Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — النور 24:60 – النور 24:64

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. النور 24:60
  2. النور 24:61
  3. النور 24:62
  4. النور 24:63
  5. النور 24:64

النور 24:60

ثم قال تعالى: (﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور ٦٠] قعدن عن الحيض والولد لكبرهن ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ لذلك، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ من الجلباب والرداء والقناع والخمار، ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ﴾ مظهرات بزينة خفية كقلادة وسوار وخلخال، ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ ) إلى آخره. ﴿الْقَوَاعِدُ﴾ جمع قاعدة، وقوله: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ بيان للقواعد؛ لأن (الـ) في ﴿الْقَوَاعِدُ﴾ اسم موصول؛ لأنه إذا دخلت (الـ) على اسم مشتق سواء كان اسم مفعول أو اسم فاعل فهي اسم موصول، فـ﴿الْقَوَاعِدُ﴾ بمعنى اللاتي قعدن. وقوله: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ بيان لـ (قواعد)، لكن قعدن عن أي شيء؟ يقول المؤلف: (عن الحيض والولد) (...) معنى ﴿الْقَوَاعِدُ﴾ معناه اللاتي لا يلدن ولا يحضن لكبرهن. وقيل: ﴿الْقَوَاعِدُ﴾ الملازمات للبيوت لكبرهن؛ لأنهن لا يخرجن من العجز والضعف فهن قواعد. وقيل إن: ﴿الْقَوَاعِدُ﴾ اسم للعجائز مطلقًا مثلما نقول: عجوز؛ مشتقة من العجز، نقول أيضًا: قاعدة بمعنى: عاجزة عن القيام والذهاب والإياب. وقوله: ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ ﴿اللَّاتِي﴾ صفة لأيش؟ للقواعد ولا للنساء؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، صفة (للقواعد)؛ لأنك لو قلت: ﴿مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ صار فيه قواعد من النساء اللاتي يرجون نكاحًا، وليس الأمر كذلك، فقوله: ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ صفة (للقواعد). وقوله ﴿لَا يَرْجُونَ﴾ كيف (لا يرجون) وهم مؤنث، و(يرجون) فعل مذكر؟ * طالب: النون نون النسوة. * الشيخ: والواو. * الطالب: الواو (...). * الشيخ: إي نعم، الواو واو الفعل، والنون نون النسوة. ومعنى ﴿لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ أي: لا يطمعن فيه وذلك لكبرهن؛ لأنهم ما يرجون إن أحد يتجوزهن بحيث إن العجائز ما يبغيهن أحد. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُن﴾ لا شك أن المراد بقوله: ﴿يَضَعْنَ ثِيَابَهُن﴾ ليس جميع الثياب، بمعنى: يبقين عراة، هذا لا يمكن القول به. إذن فما المراد بالثياب؟ الثياب الظاهرة التي جرت العادة بلبسها مثل الجلباب. قول المؤلف: والرداء والقناع والخمار الأشياء الظاهرة، فيجوز للمرأة العجوز أنها تلبس مِقْطَع، تُبْدِي يديها ورأسها ووجهها ورجليها وساقيها، لكن بشرط ألا تتبرج بزينة ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾، فكأنها تبغي علشان تبدي الزينة؛ لأن بعض العجز لو ما هن براغبات النكاح يحب إنهن يُرَيْن بمنزلة الشوابِّ؛ تجدها مثلًا تلبس سوار وتلبس خلخال، وتقعد تبجح عند الناس، لكن هذا شرط ألا تكون بهذه الحال، إن كانت بهذه الحال فلا يجوز، لكن إذا كانت المسألة طبيعية فيجوز لها أن تضع ثيابها. * طالب: لو كانت عند أجنبي؟ * الشيخ: إي نعم، ولو كانت عند أجنبي؛ لأنها ما ترجو نكاح (...) باغية، وسيأتي إن شاء الله في ذكر الفوائد أشياء أكثر من هذا. * طالب: ﴿بِزِينَة﴾ (...) ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَة﴾ (...). * الشيخ: إي، معناه ما في تبرج إلا بالزينة. * الطالب: (...). * الشيخ: ما في تبرج إلا بالزينة؛ أقول هذا بيان للواقع. * الطالب: بيان للواقع. * الشيخ: بيان للواقع، أيوه. * طالب: هل دائمًا يا شيخ نعلق الطلب (...)؟ * الشيخ: ويش لون؟ * الطالب: ﴿الْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ هل (...)؟ * الشيخ: إذا كانت عجوزًا ما يخالف، يعني: لو أن إنسانًا جاب له امرأة عجوز خادم في البيت، يجوز تكشف ما في مانع. * طالب: (...) محرم؟ * الشيخ: لا، المحرم لا، الأحاديث عامة ما يجوز تسافر إلا بمحرم. * الطالب: (...) موجودة بالبيت. * الشيخ: لا ما هي بشرط؛ لأن البيت إذا صار ما فيه خلوة ما يخالف. * الطالب: (...) خمسة عشر من البلوغ، ولا خمسة عشر من أول.. * الشيخ: لا، بلوغه تمامه الخامسة عشر. * طالب: يعني: دخوله في السادس عشر؟ * الشيخ: نعم. * * * * الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: كتاب اسم الكريم، المؤرخ اثنين وعشرين من رمضان هذا العام، (...) والحمد لله على ذلك تهنئتكم بعيد الفطر لكم منا مثلها ونسأل الله أن يتقبل من الجميع. تذكرون أنكم تصفحتم رسالة في الوضوء والغسل والصلاة، وأنه لفت نظركم كيفية وضع اليد اليمنى بين السجدتين. فيا محب إن الذي في الرسالة هو مقتضى ما جاءت به السنة عن النبي ﷺ كما رواه مسلم.. * الشيخ: استمعوا يا إخواني ترى هذه فائدة فقهية ما هي مسألة.. * الطالب: كما رواه مسلم[[(٥٧٩ / ١١٣).]] من حديث عبد الله بن الزبير. قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بأصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم كفه اليسرى ركبته»، وفي رواية: «إذا قعد في الصلاة »[[أخرجه مسلم (٥٧٩ / ١١٢).]]. ورُوِيَ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كان -يعني: النبي ﷺ- إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى علي فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى »[[أخرجه مسلم (٥٨٠ / ١١٦).]]، ولم يرد التفريق بين الجلوس للتشهد والجلوس بين السجدتين فيما أعلم، ويدل على أنه لا فرق بين الجلستين ما رواه الإمام أحمد في المسند صفحة ثلاث مئة وسبعة عشر الجزء الرابع من حديث وائل بن حجر قال: «رأيت النبي ﷺ كبَّر فرفع يديه حين كبر »[[(١٨٨٥٨).]]، فذكر الحديث وفيه:« وَسَجَدَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ ذِرَاعَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ أَشَارَ بِسَبَّابَتِهِ، وَوَضَعَ الْإِبْهَامَ عَلَى الْوُسْطَى، وَقَبَضَ سَائِرَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ سَجَدَ، فَكَانَتْ يَدَاهُ حَذَوَ أُذُنَيْهِ». * الشيخ: ويش صار هذا؟ * الطالب: صار بين السجدتين. * الشيخ: (...)؛ لأنه بين السجدتين (...). * الطالب: وفي رواية: «عقد ثلاثين، وحلق واحدة، وأشار بإصبعه السبابة»[[(١٨٨٥٠).]] . * الشيخ: كم عقد؟ * طالب: ثلاثين. * الطالب: وذكر الحديث في الفتح الرباني ترتيب المسند صفحة مئة وسبعة وأربعين الجزء الثالث وقال في سنده: جيد[[(٣ / ١٤٩).]]. وقد رواه بنحوه أبو داود[[(٧٢٦).]] وقال فيه: «وقبض اثنتين، وحلَّق حَلْقَة»؛ يعني: حَلَّق الإبهام مع الوسطى، وبهذا تبين أن لا فرق بين جِلْسَتي التشهد والجلوس بين السجدتين، فأما تقييد الجلوس في بعض روايات حديث ابن عمر بالجلوس للتشهد[[أخرجه مسلم (٥٨٠ / ١١٥). ]] فلا ينافي الإطلاق؛ لأن ذِكْرَ بعض أفراد المُطلَق بِحُكْمٍ يطابق حكم المطلق لا يستلزم تقييده، وإن كان قد يقتضيه إذا لم يقم دليل على الإطلاق. وفي رواية: «وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها، ويده اليسرى على ركبته اليسرى باسطها عليها»[[أخرجه مسلم (٥٨٠ / ١١٤).]]، وظاهره أنه رفعها للدعاء بها، وهو رفعٌ فوق مطلق الإشارة التي جاءت في الرواية الأولى، وفي حديث ابن الزبير[[سبق تخريجه.]]، وعلى هذا فتكون السبابة مرفوعة رفع إشارة، فإذا ذكر الجملة الدعائية رفعها زيادة إشارة إلى عُلُوِّ مَنْ دعاه، وهو الله تعالى ويؤيد ذلك حديث وائل بن حجر:« ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها »[[أخرجه النسائي (٨٨٩)، والدارمي (١٣٩٧). ]]، وفي حديث ابن الزبير عند الدارمي: «رأيت النبي ﷺ يدعو هكذا في الصلاة»، وأشار ابن عيينة بإصبعه. رواه الدارمي[[(١٣٧٧).]]. * الشيخ: خلِّ معك هذا الكتاب، وراجع المسند والفتح. * طالب: قول (...) حلَّق ثلاثين. * الشيخ: الظاهر أنها خطأ في المسند (...) أبو داود: «عقد اثنتين». * طالب: (...) ثلاثين (...). * الشيخ: أقول: ثلاثين، الظاهر إنها خطأ بالمسند، الظاهر إنها مثل رواية أبو داود: «عقد اثنتين». * طالب: حكم صاحب الفتح الرباني (...). * الشيخ: والله الظاهر إنه لا بأس به، وحتى الرجال ما رأيت فيهم شيء. * طالب: الإشارة يا شيخ في غير التشهد واردة؟ * الشيخ: إي نعم، في الدعاء في خطبة الجمعة« كان الرسول يشير إذا دعا »[[أخرجه مسلم (٨٧٤ / ٥٣) من حديث عمارة بن رويبة. ]]، إلا في الاستسقاء فكان يرفع يديه[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٣١)، مسلم (٨٩٦ / ٧) من حديث أنس. ]]، وكذلك أيضًا ورد أن الرسول أشار عندما قال: اللهم اشهد[[أخرجه أبو داود (١٩٠٥) من حديث جابر بن عبد الله. ]] في خطبة عرفة (...). * * * حتى أن الله سبحانه وتعالى أمر الأطفال إذا بلغوا الحلم أن يستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم؛ يعني: في كل وقت، وأما قبل ذلك فلا يستأذنون إلا في ثلاثة أوقات فقط؛ وذلك لأنهم متردِّدون علينا، والاستئذان في كل مرة يَشُقُّ، وهذا الدين ما جعل الله تعالى فيه من حرج على هذه الأمة، ثم سبق أيضًا أن الله نفى الجناح عن القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا أن يضعن ثيابهن يعني: الظاهرة من الثياب بشرط ألا يَكُنَّ متبرجات بزينة، وبَيَّن أن استعفافَهن خير لهن، وهو ما سنبدأ به الآن إن شاء الله. قال: (﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ) يعني: العجائز اللاتي (قعدن)؛ يقول المؤلف: (عن الحيض والولد لكبرهن)، بل وعن الأعمال أيضًا، قَعَدْن عن الأعمال والحيض والولد؛ لكبرهن ولزمن بيوتهن وَأَمْكِنَتَهُنَّ، فهي جمع قاعدة. وقوله: ﴿لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ أي: لا يطمعن فيه؛ وذلك لكبرهن وعدم رغبة الناس بهن يقول: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ﴾ أي: إثم. (﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ﴾ مظهرات بزينة خفية كقلادة وسوار وخلخال) التبرج بمعنى التعلِّي والظهور، ومنه البروج التي في السماء لعلوها وارتفاعها؛ فمعنى ﴿مُتَبَرِّجَاتٍ﴾ أي: متعليَّات. وقول المؤلف رحمه الله: (مُظْهِرات) هذا من باب التفسير باللازم، وإلا فالتبرج معناه التعلِّي يلزم منه أن يُظْهِرْن الزينة. وقوله: ﴿بِزِينَةٍ﴾ أي: بزينة خَفِيَّة يُظْهِرنها إذا وضعن تلك الثياب. ثم قال: (﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ بألا يَضَعْنَها ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ ﴾ )﴾ لما في ذلك من البُعد عن مواضع الفتنة، وكما قيل: لكل ساقطة لاقطة؛ قد تكون بنفسها لا ترجو النكاح لكِبَرها، ولكن ربما يتعلق بها إنسان وهي بهذه الحال؛ ولهذا قال: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنّ﴾. (﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لقولكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بما في قلوبكم) ختم الآية بالسمع والعلم؛ لأن المقام قد يقتضي قولًا كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] وبالعلم؛ لأن قوله ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ﴾ محلُّه القلب، ومتعلقه العلم؛ لأن ما في القلب لا يُسْمَع ولا يُرْىَ، وإنما يعلم علمًا فهو سميع سبحانه وتعالى بما يُقال لهن أو يَقُلْنَه هؤلاء القواعد، وعليم بما في قلوبهن وقلوب من نظر إليهنَّ من الميل والفتنة. * طالب: محلها القلب ولّا الجوارح؟ * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: متبرجات. * الشيخ: لا، الجوارح، هذا ما يتعلق بالعلم يتعلق بالرؤية. * طالب: (...) متبرجات. * الشيخ: إي؛ لأنها قد تظهر الزينة بدون قصد التبرج فلا يكون في ذلك نية. * في هذه الآية فوائد: * أولًا: الحكم الظاهر منها؛ وهي أن العجائز اللاتي يئسن من النكاح لكبرهن يجوز لهن وضعُ الثياب الظاهرة مثل: الجلباب والرداء والخمار وما أشبه ذلك؛ يعني: هذه الألبسة الظاهرة يجوز للعجائز أن يضعنها؛ وذلك لأنهن لا يرجون نكاحًا فلا يخفن من الفتنة. * ثانيًا: أن على غير القواعد أن يَلْبَسْنَ لباسًا ظاهرًا ساترًا، ما تقول المرأة: أنا بدي أطلع بالمقَطَّع وبدون خمار، وما أشبه ذلك لا، يجب على غير القواعد أن يَبْقَيْنَ ثيابُهن الظاهرة عليهن لما في ذلك من التستُّر، ولأن عدمه يدخل في الحديث الصحيح: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا بَعْدُ؛ قَوْمٌ مَعَهُمْ سِياطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسُ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مَائِلَاتٌ مُمِيلاتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَها، وَإِنَّ رِيحَها لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا»[[أخرجه مسلم (٢١٢٨ / ١٢٥) من حديث أبي هريرة.]] فإن المرأة إذا كان عليها ثياب لكن تَصِفُ مقاطع جسمها ولا تزول بها الفتنة فهي كاسية عارية. * وفيه أيضًا: يقاس على القواعد من لا تُشْتَهَى لغاية في قبحها، فإن التي لا تُشْتَهى لغاية في قُبْحِها كالعجائز؛ لأنها لا ترجو النكاح، ولا يطمع أحد فيها؛ ولهذا ألحق العلماء هذا الصنف من النساء بالقواعد. * رابعًا: أن التبرج بالزينة حرام على العجائز؛ لقوله: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ فهذا الشرط إذا تَخَلَّف صار عليهن جناح في ذلك، وهذا يدل على التحريم فإذا كان التبرج حرامًا على العجائز فنقول: * الفائدة الخامسة: تحريم التبرج على مَنْ؟ على الشوابِّ ومن هي محل الفتنة، هذا القياس قياس أولوية أو مساواة؟ * طلبة: أولوية. * الشيخ: أولوية، معلوم؛ لأنه إذا حرم القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا، فغيرُهن ممن يرجو النكاح وتتعلق به الفتنة أبلغ. * السادس: أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، كيف ذلك؟ لأن الله إنما أباح وضع الثياب لهؤلاء القواعد؛ لأن الفتنة بعيدة فيهن، فيؤخذ منه: أن المدار كله على خوف الفتنة في مثل هذه الأمور فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. * الفائدة السابعة: ما نَبَّه عليه كثير من أهل العلم بأنه حتى على القول بجواز كشف الوجه واليدين إذا كان ذلك ذريعة إلى الفتنة والتوسع كان هذا حرامًا، وعليه فيكون هذا القول لا محل له في عصرنا لماذا؟ لأنه لا يمكن ضبط النساء أبدًا لا يمكن ضبطهن، ولهذا تجد المجتمعات التي أخذت بهذا القول أصبحت لا تستطيع أن تتخلص مما وقعت فيه من التبرج السافر الذي لا يرمي إليه هذا القول بأي صلة فلم تقتصر المسألة على الوجه والكفين، بل تدرجت إلى الرأس والرقبة والنحر والذراع، بل والعضد أحيانًا والساق والقدم، كل هذا بأسباب أن النساء الآن بل والمجتمعات الإسلامية مع الأسف لا يمكن أن تنضبط بالحدود الشرعية؛ لأنها مدبرة عن الدين إلا من شاء الله. وعلى هذا فنقول هذا القول الذي يطنطن به بعض الناس المحبين للسفور لا محل له في هذا العصر؛ لأن من شرطه ألا تتبرج بزينة، وألا يخاف منه الفتنة، وهذا موجود محقق، فالفتنة موجودة، والتبرج موجود؛ ولهذا القواعد التي رخص الله تعالى لهن في وضع الثياب اشترط هذا الشرط: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾. ونجد كثيرًا من نساء هؤلاء الناس تتبرج بالزينة ولا شك، تُحَمِّر الخدَّينِ والشفتينِ وتكحِّل العينينِ وتُزَجِّج الحواجبَ، كل هذا مما يدل على أن الموضوع أصبح الآن ليس ذا محل في هذا الوقت. * طالب: الفائدة السابعة. * الشيخ: لا، الصحيح أنه ما له حد. * الطالب: الفائدة السابعة اللي ذكرتها. * الشيخ: إلا، كيف الفائدة السابعة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، الحكم يدور مع علته، يتفرع عنها هذه المسألة: أنه متى خيف الفتنة بكشف الوجه واليدين بناء على القول به فإنه لا يجوز ذلك كما نبه على ذلك كثير من أهل العلم. * الطالب: (...). * الشيخ: ما فيه شك إنه لا وجه له لكنا قلنا: على القول به في هذا الوقت، لا يمكن أن يتمشى عليه؛ لأن الفتنة قائمة، وكونه ذريعة إلى التوسع قائم أيضًا. * وفيه: دليل على أن الأفضل البعد عن الرَّيْبَة ومحل الفتنة وإن بَعُدَت؛ لقوله: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنّ﴾، هو يجوز لهن يضعن الثياب لبعد الفتنة بهن، ولكن مع ذلك كلما بعد الإنسان عن أسباب الفتنة كان خيرًا له، والإنسان قد يشعر بنفسه أنه بعيد عن الفتنة ثم يقع فيها، وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام مَنْ سَمِع بالدجال أن ينأى عنه؛ لأنه يأتيه وهو يرى أنه مؤمن فلا يزال يَقْذِفَ به بِالْحُجَجِ والشبهات حتى يَتَّبِعه[[أخرجه أبو داود (٤٣١٩) من حديث عمران بن حصين.]]. * الفائدة التاسعة: إثبات تفاضل الأعمال؛ لأن قوله: ﴿خَيْرٌ لَهُنّ﴾ يعني: مِنْ عدم الاستعفاف، فدل ذلك على أن الأعمال بعضها أفضل من بعض، وينبني على ذلك أو يتفرع على ذلك تفاضل الإيمان؛ لأن الأعمال منه، فإذا ثبت تفاضل الأعمال فيما بينها ثبت تفاضل الإيمان، وأنه يزيد وينقص، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة. «وفيه:» إثبات اسمين من أسماء الله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وما تضمنتاه من الصفة وهي: السمع والعلم، وقد مر علينا أنه لا يراد من أسماء الله وصفاته مجرد معرفة ذلك الاسم وتلك الصفة، بل المراد والغرض التعبد لله بمقتضى ذلك؛ فإذا علمت أن الله سميع عليم عملت بكل قول يُرْضِيه، وتجنبت كل قول يسخطه، عملت بكل قول يرضيه؛ لأنك تعلم أنه يسمعك ويثيبك عليه، وتجنبت كل قول يسخطه؛ لأنك تعلم أنه يسمعك فيسخط عليك، وكذلك بالنسبة للعلم، وكذلك بالنسبة لسائر الصفات والأسماء، ليس المراد أن تعرف هذا الاسم وهذه الصفة ومدلولهما، بل المراد أن تعمل لله سبحانه وتعالى وأن تتعبد لله بمقتضى ذلك الاسم، وتلك الصفة؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، والمراد بإحصائها ثلاثة أمور: ضبط لفظها، ومعناها، والتعبُّد لله بمقتضاها، الإنسان يعرف اللفظ والمعنى ويتعبد لله بما تقتضيه هذه الأسماء (...).

النور 24:61

ثم قال الله تعالى: (﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور ٦١] في مواكلة مقابليهم) (...). * * * * الشيخ: معنى: لا يرجون النكاح منين؟ إن الناس ما يرغبون بهن. * طالب: (...). * الشيخ: يعني: تقول: إن المرأة العجوز ليس فيها شهوة؟ وهذه الشابَّة القبيحة فيها شهوة، إي؛ لكن ما قال الله سبحانه وتعالى: والقواعد من النساء اللاتي ليس فيهن نكاح ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ يعني: يئسن من النكاح؛ لأنهن علمن أن الناس لا يرغبون، فلو قال: والقواعد من النساء اللاتي لا نكاح فيهن أو لا شهوة فيهن صحيح، ما يجوز تعدية الحكم إلى القبيحة الشوهاء، لكن لما قال: ﴿لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ يعني: ما يأملوا النكاح لا لمجرد أنه لا شهوة فيهن، ولكن لأن الناس لا يرغبونهن (...). (...) اللاتي لا أزواج لهن ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ مطلقًا. * طالب: أي قائل (...). * الشيخ: ما أعرف، هل أحد قال به؟ لكن أما (...) الإيمان فهذا وارد معروف القول به، أما تفاضل الأعمال فلا أعرف ولا أعلم الآن به قائل. * طالب: (...). * الشيخ: لا، أصلًا المرجئة يخرجون الأعمال كلها من الإيمان. * طالب: يعني: يقولون العمل (...). * الشيخ: لا، لكن ما يقولون: إن الصلاة مثلًا مثل الصيام، والصيام مثل كذا يرون إن بعض الأعمال أفضل من بعض، بس إنهم يقولون: إنها غير داخلة في الإيمان، يخرجونها من الإيمان، ولا أعلم أنهم يقولون: إن الأعمال متساوية في فضلها، ما أعلم ذلك ولا أظن أحدًا يقول به؛ لكن مسألة إخراجها من الإيمان هذا هو الذي جعلهم يقولون: إن إيمان أبي بكر وإيمان أفسق الناس واحد، يعني: عندهم الإيمان هو مجرد الإقرار بالله عز وجل، أما مسألة الانقياد فهذا خارج من الإيمان. ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ [النور ٦١] الأعمى هذه هي اسم تفضيل ولَّا صفة مشبهة؟ صفة مشبهة؛ لأنه وصفه ذلك، وليس معناه إنه أعمى من فلان مثلًا، اسم التفضيل اللي معناه مُفضَّل ومُفضَّل عليه، وأما الأعمى والأعرج وشبهه، فهذه صفة مشبهة يسمونها الصفات المشبهة يعني باسم الفاعل. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء ٧٢] فإن ظاهره أن ﴿أَعْمَى﴾ الثانية اسم تفضيل؛ يعني: أشد عمًى وأضل سبيلًا؛ لكن المعروف خصوصًا عند البصريين أن هذه صفة مشبَّهة، وأنه لا يجوز أن يصاغ اسم التفضيل من ذي صفة مشبهة على وزن أفعل، أما الكوفيون فيقولون: إنه لا بأس ويرون أنه لا بأس أن تقول: فلان أعرج من فلان، وفلان أعمى من فلان، وقولهم أصح؛ لأن هذا شيء يقبله الذوق ولا مانع منه، إنما المراد هنا بالأعمى الصفة المشبَّهة الذي لا يبصر. ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ الأعرج: هو الذي لا يمشي مشيًا مستقيمًا. ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ المريض: هو الذي خرجت صحتُه عن الاعتدال، هذا المريض، كل مَنْ خرجت صحته عن الاعتدال فهو مريض، وتختلف الأمراض لكن في أي شيء قال المؤلف: (في مواكلة مقابليهم) مقابل الأعمى: البصير، مقابل الأعرج: السليم، مقابل المريض: الصحيح؛ يعني: أنه ليس على الأعمى حرج إذا أكل مع البصير، ما عليه حرج، هذا فيه شيء؟ * طالب: هذا واضح. * الشيخ: هذا شيء واضح ما يحتاج إلى نفي الحرج عنهم، لكن يقال: إنهم كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأعمى، يقولون: لأننا إذا أكلنا معه (...)، ومن جهة أخرى الأعمى يتحرَّج أيضًا من الأكل مع البصير؛ لأنه يقول: إني إذا أكلت أخاف آكل أكثر منه. على الرأي الأول يصير: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى﴾ يعني: ليس في الأعمى أي: بمؤاكلته حرج. كذلك المريض ليس على المريض حرج إذا أكل مع مَنْ؟ مع الصحيح، ما يقال: إنه فيه حرج؛ لأن الصحيح يأكل أكثر، وكذلك الأعرج لا بأس أن يأكل مع الصحيح ولا حرج عليه؛ لأنه قد يقول الأعرج: أنا رجلي مائلة، ولو قعدت هأكل المقرب إلي (...) فليس عليه حرج، هذا ما ذهب إليه بعضهم إن المراد: ليس عليهم حرج في الأكل مع غيرهم، وعلى هذا تكون (على) ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى﴾ بمعنى: في؛ يعني: ليس في الأعمى حرج؛ أي: في مؤاكلته ولا في الأعرج حرج، ولا في المريض حرج. وقال آخرون: المراد الجهاد، ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ يعني: في ترك الجهاد، ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ في ترك الجهاد، ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ في ترك الجهاد، قالوا: والدليل على ذلك أن الله ذكر بعد هذه الآية قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوه﴾ إلى آخر الآيات [النور: ٦٢]، فإنها في الجهاد وتكون هذه الآيات مقدمة لذكر الجهاد، ولكنها صُدِّرَت بها آية الأكل من البيوت المذكورة إما للتمهيد والتوطئة والتنبيه؛ لأن الإنسان إذا جاء كلام في غير محله المرتقب لا بد أن ينتبه ويبحث ما هو السبب، بخلاف ما إذا جاء الكلام على نَسَقٍ واحد فإنه قد ينساق معه ولا يتفهَّم المعاني. وقد مر علينا أن من فائدة الالتفات هو تنبيه المخاطب أو السامع. هذا أيضًا، وضعت هذه الجملة: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ قبل أن تُذْكَر آياتُ الجهاد في هذا المحل؛ ليتنبه القارئ؛ حيث خرجت المسألة عما هو متبادر ومتوقع، هذا قول. قول آخر: إن المراد ليس عليهم حرج في أيش؟ في ترك الجهاد، وقالوا: هذا كقوله تعالى في سورة الفتح: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح ١٧]؛ فإنها في الجهاد بلا ريب اللي في سورة الفتح. وقال آخرون: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ في ترك أي عبادة تكون فيها هذه الأعذار مانعة كل عبادة تمنع منها هذه الأعذار؛ فإنه لا حرج عليهم في تركها، مفهوم -يا جماعة- تكون الآية أعم من الجهاد وغيره، بل كل عبادة سبب تركها والإخلال بها أحد هذه الأوصاف الثلاثة، فإنه لا حرج عليهم فيها؛ قالوا: وهذا مقتضى الأدلة الشرعية: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج ٧٨]. فإذا ترك الإنسان عبادة أو أخلَّ بها لعذر العمى فلا حرج عليه، لعذر المرض فلا حرج عليه، لعذر العرج فلا حرج عليه؛ فتكون الآية عامة في الأكل (المواكلة) كما قال المؤلف. وكذلك أيضًا في ترك الجهاد وكذلك فيما يُشْتَرط له المشي وهو أعرج لا يستطيع أو مريض لا يستطيع أو أعمى لا يستطيع كالذي يشترط له البصر، فكل هذا ليس عليهم فيه حرج لكن على هذين الرأيين الأخيرين يبقى -كما أشرنا إليه- ما مناسبة هذا القول أو هذه الآية لآخر الآية، صَدْر الآية مع آخرها، ويش وجه التناسب بينها؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني: المناسبة أنه كما هو معلوم أن هؤلاء لا حرج عليهم فيما يُشْتَرط فيه السلامة من هذه الأمراض فإنه كذلك لا حرج عليكم فيما يأتي، فيكون الغرض التمهيد لنفي الحرج بالآتي، يعني: كما أنه معلوم أن هذه الأشياء أعذار تمنع من الحرج بدون أي مجادلة فكذلك أيضًا ليس عليكم حرج في الأكل من بيوتكم إلى آخره. إذن ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا﴾ متعلقة باللي قبلها ولَّا لا؟ لا، لأنك لو كانت متعلقة باللي قبلها لكان المعنى ليس على الأعمى حرج أن يأكل من بيتك، ولا على الأعرج حرج أن يأكل من بيتك، ولكننا قلنا: إن الآية عامة، يعني: ليس على هؤلاء حرج فيما تكون هذه العلل عذرًا لهم في تركه. ثم قال: (﴿وَلَا﴾ حرج ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ أي: بيوت أولادكم). قال المؤلف: (﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ ) قال: (أي بيوت أولادكم) لماذا لم يجعل الآية عامة؟ ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ يعني: بيوت أنفسكم. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا لا حاجة (...) في الحرج فيه. لكن قد يقول قائل: إن في آخر الآية ما يدل على أنه يراد بيوت الإنسان أيضًا وهو قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ ويكون نفي الحرج عن الأكل من البيوت من حيث كونهم ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ لا لمطلق الأكل، أنتم فاهمين يا جماعة؟ أقول: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ المؤلف حمل الآية على أن المراد ببيوت الإنسان بيوت أولاده، ونحن نقول: لا مانع من أن يُراد بها بيتُه الحقيقي وبيت ولده. فإن قال قائل: أَيُّ فائدة لنفي الحرج عن أكله من بيته؟ قلنا: لأجل ما يُذْكَر في آخر الآية وهي: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ يعني: ليس عليك جناح أن تأكل من بيتك سواء أكلت أنت وأهلك أو أكلتم متفرقين، وإن كان الأفضل الاجتماع على الأكل كما سنذكر إن شاء الله عند آخر الآية، لكن مع ذلك لا جناح يعني: ليس على الإنسان جناح أنه يأكل يتغدى لحاله وعياله لحالهم، أو لحاله وزوجته لحالها، أو ما أشبه ذلك ولا بأس أيضًا أنه يأكل هو وإياهم جميعًا لا بأس بهذا ولا بهذا. يبقى النظر: ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ إلى آخره، ما ذكر بيوت الأولاد! نقول: هي داخلة في قوله: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ فإن بيت الولد بيت لأبيه؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٢٨)، والترمذي (١٣٥٨)، والنسائي (٤٤٤٩)، وابن ماجه (٢٢٩٠) من حديث عائشة، واللفظ للنسائي وابن ماجه. ]]، ولقوله: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٣٠) من حديث عبد الله بن عمرو، وابن ماجه (٢٢٩١) من حديث جابر بن عبد الله، واللفظ لابن ماجه.]] فعليه يكون بيت الولد بيت للوالد، ونحن إنما انتقدنا على المؤلف لم ننتقد إدخاله بيوت الأولاد في بيوت الإنسان، فإن هذا صحيح، وإنما انتقدنا تخصيصه البيوت، أيش يقول؟ ببيوت الأولاد، فنحن نقول: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ أي: بيوت أنفسكم، وبيوت أولادكم بالنسبة لبيت الإنسان نفسه فائدتها ما ذكر في آخر الآية، وبالنسبة لبيت ولده أعمُّ من ذلك. ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ ﴿آبَائِكُمْ﴾ يشمل الأب الأدنى والأعلى؛ فإن الجدَّ أبٌّ كما قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج ٧٨] فسمَّى الله إبراهيم أبًا لنا مع أنه جَدٌّ بعيد، وكذلك أمهاتكم يشمل الأمَّ الدنيا التي ولدت الإنسان والأمَّ العليا التي هي الجَدَّات. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما يشمل الرضاع والتبني؛ لأن حقوق القرابة ما تتعلق بها حقوق الرضاع. ﴿أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ﴾ الأشقاء أو لأب أو لأم. ﴿أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ﴾ لكن بشرط أن لا تكون ذات زوج، فإن كانت ذات زوج والمال له ما صار بيتًا لأخته، صار بيتًا لزوجها، لكن إذا كانت الأخت لها بيت فإنه لا بأس أن يأكل الإنسان من هذا البيت. ﴿أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ﴾ يقال في ﴿عَمَّاتِكُمْ﴾ مثلما قلنا في ﴿أَخَوَاتِكُمْ﴾ يعني: ما لم تكن العمة ذات زوج فلا يأكل الإنسان من بيت زوجها؛ لأنه له وليس لها. ﴿أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ﴾ بالنسبة للأعمام والعمات والأخوال والخالات يشمل الأدنى من هؤلاء والأعلى؛ فالأدنى أخو أبيك بالنسبة للعم، والأعلى أخو جدك وإن علا، وبالنسبة للخال الأدنى أخو أمك، والأعلى أخو جدتك، وإن علا فإنه خالك. (﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ ) أي: (خَزَّنْتُموه لغيركم) قوله: ﴿مَفَاتِحَهُ﴾ المفاتح بمعنى الخزائن يعني: ما ملكتم خزائنه، وقيل: إنها بمعنى المفاتيح، وهي ما يُفتح به؛ فالمِفتاح غير المِفْتَحْ، مِفْتَحْ جمعه مَفاتح، مفتاح جمعه مفاتيح، قيل: إنه يطلق المِفتح على المفتاح، والمفاتح على المفاتيح، وقيل: لا، المراد بالمفاتح الخزائن، والمفاتيح ما يفتح به، ولكن القرآن يؤيد القول الأول كما قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص ٧٦]، وعلى هذا فنقول هنا في الآية الكريمة ﴿مَفَاتِحَهُ﴾ أي: خزائنه أو مفاتيح خزائنه. وقوله: ﴿مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ ويش معنى ﴿مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾؟ أي: جُعِلَت مفاتيحه في أيديكم وهي الخزائن، فلا جناح على الإنسان أن يأكل منها لكن بالمعروف، يعني: مثلًا لو أن إنسانًا صاحب فاكهة وأعطاك مفتاح المخزن قصده أن تحافظ عليه وعلى مفاتيحه، فدخلتَ يومًا من الأيام في هذا المخزن يجوز أنك تأكل مثلًا منه لكن بشرط أن يكون ذلك بالمعروف ما تاخد (...) تتردد عليه دائمًا إلا إذا رضي بذلك. * طالب: لو كان ملكًا للدولة؟ * الشيخ: ويش لون؟ * الطالب: لو كان ملكًا للدولة؟ * الشيخ: إي نعم، ولو كان ملكًا للدولة؛ لأنه ما دام اؤتمنت عليه فهو عامٌّ، فهو جائز. قال: (﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ وهو من صَدَقَكُمْ في مَوَدَّتِه، المعنى يجوز الأكل من بيوت مَنْ ذُكِرَ وإن لم يحضُروا أي: إذا عُلِمَ رضاهم به) شوف المؤلف يقول: يجوز الأكل من بيوت هؤلاء، وإن لم يحضروا هذا صحيح. وقوله: (أي: إذا عُلِم رضاهم به) فهذا غير صحيح؛ وذلك أنه إذا عُلِم رضا صاحب البيت بأكلك فإنه لا فرق بين أن يكون من هؤلاء أو من غيرهم، إذا علم لكن يؤكل من بيوت هؤلاء ما لم يعلم عدم رضاهم. فالمراتب ثلاث: المرتبة الأولى: أن تعلم رضاهم رضا صاحب البيت بأكلك فهذا جائز ولّا لا؟ جائز، من هذه البيوت ومن غيرها. المرتبة الثانية: أن تَعْلَم عدم رضاهم؛ أنه ما يرضى فلا تأكل لا من هذه البيوت ولا من غيرها؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ»[[أخرجه أحمد (٢٠٦٩٥)، والدارقطني (٢٨٨٦) من حديث عم أبي حرة الرقاشي. ]]. المرتبة الثالثة: أن لا تعلم رضاه ولا عدم رضاه، فهذه هي التي يُفَرَّق فيها بين مَنْ ذُكِرَ وغيره؛ فيقال: تأكل من بيوت هؤلاء؛ لأن الغالب رضاهم لوجود الصلة بينك وبينهم من القرابة أو الصداقة أو الائتمان؛ لأن حقيقة الأمر أن هذه البيوت ترجع إلى ثلاثة أسباب؛ إما قرابة أو ائتمان أو صداقة. فالقرابة من ذُكِروا، وأما الائتمان ففي قوله: ﴿مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾، وأما الصداقة ففي قوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾، ففي حالة عدم العلم بالرضا والسخط نقول: يجوز الأكل من هذه البيوت دون غيرها، وأما اشتراط المؤلف علم الرضا في هذه البيوت فلا وجه له؛ لأنه لو اشترطنا ذلك لم يكن بينها وبين البيوت الأخرى فرق. لو فُرِضَ، صديق لك أدخلك بيته ووجدت في القهوة أكل وأكلت بدون أن تستأذن بيجوز ولَّا لا؟ إي، يجوز نقول: يجوز، هذا هو معنى الآية. المؤلف يرى أنه ما يجوز إلا إذا علمت أنه يرضى بذلك، ولكن الصحيح أنه لا يشترط العلم بالرضا لكن لو علمنا أن هذا الرجل شحيح لا يرضى بأن تأكل شيئا أبدًا من ماله إلا ما قدَّمه لك ففي هذا الحال لا يجوز الأكل للحديث الذي أشرنا إليه (...). لا، بس هذا خطير؛ لأن (...) مجرد ما أكرمك وأدخلك بيعظمك مثلًا بدعوة، هذا ما يجوز إنك تقعد على هذا إلا بإذنه، لكن الصديق سواء دعاك أو ما دعاك، وسواء أراد يقدم لك كرامة أو ما أراد، إذا ما دخلت بيت صديقك فلك الأكل ما لم تعلم أنه لا يرضى بذلك. وفي قوله: ﴿صَدِيقِكُمْ﴾ دليل على أن للصداقة حقًّا، وهو كذلك، والسبب الصلة التي بينك وبينه. ما رأيكم في الصِّهر وفي صلة الرضاع، هل تدخل في صلة النسب أو في الصداقة أو ما تدخل؟ * طالب: (...). * الشيخ: تدخل في الصداقة إن كان صديقًا؛ لأنه قد لا يكون صديقًا كثير من الناس يكون أخوك من الرضاعة وبينك وبينه عداوة، وكثير من الناس يكون هذا الرجل صهرًا لك وبينك وبينه عداوة، فالمهم إذا لم يكن صداقة بين الصِّهر وصِهره أو بين الرضيع ومرضعه فإنه لا يجوز الأكل من بيته. (﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ مجتمعين ﴿أَوْ أَشْتَاتًا﴾ متفرقين جمع شَتٍّ) شَتّ وأشتات مثل سبب وأسباب إلا أن سبب غير مدغمة، وشت مدغمة. قال: (نزلت فيمن تَحَرَّج أن يأكل وحده، وإذا لم يجد من يؤاكله يترك الأكل) هذه يقال: إنها كانت عادة لبعض العرب إذا ما وجد أحدًا يأكل معه ما يأكل، لازم ما يأكل إلا ومعه أحد، فإن لم يجد أحدًا يأكل معه ما أكل شيئًا أبدًا، يموت من الجوع وهو ما أكل إلى أن يَلْقى أحدًا يأكل معه، وهذا لا شك إنه دليل على الكرم، لكنه كرم فيه إفراط. القصد أنك تأكل مع غيرك وتأكل وحدك؛ كما قال الله عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ وهذا في الجواز، وأما الأفضل فهو الأكل جميعًا كما أمر النبي ﷺ بذلك، وأخبر أن في ذلك بركة؛ شكا إليه رجل أنه كان يأكل ولا يشبع، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «لَعَلَّكُمْ تَأْكُلُونَ مُتَفَرِّقِينَ» قال: نعم، قال:» «اجْتَمِعُوا عَلَى أَكْلِكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ»[[أخرجه أبو داود (٣٧٦٤)، وابن ماجه (٣٢٨٦) من حديث وحشي بن حرب.]]؛ فاجتماع الناس على الأكل هذا من أسباب البركة، كما أنه أيضًا من أسباب الإلفة والمودة؛ لأن الناس أهل البيت مثلًا متفرقون في أعمالهم فإذا لم يكن شيء يجمعهم وهو الأكل فمتى يجتمعون، لكن مع المؤسف أن هذه السُّنَّة أصبحت الآن مفقودة عند كثير من الناس، تجد الأب يأكل وحده، والولد الأكبر يأكل وحده، والمتوسط يأكل وحده، اللي يمكن يجتعمن النساء الحريم، هذا اللي يمكن يجتمعن، أما الرجال فإن اجتماعهم فيما يظهر لي قليل، ولكن هذا خلاف السنة. السنة أن يجتمع الناس على الأكل، والحمد لله ينتظر بعضهم بعضًا، ما يضر إذا تأخر ربع ساعة في انتظار صاحبه؟! ما الذي يضر؟! لأن كونهم يجتمعون ويتحدثون جميعًا هذا يجلب المودة والإلفة، لكن كون الولد ما يشوف أبوه أبدًا؛ بالليل يسهر الولد وأبوه ينام بَكر، وبالنهار أبوه يطلب المعيشة والولد يدرس، وبالأكل أبوه يصلي مع الجماعة ودا قاعد يتغدى مثلًا أو ما أشبه ذلك، إذن متي يكون الاجتماع؟ ومتى يكون الإلفة بين الناس؟ هل الأفضل الآن أن يأكل الرجل وأهل بيته من رجال ونساء؟ نعم، هذا هو الأفضل أنهم يأكلون جميعًا حتى الرجال مع النساء، وقد شاهدنا من السلف السابقين مَنْ يأكلون جميعًا هو وأبوه، كنا عند أخوال لنا إذا أصبحنا عندهم أبدًا، نجدهم كلهم يجتمعون (...). * * * يعني: الإثم والمشقة، وذكرنا اختلاف العلماء في هذا (...)؛ يعني: الأعمى والأعرج والمريض وأنهم ذكروا فيها ثلاثة أراء وهي؟ * طالب: أنها في الجهاد. * الشيخ: أنها في الجهاد. * الطالب: أو أنها عامة في كل شيء. * الشيخ: أو عامة في كل شيء. * الطالب: أنها في الأكل. * الشيخ: أنها في مؤاكلتهم، والعموم أولى، والمعنى ليس عليهم حرج فيما تكون هذه الأمراض أو هذه العاهات سببًا للعجز عنه من جهاد أو غيره، فليس عليهم حرج، ويكون في ذلك تمهيد لما ذكر بعد، يعني: فكما أن هؤلاء لا حرج عليهم فلا حرج عليكم أيضًا ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ إلى آخره. ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ يعني: مجتمعين على الأكل ﴿أَوْ أَشْتَاتًا﴾ متفرقين. ثم قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُم﴾ (﴿بُيُوتًا﴾ لكم لا أهل بها ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُم﴾ أي: قولوا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإن الملائكة تَرُدُّ عليكم، وإن كان بها أهل فسلموا عليهم). قوله: ﴿إِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ ﴿بُيُوتًا﴾ نكرة في سياق ﴿إِذَا﴾، ويش هي ﴿إِذَا﴾؟ شرطية، في سياق الشرط، فتكون عامة في بيوت الإنسان وبيوت غيره. وقوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُم﴾ إن كان بها أهل وهي لغيره، يسلموا عليهم أي: على مَنْ فيها، وسُمِّي سلامًا على النفس وهو على الغير؛ لأن المؤمنين نفس واحدة كما قال النبي ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى والسَّهَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦ / ٦٦) النعمان بن بشير.]]، وإن كانت بيوتًا ليس فيها أحد، الإنسان يُسَلِّم على نفسه يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ لأن هذا هو السلام الذي عَلَّمه النبي ﷺ أمته أن يسلموا على أنفسهم كما في الصلاة. وقوله: ﴿تَحِيَّةً﴾ مصدر (حيَّا)؛ يعني: تُحَيَّون تحية. وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أضافها الله إليه؛ لأنه هو الذي شرعها، ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يعني: هذه التحية من عند الله، أو أنها منه لأنه هو الذي شرعها، أو أنه الغاية بها يعني: أنها تطلب منه؛ لأنك تقول: السلام علينا أو السلام عليكم فهي تُطْلَب منه، فهو غايتها أو هو مُشرِّعُها فإضافتها إلى الله لأنه المُشَرِّع الشارع لها فهو الذي أمر بها ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، أو لأنه غايتها أي: الذي تنتهي إليه هذه التحية ليثيب عليها ويجيبها. وقوله: ﴿مُبَارَكَةً﴾ ويش معنى مباركة؟ أي: ذات بركة، والبركة كما مر هي الخير الكثير الثابت. وقوله: ﴿طَيِّبَةً﴾ قال المؤلف: (مُثابًا عليها)، وهذا من الطِّيب أن تكون مُثابًا عليها؛ لكن من الطَّيِّب أيضًا أن تكون موافقة لشريعة الله؛ لأن الأعمال الصالحة والطيبة معناه هي الموافقة للشرع بأن تكون مخلصًا فيها لله مُتَّبِعًا فيها رسول الله ﷺ. وقوله: (﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: يُفَصِّل لكم معالم دينكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لكي تفهموا ذلك). ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ﴾ مر علينا أننا نعرب (الكاف) اسمًا بمعنى مثل على أنها مفعول مطلق لـ (يُبَيِّن) أي: مثل ذلك البيان (يبين)، و﴿الْآيَاتِ﴾ سبق أن المراد بها الشرعية والكونية؛ فالشرعية ما جاءت به الرسل، والكونية مخلوقات الله التي نشاهد ونسمع. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (لعل) هذه للتعليل؛ أي: لأجل أن تعقلوا، ومعنى العقل هنا الفهم على ما مشى عليه المؤلف، ولكن الأصح أنه أعمُّ من ذلك؛ أنه الفهم وحسن التصرُّف؛ لأن العقل -كما مر علينا- نوعان، ما هما؟ * طالب: إدراك. * الشيخ: وعقل تصرُّف، فعقل الإدراك هو مَناطُ التكليف وهو حاصل للمسلم والكافر والبر والفاجر، وعقل التصرُّف هو إحسان التصرف؛ أن يكون الإنسان يتصرَّف تصرُّفًا مبنيًّا على عقل، هذا يَخْرُج منه الكافرُ والفاسق؛ لأنهم لم يُحسِنوا التصرُّف فهم غير عاقلين؛ ولهذا دائمًا ينفي الله سبحانه وتعالى العقل عن الكفار مع أنهم من أذكى الناس وأفهمهم، لكن ليس عندهم عقل التصرف، عندهم عقل الإدراك فقط، والذي يُحمَد عليه الإنسان هو عقلُ التصرُّف، أما العقل الأول فإنه لا يُحمد عليه؛ لأنه ليس من كَسْبِه. * طالب: العقل بمعنى (...). * الشيخ: معنى أيش. * الطالب: (...). * الشيخ: إلا، له عقل؛ لأنه من العِقال؛ إذ إنه يَعْقِل صاحبَه لإحسان التصرُّف، ليس تصرُّف المجنون كتصرف هذا. * طالب: (...). * الشيخ: عقل الإدراك، العقل الذي يتميز به الإنسان عن المجنون هو عقل الإدراك، المهم إن المراد بالعقل هنا ليس مجرد الفهم؛ لأننا إذا فسَّرْناه بمجرد الفهم حولناه إلى عقل الإدراك فقط، وعقل الإدراك ليس مناطًا للمدح، وإنما المناط للمدح عقل التصرف الذي يُحْسِن به الإنسان التصرف، وهذا هو المراد بهذه الآية؛ أي: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تدركون ذلك وتحسنون التصرف بمقتضى هذه الآيات التي بَيَّنها الله لكم. * يستفاد من هذه الآية. * أولًا: بيان رحمة الله سبحانه وتعالى في نفي الحرج عمن لا يستحقه؛ لقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ * ثانيًا: بيان سهولة هذه الشريعة بنفي الحرج عمن لا يستحق أن يلحقه. * ثالثًا: أن الأحكام تدور مع عللها، فإذا وُجِدَت العلةُ الحكمُ ثَبَتَ، وإذا انتفت انتفى الحكم؛ لأن نفي الحرج عن هؤلاء ويش هو لأجله؟ لهذه العلة التي فيهم، فإذا برأ المريض، واستقام مشيُ الأعرج، ورد الله البصر على الأعمى انتفى هذا الحكم في حقهم، وثبت في حقهم ما يثبت في حق السالمين. * وفيه: جواز الأكل من بُيوت هؤلاء المذكورين سواء بإذن أو بغير إذن إلا إذا علمنا عدم رضاهم، فإذا علمنا أنهم لا يرضون فإنه لا يجوز الأكل من بُيوتهم. * وفيه دليل على: أن مال ابن الإنسان مال له كيف ذلك؟ * طالب: (...) إن خير، بمعنى: ما أكلتم. * الشيخ:«إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ». * الطالب: إن أطيب ما أكلتم وأبناءكم. * الشيخ:«وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُم»[[أخرجه أبو داود (٣٥٢٨)، والترمذي (١٣٥٨) واللفظ له، والنسائي (٤٤٤٩)، وابن ماجه (٢١٣٧) من حديث عائشة.]]، وهنا وجه الدلالة من الآية؟ * الطالب: (...) هنا ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾، ولم يذكر يعني.. * الشيخ: الأولاد، ما ذكر الأولاد، فدل على أن المراد بالبيوت بيوتكم وبيوت أولادكم. * وفيه دليل أيضًا على: تحكيم العادة في الأمور؛ لأنه إنما أبيح لنا الأكل من هذه البيوت؛ لأن العادة والعرف الرضا بذلك، معروف هادول الأقارب والصديق ومالك المفاتيح كلهم مما جرى العرف بأنهم يسامحون في الأكل، ولكنه سبق إن الإنسان لا يحمل شيئًا، يأكل ولا يحمل؛ ولهذا إنما أجاز الله الأكل فقط. * وفيه أيضًا -في الآية- دليل على: جواز الأكل مجتمعين ومتفرقين؛ لقوله ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾، ولكن الأفضل كما مر الاجتماع. * وفيه أيضًا دليل على: مشروعية السلام عند الدخول إلى البيوت؛ لقوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، وكان هذا من هَدْيِ النبي ﷺ، إلا أن الإنسان يبدأ بشيء قبل السلام وهو السواك، إذا دخل بيته يبدأ أولًا بالتسوُّك[[أخرجه مسلم (٢٥٣ / ٤٣) من حديث عائشة.]] ثم يسلم على أهله[[أخرجه الترمذي (٢٦٩٨) من حديث أنس، ولفظه: يَا بُنَيَّ، إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ.]]. * طالب: (...). * الشيخ: لا، قبل هذا، قبل السلام؛ لأن الغالب في وقتنا هذا إنه ما يكونوا عند الباب، لكن إن كانوا عند الباب فالسلام عليهم قبل. * وفيه أيضًا دليل على: فضيلة السلام لكون الله تعالى وصفه بأنه: تحية من عنده مباركة طيبة؛ ثلاثة أوصاف، وهذا لا شك دليل على فضله، فيدل على أنه أفضل من قول الإنسان: أهلًا وسهلًا، وشبهه، وعلى أن الإنسان لو أجاب السلام بأهلًا وسهلًا لن يجزئ؛ لأن أهلًا وسهلًا لا توصف بأنها ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾. أما السلام عليكم أو عليكم السلام، فإنه يوصف بأنه ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾؛ ولهذا تجدون هذا هدي الأنبياء في حديث المعراج؛ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا سلم على النبي الذي يواجهه في السماء رد عليه السلام وقال: «مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ» في آدم وإبراهيم، و«بِالْأَخِ الصَّالِحِ» فيمن عداهم: «مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ» فيرحِّبُون بعد أن يردوا السلام، وكونه يقول في الحديث: «فَرَدَ السَّلَامَ وَقَالَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٧) واللفظ له، ومسلم (١٦٤ / ٢٦٤) من حديث مالك بن صعصعة.]] دليل على أن هذا ليس من رد السلام، وهذا أمر معلوم، لكن مع الأسف أن الناس الآن هجروا هذا، وصار غالب الناس إذا سلَّمْتَ عليهم قالوا لك: أهلًا ومرحبًا، ولَّا هَلَا ولَّا مَرْحَبًا، هذا لا يجزي ولا يجوز الاقتصار عليه. * طالب: (...) التليفون. * الشيخ: إي نعم، سلام التليفون، كل ما خابرت أحدًا سلِّم عليه؛ لأن حقيقة التليفون مواجهة، لكنها غَيْبِيَّة، فتقول: السلام عليكم، ولكن أيضًا هذا مما يُؤْسَف له إن الناس كلهم صغيرهم وكبيرهم يمكن نقول: عالمهم وجاهلهم ما يفعلون هذا، يقولون: ألو وألو أسمع (...). * * * ثم قال تعالى مُؤَدِّبًا عباده: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣] * طالب: (...). * الشيخ: أن يقول: غفر الله لكم، انصرفوا غفر الله لكم، أو اللهم اغفر لهم. قال: (﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ بأن تَقُولوا: يا محمد، بل قولوا: يا نبيَّ الله، يا رسول الله، في لِينٍ وتواضعٍ وخَفْضِ صوت) إلى آخره. قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ﴿دُعَاء﴾ على كلام المؤلف بمعنى نداء، ومنه قولكم: دعوت فلانًا أي: ناديته، وعلى هذا فـ (دعاء) مضاف إلى مفعوله؛ لأن (دعاء) مصدر مضاف إلى مفعوله، وفاعله محذوف، والتقدير: لا تجعلوا دعاءكم الرسولَ هذا الأصل، فصرف الفاعل وأُضِيف المصدر إلى مفعوله أي: دعاءكم الرسول، هذا أصله. وقوله: ﴿كَدُعَاءِ بَعْضكُمْ بَعْضًا﴾ هذا مضاف إلى فاعله ومفعوله ﴿بَعْضًا﴾ يعني: كما إذا دعا بعضكم بعضًا فإننا عندما يدعو بعضنا بعضًا نقول: يا فلان؛ لكن النبي عليه الصلاة والسلام له من الحق والإكرام ما لا يليق بنا أن ندعوه باسمه، بل نقول: يا نبي الله، يا رسول الله، وقد التزم الصحابة رضي الله عنهم هذا الأدب، فصاروا يُنادُون النبي ﷺ بوصفه بالنبوة أو بالرسالة، وما ورد على خلاف ذلك من أقوال الصحابة أو دعائهم فإما أن يكون قَبْلَ النهي وإما أن يكون من جاهلٍ كالذي يَحْصَلُ من بعض الأعراب. هذا ما ذهب إليه المؤلف وبعضُ المفسرين، وقال آخرون: المراد من ﴿دُعَاء الرَّسُول﴾ أي: دعاء الرسول إياكم فيكون المصدر مضافًا إلى فاعله؛ أي: لا تجعلوا دعاء الرسول إذا دعاكم كدعاء بعضكم بعضًا، إن شئتم أجبتم، وإن شئتم تركتم، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام إجابته فرض، وعليه فإذا أمرنا بأمرٍ أو دعانا لأمر فإن إجابته فرض علينا ليست كغيره، إن شئنا أجبنا وإن شئنا تركنا، وعلى هذا فيكون في الآية نهيًا عن معصية الرسول ﷺ وأمرًا بطاعته ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضكُمْ بَعْضًا﴾. ويؤيد هذا قولُه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور ٦٣] فإن سياق الآية يؤيد هذا القول، لو قيل بأن الآية شاملة للمعنيين يجوز ولَّا لا؟ يجوز، يجوز أن نجعلها شاملة للمعنيين؛ لأننا أثبتنا قاعدة في هذا، وهو أن الآية إذا كانت تحتمل المعنيين بدون تناقض فإنها تُحْمَل عليهما جميعًا، أما إذا كانت تحتمل معنيين لكن معنى كل واحد يُخالِف الآخر فإنه حينئذ يجب طلبُ الترجيح، الذي يُرَجِّح أحدَ المعنيين فيؤخذ به، وأما إذا كانت صالحة لهما ولا منافاة بينهما فإن الواجب حَمْلُها على المعنيين جميعًا. فعليه نقول: إن هذا من باب الأدب في مُخاطبة الرسول عليه الصلاة والسلام والأدب في إجابته، ففي مخاطبته ما نجعل مخاطبته ودعاءنا إياه كدعاء غيره، وفي إجابته لا نجعل دعاءه وطلبه لأمر من الأمور كطلب غيره؛ ومن ثَمَّ قال أهل العلم: لو دعاه النبي ﷺ وهو يصلي هل تجب عليه الإجابة ولَّا لا؟ تجب عليه الإجابة، ولو دعاه والده وهو يصلي فإن كان في فريضة لم يُجِبْه، وإن كان في نافلة أجابه، إلا أن يَعْلَم رضا والده بذلك بحيث يُشْعِره أنه يصلي فلا يهمه إذا كان يصلي ألا يجيب، فهذا لا يجيبه، وإما إذا كان والده من الناس الذين لا يعذرون وكذلك والدته فإنه يُجيبُه في النفل ويقطع صلاته. الحرج؛ يعني: الإثم والمشقة، وذكرنا اختلاف العلماء في هذا المنفي عن الأعمى والأعرج والمريض، وأنهم ذكروا فيها ثلاثة آراء، وهي؟ * طالب: أنها في الجهاد. * الشيخ: أنها في الجهاد. * الطالب: أو أنها عامة في كل شيء. * الشيخ: أو عامة في كل شيء. * طالب: أنها في الأكل. * الشيخ: أنها في مؤاكلتهم، والعموم أولى، والمعنى: ليس عليهم حرج فيما تكون هذه الأمراض أو هذه العاهات سببًا للعجز عنه من جهاد أو غيره، فليس عليهم حرج، ويكون في ذلك تمهيد لما ذكر بعدُ؛ يعني: فكما أن هؤلاء لا حرج عليهم فلا حرج عليكم أيضًا أن تأكلوا من بيوتكم، إلى آخره. (﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ [النور ٦١] يعني: مجتمعين على الأكل، ﴿أَوْ أَشْتَاتًا﴾ متفرقين). ثم قال الله تعالى: (﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ بيوتًا لكم لا أهل بها، ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: قولوا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإن الملائكة ترد عليكم، وإن كان بها أهلٌ فسلِّموا عليهم). قوله: ﴿إِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ ﴿بُيُوتًا﴾ نكرة في سياق؟ * طالب: (إذا). * الشيخ: (إذا) ويش (إذا)؟ * الطالب: شرطية. * الشيخ: شرطية؛ في سياق الشرط، فتكون عامة في بيوت الإنسان وبيوت غيره. وقوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ إن كان بها أهل وهي لغيره يسلم عليهم؛ أي: على من فيها، وسمي: سلامًا على النفس وهو على الغير؛ لأن المؤمنين نفس واحدة، كما قال النبي ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦ / ٦٦) من حديث النعمان بن بشير.]]. وإن كانت بيوتًا ليس فيها أحد فإن الإنسان يسلِّم على نفسه، يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ لأن هذا هو السلام الذي علَّمه النبي ﷺ أمته؛ أن يسلموا على أنفسهم كما في الصلاة. وقوله: ﴿تَحِيَّةً﴾ مصدر (حَيَّا)؛ يعني: تُحيون تحيةً، وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أضافها الله إليه؛ لأنه هو الذي شرعها، ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يعني: هذه التحية من عند الله، أو أنه الغاية بها؛ يعني: أنها تطلب منه؛ لأنك تقول: السلام علينا أو السلام عليكم، فهي تطلب منه، فهو غايتها أو هو مشرِّعها، فإضافتها إلى الله؛ لأنه المشرِّع الشارع لها، فهو الذي أمر بها ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، أو لأنه غايتها؛ أي: الذي تنتهي إليه هذه التحية؛ ليثيب عليها ويجيبها. وقوله: ﴿مُبَارَكَةً﴾ ويش معنى ﴿مُبَارَكَةً﴾؟ أي: ذات بركة، والبركة -كما مرَّ- هي الخير الكثير الثابت. وقوله: ﴿طَيِّبَةً﴾ قال المؤلف: (مثابًا عليها)، وهذا نعم من الطيب؛ أن تكون مثابًا عليها، لكن من الطيب أيضًا أن تكون موافقة لشريعة الله؛ لأن الأعمال الصالحة والطيبة معناه هي الموافقة للشرع؛ بأن تكون مخلَصًا فيها لله، متبعًا فيها رسول الله ﷺ. وقوله: (﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: يفصل لكم معالم دينكم، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لكي تفهموا ذلك). ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ﴾ مر علينا أننا نعرب الكاف اسمًا بمعنى (مِثْل)، على أنها مفعول مطلق لـ﴿يُبَيِّنُ﴾؛ أي: مثل ذلك البيان يُبَيِّن. و﴿الْآيَاتِ﴾ سبق أن المراد بها الشرعية والكونية؛ فالشرعية ما جاءت به الرسل، والكونية مخلوقات الله التي نشاهد ونسمع. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (لعل) هذه للتعليل؛ أي: لأجل أن تعقلوا، ومعنى العقل هنا: الفهم، على ما مشى عليه المؤلف، ولكن الأصح أنه أعم من ذلك؛ أنه الفهم وحسن التصرف؛ لأن العقل -كما مر علينا- نوعان، ما هما؟ * طالب: عقل إدراك. * الشيخ: وعقل تصرف. فعقل الإدراك هو مناط التكليف، وهو حاصل للمسلم والكافر، والبر والفاجر، وعقل التصرف هو إحسان التصرف؛ أن يكون الإنسان يتصرف تصرفًا مبنيًّا على عقل، هذا يخرج منه الكافر والفاسق؛ لأنهم لم يحسنوا التصرف، فهم غير عاقلين؛ ولهذا دائمًا ينفي الله سبحانه وتعالى العقل عن الكفار مع أنهم من أذكى الناس وأفهمهم، لكن ليس عندهم عقل التصرف، عندهم عقل الإدراك فقط، والذي يحمد عليه الإنسان هو عقل التصرف، أما العقل الأول فإنه لا يحمد عليه؛ لأنه ليس من كسبه. * طالب: يا شيخ، العقل ما له أصل يعني في اللغة أو العرف أو الشرع؟ * الشيخ: إلا، له أصل. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لأنه من العقال؛ إذ إنه يعقل صاحبه بإحسان التصرف، ليس تصرف المجنون كتصرف هذا. * الطالب: من أي قسم؟ * الشيخ: من عقل الإدراك، العقل الذي يتميزبه الإنسان عن المجنون هو عقل الإدراك. المهم أن المراد بالعقل هنا ليس مجرد الفهم؛ لأننا إذا فسرناه بمجرد الفهم حوَّلناه إلى عقل الإدراك فقط، وعقل الإدراك ليس مناطًا للمدح، وإنما المناط للمدح عقل التصرف الذي يحسن به الإنسان التصرف، وهذا هو المراد بهذه الآية، أي ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تدركون ذلك وتحسنون التصرف بمقتضى هذه الآيات التي بيَّنها الله لكم. * يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: بيان رحمة الله سبحانه وتعالى في نفي الحرج عمن لا يستحقه؛ لقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾. * ثانيًا: بيان سهولة هذه الشريعة بنفي الحرج عمن لا يستحق أن يلحقه. * ثالثًا: أن الأحكام تدور مع عللها؛ فإذا وجد في العلة الحكم ثبت، وإذا انتفت انتفى الحكم؛ لأن نفي الحرج عن هؤلاء، ويش هو لأجله؟ لهذه العلة التي فيهم، فإذا برئ المريض، واستقام مشي الأعرج، ورد الله البصر على الأعمى، انتفى هذا الحكم في حقهم، وثبت في حقهم ما يثبت في حق السالمين. * وفيه: جواز الأكل من بيوت هؤلاء المذكورين أو لا؟ سواء بإذن أو بغير إذن، إلا إذا علمنا؟ * طالب: عدم رضاهم. * الشيخ: عدم رضاهم، فإذا علمنا أنهم لا يرضون، فإنه لا يجوز الأكل من بيوتهم. * وفيه دليل على أن مال ابن الإنسان مال له، كيف ذلك؟ * طالب: ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾، وقال الرسول يعني.. إن خير، بمعناه.. يعني ما أكلتم.. * الشيخ: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ». * الطالب: معناه أطيب ما أكلتم، وأبناؤكم.. * الشيخ: «وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٢٨)، والترمذي (١٣٥٨)، والنسائي في المجتبى (٤٤٥٠)، وابن ماجه (٢٢٩٠) من حديث عائشة.]]. وهنا ما وجه الدلالة من الآية؟ * الطالب: قال هنا: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ ولم يذكر الأولاد. * الشيخ: ما ذكر الأولاد، فدل على أن المراد بالبيوت: بيوتكم وبيوت أولادكم. * وفيه دليل أيضًا على تحكيم العادة في الأمور؛ لأنه إنما أبيح لنا الأكل من هذه البيوت؛ لأن العادة والعرف الرضا بذلك؛ لأنه معروف هؤلاء الأقارب والصديق ومالك المفاتيح كلهم مما جرى العرف بأنهم يسامحون في الأكل، ولكنه سبق أن الإنسان لا يحمل شيئًا، يأكل ولا يحمل؛ ولهذا إنما أجاز الله الأكل فقط. * في الآية دليل على جواز الأكل مجتمعين ومتفرقين؛ لقوله: ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾، ولكن الأفضل -كما مر- الاجتماع. * وفيه أيضًا دليل على مشروعية السلام عند الدخول إلى البيوت؛ لقوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، وكان هذا من هدي النبي ﷺ، إلا أن الإنسان يبدأ بشيء قبل السلام وهو؟ * طالب: السواك. * الشيخ: السواك، إذا دخل بيته يبدأ أولًا بالتسوك، ثم يسلم على أهله. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، قبل هذا، قبل السلام؛ لأن الغالب في وقتنا هذا أنهم ما يكونون عند الباب، لكن إن كانوا عند الباب فالسلام عليهم قبل. * وفيه أيضًا دليل على فضيلة السلام؛ لكون الله تعالى وصفه بأنه تحيةٌ من عنده مباركةٌ طيبةٌ، ثلاثة أوصاف، وهذا لا شك دليل على فضله، فيدل على أنه أفضل من قول الإنسان: أهلًا وسهلًا، وشِبْهِه. وعلى أن الإنسان لو أجاب السلام بـ(أهلًا وسهلًا) لم يجزئ؛ لأن (أهلًا وسهلًا) لا توصف بأنها تحيةٌ من عند الله مباركةٌ طيبةٌ، أما السلام عليكم أو عليكم السلام فإنه يوصف بأنه تحيةٌ من عند الله مباركةٌ طيبةٌ؛ ولهذا تجدون هذا هدي الأنبياء في حديث المعراج؛ فإن «الرسول عليه الصلاة والسلام إذا سلَّم على النبي الذي يواجهه في السماء رد عليه السلام وقال: مرحبًا بالابن الصالح، في آدم وإبراهيم، وبالأخ الصالح فيمن عداهم؛ مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٧)، ومسلم (١٦٤ / ٢٦٤) واللفظ للبخاري من حديث مالك بن صعصعة.]]، فيرحبون بعد أن يردوا السلام، وكونه يقول في الحديث: «فَرَدَّ السَّلَامَ وَقَالَ» دليل على أن هذا ليس من رد السلام، وهذا أمر معلوم. لكن مع الأسف الناس الآن هجروا هذا، وصار غالب الناس إذا سلمت عليهم قالوا لك: أهلًا ومرحبًا، ولَّا هلا، ولَّا مرحبًا، هذا لا يجزئ، ولا يجوز الاقتصار عليه. * طالب: شيخ، ينطبق على (...)؟ * الشيخ: إي نعم، السلام قصدك؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إي نعم، كلما خاطبت أحدًا تسلم عليه؛ لأن -حقيقةً- التليفون مواجهة لكنها غيبية، فتقول: السلام عليكم، ولكن أيضًا هذا مما يؤسف له؛ أن الناس الآن كلهم صغيرهم وكبيرهم -يمكن نقول: عالمهم وجاهلهم- ما يفعلون هذا، يقولون: آلو، و(آلو) أسمع أنها تحية إنجليزية. * طالب: (...). * الشيخ: مشكلة، حالة الناس -الله يهدينا وإياهم- ما هم يفطنون لهذه الأمور. أما (تليفون) أنا أرى أن الأسماء الواردة لا بأس أنها تبقى على ما هي عليه؛ لأن الأسماء المعرَّبة في اللغة العربية موجودة من قديم، فلا بأس أن نقول: تليفون، ولا يلزم أن نقول: هاتف، مثلًا، وكذلك نقول: راديو، ولا يلزم نقول: مذياع، لكن المشكل الشيء المخالف للشرع؛ يعني: نبدل كلمة شرعية واردة في مثل هذا المقام بكلمة غير شرعية، هذا هو المشكل، ولَّا مسألة الأسماء التي ترد؛ لأن هم الذين صنعوها وسموها بهذا الاسم، ما علينا منهم، وإن كان بعض العلماء يقول: لا، هم سموها هذا الاسم مراعاة للمعنى لا مراعاة لمجرد الصنعة، فهم يقولون مثلًا: إن راديو أظن بمعنى هاتف عندهم. * طالب: راديو بمعنى مذياع. * الشيخ: بمعنى مذياع، فما دام أنهم مراعون المعنى يجب أننا نأتي باللفظ الذي يدل على هذا المعنى في لغتنا، إنما المسألة بسيطة هذه، لكن الكلام عن الذي يخالف الشرع، أما المسائل هذه فهي أهون. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الحث على؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، ربما يؤخذ منه، وربما يقال: إن مطلق السلام فيه البركة، وهو أولى؛ لأن تقييدنا إياه بما إذا قال: ورحمة الله وبركاته يكون تقييدًا لشيء موسَّع، فالنبي عليه الصلاة والسلام دائمًا يسلم يقول:« «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ»[[أخرجه البخاري (٤٧٣٩) من حديث عائشة.]]، ولكن مع ذلك نقول: إن الأفضل: ورحمة الله وبركاته، لا شك في هذا، إنما إذا هو اقتصر على الأول فإنه يصح أن نقول: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾؛ لأن هذا وصف للتحية لا وصف لصيغتها؛ يعني: نفس التحية مباركة طيبة، وليس وصفًا لصيغتها؛ أن تكون فيها لفظ البركة ولفظ الطيب، ولَّا كان يقول بعد: وطيباته. * وفي هذه الآية أيضًا دليل على عناية الله سبحانه وتعالى بالخلق؛ حيث كان يبين لهم الآيات؛ لأجل أن يتصرفوا تصرف العاقل فيتبعوا شريعته، ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ومرَّ علينا أن هذا البيان بالنسبة للآيات الشرعية ما يعرفها إلا المؤمنون الذين آمنوا بها وعقلوها، وأما الآيات الكونية فقد يؤمن بها حتى الكافر؛ الكفار يؤمنون بأن الله خالق السماوات والأرض، وأنه بيده ملكوت السماوات والأرض، وأنه منزل الغيث، إلى آخره. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما ورد في هذا المكان بعينه عن الرسول، لكن ورد تعليمها السلام علينا في الصلاة، حيث قال: «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث ابن مسعود.]]، وأيضًا كذلك رد الملائكة ما فيه أثر؛ أن الملائكة ترد عليك ما فيه أثر عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هم يقولون: إذا لم يكن فيها أحد فقد قال الله تعالى: ﴿سَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، فإننا نأخذ من هذا العموم أن نسلم على من فيها، وهم -لأنهم مؤمنون- كأنفسنا، وإذا لم يكن فيها أحد نسلم على أنفسنا خاصةً، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، هذا الذي ورد به الشرع في الصلاة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يمكن هذا، لكنه على بعد، وتكون سلمت على نفسك؛ لأنك أنت السبب في رده، والمتسبب كالمباشر، مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «يَلْعَنُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَلْعَنُ أَبَاهُ» لما قالوا: هل يلعن الرجل والديه؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠ / ١٤٦)، وأبو داود (٥١٤١) واللفظ له من حديث عبد الله بن عمرو.]]، هذا يمكن أن نجعل وجه كونه على أنفسنا أننا إذا سلمنا رد علينا، لكنه في الحقيقة قد يتخلف فيما إذا لم يرد، فإذا سلمت عليه فقد سلمت على نفسي، ردَّ أم لم يردَّ، حتى لو فرض أنه ما رد عليَّ فقد امتثلت الأمر، إي نعم. * طالب: الآن قلنا: إن الأعمى والأعرج نعذرهم لما كانت هذه العاهة عندهم فهل نقول كذلك (...) ضعيف النظر أو فيمن كان متوسطًا بين البصير البصر العادي أو بين هذا العمى، بمعنى نقول مثلًا: ضعيف النظر(...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ يعني مثلًا لو فرضنا أن الإنسان كُلِّف بالكتابة، الكتابة واجبة إذا دعي الإنسان إليها، كما قال الله تعالى: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ [البقرة ٢٨٢] يعني: لو دعاك أحد تكتب بينهم وثيقة وأنت قادر، فقد أمرك الله أن تكتب، إذا كان ضعيف النظر ما يستطيع ما عليه حرج، لو ما هو بأعمى، على كل حال؛ يعني: هذه العاهات إن كانت كاملة عُذِر الإنسان فيها عذرًا كاملًا، وإن كانت ناقصة فبحسبه، الحكم يدور مع علته. * طالب: (...) على سبيل الحصر ولَّا على سبيل (...)؟ * الشيخ: لا، على سبيل الحصر، وهذا هو فائدة؛ ذكر التنصيص على كل واحد، وألا كانت تأتي الآية: ولا على أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت أقاربكم، لكن هؤلاء منصوص عليهم؛ يعني: فمثلًا ابن الخالة ما تأكل من بيته، وابن العمة ما تأكل من بيته؛ لأن المنصوص عليهم، هذا فائدة ذكر كل واحد بنفسه. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ابن العمة ما هو ببيت لك. * الطالب: قياسًا. * الشيخ: لا، ولا يصلح قياسًا؛ لأنك لو أردت أن تقيسها على ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ جعلتها أعلى من العمة؛ يعني: جعلتها في منزلة أولى أن تؤكل من العمة، إذا دخَّلتها في ﴿بُيُوتِكُمْ﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما تدخل، غير هؤلاء المنصوص عليهم ما تأكل من بيته إلا إذا أذن؛ يعني: هو والأجنبي سواء. * طالب: قوله: ﴿أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (...) عامة (...) عدم العقوق؟ * الشيخ: إي نعم، بس الأم أشد؛ يعني أوجب برًّا، كلما دنا فهو أوجب، كما قال النبي ﷺ: «ثُمَّ ادْنَاكَ، فَادْنَاكَ»[[أخرجه مسلم (٢٥٤٨ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]. * الطالب: أن تكون بمنزلة الأم. * الشيخ: إي نعم؛ ولهذا يجب برها ويجب الإنفاق عليها، وكل ما يثبت للأم يثبت لها، إلا إنها -الأم- أحق وأولى، كذلك أيضًا بالنسبة للجد مثلها، إلا أن الجد يخالف الأب في بعض المسائل، كمسألة التملك، فإن الذين قالوا بجواز تملك الأب من مال ولده خصوه بالأب الأدنى؛ لأن حقيقة الأمر أن المسألة ضعيفة ما تتوصل إلى أن يكون الجد ومن علا يتملك، حتى الأب مختلف في تملكه من مال ولده. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور ٦٢] ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ والحصر يفيد إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، وعلى هذا فالإيمان ثابت لمن وصفوا بهذه الصفات، ومنتفٍ عمن تخلَّف عنهم منها شيء. أولًا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ والإيمان بالله ورسوله -كما أسلفنا- لا يكون إيمانًا حتى يتضمن القبول، ويش بعد؟ * طالب: والإذعان. * الشيخ: والإذعان، حتى يتضمن القبول والإذعان، أما مجرد التصديق فليس بإيمان، فلو صدَّق الإنسان بالله وبرسوله ﷺ، ولكن ما قَبِل ما جاء به ولا أذعن له فليس بمؤمن؛ ولهذا أبو طالب كان مصدقًا بالنبي ﷺ، ومع ذلك ليس بمؤمن به؛ لأنه لم يقبل ما جاء به ولم يذعن له، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يعني: إيمانًا صحيحًا يتضمن القبول والإذعان. وقوله: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ﴾ مع من؟ يقول: (﴿مَعَهُ﴾ أي: الرسول ﷺ، ﴿عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ كخطبة الجمعة، ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ لعروض عذر لهم، ﴿حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ ). ﴿إِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ يعني: على أمر عامٍّ للمسلمين؛ من الجهاد والمشورة والجمعة وغيرها، كل أمر جامع عام للمسلمين ليس أمرًا خاصًّا بهم، إذا اجتمعوا ما يذهبون حتى يستأذنوه؛ لأن ذهابهم بدون استئذان يؤدي إلى الفوضى واختلال النظام. فلو فرض أنه نودي: الصلاة جامعة، واجتمع الناس للتشاور في أمر، ثم قام واحد بعد أن حضر الناس، قام وانصرف بدون استئذان، نقول: هذا حرام ولا يجوز؛ لأن هذا يؤدي إلى تفكك هذا الاجتماع وإلى الفوضى وعدم النظام. فإذا اجتمع المسلمون على أمر جامع؛ يعني: عام للمسلمين من خطبة جمعة وغيرها، فإنه لا يجوز لأحد أن ينصرف إلا بعذر وبعد الاستئذان؛ لما في ذلك من الضعف؛ إضعاف الباقين؛ لأنه إذا شافوا الواحد يقوم قام الثاني، وقام الثالث، وقام الرابع، وهكذا، ولا شك أنه -كما نشاهد نحن الآن- إذا قام واحد من المجتمع فإنه يتبعه أناس، ويكون هذا بمنزلة الحائط -أي: الجدار- الذي انهدم منه ثُلْمة، لا يتماسك فيما بعد، والعوام لهم مثال يقولون: إذا طاح من طي الركية طية إلا طاح؛ الركية يعني: البير، إذا طاح منها حصاة ويش الباقي؟ يتداعى، لا تعده إلا طاح. فالحاصل: أن المؤمنين حقيقةً هم الذين إذا كانوا مع الرسول ﷺ على أمر جامع، ويش معنى جامع؟ أي: شامل وعام؛ كالتجمع للجهاد، والتجمع للمشاورة، والتجمع إلى أمر هام يتعلق بالمسلمين عمومًا، فإنهم لا يذهبون من مكان الاجتماع حتى يستأذنوا النبي ﷺ. ثم إنه يقول المؤلف أيضًا قيده بقيد لا بد منه قال: (لعروض عذر لهم)، أيضًا ما يذهبون إلا لعذر، فلا بد من العذر، والعذر أمر خفي لا يعلم، ولا بد من الاستئذان؛ ليتبين لجميع الحاضرين عذرهم، ولا يكون في ذلك خللٌ عليهم. * طالب: شيخ، هذه خاصة بالرسول ﷺ؟ * الشيخ: لا، هذه عامة لكل اجتماع. * الطالب: كل الاجتماعات؟ * الشيخ: كل الاجتماعات العامة التي لمصلحة الإسلام والمسلمين، ما يجوز لأحد أن ينصرف إلا لعذر وبعد الاستئذان. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذه ما هي من مصالح المسلمين. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ما هي من مصالح المسلمين، الكلام على اللي فيها مصالح للمسلمين، ﴿أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ يعني: يجمع المسلمين لمصالحهم، وإما أنه يروحوا (...) كيف؟ اللي يدخل، يدخل، وإن كان أنه ما ينبغي للإنسان أن يشرد عن ربعه، لكن كونه أنه يقول: هذا حرام، ما نقول: حرام؛ لأن هذا ما يخل بالإسلام ولا شيء، غاية ما هنالك أنه يخل بهذا الجمع (...) يتمتعون (...) كيف؟ ما فيه شيء. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ لا شك أن تركيب الجملة على هذا يدل على الشرف ورفعة المكانة؛ لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ﴾ فإن (أُولَاء) اسم إشارة تدل على تعظيم المشار إليه؛ ولهذا جاءت بصيغة البعيد ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى علو مرتبتهم، ثم جاءت مؤكدة بـ(إن)، ثم جاءت بالجملة الاسمية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، فحصر الإيمان بالله ورسوله في هولاء الذين يستأذنون رسول الله ﷺ، إذا كانوا معه على أمر جامع يستأذنونه قبل أن ينصرفوا. (﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أمرهم، ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ بالانصراف، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ). ﴿إِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ فاشترط الله سبحانه وتعالى أن يكون الاستئذان لشيء من الشؤون؛ يعني: لأمر من أمورهم التي يُعذرون بها بالتخلف عن الجمع، ثم قال للرسول: ﴿أْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ﴾، فجعله أيضًا مخيرًا في الإذن وعدمه، ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ﴾، وهذا التخيير هل هو تخيير تشهٍّ وإرادة مطلقة أو تخيير مصلحة؟ * طالب: تخيير مصلحة. * الشيخ: تخيير مصلحة. ما هو الضابط لتخيير المصلحة وتخيير التشهي والإرادة المطلقة؟ إذا كان التخيير من أجل الرفق بالمكلف فهو تخييرُ تشهٍّ، مثلما يوجد في بعض الكفارات، ككفارة اليمين ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة ٨٩]، وكما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة ١٩٦]. فإذا كان الغرض من التخيير مراعاة التسهيل على المكلف فهو من باب التشهي؛ يعني: اللي تشتهيه افعله، وإذا كان التخيير من أجل مصلحة عامة أو خاصة فإنه تخيير مصلحة، وذلك فيما إذا كان يتعلق بالغير، فتخيير -مثلًا- ولي اليتيم في بيع ماله أو حبسه، أو إقراضه أو عدم إقراضه، هذا من باب تخيير المصلحة؛ لأنه يتصرف لغيره. وكذلك أيضًا تخيير النبي عليه الصلاة والسلام هنا ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ﴾، هذا تخيير مصلحة، إذا كان إذنُ الرسول ﷺ لهؤلاء لا يضر بالجمع، وفيه أيضًا مصلحة بيِّنة لهم أكثر من مصلحة بقائهم، فهنا يتعين؟ * طلبة: الإذن. * الشيخ: يتعين الإذن، وإذا كان يخشى إذا أذن لهم أن يكثر المستأذنون وينهدم هذا الجمع، أو أن بقاءهم في هذا الجمع أصلح لهم من ذهابهم لشأنهم، فهنا يتعين ألَّا يأذن لهم، فتخيير النبي عليه الصلاة والسلام هنا يرجع إلى المصلحة؛ إذا اقتضت المصلحة الإذن أذن، وإلا فلا. وقوله تعالى: ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ عبَّر بالبعض إشارة إلى أنهم إذا استأذنوا لشيء مهم -وإن لم يكن الشؤون المتعددة- فإنه يكون عذرًا في جواز الاستئذان والإذن لهم. ثم مع ذلك قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ وهذا الاستغفار لهم لتطييب قلوبهم، إذا انصرفوا عن هذا الجمع وفاتهم أجره، فاستغفر لهم الرسول عليه الصلاة والسلام، فإن قلوبهم تطيب في الانصراف، ولا يبقى في قلوبهم حرج وقلق، هذه من جهة، ومن جهة أخرى ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمُ﴾؛ لأنه قد يكون في استئذانهم هذا أمر لا يعذرون فيه، هم ظنوه عذرًا فاستأذنوا من أجله، وهو ليس بعذر عند الله، ويكون استغفارك لهم ماحيًا لما عسى أن يكون من التقصير والتفريط في ذلك. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هذا تقدم الكلام عليه مرارًا، وقلنا: إن المغفرة في جانب الذنوب، والرحمة في جانب حصول المطلوب؛ ففي المغفرة النجاة من المكروه، وفي الرحمة حصول المطلوب. ثم قال تعالى مؤدبًا عباده: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: أن يقول: غفر الله لكم، انصرفوا غفر الله لكم، إي نعم، أو اللهم اغفر لهم. قال: (﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ بأن تقولوا: يا محمد، بل قولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، في لين وتواضع وخفض صوت) إلى آخره. قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ﴿دُعَاءَ﴾ على كلام المؤلف بمعنى: نداء، ومنه قولكم: دعوت فلانًا؛ أي: ناديته، وعلى هذا فـ﴿دُعَاءَ﴾ مضاف إلى مفعوله؛ لأن (دعاء) مصدر مضاف إلى مفعوله، وفاعله محذوف، والتقدير: لا تجعلوا دعاءكم الرسولَ، هذا الأصل، فحذف الفاعل وأضيف المصدر إلى مفعوله؛ أي: دعاءكم الرسول، هذا أصله. وقوله: ﴿كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ هذا مضاف إلى فاعله، ومفعوله ﴿بَعْضًا﴾؛ يعني: كما إذا دعا بعضكم بعضًا، فإننا عندما يدعو بعضنا بعضًا نقول: يا فلان، لكن النبي عليه الصلاة والسلام له من الحق والإكرام ما لا يليق بنا أن ندعوه باسمه، بل نقول: يا نبي الله، يا رسول الله، وقد التزم الصحابة رضي الله عنهم هذا الأدب، فصاروا ينادون النبي ﷺ بوصفه بالنبوة أو بالرسالة، وما ورد على خلاف ذلك من أقوال الصحابة أو دعائهم؛ فإما أن يكون قبل النهي، وإما أن يكون من جاهل، كالذي يحصل من بعض الأعراب، هذا ما ذهب إليه المؤلف وبعض المفسرين. وقال آخرون: المراد من ﴿دُعَاءَ الرَّسُولِ﴾ أي: دعاء الرسول إياكم، فيكون المصدر مضافًا إلى فاعله؛ أي: لا تجعلوا دعاء الرسول إذا دعاكم كدعاء بعضكم بعضًا؛ إن شئتم أجبتم، وإن شئتم تركتم، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام إجابته فرض. وعليه، فإذا أمرنا بأمر أو دعانا لأمر فإن إجابته فرض علينا، ليست كغيره؛ إن شئنا أجبنا، وإن شئنا تركنا، وعلى هذا فيكون في الآية نهيًا عن معصية الرسول ﷺ وأمرًا بطاعته، ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، ويؤيد هذا قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فإن سياق الآية يؤيد هذا القول. لو قيل بأن الآية شاملة للمعنيين، يجوز ولَّا لا؟ يجوز أن نجعلها شاملة للمعنيين؛ لأننا أسلفنا قاعدة في هذا، وهو: أن الآية إذا كانت تحتمل المعنيين بدون تناقض فإنها تحمل عليهما جميعًا، أما إذا كانت تحتمل معنيين لكن معنى كل واحد يخالف الآخر، فإنه حينئذٍ يجب طلب الترجيح الذي يرجح أحد المعنيين فيؤخذ به، وأما إذا كانت صالحة لهما ولا منافاة بينهما، فإن الواجب حملها على المعنيين جميعًا. فعليه، نقول: إن هذا من باب الأدب في مخاطبة الرسول عليه الصلاة والسلام، والأدب في إجابته؛ ففي مخاطبته ما نجعل مخاطبته ودعانا إياه كدعاء غيره، وفي إجابته لا نجعل دعاءه وطلبه لأمر من الأمور كطلب غيره. ومن ثَمَّ قال أهل العلم: لو دعاه النبي ﷺ وهو يصلي هل تجب عليه الإجابة ولَّا لا؟ تجب عليه الإجابة، ولو دعاه والده وهو يصلي؛ فإن كان في فريضة لم يجبه، وإن كان في نافلة أجابه، إلا أن يعلم رضا والده بذلك، بحيث يشعره أنه يصلي، فلا يهمه إذا كان يصلي ألَّا يجيب، فهذا لا يجيبه، وأما إذا كان والده من الناس الذين لا يعذرون -وكذلك والدته- فإنه يجيبه في النفل ويقطع صلاته. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يخفف الفريضة إذا علم أن والده له شغل، لكن لا على وجه يُخِل بها. قال: (﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور ٦٣] أي: يخرجون من المسجد في الخطبة من غير استئذان خفية مستترين بشيء، و﴿قَدْ﴾ للتحقيق). قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ﴾ التسلل معناه: الخروج بخفية، هذا معنى التسلل، وقوله: ﴿لِوَاذًا﴾ أي: لائذين بشيء، فهو مصدر في موضع الحال؛ يعني: يتسلل ويلوذ بشيء، كالسارية مثلًا أو كالشخص الآخر يصير واقف ثم يروح من وراه وينسل، وما أشبه ذلك. وقول المؤلف: (في الجمعة) هذا بناءً على أن المراد بالأمر الجامع خطبة الجمعة، وإذا قلنا: أن المراد به ما هو أعم، مثل يتسللون ويش عنه؟ عن موضع الجمع، سواء في الجمعة أو في غيرها، فالله تعالى عالم بهولاء الذين يتسللون لائذين بشيء؛ لأنهم خرجوا عما كان عليه المسلمون، وعما يجب عليهم أن يكونوا عليه. وقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾ قال المؤلف: (﴿قَدْ﴾ للتحقيق)، وإنما نص على ذلك؛ لأن المعروف في علم النحو: أن (قد) إن دخلت على ماضٍ فهي للتحقيق، وإن دخلت على مضارع فهي للتقليل؛ قد يجود البخيل، وقد يفهم البليد، وقد يسبق العاجز، وما أشبه ذلك، هذه للتقليل، لكنها أحيانًا تأتي للتحقيق، مثل هذه الآية: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾، ومثل قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأحزاب ١٨]، وإنما أتي بالمضارع هنا؛ لأجل أن يتبين أن هذا العلم ليس لما مضى فقط، بل ولما يستقبل، فعلم الله في هؤلاء المتسللين ليس علمًا بمن سبق تسلله، بل بمن سبق تسلله وبمن (...). * * * ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور ٦١] وأن ذلك من الآيات التي بينها الله تعالى للعباد وأوضحها لهم؛ لما في ذلك من جلب المودة والمحبة والخير، وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالسلام وقال: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٥٤ / ٩٣) من حديث أبي هريرة.]]. ثم تقدم أيضًا: أن الله حصر الإيمان في ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ﴾ يعني: مع الرسول ﷺ، ﴿عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ عام شامل، ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾، وبين أن المستأذنين هم الذين يؤمنون بالله ورسوله، وأن الذين يتسللون لواذًا بدون استئذان هم الذين لا يؤمنون بالله ولا برسوله، وتوعدهم على ذلك بأنه يعلم هذا العمل منهم، وإخباره بأنه عالم به دليل على أنه سيجازيهم عليه؛ إذ لا فائدة من الإخبار بالعلم إلا وقوع المجازاة على ذلك. * وفي الآية دليل على أن الإيمان ينقسم إلى ناقص وكامل؛ لأن عدم الاستئذان في الأمر الجامع لا يوجب الكفر، ولكنه معصية تنافي كمال الإيمان، فالإيمان قد يراد به مطلق الإيمان، وقد يراد به الإيمان المطلق، والفرق: أن مطلق الإيمان يصدق ولو بإيمان ناقص، والإيمان المطلق هو الإيمان؟ * طالب: الكامل. * الشيخ: الكامل، ففرق بين مطلق الإيمان؛ أن تضيف (مطلق) إلى (إيمان)، وبين أن تصف الإيمان بالمطلق، فالإيمان المطلق؛ أي: الكامل، ومطلق الإيمان؛ أي: أن يكون مع الإنسان أصل الإيمان وإن لم يكن كاملًا، ففي قوله تعالى في كفارة القتل: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء ٩٢]، المراد بالإيمان هنا: المطلق أو مطلق الإيمان؟ * طالب: مطلق الإيمان. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لأنه لا يشترط في عتق الرقبة أن يكون المعتَق كامل الإيمان، بل يكفي أن يكون مؤمنًا، ولو أن معه أصل الإيمان فقط. وفي قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ كهذه الآية، وفي قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال ٢] المراد بالإيمان؟ * طالب: المطلق. * الشيخ: الإيمان المطلق؛ يعني: الإيمان الكامل هو الذي يكون على هذه الأوصاف. * وفي الآية دليل على أن ولي الأمر يجب عليه التيسير على من تحت يده؛ لقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾. * وفيه أيضًا دليل على أن الاستئذان بدون عذر لا يقبل؛ لقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْ نِهِمْ﴾، أما إذا استأذنوا لمجرد أنهم يريدون أن يتركوا العمل فإنه لا يؤذن لهم. * وفيه أيضًا دليل على تفويض الأمر إلى من له ولاية؛ لقوله: ﴿لِمَنْ شِئْتَ﴾، ولكن هذا التفويض -كما أشرنا إليه في الدرس- تفويض للمصلحة لا لمجرد التشهي والإرادة، بل لا بد إذا رأى أن في الإذن لهم مصلحة أذِن لهم، فإذا رأى أن المصلحة في عدم الإذن فلا يجوز أن يأذن. * وفيه أيضًا: عناية الله سبحانه وتعالى بعباده المؤمنين؛ حيث أمر النبي ﷺ أن يستغفر لهم؛ ليطمئنوا على هذا الانصراف. * وفيه أيضًا: أن الأولى عدم الاستئذان حتى وإن كان للإنسان شأن؛ لأن الأمر بالاستغفار دليل على أن هناك شيئًا منين؟ من التفريط الذي أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن يستغفر لهم عليه، وهذا صحيح لا شك؛ أن الأولى البقاء مع الجماعة، وأن الإذن أو الاستئذان للانصراف أمر قد يكون فيه ذنب؛ ولهذا أمر الله نبيه أن يستغفر لهم قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾. * وفي الآية دليل أيضًا على انتفاع الإنسان بدعاء غيره؛ لقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾، والشواهد على ذلك من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كثيرة، ولكن هل ينتفع الإنسان بعمل غيره سوى الدعاء أو لا ينتفع؟ * طالب: (...). * الشيخ: الجواب: إن كان له أثر في ذلك العمل فإنه ينتفع به بلا شك؛ مثل أن يكون هو الذي سَنَّ هذه السنة؛ يعني: ابتدأ العمل بها للناس ودل عليها، فإن النبي ﷺ يقول: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]، وكذلك إذا كان له أثر في العامل؛ مثل أن يكون والدًا له، «فَإِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٢٨)، والترمذي (١٣٥٨)، والنسائي في المجتبى (٤٤٥٠)، وابن ماجه (٢٢٩٠) من حديث عائشة.]]، فالوالد ينتفع بعمل ابنه إذا تبرع به له؛ ولهذا «جاء رجل للنبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله، إن أمي افْتُلِتَت نفسها، وإنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: «نَعَمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤ / ٥١) من حديث عائشة.]]. وكذلك المرأة التي «سألت النبي ﷺ على أمها صوم شهر، فهل يجزئ أن تصوم عنها؟ فأذن لها النبي عليه الصلاة والسلام»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨ / ١٥٤) من حديث ابن عباس.]]. وكذلك الحج؛ حيث «سألت امرأة النبي ﷺ فقالت: إن أباها أدركته فريضة الله على عباده بالحج شيخًا لا يستطيع الركوب على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نَعَمْ»، وذلك في حجة الوداع»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥١٣)، ومسلم (١٣٣٤ / ٤٠٧) من حديث ابن عباس.]]. فإذا كان للمهدَى إليه أو للإنسان أثر في العمل أو في العامل انتفع به، لكن إذا لم يكن له أثر فيهما؛ مثل أن يتبرع قريب لقريبه أو صديق لصديقه بعمل صالح، فهل يجزئ ذلك أو لا يجزئ؟ اختلف في ذلك أهل العلم؛ منهم من يرى: أنه يجزئ، وأن الإنسان لو عمل عملًا صالحًا وجعل ثوابه لشخص من المسلمين فإنه ينتفع به، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد؛ على أن أيَّ قُربة وطاعة يتقرب بها العبد إلى الله ويجعل ثوابها لمسلم حي أو ميت فإنه ينتفع بذلك. ودليلهم على هذا: قياس غير الأولاد على الأولاد، قالوا: لأنه إذا جاز أن يصل عمل غير الإنسان إليه فلا فرق بين أن يكون ولدًا أو غير ولد، الشأن هل ينتفع الإنسان بعمل غيره؟ والذين قالوا بالمنع قالوا: إن الولد ليس كغيره؛ لأن الولد من أثر الإنسان ومن كَسْبه وفعله، وليس كالأخ والقريب والصديق ونحوهم. أما الدعاء للمسلمين فهذا أمر مجمع عليه، وفيه نص الكتاب والسنة والإجماع، ولا أحد يخالف في ذلك. فإذا سألنا سائل: أيما أولى أن أصلي ركعتين وأتصدق بثواهما لشخص من أقاربي غير الأب، أو أن أدعو لهذا الشخص في صلاتي؟ نقول: الأفضل أن تدعو له في صلاتك؛ لأن هذا أمر مجمع على نفعه، وأما أن تتصدق عليه بثواب صلاتك فهذا مختلف فيه؛ من العلماء من يرى جوازه، ومنهم من يرى أنه ليس بجائز وليس بمشروع، وأن الميت لا ينتفع به. هذا في غير من استؤجر لعمل صالح ليُهديَه إلى غيره، كاستئجار بعض القراء ليقرؤوا قرآنًا للميت، فإن هذا لا ينتفع به الميت قطعًا؛ لأن هذا الرجل الذي قرأ لأجل المال إنما قرأ للدنيا، ومن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها فليس له حظٌّ في الآخرة. وعلى هذا فلا ثواب لهذا القارئ، وإذا لم يكن له ثواب هل ينتفع الميت بذلك؛ لأنه إنما ينتفع بالثواب لا بمجرد القراءة؟ فإذا قلنا: هذا القارئ لا ثواب له؛ لأنه أراد بعمل الآخرة الدنيا بقي الميت غير مستفيد من هذه القراءة. * طالب: (...) وقال: اللهم هذا عن (...)؟ * الشيخ: هذا يستدل به، لكن هذا من باب الصدقة، وهو المال، وليس من باب العبادات البدنية المحضة. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لكن أهدى ثوابًا له، التقرب إلى الله ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج ٣٧]، فهذا الثواب الذي حصل له بهذا الذبح، هذا الذبح عمل مالي، ما هي بعمل بدني محض، مالي فهو كالصدقة، وأما عمل بدني محض؛ بيصلي الإنسان مثلًا أو يسبح أو يهلل أو يقرأ، فليس مثل هذا. * الطالب: (...) الصدقات؟ * الشيخ: (...) الأعمال الصالحة. * الطالب: حتى الأعمال البدنية (...) يتصدق بصدقة وهو (...) عن فلان. * الشيخ: هذه يجوز عند أكثر أهل العلم؛ لأنهم يستدلون بحديث «الرجل الذي قال: إن أمي ماتت، أفأتصدق عنها؟ قال: «نَعَمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤ / ٥١) من حديث عائشة.]]. ويستدلون أيضًا بالأضحية؛ أن الرسول ضحَّى عن أمته وفيهم من هو حي وميت وليس النبي عليه الصلاة والسلام لهم. لكن لقائل أن يقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أبٌ للمؤمنين، فهو كالرجل يضحي عن أهل بيته. فالمسألة ما هي من الأمور التي يطمئن الإنسان إلى صحة القول بأن كل الأعمال تنفع الميت إذا أهديت له، أو تنفع الحي إذا أهديت له، ليست من الأمور التي يطمئن فيها الإنسان إلى هذا القول؛ ولهذا نرى أن الدعاء للأموات خير من إهداء القرب لهم، إلا ما ورد به النص فيتبع. لكن الجمهور -كما عرفتم- الذين يقولون بالجواز يقيسون من عدا الأولاد على الأولاد، ويقيسون ما عدا الأموال على الأموال، ويقولون: المهم أن يصل الثواب إلى الميت من غيره، هذا هو المطلق، والقائلون بالمنع يقولون: إن الأولاد ليسوا كغيرهم ولا يقاسون على غيرهم؛ لأن الولد من كسب المرء. وسبق أيضًا أن الله نهى المؤمنين أن يجعلوا دعاء الرسول بينهم كدعاء بعضهم بعضًا. * فيستفاد منه: وجوب احترام النبي ﷺ وتعظيمه، وأنه لا يجوز للإنسان أن يناديه كما ينادي غيره من الناس؛ لما له من التعظيم والتوقير. * وفيه أيضًا: على الوجه الثاني في معنى الآية: أن دعاء النبي عليه الصلاة والسلام الأمة ليس كدعاء غيره، فإذا دعاك النبي ﷺ إلى أمر أو أمرك به فإنه يجب عليك ألَّا تجعل هذا الدعاء كدعاء غيره؛ لما في إجابته من امتثال أمر الله ورسوله. * وفيه أيضًا: تحذير المتسللين في الأمور الجامعة بدون عذر واستئذان؛ لقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾.

النور 24:62

ثم قال الله تعالى: (﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور ٦١] في مواكلة مقابليهم) (...). * * * * الشيخ: معنى: لا يرجون النكاح منين؟ إن الناس ما يرغبون بهن. * طالب: (...). * الشيخ: يعني: تقول: إن المرأة العجوز ليس فيها شهوة؟ وهذه الشابَّة القبيحة فيها شهوة، إي؛ لكن ما قال الله سبحانه وتعالى: والقواعد من النساء اللاتي ليس فيهن نكاح ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ يعني: يئسن من النكاح؛ لأنهن علمن أن الناس لا يرغبون، فلو قال: والقواعد من النساء اللاتي لا نكاح فيهن أو لا شهوة فيهن صحيح، ما يجوز تعدية الحكم إلى القبيحة الشوهاء، لكن لما قال: ﴿لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ يعني: ما يأملوا النكاح لا لمجرد أنه لا شهوة فيهن، ولكن لأن الناس لا يرغبونهن (...). (...) اللاتي لا أزواج لهن ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ مطلقًا. * طالب: أي قائل (...). * الشيخ: ما أعرف، هل أحد قال به؟ لكن أما (...) الإيمان فهذا وارد معروف القول به، أما تفاضل الأعمال فلا أعرف ولا أعلم الآن به قائل. * طالب: (...). * الشيخ: لا، أصلًا المرجئة يخرجون الأعمال كلها من الإيمان. * طالب: يعني: يقولون العمل (...). * الشيخ: لا، لكن ما يقولون: إن الصلاة مثلًا مثل الصيام، والصيام مثل كذا يرون إن بعض الأعمال أفضل من بعض، بس إنهم يقولون: إنها غير داخلة في الإيمان، يخرجونها من الإيمان، ولا أعلم أنهم يقولون: إن الأعمال متساوية في فضلها، ما أعلم ذلك ولا أظن أحدًا يقول به؛ لكن مسألة إخراجها من الإيمان هذا هو الذي جعلهم يقولون: إن إيمان أبي بكر وإيمان أفسق الناس واحد، يعني: عندهم الإيمان هو مجرد الإقرار بالله عز وجل، أما مسألة الانقياد فهذا خارج من الإيمان. ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ [النور ٦١] الأعمى هذه هي اسم تفضيل ولَّا صفة مشبهة؟ صفة مشبهة؛ لأنه وصفه ذلك، وليس معناه إنه أعمى من فلان مثلًا، اسم التفضيل اللي معناه مُفضَّل ومُفضَّل عليه، وأما الأعمى والأعرج وشبهه، فهذه صفة مشبهة يسمونها الصفات المشبهة يعني باسم الفاعل. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء ٧٢] فإن ظاهره أن ﴿أَعْمَى﴾ الثانية اسم تفضيل؛ يعني: أشد عمًى وأضل سبيلًا؛ لكن المعروف خصوصًا عند البصريين أن هذه صفة مشبَّهة، وأنه لا يجوز أن يصاغ اسم التفضيل من ذي صفة مشبهة على وزن أفعل، أما الكوفيون فيقولون: إنه لا بأس ويرون أنه لا بأس أن تقول: فلان أعرج من فلان، وفلان أعمى من فلان، وقولهم أصح؛ لأن هذا شيء يقبله الذوق ولا مانع منه، إنما المراد هنا بالأعمى الصفة المشبَّهة الذي لا يبصر. ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ الأعرج: هو الذي لا يمشي مشيًا مستقيمًا. ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ المريض: هو الذي خرجت صحتُه عن الاعتدال، هذا المريض، كل مَنْ خرجت صحته عن الاعتدال فهو مريض، وتختلف الأمراض لكن في أي شيء قال المؤلف: (في مواكلة مقابليهم) مقابل الأعمى: البصير، مقابل الأعرج: السليم، مقابل المريض: الصحيح؛ يعني: أنه ليس على الأعمى حرج إذا أكل مع البصير، ما عليه حرج، هذا فيه شيء؟ * طالب: هذا واضح. * الشيخ: هذا شيء واضح ما يحتاج إلى نفي الحرج عنهم، لكن يقال: إنهم كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأعمى، يقولون: لأننا إذا أكلنا معه (...)، ومن جهة أخرى الأعمى يتحرَّج أيضًا من الأكل مع البصير؛ لأنه يقول: إني إذا أكلت أخاف آكل أكثر منه. على الرأي الأول يصير: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى﴾ يعني: ليس في الأعمى أي: بمؤاكلته حرج. كذلك المريض ليس على المريض حرج إذا أكل مع مَنْ؟ مع الصحيح، ما يقال: إنه فيه حرج؛ لأن الصحيح يأكل أكثر، وكذلك الأعرج لا بأس أن يأكل مع الصحيح ولا حرج عليه؛ لأنه قد يقول الأعرج: أنا رجلي مائلة، ولو قعدت هأكل المقرب إلي (...) فليس عليه حرج، هذا ما ذهب إليه بعضهم إن المراد: ليس عليهم حرج في الأكل مع غيرهم، وعلى هذا تكون (على) ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى﴾ بمعنى: في؛ يعني: ليس في الأعمى حرج؛ أي: في مؤاكلته ولا في الأعرج حرج، ولا في المريض حرج. وقال آخرون: المراد الجهاد، ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ يعني: في ترك الجهاد، ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ في ترك الجهاد، ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ في ترك الجهاد، قالوا: والدليل على ذلك أن الله ذكر بعد هذه الآية قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوه﴾ إلى آخر الآيات [النور: ٦٢]، فإنها في الجهاد وتكون هذه الآيات مقدمة لذكر الجهاد، ولكنها صُدِّرَت بها آية الأكل من البيوت المذكورة إما للتمهيد والتوطئة والتنبيه؛ لأن الإنسان إذا جاء كلام في غير محله المرتقب لا بد أن ينتبه ويبحث ما هو السبب، بخلاف ما إذا جاء الكلام على نَسَقٍ واحد فإنه قد ينساق معه ولا يتفهَّم المعاني. وقد مر علينا أن من فائدة الالتفات هو تنبيه المخاطب أو السامع. هذا أيضًا، وضعت هذه الجملة: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ قبل أن تُذْكَر آياتُ الجهاد في هذا المحل؛ ليتنبه القارئ؛ حيث خرجت المسألة عما هو متبادر ومتوقع، هذا قول. قول آخر: إن المراد ليس عليهم حرج في أيش؟ في ترك الجهاد، وقالوا: هذا كقوله تعالى في سورة الفتح: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح ١٧]؛ فإنها في الجهاد بلا ريب اللي في سورة الفتح. وقال آخرون: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ في ترك أي عبادة تكون فيها هذه الأعذار مانعة كل عبادة تمنع منها هذه الأعذار؛ فإنه لا حرج عليهم في تركها، مفهوم -يا جماعة- تكون الآية أعم من الجهاد وغيره، بل كل عبادة سبب تركها والإخلال بها أحد هذه الأوصاف الثلاثة، فإنه لا حرج عليهم فيها؛ قالوا: وهذا مقتضى الأدلة الشرعية: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج ٧٨]. فإذا ترك الإنسان عبادة أو أخلَّ بها لعذر العمى فلا حرج عليه، لعذر المرض فلا حرج عليه، لعذر العرج فلا حرج عليه؛ فتكون الآية عامة في الأكل (المواكلة) كما قال المؤلف. وكذلك أيضًا في ترك الجهاد وكذلك فيما يُشْتَرط له المشي وهو أعرج لا يستطيع أو مريض لا يستطيع أو أعمى لا يستطيع كالذي يشترط له البصر، فكل هذا ليس عليهم فيه حرج لكن على هذين الرأيين الأخيرين يبقى -كما أشرنا إليه- ما مناسبة هذا القول أو هذه الآية لآخر الآية، صَدْر الآية مع آخرها، ويش وجه التناسب بينها؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني: المناسبة أنه كما هو معلوم أن هؤلاء لا حرج عليهم فيما يُشْتَرط فيه السلامة من هذه الأمراض فإنه كذلك لا حرج عليكم فيما يأتي، فيكون الغرض التمهيد لنفي الحرج بالآتي، يعني: كما أنه معلوم أن هذه الأشياء أعذار تمنع من الحرج بدون أي مجادلة فكذلك أيضًا ليس عليكم حرج في الأكل من بيوتكم إلى آخره. إذن ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا﴾ متعلقة باللي قبلها ولَّا لا؟ لا، لأنك لو كانت متعلقة باللي قبلها لكان المعنى ليس على الأعمى حرج أن يأكل من بيتك، ولا على الأعرج حرج أن يأكل من بيتك، ولكننا قلنا: إن الآية عامة، يعني: ليس على هؤلاء حرج فيما تكون هذه العلل عذرًا لهم في تركه. ثم قال: (﴿وَلَا﴾ حرج ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ أي: بيوت أولادكم). قال المؤلف: (﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ ) قال: (أي بيوت أولادكم) لماذا لم يجعل الآية عامة؟ ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ يعني: بيوت أنفسكم. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا لا حاجة (...) في الحرج فيه. لكن قد يقول قائل: إن في آخر الآية ما يدل على أنه يراد بيوت الإنسان أيضًا وهو قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ ويكون نفي الحرج عن الأكل من البيوت من حيث كونهم ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ لا لمطلق الأكل، أنتم فاهمين يا جماعة؟ أقول: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ المؤلف حمل الآية على أن المراد ببيوت الإنسان بيوت أولاده، ونحن نقول: لا مانع من أن يُراد بها بيتُه الحقيقي وبيت ولده. فإن قال قائل: أَيُّ فائدة لنفي الحرج عن أكله من بيته؟ قلنا: لأجل ما يُذْكَر في آخر الآية وهي: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ يعني: ليس عليك جناح أن تأكل من بيتك سواء أكلت أنت وأهلك أو أكلتم متفرقين، وإن كان الأفضل الاجتماع على الأكل كما سنذكر إن شاء الله عند آخر الآية، لكن مع ذلك لا جناح يعني: ليس على الإنسان جناح أنه يأكل يتغدى لحاله وعياله لحالهم، أو لحاله وزوجته لحالها، أو ما أشبه ذلك ولا بأس أيضًا أنه يأكل هو وإياهم جميعًا لا بأس بهذا ولا بهذا. يبقى النظر: ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ إلى آخره، ما ذكر بيوت الأولاد! نقول: هي داخلة في قوله: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ فإن بيت الولد بيت لأبيه؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٢٨)، والترمذي (١٣٥٨)، والنسائي (٤٤٤٩)، وابن ماجه (٢٢٩٠) من حديث عائشة، واللفظ للنسائي وابن ماجه. ]]، ولقوله: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٣٠) من حديث عبد الله بن عمرو، وابن ماجه (٢٢٩١) من حديث جابر بن عبد الله، واللفظ لابن ماجه.]] فعليه يكون بيت الولد بيت للوالد، ونحن إنما انتقدنا على المؤلف لم ننتقد إدخاله بيوت الأولاد في بيوت الإنسان، فإن هذا صحيح، وإنما انتقدنا تخصيصه البيوت، أيش يقول؟ ببيوت الأولاد، فنحن نقول: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ أي: بيوت أنفسكم، وبيوت أولادكم بالنسبة لبيت الإنسان نفسه فائدتها ما ذكر في آخر الآية، وبالنسبة لبيت ولده أعمُّ من ذلك. ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ ﴿آبَائِكُمْ﴾ يشمل الأب الأدنى والأعلى؛ فإن الجدَّ أبٌّ كما قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج ٧٨] فسمَّى الله إبراهيم أبًا لنا مع أنه جَدٌّ بعيد، وكذلك أمهاتكم يشمل الأمَّ الدنيا التي ولدت الإنسان والأمَّ العليا التي هي الجَدَّات. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما يشمل الرضاع والتبني؛ لأن حقوق القرابة ما تتعلق بها حقوق الرضاع. ﴿أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ﴾ الأشقاء أو لأب أو لأم. ﴿أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ﴾ لكن بشرط أن لا تكون ذات زوج، فإن كانت ذات زوج والمال له ما صار بيتًا لأخته، صار بيتًا لزوجها، لكن إذا كانت الأخت لها بيت فإنه لا بأس أن يأكل الإنسان من هذا البيت. ﴿أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ﴾ يقال في ﴿عَمَّاتِكُمْ﴾ مثلما قلنا في ﴿أَخَوَاتِكُمْ﴾ يعني: ما لم تكن العمة ذات زوج فلا يأكل الإنسان من بيت زوجها؛ لأنه له وليس لها. ﴿أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ﴾ بالنسبة للأعمام والعمات والأخوال والخالات يشمل الأدنى من هؤلاء والأعلى؛ فالأدنى أخو أبيك بالنسبة للعم، والأعلى أخو جدك وإن علا، وبالنسبة للخال الأدنى أخو أمك، والأعلى أخو جدتك، وإن علا فإنه خالك. (﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ ) أي: (خَزَّنْتُموه لغيركم) قوله: ﴿مَفَاتِحَهُ﴾ المفاتح بمعنى الخزائن يعني: ما ملكتم خزائنه، وقيل: إنها بمعنى المفاتيح، وهي ما يُفتح به؛ فالمِفتاح غير المِفْتَحْ، مِفْتَحْ جمعه مَفاتح، مفتاح جمعه مفاتيح، قيل: إنه يطلق المِفتح على المفتاح، والمفاتح على المفاتيح، وقيل: لا، المراد بالمفاتح الخزائن، والمفاتيح ما يفتح به، ولكن القرآن يؤيد القول الأول كما قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص ٧٦]، وعلى هذا فنقول هنا في الآية الكريمة ﴿مَفَاتِحَهُ﴾ أي: خزائنه أو مفاتيح خزائنه. وقوله: ﴿مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ ويش معنى ﴿مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾؟ أي: جُعِلَت مفاتيحه في أيديكم وهي الخزائن، فلا جناح على الإنسان أن يأكل منها لكن بالمعروف، يعني: مثلًا لو أن إنسانًا صاحب فاكهة وأعطاك مفتاح المخزن قصده أن تحافظ عليه وعلى مفاتيحه، فدخلتَ يومًا من الأيام في هذا المخزن يجوز أنك تأكل مثلًا منه لكن بشرط أن يكون ذلك بالمعروف ما تاخد (...) تتردد عليه دائمًا إلا إذا رضي بذلك. * طالب: لو كان ملكًا للدولة؟ * الشيخ: ويش لون؟ * الطالب: لو كان ملكًا للدولة؟ * الشيخ: إي نعم، ولو كان ملكًا للدولة؛ لأنه ما دام اؤتمنت عليه فهو عامٌّ، فهو جائز. قال: (﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ وهو من صَدَقَكُمْ في مَوَدَّتِه، المعنى يجوز الأكل من بيوت مَنْ ذُكِرَ وإن لم يحضُروا أي: إذا عُلِمَ رضاهم به) شوف المؤلف يقول: يجوز الأكل من بيوت هؤلاء، وإن لم يحضروا هذا صحيح. وقوله: (أي: إذا عُلِم رضاهم به) فهذا غير صحيح؛ وذلك أنه إذا عُلِم رضا صاحب البيت بأكلك فإنه لا فرق بين أن يكون من هؤلاء أو من غيرهم، إذا علم لكن يؤكل من بيوت هؤلاء ما لم يعلم عدم رضاهم. فالمراتب ثلاث: المرتبة الأولى: أن تعلم رضاهم رضا صاحب البيت بأكلك فهذا جائز ولّا لا؟ جائز، من هذه البيوت ومن غيرها. المرتبة الثانية: أن تَعْلَم عدم رضاهم؛ أنه ما يرضى فلا تأكل لا من هذه البيوت ولا من غيرها؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ»[[أخرجه أحمد (٢٠٦٩٥)، والدارقطني (٢٨٨٦) من حديث عم أبي حرة الرقاشي. ]]. المرتبة الثالثة: أن لا تعلم رضاه ولا عدم رضاه، فهذه هي التي يُفَرَّق فيها بين مَنْ ذُكِرَ وغيره؛ فيقال: تأكل من بيوت هؤلاء؛ لأن الغالب رضاهم لوجود الصلة بينك وبينهم من القرابة أو الصداقة أو الائتمان؛ لأن حقيقة الأمر أن هذه البيوت ترجع إلى ثلاثة أسباب؛ إما قرابة أو ائتمان أو صداقة. فالقرابة من ذُكِروا، وأما الائتمان ففي قوله: ﴿مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾، وأما الصداقة ففي قوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾، ففي حالة عدم العلم بالرضا والسخط نقول: يجوز الأكل من هذه البيوت دون غيرها، وأما اشتراط المؤلف علم الرضا في هذه البيوت فلا وجه له؛ لأنه لو اشترطنا ذلك لم يكن بينها وبين البيوت الأخرى فرق. لو فُرِضَ، صديق لك أدخلك بيته ووجدت في القهوة أكل وأكلت بدون أن تستأذن بيجوز ولَّا لا؟ إي، يجوز نقول: يجوز، هذا هو معنى الآية. المؤلف يرى أنه ما يجوز إلا إذا علمت أنه يرضى بذلك، ولكن الصحيح أنه لا يشترط العلم بالرضا لكن لو علمنا أن هذا الرجل شحيح لا يرضى بأن تأكل شيئا أبدًا من ماله إلا ما قدَّمه لك ففي هذا الحال لا يجوز الأكل للحديث الذي أشرنا إليه (...). لا، بس هذا خطير؛ لأن (...) مجرد ما أكرمك وأدخلك بيعظمك مثلًا بدعوة، هذا ما يجوز إنك تقعد على هذا إلا بإذنه، لكن الصديق سواء دعاك أو ما دعاك، وسواء أراد يقدم لك كرامة أو ما أراد، إذا ما دخلت بيت صديقك فلك الأكل ما لم تعلم أنه لا يرضى بذلك. وفي قوله: ﴿صَدِيقِكُمْ﴾ دليل على أن للصداقة حقًّا، وهو كذلك، والسبب الصلة التي بينك وبينه. ما رأيكم في الصِّهر وفي صلة الرضاع، هل تدخل في صلة النسب أو في الصداقة أو ما تدخل؟ * طالب: (...). * الشيخ: تدخل في الصداقة إن كان صديقًا؛ لأنه قد لا يكون صديقًا كثير من الناس يكون أخوك من الرضاعة وبينك وبينه عداوة، وكثير من الناس يكون هذا الرجل صهرًا لك وبينك وبينه عداوة، فالمهم إذا لم يكن صداقة بين الصِّهر وصِهره أو بين الرضيع ومرضعه فإنه لا يجوز الأكل من بيته. (﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ مجتمعين ﴿أَوْ أَشْتَاتًا﴾ متفرقين جمع شَتٍّ) شَتّ وأشتات مثل سبب وأسباب إلا أن سبب غير مدغمة، وشت مدغمة. قال: (نزلت فيمن تَحَرَّج أن يأكل وحده، وإذا لم يجد من يؤاكله يترك الأكل) هذه يقال: إنها كانت عادة لبعض العرب إذا ما وجد أحدًا يأكل معه ما يأكل، لازم ما يأكل إلا ومعه أحد، فإن لم يجد أحدًا يأكل معه ما أكل شيئًا أبدًا، يموت من الجوع وهو ما أكل إلى أن يَلْقى أحدًا يأكل معه، وهذا لا شك إنه دليل على الكرم، لكنه كرم فيه إفراط. القصد أنك تأكل مع غيرك وتأكل وحدك؛ كما قال الله عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ وهذا في الجواز، وأما الأفضل فهو الأكل جميعًا كما أمر النبي ﷺ بذلك، وأخبر أن في ذلك بركة؛ شكا إليه رجل أنه كان يأكل ولا يشبع، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «لَعَلَّكُمْ تَأْكُلُونَ مُتَفَرِّقِينَ» قال: نعم، قال:» «اجْتَمِعُوا عَلَى أَكْلِكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ»[[أخرجه أبو داود (٣٧٦٤)، وابن ماجه (٣٢٨٦) من حديث وحشي بن حرب.]]؛ فاجتماع الناس على الأكل هذا من أسباب البركة، كما أنه أيضًا من أسباب الإلفة والمودة؛ لأن الناس أهل البيت مثلًا متفرقون في أعمالهم فإذا لم يكن شيء يجمعهم وهو الأكل فمتى يجتمعون، لكن مع المؤسف أن هذه السُّنَّة أصبحت الآن مفقودة عند كثير من الناس، تجد الأب يأكل وحده، والولد الأكبر يأكل وحده، والمتوسط يأكل وحده، اللي يمكن يجتعمن النساء الحريم، هذا اللي يمكن يجتمعن، أما الرجال فإن اجتماعهم فيما يظهر لي قليل، ولكن هذا خلاف السنة. السنة أن يجتمع الناس على الأكل، والحمد لله ينتظر بعضهم بعضًا، ما يضر إذا تأخر ربع ساعة في انتظار صاحبه؟! ما الذي يضر؟! لأن كونهم يجتمعون ويتحدثون جميعًا هذا يجلب المودة والإلفة، لكن كون الولد ما يشوف أبوه أبدًا؛ بالليل يسهر الولد وأبوه ينام بَكر، وبالنهار أبوه يطلب المعيشة والولد يدرس، وبالأكل أبوه يصلي مع الجماعة ودا قاعد يتغدى مثلًا أو ما أشبه ذلك، إذن متي يكون الاجتماع؟ ومتى يكون الإلفة بين الناس؟ هل الأفضل الآن أن يأكل الرجل وأهل بيته من رجال ونساء؟ نعم، هذا هو الأفضل أنهم يأكلون جميعًا حتى الرجال مع النساء، وقد شاهدنا من السلف السابقين مَنْ يأكلون جميعًا هو وأبوه، كنا عند أخوال لنا إذا أصبحنا عندهم أبدًا، نجدهم كلهم يجتمعون (...). * * * يعني: الإثم والمشقة، وذكرنا اختلاف العلماء في هذا (...)؛ يعني: الأعمى والأعرج والمريض وأنهم ذكروا فيها ثلاثة أراء وهي؟ * طالب: أنها في الجهاد. * الشيخ: أنها في الجهاد. * الطالب: أو أنها عامة في كل شيء. * الشيخ: أو عامة في كل شيء. * الطالب: أنها في الأكل. * الشيخ: أنها في مؤاكلتهم، والعموم أولى، والمعنى ليس عليهم حرج فيما تكون هذه الأمراض أو هذه العاهات سببًا للعجز عنه من جهاد أو غيره، فليس عليهم حرج، ويكون في ذلك تمهيد لما ذكر بعد، يعني: فكما أن هؤلاء لا حرج عليهم فلا حرج عليكم أيضًا ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ إلى آخره. ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ يعني: مجتمعين على الأكل ﴿أَوْ أَشْتَاتًا﴾ متفرقين. ثم قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُم﴾ (﴿بُيُوتًا﴾ لكم لا أهل بها ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُم﴾ أي: قولوا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإن الملائكة تَرُدُّ عليكم، وإن كان بها أهل فسلموا عليهم). قوله: ﴿إِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ ﴿بُيُوتًا﴾ نكرة في سياق ﴿إِذَا﴾، ويش هي ﴿إِذَا﴾؟ شرطية، في سياق الشرط، فتكون عامة في بيوت الإنسان وبيوت غيره. وقوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُم﴾ إن كان بها أهل وهي لغيره، يسلموا عليهم أي: على مَنْ فيها، وسُمِّي سلامًا على النفس وهو على الغير؛ لأن المؤمنين نفس واحدة كما قال النبي ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى والسَّهَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦ / ٦٦) النعمان بن بشير.]]، وإن كانت بيوتًا ليس فيها أحد، الإنسان يُسَلِّم على نفسه يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ لأن هذا هو السلام الذي عَلَّمه النبي ﷺ أمته أن يسلموا على أنفسهم كما في الصلاة. وقوله: ﴿تَحِيَّةً﴾ مصدر (حيَّا)؛ يعني: تُحَيَّون تحية. وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أضافها الله إليه؛ لأنه هو الذي شرعها، ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يعني: هذه التحية من عند الله، أو أنها منه لأنه هو الذي شرعها، أو أنه الغاية بها يعني: أنها تطلب منه؛ لأنك تقول: السلام علينا أو السلام عليكم فهي تُطْلَب منه، فهو غايتها أو هو مُشرِّعُها فإضافتها إلى الله لأنه المُشَرِّع الشارع لها فهو الذي أمر بها ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، أو لأنه غايتها أي: الذي تنتهي إليه هذه التحية ليثيب عليها ويجيبها. وقوله: ﴿مُبَارَكَةً﴾ ويش معنى مباركة؟ أي: ذات بركة، والبركة كما مر هي الخير الكثير الثابت. وقوله: ﴿طَيِّبَةً﴾ قال المؤلف: (مُثابًا عليها)، وهذا من الطِّيب أن تكون مُثابًا عليها؛ لكن من الطَّيِّب أيضًا أن تكون موافقة لشريعة الله؛ لأن الأعمال الصالحة والطيبة معناه هي الموافقة للشرع بأن تكون مخلصًا فيها لله مُتَّبِعًا فيها رسول الله ﷺ. وقوله: (﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: يُفَصِّل لكم معالم دينكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لكي تفهموا ذلك). ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ﴾ مر علينا أننا نعرب (الكاف) اسمًا بمعنى مثل على أنها مفعول مطلق لـ (يُبَيِّن) أي: مثل ذلك البيان (يبين)، و﴿الْآيَاتِ﴾ سبق أن المراد بها الشرعية والكونية؛ فالشرعية ما جاءت به الرسل، والكونية مخلوقات الله التي نشاهد ونسمع. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (لعل) هذه للتعليل؛ أي: لأجل أن تعقلوا، ومعنى العقل هنا الفهم على ما مشى عليه المؤلف، ولكن الأصح أنه أعمُّ من ذلك؛ أنه الفهم وحسن التصرُّف؛ لأن العقل -كما مر علينا- نوعان، ما هما؟ * طالب: إدراك. * الشيخ: وعقل تصرُّف، فعقل الإدراك هو مَناطُ التكليف وهو حاصل للمسلم والكافر والبر والفاجر، وعقل التصرُّف هو إحسان التصرف؛ أن يكون الإنسان يتصرَّف تصرُّفًا مبنيًّا على عقل، هذا يَخْرُج منه الكافرُ والفاسق؛ لأنهم لم يُحسِنوا التصرُّف فهم غير عاقلين؛ ولهذا دائمًا ينفي الله سبحانه وتعالى العقل عن الكفار مع أنهم من أذكى الناس وأفهمهم، لكن ليس عندهم عقل التصرف، عندهم عقل الإدراك فقط، والذي يُحمَد عليه الإنسان هو عقلُ التصرُّف، أما العقل الأول فإنه لا يُحمد عليه؛ لأنه ليس من كَسْبِه. * طالب: العقل بمعنى (...). * الشيخ: معنى أيش. * الطالب: (...). * الشيخ: إلا، له عقل؛ لأنه من العِقال؛ إذ إنه يَعْقِل صاحبَه لإحسان التصرُّف، ليس تصرُّف المجنون كتصرف هذا. * طالب: (...). * الشيخ: عقل الإدراك، العقل الذي يتميز به الإنسان عن المجنون هو عقل الإدراك، المهم إن المراد بالعقل هنا ليس مجرد الفهم؛ لأننا إذا فسَّرْناه بمجرد الفهم حولناه إلى عقل الإدراك فقط، وعقل الإدراك ليس مناطًا للمدح، وإنما المناط للمدح عقل التصرف الذي يُحْسِن به الإنسان التصرف، وهذا هو المراد بهذه الآية؛ أي: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تدركون ذلك وتحسنون التصرف بمقتضى هذه الآيات التي بَيَّنها الله لكم. * يستفاد من هذه الآية. * أولًا: بيان رحمة الله سبحانه وتعالى في نفي الحرج عمن لا يستحقه؛ لقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ * ثانيًا: بيان سهولة هذه الشريعة بنفي الحرج عمن لا يستحق أن يلحقه. * ثالثًا: أن الأحكام تدور مع عللها، فإذا وُجِدَت العلةُ الحكمُ ثَبَتَ، وإذا انتفت انتفى الحكم؛ لأن نفي الحرج عن هؤلاء ويش هو لأجله؟ لهذه العلة التي فيهم، فإذا برأ المريض، واستقام مشيُ الأعرج، ورد الله البصر على الأعمى انتفى هذا الحكم في حقهم، وثبت في حقهم ما يثبت في حق السالمين. * وفيه: جواز الأكل من بُيوت هؤلاء المذكورين سواء بإذن أو بغير إذن إلا إذا علمنا عدم رضاهم، فإذا علمنا أنهم لا يرضون فإنه لا يجوز الأكل من بُيوتهم. * وفيه دليل على: أن مال ابن الإنسان مال له كيف ذلك؟ * طالب: (...) إن خير، بمعنى: ما أكلتم. * الشيخ:«إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ». * الطالب: إن أطيب ما أكلتم وأبناءكم. * الشيخ:«وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُم»[[أخرجه أبو داود (٣٥٢٨)، والترمذي (١٣٥٨) واللفظ له، والنسائي (٤٤٤٩)، وابن ماجه (٢١٣٧) من حديث عائشة.]]، وهنا وجه الدلالة من الآية؟ * الطالب: (...) هنا ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾، ولم يذكر يعني.. * الشيخ: الأولاد، ما ذكر الأولاد، فدل على أن المراد بالبيوت بيوتكم وبيوت أولادكم. * وفيه دليل أيضًا على: تحكيم العادة في الأمور؛ لأنه إنما أبيح لنا الأكل من هذه البيوت؛ لأن العادة والعرف الرضا بذلك، معروف هادول الأقارب والصديق ومالك المفاتيح كلهم مما جرى العرف بأنهم يسامحون في الأكل، ولكنه سبق إن الإنسان لا يحمل شيئًا، يأكل ولا يحمل؛ ولهذا إنما أجاز الله الأكل فقط. * وفيه أيضًا -في الآية- دليل على: جواز الأكل مجتمعين ومتفرقين؛ لقوله ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾، ولكن الأفضل كما مر الاجتماع. * وفيه أيضًا دليل على: مشروعية السلام عند الدخول إلى البيوت؛ لقوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، وكان هذا من هَدْيِ النبي ﷺ، إلا أن الإنسان يبدأ بشيء قبل السلام وهو السواك، إذا دخل بيته يبدأ أولًا بالتسوُّك[[أخرجه مسلم (٢٥٣ / ٤٣) من حديث عائشة.]] ثم يسلم على أهله[[أخرجه الترمذي (٢٦٩٨) من حديث أنس، ولفظه: يَا بُنَيَّ، إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ.]]. * طالب: (...). * الشيخ: لا، قبل هذا، قبل السلام؛ لأن الغالب في وقتنا هذا إنه ما يكونوا عند الباب، لكن إن كانوا عند الباب فالسلام عليهم قبل. * وفيه أيضًا دليل على: فضيلة السلام لكون الله تعالى وصفه بأنه: تحية من عنده مباركة طيبة؛ ثلاثة أوصاف، وهذا لا شك دليل على فضله، فيدل على أنه أفضل من قول الإنسان: أهلًا وسهلًا، وشبهه، وعلى أن الإنسان لو أجاب السلام بأهلًا وسهلًا لن يجزئ؛ لأن أهلًا وسهلًا لا توصف بأنها ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾. أما السلام عليكم أو عليكم السلام، فإنه يوصف بأنه ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾؛ ولهذا تجدون هذا هدي الأنبياء في حديث المعراج؛ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا سلم على النبي الذي يواجهه في السماء رد عليه السلام وقال: «مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ» في آدم وإبراهيم، و«بِالْأَخِ الصَّالِحِ» فيمن عداهم: «مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ» فيرحِّبُون بعد أن يردوا السلام، وكونه يقول في الحديث: «فَرَدَ السَّلَامَ وَقَالَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٧) واللفظ له، ومسلم (١٦٤ / ٢٦٤) من حديث مالك بن صعصعة.]] دليل على أن هذا ليس من رد السلام، وهذا أمر معلوم، لكن مع الأسف أن الناس الآن هجروا هذا، وصار غالب الناس إذا سلَّمْتَ عليهم قالوا لك: أهلًا ومرحبًا، ولَّا هَلَا ولَّا مَرْحَبًا، هذا لا يجزي ولا يجوز الاقتصار عليه. * طالب: (...) التليفون. * الشيخ: إي نعم، سلام التليفون، كل ما خابرت أحدًا سلِّم عليه؛ لأن حقيقة التليفون مواجهة، لكنها غَيْبِيَّة، فتقول: السلام عليكم، ولكن أيضًا هذا مما يُؤْسَف له إن الناس كلهم صغيرهم وكبيرهم يمكن نقول: عالمهم وجاهلهم ما يفعلون هذا، يقولون: ألو وألو أسمع (...). * * * ثم قال تعالى مُؤَدِّبًا عباده: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣] * طالب: (...). * الشيخ: أن يقول: غفر الله لكم، انصرفوا غفر الله لكم، أو اللهم اغفر لهم. قال: (﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ بأن تَقُولوا: يا محمد، بل قولوا: يا نبيَّ الله، يا رسول الله، في لِينٍ وتواضعٍ وخَفْضِ صوت) إلى آخره. قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ﴿دُعَاء﴾ على كلام المؤلف بمعنى نداء، ومنه قولكم: دعوت فلانًا أي: ناديته، وعلى هذا فـ (دعاء) مضاف إلى مفعوله؛ لأن (دعاء) مصدر مضاف إلى مفعوله، وفاعله محذوف، والتقدير: لا تجعلوا دعاءكم الرسولَ هذا الأصل، فصرف الفاعل وأُضِيف المصدر إلى مفعوله أي: دعاءكم الرسول، هذا أصله. وقوله: ﴿كَدُعَاءِ بَعْضكُمْ بَعْضًا﴾ هذا مضاف إلى فاعله ومفعوله ﴿بَعْضًا﴾ يعني: كما إذا دعا بعضكم بعضًا فإننا عندما يدعو بعضنا بعضًا نقول: يا فلان؛ لكن النبي عليه الصلاة والسلام له من الحق والإكرام ما لا يليق بنا أن ندعوه باسمه، بل نقول: يا نبي الله، يا رسول الله، وقد التزم الصحابة رضي الله عنهم هذا الأدب، فصاروا يُنادُون النبي ﷺ بوصفه بالنبوة أو بالرسالة، وما ورد على خلاف ذلك من أقوال الصحابة أو دعائهم فإما أن يكون قَبْلَ النهي وإما أن يكون من جاهلٍ كالذي يَحْصَلُ من بعض الأعراب. هذا ما ذهب إليه المؤلف وبعضُ المفسرين، وقال آخرون: المراد من ﴿دُعَاء الرَّسُول﴾ أي: دعاء الرسول إياكم فيكون المصدر مضافًا إلى فاعله؛ أي: لا تجعلوا دعاء الرسول إذا دعاكم كدعاء بعضكم بعضًا، إن شئتم أجبتم، وإن شئتم تركتم، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام إجابته فرض، وعليه فإذا أمرنا بأمرٍ أو دعانا لأمر فإن إجابته فرض علينا ليست كغيره، إن شئنا أجبنا وإن شئنا تركنا، وعلى هذا فيكون في الآية نهيًا عن معصية الرسول ﷺ وأمرًا بطاعته ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضكُمْ بَعْضًا﴾. ويؤيد هذا قولُه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور ٦٣] فإن سياق الآية يؤيد هذا القول، لو قيل بأن الآية شاملة للمعنيين يجوز ولَّا لا؟ يجوز، يجوز أن نجعلها شاملة للمعنيين؛ لأننا أثبتنا قاعدة في هذا، وهو أن الآية إذا كانت تحتمل المعنيين بدون تناقض فإنها تُحْمَل عليهما جميعًا، أما إذا كانت تحتمل معنيين لكن معنى كل واحد يُخالِف الآخر فإنه حينئذ يجب طلبُ الترجيح، الذي يُرَجِّح أحدَ المعنيين فيؤخذ به، وأما إذا كانت صالحة لهما ولا منافاة بينهما فإن الواجب حَمْلُها على المعنيين جميعًا. فعليه نقول: إن هذا من باب الأدب في مُخاطبة الرسول عليه الصلاة والسلام والأدب في إجابته، ففي مخاطبته ما نجعل مخاطبته ودعاءنا إياه كدعاء غيره، وفي إجابته لا نجعل دعاءه وطلبه لأمر من الأمور كطلب غيره؛ ومن ثَمَّ قال أهل العلم: لو دعاه النبي ﷺ وهو يصلي هل تجب عليه الإجابة ولَّا لا؟ تجب عليه الإجابة، ولو دعاه والده وهو يصلي فإن كان في فريضة لم يُجِبْه، وإن كان في نافلة أجابه، إلا أن يَعْلَم رضا والده بذلك بحيث يُشْعِره أنه يصلي فلا يهمه إذا كان يصلي ألا يجيب، فهذا لا يجيبه، وإما إذا كان والده من الناس الذين لا يعذرون وكذلك والدته فإنه يُجيبُه في النفل ويقطع صلاته. الحرج؛ يعني: الإثم والمشقة، وذكرنا اختلاف العلماء في هذا المنفي عن الأعمى والأعرج والمريض، وأنهم ذكروا فيها ثلاثة آراء، وهي؟ * طالب: أنها في الجهاد. * الشيخ: أنها في الجهاد. * الطالب: أو أنها عامة في كل شيء. * الشيخ: أو عامة في كل شيء. * طالب: أنها في الأكل. * الشيخ: أنها في مؤاكلتهم، والعموم أولى، والمعنى: ليس عليهم حرج فيما تكون هذه الأمراض أو هذه العاهات سببًا للعجز عنه من جهاد أو غيره، فليس عليهم حرج، ويكون في ذلك تمهيد لما ذكر بعدُ؛ يعني: فكما أن هؤلاء لا حرج عليهم فلا حرج عليكم أيضًا أن تأكلوا من بيوتكم، إلى آخره. (﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ [النور ٦١] يعني: مجتمعين على الأكل، ﴿أَوْ أَشْتَاتًا﴾ متفرقين). ثم قال الله تعالى: (﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ بيوتًا لكم لا أهل بها، ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: قولوا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإن الملائكة ترد عليكم، وإن كان بها أهلٌ فسلِّموا عليهم). قوله: ﴿إِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ ﴿بُيُوتًا﴾ نكرة في سياق؟ * طالب: (إذا). * الشيخ: (إذا) ويش (إذا)؟ * الطالب: شرطية. * الشيخ: شرطية؛ في سياق الشرط، فتكون عامة في بيوت الإنسان وبيوت غيره. وقوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ إن كان بها أهل وهي لغيره يسلم عليهم؛ أي: على من فيها، وسمي: سلامًا على النفس وهو على الغير؛ لأن المؤمنين نفس واحدة، كما قال النبي ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦ / ٦٦) من حديث النعمان بن بشير.]]. وإن كانت بيوتًا ليس فيها أحد فإن الإنسان يسلِّم على نفسه، يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ لأن هذا هو السلام الذي علَّمه النبي ﷺ أمته؛ أن يسلموا على أنفسهم كما في الصلاة. وقوله: ﴿تَحِيَّةً﴾ مصدر (حَيَّا)؛ يعني: تُحيون تحيةً، وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أضافها الله إليه؛ لأنه هو الذي شرعها، ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يعني: هذه التحية من عند الله، أو أنه الغاية بها؛ يعني: أنها تطلب منه؛ لأنك تقول: السلام علينا أو السلام عليكم، فهي تطلب منه، فهو غايتها أو هو مشرِّعها، فإضافتها إلى الله؛ لأنه المشرِّع الشارع لها، فهو الذي أمر بها ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، أو لأنه غايتها؛ أي: الذي تنتهي إليه هذه التحية؛ ليثيب عليها ويجيبها. وقوله: ﴿مُبَارَكَةً﴾ ويش معنى ﴿مُبَارَكَةً﴾؟ أي: ذات بركة، والبركة -كما مرَّ- هي الخير الكثير الثابت. وقوله: ﴿طَيِّبَةً﴾ قال المؤلف: (مثابًا عليها)، وهذا نعم من الطيب؛ أن تكون مثابًا عليها، لكن من الطيب أيضًا أن تكون موافقة لشريعة الله؛ لأن الأعمال الصالحة والطيبة معناه هي الموافقة للشرع؛ بأن تكون مخلَصًا فيها لله، متبعًا فيها رسول الله ﷺ. وقوله: (﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: يفصل لكم معالم دينكم، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لكي تفهموا ذلك). ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ﴾ مر علينا أننا نعرب الكاف اسمًا بمعنى (مِثْل)، على أنها مفعول مطلق لـ﴿يُبَيِّنُ﴾؛ أي: مثل ذلك البيان يُبَيِّن. و﴿الْآيَاتِ﴾ سبق أن المراد بها الشرعية والكونية؛ فالشرعية ما جاءت به الرسل، والكونية مخلوقات الله التي نشاهد ونسمع. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (لعل) هذه للتعليل؛ أي: لأجل أن تعقلوا، ومعنى العقل هنا: الفهم، على ما مشى عليه المؤلف، ولكن الأصح أنه أعم من ذلك؛ أنه الفهم وحسن التصرف؛ لأن العقل -كما مر علينا- نوعان، ما هما؟ * طالب: عقل إدراك. * الشيخ: وعقل تصرف. فعقل الإدراك هو مناط التكليف، وهو حاصل للمسلم والكافر، والبر والفاجر، وعقل التصرف هو إحسان التصرف؛ أن يكون الإنسان يتصرف تصرفًا مبنيًّا على عقل، هذا يخرج منه الكافر والفاسق؛ لأنهم لم يحسنوا التصرف، فهم غير عاقلين؛ ولهذا دائمًا ينفي الله سبحانه وتعالى العقل عن الكفار مع أنهم من أذكى الناس وأفهمهم، لكن ليس عندهم عقل التصرف، عندهم عقل الإدراك فقط، والذي يحمد عليه الإنسان هو عقل التصرف، أما العقل الأول فإنه لا يحمد عليه؛ لأنه ليس من كسبه. * طالب: يا شيخ، العقل ما له أصل يعني في اللغة أو العرف أو الشرع؟ * الشيخ: إلا، له أصل. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لأنه من العقال؛ إذ إنه يعقل صاحبه بإحسان التصرف، ليس تصرف المجنون كتصرف هذا. * الطالب: من أي قسم؟ * الشيخ: من عقل الإدراك، العقل الذي يتميزبه الإنسان عن المجنون هو عقل الإدراك. المهم أن المراد بالعقل هنا ليس مجرد الفهم؛ لأننا إذا فسرناه بمجرد الفهم حوَّلناه إلى عقل الإدراك فقط، وعقل الإدراك ليس مناطًا للمدح، وإنما المناط للمدح عقل التصرف الذي يحسن به الإنسان التصرف، وهذا هو المراد بهذه الآية، أي ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تدركون ذلك وتحسنون التصرف بمقتضى هذه الآيات التي بيَّنها الله لكم. * يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: بيان رحمة الله سبحانه وتعالى في نفي الحرج عمن لا يستحقه؛ لقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾. * ثانيًا: بيان سهولة هذه الشريعة بنفي الحرج عمن لا يستحق أن يلحقه. * ثالثًا: أن الأحكام تدور مع عللها؛ فإذا وجد في العلة الحكم ثبت، وإذا انتفت انتفى الحكم؛ لأن نفي الحرج عن هؤلاء، ويش هو لأجله؟ لهذه العلة التي فيهم، فإذا برئ المريض، واستقام مشي الأعرج، ورد الله البصر على الأعمى، انتفى هذا الحكم في حقهم، وثبت في حقهم ما يثبت في حق السالمين. * وفيه: جواز الأكل من بيوت هؤلاء المذكورين أو لا؟ سواء بإذن أو بغير إذن، إلا إذا علمنا؟ * طالب: عدم رضاهم. * الشيخ: عدم رضاهم، فإذا علمنا أنهم لا يرضون، فإنه لا يجوز الأكل من بيوتهم. * وفيه دليل على أن مال ابن الإنسان مال له، كيف ذلك؟ * طالب: ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾، وقال الرسول يعني.. إن خير، بمعناه.. يعني ما أكلتم.. * الشيخ: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ». * الطالب: معناه أطيب ما أكلتم، وأبناؤكم.. * الشيخ: «وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٢٨)، والترمذي (١٣٥٨)، والنسائي في المجتبى (٤٤٥٠)، وابن ماجه (٢٢٩٠) من حديث عائشة.]]. وهنا ما وجه الدلالة من الآية؟ * الطالب: قال هنا: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ ولم يذكر الأولاد. * الشيخ: ما ذكر الأولاد، فدل على أن المراد بالبيوت: بيوتكم وبيوت أولادكم. * وفيه دليل أيضًا على تحكيم العادة في الأمور؛ لأنه إنما أبيح لنا الأكل من هذه البيوت؛ لأن العادة والعرف الرضا بذلك؛ لأنه معروف هؤلاء الأقارب والصديق ومالك المفاتيح كلهم مما جرى العرف بأنهم يسامحون في الأكل، ولكنه سبق أن الإنسان لا يحمل شيئًا، يأكل ولا يحمل؛ ولهذا إنما أجاز الله الأكل فقط. * في الآية دليل على جواز الأكل مجتمعين ومتفرقين؛ لقوله: ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾، ولكن الأفضل -كما مر- الاجتماع. * وفيه أيضًا دليل على مشروعية السلام عند الدخول إلى البيوت؛ لقوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، وكان هذا من هدي النبي ﷺ، إلا أن الإنسان يبدأ بشيء قبل السلام وهو؟ * طالب: السواك. * الشيخ: السواك، إذا دخل بيته يبدأ أولًا بالتسوك، ثم يسلم على أهله. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، قبل هذا، قبل السلام؛ لأن الغالب في وقتنا هذا أنهم ما يكونون عند الباب، لكن إن كانوا عند الباب فالسلام عليهم قبل. * وفيه أيضًا دليل على فضيلة السلام؛ لكون الله تعالى وصفه بأنه تحيةٌ من عنده مباركةٌ طيبةٌ، ثلاثة أوصاف، وهذا لا شك دليل على فضله، فيدل على أنه أفضل من قول الإنسان: أهلًا وسهلًا، وشِبْهِه. وعلى أن الإنسان لو أجاب السلام بـ(أهلًا وسهلًا) لم يجزئ؛ لأن (أهلًا وسهلًا) لا توصف بأنها تحيةٌ من عند الله مباركةٌ طيبةٌ، أما السلام عليكم أو عليكم السلام فإنه يوصف بأنه تحيةٌ من عند الله مباركةٌ طيبةٌ؛ ولهذا تجدون هذا هدي الأنبياء في حديث المعراج؛ فإن «الرسول عليه الصلاة والسلام إذا سلَّم على النبي الذي يواجهه في السماء رد عليه السلام وقال: مرحبًا بالابن الصالح، في آدم وإبراهيم، وبالأخ الصالح فيمن عداهم؛ مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٧)، ومسلم (١٦٤ / ٢٦٤) واللفظ للبخاري من حديث مالك بن صعصعة.]]، فيرحبون بعد أن يردوا السلام، وكونه يقول في الحديث: «فَرَدَّ السَّلَامَ وَقَالَ» دليل على أن هذا ليس من رد السلام، وهذا أمر معلوم. لكن مع الأسف الناس الآن هجروا هذا، وصار غالب الناس إذا سلمت عليهم قالوا لك: أهلًا ومرحبًا، ولَّا هلا، ولَّا مرحبًا، هذا لا يجزئ، ولا يجوز الاقتصار عليه. * طالب: شيخ، ينطبق على (...)؟ * الشيخ: إي نعم، السلام قصدك؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إي نعم، كلما خاطبت أحدًا تسلم عليه؛ لأن -حقيقةً- التليفون مواجهة لكنها غيبية، فتقول: السلام عليكم، ولكن أيضًا هذا مما يؤسف له؛ أن الناس الآن كلهم صغيرهم وكبيرهم -يمكن نقول: عالمهم وجاهلهم- ما يفعلون هذا، يقولون: آلو، و(آلو) أسمع أنها تحية إنجليزية. * طالب: (...). * الشيخ: مشكلة، حالة الناس -الله يهدينا وإياهم- ما هم يفطنون لهذه الأمور. أما (تليفون) أنا أرى أن الأسماء الواردة لا بأس أنها تبقى على ما هي عليه؛ لأن الأسماء المعرَّبة في اللغة العربية موجودة من قديم، فلا بأس أن نقول: تليفون، ولا يلزم أن نقول: هاتف، مثلًا، وكذلك نقول: راديو، ولا يلزم نقول: مذياع، لكن المشكل الشيء المخالف للشرع؛ يعني: نبدل كلمة شرعية واردة في مثل هذا المقام بكلمة غير شرعية، هذا هو المشكل، ولَّا مسألة الأسماء التي ترد؛ لأن هم الذين صنعوها وسموها بهذا الاسم، ما علينا منهم، وإن كان بعض العلماء يقول: لا، هم سموها هذا الاسم مراعاة للمعنى لا مراعاة لمجرد الصنعة، فهم يقولون مثلًا: إن راديو أظن بمعنى هاتف عندهم. * طالب: راديو بمعنى مذياع. * الشيخ: بمعنى مذياع، فما دام أنهم مراعون المعنى يجب أننا نأتي باللفظ الذي يدل على هذا المعنى في لغتنا، إنما المسألة بسيطة هذه، لكن الكلام عن الذي يخالف الشرع، أما المسائل هذه فهي أهون. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الحث على؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، ربما يؤخذ منه، وربما يقال: إن مطلق السلام فيه البركة، وهو أولى؛ لأن تقييدنا إياه بما إذا قال: ورحمة الله وبركاته يكون تقييدًا لشيء موسَّع، فالنبي عليه الصلاة والسلام دائمًا يسلم يقول:« «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ»[[أخرجه البخاري (٤٧٣٩) من حديث عائشة.]]، ولكن مع ذلك نقول: إن الأفضل: ورحمة الله وبركاته، لا شك في هذا، إنما إذا هو اقتصر على الأول فإنه يصح أن نقول: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾؛ لأن هذا وصف للتحية لا وصف لصيغتها؛ يعني: نفس التحية مباركة طيبة، وليس وصفًا لصيغتها؛ أن تكون فيها لفظ البركة ولفظ الطيب، ولَّا كان يقول بعد: وطيباته. * وفي هذه الآية أيضًا دليل على عناية الله سبحانه وتعالى بالخلق؛ حيث كان يبين لهم الآيات؛ لأجل أن يتصرفوا تصرف العاقل فيتبعوا شريعته، ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ومرَّ علينا أن هذا البيان بالنسبة للآيات الشرعية ما يعرفها إلا المؤمنون الذين آمنوا بها وعقلوها، وأما الآيات الكونية فقد يؤمن بها حتى الكافر؛ الكفار يؤمنون بأن الله خالق السماوات والأرض، وأنه بيده ملكوت السماوات والأرض، وأنه منزل الغيث، إلى آخره. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما ورد في هذا المكان بعينه عن الرسول، لكن ورد تعليمها السلام علينا في الصلاة، حيث قال: «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث ابن مسعود.]]، وأيضًا كذلك رد الملائكة ما فيه أثر؛ أن الملائكة ترد عليك ما فيه أثر عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هم يقولون: إذا لم يكن فيها أحد فقد قال الله تعالى: ﴿سَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، فإننا نأخذ من هذا العموم أن نسلم على من فيها، وهم -لأنهم مؤمنون- كأنفسنا، وإذا لم يكن فيها أحد نسلم على أنفسنا خاصةً، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، هذا الذي ورد به الشرع في الصلاة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يمكن هذا، لكنه على بعد، وتكون سلمت على نفسك؛ لأنك أنت السبب في رده، والمتسبب كالمباشر، مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «يَلْعَنُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَلْعَنُ أَبَاهُ» لما قالوا: هل يلعن الرجل والديه؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠ / ١٤٦)، وأبو داود (٥١٤١) واللفظ له من حديث عبد الله بن عمرو.]]، هذا يمكن أن نجعل وجه كونه على أنفسنا أننا إذا سلمنا رد علينا، لكنه في الحقيقة قد يتخلف فيما إذا لم يرد، فإذا سلمت عليه فقد سلمت على نفسي، ردَّ أم لم يردَّ، حتى لو فرض أنه ما رد عليَّ فقد امتثلت الأمر، إي نعم. * طالب: الآن قلنا: إن الأعمى والأعرج نعذرهم لما كانت هذه العاهة عندهم فهل نقول كذلك (...) ضعيف النظر أو فيمن كان متوسطًا بين البصير البصر العادي أو بين هذا العمى، بمعنى نقول مثلًا: ضعيف النظر(...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ يعني مثلًا لو فرضنا أن الإنسان كُلِّف بالكتابة، الكتابة واجبة إذا دعي الإنسان إليها، كما قال الله تعالى: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ [البقرة ٢٨٢] يعني: لو دعاك أحد تكتب بينهم وثيقة وأنت قادر، فقد أمرك الله أن تكتب، إذا كان ضعيف النظر ما يستطيع ما عليه حرج، لو ما هو بأعمى، على كل حال؛ يعني: هذه العاهات إن كانت كاملة عُذِر الإنسان فيها عذرًا كاملًا، وإن كانت ناقصة فبحسبه، الحكم يدور مع علته. * طالب: (...) على سبيل الحصر ولَّا على سبيل (...)؟ * الشيخ: لا، على سبيل الحصر، وهذا هو فائدة؛ ذكر التنصيص على كل واحد، وألا كانت تأتي الآية: ولا على أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت أقاربكم، لكن هؤلاء منصوص عليهم؛ يعني: فمثلًا ابن الخالة ما تأكل من بيته، وابن العمة ما تأكل من بيته؛ لأن المنصوص عليهم، هذا فائدة ذكر كل واحد بنفسه. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ابن العمة ما هو ببيت لك. * الطالب: قياسًا. * الشيخ: لا، ولا يصلح قياسًا؛ لأنك لو أردت أن تقيسها على ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ جعلتها أعلى من العمة؛ يعني: جعلتها في منزلة أولى أن تؤكل من العمة، إذا دخَّلتها في ﴿بُيُوتِكُمْ﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما تدخل، غير هؤلاء المنصوص عليهم ما تأكل من بيته إلا إذا أذن؛ يعني: هو والأجنبي سواء. * طالب: قوله: ﴿أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (...) عامة (...) عدم العقوق؟ * الشيخ: إي نعم، بس الأم أشد؛ يعني أوجب برًّا، كلما دنا فهو أوجب، كما قال النبي ﷺ: «ثُمَّ ادْنَاكَ، فَادْنَاكَ»[[أخرجه مسلم (٢٥٤٨ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]. * الطالب: أن تكون بمنزلة الأم. * الشيخ: إي نعم؛ ولهذا يجب برها ويجب الإنفاق عليها، وكل ما يثبت للأم يثبت لها، إلا إنها -الأم- أحق وأولى، كذلك أيضًا بالنسبة للجد مثلها، إلا أن الجد يخالف الأب في بعض المسائل، كمسألة التملك، فإن الذين قالوا بجواز تملك الأب من مال ولده خصوه بالأب الأدنى؛ لأن حقيقة الأمر أن المسألة ضعيفة ما تتوصل إلى أن يكون الجد ومن علا يتملك، حتى الأب مختلف في تملكه من مال ولده. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور ٦٢] ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ والحصر يفيد إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، وعلى هذا فالإيمان ثابت لمن وصفوا بهذه الصفات، ومنتفٍ عمن تخلَّف عنهم منها شيء. أولًا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ والإيمان بالله ورسوله -كما أسلفنا- لا يكون إيمانًا حتى يتضمن القبول، ويش بعد؟ * طالب: والإذعان. * الشيخ: والإذعان، حتى يتضمن القبول والإذعان، أما مجرد التصديق فليس بإيمان، فلو صدَّق الإنسان بالله وبرسوله ﷺ، ولكن ما قَبِل ما جاء به ولا أذعن له فليس بمؤمن؛ ولهذا أبو طالب كان مصدقًا بالنبي ﷺ، ومع ذلك ليس بمؤمن به؛ لأنه لم يقبل ما جاء به ولم يذعن له، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يعني: إيمانًا صحيحًا يتضمن القبول والإذعان. وقوله: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ﴾ مع من؟ يقول: (﴿مَعَهُ﴾ أي: الرسول ﷺ، ﴿عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ كخطبة الجمعة، ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ لعروض عذر لهم، ﴿حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ ). ﴿إِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ يعني: على أمر عامٍّ للمسلمين؛ من الجهاد والمشورة والجمعة وغيرها، كل أمر جامع عام للمسلمين ليس أمرًا خاصًّا بهم، إذا اجتمعوا ما يذهبون حتى يستأذنوه؛ لأن ذهابهم بدون استئذان يؤدي إلى الفوضى واختلال النظام. فلو فرض أنه نودي: الصلاة جامعة، واجتمع الناس للتشاور في أمر، ثم قام واحد بعد أن حضر الناس، قام وانصرف بدون استئذان، نقول: هذا حرام ولا يجوز؛ لأن هذا يؤدي إلى تفكك هذا الاجتماع وإلى الفوضى وعدم النظام. فإذا اجتمع المسلمون على أمر جامع؛ يعني: عام للمسلمين من خطبة جمعة وغيرها، فإنه لا يجوز لأحد أن ينصرف إلا بعذر وبعد الاستئذان؛ لما في ذلك من الضعف؛ إضعاف الباقين؛ لأنه إذا شافوا الواحد يقوم قام الثاني، وقام الثالث، وقام الرابع، وهكذا، ولا شك أنه -كما نشاهد نحن الآن- إذا قام واحد من المجتمع فإنه يتبعه أناس، ويكون هذا بمنزلة الحائط -أي: الجدار- الذي انهدم منه ثُلْمة، لا يتماسك فيما بعد، والعوام لهم مثال يقولون: إذا طاح من طي الركية طية إلا طاح؛ الركية يعني: البير، إذا طاح منها حصاة ويش الباقي؟ يتداعى، لا تعده إلا طاح. فالحاصل: أن المؤمنين حقيقةً هم الذين إذا كانوا مع الرسول ﷺ على أمر جامع، ويش معنى جامع؟ أي: شامل وعام؛ كالتجمع للجهاد، والتجمع للمشاورة، والتجمع إلى أمر هام يتعلق بالمسلمين عمومًا، فإنهم لا يذهبون من مكان الاجتماع حتى يستأذنوا النبي ﷺ. ثم إنه يقول المؤلف أيضًا قيده بقيد لا بد منه قال: (لعروض عذر لهم)، أيضًا ما يذهبون إلا لعذر، فلا بد من العذر، والعذر أمر خفي لا يعلم، ولا بد من الاستئذان؛ ليتبين لجميع الحاضرين عذرهم، ولا يكون في ذلك خللٌ عليهم. * طالب: شيخ، هذه خاصة بالرسول ﷺ؟ * الشيخ: لا، هذه عامة لكل اجتماع. * الطالب: كل الاجتماعات؟ * الشيخ: كل الاجتماعات العامة التي لمصلحة الإسلام والمسلمين، ما يجوز لأحد أن ينصرف إلا لعذر وبعد الاستئذان. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذه ما هي من مصالح المسلمين. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ما هي من مصالح المسلمين، الكلام على اللي فيها مصالح للمسلمين، ﴿أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ يعني: يجمع المسلمين لمصالحهم، وإما أنه يروحوا (...) كيف؟ اللي يدخل، يدخل، وإن كان أنه ما ينبغي للإنسان أن يشرد عن ربعه، لكن كونه أنه يقول: هذا حرام، ما نقول: حرام؛ لأن هذا ما يخل بالإسلام ولا شيء، غاية ما هنالك أنه يخل بهذا الجمع (...) يتمتعون (...) كيف؟ ما فيه شيء. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ لا شك أن تركيب الجملة على هذا يدل على الشرف ورفعة المكانة؛ لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ﴾ فإن (أُولَاء) اسم إشارة تدل على تعظيم المشار إليه؛ ولهذا جاءت بصيغة البعيد ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى علو مرتبتهم، ثم جاءت مؤكدة بـ(إن)، ثم جاءت بالجملة الاسمية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، فحصر الإيمان بالله ورسوله في هولاء الذين يستأذنون رسول الله ﷺ، إذا كانوا معه على أمر جامع يستأذنونه قبل أن ينصرفوا. (﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أمرهم، ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ بالانصراف، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ). ﴿إِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ فاشترط الله سبحانه وتعالى أن يكون الاستئذان لشيء من الشؤون؛ يعني: لأمر من أمورهم التي يُعذرون بها بالتخلف عن الجمع، ثم قال للرسول: ﴿أْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ﴾، فجعله أيضًا مخيرًا في الإذن وعدمه، ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ﴾، وهذا التخيير هل هو تخيير تشهٍّ وإرادة مطلقة أو تخيير مصلحة؟ * طالب: تخيير مصلحة. * الشيخ: تخيير مصلحة. ما هو الضابط لتخيير المصلحة وتخيير التشهي والإرادة المطلقة؟ إذا كان التخيير من أجل الرفق بالمكلف فهو تخييرُ تشهٍّ، مثلما يوجد في بعض الكفارات، ككفارة اليمين ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة ٨٩]، وكما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة ١٩٦]. فإذا كان الغرض من التخيير مراعاة التسهيل على المكلف فهو من باب التشهي؛ يعني: اللي تشتهيه افعله، وإذا كان التخيير من أجل مصلحة عامة أو خاصة فإنه تخيير مصلحة، وذلك فيما إذا كان يتعلق بالغير، فتخيير -مثلًا- ولي اليتيم في بيع ماله أو حبسه، أو إقراضه أو عدم إقراضه، هذا من باب تخيير المصلحة؛ لأنه يتصرف لغيره. وكذلك أيضًا تخيير النبي عليه الصلاة والسلام هنا ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ﴾، هذا تخيير مصلحة، إذا كان إذنُ الرسول ﷺ لهؤلاء لا يضر بالجمع، وفيه أيضًا مصلحة بيِّنة لهم أكثر من مصلحة بقائهم، فهنا يتعين؟ * طلبة: الإذن. * الشيخ: يتعين الإذن، وإذا كان يخشى إذا أذن لهم أن يكثر المستأذنون وينهدم هذا الجمع، أو أن بقاءهم في هذا الجمع أصلح لهم من ذهابهم لشأنهم، فهنا يتعين ألَّا يأذن لهم، فتخيير النبي عليه الصلاة والسلام هنا يرجع إلى المصلحة؛ إذا اقتضت المصلحة الإذن أذن، وإلا فلا. وقوله تعالى: ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ عبَّر بالبعض إشارة إلى أنهم إذا استأذنوا لشيء مهم -وإن لم يكن الشؤون المتعددة- فإنه يكون عذرًا في جواز الاستئذان والإذن لهم. ثم مع ذلك قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ وهذا الاستغفار لهم لتطييب قلوبهم، إذا انصرفوا عن هذا الجمع وفاتهم أجره، فاستغفر لهم الرسول عليه الصلاة والسلام، فإن قلوبهم تطيب في الانصراف، ولا يبقى في قلوبهم حرج وقلق، هذه من جهة، ومن جهة أخرى ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمُ﴾؛ لأنه قد يكون في استئذانهم هذا أمر لا يعذرون فيه، هم ظنوه عذرًا فاستأذنوا من أجله، وهو ليس بعذر عند الله، ويكون استغفارك لهم ماحيًا لما عسى أن يكون من التقصير والتفريط في ذلك. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هذا تقدم الكلام عليه مرارًا، وقلنا: إن المغفرة في جانب الذنوب، والرحمة في جانب حصول المطلوب؛ ففي المغفرة النجاة من المكروه، وفي الرحمة حصول المطلوب. ثم قال تعالى مؤدبًا عباده: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: أن يقول: غفر الله لكم، انصرفوا غفر الله لكم، إي نعم، أو اللهم اغفر لهم. قال: (﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ بأن تقولوا: يا محمد، بل قولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، في لين وتواضع وخفض صوت) إلى آخره. قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ﴿دُعَاءَ﴾ على كلام المؤلف بمعنى: نداء، ومنه قولكم: دعوت فلانًا؛ أي: ناديته، وعلى هذا فـ﴿دُعَاءَ﴾ مضاف إلى مفعوله؛ لأن (دعاء) مصدر مضاف إلى مفعوله، وفاعله محذوف، والتقدير: لا تجعلوا دعاءكم الرسولَ، هذا الأصل، فحذف الفاعل وأضيف المصدر إلى مفعوله؛ أي: دعاءكم الرسول، هذا أصله. وقوله: ﴿كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ هذا مضاف إلى فاعله، ومفعوله ﴿بَعْضًا﴾؛ يعني: كما إذا دعا بعضكم بعضًا، فإننا عندما يدعو بعضنا بعضًا نقول: يا فلان، لكن النبي عليه الصلاة والسلام له من الحق والإكرام ما لا يليق بنا أن ندعوه باسمه، بل نقول: يا نبي الله، يا رسول الله، وقد التزم الصحابة رضي الله عنهم هذا الأدب، فصاروا ينادون النبي ﷺ بوصفه بالنبوة أو بالرسالة، وما ورد على خلاف ذلك من أقوال الصحابة أو دعائهم؛ فإما أن يكون قبل النهي، وإما أن يكون من جاهل، كالذي يحصل من بعض الأعراب، هذا ما ذهب إليه المؤلف وبعض المفسرين. وقال آخرون: المراد من ﴿دُعَاءَ الرَّسُولِ﴾ أي: دعاء الرسول إياكم، فيكون المصدر مضافًا إلى فاعله؛ أي: لا تجعلوا دعاء الرسول إذا دعاكم كدعاء بعضكم بعضًا؛ إن شئتم أجبتم، وإن شئتم تركتم، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام إجابته فرض. وعليه، فإذا أمرنا بأمر أو دعانا لأمر فإن إجابته فرض علينا، ليست كغيره؛ إن شئنا أجبنا، وإن شئنا تركنا، وعلى هذا فيكون في الآية نهيًا عن معصية الرسول ﷺ وأمرًا بطاعته، ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، ويؤيد هذا قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فإن سياق الآية يؤيد هذا القول. لو قيل بأن الآية شاملة للمعنيين، يجوز ولَّا لا؟ يجوز أن نجعلها شاملة للمعنيين؛ لأننا أسلفنا قاعدة في هذا، وهو: أن الآية إذا كانت تحتمل المعنيين بدون تناقض فإنها تحمل عليهما جميعًا، أما إذا كانت تحتمل معنيين لكن معنى كل واحد يخالف الآخر، فإنه حينئذٍ يجب طلب الترجيح الذي يرجح أحد المعنيين فيؤخذ به، وأما إذا كانت صالحة لهما ولا منافاة بينهما، فإن الواجب حملها على المعنيين جميعًا. فعليه، نقول: إن هذا من باب الأدب في مخاطبة الرسول عليه الصلاة والسلام، والأدب في إجابته؛ ففي مخاطبته ما نجعل مخاطبته ودعانا إياه كدعاء غيره، وفي إجابته لا نجعل دعاءه وطلبه لأمر من الأمور كطلب غيره. ومن ثَمَّ قال أهل العلم: لو دعاه النبي ﷺ وهو يصلي هل تجب عليه الإجابة ولَّا لا؟ تجب عليه الإجابة، ولو دعاه والده وهو يصلي؛ فإن كان في فريضة لم يجبه، وإن كان في نافلة أجابه، إلا أن يعلم رضا والده بذلك، بحيث يشعره أنه يصلي، فلا يهمه إذا كان يصلي ألَّا يجيب، فهذا لا يجيبه، وأما إذا كان والده من الناس الذين لا يعذرون -وكذلك والدته- فإنه يجيبه في النفل ويقطع صلاته. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يخفف الفريضة إذا علم أن والده له شغل، لكن لا على وجه يُخِل بها. قال: (﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور ٦٣] أي: يخرجون من المسجد في الخطبة من غير استئذان خفية مستترين بشيء، و﴿قَدْ﴾ للتحقيق). قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ﴾ التسلل معناه: الخروج بخفية، هذا معنى التسلل، وقوله: ﴿لِوَاذًا﴾ أي: لائذين بشيء، فهو مصدر في موضع الحال؛ يعني: يتسلل ويلوذ بشيء، كالسارية مثلًا أو كالشخص الآخر يصير واقف ثم يروح من وراه وينسل، وما أشبه ذلك. وقول المؤلف: (في الجمعة) هذا بناءً على أن المراد بالأمر الجامع خطبة الجمعة، وإذا قلنا: أن المراد به ما هو أعم، مثل يتسللون ويش عنه؟ عن موضع الجمع، سواء في الجمعة أو في غيرها، فالله تعالى عالم بهولاء الذين يتسللون لائذين بشيء؛ لأنهم خرجوا عما كان عليه المسلمون، وعما يجب عليهم أن يكونوا عليه. وقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾ قال المؤلف: (﴿قَدْ﴾ للتحقيق)، وإنما نص على ذلك؛ لأن المعروف في علم النحو: أن (قد) إن دخلت على ماضٍ فهي للتحقيق، وإن دخلت على مضارع فهي للتقليل؛ قد يجود البخيل، وقد يفهم البليد، وقد يسبق العاجز، وما أشبه ذلك، هذه للتقليل، لكنها أحيانًا تأتي للتحقيق، مثل هذه الآية: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾، ومثل قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأحزاب ١٨]، وإنما أتي بالمضارع هنا؛ لأجل أن يتبين أن هذا العلم ليس لما مضى فقط، بل ولما يستقبل، فعلم الله في هؤلاء المتسللين ليس علمًا بمن سبق تسلله، بل بمن سبق تسلله وبمن (...). * * * ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور ٦١] وأن ذلك من الآيات التي بينها الله تعالى للعباد وأوضحها لهم؛ لما في ذلك من جلب المودة والمحبة والخير، وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالسلام وقال: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٥٤ / ٩٣) من حديث أبي هريرة.]]. ثم تقدم أيضًا: أن الله حصر الإيمان في ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ﴾ يعني: مع الرسول ﷺ، ﴿عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ عام شامل، ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾، وبين أن المستأذنين هم الذين يؤمنون بالله ورسوله، وأن الذين يتسللون لواذًا بدون استئذان هم الذين لا يؤمنون بالله ولا برسوله، وتوعدهم على ذلك بأنه يعلم هذا العمل منهم، وإخباره بأنه عالم به دليل على أنه سيجازيهم عليه؛ إذ لا فائدة من الإخبار بالعلم إلا وقوع المجازاة على ذلك. * وفي الآية دليل على أن الإيمان ينقسم إلى ناقص وكامل؛ لأن عدم الاستئذان في الأمر الجامع لا يوجب الكفر، ولكنه معصية تنافي كمال الإيمان، فالإيمان قد يراد به مطلق الإيمان، وقد يراد به الإيمان المطلق، والفرق: أن مطلق الإيمان يصدق ولو بإيمان ناقص، والإيمان المطلق هو الإيمان؟ * طالب: الكامل. * الشيخ: الكامل، ففرق بين مطلق الإيمان؛ أن تضيف (مطلق) إلى (إيمان)، وبين أن تصف الإيمان بالمطلق، فالإيمان المطلق؛ أي: الكامل، ومطلق الإيمان؛ أي: أن يكون مع الإنسان أصل الإيمان وإن لم يكن كاملًا، ففي قوله تعالى في كفارة القتل: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء ٩٢]، المراد بالإيمان هنا: المطلق أو مطلق الإيمان؟ * طالب: مطلق الإيمان. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لأنه لا يشترط في عتق الرقبة أن يكون المعتَق كامل الإيمان، بل يكفي أن يكون مؤمنًا، ولو أن معه أصل الإيمان فقط. وفي قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ كهذه الآية، وفي قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال ٢] المراد بالإيمان؟ * طالب: المطلق. * الشيخ: الإيمان المطلق؛ يعني: الإيمان الكامل هو الذي يكون على هذه الأوصاف. * وفي الآية دليل على أن ولي الأمر يجب عليه التيسير على من تحت يده؛ لقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾. * وفيه أيضًا دليل على أن الاستئذان بدون عذر لا يقبل؛ لقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْ نِهِمْ﴾، أما إذا استأذنوا لمجرد أنهم يريدون أن يتركوا العمل فإنه لا يؤذن لهم. * وفيه أيضًا دليل على تفويض الأمر إلى من له ولاية؛ لقوله: ﴿لِمَنْ شِئْتَ﴾، ولكن هذا التفويض -كما أشرنا إليه في الدرس- تفويض للمصلحة لا لمجرد التشهي والإرادة، بل لا بد إذا رأى أن في الإذن لهم مصلحة أذِن لهم، فإذا رأى أن المصلحة في عدم الإذن فلا يجوز أن يأذن. * وفيه أيضًا: عناية الله سبحانه وتعالى بعباده المؤمنين؛ حيث أمر النبي ﷺ أن يستغفر لهم؛ ليطمئنوا على هذا الانصراف. * وفيه أيضًا: أن الأولى عدم الاستئذان حتى وإن كان للإنسان شأن؛ لأن الأمر بالاستغفار دليل على أن هناك شيئًا منين؟ من التفريط الذي أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن يستغفر لهم عليه، وهذا صحيح لا شك؛ أن الأولى البقاء مع الجماعة، وأن الإذن أو الاستئذان للانصراف أمر قد يكون فيه ذنب؛ ولهذا أمر الله نبيه أن يستغفر لهم قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾. * وفي الآية دليل أيضًا على انتفاع الإنسان بدعاء غيره؛ لقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾، والشواهد على ذلك من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كثيرة، ولكن هل ينتفع الإنسان بعمل غيره سوى الدعاء أو لا ينتفع؟ * طالب: (...). * الشيخ: الجواب: إن كان له أثر في ذلك العمل فإنه ينتفع به بلا شك؛ مثل أن يكون هو الذي سَنَّ هذه السنة؛ يعني: ابتدأ العمل بها للناس ودل عليها، فإن النبي ﷺ يقول: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]، وكذلك إذا كان له أثر في العامل؛ مثل أن يكون والدًا له، «فَإِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٢٨)، والترمذي (١٣٥٨)، والنسائي في المجتبى (٤٤٥٠)، وابن ماجه (٢٢٩٠) من حديث عائشة.]]، فالوالد ينتفع بعمل ابنه إذا تبرع به له؛ ولهذا «جاء رجل للنبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله، إن أمي افْتُلِتَت نفسها، وإنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: «نَعَمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤ / ٥١) من حديث عائشة.]]. وكذلك المرأة التي «سألت النبي ﷺ على أمها صوم شهر، فهل يجزئ أن تصوم عنها؟ فأذن لها النبي عليه الصلاة والسلام»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨ / ١٥٤) من حديث ابن عباس.]]. وكذلك الحج؛ حيث «سألت امرأة النبي ﷺ فقالت: إن أباها أدركته فريضة الله على عباده بالحج شيخًا لا يستطيع الركوب على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نَعَمْ»، وذلك في حجة الوداع»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥١٣)، ومسلم (١٣٣٤ / ٤٠٧) من حديث ابن عباس.]]. فإذا كان للمهدَى إليه أو للإنسان أثر في العمل أو في العامل انتفع به، لكن إذا لم يكن له أثر فيهما؛ مثل أن يتبرع قريب لقريبه أو صديق لصديقه بعمل صالح، فهل يجزئ ذلك أو لا يجزئ؟ اختلف في ذلك أهل العلم؛ منهم من يرى: أنه يجزئ، وأن الإنسان لو عمل عملًا صالحًا وجعل ثوابه لشخص من المسلمين فإنه ينتفع به، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد؛ على أن أيَّ قُربة وطاعة يتقرب بها العبد إلى الله ويجعل ثوابها لمسلم حي أو ميت فإنه ينتفع بذلك. ودليلهم على هذا: قياس غير الأولاد على الأولاد، قالوا: لأنه إذا جاز أن يصل عمل غير الإنسان إليه فلا فرق بين أن يكون ولدًا أو غير ولد، الشأن هل ينتفع الإنسان بعمل غيره؟ والذين قالوا بالمنع قالوا: إن الولد ليس كغيره؛ لأن الولد من أثر الإنسان ومن كَسْبه وفعله، وليس كالأخ والقريب والصديق ونحوهم. أما الدعاء للمسلمين فهذا أمر مجمع عليه، وفيه نص الكتاب والسنة والإجماع، ولا أحد يخالف في ذلك. فإذا سألنا سائل: أيما أولى أن أصلي ركعتين وأتصدق بثواهما لشخص من أقاربي غير الأب، أو أن أدعو لهذا الشخص في صلاتي؟ نقول: الأفضل أن تدعو له في صلاتك؛ لأن هذا أمر مجمع على نفعه، وأما أن تتصدق عليه بثواب صلاتك فهذا مختلف فيه؛ من العلماء من يرى جوازه، ومنهم من يرى أنه ليس بجائز وليس بمشروع، وأن الميت لا ينتفع به. هذا في غير من استؤجر لعمل صالح ليُهديَه إلى غيره، كاستئجار بعض القراء ليقرؤوا قرآنًا للميت، فإن هذا لا ينتفع به الميت قطعًا؛ لأن هذا الرجل الذي قرأ لأجل المال إنما قرأ للدنيا، ومن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها فليس له حظٌّ في الآخرة. وعلى هذا فلا ثواب لهذا القارئ، وإذا لم يكن له ثواب هل ينتفع الميت بذلك؛ لأنه إنما ينتفع بالثواب لا بمجرد القراءة؟ فإذا قلنا: هذا القارئ لا ثواب له؛ لأنه أراد بعمل الآخرة الدنيا بقي الميت غير مستفيد من هذه القراءة. * طالب: (...) وقال: اللهم هذا عن (...)؟ * الشيخ: هذا يستدل به، لكن هذا من باب الصدقة، وهو المال، وليس من باب العبادات البدنية المحضة. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لكن أهدى ثوابًا له، التقرب إلى الله ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج ٣٧]، فهذا الثواب الذي حصل له بهذا الذبح، هذا الذبح عمل مالي، ما هي بعمل بدني محض، مالي فهو كالصدقة، وأما عمل بدني محض؛ بيصلي الإنسان مثلًا أو يسبح أو يهلل أو يقرأ، فليس مثل هذا. * الطالب: (...) الصدقات؟ * الشيخ: (...) الأعمال الصالحة. * الطالب: حتى الأعمال البدنية (...) يتصدق بصدقة وهو (...) عن فلان. * الشيخ: هذه يجوز عند أكثر أهل العلم؛ لأنهم يستدلون بحديث «الرجل الذي قال: إن أمي ماتت، أفأتصدق عنها؟ قال: «نَعَمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤ / ٥١) من حديث عائشة.]]. ويستدلون أيضًا بالأضحية؛ أن الرسول ضحَّى عن أمته وفيهم من هو حي وميت وليس النبي عليه الصلاة والسلام لهم. لكن لقائل أن يقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أبٌ للمؤمنين، فهو كالرجل يضحي عن أهل بيته. فالمسألة ما هي من الأمور التي يطمئن الإنسان إلى صحة القول بأن كل الأعمال تنفع الميت إذا أهديت له، أو تنفع الحي إذا أهديت له، ليست من الأمور التي يطمئن فيها الإنسان إلى هذا القول؛ ولهذا نرى أن الدعاء للأموات خير من إهداء القرب لهم، إلا ما ورد به النص فيتبع. لكن الجمهور -كما عرفتم- الذين يقولون بالجواز يقيسون من عدا الأولاد على الأولاد، ويقيسون ما عدا الأموال على الأموال، ويقولون: المهم أن يصل الثواب إلى الميت من غيره، هذا هو المطلق، والقائلون بالمنع يقولون: إن الأولاد ليسوا كغيرهم ولا يقاسون على غيرهم؛ لأن الولد من كسب المرء. وسبق أيضًا أن الله نهى المؤمنين أن يجعلوا دعاء الرسول بينهم كدعاء بعضهم بعضًا. * فيستفاد منه: وجوب احترام النبي ﷺ وتعظيمه، وأنه لا يجوز للإنسان أن يناديه كما ينادي غيره من الناس؛ لما له من التعظيم والتوقير. * وفيه أيضًا: على الوجه الثاني في معنى الآية: أن دعاء النبي عليه الصلاة والسلام الأمة ليس كدعاء غيره، فإذا دعاك النبي ﷺ إلى أمر أو أمرك به فإنه يجب عليك ألَّا تجعل هذا الدعاء كدعاء غيره؛ لما في إجابته من امتثال أمر الله ورسوله. * وفيه أيضًا: تحذير المتسللين في الأمور الجامعة بدون عذر واستئذان؛ لقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾.

النور 24:63

ثم قال الله تعالى: (﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور ٦١] في مواكلة مقابليهم) (...). * * * * الشيخ: معنى: لا يرجون النكاح منين؟ إن الناس ما يرغبون بهن. * طالب: (...). * الشيخ: يعني: تقول: إن المرأة العجوز ليس فيها شهوة؟ وهذه الشابَّة القبيحة فيها شهوة، إي؛ لكن ما قال الله سبحانه وتعالى: والقواعد من النساء اللاتي ليس فيهن نكاح ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ يعني: يئسن من النكاح؛ لأنهن علمن أن الناس لا يرغبون، فلو قال: والقواعد من النساء اللاتي لا نكاح فيهن أو لا شهوة فيهن صحيح، ما يجوز تعدية الحكم إلى القبيحة الشوهاء، لكن لما قال: ﴿لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ يعني: ما يأملوا النكاح لا لمجرد أنه لا شهوة فيهن، ولكن لأن الناس لا يرغبونهن (...). (...) اللاتي لا أزواج لهن ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ مطلقًا. * طالب: أي قائل (...). * الشيخ: ما أعرف، هل أحد قال به؟ لكن أما (...) الإيمان فهذا وارد معروف القول به، أما تفاضل الأعمال فلا أعرف ولا أعلم الآن به قائل. * طالب: (...). * الشيخ: لا، أصلًا المرجئة يخرجون الأعمال كلها من الإيمان. * طالب: يعني: يقولون العمل (...). * الشيخ: لا، لكن ما يقولون: إن الصلاة مثلًا مثل الصيام، والصيام مثل كذا يرون إن بعض الأعمال أفضل من بعض، بس إنهم يقولون: إنها غير داخلة في الإيمان، يخرجونها من الإيمان، ولا أعلم أنهم يقولون: إن الأعمال متساوية في فضلها، ما أعلم ذلك ولا أظن أحدًا يقول به؛ لكن مسألة إخراجها من الإيمان هذا هو الذي جعلهم يقولون: إن إيمان أبي بكر وإيمان أفسق الناس واحد، يعني: عندهم الإيمان هو مجرد الإقرار بالله عز وجل، أما مسألة الانقياد فهذا خارج من الإيمان. ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ [النور ٦١] الأعمى هذه هي اسم تفضيل ولَّا صفة مشبهة؟ صفة مشبهة؛ لأنه وصفه ذلك، وليس معناه إنه أعمى من فلان مثلًا، اسم التفضيل اللي معناه مُفضَّل ومُفضَّل عليه، وأما الأعمى والأعرج وشبهه، فهذه صفة مشبهة يسمونها الصفات المشبهة يعني باسم الفاعل. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء ٧٢] فإن ظاهره أن ﴿أَعْمَى﴾ الثانية اسم تفضيل؛ يعني: أشد عمًى وأضل سبيلًا؛ لكن المعروف خصوصًا عند البصريين أن هذه صفة مشبَّهة، وأنه لا يجوز أن يصاغ اسم التفضيل من ذي صفة مشبهة على وزن أفعل، أما الكوفيون فيقولون: إنه لا بأس ويرون أنه لا بأس أن تقول: فلان أعرج من فلان، وفلان أعمى من فلان، وقولهم أصح؛ لأن هذا شيء يقبله الذوق ولا مانع منه، إنما المراد هنا بالأعمى الصفة المشبَّهة الذي لا يبصر. ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ الأعرج: هو الذي لا يمشي مشيًا مستقيمًا. ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ المريض: هو الذي خرجت صحتُه عن الاعتدال، هذا المريض، كل مَنْ خرجت صحته عن الاعتدال فهو مريض، وتختلف الأمراض لكن في أي شيء قال المؤلف: (في مواكلة مقابليهم) مقابل الأعمى: البصير، مقابل الأعرج: السليم، مقابل المريض: الصحيح؛ يعني: أنه ليس على الأعمى حرج إذا أكل مع البصير، ما عليه حرج، هذا فيه شيء؟ * طالب: هذا واضح. * الشيخ: هذا شيء واضح ما يحتاج إلى نفي الحرج عنهم، لكن يقال: إنهم كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأعمى، يقولون: لأننا إذا أكلنا معه (...)، ومن جهة أخرى الأعمى يتحرَّج أيضًا من الأكل مع البصير؛ لأنه يقول: إني إذا أكلت أخاف آكل أكثر منه. على الرأي الأول يصير: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى﴾ يعني: ليس في الأعمى أي: بمؤاكلته حرج. كذلك المريض ليس على المريض حرج إذا أكل مع مَنْ؟ مع الصحيح، ما يقال: إنه فيه حرج؛ لأن الصحيح يأكل أكثر، وكذلك الأعرج لا بأس أن يأكل مع الصحيح ولا حرج عليه؛ لأنه قد يقول الأعرج: أنا رجلي مائلة، ولو قعدت هأكل المقرب إلي (...) فليس عليه حرج، هذا ما ذهب إليه بعضهم إن المراد: ليس عليهم حرج في الأكل مع غيرهم، وعلى هذا تكون (على) ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى﴾ بمعنى: في؛ يعني: ليس في الأعمى حرج؛ أي: في مؤاكلته ولا في الأعرج حرج، ولا في المريض حرج. وقال آخرون: المراد الجهاد، ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ يعني: في ترك الجهاد، ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ في ترك الجهاد، ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ في ترك الجهاد، قالوا: والدليل على ذلك أن الله ذكر بعد هذه الآية قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوه﴾ إلى آخر الآيات [النور: ٦٢]، فإنها في الجهاد وتكون هذه الآيات مقدمة لذكر الجهاد، ولكنها صُدِّرَت بها آية الأكل من البيوت المذكورة إما للتمهيد والتوطئة والتنبيه؛ لأن الإنسان إذا جاء كلام في غير محله المرتقب لا بد أن ينتبه ويبحث ما هو السبب، بخلاف ما إذا جاء الكلام على نَسَقٍ واحد فإنه قد ينساق معه ولا يتفهَّم المعاني. وقد مر علينا أن من فائدة الالتفات هو تنبيه المخاطب أو السامع. هذا أيضًا، وضعت هذه الجملة: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ قبل أن تُذْكَر آياتُ الجهاد في هذا المحل؛ ليتنبه القارئ؛ حيث خرجت المسألة عما هو متبادر ومتوقع، هذا قول. قول آخر: إن المراد ليس عليهم حرج في أيش؟ في ترك الجهاد، وقالوا: هذا كقوله تعالى في سورة الفتح: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح ١٧]؛ فإنها في الجهاد بلا ريب اللي في سورة الفتح. وقال آخرون: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ في ترك أي عبادة تكون فيها هذه الأعذار مانعة كل عبادة تمنع منها هذه الأعذار؛ فإنه لا حرج عليهم في تركها، مفهوم -يا جماعة- تكون الآية أعم من الجهاد وغيره، بل كل عبادة سبب تركها والإخلال بها أحد هذه الأوصاف الثلاثة، فإنه لا حرج عليهم فيها؛ قالوا: وهذا مقتضى الأدلة الشرعية: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج ٧٨]. فإذا ترك الإنسان عبادة أو أخلَّ بها لعذر العمى فلا حرج عليه، لعذر المرض فلا حرج عليه، لعذر العرج فلا حرج عليه؛ فتكون الآية عامة في الأكل (المواكلة) كما قال المؤلف. وكذلك أيضًا في ترك الجهاد وكذلك فيما يُشْتَرط له المشي وهو أعرج لا يستطيع أو مريض لا يستطيع أو أعمى لا يستطيع كالذي يشترط له البصر، فكل هذا ليس عليهم فيه حرج لكن على هذين الرأيين الأخيرين يبقى -كما أشرنا إليه- ما مناسبة هذا القول أو هذه الآية لآخر الآية، صَدْر الآية مع آخرها، ويش وجه التناسب بينها؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني: المناسبة أنه كما هو معلوم أن هؤلاء لا حرج عليهم فيما يُشْتَرط فيه السلامة من هذه الأمراض فإنه كذلك لا حرج عليكم فيما يأتي، فيكون الغرض التمهيد لنفي الحرج بالآتي، يعني: كما أنه معلوم أن هذه الأشياء أعذار تمنع من الحرج بدون أي مجادلة فكذلك أيضًا ليس عليكم حرج في الأكل من بيوتكم إلى آخره. إذن ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا﴾ متعلقة باللي قبلها ولَّا لا؟ لا، لأنك لو كانت متعلقة باللي قبلها لكان المعنى ليس على الأعمى حرج أن يأكل من بيتك، ولا على الأعرج حرج أن يأكل من بيتك، ولكننا قلنا: إن الآية عامة، يعني: ليس على هؤلاء حرج فيما تكون هذه العلل عذرًا لهم في تركه. ثم قال: (﴿وَلَا﴾ حرج ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ أي: بيوت أولادكم). قال المؤلف: (﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ ) قال: (أي بيوت أولادكم) لماذا لم يجعل الآية عامة؟ ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ يعني: بيوت أنفسكم. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا لا حاجة (...) في الحرج فيه. لكن قد يقول قائل: إن في آخر الآية ما يدل على أنه يراد بيوت الإنسان أيضًا وهو قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ ويكون نفي الحرج عن الأكل من البيوت من حيث كونهم ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ لا لمطلق الأكل، أنتم فاهمين يا جماعة؟ أقول: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ المؤلف حمل الآية على أن المراد ببيوت الإنسان بيوت أولاده، ونحن نقول: لا مانع من أن يُراد بها بيتُه الحقيقي وبيت ولده. فإن قال قائل: أَيُّ فائدة لنفي الحرج عن أكله من بيته؟ قلنا: لأجل ما يُذْكَر في آخر الآية وهي: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ يعني: ليس عليك جناح أن تأكل من بيتك سواء أكلت أنت وأهلك أو أكلتم متفرقين، وإن كان الأفضل الاجتماع على الأكل كما سنذكر إن شاء الله عند آخر الآية، لكن مع ذلك لا جناح يعني: ليس على الإنسان جناح أنه يأكل يتغدى لحاله وعياله لحالهم، أو لحاله وزوجته لحالها، أو ما أشبه ذلك ولا بأس أيضًا أنه يأكل هو وإياهم جميعًا لا بأس بهذا ولا بهذا. يبقى النظر: ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ إلى آخره، ما ذكر بيوت الأولاد! نقول: هي داخلة في قوله: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ فإن بيت الولد بيت لأبيه؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٢٨)، والترمذي (١٣٥٨)، والنسائي (٤٤٤٩)، وابن ماجه (٢٢٩٠) من حديث عائشة، واللفظ للنسائي وابن ماجه. ]]، ولقوله: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٣٠) من حديث عبد الله بن عمرو، وابن ماجه (٢٢٩١) من حديث جابر بن عبد الله، واللفظ لابن ماجه.]] فعليه يكون بيت الولد بيت للوالد، ونحن إنما انتقدنا على المؤلف لم ننتقد إدخاله بيوت الأولاد في بيوت الإنسان، فإن هذا صحيح، وإنما انتقدنا تخصيصه البيوت، أيش يقول؟ ببيوت الأولاد، فنحن نقول: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ أي: بيوت أنفسكم، وبيوت أولادكم بالنسبة لبيت الإنسان نفسه فائدتها ما ذكر في آخر الآية، وبالنسبة لبيت ولده أعمُّ من ذلك. ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ ﴿آبَائِكُمْ﴾ يشمل الأب الأدنى والأعلى؛ فإن الجدَّ أبٌّ كما قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج ٧٨] فسمَّى الله إبراهيم أبًا لنا مع أنه جَدٌّ بعيد، وكذلك أمهاتكم يشمل الأمَّ الدنيا التي ولدت الإنسان والأمَّ العليا التي هي الجَدَّات. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما يشمل الرضاع والتبني؛ لأن حقوق القرابة ما تتعلق بها حقوق الرضاع. ﴿أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ﴾ الأشقاء أو لأب أو لأم. ﴿أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ﴾ لكن بشرط أن لا تكون ذات زوج، فإن كانت ذات زوج والمال له ما صار بيتًا لأخته، صار بيتًا لزوجها، لكن إذا كانت الأخت لها بيت فإنه لا بأس أن يأكل الإنسان من هذا البيت. ﴿أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ﴾ يقال في ﴿عَمَّاتِكُمْ﴾ مثلما قلنا في ﴿أَخَوَاتِكُمْ﴾ يعني: ما لم تكن العمة ذات زوج فلا يأكل الإنسان من بيت زوجها؛ لأنه له وليس لها. ﴿أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ﴾ بالنسبة للأعمام والعمات والأخوال والخالات يشمل الأدنى من هؤلاء والأعلى؛ فالأدنى أخو أبيك بالنسبة للعم، والأعلى أخو جدك وإن علا، وبالنسبة للخال الأدنى أخو أمك، والأعلى أخو جدتك، وإن علا فإنه خالك. (﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ ) أي: (خَزَّنْتُموه لغيركم) قوله: ﴿مَفَاتِحَهُ﴾ المفاتح بمعنى الخزائن يعني: ما ملكتم خزائنه، وقيل: إنها بمعنى المفاتيح، وهي ما يُفتح به؛ فالمِفتاح غير المِفْتَحْ، مِفْتَحْ جمعه مَفاتح، مفتاح جمعه مفاتيح، قيل: إنه يطلق المِفتح على المفتاح، والمفاتح على المفاتيح، وقيل: لا، المراد بالمفاتح الخزائن، والمفاتيح ما يفتح به، ولكن القرآن يؤيد القول الأول كما قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص ٧٦]، وعلى هذا فنقول هنا في الآية الكريمة ﴿مَفَاتِحَهُ﴾ أي: خزائنه أو مفاتيح خزائنه. وقوله: ﴿مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ ويش معنى ﴿مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾؟ أي: جُعِلَت مفاتيحه في أيديكم وهي الخزائن، فلا جناح على الإنسان أن يأكل منها لكن بالمعروف، يعني: مثلًا لو أن إنسانًا صاحب فاكهة وأعطاك مفتاح المخزن قصده أن تحافظ عليه وعلى مفاتيحه، فدخلتَ يومًا من الأيام في هذا المخزن يجوز أنك تأكل مثلًا منه لكن بشرط أن يكون ذلك بالمعروف ما تاخد (...) تتردد عليه دائمًا إلا إذا رضي بذلك. * طالب: لو كان ملكًا للدولة؟ * الشيخ: ويش لون؟ * الطالب: لو كان ملكًا للدولة؟ * الشيخ: إي نعم، ولو كان ملكًا للدولة؛ لأنه ما دام اؤتمنت عليه فهو عامٌّ، فهو جائز. قال: (﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ وهو من صَدَقَكُمْ في مَوَدَّتِه، المعنى يجوز الأكل من بيوت مَنْ ذُكِرَ وإن لم يحضُروا أي: إذا عُلِمَ رضاهم به) شوف المؤلف يقول: يجوز الأكل من بيوت هؤلاء، وإن لم يحضروا هذا صحيح. وقوله: (أي: إذا عُلِم رضاهم به) فهذا غير صحيح؛ وذلك أنه إذا عُلِم رضا صاحب البيت بأكلك فإنه لا فرق بين أن يكون من هؤلاء أو من غيرهم، إذا علم لكن يؤكل من بيوت هؤلاء ما لم يعلم عدم رضاهم. فالمراتب ثلاث: المرتبة الأولى: أن تعلم رضاهم رضا صاحب البيت بأكلك فهذا جائز ولّا لا؟ جائز، من هذه البيوت ومن غيرها. المرتبة الثانية: أن تَعْلَم عدم رضاهم؛ أنه ما يرضى فلا تأكل لا من هذه البيوت ولا من غيرها؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ»[[أخرجه أحمد (٢٠٦٩٥)، والدارقطني (٢٨٨٦) من حديث عم أبي حرة الرقاشي. ]]. المرتبة الثالثة: أن لا تعلم رضاه ولا عدم رضاه، فهذه هي التي يُفَرَّق فيها بين مَنْ ذُكِرَ وغيره؛ فيقال: تأكل من بيوت هؤلاء؛ لأن الغالب رضاهم لوجود الصلة بينك وبينهم من القرابة أو الصداقة أو الائتمان؛ لأن حقيقة الأمر أن هذه البيوت ترجع إلى ثلاثة أسباب؛ إما قرابة أو ائتمان أو صداقة. فالقرابة من ذُكِروا، وأما الائتمان ففي قوله: ﴿مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾، وأما الصداقة ففي قوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾، ففي حالة عدم العلم بالرضا والسخط نقول: يجوز الأكل من هذه البيوت دون غيرها، وأما اشتراط المؤلف علم الرضا في هذه البيوت فلا وجه له؛ لأنه لو اشترطنا ذلك لم يكن بينها وبين البيوت الأخرى فرق. لو فُرِضَ، صديق لك أدخلك بيته ووجدت في القهوة أكل وأكلت بدون أن تستأذن بيجوز ولَّا لا؟ إي، يجوز نقول: يجوز، هذا هو معنى الآية. المؤلف يرى أنه ما يجوز إلا إذا علمت أنه يرضى بذلك، ولكن الصحيح أنه لا يشترط العلم بالرضا لكن لو علمنا أن هذا الرجل شحيح لا يرضى بأن تأكل شيئا أبدًا من ماله إلا ما قدَّمه لك ففي هذا الحال لا يجوز الأكل للحديث الذي أشرنا إليه (...). لا، بس هذا خطير؛ لأن (...) مجرد ما أكرمك وأدخلك بيعظمك مثلًا بدعوة، هذا ما يجوز إنك تقعد على هذا إلا بإذنه، لكن الصديق سواء دعاك أو ما دعاك، وسواء أراد يقدم لك كرامة أو ما أراد، إذا ما دخلت بيت صديقك فلك الأكل ما لم تعلم أنه لا يرضى بذلك. وفي قوله: ﴿صَدِيقِكُمْ﴾ دليل على أن للصداقة حقًّا، وهو كذلك، والسبب الصلة التي بينك وبينه. ما رأيكم في الصِّهر وفي صلة الرضاع، هل تدخل في صلة النسب أو في الصداقة أو ما تدخل؟ * طالب: (...). * الشيخ: تدخل في الصداقة إن كان صديقًا؛ لأنه قد لا يكون صديقًا كثير من الناس يكون أخوك من الرضاعة وبينك وبينه عداوة، وكثير من الناس يكون هذا الرجل صهرًا لك وبينك وبينه عداوة، فالمهم إذا لم يكن صداقة بين الصِّهر وصِهره أو بين الرضيع ومرضعه فإنه لا يجوز الأكل من بيته. (﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ مجتمعين ﴿أَوْ أَشْتَاتًا﴾ متفرقين جمع شَتٍّ) شَتّ وأشتات مثل سبب وأسباب إلا أن سبب غير مدغمة، وشت مدغمة. قال: (نزلت فيمن تَحَرَّج أن يأكل وحده، وإذا لم يجد من يؤاكله يترك الأكل) هذه يقال: إنها كانت عادة لبعض العرب إذا ما وجد أحدًا يأكل معه ما يأكل، لازم ما يأكل إلا ومعه أحد، فإن لم يجد أحدًا يأكل معه ما أكل شيئًا أبدًا، يموت من الجوع وهو ما أكل إلى أن يَلْقى أحدًا يأكل معه، وهذا لا شك إنه دليل على الكرم، لكنه كرم فيه إفراط. القصد أنك تأكل مع غيرك وتأكل وحدك؛ كما قال الله عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ وهذا في الجواز، وأما الأفضل فهو الأكل جميعًا كما أمر النبي ﷺ بذلك، وأخبر أن في ذلك بركة؛ شكا إليه رجل أنه كان يأكل ولا يشبع، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «لَعَلَّكُمْ تَأْكُلُونَ مُتَفَرِّقِينَ» قال: نعم، قال:» «اجْتَمِعُوا عَلَى أَكْلِكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ»[[أخرجه أبو داود (٣٧٦٤)، وابن ماجه (٣٢٨٦) من حديث وحشي بن حرب.]]؛ فاجتماع الناس على الأكل هذا من أسباب البركة، كما أنه أيضًا من أسباب الإلفة والمودة؛ لأن الناس أهل البيت مثلًا متفرقون في أعمالهم فإذا لم يكن شيء يجمعهم وهو الأكل فمتى يجتمعون، لكن مع المؤسف أن هذه السُّنَّة أصبحت الآن مفقودة عند كثير من الناس، تجد الأب يأكل وحده، والولد الأكبر يأكل وحده، والمتوسط يأكل وحده، اللي يمكن يجتعمن النساء الحريم، هذا اللي يمكن يجتمعن، أما الرجال فإن اجتماعهم فيما يظهر لي قليل، ولكن هذا خلاف السنة. السنة أن يجتمع الناس على الأكل، والحمد لله ينتظر بعضهم بعضًا، ما يضر إذا تأخر ربع ساعة في انتظار صاحبه؟! ما الذي يضر؟! لأن كونهم يجتمعون ويتحدثون جميعًا هذا يجلب المودة والإلفة، لكن كون الولد ما يشوف أبوه أبدًا؛ بالليل يسهر الولد وأبوه ينام بَكر، وبالنهار أبوه يطلب المعيشة والولد يدرس، وبالأكل أبوه يصلي مع الجماعة ودا قاعد يتغدى مثلًا أو ما أشبه ذلك، إذن متي يكون الاجتماع؟ ومتى يكون الإلفة بين الناس؟ هل الأفضل الآن أن يأكل الرجل وأهل بيته من رجال ونساء؟ نعم، هذا هو الأفضل أنهم يأكلون جميعًا حتى الرجال مع النساء، وقد شاهدنا من السلف السابقين مَنْ يأكلون جميعًا هو وأبوه، كنا عند أخوال لنا إذا أصبحنا عندهم أبدًا، نجدهم كلهم يجتمعون (...). * * * يعني: الإثم والمشقة، وذكرنا اختلاف العلماء في هذا (...)؛ يعني: الأعمى والأعرج والمريض وأنهم ذكروا فيها ثلاثة أراء وهي؟ * طالب: أنها في الجهاد. * الشيخ: أنها في الجهاد. * الطالب: أو أنها عامة في كل شيء. * الشيخ: أو عامة في كل شيء. * الطالب: أنها في الأكل. * الشيخ: أنها في مؤاكلتهم، والعموم أولى، والمعنى ليس عليهم حرج فيما تكون هذه الأمراض أو هذه العاهات سببًا للعجز عنه من جهاد أو غيره، فليس عليهم حرج، ويكون في ذلك تمهيد لما ذكر بعد، يعني: فكما أن هؤلاء لا حرج عليهم فلا حرج عليكم أيضًا ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ إلى آخره. ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ يعني: مجتمعين على الأكل ﴿أَوْ أَشْتَاتًا﴾ متفرقين. ثم قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُم﴾ (﴿بُيُوتًا﴾ لكم لا أهل بها ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُم﴾ أي: قولوا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإن الملائكة تَرُدُّ عليكم، وإن كان بها أهل فسلموا عليهم). قوله: ﴿إِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ ﴿بُيُوتًا﴾ نكرة في سياق ﴿إِذَا﴾، ويش هي ﴿إِذَا﴾؟ شرطية، في سياق الشرط، فتكون عامة في بيوت الإنسان وبيوت غيره. وقوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُم﴾ إن كان بها أهل وهي لغيره، يسلموا عليهم أي: على مَنْ فيها، وسُمِّي سلامًا على النفس وهو على الغير؛ لأن المؤمنين نفس واحدة كما قال النبي ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى والسَّهَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦ / ٦٦) النعمان بن بشير.]]، وإن كانت بيوتًا ليس فيها أحد، الإنسان يُسَلِّم على نفسه يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ لأن هذا هو السلام الذي عَلَّمه النبي ﷺ أمته أن يسلموا على أنفسهم كما في الصلاة. وقوله: ﴿تَحِيَّةً﴾ مصدر (حيَّا)؛ يعني: تُحَيَّون تحية. وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أضافها الله إليه؛ لأنه هو الذي شرعها، ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يعني: هذه التحية من عند الله، أو أنها منه لأنه هو الذي شرعها، أو أنه الغاية بها يعني: أنها تطلب منه؛ لأنك تقول: السلام علينا أو السلام عليكم فهي تُطْلَب منه، فهو غايتها أو هو مُشرِّعُها فإضافتها إلى الله لأنه المُشَرِّع الشارع لها فهو الذي أمر بها ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، أو لأنه غايتها أي: الذي تنتهي إليه هذه التحية ليثيب عليها ويجيبها. وقوله: ﴿مُبَارَكَةً﴾ ويش معنى مباركة؟ أي: ذات بركة، والبركة كما مر هي الخير الكثير الثابت. وقوله: ﴿طَيِّبَةً﴾ قال المؤلف: (مُثابًا عليها)، وهذا من الطِّيب أن تكون مُثابًا عليها؛ لكن من الطَّيِّب أيضًا أن تكون موافقة لشريعة الله؛ لأن الأعمال الصالحة والطيبة معناه هي الموافقة للشرع بأن تكون مخلصًا فيها لله مُتَّبِعًا فيها رسول الله ﷺ. وقوله: (﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: يُفَصِّل لكم معالم دينكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لكي تفهموا ذلك). ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ﴾ مر علينا أننا نعرب (الكاف) اسمًا بمعنى مثل على أنها مفعول مطلق لـ (يُبَيِّن) أي: مثل ذلك البيان (يبين)، و﴿الْآيَاتِ﴾ سبق أن المراد بها الشرعية والكونية؛ فالشرعية ما جاءت به الرسل، والكونية مخلوقات الله التي نشاهد ونسمع. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (لعل) هذه للتعليل؛ أي: لأجل أن تعقلوا، ومعنى العقل هنا الفهم على ما مشى عليه المؤلف، ولكن الأصح أنه أعمُّ من ذلك؛ أنه الفهم وحسن التصرُّف؛ لأن العقل -كما مر علينا- نوعان، ما هما؟ * طالب: إدراك. * الشيخ: وعقل تصرُّف، فعقل الإدراك هو مَناطُ التكليف وهو حاصل للمسلم والكافر والبر والفاجر، وعقل التصرُّف هو إحسان التصرف؛ أن يكون الإنسان يتصرَّف تصرُّفًا مبنيًّا على عقل، هذا يَخْرُج منه الكافرُ والفاسق؛ لأنهم لم يُحسِنوا التصرُّف فهم غير عاقلين؛ ولهذا دائمًا ينفي الله سبحانه وتعالى العقل عن الكفار مع أنهم من أذكى الناس وأفهمهم، لكن ليس عندهم عقل التصرف، عندهم عقل الإدراك فقط، والذي يُحمَد عليه الإنسان هو عقلُ التصرُّف، أما العقل الأول فإنه لا يُحمد عليه؛ لأنه ليس من كَسْبِه. * طالب: العقل بمعنى (...). * الشيخ: معنى أيش. * الطالب: (...). * الشيخ: إلا، له عقل؛ لأنه من العِقال؛ إذ إنه يَعْقِل صاحبَه لإحسان التصرُّف، ليس تصرُّف المجنون كتصرف هذا. * طالب: (...). * الشيخ: عقل الإدراك، العقل الذي يتميز به الإنسان عن المجنون هو عقل الإدراك، المهم إن المراد بالعقل هنا ليس مجرد الفهم؛ لأننا إذا فسَّرْناه بمجرد الفهم حولناه إلى عقل الإدراك فقط، وعقل الإدراك ليس مناطًا للمدح، وإنما المناط للمدح عقل التصرف الذي يُحْسِن به الإنسان التصرف، وهذا هو المراد بهذه الآية؛ أي: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تدركون ذلك وتحسنون التصرف بمقتضى هذه الآيات التي بَيَّنها الله لكم. * يستفاد من هذه الآية. * أولًا: بيان رحمة الله سبحانه وتعالى في نفي الحرج عمن لا يستحقه؛ لقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ * ثانيًا: بيان سهولة هذه الشريعة بنفي الحرج عمن لا يستحق أن يلحقه. * ثالثًا: أن الأحكام تدور مع عللها، فإذا وُجِدَت العلةُ الحكمُ ثَبَتَ، وإذا انتفت انتفى الحكم؛ لأن نفي الحرج عن هؤلاء ويش هو لأجله؟ لهذه العلة التي فيهم، فإذا برأ المريض، واستقام مشيُ الأعرج، ورد الله البصر على الأعمى انتفى هذا الحكم في حقهم، وثبت في حقهم ما يثبت في حق السالمين. * وفيه: جواز الأكل من بُيوت هؤلاء المذكورين سواء بإذن أو بغير إذن إلا إذا علمنا عدم رضاهم، فإذا علمنا أنهم لا يرضون فإنه لا يجوز الأكل من بُيوتهم. * وفيه دليل على: أن مال ابن الإنسان مال له كيف ذلك؟ * طالب: (...) إن خير، بمعنى: ما أكلتم. * الشيخ:«إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ». * الطالب: إن أطيب ما أكلتم وأبناءكم. * الشيخ:«وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُم»[[أخرجه أبو داود (٣٥٢٨)، والترمذي (١٣٥٨) واللفظ له، والنسائي (٤٤٤٩)، وابن ماجه (٢١٣٧) من حديث عائشة.]]، وهنا وجه الدلالة من الآية؟ * الطالب: (...) هنا ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾، ولم يذكر يعني.. * الشيخ: الأولاد، ما ذكر الأولاد، فدل على أن المراد بالبيوت بيوتكم وبيوت أولادكم. * وفيه دليل أيضًا على: تحكيم العادة في الأمور؛ لأنه إنما أبيح لنا الأكل من هذه البيوت؛ لأن العادة والعرف الرضا بذلك، معروف هادول الأقارب والصديق ومالك المفاتيح كلهم مما جرى العرف بأنهم يسامحون في الأكل، ولكنه سبق إن الإنسان لا يحمل شيئًا، يأكل ولا يحمل؛ ولهذا إنما أجاز الله الأكل فقط. * وفيه أيضًا -في الآية- دليل على: جواز الأكل مجتمعين ومتفرقين؛ لقوله ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾، ولكن الأفضل كما مر الاجتماع. * وفيه أيضًا دليل على: مشروعية السلام عند الدخول إلى البيوت؛ لقوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، وكان هذا من هَدْيِ النبي ﷺ، إلا أن الإنسان يبدأ بشيء قبل السلام وهو السواك، إذا دخل بيته يبدأ أولًا بالتسوُّك[[أخرجه مسلم (٢٥٣ / ٤٣) من حديث عائشة.]] ثم يسلم على أهله[[أخرجه الترمذي (٢٦٩٨) من حديث أنس، ولفظه: يَا بُنَيَّ، إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ.]]. * طالب: (...). * الشيخ: لا، قبل هذا، قبل السلام؛ لأن الغالب في وقتنا هذا إنه ما يكونوا عند الباب، لكن إن كانوا عند الباب فالسلام عليهم قبل. * وفيه أيضًا دليل على: فضيلة السلام لكون الله تعالى وصفه بأنه: تحية من عنده مباركة طيبة؛ ثلاثة أوصاف، وهذا لا شك دليل على فضله، فيدل على أنه أفضل من قول الإنسان: أهلًا وسهلًا، وشبهه، وعلى أن الإنسان لو أجاب السلام بأهلًا وسهلًا لن يجزئ؛ لأن أهلًا وسهلًا لا توصف بأنها ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾. أما السلام عليكم أو عليكم السلام، فإنه يوصف بأنه ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾؛ ولهذا تجدون هذا هدي الأنبياء في حديث المعراج؛ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا سلم على النبي الذي يواجهه في السماء رد عليه السلام وقال: «مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ» في آدم وإبراهيم، و«بِالْأَخِ الصَّالِحِ» فيمن عداهم: «مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ» فيرحِّبُون بعد أن يردوا السلام، وكونه يقول في الحديث: «فَرَدَ السَّلَامَ وَقَالَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٧) واللفظ له، ومسلم (١٦٤ / ٢٦٤) من حديث مالك بن صعصعة.]] دليل على أن هذا ليس من رد السلام، وهذا أمر معلوم، لكن مع الأسف أن الناس الآن هجروا هذا، وصار غالب الناس إذا سلَّمْتَ عليهم قالوا لك: أهلًا ومرحبًا، ولَّا هَلَا ولَّا مَرْحَبًا، هذا لا يجزي ولا يجوز الاقتصار عليه. * طالب: (...) التليفون. * الشيخ: إي نعم، سلام التليفون، كل ما خابرت أحدًا سلِّم عليه؛ لأن حقيقة التليفون مواجهة، لكنها غَيْبِيَّة، فتقول: السلام عليكم، ولكن أيضًا هذا مما يُؤْسَف له إن الناس كلهم صغيرهم وكبيرهم يمكن نقول: عالمهم وجاهلهم ما يفعلون هذا، يقولون: ألو وألو أسمع (...). * * * ثم قال تعالى مُؤَدِّبًا عباده: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣] * طالب: (...). * الشيخ: أن يقول: غفر الله لكم، انصرفوا غفر الله لكم، أو اللهم اغفر لهم. قال: (﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ بأن تَقُولوا: يا محمد، بل قولوا: يا نبيَّ الله، يا رسول الله، في لِينٍ وتواضعٍ وخَفْضِ صوت) إلى آخره. قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ﴿دُعَاء﴾ على كلام المؤلف بمعنى نداء، ومنه قولكم: دعوت فلانًا أي: ناديته، وعلى هذا فـ (دعاء) مضاف إلى مفعوله؛ لأن (دعاء) مصدر مضاف إلى مفعوله، وفاعله محذوف، والتقدير: لا تجعلوا دعاءكم الرسولَ هذا الأصل، فصرف الفاعل وأُضِيف المصدر إلى مفعوله أي: دعاءكم الرسول، هذا أصله. وقوله: ﴿كَدُعَاءِ بَعْضكُمْ بَعْضًا﴾ هذا مضاف إلى فاعله ومفعوله ﴿بَعْضًا﴾ يعني: كما إذا دعا بعضكم بعضًا فإننا عندما يدعو بعضنا بعضًا نقول: يا فلان؛ لكن النبي عليه الصلاة والسلام له من الحق والإكرام ما لا يليق بنا أن ندعوه باسمه، بل نقول: يا نبي الله، يا رسول الله، وقد التزم الصحابة رضي الله عنهم هذا الأدب، فصاروا يُنادُون النبي ﷺ بوصفه بالنبوة أو بالرسالة، وما ورد على خلاف ذلك من أقوال الصحابة أو دعائهم فإما أن يكون قَبْلَ النهي وإما أن يكون من جاهلٍ كالذي يَحْصَلُ من بعض الأعراب. هذا ما ذهب إليه المؤلف وبعضُ المفسرين، وقال آخرون: المراد من ﴿دُعَاء الرَّسُول﴾ أي: دعاء الرسول إياكم فيكون المصدر مضافًا إلى فاعله؛ أي: لا تجعلوا دعاء الرسول إذا دعاكم كدعاء بعضكم بعضًا، إن شئتم أجبتم، وإن شئتم تركتم، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام إجابته فرض، وعليه فإذا أمرنا بأمرٍ أو دعانا لأمر فإن إجابته فرض علينا ليست كغيره، إن شئنا أجبنا وإن شئنا تركنا، وعلى هذا فيكون في الآية نهيًا عن معصية الرسول ﷺ وأمرًا بطاعته ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضكُمْ بَعْضًا﴾. ويؤيد هذا قولُه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور ٦٣] فإن سياق الآية يؤيد هذا القول، لو قيل بأن الآية شاملة للمعنيين يجوز ولَّا لا؟ يجوز، يجوز أن نجعلها شاملة للمعنيين؛ لأننا أثبتنا قاعدة في هذا، وهو أن الآية إذا كانت تحتمل المعنيين بدون تناقض فإنها تُحْمَل عليهما جميعًا، أما إذا كانت تحتمل معنيين لكن معنى كل واحد يُخالِف الآخر فإنه حينئذ يجب طلبُ الترجيح، الذي يُرَجِّح أحدَ المعنيين فيؤخذ به، وأما إذا كانت صالحة لهما ولا منافاة بينهما فإن الواجب حَمْلُها على المعنيين جميعًا. فعليه نقول: إن هذا من باب الأدب في مُخاطبة الرسول عليه الصلاة والسلام والأدب في إجابته، ففي مخاطبته ما نجعل مخاطبته ودعاءنا إياه كدعاء غيره، وفي إجابته لا نجعل دعاءه وطلبه لأمر من الأمور كطلب غيره؛ ومن ثَمَّ قال أهل العلم: لو دعاه النبي ﷺ وهو يصلي هل تجب عليه الإجابة ولَّا لا؟ تجب عليه الإجابة، ولو دعاه والده وهو يصلي فإن كان في فريضة لم يُجِبْه، وإن كان في نافلة أجابه، إلا أن يَعْلَم رضا والده بذلك بحيث يُشْعِره أنه يصلي فلا يهمه إذا كان يصلي ألا يجيب، فهذا لا يجيبه، وإما إذا كان والده من الناس الذين لا يعذرون وكذلك والدته فإنه يُجيبُه في النفل ويقطع صلاته. الحرج؛ يعني: الإثم والمشقة، وذكرنا اختلاف العلماء في هذا المنفي عن الأعمى والأعرج والمريض، وأنهم ذكروا فيها ثلاثة آراء، وهي؟ * طالب: أنها في الجهاد. * الشيخ: أنها في الجهاد. * الطالب: أو أنها عامة في كل شيء. * الشيخ: أو عامة في كل شيء. * طالب: أنها في الأكل. * الشيخ: أنها في مؤاكلتهم، والعموم أولى، والمعنى: ليس عليهم حرج فيما تكون هذه الأمراض أو هذه العاهات سببًا للعجز عنه من جهاد أو غيره، فليس عليهم حرج، ويكون في ذلك تمهيد لما ذكر بعدُ؛ يعني: فكما أن هؤلاء لا حرج عليهم فلا حرج عليكم أيضًا أن تأكلوا من بيوتكم، إلى آخره. (﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ [النور ٦١] يعني: مجتمعين على الأكل، ﴿أَوْ أَشْتَاتًا﴾ متفرقين). ثم قال الله تعالى: (﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ بيوتًا لكم لا أهل بها، ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: قولوا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإن الملائكة ترد عليكم، وإن كان بها أهلٌ فسلِّموا عليهم). قوله: ﴿إِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ ﴿بُيُوتًا﴾ نكرة في سياق؟ * طالب: (إذا). * الشيخ: (إذا) ويش (إذا)؟ * الطالب: شرطية. * الشيخ: شرطية؛ في سياق الشرط، فتكون عامة في بيوت الإنسان وبيوت غيره. وقوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ إن كان بها أهل وهي لغيره يسلم عليهم؛ أي: على من فيها، وسمي: سلامًا على النفس وهو على الغير؛ لأن المؤمنين نفس واحدة، كما قال النبي ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦ / ٦٦) من حديث النعمان بن بشير.]]. وإن كانت بيوتًا ليس فيها أحد فإن الإنسان يسلِّم على نفسه، يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ لأن هذا هو السلام الذي علَّمه النبي ﷺ أمته؛ أن يسلموا على أنفسهم كما في الصلاة. وقوله: ﴿تَحِيَّةً﴾ مصدر (حَيَّا)؛ يعني: تُحيون تحيةً، وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أضافها الله إليه؛ لأنه هو الذي شرعها، ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يعني: هذه التحية من عند الله، أو أنه الغاية بها؛ يعني: أنها تطلب منه؛ لأنك تقول: السلام علينا أو السلام عليكم، فهي تطلب منه، فهو غايتها أو هو مشرِّعها، فإضافتها إلى الله؛ لأنه المشرِّع الشارع لها، فهو الذي أمر بها ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، أو لأنه غايتها؛ أي: الذي تنتهي إليه هذه التحية؛ ليثيب عليها ويجيبها. وقوله: ﴿مُبَارَكَةً﴾ ويش معنى ﴿مُبَارَكَةً﴾؟ أي: ذات بركة، والبركة -كما مرَّ- هي الخير الكثير الثابت. وقوله: ﴿طَيِّبَةً﴾ قال المؤلف: (مثابًا عليها)، وهذا نعم من الطيب؛ أن تكون مثابًا عليها، لكن من الطيب أيضًا أن تكون موافقة لشريعة الله؛ لأن الأعمال الصالحة والطيبة معناه هي الموافقة للشرع؛ بأن تكون مخلَصًا فيها لله، متبعًا فيها رسول الله ﷺ. وقوله: (﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: يفصل لكم معالم دينكم، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لكي تفهموا ذلك). ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ﴾ مر علينا أننا نعرب الكاف اسمًا بمعنى (مِثْل)، على أنها مفعول مطلق لـ﴿يُبَيِّنُ﴾؛ أي: مثل ذلك البيان يُبَيِّن. و﴿الْآيَاتِ﴾ سبق أن المراد بها الشرعية والكونية؛ فالشرعية ما جاءت به الرسل، والكونية مخلوقات الله التي نشاهد ونسمع. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (لعل) هذه للتعليل؛ أي: لأجل أن تعقلوا، ومعنى العقل هنا: الفهم، على ما مشى عليه المؤلف، ولكن الأصح أنه أعم من ذلك؛ أنه الفهم وحسن التصرف؛ لأن العقل -كما مر علينا- نوعان، ما هما؟ * طالب: عقل إدراك. * الشيخ: وعقل تصرف. فعقل الإدراك هو مناط التكليف، وهو حاصل للمسلم والكافر، والبر والفاجر، وعقل التصرف هو إحسان التصرف؛ أن يكون الإنسان يتصرف تصرفًا مبنيًّا على عقل، هذا يخرج منه الكافر والفاسق؛ لأنهم لم يحسنوا التصرف، فهم غير عاقلين؛ ولهذا دائمًا ينفي الله سبحانه وتعالى العقل عن الكفار مع أنهم من أذكى الناس وأفهمهم، لكن ليس عندهم عقل التصرف، عندهم عقل الإدراك فقط، والذي يحمد عليه الإنسان هو عقل التصرف، أما العقل الأول فإنه لا يحمد عليه؛ لأنه ليس من كسبه. * طالب: يا شيخ، العقل ما له أصل يعني في اللغة أو العرف أو الشرع؟ * الشيخ: إلا، له أصل. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لأنه من العقال؛ إذ إنه يعقل صاحبه بإحسان التصرف، ليس تصرف المجنون كتصرف هذا. * الطالب: من أي قسم؟ * الشيخ: من عقل الإدراك، العقل الذي يتميزبه الإنسان عن المجنون هو عقل الإدراك. المهم أن المراد بالعقل هنا ليس مجرد الفهم؛ لأننا إذا فسرناه بمجرد الفهم حوَّلناه إلى عقل الإدراك فقط، وعقل الإدراك ليس مناطًا للمدح، وإنما المناط للمدح عقل التصرف الذي يحسن به الإنسان التصرف، وهذا هو المراد بهذه الآية، أي ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تدركون ذلك وتحسنون التصرف بمقتضى هذه الآيات التي بيَّنها الله لكم. * يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: بيان رحمة الله سبحانه وتعالى في نفي الحرج عمن لا يستحقه؛ لقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾. * ثانيًا: بيان سهولة هذه الشريعة بنفي الحرج عمن لا يستحق أن يلحقه. * ثالثًا: أن الأحكام تدور مع عللها؛ فإذا وجد في العلة الحكم ثبت، وإذا انتفت انتفى الحكم؛ لأن نفي الحرج عن هؤلاء، ويش هو لأجله؟ لهذه العلة التي فيهم، فإذا برئ المريض، واستقام مشي الأعرج، ورد الله البصر على الأعمى، انتفى هذا الحكم في حقهم، وثبت في حقهم ما يثبت في حق السالمين. * وفيه: جواز الأكل من بيوت هؤلاء المذكورين أو لا؟ سواء بإذن أو بغير إذن، إلا إذا علمنا؟ * طالب: عدم رضاهم. * الشيخ: عدم رضاهم، فإذا علمنا أنهم لا يرضون، فإنه لا يجوز الأكل من بيوتهم. * وفيه دليل على أن مال ابن الإنسان مال له، كيف ذلك؟ * طالب: ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾، وقال الرسول يعني.. إن خير، بمعناه.. يعني ما أكلتم.. * الشيخ: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ». * الطالب: معناه أطيب ما أكلتم، وأبناؤكم.. * الشيخ: «وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٢٨)، والترمذي (١٣٥٨)، والنسائي في المجتبى (٤٤٥٠)، وابن ماجه (٢٢٩٠) من حديث عائشة.]]. وهنا ما وجه الدلالة من الآية؟ * الطالب: قال هنا: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ ولم يذكر الأولاد. * الشيخ: ما ذكر الأولاد، فدل على أن المراد بالبيوت: بيوتكم وبيوت أولادكم. * وفيه دليل أيضًا على تحكيم العادة في الأمور؛ لأنه إنما أبيح لنا الأكل من هذه البيوت؛ لأن العادة والعرف الرضا بذلك؛ لأنه معروف هؤلاء الأقارب والصديق ومالك المفاتيح كلهم مما جرى العرف بأنهم يسامحون في الأكل، ولكنه سبق أن الإنسان لا يحمل شيئًا، يأكل ولا يحمل؛ ولهذا إنما أجاز الله الأكل فقط. * في الآية دليل على جواز الأكل مجتمعين ومتفرقين؛ لقوله: ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾، ولكن الأفضل -كما مر- الاجتماع. * وفيه أيضًا دليل على مشروعية السلام عند الدخول إلى البيوت؛ لقوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، وكان هذا من هدي النبي ﷺ، إلا أن الإنسان يبدأ بشيء قبل السلام وهو؟ * طالب: السواك. * الشيخ: السواك، إذا دخل بيته يبدأ أولًا بالتسوك، ثم يسلم على أهله. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، قبل هذا، قبل السلام؛ لأن الغالب في وقتنا هذا أنهم ما يكونون عند الباب، لكن إن كانوا عند الباب فالسلام عليهم قبل. * وفيه أيضًا دليل على فضيلة السلام؛ لكون الله تعالى وصفه بأنه تحيةٌ من عنده مباركةٌ طيبةٌ، ثلاثة أوصاف، وهذا لا شك دليل على فضله، فيدل على أنه أفضل من قول الإنسان: أهلًا وسهلًا، وشِبْهِه. وعلى أن الإنسان لو أجاب السلام بـ(أهلًا وسهلًا) لم يجزئ؛ لأن (أهلًا وسهلًا) لا توصف بأنها تحيةٌ من عند الله مباركةٌ طيبةٌ، أما السلام عليكم أو عليكم السلام فإنه يوصف بأنه تحيةٌ من عند الله مباركةٌ طيبةٌ؛ ولهذا تجدون هذا هدي الأنبياء في حديث المعراج؛ فإن «الرسول عليه الصلاة والسلام إذا سلَّم على النبي الذي يواجهه في السماء رد عليه السلام وقال: مرحبًا بالابن الصالح، في آدم وإبراهيم، وبالأخ الصالح فيمن عداهم؛ مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٧)، ومسلم (١٦٤ / ٢٦٤) واللفظ للبخاري من حديث مالك بن صعصعة.]]، فيرحبون بعد أن يردوا السلام، وكونه يقول في الحديث: «فَرَدَّ السَّلَامَ وَقَالَ» دليل على أن هذا ليس من رد السلام، وهذا أمر معلوم. لكن مع الأسف الناس الآن هجروا هذا، وصار غالب الناس إذا سلمت عليهم قالوا لك: أهلًا ومرحبًا، ولَّا هلا، ولَّا مرحبًا، هذا لا يجزئ، ولا يجوز الاقتصار عليه. * طالب: شيخ، ينطبق على (...)؟ * الشيخ: إي نعم، السلام قصدك؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إي نعم، كلما خاطبت أحدًا تسلم عليه؛ لأن -حقيقةً- التليفون مواجهة لكنها غيبية، فتقول: السلام عليكم، ولكن أيضًا هذا مما يؤسف له؛ أن الناس الآن كلهم صغيرهم وكبيرهم -يمكن نقول: عالمهم وجاهلهم- ما يفعلون هذا، يقولون: آلو، و(آلو) أسمع أنها تحية إنجليزية. * طالب: (...). * الشيخ: مشكلة، حالة الناس -الله يهدينا وإياهم- ما هم يفطنون لهذه الأمور. أما (تليفون) أنا أرى أن الأسماء الواردة لا بأس أنها تبقى على ما هي عليه؛ لأن الأسماء المعرَّبة في اللغة العربية موجودة من قديم، فلا بأس أن نقول: تليفون، ولا يلزم أن نقول: هاتف، مثلًا، وكذلك نقول: راديو، ولا يلزم نقول: مذياع، لكن المشكل الشيء المخالف للشرع؛ يعني: نبدل كلمة شرعية واردة في مثل هذا المقام بكلمة غير شرعية، هذا هو المشكل، ولَّا مسألة الأسماء التي ترد؛ لأن هم الذين صنعوها وسموها بهذا الاسم، ما علينا منهم، وإن كان بعض العلماء يقول: لا، هم سموها هذا الاسم مراعاة للمعنى لا مراعاة لمجرد الصنعة، فهم يقولون مثلًا: إن راديو أظن بمعنى هاتف عندهم. * طالب: راديو بمعنى مذياع. * الشيخ: بمعنى مذياع، فما دام أنهم مراعون المعنى يجب أننا نأتي باللفظ الذي يدل على هذا المعنى في لغتنا، إنما المسألة بسيطة هذه، لكن الكلام عن الذي يخالف الشرع، أما المسائل هذه فهي أهون. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الحث على؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، ربما يؤخذ منه، وربما يقال: إن مطلق السلام فيه البركة، وهو أولى؛ لأن تقييدنا إياه بما إذا قال: ورحمة الله وبركاته يكون تقييدًا لشيء موسَّع، فالنبي عليه الصلاة والسلام دائمًا يسلم يقول:« «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ»[[أخرجه البخاري (٤٧٣٩) من حديث عائشة.]]، ولكن مع ذلك نقول: إن الأفضل: ورحمة الله وبركاته، لا شك في هذا، إنما إذا هو اقتصر على الأول فإنه يصح أن نقول: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾؛ لأن هذا وصف للتحية لا وصف لصيغتها؛ يعني: نفس التحية مباركة طيبة، وليس وصفًا لصيغتها؛ أن تكون فيها لفظ البركة ولفظ الطيب، ولَّا كان يقول بعد: وطيباته. * وفي هذه الآية أيضًا دليل على عناية الله سبحانه وتعالى بالخلق؛ حيث كان يبين لهم الآيات؛ لأجل أن يتصرفوا تصرف العاقل فيتبعوا شريعته، ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ومرَّ علينا أن هذا البيان بالنسبة للآيات الشرعية ما يعرفها إلا المؤمنون الذين آمنوا بها وعقلوها، وأما الآيات الكونية فقد يؤمن بها حتى الكافر؛ الكفار يؤمنون بأن الله خالق السماوات والأرض، وأنه بيده ملكوت السماوات والأرض، وأنه منزل الغيث، إلى آخره. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما ورد في هذا المكان بعينه عن الرسول، لكن ورد تعليمها السلام علينا في الصلاة، حيث قال: «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث ابن مسعود.]]، وأيضًا كذلك رد الملائكة ما فيه أثر؛ أن الملائكة ترد عليك ما فيه أثر عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هم يقولون: إذا لم يكن فيها أحد فقد قال الله تعالى: ﴿سَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، فإننا نأخذ من هذا العموم أن نسلم على من فيها، وهم -لأنهم مؤمنون- كأنفسنا، وإذا لم يكن فيها أحد نسلم على أنفسنا خاصةً، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، هذا الذي ورد به الشرع في الصلاة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يمكن هذا، لكنه على بعد، وتكون سلمت على نفسك؛ لأنك أنت السبب في رده، والمتسبب كالمباشر، مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «يَلْعَنُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَلْعَنُ أَبَاهُ» لما قالوا: هل يلعن الرجل والديه؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠ / ١٤٦)، وأبو داود (٥١٤١) واللفظ له من حديث عبد الله بن عمرو.]]، هذا يمكن أن نجعل وجه كونه على أنفسنا أننا إذا سلمنا رد علينا، لكنه في الحقيقة قد يتخلف فيما إذا لم يرد، فإذا سلمت عليه فقد سلمت على نفسي، ردَّ أم لم يردَّ، حتى لو فرض أنه ما رد عليَّ فقد امتثلت الأمر، إي نعم. * طالب: الآن قلنا: إن الأعمى والأعرج نعذرهم لما كانت هذه العاهة عندهم فهل نقول كذلك (...) ضعيف النظر أو فيمن كان متوسطًا بين البصير البصر العادي أو بين هذا العمى، بمعنى نقول مثلًا: ضعيف النظر(...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ يعني مثلًا لو فرضنا أن الإنسان كُلِّف بالكتابة، الكتابة واجبة إذا دعي الإنسان إليها، كما قال الله تعالى: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ [البقرة ٢٨٢] يعني: لو دعاك أحد تكتب بينهم وثيقة وأنت قادر، فقد أمرك الله أن تكتب، إذا كان ضعيف النظر ما يستطيع ما عليه حرج، لو ما هو بأعمى، على كل حال؛ يعني: هذه العاهات إن كانت كاملة عُذِر الإنسان فيها عذرًا كاملًا، وإن كانت ناقصة فبحسبه، الحكم يدور مع علته. * طالب: (...) على سبيل الحصر ولَّا على سبيل (...)؟ * الشيخ: لا، على سبيل الحصر، وهذا هو فائدة؛ ذكر التنصيص على كل واحد، وألا كانت تأتي الآية: ولا على أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت أقاربكم، لكن هؤلاء منصوص عليهم؛ يعني: فمثلًا ابن الخالة ما تأكل من بيته، وابن العمة ما تأكل من بيته؛ لأن المنصوص عليهم، هذا فائدة ذكر كل واحد بنفسه. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ابن العمة ما هو ببيت لك. * الطالب: قياسًا. * الشيخ: لا، ولا يصلح قياسًا؛ لأنك لو أردت أن تقيسها على ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ جعلتها أعلى من العمة؛ يعني: جعلتها في منزلة أولى أن تؤكل من العمة، إذا دخَّلتها في ﴿بُيُوتِكُمْ﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما تدخل، غير هؤلاء المنصوص عليهم ما تأكل من بيته إلا إذا أذن؛ يعني: هو والأجنبي سواء. * طالب: قوله: ﴿أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (...) عامة (...) عدم العقوق؟ * الشيخ: إي نعم، بس الأم أشد؛ يعني أوجب برًّا، كلما دنا فهو أوجب، كما قال النبي ﷺ: «ثُمَّ ادْنَاكَ، فَادْنَاكَ»[[أخرجه مسلم (٢٥٤٨ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]. * الطالب: أن تكون بمنزلة الأم. * الشيخ: إي نعم؛ ولهذا يجب برها ويجب الإنفاق عليها، وكل ما يثبت للأم يثبت لها، إلا إنها -الأم- أحق وأولى، كذلك أيضًا بالنسبة للجد مثلها، إلا أن الجد يخالف الأب في بعض المسائل، كمسألة التملك، فإن الذين قالوا بجواز تملك الأب من مال ولده خصوه بالأب الأدنى؛ لأن حقيقة الأمر أن المسألة ضعيفة ما تتوصل إلى أن يكون الجد ومن علا يتملك، حتى الأب مختلف في تملكه من مال ولده. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور ٦٢] ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ والحصر يفيد إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، وعلى هذا فالإيمان ثابت لمن وصفوا بهذه الصفات، ومنتفٍ عمن تخلَّف عنهم منها شيء. أولًا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ والإيمان بالله ورسوله -كما أسلفنا- لا يكون إيمانًا حتى يتضمن القبول، ويش بعد؟ * طالب: والإذعان. * الشيخ: والإذعان، حتى يتضمن القبول والإذعان، أما مجرد التصديق فليس بإيمان، فلو صدَّق الإنسان بالله وبرسوله ﷺ، ولكن ما قَبِل ما جاء به ولا أذعن له فليس بمؤمن؛ ولهذا أبو طالب كان مصدقًا بالنبي ﷺ، ومع ذلك ليس بمؤمن به؛ لأنه لم يقبل ما جاء به ولم يذعن له، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يعني: إيمانًا صحيحًا يتضمن القبول والإذعان. وقوله: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ﴾ مع من؟ يقول: (﴿مَعَهُ﴾ أي: الرسول ﷺ، ﴿عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ كخطبة الجمعة، ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ لعروض عذر لهم، ﴿حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ ). ﴿إِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ يعني: على أمر عامٍّ للمسلمين؛ من الجهاد والمشورة والجمعة وغيرها، كل أمر جامع عام للمسلمين ليس أمرًا خاصًّا بهم، إذا اجتمعوا ما يذهبون حتى يستأذنوه؛ لأن ذهابهم بدون استئذان يؤدي إلى الفوضى واختلال النظام. فلو فرض أنه نودي: الصلاة جامعة، واجتمع الناس للتشاور في أمر، ثم قام واحد بعد أن حضر الناس، قام وانصرف بدون استئذان، نقول: هذا حرام ولا يجوز؛ لأن هذا يؤدي إلى تفكك هذا الاجتماع وإلى الفوضى وعدم النظام. فإذا اجتمع المسلمون على أمر جامع؛ يعني: عام للمسلمين من خطبة جمعة وغيرها، فإنه لا يجوز لأحد أن ينصرف إلا بعذر وبعد الاستئذان؛ لما في ذلك من الضعف؛ إضعاف الباقين؛ لأنه إذا شافوا الواحد يقوم قام الثاني، وقام الثالث، وقام الرابع، وهكذا، ولا شك أنه -كما نشاهد نحن الآن- إذا قام واحد من المجتمع فإنه يتبعه أناس، ويكون هذا بمنزلة الحائط -أي: الجدار- الذي انهدم منه ثُلْمة، لا يتماسك فيما بعد، والعوام لهم مثال يقولون: إذا طاح من طي الركية طية إلا طاح؛ الركية يعني: البير، إذا طاح منها حصاة ويش الباقي؟ يتداعى، لا تعده إلا طاح. فالحاصل: أن المؤمنين حقيقةً هم الذين إذا كانوا مع الرسول ﷺ على أمر جامع، ويش معنى جامع؟ أي: شامل وعام؛ كالتجمع للجهاد، والتجمع للمشاورة، والتجمع إلى أمر هام يتعلق بالمسلمين عمومًا، فإنهم لا يذهبون من مكان الاجتماع حتى يستأذنوا النبي ﷺ. ثم إنه يقول المؤلف أيضًا قيده بقيد لا بد منه قال: (لعروض عذر لهم)، أيضًا ما يذهبون إلا لعذر، فلا بد من العذر، والعذر أمر خفي لا يعلم، ولا بد من الاستئذان؛ ليتبين لجميع الحاضرين عذرهم، ولا يكون في ذلك خللٌ عليهم. * طالب: شيخ، هذه خاصة بالرسول ﷺ؟ * الشيخ: لا، هذه عامة لكل اجتماع. * الطالب: كل الاجتماعات؟ * الشيخ: كل الاجتماعات العامة التي لمصلحة الإسلام والمسلمين، ما يجوز لأحد أن ينصرف إلا لعذر وبعد الاستئذان. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذه ما هي من مصالح المسلمين. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ما هي من مصالح المسلمين، الكلام على اللي فيها مصالح للمسلمين، ﴿أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ يعني: يجمع المسلمين لمصالحهم، وإما أنه يروحوا (...) كيف؟ اللي يدخل، يدخل، وإن كان أنه ما ينبغي للإنسان أن يشرد عن ربعه، لكن كونه أنه يقول: هذا حرام، ما نقول: حرام؛ لأن هذا ما يخل بالإسلام ولا شيء، غاية ما هنالك أنه يخل بهذا الجمع (...) يتمتعون (...) كيف؟ ما فيه شيء. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ لا شك أن تركيب الجملة على هذا يدل على الشرف ورفعة المكانة؛ لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ﴾ فإن (أُولَاء) اسم إشارة تدل على تعظيم المشار إليه؛ ولهذا جاءت بصيغة البعيد ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى علو مرتبتهم، ثم جاءت مؤكدة بـ(إن)، ثم جاءت بالجملة الاسمية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، فحصر الإيمان بالله ورسوله في هولاء الذين يستأذنون رسول الله ﷺ، إذا كانوا معه على أمر جامع يستأذنونه قبل أن ينصرفوا. (﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أمرهم، ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ بالانصراف، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ). ﴿إِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ فاشترط الله سبحانه وتعالى أن يكون الاستئذان لشيء من الشؤون؛ يعني: لأمر من أمورهم التي يُعذرون بها بالتخلف عن الجمع، ثم قال للرسول: ﴿أْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ﴾، فجعله أيضًا مخيرًا في الإذن وعدمه، ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ﴾، وهذا التخيير هل هو تخيير تشهٍّ وإرادة مطلقة أو تخيير مصلحة؟ * طالب: تخيير مصلحة. * الشيخ: تخيير مصلحة. ما هو الضابط لتخيير المصلحة وتخيير التشهي والإرادة المطلقة؟ إذا كان التخيير من أجل الرفق بالمكلف فهو تخييرُ تشهٍّ، مثلما يوجد في بعض الكفارات، ككفارة اليمين ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة ٨٩]، وكما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة ١٩٦]. فإذا كان الغرض من التخيير مراعاة التسهيل على المكلف فهو من باب التشهي؛ يعني: اللي تشتهيه افعله، وإذا كان التخيير من أجل مصلحة عامة أو خاصة فإنه تخيير مصلحة، وذلك فيما إذا كان يتعلق بالغير، فتخيير -مثلًا- ولي اليتيم في بيع ماله أو حبسه، أو إقراضه أو عدم إقراضه، هذا من باب تخيير المصلحة؛ لأنه يتصرف لغيره. وكذلك أيضًا تخيير النبي عليه الصلاة والسلام هنا ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ﴾، هذا تخيير مصلحة، إذا كان إذنُ الرسول ﷺ لهؤلاء لا يضر بالجمع، وفيه أيضًا مصلحة بيِّنة لهم أكثر من مصلحة بقائهم، فهنا يتعين؟ * طلبة: الإذن. * الشيخ: يتعين الإذن، وإذا كان يخشى إذا أذن لهم أن يكثر المستأذنون وينهدم هذا الجمع، أو أن بقاءهم في هذا الجمع أصلح لهم من ذهابهم لشأنهم، فهنا يتعين ألَّا يأذن لهم، فتخيير النبي عليه الصلاة والسلام هنا يرجع إلى المصلحة؛ إذا اقتضت المصلحة الإذن أذن، وإلا فلا. وقوله تعالى: ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ عبَّر بالبعض إشارة إلى أنهم إذا استأذنوا لشيء مهم -وإن لم يكن الشؤون المتعددة- فإنه يكون عذرًا في جواز الاستئذان والإذن لهم. ثم مع ذلك قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ وهذا الاستغفار لهم لتطييب قلوبهم، إذا انصرفوا عن هذا الجمع وفاتهم أجره، فاستغفر لهم الرسول عليه الصلاة والسلام، فإن قلوبهم تطيب في الانصراف، ولا يبقى في قلوبهم حرج وقلق، هذه من جهة، ومن جهة أخرى ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمُ﴾؛ لأنه قد يكون في استئذانهم هذا أمر لا يعذرون فيه، هم ظنوه عذرًا فاستأذنوا من أجله، وهو ليس بعذر عند الله، ويكون استغفارك لهم ماحيًا لما عسى أن يكون من التقصير والتفريط في ذلك. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هذا تقدم الكلام عليه مرارًا، وقلنا: إن المغفرة في جانب الذنوب، والرحمة في جانب حصول المطلوب؛ ففي المغفرة النجاة من المكروه، وفي الرحمة حصول المطلوب. ثم قال تعالى مؤدبًا عباده: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: أن يقول: غفر الله لكم، انصرفوا غفر الله لكم، إي نعم، أو اللهم اغفر لهم. قال: (﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ بأن تقولوا: يا محمد، بل قولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، في لين وتواضع وخفض صوت) إلى آخره. قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ﴿دُعَاءَ﴾ على كلام المؤلف بمعنى: نداء، ومنه قولكم: دعوت فلانًا؛ أي: ناديته، وعلى هذا فـ﴿دُعَاءَ﴾ مضاف إلى مفعوله؛ لأن (دعاء) مصدر مضاف إلى مفعوله، وفاعله محذوف، والتقدير: لا تجعلوا دعاءكم الرسولَ، هذا الأصل، فحذف الفاعل وأضيف المصدر إلى مفعوله؛ أي: دعاءكم الرسول، هذا أصله. وقوله: ﴿كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ هذا مضاف إلى فاعله، ومفعوله ﴿بَعْضًا﴾؛ يعني: كما إذا دعا بعضكم بعضًا، فإننا عندما يدعو بعضنا بعضًا نقول: يا فلان، لكن النبي عليه الصلاة والسلام له من الحق والإكرام ما لا يليق بنا أن ندعوه باسمه، بل نقول: يا نبي الله، يا رسول الله، وقد التزم الصحابة رضي الله عنهم هذا الأدب، فصاروا ينادون النبي ﷺ بوصفه بالنبوة أو بالرسالة، وما ورد على خلاف ذلك من أقوال الصحابة أو دعائهم؛ فإما أن يكون قبل النهي، وإما أن يكون من جاهل، كالذي يحصل من بعض الأعراب، هذا ما ذهب إليه المؤلف وبعض المفسرين. وقال آخرون: المراد من ﴿دُعَاءَ الرَّسُولِ﴾ أي: دعاء الرسول إياكم، فيكون المصدر مضافًا إلى فاعله؛ أي: لا تجعلوا دعاء الرسول إذا دعاكم كدعاء بعضكم بعضًا؛ إن شئتم أجبتم، وإن شئتم تركتم، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام إجابته فرض. وعليه، فإذا أمرنا بأمر أو دعانا لأمر فإن إجابته فرض علينا، ليست كغيره؛ إن شئنا أجبنا، وإن شئنا تركنا، وعلى هذا فيكون في الآية نهيًا عن معصية الرسول ﷺ وأمرًا بطاعته، ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، ويؤيد هذا قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فإن سياق الآية يؤيد هذا القول. لو قيل بأن الآية شاملة للمعنيين، يجوز ولَّا لا؟ يجوز أن نجعلها شاملة للمعنيين؛ لأننا أسلفنا قاعدة في هذا، وهو: أن الآية إذا كانت تحتمل المعنيين بدون تناقض فإنها تحمل عليهما جميعًا، أما إذا كانت تحتمل معنيين لكن معنى كل واحد يخالف الآخر، فإنه حينئذٍ يجب طلب الترجيح الذي يرجح أحد المعنيين فيؤخذ به، وأما إذا كانت صالحة لهما ولا منافاة بينهما، فإن الواجب حملها على المعنيين جميعًا. فعليه، نقول: إن هذا من باب الأدب في مخاطبة الرسول عليه الصلاة والسلام، والأدب في إجابته؛ ففي مخاطبته ما نجعل مخاطبته ودعانا إياه كدعاء غيره، وفي إجابته لا نجعل دعاءه وطلبه لأمر من الأمور كطلب غيره. ومن ثَمَّ قال أهل العلم: لو دعاه النبي ﷺ وهو يصلي هل تجب عليه الإجابة ولَّا لا؟ تجب عليه الإجابة، ولو دعاه والده وهو يصلي؛ فإن كان في فريضة لم يجبه، وإن كان في نافلة أجابه، إلا أن يعلم رضا والده بذلك، بحيث يشعره أنه يصلي، فلا يهمه إذا كان يصلي ألَّا يجيب، فهذا لا يجيبه، وأما إذا كان والده من الناس الذين لا يعذرون -وكذلك والدته- فإنه يجيبه في النفل ويقطع صلاته. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يخفف الفريضة إذا علم أن والده له شغل، لكن لا على وجه يُخِل بها. قال: (﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور ٦٣] أي: يخرجون من المسجد في الخطبة من غير استئذان خفية مستترين بشيء، و﴿قَدْ﴾ للتحقيق). قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ﴾ التسلل معناه: الخروج بخفية، هذا معنى التسلل، وقوله: ﴿لِوَاذًا﴾ أي: لائذين بشيء، فهو مصدر في موضع الحال؛ يعني: يتسلل ويلوذ بشيء، كالسارية مثلًا أو كالشخص الآخر يصير واقف ثم يروح من وراه وينسل، وما أشبه ذلك. وقول المؤلف: (في الجمعة) هذا بناءً على أن المراد بالأمر الجامع خطبة الجمعة، وإذا قلنا: أن المراد به ما هو أعم، مثل يتسللون ويش عنه؟ عن موضع الجمع، سواء في الجمعة أو في غيرها، فالله تعالى عالم بهولاء الذين يتسللون لائذين بشيء؛ لأنهم خرجوا عما كان عليه المسلمون، وعما يجب عليهم أن يكونوا عليه. وقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾ قال المؤلف: (﴿قَدْ﴾ للتحقيق)، وإنما نص على ذلك؛ لأن المعروف في علم النحو: أن (قد) إن دخلت على ماضٍ فهي للتحقيق، وإن دخلت على مضارع فهي للتقليل؛ قد يجود البخيل، وقد يفهم البليد، وقد يسبق العاجز، وما أشبه ذلك، هذه للتقليل، لكنها أحيانًا تأتي للتحقيق، مثل هذه الآية: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾، ومثل قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأحزاب ١٨]، وإنما أتي بالمضارع هنا؛ لأجل أن يتبين أن هذا العلم ليس لما مضى فقط، بل ولما يستقبل، فعلم الله في هؤلاء المتسللين ليس علمًا بمن سبق تسلله، بل بمن سبق تسلله وبمن (...). * * * ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور ٦١] وأن ذلك من الآيات التي بينها الله تعالى للعباد وأوضحها لهم؛ لما في ذلك من جلب المودة والمحبة والخير، وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالسلام وقال: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٥٤ / ٩٣) من حديث أبي هريرة.]]. ثم تقدم أيضًا: أن الله حصر الإيمان في ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ﴾ يعني: مع الرسول ﷺ، ﴿عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ عام شامل، ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾، وبين أن المستأذنين هم الذين يؤمنون بالله ورسوله، وأن الذين يتسللون لواذًا بدون استئذان هم الذين لا يؤمنون بالله ولا برسوله، وتوعدهم على ذلك بأنه يعلم هذا العمل منهم، وإخباره بأنه عالم به دليل على أنه سيجازيهم عليه؛ إذ لا فائدة من الإخبار بالعلم إلا وقوع المجازاة على ذلك. * وفي الآية دليل على أن الإيمان ينقسم إلى ناقص وكامل؛ لأن عدم الاستئذان في الأمر الجامع لا يوجب الكفر، ولكنه معصية تنافي كمال الإيمان، فالإيمان قد يراد به مطلق الإيمان، وقد يراد به الإيمان المطلق، والفرق: أن مطلق الإيمان يصدق ولو بإيمان ناقص، والإيمان المطلق هو الإيمان؟ * طالب: الكامل. * الشيخ: الكامل، ففرق بين مطلق الإيمان؛ أن تضيف (مطلق) إلى (إيمان)، وبين أن تصف الإيمان بالمطلق، فالإيمان المطلق؛ أي: الكامل، ومطلق الإيمان؛ أي: أن يكون مع الإنسان أصل الإيمان وإن لم يكن كاملًا، ففي قوله تعالى في كفارة القتل: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء ٩٢]، المراد بالإيمان هنا: المطلق أو مطلق الإيمان؟ * طالب: مطلق الإيمان. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لأنه لا يشترط في عتق الرقبة أن يكون المعتَق كامل الإيمان، بل يكفي أن يكون مؤمنًا، ولو أن معه أصل الإيمان فقط. وفي قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ كهذه الآية، وفي قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال ٢] المراد بالإيمان؟ * طالب: المطلق. * الشيخ: الإيمان المطلق؛ يعني: الإيمان الكامل هو الذي يكون على هذه الأوصاف. * وفي الآية دليل على أن ولي الأمر يجب عليه التيسير على من تحت يده؛ لقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾. * وفيه أيضًا دليل على أن الاستئذان بدون عذر لا يقبل؛ لقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْ نِهِمْ﴾، أما إذا استأذنوا لمجرد أنهم يريدون أن يتركوا العمل فإنه لا يؤذن لهم. * وفيه أيضًا دليل على تفويض الأمر إلى من له ولاية؛ لقوله: ﴿لِمَنْ شِئْتَ﴾، ولكن هذا التفويض -كما أشرنا إليه في الدرس- تفويض للمصلحة لا لمجرد التشهي والإرادة، بل لا بد إذا رأى أن في الإذن لهم مصلحة أذِن لهم، فإذا رأى أن المصلحة في عدم الإذن فلا يجوز أن يأذن. * وفيه أيضًا: عناية الله سبحانه وتعالى بعباده المؤمنين؛ حيث أمر النبي ﷺ أن يستغفر لهم؛ ليطمئنوا على هذا الانصراف. * وفيه أيضًا: أن الأولى عدم الاستئذان حتى وإن كان للإنسان شأن؛ لأن الأمر بالاستغفار دليل على أن هناك شيئًا منين؟ من التفريط الذي أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن يستغفر لهم عليه، وهذا صحيح لا شك؛ أن الأولى البقاء مع الجماعة، وأن الإذن أو الاستئذان للانصراف أمر قد يكون فيه ذنب؛ ولهذا أمر الله نبيه أن يستغفر لهم قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾. * وفي الآية دليل أيضًا على انتفاع الإنسان بدعاء غيره؛ لقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾، والشواهد على ذلك من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كثيرة، ولكن هل ينتفع الإنسان بعمل غيره سوى الدعاء أو لا ينتفع؟ * طالب: (...). * الشيخ: الجواب: إن كان له أثر في ذلك العمل فإنه ينتفع به بلا شك؛ مثل أن يكون هو الذي سَنَّ هذه السنة؛ يعني: ابتدأ العمل بها للناس ودل عليها، فإن النبي ﷺ يقول: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]، وكذلك إذا كان له أثر في العامل؛ مثل أن يكون والدًا له، «فَإِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٢٨)، والترمذي (١٣٥٨)، والنسائي في المجتبى (٤٤٥٠)، وابن ماجه (٢٢٩٠) من حديث عائشة.]]، فالوالد ينتفع بعمل ابنه إذا تبرع به له؛ ولهذا «جاء رجل للنبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله، إن أمي افْتُلِتَت نفسها، وإنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: «نَعَمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤ / ٥١) من حديث عائشة.]]. وكذلك المرأة التي «سألت النبي ﷺ على أمها صوم شهر، فهل يجزئ أن تصوم عنها؟ فأذن لها النبي عليه الصلاة والسلام»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨ / ١٥٤) من حديث ابن عباس.]]. وكذلك الحج؛ حيث «سألت امرأة النبي ﷺ فقالت: إن أباها أدركته فريضة الله على عباده بالحج شيخًا لا يستطيع الركوب على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نَعَمْ»، وذلك في حجة الوداع»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥١٣)، ومسلم (١٣٣٤ / ٤٠٧) من حديث ابن عباس.]]. فإذا كان للمهدَى إليه أو للإنسان أثر في العمل أو في العامل انتفع به، لكن إذا لم يكن له أثر فيهما؛ مثل أن يتبرع قريب لقريبه أو صديق لصديقه بعمل صالح، فهل يجزئ ذلك أو لا يجزئ؟ اختلف في ذلك أهل العلم؛ منهم من يرى: أنه يجزئ، وأن الإنسان لو عمل عملًا صالحًا وجعل ثوابه لشخص من المسلمين فإنه ينتفع به، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد؛ على أن أيَّ قُربة وطاعة يتقرب بها العبد إلى الله ويجعل ثوابها لمسلم حي أو ميت فإنه ينتفع بذلك. ودليلهم على هذا: قياس غير الأولاد على الأولاد، قالوا: لأنه إذا جاز أن يصل عمل غير الإنسان إليه فلا فرق بين أن يكون ولدًا أو غير ولد، الشأن هل ينتفع الإنسان بعمل غيره؟ والذين قالوا بالمنع قالوا: إن الولد ليس كغيره؛ لأن الولد من أثر الإنسان ومن كَسْبه وفعله، وليس كالأخ والقريب والصديق ونحوهم. أما الدعاء للمسلمين فهذا أمر مجمع عليه، وفيه نص الكتاب والسنة والإجماع، ولا أحد يخالف في ذلك. فإذا سألنا سائل: أيما أولى أن أصلي ركعتين وأتصدق بثواهما لشخص من أقاربي غير الأب، أو أن أدعو لهذا الشخص في صلاتي؟ نقول: الأفضل أن تدعو له في صلاتك؛ لأن هذا أمر مجمع على نفعه، وأما أن تتصدق عليه بثواب صلاتك فهذا مختلف فيه؛ من العلماء من يرى جوازه، ومنهم من يرى أنه ليس بجائز وليس بمشروع، وأن الميت لا ينتفع به. هذا في غير من استؤجر لعمل صالح ليُهديَه إلى غيره، كاستئجار بعض القراء ليقرؤوا قرآنًا للميت، فإن هذا لا ينتفع به الميت قطعًا؛ لأن هذا الرجل الذي قرأ لأجل المال إنما قرأ للدنيا، ومن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها فليس له حظٌّ في الآخرة. وعلى هذا فلا ثواب لهذا القارئ، وإذا لم يكن له ثواب هل ينتفع الميت بذلك؛ لأنه إنما ينتفع بالثواب لا بمجرد القراءة؟ فإذا قلنا: هذا القارئ لا ثواب له؛ لأنه أراد بعمل الآخرة الدنيا بقي الميت غير مستفيد من هذه القراءة. * طالب: (...) وقال: اللهم هذا عن (...)؟ * الشيخ: هذا يستدل به، لكن هذا من باب الصدقة، وهو المال، وليس من باب العبادات البدنية المحضة. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لكن أهدى ثوابًا له، التقرب إلى الله ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج ٣٧]، فهذا الثواب الذي حصل له بهذا الذبح، هذا الذبح عمل مالي، ما هي بعمل بدني محض، مالي فهو كالصدقة، وأما عمل بدني محض؛ بيصلي الإنسان مثلًا أو يسبح أو يهلل أو يقرأ، فليس مثل هذا. * الطالب: (...) الصدقات؟ * الشيخ: (...) الأعمال الصالحة. * الطالب: حتى الأعمال البدنية (...) يتصدق بصدقة وهو (...) عن فلان. * الشيخ: هذه يجوز عند أكثر أهل العلم؛ لأنهم يستدلون بحديث «الرجل الذي قال: إن أمي ماتت، أفأتصدق عنها؟ قال: «نَعَمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤ / ٥١) من حديث عائشة.]]. ويستدلون أيضًا بالأضحية؛ أن الرسول ضحَّى عن أمته وفيهم من هو حي وميت وليس النبي عليه الصلاة والسلام لهم. لكن لقائل أن يقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أبٌ للمؤمنين، فهو كالرجل يضحي عن أهل بيته. فالمسألة ما هي من الأمور التي يطمئن الإنسان إلى صحة القول بأن كل الأعمال تنفع الميت إذا أهديت له، أو تنفع الحي إذا أهديت له، ليست من الأمور التي يطمئن فيها الإنسان إلى هذا القول؛ ولهذا نرى أن الدعاء للأموات خير من إهداء القرب لهم، إلا ما ورد به النص فيتبع. لكن الجمهور -كما عرفتم- الذين يقولون بالجواز يقيسون من عدا الأولاد على الأولاد، ويقيسون ما عدا الأموال على الأموال، ويقولون: المهم أن يصل الثواب إلى الميت من غيره، هذا هو المطلق، والقائلون بالمنع يقولون: إن الأولاد ليسوا كغيرهم ولا يقاسون على غيرهم؛ لأن الولد من كسب المرء. وسبق أيضًا أن الله نهى المؤمنين أن يجعلوا دعاء الرسول بينهم كدعاء بعضهم بعضًا. * فيستفاد منه: وجوب احترام النبي ﷺ وتعظيمه، وأنه لا يجوز للإنسان أن يناديه كما ينادي غيره من الناس؛ لما له من التعظيم والتوقير. * وفيه أيضًا: على الوجه الثاني في معنى الآية: أن دعاء النبي عليه الصلاة والسلام الأمة ليس كدعاء غيره، فإذا دعاك النبي ﷺ إلى أمر أو أمرك به فإنه يجب عليك ألَّا تجعل هذا الدعاء كدعاء غيره؛ لما في إجابته من امتثال أمر الله ورسوله. * وفيه أيضًا: تحذير المتسللين في الأمور الجامعة بدون عذر واستئذان؛ لقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾.

النور 24:64

بـ(إنَّ) المؤكِّدة. وقولُه: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور ٦٤] هذه أُتِيَ بها بعد قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور ٦٣] كالدليل على أن ما هدَّد الله به من الفتنة أو العذاب الأليم على أنه أمْرٌ لا يعجز اللهَ؛ لأن الله تعالى له ملك السماوات والأرض، ومَن له ملك السماوات والأرض فإنه لا يعجز عن تنفيذِ ما هدد به وإيقاعِه. (﴿﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ﴾ ﴾ أيها المكلَّفون ﴿عَلَيْهِ﴾ من الإيمان والنفاق، ويعلم ﴿يَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ ﴾) إلى آخره. ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾ مرَّ علينا أن (قد) إذا دخلت على الفعل المضارع فإنها تفيد؟ * طالب: التقليل. * الشيخ: تفيد التقليل كما في قولهم: قد يجود البخيل، لكنها تدل على التحقيق إذا دلَّت القرينة على ذلك، فهنا ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ﴾ لا يمكن أن نجعلها للتقليل؛ لأن عِلْمَ اللهِ عز وجل ثابتٌ مستقر، فتكون (قد) في هذه الآية للتحقيق. ولم يُعَبِّر بقوله: قد عَلِمَ ما أنتم عليه، إشارة إلى ما سيفعلونه في المستقبل، وأنه عليم بما صَدَر وبما يَصْدُر، فهنا الاستقبال ليس للعلم ولكن للمعلوم، ليس للعلم لأن علم الله سبحانه وتعالى سابق أزلي، وإنما هو للمعلوم الذي سيفعله هؤلاء، فإن الله تعالى يعلمه باستمرار. وقوله: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ يقول: الخطاب للمكلفين (﴿﴿مَا أَنْتُمْ﴾ ﴾ أيها المكلفون) ولو جعله للناس عمومًا لكان أولى: ما أنتم أيها الناس عليه، ليشمل المكلف وغير المكلف؛ لأن غير المكلف أيضًا يُثاب على ما يفعل من الأعمال الصالحة، ولا يُكتَب عليه ما يعمل من الأعمال السيئة، وعلى هذا فالله تعالى عليم بما هو عليه حتى غير المكلف. وقوله: (من الإيمان والنفاق) ينبغي أن يكون هذا من باب التمثيل وليس من باب الحصر؛ لأن الله يعلم ما نحن عليه ليس من الإيمان والنفاق فقط، بل من الإيمان والنفاق، والعمل الصالح والعمل السيِّئ، والرخاء والشدة وغير ذلك، كل ما نحن عليه من الأحوال والأعمال فإن الله تعالى يعلمه. (ويعلم ﴿﴿يَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ ﴾) لما ذكر الله ما نحن عليه في الدنيا ذكر ما نَؤُول إليه يوم القيامة، فقال: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ يعني: (ويعلم ﴿﴿يَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ ﴾). فعلمه تعالى بالعمل بما نحن عليه في الدنيا حال العمل، ويوم نُرجع إليه حال الحساب والجزاء، فهو عالم بالحالَيْنِ. قال تعالى: (﴿﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ ﴾ فيه التفات عن الخطاب، أي: متى يكون؟) هذا لا بأس به (...) قوله: (متى يكون) ولكن لنا عليه مناقشة. قوله: (فيه التفات عن الخطاب) كيف عن الخطاب؟ إني أعلم ما أنتم عليه، هذا خطاب، ومقتضى السياق أن يقال: ويوم ترجعون إليه، لكنه التفت عن الخطاب إلى الغيبة. وفائدة الالتفات؟ * طالب: التنبيه. * الشيخ: لتنبيه المخاطب؛ لأن الأسلوب إذا تغيَّر فلا بد أن ينتبه المخاطب بخلاف ما إذا كان الأسلوب على نسق واحد، فإن الإنسان ينسجم معه ولا يجد شيئًا يوجب الانتباه. * طالب: (...). * الشيخ: لا، التنبيه، وله أيضًا فوائد أخرى لكن تُفهم من السياق، إنما الشيء المهم الدائم يعني هو التنبيه، لكن قد يكون فيه فوائد أخرى كما ذكرنا. في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة ٢ - ٤] هذا كله غيب، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥] هذا خطاب، الفائدة منه: التنبيه. والفائدة الثانية: هو أنه لما وصفْتَ اللهَ بتلك الأوصاف كأنه صار الآن أمامك، فخاطبته مخاطبة الحاضر بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥]. ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ [النور ٦٤] يعني وقوله: (متى يكون) في هذا نظر؛ لأنه ليس المراد أنه سبحانه وتعالى يعلم ما يرجعون إليه متى يكون فقط، بل يعلم حالهم حينما يرجعون إليه، مع علمه أيضًا متى يرجعون إليه، متى يرجعون إليه عالم به بلا شك، لكن السياق لا يؤيده، بل يؤيد أنه عالم بهم حال عملهم وحال الجزاء على العمل، مثل: ويعلم يوم يرجعون إليه ماذا يكونون عليه من الحال كما أن عِلْمَ متى يرجعون سواء كان رجوعًا عامًّا كيوم القيامة أو خاصًّا كموت الإنسان هذا أيضًا مرجعه إلى الله عز وجل. وقوله: (﴿﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ ﴾ فيه -أي: في هذا اليوم- ﴿﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ ﴾ من الخير والشر ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من أعمالهم وغيرها ﴿عَلِيمٌ﴾ ﴾) ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾: يُخبرهم ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ منْ خيرٍ وشرٍّ. وفائدة الإنباء: هو الاستقرار يعني يَسْتَقِرُّهُم حتى يكون جزاؤُهم على وجه العدل الذي أَقَرُّوا به هم، فلا يقولون: إننا ظُلِمْنا، بل الله يقول: عملتم كذا وعملتم كذا وعملتم كذا، حتى يُقِرُّوا بذلك، ثم بعد هذا الإقرار يترتب الجزاء، فضلًا أو عدلًا؛ لأن الجزاء: إما فضلٌ، وإما عدلٌ، وإما جَوْرٌ. فالثالث الأخير منتفٍ عن الله، والأوَّلان ثابتان، فإن جزاءه سبحانه وتعالى بين العدل والفضل، فجزاء الحسنات؟ * طلبة: فضل. * الشيخ: فضل من قبيل الفضل، وجزاء السيئات من قبيل العدل إذا جازى كلَّ سيئة بمثلها، وإن عفا سبحانه وتعالى فهو من باب الفضل. وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ هذا عام، كلُّ شيء من أعمال بني آدم صغيرِها وكبيرِها ومن غيرها أيضًا فإن الله تعالى عليم بها، والعلم: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا؟ * طلبة: جازم. * الشيخ: جازمًا، فالله تعالى مدركٌ كلَّ شيء إداكًا جازمًا، فإنه سبحانه وتعالى ليس في علمه شكٌّ ولا ظن، بل كلُّ علمه علمٌ يقينيٌّ. * طالب: (...). * الشيخ: لا، (ينبئهم): يُخبِرهم استقرارًا؛ يعني لأجل أن يستقِرَّهم حتى يُقِرُّوا به. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني وتجعل ﴿يَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ متعلق بـ(ينبئهم)؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ما يصلح؛ لأن (الفاء) تمنع، (الفاء) هذه تمنع من أن يكون ما قبلها متعلقًا بما بعدها، وإلا لو كانت ما فيها (فاء): ويوم يرجعون إليه ينبئهم؛ لكان مستقيمًا، لكن (الفاء) هي التي منعت من أن يكون ما قبلها معمولًا لما بعدها. * طالب: (الفاء) هنا عاطفة. * الشيخ: (الفاء) هنا عاطفة. * في هذه الآية من الفوائد: فوائد لفظية، وفوائد معنوية. * أما اللفظية: فإنه ينبغي تأكيد الأمور الهامة والتنبيه عليها؛ أن تُقَدَّر الأمورُ الهامة بما يؤكدها وينبه عليها؛ كقوله: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. فإنَّ عِلْمَنا بذلك وإقرارَنا به واعتقادَنا له هذا أمْرٌ مهم؛ ولهذا أُكِّدَ بـ(ألا) وبـ(إنَّ). * وفيه أيضًا: عمومُ ملك الله لما في السماوات وما في الأرض: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. * وفيه: عموم عِلْمِه؛ لقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾. وأنَّ عِلْمَه تبارك وتعالى في الحاضر والمستقبل؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾: ويعلم يوم يرجعون إليه. * وفيه: إثبات المعاد والبعث؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾. * وفيه أيضًا: إثبات الحساب؛ لقوله: ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾، ثم هذا الإنباء هل هو مناقشة ولَّا مجرد إخبار؟ * طالب: إخبار. * الشيخ: الجواب هنا ليس فيه مناقشة، مجرد إخبار؛ لأن النبي ﷺ قال: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٣٦)، ومسلم (٢٨٧٦ / ٧٩) من حديث عائشة.]] أو قال: «هَلَكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٣٩م٢)، ومسلم (٢٨٧٦ / ٨٠) من حديث عائشة.]]؛ لأنه لو نوقش يقول له مثلًا: عمل كذا وكذا من الأعمال الصالحة وثبت ذلك له، ثم قوبلت هذه الأعمال بنعمة من النعم؛ استوعبتها النعمة وخلصتها وبقي الإنسان مطلوبًا. هذه معنى المناقشة، لكنها تُعرض الأعمال حتى يقر بها العبد ثم بعد ذلك يرتب الله الجزاء كما يريد وكما يشاء. أما بالنسبة للكفار فإنهم لا يُحاسبون محاسبةَ مَن تُوزن حسناتُه وسيئاتُه؛ لأنه ما لهم حسنات، وإنما تُعرض عليهم الأعمال على وجه العار والخزي -والعياذ بالله- حتى يُقِرُّوا بها ويقولون: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف ٤٩] ثم يكون بعد ذلك مآلهم النار. * وفيه أيضًا: دليل على عموم علم الله؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وفائدة ذكر عموم العلم أيش فائدته؟ * طالب: التحذير. * الشيخ: التحذير من المخالفة؛ لأن من علم بك ممتثلًا أو مخالفًا فسوف يجازيك على ذلك، فإذا كان الأمر هكذا ففي كل آية فيها إثبات العلم تحذير من مخالفة الله عز وجل؛ لئلَّا يقع الإنسان فيما يُسخِط اللهَ سبحانه وتعالى عليه. * وفيه فائدة لفظية: وهي التحَوُّل؛ تحويل الخطاب من الغيبة إلى الخطاب، أو من الخطاب إلى الغيبة، الذي يسميه أهل البديع؟ * طالب: الالتفات. * الشيخ: يسميه أهل البديع يسمونه الالتفات، وهذا لا يخلو من فائدة وهي: تنبيه المخاطب، ومن فوائد مضافة إليها حسب ما يقتضيه السياق (...). * * * فوائد مستدركة:.. إلى أن الجماعة وإن كان ما اجتمعوا عليه باطلًا يؤثرون، تأثير الجماعة أو تأثير القوم عند اجتماعهم وإن كان ما ذهبوا إليه باطلًا. * طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ من المؤمنين؛ لقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ [النور ١١]. * الشيخ: لا، ما يتعين هذا؛ لأن فيهم مؤمنين وفيهم منافقين؛ لكن (...) الذين جاؤوا بالإفك أناس من المؤمنين؛ لقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ والأصل أن الإضافة الشقيقة. * طالب: شيخ، ما فيه دلالة (...)؟ * الشيخ: لا، ما هي (...). * الطالب: (...) حيث إن من الذين جاؤوا بالإفك منافقون. * الشيخ: حيث إن من الذين جاؤوا بالإفك؟ * الطالب: منافقون. * الشيخ: منافقين، ومع ذلك جعلهم الله مِنَّا، ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور ١١]؛ لأن النبي ﷺ يعامل المنافقين بحسب ظاهر حالهم معاملة المسلمين؛ ولهذا ما فرَّق بينهم وبين نسائهم، ولا قتلهم، ولا أخذ منهم الجزية ولا شيء. الفائدة اللي أشار إليها (...) يمكن تؤخذ أنهم لم يخرجوا من الإيمان بهذا الإفك، لكن ما دام قلنا: إنه يؤخذ منها: أن المنافقين من المؤمنين باعتبار الظاهر؛ يعني ما يصلح يؤخذ منها (...)، يعني إما أن يُؤْخذ (...) الإيمان ويترك (...) حقوق المنافقين، وإلَّا يؤخذ المنافقون وتترك أنهم لم يخرجوا من الإيمان ما دام قلنا: إن المنافق يصلح أن (...) المؤمنين باعتبار ظاهره، فإن (...). * طالب: (...) ما خرجوا من الإيمان (...). * الشيخ: إي، ما يمكن ما دام قلنا: إن الإضافة قد تكون بحسب الظاهر (...) فقط، فإما أن تأخذها على أنها بحسب الظاهر، وحينئذ نقول: ربما إن هؤلاء خرجوا من الإيمان لكن ظاهرهم أنهم مسلمون، فهو يأخذ حكم الظاهر؛ يعني ما يتعين أنهم لم يخرجوا من الإيمان، ما دام قلنا: إن الإضافة قد تكون بحسب الظاهر لم يتعين أنهم لم يخرجوا من الإيمان. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * طالب: (...) أناس مؤمنون (...). * الشيخ: لا، (...) لأنه يمكن كان (...) لكن اللي قاله عبد الله معنى (...). * طالب: قال (...) أشاعوا الإفك قال: هو من عند أنفسهم (...). * الشيخ: صحيح؟ أيش تكون الفائدة فيه؛ يعني عبارة عن شيء (...) من ضلالهم؛ لقوله: جاؤوا به؛ يعني ولم يقل: إن الذين -مثلًا- نقلوا أو بلَّغوا أو ما أشبه ذلك، يمكن هذا؟ * طالب: لا. * الشيخ: ليش؟ * طالب: لو قلنا بهذا ما شمل الذين أشاعوه والذين نقلوه ولم يبتدِئُوه، ما شملهم هذا (...). * الشيخ: ويش وجه الفائدة ﴿جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ [النور ١١]. * الطالب: (...) ابتدؤُوه ابتداءً وما نقلوه. * الشيخ: إي، ما يخالف (...) لكن أصله (...) له أصل ولَّا من عند أنفسهم؟ * طالب: لا، كان من عندهم (...). * الشيخ: تؤخذ من قوله: جاؤوا به، فأصل الذين تكلموا به هم جاؤوا به من عند أنفسهم، ما بنوا على حقائق معلومة، بل قضية صفوان رضي الله عنه ما توجب أن يكون الأمر كما قالوا. * طالب: طيب اللي (...) الآية يشمل الذين أشاعوه ولَّا ما يشمل؟ * الشيخ: لا، تشمل الذين أشاعوه والذين جاؤوا به (...) ﴿تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ [النور ١٥] فهذا يتلقوه ممن جاؤوا به (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا.. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: (...) هذا الأمر، يعني بعض أهل العلم يقول: إن قذف أمهات المؤمنين كغيرهن؛ يعني يوجب الحد حد القذف، ولا يوجب الكفر إلا من قذف عائشة بما رُمِيَتْ به فإنه يكفر، ويش الخلاف؟ * طالب: مخالفته صريح القرآن. * الشيخ: لأنه مكذِّب للقرآن، ولهذا بعض العلماء قال: ومن قذف عائشة بما برَّأَها الله به كفر، فقيَّدَ المسألة بعائشة وبما برَّأها الله به، وجعل البقية لهم حُكْم غيرهم لعموم قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور ٤]، لكن الصحيح أنه يكفر لا من أجل قذف المرأة ذاتها، ولكن من أجل حق النبي عليه الصلاة والسلام، على كل حال هذه الفائدة (...) ما هي صحيحة. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، قوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ [النور ١١] الفائدة اللي تستنبط ما هي؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...) من الآية، الفائدة: أن الإنسان محاسب على ظنه الذي يجزم به؛ ولهذا (...) ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ وإلَّا كان ما ينهاهم؛ يعني يخليهم على ظنهم، توافقون على هذه الفائدة أو لا توافقون؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، الحقيقة ما ندري هل إنهم ظنوا من الشر، أو أن الله نهاهم عن أمر يتوقَّع أن (...) ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾ يعني: هذا الذي حصل لا تظنوه يعني في المستقبل، نعم؟ * طالب: (...)؟ * الشيخ: فيه احتمال ما هي بصريحة أنهم حسبوه شرًّا ليست بصريحة، لكنها فيه احتمال أنهم حسبوه أو يُتوقع أن يحسبوه شرًّا لكم. * لكن فيه فائدة ثانية غير هذه؛ وهو أن الخير قد يكون فيما يَتوقع الإنسانُ منه الشر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢١٦]؛ لأن قوله: ﴿أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ عام، كثير من الأشياء يكرهها الإنسان في (...) الدنيا يتبين له أن الخير فيها، على كل حال الفائدة من هذا اللي ما عليها اعتراض أنه قال: أيش؟ أيش قلنا أخيرًا؟ * طلبة: (...). * الشيخ: أن الخير قد يكون للإنسان فيما يتوقع منه الشر، إي نعم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يعني ممكن نقول أيضًا: وفيه أنه ينهى الإنسان أن يأخذ بظواهر الأمور، وأنه يجب عليه أن يتأنى ويتأمل؛ لأن ظاهر الأمر أن لك هذا شر في الحقيقة هذا ظاهر الأمر، ويعني أنه ينهى أن الإنسان يأخذ بظواهر الأمور، بل ينبغي له أن يتأنى وينظر ويفكر، فقد يحسب الشيء شرًّا وهو خير له. أما تؤخذ؟ * طالب: بلى. * الشيخ: إذن تضاف إلى الفوائد. طيب يا جماعة احنا هالحين مناقشتنا هذه أفضل من درسنا؛ لأننا احنا نستخرج فوائد ربما إنها تصير كثيرة في جُمْلة قليلة من القرآن الكريم، وهذا هو العلم الحقيقة. ولما سئل علي رضي الله عنه: هل عهد إليكم النبي ﷺ بشيء؟ قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عهد إلينا بشيء إلا فهمًا يؤتيه الله تعالى في كتابه، وإلا (...) العَقْل، وفكاك الأسير، وألا يُقْتَل مسلم بكافر[[أخرجه البخاري (٣٠٤٧).]]، ولا معاهدٌ في عهده[[أخرجه أبو داود (٤٥٣٠)، والنسائي (٤٧٣٤).]]. * طالب: (...). * الشيخ: أيُّهم؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: يمكن هذا يعني، لكن (عدم) ما هي صريحة بأنها نهي الإنسان؛ لأن نهي الإنسان أن يحكم على الأمور بظواهرها، بل عليه أن يتأمل، فقد يحسب الشيء شرًّا وهو خير له؛ لأن كلمة (عدم) ما تعطي أنه توجيه (...) نهي أو إيجاب. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي، معلوم مثل (...) إي معلوم، المهم أن نهي الإنسان أن يحكم على الأمور بأيش؟ * طالب: بظواهرها. * الشيخ: بظواهرها، وصار هذا (...) لأن الخير قد يكون فيما يتوقع منه الإنسان الشر، هذه مسألة مستقلة، لكن نهي الإنسان أن يتسرع في الحكم على الأمور بدون تأمل قد يحكم على الشيء بأنه شر وهو خير، وقد يحكم عليه بأنه خير وهو شر، إي نعم. * طالب: (...). * الشيخ: يمكن هذا، يعني إحسان الظن بالله فيما قضاه، أن يحسن الإنسان ظنه بربه لا سيما في المواقع التي هي محل لحسن الظن، كقضية عائشة رضي الله عنها، في هذه لا بأس. * طالب: إن الظن لو كان غالبًا (...) لأن أغلب الظن قد يكون بخلاف الواقع كما في هذه الحالة. * الشيخ: هذا إذا وافقنا على أنه ظنٌّ أنه شرٌّ، أما إذا كان متوقعًا فلا يجوز. * طالب: غالب ظنه، الفائدة هذه غالب الظن، فاشترط أنه يكون غالب ظنه (...). * الشيخ: إي هُمَّا يعني أكثر من الكلام الثاني. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: من يوافق على هذا؟ لأنَّا قلنا (...) ولكن يتوقعه. * طالب: (...). * الشيخ: يعني هو صحيح، هذا هو اللي يتبادر للإنسان، لكن قلنا: إن الله أرشد العباد لا تحسبوه شرًّا انتظروا، انظروا للعواقب. * طالب: (...). * الشيخ: ما شرحته، محمد شرح الخير الذي حصل، فما هو الخير؟ لأن الخير اللي حصل من فوائد الآية في الحقيقة: ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور ١١] ويش الخير اللي حصل؟ * طالب: (...). * الشيخ: زين، غيرته، وكمان غيرة الله عز وجل على رسوله؛ لأن هذا أيضًا من الخير (...) الغيرة؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور ٤] قال سعد بن عبادة رضي الله عنه: كيف يعني أجد إنسانًا على أهلي وأنتظر حتى آتي بأربعة شهداء، والله لأضربنَّه بالسيف غير مُصفحٍ -يعني مع حده- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٤٦)، ومسلم (١٤٩٩ / ١٧) من حديث المغيرة بن شعبة.]]. هذا من الخير ما تبين براءة عائشة وصفوان، نزاهة فراش النبي ﷺ، الأجر العظيم بما حصل من الأذى لعائشة رضي الله عنها، بل وللنبي عليه الصلاة والسلام، بل ولآل أبي بكر وللصحابة جميعًا من هؤلاء المنافقين الذين أُجِرَ الصحابة على أَذِيَّتِهِم. كمال غيرة الله سبحانه وتعالى، وأنه جلَّ وعلا يدافع عن نبيه وعن فراش النبي ﷺ بهذه المدافعة البليغة. * طالب: (...) من أحكام القذف ومضاره. * الشيخ: أحكام أيش؟ * طالب: القذف ومضاره. * الشيخ: إي، يعني من مجموع القصة تقصد، أو من الآية هذه (...) يمكن؛ لأن هذا بُنِيَ على عِظَمِ القذف لا سيما مثل أمهات المؤمنين. * طالب: شيخ، بالنسبة لفائدة ظهور براءة صفوان (...). * الشيخ: إي، طهارة صفوان. * الطالب: هذه ما نأخذها من أن هذه بشرى خير أو أن ما حصل هو خير، وإنما تُؤخذ بعد ما حدثت هذه وجاءت براءة (...) ﷺ من الزنا، لكن من ابتداع الحادث من ابتداعه أساسًا (...). * الشيخ: لكن هو السبب، يعني السبب هذا الذي تسبب في هذه الأمور؛ يعني لولا ما حصل من هؤلاء كان ويش يدرينا عن عظم قذف أمهات المؤمنين رضي الله عنهم، وعن كمال طهارة فراش النبي ﷺ، وعن براءة صفوان رضي الله عنه، لولا ما حدث من هذا الإفك ما تبين لنا ذلك. * الطالب: الأصل (...). * الشيخ: الأصل أننا نعرف على سبيل العموم طهارة فراش النبي عليه الصلاة والسلام ونعرف (...) لكن ليس كما حصل؛ لأن الآن يقينًا أن صفوان رضي الله عنه بريء، وكذلك يقينًا براءة عائشة وطهارتها من هذا الأمر؛ يعني بدل ما كان أنها كغيرها من الناس ممكن يحتمل، وكذلك طهارة فراش النبي عليه الصلاة والسلام، ما تبينت لنا كمالًا وشدة عناية الله بها إلا بعد هذا الإفك. صحيح على سبيل العموم يتبين لنا هذا الشيء، لكن بهذا الوصف وبهذه الكيفية وبهذا العِظَمِ ما صار إلا بعد ما حصل الإفك ثم نزلت الآيات، هذا سبب. * طالب: ما قيل: إشارة للقاعدة الشرعية؟ * الشيخ: وهي؟ * الطالب: وهي التخلية قبل التحلية. * الشيخ: إلَّا كيف؟ فيها التخلية قبل التحلية، وهي؟ * الطالب: قوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور ١١]. * الشيخ: إي نعم صحيح، أنَّ الأَوْلَى تصفيةُ الشيء وتنقيتُه ثم (...) الصفات المحمودة، هي القاعدة المعروفة عند أهل العلم: (التخلية قبل التحلية)، نَظِّفِ المكان الأول ثم افْرِشْه. في (...). * طالب: (...). * الشيخ: كمال العدل لله. * طالب: (...). * الشيخ: طيب منين نأخذه؟ * الطالب: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾. * الشيخ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾، كمال عدل الله أنه ما يُحَمِّل الإنسان أكثر مما يستحق، ويش بعد؟ * وفيه فائدة ثانية: أنه لا يُحَمِّل أحدًا وزر أحد؛ لأن الآية هذه فيها دليل على مسألتين: المسألة الأولى: أن الإنسان يُجازى بقدر ذنبه لا يُزاد عليه، والثاني: أنه لا يجازى بذنب غيره، صحيح، بعد. * طالب: بعد ذلك قال: (...) الله جعل فائدة الإفك (...). * الشيخ: صحيح ﴿مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: ويش بعد، صحيح هذا؟ توافقون على ذلك ولَّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي لكن أصابهم أذية من بعد؛ يعني أذية مباشرة. * الطالب: (...). * الشيخ: على كل حال الحكم هذا أنَّ مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد، هذا ما فيه شيء، ما فيه إشكال، هذا إنه حاصل، لكن هل يستفاد من هذه الآية؟ ويش تقولون؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...) يعني يمكن، تمشي. * طالب: رحمة الله تعالى حيث جعل (...). * الشيخ: فاهمين هذه الفائدة ولَّا لا؟ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، فهذا جَعَلُّه عذاب وذاك جَعَلُّه الإثم، والإنسان إذا أَثِم قد لا يُعذب، لكن في الحقيقة أن المؤمنين عُذِّبوا في الدنيا؛ لأنه أُقيم عليهم الحد، أما المنافقون فعذابهم في الآخرة ما أقيم عليهم الحد كما مر علينا في أثناء الدرس. * طالب: يشترك (...). * الشيخ: إي نعم، يشترك فيها هؤلاء وهؤلاء، لكن الذي تولى كِبْرَه ثبت له العذاب. * الطالب: لوحده؟ * الشيخ: إي نعم لوحده. * طالب: طيب لو كان فيه شيء. * الشيخ: نعم. * الطالب: لو أن النبي ﷺ ما أخذ ببواطنهم، يعمل بظواهرهم بمعنى أنه يعامل (...) فلماذ لم يجلدهم؟ * الشيخ: إيه أحسنت، هذه المسألة اختلف -كما أشرنا إليها في أثناء الدرس- اختلف فيها العلماء في تعليلها، من جملة ما عُلِّل قالوا: إن هذا الرجل كان الرسول يعلم بنفاقه ولم يَحُدَّه؛ لأنه الحد مَطْهَرة، ولا يمكن أن يَطْهُرَ به عبد الله بن أُبَيٍّ. وبعضهم قال: إن عبد الله بن أُبَيٍّ خبيث وخدَّاع ما كان يُصَرِّح بقذف، إنما يجمع الحديث ويقول: يقولون كذا، ويش تقولون بامرأة خلا بها رجل وجاء بها يقودها؟ وما أشبه ذلك؛ يعني فهو لم يصرح، ومن شروط إقامة حد القذف أن يصرح القاذف بالزنا، ولعل هذا أقرب؛ لأنه مو بعيد إن هذا اللي ينافق الحديث أنه ما يصرح. * طالب: (...). * الشيخ: لا، هذا ما (...). * * * * طالب: هذا الحديث (...). * الشيخ: اختلاف العقوبة باختلاف الذنب، وهذا واضح. * ويستفاد منها: كمال العدل لله سبحانه وتعالى. * فيها أيضًا فائدة هنا: وهي أن زعماء الشر يُعذبون أكثر من مقلديهم؛ ولهذا قال: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، استعظمه الله عز وجل جعله عظيمًا وهو كذلك؛ لأنه والعياذ بالله (...) الشر كل مَن عمل بشره فعليهم مثل وزره، كما أن (...) الخير كل من عمل بخيره فلهم مثل أجره؛ ولهذا قال: ﴿الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: منين؟ * الطالب: لأنه لو لم يكن هذا الأمر (...). * الشيخ: هذا إذا ثبت أنه (...). * الطالب: (...) أن الواحد يعني (...). * الشيخ: هذا ما يستفاد من القصة؛ يعني لا يستفاد من الآيات، يستفاد من القصة ككل (...) ما يؤخذ من الآيات وما (...) لكن قد تبين لي إن (...) الفوائد ويحتاج إلى استيعاب الرويات ومكلف شوية (...) الفوائد (...). * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، ما شاء الله (...). * الطالب: (...). * الشيخ: (...) ربنا قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور ٤] قال العلماء: الرمي قذفها بالزنا (...). * طالب: قوله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور ١٢] يبين رحمة الله تعالى بعباده حيث يقوم بنصحهم بخطاب العتاب في قوله ﴿لَوْلَا﴾. * الشيخ: توافقون على هذا؟ أن توجيه الخطاب بأسلوب العتاب والحض هذا من الرحمة؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، إذا كان في محله فهو من الرحمة، يعني إذا كان تُوَجِّه إلى شخص الخطاب باللوم والحض في محله لا بأس هذا رحمة، لكن إذا كان في غير المحل ليس برحمة، فالمقام هنا يقتضي ذلك. * طالب: (...). * الشيخ: صحيح، هذا واضح؟ لأن الله عاتب المؤمنين بكونهم لا يظنون الخير فيما سمعوا بأنفسهم. * طالب: أمرنا أن نحسن الظن (...) بالمؤمنين وأن ندافع عنهم (...). * الشيخ: صحيح. * طالب: أنه لا يحسن للإنسان أن ينكر بقلبه، بل لا بد أن يتجاوز (...) لقوله تعالى: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ ثم قوله: ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾. * الشيخ: إي نعم؛ يعني أن إنكار القول ما يكفي أن ينكره الإنسان بقلبه ويسكت؛ يعني لا بد أن يدافع بوسع ما حصل، يعني يقابل الشيء بمثله، فالقول هذا الذي أُشِيع يجب أن يُقابل بقول يُكَذِّبه، ما يكفي أن يقول: ما أنا بمصدق بهذا الشيء، بل يجب أن يقول الإنسان: هذا كذب، ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ﴾؛ لأن الله قال: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَقَالُوا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾، فلا بد أولًا بالقلب الإنسان ينفي عن نفسه هذا الظن، ثم يدافع هذا القول بمثله: ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾، يعني حين سمعتموه قلتم؛ لأن المبادرة في الإنكار بالقلب واللسان. * طالب: (...) لقوله: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾. * الشيخ: مفهوم هذه؟ أن الإيمان خير وسبب للعدالة أو موجب للعدالة؛ حيث نهى الله أن يُظَنَّ بالمؤمن إلا الخير. * طالب: (...). * الشيخ: لا، الأخ يقول: (...) عدالة، لكن بالإنسان من حيث هو الظلم والجهل، لكن المؤمن الأصل فيه العدالة؛ يعني أن من فوائد الإيمان أن صاحبه محل للثقة وظنُّ الخير. * طالب: (...) النبي ﷺ وعائشة أولى (...). * الشيخ: هذا صحيح، كمِّل. * طالب: أن على المؤمن أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه؛ لأنه يصدق عليه قوله تعالى: ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾. * الشيخ: إيه. شو عندك؟ * طالب: (...). * الشيخ: إذن من الفوائد التي قالها (...) تتعدل على هذه، ويش يقول؟ أن المؤمنين كالنفس الواحدة، بعضهم لبعض كالنفس الواحدة، وهذه الفائدة من آخر الفوائد التي ذكرها الأخ عبد الله؛ لأنَّا ذكرنا أنهم كالنفس الواحدة، صار معنى قوله: ﴿بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ من المراد ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾؟ المقذوفين ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾. فجعل المقذوفين هم أنفس هؤلاء المتكلمين، هكذا؟ * فيستفاد منها: أن المؤمنين شيء واحد ونفس واحدة، لكن فيه قول ثان في المسألة: أن المراد ظنوا بأنفسهم خيرًا أنهم كما يظنون بأنفسهم هم خيرًا، وهم يعرفون نفوسهم وطهارتهم ونزاهتهم، فيجب كذلك أن يظنوا بعائشة، وهي فراش النبي عليه الصلاة والسلام، وبالنبي ﷺ (...) الذي لا يمكن أن يُدَنَّس فراشه بمثل هذه التهمة ﴿خَيْرًا﴾ من باب أولى. يعني فالمسألة بعض المفسرين نحا إلى ما نحا إليها عبد الله؛ بمعنى ظنوا بأنفسهم أي بأنفسهم هم؛ يعني: فإذا كانوا يظنون بأنفسهم خيرًا يجب أن يظنوا بعائشة وبالنبي ﷺ خيرًا من باب أولى. وبعضهم يقول: لا، ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي بعائشة والنبي ﷺ وصفوان؛ لأنهم مؤمنون، والمؤمن مع المؤمن كنفس واحدة، ويستدلون على ذلك بقول النبي ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦ / ٦٦) من حديث النعمان بن بشير.]]. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، (...). * طالب: (...) لا ينافي الإيمان. * الشيخ: أن ظن السوء بمن يستحقه لا ينافي الإيمان، منين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: من قوله: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ فالمؤمن ليس محلًّا لسوء الظن كغيره من الفُسَّاق. * طالب: إذا كان محلَّا؟ * الشيخ: إذا كان محلًّا فلا بأس، فإذا دلَّت القرائن مثلًا على أن هذا الرجل محلٌّ لسوء الظن فلا بأس أن أظن به، بل إن الإنسان ربما يُجبر -يعني طبيعةً- يُجبر الإنسان ويتهم الشخص الذي دلت القرائن على اتهامه ويظن به السوء. * طالب: وفيه أيضًا: (...). * الشيخ: إي نعم، صحيح، فيها: وجوب إنزال الناس منازلهم؛ لقوله: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾، فالمؤمن يُظَنُّ به الخير، والفاسق الذي محل للتهمة يُظَنُّ به ما يليق به، ففيه أيضًا: إنزال الناس منازلهم. * طالب: وأيضًا: حُرْمة المؤمن (...). * الشيخ: حرمة المؤمنين؟ * الطالب: (...). * الشيخ: وجوب احترام أعراض المؤمنين يعني؟ * الطالب: إي. * الشيخ: هي ما ذكرت في الفوائد السابقة؟ * طالب: (...). * الشيخ: * على كل حال هذه تستفاد ما فيها شك: وجوب احترام أعراض المؤمنين، وألَّا تُعَرَّض لما يُسيء إليها؛ لأنه في الحقيقة هذا كلام (...) لا سيما إذا كان المقذوف (...) له مكانة في المجتمع الإسلامي، فإن قذفه ليس عيبًا عليه شخصيًّا، عيبًا على مَن؟ * طلبة: المؤمنين. * الشيخ: الإسلام كله، فمثلًا لو أردنا صرنا نتكلم بعلماء المسلمين، هذا بالحقيقة ما هو عيب للإسلام شخصيًّا، عيبٌ للإسلام كله؛ لأننا إذا عبنا واجهة الإسلام وهم علماؤُه مثلًا معناه عبنا الإسلام كله، فهذا صحيح: وجوب احترام أعراض المؤمنين وما (...) في مجتمع الإسلام عامة. اللي عنده باقي شيء من فوائد الآيات هذه يبينه. * طالب: (...). * الشيخ: هذه يمكن تؤخذ من الفائدة التي سبقت؛ أن المؤمن للمؤمن شيء واحد؟ * طالب: فيه فائدة (...) بارك الله فيك. * الشيخ: وهي؟ * الطالب: كشف أسرار المنافقين المشتملة على هذه القصة كلها. * الشيخ: ممكن هذا، صحيح، بيان كيد المنافقين للإسلام وأهله واستغلالهم الفرص التي (...) منها إلى القدح في الإسلام والمسلمين، هذا صحيح؛ ولهذا تجدون أن الله سبحانه وتعالى قال في سورة المنافقين قال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون ٤] ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ حسب ما قررنا أمس (...) ويش يتضمن؟ * طالب: الحصر. * الشيخ: يتضمن الحصر؛ لأن المبتدأ والخبر جملة اسمية طرفاها؟ * طالب: معرفتان. * الشيخ: وإذا كانت الجملة الاسمية طرفاها معرفتان دلت على الحصر، ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ يعني كأنه ما من أحد أبلغ منه في العداوة، فكأنه لا عدو سواهم، فهذا صحيح لا شك أن عداوة المنافقين أفظع من عداوة الكافرين؛ لأن الكافر يقولَّك: أنا عدوك. تتحرَّز منه تستطيع أن تتخلص منه، تحاربه وتقاتله حتى (...)، لكن هذا المنافق يمكن التخلص منه؟ ها؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما يمكن التخلص منه؛ لأنه بلاء مباشر، الواحد إذا جعل المرضُ في بطنه (...) ما يمكن يشوف بطنه ويطلع بطنه؛ ولهذه الحكمة: صارت عقوبة اللواط الإعدام بكل حال، محصن كان الفاعل والمفعول به أو غير محصن؛ السبب لأنه ما يمكن التحرز منه. وصار كذلك عقوبة المغتال اللي يقتل قتْل غيلة صارت عقوبته الإعدام بكل حال، حتى لو قال أولياء المقتول: دَعُوه، سامحناه. ما يرتفع القتل إذا كان غيلة؛ لأنه جاء على غِرَّة وقتَلَهُ، حتى لو قال أولياء المقتول: والله عايزين سلام مسامحين، ما نبغي دية ولا قصاصًا، أو قالوا: نبغي الدية لا القصاص. فإنه يجب قتْلُه؛ السبب لأن ذلك لا يمكن التحرز منه. اللواط ما يمكن التحرز منه؛ لأنه ذكر مع ذكر يمشي ويَّاه ويش تقول: لا تمشي معه؟ ما تقدر، التحرز منه لَمَّا كان صعبًا كان عقوبته قطع هذه الجرثومة من الأرض. وكذلك المغتال لَمَّا كان التحرز منه صعبًا يجي على غرة (...) بخلاف إنه يتشابك مع واحد (...) من الآخر ويقتله، هذا لا بأس منه، «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٢)، ومسلم (١٣٥٥ / ٤٤٧) من حديث أبي هريرة.]]. فعلى كل حال أنا قصدي في هذه المسألة إنه يُفرَّق بين الأمور اللي يمكن التحرز منها والتي لا يمكن التحرز منها، ولكلٍّ حكمُهُ. * طالب: كيف السرقة والسطو (...)؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: لأن اللي يسطو السرقة يمكن التحرز منه (...) ومع ذلك فعقوبتهم أشد (...). * الشيخ: السطو يمكن للمسطو عليه أن يدافع أو يهرب أو ما أشبه ذلك، لكن الإنسان المسروق منه آمِن غير خائف؛ لأنه أخذ بالأسباب التي تُحرز ماله، فهو آمن ويجي هذا الرجل بصفة خفية ويسرق. * طالب: (...) في محله (...). * الشيخ: إي نعم (...). * الطالب: ما السبب؟ * الشيخ: السبب لأنه يتخلص منه، ممكن يصيح بالناس، ممكن يهرب، ممكن يدعو الشُّرَط، ثم إن هذا أقل من السرقة؛ لأن السطو يكون علنيًّا غالبًا أقل (...). * طالب: (...) أموال كثيرة؛ يعني السطو الإنسان لا يسطو على مائة ألف (...) هذا تُقطع يده، وهذا.. * الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا مثل ما قلنا، الساطي يمكن التحرز منه، وذاك لا يمكن التحرز منه. * الطالب: وعلى العكس. * الشيخ: لا، هو هذا. * طالب: الساطي ممكن يهرب (...) يعني لو هرب يهرب، لكن السارق (...). * الشيخ: هذا يمكن التخلص منه (...) (...). * * * * طالب: أنه لابد لكل جواب دليل (...). * الشيخ: هل من دليل يكون ولَّا من بينة؟ * طالب: من بينة. * الشيخ: من بينة، إي نعم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٥١٤)، ومسلم (١٧١١ / ١) من حديث عبد الله بن عباس.]] البينة. * طالب: (...). * الشيخ: (...) الأعراب يعني؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي، بس هذه لو كان هناك وجوب حد على القاذف أو لا؟ * طالب: تجب. * الشيخ: هذه ما ذكرت في الآية. * طالب: (...) ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ١٣] (...) قوله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (...) يقبل هذه الدعوى. * الشيخ: هذه الدعوى ما تُقْبل إلا بأربعة شهود. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، حتى لا تكون عُرضة.. الطالب: (...). * الشيخ: هل من دليل مبين ولَّا مِنْ بَيِّنَة؟ * الطالب: من بَيِّنَة. * الشيخ: من بَيِّنَة؛ إي نعم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «البَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي»[[أخرجه الترمذي في الجامع (١٣٤١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]] ، البَيِّنَةُ. * الطالب: (...) الله سبحانه وتعالى.. الأعراض (...) فشدد أمر الشهادة فيها (...). * الشيخ: ويش فيها؟ الأعراض يعني؟ * الطالب: الأعراض (...). * الشيخ: إي، بس هذه لو كان هناك وجوب حدّ على القاذف، أو لا؟ الحدّ ما (...) بالآيات، (...). * الطالب: يقول: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ١٣]، يقول: ما يُقبل هذا في الدعوى؟ * الشيخ: هذه الدعوى ما تُقبل إلا بأربعة شهود. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، لكن حتى لا تكون عُرْضة لكل قاذف، نقول: هكذا، أو حماية الله الأعراض بكونه جعل الشهادة فيها، أو جعل طريق ثبوتها أربعة شهود، نعم، لو أوجب الحد على القاذف قلنا: حتى لا تكون عُرْضة لكل قاذف؛ يعني لو كان وجوب الحد على القاذف من هذه الآيات (...) ما فيه شك. طيب، إذن حماية الله للأعراض حيث جعل البَيِّنَة على الزنا أربعة رجال. * الطالب: أن القاذف لا بد أن يأتي بأربعة شهداء وإلَّا حُكِم بالجلد. * الشيخ: زين، صح؛ لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور ١٣]. * الطالب: أن العُصْبة إن لم يأتوا بأربعة شهداء حق عليهم الحدّ؛ لقوله: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾؛ لأنهم كاذبون بدعواهم. * الشيخ: طيب، (...) ثبت عليهم الحدّ؟ * الطالب: حق عليهم الحدّ. * الشيخ: ما نقول: حق عليهم الحد؛ لأن ما في الآية أنهم حُقُّوا. * الطالب: (...)؛ لقوله: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾؛ لأنهم كاذبون بدعواهم . * الشيخ: زين، طيب، نعم. * الطالب: أن على القاضي أن يطبق الأحكام الشرعية على المتخاصمين ويحكم بمقتضاها، وليس عليه أن يتتبع الواقع وينقّب عنه؛ لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾. * الشيخ: الفائدة هي أن القاضي يحكم بالظاهر، ولا له يقبض مثلًا إذا جاءت البينة العادلة ما يقول: ربما إنه متوهم، وأروح أدور، لأنه يتعب نفسه، ويوجب أيضًا أن الناس يتهمون أنفسهم، ولا أحد يشهد، لكن هل تُؤخذ من قوله: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾؟ من هذه الكلمة؟ * الطالب: نعم، تُؤخذ؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر أربعة شهداء، فيعتبر النية، أنا كنت صادقًا. * الشيخ: إذن نقول: ﴿لَوْلَا جَاءُوا﴾ هذا الدليل، تُؤخذ من قوله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، فإن ظاهره أنه لو أتوا وإن كانوا مثلًا قد يتوهمون وقد يخطئون حُكِمَ بشهادتهم، فتؤخذ بالحقيقة الحكم بالظاهر، وأن القاضي ليس عليه أن يتتبع من قوله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾؛ لأن الإتيان بها مُلْزِم للقاضي أن يحكم بذلك بمقتضى الشهادة، طيب يعني الخلاف الآن من أين تؤخذ؟ * الطالب: (...) عند الله (...). * الشيخ: لأن معنى: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أن الله قد حكم فيهم بالكذب، وإن كان الواقع قد يكون صدقًا، في غير قضية عائشة، يعني إذا أحد قذف ربما يكون صادقًا، لكن هو عند الله إذا لم يأتِ بأربعة شهداء فهو عند الله كاذب، فإن أتى بهم فهو عند الله صادق، وإن كان الشهداء قد يتوهمون. * الطالب: قد يكون صادقًا في نفسه (...). * الشيخ: إي نعم؛ ولذلك ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ما قال: فأولئك هم الكاذبون، قال: عند الله؛ يعني في حكمه وشرعه. * الطالب: هو صادق في عِلْم الله. * الشيخ: هو صادق، لكنه عند الله كاذب في شرعه. * الطالب: عند الله في علمه؟ * الشيخ: في شرعه، لا، في علم الله، لا يمكن عِلْم الله أن يخالف الواقع. * الطالب: شهادة الزنا (...) من قوله: ﴿بِأَرْبَعَةِ﴾. * الشيخ: نعم، زين، ممكن نأخذ من مفهومه أن النساء لا يُقْبَلنَ في الشهادة بالزنا، وقاس على ذلك أهل العلم جميع الحدود، ما تُقبل فيها النساء، لا بد من شهادة الرجال فيها، أما النساء فلا يُقْبَلنَ. إذن يا جماعة فيه إشكال ويش الفرق بين الشاهد والقاذف؟ يعني إذا صار الشهداء يبغي واحد يشهد يصير قاذفًا؟ * الطالب: طالما يشهد (...). * الشيخ: لا، الشاهد لا بد يقول: أشهد بأنه زنا بها، وأني رأيت ذكره في فرجها، ما يكفي يقول: زنا بها . * الطالب: شيخ، هذا واقع. * الشيخ: هو القاذف. * الطالب: (...) القاذف (...). * الشيخ: حتى القاذف ربما يكون يدَّعي هذا. * الطالب: (...) لما عَلِم (...). * الشيخ: هي في الحقيقة انقدحت في ذهني أخيرًا، وما راجعت عليها شيئًا، لكن يتبين لي أن الفرق بين القاذِف والشاهد؛ القاذِف ينشر الزنا على سبيل العيب والقدح، والشاهد يشهد به عند القاضي، ولهذا الفقهاء قالوا: لا فرق بين أن يأتوا هؤلاء الشهداء الأربعة إلى الحاكم جملة أو متفرقين، واللي قالوا: إنه إذا جاؤوا متفرقين صاروا قَذَفَة ملاحظين أن القاذف لا فرق بينه وبين الشاهد؛ لأنك إذا جاء واحد في الصبح عند القاضي وشَهِد، وإجا واحد في الضحى، والثاني فيما بعد ذلك، والثالث بعد الظهر، الرابع، فلا فرق؛ يعني يصح أن نحكم بشهادتهم ويثبت الحد، لكن الظاهر أن الفرق بينهما: القاذف يصف المقذوف بالزنا على سبيل العيب والقدح؛ ولذلك ما يروح للقاضي يقول: إن فلانًا زنا أو شيء من هذا، لكن الشاهد يشهد به عند القاضي، ولا يتكلم به عند الناس ويهتك عِرضه، يشهد به عند القاضي لإثبات الحد عليه، لا لعيبه وقدحه، هذا ما ظهر لي الآن، والمسألة تحتاج إلى تحقيق ونظر في كلام أهل العلم في هذا الموضوع، لكن هذا ما يتبين لي الآن. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، لا بد من هذا؛ لأن القاذف مو بشاهد، القاذف يريد السب والقدح ونشر عيبه بين الناس. * الطالب: لو كان الشهود لم يتحققوا، لو كانوا ثلاثة أو أقل ألا يكونوا قَذَفَة؟ * الشيخ: لا، يثبت لهم حكم القذف؛ لأنه ما تمت البَيِّنَة. * الطالب: (...). * الشيخ: حتى لو كانوا ما أرادوا ذلك، لو فُرِض أنهم ما أرادوا ذلك يثبت لهم حكم القذف، وإن كنا لا نقول إنهم قَذَفَة بالمعنى الصحيح، لكن حكم القذف؛ لأنهم ما أتوا بالبينة بالنصاب، ما أتوا بالنصاب، واعلموا أنه ما ثبت في الإسلام زنا بطريق الشهادة أبدًا، ما ثبت بطريق الشهادة، الحمد لله، وإنما الذي ثبت في الإسلام بطريق الإقرار؛ لأن الشهادة صعبة، الآن لو نقول: رأيت الرجل على المرأة فَخِذه على فَخِذها وبطنه على بطنها، ويهز عليها ويش يصير هذا؟ شهادة؟ لا، حتى يقول: إنه رأى ذكره في فرجها، وهذا صعب جدًّا. * الطالب: اليهود (...). * الشيخ: ثابت عندهم إي. * الطالب: نأخذها من الشهادة؟ * الشيخ: لا، ما هو بالظاهر، ليس هو الظاهر؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام ما ذهب ليستفتي في الحكم؛ لأنه ثابت عنده، إلَّا أنه أعطاهم الحكم، ثابت عندهم بطرقهم هم؛ لكن هم كان عندهم الحكم أنه تُسَوَّد وجوههم، وأنه إنشادهم في الأسواق على حمار، فظنوا أن الرسول ﷺ عنده حكم أهون من هذا، وهم عارفين أنه مخالف للشريعة -شريعتهم- وأن هذا أسهل، في الشرع ما تعرض لذلك لإثباته؛ لأنه ثابت عنده. * الطالب: الآية (...) ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ﴾ (...). * الشيخ: يعني؟ * الطالب: يعني قبل أن نقدم على (...) نقيس الأمر معنويًّا، هل يمكن أن يحدث هذا، ثم بعد ذلك نطلب البينة؟ * الشيخ: لا، هذه مشكلة في غير من برَّأه الله، غير أن أمهات المؤمنين ما ذكروه؛ لأن لو مثلًا قُذِف إنسان معروف بالعدالة والصلاح والاستقامة يمكن ما نقول: إن هذا صحيح، فهل نقول: إنَّا ما نقبل هذا؟ مشكل؛ يعني يكون من الصحيح أن في هذا دليلًا على أن القرائن لها، ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور ١٢]، هذا يدل على أن القرائن لها تأثير في الأحكام، وأن الإنسان يجب عليه أن يبني ظنه على قرائن، يكون الشخص أهلًا لذلك أو ليس بأهل، وأظن هذه مكتوبة في فوائد الآية الأولى، أو لا؟ أن الإنسان لا بأس أن يبني ظنه على القرائن، ويحكم بالظن بحسب القرائن، مكتوبة هذه أظن، مكتوبة. * * * * الطالب: قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور ١٤]. * الشيخ: طيب ما نأخذ من الآية: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور ١٣] عِظَم الزنا أو حماية الله سبحانه وتعالى لأعراض المؤمنين؛ لأنه قال: ﴿هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ كأن ما أحد يكذب غيرهم، حَصر الكذب فيهم، وإن كان الحصر هنا إضافيًّا؛ لأن فيه من يكذب غيرهم، لكن كونه جعلهم هم الكاذبين يدل على عِظَم هذا الأمر، وأنه لا أحد أكذب ممن رمى مُحْصَنًا بالزنا، فيستفاد من ذلك عِظَم هذه الفِرْية؛ عِظَم فِرْية القذف بالزنا، وإن كانت واقعة؛ لقوله: ﴿هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ حيث حَصَر الكذب فيهم، فكأنه لا أحد يكذب سوى هؤلاء وهؤلاء، والحَصْر إضافي؛ لأنه فيه كذب كثير غيره. * الطالب: قال: إثبات صفات الله تعالى الواردة في هذه الآية: فضل الله ورحمته، أن الله تعالى. * الشيخ: وتوبته ورحمته، ويش الآية بعد ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾؟ * الطالب: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور ١٤]. فيه إثبات صفات الله تعالى الواردة في هذه الآية فضل الله ورحمته. * الشيخ: صحيح. * الطالب: أن الله تعالى قد يجعل من الموانع ما يمنع حصول الشيء ولو من أحد الأسباب، أن ذنوب.. * الشيخ: لأن أسباب المس- مس العذاب العظيم- موجودة، والموانع، ويش المانع لهذا؟ فضل الله ورحمته، ففي هذا دليل على أن الأسباب قد يحصل لها من الموانع ما يمنع تأثيرها. * الطالب: أن ذنوب المؤمنين تحت مشيئة الله تعالى إن لم يتوبوا منها؛ حيث عَلَّق الله تعالى في هذه الآية صرف العذاب عنهم على فضله ورحمته بهم. أن المؤمنين كما تشملهم رحمة الله تعالى في الدنيا، فكذلك في الآخرة؛ لقوله: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ بخلاف الكافر. أن هذا الإثم كان شائعًا بين الناس، (...) فيه؛ وذلك بسبب ترويج الكلام فيه . انتهت فوائد الآية. * الشيخ: يصير فيها أيضًا -في الآية- بيان مِنَّة الله سبحانه وتعالى على المؤمنين، وبيان المِنَّة غير إثبات الفضل والرحمة؛ لأن إثبات الفضل والرحمة هو أَننا أثبتناهما صفتين من صفات الله، لكن مِنَّة الله بذلك على العباد هذا شيء آخر، فيستفاد منه عِظَم مِنَّة الله سبحانه وتعالى على العباد حيث يتفضل عليهم ويرحمهم بدفع العذاب المستحقين له. ما نقول في هذه الآية إثبات الأسباب؛ إثبات الأسباب الشرعية، أو لا؟ إثبات الأسباب الشرعية أن الشيء قد يكون سببًا للعقوبة خلافًا لمن أنكر أن السبب مؤثِّر بنفسه، فقد مر علينا أن بعض الأشاعرة ينكرون أن يكون السبب مؤثرًا بنفسه؛ حتى إنهم قالوا: إن إحراق النار لِما تحرق ليس بالنار، وإنما يحصل الإحراق عنده لا به؟ هل أنتم موافقون على هذا؟ قول الأشاعرة؟ أقول: في هذه الآية إثبات أن الأسباب مؤثرة بنفسها، إثبات أن الأسباب مؤثرة بنفسها، خلافًا لمن قال: إنه لا تأثير لها، وإنما التأثير عندها، لا بها. * الطالب: إثبات الأسباب الشرعية. * الشيخ: إثبات أيش؟ * الطالب: الأسباب الشرعية؟ * الشيخ: لا، هي نفس الشيء، بل (...). * الطالب: نفترض إشاعة مثل هذه الأحاديث (...)؟ * الشيخ: سبب يعني؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: يمكن؛ لأن الله جعلها سببًا لولا الفضل والرحمة، إي نعم؛ أن إشاعة هتك الأعراض -أعراض المؤمنين- سبب للعقوبة، وإن شئنا قلنا أيضًا: إن شيوع المعصية بين الناس سبب للعقوبة العامة؛ لقوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور ١٤] إشاعة المعاصي بين الناس سبب للعقوبة العامة، أيضًا فيه إثبات أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾؛ لأن (في) للسببية هنا، للسببية. الطالب: (...) وأنه لا بد أن يحفظ لسانه؛ لقوله: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ [النور ١٥]. * الشيخ: ما يمكن نأخذ من قوله: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ تفاضل العقوبة؟ لأن بعض العقوبات أعظم من بعض، حسب عِظَم الفعل، تفاضل العقوبات في العقوبة حسب تفاضل الأعمال. * الطالب: (...). * الشيخ: لأن لها زيادة، ولهذا إذا قلت: هذا العذاب أشد من هذا، نقول: أشد اسم تفضيل. * الطالب: تفاضل أو تفاوت في العذاب؟ * الشيخ: أو تفاوت، كله واحد. * الطالب: التفاضل أفضل من التفاوت (...). * الشيخ: لا، (أفضل) صيغة تفضيل، اسم تفضيل، أشد، وإذا أحببت أن تقول: (تفاوت) لإزالة الوهم فطيب. * الطالب: قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور ١٥]. * الشيخ: الله أكبر. * الطالب: (...) وأنه لا بد أن يحفظ لسانه، إن نظرة الإنسان قاصرة؛ لذلك لا بد أن (...) الأمور بالأدلة الشرعية (...) تعالى (...) شيء؛ لقوله: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾. * الشيخ: هذه تُعَدَّل، ما مكتوب عليها تُعَدَّل؟ ولا استفهام ولا شيء؟ هذه فيها نظر، شوفوا يا جماعة الفائدة نشوف مطابقة الآية. اقرأ. * الطالب: إن نظرة الإنسان قاصرة. الشيخ: هذا صحيح، لكن نشوف البقية. * الطالب: لذلك لا بد أن (...) الأمور بالأدلة الشرعية (...) تعالى (...) شيء؛ لقوله: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾. * الشيخ: هذه صحيح، أن نظرة الإنسان قاصرة من قوله: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ حيث ظن الشيء العظيم هينًا، فهذا لا شك من قصور النظر، والجملة اللي بين الطرفين هذه ما لها داعٍ. * الطالب: غيرة الله تعالى على عباده المؤمنين؛ لقوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾. * الشيخ: طيب، صح. * الطالب: أن الإنسان لا يعذر بجهله (...) على حكم القول؛ لقوله: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾. نحسبه هينًا (...). * الشيخ: (...) على حقوق الخلق، ولو ظن أن الأمر سهل. * الطالب: (...). * الشيخ: طيب؛ يعني أنه يدل على أن قلوبهم ما استقرت بهذا القول، ولا اطمأنت به، وإنما هو أقوال بالألسن. * طالب: (...) تحريم القول بلا علم، والتحذير من محقرات الذنوب والتي هي عند الله عظيمة. * الشيخ: تحريم القول على الله بلا علم. * الطالب: تحريم القول بلا علم. * الشيخ: طيب هذه واحدة. * الطالب: التحذير من مُحقِّرات الذنوب. * الشيخ: لقوله: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ طيب، التحذير من؟ * الطالب: من مُحقِّرات الذنوب. * الشيخ: طيب. * الطالب: التي هي عند الله عظيمة.. الشيخ: نعم؛ لقوله: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾، ولهذا قال أنس رضي الله عنه: «إنكم لتعملون أعمالًا هي في أعينكم أدق من الشعر، نَعُدُّهَا في عهد النبي ﷺ من الموبقات»[[أخرجه البخاري (٦٤٩٢).]] . * طالب: عِظَم شأن النبي ﷺ.. * الشيخ: إي نعم، صح. * الطالب: (...). * الشيخ: عِظَم شأن النبي ﷺ؛ حيث كان ما تكلم به الناس في شأن عائشة عند الله عظيم. * الطالب: (...) في هذه الآية (...) أهل العلم (...). * الشيخ: لا، ما نفهم من أهل العلم يدل على تحريم القول بلا عِلم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا بد للإنسان من علم، إما عالم وإما جاهل؛ يعني قصدك أن تقول: أن الإنسان قد يكون عالِمًا بما يقول؟ * الطالب: وأنه يعلم، لكنه علم (...). * الشيخ: (...) مثلًا في هذه الحال قد يدل على العلم في حال أخرى (...). * الطالب: هل يستحق الرد أن الإنسان مُحاسَب على ما يقول وإن كان غير..؟ * الشيخ: إي، يمكن إذا كان في ذلك ضرر للغير، الإنسان يُحاسب على ما يقوله في غيره -مما يكره في غيره- وإن كان هو لا يعتقده، بل هذا يصير أشد وأشد؛ لأنه يجمع بين أن يقول شيئًا يعتقد أنه كذب، وأيضًا يسيء إلى غيره، طيب فيه شيء (...)؟ * الطالب: (...) الله سبحانه وتعالى (...) قبل أن (...). * الشيخ: طيب يعني تحريم تصرف الأحكام على (...) قبل العلم بها، هذا ما يُؤْخذ من قولنا: تحريم القول بلا عِلم؟ * الطالب: (...) قال سبحانه وتعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾. * الشيخ: هذا ما يصلح؛ لأنه قد يكون عند الناس لو تبصّروا لكان عظيمًا؛ يعني لو أنهم تبصروا في الأمر، مثلما قال في أول الآية: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور ١٢] لعرفوا أنه عظيم؛ يعني هذا في الحقيقة قصور في تفكير الإنسان، وهذا يمكن؛ لأنه موجود في إحدى الفوائد، قصور عِلم الإنسان حيث يظن ما كان عظيمًا، يظنه هينًا. * الطالب: وعندي تحريم فتوى المقلِّد؛ لأنها قول بلا عِلم. * الشيخ: حقًّا.. زين، صحيح، هي داخلة في قولنا: تحريم؛ التحريم تحريم القول بلا عِلم، هذا يشمل الفتوى والحُكم والشهادة والأخبار الشائعة، الإنسان ما يقول إلا بعلم، ومثلما قلنا: تحريم فتوى المقلد، معروف أنه حرام؛ لأنها بلا علم، لكن إذا اضطر الناس ولم يجدوا إلا مقلدًا، فماذا يصنعون؟ استفتاء المقلِّد خير من أن تستفتي إنسانًا جاهلًا ما عنده إلمام بالعلم أبدًا؛ يعني: ولا في علوم الناس. * الطالب: حتى المقلِّد على أساس.. * الشيخ: هذا يسمى مجتهدًا في مذهبه، وأيهما أَوْلى لك؟ أن تجيب واحد مثلًا قاعد في السوق عامي، ما يعرف إلَّا يسب الناس، وإنسان ملتزم ومحافظ لكنه مقلد؟ أيهم في نفسك أقرب إلى الصواب؟ * الطالب: الأخير. * الشيخ: طيب، إذا ما وجدنا إلا مقلدًا في المجتمع ويش نسوِّي؟ نقول: لا تستفتون الناس؟ نخلي هؤلاء الجهال يفتي بعضهم بعضًا؟! ما فيه شك أن المقلِّد خير من الإنسان العامي، إذا لم يكن سواه، فالله يقول: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة ١٧٣]. * الطالب: (...). * الشيخ: أيش؟ لا، هذه فرقها فرق السيف والعصا، ما هي (...)؟ لكنه خير منه. * الطالب: قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور ١٦]، أن من صفات المؤمنين عدم الخوض في هذه الأمور؛ لقوله: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا﴾ [النور ١٦]. * الشيخ: لأنه معنى ﴿مَا يَكُونُ﴾ يعني أنه لا يمكن، مستحيل. * الطالب: أنه لا يكفي الإنسان أن يكون صالحًا في نفسه، بل يكون مُصْلحًا لغيره (...). * الشيخ: منين نأخذه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: من قوله: ﴿قُلْتُمْ﴾ ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ﴾؛ يعني ما يكفي؛ لأن القول إذا أُطْلِق فالمراد القول باللسان، وإذا قُيِّد مثل: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ﴾ [المجادلة ٨]، صار حديث الإنسان نفسه، فإن قوله: ﴿قُلْتُمْ مَا يَكُونُ﴾ معناه أن الإنسان يجب عليه أنه يعلن بأن هذا أمر لا يمكن أن يقوله مؤمن . * الطالب: عِظَم قدْر رسول الله ﷺ وعائشة رضي الله عنها (...)؛ لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾، حيث (...) الرسول ﷺ أو عائشة فيه تنقص من حق الله جل وعلا. * الشيخ: فيه تنقص ليش؟ * الطالب: (...) الرسول ﷺ أو عائشة فيه تنقص من حق الله جل وعلا، ولهذا أرشدهم إلى قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾. * الشيخ: أي تنزيهًا عما (...). هذا واضح؛ عِظَم شأن الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن حكمة الله تأبى أن يقع ذلك في فراشه؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، فدل هذا على أنه لا يليق بالله عز وجل؛ أن يقع مثل هذا في فراش النبي ﷺ، وهذا هو الذي جعلهم يقولون: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾؛ وذلك لأنه ينافي حكمة الله. * الطالب: إذا اجتمعت مصلحتان؛ مصلحة الآخرين ومصلحة الفرد، فأيهما نُقدِّم؟ * الشيخ: لا، المصلحة العامة مقدمة. * الطالب: (...). * الشيخ: وبالنسبة لنفسه هو يعمل ما يصلحه ويصلح الآخرين، لكن إذا أردنا أن نراعي نحن المصالح، نُقدِّم المصالح العامة، حتى في الشرع وفي القَدَر، تُقدَّم المصالح العامة؛ ولهذا الزاني نجلده أو نرجمه إلى أن يموت للمصلحة العامة، وإلا فمن مصلحته أن نعرض عليه التوبة ولَّا لا؟ المطر ينزل وربما يفسد بعض المزارع التي لا يتناسب معها المطر، ولكنه للمصلحة العامة نزَل، مراعاة المصالح العامة في الشرع وفي القَدَر أمر معلوم، أما نفس الإنسان هل يُقدم مصلحة نفسه على مصلحة غيره في أمر ليس من باب الولاية والتدبير فهذا يرجع إلى القواعد الشرعية في ذلك؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ»[[أخرجه مسلم (٩٧٧ / ٤١) من حديث جابر، بنحو هذا اللفظ.]] . وأحيانًا قد يجب على الإنسان أن يُقدم المصلحة العامة على مصلحة نفسه، كما في المبارزة وفي المفاداة وما أشبه ذلك، مثلما حصل للرجل المؤمن الذي قال للملِك: «إن كنت تريد أن تقتلني فخُذ سهمًا من كنانتي ثم ارمني به، وقل: باسم رب هذا الغلام»[[أخرجه مسلم (٣٠٠٥/ ٧٣) من حديث صهيب بن سنان.]] . هذا يبغي يقتل نفسه، لكن لمصلحة. * الطالب: (...). * الشيخ: ترى هذه ما لها دخل في بحثنا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ ما قال: مراعاة المصلحة العامة، قال: عِظَم حق النبي عليه الصلاة والسلام وعائشة، حيث إن. * الطالب: (...) بالرمس. * الشيخ: بالرمس؟ (...) بالشام عقب سنة كاملة، هذا لا بأس، على كل حال عرفت الآن، بالنسبة للتدبير والولاية الإنسان إذا ولي على أمر يجب عليه أن يُلاحظ المصلحة العامة، يقدمها على مصلحة الفرد، وبالنسبة لمعاملة الإنسان نفسِه نفسَهُ بذاتها، فهذا حسب ما تقتضيه الأدلة الشرعية، قد يكون الإنسان مأمونًا ومتقيًا في نفسه كما لو كان عنده طعام، وعنده عشرة جِياع وهو جائع فلا نقول له: أعطِ دولا، قسّمه بينهم وأنت موت من الجوع، نقول: لا، ابدأ بنفسك، وأحيانًا كما جاء تقدم المصلحة العامة، ينبغي أن تراعى المصالح العامة. * الطالب: (...). * الشيخ: وهو؟ * الطالب: وهو إنسان (...) يصلي في هذا المسجد. * الشيخ: قال لك: صلِّ في هذا المسجد؛ يعني إمامًا؟ * الطالب: نعم، للمصلحة العامة، لكن إذا صلّيت (...). * الشيخ: أصلًا إمامة بالناس في مسجد مصلحة، لكن يقوم غيرك مقامك، حين تتعين فيك، لو فرضنا تتعين فيك صار فرض كفاية، لكن يوجد من يقوم في المسجد، فهنا ما متعارض، فنقول: طلب العلم أَوْلى؛ لأن المسجد مو بغاية إذا ما صرت إمامًا. * الشيخ: كَمِّل الآية هذه؛ لأن الوقت انتهى. * الطالب: ينبغي للمسلم أن يسبح الله تعالى عندما (...) الله له. * الشيخ: عندما يَرِد على ذهنه أو يَسمع، كله، ما يقتضي انتقاص الله عز وجل، فينبغي أن يسبح الله حتى يزول ما في نفسه . * الطالب: (...)؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ (...). علامة استفهام (...). * الشيخ: مصلحة الحمد وينها؟ ما موافقة إطلاقًا هنا؟ ليست بـ(...) فضلًا عن أن (...). * الطالب: (...). * الشيخ: إي، بس أنت لو قلت: إن لكل مقام ما يناسبه لكانت هذه سديدة، لكن تريد أن تقول هنا: إن التسبيح هنا أفضل من الحمد؟ ما هو بمقام حمد حتى يحصل التنازع بين التسبيح والحمد، ونقول: هذا أفضل، إنما يقال في وَصْف الله سبحانه وتعالى أو ذِكْره: إنه ينبغي أن يُذْكَر في كلِّ محل ما يناسبه؛ فعندما يكون الأمر يقتضي انتقاصًا لله عز وجل نأتي بالتسبيح، وعندما يكون الأمر موجِبًا لإظهار .. ورحمته نأتي بالحمد، وعندما يكون الأمر ربما الإنسان يشعر في نفسه بعلو نأتي بالتكبير، ولهذا «كان الصحابة إذا علوا نَشَزًا كبَّروا، وإذا نزلوا واديًا سبَّحوا»[[أخرجه البخاري (٢٩٩٣) من حديث جابر.]] ، والمناسبة واضحة؛ فالإنسان عندما يعلو يشعر في نفسه بالكبرياء فيُكَبِّر الله، وعندما يهبط فقد هبط فيقتضي أن يُسَبِّح الله ليُنَزِّهه عن السفول والنزول. * * * * الشيخ: وعندنا عموم لفظ؟ * طالب: (...). * الشيخ: وين؟ * الطالب: (...). * الشيخ: وين العام؟ وين لفظ العام؟ * طالب: مطلقة (...). * الشيخ: ما تستقيم مع هذا، ما عندك عليها إشارة؟ ما فيها إشارة عندك؟ * الطالب: لا. * الشيخ: نشوف؛ هل فيها لفظ عام بحيث مثلًا نقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، فيها التحذير من أن يقع مثل هذا من مؤمنين، تحذير المؤمنين أن يقع منهم مثل هذا العمل. * الطالب: (...)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور ١٧]. * الشيخ: لا، أن الوقوع في مثل هذا ينافي الإيمان؛ لقوله: ﴿يَعِظُكُمُ﴾ ﴿أَنْ تَعُودُوا﴾ أي: يعظكم من العَوْد إن كنتم مؤمنين؛ فالوقوع في مثل هذه الأمور ينافي الإيمان. * الطالب: يُنافي الإيمان ولَّا كماله؟ * الشيخ: الإيمان، مثل ما قال الله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ثم قد يكون ينافي كماله، أو أصله، حسب ما يقتضيه الحال. * الطالب: (...) الإيمان (...)؟ * الشيخ: لا، نقول: ينافي الإيمان كما قال الله، ثم (...) منه ما ينافي كماله، ومنه ما ينافي أصله. * الطالب: (...). * الشيخ: صح؛ لأن هذه الأشياء جعلها تعالى الله منافية للإيمان، فدلّ ذلك على أن الإيمان منه شيء (...)، ومنه أعمال ينتفي بانتفائها. * الطالب: (...). * الشيخ: (...)؛ لأن المراد ﴿لِمِثْلِهِ﴾ هذا الشيء، ما فيها الظاهر قياس، شنو اللي فيها؟ فيها السماء قياس؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) مثلًا لا تعودوا لمثل هذا الأمر (...) يظهر (...) قياس. * الطالب: لمثل هذا الأمر يعني لهذا الأمر؟ * الشيخ: لهذا الأمر، إي. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، لمثله: له، ولكن ما كان في معناه فهو هو في الحقيقة. * الطالب: (...) أن تعودوا له؟ * الشيخ: لا، لمثله أبلغ، وتعرفوا أننا نقول: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ أي: لمثل هذا الكلام، أو: لهذا الكلام، مثلما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، ومثلما يقولون: مثلك لا يبخل، ما سمعنا من كلمة لا يبخل، وأنت تبخل، المراد ﴿لِمِثْلِهِ﴾ أي: لهذا الكلام، ومهما، على أي صورة كان، يعني سواء جاء في صورة القذف الذي وقع لعائشة تمامًا، أو بصورة أخرى، لكنه قذف فهو نفس الشيء، أما استعمال القياس في هذه الآية، إثبات القياس من هذه الآية ما هو بوجيه. * طالب: فيه دليل (...) الموعظة عند المؤمن؟ * الشيخ: صح. * طالب: (...)؟ * الشيخ: صحيح، هذا يدل على أن الإيمان لا ينتقل بالمواعظ إلا المؤمنون؛ لقوله: ﴿يَعِظُكُمُ﴾ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ فالمؤمن هو الذي ينتفع بالموعظة، أما غيره فإنه لا ينتفع. * طالب: هو مِنّة الله سبحانه وتعالى وفضله على المؤمنين حيث بَيَّنَ لهم ذلك. * الشيخ: إي نعم؛ يعني من رحمة الله تعالى بالمؤمنين؛ حيث يحذرهم من الأشياء التي تضرهم، وتنافي إيمانهم، وإذ لا شك أن الذي يعظك ويرشدك وينصحك أنه له فضل عليك، ففيه فضل الله تعالى ورحمته بالعباد حيث كان سبحانه وتعالى يعظهم عما يضرهم وينافي إيمانهم. هات الآية التي بعدها.. هذا الشيء. * طالب: ويغفر الله (...). * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: إثبات أن الله تعالى يُرشد الخلق ويعظهم، ففيها مثلًا ما يدل على الهادي اللي هو الله سبحانه هو الهادي الذي يهدي ويعظ؛ فعل من أفعال الله. * الطالب: فعل، لكن ما يجوز (...)؟ * الشيخ: إي؛ لأن الله واعظ، إن الله تعالى يعظ عباده بما ينفعهم لهداية الله، مثلما قال محمد فيها جانب فضل الله تعالى ورحمته بالعباد حيث يعظهم ويرشدهم لما فيه كمال الإيمان. * الطالب: لإثبات اسم من أسماء الله تعالى؟ * الشيخ: ما يجوز إثبات الاسم من مجرد الفعل، ولهذا ما يمكن أن نثبت أن الله ماكر من قوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال ٣٠]، فما جاء بسياق الفعل يبقى على الفعل، وما جاء بسياق الاسم هو الذي يمكن أن يُؤخَذ منه الفعل، فالسميع يثبت أن الله تعالى يسمع. فيه شيء بعد؟ * الطالب: قال تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور ١٨]. * الشيخ: هو في الحقيقة الصفة هي الأصل؛ يعني: (عليم) من أسمائه، و(حكيم) من أسمائه، وهما متضمنان لصفتين: العلم والحكمة. * الطالب: (...) أن الله تعالى (...). * الشيخ: (...) هذه؟ يعني ينبغي للمؤمن إذا خَفِيَ عليه شيء أن يتأمل؛ لأن الآيات مُبَيِّنة وظاهرة، فنقول: إذا خَفِيَ عليك حكم شيء من كتاب الله فأعِد النظر؛ لأن الله يقول: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ فالآيات مُبينات، وخفاؤها على الإنسان -في بعض الأحيان- يدل على قصوره؛ إما في العلم، أو الفَهم، أو التدبر. * الطالب: (...) أن الله تعالى (...). * الشيخ: طيب، صحيح. * الطالب: (...) أن الله تعالى على عباده (...). * الشيخ: طيب، صحيح، زين، هذه كلها صحيحة، عنده أحد منكم شيء؟ كملوا هذه. إحنا ذكرنا في أثناء التفسير أن بيان الآيات للكافر والمسلم، ولَّا للكافر فقط؟ * الطالب: للاثنين: للكافر والمسلم، لكن لا ينتفع بها إلا المسلم. * الشيخ: لا، أظن فيه تفصيل. * الطالب: القضية. * الشيخ: ظاهرة لكل واحد. * الطالب: ظاهرة للكافر والمسلم. * الشيخ: للكافر والمسلم، والآيات الشرعية ما تبين، ولا ينتفع بها إلَّا المؤمنون، أما الكفار فإنهم يقولون: هذه أساطير الأولين؛ لأنه ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤] فلم يعرفوها. * الطالب: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور ١٩]، وإن خطر الدخول على المؤمنات؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ ومن قوله ﷺ: «(...) على النساء». * الشيخ: (...). * الطالب: حذر الرسول ﷺ (...). * الشيخ: (...)؟ * الطالب: من قوله: ﴿يُحِبُّونَ﴾. * الشيخ: بس يحبون أن تشيع، (...)، هذه محلها عند قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ على أول الآيات. * الطالب: (...). * الشيخ: طيب، ومع المؤمنين؟ لا بد، (...) في قولك: لا بد؛ يعني: عليه أن يحب، هل ترون هذه الفائدة مأخوذة من الآية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي، نقول: اللي ما يحب شيوع الفاحشة (...) لو قال: إن الذين يحبون شيوع الفاحشة هم الفاسقون مثلًا، أو هم الكافرون، أو شيء يقابَل بالإيمان. إذا كانت محبة الفاحشة توجب العقاب، فمحبة الخير توجب الثواب، ما تُوجب مثلًا أن الإنسان (...) مثلًا (...) هذا وجه علامة الاستفهام، ما أن التغيير لا بد، الأَوْلَى أن يقال: عليه. إذن نقول: الأَوْلَى أن يقال: إن محبة الخير للمسلمين ودفع الفواحش عنهم فيه الثواب، ويمكن نأخذ هذا من قول الرسول ﷺ: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ». قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا هُوَ وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»[[أخرجه مسلم (١٠٠٦ / ٥٣) من حديث أبي ذر.]] . يعني هو أخذ القياس من العكس، إذا كان في محبة الفاحشة عذاب عظيم ففي كراهة شيوع الفاحشة ثواب. * الطالب: لا بد أفضل ولَّا عليه؟ * الشيخ: عليه أحسن من لا بد، لكن حطوا هذه كلها برمتها ضعيفة. * الطالب: (...) ألا يحب؟ * الشيخ: نعم، فيجب ألَّا يحب إلى آخره، صحيح، لكن ما تؤخذ من الآية، كلامنا هو: تؤخذ من الآية ولَّا لا؟ أما أصل الحكم فثابت عندنا. * الطالب: (...) صحة الدلالة (...) شيوع الفاحشة (...) اللي حصل (...). * الشيخ: الأحسن من هذه أن نقول: إن من أشاع الفاحشة فله عذاب عظيم في الدنيا والآخرة، أو ثبوت هذا العقاب لمن أشاع الفاحشة؛ لأنه إذا ثبت فيمن أحبها، فكذلك فيمن أشاعها من باب أَوْلَى، ما فيها التحذير من محبة إشاعة الفواحش؟ * الطالب: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. * الشيخ: إي، التحذير؛ لأنه ليس المقصود من هذا الإخبار أنهم يُعذَّبون، بل المقصود من ذلك التحذير من محبة الفاحشة في المؤمنين، فكيف بمن يُشيعها بنفسه؟! من هذه تؤخذ هذه الفائدة، (...) في شيء؟ * طالب: (...) الفاحشة (...) إشاعتها. * الشيخ: كيف الوسيلة (...)؟ * الطالب: (...) إشاعة. * الشيخ: معنى إشاعة الفاحشة مو معناه إشاعة فعلها، الظاهر أن إشاعة الفاحشة يعني نشر خبر أو لا؟ هل نجدد لنا فهمًا جديدًا للآية أن تشيع الفاحشة؛ يعني أن تنتشر، ينتشر فعلها لا خبرها، وإذا كانت الآية تحتمل هذا المعنى فما ذكرتَ صحيح، فهمنا الآن؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نشوف، ﴿يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ﴾ [النور ١٩]، هل المراد أن يشيع فِعلها، وتكثر الفواحش في المؤمنين أو المراد أن يشيع خبر الفاحشة؟ * طلبة: كلاهما. * الشيخ: كلاهما صحيح؛ المعنى في هذا ما كان يطرأ على بالي أن المراد بانتشار الفاحشة يعني يشيع فعلها، لكن لو قال قائل: إنه هو ظاهر اللفظ: ﴿تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ ما قال: خبرها، والأول يشيع خبرها من سياق القصة؛ يعني القضية فيمن ﴿جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ فيمن أشاعوا الخبر، لكن قطعًا هؤلاء الذين أشاعوا الخبر ويش يحبون؟ يحبون أن توجد الفاحشة بين المؤمنين؛ ولذلك نشروها، فيكون ذلك مقياسًا لغيرهم. فعلى كل حال يظهر أن الآية عامة لهذا ولهذا؛ أن يشيع خبرها وتنتشر إذا فُعِلَت، وأن يشيع فعلها وتكثر الفواحش في المؤمنين، كل هؤلاء الذين يحبون هذا وهذا ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. وعليه فتكون الفائدة اللي ذكر محمد يمكن يكون لها وجه، وهو وجوب سد ذرائع الفواحش؛ لأنه إذا كان اللي يحب كثرتها في الناس يُعذَّب، فكيف بمن حاول أن يكثرها بالفعل؟ يعذب من باب أَوْلَى. وعليه إذا كان الذي يُحاول أن تشيع، أن تكثر في المسلمين يُعذَّب فمعنى ذلك وجوب سد الذرائع. على كل حال هذا فهم بعيد، لكن له وجه. * طالب: (...) إشاعة فعل الفواحش (...). * الشيخ: ما يخالف، هذا يكون استدلالًا باللازم، وقد يُسَلَّم وقد لا يُسَلَّم، لكن إذا قلنا: إنه تشيع الفاحشة فعلًا صار أَبْيَن وأظهر. * طالب: الذين يحبون أن تشيع الفاحشة (...). * الشيخ: يقال: إن الإنسان إذا أحب شيئًا فعله ما لم يكن هناك مانع، لكن حتى لو ما فعلته، لو مجرد أنك تحب أن الناس ينشرون الفاحشة اللي صدرت من شخص مؤمن، لو ما نشرتها أنت -مثلًا لقرابتك له وما أشبه ذلك- يحصل لك هذا. * الطالب: العذاب؟ * الشيخ: إي نعم، سواء أشعتها أو ما أشعتها. * الطالب: العذاب؟ (...). * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...) فضل الله ورحمته لعباده المؤمنين، ويحفظ أعراضهم. * الشيخ: حماية الله يعني؟ * الطالب: لأعراضهم. * الشيخ: فضل الله على المؤمنين في حماية أعراضهم، إي نعم، صحيح، حيث توعَّد من أحب أن تشيع الفاحشة فيهم، تمام، صحيح. * الطالب: الإنسان علمه قاصر. * الشيخ: إي نعم، صحيح، قصور علم الإنسان؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ولذلك نفى الله عنه العلم؛ لأن ما أُوتي من العلم قليل، وإن كان الإنسان عنده علم لكنه قليل؛ لذلك نفاه الله قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. * طالب: إثبات العِلم لله. * الشيخ: إي نعم؛ إثبات علم الله، لكن هذه ما ذكرها؟ * الطالب: قول.. * الشيخ: ذكرنا هذا، ذُكِرت؛ أن من كان يحب أن تشيع الفاحشة له عذاب فإن الذي يحب سَترها له ثواب، وقلنا: إن هذا من باب القياس العكسي كما في حديث: «أيأتي أحدنا شهوته»[[سبق تخريجه.]] . * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما فُصِّل، لكن أي عذاب يتعذّب به الإنسان. * الطالب: هو (...). * الشيخ: لا، (...) لا يثبت بمجرد المحبة. في إثبات علم الله من قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾، وقصور علم المخلوق؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، العذاب على حسب الجُرم. * الطالب: هل يكون عذاب الدنيا مثل عذاب الآخرة؟ * الشيخ: لا، عذاب الآخرة مثل ما قال الله: ﴿أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه ١٢٧]. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، (...)، لكن لَمّا كان عذاب الآخرة أشد من جهة تأثيره على الإنسان؛ الإنسان ضعيف الإيمان، صار يُذْكَر؛ ولذلك إحنا -في حبه للمعاصي- أشرنا إلى معنى هذا، الإنسان عندما يتصور أنه من أصحاب الطائرة التي احترقت، وانغلقت عليهم الأبواب وهم يتصارخون: هل إلى خروج من سبيل، ويش يشعر نفسه؟ يعني ينزعج، لو تصور نفسه مع هؤلاء، لكن لو تصور نفسه مع أهل النار ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر ٣٧] ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة ٨، ٩]، هل يشعر بهذا الشعور؟ * الطالب: إذا كان مؤمنًا حقًّا يجب أن يشعر. * الشيخ: لا، القصد هل يشعر؟ السؤال: هل هو؟ الواقع: لا؛ أن الناس يقرؤون القرآن ويقرؤون مثل هذه الأشياء، ولكنهم ما ينفعلون، مثلما لو تصور الإنسان نفسه مع هؤلاء؛ ولهذا يُذْكر أن رجلين كانا حاولا أن يركبا في الطائرة هذه، ولكن ما حصل، ولما احترقت مرضوا؛ لأنهم انزعجوا حيث تصوروا أنفسهم لو كانوا مع هؤلاء لاحترقوا فانحطت قُواهم. فأنا أقول: إن المؤمن يجب أن يكون شعوره بعذاب الآخرة أشد من شعوره بعذاب الدنيا، لكن لضعف إيماننا صرنا نشعر بعذاب الدنيا أكثر مما نشعر بعذاب الآخرة؛ ولهذا الله يذكر عذاب الدنيا؛ لأنه مباشر للإنسان، وهو الذي يمكن يؤثر عليه أكثر مع ضعف إيمانه، أما المؤمن حقيقة فإنه يشعر بعذاب الآخرة أكثر ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٧، ٨]، كان عمر رضي الله عنها إذا قرأها مرِض حتى يُعاد، الله أكبر، اللهم ارحم حالنا. * الطالب: وفيه رد الأمور كلها إلى الله (...). * الشيخ: لا، هذه ما تؤخذ من الآية، تؤخذ من قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (...) وجوب رد الأشياء إلى الله، عِلْمُهَا وعِلْمُ حُكْمِها أيضًا. * طالب: فيه أن التوبة وإقامة الحدود من أسباب رحمة الله تعالى وفضله على المؤمنين. * الشيخ: يمكن تؤخذ هذه من قول الله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور ٢٠] بعد أن ذكر العقاب على من أحب الفاحشة، إشارة إلى أن هذا العذاب على من أحب الفاحشة من رأفة الله ورحمته بنا. * وفيه أيضًا إثبات هذين الاسمين وما تضمناه من صفة، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وإثبات الفضل والرحمة ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ (...). * الطالب: (...) من هذه الآية أن الإنسان (...) الفضل (...) الأسباب (...) من أسباب العذاب، ولكن من فضل الله. * الشيخ: هذه (...) مو مناسبة، هذه مناسبتها من قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور ١٤] وسبق ذكر هذه الفائدة، بارك الله فيك، يبين: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾؛ يعني ما حصل لكم هذا البيان وهذا الوعيد؛ لأن هذا الوعيد وهذا البيان لنحذر حتى لا نقع في هذه الأمور، فضل الله ورحمته هو الذي في هذه الآية مو معناه انتفاء العذاب، بل معناه بيان أن من أحب الفاحشة -ولهذا ذُكِرَتْ بعدها- فله عذاب أليم، فهذا البيان -الذي يقتضي من المؤمن أن يحذر- من فضل الله ورحمته؛ ولهذا قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وهذا يناسب هذا البيان. اقرأ الآية اللي عندك، هذا من نعمة الله أنه يبين للعباد أسباب الشر، ويحذرهم منها، يعني ما يَكِلهم إلى أنفسهم، بل هو سبحانه يتولى بهم ذلك بفضله ورحمته، وفيه أيضًا أنه ينبغي ذِكر الحوافز -وهي التي ذكر علي، أشار عليها علي- ذكر الحوافز التي تَحْفُز الإنسان وتحمله على الامتثال؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أو لا؟ كأنه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لأنكم مؤمنون ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور ٢١]، ففي هذا إثارة وحافز قوي يَحْفُز الإنسان على ألا يتبع خطوات الشيطان. * وفيه أيضًا: العناية بهذا الحكم؛ لأنه صُدِّرَ بياء النداء الذي يفيد التنبيه، فإن النداء يفيد تنبيه المخاطَب؛ ولهذا إذا رأيتُ من أحدكم غفلة وقلتُ: يا فلان، ينتبه، وينجر قلبه إلى المكان هنا بعدما كان رايح يتمشَّى، يأتي هنا. * إذن ففيه دليل على العناية بهذا الحكم؛ لأن الله صَدَّرَه بالنداء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. * وفيه أيضًا: العلامة لأوامر الشيطان، العلامة الواضحة لأوامر الشيطان، فإذا قال الإنسان: ويش العلامة على ما يَأمر به الشيطان؟ * طالب: الأمر بالفحشاء. * الشيخ: الفحشاء والمنكر، إذا وقع في قلبك الهمة لفعل الفحشاء أو المنكر ما يحتاج تقول: من الذي أمرني بهذا؟ نقول: الذي أمرك به الشيطان، فهذه علامة ظاهرة على أوامر الشيطان. على العكس من ذلك إذا كان أمر بالمعروف ونهي عن منكر فهو من أوامر الْمَلَك، الذي وَكَّلَه الله بالإنسان؛ هذه من العلامات البَيِّنَة والظاهرة لأوامر الشيطان، زين. * طالب: الْمَلَك (...)؟ * الشيخ: الْمَلَك الذي وَكَّلَه الله بالإنسان؛ لأن الله جعل للإنسان قرينًا من الملائكة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لِلْمَلَكِ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ لَمَّةٌ وَلِلشَّيْطَانِ لَمَّةٌ»[[أخرجه الترمذي في سننه (٢٩٨٨) من حديث ابن مسعود.]] . * وفيه أيضًا: دليل على تحريم التشبه بأعداء الله، أو لا؟ منين نأخذه؟ ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ والشيطان عدو لله ولابن آدم أيضًا، فإذا كان الله نهى عن اتباع خطواته، فكذلك غيره يُنهى عن اتباع خطواتهم، ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: ويش؟ * طالب: (...) التمثيل، مثلًا، يمثل (...) منها حتى (...)؟ * الشيخ: ما فهمت شلون؟ يعني أيش؟ * طالب: مثلًا يريد أن يمثل (...). * الشيخ: للتنفير منها. * الطالب: للتنفير منها و(...). * الشيخ: إي، هذا ما هو بتشبه بهم (...). * الطالب: هو تَلَبّس. * الشيخ: التشبه به أن الإنسان يفعل الشيء المشابه لحاله لا على سبيل التحريم. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، هذا أيضًا يعني حكمة الله أو فضل الله تعالى حيث يقرن الأحكام بِعلّتها؛ لأن ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ هذا حكم، عِلَّة النهي: ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، ففيه بيان فضل الله تعالى وحكمته؛ حيث يقرن الأحكام بعللها، وقد سبق أن ذكر الأحكام بعللها له فوائد؛ هي؟ * الطالب: (...). كيف نعرف المحظور (...)؟ * الشيخ: زيادة (...) في الحكم، ومعرفة أسرار الشريعة وكمالها. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، وإثبات أو تعدي هذا الحكم بتعدي العلة، زين. * الطالب: أيضًا فيه بيان أن الإيمان يضعف وينقص؟ * الشيخ: يمكن يعني نأخذه من وجه بعيد، منين؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، هذا ما هو منهجي؛ لأننا قدمنا على اتباعه أو الاستمرار في اتباعه، أو عن فعله، وإن لم يفعله الإنسان، لأن (لا تتبع كذا) ليس معناه أنك أنت الآن واقع، قد يُنهى عنك فتُحَذَّر أن تقع، لكن فيه من جهة ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ لأن خطوات الشيطان خطوة بعد خطوة، فإذا أخذ الإنسان خطوة ليس كما إذا أخذ خطوتين، هذا يمكن. وأيضًا من قوله: ﴿بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ يؤخذ منها أن -أظن قلنا ذاك اليوم- تفاضل الأعمال في القبح، (...) علينا وقلتم: ثبوت تفاضل وتفاوت، نعم، تفاوت الأعمال بالقبح؛ لأنه قال: ﴿بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ والأصل في العطف المغايرة. * الطالب: (...). * الشيخ: (...) محل؟ لا، عنده (...) ما هي بعلة في الحقيقة كونه ما عنده محل، (...) اكتفي بما (...) هذا غلط. * طالب: (...). * الشيخ: يلَّا، فيه شيء؟ * طالب: (...) النفس إذا لم يشغلها الإنسان بالخير، (...) الشيطان الإنسان، ثم أمره بشيء (...). * الشيخ: (...) شنو فيها؟ * طلبة: صحيحة، بس ما تؤخذ. * الشيخ: ما طرحنا من صحيحة ولا تؤخذ (...)، كل أحكام الذنوب تؤخذ من الآية، (...) نعرف حكمها مأخوذ من الآية، (...) يؤخذ من الآية ولا يحملها ما لا تتحمل، ولا (...) تتحمله. ما يقال في بيان عداوة، شدة عداوة الشيطان للإنسان؛ حيث يأمره بالفحشاء والمنكر، ما يأمره بالخير، أبدًا، وممكن نستغني بهذه الفائدة عن الذي أراد؛ أن الشيطان فيه دليل على كمال عداوة أو شدة عداوة الشيطان لابن آدم؛ لأنه لا يأمره إلَّا بالفحشاء والمنكر، واضح؟ وإثبات مثلًا الشيطان، وإثبات أوامره، وأن له قصدًا؛ لأن الذي يأمر لا يأمر إلَّا عن قصد، فالشياطين موجودون، ولهم إرادات وقصود، منها: إيقاع الناس بالفحشاء والمنكر، ففيها رد على الذين ينكرون الشياطين، ويقولون: ما فيه شيطان، لكنها قوى نفسية تتصارع في الإنسان، وأما الشيطان الخارجي ويجري من ابن آدم مجرى الدم، وما أشبه ذلك، هذا ما له أصل، نسأل الله العافية. * طالب: (...) الله عز وجل (...). * الشيخ: منين؟ * الطالب: ورد حكمها يعني.. * الشيخ: ما وصلنا لها، في الفوائد. * الطالب: (...) بيان طريقة الشيطان (...) وأنه يختلف عن غواء النفس. * الشيخ: لا، ما هو بصحيح؛ يعني النفس (...) أنها تؤمر بالسوء أيضًا. * الطالب: لكن الشيطان تتعدد سبله وخطواته. * الشيخ: النفس الأمَّارة هذه تابعة للشيطان، تُوافق الشيطان فيما تأمر به، نكمل. * طالب: (...). * الشيخ: لا؛ لأن خطوات الشيطان أصل كل الشر. * الطالب: (...) التحذير (...) الشيطان. * الشيخ: التحذير من اتباع خطواته. * الطالب: لا (...). * الشيخ: (...). * الطالب: لكن (...). * الشيخ: اقرأ، أو لو طَوَّل وبدأت بالفاتحة وما بعدها اقرأ، لو زاد على الفاتحة هذه، هي التي حام حولها (...). * طالب: الذي يتبع خطوات الشيطان قد لا يأمره بالفحشاء؟ * الشيخ: لا، ما هي صحيحة، اللي يتبع خطوات الشيطان يفعل مثله. * الطالب: يكون ضعيف النفس احتمال. * الشيخ: ويش تقول: قد لا يأمره؟ * الطالب: قد لا يأمره. * الشيخ: لا، قد يأمره؛ لأن اللي يتبع خطوات الشيطان والشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، ويش يسوي هو؟ مثله، ولهذا المفسر -كما مر علينا- جعل قوله: ﴿فَإِنَّهُ﴾ أي: المتبِع، ما أدري أنتم على ذكر منها، ولا راحت في طي النسيان؟ وبَينا لك آنذاك بأن هذا التفسير خطأ؛ لأن الله يقول: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، فالآمر بالفحشاء والمنكر هو الشيطان، لكن من اتبع خطواته فلا بد أن يعمل عمله؛ يأمر بالفحشاء والمنكر. * طالب: (...). * الشيخ: على أيش؟ * طالب: أن الأمر (...). * الشيخ: لا، ما هو بصحيح، الأمر هو حقيقة الأمر بأي صيغة، حتى من رَغَّبَك في شيء وإن لم يقل: افعل؛ فهو آمر في الحقيقة؛ لأن المراد بالأمر هنا طلب الفعل، وإن لم يكن بالصيغة المعروفة لتزكيته. * طالب: (...). * الشيخ: وكذلك (...) بيان فضل الله؛ لأنك ما ذكرتهم. * الطالب: (...). * الشيخ: هاي واحدة..