Tafsir Ibn Uthaymeen — النور 24:4 – النور 24:30
المحتويات
النور 24:4
العامل في هذا المصدر هو المصدر؛ يعني: فأن يشهد أحدهم أربع شهادات، وخبر المبتدأ اللي هو شهادته محذوف، قدره المؤلف بقوله: يدفع عنه حد القذف، ﴿شَهَادَةُ﴾ مبتدأ، و﴿أَرْبَعَ﴾ أيش نقول في إعرابه؟
نائب مناب المصدر.
أين عامله؟ عامله ﴿شَهَادَةُ﴾، المبتدأ (...) خبر؟
خبره، يقول: محذوف، تقديره: يدفع عنه حد القذف، معناه: فأن يشهد أحد أربع شهادات بالله.. إلى آخره، يدفع عنه حد القذف، والمؤلف رحمه الله ما ذكر القراءة الثانية، وهي قراءة الرفع.
﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور ٦]، على قراءة الرفع نقول: ﴿شَهَادَةُ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿أَرْبَعُ﴾، خبره ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾.
﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾: ﴿بِاللَّهِ﴾؛ يعني: لا بد أن يقول: أشهد بالله، متعلقة بـ﴿شَهَادَاتٍ﴾، ما يكفي أن يقول: أشهد أن امرأته كذا وكذا، بل لا بد أن يقول: أشهد بالله؛ لتتضمن الشهادة شهادة وقسمًا، أشهد بالله، ولهذا أجيبت بجواب القسم، وأيش هو جواب القسم؟ إنه لمن الصادقين، صار لا بد أن يشهد شهادة بالله ليكون شهادة مقرونة بالقسم، والدليل على هذا أنه أجيب بما يجاب به القسم، وهو قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور ٦]، فهذه الجملة الخبرية مؤكدة بالشهادة والقسم وإن واللام، أربعة مؤكدات، وتكرر أربع مرات، فيصير تأكيدًا من وراء تأكيد، فإخباره عن زوجته بأنها زنت مؤكد بهذه الأربعة، عدّهم؟
* طالب: (...).
الشيخ: واللام والنون، أيش بعد؟ والشهادة، شهادة واحدة؟ أربع شهادات؛ يعني: وأشهد بالله أني لمن الصادقين.
وقولنا: ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ الصادق: هو المخبر بما يطابق الواقع.
وقوله: فيما رمى به زوجته من الزنا؛ يعني: لا بد أن يقول هذا أو معناه، إما يقول: فيما رميتها به من الزنا، أو: فيما قذفتها به من الزنا، أو ما أدى هذا المعنى، المهم لا يكفي أن يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين، ما يكفي هذا، وأيش السبب؟
لأنه قد ينوي به الصادقين في غير هذه القضية، وظاهر القرآن الكريم أنه يجزي؛ لأنه ما قال: فيما رميتها به من الزنا لمن الصادقين، ويكون هذا وإن نوى (لمن الصادقين) في قول آخر ما ينفعه؛ لأنه كما جاء في الحديث: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ»[[أخرجه مسلم (١٦٥٣ / ٢٠) من حديث أبي هريرة.]]، فأنت وإن نويت خلاف ذلك فأنت إنما استشهدت على أي شيء؟
على ما رميتها به من الزنا، استشهدت على ما رميتها به من الزنا، فسواء ذكرته أم لم تذكره لا يختلف الحكم، ولهذا القرآن لم يقيده بذلك، وأيش يكون بناء عليه؟ على أن المقام يعينه، وأن نيته خلاف ذلك لا تنفعه، لماذا؟
لأن اليمين على ما يصدقك به صاحبك؛ يعني خصمك، على ما يصدقك به صاحبك.
* طالب: (...).
* الشيخ: أي نعم، لكن لو أنه قال ذلك، أو هي طلبت ذلك مثلًا، أو الحاكم طلب منه ذلك، فإنه أولى؛ لأجل أن يطمئن الإنسان أكثر، للطمأنينة؛ يعني لو طلب القاضي منه ذلك، القاضي مثلًا خاف أنه يتأوّل -وإن كان تأوله لا ينفعه- فإنه إذا أمره يجيبه على هذا الشيء؛ إذا أمره أن يقول ذلك يجيبه.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يجب عليه أيش؟
* طالب: (...) على ما رميتها به من الزنا.
* الشيخ: لا، ما يجب، على ما رميتها به من الزنا ما يجب؛ لأنه ليس موجودًا في الآية، لكن المقام يعيّنه.
لو قال: أشهد بالله إني لصادق، هل يجزي ولّا لا بد أن يقول: (لمن الصادقين)؟
والله هذه المسألة الفقهاء يقولون: لا بد أن يكون باللفظ، وفي نفسي من ذلك شيء؛ لأن هذه ليست ألفاظ ذِكر يتعبد الإنسان بها، إنما هي ألفاظ يقصد بها إثبات ما شهد به، وهو لا شك أن الأولى والأحرى والأبرأ أن يقول ذلك بلفظ القرآن، لكن لو قال: إني لصادق، فالظاهر أنه يجزئ؛ لأن المقصود بقوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، المقصود إثبات الصفة أو الشهادة بالله على صدقه.
قال: ﴿وَيَدْرَأُ﴾ [النور ٨] يدفع ﴿عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، شوف الآن الرجل إذا قذف زوجته بالزنا وأتى بالشهود، أتى بشهود أربعة يشهدون بأن هذه المرأة زنت، ورأوا ذكر الزاني في فرجها يحتاج لعانًا ولّا ما يحتاج؟
* طلبة: لا ما يحتاج.
* الشيخ: لا يحتاج، كذا؟ لأن الله إنما ذكر هذا فيمن لم يكن له شاهد إلا نفسه، ثانيًا: إذا شهد على ما رماها به أربع شهادات وأقرت بذلك انتهى الأمر أيضًا، إذا أقرت بذلك انتهى الأمر، وأُقيم عليها الحد، إذا لم تقر بذلك فإنها حينئذ تلاعن، كذا؟ إذا سكتت لا أنكرت ولا أثبتت؟ فما الحكم؟
ينظر ما يستفاد من الآية ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور ٨].
﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ، ﴿وَالْخَامِسَةَ﴾ ؛ يعني: وشهادته الخامسة، ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أنا عندي مشكولة بالنصب؟
* طلبة: بالرفع (...).
* الشيخ: إي، على الوجه الذي مشى عليه المؤلف، ما يكون من حذف الجمل.
* طلبة: (...).
* الشيخ: ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ بالرفع، لا ﴿أَرْبَعَ﴾ بالنصب، هذه قراءة ثانية، غير مشكولة، (...)، لا في ذلك، أيش نقول؟
* طالب: المتن كده، ما تنفعش.
* الشيخ: إي، طيب.
* طالب: (قوله: خبر المبتدأ هو شهادة أحدهما، أما قوله: ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ فهو معطوف على مبتدأ، والخبر المحذوف خبر عن المعطوف والمعطوف عليه، وقوله: ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [النور ٧]، ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ (...) بدل من (الخامسة)، أو على تقدير حرف الجر، أي بأن لعنه، انتهى، قوله: فهو معطوف على المبتدأ غير متعين (...)، و(أن لعنة الله) خبر، والجملة مبتدرة بين مبتدأ وخبر محذوف.
قوله: تدفع عنه حد القذف هذا المقدر).
* الشيخ: (...).
* طالب: (هذا قول يتبع الوصف، عند قوله تعالى: ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ ، قوله: نصب على المصدر، أي الاصطلاحي النحوي، وهو كل ما انتصب على المفعولية مطلقًا، فإنه يسمى عند النحاة مصدرًا، وإن كان غير مصدر، بمعنى اللفظ الدال على الحدث وحده، وما هنا نعت من مصدر محذوف تقديره شهادةُ أربع.
* الشيخ: شهادةً أربع.
* الطالب: تقديره شهادةً سأربع، هذا وقرئ بالسبعة أيضًا ﴿أَرْبَعُ﴾ برفعها على الخبرية، ولا حذف في الكلام، وقوله: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ إلى آخره، بالرفع لا غير، باتفاق السلف، وقوله: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ بالنصب لا غير).
* الشيخ: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، ﴿الْخَامِسَةُ﴾ مبتدأ، و﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ خبره، تأويله مصدر.
وقوله: ﴿لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ اللعنة: هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وقوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هذا شرط في الدعاء على نفسه باللعنة؛ يعني: إن كان كاذبًا فلعنة الله عليه؛ يعني: وإن كان صادقًا فلا لعن، وقوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في أي شيء؟
فيما رمى به زوجته من الزنا، فإنه مستحق للعنة الله التي هي الطرد والإبعاد، ومناسبة ذكر اللعنة هنا في مقابل كذبه؛ لأنه في الحقيقة يتضمن كلامه إبعاد زوجته، واتهامها بما هي بريئة منه، ولذلك جاء بذكر اللعنة، بخلاف المرأة، فإنها تأتي بأمر آخر، كما سيذكر إن شاء الله.
وقوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ يدفع عنها العذاب، أي: حد الزنا الذي ثبت بشهادته، نحن قلنا: إذا رمى الرجل زوجته بالزنا فلا يخلو من ثلاث حالات:
إما أن يقيم بينة فهنا يقام عليها الحد بالبينة.
وإما أن تُقِرّ فيقام عليها الحد بالإقرار.
وإما أن تُنْكر، وفي حال إنكارها يطلب اللعان، فإذا شهد الرجل أربع شهادات بالله أقيم عليها الحد، لكن لها أن تدفع هذا الحد بشهادات تنقض شهادة الرجل، إذن العذاب في قوله: ﴿عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ المراد به: حد الزنا.
وأما قول فقهائنا -رحمهم الله: إن المراد بالعذاب الحبس، فهذا قول ضعيف جدا؛ لأنه لا ذكر للحبس في الآية، بل إن الآية صريحة في أن الذي يندفع هو العذاب، والعذاب هو الحد، حد القذف، بدليل قوله في الآية فيما سبق: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فالمراد بالعذاب إذن يتعين أن المراد بالعذاب هو حد الزنا.
أما قول الفقهاء -رحمهم الله: إن العذاب الحبس حتى تقر أو تلاعن، فهذا قول لا دليل عليه، وهو ضعيف جدًّا، والصواب: أن المراد بالعذاب حد القذف، إذن إذا أنكرت المرأة ويش نعمل؟ نقول للرجل: اشهد على ما قلت أربع شهادات بالله إنك لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين، فإذا شهد ويش يثبت؟ ثبت عليها الحد، حد الزنا، الرجم إن كانت محصنة، والجلد مع التغريب إن كانت غير محصنة.
* طالب: كيف تكون مش محصنة؛ لأنه ده زوج بيتهم زوجته؟
* الشيخ: يمكن يعقد عليها ولا يجامعها، فتكون غير محصنة، وبعدين لها -بعد أن ثبت الحد عليها بشهادة الزوج- لها أن تسقط الحد هذا (...)؟ بشهادات تقابل شهادات الزوج، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ أي: شهادتها ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الزنا.
* طالب: يعني تسجن؟
* الشيخ: تسجن حتى تُقِر أو تلاعن.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن ما يخلو تلاعن.
* طالب: ويش لون يعني (...).
* الشيخ: (...) إذا شهد عليها، فإن لاعن قبلنا منه، وإن أبى لا نقيم عليها حد الزنا؛ نحبسها حتى تقر بالزنا أو تلاعن، أما الآية فتدل على أنه إذا لم تلاعن يقام عليها الحد مباشرة.
يقول: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الزنا، يقابل قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيما رماها به من الزنا.
و﴿الْخَامِسَةَ﴾ [النور ٩] يعني: وتشهد الخامسة ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور ٩]، في ذلك ﴿الْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِين﴾، في مقابل ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
لكن لماذا اختير لها الغضب دون اللعنة؟
لسببين: لأن الغضب أشد من اللعنة، الغضب -والعياذ بالله- أن الله يغضب عليها يلزم منه اللعنة وزيادة، بخلاف اللعنة فهى طرد وإبعاد عن الرحمة، لكن هذا طرد وإبعاد مع غضب، فهو أشد، وإنما اختير لها ذلك -يعني الغضب مع أنه أشد من اللعنة- لسببين:
السبب الأول: أن رمي الزوج إياها بالزنا أقرب إلى الصدق من إنكارها؛ لأنه يبعد أن الزوج يرمي زوجته بالزنا، بعيد جدًّا، إلا إذا تيقن ذلك، لكن إنكارها هي أمر متوقع؛ لأنها تدرأ عن نفسها عار الفاحشة، وكذلك عن أهلها، مثلما قالت المرأة: «لا أفضح قومي سائر اليوم»[[أخرجه البخاري (٤٧٤٧) من حديث ابن عباس.]]. فعلى كل حال الغضب أشد من اللعنة، واختير للمرأة؛ لأن رمي الزوج إياها بالزنا أقرب إلى الصدق والواقع من إنكارها، فكان إنكارها أعظم، لذلك رتب عليه إن كان صادقًا أن يغضب الله عليها.
الوجه الثاني: أنها تقول: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وإذا كان من الصادقين فقد أنكرته هى، وحادت عن الحق مع علمها به، إذا قالت: ﴿غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وصار صادقًا، صار معناه أنها خالفت الحق أيش بعد؟ مع علمها به، الفرض أنه صادق، ولو صار صادقًا وهي تنكر، والفعل مفعول بها هي، وهي تقول: لا، ما هو بصحيح، وهو صادق في أنه صحيح، ويش يناسبها؟ صارت عالمة الحق فأنكرته، ومن علم الحق ورده..
* طالب: أشد.
* الشيخ: أشد، لكِنْ جزاؤه الغضب، ولهذا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] من هم المغضوب عليهم؟ الذين علموا الحق فأنكروه مثل اليهود، و﴿الضَّالِّينَ﴾ الذي لم يقولوا بالحق؛ لجهلهم به، فالحاصل يا جماعة الآن أنه اختير لها الغضب، وهو أشد من اللعنة؛ لأمرين:
الأول: أن شهادة الزوج عليها بالزنا أقرب من إنكارها إياه، ليش؟ لاستبعاد أن يرمي الزوج زوجته بالزنا وهي حليلته، ولقرب أن المرأة تنكر دفعًا للعار عنها وعن أهلها.
الوجه الثاني: أنه إذا كان صادقًا والمرأة تنكره صارت ترد الحق مع علمها به، ومن رد الحق مع علمه به فجزاؤه الغضب، كما في اليهود الذين ردوا الحق مع علمهم به فجوزوا بالغضب، ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
* طالب: الوجه الثاني أنها أشد أنه هو يستطيع أن يطلقها؟
* الشيخ: أي نعم، لكن ما هو مطلقها، هو لا يطلقها، لو كان يريد الطلاق ما احتاج أن يرميها، كان طلقها وانتهى الموضوع.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف الزيادة؟ أصلًا ما يمكن يقدم الإنسان على رمي زوجته بالزنا بمجرد الظنون أبدًا، ما يمكن، إلا شيئًا شافه ما يمكن يصبر عليه؛ لأن هذا عار عليهم على الذل، ولهذا -كما سيأتينا إن شاء الله في حديث الإفك- ما يمكن أن الإنسان العفيف (...) أن الله يبتليه بامرأة تزني ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور ٢٦]، فلهذا هو نفسه يجد من العار أن يشهر عند الناس أن امرأته زانية، لكن هي تجد من نفسها أن من العار أن تقر على نفسها بالزنا، فهى تحاول أن تنكر، أن غضب الله عليها..
* طالب: (...) فطلقها؟
* الشيخ: (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف؛ لأنه ربما إن هي تقر ويثبت عليها حد الزنا، وحينئذ يتخلص بدون مطالبة.
* طالب: وممكن يتخلص (...).
* الشيخ: خلاص، (...).
* طالب: (...) ما يصير عليها (...).
* الشيخ: لا، أصل هذا الولد يجب إذا حصل هذا الشيء منها، يجب عليه إن يستبرئها بحيضة، فإن قُدّر أنها أتت بولد، يعني لما استبرأها ما حاضت، حملت، فالولد له؛ لأن النبي ﷺ يقول: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٠٥٣)، ومسلم (١٤٥٧ / ٣٦) من حديث عائشة.]]، حتى لو فرضنا أنه حسب تقدير الله من هذا الزاني فهو ولد الرجل؛ لأن الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ.
* طالب: لكن إذا لاعن ينفي الولد.
* الشيخ: إذا لاعن ينفي الولد؟ انتهى الموضوع.
* طالب: تنفي الولد.
* الشيخ: اللعان لنفي الولد فيه خلاف، المذهب ما يجوز يلاعن لنفي الولد، لازم يقذفها أولًا بالزنا ثم يلاعن وينفي الولد، والصحيح أنه يجوز أن يلاعن لنفي الولد فقط، بأن يقول: ما أقول: زنت، لكن هذا الولد ليس مني وألاعن على ذلك. ويقول في اللعان: أشهد بالله، ويشهد أربع مرات إنه لمن الصادقين أن الولد ليس له، و﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: قد تكون مكرهة ما زنت، أو مشتبه فيها مثلا؛ لأن مسألة الزنا صعب، ولهذا أوجب الله فيه الحد، وهذا الرجل لو نفى ولده ما وجب عليه الحد.
* طالب: ما يجب عليه الحد؟
* الشيخ: لا هي ولا هو، لا هي نقول: إن هذا الولد يكون زنًا، ولا هو أيضًا، ونقول: هذا العمل يكون قذفًا، لو فرضنا على القول الصحيح أنها إذا حملت وليس لها زوج فإنها تحد، إلا إذا ادعت شبهة، لكن اللي لها زوج ما يمكن نأتيها ولا نقربها، يحتمل أنه زوجها.
* طالب: (...).
* الشيخ: قلنا: إنه لما كان لعانه هذا يتضمن إبعادها عن نفسه وعن أولادها، وكذلك إبعادها عن العفة، ما أحد يدعو على نفسه باللعنة، جزاء وفاقًا.
* طالب: هذه المرأة (...).
* الشيخ: هذه إن شاء الله تأتينا بالفوائد.
* * *
* طالب: قال رحمه الله تعالى: وعن عبادة قال:« صلى رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: «إِنِّي أُرَاكُمْ تَقْرَؤُونَ وَرَاءَ إِمَامِكُمْ»، قال: قلنا: يا رسول الله إي والله، قال: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا». رواه أبو داود والترمذي[[أبو داود (٨٢٣)، والترمذي (٣١١).]].
وفي لفظ: «فَلَا تَقْرَؤُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ بِهِ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ»، رواه أبو داود والنسائي والدارقطني[[أخرجه أبو داود (٨٢٤)، والنسائي (٩٢٠)، والدارقطني (١٢١٧).]] وقال: كلهم ثقات.
وعن عبادة: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا يَقْرَأَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» رواه الدارقطني[[أخرجه الدارقطني (١٢١٧).]]، وقال: رجاله كلهم ثقات.
وروى عبد الله بن شداد: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامُ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ..»[[أخرجه ابن ماجه (٨٥٠)، وأحمد في المسند (١٤٦٤٣) من حديث جابر بن عبد الله.]].
* * *
* الشيخ: أو للتخلص منها مثلًا، ولهذا -هذا والله أعلم- الحكمة في أنه لم يحد، لكن من راعى المعنى قال: الآية السابقة تدل على أن الرمي بالزنا يوجب الحد، وهذا الآية تدل على أن رمي المرأة بالزنا يوجب اللعان، فتبقى الآية هناك بالنسبة للأجنبي على عمومها، وهذه بالنسبة للزوجة على خصوصها، لكن السنة –الحقيقة- هى الفاصلة، والنبي ﷺ ما حد الرجل الذي قذف امرأته بشريك ابن سحماء[[أخرجه البخاري (٢٦٧١) من حديث ابن عباس، أخرجه مسلم (١٤٩٦ / ١١) من حديث أنس.]] لكن الذين يقولون: يحد، يجيبون عن هذا، يقولون: من قال: إن شريك ابن سحماء طالب بحقه؟
وحد القذف لا يجب إلا بالمطالبة، لكننا نقول ردًّا على هذا: مسألة كون حد القذف لا يجب إلا بالمطالبة محل نظر؛ لأن عموم الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ لا تقيد ذلك بالمطالبة، وكون هذا حقًّا خاصًّا للمقذوف محل أيضا نظر، وغير مسلم (...)؛ لأن تدنيس أعراض المسلمين ليس حقًّا شخصيًّا في الواقع، يتعلق بأيش؟ يتعلق بعموم المجتمع الإسلامي، وإفساد له، ولهذا أنا أميل إلى أن حد القذف يجب، وإن لم يطالب به المقذوف، المهم أن يثبت، حتى لو أن المقذوف صار ما فيه خير، ولا يريد أن يدافع عن عرضه وسكت، نقول: المسلمون هم الذين يدافعون عن عرضك، ويقام الحد عليه.
وفي هذا أيضًا، في الآية إثبات الأسباب والموانع، من قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النور ١٠]، فإن هذه الآية فيها مانع وفيها سبب، فالسبب ذنوب مثلًا وما نحن عليه من الأخطاء، والمانع الذي يمنع من العقوبة هو فضل الله ورحمته.
(...) إثبات التواب اسمًا من أسماء الله لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [النور ١٠].
وإثبات الحكيم اسمًا من أسمائه، والحكيم كما أشرنا إليه أولًا يتضمن معنى الحكم والحكمة، والحكم كوني وشرعي والحكمة في الإيجاد والصورة، أيش بعد؟
* الطلبة: والغاية.
* الشيخ: والغاية، وهذه أيضًا الأشياء الثلاثة في الحكمة، في الحكم القدري والحكم الشرعي، أيش تسأل؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا أبدًا، هو ما تبين الأمر ورجحان قول الزوج إلا بعد الوضع، كيف نحيل الحكم على أمر ما تبين من قبل، ثم لو فرض أن فيه أمارات وقرائن وهو ما يمنع، اللهم إلا أن الأمارات في الحقيقة والقرائن قد تؤدي إلى كون المقذوف ليس محصنًا، فلا يجب الحد بقذفه، وإنما يجب التعزير؛ لأن قذف غير المحصن يوجب التعزير، على كل حال فهذه الأمارات ما ظهرت إلا بعد.
* طالب: ما الفرق بين الملاعنة والوضع (...).
* الشيخ: لا بد من اللعان لا بد منه، فيه أيضًا هذا البحث ذكرنا بمسألة الولد، هل ينتفي الولد عن الزوج باللعان ولّا ما ينتفي؟
* طالب: ينتفي.
* الشيخ: نعم، إن نفاه في لعانه انتفى، وإلا فهو ولده، إذن لا بد من أن يصرح بنفيه وإلا فهو ولده؛ لأن الْوَلَد لِلْفِرَاشِ، كما قال النبي ﷺ، «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، إذا سكت عن الولد فهو ولده، وإن نفاه انتفى.
فيما إذا نفاه من أبوه؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: ليس له أب شرعًا، أما قَدَرًا فله أب، ضروريًّا، لكن شرعًا ليس له أب، إلى من ينسب؟
* الطلبة: إلى أمه.
* الشيخ: ينسب إلى أمّه، وترثه أمه ميراث أمّ وأب، ولّا ميراث أيه؟
* طالب: أم وأب.
* الشيخ: هو ما ينسب إلى أمه، ويش تصير أمه، تكون أمه أمًّا وأبًا.
ينبني على ذلك صورة، لو مات هذا الإنسان هذا الولد عن أمه التي ولدته وعن إخوته الأشقاء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، عمره ما فيه أشقاء، ما يمكن يكون أشقاء، ما يمكن يصير أشقاء، لكن عن إخوته من أمه، كذا؟ لأن إخوته من أمه (...)، ما يمكن يصيرون أشقاء.
كيف يكون الميراث؟ إذا قلنا إن الأم أم وأب حجبتهم الأم، فصار الميراث لها وليس لإخوته شيء؛ يصير لها السدس على أنها أم، كذا؟ والباقي لها تعصيبًا على أنها أب، وهذا هو الصحيح، لحديث: «تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: لَقِيطَهَا، وَعَتِيقَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ»[[أخرجه أبو داود (٢٩٠٦)، والترمذي (٢١١٥)، وابن ماجه (٢٧٤٢) من حديث واثلة بن الأسقع. ]]، المذهب يقولون: إنها ترثه ميراث أم فقط، ويكون العاصب له عصبة أمه، وعلى هذا فيكون للأم هنا السدس، والباقي لإخوته من أمه؛ لأنهم هم عصبة الأم، أبناؤها، فيكون الباقي لهم.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [النور ١٠]؛ لقبول التوبة في ذلك وغيره، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما حكم به في ذلك وغيره، فبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها.
قوله: (لولا) هذه شرطية ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، ويسمونها حرف امتناع لوجود؛ يعني أنها منعت شيئًا لوجود شيء، هنا ننظر ما هو الذي امتنع لوجود شيء؟
الذي امتنع هو الجواب المحذوف، جواب لولا المحذوف، وهو ما قدره المؤلف بقوله: (لبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها) هذا هو الذي امتنع لوجود أي شيء؟
لوجود فضل الله ورحمته، فالحاصل أن الذي منع جواب (لولا) في هذه الآية هو فضل الله ورحمته، وأما ﴿فَضْلُ﴾ فهو مبتدأ وخبره محذوف؛ لأن (لولا) يحذف بعدها الخبر وجوبًا، قال ابن مالك رحمه الله:
وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ∗∗∗ حَتْمٌ.....................
يعني لازم، فهنا (لولا) إذن تحتاج إلى جواب، جوابها مقدر، وتحتاج إلى خبر مبتدأ وهو محذوف أيضًا، ويحذف وجوبًا بعد (لولا) غالبًا، كما قال ابن مالك رحمه الله.
وقوله: ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ إلى آخره، الفضل من آثار الرحمة في الحقيقة، لكن الرحمة تكون فيما يضطر إليه العبد وزيادة، وتكون في الزيادة أيضًا، والفضل في الزيادة فقط، فيكون عطف الرحمة هنا على الفضل من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الفضل من آثار الرحمة لكنه أخص منها، حيث إنه زائد على ما يحتاج إليه العبد ويضطر إليه، وأما الرحمة فتكون فيما يحتاج إليه العبد، وفيما زاد على ذلك.
يقول المؤلف: (بالستر في ذلك) هذا بناء على خصوص الآية في المتلاعنين، والصواب أن الآية عامة؛ يعني: لولا فضل الله عليكم ورحمته في هذا وغيره -ما هو بس في الستر- لحصل لكم ما لم يحصل لكم الآن، فالصواب إبقاء الآية على عمومها، وأنه لولا هذا الفضل والرحمة من الله ما حصل لهم الذي حصل من هذا التيسير وهذا التشريع الحكيم.
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ معطوف على ﴿فَضْلُ﴾؛ يعني: ولولا أيضًا أن الله تواب حكيم، تواب سبق لنا أن التواب كثير التوبة، وأن توبة الله على عباده تنقسم إلى قسمين: أحدهما التوفيق للتوبة، والثاني قبول التوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨]، وتطلق التوبة من العبد إلى الله، وهي من العبد إلى الله معناها: الرجوع من معصيته إلى طاعته، فالعبد تواب، والله تواب، لكن فرق بين تواب التي يوصف بها الله وتواب الذي يوصف بها العبد، فتواب التي يوصف بها الله معناها: الموَفِّق للتوبة القابل لها، وتواب التي يوصف بها العبد معناها: الرَجَّاع إلى الله سبحانه وتعالى من معصيته إلى طاعته.
﴿حَكِيمٌ﴾ سبق لنا أنها مشتقة من الحكم والحِكْمة، فتكون بمعنى حاكم وبمعنى مُحْكِم، ﴿حَكِيمٌ﴾ مشتقة من الحكم والحكمة فهي بمعنى حاكم ومحكم، والحكم لله سبحانه وتعالى ينقسم إلى كوني وشرعي، ومر علينا قريبًا في التوحيد، والحكمة تكون في الحكم الكوني، وتكون كذلك في الحكم الشرعي، فمحل الحكمة الحكمان؛ يعني: الحكم الكوني والحكم الشرعي.
والحكمة -أيضًا كما مر علينا سابقًا- تكون حكمة في الإيجاد وحكمة في الصورة وحكمة في الغاية؛ يعني حكمة الله ليست هي غايات الأمور، لا، في الإيجاد وفي الصورة وفي الغاية، كيف في الإيجاد وفي الصورة وفي الغاية؟
يعني أن الله لا يوجد شيئًا إلا لحكمة، ثم إيجاده على صورة معينة حكمة أخرى، ثم الغاية من هذا الإيجاد حكمة ثالثة، إذن فحكمة الله سبحانه وتعالى تتعلق بالإيجاد، أيش تقول؟
* طالب: حكمة الله في الإيجاد وفي الصورة وفي الغاية.
* الشيخ: حكمة الله في الإيجاد والصورة والغاية، فمثلًا إيجاد الشمس هذا لحكمة، وهو حكمة إيجاده، كونها على هذه الصورة المعينة وبهذه الحرارة وبهذه المسافة عن الأرض وبهذا السير المعين هذه أيش اسمه؟ حكمة في الصورة، هذه أيضًا حكمة، الغاية منها -وهي مصالح الخلق- هذه أيضًا حكمة.
إيجاد الإنسان حكمة، وكونه على هذا الوجه من الصورة حكمة، والغاية من إيجاده حكمة، وهكذا في الأمور الكونية والشرعية، فإن تشريع الشرائع حكمة وكونها على هذا الوجه المعين حكمة، والغاية منها وهو إصلاح الخلق حكمة أيضًا، فالحاصل إذن أن حكمة الله سبحانه وتعالى تكون في أيش؟
* طلبة: في الإيجاد والصورة والغاية.
* الشيخ: في الإيجاد والصورة والغاية.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور ١٠]، الحكيم قلنا: إن معناها حاكم ومُحْكِم؛ أي: متقن؛ أي: ذو حكمة، المحكم بمعنى: ذو الحكمة، والحكمة كما عرفتم الآن تكون في الشرع وفي القدر؛ لأنها تكون في الحكمين، وتكون في الإيجاد والصورة والغاية أظن الأمر واضح.
جواب (لولا) ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أيش الجواب؟ يقول المؤلف رحمه الله: (لبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها)، المؤلف قصر هذه الآية ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ قصرها على قصة المتلاعنين؛ يعني: لولا أن الله تفضل علينا ورحمنا لبين الحق في ذلك؛ أي: بين كذب الزوج إن كان كاذبًا وكذب المرأة إن كانت هي الكاذبة، وعاجل بالعقوبة من يستحقها من أحدهما؛ لأن أحدهما كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لما تلاعنا: «اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا أَحَدٌ تَائِبٌ؟»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٣٤٩)، ومسلم (١٤٩٣ / ٦) من حديث ابن عمر.]]؛ يعني يعرض لهما بالتوبة، يقول: حداكما غلط هذا، الزوج ولّا الزوجة؟ وهذا صحيح، ويعرض عليهما التوبة، فهل أحد يتوب.
والمؤلف -رحمه الله- يرى أن هذه الآية خاصة بقصة المتلاعنين، والصواب أنها عامة فيها وفي غيرها، لماذا؟ لأن الله لم يقيدها، قال: ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، ولّا قال في ذلك.
ثم العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإذن يكون الجواب المقدر غير ما قدره المفسر، يكون ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ ما حصل لكم هذه المصالح، وانتفت عنكم تلك المفاسد، وهذا عامّ، أعم مما قاله المؤلف.
* الطالب: الخبر (...)؟
* الشيخ: لا الخبر محذوف، غير جملة، الجملة هذه جواب (لولا).
* الطالب: خبر (...)؟
* الشيخ: لا، جواب (لولا)، ما تقول: خبر لولا، أما ﴿فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ خبره محذوف، والتقدير: موجود، ولولا فضل الله عليكم ورحمته موجودان لحصل كذا وكذا، طيب نرجع إلى استنباط الفوائد من هذه الآيات.
* أولًا: يستفاد من هذه الآيات: الحكمة في تشريع الله، في الشرع، الحكمة في التشريع؛ لأن هذه الآية مستثناة في الحكم من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور ٤]، لو هذه الآية بقيت على ما هي عليه لوجب أن يجلد الزوج، الآية ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ في هذا الحكمة في التشريع، حيث خص الأزواج بهذا الحكم من حكم الذين يرمون المحصنات ولّا لا؟ هذا النوع من التخصيص ويش نوعه؟ متصل ولّا منفصل؟ يلا يا أصحاب أصول الفقه يا اللي تريدون تقرؤون بالروضة، جماعة يريدون يبدؤون بالروضة، وهم لا يعرفون التخصيص متصل ولّا منفصل؟
* طالب: ما هو من علم البلاغة هذا يا شيخ.
* الشيخ: لا لا، من علم أصول الفقه، ما يوجد شيء، ما هو التخصيص المتصل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...)، بأي طريق ما هي طرقه؟
يكون بالاستثناء والصفة والشرط ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ﴾ [العصر ٢، ٣]، الصفة: أكرم الطالب المجتهد، المجتهد؛ خصيته بالصفة متصلة.
الشرط: أكرم الطالب إن اجتهد، قرر (روضة الناظر) إن كانوا يعرفون أصول الفقه.
هذا النوع اللي عندنا هل هو واحد من هذه الثلاثة؟
لا؛ لأنها آية مستقلة، فالتخصيص إذن منفصل، فهذه الآية خصصت عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ لأنه لو بقيت الآية تلك على عمومها لكان الزوج إذا قذف زوجته يثبت له الأحكام الثلاثة السابقة، لكن الزوج انفرد عن غيره بهذا الحكم، فإذن هذه الآية أو تخصيص الأزواج من عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ هذا خصص بمخصص منفصل؛ لأنه نص مستقل.
ما هي الحكمة من تخصيص الأزواج بهذا الحكم دون غيرهم من القَذَفة؟ نحن قلنا: إن هذا من حكمة التشريع، فما هي الحكمة؟
الحكمة أن الزوج لا يمكن أن يقذف زوجته بالزنا إلا والأمر كما قال، ليش؟
لأن زنا زوجته عار عليه؛ لأنها هي حرثه، فإذا قذفها بالزنا أصبح الأمر شديدًا وعظيمًا، إذ أن هذا يوجب التشكك في أولاده عند الناس، ويوجب العار عليه حيث يقال: هذا الرجل ديوث كان يقر الفاحشة في أهله؛ لأن النفوس قد تقول ليش؟ يعني ما هذه بأول مرة يعثر، ما هو بعاثر إلا المرة الثانية والثالثة وما أشبه ذلك، إذ أن الزنا عادة ما يأتي علنا يأتي سرًّا، والسر ما هو يظهر في أول مرة، ولهذا لما كان زنا الزوجة عارًا على الزوج صار لا يمكن أن يقذف زوجته بالزنا إلا والأمر كما ذكر، ولهذا خص من بين سائر القاذفين بهذا الحكم، أن يعتبر قذفه هو، يعتبر رميًا ولّا شهادة؟
* الطلبة: شهادة.
* الشيخ: يعتبر شهادة.
* الفائدة الرابعة: أنه لا يصح اللعان إذا قذف أجنبية ثم تزوجها؛ لأنه لو قذف امرأة أجنبية ثم تزوجها فلا لعان، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور ٦]، فلو قذف امرأة أجنبية ثم تزوجها فلا لعان بينهما، وإنما يُحَدّ للقذف.
* خامسًا: عموم الآية ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾.
* طالب: تبقى زوجته؟
* الشيخ: أي نعم، وتبقى زوجة له.
عموم الآية ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾ يشمل ما قبل الدخول وبعد الدخول، فلو عقد على امرأة ثم رماها بالزنا أجري بينهما اللعان؛ لأنها زوجته.
* فيها أيضًا: أن رمي غير الزوجة ولو الأم أو البنت أو الأخت ممن يلحقهم عاره ليس كقذف الزوجة، بمعنى أن الرجل لو قذف أقرب الناس إليه بالزنا طبق عليه أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أحكام القاذفين الثلاثة السابقة، بخلاف الزوج، ووجه ذلك ما سبق من الإشارة إلى الحكمة.
* ومن الفوائد أيضًا: أن البدل يجعل له حكم المبدل منه، فلما كانت البينة على الزنا أربعة شهود، وكان الزوج إذا قذف زوجته في الزنا يعتبر شاهدًا، والتعدد الشخصي في حقه ممتنع أو لا؟ جعل التعدد في نفس الشهادة، فيكون هذا تقريرًا للقاعدة المشهورة المعروفة أن البدل له حكم المبدل منه، فلما كانت شهادة الزوج على زوجته بالزنا بمنزلة شهادة الرجل صار تكرارها بمنزلة تكرار الرجال وتعدد الشهود.
* وفيه أيضًا من الفوائد: تعظيم هذا الأمر بحيث لا يكتفى فيه بالشهادة المجردة، بل لا بد من شهادة مقرونة بأيش؟ بيمين، شهادة مقرونة بيمين فيقول: أشهد بالله.
* وفيه أيضًا: وجوب قرن هذه الشهادة المؤكدة باليمين، وجوب قرنها في الخامسة بأيش؟ باللعنة بالنسبة للزوج، وبالغضب بالنسبة للزوجة.
* ومن الفوائد أيضًا: أنه يجب أن يبدأ الزوج باللعان، أيش الدليل؟ ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾، ولا يتم العذاب عليها إلا إذا شهد الزوج، مفهوم؟ هذا من جهة الدليل.
من جهة النظر أن الزوج مدَّعٍ في الحقيقة، وأيهما يُبدأ به المدعي ولّا المنكر؟ الذي يطلب منه إثبات الحكم للدعوى المدعي، هو الذي يقال: هات بينة، إذا لم يوجد بينة رجعنا إلى المنكر، إلى المدَّعَى عليه، فعلى كل حال فيه من الفوائد أنه يجب البداءة بشهادات الزوج، الدليل من الآية أنه لما قال: ﴿شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، ولا يتم العذاب إلا بشهادة الزوج، هذا من جهة الأثر أو الدليل؟ من جهة النظر أن الزوج بمنزلة المدعي، والمدعي هو الذي يطلب منه أولا إثبات مدعاه.
* وفيه أيضًا من فوائدها: أنه لا بد أن يؤكد الشهادة بـ(إنَّ) و(اللام) مع اليمين، السابقة لقوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فلو قال: أشهد بالله بأني صادق، فإنه لا يكفي لا بد أن يأتي بـ(اللام)؛ لأن (اللام) تفيد زيادة تأكيد وتقوية، فلا بد من الإتيان بها.
* وفيه دليل على جواز الدعاء معلقا بالشرط، وين هو؟ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وهي تقول: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، ففيه دليل على جواز الدعاء معلقا بالشرط، وقد جاء مثله أو قريب منه في الاستخارة: «اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَدُنْيَايَ»[[أخرجه البخاري (١١٦٢) من حديث جابر بن عبد الله.]] إلى آخره، وكما جاء الشرع مفيدًا في دعاء الخالق جاء مفيدًا أيضًا في الشرع؛ يعني في الأحكام الشرعية، مثل ما قال النبي ﷺ لضباعة بنت الزبير «لما قالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأجدني شاكية، قال: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي، فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ»[[أخرجه مسلم (١٢٠٧ / ١٠٥)، والنسائي (٢٧٦٦) من حديث ابن عباس، واللفظ له.]]، وكما يجوز الشرط في دعاء المسألة يجوز الشرط أيضًا في دعاء العبادة كما في حديث ضباعة بنت الزبير، وهذا يشهد لرؤيا قصصتها عليكم رآها شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول: إنه رأى النبي ﷺ، وكان يشكل عليه جنائز تقدم إليه، ويشكل عليه أنهم مسلمون، فرأى النبي ﷺ ذات ليلة، فسأله عن أشياء من جملتها عن الرجل يُقَدَّم إلى الإمام ليصلي عليه وهو يشك في إسلامه، فقال له النبي ﷺ: عليك بالشرط يا أحمد.
أيش لون الشرط؟ مثل: اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له وارحمه؛ لأن هذا حقيقة، هي أن يُشْكل الإنسان في إسلام الجنازة المقدمة، فيقول: اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له وارحمه، وهذا جائز، وشاهده هذه الآية، وحديث الاستخارة هذا في دعاء المسألة، وفي دعاء العبادة، وأيش الدليل؟ حديث ضباعة بنت الزبير: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ».
* وفيه دليل على ثبوت الحد على المرأة بلعان الزوج إلا إذا أنكرت ولاعنت، هل يؤخذ من الآية ولّا ما يؤخذ؟ ثبوت الحد على المرأة بلعان الزوج من أين يؤخذ؟
* الطلبة: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾.
* الشيخ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، والعذاب هو الحد، والدليل على أن العذاب هو الحد قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وأما من فسر العذاب بالحبس بأنها تُحبس حتى تقر أو تلاعن؛ فهذا قول لا دليل عليه ولا معول عليه.
إذن يثبت الحد على المرأة بلعان الزوج كما تدل عليه الآية، وهل يثبت بغيره؟ البينة، إذا أتى بالبينة، وهذا مفهوم من الآية السابقة: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ٤]، ويثبت بأمر ثالث، وهو؟
* الطلبة: الإقرار.
* الشيخ: إقرار المرأة إذا أقرت، إذا أنكرت المرأة وقالت: أبدًا، هو كاذب، حينئذ نقول: لاعن، أجيبيه على شهاداته، فإذا أجابته على شهاداته سقط عنها العذاب، وإن لم تُجب أقيم عليها الحد.
* في هذا أيضًا دليل على الحكمة في اللعان، حيث خص الرجل باللعنة، بالدعاء على نفسه باللعنة، والمرأة في الدعاء على نفسها بالغضب، وهذا سبقت الإشارة إليه، يبين لنا ذلك؟
* طالب: (...) فيه إبعاد لها عن العفة.
* الشيخ: أي نعم؛ يعني كون الزوج يلعن نفسه إن كذب؛ لأن في إتهامه إياها بالزنا إبعادًا لها عن العفة.
* الطالب: وعن نفسه.
* الشيخ: وعن نفسه وأولاده، فناسب أنه يدعو على نفسه باللعن الذي هو الطرد والإبعاد، وبالنسبة لها؟
* الطالب: بالنسبة لها أن غضب الله عليها لما علمت الحق وأنكرته، فناسب أن..
* الشيخ: لأنه إذا كان كاذبًا، إذا كان مش صادق
* طالب: إذا كان صادقًا فهي قد علمت..
* الشيخ: فقد علمت الحق وأنكرته، وهذا شأنه الغضب، أو عقوبته الغضب، كل من علم الحق ورده فإنه يعاقب بالغضب، هذه واحدة، والثاني؟
* طالب: أن الزوج مظنة دعواه الصدق؛ لأنه هو يلحقه العار باتهامها بالزنا، فلما كان قضيتها الصدق، صار نصيبه أقل باللعنة، صار نصيبه أقل من الغضب، فهذا..
* الشيخ: وهي أقرب إلى الكذب؛ لأنها تريد أن تدفع عن نفسها وعن أهلها العار؛ فلذلك خصت بالغضب، واضح؟
إذن يؤخذ من هذا الحكمة في المغايرة بين الزوج والزوجة فيما يدعو أحدهما به على نفسه، فالمرأة في الغضب والزوج في اللعنة، ما رأيكم لو أنه عكس، وقال: الزوج غضب الله عليه، والزوجة لعنة الله عليها، يصح ولّا ما يصح؟
* طلبة: ما يصح.
* الشيخ: لا يصح، حتى قال العلماء: لو أبدل الغضب بالسخط، (...) هي الغضب بالسخط، أو أبدل اللعنة بالطرد والإبعاد عن رحمة الله، فإنه لا يصح اتِّباعًا للفظ، وهذا في الحقيقة محل نظر؛ لأنه -خصوصًا الطرد والإبعاد- السخط قد يكون بينه وبين الغضب فرق، لكن الطرد والإبعاد عن رحمة الله هو معنى اللعن، إلا أنه مع ذلك نقول: لا ينبغي العدول عما جاء به القرآن، أنه يقول للزوج: قل: لعنة الله عليه، وللزوجة: غضب الله عليها.
هل يشترط أن يقول: فيما رميتها به من الزنا، وتقول هي: فيما رماني به من الزنا، أو لا يشترط؟
* طالب: ظاهر القرآن لا يشترط.
* الشيخ: ظاهر القرآن لا يشترط، وكذلك ظاهر السنة، حينما لاعن النبي ﷺ بين هلال بن أمية وزوجته ما قال: لمن الصادقين فيما رميتها به، ولا قالت هي: لمن الكاذبين فيما رماني به، ولهذا الصحيح أن هذا ليس بشرط.
فإذا قيل أليس من الجائز أن يتأول ﴿لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في قضية أخرى؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: الجواب: بلى، من الجائز، لا شك أنه من الجائز أن يتأول، ويقول: لمن الصادقين؛ أي: في أمر آخر، لكن هذا التأويل ينفعه ولّا لا؟
* طلبة: ما ينفعه.
* الشيخ: لا ينفعه؛ لأن تأويل الظالم لا ينفعه، فإن يمينه على ما يصدقه به صاحبه، وعلى ما يقتضيه المقام، ولكن لو ذكر: فيما رميتها به من الزنا، وقالت هي: فيما رماني به من الزنا، لكان هذا أبين وأوضح، إلا أنه ليس بواجب.
* طالب: غير الظالم يا شيخ.
* الشيخ: غير الظالم ذكرنا أن المظلوم ينفعه قولًا واحدًا، ومن ليس بظالم ولا مظلوم محل خلاف بين العلماء، والأولى ألا يتأول؛ لأنه يؤدي إلى تهمته إذا تبين الأمر على خلاف ما أظهر، تبين تهمته، وأدى إلى أنه ما يوثق في كلامه، وكلما قال شيئًا خافوا من تأوله مثل ذات المرة، أما إذا صار مظلومًا فهذا ضرورة أنه يتأول.
* وفيه أيضًا: بيان فضل الله ورحمته على عباده بالشرع والقدر؛ لقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، فإن هذا يتعلق بالشرع وبالقدر، أما بالشرع فهو لولا أن الله تفضل علينا ورحمنا وشرع للأزواج ما شرع من اللعان لكان الزوج يقع في حرج عظيم؛ لأنه إن تكلم، وأيش اللي يُعمل به؟
* طالب: يقام عليه الحد.
* الشيخ: يقام عليه حد القذف، وإن سكتَ سكتَ على أمر عظيم، لكن من رحمة الله أن الله شرع اللعان، وهذا فضل ورحمة في الشرع.
كذلك في القدر، بالنسبة لقضية المتلاعنين، وهو ما أشار إليه المؤلف، أنه لولا أن الله سبحانه وتعالى يحب الستر لفضح المرأة، وأظهر آية تدل على صدق الزوج، أو بالعكس، إذا كان الزوج كاذبًا، لكن من رحمة الله أن الله سبحانه وتعالى يستر على عباده في الدنيا مثل هذه الأمور، ثم يجازيهم عليها في الآخرة.
في هذه الآية ما ذُكر حكم قذف الرجل لو عينه الزوج، لو قال: زنا بها فلان، فهل يُحد لقذف فلان؛ لأنه ليس زوجه طبعا؟
* طالب: تعين؟
* الشيخ: عَيَّن إيه؟ أو نقول: لأن الزنا هنا واحد، والله تعالى جعل شهادات الزوج بمنزلة إقامة البينة، لكن بالنسبة للزوجة لا بالنسبة لمن قذفها به، فيصير من قذفها به يسلم من الحد، ولا يصير له حق في إقامة حد القذف على الزوج، أو نقول هذا القذف يوجب اللعان بالنسبة للزوجة ويوجب الحد بالنسبة للأجنبي؟
* طالب: إن عَيَّن شخصًا..
* الشيخ: عَيَّن إيه؟ قال: فلان بن فلان، قال: هذه المرأة زنا بها فلان.
* طالب: لازم أربع شهادات، أربعة رجال.
* الشيخ: صحيح، ما خاف الأجنبي، ما حُد للزنا إذا لاعن الزوج، ما حددنا الأجنبي للزنا، لكن هل يُحَد الزوج لقذف الرجل ولّا ما يحد هذا السؤال؟
* طالب: لا يحد.
* طالب آخر: قد تكون للبينة، الخروج للبينة، إذا أراد أن يأتي بالبينة.
* الشيخ: لا، لا، على كل حال الحديث أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك ابن سحماء، فعَيَّن الرجل الذي زنا بها، ولم يحده النبي ﷺ حد القذف، ولهذا الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يُحد بقذف الرجل ولو عيّنه، لكن لا ينبغي مثل هذا؛ أن يقذفها بشخص معين لأجل ألا يدنس عرضه؛ لأن المسألة ما هي بثابتة بالشهود، فالأولى أن يقول: إنها زنت، ولا يُعَيِّن، لكن لو عَيَّن فإن السنة تدل على أنه لا يُحد للرجل، السبب في ذلك هو ما أشار إليه محمد إسماعيل، ما أدري عن قصد ولّا عن غير قصد، أو رمية من غير رامٍ، هو أن الأصل هنا والمقصود قذف الرجل الأجنبي ولّا الزوجة؟
* طلبة: الزوجة.
* الشيخ: الزوجة، وهو ما عَيَّن الرجل إلا لزيادة إثبات قذف الزوجة؛ يعني هو ما قال: فلان زنا بامرأتي، وأراد أنه يدنس الرجل هذا، هو في الحقيقة المسألة للتخلص منها مثلًا، فلهذا -هذا والله أعلم- الحكمة في أنه لم يُحد، لكن من راعى المعنى قال الآية السابقة تدل على أن الرمي بالزنا يوجب الحد، وهذه الآية تدل على أن رمي المرأة بالزنا يوجب اللعان، فتبقى الآية هناك بالنسبة للأجنبي على عمومها، وهذه بالنسبة للزوجة على خصوصها، لكن السنة الحقيقة هي الفاصلة، «والنبي ﷺ ما حد الرجل الذي قذف امرأته بشريك ابن سحماء»[[أخرجه مسلم (١٤٩٦ / ١١) من حديث أنس.]].
النور 24:5
العامل في هذا المصدر هو المصدر؛ يعني: فأن يشهد أحدهم أربع شهادات، وخبر المبتدأ اللي هو شهادته محذوف، قدره المؤلف بقوله: يدفع عنه حد القذف، ﴿شَهَادَةُ﴾ مبتدأ، و﴿أَرْبَعَ﴾ أيش نقول في إعرابه؟
نائب مناب المصدر.
أين عامله؟ عامله ﴿شَهَادَةُ﴾، المبتدأ (...) خبر؟
خبره، يقول: محذوف، تقديره: يدفع عنه حد القذف، معناه: فأن يشهد أحد أربع شهادات بالله.. إلى آخره، يدفع عنه حد القذف، والمؤلف رحمه الله ما ذكر القراءة الثانية، وهي قراءة الرفع.
﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور ٦]، على قراءة الرفع نقول: ﴿شَهَادَةُ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿أَرْبَعُ﴾، خبره ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾.
﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾: ﴿بِاللَّهِ﴾؛ يعني: لا بد أن يقول: أشهد بالله، متعلقة بـ﴿شَهَادَاتٍ﴾، ما يكفي أن يقول: أشهد أن امرأته كذا وكذا، بل لا بد أن يقول: أشهد بالله؛ لتتضمن الشهادة شهادة وقسمًا، أشهد بالله، ولهذا أجيبت بجواب القسم، وأيش هو جواب القسم؟ إنه لمن الصادقين، صار لا بد أن يشهد شهادة بالله ليكون شهادة مقرونة بالقسم، والدليل على هذا أنه أجيب بما يجاب به القسم، وهو قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور ٦]، فهذه الجملة الخبرية مؤكدة بالشهادة والقسم وإن واللام، أربعة مؤكدات، وتكرر أربع مرات، فيصير تأكيدًا من وراء تأكيد، فإخباره عن زوجته بأنها زنت مؤكد بهذه الأربعة، عدّهم؟
* طالب: (...).
الشيخ: واللام والنون، أيش بعد؟ والشهادة، شهادة واحدة؟ أربع شهادات؛ يعني: وأشهد بالله أني لمن الصادقين.
وقولنا: ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ الصادق: هو المخبر بما يطابق الواقع.
وقوله: فيما رمى به زوجته من الزنا؛ يعني: لا بد أن يقول هذا أو معناه، إما يقول: فيما رميتها به من الزنا، أو: فيما قذفتها به من الزنا، أو ما أدى هذا المعنى، المهم لا يكفي أن يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين، ما يكفي هذا، وأيش السبب؟
لأنه قد ينوي به الصادقين في غير هذه القضية، وظاهر القرآن الكريم أنه يجزي؛ لأنه ما قال: فيما رميتها به من الزنا لمن الصادقين، ويكون هذا وإن نوى (لمن الصادقين) في قول آخر ما ينفعه؛ لأنه كما جاء في الحديث: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ»[[أخرجه مسلم (١٦٥٣ / ٢٠) من حديث أبي هريرة.]]، فأنت وإن نويت خلاف ذلك فأنت إنما استشهدت على أي شيء؟
على ما رميتها به من الزنا، استشهدت على ما رميتها به من الزنا، فسواء ذكرته أم لم تذكره لا يختلف الحكم، ولهذا القرآن لم يقيده بذلك، وأيش يكون بناء عليه؟ على أن المقام يعينه، وأن نيته خلاف ذلك لا تنفعه، لماذا؟
لأن اليمين على ما يصدقك به صاحبك؛ يعني خصمك، على ما يصدقك به صاحبك.
* طالب: (...).
* الشيخ: أي نعم، لكن لو أنه قال ذلك، أو هي طلبت ذلك مثلًا، أو الحاكم طلب منه ذلك، فإنه أولى؛ لأجل أن يطمئن الإنسان أكثر، للطمأنينة؛ يعني لو طلب القاضي منه ذلك، القاضي مثلًا خاف أنه يتأوّل -وإن كان تأوله لا ينفعه- فإنه إذا أمره يجيبه على هذا الشيء؛ إذا أمره أن يقول ذلك يجيبه.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يجب عليه أيش؟
* طالب: (...) على ما رميتها به من الزنا.
* الشيخ: لا، ما يجب، على ما رميتها به من الزنا ما يجب؛ لأنه ليس موجودًا في الآية، لكن المقام يعيّنه.
لو قال: أشهد بالله إني لصادق، هل يجزي ولّا لا بد أن يقول: (لمن الصادقين)؟
والله هذه المسألة الفقهاء يقولون: لا بد أن يكون باللفظ، وفي نفسي من ذلك شيء؛ لأن هذه ليست ألفاظ ذِكر يتعبد الإنسان بها، إنما هي ألفاظ يقصد بها إثبات ما شهد به، وهو لا شك أن الأولى والأحرى والأبرأ أن يقول ذلك بلفظ القرآن، لكن لو قال: إني لصادق، فالظاهر أنه يجزئ؛ لأن المقصود بقوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، المقصود إثبات الصفة أو الشهادة بالله على صدقه.
قال: ﴿وَيَدْرَأُ﴾ [النور ٨] يدفع ﴿عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، شوف الآن الرجل إذا قذف زوجته بالزنا وأتى بالشهود، أتى بشهود أربعة يشهدون بأن هذه المرأة زنت، ورأوا ذكر الزاني في فرجها يحتاج لعانًا ولّا ما يحتاج؟
* طلبة: لا ما يحتاج.
* الشيخ: لا يحتاج، كذا؟ لأن الله إنما ذكر هذا فيمن لم يكن له شاهد إلا نفسه، ثانيًا: إذا شهد على ما رماها به أربع شهادات وأقرت بذلك انتهى الأمر أيضًا، إذا أقرت بذلك انتهى الأمر، وأُقيم عليها الحد، إذا لم تقر بذلك فإنها حينئذ تلاعن، كذا؟ إذا سكتت لا أنكرت ولا أثبتت؟ فما الحكم؟
ينظر ما يستفاد من الآية ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور ٨].
﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ، ﴿وَالْخَامِسَةَ﴾ ؛ يعني: وشهادته الخامسة، ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أنا عندي مشكولة بالنصب؟
* طلبة: بالرفع (...).
* الشيخ: إي، على الوجه الذي مشى عليه المؤلف، ما يكون من حذف الجمل.
* طلبة: (...).
* الشيخ: ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ بالرفع، لا ﴿أَرْبَعَ﴾ بالنصب، هذه قراءة ثانية، غير مشكولة، (...)، لا في ذلك، أيش نقول؟
* طالب: المتن كده، ما تنفعش.
* الشيخ: إي، طيب.
* طالب: (قوله: خبر المبتدأ هو شهادة أحدهما، أما قوله: ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ فهو معطوف على مبتدأ، والخبر المحذوف خبر عن المعطوف والمعطوف عليه، وقوله: ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [النور ٧]، ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ (...) بدل من (الخامسة)، أو على تقدير حرف الجر، أي بأن لعنه، انتهى، قوله: فهو معطوف على المبتدأ غير متعين (...)، و(أن لعنة الله) خبر، والجملة مبتدرة بين مبتدأ وخبر محذوف.
قوله: تدفع عنه حد القذف هذا المقدر).
* الشيخ: (...).
* طالب: (هذا قول يتبع الوصف، عند قوله تعالى: ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ ، قوله: نصب على المصدر، أي الاصطلاحي النحوي، وهو كل ما انتصب على المفعولية مطلقًا، فإنه يسمى عند النحاة مصدرًا، وإن كان غير مصدر، بمعنى اللفظ الدال على الحدث وحده، وما هنا نعت من مصدر محذوف تقديره شهادةُ أربع.
* الشيخ: شهادةً أربع.
* الطالب: تقديره شهادةً سأربع، هذا وقرئ بالسبعة أيضًا ﴿أَرْبَعُ﴾ برفعها على الخبرية، ولا حذف في الكلام، وقوله: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ إلى آخره، بالرفع لا غير، باتفاق السلف، وقوله: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ بالنصب لا غير).
* الشيخ: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، ﴿الْخَامِسَةُ﴾ مبتدأ، و﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ خبره، تأويله مصدر.
وقوله: ﴿لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ اللعنة: هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وقوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هذا شرط في الدعاء على نفسه باللعنة؛ يعني: إن كان كاذبًا فلعنة الله عليه؛ يعني: وإن كان صادقًا فلا لعن، وقوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في أي شيء؟
فيما رمى به زوجته من الزنا، فإنه مستحق للعنة الله التي هي الطرد والإبعاد، ومناسبة ذكر اللعنة هنا في مقابل كذبه؛ لأنه في الحقيقة يتضمن كلامه إبعاد زوجته، واتهامها بما هي بريئة منه، ولذلك جاء بذكر اللعنة، بخلاف المرأة، فإنها تأتي بأمر آخر، كما سيذكر إن شاء الله.
وقوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ يدفع عنها العذاب، أي: حد الزنا الذي ثبت بشهادته، نحن قلنا: إذا رمى الرجل زوجته بالزنا فلا يخلو من ثلاث حالات:
إما أن يقيم بينة فهنا يقام عليها الحد بالبينة.
وإما أن تُقِرّ فيقام عليها الحد بالإقرار.
وإما أن تُنْكر، وفي حال إنكارها يطلب اللعان، فإذا شهد الرجل أربع شهادات بالله أقيم عليها الحد، لكن لها أن تدفع هذا الحد بشهادات تنقض شهادة الرجل، إذن العذاب في قوله: ﴿عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ المراد به: حد الزنا.
وأما قول فقهائنا -رحمهم الله: إن المراد بالعذاب الحبس، فهذا قول ضعيف جدا؛ لأنه لا ذكر للحبس في الآية، بل إن الآية صريحة في أن الذي يندفع هو العذاب، والعذاب هو الحد، حد القذف، بدليل قوله في الآية فيما سبق: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فالمراد بالعذاب إذن يتعين أن المراد بالعذاب هو حد الزنا.
أما قول الفقهاء -رحمهم الله: إن العذاب الحبس حتى تقر أو تلاعن، فهذا قول لا دليل عليه، وهو ضعيف جدًّا، والصواب: أن المراد بالعذاب حد القذف، إذن إذا أنكرت المرأة ويش نعمل؟ نقول للرجل: اشهد على ما قلت أربع شهادات بالله إنك لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين، فإذا شهد ويش يثبت؟ ثبت عليها الحد، حد الزنا، الرجم إن كانت محصنة، والجلد مع التغريب إن كانت غير محصنة.
* طالب: كيف تكون مش محصنة؛ لأنه ده زوج بيتهم زوجته؟
* الشيخ: يمكن يعقد عليها ولا يجامعها، فتكون غير محصنة، وبعدين لها -بعد أن ثبت الحد عليها بشهادة الزوج- لها أن تسقط الحد هذا (...)؟ بشهادات تقابل شهادات الزوج، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ أي: شهادتها ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الزنا.
* طالب: يعني تسجن؟
* الشيخ: تسجن حتى تُقِر أو تلاعن.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن ما يخلو تلاعن.
* طالب: ويش لون يعني (...).
* الشيخ: (...) إذا شهد عليها، فإن لاعن قبلنا منه، وإن أبى لا نقيم عليها حد الزنا؛ نحبسها حتى تقر بالزنا أو تلاعن، أما الآية فتدل على أنه إذا لم تلاعن يقام عليها الحد مباشرة.
يقول: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الزنا، يقابل قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيما رماها به من الزنا.
و﴿الْخَامِسَةَ﴾ [النور ٩] يعني: وتشهد الخامسة ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور ٩]، في ذلك ﴿الْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِين﴾، في مقابل ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
لكن لماذا اختير لها الغضب دون اللعنة؟
لسببين: لأن الغضب أشد من اللعنة، الغضب -والعياذ بالله- أن الله يغضب عليها يلزم منه اللعنة وزيادة، بخلاف اللعنة فهى طرد وإبعاد عن الرحمة، لكن هذا طرد وإبعاد مع غضب، فهو أشد، وإنما اختير لها ذلك -يعني الغضب مع أنه أشد من اللعنة- لسببين:
السبب الأول: أن رمي الزوج إياها بالزنا أقرب إلى الصدق من إنكارها؛ لأنه يبعد أن الزوج يرمي زوجته بالزنا، بعيد جدًّا، إلا إذا تيقن ذلك، لكن إنكارها هي أمر متوقع؛ لأنها تدرأ عن نفسها عار الفاحشة، وكذلك عن أهلها، مثلما قالت المرأة: «لا أفضح قومي سائر اليوم»[[أخرجه البخاري (٤٧٤٧) من حديث ابن عباس.]]. فعلى كل حال الغضب أشد من اللعنة، واختير للمرأة؛ لأن رمي الزوج إياها بالزنا أقرب إلى الصدق والواقع من إنكارها، فكان إنكارها أعظم، لذلك رتب عليه إن كان صادقًا أن يغضب الله عليها.
الوجه الثاني: أنها تقول: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وإذا كان من الصادقين فقد أنكرته هى، وحادت عن الحق مع علمها به، إذا قالت: ﴿غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وصار صادقًا، صار معناه أنها خالفت الحق أيش بعد؟ مع علمها به، الفرض أنه صادق، ولو صار صادقًا وهي تنكر، والفعل مفعول بها هي، وهي تقول: لا، ما هو بصحيح، وهو صادق في أنه صحيح، ويش يناسبها؟ صارت عالمة الحق فأنكرته، ومن علم الحق ورده..
* طالب: أشد.
* الشيخ: أشد، لكِنْ جزاؤه الغضب، ولهذا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] من هم المغضوب عليهم؟ الذين علموا الحق فأنكروه مثل اليهود، و﴿الضَّالِّينَ﴾ الذي لم يقولوا بالحق؛ لجهلهم به، فالحاصل يا جماعة الآن أنه اختير لها الغضب، وهو أشد من اللعنة؛ لأمرين:
الأول: أن شهادة الزوج عليها بالزنا أقرب من إنكارها إياه، ليش؟ لاستبعاد أن يرمي الزوج زوجته بالزنا وهي حليلته، ولقرب أن المرأة تنكر دفعًا للعار عنها وعن أهلها.
الوجه الثاني: أنه إذا كان صادقًا والمرأة تنكره صارت ترد الحق مع علمها به، ومن رد الحق مع علمه به فجزاؤه الغضب، كما في اليهود الذين ردوا الحق مع علمهم به فجوزوا بالغضب، ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
* طالب: الوجه الثاني أنها أشد أنه هو يستطيع أن يطلقها؟
* الشيخ: أي نعم، لكن ما هو مطلقها، هو لا يطلقها، لو كان يريد الطلاق ما احتاج أن يرميها، كان طلقها وانتهى الموضوع.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف الزيادة؟ أصلًا ما يمكن يقدم الإنسان على رمي زوجته بالزنا بمجرد الظنون أبدًا، ما يمكن، إلا شيئًا شافه ما يمكن يصبر عليه؛ لأن هذا عار عليهم على الذل، ولهذا -كما سيأتينا إن شاء الله في حديث الإفك- ما يمكن أن الإنسان العفيف (...) أن الله يبتليه بامرأة تزني ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور ٢٦]، فلهذا هو نفسه يجد من العار أن يشهر عند الناس أن امرأته زانية، لكن هي تجد من نفسها أن من العار أن تقر على نفسها بالزنا، فهى تحاول أن تنكر، أن غضب الله عليها..
* طالب: (...) فطلقها؟
* الشيخ: (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف؛ لأنه ربما إن هي تقر ويثبت عليها حد الزنا، وحينئذ يتخلص بدون مطالبة.
* طالب: وممكن يتخلص (...).
* الشيخ: خلاص، (...).
* طالب: (...) ما يصير عليها (...).
* الشيخ: لا، أصل هذا الولد يجب إذا حصل هذا الشيء منها، يجب عليه إن يستبرئها بحيضة، فإن قُدّر أنها أتت بولد، يعني لما استبرأها ما حاضت، حملت، فالولد له؛ لأن النبي ﷺ يقول: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٠٥٣)، ومسلم (١٤٥٧ / ٣٦) من حديث عائشة.]]، حتى لو فرضنا أنه حسب تقدير الله من هذا الزاني فهو ولد الرجل؛ لأن الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ.
* طالب: لكن إذا لاعن ينفي الولد.
* الشيخ: إذا لاعن ينفي الولد؟ انتهى الموضوع.
* طالب: تنفي الولد.
* الشيخ: اللعان لنفي الولد فيه خلاف، المذهب ما يجوز يلاعن لنفي الولد، لازم يقذفها أولًا بالزنا ثم يلاعن وينفي الولد، والصحيح أنه يجوز أن يلاعن لنفي الولد فقط، بأن يقول: ما أقول: زنت، لكن هذا الولد ليس مني وألاعن على ذلك. ويقول في اللعان: أشهد بالله، ويشهد أربع مرات إنه لمن الصادقين أن الولد ليس له، و﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: قد تكون مكرهة ما زنت، أو مشتبه فيها مثلا؛ لأن مسألة الزنا صعب، ولهذا أوجب الله فيه الحد، وهذا الرجل لو نفى ولده ما وجب عليه الحد.
* طالب: ما يجب عليه الحد؟
* الشيخ: لا هي ولا هو، لا هي نقول: إن هذا الولد يكون زنًا، ولا هو أيضًا، ونقول: هذا العمل يكون قذفًا، لو فرضنا على القول الصحيح أنها إذا حملت وليس لها زوج فإنها تحد، إلا إذا ادعت شبهة، لكن اللي لها زوج ما يمكن نأتيها ولا نقربها، يحتمل أنه زوجها.
* طالب: (...).
* الشيخ: قلنا: إنه لما كان لعانه هذا يتضمن إبعادها عن نفسه وعن أولادها، وكذلك إبعادها عن العفة، ما أحد يدعو على نفسه باللعنة، جزاء وفاقًا.
* طالب: هذه المرأة (...).
* الشيخ: هذه إن شاء الله تأتينا بالفوائد.
* * *
* طالب: قال رحمه الله تعالى: وعن عبادة قال:« صلى رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: «إِنِّي أُرَاكُمْ تَقْرَؤُونَ وَرَاءَ إِمَامِكُمْ»، قال: قلنا: يا رسول الله إي والله، قال: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا». رواه أبو داود والترمذي[[أبو داود (٨٢٣)، والترمذي (٣١١).]].
وفي لفظ: «فَلَا تَقْرَؤُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ بِهِ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ»، رواه أبو داود والنسائي والدارقطني[[أخرجه أبو داود (٨٢٤)، والنسائي (٩٢٠)، والدارقطني (١٢١٧).]] وقال: كلهم ثقات.
وعن عبادة: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا يَقْرَأَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» رواه الدارقطني[[أخرجه الدارقطني (١٢١٧).]]، وقال: رجاله كلهم ثقات.
وروى عبد الله بن شداد: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامُ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ..»[[أخرجه ابن ماجه (٨٥٠)، وأحمد في المسند (١٤٦٤٣) من حديث جابر بن عبد الله.]].
* * *
* الشيخ: أو للتخلص منها مثلًا، ولهذا -هذا والله أعلم- الحكمة في أنه لم يحد، لكن من راعى المعنى قال: الآية السابقة تدل على أن الرمي بالزنا يوجب الحد، وهذا الآية تدل على أن رمي المرأة بالزنا يوجب اللعان، فتبقى الآية هناك بالنسبة للأجنبي على عمومها، وهذه بالنسبة للزوجة على خصوصها، لكن السنة –الحقيقة- هى الفاصلة، والنبي ﷺ ما حد الرجل الذي قذف امرأته بشريك ابن سحماء[[أخرجه البخاري (٢٦٧١) من حديث ابن عباس، أخرجه مسلم (١٤٩٦ / ١١) من حديث أنس.]] لكن الذين يقولون: يحد، يجيبون عن هذا، يقولون: من قال: إن شريك ابن سحماء طالب بحقه؟
وحد القذف لا يجب إلا بالمطالبة، لكننا نقول ردًّا على هذا: مسألة كون حد القذف لا يجب إلا بالمطالبة محل نظر؛ لأن عموم الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ لا تقيد ذلك بالمطالبة، وكون هذا حقًّا خاصًّا للمقذوف محل أيضا نظر، وغير مسلم (...)؛ لأن تدنيس أعراض المسلمين ليس حقًّا شخصيًّا في الواقع، يتعلق بأيش؟ يتعلق بعموم المجتمع الإسلامي، وإفساد له، ولهذا أنا أميل إلى أن حد القذف يجب، وإن لم يطالب به المقذوف، المهم أن يثبت، حتى لو أن المقذوف صار ما فيه خير، ولا يريد أن يدافع عن عرضه وسكت، نقول: المسلمون هم الذين يدافعون عن عرضك، ويقام الحد عليه.
وفي هذا أيضًا، في الآية إثبات الأسباب والموانع، من قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النور ١٠]، فإن هذه الآية فيها مانع وفيها سبب، فالسبب ذنوب مثلًا وما نحن عليه من الأخطاء، والمانع الذي يمنع من العقوبة هو فضل الله ورحمته.
(...) إثبات التواب اسمًا من أسماء الله لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [النور ١٠].
وإثبات الحكيم اسمًا من أسمائه، والحكيم كما أشرنا إليه أولًا يتضمن معنى الحكم والحكمة، والحكم كوني وشرعي والحكمة في الإيجاد والصورة، أيش بعد؟
* الطلبة: والغاية.
* الشيخ: والغاية، وهذه أيضًا الأشياء الثلاثة في الحكمة، في الحكم القدري والحكم الشرعي، أيش تسأل؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا أبدًا، هو ما تبين الأمر ورجحان قول الزوج إلا بعد الوضع، كيف نحيل الحكم على أمر ما تبين من قبل، ثم لو فرض أن فيه أمارات وقرائن وهو ما يمنع، اللهم إلا أن الأمارات في الحقيقة والقرائن قد تؤدي إلى كون المقذوف ليس محصنًا، فلا يجب الحد بقذفه، وإنما يجب التعزير؛ لأن قذف غير المحصن يوجب التعزير، على كل حال فهذه الأمارات ما ظهرت إلا بعد.
* طالب: ما الفرق بين الملاعنة والوضع (...).
* الشيخ: لا بد من اللعان لا بد منه، فيه أيضًا هذا البحث ذكرنا بمسألة الولد، هل ينتفي الولد عن الزوج باللعان ولّا ما ينتفي؟
* طالب: ينتفي.
* الشيخ: نعم، إن نفاه في لعانه انتفى، وإلا فهو ولده، إذن لا بد من أن يصرح بنفيه وإلا فهو ولده؛ لأن الْوَلَد لِلْفِرَاشِ، كما قال النبي ﷺ، «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، إذا سكت عن الولد فهو ولده، وإن نفاه انتفى.
فيما إذا نفاه من أبوه؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: ليس له أب شرعًا، أما قَدَرًا فله أب، ضروريًّا، لكن شرعًا ليس له أب، إلى من ينسب؟
* الطلبة: إلى أمه.
* الشيخ: ينسب إلى أمّه، وترثه أمه ميراث أمّ وأب، ولّا ميراث أيه؟
* طالب: أم وأب.
* الشيخ: هو ما ينسب إلى أمه، ويش تصير أمه، تكون أمه أمًّا وأبًا.
ينبني على ذلك صورة، لو مات هذا الإنسان هذا الولد عن أمه التي ولدته وعن إخوته الأشقاء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، عمره ما فيه أشقاء، ما يمكن يكون أشقاء، ما يمكن يصير أشقاء، لكن عن إخوته من أمه، كذا؟ لأن إخوته من أمه (...)، ما يمكن يصيرون أشقاء.
كيف يكون الميراث؟ إذا قلنا إن الأم أم وأب حجبتهم الأم، فصار الميراث لها وليس لإخوته شيء؛ يصير لها السدس على أنها أم، كذا؟ والباقي لها تعصيبًا على أنها أب، وهذا هو الصحيح، لحديث: «تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: لَقِيطَهَا، وَعَتِيقَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ»[[أخرجه أبو داود (٢٩٠٦)، والترمذي (٢١١٥)، وابن ماجه (٢٧٤٢) من حديث واثلة بن الأسقع. ]]، المذهب يقولون: إنها ترثه ميراث أم فقط، ويكون العاصب له عصبة أمه، وعلى هذا فيكون للأم هنا السدس، والباقي لإخوته من أمه؛ لأنهم هم عصبة الأم، أبناؤها، فيكون الباقي لهم.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [النور ١٠]؛ لقبول التوبة في ذلك وغيره، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما حكم به في ذلك وغيره، فبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها.
قوله: (لولا) هذه شرطية ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، ويسمونها حرف امتناع لوجود؛ يعني أنها منعت شيئًا لوجود شيء، هنا ننظر ما هو الذي امتنع لوجود شيء؟
الذي امتنع هو الجواب المحذوف، جواب لولا المحذوف، وهو ما قدره المؤلف بقوله: (لبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها) هذا هو الذي امتنع لوجود أي شيء؟
لوجود فضل الله ورحمته، فالحاصل أن الذي منع جواب (لولا) في هذه الآية هو فضل الله ورحمته، وأما ﴿فَضْلُ﴾ فهو مبتدأ وخبره محذوف؛ لأن (لولا) يحذف بعدها الخبر وجوبًا، قال ابن مالك رحمه الله:
وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ∗∗∗ حَتْمٌ.....................
يعني لازم، فهنا (لولا) إذن تحتاج إلى جواب، جوابها مقدر، وتحتاج إلى خبر مبتدأ وهو محذوف أيضًا، ويحذف وجوبًا بعد (لولا) غالبًا، كما قال ابن مالك رحمه الله.
وقوله: ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ إلى آخره، الفضل من آثار الرحمة في الحقيقة، لكن الرحمة تكون فيما يضطر إليه العبد وزيادة، وتكون في الزيادة أيضًا، والفضل في الزيادة فقط، فيكون عطف الرحمة هنا على الفضل من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الفضل من آثار الرحمة لكنه أخص منها، حيث إنه زائد على ما يحتاج إليه العبد ويضطر إليه، وأما الرحمة فتكون فيما يحتاج إليه العبد، وفيما زاد على ذلك.
يقول المؤلف: (بالستر في ذلك) هذا بناء على خصوص الآية في المتلاعنين، والصواب أن الآية عامة؛ يعني: لولا فضل الله عليكم ورحمته في هذا وغيره -ما هو بس في الستر- لحصل لكم ما لم يحصل لكم الآن، فالصواب إبقاء الآية على عمومها، وأنه لولا هذا الفضل والرحمة من الله ما حصل لهم الذي حصل من هذا التيسير وهذا التشريع الحكيم.
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ معطوف على ﴿فَضْلُ﴾؛ يعني: ولولا أيضًا أن الله تواب حكيم، تواب سبق لنا أن التواب كثير التوبة، وأن توبة الله على عباده تنقسم إلى قسمين: أحدهما التوفيق للتوبة، والثاني قبول التوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨]، وتطلق التوبة من العبد إلى الله، وهي من العبد إلى الله معناها: الرجوع من معصيته إلى طاعته، فالعبد تواب، والله تواب، لكن فرق بين تواب التي يوصف بها الله وتواب الذي يوصف بها العبد، فتواب التي يوصف بها الله معناها: الموَفِّق للتوبة القابل لها، وتواب التي يوصف بها العبد معناها: الرَجَّاع إلى الله سبحانه وتعالى من معصيته إلى طاعته.
﴿حَكِيمٌ﴾ سبق لنا أنها مشتقة من الحكم والحِكْمة، فتكون بمعنى حاكم وبمعنى مُحْكِم، ﴿حَكِيمٌ﴾ مشتقة من الحكم والحكمة فهي بمعنى حاكم ومحكم، والحكم لله سبحانه وتعالى ينقسم إلى كوني وشرعي، ومر علينا قريبًا في التوحيد، والحكمة تكون في الحكم الكوني، وتكون كذلك في الحكم الشرعي، فمحل الحكمة الحكمان؛ يعني: الحكم الكوني والحكم الشرعي.
والحكمة -أيضًا كما مر علينا سابقًا- تكون حكمة في الإيجاد وحكمة في الصورة وحكمة في الغاية؛ يعني حكمة الله ليست هي غايات الأمور، لا، في الإيجاد وفي الصورة وفي الغاية، كيف في الإيجاد وفي الصورة وفي الغاية؟
يعني أن الله لا يوجد شيئًا إلا لحكمة، ثم إيجاده على صورة معينة حكمة أخرى، ثم الغاية من هذا الإيجاد حكمة ثالثة، إذن فحكمة الله سبحانه وتعالى تتعلق بالإيجاد، أيش تقول؟
* طالب: حكمة الله في الإيجاد وفي الصورة وفي الغاية.
* الشيخ: حكمة الله في الإيجاد والصورة والغاية، فمثلًا إيجاد الشمس هذا لحكمة، وهو حكمة إيجاده، كونها على هذه الصورة المعينة وبهذه الحرارة وبهذه المسافة عن الأرض وبهذا السير المعين هذه أيش اسمه؟ حكمة في الصورة، هذه أيضًا حكمة، الغاية منها -وهي مصالح الخلق- هذه أيضًا حكمة.
إيجاد الإنسان حكمة، وكونه على هذا الوجه من الصورة حكمة، والغاية من إيجاده حكمة، وهكذا في الأمور الكونية والشرعية، فإن تشريع الشرائع حكمة وكونها على هذا الوجه المعين حكمة، والغاية منها وهو إصلاح الخلق حكمة أيضًا، فالحاصل إذن أن حكمة الله سبحانه وتعالى تكون في أيش؟
* طلبة: في الإيجاد والصورة والغاية.
* الشيخ: في الإيجاد والصورة والغاية.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور ١٠]، الحكيم قلنا: إن معناها حاكم ومُحْكِم؛ أي: متقن؛ أي: ذو حكمة، المحكم بمعنى: ذو الحكمة، والحكمة كما عرفتم الآن تكون في الشرع وفي القدر؛ لأنها تكون في الحكمين، وتكون في الإيجاد والصورة والغاية أظن الأمر واضح.
جواب (لولا) ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أيش الجواب؟ يقول المؤلف رحمه الله: (لبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها)، المؤلف قصر هذه الآية ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ قصرها على قصة المتلاعنين؛ يعني: لولا أن الله تفضل علينا ورحمنا لبين الحق في ذلك؛ أي: بين كذب الزوج إن كان كاذبًا وكذب المرأة إن كانت هي الكاذبة، وعاجل بالعقوبة من يستحقها من أحدهما؛ لأن أحدهما كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لما تلاعنا: «اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا أَحَدٌ تَائِبٌ؟»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٣٤٩)، ومسلم (١٤٩٣ / ٦) من حديث ابن عمر.]]؛ يعني يعرض لهما بالتوبة، يقول: حداكما غلط هذا، الزوج ولّا الزوجة؟ وهذا صحيح، ويعرض عليهما التوبة، فهل أحد يتوب.
والمؤلف -رحمه الله- يرى أن هذه الآية خاصة بقصة المتلاعنين، والصواب أنها عامة فيها وفي غيرها، لماذا؟ لأن الله لم يقيدها، قال: ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، ولّا قال في ذلك.
ثم العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإذن يكون الجواب المقدر غير ما قدره المفسر، يكون ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ ما حصل لكم هذه المصالح، وانتفت عنكم تلك المفاسد، وهذا عامّ، أعم مما قاله المؤلف.
* الطالب: الخبر (...)؟
* الشيخ: لا الخبر محذوف، غير جملة، الجملة هذه جواب (لولا).
* الطالب: خبر (...)؟
* الشيخ: لا، جواب (لولا)، ما تقول: خبر لولا، أما ﴿فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ خبره محذوف، والتقدير: موجود، ولولا فضل الله عليكم ورحمته موجودان لحصل كذا وكذا، طيب نرجع إلى استنباط الفوائد من هذه الآيات.
* أولًا: يستفاد من هذه الآيات: الحكمة في تشريع الله، في الشرع، الحكمة في التشريع؛ لأن هذه الآية مستثناة في الحكم من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور ٤]، لو هذه الآية بقيت على ما هي عليه لوجب أن يجلد الزوج، الآية ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ في هذا الحكمة في التشريع، حيث خص الأزواج بهذا الحكم من حكم الذين يرمون المحصنات ولّا لا؟ هذا النوع من التخصيص ويش نوعه؟ متصل ولّا منفصل؟ يلا يا أصحاب أصول الفقه يا اللي تريدون تقرؤون بالروضة، جماعة يريدون يبدؤون بالروضة، وهم لا يعرفون التخصيص متصل ولّا منفصل؟
* طالب: ما هو من علم البلاغة هذا يا شيخ.
* الشيخ: لا لا، من علم أصول الفقه، ما يوجد شيء، ما هو التخصيص المتصل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...)، بأي طريق ما هي طرقه؟
يكون بالاستثناء والصفة والشرط ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ﴾ [العصر ٢، ٣]، الصفة: أكرم الطالب المجتهد، المجتهد؛ خصيته بالصفة متصلة.
الشرط: أكرم الطالب إن اجتهد، قرر (روضة الناظر) إن كانوا يعرفون أصول الفقه.
هذا النوع اللي عندنا هل هو واحد من هذه الثلاثة؟
لا؛ لأنها آية مستقلة، فالتخصيص إذن منفصل، فهذه الآية خصصت عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ لأنه لو بقيت الآية تلك على عمومها لكان الزوج إذا قذف زوجته يثبت له الأحكام الثلاثة السابقة، لكن الزوج انفرد عن غيره بهذا الحكم، فإذن هذه الآية أو تخصيص الأزواج من عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ هذا خصص بمخصص منفصل؛ لأنه نص مستقل.
ما هي الحكمة من تخصيص الأزواج بهذا الحكم دون غيرهم من القَذَفة؟ نحن قلنا: إن هذا من حكمة التشريع، فما هي الحكمة؟
الحكمة أن الزوج لا يمكن أن يقذف زوجته بالزنا إلا والأمر كما قال، ليش؟
لأن زنا زوجته عار عليه؛ لأنها هي حرثه، فإذا قذفها بالزنا أصبح الأمر شديدًا وعظيمًا، إذ أن هذا يوجب التشكك في أولاده عند الناس، ويوجب العار عليه حيث يقال: هذا الرجل ديوث كان يقر الفاحشة في أهله؛ لأن النفوس قد تقول ليش؟ يعني ما هذه بأول مرة يعثر، ما هو بعاثر إلا المرة الثانية والثالثة وما أشبه ذلك، إذ أن الزنا عادة ما يأتي علنا يأتي سرًّا، والسر ما هو يظهر في أول مرة، ولهذا لما كان زنا الزوجة عارًا على الزوج صار لا يمكن أن يقذف زوجته بالزنا إلا والأمر كما ذكر، ولهذا خص من بين سائر القاذفين بهذا الحكم، أن يعتبر قذفه هو، يعتبر رميًا ولّا شهادة؟
* الطلبة: شهادة.
* الشيخ: يعتبر شهادة.
* الفائدة الرابعة: أنه لا يصح اللعان إذا قذف أجنبية ثم تزوجها؛ لأنه لو قذف امرأة أجنبية ثم تزوجها فلا لعان، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور ٦]، فلو قذف امرأة أجنبية ثم تزوجها فلا لعان بينهما، وإنما يُحَدّ للقذف.
* خامسًا: عموم الآية ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾.
* طالب: تبقى زوجته؟
* الشيخ: أي نعم، وتبقى زوجة له.
عموم الآية ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾ يشمل ما قبل الدخول وبعد الدخول، فلو عقد على امرأة ثم رماها بالزنا أجري بينهما اللعان؛ لأنها زوجته.
* فيها أيضًا: أن رمي غير الزوجة ولو الأم أو البنت أو الأخت ممن يلحقهم عاره ليس كقذف الزوجة، بمعنى أن الرجل لو قذف أقرب الناس إليه بالزنا طبق عليه أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أحكام القاذفين الثلاثة السابقة، بخلاف الزوج، ووجه ذلك ما سبق من الإشارة إلى الحكمة.
* ومن الفوائد أيضًا: أن البدل يجعل له حكم المبدل منه، فلما كانت البينة على الزنا أربعة شهود، وكان الزوج إذا قذف زوجته في الزنا يعتبر شاهدًا، والتعدد الشخصي في حقه ممتنع أو لا؟ جعل التعدد في نفس الشهادة، فيكون هذا تقريرًا للقاعدة المشهورة المعروفة أن البدل له حكم المبدل منه، فلما كانت شهادة الزوج على زوجته بالزنا بمنزلة شهادة الرجل صار تكرارها بمنزلة تكرار الرجال وتعدد الشهود.
* وفيه أيضًا من الفوائد: تعظيم هذا الأمر بحيث لا يكتفى فيه بالشهادة المجردة، بل لا بد من شهادة مقرونة بأيش؟ بيمين، شهادة مقرونة بيمين فيقول: أشهد بالله.
* وفيه أيضًا: وجوب قرن هذه الشهادة المؤكدة باليمين، وجوب قرنها في الخامسة بأيش؟ باللعنة بالنسبة للزوج، وبالغضب بالنسبة للزوجة.
* ومن الفوائد أيضًا: أنه يجب أن يبدأ الزوج باللعان، أيش الدليل؟ ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾، ولا يتم العذاب عليها إلا إذا شهد الزوج، مفهوم؟ هذا من جهة الدليل.
من جهة النظر أن الزوج مدَّعٍ في الحقيقة، وأيهما يُبدأ به المدعي ولّا المنكر؟ الذي يطلب منه إثبات الحكم للدعوى المدعي، هو الذي يقال: هات بينة، إذا لم يوجد بينة رجعنا إلى المنكر، إلى المدَّعَى عليه، فعلى كل حال فيه من الفوائد أنه يجب البداءة بشهادات الزوج، الدليل من الآية أنه لما قال: ﴿شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، ولا يتم العذاب إلا بشهادة الزوج، هذا من جهة الأثر أو الدليل؟ من جهة النظر أن الزوج بمنزلة المدعي، والمدعي هو الذي يطلب منه أولا إثبات مدعاه.
* وفيه أيضًا من فوائدها: أنه لا بد أن يؤكد الشهادة بـ(إنَّ) و(اللام) مع اليمين، السابقة لقوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فلو قال: أشهد بالله بأني صادق، فإنه لا يكفي لا بد أن يأتي بـ(اللام)؛ لأن (اللام) تفيد زيادة تأكيد وتقوية، فلا بد من الإتيان بها.
* وفيه دليل على جواز الدعاء معلقا بالشرط، وين هو؟ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وهي تقول: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، ففيه دليل على جواز الدعاء معلقا بالشرط، وقد جاء مثله أو قريب منه في الاستخارة: «اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَدُنْيَايَ»[[أخرجه البخاري (١١٦٢) من حديث جابر بن عبد الله.]] إلى آخره، وكما جاء الشرع مفيدًا في دعاء الخالق جاء مفيدًا أيضًا في الشرع؛ يعني في الأحكام الشرعية، مثل ما قال النبي ﷺ لضباعة بنت الزبير «لما قالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأجدني شاكية، قال: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي، فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ»[[أخرجه مسلم (١٢٠٧ / ١٠٥)، والنسائي (٢٧٦٦) من حديث ابن عباس، واللفظ له.]]، وكما يجوز الشرط في دعاء المسألة يجوز الشرط أيضًا في دعاء العبادة كما في حديث ضباعة بنت الزبير، وهذا يشهد لرؤيا قصصتها عليكم رآها شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول: إنه رأى النبي ﷺ، وكان يشكل عليه جنائز تقدم إليه، ويشكل عليه أنهم مسلمون، فرأى النبي ﷺ ذات ليلة، فسأله عن أشياء من جملتها عن الرجل يُقَدَّم إلى الإمام ليصلي عليه وهو يشك في إسلامه، فقال له النبي ﷺ: عليك بالشرط يا أحمد.
أيش لون الشرط؟ مثل: اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له وارحمه؛ لأن هذا حقيقة، هي أن يُشْكل الإنسان في إسلام الجنازة المقدمة، فيقول: اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له وارحمه، وهذا جائز، وشاهده هذه الآية، وحديث الاستخارة هذا في دعاء المسألة، وفي دعاء العبادة، وأيش الدليل؟ حديث ضباعة بنت الزبير: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ».
* وفيه دليل على ثبوت الحد على المرأة بلعان الزوج إلا إذا أنكرت ولاعنت، هل يؤخذ من الآية ولّا ما يؤخذ؟ ثبوت الحد على المرأة بلعان الزوج من أين يؤخذ؟
* الطلبة: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾.
* الشيخ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، والعذاب هو الحد، والدليل على أن العذاب هو الحد قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وأما من فسر العذاب بالحبس بأنها تُحبس حتى تقر أو تلاعن؛ فهذا قول لا دليل عليه ولا معول عليه.
إذن يثبت الحد على المرأة بلعان الزوج كما تدل عليه الآية، وهل يثبت بغيره؟ البينة، إذا أتى بالبينة، وهذا مفهوم من الآية السابقة: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ٤]، ويثبت بأمر ثالث، وهو؟
* الطلبة: الإقرار.
* الشيخ: إقرار المرأة إذا أقرت، إذا أنكرت المرأة وقالت: أبدًا، هو كاذب، حينئذ نقول: لاعن، أجيبيه على شهاداته، فإذا أجابته على شهاداته سقط عنها العذاب، وإن لم تُجب أقيم عليها الحد.
* في هذا أيضًا دليل على الحكمة في اللعان، حيث خص الرجل باللعنة، بالدعاء على نفسه باللعنة، والمرأة في الدعاء على نفسها بالغضب، وهذا سبقت الإشارة إليه، يبين لنا ذلك؟
* طالب: (...) فيه إبعاد لها عن العفة.
* الشيخ: أي نعم؛ يعني كون الزوج يلعن نفسه إن كذب؛ لأن في إتهامه إياها بالزنا إبعادًا لها عن العفة.
* الطالب: وعن نفسه.
* الشيخ: وعن نفسه وأولاده، فناسب أنه يدعو على نفسه باللعن الذي هو الطرد والإبعاد، وبالنسبة لها؟
* الطالب: بالنسبة لها أن غضب الله عليها لما علمت الحق وأنكرته، فناسب أن..
* الشيخ: لأنه إذا كان كاذبًا، إذا كان مش صادق
* طالب: إذا كان صادقًا فهي قد علمت..
* الشيخ: فقد علمت الحق وأنكرته، وهذا شأنه الغضب، أو عقوبته الغضب، كل من علم الحق ورده فإنه يعاقب بالغضب، هذه واحدة، والثاني؟
* طالب: أن الزوج مظنة دعواه الصدق؛ لأنه هو يلحقه العار باتهامها بالزنا، فلما كان قضيتها الصدق، صار نصيبه أقل باللعنة، صار نصيبه أقل من الغضب، فهذا..
* الشيخ: وهي أقرب إلى الكذب؛ لأنها تريد أن تدفع عن نفسها وعن أهلها العار؛ فلذلك خصت بالغضب، واضح؟
إذن يؤخذ من هذا الحكمة في المغايرة بين الزوج والزوجة فيما يدعو أحدهما به على نفسه، فالمرأة في الغضب والزوج في اللعنة، ما رأيكم لو أنه عكس، وقال: الزوج غضب الله عليه، والزوجة لعنة الله عليها، يصح ولّا ما يصح؟
* طلبة: ما يصح.
* الشيخ: لا يصح، حتى قال العلماء: لو أبدل الغضب بالسخط، (...) هي الغضب بالسخط، أو أبدل اللعنة بالطرد والإبعاد عن رحمة الله، فإنه لا يصح اتِّباعًا للفظ، وهذا في الحقيقة محل نظر؛ لأنه -خصوصًا الطرد والإبعاد- السخط قد يكون بينه وبين الغضب فرق، لكن الطرد والإبعاد عن رحمة الله هو معنى اللعن، إلا أنه مع ذلك نقول: لا ينبغي العدول عما جاء به القرآن، أنه يقول للزوج: قل: لعنة الله عليه، وللزوجة: غضب الله عليها.
هل يشترط أن يقول: فيما رميتها به من الزنا، وتقول هي: فيما رماني به من الزنا، أو لا يشترط؟
* طالب: ظاهر القرآن لا يشترط.
* الشيخ: ظاهر القرآن لا يشترط، وكذلك ظاهر السنة، حينما لاعن النبي ﷺ بين هلال بن أمية وزوجته ما قال: لمن الصادقين فيما رميتها به، ولا قالت هي: لمن الكاذبين فيما رماني به، ولهذا الصحيح أن هذا ليس بشرط.
فإذا قيل أليس من الجائز أن يتأول ﴿لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في قضية أخرى؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: الجواب: بلى، من الجائز، لا شك أنه من الجائز أن يتأول، ويقول: لمن الصادقين؛ أي: في أمر آخر، لكن هذا التأويل ينفعه ولّا لا؟
* طلبة: ما ينفعه.
* الشيخ: لا ينفعه؛ لأن تأويل الظالم لا ينفعه، فإن يمينه على ما يصدقه به صاحبه، وعلى ما يقتضيه المقام، ولكن لو ذكر: فيما رميتها به من الزنا، وقالت هي: فيما رماني به من الزنا، لكان هذا أبين وأوضح، إلا أنه ليس بواجب.
* طالب: غير الظالم يا شيخ.
* الشيخ: غير الظالم ذكرنا أن المظلوم ينفعه قولًا واحدًا، ومن ليس بظالم ولا مظلوم محل خلاف بين العلماء، والأولى ألا يتأول؛ لأنه يؤدي إلى تهمته إذا تبين الأمر على خلاف ما أظهر، تبين تهمته، وأدى إلى أنه ما يوثق في كلامه، وكلما قال شيئًا خافوا من تأوله مثل ذات المرة، أما إذا صار مظلومًا فهذا ضرورة أنه يتأول.
* وفيه أيضًا: بيان فضل الله ورحمته على عباده بالشرع والقدر؛ لقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، فإن هذا يتعلق بالشرع وبالقدر، أما بالشرع فهو لولا أن الله تفضل علينا ورحمنا وشرع للأزواج ما شرع من اللعان لكان الزوج يقع في حرج عظيم؛ لأنه إن تكلم، وأيش اللي يُعمل به؟
* طالب: يقام عليه الحد.
* الشيخ: يقام عليه حد القذف، وإن سكتَ سكتَ على أمر عظيم، لكن من رحمة الله أن الله شرع اللعان، وهذا فضل ورحمة في الشرع.
كذلك في القدر، بالنسبة لقضية المتلاعنين، وهو ما أشار إليه المؤلف، أنه لولا أن الله سبحانه وتعالى يحب الستر لفضح المرأة، وأظهر آية تدل على صدق الزوج، أو بالعكس، إذا كان الزوج كاذبًا، لكن من رحمة الله أن الله سبحانه وتعالى يستر على عباده في الدنيا مثل هذه الأمور، ثم يجازيهم عليها في الآخرة.
في هذه الآية ما ذُكر حكم قذف الرجل لو عينه الزوج، لو قال: زنا بها فلان، فهل يُحد لقذف فلان؛ لأنه ليس زوجه طبعا؟
* طالب: تعين؟
* الشيخ: عَيَّن إيه؟ أو نقول: لأن الزنا هنا واحد، والله تعالى جعل شهادات الزوج بمنزلة إقامة البينة، لكن بالنسبة للزوجة لا بالنسبة لمن قذفها به، فيصير من قذفها به يسلم من الحد، ولا يصير له حق في إقامة حد القذف على الزوج، أو نقول هذا القذف يوجب اللعان بالنسبة للزوجة ويوجب الحد بالنسبة للأجنبي؟
* طالب: إن عَيَّن شخصًا..
* الشيخ: عَيَّن إيه؟ قال: فلان بن فلان، قال: هذه المرأة زنا بها فلان.
* طالب: لازم أربع شهادات، أربعة رجال.
* الشيخ: صحيح، ما خاف الأجنبي، ما حُد للزنا إذا لاعن الزوج، ما حددنا الأجنبي للزنا، لكن هل يُحَد الزوج لقذف الرجل ولّا ما يحد هذا السؤال؟
* طالب: لا يحد.
* طالب آخر: قد تكون للبينة، الخروج للبينة، إذا أراد أن يأتي بالبينة.
* الشيخ: لا، لا، على كل حال الحديث أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك ابن سحماء، فعَيَّن الرجل الذي زنا بها، ولم يحده النبي ﷺ حد القذف، ولهذا الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يُحد بقذف الرجل ولو عيّنه، لكن لا ينبغي مثل هذا؛ أن يقذفها بشخص معين لأجل ألا يدنس عرضه؛ لأن المسألة ما هي بثابتة بالشهود، فالأولى أن يقول: إنها زنت، ولا يُعَيِّن، لكن لو عَيَّن فإن السنة تدل على أنه لا يُحد للرجل، السبب في ذلك هو ما أشار إليه محمد إسماعيل، ما أدري عن قصد ولّا عن غير قصد، أو رمية من غير رامٍ، هو أن الأصل هنا والمقصود قذف الرجل الأجنبي ولّا الزوجة؟
* طلبة: الزوجة.
* الشيخ: الزوجة، وهو ما عَيَّن الرجل إلا لزيادة إثبات قذف الزوجة؛ يعني هو ما قال: فلان زنا بامرأتي، وأراد أنه يدنس الرجل هذا، هو في الحقيقة المسألة للتخلص منها مثلًا، فلهذا -هذا والله أعلم- الحكمة في أنه لم يُحد، لكن من راعى المعنى قال الآية السابقة تدل على أن الرمي بالزنا يوجب الحد، وهذه الآية تدل على أن رمي المرأة بالزنا يوجب اللعان، فتبقى الآية هناك بالنسبة للأجنبي على عمومها، وهذه بالنسبة للزوجة على خصوصها، لكن السنة الحقيقة هي الفاصلة، «والنبي ﷺ ما حد الرجل الذي قذف امرأته بشريك ابن سحماء»[[أخرجه مسلم (١٤٩٦ / ١١) من حديث أنس.]].
النور 24:6
العامل في هذا المصدر هو المصدر؛ يعني: فأن يشهد أحدهم أربع شهادات، وخبر المبتدأ اللي هو شهادته محذوف، قدره المؤلف بقوله: يدفع عنه حد القذف، ﴿شَهَادَةُ﴾ مبتدأ، و﴿أَرْبَعَ﴾ أيش نقول في إعرابه؟
نائب مناب المصدر.
أين عامله؟ عامله ﴿شَهَادَةُ﴾، المبتدأ (...) خبر؟
خبره، يقول: محذوف، تقديره: يدفع عنه حد القذف، معناه: فأن يشهد أحد أربع شهادات بالله.. إلى آخره، يدفع عنه حد القذف، والمؤلف رحمه الله ما ذكر القراءة الثانية، وهي قراءة الرفع.
﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور ٦]، على قراءة الرفع نقول: ﴿شَهَادَةُ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿أَرْبَعُ﴾، خبره ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾.
﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾: ﴿بِاللَّهِ﴾؛ يعني: لا بد أن يقول: أشهد بالله، متعلقة بـ﴿شَهَادَاتٍ﴾، ما يكفي أن يقول: أشهد أن امرأته كذا وكذا، بل لا بد أن يقول: أشهد بالله؛ لتتضمن الشهادة شهادة وقسمًا، أشهد بالله، ولهذا أجيبت بجواب القسم، وأيش هو جواب القسم؟ إنه لمن الصادقين، صار لا بد أن يشهد شهادة بالله ليكون شهادة مقرونة بالقسم، والدليل على هذا أنه أجيب بما يجاب به القسم، وهو قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور ٦]، فهذه الجملة الخبرية مؤكدة بالشهادة والقسم وإن واللام، أربعة مؤكدات، وتكرر أربع مرات، فيصير تأكيدًا من وراء تأكيد، فإخباره عن زوجته بأنها زنت مؤكد بهذه الأربعة، عدّهم؟
* طالب: (...).
الشيخ: واللام والنون، أيش بعد؟ والشهادة، شهادة واحدة؟ أربع شهادات؛ يعني: وأشهد بالله أني لمن الصادقين.
وقولنا: ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ الصادق: هو المخبر بما يطابق الواقع.
وقوله: فيما رمى به زوجته من الزنا؛ يعني: لا بد أن يقول هذا أو معناه، إما يقول: فيما رميتها به من الزنا، أو: فيما قذفتها به من الزنا، أو ما أدى هذا المعنى، المهم لا يكفي أن يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين، ما يكفي هذا، وأيش السبب؟
لأنه قد ينوي به الصادقين في غير هذه القضية، وظاهر القرآن الكريم أنه يجزي؛ لأنه ما قال: فيما رميتها به من الزنا لمن الصادقين، ويكون هذا وإن نوى (لمن الصادقين) في قول آخر ما ينفعه؛ لأنه كما جاء في الحديث: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ»[[أخرجه مسلم (١٦٥٣ / ٢٠) من حديث أبي هريرة.]]، فأنت وإن نويت خلاف ذلك فأنت إنما استشهدت على أي شيء؟
على ما رميتها به من الزنا، استشهدت على ما رميتها به من الزنا، فسواء ذكرته أم لم تذكره لا يختلف الحكم، ولهذا القرآن لم يقيده بذلك، وأيش يكون بناء عليه؟ على أن المقام يعينه، وأن نيته خلاف ذلك لا تنفعه، لماذا؟
لأن اليمين على ما يصدقك به صاحبك؛ يعني خصمك، على ما يصدقك به صاحبك.
* طالب: (...).
* الشيخ: أي نعم، لكن لو أنه قال ذلك، أو هي طلبت ذلك مثلًا، أو الحاكم طلب منه ذلك، فإنه أولى؛ لأجل أن يطمئن الإنسان أكثر، للطمأنينة؛ يعني لو طلب القاضي منه ذلك، القاضي مثلًا خاف أنه يتأوّل -وإن كان تأوله لا ينفعه- فإنه إذا أمره يجيبه على هذا الشيء؛ إذا أمره أن يقول ذلك يجيبه.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يجب عليه أيش؟
* طالب: (...) على ما رميتها به من الزنا.
* الشيخ: لا، ما يجب، على ما رميتها به من الزنا ما يجب؛ لأنه ليس موجودًا في الآية، لكن المقام يعيّنه.
لو قال: أشهد بالله إني لصادق، هل يجزي ولّا لا بد أن يقول: (لمن الصادقين)؟
والله هذه المسألة الفقهاء يقولون: لا بد أن يكون باللفظ، وفي نفسي من ذلك شيء؛ لأن هذه ليست ألفاظ ذِكر يتعبد الإنسان بها، إنما هي ألفاظ يقصد بها إثبات ما شهد به، وهو لا شك أن الأولى والأحرى والأبرأ أن يقول ذلك بلفظ القرآن، لكن لو قال: إني لصادق، فالظاهر أنه يجزئ؛ لأن المقصود بقوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، المقصود إثبات الصفة أو الشهادة بالله على صدقه.
قال: ﴿وَيَدْرَأُ﴾ [النور ٨] يدفع ﴿عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، شوف الآن الرجل إذا قذف زوجته بالزنا وأتى بالشهود، أتى بشهود أربعة يشهدون بأن هذه المرأة زنت، ورأوا ذكر الزاني في فرجها يحتاج لعانًا ولّا ما يحتاج؟
* طلبة: لا ما يحتاج.
* الشيخ: لا يحتاج، كذا؟ لأن الله إنما ذكر هذا فيمن لم يكن له شاهد إلا نفسه، ثانيًا: إذا شهد على ما رماها به أربع شهادات وأقرت بذلك انتهى الأمر أيضًا، إذا أقرت بذلك انتهى الأمر، وأُقيم عليها الحد، إذا لم تقر بذلك فإنها حينئذ تلاعن، كذا؟ إذا سكتت لا أنكرت ولا أثبتت؟ فما الحكم؟
ينظر ما يستفاد من الآية ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور ٨].
﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ، ﴿وَالْخَامِسَةَ﴾ ؛ يعني: وشهادته الخامسة، ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أنا عندي مشكولة بالنصب؟
* طلبة: بالرفع (...).
* الشيخ: إي، على الوجه الذي مشى عليه المؤلف، ما يكون من حذف الجمل.
* طلبة: (...).
* الشيخ: ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ بالرفع، لا ﴿أَرْبَعَ﴾ بالنصب، هذه قراءة ثانية، غير مشكولة، (...)، لا في ذلك، أيش نقول؟
* طالب: المتن كده، ما تنفعش.
* الشيخ: إي، طيب.
* طالب: (قوله: خبر المبتدأ هو شهادة أحدهما، أما قوله: ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ فهو معطوف على مبتدأ، والخبر المحذوف خبر عن المعطوف والمعطوف عليه، وقوله: ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [النور ٧]، ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ (...) بدل من (الخامسة)، أو على تقدير حرف الجر، أي بأن لعنه، انتهى، قوله: فهو معطوف على المبتدأ غير متعين (...)، و(أن لعنة الله) خبر، والجملة مبتدرة بين مبتدأ وخبر محذوف.
قوله: تدفع عنه حد القذف هذا المقدر).
* الشيخ: (...).
* طالب: (هذا قول يتبع الوصف، عند قوله تعالى: ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ ، قوله: نصب على المصدر، أي الاصطلاحي النحوي، وهو كل ما انتصب على المفعولية مطلقًا، فإنه يسمى عند النحاة مصدرًا، وإن كان غير مصدر، بمعنى اللفظ الدال على الحدث وحده، وما هنا نعت من مصدر محذوف تقديره شهادةُ أربع.
* الشيخ: شهادةً أربع.
* الطالب: تقديره شهادةً سأربع، هذا وقرئ بالسبعة أيضًا ﴿أَرْبَعُ﴾ برفعها على الخبرية، ولا حذف في الكلام، وقوله: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ إلى آخره، بالرفع لا غير، باتفاق السلف، وقوله: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ بالنصب لا غير).
* الشيخ: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، ﴿الْخَامِسَةُ﴾ مبتدأ، و﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ خبره، تأويله مصدر.
وقوله: ﴿لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ اللعنة: هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وقوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هذا شرط في الدعاء على نفسه باللعنة؛ يعني: إن كان كاذبًا فلعنة الله عليه؛ يعني: وإن كان صادقًا فلا لعن، وقوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في أي شيء؟
فيما رمى به زوجته من الزنا، فإنه مستحق للعنة الله التي هي الطرد والإبعاد، ومناسبة ذكر اللعنة هنا في مقابل كذبه؛ لأنه في الحقيقة يتضمن كلامه إبعاد زوجته، واتهامها بما هي بريئة منه، ولذلك جاء بذكر اللعنة، بخلاف المرأة، فإنها تأتي بأمر آخر، كما سيذكر إن شاء الله.
وقوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ يدفع عنها العذاب، أي: حد الزنا الذي ثبت بشهادته، نحن قلنا: إذا رمى الرجل زوجته بالزنا فلا يخلو من ثلاث حالات:
إما أن يقيم بينة فهنا يقام عليها الحد بالبينة.
وإما أن تُقِرّ فيقام عليها الحد بالإقرار.
وإما أن تُنْكر، وفي حال إنكارها يطلب اللعان، فإذا شهد الرجل أربع شهادات بالله أقيم عليها الحد، لكن لها أن تدفع هذا الحد بشهادات تنقض شهادة الرجل، إذن العذاب في قوله: ﴿عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ المراد به: حد الزنا.
وأما قول فقهائنا -رحمهم الله: إن المراد بالعذاب الحبس، فهذا قول ضعيف جدا؛ لأنه لا ذكر للحبس في الآية، بل إن الآية صريحة في أن الذي يندفع هو العذاب، والعذاب هو الحد، حد القذف، بدليل قوله في الآية فيما سبق: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فالمراد بالعذاب إذن يتعين أن المراد بالعذاب هو حد الزنا.
أما قول الفقهاء -رحمهم الله: إن العذاب الحبس حتى تقر أو تلاعن، فهذا قول لا دليل عليه، وهو ضعيف جدًّا، والصواب: أن المراد بالعذاب حد القذف، إذن إذا أنكرت المرأة ويش نعمل؟ نقول للرجل: اشهد على ما قلت أربع شهادات بالله إنك لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين، فإذا شهد ويش يثبت؟ ثبت عليها الحد، حد الزنا، الرجم إن كانت محصنة، والجلد مع التغريب إن كانت غير محصنة.
* طالب: كيف تكون مش محصنة؛ لأنه ده زوج بيتهم زوجته؟
* الشيخ: يمكن يعقد عليها ولا يجامعها، فتكون غير محصنة، وبعدين لها -بعد أن ثبت الحد عليها بشهادة الزوج- لها أن تسقط الحد هذا (...)؟ بشهادات تقابل شهادات الزوج، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ أي: شهادتها ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الزنا.
* طالب: يعني تسجن؟
* الشيخ: تسجن حتى تُقِر أو تلاعن.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن ما يخلو تلاعن.
* طالب: ويش لون يعني (...).
* الشيخ: (...) إذا شهد عليها، فإن لاعن قبلنا منه، وإن أبى لا نقيم عليها حد الزنا؛ نحبسها حتى تقر بالزنا أو تلاعن، أما الآية فتدل على أنه إذا لم تلاعن يقام عليها الحد مباشرة.
يقول: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الزنا، يقابل قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيما رماها به من الزنا.
و﴿الْخَامِسَةَ﴾ [النور ٩] يعني: وتشهد الخامسة ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور ٩]، في ذلك ﴿الْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِين﴾، في مقابل ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
لكن لماذا اختير لها الغضب دون اللعنة؟
لسببين: لأن الغضب أشد من اللعنة، الغضب -والعياذ بالله- أن الله يغضب عليها يلزم منه اللعنة وزيادة، بخلاف اللعنة فهى طرد وإبعاد عن الرحمة، لكن هذا طرد وإبعاد مع غضب، فهو أشد، وإنما اختير لها ذلك -يعني الغضب مع أنه أشد من اللعنة- لسببين:
السبب الأول: أن رمي الزوج إياها بالزنا أقرب إلى الصدق من إنكارها؛ لأنه يبعد أن الزوج يرمي زوجته بالزنا، بعيد جدًّا، إلا إذا تيقن ذلك، لكن إنكارها هي أمر متوقع؛ لأنها تدرأ عن نفسها عار الفاحشة، وكذلك عن أهلها، مثلما قالت المرأة: «لا أفضح قومي سائر اليوم»[[أخرجه البخاري (٤٧٤٧) من حديث ابن عباس.]]. فعلى كل حال الغضب أشد من اللعنة، واختير للمرأة؛ لأن رمي الزوج إياها بالزنا أقرب إلى الصدق والواقع من إنكارها، فكان إنكارها أعظم، لذلك رتب عليه إن كان صادقًا أن يغضب الله عليها.
الوجه الثاني: أنها تقول: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وإذا كان من الصادقين فقد أنكرته هى، وحادت عن الحق مع علمها به، إذا قالت: ﴿غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وصار صادقًا، صار معناه أنها خالفت الحق أيش بعد؟ مع علمها به، الفرض أنه صادق، ولو صار صادقًا وهي تنكر، والفعل مفعول بها هي، وهي تقول: لا، ما هو بصحيح، وهو صادق في أنه صحيح، ويش يناسبها؟ صارت عالمة الحق فأنكرته، ومن علم الحق ورده..
* طالب: أشد.
* الشيخ: أشد، لكِنْ جزاؤه الغضب، ولهذا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] من هم المغضوب عليهم؟ الذين علموا الحق فأنكروه مثل اليهود، و﴿الضَّالِّينَ﴾ الذي لم يقولوا بالحق؛ لجهلهم به، فالحاصل يا جماعة الآن أنه اختير لها الغضب، وهو أشد من اللعنة؛ لأمرين:
الأول: أن شهادة الزوج عليها بالزنا أقرب من إنكارها إياه، ليش؟ لاستبعاد أن يرمي الزوج زوجته بالزنا وهي حليلته، ولقرب أن المرأة تنكر دفعًا للعار عنها وعن أهلها.
الوجه الثاني: أنه إذا كان صادقًا والمرأة تنكره صارت ترد الحق مع علمها به، ومن رد الحق مع علمه به فجزاؤه الغضب، كما في اليهود الذين ردوا الحق مع علمهم به فجوزوا بالغضب، ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
* طالب: الوجه الثاني أنها أشد أنه هو يستطيع أن يطلقها؟
* الشيخ: أي نعم، لكن ما هو مطلقها، هو لا يطلقها، لو كان يريد الطلاق ما احتاج أن يرميها، كان طلقها وانتهى الموضوع.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف الزيادة؟ أصلًا ما يمكن يقدم الإنسان على رمي زوجته بالزنا بمجرد الظنون أبدًا، ما يمكن، إلا شيئًا شافه ما يمكن يصبر عليه؛ لأن هذا عار عليهم على الذل، ولهذا -كما سيأتينا إن شاء الله في حديث الإفك- ما يمكن أن الإنسان العفيف (...) أن الله يبتليه بامرأة تزني ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور ٢٦]، فلهذا هو نفسه يجد من العار أن يشهر عند الناس أن امرأته زانية، لكن هي تجد من نفسها أن من العار أن تقر على نفسها بالزنا، فهى تحاول أن تنكر، أن غضب الله عليها..
* طالب: (...) فطلقها؟
* الشيخ: (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف؛ لأنه ربما إن هي تقر ويثبت عليها حد الزنا، وحينئذ يتخلص بدون مطالبة.
* طالب: وممكن يتخلص (...).
* الشيخ: خلاص، (...).
* طالب: (...) ما يصير عليها (...).
* الشيخ: لا، أصل هذا الولد يجب إذا حصل هذا الشيء منها، يجب عليه إن يستبرئها بحيضة، فإن قُدّر أنها أتت بولد، يعني لما استبرأها ما حاضت، حملت، فالولد له؛ لأن النبي ﷺ يقول: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٠٥٣)، ومسلم (١٤٥٧ / ٣٦) من حديث عائشة.]]، حتى لو فرضنا أنه حسب تقدير الله من هذا الزاني فهو ولد الرجل؛ لأن الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ.
* طالب: لكن إذا لاعن ينفي الولد.
* الشيخ: إذا لاعن ينفي الولد؟ انتهى الموضوع.
* طالب: تنفي الولد.
* الشيخ: اللعان لنفي الولد فيه خلاف، المذهب ما يجوز يلاعن لنفي الولد، لازم يقذفها أولًا بالزنا ثم يلاعن وينفي الولد، والصحيح أنه يجوز أن يلاعن لنفي الولد فقط، بأن يقول: ما أقول: زنت، لكن هذا الولد ليس مني وألاعن على ذلك. ويقول في اللعان: أشهد بالله، ويشهد أربع مرات إنه لمن الصادقين أن الولد ليس له، و﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: قد تكون مكرهة ما زنت، أو مشتبه فيها مثلا؛ لأن مسألة الزنا صعب، ولهذا أوجب الله فيه الحد، وهذا الرجل لو نفى ولده ما وجب عليه الحد.
* طالب: ما يجب عليه الحد؟
* الشيخ: لا هي ولا هو، لا هي نقول: إن هذا الولد يكون زنًا، ولا هو أيضًا، ونقول: هذا العمل يكون قذفًا، لو فرضنا على القول الصحيح أنها إذا حملت وليس لها زوج فإنها تحد، إلا إذا ادعت شبهة، لكن اللي لها زوج ما يمكن نأتيها ولا نقربها، يحتمل أنه زوجها.
* طالب: (...).
* الشيخ: قلنا: إنه لما كان لعانه هذا يتضمن إبعادها عن نفسه وعن أولادها، وكذلك إبعادها عن العفة، ما أحد يدعو على نفسه باللعنة، جزاء وفاقًا.
* طالب: هذه المرأة (...).
* الشيخ: هذه إن شاء الله تأتينا بالفوائد.
* * *
* طالب: قال رحمه الله تعالى: وعن عبادة قال:« صلى رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: «إِنِّي أُرَاكُمْ تَقْرَؤُونَ وَرَاءَ إِمَامِكُمْ»، قال: قلنا: يا رسول الله إي والله، قال: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا». رواه أبو داود والترمذي[[أبو داود (٨٢٣)، والترمذي (٣١١).]].
وفي لفظ: «فَلَا تَقْرَؤُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ بِهِ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ»، رواه أبو داود والنسائي والدارقطني[[أخرجه أبو داود (٨٢٤)، والنسائي (٩٢٠)، والدارقطني (١٢١٧).]] وقال: كلهم ثقات.
وعن عبادة: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا يَقْرَأَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» رواه الدارقطني[[أخرجه الدارقطني (١٢١٧).]]، وقال: رجاله كلهم ثقات.
وروى عبد الله بن شداد: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامُ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ..»[[أخرجه ابن ماجه (٨٥٠)، وأحمد في المسند (١٤٦٤٣) من حديث جابر بن عبد الله.]].
* * *
* الشيخ: أو للتخلص منها مثلًا، ولهذا -هذا والله أعلم- الحكمة في أنه لم يحد، لكن من راعى المعنى قال: الآية السابقة تدل على أن الرمي بالزنا يوجب الحد، وهذا الآية تدل على أن رمي المرأة بالزنا يوجب اللعان، فتبقى الآية هناك بالنسبة للأجنبي على عمومها، وهذه بالنسبة للزوجة على خصوصها، لكن السنة –الحقيقة- هى الفاصلة، والنبي ﷺ ما حد الرجل الذي قذف امرأته بشريك ابن سحماء[[أخرجه البخاري (٢٦٧١) من حديث ابن عباس، أخرجه مسلم (١٤٩٦ / ١١) من حديث أنس.]] لكن الذين يقولون: يحد، يجيبون عن هذا، يقولون: من قال: إن شريك ابن سحماء طالب بحقه؟
وحد القذف لا يجب إلا بالمطالبة، لكننا نقول ردًّا على هذا: مسألة كون حد القذف لا يجب إلا بالمطالبة محل نظر؛ لأن عموم الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ لا تقيد ذلك بالمطالبة، وكون هذا حقًّا خاصًّا للمقذوف محل أيضا نظر، وغير مسلم (...)؛ لأن تدنيس أعراض المسلمين ليس حقًّا شخصيًّا في الواقع، يتعلق بأيش؟ يتعلق بعموم المجتمع الإسلامي، وإفساد له، ولهذا أنا أميل إلى أن حد القذف يجب، وإن لم يطالب به المقذوف، المهم أن يثبت، حتى لو أن المقذوف صار ما فيه خير، ولا يريد أن يدافع عن عرضه وسكت، نقول: المسلمون هم الذين يدافعون عن عرضك، ويقام الحد عليه.
وفي هذا أيضًا، في الآية إثبات الأسباب والموانع، من قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النور ١٠]، فإن هذه الآية فيها مانع وفيها سبب، فالسبب ذنوب مثلًا وما نحن عليه من الأخطاء، والمانع الذي يمنع من العقوبة هو فضل الله ورحمته.
(...) إثبات التواب اسمًا من أسماء الله لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [النور ١٠].
وإثبات الحكيم اسمًا من أسمائه، والحكيم كما أشرنا إليه أولًا يتضمن معنى الحكم والحكمة، والحكم كوني وشرعي والحكمة في الإيجاد والصورة، أيش بعد؟
* الطلبة: والغاية.
* الشيخ: والغاية، وهذه أيضًا الأشياء الثلاثة في الحكمة، في الحكم القدري والحكم الشرعي، أيش تسأل؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا أبدًا، هو ما تبين الأمر ورجحان قول الزوج إلا بعد الوضع، كيف نحيل الحكم على أمر ما تبين من قبل، ثم لو فرض أن فيه أمارات وقرائن وهو ما يمنع، اللهم إلا أن الأمارات في الحقيقة والقرائن قد تؤدي إلى كون المقذوف ليس محصنًا، فلا يجب الحد بقذفه، وإنما يجب التعزير؛ لأن قذف غير المحصن يوجب التعزير، على كل حال فهذه الأمارات ما ظهرت إلا بعد.
* طالب: ما الفرق بين الملاعنة والوضع (...).
* الشيخ: لا بد من اللعان لا بد منه، فيه أيضًا هذا البحث ذكرنا بمسألة الولد، هل ينتفي الولد عن الزوج باللعان ولّا ما ينتفي؟
* طالب: ينتفي.
* الشيخ: نعم، إن نفاه في لعانه انتفى، وإلا فهو ولده، إذن لا بد من أن يصرح بنفيه وإلا فهو ولده؛ لأن الْوَلَد لِلْفِرَاشِ، كما قال النبي ﷺ، «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، إذا سكت عن الولد فهو ولده، وإن نفاه انتفى.
فيما إذا نفاه من أبوه؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: ليس له أب شرعًا، أما قَدَرًا فله أب، ضروريًّا، لكن شرعًا ليس له أب، إلى من ينسب؟
* الطلبة: إلى أمه.
* الشيخ: ينسب إلى أمّه، وترثه أمه ميراث أمّ وأب، ولّا ميراث أيه؟
* طالب: أم وأب.
* الشيخ: هو ما ينسب إلى أمه، ويش تصير أمه، تكون أمه أمًّا وأبًا.
ينبني على ذلك صورة، لو مات هذا الإنسان هذا الولد عن أمه التي ولدته وعن إخوته الأشقاء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، عمره ما فيه أشقاء، ما يمكن يكون أشقاء، ما يمكن يصير أشقاء، لكن عن إخوته من أمه، كذا؟ لأن إخوته من أمه (...)، ما يمكن يصيرون أشقاء.
كيف يكون الميراث؟ إذا قلنا إن الأم أم وأب حجبتهم الأم، فصار الميراث لها وليس لإخوته شيء؛ يصير لها السدس على أنها أم، كذا؟ والباقي لها تعصيبًا على أنها أب، وهذا هو الصحيح، لحديث: «تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: لَقِيطَهَا، وَعَتِيقَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ»[[أخرجه أبو داود (٢٩٠٦)، والترمذي (٢١١٥)، وابن ماجه (٢٧٤٢) من حديث واثلة بن الأسقع. ]]، المذهب يقولون: إنها ترثه ميراث أم فقط، ويكون العاصب له عصبة أمه، وعلى هذا فيكون للأم هنا السدس، والباقي لإخوته من أمه؛ لأنهم هم عصبة الأم، أبناؤها، فيكون الباقي لهم.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [النور ١٠]؛ لقبول التوبة في ذلك وغيره، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما حكم به في ذلك وغيره، فبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها.
قوله: (لولا) هذه شرطية ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، ويسمونها حرف امتناع لوجود؛ يعني أنها منعت شيئًا لوجود شيء، هنا ننظر ما هو الذي امتنع لوجود شيء؟
الذي امتنع هو الجواب المحذوف، جواب لولا المحذوف، وهو ما قدره المؤلف بقوله: (لبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها) هذا هو الذي امتنع لوجود أي شيء؟
لوجود فضل الله ورحمته، فالحاصل أن الذي منع جواب (لولا) في هذه الآية هو فضل الله ورحمته، وأما ﴿فَضْلُ﴾ فهو مبتدأ وخبره محذوف؛ لأن (لولا) يحذف بعدها الخبر وجوبًا، قال ابن مالك رحمه الله:
وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ∗∗∗ حَتْمٌ.....................
يعني لازم، فهنا (لولا) إذن تحتاج إلى جواب، جوابها مقدر، وتحتاج إلى خبر مبتدأ وهو محذوف أيضًا، ويحذف وجوبًا بعد (لولا) غالبًا، كما قال ابن مالك رحمه الله.
وقوله: ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ إلى آخره، الفضل من آثار الرحمة في الحقيقة، لكن الرحمة تكون فيما يضطر إليه العبد وزيادة، وتكون في الزيادة أيضًا، والفضل في الزيادة فقط، فيكون عطف الرحمة هنا على الفضل من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الفضل من آثار الرحمة لكنه أخص منها، حيث إنه زائد على ما يحتاج إليه العبد ويضطر إليه، وأما الرحمة فتكون فيما يحتاج إليه العبد، وفيما زاد على ذلك.
يقول المؤلف: (بالستر في ذلك) هذا بناء على خصوص الآية في المتلاعنين، والصواب أن الآية عامة؛ يعني: لولا فضل الله عليكم ورحمته في هذا وغيره -ما هو بس في الستر- لحصل لكم ما لم يحصل لكم الآن، فالصواب إبقاء الآية على عمومها، وأنه لولا هذا الفضل والرحمة من الله ما حصل لهم الذي حصل من هذا التيسير وهذا التشريع الحكيم.
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ معطوف على ﴿فَضْلُ﴾؛ يعني: ولولا أيضًا أن الله تواب حكيم، تواب سبق لنا أن التواب كثير التوبة، وأن توبة الله على عباده تنقسم إلى قسمين: أحدهما التوفيق للتوبة، والثاني قبول التوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨]، وتطلق التوبة من العبد إلى الله، وهي من العبد إلى الله معناها: الرجوع من معصيته إلى طاعته، فالعبد تواب، والله تواب، لكن فرق بين تواب التي يوصف بها الله وتواب الذي يوصف بها العبد، فتواب التي يوصف بها الله معناها: الموَفِّق للتوبة القابل لها، وتواب التي يوصف بها العبد معناها: الرَجَّاع إلى الله سبحانه وتعالى من معصيته إلى طاعته.
﴿حَكِيمٌ﴾ سبق لنا أنها مشتقة من الحكم والحِكْمة، فتكون بمعنى حاكم وبمعنى مُحْكِم، ﴿حَكِيمٌ﴾ مشتقة من الحكم والحكمة فهي بمعنى حاكم ومحكم، والحكم لله سبحانه وتعالى ينقسم إلى كوني وشرعي، ومر علينا قريبًا في التوحيد، والحكمة تكون في الحكم الكوني، وتكون كذلك في الحكم الشرعي، فمحل الحكمة الحكمان؛ يعني: الحكم الكوني والحكم الشرعي.
والحكمة -أيضًا كما مر علينا سابقًا- تكون حكمة في الإيجاد وحكمة في الصورة وحكمة في الغاية؛ يعني حكمة الله ليست هي غايات الأمور، لا، في الإيجاد وفي الصورة وفي الغاية، كيف في الإيجاد وفي الصورة وفي الغاية؟
يعني أن الله لا يوجد شيئًا إلا لحكمة، ثم إيجاده على صورة معينة حكمة أخرى، ثم الغاية من هذا الإيجاد حكمة ثالثة، إذن فحكمة الله سبحانه وتعالى تتعلق بالإيجاد، أيش تقول؟
* طالب: حكمة الله في الإيجاد وفي الصورة وفي الغاية.
* الشيخ: حكمة الله في الإيجاد والصورة والغاية، فمثلًا إيجاد الشمس هذا لحكمة، وهو حكمة إيجاده، كونها على هذه الصورة المعينة وبهذه الحرارة وبهذه المسافة عن الأرض وبهذا السير المعين هذه أيش اسمه؟ حكمة في الصورة، هذه أيضًا حكمة، الغاية منها -وهي مصالح الخلق- هذه أيضًا حكمة.
إيجاد الإنسان حكمة، وكونه على هذا الوجه من الصورة حكمة، والغاية من إيجاده حكمة، وهكذا في الأمور الكونية والشرعية، فإن تشريع الشرائع حكمة وكونها على هذا الوجه المعين حكمة، والغاية منها وهو إصلاح الخلق حكمة أيضًا، فالحاصل إذن أن حكمة الله سبحانه وتعالى تكون في أيش؟
* طلبة: في الإيجاد والصورة والغاية.
* الشيخ: في الإيجاد والصورة والغاية.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور ١٠]، الحكيم قلنا: إن معناها حاكم ومُحْكِم؛ أي: متقن؛ أي: ذو حكمة، المحكم بمعنى: ذو الحكمة، والحكمة كما عرفتم الآن تكون في الشرع وفي القدر؛ لأنها تكون في الحكمين، وتكون في الإيجاد والصورة والغاية أظن الأمر واضح.
جواب (لولا) ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أيش الجواب؟ يقول المؤلف رحمه الله: (لبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها)، المؤلف قصر هذه الآية ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ قصرها على قصة المتلاعنين؛ يعني: لولا أن الله تفضل علينا ورحمنا لبين الحق في ذلك؛ أي: بين كذب الزوج إن كان كاذبًا وكذب المرأة إن كانت هي الكاذبة، وعاجل بالعقوبة من يستحقها من أحدهما؛ لأن أحدهما كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لما تلاعنا: «اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا أَحَدٌ تَائِبٌ؟»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٣٤٩)، ومسلم (١٤٩٣ / ٦) من حديث ابن عمر.]]؛ يعني يعرض لهما بالتوبة، يقول: حداكما غلط هذا، الزوج ولّا الزوجة؟ وهذا صحيح، ويعرض عليهما التوبة، فهل أحد يتوب.
والمؤلف -رحمه الله- يرى أن هذه الآية خاصة بقصة المتلاعنين، والصواب أنها عامة فيها وفي غيرها، لماذا؟ لأن الله لم يقيدها، قال: ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، ولّا قال في ذلك.
ثم العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإذن يكون الجواب المقدر غير ما قدره المفسر، يكون ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ ما حصل لكم هذه المصالح، وانتفت عنكم تلك المفاسد، وهذا عامّ، أعم مما قاله المؤلف.
* الطالب: الخبر (...)؟
* الشيخ: لا الخبر محذوف، غير جملة، الجملة هذه جواب (لولا).
* الطالب: خبر (...)؟
* الشيخ: لا، جواب (لولا)، ما تقول: خبر لولا، أما ﴿فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ خبره محذوف، والتقدير: موجود، ولولا فضل الله عليكم ورحمته موجودان لحصل كذا وكذا، طيب نرجع إلى استنباط الفوائد من هذه الآيات.
* أولًا: يستفاد من هذه الآيات: الحكمة في تشريع الله، في الشرع، الحكمة في التشريع؛ لأن هذه الآية مستثناة في الحكم من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور ٤]، لو هذه الآية بقيت على ما هي عليه لوجب أن يجلد الزوج، الآية ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ في هذا الحكمة في التشريع، حيث خص الأزواج بهذا الحكم من حكم الذين يرمون المحصنات ولّا لا؟ هذا النوع من التخصيص ويش نوعه؟ متصل ولّا منفصل؟ يلا يا أصحاب أصول الفقه يا اللي تريدون تقرؤون بالروضة، جماعة يريدون يبدؤون بالروضة، وهم لا يعرفون التخصيص متصل ولّا منفصل؟
* طالب: ما هو من علم البلاغة هذا يا شيخ.
* الشيخ: لا لا، من علم أصول الفقه، ما يوجد شيء، ما هو التخصيص المتصل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...)، بأي طريق ما هي طرقه؟
يكون بالاستثناء والصفة والشرط ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ﴾ [العصر ٢، ٣]، الصفة: أكرم الطالب المجتهد، المجتهد؛ خصيته بالصفة متصلة.
الشرط: أكرم الطالب إن اجتهد، قرر (روضة الناظر) إن كانوا يعرفون أصول الفقه.
هذا النوع اللي عندنا هل هو واحد من هذه الثلاثة؟
لا؛ لأنها آية مستقلة، فالتخصيص إذن منفصل، فهذه الآية خصصت عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ لأنه لو بقيت الآية تلك على عمومها لكان الزوج إذا قذف زوجته يثبت له الأحكام الثلاثة السابقة، لكن الزوج انفرد عن غيره بهذا الحكم، فإذن هذه الآية أو تخصيص الأزواج من عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ هذا خصص بمخصص منفصل؛ لأنه نص مستقل.
ما هي الحكمة من تخصيص الأزواج بهذا الحكم دون غيرهم من القَذَفة؟ نحن قلنا: إن هذا من حكمة التشريع، فما هي الحكمة؟
الحكمة أن الزوج لا يمكن أن يقذف زوجته بالزنا إلا والأمر كما قال، ليش؟
لأن زنا زوجته عار عليه؛ لأنها هي حرثه، فإذا قذفها بالزنا أصبح الأمر شديدًا وعظيمًا، إذ أن هذا يوجب التشكك في أولاده عند الناس، ويوجب العار عليه حيث يقال: هذا الرجل ديوث كان يقر الفاحشة في أهله؛ لأن النفوس قد تقول ليش؟ يعني ما هذه بأول مرة يعثر، ما هو بعاثر إلا المرة الثانية والثالثة وما أشبه ذلك، إذ أن الزنا عادة ما يأتي علنا يأتي سرًّا، والسر ما هو يظهر في أول مرة، ولهذا لما كان زنا الزوجة عارًا على الزوج صار لا يمكن أن يقذف زوجته بالزنا إلا والأمر كما ذكر، ولهذا خص من بين سائر القاذفين بهذا الحكم، أن يعتبر قذفه هو، يعتبر رميًا ولّا شهادة؟
* الطلبة: شهادة.
* الشيخ: يعتبر شهادة.
* الفائدة الرابعة: أنه لا يصح اللعان إذا قذف أجنبية ثم تزوجها؛ لأنه لو قذف امرأة أجنبية ثم تزوجها فلا لعان، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور ٦]، فلو قذف امرأة أجنبية ثم تزوجها فلا لعان بينهما، وإنما يُحَدّ للقذف.
* خامسًا: عموم الآية ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾.
* طالب: تبقى زوجته؟
* الشيخ: أي نعم، وتبقى زوجة له.
عموم الآية ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾ يشمل ما قبل الدخول وبعد الدخول، فلو عقد على امرأة ثم رماها بالزنا أجري بينهما اللعان؛ لأنها زوجته.
* فيها أيضًا: أن رمي غير الزوجة ولو الأم أو البنت أو الأخت ممن يلحقهم عاره ليس كقذف الزوجة، بمعنى أن الرجل لو قذف أقرب الناس إليه بالزنا طبق عليه أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أحكام القاذفين الثلاثة السابقة، بخلاف الزوج، ووجه ذلك ما سبق من الإشارة إلى الحكمة.
* ومن الفوائد أيضًا: أن البدل يجعل له حكم المبدل منه، فلما كانت البينة على الزنا أربعة شهود، وكان الزوج إذا قذف زوجته في الزنا يعتبر شاهدًا، والتعدد الشخصي في حقه ممتنع أو لا؟ جعل التعدد في نفس الشهادة، فيكون هذا تقريرًا للقاعدة المشهورة المعروفة أن البدل له حكم المبدل منه، فلما كانت شهادة الزوج على زوجته بالزنا بمنزلة شهادة الرجل صار تكرارها بمنزلة تكرار الرجال وتعدد الشهود.
* وفيه أيضًا من الفوائد: تعظيم هذا الأمر بحيث لا يكتفى فيه بالشهادة المجردة، بل لا بد من شهادة مقرونة بأيش؟ بيمين، شهادة مقرونة بيمين فيقول: أشهد بالله.
* وفيه أيضًا: وجوب قرن هذه الشهادة المؤكدة باليمين، وجوب قرنها في الخامسة بأيش؟ باللعنة بالنسبة للزوج، وبالغضب بالنسبة للزوجة.
* ومن الفوائد أيضًا: أنه يجب أن يبدأ الزوج باللعان، أيش الدليل؟ ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾، ولا يتم العذاب عليها إلا إذا شهد الزوج، مفهوم؟ هذا من جهة الدليل.
من جهة النظر أن الزوج مدَّعٍ في الحقيقة، وأيهما يُبدأ به المدعي ولّا المنكر؟ الذي يطلب منه إثبات الحكم للدعوى المدعي، هو الذي يقال: هات بينة، إذا لم يوجد بينة رجعنا إلى المنكر، إلى المدَّعَى عليه، فعلى كل حال فيه من الفوائد أنه يجب البداءة بشهادات الزوج، الدليل من الآية أنه لما قال: ﴿شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، ولا يتم العذاب إلا بشهادة الزوج، هذا من جهة الأثر أو الدليل؟ من جهة النظر أن الزوج بمنزلة المدعي، والمدعي هو الذي يطلب منه أولا إثبات مدعاه.
* وفيه أيضًا من فوائدها: أنه لا بد أن يؤكد الشهادة بـ(إنَّ) و(اللام) مع اليمين، السابقة لقوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فلو قال: أشهد بالله بأني صادق، فإنه لا يكفي لا بد أن يأتي بـ(اللام)؛ لأن (اللام) تفيد زيادة تأكيد وتقوية، فلا بد من الإتيان بها.
* وفيه دليل على جواز الدعاء معلقا بالشرط، وين هو؟ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وهي تقول: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، ففيه دليل على جواز الدعاء معلقا بالشرط، وقد جاء مثله أو قريب منه في الاستخارة: «اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَدُنْيَايَ»[[أخرجه البخاري (١١٦٢) من حديث جابر بن عبد الله.]] إلى آخره، وكما جاء الشرع مفيدًا في دعاء الخالق جاء مفيدًا أيضًا في الشرع؛ يعني في الأحكام الشرعية، مثل ما قال النبي ﷺ لضباعة بنت الزبير «لما قالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأجدني شاكية، قال: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي، فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ»[[أخرجه مسلم (١٢٠٧ / ١٠٥)، والنسائي (٢٧٦٦) من حديث ابن عباس، واللفظ له.]]، وكما يجوز الشرط في دعاء المسألة يجوز الشرط أيضًا في دعاء العبادة كما في حديث ضباعة بنت الزبير، وهذا يشهد لرؤيا قصصتها عليكم رآها شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول: إنه رأى النبي ﷺ، وكان يشكل عليه جنائز تقدم إليه، ويشكل عليه أنهم مسلمون، فرأى النبي ﷺ ذات ليلة، فسأله عن أشياء من جملتها عن الرجل يُقَدَّم إلى الإمام ليصلي عليه وهو يشك في إسلامه، فقال له النبي ﷺ: عليك بالشرط يا أحمد.
أيش لون الشرط؟ مثل: اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له وارحمه؛ لأن هذا حقيقة، هي أن يُشْكل الإنسان في إسلام الجنازة المقدمة، فيقول: اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له وارحمه، وهذا جائز، وشاهده هذه الآية، وحديث الاستخارة هذا في دعاء المسألة، وفي دعاء العبادة، وأيش الدليل؟ حديث ضباعة بنت الزبير: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ».
* وفيه دليل على ثبوت الحد على المرأة بلعان الزوج إلا إذا أنكرت ولاعنت، هل يؤخذ من الآية ولّا ما يؤخذ؟ ثبوت الحد على المرأة بلعان الزوج من أين يؤخذ؟
* الطلبة: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾.
* الشيخ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، والعذاب هو الحد، والدليل على أن العذاب هو الحد قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وأما من فسر العذاب بالحبس بأنها تُحبس حتى تقر أو تلاعن؛ فهذا قول لا دليل عليه ولا معول عليه.
إذن يثبت الحد على المرأة بلعان الزوج كما تدل عليه الآية، وهل يثبت بغيره؟ البينة، إذا أتى بالبينة، وهذا مفهوم من الآية السابقة: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ٤]، ويثبت بأمر ثالث، وهو؟
* الطلبة: الإقرار.
* الشيخ: إقرار المرأة إذا أقرت، إذا أنكرت المرأة وقالت: أبدًا، هو كاذب، حينئذ نقول: لاعن، أجيبيه على شهاداته، فإذا أجابته على شهاداته سقط عنها العذاب، وإن لم تُجب أقيم عليها الحد.
* في هذا أيضًا دليل على الحكمة في اللعان، حيث خص الرجل باللعنة، بالدعاء على نفسه باللعنة، والمرأة في الدعاء على نفسها بالغضب، وهذا سبقت الإشارة إليه، يبين لنا ذلك؟
* طالب: (...) فيه إبعاد لها عن العفة.
* الشيخ: أي نعم؛ يعني كون الزوج يلعن نفسه إن كذب؛ لأن في إتهامه إياها بالزنا إبعادًا لها عن العفة.
* الطالب: وعن نفسه.
* الشيخ: وعن نفسه وأولاده، فناسب أنه يدعو على نفسه باللعن الذي هو الطرد والإبعاد، وبالنسبة لها؟
* الطالب: بالنسبة لها أن غضب الله عليها لما علمت الحق وأنكرته، فناسب أن..
* الشيخ: لأنه إذا كان كاذبًا، إذا كان مش صادق
* طالب: إذا كان صادقًا فهي قد علمت..
* الشيخ: فقد علمت الحق وأنكرته، وهذا شأنه الغضب، أو عقوبته الغضب، كل من علم الحق ورده فإنه يعاقب بالغضب، هذه واحدة، والثاني؟
* طالب: أن الزوج مظنة دعواه الصدق؛ لأنه هو يلحقه العار باتهامها بالزنا، فلما كان قضيتها الصدق، صار نصيبه أقل باللعنة، صار نصيبه أقل من الغضب، فهذا..
* الشيخ: وهي أقرب إلى الكذب؛ لأنها تريد أن تدفع عن نفسها وعن أهلها العار؛ فلذلك خصت بالغضب، واضح؟
إذن يؤخذ من هذا الحكمة في المغايرة بين الزوج والزوجة فيما يدعو أحدهما به على نفسه، فالمرأة في الغضب والزوج في اللعنة، ما رأيكم لو أنه عكس، وقال: الزوج غضب الله عليه، والزوجة لعنة الله عليها، يصح ولّا ما يصح؟
* طلبة: ما يصح.
* الشيخ: لا يصح، حتى قال العلماء: لو أبدل الغضب بالسخط، (...) هي الغضب بالسخط، أو أبدل اللعنة بالطرد والإبعاد عن رحمة الله، فإنه لا يصح اتِّباعًا للفظ، وهذا في الحقيقة محل نظر؛ لأنه -خصوصًا الطرد والإبعاد- السخط قد يكون بينه وبين الغضب فرق، لكن الطرد والإبعاد عن رحمة الله هو معنى اللعن، إلا أنه مع ذلك نقول: لا ينبغي العدول عما جاء به القرآن، أنه يقول للزوج: قل: لعنة الله عليه، وللزوجة: غضب الله عليها.
هل يشترط أن يقول: فيما رميتها به من الزنا، وتقول هي: فيما رماني به من الزنا، أو لا يشترط؟
* طالب: ظاهر القرآن لا يشترط.
* الشيخ: ظاهر القرآن لا يشترط، وكذلك ظاهر السنة، حينما لاعن النبي ﷺ بين هلال بن أمية وزوجته ما قال: لمن الصادقين فيما رميتها به، ولا قالت هي: لمن الكاذبين فيما رماني به، ولهذا الصحيح أن هذا ليس بشرط.
فإذا قيل أليس من الجائز أن يتأول ﴿لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في قضية أخرى؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: الجواب: بلى، من الجائز، لا شك أنه من الجائز أن يتأول، ويقول: لمن الصادقين؛ أي: في أمر آخر، لكن هذا التأويل ينفعه ولّا لا؟
* طلبة: ما ينفعه.
* الشيخ: لا ينفعه؛ لأن تأويل الظالم لا ينفعه، فإن يمينه على ما يصدقه به صاحبه، وعلى ما يقتضيه المقام، ولكن لو ذكر: فيما رميتها به من الزنا، وقالت هي: فيما رماني به من الزنا، لكان هذا أبين وأوضح، إلا أنه ليس بواجب.
* طالب: غير الظالم يا شيخ.
* الشيخ: غير الظالم ذكرنا أن المظلوم ينفعه قولًا واحدًا، ومن ليس بظالم ولا مظلوم محل خلاف بين العلماء، والأولى ألا يتأول؛ لأنه يؤدي إلى تهمته إذا تبين الأمر على خلاف ما أظهر، تبين تهمته، وأدى إلى أنه ما يوثق في كلامه، وكلما قال شيئًا خافوا من تأوله مثل ذات المرة، أما إذا صار مظلومًا فهذا ضرورة أنه يتأول.
* وفيه أيضًا: بيان فضل الله ورحمته على عباده بالشرع والقدر؛ لقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، فإن هذا يتعلق بالشرع وبالقدر، أما بالشرع فهو لولا أن الله تفضل علينا ورحمنا وشرع للأزواج ما شرع من اللعان لكان الزوج يقع في حرج عظيم؛ لأنه إن تكلم، وأيش اللي يُعمل به؟
* طالب: يقام عليه الحد.
* الشيخ: يقام عليه حد القذف، وإن سكتَ سكتَ على أمر عظيم، لكن من رحمة الله أن الله شرع اللعان، وهذا فضل ورحمة في الشرع.
كذلك في القدر، بالنسبة لقضية المتلاعنين، وهو ما أشار إليه المؤلف، أنه لولا أن الله سبحانه وتعالى يحب الستر لفضح المرأة، وأظهر آية تدل على صدق الزوج، أو بالعكس، إذا كان الزوج كاذبًا، لكن من رحمة الله أن الله سبحانه وتعالى يستر على عباده في الدنيا مثل هذه الأمور، ثم يجازيهم عليها في الآخرة.
في هذه الآية ما ذُكر حكم قذف الرجل لو عينه الزوج، لو قال: زنا بها فلان، فهل يُحد لقذف فلان؛ لأنه ليس زوجه طبعا؟
* طالب: تعين؟
* الشيخ: عَيَّن إيه؟ أو نقول: لأن الزنا هنا واحد، والله تعالى جعل شهادات الزوج بمنزلة إقامة البينة، لكن بالنسبة للزوجة لا بالنسبة لمن قذفها به، فيصير من قذفها به يسلم من الحد، ولا يصير له حق في إقامة حد القذف على الزوج، أو نقول هذا القذف يوجب اللعان بالنسبة للزوجة ويوجب الحد بالنسبة للأجنبي؟
* طالب: إن عَيَّن شخصًا..
* الشيخ: عَيَّن إيه؟ قال: فلان بن فلان، قال: هذه المرأة زنا بها فلان.
* طالب: لازم أربع شهادات، أربعة رجال.
* الشيخ: صحيح، ما خاف الأجنبي، ما حُد للزنا إذا لاعن الزوج، ما حددنا الأجنبي للزنا، لكن هل يُحَد الزوج لقذف الرجل ولّا ما يحد هذا السؤال؟
* طالب: لا يحد.
* طالب آخر: قد تكون للبينة، الخروج للبينة، إذا أراد أن يأتي بالبينة.
* الشيخ: لا، لا، على كل حال الحديث أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك ابن سحماء، فعَيَّن الرجل الذي زنا بها، ولم يحده النبي ﷺ حد القذف، ولهذا الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يُحد بقذف الرجل ولو عيّنه، لكن لا ينبغي مثل هذا؛ أن يقذفها بشخص معين لأجل ألا يدنس عرضه؛ لأن المسألة ما هي بثابتة بالشهود، فالأولى أن يقول: إنها زنت، ولا يُعَيِّن، لكن لو عَيَّن فإن السنة تدل على أنه لا يُحد للرجل، السبب في ذلك هو ما أشار إليه محمد إسماعيل، ما أدري عن قصد ولّا عن غير قصد، أو رمية من غير رامٍ، هو أن الأصل هنا والمقصود قذف الرجل الأجنبي ولّا الزوجة؟
* طلبة: الزوجة.
* الشيخ: الزوجة، وهو ما عَيَّن الرجل إلا لزيادة إثبات قذف الزوجة؛ يعني هو ما قال: فلان زنا بامرأتي، وأراد أنه يدنس الرجل هذا، هو في الحقيقة المسألة للتخلص منها مثلًا، فلهذا -هذا والله أعلم- الحكمة في أنه لم يُحد، لكن من راعى المعنى قال الآية السابقة تدل على أن الرمي بالزنا يوجب الحد، وهذه الآية تدل على أن رمي المرأة بالزنا يوجب اللعان، فتبقى الآية هناك بالنسبة للأجنبي على عمومها، وهذه بالنسبة للزوجة على خصوصها، لكن السنة الحقيقة هي الفاصلة، «والنبي ﷺ ما حد الرجل الذي قذف امرأته بشريك ابن سحماء»[[أخرجه مسلم (١٤٩٦ / ١١) من حديث أنس.]].
النور 24:7
العامل في هذا المصدر هو المصدر؛ يعني: فأن يشهد أحدهم أربع شهادات، وخبر المبتدأ اللي هو شهادته محذوف، قدره المؤلف بقوله: يدفع عنه حد القذف، ﴿شَهَادَةُ﴾ مبتدأ، و﴿أَرْبَعَ﴾ أيش نقول في إعرابه؟
نائب مناب المصدر.
أين عامله؟ عامله ﴿شَهَادَةُ﴾، المبتدأ (...) خبر؟
خبره، يقول: محذوف، تقديره: يدفع عنه حد القذف، معناه: فأن يشهد أحد أربع شهادات بالله.. إلى آخره، يدفع عنه حد القذف، والمؤلف رحمه الله ما ذكر القراءة الثانية، وهي قراءة الرفع.
﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور ٦]، على قراءة الرفع نقول: ﴿شَهَادَةُ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿أَرْبَعُ﴾، خبره ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾.
﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾: ﴿بِاللَّهِ﴾؛ يعني: لا بد أن يقول: أشهد بالله، متعلقة بـ﴿شَهَادَاتٍ﴾، ما يكفي أن يقول: أشهد أن امرأته كذا وكذا، بل لا بد أن يقول: أشهد بالله؛ لتتضمن الشهادة شهادة وقسمًا، أشهد بالله، ولهذا أجيبت بجواب القسم، وأيش هو جواب القسم؟ إنه لمن الصادقين، صار لا بد أن يشهد شهادة بالله ليكون شهادة مقرونة بالقسم، والدليل على هذا أنه أجيب بما يجاب به القسم، وهو قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور ٦]، فهذه الجملة الخبرية مؤكدة بالشهادة والقسم وإن واللام، أربعة مؤكدات، وتكرر أربع مرات، فيصير تأكيدًا من وراء تأكيد، فإخباره عن زوجته بأنها زنت مؤكد بهذه الأربعة، عدّهم؟
* طالب: (...).
الشيخ: واللام والنون، أيش بعد؟ والشهادة، شهادة واحدة؟ أربع شهادات؛ يعني: وأشهد بالله أني لمن الصادقين.
وقولنا: ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ الصادق: هو المخبر بما يطابق الواقع.
وقوله: فيما رمى به زوجته من الزنا؛ يعني: لا بد أن يقول هذا أو معناه، إما يقول: فيما رميتها به من الزنا، أو: فيما قذفتها به من الزنا، أو ما أدى هذا المعنى، المهم لا يكفي أن يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين، ما يكفي هذا، وأيش السبب؟
لأنه قد ينوي به الصادقين في غير هذه القضية، وظاهر القرآن الكريم أنه يجزي؛ لأنه ما قال: فيما رميتها به من الزنا لمن الصادقين، ويكون هذا وإن نوى (لمن الصادقين) في قول آخر ما ينفعه؛ لأنه كما جاء في الحديث: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ»[[أخرجه مسلم (١٦٥٣ / ٢٠) من حديث أبي هريرة.]]، فأنت وإن نويت خلاف ذلك فأنت إنما استشهدت على أي شيء؟
على ما رميتها به من الزنا، استشهدت على ما رميتها به من الزنا، فسواء ذكرته أم لم تذكره لا يختلف الحكم، ولهذا القرآن لم يقيده بذلك، وأيش يكون بناء عليه؟ على أن المقام يعينه، وأن نيته خلاف ذلك لا تنفعه، لماذا؟
لأن اليمين على ما يصدقك به صاحبك؛ يعني خصمك، على ما يصدقك به صاحبك.
* طالب: (...).
* الشيخ: أي نعم، لكن لو أنه قال ذلك، أو هي طلبت ذلك مثلًا، أو الحاكم طلب منه ذلك، فإنه أولى؛ لأجل أن يطمئن الإنسان أكثر، للطمأنينة؛ يعني لو طلب القاضي منه ذلك، القاضي مثلًا خاف أنه يتأوّل -وإن كان تأوله لا ينفعه- فإنه إذا أمره يجيبه على هذا الشيء؛ إذا أمره أن يقول ذلك يجيبه.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يجب عليه أيش؟
* طالب: (...) على ما رميتها به من الزنا.
* الشيخ: لا، ما يجب، على ما رميتها به من الزنا ما يجب؛ لأنه ليس موجودًا في الآية، لكن المقام يعيّنه.
لو قال: أشهد بالله إني لصادق، هل يجزي ولّا لا بد أن يقول: (لمن الصادقين)؟
والله هذه المسألة الفقهاء يقولون: لا بد أن يكون باللفظ، وفي نفسي من ذلك شيء؛ لأن هذه ليست ألفاظ ذِكر يتعبد الإنسان بها، إنما هي ألفاظ يقصد بها إثبات ما شهد به، وهو لا شك أن الأولى والأحرى والأبرأ أن يقول ذلك بلفظ القرآن، لكن لو قال: إني لصادق، فالظاهر أنه يجزئ؛ لأن المقصود بقوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، المقصود إثبات الصفة أو الشهادة بالله على صدقه.
قال: ﴿وَيَدْرَأُ﴾ [النور ٨] يدفع ﴿عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، شوف الآن الرجل إذا قذف زوجته بالزنا وأتى بالشهود، أتى بشهود أربعة يشهدون بأن هذه المرأة زنت، ورأوا ذكر الزاني في فرجها يحتاج لعانًا ولّا ما يحتاج؟
* طلبة: لا ما يحتاج.
* الشيخ: لا يحتاج، كذا؟ لأن الله إنما ذكر هذا فيمن لم يكن له شاهد إلا نفسه، ثانيًا: إذا شهد على ما رماها به أربع شهادات وأقرت بذلك انتهى الأمر أيضًا، إذا أقرت بذلك انتهى الأمر، وأُقيم عليها الحد، إذا لم تقر بذلك فإنها حينئذ تلاعن، كذا؟ إذا سكتت لا أنكرت ولا أثبتت؟ فما الحكم؟
ينظر ما يستفاد من الآية ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور ٨].
﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ، ﴿وَالْخَامِسَةَ﴾ ؛ يعني: وشهادته الخامسة، ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أنا عندي مشكولة بالنصب؟
* طلبة: بالرفع (...).
* الشيخ: إي، على الوجه الذي مشى عليه المؤلف، ما يكون من حذف الجمل.
* طلبة: (...).
* الشيخ: ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ بالرفع، لا ﴿أَرْبَعَ﴾ بالنصب، هذه قراءة ثانية، غير مشكولة، (...)، لا في ذلك، أيش نقول؟
* طالب: المتن كده، ما تنفعش.
* الشيخ: إي، طيب.
* طالب: (قوله: خبر المبتدأ هو شهادة أحدهما، أما قوله: ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ فهو معطوف على مبتدأ، والخبر المحذوف خبر عن المعطوف والمعطوف عليه، وقوله: ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [النور ٧]، ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ (...) بدل من (الخامسة)، أو على تقدير حرف الجر، أي بأن لعنه، انتهى، قوله: فهو معطوف على المبتدأ غير متعين (...)، و(أن لعنة الله) خبر، والجملة مبتدرة بين مبتدأ وخبر محذوف.
قوله: تدفع عنه حد القذف هذا المقدر).
* الشيخ: (...).
* طالب: (هذا قول يتبع الوصف، عند قوله تعالى: ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ ، قوله: نصب على المصدر، أي الاصطلاحي النحوي، وهو كل ما انتصب على المفعولية مطلقًا، فإنه يسمى عند النحاة مصدرًا، وإن كان غير مصدر، بمعنى اللفظ الدال على الحدث وحده، وما هنا نعت من مصدر محذوف تقديره شهادةُ أربع.
* الشيخ: شهادةً أربع.
* الطالب: تقديره شهادةً سأربع، هذا وقرئ بالسبعة أيضًا ﴿أَرْبَعُ﴾ برفعها على الخبرية، ولا حذف في الكلام، وقوله: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ إلى آخره، بالرفع لا غير، باتفاق السلف، وقوله: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ بالنصب لا غير).
* الشيخ: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، ﴿الْخَامِسَةُ﴾ مبتدأ، و﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ خبره، تأويله مصدر.
وقوله: ﴿لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ اللعنة: هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وقوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هذا شرط في الدعاء على نفسه باللعنة؛ يعني: إن كان كاذبًا فلعنة الله عليه؛ يعني: وإن كان صادقًا فلا لعن، وقوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في أي شيء؟
فيما رمى به زوجته من الزنا، فإنه مستحق للعنة الله التي هي الطرد والإبعاد، ومناسبة ذكر اللعنة هنا في مقابل كذبه؛ لأنه في الحقيقة يتضمن كلامه إبعاد زوجته، واتهامها بما هي بريئة منه، ولذلك جاء بذكر اللعنة، بخلاف المرأة، فإنها تأتي بأمر آخر، كما سيذكر إن شاء الله.
وقوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ يدفع عنها العذاب، أي: حد الزنا الذي ثبت بشهادته، نحن قلنا: إذا رمى الرجل زوجته بالزنا فلا يخلو من ثلاث حالات:
إما أن يقيم بينة فهنا يقام عليها الحد بالبينة.
وإما أن تُقِرّ فيقام عليها الحد بالإقرار.
وإما أن تُنْكر، وفي حال إنكارها يطلب اللعان، فإذا شهد الرجل أربع شهادات بالله أقيم عليها الحد، لكن لها أن تدفع هذا الحد بشهادات تنقض شهادة الرجل، إذن العذاب في قوله: ﴿عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ المراد به: حد الزنا.
وأما قول فقهائنا -رحمهم الله: إن المراد بالعذاب الحبس، فهذا قول ضعيف جدا؛ لأنه لا ذكر للحبس في الآية، بل إن الآية صريحة في أن الذي يندفع هو العذاب، والعذاب هو الحد، حد القذف، بدليل قوله في الآية فيما سبق: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فالمراد بالعذاب إذن يتعين أن المراد بالعذاب هو حد الزنا.
أما قول الفقهاء -رحمهم الله: إن العذاب الحبس حتى تقر أو تلاعن، فهذا قول لا دليل عليه، وهو ضعيف جدًّا، والصواب: أن المراد بالعذاب حد القذف، إذن إذا أنكرت المرأة ويش نعمل؟ نقول للرجل: اشهد على ما قلت أربع شهادات بالله إنك لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين، فإذا شهد ويش يثبت؟ ثبت عليها الحد، حد الزنا، الرجم إن كانت محصنة، والجلد مع التغريب إن كانت غير محصنة.
* طالب: كيف تكون مش محصنة؛ لأنه ده زوج بيتهم زوجته؟
* الشيخ: يمكن يعقد عليها ولا يجامعها، فتكون غير محصنة، وبعدين لها -بعد أن ثبت الحد عليها بشهادة الزوج- لها أن تسقط الحد هذا (...)؟ بشهادات تقابل شهادات الزوج، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ أي: شهادتها ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الزنا.
* طالب: يعني تسجن؟
* الشيخ: تسجن حتى تُقِر أو تلاعن.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن ما يخلو تلاعن.
* طالب: ويش لون يعني (...).
* الشيخ: (...) إذا شهد عليها، فإن لاعن قبلنا منه، وإن أبى لا نقيم عليها حد الزنا؛ نحبسها حتى تقر بالزنا أو تلاعن، أما الآية فتدل على أنه إذا لم تلاعن يقام عليها الحد مباشرة.
يقول: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الزنا، يقابل قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيما رماها به من الزنا.
و﴿الْخَامِسَةَ﴾ [النور ٩] يعني: وتشهد الخامسة ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور ٩]، في ذلك ﴿الْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِين﴾، في مقابل ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
لكن لماذا اختير لها الغضب دون اللعنة؟
لسببين: لأن الغضب أشد من اللعنة، الغضب -والعياذ بالله- أن الله يغضب عليها يلزم منه اللعنة وزيادة، بخلاف اللعنة فهى طرد وإبعاد عن الرحمة، لكن هذا طرد وإبعاد مع غضب، فهو أشد، وإنما اختير لها ذلك -يعني الغضب مع أنه أشد من اللعنة- لسببين:
السبب الأول: أن رمي الزوج إياها بالزنا أقرب إلى الصدق من إنكارها؛ لأنه يبعد أن الزوج يرمي زوجته بالزنا، بعيد جدًّا، إلا إذا تيقن ذلك، لكن إنكارها هي أمر متوقع؛ لأنها تدرأ عن نفسها عار الفاحشة، وكذلك عن أهلها، مثلما قالت المرأة: «لا أفضح قومي سائر اليوم»[[أخرجه البخاري (٤٧٤٧) من حديث ابن عباس.]]. فعلى كل حال الغضب أشد من اللعنة، واختير للمرأة؛ لأن رمي الزوج إياها بالزنا أقرب إلى الصدق والواقع من إنكارها، فكان إنكارها أعظم، لذلك رتب عليه إن كان صادقًا أن يغضب الله عليها.
الوجه الثاني: أنها تقول: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وإذا كان من الصادقين فقد أنكرته هى، وحادت عن الحق مع علمها به، إذا قالت: ﴿غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وصار صادقًا، صار معناه أنها خالفت الحق أيش بعد؟ مع علمها به، الفرض أنه صادق، ولو صار صادقًا وهي تنكر، والفعل مفعول بها هي، وهي تقول: لا، ما هو بصحيح، وهو صادق في أنه صحيح، ويش يناسبها؟ صارت عالمة الحق فأنكرته، ومن علم الحق ورده..
* طالب: أشد.
* الشيخ: أشد، لكِنْ جزاؤه الغضب، ولهذا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] من هم المغضوب عليهم؟ الذين علموا الحق فأنكروه مثل اليهود، و﴿الضَّالِّينَ﴾ الذي لم يقولوا بالحق؛ لجهلهم به، فالحاصل يا جماعة الآن أنه اختير لها الغضب، وهو أشد من اللعنة؛ لأمرين:
الأول: أن شهادة الزوج عليها بالزنا أقرب من إنكارها إياه، ليش؟ لاستبعاد أن يرمي الزوج زوجته بالزنا وهي حليلته، ولقرب أن المرأة تنكر دفعًا للعار عنها وعن أهلها.
الوجه الثاني: أنه إذا كان صادقًا والمرأة تنكره صارت ترد الحق مع علمها به، ومن رد الحق مع علمه به فجزاؤه الغضب، كما في اليهود الذين ردوا الحق مع علمهم به فجوزوا بالغضب، ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
* طالب: الوجه الثاني أنها أشد أنه هو يستطيع أن يطلقها؟
* الشيخ: أي نعم، لكن ما هو مطلقها، هو لا يطلقها، لو كان يريد الطلاق ما احتاج أن يرميها، كان طلقها وانتهى الموضوع.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف الزيادة؟ أصلًا ما يمكن يقدم الإنسان على رمي زوجته بالزنا بمجرد الظنون أبدًا، ما يمكن، إلا شيئًا شافه ما يمكن يصبر عليه؛ لأن هذا عار عليهم على الذل، ولهذا -كما سيأتينا إن شاء الله في حديث الإفك- ما يمكن أن الإنسان العفيف (...) أن الله يبتليه بامرأة تزني ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور ٢٦]، فلهذا هو نفسه يجد من العار أن يشهر عند الناس أن امرأته زانية، لكن هي تجد من نفسها أن من العار أن تقر على نفسها بالزنا، فهى تحاول أن تنكر، أن غضب الله عليها..
* طالب: (...) فطلقها؟
* الشيخ: (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف؛ لأنه ربما إن هي تقر ويثبت عليها حد الزنا، وحينئذ يتخلص بدون مطالبة.
* طالب: وممكن يتخلص (...).
* الشيخ: خلاص، (...).
* طالب: (...) ما يصير عليها (...).
* الشيخ: لا، أصل هذا الولد يجب إذا حصل هذا الشيء منها، يجب عليه إن يستبرئها بحيضة، فإن قُدّر أنها أتت بولد، يعني لما استبرأها ما حاضت، حملت، فالولد له؛ لأن النبي ﷺ يقول: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٠٥٣)، ومسلم (١٤٥٧ / ٣٦) من حديث عائشة.]]، حتى لو فرضنا أنه حسب تقدير الله من هذا الزاني فهو ولد الرجل؛ لأن الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ.
* طالب: لكن إذا لاعن ينفي الولد.
* الشيخ: إذا لاعن ينفي الولد؟ انتهى الموضوع.
* طالب: تنفي الولد.
* الشيخ: اللعان لنفي الولد فيه خلاف، المذهب ما يجوز يلاعن لنفي الولد، لازم يقذفها أولًا بالزنا ثم يلاعن وينفي الولد، والصحيح أنه يجوز أن يلاعن لنفي الولد فقط، بأن يقول: ما أقول: زنت، لكن هذا الولد ليس مني وألاعن على ذلك. ويقول في اللعان: أشهد بالله، ويشهد أربع مرات إنه لمن الصادقين أن الولد ليس له، و﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: قد تكون مكرهة ما زنت، أو مشتبه فيها مثلا؛ لأن مسألة الزنا صعب، ولهذا أوجب الله فيه الحد، وهذا الرجل لو نفى ولده ما وجب عليه الحد.
* طالب: ما يجب عليه الحد؟
* الشيخ: لا هي ولا هو، لا هي نقول: إن هذا الولد يكون زنًا، ولا هو أيضًا، ونقول: هذا العمل يكون قذفًا، لو فرضنا على القول الصحيح أنها إذا حملت وليس لها زوج فإنها تحد، إلا إذا ادعت شبهة، لكن اللي لها زوج ما يمكن نأتيها ولا نقربها، يحتمل أنه زوجها.
* طالب: (...).
* الشيخ: قلنا: إنه لما كان لعانه هذا يتضمن إبعادها عن نفسه وعن أولادها، وكذلك إبعادها عن العفة، ما أحد يدعو على نفسه باللعنة، جزاء وفاقًا.
* طالب: هذه المرأة (...).
* الشيخ: هذه إن شاء الله تأتينا بالفوائد.
* * *
* طالب: قال رحمه الله تعالى: وعن عبادة قال:« صلى رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: «إِنِّي أُرَاكُمْ تَقْرَؤُونَ وَرَاءَ إِمَامِكُمْ»، قال: قلنا: يا رسول الله إي والله، قال: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا». رواه أبو داود والترمذي[[أبو داود (٨٢٣)، والترمذي (٣١١).]].
وفي لفظ: «فَلَا تَقْرَؤُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ بِهِ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ»، رواه أبو داود والنسائي والدارقطني[[أخرجه أبو داود (٨٢٤)، والنسائي (٩٢٠)، والدارقطني (١٢١٧).]] وقال: كلهم ثقات.
وعن عبادة: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا يَقْرَأَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» رواه الدارقطني[[أخرجه الدارقطني (١٢١٧).]]، وقال: رجاله كلهم ثقات.
وروى عبد الله بن شداد: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامُ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ..»[[أخرجه ابن ماجه (٨٥٠)، وأحمد في المسند (١٤٦٤٣) من حديث جابر بن عبد الله.]].
* * *
* الشيخ: أو للتخلص منها مثلًا، ولهذا -هذا والله أعلم- الحكمة في أنه لم يحد، لكن من راعى المعنى قال: الآية السابقة تدل على أن الرمي بالزنا يوجب الحد، وهذا الآية تدل على أن رمي المرأة بالزنا يوجب اللعان، فتبقى الآية هناك بالنسبة للأجنبي على عمومها، وهذه بالنسبة للزوجة على خصوصها، لكن السنة –الحقيقة- هى الفاصلة، والنبي ﷺ ما حد الرجل الذي قذف امرأته بشريك ابن سحماء[[أخرجه البخاري (٢٦٧١) من حديث ابن عباس، أخرجه مسلم (١٤٩٦ / ١١) من حديث أنس.]] لكن الذين يقولون: يحد، يجيبون عن هذا، يقولون: من قال: إن شريك ابن سحماء طالب بحقه؟
وحد القذف لا يجب إلا بالمطالبة، لكننا نقول ردًّا على هذا: مسألة كون حد القذف لا يجب إلا بالمطالبة محل نظر؛ لأن عموم الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ لا تقيد ذلك بالمطالبة، وكون هذا حقًّا خاصًّا للمقذوف محل أيضا نظر، وغير مسلم (...)؛ لأن تدنيس أعراض المسلمين ليس حقًّا شخصيًّا في الواقع، يتعلق بأيش؟ يتعلق بعموم المجتمع الإسلامي، وإفساد له، ولهذا أنا أميل إلى أن حد القذف يجب، وإن لم يطالب به المقذوف، المهم أن يثبت، حتى لو أن المقذوف صار ما فيه خير، ولا يريد أن يدافع عن عرضه وسكت، نقول: المسلمون هم الذين يدافعون عن عرضك، ويقام الحد عليه.
وفي هذا أيضًا، في الآية إثبات الأسباب والموانع، من قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النور ١٠]، فإن هذه الآية فيها مانع وفيها سبب، فالسبب ذنوب مثلًا وما نحن عليه من الأخطاء، والمانع الذي يمنع من العقوبة هو فضل الله ورحمته.
(...) إثبات التواب اسمًا من أسماء الله لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [النور ١٠].
وإثبات الحكيم اسمًا من أسمائه، والحكيم كما أشرنا إليه أولًا يتضمن معنى الحكم والحكمة، والحكم كوني وشرعي والحكمة في الإيجاد والصورة، أيش بعد؟
* الطلبة: والغاية.
* الشيخ: والغاية، وهذه أيضًا الأشياء الثلاثة في الحكمة، في الحكم القدري والحكم الشرعي، أيش تسأل؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا أبدًا، هو ما تبين الأمر ورجحان قول الزوج إلا بعد الوضع، كيف نحيل الحكم على أمر ما تبين من قبل، ثم لو فرض أن فيه أمارات وقرائن وهو ما يمنع، اللهم إلا أن الأمارات في الحقيقة والقرائن قد تؤدي إلى كون المقذوف ليس محصنًا، فلا يجب الحد بقذفه، وإنما يجب التعزير؛ لأن قذف غير المحصن يوجب التعزير، على كل حال فهذه الأمارات ما ظهرت إلا بعد.
* طالب: ما الفرق بين الملاعنة والوضع (...).
* الشيخ: لا بد من اللعان لا بد منه، فيه أيضًا هذا البحث ذكرنا بمسألة الولد، هل ينتفي الولد عن الزوج باللعان ولّا ما ينتفي؟
* طالب: ينتفي.
* الشيخ: نعم، إن نفاه في لعانه انتفى، وإلا فهو ولده، إذن لا بد من أن يصرح بنفيه وإلا فهو ولده؛ لأن الْوَلَد لِلْفِرَاشِ، كما قال النبي ﷺ، «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، إذا سكت عن الولد فهو ولده، وإن نفاه انتفى.
فيما إذا نفاه من أبوه؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: ليس له أب شرعًا، أما قَدَرًا فله أب، ضروريًّا، لكن شرعًا ليس له أب، إلى من ينسب؟
* الطلبة: إلى أمه.
* الشيخ: ينسب إلى أمّه، وترثه أمه ميراث أمّ وأب، ولّا ميراث أيه؟
* طالب: أم وأب.
* الشيخ: هو ما ينسب إلى أمه، ويش تصير أمه، تكون أمه أمًّا وأبًا.
ينبني على ذلك صورة، لو مات هذا الإنسان هذا الولد عن أمه التي ولدته وعن إخوته الأشقاء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، عمره ما فيه أشقاء، ما يمكن يكون أشقاء، ما يمكن يصير أشقاء، لكن عن إخوته من أمه، كذا؟ لأن إخوته من أمه (...)، ما يمكن يصيرون أشقاء.
كيف يكون الميراث؟ إذا قلنا إن الأم أم وأب حجبتهم الأم، فصار الميراث لها وليس لإخوته شيء؛ يصير لها السدس على أنها أم، كذا؟ والباقي لها تعصيبًا على أنها أب، وهذا هو الصحيح، لحديث: «تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: لَقِيطَهَا، وَعَتِيقَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ»[[أخرجه أبو داود (٢٩٠٦)، والترمذي (٢١١٥)، وابن ماجه (٢٧٤٢) من حديث واثلة بن الأسقع. ]]، المذهب يقولون: إنها ترثه ميراث أم فقط، ويكون العاصب له عصبة أمه، وعلى هذا فيكون للأم هنا السدس، والباقي لإخوته من أمه؛ لأنهم هم عصبة الأم، أبناؤها، فيكون الباقي لهم.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [النور ١٠]؛ لقبول التوبة في ذلك وغيره، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما حكم به في ذلك وغيره، فبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها.
قوله: (لولا) هذه شرطية ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، ويسمونها حرف امتناع لوجود؛ يعني أنها منعت شيئًا لوجود شيء، هنا ننظر ما هو الذي امتنع لوجود شيء؟
الذي امتنع هو الجواب المحذوف، جواب لولا المحذوف، وهو ما قدره المؤلف بقوله: (لبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها) هذا هو الذي امتنع لوجود أي شيء؟
لوجود فضل الله ورحمته، فالحاصل أن الذي منع جواب (لولا) في هذه الآية هو فضل الله ورحمته، وأما ﴿فَضْلُ﴾ فهو مبتدأ وخبره محذوف؛ لأن (لولا) يحذف بعدها الخبر وجوبًا، قال ابن مالك رحمه الله:
وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ∗∗∗ حَتْمٌ.....................
يعني لازم، فهنا (لولا) إذن تحتاج إلى جواب، جوابها مقدر، وتحتاج إلى خبر مبتدأ وهو محذوف أيضًا، ويحذف وجوبًا بعد (لولا) غالبًا، كما قال ابن مالك رحمه الله.
وقوله: ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ إلى آخره، الفضل من آثار الرحمة في الحقيقة، لكن الرحمة تكون فيما يضطر إليه العبد وزيادة، وتكون في الزيادة أيضًا، والفضل في الزيادة فقط، فيكون عطف الرحمة هنا على الفضل من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الفضل من آثار الرحمة لكنه أخص منها، حيث إنه زائد على ما يحتاج إليه العبد ويضطر إليه، وأما الرحمة فتكون فيما يحتاج إليه العبد، وفيما زاد على ذلك.
يقول المؤلف: (بالستر في ذلك) هذا بناء على خصوص الآية في المتلاعنين، والصواب أن الآية عامة؛ يعني: لولا فضل الله عليكم ورحمته في هذا وغيره -ما هو بس في الستر- لحصل لكم ما لم يحصل لكم الآن، فالصواب إبقاء الآية على عمومها، وأنه لولا هذا الفضل والرحمة من الله ما حصل لهم الذي حصل من هذا التيسير وهذا التشريع الحكيم.
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ معطوف على ﴿فَضْلُ﴾؛ يعني: ولولا أيضًا أن الله تواب حكيم، تواب سبق لنا أن التواب كثير التوبة، وأن توبة الله على عباده تنقسم إلى قسمين: أحدهما التوفيق للتوبة، والثاني قبول التوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨]، وتطلق التوبة من العبد إلى الله، وهي من العبد إلى الله معناها: الرجوع من معصيته إلى طاعته، فالعبد تواب، والله تواب، لكن فرق بين تواب التي يوصف بها الله وتواب الذي يوصف بها العبد، فتواب التي يوصف بها الله معناها: الموَفِّق للتوبة القابل لها، وتواب التي يوصف بها العبد معناها: الرَجَّاع إلى الله سبحانه وتعالى من معصيته إلى طاعته.
﴿حَكِيمٌ﴾ سبق لنا أنها مشتقة من الحكم والحِكْمة، فتكون بمعنى حاكم وبمعنى مُحْكِم، ﴿حَكِيمٌ﴾ مشتقة من الحكم والحكمة فهي بمعنى حاكم ومحكم، والحكم لله سبحانه وتعالى ينقسم إلى كوني وشرعي، ومر علينا قريبًا في التوحيد، والحكمة تكون في الحكم الكوني، وتكون كذلك في الحكم الشرعي، فمحل الحكمة الحكمان؛ يعني: الحكم الكوني والحكم الشرعي.
والحكمة -أيضًا كما مر علينا سابقًا- تكون حكمة في الإيجاد وحكمة في الصورة وحكمة في الغاية؛ يعني حكمة الله ليست هي غايات الأمور، لا، في الإيجاد وفي الصورة وفي الغاية، كيف في الإيجاد وفي الصورة وفي الغاية؟
يعني أن الله لا يوجد شيئًا إلا لحكمة، ثم إيجاده على صورة معينة حكمة أخرى، ثم الغاية من هذا الإيجاد حكمة ثالثة، إذن فحكمة الله سبحانه وتعالى تتعلق بالإيجاد، أيش تقول؟
* طالب: حكمة الله في الإيجاد وفي الصورة وفي الغاية.
* الشيخ: حكمة الله في الإيجاد والصورة والغاية، فمثلًا إيجاد الشمس هذا لحكمة، وهو حكمة إيجاده، كونها على هذه الصورة المعينة وبهذه الحرارة وبهذه المسافة عن الأرض وبهذا السير المعين هذه أيش اسمه؟ حكمة في الصورة، هذه أيضًا حكمة، الغاية منها -وهي مصالح الخلق- هذه أيضًا حكمة.
إيجاد الإنسان حكمة، وكونه على هذا الوجه من الصورة حكمة، والغاية من إيجاده حكمة، وهكذا في الأمور الكونية والشرعية، فإن تشريع الشرائع حكمة وكونها على هذا الوجه المعين حكمة، والغاية منها وهو إصلاح الخلق حكمة أيضًا، فالحاصل إذن أن حكمة الله سبحانه وتعالى تكون في أيش؟
* طلبة: في الإيجاد والصورة والغاية.
* الشيخ: في الإيجاد والصورة والغاية.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور ١٠]، الحكيم قلنا: إن معناها حاكم ومُحْكِم؛ أي: متقن؛ أي: ذو حكمة، المحكم بمعنى: ذو الحكمة، والحكمة كما عرفتم الآن تكون في الشرع وفي القدر؛ لأنها تكون في الحكمين، وتكون في الإيجاد والصورة والغاية أظن الأمر واضح.
جواب (لولا) ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أيش الجواب؟ يقول المؤلف رحمه الله: (لبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها)، المؤلف قصر هذه الآية ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ قصرها على قصة المتلاعنين؛ يعني: لولا أن الله تفضل علينا ورحمنا لبين الحق في ذلك؛ أي: بين كذب الزوج إن كان كاذبًا وكذب المرأة إن كانت هي الكاذبة، وعاجل بالعقوبة من يستحقها من أحدهما؛ لأن أحدهما كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لما تلاعنا: «اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا أَحَدٌ تَائِبٌ؟»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٣٤٩)، ومسلم (١٤٩٣ / ٦) من حديث ابن عمر.]]؛ يعني يعرض لهما بالتوبة، يقول: حداكما غلط هذا، الزوج ولّا الزوجة؟ وهذا صحيح، ويعرض عليهما التوبة، فهل أحد يتوب.
والمؤلف -رحمه الله- يرى أن هذه الآية خاصة بقصة المتلاعنين، والصواب أنها عامة فيها وفي غيرها، لماذا؟ لأن الله لم يقيدها، قال: ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، ولّا قال في ذلك.
ثم العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإذن يكون الجواب المقدر غير ما قدره المفسر، يكون ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ ما حصل لكم هذه المصالح، وانتفت عنكم تلك المفاسد، وهذا عامّ، أعم مما قاله المؤلف.
* الطالب: الخبر (...)؟
* الشيخ: لا الخبر محذوف، غير جملة، الجملة هذه جواب (لولا).
* الطالب: خبر (...)؟
* الشيخ: لا، جواب (لولا)، ما تقول: خبر لولا، أما ﴿فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ خبره محذوف، والتقدير: موجود، ولولا فضل الله عليكم ورحمته موجودان لحصل كذا وكذا، طيب نرجع إلى استنباط الفوائد من هذه الآيات.
* أولًا: يستفاد من هذه الآيات: الحكمة في تشريع الله، في الشرع، الحكمة في التشريع؛ لأن هذه الآية مستثناة في الحكم من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور ٤]، لو هذه الآية بقيت على ما هي عليه لوجب أن يجلد الزوج، الآية ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ في هذا الحكمة في التشريع، حيث خص الأزواج بهذا الحكم من حكم الذين يرمون المحصنات ولّا لا؟ هذا النوع من التخصيص ويش نوعه؟ متصل ولّا منفصل؟ يلا يا أصحاب أصول الفقه يا اللي تريدون تقرؤون بالروضة، جماعة يريدون يبدؤون بالروضة، وهم لا يعرفون التخصيص متصل ولّا منفصل؟
* طالب: ما هو من علم البلاغة هذا يا شيخ.
* الشيخ: لا لا، من علم أصول الفقه، ما يوجد شيء، ما هو التخصيص المتصل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...)، بأي طريق ما هي طرقه؟
يكون بالاستثناء والصفة والشرط ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ﴾ [العصر ٢، ٣]، الصفة: أكرم الطالب المجتهد، المجتهد؛ خصيته بالصفة متصلة.
الشرط: أكرم الطالب إن اجتهد، قرر (روضة الناظر) إن كانوا يعرفون أصول الفقه.
هذا النوع اللي عندنا هل هو واحد من هذه الثلاثة؟
لا؛ لأنها آية مستقلة، فالتخصيص إذن منفصل، فهذه الآية خصصت عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ لأنه لو بقيت الآية تلك على عمومها لكان الزوج إذا قذف زوجته يثبت له الأحكام الثلاثة السابقة، لكن الزوج انفرد عن غيره بهذا الحكم، فإذن هذه الآية أو تخصيص الأزواج من عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ هذا خصص بمخصص منفصل؛ لأنه نص مستقل.
ما هي الحكمة من تخصيص الأزواج بهذا الحكم دون غيرهم من القَذَفة؟ نحن قلنا: إن هذا من حكمة التشريع، فما هي الحكمة؟
الحكمة أن الزوج لا يمكن أن يقذف زوجته بالزنا إلا والأمر كما قال، ليش؟
لأن زنا زوجته عار عليه؛ لأنها هي حرثه، فإذا قذفها بالزنا أصبح الأمر شديدًا وعظيمًا، إذ أن هذا يوجب التشكك في أولاده عند الناس، ويوجب العار عليه حيث يقال: هذا الرجل ديوث كان يقر الفاحشة في أهله؛ لأن النفوس قد تقول ليش؟ يعني ما هذه بأول مرة يعثر، ما هو بعاثر إلا المرة الثانية والثالثة وما أشبه ذلك، إذ أن الزنا عادة ما يأتي علنا يأتي سرًّا، والسر ما هو يظهر في أول مرة، ولهذا لما كان زنا الزوجة عارًا على الزوج صار لا يمكن أن يقذف زوجته بالزنا إلا والأمر كما ذكر، ولهذا خص من بين سائر القاذفين بهذا الحكم، أن يعتبر قذفه هو، يعتبر رميًا ولّا شهادة؟
* الطلبة: شهادة.
* الشيخ: يعتبر شهادة.
* الفائدة الرابعة: أنه لا يصح اللعان إذا قذف أجنبية ثم تزوجها؛ لأنه لو قذف امرأة أجنبية ثم تزوجها فلا لعان، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور ٦]، فلو قذف امرأة أجنبية ثم تزوجها فلا لعان بينهما، وإنما يُحَدّ للقذف.
* خامسًا: عموم الآية ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾.
* طالب: تبقى زوجته؟
* الشيخ: أي نعم، وتبقى زوجة له.
عموم الآية ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾ يشمل ما قبل الدخول وبعد الدخول، فلو عقد على امرأة ثم رماها بالزنا أجري بينهما اللعان؛ لأنها زوجته.
* فيها أيضًا: أن رمي غير الزوجة ولو الأم أو البنت أو الأخت ممن يلحقهم عاره ليس كقذف الزوجة، بمعنى أن الرجل لو قذف أقرب الناس إليه بالزنا طبق عليه أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أحكام القاذفين الثلاثة السابقة، بخلاف الزوج، ووجه ذلك ما سبق من الإشارة إلى الحكمة.
* ومن الفوائد أيضًا: أن البدل يجعل له حكم المبدل منه، فلما كانت البينة على الزنا أربعة شهود، وكان الزوج إذا قذف زوجته في الزنا يعتبر شاهدًا، والتعدد الشخصي في حقه ممتنع أو لا؟ جعل التعدد في نفس الشهادة، فيكون هذا تقريرًا للقاعدة المشهورة المعروفة أن البدل له حكم المبدل منه، فلما كانت شهادة الزوج على زوجته بالزنا بمنزلة شهادة الرجل صار تكرارها بمنزلة تكرار الرجال وتعدد الشهود.
* وفيه أيضًا من الفوائد: تعظيم هذا الأمر بحيث لا يكتفى فيه بالشهادة المجردة، بل لا بد من شهادة مقرونة بأيش؟ بيمين، شهادة مقرونة بيمين فيقول: أشهد بالله.
* وفيه أيضًا: وجوب قرن هذه الشهادة المؤكدة باليمين، وجوب قرنها في الخامسة بأيش؟ باللعنة بالنسبة للزوج، وبالغضب بالنسبة للزوجة.
* ومن الفوائد أيضًا: أنه يجب أن يبدأ الزوج باللعان، أيش الدليل؟ ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾، ولا يتم العذاب عليها إلا إذا شهد الزوج، مفهوم؟ هذا من جهة الدليل.
من جهة النظر أن الزوج مدَّعٍ في الحقيقة، وأيهما يُبدأ به المدعي ولّا المنكر؟ الذي يطلب منه إثبات الحكم للدعوى المدعي، هو الذي يقال: هات بينة، إذا لم يوجد بينة رجعنا إلى المنكر، إلى المدَّعَى عليه، فعلى كل حال فيه من الفوائد أنه يجب البداءة بشهادات الزوج، الدليل من الآية أنه لما قال: ﴿شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، ولا يتم العذاب إلا بشهادة الزوج، هذا من جهة الأثر أو الدليل؟ من جهة النظر أن الزوج بمنزلة المدعي، والمدعي هو الذي يطلب منه أولا إثبات مدعاه.
* وفيه أيضًا من فوائدها: أنه لا بد أن يؤكد الشهادة بـ(إنَّ) و(اللام) مع اليمين، السابقة لقوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فلو قال: أشهد بالله بأني صادق، فإنه لا يكفي لا بد أن يأتي بـ(اللام)؛ لأن (اللام) تفيد زيادة تأكيد وتقوية، فلا بد من الإتيان بها.
* وفيه دليل على جواز الدعاء معلقا بالشرط، وين هو؟ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وهي تقول: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، ففيه دليل على جواز الدعاء معلقا بالشرط، وقد جاء مثله أو قريب منه في الاستخارة: «اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَدُنْيَايَ»[[أخرجه البخاري (١١٦٢) من حديث جابر بن عبد الله.]] إلى آخره، وكما جاء الشرع مفيدًا في دعاء الخالق جاء مفيدًا أيضًا في الشرع؛ يعني في الأحكام الشرعية، مثل ما قال النبي ﷺ لضباعة بنت الزبير «لما قالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأجدني شاكية، قال: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي، فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ»[[أخرجه مسلم (١٢٠٧ / ١٠٥)، والنسائي (٢٧٦٦) من حديث ابن عباس، واللفظ له.]]، وكما يجوز الشرط في دعاء المسألة يجوز الشرط أيضًا في دعاء العبادة كما في حديث ضباعة بنت الزبير، وهذا يشهد لرؤيا قصصتها عليكم رآها شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول: إنه رأى النبي ﷺ، وكان يشكل عليه جنائز تقدم إليه، ويشكل عليه أنهم مسلمون، فرأى النبي ﷺ ذات ليلة، فسأله عن أشياء من جملتها عن الرجل يُقَدَّم إلى الإمام ليصلي عليه وهو يشك في إسلامه، فقال له النبي ﷺ: عليك بالشرط يا أحمد.
أيش لون الشرط؟ مثل: اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له وارحمه؛ لأن هذا حقيقة، هي أن يُشْكل الإنسان في إسلام الجنازة المقدمة، فيقول: اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له وارحمه، وهذا جائز، وشاهده هذه الآية، وحديث الاستخارة هذا في دعاء المسألة، وفي دعاء العبادة، وأيش الدليل؟ حديث ضباعة بنت الزبير: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ».
* وفيه دليل على ثبوت الحد على المرأة بلعان الزوج إلا إذا أنكرت ولاعنت، هل يؤخذ من الآية ولّا ما يؤخذ؟ ثبوت الحد على المرأة بلعان الزوج من أين يؤخذ؟
* الطلبة: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾.
* الشيخ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، والعذاب هو الحد، والدليل على أن العذاب هو الحد قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وأما من فسر العذاب بالحبس بأنها تُحبس حتى تقر أو تلاعن؛ فهذا قول لا دليل عليه ولا معول عليه.
إذن يثبت الحد على المرأة بلعان الزوج كما تدل عليه الآية، وهل يثبت بغيره؟ البينة، إذا أتى بالبينة، وهذا مفهوم من الآية السابقة: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ٤]، ويثبت بأمر ثالث، وهو؟
* الطلبة: الإقرار.
* الشيخ: إقرار المرأة إذا أقرت، إذا أنكرت المرأة وقالت: أبدًا، هو كاذب، حينئذ نقول: لاعن، أجيبيه على شهاداته، فإذا أجابته على شهاداته سقط عنها العذاب، وإن لم تُجب أقيم عليها الحد.
* في هذا أيضًا دليل على الحكمة في اللعان، حيث خص الرجل باللعنة، بالدعاء على نفسه باللعنة، والمرأة في الدعاء على نفسها بالغضب، وهذا سبقت الإشارة إليه، يبين لنا ذلك؟
* طالب: (...) فيه إبعاد لها عن العفة.
* الشيخ: أي نعم؛ يعني كون الزوج يلعن نفسه إن كذب؛ لأن في إتهامه إياها بالزنا إبعادًا لها عن العفة.
* الطالب: وعن نفسه.
* الشيخ: وعن نفسه وأولاده، فناسب أنه يدعو على نفسه باللعن الذي هو الطرد والإبعاد، وبالنسبة لها؟
* الطالب: بالنسبة لها أن غضب الله عليها لما علمت الحق وأنكرته، فناسب أن..
* الشيخ: لأنه إذا كان كاذبًا، إذا كان مش صادق
* طالب: إذا كان صادقًا فهي قد علمت..
* الشيخ: فقد علمت الحق وأنكرته، وهذا شأنه الغضب، أو عقوبته الغضب، كل من علم الحق ورده فإنه يعاقب بالغضب، هذه واحدة، والثاني؟
* طالب: أن الزوج مظنة دعواه الصدق؛ لأنه هو يلحقه العار باتهامها بالزنا، فلما كان قضيتها الصدق، صار نصيبه أقل باللعنة، صار نصيبه أقل من الغضب، فهذا..
* الشيخ: وهي أقرب إلى الكذب؛ لأنها تريد أن تدفع عن نفسها وعن أهلها العار؛ فلذلك خصت بالغضب، واضح؟
إذن يؤخذ من هذا الحكمة في المغايرة بين الزوج والزوجة فيما يدعو أحدهما به على نفسه، فالمرأة في الغضب والزوج في اللعنة، ما رأيكم لو أنه عكس، وقال: الزوج غضب الله عليه، والزوجة لعنة الله عليها، يصح ولّا ما يصح؟
* طلبة: ما يصح.
* الشيخ: لا يصح، حتى قال العلماء: لو أبدل الغضب بالسخط، (...) هي الغضب بالسخط، أو أبدل اللعنة بالطرد والإبعاد عن رحمة الله، فإنه لا يصح اتِّباعًا للفظ، وهذا في الحقيقة محل نظر؛ لأنه -خصوصًا الطرد والإبعاد- السخط قد يكون بينه وبين الغضب فرق، لكن الطرد والإبعاد عن رحمة الله هو معنى اللعن، إلا أنه مع ذلك نقول: لا ينبغي العدول عما جاء به القرآن، أنه يقول للزوج: قل: لعنة الله عليه، وللزوجة: غضب الله عليها.
هل يشترط أن يقول: فيما رميتها به من الزنا، وتقول هي: فيما رماني به من الزنا، أو لا يشترط؟
* طالب: ظاهر القرآن لا يشترط.
* الشيخ: ظاهر القرآن لا يشترط، وكذلك ظاهر السنة، حينما لاعن النبي ﷺ بين هلال بن أمية وزوجته ما قال: لمن الصادقين فيما رميتها به، ولا قالت هي: لمن الكاذبين فيما رماني به، ولهذا الصحيح أن هذا ليس بشرط.
فإذا قيل أليس من الجائز أن يتأول ﴿لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في قضية أخرى؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: الجواب: بلى، من الجائز، لا شك أنه من الجائز أن يتأول، ويقول: لمن الصادقين؛ أي: في أمر آخر، لكن هذا التأويل ينفعه ولّا لا؟
* طلبة: ما ينفعه.
* الشيخ: لا ينفعه؛ لأن تأويل الظالم لا ينفعه، فإن يمينه على ما يصدقه به صاحبه، وعلى ما يقتضيه المقام، ولكن لو ذكر: فيما رميتها به من الزنا، وقالت هي: فيما رماني به من الزنا، لكان هذا أبين وأوضح، إلا أنه ليس بواجب.
* طالب: غير الظالم يا شيخ.
* الشيخ: غير الظالم ذكرنا أن المظلوم ينفعه قولًا واحدًا، ومن ليس بظالم ولا مظلوم محل خلاف بين العلماء، والأولى ألا يتأول؛ لأنه يؤدي إلى تهمته إذا تبين الأمر على خلاف ما أظهر، تبين تهمته، وأدى إلى أنه ما يوثق في كلامه، وكلما قال شيئًا خافوا من تأوله مثل ذات المرة، أما إذا صار مظلومًا فهذا ضرورة أنه يتأول.
* وفيه أيضًا: بيان فضل الله ورحمته على عباده بالشرع والقدر؛ لقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، فإن هذا يتعلق بالشرع وبالقدر، أما بالشرع فهو لولا أن الله تفضل علينا ورحمنا وشرع للأزواج ما شرع من اللعان لكان الزوج يقع في حرج عظيم؛ لأنه إن تكلم، وأيش اللي يُعمل به؟
* طالب: يقام عليه الحد.
* الشيخ: يقام عليه حد القذف، وإن سكتَ سكتَ على أمر عظيم، لكن من رحمة الله أن الله شرع اللعان، وهذا فضل ورحمة في الشرع.
كذلك في القدر، بالنسبة لقضية المتلاعنين، وهو ما أشار إليه المؤلف، أنه لولا أن الله سبحانه وتعالى يحب الستر لفضح المرأة، وأظهر آية تدل على صدق الزوج، أو بالعكس، إذا كان الزوج كاذبًا، لكن من رحمة الله أن الله سبحانه وتعالى يستر على عباده في الدنيا مثل هذه الأمور، ثم يجازيهم عليها في الآخرة.
في هذه الآية ما ذُكر حكم قذف الرجل لو عينه الزوج، لو قال: زنا بها فلان، فهل يُحد لقذف فلان؛ لأنه ليس زوجه طبعا؟
* طالب: تعين؟
* الشيخ: عَيَّن إيه؟ أو نقول: لأن الزنا هنا واحد، والله تعالى جعل شهادات الزوج بمنزلة إقامة البينة، لكن بالنسبة للزوجة لا بالنسبة لمن قذفها به، فيصير من قذفها به يسلم من الحد، ولا يصير له حق في إقامة حد القذف على الزوج، أو نقول هذا القذف يوجب اللعان بالنسبة للزوجة ويوجب الحد بالنسبة للأجنبي؟
* طالب: إن عَيَّن شخصًا..
* الشيخ: عَيَّن إيه؟ قال: فلان بن فلان، قال: هذه المرأة زنا بها فلان.
* طالب: لازم أربع شهادات، أربعة رجال.
* الشيخ: صحيح، ما خاف الأجنبي، ما حُد للزنا إذا لاعن الزوج، ما حددنا الأجنبي للزنا، لكن هل يُحَد الزوج لقذف الرجل ولّا ما يحد هذا السؤال؟
* طالب: لا يحد.
* طالب آخر: قد تكون للبينة، الخروج للبينة، إذا أراد أن يأتي بالبينة.
* الشيخ: لا، لا، على كل حال الحديث أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك ابن سحماء، فعَيَّن الرجل الذي زنا بها، ولم يحده النبي ﷺ حد القذف، ولهذا الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يُحد بقذف الرجل ولو عيّنه، لكن لا ينبغي مثل هذا؛ أن يقذفها بشخص معين لأجل ألا يدنس عرضه؛ لأن المسألة ما هي بثابتة بالشهود، فالأولى أن يقول: إنها زنت، ولا يُعَيِّن، لكن لو عَيَّن فإن السنة تدل على أنه لا يُحد للرجل، السبب في ذلك هو ما أشار إليه محمد إسماعيل، ما أدري عن قصد ولّا عن غير قصد، أو رمية من غير رامٍ، هو أن الأصل هنا والمقصود قذف الرجل الأجنبي ولّا الزوجة؟
* طلبة: الزوجة.
* الشيخ: الزوجة، وهو ما عَيَّن الرجل إلا لزيادة إثبات قذف الزوجة؛ يعني هو ما قال: فلان زنا بامرأتي، وأراد أنه يدنس الرجل هذا، هو في الحقيقة المسألة للتخلص منها مثلًا، فلهذا -هذا والله أعلم- الحكمة في أنه لم يُحد، لكن من راعى المعنى قال الآية السابقة تدل على أن الرمي بالزنا يوجب الحد، وهذه الآية تدل على أن رمي المرأة بالزنا يوجب اللعان، فتبقى الآية هناك بالنسبة للأجنبي على عمومها، وهذه بالنسبة للزوجة على خصوصها، لكن السنة الحقيقة هي الفاصلة، «والنبي ﷺ ما حد الرجل الذي قذف امرأته بشريك ابن سحماء»[[أخرجه مسلم (١٤٩٦ / ١١) من حديث أنس.]].
النور 24:8
العامل في هذا المصدر هو المصدر؛ يعني: فأن يشهد أحدهم أربع شهادات، وخبر المبتدأ اللي هو شهادته محذوف، قدره المؤلف بقوله: يدفع عنه حد القذف، ﴿شَهَادَةُ﴾ مبتدأ، و﴿أَرْبَعَ﴾ أيش نقول في إعرابه؟
نائب مناب المصدر.
أين عامله؟ عامله ﴿شَهَادَةُ﴾، المبتدأ (...) خبر؟
خبره، يقول: محذوف، تقديره: يدفع عنه حد القذف، معناه: فأن يشهد أحد أربع شهادات بالله.. إلى آخره، يدفع عنه حد القذف، والمؤلف رحمه الله ما ذكر القراءة الثانية، وهي قراءة الرفع.
﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور ٦]، على قراءة الرفع نقول: ﴿شَهَادَةُ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿أَرْبَعُ﴾، خبره ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾.
﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾: ﴿بِاللَّهِ﴾؛ يعني: لا بد أن يقول: أشهد بالله، متعلقة بـ﴿شَهَادَاتٍ﴾، ما يكفي أن يقول: أشهد أن امرأته كذا وكذا، بل لا بد أن يقول: أشهد بالله؛ لتتضمن الشهادة شهادة وقسمًا، أشهد بالله، ولهذا أجيبت بجواب القسم، وأيش هو جواب القسم؟ إنه لمن الصادقين، صار لا بد أن يشهد شهادة بالله ليكون شهادة مقرونة بالقسم، والدليل على هذا أنه أجيب بما يجاب به القسم، وهو قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور ٦]، فهذه الجملة الخبرية مؤكدة بالشهادة والقسم وإن واللام، أربعة مؤكدات، وتكرر أربع مرات، فيصير تأكيدًا من وراء تأكيد، فإخباره عن زوجته بأنها زنت مؤكد بهذه الأربعة، عدّهم؟
* طالب: (...).
الشيخ: واللام والنون، أيش بعد؟ والشهادة، شهادة واحدة؟ أربع شهادات؛ يعني: وأشهد بالله أني لمن الصادقين.
وقولنا: ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ الصادق: هو المخبر بما يطابق الواقع.
وقوله: فيما رمى به زوجته من الزنا؛ يعني: لا بد أن يقول هذا أو معناه، إما يقول: فيما رميتها به من الزنا، أو: فيما قذفتها به من الزنا، أو ما أدى هذا المعنى، المهم لا يكفي أن يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين، ما يكفي هذا، وأيش السبب؟
لأنه قد ينوي به الصادقين في غير هذه القضية، وظاهر القرآن الكريم أنه يجزي؛ لأنه ما قال: فيما رميتها به من الزنا لمن الصادقين، ويكون هذا وإن نوى (لمن الصادقين) في قول آخر ما ينفعه؛ لأنه كما جاء في الحديث: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ»[[أخرجه مسلم (١٦٥٣ / ٢٠) من حديث أبي هريرة.]]، فأنت وإن نويت خلاف ذلك فأنت إنما استشهدت على أي شيء؟
على ما رميتها به من الزنا، استشهدت على ما رميتها به من الزنا، فسواء ذكرته أم لم تذكره لا يختلف الحكم، ولهذا القرآن لم يقيده بذلك، وأيش يكون بناء عليه؟ على أن المقام يعينه، وأن نيته خلاف ذلك لا تنفعه، لماذا؟
لأن اليمين على ما يصدقك به صاحبك؛ يعني خصمك، على ما يصدقك به صاحبك.
* طالب: (...).
* الشيخ: أي نعم، لكن لو أنه قال ذلك، أو هي طلبت ذلك مثلًا، أو الحاكم طلب منه ذلك، فإنه أولى؛ لأجل أن يطمئن الإنسان أكثر، للطمأنينة؛ يعني لو طلب القاضي منه ذلك، القاضي مثلًا خاف أنه يتأوّل -وإن كان تأوله لا ينفعه- فإنه إذا أمره يجيبه على هذا الشيء؛ إذا أمره أن يقول ذلك يجيبه.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يجب عليه أيش؟
* طالب: (...) على ما رميتها به من الزنا.
* الشيخ: لا، ما يجب، على ما رميتها به من الزنا ما يجب؛ لأنه ليس موجودًا في الآية، لكن المقام يعيّنه.
لو قال: أشهد بالله إني لصادق، هل يجزي ولّا لا بد أن يقول: (لمن الصادقين)؟
والله هذه المسألة الفقهاء يقولون: لا بد أن يكون باللفظ، وفي نفسي من ذلك شيء؛ لأن هذه ليست ألفاظ ذِكر يتعبد الإنسان بها، إنما هي ألفاظ يقصد بها إثبات ما شهد به، وهو لا شك أن الأولى والأحرى والأبرأ أن يقول ذلك بلفظ القرآن، لكن لو قال: إني لصادق، فالظاهر أنه يجزئ؛ لأن المقصود بقوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، المقصود إثبات الصفة أو الشهادة بالله على صدقه.
قال: ﴿وَيَدْرَأُ﴾ [النور ٨] يدفع ﴿عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، شوف الآن الرجل إذا قذف زوجته بالزنا وأتى بالشهود، أتى بشهود أربعة يشهدون بأن هذه المرأة زنت، ورأوا ذكر الزاني في فرجها يحتاج لعانًا ولّا ما يحتاج؟
* طلبة: لا ما يحتاج.
* الشيخ: لا يحتاج، كذا؟ لأن الله إنما ذكر هذا فيمن لم يكن له شاهد إلا نفسه، ثانيًا: إذا شهد على ما رماها به أربع شهادات وأقرت بذلك انتهى الأمر أيضًا، إذا أقرت بذلك انتهى الأمر، وأُقيم عليها الحد، إذا لم تقر بذلك فإنها حينئذ تلاعن، كذا؟ إذا سكتت لا أنكرت ولا أثبتت؟ فما الحكم؟
ينظر ما يستفاد من الآية ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور ٨].
﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ، ﴿وَالْخَامِسَةَ﴾ ؛ يعني: وشهادته الخامسة، ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أنا عندي مشكولة بالنصب؟
* طلبة: بالرفع (...).
* الشيخ: إي، على الوجه الذي مشى عليه المؤلف، ما يكون من حذف الجمل.
* طلبة: (...).
* الشيخ: ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ بالرفع، لا ﴿أَرْبَعَ﴾ بالنصب، هذه قراءة ثانية، غير مشكولة، (...)، لا في ذلك، أيش نقول؟
* طالب: المتن كده، ما تنفعش.
* الشيخ: إي، طيب.
* طالب: (قوله: خبر المبتدأ هو شهادة أحدهما، أما قوله: ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ فهو معطوف على مبتدأ، والخبر المحذوف خبر عن المعطوف والمعطوف عليه، وقوله: ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [النور ٧]، ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ (...) بدل من (الخامسة)، أو على تقدير حرف الجر، أي بأن لعنه، انتهى، قوله: فهو معطوف على المبتدأ غير متعين (...)، و(أن لعنة الله) خبر، والجملة مبتدرة بين مبتدأ وخبر محذوف.
قوله: تدفع عنه حد القذف هذا المقدر).
* الشيخ: (...).
* طالب: (هذا قول يتبع الوصف، عند قوله تعالى: ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ ، قوله: نصب على المصدر، أي الاصطلاحي النحوي، وهو كل ما انتصب على المفعولية مطلقًا، فإنه يسمى عند النحاة مصدرًا، وإن كان غير مصدر، بمعنى اللفظ الدال على الحدث وحده، وما هنا نعت من مصدر محذوف تقديره شهادةُ أربع.
* الشيخ: شهادةً أربع.
* الطالب: تقديره شهادةً سأربع، هذا وقرئ بالسبعة أيضًا ﴿أَرْبَعُ﴾ برفعها على الخبرية، ولا حذف في الكلام، وقوله: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ إلى آخره، بالرفع لا غير، باتفاق السلف، وقوله: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ بالنصب لا غير).
* الشيخ: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، ﴿الْخَامِسَةُ﴾ مبتدأ، و﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ خبره، تأويله مصدر.
وقوله: ﴿لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ اللعنة: هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وقوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هذا شرط في الدعاء على نفسه باللعنة؛ يعني: إن كان كاذبًا فلعنة الله عليه؛ يعني: وإن كان صادقًا فلا لعن، وقوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في أي شيء؟
فيما رمى به زوجته من الزنا، فإنه مستحق للعنة الله التي هي الطرد والإبعاد، ومناسبة ذكر اللعنة هنا في مقابل كذبه؛ لأنه في الحقيقة يتضمن كلامه إبعاد زوجته، واتهامها بما هي بريئة منه، ولذلك جاء بذكر اللعنة، بخلاف المرأة، فإنها تأتي بأمر آخر، كما سيذكر إن شاء الله.
وقوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ يدفع عنها العذاب، أي: حد الزنا الذي ثبت بشهادته، نحن قلنا: إذا رمى الرجل زوجته بالزنا فلا يخلو من ثلاث حالات:
إما أن يقيم بينة فهنا يقام عليها الحد بالبينة.
وإما أن تُقِرّ فيقام عليها الحد بالإقرار.
وإما أن تُنْكر، وفي حال إنكارها يطلب اللعان، فإذا شهد الرجل أربع شهادات بالله أقيم عليها الحد، لكن لها أن تدفع هذا الحد بشهادات تنقض شهادة الرجل، إذن العذاب في قوله: ﴿عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ المراد به: حد الزنا.
وأما قول فقهائنا -رحمهم الله: إن المراد بالعذاب الحبس، فهذا قول ضعيف جدا؛ لأنه لا ذكر للحبس في الآية، بل إن الآية صريحة في أن الذي يندفع هو العذاب، والعذاب هو الحد، حد القذف، بدليل قوله في الآية فيما سبق: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فالمراد بالعذاب إذن يتعين أن المراد بالعذاب هو حد الزنا.
أما قول الفقهاء -رحمهم الله: إن العذاب الحبس حتى تقر أو تلاعن، فهذا قول لا دليل عليه، وهو ضعيف جدًّا، والصواب: أن المراد بالعذاب حد القذف، إذن إذا أنكرت المرأة ويش نعمل؟ نقول للرجل: اشهد على ما قلت أربع شهادات بالله إنك لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين، فإذا شهد ويش يثبت؟ ثبت عليها الحد، حد الزنا، الرجم إن كانت محصنة، والجلد مع التغريب إن كانت غير محصنة.
* طالب: كيف تكون مش محصنة؛ لأنه ده زوج بيتهم زوجته؟
* الشيخ: يمكن يعقد عليها ولا يجامعها، فتكون غير محصنة، وبعدين لها -بعد أن ثبت الحد عليها بشهادة الزوج- لها أن تسقط الحد هذا (...)؟ بشهادات تقابل شهادات الزوج، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ أي: شهادتها ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الزنا.
* طالب: يعني تسجن؟
* الشيخ: تسجن حتى تُقِر أو تلاعن.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن ما يخلو تلاعن.
* طالب: ويش لون يعني (...).
* الشيخ: (...) إذا شهد عليها، فإن لاعن قبلنا منه، وإن أبى لا نقيم عليها حد الزنا؛ نحبسها حتى تقر بالزنا أو تلاعن، أما الآية فتدل على أنه إذا لم تلاعن يقام عليها الحد مباشرة.
يقول: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الزنا، يقابل قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيما رماها به من الزنا.
و﴿الْخَامِسَةَ﴾ [النور ٩] يعني: وتشهد الخامسة ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور ٩]، في ذلك ﴿الْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِين﴾، في مقابل ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
لكن لماذا اختير لها الغضب دون اللعنة؟
لسببين: لأن الغضب أشد من اللعنة، الغضب -والعياذ بالله- أن الله يغضب عليها يلزم منه اللعنة وزيادة، بخلاف اللعنة فهى طرد وإبعاد عن الرحمة، لكن هذا طرد وإبعاد مع غضب، فهو أشد، وإنما اختير لها ذلك -يعني الغضب مع أنه أشد من اللعنة- لسببين:
السبب الأول: أن رمي الزوج إياها بالزنا أقرب إلى الصدق من إنكارها؛ لأنه يبعد أن الزوج يرمي زوجته بالزنا، بعيد جدًّا، إلا إذا تيقن ذلك، لكن إنكارها هي أمر متوقع؛ لأنها تدرأ عن نفسها عار الفاحشة، وكذلك عن أهلها، مثلما قالت المرأة: «لا أفضح قومي سائر اليوم»[[أخرجه البخاري (٤٧٤٧) من حديث ابن عباس.]]. فعلى كل حال الغضب أشد من اللعنة، واختير للمرأة؛ لأن رمي الزوج إياها بالزنا أقرب إلى الصدق والواقع من إنكارها، فكان إنكارها أعظم، لذلك رتب عليه إن كان صادقًا أن يغضب الله عليها.
الوجه الثاني: أنها تقول: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وإذا كان من الصادقين فقد أنكرته هى، وحادت عن الحق مع علمها به، إذا قالت: ﴿غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وصار صادقًا، صار معناه أنها خالفت الحق أيش بعد؟ مع علمها به، الفرض أنه صادق، ولو صار صادقًا وهي تنكر، والفعل مفعول بها هي، وهي تقول: لا، ما هو بصحيح، وهو صادق في أنه صحيح، ويش يناسبها؟ صارت عالمة الحق فأنكرته، ومن علم الحق ورده..
* طالب: أشد.
* الشيخ: أشد، لكِنْ جزاؤه الغضب، ولهذا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] من هم المغضوب عليهم؟ الذين علموا الحق فأنكروه مثل اليهود، و﴿الضَّالِّينَ﴾ الذي لم يقولوا بالحق؛ لجهلهم به، فالحاصل يا جماعة الآن أنه اختير لها الغضب، وهو أشد من اللعنة؛ لأمرين:
الأول: أن شهادة الزوج عليها بالزنا أقرب من إنكارها إياه، ليش؟ لاستبعاد أن يرمي الزوج زوجته بالزنا وهي حليلته، ولقرب أن المرأة تنكر دفعًا للعار عنها وعن أهلها.
الوجه الثاني: أنه إذا كان صادقًا والمرأة تنكره صارت ترد الحق مع علمها به، ومن رد الحق مع علمه به فجزاؤه الغضب، كما في اليهود الذين ردوا الحق مع علمهم به فجوزوا بالغضب، ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
* طالب: الوجه الثاني أنها أشد أنه هو يستطيع أن يطلقها؟
* الشيخ: أي نعم، لكن ما هو مطلقها، هو لا يطلقها، لو كان يريد الطلاق ما احتاج أن يرميها، كان طلقها وانتهى الموضوع.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف الزيادة؟ أصلًا ما يمكن يقدم الإنسان على رمي زوجته بالزنا بمجرد الظنون أبدًا، ما يمكن، إلا شيئًا شافه ما يمكن يصبر عليه؛ لأن هذا عار عليهم على الذل، ولهذا -كما سيأتينا إن شاء الله في حديث الإفك- ما يمكن أن الإنسان العفيف (...) أن الله يبتليه بامرأة تزني ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور ٢٦]، فلهذا هو نفسه يجد من العار أن يشهر عند الناس أن امرأته زانية، لكن هي تجد من نفسها أن من العار أن تقر على نفسها بالزنا، فهى تحاول أن تنكر، أن غضب الله عليها..
* طالب: (...) فطلقها؟
* الشيخ: (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف؛ لأنه ربما إن هي تقر ويثبت عليها حد الزنا، وحينئذ يتخلص بدون مطالبة.
* طالب: وممكن يتخلص (...).
* الشيخ: خلاص، (...).
* طالب: (...) ما يصير عليها (...).
* الشيخ: لا، أصل هذا الولد يجب إذا حصل هذا الشيء منها، يجب عليه إن يستبرئها بحيضة، فإن قُدّر أنها أتت بولد، يعني لما استبرأها ما حاضت، حملت، فالولد له؛ لأن النبي ﷺ يقول: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٠٥٣)، ومسلم (١٤٥٧ / ٣٦) من حديث عائشة.]]، حتى لو فرضنا أنه حسب تقدير الله من هذا الزاني فهو ولد الرجل؛ لأن الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ.
* طالب: لكن إذا لاعن ينفي الولد.
* الشيخ: إذا لاعن ينفي الولد؟ انتهى الموضوع.
* طالب: تنفي الولد.
* الشيخ: اللعان لنفي الولد فيه خلاف، المذهب ما يجوز يلاعن لنفي الولد، لازم يقذفها أولًا بالزنا ثم يلاعن وينفي الولد، والصحيح أنه يجوز أن يلاعن لنفي الولد فقط، بأن يقول: ما أقول: زنت، لكن هذا الولد ليس مني وألاعن على ذلك. ويقول في اللعان: أشهد بالله، ويشهد أربع مرات إنه لمن الصادقين أن الولد ليس له، و﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: قد تكون مكرهة ما زنت، أو مشتبه فيها مثلا؛ لأن مسألة الزنا صعب، ولهذا أوجب الله فيه الحد، وهذا الرجل لو نفى ولده ما وجب عليه الحد.
* طالب: ما يجب عليه الحد؟
* الشيخ: لا هي ولا هو، لا هي نقول: إن هذا الولد يكون زنًا، ولا هو أيضًا، ونقول: هذا العمل يكون قذفًا، لو فرضنا على القول الصحيح أنها إذا حملت وليس لها زوج فإنها تحد، إلا إذا ادعت شبهة، لكن اللي لها زوج ما يمكن نأتيها ولا نقربها، يحتمل أنه زوجها.
* طالب: (...).
* الشيخ: قلنا: إنه لما كان لعانه هذا يتضمن إبعادها عن نفسه وعن أولادها، وكذلك إبعادها عن العفة، ما أحد يدعو على نفسه باللعنة، جزاء وفاقًا.
* طالب: هذه المرأة (...).
* الشيخ: هذه إن شاء الله تأتينا بالفوائد.
* * *
* طالب: قال رحمه الله تعالى: وعن عبادة قال:« صلى رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: «إِنِّي أُرَاكُمْ تَقْرَؤُونَ وَرَاءَ إِمَامِكُمْ»، قال: قلنا: يا رسول الله إي والله، قال: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا». رواه أبو داود والترمذي[[أبو داود (٨٢٣)، والترمذي (٣١١).]].
وفي لفظ: «فَلَا تَقْرَؤُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ بِهِ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ»، رواه أبو داود والنسائي والدارقطني[[أخرجه أبو داود (٨٢٤)، والنسائي (٩٢٠)، والدارقطني (١٢١٧).]] وقال: كلهم ثقات.
وعن عبادة: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا يَقْرَأَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» رواه الدارقطني[[أخرجه الدارقطني (١٢١٧).]]، وقال: رجاله كلهم ثقات.
وروى عبد الله بن شداد: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامُ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ..»[[أخرجه ابن ماجه (٨٥٠)، وأحمد في المسند (١٤٦٤٣) من حديث جابر بن عبد الله.]].
* * *
* الشيخ: أو للتخلص منها مثلًا، ولهذا -هذا والله أعلم- الحكمة في أنه لم يحد، لكن من راعى المعنى قال: الآية السابقة تدل على أن الرمي بالزنا يوجب الحد، وهذا الآية تدل على أن رمي المرأة بالزنا يوجب اللعان، فتبقى الآية هناك بالنسبة للأجنبي على عمومها، وهذه بالنسبة للزوجة على خصوصها، لكن السنة –الحقيقة- هى الفاصلة، والنبي ﷺ ما حد الرجل الذي قذف امرأته بشريك ابن سحماء[[أخرجه البخاري (٢٦٧١) من حديث ابن عباس، أخرجه مسلم (١٤٩٦ / ١١) من حديث أنس.]] لكن الذين يقولون: يحد، يجيبون عن هذا، يقولون: من قال: إن شريك ابن سحماء طالب بحقه؟
وحد القذف لا يجب إلا بالمطالبة، لكننا نقول ردًّا على هذا: مسألة كون حد القذف لا يجب إلا بالمطالبة محل نظر؛ لأن عموم الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ لا تقيد ذلك بالمطالبة، وكون هذا حقًّا خاصًّا للمقذوف محل أيضا نظر، وغير مسلم (...)؛ لأن تدنيس أعراض المسلمين ليس حقًّا شخصيًّا في الواقع، يتعلق بأيش؟ يتعلق بعموم المجتمع الإسلامي، وإفساد له، ولهذا أنا أميل إلى أن حد القذف يجب، وإن لم يطالب به المقذوف، المهم أن يثبت، حتى لو أن المقذوف صار ما فيه خير، ولا يريد أن يدافع عن عرضه وسكت، نقول: المسلمون هم الذين يدافعون عن عرضك، ويقام الحد عليه.
وفي هذا أيضًا، في الآية إثبات الأسباب والموانع، من قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النور ١٠]، فإن هذه الآية فيها مانع وفيها سبب، فالسبب ذنوب مثلًا وما نحن عليه من الأخطاء، والمانع الذي يمنع من العقوبة هو فضل الله ورحمته.
(...) إثبات التواب اسمًا من أسماء الله لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [النور ١٠].
وإثبات الحكيم اسمًا من أسمائه، والحكيم كما أشرنا إليه أولًا يتضمن معنى الحكم والحكمة، والحكم كوني وشرعي والحكمة في الإيجاد والصورة، أيش بعد؟
* الطلبة: والغاية.
* الشيخ: والغاية، وهذه أيضًا الأشياء الثلاثة في الحكمة، في الحكم القدري والحكم الشرعي، أيش تسأل؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا أبدًا، هو ما تبين الأمر ورجحان قول الزوج إلا بعد الوضع، كيف نحيل الحكم على أمر ما تبين من قبل، ثم لو فرض أن فيه أمارات وقرائن وهو ما يمنع، اللهم إلا أن الأمارات في الحقيقة والقرائن قد تؤدي إلى كون المقذوف ليس محصنًا، فلا يجب الحد بقذفه، وإنما يجب التعزير؛ لأن قذف غير المحصن يوجب التعزير، على كل حال فهذه الأمارات ما ظهرت إلا بعد.
* طالب: ما الفرق بين الملاعنة والوضع (...).
* الشيخ: لا بد من اللعان لا بد منه، فيه أيضًا هذا البحث ذكرنا بمسألة الولد، هل ينتفي الولد عن الزوج باللعان ولّا ما ينتفي؟
* طالب: ينتفي.
* الشيخ: نعم، إن نفاه في لعانه انتفى، وإلا فهو ولده، إذن لا بد من أن يصرح بنفيه وإلا فهو ولده؛ لأن الْوَلَد لِلْفِرَاشِ، كما قال النبي ﷺ، «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، إذا سكت عن الولد فهو ولده، وإن نفاه انتفى.
فيما إذا نفاه من أبوه؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: ليس له أب شرعًا، أما قَدَرًا فله أب، ضروريًّا، لكن شرعًا ليس له أب، إلى من ينسب؟
* الطلبة: إلى أمه.
* الشيخ: ينسب إلى أمّه، وترثه أمه ميراث أمّ وأب، ولّا ميراث أيه؟
* طالب: أم وأب.
* الشيخ: هو ما ينسب إلى أمه، ويش تصير أمه، تكون أمه أمًّا وأبًا.
ينبني على ذلك صورة، لو مات هذا الإنسان هذا الولد عن أمه التي ولدته وعن إخوته الأشقاء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، عمره ما فيه أشقاء، ما يمكن يكون أشقاء، ما يمكن يصير أشقاء، لكن عن إخوته من أمه، كذا؟ لأن إخوته من أمه (...)، ما يمكن يصيرون أشقاء.
كيف يكون الميراث؟ إذا قلنا إن الأم أم وأب حجبتهم الأم، فصار الميراث لها وليس لإخوته شيء؛ يصير لها السدس على أنها أم، كذا؟ والباقي لها تعصيبًا على أنها أب، وهذا هو الصحيح، لحديث: «تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: لَقِيطَهَا، وَعَتِيقَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ»[[أخرجه أبو داود (٢٩٠٦)، والترمذي (٢١١٥)، وابن ماجه (٢٧٤٢) من حديث واثلة بن الأسقع. ]]، المذهب يقولون: إنها ترثه ميراث أم فقط، ويكون العاصب له عصبة أمه، وعلى هذا فيكون للأم هنا السدس، والباقي لإخوته من أمه؛ لأنهم هم عصبة الأم، أبناؤها، فيكون الباقي لهم.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [النور ١٠]؛ لقبول التوبة في ذلك وغيره، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما حكم به في ذلك وغيره، فبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها.
قوله: (لولا) هذه شرطية ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، ويسمونها حرف امتناع لوجود؛ يعني أنها منعت شيئًا لوجود شيء، هنا ننظر ما هو الذي امتنع لوجود شيء؟
الذي امتنع هو الجواب المحذوف، جواب لولا المحذوف، وهو ما قدره المؤلف بقوله: (لبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها) هذا هو الذي امتنع لوجود أي شيء؟
لوجود فضل الله ورحمته، فالحاصل أن الذي منع جواب (لولا) في هذه الآية هو فضل الله ورحمته، وأما ﴿فَضْلُ﴾ فهو مبتدأ وخبره محذوف؛ لأن (لولا) يحذف بعدها الخبر وجوبًا، قال ابن مالك رحمه الله:
وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ∗∗∗ حَتْمٌ.....................
يعني لازم، فهنا (لولا) إذن تحتاج إلى جواب، جوابها مقدر، وتحتاج إلى خبر مبتدأ وهو محذوف أيضًا، ويحذف وجوبًا بعد (لولا) غالبًا، كما قال ابن مالك رحمه الله.
وقوله: ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ إلى آخره، الفضل من آثار الرحمة في الحقيقة، لكن الرحمة تكون فيما يضطر إليه العبد وزيادة، وتكون في الزيادة أيضًا، والفضل في الزيادة فقط، فيكون عطف الرحمة هنا على الفضل من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الفضل من آثار الرحمة لكنه أخص منها، حيث إنه زائد على ما يحتاج إليه العبد ويضطر إليه، وأما الرحمة فتكون فيما يحتاج إليه العبد، وفيما زاد على ذلك.
يقول المؤلف: (بالستر في ذلك) هذا بناء على خصوص الآية في المتلاعنين، والصواب أن الآية عامة؛ يعني: لولا فضل الله عليكم ورحمته في هذا وغيره -ما هو بس في الستر- لحصل لكم ما لم يحصل لكم الآن، فالصواب إبقاء الآية على عمومها، وأنه لولا هذا الفضل والرحمة من الله ما حصل لهم الذي حصل من هذا التيسير وهذا التشريع الحكيم.
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ معطوف على ﴿فَضْلُ﴾؛ يعني: ولولا أيضًا أن الله تواب حكيم، تواب سبق لنا أن التواب كثير التوبة، وأن توبة الله على عباده تنقسم إلى قسمين: أحدهما التوفيق للتوبة، والثاني قبول التوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨]، وتطلق التوبة من العبد إلى الله، وهي من العبد إلى الله معناها: الرجوع من معصيته إلى طاعته، فالعبد تواب، والله تواب، لكن فرق بين تواب التي يوصف بها الله وتواب الذي يوصف بها العبد، فتواب التي يوصف بها الله معناها: الموَفِّق للتوبة القابل لها، وتواب التي يوصف بها العبد معناها: الرَجَّاع إلى الله سبحانه وتعالى من معصيته إلى طاعته.
﴿حَكِيمٌ﴾ سبق لنا أنها مشتقة من الحكم والحِكْمة، فتكون بمعنى حاكم وبمعنى مُحْكِم، ﴿حَكِيمٌ﴾ مشتقة من الحكم والحكمة فهي بمعنى حاكم ومحكم، والحكم لله سبحانه وتعالى ينقسم إلى كوني وشرعي، ومر علينا قريبًا في التوحيد، والحكمة تكون في الحكم الكوني، وتكون كذلك في الحكم الشرعي، فمحل الحكمة الحكمان؛ يعني: الحكم الكوني والحكم الشرعي.
والحكمة -أيضًا كما مر علينا سابقًا- تكون حكمة في الإيجاد وحكمة في الصورة وحكمة في الغاية؛ يعني حكمة الله ليست هي غايات الأمور، لا، في الإيجاد وفي الصورة وفي الغاية، كيف في الإيجاد وفي الصورة وفي الغاية؟
يعني أن الله لا يوجد شيئًا إلا لحكمة، ثم إيجاده على صورة معينة حكمة أخرى، ثم الغاية من هذا الإيجاد حكمة ثالثة، إذن فحكمة الله سبحانه وتعالى تتعلق بالإيجاد، أيش تقول؟
* طالب: حكمة الله في الإيجاد وفي الصورة وفي الغاية.
* الشيخ: حكمة الله في الإيجاد والصورة والغاية، فمثلًا إيجاد الشمس هذا لحكمة، وهو حكمة إيجاده، كونها على هذه الصورة المعينة وبهذه الحرارة وبهذه المسافة عن الأرض وبهذا السير المعين هذه أيش اسمه؟ حكمة في الصورة، هذه أيضًا حكمة، الغاية منها -وهي مصالح الخلق- هذه أيضًا حكمة.
إيجاد الإنسان حكمة، وكونه على هذا الوجه من الصورة حكمة، والغاية من إيجاده حكمة، وهكذا في الأمور الكونية والشرعية، فإن تشريع الشرائع حكمة وكونها على هذا الوجه المعين حكمة، والغاية منها وهو إصلاح الخلق حكمة أيضًا، فالحاصل إذن أن حكمة الله سبحانه وتعالى تكون في أيش؟
* طلبة: في الإيجاد والصورة والغاية.
* الشيخ: في الإيجاد والصورة والغاية.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور ١٠]، الحكيم قلنا: إن معناها حاكم ومُحْكِم؛ أي: متقن؛ أي: ذو حكمة، المحكم بمعنى: ذو الحكمة، والحكمة كما عرفتم الآن تكون في الشرع وفي القدر؛ لأنها تكون في الحكمين، وتكون في الإيجاد والصورة والغاية أظن الأمر واضح.
جواب (لولا) ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أيش الجواب؟ يقول المؤلف رحمه الله: (لبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها)، المؤلف قصر هذه الآية ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ قصرها على قصة المتلاعنين؛ يعني: لولا أن الله تفضل علينا ورحمنا لبين الحق في ذلك؛ أي: بين كذب الزوج إن كان كاذبًا وكذب المرأة إن كانت هي الكاذبة، وعاجل بالعقوبة من يستحقها من أحدهما؛ لأن أحدهما كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لما تلاعنا: «اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا أَحَدٌ تَائِبٌ؟»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٣٤٩)، ومسلم (١٤٩٣ / ٦) من حديث ابن عمر.]]؛ يعني يعرض لهما بالتوبة، يقول: حداكما غلط هذا، الزوج ولّا الزوجة؟ وهذا صحيح، ويعرض عليهما التوبة، فهل أحد يتوب.
والمؤلف -رحمه الله- يرى أن هذه الآية خاصة بقصة المتلاعنين، والصواب أنها عامة فيها وفي غيرها، لماذا؟ لأن الله لم يقيدها، قال: ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، ولّا قال في ذلك.
ثم العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإذن يكون الجواب المقدر غير ما قدره المفسر، يكون ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ ما حصل لكم هذه المصالح، وانتفت عنكم تلك المفاسد، وهذا عامّ، أعم مما قاله المؤلف.
* الطالب: الخبر (...)؟
* الشيخ: لا الخبر محذوف، غير جملة، الجملة هذه جواب (لولا).
* الطالب: خبر (...)؟
* الشيخ: لا، جواب (لولا)، ما تقول: خبر لولا، أما ﴿فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ خبره محذوف، والتقدير: موجود، ولولا فضل الله عليكم ورحمته موجودان لحصل كذا وكذا، طيب نرجع إلى استنباط الفوائد من هذه الآيات.
* أولًا: يستفاد من هذه الآيات: الحكمة في تشريع الله، في الشرع، الحكمة في التشريع؛ لأن هذه الآية مستثناة في الحكم من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور ٤]، لو هذه الآية بقيت على ما هي عليه لوجب أن يجلد الزوج، الآية ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ في هذا الحكمة في التشريع، حيث خص الأزواج بهذا الحكم من حكم الذين يرمون المحصنات ولّا لا؟ هذا النوع من التخصيص ويش نوعه؟ متصل ولّا منفصل؟ يلا يا أصحاب أصول الفقه يا اللي تريدون تقرؤون بالروضة، جماعة يريدون يبدؤون بالروضة، وهم لا يعرفون التخصيص متصل ولّا منفصل؟
* طالب: ما هو من علم البلاغة هذا يا شيخ.
* الشيخ: لا لا، من علم أصول الفقه، ما يوجد شيء، ما هو التخصيص المتصل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...)، بأي طريق ما هي طرقه؟
يكون بالاستثناء والصفة والشرط ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ﴾ [العصر ٢، ٣]، الصفة: أكرم الطالب المجتهد، المجتهد؛ خصيته بالصفة متصلة.
الشرط: أكرم الطالب إن اجتهد، قرر (روضة الناظر) إن كانوا يعرفون أصول الفقه.
هذا النوع اللي عندنا هل هو واحد من هذه الثلاثة؟
لا؛ لأنها آية مستقلة، فالتخصيص إذن منفصل، فهذه الآية خصصت عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ لأنه لو بقيت الآية تلك على عمومها لكان الزوج إذا قذف زوجته يثبت له الأحكام الثلاثة السابقة، لكن الزوج انفرد عن غيره بهذا الحكم، فإذن هذه الآية أو تخصيص الأزواج من عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ هذا خصص بمخصص منفصل؛ لأنه نص مستقل.
ما هي الحكمة من تخصيص الأزواج بهذا الحكم دون غيرهم من القَذَفة؟ نحن قلنا: إن هذا من حكمة التشريع، فما هي الحكمة؟
الحكمة أن الزوج لا يمكن أن يقذف زوجته بالزنا إلا والأمر كما قال، ليش؟
لأن زنا زوجته عار عليه؛ لأنها هي حرثه، فإذا قذفها بالزنا أصبح الأمر شديدًا وعظيمًا، إذ أن هذا يوجب التشكك في أولاده عند الناس، ويوجب العار عليه حيث يقال: هذا الرجل ديوث كان يقر الفاحشة في أهله؛ لأن النفوس قد تقول ليش؟ يعني ما هذه بأول مرة يعثر، ما هو بعاثر إلا المرة الثانية والثالثة وما أشبه ذلك، إذ أن الزنا عادة ما يأتي علنا يأتي سرًّا، والسر ما هو يظهر في أول مرة، ولهذا لما كان زنا الزوجة عارًا على الزوج صار لا يمكن أن يقذف زوجته بالزنا إلا والأمر كما ذكر، ولهذا خص من بين سائر القاذفين بهذا الحكم، أن يعتبر قذفه هو، يعتبر رميًا ولّا شهادة؟
* الطلبة: شهادة.
* الشيخ: يعتبر شهادة.
* الفائدة الرابعة: أنه لا يصح اللعان إذا قذف أجنبية ثم تزوجها؛ لأنه لو قذف امرأة أجنبية ثم تزوجها فلا لعان، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور ٦]، فلو قذف امرأة أجنبية ثم تزوجها فلا لعان بينهما، وإنما يُحَدّ للقذف.
* خامسًا: عموم الآية ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾.
* طالب: تبقى زوجته؟
* الشيخ: أي نعم، وتبقى زوجة له.
عموم الآية ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾ يشمل ما قبل الدخول وبعد الدخول، فلو عقد على امرأة ثم رماها بالزنا أجري بينهما اللعان؛ لأنها زوجته.
* فيها أيضًا: أن رمي غير الزوجة ولو الأم أو البنت أو الأخت ممن يلحقهم عاره ليس كقذف الزوجة، بمعنى أن الرجل لو قذف أقرب الناس إليه بالزنا طبق عليه أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أحكام القاذفين الثلاثة السابقة، بخلاف الزوج، ووجه ذلك ما سبق من الإشارة إلى الحكمة.
* ومن الفوائد أيضًا: أن البدل يجعل له حكم المبدل منه، فلما كانت البينة على الزنا أربعة شهود، وكان الزوج إذا قذف زوجته في الزنا يعتبر شاهدًا، والتعدد الشخصي في حقه ممتنع أو لا؟ جعل التعدد في نفس الشهادة، فيكون هذا تقريرًا للقاعدة المشهورة المعروفة أن البدل له حكم المبدل منه، فلما كانت شهادة الزوج على زوجته بالزنا بمنزلة شهادة الرجل صار تكرارها بمنزلة تكرار الرجال وتعدد الشهود.
* وفيه أيضًا من الفوائد: تعظيم هذا الأمر بحيث لا يكتفى فيه بالشهادة المجردة، بل لا بد من شهادة مقرونة بأيش؟ بيمين، شهادة مقرونة بيمين فيقول: أشهد بالله.
* وفيه أيضًا: وجوب قرن هذه الشهادة المؤكدة باليمين، وجوب قرنها في الخامسة بأيش؟ باللعنة بالنسبة للزوج، وبالغضب بالنسبة للزوجة.
* ومن الفوائد أيضًا: أنه يجب أن يبدأ الزوج باللعان، أيش الدليل؟ ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾، ولا يتم العذاب عليها إلا إذا شهد الزوج، مفهوم؟ هذا من جهة الدليل.
من جهة النظر أن الزوج مدَّعٍ في الحقيقة، وأيهما يُبدأ به المدعي ولّا المنكر؟ الذي يطلب منه إثبات الحكم للدعوى المدعي، هو الذي يقال: هات بينة، إذا لم يوجد بينة رجعنا إلى المنكر، إلى المدَّعَى عليه، فعلى كل حال فيه من الفوائد أنه يجب البداءة بشهادات الزوج، الدليل من الآية أنه لما قال: ﴿شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، ولا يتم العذاب إلا بشهادة الزوج، هذا من جهة الأثر أو الدليل؟ من جهة النظر أن الزوج بمنزلة المدعي، والمدعي هو الذي يطلب منه أولا إثبات مدعاه.
* وفيه أيضًا من فوائدها: أنه لا بد أن يؤكد الشهادة بـ(إنَّ) و(اللام) مع اليمين، السابقة لقوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فلو قال: أشهد بالله بأني صادق، فإنه لا يكفي لا بد أن يأتي بـ(اللام)؛ لأن (اللام) تفيد زيادة تأكيد وتقوية، فلا بد من الإتيان بها.
* وفيه دليل على جواز الدعاء معلقا بالشرط، وين هو؟ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وهي تقول: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، ففيه دليل على جواز الدعاء معلقا بالشرط، وقد جاء مثله أو قريب منه في الاستخارة: «اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَدُنْيَايَ»[[أخرجه البخاري (١١٦٢) من حديث جابر بن عبد الله.]] إلى آخره، وكما جاء الشرع مفيدًا في دعاء الخالق جاء مفيدًا أيضًا في الشرع؛ يعني في الأحكام الشرعية، مثل ما قال النبي ﷺ لضباعة بنت الزبير «لما قالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأجدني شاكية، قال: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي، فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ»[[أخرجه مسلم (١٢٠٧ / ١٠٥)، والنسائي (٢٧٦٦) من حديث ابن عباس، واللفظ له.]]، وكما يجوز الشرط في دعاء المسألة يجوز الشرط أيضًا في دعاء العبادة كما في حديث ضباعة بنت الزبير، وهذا يشهد لرؤيا قصصتها عليكم رآها شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول: إنه رأى النبي ﷺ، وكان يشكل عليه جنائز تقدم إليه، ويشكل عليه أنهم مسلمون، فرأى النبي ﷺ ذات ليلة، فسأله عن أشياء من جملتها عن الرجل يُقَدَّم إلى الإمام ليصلي عليه وهو يشك في إسلامه، فقال له النبي ﷺ: عليك بالشرط يا أحمد.
أيش لون الشرط؟ مثل: اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له وارحمه؛ لأن هذا حقيقة، هي أن يُشْكل الإنسان في إسلام الجنازة المقدمة، فيقول: اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له وارحمه، وهذا جائز، وشاهده هذه الآية، وحديث الاستخارة هذا في دعاء المسألة، وفي دعاء العبادة، وأيش الدليل؟ حديث ضباعة بنت الزبير: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ».
* وفيه دليل على ثبوت الحد على المرأة بلعان الزوج إلا إذا أنكرت ولاعنت، هل يؤخذ من الآية ولّا ما يؤخذ؟ ثبوت الحد على المرأة بلعان الزوج من أين يؤخذ؟
* الطلبة: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾.
* الشيخ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، والعذاب هو الحد، والدليل على أن العذاب هو الحد قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وأما من فسر العذاب بالحبس بأنها تُحبس حتى تقر أو تلاعن؛ فهذا قول لا دليل عليه ولا معول عليه.
إذن يثبت الحد على المرأة بلعان الزوج كما تدل عليه الآية، وهل يثبت بغيره؟ البينة، إذا أتى بالبينة، وهذا مفهوم من الآية السابقة: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ٤]، ويثبت بأمر ثالث، وهو؟
* الطلبة: الإقرار.
* الشيخ: إقرار المرأة إذا أقرت، إذا أنكرت المرأة وقالت: أبدًا، هو كاذب، حينئذ نقول: لاعن، أجيبيه على شهاداته، فإذا أجابته على شهاداته سقط عنها العذاب، وإن لم تُجب أقيم عليها الحد.
* في هذا أيضًا دليل على الحكمة في اللعان، حيث خص الرجل باللعنة، بالدعاء على نفسه باللعنة، والمرأة في الدعاء على نفسها بالغضب، وهذا سبقت الإشارة إليه، يبين لنا ذلك؟
* طالب: (...) فيه إبعاد لها عن العفة.
* الشيخ: أي نعم؛ يعني كون الزوج يلعن نفسه إن كذب؛ لأن في إتهامه إياها بالزنا إبعادًا لها عن العفة.
* الطالب: وعن نفسه.
* الشيخ: وعن نفسه وأولاده، فناسب أنه يدعو على نفسه باللعن الذي هو الطرد والإبعاد، وبالنسبة لها؟
* الطالب: بالنسبة لها أن غضب الله عليها لما علمت الحق وأنكرته، فناسب أن..
* الشيخ: لأنه إذا كان كاذبًا، إذا كان مش صادق
* طالب: إذا كان صادقًا فهي قد علمت..
* الشيخ: فقد علمت الحق وأنكرته، وهذا شأنه الغضب، أو عقوبته الغضب، كل من علم الحق ورده فإنه يعاقب بالغضب، هذه واحدة، والثاني؟
* طالب: أن الزوج مظنة دعواه الصدق؛ لأنه هو يلحقه العار باتهامها بالزنا، فلما كان قضيتها الصدق، صار نصيبه أقل باللعنة، صار نصيبه أقل من الغضب، فهذا..
* الشيخ: وهي أقرب إلى الكذب؛ لأنها تريد أن تدفع عن نفسها وعن أهلها العار؛ فلذلك خصت بالغضب، واضح؟
إذن يؤخذ من هذا الحكمة في المغايرة بين الزوج والزوجة فيما يدعو أحدهما به على نفسه، فالمرأة في الغضب والزوج في اللعنة، ما رأيكم لو أنه عكس، وقال: الزوج غضب الله عليه، والزوجة لعنة الله عليها، يصح ولّا ما يصح؟
* طلبة: ما يصح.
* الشيخ: لا يصح، حتى قال العلماء: لو أبدل الغضب بالسخط، (...) هي الغضب بالسخط، أو أبدل اللعنة بالطرد والإبعاد عن رحمة الله، فإنه لا يصح اتِّباعًا للفظ، وهذا في الحقيقة محل نظر؛ لأنه -خصوصًا الطرد والإبعاد- السخط قد يكون بينه وبين الغضب فرق، لكن الطرد والإبعاد عن رحمة الله هو معنى اللعن، إلا أنه مع ذلك نقول: لا ينبغي العدول عما جاء به القرآن، أنه يقول للزوج: قل: لعنة الله عليه، وللزوجة: غضب الله عليها.
هل يشترط أن يقول: فيما رميتها به من الزنا، وتقول هي: فيما رماني به من الزنا، أو لا يشترط؟
* طالب: ظاهر القرآن لا يشترط.
* الشيخ: ظاهر القرآن لا يشترط، وكذلك ظاهر السنة، حينما لاعن النبي ﷺ بين هلال بن أمية وزوجته ما قال: لمن الصادقين فيما رميتها به، ولا قالت هي: لمن الكاذبين فيما رماني به، ولهذا الصحيح أن هذا ليس بشرط.
فإذا قيل أليس من الجائز أن يتأول ﴿لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في قضية أخرى؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: الجواب: بلى، من الجائز، لا شك أنه من الجائز أن يتأول، ويقول: لمن الصادقين؛ أي: في أمر آخر، لكن هذا التأويل ينفعه ولّا لا؟
* طلبة: ما ينفعه.
* الشيخ: لا ينفعه؛ لأن تأويل الظالم لا ينفعه، فإن يمينه على ما يصدقه به صاحبه، وعلى ما يقتضيه المقام، ولكن لو ذكر: فيما رميتها به من الزنا، وقالت هي: فيما رماني به من الزنا، لكان هذا أبين وأوضح، إلا أنه ليس بواجب.
* طالب: غير الظالم يا شيخ.
* الشيخ: غير الظالم ذكرنا أن المظلوم ينفعه قولًا واحدًا، ومن ليس بظالم ولا مظلوم محل خلاف بين العلماء، والأولى ألا يتأول؛ لأنه يؤدي إلى تهمته إذا تبين الأمر على خلاف ما أظهر، تبين تهمته، وأدى إلى أنه ما يوثق في كلامه، وكلما قال شيئًا خافوا من تأوله مثل ذات المرة، أما إذا صار مظلومًا فهذا ضرورة أنه يتأول.
* وفيه أيضًا: بيان فضل الله ورحمته على عباده بالشرع والقدر؛ لقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، فإن هذا يتعلق بالشرع وبالقدر، أما بالشرع فهو لولا أن الله تفضل علينا ورحمنا وشرع للأزواج ما شرع من اللعان لكان الزوج يقع في حرج عظيم؛ لأنه إن تكلم، وأيش اللي يُعمل به؟
* طالب: يقام عليه الحد.
* الشيخ: يقام عليه حد القذف، وإن سكتَ سكتَ على أمر عظيم، لكن من رحمة الله أن الله شرع اللعان، وهذا فضل ورحمة في الشرع.
كذلك في القدر، بالنسبة لقضية المتلاعنين، وهو ما أشار إليه المؤلف، أنه لولا أن الله سبحانه وتعالى يحب الستر لفضح المرأة، وأظهر آية تدل على صدق الزوج، أو بالعكس، إذا كان الزوج كاذبًا، لكن من رحمة الله أن الله سبحانه وتعالى يستر على عباده في الدنيا مثل هذه الأمور، ثم يجازيهم عليها في الآخرة.
في هذه الآية ما ذُكر حكم قذف الرجل لو عينه الزوج، لو قال: زنا بها فلان، فهل يُحد لقذف فلان؛ لأنه ليس زوجه طبعا؟
* طالب: تعين؟
* الشيخ: عَيَّن إيه؟ أو نقول: لأن الزنا هنا واحد، والله تعالى جعل شهادات الزوج بمنزلة إقامة البينة، لكن بالنسبة للزوجة لا بالنسبة لمن قذفها به، فيصير من قذفها به يسلم من الحد، ولا يصير له حق في إقامة حد القذف على الزوج، أو نقول هذا القذف يوجب اللعان بالنسبة للزوجة ويوجب الحد بالنسبة للأجنبي؟
* طالب: إن عَيَّن شخصًا..
* الشيخ: عَيَّن إيه؟ قال: فلان بن فلان، قال: هذه المرأة زنا بها فلان.
* طالب: لازم أربع شهادات، أربعة رجال.
* الشيخ: صحيح، ما خاف الأجنبي، ما حُد للزنا إذا لاعن الزوج، ما حددنا الأجنبي للزنا، لكن هل يُحَد الزوج لقذف الرجل ولّا ما يحد هذا السؤال؟
* طالب: لا يحد.
* طالب آخر: قد تكون للبينة، الخروج للبينة، إذا أراد أن يأتي بالبينة.
* الشيخ: لا، لا، على كل حال الحديث أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك ابن سحماء، فعَيَّن الرجل الذي زنا بها، ولم يحده النبي ﷺ حد القذف، ولهذا الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يُحد بقذف الرجل ولو عيّنه، لكن لا ينبغي مثل هذا؛ أن يقذفها بشخص معين لأجل ألا يدنس عرضه؛ لأن المسألة ما هي بثابتة بالشهود، فالأولى أن يقول: إنها زنت، ولا يُعَيِّن، لكن لو عَيَّن فإن السنة تدل على أنه لا يُحد للرجل، السبب في ذلك هو ما أشار إليه محمد إسماعيل، ما أدري عن قصد ولّا عن غير قصد، أو رمية من غير رامٍ، هو أن الأصل هنا والمقصود قذف الرجل الأجنبي ولّا الزوجة؟
* طلبة: الزوجة.
* الشيخ: الزوجة، وهو ما عَيَّن الرجل إلا لزيادة إثبات قذف الزوجة؛ يعني هو ما قال: فلان زنا بامرأتي، وأراد أنه يدنس الرجل هذا، هو في الحقيقة المسألة للتخلص منها مثلًا، فلهذا -هذا والله أعلم- الحكمة في أنه لم يُحد، لكن من راعى المعنى قال الآية السابقة تدل على أن الرمي بالزنا يوجب الحد، وهذه الآية تدل على أن رمي المرأة بالزنا يوجب اللعان، فتبقى الآية هناك بالنسبة للأجنبي على عمومها، وهذه بالنسبة للزوجة على خصوصها، لكن السنة الحقيقة هي الفاصلة، «والنبي ﷺ ما حد الرجل الذي قذف امرأته بشريك ابن سحماء»[[أخرجه مسلم (١٤٩٦ / ١١) من حديث أنس.]].
النور 24:9
العامل في هذا المصدر هو المصدر؛ يعني: فأن يشهد أحدهم أربع شهادات، وخبر المبتدأ اللي هو شهادته محذوف، قدره المؤلف بقوله: يدفع عنه حد القذف، ﴿شَهَادَةُ﴾ مبتدأ، و﴿أَرْبَعَ﴾ أيش نقول في إعرابه؟
نائب مناب المصدر.
أين عامله؟ عامله ﴿شَهَادَةُ﴾، المبتدأ (...) خبر؟
خبره، يقول: محذوف، تقديره: يدفع عنه حد القذف، معناه: فأن يشهد أحد أربع شهادات بالله.. إلى آخره، يدفع عنه حد القذف، والمؤلف رحمه الله ما ذكر القراءة الثانية، وهي قراءة الرفع.
﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور ٦]، على قراءة الرفع نقول: ﴿شَهَادَةُ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿أَرْبَعُ﴾، خبره ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾.
﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾: ﴿بِاللَّهِ﴾؛ يعني: لا بد أن يقول: أشهد بالله، متعلقة بـ﴿شَهَادَاتٍ﴾، ما يكفي أن يقول: أشهد أن امرأته كذا وكذا، بل لا بد أن يقول: أشهد بالله؛ لتتضمن الشهادة شهادة وقسمًا، أشهد بالله، ولهذا أجيبت بجواب القسم، وأيش هو جواب القسم؟ إنه لمن الصادقين، صار لا بد أن يشهد شهادة بالله ليكون شهادة مقرونة بالقسم، والدليل على هذا أنه أجيب بما يجاب به القسم، وهو قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور ٦]، فهذه الجملة الخبرية مؤكدة بالشهادة والقسم وإن واللام، أربعة مؤكدات، وتكرر أربع مرات، فيصير تأكيدًا من وراء تأكيد، فإخباره عن زوجته بأنها زنت مؤكد بهذه الأربعة، عدّهم؟
* طالب: (...).
الشيخ: واللام والنون، أيش بعد؟ والشهادة، شهادة واحدة؟ أربع شهادات؛ يعني: وأشهد بالله أني لمن الصادقين.
وقولنا: ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ الصادق: هو المخبر بما يطابق الواقع.
وقوله: فيما رمى به زوجته من الزنا؛ يعني: لا بد أن يقول هذا أو معناه، إما يقول: فيما رميتها به من الزنا، أو: فيما قذفتها به من الزنا، أو ما أدى هذا المعنى، المهم لا يكفي أن يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين، ما يكفي هذا، وأيش السبب؟
لأنه قد ينوي به الصادقين في غير هذه القضية، وظاهر القرآن الكريم أنه يجزي؛ لأنه ما قال: فيما رميتها به من الزنا لمن الصادقين، ويكون هذا وإن نوى (لمن الصادقين) في قول آخر ما ينفعه؛ لأنه كما جاء في الحديث: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ»[[أخرجه مسلم (١٦٥٣ / ٢٠) من حديث أبي هريرة.]]، فأنت وإن نويت خلاف ذلك فأنت إنما استشهدت على أي شيء؟
على ما رميتها به من الزنا، استشهدت على ما رميتها به من الزنا، فسواء ذكرته أم لم تذكره لا يختلف الحكم، ولهذا القرآن لم يقيده بذلك، وأيش يكون بناء عليه؟ على أن المقام يعينه، وأن نيته خلاف ذلك لا تنفعه، لماذا؟
لأن اليمين على ما يصدقك به صاحبك؛ يعني خصمك، على ما يصدقك به صاحبك.
* طالب: (...).
* الشيخ: أي نعم، لكن لو أنه قال ذلك، أو هي طلبت ذلك مثلًا، أو الحاكم طلب منه ذلك، فإنه أولى؛ لأجل أن يطمئن الإنسان أكثر، للطمأنينة؛ يعني لو طلب القاضي منه ذلك، القاضي مثلًا خاف أنه يتأوّل -وإن كان تأوله لا ينفعه- فإنه إذا أمره يجيبه على هذا الشيء؛ إذا أمره أن يقول ذلك يجيبه.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يجب عليه أيش؟
* طالب: (...) على ما رميتها به من الزنا.
* الشيخ: لا، ما يجب، على ما رميتها به من الزنا ما يجب؛ لأنه ليس موجودًا في الآية، لكن المقام يعيّنه.
لو قال: أشهد بالله إني لصادق، هل يجزي ولّا لا بد أن يقول: (لمن الصادقين)؟
والله هذه المسألة الفقهاء يقولون: لا بد أن يكون باللفظ، وفي نفسي من ذلك شيء؛ لأن هذه ليست ألفاظ ذِكر يتعبد الإنسان بها، إنما هي ألفاظ يقصد بها إثبات ما شهد به، وهو لا شك أن الأولى والأحرى والأبرأ أن يقول ذلك بلفظ القرآن، لكن لو قال: إني لصادق، فالظاهر أنه يجزئ؛ لأن المقصود بقوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، المقصود إثبات الصفة أو الشهادة بالله على صدقه.
قال: ﴿وَيَدْرَأُ﴾ [النور ٨] يدفع ﴿عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، شوف الآن الرجل إذا قذف زوجته بالزنا وأتى بالشهود، أتى بشهود أربعة يشهدون بأن هذه المرأة زنت، ورأوا ذكر الزاني في فرجها يحتاج لعانًا ولّا ما يحتاج؟
* طلبة: لا ما يحتاج.
* الشيخ: لا يحتاج، كذا؟ لأن الله إنما ذكر هذا فيمن لم يكن له شاهد إلا نفسه، ثانيًا: إذا شهد على ما رماها به أربع شهادات وأقرت بذلك انتهى الأمر أيضًا، إذا أقرت بذلك انتهى الأمر، وأُقيم عليها الحد، إذا لم تقر بذلك فإنها حينئذ تلاعن، كذا؟ إذا سكتت لا أنكرت ولا أثبتت؟ فما الحكم؟
ينظر ما يستفاد من الآية ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور ٨].
﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ، ﴿وَالْخَامِسَةَ﴾ ؛ يعني: وشهادته الخامسة، ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أنا عندي مشكولة بالنصب؟
* طلبة: بالرفع (...).
* الشيخ: إي، على الوجه الذي مشى عليه المؤلف، ما يكون من حذف الجمل.
* طلبة: (...).
* الشيخ: ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ بالرفع، لا ﴿أَرْبَعَ﴾ بالنصب، هذه قراءة ثانية، غير مشكولة، (...)، لا في ذلك، أيش نقول؟
* طالب: المتن كده، ما تنفعش.
* الشيخ: إي، طيب.
* طالب: (قوله: خبر المبتدأ هو شهادة أحدهما، أما قوله: ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ فهو معطوف على مبتدأ، والخبر المحذوف خبر عن المعطوف والمعطوف عليه، وقوله: ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [النور ٧]، ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ (...) بدل من (الخامسة)، أو على تقدير حرف الجر، أي بأن لعنه، انتهى، قوله: فهو معطوف على المبتدأ غير متعين (...)، و(أن لعنة الله) خبر، والجملة مبتدرة بين مبتدأ وخبر محذوف.
قوله: تدفع عنه حد القذف هذا المقدر).
* الشيخ: (...).
* طالب: (هذا قول يتبع الوصف، عند قوله تعالى: ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ ، قوله: نصب على المصدر، أي الاصطلاحي النحوي، وهو كل ما انتصب على المفعولية مطلقًا، فإنه يسمى عند النحاة مصدرًا، وإن كان غير مصدر، بمعنى اللفظ الدال على الحدث وحده، وما هنا نعت من مصدر محذوف تقديره شهادةُ أربع.
* الشيخ: شهادةً أربع.
* الطالب: تقديره شهادةً سأربع، هذا وقرئ بالسبعة أيضًا ﴿أَرْبَعُ﴾ برفعها على الخبرية، ولا حذف في الكلام، وقوله: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ إلى آخره، بالرفع لا غير، باتفاق السلف، وقوله: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ بالنصب لا غير).
* الشيخ: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، ﴿الْخَامِسَةُ﴾ مبتدأ، و﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ خبره، تأويله مصدر.
وقوله: ﴿لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ اللعنة: هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وقوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هذا شرط في الدعاء على نفسه باللعنة؛ يعني: إن كان كاذبًا فلعنة الله عليه؛ يعني: وإن كان صادقًا فلا لعن، وقوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في أي شيء؟
فيما رمى به زوجته من الزنا، فإنه مستحق للعنة الله التي هي الطرد والإبعاد، ومناسبة ذكر اللعنة هنا في مقابل كذبه؛ لأنه في الحقيقة يتضمن كلامه إبعاد زوجته، واتهامها بما هي بريئة منه، ولذلك جاء بذكر اللعنة، بخلاف المرأة، فإنها تأتي بأمر آخر، كما سيذكر إن شاء الله.
وقوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ يدفع عنها العذاب، أي: حد الزنا الذي ثبت بشهادته، نحن قلنا: إذا رمى الرجل زوجته بالزنا فلا يخلو من ثلاث حالات:
إما أن يقيم بينة فهنا يقام عليها الحد بالبينة.
وإما أن تُقِرّ فيقام عليها الحد بالإقرار.
وإما أن تُنْكر، وفي حال إنكارها يطلب اللعان، فإذا شهد الرجل أربع شهادات بالله أقيم عليها الحد، لكن لها أن تدفع هذا الحد بشهادات تنقض شهادة الرجل، إذن العذاب في قوله: ﴿عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ المراد به: حد الزنا.
وأما قول فقهائنا -رحمهم الله: إن المراد بالعذاب الحبس، فهذا قول ضعيف جدا؛ لأنه لا ذكر للحبس في الآية، بل إن الآية صريحة في أن الذي يندفع هو العذاب، والعذاب هو الحد، حد القذف، بدليل قوله في الآية فيما سبق: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فالمراد بالعذاب إذن يتعين أن المراد بالعذاب هو حد الزنا.
أما قول الفقهاء -رحمهم الله: إن العذاب الحبس حتى تقر أو تلاعن، فهذا قول لا دليل عليه، وهو ضعيف جدًّا، والصواب: أن المراد بالعذاب حد القذف، إذن إذا أنكرت المرأة ويش نعمل؟ نقول للرجل: اشهد على ما قلت أربع شهادات بالله إنك لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين، فإذا شهد ويش يثبت؟ ثبت عليها الحد، حد الزنا، الرجم إن كانت محصنة، والجلد مع التغريب إن كانت غير محصنة.
* طالب: كيف تكون مش محصنة؛ لأنه ده زوج بيتهم زوجته؟
* الشيخ: يمكن يعقد عليها ولا يجامعها، فتكون غير محصنة، وبعدين لها -بعد أن ثبت الحد عليها بشهادة الزوج- لها أن تسقط الحد هذا (...)؟ بشهادات تقابل شهادات الزوج، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ أي: شهادتها ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الزنا.
* طالب: يعني تسجن؟
* الشيخ: تسجن حتى تُقِر أو تلاعن.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن ما يخلو تلاعن.
* طالب: ويش لون يعني (...).
* الشيخ: (...) إذا شهد عليها، فإن لاعن قبلنا منه، وإن أبى لا نقيم عليها حد الزنا؛ نحبسها حتى تقر بالزنا أو تلاعن، أما الآية فتدل على أنه إذا لم تلاعن يقام عليها الحد مباشرة.
يقول: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الزنا، يقابل قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيما رماها به من الزنا.
و﴿الْخَامِسَةَ﴾ [النور ٩] يعني: وتشهد الخامسة ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور ٩]، في ذلك ﴿الْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِين﴾، في مقابل ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
لكن لماذا اختير لها الغضب دون اللعنة؟
لسببين: لأن الغضب أشد من اللعنة، الغضب -والعياذ بالله- أن الله يغضب عليها يلزم منه اللعنة وزيادة، بخلاف اللعنة فهى طرد وإبعاد عن الرحمة، لكن هذا طرد وإبعاد مع غضب، فهو أشد، وإنما اختير لها ذلك -يعني الغضب مع أنه أشد من اللعنة- لسببين:
السبب الأول: أن رمي الزوج إياها بالزنا أقرب إلى الصدق من إنكارها؛ لأنه يبعد أن الزوج يرمي زوجته بالزنا، بعيد جدًّا، إلا إذا تيقن ذلك، لكن إنكارها هي أمر متوقع؛ لأنها تدرأ عن نفسها عار الفاحشة، وكذلك عن أهلها، مثلما قالت المرأة: «لا أفضح قومي سائر اليوم»[[أخرجه البخاري (٤٧٤٧) من حديث ابن عباس.]]. فعلى كل حال الغضب أشد من اللعنة، واختير للمرأة؛ لأن رمي الزوج إياها بالزنا أقرب إلى الصدق والواقع من إنكارها، فكان إنكارها أعظم، لذلك رتب عليه إن كان صادقًا أن يغضب الله عليها.
الوجه الثاني: أنها تقول: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وإذا كان من الصادقين فقد أنكرته هى، وحادت عن الحق مع علمها به، إذا قالت: ﴿غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وصار صادقًا، صار معناه أنها خالفت الحق أيش بعد؟ مع علمها به، الفرض أنه صادق، ولو صار صادقًا وهي تنكر، والفعل مفعول بها هي، وهي تقول: لا، ما هو بصحيح، وهو صادق في أنه صحيح، ويش يناسبها؟ صارت عالمة الحق فأنكرته، ومن علم الحق ورده..
* طالب: أشد.
* الشيخ: أشد، لكِنْ جزاؤه الغضب، ولهذا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] من هم المغضوب عليهم؟ الذين علموا الحق فأنكروه مثل اليهود، و﴿الضَّالِّينَ﴾ الذي لم يقولوا بالحق؛ لجهلهم به، فالحاصل يا جماعة الآن أنه اختير لها الغضب، وهو أشد من اللعنة؛ لأمرين:
الأول: أن شهادة الزوج عليها بالزنا أقرب من إنكارها إياه، ليش؟ لاستبعاد أن يرمي الزوج زوجته بالزنا وهي حليلته، ولقرب أن المرأة تنكر دفعًا للعار عنها وعن أهلها.
الوجه الثاني: أنه إذا كان صادقًا والمرأة تنكره صارت ترد الحق مع علمها به، ومن رد الحق مع علمه به فجزاؤه الغضب، كما في اليهود الذين ردوا الحق مع علمهم به فجوزوا بالغضب، ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
* طالب: الوجه الثاني أنها أشد أنه هو يستطيع أن يطلقها؟
* الشيخ: أي نعم، لكن ما هو مطلقها، هو لا يطلقها، لو كان يريد الطلاق ما احتاج أن يرميها، كان طلقها وانتهى الموضوع.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف الزيادة؟ أصلًا ما يمكن يقدم الإنسان على رمي زوجته بالزنا بمجرد الظنون أبدًا، ما يمكن، إلا شيئًا شافه ما يمكن يصبر عليه؛ لأن هذا عار عليهم على الذل، ولهذا -كما سيأتينا إن شاء الله في حديث الإفك- ما يمكن أن الإنسان العفيف (...) أن الله يبتليه بامرأة تزني ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور ٢٦]، فلهذا هو نفسه يجد من العار أن يشهر عند الناس أن امرأته زانية، لكن هي تجد من نفسها أن من العار أن تقر على نفسها بالزنا، فهى تحاول أن تنكر، أن غضب الله عليها..
* طالب: (...) فطلقها؟
* الشيخ: (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف؛ لأنه ربما إن هي تقر ويثبت عليها حد الزنا، وحينئذ يتخلص بدون مطالبة.
* طالب: وممكن يتخلص (...).
* الشيخ: خلاص، (...).
* طالب: (...) ما يصير عليها (...).
* الشيخ: لا، أصل هذا الولد يجب إذا حصل هذا الشيء منها، يجب عليه إن يستبرئها بحيضة، فإن قُدّر أنها أتت بولد، يعني لما استبرأها ما حاضت، حملت، فالولد له؛ لأن النبي ﷺ يقول: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٠٥٣)، ومسلم (١٤٥٧ / ٣٦) من حديث عائشة.]]، حتى لو فرضنا أنه حسب تقدير الله من هذا الزاني فهو ولد الرجل؛ لأن الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ.
* طالب: لكن إذا لاعن ينفي الولد.
* الشيخ: إذا لاعن ينفي الولد؟ انتهى الموضوع.
* طالب: تنفي الولد.
* الشيخ: اللعان لنفي الولد فيه خلاف، المذهب ما يجوز يلاعن لنفي الولد، لازم يقذفها أولًا بالزنا ثم يلاعن وينفي الولد، والصحيح أنه يجوز أن يلاعن لنفي الولد فقط، بأن يقول: ما أقول: زنت، لكن هذا الولد ليس مني وألاعن على ذلك. ويقول في اللعان: أشهد بالله، ويشهد أربع مرات إنه لمن الصادقين أن الولد ليس له، و﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: قد تكون مكرهة ما زنت، أو مشتبه فيها مثلا؛ لأن مسألة الزنا صعب، ولهذا أوجب الله فيه الحد، وهذا الرجل لو نفى ولده ما وجب عليه الحد.
* طالب: ما يجب عليه الحد؟
* الشيخ: لا هي ولا هو، لا هي نقول: إن هذا الولد يكون زنًا، ولا هو أيضًا، ونقول: هذا العمل يكون قذفًا، لو فرضنا على القول الصحيح أنها إذا حملت وليس لها زوج فإنها تحد، إلا إذا ادعت شبهة، لكن اللي لها زوج ما يمكن نأتيها ولا نقربها، يحتمل أنه زوجها.
* طالب: (...).
* الشيخ: قلنا: إنه لما كان لعانه هذا يتضمن إبعادها عن نفسه وعن أولادها، وكذلك إبعادها عن العفة، ما أحد يدعو على نفسه باللعنة، جزاء وفاقًا.
* طالب: هذه المرأة (...).
* الشيخ: هذه إن شاء الله تأتينا بالفوائد.
* * *
* طالب: قال رحمه الله تعالى: وعن عبادة قال:« صلى رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: «إِنِّي أُرَاكُمْ تَقْرَؤُونَ وَرَاءَ إِمَامِكُمْ»، قال: قلنا: يا رسول الله إي والله، قال: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا». رواه أبو داود والترمذي[[أبو داود (٨٢٣)، والترمذي (٣١١).]].
وفي لفظ: «فَلَا تَقْرَؤُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ بِهِ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ»، رواه أبو داود والنسائي والدارقطني[[أخرجه أبو داود (٨٢٤)، والنسائي (٩٢٠)، والدارقطني (١٢١٧).]] وقال: كلهم ثقات.
وعن عبادة: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا يَقْرَأَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» رواه الدارقطني[[أخرجه الدارقطني (١٢١٧).]]، وقال: رجاله كلهم ثقات.
وروى عبد الله بن شداد: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامُ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ..»[[أخرجه ابن ماجه (٨٥٠)، وأحمد في المسند (١٤٦٤٣) من حديث جابر بن عبد الله.]].
* * *
* الشيخ: أو للتخلص منها مثلًا، ولهذا -هذا والله أعلم- الحكمة في أنه لم يحد، لكن من راعى المعنى قال: الآية السابقة تدل على أن الرمي بالزنا يوجب الحد، وهذا الآية تدل على أن رمي المرأة بالزنا يوجب اللعان، فتبقى الآية هناك بالنسبة للأجنبي على عمومها، وهذه بالنسبة للزوجة على خصوصها، لكن السنة –الحقيقة- هى الفاصلة، والنبي ﷺ ما حد الرجل الذي قذف امرأته بشريك ابن سحماء[[أخرجه البخاري (٢٦٧١) من حديث ابن عباس، أخرجه مسلم (١٤٩٦ / ١١) من حديث أنس.]] لكن الذين يقولون: يحد، يجيبون عن هذا، يقولون: من قال: إن شريك ابن سحماء طالب بحقه؟
وحد القذف لا يجب إلا بالمطالبة، لكننا نقول ردًّا على هذا: مسألة كون حد القذف لا يجب إلا بالمطالبة محل نظر؛ لأن عموم الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ لا تقيد ذلك بالمطالبة، وكون هذا حقًّا خاصًّا للمقذوف محل أيضا نظر، وغير مسلم (...)؛ لأن تدنيس أعراض المسلمين ليس حقًّا شخصيًّا في الواقع، يتعلق بأيش؟ يتعلق بعموم المجتمع الإسلامي، وإفساد له، ولهذا أنا أميل إلى أن حد القذف يجب، وإن لم يطالب به المقذوف، المهم أن يثبت، حتى لو أن المقذوف صار ما فيه خير، ولا يريد أن يدافع عن عرضه وسكت، نقول: المسلمون هم الذين يدافعون عن عرضك، ويقام الحد عليه.
وفي هذا أيضًا، في الآية إثبات الأسباب والموانع، من قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النور ١٠]، فإن هذه الآية فيها مانع وفيها سبب، فالسبب ذنوب مثلًا وما نحن عليه من الأخطاء، والمانع الذي يمنع من العقوبة هو فضل الله ورحمته.
(...) إثبات التواب اسمًا من أسماء الله لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [النور ١٠].
وإثبات الحكيم اسمًا من أسمائه، والحكيم كما أشرنا إليه أولًا يتضمن معنى الحكم والحكمة، والحكم كوني وشرعي والحكمة في الإيجاد والصورة، أيش بعد؟
* الطلبة: والغاية.
* الشيخ: والغاية، وهذه أيضًا الأشياء الثلاثة في الحكمة، في الحكم القدري والحكم الشرعي، أيش تسأل؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا أبدًا، هو ما تبين الأمر ورجحان قول الزوج إلا بعد الوضع، كيف نحيل الحكم على أمر ما تبين من قبل، ثم لو فرض أن فيه أمارات وقرائن وهو ما يمنع، اللهم إلا أن الأمارات في الحقيقة والقرائن قد تؤدي إلى كون المقذوف ليس محصنًا، فلا يجب الحد بقذفه، وإنما يجب التعزير؛ لأن قذف غير المحصن يوجب التعزير، على كل حال فهذه الأمارات ما ظهرت إلا بعد.
* طالب: ما الفرق بين الملاعنة والوضع (...).
* الشيخ: لا بد من اللعان لا بد منه، فيه أيضًا هذا البحث ذكرنا بمسألة الولد، هل ينتفي الولد عن الزوج باللعان ولّا ما ينتفي؟
* طالب: ينتفي.
* الشيخ: نعم، إن نفاه في لعانه انتفى، وإلا فهو ولده، إذن لا بد من أن يصرح بنفيه وإلا فهو ولده؛ لأن الْوَلَد لِلْفِرَاشِ، كما قال النبي ﷺ، «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، إذا سكت عن الولد فهو ولده، وإن نفاه انتفى.
فيما إذا نفاه من أبوه؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: ليس له أب شرعًا، أما قَدَرًا فله أب، ضروريًّا، لكن شرعًا ليس له أب، إلى من ينسب؟
* الطلبة: إلى أمه.
* الشيخ: ينسب إلى أمّه، وترثه أمه ميراث أمّ وأب، ولّا ميراث أيه؟
* طالب: أم وأب.
* الشيخ: هو ما ينسب إلى أمه، ويش تصير أمه، تكون أمه أمًّا وأبًا.
ينبني على ذلك صورة، لو مات هذا الإنسان هذا الولد عن أمه التي ولدته وعن إخوته الأشقاء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، عمره ما فيه أشقاء، ما يمكن يكون أشقاء، ما يمكن يصير أشقاء، لكن عن إخوته من أمه، كذا؟ لأن إخوته من أمه (...)، ما يمكن يصيرون أشقاء.
كيف يكون الميراث؟ إذا قلنا إن الأم أم وأب حجبتهم الأم، فصار الميراث لها وليس لإخوته شيء؛ يصير لها السدس على أنها أم، كذا؟ والباقي لها تعصيبًا على أنها أب، وهذا هو الصحيح، لحديث: «تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: لَقِيطَهَا، وَعَتِيقَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ»[[أخرجه أبو داود (٢٩٠٦)، والترمذي (٢١١٥)، وابن ماجه (٢٧٤٢) من حديث واثلة بن الأسقع. ]]، المذهب يقولون: إنها ترثه ميراث أم فقط، ويكون العاصب له عصبة أمه، وعلى هذا فيكون للأم هنا السدس، والباقي لإخوته من أمه؛ لأنهم هم عصبة الأم، أبناؤها، فيكون الباقي لهم.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [النور ١٠]؛ لقبول التوبة في ذلك وغيره، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما حكم به في ذلك وغيره، فبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها.
قوله: (لولا) هذه شرطية ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، ويسمونها حرف امتناع لوجود؛ يعني أنها منعت شيئًا لوجود شيء، هنا ننظر ما هو الذي امتنع لوجود شيء؟
الذي امتنع هو الجواب المحذوف، جواب لولا المحذوف، وهو ما قدره المؤلف بقوله: (لبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها) هذا هو الذي امتنع لوجود أي شيء؟
لوجود فضل الله ورحمته، فالحاصل أن الذي منع جواب (لولا) في هذه الآية هو فضل الله ورحمته، وأما ﴿فَضْلُ﴾ فهو مبتدأ وخبره محذوف؛ لأن (لولا) يحذف بعدها الخبر وجوبًا، قال ابن مالك رحمه الله:
وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ∗∗∗ حَتْمٌ.....................
يعني لازم، فهنا (لولا) إذن تحتاج إلى جواب، جوابها مقدر، وتحتاج إلى خبر مبتدأ وهو محذوف أيضًا، ويحذف وجوبًا بعد (لولا) غالبًا، كما قال ابن مالك رحمه الله.
وقوله: ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ إلى آخره، الفضل من آثار الرحمة في الحقيقة، لكن الرحمة تكون فيما يضطر إليه العبد وزيادة، وتكون في الزيادة أيضًا، والفضل في الزيادة فقط، فيكون عطف الرحمة هنا على الفضل من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الفضل من آثار الرحمة لكنه أخص منها، حيث إنه زائد على ما يحتاج إليه العبد ويضطر إليه، وأما الرحمة فتكون فيما يحتاج إليه العبد، وفيما زاد على ذلك.
يقول المؤلف: (بالستر في ذلك) هذا بناء على خصوص الآية في المتلاعنين، والصواب أن الآية عامة؛ يعني: لولا فضل الله عليكم ورحمته في هذا وغيره -ما هو بس في الستر- لحصل لكم ما لم يحصل لكم الآن، فالصواب إبقاء الآية على عمومها، وأنه لولا هذا الفضل والرحمة من الله ما حصل لهم الذي حصل من هذا التيسير وهذا التشريع الحكيم.
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ معطوف على ﴿فَضْلُ﴾؛ يعني: ولولا أيضًا أن الله تواب حكيم، تواب سبق لنا أن التواب كثير التوبة، وأن توبة الله على عباده تنقسم إلى قسمين: أحدهما التوفيق للتوبة، والثاني قبول التوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨]، وتطلق التوبة من العبد إلى الله، وهي من العبد إلى الله معناها: الرجوع من معصيته إلى طاعته، فالعبد تواب، والله تواب، لكن فرق بين تواب التي يوصف بها الله وتواب الذي يوصف بها العبد، فتواب التي يوصف بها الله معناها: الموَفِّق للتوبة القابل لها، وتواب التي يوصف بها العبد معناها: الرَجَّاع إلى الله سبحانه وتعالى من معصيته إلى طاعته.
﴿حَكِيمٌ﴾ سبق لنا أنها مشتقة من الحكم والحِكْمة، فتكون بمعنى حاكم وبمعنى مُحْكِم، ﴿حَكِيمٌ﴾ مشتقة من الحكم والحكمة فهي بمعنى حاكم ومحكم، والحكم لله سبحانه وتعالى ينقسم إلى كوني وشرعي، ومر علينا قريبًا في التوحيد، والحكمة تكون في الحكم الكوني، وتكون كذلك في الحكم الشرعي، فمحل الحكمة الحكمان؛ يعني: الحكم الكوني والحكم الشرعي.
والحكمة -أيضًا كما مر علينا سابقًا- تكون حكمة في الإيجاد وحكمة في الصورة وحكمة في الغاية؛ يعني حكمة الله ليست هي غايات الأمور، لا، في الإيجاد وفي الصورة وفي الغاية، كيف في الإيجاد وفي الصورة وفي الغاية؟
يعني أن الله لا يوجد شيئًا إلا لحكمة، ثم إيجاده على صورة معينة حكمة أخرى، ثم الغاية من هذا الإيجاد حكمة ثالثة، إذن فحكمة الله سبحانه وتعالى تتعلق بالإيجاد، أيش تقول؟
* طالب: حكمة الله في الإيجاد وفي الصورة وفي الغاية.
* الشيخ: حكمة الله في الإيجاد والصورة والغاية، فمثلًا إيجاد الشمس هذا لحكمة، وهو حكمة إيجاده، كونها على هذه الصورة المعينة وبهذه الحرارة وبهذه المسافة عن الأرض وبهذا السير المعين هذه أيش اسمه؟ حكمة في الصورة، هذه أيضًا حكمة، الغاية منها -وهي مصالح الخلق- هذه أيضًا حكمة.
إيجاد الإنسان حكمة، وكونه على هذا الوجه من الصورة حكمة، والغاية من إيجاده حكمة، وهكذا في الأمور الكونية والشرعية، فإن تشريع الشرائع حكمة وكونها على هذا الوجه المعين حكمة، والغاية منها وهو إصلاح الخلق حكمة أيضًا، فالحاصل إذن أن حكمة الله سبحانه وتعالى تكون في أيش؟
* طلبة: في الإيجاد والصورة والغاية.
* الشيخ: في الإيجاد والصورة والغاية.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور ١٠]، الحكيم قلنا: إن معناها حاكم ومُحْكِم؛ أي: متقن؛ أي: ذو حكمة، المحكم بمعنى: ذو الحكمة، والحكمة كما عرفتم الآن تكون في الشرع وفي القدر؛ لأنها تكون في الحكمين، وتكون في الإيجاد والصورة والغاية أظن الأمر واضح.
جواب (لولا) ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أيش الجواب؟ يقول المؤلف رحمه الله: (لبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها)، المؤلف قصر هذه الآية ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ قصرها على قصة المتلاعنين؛ يعني: لولا أن الله تفضل علينا ورحمنا لبين الحق في ذلك؛ أي: بين كذب الزوج إن كان كاذبًا وكذب المرأة إن كانت هي الكاذبة، وعاجل بالعقوبة من يستحقها من أحدهما؛ لأن أحدهما كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لما تلاعنا: «اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا أَحَدٌ تَائِبٌ؟»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٣٤٩)، ومسلم (١٤٩٣ / ٦) من حديث ابن عمر.]]؛ يعني يعرض لهما بالتوبة، يقول: حداكما غلط هذا، الزوج ولّا الزوجة؟ وهذا صحيح، ويعرض عليهما التوبة، فهل أحد يتوب.
والمؤلف -رحمه الله- يرى أن هذه الآية خاصة بقصة المتلاعنين، والصواب أنها عامة فيها وفي غيرها، لماذا؟ لأن الله لم يقيدها، قال: ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، ولّا قال في ذلك.
ثم العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإذن يكون الجواب المقدر غير ما قدره المفسر، يكون ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ ما حصل لكم هذه المصالح، وانتفت عنكم تلك المفاسد، وهذا عامّ، أعم مما قاله المؤلف.
* الطالب: الخبر (...)؟
* الشيخ: لا الخبر محذوف، غير جملة، الجملة هذه جواب (لولا).
* الطالب: خبر (...)؟
* الشيخ: لا، جواب (لولا)، ما تقول: خبر لولا، أما ﴿فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ خبره محذوف، والتقدير: موجود، ولولا فضل الله عليكم ورحمته موجودان لحصل كذا وكذا، طيب نرجع إلى استنباط الفوائد من هذه الآيات.
* أولًا: يستفاد من هذه الآيات: الحكمة في تشريع الله، في الشرع، الحكمة في التشريع؛ لأن هذه الآية مستثناة في الحكم من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور ٤]، لو هذه الآية بقيت على ما هي عليه لوجب أن يجلد الزوج، الآية ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ في هذا الحكمة في التشريع، حيث خص الأزواج بهذا الحكم من حكم الذين يرمون المحصنات ولّا لا؟ هذا النوع من التخصيص ويش نوعه؟ متصل ولّا منفصل؟ يلا يا أصحاب أصول الفقه يا اللي تريدون تقرؤون بالروضة، جماعة يريدون يبدؤون بالروضة، وهم لا يعرفون التخصيص متصل ولّا منفصل؟
* طالب: ما هو من علم البلاغة هذا يا شيخ.
* الشيخ: لا لا، من علم أصول الفقه، ما يوجد شيء، ما هو التخصيص المتصل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...)، بأي طريق ما هي طرقه؟
يكون بالاستثناء والصفة والشرط ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ﴾ [العصر ٢، ٣]، الصفة: أكرم الطالب المجتهد، المجتهد؛ خصيته بالصفة متصلة.
الشرط: أكرم الطالب إن اجتهد، قرر (روضة الناظر) إن كانوا يعرفون أصول الفقه.
هذا النوع اللي عندنا هل هو واحد من هذه الثلاثة؟
لا؛ لأنها آية مستقلة، فالتخصيص إذن منفصل، فهذه الآية خصصت عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ لأنه لو بقيت الآية تلك على عمومها لكان الزوج إذا قذف زوجته يثبت له الأحكام الثلاثة السابقة، لكن الزوج انفرد عن غيره بهذا الحكم، فإذن هذه الآية أو تخصيص الأزواج من عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ هذا خصص بمخصص منفصل؛ لأنه نص مستقل.
ما هي الحكمة من تخصيص الأزواج بهذا الحكم دون غيرهم من القَذَفة؟ نحن قلنا: إن هذا من حكمة التشريع، فما هي الحكمة؟
الحكمة أن الزوج لا يمكن أن يقذف زوجته بالزنا إلا والأمر كما قال، ليش؟
لأن زنا زوجته عار عليه؛ لأنها هي حرثه، فإذا قذفها بالزنا أصبح الأمر شديدًا وعظيمًا، إذ أن هذا يوجب التشكك في أولاده عند الناس، ويوجب العار عليه حيث يقال: هذا الرجل ديوث كان يقر الفاحشة في أهله؛ لأن النفوس قد تقول ليش؟ يعني ما هذه بأول مرة يعثر، ما هو بعاثر إلا المرة الثانية والثالثة وما أشبه ذلك، إذ أن الزنا عادة ما يأتي علنا يأتي سرًّا، والسر ما هو يظهر في أول مرة، ولهذا لما كان زنا الزوجة عارًا على الزوج صار لا يمكن أن يقذف زوجته بالزنا إلا والأمر كما ذكر، ولهذا خص من بين سائر القاذفين بهذا الحكم، أن يعتبر قذفه هو، يعتبر رميًا ولّا شهادة؟
* الطلبة: شهادة.
* الشيخ: يعتبر شهادة.
* الفائدة الرابعة: أنه لا يصح اللعان إذا قذف أجنبية ثم تزوجها؛ لأنه لو قذف امرأة أجنبية ثم تزوجها فلا لعان، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور ٦]، فلو قذف امرأة أجنبية ثم تزوجها فلا لعان بينهما، وإنما يُحَدّ للقذف.
* خامسًا: عموم الآية ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾.
* طالب: تبقى زوجته؟
* الشيخ: أي نعم، وتبقى زوجة له.
عموم الآية ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾ يشمل ما قبل الدخول وبعد الدخول، فلو عقد على امرأة ثم رماها بالزنا أجري بينهما اللعان؛ لأنها زوجته.
* فيها أيضًا: أن رمي غير الزوجة ولو الأم أو البنت أو الأخت ممن يلحقهم عاره ليس كقذف الزوجة، بمعنى أن الرجل لو قذف أقرب الناس إليه بالزنا طبق عليه أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أحكام القاذفين الثلاثة السابقة، بخلاف الزوج، ووجه ذلك ما سبق من الإشارة إلى الحكمة.
* ومن الفوائد أيضًا: أن البدل يجعل له حكم المبدل منه، فلما كانت البينة على الزنا أربعة شهود، وكان الزوج إذا قذف زوجته في الزنا يعتبر شاهدًا، والتعدد الشخصي في حقه ممتنع أو لا؟ جعل التعدد في نفس الشهادة، فيكون هذا تقريرًا للقاعدة المشهورة المعروفة أن البدل له حكم المبدل منه، فلما كانت شهادة الزوج على زوجته بالزنا بمنزلة شهادة الرجل صار تكرارها بمنزلة تكرار الرجال وتعدد الشهود.
* وفيه أيضًا من الفوائد: تعظيم هذا الأمر بحيث لا يكتفى فيه بالشهادة المجردة، بل لا بد من شهادة مقرونة بأيش؟ بيمين، شهادة مقرونة بيمين فيقول: أشهد بالله.
* وفيه أيضًا: وجوب قرن هذه الشهادة المؤكدة باليمين، وجوب قرنها في الخامسة بأيش؟ باللعنة بالنسبة للزوج، وبالغضب بالنسبة للزوجة.
* ومن الفوائد أيضًا: أنه يجب أن يبدأ الزوج باللعان، أيش الدليل؟ ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾، ولا يتم العذاب عليها إلا إذا شهد الزوج، مفهوم؟ هذا من جهة الدليل.
من جهة النظر أن الزوج مدَّعٍ في الحقيقة، وأيهما يُبدأ به المدعي ولّا المنكر؟ الذي يطلب منه إثبات الحكم للدعوى المدعي، هو الذي يقال: هات بينة، إذا لم يوجد بينة رجعنا إلى المنكر، إلى المدَّعَى عليه، فعلى كل حال فيه من الفوائد أنه يجب البداءة بشهادات الزوج، الدليل من الآية أنه لما قال: ﴿شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، ولا يتم العذاب إلا بشهادة الزوج، هذا من جهة الأثر أو الدليل؟ من جهة النظر أن الزوج بمنزلة المدعي، والمدعي هو الذي يطلب منه أولا إثبات مدعاه.
* وفيه أيضًا من فوائدها: أنه لا بد أن يؤكد الشهادة بـ(إنَّ) و(اللام) مع اليمين، السابقة لقوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فلو قال: أشهد بالله بأني صادق، فإنه لا يكفي لا بد أن يأتي بـ(اللام)؛ لأن (اللام) تفيد زيادة تأكيد وتقوية، فلا بد من الإتيان بها.
* وفيه دليل على جواز الدعاء معلقا بالشرط، وين هو؟ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وهي تقول: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، ففيه دليل على جواز الدعاء معلقا بالشرط، وقد جاء مثله أو قريب منه في الاستخارة: «اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَدُنْيَايَ»[[أخرجه البخاري (١١٦٢) من حديث جابر بن عبد الله.]] إلى آخره، وكما جاء الشرع مفيدًا في دعاء الخالق جاء مفيدًا أيضًا في الشرع؛ يعني في الأحكام الشرعية، مثل ما قال النبي ﷺ لضباعة بنت الزبير «لما قالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأجدني شاكية، قال: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي، فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ»[[أخرجه مسلم (١٢٠٧ / ١٠٥)، والنسائي (٢٧٦٦) من حديث ابن عباس، واللفظ له.]]، وكما يجوز الشرط في دعاء المسألة يجوز الشرط أيضًا في دعاء العبادة كما في حديث ضباعة بنت الزبير، وهذا يشهد لرؤيا قصصتها عليكم رآها شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول: إنه رأى النبي ﷺ، وكان يشكل عليه جنائز تقدم إليه، ويشكل عليه أنهم مسلمون، فرأى النبي ﷺ ذات ليلة، فسأله عن أشياء من جملتها عن الرجل يُقَدَّم إلى الإمام ليصلي عليه وهو يشك في إسلامه، فقال له النبي ﷺ: عليك بالشرط يا أحمد.
أيش لون الشرط؟ مثل: اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له وارحمه؛ لأن هذا حقيقة، هي أن يُشْكل الإنسان في إسلام الجنازة المقدمة، فيقول: اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له وارحمه، وهذا جائز، وشاهده هذه الآية، وحديث الاستخارة هذا في دعاء المسألة، وفي دعاء العبادة، وأيش الدليل؟ حديث ضباعة بنت الزبير: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ».
* وفيه دليل على ثبوت الحد على المرأة بلعان الزوج إلا إذا أنكرت ولاعنت، هل يؤخذ من الآية ولّا ما يؤخذ؟ ثبوت الحد على المرأة بلعان الزوج من أين يؤخذ؟
* الطلبة: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾.
* الشيخ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، والعذاب هو الحد، والدليل على أن العذاب هو الحد قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وأما من فسر العذاب بالحبس بأنها تُحبس حتى تقر أو تلاعن؛ فهذا قول لا دليل عليه ولا معول عليه.
إذن يثبت الحد على المرأة بلعان الزوج كما تدل عليه الآية، وهل يثبت بغيره؟ البينة، إذا أتى بالبينة، وهذا مفهوم من الآية السابقة: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ٤]، ويثبت بأمر ثالث، وهو؟
* الطلبة: الإقرار.
* الشيخ: إقرار المرأة إذا أقرت، إذا أنكرت المرأة وقالت: أبدًا، هو كاذب، حينئذ نقول: لاعن، أجيبيه على شهاداته، فإذا أجابته على شهاداته سقط عنها العذاب، وإن لم تُجب أقيم عليها الحد.
* في هذا أيضًا دليل على الحكمة في اللعان، حيث خص الرجل باللعنة، بالدعاء على نفسه باللعنة، والمرأة في الدعاء على نفسها بالغضب، وهذا سبقت الإشارة إليه، يبين لنا ذلك؟
* طالب: (...) فيه إبعاد لها عن العفة.
* الشيخ: أي نعم؛ يعني كون الزوج يلعن نفسه إن كذب؛ لأن في إتهامه إياها بالزنا إبعادًا لها عن العفة.
* الطالب: وعن نفسه.
* الشيخ: وعن نفسه وأولاده، فناسب أنه يدعو على نفسه باللعن الذي هو الطرد والإبعاد، وبالنسبة لها؟
* الطالب: بالنسبة لها أن غضب الله عليها لما علمت الحق وأنكرته، فناسب أن..
* الشيخ: لأنه إذا كان كاذبًا، إذا كان مش صادق
* طالب: إذا كان صادقًا فهي قد علمت..
* الشيخ: فقد علمت الحق وأنكرته، وهذا شأنه الغضب، أو عقوبته الغضب، كل من علم الحق ورده فإنه يعاقب بالغضب، هذه واحدة، والثاني؟
* طالب: أن الزوج مظنة دعواه الصدق؛ لأنه هو يلحقه العار باتهامها بالزنا، فلما كان قضيتها الصدق، صار نصيبه أقل باللعنة، صار نصيبه أقل من الغضب، فهذا..
* الشيخ: وهي أقرب إلى الكذب؛ لأنها تريد أن تدفع عن نفسها وعن أهلها العار؛ فلذلك خصت بالغضب، واضح؟
إذن يؤخذ من هذا الحكمة في المغايرة بين الزوج والزوجة فيما يدعو أحدهما به على نفسه، فالمرأة في الغضب والزوج في اللعنة، ما رأيكم لو أنه عكس، وقال: الزوج غضب الله عليه، والزوجة لعنة الله عليها، يصح ولّا ما يصح؟
* طلبة: ما يصح.
* الشيخ: لا يصح، حتى قال العلماء: لو أبدل الغضب بالسخط، (...) هي الغضب بالسخط، أو أبدل اللعنة بالطرد والإبعاد عن رحمة الله، فإنه لا يصح اتِّباعًا للفظ، وهذا في الحقيقة محل نظر؛ لأنه -خصوصًا الطرد والإبعاد- السخط قد يكون بينه وبين الغضب فرق، لكن الطرد والإبعاد عن رحمة الله هو معنى اللعن، إلا أنه مع ذلك نقول: لا ينبغي العدول عما جاء به القرآن، أنه يقول للزوج: قل: لعنة الله عليه، وللزوجة: غضب الله عليها.
هل يشترط أن يقول: فيما رميتها به من الزنا، وتقول هي: فيما رماني به من الزنا، أو لا يشترط؟
* طالب: ظاهر القرآن لا يشترط.
* الشيخ: ظاهر القرآن لا يشترط، وكذلك ظاهر السنة، حينما لاعن النبي ﷺ بين هلال بن أمية وزوجته ما قال: لمن الصادقين فيما رميتها به، ولا قالت هي: لمن الكاذبين فيما رماني به، ولهذا الصحيح أن هذا ليس بشرط.
فإذا قيل أليس من الجائز أن يتأول ﴿لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في قضية أخرى؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: الجواب: بلى، من الجائز، لا شك أنه من الجائز أن يتأول، ويقول: لمن الصادقين؛ أي: في أمر آخر، لكن هذا التأويل ينفعه ولّا لا؟
* طلبة: ما ينفعه.
* الشيخ: لا ينفعه؛ لأن تأويل الظالم لا ينفعه، فإن يمينه على ما يصدقه به صاحبه، وعلى ما يقتضيه المقام، ولكن لو ذكر: فيما رميتها به من الزنا، وقالت هي: فيما رماني به من الزنا، لكان هذا أبين وأوضح، إلا أنه ليس بواجب.
* طالب: غير الظالم يا شيخ.
* الشيخ: غير الظالم ذكرنا أن المظلوم ينفعه قولًا واحدًا، ومن ليس بظالم ولا مظلوم محل خلاف بين العلماء، والأولى ألا يتأول؛ لأنه يؤدي إلى تهمته إذا تبين الأمر على خلاف ما أظهر، تبين تهمته، وأدى إلى أنه ما يوثق في كلامه، وكلما قال شيئًا خافوا من تأوله مثل ذات المرة، أما إذا صار مظلومًا فهذا ضرورة أنه يتأول.
* وفيه أيضًا: بيان فضل الله ورحمته على عباده بالشرع والقدر؛ لقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، فإن هذا يتعلق بالشرع وبالقدر، أما بالشرع فهو لولا أن الله تفضل علينا ورحمنا وشرع للأزواج ما شرع من اللعان لكان الزوج يقع في حرج عظيم؛ لأنه إن تكلم، وأيش اللي يُعمل به؟
* طالب: يقام عليه الحد.
* الشيخ: يقام عليه حد القذف، وإن سكتَ سكتَ على أمر عظيم، لكن من رحمة الله أن الله شرع اللعان، وهذا فضل ورحمة في الشرع.
كذلك في القدر، بالنسبة لقضية المتلاعنين، وهو ما أشار إليه المؤلف، أنه لولا أن الله سبحانه وتعالى يحب الستر لفضح المرأة، وأظهر آية تدل على صدق الزوج، أو بالعكس، إذا كان الزوج كاذبًا، لكن من رحمة الله أن الله سبحانه وتعالى يستر على عباده في الدنيا مثل هذه الأمور، ثم يجازيهم عليها في الآخرة.
في هذه الآية ما ذُكر حكم قذف الرجل لو عينه الزوج، لو قال: زنا بها فلان، فهل يُحد لقذف فلان؛ لأنه ليس زوجه طبعا؟
* طالب: تعين؟
* الشيخ: عَيَّن إيه؟ أو نقول: لأن الزنا هنا واحد، والله تعالى جعل شهادات الزوج بمنزلة إقامة البينة، لكن بالنسبة للزوجة لا بالنسبة لمن قذفها به، فيصير من قذفها به يسلم من الحد، ولا يصير له حق في إقامة حد القذف على الزوج، أو نقول هذا القذف يوجب اللعان بالنسبة للزوجة ويوجب الحد بالنسبة للأجنبي؟
* طالب: إن عَيَّن شخصًا..
* الشيخ: عَيَّن إيه؟ قال: فلان بن فلان، قال: هذه المرأة زنا بها فلان.
* طالب: لازم أربع شهادات، أربعة رجال.
* الشيخ: صحيح، ما خاف الأجنبي، ما حُد للزنا إذا لاعن الزوج، ما حددنا الأجنبي للزنا، لكن هل يُحَد الزوج لقذف الرجل ولّا ما يحد هذا السؤال؟
* طالب: لا يحد.
* طالب آخر: قد تكون للبينة، الخروج للبينة، إذا أراد أن يأتي بالبينة.
* الشيخ: لا، لا، على كل حال الحديث أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك ابن سحماء، فعَيَّن الرجل الذي زنا بها، ولم يحده النبي ﷺ حد القذف، ولهذا الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يُحد بقذف الرجل ولو عيّنه، لكن لا ينبغي مثل هذا؛ أن يقذفها بشخص معين لأجل ألا يدنس عرضه؛ لأن المسألة ما هي بثابتة بالشهود، فالأولى أن يقول: إنها زنت، ولا يُعَيِّن، لكن لو عَيَّن فإن السنة تدل على أنه لا يُحد للرجل، السبب في ذلك هو ما أشار إليه محمد إسماعيل، ما أدري عن قصد ولّا عن غير قصد، أو رمية من غير رامٍ، هو أن الأصل هنا والمقصود قذف الرجل الأجنبي ولّا الزوجة؟
* طلبة: الزوجة.
* الشيخ: الزوجة، وهو ما عَيَّن الرجل إلا لزيادة إثبات قذف الزوجة؛ يعني هو ما قال: فلان زنا بامرأتي، وأراد أنه يدنس الرجل هذا، هو في الحقيقة المسألة للتخلص منها مثلًا، فلهذا -هذا والله أعلم- الحكمة في أنه لم يُحد، لكن من راعى المعنى قال الآية السابقة تدل على أن الرمي بالزنا يوجب الحد، وهذه الآية تدل على أن رمي المرأة بالزنا يوجب اللعان، فتبقى الآية هناك بالنسبة للأجنبي على عمومها، وهذه بالنسبة للزوجة على خصوصها، لكن السنة الحقيقة هي الفاصلة، «والنبي ﷺ ما حد الرجل الذي قذف امرأته بشريك ابن سحماء»[[أخرجه مسلم (١٤٩٦ / ١١) من حديث أنس.]].
النور 24:10
العامل في هذا المصدر هو المصدر؛ يعني: فأن يشهد أحدهم أربع شهادات، وخبر المبتدأ اللي هو شهادته محذوف، قدره المؤلف بقوله: يدفع عنه حد القذف، ﴿شَهَادَةُ﴾ مبتدأ، و﴿أَرْبَعَ﴾ أيش نقول في إعرابه؟
نائب مناب المصدر.
أين عامله؟ عامله ﴿شَهَادَةُ﴾، المبتدأ (...) خبر؟
خبره، يقول: محذوف، تقديره: يدفع عنه حد القذف، معناه: فأن يشهد أحد أربع شهادات بالله.. إلى آخره، يدفع عنه حد القذف، والمؤلف رحمه الله ما ذكر القراءة الثانية، وهي قراءة الرفع.
﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور ٦]، على قراءة الرفع نقول: ﴿شَهَادَةُ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿أَرْبَعُ﴾، خبره ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾.
﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾: ﴿بِاللَّهِ﴾؛ يعني: لا بد أن يقول: أشهد بالله، متعلقة بـ﴿شَهَادَاتٍ﴾، ما يكفي أن يقول: أشهد أن امرأته كذا وكذا، بل لا بد أن يقول: أشهد بالله؛ لتتضمن الشهادة شهادة وقسمًا، أشهد بالله، ولهذا أجيبت بجواب القسم، وأيش هو جواب القسم؟ إنه لمن الصادقين، صار لا بد أن يشهد شهادة بالله ليكون شهادة مقرونة بالقسم، والدليل على هذا أنه أجيب بما يجاب به القسم، وهو قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور ٦]، فهذه الجملة الخبرية مؤكدة بالشهادة والقسم وإن واللام، أربعة مؤكدات، وتكرر أربع مرات، فيصير تأكيدًا من وراء تأكيد، فإخباره عن زوجته بأنها زنت مؤكد بهذه الأربعة، عدّهم؟
* طالب: (...).
الشيخ: واللام والنون، أيش بعد؟ والشهادة، شهادة واحدة؟ أربع شهادات؛ يعني: وأشهد بالله أني لمن الصادقين.
وقولنا: ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ الصادق: هو المخبر بما يطابق الواقع.
وقوله: فيما رمى به زوجته من الزنا؛ يعني: لا بد أن يقول هذا أو معناه، إما يقول: فيما رميتها به من الزنا، أو: فيما قذفتها به من الزنا، أو ما أدى هذا المعنى، المهم لا يكفي أن يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين، ما يكفي هذا، وأيش السبب؟
لأنه قد ينوي به الصادقين في غير هذه القضية، وظاهر القرآن الكريم أنه يجزي؛ لأنه ما قال: فيما رميتها به من الزنا لمن الصادقين، ويكون هذا وإن نوى (لمن الصادقين) في قول آخر ما ينفعه؛ لأنه كما جاء في الحديث: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ»[[أخرجه مسلم (١٦٥٣ / ٢٠) من حديث أبي هريرة.]]، فأنت وإن نويت خلاف ذلك فأنت إنما استشهدت على أي شيء؟
على ما رميتها به من الزنا، استشهدت على ما رميتها به من الزنا، فسواء ذكرته أم لم تذكره لا يختلف الحكم، ولهذا القرآن لم يقيده بذلك، وأيش يكون بناء عليه؟ على أن المقام يعينه، وأن نيته خلاف ذلك لا تنفعه، لماذا؟
لأن اليمين على ما يصدقك به صاحبك؛ يعني خصمك، على ما يصدقك به صاحبك.
* طالب: (...).
* الشيخ: أي نعم، لكن لو أنه قال ذلك، أو هي طلبت ذلك مثلًا، أو الحاكم طلب منه ذلك، فإنه أولى؛ لأجل أن يطمئن الإنسان أكثر، للطمأنينة؛ يعني لو طلب القاضي منه ذلك، القاضي مثلًا خاف أنه يتأوّل -وإن كان تأوله لا ينفعه- فإنه إذا أمره يجيبه على هذا الشيء؛ إذا أمره أن يقول ذلك يجيبه.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يجب عليه أيش؟
* طالب: (...) على ما رميتها به من الزنا.
* الشيخ: لا، ما يجب، على ما رميتها به من الزنا ما يجب؛ لأنه ليس موجودًا في الآية، لكن المقام يعيّنه.
لو قال: أشهد بالله إني لصادق، هل يجزي ولّا لا بد أن يقول: (لمن الصادقين)؟
والله هذه المسألة الفقهاء يقولون: لا بد أن يكون باللفظ، وفي نفسي من ذلك شيء؛ لأن هذه ليست ألفاظ ذِكر يتعبد الإنسان بها، إنما هي ألفاظ يقصد بها إثبات ما شهد به، وهو لا شك أن الأولى والأحرى والأبرأ أن يقول ذلك بلفظ القرآن، لكن لو قال: إني لصادق، فالظاهر أنه يجزئ؛ لأن المقصود بقوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، المقصود إثبات الصفة أو الشهادة بالله على صدقه.
قال: ﴿وَيَدْرَأُ﴾ [النور ٨] يدفع ﴿عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، شوف الآن الرجل إذا قذف زوجته بالزنا وأتى بالشهود، أتى بشهود أربعة يشهدون بأن هذه المرأة زنت، ورأوا ذكر الزاني في فرجها يحتاج لعانًا ولّا ما يحتاج؟
* طلبة: لا ما يحتاج.
* الشيخ: لا يحتاج، كذا؟ لأن الله إنما ذكر هذا فيمن لم يكن له شاهد إلا نفسه، ثانيًا: إذا شهد على ما رماها به أربع شهادات وأقرت بذلك انتهى الأمر أيضًا، إذا أقرت بذلك انتهى الأمر، وأُقيم عليها الحد، إذا لم تقر بذلك فإنها حينئذ تلاعن، كذا؟ إذا سكتت لا أنكرت ولا أثبتت؟ فما الحكم؟
ينظر ما يستفاد من الآية ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور ٨].
﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ، ﴿وَالْخَامِسَةَ﴾ ؛ يعني: وشهادته الخامسة، ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أنا عندي مشكولة بالنصب؟
* طلبة: بالرفع (...).
* الشيخ: إي، على الوجه الذي مشى عليه المؤلف، ما يكون من حذف الجمل.
* طلبة: (...).
* الشيخ: ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ بالرفع، لا ﴿أَرْبَعَ﴾ بالنصب، هذه قراءة ثانية، غير مشكولة، (...)، لا في ذلك، أيش نقول؟
* طالب: المتن كده، ما تنفعش.
* الشيخ: إي، طيب.
* طالب: (قوله: خبر المبتدأ هو شهادة أحدهما، أما قوله: ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ فهو معطوف على مبتدأ، والخبر المحذوف خبر عن المعطوف والمعطوف عليه، وقوله: ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [النور ٧]، ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ (...) بدل من (الخامسة)، أو على تقدير حرف الجر، أي بأن لعنه، انتهى، قوله: فهو معطوف على المبتدأ غير متعين (...)، و(أن لعنة الله) خبر، والجملة مبتدرة بين مبتدأ وخبر محذوف.
قوله: تدفع عنه حد القذف هذا المقدر).
* الشيخ: (...).
* طالب: (هذا قول يتبع الوصف، عند قوله تعالى: ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ ، قوله: نصب على المصدر، أي الاصطلاحي النحوي، وهو كل ما انتصب على المفعولية مطلقًا، فإنه يسمى عند النحاة مصدرًا، وإن كان غير مصدر، بمعنى اللفظ الدال على الحدث وحده، وما هنا نعت من مصدر محذوف تقديره شهادةُ أربع.
* الشيخ: شهادةً أربع.
* الطالب: تقديره شهادةً سأربع، هذا وقرئ بالسبعة أيضًا ﴿أَرْبَعُ﴾ برفعها على الخبرية، ولا حذف في الكلام، وقوله: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ إلى آخره، بالرفع لا غير، باتفاق السلف، وقوله: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ بالنصب لا غير).
* الشيخ: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، ﴿الْخَامِسَةُ﴾ مبتدأ، و﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ خبره، تأويله مصدر.
وقوله: ﴿لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ اللعنة: هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وقوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هذا شرط في الدعاء على نفسه باللعنة؛ يعني: إن كان كاذبًا فلعنة الله عليه؛ يعني: وإن كان صادقًا فلا لعن، وقوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في أي شيء؟
فيما رمى به زوجته من الزنا، فإنه مستحق للعنة الله التي هي الطرد والإبعاد، ومناسبة ذكر اللعنة هنا في مقابل كذبه؛ لأنه في الحقيقة يتضمن كلامه إبعاد زوجته، واتهامها بما هي بريئة منه، ولذلك جاء بذكر اللعنة، بخلاف المرأة، فإنها تأتي بأمر آخر، كما سيذكر إن شاء الله.
وقوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ يدفع عنها العذاب، أي: حد الزنا الذي ثبت بشهادته، نحن قلنا: إذا رمى الرجل زوجته بالزنا فلا يخلو من ثلاث حالات:
إما أن يقيم بينة فهنا يقام عليها الحد بالبينة.
وإما أن تُقِرّ فيقام عليها الحد بالإقرار.
وإما أن تُنْكر، وفي حال إنكارها يطلب اللعان، فإذا شهد الرجل أربع شهادات بالله أقيم عليها الحد، لكن لها أن تدفع هذا الحد بشهادات تنقض شهادة الرجل، إذن العذاب في قوله: ﴿عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ المراد به: حد الزنا.
وأما قول فقهائنا -رحمهم الله: إن المراد بالعذاب الحبس، فهذا قول ضعيف جدا؛ لأنه لا ذكر للحبس في الآية، بل إن الآية صريحة في أن الذي يندفع هو العذاب، والعذاب هو الحد، حد القذف، بدليل قوله في الآية فيما سبق: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فالمراد بالعذاب إذن يتعين أن المراد بالعذاب هو حد الزنا.
أما قول الفقهاء -رحمهم الله: إن العذاب الحبس حتى تقر أو تلاعن، فهذا قول لا دليل عليه، وهو ضعيف جدًّا، والصواب: أن المراد بالعذاب حد القذف، إذن إذا أنكرت المرأة ويش نعمل؟ نقول للرجل: اشهد على ما قلت أربع شهادات بالله إنك لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين، فإذا شهد ويش يثبت؟ ثبت عليها الحد، حد الزنا، الرجم إن كانت محصنة، والجلد مع التغريب إن كانت غير محصنة.
* طالب: كيف تكون مش محصنة؛ لأنه ده زوج بيتهم زوجته؟
* الشيخ: يمكن يعقد عليها ولا يجامعها، فتكون غير محصنة، وبعدين لها -بعد أن ثبت الحد عليها بشهادة الزوج- لها أن تسقط الحد هذا (...)؟ بشهادات تقابل شهادات الزوج، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ أي: شهادتها ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الزنا.
* طالب: يعني تسجن؟
* الشيخ: تسجن حتى تُقِر أو تلاعن.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن ما يخلو تلاعن.
* طالب: ويش لون يعني (...).
* الشيخ: (...) إذا شهد عليها، فإن لاعن قبلنا منه، وإن أبى لا نقيم عليها حد الزنا؛ نحبسها حتى تقر بالزنا أو تلاعن، أما الآية فتدل على أنه إذا لم تلاعن يقام عليها الحد مباشرة.
يقول: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الزنا، يقابل قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيما رماها به من الزنا.
و﴿الْخَامِسَةَ﴾ [النور ٩] يعني: وتشهد الخامسة ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور ٩]، في ذلك ﴿الْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِين﴾، في مقابل ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
لكن لماذا اختير لها الغضب دون اللعنة؟
لسببين: لأن الغضب أشد من اللعنة، الغضب -والعياذ بالله- أن الله يغضب عليها يلزم منه اللعنة وزيادة، بخلاف اللعنة فهى طرد وإبعاد عن الرحمة، لكن هذا طرد وإبعاد مع غضب، فهو أشد، وإنما اختير لها ذلك -يعني الغضب مع أنه أشد من اللعنة- لسببين:
السبب الأول: أن رمي الزوج إياها بالزنا أقرب إلى الصدق من إنكارها؛ لأنه يبعد أن الزوج يرمي زوجته بالزنا، بعيد جدًّا، إلا إذا تيقن ذلك، لكن إنكارها هي أمر متوقع؛ لأنها تدرأ عن نفسها عار الفاحشة، وكذلك عن أهلها، مثلما قالت المرأة: «لا أفضح قومي سائر اليوم»[[أخرجه البخاري (٤٧٤٧) من حديث ابن عباس.]]. فعلى كل حال الغضب أشد من اللعنة، واختير للمرأة؛ لأن رمي الزوج إياها بالزنا أقرب إلى الصدق والواقع من إنكارها، فكان إنكارها أعظم، لذلك رتب عليه إن كان صادقًا أن يغضب الله عليها.
الوجه الثاني: أنها تقول: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وإذا كان من الصادقين فقد أنكرته هى، وحادت عن الحق مع علمها به، إذا قالت: ﴿غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وصار صادقًا، صار معناه أنها خالفت الحق أيش بعد؟ مع علمها به، الفرض أنه صادق، ولو صار صادقًا وهي تنكر، والفعل مفعول بها هي، وهي تقول: لا، ما هو بصحيح، وهو صادق في أنه صحيح، ويش يناسبها؟ صارت عالمة الحق فأنكرته، ومن علم الحق ورده..
* طالب: أشد.
* الشيخ: أشد، لكِنْ جزاؤه الغضب، ولهذا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] من هم المغضوب عليهم؟ الذين علموا الحق فأنكروه مثل اليهود، و﴿الضَّالِّينَ﴾ الذي لم يقولوا بالحق؛ لجهلهم به، فالحاصل يا جماعة الآن أنه اختير لها الغضب، وهو أشد من اللعنة؛ لأمرين:
الأول: أن شهادة الزوج عليها بالزنا أقرب من إنكارها إياه، ليش؟ لاستبعاد أن يرمي الزوج زوجته بالزنا وهي حليلته، ولقرب أن المرأة تنكر دفعًا للعار عنها وعن أهلها.
الوجه الثاني: أنه إذا كان صادقًا والمرأة تنكره صارت ترد الحق مع علمها به، ومن رد الحق مع علمه به فجزاؤه الغضب، كما في اليهود الذين ردوا الحق مع علمهم به فجوزوا بالغضب، ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
* طالب: الوجه الثاني أنها أشد أنه هو يستطيع أن يطلقها؟
* الشيخ: أي نعم، لكن ما هو مطلقها، هو لا يطلقها، لو كان يريد الطلاق ما احتاج أن يرميها، كان طلقها وانتهى الموضوع.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف الزيادة؟ أصلًا ما يمكن يقدم الإنسان على رمي زوجته بالزنا بمجرد الظنون أبدًا، ما يمكن، إلا شيئًا شافه ما يمكن يصبر عليه؛ لأن هذا عار عليهم على الذل، ولهذا -كما سيأتينا إن شاء الله في حديث الإفك- ما يمكن أن الإنسان العفيف (...) أن الله يبتليه بامرأة تزني ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور ٢٦]، فلهذا هو نفسه يجد من العار أن يشهر عند الناس أن امرأته زانية، لكن هي تجد من نفسها أن من العار أن تقر على نفسها بالزنا، فهى تحاول أن تنكر، أن غضب الله عليها..
* طالب: (...) فطلقها؟
* الشيخ: (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف؛ لأنه ربما إن هي تقر ويثبت عليها حد الزنا، وحينئذ يتخلص بدون مطالبة.
* طالب: وممكن يتخلص (...).
* الشيخ: خلاص، (...).
* طالب: (...) ما يصير عليها (...).
* الشيخ: لا، أصل هذا الولد يجب إذا حصل هذا الشيء منها، يجب عليه إن يستبرئها بحيضة، فإن قُدّر أنها أتت بولد، يعني لما استبرأها ما حاضت، حملت، فالولد له؛ لأن النبي ﷺ يقول: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٠٥٣)، ومسلم (١٤٥٧ / ٣٦) من حديث عائشة.]]، حتى لو فرضنا أنه حسب تقدير الله من هذا الزاني فهو ولد الرجل؛ لأن الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ.
* طالب: لكن إذا لاعن ينفي الولد.
* الشيخ: إذا لاعن ينفي الولد؟ انتهى الموضوع.
* طالب: تنفي الولد.
* الشيخ: اللعان لنفي الولد فيه خلاف، المذهب ما يجوز يلاعن لنفي الولد، لازم يقذفها أولًا بالزنا ثم يلاعن وينفي الولد، والصحيح أنه يجوز أن يلاعن لنفي الولد فقط، بأن يقول: ما أقول: زنت، لكن هذا الولد ليس مني وألاعن على ذلك. ويقول في اللعان: أشهد بالله، ويشهد أربع مرات إنه لمن الصادقين أن الولد ليس له، و﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: قد تكون مكرهة ما زنت، أو مشتبه فيها مثلا؛ لأن مسألة الزنا صعب، ولهذا أوجب الله فيه الحد، وهذا الرجل لو نفى ولده ما وجب عليه الحد.
* طالب: ما يجب عليه الحد؟
* الشيخ: لا هي ولا هو، لا هي نقول: إن هذا الولد يكون زنًا، ولا هو أيضًا، ونقول: هذا العمل يكون قذفًا، لو فرضنا على القول الصحيح أنها إذا حملت وليس لها زوج فإنها تحد، إلا إذا ادعت شبهة، لكن اللي لها زوج ما يمكن نأتيها ولا نقربها، يحتمل أنه زوجها.
* طالب: (...).
* الشيخ: قلنا: إنه لما كان لعانه هذا يتضمن إبعادها عن نفسه وعن أولادها، وكذلك إبعادها عن العفة، ما أحد يدعو على نفسه باللعنة، جزاء وفاقًا.
* طالب: هذه المرأة (...).
* الشيخ: هذه إن شاء الله تأتينا بالفوائد.
* * *
* طالب: قال رحمه الله تعالى: وعن عبادة قال:« صلى رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: «إِنِّي أُرَاكُمْ تَقْرَؤُونَ وَرَاءَ إِمَامِكُمْ»، قال: قلنا: يا رسول الله إي والله، قال: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا». رواه أبو داود والترمذي[[أبو داود (٨٢٣)، والترمذي (٣١١).]].
وفي لفظ: «فَلَا تَقْرَؤُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ بِهِ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ»، رواه أبو داود والنسائي والدارقطني[[أخرجه أبو داود (٨٢٤)، والنسائي (٩٢٠)، والدارقطني (١٢١٧).]] وقال: كلهم ثقات.
وعن عبادة: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا يَقْرَأَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» رواه الدارقطني[[أخرجه الدارقطني (١٢١٧).]]، وقال: رجاله كلهم ثقات.
وروى عبد الله بن شداد: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامُ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ..»[[أخرجه ابن ماجه (٨٥٠)، وأحمد في المسند (١٤٦٤٣) من حديث جابر بن عبد الله.]].
* * *
* الشيخ: أو للتخلص منها مثلًا، ولهذا -هذا والله أعلم- الحكمة في أنه لم يحد، لكن من راعى المعنى قال: الآية السابقة تدل على أن الرمي بالزنا يوجب الحد، وهذا الآية تدل على أن رمي المرأة بالزنا يوجب اللعان، فتبقى الآية هناك بالنسبة للأجنبي على عمومها، وهذه بالنسبة للزوجة على خصوصها، لكن السنة –الحقيقة- هى الفاصلة، والنبي ﷺ ما حد الرجل الذي قذف امرأته بشريك ابن سحماء[[أخرجه البخاري (٢٦٧١) من حديث ابن عباس، أخرجه مسلم (١٤٩٦ / ١١) من حديث أنس.]] لكن الذين يقولون: يحد، يجيبون عن هذا، يقولون: من قال: إن شريك ابن سحماء طالب بحقه؟
وحد القذف لا يجب إلا بالمطالبة، لكننا نقول ردًّا على هذا: مسألة كون حد القذف لا يجب إلا بالمطالبة محل نظر؛ لأن عموم الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ لا تقيد ذلك بالمطالبة، وكون هذا حقًّا خاصًّا للمقذوف محل أيضا نظر، وغير مسلم (...)؛ لأن تدنيس أعراض المسلمين ليس حقًّا شخصيًّا في الواقع، يتعلق بأيش؟ يتعلق بعموم المجتمع الإسلامي، وإفساد له، ولهذا أنا أميل إلى أن حد القذف يجب، وإن لم يطالب به المقذوف، المهم أن يثبت، حتى لو أن المقذوف صار ما فيه خير، ولا يريد أن يدافع عن عرضه وسكت، نقول: المسلمون هم الذين يدافعون عن عرضك، ويقام الحد عليه.
وفي هذا أيضًا، في الآية إثبات الأسباب والموانع، من قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النور ١٠]، فإن هذه الآية فيها مانع وفيها سبب، فالسبب ذنوب مثلًا وما نحن عليه من الأخطاء، والمانع الذي يمنع من العقوبة هو فضل الله ورحمته.
(...) إثبات التواب اسمًا من أسماء الله لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [النور ١٠].
وإثبات الحكيم اسمًا من أسمائه، والحكيم كما أشرنا إليه أولًا يتضمن معنى الحكم والحكمة، والحكم كوني وشرعي والحكمة في الإيجاد والصورة، أيش بعد؟
* الطلبة: والغاية.
* الشيخ: والغاية، وهذه أيضًا الأشياء الثلاثة في الحكمة، في الحكم القدري والحكم الشرعي، أيش تسأل؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا أبدًا، هو ما تبين الأمر ورجحان قول الزوج إلا بعد الوضع، كيف نحيل الحكم على أمر ما تبين من قبل، ثم لو فرض أن فيه أمارات وقرائن وهو ما يمنع، اللهم إلا أن الأمارات في الحقيقة والقرائن قد تؤدي إلى كون المقذوف ليس محصنًا، فلا يجب الحد بقذفه، وإنما يجب التعزير؛ لأن قذف غير المحصن يوجب التعزير، على كل حال فهذه الأمارات ما ظهرت إلا بعد.
* طالب: ما الفرق بين الملاعنة والوضع (...).
* الشيخ: لا بد من اللعان لا بد منه، فيه أيضًا هذا البحث ذكرنا بمسألة الولد، هل ينتفي الولد عن الزوج باللعان ولّا ما ينتفي؟
* طالب: ينتفي.
* الشيخ: نعم، إن نفاه في لعانه انتفى، وإلا فهو ولده، إذن لا بد من أن يصرح بنفيه وإلا فهو ولده؛ لأن الْوَلَد لِلْفِرَاشِ، كما قال النبي ﷺ، «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، إذا سكت عن الولد فهو ولده، وإن نفاه انتفى.
فيما إذا نفاه من أبوه؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: ليس له أب شرعًا، أما قَدَرًا فله أب، ضروريًّا، لكن شرعًا ليس له أب، إلى من ينسب؟
* الطلبة: إلى أمه.
* الشيخ: ينسب إلى أمّه، وترثه أمه ميراث أمّ وأب، ولّا ميراث أيه؟
* طالب: أم وأب.
* الشيخ: هو ما ينسب إلى أمه، ويش تصير أمه، تكون أمه أمًّا وأبًا.
ينبني على ذلك صورة، لو مات هذا الإنسان هذا الولد عن أمه التي ولدته وعن إخوته الأشقاء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، عمره ما فيه أشقاء، ما يمكن يكون أشقاء، ما يمكن يصير أشقاء، لكن عن إخوته من أمه، كذا؟ لأن إخوته من أمه (...)، ما يمكن يصيرون أشقاء.
كيف يكون الميراث؟ إذا قلنا إن الأم أم وأب حجبتهم الأم، فصار الميراث لها وليس لإخوته شيء؛ يصير لها السدس على أنها أم، كذا؟ والباقي لها تعصيبًا على أنها أب، وهذا هو الصحيح، لحديث: «تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: لَقِيطَهَا، وَعَتِيقَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ»[[أخرجه أبو داود (٢٩٠٦)، والترمذي (٢١١٥)، وابن ماجه (٢٧٤٢) من حديث واثلة بن الأسقع. ]]، المذهب يقولون: إنها ترثه ميراث أم فقط، ويكون العاصب له عصبة أمه، وعلى هذا فيكون للأم هنا السدس، والباقي لإخوته من أمه؛ لأنهم هم عصبة الأم، أبناؤها، فيكون الباقي لهم.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [النور ١٠]؛ لقبول التوبة في ذلك وغيره، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما حكم به في ذلك وغيره، فبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها.
قوله: (لولا) هذه شرطية ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، ويسمونها حرف امتناع لوجود؛ يعني أنها منعت شيئًا لوجود شيء، هنا ننظر ما هو الذي امتنع لوجود شيء؟
الذي امتنع هو الجواب المحذوف، جواب لولا المحذوف، وهو ما قدره المؤلف بقوله: (لبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها) هذا هو الذي امتنع لوجود أي شيء؟
لوجود فضل الله ورحمته، فالحاصل أن الذي منع جواب (لولا) في هذه الآية هو فضل الله ورحمته، وأما ﴿فَضْلُ﴾ فهو مبتدأ وخبره محذوف؛ لأن (لولا) يحذف بعدها الخبر وجوبًا، قال ابن مالك رحمه الله:
وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ∗∗∗ حَتْمٌ.....................
يعني لازم، فهنا (لولا) إذن تحتاج إلى جواب، جوابها مقدر، وتحتاج إلى خبر مبتدأ وهو محذوف أيضًا، ويحذف وجوبًا بعد (لولا) غالبًا، كما قال ابن مالك رحمه الله.
وقوله: ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ إلى آخره، الفضل من آثار الرحمة في الحقيقة، لكن الرحمة تكون فيما يضطر إليه العبد وزيادة، وتكون في الزيادة أيضًا، والفضل في الزيادة فقط، فيكون عطف الرحمة هنا على الفضل من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الفضل من آثار الرحمة لكنه أخص منها، حيث إنه زائد على ما يحتاج إليه العبد ويضطر إليه، وأما الرحمة فتكون فيما يحتاج إليه العبد، وفيما زاد على ذلك.
يقول المؤلف: (بالستر في ذلك) هذا بناء على خصوص الآية في المتلاعنين، والصواب أن الآية عامة؛ يعني: لولا فضل الله عليكم ورحمته في هذا وغيره -ما هو بس في الستر- لحصل لكم ما لم يحصل لكم الآن، فالصواب إبقاء الآية على عمومها، وأنه لولا هذا الفضل والرحمة من الله ما حصل لهم الذي حصل من هذا التيسير وهذا التشريع الحكيم.
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ معطوف على ﴿فَضْلُ﴾؛ يعني: ولولا أيضًا أن الله تواب حكيم، تواب سبق لنا أن التواب كثير التوبة، وأن توبة الله على عباده تنقسم إلى قسمين: أحدهما التوفيق للتوبة، والثاني قبول التوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨]، وتطلق التوبة من العبد إلى الله، وهي من العبد إلى الله معناها: الرجوع من معصيته إلى طاعته، فالعبد تواب، والله تواب، لكن فرق بين تواب التي يوصف بها الله وتواب الذي يوصف بها العبد، فتواب التي يوصف بها الله معناها: الموَفِّق للتوبة القابل لها، وتواب التي يوصف بها العبد معناها: الرَجَّاع إلى الله سبحانه وتعالى من معصيته إلى طاعته.
﴿حَكِيمٌ﴾ سبق لنا أنها مشتقة من الحكم والحِكْمة، فتكون بمعنى حاكم وبمعنى مُحْكِم، ﴿حَكِيمٌ﴾ مشتقة من الحكم والحكمة فهي بمعنى حاكم ومحكم، والحكم لله سبحانه وتعالى ينقسم إلى كوني وشرعي، ومر علينا قريبًا في التوحيد، والحكمة تكون في الحكم الكوني، وتكون كذلك في الحكم الشرعي، فمحل الحكمة الحكمان؛ يعني: الحكم الكوني والحكم الشرعي.
والحكمة -أيضًا كما مر علينا سابقًا- تكون حكمة في الإيجاد وحكمة في الصورة وحكمة في الغاية؛ يعني حكمة الله ليست هي غايات الأمور، لا، في الإيجاد وفي الصورة وفي الغاية، كيف في الإيجاد وفي الصورة وفي الغاية؟
يعني أن الله لا يوجد شيئًا إلا لحكمة، ثم إيجاده على صورة معينة حكمة أخرى، ثم الغاية من هذا الإيجاد حكمة ثالثة، إذن فحكمة الله سبحانه وتعالى تتعلق بالإيجاد، أيش تقول؟
* طالب: حكمة الله في الإيجاد وفي الصورة وفي الغاية.
* الشيخ: حكمة الله في الإيجاد والصورة والغاية، فمثلًا إيجاد الشمس هذا لحكمة، وهو حكمة إيجاده، كونها على هذه الصورة المعينة وبهذه الحرارة وبهذه المسافة عن الأرض وبهذا السير المعين هذه أيش اسمه؟ حكمة في الصورة، هذه أيضًا حكمة، الغاية منها -وهي مصالح الخلق- هذه أيضًا حكمة.
إيجاد الإنسان حكمة، وكونه على هذا الوجه من الصورة حكمة، والغاية من إيجاده حكمة، وهكذا في الأمور الكونية والشرعية، فإن تشريع الشرائع حكمة وكونها على هذا الوجه المعين حكمة، والغاية منها وهو إصلاح الخلق حكمة أيضًا، فالحاصل إذن أن حكمة الله سبحانه وتعالى تكون في أيش؟
* طلبة: في الإيجاد والصورة والغاية.
* الشيخ: في الإيجاد والصورة والغاية.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور ١٠]، الحكيم قلنا: إن معناها حاكم ومُحْكِم؛ أي: متقن؛ أي: ذو حكمة، المحكم بمعنى: ذو الحكمة، والحكمة كما عرفتم الآن تكون في الشرع وفي القدر؛ لأنها تكون في الحكمين، وتكون في الإيجاد والصورة والغاية أظن الأمر واضح.
جواب (لولا) ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أيش الجواب؟ يقول المؤلف رحمه الله: (لبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها)، المؤلف قصر هذه الآية ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ قصرها على قصة المتلاعنين؛ يعني: لولا أن الله تفضل علينا ورحمنا لبين الحق في ذلك؛ أي: بين كذب الزوج إن كان كاذبًا وكذب المرأة إن كانت هي الكاذبة، وعاجل بالعقوبة من يستحقها من أحدهما؛ لأن أحدهما كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لما تلاعنا: «اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا أَحَدٌ تَائِبٌ؟»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٣٤٩)، ومسلم (١٤٩٣ / ٦) من حديث ابن عمر.]]؛ يعني يعرض لهما بالتوبة، يقول: حداكما غلط هذا، الزوج ولّا الزوجة؟ وهذا صحيح، ويعرض عليهما التوبة، فهل أحد يتوب.
والمؤلف -رحمه الله- يرى أن هذه الآية خاصة بقصة المتلاعنين، والصواب أنها عامة فيها وفي غيرها، لماذا؟ لأن الله لم يقيدها، قال: ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، ولّا قال في ذلك.
ثم العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإذن يكون الجواب المقدر غير ما قدره المفسر، يكون ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ ما حصل لكم هذه المصالح، وانتفت عنكم تلك المفاسد، وهذا عامّ، أعم مما قاله المؤلف.
* الطالب: الخبر (...)؟
* الشيخ: لا الخبر محذوف، غير جملة، الجملة هذه جواب (لولا).
* الطالب: خبر (...)؟
* الشيخ: لا، جواب (لولا)، ما تقول: خبر لولا، أما ﴿فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ خبره محذوف، والتقدير: موجود، ولولا فضل الله عليكم ورحمته موجودان لحصل كذا وكذا، طيب نرجع إلى استنباط الفوائد من هذه الآيات.
* أولًا: يستفاد من هذه الآيات: الحكمة في تشريع الله، في الشرع، الحكمة في التشريع؛ لأن هذه الآية مستثناة في الحكم من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور ٤]، لو هذه الآية بقيت على ما هي عليه لوجب أن يجلد الزوج، الآية ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ في هذا الحكمة في التشريع، حيث خص الأزواج بهذا الحكم من حكم الذين يرمون المحصنات ولّا لا؟ هذا النوع من التخصيص ويش نوعه؟ متصل ولّا منفصل؟ يلا يا أصحاب أصول الفقه يا اللي تريدون تقرؤون بالروضة، جماعة يريدون يبدؤون بالروضة، وهم لا يعرفون التخصيص متصل ولّا منفصل؟
* طالب: ما هو من علم البلاغة هذا يا شيخ.
* الشيخ: لا لا، من علم أصول الفقه، ما يوجد شيء، ما هو التخصيص المتصل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...)، بأي طريق ما هي طرقه؟
يكون بالاستثناء والصفة والشرط ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ﴾ [العصر ٢، ٣]، الصفة: أكرم الطالب المجتهد، المجتهد؛ خصيته بالصفة متصلة.
الشرط: أكرم الطالب إن اجتهد، قرر (روضة الناظر) إن كانوا يعرفون أصول الفقه.
هذا النوع اللي عندنا هل هو واحد من هذه الثلاثة؟
لا؛ لأنها آية مستقلة، فالتخصيص إذن منفصل، فهذه الآية خصصت عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ لأنه لو بقيت الآية تلك على عمومها لكان الزوج إذا قذف زوجته يثبت له الأحكام الثلاثة السابقة، لكن الزوج انفرد عن غيره بهذا الحكم، فإذن هذه الآية أو تخصيص الأزواج من عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ هذا خصص بمخصص منفصل؛ لأنه نص مستقل.
ما هي الحكمة من تخصيص الأزواج بهذا الحكم دون غيرهم من القَذَفة؟ نحن قلنا: إن هذا من حكمة التشريع، فما هي الحكمة؟
الحكمة أن الزوج لا يمكن أن يقذف زوجته بالزنا إلا والأمر كما قال، ليش؟
لأن زنا زوجته عار عليه؛ لأنها هي حرثه، فإذا قذفها بالزنا أصبح الأمر شديدًا وعظيمًا، إذ أن هذا يوجب التشكك في أولاده عند الناس، ويوجب العار عليه حيث يقال: هذا الرجل ديوث كان يقر الفاحشة في أهله؛ لأن النفوس قد تقول ليش؟ يعني ما هذه بأول مرة يعثر، ما هو بعاثر إلا المرة الثانية والثالثة وما أشبه ذلك، إذ أن الزنا عادة ما يأتي علنا يأتي سرًّا، والسر ما هو يظهر في أول مرة، ولهذا لما كان زنا الزوجة عارًا على الزوج صار لا يمكن أن يقذف زوجته بالزنا إلا والأمر كما ذكر، ولهذا خص من بين سائر القاذفين بهذا الحكم، أن يعتبر قذفه هو، يعتبر رميًا ولّا شهادة؟
* الطلبة: شهادة.
* الشيخ: يعتبر شهادة.
* الفائدة الرابعة: أنه لا يصح اللعان إذا قذف أجنبية ثم تزوجها؛ لأنه لو قذف امرأة أجنبية ثم تزوجها فلا لعان، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور ٦]، فلو قذف امرأة أجنبية ثم تزوجها فلا لعان بينهما، وإنما يُحَدّ للقذف.
* خامسًا: عموم الآية ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾.
* طالب: تبقى زوجته؟
* الشيخ: أي نعم، وتبقى زوجة له.
عموم الآية ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾ يشمل ما قبل الدخول وبعد الدخول، فلو عقد على امرأة ثم رماها بالزنا أجري بينهما اللعان؛ لأنها زوجته.
* فيها أيضًا: أن رمي غير الزوجة ولو الأم أو البنت أو الأخت ممن يلحقهم عاره ليس كقذف الزوجة، بمعنى أن الرجل لو قذف أقرب الناس إليه بالزنا طبق عليه أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أحكام القاذفين الثلاثة السابقة، بخلاف الزوج، ووجه ذلك ما سبق من الإشارة إلى الحكمة.
* ومن الفوائد أيضًا: أن البدل يجعل له حكم المبدل منه، فلما كانت البينة على الزنا أربعة شهود، وكان الزوج إذا قذف زوجته في الزنا يعتبر شاهدًا، والتعدد الشخصي في حقه ممتنع أو لا؟ جعل التعدد في نفس الشهادة، فيكون هذا تقريرًا للقاعدة المشهورة المعروفة أن البدل له حكم المبدل منه، فلما كانت شهادة الزوج على زوجته بالزنا بمنزلة شهادة الرجل صار تكرارها بمنزلة تكرار الرجال وتعدد الشهود.
* وفيه أيضًا من الفوائد: تعظيم هذا الأمر بحيث لا يكتفى فيه بالشهادة المجردة، بل لا بد من شهادة مقرونة بأيش؟ بيمين، شهادة مقرونة بيمين فيقول: أشهد بالله.
* وفيه أيضًا: وجوب قرن هذه الشهادة المؤكدة باليمين، وجوب قرنها في الخامسة بأيش؟ باللعنة بالنسبة للزوج، وبالغضب بالنسبة للزوجة.
* ومن الفوائد أيضًا: أنه يجب أن يبدأ الزوج باللعان، أيش الدليل؟ ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾، ولا يتم العذاب عليها إلا إذا شهد الزوج، مفهوم؟ هذا من جهة الدليل.
من جهة النظر أن الزوج مدَّعٍ في الحقيقة، وأيهما يُبدأ به المدعي ولّا المنكر؟ الذي يطلب منه إثبات الحكم للدعوى المدعي، هو الذي يقال: هات بينة، إذا لم يوجد بينة رجعنا إلى المنكر، إلى المدَّعَى عليه، فعلى كل حال فيه من الفوائد أنه يجب البداءة بشهادات الزوج، الدليل من الآية أنه لما قال: ﴿شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، ولا يتم العذاب إلا بشهادة الزوج، هذا من جهة الأثر أو الدليل؟ من جهة النظر أن الزوج بمنزلة المدعي، والمدعي هو الذي يطلب منه أولا إثبات مدعاه.
* وفيه أيضًا من فوائدها: أنه لا بد أن يؤكد الشهادة بـ(إنَّ) و(اللام) مع اليمين، السابقة لقوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فلو قال: أشهد بالله بأني صادق، فإنه لا يكفي لا بد أن يأتي بـ(اللام)؛ لأن (اللام) تفيد زيادة تأكيد وتقوية، فلا بد من الإتيان بها.
* وفيه دليل على جواز الدعاء معلقا بالشرط، وين هو؟ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وهي تقول: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، ففيه دليل على جواز الدعاء معلقا بالشرط، وقد جاء مثله أو قريب منه في الاستخارة: «اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَدُنْيَايَ»[[أخرجه البخاري (١١٦٢) من حديث جابر بن عبد الله.]] إلى آخره، وكما جاء الشرع مفيدًا في دعاء الخالق جاء مفيدًا أيضًا في الشرع؛ يعني في الأحكام الشرعية، مثل ما قال النبي ﷺ لضباعة بنت الزبير «لما قالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأجدني شاكية، قال: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي، فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ»[[أخرجه مسلم (١٢٠٧ / ١٠٥)، والنسائي (٢٧٦٦) من حديث ابن عباس، واللفظ له.]]، وكما يجوز الشرط في دعاء المسألة يجوز الشرط أيضًا في دعاء العبادة كما في حديث ضباعة بنت الزبير، وهذا يشهد لرؤيا قصصتها عليكم رآها شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول: إنه رأى النبي ﷺ، وكان يشكل عليه جنائز تقدم إليه، ويشكل عليه أنهم مسلمون، فرأى النبي ﷺ ذات ليلة، فسأله عن أشياء من جملتها عن الرجل يُقَدَّم إلى الإمام ليصلي عليه وهو يشك في إسلامه، فقال له النبي ﷺ: عليك بالشرط يا أحمد.
أيش لون الشرط؟ مثل: اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له وارحمه؛ لأن هذا حقيقة، هي أن يُشْكل الإنسان في إسلام الجنازة المقدمة، فيقول: اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له وارحمه، وهذا جائز، وشاهده هذه الآية، وحديث الاستخارة هذا في دعاء المسألة، وفي دعاء العبادة، وأيش الدليل؟ حديث ضباعة بنت الزبير: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ».
* وفيه دليل على ثبوت الحد على المرأة بلعان الزوج إلا إذا أنكرت ولاعنت، هل يؤخذ من الآية ولّا ما يؤخذ؟ ثبوت الحد على المرأة بلعان الزوج من أين يؤخذ؟
* الطلبة: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾.
* الشيخ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، والعذاب هو الحد، والدليل على أن العذاب هو الحد قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وأما من فسر العذاب بالحبس بأنها تُحبس حتى تقر أو تلاعن؛ فهذا قول لا دليل عليه ولا معول عليه.
إذن يثبت الحد على المرأة بلعان الزوج كما تدل عليه الآية، وهل يثبت بغيره؟ البينة، إذا أتى بالبينة، وهذا مفهوم من الآية السابقة: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ٤]، ويثبت بأمر ثالث، وهو؟
* الطلبة: الإقرار.
* الشيخ: إقرار المرأة إذا أقرت، إذا أنكرت المرأة وقالت: أبدًا، هو كاذب، حينئذ نقول: لاعن، أجيبيه على شهاداته، فإذا أجابته على شهاداته سقط عنها العذاب، وإن لم تُجب أقيم عليها الحد.
* في هذا أيضًا دليل على الحكمة في اللعان، حيث خص الرجل باللعنة، بالدعاء على نفسه باللعنة، والمرأة في الدعاء على نفسها بالغضب، وهذا سبقت الإشارة إليه، يبين لنا ذلك؟
* طالب: (...) فيه إبعاد لها عن العفة.
* الشيخ: أي نعم؛ يعني كون الزوج يلعن نفسه إن كذب؛ لأن في إتهامه إياها بالزنا إبعادًا لها عن العفة.
* الطالب: وعن نفسه.
* الشيخ: وعن نفسه وأولاده، فناسب أنه يدعو على نفسه باللعن الذي هو الطرد والإبعاد، وبالنسبة لها؟
* الطالب: بالنسبة لها أن غضب الله عليها لما علمت الحق وأنكرته، فناسب أن..
* الشيخ: لأنه إذا كان كاذبًا، إذا كان مش صادق
* طالب: إذا كان صادقًا فهي قد علمت..
* الشيخ: فقد علمت الحق وأنكرته، وهذا شأنه الغضب، أو عقوبته الغضب، كل من علم الحق ورده فإنه يعاقب بالغضب، هذه واحدة، والثاني؟
* طالب: أن الزوج مظنة دعواه الصدق؛ لأنه هو يلحقه العار باتهامها بالزنا، فلما كان قضيتها الصدق، صار نصيبه أقل باللعنة، صار نصيبه أقل من الغضب، فهذا..
* الشيخ: وهي أقرب إلى الكذب؛ لأنها تريد أن تدفع عن نفسها وعن أهلها العار؛ فلذلك خصت بالغضب، واضح؟
إذن يؤخذ من هذا الحكمة في المغايرة بين الزوج والزوجة فيما يدعو أحدهما به على نفسه، فالمرأة في الغضب والزوج في اللعنة، ما رأيكم لو أنه عكس، وقال: الزوج غضب الله عليه، والزوجة لعنة الله عليها، يصح ولّا ما يصح؟
* طلبة: ما يصح.
* الشيخ: لا يصح، حتى قال العلماء: لو أبدل الغضب بالسخط، (...) هي الغضب بالسخط، أو أبدل اللعنة بالطرد والإبعاد عن رحمة الله، فإنه لا يصح اتِّباعًا للفظ، وهذا في الحقيقة محل نظر؛ لأنه -خصوصًا الطرد والإبعاد- السخط قد يكون بينه وبين الغضب فرق، لكن الطرد والإبعاد عن رحمة الله هو معنى اللعن، إلا أنه مع ذلك نقول: لا ينبغي العدول عما جاء به القرآن، أنه يقول للزوج: قل: لعنة الله عليه، وللزوجة: غضب الله عليها.
هل يشترط أن يقول: فيما رميتها به من الزنا، وتقول هي: فيما رماني به من الزنا، أو لا يشترط؟
* طالب: ظاهر القرآن لا يشترط.
* الشيخ: ظاهر القرآن لا يشترط، وكذلك ظاهر السنة، حينما لاعن النبي ﷺ بين هلال بن أمية وزوجته ما قال: لمن الصادقين فيما رميتها به، ولا قالت هي: لمن الكاذبين فيما رماني به، ولهذا الصحيح أن هذا ليس بشرط.
فإذا قيل أليس من الجائز أن يتأول ﴿لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في قضية أخرى؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: الجواب: بلى، من الجائز، لا شك أنه من الجائز أن يتأول، ويقول: لمن الصادقين؛ أي: في أمر آخر، لكن هذا التأويل ينفعه ولّا لا؟
* طلبة: ما ينفعه.
* الشيخ: لا ينفعه؛ لأن تأويل الظالم لا ينفعه، فإن يمينه على ما يصدقه به صاحبه، وعلى ما يقتضيه المقام، ولكن لو ذكر: فيما رميتها به من الزنا، وقالت هي: فيما رماني به من الزنا، لكان هذا أبين وأوضح، إلا أنه ليس بواجب.
* طالب: غير الظالم يا شيخ.
* الشيخ: غير الظالم ذكرنا أن المظلوم ينفعه قولًا واحدًا، ومن ليس بظالم ولا مظلوم محل خلاف بين العلماء، والأولى ألا يتأول؛ لأنه يؤدي إلى تهمته إذا تبين الأمر على خلاف ما أظهر، تبين تهمته، وأدى إلى أنه ما يوثق في كلامه، وكلما قال شيئًا خافوا من تأوله مثل ذات المرة، أما إذا صار مظلومًا فهذا ضرورة أنه يتأول.
* وفيه أيضًا: بيان فضل الله ورحمته على عباده بالشرع والقدر؛ لقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، فإن هذا يتعلق بالشرع وبالقدر، أما بالشرع فهو لولا أن الله تفضل علينا ورحمنا وشرع للأزواج ما شرع من اللعان لكان الزوج يقع في حرج عظيم؛ لأنه إن تكلم، وأيش اللي يُعمل به؟
* طالب: يقام عليه الحد.
* الشيخ: يقام عليه حد القذف، وإن سكتَ سكتَ على أمر عظيم، لكن من رحمة الله أن الله شرع اللعان، وهذا فضل ورحمة في الشرع.
كذلك في القدر، بالنسبة لقضية المتلاعنين، وهو ما أشار إليه المؤلف، أنه لولا أن الله سبحانه وتعالى يحب الستر لفضح المرأة، وأظهر آية تدل على صدق الزوج، أو بالعكس، إذا كان الزوج كاذبًا، لكن من رحمة الله أن الله سبحانه وتعالى يستر على عباده في الدنيا مثل هذه الأمور، ثم يجازيهم عليها في الآخرة.
في هذه الآية ما ذُكر حكم قذف الرجل لو عينه الزوج، لو قال: زنا بها فلان، فهل يُحد لقذف فلان؛ لأنه ليس زوجه طبعا؟
* طالب: تعين؟
* الشيخ: عَيَّن إيه؟ أو نقول: لأن الزنا هنا واحد، والله تعالى جعل شهادات الزوج بمنزلة إقامة البينة، لكن بالنسبة للزوجة لا بالنسبة لمن قذفها به، فيصير من قذفها به يسلم من الحد، ولا يصير له حق في إقامة حد القذف على الزوج، أو نقول هذا القذف يوجب اللعان بالنسبة للزوجة ويوجب الحد بالنسبة للأجنبي؟
* طالب: إن عَيَّن شخصًا..
* الشيخ: عَيَّن إيه؟ قال: فلان بن فلان، قال: هذه المرأة زنا بها فلان.
* طالب: لازم أربع شهادات، أربعة رجال.
* الشيخ: صحيح، ما خاف الأجنبي، ما حُد للزنا إذا لاعن الزوج، ما حددنا الأجنبي للزنا، لكن هل يُحَد الزوج لقذف الرجل ولّا ما يحد هذا السؤال؟
* طالب: لا يحد.
* طالب آخر: قد تكون للبينة، الخروج للبينة، إذا أراد أن يأتي بالبينة.
* الشيخ: لا، لا، على كل حال الحديث أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك ابن سحماء، فعَيَّن الرجل الذي زنا بها، ولم يحده النبي ﷺ حد القذف، ولهذا الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يُحد بقذف الرجل ولو عيّنه، لكن لا ينبغي مثل هذا؛ أن يقذفها بشخص معين لأجل ألا يدنس عرضه؛ لأن المسألة ما هي بثابتة بالشهود، فالأولى أن يقول: إنها زنت، ولا يُعَيِّن، لكن لو عَيَّن فإن السنة تدل على أنه لا يُحد للرجل، السبب في ذلك هو ما أشار إليه محمد إسماعيل، ما أدري عن قصد ولّا عن غير قصد، أو رمية من غير رامٍ، هو أن الأصل هنا والمقصود قذف الرجل الأجنبي ولّا الزوجة؟
* طلبة: الزوجة.
* الشيخ: الزوجة، وهو ما عَيَّن الرجل إلا لزيادة إثبات قذف الزوجة؛ يعني هو ما قال: فلان زنا بامرأتي، وأراد أنه يدنس الرجل هذا، هو في الحقيقة المسألة للتخلص منها مثلًا، فلهذا -هذا والله أعلم- الحكمة في أنه لم يُحد، لكن من راعى المعنى قال الآية السابقة تدل على أن الرمي بالزنا يوجب الحد، وهذه الآية تدل على أن رمي المرأة بالزنا يوجب اللعان، فتبقى الآية هناك بالنسبة للأجنبي على عمومها، وهذه بالنسبة للزوجة على خصوصها، لكن السنة الحقيقة هي الفاصلة، «والنبي ﷺ ما حد الرجل الذي قذف امرأته بشريك ابن سحماء»[[أخرجه مسلم (١٤٩٦ / ١١) من حديث أنس.]].
النور 24:11
﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] جماعة من المؤمنين، قالت: حسان بن ثابت وعبد الله بن أُبَي ومسطح وحمنة بنت جحش.
أولًا: يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ [النور ١١]، و(ال) هنا للعهد الذهني؛ يعني الذي هو معلوم عندهم ومفهوم، وقوله: ﴿بِالْإِفْكِ﴾ أي: أسوأ الكذب، كما قال المؤلف، وهذا أسوأ كذب يكون، مثل هذا الكذب الذي جاء به هؤلاء، بما يتضمنه من قدح في أمهات المؤمنين، وبالتالي في النبي ﷺ، كما يتبين من الآيات في سياقها.
وقوله: ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ أي: جماعة، وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين، وقوله: من المؤمنين، يدل على أنهم لم يخرجوا من الإيمان بذلك، بهذا القذف لم يخرجوا من الإيمان؛ لأنه صدر قبل أن يتبين الحكم في هذا، وإلا فمن قذف واحدة من زوجات النبي ﷺ، عائشة أو غيرها، فإنه كافر مرتد، يستتاب، فإن تاب وإلا قُتِل.
وعَدُّه -عَدّ المؤلف- عبد الله بن أبي في هؤلاء العصبة على أساس أن عبد الله بن أبي كان يتظاهر بالإسلام، ولكنه في الحقيقة منافق، ثم إن عبد الله بن أبي ليس يصرح بمثل هذا بالقذف، وإنما هو الخبيث يجمعه ويشيعه بين الناس بلفظ ليس فيه تصريح، ومع هذا هو الذي تولى كبره كما سيأتي.
إنما نقول: الخطاب في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ للمؤمنين ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾، ولا شك أن مثل حسان بن ثابت رضي الله عنه ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش، لا شك أن مثل هؤلاء مؤمنون، وأنهم لم يخرجوا من الإيمان بما فعلوا؛ لأنه قبل تبين الحكم، لكن الذي يشكل عليه أن يعد منهم عبد الله بن أبي، وإيضاح هذا الإشكال بأن يقال بأن عبد الله بن أبي يتظاهر بأنه مع المؤمنين ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة ١٤]، وهو في الحقيقة من المنافقين، فعده منهم باعتبار الظاهر لا باعتبار الحقيقة والواقع.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ﴾ [النور ١١] ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾: لا تظنوه أيها المؤمنون غير العصبة شرًّا لكم بل هو خير لكم.
أولًا: الله تعالى يقول: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾، فنهى أن نظن بأن هذا الإفك شر لنا قبل أن يثبت أنه خير، لماذا؟ لأنه لا شك أنهم حين وقع هذا الإفك أن المؤمنين أصابهم ما أصابهم من الأذى، وظنوا أن ذلك شر، فأراد الله تعالى أن ينتزع هذا الظن من نفوسهم قبل أن يبين حكمهم، قال: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾؛ لأن هذا أول ما ينبغي معالجته، بدأ إلى هذا الإفك، وهو انتزاع ما يظنه بعض المؤمنين من أن هذا الإفك شر، ثم بعد هذا الانتزاع تأتي المعالجة.
يقولون: إن التخلية قبل التحلية، يعني معناه تخلية الشيء من القبح والتشويه قبل أن يحلى بالشيء الجميل؛ لأنك كونك تزيل الأشواك قبل أن تفرش، أليس كذلك؟ فلهذا نهى الله أن نحسب هذا شرًّا حتى يقتلع ذلك من نفوسنا أولًا، ثم تكون مستعدة للتحلية، ولإثبات ما يثبت، ويتحدث عنه في شأن هذا الإفك، يتبين بهذا أنه ينبغي عند معالجة الأشياء أن نزيل أولًا الأذى لنفتح الطريق أمام الخير حتى يلج.
﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ [النور ١١]، وفيه أيضًا أن نقول: ينبغي أن يُبدأ بأهم شيء، وأهم شيء في هذا الأمر أن يزال ما في النفوس من ظن أن يكون هذا الإفك شرًّا بالنبي ﷺ وبآل أبي بكر وبالمؤمنين عموما؛ لأن حقيقة الأمر لو وقع هذا -وحاشا لله أن يقع- لكان هذا شرًّا بالنسبة لآل أبي بكر، وبالنسبة لنبي الله ﷺ.
لهذا ما يمكن للمؤمنين حقًّا أن يظنوا هذا الظن، وأجلاء المؤمنين من الصحابة أنكروا ذلك، يقال: لا يمكن أن يكون، وممن أنكره أسامة بن زيد رضي الله عنه، وغيره أنكروا هذا أن يكون، ولكن بعض الناس لكثرة الترويج والإشاعات، والشيطان أيضًا مما ينفث في قلوبهم، حصل منهم بعض الشك، والصحابة المؤمنون انقسموا في هذا ثلاثة أقسام:
قسم حصل منه ما حصل من الانحراف في هذا الأمر، وقسم منهم أنكر ذلك إنكارًا بالغًا، وقال: هذا لا يمكن، والقسم الثالث توقف وشك في الأمر، لكن الأجلاء من الصحابة والمعظم منهم أنكروا ذلك كما ذكره أهل العلم.
﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور ١١]، أولًا: كيف لا نحسبه شرًّا نحن نؤمن بذلك؛ لأن الله قال: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا﴾، وإن كان الإنسان قد يظن بادئ ذي بدء بأنه شر، وهذا شيء معروف، واحد يقذف أهلك، أمر ما تظنه تعرف أن هذا شر موجه إليك، هذا أمر مسلم به، فلما قال الله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾، انتهت المشكلة هذه، وقضي عليها بنهي الله عز وجل العليم بما سيكون؛ لأنه ليس بشر.
بقي أن يقال: ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، نحن نؤمن بهذا أيضًا وأنه خير لنا، لكن ما هو الخير الذي ظهر في هذا الإفك؟
نقول: الخير الذي ظهر في الإفك خير ليس له نظير، حيث ظهرت براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله ونزاهتها، ظهورًا لا يعادله شيء، شهد الله لها بالبراءة من فوق عرشه تبارك وتعالى.
ثانيًا: ظهر بذلك نقاء وطهر فراش النبي ﷺ، وأنه لا يمكن لفراش النبي ﷺ أن يتدنس بهذا.
ثالثًا: من الخير الأجر العظيم الذي ترتب على ما أصاب المؤمنين في هذه الحادثة من الأذى والمشقة والجهد الجهيد، حتى إنه من حكمة الله عز وجل أن الوحي انقطع شهرًا كاملًا، ما نزل على النبي ﷺ وحي؛ لأجل أن يتمحص المؤمن من المنافق، ولأجل أن يشتد اشتياق المؤمنين إلى بيان الله سبحانه وتعالى في هذه القضية العظيمة الهامة، ولأجل أن يزداد أجرهم في هذه المدة، ثم إن فيها أيضًا من الخير رفعة شأن النبي ﷺ، وهذا فوق قولنا: نزاهة فراشه وطهارته رفعة شأنه، وكون الله سبحانه وتعالى في نفسه يدافع عنه.
ثم فيه أيضًا من الخير تأديب المؤمنين وعظتهم بما ينبغي أن يكونوا عليه من عدم إطلاق القول، والتجرؤ على أعراض الأعفاء إلى غير ذلك، مما سيتبين إن شاء الله في أثناء هذه القصة العظيمة.
قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يأجركم الله تعالى به ويظهر الله براءة عائشة رضي الله عنها، ومن جاء معها منه، وهو صفوان، فإنها قالت: كنت.. إلى آخره.
هذا أيضًا من الخير لصفوان بن المعطل رضي الله عنه، أنه إذا أنزل الله براءة عائشة من ذلك، وكان هو الذي رماه المنافقون بها، وأيش يظهر من ذلك؟ براءة صفوان رضي الله عنه.
«قالت عائشة رضي الله عنها: كنت مع النبي ﷺ في غزوة بعد ما أنزل الحجاب»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٦١)، ومسلم (٢٧٧٠ / ٥٦) من حديث عائشة.]]، وهذه الغزوة تسمى المريسيع وغزوة بني المصطلق، ولم يبين المؤلف متى كانت هذه الغزوة، لكنه يتبين لنا متى كانت، متى؟ بعدما أنزل الحجاب، الحجاب متى نزل؟ سنة ست من الهجرة، الحجاب نزل سنة ست من الهجرة، وعلى هذا فتكون هذه الغزوة في السنة السادسة في آخرها أو في السابعة.
وأما قول بعض المؤرخين أنها في الخامسة أو في الرابعة فهذا وهم، هذا وهم منهم، والصحيح أنها كانت في السادسة في آخرها؛ لأنها صرحت بأنها بعدما أنزل الحجاب، والنبي عليه الصلاة والسلام أيضًا استشار زينب في شأنها، وزينب نزلت آية الحجاب عند زواج النبي ﷺ بها، فإذن نقول: هي في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق، وكانت في السنة السادسة في آخرها، تقول رضي الله عنها: ففرغ منها، أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، «في غزوة بعدما أنزل الحجاب، ففرغ منها، ورجع ودنا من المدينة، وأذن في الرحيل ليلة، فمشيت وقضيت شأني وأقبلت إلى الرحل»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٦١)، ومسلم (٢٧٧٠ / ٥٦) من حديث عائشة.]].
وزينب نزلت آية الحجاب عند زواج النبي ﷺ بها، فإذن نقول: في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق، وكانت في السنة السادسة في آخرها، تقول رضي الله عنها: ففرغ منها..
* طالب: ورجع وبنى بها.
* الشيخ: لا، في غزوة بعدما أُنْزِل القتال، ففرغ منها، ورجع ودنا من المدينة، وأَذِن بالرحيل ليلة، فمشيتُ وقضيتُ شأني، وأقبلت إلى الرَّحْل، فإذا عقدي قد انقطع –وهو بكسر المهملة: القلادة-، فرجعت ألتمسه، وحملوا هودجي -هو ما تَرْكَب فيه- على بعيري، يحسبونني فيه، وكانت النساء خفافًا، إنما يأكلن العُلْقَة -وهو بضم المهملة وسكون اللام- من الطعام، أي: القليل.
تحدثت عائشة رضي الله عنها عن قصة الإفك، تقول: إنه لما رجع النبي ﷺ من هذه الغزوة في ليلة من الليالي أَذِن بالرحيل، فذهبت تقضي حاجتها، كشأن الإنسان إذا أراد أن يركب، أو أراد أن ينام، أو ما أشبه ذلك، يُفَرِّغ نفسه.
ذهبت تقضي حاجتها، يعني تبول، أو تتغوَّط، فلما رجعت، وإذا العقد قد انقطع، فرجعت تلتمسه -وقد ذكر المؤرخون أن هذا العقد كان عاريَّة عندها لأختها أسماء- فذهبت تلتمسه؛ تطلبه، فوجدت العقد، لما وجدت العقد رجعت إلى مكانها، فإذا القوم قد حملوا هودجها، وما ظنوا أنها ليست فيه؛ لأنها كما قالت رضي الله عنها: كان النساء خفافًا، ما كان اللحم قد بان عليهن؛ لأنهن إنما يأكلن العُلْقة من الطعام -يعني القليل-، ثم إن الهودج الذي حمله ليس رجلًا واحدًا أو اثنين حتى يميِّزوا خِفَّته، إنما حمله جماعة، والعادة أن الجماعة لا يُحِسُّون بثقل الشيء، ما يهمهم، لذلك حملوه على أنها فيه، وساروا.
لما رجعت ولم تجدهم عرفت أن القوم سيفقدونها وسيرجعون إليها، هو معروف، هي من ذكائها وعقلها ما ذهبت يمينًا ولا شمالًا، ما راحت قالت: طيب ألحقهم، طيب أدوّر، بقيت في مكانها، ومن عجيب أنها من طمأنينتها ورباطة جأشها نامت في هذا المكان، ولما نامت كان صفوان بن المعطَّل رضي الله عنه في أُخْرَيَات القوم، وكان كثير النوم وثقيل النوم أيضًا، فلما استيقظ لحق القوم، فلما أقبل على مكانهم وجد سواد شخص، فآوى إليه، وحصل ما حصل.
الآن نقرأ القصة، تقول: (العُلْقَة -هو بضم المهملة وسكون اللام- من الطعام، وهو القليل، ووجدت نفسي بعدما ساروا، فجلستُ في المنزل الذي كنتُ فيه، وظننت أن القوم سيفقدونني ويرجعون إليَّ، فغلبتني عيناي فنمتُ، وكان صفوان قد عرَّس من وراء الجيش، فادلج، هما بتشديد الراء -يعني عرس-، والدال -ادَّلج- أي: نزل من آخر الليل للاستراحة)، هذا معنى عرَّس، عرَّس يعني نزل في آخر الليل للاستراحة.
تقول: (فسار منه –أي: من مكانه- فأصبح في منزله -أي: في منزل الجيش- فرأى سواد إنسان نائم -أي: شخصه- فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني -أي قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون-، فَخَمَّرْتُ وجهي –أي: غطيته- بجلبابي، أي: غطيته بالملاءة، والله ما كلَّمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته ووطئ على يدها، فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا مُوغِرِين) إلى آخره.
رضي الله عنه، لما رأى سواد الشخص أقبل إليه، فلما أقبل وإذا بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها نائمة ولم تُغَطِّ وجهها؛ لأنه ما حولها أحد، فعرفها رضي الله عنه، وكان قد رآها قبل الحجاب، فعرفها فقال: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ثم أناخ بعيره، ووطئ على ركبته حتى ركبت، ولم يكلِّمها بكلمة، وإنما استرجع رضي الله عنه خوفًا مما وقع، توقَّع أمرًا فوقع؛ لأن امرأة في فلاة من الأرض وحدها، ويأتي بها رجل متأخِّر عن الجيش، وهي متأخرة عنه، هذا لا شك أنه بلية وابتلاء من الله، ولهذا رأى أنه مصيبة -رضي الله عنه- فاسترجع، ولكن لعِفَّتِه وتعظيمه النبي ﷺ، وتعظيمه أم المؤمنين رضي الله عنها، ما كلَّمها ولا بكلمة، حتى ما قال: اركبي، ولا قال: ما الذي خلَّفك، ولا قال: لا بأس عليك، ما تكلَّم بكلمة إطلاقًا احترامًا لفراش النبي ﷺ، إكرامًا له، وإنما أناخ البعير، ووطئ على ركبته، حتى ركبت رضي الله عنها، فذهب يقود بها حتى أتى الجيش، أتاه متى؟
تقول: (مُوغِرِين في نحر الظهيرة، أي: من أَوْغَرَ، واقفين في مكانٍ وغَر في شدة الحر)، هذا معنى الواغرة: شدة الحر، حتى عندنا الآن في لغتنا العامية يقولون: والله ها اليوم حر واغرة، واغرة يعني: شديدة الحر.
تقول: (فهلك مَن هلك فيَّ، وكان الذي تولى كِبْرَه منهم عبد الله بن أبي ابن سلول. انتهى قولها..)، أيش؟
* طلبة: (رواه الشيخان).
* الشيخ: (رواه الشيخان).
لما حصل الذي حصل هذا، وجد عبد الله بن أبي ونظراؤه من المنافقين مُتَنَفَّسًا يتنفسون منه الصُّعَداء للقَدْح في النبي ﷺ، فجعلوا يتكلمون: أيش اللي جابه، أيش اللي خلَّفه، أيش الذي خلَّف عائشة؟! ثم صاروا يَشُون الحديث ويصوغونه ويُزَخْرِفُونَه، حتى شاع الخبر وانتشر.
النبي عليه الصلاة والسلام تألَّم، ولا بد أن يتألم، تألم في الحقيقة من وجهين؛ أولًا: أن عائشة رضي الله عنها فراشه وأحب نسائه إليه، وهو يحبها وهي تحبه، والشيء الثاني: أنها بنت أعز الناس إليه أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فكيف يقع هذا الأمر، وكيف يكون؟!
ولذلك ضاقت على النبي ﷺ الضائقة، حتى إنه مع شدة صبره ومع فهمه لأهله ونزاهتهم وبُعْدِهم عما رُمُوا به، حتى إنه دخل عليه شيء مما دخل، فصار يستشير بعض أصحابه هل يفارق عائشة أو لا يفارقها، منهم من يشير عليه بعدم المفارقة، ويقول: «أهلك يا رسول الله، لا نعلم إلا خيرًا. »
ومنهم من أشار عليه بالمفارقة، بما رأى من تَأَذِّيه ﷺ، وقال: إنه إذا فارقها يستريح، وممن أشار بذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه قريب النبي عليه الصلاة والسلام، ورأى من النبي عليه الصلاة والسلام مشقة عظيمة، وأذى كبيرًا، فقال: لعله إذا طلَّقها يستريح ويطمئن.
لكن كبار الصحابة رضي الله عنهم قالوا: هذا أمر لا يمكن، وممن أشار عليه أسامة بن زيد بأن يمسكها ولا يطلِّقها.
على كل حال بقي الأمر هكذا في زعزعة وقلق وشدة إلى تمام الشهر، عائشة رضي الله عنها ما كانت تعلم فيما يخوض فيه الناس، ولا تدري عن شيء؛ لأنها كانت مريضة، وكانت في بيت والدها، ولا علمت بشيء إلا في آخر الأمر؛ خرجت تقضي حاجتها، فعَثَرَت، فقالت لها أمها أم رومان: تَعِسَ مسطح؛ لأن أمها أيضًا ما في قلبها إلا ما حصل، وإنما خَصَّت مسطح بن أثاثة من بين الذين قالوا ما قالوا؛ لأنه كان ابن خالة أبي بكر قريبًا منه، وكان المفروض أن مثله يدافع عن هذه القضية؛ لقرابته، لكن كان أمر الله قدَرًا مقدورًا.
لما قالت: تعس مسطح، استغربت عائشة رضي الله عنها من أم رومان؛ تقول في مسطح ما تقول، مع أنه ابن خالة أبي بكر؟! فسألت: ما شأنه، ما الأمر؟ فأخبرتها بالأمر، وقالت: إن الناس يخوضون في هذا الأمر منذ كذا وكذا، فازداد ألمها ألمًا، ومرضها مرضًا، حتى جعلت تبكي، ما تنام رضي الله عنها، وحُقَّ لها أن تفعل هذا؛ لأن الأمر عظيم.
فجاء النبي عليه الصلاة والسلام ذات يوم إليهم، تقول أنها أيضًا قد استنكرت من النبي ﷺ؛ لأنها كانت تعتاد منه لين الجانب، والتَّحَفِّي عند السؤال إذا مرضت، ودخل عليها يسأل ويتحقق، أما في هذه المرة ما كان يتحقق، بل يقول: «كَيْفَ تِيكُمْ؟»، ويجلس قليلًا ثم يخرج.
في يوم من الأيام كان قد جاء، وقال: «كَيْفَ تِيكُمْ؟»، على العادة، فبينما هو جالس إذ نزل عليه الوحي بالفرج من الله عز وجل، وببراءة عائشة رضي الله عنها، فلما سُرِّيَ عنه، وإذا هو يضحك عليه الصلاة والسلام، فقال لها: «أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ»، فَقَالَتْ: منك أو من الله؟ قال: «بَلْ مِنَ اللهِ»، فقالت: الحمد لله.»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٦١)، ومسلم (٢٧٧٠ / ٥٦) من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة، والطبراني في المعجم الكبير (١٧٣) من حديث كعب بن مالك.]]
ثم انتهت قصة الإفك، ولكن حصل ما حصل فيها من هذا البلاء العظيم.
* * *
يقول الله عز وجل: (﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ أي: عليه، ﴿مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ في ذلك).
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾، أي: من هؤلاء العُصْبة، ﴿مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾، قال المؤلف: (أي: عليه)، فتكون اللام بمعنى (على)، هذا ما رآه المؤلف؛ أن اللام بمعنى (على).
وإذا كانت مُضَمَّنَة معنى (على) فلماذا عُدِل عنها للام؛ لتفيد الاستحقاق، وأنهم مُستحِقُّون لما عليهم من الإثم، فاللام إذن للاستحقاق، أي: لبيان أن هؤلاء العُصْبة الذين ارتكبوا ما ارتكبوا مُستحِقُّون لما عليهم من الإثم.
وقوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ﴾ في هذا العدل من الله عز وجل في المجازاة على السيئة، وأن الإنسان لا يحمل إلا ما اكتسب لا زيادة، وفيه أيضًا دليل على أن هذه المسألة ليسوا مُشْتَرِكين في إثم واحد، بل كل واحد له إثمه الكامل فيما اشترك فيه من هذه القضية.
وقوله: (﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، ﴿الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ أي: تَحَمَّل معظمه، فبدأ بالخوض فيه وأشاعه، وهو عبد الله بن أبي، ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، هو النار في الآخرة).
شوف ﴿الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ أتى بالجملة على هذه الصفة للمبالغة، ما قال: ولمن تولى كبره منهم عذاب عظيم، بل قال: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، جعلها في الحقيقة جملتين، جملتين في جملة؛ لأن ﴿الَّذِي﴾ مبتدأ، و﴿لَهُ﴾ خبر مقدم، و﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ مبتدأ ثانٍ، فكأنها صارت الجملة جملتين؛ لبيان الأهمية، والتأكيد والإشارة إلى أن تولِّيه لهذا الشيء أمر عظيم.
﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ تولى الشيء بمعنى: احتفى به وأَوْلَاه عنايته، وقوله: ﴿كِبْرَهُ﴾ أي: معظمه، فكِبْرُ الشيء بمعنى معظمه، يعني ابتدأ به، وصار يُغَذِّيه ويُنَمِّيه ويذكره في المجالس، ويُوغِر الصدور به، وهو عبد الله بن أُبَيّ، وهو جدير بمثل هذه الخِسَّة؛ لأنه منافق، بل هو رأس المنافقين، وهو يتمنى أن يقع مثل هذا الأمر ليجد فيه منفذًا للطعن بالنبي ﷺ وبفراشه، وبخاصَّةِ أصحابه، لعنه الله.
يقول: ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، ﴿عَذَابٌ﴾ أيش معنى العذاب؟ عقوبة، و﴿عَظِيمٌ﴾ بمعنى عظيم في قدره، وعظيم في نوعه وجنسه، وعظيم في أمده؛ لأنه -والعياذ بالله- في الدرك الأسفل من النار، لا يوجد أحد من أهل النار أسفل من المنافقين، ورأس المنافقين في هذه الأمة مَن؟
* طلبة: عبد الله بن أُبَيّ.
* الشيخ: عبد الله بن أُبَيّ، فيكون هو أسفل مَن في الدرك الأسفل من النار، ولذلك عظُم عذابه -والعياذ بالله- في شكله، ومُدَّته، وفي قدره، فهذا الذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم.
بقينا هل حُدَّ هؤلاء الذين تكلّموا، ويش الجواب؟ ما حَدَّ النبي عليه الصلاة والسلام منهم إلا المؤمنين فقط، وهم حسان بن ثابت رضي الله عنه، ومِسْطَح بن أثاثة، وحَمْنَة بنت جحش، حمنة بنت جحش من هي؟ أخت زينب بنت جحش، وزينب زوجة الرسول ﷺ، على أنها ضرَّة عائشة رضي الله عنها، لما سألها النبي ﷺ عن عائشة أَثْنَت عليها خيرًا، وأختها هلكت فيمن هلك، فحَدَّهُم النبي عليه الصلاة والسلام حد القذف، ثمانين جلدة.
وأما المنافقون فما حَدَّهم النبي عليه الصلاة والسلام؛ إما لأن الحد تطهير وكفَّارة، والمنافقون ليسوا أهلًا للتطهير ولا للكفارة، وهذا تعليل واضح؛ واضح من حيث المعنى، لكن من حيث الواقع قد يكون غير واضح؛ لأن المنافقين يُظْهِرُون أنهم مسلمون، فكان ينبغي أن تُجْرَى عليهم أحكام الإسلام الظاهرة، وتبقى سرائرهم إلى الله عز وجل.
وقال آخرون: إنما لم يَحُدَّهم النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم ما كانوا يُصَرِّحون،لم يصرحوا بأن صفوان فعل بعائشة مثلًا، ولكنهم كانوا يجمعون الحديث ويصيغونه بعبارات تعطي هذا المعنى، لكن بدون تصريح، ومعلوم أن من لم يُصَرِّح بالزنا ما يُحَدّ للقذف، فلذلك لم يحدهم النبي ﷺ.
ويجوز أن يكون الرسول عليه الصلاة والسلام ترك حَدَّهم لهذا ولغيره، قد يكون مثلًا ترك حد عبد الله بن أُبَيّ لأنه رأس المنافقين، وكان زعيمًا في قومه، فيخشى أن يكون في ذلك فتنة كبيرة، وحد القذف -على القول بأنه للآدمي- يجوز إسقاطه إذا أسقطه من هو له.
لكن الذي يظهر -والله أعلم- أن السبب في ذلك أن المنافقين كعادتهم، المنافق (...)، ولا يستطيع أن يصرِّح، وعادته الخداع في كل شيء، فتجدهم لا يصرِّحون، ولكن يحومون حول الشيء حتى يملؤوا قلوب الناس منه، ولهذا الصحابة الذين هم صُرَحَاء صَرَّحوا بما ظنوه، وإن كان ظنًّا باطلًا، لكن على كل حال هم ظَنُّوا هذا فصرَّحوا به، فحَدَّهم النبي ﷺ حد القذف.
النور 24:12
ثم قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾، ﴿لَوْلَا﴾ يقول المؤلف: (هَلَّا ﴿إِذْ﴾ حين ﴿سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ظن بعضهم ببعض ﴿خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ كذبٌ بَيِّنٌ، فيه التفات).
﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ يقول الشارح: (﴿لَوْلَا﴾ بمعنى هلَّا). فهي أداة تحضيض، وفيها شيء من التوبيخ، حيث ظنوا أمرًا لا ينبغي أن يكون، يعني هَلَّا إذ سمعتموه، أي سمعتم هذا الخبر الذي فَشَا ولا أصل له.
﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾، أولًا: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ يقول المؤلف: (فيه التفات من الخطاب)، يعني إلى الظاهر، لولا إذ سمعتموه، ويش مقتضى السياق أن يقال؟ ظننتم بأنفسكم خيرًا، لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيرًا، لكنه قال: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾، فالتفت منين؟ من الخطاب إلى الظاهر، يعني من ضمير الخطاب إلى الاسم الظاهر، وقد مر علينا سابقًا أن للالتفات فائدتين على الأقل، ما هما؟
* طالب: تنبيه السائل.
* الشيخ: التنبيه، هذه واحدة.
* طالب: التحدي.
* الشيخ: لا، ما هو بدائم التحدي الفائدة الثانية يُعَيِّنها السياق، فالالتفات على كل حال فيه الفائدة المتيَقَّنَة المعيَّنة هي التنبيه، ليش؟ لأن مجرى الخطاب إذا اختلف، أيش يقتضي؟ يقتضي أن ينتبه الإنسان، ولهذا كان بعض الخطباء يغير الأسلوب، لا من خبر إلى إنشاء، أو من إنشاء إلى خبر، أو من استفهام إلى إثبات، وما أشبه ذلك، حتى في الصوت والإلقاء تجده يغير لأجل أن ينتبه؛ لأن الناس إذا خوطبوا على وتيرة واحدة في الخطاب يمكن يتوهون، لكن إذا تغير الأسلوب أو كيفية الأداء يحصل بذلك الانتباه، إذن فائدة الالتفات ما هي؟ التنبيه هذه فائدة معينة في كل التفات والفائدة الثانية؟
* طالب: يعينها السياق.
* الشيخ: الفائدة الثانية نقول: يعيِّنها السياق، ما نقدر نحدِّد أو نعيِّن هنا الآن، يعيِّنها السياق، إذن نشوف الفائدة الثانية هنا ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾، ولم يقل: ظننتم، إشارة إلى أن ظنهم هذا يُخْرِجهم من الإيمان؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين ما ظنوا إلا الخير، ولم يقل: ظننتم خيرًا؛ لأنهم في ظنهم هذا الظن خرجوا من الإيمان، لكن ليس خروجًا مطلقًا إلا بعد نزول الآيات.
الفائدة الثانية بعد فائدة التنبيه، الإشارة إلى أنهم في ظنهم هذا ليسوا بمؤمنين؛ لأن المؤمنين لا يظنون إلا الخير، الفائدة الثانية أنه كان ينبغي عليهم أن يظنوا هذا الظن لأنهم مؤمنون، هم يقولون إنهم مؤمنون، وهم مؤمنون حقًّا، فكان ينبغي عليهم ويش أن يظنوا؟ أن يظنوا خيرًا، فعندنا الآن هم ظنوا ما ظنوا، فكانوا بذلك غير مؤمنين؛ إذ المؤمنون لا يظنون إلا خيرًا.
ثانيًا: كان ينبغي عليهم لإيمانهم أيش؟ أن يظنوا خيرًا.
وقوله تعالى: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾؛ لأن الواقع أن القضية بين ذكر وأنثى، كذا صفوان بن المعطل وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، فهي من الجنسين، ولذلك قال: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾، نص على الجنسين؛ لأن القضية أو التهمة في الجنسين جميعًا؛ في صفوان، وهو من المؤمنين، وفي عائشة، وهي من المؤمنات، ولهذا قال: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الذين هم بمنزلة صفوان، ﴿وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ اللاتي هن بمنزلة من؟ عائشة.
وقوله: ﴿بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ هل معناه أني أنا أظن بنفسي خيرًا، وأن اتهام عائشة يكون الإنسان ظن بنفسه شرًّا، أو أن المراد بالأنفس هنا الجنس؛ لأن المؤمنين كنفس واحدة، والمعنى: ظنوا بأنفسهم، أي: ظنوا بصفوان وعائشة، بل وبالنبي عليه الصلاة والسلام خيرًا، فهل هذا المراد أو المراد الأول؟ أنتم فاهمون السؤال الآن؟ ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ هل المراد ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أنفسهم هم، يعني بأعينهم، أو المراد ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾: بعائشة وصفوان والنبي ﷺ، وجعلهم الله أنفسًا؛ لأن المؤمنين كلهم كنفس واحدة، كما في قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة ١٢٨] أي المعنيين يراد؟
* طالب: الأخير.
* الشيخ: إي، الأخير واضح، إن المراد ظنُّوا أي بعضهم ببعض، كما قال المؤلف، يعني ظنوا بأنفسهم، أي: بهؤلاء المتهَمين كذبًا وزورًا خيرًا؛ لأنهم من أنفسهم، يعرفونهم ويعرفون أحوالهم، وهم إخوانهم في الإيمان، أو إن المعنى الذي أشرنا إليه: بأنفسهم هم، يعني: يظنون خيرًا بأنفسهم، وكأنهم لو اتُّهِمُوا بهذا الأمر وهم يعرفون أنفسهم، ويش يظنون بأنفسهم؟ خيرًا وبراءة، يعني: كما أنكم لا تتَّهِمون أنفسكم لو قيل فيكم ذلك، فالواجب كذلك أن تظنوا بعائشة وصفوان رضي الله عنهما، ففسرنا المراد بالأنفس يُراد بها نفس الظَّانّ.
وكيف يعني يَتَنَزَّل المعنى؟ المعنى: يظنون بأنفسهم خيرًا، أي: بأن هذا الأمر لو كان أمرًا متهَمين به لكانوا يعرفون أنفسهم، ولا يمكن أن يصدِّقوا بهذا الأمر؛ لأنهم يعرفون أنهم نزيهون منه وبريئون منه.
على كل حال المعنيان محتملان، وكلاهما له وجه صحيح؛ فعائشة وصفوان من أنفس المؤمنين؛ لأن المؤمن مع أخيه كنفس واحدة، والذي يظن بأم المؤمنين وصفوان خلاف ما ينبغي كأنما ظن في نفسه، يعني: فكما أنك تعرف في نفسك، ولا تظن فيها مثل هذا الظن، فكذلك يجب أن تعرف أم المؤمنين وصفوان، فلا تظن فيهما إلا ما تظن في نفسك، فكما أنك لا تظن في نفسك إلا خيرًا، كذلك لا تظن في أم المؤمنين وصفوان إلا خيرًا.
﴿بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾، قوله: ﴿وَقَالُوا﴾ معطوفة على ﴿ظَنَّ﴾؛ ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَقَالُوا﴾، وفي هذا أنه يجب على المؤمن إبطال الباطل بقلبه، ويش بعد؟ وبلسانه، ما يكفي أنك تعتقد أن هذا ما هو بصحيح، بل يجب أن تبيِّن بطلان هذا الشيء؛ لأن من يعتقد أن هذا الأمر غير صحيح ويسكت، ويش موقفه؟ موقفه سلبي في الواقع، غاية ما هنالك أنه برَّأ نفسه، لكن الواجب أن يُبْطِل الباطل.
ولهذا قال: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾، أيش بعد؟ ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ لازم مِن ظنٍّ وقَوْل، ما يكفي أنك تعتقد أن ما قيل في عائشة وصفوان أنه إفك؛ بل يجب أن تقول، لماذا؟ لأجل أن نقابل هذا الباطل بالإبطال، وأما أن نسكت ونقول: والله احنا نبرأ إلى الله، ونقول: هذا ما هو صحيح أبدًا، ما يكفي هذا، لا بد أن نظن الخير، ويش بعد؟ ونُبْطِل، أيش نُبْطِل؟ الباطل.
﴿وَقَالُوا هَذَا﴾، ﴿وَقَالُوا﴾ معطوفة على ﴿ظَنَّ﴾، فهي داخلة في التحضيض، أي أن الله تعالى يقول: الواجب أن يظنوا الخير، أيش بعد؟ وأن يُبْطِلُوا (...).أبلغ في التوبيخ، فإنك إذا تحدثت لصاحبك بصيغة الغائب صار ألطف وأهون، وإذا أتيت بعد ذلك بصيغة الخطاب صار أبلغ، سواءٌ كان ذلك مدحًا أم ثناءً، فمن الثناء ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٢ - ٤]، ثم قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥]، فأثنى على الله، المصلي أثنى على الله في الأول بصيغة الغائب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، ثم بصيغة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ المخاطب، كأنه بعد الثناء صار حاضرًا بين يدي ربه، فقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.
إذن الالتفات هنا من الغيبة إلى الخطاب فائدته التنبيه وقوة التوبيخ؛ لأن الخطاب أبلغ، انظر إلى قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس ١ - ٣]، في الأول ﴿عَبَسَ﴾ للغائب، ثم قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾؛ لأنه -النبي عليه الصلاة والسلام- كأن الله سبحانه وتعالى لم يشأ أن يخاطبه بهذا اللفظ: عبست وتوليت، بل ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾، حتى تَبَيَّن، ثم قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ هذه مثلها.
المهم أنه إذا انْتُقِل من صيغة الغَيْبَة إلى صيغة الخطاب فله فائدة التنبيه، وزيادة فائدة أخرى تُسْتَفَاد من السياق.
﴿
النور 24:15
﴾﴿﴾﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ ، يعني أنه يرويه بعضكم عن بعض، تلقَّى الشيء بمعنى: استقبله وأخذه، فهم يتلقونه بألسنتهم، ويقولون بأفواههم ما ليس لهم به علم، الفرق بين ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ و﴿تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾؛ التلقي أخْذُه من الغيب، تلقَّاه، مثل تلقِّي الجلَب، يعني استقبالهم، فالتلقي لاستقبال الكلام.
﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ ذلك؛ لإلقاء الكلام إلى الغير، وفيه إشارة إلى أن هذا القول لا يصل إلى القلب، وإنما هو مجرد كلام باللسان، وذلك لتشكك كثير من الصحابة في هذا الخبر، وسبق أن جمهورهم وفضلاءهم أنكروه من أول الأمر.
﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾، وفي هذا من التوبيخ ما فيه؛ أن يقول الإنسان بفمه، بأفواه جمع (فاه)، وهو الفم، تقول بفمك ما ليس لك به علم.
إذا قال قائل: أليس القول بالفم؟ لماذا قال: تقولون بأفواهكم، مع أن القول لا يكون إلا بالفم؟
* طالب: للفائدة التي ذكرت، يعني: لمجرد كلام وليس..
* الشيخ: أي: وليس مستقرًّا في نفوسهم، إي نعم، هذا هو؛ لأنه مجرد كلام باللسان وبالفم، ولكنه لم يستقر في القلب؛ لأنه ليس عن علم.
وقد يقال: إن هذا من باب التأكيد، كما في قوله: مشى برجله إلى فلان، تحقيقًا للمشي، يعني أنه قول محقَّق تقولونه قولًا صريحًا، وليس ذلك ظنًّا في النفس، فإن القول يُطْلَق على الظن، ومثله أيضًا: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام ٣٨]، فإن الطائر يطير بجناحيه، معلوم أن الطائر ما يطير إلا بجناحيه، ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾.
فعلى كل حال نقول: إن قوله: ﴿بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ إما أن يراد به تحقيق القول، وأنه ليس مجرد ظن أو تخيل، بل يقولونه صراحةً بأفواههم، وإما أن يقال: إن هذا القول على مجرد الفم فقط، ولا يصل إلى قرارة النفس؛ لأنهم وإن كانوا يقولونه لكن كأنهم مُسْتَبْعِدُونَه مُسْتَرِيبُون في حقيقته.
وقوله: ﴿مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ ما أكثر ما يقع هذا من الناس! يفيد أنه لا بد أن الإنسان لا يقول قولًا إلا وله به علم، ما يكفي أن تقول قولًا لمجرد الظن، ولا لمجرد الوهم أو التخيل، لا تقل -خصوصًا في الأمور الخطيرة- إلا فيما لك به علم، ولهذا قال الله عز وجل في سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ يعني: لا تتبعه، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٦]، فأنت مسؤول عن سمعك وبصرك وقلبك اللي هو محل الظن والاعتقاد.
إذن لا تقل ما ليس لك به علم، لا تتبع ما ليس لك به علم، فلا بد من أن يكون الإنسان على علم، وهذه تربية من الله عز وجل، تفيد أن الإنسان يتثبَّت فيما يقول؛ ليكون قوله معتَبَرًا، وليسلم من إثم القول بلا علم، لا سيما إذا كان القول على الله؛ فإنه لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبًا، أو كان القول في مثل هذه الأمور الخطيرة التي فيها القدح بالنبي ﷺ، وآل بيته، وأصحابه، وبالتالي القدح في الدين؛ لأنه إذا قدح في الرسول الذي جاء به فهو قدح في نفس الدين الذي أتى به هذا الرسول (...) فيه.
قال الله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾: لا إثم فيه، ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ في الإثم، في هذه الجملة من تعظيم هذا الأمر ما فيه، يعني: تحسبون أن القول في هذا الأمر هينًا، وأنها كلمات تقال وتُنْقَل، لكنه عند الله عظيم، ويتعاظم كلما كان الإنسان المقُول فيه أبعد عما قيل فيه.
ولهذا قَذْف المحصَن فيه الحد، وقَذْف غير المحصَن فيه التعزير، يعني لو قذف إنسانًا متهمًا بالزنا وليس عفيفًا عُزِّر فقط، ولو قذف إنسانًا معروفًا بالعفة وجب فيه الحد كاملًا، ولهذا قال: ﴿تَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾.
وقلنا: إنه يتعاظم بحسب إيش؟ حال المقذوف المتكلَم فيه، وكذلك إذا لم يكن الكلام قذفًا يكون أعظم بحسب حال القول، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام ٢١]، فأعظم الكذب الكذب على الله، ثم على رسوله ﷺ، وهكذا يتعاظم الكذب بحسب من نُمِيَ إليه الكلام.
النور 24:16
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ﴾، هو للتعجب، ﴿هَذَا بُهْتَانٌ﴾: كذب، ﴿عَظِيمٌ﴾.
﴿لَوْلَا﴾ بمعنى هَلَّا، وهي للتحضيض الْمُشْرَب بالتوبيخ.
﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ ويش الضمير اللي يعود عليه؟ على الإفك، ﴿قُلْتُمْ﴾ هذه جواب ﴿لَوْلَا﴾.
﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾، ﴿مَا يَكُونُ﴾ يقول المؤلف: (ما ينبغي لنا)، واعلم أن كلمة (ما يكون)، وكلمة (ما ينبغي) تأتي للشيء الممتَنِع، عندما نعبِّر في كتب الفقه: (ولا ينبغي أن يفعل كذا وكذا)، أيش المراد؟ أن ذلك ليس بمستحَب فقط.
لكن عندما تأتي (ما ينبغي) في كلام الله وكلام الرسول ﷺ، إنما يراد بها الممتَنِع غاية الامتناع، الذي لا يصح ولا يليق، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٢]، أيش ما ينبغي يعني؟ يعني: يمتنع غاية الامتناع، ولا يليق ولا يصح.
وكما في قول النبي ﷺ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٥) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، أيش معنى «لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ»؟ أنه ممتنع، لا يليق ولا يصح أن ينام سبحانه وتعالى؛ لكمال حياته.
على كل حال ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ﴾ يعني: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا، ولا يصح منا أن نتكلم بهذا، لماذا؟ (...)
لأنه أيش؟
* طالب: ممتنع.
* الشيخ: لماذا هو ممتنع؟ لأنه لا يمكن أن الله سبحانه وتعالى يجعل هذا الأمر واقعًا من أهل النبي ﷺ، لا يمكن أبدًا، يمتنع حسب ما تقتضي حكمة الله عز وجل أن الله سبحانه وتعالى يجعل هذا الأمر واقعًا من أهل الرسول ﷺ؛ لما في ذلك من الأمر الذي لا يليق بحكمة الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾؛ لخطورة الأمر وعظمه (...).
وقوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ هو للتعجب هنا، هذا ليس بصحيح أنه للتعجب، ولكنه للتنزيه البالغ، يعني: نُنَزِّهك يا ربنا أن يقع هذا من أهل بيت رسولك ﷺ، ﴿سُبْحَانَكَ﴾ يعني: تَنْزيهًا لك عما لا يليق بك، ومنه أن يقع مثل هذا من أهل النبي ﷺ.
فكلمة ﴿سُبْحَانَكَ﴾ في هذا الموضع من أحسن ما يكون، بل هي أحسن ما يكون في الحقيقة، ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ ليش؟ لأن ذلك ينافي تنزيهك، ولهذا قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، أي: سبحانك أن يقع هذا من أهل بيت نبيك ﷺ، وليس للتعجب أنهم يتعجبون مما قيل، لا، بل إنهم يُنَزِّهون الله سبحانه وتعالى عما نُسِب إلى أهله، يعني: تنزيهًا لك يا ربنا أن يقع مثل هذا في بيت رسولك ﷺ، فهذا التنزيه في هذا المقام من أحسن ما يكون، بل هو أحسن ما يكون.
﴿هَذَا بُهْتَانٌ﴾: كذب ﴿عَظِيمٌ﴾، ﴿هَذَا بُهْتَانٌ﴾: كذب؛ لأنه خلاف ما تقتضيه حكمة الله عز وجل، وعظيم، ليش وُصِف بالعِظَم؟ المقام يا جماعة، أيش مقامه؟ في أهل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام، أي بهتان أعظم من بهتان يكون فيه القدح بالنبي عليه الصلاة والسلام وأهل بيته وأصحابه.
﴿عَظِيمٌ﴾ واضح عِظَمه، لو كان هذا قذفًا لفلان، أو لفلان، أو لفلان، صار عظيمًا، لكن ليس كعِظَم هذا، ليس كعِظَم ما نُسِب لأهل الرسول ﷺ، فلذلك وُصِف بالعِظَم؛ لأن محله؟
* طالب: قذف (...).
* الشيخ: نعم، قال الله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾: ينهاكم، ﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، أو إنا أسقطنا جملة من قبل في الشرح، وهي قوله: ﴿تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾، قال: (حُذِف من الفعل إحدى التاءين) أصله: إذ تتلقونه بألسنتكم، ولا يمكن أن نقول: إن (تَلَقَّى) هنا فعل ماضٍ، ما يمكن أن نقول: إنها فعل ماضٍ، ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل ١٤]، ممكن أن يقال فيها: فعل ماضٍ، لكنها فعل مضارع، هي أصلًا (تتلظى)، لكن هنا هل يمكن أن نجعل (تلقى)؛ لأن (تلقى) فعل ماضٍ، لو جاءت مجرَّدة: تلقيت الحديث، ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ يمكن هنا نجعلها فعلًا ماضيًا ولَّا ما يمكن؟
* طالب: لا يمكن.
* الشيخ: لا يمكن، لماذا؟
* طالب: لأن (إذ) لما يُسْتَقْبَل.
* الشيخ: لا؛ لأن (إذ) للتعريف هنا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: لأنه قال بعدها: ﴿وَتَقُولُونَ﴾.
* الشيخ: لا، أصلها الفعل الماضي ما تأتي فيه الواو والنون، تأتي فيه الواو صحيح (تلقوا)، لكن ما تأتي النون؛ لأن النون من الأفعال الخمسة؛ المضارع، وهنا فيها نون ولَّا لا؟ تلقون ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾، فإذن هنا لا يجوز أن تكون فعلًا ماضيًا، فيقينًا أنه حُذِفَ منها إحدى التاءين.
ثم قال المؤلف: (و(إذ) منصوب بـ(مسكم) أو (أفضتم))، وهنا: (لمسكم إذ تلقونه) أو: (أفضتم إذ تلقونه)، ويُستَفَاد من كلام المؤلف أن (إذ) هنا اسم، وقد مر علينا أن كثيرًا من الْمُعْرِبين يجعلون (إذ) التعليلية يجعلونها حرفًا لا اسمًا؛ لأن المعنى: من أجل كذا.
قال الله عز وجل:..
* طالب: (...) ﴿تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾.
* الشيخ: إي نعم، يعني: ما يصل إلى قلوبكم، غاية ما هنالك أنه يصل إلى اللسان وتنطقون به.
* الطالب: الباء؟
* الشيخ: الباء هذه للتعدية، وأصل التلقي يكون بالسمع في الحقيقة، تلقِّي الكلام بالسمع، لكن على أساس أنه بمجرد ما يتلقاه يُفِيض به، يقوله، هذا السبب.
النور 24:17
قال: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ الوعظ يقول المؤلف: (ينهاكم الله أن تعودوا)، والأمر والنهي موعظة؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء ٥٨]، فجعل الأمر موعظة؛ لأن الإنسان يتعظ بها، هكذا هنا.
﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾ أي: يحذِّركم بالموعظة، والتحذير متضمِّن للنهي، وعلى هذا فيجب أن نعرف أن قول المؤلف: (ينهاكم) ليس تفسيرًا لها بمقتضى اللفظ، ولكن بما يدل عليه المعنى، وإلا فالموعظة التحذير بما يُلِين القلب تخويفًا أو ترغيبًا، فمعنى ﴿يَعِظُكُمُ﴾ أي: يُحَذِّركم الله سبحانه وتعالى.
﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ يعني: من أن تعودوا ترجعوا لمثله، ﴿أَبَدًا﴾ يعني: ما دمتم أحياء.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هل هي شرط للموعظة: ليعظكم أو لا، أو جملة مستقلة، والتقدير: إن كنتم مؤمنين فاتعظوا بذلك؟ يقول المؤلف: (إن كنتم مؤمنين) ويش بعد؟ (تتعظون بذلك)، هذه الجملة في الحقيقة إن قلت: إنها شرط في قوله: ﴿يَعِظُكُمُ﴾؛ ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فإنه يجب أن يؤول الموعظة هنا بالموعظة النافعة، لا بمجرد ذكر الموعظة؛ لأن الموعظة لا تنفع إلا بشرط الإيمان.
وأما إذا قلنا: إن الموعظة بيان ما يَتَّعِظ به المرء، فليس الإيمان شرطًا في ذلك، فإن موعظة الله مُلْقَاة لكل أحد، سواء كان مؤمنًا أم غير مؤمن، ولكن لا ينتفع بها إلا المؤمن، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ هذا عام، ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٥٧].
فالحاصل أن نقول: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، إن كانت قيدًا في قوله: ﴿يَعِظُكُمُ﴾، فالمراد بالموعظة الموعظة النافعة؛ فإنها هي التي تنفع المؤمن.
وإن كانت الموعظة إلقاء ما به الوعظ للناس، سواءٌ انتفعوا أو لم ينتفعوا، فإن قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مستقلة، وجوابها محذوف، أي: إن كنتم مؤمنين فاتَّعِظوا بما وعظكم الله به.
وفيه إشارة إلى أنه لا ينتفع بالموعظة إلَّا المؤمنين، على كلا الاحتمالين هي إشارة واضحة على أنه لا ينتفع بموعظة الله إلا المؤمن، أما غير المؤمن فإنه لا ينتفع.
النور 24:18
ثم قال الله تعالى: (﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾، في الأمر والنهي، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يأمر به وينهى عنه، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيه).
﴿يُبَيِّنُ﴾ بمعنى: يُظْهِر، و﴿الْآيَاتِ﴾ بمعنى العلامات الدالة عليه سبحانه وتعالى، وقد مر علينا أن الآيات تنقسم..؟
* طالب: الآيات تنقسم إلى قسمين: الآيات الكونية؛ وهذه (...) كلها، والآيات الشرعية (...) وهي القرآن.
* الشيخ: ما تضمنه وحيه المنزل على رسله، سواء القرآن أو غير القرآن، فالآيات الكونية هي ما خلقه الله في الكون وقدَّره، وهذه ظاهرة للمؤمنين وغيرهم، حتى المؤمنون يعرفون أن هذه آيات ما يستطيع البشر أن يفعل مثلها، وآيات شرعية لا تتبين وتظهر إلا للمؤمنين، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، أيش فيه؟ ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت ٤٤]، فالآيات الشرعية التي تضمنها وحيه المنزَّل على رسله لا يستفيد منها إلا المؤمن، أما الكافر -والعياذ بالله- فإنه يزداد بها رِجْسًا إلى رِجْسه، ويموت على كفر.
الآيات الكونية حتى غير المؤمنين بالله سبحانه وتعالى، يعني غير المنقادين والْمُذْعِنين لشرائعه يؤمنون بأن مثل هذه الأمور لا يمكن لبشر أن يأتي بها على اختلاف مشاربهم.
لهذا نقول: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: يُظْهِرها حتى تتبين، ولا فرق في ذلك بين الآيات الكونية والآيات الشرعية، ولهذا لما خسفت الشمس في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ماذا قال: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٤٤)، ومسلم (٩٠١ / ٣) من حديث عائشة.]]، حتى خسوفهما من آيات الله؛ لأنه لو أن البشر كلهم اجتمعوا على أن يكسفوا الشمس، يستطيعون ولَّا لا؟ ما يستطيعون.
فإذن هو من آيات الله؛ لأن الآية معناها هو ما يدل على ما كانت آية لهم، بمعنى أنها لا يمكن أن يأتي بها أحد سوى من كانت آية لهم.
وقوله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾، قول الشارح أو المفسر: (في الأمر والنهي) كأنه حملها على الآيات الشرعية، والحقيقة أنها شاملة للآيات الشرعية والآيات الكونية.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: ذو علم واسع شامل فيما يتعلق بفعله، وفيما يتعلق بفعل المخلوقين، والله سبحانه وتعالى عليم بما كان، وما سيكون من فعله ومن فعل المخلوقين،
و﴿حَكِيمٌ﴾ سبق لنا أنها مشتقة من أين؟
* طالب: من الحِكْمة والحُكْم.
* الشيخ: من الحِكْمة والحُكْم، صحيح، وسبق لنا أن الحكمة تكون في..؟ هذا هو المطلوب.
* طالب: الحكمة على نوعين..
* الشيخ: لا، موضعها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، موضع الحكمة، الشرع والقَدَر، تكون أولًا في الشرع والقدَر، فكل ما شرعه الله فإنه مطابق للحكمة، وفي القدَر كل ما خلقه الله فهو مطابق للحكمة، فمحلها إذن الشرع والقدَر، أما هي الحكمة نفسها فهي على ثلاثة أشياء في أيش؟
* طلبة: في الإيجاد، والصورة، والغاية.
* الشيخ: في الإيجاد والصورة والغاية، فإيجاد الشيء حكمة، لولا أن الحكمة في وجوده ما وُجِد، وكونه على هذا الشكل المعيَّن أو بهذه الصورة المعيَّنة هو أيضًا حكمة، والغاية منه أيضًا حكمة، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥].
إذا ضربنا اثنين في ثلاثة كم تكون؟ الشرع والقدَر، وكل منها إما في الإيجاد، أو في الصورة، أو في الغاية، تكون الجميع ستة، أما الحُكم فإنه ينقسم أيضًا إلى قسمين: كوني، وشرعي؛ مثال الكوني؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ﴾.
* الشيخ: الكوني، هذا كوني؟ لأن هذا لاحظ أنه ذُكِر بعد أن قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]، أيش يصير هذا؟ شرعي؛ لأن الأمور هذه اللي سبقت كلها تشريعات، هذا مثال للشرعي، مثال الكوني؟
* طالب: ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾.
* الشيخ: إي، قول أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف ٨٠].
إذا كان الحكم كونيًّا أو شرعيًّا كله مطابق للحكمة، فهل يلزم أن نعرف هذه الحكمة، ولَّا ما يلزم؟
* طلبة: لا يلزم.
* الشيخ: لا يلزم، لكن يجب علينا أن نؤمن بأنه ما من شيء أوجده الله أو شرعه إلا وله حكمة، لكننا لقصورنا يخفى علينا كثير من هذه الحكم.
النور 24:19
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ باللسان، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قلنا: إن مثل هذا التركيب كونه يأتي في الجملة على جملتين يفيد ذلك التأكيد، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ لَهُمْ﴾، ما قال: إن للذين يحبون أن تشيع الفاحشة عذابًا، فجعل المسألة جملتين: صغرى وكبرى؛ فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هذه الكبرى، وقوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هذه الصغرى، سُمِّيت صغرى؛ لأنها قائمة مقام الاسم المفرد إذ هي خبر، والأصل في الخبر أن يكون مفردًا، أرجو أن ننتبه؛ لأنه أمس نسيت أنا أن أبحث هذا.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿الَّذِينَ﴾ هذه الأولى، ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ أيش إعرابها؟ اسم (إن)، فهي في محل المبتدأ، ﴿يُحِبُّونَ﴾ صلة الموصول، ﴿أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مفعول ﴿يُحِبُّونَ﴾، ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، و﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ مؤخَّر، والجملة خبر ﴿إِنَّ﴾.
إذن هذه الجملة نقول: تضمنت جملتين: صغرى وكبرى؛ الكبرى المجموع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، هذه جملة كبرى، والصغرى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وسمَّيناها صغرى وإن كانت مكوَّنة من مبتدأ وخبر؛ لأنها خبر، فهي في مقام المفرد؛ لأن الأصل في الخبر أن يكون مفردًا، تقول مثلًا: الطالب فاهم، (فاهم) خبر المبتدأ مفرد، تقول: الطالب له فهم، صارت الآن جملة، والجميع جملتان، كبرى؛ وهي مجموعهما، وصغرى؛ وهي الجملة التي صارت خبرًا، والله أعلم.
(...) يمكن أن ينكرها؛ لأنها آيات كونية واقعة للناس؛ الليل، والنهار، والشمس، والقمر، طيب والشرعية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هل بيَّنها الله تعالى وهي ظاهرة لكل أحد ولَّا لا؟
* طالب: بَيَّن (...).
* الشيخ: بيَّنَها، لكنها ليست ظاهرة لمن أعمى الله بصيرته، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾، وأيش بعده؟ ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت ٤٤]، إذن فبيان الآيات واتضاحها إن كانت كونية فهي واضحة، ولا أحد يشك فيها، وإذا كانت شرعية فهي واضحة في حد ذاتها، لكن من الناس من يعمى عنها، إي نعم.
كما أنه أيضًا ربما يقال: حتى الآيات الكونية ربما يعمى عنها بعض الناس في الحقيقة عند التأمل؛ لأن من الناس من يظن أن هذه الآيات ليست ناتجة، أو ليست من فعل الخالق، وإنما هي طبائع تتفاعل ويتولد بعضها عن بعض، وبدون أن يكون لها مُدَبِّر أو خالق، وعلى هذا فتكون أيضًا الآيات الكونية كالآيات الشرعية، خلافًا لما قرَّرناه سابقًا.
* * *
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾ اسم من الأسماء الموصولة، والمعروف في علم الأصول أن الاسم الموصول يفيد العموم، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾ يكون عامًّا.
وقوله: ﴿يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾، ﴿تَشِيعَ﴾ بمعنى: تنتشر وتظهر، وقول المؤلف: (باللسان) هذا تفسير للشيوع، يعني تشيع بالقول وتظهر، ويتداولها الناس.
ولكن الأظهر أنها أعم من الشيوع باللسان، وأنها تشيع بالفعل بحيث يشاهدهم الناس، وبالقول بحيث يُشَاع عنهم ذلك.
فهؤلاء الذين يحبون أن تشيع الفاحشة، سواء يحبون أن تشيع بالقول -كما أشار إليه المؤلف: باللسان- أو يحبون أن تشيع بالفعل، بمعنى أن يظهر أمرهم ويتبين ويُرَوْن ويُشَاهَدُون.
وقوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، هذه جملة نسميها أيش؟ جملة صغرى؛ لأن ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾ اسم (إن)، وهي في محل المبتدأ، و﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ جملة خبرية خبر (إن)، وهذا يفيد التوكيد أوكد مما لو قيل: إن للذين يحبون أن تشيع الفاحشة عذابًا أليمًا، مثلًا، هذا أبلغ؛ لأنها تكون جملتين كأنهما مكررتان.
وقول المؤلف: (بنسبتها إليهم)، هذا بناءً على أن المراد بالشيوع شيوع اللسان، والأصح أنه أعم، أي: بنسبتها إليهم؛ فيما يقال فيهم، أو برؤيتها منهم فيما فعلوا.
وقول المؤلف: (وهم العُصْبة) هذا ليس بصحيح؛ لأنه أراد أن يفسِّر العام بالخاص؛ لأن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة هو خاصٌّ بالعُصْبة الذين جاؤوا بالإفك، أو عامٌّ في كل أحد؟
* طلبة: عامٌّ في كل أحد.
* الشيخ: عامٌّ في كل أحد إلى يوم القيامة، حتى مثلًا من أراد أو من أحب أن تشيع الفاحشة في المؤمنين في زمنه، فهو داخل في هذه الآية.
وتخصيص الآية بشيء لا دليل عليه، هذا لا يجوز، وقد قال أهل العلم: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن يجب أن نعرف أن صورة السبب قطعية الدخول، يعني: إذا ورد لفظ عام لسبب خاص فإن السبب الذي وردت من أجله قطعي الدخول في هذا العام، وغيره من أفراد العموم ليس قطعيًّا، ولكنه ظاهر فيه.
وبيان ذلك أن دلالة العام على كل فرد من أفراده قطعية ولَّا ظنية؟ دلالة ظنية، يعني ليست قطعًا؛ إذ يجوز أن يكون بعض الأفراد قد خُصِّص بحكم يخالف هذا العموم، ولهذا نقول: دلالة اللفظ العام على عمومه ظنية، فهمتم؟ لماذا نقول: ظنية؟ لاحتمال أن يكون بعض أفراده قد خُصَّ، إلا صورة السبب، يعني الصورة التي هي سبب هذا العموم فهي قطعية الدخول؛ لأنه ما يمكن أن نخرجها عن العموم وهو وارد من أجلها.
فمثلًا لو قال قائل: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة ٢]، إلى آخره، لو قال قائل: إنه لا يدخل فيها أوس بن الصامت الذي ظاهَر من زوجته وهو سبب النزول، ماذا نقول له؟ نقول: هذا غير صحيح، قطعًا هو داخل.
لو قال قائل: إن الرجل الذي رآه النبي ﷺ قد ظُلِّل عليه والناس حوله وهو صائم في السفر، فقال النبي ﷺ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥ / ٩٢) من حديث جابر بن عبد الله، واللفظ للبخاري.]]، لو قال قائل: هذا الرجل لا يدخل في هذا الحديث، نقول: غير صحيح، ولا يمكن؛ لأن الصورة التي هي سبب النزول قطعية الدخول، غيرها ما هو قطعي لكن ظني.
المؤلف رحمه الله الآن فَسَّر هذا العموم بالخاص، يجوز ولَّا ما يجوز؟ لا يجوز، إذا وُجِد لفظ عامٌّ يجب الأخذ بعمومه، وإن كانت دلالته على جميع أفراده -كما سمعتم- ظنية، لكن يجب الأخذ بعمومه، حتى يرد دليل على التخصيص.
فنقول: هذه الآية عامة في العُصْبة وغيرهم.
* * *
(﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾ بالحد).
* طالب: بحد القذف.
* الشيخ: عندي: (بالحد للقذف)، والمعنى واحد.
(﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بالنار لحق الله تعالى).
﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾؛ في الدنيا من العذاب ما ذكره المؤلف، وقد يكون عذاب أشد، لكن الآن المتبادَر لنا أن العذاب الأليم في الدنيا هو العقوبة.
و﴿عَذَابٌ﴾ كما أشرنا إليه سابقًا معناه عقوبة، و﴿أَلِيمٌ﴾ بمعنى مؤلِم، وأما عذاب الآخرة فهو عند الله أيضًا.
وقول المؤلف: (إن الحد للقذف وعذاب الآخرة لحق الله)، هذا يشكل عليه أنه قد ثبت عن رسول الله ﷺ أن: «مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الذُّنُوبِ شَيْئًا وَعُوقِبَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا كَانَ كَفَّارَةً لَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩ / ٤١) من حديث عبادة بن الصامت.]]، ولهذا قالوا: إن الحدود كفارة لأصحابها، الحدود -كحد الزنا، وحد السرقة، وغيرها- كفارة لأصحابها؛ إذ إن الله تعالى لا يجمع عليه عقوبتين، فعلى هذا نقول: إن الآية هذه فيمن يحب أن تشيع الفاحشة لا فيمن أشاعها؛ لأنه إذا كان هذه فيمن يحب من أن تشيع الفاحشة، ولكن هو ما أشاعها، هل عليه حد في الدنيا؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: ما عليه حد، مجرد محبة الإنسان لشيوع الفاحشة في المؤمنين ليس بقذف، فلا يُقَام عليه الحد، لكن يعذَّب أو يعاقَب بما يسميه أهل العلم التعزير، تأديب يردعه وأمثاله عن هذا العمل.
وأما عذاب الآخرة فيقال: إن هذا ما دام الأمر ليس بحد فقد لا يُعَزَّر، وحينئذٍ يكون العذاب عليه في الآخرة، وأما من أُقِيم عليه الحد لمعصية من المعاصي فإنه يكون كفارة له، كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ.
إذا كان هذا الوعيد فيمن يحبون أن تشيع الفاحشة في المؤمنين، فكيف يكون حال من أشاع الفاحشة، أيهم أعظم؟
* طالب: الذي يُشِيعها.
* الشيخ: الذي يُشِيع أشد من الذي يحب أن تشيع؛ لأن الذي يُشِيع يحب ويفعل، أحب وفعل؛ إذ ما أشاع الشيء إلا لمحبته لشيوعه، فيكون قد أحب وفعل، والذي أحب قد لا يفعل، ومع ذلك له عذاب أليم، واضح أظن؟
* * *
ثم قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، (﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ انتفاءها عنهم، ﴿وَأَنْتُمْ﴾ أيها العُصْبة ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ وجودها فيهم).
* طالب: وأنتم أيها العُصْبة بما قلتم من الإثم لا تعلمونه.
* الشيخ: ما هي بعندي، بما قلت ماذا؟
* طالب: (...).
يجب على الإمام أن يقيمها، والتعزير بعض العلماء يقول: لا يجوز ليس كوجوب الحد، الحدود فرائض، لا بد من إقامتها، والتعزير منهم من يرى أنه يرجع إلى اجتهاد الإمام، إذا رأى أنه لا يُقام ما يقيمه، فإذا فرضنا أن الإمام اجتهد، سواء أخطأ في اجتهاده أو أصاب، ولم يقم الحد عليه، فهذا معناه أنه يعاقب في الآخرة ولا بد.
* طالب: نقول: إن الحديث عام والآية خاصة.
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، الحديث عام على عمومه، والآية كذلك، الآية ظاهرها أنه يجمع له بين الأمرين.
* الطالب: والحديث.
* الشيخ: والحديث يدل على أنه ما يسن له الأمران، نعم، التوفيق هو هذا، أن نقول: إنه إذا فاته عذاب الدنيا أصيب بعذاب الآخرة.
* الطالب: فإذا عُزّر بمحبته الفحشاء؟
* الشيخ: إذا عزّر بمحبته للفحشاء فلا يعذب في الآخرة؛ لأن الله لا يجمع بين عقوبتين على العبد في ذنب واحد، لكن إذا فاته التعزير إما لكونه اجتهد الحاكم أو لكونه أخفى نفسه أو ما أشبه ذلك يبقى عذاب الآخرة.
* الطالب: كيف نعرف حبهم للفحشاء (...)؟
* الشيخ: نعرفه بإظهارهم، كونه يقول: عسى الله يبين فلانًا؛ لأنه إن أشاعها هو بنفسه صار مشيعًا، وإن كان ما أشاعها، لكن يحب، نعرف أنه يحب هذا، يتتبع ويقول: ساروا الناس في هذا، وأيش عملوا؟ عرفنا أنه (...) فيها فاحشة.
* * *
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور ١٩] يقول المؤلف: (يعلم انتفاءها عنهم)، سواء هذا أو قصة أخرى؛ لأن الصحيح على العموم يعني انتفاء الفاحشة الذي أحب هؤلاء أن تشيع في المؤمنين يعلم سبحانه وتعالى أنها ليست فيهم أو أنها فيهم.
﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ هذا النفي هل هو على إطلاقه، يعني لا تعلمون شيئا، أو: لا تعلمون ما يعلمه الله؟
الأخير، يعني لا تعلمون ما يعلمه الله، وإلا فعند الإنسان علم، الإنسان عنده علم ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل ٧٨]، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩]، لكن لا تعلمون ما عند الله من العلم، ولا تعلمون كعلم الله؛ لأن علم الله واسع شامل تام، وعلم الإنسان قاصر ناقص، يعني محدودًا وناقصًا، بخلاف علم الله سبحانه وتعالى، وفي هذا إشارة إلى أنه لا يجوز للإنسان أن يتكلم بمثل هذه الأمور حتى يكون لديه علم، وإذا كان لديه علم أيضًا فإنه يجب أن يتبع المصالح في ذلك، لو فرضنا أني أدري أن هذا الرجل أصاب فاحشة، فهل من المستحسن أن أرفعها إلى الإمام لتبين وتبرز؟ أو من المستحسن ألا أرفعها؟
الجواب: هذا يتعلق بالمصلحة، إذا كان هذا الذي وقعت منه الفاحشة رجلًا معروفًا بالعفة وبالصلاح، وأن الأمر بدر منه هكذا هفوة، فإنه لا ينبغي أن يُرفع إلى الإمام ويشهر، بل يُسر عليه ويُنصح، وإذا كان الرجل معروفًا بالشر والفساد كان من الواجب أن يبيَّن أمره ويُظهر ويُشهر.
ومثل ذلك أيضًا مسألة العفو؛ العفو عن الجناة هل هو أولى من الأخذ بالحق أو الأخذ بالحق أولى من العفو؟ نعم، ينبني على هذا التفصيل، إذا كان في العفو صلاح فالعفو أفضل، وإلا فالأخذ بالحق أفضل، وكل الآيات التي تندب إلى العفو هي مقيدة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾، نعم، قيد الله تعالى العفو بالإصلاح، وأيضًا من الناحية المعنوية أن يقال: العفو إحسان، والإصلاح واجب ولَّا لا؟ الإصلاح واجب، وطلب الصلاح واجب، والعفو إحسان، وإذا تعارض الواجب والإحسان أيهما يقدَّم؟
الواجب، فعلى هذا إذا تعارض إصلاح الخلق أو العفو عن هذا المجرم، نقول: إن الإصلاح أولى، هذا المجرم لو عفوت عنه ذهب يفعل إجرامًا بغيره، وإذا عفا ذهب يفعل إجرامًا آخر، وهكذا، فنقول: لا ينبغي العفو هنا إن لم نقل بتحريمه، وعلى هذا يتنزل فعل بعض الناس الآن، بعض الناس الآن إنسان مثلًا صدمه ولّا دعس له مال ولّا دعس له نفس، تجده على طول يبادر بالعفو، وهذا خطأ عظيم، هذا يجب أن الناس يبيَّن لهم أن الواجب النظر، إن هذا الرجل الذي تهور مثلًا ودعس هذا الآدمي أو هذه البهيمة أو هذا المال وأفسده هل هو إنسان متهور شرير؟ فإنه لا ينبغي العفو عنه، وهل أيضًا المصلحة أن نعفو عنه، أو ربما إذا عفونا أصبح الناس لا يبالون بهذا الشيء، يعني لو أن كل من جرى منه مثل هذا الأمر عُزّر، حُبس، وغُرِّم المال؛ ما كان الناس على هذا الوجه الذي ترون الآن، لكن مع الأسف إن بعض الإخوان تجده تأخذه العاطفة، ويأخذه الزهد في الدنيا أمام الصدمة العظيمة التي أصابته، ثم على طول يزهد، عندما يصاب مثلًا بمصيبة فادحة هذه ترخص الدنيا كلها عنده، نعم، يقول مثلًا: إذا راح عزيز هذا الذي عليّ عزيز ما يهمنا، الدنيا كلها صارت عندي ما (...) بشيء ثم على طول (...)، هذا خطأ، والواجب التعقل.
ولهذا الحقيقة أن الأخذ بالعاطفة دون عقل من شيم النساء، وليس من شيم الرجال، ولا من شيم أيضًا أهل الإصلاح، فإن الواجب في هذه الأمور أن ينظر ما هو الأصلح بالنسبة لهذا الشخص الخاص وبالنسبة للعموم.
النور 24:20
ثم قال تعالى: (﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أيها العصبة ﴿وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٠] بكم لعاجلكم بالعقوبة) قرر الله سبحانه وتعالى هنا ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ إلى آخره؛ لأن المقام كله مقام عظيم، ففي الأول الآية التي قبل الإفك (...) في القذف، وهو أمر عظيم وتدنيس لأعراض المسلمين، فلولا فضل الله على المسلمين ورحمته بإقامة الحدود التي تردعهم وتمنعهم لحصل ما حصل، وكذلك ذكر ﴿لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ في قصة الإفك، كم مرت علينا من مرة؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: ثلاث؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: هذه الثالثة؟ طيب.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿رَءُوفٌ﴾ الرأفة: هي الرحمة المتضمِّنة للرقة البالغة، يعني أنها أخص من الرحمة المطلقة، رحمة وزيادة، ولهذا قال: ﴿رَحِيمٌ﴾، فجمع بين الأخص من حيث المعنى والأعم، الرحمة أعم من الرأفة، كل رأفة فهي رحمة ولا عكس؛ لأنها -أي الرأفة- رحمة من نوع خاص، تقتضي زيادة في الرحمة وعناية به، والرحيم سبق أنه من أسماء الله سبحانه وتعالى.
وقد قسم العلماء الرحمة إلى قسمين: عامة وخاصة، فالعامة: هي الشاملة لكل أحد من مؤمن وكافر وبر وفاجر وإنسان وبهيم، (...) ولهذا لو قال لك قائل: هل الكافر مرحوم ولَّا لا؟ نقول: بالمعنى العام مرحوم، لولا رحمة الله ما أكل ولا شرب ولا اكتسى ولا تزوج ولا ولد له إلى آخره، نعم، وأما الرحمة الخاصة فهي الخاصة بالمؤمنين التي تتضمن سعادة الدنيا والآخرة، وأما العامة: فهي سعادة في الدنيا فقط، وأما الخاصة سعادة في الدنيا والآخرة، هذه خاصة بمن؟ بالمؤمنين.
النور 24:21
ثم قال الله تعالى : (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور: ٢١] أي طرق تزيينه) ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ الخطوات: جمع خُطوة، وهي عبارة عما بين المسافة التي بين القدمين في المشي، هذه الخطوة، والمراد بخطوات الشيطان طرقه، فعبر بالخطوة عن الطريق؛ لأن الطريق أثر الخطى، وقول المؤلف: (طرق تزيينه) نعم هو هكذا، الشيطان جميع طرقه مكروهة للنفوس، لكنه يزينها للإنسان حتى يدخل فيها، طرق الشيطان من حيث المعنى العام هي التكذيب والاستكبار، هذه الطرق العامة للشيطان، فالشيطان مكذِّب ومستكبِر، مستكبر مثلًا من أدلة استكباره أنه أبى أن يسجد لآدم، نعم، وتكذيبه أنه ادعى أنه خير من آدم، فإن هذا يقتضي أنه كذّب بكون آدم خيرًا منه، فهذه الطريق طريق الشيطان على سبيل العموم؛ التكذيب والاستكبار.
طيب التكذيب يقابل أيش؟ يقابل الأخبار، والاستكبار يقابل التكليف؛ الأوامر والنواهي. وإذا تأملت جميع المعاصي وجدتها لا تخرج عن هذين الأمرين؛ إما تكذيب وإما استكبار، فهو -أي الشيطان- طريقه مبني على هذين الأمرين: التكذيب والاستكبار، التكذيب فيما يتعلق بالأخبار، والاستكبار فيما يتعلق بالتكليف من الأوامر والنواهي.
طيب عندما نأتي للتفصيل مثلًا البخل من خطوات الشيطان ولَّا لا؟ نعم؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: إي نعم؛ لأنه يأمر به.
﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨] قال كثير من أهل العلم: إن المراد بالفحشاء هنا البخل؛ لأن الآية في سياق الإنفاق، وإن كان الأصلح (...)، طيب الأكل بالشمال والشرب بالشمال؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: من خطواته أيضًا؛ لأن النبي ﷺ أخبر «بأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله»[[أخرجه مسلم (٢٠٢٠ / ١٠٥) من حديث ابن عمر رضي الله عنه.]]، وعلى هذا فالأكل بالشمال والشرب بالشمال يكون حرامًا؛ لأن الله نهى عن اتباع خطوات الشيطان، «والنبي عليه الصلاة والسلام نهى أيضًا أن يأكل الإنسان بشماله ويشرب بشماله»[[أخرجه مسلم (٢٠٩٩ / ٧٠) من حديث جابر رضي الله عنه.]]، ومن ثم نأخذ خطر تهاون الناس اليوم بهذه المسألة؛ لأن كثيرًا من الناس -نسأل الله لهم الهداية الآن- يأكلون بالشمال ويشربون بالشمال، ويزعمون أن هذا تقدم ومدنية، والسبب هو الشعور بالنقص؛ لأن الإنسان مع الأسف متى شعر بنقصه فإنه لا بد أن يقلد من يرى أنه أكمل منه، فهؤلاء المخبولون ظنوا أن غيرهم من هذه الأمم الكافرة أرقى منهم وأشد تقدمًا، وصحيح أنهم أرقى منا في الصناعة وفي أمور الدنيا أرقى منا، لكن في الأخلاق والآداب التي أرشدنا إليها الإسلام ليسوا أرقى منا، إلا أنه بالنظر لحال المسلمين اليوم لا شك أن عندهم هم من الآداب الإسلامية التي يطبقونها لا عن قصد، ولكن لمجرد أنها أخلاق فاضلة، لا تعبدًا لله، خير منه، ومع الأسف أن المسلم الذي أمر بتطبيق هذه الآداب والأخلاق هو الذي تقاعص عنها، مع أن المسلم إذا طبقها يكون متصفًا بهذه الأخلاق الفاضلة، وهذه لا شك أنها نبل وشرف، وزيادة على ذلك يكون مأجورًا لأنه يفعلها امتثالًا لأمر الله ورسوله، أولئك إذا فعلوها يؤجرون ولَّا لا؟ ما يؤجرون، إنما يفعلونها لأنها أخلاق فاضلة، فهم مثلًا عندهم صدق في المعاملة وعندهم بيان وعدم غش وعندهم وفاء بالوعد، كل هذه من الصفات التي أمر الإسلام بها، كثير من المسلمين الآن متخلٍّ عن هذه الصفات، لكن إذا اتصف بها المسلم يكون محمودًا عليها ويكون مأجورًا عليها أيضًا؛ لأنه يفعلها امتثالًا.
أقول: إن خطوات الشيطان إذن طرقه التي يسير عليها والتي هي منهج سلوكه، وذلك دائر على أمرين؛ هما: التكذيب والاستكبار، وقد تكون خطوات الشيطان مبينة مخصوصة كما قلنا في مسألة الأكل بالشمال والشرب بالشمال.
قال الله تعالى: (﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ﴾ أي المتبع ﴿يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي القبيح ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ شرعًا باتباعهما).
﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ (من) أيش نعربها؟ شرطية، (من) اسم شرط، و(من) الشرطية تحتاج إلى شرط وجزاء، يعني إلى فعل شرط وجواب شرط، أين فعل الشرط؟ ﴿يَتَّبِعْ﴾، وجواب الشرط ﴿فَإِنَّهُ﴾ الجملة ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، طيب عندنا الآن ﴿مَنْ يَتَّبِعْ﴾ وعندنا الشيطان ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: ﴿فَإِنَّهُ﴾ الضمير يعود على أيهما؟ إن نظرنا إلى أصل الجملة والموضوع قلنا: إنه يعود إلى ﴿مَنْ﴾، يعنى التحدث الآن يعني جواب الشرط يعود على ما يعود عليه فعل الشرط، جواب الشرط يعود على ما يعود إليه فعل الشرط، وإذا نظرنا إلى السياق وإلى أقرب مذكور قلنا: إنه يعود إلى الشيطان، يصبح المعنى: ومن يتبع خطوات الشيطان وقع في الفحشاء والمنكر، ليصير جملة ﴿فَإِنَّهُ...﴾ تكون دالة على جواب الشرط وليست هي جواب الشرط.
أما على ما سلك المؤلف فإنه يأمر، تكون هي جواب الشرط، هي بعينها جواب الشرط، واضح أظن أو ما هو بواضح؟ إذا قلنا: الضمير عائد على ﴿مَنْ يَتَّبِعْ﴾ فإنه -أيْ مَن يَتَّبِع، أيِ المتَّبِع- كما قال المفسِّر، فالجملة هي جواب الشرط.
ويرجِّح هذا التقدير أن الأصل أن المذكور جواب الشرط، وأن الضمير في جوابه يعود على ما يعود إليه فعل الشرط، هذا الأصل، وأما على الرأي الثاني يقول: ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، يقول: فإن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، ويكون هذا دالًّا على الجواب، ويؤيد هذا -يعنى هذا الرأي- أن السياق في النهي عن اتباع أيش؟ خطوات الشيطان، فكأنه يقول: من يتبع خطوات الشيطان وقع في الفحشاء والمنكر؛ لأن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، وهذا أظهر من وجهين؛ لأن السياق يدل عليه، هذا وجه، ولأن المتبع لخطوات الشيطان قد لا يأمر بالفحشاء والمنكر، قد يفعل الفحشاء والمنكر ولكن لا يأمر بها، فليس بلازم من اتبع خطوات الشيطان أن يأمر بالفحشاء والمنكر، نعم، من اتبع اتباعًا مطلقًا، يعني الاتباع المطلق، لزم أن يأمر بالفحشاء والمنكر؛ لأن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر.
فعلى كل حال الأرجح أن الضمير في قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ﴾، نعم، الأرجح أنه عائد إلى الشيطان، لا إلى المتبع، يرجحه أمران: أولًا: دلالة السياق عليه؛ لأن الله نهى عن اتباع خطوات الشيطان، ثم ذكر ما يؤيد هذا النهي من التحذير، حيث بين أن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، وهذا كل عاقل إذا علم أن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر هل يسوغ لنفسه أن يتبع خطواته؟ الجواب؟ لا.
الوجه الثاني مما يؤيد ذلك: أن الذي يتبع خطوات الشيطان قد لا يأمر بالفحشاء والمنكر، قد يتبع ذلك بنفسه ولكن لا يأمر به، وكثير من أهل الضلال تجدهم ضالين بأنفسهم، لكن ما عندهم دعوة لما هم عليه، وإن كان نجد أيضًا أن كثيرًا أيضًا من أهل الضلال عندهم دعوة يأمرون بالفحشاء والمنكر، أي بما هم عليه، فالصحيح إذن أن الضمير في قوله ﴿فَإِنَّهُ﴾ يعود على الشيطان، وإذا قلنا بأنه يعود على الشيطان يبقى النظر: أين جواب الشرط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا قلنا: ﴿فَإِنَّهُ﴾ أي الشيطان..
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، محذوف، تدل عليه هذه الجملة، وأيش تقديره؟ ومن يتبع خطوات الشيطان وقع في الفحشاء والمنكر؛ لأن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، فمن اتبعه وقع فيه، والله أعلم. (...) من الآية التي قدر الزمن.
* طالب: أيكون العذاب معنويًّا (...).
* الشيخ: يمكن يكون العذاب معنويًّا بما يحصل له من الحسرة والقلق وما أشبه ذلك، يمكن يكون هذا.
* طالب: النهي (...).
* الشيخ: للتحريم نعم، النهي للتحريم، ولهذا إذا كان للتحريم ما يسوغه ما يفعل بعض الناس الآن: والله أنا آكِل، أخاف أني شربت باليمين، وأنا آكِل، أخاف أني ألوث الإناء.
النور 24:22
وقد يكون الصفح بدون عفو، كما أن الإنسان يعرض عن هذا الاعتداء لكن قلبه مملوء على صاحبه ولم يعف عنه، وقد يكون العفو بدون صفح، بأن يتجاوز ولا يعاقبه على ذنبه، ولكنه ليس معرضًا عن هذا الذنب، كلما جاءت مناسبة ذكره، على هذا أمر الله تعالى بالأمرين جميعًا؛ يعفون ويصفحون، وهذا نظير قوله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن ١٤] ففرق الله تعالى بين العفو والصفح.
قال الله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور ٢٢]، قال أبو بكر رضي الله عنه: «بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، ورَجَع إلى مِسْطَح –أو ورَجَّع إلى مِسْطَح- ما كان ينفقه عليه»[[متفق عليه؛ البخاري (٤١٤١)، ومسلم (٢٧٧٠ / ٥٦) من حديث عائشة رضي الله عنها.]].
قوله ﴿أَلَا تُحِبُّونَ﴾ هذا عرض أو تحضيض؟ هو عرض لكنه بمعنى التحضيض، يعني يحضنا أن نحب هذا الشيء، لكننا ليس المقصود أن نحب هذا الشيء فقط، بل أن نسعى في أسبابه؛ لأن من أحب شيئًا سعى في أسباب الحصول عليه، قد يَدَّعي كل واحد يقول: أنا أحب أن يغفر لي، ومع ذلك هو منهمك في المعاصي. من ترك الواجب وفعل المحرم، وهو يقول: أنا أحب أن يغفر لي، هل محبته هذه صادقة؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: نعم، ليست صادقة؛ لأن من أحب شيئًا سعى في الوصول إليه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، يعني فإذا كنتم تحبون ذلك فاعفوا واصفحوا عن غيركم، فإن من عفا وصفح عن غيره غفر الله له.
ثم قال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، الغفور مأخوذ من المغفرة، وهي ستر الذنب مع التجاوز عنه، وليست مطلق الستر، بل ستر مع التجاوز، أما الستر بدون تجاوز فليس بمغفرة، وإنما قلنا: إنها الستر مع التجاوز؛ لأن التجاوز هو الذي به الوقاية من العذاب، وأصل ذلك من الْمِغْفَر، فإن الْمِغْفَر يستر الرأس، أيش بعد؟ ويقيه، ويدل على ذلك أيضًا -على أن المغفرة هي الستر مع الوقاية- أنه جاء في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام «أَنَّ اللَّهَ يَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، حَتَّى إِذَا أَقَّرَ بِهَا قَالَ اللَّهُ: قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنه.]]، فدل ذلك على أن المغفرة غير الستر، وإلا لكانت المغفرة في الدنيا من قبل، فالمغفرة شيء والستر شيء آخر، لكن كل مغفرة تتضمن الستر، وليس كل ستر يتضمن المغفرة؛ لأن من غفر لك ولم يعاقبك معناه أنه ستر عليك؛ إذ لو عاقبك لفضحك، طيب أبو بكر رضي الله عنه، يقول المؤلف: إنه رجَّع أو رَجَع، نقول رجَع ولا رَجَّع؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكن أنا قصدي هل نشدد الجيم أو نخففها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يصلح التخفيف؟ قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة ٨٣]، (إن رجَعك) بمعنى ردك؛ لأن (رجع) في الحقيقة تستعمل متعديًا ولازمًا، (رجع) فعل ماضٍ يستعمل متعديًا ولازمًا، فإذا قلت: (رجعت من كذا) فهذا لازم، وإذا قلت: (رجَعت إلى فلان ما استعرته منه) صارت الآن متعدية. إذن (رجع إلى مِسْطح ما كان ينفقه عليه) بمعنى (رَدَّ) فتصلح بالتخفيف.
* طالب: إذا قلنا: إن الغفران بغير الستر؟
* الشيخ: لا، ما هو بغير الستر، بمعنى مباين له، يعني ليس مجرد الستر.
* طالب: الحديث يدل على (...).
* الشيخ: نعم؟ وأيش يدل؟
* الطالب: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ»، ألا يدل على (...).
* الشيخ: لا، يدل، نعم يدل على أنه ليس مجرد الستر؛ لأنه لو كان الغفر هو الستر فقط لكان هذا قد حصل في الدنيا، لكنه الستر مع عدم العقوبة، يعني الستر مع التجاوز.
* الطالب: طيب قد يفعل الإنسان الخطيئة الحقيقة، يشرب الخمر، فيغفر له الله لكن ما يستره، يعلمه الناس جميعًا أنه فعل أشياء.
* الشيخ: في هذه الحال إذا فُضح ثم غُفر له صار سترًا؛ لأنه إذا افتضح عند معاصريه وعند من حوله ولم يغفر له معناه أنه افتضح عند جميع الناس، كذا ولَّا لا؟ فإذا افتضح عند قومه ثم غُفِر له فمعناه أنه ستر عن أكثر الناس؛ لأن أكثر الناس غير المعاصرين له، إي نعم.
* طالب: العفو، بمعنى (...)؟
* الشيخ: العفو بمعنى التجاوز، يعني أن الله عفا عنهم، بمعنى تجاوز عنهم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، الله ما يقول: صفحت عنكم، إنما الصفح فيما نحن نؤمَر به، وأما الله فلا أذكر الآن أن الله يقول: صفح عنه، بل يقول عفا عنه، ولا يقول: صفح. فالصفح والعفو إذا اجتمعا في حق المخلوق فإنه يفسر العفو بكذا؛ بعدم المؤاخذة على الذنب، والصفح بالإعراض عنه كليةً وكأنه لم يجرِ، فيكون تكميلًا للعفو.
* الطالب: أن يكون العفو (...).
* الشيخ: لا، هو إذا نظرنا إلى معناه الأصلي في العفو -أنه عدم المؤاخذة على الذنب- ما يلزم أن الله سبحانه وتعالى، ما أدري يمكن يصير العفو في حق الله أنه شامل للأمرين، بمعنى أن الله يتجاوز عنه نهائيًّا، ولا يجعل هناك أمورًا خلفية لهذا العفو، يعني يمكن نقول: إن العفو في حق الله يشمل الصفح، إي نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: الحديث ذكرنا أن هذا في الحدود الشرعية، لكن هذه في غير الحدود الشرعية؛ لأن محبة إشاعة الفاحشة أو شيوع الفاحشة ليس هو القدر الموجب للحد، هذا إنما يوجب التعزير، والتعزير قد يتخلف، نعم، مثل يصير هؤلاء المستحقون للعذاب في الآخرة، وهو التعزير، لكن قد لا يُعزَّرون، يتخلف بسبب من الأسباب، وأما عذابهم في الآخرة فباقٍ، يعني لو تخلف عذاب الدنيا ما تخلف عذاب الآخرة.
على أن بعض الإخوان أمس قال: ربما أن المراد بالعذاب ما هو أعم من الجلد وشبهه، يكون عذابًا أن الله تعالى يجعل في قلبه ألمًا وحزنًا وقلقًا وما أشبه ذلك.
* طالب: لو عُزِّر كان (...) الإمام.
* الشيخ: إلا، لو عزره الإمام فإننا نقول بمقتضى أن الحد يكفِّر: التعزير يكفِّر أيضًا، التعزير يكفِّر إذا كان مستوفيًا؛ لأن حقيقة الأمر أن الإمام بالنسبة للتعزير قد يتركه إطلاقًا مع وجوبه، وقد يفعله مع التهاون به، وقد يفعله على وجه الكمال، بمعنى أنه يعاقب هذا المعتدي عقوبة تامة تكون كالحد الشرعي؛ لأن نحن نعلم أن الحد الشرعي أنه عقوبة تامة؛ لأنه من الله، لكن التعزير قد يَنقُص عن مقابلة الذنب أو الجرم، يصير أقل فيكون ناقصًا، وقد يكون مساويًا فيكون تامًّا، وقد لا يؤخَذ به الإنسان إطلاقًا، مثل أن الحاكم إما ظالم وإلا له قرابة مع هذا الشخص فيحابيه.
* طالب: (...).
* الشيخ: قلنا على هذا: للعرض الذي بمعنى التحضيض، يعني أن الله يحضنا على أن نحب مغفرة الله ويلزم من محبة المغفرة السعي في أسباب حصولها.
* طالب: (...) وعدتنا (...).
* الشيخ: إي نعم، الظاهر أنه انتهى، أنا وعدتكم بأن أقول: أحب أنكم تستعرضون الفوائد التي فيها وتكتبونها، نعم، إن شئتم اذكروا الآيات أولًا، ثم اسردوا الفوائد بدون تفسير ما يحتاج التفسير، وإن شئتم اذكروا كل آية وحدها، وقولوا: يستفاد من هذه الآية كذا وكذا، لا بأس، نعم، فنبغي نشوف لعلنا نحصل على فوائد أكثر، الشافعي رحمه الله استنبط من قول النبي ﷺ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٠٣)، ومسلم (٢١٥٠ / ٣٠) من حديث أنس رضي الله عنه.]] ألف فائدة، وهو حديث من كلمتين، وبمعنى القرآن عشر آيات يقتضي منكم تجيبوا لنا عشرة آلاف.
طيب على كل حال، اتقوا الله ما استطعتم، وفضل الله يؤتيه من يشاء، ولهذا لما «قال رجل لعلي بن أبي طالب: هل عهد إليكم النبي ﷺ بشيء؟ قال: ما عهد إلينا بشيء إلا فهمًا يؤتيه الله تعالى في الكتاب، وما في هذه الصحيفة»[[أخرجه البخاري (٦٩٠٣) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.]]. وذكر ما في هذه الصحيفة. الشاهد أن الناس يختلفون في التحصيل العلمي، ليس بحسب كثرة الاطلاع فقط، ولكن بحسب كثرة الاطلاع وبحسب الفهم؛ لأنك تجد بعض العلماء يستعرض له آية ويستنبط منها فوائد كثيرة جدًّا، وهي آية واحدة، من الدلالة الضمنية ودلالة المطابقة ودلالة الالتزام؛ لأن الدلالات كما هو معروف لكم دلالة تضمن ومطابقة والتزام:
فدلالة الكلام على معناه كاملًا تسمى دلالة مطابقة، ودلالته على جزء معناه يسمى دلالة تضمن، ودلالته على أمر يلزم من وقوعه كذا كذا يسمى دلالة بالالتزام، فمثلًا إذا قلت: هذا بيت، هذه الكلمة تدل على كل البيت بغرفه وحجره وسطوحه دلالة أيش؟ مطابقة، وكونها تدل على أن فيه حجرة وفيه غرفة وفيه سطح، ويش فيه دلالة؟ تضمن، وكونها تدل على أن له بانيًا بناه هذه دلالة التزام؛ لأنه من لازم وجوده أن يكون له بانٍ، فهذه الدلالات الثلاث يختلف فيها الناس اختلافًا كثيرًا، وبحسب هذا الاختلاف يتسع علم الإنسان.
ولذلك ينبغي أن الطالب يمرن نفسه على كثرة الاستنباط من النصوص؛ لأنه كم من نص واحد تأخذ منه صفحة من الفوائد والمسائل، ويجي واحد آخر يمكن ما يحصِّل منه ولا سطرين، فلذلك ينبغي لطالب العلم كما أنه يمرن نفسه على كثرة المطالعة وقراءة الكتب ينبغي أيضًا أن يمرن نفسه على الاستنباط، الاستنباط منين؟ من الأدلة، وكم من دليل واحد دل على مئات المسائل بحسب فهم الإنسان، فيستغني بذلك عن نصوص كثيرة، ما يحتاج إلى أن يجهد نفسه في تحصيلها ومطالعتها، إي نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» النغير طائر صغير يلعب به، وكان مع صبي يكنى بهذه الكنية، يلعب به، فلما مات اغتم هذا الصبي، مثل العادة الصبي مسك عصفور يفرح به، فإذا مات عصفوره، نعم، يغتم به، حتى إنه بعض الأحيان يلعب به وهو ميت، فالنبي عليه الصلاة والسلام لما دخل ذات يوم ووجد أن الصبي محزون على فقد هذا النغير قال له: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟».
* * *
﴿أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور ٢٢] وأن هذا نزل في أبي بكر مع مسطح بن أُثاثة ابن خالته، ولكن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
النور 24:23
ثم قال الله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ بالزِّنا ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ العفائف ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ عن الفواحش بألا يقع في قلوبهن فعلها ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بالله ورسوله ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣]).
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الرمي هو القذف بالزنا، وسمي رميًا لأنه يشبه الرمي بالحجارة من حيث إيلامه للمقذوف.
وقوله: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ تقدم أن المراد بهن العفائف عن الزنا، وأن المحصن في القرآن يطلق ويراد به عدة معان، منها هذه: العفيفات عن الزنا، ومنها: ذوات الأزواج، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء ٢٤]، ومنها الحرائر ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي الحرائر ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء ٢٥]، وذكرنا أيضًا على هذا الكلام أن الألفاظ المشتركة التي تطلق على معانٍ متعددة يعين المراد منها السياق، السياق هو المعين للمراد.
﴿الْغَافِلَاتِ﴾ يقول: (عن الفواحش بألا يقع في قلوبهن فعلها) هذا المراد بالغافل، وهذا القيد ليس بشرط، يعني ليس بشرط أن تكون المرمية ممن هي غافلة، هكذا قال بعض أهل العلم، بدليل أن من قذف محصنة بالزنا وجب عليه حد القذف وإن لم تكن غافلة، ولكن الأصل في القيد، أيش الأصل فيه؟ أنه معتبر، وأن مفهومه -مفهوم المخالفة- غير داخل فيه، هذا الأصل، فمن قال: إن هذا القيد لا يعتبر مثلًا إما بناء على الغالب أو ما أشبه ذلك لنا أن نطالبه بأيش؟ بالدليل، نقول: هات دليلًا على أن هذا القيد لبيان الغالب، وأنه ليس بمقصود، وإلا فالأصل أن القيود يراد بها ما يخالف مفرداتها، يعني يراد بها أن ما يخالفها يكون مخالفًا لها في الحكم، ما أدري فاهمين هذا ولَّا لا؟
﴿الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ بعض العلماء يقول: إن (الغافلات) هذه قيد لبيان الواقع وليست مقصودة، بمعنى أن من رمى محصنة فعليه هذه اللعنة وإن لم تكن غافلة، وأيش دليله؟ قال: لأن من قذف محصنة وجب عليه حد القذف وإن لم تكن غافلة، والغافلة فهمتوا المعنى أنها التي لا يرد في ذهنها هذا الأمر الذي رميت به، وهو أبلغ من كونها لم تفعله ولم تتهم به، الغافلة أبلغ ممن لا تتهم به؛ لأنها قد لا تتهم به ولكن قد يرد في قلبها هذا الشيء إلا أنها لا تفعله، فالغافلات أكمل حالًا من مجرد أيش؟ المحصنات.
فيقول هذا القائل الذي ذهب إلى أن (الغافلات) قيد لبيان الواقع، وأنه لا مفهوم له، أؤيد رأيه هذا بأن المحصنة إذا قُذفت وجب على قاذفها الحد وإن لم تكن غافلة، مفهوم هذا ولَّا لا؟
نقول له ردًّا على كلامه وتقريره: ادعاؤك أن الغافلات قيد أغلبي، وإنه لا مفهوم له، واستدلالك على ذلك بأن رمي المحصنة بالقذف يوجب الحد وإن لم تكن غافلة هذا غير مسلم به، لماذا؟ لأن الأصل في القيد الاعتبار، وأنه يخرج ما عداه بمفهوم المخالفة، هذا الأصل، أن القيود التي ترد في القرآن أو في السنة الأصل فيها أنها قيود تخرج محترزاتها من هذا الحكم، فمثلًا عندنا نقول: إن (الغافلات) قيد أغلبي لا يخرج محترزه، هذا خلاف الأصل، وعلى مدعيه أيش عليه؟ الدليل.
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش؟ على مدعيه الدليل، هو استدل على ذلك بأن قذف المحصنة يوجب الحد وإن لم تكن غافلة، هذا صحيح ولّا لا؟ هذا صحيح، المرأة المحصنة التي لا تتهم بالزنا إذا قذفها القاذف وجب عليه الحد وإن لم تكن غافلة؛ لأننا نرد هذا الاستدلال أو هذا التأييد الذي أيد به قوله بأن الحكم مختلف، فهناك حد القذف وهنا اللعنة ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، مثل من قذف محصنة استحق حد القذف، لكن اللعنة إنما تكون على من قذف محصنة غافلة، هذا هو الأصل، ولذلك نؤيد أن الغافلات قيد اعتباري لا أغلبي، وأن الحكم الذي هو اللعن في الدنيا والآخرة لا يكون إلا لمن قذف محصنة غافلة؛ ذلك لأن الأصل على حسب ما سمعتم في هذا التخريج: الأصل أن القيود أيش؟ اعتبارية، تخرج عن الحكم محترزاتها، هذا الأصل، فمن خرج عن هذا الأصل أُلزم بالدليل.
طيب، أما من قال: إن المراد بهذه الآية عائشة رضي الله عنها مثلًا، إن المراد عائشة، وإنها غافلة عن هذا الأمر، فهذا صحيح، عائشة غافلة، لكننا أيضًا نرد قوله بماذا؟ بأن الآية عامة، فهذا أيضًا مثل الأول، حمل العام على الخصوص يحتاج إلى دليل، فمن ادعاه فعليه الدليل، وإلا وجب الأخذ بالعموم.
(﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بالله ورسوله) ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إذا قال قائل: لماذا قدم الله الوصف بالإحصان على الإيمان؛ لأنَّ الإيمان أعظم، وهو الأصل، فلماذا قدمه؟
فنقول: وجه تقديمه هنا واضح؛ لأن الرمي بالزنا ينقض الإحصان وينافيه، فبدأ بالوصف الذي ينقض ما رميت به، وهو الإحصان، ليش؟ لأن المؤمنة قد تكون مؤمنة وليست محصنة، لكن المحصنة اللي هي أبعد شيء عما رميت به ليست هي مؤمنة فقط، بل ومحصنة أيضًا، فعلى هذا نقول: وجه تقديم المحصنة على المؤمنة مع أن الإيمان أكمل وأولى بالاعتبار أن المسألة في رد قول يتعلق بأيش؟ بالإحصان، فناسب أن يذكر ما يتعلق به من الحكم، وهو وصف الإحصان قبل وصف الإيمان.
وقوله: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ الجملة أيش محلها من الإعراب؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش هي؟ ما هي جواب شرط، ما عندنا شرط.
* طالب: خبر.
* الشيخ: خبر (إن): إن الذين يرمون لعنوا.
﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، هنا ما قال: لعنهم الله، قال: ﴿لُعِنُوا﴾؛ لأجل أن يشمل ذلك لعنة الله وغيره سبحانه وتعالى، ﴿لُعِنُوا﴾ مثل قوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة ١٥٩] يعني أن الله يلعنهم وكذلك اللاعنون يلعنونهم.
وبناء الفعل للمجهول من فوائده العموم، (...) من الفوائد، لكن في مثل هذه الآية من العموم، مثل ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٦، ٧]، ما قال: غير من غضبت عليهم، مثلما قال: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ليش؟ لأن النعمة من الله، والغضب من الله ومن غيره، كل من استكبر عن الحق فإنه مغضوب عليه، لا من قبل الله فحسب، ولكن من قبل الله وغيره، هذا أيضًا اللعن هنا من قبل الله وغيره، ولذلك بُنيت للمجهول ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
اللعنة: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، هذا بالنسبة للعنة الله، فهم -والعياذ بالله- مطرودون عن رحمة الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة، وبالنسبة لغير الله يلعنون في الدنيا بحيث يسبون ويوبخ فيهم ويبعد عن الاختلاط بهم، تجد الناس يبتعدون عنهم، ويش السبب؟ لأنهم ممقوتون محذورون، كل يحذر منهم ويخاف أن يتهموه بما اتهموا به فلانًا وفلانًا.
طيب هذه الآية ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ هل المحصنون الغافلون مثلهن؟ نعم، بالإجماع، أن المحصنات، بل أن المحصنين مثل المحصنات في هذه.
إذن ما وجه ذكر هذا بالنساء دون الرجال ما داموا مشتركين في الحكم؟ لأن كثرة القذف في النساء أكثر، لأن القذف في النساء أكثر من الرجال، يعنى كون المرأة تقذف وتتهم بالزنا أكثر من الرجال، لذلك ذُكرت هي والرجل مثلها بالاتفاق.
النور 24:24
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ﴾ إلى آخره [النور: ٢٤] قال: (﴿يَوْمَ﴾ ناصبه الاستقرار الذي تعلق به لهم) ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ﴾ ما جعلها المؤلف متعلقة بـ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ جعلها متعلقة بـ(لَهُمْ)، (...) بجار ومجرور؟ بالاستقرار الذي تعلق به الجار والمجرور؛ لأن ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ نريد الأخ يعربها لنا.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) ﴿عَظِيمٌ﴾، أعرب ﴿لَهُمْ عَذَابٌ﴾؟ مين يعربه؟ نعم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، الجار والمجرور خبر مقدم ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، (لَهُمْ) جار ومجرور خبر مقدم، و﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ، و﴿عَظِيمٌ﴾ صفة، طيب الجار والمجرور إذا صار خبر مبتدأ يقولون: إنه يجوز أن تجعله متعلقًا بفعل، ويجوز أن تجعله متعلقًا باسم فاعل، قال ابن مالك:
وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أَوْ بِحَرْفِ جَرْ ∗∗∗ نَاوِينَ مَعْنَى كَائِـــــــنٍ أَوِاسْتَقَــــــــرْ
فهنا نقول: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ استقر لهم عذاب أليم، نجعل الخبر جملة، أو: كائن لهم، نجعلها اسم فاعل، وأيًّا كان فإن (كائن) يصح أن يتعلق به الظرف، و(استقر) أيضًا يصح أن يتعلق به الظرف، وعلى هذا فنقول: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ﴾، العذاب العظيم يكون لهم متى؟ يكون لهم ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ [النور ٢٤] إلى آخره.
﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، فهمتم؟ لكن هل الجار والمجرور هو الخبر ولَّا متعلق الجار والمجرور هو الخبر؟ الجواب: متعلقه، لكن هم يقولون: الجار والمجرور خبر من باب التسامح والتجوز، الخبر هو المحذوف الذي تعلق به الجار والمجرور، ويش تقديره؟ مستقر أو استقر، مستقر لهم عذاب أليم، أو استقر لهم عذاب عظيم، يشير المؤلف يقول في التفسير: (ناصبه الاستقرار الذي تعلق به ﴿لَهُمْ﴾ )، وين الاستقرار؟ ها اللي قدرناه ها اللي قلنا تقديره: مستقر لهم، أو تقديره: استقر لهم. إذن كلمة ﴿يَوْمَ﴾ ظرف منصوب، أيش اللي ناصبه؟ الاستقرار، نحن بدل ما نقول: الاستقرار نقول: ناصبه المقدَّر الذي تعلق به الجار والمجرور، سواء قدرته (مستقر) أو قدرته (استقر)، فـ﴿يَوْمَ﴾ هذه متعلقة بها، إذن متعلقة بما تعلق به الجار والمجرور في ﴿لَهُمْ﴾، سواء قدرتها (مستقر) أو قدرت (استقر).
الآن انتهينا من تفسير الآية.
وذلك لأن الخبر إذا كان جارًّا ومجرورًا لا بد أن يتعلق بمحذوف؛ إما أن تقدره فعلًا وإما أن تقدره اسم فاعل، فتقول: استقر له أو مستقِر له. وسمعتم البيت الذي أنشدناه لهذه القاعدة في الألفية:
وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أَوْ بِحَرْفِ جَرْ ∗∗∗ نَاوِينَ مَعْنَى كَائِـــنٍ أَوِاسْتَقَــرْ
(كائن) هذا اسم فاعل، (استقر) فعل.
هذا العذاب العظيم متى يكون لهم؟ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾، (﴿تَشْهَدُ﴾ بالفوقانية والتحتانية) ﴿تَشْهَدُ﴾ و﴿يَشْهَدُ﴾ ، (﴿أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] من قول وفعل، وهو يوم القيامة) يعني اليوم الذي تشهد فيه هذه الجوارح هو يوم القيامة.
قوله: (﴿تَشْهَدُ﴾ بالفوقانية والتحتانية) يعني أن فيها قراءتين ﴿تَشْهَدُ﴾ و﴿يَشْهَدُ﴾ ؛ وذلك لأن (ألسنة) جمع، تكسير ولَّا مذكر؟ جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه التذكير والتأنيث، تقول: قال الرجال وقالت الرجال. ﴿تَشْهَدُ﴾ مؤنث ولَّا مذكر؟ مؤنث، و﴿يَشْهَدُ﴾ مذكر، كلاهما جائز.
﴿أَلْسِنَتُهُمْ﴾ جمع لسان و﴿أَيْدِيهِمْ﴾ جمع يد و﴿أَرْجُلُهُمْ﴾ جمع رجل، ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قال المؤلف: (من قول وفعل) استفدنا من كلام المؤلف رحمه الله فائدة عظيمة، وهو أن العمل يشمل القول والفعل، بخلاف الفعل، ولهذا نجعل القول ويش قسيمه؟ تقول: قول، ويش قسيمه هذا اللي يكون مقابلًا له؟ فعل، ما تقول: قول وعمل، إذا أردت أن تحرر تمامًا تقول: قول وفعل، (...) قول وعمل، لكن على سبيل التجوز.
إذن فهمنا أن العمل يطلق على القول وعلى الفعل. بل قال أهل السنة والجماعة في بحثهم في الإيمان: إن العمل يشمل عمل اللسان، وهو القول، وعمل الجوارح، وهو الفعل، وعمل القلب أيضًا، عمل القلب مثل خوفه ورجائه ومحبته وما أشبه ذلك، يعنى حركة القلب، الحركة القلبية. فصار إذن العمل إذا قيل: عمل، يشمل القول والفعل، وإذا أردت أن تقسم تقول: قول وفعل.
إذا سمعت أو جاءك عبارة فيها قول وعمل فاعلم أن هذا من باب التجوز، تجوَّز بالعمل عن الفعل، وإلا فالأصل أن الفعل قسيم القول، لا أن العمل قسيم القول.
* طالب: فيه فرق في المعنى؟
* الشيخ: إي نعم فيه فرق، معروف، إذا قلت: عمل، يشمل القول والفعل، وإذا قلت: فعل، يختص بالفعل اللي هو عمل الجوارح، والقول عمل اللسان، فالعمل يشمل قول اللسان وفعل الجوارح، لكن الفعل يختص بفعل الجوارح فقط.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، إذا قيل: قول وعمل من باب التقسيم، لكنه تجوَّز في إطلاق العمل على أحد معنييه، وهو الفعل، نقول: ما هو بحاطط عام على خاص (...) التقسيم.
طيب، أقول: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ اللسان يشهد على الإنسان، كيف يشهد؟ يقول لهذا القاذف للمحصنة الغافلة المؤمنة، يقول: إنك قذفتها، لسانه نفسه يقول: إنك قذفتها، مع أن الفعل منه فعل في الدنيا، العمل عمل اللسان، ومع ذلك يشهد اللسان على صاحبه بهذا القول الذي هو القذف، أيديهم أيضا تشهد عليهم، أرجلهم تشهد عليهم، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أن هذه الأعضاء تشهد على الإنسان يوم القيامة، وكذلك ذكر أن الجلود تشهد أيضًا، وأنه يحصل محاورة بين الإنسان وبين جلده، ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [فصلت ٢١].
* ففي هذه الآية: إثبات البعث وإثبات الجزاء، وأن الجزاء من جنس العمل، ويش الدليل؟ قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، تشهد بما كانوا يعلمون، لا بزيادة ولا بنقص.
* وفيه أيضًا: تمام قدرة الله عز وجل، حيث إن هذه الأعضاء تنطق، مع أن النطق في العادة باللسان، لكن يكون نطق بكل شيء إذا أراد الله سبحانه وتعالى، ولهذا تقول الجلود: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
* وفي هذا دليل على عظم القذف للمحصنات الغافلات المؤمنات، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه من الكبائر، فقال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ»، وذكر منهن: «قَذْف الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩ / ١٤٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
* وفي هذا دليل على غَيرة الله عز وجل، على كمال غَيرة الله، وأنه جل وعلا غيور، وقد جاء في الحديث الصحيح: «مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٤٤)، ومسلم (٩٠١ /١) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، وكذلك قصة سعد بن عُبَادَة لما نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور ٤] فإن سعدًا رضي الله عنه استشكل كيف أن الرجل يجد على زوجته رجلًا ثم يذهب يطلب أربعة شهود، لا يأتيه إلا وقد فرغ، وقال رضي الله عنه للنبي عليه الصلاة والسلام: «والله لأضربنه بالسيف غير مُصفَح». يعني أضربه بالسيف بحده حتى أقتله، فقال النبي ﷺ: «أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤١٦)، ومسلم (١٤٩٩ / ١٧) من حديث سعد بن عبادة.]]، نعم، ويدلك على هذا، شوف كيف أوجب الله لهؤلاء القاذفين، أوجب لهم أن يُلعَنوا في الدنيا والآخرة، وأن لهم عذابًا عظيمًا، ولهذا جاء الشرع بما أراده سعد بن عبادة رضي الله عنه، فإن الإنسان لو وجد والعياذ بالله إنسانًا على امرأته فله قتله، له أن يقتله سواء كان هذا الفاعل محصنًا أم غير محصن، ولا يحتاج أيضًا إلى مدافعة، ما يحتاج أنه يقول: إذا عجز عن (...) فله قتله، بل له قتله مباشرة؛ لأن هذا ليس من باب دفع الصائل، ولكنه من باب الغيرة على محارمه.
ولهذا وقعت القصة في عهد عمر رضي الله عنه، واختصموا إليه وأقروا بأن هذا المقتول.. يعني ما أنكروا ادعاء الزوج بأنه وجده على امرأته؛ «لأنه قال: يا أمير المؤمنين، أنا ما ضربت إلا فخذي امرأتي، فإن كان بينهما أحد فقد قتلته. فأخذ السيف رضي الله عنه عمر وقال له: إن عادوا فعد»[[عزاه ابن قدامة في المغني (١١ / ٤٦٢)، (١٢ / ١٣٥) لسعيد بنمنصور في سننه، ولم نقف عليه فيما بين أيدينا من السنن المطبوعة.]]، ولم ينكر عليه هذا الفعل؛ لأن هذا الإنسان ما يتحمل أنه يجد إنسانًا ينتهك محارمه إلى هذا الحد حتى يقتله.
فعلى كل حال في هذه الآية قلت: إثبات غيرة الله عز وجل، ووجه هذا أنه سبحانه وتعالى حمى أعراض عباده المؤمنين المحصنين الغافلين بهذه العقوبة العظيمة، وهي اللعن في الدنيا والآخرة.
طيب هل يستفاد من الآية جواز لعن القاذف للمحصنة الغافلة المؤمنة؛ لقوله: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا﴾، أم هذا بيان لواقع الأمر أن الناس يلعنونهم ويكرهونهم ويبعدونهم عن مجالسهم وعن مخالطتهم؟ ما رأيكم؟
الحقيقة أن الآية محتملة، مثل قوله ﷺ: «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ؛ الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ»[[أخرجه أبو داود (٢٦) وابن ماجه (٣٢٨) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.]] ورواية مسلم: «اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ». قَالُوا: وَمَا اللَّاعِنَانِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ ظِلِّهِمْ»[[أخرجه مسلم (٢٦٩ / ٦٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فسمى ذلك لعنًا.
فهل المعنى أن هؤلاء الناس الذين يفعلون هذا الفعل ينفر الناس منهم ويبعدونهم ويتخلون عن أخلاقهم، أو يجوز أن نلعنهم؛ نقول: اللهم العن من تخلى في طريق الناس أو ظلهم، وهنا نقول: اللهم العن من قذف محصنة غافلة مؤمنة؟
الظاهر أن الأمر يتناول هذا وهذا، يتناول الأمر الواقع أن الناس يلعنونهم بالفعل ويبعدون عنهم ويبعدونهم من مجالسهم، وأنه يجوز للإنسان أن يلعن من قذف محصنة غافلة مؤمنة؛ لأن الله لعنه، فالدعاء عليه باللعن من باب تحقيق ما أخبر الله به.
النور 24:25
قال الله تعالى: (﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ يجازيهم جزاء الواجب عليهم ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥] حيث حقق لهم جزاءهم الذي كانوا يشكون فيه، ومنهم عبد الله بن أُبَيٍّ، والمحصنات هنا أزواج النبي ﷺ، لم يذكر في قذفهن توبة، ومن ذُكر في قذفهن أول السورة التوبة غيرهن).
يقول: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾، ﴿يُوَفِّيهِمُ﴾ بمعنى يعطيهم وافيًا، تقول: وفيته حقه؛ أي أعطيته إياه وافيًا. وقوله: ﴿دِينَهُمُ﴾ أي جزاءهم، والدين -كما أسلفنا كثيرًا- يُطلَق على العمل وعلى جزاء العمل، فمن إطلاق الدين على العمل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣] المراد: جزاءكم ولَّا لا؟ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يعني جزاءكم؟ لا، وإن المراد العمل الذي تدينون الله به.
ومثل قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] أيش المراد؟ الجزاء، فالدين إذن يطلق ويراد به العمل، والجزاء على العمل، ومنه قولهم: كما تدين تدان، يعني كما تعمل تجازى.
فإذن ﴿دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ ﴿دِينَهُمُ﴾ أي: جزاء عملهم.
وقوله: ﴿الْحَقَّ﴾ بمعنى العدل؛ وذلك لأن الحق إن قيل في مقابلة الخبر فهو بمعنى الصدق، وإن قيل في مقابلة الحكم -سواء كان حكم تفسيريًّا أم جزائيًّا- فمعناه العدل، هنا قيل في مقابلة حكم جزائي، وعليه فيكون المراد بالحق يعني العدل الذي ليس فيه ظلم ولا جور، وهكذا جزاء الله سبحانه وتعالى يكون دائمًا حقًّا، يعني عدلًا ليس فيه جور.
أليس جزاء الله تعالى للحسنات الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، هل ينافي الآية هذه ولَّا لا؟ الجواب: لا ينافيها؛ لأن هذا عدل وزيادة، كون الله يجازي العامل أكثر من عمله هذا عدل وزيادة، لكن كون الإنسان الذي يجازي غيره على عمل خير فيعاقبه بأكثر مما يستحق، هذا جور ولَّا لا؟ جور، فالله تعالى منزَّه عن هذا، عن الأخير؛ لأنه جور، لكن الأول فضل من الله، فالله سبحانه وتعالى ذو الفضل العظيم.
﴿يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾: ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ في هذه الجملة مؤكدان، وإن شئنا قلنا: ثلاثة مؤكدات؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (أن) وضمير الفصل، هذه اثنين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الجملة هذه، من يعرف؟ المؤكد الثالث؟
* طالب: اللام.
* الشيخ: وينها اللام؟ فيها لام؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذه (أل) للتعريف.
* طالب: (...) يعلمون.
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لا ما هي اسمية، (...) الجملة مكونة من مبتدأ وخبر كلاهما معرفة، وكون المبتدأ والخبر معرفة هذا يفيد التوكيد والحصر أيضًا، يفيد التوكيد والحصر، إذن فالله تعالى هو الحق، مؤكد بهذه المؤكدات الثلاثة، ويش معنى كون الله حقًّا؟ أولًا: وجوده حق، ما يستحقه من الحقوق حق، كالعبادة مثلًا، فهو الإله الحق، ما صدر عنه من خبر أو حكم فهو حق، إذن فهو الحق في ذاته وجودًا واستحقاقًا، وكذلك أحكامًا، فهو سبحانه وتعالى موجود حقًّا، وهو المستحق لما يختص به حقًّا، ما يشاركه أحد فيه، وهو سبحانه وتعالى الذي لا يصدر عنه إلا حق، يعني أحكامه وأفعاله كلها حق.
إذن وجه الأحقية لله عز وجل من وجوه ثلاثة:
أولًا: في وجوده؛ فإن وجوده حق، وهو أحق الأشياء وجودًا، ولهذا جميع الفطر السليمة تشهد به، وكذلك العقول الصريحة، يعني الخالصة عن الشبهات والشهوات تشهد به، وكذلك أيضًا ما يصدر عنه فهو حق، ما يصدر عنه من خبر أو حكم، فما أخبر به فهو حق، وما حكم به فهو حق، سواء كان الأحكام هذه تشريعية وهو ما يشرعه للعباد، أو جزائية وهو ما يجازي به العباد، وأيش المعنى الثالث؟
* طالب: ما يستحقه من العبادة.
* الشيخ: ما يستحقه أيضًا، ما يستحقه فهو حق، يعني كون الله يختص بأشياء لا يشاركه فيها غيره هذا أيضًا حق، ولهذا يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان ٣٠]. إذن فالحق في جانب الله سبحانه وتعالى يكون على الوجوه التالية: الوجود، والاستحقاق، وما يصدر عنه، الوجود والاستحقاق والصادر عنه، مفهوم؟ فوجوده حق، وما يستحقه من الأمور حق، يعني من كمال الصفات والعبادة وغير ذلك، والثالث: ما صدر عنه تبارك وتعالى فهو الحق، من خبر أو حكم، والحكم سواء كان جزائيًّا أو تشريعيًّا.
طيب ما نقول: أو قدريًّا؟ لأن الأحكام القدرية أيضا تعتبر حكمًا، مثلما قلنا: إن الحكم قسمان: كوني وقدري، وفي الحقيقة أنه نعم لا بد أن يضاف؛ لأن ما يصدر عنه من أحكام جزائية أو كونية أو تشريعية فهي حق.
* طالب: القدرية هي الكونية؟
* الشيخ: القدرية هي الكونية، نعم.
﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾، وقوله: ﴿الْمُبِينُ﴾ من (أبان)، يعني من الفعل الرباعي، وأبان بمعنى أظهر ولَّا بمعنى ظهر؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تصلح، أبان الفعل الرباعي هذا قالوا: إنه يستعمل متعديًا ولازمًا، يستعمل لازمًا بمعنى (بان)، ومتعديًا بمعنى (بان) أي ظهر.
طيب هنا ﴿الْمُبِينُ﴾ هل المعنى البَيِّن الأحقية أو المعنى الذي أبان لخلقه أنه حق؟
* طالب: كلاهما.
* الشيخ: أو كلاهما، أم كلاهما، الواقع أن الله تعالى بين الأحقية وقد أبان لعباده كونه حقًّا.
قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس ٦٩] أيش معنى ﴿مُبِينٌ﴾؟ بَيِّن ولَّا مبين بمعنى مُظْهِر؟
* طالب: بيِّن.
* طالب آخر: بمعنى بين.
* الشيخ: القرآن بَيِّن ولَّا مُبِين؟
* طلبة: بَيِّن.
* طلبة: كلاهما.
* الشيخ: أو بَيِّنٌ ومُبِين في الحقيقة، لكن المبين هنا أظهر؛ لقوله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس ٧٠].
في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] أيش معنى (مبين)؟ بَيِّنٌ، هذه بمعنى بَيّن، والحاصل أن كلمة (مُبِين) تستعمل من المتعدي واللازم، لأن هي أصلها فعل رباعي، (أبان) تستعمل لازمًا ومتعديًا، فإن كان لازمًا فهي بمعنى بَيِّن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، وإن كانت من المتعدي فهي بمعنى مظهر للشيء مبينه، أبنته بمعنى أظهرته حتى بان، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس ٦٩]، أي: مظهر؛ لقوله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس ٧٠]، وكذلك أيضًا ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥]، بمعنى مظهر، وإن كان من لازم أنه إذا كان مظهرًا فهو ظاهر في نفسه، فالمُبِين بمعنى المظهر، لا بد أن يكون بينًا بنفسه وإلا لما أظهر.
﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ هذه الآية هل تنزلها على المبين اللازم ولَّا المبين المتعدي؟
* طلبة: كلاهما.
* الشيخ: على كليهما في الحقيقة؛ لأن الله تعالى بيّن الحق، بيّن الأحقية، ومُبِين ذلك لعباده، كيف أبان لعباده أنه الحق؟ أولًا: بما ركب فيهم من الفِطَر والعقول، الفطر السليمة والعقول، ولهذا دائمًا يحيل الله سبحانه وتعالى هذه الأمور إلى العقل، فيقول: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤]، دليل على أن العقل مرجع، لكن المراد بالعقل العقل السليم الذي ليس فيه شبهات وليس فيه شهوات، وأما العقل الذي استولت عليه الشبهات أو الشهوات فهذا عقل فاسد، لا يحكم بشيء.
أيضًا أبان الحق تبارك وتعالى بغير العقل، بالفطرة، فإن الفطرة السليمة تشهد بالحق، وأبان العقل بالوحي الذي أرسل به الرسل، فتكون إبانة الله تعالى للحق بهذه الطرق الثلاثة: أيش هي؟ العقل والفطرة والوحي، كل هذه الطرق الثلاث يتبين بها الحق، ولذلك يضرب الله الأمثال للناس، لماذا؟ لأجل أنهم يعتذرون، المورد والمضرب، مورد المثل ومضربه، فيعتذرون بهذا على هذا، والله أعلم.
* طالب: (...) يقول الله تعالى: (...).
* الشيخ: اقرأ اللي بعدها، اقرأ الآية اللي نسيتها.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم (...)، المراد بالختم على الأفواه بحيث لا ينكرون، ولا ينافي أن تشهد الألسن بما يرى في مرادها، مفهوم؟ أو يقال: إن القيامة مواقف؛ لأن القيامة خمسون ألف سنة، فتارة كذا، وتارة كذا، مثلما جمع ابن عباس[[أخرجه مجاهد في التفسير (١ / ٦٩٢).]] رضي الله عنه بهذا بين قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء ٤٢]، كذا ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ يعني كل شيء (...)، وقال في آية أخرى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] وهذا جحود ولَّا لا؟ هذا جحود، فكيف نجمع بين الآيتين؟ أن نقول: إن القيامة مواقف، وهكذا أيضًا جمع بعض العلماء بين قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه ١٠٢]، وقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران ١٠٦]، هاهنا سواد وهناك زرقة، منهم من قال: إن هذا باعتبار مواقف القيامة، ومنهم من قال: إن الزرقة في العيون والسواد في الوجوه، ومنهم من قال: إن الناس يختلفون، الكفار منهم أزرق ومنهم أسود.
على كل حال إنما قصدي أن أهل العلم رحمهم الله لجؤوا إلى الجمع بين الآيات التي ظاهرها التعارض يوم القيامة؛ لأن يوم القيامة ليس ساعة واحدة حتى تتعارض فيه الآيات، يوم القيامة خمسون ألف سنة تختلف الأحوال فيه.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، هذا المراد، يعني يدافع عنهم، ولكن (...)، يصير اللسان لسانين: لسان شاهد موافق للجوارح، وهو المقصود بهذه الآية، ولسان آخر منكر، وهو الموافق لمراد صاحبه، التفسير: كأنه لو أنكر الإنسان باللسان الذي يتابعه بإرادته نفس اللسان يشهد عليه، والحكمة هنا والله أعلم من ذكر اللسان لأن القذف إنما حصل به، ولهذا قدمه على الأيدي والأرجل.
النور 24:26
﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦]
من حكمة الله سبحانه وتعالى أنه جعل الأشياء متناسبة متشاكلة، كل شيء وما يناسبه في الدنيا وفي الآخرة أيضًا، كما قال الله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات ٢٢]، ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾ يعنى أشكالهم ونظراءهم، فكل شيء من حكمة الله سبحانه وتعالى أنه جعله يشاكل الآخر ويميل إليه. من جملة هذه القاعدة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى بعد ذكر ما تقدم من قصة الإفك وما جرى من هؤلاء الذين أرادوا أن يدنسوا فراش رسول لله ﷺ ويطعنوا في أهله وفي أصحابه كما مر علينا، ومن المعلوم أن أطيب الطيبين من الخلق هو النبي ﷺ، فلا يمكن أن الله سبحانه وتعالى يجعل تحته امرأة خبيثة، ولهذا قال سبحانه وتعالى: (﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ من النساء ومن الكلمات ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الناس، ﴿وَالْخَبِيثُونَ﴾ من الناس ﴿لِلْخَبِيثَاتِ﴾ مما ذُكِر، ﴿وَالطَّيِّبَاتُ﴾ مما ذُكر ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ من الناس ﴿وَالطَّيِّبُونَ﴾ منهم ﴿لِلطَّيِّبَاتِ﴾ مما ذُكِر، أي: اللائق بالخبيث مثله وبالطيب مثله).
قال: (﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ من النساء والكلمات ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ ) بمعنى أن الخبيث يكون عنده خبيثة، ولا يمكن أن تكون الطيبة عند الخبيث، وكذلك لا يمكن أن تكون خبيثة عند طيب، مثال الأخير مثلا قضية الإفك، لو فُرِض أن عائشة رضي الله عنها حصل منها ما رُمِيَت به لكانت خبيثة تحت طيب، وهذا لا يمكن؛ لأن الخبيثات لمن؟ للخبيثين ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾.
وقوله: (من النساء ومن الكلمات) من النساء واضح، ومن الكلمات يعني كذلك أيضًا لا يُوصَف بالكلمات الخبيثة ولا يستحق أن يوصف بها إلا من كان خبيثًا، فعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها لا يمكن أن توصف بما وصفت به لأنها طيبة، ولا يليق بالطيب إلا الطيب من الكلمات، وهكذا أيضًا ﴿الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ يعني كذلك أيضًا لو أن شخصًا رمى رجلًا عند امرأة طيبة، رماه بالزنا، لقلنا: هذا أيضًا لا يمكن؛ لأنه ما يمكن خبيث إلا لخبيثة؛ لأن هذه هي حكمة الله عز وجل، ولهذا من جملة هذه المسألة؛ القاعدة العامة: صارت المراحيض ومواضع الأذى مأوى لمن؟ للشياطين، والمساجد والأماكن الطيبة مأوى للملائكة. بل نزيد على ذلك نقول: النفس الطيبة يقترن بها الطيب، تؤيدها الملائكة، والنفس الخبيثة يقترن بها الخبيث. يعنى مثلًا الإنسان السيئ الزائغ يُسلَّط عليه قرينه حتى يكون مصاحبًا له على وجه يغويه ويضله، والنفس الطيبة يعِينها الله سبحانه وتعالى على قرينها حتى يسلم، وحتى لا يأمرها بشر، كل هذا بناء على هذه القاعدة التي هي موافقة لحكمة الله عز وجل.
﴿الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾: ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ من النساء ومن الكلمات أيضًا.
على وجه يغويه ويضله، والنفس الطيبة يعينها الله سبحانه وتعالى على قرينها حتى يُسلم، وحتى لا يأمرها بالشر، كل هذا بناءً على هذه القاعدة التي هي موافقة لحكمة الله عز وجل.
﴿الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور ٢٦]، ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ منين؟ من النساء ومن الكلمات أيضًا. ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ يعني معناه: ما يليق بهم إلا هذا؛ لا يليق بالطيب إلا الكلمات الطيبة والنساء الطيبات.
ولهذا كان الله سبحانه وتعالى طيبًا لا يقبل إلا طيبًا[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة.]]، لو تصدق إنسان بمال كثير من كسب حرام يقبله الله ولّا لا؟ ما يقبله؛ لأنه خبيث، والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا.
وتأمل هذه القاعدة العامة تجدها في كل شيء، على أن الطيب يناسبه طيب، والخبيث يناسبه خبيث.
* طالب: شيخ ما حصل للصحابة من (...).
* الشيخ: إي نعم، لكن في هذه الحال ما يثبت أنها خبيثة، وإذا ثبت فهذا شيء نادر، هذا شيء نادر يعتبر ولّا كما مر علينا أنه في مسألة اللعان إذا لاعن الزوج ثبت الحد، حتى وإن لم يأت بأربعة شهداء؛ لأن الله جعل قذفه المرأة شهادة خلاف غيره، هذا إن ثبت فهو نادر، وهذا أيضًا ينبغي لنا أن نعرف أن الأمور والقاعدة العامة والكليات العامة هذه ما ينقضها فرد من أفرادها؛ لأنه قد يكون الأسباب موجودة لكن يوجد موانع، لكن يوجد موانع تمنع هذا السبب، مثلما يرد علينا كثيرًا أن الشارع جعل هذا سببًا لهذا، ثم نجده يتخلف، لماذا؟ لوجود مانع أقوى من السبب. وكما هو أيضًا في الأحكام الشرعية تكون أسباب الصحة موجودة وأسباب الاستحقاق موجودة، ثم يوجد مانع من الموانع، نعم هذا الشيء كثير جدًّا مضطرد في الأحكام والأخبار والقواعد العامة وغيرها.
* طالب: هذه الآية تحكي الواقع (...).
* الشيخ: أيها، لا، هذه الآية بتحكي الواقع، وتتضمن الأمر؛ لأنك إذا عكست الأمر الذي جعلها الله سنة له فقد عصيت.
قال: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ﴾ (الطيبون والطيبات، ومنهم عائشة وصفوان رضي الله تعالى عنهما ﴿مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أي: الخبيثون والخبيثات من النساء فيهم ﴿لَهُم﴾ للطيبين والطيبات ﴿مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في الجنة).
﴿أُولَئِكَ﴾: الإشارة إلى من؟ لأقرب مذكور، وهم الطيبات والطيبون.
﴿مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾: أي: مبرؤون مما يقال فيهم.
ومثَّل المؤلف بعائشة رضي الله عنها وصفوان بن المعطل الذي رُمي بها، وقد سبق في القصة، وهكذا أيضًا نقول: عائشة ورسول الله ﷺ، فإنه كما أشرنا سابقًا: قصة الإفك ليست طعنًا في عائشة وصفوان فقط، بل هي طعن في عائشة وصفوان والنبي عليه الصلاة والسلام وأبي بكر.
كل هذا لا شك أنه يتضمنه هذا القول الخبيث، فهؤلاء الطيبون ﴿مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أي: مما يقول فيهم هؤلاء الخبيثون.
﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: ﴿لَهُمْ﴾ أي: لهؤلاء الطيبين، ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ في جانب الذنوب، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في جانب الطاعات، مفهوم؟ ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ على طاعاتهم.
وإنما جعلناها هكذا مقسمة لأن الذنب ويش يناسبه؟ المغفرة، والأعمال الصالحة يناسبها الرزق الكريم؛ لأن من فعل حسنة جوزي بعشر حسنات إلى سبعمئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
فتبين بهذا أنه حصل لهؤلاء الذين قيل فيهم ما قيل، حصل لهم بذلك تكفير سيئات ومغفرة ذنوب، وكذلك رفعة درجات، وها هي أيضًا فرد من أفراد القاعدة العامة: أنه ما من إنسان يصيبه هم ولا غم ولا أذى إلا كفر الله عنه بذلك، حتى الشوكة إذا أصابته يكفر الله بها عنه، لكن هل يرفع له بها درجات ولّا لا؟ يعني هذه الأشياء المؤذية من هم وغم وأذى حسي وغير ذلك، هي تكفر الخطايا، لكن هل يرفع الله بها الدرجات؟
* طالب: (...) إذا صبر.
* الشيخ: إذا صبر، إي نعم. إذا اقترن بها الصبر صار له مع تكفير السيئات زيادة حسنات، وإلا صارت تكفيرًا لسيئاته، ووجه ذلك: أن هذه المصائب التي تصيبه هل هي باختياره؟ لا، ليست باختياره، إذن هي عقوبات من الله عز وجل يكفر الله بها خطايا عنه، ولا يجمع له عقوبتين، لكن إذا صبر حصل منه فعل، وحينئذ يثاب عليه.
هذا هو التحقيق في هذه المسألة: أن المصائب التي تصيب الإنسان لا يؤجر عليها فقط، وإنما تكفَّر بها الخطايا، ثم إن قارنها الصبر، أو أعلى من ذلك الرضا، فإنه حينئذ يثاب مع التكفير.
طيب، هنا: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ نشوف الآن، هؤلاء في الحقيقة تصيبهم مصيبة عظيمة، صبروا ولّا ما صبروا؟
* طلبة: صبروا.
* الشيخ: لا شك أنهم صبروا حتى فرج الله عنهم، وأزال عنهم هذه الغمة، ففي مقابلة ما أصيبوا به من الأذى في هذه القضية حصلت لهم المغفرة، وفي مقابلة الصبر حصل لهم الرزق الكريم.
والكريم إذا قيل: الرزق، ليس مثلًا ذا شعور حتى يوصف بالكرم، يعني (...) مثلًا يقال: هذا الرجل كريم؛ لأنه يعطي، يعني له إرادة يتكرم على الناس بالعطاء. لكن كيف يوصف ما لا إرادة له بالكرم؟
نقول: المراد بالكرم فيما لا إرادة له أيش المراد به؟ الطيب الحسن؛ لقول النبي ﷺ لمعاذ: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[أخرجه البخاري (١٤٩٦) من حديث ابن عباس، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث معاذ بن جبل.]]. كرائم: جمع كريمة.
إذن فالرزق الكريم هو الطيب الحسن، ويشمل ذلك الكثير مثلًا؛ لأنه من الطِّيب والحُسن.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) هذه فيها لوم عليهم.
* وفي هذه الآية من الفوائد:
* أولًا: الحكمة العظيمة الثابتة لله عز وجل شرعًا وقدرًا؛ فإن هذه الجمل والقواعد شرعية وقدرية، فالله تعالى جعل من الناحية القدرية، جعل لكل شيء ما يناسبه، كذلك من الناحية الشرعية ينبغي أيضًا أن ننزل الناس منازلهم، فالخبيث له خبثه، والطيب له طيبه.
* فهذا يستفاد منه: بيان حكمة الله تعالى شرعًا، أيش بعد؟ وقدرًا، شرعًا وقدرًا.
* الشيء الثاني مما يستفاد منه: أنه يجب على الإنسان أن ينَزّل الناس منازلهم، يجب أن ينزل الناس منازلهم؛ فلا يصف الطيب بالخبث، ولا الخبيث بالطيب؛ لأن في ذلك معاكسة للقدر وللشرع أيضًا، كما أنه يتضمن مفاسد عندما تصف شخصًا خبيثًا بطيب، ويش معنى ذلك؟ أنك رفعت عنه الوصف كذبًا وزورًا، ثم إنك أيضًا خدعت الناس به.
والإنسان مثلًا الطيب يوصف بالطيب، والخبيث يوصف بالخبث، ولا يجوز للإنسان أن يتعدى ذلك؛ لأن الله سبحانه تعالى يقول: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ إلى آخره.
* وفي هذا أيضًا دليل على أن الله سبحانه وتعالى يبرئ أهل الرجل الطيب العفيف، يبرئهم من الخبث؛ بأن الطيبات للطيبين والطيبين للطيبات، وقد جاء في الحديث: «مَنْ زَنَى زَنَى أَهْلُهُ، وَمَنْ عَفَّ عَفَّ أَهْلُهُ»، وهذه من حكمة الله عز وجل؛ أنه كلما كان الإنسان طيبًا طاهرًا نظيفًا فإن الله تعالى يهيئ له أهلًا بهذه المثابة ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ ٢٦]، والأمر كذلك بالعكس فيما لو كان خبيثًا، ولا سيما فيما يتعلق بالعفة، وهذا شيء لو تأمله الإنسان لوجده كثيرًا، ما نقول: مئة بالمئة؛ لأن الله سبحانه وتعالى يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، لكن في الغالب أن هذا هو الواقع، أن الرجل الدنس الأخلاق يجعل الله له أهلًا كذلك ولا يحميه؛ لأنه ما حمى نفسه حتى يحميه الله عز وجل.
* طالب: (...).
* الشيخ: قدرًا، أن الله سبحانه وتعالى الطيب يجعل له أهلًا طيبين، والخبيث يجعل له أهلًا خبثاء.
* طالب: وشرعًا؟
* الشيخ: وشرعًا أيضًا، أنه ما يجوز أنك تنزل الخبيث منزلة الطيب، وبالعكس.
* وفي هذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى من رحمته أنه يدافع عمن لا يستحق ما وُصف به من أوصاف خبيثة، فإن هذه الآية في الحقيقة كالدفاع البين الواضح عمن؟ عن عائشة رضي الله عنها، دفاع واضح.
* وفيه أيضًا دليل على أن من أصيب بمصيبة قولية أو فعلية فإن الله تعالى يغفر له، فإن صبر على ذلك فإنه يعطى أجرًا أيضًا، يعطى أجرًا.
ومن حماية الله سبحانه وتعالى للإنسان الطيب أن الله يمنع أسباب الشر عنه، ما يتعرض لها؛ لأن حقيقة الأمر أن تعرض الإنسان للفتن قد يفتن، فمن حماية الله للعبد الطيب الذي قصد الخير أن الله يحميه سبحانه وتعالى عن أسباب الفتن، وأنا أذكر لكم قصة الآن:
رجل كان معروفًا بالورع من هذا البلد، كان معروفًا بالورع الذي يُعتبر من أكمل ما يكون، في يوم من الأيام ذهب ليحمل خشبًا من أهله، خشب أثل، وكان جاره أيضًا قاطعًا أثله، وفيه كومتان من الخشب، هذا الرجل أناخ البعير عند خشب جاره وحمّل الخشب على البعير، ثم لما أراد أنه يثوِّر البعير عيَّ لا يثور أبى نهائيًّا. يبغيه، يبغيه، غيَّ، نزل من الحمل ما فيه فائدة، نزَّل الحمل كله فثار البعير، لما ثار البعير هو فتح الله عليه وقام (...) وفكَّر، وإذا الخشب هذا ما هو له، خشبه الكومة الثانية. هذا من..
* طالب: (...).
* الشيخ: ما (...) فيه، لكن شوف كيف أن الله سبحانه وتعالى منعه، وإلا لو ثار البعير على طول مشى به، لكن هذه من حماية الله سبحانه وتعالى للعبد، إذا علم الله من نيته النزاهة والعفة حماه سبحانه وتعالى، بخلاف والعياذ بالله الإنسان الذي يعلم الله منه أنه يميل إلى الشر والفساد فإنه قد يُهيأ له أسباب الشر والفساد حتى يقع فيه.
(وقد افتخرت عائشة رضي الله عنها بأشياء، منها أنها خلقت طيبة، ووعدت مغفرة ورزقًا كريمًا). يعني: كأنها رضي الله عنها فهمت أن مثل هذه الآية نزلت فيها، فكانت تفتخر، والمراد بالافتخار هنا: التحدث بنعمة الله، لا إظهار العلو على الناس؛ لأن الافتخار ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يفتخر الإنسان بنعمة الله عز وجل تحدثًا بها، تحدثًا بهذه النعمة، هذا الافتخار، طيب وهو مما أمر الله به.
والثاني: أن يفتخر الإنسان ليُظهر فضله على غيره ويعلو به على غيره، فهذا لا يجوز، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد ٢٣]. يصير هذا الفخر منين؟ هذا الفخر من الخيلاء، هذا الفخر الذي يقصد به الإنسان إظهار فضله على الناس وعلوه عليهم، هذا من الخيلاء الذي لا يحبه الله عز وجل.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (٢٢٧٨ / ٣) من حديث أبي هريرة.]]، وكما كانت تفتخر عائشة بهذا إن صحت القصة، وكما كانت زينب تفتخر على زوجات النبي عليه الصلاة والسلام بأن الله زوجها في السماء، وغير ذلك مما يقال.
النور 24:27
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] (فيقول الواحد: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟»[[أخرجه أبو داود (٥١٧٧) وأحمد (٢٣١٢٧) من حديث رجل من بني عامر.]]، كما ورد في حديث ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الدخول بغير استئذان، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ﴾ -بإدغام التاء الثانية في الذال- خيريته فتعملون به).
هذه من الآداب التي هي في الحقيقة حماية للأعراض، تجد هذه السورة غالبها في هذا الأمر في العفة وما يتعلق بها من حماية الأعراض وغير ذلك. من جملة هذا الأدب الذي أدبنا الله به عندما نريد أن ندخل بيوتًا غير بيوتنا، يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾، ذكرنا فيما سبق أن تصدير الحكم بالنداء يدل على أهميته؛ لأن المقصود بالنداء أيش؟ تنبيه المخاطب، إذا قلت: يا فلان، لا شك أنه ينتبه، الآن لو رأيت واحدًا منكم غافلًا ولّا ينعس ولّا شيء، قلت: يا فلان، ينتبه ولّا لا؟ ينتبه، فالنداء يراد به تنبيه المخاطب. وتصدير الحكم أمرًا أو نهيًا، أو الخبر أيضًا تصديره بالنداء يدل على أهميته، وأنه ينبغي للإنسان أن يتيقظ ويتفطن له.
ثم نداء المؤمنين باسم الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ويش يدل عليه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يدل على أن هذا العمل من الإيمان، وأن مخالفته مما ينقص الإيمان، مفهوم؟ ويراد به أيضًا الإغراء، يعني توجيه الخطاب أو النداء بوصف الإيمان يراد به الإغراء على التزام الحكم، الإغراء يعني الحث البالغ على التزام الحكم، مثلما لو أقول: يا رجل، افعل كذا، أيش معناه؟ الحث والإغراء؛ لأن مقتضى رجولتك أن تفعل كذا. يا مؤمن افعل كذا، معناه الإغراء؛ لأن مقتضى إيمانك أن تفعل كذا أو تترك كذا.
فصار إذن الغرض من توجيه النداء إلى المؤمنين بوصف الإيمان ويش الغرض منه؟ الحث والإغراء على التزام هذا الحكم.
كأنما يقال: إن كنت مؤمنًا فلا تفعل كذا، إن كان نهيًا، أو فافعل كذا، إن كان أمرًا.
ويدل ذلك أيضًا -يعني توجيهه بوصف الإيمان غير مسألة الغرض- يدل على أن ما ذكر من مقتضيات الإيمان وأن خلافه مما ينقص الإيمان.
نشوف الآن الحكم الذي أرشد الله إليه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾.
﴿لَا﴾: ناهية، والنهي هنا للتحريم؛ لأنه هو الأصل في النهي.
وقوله: ﴿بُيُوتًا﴾ هذا عام. ما هي صيغة العموم فيه؟
* طالب: نكرة في سياق النهي.
* الشيخ: أنه نكرة في سياق النهي، والنكرة في سياق النهي تفيد العموم؛ يعني: لا تدخلوا أي بيت غير بيوتكم التي تملكونها إلا بعد أمرين: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾.
فسر المؤلف ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ بـ(تستأذنوا).
وتفسيرها بالاستئذان هذا تفسير ببعض أفرادها؛ لأن الاستئناس أعم من الاستئذان، قد يستأنس الإنسان ولا يكون في قلبه وحشة من دخول هذا البيت وإن لم يستأذن، وحينئذ ما يبقى عنده إلا السلام، مثلما لو دعاك إنسان إلى بيته بعد صلاة الظهر، فلما جئت وجدت الباب مفتوحًا، ويش يبقى عليك الآن؟
* طالب: تسلم.
* الشيخ: يبقى عليك أن تسلم؛ لأن حقيقة الأمر أن الاسئتذان هنا لا محل له، والسبب أن الرجل قد دعاك، وعيّن الوقت، وجئت ووجدت الباب مفتوحًا، هذا معناه إذْن، ولهذا قال الله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ يعني: حتى لا يكون بكم وحشة من الاستئناس، والأنس أيش ضده؟ الوحشة. ولهذا يقال: إنسي ووحشي، الصيد الوحشي والصيد الإنسي، ويقال: حمار وحشي وحمار أهلي، وأحيانًا يقال: إنسي.
على كل حال الاستئناس أعم من الاستئذان، فتفسيرها بالاستئذان من باب تفسير الشيء ببعض أفراده ليكون ذلك كالمثال.
وبهذا نعرف أن هذه القراءة السبعية أصح من القراءة التي وردت عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا﴾ .
ونود أيضًا أن في هذا الحديث الذي روي عن ابن عباس أنه قال: ﴿حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا﴾ قال: وإن كلمة ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ خطأ من الكاتب. هذه في الحقيقة لا تصح عن ابن عباس، وإن كانت ذكرت في نفس الحديث لا تصح، والسبب أنه ما يمكن أن الكاتب يخطئ في حرف من كلام الله ثم تتلقاه الأمة بالقبول؛ لأنه لو فُرض هذا الشيء لاقتضى أن الله لم يحفظ هذا الذكر، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]، كيف يكون خطأ من الكاتب تتلقاه الأمة بالقبول وتقرأ به في صلاتها وتعلمه صغارها؟! هذا شيء لا يمكن.
ولهذا مثل هذا الحديث إذا ورد يمكن إعلاله وإن كان صحيح السند؛ لأن من جملة ما يدل على ضعف الحديث أن يكون مخالفًا لما عُلم بالضرورة من الشرع، فإذا عُلم بالضرورة من الشرع أن هذا الحديث لا يصح يجب أن نحكم ببطلانه، لماذا؟ لأنه ما يمكن لفرد أو لرواة أن يأتوا بما يخالف المعلوم بالضرورة من دين الإسلام.
على كل حال نعود إلى مسألتنا نقول: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أعم أيش؟ من (حتى تستأذنوا)، وتفسير المؤلف وغيره ذلك بالاستئذان من باب تفسير الشيء ببعض أفراده للتمثيل به فقط.
وأحيانًا يفسر العلماء الآية بفرد من أفرادها تمثيلًا، كما قال بعضهم في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ٣٢] قال: الظالم لنفسه: الباخل بالزكاة، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ الباذل للزكاة الواجبة، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾: الباذل للصدقة بعد الزكاة، هذا ويش نجعله؟
* طالب: مثال.
* الشيخ: نجعله تفسيرًا بالمثال، تفسيرًا بالمثال فقط، لا على أن الآية إنما يراد بها ما ذكر، بل هذا من باب التفسير بالمثال.
* طالب: قراءة سبعية؟
* الشيخ: لا، ما هي بسبعية؛ السبعية: ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ فقط.
وقوله ﴿تُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا﴾: بدأ الله بالاستئذان قبل السلام، وهذا هو الترتيب الطبيعي، هذا الترتيب الطبيعي؛ لأنك تستأذن، فإذا أذن لك علمت أن في البيت أحدًا، حينئذ تسلم، يعني فتقرع الباب مثلًا تقول: يا فلان، إذا خاطبك تسلم عليه.
فالآية الآن مرتبة على الترتيب الطبيعي؛ استئذان أولًا، ثم السلام ثانيًا، قبل أن يتكلم الإنسان، قبل أن يتكلم بأي شيء.
وقول المؤلف: (فيقول الواحد: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟» كما ورد في حديث). هذا الحديث الذي ورد يُحمل على ما إذا كان المستأذن عالمًا بأن صاحبه موجود، حينئذ يسلم عليه ويقول: أأدخل؟ أما إذا كان لا يعلم فيقدم الاستئذان أولًا، ثم إذا علم أن فيه أحدًا سلم.
ولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة؛ هل تستأذن أولًا، أو تسلم أولًا، على قولين: منهم من يرى تقديم الاستئذان على السلام؛ لظاهر الآية: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾.
ومنهم من يرى أن السلام قبل الاستئذان؛ لأحاديث وردت في ذلك، تسلم أول، ثم قل: أأدخل؟
ومنهم من فصَّل فقال: إذا علم أن صاحب البيت فيه فإنه يسلم أولًا، ثم يستأذن، وإذا لم يعلم فإنه يستأذن أولًا ثم يسلم.
وهذا القول أصح، أرجح الأقوال الثلاثة هذا التفصيل؛ لأن به جمعًا بين الآية والأحاديث الواردة، ولأنه موافق تمامًا للنظر، فإن النظر يقتضي هكذا، إذا علمت أحدًا تسلم، وإلا فكيف تقول: السلام عليكم وأنت ما تدري لعل ما فيه إلا الجدران، لكن إذا علمت أن فيه أحدًا لكونه دعاك مثلًا أو سمعت صوتًا أو رأيت شخصًا فحينئذ تسلم ثم تقول: أأدخل؟
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: ﴿ذَلِكُمْ﴾: الخطاب لمن؟ للمؤمنين.
﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾: سنبحث الآن الخيرية التي تترتب على الاستئذان قبل الدخول، وقبل أن نتكلم عن هذا نتكلم عن مسألة نحوية أخطأ فيها القارئ فقال: (ذلك خير لكم)، الكاف للخطاب، كذا ولّا لا؟ و(ذا) اسم إشارة. اسم الإشارة يكون على حسب المشار إليه، والخطاب يكون على حسب المخاطب، فهمتم؟
أما القاعدة الأولى: أن اسم الإشارة يكون على حسب المشار إليه، فهذه قاعدة مضطردة ولا يمكن انخرامها.
وأما كون الكاف على حسب المخاطب فهذه على الأشهر والأكثر، أن الكاف بحسب المخاطب، فإذا كنت تشير إلى فرد مذكر تخاطب جماعة ذكور ويش تقول؟ فرد مذكر، تخاطب جماعة ذكور، ماذا تقول؟ ذلكم. (ذا) المشار إليه واحد مذكر، ذلكم، إذا كنت تشير إلى امرأة تخاطب جماعة ذكور؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، تشير إلى امرأة تخاطب جماعة ذكور.
* طالب: (تلكم).
* الشيخ: (تلكم)، لكن يجوز في كاف الخطاب هذه لغة ثانية، وهي أن تبقى مفردة مفتوحة للمذكر، مكسورة للمؤنث، فإذا كنت تخاطب مذكرا جماعة أو غير جماعة تقول: ذلكَ. إذا كنت تخاطب مؤنثًا جماعة وغير جماعة تقول: ذلكِ.
وفي لغة ثالثة لزوم الفتح دائمًا، يعني تجعل للمذكر المخاطب دائمًا. هذه ثلاث لغات أشهرها الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة.
﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾: ما هي الخيرية في كوننا نستأذن ثم نسلم عندما نريد بيوتًا غير بيوتنا، إذا أردنا بيوتًا غير بيوتنا، هل تعرفون شيئًا من الخير في هذا؟
* طالب: فيه من الخير أولًا عدم كشف المحارم من وجوهنا.
* الشيخ: نعم هذه هنا خيرية؛ أنك إذا استأذنت ما تكشف محارم صاحب هذا البيت؛ لأنك لو دخلت وهو (...) قد يكونون على حالة ما يرغبون أن أحدًا ينظر إليهم فيها، هذه واحدة. الثاني؟
* طالب: إظهار شعائر الإيمان مثال الاستئذان (...).
* الشيخ: إي نعم، لكن هذا بعد أن نعرف الخير الذي فيه يكون (...) لينا، هذه يمكن تمشي على رجل، يوجد معه (...). نعم.
* طالب: قد يكون صاحب البيت نائمًا مثلًا (...) فإذا استأذنت..
* الشيخ: يعني إحراج صاحب البيت؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: فإذا استأذنت زال هذا الإحراج، هذه هي الأولى ولّا غيرها؟
* طالب: لا، غيرها (...) ولكن صاحب البيت (...)، فإذن نستأذن (...).
* الشيخ: غير كشف المحارم، طيب صحيح ألا يقع صاحب البيت في إحراج؛ لأن هناك (...) فتحت الباب ودخلت مهما كان صاحب البيت في شغل، على كل حال يتلقى عنه، فربما يكون مشغولًا بشغل تحرجه إذا دخلت عليه.
* طالب: (...).
* الشيخ: من أيش؟
* طالب: تهيئ غرفة البيت.
* الشيخ: تهيئ من؟
* الطالب: استقبال الضيف.
* الشيخ: تهيئ صاحب البيت؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: نعم؛ لأنه أقرب إلى تهيئه واستعداده، حتى لا يظن الداخل أنه قد أهانه؛ لأنه لما يدخل بدون استئذان ولا يجد الشيء مقابلًا به، يقول: هذا أهانني ولا أكرمني، إلى آخره.
وفيه أيضًا: براءة الإنسان من التهمة، وهذه من أهم شيء؛ أن الداخل يبرأ بذلك من التهمة؛ لأنه إذا دخل على بيت بدون استئذان ربما يتهَم بهذا الشيء، بشيء لا ينبغي، فإذا استأذن فقد دخل على بصيرة، فمن أهم ما فيه من الخير: أن الداخل يبرأ من التهمة، في حالة ما يجعل هذا سارقًا، ولّا هذا يريد فاحشة، ولّا ما أشبه ذلك؛ لأنه كما هو معلوم الآن لو مثلًا واحد دخل بيتك على طول بدون أن يستأذن تتهمه ولّا لا؟
* طلبة: نتهمه.
* الشيخ: تتهمه بأنه يسرق، ولّا بيفعل فاحشة، ولّا بيقتل مثلًا.
ولهذا من أهم ما يكون من الخير في هذه المسألة: أن الإنسان يبرأ من التهمة.
وفي التسليم أيضًا ﴿تُسَلّمُواْ﴾ فيه أيضًا (...) السنة لكن فيه: تأمين أهل البيت، مع الدعاء لهم بالسلامة.
أما تأمين أهل البيت: فإنك لو قلت: السلام عليكم، فكونك تدعو لهم بالسلام، هذا من باب أولى وأحرى أن يعرفوا أنك لن يحصل منك ضرر، أنك لا يمكن أن يحصل منك ضرر؛ لأنك ما دام تسأل الله لهم السلام فكيف عاد أنك تتعدى عليهم؟
ولهذا قال العلماء: إن الرجل إذا سلم على كافر يعتبر ذلك تأمينًا له؛ لأنه يقول: السلام عليك، خلاص الآن سلمت أنا منك، ففي السلام أيضًا زيادة على ما سبق من الخير، وهو تأمين أهل البيت من شر هذا الداخل، وهو زائد على مسألة إبرائه من التهمة.
ثم فيه أيضًا: الإحسان إليهم بالسلام عليهم.
وفيه أيضًا: أنك كسبت أجرًا؛ لأن الإنسان إذا قال لأخيه المسلم: السلام عليك، كم يجيء من حسنة؟
* طالب: عشر.
* الشيخ: عشر حسنات، يجيئه عشر حسنات.
سبحان الله! يعني الواحد منا -الله يتوب علينا- لو قال: لك عشرة قروش إذا قلت: السلام عليكم، هل نفرط في السلام ولّا لا؟ أبدًا.
لو يقال هالصعاليك اللي ما يسلمون ولا يردون السلام بعد القيام، لو يقال لهم: ترى لكم كل مرة عشرة قروش، نعم، لا أقل عشرة هللة، يمكن ما يدَعون السلام أبدًا، غير ما عشر حسنات يمكن تضاعف إلى سبعمئة ضعف، هذه في الحقيقة يزهد الناس بها، ما ندري عاد هل هذا جهل منهم أو تهاون؟
على كل حال فيها أيضًا هذا من الخير، أنك تدعو لإخوانك الذين سلمت عليهم، فتكون بذلك محسنًا إليهم، وأيضًا أنت محسن إلى نفسك؛ لأنك جلبت لها عشر حسنات.
قوله تعالى: ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ بعد قوله: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾، إذا قلنا: ﴿بُيُوتًا﴾ هذه عامة، ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ يقتضي أيضًا العموم.
لو كان أهلها كفارًا هل تسلم عليهم أو لا تسلم؟ ظاهر الآية تسلم، لكن هل هذا الظاهر يُخَص بقول النبي ﷺ: «لَا تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ»[[أخرجه مسلم (٢١٦٧ / ١٣) من حديث أبي هريرة.]]؟ أو نقول: ذاك في الملاقاة، وهذا في الاستئذان؛ لأنك أنت اللي جاي إلى بيته؟
* طالب: في الملاقاة.
* الشيخ: أنا (...) عندي إن نظرنا إلى أن الآية عامة، والعام يجوز أن يخصَّص، قلنا: صحيح هذا يجوز أنه يخصص، أن نقول: إذا كان يهوديًّا أو نصرانيًّا وتستأذن عليه لا تقول: السلام عليكم. وإذا نظرنا إلى أن النهي عن (...).
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. تقدم أن الله سبحانه وتعالى بشرعه وقدره جعل الخبيثات للخبيثين والخبيثين للخبيثات، وأن كل شيء يأوي إلى ما يشاكله، فالطيب للطيب والخبيث للخبيث، وأن هذه القاعدة العامة يستفاد منها:
براءة عائشة رضي الله عنها مما رميت به. ووجه ذلك أن عائشة رضي الله عنها تحت أطيب الطيبين من الخلق، وهو النبي ﷺ، ولا يليق بحكمة الله وشرعه أن تكون خبيثة.
وتقدم أيضًا: أن الطيب إذا رماه أحد بخبث فإن الله تعالى يبرئه ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾، يبرئه بأسباب شرعية وأسباب قدرية، وهذا من عناية الله سبحانه وتعالى بأهل الطيب؛ أن الله لا بد أن يدافع عنهم شرعًا وقدرًا.
فمثلًا: نجد أن الله تعالى برأ الطيبين من قول أهل الخبث شرعًا بما أوجبه من حد القذف؛ فإن هذا -حد القذف- لا شك أنه تبرئة لمن؟ للمقذوف، تبرئة للمقذوف وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور ١٣].
ونجد أيضًا أن الله تعالى يبرئ الطيب قدرًا، يعني يقدر من الأسباب الكونية ما يتبين به براءته.
ومنه صاحب جريج الذي تكلم بالمهد، فإن الله تعالى برأ جريجًا مما رمي به، شو به؟ قدرًا؛ حيث تكلم هذا الطفل في المهد وقال: أبي فلان الراعي.
«كان جريج عابدًا من بني إسرائيل، فنادته أمه ذات يوم فلم يجبها؛ لأنه يصلي، فغضبت عليه وقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، فقدر الله سبحانه وتعالى عليه ما قدر، حتى رمته امرأة بأنه أصابها، وأن هذا الجنين أو هذا الحمل الذي وضعته منه، فقال: هاتوا الحمل، فجاءوا به، فقال: من أبوك يا (...) قال: أبي فلان الراعي، فبرأ الله بذلك جريجًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٣٦)، ومسلم (٢٥٥٠ / ٧) من حديث أبي هريرة. ]]؛ بسبب قدري ولّا شرعي؟
* طالب: قدري.
* الشيخ: بسبب قدري.
على كل حال، ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُون﴾ نقول: شرعًا وقدرًا؛ أما شرعًا فبحد القذف، وأما قدرًا فبما يوفره الله سبحانه وتعالى من الأمور الكونية التي يظهر فيها براءة هذا الطيب، واضح أو لا؟ وسبق لنا أيضًا أن الله سبحانه وتعالى نهى المؤمنين أن يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم إلا بعد أمرين، هما؟
* طالب: أولًا الاستئناس.
* الشيخ: نعم.
* طالب: الشيء الثاني: السلام على أهلها.
* الشيخ: الاستئناس والسلام على أهلها، وأيهما يقدم؟ الاستئناس أولًا، ثم السلام ثانيًا على كل حال ولّا فيه تفصيل، ما هو التفصيل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هو لا بد من الاستئذان، لا بد من قرع الباب، لكن هل يسلم أولًا أو يستأذن أولًا؟
* طالب: يستأذن أولًا.
* الشيخ: يستأذن أولًا، مطلقًا. نعم.
* طالب: على ثلاثة أقوال.
* الشيخ: فيها ثلاثة أقوال، ورجحنا؟
* طالب: الأخير.
* الشيخ: ما علمتنا حتى نعرف الأخير، ويش اللي رجحنا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: التفصيل.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، للأحاديث الواردة في ذلك. والثالث؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني إذا رأى أحدًا، أو سمع قولًا في البيت، فيسلم أولًا ثم يستأذن، وإلا فيستأذن أولًا، يكون التفصيل هذا هو الراجح؛ لأنه يدل عليه النظر أيضًا.
هذه الآية ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ على عمومها ولّا فيها تخصيص؟
* طالب: فيها تخصيص.
* الشيخ: ما هو؟
* طالب: لو كان (...) فلا يسلم.
* الشيخ: فلا يسلم عليه، يستأذن عليه بدون سلام. طيب الدليل العام؟
* طالب: قوله ﷺ: «لَا تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ بِالسَّلَامِ».
* الشيخ: «لَا تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ»، وهذا عام، كذا؟ صحيح.
هذه الآية مخصوصة بمن كان من أهل السلام، وأما من لم يكن من أهل السلام فإنه يُستأنس عليه ولا يُستأذن عليه.
فيه قراءة تروى عن ابن عباس بدل ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿تستأذنوا﴾ بدل ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾.
أيهما، طبعًا أيهما أرجح، ولّا ذيك شاذة ما هي سبعية.
* طالب: (...) لأنها عامة.
* الشيخ: لأنها عامة.
* طالب: (...).
* الشيخ: صحيح؛ لأن الاستئناس أعم من الاستئذان، فتكون هذه أرجح وأولى، على (...) شاذة ما يقرأ بها.
وأما ما روي عن ابن عباس أنه قال: أخطأ فيها الكاتب؛ فهذا كذب، لا يمكن أن يصح عن ابن عباس؛ لأن هذه قراءة سبعية أجمع عليها المسلمون، وهل يمكن أن يجمع المسلمون على خطأ في كلام الله؟ لا يمكن أبدًا ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت ٤٢].
ثم إننا نقول: هل وسيلة القرآن هي الكتابة فقط ولّا الكتابة والنطق؟
* طالب: الكتابة والنطق.
* الشيخ: الكتابة والنطق، لا سيما في الصدر الأول، فالنطق أكثر، تلقي القرآن بالنطق لا سيما في الصدر الأول أكثر من تلقيه بالكتابة، وبهذا يتبين أن هذا الأثر عن ابن عباس باطل، وإنما نبهنا عليه ولم يكن موجودًا عندنا؛ لئلا تغتروا به.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الخيرية هنا بين لنا منها شيئًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: التفسير الثاني (...) البيت.
* الشيخ: طمأنينة صاحب البيت.
* طالب: ثم الدعاء له.
* الشيخ: والدعاء له بالسلام.
* طالب: وكسب الأجر.
* الشيخ: وكسب الأجر من هذا السلام.
* طالب: دفع التهمة عن..
* الشيخ: دفع التهمة عن الداخل، نعم. هذه أربع؟ نعم.
* طالب: حفظ العورات.
* الشيخ: حفظ العورات، هذه خمس.
* طالب: إعداد المكان..
* الشيخ: إي هي، نعم، يعني استعداد صاحب البيت للضيف، تهيئته، حتى لا يدخل عليه وهو في حالة تحرجه.
* طالب: عدم الإحراج.
* الشيخ: إي عدم الإحراج، نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: ذكرناها، هذه مما علمناه، ومالم نعلمه يمكن أكثر من هذا، المهم أنه خير لنا، وقبل ذلك، يعني هذا الخير الذي علمنا أن الشارع أمر بذلك من أجله، لكن بعد أن يأمر الشارع بالشيء تكون الخيرية فيه هي امتثال أمر الشرع، لكن هذه بعد أن يأمر به الشرع، بعد أن يأمر الشرع بشيء أو ينهى عن شيء تكون الخيرية التي لا نعارض فيها شو هو؟ امتثال الشرع؛ فعل للأمر، وترك للنهي، فهذا خير ما يوجد في الأحكام الشرعية هي امتثال أمر الله واجتناب نهيه الذي من أجله خُلق الخلق ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦].
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
هذه منفصلة عما قبلها، يعني ما ينبغي أنك تقرأ تقول: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: (لعل) إذا جاءت في كلام الله فهي للتعليل، يعني أننا أمرناكم بذلك وبيناه لكم، وبينا أنه خير، لماذا؟ لأجل أن تذَكّروا.
يقول المؤلف: (بإدغام التاء الثانية في الذال، خيريته فتعملون به).
قوله ﴿تَذَكَّرُونَ﴾: أصله: (تتذكرون).
ويقول: إنها (بإدغام التاء الثانية في الذال)، فالقراءة على كلام المؤلف: ﴿تَذَّكَّرُون﴾ بتشديد الذال ﴿تَذَّكَّرُون﴾ ، وأصلها (تتذكرون) فأدغمت التاء الثانية في الذال فصارت: ﴿تَذَّكَّرُون﴾ .
ومعنى ﴿تَذَّكَّرُون﴾ يعني تتعظون؛ لأن التذكر اتعاظ الإنسان، وكون الأمر يقع منه على بال لا يغفل عنه ولا يسهو عنه.
وقول المؤلف: (خيريته فتعملون به) يفيد أن مفعول ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ محذوف تقديره خيريته، على أن الحقيقة أن هذا الفعل لا يظهر لي أنه متعدٍّ، بل الظاهر أنه لازم؛ يقال: تذكر، أي اتعظ، فالظاهر أنه لازم، والمعنى: تتعظون.
النور 24:28
قال الله تعالى: (﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ [النور ٢٨] يأذن لكم ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ﴾ بعد الاستئذان ﴿ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ﴾ أي الرجوع ﴿أَزْكَى﴾ أي: خير ﴿لَكُمْ﴾ من القعود على الباب).
إن لم تجدوا فيها أحدًا؛ أي في البيوت غير بيوتكم، مثلًا: افرض أنك تريد أن تذهب إلى صاحب لك، وجئت ولم تجد في البيت أحدًا، وعندنا علامة على عدم وجود أحد في البيت، إذا كان البيت مثلًا مغلقًا بـالقفلين عُلم أن صاحب البيت ليس فيه.
وقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ كيف حتى يؤذن لنا ونحن لم نجد فيها أحدًا؟ يعني إذا كان ما فيها أحد هل يمكن يوجد إذن؟
* طالب: بإذن سابق.
* الشيخ: إذن سابق؟ كيف؟ يعني حتى يكون قد أذن لكم؟ ما يصح، ما يستقيم الكلام.
* طالب: صاحب البيت يمكن أذن لهذا وما هو موجود.
* الشيخ: وما هو موجود؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني إذن سابق لكن هذا يمنعه أن.. ﴿حَتَّى يُؤْذَنَ﴾، ما قال: إلا إن أذن لكم، يعني: ينتظر.
المعنى أنه إذا لم تجد أحدًا مستحيل الدخول، فكما أنه لا إذن مع عدم وجود أحد، فلا دخول إذن، ولكن جاءت بهذه الصيغة -والله أعلم- إشارة إلى أن العلة في الدخول وعدمه هو الإذن ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ طبعًا أنا إذا علمت أن ما فيها أحد، ما فيه إذن، لكن معنى لا تدخلوها لأنه لا إذن، فإن انتظرتم حتى جاء صاحب البيت وأذن لكم فادخلوا، وإن انصرفتم فلا حرج.
واحتمال أن يكون الإذن مسبقًا، إذن سابق يعني احتمال هذا ذهنًا وارد، يعني: ممكن، لكن التعبير لا يساعده؛ لأنه قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ﴾ لا تفعل كذا حتى يكون كذا، إذن فهذا الكون لا بد أن يكون بعدما ورد به النهي، وهذا ينفي أن يكون الإذن سابقًا.
* طالب: وكيل صاحب البيت؟
* الشيخ: إي، المعلوم إذا كان وكيل صاحب البيت فقد وجدنا أحدًا.
* طالب: يكون فيه ضرر على (...) فإذا أراد (...).
* الشيخ: ما يخالف؛ هذا ما نقول: إنه فيه إذن سابق، هذا نقول: وكيل عن صاحب البيت، فهو بمنزلته، لكن إن وجد إنسان أصلًا بيستأذن وما فيه أحد ما يدخل حتى يؤذن له ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾.
لو استأذنت على صاحب البيت ويقول: والله ارجع يا أخي، ما أبغي جلوسًا، أو ما أبغي الفتح، فهل تقول: لا، وتأنف من كونه يردك تقول: والله أنا عديت ما يمكن لا تفتح، ويش الجواب؟
الجواب: يقول له: ﴿ارْجِعُوا﴾، ﴿إِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾، وفي هذا دليل على أن الإسلام صريح، يعني لا بأس أن صاحب البيت يقول: ارجع ما أنا بفاتح البيت، ويجب على من قيل له ذلك أن يرجع، لا يأنف، (...) أنا ما يمكن إلا أدخل، يقول الله: ﴿ارْجِعُوا﴾.
ولما كان هذا الرجوع شاقًّا على النفوس رغب الله فيه بقوله: ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾.
(﴿فَارْجِعُوا هُوَ﴾ أي: الرجوع ﴿أَزْكَى﴾ أي: خير ﴿لَكُمْ﴾ من القعود على الباب).
المهم، بين المفضل عليه وهو القعود على الباب، ولكن ينبغي أن نقول: إن الآية عامة ﴿أَزْكَى لَكُمْ﴾ مطلقًا، سواء قعدتم على الباب، أو لزّمتم وأحرجتم صاحب البيت، المهم أن هذه الجملة ترغيب وحث على الرجوع؛ لأن الرجوع في الحقيقة يشق على النفس؛ إن صاحب البيت يقول له: ارجع، ثم يرجع، لا سيما إذا كان قد أتى من بعيد فإنه يشق عليه، لكن بين الله سبحانه وتعالى أن هذا العمل الذي هو الرجوع أزكى للإنسان، يعني أشد زكاءً، والزكاء هو عبارة عن سمو الأخلاق وعلو الآداب، وكذلك من ناحية العبادة أيضًا، فزكاء الإنسان عبارة عن نماء أخلاقه وآدابه ودينه أيضًا، ودينه.
قال بعض السلف: لقد تمنيت أن أحصل على هذه مرة في عمري، ويش لأجله؟ لأجل أن يحصل الزكاء، ولكن قَلّ أن توجد هذه.
وفي هذه الآية من بيان صراحة الإسلام وآداب الإسلام ما فيه، وأن الإنسان ينبغي أن يكون صريحًا غير ملتوٍ.
يعني مثلًا: أرغب أن تدخل، أقول: ادخل، لا أرغب، أقول: ارجع، وهذه كثير من الناس لا يفعلها، ولكن الشرع يبيح لك أن تفعل، يبيح لك أن تقول لمن استأذن عليك: ارجع، لا تقول: والله هذا شيء صعب، شيء شاق، ولا أتمكن من أن أقوله، نقول: الشرع لا يحرجك، إذا كان غير مناسب أنه يدخل عندك، وعندك أشغال مهمة مثلًا، أو هذا الرجل مثلا يحتاج إلى ضيافة بينة كبيرة ولست مستعدًّا له، فلا حرج أن تقول: ارجع، وإذا رجع كان ذلك أزكى له وأطهر.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هو يحدث في نفسه إذا كان ما قرأ هذه الآية، أما إذا كنت قرأت هذه الآية وقال لي: ارجع، ورجعت كل يريد الزكاء، كل إنسان يريد الزكاء، ولهذا نحن قلنا: الحكمة في أن الله قال: ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾: الحث والإغراء على الرجوع وعدم الأنفة، وألا يكون في قلبه شيء، هذه آداب إسلامية ينبغي أن نتأدب بها وأن نكون صرحاء. أيما هذا أو أنه يأذن لي؟ يأذن لي على إغماض، وعلى إحراج، ويمكن أفوته مصالح كثيرة! أيهما أولى؟ الأول أولى.
وهذه يعني الظاهر أنها مرت عليكم، إنه مر عليكم أحيانًا يستأذن عليك إنسان وأنت ما ودك يدخل، ما ودك أبدًا يدخل، إما في الشغل ضروري، ولّا في حاجة ما يمكن يشاهدها في البيت، ولّا غير ذلك. على كل حال هذه المسألة هي الآداب الإسلامية، وأن الإنسان ينبغي أن يكون صريحًا، ليس في عمله ولا في قوله شيء من الالتواء.
قال: ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الدخول بإذن وبغير إذن، ﴿عَلِيمٌ﴾ فيجازيكم عليه).
﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: (ما) اسم موصول، توافقون على هذا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: أي بالذي تعملونه، واسم الموصول يفيد؟
* طالب: العموم.
* الشيخ: العموم، وتقييده بالدخول بإذن أو بغير إذن لا ينبغي في الحقيقة، وإن كان إنه في سياق ذلك، لكن العبرة شو به؟ بعموم اللفظ، فالله سبحانه وتعالى بكل ما نعمل من الدخول بإذن أو بغير إذن، والرجوع إذا قيل: ارجعوا، وعدم الرجوع، وغير ذلك أيضًا من أعمالنا ﴿عَلِيمٌ﴾، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، حتى الأعمال التي لا يطلع عليها أحد كأعمال القلوب فالله سبحانه وتعالى عليم بها.
ما هي الفائدة من كون الله سبحانه وتعالى يُعْلمنا بأنه عليم بعملنا؟
الفائدة واضحة هي الحذر، كما قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة ٢٣٥]، الحذر منه تبارك وتعالى إذا كنا عملنا معصية، والرغبة فيما عنده إذا عملنا طاعة، يعني أنا عندما أُومن بأن الله عليم بما أعمل فهذا يوجب لي الحذر من مخالفته، ويوجب لي أيضًا: الرغبة في موافقة شرعه؛ لأنه سيعلم ذلك وسيجازيني على ما عملت.
فالحاصل أن إخبار الله عباده بأنه عليم بما يعملون يتضمن أمرين: تحذيرًا وترغيبًا. تحذيرًا منين؟
* طالب: من المخالفة.
* الشيخ: من المخالفة. وترغيبًا: في الموافقة، موافقة الشرع؛ لأن ذلك لا يضيع، فإنه معلوم عند الله سبحانه وتعالى.
النور 24:29
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ﴾ [النور ٢٩] أي منفعة ﴿لَكُم﴾ باستكنان وغيره كبيوت الربط والخانات المُسبلة ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ تظهرون ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ تخفون في دخول غير بيوتكم من قصد صلاح أو غيره) إلى آخره.
* طالب: يعني (...) هنالك.
* الشيخ: باستئذان.
* طالب: باستكنان.
* الشيخ: أيش؟
* طالب: بالكاف، باستكنان.
* الشيخ: باستكنان وغيره؟ طيب، هي أصلًا لخبطت عندي شوية.
يقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾، الجناح: الإثم.
فيستفاد مما سبق أن الأوامر هناك للوجوب؛ لأنها هي التي يأثم الإنسان بمخالفته، فقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ يدل على أن ما سبق يكون في مخالفته الجناح.
﴿أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ المتاع: يقول المؤلف: المنفعة، والأصح أنها أعم من ذلك، سواء منفعة باستكنان كما قال المؤلف أو غيره، متاع يعني: ما يكون متعة لكم من منافع وأعيان، حتى لو كان البيت مثلًا فيه أعيان لي، ككونه مخزنًا فيه أموال، هذا أيضًا ليس عليَّ جناح أن أدخله بدون استئذان، وإن كان البيت لغيري. والسبب لأن وجود الحاجة فيه لي، أو المتاع لي فيه، هو إذن لي بالدخول، كون هذا الرجل بيعطيني جزءًا من بيته أضع فيه متاعًا لي هذا يدل على أنه قد أذن لي بذلك، ما حاجة أني أستأذن إذنًا جديدًا. وهذا أيضًا الإذن الذي أوجبه الشارع في هذه الحال ما يظهر أنه يجب؛ لأن البيت غير مسكون، وإذا صار غير مسكون فأصل الاستئذان إنما جعل من أجل النظر، والنظر هنا مفقود؛ لأنه ما فيه أحد، لكن لما كان لغيري صار الإنسان قد يكون متحرجًا؛ لأنه قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾، لو أخذنا بعموم ها الآية ذي لقلنا: البيوت غير المسكونة ولو فيها متاع لنا ما ندخلها حتى يؤذن لنا، لكن في هذه الحال إذا كانت غير مسكونة وليست محلًّا للسكنى وفيها متاع لنا، سواء منفعة أو عين، فإنه لا حرج علينا أن ندخلها بدون استئذان.
وقوله: ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ دليل على أنه إذا لم يكن فيها متاع لنا فإننا لا ندخلها ولو كانت غير مسكونة، والحكمة في هذا ظاهرة؛ لأن الرجل إذا دخل بيتًا ليس له وهو غير مسكون وليس له فيه منفعة أو متاع، يؤدي ذلك إلى تهمته، شو به؟ الفساد، كما يوجد الآن في البيوت التي لا تسكن أحيانًا تكون مأوى للخبثاء، فإذا كان الإنسان ليس له متاع في هذا البيت فإنه لا يدخله إطلاقًا، أما إذا كان له متاع وهو لو غير مسكون فلا حرج على الإنسان أن يدخله، سواء استأذن أولم يسـتأذن، ولكن الاستئذان هنا غير وارد؛ لأنه ليس مسكونًا، إلا أنه لولا هذا الاستثناء لقلنا: إن عموم قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ يقضي على هذه الحال أيضًا، ولكن هذا من نعمة الله.
فالحاصل الآن: البيوت ثلاثة أقسام صارت: بيوت مسكونة فيها أهلها، ويش الواجب؟ الاستئذان والسلام. بيوت ليس فيها أحد، لكنها مسكونة، لكن ما وجدنا فيها أحدا، أيضًا لا بد من الاستئذان، ما ندخلها حتى يؤذن لنا.
بيوت غير مسكونة، هذه إن كان فيها متاع لنا فليس علينا جناح في دخولها، وظاهره إن لم يكن لنا فيها متاع فإنه لا يجوز دخولها، علينا جناح في ذلك.
والسبب أنها إذا كانت غير مسكونة، وهي ما ملك لنا، لو ملك لنا واضح لكنها ليست لنا، إذا دخلناها وليس لنا فيها متاع أوجب ذلك التهمة، هذه من جهة، ويوجب أيضًا المخاصمة مع صاحبها؛ لأن صاحبها يقول: لأيش تدخل بيتي؟ أليس كذلك؟ فإذا قلت له: هو غير مسكون، ولا حاجة أستأذن لأن ما فيه أحد، ما فيه ساكن، يقول: ولكن البيت لي، لا يحل لك أن تتصرف فيه بالدخول، فلهذا يقول: اشترط الله تعالى أن يكون فيها متاع لنا.
* طالب: يا شيخ، المتاع المنفعة لأيش؟
* الشيخ: لا، المتاع يقول المؤلف: (أي منفعة).
* طالب: (...).
* الشيخ: إما منفعة أو عين.
* طالب: (...).
* الشيخ: المنفعة مثلما قال المؤلف: باستكنان أو شبهه.
الاستكنان وشبهه من المنفعة، مثلًا: لو فُرض أنه نزل أمطار كثيرة، وحولك بيوت غير مسكونة ودخلت لأجل تستكن من المطر، أو حر شديد، أو عدو لاحقك، أو ما أشبه ذلك، هذه منفعة، والعين مثلما أشرنا إليه.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾.
* طالب: يعني إذا كان المصلحة (...).
* الشيخ: إي نعم، ﴿فِيهَا مَتَاعٌ﴾ يعني: شيء يمتعك.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، مثلما قال هنا: ﴿مَتَاعٌ﴾، أي: ما تتمتع به من عين أو منفعة.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾.
لاحظوا الفرق بين التعبيرين، هناك قال: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، و﴿عَلِيمٌ﴾ اسم، وهنا قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾، و﴿يَعْلَمُ﴾ فعل، الجملة فعلية.
والفرق بينهما أن الأول ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ باعتبار وصف الله بالعلم؛ فإن علم الله تعالى صفة لازمة له أزلية أبدية، ولّا حادثة؟
* طلبة: أزلية.
* الشيخ: أزلية أبدية، وليست بحادثة إطلاقًا، علم الله لا يتجدد سبحانه وتعالى، بل هو لم يزل ولا يزال عالمًا بما كان وما سيكون. وهنا قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ وقد قال العلماء: إن الجملة الفعلية تدل على التجدد والحدوث، الجملة الفعلية تدل على التجدد والحدوث، وحينئذ يشكل علينا؛ لأننا أسسنا قاعدة أن علم الله أزلي أبدي.
فنقول: إن المراد هنا ربط العلم بالعمل، ربط علم الله بالعمل، وربط علم الله بالعمل يقع كثيرًا في القرآن؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١]، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران ١٤٢]، وما أشبهها مما يدل على أن علم الله سبحانه وتعالى مقرون بالعمل.
وليس قرنه بالعمل من أجل أنه تجدد بعد وقوع العمل، لا، لكن الله تعالى يعلم بالشيء قبل وجوده أنه سيقع، ويعلم بالشيء بعد وجوده أنه قد وقع، فالعلم المقارن غير العلم السابق، العلم المقارن هو الذي يترتب عليه الجزاء، والعلم السابق لا يترتب عليه الجزاء، ولهذا قال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران ١٤٢]، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أيش بعد؟ ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾، فالمراد بذلك العلم المقارن، ويش الذي يترتب عليه؟ الجزاء؛ بالإثابة على الموافقة، والعقوبة على المخالفة.
لاحظوا يا جماعة لأن هذه بالحقيقة مشكلة، يعني وجود التعبير عن العلم بالفعل أو مثل الآية الأخرى ﴿لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ وما أشبه ذلك تشكل على الإنسان، ووجه الإشكال أنه يقول: علم الله لا يتجدد، هذا هو المستقر في نفوسنا وعقيدتنا، وهو الواقع، علم الله لا يتجدد، وهذه الآيات ظواهرها أن علم الله يتجدد.
ويش الجواب قلنا؟ الجواب: أن علم الله أزلي لا يتجدد، لكن هو علمٌ سابق على الوجود، وعلمٌ مقارن للوجود، فهمتم؟ فالعلم السابق على الوجود علم بأن الشيء أيش؟
* طلبة: سيقع.
* الشيخ: سيوجد أو سيقع. والعلم المقارن للوجود علم بأن الشيء وقع، والعلم المقارن للوجود هو الذي يترتب عليه الجزاء؛ إثابة في الموافقة، وعقوبة في المخالفة.
وبذلك يزول عنا هذا الإشكال العظيم الذي من اعتقده فهو كافر، من اعتقد مقتضى ظواهر هذه الآيات فهو كافر؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يتجدد علمه، بل هو بكل شيء عليم، ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج ٧٠]، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد ٢٢]، وهل يكتب الله ما لا يعلم؟ ما يمكن، لا يمكن أن يكتب إلا ما علم، ولا يمكن أن يقع إلا ما كان موافقًا للكتاب.
على كل حال ﴿يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ قرن العلم هنا بما يبديه الإنسان ويكتمه؛ لأنه العلم الذي يترتب عليه أيش؟ الجزاء، ولهذا قال: ﴿مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾.
يقول: (﴿مَا تُبْدُونَ﴾ تظهرون، ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ تخفون، من دخول غير بيوتكم من قصد صلاح أو غيره، وسيأتي أنهم إذا دخلوا بيوتهم يسلمون على أنفسهم).
هذا أيضًا بالحقيقة من دخول غير بيوتكم، هذا مثلما أشرنا إليه سابقًا السياق، كما قال المؤلف، لكن العبرة بالعموم، فكل ما نبديه من قول وفعل، وكل ما نخفيه، فإن الله تعالى عالم به.
والغرض من بيان علم الله بذلك هو أيش؟ التحذير من المخالفة، والترغيب في الموافقة. أما كونه تحذيرًا من المخالفة فظاهر، وأما كونه ترغيبًا في الموافقة فأنا إذا علمت أنني مهما عملت من خير فإن الله تعالى يعلمه، وسيجازيني عليه، فإنني أنشط على العمل وأقول: ما يضيع لي شيء.
النور 24:30
ثم قال الله تعالى: (﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠] عما لا يحل لهم نظره، و(من) زائدة، ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ عما لا يحل لهم فعله بها).
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، أمره الله تعالى أن يقول.
وقد مر علينا حول هذا الموضوع قاعدة، أرجو أنها على بالكم الآن، ما هي؟ كون الله يقول للرسول في قضية معينة: ﴿قُلْ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، القرآن كله قد أُمر النبي ﷺ أن يقوله للناس، كل القرآن، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧]، لكن ما يُصَدَّر من الأحكام أو الأخبار بـ﴿قُلْ﴾ فهذا في الحقيقة نص على تبليغه بخصوصه، والنص على تبليغه بخصوصه ويش يدل عليه؟
على أهميته، يعني تكون هذه رسالة خاصة بهذا الشيء المعين، غير الرسالة العامة بكل القرآن، فالآن الرسول ﷺ قد أمر أن يقول للناس كل القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، لكن كونه يقال في شيء معين: خبريًّا كان أم طلبيًّا يقال فيه: ﴿قُلْ﴾ ويش يدل عليه؟ على أهميته ووجوب العناية به.
مثال ذلك في الخبر: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف ١٥٨]، هذا خبر.
ومثاله في الأحكام مثل هذه الآية: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠]. والحاصل؟
* طالب: الحاصل أن (...).
* الشيخ: نعم.
* طالب: (...) للدلالة على أهميته.
* الشيخ: على أهميته ووجوب العناية به، لماذا؟
* طالب: لأهميته.
* الشيخ: لا، أقول: لماذا يدل على؟ ويش السبب؟ أنت الآن قلت: هذا دليل على كذا، لماذا؟
* طالب: لأنه (...).
* الشيخ: لأنه أرسل به رسالة خاصة: قُلْ كذا، فكون الله تعالى يأمر النبي عليه الصلاة والسلام بتبليغه خاصة هي رسالة خاصة بهذا الشيء ليكون ذلك دليلًا على أهميته ووجوب العناية به، وما ذكر هنا في الآية لا شك أنه جدير بالعناية.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
* طالب: يعني في بداية الآية (...).
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا عاد واضح، هذا واضح أنه جواب، أقول: واضح أن المراد هنا الجواب، ما تشمل ها القاعدة فيه؛ لأنها جواب هذا.
* طالب: هذه جواب.
* الشيخ: هذه جواب..
* طالب: ﴿قُلْ﴾ لأنه جواب.
* الشيخ: لأنه جواب، وقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لماذا لم يقل: (قل للناس)؟ لأن الإيمان هو الذي يقتضي القبول، فالمؤمن هو الذي يقبل ما كلف به. ثم فيه أيضًا من الإغراء على الامتثال لما فيه، الإغراء على الامتثال، لم (...) ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ مثلما يقول: (قل للرجال كذا وكذا) أي أنه لإيمانهم هم الجديرون بهذه العناية، وهذا التوجيه الرباني، ففيه إغراء، وفيه دليل على أن المؤمن هو محل الامتثال؛ لأن غير المؤمن -نسأل الله العافية- ما هو ممتثل، اللي ما يؤمن لا يمتثل.
وقد حدثني بعض الإخوان البارحة عن شخص من هؤلاء المتأمركين الذين جاءوا من أمريكا يقول: إنه نصحني في أمور وقال: عود نفسك على هذا الشيء، ترى الإنسان إذا اعتاد شيئًا يكون سجية وطبيعة له. فقال له صاحبنا: لماذا لا تعود نفسك على الصلاة مع الجماعة في المسجد، فكان جواب هذا الرجل المتأمرك أو المستغرب -يمكن من غير أمريكا ما أدري، لكن على كل حال هو من المبعوثين للخارج- قال: أنا ما أقتنع بصلاة الجماعة. فما رأيكم بهذا الكلام؟ هل يكون كفرًا أو لا يكون؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لو أن الرجل قال: ما أقتنع بوجوب صلاة الجماعة؛ لقلنا: هذا رجل قلد غيره، والله أعلم بنيته، هل قلدهم كهولة، أو قلدهم للوثوق برأيهم، لكن يقول: ما أقتنع بصلاة الجماعة، معناه: ما أرضى بها (...).
قوله: ﴿يَغُضُّوا﴾ ما في (...)؟
وذكرنا لذلك شاهدًا وهو: محمد كفِّ نفسك كل نفس، يعني: لتكفي. أي جواب للأمر الموجود وهو ﴿قُلْ﴾. وأوردنا على ذلك ما يضعفه، وهو أن مجرد القول لا يلزم منه الغض، اللهم إلا على فرض أن المؤمن لا بد إذا قيل له أن يغض غضَّ.
الوجه الثالث: أنه جواب لأمر مقدر: قل للمؤمنين غضوا من أبصاركم يغضوا من أبصارهم، غضوا يغضوا. ما معنى الغض؟
* طالب: (...).
* الشيخ: القصر (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: القصر (...).
طيب ﴿مِنْ﴾ ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾؟ المؤلف يرى أنها زائدة، والصحيح؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أنها للتبعيض، ليست زائدة، كذا؟ ما الذي يضعف ما ذهب إليه المؤلف؟
* طالب: ثلاثة وجوه.
* الشيخ: ثلاثة أوجه، يضعف ما قاله المؤلف ثلاثة أوجه.
* طالب: (...).
وهو أن الكلام على قوله ﴿يَغُضُّوا﴾، ما جاء فيها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) يغضوا من أبصارهم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني جواب القول. والثالث؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) لأن جواب القول هو جواب العمل، عندنا ثلاثة آراء الآن:
إما أنها مجزومة باللام المقدرة: قل للمؤمنين ليغضوا من أبصارهم. وذكرنا لذلك شاهدًا وهو:
............................ ∗∗∗ مُحَـمَّــدُ تَـفْدِ نَـفْـسَـكَ كُـــلُّنَـــفْــسِ
يعني: لِتفدي.
أو جواب للأمر الموجود وهو ﴿قُلْ﴾، وأوردنا على ذلك ما يُضعّفه؛ وهو أن مجرد القول لا يلزم منه الغض، اللهم إلا على فرض أن المؤمن لا بد إذا قيل له أن يغُض غَض.
الوجه الثالث: أنه جواب لأمر مقدر؛ قل للمؤمنين: غضوا من أبصاركم، يَغضوا من أبصارهم؛ غُضوا يَغضوا، ما معنى الغض؟
* طالب: (...).
* الشيخ: القصر والنقص.
﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، المؤلف يرى أنها زائدة والصحيح أنها للتبعيض ليست زائدة، كذا؟ ما الذي يُضْعف ما ذهب إليه المؤلف؟
* طالب: ثلاثة أوجه.
* الشيخ: ثلاثة أوجه، يُضعِف ما قاله المؤلف ثلاثةُ أوجه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: المشهور أن (مِن) لا تُزاد إلا في النفي (...)، وهذه في إثبات. ثانيًا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وإذا جاء أنها زائدة صار المعنى واحد.
* الطالب: (...).
* الشيخ: طيب، أن غض البصر ليس حرامًا أو ليس واجبًا دائمًا، بل هو جائز، لماذا كان جائزًا وحفظ الفرج كله واجب؟! قالوا: لأن غض البصر من باب إيجاب الوسائل؛ يعني من باب سد الذرائع، تحريم إطلاق البصر من باب سد الذرائع؛ ولذلك يجوز إذا كانت المصلحةُ في فِعله بخلاف حفظ الفرج.