٦٠]، هذه الذي يؤتى إليه الزكاة. ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ قوله: ﴿يَخَافُونَ﴾ هذه صفة لـ﴿رِجَالٌ﴾، لا تلهيهم وهم أيضًا في هذه الأحوال يخافون يومًا؛ يخافون في حال تسبيحهم بالغدو والآصال، وفي حال إقامتهم الصلاة وإيتاء الزكاة، وفي حال عدم لهوهم بالتجارة والبيع، كل هذه الأعمال مبنية على هذه العقيدة والأساس. ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ﴾ خوفهم من هذا اليوم يدل على إيمانهم به ولَّا لا؟ يدل على إيمانهم به؛ إذ لا يخاف الإنسان من شيء لا يؤمن به، فهو يدل على أن عندهم تمام الإيمان واليقين باليوم الآخر؛ ولذلك يخافونه؛ يخافون هذا اليوم. هذا اليوم وصفه الله بقوله: ﴿تَتَقَلَّبُ﴾ تضطرب فيه، ﴿الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ ﴿تَتَقَلَّبُ﴾ التقلب معروف هو تغير الهيئة من حال إلى حال، وهذه القلوب تتقلب؛ تضطرب وتنتقل من حال إلى حال، كيف؟ تقلب القلوب يقول: (بين النجاة والهلاك)، ما يدري الإنسان هل ينجو أو يهلك؟ فقلبه متقلب مضطرب؛ أحيانًا يغلب عليه الرجاء، وأحيانًا يغلب عليه الخوف، كذلك الأبصار تتقلب. يقول المؤلف: (من ناحية اليمين والشمال)؛ لأنه الناس (...) ما كأنهم عقلاء؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج ٢]، ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم ٤٢، ٤٣] واحد إذا رأيته كأنه مجنون، كأنه سكران من شدة الهول، وما ظنك بالقلب حينئذٍ؟ لا شك أنه في الحقيقة سوف يتقلب ويضطرب ولا يدري المآل، هذا الذي يحصل يوم القيامة. يقول: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور ٣٨] ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ (أي: ثوابه، وأحسن بمعنى: حسن)، ما شاء الله، اللام في قوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ﴾ هل هي للعاقبة وأن عاقبتهم هذا، أو هي للتعليل أيضًا؛ يعني أنهم يسبحون ويخافون لأجل أن يجزيهم الله أحسن ما عملوا، فيكون هنا جمعوا -على قول لام التعليل- جمعوا بين الخوف والرجاء، أو نقول: للعاقبة، وأنهم يعملون تلك الأشياء خوفًا من الله عز وجل، فتكون عاقبتهم الأمن التام مع الثواب الجزيل؟ فيه احتمالان؛ إما أن تكون اللام للعاقبة؛ يعني أنهم يسبحون ويخافون، وتكون عاقبتهم تلك وهو الأمن مما يخافون وحصول الثواب الجزيل، أو أنها للتعليل؛ يعني أنهم يفعلون ذلك لانتظار الجزاء. ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ ثم هنا نناقش المؤلف. قال المؤلف: (أي: ثوابه)؛ لأنهم في الحقيقة لا يجزون بنفس العمل وإنما يجزون بأي شيء؟ * طلبة: الثواب. * الشيخ: بثوابه، الجزاء: الثواب؛ لذلك احتاج المؤلف أن يقدِّر العمل بثواب العمل؛ لأنه هو الذي به الجزاء، هذه واحدة. الثانية: يقول: (أحسن بمعنى: حسن)، ليش؟ لأنه توهم المؤلف، أو ربما يتوهم المتوهم أن الجزاء إنما يقع على أحسن ما يعمل الإنسان، والحقيقة أن الجزاء يقع على الأحسن والحسن، أليس كذلك؟ عندما يعمل الإنسان حسنًا، فإن الجزاء يكون على الحسن والأحسن، ولكن هذا التوهم لا يرد على تقدير المؤلف وهو أن المراد ليجزيهم الله ثوابه، يصير المعنى: ليجزيهم الله أحسن ثواب ما عملوا، وعليه فلا إشكال إطلاقًا، ولا نؤول (أحسن) بمعنى (حسن)؛ لأن تأويل (أحسن) بمعنى (حسن) تحريف، أيهما أكمل؟ أحسن؛ فلذلك نقول: الآية على ظاهرها، واسم التفضيل على بابه، والمعنى: أنهم يجزون أحسن ثواب لعملهم، كيف ذلك؟ الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، والإنسان لو عملت له عملًا وأعطاك أجرك مرتين، ويش يصير هذا؟ أحسن ثواب، لكن ثواب الله عز وجل أحسن وأحسن؛ لأن الله يضاعف لمن يشاء، فالأولى بل الواجب أن تبقى (أحسن) على ما هي عليه من التفضيل. نقول: (أحسن)؛ أي: أحسن ثوابٍ لعملهم، بيكون هنا الأحسن ليس للعمل، ويش الأحسن له؟ الأحسن للثواب. بقي علينا على التقدير الأول: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾، لماذا جعل الله تعالى الحسن للعمل نفسه مع أن الحسن للثواب؟ إشارة إلى أن الجزاء بقدر العمل؛ ولذلك عبِّر به عنه؛ العمل، كما تدين تدان. فالإنسان الذي لا يصلي مثلًا، هل يثاب ثواب المصلي؟ لا، والذي لا يزكي لا يثاب ثواب المزكي، وهكذا، فالجزاء على العمل؛ ولذلك عبِّر به -أي بالعمل- عن جزائه، إشارة إلى أن الجزاء من جنس العمل، لكنه جزاء أحسن ما يكون. وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (يقال: فلان ينفق بغير حساب؛ أي: يوسِّع، كأنه لا يحسب ما ينفقه)، قوله: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هذا زائد على ثواب العمل، وذلك ما يحصل من زيادة الأعمال الصالحة، وزيادة الرزق في الدنيا، وزيادة ما يدخر لهم عند الله في الجنة، كالنظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى، كما جاء في الحديث الصحيح[[أخرجه مسلم (١٨١ / ٢٩٨) من حديث صهيب.]]، في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦] أن المراد بالزيادة: الزيادة من الرزق في الدنيا، الزيادة من الثواب في الآخرة بالنظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ المعنى: أنه سبحانه وتعالى يعطي بغير تقدير، لكن ويش معنى: بغير تقدير؛ كيف نقول: بغير تقدير مع أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨]؟ الجواب: أن هذا كناية عن كثرة العطاء؛ ولهذا يقال كما قال المؤلف: (فلان ينفق بغير حساب)، أيش معناه؟ يعني: يعطي عطاء كثيرًا لا حد له، وإلا فإن الله تعالى قد قدَّره بعلمه وحكمته، كل شيء حتى نقطة المطر إذا نزلت في الأرض فإنها بمقدار. إذن يكون معنى قوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: بغير مقدار، وهو كناية عن أيش؟ عن كثرة ما ينفق، لا عن كونه ينفق هكذا بدون أن يشعر بما ينفق، بل هو سبحانه وتعالى يعلم ما يرزق، وكيف يرزق، وأين يرزق، ولكنه تعالى لكثرة عطائه كالذي لا يحسب. * في هذه الآية من الفوائد فوائد كثيرة؛ منها: فضيلة المساجد، وبماذا نستدل عليه؟ بقوله: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، فإن إذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يدل على شرفها؛ لأن المكان يشرف بشرف العمل فيه، كما أن الزمان أيضًا يشرف بشرف العمل فيه، لماذا كان رمضان شريفًا؟ لمشروعية الصيام فيه وإنزال القرآن، ولماذا كانت (...) شريفة؟ لأن فيها المناسك وذكر اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، وهكذا. * إذن يستفاد من ذلك: شرف المساجد؛ لأنها محل ذكر الله عز وجل وتعظيمه. * فيه أيضًا: مشروعية تعظيم المساجد، ومن ذلك؛ من تعظيمها: أن تطيب، ومن ذلك أيضًا: أن تنظف عن الأذى والأقذار. هل نقول: ومن ذلك أن ترخرف؟ لا؛ ولهذا جاء في الحديث: «مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ» وحديث ابن عباس: «لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى»[[أخرجه أبو داود (٤٤٨) من حديث عبد الله بن عباس.]]، فالزخرفة هذا شيء لا يليق بالمساجد؛ لأن المساجد ليست بيوت دنيا، وإنما هي بيوت عمل للآخرة، لكن تنظف عن الأذى والأقذار وتطيَّب، وفرق بين التنظيف عن الأذى وبين إحداث الزخرفة؛ فإن التنظيف عن الأذى تنقية، لكن الزخرفة إيجاد أشياء لا تتناسب مع المساجد. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، تعظيم المسجد: ألَّا تدخل بالنعلين إلا وقد نظفته. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي، اللباس ما أدخل به. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ولا (...) ضرورة، نقول: السنة أن تصلي في النعلين؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بذلك[[أخرجه أبو داود (٦٥٠) من حديث أبي سعيد الخدري، وفيه: «وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا».]] وفعله بنفسه أيضًا[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٦)، ومسلم (٥٥٥ / ٦٠) من حديث أنس بن مالك.]]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: البيوت؟ * طالب: إي. * الشيخ: لا، الدور في اللغة: الحارات، يقال: هذه دار بني فلان، وهذه دار بني فلان؛ يعني: حارتهم، إي نعم (...) ذكر الله. * طالب: (...). * الشيخ: إي، الأكل في المساجد، هذه تأتي إن شاء الله فيما بعد. * * * مثل -سلمك الله الأهوال عندما تحدث- لو بشِّر الإنسان؛ فإما أن ينسى ما بشِّر به لشدة الهول، وإما أن يخاف من أمر يصيبه قبل أن يصل إلى ما بشِّر به، واضح؟ عندنا مثلًا يقول لك الملك -ولله المثل الأعلى- ترى فأنت أعمل ما عليك، وتشوف الجلد في الناس والأسر والأخذ، ما تخاف؟ لا بد يحصل عندك خوف، مع أن هذا نقوله على سبيل التقريب، وإلا أهوال يوم القيامة ما يتصورها الإنسان. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، الرسل عليهم الصلاة والسلام يعبرون الصراط ويقولون: اللهم سلم، اللهم سلم[[متفق عليه؛ البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢ / ٢٩٩) من حديث أبي هريرة.]]. (...) كملنا الكلام على ما يستفاد من الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ والآن نبدأ ذلك جميعًا، بدأنا ذكر الفوائد فنقول، وبالله نقول سبحانه وتعالى: * فيها: تعظيم شأن المساجد؛ لقوله: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾، فإن هذا دليل على تعظيم شأنها. وبينَّا أن الإذن ينقسم إلى قسمين وهو: شرعي وكوني، والفرق بينهما: أن الشرعي ما يتعلق فيما شرعه الله وأحبه، والكوني فيما قدره سواء شرعه أو لم يشرعه، وذكرنا على ذلك أمثلة. * وفيه أيضًا: فضيلة ذكر الله سبحانه وتعالى في المساجد؛ لقوله: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾. فضيلة تنظيف المساجد وحمايتها من الأذى؛ لقوله أيش؟ ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾، فإن هذا من رفعها؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ»[[أخرجه أبو داود (٤٦١)، والترمذي (٢٩١٦) من حديث أنس بن مالك.]]. * وفيها: أن الذكر الأفضل أن يكون بالقلب واللسان، يؤخذ من أين؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ﴿يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾؛ لأنه ما يمكن ذكر الاسم إلا باللسان. * وفيها أيضًا: فضيلة التسبيح؛ لقوله: ﴿يُسَبِّحُ﴾. * وفيها أيضًا: الجمع بين إثبات الكمال لله ونفي النقص عنه، من أين؟ ﴿يُذْكَرَ﴾ و﴿يُسَبِّحُ﴾؛ ﴿يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ هذا إثبات صفة الكمال، ﴿يُسَبِّحُ﴾ نفي صفة النقص، عرفتم؟ وأظن سبق لنا قاعدة مهمة في باب التوحيد في الأسماء والصفات على أن النفي لا يراد به مجرد النفي، وإنما يراد.. * طالب: (...). * الشيخ: إي، مع النفي إثبات كمال ضده، فإذا نفى الله عن نفسه سبحانه وتعالى أنه يظلم ليس معنى ذلك مجرد نفي الظلم، ولكن من أجل إثبات كمال العدل؛ من أجل كمال عدله لا يظلم؛ لأن نفي الظلم مثلًا قد يكون من العجز عن الظلم، وقد يكون لعدم قابلية هذا المحل لكونه ظالمًا، عرفتم؟ قلنا مثلًا: إنه يقال: الجدار لا يظلم، لماذا؟ * طالب: ليس له قابلية. * الشيخ: إي، ليس قابلًا للظلم، القابلية معدومة، وتقول مثلًا: هذا الرجل الضعيف المهين -لرجل ضعيف مهين- تقول: هذا لا يظلم. * طالب: لعجزه. * الشيخ: لعجزه، فلا يكون مدحاً، لكن عندما تقول لقادر قابل لأن يكون ظالمًا من حيث هو ذاته، فهذا دليل على كمال عدله؛ ولهذا نفى الله الظلم عن نفسه متمدحًا به تبارك وتعالى، ولو كان غير قابل للظلم -كما قالت الجبرية- ما صح النفي. * وفيها أيضًا: فضيلة التسبيح في الصباح والمساء، إذا قلنا: إن المراد بالغدو والآصال هذين الوقتين، فإذا قلنا: المراد بالغدو والآصال معناه: الاستمرار دائمًا، وإنما ذكر هذين؛ لأنهما طرفا النهار، لم يكن في هذا دليل على تخصيص هذين الوقتين، ولكن الظاهر من الأدلة أن لهذين الوقتين مزية؛ لأن الله دائمًا يأمر بالتسبيح في هذين الوقتين. * وفيها أيضًا: دليل على أنه كلما قوي الصارف ولم ينصرف الإنسان فهو أكمل ممن لا صارف له، من أين تؤخذ؟ ويش الوجه؟ * طالب: (...). * الشيخ: تمام، صحيح، فهم -مثلًا- هؤلاء الرجال لو كانوا ما يعرفون التجارة ولا يستطيعون التجارة قلنا: إن لجوءهم إلى بيوت الله من باب الضرورة؛ يعني لأجل (...) الوقت على أنفسهم ويتسلون بذلك، لكنهم قوم لهم تجارة، الصارف عن ذكر الله في المساجد موجود وهو التجارة، لكنها مع ذلك لا تلهيهم. * وفيها أيضًا: دليل على جواز الاتجار، وجهه أنه أثبت أنهم يتجرون في مقام المدح، ولو كان الاتجار حرامًا أو مذمومًا ما صح أن يؤتى به في سياق المدح، فالتجارة لا بأس بها، ما يقال للإنسان: لا تتجر، لا تعمل. ولكن على كل حال للناس أغراض في تجاراتهم؛ أحد يريد بالتجارة أن تكون وسيلة له إلى الآخرة، وأناس يريدون بالتجارة الدنيا فقط، واختلاف الناس في هذا باب واسع، فمن اتجر ليكسب مالًا يعين به محتاجًا، ويتقرب به إلى الله، ويفعل مشاريع الخير، هذا يحمد عليه؛ ولهذا جعله النبي عليه الصلاة والسلام قرينًا لأي شيء؟ جعله قرينًا للعلم النافع حيث قال: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَعْلِّمُهَا، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٣)، ومسلم (٨١٦ / ٢٦٨) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، وهذا دليل على فضيلة المال إذا كان عونًا على طاعة الله. * وفيه دليل: على فضيلة إقامة الصلاة، أيش وجه ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن أيش إقامة الصلاة له شأن ومزية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: من اللي يعرف؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا * طالب: (...). * الشيخ: (...)، لا أنا قصدي أن الصلاة لها مزية على غيرها. الصلاة هي من ذكر الله ولَّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: هي من ذكر الله، فخصها بالذكر من بين الذكر، والتخصيص بعد التعميم يدل على فضيلة المخصص ومزيته، ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤] الروح جبريل، خصه بالذكر مع أنه من الملائكة لشرفه وفضله، فتخصيص الصلاة وإقامتها بعد ذكر ما هو أعم دليل على مزيتها، وكذلك أيضًا إيتاء الزكاة. وهاتان العبادتان هما أفضل العبادات بعد التوحيد والشهادة بالرسالة؛ لأن إقامة الصلاة هي الركن الثاني، وإيتاء الزكاة الركن الثالث، ودائمًا يقرن الله سبحانه بينهما في القرآن. * وفيه دليل أيضًا: على أن من تعبَّد لله خوفًا فهو محمود، من أين تؤخذ؟ ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾، وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على من تعبَّد خوفًا من العذاب فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان ٧]، وهنا قال: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾، وأثنى الله تعالى على من تعبد طلبًا: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]. وفي هذا رد بيِّن على من ذهب من الصوفية أو غيرهم إلى أن الأفضل في التعبد ألَّا يقصد الإنسان حظًّا لنفسه، وإنما يعبد الله لذاته فقط؛ يعني عندما تعبد الله لا تقصد أنك تريد فضل الله أو تحذر عقابه، يقول: اعبد الله لله. فيقال لهم: لستم أكمل حالًا من النبي ﷺ وأصحابه، وقد ذكر الله عنهم أنهم كانوا ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]، ولستم أكمل حالًا ممن أثنى الله علهم من الأبرار، ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان ٥] إلى أن قال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان ٧]، ولا شك أن الإنسان الذي يعبد الله سبحانه وتعالى لينال فضله وينجو من عقابه هو يريد الوصول إلى رضوان الله وإلى رؤية الله عز وجل؛ لأن من جملة النعيم في الجنة رؤية الله سبحانه وتعالى. * وفي هذا دليل: على عظم يوم القيامة وأهواله الشديدة؛ لقوله: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. (...) ليست خاصة، بل (أل) فيها للعموم؛ يعني كل القلوب تتقلب، وكل الأبصار تتقلب، حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يخافون ويخشون، ولكن مع ذلك أهل الخير يؤَمَّنُون، مع خوفهم يؤَمَّنُون، ومعلوم أن الذين يؤَمَّنُون لا شك أنهم يهون عليهم هذا اليوم؛ ولهذا قال الله تعالى في يوم القيامة: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر ١٠]، وقال: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان ٢٦]، فيفهم منه أن هذا اليوم مع عظمه وأهواله وشدته يكون على المؤمنين يسيرًا، وإلا فهو في ذاته عظيم جدًّا، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج ١، ٢]. * وفيه أيضًا دليل: على أن الجزاء من جنس العمل، بل هو في الطاعات أحسن من العمل، من أين نأخذه؟ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ شيئًا فوق ما عملوه. * وفيه دليل: على علم الله عز وجل، من أين نأخذها؟ لأنهم إذا كانوا يجازون بأحسن ما عملوا، فلا مجازاة إلا بعد علم المجازي، يعلم ما عمل ثم يجازيه عليه. * وفيه أيضًا: إثبات القدرة من إثبات الجزاء، فإنه لا يجزي إلا من كان قادرًا، لو أنك صنعت إلى إنسان معروفًا، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ»[[أخرجه أبو داود (١٦٧٢) والنسائي في المجتبى (٢٥٦٧) من حديث عبد الله بن عمر. ]]، فالله سبحانه وتعالى لتمام قدرته لا ينقصه ما أعطى العاملين من ثوابهم وأجرهم. * وفيه: إثبات المشيئة لله؛ ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أو لا؟ وإثبات المشيئة لله في حقه -أي: فيما يتعلق بفعله- أمر متفق عليه فيما أعلم، ما خالف فيه مبتدعة ولا غيرهم، ومشيئة الله بالنسبة لما يتعلق بأفعال الخلق خالف فيها طائفة تسمى القدرية؛ حيث زعموا أن العبد مستقل بعمله، وأنه لا تعلق لمشيئة الله به، حتى إن بعضهم أنكر العلم؛ غلاتهم أنكروا علم الله وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى لا يعلم بأعمال العبد إلا بعد أن يفعلها، أما قبل ذلك فإنه لا يعلم سبحانه وتعالى، وأنكروا النصوص الصحيحة الصريحة في إثبات علم الله سبحانه وتعالى في كل شيء، حتى في أعمال الإنسان. * وفيه أيضًا -قوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ -: كثرة رزق الله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى يعطي بلا حساب، وليس معنى بلا حساب بلا تقدير، لماذا لا نقول ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا؛ لأن الله يقول ﴿كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨]، حتى القطرة اللي تنزل من السماء إلى الأرض هي مقدرة عند الله سبحانه وتعالى، ولكن بغير حساب؛ أي أنه لا يكافئ الإنسان بحساب، بل بكثرة كثيرة (...) كثيرًا لا يحسب، وهذه معروفة يقال: فلان ينفق بلا حساب؛ يعني: ينفق إنفاقًا كثيرًا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الثابت عن السلف أنها المساجد وهي المحل هذا؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٦٩٩ / ٣٨) من حديث أبي هريرة. ]] إلى آخره، والمراد بالمساجد بلا شك.

النور 24:37

ثم قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ إلى آخره. (﴿فِي بُيُوتٍ﴾ متعلق بـ﴿يُسَبِّحُ﴾ الآتي) أيش معنى متعلق؟ الفعل يتعدى إلى المفعول بنفسه، وأحيانًا يتعدى إلى المفعول بحرف الجر، إذا تعدى إلى مفعول بحرف الجر يقال: هذا متعلق به، ولَّا في الحقيقة أن الجار والمجرور متعلق، وكذلك الظرف هو مفعول في الحقيقة، لكنه لا يتعدى إليه الفعل بنفسه، فـ﴿يُسَبِّحُ﴾ تعلق بها قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ يعني: أن العامل في الجار والمجرور هو قوله: ﴿يُسَبِّحُ﴾. (﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ تعظم ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ بتوحيده) إلى آخره. ﴿أَذِنَ﴾ المراد هنا الإذن الشرعي، المراد بالإذن: الشرعي، فمعنى ﴿أَذِنَ﴾ أي: شرع أن تُعظَّم، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: «أَمر النبي ﷺ ببناء المساجد في الدُّور -يعني: في الحارات- وأن تُطَيَّب»[[أخرجه أبو داود (٤٥٥)، والترمذي (٥٩٤)، وابن ماجه (٧٥٨) من حديث عائشة.]]. وهذا دليل على أن الإذن هنا بمعنى أيش؟ الشرع، وقد سبق أن قررنا أن الإذن ينقسم إلى قسمين: إذن كوني وإذن شرعي. فمثال الإذن الكوني: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥]، ومثال الإذن الشرعي ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] هذه ما تصح أن تكون إذنًا قدريًّا كونيًّا، لماذا؟ ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، لا تصح أن تكون إذنًا كونيًّا قدريًّا، لماذا؟ لأن الإذن القدري الكوني لم ينتفِ؛ فإنهم شرعوا، وما شرعوا إلا بإذن الله كونًا وقدرًا، فإذن ﴿مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ أي: شرعًا ولا بد. على كل حال الآن الإذن -إذن الله- ينقسم إلى قسمين: كوني وشرعي؛ فالكوني مثله في قوله تعالى. * طالب: (...). * الشيخ: طيب والشرعي ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. وقد يأتي الإذن بمعنى الاستماع، كقوله ﷺ: «مَا أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ إِذْنَهُ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٢٤)، ومسلم (٧٩٢ / ٢٣٢) من حديث أبي هريرة.]] معناه: ما أذن الله لشيء أي: استمع لشيء مثل استماعه لهذا النبي الذي يتغنى بالقرآن يجهر به. إذن ﴿أَذِنَ اللَّهُ﴾ في الآية التي معنا ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ من أي الإذنين؟ الشرعي. هل يتعين أن تكون للشرعي؟ * طالب: (...). * الشيخ: ولماذا؟ * طالب: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾. * الشيخ: طيب ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ جوابكم صحيح، لكن التعليل لو أذن بذلك قدرًا لكانت المساجد تُعظَّم ولا بد، وتُرفع ولا بد؛ لأن الإذن الكوني أو القدري -والمعنى واحد- لا بد فيه من وقوع المأذون. كل ما يتعلق بالأمور الكونية لا بد من وقوعه، فلو كان المراد بالإذن هنا: الإذن الكوني لكان رفع المساجد أيش؟ أمرًا حتميًّا، مع أننا نجد أن المساجد أحيانًا لا تُرفَع ولا تُعظَّم، بل تُمنَع ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة ١١٤]. طيب ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ﴾ أي: شرع ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾ تعظم، وفي الحقيقة أن رفعها أعم من التعظيم، تُرفَع بالتعظيم وبغيره، لكن صحيح أظهر ما يكون الرفع هو التعظيم. ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أي: اسم الله، والمراد: أن الله يُذكر بأسمائه؛ لأنه إذا ذُكر الاسم ذُكر المسمَّى. وقوله: ﴿يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ بأي شيء يذكر؟ * طالب: بالصلاة. * الشيخ: إي نعم، بالقراءة والتسبيح كما سيأتي أيضًا، المهم يُذكر فيها اسمه بالثناء والتمجيد، وهذا يشمل الصلاة وغير الصلاة. ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ وهذا التنزيه، فيكون في الآية إشارة إلى أمرين: إلى إثبات الكمال في قوله: ﴿يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، وإلى نفي النقص في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ﴾ إلى آخره. وقوله تعالى: (﴿يُسَبَّحُ﴾ بفتح الموحدة وكسرها أي: يُصلَّى). ﴿يُسَبَّحُ﴾ فيها قراءتان سبعيتان: الفتح والكسر. وسيأتي -إن شاء الله- تخريج كل منهما في موعده. وقوله: (أي: يُصلِّي)، هذا فيه نظر إن قصد بذلك حصر التسبيح بالصلاة، وإن قصد بذلك التمثيل فهذا صحيح؛ فإن قوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ أعم من كونهم يصلون، بل هم يسبحون الله بالصلاة وغيرها مما يكون به تنزيه الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ﴾. (يُصَلِّي ﴿لَهُ﴾ أي: لله ﴿فِيهَا بِالْغُدُوِّ﴾ مصدر بمعنى الغدوات، أي: البُكَر، ﴿وَالْآصَالِ﴾ العشايا من بعد الزوال). قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (الغدو) يقول المؤلف: إنها جمع، مصدر غدا يغدوا غدوًّا، لكنها بمعنى الجمع، (غُدُوّ) مصدر بمعنى الجمع، بمعنى الغدوات، يعني: أول النهار، وإنما لجأ المؤلف إلى جعل الغدو بمعنى الغدوات للمطابقة، ويش هي المطابقة؟ ﴿وَالْآصَالِ﴾، مطابقة ﴿وَالْآصَالِ﴾؛ لأن الآصال: جمع أصيل، وهو آخر النهار. وقوله: هي العشايا، جمع عشي أيضًا، ما كان بعد الزوال، وفي حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين «قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صَلَاتَيِ العَشِيِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢)، ومسلم (٥٧٣ / ٩٧) من حديث أبي هريرة.]] يقول الراوي عن أبي هريرة. أقول: الغُدُوّ: مصدر بمعنى الجمع، أي: الغدوات، ﴿وَالْآصَالِ﴾ جمع أصيل، أي: العشايا، أي: آخر النهار. طيب وين الصلوات إذا قلنا: ﴿يُسَبِّحُ﴾ بمعنى (يصلي)؟ ويش يكون بالغدو؟ صلاة الفجر، والعشي: الظهر والعصر، وأيش يبقي عندنا؟ المغرب والعشاء، وهي مما يُصلَّى في المساجد. ولهذا نرى أن الصواب في ذلك أن التسبيح أعم من الصلوات. ثم إنه يحتمل أن يُقصد بالغدو والآصال: جميع الوقت، كما في قوله تعالى في أهل الجنة: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢]، الرزق لأهل الجنة هو دائم ولّا بس الصبح وآخر النهار؟ دائم، لكن يقال هكذا والمراد الدوام، فإما أن تحمل الغدو والآصال على معنى الدوام، أي: يسبحون دائمًا، أو على معنى أول النهار وآخره، فيكون هذا إشارة للتسبيحات التي تُذكر في أول النهار وفي آخره، ومنها صلاة الفجر وصلاة العصر؛ فإن الصلاتين هاتين أفضل الصلوات، كما جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٤)، ومسلم (٦٣٥ / ٢١٥) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، وقال ﷺ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣ / ٢١١) من حديث جرير بن عبد الله.]]، أيش يعني؟ الفجر والعصر. على كل حال الغدو والآصال إن أريد بهما حقيقتاهما، وهو أول النهار وآخره، كان في ذلك إشارة إلى أي شيء؟ إلى ما يقال من التسبيح والتعظيم لله والتهليل في أول النهار وآخره، وكذلك أيضًا إلى صلاة الفجر وصلاة العصر. وإن قلنا: المراد بالغدو والآصال المراد: كل الدهر، وأن هذا من باب ذكر الطرفين ليشمل الجميع، كما في قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢]؛ فإنه يشمل كل ما يسبح لله تعالى في المساجد في أول النهار وآخره، وفي الليل؛ أوله وآخره ووسطه. * * * وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾ [النور ٣٦، ٣٧] (فاعل يسبح بكسر الباء، وعلى فتحها نائب الفاعل له، و(رجال) فاعل فِعل مقدَّر جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: من يسبحه؟). الآن توجيه القراءتين السابقتين ﴿يُسَبِّحُ﴾، و﴿يُسَبَّح﴾ : إذا كانت ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: ﴿يُسَبِّحُ﴾ مبني للفاعل ولّا للمفعول؟ * طالب: للفاعل. * الشيخ: للفاعل، وعليه يكون قوله: ﴿رِجَالٌ﴾ فاعل (يسبح) أو لا؟ واضح. على قراءة ﴿يُسَبَّح﴾ يكون الفعل مبنيًّا للمفعول، يحتاج إلى نائب فاعل، ما يصلح أن يكون ﴿رِجَالٌ﴾ نائب فاعل؛ لأنه لو كان نائب فاعل كان اللي يسبحون من؟ الرجال، وهذا شيء غير ممكن، إذن أين نائب الفاعل؟ نائب الفاعل الجار والمجرور في قوله: ﴿لَهُ﴾: ﴿يُسَبَّح لَهُ﴾ ، وإذا لم يوجد المفعول، يعني في الفعل المبني للمفعول، ناب عنه الظرف والجار والمجرور، مثلما لو قلت: (قِيلَ قولٌ).. لا هذه نائب فاعل صريح. (ضُرب الضربُ) وما أشبه ذلك، فإنه ينوب عن المفعول به. يقول ابن مالك: وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ أَوْ مِنْ مَصْدَرِ ∗∗∗ أَوْ حَـــــرْفِ جَـــــرٍّ بِنِيَابَــــــةٍحَـــــــــــرِي اللي معنا الآن ﴿يُسَبَّحُ لَهُ﴾ إذا قلنا: ﴿لَهُ﴾ هو نائب الفاعل.. قِيلَ قولٌ، لا، هذه نائب فاعل صريح، ضُرِبَ الضربُ، وما أشبه ذلك، فإنه ينوب عن المفعول به، ابن مالك: وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ اوْ مِنْ مَصْدَرِ ∗∗∗ أَوْ حَــرْفِ جَرٍّ بِنَيَابَـــةٍحَــــــرِي اللي معنا الآن ﴿يُسَبَّحُ لَهُ﴾ [النور: ٣٦] إذا قلنا: (له) هو نائب الفاعل هو الظرف ولَّا حرف جر؟ البيت في الألفية: وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ اوْ مِنْ مَصْدَرِ ∗∗∗ أَوْ حَــرْفِ جَرٍّ بِنَيَابَـــةٍحَــــــرِي من أي الثلاثة ذا؛ ﴿يُسَبَّحُ لَهُ﴾ ؟ حرف الجر. يبقى الإشكال في ﴿رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٧] على قراءة ﴿يُسَبَّحُ﴾ ، نقول: ﴿رِجَالٌ﴾ فاعل لفعل محذوف، هذا الفعل المحذوف أوجبه كلمة ﴿يُسَبَّحُ﴾ ؛ لأن ﴿يُسَبَّحُ لَهُ﴾ كأنه قيل: من يسبح أو من يسبح له؟ فقيل: رجال، وعلى هذا فتكون ﴿رِجَالٌ﴾ فاعلًا لفعل محذوف دل عليه الفعل المذكور وهو ﴿يُسَبَّحُ﴾ ، واضح؟ إذن (يسبح) فيها قراءتان سبعيتان؛ فتح الباء وكسرها، وتبين الآن توجيه كلٍّ من القراءتين. (﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ﴾ أي: شراء، ﴿وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ حذفت هاء (إقامة) تخفيفًا، ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ﴾ تضطرب، ﴿فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ من الخوف؛ القلوب بين النجاة والهلاك، والأبصار بين ناحيتي اليمين والشمال وهو يوم القيامة). يقول الله عز وجل: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ كلمة (رجال) تدل على المدح والثناء، كما يقال: فلان رجل؛ أي: أنه اتصف بصفة الرجولة، فكلمة (رجال) لا شك أنها تدل على الثناء؛ ولذلك لا تطلق إلا على البالغ العاقل. وقوله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ لم يقل: لا يبيعون ولا يشترون؛ لأن الذي لا يبيع ولا يشتري قد يأتي إلى المسجد ليسد الفراغ، لكن يبيع ويشتري وهو بصدد (...). إليه، لا لأنه سايب ما له عمل ولا له شغل، فهمتم الآن؟ وهذا أبلغ في الثناء كونهم يبيعون ويشترون، لكن هذا البيع والشراء لا يلهيهم عن ذكر الله. وقوله تعالى: ﴿تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ المؤلف فسر التجارة بالشراء لماذا؟ * طالب: تفسير بالمقابل. * الشيخ: في مقابلة ﴿بَيْعٌ﴾، ولكنه تفسير ليس بصحيح؛ لأن الشراء مفهوم من بيع؛ إذ لا يوجد بيع إلا بشراء، لكن التجارة أعم من البيع، قد يلهو الإنسان بتجارته لتصنيفها وتبويبها وحفظها وصيانتها، وما أشبه ذلك، أليس هكذا؟ ربما ما هو يبيع ويشري لكن يلهو بطريق آخر بهذه التجارة؛ لذلك الآية نقول: المراد بالتجارة ما يتجر به الإنسان ولهوه به ليس بالشراء، بل ما هو أعم، أما الشراء فمفهوم من البيع؛ لأنهم إذا شروا فقد باع عليهم غيرهم، وإذا باعوا فقد اشترى منهم غيرهم. وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ يعني: التجارة ما تلهيهم عن ذكر الله، يقدِّمون ذكر الله على تجارتهم، لكن الناس في هذا الباب ينقسمون إلى ثلاثة أقسام في مسألة التجارة والذكر؛ منهم من يقدم التجارة على الذكر، وهذا خاسر؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون ٩]، لو ربحوا في الأموال والأولاد فهم خاسرون، هذا قسم. القسم الثاني: من لا تلهيه التجارة ولا الأموال والأولاد عن ذكر الله، لكن يعمل هذا في محله وهذا في محله، فهذا رابح، ما فاته ماله وولده ولا فاته ذكر الله؛ أتى لهذا بنصيبه ولهذا بنصيبه. القسم الثالث: من هو أعلى من هذا؛ من يجعل تجارته وولده من ذكر الله، بحيث يقصد بهذه التجارة الاستعانة على طاعة ربه وعلى بذل أمواله فيما يرضي ربه، وهو كذلك بالنسبة للأولاد؛ يجعل اشتغاله بهم لتربيتهم والتأمل في نعمة الله عليه بهم، وما أشبه ذلك، هذه هي المرتبة العليا. وعلى هذا يكون هذا الرجل رابحًا في الطرفين، صح ولَّا لا؟ في الطرفين في آن واحد، والقسم الثاني رابح في الطرفين لكن على التناوب؛ يربح في هذا ويعطيه ما يستحق، ويربح في هذا ويعطيه ما يستحق، أما الثالث الأخير فهذا شأنه شأن كبير، ولكن قلَّ من يوجد بهذه الصفة، قلَّ وهو نادر جدًّا، وأكثر الناس اليوم من أي الأقسام؟ * طلبة: الأول. * الشيخ: من القسم الأول اللي هو في الحقيقة أخيرًا في المرتبة وأولًا في الذكر، أكثر الناس اليوم هكذا. * طالب: الثالث. * الشيخ: الثالث؛ من جعل اشتغاله بتجارته ذكرًا لله. أقول: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ (إقام) بمعنى (إقامة)، لكن حذفت التاء تخفيفًا، وإقام الصلاة ليس مجرد فعلها، بل هو أمر فوق الفعل، يعني ويش معنى: أقام الشيء؟ جعله قيِّمًا مستقيمًا، وذلك بفعل شروطها وأركانها وواجباتها، فما كل مصلٍّ مقيمًا للصلاة؛ ولهذا تجدون أن الثناء الذي يذكره الله في القرآن، بل والأوامر التي يأمر الله بها في القرآن غالبًا، ويش نقول؟ بالإقامة؛ لأن ذلك هو الأصل ليس مجرد فعل الصلاة؛ ولهذا نجد أنه يصلي رجلان مع الإمام أفعالهما واحدة، ودخولهما في الصلاة واحد، وخروجهما منها واحد، ولكن بين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، لماذا؟ لأن أحدهما أقام الصلاة، والآخر صلى فعلًا بس، لكن الأول أقامها خاشعًا مستحضرًا مخلصًا، يرجو ثواب الله ويخاف عقاب الله. (إقام الصلاة) المذكور في القرآن كثيرًا بماذا بيِّن؟ بيِّن بالسنة، فيه أشياء مبينة في القرآن، لكن غالب ذلك مبين بالسنة، بينته سنة الرسول ﷺ، وبهذا نعرف أن السنة ضرورية في الشرع، وأن من أنكرها فقد هدم جانبًا كبيرًا من الشرع، وقد وجد بعض الناس أنكر السنة، والعياذ بالله. وسمعنا أن بعض الزعماء من العرب صاروا يصادرون كتب السنة، قيل لي: إنهم يصادرون البخاري ومسلمًا من المكاتب حتى لا تنتشر سنة الرسول ﷺ بين أمته، والعياذ بالله، وهذا لا شك أنه كفر؛ يعني الذي يبيح لنفسه أن يصادر كتب الحديث التي تلقتها الأمة بالقبول، هم لو صادروا كتبًا مضلة ضعيفة موضوعة لكنا نحمدهم على هذا الأمر، لكن يصادرون كتبًا صحيحة تلقتها الأمة بالقبول وعلمها المسلمون واعتبروها سندًا، هؤلاء لا شك أنهم كفار؛ لأنهم كفروا بسنة الرسول ﷺ، بل بالقرآن نفسه؛ لأن الله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١]، ويقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، ويقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١]، ويقول: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧]، ويقول: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٣٦]. على كل حال الآيات في هذا كثيرة وبينة وواضحة، فإقامة الصلاة من هذا النوع ما بينها بيانًا كافيًا إلا سنة الرسول عليه الصلاة والسلام. وقوله: ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ أي: إعطائها، والزكاة معروفة لنا وهي الجزء الذي أوجبه الله تعالى في أموالنا، ولم يبين المؤتى إليه لكنه مبين في القرآن في سورة التوبة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة ٦٠]، هذه الذي يؤتى إليه الزكاة. ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ قوله: ﴿يَخَافُونَ﴾ هذه صفة لـ﴿رِجَالٌ﴾، لا تلهيهم وهم أيضًا في هذه الأحوال يخافون يومًا؛ يخافون في حال تسبيحهم بالغدو والآصال، وفي حال إقامتهم الصلاة وإيتاء الزكاة، وفي حال عدم لهوهم بالتجارة والبيع، كل هذه الأعمال مبنية على هذه العقيدة والأساس. ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ﴾ خوفهم من هذا اليوم يدل على إيمانهم به ولَّا لا؟ يدل على إيمانهم به؛ إذ لا يخاف الإنسان من شيء لا يؤمن به، فهو يدل على أن عندهم تمام الإيمان واليقين باليوم الآخر؛ ولذلك يخافونه؛ يخافون هذا اليوم. هذا اليوم وصفه الله بقوله: ﴿تَتَقَلَّبُ﴾ تضطرب فيه، ﴿الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ ﴿تَتَقَلَّبُ﴾ التقلب معروف هو تغير الهيئة من حال إلى حال، وهذه القلوب تتقلب؛ تضطرب وتنتقل من حال إلى حال، كيف؟ تقلب القلوب يقول: (بين النجاة والهلاك)، ما يدري الإنسان هل ينجو أو يهلك؟ فقلبه متقلب مضطرب؛ أحيانًا يغلب عليه الرجاء، وأحيانًا يغلب عليه الخوف، كذلك الأبصار تتقلب. يقول المؤلف: (من ناحية اليمين والشمال)؛ لأنه الناس (...) ما كأنهم عقلاء؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج ٢]، ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم ٤٢، ٤٣] واحد إذا رأيته كأنه مجنون، كأنه سكران من شدة الهول، وما ظنك بالقلب حينئذٍ؟ لا شك أنه في الحقيقة سوف يتقلب ويضطرب ولا يدري المآل، هذا الذي يحصل يوم القيامة. يقول: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور ٣٨] ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ (أي: ثوابه، وأحسن بمعنى: حسن)، ما شاء الله، اللام في قوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ﴾ هل هي للعاقبة وأن عاقبتهم هذا، أو هي للتعليل أيضًا؛ يعني أنهم يسبحون ويخافون لأجل أن يجزيهم الله أحسن ما عملوا، فيكون هنا جمعوا -على قول لام التعليل- جمعوا بين الخوف والرجاء، أو نقول: للعاقبة، وأنهم يعملون تلك الأشياء خوفًا من الله عز وجل، فتكون عاقبتهم الأمن التام مع الثواب الجزيل؟ فيه احتمالان؛ إما أن تكون اللام للعاقبة؛ يعني أنهم يسبحون ويخافون، وتكون عاقبتهم تلك وهو الأمن مما يخافون وحصول الثواب الجزيل، أو أنها للتعليل؛ يعني أنهم يفعلون ذلك لانتظار الجزاء. ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ ثم هنا نناقش المؤلف. قال المؤلف: (أي: ثوابه)؛ لأنهم في الحقيقة لا يجزون بنفس العمل وإنما يجزون بأي شيء؟ * طلبة: الثواب. * الشيخ: بثوابه، الجزاء: الثواب؛ لذلك احتاج المؤلف أن يقدِّر العمل بثواب العمل؛ لأنه هو الذي به الجزاء، هذه واحدة. الثانية: يقول: (أحسن بمعنى: حسن)، ليش؟ لأنه توهم المؤلف، أو ربما يتوهم المتوهم أن الجزاء إنما يقع على أحسن ما يعمل الإنسان، والحقيقة أن الجزاء يقع على الأحسن والحسن، أليس كذلك؟ عندما يعمل الإنسان حسنًا، فإن الجزاء يكون على الحسن والأحسن، ولكن هذا التوهم لا يرد على تقدير المؤلف وهو أن المراد ليجزيهم الله ثوابه، يصير المعنى: ليجزيهم الله أحسن ثواب ما عملوا، وعليه فلا إشكال إطلاقًا، ولا نؤول (أحسن) بمعنى (حسن)؛ لأن تأويل (أحسن) بمعنى (حسن) تحريف، أيهما أكمل؟ أحسن؛ فلذلك نقول: الآية على ظاهرها، واسم التفضيل على بابه، والمعنى: أنهم يجزون أحسن ثواب لعملهم، كيف ذلك؟ الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، والإنسان لو عملت له عملًا وأعطاك أجرك مرتين، ويش يصير هذا؟ أحسن ثواب، لكن ثواب الله عز وجل أحسن وأحسن؛ لأن الله يضاعف لمن يشاء، فالأولى بل الواجب أن تبقى (أحسن) على ما هي عليه من التفضيل. نقول: (أحسن)؛ أي: أحسن ثوابٍ لعملهم، بيكون هنا الأحسن ليس للعمل، ويش الأحسن له؟ الأحسن للثواب. بقي علينا على التقدير الأول: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾، لماذا جعل الله تعالى الحسن للعمل نفسه مع أن الحسن للثواب؟ إشارة إلى أن الجزاء بقدر العمل؛ ولذلك عبِّر به عنه؛ العمل، كما تدين تدان. فالإنسان الذي لا يصلي مثلًا، هل يثاب ثواب المصلي؟ لا، والذي لا يزكي لا يثاب ثواب المزكي، وهكذا، فالجزاء على العمل؛ ولذلك عبِّر به -أي بالعمل- عن جزائه، إشارة إلى أن الجزاء من جنس العمل، لكنه جزاء أحسن ما يكون. وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (يقال: فلان ينفق بغير حساب؛ أي: يوسِّع، كأنه لا يحسب ما ينفقه)، قوله: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هذا زائد على ثواب العمل، وذلك ما يحصل من زيادة الأعمال الصالحة، وزيادة الرزق في الدنيا، وزيادة ما يدخر لهم عند الله في الجنة، كالنظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى، كما جاء في الحديث الصحيح[[أخرجه مسلم (١٨١ / ٢٩٨) من حديث صهيب.]]، في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦] أن المراد بالزيادة: الزيادة من الرزق في الدنيا، الزيادة من الثواب في الآخرة بالنظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ المعنى: أنه سبحانه وتعالى يعطي بغير تقدير، لكن ويش معنى: بغير تقدير؛ كيف نقول: بغير تقدير مع أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨]؟ الجواب: أن هذا كناية عن كثرة العطاء؛ ولهذا يقال كما قال المؤلف: (فلان ينفق بغير حساب)، أيش معناه؟ يعني: يعطي عطاء كثيرًا لا حد له، وإلا فإن الله تعالى قد قدَّره بعلمه وحكمته، كل شيء حتى نقطة المطر إذا نزلت في الأرض فإنها بمقدار. إذن يكون معنى قوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: بغير مقدار، وهو كناية عن أيش؟ عن كثرة ما ينفق، لا عن كونه ينفق هكذا بدون أن يشعر بما ينفق، بل هو سبحانه وتعالى يعلم ما يرزق، وكيف يرزق، وأين يرزق، ولكنه تعالى لكثرة عطائه كالذي لا يحسب. * في هذه الآية من الفوائد فوائد كثيرة؛ منها: فضيلة المساجد، وبماذا نستدل عليه؟ بقوله: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، فإن إذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يدل على شرفها؛ لأن المكان يشرف بشرف العمل فيه، كما أن الزمان أيضًا يشرف بشرف العمل فيه، لماذا كان رمضان شريفًا؟ لمشروعية الصيام فيه وإنزال القرآن، ولماذا كانت (...) شريفة؟ لأن فيها المناسك وذكر اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، وهكذا. * إذن يستفاد من ذلك: شرف المساجد؛ لأنها محل ذكر الله عز وجل وتعظيمه. * فيه أيضًا: مشروعية تعظيم المساجد، ومن ذلك؛ من تعظيمها: أن تطيب، ومن ذلك أيضًا: أن تنظف عن الأذى والأقذار. هل نقول: ومن ذلك أن ترخرف؟ لا؛ ولهذا جاء في الحديث: «مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ» وحديث ابن عباس: «لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى»[[أخرجه أبو داود (٤٤٨) من حديث عبد الله بن عباس.]]، فالزخرفة هذا شيء لا يليق بالمساجد؛ لأن المساجد ليست بيوت دنيا، وإنما هي بيوت عمل للآخرة، لكن تنظف عن الأذى والأقذار وتطيَّب، وفرق بين التنظيف عن الأذى وبين إحداث الزخرفة؛ فإن التنظيف عن الأذى تنقية، لكن الزخرفة إيجاد أشياء لا تتناسب مع المساجد. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، تعظيم المسجد: ألَّا تدخل بالنعلين إلا وقد نظفته. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي، اللباس ما أدخل به. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ولا (...) ضرورة، نقول: السنة أن تصلي في النعلين؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بذلك[[أخرجه أبو داود (٦٥٠) من حديث أبي سعيد الخدري، وفيه: «وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا».]] وفعله بنفسه أيضًا[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٦)، ومسلم (٥٥٥ / ٦٠) من حديث أنس بن مالك.]]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: البيوت؟ * طالب: إي. * الشيخ: لا، الدور في اللغة: الحارات، يقال: هذه دار بني فلان، وهذه دار بني فلان؛ يعني: حارتهم، إي نعم (...) ذكر الله. * طالب: (...). * الشيخ: إي، الأكل في المساجد، هذه تأتي إن شاء الله فيما بعد. * * * مثل -سلمك الله الأهوال عندما تحدث- لو بشِّر الإنسان؛ فإما أن ينسى ما بشِّر به لشدة الهول، وإما أن يخاف من أمر يصيبه قبل أن يصل إلى ما بشِّر به، واضح؟ عندنا مثلًا يقول لك الملك -ولله المثل الأعلى- ترى فأنت أعمل ما عليك، وتشوف الجلد في الناس والأسر والأخذ، ما تخاف؟ لا بد يحصل عندك خوف، مع أن هذا نقوله على سبيل التقريب، وإلا أهوال يوم القيامة ما يتصورها الإنسان. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، الرسل عليهم الصلاة والسلام يعبرون الصراط ويقولون: اللهم سلم، اللهم سلم[[متفق عليه؛ البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢ / ٢٩٩) من حديث أبي هريرة.]]. (...) كملنا الكلام على ما يستفاد من الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ والآن نبدأ ذلك جميعًا، بدأنا ذكر الفوائد فنقول، وبالله نقول سبحانه وتعالى: * فيها: تعظيم شأن المساجد؛ لقوله: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾، فإن هذا دليل على تعظيم شأنها. وبينَّا أن الإذن ينقسم إلى قسمين وهو: شرعي وكوني، والفرق بينهما: أن الشرعي ما يتعلق فيما شرعه الله وأحبه، والكوني فيما قدره سواء شرعه أو لم يشرعه، وذكرنا على ذلك أمثلة. * وفيه أيضًا: فضيلة ذكر الله سبحانه وتعالى في المساجد؛ لقوله: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾. فضيلة تنظيف المساجد وحمايتها من الأذى؛ لقوله أيش؟ ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾، فإن هذا من رفعها؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ»[[أخرجه أبو داود (٤٦١)، والترمذي (٢٩١٦) من حديث أنس بن مالك.]]. * وفيها: أن الذكر الأفضل أن يكون بالقلب واللسان، يؤخذ من أين؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ﴿يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾؛ لأنه ما يمكن ذكر الاسم إلا باللسان. * وفيها أيضًا: فضيلة التسبيح؛ لقوله: ﴿يُسَبِّحُ﴾. * وفيها أيضًا: الجمع بين إثبات الكمال لله ونفي النقص عنه، من أين؟ ﴿يُذْكَرَ﴾ و﴿يُسَبِّحُ﴾؛ ﴿يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ هذا إثبات صفة الكمال، ﴿يُسَبِّحُ﴾ نفي صفة النقص، عرفتم؟ وأظن سبق لنا قاعدة مهمة في باب التوحيد في الأسماء والصفات على أن النفي لا يراد به مجرد النفي، وإنما يراد.. * طالب: (...). * الشيخ: إي، مع النفي إثبات كمال ضده، فإذا نفى الله عن نفسه سبحانه وتعالى أنه يظلم ليس معنى ذلك مجرد نفي الظلم، ولكن من أجل إثبات كمال العدل؛ من أجل كمال عدله لا يظلم؛ لأن نفي الظلم مثلًا قد يكون من العجز عن الظلم، وقد يكون لعدم قابلية هذا المحل لكونه ظالمًا، عرفتم؟ قلنا مثلًا: إنه يقال: الجدار لا يظلم، لماذا؟ * طالب: ليس له قابلية. * الشيخ: إي، ليس قابلًا للظلم، القابلية معدومة، وتقول مثلًا: هذا الرجل الضعيف المهين -لرجل ضعيف مهين- تقول: هذا لا يظلم. * طالب: لعجزه. * الشيخ: لعجزه، فلا يكون مدحاً، لكن عندما تقول لقادر قابل لأن يكون ظالمًا من حيث هو ذاته، فهذا دليل على كمال عدله؛ ولهذا نفى الله الظلم عن نفسه متمدحًا به تبارك وتعالى، ولو كان غير قابل للظلم -كما قالت الجبرية- ما صح النفي. * وفيها أيضًا: فضيلة التسبيح في الصباح والمساء، إذا قلنا: إن المراد بالغدو والآصال هذين الوقتين، فإذا قلنا: المراد بالغدو والآصال معناه: الاستمرار دائمًا، وإنما ذكر هذين؛ لأنهما طرفا النهار، لم يكن في هذا دليل على تخصيص هذين الوقتين، ولكن الظاهر من الأدلة أن لهذين الوقتين مزية؛ لأن الله دائمًا يأمر بالتسبيح في هذين الوقتين. * وفيها أيضًا: دليل على أنه كلما قوي الصارف ولم ينصرف الإنسان فهو أكمل ممن لا صارف له، من أين تؤخذ؟ ويش الوجه؟ * طالب: (...). * الشيخ: تمام، صحيح، فهم -مثلًا- هؤلاء الرجال لو كانوا ما يعرفون التجارة ولا يستطيعون التجارة قلنا: إن لجوءهم إلى بيوت الله من باب الضرورة؛ يعني لأجل (...) الوقت على أنفسهم ويتسلون بذلك، لكنهم قوم لهم تجارة، الصارف عن ذكر الله في المساجد موجود وهو التجارة، لكنها مع ذلك لا تلهيهم. * وفيها أيضًا: دليل على جواز الاتجار، وجهه أنه أثبت أنهم يتجرون في مقام المدح، ولو كان الاتجار حرامًا أو مذمومًا ما صح أن يؤتى به في سياق المدح، فالتجارة لا بأس بها، ما يقال للإنسان: لا تتجر، لا تعمل. ولكن على كل حال للناس أغراض في تجاراتهم؛ أحد يريد بالتجارة أن تكون وسيلة له إلى الآخرة، وأناس يريدون بالتجارة الدنيا فقط، واختلاف الناس في هذا باب واسع، فمن اتجر ليكسب مالًا يعين به محتاجًا، ويتقرب به إلى الله، ويفعل مشاريع الخير، هذا يحمد عليه؛ ولهذا جعله النبي عليه الصلاة والسلام قرينًا لأي شيء؟ جعله قرينًا للعلم النافع حيث قال: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَعْلِّمُهَا، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٣)، ومسلم (٨١٦ / ٢٦٨) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، وهذا دليل على فضيلة المال إذا كان عونًا على طاعة الله. * وفيه دليل: على فضيلة إقامة الصلاة، أيش وجه ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن أيش إقامة الصلاة له شأن ومزية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: من اللي يعرف؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا * طالب: (...). * الشيخ: (...)، لا أنا قصدي أن الصلاة لها مزية على غيرها. الصلاة هي من ذكر الله ولَّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: هي من ذكر الله، فخصها بالذكر من بين الذكر، والتخصيص بعد التعميم يدل على فضيلة المخصص ومزيته، ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤] الروح جبريل، خصه بالذكر مع أنه من الملائكة لشرفه وفضله، فتخصيص الصلاة وإقامتها بعد ذكر ما هو أعم دليل على مزيتها، وكذلك أيضًا إيتاء الزكاة. وهاتان العبادتان هما أفضل العبادات بعد التوحيد والشهادة بالرسالة؛ لأن إقامة الصلاة هي الركن الثاني، وإيتاء الزكاة الركن الثالث، ودائمًا يقرن الله سبحانه بينهما في القرآن. * وفيه دليل أيضًا: على أن من تعبَّد لله خوفًا فهو محمود، من أين تؤخذ؟ ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾، وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على من تعبَّد خوفًا من العذاب فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان ٧]، وهنا قال: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾، وأثنى الله تعالى على من تعبد طلبًا: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]. وفي هذا رد بيِّن على من ذهب من الصوفية أو غيرهم إلى أن الأفضل في التعبد ألَّا يقصد الإنسان حظًّا لنفسه، وإنما يعبد الله لذاته فقط؛ يعني عندما تعبد الله لا تقصد أنك تريد فضل الله أو تحذر عقابه، يقول: اعبد الله لله. فيقال لهم: لستم أكمل حالًا من النبي ﷺ وأصحابه، وقد ذكر الله عنهم أنهم كانوا ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]، ولستم أكمل حالًا ممن أثنى الله علهم من الأبرار، ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان ٥] إلى أن قال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان ٧]، ولا شك أن الإنسان الذي يعبد الله سبحانه وتعالى لينال فضله وينجو من عقابه هو يريد الوصول إلى رضوان الله وإلى رؤية الله عز وجل؛ لأن من جملة النعيم في الجنة رؤية الله سبحانه وتعالى. * وفي هذا دليل: على عظم يوم القيامة وأهواله الشديدة؛ لقوله: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. (...) ليست خاصة، بل (أل) فيها للعموم؛ يعني كل القلوب تتقلب، وكل الأبصار تتقلب، حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يخافون ويخشون، ولكن مع ذلك أهل الخير يؤَمَّنُون، مع خوفهم يؤَمَّنُون، ومعلوم أن الذين يؤَمَّنُون لا شك أنهم يهون عليهم هذا اليوم؛ ولهذا قال الله تعالى في يوم القيامة: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر ١٠]، وقال: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان ٢٦]، فيفهم منه أن هذا اليوم مع عظمه وأهواله وشدته يكون على المؤمنين يسيرًا، وإلا فهو في ذاته عظيم جدًّا، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج ١، ٢]. * وفيه أيضًا دليل: على أن الجزاء من جنس العمل، بل هو في الطاعات أحسن من العمل، من أين نأخذه؟ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ شيئًا فوق ما عملوه. * وفيه دليل: على علم الله عز وجل، من أين نأخذها؟ لأنهم إذا كانوا يجازون بأحسن ما عملوا، فلا مجازاة إلا بعد علم المجازي، يعلم ما عمل ثم يجازيه عليه. * وفيه أيضًا: إثبات القدرة من إثبات الجزاء، فإنه لا يجزي إلا من كان قادرًا، لو أنك صنعت إلى إنسان معروفًا، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ»[[أخرجه أبو داود (١٦٧٢) والنسائي في المجتبى (٢٥٦٧) من حديث عبد الله بن عمر. ]]، فالله سبحانه وتعالى لتمام قدرته لا ينقصه ما أعطى العاملين من ثوابهم وأجرهم. * وفيه: إثبات المشيئة لله؛ ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أو لا؟ وإثبات المشيئة لله في حقه -أي: فيما يتعلق بفعله- أمر متفق عليه فيما أعلم، ما خالف فيه مبتدعة ولا غيرهم، ومشيئة الله بالنسبة لما يتعلق بأفعال الخلق خالف فيها طائفة تسمى القدرية؛ حيث زعموا أن العبد مستقل بعمله، وأنه لا تعلق لمشيئة الله به، حتى إن بعضهم أنكر العلم؛ غلاتهم أنكروا علم الله وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى لا يعلم بأعمال العبد إلا بعد أن يفعلها، أما قبل ذلك فإنه لا يعلم سبحانه وتعالى، وأنكروا النصوص الصحيحة الصريحة في إثبات علم الله سبحانه وتعالى في كل شيء، حتى في أعمال الإنسان. * وفيه أيضًا -قوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ -: كثرة رزق الله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى يعطي بلا حساب، وليس معنى بلا حساب بلا تقدير، لماذا لا نقول ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا؛ لأن الله يقول ﴿كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨]، حتى القطرة اللي تنزل من السماء إلى الأرض هي مقدرة عند الله سبحانه وتعالى، ولكن بغير حساب؛ أي أنه لا يكافئ الإنسان بحساب، بل بكثرة كثيرة (...) كثيرًا لا يحسب، وهذه معروفة يقال: فلان ينفق بلا حساب؛ يعني: ينفق إنفاقًا كثيرًا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الثابت عن السلف أنها المساجد وهي المحل هذا؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٦٩٩ / ٣٨) من حديث أبي هريرة. ]] إلى آخره، والمراد بالمساجد بلا شك.

النور 24:38

ثم قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ إلى آخره. (﴿فِي بُيُوتٍ﴾ متعلق بـ﴿يُسَبِّحُ﴾ الآتي) أيش معنى متعلق؟ الفعل يتعدى إلى المفعول بنفسه، وأحيانًا يتعدى إلى المفعول بحرف الجر، إذا تعدى إلى مفعول بحرف الجر يقال: هذا متعلق به، ولَّا في الحقيقة أن الجار والمجرور متعلق، وكذلك الظرف هو مفعول في الحقيقة، لكنه لا يتعدى إليه الفعل بنفسه، فـ﴿يُسَبِّحُ﴾ تعلق بها قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ يعني: أن العامل في الجار والمجرور هو قوله: ﴿يُسَبِّحُ﴾. (﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ تعظم ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ بتوحيده) إلى آخره. ﴿أَذِنَ﴾ المراد هنا الإذن الشرعي، المراد بالإذن: الشرعي، فمعنى ﴿أَذِنَ﴾ أي: شرع أن تُعظَّم، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: «أَمر النبي ﷺ ببناء المساجد في الدُّور -يعني: في الحارات- وأن تُطَيَّب»[[أخرجه أبو داود (٤٥٥)، والترمذي (٥٩٤)، وابن ماجه (٧٥٨) من حديث عائشة.]]. وهذا دليل على أن الإذن هنا بمعنى أيش؟ الشرع، وقد سبق أن قررنا أن الإذن ينقسم إلى قسمين: إذن كوني وإذن شرعي. فمثال الإذن الكوني: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥]، ومثال الإذن الشرعي ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] هذه ما تصح أن تكون إذنًا قدريًّا كونيًّا، لماذا؟ ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، لا تصح أن تكون إذنًا كونيًّا قدريًّا، لماذا؟ لأن الإذن القدري الكوني لم ينتفِ؛ فإنهم شرعوا، وما شرعوا إلا بإذن الله كونًا وقدرًا، فإذن ﴿مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ أي: شرعًا ولا بد. على كل حال الآن الإذن -إذن الله- ينقسم إلى قسمين: كوني وشرعي؛ فالكوني مثله في قوله تعالى. * طالب: (...). * الشيخ: طيب والشرعي ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. وقد يأتي الإذن بمعنى الاستماع، كقوله ﷺ: «مَا أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ إِذْنَهُ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٢٤)، ومسلم (٧٩٢ / ٢٣٢) من حديث أبي هريرة.]] معناه: ما أذن الله لشيء أي: استمع لشيء مثل استماعه لهذا النبي الذي يتغنى بالقرآن يجهر به. إذن ﴿أَذِنَ اللَّهُ﴾ في الآية التي معنا ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ من أي الإذنين؟ الشرعي. هل يتعين أن تكون للشرعي؟ * طالب: (...). * الشيخ: ولماذا؟ * طالب: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾. * الشيخ: طيب ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ جوابكم صحيح، لكن التعليل لو أذن بذلك قدرًا لكانت المساجد تُعظَّم ولا بد، وتُرفع ولا بد؛ لأن الإذن الكوني أو القدري -والمعنى واحد- لا بد فيه من وقوع المأذون. كل ما يتعلق بالأمور الكونية لا بد من وقوعه، فلو كان المراد بالإذن هنا: الإذن الكوني لكان رفع المساجد أيش؟ أمرًا حتميًّا، مع أننا نجد أن المساجد أحيانًا لا تُرفَع ولا تُعظَّم، بل تُمنَع ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة ١١٤]. طيب ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ﴾ أي: شرع ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾ تعظم، وفي الحقيقة أن رفعها أعم من التعظيم، تُرفَع بالتعظيم وبغيره، لكن صحيح أظهر ما يكون الرفع هو التعظيم. ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أي: اسم الله، والمراد: أن الله يُذكر بأسمائه؛ لأنه إذا ذُكر الاسم ذُكر المسمَّى. وقوله: ﴿يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ بأي شيء يذكر؟ * طالب: بالصلاة. * الشيخ: إي نعم، بالقراءة والتسبيح كما سيأتي أيضًا، المهم يُذكر فيها اسمه بالثناء والتمجيد، وهذا يشمل الصلاة وغير الصلاة. ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ وهذا التنزيه، فيكون في الآية إشارة إلى أمرين: إلى إثبات الكمال في قوله: ﴿يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، وإلى نفي النقص في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ﴾ إلى آخره. وقوله تعالى: (﴿يُسَبَّحُ﴾ بفتح الموحدة وكسرها أي: يُصلَّى). ﴿يُسَبَّحُ﴾ فيها قراءتان سبعيتان: الفتح والكسر. وسيأتي -إن شاء الله- تخريج كل منهما في موعده. وقوله: (أي: يُصلِّي)، هذا فيه نظر إن قصد بذلك حصر التسبيح بالصلاة، وإن قصد بذلك التمثيل فهذا صحيح؛ فإن قوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ أعم من كونهم يصلون، بل هم يسبحون الله بالصلاة وغيرها مما يكون به تنزيه الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ﴾. (يُصَلِّي ﴿لَهُ﴾ أي: لله ﴿فِيهَا بِالْغُدُوِّ﴾ مصدر بمعنى الغدوات، أي: البُكَر، ﴿وَالْآصَالِ﴾ العشايا من بعد الزوال). قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (الغدو) يقول المؤلف: إنها جمع، مصدر غدا يغدوا غدوًّا، لكنها بمعنى الجمع، (غُدُوّ) مصدر بمعنى الجمع، بمعنى الغدوات، يعني: أول النهار، وإنما لجأ المؤلف إلى جعل الغدو بمعنى الغدوات للمطابقة، ويش هي المطابقة؟ ﴿وَالْآصَالِ﴾، مطابقة ﴿وَالْآصَالِ﴾؛ لأن الآصال: جمع أصيل، وهو آخر النهار. وقوله: هي العشايا، جمع عشي أيضًا، ما كان بعد الزوال، وفي حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين «قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صَلَاتَيِ العَشِيِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢)، ومسلم (٥٧٣ / ٩٧) من حديث أبي هريرة.]] يقول الراوي عن أبي هريرة. أقول: الغُدُوّ: مصدر بمعنى الجمع، أي: الغدوات، ﴿وَالْآصَالِ﴾ جمع أصيل، أي: العشايا، أي: آخر النهار. طيب وين الصلوات إذا قلنا: ﴿يُسَبِّحُ﴾ بمعنى (يصلي)؟ ويش يكون بالغدو؟ صلاة الفجر، والعشي: الظهر والعصر، وأيش يبقي عندنا؟ المغرب والعشاء، وهي مما يُصلَّى في المساجد. ولهذا نرى أن الصواب في ذلك أن التسبيح أعم من الصلوات. ثم إنه يحتمل أن يُقصد بالغدو والآصال: جميع الوقت، كما في قوله تعالى في أهل الجنة: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢]، الرزق لأهل الجنة هو دائم ولّا بس الصبح وآخر النهار؟ دائم، لكن يقال هكذا والمراد الدوام، فإما أن تحمل الغدو والآصال على معنى الدوام، أي: يسبحون دائمًا، أو على معنى أول النهار وآخره، فيكون هذا إشارة للتسبيحات التي تُذكر في أول النهار وفي آخره، ومنها صلاة الفجر وصلاة العصر؛ فإن الصلاتين هاتين أفضل الصلوات، كما جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٤)، ومسلم (٦٣٥ / ٢١٥) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، وقال ﷺ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣ / ٢١١) من حديث جرير بن عبد الله.]]، أيش يعني؟ الفجر والعصر. على كل حال الغدو والآصال إن أريد بهما حقيقتاهما، وهو أول النهار وآخره، كان في ذلك إشارة إلى أي شيء؟ إلى ما يقال من التسبيح والتعظيم لله والتهليل في أول النهار وآخره، وكذلك أيضًا إلى صلاة الفجر وصلاة العصر. وإن قلنا: المراد بالغدو والآصال المراد: كل الدهر، وأن هذا من باب ذكر الطرفين ليشمل الجميع، كما في قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢]؛ فإنه يشمل كل ما يسبح لله تعالى في المساجد في أول النهار وآخره، وفي الليل؛ أوله وآخره ووسطه. * * * وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾ [النور ٣٦، ٣٧] (فاعل يسبح بكسر الباء، وعلى فتحها نائب الفاعل له، و(رجال) فاعل فِعل مقدَّر جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: من يسبحه؟). الآن توجيه القراءتين السابقتين ﴿يُسَبِّحُ﴾، و﴿يُسَبَّح﴾ : إذا كانت ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: ﴿يُسَبِّحُ﴾ مبني للفاعل ولّا للمفعول؟ * طالب: للفاعل. * الشيخ: للفاعل، وعليه يكون قوله: ﴿رِجَالٌ﴾ فاعل (يسبح) أو لا؟ واضح. على قراءة ﴿يُسَبَّح﴾ يكون الفعل مبنيًّا للمفعول، يحتاج إلى نائب فاعل، ما يصلح أن يكون ﴿رِجَالٌ﴾ نائب فاعل؛ لأنه لو كان نائب فاعل كان اللي يسبحون من؟ الرجال، وهذا شيء غير ممكن، إذن أين نائب الفاعل؟ نائب الفاعل الجار والمجرور في قوله: ﴿لَهُ﴾: ﴿يُسَبَّح لَهُ﴾ ، وإذا لم يوجد المفعول، يعني في الفعل المبني للمفعول، ناب عنه الظرف والجار والمجرور، مثلما لو قلت: (قِيلَ قولٌ).. لا هذه نائب فاعل صريح. (ضُرب الضربُ) وما أشبه ذلك، فإنه ينوب عن المفعول به. يقول ابن مالك: وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ أَوْ مِنْ مَصْدَرِ ∗∗∗ أَوْ حَـــــرْفِ جَـــــرٍّ بِنِيَابَــــــةٍحَـــــــــــرِي اللي معنا الآن ﴿يُسَبَّحُ لَهُ﴾ إذا قلنا: ﴿لَهُ﴾ هو نائب الفاعل.. قِيلَ قولٌ، لا، هذه نائب فاعل صريح، ضُرِبَ الضربُ، وما أشبه ذلك، فإنه ينوب عن المفعول به، ابن مالك: وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ اوْ مِنْ مَصْدَرِ ∗∗∗ أَوْ حَــرْفِ جَرٍّ بِنَيَابَـــةٍحَــــــرِي اللي معنا الآن ﴿يُسَبَّحُ لَهُ﴾ [النور: ٣٦] إذا قلنا: (له) هو نائب الفاعل هو الظرف ولَّا حرف جر؟ البيت في الألفية: وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ اوْ مِنْ مَصْدَرِ ∗∗∗ أَوْ حَــرْفِ جَرٍّ بِنَيَابَـــةٍحَــــــرِي من أي الثلاثة ذا؛ ﴿يُسَبَّحُ لَهُ﴾ ؟ حرف الجر. يبقى الإشكال في ﴿رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٧] على قراءة ﴿يُسَبَّحُ﴾ ، نقول: ﴿رِجَالٌ﴾ فاعل لفعل محذوف، هذا الفعل المحذوف أوجبه كلمة ﴿يُسَبَّحُ﴾ ؛ لأن ﴿يُسَبَّحُ لَهُ﴾ كأنه قيل: من يسبح أو من يسبح له؟ فقيل: رجال، وعلى هذا فتكون ﴿رِجَالٌ﴾ فاعلًا لفعل محذوف دل عليه الفعل المذكور وهو ﴿يُسَبَّحُ﴾ ، واضح؟ إذن (يسبح) فيها قراءتان سبعيتان؛ فتح الباء وكسرها، وتبين الآن توجيه كلٍّ من القراءتين. (﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ﴾ أي: شراء، ﴿وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ حذفت هاء (إقامة) تخفيفًا، ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ﴾ تضطرب، ﴿فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ من الخوف؛ القلوب بين النجاة والهلاك، والأبصار بين ناحيتي اليمين والشمال وهو يوم القيامة). يقول الله عز وجل: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ كلمة (رجال) تدل على المدح والثناء، كما يقال: فلان رجل؛ أي: أنه اتصف بصفة الرجولة، فكلمة (رجال) لا شك أنها تدل على الثناء؛ ولذلك لا تطلق إلا على البالغ العاقل. وقوله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ لم يقل: لا يبيعون ولا يشترون؛ لأن الذي لا يبيع ولا يشتري قد يأتي إلى المسجد ليسد الفراغ، لكن يبيع ويشتري وهو بصدد (...). إليه، لا لأنه سايب ما له عمل ولا له شغل، فهمتم الآن؟ وهذا أبلغ في الثناء كونهم يبيعون ويشترون، لكن هذا البيع والشراء لا يلهيهم عن ذكر الله. وقوله تعالى: ﴿تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ المؤلف فسر التجارة بالشراء لماذا؟ * طالب: تفسير بالمقابل. * الشيخ: في مقابلة ﴿بَيْعٌ﴾، ولكنه تفسير ليس بصحيح؛ لأن الشراء مفهوم من بيع؛ إذ لا يوجد بيع إلا بشراء، لكن التجارة أعم من البيع، قد يلهو الإنسان بتجارته لتصنيفها وتبويبها وحفظها وصيانتها، وما أشبه ذلك، أليس هكذا؟ ربما ما هو يبيع ويشري لكن يلهو بطريق آخر بهذه التجارة؛ لذلك الآية نقول: المراد بالتجارة ما يتجر به الإنسان ولهوه به ليس بالشراء، بل ما هو أعم، أما الشراء فمفهوم من البيع؛ لأنهم إذا شروا فقد باع عليهم غيرهم، وإذا باعوا فقد اشترى منهم غيرهم. وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ يعني: التجارة ما تلهيهم عن ذكر الله، يقدِّمون ذكر الله على تجارتهم، لكن الناس في هذا الباب ينقسمون إلى ثلاثة أقسام في مسألة التجارة والذكر؛ منهم من يقدم التجارة على الذكر، وهذا خاسر؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون ٩]، لو ربحوا في الأموال والأولاد فهم خاسرون، هذا قسم. القسم الثاني: من لا تلهيه التجارة ولا الأموال والأولاد عن ذكر الله، لكن يعمل هذا في محله وهذا في محله، فهذا رابح، ما فاته ماله وولده ولا فاته ذكر الله؛ أتى لهذا بنصيبه ولهذا بنصيبه. القسم الثالث: من هو أعلى من هذا؛ من يجعل تجارته وولده من ذكر الله، بحيث يقصد بهذه التجارة الاستعانة على طاعة ربه وعلى بذل أمواله فيما يرضي ربه، وهو كذلك بالنسبة للأولاد؛ يجعل اشتغاله بهم لتربيتهم والتأمل في نعمة الله عليه بهم، وما أشبه ذلك، هذه هي المرتبة العليا. وعلى هذا يكون هذا الرجل رابحًا في الطرفين، صح ولَّا لا؟ في الطرفين في آن واحد، والقسم الثاني رابح في الطرفين لكن على التناوب؛ يربح في هذا ويعطيه ما يستحق، ويربح في هذا ويعطيه ما يستحق، أما الثالث الأخير فهذا شأنه شأن كبير، ولكن قلَّ من يوجد بهذه الصفة، قلَّ وهو نادر جدًّا، وأكثر الناس اليوم من أي الأقسام؟ * طلبة: الأول. * الشيخ: من القسم الأول اللي هو في الحقيقة أخيرًا في المرتبة وأولًا في الذكر، أكثر الناس اليوم هكذا. * طالب: الثالث. * الشيخ: الثالث؛ من جعل اشتغاله بتجارته ذكرًا لله. أقول: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ (إقام) بمعنى (إقامة)، لكن حذفت التاء تخفيفًا، وإقام الصلاة ليس مجرد فعلها، بل هو أمر فوق الفعل، يعني ويش معنى: أقام الشيء؟ جعله قيِّمًا مستقيمًا، وذلك بفعل شروطها وأركانها وواجباتها، فما كل مصلٍّ مقيمًا للصلاة؛ ولهذا تجدون أن الثناء الذي يذكره الله في القرآن، بل والأوامر التي يأمر الله بها في القرآن غالبًا، ويش نقول؟ بالإقامة؛ لأن ذلك هو الأصل ليس مجرد فعل الصلاة؛ ولهذا نجد أنه يصلي رجلان مع الإمام أفعالهما واحدة، ودخولهما في الصلاة واحد، وخروجهما منها واحد، ولكن بين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، لماذا؟ لأن أحدهما أقام الصلاة، والآخر صلى فعلًا بس، لكن الأول أقامها خاشعًا مستحضرًا مخلصًا، يرجو ثواب الله ويخاف عقاب الله. (إقام الصلاة) المذكور في القرآن كثيرًا بماذا بيِّن؟ بيِّن بالسنة، فيه أشياء مبينة في القرآن، لكن غالب ذلك مبين بالسنة، بينته سنة الرسول ﷺ، وبهذا نعرف أن السنة ضرورية في الشرع، وأن من أنكرها فقد هدم جانبًا كبيرًا من الشرع، وقد وجد بعض الناس أنكر السنة، والعياذ بالله. وسمعنا أن بعض الزعماء من العرب صاروا يصادرون كتب السنة، قيل لي: إنهم يصادرون البخاري ومسلمًا من المكاتب حتى لا تنتشر سنة الرسول ﷺ بين أمته، والعياذ بالله، وهذا لا شك أنه كفر؛ يعني الذي يبيح لنفسه أن يصادر كتب الحديث التي تلقتها الأمة بالقبول، هم لو صادروا كتبًا مضلة ضعيفة موضوعة لكنا نحمدهم على هذا الأمر، لكن يصادرون كتبًا صحيحة تلقتها الأمة بالقبول وعلمها المسلمون واعتبروها سندًا، هؤلاء لا شك أنهم كفار؛ لأنهم كفروا بسنة الرسول ﷺ، بل بالقرآن نفسه؛ لأن الله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١]، ويقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، ويقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١]، ويقول: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧]، ويقول: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٣٦]. على كل حال الآيات في هذا كثيرة وبينة وواضحة، فإقامة الصلاة من هذا النوع ما بينها بيانًا كافيًا إلا سنة الرسول عليه الصلاة والسلام. وقوله: ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ أي: إعطائها، والزكاة معروفة لنا وهي الجزء الذي أوجبه الله تعالى في أموالنا، ولم يبين المؤتى إليه لكنه مبين في القرآن في سورة التوبة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة ٦٠]، هذه الذي يؤتى إليه الزكاة. ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ قوله: ﴿يَخَافُونَ﴾ هذه صفة لـ﴿رِجَالٌ﴾، لا تلهيهم وهم أيضًا في هذه الأحوال يخافون يومًا؛ يخافون في حال تسبيحهم بالغدو والآصال، وفي حال إقامتهم الصلاة وإيتاء الزكاة، وفي حال عدم لهوهم بالتجارة والبيع، كل هذه الأعمال مبنية على هذه العقيدة والأساس. ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ﴾ خوفهم من هذا اليوم يدل على إيمانهم به ولَّا لا؟ يدل على إيمانهم به؛ إذ لا يخاف الإنسان من شيء لا يؤمن به، فهو يدل على أن عندهم تمام الإيمان واليقين باليوم الآخر؛ ولذلك يخافونه؛ يخافون هذا اليوم. هذا اليوم وصفه الله بقوله: ﴿تَتَقَلَّبُ﴾ تضطرب فيه، ﴿الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ ﴿تَتَقَلَّبُ﴾ التقلب معروف هو تغير الهيئة من حال إلى حال، وهذه القلوب تتقلب؛ تضطرب وتنتقل من حال إلى حال، كيف؟ تقلب القلوب يقول: (بين النجاة والهلاك)، ما يدري الإنسان هل ينجو أو يهلك؟ فقلبه متقلب مضطرب؛ أحيانًا يغلب عليه الرجاء، وأحيانًا يغلب عليه الخوف، كذلك الأبصار تتقلب. يقول المؤلف: (من ناحية اليمين والشمال)؛ لأنه الناس (...) ما كأنهم عقلاء؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج ٢]، ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم ٤٢، ٤٣] واحد إذا رأيته كأنه مجنون، كأنه سكران من شدة الهول، وما ظنك بالقلب حينئذٍ؟ لا شك أنه في الحقيقة سوف يتقلب ويضطرب ولا يدري المآل، هذا الذي يحصل يوم القيامة. يقول: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور ٣٨] ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ (أي: ثوابه، وأحسن بمعنى: حسن)، ما شاء الله، اللام في قوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ﴾ هل هي للعاقبة وأن عاقبتهم هذا، أو هي للتعليل أيضًا؛ يعني أنهم يسبحون ويخافون لأجل أن يجزيهم الله أحسن ما عملوا، فيكون هنا جمعوا -على قول لام التعليل- جمعوا بين الخوف والرجاء، أو نقول: للعاقبة، وأنهم يعملون تلك الأشياء خوفًا من الله عز وجل، فتكون عاقبتهم الأمن التام مع الثواب الجزيل؟ فيه احتمالان؛ إما أن تكون اللام للعاقبة؛ يعني أنهم يسبحون ويخافون، وتكون عاقبتهم تلك وهو الأمن مما يخافون وحصول الثواب الجزيل، أو أنها للتعليل؛ يعني أنهم يفعلون ذلك لانتظار الجزاء. ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ ثم هنا نناقش المؤلف. قال المؤلف: (أي: ثوابه)؛ لأنهم في الحقيقة لا يجزون بنفس العمل وإنما يجزون بأي شيء؟ * طلبة: الثواب. * الشيخ: بثوابه، الجزاء: الثواب؛ لذلك احتاج المؤلف أن يقدِّر العمل بثواب العمل؛ لأنه هو الذي به الجزاء، هذه واحدة. الثانية: يقول: (أحسن بمعنى: حسن)، ليش؟ لأنه توهم المؤلف، أو ربما يتوهم المتوهم أن الجزاء إنما يقع على أحسن ما يعمل الإنسان، والحقيقة أن الجزاء يقع على الأحسن والحسن، أليس كذلك؟ عندما يعمل الإنسان حسنًا، فإن الجزاء يكون على الحسن والأحسن، ولكن هذا التوهم لا يرد على تقدير المؤلف وهو أن المراد ليجزيهم الله ثوابه، يصير المعنى: ليجزيهم الله أحسن ثواب ما عملوا، وعليه فلا إشكال إطلاقًا، ولا نؤول (أحسن) بمعنى (حسن)؛ لأن تأويل (أحسن) بمعنى (حسن) تحريف، أيهما أكمل؟ أحسن؛ فلذلك نقول: الآية على ظاهرها، واسم التفضيل على بابه، والمعنى: أنهم يجزون أحسن ثواب لعملهم، كيف ذلك؟ الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، والإنسان لو عملت له عملًا وأعطاك أجرك مرتين، ويش يصير هذا؟ أحسن ثواب، لكن ثواب الله عز وجل أحسن وأحسن؛ لأن الله يضاعف لمن يشاء، فالأولى بل الواجب أن تبقى (أحسن) على ما هي عليه من التفضيل. نقول: (أحسن)؛ أي: أحسن ثوابٍ لعملهم، بيكون هنا الأحسن ليس للعمل، ويش الأحسن له؟ الأحسن للثواب. بقي علينا على التقدير الأول: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾، لماذا جعل الله تعالى الحسن للعمل نفسه مع أن الحسن للثواب؟ إشارة إلى أن الجزاء بقدر العمل؛ ولذلك عبِّر به عنه؛ العمل، كما تدين تدان. فالإنسان الذي لا يصلي مثلًا، هل يثاب ثواب المصلي؟ لا، والذي لا يزكي لا يثاب ثواب المزكي، وهكذا، فالجزاء على العمل؛ ولذلك عبِّر به -أي بالعمل- عن جزائه، إشارة إلى أن الجزاء من جنس العمل، لكنه جزاء أحسن ما يكون. وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (يقال: فلان ينفق بغير حساب؛ أي: يوسِّع، كأنه لا يحسب ما ينفقه)، قوله: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هذا زائد على ثواب العمل، وذلك ما يحصل من زيادة الأعمال الصالحة، وزيادة الرزق في الدنيا، وزيادة ما يدخر لهم عند الله في الجنة، كالنظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى، كما جاء في الحديث الصحيح[[أخرجه مسلم (١٨١ / ٢٩٨) من حديث صهيب.]]، في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦] أن المراد بالزيادة: الزيادة من الرزق في الدنيا، الزيادة من الثواب في الآخرة بالنظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ المعنى: أنه سبحانه وتعالى يعطي بغير تقدير، لكن ويش معنى: بغير تقدير؛ كيف نقول: بغير تقدير مع أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨]؟ الجواب: أن هذا كناية عن كثرة العطاء؛ ولهذا يقال كما قال المؤلف: (فلان ينفق بغير حساب)، أيش معناه؟ يعني: يعطي عطاء كثيرًا لا حد له، وإلا فإن الله تعالى قد قدَّره بعلمه وحكمته، كل شيء حتى نقطة المطر إذا نزلت في الأرض فإنها بمقدار. إذن يكون معنى قوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: بغير مقدار، وهو كناية عن أيش؟ عن كثرة ما ينفق، لا عن كونه ينفق هكذا بدون أن يشعر بما ينفق، بل هو سبحانه وتعالى يعلم ما يرزق، وكيف يرزق، وأين يرزق، ولكنه تعالى لكثرة عطائه كالذي لا يحسب. * في هذه الآية من الفوائد فوائد كثيرة؛ منها: فضيلة المساجد، وبماذا نستدل عليه؟ بقوله: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، فإن إذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يدل على شرفها؛ لأن المكان يشرف بشرف العمل فيه، كما أن الزمان أيضًا يشرف بشرف العمل فيه، لماذا كان رمضان شريفًا؟ لمشروعية الصيام فيه وإنزال القرآن، ولماذا كانت (...) شريفة؟ لأن فيها المناسك وذكر اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، وهكذا. * إذن يستفاد من ذلك: شرف المساجد؛ لأنها محل ذكر الله عز وجل وتعظيمه. * فيه أيضًا: مشروعية تعظيم المساجد، ومن ذلك؛ من تعظيمها: أن تطيب، ومن ذلك أيضًا: أن تنظف عن الأذى والأقذار. هل نقول: ومن ذلك أن ترخرف؟ لا؛ ولهذا جاء في الحديث: «مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ» وحديث ابن عباس: «لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى»[[أخرجه أبو داود (٤٤٨) من حديث عبد الله بن عباس.]]، فالزخرفة هذا شيء لا يليق بالمساجد؛ لأن المساجد ليست بيوت دنيا، وإنما هي بيوت عمل للآخرة، لكن تنظف عن الأذى والأقذار وتطيَّب، وفرق بين التنظيف عن الأذى وبين إحداث الزخرفة؛ فإن التنظيف عن الأذى تنقية، لكن الزخرفة إيجاد أشياء لا تتناسب مع المساجد. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، تعظيم المسجد: ألَّا تدخل بالنعلين إلا وقد نظفته. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي، اللباس ما أدخل به. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ولا (...) ضرورة، نقول: السنة أن تصلي في النعلين؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بذلك[[أخرجه أبو داود (٦٥٠) من حديث أبي سعيد الخدري، وفيه: «وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا».]] وفعله بنفسه أيضًا[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٦)، ومسلم (٥٥٥ / ٦٠) من حديث أنس بن مالك.]]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: البيوت؟ * طالب: إي. * الشيخ: لا، الدور في اللغة: الحارات، يقال: هذه دار بني فلان، وهذه دار بني فلان؛ يعني: حارتهم، إي نعم (...) ذكر الله. * طالب: (...). * الشيخ: إي، الأكل في المساجد، هذه تأتي إن شاء الله فيما بعد. * * * مثل -سلمك الله الأهوال عندما تحدث- لو بشِّر الإنسان؛ فإما أن ينسى ما بشِّر به لشدة الهول، وإما أن يخاف من أمر يصيبه قبل أن يصل إلى ما بشِّر به، واضح؟ عندنا مثلًا يقول لك الملك -ولله المثل الأعلى- ترى فأنت أعمل ما عليك، وتشوف الجلد في الناس والأسر والأخذ، ما تخاف؟ لا بد يحصل عندك خوف، مع أن هذا نقوله على سبيل التقريب، وإلا أهوال يوم القيامة ما يتصورها الإنسان. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، الرسل عليهم الصلاة والسلام يعبرون الصراط ويقولون: اللهم سلم، اللهم سلم[[متفق عليه؛ البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢ / ٢٩٩) من حديث أبي هريرة.]]. (...) كملنا الكلام على ما يستفاد من الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ والآن نبدأ ذلك جميعًا، بدأنا ذكر الفوائد فنقول، وبالله نقول سبحانه وتعالى: * فيها: تعظيم شأن المساجد؛ لقوله: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾، فإن هذا دليل على تعظيم شأنها. وبينَّا أن الإذن ينقسم إلى قسمين وهو: شرعي وكوني، والفرق بينهما: أن الشرعي ما يتعلق فيما شرعه الله وأحبه، والكوني فيما قدره سواء شرعه أو لم يشرعه، وذكرنا على ذلك أمثلة. * وفيه أيضًا: فضيلة ذكر الله سبحانه وتعالى في المساجد؛ لقوله: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾. فضيلة تنظيف المساجد وحمايتها من الأذى؛ لقوله أيش؟ ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾، فإن هذا من رفعها؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ»[[أخرجه أبو داود (٤٦١)، والترمذي (٢٩١٦) من حديث أنس بن مالك.]]. * وفيها: أن الذكر الأفضل أن يكون بالقلب واللسان، يؤخذ من أين؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ﴿يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾؛ لأنه ما يمكن ذكر الاسم إلا باللسان. * وفيها أيضًا: فضيلة التسبيح؛ لقوله: ﴿يُسَبِّحُ﴾. * وفيها أيضًا: الجمع بين إثبات الكمال لله ونفي النقص عنه، من أين؟ ﴿يُذْكَرَ﴾ و﴿يُسَبِّحُ﴾؛ ﴿يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ هذا إثبات صفة الكمال، ﴿يُسَبِّحُ﴾ نفي صفة النقص، عرفتم؟ وأظن سبق لنا قاعدة مهمة في باب التوحيد في الأسماء والصفات على أن النفي لا يراد به مجرد النفي، وإنما يراد.. * طالب: (...). * الشيخ: إي، مع النفي إثبات كمال ضده، فإذا نفى الله عن نفسه سبحانه وتعالى أنه يظلم ليس معنى ذلك مجرد نفي الظلم، ولكن من أجل إثبات كمال العدل؛ من أجل كمال عدله لا يظلم؛ لأن نفي الظلم مثلًا قد يكون من العجز عن الظلم، وقد يكون لعدم قابلية هذا المحل لكونه ظالمًا، عرفتم؟ قلنا مثلًا: إنه يقال: الجدار لا يظلم، لماذا؟ * طالب: ليس له قابلية. * الشيخ: إي، ليس قابلًا للظلم، القابلية معدومة، وتقول مثلًا: هذا الرجل الضعيف المهين -لرجل ضعيف مهين- تقول: هذا لا يظلم. * طالب: لعجزه. * الشيخ: لعجزه، فلا يكون مدحاً، لكن عندما تقول لقادر قابل لأن يكون ظالمًا من حيث هو ذاته، فهذا دليل على كمال عدله؛ ولهذا نفى الله الظلم عن نفسه متمدحًا به تبارك وتعالى، ولو كان غير قابل للظلم -كما قالت الجبرية- ما صح النفي. * وفيها أيضًا: فضيلة التسبيح في الصباح والمساء، إذا قلنا: إن المراد بالغدو والآصال هذين الوقتين، فإذا قلنا: المراد بالغدو والآصال معناه: الاستمرار دائمًا، وإنما ذكر هذين؛ لأنهما طرفا النهار، لم يكن في هذا دليل على تخصيص هذين الوقتين، ولكن الظاهر من الأدلة أن لهذين الوقتين مزية؛ لأن الله دائمًا يأمر بالتسبيح في هذين الوقتين. * وفيها أيضًا: دليل على أنه كلما قوي الصارف ولم ينصرف الإنسان فهو أكمل ممن لا صارف له، من أين تؤخذ؟ ويش الوجه؟ * طالب: (...). * الشيخ: تمام، صحيح، فهم -مثلًا- هؤلاء الرجال لو كانوا ما يعرفون التجارة ولا يستطيعون التجارة قلنا: إن لجوءهم إلى بيوت الله من باب الضرورة؛ يعني لأجل (...) الوقت على أنفسهم ويتسلون بذلك، لكنهم قوم لهم تجارة، الصارف عن ذكر الله في المساجد موجود وهو التجارة، لكنها مع ذلك لا تلهيهم. * وفيها أيضًا: دليل على جواز الاتجار، وجهه أنه أثبت أنهم يتجرون في مقام المدح، ولو كان الاتجار حرامًا أو مذمومًا ما صح أن يؤتى به في سياق المدح، فالتجارة لا بأس بها، ما يقال للإنسان: لا تتجر، لا تعمل. ولكن على كل حال للناس أغراض في تجاراتهم؛ أحد يريد بالتجارة أن تكون وسيلة له إلى الآخرة، وأناس يريدون بالتجارة الدنيا فقط، واختلاف الناس في هذا باب واسع، فمن اتجر ليكسب مالًا يعين به محتاجًا، ويتقرب به إلى الله، ويفعل مشاريع الخير، هذا يحمد عليه؛ ولهذا جعله النبي عليه الصلاة والسلام قرينًا لأي شيء؟ جعله قرينًا للعلم النافع حيث قال: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَعْلِّمُهَا، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٣)، ومسلم (٨١٦ / ٢٦٨) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، وهذا دليل على فضيلة المال إذا كان عونًا على طاعة الله. * وفيه دليل: على فضيلة إقامة الصلاة، أيش وجه ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن أيش إقامة الصلاة له شأن ومزية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: من اللي يعرف؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا * طالب: (...). * الشيخ: (...)، لا أنا قصدي أن الصلاة لها مزية على غيرها. الصلاة هي من ذكر الله ولَّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: هي من ذكر الله، فخصها بالذكر من بين الذكر، والتخصيص بعد التعميم يدل على فضيلة المخصص ومزيته، ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤] الروح جبريل، خصه بالذكر مع أنه من الملائكة لشرفه وفضله، فتخصيص الصلاة وإقامتها بعد ذكر ما هو أعم دليل على مزيتها، وكذلك أيضًا إيتاء الزكاة. وهاتان العبادتان هما أفضل العبادات بعد التوحيد والشهادة بالرسالة؛ لأن إقامة الصلاة هي الركن الثاني، وإيتاء الزكاة الركن الثالث، ودائمًا يقرن الله سبحانه بينهما في القرآن. * وفيه دليل أيضًا: على أن من تعبَّد لله خوفًا فهو محمود، من أين تؤخذ؟ ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾، وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على من تعبَّد خوفًا من العذاب فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان ٧]، وهنا قال: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾، وأثنى الله تعالى على من تعبد طلبًا: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]. وفي هذا رد بيِّن على من ذهب من الصوفية أو غيرهم إلى أن الأفضل في التعبد ألَّا يقصد الإنسان حظًّا لنفسه، وإنما يعبد الله لذاته فقط؛ يعني عندما تعبد الله لا تقصد أنك تريد فضل الله أو تحذر عقابه، يقول: اعبد الله لله. فيقال لهم: لستم أكمل حالًا من النبي ﷺ وأصحابه، وقد ذكر الله عنهم أنهم كانوا ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]، ولستم أكمل حالًا ممن أثنى الله علهم من الأبرار، ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان ٥] إلى أن قال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان ٧]، ولا شك أن الإنسان الذي يعبد الله سبحانه وتعالى لينال فضله وينجو من عقابه هو يريد الوصول إلى رضوان الله وإلى رؤية الله عز وجل؛ لأن من جملة النعيم في الجنة رؤية الله سبحانه وتعالى. * وفي هذا دليل: على عظم يوم القيامة وأهواله الشديدة؛ لقوله: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. (...) ليست خاصة، بل (أل) فيها للعموم؛ يعني كل القلوب تتقلب، وكل الأبصار تتقلب، حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يخافون ويخشون، ولكن مع ذلك أهل الخير يؤَمَّنُون، مع خوفهم يؤَمَّنُون، ومعلوم أن الذين يؤَمَّنُون لا شك أنهم يهون عليهم هذا اليوم؛ ولهذا قال الله تعالى في يوم القيامة: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر ١٠]، وقال: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان ٢٦]، فيفهم منه أن هذا اليوم مع عظمه وأهواله وشدته يكون على المؤمنين يسيرًا، وإلا فهو في ذاته عظيم جدًّا، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج ١، ٢]. * وفيه أيضًا دليل: على أن الجزاء من جنس العمل، بل هو في الطاعات أحسن من العمل، من أين نأخذه؟ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ شيئًا فوق ما عملوه. * وفيه دليل: على علم الله عز وجل، من أين نأخذها؟ لأنهم إذا كانوا يجازون بأحسن ما عملوا، فلا مجازاة إلا بعد علم المجازي، يعلم ما عمل ثم يجازيه عليه. * وفيه أيضًا: إثبات القدرة من إثبات الجزاء، فإنه لا يجزي إلا من كان قادرًا، لو أنك صنعت إلى إنسان معروفًا، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ»[[أخرجه أبو داود (١٦٧٢) والنسائي في المجتبى (٢٥٦٧) من حديث عبد الله بن عمر. ]]، فالله سبحانه وتعالى لتمام قدرته لا ينقصه ما أعطى العاملين من ثوابهم وأجرهم. * وفيه: إثبات المشيئة لله؛ ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أو لا؟ وإثبات المشيئة لله في حقه -أي: فيما يتعلق بفعله- أمر متفق عليه فيما أعلم، ما خالف فيه مبتدعة ولا غيرهم، ومشيئة الله بالنسبة لما يتعلق بأفعال الخلق خالف فيها طائفة تسمى القدرية؛ حيث زعموا أن العبد مستقل بعمله، وأنه لا تعلق لمشيئة الله به، حتى إن بعضهم أنكر العلم؛ غلاتهم أنكروا علم الله وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى لا يعلم بأعمال العبد إلا بعد أن يفعلها، أما قبل ذلك فإنه لا يعلم سبحانه وتعالى، وأنكروا النصوص الصحيحة الصريحة في إثبات علم الله سبحانه وتعالى في كل شيء، حتى في أعمال الإنسان. * وفيه أيضًا -قوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ -: كثرة رزق الله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى يعطي بلا حساب، وليس معنى بلا حساب بلا تقدير، لماذا لا نقول ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا؛ لأن الله يقول ﴿كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨]، حتى القطرة اللي تنزل من السماء إلى الأرض هي مقدرة عند الله سبحانه وتعالى، ولكن بغير حساب؛ أي أنه لا يكافئ الإنسان بحساب، بل بكثرة كثيرة (...) كثيرًا لا يحسب، وهذه معروفة يقال: فلان ينفق بلا حساب؛ يعني: ينفق إنفاقًا كثيرًا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الثابت عن السلف أنها المساجد وهي المحل هذا؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٦٩٩ / ٣٨) من حديث أبي هريرة. ]] إلى آخره، والمراد بالمساجد بلا شك.

النور 24:39

ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور ٣٩] لما ذكر الله سبحانه وتعالى أعمال هؤلاء الرجال -تلك الأعمال الفاضلة- ذكر أعمال الذين كفروا ما شأنهم، وهذا طريقة الله تعالى في كتابه: إذا ذكر وصف المؤمن ذكر بعده وصف الكافر، أو بالعكس، وإذا ذكر وصف الجنة ذكر بعده وصف النار، أو بالعكس؛ لأن القرآن مثاني تثنى فيه المعاني ويقابل بعضها ببعض، هذه واحدة، ولأن الإنسان إذا ذكرت له أوصاف أهل الخير وأوصاف الجنة قد يغلب عليه جانب الرجاء فيهلك، وإذا ذكر صفات النار وصفات أهل الشر يغلب عليه أيش؟ * طلبة: الخوف. * الشيخ: الخوف، فيهلك أيضًا؛ ولهذا اختلف أهل العلم هل الأولى أن يغلب الإنسان جانب الرجاء، أو جانب الخوف، أو يجعلهما سواء؟ فقال الإمام أحمد: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه؛ لأنه إن غلب عليك الخوف وقعت في القنوط من رحمة الله، وإن غلب عليك الرجاء وقعت في الأمن من مكر الله، وكلاهما طريق لا يليق بالمؤمن. وقال بعض العلماء: ينبغي للمريض أن يغلب جانب الرجاء؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨٢) من حديث جابر بن عبد الله. ]]، وينبغي للصحيح أن يغلب جانب الخوف. وقال آخرون: ينبغي عند فعل المعصية أن يغلب جانب الخوف، ويش لأجل؟ لأجل يرتدع؛ لأنه لو غلب جانب الرجاء قال: الله غفور رحيم وأرجو أن يغفر الله لي وأعمل المعصية، وعند فعل الطاعة يغلب جانب الرجاء؛ أن الله سبحانه وتعالى يقبل منه ويثيبه حتى لا ييأس، قال: ويدل على ذلك مثل قول النبي ﷺ: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ»[[أخرجه الترمذي (٣٤٧٩) من حديث أبي هريرة. ]]، كذلك اعبد الله وأنت على رجاء أن يتقبل منك. وعلى كل حال هذا القول في ظني أنه أرجح الأقوال؛ أنه عندما يكون الإنسان في جانب التعبد وفعل العبادة يغلب الرجاء، ما هو معنى عاد أنه يجزم بالرجاء بهذا؛ لأن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون ٦٠] يعني: خائفة ألَّا يقبل منها، لكن المعنى: أنه يغلب هذا مع الخوف، وأما في جانب فعل المعصية فيغلب جانب الخوف؛ لأجل ألَّا يقدم عليها معتمدًا على الرجاء. على كل حال نحن شطحنا قليلًا، لكن قصدنا أن القرآن الكريم يذكر الله تعالى فيه هذا وهذا؛ ليكون سير الإنسان معتدلًا. قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ (جمع (قاع)؛ أي: في فلاة، وهو شعاع يُرَى فيها نصف النهار في شدة الحر يشبه الماء الجاري) هذا تفسير للسراب، والقيعة هي: الفلاة، السراب بالقيعة أظنكم تعرفونه كلكم، في شدة الحر عندما تكون في فلاة من الأرض، (قيعة) يعني: جمع (قاع)، بخلاف الرملية ما يكون فيها هذا الشيء، لكن القيعان ترى من بعد كأن في ذلك الجانب ماء، فتظنه ماء فتقصده، هؤلاء الكفار أعمالهم هكذا مثل السراب بالقيعة يحسبه الظمآن ماء وليس بماء، كيف ذلك؟ لأنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣]، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس ١٨]، فيظنون أن هذا الشرك الذي يبعدهم عن الله حقيقة، أيش يظنونه؟ * طلبة: يقربهم. * الشيخ: يقربهم من الله عز وجل، يظنون هؤلاء الشفعاء الذين سيتبرؤون منهم، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦] يظنونهم أيش؟ * طلبة: شفعاء. * الشيخ: يظنونهم شفعاء، وتعرفون أن النفس إذا تعلقت بالشيء على أنه شفيع أو على أنه مقرب لها إلى الله تتبعه ولَّا لا؟ تتبعه بلا شك، هؤلاء مثل السراب في القيعة. (﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾ ﴿يَحْسَبُهُ﴾ يظنه، ﴿الظَّمْآنُ﴾ أي: العطشان، ﴿مَاءً﴾ )، هذا تشبيه بليغ؛ يعني أنه يقصده بشدة ولهف معتقدًا أنه ينقذه، العطشان محتاج للماء ولَّا لا؟ فإذا رأى ما يشبه الماء قصده بشدة ولهف، ويش لأجله؟ لأجل أن يدفع ضرورته به، هل يظنه ينفعه ولَّا لا؟ نعم، يظنه ينفعه، ولولا أنه يظنه ينفعه ما ذهب إليه، لكن النتيجة ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، لم يجده شيئًا مما حسبه، إذا جاءه لم يجده شيئًا، ماذا تتصورون حاله حينئذٍ؟ خيبة أمل عظيمة -والعياذ بالله- ما يتصورها أحد؛ إنسان عطشان جاء إلى هذا السراب من بعيد، ولاحظوا أيضًا أن السراب ما هو يتراءى في الأماكن القريبة، في البعيد أبعد ما تراه، من مكان بعيد يريد أن يشرب، فتكون النتيجة أنه لم يجد شيئًا مما حسبه. يقول المؤلف: (كذلك الكافر يحسب أن عمله كصدقة تنفعه، حتى إذا مات وقدم على ربه لم يجد عمله؛ أي: لم ينفعه، ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ أي: عند عمله، ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ أي: أنه جازاه عليه في الدنيا، ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: المجازاة). هذا الكافر يظن أن عمله ينفعه، وتمثيل المؤلف لذلك بالصدقة فيه نظر؛ لأنه ينبغي أن (...)؛ يعني إلا إذا قصد بذلك ضرب المثل، إذا قصد به ضرب المثل فهذا صحيح، هذا من جملة الأعمال التي يفعلها الكفار يظنون أنها تنفعهم وهي لا تنفعهم، ولكن ينبغي أن يقال: هي أعم من ذلك، ليس المراد فقط الصدقة، بل حتى عبادة الأصنام يظنونها، ويش يظنونها؟ * طلبة: تنفعهم. * الشيخ: تنفعهم؛ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣]، ﴿يَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس ١٨]، ومع ذلك هذا كله لا ينفعهم، سوف لا يجدون شيئًا مما يظنونه ويحسبونه. وقوله: ﴿وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ عند أيش؟ عند هذا السراب؛ لأنه الآن وصل إلى الموت، فإذا مات فقد لاقى الله عز وجل؛ ولهذا قال: ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾، هذا ظاهر السياق. أما على رأي المؤلف فيجعل (﴿وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ أي: عند عمله) تفريعًا على قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ لأن (الذين كفروا) عام فكأنه قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: الكافر؛ عمله كذا وكذا، ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ أي:عند ذلك العمل؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ﴾ ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾، ولكن ظاهر الآية أن الضمائر تعود على أي شيء؟ * طالب: أقرب مذكور. * الشيخ: على أقرب مذكور، وهو هذا العطشان الذي وصل إلى الماء عطشان فلم يجد شيئًا فسيهلك. ﴿وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ﴿حِسَابَهُ﴾ يعني: جزاء عمله، وقوله: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: المجازاة، ما المراد بالسرعة هنا؛ هل المراد لقرب وقت المجازاة، فتكون السرعة زمنية، أو المراد إنجاز الحساب، فتكون السرعة عملية، أو كلاهما؟ ﴿اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ هل المعنى أنه في محاسبته سريع، أو معناه حسابه للعباد قريب؟ * طالب: يحتمل ويحتمل. * الشيخ: يحتمل كلهم، فالحساب قريب، حتى وإن طال في الدنيا بالإنسان فإنه قريب، ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧]، وكذلك عندما يحاسب الله الخلائق يوم القيامة يحاسبهم في نصف يوم، كما قال الله عز وجل: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤] استنبط العلماء من ذلك: أنهم سيقيلون في منازلهم في نصف ذلك اليوم، ولكن على كل حال اليوم الذي أشار الله إليه مقداره خمسين ألف سنة، ومهما يكن من شيء فالله قادر على ما هو أبلغ من ذلك، لكن مع هذا هذه سرعة عظيمة وقدرة بالغة، حتى لو الخمسين ألف سنة خمسة وعشرين ألف سنة، الخلائق من أولهم إلى آخرهم ما بين آدمي وجني وطير وغيرهم في نصف يوم. الآن لو يحاسب الإنسان شخصًا يعامله لمدة سنة، كم يبقى إذا كان الحساب دقيقًا وكثيرًا؟ يبقى مدة، وقد يكون الحساب مضبوطًا وقد لا يكون مضبوطًا، أما حساب الله عز وجل فهو مع سرعته لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. هذا مثلٌ لكافر عمل يريد التقرب إلى الله عز وجل، أو مثل آخر: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور ٤٠] (أو) هنا ليست للشك بلا ريب، لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى منزه عن الشك، الشك إنما يكون لقصور علم الإنسان، أو لقصور علم الشاك، أما الله عز وجل فعلمه واسع؛ يعني ما يمكن يقول الله سبحانه وتعالى: الذين كفروا أعمالهم إما مثل ذا أو مثل ذا، على سبيل الشك، كما تقول مثلًا: أنا رأيت هذا الشيء وهو يشبه كذا أو كذا، هذا لا يمكن أن يكون في حق الله عز وجل، إذن فـ(أو) للتنويع في قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ يعني: أو أعمالهم كظلمات، إلى آخره. (﴿أَوْ﴾ الذين كفروا أعمالهم السيئة، ﴿كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ عميق، ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ﴾ أي: الموج، ﴿مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ﴾ أي: الموج الثاني، ﴿سَحَابٌ﴾ أي: غيم، هذه ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ ظلمة البحر، وظلمة الموج الأول، وظلمة الثاني، وظلمة السحاب) أربع ظلمات، (﴿إِذَا أَخْرَجَ﴾ أي: الناظر، ﴿يَدَهُ﴾ في هذه الظلمات، ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي: لم يقرب من رؤيتها، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أي: من لم يهده له لم يهتد). هذا قسم ثانٍ من الكفار، الأول في حال الكافر المجتهد الذي يظن أن عمله ينفعه، وهذا الثاني في حال المقلد اللي ما يدري في ظلمة يسير معها العالمَ مع الكفار وهو لا يدري. ﴿كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ البحر معروف، واللجي: العميق، وكلما كان البحر أعمق كانت ظلمته أشد، هذا أيضًا ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ ﴿يَغْشَاهُ﴾ بمعنى: يغطيه، يغطي هذا الكافر موجٌ، ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ أيضًا أمواج عالية، ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾. ﴿مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ ويش حد الموج الثاني من الأول؟ * طالب: (...). * الشيخ: عند البحر؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أنا قصدي علوه؛ لأنه في الحقيقة سيكون أظلم كلما علا، ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾: الماء. * طالب: (...). * الشيخ: من أين هذا؟ * الطالب: من السحاب. * الشيخ: السحاب فوق، لا قصدي ﴿مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، أمواج، لكن هل المانع الموج الثاني، ويش اللي يميزه من الموج الأول؟ * الطالب: (...). * الشيخ: زين، هذه واحدة، إما أن يقال بالاتجاه؛ يعني يتلاقوا؛ واحد من هنا جاي، والثاني أعلى منه جاي من جهة ثانية، علشان يتبين علو هذا على ذاك، أو أنها أمواج متلاحقة؛ يعني مثلًا موج مقبل (...) الجبال، ووراءه موج آخر أرفع منه، فإذا لحقه صار موجًا من فوقه موج، أما أنه موج واحد ما يمكن يسبق بعضه عن بعض، ومن شاهد البحر وجد الأمر كذلك؛ تجد أمواجًا متلاحقة، أحيانًا إذا انعكس الهواء تتقابل، وأحيانًا تتلاحق، لكن هذه المتلاحقة أيضًا تجد -سبحان الله العظيم- أحيانًا مثل الدرج؛ يعني: بعضها فوق بعض، هذا هو ما ضربه الله سبحانه وتعالى في المثل. ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ والسحاب في الحقيقة مراتب في الجو، ما هو على ظننا أنه في طبقة واحدة، لا، في طبقات متباعدة جدًّا، وهذا يعرفه الإنسان إذا ركب الطائرة، يجد أحيانًا سحابًا بينه وبين الطائرة من أسفل مثل ما بين السحاب والأرض، وسحاب من فوقه بينه وبينه مثل ما بين الطائرة والأرض، وهو بينهما، وهذا شيء معروف مشاهد، فالظاهر -والله أعلم- أن قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ مثل قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾؛ بمعنى أن السحاب يكاد يكون ملاصقًا لهذه الأمواج، ومنه الضباب؛ الضباب لا شك أنه يقرب من سطح البحر. * طالب: ما (...) بعيد عن البحر (...) قد يحجب الرؤية (...) سواء كان..؟ * الشيخ: نعم، يمكن، سواء كان قريبًا. * الطالب: (...) فيحدث الظلمة، أو قريب من الغروب فهي معه. * الشيخ: ما فيه شك، لكن أيهما أشد؟ * الطالب: إذا قرب. * الشيخ: إذا قرب أشد، ويمكن أيضًا أن يراد بالسحاب ما يشمل الضباب؛ لأن حقيقة الأمر أن الضباب سحاب؛ لأنه ينسحب على الأرض، فإذا تبين ذلك صارت الظلمة واضحة جدًّا لكثرتها. ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ التهويل في هذا المثل؛ يعني كان يكفي أن يقول: ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾، لكن لأجل تهويله في النفس وبيان عظمته قال: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾. ثم ضرب مثلًا فقال: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، ويش أقرب شيء لك؟ من أقرب ما يكون لك اليد، بل هي أقرب شيء لك من الأعضاء المتحركة التي يمكن أن تُرى، يمكن أن تخرج ويمكن ما تخرج، إذا أخرجت يدك، ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، أيش رأيكم هل معنى ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أنه يراها بصعوبة أو لا يراها؟ * طالب: يراها. * طالب آخر: لا يراها. * الشيخ: لا يراها، طيب ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة ٧١] ذبحوا ولَّا ما ذبحوا؟ * طلبة: ذبحوا. * الشيخ: طيب. * طالب: يراها. * الشيخ: يراها بصعوبة؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: يقول النحويون تقريبًا: إن (كاد) إثباتها نفي ونفيها إثبات، فإذا قلت: لم أكد أفعل، فمعناه: فعلت لكن بَعد بُعد، و﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ على هذه القاعدة: رآها لكن بَعد بُعد الرؤيا وصعوبتها، لكن الظاهر كما قال آخرون من النحويين: إن (كاد) نفس الشيء مثل غيرها؛ نفيها نفي، وإثباتها إثبات، لكن هي بمعنى (قارب)، فإذا قلت: كدت أفعل؛ أي: قاربت أن أفعل، هل أنت فعلت ولَّا لا؟ * طالب: ما فعلت. * الشيخ: ما فعلت، لكن قاربت، فهل هي أتبتت ولَّا نفت الآن؟ أثبتت المقاربة، لكن علمنا انتفاء الفعل من المقاربة، ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي: لم يقرب أن يراها، كما قال المؤلف أو المفسر، لم يقرب أن يراها، إذن إذا كان ما يقرب يراها فانتفاء الرؤيا من باب أولى وأحوط، كذا؟ وأما قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة ٧١] فهذا لولا قوله: ﴿ذَبَحُوهَا﴾ ما دلت الآية على أنهم ذبحوها، لكن معنى ﴿ذَبَحُوهَا﴾: بعد أن كانوا بعيدين عن الذبح وما قصدوه ولا نووا أن يمتثلوا، بل قالوا لنبيهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة ٦٧] بَعد هذا البُعد عن الفعل، وبعد أن أجيبوا لطلباتهم ذبحوها، فهمتم الآن؟ تصير الآية على ما هي عليه. و(كاد) أيضًا كغيرها من الأفعال؛ نفيها نفي، وإثباتها إثبات، لكن لما كانت تدل على القرب صار الرجل إذا قال: كدت أن أفعل، معناه: ما فعل؛ لأن كلمة قاربت الفعل؛ يعني: ولم أفعل، لم أكد أفعل، إذا ما سبق شيء يدل على الفعل فإنه يقينًا ما فعل، مثل قول عمر: «ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب»؛ يعني: ما قاربت صلاة العصر، إذن صلاها ولَّا ما صلاها؟ * طالب: صلاها. * الشيخ: لا، ما صلاها، «ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٦)، ومسلم (٦٣١ / ٢٠٩) من حديث جابر بن عبد الله.]]؛ يعني: ما قاربت صلاة العصر حتى قاربت الشمس الغروب، فلما قاربت الشمس الغروب قاربت صلاة العصر، هو ما صلى إلا بعد الغروب مع النبي عليه الصلاة والسلام، لكن كأنه في الأول ما تهيأ له أن يقرب من الصلاة، فضلًا عن أن يصليها، المعنى: أني انشغلت؛ شغلهم الكفار إلى قرب غروب الشمس، فما قارب أن يصلي، ومقاربة الصلاة يا إخواني بالتهيؤ لها، يقول: ما تهيأت ولا تهيؤ للصلاة حتى قاربت الشمس أن تغرب؛ ولهذا صلى مع النبي عليه الصلاة والسلام صلاة العصر بعد غروب الشمس. فالحاصل إذن أن الصحيح خلاف ما قاله بعض النحويين: إن (كاد) إثباتها نفي ونفيها إثبات، بل الصواب أن (كاد) كغيرها، ويش كغيرها؟ من أن إثباتها إثبات ونفيها نفي، لكنها هي بمعنى المقاربة؛ ولهذا هي عدَّت عند النحويين من أفعال المقاربة، فمن نفى أن يقارب الشيء فإنه قطعًا لم يفعله، ومن أثبت أنه مقارب له فهو أيضًا قطعًا لم يفعله؛ لأن كلمة: قاربت الفعل؛ أي: ولم أفعله، هذا معناه. فإذا قيل: لم يكد يفعل كذا ولم يسبق ما يدل على فعله، فإنه لم يفعله، فإن سبق ما يدل على فعله مثل: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا﴾ [البقرة ٧١] دل ذلك على أنهم كانوا قبل الذبح بعيدين عن الامتثال ولا كادوا يفعلون، إلا أنه بعد الإلحاح وبعدما قالوا: يبين لنا، وبُيِّن كما طلبوا، بعد ذلك أجيبوا؛ ولهذا في الحقيقة هذه مثلٌ ينبغي للإنسان أن يعتبره بنفسه أنه عندما يؤمر بالأمر لا يجب (...) على نفسه وراء كذا وراء كذا؛ لأن هذا خطير، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]؛ ولهذا يجب على المسلم إذا علم بالشرع أن يستسلم، ولا بأس فيما بعد فيما يقرر على نفسه أنه ملتزم، لا بأس فيما بعد أن يتعلم الحكمة؛ لأن السؤال عن الحكمة لا ينافي الانقياد لكن المهم، ويش المهم؟ أن يستسلم أولًا، ولا يورد إيرادات وشبهات، ولم كذا؟ ولم كذا؟ ثم بعد ذلك يسأل إذا شاء. (...) سبق أن الله سبحانه وتعالى بيَّن أن أعمال الكفار تنقسم إلى قسمين؛ قسم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، وقسم آخر كظلمات في بحر لجي، وهذا التقسيم وهذا التنويع باعتبار حال الكفار، فالأول -والله أعلم- لمن عنده فهم واجتهاد، والثاني لمن عنده جهل وضلال كعوام (...). سراب بقيعة؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ويش هي تكون؟ * طالب: الفلاة من الأرض. * الشيخ: الفلاة من الأرض، (القاعة) جمع (قاع) وهي الفلاة من الأرض؛ يعني: الأرض الواسعة البعيدة اللي بقاع (...)، قاع ولَّا لا؟ (...) القاع: الأرض الغوراء. ما هو السراب؟ * طالب: السراب هو (...). * الشيخ: كأنه ماء (...). ما هو وجه الشبه بين أعمال هؤلاء الكفار وهذا السراب؟ * طالب: (...). * الشيخ: فيخونه أحوج ما كان إليه. قوله ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور ٣٩] الضمير في ﴿عِنْدَهُ﴾ يعود على أي شيء ؟ * طالب: العمل. * الشيخ: على رأي المؤلف: على العمل، فيكون هنا عائدًا على المشبَّه دون المشبَّه به، ويحتمل أنه عائدٌ على المشبَّه به؛ يعني: وَجَدَ -هذا الظمآن- وَجَدَ اللهَ عنده –أي: عندَ هذا السَّراب- حينما مات من العطش فوفَّاه اللهُ حسابَه. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، الظمآن. البحر اللُّجِّي ويش معناه؟ * طالب: العميق. * الشيخ: العميق، طيب. ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ كيف كانت فوقيَّة الموج الثاني؟ * الطالب: إما أن يكون (...) من تغير الرياح، وإما أن يكون أمواجًا متلاحقة؛ الأولى تلحقها الثانية و.. * الشيخ: وتعلو عليها، نعم، صحيح. ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾، ما هذه الظلمات ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: ظلمة الموج الأول، ويش بعد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) ظلمة الموج الأول، والثاني، والسحاب. وإنْ كان في الليل زادتْ الظُّلَم. قوله ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾؟ * طالب: لم يقرب يراها. * الشيخ: زين، ونفي القرب؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن نَفْيه للحقيقة؛ يعني: نَفْيُ قُرْب الرؤية نَفْيٌ للرؤية، كذا ولَّا لا؟ ما قاله بعض النحويين مِن أنَّ (كاد) نَفْيها إثباتٌ وإثباتها نَفْيٌ، هل هو صحيح ولَّا غير صحيح؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، لكنْ باللازم يكون كذلك. ويش حُجَّتهم التي قرَّروا بها هذا الشيء؟ * طالب: قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة ٧١]. * الشيخ: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. هَلْ في الآية دليلٌ على ما قالوا؟ * طالب: (...). * الشيخ: هم يقولون: ذبحوها وما كادوا يفعلون، لكنْ فعلوا. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني معناه أنَّ الفِعل.. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ يعني: ما قاربوا أنْ يفعلوا، لكنهم فعلوا. * الطالب: الحقيقة أنهم فعلوا. * الشيخ: إي، ما يكفي هذا الجواب. * طالب: (...) قال تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي إنه نُفِيتْ سَلَفًا، نُفِيت بقوله: (...)، لكنها نُفِيتْ (...)، لكنهم فعلوا، فدلَّ ذلك على أنَّ (...) على رأيهم لها منحًى خاصٌّ (...)؛ لأنها إذا نُفِيتْ تدلُّ على الإثبات، إذا نُفِيَ القُرب.. * الشيخ: نَفْيها إثباتٌ وإثباتها نَفْيٌ، إي نعم، هذا استدلالهم بالآية، كيف نَرُدُّ عليهم؟ هذا السؤال. * الطالب: في الآية نَفْيُ المقاربة، أي أنهم ذبحوها بعدما قاربوا ألَّا يفعلوا. * طالب آخر: (...). * الشيخ: بعض النحويين ما هم كلهم. * الطالب: إي نعم، الذين يقولون: إن معنى هذا؛ معنى قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: ما كادوا قَبْل الفعل، كانوا بعيدين، والمراد: وما كادوا يفعلون قَبْل الفِعل؛ كانوا بعيدين، ما قاربوا أن يفعلوا. * الشيخ: نعم، إي، فَهِمتُ (...) هُمْ يقولون: أليسوا قد فعلوا؟ بلى، لكن فِعْلهم ليس معلومًا من قوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، الفعل منين هو معلوم؟ * الطلبة: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾. * الشيخ: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ يعني لولا قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ ما فَهِمْنا أنهم ذبحوها، لَفَهِمْنا أنهم ما ذبحوها ولا قاربوا أن يذبحوها، فإذَنْ الآيةُ ليس فيها دليلٌ، وأنتَ إذا قلتَ: ما كدتُ أفعلُ كذا. معناه ما قاربْتَ أن تفعله، وإذا لم تُقارِبْ أن تفعله فلسْتَ بفاعلٍ له، لكنْ إنْ وُجِدتْ قرينةٌ تدلُّ على فِعْلك فهذه القرينة هي التي تدلُّ على الفعل؛ لو قلتَ: وصلْتُ إلى البلد وما كِدْتُ أنْ أصِلَ. دلَّ على وصولك، لكن ما هو على (...) لكن كونك وصلْتَ إلى البلد، لو قلتَ: سِرتُ إلى البلد ولم أَكَدْ أَصِل، ويش يصير، هل يكون واصلًا؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا يكون واصلًا ولا مُقارِبًا للوصول ما لم يوجَدْ دليلٌ. إذن ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ إذا أخرجَ يَدَه في هذه الظُّلُمات لم يَكَدْ يراها. ويش معنى ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾؟ لم يُقارِبْ أن يراها، وإذا لم يُقارِبْ أنْ يراها فإنه لم يَرَها. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ يعني: الذي لم يجعل اللهُ له نورًا لم يَكُنْ له نورٌ. (﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أي: مَنْ لم يَهْدِهِ اللهُ لم يهتدِ). جعل المؤلِّف هنا النورَ نورًا معنويًّا؛ أي: مَن لم ينوِّر اللهُ قَلْبَه للعِلْم والإيمان فلا أحد ينوِّر قَلْبَه؛ ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾. مثل هذه الآيات التي يذكرها الله سبحانه وتعالى «مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ»[[أخرجه مسلم (٨٦٧ / ٤٥) من حديث جابر، و(٨٦٨ / ٤٦) من حديث ابن عباس. ]] وما أشبه ذلك، ويش الغَرَض منها؟ هل الغَرَض منها تقرير مذهب الجبرية كما استدلُّوا بها، أو الغرض شيءٌ آخر؟ الجواب قطْعًا: ليس الغرض مِن ذلك تقرير مذهب الجبرية؛ لأن الجبرية مذهبهم باطِلٌ يُبْطله الحِسُّ الشرعيُّ، والعقلُ، والفِطْرة، لكن الغرض مِن ذلك ألَّا يعتمد الإنسان على نفسه، وأن يكون دائمًا يلجأُ إلى الله عز وجل في طلبِ الهداية وطلبِ النور وطلبِ التوفيق وغير ذلك، وإلا فمِن المعلوم أن الله تعالى لا يقرِّر أمرًا باطلًا يُبْطله العقلُ، والحسُّ، وعلى كل حالٍ يقول الله عز وجل: إذا لم يجعل اللهُ للإنسان نورًا يهتدي به فما له من نور، وأتى بالجملة الاسمية الدالَّة على أيِّ شيء؟ على الثبوت والاستمرار؛ ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، وأكَّد انتفاءَ النور عنه بـ﴿مِنْ﴾ الزائدة بقوله: ﴿مِنْ نُورٍ﴾؛ لأن ﴿مِنْ﴾ زائدة، و﴿نُورٍ﴾ مبتدأ مؤخَّر؛ أي: فليس له نور. فإذن نعلمُ بهذا أنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يتصرَّف في مُلْكه كما يشاء، وأنَّ مَن أعطاه اللهُ النورَ فهو على نورٍ مِن ربِّه، ومَن لم يُعْطِه اللهُ نورًا فما له من نورٍ، ومِنْ أين يأتيه النورُ وقد حَجَبَ اللهُ النورَ عنه! ولكن اعلم أيضًا أنَّ حَجْبَ اللهِ النورَ عن العبد ليس منعًا لفضْله تبارك وتعالى؛ فإنه ذو الفضل العظيم، والعطاءُ أحبُّ إليه من المنع، والهدايةُ أحبُّ إليه من الإضلال، ولكن لأنَّ المرء نفسه هو الذي منع عن نفسه هذا النور؛ واتلُ قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، واتلُ قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يعني عن الحقِّ وأعرضوا عنه ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩] يتبيَّن لك أن إضلال الله للعبد وحجْبَ النورِ عنه بسبب نفْسه، هو الذي -والعياذ بالله- لم يَهْتدِ، فعلى كلِّ حالٍ الآيةُ هذه تدلُّ على أنه ينبغي بلْ يجبُ على المرء أن يلجأ إلى الله دائمًا بأن يسأله أن ينوِّر قَلْبَه؛ لأن ﴿مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ هذا منطوق الآية، مفهوم الآية: مَن جَعَلَ اللهُ له نورًا فلا أَحَدَ يحجب عنه نورَ الله عز وجل. إذَنْ الآية الكريمة تدلُّ على أمرين؛ أحدهما منطوقٌ، والثاني مفهومٌ. المنطوق؟ * طالب: (...). * الشيخ: من حَجَبَ اللهُ النورَ عنه.. * طالب: بسبب نفسه. * الشيخ: لا، (بسبب نفسه) ما هو من الآية، نحن قيَّدناها به. ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، وقُلنا: أتى بالجملة الاسمية، تدل على أيش؟ * الطلبة: الاستمرار. * الشيخ: الثبوت والاستمرار. وأكَّد انتفاء النورِ عنه بأيش؟ بـ﴿مِنْ﴾ الزائدة؛ لأن (مِن) الزائدة تفيد العموم، هذا منطوق الآية. مفهومها: مَن جَعَلَ الله له نورًا فلا أَحَدَ يحجبه عنه، فلا حاجب عنه من نوره تبارك وتعالى. ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور ٤١] ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الهمزة للاستفهام الداخل على النفي، وإذا دَخَل الاستفهام على النفي أفاد التقرير؛ مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] يعني: قد شَرَحْنا لك صدرَك. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يعني: قد رأيتَ، فهمزة الاستفهام إذا دخلَتْ على النفي تفيد التقرير؛ أي: إثبات ما ذُكِرَ لا نَفْيه؛ مثلًا قال الله (...) نبيه ﷺ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. (...) لا تعَلُّق لمشيئة الله به، حتى إن بعضهم أنكر العلم؛ غُلَاتهم أنكروا علمَ الله وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى لا يعلم بأعمال العبد إلا بعد أن يفعلها، أما قبل ذلك فإنه لا يعلم. سبحانه وتعالى، وأنكروا النصوص الصحيحة الصريحة في إثبات علم الله سبحانه وتعالى في كلِّ شيء، حتى في أعمال الإنسان. * وفيه أيضًا -قوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور ٣٨]-: كثرة رِزْق الله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى يعطي بلا حساب، وليس معنى (بلا حساب) بلا تقدير، لماذا لا نقول ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا؛ لأن الله يقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨]، حتى القطْرة اللي تنزل من السماء إلى الأرض هي مقدَّرة عند الله سبحانه وتعالى، ولكن ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ أي إنه لا يكافئ الإنسانَ بحساب، بل بكثرةٍ كثيرةٍ (...). * * * ما هو وجه الشبه بين أعمال هؤلاء الكفار وهذا السراب؟ * طالب: (...). * الشيخ: فيخونه أحوج ما كان إليه. قوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور ٣٩] الضمير في ﴿عِنْدَهُ﴾ يعود على أي شيء ؟ * طالب: العمل. * الشيخ: على رأي المؤلف: على العمل، فيكون هنا عائدًا على المشبَّه دون المشبَّه به، ويحتمل أنه عائدٌ على المشبَّه به؛ يعني: وَجَدَ -هذا الظمآن- وَجَدَ اللهَ عنده –أي: عندَ هذا السَّراب- حينما مات من العطش فوفَّاه اللهُ حسابَه. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، الظمآن. البحر اللُّجِّي ويش معناه؟ * طالب: العميق. * الشيخ: العميق، طيب. ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ كيف كانت فوقيَّة الموج الثاني؟ * الطالب: إما أن يكون (...) من تغير الرياح، وإما أن يكون أمواجًا متلاحقة؛ الأولى تلحقها الثانية و.. * الشيخ: وتعلو عليها، نعم، صحيح. ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾، ما هذه الظلمات ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: ظلمة الموج الأول، ويش بعد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) ظلمة الموج الأول، والثاني، والسحاب. وإنْ كان في الليل زادتْ الظُّلَم. قوله ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾؟ * طالب: لم يقرب يراها. * الشيخ: زين، ونفي القرب؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن نَفْيه للحقيقة؛ يعني: نَفْيُ قُرْب الرؤية نَفْيٌ للرؤية، كذا ولَّا لا؟ ما قاله بعض النحويين مِن أنَّ (كاد) نَفْيها إثباتٌ وإثباتها نَفْيٌ، هل هو صحيح ولَّا غير صحيح؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، لكنْ باللازم يكون كذلك. ويش حُجَّتهم التي قرَّروا بها هذا الشيء؟ * طالب: قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة ٧١]. * الشيخ: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. هَلْ في الآية دليلٌ على ما قالوا؟ * طالب: (...). * الشيخ: هم يقولون: ذبحوها وما كادوا يفعلون، لكنْ فعلوا. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني معناه أنَّ الفِعل.. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ يعني: ما قاربوا أنْ يفعلوا، لكنهم فعلوا. * الطالب: الحقيقة أنهم فعلوا. * الشيخ: إي، ما يكفي هذا الجواب. * طالب: (...) قال تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي إنه نُفِيتْ سَلَفًا، نُفِيت بقوله: (...)، لكنها نُفِيتْ (...)، لكنهم فعلوا، فدلَّ ذلك على أنَّ (...) على رأيهم لها منحًى خاصٌّ (...)؛ لأنها إذا نُفِيتْ تدلُّ على الإثبات، إذا نُفِيَ القُرب.. * الشيخ: نَفْيها إثباتٌ وإثباتها نَفْيٌ، إي نعم، هذا استدلالهم بالآية، كيف نَرُدُّ عليهم؟ هذا السؤال. * الطالب: في الآية نَفْيُ المقاربة، أي أنهم ذبحوها بعدما قاربوا ألَّا يفعلوا. * طالب آخر: (...). * الشيخ: بعض النحويين ما هم كلهم. * الطالب: إي نعم، الذين يقولون: إن معنى هذا؛ معنى قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: ما كادوا قَبْل الفعل، كانوا بعيدين، والمراد: وما كادوا يفعلون قَبْل الفِعل؛ كانوا بعيدين، ما قاربوا أن يفعلوا. * الشيخ: نعم، إي، فَهِمتُ (...) هُمْ يقولون: أليسوا قد فعلوا؟ بلى، لكن فِعْلهم ليس معلومًا من قوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، الفعل منين هو معلوم؟ * الطلبة: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾. * الشيخ: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ يعني لولا قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ ما فَهِمْنا أنهم ذبحوها، لَفَهِمْنا أنهم ما ذبحوها ولا قاربوا أن يذبحوها، فإذَنْ الآيةُ ليس فيها دليلٌ، وأنتَ إذا قلتَ: ما كدتُ أفعلُ كذا. معناه ما قاربْتَ أن تفعله، وإذا لم تُقارِبْ أن تفعله فلسْتَ بفاعلٍ له، لكنْ إنْ وُجِدتْ قرينةٌ تدلُّ على فِعْلك فهذه القرينة هي التي تدلُّ على الفعل؛ لو قلتَ: وصلْتُ إلى البلد وما كِدْتُ أنْ أصِلَ. دلَّ على وصولك، لكن ما هو على (...) لكن كونك وصلْتَ إلى البلد، لو قلتَ: سِرتُ إلى البلد ولم أَكَدْ أَصِل، ويش يصير، هل يكون واصلًا؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا يكون واصلًا ولا مُقارِبًا للوصول مالم يوجَدْ دليلٌ. إذن ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ إذا أخرجَ يَدَه في هذه الظُّلُمات لم يَكَدْ يراها. ويش معنى ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾؟ لم يُقارِبْ أن يراها، وإذا لم يُقارِبْ أنْ يراها فإنه لم يَرَها. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ يعني: الذي لم يجعل اللهُ له نورًا لم يَكُنْ له نورٌ. (﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أي: مَنْ لم يَهْدِهِ اللهُ لم يهتدِ). جعل المؤلِّف هنا النورَ نورًا معنويًّا؛ أي: مَن لم ينوِّر اللهُ قَلْبَه للعِلْم والإيمان فلا أحد ينوِّر قَلْبَه؛ ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾. مثل هذه الآيات التي يذكرها الله سبحانه وتعالى «مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ»[[أخرجه مسلم (٨٦٧ / ٤٥) من حديث جابر، و(٨٦٨ / ٤٦) من حديث ابن عباس. ]] وما أشبه ذلك، ويش الغَرَض منها؟ هل الغَرَض منها تقرير مذهب الجبرية كما استدلُّوا بها، أو الغرض شيءٌ آخر؟ الجواب قطْعًا: ليس الغرض مِن ذلك تقرير مذهب الجبرية؛ لأن الجبرية مذهبهم باطِلٌ يُبْطله الحِسُّ الشرعيُّ، والعقلُ، والفِطْرة، لكن الغرض مِن ذلك ألَّا يعتمد الإنسان على نفسه، وأن يكون دائمًا يلجأُ إلى الله عز وجل في طلبِ الهداية وطلبِ النور وطلبِ التوفيق وغير ذلك، وإلا فمِن المعلوم أن الله تعالى لا يقرِّر أمرًا باطلًا يُبْطله العقلُ، والحسُّ، وعلى كل حالٍ يقول الله عز وجل: إذا لم يجعل اللهُ للإنسان نورًا يهتدي به فما له من نور، وأتى بالجملة الاسمية الدالَّة على أيِّ شيء؟ على الثبوت والاستمرار؛ ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، وأكَّد انتفاءَ النور عنه بـ﴿مِنْ﴾ الزائدة بقوله: ﴿مِنْ نُورٍ﴾؛ لأن ﴿مِنْ﴾ زائدة، و﴿نُورٍ﴾ مبتدأ مؤخَّر؛ أي: فليس له نور. فإذن نعلمُ بهذا أنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يتصرَّف في مُلْكه كما يشاء، وأنَّ مَن أعطاه اللهُ النورَ فهو على نورٍ مِن ربِّه، ومَن لم يُعْطِه اللهُ نورًا فما له من نورٍ، ومِنْ أين يأتيه النورُ وقد حَجَبَ اللهُ النورَ عنه! ولكن اعلم أيضًا أنَّ حَجْبَ اللهِ النورَ عن العبد ليس منعًا لفضْله تبارك وتعالى؛ فإنه ذو الفضل العظيم، والعطاءُ أحبُّ إليه من المنع، والهدايةُ أحبُّ إليه من الإضلال، ولكن لأنَّ المرء نفسه هو الذي منع عن نفسه هذا النور؛ واتلُ قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، واتلُ قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يعني عن الحقِّ وأعرضوا عنه ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩] يتبيَّن لك أن إضلال الله للعبد وحجْبَ النورِ عنه بسبب نفْسه، هو الذي -والعياذ بالله- لم يَهْتدِ، فعلى كلِّ حالٍ الآيةُ هذه تدلُّ على أنه ينبغي بلْ يجبُ على المرء أن يلجأ إلى الله دائمًا بأن يسأله أن ينوِّر قَلْبَه؛ لأن ﴿مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ هذا منطوق الآية، مفهوم الآية: مَن جَعَلَ اللهُ له نورًا فلا أَحَدَ يحجب عنه نورَ الله عز وجل. إذَنْ الآية الكريمة تدلُّ على أمرين؛ أحدهما منطوقٌ، والثاني مفهومٌ. المنطوق؟ * طالب: (...). * الشيخ: من حَجَبَ اللهُ النورَ عنه.. * طالب: بسبب نفسه. * الشيخ: لا، (بسبب نفسه) ما هو من الآية، نحن قيَّدناها به. ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، وقُلنا: أتى بالجملة الاسمية، تدل على أيش؟ * الطلبة: الاستمرار. * الشيخ: الثبوت والاستمرار. وأكَّد انتفاء النورِ عنه بأيش؟ بـ﴿مِنْ﴾ الزائدة؛ لأن (مِن) الزائدة تفيد العموم، هذا منطوق الآية. مفهومها: مَن جَعَلَ الله له نورًا فلا أَحَدَ يحجبه عنه، فلا حاجب عنه من نوره تبارك وتعالى.

النور 24:40

ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور ٣٩] لما ذكر الله سبحانه وتعالى أعمال هؤلاء الرجال -تلك الأعمال الفاضلة- ذكر أعمال الذين كفروا ما شأنهم، وهذا طريقة الله تعالى في كتابه: إذا ذكر وصف المؤمن ذكر بعده وصف الكافر، أو بالعكس، وإذا ذكر وصف الجنة ذكر بعده وصف النار، أو بالعكس؛ لأن القرآن مثاني تثنى فيه المعاني ويقابل بعضها ببعض، هذه واحدة، ولأن الإنسان إذا ذكرت له أوصاف أهل الخير وأوصاف الجنة قد يغلب عليه جانب الرجاء فيهلك، وإذا ذكر صفات النار وصفات أهل الشر يغلب عليه أيش؟ * طلبة: الخوف. * الشيخ: الخوف، فيهلك أيضًا؛ ولهذا اختلف أهل العلم هل الأولى أن يغلب الإنسان جانب الرجاء، أو جانب الخوف، أو يجعلهما سواء؟ فقال الإمام أحمد: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه؛ لأنه إن غلب عليك الخوف وقعت في القنوط من رحمة الله، وإن غلب عليك الرجاء وقعت في الأمن من مكر الله، وكلاهما طريق لا يليق بالمؤمن. وقال بعض العلماء: ينبغي للمريض أن يغلب جانب الرجاء؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨٢) من حديث جابر بن عبد الله. ]]، وينبغي للصحيح أن يغلب جانب الخوف. وقال آخرون: ينبغي عند فعل المعصية أن يغلب جانب الخوف، ويش لأجل؟ لأجل يرتدع؛ لأنه لو غلب جانب الرجاء قال: الله غفور رحيم وأرجو أن يغفر الله لي وأعمل المعصية، وعند فعل الطاعة يغلب جانب الرجاء؛ أن الله سبحانه وتعالى يقبل منه ويثيبه حتى لا ييأس، قال: ويدل على ذلك مثل قول النبي ﷺ: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ»[[أخرجه الترمذي (٣٤٧٩) من حديث أبي هريرة. ]]، كذلك اعبد الله وأنت على رجاء أن يتقبل منك. وعلى كل حال هذا القول في ظني أنه أرجح الأقوال؛ أنه عندما يكون الإنسان في جانب التعبد وفعل العبادة يغلب الرجاء، ما هو معنى عاد أنه يجزم بالرجاء بهذا؛ لأن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون ٦٠] يعني: خائفة ألَّا يقبل منها، لكن المعنى: أنه يغلب هذا مع الخوف، وأما في جانب فعل المعصية فيغلب جانب الخوف؛ لأجل ألَّا يقدم عليها معتمدًا على الرجاء. على كل حال نحن شطحنا قليلًا، لكن قصدنا أن القرآن الكريم يذكر الله تعالى فيه هذا وهذا؛ ليكون سير الإنسان معتدلًا. قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ (جمع (قاع)؛ أي: في فلاة، وهو شعاع يُرَى فيها نصف النهار في شدة الحر يشبه الماء الجاري) هذا تفسير للسراب، والقيعة هي: الفلاة، السراب بالقيعة أظنكم تعرفونه كلكم، في شدة الحر عندما تكون في فلاة من الأرض، (قيعة) يعني: جمع (قاع)، بخلاف الرملية ما يكون فيها هذا الشيء، لكن القيعان ترى من بعد كأن في ذلك الجانب ماء، فتظنه ماء فتقصده، هؤلاء الكفار أعمالهم هكذا مثل السراب بالقيعة يحسبه الظمآن ماء وليس بماء، كيف ذلك؟ لأنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣]، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس ١٨]، فيظنون أن هذا الشرك الذي يبعدهم عن الله حقيقة، أيش يظنونه؟ * طلبة: يقربهم. * الشيخ: يقربهم من الله عز وجل، يظنون هؤلاء الشفعاء الذين سيتبرؤون منهم، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦] يظنونهم أيش؟ * طلبة: شفعاء. * الشيخ: يظنونهم شفعاء، وتعرفون أن النفس إذا تعلقت بالشيء على أنه شفيع أو على أنه مقرب لها إلى الله تتبعه ولَّا لا؟ تتبعه بلا شك، هؤلاء مثل السراب في القيعة. (﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾ ﴿يَحْسَبُهُ﴾ يظنه، ﴿الظَّمْآنُ﴾ أي: العطشان، ﴿مَاءً﴾ )، هذا تشبيه بليغ؛ يعني أنه يقصده بشدة ولهف معتقدًا أنه ينقذه، العطشان محتاج للماء ولَّا لا؟ فإذا رأى ما يشبه الماء قصده بشدة ولهف، ويش لأجله؟ لأجل أن يدفع ضرورته به، هل يظنه ينفعه ولَّا لا؟ نعم، يظنه ينفعه، ولولا أنه يظنه ينفعه ما ذهب إليه، لكن النتيجة ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، لم يجده شيئًا مما حسبه، إذا جاءه لم يجده شيئًا، ماذا تتصورون حاله حينئذٍ؟ خيبة أمل عظيمة -والعياذ بالله- ما يتصورها أحد؛ إنسان عطشان جاء إلى هذا السراب من بعيد، ولاحظوا أيضًا أن السراب ما هو يتراءى في الأماكن القريبة، في البعيد أبعد ما تراه، من مكان بعيد يريد أن يشرب، فتكون النتيجة أنه لم يجد شيئًا مما حسبه. يقول المؤلف: (كذلك الكافر يحسب أن عمله كصدقة تنفعه، حتى إذا مات وقدم على ربه لم يجد عمله؛ أي: لم ينفعه، ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ أي: عند عمله، ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ أي: أنه جازاه عليه في الدنيا، ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: المجازاة). هذا الكافر يظن أن عمله ينفعه، وتمثيل المؤلف لذلك بالصدقة فيه نظر؛ لأنه ينبغي أن (...)؛ يعني إلا إذا قصد بذلك ضرب المثل، إذا قصد به ضرب المثل فهذا صحيح، هذا من جملة الأعمال التي يفعلها الكفار يظنون أنها تنفعهم وهي لا تنفعهم، ولكن ينبغي أن يقال: هي أعم من ذلك، ليس المراد فقط الصدقة، بل حتى عبادة الأصنام يظنونها، ويش يظنونها؟ * طلبة: تنفعهم. * الشيخ: تنفعهم؛ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣]، ﴿يَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس ١٨]، ومع ذلك هذا كله لا ينفعهم، سوف لا يجدون شيئًا مما يظنونه ويحسبونه. وقوله: ﴿وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ عند أيش؟ عند هذا السراب؛ لأنه الآن وصل إلى الموت، فإذا مات فقد لاقى الله عز وجل؛ ولهذا قال: ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾، هذا ظاهر السياق. أما على رأي المؤلف فيجعل (﴿وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ أي: عند عمله) تفريعًا على قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ لأن (الذين كفروا) عام فكأنه قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: الكافر؛ عمله كذا وكذا، ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ أي:عند ذلك العمل؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ﴾ ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾، ولكن ظاهر الآية أن الضمائر تعود على أي شيء؟ * طالب: أقرب مذكور. * الشيخ: على أقرب مذكور، وهو هذا العطشان الذي وصل إلى الماء عطشان فلم يجد شيئًا فسيهلك. ﴿وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ﴿حِسَابَهُ﴾ يعني: جزاء عمله، وقوله: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: المجازاة، ما المراد بالسرعة هنا؛ هل المراد لقرب وقت المجازاة، فتكون السرعة زمنية، أو المراد إنجاز الحساب، فتكون السرعة عملية، أو كلاهما؟ ﴿اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ هل المعنى أنه في محاسبته سريع، أو معناه حسابه للعباد قريب؟ * طالب: يحتمل ويحتمل. * الشيخ: يحتمل كلهم، فالحساب قريب، حتى وإن طال في الدنيا بالإنسان فإنه قريب، ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧]، وكذلك عندما يحاسب الله الخلائق يوم القيامة يحاسبهم في نصف يوم، كما قال الله عز وجل: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤] استنبط العلماء من ذلك: أنهم سيقيلون في منازلهم في نصف ذلك اليوم، ولكن على كل حال اليوم الذي أشار الله إليه مقداره خمسين ألف سنة، ومهما يكن من شيء فالله قادر على ما هو أبلغ من ذلك، لكن مع هذا هذه سرعة عظيمة وقدرة بالغة، حتى لو الخمسين ألف سنة خمسة وعشرين ألف سنة، الخلائق من أولهم إلى آخرهم ما بين آدمي وجني وطير وغيرهم في نصف يوم. الآن لو يحاسب الإنسان شخصًا يعامله لمدة سنة، كم يبقى إذا كان الحساب دقيقًا وكثيرًا؟ يبقى مدة، وقد يكون الحساب مضبوطًا وقد لا يكون مضبوطًا، أما حساب الله عز وجل فهو مع سرعته لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. هذا مثلٌ لكافر عمل يريد التقرب إلى الله عز وجل، أو مثل آخر: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور ٤٠] (أو) هنا ليست للشك بلا ريب، لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى منزه عن الشك، الشك إنما يكون لقصور علم الإنسان، أو لقصور علم الشاك، أما الله عز وجل فعلمه واسع؛ يعني ما يمكن يقول الله سبحانه وتعالى: الذين كفروا أعمالهم إما مثل ذا أو مثل ذا، على سبيل الشك، كما تقول مثلًا: أنا رأيت هذا الشيء وهو يشبه كذا أو كذا، هذا لا يمكن أن يكون في حق الله عز وجل، إذن فـ(أو) للتنويع في قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ يعني: أو أعمالهم كظلمات، إلى آخره. (﴿أَوْ﴾ الذين كفروا أعمالهم السيئة، ﴿كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ عميق، ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ﴾ أي: الموج، ﴿مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ﴾ أي: الموج الثاني، ﴿سَحَابٌ﴾ أي: غيم، هذه ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ ظلمة البحر، وظلمة الموج الأول، وظلمة الثاني، وظلمة السحاب) أربع ظلمات، (﴿إِذَا أَخْرَجَ﴾ أي: الناظر، ﴿يَدَهُ﴾ في هذه الظلمات، ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي: لم يقرب من رؤيتها، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أي: من لم يهده له لم يهتد). هذا قسم ثانٍ من الكفار، الأول في حال الكافر المجتهد الذي يظن أن عمله ينفعه، وهذا الثاني في حال المقلد اللي ما يدري في ظلمة يسير معها العالمَ مع الكفار وهو لا يدري. ﴿كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ البحر معروف، واللجي: العميق، وكلما كان البحر أعمق كانت ظلمته أشد، هذا أيضًا ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ ﴿يَغْشَاهُ﴾ بمعنى: يغطيه، يغطي هذا الكافر موجٌ، ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ أيضًا أمواج عالية، ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾. ﴿مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ ويش حد الموج الثاني من الأول؟ * طالب: (...). * الشيخ: عند البحر؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أنا قصدي علوه؛ لأنه في الحقيقة سيكون أظلم كلما علا، ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾: الماء. * طالب: (...). * الشيخ: من أين هذا؟ * الطالب: من السحاب. * الشيخ: السحاب فوق، لا قصدي ﴿مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، أمواج، لكن هل المانع الموج الثاني، ويش اللي يميزه من الموج الأول؟ * الطالب: (...). * الشيخ: زين، هذه واحدة، إما أن يقال بالاتجاه؛ يعني يتلاقوا؛ واحد من هنا جاي، والثاني أعلى منه جاي من جهة ثانية، علشان يتبين علو هذا على ذاك، أو أنها أمواج متلاحقة؛ يعني مثلًا موج مقبل (...) الجبال، ووراءه موج آخر أرفع منه، فإذا لحقه صار موجًا من فوقه موج، أما أنه موج واحد ما يمكن يسبق بعضه عن بعض، ومن شاهد البحر وجد الأمر كذلك؛ تجد أمواجًا متلاحقة، أحيانًا إذا انعكس الهواء تتقابل، وأحيانًا تتلاحق، لكن هذه المتلاحقة أيضًا تجد -سبحان الله العظيم- أحيانًا مثل الدرج؛ يعني: بعضها فوق بعض، هذا هو ما ضربه الله سبحانه وتعالى في المثل. ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ والسحاب في الحقيقة مراتب في الجو، ما هو على ظننا أنه في طبقة واحدة، لا، في طبقات متباعدة جدًّا، وهذا يعرفه الإنسان إذا ركب الطائرة، يجد أحيانًا سحابًا بينه وبين الطائرة من أسفل مثل ما بين السحاب والأرض، وسحاب من فوقه بينه وبينه مثل ما بين الطائرة والأرض، وهو بينهما، وهذا شيء معروف مشاهد، فالظاهر -والله أعلم- أن قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ مثل قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾؛ بمعنى أن السحاب يكاد يكون ملاصقًا لهذه الأمواج، ومنه الضباب؛ الضباب لا شك أنه يقرب من سطح البحر. * طالب: ما (...) بعيد عن البحر (...) قد يحجب الرؤية (...) سواء كان..؟ * الشيخ: نعم، يمكن، سواء كان قريبًا. * الطالب: (...) فيحدث الظلمة، أو قريب من الغروب فهي معه. * الشيخ: ما فيه شك، لكن أيهما أشد؟ * الطالب: إذا قرب. * الشيخ: إذا قرب أشد، ويمكن أيضًا أن يراد بالسحاب ما يشمل الضباب؛ لأن حقيقة الأمر أن الضباب سحاب؛ لأنه ينسحب على الأرض، فإذا تبين ذلك صارت الظلمة واضحة جدًّا لكثرتها. ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ التهويل في هذا المثل؛ يعني كان يكفي أن يقول: ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾، لكن لأجل تهويله في النفس وبيان عظمته قال: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾. ثم ضرب مثلًا فقال: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، ويش أقرب شيء لك؟ من أقرب ما يكون لك اليد، بل هي أقرب شيء لك من الأعضاء المتحركة التي يمكن أن تُرى، يمكن أن تخرج ويمكن ما تخرج، إذا أخرجت يدك، ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، أيش رأيكم هل معنى ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أنه يراها بصعوبة أو لا يراها؟ * طالب: يراها. * طالب آخر: لا يراها. * الشيخ: لا يراها، طيب ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة ٧١] ذبحوا ولَّا ما ذبحوا؟ * طلبة: ذبحوا. * الشيخ: طيب. * طالب: يراها. * الشيخ: يراها بصعوبة؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: يقول النحويون تقريبًا: إن (كاد) إثباتها نفي ونفيها إثبات، فإذا قلت: لم أكد أفعل، فمعناه: فعلت لكن بَعد بُعد، و﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ على هذه القاعدة: رآها لكن بَعد بُعد الرؤيا وصعوبتها، لكن الظاهر كما قال آخرون من النحويين: إن (كاد) نفس الشيء مثل غيرها؛ نفيها نفي، وإثباتها إثبات، لكن هي بمعنى (قارب)، فإذا قلت: كدت أفعل؛ أي: قاربت أن أفعل، هل أنت فعلت ولَّا لا؟ * طالب: ما فعلت. * الشيخ: ما فعلت، لكن قاربت، فهل هي أتبتت ولَّا نفت الآن؟ أثبتت المقاربة، لكن علمنا انتفاء الفعل من المقاربة، ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي: لم يقرب أن يراها، كما قال المؤلف أو المفسر، لم يقرب أن يراها، إذن إذا كان ما يقرب يراها فانتفاء الرؤيا من باب أولى وأحوط، كذا؟ وأما قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة ٧١] فهذا لولا قوله: ﴿ذَبَحُوهَا﴾ ما دلت الآية على أنهم ذبحوها، لكن معنى ﴿ذَبَحُوهَا﴾: بعد أن كانوا بعيدين عن الذبح وما قصدوه ولا نووا أن يمتثلوا، بل قالوا لنبيهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة ٦٧] بَعد هذا البُعد عن الفعل، وبعد أن أجيبوا لطلباتهم ذبحوها، فهمتم الآن؟ تصير الآية على ما هي عليه. و(كاد) أيضًا كغيرها من الأفعال؛ نفيها نفي، وإثباتها إثبات، لكن لما كانت تدل على القرب صار الرجل إذا قال: كدت أن أفعل، معناه: ما فعل؛ لأن كلمة قاربت الفعل؛ يعني: ولم أفعل، لم أكد أفعل، إذا ما سبق شيء يدل على الفعل فإنه يقينًا ما فعل، مثل قول عمر: «ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب»؛ يعني: ما قاربت صلاة العصر، إذن صلاها ولَّا ما صلاها؟ * طالب: صلاها. * الشيخ: لا، ما صلاها، «ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٦)، ومسلم (٦٣١ / ٢٠٩) من حديث جابر بن عبد الله.]]؛ يعني: ما قاربت صلاة العصر حتى قاربت الشمس الغروب، فلما قاربت الشمس الغروب قاربت صلاة العصر، هو ما صلى إلا بعد الغروب مع النبي عليه الصلاة والسلام، لكن كأنه في الأول ما تهيأ له أن يقرب من الصلاة، فضلًا عن أن يصليها، المعنى: أني انشغلت؛ شغلهم الكفار إلى قرب غروب الشمس، فما قارب أن يصلي، ومقاربة الصلاة يا إخواني بالتهيؤ لها، يقول: ما تهيأت ولا تهيؤ للصلاة حتى قاربت الشمس أن تغرب؛ ولهذا صلى مع النبي عليه الصلاة والسلام صلاة العصر بعد غروب الشمس. فالحاصل إذن أن الصحيح خلاف ما قاله بعض النحويين: إن (كاد) إثباتها نفي ونفيها إثبات، بل الصواب أن (كاد) كغيرها، ويش كغيرها؟ من أن إثباتها إثبات ونفيها نفي، لكنها هي بمعنى المقاربة؛ ولهذا هي عدَّت عند النحويين من أفعال المقاربة، فمن نفى أن يقارب الشيء فإنه قطعًا لم يفعله، ومن أثبت أنه مقارب له فهو أيضًا قطعًا لم يفعله؛ لأن كلمة: قاربت الفعل؛ أي: ولم أفعله، هذا معناه. فإذا قيل: لم يكد يفعل كذا ولم يسبق ما يدل على فعله، فإنه لم يفعله، فإن سبق ما يدل على فعله مثل: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا﴾ [البقرة ٧١] دل ذلك على أنهم كانوا قبل الذبح بعيدين عن الامتثال ولا كادوا يفعلون، إلا أنه بعد الإلحاح وبعدما قالوا: يبين لنا، وبُيِّن كما طلبوا، بعد ذلك أجيبوا؛ ولهذا في الحقيقة هذه مثلٌ ينبغي للإنسان أن يعتبره بنفسه أنه عندما يؤمر بالأمر لا يجب (...) على نفسه وراء كذا وراء كذا؛ لأن هذا خطير، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]؛ ولهذا يجب على المسلم إذا علم بالشرع أن يستسلم، ولا بأس فيما بعد فيما يقرر على نفسه أنه ملتزم، لا بأس فيما بعد أن يتعلم الحكمة؛ لأن السؤال عن الحكمة لا ينافي الانقياد لكن المهم، ويش المهم؟ أن يستسلم أولًا، ولا يورد إيرادات وشبهات، ولم كذا؟ ولم كذا؟ ثم بعد ذلك يسأل إذا شاء. (...) سبق أن الله سبحانه وتعالى بيَّن أن أعمال الكفار تنقسم إلى قسمين؛ قسم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، وقسم آخر كظلمات في بحر لجي، وهذا التقسيم وهذا التنويع باعتبار حال الكفار، فالأول -والله أعلم- لمن عنده فهم واجتهاد، والثاني لمن عنده جهل وضلال كعوام (...). سراب بقيعة؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ويش هي تكون؟ * طالب: الفلاة من الأرض. * الشيخ: الفلاة من الأرض، (القاعة) جمع (قاع) وهي الفلاة من الأرض؛ يعني: الأرض الواسعة البعيدة اللي بقاع (...)، قاع ولَّا لا؟ (...) القاع: الأرض الغوراء. ما هو السراب؟ * طالب: السراب هو (...). * الشيخ: كأنه ماء (...). ما هو وجه الشبه بين أعمال هؤلاء الكفار وهذا السراب؟ * طالب: (...). * الشيخ: فيخونه أحوج ما كان إليه. قوله ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور ٣٩] الضمير في ﴿عِنْدَهُ﴾ يعود على أي شيء ؟ * طالب: العمل. * الشيخ: على رأي المؤلف: على العمل، فيكون هنا عائدًا على المشبَّه دون المشبَّه به، ويحتمل أنه عائدٌ على المشبَّه به؛ يعني: وَجَدَ -هذا الظمآن- وَجَدَ اللهَ عنده –أي: عندَ هذا السَّراب- حينما مات من العطش فوفَّاه اللهُ حسابَه. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، الظمآن. البحر اللُّجِّي ويش معناه؟ * طالب: العميق. * الشيخ: العميق، طيب. ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ كيف كانت فوقيَّة الموج الثاني؟ * الطالب: إما أن يكون (...) من تغير الرياح، وإما أن يكون أمواجًا متلاحقة؛ الأولى تلحقها الثانية و.. * الشيخ: وتعلو عليها، نعم، صحيح. ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾، ما هذه الظلمات ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: ظلمة الموج الأول، ويش بعد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) ظلمة الموج الأول، والثاني، والسحاب. وإنْ كان في الليل زادتْ الظُّلَم. قوله ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾؟ * طالب: لم يقرب يراها. * الشيخ: زين، ونفي القرب؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن نَفْيه للحقيقة؛ يعني: نَفْيُ قُرْب الرؤية نَفْيٌ للرؤية، كذا ولَّا لا؟ ما قاله بعض النحويين مِن أنَّ (كاد) نَفْيها إثباتٌ وإثباتها نَفْيٌ، هل هو صحيح ولَّا غير صحيح؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، لكنْ باللازم يكون كذلك. ويش حُجَّتهم التي قرَّروا بها هذا الشيء؟ * طالب: قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة ٧١]. * الشيخ: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. هَلْ في الآية دليلٌ على ما قالوا؟ * طالب: (...). * الشيخ: هم يقولون: ذبحوها وما كادوا يفعلون، لكنْ فعلوا. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني معناه أنَّ الفِعل.. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ يعني: ما قاربوا أنْ يفعلوا، لكنهم فعلوا. * الطالب: الحقيقة أنهم فعلوا. * الشيخ: إي، ما يكفي هذا الجواب. * طالب: (...) قال تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي إنه نُفِيتْ سَلَفًا، نُفِيت بقوله: (...)، لكنها نُفِيتْ (...)، لكنهم فعلوا، فدلَّ ذلك على أنَّ (...) على رأيهم لها منحًى خاصٌّ (...)؛ لأنها إذا نُفِيتْ تدلُّ على الإثبات، إذا نُفِيَ القُرب.. * الشيخ: نَفْيها إثباتٌ وإثباتها نَفْيٌ، إي نعم، هذا استدلالهم بالآية، كيف نَرُدُّ عليهم؟ هذا السؤال. * الطالب: في الآية نَفْيُ المقاربة، أي أنهم ذبحوها بعدما قاربوا ألَّا يفعلوا. * طالب آخر: (...). * الشيخ: بعض النحويين ما هم كلهم. * الطالب: إي نعم، الذين يقولون: إن معنى هذا؛ معنى قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: ما كادوا قَبْل الفعل، كانوا بعيدين، والمراد: وما كادوا يفعلون قَبْل الفِعل؛ كانوا بعيدين، ما قاربوا أن يفعلوا. * الشيخ: نعم، إي، فَهِمتُ (...) هُمْ يقولون: أليسوا قد فعلوا؟ بلى، لكن فِعْلهم ليس معلومًا من قوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، الفعل منين هو معلوم؟ * الطلبة: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾. * الشيخ: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ يعني لولا قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ ما فَهِمْنا أنهم ذبحوها، لَفَهِمْنا أنهم ما ذبحوها ولا قاربوا أن يذبحوها، فإذَنْ الآيةُ ليس فيها دليلٌ، وأنتَ إذا قلتَ: ما كدتُ أفعلُ كذا. معناه ما قاربْتَ أن تفعله، وإذا لم تُقارِبْ أن تفعله فلسْتَ بفاعلٍ له، لكنْ إنْ وُجِدتْ قرينةٌ تدلُّ على فِعْلك فهذه القرينة هي التي تدلُّ على الفعل؛ لو قلتَ: وصلْتُ إلى البلد وما كِدْتُ أنْ أصِلَ. دلَّ على وصولك، لكن ما هو على (...) لكن كونك وصلْتَ إلى البلد، لو قلتَ: سِرتُ إلى البلد ولم أَكَدْ أَصِل، ويش يصير، هل يكون واصلًا؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا يكون واصلًا ولا مُقارِبًا للوصول ما لم يوجَدْ دليلٌ. إذن ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ إذا أخرجَ يَدَه في هذه الظُّلُمات لم يَكَدْ يراها. ويش معنى ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾؟ لم يُقارِبْ أن يراها، وإذا لم يُقارِبْ أنْ يراها فإنه لم يَرَها. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ يعني: الذي لم يجعل اللهُ له نورًا لم يَكُنْ له نورٌ. (﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أي: مَنْ لم يَهْدِهِ اللهُ لم يهتدِ). جعل المؤلِّف هنا النورَ نورًا معنويًّا؛ أي: مَن لم ينوِّر اللهُ قَلْبَه للعِلْم والإيمان فلا أحد ينوِّر قَلْبَه؛ ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾. مثل هذه الآيات التي يذكرها الله سبحانه وتعالى «مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ»[[أخرجه مسلم (٨٦٧ / ٤٥) من حديث جابر، و(٨٦٨ / ٤٦) من حديث ابن عباس. ]] وما أشبه ذلك، ويش الغَرَض منها؟ هل الغَرَض منها تقرير مذهب الجبرية كما استدلُّوا بها، أو الغرض شيءٌ آخر؟ الجواب قطْعًا: ليس الغرض مِن ذلك تقرير مذهب الجبرية؛ لأن الجبرية مذهبهم باطِلٌ يُبْطله الحِسُّ الشرعيُّ، والعقلُ، والفِطْرة، لكن الغرض مِن ذلك ألَّا يعتمد الإنسان على نفسه، وأن يكون دائمًا يلجأُ إلى الله عز وجل في طلبِ الهداية وطلبِ النور وطلبِ التوفيق وغير ذلك، وإلا فمِن المعلوم أن الله تعالى لا يقرِّر أمرًا باطلًا يُبْطله العقلُ، والحسُّ، وعلى كل حالٍ يقول الله عز وجل: إذا لم يجعل اللهُ للإنسان نورًا يهتدي به فما له من نور، وأتى بالجملة الاسمية الدالَّة على أيِّ شيء؟ على الثبوت والاستمرار؛ ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، وأكَّد انتفاءَ النور عنه بـ﴿مِنْ﴾ الزائدة بقوله: ﴿مِنْ نُورٍ﴾؛ لأن ﴿مِنْ﴾ زائدة، و﴿نُورٍ﴾ مبتدأ مؤخَّر؛ أي: فليس له نور. فإذن نعلمُ بهذا أنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يتصرَّف في مُلْكه كما يشاء، وأنَّ مَن أعطاه اللهُ النورَ فهو على نورٍ مِن ربِّه، ومَن لم يُعْطِه اللهُ نورًا فما له من نورٍ، ومِنْ أين يأتيه النورُ وقد حَجَبَ اللهُ النورَ عنه! ولكن اعلم أيضًا أنَّ حَجْبَ اللهِ النورَ عن العبد ليس منعًا لفضْله تبارك وتعالى؛ فإنه ذو الفضل العظيم، والعطاءُ أحبُّ إليه من المنع، والهدايةُ أحبُّ إليه من الإضلال، ولكن لأنَّ المرء نفسه هو الذي منع عن نفسه هذا النور؛ واتلُ قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، واتلُ قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يعني عن الحقِّ وأعرضوا عنه ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩] يتبيَّن لك أن إضلال الله للعبد وحجْبَ النورِ عنه بسبب نفْسه، هو الذي -والعياذ بالله- لم يَهْتدِ، فعلى كلِّ حالٍ الآيةُ هذه تدلُّ على أنه ينبغي بلْ يجبُ على المرء أن يلجأ إلى الله دائمًا بأن يسأله أن ينوِّر قَلْبَه؛ لأن ﴿مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ هذا منطوق الآية، مفهوم الآية: مَن جَعَلَ اللهُ له نورًا فلا أَحَدَ يحجب عنه نورَ الله عز وجل. إذَنْ الآية الكريمة تدلُّ على أمرين؛ أحدهما منطوقٌ، والثاني مفهومٌ. المنطوق؟ * طالب: (...). * الشيخ: من حَجَبَ اللهُ النورَ عنه.. * طالب: بسبب نفسه. * الشيخ: لا، (بسبب نفسه) ما هو من الآية، نحن قيَّدناها به. ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، وقُلنا: أتى بالجملة الاسمية، تدل على أيش؟ * الطلبة: الاستمرار. * الشيخ: الثبوت والاستمرار. وأكَّد انتفاء النورِ عنه بأيش؟ بـ﴿مِنْ﴾ الزائدة؛ لأن (مِن) الزائدة تفيد العموم، هذا منطوق الآية. مفهومها: مَن جَعَلَ الله له نورًا فلا أَحَدَ يحجبه عنه، فلا حاجب عنه من نوره تبارك وتعالى. ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور ٤١] ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الهمزة للاستفهام الداخل على النفي، وإذا دَخَل الاستفهام على النفي أفاد التقرير؛ مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] يعني: قد شَرَحْنا لك صدرَك. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يعني: قد رأيتَ، فهمزة الاستفهام إذا دخلَتْ على النفي تفيد التقرير؛ أي: إثبات ما ذُكِرَ لا نَفْيه؛ مثلًا قال الله (...) نبيه ﷺ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. (...) لا تعَلُّق لمشيئة الله به، حتى إن بعضهم أنكر العلم؛ غُلَاتهم أنكروا علمَ الله وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى لا يعلم بأعمال العبد إلا بعد أن يفعلها، أما قبل ذلك فإنه لا يعلم. سبحانه وتعالى، وأنكروا النصوص الصحيحة الصريحة في إثبات علم الله سبحانه وتعالى في كلِّ شيء، حتى في أعمال الإنسان. * وفيه أيضًا -قوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور ٣٨]-: كثرة رِزْق الله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى يعطي بلا حساب، وليس معنى (بلا حساب) بلا تقدير، لماذا لا نقول ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا؛ لأن الله يقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨]، حتى القطْرة اللي تنزل من السماء إلى الأرض هي مقدَّرة عند الله سبحانه وتعالى، ولكن ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ أي إنه لا يكافئ الإنسانَ بحساب، بل بكثرةٍ كثيرةٍ (...). * * * ما هو وجه الشبه بين أعمال هؤلاء الكفار وهذا السراب؟ * طالب: (...). * الشيخ: فيخونه أحوج ما كان إليه. قوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور ٣٩] الضمير في ﴿عِنْدَهُ﴾ يعود على أي شيء ؟ * طالب: العمل. * الشيخ: على رأي المؤلف: على العمل، فيكون هنا عائدًا على المشبَّه دون المشبَّه به، ويحتمل أنه عائدٌ على المشبَّه به؛ يعني: وَجَدَ -هذا الظمآن- وَجَدَ اللهَ عنده –أي: عندَ هذا السَّراب- حينما مات من العطش فوفَّاه اللهُ حسابَه. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، الظمآن. البحر اللُّجِّي ويش معناه؟ * طالب: العميق. * الشيخ: العميق، طيب. ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ كيف كانت فوقيَّة الموج الثاني؟ * الطالب: إما أن يكون (...) من تغير الرياح، وإما أن يكون أمواجًا متلاحقة؛ الأولى تلحقها الثانية و.. * الشيخ: وتعلو عليها، نعم، صحيح. ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾، ما هذه الظلمات ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: ظلمة الموج الأول، ويش بعد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) ظلمة الموج الأول، والثاني، والسحاب. وإنْ كان في الليل زادتْ الظُّلَم. قوله ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾؟ * طالب: لم يقرب يراها. * الشيخ: زين، ونفي القرب؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن نَفْيه للحقيقة؛ يعني: نَفْيُ قُرْب الرؤية نَفْيٌ للرؤية، كذا ولَّا لا؟ ما قاله بعض النحويين مِن أنَّ (كاد) نَفْيها إثباتٌ وإثباتها نَفْيٌ، هل هو صحيح ولَّا غير صحيح؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، لكنْ باللازم يكون كذلك. ويش حُجَّتهم التي قرَّروا بها هذا الشيء؟ * طالب: قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة ٧١]. * الشيخ: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. هَلْ في الآية دليلٌ على ما قالوا؟ * طالب: (...). * الشيخ: هم يقولون: ذبحوها وما كادوا يفعلون، لكنْ فعلوا. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني معناه أنَّ الفِعل.. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ يعني: ما قاربوا أنْ يفعلوا، لكنهم فعلوا. * الطالب: الحقيقة أنهم فعلوا. * الشيخ: إي، ما يكفي هذا الجواب. * طالب: (...) قال تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي إنه نُفِيتْ سَلَفًا، نُفِيت بقوله: (...)، لكنها نُفِيتْ (...)، لكنهم فعلوا، فدلَّ ذلك على أنَّ (...) على رأيهم لها منحًى خاصٌّ (...)؛ لأنها إذا نُفِيتْ تدلُّ على الإثبات، إذا نُفِيَ القُرب.. * الشيخ: نَفْيها إثباتٌ وإثباتها نَفْيٌ، إي نعم، هذا استدلالهم بالآية، كيف نَرُدُّ عليهم؟ هذا السؤال. * الطالب: في الآية نَفْيُ المقاربة، أي أنهم ذبحوها بعدما قاربوا ألَّا يفعلوا. * طالب آخر: (...). * الشيخ: بعض النحويين ما هم كلهم. * الطالب: إي نعم، الذين يقولون: إن معنى هذا؛ معنى قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: ما كادوا قَبْل الفعل، كانوا بعيدين، والمراد: وما كادوا يفعلون قَبْل الفِعل؛ كانوا بعيدين، ما قاربوا أن يفعلوا. * الشيخ: نعم، إي، فَهِمتُ (...) هُمْ يقولون: أليسوا قد فعلوا؟ بلى، لكن فِعْلهم ليس معلومًا من قوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، الفعل منين هو معلوم؟ * الطلبة: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾. * الشيخ: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ يعني لولا قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ ما فَهِمْنا أنهم ذبحوها، لَفَهِمْنا أنهم ما ذبحوها ولا قاربوا أن يذبحوها، فإذَنْ الآيةُ ليس فيها دليلٌ، وأنتَ إذا قلتَ: ما كدتُ أفعلُ كذا. معناه ما قاربْتَ أن تفعله، وإذا لم تُقارِبْ أن تفعله فلسْتَ بفاعلٍ له، لكنْ إنْ وُجِدتْ قرينةٌ تدلُّ على فِعْلك فهذه القرينة هي التي تدلُّ على الفعل؛ لو قلتَ: وصلْتُ إلى البلد وما كِدْتُ أنْ أصِلَ. دلَّ على وصولك، لكن ما هو على (...) لكن كونك وصلْتَ إلى البلد، لو قلتَ: سِرتُ إلى البلد ولم أَكَدْ أَصِل، ويش يصير، هل يكون واصلًا؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا يكون واصلًا ولا مُقارِبًا للوصول مالم يوجَدْ دليلٌ. إذن ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ إذا أخرجَ يَدَه في هذه الظُّلُمات لم يَكَدْ يراها. ويش معنى ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾؟ لم يُقارِبْ أن يراها، وإذا لم يُقارِبْ أنْ يراها فإنه لم يَرَها. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ يعني: الذي لم يجعل اللهُ له نورًا لم يَكُنْ له نورٌ. (﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أي: مَنْ لم يَهْدِهِ اللهُ لم يهتدِ). جعل المؤلِّف هنا النورَ نورًا معنويًّا؛ أي: مَن لم ينوِّر اللهُ قَلْبَه للعِلْم والإيمان فلا أحد ينوِّر قَلْبَه؛ ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾. مثل هذه الآيات التي يذكرها الله سبحانه وتعالى «مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ»[[أخرجه مسلم (٨٦٧ / ٤٥) من حديث جابر، و(٨٦٨ / ٤٦) من حديث ابن عباس. ]] وما أشبه ذلك، ويش الغَرَض منها؟ هل الغَرَض منها تقرير مذهب الجبرية كما استدلُّوا بها، أو الغرض شيءٌ آخر؟ الجواب قطْعًا: ليس الغرض مِن ذلك تقرير مذهب الجبرية؛ لأن الجبرية مذهبهم باطِلٌ يُبْطله الحِسُّ الشرعيُّ، والعقلُ، والفِطْرة، لكن الغرض مِن ذلك ألَّا يعتمد الإنسان على نفسه، وأن يكون دائمًا يلجأُ إلى الله عز وجل في طلبِ الهداية وطلبِ النور وطلبِ التوفيق وغير ذلك، وإلا فمِن المعلوم أن الله تعالى لا يقرِّر أمرًا باطلًا يُبْطله العقلُ، والحسُّ، وعلى كل حالٍ يقول الله عز وجل: إذا لم يجعل اللهُ للإنسان نورًا يهتدي به فما له من نور، وأتى بالجملة الاسمية الدالَّة على أيِّ شيء؟ على الثبوت والاستمرار؛ ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، وأكَّد انتفاءَ النور عنه بـ﴿مِنْ﴾ الزائدة بقوله: ﴿مِنْ نُورٍ﴾؛ لأن ﴿مِنْ﴾ زائدة، و﴿نُورٍ﴾ مبتدأ مؤخَّر؛ أي: فليس له نور. فإذن نعلمُ بهذا أنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يتصرَّف في مُلْكه كما يشاء، وأنَّ مَن أعطاه اللهُ النورَ فهو على نورٍ مِن ربِّه، ومَن لم يُعْطِه اللهُ نورًا فما له من نورٍ، ومِنْ أين يأتيه النورُ وقد حَجَبَ اللهُ النورَ عنه! ولكن اعلم أيضًا أنَّ حَجْبَ اللهِ النورَ عن العبد ليس منعًا لفضْله تبارك وتعالى؛ فإنه ذو الفضل العظيم، والعطاءُ أحبُّ إليه من المنع، والهدايةُ أحبُّ إليه من الإضلال، ولكن لأنَّ المرء نفسه هو الذي منع عن نفسه هذا النور؛ واتلُ قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، واتلُ قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يعني عن الحقِّ وأعرضوا عنه ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩] يتبيَّن لك أن إضلال الله للعبد وحجْبَ النورِ عنه بسبب نفْسه، هو الذي -والعياذ بالله- لم يَهْتدِ، فعلى كلِّ حالٍ الآيةُ هذه تدلُّ على أنه ينبغي بلْ يجبُ على المرء أن يلجأ إلى الله دائمًا بأن يسأله أن ينوِّر قَلْبَه؛ لأن ﴿مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ هذا منطوق الآية، مفهوم الآية: مَن جَعَلَ اللهُ له نورًا فلا أَحَدَ يحجب عنه نورَ الله عز وجل. إذَنْ الآية الكريمة تدلُّ على أمرين؛ أحدهما منطوقٌ، والثاني مفهومٌ. المنطوق؟ * طالب: (...). * الشيخ: من حَجَبَ اللهُ النورَ عنه.. * طالب: بسبب نفسه. * الشيخ: لا، (بسبب نفسه) ما هو من الآية، نحن قيَّدناها به. ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، وقُلنا: أتى بالجملة الاسمية، تدل على أيش؟ * الطلبة: الاستمرار. * الشيخ: الثبوت والاستمرار. وأكَّد انتفاء النورِ عنه بأيش؟ بـ﴿مِنْ﴾ الزائدة؛ لأن (مِن) الزائدة تفيد العموم، هذا منطوق الآية. مفهومها: مَن جَعَلَ الله له نورًا فلا أَحَدَ يحجبه عنه، فلا حاجب عنه من نوره تبارك وتعالى.

النور 24:41

ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور ٤١] ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الهمزة للاستفهام الداخل على النفي، وإذا دَخَل الاستفهام على النفي أفاد التقرير؛ مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] يعني: قد شَرَحْنا لك صدرَك. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يعني: قد رأيتَ، فهمزة الاستفهام إذا دخلَتْ على النفي تفيد التقرير؛ أي: إثبات ما ذُكِرَ لا نَفْيه؛ مثلًا قال الله (...) نبيه ﷺ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. ويش معنى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾؟ يعني: قد شرحنا لك صدرك؛ يُقرِّر الله تعالى أنه شَرَح صدرَ النبي ﷺ. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحج ٧٠] ويش معناه؟ قد علِمْتَ. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ﴾ يعني: قد رأيتَ. وقوله ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هل الخطاب للرسول ﷺ أو لكلِّ من يتأتَّى خطابه؟ * طالب: لكله. * الشيخ: الظاهر العموم؛ أَلَمْ تَرَ أيها المخاطَب، لا: أيها النبي؛ لأن ذلك أشمل وأعمُّ. وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ﴾، هل هذه الرؤية بصرية أو عِلمية؟ * الطلبة: عِلمية. * الشيخ: إذا جعلتَها بصريةً صارتْ هذه الرؤية خاصةً بما يُفعَل لا بما يُقال ولا بما يُعلَم بالعقل، وإذا جعلْتَها عِلميةً شملتْ ما يُعلَم بالقول وبالبصر وبالذِّهن، وحينئذ أيهما أَوْلى؟ * الطلبة: عِلمية. * الشيخ: أن تكون علمية؛ يعني: ألَمْ تَعْلم؛ سواء كان عِلمك عن طريق المشاهدة بالبصر، أو عن طريق السمع بالأُذُن، أو عن طريق الاستنتاج بالعقل والتفكير. فعليه نقول: المراد بالرؤية هنا، أيش؟ العِلم؛ ألَمْ تعلم، سواء كان هذا العلم عن أيش؟ * طالب: (...). * الشيخ: عن الرؤية بالعَيْن، أو السمع بالأُذُن، أو الاستنتاج بالعقل والفكر، وهذه الثلاثة هي طُرُق العلم؛ كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٦]. إذَنْ: ألَمْ تَعْلم عِلمًا ناتجًا عن هذه الأمور الثلاثة أو عن واحدٍ منها أنَّ الله يُسبِّح له مَن في السماوات والأرض. (ومِن التسبيح صَلاةٌ.) كذا عندكم (صلاةٌ) بالتنكير؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم. ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ﴾ أتى بـ﴿مَنْ﴾ التي للعاقل لأنَّ التسبيح أظهر للعُقَلاء مِن غير العُقَلاء، وهذا التسبيح يشمل التسبيح بالقول وبالحال؛ بالقول نقولُ: سبحان الله. وبالحال أنك إذا تأمَّلْتَ خَلْقه وما جُبِلَ عليه علِمْتَ بذلك أن الله تعالى مُنَزَّهٌ عن العَبَث وعن النقائص، يُسمَّى هذا تسبيحًا بأيش؟ بالحال. إذا قلنا: التسبيح بالمقال، فمِن المعلوم أن الكافر لا يُسبِّح الله بمقاله؛ يعني ما يقول: سبحان الله. لأنه يَصِفُ الله بالعيب ويجعل مع الله شريكًا، لكنه مسبِّحٌ لله بحاله؛ فإن حاله وما جُبِل عليه وانصرافَه عن الحقِّ مع وضوحه وما أشْبَهَ ذلك، كل ذلك مما يدل على تنزيه الله سبحانه وتعالى وعلى حكمته. وقوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يشمل الملائكة ولَّا لا؟ * الطلبة: يشمل. * الشيخ: يشمل الملائكة. وتسبيح الملائكة لم نَعْلمه نحن عن طريق الرؤية، ولكن عن طريق الوحي الذي يقوم بالسَّمْع؛ سَمِعنا مِن نبيِّنا ﷺ أن الملائكة تُسبِّح الله، وسمعنا قول الله عز وجل أن الملائكة تُسبِّح الله إلى آخره. * * * قال: (﴿وَالطَّيْرُ﴾ جمع طائرٍ بين السماء والأرض. ﴿صَافَّاتٍ﴾ حالٌ؛ باسطاتٍ أجنحتهن). وَ﴿الطَّيْرُ﴾ معطوفة على أيش؟ على ﴿مَنْ﴾؛ يعني: وتُسبِّح له الطير. و﴿صَافَّاتٍ﴾ حالٌ من الطير؛ يعني هي أيضًا تُسبِّح الله سبحانه وتعالى في حالِ صفوفها؛ أي: صَفِّ أجنحتها؛ أي: بَسْطها. هذا التسبيح حالِيٌّ ولَّا مقالِيٌّ؟ * طالب: حالِيٌّ. * الشيخ: نحن نعلمه حالِيًّا، ولكن ربما يكون أيضًا مقالِيًّا؛ ربما أنها في حالةِ مَدِّ أجنحتها وبَسْطها تُسبِّح الله لأن الطير لها نُطْق؛ قال الله تعالى: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل ١٦]، فكُلُّ شيء ينطِق، حتى الحصى ينطِق، «وقد سُمِع تسبيح الحصى بين يَدَيِ الرسول ﷺ»[[أخرجه البزار في مسنده (٤٠٤٠)، والطبراني في المعجم الأوسط (١٢٤٤) من حديث أبي ذر.]]، كلُّ شيء يُسبِّح، بل قال الله في آية أخرى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤] وهنا قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾، ولم يَذْكر السماوات، ولم يُعمِّم؛ في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ لأن هناك قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، وهنا قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ﴾، فأثبَتَ عِلْمنا بهذا التسبيح، وهو ليس شاملًا كما في الآية الثانية. ﴿الطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ أما تسبيح الطير صافاتٍ بلسانِ المقال فهذا ما نَعْلمه، لكن بلسان الحال نَعْلمه؛ فإن صفوفها في الهواء بين السماء والأرض وعدم سقوطها، واتجاهها يمينًا وشِمالًا والرياحُ مع عُصُوفها لا تحجبها عما تريد؛ هذا مما يدل على كمال قدرة الله عز وجل. الرياح التي تُقَلْقِل الجبال والسيارات ما تحجب الطائر عن اتجاهه، هو يتَّجِه مُعاكِسًا للرياح -وهذا شيءٌ مشاهَدٌ- ولا يُبالِي، وهذا من تمام قدرة الله عز وجل، هذا الطير الضعيف الصغير اللي يمكن الريح تَحمِله إذا كان متَّجِهًا ما ترُدُّه الرياح، هذا من تمام قدرة الله عز وجل. ومِن تمام القدرة أيضًا أنَّك تَجِدُه في أيام الشتاء الباردة القارسة تَجِدُه يطير بين السماء والأرض بهذه السرعة وفَوْقَ أيضًا ولا يتأثَّر بهذا البرد، كل ذلك دليلٌ على كمال قدرة الله. ثم أعظم من هذا قال: (﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ﴾ اللَّهُ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ). ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ﴾ ﴿عَلِمَ﴾ فِعلٌ ماضٍ، فيها ضمير مستتر يعود على من؟ * الطلبة: (...). * الشيخ: كلام المؤلف: يعود على الله؛ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ﴾ أي: قد علم الله ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾، هذا ما ذهب إليه المؤلف. والقول الثاني: أن فاعل ﴿عَلِمَ﴾ يعود على ﴿مَنْ﴾ وما عُطِف عليه؛ يعني: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ﴾ مِنْ هؤلاء المسبِّحِينَ ﴿قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ يعني أن الله تعالى أَلْهَمَ هذه الأشياء حتى عَرَفَتْ كيف تُسبِّح الله عز وجل وكيف تصلِّي له، وأما عِلْم الله بذلك فمفهوم من قوله ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾. وعلى رأي المؤلف يكون في الآية شِبْه تكرار؛ ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ هذه الجملة هي الأولى على رأي المؤلف، ولهذا الصحيح أنَّ قوله: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ﴾ أي: كلٌّ مِن هؤلاء المسبِّحِينَ قد عَلِم هو نفسُه صلاتَه وتسبيحَه، بأيِّ شيءٍ عَلِم؟ أمَّا بالنسبة للبَشَر -وكذلك الجن- فقد عَلِموا عن طريق الرُّسُلِ؛ الرُّسُلُ أرسلهم الله ليُعَلِّموا الناس كيف يُصَلُّون وكيف يُسبِّحون الله عز وجل، وأمَّا البهائم والحيوانات الأخرى فإنها عَلِمَتْ صلاتها وتسبيحها بما أَلْهَمَهَا الله عز وجل، ولكُلٍّ منها صلاةٌ وتسبيحٌ خاصٌّ؛ قال الله سبحانه وتعالى على لسان موسى ردًّا على فرعون: ﴿مَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ فقال: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٤٩، ٥٠]؛ إن هذه الهداية كما تشمل الهداية للأمور التي تَحفظُ أجسادَها كذلك يصِحُّ أن تشمل الهدايةُ للأمورِ التي أَلْهَمَهَا الله سبحانه وتعالى من التسبيح والصلاة، إذن الصوابُ أن الفاعل في ﴿عَلِمَ﴾ يعود على مَنْ؟ * طالب: (...). * الشيخ: على الْمُسَبِّح. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، وأمَّا عِلم الله بما فعله. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، هذا مفهوم من قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ قال: (فيه تغليب العاقل). ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ يقول: (فيه تغليب العاقل)، ويش تقولون؟ لأن ﴿يَفْعَلُونَ﴾ الواو للعاقل، ومعلومٌ أن من في السماوات يشمل العاقل وغيرَه، لكن الآية غُلِّب فيها العاقل بالأول وبالثاني؛ ﴿مَنْ﴾ ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ﴾ هذه للعاقل، كذلك ﴿يَفْعَلُونَ﴾ للعاقل، ففيها تغليب العاقل، والسبب في ذلك والله أعلم أن التسبيح والصلاة في العاقل أظهر منها في غير العاقل، فلذلك غُلِّب، وإلا فغير العُقَلاء في الأرض أكثر من العُقَلاء، (...) الحيوانات والحشرات. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، إلا إذا دلَّ الدليلُ على أنه في لسان المقال؛ مثل مَن قال: سبحان الله، مَن سبَّح اللهَ وما أشبه ذلك، هذا بلسان المقال، من سبَّح الله ثلاثًا وثلاثين دُبُر الصلاة. * طالب: (...). * الشيخ: هذه مثل ما أنه أحيانًا يُذكَر بعد العموم، كذلك أحيانًا يُذكَر بعده العموم، مما يدلُّ على أن الصلاة من أهم الأعمال، لكنْ سبحان الله العظيم! يعني شوف حتى الحيوانات تُصلِّي؛ ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾، ولكن صَلاتها ما ندري عددها؛ هي مثل صلاتنا أم تختلف، المهم أنَّ لها صلاةً ولها تسبيحًا ولكنه خاصٌّ بها؛ قد عَلَّمها الله سبحانه وتعالى كيف تُصلِّي وكيف تُسبِّح وعَلِمتْ صلاتَها وتسبيحَها.

النور 24:42

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾. (﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خزائن المطر والرزق والنبات). (...). ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أوَّلًا: قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ هو خبر مقدَّم، و﴿مُلْكُ﴾ مبتدأ مؤخَّر، وقد عُلِم مِن القاعدة أن تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصْر؛ القاعدة عند أهل العِلم أنه اذا قُدِّم شيءٌ مِن حقِّه أن يؤخَّر دلَّ ذلك على الحصر في هذا المقدَّم؛ يعني حصر المؤخَّر في المقدَّم؛ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أيش معناه؟ * طالب: أي: لا نعبد إلا إياك. * الشيخ: أي: لا نعبد إلا إياك، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لا نستعين إلا إياك، فإذا قُدِّم ما حقُّه التأخير كان ذلك دليلًا على حصر الشيء فيه. ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بناءً على هذه القاعدة، ويش تفهم؟ أن مُلْك السماوات والأرض لِمَن؟ * طالب: لله. * الشيخ: وحده ولَّا معه غيره؟ * الطالب: وحده. * الشيخ: وحده، من الحصر ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾. وقوله ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا شاملٌ لِمُلك الأعيان والتصريف؛ فـ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أعيانهما لله، والتصريف والتسيير أيضًا لِمَن؟ لله، وتخصيص ذلك بخزائن الرزقِ والنباتِ والمطرِ هذا لا وجْهَ له إطلاقًا؛ فالله تعالى له مُلك السماوات والأرض خَلْقًا وتدبيرًا، الأعيانُ والتصريفُ لله وحدَه، ويدلُّ على ذلك ما فيها من الانتظام وعدم الاضطراب وعدم التناقض، ولهذا استدلَّ الله سبحانه على وحدانيَّته بقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا﴾ لو كان معه إلَهٌ ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾، صحيحٌ؛ ما دام إلَهٌ لازم يكون له مَمْلكته وحدَه، وفي النتيجة ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون ٩١] فإذا علا بعضُهم على بعضٍ فلِمَن تكون الألوهيَّة؟ للعالي بلا شكٍّ، ونحن نرى بعَيْنِ اليقين أنه لم يتميَّز الْخَلْق بعضُه على بعضٍ، وأن العالم العُلْويَّ والسُّفْليَّ كُلُّه وحْدةٌ، كُلُّه كُتلةٌ واحدةٌ مُسَخَّر بعضُه لبعضٍ، ويتمُّ بعضُه ببعضٍ، ولا يتناقض ولا يتنافر، فلهذا كان العَقْل والمشاهدة دليلَيْنِ على وحدانيَّة الله عز وجل. ثمَّ لا يمكن أيضًا تعدُّد الآلهة؛ لا بدَّ أحدهما يغلب؛ لأنهما إن تمانَعَا -هذا دليلٌ عقليٌّ جدًّا، معروف- إن تمانَعَا وعجز كلُّ واحدٍ منهما عن الآخَر، ويش صارا؟ صارا غير مستحقَّيْنِ للألوهيَّة، (...) رب، ما دام كل واحد عجز، الرب ما يكون عاجزًا، وإنْ غَلَب أحدُهما الآخرَ صار وحدَه الربَّ والإلهَ، فإذن لا بد أن يكون إلهًا واحدًا؛ لأنه إما أن يَغلِب فتكون الألوهيَّة له، وإما أن يعجز والثاني يعجز أيضًا فلا يَصْلح كلٌّ منهما أن يكون ربًّا؛ لأن الرب لا بد أن يكون قادرًا، وهذا من أَبْيَنِ الأدلَّة وأوضحها. ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إذا قال قائل: أليس الله تعالى يقول: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦]، ويقول: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾، فأثبَتَ للإنسانِ ملْكًا، وأنتم تقولون: إن مُلْك السماوات والأرض خاصٌّ بالله بدليلِ الحصر، فكيف الجمع؟ الجواب: الْمُلْك هذا مقيَّدٌ، ليس مُلكًا مطْلقًا، ومَن الذي ملَّكَكَ؟ اللهُ تعالى هو الذي ملَّكَكَ هذا الشيءَ على قَدْرٍ محدودٍ أيضًا؛ أنت إذا كُنتَ تَمْلكُ هذا الْمُسَجِّل مثلًا تَمْلكه وتبيعه وتشتريه، تنتفع به، هذا واضحٌ، لكن هل تَمْلك أنك تكسره؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، بالنسبة للمخلوقِين تَملِك، لكن بالنسبة لله ما تَملِك، لا يجوز لك أن تكسره؛ لأنك ممنوعٌ من قِبَل الله، لكن الله عز وجل هل يملِك أن يُتلِف مَن على البسيطة ولَّا لا؟ نعم؛ ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر ٤٥]، فتبيَّن بهذا أن مُلْكي للشيء منين؟ مِن الله هو اللي مَلَّكَني، هذه واحدة، والشيء الثاني: مُلكٌ محدودٌ، مقيَّدٌ، وعلى هذا فلا منافاة بين ما أثبَتَ الله تعالى للإنسان من الْمُلْك، وما أثبَتَ لنفْسه من الاختصاص بالْمُلْك. واضح؟ ولهذا قال بعض أهل العِلم: كلُّ شيءٍ أُضيفَ مُلْكه للإنسان فهو على سبيل المجاز لا على سبيل الحقيقة؛ لأن المالك في الحقيقة من هو؟ اللهُ سبحانه وتعالى، وأنا مالكٌ مجازًا، لأني ما أتصرَّف في هذا الشيء إلا كما أُمِرتُ أو كما أُذِنَ لي، ما أتصرَّف تصرُّفًا مطْلقًا. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ : المرجِع). هذا فيه تنبيهٌ على أنه سبحانه وتعالى مالكٌ للأوَّلِ والآخِر؛ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ابتداءً، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ انتهاءً. وفيه -والله أعلم- إشارةٌ إلى أنه إذا كان الْمُلْك لله والمرجع إليه فإنه لا يَحِلُّ لنا نحن أن نتصرَّف إلا حسب ما أيش؟ ما شُرِعَ لنا، ما دُمْنا ملْكًا لله عز وجل، نحن الآن ملْكٌ لله، أليس كذلك؟ ومصيرنا إلى مَن؟ إلى الله، إِذَن ما دُمْنا ملْكَه، ومصيرنا إليه فالواجب ألَّا نتصرَّف إلا حيث شَرَع لنا؛ لأنه ما دُمْتَ تعلم أنك ملْكٌ له فهو الذي يدبِّرك: افعل كذا، لا تفعل كذا. وما دُمْتَ تعلم أيضًا أن مصيرك إليه فلا بد أن تستعِدَّ لهذا المصير لأنه سوف يحاسبك. وقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ فيه أيضًا ما في قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: طيب، لكن ﴿إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [النور ٤٢] إعراب ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ ويش محلها من الإعراب؟ * الطالب: (...). * الشيخ: خبر مقدَّم، و﴿الْمَصِيرُ﴾ مبتدأ مؤخَّر، وتقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر، كُلُّ شيءٍ حقُّه أن يتأخَّر إذا قدَّمْته معناه أنك تريد أن يكون ما بَعدَه محصورًا فيه، فإذَن المصير إلى الله، مهما طار الإنسانُ ومهما حلَّقَ في الخيال وفي التفكير ومهما بقِي في الدنيا فإن مصيره إلى مَنْ؟ إلى الله عز وجل؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [البقرة ٢٢٣] ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦]، مُلاقاة الله عز وجل والمصير إليه أمرٌ لا بد منه، حَتْميٌّ، كما أن وجودنا مِن الله فكذلك أيضًا انتهاؤنا إلى الله عز وجل. ويحتمل أن قوله: ﴿الْمَصِيرُ﴾ ليس المراد مصير الناس في الآخرة فقط، بل مصير الأمور كُلِّها؛ يعني: المرجع إلى الله في كلِّ شيء، كلُّ شيء صائرٌ إلى الله، فهو سبحانه وتعالى هو الذي يدبِّر ويفعل ما شاء.

النور 24:43

ثم قال: (﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ [النور: ٤٣] يسوقه برِفْقٍ). ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيضًا الخطاب لِمَن؟ لكُلِّ مخاطَبٍ؛ أَلَمْ تَرَ أيها المخاطَب، و(ترى) هنا بَصَريَّة، ولا عِلميَّة؟ * طالب: بَصَريَّة. * الشيخ: أنا ما أعرف، إذا قُلنا هكذا معناه الأعمى ما يدري عن شيء، معناه أنه ما اعتبر بهذا السحاب لأنه ما يراه. لماذا لم نقُلْ: عِلْمية؛ لأن العِلْمية تتضمَّن البصريَّة؛ يعني: ألَمْ تعلم؛ سواء كان ذلك عن طريق المشاهدة أو عن طريق السماع، إذن نخلِّيها (تَعْلم) على أنها عِلْمية؛ ﴿تَرَ﴾ أي: تعلم. (﴿أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ يسوقه برِفْقٍ). وقائل يقول: يسوقه. ولم يقيِّده بـ(رِفْق)، نعم، ولعل ذلك أَوْلى؛ أن نفسِّر الإزجاء بالسَّوْق سواء برِفْقٍ أو بغير رِفْقٍ؛ لأننا نشاهد أن السحاب يسير أحيانًا برِفقٍ وأحيانًا يسير بسرعة وهو سحاب؛ يقول المتنبي -أظن-: وَمِــــــــــــــنَ الْخَيْرِ بُطْءُ سَيْبِـــــــكَعَــــــنِّي ∗∗∗ أَسْرَعُ السُّحْبِ فِي الْمَسِيرِالْجَهَامُ اللي ما فيه ماء. * * * (...) مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] فهو للتقرير؛ يعني: قد شَرَحْنا لك، وهكذا كلَّما دخلَتْ أداة الاستفهام على النفي صارتْ للتقرير؛ تقريرِ ذلك الشيء. يقول الله تعالى مقرِّرًا هذا الأمر المرئي: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾، والرؤية ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ بمعنى العِلم، وتفسيرنا لها بالعِلم أعَمُّ من تفسيرها بالرؤية البَصَريَّة؛ لأجْل يشمل رؤيةَ الإنسان ببصره لأنها تؤدِّي إلى العِلم، ورؤيةَ الإنسان بسمعه فيما يُخبَر به لأنها تؤدِّي أيضًا إلى العِلم، ورؤيةَ الإنسانِ في قراءته عن هذا الأمر لأنها تؤدِّي إلى العِلم، والمهمُّ أنه ما دامتْ الرؤية محتمِلةً لِأنْ تكون بمعنى العِلم فتفسيرها بالعِلم أَوْلى لأنه أَشْمَلُ وأعَمُّ. والخِطاب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هل هو للنبيِّ ﷺ أو لكلِّ من يصِحُّ خِطابه؟ الظاهر أنه لكلِّ مَن يصِحُّ خِطابه؛ يعني: ألَمْ تَرَ أيها المخاطَب أنَّ الله يُزْجِي سحابًا... إلى آخره؛ لأن ذلك أيضًا أشْمَل. وقوله: ﴿يُزْجِي سَحَابًا﴾ يقول المؤلف: (يسوقه برِفْقٍ). ومِن المفسرين مَن قال: يسوقه، ولم يقُل: برفق؛ لأجل أنْ يشْمَل السَّوْق بِرِفْقٍ، وبغير رِفْقٍ؛ لأن السحاب -كما هو مشاهَدٌ- أحيانًا يكون مَشيُهُ رُوَيْدًا رُوَيْدًا، وأحيانًا يكون مَشْيُهُ بسرعةٍ؛ سريعًا. و(﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ يضُمُّ بعضَهُ إلى بعضٍ فيَجْعلُ القِطَعَ المتفرِّقةَ قِطعةً واحدةً). وهذا أيضًا مشاهَدٌ؛ فإنَّ الله سبحانه وتعالى يؤلِّف بين هذا السحاب ويجمع بعضَهُ إلى بعضٍ حتى يكون قِطعةً كبيرةً، وأحيانًا لا يؤلِّف بيْنَه؛ نفْس القِطعة الصغيرة تتوسَّع وتكون قطعةً كبيرةً، لكن التأليف أبْلَغ؛ لأن المؤلَّف أحيانًا يكون من غير جنس المؤلَّف به، دائمًا تكون سحابةٌ بيضاءُ وحمراءُ وسوداءُ ثم تجتمع وتكون بلونٍ واحدٍ، وهذا أبْلَغ. هذا التأليف يقول الله عز وجل: (﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ بعضه فوق بعضٍ). ﴿رُكَامًا﴾ يعني متراكمًا؛ بعضه فوق بعض، وهذا أيضًا مشاهَدٌ في رؤية العين؛ فإن السحاب تجد بعضَه فوق بعضٍ، أمَّا إذا كنْتَ في الطائرة مرتفعًا فإنه يبدو لك ذلك ظاهرًا؛ تجد من السحاب ما هو تحتك ومن السحاب ما هو فوقك، وإذا كنْتَ في الأرض يتبيَّن لك أن السحاب بعضُه على بعضٍ، بأيِّ شيء؟ بكَوْنِ بعضِه يغطِّي بعضًا. وكيف يغطي بعضًا؟ شوف مثلًا قطْعة تَمُرُّ تحت قطْعةٍ أخرى وتتجاوزها، تتعداها، مما يدلُّ على أن بعضَه فوق بعضٍ، هذا الرُّكَامُ له منظرٌ عجيبٌ إذا كان الإنسان فوقه، منظرٌ يبهج ويَسُرُّ، ولذلك جعله الله تعالى من الآيات الدالة على كمال قدرته. ثم (﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ مخارجه). ﴿تَرَى﴾ بمعنى تُبصِر هنا؛ لأن المطر يُرى بالعَيْن، و﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ أي: من خِلال هذا السحاب. لكن هذه الرؤية هل الإنسانُ يُدرِكها، أو بعضُ الناسِ دون بعض؟ في الحقيقة إنه ما يُدرِك إلا إنسانٌ قويُّ النَّظَر، لكنْ نحن نعلم أن المطر ينزل من السحاب ويتخلَّلُه؛ قال بعض العلماء: إنه مثل الغربال يكون؛ يعني: مثل الغربال الذي يغربل به القمح، وما أشبه ذلك؛ ينزل (...) هذا المطر من خِلاله. مِنْ أين يأتي المطر إذا كان ينزل من خِلاله؟ منه هو نفسه، ينعصِر بإذن الله ثم يتخلَّل منه، ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ [النبأ ١٤] ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ فإنه بإذنِ الله ينعصِر وينزل هذا المطر، وعلى كل حالٍ الأسبابُ الطبيعيَّةُ ما نَعرِفُ عنها شيئًا، لكن هذا ما نعرفه بالرؤية الحسيَّة. * * * ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا﴾: (في السماء؛ بدلٌ من السماء بإعادة الجارِّ. ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ أي: بعضه ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾...) إلى آخره. ﴿يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا﴾ في السماء. الغريب أن المؤلِّف -رحمه الله- مُرتبكٌ في هذا؛ قال في الأوَّل: ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾ قال: (﴿مِنْ﴾ زائدة). يعني: زائدةٌ إعرابًا، فعلى كلامه يكون التقدير: ويُنَزِّل من السماء جبالًا. ثم عَقِبَه قال: (بدل من السماء بإعادة الجار). ويش اللي بدل؟ قوله: ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾، مِن جبالٍ في السماء. طيِّب، إذا كانت بدلًا بإعادة الجارِّ فهل ﴿مِنْ﴾ زائدةٌ في قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ ولَّا ليست زائدة؟ ليست زائدة لأنها للابتداء؛ ﴿يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ لابتداء الغاية؛ يعني: إلى الأرض، والمعنى -الحقيقة- هو المعنى الأخير الذي ذكر؛ على أن قوله: ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾ بدلٌ من السماء؛ كأنه قال: يُنَزِّل من جبالٍ في السماء. فهي بدلٌ من السماء بإعادة الجارِّ الذي هو ﴿مِنْ﴾، وعلى هذا فلا تكون ﴿مِنْ﴾ زائدةً بل تكون لابتداء الغاية؛ يعني: يُنَزِّل من السماء إلى الأرض. من أين ينزل من السماء؟ قال: ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا﴾ أي: في السماء. (﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ أي: بعضه). هذا الذي لو قال: إن ﴿مِنْ﴾ زائدةٌ، لكان له وجهٌ، لكن هو جَعَل ﴿مِنْ﴾ تبعيضية؛ لأنه قال: (أي: بعضه)؛ يعني: بعض بَرَد، نعم، ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: ما عندك (زائدة)؟! * الطالب: لا. * الشيخ: عجيب، ﴿مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا﴾ ما عندكم (زائدة)؟! * طلبة: زائدة. * طلبة آخرون: صِلة. * الشيخ: هي من الصِّلة أو زائدة المعنى واحد، لكنْ عندكم (صِلة) أو (زائدة)؟ على كل حالٍ (زائدة) أو (صِلة) بمعنى واحد، لكنْ كيف يكون زائدة أو صِلة وهو يقول: (﴿مِنْ جِبَالٍ﴾ بدلٌ من السماء بإعادة الجارِّ)؟! ومعلومٌ أن ﴿مِن﴾ في قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ ليستْ زائدةً ولا صِلةً، بلْ لها معنى وهو الابتداء؛ ابتداء الغاية. بقي أن نقول: ﴿فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ ﴿فِيهَا﴾ الضمير يعود على ﴿السَّمَاءِ﴾؛ يعني: من جبالٍ في السماء. وقوله: ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ المؤلِّف يريد أن تكون ﴿مِنْ﴾ للتبعيض؛ يعني: يُنَزِّل بعضَ بَرَدٍ من هذه الجبال، ويحتمل أن تكون زائدةً؛ يعني: ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ أي: بَرَدًا؛ يَنْزِل مِن السماء مِن جبالٍ بَرَدًا، فتكون ﴿مِنْ﴾ زائدةً، ويحتمل أن تكون ﴿مِنْ﴾ لبيان الجنس، كيف لبيان الجنس؟ أيْ أنَّ الجبال مِن بَرَدٍ؛ مِن جبالٍ مِن البَرَد، فتكون الجبال نفسُها مِن البَرَد، وعلى هذا يصير: ويُنَزِّل مِن السماء مِن جبالٍ مِن البَرَد، ويكون مفعول التنزيل محذوفًا؛ يعني: يُنَزِّل بَرَدًا؛ إذا كان يُنَزِّل من السماء من الجبال التي من البَرَد، فإذا نَزَّل من الجبال التي من البَرَد، ويش يُنَزِّل؟ بَرَدًا، فيكون المفعول محذوفًا تقديره: بردًا. صار على كل حالٍ ﴿يُنَزِّلُ﴾ أين مفعولها على رأي المؤلِّف؟ مفعولها ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾؛ لأنه قال: (أي: بعضه) على أساس أن ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، فهي بمعنى (بعض)، وعليه فيكون هذا هو مفعول ﴿يُنَزِّلُ﴾، وأمَّا المنَزَّل منه، ويش المنَزَّل منه؟ ﴿مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ﴾؛ الجبال التي في السماء؛ لأنَّا قلْنا: ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾ بدلٌ من ﴿السَّمَاءِ﴾ بإعادة الجارِّ، فيكون المنَزَّل منه هذه الجبال، والمنَزَّل البَرَد. على الاحتمال الأخير لي ذَكَرْنا أن ﴿مِنْ﴾ زائدة، يكون أيضًا المنَزَّل البَرَد، لكنْ ليستْ ﴿مِنْ﴾ للتبعيض. وعلى الاحتمال الثالث: قلْنا: إن ﴿مِنْ﴾ لبيان الجنس، ويش جنسه؟ جنس الجبال، جِبال من بَرَد، يعني: يُنَزِّل من جبالٍ من الْبَرَد. ويش يُنَزِّل؟ بَرَدًا، فعليه يكون المنِّزل -اللي هو المفعول- محذوفًا تقديره: بَرَدًا، ودلَّ عليه السياق. على كلِّ حالٍ معنى الآية الكريمة أنَّ في السماء جبالًا من البَرَد يُنَزِّل اللهُ تعالى منها؛ من هذه الجبال، هذا المنَزَّل أحيانًا يكون كبيرًا وأحيانًا يكون صغيرًا، لكنْ مِن نعمة الله أنه لا يكون كبيرًا بحيث يهدم البناء، هذا شيءٌ نادرٌ جدًّا، إنما يكون كبيرًا بحيث يَقتُل بعضَ الزروع أو بعض الأشجار حسب حكمة الله عز وجل، أمَّا أن يهدم المنازل ويَقتُل الآدميِّينَ فهذا قليلٌ، وإنْ كان قد يوجد، لكنه قليلٌ، وفي هذا دليلٌ على قُدرة الله سبحانه وتعالى أن هذه السماء تكون فيها هذه الجبال، هذه الجبال من البَرَد، ويَنْزل منها ما يَنْزل بمشيئة الله سبحانه وتعالى وحكمته على هذه الأرض، ولهذا قال: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾. هذه الجملة هل هي لبيان الامتنان، ولَّا لبيان العقوبة: ﴿يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ أو تحتمِل؛ لِأَنْ (يصرِف)؟ قد يتبادر للإنسان أن المراد بالإصابة في الأول إصابة العقوبة كما يُقال: صَرَفَ اللهُ عنكَ السوءَ، وكما جاء في الحديث: «وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ»[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) من حديث علي بن أبي طالب، وأخرجه الدارقطني (١١٣٩) من حديث جابر بن عبد الله واللفظ له.]] فلا يُصرَف ولا يُعبَّر بالصَّرف إلا عن شيءٍ مكروهٍ، وعلى هذا فتكون الجملة ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ مسوقةً لبيان العقوبة التي تحدث بهذا البَرَد. ويحتمل أن يكون من باب الامتنان؛ فإن البَرَد قد يكون خيرًا، وقد يَحصُل به ريُّ أرضٍ ونباتُ الأشجار وغيرُ ذلك، فيَصِير هذا من باب سياق الامتنان؛ يُصِيبُ بهذا البَرَد مَن يشاء فينتفع به، ويَصرِفه عمَّن يشاء فيفوته الانتفاع. ولا مانع من أن يُستعمَل الصَّرف في صرف الشيء النافع، لا مانع، وإنْ كان الأكثر أن يكون لصرف الأشياء الضارة، لكنْ قد يُستعمل أيضًا في صرف الأشياء التي تنفع، هذا مِن بلاغة القرآن أن تكون هذه الجملة صالحةً للوجهينِ: وجْه العقوبة، ووجْه الرحمة؛ الإصابة بالبَرَد أحيانًا تكون عقوبة تَهلِك بها الزروع وتموت بها المواشي، وأحيانًا تكون بالعكس. * * * (﴿يَكَادُ﴾ يَقْرُب ﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ لَمَعانُه ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ الناظرةِ له؛ أي: يخطفها). من قوة هذا البرق يكاد سَنَاه -يعني لمعانه- يذهب بالأبصار، وفي هذا إشارةٌ إلى أن السحاب التي فيها بَرَد يكون بَرْقُها أشدَّ لمعانًا من غيره، فهذا البرق يكاد لقُوَّته يَذهبُ بالأبصار، ولا شكَّ أن هذا البرق عظيمٌ جدًّا، وقد ذكروا أن فيه طاقةً كبيرةً من الكهرباء وأنها تساوي كذا وكذا من الكيلوات، وهذا الأمر واقعٌ؛ الآن تَجِدُ -مثلًا- الطائرات قد لا تَبْعُد بُعْد هذا السحاب، ومع ما فيها من الإضاءة ما تكاد تُبصِرها، أمَّا هذا فإنه كما تشاهدون يكاد يخطف البَصَر ويملأ الأرضَ ضياءً، مما يدلُّ على كثرة الطاقة الكهربائية التي في هذا البرق، مع أنه بيد الله بلحظةٍ يعني كأنه شَوْطٌ ضَرَب، وهذا هو الظاهر؛ من باب الاحتكاك، كما ذُكِر أنه يكون (سالب) و(موجب)، فيتولَّد من بينهما هذا البرق، ولا مانع -إن صحَّ الحديث- أن يكون أيضًا هذا من أسباب ضَرْب الْمَلَك، الذي يسوق السحاب[[أخرجه الترمذي (٣١١٧) من حديث ابن عباس.]]، فإذا صَحَّ الحديث فإنه لا يُنافِي ما ثَبَتَ من حيث العِلم الذي يتَّصِل بهذا الأمر مِن كَوْنِه اجتماع (سالب) و(موجب) فيَحصُل به هذا اللَّمعان؛ إذْ إن اجتماع السالب والموجب قد يكون بأسباب ضَرْب أيش؟ ضَرْب الْمَلَك إذا صحَّ الحديث بذلك، فهذا لا مُنافاةَ بينه وبين ما وَرَدَ عن النبي ﷺ إن صح، ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾. إذن هذا من آيات الله سبحانه وتعالى الدالَّة على كمال قدرته، سَوْق هذا السحاب بين السماء والأرض، وكَوْنه جبالًا من البَرَد، وإصابةُ اللهِ تعالى به من شاء وصرفه عمَّن يشاء، كلُّ ذلك من آيات الله، ولهذا جَعَلها الله سبحانه بصيغة الاستفهام الدالِّ على التقرير.

النور 24:44

ثم قال تعالى: (﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ أي: يأتي بكلٍّ منهما بدل الآخر ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ التقليب ﴿لَعِبْرَةً﴾ دلالةً ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٤] لأصحاب البصائر على قدرة الله تعالى). قوله: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ التقليب معناه تغيير الشيء مِن جهةٍ إلى جهةٍ. وهذا التقليب هل المراد به التقليب الحسِّيُّ الذي أشار إليه المؤلِّف؛ بمعنى أنه يأتي بهذا بدل هذا، وهذا بدل هذا، أو المراد ما هو أَشْمَل؛ التقليب الحسِّيُّ والمعنويُّ؟ الجواب: نعم، المراد ما هو أعَمُّ مِن التقليب الحسِّي. والتقليبُ الحسِّي: أنَّ الله يَقْلِب الأرضَ بَدَلًا مِن أنْ كانتْ ضياءً ونهارًا إلى ليلٍ، ثم إلى نهارٍ، وهكذا. والتقليب المعنوي ما يَحصُل في هذه الأيام مِن الحوادثِ والتغيُّرات، والعِزِّ والنَّصْر والإذلال والخذلان؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠]. الصواب في التقليب هنا أنه ليس خاصًّا بالتقليب الحسِّي الذي هو جَعْل الليلِ مكانَ النهارِ والنهارِ مكانَ الليلِ، بلْ هو أعَمَّ من ذلك، يشمل الحسِّيَّ والمعنويَّ. ومِن التقليب أيضًا تقليبُ الفصول؛ حيث يطول اللَّيلُ والنَّهارُ مَرَّةً في وقت الشتاء ومَرَّةً في وقت الصيف، كل هذا من التقليب، المهمُّ أنه يجب أن تعرف أن هذا التقليب عامٌّ في كلِّ ما يَحصُل من تغييرٍ في اللَّيل والنَّهار مِن الأمور الحسِّية والأمور المعنوية، وهذا هو وجْه العِبرة: إنَّ في ذلك التقليبِ لعِبرةً لأولي الأبصار؛ فصاحب البصيرة -الأبصار: البصائر، لا المراد بالأبصار بَصَر العَيْن- فكلُّ ذي بصيرةٍ يعرف ما في تقليب اللَّيلِ والنَّهارِ من قدرة الله عز وجل؛ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ [القصص ٧١] لو اجتمع الخلْق كُلُّهم على أن تَخْرج الشمس في نصف الليل مثلًا يستطيعون ولَّا لا؟ ما يستطيعون، ولو اجتمعوا كُلُّهم على أن يأتي الليلُ في نصف النهار ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ولو أنَّ الله تعالى جَعَل الوقتَ دائمًا ليلًا أو نهارًا ما استطاع الخلْق كُلُّهم أن يُغَيِّروا هذا الوضع، ولهذا بيَّن الله مِنَّتَه على عباده؛ ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص ٧٣]. كذلك ما يَحصُل في اللَّيل والنَّهار من الحوادث وتقلُّبات الأمور فهذا أيضًا فيه عِبرةٌ، تَجِدُ مثلًا هذا الْمُلْكَ لهذا الرَّجل؛ ملكٌ تامٌّ وافٍ ونِعَمٌ وافرةٌ، ثم ينقلب ذلك الْمُلْكُ إلى ذُلٍّ وأَسْرٍ، وتَجِدُ هؤلاء القومَ في عِزٍّ ونَصْرٍ وتمكينٍ وإذا الأمرُ بالعكس، كُلُّ هذا مما يَستدِلُّ به الإنسان العاقل ذو البصيرة على ما لله تعالى مِن قُدرةٍ في تقليب الأمور ومن حِكْمةٍ في تدبيرها. قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ إذا كنْتَ لا تتَّخذ مِن ذلك عِبرة، ولَمْ تَجِدْ في نفْسك حركةً لهذا التقلُّب وهذا التغيُّر فاعلمْ أنك لسْتَ مِن ذوي البصائر؛ لأنَّ كلام الله سبحانه وتعالى مُحْكَمٌ ما يتغيَّر، وقد أَخْبَرَ أنَّ في ذلك التقليب، ويش فيه؟ عِبرة لأولي الأبصار، فإذا لَمْ يكُنْ في ذلك لك عِبرة فاعلمْ أنك لسْتَ مِن ذوي البصائر، إذَنْ لا بد أن تعالج نفسك حتى تتأمَّل ما في هذا التقليب من العِبَر وتَعتبر به، لا تَظُنّ هذه مجرَّد كلمة أُطْلِقَتْ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ وبَسْ، ويش يكون الإنسان صاحب البصيرة؟ يَعرِف ما لله تعالى في ذلك من القُدرة والحِكْمة، ولكنْ يجب أن تَعتبر، فإذا لم تَعتبر أنت فإنك لسْتَ مِن ذوي البصائر.

النور 24:45

ثم قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور ٤٥] بعدما ذَكَر آياتِ الله سبحانه وتعالى في العالم العُلْويِّ، ذَكَر آيته في العالم السُّفْلي، وهو قوله: (﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾ أي: حَيَوانٍ ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ أي: نُطْفة). ﴿خَلَقَ﴾ بمعنى أوْجَدَ. ﴿كُلَّ دَابَّةٍ﴾ الدَّابَّة: كُلُّ ما يدبُّ على الأرض، وإنْ كانتْ قد تُطْلق على ذواتِ الأربع عُرْفًا، وقال: الدابة التي تمشي على أربع. هذا في العادة والعُرف، ولهذا ما يُسَمَّى الإنسانُ دابَّةً في العُرف؛ لو يقول لك إنسان: يا دابَّة، يمكن تتخاصم أنت وإياه، لكنها في اللغة: كُلُّ ما دَبَّ على الأرض فهو دابَّة؛ قال الله عز وجل: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود ٦]. وقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ هذا أصْل خِلْقة الدوابِّ؛ مِن الماء، وقول المؤلِّف: من نُطْفة، ليس بصحيح؛ لأنه ليس كلُّ دابَّة من نُطْفة، بلْ كلُّ دابَّة من ماء؛ نُطْفة وغير نُطْفة، فأمَّا ما يتوالد فماؤه نُطْفة، وأمَّا ما يتولَّد فماؤه رُطُوبة؛ يعني هذه الأشياء التي تتولَّد تتولَّد مِن العُفُونات والرُّطُوبات، وأمَّا الذي يتوالد فنَعَمْ، يتوالد من نُطْفة، له نُطْفة يخلقه الله منها، فكلمة ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ أَعَمُّ مِن كلمة نُطْفة، والواجب إبقاء الآية على عمومها؛ لأجْل أن تشمل المتولِّد.. أما ما يتولَّد فماؤه رطوبة، يعني هذه الأشياء اللي تتولد تتولد من العفونات والرطوبات. وأما الذي يتوالَد فنعم، يتوالد من نطفة، له نطفة يخلقه الله منها. فكلمة ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ أعم من كلمة (نطفة)، والواجب إبقاء الآية على عمومها لأجل أن يشمل المتولِّد، بعد؟ والمتوالِد، وهذه الآية بعض من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء ٣٠]، أيهم أعم؟ * طالب: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾. * الشيخ: لأن ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ يشمل الدواب وغير الدواب، حتى الأشجار وشبهها من الماء. طيب، قوله: ﴿مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، الناس يستشهدون بالآية على غير ما أراد الله بها، شو اللي يستشهدون عليها؟ * طالب: الماء. الشيخ : على أن الماء ضروري لبقاء الحياة، وليس الأمر كذلك، بل الآية تدل على أن أصل الأشياء هذه الحية من الماء، ولو كان المراد ما يستشهد به الناس من أجله لقال: وجعلنا من الماء كل شيء حَيًّا، أي: صَيَّرْنَاه حَيًّا بالماء، ولكن ما هي الآية بلا شك، إن أصل هذه الأشياء الحية، ويش أصلها؟ أصلها الماء، ولا شك عاد إذا (...) من جهة ثانية، نقول: إذا كان أصلها الماء فهي مفتقِرة إليه؛ لأن أصله أيضًا نموه هو ما يكون إلا بالماء. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور ٤٥] (كالحيات والهوام). ﴿فَمِنْهُمْ﴾ هذا التخصيص يدل على أن الدابة المراد بهم العقلاء، ﴿فَمِنْهُمْ﴾، وإلا لقال: فمنها، أي: من هذه الدواب، إلا أن العلماء قالوا: إن في ذلك تغليبًا، تغليب لأي شيء؟ للعقلاء، ولذلك قال: ﴿فَمِنْهُمْ﴾، أي: من هذه الدواب. ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ واللي يمشي على بطنه هو يمشي ولَّا يزحف؟ يزحف، لكن هذا مشيه الزحف، مثل الحيات والهوام، ويش هي الهوام؟ الحيات معروفة، والهوام ويش هي؟ * طالب: (...). * الشيخ: المؤلف يظهر لي أنه في كلامه نظر؛ لأن الهوام منها ما يمشي على بطنه، ومنها ما يمشي على رجلين، ومنها ما يمشي على أربع، فالتمثيل بها فيه نظر، أما الحيات فنعم تمشي على بطنها، وكذلك الدود مثل الصِّرار وغيره تمشي أيضًا على بطنها. (﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنسان والطير)، الإنسان يمشي على رجلين ثنتين، والطير يمشي على رجلين ثنتين، فيه طير تمشي على أكثر من رجلين؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم؟ ما نعرف، يمكن يوجد، ما ندري؟ لكن نحن نعرف أن الطيور ليس لها إلا رجلان اثنتان. (﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور ٤٥]، كالبهائم والأنعام)، هذا واضح، طيب، هل هذا التقسيم مُفيد للحصر ولَّا لا؟ هل هو من باب الحصر ولَّا من باب القصر؟ * طالب: من باب القصر. * الشيخ: من باب القصر، يعني الاقتصار على بعض الأشياء؛ لأن من الحيوانات أو من الدواب ما يمشي على أكثر من أربع، أو لا؟ فيه شيء يسمونه أم أربعة وأربعين رجل، موجود، وفيه أشياء لها دون ذلك؛ لها ستة أرجل، وفيه أشياء لها أكثر من ذلك، إنما هذا التقسيم ليس للحصر، ولكنه للقصر، أي: من باب الاقتصار على بعض الأنواع فقط، ويدل على ذلك قوله: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ يعني من هذا الذي ذُكِر؛ من كونه على بطنه، وعلى رجلين، وعلى أربع، وعلى ما هو أكثر من ذلك، فإن الله سبحانه وتعالى لا أحد يحجزه، فهو خالق لما يشاء حسب ما تقتضيه حكمته تبارك وتعالى. ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، القدرة صفة يتَّصف بها القادر، بحيث يفعل ما يريد بدون عجز، بخلاف القوة؛ فإنها يفعل بها ما يريد بدون ضعف، فالقوة تقابَل بالضعف، والقدرة تقابَل بالعجز، انظر إلى قوله تعالى: ﴿اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثم جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوةً ثم جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَة﴾ [الروم ٥٤]، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤]. فجعل القدرة في مقابل العجز، فلقدرته لا يعجر -سبحانه وتعالى-، على كل حال القدرة صفة يتصف بها القادر بحيث يفعل ما يريد بدون عجز. فيه رجل مثلًا يصلي قائمًا لكن مع تعب، أيش نقول، هذا قادر ولَّا قوي؟ * طالب: قادر. * الشيخ: قادر، وفيه إنسان يصلِّي قائمًا، وهو لا يهمه، هذا نسميه؟ * طالب: قوي. * الشيخ: قوي وقادر أيضًا. فيه إنسان يحمل هذه الصخرة كما يحمل الريشة ما يهمه، وفيه إنسان يحمل هذه الصخرة، يا الله، يحملها، الأول؟ * طالب: قوي. * الشيخ: قوي، والثاني؟ * طالب: قادر. * الشيخ: الثاني قادر؛ لأنه يفعله لكن مع التعب والمشقة، فهو قادر على الحمل. وفيه أيضًا ثالث: لما جاءت منها (...) هذا ليس قويًّا ولا قادرًا. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور ٤٥]، يوجد كلمة بين الناس، يقولون: إنه على ما يشاء قدير، هذه الكلمة لا ينبغي أنك تقولها؛ لأنك إذا قَيَّدت القدرة بالمشيئة حصل بذلك قصور، ويش يصير قدرته على ما يشاء دون الذي لا يشاء، مع أن الله قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاء، لكن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فالذي يوجد بعض الناس يقول: إنه على ما يشاء قدير، يجب أن يُنْهَى عنه، ويقال: قل: إنه على كل شيء قدير، لا على الذي يشاؤه فقط، لا سيما وأنك إذا قلت: إنه على ما يشاء قدير، وقَدَّمْت المعمول، فإن تقديم المعمول ويش يفيد؟ * طالب: الحصر. * الشيخ: الحصر، وأنك حصرت القدرة فيما شاءه فقط، وهذا ليس بصحيح، فالذي يجب على الإنسان أن يطلِق صفة القدرة لله كما أطلقها الله تعالى لنفسه، ويقول: إنه على كل شيء قدير، كما وصف الله به نفسه، ما يقيِّدها بما شاء. فأما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]، فالمشيئة هنا ليست قيدًا في القدرة، ولكنها قيد في الجمع، يعني أنه إذا شاء هذا الفعل فليس بعاجز عنه، وهذا قاله الله تعالى ردًّا على من أنكروا البعث، وقالوا: إنه ما يمكن إن الله يجمع الناس بعد أن تفرَّقوا في الأرض وكانوا رميمًا. ومثل ذلك أيضًا ما ورد به الحديث في مسلم «في الرجل الذي أمره الله تعالى أن يدخل الجنة بعدما سبق عليه، فقال له الله تعالى: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»[[أخرجه مسلم (١٨٧ / ٣١٠) من حديث ابن مسعود.]]، فإنه هنا يخاطبه بفعل شيء وقع، فكأنه قال: إني على ذلك قادر إذا شئته، ولهذا عَبَّرَ بـ(قادر) دون (قدير)؛ فإن (قدير) أبلغ في الصفة، بخلاف (قادر) فقد تتعلق بفعل شيء معين. على كل حال الذي ينبغي للإنسان ما هو؟ بل الذي يجب عليه أن يطلِق صفة القدرة إذا وصف الله بها، فيقول: إنه على كل شيء قدير، فقط، ولا يقيِّدها بالمشيئة. ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. * * * (﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي: بَيِّنَات هي القرآن، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ﴾: طريق، ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: دين الإسلام). ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا﴾ سبق الكلام على مثلها عدة مرات، وقلنا: إن هذه الجملة مؤكَّدة بكم؟ بثلاثة مؤكِّدات: القسم، واللام، و(قد)؛ لأن (لقد) أصلها: والله لقد، فتكون الجملة هنا مؤكَّدة بهذه المؤكِّدات الثلاثة. وقوله: ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي: بينات، لا شك أن هذا التفسير لا يطابق المفسَّر؛ لأن (مُبَيِّنَات) أبلغ من (بينات)؛ لأن الْمُبَيِّن البائن في نفسه الْمُبِين لغيره، فهو ظاهر في نفسه مُظْهِر لغيره، والْبَيِّن ظاهر في نفسه فقط، والأول أبلغ، لهذا تفسير المؤلف يعتبر قاصرًا. والصواب أن الْمُبَيِّنَات بمعنى البينة في نفسها الْمُبَيِّنَة لغيرها، فالآيات هذه التي أنزلها الله مُبَيِّنَات، ويش تبين؟ تُبَيِّن كل ما يتعلق بمصالح العباد، تبين الخير من الشر، والحق من الباطل، والمتقي من الفاسق، وصفات الخالق من صفات المخلوق. وكل ما يحتاج الناس إليه ويتعلق بمصالحهم في دينهم ودنياهم فإن هذه الآيات بَيَّنَتْه، لكن التبيين له طرق؛ تارة يكون تبيينًا بالتفصيل، وتارة يكون بالإجمال، أحيانًا يكون بيان القرآن بالتفصيل، وأحيانًا بالإجمال. فمثلًا إذا تدَبَّرْت آيات الفرائض -قسمة المواريث- تجد أن الآيات فيها بَيِّنَة بالتفصيل، وإذا تدَبَّرْت بعض الآيات الأخرى مثل: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ﴿آتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة ٤٣] تجد أنها مجمَلة، لكن الإنسان يعرفها من أدلة أخرى، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، ما من شيء إلا بَيَّنَه هذا القرآن. وقد قصصتُ عليكم ما ذُكِر عن الشيخ محمد عبده -رحمه الله- أنه كان في مطعم في أحد بلاد أوربا، وكان عنده رجل من النصارى، فقال له: إن القرآن تبيان لكل شيء، فهل بَيَّنَ كيف يُصْنَع هذا الطعام؟ طبعًا نحن ما نشوف إن في القرآن هكذا؛ أنك لما تصنع الطعام تحط بصل، وتحط ملح، وتحط لحم، وما أشبه ذلك، ما هو موجود، فقال: نعم، هذا القرآن بَيَّنَ لنا كيف نصنع هذا الطعام، تعجب هذا النصراني، قال: كيف يعني؟ فدعا صاحب المطعم وقال له: كيف صنعتَ هذا الطعام؟ فقال: صنعته بكذا وكذا وكذا، وبَيَّنَ له تراكيبه، فقال: هكذا في القرآن، فإن الله يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣]. يصير القرآن ما بَيَّنَ ذلك تفصيلًا، لكن أرشدنا كيف نهتدي إلى معرفة الأمور، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وهذه طبعًا الآية ما تريد أهل الذكر يعني الطبخ، لكن إما أن نقول: أهل الذِّكْر أهل العلم، وعلم كل شيء بحسبه، وإما أن نقول: أهل العلم بالشرع، ونقيس ما عدا العلوم الشرعية على العلوم الشرعية، يكون من باب العموم المعنوي في الآية؛ لأن الآية إن لم تشمل هذا بعمومها اللفظي فهي شاملة له بعمومها المعنوي. بالمناسبة العموم اللفظي هو الذي دخل في الكلام لفظًا، دل عليه الكلام دلالة مطابقة، والعموم المعنوي هو الذي دل عليه الكلام بالقياس، يعني ما دخل في اللفظ، ولكنه يقاس عليه؛ لأن القياس عبارة عن اشتراك المقيس والمقيس عليه شو به؟ * طلبة: في العلة. * الشيخ: في العلة التي من أجلها ثبت الحكم، وهذا عموم معنوي، ولذلك تجدون في كلام العلماء يقول: هذه المسألة يشملها النص بعمومه اللفظي، بمعنى أنها فرد من أفراد هذا العموم، وأحيانًا يكون بعمومه المعنوي، بمعنى أنها تُقَاسُ على ما دَلَّ عليه. ثم قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، لَمَّا بَيَّنَ حال الآيات، لكن هل كل أحد يستفيد من هذه الآيات الْمُبَيِّنَات؟ لا، قال: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، يعني على الرغم من كون الآيات مُبَيِّنَات واضحة مُبَيِّنَة، على الرغم من ذلك فما كل أحد يهتدي بها، وإنما الله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وهذه الآية كغيرها من كثير من الآيات، مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾، وبعده: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥]، فعَمَّمَ بالدعوة، لكن الهداية: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، هذه مثلها، فالآيات مُبَيِّنَات مُوضِحَة للأمور، لكن ما كل أحد يهتدي بها، فالله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. طيب، كلمة ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، تقدم أيضًا الكلام على أن كل شيء قيده الله بمشيئته فهو مقرون بالحكمة، فالله تعالى يهدي من اقتضت الحكمة هدايته، (...) وأن الإنسان ينبغي له أن ينظر في آيات الله الكونية ليعتبر بها؛ إذ إن الاعتبار بها يستلزم عبادة الله عز وجل، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ إلى آخره [النور: ٤٣]، إنما قرَّرَ الله تعالى ذلك لأجل أن ينظر الإنسان هذا الشيء، بل أن يعتبر بهذا الشيء الذي ينظر إليه، ويَعْلَمه؛ ليستدل به على قدرة الفاعل، ومن ثم على عبادته؛ لأن القادر مستحِقٌّ للعبادة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة ٢١]، (...). إلى غايتها، اختلفت أداة المشي عندها، منهم من يمشي على بطنه (...) أن الله سبحانه وتعالى له التصرف المطلق في خلقه، ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. * وفيه: إثبات القدرة وعمومها، من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وأشرنا في الشرح أو في التفسير إلى أن ما يستعمله بعض الناس من تقييد القدرة بما شاء غلط، وأن الواجب إطلاق صفة القدرة، وأجبنا عن مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]، والحديث الذي فيه: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»[[أخرجه مسلم (١٨٧ / ٣١٠) من حديث ابن مسعود.]]، وقلنا: إن هذه المشيئة متعلِّقة بالفعل لا بالصفة، فالصفة مطلَقة، والفعل هو المقيَّد بالمشيئة؛ إذا شاء فعل، وإذا شاء لم يفعل. * وفيه أيضًا -فيما سبق-: بيان أن الآيات التي أنزلها الله سبحانه وتعالى مُبَيِّنَة مُوَضِّحَة، لأي شيء؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، مُبَيِّنَة لكل شيء؛ الحق من الباطل، وأهل الخير من أهل الشر، والأحكام التي بين الناس، وغير ذلك، لكن مع كونها مُبَيِّنَة هل اهتدى بها كل الناس؟ لا، وإنما يهتدي بها مَن شاء الله هدايته، ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ [النور ٤٦]، لكن ما كل أحد يهتدي بها، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور ٤٦]. * وفيه دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يعتمد على نفسه في الهداية، بل يسأل الله دائمًا أن يهديه ثم يُثَبِّتَه، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: ما دام أن الله هو الذي يهدي، فإذن لا تَسْتَقِلّ أنت بهداية نفسك، فاسأل الله دائمًا الهداية، ثم الثبات عليها، ولا تغتر بما معك من الإيمان مثلًا؛ فإن ذلك قد يُسْلَب منك، لا سيما إذا أُعْجِبَ الإنسان بعمله، فإن إعجاب الإنسان بعمله قد يؤدي إلى حُبُوطه وبطلانه. * وفيه أيضًا دليل على أن الشرع كله اللي هو دين الإسلام أنه مستقيم ليس فيه اعوجاج؛ لقوله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام ١٥٣]، التي تروح يمين وشمال، ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣]. إذا قلنا: إن الهداية من الله عز وجل، وأنها معلَّقَة بالمشيئة، ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، فهل لهذه الهداية سبب؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، وهي؟ * طالب: طلب الحق. * الشيخ: طلب الحق، طلب الإنسان الحق هذا من أسباب الهداية، الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، والدليل ما سيأتي في الآيات بعدها، الآيات التي بعدها ترشد إلى ما ذكرنا؛ أن سبب الهداية هو إرادة الإنسان الحق، وطلبه له، فإذا أراده وطلبه فإن الله تعالى يهديه إليه، أما إذا أعرض وتولَّى فإن الله تعالى لا يهديه إليه.

النور 24:46

ثم قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور ٤٥] بعدما ذَكَر آياتِ الله سبحانه وتعالى في العالم العُلْويِّ، ذَكَر آيته في العالم السُّفْلي، وهو قوله: (﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾ أي: حَيَوانٍ ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ أي: نُطْفة). ﴿خَلَقَ﴾ بمعنى أوْجَدَ. ﴿كُلَّ دَابَّةٍ﴾ الدَّابَّة: كُلُّ ما يدبُّ على الأرض، وإنْ كانتْ قد تُطْلق على ذواتِ الأربع عُرْفًا، وقال: الدابة التي تمشي على أربع. هذا في العادة والعُرف، ولهذا ما يُسَمَّى الإنسانُ دابَّةً في العُرف؛ لو يقول لك إنسان: يا دابَّة، يمكن تتخاصم أنت وإياه، لكنها في اللغة: كُلُّ ما دَبَّ على الأرض فهو دابَّة؛ قال الله عز وجل: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود ٦]. وقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ هذا أصْل خِلْقة الدوابِّ؛ مِن الماء، وقول المؤلِّف: من نُطْفة، ليس بصحيح؛ لأنه ليس كلُّ دابَّة من نُطْفة، بلْ كلُّ دابَّة من ماء؛ نُطْفة وغير نُطْفة، فأمَّا ما يتوالد فماؤه نُطْفة، وأمَّا ما يتولَّد فماؤه رُطُوبة؛ يعني هذه الأشياء التي تتولَّد تتولَّد مِن العُفُونات والرُّطُوبات، وأمَّا الذي يتوالد فنَعَمْ، يتوالد من نُطْفة، له نُطْفة يخلقه الله منها، فكلمة ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ أَعَمُّ مِن كلمة نُطْفة، والواجب إبقاء الآية على عمومها؛ لأجْل أن تشمل المتولِّد.. أما ما يتولَّد فماؤه رطوبة، يعني هذه الأشياء اللي تتولد تتولد من العفونات والرطوبات. وأما الذي يتوالَد فنعم، يتوالد من نطفة، له نطفة يخلقه الله منها. فكلمة ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ أعم من كلمة (نطفة)، والواجب إبقاء الآية على عمومها لأجل أن يشمل المتولِّد، بعد؟ والمتوالِد، وهذه الآية بعض من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء ٣٠]، أيهم أعم؟ * طالب: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾. * الشيخ: لأن ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ يشمل الدواب وغير الدواب، حتى الأشجار وشبهها من الماء. طيب، قوله: ﴿مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، الناس يستشهدون بالآية على غير ما أراد الله بها، شو اللي يستشهدون عليها؟ * طالب: الماء. الشيخ : على أن الماء ضروري لبقاء الحياة، وليس الأمر كذلك، بل الآية تدل على أن أصل الأشياء هذه الحية من الماء، ولو كان المراد ما يستشهد به الناس من أجله لقال: وجعلنا من الماء كل شيء حَيًّا، أي: صَيَّرْنَاه حَيًّا بالماء، ولكن ما هي الآية بلا شك، إن أصل هذه الأشياء الحية، ويش أصلها؟ أصلها الماء، ولا شك عاد إذا (...) من جهة ثانية، نقول: إذا كان أصلها الماء فهي مفتقِرة إليه؛ لأن أصله أيضًا نموه هو ما يكون إلا بالماء. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور ٤٥] (كالحيات والهوام). ﴿فَمِنْهُمْ﴾ هذا التخصيص يدل على أن الدابة المراد بهم العقلاء، ﴿فَمِنْهُمْ﴾، وإلا لقال: فمنها، أي: من هذه الدواب، إلا أن العلماء قالوا: إن في ذلك تغليبًا، تغليب لأي شيء؟ للعقلاء، ولذلك قال: ﴿فَمِنْهُمْ﴾، أي: من هذه الدواب. ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ واللي يمشي على بطنه هو يمشي ولَّا يزحف؟ يزحف، لكن هذا مشيه الزحف، مثل الحيات والهوام، ويش هي الهوام؟ الحيات معروفة، والهوام ويش هي؟ * طالب: (...). * الشيخ: المؤلف يظهر لي أنه في كلامه نظر؛ لأن الهوام منها ما يمشي على بطنه، ومنها ما يمشي على رجلين، ومنها ما يمشي على أربع، فالتمثيل بها فيه نظر، أما الحيات فنعم تمشي على بطنها، وكذلك الدود مثل الصِّرار وغيره تمشي أيضًا على بطنها. (﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنسان والطير)، الإنسان يمشي على رجلين ثنتين، والطير يمشي على رجلين ثنتين، فيه طير تمشي على أكثر من رجلين؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم؟ ما نعرف، يمكن يوجد، ما ندري؟ لكن نحن نعرف أن الطيور ليس لها إلا رجلان اثنتان. (﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور ٤٥]، كالبهائم والأنعام)، هذا واضح، طيب، هل هذا التقسيم مُفيد للحصر ولَّا لا؟ هل هو من باب الحصر ولَّا من باب القصر؟ * طالب: من باب القصر. * الشيخ: من باب القصر، يعني الاقتصار على بعض الأشياء؛ لأن من الحيوانات أو من الدواب ما يمشي على أكثر من أربع، أو لا؟ فيه شيء يسمونه أم أربعة وأربعين رجل، موجود، وفيه أشياء لها دون ذلك؛ لها ستة أرجل، وفيه أشياء لها أكثر من ذلك، إنما هذا التقسيم ليس للحصر، ولكنه للقصر، أي: من باب الاقتصار على بعض الأنواع فقط، ويدل على ذلك قوله: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ يعني من هذا الذي ذُكِر؛ من كونه على بطنه، وعلى رجلين، وعلى أربع، وعلى ما هو أكثر من ذلك، فإن الله سبحانه وتعالى لا أحد يحجزه، فهو خالق لما يشاء حسب ما تقتضيه حكمته تبارك وتعالى. ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، القدرة صفة يتَّصف بها القادر، بحيث يفعل ما يريد بدون عجز، بخلاف القوة؛ فإنها يفعل بها ما يريد بدون ضعف، فالقوة تقابَل بالضعف، والقدرة تقابَل بالعجز، انظر إلى قوله تعالى: ﴿اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثم جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوةً ثم جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَة﴾ [الروم ٥٤]، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤]. فجعل القدرة في مقابل العجز، فلقدرته لا يعجر -سبحانه وتعالى-، على كل حال القدرة صفة يتصف بها القادر بحيث يفعل ما يريد بدون عجز. فيه رجل مثلًا يصلي قائمًا لكن مع تعب، أيش نقول، هذا قادر ولَّا قوي؟ * طالب: قادر. * الشيخ: قادر، وفيه إنسان يصلِّي قائمًا، وهو لا يهمه، هذا نسميه؟ * طالب: قوي. * الشيخ: قوي وقادر أيضًا. فيه إنسان يحمل هذه الصخرة كما يحمل الريشة ما يهمه، وفيه إنسان يحمل هذه الصخرة، يا الله، يحملها، الأول؟ * طالب: قوي. * الشيخ: قوي، والثاني؟ * طالب: قادر. * الشيخ: الثاني قادر؛ لأنه يفعله لكن مع التعب والمشقة، فهو قادر على الحمل. وفيه أيضًا ثالث: لما جاءت منها (...) هذا ليس قويًّا ولا قادرًا. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور ٤٥]، يوجد كلمة بين الناس، يقولون: إنه على ما يشاء قدير، هذه الكلمة لا ينبغي أنك تقولها؛ لأنك إذا قَيَّدت القدرة بالمشيئة حصل بذلك قصور، ويش يصير قدرته على ما يشاء دون الذي لا يشاء، مع أن الله قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاء، لكن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فالذي يوجد بعض الناس يقول: إنه على ما يشاء قدير، يجب أن يُنْهَى عنه، ويقال: قل: إنه على كل شيء قدير، لا على الذي يشاؤه فقط، لا سيما وأنك إذا قلت: إنه على ما يشاء قدير، وقَدَّمْت المعمول، فإن تقديم المعمول ويش يفيد؟ * طالب: الحصر. * الشيخ: الحصر، وأنك حصرت القدرة فيما شاءه فقط، وهذا ليس بصحيح، فالذي يجب على الإنسان أن يطلِق صفة القدرة لله كما أطلقها الله تعالى لنفسه، ويقول: إنه على كل شيء قدير، كما وصف الله به نفسه، ما يقيِّدها بما شاء. فأما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]، فالمشيئة هنا ليست قيدًا في القدرة، ولكنها قيد في الجمع، يعني أنه إذا شاء هذا الفعل فليس بعاجز عنه، وهذا قاله الله تعالى ردًّا على من أنكروا البعث، وقالوا: إنه ما يمكن إن الله يجمع الناس بعد أن تفرَّقوا في الأرض وكانوا رميمًا. ومثل ذلك أيضًا ما ورد به الحديث في مسلم «في الرجل الذي أمره الله تعالى أن يدخل الجنة بعدما سبق عليه، فقال له الله تعالى: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»[[أخرجه مسلم (١٨٧ / ٣١٠) من حديث ابن مسعود.]]، فإنه هنا يخاطبه بفعل شيء وقع، فكأنه قال: إني على ذلك قادر إذا شئته، ولهذا عَبَّرَ بـ(قادر) دون (قدير)؛ فإن (قدير) أبلغ في الصفة، بخلاف (قادر) فقد تتعلق بفعل شيء معين. على كل حال الذي ينبغي للإنسان ما هو؟ بل الذي يجب عليه أن يطلِق صفة القدرة إذا وصف الله بها، فيقول: إنه على كل شيء قدير، فقط، ولا يقيِّدها بالمشيئة. ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. * * * (﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي: بَيِّنَات هي القرآن، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ﴾: طريق، ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: دين الإسلام). ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا﴾ سبق الكلام على مثلها عدة مرات، وقلنا: إن هذه الجملة مؤكَّدة بكم؟ بثلاثة مؤكِّدات: القسم، واللام، و(قد)؛ لأن (لقد) أصلها: والله لقد، فتكون الجملة هنا مؤكَّدة بهذه المؤكِّدات الثلاثة. وقوله: ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي: بينات، لا شك أن هذا التفسير لا يطابق المفسَّر؛ لأن (مُبَيِّنَات) أبلغ من (بينات)؛ لأن الْمُبَيِّن البائن في نفسه الْمُبِين لغيره، فهو ظاهر في نفسه مُظْهِر لغيره، والْبَيِّن ظاهر في نفسه فقط، والأول أبلغ، لهذا تفسير المؤلف يعتبر قاصرًا. والصواب أن الْمُبَيِّنَات بمعنى البينة في نفسها الْمُبَيِّنَة لغيرها، فالآيات هذه التي أنزلها الله مُبَيِّنَات، ويش تبين؟ تُبَيِّن كل ما يتعلق بمصالح العباد، تبين الخير من الشر، والحق من الباطل، والمتقي من الفاسق، وصفات الخالق من صفات المخلوق. وكل ما يحتاج الناس إليه ويتعلق بمصالحهم في دينهم ودنياهم فإن هذه الآيات بَيَّنَتْه، لكن التبيين له طرق؛ تارة يكون تبيينًا بالتفصيل، وتارة يكون بالإجمال، أحيانًا يكون بيان القرآن بالتفصيل، وأحيانًا بالإجمال. فمثلًا إذا تدَبَّرْت آيات الفرائض -قسمة المواريث- تجد أن الآيات فيها بَيِّنَة بالتفصيل، وإذا تدَبَّرْت بعض الآيات الأخرى مثل: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ﴿آتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة ٤٣] تجد أنها مجمَلة، لكن الإنسان يعرفها من أدلة أخرى، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، ما من شيء إلا بَيَّنَه هذا القرآن. وقد قصصتُ عليكم ما ذُكِر عن الشيخ محمد عبده -رحمه الله- أنه كان في مطعم في أحد بلاد أوربا، وكان عنده رجل من النصارى، فقال له: إن القرآن تبيان لكل شيء، فهل بَيَّنَ كيف يُصْنَع هذا الطعام؟ طبعًا نحن ما نشوف إن في القرآن هكذا؛ أنك لما تصنع الطعام تحط بصل، وتحط ملح، وتحط لحم، وما أشبه ذلك، ما هو موجود، فقال: نعم، هذا القرآن بَيَّنَ لنا كيف نصنع هذا الطعام، تعجب هذا النصراني، قال: كيف يعني؟ فدعا صاحب المطعم وقال له: كيف صنعتَ هذا الطعام؟ فقال: صنعته بكذا وكذا وكذا، وبَيَّنَ له تراكيبه، فقال: هكذا في القرآن، فإن الله يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣]. يصير القرآن ما بَيَّنَ ذلك تفصيلًا، لكن أرشدنا كيف نهتدي إلى معرفة الأمور، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وهذه طبعًا الآية ما تريد أهل الذكر يعني الطبخ، لكن إما أن نقول: أهل الذِّكْر أهل العلم، وعلم كل شيء بحسبه، وإما أن نقول: أهل العلم بالشرع، ونقيس ما عدا العلوم الشرعية على العلوم الشرعية، يكون من باب العموم المعنوي في الآية؛ لأن الآية إن لم تشمل هذا بعمومها اللفظي فهي شاملة له بعمومها المعنوي. بالمناسبة العموم اللفظي هو الذي دخل في الكلام لفظًا، دل عليه الكلام دلالة مطابقة، والعموم المعنوي هو الذي دل عليه الكلام بالقياس، يعني ما دخل في اللفظ، ولكنه يقاس عليه؛ لأن القياس عبارة عن اشتراك المقيس والمقيس عليه شو به؟ * طلبة: في العلة. * الشيخ: في العلة التي من أجلها ثبت الحكم، وهذا عموم معنوي، ولذلك تجدون في كلام العلماء يقول: هذه المسألة يشملها النص بعمومه اللفظي، بمعنى أنها فرد من أفراد هذا العموم، وأحيانًا يكون بعمومه المعنوي، بمعنى أنها تُقَاسُ على ما دَلَّ عليه. ثم قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، لَمَّا بَيَّنَ حال الآيات، لكن هل كل أحد يستفيد من هذه الآيات الْمُبَيِّنَات؟ لا، قال: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، يعني على الرغم من كون الآيات مُبَيِّنَات واضحة مُبَيِّنَة، على الرغم من ذلك فما كل أحد يهتدي بها، وإنما الله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وهذه الآية كغيرها من كثير من الآيات، مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾، وبعده: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥]، فعَمَّمَ بالدعوة، لكن الهداية: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، هذه مثلها، فالآيات مُبَيِّنَات مُوضِحَة للأمور، لكن ما كل أحد يهتدي بها، فالله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. طيب، كلمة ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، تقدم أيضًا الكلام على أن كل شيء قيده الله بمشيئته فهو مقرون بالحكمة، فالله تعالى يهدي من اقتضت الحكمة هدايته، (...) وأن الإنسان ينبغي له أن ينظر في آيات الله الكونية ليعتبر بها؛ إذ إن الاعتبار بها يستلزم عبادة الله عز وجل، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ إلى آخره [النور: ٤٣]، إنما قرَّرَ الله تعالى ذلك لأجل أن ينظر الإنسان هذا الشيء، بل أن يعتبر بهذا الشيء الذي ينظر إليه، ويَعْلَمه؛ ليستدل به على قدرة الفاعل، ومن ثم على عبادته؛ لأن القادر مستحِقٌّ للعبادة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة ٢١]، (...). إلى غايتها، اختلفت أداة المشي عندها، منهم من يمشي على بطنه (...) أن الله سبحانه وتعالى له التصرف المطلق في خلقه، ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. * وفيه: إثبات القدرة وعمومها، من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وأشرنا في الشرح أو في التفسير إلى أن ما يستعمله بعض الناس من تقييد القدرة بما شاء غلط، وأن الواجب إطلاق صفة القدرة، وأجبنا عن مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]، والحديث الذي فيه: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»[[أخرجه مسلم (١٨٧ / ٣١٠) من حديث ابن مسعود.]]، وقلنا: إن هذه المشيئة متعلِّقة بالفعل لا بالصفة، فالصفة مطلَقة، والفعل هو المقيَّد بالمشيئة؛ إذا شاء فعل، وإذا شاء لم يفعل. * وفيه أيضًا -فيما سبق-: بيان أن الآيات التي أنزلها الله سبحانه وتعالى مُبَيِّنَة مُوَضِّحَة، لأي شيء؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، مُبَيِّنَة لكل شيء؛ الحق من الباطل، وأهل الخير من أهل الشر، والأحكام التي بين الناس، وغير ذلك، لكن مع كونها مُبَيِّنَة هل اهتدى بها كل الناس؟ لا، وإنما يهتدي بها مَن شاء الله هدايته، ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ [النور ٤٦]، لكن ما كل أحد يهتدي بها، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور ٤٦]. * وفيه دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يعتمد على نفسه في الهداية، بل يسأل الله دائمًا أن يهديه ثم يُثَبِّتَه، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: ما دام أن الله هو الذي يهدي، فإذن لا تَسْتَقِلّ أنت بهداية نفسك، فاسأل الله دائمًا الهداية، ثم الثبات عليها، ولا تغتر بما معك من الإيمان مثلًا؛ فإن ذلك قد يُسْلَب منك، لا سيما إذا أُعْجِبَ الإنسان بعمله، فإن إعجاب الإنسان بعمله قد يؤدي إلى حُبُوطه وبطلانه. * وفيه أيضًا دليل على أن الشرع كله اللي هو دين الإسلام أنه مستقيم ليس فيه اعوجاج؛ لقوله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام ١٥٣]، التي تروح يمين وشمال، ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣]. إذا قلنا: إن الهداية من الله عز وجل، وأنها معلَّقَة بالمشيئة، ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، فهل لهذه الهداية سبب؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، وهي؟ * طالب: طلب الحق. * الشيخ: طلب الحق، طلب الإنسان الحق هذا من أسباب الهداية، الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، والدليل ما سيأتي في الآيات بعدها، الآيات التي بعدها ترشد إلى ما ذكرنا؛ أن سبب الهداية هو إرادة الإنسان الحق، وطلبه له، فإذا أراده وطلبه فإن الله تعالى يهديه إليه، أما إذا أعرض وتولَّى فإن الله تعالى لا يهديه إليه.

النور 24:47

يقول الله تعالى: (﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: المنافقون، ﴿آمَنَّا﴾: صَدَّقْنا، ﴿بِاللهِ﴾: بتوحيده، ﴿وَبِالرَّسُولِ﴾: محمد ﷺ، ﴿وَأَطَعْنَا﴾ هما فيما حكمَا به، ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾: يُعرِض، ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ عنه، ﴿وَمَا أُولَئِكَ﴾ المعرضون، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور 47] المعهودين الموافقِ قلوبُهم لألسنتهم). ﴿يَقُولُونَ﴾ هذه حكاية عن جماعة، سواء كانوا من المنافقين -كما قال المؤلف- أم من غيرهم. ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ﴾، فَسَّرَ المؤلف الإيمان بالتصديق، وقد سبق أن هذا التفسير به قاصر، وأن الإيمان هو التصديق مضافًا إليه شيء، ما هو؟ القبول والإذعان؛ أن يقبل الإنسان ما جاء به الرسول ﷺ، وأن يذعن له، أما مجرد التصديق فليس بإيمان. ولهذا نعلم نحن أن أبا طالب كان مصدِّقًا للنبي ﷺ، وهو بنفسه يقر على نفسه بذلك، يقول: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَـــــذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِالْأَبَاطِـــــــلِ ويقول: وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّـــــــــــدٍ ∗∗∗ مِـــــــــنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّـــــــــــةِدِينَا لكنه ليس بمؤمن مع التصديق، لماذا؟ لأنه لم يُذْعِن ولم يَنْقَدْ، ما أذعن للرسول ﷺ ولا انقاد له، كذلك أيضًا الكفار الذين حكى الله عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان ٢٥]، هل هم مُصَدِّقُون بالله ولَّا لا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: مؤمنون به ومصدِّقون، لكن لَمَّا لم يقبلوا ما جاء به الرسول ولم يذعنوا له لم يكونوا مؤمنين، فتفسير الإيمان شرعًا بمجرد التصديق تفسير ناقص، بل نقول: الإيمان هو التصديق مع القبول والإذعان، ولا بد من ذلك. وقوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ﴾، أعاد حرف الجر ﴿وَبِالرَّسُولِ﴾؛ لأن الإيمان بالرسول إيمان مستقل، يعني: لا بد أن الإنسان يؤمن بالله إيمانًا كاملًا، وبالرسول إيمانًا كاملًا، كما أن الطاعة لله طاعة كاملة، وللرسول كذلك. مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم﴾ [النساء ٥٩]، قال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ثم قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم﴾، عطفها على طاعة الله والرسول بدون إعادة العامل، إشارةً إلى أن طاعة ولاة الأمور تبعٌ لطاعة الله ورسوله، أما طاعة الرسول فهي مستقلة، و﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وطاعة الله كذلك. مثل أيضًا الإيمان بالله وبالرسول، إذا جاء حرف الجر معناه أن هذا إيمان مستقل، كأن هؤلاء يقولون: آمنا إيمانًا كاملًا بالله سبحانه وتعالى، وآمنا إيمانًا كاملًا بالرسول أنه رسول الله. وقول المؤلف: (﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾: بتوحيده) هذا أيضًا فيه قصور، بل الإيمان بالله يشمل التوحيد وغيره؛ التوحيد، والتصرف، والتدبير، والتشريع، وغير ذلك، يشمل كل هذا، وكذلك بما له من الصفات؛ لأنه لا يتم الإيمان بالله إلا بالإيمان بصفاته، لا بد من ذلك. وقوله: ﴿وَأَطَعْنَا﴾ هذا الانقياد، يعني أننا مؤمنون وأيضًا مطيعون، نُنَفِّذ، والطاعة ما هي؟ الطاعة قالوا: إن معناها موافقة الأمر، بمعنى ألا تخرج عمن أمرك ولا تخالفه، بل توافق أمره؛ إن كان إيجابيًّا فبالفعل، وإن كان سلبيًّا فبالترك، هذه هي الطاعة، ولهذا كلمة طاعة تشمل فعل الأوامر وترك النواهي؛ لأن معناها موافقة الأمر. فمعنى ﴿أَطَعْنَا﴾ أي أننا وافقنا أمر الله ورسوله لن نخرج عنه، وبعد هذا القول ﴿يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾، بعد إقرارهم بالإيمان بالله ورسوله يُعْرِض فريق منهم. يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: وما أولئك المعرضون بالمؤمنين حقًّا، ولكن هذا النفي هل هو نفي للإيمان أصلِه، أو نفي للإيمان كمالِه؟ * طلبة: كماله. * الشيخ: لا، فيه تفصيل؛ إذا كان التولي توليًا مطلَقًا فهو نفي للإيمان كله؛ لأصلِه، وإذا كان التولي توليًا غير مطلَق، بل في بعض الأمور، فإنها تختلف، قد يكون في بعض الأمور إذا تركها الإنسان وأعرض عنها كافرًا، وقد يكون مؤمنًا ناقص الإيمان، المهم أن توليه ينافي ما ادعوه من الإيمان. وفي هذا دليل واضح على أن الإنسان إذا قال إنه مؤمن وهو مُتَوَلٍّ ومُعْرِض فهو كاذب في دعواه؛ إما أنه ليس مؤمنًا أصلًا، وإما أنه مؤمن لكن ناقص الإيمان. يقول: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾، ﴿فَرِيقٌ﴾ بمعنى جماعة، ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من هؤلاء القائلين، وفريق آخر باقون على الإيمان والطاعة، لا يُعْرِضُون، فيكون ما ادعوه من إيمان حقيقة. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾، نشوف إعراب هذه الجملة. ﴿مَا أُولَئِكَ﴾ ويش (ما)؟ (ما) نافية، لكنها تعمل عمل (ليس) عند الحجازيين، فترفع الاسم وتنصب الخبر. (أولاء) اسمها، لكنه ليس مضمومًا، (أولاء) غير مضموم، السبب لأنه مبني، أسماء الإشارة كلها مبنية، (هؤلاء) و(أولاء) وما أشبه ذلك كلها مبنية. وقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ الباء حرف جر زائد، زائد من حيث الإعراب ولَّا من حيث المعنى؟ * طلبة: الإعراب. * الشيخ: من حيث الإعراب، أما من حيث المعنى ففيه تأكيد النفي في قوله ﴿مَا أُولَئِكَ﴾. وقوله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ خبر (ما)، لكن عند النحويين يقولون: إنه خبرها، لكنه غير منصوب بها؛ لأن الباء الزائدة يكون العمل لها؛ لأن عملها به ظاهر؛ لمباشرتها إياه، فيكون: الباء حرف جر زائد، و﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ اسم مجرور بالباء وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم. وبعضهم يقول: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ خبر (ما) منصوب بها، وعلامة نصبه ياء مقدرة غير اللي (...) مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحرف الجر الزائد. على كل حال هذا تعمُّق شديد ما له داعي، إنما يجب أن نعرف أن (ما) نافية من حيث المعنى، والباء حرف جر زائد، والغرض منه؟ * طلبة: (...). * الشيخ: تأكيد النفي، أي: نفي الإيمان عن هؤلاء الذين قالوا: آمنا وأطعنا، ثم تَوَلَّوْا، فليسوا بمؤمنين، وعرفتم أن نفي الإيمان هنا إما نفي لأصله وإما نفي لكماله. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، صحيح. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، في لغة الحجازيين عند جميع النحويين، لكن لغة بني تميم لا يُعْمِلُونها عمل (ليس)، في القرآن: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١] فأعملها عمل (ليس)، ولم تقل الآية: ما هذا بشرٌ. لولم تعمل لكان: ما هذا بشرٌ، يقول الشاعر: وَمُهَفْهَفِ الْأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ انْتَسِبْ ∗∗∗ فَأَجَـــــابَ مَـــا قَتْــــــلُ الْمُحِـــــــبِّحَــــــــــرَامُ ويش صار هذا؛ حجازي ولَّا تميمي؟ * طلبة: حجازي. * طالب آخر: تميمي. * الشيخ: تميمي، فأجاب لما قال له انتسب، ما قال: أنا تميمي، أجاب: ما قتلُ المحب حرامُ، عرف الآن أنه تميمي، لو كان حجازيًّا لقال: ما قتلُ المحب حرامًا، بالنصب؛ لأنها تعمل عمل (ليس). * طالب: كان فيه هنا تميم؟ * الشيخ: كان فيه هنا تميم، إلا في عصرنا هذا لا، إحنا الحجازيون والتميميون كلهم واحد، ما هم يُعْمِلُونها. * الطالب: يعني ما يُعْمِلها إلا التميميون فقط؟ * الشيخ: لا، الحجازيون هم اللي يُعْمِلُونها، لكن المراد العرب الأولين اللي ما تغيرت ألسنتهم، أما الآن لا فاللسان تغير. * طالب: والكوفيين (...)؟ الشيخ: أصلًا الكوفيون والنحويون ما هي بهذه وصف للعرب الناطقين بالعربية، وصفٌ للعلماء الذين تولوا العناية بالنحو.

النور 24:48

قال: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور 48] ﴿إِذَا دُعُوا﴾ الضمير يعود على هؤلاء القائلين الذين يقولون: آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولون. (﴿إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ –أي: إلى رسول الله ﷺ- المبلِّغ عنه، ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن المجيء إليه). ﴿إِذَا دُعُوا﴾ أي: دعاهم مَن يخاصمهم إلى الله وإلى رسوله ليحكم بينهم أعرضوا. قوله: ﴿إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ هل المراد أن يُدْعَوْا إلى الله سبحانه وتعالى ليصلوا إليه فوق عرشه؟ لا، أيُّ شيء يكون الدعاء إلى الله؟ إلى كتابه؛ لأن كتاب الله كلام الله عز وجل، فالدعاء إلى الله هو الدعاء إلى كتاب الله. وقوله: ﴿وَرَسُولِهِ﴾ هل المراد أن يَصِلُوا إلى النبي ﷺ في بيته، أو في مسجده، أو في سوقه؟ * طالب: إلى سنته. * الشيخ: لا، نقول: في حياته إليه؛ إليه شخصيًّا في المسجد، أو في البيت، أو في السوق، وبعد وفاته إلى سنته؛ لأن سنته قوله وفعله وإقراره، فكأننا نشاهده عندما ندعو إلى قوله، أو إلى فعله، أو إلى إقراره. وقوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، اللام للتعليل، يعني دُعُوا لهذا الغرض، ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾. الضمير في قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ يعود على (الله) ولَّا على الرسول ﷺ؟ عليهما لا يصح أن يعود عليهما، لو كان عائدًا إليهما لوجب أن يكون بصيغة التثنية: إلى الله ورسوله ليحكمَا بينهم، لكنها تعود إلى واحد منهما، إلى الرسول؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، إلى الرسول؛ لأنه أقرب مذكور، لكن بالنسبة لله سبحانه وتعالى إما أن يُقَدَّر جملة مثل هذه الجملة، يعني: إلى الله ليحكم بينهم، ورسوله ليحكم بينهم، مثلما قلنا في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة ٦٢]، ولم يقل: أن يرضوهما، بل قال: ﴿أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾، فقالوا: إن التقدير: والله أحق أن يُرْضُوه ورسوله أحق أن يُرْضُوه، وإما أن يُقَال: إن حكم الرسول عليه الصلاة والسلام هو حكم الله، ويشير إلى هذا قول المؤلف: -أي إلى رسول الله- (المبلِّغ عنه)، فإذا كان النبي ﷺ هو المبلِّغ عن الله صار حكمه حكم الله. وفي الحقيقة أن الحاكم المباشر مَن؟ الرسول ﷺ، فعند النزاع في حياته نرجع إليه مباشرة. لذلك نقول: ﴿لِيَحْكُمَ﴾ الضمير يعود على الرسول ﷺ، لماذا؟ لأنه أقرب مذكور، ثم يقول: إن حكم الرسول ﷺ هو حكم الله؛ لأنه مبلِّغ عنه، لا يحكم إلا بما حكم الله به، هؤلاء ﴿إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، (إذا) يسميها النحويون فُجائية، يعني للمفاجأة، يعني عندنا (إذا) الأولى ﴿إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ ويش هي (إذا) الأولى؟ * طلبة: شرطية. * الشيخ: شرطية، جوابها: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، لكنه صُدِّرَ بـ(إذا) الفجائية؛ لأنه جملة اسمية، وإذا كان جملة اسمية فهو لا بد أن يُصَدَّر بالفاء أو بـ(إذا) الفجائية. إذن (إذا) الثانية فُجائية، أيش معنى فجائية؟ يعني تدل على المفاجأة؛ مفاجأة ما بعدها لما قبلها، هؤلاء إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم هل يفكرون وينظرون هل يقبلون أو لا يقبلون؟ ويش الجواب؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا، يَرُدُّون مباشرة -والعياذ بالله- ما يتأنون في الأمر يقولون: نفكر، ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ على طول، يعني بدون تروٍّ، فكأنهم من الأصل مستعدون لأي شيء؟ لرد حكم الله ورسوله. ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، وهذا -والعياذ بالله- أشد في الاستكبار وفي العتو من رجل يقول: أنا بتَرَوَّى، وإن كان الكل واحد في حكمه؛ إذ الواجب قبول ما حكم الله به ورسوله، لكن كون الإنسان يفاجئ به دليل على أنه مستكبِر، ولا يريد أبدًا أن يخضع للحق، ولهذا قال: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، شوف المحترَزَات في القرآن الكريم؛ في الأول: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ﴾ [النور ٤٧]؛ لأنه ليس كل من قال: آمنا بالله وأطعنا، ليس كلهم يتولون، بل منهم من هو مؤمن حقيقة ولا يتولى، كذلك إذا دُعُوا إلى الله ورسوله هل كلهم يتولون؟ طالب: لا. * الشيخ: لا، منهم من ينقاد لحكم الله ورسوله، ويتخاصم إلى الله وسوله، ويقبل حكم الله ورسوله، ولهذا يقول: يتولى فريق منهم وهم معرضون عن المجيء إليه، أو عن حكمه؟ شوف: يتولى وهم معرضون، التولي بالجسم، والإعراض بالقلب؛ لأن المتولِّي قد يتولى وفيه أمل أن يرجع، لكن إذا تولى وهو معرِض -والعياذ بالله- والمعرِض كاره لما دُعِيَ إليه، ما أعرض عنه إلا وهو يكرهه، هذا أشد (...) التولي، فالتولي في الجسم، والإعراض في القلب، يعني أنهم يتولون وليس من نيتهم أيش؟ * طلبة: الرجوع. * الشيخ: الرجوع، يتولون وليس من نيتهم الرجوع. * وفي الآية دليل على خطأ من يتعصب للمذهب، أو لقول واحد من أهل العلم إذا دُعِيَ إلى الله ورسوله، وقيل: هذا كتاب الله، وهذه سنة رسول الله ﷺ، فالواجب التحاكم إليهما والرجوع إليهما، بعض الناس يقول: لا، المذهب كذا، وقال العالم الفلاني كذا، وما أشبه ذلك، هذا فيه شَبَهٌ من هؤلاء المنافقين الذين إذا دُعُوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم تجده متوليًا ومعرضًا. وبعض الناس -والعياذ بالله- ما يتأنى أبدًا، على طول يغضب ويقوم، يقول: أبدًا ما نبغي هذا، نريد أن نتبع فلانًا، طيب وهل فلان هو الرسول؟ لا، فلان بشر يأخذ من قول الرسول عليه الصلاة والسلام، تارة يخطئ، وتارة يصيب. فإذا قيل: وأنت أيضًا تخطئ وتصيب؟ أقول: صحيح إني أخطئ وأصيب، لكن هذا كتاب الله وسنة رسوله، تأمله أنت، أنا لا أُلْزِمُك أن تأخذ بما فهمتُ أنا من كتاب الله وسنة رسوله، لكني أُلْزِمُك أن تنظر إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ثم تنظر في قول من قَلَّدْتَ هل يكون موافقًا أو مخالفًا، أما أن تعرض عن كتاب الله وسنة رسوله وتقول: أبدًا ما أنظر فيها؛ لأني أتبع فلانًا وفلانًا، هذا لا أوافقك عليه. فهنا فرق بين أن أدعوك إلى كتاب الله وسنة رسوله لتنظر فيه وتتبعه، وبين أن أقول: هذا كتاب الله وسنة رسوله، ولكن الزم ما أفهمه أنا منهما، هذا لا أُلْزِمُك به؛ لأني إذا ألزمتك به فقد دعوتك إلى ما نهيتك عنه، دعوتك إلى تقليدي، ولكننا ندعوك إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، المهم ألا تَتَحَجَّر وتقول: أنا لا أتبع إلا فلانًا. (...) ما يدل عليه الكتاب والسنة، سواء وافق رأي مقلَّدِك أم خالفه، لكن البلية كل البلية هو مسألة التقليد المحض. إلا أننا -ولله الحمد- نبشِّركم كما ترون الآن أن هذا بدأ يضعف في الناس، أي أعني التقليد المحض الذي يكون حتى مع ظهور الحق وبيانه، هذا بدأ -ولله الحمد- يضعف في الناس، وصار الناس يتطلَّبون الأقوال التي تكون راجحة حسب دلالة الكتاب والسنة، بقطع النظر عن كون فلان أخذ بها أو ما أخذ بها، إي نعم. * طالب: المبلَّغ عنهم؟ الشيخ : المبلِّغ. * الطالب: المبلِّغ عنهم؟ * الشيخ: عنه، عن الله. * الطالب: عنه. * الشيخ: عنه؟ لا، غلط، لا (...)، المبلِّغ عنه؛ عن الله، وإنما قال المؤلف هذا لأجل أن يُبَيِّن أن حكم الرسول ﷺ هو حكم الله، علشان ما يقع إشكال في قوله: ﴿لِيَحْكُمَ﴾ مع أنهم مَدْعوون إلى الله ورسوله. * في هذه الآية دليل على أن الحكم لمن؟ لله ورسوله، والتحاكم إلى الله ورسوله، وقد أقسم الله تعالى قسمًا مؤكدًا بأنه لا يمكن يؤمن الإنسان حتى يُحَكِّم النبيَّ ﷺ فيما شَجَرَ بينهم، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، هذه مرحلة. المرحلة الثانية: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ هاتان مرحلتان، يعني ما يكون في نفسك ضيق أو كراهة لما حكم به الرسول عليه الصلاة والسلام. المرحلة الثالثة: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥]، يعني ينقادوا انقيادًا تامًّا؛ لأن الناس كل منهم التزم مرحلة؛ فمن الناس من لا يُحَكِّم الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا من الأصل ما دخل في المراحل الثلاث، ومن الناس من يُحَكِّم الرسول عليه الصلاة والسلام لكن يجد في نفسه حرجًا من حكم الله ورسوله؛ لأنه يخالف هواه، فتجد المتحرِّج يعني يمشي بالحكم، لكن مع ضيق ومع حرج، هذا أيضًا ليس بمؤمن، من الناس من يُحَكِّم الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا يكون في صدره حرج من حكمه، لكن ما يستسلم، يكون مثلًا فيه تأنٍّ وفيه تهاون، أو فيه تقصير في بعض التنفيذ، هذا أيضًا ليس بمؤمن، لا بد من الأمور الثلاثة: التحكيم، وانتفاء الحرج، والثالث التسليم. وتأمل قوله: ﴿تَسْلِيمًا﴾، ﴿يُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، إشارة إلى أنه تسليم كامل، ولهذا يسمي النحويون هذا المصدر مصدرًا مؤكِّدًا، يعني أنهم يُسَلِّمُون تسليمًا كاملًا ما فيه أي التواء أو إعراض، هذه الآية مثلها.

النور 24:49

ثم قال: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾، ﴿مُذْعِنِينَ﴾ أيش؟ (مسرعين طائعين)، فيه عندي تعليقة ما أدري والله ويش هي: وذُكِرَ الله لتعظيمه، أو كذا، أو: ذكر الله لتعظيمه، بعد (المبلِّغ عنه). * طالب: (...). * الشيخ: ليس عندكم دي؟ مكتوبة عندي ومكتوب (يصح)، وإلا سنقول: حاشية، يعني حط الحاشية هذه إن صحت منها أصل، أن قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أن ذكر الله هنا ليس مقصودًا ولكن للتعظيم، لتعظيم حكم الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الذي سيحكم هو النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هذا لا وجه له. يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ يعني: (مسرِعين طائعين)، إذا كان الحق لهم في حكم الله ورسوله ما يتولون، وإنما يسرعون وينقادون، فدلَّ ذلك على أنهم لا يريدون الحق، وإنما يريدون ما يوافق أهواءهم، إن كان الحق لهم قبلوا وانقادوا، إذا كان الحق عليهم تولوا وأعرضوا، ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ﴾. بل إن ظاهر الآية الكريمة أنهم يعرضون في حالين؛ إذا كان الحق عليهم، وإذا لم يكن عليهم ولا لهم؛ لأنهم ما يُذْعِنُون إلا إذا كان الحق لهم، إذا كان الحق لهم أذعنوا، وفي الحقيقة أن طاعتهم هذه وإذعانهم هل هو للحق ولَّا لهوى أنفسهم؟ * طلبة: للهوى. * الشيخ: لهوى أنفسهم لا للحق، وهذا أيضًا حال بعض الناس، تجده إذا دل الكتاب والسنة على ما يهوى ويريد ينشرح صدره ويُذْعِن ويقبل، وإذا دل الكتاب والسنة على خلاف ما يريد تجده يكون في نفسه حرج، وربما يزيد على ذلك بالإعراض والتولي، هذا في الحقيقة ليس بمؤمن، وإنما يتبع من الحق ما وافق هواه فقط، أما المؤمن فله حال أخرى ستأتي إن شاء الله.

النور 24:50

قال الله تعالى: (﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: كفر، ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ أي: شكوا في نبوته، ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُه﴾ في الحكم أي يظلموا فيه، لا، ﴿بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ [النور 50] بالإعراض عنه)، يقول الله عز وجل مُبَيِّنًا حال هؤلاء الذين يَرُدُّون ما حكم الله به ورسوله بأنهم لا يَخْلُون من هذه الأحوال الثلاثة: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، والمرض هو علَّة تصيب الصحيح فيخرج عن الاعتدال، هذا المرض، وهذا التعريف للمرض يشمل المرض الجسمي والمرض القلبي؛ فالمرض الجسمي في الحقيقة علة تصيبه فيخرج عن الاعتدال، كذلك المرض القلبي علة تصيب القلب فتُخْرِجه عن الاعتدال حتى ينحرف ولا يقبل الحق، فما هو المرض المشار إليه هنا؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، المؤلف فسَّره بالكفر، والذي يظهر لي -والله أعلم- أن المراد به الإرادة السيئة، بدليل التقسيم، سواء كان كفرًا ولَّا نفاقًا ولَّا غير ذلك، المهم المرض الإرادة السيئة التي تصرفهم عن قبول الحق. ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾، هذا الشك، وهو مرض الشُّبْهة؛ لأنه مر علينا كثيرًا أن أسباب الانحراف عن الحق إما شبهة وإما شهوة، يعني إما أن الإنسان يشتهي أمرًا مخالفًا للشرع فيتبعه، وإما أن يكون عنده شبهة في هذا الحق فيمتنع منه. فنقول هنا: ينبغي أن يفسَّر المرض بأي شيء؟ بالإرادة السيئة التي هي الشهوة، أي: اشتهاء ما يخالف الشرع. (﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ أي شَكُّوا)، هذا مرض الشبهة الذي يعرض للإنسان حتى لا يتبين له الحق، نضرب مثلًا لذلك؛ رجل أُمِرَ بأمر من الأمور، أُمِرَ أن يصلي، ولكنه قَدَّمَ أمرًا دنيويًّا على صلاته، ويش الذي في قلبه من الأمراض؟ مرض الشهوة. وآخر أُمِرَ أن يصلي لكنه شك في فائدة الصلاة، أو شك في وجودها، أو ما أشبه ذلك، هذا فيه مرض الشبهة. فالآن اللي معنا ﴿مَرَضٌ﴾ أي: إرادة سيئة، ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ هذا الشك -والعياذ بالله-. الأمر الثالث: ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾، يعني: ما عندهم إرادة سيئة، ولا عندهم شك في حكم الله ورسوله، لكن عندهم شك آخر، ويش هو؟ في عدالة الله ورسوله، ولهذا هم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله، فيخشون من الميل والْجَوْر. وفي الحقيقة أن الميل والْجَوْر عندهم هم، ليس في حكم الله ورسوله، بل إن حكم الله ورسوله على الحق والعدل، ولكن الْجَوْر في ميزانهم هم؛ لأنهم هم الذين حادوا عما يجب أن يكونوا عليه من الامتثال والطاعة. ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾، قال الله تعالى: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿بَلْ﴾ هذه للإضراب، ولكن ما رأيكم في هذا الإضراب؟ هل هو إضراب إبطال، أو إضراب انتقال؟ المؤلِّف ويش يراه؟ قال: (لا)، ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ (لا)، ثم قال: ﴿بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ في القرآن، فموجَب كلام المؤلف أن الإضراب هنا للإبطال، ولذلك قَدَّر (لا) بعد الاحتمالات الثلاثة السابقة. وعندي أن الإضراب هنا ليس للإبطال، وإنما هو للانتقال؛ لأن حقيقة الأمر أن الذي لا يقبل حكم الله ورسوله لا يخرج عن هذه الأمور الثلاثة؛ إما أن عنده إرادة سيئة، ولَّا عنده شك، ولَّا خوف، ما نتصور أمرًا رابعًا يرد على هذه الاحتمالات الثلاثة. ثم إن وصفهم بالظلم لا يخرج عن هذه الاحتمالات الثلاثة أيضًا، فمَن في قلبه مرض فهو ظالم، ومن في قلبه شبهة فهو ظالم، ومن خاف أن يحيف الله عليه ورسوله فهو ظالم. إذن فالمسألة من باب الإضراب الانتقالي، وليس من باب الإضراب الإبطالي. كلمة ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾، (أم) في هذه المواضع هل هي للتسوية التي بمعنى (أو)، أو للإضراب الذي بمعنى (بل)؟ * طالب: تحتمل. * الشيخ: تحتمل؟ كيف الاحتمال؟ * الطالب: أو تكون (...). * الشيخ: يعني هل إن هذه بمعنى (بل) ولَّا بمعنى (أو)؟ مر علينا فيما سبق أن التي بمعنى (أو) هي التي تأتي بعد همزة التسوية، مثل: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦]، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦]، هذه هي التي بمعنى (أو)، ويسمونها متصلة، وأما التي تأتي بمعنى (بل) فهي التي لا يسبقها همزة التسوية، وتسمى منقطعة. وعلى هذا فـ﴿أَمْ﴾ في قوله: ﴿أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ﴾ هذه منقطعة بمعنى (بل)، وهي وردت كثيرًا في آخر سورة الطور: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ أيش بعدها، ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ إلى آخره [الطور: ٣٠، ٣٣]، كثيرة في آخر سورة الطور، منقطعة بمعنى (بل)، وهمزة الاستفهام. فهي هنا منقطعة وليست متصلة؛ لأن المتصلة هي التي تأتي بعد همزة التسوية، وتكون بمعنى (أو)، وأما المنقطعة فهي التي لا تأتي بعد همزة التسوية وتكون بمعنى (بل). قوله: ﴿بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾، هنا سجَّل عليهم الظلم، وأكَّدَه بنوعين من التأكيد، ما هما؟ * طالب: هم. * الشيخ: نعم. * طالب: ضمير الفصل. * الشيخ: بضمير الفصل، وبكون الجملة اسمية معرَّفة الطرفين؛ لأن الجملة إذا كانت اسمية معرَّفة الطرفين فإنها تفيد الحصر، هنا (أولاء) مبتدأ، وهو معرِفة؛ لأنه اسم إشارة، ﴿الظالِمُونَ﴾ خبر، وهو معرفة؛ لأنه محلًّى بـ (أل)، وعلى هذا فأكَّد الله ظُلْمَهم بنوعين من التأكيد هما: كون الجملة اسمية معرَّفة الطرفين، والثاني ضمير الفصل، وفوائد ضمير الفصل الذي يَرِد كثيرًا في القرآن وفي غير القرآن ويش فوائده؟ * طالب: (...). * الشيخ: اصبر، علشان التوكيد يجب أن نكون كلنا مستحضِرين؛ لأن أنا قلت لكم الآن في التقرير: إن هذه الجملة مؤكَّدة بنوعين من التأكيد، أحدهما: ضمير الفصل، والثاني: أنها جملة اسمية معرَّفة الطرفين، كان يعني المفروض إن كلنا نعرف هذه، ما يحتاج، هذه واحدة. * طالب: (...). * الشيخ: أتوا إليه مذعنين يعني: منقادين مطيعين، فصاروا إنما يتبعون أهواءهم فقط، بيَّن حال المؤمنين، فقال: ﴿إِنمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. أولًا: في إعراب قوله: ﴿قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إِنمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإنه منصوب، والمعروف أن (كان) ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهنا الذي يليها منصوب، وجوابه أن هذا هو خبرها مُقَدَّمًا ﴿قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ خبرها مقدَّمًا، واسمها المصدر الْمُنْسَبِك من (أن) والفعل في قوله: ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، يعني: ما كان قولهم إلا هذا القول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. وقوله: ﴿إِنمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ﴾، يعني ﴿إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ﴾: إلى كتابه، وإلى رسوله؛ إليه شخصيًّا في حياته، وإلى سنته بعد وفاته، ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، يقال فيه ما سبق في الآية نظيرها في الدرس الماضي. ﴿ليحكم﴾ الضمير يعود على مَن؟ على الرسول ﷺ، وإنما أُسْنِدَ الحكم إليه؛ لأن حكمه تبليغ عن الله عز وجل، فيكون حكمه منتظِمًا لحكم الله أيضًا؛ إذ هو المبلِّغ عن الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ يشمل ما تنازعوا فيه من الخصومات، وما اختلفوا فيه من الأحكام؛ فإن الحاكم هو الرسول عليه الصلاة والسلام، لا في الخصومات التي تحدث بين المتشاجرين، ولا في الأحكام التي يختلف فيها الناس، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى﴾ من؟ ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدوهُ إِلَى اللهِ وَالرسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء ٥٩]. فالمؤمنون إذا دُعُوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم فقولهم: ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا﴾ بآذاننا، ﴿وَأَطَعْنَا﴾ بجوارحنا، فهم يسمعون وينقادون، والطاعة -كما مر- شاملة لفعل الأوامر وترك النواهي، شاملة للأمرين جميعًا، عكس الذين يقولون: سمعنا، وهم لا يسمعون، أو يقولون: سمعنا وعصينا، فيقولون: سمعنا، ولا ينقادون، أو يقولون يُصَرِّحُون بالعصيان، يقولون: سمعنا وعصينا، المؤمنون يقولون: سمعنا وأطعنا. وقول المؤلف: أي (القول اللائق بهم)، يعني إنه ما كان قولهم اللائق، فظاهر كلام المؤلف أن المسألة على سبيل التقدير والفرض، أي: ما يُفْتَرَض إلا أن يقولوا هذا، ولكن الحقيقة أن هذا هو الواقع، ما هو بالقول اللائق فقط، بل هو القول اللائق الواقع، فهم ﴿إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، مثلما قال الله عنهم، وقالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. وكوننا نجعل هذا قولًا لائقًا أي مقدَّرًا ومفروضًا، وهذا هو اللائق بهم، خلاف ظاهر القرآن؛ فإن قول المؤمنين إذا دُعُوا إلى الله ورسوله يقولون: سمعنا وأطعنا، سمعًا وطاعة، وعلى الرحب والسعة، فهذا قولهم اللائق الواقع منهم، إذا دُعُوا إلى الله ورسوله ما يقولون: والله رأي فلان خلاف ذلك، ورأي فلان خلاف ذلك، والناس على خلاف ذلك، وما أشبه هذا، ما يقولون هذا الأمر، يقولون: سمعنا وأطعنا. وهكذا الواجب على كل مؤمن، فمن لمن يقل هكذا فليس بمؤمن، إما أنه قد انتفى عنه الإيمان بالكلية، أو هو ناقص الإيمان. قال الله عز وجل: و(﴿سمعنا وأطعنا﴾ بالإجابة، ﴿وَأُوْلَئِكَ﴾ حينئذ، ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الناجون). ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، (هم) ضمير فصل، وقد مرت علينا فوائده الثلاث: الحصر، والتأكيد، وتمييز الخبر من الصفة. ﴿وَأُوْلَئِكَ﴾ أي: الذين يقولون: سمعنا وأطعنا إذا دُعُوا إلى الله ورسوله، ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، قال المؤلف: أي (الناجون). والأصح أن الفلاح ليس نجاة فقط، بل نجاة من المرهوب، وإدراك أو حصول للمطلوب، فالْمُفْلِح هو الذي نجا مما يكره، وأدرك ما يحب، هذا هو الْمُفلِح، إذن هؤلاء هم الذين نَجَوْا من المرهوب؛ لانتفاء العصيان منهم، وأدركوا المطلوب؛ لحصول تمام الطاعة منهم، فبالطاعات حصول المطلوب، وباجتناب المعاصي النجاة من المرهوب. وحَصْر الفلاح في هؤلاء يدل على أن من سواهم غير مُفْلِح، لكن إن انتفى عنه الإيمان كله انتفى عنه الفلاح كله، وإن انتفى عنه بعض الإيمان انتفى عنه بعض الفلاح، إذن وظيفة المؤمن فيما إذا دُعِيَ إلى حكم الله ورسوله، أو فيما إذا اطَّلَع هو بنفسه على حكم الله ورسوله، الواجب وظيفته أن يقول: سمعنا وأطعنا، ما يلتفت يمينًا أو شمالًا، أو يُؤَوِّل، أو يُحَرِّف، لا، يقول: سمعنا وأطعنا انقيادًا تامًّا وسمعًا تامًّا؛ لأن بذلك يتحقق الإيمان. والإنسان الذي ينقاد لحكم الله سبحانه وتعالى بهذه السهولة وبهذه المطابقة هو الذي يستريح، ولا يحصل عنده قلق؛ لأن مَن عَوَّدَ نفسه التردد في قبول الأحكام الشرعية ولو في حكم واحد فإن النفس تجبره على أن يتردد في كثير من الأمور الشرعية، يقول الله عز وجل: ﴿وَنقُلبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يؤُمِنُوا بِهِ أَولَ مَرةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]. فالإنسان إذا عَوَّدَ نفسه قبول الحق من أول وهلة، وبدون أي قلق أو تردد في تنفيذه فإنه يسهُل عليه بعد ذلك الانقياد لجميع الأوامر، وعدم الالتفات والتردد، ولكنه إذا فعل ولو مرة وترَدَّد في أمر من الأمور من الأحكام الشرعية، يعني بعد أن يثبت عنده، دعني من التردد في الثبوت؛ التردد في الثبوت هذا شيء آخر، يعني له أن يتردد في الثبوت إذا كان الحديث مثلًا ضعيف السند، أو ما أشبه ذلك. لكن إذا ثبت عنده الحكم أن هذا حكم الله ورسوله فإن تردده في قبوله هذا خطر عليه جدًّا؛ لأنه يؤدي إلى التردد في الأحكام الأخرى المستقبَلة، ونظير ذلك في الحكم القدَرِي أيضًا، الإنسان الذي لا يُمَرِّن نفسه على الصبر على أحكام الله، وعلى قضائه وقدره، يبقى قلِقًا دائمًا متعبًا من الأحكام القدَرِية التي لا تلائمه. فإذا تَمَشَّى مع القضاء والقدر، وصار إن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابه شر صبر عليه، وهو مُتَمَشٍّ مع القضاء والقدر، فإنه بذلك يستريح ولا يقلق أبدًا، تجد الإنسان الذي يريد من الله عز وجل أن يكون قضاؤه وقدره فيما يلائمه تجده دائمًا في قلق؛ لأن القضاء والقدر ليس على ما تريد، كما أن الشرع أيضًا ليس على ما تريد. الشرع ليس على ما يريد الناس، والقضاء والقدر ليس على ما يريد الناس، فمن تَمَشَّى معهما؛ مع هذين الحكمين، فإنه سوف يجد الفلاح والطمأنينة، والحياة الطيبة، ومن قَلِقَ منهما أو من أحدهما فإنه سيبقى في قلق، إن كان من الأمر القدري بقي في قلق وحزن؛ لأن الأمور ما تيجي على ما ينبغي، وإن كان في الأمور الشرعية كذلك أيضًا ينفتح عليه باب التردد في قبول أحكام الله وتنفيذها. * * * (﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ﴾: يخافه، ﴿وَيَتقْه﴾ -بسكون الهاء وكسرها- بأن يطيعه، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ بالجنة). هذه الآية من أجمع الآيات وأخصرها. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ بانقياده لأحكام الله ورسوله، وسبق أن الطاعة موافَقَة أيش؟ الأمر؛ نهيًا كان أو أمرًا، يعني طلب إيجاد، أو طلب تَرْك، فهي موافقة الأمر، ﴿مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ الله وَيَتقْه﴾، شوف الطاعة لله ورسوله، والخشية عبادة، والتقوى عبادة، ما تكون إلَّا لمن؟ * طلبة: لله. * الشيخ: إلا لله وحده، ولهذا قال: ﴿وَيَخْشَ الله وَيَتقْه﴾، يقول عندي أنا: (بسكون الهاء -﴿يَتَّقِهْ﴾ - وكسرها) بسكون الهاء وكسرها: ﴿وَيَتَّقِهِ﴾ أو ﴿وَيَتَّقِهْ﴾ . طيب ﴿يخشى الله﴾ يقول المؤلف: (يخافه)، ولكن هذا التفسير قاصر؛ لأن الخشية أشد من الخوف، والفرق بينهما: الخشية لا تكون إلا من علم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، فالعالِم هو الذي يخشى الله؛ لأنه يخافه عن علم بحقيقة الْمَخُوف وحال الخائف، فهو يعلم حال الْمَخُوف ويعلم حال الخائف. الخشية لا تكون إلا عن علم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]. الفرق الثاني: بحال الْمَخُوف والخائف؛ الخشية تكون من عِظَم الْمَخْشِيّ، والخوف يكون من ضعف الخائف، والفرق بينهما ظاهر، يعني أن الخشية إنما تكون لعِظَم الْمَخْشِيّ وإن كان الخاشي عظيمًا، والخوف يكون من ضعف الخائف. الفرق الثالث: الخشية خوف بهيبة وتعظيم وإجلال، وهذا الفرق متفرِّع عن الفرق الثاني. والخوف لا يكون كذلك، لا يكون عن هيبة وتعظيم وإجلال، ولذلك يقال: خاف من الذئب، ولا يقال: خَشِيَ منه أو خَشِيَه، إلا على سبيل التوسع. فهذه الفروق الثلاثة توجِب ألَّا تكون الخشية بمعنى الخوف على وجه المطابَقة، نعم على وجه التقريب لا بأس؛ أن الإنسان يقول: إن الخشية بمعنى الخوف؛ ليقرِّبها إلى أفهام السامعين، لا على أن الخوف هو المعنى المطابق للخشية، إن الخشية تكون مع هيبة وتعظيم وإجلال للمَخْشِيِّ، بخلاف الخوف. نقول: ﴿وَيَخْشَى اللهَ﴾ ﴿وَيَتَّقِهِ﴾ و﴿وَيَتَّقِهْ﴾ ، نتكلم الآن على القراءات اللي فيها: فيها: ﴿وَيَتَّقِهِ﴾ . وفيها: ﴿وَيَتَّقِهْ﴾ . وفيها قراءة ثالثة؛ قراءة حفص ما قالها المؤلف وهي ﴿ويَتَّقْهِ﴾ بسكون القاف وكسر الهاء. أما قراءة ﴿ويَتَّقِهِ﴾ سواء أَشْبَعْنَا الهاء أم لم نشبعها، وهما قراءتان أيضًا: ﴿ويَتَّقِهِ فَأُوْلَئِكَ﴾ ﴿وَيَتَّقِهِ فَأُوْلَئِكَ﴾ فيها قراءتان؛ الإشباع وعدمه، هذه القراءة واضحة، ولا فيها إشكال؛ لأنها مُتَمَشِّيَة على ما نعرف من القواعد العربية، أو لا؟ ﴿يَتَّقِهِ﴾ مثل (يَرْمِهِ) معطوفة على فعل الشرط وهو ﴿يُطِعِ﴾، وهو مجزوم، والمعطوف على المجزوم مجزوم، أيش علامة جزمه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، حذف حرف العلة، يعني حذف الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، ﴿وَيَتَّقِهِ﴾ حذف الياء والكسرة قبلها دليل عليها. والهاء في ﴿وَيَتَّقِهِ﴾ مفعول (يَتَّقِ) وهي ضمير مكسور، مبنية على الكسر يعني. لكن على قراءة ﴿وَيَتَّقِهْ﴾ سكون الهاء على خلاف الذي نعرف، فنقول: سُكِّنَت للتخفيف؛ لأن ﴿وَيَتَّقِهْ﴾ أخف من ﴿وَيَتَّقِهِ﴾ ، فهي مُسَكَّنَة للتخفيف. على قراءة حفص ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ كيف سُكِّنَت مع أنها مجزومة بحذف حرف العلة؟ لأن (يَتَّقِي) ما فيها شك أنها فعل ناقص آخره حرف علة، فكيف سُكِّنَت؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، مكسورة، ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ ما يمكن تُسَكَّن (...) ساكن قبلها ما يمكن نطقه، لكن القاف ساكنة، فالإشكال الآن في تسكين القاف مع أن الفعل مُعْتَلّ آخره ليس حرفًا صحيحًا، والمعتل يُجْزَم بحذف حرف العلة، فلماذا سُكِّن؟ يقال: إما أنه سُكِّنَ تخفيفًا ﴿وَيَتَّقْهِ﴾، أو سُكِّن على تناسي حرف العلة، كأنه نُسِي حرف العلة وصار فعلًا أيش؟ فعلًا صحيحًا، والفعل الصحيح يُجْزَم بالسكون. التقوى، مر علينا كثيرًا في تفسير التقوى بأنها اتخاذ وقاية من عذاب الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فما الربط بينها وبين الخشية؟ يقال: التقوى في الحقيقة نتيجة الخشية؛ لأن من خشي الله اتَّقاه، اللي يخافه بهيبة وتعظيم وإجلال لا بد أن يتقيه، فالربط بينها وبين الخشية أنها فرع عنها، ونتيجة عنها، فمن خشي الله اتقاه بلا شك. فيه سؤال ثانٍ أيضًا، قلتم: إن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، أليس ذلك هو الطاعة؟ ويش الجواب؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، هي في الحقيقة هي الطاعة، ولكن ليكن عندكم قاعدة تفهمونها، وهي أن بعض الكلمات تُفَسَّر بمعنى عند الانفراد، وبمعنى آخر عند الاقتران، فقد تكون عند الانفراد شاملة لهذا المعنى، وقد تكون عند الاجتماع بعضًا منه، وأمثال ذلك كثير. مثلًا الفقير والمسكين، عند الانفراد الفقير يشمل المسكين، والمسكين يشمل الفقير، لكن عند الاجتماع يكون الفقير بعضًا من المسكين، والمسكين بعضًا من الفقير، بمعنى أننا نقول: الفقير كذا، والمسكين كذا؛ لأجل ألَّا يحصل الترادف بين الكلمتين، فتضيع فائدة العطف، مفهوم؟ وكذلك أيضًا هنا الطاعة والتقوى، إذا أُفْرِدَت الطاعة فهي بمعنى التقوى، وإذا أُفْرِدَت التقوى فهي بمعنى الطاعة، وإذا قُرِنَ بينهما جُعِلَت التقوى في تَرْك النواهي، والطاعة في فعل الأوامر، يصير إذن من يطع الله بفعل أوامره فقط، ونَقْصُرها على بعض معناها؛ لاقترانها بأيش؟ بالتقوى، والتقوى هنا اجتناب النواهي فقط، ونَقْصُرها على بعض معناها، ولا نقل: وفعل الأوامر، ويش السبب؟ لاقترانها بالطاعة، ولهذا يقال (...). إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، بمعنى أنها إذا افترقت صارت بمعنى واحد، وإذا اجتمعت اختلف معناها، والذي يوجِب لنا أن نُحَوِّل الشيء منها إلى معنى آخر، أو إلى بعض المعنى لئلا يكونَا مترادفين، وبذلك -أي بكونهما مترادفين- تضيع فائدة العطف، إي نعم. * طالب: إذا اختلفا في المعنى (...)؟ * الشيخ: لا، ما يلزم (...) لا بد إن فيه صلة؛ لأنه ما دام هذه إذا انفردت تكون بمعنى الثانية فمعناه أن هناك صلة، فالفقير والمسكين بينهما صلة في الحقيقة، وهو الحاجة، والتقوى يعني ترك النواهي، والطاعة فعل الأوامر، بينهم صلة؛ وهو الامتثال. * طالب: (...). * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، بس إن الطاعة موافقة الأمر. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الخشية فيها تعظيم، والطاعة هو في الغالب إن الطاعة ما تكون إلا عن محبة؛ لأن من لم يحب شخصًا فلا يطيعه إلا خوفًا منه، وحينئذ تكون خشية، فالطاعة في الحقيقة ما يمكن إنسان يطيع في شيء إلا محبة للآمر، أو للمأمور به، أو خوفًا منه، أما أنه يبغض الآمر ما يمكن يطيعه وهو يقدر (...). على كل حال إننا نقول: الطاعة إذا انفردت صارت فعل الأوامر وترك النواهي، وإذا اجتمعت مع التقوى حُمِلَت على فعل الأوامر، والتقوى على ترك النواهي، كما أن التقوى إذا انفردت تكون لفعل الأوامر وترك النواهي. وهذا الحكم أو هذا المعنى فيه كلمات كثيرة من اللغة العربية، إذا اجتمعت افترقت، وصار كل واحدة لها معنى؛ لئلا تضيع فائدة العطف، وإذا انفردت اجتمعت، وصار معناها واحدًا، إي نعم. * طالب: شيخ (...) على الترادف ممنوع؟ * الشيخ: إي نعم، الترادف المطلَق ما يمكن يكون أبدًا. * الطالب: لماذا؟ * الشيخ: لأنه تكرار بلا فائدة، لا سيما مع وجود العطف، أما مع عدم العطف فربما يكون من باب التأكيد اللفظي. * الطالب: وهل يجوز لنا التأكيد مع وجود العطف؟ * الشيخ: لا؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، والتأكيد معناه أن الثاني هو الأول. * طالب: ما يقتضي (...). * الشيخ: لا، يقتضي المغايرة، أن المعطوف غير المعطوف عليه. * الطالب: (...) علماء الأصول (...) أن الاستثناءات كلها تعود في حالة العطف على المستثنى؛ لأن العطف يقتضي شيئًا من المشابهة. * الشيخ: الاتفاق في الحكم والتغاير في المعنى، إن الكلمة المعطوفة غير الكلمة المعطوف عليها، لكن الحكم واحد.. (...) بلا فائدة لا سيما مع وجود العطف، أما مع عدم العطف فربما يكون من باب التأكيد اللفظي. * طالب: ولا يجوز التأكيد مع وجود العطف؟ * الشيخ: لا؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، والتأكيد معناه: أن الثاني هو الأول. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، يقتضي المغايرة؛ أن المعطوف غير المعطوف عليه. * طالب: (...) علماء الأصول (...) إن الاستثناءات كلها تعود في حالة العطف إلى المستثنى؛ لأن العطف يقتضي شيئًا من المشابهة؟ * الشيخ: الاتفاق في الحكم والتغاير في المعنى؛ أن الكلمة المعطوفة غير الكلمة المعطوف عليها، لكن الحكم واحد، تقول: قام زيد وعمرو وبكر وخالد، فالحكم على الجميع واحد، لكن عمرو وبكر وخالد غير زيد، بقي المغايرة في المعنى؛ أنه يطلق الحكم على المعطوفات بعضهم مع بعض هو ضروري، لكن أصل العطف معناه أن هذا انعطف على ذاك فصار له حكمه، لكن هذا غير هذا؛ يعني: ما يمكن أن تقول: قام زيدٌ وزيدٌ، ويكون زيد الثاني هو الأول، لا يجوز، لكن يجوز تقول: قام زيدٌ زيدٌ، يكون (زيد) الثاني هو الأول من باب التأكيد. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور ٥٢] (الفاء) في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ واقعة في جواب الشرط؛ لماذا؟ لأن الجملة اسمية، وإذا كانت الجملة اسمية في جواب الشرط وجب قرنها بالفاء، ولا تسقط الفاء إلا عند الضرورة، مثل قول الشاعر: مَنْ يَفْعِلِ الْحَسَنَاتِ اللُّهُ يَشْكُرُهَا ∗∗∗ ........................... ولم يقل: فالله يشكرها. وقوله: ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ فيها ما سبق في ضمير الفصل، ويش اللي سبق؟ * طلبة: إفادة الحصر. * الشيخ: الحصر والاختصاص والتمييز بين الخبر والصفة، وهذه تكون لضمير الفصل. طيب ﴿الْفَائِزُونَ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: والحصر، والاختصاص هو الحصر. وقوله: (﴿الْفَائِزُونَ﴾ بالجنة) يعني: والنجاة من النار أيضًا، كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥]، واقتصار المؤلف على الجنة فقط؛ لأن من دخل الجنة فقد نجا من النار. هذه الآية من أجمع الآيات؛ لأنها جمعت إجمالًا لأسباب الفوز، أسباب الفوز هذه الأمور الثلاثة؛ طاعة الله وخشيته وتقواه، فمتى حصلت هذه الأمور لشخص فإنه يفوز، والتفصيل معروف عاد من الكتاب والسنة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لأن نفس الخشية عبادة وأصل للتقوى، فكون الإنسان في قلبه خاشيًا لله ومعظمًا له وخائفًا منه، هذه عبادة من أعظم العبادات. * * * ثم قال الله تعالى: (﴿وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْد أَيْمَانهمْ﴾ غايتها، ﴿لَئِنْ أَمَرْتهمْ﴾ بالجهاد، ﴿لَيَخْرُجُنَّ قُلْ﴾ لهم، ﴿لَا تُقْسِمُوا طَاعَة مَعْرُوفَة﴾ للنبي ﷺ خير من قسمكم الذي لا تصدقون فيه، ﴿إنَّ اللَّه خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ). ﴿أَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْد أَيْمَانهمْ﴾ حلفوا به، ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ هذه الآية استوعبت أركان القسم، كل أركان القسم موجودة؛ لأن القسم دائمًا يحذف منه بعض أركانه، لكن هذه الآية استوعبت الأركان كلها؛ المقسم به، وحرف القسم، وفعل القسم، والمقسم عليه، أو لا؟ هذه الآية ذكرت فيها كل أركان القسم. فعل القسم: ﴿أَقْسَمُوا﴾، حرف القسم: الباء في ﴿بِاَللَّهِ﴾، المقسم به: ﴿اَللَّهِ﴾، المقسم عليه: ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾، هذه الجملة هي جواب القسم وهي المقسم عليه. أقسم هؤلاء لئن أمرهم النبي ﷺ؛ يعني: بالجهاد، والدليل أن المراد بالجهاد قوله: ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾، فمفروض أن (...) في الجهاد، فهم أقسموا هذا القسم؛ أن الرسول لو أمرهم لخرجوا. هذا القسم قسمٌ ونذرٌ؛ لأن القسم إذا تضمن التزامًا من الإنسان لله صار جامعًا بين القسم والنذر، وعلى هذا لو قال قائل: واللهِ لأصلين ركعتين، وقصده بذلك الالتزام، ويش يصير هذا؟ * طلبة: قسم ونذر. * الشيخ: يصير قسمًا ونذرًا، مثل: لله علي أن أصلي ركعتين (...)، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة ٧٥]. وأما إذا قصد الإنسان بالقسم تحقيق الشيء دون التزامه فإنه ليس بنذر، فالفرق بين الإنسان اللي يلتزم يرى أن نفسه ملزمة بهذا الشيء وبين الإنسان الذي يريد تحقيق الشيء، لكن من غير أن يرى نفسه ملزمًا، مثل لو قال: والله لأفعلن كذا؛ لأخرجن إلى السوق، لألبسن الثوب، وما أشبه ذلك، هو ما قصده أنه يلزم، قصده أنه يحقق أن يفعل بغير أن يكون ملزمًا؛ يعني: يقول: أنا بفعل هذا، ويحقق أنه سيفعله، فهذا ليس بقسم، فالقسم إن تضمن إلزامًا ويش صار؟ * طالب: قسمًا ونذرًا. * الشيخ: قسمًا ونذرًا، أو نذرًا مقسمًا عليه. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾ ما حاجة تقسمون تقولون: والله لئن أمرتنا لنخرجن، وإنما إذا أمرتم فاخرجوا بدون قسم، ما حاجة (...). ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ المؤلف جعل حسب سياقه ﴿طَاعَةٌ﴾ مبتدأ، و﴿مَعْرُوفَةٌ﴾ صفة له، وخبرها محذوف تقديره: خير من قسمكم. ولكن هذا ليس بظاهر، بل الظاهر أن ﴿طَاعَةٌ﴾ مبتدأ، والخبر محذوف تقديره: عليكم؛ عليكم طاعةٌ معروفةٌ، أو ﴿طَاعَةٌ﴾ خبر، والمبتدأ محذوف؛ أي: طاعتكم طاعةٌ معروفةٌ، معنى ذلك: أن الإنسان عليه أن يطيع طاعة معروفة، والطاعة المعروفة من المؤمنين أنه حلف أن يفعل ولَّا يفعل بدون حلف؟ * طلبة: يفعل بدون حلف. * الشيخ: نعم، يفعل بدون حلف؛ لأنه اللي حلف أنه يفعل كأنه ما وده يفعل، لكن بيلزم نفسه غصبًا. فالطاعة المعروفة: الانقياد بدون قسم، وهذا أولى من تقدير المؤلف، وهو أن نقول: عليكم طاعةٌ معروفةٌ، أو طاعتكم طاعةٌ معروفةٌ؛ يعني: الطاعة المعروفة للمؤمنين، وهي التزام أحكام الشرع بدون قسم. (﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: من طاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل) هذا ما هو بصحيح، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: بكل ما تعملون، سواء أقسمتم عليه أم لم تقسموا عليه. و(ما تعملون) (ما) اسم موصول يفيد العموم؛ أي: جميع الأعمال، و﴿خَبِيرٌ﴾ بمعنى: عليم، إلا أن الفرق بينه وبين العليم: أن الخبير هو العليم ببواطن الأمور، فيكون أدق من العلم المطلق، خبرة بالبواطن. ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ عام بكل ما يعمله الإنسان في قلبه أو لسانه أو جوارحه، ما يخفى على الله سبحانه وتعالى من ذلك شيء. * يستفاد من هذه الآيات الكريمة: بيان صفة انقياد المؤمنين؛ صفة الانقياد: أنهم إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم يقولون: سمعنا وأطعنا، ما يتلكؤون ولا يترددون. * وفيه أيضًا: ما يترتب على هذا السمع والطاعة من الفلاح الذي هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب. * وفيه أيضًا دليل على فائدة أن الطاعة والخشية والتقوى وأن هذه الثلاث فائدتها الفوز بالجنة والنجاة من النار. * وفيها دليل على كراهة النذر؛ لقوله: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾، وهذا نهي، وقد اختلف أهل العلم في النذر هل هو مكروه أو حرام؟ على قولين؛ فمن العلماء من يرى أن النذر مكروه، ومنهم من يرى أنه محرم، وكأن شيخ الإسلام يميل إلى التحريم، وهو أقرب؛ القول بالتحريم أقرب من القول بالكراهة؛ لأن الله تعالى نهى عنه بقوله: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾، والأصل في النهي التحريم، والنبي ﷺ نهى عنه وقال: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦٠٨)، ومسلم (١٦٣٩ / ٤) واللفظ له من حديث ابن عمر.]]. والمعنى يقتضيه أيضًا؛ لأن الإنسان في عافية، فكونه يلزم نفسه بأمر لم يلزمه الله به هذا من تكليف نفسه بما لم يكلف به. ثم أيضًا من المعنى الذي يقتضيه: أن كثيرًا من الناس الناذرين يندمون على نذرهم، لا سيما إذا كان النذر فيه نوع من المشقة؛ مثل حلف: إن شفى الله مريضه أن يصوم من كل شهر عشرة أيام، وشفى الله مريضه، (...) الآن يصوم عشرة أيام من كل شهر إلا لعذر؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ»[[أخرجه البخاري (٦٦٩٦) من حديث عائشة.]]. وكثير من الناس الناذرين لا يوفون بنذرهم من أجل أنهم يرونه محقًّا، يقول: الحمد لله، حصل من المطلوب، وشفى الله مريضي، ولَّا نجحت، فلا يوفي لله بما وفى الله له به، الله يوفي له بما اشترط على ربه وهو -والعياذ بالله- لا يطيعه، ولكن ويش النتيجة والعاقبة؟ عظيمة جدًّا؛ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ ولا تَصَدَّقوا، ﴿وَتَوَلوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ولم يكونوا صالحين، واللي حصل ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا﴾ أي: بسبب ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة ٧٥ - ٧٧]. وهذه النتيجة -والعياذ بالله- سيئة عظيمة جدًّا؛ أن يجعل الله نفاقًا في قلب هذا الناذر الذي لم يفِ لله تعالى بما عاهد الله عليه؛ لأنه عاهد الله على هذا الشيء. وأما من نذر معصية فلا يجوز الوفاء بها؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فنفسك وإن ألزمتك بفعلها فلا تطعْها، كما لا تطيع أميرك إذا ألزمك بأمر فيه معصية الله كذلك أيضًا لا تطعْ نفسك إذا ألزمتك بأمر فيه معصية الله، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ»[[أخرجه البخاري (٦٦٩٦) من حديث عائشة.]]. ومع ذلك فعلى الناذر كفارة يمين، فالناذر ما يخلو في الحقيقة من بلاء يلزم به نفسه، أقله كفارة يمين، حتى لو قال الإنسان مثلًا: للهِ علي نذر، بس ها الكلام وما قال شيئًا، ويش يجب عليه؟ يجب عليه كفارة اليمين، وبهذا نعرف خطورة النذر. وأما ما يتوهم بعض الناس من أن النذر يحصل به المطلوب، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام نفى هذا الوهم بقوله: «فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦٠٨)، ومسلم (١٦٣٩ / ٤) واللفظ له من حديث ابن عمر.]]، كيف هو يجلب الخير؟ مريضك قد قدَّر الله أن يشفى قبل أن تنذر، وليس نذرك سببًا للشفاء بالتأكيد، فالله عز وجل أكرم الأكرمين، ليس يتوقف كرمه على شيء (...) الإنسان (...) أنا بنذر لك علشان تشفي مريضك، لا، إذا أنعم الله عليك من نعمة فأنت اشكره عليها بما جاءت به الشريعة، وأما إنك تقول (...)، كأنك تقول: الله ما يطيعني، يشفي هذا المريض إلا لو (...) أنذر له علشان يشفيه، ثم تأتي البلوى، فيحصل الأمر عنده لا به، وهذا من الابتلاء. لذلك ينبغي لكم، بل يجب عليكم أن تحذِّروا من النذر، وأن تقولوا للناس: النذر لا يأتي بخير، النبي عليه الصلاة والسلام -وهو لا ينطق عن الهوى في هذه الأمور- أخبر بأنه لا يأتي بخير. وكم من طالبٍ نَذَر: إن الله نجحه أنه يصوم ثلاثة أيام، وينجحه الله ولا بيصوم، ما صام (...) لأيش؟ لأن النفس -في الحقيقة- الضعيفة الإيمان ما يهمه أنه يخالف، يقول: حصل المقصود ولا (...)، على كل حال هذا النذر يستدل على تحريمه بقوله: ﴿لَا تُقْسِمُوا﴾. * وفيه: وجوب تقييد الطاعة بالمعروف؛ أن تكون طاعةً بالمعروف، ويش معنى معروف أنه بين الناس ولَّا من الشرع؟ طاعةٌ معروفةٌ بالشرع، ما هي من الناس؛ لأن الناس قد يعرفون شيئًا يظنونه طاعة وليس بطاعة. * ويستفاد منها: أنه لا تجوز الزيادة على الشرع في الطاعة ولا النقص؛ لقوله: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ بدون غلو ولا تقصير. * وفيه أيضًا: إحاطة علم الله بكل شيء؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: بكل ما تعملونه حاضرًا ومستقبلًا. والفائدة من ذكر عِلْمِ الله بما نعلم ليس مجرد أنه يخبرنا أنه يعلم، لكن الفائدة من ذلك أيش؟ هو الترغيب ولَّا الترهيب؟ كلاهما، إلا إذا اقتضى السياق أحدًا منهما فقط، وإلا فكونك تعلم أن الله يعلم كل ما تعمل؛ يعني: يوفقك على العبادة (...).

النور 24:51

قال الله تعالى: (﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: كفر، ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ أي: شكوا في نبوته، ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُه﴾ في الحكم أي يظلموا فيه، لا، ﴿بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ [النور 50] بالإعراض عنه)، يقول الله عز وجل مُبَيِّنًا حال هؤلاء الذين يَرُدُّون ما حكم الله به ورسوله بأنهم لا يَخْلُون من هذه الأحوال الثلاثة: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، والمرض هو علَّة تصيب الصحيح فيخرج عن الاعتدال، هذا المرض، وهذا التعريف للمرض يشمل المرض الجسمي والمرض القلبي؛ فالمرض الجسمي في الحقيقة علة تصيبه فيخرج عن الاعتدال، كذلك المرض القلبي علة تصيب القلب فتُخْرِجه عن الاعتدال حتى ينحرف ولا يقبل الحق، فما هو المرض المشار إليه هنا؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، المؤلف فسَّره بالكفر، والذي يظهر لي -والله أعلم- أن المراد به الإرادة السيئة، بدليل التقسيم، سواء كان كفرًا ولَّا نفاقًا ولَّا غير ذلك، المهم المرض الإرادة السيئة التي تصرفهم عن قبول الحق. ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾، هذا الشك، وهو مرض الشُّبْهة؛ لأنه مر علينا كثيرًا أن أسباب الانحراف عن الحق إما شبهة وإما شهوة، يعني إما أن الإنسان يشتهي أمرًا مخالفًا للشرع فيتبعه، وإما أن يكون عنده شبهة في هذا الحق فيمتنع منه. فنقول هنا: ينبغي أن يفسَّر المرض بأي شيء؟ بالإرادة السيئة التي هي الشهوة، أي: اشتهاء ما يخالف الشرع. (﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ أي شَكُّوا)، هذا مرض الشبهة الذي يعرض للإنسان حتى لا يتبين له الحق، نضرب مثلًا لذلك؛ رجل أُمِرَ بأمر من الأمور، أُمِرَ أن يصلي، ولكنه قَدَّمَ أمرًا دنيويًّا على صلاته، ويش الذي في قلبه من الأمراض؟ مرض الشهوة. وآخر أُمِرَ أن يصلي لكنه شك في فائدة الصلاة، أو شك في وجودها، أو ما أشبه ذلك، هذا فيه مرض الشبهة. فالآن اللي معنا ﴿مَرَضٌ﴾ أي: إرادة سيئة، ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ هذا الشك -والعياذ بالله-. الأمر الثالث: ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾، يعني: ما عندهم إرادة سيئة، ولا عندهم شك في حكم الله ورسوله، لكن عندهم شك آخر، ويش هو؟ في عدالة الله ورسوله، ولهذا هم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله، فيخشون من الميل والْجَوْر. وفي الحقيقة أن الميل والْجَوْر عندهم هم، ليس في حكم الله ورسوله، بل إن حكم الله ورسوله على الحق والعدل، ولكن الْجَوْر في ميزانهم هم؛ لأنهم هم الذين حادوا عما يجب أن يكونوا عليه من الامتثال والطاعة. ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾، قال الله تعالى: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿بَلْ﴾ هذه للإضراب، ولكن ما رأيكم في هذا الإضراب؟ هل هو إضراب إبطال، أو إضراب انتقال؟ المؤلِّف ويش يراه؟ قال: (لا)، ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ (لا)، ثم قال: ﴿بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ في القرآن، فموجَب كلام المؤلف أن الإضراب هنا للإبطال، ولذلك قَدَّر (لا) بعد الاحتمالات الثلاثة السابقة. وعندي أن الإضراب هنا ليس للإبطال، وإنما هو للانتقال؛ لأن حقيقة الأمر أن الذي لا يقبل حكم الله ورسوله لا يخرج عن هذه الأمور الثلاثة؛ إما أن عنده إرادة سيئة، ولَّا عنده شك، ولَّا خوف، ما نتصور أمرًا رابعًا يرد على هذه الاحتمالات الثلاثة. ثم إن وصفهم بالظلم لا يخرج عن هذه الاحتمالات الثلاثة أيضًا، فمَن في قلبه مرض فهو ظالم، ومن في قلبه شبهة فهو ظالم، ومن خاف أن يحيف الله عليه ورسوله فهو ظالم. إذن فالمسألة من باب الإضراب الانتقالي، وليس من باب الإضراب الإبطالي. كلمة ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾، (أم) في هذه المواضع هل هي للتسوية التي بمعنى (أو)، أو للإضراب الذي بمعنى (بل)؟ * طالب: تحتمل. * الشيخ: تحتمل؟ كيف الاحتمال؟ * الطالب: أو تكون (...). * الشيخ: يعني هل إن هذه بمعنى (بل) ولَّا بمعنى (أو)؟ مر علينا فيما سبق أن التي بمعنى (أو) هي التي تأتي بعد همزة التسوية، مثل: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦]، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦]، هذه هي التي بمعنى (أو)، ويسمونها متصلة، وأما التي تأتي بمعنى (بل) فهي التي لا يسبقها همزة التسوية، وتسمى منقطعة. وعلى هذا فـ﴿أَمْ﴾ في قوله: ﴿أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ﴾ هذه منقطعة بمعنى (بل)، وهي وردت كثيرًا في آخر سورة الطور: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ أيش بعدها، ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ إلى آخره [الطور: ٣٠، ٣٣]، كثيرة في آخر سورة الطور، منقطعة بمعنى (بل)، وهمزة الاستفهام. فهي هنا منقطعة وليست متصلة؛ لأن المتصلة هي التي تأتي بعد همزة التسوية، وتكون بمعنى (أو)، وأما المنقطعة فهي التي لا تأتي بعد همزة التسوية وتكون بمعنى (بل). قوله: ﴿بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾، هنا سجَّل عليهم الظلم، وأكَّدَه بنوعين من التأكيد، ما هما؟ * طالب: هم. * الشيخ: نعم. * طالب: ضمير الفصل. * الشيخ: بضمير الفصل، وبكون الجملة اسمية معرَّفة الطرفين؛ لأن الجملة إذا كانت اسمية معرَّفة الطرفين فإنها تفيد الحصر، هنا (أولاء) مبتدأ، وهو معرِفة؛ لأنه اسم إشارة، ﴿الظالِمُونَ﴾ خبر، وهو معرفة؛ لأنه محلًّى بـ (أل)، وعلى هذا فأكَّد الله ظُلْمَهم بنوعين من التأكيد هما: كون الجملة اسمية معرَّفة الطرفين، والثاني ضمير الفصل، وفوائد ضمير الفصل الذي يَرِد كثيرًا في القرآن وفي غير القرآن ويش فوائده؟ * طالب: (...). * الشيخ: اصبر، علشان التوكيد يجب أن نكون كلنا مستحضِرين؛ لأن أنا قلت لكم الآن في التقرير: إن هذه الجملة مؤكَّدة بنوعين من التأكيد، أحدهما: ضمير الفصل، والثاني: أنها جملة اسمية معرَّفة الطرفين، كان يعني المفروض إن كلنا نعرف هذه، ما يحتاج، هذه واحدة. * طالب: (...). * الشيخ: أتوا إليه مذعنين يعني: منقادين مطيعين، فصاروا إنما يتبعون أهواءهم فقط، بيَّن حال المؤمنين، فقال: ﴿إِنمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. أولًا: في إعراب قوله: ﴿قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إِنمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإنه منصوب، والمعروف أن (كان) ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهنا الذي يليها منصوب، وجوابه أن هذا هو خبرها مُقَدَّمًا ﴿قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ خبرها مقدَّمًا، واسمها المصدر الْمُنْسَبِك من (أن) والفعل في قوله: ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، يعني: ما كان قولهم إلا هذا القول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. وقوله: ﴿إِنمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ﴾، يعني ﴿إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ﴾: إلى كتابه، وإلى رسوله؛ إليه شخصيًّا في حياته، وإلى سنته بعد وفاته، ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، يقال فيه ما سبق في الآية نظيرها في الدرس الماضي. ﴿ليحكم﴾ الضمير يعود على مَن؟ على الرسول ﷺ، وإنما أُسْنِدَ الحكم إليه؛ لأن حكمه تبليغ عن الله عز وجل، فيكون حكمه منتظِمًا لحكم الله أيضًا؛ إذ هو المبلِّغ عن الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ يشمل ما تنازعوا فيه من الخصومات، وما اختلفوا فيه من الأحكام؛ فإن الحاكم هو الرسول عليه الصلاة والسلام، لا في الخصومات التي تحدث بين المتشاجرين، ولا في الأحكام التي يختلف فيها الناس، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى﴾ من؟ ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدوهُ إِلَى اللهِ وَالرسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء ٥٩]. فالمؤمنون إذا دُعُوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم فقولهم: ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا﴾ بآذاننا، ﴿وَأَطَعْنَا﴾ بجوارحنا، فهم يسمعون وينقادون، والطاعة -كما مر- شاملة لفعل الأوامر وترك النواهي، شاملة للأمرين جميعًا، عكس الذين يقولون: سمعنا، وهم لا يسمعون، أو يقولون: سمعنا وعصينا، فيقولون: سمعنا، ولا ينقادون، أو يقولون يُصَرِّحُون بالعصيان، يقولون: سمعنا وعصينا، المؤمنون يقولون: سمعنا وأطعنا. وقول المؤلف: أي (القول اللائق بهم)، يعني إنه ما كان قولهم اللائق، فظاهر كلام المؤلف أن المسألة على سبيل التقدير والفرض، أي: ما يُفْتَرَض إلا أن يقولوا هذا، ولكن الحقيقة أن هذا هو الواقع، ما هو بالقول اللائق فقط، بل هو القول اللائق الواقع، فهم ﴿إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، مثلما قال الله عنهم، وقالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. وكوننا نجعل هذا قولًا لائقًا أي مقدَّرًا ومفروضًا، وهذا هو اللائق بهم، خلاف ظاهر القرآن؛ فإن قول المؤمنين إذا دُعُوا إلى الله ورسوله يقولون: سمعنا وأطعنا، سمعًا وطاعة، وعلى الرحب والسعة، فهذا قولهم اللائق الواقع منهم، إذا دُعُوا إلى الله ورسوله ما يقولون: والله رأي فلان خلاف ذلك، ورأي فلان خلاف ذلك، والناس على خلاف ذلك، وما أشبه هذا، ما يقولون هذا الأمر، يقولون: سمعنا وأطعنا. وهكذا الواجب على كل مؤمن، فمن لمن يقل هكذا فليس بمؤمن، إما أنه قد انتفى عنه الإيمان بالكلية، أو هو ناقص الإيمان. قال الله عز وجل: و(﴿سمعنا وأطعنا﴾ بالإجابة، ﴿وَأُوْلَئِكَ﴾ حينئذ، ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الناجون). ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، (هم) ضمير فصل، وقد مرت علينا فوائده الثلاث: الحصر، والتأكيد، وتمييز الخبر من الصفة. ﴿وَأُوْلَئِكَ﴾ أي: الذين يقولون: سمعنا وأطعنا إذا دُعُوا إلى الله ورسوله، ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، قال المؤلف: أي (الناجون). والأصح أن الفلاح ليس نجاة فقط، بل نجاة من المرهوب، وإدراك أو حصول للمطلوب، فالْمُفْلِح هو الذي نجا مما يكره، وأدرك ما يحب، هذا هو الْمُفلِح، إذن هؤلاء هم الذين نَجَوْا من المرهوب؛ لانتفاء العصيان منهم، وأدركوا المطلوب؛ لحصول تمام الطاعة منهم، فبالطاعات حصول المطلوب، وباجتناب المعاصي النجاة من المرهوب. وحَصْر الفلاح في هؤلاء يدل على أن من سواهم غير مُفْلِح، لكن إن انتفى عنه الإيمان كله انتفى عنه الفلاح كله، وإن انتفى عنه بعض الإيمان انتفى عنه بعض الفلاح، إذن وظيفة المؤمن فيما إذا دُعِيَ إلى حكم الله ورسوله، أو فيما إذا اطَّلَع هو بنفسه على حكم الله ورسوله، الواجب وظيفته أن يقول: سمعنا وأطعنا، ما يلتفت يمينًا أو شمالًا، أو يُؤَوِّل، أو يُحَرِّف، لا، يقول: سمعنا وأطعنا انقيادًا تامًّا وسمعًا تامًّا؛ لأن بذلك يتحقق الإيمان. والإنسان الذي ينقاد لحكم الله سبحانه وتعالى بهذه السهولة وبهذه المطابقة هو الذي يستريح، ولا يحصل عنده قلق؛ لأن مَن عَوَّدَ نفسه التردد في قبول الأحكام الشرعية ولو في حكم واحد فإن النفس تجبره على أن يتردد في كثير من الأمور الشرعية، يقول الله عز وجل: ﴿وَنقُلبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يؤُمِنُوا بِهِ أَولَ مَرةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]. فالإنسان إذا عَوَّدَ نفسه قبول الحق من أول وهلة، وبدون أي قلق أو تردد في تنفيذه فإنه يسهُل عليه بعد ذلك الانقياد لجميع الأوامر، وعدم الالتفات والتردد، ولكنه إذا فعل ولو مرة وترَدَّد في أمر من الأمور من الأحكام الشرعية، يعني بعد أن يثبت عنده، دعني من التردد في الثبوت؛ التردد في الثبوت هذا شيء آخر، يعني له أن يتردد في الثبوت إذا كان الحديث مثلًا ضعيف السند، أو ما أشبه ذلك. لكن إذا ثبت عنده الحكم أن هذا حكم الله ورسوله فإن تردده في قبوله هذا خطر عليه جدًّا؛ لأنه يؤدي إلى التردد في الأحكام الأخرى المستقبَلة، ونظير ذلك في الحكم القدَرِي أيضًا، الإنسان الذي لا يُمَرِّن نفسه على الصبر على أحكام الله، وعلى قضائه وقدره، يبقى قلِقًا دائمًا متعبًا من الأحكام القدَرِية التي لا تلائمه. فإذا تَمَشَّى مع القضاء والقدر، وصار إن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابه شر صبر عليه، وهو مُتَمَشٍّ مع القضاء والقدر، فإنه بذلك يستريح ولا يقلق أبدًا، تجد الإنسان الذي يريد من الله عز وجل أن يكون قضاؤه وقدره فيما يلائمه تجده دائمًا في قلق؛ لأن القضاء والقدر ليس على ما تريد، كما أن الشرع أيضًا ليس على ما تريد. الشرع ليس على ما يريد الناس، والقضاء والقدر ليس على ما يريد الناس، فمن تَمَشَّى معهما؛ مع هذين الحكمين، فإنه سوف يجد الفلاح والطمأنينة، والحياة الطيبة، ومن قَلِقَ منهما أو من أحدهما فإنه سيبقى في قلق، إن كان من الأمر القدري بقي في قلق وحزن؛ لأن الأمور ما تيجي على ما ينبغي، وإن كان في الأمور الشرعية كذلك أيضًا ينفتح عليه باب التردد في قبول أحكام الله وتنفيذها. * * * (﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ﴾: يخافه، ﴿وَيَتقْه﴾ -بسكون الهاء وكسرها- بأن يطيعه، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ بالجنة). هذه الآية من أجمع الآيات وأخصرها. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ بانقياده لأحكام الله ورسوله، وسبق أن الطاعة موافَقَة أيش؟ الأمر؛ نهيًا كان أو أمرًا، يعني طلب إيجاد، أو طلب تَرْك، فهي موافقة الأمر، ﴿مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ الله وَيَتقْه﴾، شوف الطاعة لله ورسوله، والخشية عبادة، والتقوى عبادة، ما تكون إلَّا لمن؟ * طلبة: لله. * الشيخ: إلا لله وحده، ولهذا قال: ﴿وَيَخْشَ الله وَيَتقْه﴾، يقول عندي أنا: (بسكون الهاء -﴿يَتَّقِهْ﴾ - وكسرها) بسكون الهاء وكسرها: ﴿وَيَتَّقِهِ﴾ أو ﴿وَيَتَّقِهْ﴾ . طيب ﴿يخشى الله﴾ يقول المؤلف: (يخافه)، ولكن هذا التفسير قاصر؛ لأن الخشية أشد من الخوف، والفرق بينهما: الخشية لا تكون إلا من علم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، فالعالِم هو الذي يخشى الله؛ لأنه يخافه عن علم بحقيقة الْمَخُوف وحال الخائف، فهو يعلم حال الْمَخُوف ويعلم حال الخائف. الخشية لا تكون إلا عن علم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]. الفرق الثاني: بحال الْمَخُوف والخائف؛ الخشية تكون من عِظَم الْمَخْشِيّ، والخوف يكون من ضعف الخائف، والفرق بينهما ظاهر، يعني أن الخشية إنما تكون لعِظَم الْمَخْشِيّ وإن كان الخاشي عظيمًا، والخوف يكون من ضعف الخائف. الفرق الثالث: الخشية خوف بهيبة وتعظيم وإجلال، وهذا الفرق متفرِّع عن الفرق الثاني. والخوف لا يكون كذلك، لا يكون عن هيبة وتعظيم وإجلال، ولذلك يقال: خاف من الذئب، ولا يقال: خَشِيَ منه أو خَشِيَه، إلا على سبيل التوسع. فهذه الفروق الثلاثة توجِب ألَّا تكون الخشية بمعنى الخوف على وجه المطابَقة، نعم على وجه التقريب لا بأس؛ أن الإنسان يقول: إن الخشية بمعنى الخوف؛ ليقرِّبها إلى أفهام السامعين، لا على أن الخوف هو المعنى المطابق للخشية، إن الخشية تكون مع هيبة وتعظيم وإجلال للمَخْشِيِّ، بخلاف الخوف. نقول: ﴿وَيَخْشَى اللهَ﴾ ﴿وَيَتَّقِهِ﴾ و﴿وَيَتَّقِهْ﴾ ، نتكلم الآن على القراءات اللي فيها: فيها: ﴿وَيَتَّقِهِ﴾ . وفيها: ﴿وَيَتَّقِهْ﴾ . وفيها قراءة ثالثة؛ قراءة حفص ما قالها المؤلف وهي ﴿ويَتَّقْهِ﴾ بسكون القاف وكسر الهاء. أما قراءة ﴿ويَتَّقِهِ﴾ سواء أَشْبَعْنَا الهاء أم لم نشبعها، وهما قراءتان أيضًا: ﴿ويَتَّقِهِ فَأُوْلَئِكَ﴾ ﴿وَيَتَّقِهِ فَأُوْلَئِكَ﴾ فيها قراءتان؛ الإشباع وعدمه، هذه القراءة واضحة، ولا فيها إشكال؛ لأنها مُتَمَشِّيَة على ما نعرف من القواعد العربية، أو لا؟ ﴿يَتَّقِهِ﴾ مثل (يَرْمِهِ) معطوفة على فعل الشرط وهو ﴿يُطِعِ﴾، وهو مجزوم، والمعطوف على المجزوم مجزوم، أيش علامة جزمه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، حذف حرف العلة، يعني حذف الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، ﴿وَيَتَّقِهِ﴾ حذف الياء والكسرة قبلها دليل عليها. والهاء في ﴿وَيَتَّقِهِ﴾ مفعول (يَتَّقِ) وهي ضمير مكسور، مبنية على الكسر يعني. لكن على قراءة ﴿وَيَتَّقِهْ﴾ سكون الهاء على خلاف الذي نعرف، فنقول: سُكِّنَت للتخفيف؛ لأن ﴿وَيَتَّقِهْ﴾ أخف من ﴿وَيَتَّقِهِ﴾ ، فهي مُسَكَّنَة للتخفيف. على قراءة حفص ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ كيف سُكِّنَت مع أنها مجزومة بحذف حرف العلة؟ لأن (يَتَّقِي) ما فيها شك أنها فعل ناقص آخره حرف علة، فكيف سُكِّنَت؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، مكسورة، ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ ما يمكن تُسَكَّن (...) ساكن قبلها ما يمكن نطقه، لكن القاف ساكنة، فالإشكال الآن في تسكين القاف مع أن الفعل مُعْتَلّ آخره ليس حرفًا صحيحًا، والمعتل يُجْزَم بحذف حرف العلة، فلماذا سُكِّن؟ يقال: إما أنه سُكِّنَ تخفيفًا ﴿وَيَتَّقْهِ﴾، أو سُكِّن على تناسي حرف العلة، كأنه نُسِي حرف العلة وصار فعلًا أيش؟ فعلًا صحيحًا، والفعل الصحيح يُجْزَم بالسكون. التقوى، مر علينا كثيرًا في تفسير التقوى بأنها اتخاذ وقاية من عذاب الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فما الربط بينها وبين الخشية؟ يقال: التقوى في الحقيقة نتيجة الخشية؛ لأن من خشي الله اتَّقاه، اللي يخافه بهيبة وتعظيم وإجلال لا بد أن يتقيه، فالربط بينها وبين الخشية أنها فرع عنها، ونتيجة عنها، فمن خشي الله اتقاه بلا شك. فيه سؤال ثانٍ أيضًا، قلتم: إن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، أليس ذلك هو الطاعة؟ ويش الجواب؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، هي في الحقيقة هي الطاعة، ولكن ليكن عندكم قاعدة تفهمونها، وهي أن بعض الكلمات تُفَسَّر بمعنى عند الانفراد، وبمعنى آخر عند الاقتران، فقد تكون عند الانفراد شاملة لهذا المعنى، وقد تكون عند الاجتماع بعضًا منه، وأمثال ذلك كثير. مثلًا الفقير والمسكين، عند الانفراد الفقير يشمل المسكين، والمسكين يشمل الفقير، لكن عند الاجتماع يكون الفقير بعضًا من المسكين، والمسكين بعضًا من الفقير، بمعنى أننا نقول: الفقير كذا، والمسكين كذا؛ لأجل ألَّا يحصل الترادف بين الكلمتين، فتضيع فائدة العطف، مفهوم؟ وكذلك أيضًا هنا الطاعة والتقوى، إذا أُفْرِدَت الطاعة فهي بمعنى التقوى، وإذا أُفْرِدَت التقوى فهي بمعنى الطاعة، وإذا قُرِنَ بينهما جُعِلَت التقوى في تَرْك النواهي، والطاعة في فعل الأوامر، يصير إذن من يطع الله بفعل أوامره فقط، ونَقْصُرها على بعض معناها؛ لاقترانها بأيش؟ بالتقوى، والتقوى هنا اجتناب النواهي فقط، ونَقْصُرها على بعض معناها، ولا نقل: وفعل الأوامر، ويش السبب؟ لاقترانها بالطاعة، ولهذا يقال (...). إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، بمعنى أنها إذا افترقت صارت بمعنى واحد، وإذا اجتمعت اختلف معناها، والذي يوجِب لنا أن نُحَوِّل الشيء منها إلى معنى آخر، أو إلى بعض المعنى لئلا يكونَا مترادفين، وبذلك -أي بكونهما مترادفين- تضيع فائدة العطف، إي نعم. * طالب: إذا اختلفا في المعنى (...)؟ * الشيخ: لا، ما يلزم (...) لا بد إن فيه صلة؛ لأنه ما دام هذه إذا انفردت تكون بمعنى الثانية فمعناه أن هناك صلة، فالفقير والمسكين بينهما صلة في الحقيقة، وهو الحاجة، والتقوى يعني ترك النواهي، والطاعة فعل الأوامر، بينهم صلة؛ وهو الامتثال. * طالب: (...). * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، بس إن الطاعة موافقة الأمر. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الخشية فيها تعظيم، والطاعة هو في الغالب إن الطاعة ما تكون إلا عن محبة؛ لأن من لم يحب شخصًا فلا يطيعه إلا خوفًا منه، وحينئذ تكون خشية، فالطاعة في الحقيقة ما يمكن إنسان يطيع في شيء إلا محبة للآمر، أو للمأمور به، أو خوفًا منه، أما أنه يبغض الآمر ما يمكن يطيعه وهو يقدر (...). على كل حال إننا نقول: الطاعة إذا انفردت صارت فعل الأوامر وترك النواهي، وإذا اجتمعت مع التقوى حُمِلَت على فعل الأوامر، والتقوى على ترك النواهي، كما أن التقوى إذا انفردت تكون لفعل الأوامر وترك النواهي. وهذا الحكم أو هذا المعنى فيه كلمات كثيرة من اللغة العربية، إذا اجتمعت افترقت، وصار كل واحدة لها معنى؛ لئلا تضيع فائدة العطف، وإذا انفردت اجتمعت، وصار معناها واحدًا، إي نعم. * طالب: شيخ (...) على الترادف ممنوع؟ * الشيخ: إي نعم، الترادف المطلَق ما يمكن يكون أبدًا. * الطالب: لماذا؟ * الشيخ: لأنه تكرار بلا فائدة، لا سيما مع وجود العطف، أما مع عدم العطف فربما يكون من باب التأكيد اللفظي. * الطالب: وهل يجوز لنا التأكيد مع وجود العطف؟ * الشيخ: لا؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، والتأكيد معناه أن الثاني هو الأول. * طالب: ما يقتضي (...). * الشيخ: لا، يقتضي المغايرة، أن المعطوف غير المعطوف عليه. * الطالب: (...) علماء الأصول (...) أن الاستثناءات كلها تعود في حالة العطف على المستثنى؛ لأن العطف يقتضي شيئًا من المشابهة. * الشيخ: الاتفاق في الحكم والتغاير في المعنى، إن الكلمة المعطوفة غير الكلمة المعطوف عليها، لكن الحكم واحد.. (...) بلا فائدة لا سيما مع وجود العطف، أما مع عدم العطف فربما يكون من باب التأكيد اللفظي. * طالب: ولا يجوز التأكيد مع وجود العطف؟ * الشيخ: لا؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، والتأكيد معناه: أن الثاني هو الأول. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، يقتضي المغايرة؛ أن المعطوف غير المعطوف عليه. * طالب: (...) علماء الأصول (...) إن الاستثناءات كلها تعود في حالة العطف إلى المستثنى؛ لأن العطف يقتضي شيئًا من المشابهة؟ * الشيخ: الاتفاق في الحكم والتغاير في المعنى؛ أن الكلمة المعطوفة غير الكلمة المعطوف عليها، لكن الحكم واحد، تقول: قام زيد وعمرو وبكر وخالد، فالحكم على الجميع واحد، لكن عمرو وبكر وخالد غير زيد، بقي المغايرة في المعنى؛ أنه يطلق الحكم على المعطوفات بعضهم مع بعض هو ضروري، لكن أصل العطف معناه أن هذا انعطف على ذاك فصار له حكمه، لكن هذا غير هذا؛ يعني: ما يمكن أن تقول: قام زيدٌ وزيدٌ، ويكون زيد الثاني هو الأول، لا يجوز، لكن يجوز تقول: قام زيدٌ زيدٌ، يكون (زيد) الثاني هو الأول من باب التأكيد. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور ٥٢] (الفاء) في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ واقعة في جواب الشرط؛ لماذا؟ لأن الجملة اسمية، وإذا كانت الجملة اسمية في جواب الشرط وجب قرنها بالفاء، ولا تسقط الفاء إلا عند الضرورة، مثل قول الشاعر: مَنْ يَفْعِلِ الْحَسَنَاتِ اللُّهُ يَشْكُرُهَا ∗∗∗ ........................... ولم يقل: فالله يشكرها. وقوله: ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ فيها ما سبق في ضمير الفصل، ويش اللي سبق؟ * طلبة: إفادة الحصر. * الشيخ: الحصر والاختصاص والتمييز بين الخبر والصفة، وهذه تكون لضمير الفصل. طيب ﴿الْفَائِزُونَ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: والحصر، والاختصاص هو الحصر. وقوله: (﴿الْفَائِزُونَ﴾ بالجنة) يعني: والنجاة من النار أيضًا، كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥]، واقتصار المؤلف على الجنة فقط؛ لأن من دخل الجنة فقد نجا من النار. هذه الآية من أجمع الآيات؛ لأنها جمعت إجمالًا لأسباب الفوز، أسباب الفوز هذه الأمور الثلاثة؛ طاعة الله وخشيته وتقواه، فمتى حصلت هذه الأمور لشخص فإنه يفوز، والتفصيل معروف عاد من الكتاب والسنة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لأن نفس الخشية عبادة وأصل للتقوى، فكون الإنسان في قلبه خاشيًا لله ومعظمًا له وخائفًا منه، هذه عبادة من أعظم العبادات. * * * ثم قال الله تعالى: (﴿وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْد أَيْمَانهمْ﴾ غايتها، ﴿لَئِنْ أَمَرْتهمْ﴾ بالجهاد، ﴿لَيَخْرُجُنَّ قُلْ﴾ لهم، ﴿لَا تُقْسِمُوا طَاعَة مَعْرُوفَة﴾ للنبي ﷺ خير من قسمكم الذي لا تصدقون فيه، ﴿إنَّ اللَّه خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ). ﴿أَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْد أَيْمَانهمْ﴾ حلفوا به، ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ هذه الآية استوعبت أركان القسم، كل أركان القسم موجودة؛ لأن القسم دائمًا يحذف منه بعض أركانه، لكن هذه الآية استوعبت الأركان كلها؛ المقسم به، وحرف القسم، وفعل القسم، والمقسم عليه، أو لا؟ هذه الآية ذكرت فيها كل أركان القسم. فعل القسم: ﴿أَقْسَمُوا﴾، حرف القسم: الباء في ﴿بِاَللَّهِ﴾، المقسم به: ﴿اَللَّهِ﴾، المقسم عليه: ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾، هذه الجملة هي جواب القسم وهي المقسم عليه. أقسم هؤلاء لئن أمرهم النبي ﷺ؛ يعني: بالجهاد، والدليل أن المراد بالجهاد قوله: ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾، فمفروض أن (...) في الجهاد، فهم أقسموا هذا القسم؛ أن الرسول لو أمرهم لخرجوا. هذا القسم قسمٌ ونذرٌ؛ لأن القسم إذا تضمن التزامًا من الإنسان لله صار جامعًا بين القسم والنذر، وعلى هذا لو قال قائل: واللهِ لأصلين ركعتين، وقصده بذلك الالتزام، ويش يصير هذا؟ * طلبة: قسم ونذر. * الشيخ: يصير قسمًا ونذرًا، مثل: لله علي أن أصلي ركعتين (...)، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة ٧٥]. وأما إذا قصد الإنسان بالقسم تحقيق الشيء دون التزامه فإنه ليس بنذر، فالفرق بين الإنسان اللي يلتزم يرى أن نفسه ملزمة بهذا الشيء وبين الإنسان الذي يريد تحقيق الشيء، لكن من غير أن يرى نفسه ملزمًا، مثل لو قال: والله لأفعلن كذا؛ لأخرجن إلى السوق، لألبسن الثوب، وما أشبه ذلك، هو ما قصده أنه يلزم، قصده أنه يحقق أن يفعل بغير أن يكون ملزمًا؛ يعني: يقول: أنا بفعل هذا، ويحقق أنه سيفعله، فهذا ليس بقسم، فالقسم إن تضمن إلزامًا ويش صار؟ * طالب: قسمًا ونذرًا. * الشيخ: قسمًا ونذرًا، أو نذرًا مقسمًا عليه. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾ ما حاجة تقسمون تقولون: والله لئن أمرتنا لنخرجن، وإنما إذا أمرتم فاخرجوا بدون قسم، ما حاجة (...). ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ المؤلف جعل حسب سياقه ﴿طَاعَةٌ﴾ مبتدأ، و﴿مَعْرُوفَةٌ﴾ صفة له، وخبرها محذوف تقديره: خير من قسمكم. ولكن هذا ليس بظاهر، بل الظاهر أن ﴿طَاعَةٌ﴾ مبتدأ، والخبر محذوف تقديره: عليكم؛ عليكم طاعةٌ معروفةٌ، أو ﴿طَاعَةٌ﴾ خبر، والمبتدأ محذوف؛ أي: طاعتكم طاعةٌ معروفةٌ، معنى ذلك: أن الإنسان عليه أن يطيع طاعة معروفة، والطاعة المعروفة من المؤمنين أنه حلف أن يفعل ولَّا يفعل بدون حلف؟ * طلبة: يفعل بدون حلف. * الشيخ: نعم، يفعل بدون حلف؛ لأنه اللي حلف أنه يفعل كأنه ما وده يفعل، لكن بيلزم نفسه غصبًا. فالطاعة المعروفة: الانقياد بدون قسم، وهذا أولى من تقدير المؤلف، وهو أن نقول: عليكم طاعةٌ معروفةٌ، أو طاعتكم طاعةٌ معروفةٌ؛ يعني: الطاعة المعروفة للمؤمنين، وهي التزام أحكام الشرع بدون قسم. (﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: من طاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل) هذا ما هو بصحيح، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: بكل ما تعملون، سواء أقسمتم عليه أم لم تقسموا عليه. و(ما تعملون) (ما) اسم موصول يفيد العموم؛ أي: جميع الأعمال، و﴿خَبِيرٌ﴾ بمعنى: عليم، إلا أن الفرق بينه وبين العليم: أن الخبير هو العليم ببواطن الأمور، فيكون أدق من العلم المطلق، خبرة بالبواطن. ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ عام بكل ما يعمله الإنسان في قلبه أو لسانه أو جوارحه، ما يخفى على الله سبحانه وتعالى من ذلك شيء. * يستفاد من هذه الآيات الكريمة: بيان صفة انقياد المؤمنين؛ صفة الانقياد: أنهم إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم يقولون: سمعنا وأطعنا، ما يتلكؤون ولا يترددون. * وفيه أيضًا: ما يترتب على هذا السمع والطاعة من الفلاح الذي هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب. * وفيه أيضًا دليل على فائدة أن الطاعة والخشية والتقوى وأن هذه الثلاث فائدتها الفوز بالجنة والنجاة من النار. * وفيها دليل على كراهة النذر؛ لقوله: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾، وهذا نهي، وقد اختلف أهل العلم في النذر هل هو مكروه أو حرام؟ على قولين؛ فمن العلماء من يرى أن النذر مكروه، ومنهم من يرى أنه محرم، وكأن شيخ الإسلام يميل إلى التحريم، وهو أقرب؛ القول بالتحريم أقرب من القول بالكراهة؛ لأن الله تعالى نهى عنه بقوله: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾، والأصل في النهي التحريم، والنبي ﷺ نهى عنه وقال: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦٠٨)، ومسلم (١٦٣٩ / ٤) واللفظ له من حديث ابن عمر.]]. والمعنى يقتضيه أيضًا؛ لأن الإنسان في عافية، فكونه يلزم نفسه بأمر لم يلزمه الله به هذا من تكليف نفسه بما لم يكلف به. ثم أيضًا من المعنى الذي يقتضيه: أن كثيرًا من الناس الناذرين يندمون على نذرهم، لا سيما إذا كان النذر فيه نوع من المشقة؛ مثل حلف: إن شفى الله مريضه أن يصوم من كل شهر عشرة أيام، وشفى الله مريضه، (...) الآن يصوم عشرة أيام من كل شهر إلا لعذر؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ»[[أخرجه البخاري (٦٦٩٦) من حديث عائشة.]]. وكثير من الناس الناذرين لا يوفون بنذرهم من أجل أنهم يرونه محقًّا، يقول: الحمد لله، حصل من المطلوب، وشفى الله مريضي، ولَّا نجحت، فلا يوفي لله بما وفى الله له به، الله يوفي له بما اشترط على ربه وهو -والعياذ بالله- لا يطيعه، ولكن ويش النتيجة والعاقبة؟ عظيمة جدًّا؛ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ ولا تَصَدَّقوا، ﴿وَتَوَلوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ولم يكونوا صالحين، واللي حصل ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا﴾ أي: بسبب ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة ٧٥ - ٧٧]. وهذه النتيجة -والعياذ بالله- سيئة عظيمة جدًّا؛ أن يجعل الله نفاقًا في قلب هذا الناذر الذي لم يفِ لله تعالى بما عاهد الله عليه؛ لأنه عاهد الله على هذا الشيء. وأما من نذر معصية فلا يجوز الوفاء بها؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فنفسك وإن ألزمتك بفعلها فلا تطعْها، كما لا تطيع أميرك إذا ألزمك بأمر فيه معصية الله كذلك أيضًا لا تطعْ نفسك إذا ألزمتك بأمر فيه معصية الله، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ»[[أخرجه البخاري (٦٦٩٦) من حديث عائشة.]]. ومع ذلك فعلى الناذر كفارة يمين، فالناذر ما يخلو في الحقيقة من بلاء يلزم به نفسه، أقله كفارة يمين، حتى لو قال الإنسان مثلًا: للهِ علي نذر، بس ها الكلام وما قال شيئًا، ويش يجب عليه؟ يجب عليه كفارة اليمين، وبهذا نعرف خطورة النذر. وأما ما يتوهم بعض الناس من أن النذر يحصل به المطلوب، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام نفى هذا الوهم بقوله: «فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦٠٨)، ومسلم (١٦٣٩ / ٤) واللفظ له من حديث ابن عمر.]]، كيف هو يجلب الخير؟ مريضك قد قدَّر الله أن يشفى قبل أن تنذر، وليس نذرك سببًا للشفاء بالتأكيد، فالله عز وجل أكرم الأكرمين، ليس يتوقف كرمه على شيء (...) الإنسان (...) أنا بنذر لك علشان تشفي مريضك، لا، إذا أنعم الله عليك من نعمة فأنت اشكره عليها بما جاءت به الشريعة، وأما إنك تقول (...)، كأنك تقول: الله ما يطيعني، يشفي هذا المريض إلا لو (...) أنذر له علشان يشفيه، ثم تأتي البلوى، فيحصل الأمر عنده لا به، وهذا من الابتلاء. لذلك ينبغي لكم، بل يجب عليكم أن تحذِّروا من النذر، وأن تقولوا للناس: النذر لا يأتي بخير، النبي عليه الصلاة والسلام -وهو لا ينطق عن الهوى في هذه الأمور- أخبر بأنه لا يأتي بخير. وكم من طالبٍ نَذَر: إن الله نجحه أنه يصوم ثلاثة أيام، وينجحه الله ولا بيصوم، ما صام (...) لأيش؟ لأن النفس -في الحقيقة- الضعيفة الإيمان ما يهمه أنه يخالف، يقول: حصل المقصود ولا (...)، على كل حال هذا النذر يستدل على تحريمه بقوله: ﴿لَا تُقْسِمُوا﴾. * وفيه: وجوب تقييد الطاعة بالمعروف؛ أن تكون طاعةً بالمعروف، ويش معنى معروف أنه بين الناس ولَّا من الشرع؟ طاعةٌ معروفةٌ بالشرع، ما هي من الناس؛ لأن الناس قد يعرفون شيئًا يظنونه طاعة وليس بطاعة. * ويستفاد منها: أنه لا تجوز الزيادة على الشرع في الطاعة ولا النقص؛ لقوله: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ بدون غلو ولا تقصير. * وفيه أيضًا: إحاطة علم الله بكل شيء؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: بكل ما تعملونه حاضرًا ومستقبلًا. والفائدة من ذكر عِلْمِ الله بما نعلم ليس مجرد أنه يخبرنا أنه يعلم، لكن الفائدة من ذلك أيش؟ هو الترغيب ولَّا الترهيب؟ كلاهما، إلا إذا اقتضى السياق أحدًا منهما فقط، وإلا فكونك تعلم أن الله يعلم كل ما تعمل؛ يعني: يوفقك على العبادة (...).