Tafsir Ibn Uthaymeen — الفرقان 25:1 – الفرقان 25:10
المحتويات
الفرقان 25:1
البسملة تقدم الكلام عليها، وما أكثر الكلام عليها في المؤلفات؛ لأنها تكون في كل مؤلف (...) عند كل فعلٍ بما يناسبه؛ فعند القراءة تقول: باسم الله أقرأ، وعند الأكل: باسم الله آكُل، وعند الشرب: باسم الله أشرب، وعند الذبح: باسم الله أذبح؛ كما قال النبي ﷺ: «فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٠)، ومسلم (١٩٦٠ / ١)، من حديث جُندب بن عبد الله البجلي.]].
وقدَّروه فعلًا لا مصدرًا، السبب؟ قدَّروه فِعلًا لا مصدرًا؛ يعني قالوا: أقرأُ، ولم يقولوا: قراءتي باسم الله، بل قالوا: التقدير: باسم الله أقرأُ، لا: باسم الله قراءتي، مثلًا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الاستمرار بمعنى الثبات والدوام، فالفعل يدلُّ على التجدُّد والحدوث. هذه واحدة، وهذه فائدة معنوية.
وأيضًا الأصل في العمل هو الفعل، حينئذٍ هو الذي يَحْسُن أن يقدَّر دون الاسم؛ لأنَّ عمل الاسم فرعٌ ليس أصلًا، فاسم الفاعل مثلًا يعمل عمل الفعل لأنه مشبَّه به.
فصار الآن نقول: يقدر فعلًا؛ لأنها تسميةٌ على فِعْل، والفعل يقتضي التجدُّد والحدوث، هذه واحدة.
ثانيًا: لأنَّ الأصل في العمل ما هو؟ الفعل، فهو الذي يَقْوى على أن يعمل محذوفًا.
طيب، وقدروه (...)؛ يعني قالوا: ينبغي أنك تقول: باسم الله أقرأُ، لا: أقرأُ باسم الله، السبب؟
* طالب: أولًا: التبرُّك بالبداءة باسم الله تعالى، الشيء الثاني: أنَّ تقديم المعمول يفيد الحصر.
* الشيخ: صحيح، التبرُّك بالبداءة باسم الله، وثانيًا: إفادة الحصر؛ لأن تقديم المعمول يدلُّ على الحصر.
وقدَّروه خاصًّا أيضًا؛ يعني ما قالوا مثلًا عندما تريد أن تتوضأ: باسم الله أبتدئ، عندما تريد تقرأ: باسم الله أبتدئ؛ لأنه أدَلُّ على أيش؟ المقصود.
إذَن الجار والمجرور متعلِّق بمحذوف، يكون هذا المحذوف فعلًا متأخِّرًا خاصًّا.
والبسملة كثيرًا ما تقع، عندما تريد تتوضأ تقول: باسم الله، ويش التقدير؟
* طالب: باسم الله أتوضأ.
* الشيخ: باسم الله أتوضأ. أحسن من أن تقدِّر: وضوئي باسم الله، مثلًا، وأحسن من أن تقدِّر: باسم الله أبتدئ. فتقدِّر الفعل الخاصَّ متأخرًا.
أمَّا (الله) فهو عَلَمٌ على الذات المقدَّسة، ذات الله سبحانه وتعالى، ويختصُّ به، وأصله: الإله، لكن لكثرة الاستعمال حذفوا الهمزة، مثل ما حذفوا الهمزة في (الناس) وأصله: الأناس.
إذَن الإله أصله، و(إله) فِعَال بمعنى مفعول؛ أي: مَألُوه؛ أي: معبود، فهذه اللفظة إذَن مشتقَّةٌ وأصلها: الإله، والألوهية هي العبادة.
وقوله: (الرحمن) أيضًا من الأسماء المختصَّة بالله سبحانه وتعالى، وهو صفةٌ مشبَّهة، وإنما قدَّرناه صفةً مشبَّهة لأنه على وزنها؛ مثل (فَعْلان) على وزن غَضْبان، ثم إنَّ الصفة المشبَّهة تفيد الثبوت والاستمرار بخلاف اسم الفاعل.
وإنما جاءت بهذه الصيغة (الرحمن) لِسَعَةِ رحمة الله سبحانه وتعالى، وبهذا فسَّره بعض العلماء بقوله: (الرحمن) ذو الرحمة العامَّة.
و(الرحيم) فَعِيل، منين هو مشتق؟ من الرحمة أيضًا، لكنَّه يفيد الفعل؛ أي: إيصال الرحمة إلى المرحوم، والأول (الرحمن) يفيد الوصف. الأول يفيد الوصف والثاني يفيد الفعل، ولهذا قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥] حينما أراد الصفة المطْلقة، وقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣] حينما أراد إيصال الرحمة إلى المرحوم.
فالحاصل الآن أنَّ (الرحمن) و(الرحيم) إذا اجتمعا يُفسَّر الرحمن بأنَّه دالٌّ على الصفة أكثر من دلالته على الفعل، والرحيم دالٌّ على الفعل أكثر من دلالته على الصفة، وإنْ كان كلٌّ منهما يدلُّ على صفة الرحمة، هذا إذا اجتمعا. أمَّا إذا افترقا فمعناهما واحد.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم (﴿تَبَارَكَ﴾ [الفرقان ١] تعالَى)، ففسَّر المؤلف التبارُكَ بالتعالي، ولا شك أن هذا التفسير فيه نوعٌ من القصور؛ لأن ﴿تَبَارَكَ﴾ تدلُّ على التعالي، بل وعلى كثرة الخير وسَعتِهِ ودوامِه؛ فمعناها أنَّه كثُرتْ خيراتُه وعظمتْ واستمرَّتْ للعباد.
وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١] هذا من جملة البركة التي هي من صفات الله سبحانه وتعالى أنَّه ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمدٍ ﷺ.
و﴿نَزَّلَ﴾ (فَعَّلَ) تفيد النزول شيئًا فشيئًا، وهكذا القرآن الكريم كان ينزل على النبي ﷺ شيئًا فشيئًا، والكتب السابقة كانت تنزل جملةً واحدةً؛ لقوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ فردَّ الله عليهم بقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان ٣٢].
وقوله: ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ يفيد أنَّ هذا القرآن كلام الله.
فإذا قال قائلٌ: ليس في هذا دليلٌ على أنه كلام الله؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنعام ٩٩]، والماء الذي هو المطر ليس صفةً من صفات الله، أليس كذلك؟ فلا يَلْزم إذا قال الله: إنه نزَّل القرآن، أن يكون القرآنُ صفةً من صفاته؛ لأن الله تعالى يُضيف التنزيلَ والإنزالَ إلى ما ليس من صفته.
فالجواب على ذلك أن يقال: إذا أضاف الله تعالى إنزالَ شيءٍ إليه، فإنْ كان هذا الشيءُ عينًا قائمًا بذاته أو وصفًا في عينٍ قائمةٍ بذاته فليس من صفات الله. إذا كان عينًا قائمًا بذاته فليس من صفات الله، أو كان صفةً في عينٍ قائمةٍ بذاتها فليس من صفات الله.
وإنْ كان صفةً لا يمكن أن يقوم بعينه، يعني ليس عينًا قائمًا بذاته (...) صفةً في عينٍ قائمةٍ بذاتها لَزِم أن يكون أيش؟
* طالب: صفة.
* الشيخ: صفةً من صفات الله. فالقرآن كلام، هل يمكن أنَّ الكلام يكون عينًا قائمةً بذاتها؟
* طالب: لا يمكن.
* الشيخ: لا يمكن، وهنا لم يُضَف إلى أحدٍ من الناس حتى نقول: إنه صفةٌ في عينٍ قائمةٍ بذاتها فيلزم أن يكون مخلوقًا في العين القائمة به. وعلى هذا يتعيَّن، ويش يتعيَّن؟ أن يكون كلامًا لله وصفةً من صفاته، ولهذا استدلَّ أهل السُّنَّة والجماعة بمثل هذه الآية على أنَّ القرآن كلام الله.
* يُستفاد من قوله: ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ أيضًا أنَّ الله في السماء، وجه الدلالة أو وجه الفائدة أنَّ النزول يكون من عُلُوٍّ، وإذا كان الله نزَّل الفرقان دلَّ على عُلُوِّ الله تبارك وتعالى.
وقوله: ﴿الْفُرْقَانَ﴾ هو القرآن، وُصِف بذلك لأنَّه يفرق بين الخير والشر، وبين الحقِّ والباطل، وبين أهل الحقِّ وأهل الباطل، وأهل الخير وأهل الشر، فهو فُرقانٌ في كلِّ شيء.
وكما أنَّه فرقانٌ بذاته (...) يفرِّق، فإنَّ مَن كان من أهله أُعطِي هذه الصفة، إنْ كان من أهله ولازَمَه وعَمِل به أُوتِيَ هذه الصفةَ وصار له تفريقٌ بين الحقِّ والباطل؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال ٢٩].
﴿نَزَّلَ الْفُرْقَان﴾ إذا كان القرآنُ فرقانًا بين الحقِّ والباطل وبين الخير والشر لَزِم من ذلك أن يكون بيِّنًا واضحًا ليس فيه إجمال وليس فيه إشكال، ولَّا لا؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: كيف يَلْزم ذلك؟ لأنَّه لو كان فيه إجمال أو اشتباه لم يكن فُرقانًا؛ لأنَّ المشتبه كيف يكون فرقانًا؟! فالفرقان يحتاج إلى أن يكون واضحًا موضِّحًا بيِّنًا.
فإذا قال قائل: الله يقول: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر ٢٣]، ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾، وهذا يقتضي أن يكون فيه اشتباه.
قلنا: المراد بالمتشابه هنا الموافق بعضُه بعضًا، المشْبه بعضُه لبعضٍ في الكمال والحُسْن، هذا معنى المتشابه؛ كقوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة ٢٥] أي: متوافقًا ومتشاكلًا، هكذا القرآن متشابهٌ؛ بمعنى أنَّ بعضه يُشبه بعضًا في الحُسْن ويوافقه ولا يخالفه.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ... وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران ٧] فقد بيَّن الله أنَّ هذه المحكمات إليها المرجع؛ ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧]، وإذا كُنَّ أمَّ الكتاب لَزِمَ أنْ يُرَدَّ المتشابهُ إلى أيِّ شيء؟ إلى المحْكَم، وإذا رُدَّ المتشابه إلى المحْكَم صار الجميع مُحْكمًا، وهذه القاعدة التي ذكرها الله هي التي عليها الراسخون في العلم، وهي التي يستريح بها الإنسانُ من الاحتمالات؛ لأنَّه يجيئنا دائمًا في القرآن وفي السُّنَّة نصوص فيها احتمالات؛ تحتمل كذا وتحتمل كذا، وعندنا نصوص أخرى واضحة صريحة ما فيها إشكال، فما الواجب علينا؟ الواجب علينا أنْ نحمل هذا المشتبه على المحْكَم؛ أي: على ما يوافقه ولا يخالفه ليكون الجميعُ مُحْكمًا.
﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ قلنا: يُستفاد من هذه الآية أيش؟ أنَّ القرآن كلَّه واضحٌ صريحٌ ليس فيه إشكال؛ لأنه لا يمكن أن يكون فرقانًا إلا على هذا الوجه، وأجبْنا عمَّا أوردناه من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر ٢٣]؛ الموافَقة والمشاكَلة في الكمال والحُكْم.
﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾..
* طالب: شيخ، مثال على ردِّ المتشابه للمحكم.
* الشيخ: نعم، مثال ردِّ المتشابه للمحكم قولُ الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤]؛ فإنَّ هذا قد يشتبه على الإنسان أنَّ الله تعالى معنا بذاته، ولكن عندنا نصوص مُحْكمة وهي تدلُّ على عُلُوِّ الله وأنَّ المعيَّة الذاتية التي يكون الله تعالى معنا في كلِّ مكانٍ هذه مستحيلة. فهذا من المحكم ومن المتشابه؛ ولهذا الذين في قلوبهم زيغٌ اتَّبعوا هذا المتشابه وتركوا المحْكَم وقالوا: إنَّ الله معنا بذاته في كلِّ مكان، هذا مثال في الخبر.
مثال في الحُكم: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ»[[أخرجه البخاري (١١٦٣) عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه.]]، ودخل رجلٌ يوم الجمعة وهو يخطب فجلس، فقال: «أَصَلَّيْتَ؟»، قال: لا، قال: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ»[[أخرجه البخاري (٩٣١) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]. هذا محكم واضح (...) على طلب صلاة الركعتين لكلِّ مَن دخل المسجد، ولَّا لا؟ ألَّا يجلس حتى يصلي ركعتين.
وفيه حديث الثلاثة الذين جاؤوا الرسولَ عليه الصلاة والسلام في أصحابه، فأحدُهم جلس، وأحدُهم دخل الحلقة، والثالث انصرف[[ أخرج البخاري (٦٦)، ومسلم (٢١٧٦ / ٢٦)، عن أبي واقدٍ الليثي أنَّ رسول الله ﷺ بينما هو جالسٌ في المسجدِ والناسُ معه إذْ أقبلَ نَفَرٌ ثلاثةٌ، فأقبلَ اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحدٌ. قال: فوقفا على رسول الله ﷺ، فأمَّا أحدهما فرأى فُرجةً في الحلقة فجلس فيها، وأمَّا الآخَر فجلس خلفهم، وأمَّا الثالث فأدبر ذاهبًا، فلمَّا فرغ رسول الله ﷺ قال: «ألا أُخبِرُكم عن النَّفَر الثلاثة؟ أمَّا أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأمَّا الآخَر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأمَّا الآخَر فأعرض فأعرض الله عنه».]]، وليس في الحديث ما يدلُّ على أنَّ أحدًا منهم صلَّى ركعتين، فهذا مشتبهٌ؛ لأنه قد يدلُّ على أنها ليست مطلوبة؛ التي هي سُنَّة تحية المسجد، لكنَّنا لا يمكن أن نَدَع الحديثَ المحْكَم من أجْل هذا الاحتمال؛ لاحتمال أنَّ هؤلاء الرجال الثلاثة صلَّوا والرسول يراهم ولم يُنكر عليهم، ولاحتمال أن يكونوا على غير وضوء، ولاحتمالات أخرى، فلهذا لا نَدَع المحْكَم من أجل هذا المتشابه، والأمثلة على هذا كثيرة.
وقوله: ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾، مَن عَبْدُه؟ محمدٌ ﷺ، وهذه العبودية أخصُّ العبوديَّات التي يوصف بها الناس؛ لأنَّ العبودية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عامَّة، وخاصَّة، وأَخَص.
العامَّة هي التي تشمل جميع الخلْق؛ مثل: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، كلُّ الخلْق عباد الله، ومنه أيضًا: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ [الحجر ٤٢]، استثنى مَن اتَّبعه من عباده.
الثاني: خاصَّة؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣].
والثالثة: أخَصُّ، وهي عبودية الرسالة؛ كقوله تعالى في نوح: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء ٣]، وقوله في محمد ﷺ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾، هذه أخصُّ من الأولى؛ لأنها عبودية خاصَّة بتكليفٍ خاصٍّ وهو الرسالة.
ووصْف الإنسان بالعبودية لله عز وجل وإضافتُه إلى الله هذا تشريفٌ ولَّا إهانة؟
* الطلبة: تشريف.
* الشيخ: تشريف، لا شكَّ أنَّ له الفخر كلَّ الفخر بأنْ يكون عبدًا لله عز وجل، وحتى الإنسان يحب أن يُنسَب إلى عبودية غيره من بني الإنسان إذا كان يحبُّه، ولهذا يقول الشاعر في معشوقته:
لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا ∗∗∗ .......................
يعني: لا تقُل: يا محمد، يا بكر، يا خالد، يا علي، لا، هناك اسمٌ أشرفُ عنده وهو أن تقول: يا عَبْد فلانة؛ لأنه يفخر أن يكون عبدًا لها.
فعبودية الله عز وجل لا شكَّ أنها مفخرةٌ للعابد إذا أُضيف إلى الله.
﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمد ﷺ.
يقول: (﴿الْفُرْقَانَ﴾ القرآن؛ لأنَّه فرَّق بين الحقِّ والباطل)، وكذلك بين الخير والشر. (﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمَّدٍ ﷺ ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: الإنس والجن دون الملائكة).
﴿لِيَكُونَ﴾ الضمير يعود على مَن؟
* طالب: على محمد.
* الشيخ: على محمد، ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ﴾ أي: محمدٌ ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب ٤٥، ٤٦]، فالنذير محمدٌ ﷺ.
ويحتمل أن يكون الضمير ﴿لِيَكُونَ﴾ أي: الفُرقان ﴿نَذِيرًا﴾ للعالمين؛ لقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام ١٩]، فجعل الإنذار بالقرآن، ولكن هذا ليس براجح، بل الراجح الأول؛ أولًا: لأنَّ الضمير يعود إلى أقرب مذكور؛ ﴿لِيَكُونَ﴾ الذي قَبْله مباشرةً ﴿عَبْدِهِ﴾. ثانيًا: أنَّ الله وَصَف النبيَّ ﷺ بذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾.
وقوله: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ العالَم؛ يقول المؤلف: (الإنس والجن دون الملائكة). أمَّا الإنس فظاهر، وأمَّا الجنُّ فكذلك أيضًا دلَّت النصوص على أنَّ النبيَّ ﷺ مُرْسَلٌ إليهم. وما الدليل على هذا؟
* طالب: قوله تعالى: ولقد صرفنا إليك..
* الشيخ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف ٢٩]، ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن ١]، وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: «كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ تَجِدُونَهُ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا»[[أخرجه مسلم (٤٥٠ / ١٥) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه بلفظ: «لكم كلُّ عظْمٍ ذُكِر اسمُ الله عليه يقع في أيديكم أوفرَ ما يكون لحمًا...» الحديث.]]، فقيَّدهم بأحكام الشريعة.
أمَّا الملائكة فالدليل على أنَّه ليس رسولًا إليهم قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء ٩٥] فأفادت الآية أنَّ الملائكة يُرسَل إليهم ملائكة، والنبيُّ ﷺ ليس بِمَلَك، فيقتضي ذلك ألَّا يكون رسولًا إلى الملائكة، لكن على الملائكة أن يصدِّقوا به، ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: وهم بلا شك مصدِّقون به، لا شك أنهم مصدِّقون بالرسول ﷺ، ولكنَّه ليس مبعوثًا إليهم ولا مكلَّفًا بتبليغهم عليه الصلاة والسلام.
إذَنْ ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ﴾ من باب العامِّ الذي أُريدَ به الخاصُّ؛ لأنَّ الملائكة من العالمين؛ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، فكلُّ ما سوى الله عالَمٌ.
وقوله: ﴿نَذِيرًا﴾ النذير هو المعْلِن أو المخْبِر بما يخوِّف، والبشيرُ: المخبِر بما يَسُرُّ، فالنذير: المخْبِر بما يخوِّف، على هذا يكون الرسول عليه الصلاة والسلام مخبِرًا بما يخوِّف، وهذا لا ينافي أيضًا أن يكون بشيرًا، وقد ذكر الله الحالين في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف ١ - ٣]. فإذَن الاقتصار على البشارة أو الإنذار في مكانٍ لا يقتضي نَفْي الثاني، الرسول عليه الصلاة والسلام موصوفٌ بهذا وهذا، عليه الصلاة والسلام.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، هذا على سبيل الإنذار، لكنَّها مقيَّدة مثل: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١]، بعضهم قال: إنَّ هذا على سبيل التهكُّم بهم، يعني (...) بالعذاب وهو لا يُبَشَّر به عادةً. وبعضهم يقول: لا، إذا قُيِّد بشيءٍ تقيَّدَ به، لكن عند الإطلاق هو في الخير.
قال الله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١].
* ويستفاد من الآية الكريمة ﴿لِيَكُونَ﴾ * يستفاد منها: إثباتُ الحكمة في أفعال الله؛ لأنَّ اللام في قوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ للتعليل، فإذا كانت للتعليل دلَّ هذا على أنها تفيد الحكمة؛ إذ العِلَّة هي الباعثةُ على الشيء أو هي غاية الشيء؛ يعني العِلَّة إمَّا غائيَّة أو باعثة، وكلٌّ منها يدلُّ على الحكمة.
* وقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ﴾ * يستفاد منه: عموم رسالة النبي ﷺ، وأنَّ مَن قال: إنَّه رسولٌ إلى العرب فقط فإنَّه كافرٌ به. خذوا بالكم يا جماعة، الذين قالوا: إنَّه رسولٌ إلى العرب، قالوا: إنَّ الله تعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢]. وهذا يقتضي أنَّه رسولٌ للعرب فقط، وأنَّ بني إسرائيل لا يُكلَّفون باتِّباع الرسول ﷺ، فما هو الجواب عن هذه الشُّبهة؟ هذه من الآيات المشتبهة.
* طلبة: (...).
* الشيخ: إي نعم، لهذا نحن نقول: ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ ليست (...)، لو كان المراد تخصيصهم لَقال: هو الذي بعث للأميِّين كما في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء ٧٩]، أرسلناك للناس، لكن ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ صحيح الرسول مبعوثٌ فيهم، بُعِث فيهم لا لهم، بُعِثَ فيهم لهم ولغيرهم؛ ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾.
عندما أقول مثلًا: بُعِثَ فلانٌ في هذا البلد، أو مثلًا: خَلَق الله في هذا البلد رجلًا كريمًا، أو: رجلًا عالمًا، أو ما أشبهَ ذلك، هل هو للبلد فقط؟ لا، مكانُه في البلد صحيح، لكن ما يحصل منه عامٌّ، فالتخصيص بالمكان أو التخصيص بالزمان لا يدلُّ على تخصيص الدعوة. يُستفاد منها عموم رسالة النبي عليه الصلاة والسلام.
* ويستفاد منها أيضًا: فضْل الرسولِ ﷺ؛ حيث كُلِّف الرسالة إلى جميع الخلْق؛ لأن هذا دليلٌ على فضْله وأنه أهلٌ لهذه المهِمَّة العظيمة، ولَّا لا؟ لو أرسلتَ إنسانًا ليُصلح بين شخصين فهذا دليلٌ على فضله، لكن لو أرسلتَ إنسانًا ليُصلح بين طائفتين أو أُمَّتين هذا زاد فضلًا، ولذلك ما يوصل لهذه المهِمَّة الأخيرة إلا مَن هو جديرٌ بها، فكَونُ الرسول عليه الصلاة والسلام أُرسِل لجميع الـ(...) على فضله، حيث حمل الرسالةَ إلى جميع الخلْق.
ثم إنَّ فيه دليلًا على مِنَّة الله عليه أيضًا؛ لأنَّ كلَّ مَن انتفع برسالته ناله -أي: النبي عليه الصلاة والسلام- مِن أجره، أليس كذلك؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ»[[قوله: «مَن دلَّ على خيرٍ فله مثلُ أجر فاعله» أخرجه مسلم (١٨٩٣ / ١٣٣) عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، وأمَّا قوله: «من غير أن ينقص من أجره شيءٌ» فمن حديث آخر أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩)، والدارمي (٥٢٩) واللفظ له، من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، ولفظ الدارمي: «مَن سَنَّ سُنَّةً حسنةً عُمِلَ بها بعده كانَ له مِثْل أجر مَن عمل بها من غير أن ينقص من أجره شيءٌ ...» الحديث. ]]، ولهذا لو تُعَلِّم إنسانًا ويعمل بعلمك ويُعَلِّم آخَر ويُعَلِّم آخَر ويُعَلِّم آخَر، فإنَّه يأتيك من الأجر والفضل بقَدْر مَن انتفع به.
﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان ١، ٢].
(﴿نَذِيرًا﴾ مُخَوِّفًا مِن عذاب الله تعالى).
(﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِن شأنه أن يُخلَق ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان ٢] سَوَّاه تسويةً).
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذه صفةٌ لقوله: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾، فذكر الله سبحانه وتعالى إنزال الفرقان وهو تشريع وتنظيم، ثم أعقبه بقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إشارةً إلى أنه يجب العمل بما جاء في هذا الفرقان؛ لأنه جاء مِمَّن؟ من مالك السماوات والأرض، والمالك له حقُّ التصرف بمملوكه بأنْ يشرع له ما شاء وينظِّم له ما شاء، وهذا هو الفائدة في قوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ بعد قوله: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾، فأتى بالتشريع أولًا أو بدستور التشريع -كما يقولون- ثم أتى بعد ذلك بعموم الْمُلْك؛ لأنه سبحانه وتعالى إذا كان هو المالك العام للسماوات والأرض لزم أنْ يكون ما شرعه حتمًا على المملوكين.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ طيب، هذا الْمُلْك مُلك أعيانٍ فقط أو مُلك أعيانٍ وتصرُّف؟ مُلك أعيانٍ وتصرُّف، ليش؟ لأنَّ الْمُلْك قد يكون ملْكًا للعين دون التصرُّف فيها، وقد يكون ملْكًا للتصرُّف دون العين؛ يعني قد يملك الإنسانُ التصرُّفَ في العين دون ذاتها، أو يملك عين الشيء دون التصرُّف فيه.
المالك للشيء الذي لم يتعلَّق به حقُّ أحدٍ هذا مالكٌ للعين والتصرُّف فيها. والموقوف عليه مالكٌ للعين لكن لا يملك التصرف فيها التصرف المطْلق؛ لا يبيع، ولا يَهَب، ولا تورث عنه. المستأجر مالكٌ للمنفعة، للتصرُّف في المنفعة فقط دون العين.
أمَّا الله عز وجل فإنَّ له مُلك السماوات والأرض أعيانهما والتصرف فيهما.
طيب، ما ذكر مُلك مَن فيهما ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم؛ لأنَّ السماوات والأرض يدخل فيها كلُّ مَن فيها؛ لأنَّ مَن في السماوات والأرض هم من السماوات والأرض، أصلهم من السماوات والأرض؛ فالإنسان خُلِق من طين، والحيوانات الأخرى فيما يبدو والله أعلم -وإنْ كنَّا لا ندري عنها شيئًا- أنها خُلِقت من الأرض، لكنَّنا ما نعلم عنها شيئًا؛ لأن المهِمَّ أنْ نعرف أصْلنا، أمَّا هذه فخلقها الله لنا؛ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٩] (...).
وقوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾، ﴿وَلَدًا﴾ بمعنى: مولودًا، وكلمة ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ أعمُّ من قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص ٣]، لكن مع ذلك نفى الله عن نفسه اتِّخاذ الولد والولادة، فهو سبحانه وتعالى لم يلد ولم يتَّخذ ولدًا من عباده، وفي هذا إبطالٌ لقول مَن؟
* طالب: النصارى.
* الشيخ: لقول النصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، ولقول اليهود الذين قالوا: عُزَير ابن الله، وللمشركين الذين قالوا: الملائكة بنات الله؛ فالله سبحانه وتعالى ما ولد شيئًا، ولم يتَّخذ أحدًا من خلْقه ولدًا؛ ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾.
طيب، ذكرنا فيما سبق أنَّ الله تعالى إذا نَفَى عن نفسه الصفةَ فليس المراد بذلك نَفْي الصفة فقط، بل نَفْي الصفة وإثبات كمال ضدِّها، فما هو الضدُّ هنا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، كمال قُدرته وغِناه، وأنَّه غير محتاجٍ إلى الولد لكمال غِناه عن غيره، ما يحتاج للولد واتِّخاذ الولد إلَّا مَن كان محتاجًا له، أمَّا مَن كان غنيًّا عنه قادرًا على ما يريد فهذا لا يتَّخذ ولدًا.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ نعم، الله سبحانه وتعالى ليس له شريكٌ في الملْك، ما شاركه أحدٌ، لا أحد مِن الملائكة، ولا أحد من الأنبياء، ولا أحد ممن دونهم، الْمُلْك لله وحده لا شريك له فيه.
وفي هذا إبطالٌ للذين أشركوا بالله في الربوبية؛ مثل الذين يقولون: إنَّ بعض الأولياء يتصرَّفون في الكون. هؤلاء لا شك أنهم خاطئون وأنهم كاذبون أيضًا؛ فهُم خاطئون في عقيدتهم، كاذبون فيما أخبروا به؛ فالله سبحانه وتعالى ليس له شريكٌ في مُلكه.
وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ إذا قال قائل: ألَسْنا نملك بيوتنا ونملك ثيابنا ونملك مواشينا؟ فهل هذا يقتضي أن يكون لله شريك؟
الجواب: لا؛ لأن ملْكنا لهذه الأشياء ليس ملكًا مطْلقًا، صحيح أنا مالكٌ لبيتي ومالكٌ لثوبي ومالكٌ لسيارتي ومالكٌ لماشيتي، لكن ملْكي لهذه الأشياء ليس ملْكًا مطْلقًا؛ بدليل أنَّني مقيَّد بالشرع في التصرف في هذه الأشياء؛ هل أملك مثلًا أن أقوم عليها فأحرقها ولَّا ما أملك؟
* طالب: حرام.
* الشيخ: لا أملك، حرام عليَّ ذلك، لا أملك مثلًا أن أشقَّ على الحيوان في الحمل والركوب وغير ذلك؛ إذَنْ فكَوْني مالكًا (...) أكون شريكًا لله تعالى في ملْكه؛ لأن ملكي هذا مقيَّد بحسب إذْن الشارع لي، لا أتصرَّف فيه إلا بما أَذِن الله سبحانه وتعالى.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يقول الشارح: (مِن شأنه أن يُخلَق).
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ تفيد العموم، لكن الشارح قيَّدها بقوله: (مِن شأنه أن يُخلَق)، ليش قيَّدها بقوله: (مِن شأنه أن يُخلَق)؟
* طالب: لكي لا يدخل القرآن.
* الشيخ: نعم، لكي لا يدخل القرآن أو نفسه مثلًا، لو قال الإنسان: هل خَلَق الله نفسَه؟ لأنَّ هذا مستحيل، مستحيلٌ أنْ يخلق نفسَه، لكنه مع ذلك يقول: (مِن شأنه أن يُخلَق)، أمَّا ما ليس من شأنه أن يُخلَق كذات الله وصفات الله فهذا ليس داخلًا من الأصل؛ لأن الله تعالى خالقٌ، والخالق غير المخلوق، وصفات الخالق ليست مخلوقة؛ لأنَّ الصفة تابعةٌ للذات، ولهذا كأن المؤلف لَمَّا يقول: (مِن شأنه أن يُخلَق) ينبِّهك لتَرُدَّ بهذه الكلمة على مَن قالوا: إنَّ القرآن مخلوقٌ، فتقول: القرآن ليس من شأنه أن يُخلَق؛ لأنه من صفات الله سبحانه وتعالى، وصفات الله تعالى غير مخلوقة.
ولكنَّه ينبغي ألَّا نقيِّد الآية بهذا، نقول: هو خَلَق كلَّ شيء. والخالق يمكن أن يكون هو المخلوق ولَّا غير المخلوق؟ لا يمكن، فإذا كان لا يمكن دلَّ ذلك على أنَّ الله تعالى غير مخلوق، وعلى أنَّ صفاته أيضًا غير مخلوقة؛ لأنَّ الصفة تابعةٌ للموصوف، وحينئذٍ لا يحتاج أن نقول: من شأنه أن يُخلق؛ لأنَّنا إذا قلنا: من شأنه أن يُخلَق، قيَّدْنا الآية الكريمة.
ويمكن أن يحتجَّ علينا الذي يقول بخلق القرآن فيقول: مَن قال لك أنَّ الآية مقيدةٌ بهذا؟
فنحن نقول: ﴿خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ على سبيل الإطلاق وعلى سبيل العموم، وهذا لا يقتضي أن يكون القرآنُ مخلوقًا؛ لأنَّ الخالق غير المخلوق، والقرآن من صفات الله، وصفات الخالق قطعًا غير مخلوقة؛ لأنَّ الصفات تابعةٌ للذات.
إذَن الآن لو احتجَّ علينا المعتزلة والجهمية الذين يقولون: إنَّ القرآن مخلوق، فبماذا نُجيبهم؟ نُجيبهم بأحد وجهين:
الوجه الأول: ما أشار إليه المؤلف وهو أن يُقال: إنَّ هذا من باب العامِّ المراد به الخاص؛ يعني كلَّ شيءٍ مِن شأنه أن يُخلق، هذا وجه، وبهذا أجاب كثيرٌ من السلف وقالوا: إذا قال قائل: إنَّ القرآن مخلوقٌ، واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، فقُل له: إنَّ الله قال عن ريح عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾، ومع ذلك هي ما دمَّرت السماء ولا الأرض ولا المساكن؛ ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٥].
والبعض الآخر من العلماء يقول: لا، الآية على عمومها، والقرآن غير داخلٍ إطلاقًا حتى نحتاج إلى إخراجه؛ لماذا؟ لأنَّه إذا كان خالقًا فالخالق غير المخلوق، والقرآن كلام الله، وكلام الله من صفاته، وصفات الخالق غير مخلوقة؛ لأن الصفة تابعةٌ لأيِّ شيءٍ؟ للموصوف.
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ الفاء ويش تدلُّ عليه؟ تدلُّ على الترتيب.
و(قدَّره) بمعنى صوَّره؛ لأنَّ الخلْق قد يوجد لكنْ بدون تسوية، فالله تعالى خَلَق كلَّ شيءٍ فقدَّره؛ أي: سوَّاه.
والدليل على أنَّ التقدير هنا بمعنى التسوية قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى ٢]، وعلى هذا فالترتيب في قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ﴾ الترتيب حسب الواقع، الترتيب واقعي؛ لأنَّ التسوية تكون بعد الخلْق؛ أنت عندما توجِد بناءً أوَّلًا توجِد الهيكلَ ثم تُدخل التعديلات والتسويات، هكذا الله سبحانه وتعالى خَلَق كلَّ شيءٍ فقدَّره؛ أي: سوَّاهُ تسويةً مناسبةً لِمَا خُلِق له.
وقال بعضهم: إنَّ معنى ﴿قَدَّرَهُ﴾ أي: قضاه، فتدلُّ الآية على القضاء والخلْق. وعلى هذا القول الذي يجعل التقدير بمعنى القضاء يكون في الآية ترتيب غير واقعي؛ والسبب: لأنَّ التقدير بمعنى القضاء سابقٌ للخلْق، ولَّا لا؟ لأنَّ الله يقضي أولًا ثم يخلق ثانيًا.
ولكن أيُّهما الأفضل؟ الأفضل أن الترتيب يكون واقعيًّا وأن الخلْق قبل التقدير، ويدلُّ على ذلك أيضًا الآية الكريمة: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾، فكَوْنه يقول: ﴿خَلَقَ فَسَوَّى﴾ فإن القرآن يفسِّر بعضُه بعضًا، ونجعل التقدير هنا بمعنى التسوية.
وكونه يأتي الترتيب على خلاف الواقع، هذا وإن جاء في اللغة العربية لكنَّه خلاف المعهود، وإلَّا فقد قيل: إنَّ مَن تاب ثم تاب أبوه ثم تاب مِن بعد ذلك جدُّه، فـ(...) الجد هي الأولى، وهي في الترتيب هنا هي الأخيرة، ولكن الأقرب والأَوْلى ما مشى عليه المؤلف وأنَّ التقدير هنا بمعنى التسوية؛ لأنَّ كلام الله تعالى يفسِّر بعضُه بعضًا (...).
الفرقان 25:2
البسملة تقدم الكلام عليها، وما أكثر الكلام عليها في المؤلفات؛ لأنها تكون في كل مؤلف (...) عند كل فعلٍ بما يناسبه؛ فعند القراءة تقول: باسم الله أقرأ، وعند الأكل: باسم الله آكُل، وعند الشرب: باسم الله أشرب، وعند الذبح: باسم الله أذبح؛ كما قال النبي ﷺ: «فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٠)، ومسلم (١٩٦٠ / ١)، من حديث جُندب بن عبد الله البجلي.]].
وقدَّروه فعلًا لا مصدرًا، السبب؟ قدَّروه فِعلًا لا مصدرًا؛ يعني قالوا: أقرأُ، ولم يقولوا: قراءتي باسم الله، بل قالوا: التقدير: باسم الله أقرأُ، لا: باسم الله قراءتي، مثلًا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الاستمرار بمعنى الثبات والدوام، فالفعل يدلُّ على التجدُّد والحدوث. هذه واحدة، وهذه فائدة معنوية.
وأيضًا الأصل في العمل هو الفعل، حينئذٍ هو الذي يَحْسُن أن يقدَّر دون الاسم؛ لأنَّ عمل الاسم فرعٌ ليس أصلًا، فاسم الفاعل مثلًا يعمل عمل الفعل لأنه مشبَّه به.
فصار الآن نقول: يقدر فعلًا؛ لأنها تسميةٌ على فِعْل، والفعل يقتضي التجدُّد والحدوث، هذه واحدة.
ثانيًا: لأنَّ الأصل في العمل ما هو؟ الفعل، فهو الذي يَقْوى على أن يعمل محذوفًا.
طيب، وقدروه (...)؛ يعني قالوا: ينبغي أنك تقول: باسم الله أقرأُ، لا: أقرأُ باسم الله، السبب؟
* طالب: أولًا: التبرُّك بالبداءة باسم الله تعالى، الشيء الثاني: أنَّ تقديم المعمول يفيد الحصر.
* الشيخ: صحيح، التبرُّك بالبداءة باسم الله، وثانيًا: إفادة الحصر؛ لأن تقديم المعمول يدلُّ على الحصر.
وقدَّروه خاصًّا أيضًا؛ يعني ما قالوا مثلًا عندما تريد أن تتوضأ: باسم الله أبتدئ، عندما تريد تقرأ: باسم الله أبتدئ؛ لأنه أدَلُّ على أيش؟ المقصود.
إذَن الجار والمجرور متعلِّق بمحذوف، يكون هذا المحذوف فعلًا متأخِّرًا خاصًّا.
والبسملة كثيرًا ما تقع، عندما تريد تتوضأ تقول: باسم الله، ويش التقدير؟
* طالب: باسم الله أتوضأ.
* الشيخ: باسم الله أتوضأ. أحسن من أن تقدِّر: وضوئي باسم الله، مثلًا، وأحسن من أن تقدِّر: باسم الله أبتدئ. فتقدِّر الفعل الخاصَّ متأخرًا.
أمَّا (الله) فهو عَلَمٌ على الذات المقدَّسة، ذات الله سبحانه وتعالى، ويختصُّ به، وأصله: الإله، لكن لكثرة الاستعمال حذفوا الهمزة، مثل ما حذفوا الهمزة في (الناس) وأصله: الأناس.
إذَن الإله أصله، و(إله) فِعَال بمعنى مفعول؛ أي: مَألُوه؛ أي: معبود، فهذه اللفظة إذَن مشتقَّةٌ وأصلها: الإله، والألوهية هي العبادة.
وقوله: (الرحمن) أيضًا من الأسماء المختصَّة بالله سبحانه وتعالى، وهو صفةٌ مشبَّهة، وإنما قدَّرناه صفةً مشبَّهة لأنه على وزنها؛ مثل (فَعْلان) على وزن غَضْبان، ثم إنَّ الصفة المشبَّهة تفيد الثبوت والاستمرار بخلاف اسم الفاعل.
وإنما جاءت بهذه الصيغة (الرحمن) لِسَعَةِ رحمة الله سبحانه وتعالى، وبهذا فسَّره بعض العلماء بقوله: (الرحمن) ذو الرحمة العامَّة.
و(الرحيم) فَعِيل، منين هو مشتق؟ من الرحمة أيضًا، لكنَّه يفيد الفعل؛ أي: إيصال الرحمة إلى المرحوم، والأول (الرحمن) يفيد الوصف. الأول يفيد الوصف والثاني يفيد الفعل، ولهذا قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥] حينما أراد الصفة المطْلقة، وقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣] حينما أراد إيصال الرحمة إلى المرحوم.
فالحاصل الآن أنَّ (الرحمن) و(الرحيم) إذا اجتمعا يُفسَّر الرحمن بأنَّه دالٌّ على الصفة أكثر من دلالته على الفعل، والرحيم دالٌّ على الفعل أكثر من دلالته على الصفة، وإنْ كان كلٌّ منهما يدلُّ على صفة الرحمة، هذا إذا اجتمعا. أمَّا إذا افترقا فمعناهما واحد.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم (﴿تَبَارَكَ﴾ [الفرقان ١] تعالَى)، ففسَّر المؤلف التبارُكَ بالتعالي، ولا شك أن هذا التفسير فيه نوعٌ من القصور؛ لأن ﴿تَبَارَكَ﴾ تدلُّ على التعالي، بل وعلى كثرة الخير وسَعتِهِ ودوامِه؛ فمعناها أنَّه كثُرتْ خيراتُه وعظمتْ واستمرَّتْ للعباد.
وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١] هذا من جملة البركة التي هي من صفات الله سبحانه وتعالى أنَّه ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمدٍ ﷺ.
و﴿نَزَّلَ﴾ (فَعَّلَ) تفيد النزول شيئًا فشيئًا، وهكذا القرآن الكريم كان ينزل على النبي ﷺ شيئًا فشيئًا، والكتب السابقة كانت تنزل جملةً واحدةً؛ لقوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ فردَّ الله عليهم بقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان ٣٢].
وقوله: ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ يفيد أنَّ هذا القرآن كلام الله.
فإذا قال قائلٌ: ليس في هذا دليلٌ على أنه كلام الله؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنعام ٩٩]، والماء الذي هو المطر ليس صفةً من صفات الله، أليس كذلك؟ فلا يَلْزم إذا قال الله: إنه نزَّل القرآن، أن يكون القرآنُ صفةً من صفاته؛ لأن الله تعالى يُضيف التنزيلَ والإنزالَ إلى ما ليس من صفته.
فالجواب على ذلك أن يقال: إذا أضاف الله تعالى إنزالَ شيءٍ إليه، فإنْ كان هذا الشيءُ عينًا قائمًا بذاته أو وصفًا في عينٍ قائمةٍ بذاته فليس من صفات الله. إذا كان عينًا قائمًا بذاته فليس من صفات الله، أو كان صفةً في عينٍ قائمةٍ بذاتها فليس من صفات الله.
وإنْ كان صفةً لا يمكن أن يقوم بعينه، يعني ليس عينًا قائمًا بذاته (...) صفةً في عينٍ قائمةٍ بذاتها لَزِم أن يكون أيش؟
* طالب: صفة.
* الشيخ: صفةً من صفات الله. فالقرآن كلام، هل يمكن أنَّ الكلام يكون عينًا قائمةً بذاتها؟
* طالب: لا يمكن.
* الشيخ: لا يمكن، وهنا لم يُضَف إلى أحدٍ من الناس حتى نقول: إنه صفةٌ في عينٍ قائمةٍ بذاتها فيلزم أن يكون مخلوقًا في العين القائمة به. وعلى هذا يتعيَّن، ويش يتعيَّن؟ أن يكون كلامًا لله وصفةً من صفاته، ولهذا استدلَّ أهل السُّنَّة والجماعة بمثل هذه الآية على أنَّ القرآن كلام الله.
* يُستفاد من قوله: ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ أيضًا أنَّ الله في السماء، وجه الدلالة أو وجه الفائدة أنَّ النزول يكون من عُلُوٍّ، وإذا كان الله نزَّل الفرقان دلَّ على عُلُوِّ الله تبارك وتعالى.
وقوله: ﴿الْفُرْقَانَ﴾ هو القرآن، وُصِف بذلك لأنَّه يفرق بين الخير والشر، وبين الحقِّ والباطل، وبين أهل الحقِّ وأهل الباطل، وأهل الخير وأهل الشر، فهو فُرقانٌ في كلِّ شيء.
وكما أنَّه فرقانٌ بذاته (...) يفرِّق، فإنَّ مَن كان من أهله أُعطِي هذه الصفة، إنْ كان من أهله ولازَمَه وعَمِل به أُوتِيَ هذه الصفةَ وصار له تفريقٌ بين الحقِّ والباطل؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال ٢٩].
﴿نَزَّلَ الْفُرْقَان﴾ إذا كان القرآنُ فرقانًا بين الحقِّ والباطل وبين الخير والشر لَزِم من ذلك أن يكون بيِّنًا واضحًا ليس فيه إجمال وليس فيه إشكال، ولَّا لا؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: كيف يَلْزم ذلك؟ لأنَّه لو كان فيه إجمال أو اشتباه لم يكن فُرقانًا؛ لأنَّ المشتبه كيف يكون فرقانًا؟! فالفرقان يحتاج إلى أن يكون واضحًا موضِّحًا بيِّنًا.
فإذا قال قائل: الله يقول: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر ٢٣]، ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾، وهذا يقتضي أن يكون فيه اشتباه.
قلنا: المراد بالمتشابه هنا الموافق بعضُه بعضًا، المشْبه بعضُه لبعضٍ في الكمال والحُسْن، هذا معنى المتشابه؛ كقوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة ٢٥] أي: متوافقًا ومتشاكلًا، هكذا القرآن متشابهٌ؛ بمعنى أنَّ بعضه يُشبه بعضًا في الحُسْن ويوافقه ولا يخالفه.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ... وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران ٧] فقد بيَّن الله أنَّ هذه المحكمات إليها المرجع؛ ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران ٧]، وإذا كُنَّ أمَّ الكتاب لَزِمَ أنْ يُرَدَّ المتشابهُ إلى أيِّ شيء؟ إلى المحْكَم، وإذا رُدَّ المتشابه إلى المحْكَم صار الجميع مُحْكمًا، وهذه القاعدة التي ذكرها الله هي التي عليها الراسخون في العلم، وهي التي يستريح بها الإنسانُ من الاحتمالات؛ لأنَّه يجيئنا دائمًا في القرآن وفي السُّنَّة نصوص فيها احتمالات؛ تحتمل كذا وتحتمل كذا، وعندنا نصوص أخرى واضحة صريحة ما فيها إشكال، فما الواجب علينا؟ الواجب علينا أنْ نحمل هذا المشتبه على المحْكَم؛ أي: على ما يوافقه ولا يخالفه ليكون الجميعُ مُحْكمًا.
﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ قلنا: يُستفاد من هذه الآية أيش؟ أنَّ القرآن كلَّه واضحٌ صريحٌ ليس فيه إشكال؛ لأنه لا يمكن أن يكون فرقانًا إلا على هذا الوجه، وأجبْنا عمَّا أوردناه من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر ٢٣]؛ الموافَقة والمشاكَلة في الكمال والحُكْم.
﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾..
* طالب: شيخ، مثال على ردِّ المتشابه للمحكم.
* الشيخ: نعم، مثال ردِّ المتشابه للمحكم قولُ الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤]؛ فإنَّ هذا قد يشتبه على الإنسان أنَّ الله تعالى معنا بذاته، ولكن عندنا نصوص مُحْكمة وهي تدلُّ على عُلُوِّ الله وأنَّ المعيَّة الذاتية التي يكون الله تعالى معنا في كلِّ مكانٍ هذه مستحيلة. فهذا من المحكم ومن المتشابه؛ ولهذا الذين في قلوبهم زيغٌ اتَّبعوا هذا المتشابه وتركوا المحْكَم وقالوا: إنَّ الله معنا بذاته في كلِّ مكان، هذا مثال في الخبر.
مثال في الحُكم: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ»[[أخرجه البخاري (١١٦٣) عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه.]]، ودخل رجلٌ يوم الجمعة وهو يخطب فجلس، فقال: «أَصَلَّيْتَ؟»، قال: لا، قال: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ»[[أخرجه البخاري (٩٣١) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]. هذا محكم واضح (...) على طلب صلاة الركعتين لكلِّ مَن دخل المسجد، ولَّا لا؟ ألَّا يجلس حتى يصلي ركعتين.
وفيه حديث الثلاثة الذين جاؤوا الرسولَ عليه الصلاة والسلام في أصحابه، فأحدُهم جلس، وأحدُهم دخل الحلقة، والثالث انصرف[[ أخرج البخاري (٦٦)، ومسلم (٢١٧٦ / ٢٦)، عن أبي واقدٍ الليثي أنَّ رسول الله ﷺ بينما هو جالسٌ في المسجدِ والناسُ معه إذْ أقبلَ نَفَرٌ ثلاثةٌ، فأقبلَ اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحدٌ. قال: فوقفا على رسول الله ﷺ، فأمَّا أحدهما فرأى فُرجةً في الحلقة فجلس فيها، وأمَّا الآخَر فجلس خلفهم، وأمَّا الثالث فأدبر ذاهبًا، فلمَّا فرغ رسول الله ﷺ قال: «ألا أُخبِرُكم عن النَّفَر الثلاثة؟ أمَّا أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأمَّا الآخَر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأمَّا الآخَر فأعرض فأعرض الله عنه».]]، وليس في الحديث ما يدلُّ على أنَّ أحدًا منهم صلَّى ركعتين، فهذا مشتبهٌ؛ لأنه قد يدلُّ على أنها ليست مطلوبة؛ التي هي سُنَّة تحية المسجد، لكنَّنا لا يمكن أن نَدَع الحديثَ المحْكَم من أجْل هذا الاحتمال؛ لاحتمال أنَّ هؤلاء الرجال الثلاثة صلَّوا والرسول يراهم ولم يُنكر عليهم، ولاحتمال أن يكونوا على غير وضوء، ولاحتمالات أخرى، فلهذا لا نَدَع المحْكَم من أجل هذا المتشابه، والأمثلة على هذا كثيرة.
وقوله: ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾، مَن عَبْدُه؟ محمدٌ ﷺ، وهذه العبودية أخصُّ العبوديَّات التي يوصف بها الناس؛ لأنَّ العبودية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عامَّة، وخاصَّة، وأَخَص.
العامَّة هي التي تشمل جميع الخلْق؛ مثل: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، كلُّ الخلْق عباد الله، ومنه أيضًا: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ [الحجر ٤٢]، استثنى مَن اتَّبعه من عباده.
الثاني: خاصَّة؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣].
والثالثة: أخَصُّ، وهي عبودية الرسالة؛ كقوله تعالى في نوح: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء ٣]، وقوله في محمد ﷺ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾، هذه أخصُّ من الأولى؛ لأنها عبودية خاصَّة بتكليفٍ خاصٍّ وهو الرسالة.
ووصْف الإنسان بالعبودية لله عز وجل وإضافتُه إلى الله هذا تشريفٌ ولَّا إهانة؟
* الطلبة: تشريف.
* الشيخ: تشريف، لا شكَّ أنَّ له الفخر كلَّ الفخر بأنْ يكون عبدًا لله عز وجل، وحتى الإنسان يحب أن يُنسَب إلى عبودية غيره من بني الإنسان إذا كان يحبُّه، ولهذا يقول الشاعر في معشوقته:
لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا ∗∗∗ .......................
يعني: لا تقُل: يا محمد، يا بكر، يا خالد، يا علي، لا، هناك اسمٌ أشرفُ عنده وهو أن تقول: يا عَبْد فلانة؛ لأنه يفخر أن يكون عبدًا لها.
فعبودية الله عز وجل لا شكَّ أنها مفخرةٌ للعابد إذا أُضيف إلى الله.
﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمد ﷺ.
يقول: (﴿الْفُرْقَانَ﴾ القرآن؛ لأنَّه فرَّق بين الحقِّ والباطل)، وكذلك بين الخير والشر. (﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمَّدٍ ﷺ ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: الإنس والجن دون الملائكة).
﴿لِيَكُونَ﴾ الضمير يعود على مَن؟
* طالب: على محمد.
* الشيخ: على محمد، ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ﴾ أي: محمدٌ ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب ٤٥، ٤٦]، فالنذير محمدٌ ﷺ.
ويحتمل أن يكون الضمير ﴿لِيَكُونَ﴾ أي: الفُرقان ﴿نَذِيرًا﴾ للعالمين؛ لقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام ١٩]، فجعل الإنذار بالقرآن، ولكن هذا ليس براجح، بل الراجح الأول؛ أولًا: لأنَّ الضمير يعود إلى أقرب مذكور؛ ﴿لِيَكُونَ﴾ الذي قَبْله مباشرةً ﴿عَبْدِهِ﴾. ثانيًا: أنَّ الله وَصَف النبيَّ ﷺ بذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾.
وقوله: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ العالَم؛ يقول المؤلف: (الإنس والجن دون الملائكة). أمَّا الإنس فظاهر، وأمَّا الجنُّ فكذلك أيضًا دلَّت النصوص على أنَّ النبيَّ ﷺ مُرْسَلٌ إليهم. وما الدليل على هذا؟
* طالب: قوله تعالى: ولقد صرفنا إليك..
* الشيخ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف ٢٩]، ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن ١]، وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: «كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ تَجِدُونَهُ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا»[[أخرجه مسلم (٤٥٠ / ١٥) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه بلفظ: «لكم كلُّ عظْمٍ ذُكِر اسمُ الله عليه يقع في أيديكم أوفرَ ما يكون لحمًا...» الحديث.]]، فقيَّدهم بأحكام الشريعة.
أمَّا الملائكة فالدليل على أنَّه ليس رسولًا إليهم قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء ٩٥] فأفادت الآية أنَّ الملائكة يُرسَل إليهم ملائكة، والنبيُّ ﷺ ليس بِمَلَك، فيقتضي ذلك ألَّا يكون رسولًا إلى الملائكة، لكن على الملائكة أن يصدِّقوا به، ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: وهم بلا شك مصدِّقون به، لا شك أنهم مصدِّقون بالرسول ﷺ، ولكنَّه ليس مبعوثًا إليهم ولا مكلَّفًا بتبليغهم عليه الصلاة والسلام.
إذَنْ ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ﴾ من باب العامِّ الذي أُريدَ به الخاصُّ؛ لأنَّ الملائكة من العالمين؛ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، فكلُّ ما سوى الله عالَمٌ.
وقوله: ﴿نَذِيرًا﴾ النذير هو المعْلِن أو المخْبِر بما يخوِّف، والبشيرُ: المخبِر بما يَسُرُّ، فالنذير: المخْبِر بما يخوِّف، على هذا يكون الرسول عليه الصلاة والسلام مخبِرًا بما يخوِّف، وهذا لا ينافي أيضًا أن يكون بشيرًا، وقد ذكر الله الحالين في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف ١ - ٣]. فإذَن الاقتصار على البشارة أو الإنذار في مكانٍ لا يقتضي نَفْي الثاني، الرسول عليه الصلاة والسلام موصوفٌ بهذا وهذا، عليه الصلاة والسلام.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، هذا على سبيل الإنذار، لكنَّها مقيَّدة مثل: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١]، بعضهم قال: إنَّ هذا على سبيل التهكُّم بهم، يعني (...) بالعذاب وهو لا يُبَشَّر به عادةً. وبعضهم يقول: لا، إذا قُيِّد بشيءٍ تقيَّدَ به، لكن عند الإطلاق هو في الخير.
قال الله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١].
* ويستفاد من الآية الكريمة ﴿لِيَكُونَ﴾ * يستفاد منها: إثباتُ الحكمة في أفعال الله؛ لأنَّ اللام في قوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ للتعليل، فإذا كانت للتعليل دلَّ هذا على أنها تفيد الحكمة؛ إذ العِلَّة هي الباعثةُ على الشيء أو هي غاية الشيء؛ يعني العِلَّة إمَّا غائيَّة أو باعثة، وكلٌّ منها يدلُّ على الحكمة.
* وقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ﴾ * يستفاد منه: عموم رسالة النبي ﷺ، وأنَّ مَن قال: إنَّه رسولٌ إلى العرب فقط فإنَّه كافرٌ به. خذوا بالكم يا جماعة، الذين قالوا: إنَّه رسولٌ إلى العرب، قالوا: إنَّ الله تعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢]. وهذا يقتضي أنَّه رسولٌ للعرب فقط، وأنَّ بني إسرائيل لا يُكلَّفون باتِّباع الرسول ﷺ، فما هو الجواب عن هذه الشُّبهة؟ هذه من الآيات المشتبهة.
* طلبة: (...).
* الشيخ: إي نعم، لهذا نحن نقول: ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ ليست (...)، لو كان المراد تخصيصهم لَقال: هو الذي بعث للأميِّين كما في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء ٧٩]، أرسلناك للناس، لكن ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ صحيح الرسول مبعوثٌ فيهم، بُعِث فيهم لا لهم، بُعِثَ فيهم لهم ولغيرهم؛ ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾.
عندما أقول مثلًا: بُعِثَ فلانٌ في هذا البلد، أو مثلًا: خَلَق الله في هذا البلد رجلًا كريمًا، أو: رجلًا عالمًا، أو ما أشبهَ ذلك، هل هو للبلد فقط؟ لا، مكانُه في البلد صحيح، لكن ما يحصل منه عامٌّ، فالتخصيص بالمكان أو التخصيص بالزمان لا يدلُّ على تخصيص الدعوة. يُستفاد منها عموم رسالة النبي عليه الصلاة والسلام.
* ويستفاد منها أيضًا: فضْل الرسولِ ﷺ؛ حيث كُلِّف الرسالة إلى جميع الخلْق؛ لأن هذا دليلٌ على فضْله وأنه أهلٌ لهذه المهِمَّة العظيمة، ولَّا لا؟ لو أرسلتَ إنسانًا ليُصلح بين شخصين فهذا دليلٌ على فضله، لكن لو أرسلتَ إنسانًا ليُصلح بين طائفتين أو أُمَّتين هذا زاد فضلًا، ولذلك ما يوصل لهذه المهِمَّة الأخيرة إلا مَن هو جديرٌ بها، فكَونُ الرسول عليه الصلاة والسلام أُرسِل لجميع الـ(...) على فضله، حيث حمل الرسالةَ إلى جميع الخلْق.
ثم إنَّ فيه دليلًا على مِنَّة الله عليه أيضًا؛ لأنَّ كلَّ مَن انتفع برسالته ناله -أي: النبي عليه الصلاة والسلام- مِن أجره، أليس كذلك؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ»[[قوله: «مَن دلَّ على خيرٍ فله مثلُ أجر فاعله» أخرجه مسلم (١٨٩٣ / ١٣٣) عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، وأمَّا قوله: «من غير أن ينقص من أجره شيءٌ» فمن حديث آخر أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩)، والدارمي (٥٢٩) واللفظ له، من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، ولفظ الدارمي: «مَن سَنَّ سُنَّةً حسنةً عُمِلَ بها بعده كانَ له مِثْل أجر مَن عمل بها من غير أن ينقص من أجره شيءٌ ...» الحديث. ]]، ولهذا لو تُعَلِّم إنسانًا ويعمل بعلمك ويُعَلِّم آخَر ويُعَلِّم آخَر ويُعَلِّم آخَر، فإنَّه يأتيك من الأجر والفضل بقَدْر مَن انتفع به.
﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان ١، ٢].
(﴿نَذِيرًا﴾ مُخَوِّفًا مِن عذاب الله تعالى).
(﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِن شأنه أن يُخلَق ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان ٢] سَوَّاه تسويةً).
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذه صفةٌ لقوله: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾، فذكر الله سبحانه وتعالى إنزال الفرقان وهو تشريع وتنظيم، ثم أعقبه بقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إشارةً إلى أنه يجب العمل بما جاء في هذا الفرقان؛ لأنه جاء مِمَّن؟ من مالك السماوات والأرض، والمالك له حقُّ التصرف بمملوكه بأنْ يشرع له ما شاء وينظِّم له ما شاء، وهذا هو الفائدة في قوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ بعد قوله: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾، فأتى بالتشريع أولًا أو بدستور التشريع -كما يقولون- ثم أتى بعد ذلك بعموم الْمُلْك؛ لأنه سبحانه وتعالى إذا كان هو المالك العام للسماوات والأرض لزم أنْ يكون ما شرعه حتمًا على المملوكين.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ طيب، هذا الْمُلْك مُلك أعيانٍ فقط أو مُلك أعيانٍ وتصرُّف؟ مُلك أعيانٍ وتصرُّف، ليش؟ لأنَّ الْمُلْك قد يكون ملْكًا للعين دون التصرُّف فيها، وقد يكون ملْكًا للتصرُّف دون العين؛ يعني قد يملك الإنسانُ التصرُّفَ في العين دون ذاتها، أو يملك عين الشيء دون التصرُّف فيه.
المالك للشيء الذي لم يتعلَّق به حقُّ أحدٍ هذا مالكٌ للعين والتصرُّف فيها. والموقوف عليه مالكٌ للعين لكن لا يملك التصرف فيها التصرف المطْلق؛ لا يبيع، ولا يَهَب، ولا تورث عنه. المستأجر مالكٌ للمنفعة، للتصرُّف في المنفعة فقط دون العين.
أمَّا الله عز وجل فإنَّ له مُلك السماوات والأرض أعيانهما والتصرف فيهما.
طيب، ما ذكر مُلك مَن فيهما ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم؛ لأنَّ السماوات والأرض يدخل فيها كلُّ مَن فيها؛ لأنَّ مَن في السماوات والأرض هم من السماوات والأرض، أصلهم من السماوات والأرض؛ فالإنسان خُلِق من طين، والحيوانات الأخرى فيما يبدو والله أعلم -وإنْ كنَّا لا ندري عنها شيئًا- أنها خُلِقت من الأرض، لكنَّنا ما نعلم عنها شيئًا؛ لأن المهِمَّ أنْ نعرف أصْلنا، أمَّا هذه فخلقها الله لنا؛ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٩] (...).
وقوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾، ﴿وَلَدًا﴾ بمعنى: مولودًا، وكلمة ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ أعمُّ من قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص ٣]، لكن مع ذلك نفى الله عن نفسه اتِّخاذ الولد والولادة، فهو سبحانه وتعالى لم يلد ولم يتَّخذ ولدًا من عباده، وفي هذا إبطالٌ لقول مَن؟
* طالب: النصارى.
* الشيخ: لقول النصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، ولقول اليهود الذين قالوا: عُزَير ابن الله، وللمشركين الذين قالوا: الملائكة بنات الله؛ فالله سبحانه وتعالى ما ولد شيئًا، ولم يتَّخذ أحدًا من خلْقه ولدًا؛ ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾.
طيب، ذكرنا فيما سبق أنَّ الله تعالى إذا نَفَى عن نفسه الصفةَ فليس المراد بذلك نَفْي الصفة فقط، بل نَفْي الصفة وإثبات كمال ضدِّها، فما هو الضدُّ هنا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، كمال قُدرته وغِناه، وأنَّه غير محتاجٍ إلى الولد لكمال غِناه عن غيره، ما يحتاج للولد واتِّخاذ الولد إلَّا مَن كان محتاجًا له، أمَّا مَن كان غنيًّا عنه قادرًا على ما يريد فهذا لا يتَّخذ ولدًا.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ نعم، الله سبحانه وتعالى ليس له شريكٌ في الملْك، ما شاركه أحدٌ، لا أحد مِن الملائكة، ولا أحد من الأنبياء، ولا أحد ممن دونهم، الْمُلْك لله وحده لا شريك له فيه.
وفي هذا إبطالٌ للذين أشركوا بالله في الربوبية؛ مثل الذين يقولون: إنَّ بعض الأولياء يتصرَّفون في الكون. هؤلاء لا شك أنهم خاطئون وأنهم كاذبون أيضًا؛ فهُم خاطئون في عقيدتهم، كاذبون فيما أخبروا به؛ فالله سبحانه وتعالى ليس له شريكٌ في مُلكه.
وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ إذا قال قائل: ألَسْنا نملك بيوتنا ونملك ثيابنا ونملك مواشينا؟ فهل هذا يقتضي أن يكون لله شريك؟
الجواب: لا؛ لأن ملْكنا لهذه الأشياء ليس ملكًا مطْلقًا، صحيح أنا مالكٌ لبيتي ومالكٌ لثوبي ومالكٌ لسيارتي ومالكٌ لماشيتي، لكن ملْكي لهذه الأشياء ليس ملْكًا مطْلقًا؛ بدليل أنَّني مقيَّد بالشرع في التصرف في هذه الأشياء؛ هل أملك مثلًا أن أقوم عليها فأحرقها ولَّا ما أملك؟
* طالب: حرام.
* الشيخ: لا أملك، حرام عليَّ ذلك، لا أملك مثلًا أن أشقَّ على الحيوان في الحمل والركوب وغير ذلك؛ إذَنْ فكَوْني مالكًا (...) أكون شريكًا لله تعالى في ملْكه؛ لأن ملكي هذا مقيَّد بحسب إذْن الشارع لي، لا أتصرَّف فيه إلا بما أَذِن الله سبحانه وتعالى.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يقول الشارح: (مِن شأنه أن يُخلَق).
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ تفيد العموم، لكن الشارح قيَّدها بقوله: (مِن شأنه أن يُخلَق)، ليش قيَّدها بقوله: (مِن شأنه أن يُخلَق)؟
* طالب: لكي لا يدخل القرآن.
* الشيخ: نعم، لكي لا يدخل القرآن أو نفسه مثلًا، لو قال الإنسان: هل خَلَق الله نفسَه؟ لأنَّ هذا مستحيل، مستحيلٌ أنْ يخلق نفسَه، لكنه مع ذلك يقول: (مِن شأنه أن يُخلَق)، أمَّا ما ليس من شأنه أن يُخلَق كذات الله وصفات الله فهذا ليس داخلًا من الأصل؛ لأن الله تعالى خالقٌ، والخالق غير المخلوق، وصفات الخالق ليست مخلوقة؛ لأنَّ الصفة تابعةٌ للذات، ولهذا كأن المؤلف لَمَّا يقول: (مِن شأنه أن يُخلَق) ينبِّهك لتَرُدَّ بهذه الكلمة على مَن قالوا: إنَّ القرآن مخلوقٌ، فتقول: القرآن ليس من شأنه أن يُخلَق؛ لأنه من صفات الله سبحانه وتعالى، وصفات الله تعالى غير مخلوقة.
ولكنَّه ينبغي ألَّا نقيِّد الآية بهذا، نقول: هو خَلَق كلَّ شيء. والخالق يمكن أن يكون هو المخلوق ولَّا غير المخلوق؟ لا يمكن، فإذا كان لا يمكن دلَّ ذلك على أنَّ الله تعالى غير مخلوق، وعلى أنَّ صفاته أيضًا غير مخلوقة؛ لأنَّ الصفة تابعةٌ للموصوف، وحينئذٍ لا يحتاج أن نقول: من شأنه أن يُخلق؛ لأنَّنا إذا قلنا: من شأنه أن يُخلَق، قيَّدْنا الآية الكريمة.
ويمكن أن يحتجَّ علينا الذي يقول بخلق القرآن فيقول: مَن قال لك أنَّ الآية مقيدةٌ بهذا؟
فنحن نقول: ﴿خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ على سبيل الإطلاق وعلى سبيل العموم، وهذا لا يقتضي أن يكون القرآنُ مخلوقًا؛ لأنَّ الخالق غير المخلوق، والقرآن من صفات الله، وصفات الخالق قطعًا غير مخلوقة؛ لأنَّ الصفات تابعةٌ للذات.
إذَن الآن لو احتجَّ علينا المعتزلة والجهمية الذين يقولون: إنَّ القرآن مخلوق، فبماذا نُجيبهم؟ نُجيبهم بأحد وجهين:
الوجه الأول: ما أشار إليه المؤلف وهو أن يُقال: إنَّ هذا من باب العامِّ المراد به الخاص؛ يعني كلَّ شيءٍ مِن شأنه أن يُخلق، هذا وجه، وبهذا أجاب كثيرٌ من السلف وقالوا: إذا قال قائل: إنَّ القرآن مخلوقٌ، واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، فقُل له: إنَّ الله قال عن ريح عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾، ومع ذلك هي ما دمَّرت السماء ولا الأرض ولا المساكن؛ ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٥].
والبعض الآخر من العلماء يقول: لا، الآية على عمومها، والقرآن غير داخلٍ إطلاقًا حتى نحتاج إلى إخراجه؛ لماذا؟ لأنَّه إذا كان خالقًا فالخالق غير المخلوق، والقرآن كلام الله، وكلام الله من صفاته، وصفات الخالق غير مخلوقة؛ لأن الصفة تابعةٌ لأيِّ شيءٍ؟ للموصوف.
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ الفاء ويش تدلُّ عليه؟ تدلُّ على الترتيب.
و(قدَّره) بمعنى صوَّره؛ لأنَّ الخلْق قد يوجد لكنْ بدون تسوية، فالله تعالى خَلَق كلَّ شيءٍ فقدَّره؛ أي: سوَّاه.
والدليل على أنَّ التقدير هنا بمعنى التسوية قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى ٢]، وعلى هذا فالترتيب في قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ﴾ الترتيب حسب الواقع، الترتيب واقعي؛ لأنَّ التسوية تكون بعد الخلْق؛ أنت عندما توجِد بناءً أوَّلًا توجِد الهيكلَ ثم تُدخل التعديلات والتسويات، هكذا الله سبحانه وتعالى خَلَق كلَّ شيءٍ فقدَّره؛ أي: سوَّاهُ تسويةً مناسبةً لِمَا خُلِق له.
وقال بعضهم: إنَّ معنى ﴿قَدَّرَهُ﴾ أي: قضاه، فتدلُّ الآية على القضاء والخلْق. وعلى هذا القول الذي يجعل التقدير بمعنى القضاء يكون في الآية ترتيب غير واقعي؛ والسبب: لأنَّ التقدير بمعنى القضاء سابقٌ للخلْق، ولَّا لا؟ لأنَّ الله يقضي أولًا ثم يخلق ثانيًا.
ولكن أيُّهما الأفضل؟ الأفضل أن الترتيب يكون واقعيًّا وأن الخلْق قبل التقدير، ويدلُّ على ذلك أيضًا الآية الكريمة: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾، فكَوْنه يقول: ﴿خَلَقَ فَسَوَّى﴾ فإن القرآن يفسِّر بعضُه بعضًا، ونجعل التقدير هنا بمعنى التسوية.
وكونه يأتي الترتيب على خلاف الواقع، هذا وإن جاء في اللغة العربية لكنَّه خلاف المعهود، وإلَّا فقد قيل: إنَّ مَن تاب ثم تاب أبوه ثم تاب مِن بعد ذلك جدُّه، فـ(...) الجد هي الأولى، وهي في الترتيب هنا هي الأخيرة، ولكن الأقرب والأَوْلى ما مشى عليه المؤلف وأنَّ التقدير هنا بمعنى التسوية؛ لأنَّ كلام الله تعالى يفسِّر بعضُه بعضًا (...).
الفرقان 25:3
(...) الآية الآن، ذُكر أولًا تنزيل القرآن (...).
* طالب: (...) ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٤ - ٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان ٣].
(﴿وَاتَّخَذُوا﴾ أي: الكفار ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: الله)، أمَّا الضمير الأول: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ فلمْ يُذكَر له مرجعٌ لفظيٌّ، لكنَّه مرجعه معلومٌ بحسب الحال؛ يعني ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾ مَن هم؟
* طالب: الكفار.
* الشيخ: الكفار المتَّخذون، فهو لا مَرجِع له لفظًا، لكن مَرجعه معلومٌ بحال الواقع.
وأمَّا ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ فمَرجعه ظاهرٌ مما سبق؛ لأنَّ الله تحدَّث عن نفسه بقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾.
ومناسبة هذه الآية لِمَا قبلها أنَّ الله لَمَّا أثنى على نفسه بما أثنى به ناسبَ أن يذكر تلك الأصنام التي اتُّخذتْ من دونه -يعني مِن دون الله- آلهةً، ليتبيَّن حالُهم؛ لأنَّ الأشياء تتبيَّن بما يكون لها من صفات.
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾، وقوله: ﴿آلِهَةً﴾ جمع (إله)، وهذه الآلهة إنما كانت آلهةً باتِّخاذهم، أمَّا في الحقيقة فليست آلهةً لأنها ليستْ مستحقةً للعبادة، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: لقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم ١٩ - ٢٣]، وقال يوسف: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف ٣٩، ٤٠]، فهي آلهةٌ لاسمهم واعتقادهم، أمَّا في الواقع فليست آلهةً؛ بمعنى أنها لا تستحقُّ أن تكون آلهة. واضح يا جماعة؟
فعلى هذا مثلًا إذا قال قائل: كيف أثبتَ الله هنا أنها آلهة ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾، مع أنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم يقولون لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود ٦١]، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣]، كيف نجمع بين هذا النفي وبين هذا الإثبات؟
نقول: نجمع بين هذا النفي وبين هذا الإثبات أنَّ النفي باعتبار الحقيقة والواقع؛ فإنَّه لا إله إلا الله ولا شك في ذلك، وأمَّا الإثبات فهو بحسب أيش؟ بحسب عمل هؤلاء حيث جعلوا هذه آلهةً؛ أي: معبودةً، وهي لا شك أنها تُعبَد، لكنَّها ليست مستحقَّة للعبادة، فبحسب الاستحقاق يكون النفي، وبحسب الواقع يكون الإثبات. واضح الأمر ولَّا لا؟
بحسب الاستحقاق يكون النفي؛ يعني: لا أحد يستحقُّ ولا أحد يكون حقيقةً إلهًا سوى الله عز وجل. وأمَّا باعتبار الاعتقاد وباعتبار العمل فإنَّ مِن الناس مَن اعتقد وعَمِل فجعل مع الله إلهًا آخَر، وحقيقة هذه الآلهة أنها ليست بشيء، صحيح أنها تُعبَد وتُدعى ويُركَع لها ويُسجَد ويُنذَر لها، لكنَّها في الواقع ليست مستحقَّة لهذا الأمر، فليست آلهة.
ثم بيَّن الله هذه الآلهة المتَّخَذة: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾، وعدم خلْقهم دليلٌ على عَجْزِهم، وعَجْزُهم دليلٌ على أنهم ليسوا آلهة؛ لأنَّ الإله لا بدَّ أن يكون قادرًا؛ لأنَّ القدرة من كماله، وهذا العجز الذي اتَّصفتْ به هذه الآلهة يمنع أن تكون آلهة.
ثانيًا: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، مين اللي ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾؟ الآلهة. إذَنْ هي حادثةٌ بعد أن لم تكن، والربُّ يجب أن يكون أوَّليًّا ليس قبله شيء؛ لأنَّ الربَّ المستحقَّ للعبادة لا بدَّ أن يكون خالقًا، وإذا كان مخلوقًا فهو حادثٌ، وإذا كان حادثًا فمَن قبله ليس من خلْقه، وعلى هذا يكون في قوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ بيانٌ لعدم صلاحيتهم للآلهة من حيث أيش؟ انتفاء القدرة.
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لا يصلح أيضًا أن يكونوا آلهةً من وجهين:
أولًا: الحدوث؛ لأنهم محدَثون، والإله لا يمكن أن يكون مُحْدَثًا.
الأمر الثاني: أنَّ مَن قبلهم ومَن سبقهم ليس مِن خلْقهم، على فرض أن يكونوا يَخلقون، وهذا دليلٌ على عدم صلاحيتهم للألوهية.
﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان ٣] يقول المؤلف: (﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ أي: دَفْعه). ونحن نقول: دَفْعه وجَلْبه أيضًا. ويش المانع؟! لو أرادوا أن يضرُّوا أنفسَهم ما ضرُّوها، ولو أرادوا أن يدفعوا عنها ضررًا ما دفعوا عنها، فإبقاء الآية على العموم أَوْلى؛ ﴿لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ أيش؟ لا جَلْبًا للضرِّ ولا دَفْعًا له، حتى الضرر الذي يمكن أن يكون سهلًا لو أرادوه لأنفسهم ما استطاعوا؛ يعني لو أرادتْ هذه الأصنام أن تُتلف نفسَها تستطيع ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لو أرادتْ أن تُمرِض نفسَها -إذا كانت مما يَلْحقه المرض- هل تملك ذلك ولَّا لا؟ لا تملك. ولو أراد أحدٌ أن يعتدي عليها تملك دَفْعه ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما تستطيع، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ وهذا يدلُّ على أهميته؛ أَمْر الله تعالى لنا بأنْ نستمع لهذا المثل يدلُّ على أهميته.
المثل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، الذباب اللي هو مِن أَهْون الحيوانات وأَضْعفها لو أنَّهم اجتمعوا على أن يخلقوه ما استطاعوا.
أمرٌ آخَر: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ على ضعفه ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ ما يستطيعون أن يستنقذوه، ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج ٧٣].
فهؤلاء لا يملكون لأنفسهم ضَرًّا؛ لا دَفْعَه ولا جَلْبَه، ولا يملكون أيضًا نَفْعًا، يقول المؤلف: (أي: جَرَّه)، يعني: ما يملكون أن يجرُّوا لأنفسهم نفعًا. كذا؟ عندي: (أي: جَرَّه)؟
* طالب: إي نعم، (جَرَّه).
* الشيخ: إي نعم، فهُم لا يملكون أن يجرُّوا النفع إلى أنفسهم، ولا يملكون أيضًا أن يدفعوه عن أنفسهم، مِثل الأول، يعني ينبغي أن نجعلها على سبيل العموم، وإنْ كان مقتضى الحال أنَّ الإنسان يريد الدفع .. أو أنَّ أيَّ واحدٍ يريد دَفْع الضرر ويريد جَلْب النفع، ولكن إبقاء الآية على العموم أَوْلى؛ يعني: لا يستطيعون شيئًا لأنفسهم، وإذا كانوا لا يستطيعون ذلك لأنفسهم فمِن باب أَوْلى ألَّا يستطيعوه لعابديهم.
(﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ أي: إماتةً لأحدٍ وإحياءً لأحدٍ ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ أي: بعثًا للأموات).
﴿لَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ يعني: ما يملكون أن يموِّتوا أحدًا (...)، نعرف أنَّ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه وقال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨] أنَّه كاذب ولَّا صادق؟ كاذب.
﴿لَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ يعني: لا يملكون أن يَجْلبوا موتًا لأحدٍ ولا أن يَجْلبوا حياةً لأحد مهما اجتمعوا لذلك.
فإذا قال إنسان: أليس يمكن أن يقتلوا أحدًا؟
فالجواب: هذا سببُ الموت وليس هو الموت؛ يعني يمكن الإنسان يفعل سببَ الموت، لكن ما يمكن أن يُوقِع الموت، وبين الأمرين فرق، ولهذا أحيانًا يوجد سبب الموت ولا يموت الإنسان، وأحيانًا يموت الإنسان بدون سبب؛ يعني بدون سببٍ معلومٍ.
فإذَنْ هؤلاء لا يملكون موتًا لأحدٍ ولا حياةً، لا يملكون أن يُحْيُوا أحدًا من الأموات لأنَّ ذلك إلى الله عز وجل.
وأمَّا إحياء عيسى للأموات فليس من هذا الباب، ليس من الأمر الذي نفاه الله؛ لأنَّ الذي يُحْيِي حقيقةً للأموات هو الله، ولهذا قيَّد الله إحياءَه للموتى بقوله: ﴿بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠]، فليس هو يستقلُّ بهذا، وإنما يكون قوله سببًا للحياة التي يخلقها الله عز وجل. واضح؟
﴿وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ النُّشور هو بَعْثُ الموتى وتفريقُهم، نَشْرُهم معناه أنَّهم يُفَرَّقون؛ يخرجون من الأجداث وينتشرون في الأرض يتفرَّقون فيها، فهُم لا يملكون شيئًا من هذا كلِّه.
فإذا تبيَّن عَجْزهم الذاتي والعَرَضي تبيَّن أنها لا تصلح أن تكون آلهة، ففيهم عجز ذاتي وعَرَضي.
طيب، ما مقام أو ما حال ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ بالنسبة لقوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾؟
عَطْفها على قوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ من باب عطْف الخاصِّ على العامِّ أو التفصيل بعد الإجمال.
تجدون الآن الآية الكريمة تترقَّى من الأدنى إلى الأعلى: ﴿ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾، ﴿مَوْتًا﴾ و﴿حَيَاةً﴾ و﴿نُشُورًا﴾، معلوم؛ لأنَّ الحياة أشدُّ من الموت؛ يعني وجود سبب الحياة أو القدرة على الحياة أعظم من الموت، كذلك أيضًا النفعُ والضررُ؛ أيُّهما أعظم؟ النفع؛ لأن الضرر .. الإنسان يريد من الضرر دَفْع الشيء، ودَفْع الشيءِ أسهل من جَلْبه؛ لأنَّ الجلب إيجابيٌّ والدفْع سلبيٌّ، وغالبًا أن السلبي يكون أَهْون من الإيجابي، فانتقل الله سبحانه وتعالى في بيان عَجْز هذه الآلهة وأنها لا تَصْلح من الأدنى إلى الأعلى، هذا بالنسبة للتفصيل، أمَّا بالنسبة للإجمال فقال: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾.
* وفي هذا من الفوائد: دليلٌ على أنَّه ينبغي للإنسان أن يسوق للخَصْم ما يُقِرُّ به لزومًا حتى تقوم الحجَّة عليه.
هؤلاء الذين جعلوها آلهةً هل يمكن أن يدَّعوا بأنها تَخْلق؟ لا.
هل يمكن أن يدَّعوا بأنها غير مخلوقة؟ لا؛ لأنهم يعرفونها موجودةً وليستْ من قبل.
هل يمكن أن يدَّعوا بأنها تنفع أو تضرُّ؟ نقول: يمكن أن يدَّعوا ذلك، وفِعْلًا يدَّعون ذلك؛ يقولون: إنَّ الأولياء ينفعون، وإنهم يضرُّون، وإنَّ مَن لم يذبح لهذا الولي أو ينذر له فإنَّه يضرُّه. هذه دعوى.
يُطالَبون بأيِّ شيء إذا ادَّعوا؟ يُطالَبون بالدليل، نعم، الدليل أنْ يُقال لهم مثلًا: ادعوا هذا الوليَّ بأمرٍ معيَّن وانظروا هل يجلب لكم ذلك أو لا يجلبه، مِثْلما أنهم هم يطالبون الرُّسُلَ بأشياء معيَّنة؛ يقولون مثلًا لَمَّا قالت لهم الرُّسُل: إنَّ الله يُحْيي الموتى، قالوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، مع أنَّ الرُّسُل ما قالت لهم: إنَّ البعث في الدنيا، حتى يقولوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾، إنما قالت لهم: إنَّ البعث متى؟ بعد الموت. وهذا غير ما طالب به هؤلاء الخصْم للرُّسُل، فقولهم: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ هو في الحقيقة مصادرة؛ يعني: طلبُ دليلٍ لشيءٍ لم يقُله الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ إذ لم يقولوا: إنهم يُبعثون الآن.
فعلى كل حالٍ هذه الدعوى أنَّهم يملكون نفعًا أو ضرًّا، هذه دعوى تحتاج إلى بيِّنة.
أمَّا دعوى الموت والإحياء فهي أيضًا أوضح بُطلانًا، بل لَرُبَّما تُدَّعى؛ لأنَّ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه قال له: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فربما تُدَّعى.
وفي مناظرة إبراهيم عليه الصلاة والسلام -يعني يمكن أنْ ننتفع بها هنا- دليلٌ على أنَّه إذا ادَّعى المبطِل دعوى فإنَّنا ننقله إلى ما هو أَوْضح؛ لأنَّ المقصود ما هي بالمجادلة، المقصود إقامة الحجَّة على بُطلان هذا الأمر، وهو إذا بَطَل ولو من دليلٍ واحدٍ كفى، ما حاجة لأننا نُبْطله من الدليل الذي يُعيِّنه الخصم، قد نُبْطله من دليلٍ آخَر، إبراهيم عليه الصلاة والسلام لو أراد أن يحاجَّ هذا الرجل ويجادل هذا الرجل لَقال له: لستَ تُحيي وتميت، وإنما تفعل سببَ الإحياء والإماتة. لكنَّه عليه الصلاة والسلام ذهب إلى دليلٍ أَوْضح وأَبْين ولا تمكن المحاجَّة فيه؛ قطعًا لأيِّ شيء؟ قطعًا للنزاع والمجادلة؛ لأنَّ الإنسان اللي يجادل قابِلْه بدليلٍ لا يمكنه دَفْعه، فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨]، إلزام ولَّا ما هو بإلزام؟ إلزامٌ لا يتمكَّن معه أن يدَّعي شيئًا، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة ٢٥٨].
المهم الآن اللي عندنا: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ مُسَلَّم، ويمكن دعوى نَفْيه ولَّا ما يمكن؟ لا يمكن، حتى عند العابدين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان ٢٥]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، حتى عند العابدين ما يمكن يدعون هذه الصفة المنفية.
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لا يمكن أيضًا أن يدَّعوا أنها ليستْ مخلوقة؛ لأنها مصنوعة، هُم صنعوها بأيديهم؛ يقول إبراهيم لهم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦].
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ هذه قُلنا: إنه يمكن أن يُدَّعى أيش؟ خلافُ هذا النفي، وجوابُنا عليه من أمرين:
إمَّا إبطال هذه الدعوى بعينها ونقول: هذا أمرٌ لا يمكن، وإذا شئتم فادْعوا.
وإمَّا أن يقال: ننتقل عن هذا النفي عند المجادلة -ترى- لا ننتقل عن هذا النفي لعدم إيمانٍ بالله؛ يجب علينا أنْ نؤمن بأنهم لا يملكون ذلك، لكنْ عند المخاصمة ويش ننتقل إليه؟ إلى أمرٍ أعظم وأَبْين وأوضح.
مثلًا لو نزلتْ أمطارٌ كثيرةٌ مغرِقةٌ أو حصلتْ زلازل، ممكن نقول لهم: ادْعوا هذه الأصنام وانظروا هل (...) السماء؟ وهل تتوقَّف الأرض عن الزلازل؟ وما أشبهَ ذلك. لكنْ مهما كان لو ادَّعوا ما يدَّعون فإنَّنا ننتقل عند المجادلة إلى أمرٍ أوضح لا يتمكَّنون من نفيه. ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾.
ولَمَّا ذكر الله سبحانه وتعالى ما يعود إلى التوحيد انتقل إلى ما يعود إلى الرسالة؛ لأنَّ (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله)، فقال تعالى..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الفرق بينهما أنَّ النشور عامٌّ، وأمَّا الحياة فهي خاصَّة، الحياة لواحدٍ معيَّن؛ مِثل أن يُقال لهم: أحيوا هذا الميت. النُّشُور عامٌّ، ولهذا قُلنا: إنَّه من النَّشْر بمعنى التفريق والانتشار، فهو أعمُّ.
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾ أي: ما القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كَذِبٌ ﴿افْتَرَاهُ﴾ محمَّد ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان ٤] وهم من أهل الكتاب).
هذا الأصل الثاني من الأصول في التوحيد وهو إثبات الرسالة، إثبات الرسالة لا شك أنَّه أحدُ شطري التوحيد: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله)، ولا يمكن أن يُعبَد الله سبحانه وتعالى إلا بما جاءت به الرسل؛ لأنَّ العبادة طريقٌ للمرء إلى ربِّه.
وهل يمكن أن نتوصَّل إلى الله بطريقٍ لم يجعله طريقًا؟ ويش الجواب؟
* طلبة: لا يمكن.
* الشيخ: لا، وهذا الطريق الذي جعله الله طريقًا إليه جاء بواسطة الرسل، إذَنْ فالعبادة لا بدَّ لها من رسالة، ولا يمكن أنْ يُعبَد الله بمجرَّد العقل؛ لأن العبادة طريقٌ يوصل إلى الله، وهذا الطريق لا يمكن إلا بوضعٍ من الله، والله سبحانه وتعالى جعله بواسطة من؟ بواسطة الرسل.
المكذِّبون للرسل أيضًا قدحوا في الرسل وبما جاءوا به؛ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ هنا صرَّح بالاسم الظاهر، بالأول قال: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ [الفرقان ٣] ليعمَّ جميع المشركين من العرب وغيرهم، وهنا قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني من العرب الذين ردُّوا رسالة النبي عليه الصلاة والسلام.
(﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما القرآن)، المؤلف دقيقٌ في التفسير، فسَّر لنا الآن -رحمه الله- فسَّر لنا ﴿إِنْ﴾، وفسَّر لنا اسمَ الإشارة.
﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما) فهي نافية، ﴿هَذَا﴾ يقول: (القرآن)، فالمشار إليه إذَن القرآن.
﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما هذا القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾، شوف -والعياذ بالله- أَتَوْا بالحصر؛ يعني ما يمكن يكون إلا إفكًا، لا يمكن أن يكون فيه صِدْق، فأَتَوا بالحصر عن طريق النفي والإثبات؛ (ما هذا إلا إفكٌ) يعني: ولا يمكن أن يكون صدقًا.
(كَذِبٌ ﴿افْتَرَاهُ﴾ ) يعني اختلقه؛ أي: النبي ﷺ.
﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يقول: (من أهل الكتاب)، ومنه أيضًا الرجُل الذي قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل ١٠٣].
يقولون: إنَّ هذا ليس من الله، بل هو من محمدٍ ﷺ افتراه مع مساعدة غيره.
يقول الله عز وجل مبطلًا لكلامهم: (﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان ٤] كُفْرًا وكَذِبًا).
﴿جَاءُوا ظُلْمًا﴾ المؤلف فسَّر الظُّلم بالكفر لأنَّ الكفر ظُلم؛ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، ثم أيضًا هو ظلمٌ بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه اعتداءٌ عليه ووصْفٌ له بالكذب، ولو أنَّ إنسانًا وَصَف أحدًا من الناس بالكذب لَقُلنا: إنَّه ظالِمٌ له ومُعْتدٍ عليه.
﴿وَزُورًا﴾ الزُّور في الأصل: كلُّ ما انحرف عن الصراط المستقيم، كلُّ انحرافٍ فهو زُور؛ ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف ١٧]؛ تميل، فكلُّ مَيْلٍ فهو زُور، وفي الحديث: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ» » والمراد به كلُّ قولٍ منحرفٍ، «والْعَمَلَ بِهِ»[[الحديث بتمامه: «مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه» أخرجه البخاري (١٩٠٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]].
الزُّور إذَن الكذب، فهُم من أكذَبِ الناس، بل أكذَبُ الناس فيما قالوا؛ هل قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ فيه شيءٌ من الصدق؟ لا، بل هو كَذِبٌ وظلمٌ وعدوانٌ على الرسول ﷺ.
ثم نقول لهم: إذا كان محمدٌ ﷺ هو الذي افتراه وأعانه عليه قومٌ آخرون فأْتوا بسورةٍ من مِثله؛ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور ٣٤]، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨].
ثم إنَّ محمدًا ﷺ عاش فيهم قبل الوحي كم؟ أربعين سنة، ما قال يومًا من الأيام: إنَّه يُوحى إليه، والذي يريد أن يكذبَ يكذبُ في عُنفوان شبابه ليكسب الأتباع من أول الأمر، فلمَّا لم يكن هذا إلا بعد مُضِيِّ أربعين سنةً، دلَّ ذلك على أنَّ دعواهم يُكَذِّبها الواقع أيضًا؛ فإنَّ هذا الوحي جاء والرسولُ عليه الصلاة والسلام في سِنِّ الأربعين، ولا يمكن أن يكون الكذب يتجدَّد له في هذا السن.
ثم إنَّنا نقول: مِمَّا يبيِّن أنَّه الغرور أنَّ هؤلاء الذين يقولون: إنه افتراه، هم بأنفسهم يشهدون للرسول ﷺ بالصدق، وكانوا يُسَمُّونه الأمين[[أخرج الحاكم (١٧٠١) من حديث عبد الله بن السائب رضي الله عنه: «وكانوا يُسَمُّونه في الجاهلية الأمينَ».]]، ولا يشكُّون في صِدْقه، ولا يشكُّون في عدالته ﷺ. فأين كانوا من قبل؟
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان ٥].
(﴿وَقَالُوا﴾ أيضًا هو ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أكاذيبهم؛ جمع (أُسطورة) بالضمِّ ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ انتسخها من ذلك القوم) أيش؟
* طالب: (لغيره).
* الشيخ: (بغيره).
* الطالب: باللام.
* الشيخ: (لغيره)؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: عندي بالباء، (بغيره ﴿فَهِيَ تُمْلَى﴾ تُقرأ ﴿عَلَيْهِ﴾ ليحفظها ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ غُدوةً وعشيًّا).
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، ﴿أَسَاطِيرُ﴾ جمع أُسطورة، وهي الأحاديث الرائجة التي لا أصل لها، وعند العامَّة يسمُّونها (...)، هذه الأسطورة. قالوا: إنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام أتى بأساطير الأوَّلين؛ يعني: أقاصيصهم وأحاديثهم التي لا أصل لها.
هذا القول الذي قالوه هل هو عن عقيدة ولَّا حسب الواقع؟ يعني: هل هو عن عقيدةٍ كاذبةٍ؟ يعني: قالوه بألسنتهم، ولَّا قالوه بحسب الواقع؟ يعني هل هم ادَّعَوْا ذلك دعوى، أو هذا الذي يعتقدونه وهذا الذي تبيَّن لهم؟
يمكن هذا ويمكن هذا، والله سبحانه وتعالى يقول في سورة المطففين: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ٧ - ١٤]، هذا يدلُّ على أنَّ قولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ليس دعوى بل اعتقاد، وأنَّ هذا هو الذي يعتقدونه، فإنْ كانت دعوى وهم يعتقدون أنها وحيٌ وصِدْقٌ فهذه دعوى باطلةٌ مثل غيرها من الدعاوى، وإنْ كان هذا ما يعتقدونه وهو ما ظهر لهم من القرآن فليس بغريبٍ أيضًا؛ لأنَّ الإنسان -والعياذ بالله- إذا حُجِبَ قلبُه رأى الحقَّ باطلًا والباطلَ حقًّا، فيمكن أن هؤلاء لظلمهم وكفرهم وعدوانهم لم يتبيَّن لهم حقيقة القرآن وظنُّوها أساطير. وهذا في الحقيقة معنًى جيِّد -الأخير- أنهم يقولونه لا مجرَّد دعوى لتكذيب الرسول ﷺ، ولكن بحسب الواقع فيما يعتقدون؛ وذلك لأنهم ليس عندهم اتجاهٌ سليمٌ صحيحٌ لقبول الحقِّ، فأُرُوا الحقَّ باطلًا.
الآن لو قرأْنا القرآنَ على إنسانٍ مُعْرِضٍ هل يتذوَّق حلاوتَه؟ هل يُحِسُّ بأنَّه كلام الله؟ هل يُحِسُّ بأنَّه أصدَقُ الأخبار وبأنَّه أعدَلُ الأحكام؟ لا، أبدًا، تجده مُعْرِضًا عنه، وليس بشيءٍ عنده حقيقةً باعتبار الواقع. ليش؟ لأنه -والعياذ بالله- كما قال الله عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠].
فهو -قولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ - قد يكون ذلك عن عقيدةٍ وأنَّ هذا بحسب الواقع لأنَّ حالهم تقتضي ذلك، وكلَّما أعرضَ الإنسانُ عن القرآن يكون أشدَّ خفاءً عليه وأبعدَ عن معرفته، وكلَّما أقبلَ عليه ازدادَ به يقينًا ومعرفةً. أفهمتم الآن؟
ولِهذا أنا أدعوكم ونفسي إلى أنْ يتأمل الإنسان دائمًا في القرآن ويتدبَّر لئلَّا يكون أُمِّيًّا. الله تعالى سَمَّى اللي ما يعرفون المعنى سَمَّاهم أُمِّيِّين، اللي ما يعرف المعنى وإنْ كان يعرف اللفظَ سَمَّاه الله أُمِّيًّا؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]، أيش معنى ﴿أَمَانِيَّ﴾؟
* الطلبة: قراءة.
* الشيخ: قراءة، فسَمَّى هؤلاء الذين لا يعلمون الكتاب إلا قراءةً سَمَّاهم أُمِّيِّين؛ لأنَّ مَن يقرأ ولا يفهم فهو كمَنْ لا يقرأ، لا فرق بينهما، إلَّا أنَّ هذا عنده فهمٌ للَّفظ وذاك ليس عنده (...)، واللفظ ماذا يستفيد به المرء وهو لا يعرف معناه؟! لأنَّ اللفظ هو بمنزلة الثوب للجسم؛ إذا كان عند الإنسان ثيابٌ هل تكون رجالًا؟ واحد عنده عشرون ثوبًا، قال: واللهِ أنا أبغي آخذه على هؤلاء الجماعة (...) عليهم. أيش عندك؟ قال: عندي عشرين ثوب. تنفعه هذه الثياب؟ ليست عشرون الثوب تكون عشرين رجلًا.
فالمهم أنَّنا نقول: إنَّ الواقع أنَّ الرجل إذا لم يُقبل على القرآن وهو يتأمَّله ويحرص على معرفة معناه فإنَّه لا يستفيد من القرآن شيئًا، وكما تعرفون حال الصحابة رضي الله عنهم؛ لا يتجاوزون عَشْر آياتٍ حتى يتعلَّموها وما فيها من العلم والعمل[[أخرج الطبري في تفسيره (١ / ٨٠) عن أبي عبد الرحمن قال: حدثنا الذين كانوا يُقرِئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبيِّ ﷺ، فكانوا إذا تعلَّموا عشر آياتٍ لم يخلِّفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلَّمنا القرآن والعمل جميعًا.]]، فتعلَّموا القرآنَ والعلمَ والعملَ جميعًا.
والذي يضرُّنا نحن أنَّنا نحرص على تلاوة القرآن لفظًا، وهذا طيب، لكن معنًى أيضًا. ومن الممكن أنَّ الإنسان يقرأ ما تيسَّر لفظًا، ثم إذا كان ما قد مَنَّ الله عليه بحفظه يتأمَّله وهو يمشي، يتأمَّله وهو على فراشه، وبتأمُّل القرآن يفتح الله على الإنسان معاني ما كان يعرفها ولا تخطر له على البال؛ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧]، وجرِّبْ تَجِدْ؛ لأنَّ القرآن تبيانٌ لكلِّ شيء، وهذا كلام الله عنه، والذي يحول بيننا وبين هذا التبيان لكلِّ شيءٍ هو عدمُ إقبالنا على هذا القرآن والتأمُّل فيه والتفكُّر فيه، وإلا لو أنَّنا تأمَّلْناه لَوجدناه تبيانًا لكلِّ شيء.
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ يعني: استنسخها من غيره. وأيضًا الرسولُ ﷺ يعرفون هم أنَّه كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب، لكنَّه أَمَر غيره أن يكتبها له، ولهذا المؤلف يقول: (انتسخها من ذلك القوم بغيره) انتسخها بغيره، لأنهم ما قالوا: كتبها، قالوا: ﴿اكْتَتَبَهَا﴾؛ يعني أَمَر غيرَه أن يكتبها له؛ لأنهم هم يعرفون الرسول ﷺ أنه كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب.
﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان ٥] ﴿تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ يعني: تُقرأ عليه، ليس تُملى عليه ليكتبها؛ لأنه لا يكتب، ولكنْ تُقرأ عليه ﴿بُكْرَةً﴾ في أول النهار ﴿وَأَصِيلًا﴾ في آخر النهار، ثم يأتي بها للناس ويقول: هذا كلام الله وهذا وَحْيٌ يُلقى إليه، وهو في ذلك -على زعمهم- ليس بصادق.
قال الله تعالى ردًّا لقولهم ..
* طالب: قوله تعالى: (...)؟
* الشيخ: يمكن أن يكون (...)، يجوز هذا وهذا، ويمكن بعضهم مِثْل كُبَرائهم لا شكَّ أنهم يعرفون الحقَّ، لكن عوامهم قد لا يعرفون، قد يخفى عليهم هذا الأمر ويقولون: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* طالب: يا شيخ، قوله تعالى: (...)، يؤخذ من هذا أنَّ (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو بيؤخذ، يؤخذ من هذا العموم ومن كلِّ وقت، دائمًا إذا أُرِيدَ العمومُ يُذكَر البُكرة والعشي؛ ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢] مع أنَّ رزقهم لا ينقطع في الجنة؛ ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة ٣٣]، لكنَّه يُذكَر هذان الوقتان للدوام.
أمَّا بالنسبة للواقع والتجربة فإنَّنا جرَّبْنا أنَّ الحفظ في أول النهار أسرع، والحفظ في آخر النهار -حسب ما جرَّبتُ أنا- إذا حفظت في آخر النهار ما هو سريع الحفظ، لكنَّك إذا قُمت من النوم وجدت أنك حافظ، فكلُّ واحدٍ منهما له مزيَّة بالنسبة للحفظ.
ردَّ الله عليهم بقوله: (﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ الغيب ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ للمؤمنين ﴿رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٦] بهم).
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ أمْرٌ للنبيِّ عليه الصلاة والسلام بأنْ يقول لهم في ردِّ قولهم: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، ونحن ذكرنا فيما سبق أنَّ القرآن كلَّه قد أُمِرَ النبيُّ ﷺ بتبليغه، ولكنَّه إذا جاء حُكمٌ من الأحكام أو خبرٌ من الأخبار وأُمِرَ النبيُّ ﷺ أن يقوله، ويش يدلُّ عليه؟ على الاهتمام به والعناية به، كأنَّه وصيَّةٌ خاصَّةٌ بهذا الأمر.
وفي هذا المقام الذي معنا فيه أيضًا زيادةٌ على ذلك أنَّه دعمٌ للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّه إذا كان الله هو الذي يُلَقِّنه الحُجَّة، كان ذلك أبلغ في دَعْمه وتقويته، أليس كذلك؟ يعني كأنَّ الله يُلَقِّنه الحُجَّة ليُحاجَّ عنه لكن على لسانه.
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ أي: القرآن ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قد يبدو للإنسان أن هذا الجواب ليس بمقنع؛ لأن هذا الجواب هو نفس الشيء الذي كان الرسول يقوله؛ فإنَّ الرسول يقول: إنَّ هذا الوحي أنزله الله، من الأصل، فهل يمكن.. أنتم فاهمون الكلام الآن؟
يعني قد يبدو للإنسان مِن أوَّل وَهْلةٍ أنَّ هذا الجواب غير مقنع، كيف ذلك؟ لأنَّ الرسول ما زال يقول: إن الذي أنزله الله، فكيف يكون هذا الجواب مُفْحِمًا لهم ومُبْطِلًا لقولهم؟
* طالب: لأنَّ الله سبحانه وتعالى (...).
* الشيخ: وهي؟
* الطالب: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان ٦] (...).
* الشيخ: زين، هذا وجه. ووجه آخر: في نفس ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾؛ ولهذا الله قال: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ [الفرقان ٦]، وفي أخبار هذا القرآن ما هو من الأسرار التي لا يطَّلع عليها محمدٌ ﷺ ولا غيره؛ ولهذا عدلَ الله سبحانه وتعالى عن قوله: قلْ أنزله الله، إلى قوله: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، يعني هو في القرآن من الأسرار ما هو معلوم، يُخبر بالخبر فيقع، هل الرسول عليه الصلاة والسلام يمكنه أن يعلم ذلك؟ لا يعلم ذلك، وإنما الذي يعلمه الله، وهو الذي أنزله، فنأخذ من قوله: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ نأخذ منه البرهان القاطع على أنَّ هذا القرآن ليس من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، وليس أساطير الأولين؛ لأنَّ فيه إخبارًا عن أمورٍ مستقبَلةٍ تقع كما أخبر، ولا أظنُّ أنَّ بشرًا يتمكَّن من ذلك، هذا وجهٌ بيِّنٌ جدًّا.
وجهٌ آخَر يمكن أن يؤخذ؛ وهو أنَّه إذا كان هذا القرآن من عند محمدٍ ﷺ وينسبه إلى الله، فإنَّ الله لا يمكن أن يُقِرَّه على هذا الأمر؛ لأنَّ الله تعالى يعلم السِّرَّ، وهذا الذي فعله محمدٌ ﷺ على فرض أنَّه ليس بصحيحٍ سرٌّ ولَّا جَهْر؟ جَهْرٌ. فإذا كان الله يعلم السِّرَّ فإنَّه يعلم الجهرَ من باب أَوْلى، وإذا كان يعلم الجهرَ ومحمدٌ ﷺ يقول: إنَّ هذا كلام الله، فإنَّ الله تعالى لا يمكن أن يُهمله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾، ﴿بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ ما هي بكلِّها ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٦].
إذَنْ فهذه حُجَّة من وجهين:
منين الوجه الأول؟ أنَّ في القرآن أسرارًا وأخبارًا بالغيب لا يمكن أنْ يأتي بها بَشَر.
الأمر الثاني: أنَّه لو كان القرآن من عند محمدٍ ﷺ وهو (...) إلى الله ويجاهد به أيضًا، ويجاهد به وعليه، لَكان الله سبحانه وتعالى يُعاجله بأيِّ شيء؟ بالعقوبة؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾، وهذا هو السرُّ في العدول عن قوله: قلْ أنزله الله، إلى قوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يُشير المؤلف .. المؤلف تصرَّف في إطلاق الآية؛ الآية: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وهو يقول هنا: (﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ للمؤمنين ﴿رَحِيمًا﴾ بهم)، فما رأيُكم بهذا التصرُّف من المؤلف؟ هذا في الحقيقة تخصيصٌ لا وجه له؛ فالله تعالى موصوفٌ بهذا الوصف ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ لكلِّ مَن يستحقُّ المغفرة؛ للمؤمن معه أصل الإيمان لكن يعمل المعاصي..
تجوز مخالفة الرسم العثماني، قالوا: لأن للرسم قواعد خاضعة لكل أمة ولكل عصر، ولو أن القرآن حين نزَلَ كتابته على غير هذا الوجه لكُتِبَ على غير هذا الوجه.
إذن (...) القول الأول يقولون: لا تجوز مخالفة الرسم العثماني، ويجب على الإنسان إذا كتب القرآن لنفسه أو لغيره، تعليمًا أو تلاوة، أو أي حال من الأحوال، يجب أن يكون على الرسم العثماني، بناءً على أن هذا من باب التوقيف، فكما أننا لا نغيِّر اللفظ فكذلك لا نغيِّر الكتابة.
ثانيًا: يجوز أن يُكتب القرآن بحسب القواعد التي يُكتَب بها في أي عصر كان، ولا يجب التقيُّد بالرسم العثماني.
قالوا: لأن الكتابة لها قواعد تختلف باختلاف العصور والأمم، والقرآن لم ينزل مكتوبًا وإنما نزَلَ مقروءًا باللفظ لا بالكتابة حتى نقول: إن الكتابة توقيفية. ولأنه لو كانت القواعد -قواعد الرسم- حين نزول القرآن على غير هذا الوجه لكتب بها ولَّا لا؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: لو فُرِضَ أن الرسم حين نزول القرآن أو حين جمعه في عصر عثمان رضي الله عنه على غير هذه القواعد، لكُتِبَ بها ولَّا يُكْتب بشيء آخر؟ لكُتِب بها. فدلَّ ذلك على أن الكتابة تابعةٌ للعصر الذي تُكْتَب فيه.
والقول الثالث: التفصيل؛ إن كُتِبَ لعالمٍ فبالرسم العثماني، وإن كُتِبَ لجاهل فبالرسم العصري الذي هو فيه. قالوا: لأنه إذا كان جاهلًا ثم كُتِبَ له على الرسم العثماني أخطأ في اللفظ؛ مثلًا: نبغي نكتب (الصلاة)، على الرسم العثماني فيها واو.
* طالب: الصلوات.
* الشيخ: بيقرأها الجاهل الصلوات مثلًا، أو الصلوت، وكذلك الزكاة، وكذلك الربا، وما أشبهها. فهؤلاء يفصِّلون بين أن يُكْتَبَ لعالمٍ وأن يُكْتَبَ لجاهلٍ.
والصحيح القول الثاني: إنه يجوز أن يُكْتَبَ القرآن بحسب القواعد العصرية التي كُتِبَ بها؛ لأن كتابته ليست بتوقيفية؛ لأنه لم ينزِلْ مكتوبًا، فنقول: يجب التوقف على ما نزل عليه، وإنما هو كُتِبَ في عصرٍ كانت قواعد الرسم على هذا الوجه، فبقي على هذا الوجه.
* طالب: ربما يا شيخ (...)؟
* الشيخ: لا، ما يقع، أصله هو يُتْلَى، فالتلاوة تضبطه عن التحريف.
طيب، بناء على هذا الخلاف: كتابة القرآن بطريقة (برايل) تجوز ولَّا لا؟
* طالب: تجوز.
* الشيخ: لا، ما تجوز من باب أولى؛ لأن النقط هذه أبعد ما تكون عن الحروف، وعلى هذا فلا يجوز إطلاقًا أن يُكْتَبَ، وعمل الناس الآن على خلاف هذا؛ فهم الآن يوجد مصاحف كاملة مكتوبة بهذه الطريقة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، لفظًا، ما هي ترجمة.
* طالب: يُكْتَب ببرايل بالرسم العثماني؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: ما المعنى يعني؟
* الشيخ: الآن مثلًا: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ [المائدة ١١٦]، ﴿قَالَ﴾ ما تكتب ببرايل إلا على حسب قواعد برايل، حسب رسمها، (...).
* الطالب: إي نعم، لا يكتب (...) يا شيخ، أغلبها اختصارات.
* الشيخ: لا، حتى لو فُرِضَ أنها تبقى على ما هي عليه، إن كان بعد اختصارات فهي يجب البحث فيها، حتى لو قلنا بالجواز.
* الطالب: لا، أغلبها اختصارات، تعلمنا في (...) أكثرها اختصارات، يختصرون الكلمات إلى نقط (...) الحرف.
* الشيخ: نقطة واحدة؟
* الطالب: يعني ربما كلمة كاملة مثلًا (كيف)، بالذات الكلمات المشهورة.
* الشيخ: إي، يرمزون لها رمزًا؟
* الطالب: إي رمز، ربما رمَزَ بحرف واحد.
* الشيخ: معناه أنهم يسقطون بعض الحروف كتابة؟
* الطالب: إي.
* الشيخ: هذه تكون أبعد عن الجواز، يعني هذه أبعد حتى لو قلنا بالجواز فيُنْظر في هذا.
* طالب: يا شيخ، بالنسبة لكتابة القرآن لنا، يعني (...)؟
* الشيخ: لا، القراءات على الرسم العثماني صحيح تأتي، لكن قبل أن يوجد التشكيل والإعراب. الإعجام الآن يمنع، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] مثلًا بعد أن أُعجمت ونُقِطَت ما يمكن أنك تقرأها: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ .
* الطالب: لا، مثل قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]؟
* الشيخ: إي.
* الطالب: تقرأ ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فيها، يعني بالرسم العثماني ألف مُزالةٌ، فتُقْرَأ على الوجهين.
* الشيخ: الآن؟
* الطالب: لكن لو كُتِبَت على الكتابة المعروفة لاحتملت وجهًا واحدًا، وهو (...).
* الشيخ: الآن ﴿مَالِكِ﴾، لو أنا بنقرأها على الرسم العثماني بدون تشكيل، على طول نقرؤها: ﴿مَلِكِ﴾ ، ولا يمكن نقرؤها: ﴿مَالِكِ﴾، ولَّا لا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: وبالتشكيل تقرؤها: ﴿مَالِكِ﴾؛ لأنه يرمز للألف بالشرطة.
* الطالب: للاسم.
* الشيخ: بالشرطة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: فإذن على كل حال سيتبين هذا وهذا، يعني بعد التشكيل في الحقيقة ما تتبين القراءة، يعني ما تكون الكلمة الواحدة جامعة للقراءة.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، أبدًا، ما هو محظور هذا.
* طالب: بالنسبة لكتابة (برايل)، أليس القرآن الكريم نزل مقصودًا للنطق به، يعني تعلم الناس؟
* الشيخ: بلى.
* الطالب: ويش المانع أن تكون الكتابة على هذه (...)؟
* الشيخ: نحن نقول بناء على الخلاف، أما إذا قلنا بالجواز فهي جائزة طريقة (برايل)، إي، لكن بس عاد اللي يوجب علينا الإشكال كلام الأخ أن فيها اختصارًا.
* الطالب: إذا كان يفهم المعنى؟
* الشيخ: إي.
* الطالب: إذا كان -مثلًا- يفهم أن هذه النقطة أنها مثلًا (كيف) أو (لماذا).
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: يعني يكون القرآن كاملًا، يعني لفظًا؟
* الشيخ: ما فيه إشكال.
* الطالب: ما فيه إشكال؟
* الشيخ: إي نعم، هو على القول بالجواز الأمر واسع، على القول بجواز كتابة القرآن بغير الرسم العثماني الأمر فيه واسع، وما زال الناس الآن بالنسبة للتعليم -تعليم الصبيان- يكتبونه بالرسم العصري، وأنا ما عندي إشكال في جواز الرسم العصري بدون حاجة، حتى وإن لم يحتج الإنسان إليه؛ لأنه كما أشرنا إليه أولًا. أولًا ذكرنا ثلاثة أوجه للجواز: أن القرآن نزل؟
* طالب: ليُقْرَأ.
* الشيخ: مَلْفوظًا به لا مكتوبًا، وحينئذٍ يمنع التوقيف.
ثانيًا: أنه إنما كُتِب على هذا الوجه لأن القاعدة الرسمية في ذلك الوقت كانت على هذا الوضع، لا لأنه -مثلًا- الرسول قال: اكتبوه على هذه الصفة، أو أن جبريل نزل به على هذه الصفة.. إلى آخره.
* طالب: فيه حديث عن النبي ﷺ أمره بأن يكتب على هذه الصفة.
* الشيخ: على هذه الصفة؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وين هو؟
* الطالب: في حديث (...) ﷺ: مدَّ الألف، يعني لا أحفظ لفظ الحديث: وحرك اللام...
* الشيخ: ما أعرفه.
* الطالب: لا (...)، فيه حديث -يا شيخ- شرحه الزرقاني.
* الشيخ: إي.
* الطالب: يعني ذكر فيه كيفية أمر النبي ﷺ لهم بكتابة القرآن، بأن قال لهم يعني: مُدَّ الْأَلِفَ، أو حَرِّكِ اللَّامَ.
* الشيخ: طيب، إذا قال: مُدَّ الْأَلِفَ، هذا عليهم؛ لأن ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، إذا مدينا الألف نجيب الألف، مع أني ما أعتقد أن هذا يصلح من الرسول عليه الصلاة والسلام، أبدًا، أنه يقول: اكتبوا (الصلاة) بالواو، واكتبوا (الزكاة) بالواو، واكتبوا (الربا) بالواو.
* الطالب: لا، هو ذكر فيها قواعد الرسم الخمسة (...)، يعني الحذف والوصل والـ...
* الشيخ: على كل حال، اللي بيغير اللفظ لا بد، هذا لو ما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام لفظًا أمرًا خاصًّا، هذا معلوم، اللي بيغير اللفظ.
* الطالب: (...) حسب الأحرف السبعة، حتى تعتبرها الأحرف السبعة.
* الشيخ: أبدًا، ما نعتبرها الأحرف السبعة، الأحرف السبعة باللفظ ما بالكتابة.
الوجه الثالث: أننا نجزم بأنه لو كانت القواعد الرسمية في ذلك الوقت على غير هذا الشكل لكُتِبَ بها بلا شكٍّ، ما يمكن يُكْتَب بغير القواعد الرسمية في ذلك الوقت.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، لكنه في عهد عثمان رضي الله عنه كتبوا حسب القواعد الرسمية -فيما يبدو لي- في المدينة في ذلك الوقت ولو هو من الجائز، ما دام أن عثمان أمر بإحراق جميع المصاحف المخالفة لهذا في اللفظ، حتى لفظًا أمر بإحراقها ليجتمع الناس.
على هذا نقول: هذا القول هو الراجح؛ أنه يجوز أن يكتب القرآن بحسب القواعد العصرية، وأنه لا يجوز أن يكتب بالرسم العثماني للجاهل، هذا الذي نراه أيضًا، إنسان جاهل ما إحنا معلمينه لفظًا، يعني لا نعلمه التلاوة لفظًا، لا يجوز أن نكتب له بالرسم العثماني، والسبب أنه لو قرأه على حسب الرسم العثماني وهو لم يعلم إياه بالتلاوة سوف يحرف القرآن.
* طالب: يا شيخ، بالنسبة لأصحاب القول الثاني الذين يرون أنه، الذين فسروا بالنسبة (...)؟
* الشيخ: بالنسبة؟
* الطالب: للجاهل، يعني يجب كتابة القرآن بالطريقة التي يقرأها (...).
* الشيخ: إي.
* الطالب: طيب، منها نستنبط أنه أيضًا (...)؟
* الشيخ: ما فيها شك، هذا إذا قلنا بالجواز سواء تفصيلًا أو إطلاقًا، فالطريقة (برايل) هذه جائزة للحاجة.
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان ٧] قلنا: إن (ما) استفهامية، و(لِ هذا) جار ومجرور خبرُ المبتدأ، و﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ الجملة ويش محلها من الإعراب؟ نجيب آية تشبهها ليتضح لكم: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر ٤٩]، ويش تُعْرِبون ﴿مُعْرِضِينَ﴾؟
* طالب: (...) حال.
* الشيخ: حال. إذن ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ حال؛ الجملة حالية، يعني: ما باله آكلًا للطعام، كأنهم يقولون: لو كان رسولًا لم يأكل الطعام. هذه واحدة.
ثانيًا: ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، يمشي في الأسواق مع الناس، ما يترفَّع، ولا يختبئ في بيته، ولا يمشي ومعه جنوده يمينًا وشمالًا، وأمامًا وخلفًا، ليش يمشي في الأسواق؟
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾، يعني كأنهم يقولون: ولماذا لم يكن معه مَلَكٌ؟ لأن ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى: هلَّا، وهي للتحضيض.
وقوله: ﴿مَلَكٌ﴾ أحد الملائكة، وهو مشتقٌّ من الألوكة، وهي لُغةً الرسالةُ، وقد قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر ١].
﴿فَيَكُونَ مَعَهُ﴾ مع من؟ مع الرسول ﷺ، ﴿نَذِيرًا﴾ يعني مُنذِرًا؛ ليعلم بذلك أنه صادق.
الوجه الرابع: (﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [الفرقان ٨] من السماء ينفقه ولا يحتاج إلى المشي في الأسواق لطلَبِ المَعاش).
﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ يعني: من السماء ينزل، ﴿كَنْزٌ﴾ من السماء، وإنما قلنا: (من السماء)؛ لأن قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ تدل على الانتهاء والغاية، وإلا من الجائز: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ يعني: يجد كنزًا في الأرض، ولكن (إلى) تفيد الانتهاء والغاية، فيكون معنى هذا يعني: ﴿يُلْقَى إِلَيْهِ﴾ من السماء ينزل، ﴿إِلَيْهِ﴾ من السماء، ﴿كَنْزٌ﴾ لأجل أي شيء؟ ليكون ذا مال كثير، فلا يحتاج إلى المشي في الأسواق، ولا يصيبه الفقر كما هي حال النبي ﷺ.
هذه كم؟ ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾، ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾، ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾.
(﴿تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بستانٌ، ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أي: من ثمارها، فيكتفي بها، وفي قراءة ﴿نَأْكُلُ﴾ بالنون؛ أي: نحن، فيكون له مَزِيَّة علينا بها).
(وفي قراءة) سبعيَّة ولَّا شاذة؟
* طالب: سبعيَّة.
* الشيخ: سبعيَّة؛ لأن قاعدة المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: (وفي قراءة) فهي سبعية، وإذا قال: (وقُرِئَ) فهي شاذة.
إذن فيها قراءتان: ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ و﴿نَأْكُلُ مِنْهَا﴾ ، ﴿يَأْكُلُ﴾ و﴿نَأْكُلُ﴾ .
طيب، هذه خمسة أشياء اعترضوا بها.
(﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ أي: الكافرون للمؤمنين، ﴿إِنْ﴾ ما، ﴿تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ مخدوعًا مغلوبًا على عقله).
﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ أولًا: في هذا إظهار في مقام الإضمار، ولَّا لا؟ لأنه بالأول كلها المسألة ضمائر: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾، وهنا: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾. والإظهار في مقام الإضمار له فوائد، وأظن أننا قد ذكرناها من قبل.
* طالب: أولًا (...).
* الشيخ: تسجيل هذا الوصف عليهم، يعني بيان حالهم أنهم بهذا الوصف، يعني أنهم ظالمون. هذه واحدة.
طيب، الثانية؟
* طالب: الاعتناء (...).
* الشيخ: اهتمام، كيف ذلك؟ ما فيه شيء.
الفائدة الثانية: أن هذا القول يُعتَبَرُ من الظلم، فيكون الأمر شاملًا، يعني أن كل من قال فهو ظالم.
الفائدة الثالثة: التنبيه، تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد فإن الإنسان ينسجم وربما يسرح، فإذا جاءه شيء على خلاف النمط الأول حصل بذلك الانتباه. وهذه الفائدة لفظية، والفائدتان الأوليان معنويتان.
* طالب: العلة (...)؟
* الشيخ: هو هذا يؤخذ من الأمر الثاني؛ الفائدة الثانية.
الفائدة الأولى قلنا: إنه يسجل على هؤلاء وصفهم بهذا الظاهر؛ إن كان كفرًا فهو كفر، أو ظلمًا فهو ظلم، أو فسقًا فهو فسق، أو إيمانًا فهو إيمان.. إلى آخره.
والفائدة الثانية: أن هذا الحكم أو هذا القول أو هذا الفعل ظُلمٌ، من أي إنسان وقع، وهذا هو الذي أشار إليه (...)؛ لأنه للتعليل.
والفائدة الثالثة: التنبيه، تنبيه المخاطب؛ لأن اختلاف الكلام أو اختلاف نسق الكلام يوجب الانتباه.
و﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾، يقول المؤلف: (﴿إِنْ﴾ مَا)، (ما) هذه تفسير لـ﴿إِنْ﴾، يعني أنَّ ﴿إِنْ﴾ نافية، إذا كانت نافية فالمسألة فيها حصر، يعني: ما ﴿تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا﴾، وهذا أبلغ من قولهم: إنكم تتبعون رجلًا مسحورًا، يعني كأنهم قالوا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس له حال من الأحوال إلا أنه مسحور، يعني: (مخدوعًا مغلوبًا على عقله) يعني: مختل العقلِ بالسِّحر.
ومن العجائب أنهم أحيانًا يقولون: إنه ﴿سَاحِرٌ﴾ [الذاريات ٥٢]، وأحيانًا يقولون: إنه ﴿مَسْحُورًا﴾ [الإسراء ٤٧]، وبينهما فرق. ولكن مع هذا المبطل كل ما يمكنه من الدعاوى الباطلة يأتي بها ولو كان (...).
نشوف الآن: هذه الأشياء الست التي قدحوا في النبي ﷺ بها.
أولًا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾، بماذا نجيبهم؟ ويش نرد عليهم به؟
* طالب: أنه بشرٌ.
* الشيخ: أنه بشرٌ، فهو محتاج إلى الطعام، وهذا ليس بقادح، ما دامت القرائن أو البينات شهدت بصدقه، فإن كونَه يأكل الطعام لا يمنع من صدقه؛ لأنه بشر.
﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾..
* طالب: أيضًا.
* الشيخ: لا، هذه ما هي من الطبيعة البشرية، البقر يمشي بالأسواق، والإبل تمشي في الأسواق.
* طالب: التواضع.
* طالب آخر: (...) طلب الرزق يعني.
* الشيخ: إي، التواضع نعم، نرد عليهم بأن هذا مما يؤيد كونه رسولًا، لا مما يناقض كونه رسولًا؛ لأن هذا يدل على تواضعه، وعلى محبته لأنْ يكون بين أُمَّته يفيدهم ويستفيدون منه.
إذن فهذه لكونها دليلًا على الرسالة أوضح من كونها مانعًا من الرسالة، ولَّا لا؟
طيب، و﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾، هم كأنهم يقولون: ولماذا لم ينزل عليه مَلَكٌ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، يُقال: أولًا: إنه أنزل إليه مَلَكٌ، لكنه ليس كما طلبوا يمشي معه ويُنذِرُ، فإن جبريل قد أُنْزِلَ إلى النبي ﷺ ومعه الوحي، وهذا ما يقوله النبي عليه الصلاة والسلام. وأمَّا كونه معه مصاحبًا له، فهذا لا يقدح في الرسالة إذا لم يكن مصاحبًا؛ لأنه لو كان مصاحبًا وجاء على غير صفة الملائكة عاد الأمر كما كان، صارت الحجة التي يحتجون بها أو الشبهة التي يحتجون بها موجودة. ولو جُعِلَ مَلكًا في صورة الملك لكان يقضى عليه إذا لم يؤمنوا؛ لأن الآيات المعينة إذا طلبت ولم يؤمن من طلبها فإنه يهلك.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما هي معينة، ولهذا قيدناها: الآيات المعينة إذا طُلِبَت، أما لو قالوا: أَرِنا آيةً ولم يعينوها، فهذا يمكن ما يهلكون به.
طيب، ﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾، يقول: ليش ما صار هذا غنيًّا؟ فكونه قليل ذاتِ اليد يدل على أنه غير رسول، بماذا نجيبهم؟
* طالب: لأن الرسول ﷺ دعا إلى هذا؛ دعا إلى الكفاف وطلب الرزق.
* الشيخ: إي، لكن هم يقولون: أنت رسول، ليش ما نزل عليك كنزٌ تستغني به عن طلب الرزق؟
* الطالب: مما يدل على (...).
* طالب: لأن جميع الأنبياء كانوا فقراء، فكما ثبت وَكَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْ كَسْبِ أَيْدِيهِمْ[[أخرج البخاري (٢٠٧٢) عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ، قال: «ما أكل أحد طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده». ]].
* الشيخ: طيب، وغير؟
* طالب: ولأن الرسول ﷺ خُيِّر بين (...).
* الشيخ: ما يخالف، هو خُيِّر بين أن تسير معه الجبال ذهبًا، أو خُيِّر بين أن يكون مَلَكًا نبيًّا أو عبدًا نبيًّا، فاختار هذا[[أخرج النسائي في الكبرى (٤٣١٢) أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يحدث أن الله تبارك وتعالى أرسل إلى نبيه ﷺ ملكًا من الملائكة ومعه جبريل، فقال الملك: إن الله يخيرك بين أن تكون عبدًا نبيًّا وبين أن تكون مَلِكًا، فالتفت رسول الله ﷺ إلى جبريل كالمستشير، فأشار جبريل بيده أن تواضع، فقال رسول الله ﷺ: «بل أكون عبدًا نبيًّا»، قال: فما أكل بعد تلك الكلمة طعامًا متكئًا. ]]، لكن ما هي بهذه مقنعة.
* طالب: لأن الأمر الذي جاء به أمر عظيم من الدعوة (...)، ومن الإيمان بالله سبحانه وتعالى، فليس يعني (...) المال وغيره، وإنما عليه كي ينبههم إلى...
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، طيب.
* طالب: لأنه قد يكون الإنسان معه -مثلًا- مال ولا يكون رسولًا، كم مثلًا من صاحب جاهٍ فيكون معه، ليس دليلًا على (...).
* الشيخ: يعني معناه الرسالة لا تتوقف؟
* الطالب: على المال.
* الشيخ: على المال، الرسالة لا تتوقف على المال، وليس المال دليلًا على الرسالة؛ لأن هناك أناسًا كثيرين أغنياء وليسوا برُسُلٍ.
* طالب: ثم إنه لو كان معه مالٌ لاتُّبِعَ لأجل ماله.
* الشيخ: هذه إيجابية، الكلمة اللي أنت قلت إيجابية، لكن نريد الدفع؛ دفع قولهم، ثم نقول كما أشار إليه الأخ: إن عدم المال معه قد يكون أكثر لتأييد كونه رسولًا؛ لأنه لو نزل إليه مالٌ واتبعه الناس من أجله صارت المسألة ما اتبعوه علشان رسالته.
إذن نقول: هذا -أي: كونه لم ينزل عليه كنزٌ- ليس مانعًا من الرسالة. لماذا؟ لأن ثبوت الرسالة لا يتوقف على الكنز، بل تثبت بدونه، ولأنه لو كان عنده كنزٌ لقيل: اتبعه الناس من أجل كنزه وغناه. فهذا إبطال لقولهم.
﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾، نقول فيها مثلما قلنا في مسألة الكنز: إن هذا ليس بلازم في الرسالة، وأنه لو كان ﴿لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أو ﴿نَأْكُلُ﴾ على القراءة الثانية (...) لقيل: إنهم اتبعوه لأجل الأكل من هذه الجنة.
السادس: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، بماذا نرد عليهم؟
* طالب: بالآيات القرآنية.
* الشيخ: لا، بس الآيات القرآنية ما هم مؤمنين هم بالقرآن.
* طالب: (...).
* الشيخ: وغير هذا؟
* طالب: نرد عليهم (...).
* الشيخ: نعم، نرد عليهم بأن المسحور لا يمكن أن يأتي بمثل هذا الكلام، يأتي بكلام يعجز عنه العقلاء فيقال: إنه مسحور، يمكن هذا ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: يعني يمكن لإنسانٍ مسحورٍ مخبولِ العقل بالسحر يأتي بكلام يعجز عنه البلغاء، ويتحدى العقلاء أن يأتوا بمثله ولا يستطيعون أو ما يمكن؟ لا يمكن، هذا واضح جدًّا، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٩].
* طالب: كذلك ما أقول: إن (...).
* الشيخ: إي، الساحر (...)، لكن أثر على المسحور، ما يمكن أن يأتي بمثل هذا الكلام.
* الطالب: إذا كان الساحر يبطل سحره، فالمسحور أولى أن يُبطل السحر.
* الشيخ: لا، أصلًا ما هو بيجي بكلام مضبوط، يعني لا نقول: إنه بيأتي بكلام يمكن نقضه أو لا يمكن، لا يمكن يأتي بكلام إلا كلام غير متوازن، فكيف بكلام معجز؟!
قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ الاستفهام في قوله: ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ﴾ للتعجب والإنكار.
وقوله: ﴿الْأَمْثَالَ﴾ يعني: الأشباه أو الأوصاف؛ لأن المثَلَ يأتي بمعنى الشبَهِ ويأتي بمعنى الصفة. قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [محمد ١٥]، معنى ﴿مَثَلُ﴾ صفةُ الجنة. ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ [البقرة ١٧] يعني: شَبَهُهُم كشَبَهِ... فالأمثال إما بمعنى الأشباه أو بمعنى الأوصاف، يعني: كيف جعلوا هذه الأوصاف التي يقدحون برسالتك بها؟! انظر إليها متعجبًا، والتعجب يقتضي في الغالبِ الإنكارَ.
(﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ بالمسحور، والمحتاج إلى ما ينفقه، وإلى مَلَكٍ يقوم معه بالأمر، ﴿فَضَلُّوا﴾ بذلك عن الهُدى، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ طريقًا إليه).
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ﴾، الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، وكونه يُخاطب الرسول ﷺ بهذا الإنكار عليهم لا يخفى ما فيه من التأييد والتقوية للرسول ﷺ وعناية الله تعالى به ﷺ، وهذا أمر معلوم.
وقوله: ﴿فَضَلُّوا﴾، الفاء هذه عاطفة لكنها تُفيد السببية؛ أي: فبسبب ما ضربوا لك من الأمثال ضلَّوا. وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا أورد الشبهات على نفسه أو على من أتى بالحق فإنه يكون سببًا لضلاله، إذا لم يَقْبَل الإنسان الحق ويدَعْ ما يَرِدُ على خاطره من الشبهات حول ذلك الحق فإنه يكون سببًا لضلاله؛ ولهذا قال: ﴿فَضَلُّوا﴾، الفاء عاطفة وتُفيد السببية.
وقد ذكر ابن القيم في مفتاح دار السعادة أنه تكلم مع شيخه ابن تيمية في مسائل (...)، يقول: فجعلت أورد عليه بالنقد، فقال لي: لا تجعل قلبك مثل الإسفنجة يقبَلُ كلَّ شُبهةٍ فيتشرَّبها، ولكن اجعله كالزجاجة الصلبة تكشف ما وراءها ولا تتأثر. وهذا صحيح، الإنسان إذا فتح على نفسه باب الشبهات والتساؤلات فإنه يضِلُّ، وانظر إلى إرشاد النبي ﷺ الرجل حينما يتساءل الناس: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقولوا: من خلق الله، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام الإنسان إذا وصل إلى هذا الحد أن يستعيذ بالله ولينته، وأرشده إلى أن يقرأ ﴿اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١ - ٤]، وفي حديث آخر: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد ٣]
فهذه الأشياء التي تَرِدُ على القلب إذا استرسل الإنسان منها فسوف تكون سببًا لضلاله، كما تفيده هذه الآية وآيات أخرى كثيرة؛ مثل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]. فالإنسان يجب عليه أن يكون قابلًا للحق، متشوِّفًا له، قابلًا له، ولا يورد على نفسه شبهات؛ لأن الشبهات ما لها حدٌّ، والشيطان يحب من ابن آدم أن يرد على قلبه هذه الشبهات ليضل.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، (المسحور) واضح، وكونه ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، و﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾، كلها مندرجة بقوله: (والمحتاج إلى ما ينفقهًا وإلى مَلَكٍ يقوم معه).
الخلاصة الآن -يا جماعة- أن هؤلاء الكفار جعلوا مع الله آلهة، وهذا قدح في التوحيد. ثم زعموا أن القرآن أساطير الأولين، وهذا قدح في القرآن مباشرة، ويتضمن القدح في الله أيضًا والقدح في الرسول ﷺ. ثم بعد ذلك ذكر الله قدحهم في الرسول ﷺ القدح المباشر بهذه الأوجه الستة، وتبين -ولله الحمد- أن هذه الأوجه التي أوردوها قدحًا في النبي ﷺ كلها ليست بقدح، بل منها ما يؤيد أنه رسول.
استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن النبي ﷺ لم يُسْحَرْ، وكذَّبوا بذلك الأحاديثَ المشهورة بل المتواترة أن النبي ﷺ سُحِرَ، وأن الله أنزل عليه المعوذتين لنقض هذا السحر[[أخرج عبد بن حميد (٢٧١) عن زيد بن أرقم، قال: سحر النبي ﷺ رجل من اليهود، قال: فاشتكى فأتاه جبريل، فنزل عليه بالمعوذتين... الحديث. ]]. فهل لاستدلالهم بهذه الآية وجه ولَّا لا؟
* طالب: له وجه.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لأنها (...) الظالمين.
* الشيخ: إي نعم، لكن هم.. الآن نحن لا نشك أن الرسول ﷺ قد سُحِرَ، وأنه نزلت عليه المعوذتان ونُقِضَ سِحْرُه بهما، هذا أمر لا شك فيه؛ لأن الأحاديث في ذلك متواترة. هم يقولون: هذه الأحاديث كلها كذبٌ، ما هي بصحيحة؛ لأن القول بأنه مسحور هو قول الكفار.
* طالب: لا وجه له؛ لأن (...).
* الشيخ: لا، ما هو بهذا الوصف، ما هو بهذا الرد، هو صحيح ما له وجه لكن ما هو بهذا الـ...
* طالب: قولهم: رجل مسحور، تُفيد الوصفَ اللازم.
* الشيخ: إي.
* الطالب: أنه يعني هذا حاله الدائم أنه مسحور، أما السحر الذي سحره اليهودي فهو شيء طارئ مثل المرض، يعني يُزَالُ بمزيلات.
* الشيخ: إي نعم، هذا صحيح، هذا هو الرد عليهم، نقول: إن هؤلاء الظالمين الذين قالوا: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، أرادوا بذلك أن السحر وصف لازم له، وأن كل ها الكلام اللي بيقول كله كلام مسحور (...). أما السحر الذي طرأ على النبي عليه الصلاة والسلام فهو سحر طارئ، ثم مع ذلك ما أثَّر في الرسالة أبدًا، عائشة رضي الله عنها تقول: اللي حصل أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله[[أخرج البخاري (٦٠٦٣) ومسلم واللفظ له (٢١٨٩ / ٤٣) عن عائشة، قالت: سحر رسول الله ﷺ يهودي من يهود بني زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم، قالت: حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم، أو ذات ليلة، دعا رسول الله ﷺ، ثم دعا، ثم دعا، ثم قال: «يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟ جاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي، أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، قال: وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان» قالت: فأتاها رسول الله ﷺ في أناس من أصحابه، ثم قال: «يا عائشة، والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رءوس الشياطين». قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا أحرقته؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرًّا، فأمرت بها فدفنت».]]، هذا الذي حصل، وهي مدة وجيزة أيضًا ولم تؤثِّر؛ يعني ما قال شيئًا في الرسالة مما يمكن أن تتغير به الرسالة في هذه المدة.
فالحاصل أن الاستدلال بهذه الآية على إبطال أحاديث صحيحة متواترة، لا شك أنه جرأة عظيمة، لو كانت الأحاديث ضعيفة أو كانت الأحاديث -مثلًا- من الأحاديث التي في أدنى مراتب الصحة، لكنا نقول: إن هذا له وجه. وأما أحاديث صحيحة مشهورة متواترة ونبطلها بمثل هذا الأمر لا يمكن أن يبطلها، ولذلك الصواب، بل اليقين المتيقن المتعين أن ذلك وقَعَ للرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن الله تعالى أنزل عليه سورتين ثم هُدِيَ إلى محَل السحر. أين كان سحره؟ في بئر أريس، وكان في مُشْطٍ ومُشاطةٍ في جوف طلعة ذكَرٍ، يعني كافور. تعرفون الكافور؟ كافور الفحل يكون كبيرًا ويسع. هذا السحر وُضِعَ للرسول عليه الصلاة والسلام في مُشْطٍ اللي يُكَدُّ به الرأس، والمُشاطة الشعر الذي يتناثر مع الكدُّ، وجعل في هذا الكافور في البئر التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يأتي إليها. فذهب النبي عليه الصلاة والسلام وأمر أن يُخْرَجَ هذا السحر، فأُخْرِجَ السحر فنُقِضَ، فعافاه الله سبحانه وتعالى.
قال الله تعالى: ﴿فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿سَبِيلًا﴾ بمعنى طريقًا. إلى أي شيء؟ إلى الهدى، والعياذ بالله. وفي هذا تحذير كما أشرنا إليه أولًا، تحذير من أن يتابع الإنسان الشُّبَه التي تَرِدُ عليه، وأنه يجب على الإنسان أن يبتعد عن هذا كله.
الفرقان 25:4
(...) الآية الآن، ذُكر أولًا تنزيل القرآن (...).
* طالب: (...) ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٤ - ٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان ٣].
(﴿وَاتَّخَذُوا﴾ أي: الكفار ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: الله)، أمَّا الضمير الأول: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ فلمْ يُذكَر له مرجعٌ لفظيٌّ، لكنَّه مرجعه معلومٌ بحسب الحال؛ يعني ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾ مَن هم؟
* طالب: الكفار.
* الشيخ: الكفار المتَّخذون، فهو لا مَرجِع له لفظًا، لكن مَرجعه معلومٌ بحال الواقع.
وأمَّا ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ فمَرجعه ظاهرٌ مما سبق؛ لأنَّ الله تحدَّث عن نفسه بقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾.
ومناسبة هذه الآية لِمَا قبلها أنَّ الله لَمَّا أثنى على نفسه بما أثنى به ناسبَ أن يذكر تلك الأصنام التي اتُّخذتْ من دونه -يعني مِن دون الله- آلهةً، ليتبيَّن حالُهم؛ لأنَّ الأشياء تتبيَّن بما يكون لها من صفات.
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾، وقوله: ﴿آلِهَةً﴾ جمع (إله)، وهذه الآلهة إنما كانت آلهةً باتِّخاذهم، أمَّا في الحقيقة فليست آلهةً لأنها ليستْ مستحقةً للعبادة، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: لقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم ١٩ - ٢٣]، وقال يوسف: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف ٣٩، ٤٠]، فهي آلهةٌ لاسمهم واعتقادهم، أمَّا في الواقع فليست آلهةً؛ بمعنى أنها لا تستحقُّ أن تكون آلهة. واضح يا جماعة؟
فعلى هذا مثلًا إذا قال قائل: كيف أثبتَ الله هنا أنها آلهة ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾، مع أنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم يقولون لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود ٦١]، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣]، كيف نجمع بين هذا النفي وبين هذا الإثبات؟
نقول: نجمع بين هذا النفي وبين هذا الإثبات أنَّ النفي باعتبار الحقيقة والواقع؛ فإنَّه لا إله إلا الله ولا شك في ذلك، وأمَّا الإثبات فهو بحسب أيش؟ بحسب عمل هؤلاء حيث جعلوا هذه آلهةً؛ أي: معبودةً، وهي لا شك أنها تُعبَد، لكنَّها ليست مستحقَّة للعبادة، فبحسب الاستحقاق يكون النفي، وبحسب الواقع يكون الإثبات. واضح الأمر ولَّا لا؟
بحسب الاستحقاق يكون النفي؛ يعني: لا أحد يستحقُّ ولا أحد يكون حقيقةً إلهًا سوى الله عز وجل. وأمَّا باعتبار الاعتقاد وباعتبار العمل فإنَّ مِن الناس مَن اعتقد وعَمِل فجعل مع الله إلهًا آخَر، وحقيقة هذه الآلهة أنها ليست بشيء، صحيح أنها تُعبَد وتُدعى ويُركَع لها ويُسجَد ويُنذَر لها، لكنَّها في الواقع ليست مستحقَّة لهذا الأمر، فليست آلهة.
ثم بيَّن الله هذه الآلهة المتَّخَذة: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾، وعدم خلْقهم دليلٌ على عَجْزِهم، وعَجْزُهم دليلٌ على أنهم ليسوا آلهة؛ لأنَّ الإله لا بدَّ أن يكون قادرًا؛ لأنَّ القدرة من كماله، وهذا العجز الذي اتَّصفتْ به هذه الآلهة يمنع أن تكون آلهة.
ثانيًا: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، مين اللي ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾؟ الآلهة. إذَنْ هي حادثةٌ بعد أن لم تكن، والربُّ يجب أن يكون أوَّليًّا ليس قبله شيء؛ لأنَّ الربَّ المستحقَّ للعبادة لا بدَّ أن يكون خالقًا، وإذا كان مخلوقًا فهو حادثٌ، وإذا كان حادثًا فمَن قبله ليس من خلْقه، وعلى هذا يكون في قوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ بيانٌ لعدم صلاحيتهم للآلهة من حيث أيش؟ انتفاء القدرة.
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لا يصلح أيضًا أن يكونوا آلهةً من وجهين:
أولًا: الحدوث؛ لأنهم محدَثون، والإله لا يمكن أن يكون مُحْدَثًا.
الأمر الثاني: أنَّ مَن قبلهم ومَن سبقهم ليس مِن خلْقهم، على فرض أن يكونوا يَخلقون، وهذا دليلٌ على عدم صلاحيتهم للألوهية.
﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان ٣] يقول المؤلف: (﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ أي: دَفْعه). ونحن نقول: دَفْعه وجَلْبه أيضًا. ويش المانع؟! لو أرادوا أن يضرُّوا أنفسَهم ما ضرُّوها، ولو أرادوا أن يدفعوا عنها ضررًا ما دفعوا عنها، فإبقاء الآية على العموم أَوْلى؛ ﴿لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ أيش؟ لا جَلْبًا للضرِّ ولا دَفْعًا له، حتى الضرر الذي يمكن أن يكون سهلًا لو أرادوه لأنفسهم ما استطاعوا؛ يعني لو أرادتْ هذه الأصنام أن تُتلف نفسَها تستطيع ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لو أرادتْ أن تُمرِض نفسَها -إذا كانت مما يَلْحقه المرض- هل تملك ذلك ولَّا لا؟ لا تملك. ولو أراد أحدٌ أن يعتدي عليها تملك دَفْعه ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما تستطيع، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ وهذا يدلُّ على أهميته؛ أَمْر الله تعالى لنا بأنْ نستمع لهذا المثل يدلُّ على أهميته.
المثل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، الذباب اللي هو مِن أَهْون الحيوانات وأَضْعفها لو أنَّهم اجتمعوا على أن يخلقوه ما استطاعوا.
أمرٌ آخَر: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ على ضعفه ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ ما يستطيعون أن يستنقذوه، ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج ٧٣].
فهؤلاء لا يملكون لأنفسهم ضَرًّا؛ لا دَفْعَه ولا جَلْبَه، ولا يملكون أيضًا نَفْعًا، يقول المؤلف: (أي: جَرَّه)، يعني: ما يملكون أن يجرُّوا لأنفسهم نفعًا. كذا؟ عندي: (أي: جَرَّه)؟
* طالب: إي نعم، (جَرَّه).
* الشيخ: إي نعم، فهُم لا يملكون أن يجرُّوا النفع إلى أنفسهم، ولا يملكون أيضًا أن يدفعوه عن أنفسهم، مِثل الأول، يعني ينبغي أن نجعلها على سبيل العموم، وإنْ كان مقتضى الحال أنَّ الإنسان يريد الدفع .. أو أنَّ أيَّ واحدٍ يريد دَفْع الضرر ويريد جَلْب النفع، ولكن إبقاء الآية على العموم أَوْلى؛ يعني: لا يستطيعون شيئًا لأنفسهم، وإذا كانوا لا يستطيعون ذلك لأنفسهم فمِن باب أَوْلى ألَّا يستطيعوه لعابديهم.
(﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ أي: إماتةً لأحدٍ وإحياءً لأحدٍ ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ أي: بعثًا للأموات).
﴿لَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ يعني: ما يملكون أن يموِّتوا أحدًا (...)، نعرف أنَّ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه وقال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨] أنَّه كاذب ولَّا صادق؟ كاذب.
﴿لَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ يعني: لا يملكون أن يَجْلبوا موتًا لأحدٍ ولا أن يَجْلبوا حياةً لأحد مهما اجتمعوا لذلك.
فإذا قال إنسان: أليس يمكن أن يقتلوا أحدًا؟
فالجواب: هذا سببُ الموت وليس هو الموت؛ يعني يمكن الإنسان يفعل سببَ الموت، لكن ما يمكن أن يُوقِع الموت، وبين الأمرين فرق، ولهذا أحيانًا يوجد سبب الموت ولا يموت الإنسان، وأحيانًا يموت الإنسان بدون سبب؛ يعني بدون سببٍ معلومٍ.
فإذَنْ هؤلاء لا يملكون موتًا لأحدٍ ولا حياةً، لا يملكون أن يُحْيُوا أحدًا من الأموات لأنَّ ذلك إلى الله عز وجل.
وأمَّا إحياء عيسى للأموات فليس من هذا الباب، ليس من الأمر الذي نفاه الله؛ لأنَّ الذي يُحْيِي حقيقةً للأموات هو الله، ولهذا قيَّد الله إحياءَه للموتى بقوله: ﴿بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠]، فليس هو يستقلُّ بهذا، وإنما يكون قوله سببًا للحياة التي يخلقها الله عز وجل. واضح؟
﴿وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ النُّشور هو بَعْثُ الموتى وتفريقُهم، نَشْرُهم معناه أنَّهم يُفَرَّقون؛ يخرجون من الأجداث وينتشرون في الأرض يتفرَّقون فيها، فهُم لا يملكون شيئًا من هذا كلِّه.
فإذا تبيَّن عَجْزهم الذاتي والعَرَضي تبيَّن أنها لا تصلح أن تكون آلهة، ففيهم عجز ذاتي وعَرَضي.
طيب، ما مقام أو ما حال ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ بالنسبة لقوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾؟
عَطْفها على قوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ من باب عطْف الخاصِّ على العامِّ أو التفصيل بعد الإجمال.
تجدون الآن الآية الكريمة تترقَّى من الأدنى إلى الأعلى: ﴿ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾، ﴿مَوْتًا﴾ و﴿حَيَاةً﴾ و﴿نُشُورًا﴾، معلوم؛ لأنَّ الحياة أشدُّ من الموت؛ يعني وجود سبب الحياة أو القدرة على الحياة أعظم من الموت، كذلك أيضًا النفعُ والضررُ؛ أيُّهما أعظم؟ النفع؛ لأن الضرر .. الإنسان يريد من الضرر دَفْع الشيء، ودَفْع الشيءِ أسهل من جَلْبه؛ لأنَّ الجلب إيجابيٌّ والدفْع سلبيٌّ، وغالبًا أن السلبي يكون أَهْون من الإيجابي، فانتقل الله سبحانه وتعالى في بيان عَجْز هذه الآلهة وأنها لا تَصْلح من الأدنى إلى الأعلى، هذا بالنسبة للتفصيل، أمَّا بالنسبة للإجمال فقال: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾.
* وفي هذا من الفوائد: دليلٌ على أنَّه ينبغي للإنسان أن يسوق للخَصْم ما يُقِرُّ به لزومًا حتى تقوم الحجَّة عليه.
هؤلاء الذين جعلوها آلهةً هل يمكن أن يدَّعوا بأنها تَخْلق؟ لا.
هل يمكن أن يدَّعوا بأنها غير مخلوقة؟ لا؛ لأنهم يعرفونها موجودةً وليستْ من قبل.
هل يمكن أن يدَّعوا بأنها تنفع أو تضرُّ؟ نقول: يمكن أن يدَّعوا ذلك، وفِعْلًا يدَّعون ذلك؛ يقولون: إنَّ الأولياء ينفعون، وإنهم يضرُّون، وإنَّ مَن لم يذبح لهذا الولي أو ينذر له فإنَّه يضرُّه. هذه دعوى.
يُطالَبون بأيِّ شيء إذا ادَّعوا؟ يُطالَبون بالدليل، نعم، الدليل أنْ يُقال لهم مثلًا: ادعوا هذا الوليَّ بأمرٍ معيَّن وانظروا هل يجلب لكم ذلك أو لا يجلبه، مِثْلما أنهم هم يطالبون الرُّسُلَ بأشياء معيَّنة؛ يقولون مثلًا لَمَّا قالت لهم الرُّسُل: إنَّ الله يُحْيي الموتى، قالوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، مع أنَّ الرُّسُل ما قالت لهم: إنَّ البعث في الدنيا، حتى يقولوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾، إنما قالت لهم: إنَّ البعث متى؟ بعد الموت. وهذا غير ما طالب به هؤلاء الخصْم للرُّسُل، فقولهم: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ هو في الحقيقة مصادرة؛ يعني: طلبُ دليلٍ لشيءٍ لم يقُله الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ إذ لم يقولوا: إنهم يُبعثون الآن.
فعلى كل حالٍ هذه الدعوى أنَّهم يملكون نفعًا أو ضرًّا، هذه دعوى تحتاج إلى بيِّنة.
أمَّا دعوى الموت والإحياء فهي أيضًا أوضح بُطلانًا، بل لَرُبَّما تُدَّعى؛ لأنَّ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه قال له: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فربما تُدَّعى.
وفي مناظرة إبراهيم عليه الصلاة والسلام -يعني يمكن أنْ ننتفع بها هنا- دليلٌ على أنَّه إذا ادَّعى المبطِل دعوى فإنَّنا ننقله إلى ما هو أَوْضح؛ لأنَّ المقصود ما هي بالمجادلة، المقصود إقامة الحجَّة على بُطلان هذا الأمر، وهو إذا بَطَل ولو من دليلٍ واحدٍ كفى، ما حاجة لأننا نُبْطله من الدليل الذي يُعيِّنه الخصم، قد نُبْطله من دليلٍ آخَر، إبراهيم عليه الصلاة والسلام لو أراد أن يحاجَّ هذا الرجل ويجادل هذا الرجل لَقال له: لستَ تُحيي وتميت، وإنما تفعل سببَ الإحياء والإماتة. لكنَّه عليه الصلاة والسلام ذهب إلى دليلٍ أَوْضح وأَبْين ولا تمكن المحاجَّة فيه؛ قطعًا لأيِّ شيء؟ قطعًا للنزاع والمجادلة؛ لأنَّ الإنسان اللي يجادل قابِلْه بدليلٍ لا يمكنه دَفْعه، فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨]، إلزام ولَّا ما هو بإلزام؟ إلزامٌ لا يتمكَّن معه أن يدَّعي شيئًا، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة ٢٥٨].
المهم الآن اللي عندنا: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ مُسَلَّم، ويمكن دعوى نَفْيه ولَّا ما يمكن؟ لا يمكن، حتى عند العابدين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان ٢٥]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، حتى عند العابدين ما يمكن يدعون هذه الصفة المنفية.
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لا يمكن أيضًا أن يدَّعوا أنها ليستْ مخلوقة؛ لأنها مصنوعة، هُم صنعوها بأيديهم؛ يقول إبراهيم لهم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦].
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ هذه قُلنا: إنه يمكن أن يُدَّعى أيش؟ خلافُ هذا النفي، وجوابُنا عليه من أمرين:
إمَّا إبطال هذه الدعوى بعينها ونقول: هذا أمرٌ لا يمكن، وإذا شئتم فادْعوا.
وإمَّا أن يقال: ننتقل عن هذا النفي عند المجادلة -ترى- لا ننتقل عن هذا النفي لعدم إيمانٍ بالله؛ يجب علينا أنْ نؤمن بأنهم لا يملكون ذلك، لكنْ عند المخاصمة ويش ننتقل إليه؟ إلى أمرٍ أعظم وأَبْين وأوضح.
مثلًا لو نزلتْ أمطارٌ كثيرةٌ مغرِقةٌ أو حصلتْ زلازل، ممكن نقول لهم: ادْعوا هذه الأصنام وانظروا هل (...) السماء؟ وهل تتوقَّف الأرض عن الزلازل؟ وما أشبهَ ذلك. لكنْ مهما كان لو ادَّعوا ما يدَّعون فإنَّنا ننتقل عند المجادلة إلى أمرٍ أوضح لا يتمكَّنون من نفيه. ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾.
ولَمَّا ذكر الله سبحانه وتعالى ما يعود إلى التوحيد انتقل إلى ما يعود إلى الرسالة؛ لأنَّ (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله)، فقال تعالى..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الفرق بينهما أنَّ النشور عامٌّ، وأمَّا الحياة فهي خاصَّة، الحياة لواحدٍ معيَّن؛ مِثل أن يُقال لهم: أحيوا هذا الميت. النُّشُور عامٌّ، ولهذا قُلنا: إنَّه من النَّشْر بمعنى التفريق والانتشار، فهو أعمُّ.
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾ أي: ما القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كَذِبٌ ﴿افْتَرَاهُ﴾ محمَّد ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان ٤] وهم من أهل الكتاب).
هذا الأصل الثاني من الأصول في التوحيد وهو إثبات الرسالة، إثبات الرسالة لا شك أنَّه أحدُ شطري التوحيد: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله)، ولا يمكن أن يُعبَد الله سبحانه وتعالى إلا بما جاءت به الرسل؛ لأنَّ العبادة طريقٌ للمرء إلى ربِّه.
وهل يمكن أن نتوصَّل إلى الله بطريقٍ لم يجعله طريقًا؟ ويش الجواب؟
* طلبة: لا يمكن.
* الشيخ: لا، وهذا الطريق الذي جعله الله طريقًا إليه جاء بواسطة الرسل، إذَنْ فالعبادة لا بدَّ لها من رسالة، ولا يمكن أنْ يُعبَد الله بمجرَّد العقل؛ لأن العبادة طريقٌ يوصل إلى الله، وهذا الطريق لا يمكن إلا بوضعٍ من الله، والله سبحانه وتعالى جعله بواسطة من؟ بواسطة الرسل.
المكذِّبون للرسل أيضًا قدحوا في الرسل وبما جاءوا به؛ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ هنا صرَّح بالاسم الظاهر، بالأول قال: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ [الفرقان ٣] ليعمَّ جميع المشركين من العرب وغيرهم، وهنا قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني من العرب الذين ردُّوا رسالة النبي عليه الصلاة والسلام.
(﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما القرآن)، المؤلف دقيقٌ في التفسير، فسَّر لنا الآن -رحمه الله- فسَّر لنا ﴿إِنْ﴾، وفسَّر لنا اسمَ الإشارة.
﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما) فهي نافية، ﴿هَذَا﴾ يقول: (القرآن)، فالمشار إليه إذَن القرآن.
﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما هذا القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾، شوف -والعياذ بالله- أَتَوْا بالحصر؛ يعني ما يمكن يكون إلا إفكًا، لا يمكن أن يكون فيه صِدْق، فأَتَوا بالحصر عن طريق النفي والإثبات؛ (ما هذا إلا إفكٌ) يعني: ولا يمكن أن يكون صدقًا.
(كَذِبٌ ﴿افْتَرَاهُ﴾ ) يعني اختلقه؛ أي: النبي ﷺ.
﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يقول: (من أهل الكتاب)، ومنه أيضًا الرجُل الذي قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل ١٠٣].
يقولون: إنَّ هذا ليس من الله، بل هو من محمدٍ ﷺ افتراه مع مساعدة غيره.
يقول الله عز وجل مبطلًا لكلامهم: (﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان ٤] كُفْرًا وكَذِبًا).
﴿جَاءُوا ظُلْمًا﴾ المؤلف فسَّر الظُّلم بالكفر لأنَّ الكفر ظُلم؛ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، ثم أيضًا هو ظلمٌ بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه اعتداءٌ عليه ووصْفٌ له بالكذب، ولو أنَّ إنسانًا وَصَف أحدًا من الناس بالكذب لَقُلنا: إنَّه ظالِمٌ له ومُعْتدٍ عليه.
﴿وَزُورًا﴾ الزُّور في الأصل: كلُّ ما انحرف عن الصراط المستقيم، كلُّ انحرافٍ فهو زُور؛ ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف ١٧]؛ تميل، فكلُّ مَيْلٍ فهو زُور، وفي الحديث: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ» » والمراد به كلُّ قولٍ منحرفٍ، «والْعَمَلَ بِهِ»[[الحديث بتمامه: «مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه» أخرجه البخاري (١٩٠٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]].
الزُّور إذَن الكذب، فهُم من أكذَبِ الناس، بل أكذَبُ الناس فيما قالوا؛ هل قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ فيه شيءٌ من الصدق؟ لا، بل هو كَذِبٌ وظلمٌ وعدوانٌ على الرسول ﷺ.
ثم نقول لهم: إذا كان محمدٌ ﷺ هو الذي افتراه وأعانه عليه قومٌ آخرون فأْتوا بسورةٍ من مِثله؛ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور ٣٤]، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨].
ثم إنَّ محمدًا ﷺ عاش فيهم قبل الوحي كم؟ أربعين سنة، ما قال يومًا من الأيام: إنَّه يُوحى إليه، والذي يريد أن يكذبَ يكذبُ في عُنفوان شبابه ليكسب الأتباع من أول الأمر، فلمَّا لم يكن هذا إلا بعد مُضِيِّ أربعين سنةً، دلَّ ذلك على أنَّ دعواهم يُكَذِّبها الواقع أيضًا؛ فإنَّ هذا الوحي جاء والرسولُ عليه الصلاة والسلام في سِنِّ الأربعين، ولا يمكن أن يكون الكذب يتجدَّد له في هذا السن.
ثم إنَّنا نقول: مِمَّا يبيِّن أنَّه الغرور أنَّ هؤلاء الذين يقولون: إنه افتراه، هم بأنفسهم يشهدون للرسول ﷺ بالصدق، وكانوا يُسَمُّونه الأمين[[أخرج الحاكم (١٧٠١) من حديث عبد الله بن السائب رضي الله عنه: «وكانوا يُسَمُّونه في الجاهلية الأمينَ».]]، ولا يشكُّون في صِدْقه، ولا يشكُّون في عدالته ﷺ. فأين كانوا من قبل؟
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان ٥].
(﴿وَقَالُوا﴾ أيضًا هو ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أكاذيبهم؛ جمع (أُسطورة) بالضمِّ ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ انتسخها من ذلك القوم) أيش؟
* طالب: (لغيره).
* الشيخ: (بغيره).
* الطالب: باللام.
* الشيخ: (لغيره)؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: عندي بالباء، (بغيره ﴿فَهِيَ تُمْلَى﴾ تُقرأ ﴿عَلَيْهِ﴾ ليحفظها ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ غُدوةً وعشيًّا).
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، ﴿أَسَاطِيرُ﴾ جمع أُسطورة، وهي الأحاديث الرائجة التي لا أصل لها، وعند العامَّة يسمُّونها (...)، هذه الأسطورة. قالوا: إنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام أتى بأساطير الأوَّلين؛ يعني: أقاصيصهم وأحاديثهم التي لا أصل لها.
هذا القول الذي قالوه هل هو عن عقيدة ولَّا حسب الواقع؟ يعني: هل هو عن عقيدةٍ كاذبةٍ؟ يعني: قالوه بألسنتهم، ولَّا قالوه بحسب الواقع؟ يعني هل هم ادَّعَوْا ذلك دعوى، أو هذا الذي يعتقدونه وهذا الذي تبيَّن لهم؟
يمكن هذا ويمكن هذا، والله سبحانه وتعالى يقول في سورة المطففين: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ٧ - ١٤]، هذا يدلُّ على أنَّ قولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ليس دعوى بل اعتقاد، وأنَّ هذا هو الذي يعتقدونه، فإنْ كانت دعوى وهم يعتقدون أنها وحيٌ وصِدْقٌ فهذه دعوى باطلةٌ مثل غيرها من الدعاوى، وإنْ كان هذا ما يعتقدونه وهو ما ظهر لهم من القرآن فليس بغريبٍ أيضًا؛ لأنَّ الإنسان -والعياذ بالله- إذا حُجِبَ قلبُه رأى الحقَّ باطلًا والباطلَ حقًّا، فيمكن أن هؤلاء لظلمهم وكفرهم وعدوانهم لم يتبيَّن لهم حقيقة القرآن وظنُّوها أساطير. وهذا في الحقيقة معنًى جيِّد -الأخير- أنهم يقولونه لا مجرَّد دعوى لتكذيب الرسول ﷺ، ولكن بحسب الواقع فيما يعتقدون؛ وذلك لأنهم ليس عندهم اتجاهٌ سليمٌ صحيحٌ لقبول الحقِّ، فأُرُوا الحقَّ باطلًا.
الآن لو قرأْنا القرآنَ على إنسانٍ مُعْرِضٍ هل يتذوَّق حلاوتَه؟ هل يُحِسُّ بأنَّه كلام الله؟ هل يُحِسُّ بأنَّه أصدَقُ الأخبار وبأنَّه أعدَلُ الأحكام؟ لا، أبدًا، تجده مُعْرِضًا عنه، وليس بشيءٍ عنده حقيقةً باعتبار الواقع. ليش؟ لأنه -والعياذ بالله- كما قال الله عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠].
فهو -قولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ - قد يكون ذلك عن عقيدةٍ وأنَّ هذا بحسب الواقع لأنَّ حالهم تقتضي ذلك، وكلَّما أعرضَ الإنسانُ عن القرآن يكون أشدَّ خفاءً عليه وأبعدَ عن معرفته، وكلَّما أقبلَ عليه ازدادَ به يقينًا ومعرفةً. أفهمتم الآن؟
ولِهذا أنا أدعوكم ونفسي إلى أنْ يتأمل الإنسان دائمًا في القرآن ويتدبَّر لئلَّا يكون أُمِّيًّا. الله تعالى سَمَّى اللي ما يعرفون المعنى سَمَّاهم أُمِّيِّين، اللي ما يعرف المعنى وإنْ كان يعرف اللفظَ سَمَّاه الله أُمِّيًّا؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]، أيش معنى ﴿أَمَانِيَّ﴾؟
* الطلبة: قراءة.
* الشيخ: قراءة، فسَمَّى هؤلاء الذين لا يعلمون الكتاب إلا قراءةً سَمَّاهم أُمِّيِّين؛ لأنَّ مَن يقرأ ولا يفهم فهو كمَنْ لا يقرأ، لا فرق بينهما، إلَّا أنَّ هذا عنده فهمٌ للَّفظ وذاك ليس عنده (...)، واللفظ ماذا يستفيد به المرء وهو لا يعرف معناه؟! لأنَّ اللفظ هو بمنزلة الثوب للجسم؛ إذا كان عند الإنسان ثيابٌ هل تكون رجالًا؟ واحد عنده عشرون ثوبًا، قال: واللهِ أنا أبغي آخذه على هؤلاء الجماعة (...) عليهم. أيش عندك؟ قال: عندي عشرين ثوب. تنفعه هذه الثياب؟ ليست عشرون الثوب تكون عشرين رجلًا.
فالمهم أنَّنا نقول: إنَّ الواقع أنَّ الرجل إذا لم يُقبل على القرآن وهو يتأمَّله ويحرص على معرفة معناه فإنَّه لا يستفيد من القرآن شيئًا، وكما تعرفون حال الصحابة رضي الله عنهم؛ لا يتجاوزون عَشْر آياتٍ حتى يتعلَّموها وما فيها من العلم والعمل[[أخرج الطبري في تفسيره (١ / ٨٠) عن أبي عبد الرحمن قال: حدثنا الذين كانوا يُقرِئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبيِّ ﷺ، فكانوا إذا تعلَّموا عشر آياتٍ لم يخلِّفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلَّمنا القرآن والعمل جميعًا.]]، فتعلَّموا القرآنَ والعلمَ والعملَ جميعًا.
والذي يضرُّنا نحن أنَّنا نحرص على تلاوة القرآن لفظًا، وهذا طيب، لكن معنًى أيضًا. ومن الممكن أنَّ الإنسان يقرأ ما تيسَّر لفظًا، ثم إذا كان ما قد مَنَّ الله عليه بحفظه يتأمَّله وهو يمشي، يتأمَّله وهو على فراشه، وبتأمُّل القرآن يفتح الله على الإنسان معاني ما كان يعرفها ولا تخطر له على البال؛ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧]، وجرِّبْ تَجِدْ؛ لأنَّ القرآن تبيانٌ لكلِّ شيء، وهذا كلام الله عنه، والذي يحول بيننا وبين هذا التبيان لكلِّ شيءٍ هو عدمُ إقبالنا على هذا القرآن والتأمُّل فيه والتفكُّر فيه، وإلا لو أنَّنا تأمَّلْناه لَوجدناه تبيانًا لكلِّ شيء.
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ يعني: استنسخها من غيره. وأيضًا الرسولُ ﷺ يعرفون هم أنَّه كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب، لكنَّه أَمَر غيره أن يكتبها له، ولهذا المؤلف يقول: (انتسخها من ذلك القوم بغيره) انتسخها بغيره، لأنهم ما قالوا: كتبها، قالوا: ﴿اكْتَتَبَهَا﴾؛ يعني أَمَر غيرَه أن يكتبها له؛ لأنهم هم يعرفون الرسول ﷺ أنه كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب.
﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان ٥] ﴿تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ يعني: تُقرأ عليه، ليس تُملى عليه ليكتبها؛ لأنه لا يكتب، ولكنْ تُقرأ عليه ﴿بُكْرَةً﴾ في أول النهار ﴿وَأَصِيلًا﴾ في آخر النهار، ثم يأتي بها للناس ويقول: هذا كلام الله وهذا وَحْيٌ يُلقى إليه، وهو في ذلك -على زعمهم- ليس بصادق.
قال الله تعالى ردًّا لقولهم ..
* طالب: قوله تعالى: (...)؟
* الشيخ: يمكن أن يكون (...)، يجوز هذا وهذا، ويمكن بعضهم مِثْل كُبَرائهم لا شكَّ أنهم يعرفون الحقَّ، لكن عوامهم قد لا يعرفون، قد يخفى عليهم هذا الأمر ويقولون: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* طالب: يا شيخ، قوله تعالى: (...)، يؤخذ من هذا أنَّ (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو بيؤخذ، يؤخذ من هذا العموم ومن كلِّ وقت، دائمًا إذا أُرِيدَ العمومُ يُذكَر البُكرة والعشي؛ ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢] مع أنَّ رزقهم لا ينقطع في الجنة؛ ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة ٣٣]، لكنَّه يُذكَر هذان الوقتان للدوام.
أمَّا بالنسبة للواقع والتجربة فإنَّنا جرَّبْنا أنَّ الحفظ في أول النهار أسرع، والحفظ في آخر النهار -حسب ما جرَّبتُ أنا- إذا حفظت في آخر النهار ما هو سريع الحفظ، لكنَّك إذا قُمت من النوم وجدت أنك حافظ، فكلُّ واحدٍ منهما له مزيَّة بالنسبة للحفظ.
ردَّ الله عليهم بقوله: (﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ الغيب ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ للمؤمنين ﴿رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٦] بهم).
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ أمْرٌ للنبيِّ عليه الصلاة والسلام بأنْ يقول لهم في ردِّ قولهم: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، ونحن ذكرنا فيما سبق أنَّ القرآن كلَّه قد أُمِرَ النبيُّ ﷺ بتبليغه، ولكنَّه إذا جاء حُكمٌ من الأحكام أو خبرٌ من الأخبار وأُمِرَ النبيُّ ﷺ أن يقوله، ويش يدلُّ عليه؟ على الاهتمام به والعناية به، كأنَّه وصيَّةٌ خاصَّةٌ بهذا الأمر.
وفي هذا المقام الذي معنا فيه أيضًا زيادةٌ على ذلك أنَّه دعمٌ للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّه إذا كان الله هو الذي يُلَقِّنه الحُجَّة، كان ذلك أبلغ في دَعْمه وتقويته، أليس كذلك؟ يعني كأنَّ الله يُلَقِّنه الحُجَّة ليُحاجَّ عنه لكن على لسانه.
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ أي: القرآن ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قد يبدو للإنسان أن هذا الجواب ليس بمقنع؛ لأن هذا الجواب هو نفس الشيء الذي كان الرسول يقوله؛ فإنَّ الرسول يقول: إنَّ هذا الوحي أنزله الله، من الأصل، فهل يمكن.. أنتم فاهمون الكلام الآن؟
يعني قد يبدو للإنسان مِن أوَّل وَهْلةٍ أنَّ هذا الجواب غير مقنع، كيف ذلك؟ لأنَّ الرسول ما زال يقول: إن الذي أنزله الله، فكيف يكون هذا الجواب مُفْحِمًا لهم ومُبْطِلًا لقولهم؟
* طالب: لأنَّ الله سبحانه وتعالى (...).
* الشيخ: وهي؟
* الطالب: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان ٦] (...).
* الشيخ: زين، هذا وجه. ووجه آخر: في نفس ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾؛ ولهذا الله قال: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ [الفرقان ٦]، وفي أخبار هذا القرآن ما هو من الأسرار التي لا يطَّلع عليها محمدٌ ﷺ ولا غيره؛ ولهذا عدلَ الله سبحانه وتعالى عن قوله: قلْ أنزله الله، إلى قوله: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، يعني هو في القرآن من الأسرار ما هو معلوم، يُخبر بالخبر فيقع، هل الرسول عليه الصلاة والسلام يمكنه أن يعلم ذلك؟ لا يعلم ذلك، وإنما الذي يعلمه الله، وهو الذي أنزله، فنأخذ من قوله: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ نأخذ منه البرهان القاطع على أنَّ هذا القرآن ليس من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، وليس أساطير الأولين؛ لأنَّ فيه إخبارًا عن أمورٍ مستقبَلةٍ تقع كما أخبر، ولا أظنُّ أنَّ بشرًا يتمكَّن من ذلك، هذا وجهٌ بيِّنٌ جدًّا.
وجهٌ آخَر يمكن أن يؤخذ؛ وهو أنَّه إذا كان هذا القرآن من عند محمدٍ ﷺ وينسبه إلى الله، فإنَّ الله لا يمكن أن يُقِرَّه على هذا الأمر؛ لأنَّ الله تعالى يعلم السِّرَّ، وهذا الذي فعله محمدٌ ﷺ على فرض أنَّه ليس بصحيحٍ سرٌّ ولَّا جَهْر؟ جَهْرٌ. فإذا كان الله يعلم السِّرَّ فإنَّه يعلم الجهرَ من باب أَوْلى، وإذا كان يعلم الجهرَ ومحمدٌ ﷺ يقول: إنَّ هذا كلام الله، فإنَّ الله تعالى لا يمكن أن يُهمله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾، ﴿بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ ما هي بكلِّها ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٦].
إذَنْ فهذه حُجَّة من وجهين:
منين الوجه الأول؟ أنَّ في القرآن أسرارًا وأخبارًا بالغيب لا يمكن أنْ يأتي بها بَشَر.
الأمر الثاني: أنَّه لو كان القرآن من عند محمدٍ ﷺ وهو (...) إلى الله ويجاهد به أيضًا، ويجاهد به وعليه، لَكان الله سبحانه وتعالى يُعاجله بأيِّ شيء؟ بالعقوبة؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾، وهذا هو السرُّ في العدول عن قوله: قلْ أنزله الله، إلى قوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يُشير المؤلف .. المؤلف تصرَّف في إطلاق الآية؛ الآية: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وهو يقول هنا: (﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ للمؤمنين ﴿رَحِيمًا﴾ بهم)، فما رأيُكم بهذا التصرُّف من المؤلف؟ هذا في الحقيقة تخصيصٌ لا وجه له؛ فالله تعالى موصوفٌ بهذا الوصف ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ لكلِّ مَن يستحقُّ المغفرة؛ للمؤمن معه أصل الإيمان لكن يعمل المعاصي..
تجوز مخالفة الرسم العثماني، قالوا: لأن للرسم قواعد خاضعة لكل أمة ولكل عصر، ولو أن القرآن حين نزَلَ كتابته على غير هذا الوجه لكُتِبَ على غير هذا الوجه.
إذن (...) القول الأول يقولون: لا تجوز مخالفة الرسم العثماني، ويجب على الإنسان إذا كتب القرآن لنفسه أو لغيره، تعليمًا أو تلاوة، أو أي حال من الأحوال، يجب أن يكون على الرسم العثماني، بناءً على أن هذا من باب التوقيف، فكما أننا لا نغيِّر اللفظ فكذلك لا نغيِّر الكتابة.
ثانيًا: يجوز أن يُكتب القرآن بحسب القواعد التي يُكتَب بها في أي عصر كان، ولا يجب التقيُّد بالرسم العثماني.
قالوا: لأن الكتابة لها قواعد تختلف باختلاف العصور والأمم، والقرآن لم ينزل مكتوبًا وإنما نزَلَ مقروءًا باللفظ لا بالكتابة حتى نقول: إن الكتابة توقيفية. ولأنه لو كانت القواعد -قواعد الرسم- حين نزول القرآن على غير هذا الوجه لكتب بها ولَّا لا؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: لو فُرِضَ أن الرسم حين نزول القرآن أو حين جمعه في عصر عثمان رضي الله عنه على غير هذه القواعد، لكُتِبَ بها ولَّا يُكْتب بشيء آخر؟ لكُتِب بها. فدلَّ ذلك على أن الكتابة تابعةٌ للعصر الذي تُكْتَب فيه.
والقول الثالث: التفصيل؛ إن كُتِبَ لعالمٍ فبالرسم العثماني، وإن كُتِبَ لجاهل فبالرسم العصري الذي هو فيه. قالوا: لأنه إذا كان جاهلًا ثم كُتِبَ له على الرسم العثماني أخطأ في اللفظ؛ مثلًا: نبغي نكتب (الصلاة)، على الرسم العثماني فيها واو.
* طالب: الصلوات.
* الشيخ: بيقرأها الجاهل الصلوات مثلًا، أو الصلوت، وكذلك الزكاة، وكذلك الربا، وما أشبهها. فهؤلاء يفصِّلون بين أن يُكْتَبَ لعالمٍ وأن يُكْتَبَ لجاهلٍ.
والصحيح القول الثاني: إنه يجوز أن يُكْتَبَ القرآن بحسب القواعد العصرية التي كُتِبَ بها؛ لأن كتابته ليست بتوقيفية؛ لأنه لم ينزِلْ مكتوبًا، فنقول: يجب التوقف على ما نزل عليه، وإنما هو كُتِبَ في عصرٍ كانت قواعد الرسم على هذا الوجه، فبقي على هذا الوجه.
* طالب: ربما يا شيخ (...)؟
* الشيخ: لا، ما يقع، أصله هو يُتْلَى، فالتلاوة تضبطه عن التحريف.
طيب، بناء على هذا الخلاف: كتابة القرآن بطريقة (برايل) تجوز ولَّا لا؟
* طالب: تجوز.
* الشيخ: لا، ما تجوز من باب أولى؛ لأن النقط هذه أبعد ما تكون عن الحروف، وعلى هذا فلا يجوز إطلاقًا أن يُكْتَبَ، وعمل الناس الآن على خلاف هذا؛ فهم الآن يوجد مصاحف كاملة مكتوبة بهذه الطريقة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، لفظًا، ما هي ترجمة.
* طالب: يُكْتَب ببرايل بالرسم العثماني؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: ما المعنى يعني؟
* الشيخ: الآن مثلًا: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ [المائدة ١١٦]، ﴿قَالَ﴾ ما تكتب ببرايل إلا على حسب قواعد برايل، حسب رسمها، (...).
* الطالب: إي نعم، لا يكتب (...) يا شيخ، أغلبها اختصارات.
* الشيخ: لا، حتى لو فُرِضَ أنها تبقى على ما هي عليه، إن كان بعد اختصارات فهي يجب البحث فيها، حتى لو قلنا بالجواز.
* الطالب: لا، أغلبها اختصارات، تعلمنا في (...) أكثرها اختصارات، يختصرون الكلمات إلى نقط (...) الحرف.
* الشيخ: نقطة واحدة؟
* الطالب: يعني ربما كلمة كاملة مثلًا (كيف)، بالذات الكلمات المشهورة.
* الشيخ: إي، يرمزون لها رمزًا؟
* الطالب: إي رمز، ربما رمَزَ بحرف واحد.
* الشيخ: معناه أنهم يسقطون بعض الحروف كتابة؟
* الطالب: إي.
* الشيخ: هذه تكون أبعد عن الجواز، يعني هذه أبعد حتى لو قلنا بالجواز فيُنْظر في هذا.
* طالب: يا شيخ، بالنسبة لكتابة القرآن لنا، يعني (...)؟
* الشيخ: لا، القراءات على الرسم العثماني صحيح تأتي، لكن قبل أن يوجد التشكيل والإعراب. الإعجام الآن يمنع، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] مثلًا بعد أن أُعجمت ونُقِطَت ما يمكن أنك تقرأها: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ .
* الطالب: لا، مثل قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]؟
* الشيخ: إي.
* الطالب: تقرأ ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فيها، يعني بالرسم العثماني ألف مُزالةٌ، فتُقْرَأ على الوجهين.
* الشيخ: الآن؟
* الطالب: لكن لو كُتِبَت على الكتابة المعروفة لاحتملت وجهًا واحدًا، وهو (...).
* الشيخ: الآن ﴿مَالِكِ﴾، لو أنا بنقرأها على الرسم العثماني بدون تشكيل، على طول نقرؤها: ﴿مَلِكِ﴾ ، ولا يمكن نقرؤها: ﴿مَالِكِ﴾، ولَّا لا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: وبالتشكيل تقرؤها: ﴿مَالِكِ﴾؛ لأنه يرمز للألف بالشرطة.
* الطالب: للاسم.
* الشيخ: بالشرطة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: فإذن على كل حال سيتبين هذا وهذا، يعني بعد التشكيل في الحقيقة ما تتبين القراءة، يعني ما تكون الكلمة الواحدة جامعة للقراءة.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، أبدًا، ما هو محظور هذا.
* طالب: بالنسبة لكتابة (برايل)، أليس القرآن الكريم نزل مقصودًا للنطق به، يعني تعلم الناس؟
* الشيخ: بلى.
* الطالب: ويش المانع أن تكون الكتابة على هذه (...)؟
* الشيخ: نحن نقول بناء على الخلاف، أما إذا قلنا بالجواز فهي جائزة طريقة (برايل)، إي، لكن بس عاد اللي يوجب علينا الإشكال كلام الأخ أن فيها اختصارًا.
* الطالب: إذا كان يفهم المعنى؟
* الشيخ: إي.
* الطالب: إذا كان -مثلًا- يفهم أن هذه النقطة أنها مثلًا (كيف) أو (لماذا).
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: يعني يكون القرآن كاملًا، يعني لفظًا؟
* الشيخ: ما فيه إشكال.
* الطالب: ما فيه إشكال؟
* الشيخ: إي نعم، هو على القول بالجواز الأمر واسع، على القول بجواز كتابة القرآن بغير الرسم العثماني الأمر فيه واسع، وما زال الناس الآن بالنسبة للتعليم -تعليم الصبيان- يكتبونه بالرسم العصري، وأنا ما عندي إشكال في جواز الرسم العصري بدون حاجة، حتى وإن لم يحتج الإنسان إليه؛ لأنه كما أشرنا إليه أولًا. أولًا ذكرنا ثلاثة أوجه للجواز: أن القرآن نزل؟
* طالب: ليُقْرَأ.
* الشيخ: مَلْفوظًا به لا مكتوبًا، وحينئذٍ يمنع التوقيف.
ثانيًا: أنه إنما كُتِب على هذا الوجه لأن القاعدة الرسمية في ذلك الوقت كانت على هذا الوضع، لا لأنه -مثلًا- الرسول قال: اكتبوه على هذه الصفة، أو أن جبريل نزل به على هذه الصفة.. إلى آخره.
* طالب: فيه حديث عن النبي ﷺ أمره بأن يكتب على هذه الصفة.
* الشيخ: على هذه الصفة؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وين هو؟
* الطالب: في حديث (...) ﷺ: مدَّ الألف، يعني لا أحفظ لفظ الحديث: وحرك اللام...
* الشيخ: ما أعرفه.
* الطالب: لا (...)، فيه حديث -يا شيخ- شرحه الزرقاني.
* الشيخ: إي.
* الطالب: يعني ذكر فيه كيفية أمر النبي ﷺ لهم بكتابة القرآن، بأن قال لهم يعني: مُدَّ الْأَلِفَ، أو حَرِّكِ اللَّامَ.
* الشيخ: طيب، إذا قال: مُدَّ الْأَلِفَ، هذا عليهم؛ لأن ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، إذا مدينا الألف نجيب الألف، مع أني ما أعتقد أن هذا يصلح من الرسول عليه الصلاة والسلام، أبدًا، أنه يقول: اكتبوا (الصلاة) بالواو، واكتبوا (الزكاة) بالواو، واكتبوا (الربا) بالواو.
* الطالب: لا، هو ذكر فيها قواعد الرسم الخمسة (...)، يعني الحذف والوصل والـ...
* الشيخ: على كل حال، اللي بيغير اللفظ لا بد، هذا لو ما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام لفظًا أمرًا خاصًّا، هذا معلوم، اللي بيغير اللفظ.
* الطالب: (...) حسب الأحرف السبعة، حتى تعتبرها الأحرف السبعة.
* الشيخ: أبدًا، ما نعتبرها الأحرف السبعة، الأحرف السبعة باللفظ ما بالكتابة.
الوجه الثالث: أننا نجزم بأنه لو كانت القواعد الرسمية في ذلك الوقت على غير هذا الشكل لكُتِبَ بها بلا شكٍّ، ما يمكن يُكْتَب بغير القواعد الرسمية في ذلك الوقت.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، لكنه في عهد عثمان رضي الله عنه كتبوا حسب القواعد الرسمية -فيما يبدو لي- في المدينة في ذلك الوقت ولو هو من الجائز، ما دام أن عثمان أمر بإحراق جميع المصاحف المخالفة لهذا في اللفظ، حتى لفظًا أمر بإحراقها ليجتمع الناس.
على هذا نقول: هذا القول هو الراجح؛ أنه يجوز أن يكتب القرآن بحسب القواعد العصرية، وأنه لا يجوز أن يكتب بالرسم العثماني للجاهل، هذا الذي نراه أيضًا، إنسان جاهل ما إحنا معلمينه لفظًا، يعني لا نعلمه التلاوة لفظًا، لا يجوز أن نكتب له بالرسم العثماني، والسبب أنه لو قرأه على حسب الرسم العثماني وهو لم يعلم إياه بالتلاوة سوف يحرف القرآن.
* طالب: يا شيخ، بالنسبة لأصحاب القول الثاني الذين يرون أنه، الذين فسروا بالنسبة (...)؟
* الشيخ: بالنسبة؟
* الطالب: للجاهل، يعني يجب كتابة القرآن بالطريقة التي يقرأها (...).
* الشيخ: إي.
* الطالب: طيب، منها نستنبط أنه أيضًا (...)؟
* الشيخ: ما فيها شك، هذا إذا قلنا بالجواز سواء تفصيلًا أو إطلاقًا، فالطريقة (برايل) هذه جائزة للحاجة.
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان ٧] قلنا: إن (ما) استفهامية، و(لِ هذا) جار ومجرور خبرُ المبتدأ، و﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ الجملة ويش محلها من الإعراب؟ نجيب آية تشبهها ليتضح لكم: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر ٤٩]، ويش تُعْرِبون ﴿مُعْرِضِينَ﴾؟
* طالب: (...) حال.
* الشيخ: حال. إذن ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ حال؛ الجملة حالية، يعني: ما باله آكلًا للطعام، كأنهم يقولون: لو كان رسولًا لم يأكل الطعام. هذه واحدة.
ثانيًا: ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، يمشي في الأسواق مع الناس، ما يترفَّع، ولا يختبئ في بيته، ولا يمشي ومعه جنوده يمينًا وشمالًا، وأمامًا وخلفًا، ليش يمشي في الأسواق؟
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾، يعني كأنهم يقولون: ولماذا لم يكن معه مَلَكٌ؟ لأن ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى: هلَّا، وهي للتحضيض.
وقوله: ﴿مَلَكٌ﴾ أحد الملائكة، وهو مشتقٌّ من الألوكة، وهي لُغةً الرسالةُ، وقد قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر ١].
﴿فَيَكُونَ مَعَهُ﴾ مع من؟ مع الرسول ﷺ، ﴿نَذِيرًا﴾ يعني مُنذِرًا؛ ليعلم بذلك أنه صادق.
الوجه الرابع: (﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [الفرقان ٨] من السماء ينفقه ولا يحتاج إلى المشي في الأسواق لطلَبِ المَعاش).
﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ يعني: من السماء ينزل، ﴿كَنْزٌ﴾ من السماء، وإنما قلنا: (من السماء)؛ لأن قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ تدل على الانتهاء والغاية، وإلا من الجائز: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ يعني: يجد كنزًا في الأرض، ولكن (إلى) تفيد الانتهاء والغاية، فيكون معنى هذا يعني: ﴿يُلْقَى إِلَيْهِ﴾ من السماء ينزل، ﴿إِلَيْهِ﴾ من السماء، ﴿كَنْزٌ﴾ لأجل أي شيء؟ ليكون ذا مال كثير، فلا يحتاج إلى المشي في الأسواق، ولا يصيبه الفقر كما هي حال النبي ﷺ.
هذه كم؟ ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾، ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾، ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾.
(﴿تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بستانٌ، ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أي: من ثمارها، فيكتفي بها، وفي قراءة ﴿نَأْكُلُ﴾ بالنون؛ أي: نحن، فيكون له مَزِيَّة علينا بها).
(وفي قراءة) سبعيَّة ولَّا شاذة؟
* طالب: سبعيَّة.
* الشيخ: سبعيَّة؛ لأن قاعدة المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: (وفي قراءة) فهي سبعية، وإذا قال: (وقُرِئَ) فهي شاذة.
إذن فيها قراءتان: ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ و﴿نَأْكُلُ مِنْهَا﴾ ، ﴿يَأْكُلُ﴾ و﴿نَأْكُلُ﴾ .
طيب، هذه خمسة أشياء اعترضوا بها.
(﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ أي: الكافرون للمؤمنين، ﴿إِنْ﴾ ما، ﴿تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ مخدوعًا مغلوبًا على عقله).
﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ أولًا: في هذا إظهار في مقام الإضمار، ولَّا لا؟ لأنه بالأول كلها المسألة ضمائر: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾، وهنا: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾. والإظهار في مقام الإضمار له فوائد، وأظن أننا قد ذكرناها من قبل.
* طالب: أولًا (...).
* الشيخ: تسجيل هذا الوصف عليهم، يعني بيان حالهم أنهم بهذا الوصف، يعني أنهم ظالمون. هذه واحدة.
طيب، الثانية؟
* طالب: الاعتناء (...).
* الشيخ: اهتمام، كيف ذلك؟ ما فيه شيء.
الفائدة الثانية: أن هذا القول يُعتَبَرُ من الظلم، فيكون الأمر شاملًا، يعني أن كل من قال فهو ظالم.
الفائدة الثالثة: التنبيه، تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد فإن الإنسان ينسجم وربما يسرح، فإذا جاءه شيء على خلاف النمط الأول حصل بذلك الانتباه. وهذه الفائدة لفظية، والفائدتان الأوليان معنويتان.
* طالب: العلة (...)؟
* الشيخ: هو هذا يؤخذ من الأمر الثاني؛ الفائدة الثانية.
الفائدة الأولى قلنا: إنه يسجل على هؤلاء وصفهم بهذا الظاهر؛ إن كان كفرًا فهو كفر، أو ظلمًا فهو ظلم، أو فسقًا فهو فسق، أو إيمانًا فهو إيمان.. إلى آخره.
والفائدة الثانية: أن هذا الحكم أو هذا القول أو هذا الفعل ظُلمٌ، من أي إنسان وقع، وهذا هو الذي أشار إليه (...)؛ لأنه للتعليل.
والفائدة الثالثة: التنبيه، تنبيه المخاطب؛ لأن اختلاف الكلام أو اختلاف نسق الكلام يوجب الانتباه.
و﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾، يقول المؤلف: (﴿إِنْ﴾ مَا)، (ما) هذه تفسير لـ﴿إِنْ﴾، يعني أنَّ ﴿إِنْ﴾ نافية، إذا كانت نافية فالمسألة فيها حصر، يعني: ما ﴿تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا﴾، وهذا أبلغ من قولهم: إنكم تتبعون رجلًا مسحورًا، يعني كأنهم قالوا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس له حال من الأحوال إلا أنه مسحور، يعني: (مخدوعًا مغلوبًا على عقله) يعني: مختل العقلِ بالسِّحر.
ومن العجائب أنهم أحيانًا يقولون: إنه ﴿سَاحِرٌ﴾ [الذاريات ٥٢]، وأحيانًا يقولون: إنه ﴿مَسْحُورًا﴾ [الإسراء ٤٧]، وبينهما فرق. ولكن مع هذا المبطل كل ما يمكنه من الدعاوى الباطلة يأتي بها ولو كان (...).
نشوف الآن: هذه الأشياء الست التي قدحوا في النبي ﷺ بها.
أولًا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾، بماذا نجيبهم؟ ويش نرد عليهم به؟
* طالب: أنه بشرٌ.
* الشيخ: أنه بشرٌ، فهو محتاج إلى الطعام، وهذا ليس بقادح، ما دامت القرائن أو البينات شهدت بصدقه، فإن كونَه يأكل الطعام لا يمنع من صدقه؛ لأنه بشر.
﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾..
* طالب: أيضًا.
* الشيخ: لا، هذه ما هي من الطبيعة البشرية، البقر يمشي بالأسواق، والإبل تمشي في الأسواق.
* طالب: التواضع.
* طالب آخر: (...) طلب الرزق يعني.
* الشيخ: إي، التواضع نعم، نرد عليهم بأن هذا مما يؤيد كونه رسولًا، لا مما يناقض كونه رسولًا؛ لأن هذا يدل على تواضعه، وعلى محبته لأنْ يكون بين أُمَّته يفيدهم ويستفيدون منه.
إذن فهذه لكونها دليلًا على الرسالة أوضح من كونها مانعًا من الرسالة، ولَّا لا؟
طيب، و﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾، هم كأنهم يقولون: ولماذا لم ينزل عليه مَلَكٌ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، يُقال: أولًا: إنه أنزل إليه مَلَكٌ، لكنه ليس كما طلبوا يمشي معه ويُنذِرُ، فإن جبريل قد أُنْزِلَ إلى النبي ﷺ ومعه الوحي، وهذا ما يقوله النبي عليه الصلاة والسلام. وأمَّا كونه معه مصاحبًا له، فهذا لا يقدح في الرسالة إذا لم يكن مصاحبًا؛ لأنه لو كان مصاحبًا وجاء على غير صفة الملائكة عاد الأمر كما كان، صارت الحجة التي يحتجون بها أو الشبهة التي يحتجون بها موجودة. ولو جُعِلَ مَلكًا في صورة الملك لكان يقضى عليه إذا لم يؤمنوا؛ لأن الآيات المعينة إذا طلبت ولم يؤمن من طلبها فإنه يهلك.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما هي معينة، ولهذا قيدناها: الآيات المعينة إذا طُلِبَت، أما لو قالوا: أَرِنا آيةً ولم يعينوها، فهذا يمكن ما يهلكون به.
طيب، ﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾، يقول: ليش ما صار هذا غنيًّا؟ فكونه قليل ذاتِ اليد يدل على أنه غير رسول، بماذا نجيبهم؟
* طالب: لأن الرسول ﷺ دعا إلى هذا؛ دعا إلى الكفاف وطلب الرزق.
* الشيخ: إي، لكن هم يقولون: أنت رسول، ليش ما نزل عليك كنزٌ تستغني به عن طلب الرزق؟
* الطالب: مما يدل على (...).
* طالب: لأن جميع الأنبياء كانوا فقراء، فكما ثبت وَكَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْ كَسْبِ أَيْدِيهِمْ[[أخرج البخاري (٢٠٧٢) عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ، قال: «ما أكل أحد طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده». ]].
* الشيخ: طيب، وغير؟
* طالب: ولأن الرسول ﷺ خُيِّر بين (...).
* الشيخ: ما يخالف، هو خُيِّر بين أن تسير معه الجبال ذهبًا، أو خُيِّر بين أن يكون مَلَكًا نبيًّا أو عبدًا نبيًّا، فاختار هذا[[أخرج النسائي في الكبرى (٤٣١٢) أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يحدث أن الله تبارك وتعالى أرسل إلى نبيه ﷺ ملكًا من الملائكة ومعه جبريل، فقال الملك: إن الله يخيرك بين أن تكون عبدًا نبيًّا وبين أن تكون مَلِكًا، فالتفت رسول الله ﷺ إلى جبريل كالمستشير، فأشار جبريل بيده أن تواضع، فقال رسول الله ﷺ: «بل أكون عبدًا نبيًّا»، قال: فما أكل بعد تلك الكلمة طعامًا متكئًا. ]]، لكن ما هي بهذه مقنعة.
* طالب: لأن الأمر الذي جاء به أمر عظيم من الدعوة (...)، ومن الإيمان بالله سبحانه وتعالى، فليس يعني (...) المال وغيره، وإنما عليه كي ينبههم إلى...
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، طيب.
* طالب: لأنه قد يكون الإنسان معه -مثلًا- مال ولا يكون رسولًا، كم مثلًا من صاحب جاهٍ فيكون معه، ليس دليلًا على (...).
* الشيخ: يعني معناه الرسالة لا تتوقف؟
* الطالب: على المال.
* الشيخ: على المال، الرسالة لا تتوقف على المال، وليس المال دليلًا على الرسالة؛ لأن هناك أناسًا كثيرين أغنياء وليسوا برُسُلٍ.
* طالب: ثم إنه لو كان معه مالٌ لاتُّبِعَ لأجل ماله.
* الشيخ: هذه إيجابية، الكلمة اللي أنت قلت إيجابية، لكن نريد الدفع؛ دفع قولهم، ثم نقول كما أشار إليه الأخ: إن عدم المال معه قد يكون أكثر لتأييد كونه رسولًا؛ لأنه لو نزل إليه مالٌ واتبعه الناس من أجله صارت المسألة ما اتبعوه علشان رسالته.
إذن نقول: هذا -أي: كونه لم ينزل عليه كنزٌ- ليس مانعًا من الرسالة. لماذا؟ لأن ثبوت الرسالة لا يتوقف على الكنز، بل تثبت بدونه، ولأنه لو كان عنده كنزٌ لقيل: اتبعه الناس من أجل كنزه وغناه. فهذا إبطال لقولهم.
﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾، نقول فيها مثلما قلنا في مسألة الكنز: إن هذا ليس بلازم في الرسالة، وأنه لو كان ﴿لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أو ﴿نَأْكُلُ﴾ على القراءة الثانية (...) لقيل: إنهم اتبعوه لأجل الأكل من هذه الجنة.
السادس: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، بماذا نرد عليهم؟
* طالب: بالآيات القرآنية.
* الشيخ: لا، بس الآيات القرآنية ما هم مؤمنين هم بالقرآن.
* طالب: (...).
* الشيخ: وغير هذا؟
* طالب: نرد عليهم (...).
* الشيخ: نعم، نرد عليهم بأن المسحور لا يمكن أن يأتي بمثل هذا الكلام، يأتي بكلام يعجز عنه العقلاء فيقال: إنه مسحور، يمكن هذا ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: يعني يمكن لإنسانٍ مسحورٍ مخبولِ العقل بالسحر يأتي بكلام يعجز عنه البلغاء، ويتحدى العقلاء أن يأتوا بمثله ولا يستطيعون أو ما يمكن؟ لا يمكن، هذا واضح جدًّا، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٩].
* طالب: كذلك ما أقول: إن (...).
* الشيخ: إي، الساحر (...)، لكن أثر على المسحور، ما يمكن أن يأتي بمثل هذا الكلام.
* الطالب: إذا كان الساحر يبطل سحره، فالمسحور أولى أن يُبطل السحر.
* الشيخ: لا، أصلًا ما هو بيجي بكلام مضبوط، يعني لا نقول: إنه بيأتي بكلام يمكن نقضه أو لا يمكن، لا يمكن يأتي بكلام إلا كلام غير متوازن، فكيف بكلام معجز؟!
قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ الاستفهام في قوله: ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ﴾ للتعجب والإنكار.
وقوله: ﴿الْأَمْثَالَ﴾ يعني: الأشباه أو الأوصاف؛ لأن المثَلَ يأتي بمعنى الشبَهِ ويأتي بمعنى الصفة. قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [محمد ١٥]، معنى ﴿مَثَلُ﴾ صفةُ الجنة. ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ [البقرة ١٧] يعني: شَبَهُهُم كشَبَهِ... فالأمثال إما بمعنى الأشباه أو بمعنى الأوصاف، يعني: كيف جعلوا هذه الأوصاف التي يقدحون برسالتك بها؟! انظر إليها متعجبًا، والتعجب يقتضي في الغالبِ الإنكارَ.
(﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ بالمسحور، والمحتاج إلى ما ينفقه، وإلى مَلَكٍ يقوم معه بالأمر، ﴿فَضَلُّوا﴾ بذلك عن الهُدى، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ طريقًا إليه).
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ﴾، الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، وكونه يُخاطب الرسول ﷺ بهذا الإنكار عليهم لا يخفى ما فيه من التأييد والتقوية للرسول ﷺ وعناية الله تعالى به ﷺ، وهذا أمر معلوم.
وقوله: ﴿فَضَلُّوا﴾، الفاء هذه عاطفة لكنها تُفيد السببية؛ أي: فبسبب ما ضربوا لك من الأمثال ضلَّوا. وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا أورد الشبهات على نفسه أو على من أتى بالحق فإنه يكون سببًا لضلاله، إذا لم يَقْبَل الإنسان الحق ويدَعْ ما يَرِدُ على خاطره من الشبهات حول ذلك الحق فإنه يكون سببًا لضلاله؛ ولهذا قال: ﴿فَضَلُّوا﴾، الفاء عاطفة وتُفيد السببية.
وقد ذكر ابن القيم في مفتاح دار السعادة أنه تكلم مع شيخه ابن تيمية في مسائل (...)، يقول: فجعلت أورد عليه بالنقد، فقال لي: لا تجعل قلبك مثل الإسفنجة يقبَلُ كلَّ شُبهةٍ فيتشرَّبها، ولكن اجعله كالزجاجة الصلبة تكشف ما وراءها ولا تتأثر. وهذا صحيح، الإنسان إذا فتح على نفسه باب الشبهات والتساؤلات فإنه يضِلُّ، وانظر إلى إرشاد النبي ﷺ الرجل حينما يتساءل الناس: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقولوا: من خلق الله، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام الإنسان إذا وصل إلى هذا الحد أن يستعيذ بالله ولينته، وأرشده إلى أن يقرأ ﴿اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١ - ٤]، وفي حديث آخر: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد ٣]
فهذه الأشياء التي تَرِدُ على القلب إذا استرسل الإنسان منها فسوف تكون سببًا لضلاله، كما تفيده هذه الآية وآيات أخرى كثيرة؛ مثل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]. فالإنسان يجب عليه أن يكون قابلًا للحق، متشوِّفًا له، قابلًا له، ولا يورد على نفسه شبهات؛ لأن الشبهات ما لها حدٌّ، والشيطان يحب من ابن آدم أن يرد على قلبه هذه الشبهات ليضل.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، (المسحور) واضح، وكونه ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، و﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾، كلها مندرجة بقوله: (والمحتاج إلى ما ينفقهًا وإلى مَلَكٍ يقوم معه).
الخلاصة الآن -يا جماعة- أن هؤلاء الكفار جعلوا مع الله آلهة، وهذا قدح في التوحيد. ثم زعموا أن القرآن أساطير الأولين، وهذا قدح في القرآن مباشرة، ويتضمن القدح في الله أيضًا والقدح في الرسول ﷺ. ثم بعد ذلك ذكر الله قدحهم في الرسول ﷺ القدح المباشر بهذه الأوجه الستة، وتبين -ولله الحمد- أن هذه الأوجه التي أوردوها قدحًا في النبي ﷺ كلها ليست بقدح، بل منها ما يؤيد أنه رسول.
استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن النبي ﷺ لم يُسْحَرْ، وكذَّبوا بذلك الأحاديثَ المشهورة بل المتواترة أن النبي ﷺ سُحِرَ، وأن الله أنزل عليه المعوذتين لنقض هذا السحر[[أخرج عبد بن حميد (٢٧١) عن زيد بن أرقم، قال: سحر النبي ﷺ رجل من اليهود، قال: فاشتكى فأتاه جبريل، فنزل عليه بالمعوذتين... الحديث. ]]. فهل لاستدلالهم بهذه الآية وجه ولَّا لا؟
* طالب: له وجه.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لأنها (...) الظالمين.
* الشيخ: إي نعم، لكن هم.. الآن نحن لا نشك أن الرسول ﷺ قد سُحِرَ، وأنه نزلت عليه المعوذتان ونُقِضَ سِحْرُه بهما، هذا أمر لا شك فيه؛ لأن الأحاديث في ذلك متواترة. هم يقولون: هذه الأحاديث كلها كذبٌ، ما هي بصحيحة؛ لأن القول بأنه مسحور هو قول الكفار.
* طالب: لا وجه له؛ لأن (...).
* الشيخ: لا، ما هو بهذا الوصف، ما هو بهذا الرد، هو صحيح ما له وجه لكن ما هو بهذا الـ...
* طالب: قولهم: رجل مسحور، تُفيد الوصفَ اللازم.
* الشيخ: إي.
* الطالب: أنه يعني هذا حاله الدائم أنه مسحور، أما السحر الذي سحره اليهودي فهو شيء طارئ مثل المرض، يعني يُزَالُ بمزيلات.
* الشيخ: إي نعم، هذا صحيح، هذا هو الرد عليهم، نقول: إن هؤلاء الظالمين الذين قالوا: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، أرادوا بذلك أن السحر وصف لازم له، وأن كل ها الكلام اللي بيقول كله كلام مسحور (...). أما السحر الذي طرأ على النبي عليه الصلاة والسلام فهو سحر طارئ، ثم مع ذلك ما أثَّر في الرسالة أبدًا، عائشة رضي الله عنها تقول: اللي حصل أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله[[أخرج البخاري (٦٠٦٣) ومسلم واللفظ له (٢١٨٩ / ٤٣) عن عائشة، قالت: سحر رسول الله ﷺ يهودي من يهود بني زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم، قالت: حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم، أو ذات ليلة، دعا رسول الله ﷺ، ثم دعا، ثم دعا، ثم قال: «يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟ جاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي، أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، قال: وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان» قالت: فأتاها رسول الله ﷺ في أناس من أصحابه، ثم قال: «يا عائشة، والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رءوس الشياطين». قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا أحرقته؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرًّا، فأمرت بها فدفنت».]]، هذا الذي حصل، وهي مدة وجيزة أيضًا ولم تؤثِّر؛ يعني ما قال شيئًا في الرسالة مما يمكن أن تتغير به الرسالة في هذه المدة.
فالحاصل أن الاستدلال بهذه الآية على إبطال أحاديث صحيحة متواترة، لا شك أنه جرأة عظيمة، لو كانت الأحاديث ضعيفة أو كانت الأحاديث -مثلًا- من الأحاديث التي في أدنى مراتب الصحة، لكنا نقول: إن هذا له وجه. وأما أحاديث صحيحة مشهورة متواترة ونبطلها بمثل هذا الأمر لا يمكن أن يبطلها، ولذلك الصواب، بل اليقين المتيقن المتعين أن ذلك وقَعَ للرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن الله تعالى أنزل عليه سورتين ثم هُدِيَ إلى محَل السحر. أين كان سحره؟ في بئر أريس، وكان في مُشْطٍ ومُشاطةٍ في جوف طلعة ذكَرٍ، يعني كافور. تعرفون الكافور؟ كافور الفحل يكون كبيرًا ويسع. هذا السحر وُضِعَ للرسول عليه الصلاة والسلام في مُشْطٍ اللي يُكَدُّ به الرأس، والمُشاطة الشعر الذي يتناثر مع الكدُّ، وجعل في هذا الكافور في البئر التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يأتي إليها. فذهب النبي عليه الصلاة والسلام وأمر أن يُخْرَجَ هذا السحر، فأُخْرِجَ السحر فنُقِضَ، فعافاه الله سبحانه وتعالى.
قال الله تعالى: ﴿فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿سَبِيلًا﴾ بمعنى طريقًا. إلى أي شيء؟ إلى الهدى، والعياذ بالله. وفي هذا تحذير كما أشرنا إليه أولًا، تحذير من أن يتابع الإنسان الشُّبَه التي تَرِدُ عليه، وأنه يجب على الإنسان أن يبتعد عن هذا كله.
الفرقان 25:5
(...) الآية الآن، ذُكر أولًا تنزيل القرآن (...).
* طالب: (...) ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٤ - ٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان ٣].
(﴿وَاتَّخَذُوا﴾ أي: الكفار ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: الله)، أمَّا الضمير الأول: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ فلمْ يُذكَر له مرجعٌ لفظيٌّ، لكنَّه مرجعه معلومٌ بحسب الحال؛ يعني ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾ مَن هم؟
* طالب: الكفار.
* الشيخ: الكفار المتَّخذون، فهو لا مَرجِع له لفظًا، لكن مَرجعه معلومٌ بحال الواقع.
وأمَّا ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ فمَرجعه ظاهرٌ مما سبق؛ لأنَّ الله تحدَّث عن نفسه بقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾.
ومناسبة هذه الآية لِمَا قبلها أنَّ الله لَمَّا أثنى على نفسه بما أثنى به ناسبَ أن يذكر تلك الأصنام التي اتُّخذتْ من دونه -يعني مِن دون الله- آلهةً، ليتبيَّن حالُهم؛ لأنَّ الأشياء تتبيَّن بما يكون لها من صفات.
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾، وقوله: ﴿آلِهَةً﴾ جمع (إله)، وهذه الآلهة إنما كانت آلهةً باتِّخاذهم، أمَّا في الحقيقة فليست آلهةً لأنها ليستْ مستحقةً للعبادة، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: لقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم ١٩ - ٢٣]، وقال يوسف: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف ٣٩، ٤٠]، فهي آلهةٌ لاسمهم واعتقادهم، أمَّا في الواقع فليست آلهةً؛ بمعنى أنها لا تستحقُّ أن تكون آلهة. واضح يا جماعة؟
فعلى هذا مثلًا إذا قال قائل: كيف أثبتَ الله هنا أنها آلهة ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾، مع أنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم يقولون لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود ٦١]، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣]، كيف نجمع بين هذا النفي وبين هذا الإثبات؟
نقول: نجمع بين هذا النفي وبين هذا الإثبات أنَّ النفي باعتبار الحقيقة والواقع؛ فإنَّه لا إله إلا الله ولا شك في ذلك، وأمَّا الإثبات فهو بحسب أيش؟ بحسب عمل هؤلاء حيث جعلوا هذه آلهةً؛ أي: معبودةً، وهي لا شك أنها تُعبَد، لكنَّها ليست مستحقَّة للعبادة، فبحسب الاستحقاق يكون النفي، وبحسب الواقع يكون الإثبات. واضح الأمر ولَّا لا؟
بحسب الاستحقاق يكون النفي؛ يعني: لا أحد يستحقُّ ولا أحد يكون حقيقةً إلهًا سوى الله عز وجل. وأمَّا باعتبار الاعتقاد وباعتبار العمل فإنَّ مِن الناس مَن اعتقد وعَمِل فجعل مع الله إلهًا آخَر، وحقيقة هذه الآلهة أنها ليست بشيء، صحيح أنها تُعبَد وتُدعى ويُركَع لها ويُسجَد ويُنذَر لها، لكنَّها في الواقع ليست مستحقَّة لهذا الأمر، فليست آلهة.
ثم بيَّن الله هذه الآلهة المتَّخَذة: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾، وعدم خلْقهم دليلٌ على عَجْزِهم، وعَجْزُهم دليلٌ على أنهم ليسوا آلهة؛ لأنَّ الإله لا بدَّ أن يكون قادرًا؛ لأنَّ القدرة من كماله، وهذا العجز الذي اتَّصفتْ به هذه الآلهة يمنع أن تكون آلهة.
ثانيًا: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، مين اللي ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾؟ الآلهة. إذَنْ هي حادثةٌ بعد أن لم تكن، والربُّ يجب أن يكون أوَّليًّا ليس قبله شيء؛ لأنَّ الربَّ المستحقَّ للعبادة لا بدَّ أن يكون خالقًا، وإذا كان مخلوقًا فهو حادثٌ، وإذا كان حادثًا فمَن قبله ليس من خلْقه، وعلى هذا يكون في قوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ بيانٌ لعدم صلاحيتهم للآلهة من حيث أيش؟ انتفاء القدرة.
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لا يصلح أيضًا أن يكونوا آلهةً من وجهين:
أولًا: الحدوث؛ لأنهم محدَثون، والإله لا يمكن أن يكون مُحْدَثًا.
الأمر الثاني: أنَّ مَن قبلهم ومَن سبقهم ليس مِن خلْقهم، على فرض أن يكونوا يَخلقون، وهذا دليلٌ على عدم صلاحيتهم للألوهية.
﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان ٣] يقول المؤلف: (﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ أي: دَفْعه). ونحن نقول: دَفْعه وجَلْبه أيضًا. ويش المانع؟! لو أرادوا أن يضرُّوا أنفسَهم ما ضرُّوها، ولو أرادوا أن يدفعوا عنها ضررًا ما دفعوا عنها، فإبقاء الآية على العموم أَوْلى؛ ﴿لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ أيش؟ لا جَلْبًا للضرِّ ولا دَفْعًا له، حتى الضرر الذي يمكن أن يكون سهلًا لو أرادوه لأنفسهم ما استطاعوا؛ يعني لو أرادتْ هذه الأصنام أن تُتلف نفسَها تستطيع ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لو أرادتْ أن تُمرِض نفسَها -إذا كانت مما يَلْحقه المرض- هل تملك ذلك ولَّا لا؟ لا تملك. ولو أراد أحدٌ أن يعتدي عليها تملك دَفْعه ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما تستطيع، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ وهذا يدلُّ على أهميته؛ أَمْر الله تعالى لنا بأنْ نستمع لهذا المثل يدلُّ على أهميته.
المثل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، الذباب اللي هو مِن أَهْون الحيوانات وأَضْعفها لو أنَّهم اجتمعوا على أن يخلقوه ما استطاعوا.
أمرٌ آخَر: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ على ضعفه ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ ما يستطيعون أن يستنقذوه، ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج ٧٣].
فهؤلاء لا يملكون لأنفسهم ضَرًّا؛ لا دَفْعَه ولا جَلْبَه، ولا يملكون أيضًا نَفْعًا، يقول المؤلف: (أي: جَرَّه)، يعني: ما يملكون أن يجرُّوا لأنفسهم نفعًا. كذا؟ عندي: (أي: جَرَّه)؟
* طالب: إي نعم، (جَرَّه).
* الشيخ: إي نعم، فهُم لا يملكون أن يجرُّوا النفع إلى أنفسهم، ولا يملكون أيضًا أن يدفعوه عن أنفسهم، مِثل الأول، يعني ينبغي أن نجعلها على سبيل العموم، وإنْ كان مقتضى الحال أنَّ الإنسان يريد الدفع .. أو أنَّ أيَّ واحدٍ يريد دَفْع الضرر ويريد جَلْب النفع، ولكن إبقاء الآية على العموم أَوْلى؛ يعني: لا يستطيعون شيئًا لأنفسهم، وإذا كانوا لا يستطيعون ذلك لأنفسهم فمِن باب أَوْلى ألَّا يستطيعوه لعابديهم.
(﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ أي: إماتةً لأحدٍ وإحياءً لأحدٍ ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ أي: بعثًا للأموات).
﴿لَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ يعني: ما يملكون أن يموِّتوا أحدًا (...)، نعرف أنَّ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه وقال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨] أنَّه كاذب ولَّا صادق؟ كاذب.
﴿لَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ يعني: لا يملكون أن يَجْلبوا موتًا لأحدٍ ولا أن يَجْلبوا حياةً لأحد مهما اجتمعوا لذلك.
فإذا قال إنسان: أليس يمكن أن يقتلوا أحدًا؟
فالجواب: هذا سببُ الموت وليس هو الموت؛ يعني يمكن الإنسان يفعل سببَ الموت، لكن ما يمكن أن يُوقِع الموت، وبين الأمرين فرق، ولهذا أحيانًا يوجد سبب الموت ولا يموت الإنسان، وأحيانًا يموت الإنسان بدون سبب؛ يعني بدون سببٍ معلومٍ.
فإذَنْ هؤلاء لا يملكون موتًا لأحدٍ ولا حياةً، لا يملكون أن يُحْيُوا أحدًا من الأموات لأنَّ ذلك إلى الله عز وجل.
وأمَّا إحياء عيسى للأموات فليس من هذا الباب، ليس من الأمر الذي نفاه الله؛ لأنَّ الذي يُحْيِي حقيقةً للأموات هو الله، ولهذا قيَّد الله إحياءَه للموتى بقوله: ﴿بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠]، فليس هو يستقلُّ بهذا، وإنما يكون قوله سببًا للحياة التي يخلقها الله عز وجل. واضح؟
﴿وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ النُّشور هو بَعْثُ الموتى وتفريقُهم، نَشْرُهم معناه أنَّهم يُفَرَّقون؛ يخرجون من الأجداث وينتشرون في الأرض يتفرَّقون فيها، فهُم لا يملكون شيئًا من هذا كلِّه.
فإذا تبيَّن عَجْزهم الذاتي والعَرَضي تبيَّن أنها لا تصلح أن تكون آلهة، ففيهم عجز ذاتي وعَرَضي.
طيب، ما مقام أو ما حال ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ بالنسبة لقوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾؟
عَطْفها على قوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ من باب عطْف الخاصِّ على العامِّ أو التفصيل بعد الإجمال.
تجدون الآن الآية الكريمة تترقَّى من الأدنى إلى الأعلى: ﴿ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾، ﴿مَوْتًا﴾ و﴿حَيَاةً﴾ و﴿نُشُورًا﴾، معلوم؛ لأنَّ الحياة أشدُّ من الموت؛ يعني وجود سبب الحياة أو القدرة على الحياة أعظم من الموت، كذلك أيضًا النفعُ والضررُ؛ أيُّهما أعظم؟ النفع؛ لأن الضرر .. الإنسان يريد من الضرر دَفْع الشيء، ودَفْع الشيءِ أسهل من جَلْبه؛ لأنَّ الجلب إيجابيٌّ والدفْع سلبيٌّ، وغالبًا أن السلبي يكون أَهْون من الإيجابي، فانتقل الله سبحانه وتعالى في بيان عَجْز هذه الآلهة وأنها لا تَصْلح من الأدنى إلى الأعلى، هذا بالنسبة للتفصيل، أمَّا بالنسبة للإجمال فقال: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾.
* وفي هذا من الفوائد: دليلٌ على أنَّه ينبغي للإنسان أن يسوق للخَصْم ما يُقِرُّ به لزومًا حتى تقوم الحجَّة عليه.
هؤلاء الذين جعلوها آلهةً هل يمكن أن يدَّعوا بأنها تَخْلق؟ لا.
هل يمكن أن يدَّعوا بأنها غير مخلوقة؟ لا؛ لأنهم يعرفونها موجودةً وليستْ من قبل.
هل يمكن أن يدَّعوا بأنها تنفع أو تضرُّ؟ نقول: يمكن أن يدَّعوا ذلك، وفِعْلًا يدَّعون ذلك؛ يقولون: إنَّ الأولياء ينفعون، وإنهم يضرُّون، وإنَّ مَن لم يذبح لهذا الولي أو ينذر له فإنَّه يضرُّه. هذه دعوى.
يُطالَبون بأيِّ شيء إذا ادَّعوا؟ يُطالَبون بالدليل، نعم، الدليل أنْ يُقال لهم مثلًا: ادعوا هذا الوليَّ بأمرٍ معيَّن وانظروا هل يجلب لكم ذلك أو لا يجلبه، مِثْلما أنهم هم يطالبون الرُّسُلَ بأشياء معيَّنة؛ يقولون مثلًا لَمَّا قالت لهم الرُّسُل: إنَّ الله يُحْيي الموتى، قالوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، مع أنَّ الرُّسُل ما قالت لهم: إنَّ البعث في الدنيا، حتى يقولوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾، إنما قالت لهم: إنَّ البعث متى؟ بعد الموت. وهذا غير ما طالب به هؤلاء الخصْم للرُّسُل، فقولهم: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ هو في الحقيقة مصادرة؛ يعني: طلبُ دليلٍ لشيءٍ لم يقُله الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ إذ لم يقولوا: إنهم يُبعثون الآن.
فعلى كل حالٍ هذه الدعوى أنَّهم يملكون نفعًا أو ضرًّا، هذه دعوى تحتاج إلى بيِّنة.
أمَّا دعوى الموت والإحياء فهي أيضًا أوضح بُطلانًا، بل لَرُبَّما تُدَّعى؛ لأنَّ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه قال له: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فربما تُدَّعى.
وفي مناظرة إبراهيم عليه الصلاة والسلام -يعني يمكن أنْ ننتفع بها هنا- دليلٌ على أنَّه إذا ادَّعى المبطِل دعوى فإنَّنا ننقله إلى ما هو أَوْضح؛ لأنَّ المقصود ما هي بالمجادلة، المقصود إقامة الحجَّة على بُطلان هذا الأمر، وهو إذا بَطَل ولو من دليلٍ واحدٍ كفى، ما حاجة لأننا نُبْطله من الدليل الذي يُعيِّنه الخصم، قد نُبْطله من دليلٍ آخَر، إبراهيم عليه الصلاة والسلام لو أراد أن يحاجَّ هذا الرجل ويجادل هذا الرجل لَقال له: لستَ تُحيي وتميت، وإنما تفعل سببَ الإحياء والإماتة. لكنَّه عليه الصلاة والسلام ذهب إلى دليلٍ أَوْضح وأَبْين ولا تمكن المحاجَّة فيه؛ قطعًا لأيِّ شيء؟ قطعًا للنزاع والمجادلة؛ لأنَّ الإنسان اللي يجادل قابِلْه بدليلٍ لا يمكنه دَفْعه، فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨]، إلزام ولَّا ما هو بإلزام؟ إلزامٌ لا يتمكَّن معه أن يدَّعي شيئًا، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة ٢٥٨].
المهم الآن اللي عندنا: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ مُسَلَّم، ويمكن دعوى نَفْيه ولَّا ما يمكن؟ لا يمكن، حتى عند العابدين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان ٢٥]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، حتى عند العابدين ما يمكن يدعون هذه الصفة المنفية.
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لا يمكن أيضًا أن يدَّعوا أنها ليستْ مخلوقة؛ لأنها مصنوعة، هُم صنعوها بأيديهم؛ يقول إبراهيم لهم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦].
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ هذه قُلنا: إنه يمكن أن يُدَّعى أيش؟ خلافُ هذا النفي، وجوابُنا عليه من أمرين:
إمَّا إبطال هذه الدعوى بعينها ونقول: هذا أمرٌ لا يمكن، وإذا شئتم فادْعوا.
وإمَّا أن يقال: ننتقل عن هذا النفي عند المجادلة -ترى- لا ننتقل عن هذا النفي لعدم إيمانٍ بالله؛ يجب علينا أنْ نؤمن بأنهم لا يملكون ذلك، لكنْ عند المخاصمة ويش ننتقل إليه؟ إلى أمرٍ أعظم وأَبْين وأوضح.
مثلًا لو نزلتْ أمطارٌ كثيرةٌ مغرِقةٌ أو حصلتْ زلازل، ممكن نقول لهم: ادْعوا هذه الأصنام وانظروا هل (...) السماء؟ وهل تتوقَّف الأرض عن الزلازل؟ وما أشبهَ ذلك. لكنْ مهما كان لو ادَّعوا ما يدَّعون فإنَّنا ننتقل عند المجادلة إلى أمرٍ أوضح لا يتمكَّنون من نفيه. ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾.
ولَمَّا ذكر الله سبحانه وتعالى ما يعود إلى التوحيد انتقل إلى ما يعود إلى الرسالة؛ لأنَّ (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله)، فقال تعالى..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الفرق بينهما أنَّ النشور عامٌّ، وأمَّا الحياة فهي خاصَّة، الحياة لواحدٍ معيَّن؛ مِثل أن يُقال لهم: أحيوا هذا الميت. النُّشُور عامٌّ، ولهذا قُلنا: إنَّه من النَّشْر بمعنى التفريق والانتشار، فهو أعمُّ.
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾ أي: ما القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كَذِبٌ ﴿افْتَرَاهُ﴾ محمَّد ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان ٤] وهم من أهل الكتاب).
هذا الأصل الثاني من الأصول في التوحيد وهو إثبات الرسالة، إثبات الرسالة لا شك أنَّه أحدُ شطري التوحيد: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله)، ولا يمكن أن يُعبَد الله سبحانه وتعالى إلا بما جاءت به الرسل؛ لأنَّ العبادة طريقٌ للمرء إلى ربِّه.
وهل يمكن أن نتوصَّل إلى الله بطريقٍ لم يجعله طريقًا؟ ويش الجواب؟
* طلبة: لا يمكن.
* الشيخ: لا، وهذا الطريق الذي جعله الله طريقًا إليه جاء بواسطة الرسل، إذَنْ فالعبادة لا بدَّ لها من رسالة، ولا يمكن أنْ يُعبَد الله بمجرَّد العقل؛ لأن العبادة طريقٌ يوصل إلى الله، وهذا الطريق لا يمكن إلا بوضعٍ من الله، والله سبحانه وتعالى جعله بواسطة من؟ بواسطة الرسل.
المكذِّبون للرسل أيضًا قدحوا في الرسل وبما جاءوا به؛ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ هنا صرَّح بالاسم الظاهر، بالأول قال: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ [الفرقان ٣] ليعمَّ جميع المشركين من العرب وغيرهم، وهنا قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني من العرب الذين ردُّوا رسالة النبي عليه الصلاة والسلام.
(﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما القرآن)، المؤلف دقيقٌ في التفسير، فسَّر لنا الآن -رحمه الله- فسَّر لنا ﴿إِنْ﴾، وفسَّر لنا اسمَ الإشارة.
﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما) فهي نافية، ﴿هَذَا﴾ يقول: (القرآن)، فالمشار إليه إذَن القرآن.
﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما هذا القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾، شوف -والعياذ بالله- أَتَوْا بالحصر؛ يعني ما يمكن يكون إلا إفكًا، لا يمكن أن يكون فيه صِدْق، فأَتَوا بالحصر عن طريق النفي والإثبات؛ (ما هذا إلا إفكٌ) يعني: ولا يمكن أن يكون صدقًا.
(كَذِبٌ ﴿افْتَرَاهُ﴾ ) يعني اختلقه؛ أي: النبي ﷺ.
﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يقول: (من أهل الكتاب)، ومنه أيضًا الرجُل الذي قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل ١٠٣].
يقولون: إنَّ هذا ليس من الله، بل هو من محمدٍ ﷺ افتراه مع مساعدة غيره.
يقول الله عز وجل مبطلًا لكلامهم: (﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان ٤] كُفْرًا وكَذِبًا).
﴿جَاءُوا ظُلْمًا﴾ المؤلف فسَّر الظُّلم بالكفر لأنَّ الكفر ظُلم؛ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، ثم أيضًا هو ظلمٌ بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه اعتداءٌ عليه ووصْفٌ له بالكذب، ولو أنَّ إنسانًا وَصَف أحدًا من الناس بالكذب لَقُلنا: إنَّه ظالِمٌ له ومُعْتدٍ عليه.
﴿وَزُورًا﴾ الزُّور في الأصل: كلُّ ما انحرف عن الصراط المستقيم، كلُّ انحرافٍ فهو زُور؛ ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف ١٧]؛ تميل، فكلُّ مَيْلٍ فهو زُور، وفي الحديث: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ» » والمراد به كلُّ قولٍ منحرفٍ، «والْعَمَلَ بِهِ»[[الحديث بتمامه: «مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه» أخرجه البخاري (١٩٠٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]].
الزُّور إذَن الكذب، فهُم من أكذَبِ الناس، بل أكذَبُ الناس فيما قالوا؛ هل قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ فيه شيءٌ من الصدق؟ لا، بل هو كَذِبٌ وظلمٌ وعدوانٌ على الرسول ﷺ.
ثم نقول لهم: إذا كان محمدٌ ﷺ هو الذي افتراه وأعانه عليه قومٌ آخرون فأْتوا بسورةٍ من مِثله؛ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور ٣٤]، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨].
ثم إنَّ محمدًا ﷺ عاش فيهم قبل الوحي كم؟ أربعين سنة، ما قال يومًا من الأيام: إنَّه يُوحى إليه، والذي يريد أن يكذبَ يكذبُ في عُنفوان شبابه ليكسب الأتباع من أول الأمر، فلمَّا لم يكن هذا إلا بعد مُضِيِّ أربعين سنةً، دلَّ ذلك على أنَّ دعواهم يُكَذِّبها الواقع أيضًا؛ فإنَّ هذا الوحي جاء والرسولُ عليه الصلاة والسلام في سِنِّ الأربعين، ولا يمكن أن يكون الكذب يتجدَّد له في هذا السن.
ثم إنَّنا نقول: مِمَّا يبيِّن أنَّه الغرور أنَّ هؤلاء الذين يقولون: إنه افتراه، هم بأنفسهم يشهدون للرسول ﷺ بالصدق، وكانوا يُسَمُّونه الأمين[[أخرج الحاكم (١٧٠١) من حديث عبد الله بن السائب رضي الله عنه: «وكانوا يُسَمُّونه في الجاهلية الأمينَ».]]، ولا يشكُّون في صِدْقه، ولا يشكُّون في عدالته ﷺ. فأين كانوا من قبل؟
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان ٥].
(﴿وَقَالُوا﴾ أيضًا هو ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أكاذيبهم؛ جمع (أُسطورة) بالضمِّ ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ انتسخها من ذلك القوم) أيش؟
* طالب: (لغيره).
* الشيخ: (بغيره).
* الطالب: باللام.
* الشيخ: (لغيره)؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: عندي بالباء، (بغيره ﴿فَهِيَ تُمْلَى﴾ تُقرأ ﴿عَلَيْهِ﴾ ليحفظها ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ غُدوةً وعشيًّا).
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، ﴿أَسَاطِيرُ﴾ جمع أُسطورة، وهي الأحاديث الرائجة التي لا أصل لها، وعند العامَّة يسمُّونها (...)، هذه الأسطورة. قالوا: إنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام أتى بأساطير الأوَّلين؛ يعني: أقاصيصهم وأحاديثهم التي لا أصل لها.
هذا القول الذي قالوه هل هو عن عقيدة ولَّا حسب الواقع؟ يعني: هل هو عن عقيدةٍ كاذبةٍ؟ يعني: قالوه بألسنتهم، ولَّا قالوه بحسب الواقع؟ يعني هل هم ادَّعَوْا ذلك دعوى، أو هذا الذي يعتقدونه وهذا الذي تبيَّن لهم؟
يمكن هذا ويمكن هذا، والله سبحانه وتعالى يقول في سورة المطففين: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ٧ - ١٤]، هذا يدلُّ على أنَّ قولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ليس دعوى بل اعتقاد، وأنَّ هذا هو الذي يعتقدونه، فإنْ كانت دعوى وهم يعتقدون أنها وحيٌ وصِدْقٌ فهذه دعوى باطلةٌ مثل غيرها من الدعاوى، وإنْ كان هذا ما يعتقدونه وهو ما ظهر لهم من القرآن فليس بغريبٍ أيضًا؛ لأنَّ الإنسان -والعياذ بالله- إذا حُجِبَ قلبُه رأى الحقَّ باطلًا والباطلَ حقًّا، فيمكن أن هؤلاء لظلمهم وكفرهم وعدوانهم لم يتبيَّن لهم حقيقة القرآن وظنُّوها أساطير. وهذا في الحقيقة معنًى جيِّد -الأخير- أنهم يقولونه لا مجرَّد دعوى لتكذيب الرسول ﷺ، ولكن بحسب الواقع فيما يعتقدون؛ وذلك لأنهم ليس عندهم اتجاهٌ سليمٌ صحيحٌ لقبول الحقِّ، فأُرُوا الحقَّ باطلًا.
الآن لو قرأْنا القرآنَ على إنسانٍ مُعْرِضٍ هل يتذوَّق حلاوتَه؟ هل يُحِسُّ بأنَّه كلام الله؟ هل يُحِسُّ بأنَّه أصدَقُ الأخبار وبأنَّه أعدَلُ الأحكام؟ لا، أبدًا، تجده مُعْرِضًا عنه، وليس بشيءٍ عنده حقيقةً باعتبار الواقع. ليش؟ لأنه -والعياذ بالله- كما قال الله عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠].
فهو -قولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ - قد يكون ذلك عن عقيدةٍ وأنَّ هذا بحسب الواقع لأنَّ حالهم تقتضي ذلك، وكلَّما أعرضَ الإنسانُ عن القرآن يكون أشدَّ خفاءً عليه وأبعدَ عن معرفته، وكلَّما أقبلَ عليه ازدادَ به يقينًا ومعرفةً. أفهمتم الآن؟
ولِهذا أنا أدعوكم ونفسي إلى أنْ يتأمل الإنسان دائمًا في القرآن ويتدبَّر لئلَّا يكون أُمِّيًّا. الله تعالى سَمَّى اللي ما يعرفون المعنى سَمَّاهم أُمِّيِّين، اللي ما يعرف المعنى وإنْ كان يعرف اللفظَ سَمَّاه الله أُمِّيًّا؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]، أيش معنى ﴿أَمَانِيَّ﴾؟
* الطلبة: قراءة.
* الشيخ: قراءة، فسَمَّى هؤلاء الذين لا يعلمون الكتاب إلا قراءةً سَمَّاهم أُمِّيِّين؛ لأنَّ مَن يقرأ ولا يفهم فهو كمَنْ لا يقرأ، لا فرق بينهما، إلَّا أنَّ هذا عنده فهمٌ للَّفظ وذاك ليس عنده (...)، واللفظ ماذا يستفيد به المرء وهو لا يعرف معناه؟! لأنَّ اللفظ هو بمنزلة الثوب للجسم؛ إذا كان عند الإنسان ثيابٌ هل تكون رجالًا؟ واحد عنده عشرون ثوبًا، قال: واللهِ أنا أبغي آخذه على هؤلاء الجماعة (...) عليهم. أيش عندك؟ قال: عندي عشرين ثوب. تنفعه هذه الثياب؟ ليست عشرون الثوب تكون عشرين رجلًا.
فالمهم أنَّنا نقول: إنَّ الواقع أنَّ الرجل إذا لم يُقبل على القرآن وهو يتأمَّله ويحرص على معرفة معناه فإنَّه لا يستفيد من القرآن شيئًا، وكما تعرفون حال الصحابة رضي الله عنهم؛ لا يتجاوزون عَشْر آياتٍ حتى يتعلَّموها وما فيها من العلم والعمل[[أخرج الطبري في تفسيره (١ / ٨٠) عن أبي عبد الرحمن قال: حدثنا الذين كانوا يُقرِئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبيِّ ﷺ، فكانوا إذا تعلَّموا عشر آياتٍ لم يخلِّفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلَّمنا القرآن والعمل جميعًا.]]، فتعلَّموا القرآنَ والعلمَ والعملَ جميعًا.
والذي يضرُّنا نحن أنَّنا نحرص على تلاوة القرآن لفظًا، وهذا طيب، لكن معنًى أيضًا. ومن الممكن أنَّ الإنسان يقرأ ما تيسَّر لفظًا، ثم إذا كان ما قد مَنَّ الله عليه بحفظه يتأمَّله وهو يمشي، يتأمَّله وهو على فراشه، وبتأمُّل القرآن يفتح الله على الإنسان معاني ما كان يعرفها ولا تخطر له على البال؛ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧]، وجرِّبْ تَجِدْ؛ لأنَّ القرآن تبيانٌ لكلِّ شيء، وهذا كلام الله عنه، والذي يحول بيننا وبين هذا التبيان لكلِّ شيءٍ هو عدمُ إقبالنا على هذا القرآن والتأمُّل فيه والتفكُّر فيه، وإلا لو أنَّنا تأمَّلْناه لَوجدناه تبيانًا لكلِّ شيء.
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ يعني: استنسخها من غيره. وأيضًا الرسولُ ﷺ يعرفون هم أنَّه كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب، لكنَّه أَمَر غيره أن يكتبها له، ولهذا المؤلف يقول: (انتسخها من ذلك القوم بغيره) انتسخها بغيره، لأنهم ما قالوا: كتبها، قالوا: ﴿اكْتَتَبَهَا﴾؛ يعني أَمَر غيرَه أن يكتبها له؛ لأنهم هم يعرفون الرسول ﷺ أنه كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب.
﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان ٥] ﴿تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ يعني: تُقرأ عليه، ليس تُملى عليه ليكتبها؛ لأنه لا يكتب، ولكنْ تُقرأ عليه ﴿بُكْرَةً﴾ في أول النهار ﴿وَأَصِيلًا﴾ في آخر النهار، ثم يأتي بها للناس ويقول: هذا كلام الله وهذا وَحْيٌ يُلقى إليه، وهو في ذلك -على زعمهم- ليس بصادق.
قال الله تعالى ردًّا لقولهم ..
* طالب: قوله تعالى: (...)؟
* الشيخ: يمكن أن يكون (...)، يجوز هذا وهذا، ويمكن بعضهم مِثْل كُبَرائهم لا شكَّ أنهم يعرفون الحقَّ، لكن عوامهم قد لا يعرفون، قد يخفى عليهم هذا الأمر ويقولون: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* طالب: يا شيخ، قوله تعالى: (...)، يؤخذ من هذا أنَّ (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو بيؤخذ، يؤخذ من هذا العموم ومن كلِّ وقت، دائمًا إذا أُرِيدَ العمومُ يُذكَر البُكرة والعشي؛ ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢] مع أنَّ رزقهم لا ينقطع في الجنة؛ ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة ٣٣]، لكنَّه يُذكَر هذان الوقتان للدوام.
أمَّا بالنسبة للواقع والتجربة فإنَّنا جرَّبْنا أنَّ الحفظ في أول النهار أسرع، والحفظ في آخر النهار -حسب ما جرَّبتُ أنا- إذا حفظت في آخر النهار ما هو سريع الحفظ، لكنَّك إذا قُمت من النوم وجدت أنك حافظ، فكلُّ واحدٍ منهما له مزيَّة بالنسبة للحفظ.
ردَّ الله عليهم بقوله: (﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ الغيب ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ للمؤمنين ﴿رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٦] بهم).
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ أمْرٌ للنبيِّ عليه الصلاة والسلام بأنْ يقول لهم في ردِّ قولهم: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، ونحن ذكرنا فيما سبق أنَّ القرآن كلَّه قد أُمِرَ النبيُّ ﷺ بتبليغه، ولكنَّه إذا جاء حُكمٌ من الأحكام أو خبرٌ من الأخبار وأُمِرَ النبيُّ ﷺ أن يقوله، ويش يدلُّ عليه؟ على الاهتمام به والعناية به، كأنَّه وصيَّةٌ خاصَّةٌ بهذا الأمر.
وفي هذا المقام الذي معنا فيه أيضًا زيادةٌ على ذلك أنَّه دعمٌ للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّه إذا كان الله هو الذي يُلَقِّنه الحُجَّة، كان ذلك أبلغ في دَعْمه وتقويته، أليس كذلك؟ يعني كأنَّ الله يُلَقِّنه الحُجَّة ليُحاجَّ عنه لكن على لسانه.
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ أي: القرآن ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قد يبدو للإنسان أن هذا الجواب ليس بمقنع؛ لأن هذا الجواب هو نفس الشيء الذي كان الرسول يقوله؛ فإنَّ الرسول يقول: إنَّ هذا الوحي أنزله الله، من الأصل، فهل يمكن.. أنتم فاهمون الكلام الآن؟
يعني قد يبدو للإنسان مِن أوَّل وَهْلةٍ أنَّ هذا الجواب غير مقنع، كيف ذلك؟ لأنَّ الرسول ما زال يقول: إن الذي أنزله الله، فكيف يكون هذا الجواب مُفْحِمًا لهم ومُبْطِلًا لقولهم؟
* طالب: لأنَّ الله سبحانه وتعالى (...).
* الشيخ: وهي؟
* الطالب: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان ٦] (...).
* الشيخ: زين، هذا وجه. ووجه آخر: في نفس ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾؛ ولهذا الله قال: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ [الفرقان ٦]، وفي أخبار هذا القرآن ما هو من الأسرار التي لا يطَّلع عليها محمدٌ ﷺ ولا غيره؛ ولهذا عدلَ الله سبحانه وتعالى عن قوله: قلْ أنزله الله، إلى قوله: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، يعني هو في القرآن من الأسرار ما هو معلوم، يُخبر بالخبر فيقع، هل الرسول عليه الصلاة والسلام يمكنه أن يعلم ذلك؟ لا يعلم ذلك، وإنما الذي يعلمه الله، وهو الذي أنزله، فنأخذ من قوله: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ نأخذ منه البرهان القاطع على أنَّ هذا القرآن ليس من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، وليس أساطير الأولين؛ لأنَّ فيه إخبارًا عن أمورٍ مستقبَلةٍ تقع كما أخبر، ولا أظنُّ أنَّ بشرًا يتمكَّن من ذلك، هذا وجهٌ بيِّنٌ جدًّا.
وجهٌ آخَر يمكن أن يؤخذ؛ وهو أنَّه إذا كان هذا القرآن من عند محمدٍ ﷺ وينسبه إلى الله، فإنَّ الله لا يمكن أن يُقِرَّه على هذا الأمر؛ لأنَّ الله تعالى يعلم السِّرَّ، وهذا الذي فعله محمدٌ ﷺ على فرض أنَّه ليس بصحيحٍ سرٌّ ولَّا جَهْر؟ جَهْرٌ. فإذا كان الله يعلم السِّرَّ فإنَّه يعلم الجهرَ من باب أَوْلى، وإذا كان يعلم الجهرَ ومحمدٌ ﷺ يقول: إنَّ هذا كلام الله، فإنَّ الله تعالى لا يمكن أن يُهمله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾، ﴿بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ ما هي بكلِّها ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٦].
إذَنْ فهذه حُجَّة من وجهين:
منين الوجه الأول؟ أنَّ في القرآن أسرارًا وأخبارًا بالغيب لا يمكن أنْ يأتي بها بَشَر.
الأمر الثاني: أنَّه لو كان القرآن من عند محمدٍ ﷺ وهو (...) إلى الله ويجاهد به أيضًا، ويجاهد به وعليه، لَكان الله سبحانه وتعالى يُعاجله بأيِّ شيء؟ بالعقوبة؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾، وهذا هو السرُّ في العدول عن قوله: قلْ أنزله الله، إلى قوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يُشير المؤلف .. المؤلف تصرَّف في إطلاق الآية؛ الآية: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وهو يقول هنا: (﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ للمؤمنين ﴿رَحِيمًا﴾ بهم)، فما رأيُكم بهذا التصرُّف من المؤلف؟ هذا في الحقيقة تخصيصٌ لا وجه له؛ فالله تعالى موصوفٌ بهذا الوصف ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ لكلِّ مَن يستحقُّ المغفرة؛ للمؤمن معه أصل الإيمان لكن يعمل المعاصي..
تجوز مخالفة الرسم العثماني، قالوا: لأن للرسم قواعد خاضعة لكل أمة ولكل عصر، ولو أن القرآن حين نزَلَ كتابته على غير هذا الوجه لكُتِبَ على غير هذا الوجه.
إذن (...) القول الأول يقولون: لا تجوز مخالفة الرسم العثماني، ويجب على الإنسان إذا كتب القرآن لنفسه أو لغيره، تعليمًا أو تلاوة، أو أي حال من الأحوال، يجب أن يكون على الرسم العثماني، بناءً على أن هذا من باب التوقيف، فكما أننا لا نغيِّر اللفظ فكذلك لا نغيِّر الكتابة.
ثانيًا: يجوز أن يُكتب القرآن بحسب القواعد التي يُكتَب بها في أي عصر كان، ولا يجب التقيُّد بالرسم العثماني.
قالوا: لأن الكتابة لها قواعد تختلف باختلاف العصور والأمم، والقرآن لم ينزل مكتوبًا وإنما نزَلَ مقروءًا باللفظ لا بالكتابة حتى نقول: إن الكتابة توقيفية. ولأنه لو كانت القواعد -قواعد الرسم- حين نزول القرآن على غير هذا الوجه لكتب بها ولَّا لا؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: لو فُرِضَ أن الرسم حين نزول القرآن أو حين جمعه في عصر عثمان رضي الله عنه على غير هذه القواعد، لكُتِبَ بها ولَّا يُكْتب بشيء آخر؟ لكُتِب بها. فدلَّ ذلك على أن الكتابة تابعةٌ للعصر الذي تُكْتَب فيه.
والقول الثالث: التفصيل؛ إن كُتِبَ لعالمٍ فبالرسم العثماني، وإن كُتِبَ لجاهل فبالرسم العصري الذي هو فيه. قالوا: لأنه إذا كان جاهلًا ثم كُتِبَ له على الرسم العثماني أخطأ في اللفظ؛ مثلًا: نبغي نكتب (الصلاة)، على الرسم العثماني فيها واو.
* طالب: الصلوات.
* الشيخ: بيقرأها الجاهل الصلوات مثلًا، أو الصلوت، وكذلك الزكاة، وكذلك الربا، وما أشبهها. فهؤلاء يفصِّلون بين أن يُكْتَبَ لعالمٍ وأن يُكْتَبَ لجاهلٍ.
والصحيح القول الثاني: إنه يجوز أن يُكْتَبَ القرآن بحسب القواعد العصرية التي كُتِبَ بها؛ لأن كتابته ليست بتوقيفية؛ لأنه لم ينزِلْ مكتوبًا، فنقول: يجب التوقف على ما نزل عليه، وإنما هو كُتِبَ في عصرٍ كانت قواعد الرسم على هذا الوجه، فبقي على هذا الوجه.
* طالب: ربما يا شيخ (...)؟
* الشيخ: لا، ما يقع، أصله هو يُتْلَى، فالتلاوة تضبطه عن التحريف.
طيب، بناء على هذا الخلاف: كتابة القرآن بطريقة (برايل) تجوز ولَّا لا؟
* طالب: تجوز.
* الشيخ: لا، ما تجوز من باب أولى؛ لأن النقط هذه أبعد ما تكون عن الحروف، وعلى هذا فلا يجوز إطلاقًا أن يُكْتَبَ، وعمل الناس الآن على خلاف هذا؛ فهم الآن يوجد مصاحف كاملة مكتوبة بهذه الطريقة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، لفظًا، ما هي ترجمة.
* طالب: يُكْتَب ببرايل بالرسم العثماني؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: ما المعنى يعني؟
* الشيخ: الآن مثلًا: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ [المائدة ١١٦]، ﴿قَالَ﴾ ما تكتب ببرايل إلا على حسب قواعد برايل، حسب رسمها، (...).
* الطالب: إي نعم، لا يكتب (...) يا شيخ، أغلبها اختصارات.
* الشيخ: لا، حتى لو فُرِضَ أنها تبقى على ما هي عليه، إن كان بعد اختصارات فهي يجب البحث فيها، حتى لو قلنا بالجواز.
* الطالب: لا، أغلبها اختصارات، تعلمنا في (...) أكثرها اختصارات، يختصرون الكلمات إلى نقط (...) الحرف.
* الشيخ: نقطة واحدة؟
* الطالب: يعني ربما كلمة كاملة مثلًا (كيف)، بالذات الكلمات المشهورة.
* الشيخ: إي، يرمزون لها رمزًا؟
* الطالب: إي رمز، ربما رمَزَ بحرف واحد.
* الشيخ: معناه أنهم يسقطون بعض الحروف كتابة؟
* الطالب: إي.
* الشيخ: هذه تكون أبعد عن الجواز، يعني هذه أبعد حتى لو قلنا بالجواز فيُنْظر في هذا.
* طالب: يا شيخ، بالنسبة لكتابة القرآن لنا، يعني (...)؟
* الشيخ: لا، القراءات على الرسم العثماني صحيح تأتي، لكن قبل أن يوجد التشكيل والإعراب. الإعجام الآن يمنع، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] مثلًا بعد أن أُعجمت ونُقِطَت ما يمكن أنك تقرأها: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ .
* الطالب: لا، مثل قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]؟
* الشيخ: إي.
* الطالب: تقرأ ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فيها، يعني بالرسم العثماني ألف مُزالةٌ، فتُقْرَأ على الوجهين.
* الشيخ: الآن؟
* الطالب: لكن لو كُتِبَت على الكتابة المعروفة لاحتملت وجهًا واحدًا، وهو (...).
* الشيخ: الآن ﴿مَالِكِ﴾، لو أنا بنقرأها على الرسم العثماني بدون تشكيل، على طول نقرؤها: ﴿مَلِكِ﴾ ، ولا يمكن نقرؤها: ﴿مَالِكِ﴾، ولَّا لا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: وبالتشكيل تقرؤها: ﴿مَالِكِ﴾؛ لأنه يرمز للألف بالشرطة.
* الطالب: للاسم.
* الشيخ: بالشرطة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: فإذن على كل حال سيتبين هذا وهذا، يعني بعد التشكيل في الحقيقة ما تتبين القراءة، يعني ما تكون الكلمة الواحدة جامعة للقراءة.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، أبدًا، ما هو محظور هذا.
* طالب: بالنسبة لكتابة (برايل)، أليس القرآن الكريم نزل مقصودًا للنطق به، يعني تعلم الناس؟
* الشيخ: بلى.
* الطالب: ويش المانع أن تكون الكتابة على هذه (...)؟
* الشيخ: نحن نقول بناء على الخلاف، أما إذا قلنا بالجواز فهي جائزة طريقة (برايل)، إي، لكن بس عاد اللي يوجب علينا الإشكال كلام الأخ أن فيها اختصارًا.
* الطالب: إذا كان يفهم المعنى؟
* الشيخ: إي.
* الطالب: إذا كان -مثلًا- يفهم أن هذه النقطة أنها مثلًا (كيف) أو (لماذا).
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: يعني يكون القرآن كاملًا، يعني لفظًا؟
* الشيخ: ما فيه إشكال.
* الطالب: ما فيه إشكال؟
* الشيخ: إي نعم، هو على القول بالجواز الأمر واسع، على القول بجواز كتابة القرآن بغير الرسم العثماني الأمر فيه واسع، وما زال الناس الآن بالنسبة للتعليم -تعليم الصبيان- يكتبونه بالرسم العصري، وأنا ما عندي إشكال في جواز الرسم العصري بدون حاجة، حتى وإن لم يحتج الإنسان إليه؛ لأنه كما أشرنا إليه أولًا. أولًا ذكرنا ثلاثة أوجه للجواز: أن القرآن نزل؟
* طالب: ليُقْرَأ.
* الشيخ: مَلْفوظًا به لا مكتوبًا، وحينئذٍ يمنع التوقيف.
ثانيًا: أنه إنما كُتِب على هذا الوجه لأن القاعدة الرسمية في ذلك الوقت كانت على هذا الوضع، لا لأنه -مثلًا- الرسول قال: اكتبوه على هذه الصفة، أو أن جبريل نزل به على هذه الصفة.. إلى آخره.
* طالب: فيه حديث عن النبي ﷺ أمره بأن يكتب على هذه الصفة.
* الشيخ: على هذه الصفة؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وين هو؟
* الطالب: في حديث (...) ﷺ: مدَّ الألف، يعني لا أحفظ لفظ الحديث: وحرك اللام...
* الشيخ: ما أعرفه.
* الطالب: لا (...)، فيه حديث -يا شيخ- شرحه الزرقاني.
* الشيخ: إي.
* الطالب: يعني ذكر فيه كيفية أمر النبي ﷺ لهم بكتابة القرآن، بأن قال لهم يعني: مُدَّ الْأَلِفَ، أو حَرِّكِ اللَّامَ.
* الشيخ: طيب، إذا قال: مُدَّ الْأَلِفَ، هذا عليهم؛ لأن ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، إذا مدينا الألف نجيب الألف، مع أني ما أعتقد أن هذا يصلح من الرسول عليه الصلاة والسلام، أبدًا، أنه يقول: اكتبوا (الصلاة) بالواو، واكتبوا (الزكاة) بالواو، واكتبوا (الربا) بالواو.
* الطالب: لا، هو ذكر فيها قواعد الرسم الخمسة (...)، يعني الحذف والوصل والـ...
* الشيخ: على كل حال، اللي بيغير اللفظ لا بد، هذا لو ما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام لفظًا أمرًا خاصًّا، هذا معلوم، اللي بيغير اللفظ.
* الطالب: (...) حسب الأحرف السبعة، حتى تعتبرها الأحرف السبعة.
* الشيخ: أبدًا، ما نعتبرها الأحرف السبعة، الأحرف السبعة باللفظ ما بالكتابة.
الوجه الثالث: أننا نجزم بأنه لو كانت القواعد الرسمية في ذلك الوقت على غير هذا الشكل لكُتِبَ بها بلا شكٍّ، ما يمكن يُكْتَب بغير القواعد الرسمية في ذلك الوقت.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، لكنه في عهد عثمان رضي الله عنه كتبوا حسب القواعد الرسمية -فيما يبدو لي- في المدينة في ذلك الوقت ولو هو من الجائز، ما دام أن عثمان أمر بإحراق جميع المصاحف المخالفة لهذا في اللفظ، حتى لفظًا أمر بإحراقها ليجتمع الناس.
على هذا نقول: هذا القول هو الراجح؛ أنه يجوز أن يكتب القرآن بحسب القواعد العصرية، وأنه لا يجوز أن يكتب بالرسم العثماني للجاهل، هذا الذي نراه أيضًا، إنسان جاهل ما إحنا معلمينه لفظًا، يعني لا نعلمه التلاوة لفظًا، لا يجوز أن نكتب له بالرسم العثماني، والسبب أنه لو قرأه على حسب الرسم العثماني وهو لم يعلم إياه بالتلاوة سوف يحرف القرآن.
* طالب: يا شيخ، بالنسبة لأصحاب القول الثاني الذين يرون أنه، الذين فسروا بالنسبة (...)؟
* الشيخ: بالنسبة؟
* الطالب: للجاهل، يعني يجب كتابة القرآن بالطريقة التي يقرأها (...).
* الشيخ: إي.
* الطالب: طيب، منها نستنبط أنه أيضًا (...)؟
* الشيخ: ما فيها شك، هذا إذا قلنا بالجواز سواء تفصيلًا أو إطلاقًا، فالطريقة (برايل) هذه جائزة للحاجة.
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان ٧] قلنا: إن (ما) استفهامية، و(لِ هذا) جار ومجرور خبرُ المبتدأ، و﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ الجملة ويش محلها من الإعراب؟ نجيب آية تشبهها ليتضح لكم: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر ٤٩]، ويش تُعْرِبون ﴿مُعْرِضِينَ﴾؟
* طالب: (...) حال.
* الشيخ: حال. إذن ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ حال؛ الجملة حالية، يعني: ما باله آكلًا للطعام، كأنهم يقولون: لو كان رسولًا لم يأكل الطعام. هذه واحدة.
ثانيًا: ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، يمشي في الأسواق مع الناس، ما يترفَّع، ولا يختبئ في بيته، ولا يمشي ومعه جنوده يمينًا وشمالًا، وأمامًا وخلفًا، ليش يمشي في الأسواق؟
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾، يعني كأنهم يقولون: ولماذا لم يكن معه مَلَكٌ؟ لأن ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى: هلَّا، وهي للتحضيض.
وقوله: ﴿مَلَكٌ﴾ أحد الملائكة، وهو مشتقٌّ من الألوكة، وهي لُغةً الرسالةُ، وقد قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر ١].
﴿فَيَكُونَ مَعَهُ﴾ مع من؟ مع الرسول ﷺ، ﴿نَذِيرًا﴾ يعني مُنذِرًا؛ ليعلم بذلك أنه صادق.
الوجه الرابع: (﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [الفرقان ٨] من السماء ينفقه ولا يحتاج إلى المشي في الأسواق لطلَبِ المَعاش).
﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ يعني: من السماء ينزل، ﴿كَنْزٌ﴾ من السماء، وإنما قلنا: (من السماء)؛ لأن قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ تدل على الانتهاء والغاية، وإلا من الجائز: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ يعني: يجد كنزًا في الأرض، ولكن (إلى) تفيد الانتهاء والغاية، فيكون معنى هذا يعني: ﴿يُلْقَى إِلَيْهِ﴾ من السماء ينزل، ﴿إِلَيْهِ﴾ من السماء، ﴿كَنْزٌ﴾ لأجل أي شيء؟ ليكون ذا مال كثير، فلا يحتاج إلى المشي في الأسواق، ولا يصيبه الفقر كما هي حال النبي ﷺ.
هذه كم؟ ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾، ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾، ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾.
(﴿تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بستانٌ، ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أي: من ثمارها، فيكتفي بها، وفي قراءة ﴿نَأْكُلُ﴾ بالنون؛ أي: نحن، فيكون له مَزِيَّة علينا بها).
(وفي قراءة) سبعيَّة ولَّا شاذة؟
* طالب: سبعيَّة.
* الشيخ: سبعيَّة؛ لأن قاعدة المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: (وفي قراءة) فهي سبعية، وإذا قال: (وقُرِئَ) فهي شاذة.
إذن فيها قراءتان: ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ و﴿نَأْكُلُ مِنْهَا﴾ ، ﴿يَأْكُلُ﴾ و﴿نَأْكُلُ﴾ .
طيب، هذه خمسة أشياء اعترضوا بها.
(﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ أي: الكافرون للمؤمنين، ﴿إِنْ﴾ ما، ﴿تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ مخدوعًا مغلوبًا على عقله).
﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ أولًا: في هذا إظهار في مقام الإضمار، ولَّا لا؟ لأنه بالأول كلها المسألة ضمائر: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾، وهنا: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾. والإظهار في مقام الإضمار له فوائد، وأظن أننا قد ذكرناها من قبل.
* طالب: أولًا (...).
* الشيخ: تسجيل هذا الوصف عليهم، يعني بيان حالهم أنهم بهذا الوصف، يعني أنهم ظالمون. هذه واحدة.
طيب، الثانية؟
* طالب: الاعتناء (...).
* الشيخ: اهتمام، كيف ذلك؟ ما فيه شيء.
الفائدة الثانية: أن هذا القول يُعتَبَرُ من الظلم، فيكون الأمر شاملًا، يعني أن كل من قال فهو ظالم.
الفائدة الثالثة: التنبيه، تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد فإن الإنسان ينسجم وربما يسرح، فإذا جاءه شيء على خلاف النمط الأول حصل بذلك الانتباه. وهذه الفائدة لفظية، والفائدتان الأوليان معنويتان.
* طالب: العلة (...)؟
* الشيخ: هو هذا يؤخذ من الأمر الثاني؛ الفائدة الثانية.
الفائدة الأولى قلنا: إنه يسجل على هؤلاء وصفهم بهذا الظاهر؛ إن كان كفرًا فهو كفر، أو ظلمًا فهو ظلم، أو فسقًا فهو فسق، أو إيمانًا فهو إيمان.. إلى آخره.
والفائدة الثانية: أن هذا الحكم أو هذا القول أو هذا الفعل ظُلمٌ، من أي إنسان وقع، وهذا هو الذي أشار إليه (...)؛ لأنه للتعليل.
والفائدة الثالثة: التنبيه، تنبيه المخاطب؛ لأن اختلاف الكلام أو اختلاف نسق الكلام يوجب الانتباه.
و﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾، يقول المؤلف: (﴿إِنْ﴾ مَا)، (ما) هذه تفسير لـ﴿إِنْ﴾، يعني أنَّ ﴿إِنْ﴾ نافية، إذا كانت نافية فالمسألة فيها حصر، يعني: ما ﴿تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا﴾، وهذا أبلغ من قولهم: إنكم تتبعون رجلًا مسحورًا، يعني كأنهم قالوا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس له حال من الأحوال إلا أنه مسحور، يعني: (مخدوعًا مغلوبًا على عقله) يعني: مختل العقلِ بالسِّحر.
ومن العجائب أنهم أحيانًا يقولون: إنه ﴿سَاحِرٌ﴾ [الذاريات ٥٢]، وأحيانًا يقولون: إنه ﴿مَسْحُورًا﴾ [الإسراء ٤٧]، وبينهما فرق. ولكن مع هذا المبطل كل ما يمكنه من الدعاوى الباطلة يأتي بها ولو كان (...).
نشوف الآن: هذه الأشياء الست التي قدحوا في النبي ﷺ بها.
أولًا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾، بماذا نجيبهم؟ ويش نرد عليهم به؟
* طالب: أنه بشرٌ.
* الشيخ: أنه بشرٌ، فهو محتاج إلى الطعام، وهذا ليس بقادح، ما دامت القرائن أو البينات شهدت بصدقه، فإن كونَه يأكل الطعام لا يمنع من صدقه؛ لأنه بشر.
﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾..
* طالب: أيضًا.
* الشيخ: لا، هذه ما هي من الطبيعة البشرية، البقر يمشي بالأسواق، والإبل تمشي في الأسواق.
* طالب: التواضع.
* طالب آخر: (...) طلب الرزق يعني.
* الشيخ: إي، التواضع نعم، نرد عليهم بأن هذا مما يؤيد كونه رسولًا، لا مما يناقض كونه رسولًا؛ لأن هذا يدل على تواضعه، وعلى محبته لأنْ يكون بين أُمَّته يفيدهم ويستفيدون منه.
إذن فهذه لكونها دليلًا على الرسالة أوضح من كونها مانعًا من الرسالة، ولَّا لا؟
طيب، و﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾، هم كأنهم يقولون: ولماذا لم ينزل عليه مَلَكٌ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، يُقال: أولًا: إنه أنزل إليه مَلَكٌ، لكنه ليس كما طلبوا يمشي معه ويُنذِرُ، فإن جبريل قد أُنْزِلَ إلى النبي ﷺ ومعه الوحي، وهذا ما يقوله النبي عليه الصلاة والسلام. وأمَّا كونه معه مصاحبًا له، فهذا لا يقدح في الرسالة إذا لم يكن مصاحبًا؛ لأنه لو كان مصاحبًا وجاء على غير صفة الملائكة عاد الأمر كما كان، صارت الحجة التي يحتجون بها أو الشبهة التي يحتجون بها موجودة. ولو جُعِلَ مَلكًا في صورة الملك لكان يقضى عليه إذا لم يؤمنوا؛ لأن الآيات المعينة إذا طلبت ولم يؤمن من طلبها فإنه يهلك.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما هي معينة، ولهذا قيدناها: الآيات المعينة إذا طُلِبَت، أما لو قالوا: أَرِنا آيةً ولم يعينوها، فهذا يمكن ما يهلكون به.
طيب، ﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾، يقول: ليش ما صار هذا غنيًّا؟ فكونه قليل ذاتِ اليد يدل على أنه غير رسول، بماذا نجيبهم؟
* طالب: لأن الرسول ﷺ دعا إلى هذا؛ دعا إلى الكفاف وطلب الرزق.
* الشيخ: إي، لكن هم يقولون: أنت رسول، ليش ما نزل عليك كنزٌ تستغني به عن طلب الرزق؟
* الطالب: مما يدل على (...).
* طالب: لأن جميع الأنبياء كانوا فقراء، فكما ثبت وَكَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْ كَسْبِ أَيْدِيهِمْ[[أخرج البخاري (٢٠٧٢) عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ، قال: «ما أكل أحد طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده». ]].
* الشيخ: طيب، وغير؟
* طالب: ولأن الرسول ﷺ خُيِّر بين (...).
* الشيخ: ما يخالف، هو خُيِّر بين أن تسير معه الجبال ذهبًا، أو خُيِّر بين أن يكون مَلَكًا نبيًّا أو عبدًا نبيًّا، فاختار هذا[[أخرج النسائي في الكبرى (٤٣١٢) أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يحدث أن الله تبارك وتعالى أرسل إلى نبيه ﷺ ملكًا من الملائكة ومعه جبريل، فقال الملك: إن الله يخيرك بين أن تكون عبدًا نبيًّا وبين أن تكون مَلِكًا، فالتفت رسول الله ﷺ إلى جبريل كالمستشير، فأشار جبريل بيده أن تواضع، فقال رسول الله ﷺ: «بل أكون عبدًا نبيًّا»، قال: فما أكل بعد تلك الكلمة طعامًا متكئًا. ]]، لكن ما هي بهذه مقنعة.
* طالب: لأن الأمر الذي جاء به أمر عظيم من الدعوة (...)، ومن الإيمان بالله سبحانه وتعالى، فليس يعني (...) المال وغيره، وإنما عليه كي ينبههم إلى...
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، طيب.
* طالب: لأنه قد يكون الإنسان معه -مثلًا- مال ولا يكون رسولًا، كم مثلًا من صاحب جاهٍ فيكون معه، ليس دليلًا على (...).
* الشيخ: يعني معناه الرسالة لا تتوقف؟
* الطالب: على المال.
* الشيخ: على المال، الرسالة لا تتوقف على المال، وليس المال دليلًا على الرسالة؛ لأن هناك أناسًا كثيرين أغنياء وليسوا برُسُلٍ.
* طالب: ثم إنه لو كان معه مالٌ لاتُّبِعَ لأجل ماله.
* الشيخ: هذه إيجابية، الكلمة اللي أنت قلت إيجابية، لكن نريد الدفع؛ دفع قولهم، ثم نقول كما أشار إليه الأخ: إن عدم المال معه قد يكون أكثر لتأييد كونه رسولًا؛ لأنه لو نزل إليه مالٌ واتبعه الناس من أجله صارت المسألة ما اتبعوه علشان رسالته.
إذن نقول: هذا -أي: كونه لم ينزل عليه كنزٌ- ليس مانعًا من الرسالة. لماذا؟ لأن ثبوت الرسالة لا يتوقف على الكنز، بل تثبت بدونه، ولأنه لو كان عنده كنزٌ لقيل: اتبعه الناس من أجل كنزه وغناه. فهذا إبطال لقولهم.
﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾، نقول فيها مثلما قلنا في مسألة الكنز: إن هذا ليس بلازم في الرسالة، وأنه لو كان ﴿لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أو ﴿نَأْكُلُ﴾ على القراءة الثانية (...) لقيل: إنهم اتبعوه لأجل الأكل من هذه الجنة.
السادس: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، بماذا نرد عليهم؟
* طالب: بالآيات القرآنية.
* الشيخ: لا، بس الآيات القرآنية ما هم مؤمنين هم بالقرآن.
* طالب: (...).
* الشيخ: وغير هذا؟
* طالب: نرد عليهم (...).
* الشيخ: نعم، نرد عليهم بأن المسحور لا يمكن أن يأتي بمثل هذا الكلام، يأتي بكلام يعجز عنه العقلاء فيقال: إنه مسحور، يمكن هذا ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: يعني يمكن لإنسانٍ مسحورٍ مخبولِ العقل بالسحر يأتي بكلام يعجز عنه البلغاء، ويتحدى العقلاء أن يأتوا بمثله ولا يستطيعون أو ما يمكن؟ لا يمكن، هذا واضح جدًّا، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٩].
* طالب: كذلك ما أقول: إن (...).
* الشيخ: إي، الساحر (...)، لكن أثر على المسحور، ما يمكن أن يأتي بمثل هذا الكلام.
* الطالب: إذا كان الساحر يبطل سحره، فالمسحور أولى أن يُبطل السحر.
* الشيخ: لا، أصلًا ما هو بيجي بكلام مضبوط، يعني لا نقول: إنه بيأتي بكلام يمكن نقضه أو لا يمكن، لا يمكن يأتي بكلام إلا كلام غير متوازن، فكيف بكلام معجز؟!
قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ الاستفهام في قوله: ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ﴾ للتعجب والإنكار.
وقوله: ﴿الْأَمْثَالَ﴾ يعني: الأشباه أو الأوصاف؛ لأن المثَلَ يأتي بمعنى الشبَهِ ويأتي بمعنى الصفة. قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [محمد ١٥]، معنى ﴿مَثَلُ﴾ صفةُ الجنة. ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ [البقرة ١٧] يعني: شَبَهُهُم كشَبَهِ... فالأمثال إما بمعنى الأشباه أو بمعنى الأوصاف، يعني: كيف جعلوا هذه الأوصاف التي يقدحون برسالتك بها؟! انظر إليها متعجبًا، والتعجب يقتضي في الغالبِ الإنكارَ.
(﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ بالمسحور، والمحتاج إلى ما ينفقه، وإلى مَلَكٍ يقوم معه بالأمر، ﴿فَضَلُّوا﴾ بذلك عن الهُدى، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ طريقًا إليه).
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ﴾، الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، وكونه يُخاطب الرسول ﷺ بهذا الإنكار عليهم لا يخفى ما فيه من التأييد والتقوية للرسول ﷺ وعناية الله تعالى به ﷺ، وهذا أمر معلوم.
وقوله: ﴿فَضَلُّوا﴾، الفاء هذه عاطفة لكنها تُفيد السببية؛ أي: فبسبب ما ضربوا لك من الأمثال ضلَّوا. وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا أورد الشبهات على نفسه أو على من أتى بالحق فإنه يكون سببًا لضلاله، إذا لم يَقْبَل الإنسان الحق ويدَعْ ما يَرِدُ على خاطره من الشبهات حول ذلك الحق فإنه يكون سببًا لضلاله؛ ولهذا قال: ﴿فَضَلُّوا﴾، الفاء عاطفة وتُفيد السببية.
وقد ذكر ابن القيم في مفتاح دار السعادة أنه تكلم مع شيخه ابن تيمية في مسائل (...)، يقول: فجعلت أورد عليه بالنقد، فقال لي: لا تجعل قلبك مثل الإسفنجة يقبَلُ كلَّ شُبهةٍ فيتشرَّبها، ولكن اجعله كالزجاجة الصلبة تكشف ما وراءها ولا تتأثر. وهذا صحيح، الإنسان إذا فتح على نفسه باب الشبهات والتساؤلات فإنه يضِلُّ، وانظر إلى إرشاد النبي ﷺ الرجل حينما يتساءل الناس: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقولوا: من خلق الله، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام الإنسان إذا وصل إلى هذا الحد أن يستعيذ بالله ولينته، وأرشده إلى أن يقرأ ﴿اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١ - ٤]، وفي حديث آخر: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد ٣]
فهذه الأشياء التي تَرِدُ على القلب إذا استرسل الإنسان منها فسوف تكون سببًا لضلاله، كما تفيده هذه الآية وآيات أخرى كثيرة؛ مثل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]. فالإنسان يجب عليه أن يكون قابلًا للحق، متشوِّفًا له، قابلًا له، ولا يورد على نفسه شبهات؛ لأن الشبهات ما لها حدٌّ، والشيطان يحب من ابن آدم أن يرد على قلبه هذه الشبهات ليضل.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، (المسحور) واضح، وكونه ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، و﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾، كلها مندرجة بقوله: (والمحتاج إلى ما ينفقهًا وإلى مَلَكٍ يقوم معه).
الخلاصة الآن -يا جماعة- أن هؤلاء الكفار جعلوا مع الله آلهة، وهذا قدح في التوحيد. ثم زعموا أن القرآن أساطير الأولين، وهذا قدح في القرآن مباشرة، ويتضمن القدح في الله أيضًا والقدح في الرسول ﷺ. ثم بعد ذلك ذكر الله قدحهم في الرسول ﷺ القدح المباشر بهذه الأوجه الستة، وتبين -ولله الحمد- أن هذه الأوجه التي أوردوها قدحًا في النبي ﷺ كلها ليست بقدح، بل منها ما يؤيد أنه رسول.
استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن النبي ﷺ لم يُسْحَرْ، وكذَّبوا بذلك الأحاديثَ المشهورة بل المتواترة أن النبي ﷺ سُحِرَ، وأن الله أنزل عليه المعوذتين لنقض هذا السحر[[أخرج عبد بن حميد (٢٧١) عن زيد بن أرقم، قال: سحر النبي ﷺ رجل من اليهود، قال: فاشتكى فأتاه جبريل، فنزل عليه بالمعوذتين... الحديث. ]]. فهل لاستدلالهم بهذه الآية وجه ولَّا لا؟
* طالب: له وجه.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لأنها (...) الظالمين.
* الشيخ: إي نعم، لكن هم.. الآن نحن لا نشك أن الرسول ﷺ قد سُحِرَ، وأنه نزلت عليه المعوذتان ونُقِضَ سِحْرُه بهما، هذا أمر لا شك فيه؛ لأن الأحاديث في ذلك متواترة. هم يقولون: هذه الأحاديث كلها كذبٌ، ما هي بصحيحة؛ لأن القول بأنه مسحور هو قول الكفار.
* طالب: لا وجه له؛ لأن (...).
* الشيخ: لا، ما هو بهذا الوصف، ما هو بهذا الرد، هو صحيح ما له وجه لكن ما هو بهذا الـ...
* طالب: قولهم: رجل مسحور، تُفيد الوصفَ اللازم.
* الشيخ: إي.
* الطالب: أنه يعني هذا حاله الدائم أنه مسحور، أما السحر الذي سحره اليهودي فهو شيء طارئ مثل المرض، يعني يُزَالُ بمزيلات.
* الشيخ: إي نعم، هذا صحيح، هذا هو الرد عليهم، نقول: إن هؤلاء الظالمين الذين قالوا: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، أرادوا بذلك أن السحر وصف لازم له، وأن كل ها الكلام اللي بيقول كله كلام مسحور (...). أما السحر الذي طرأ على النبي عليه الصلاة والسلام فهو سحر طارئ، ثم مع ذلك ما أثَّر في الرسالة أبدًا، عائشة رضي الله عنها تقول: اللي حصل أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله[[أخرج البخاري (٦٠٦٣) ومسلم واللفظ له (٢١٨٩ / ٤٣) عن عائشة، قالت: سحر رسول الله ﷺ يهودي من يهود بني زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم، قالت: حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم، أو ذات ليلة، دعا رسول الله ﷺ، ثم دعا، ثم دعا، ثم قال: «يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟ جاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي، أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، قال: وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان» قالت: فأتاها رسول الله ﷺ في أناس من أصحابه، ثم قال: «يا عائشة، والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رءوس الشياطين». قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا أحرقته؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرًّا، فأمرت بها فدفنت».]]، هذا الذي حصل، وهي مدة وجيزة أيضًا ولم تؤثِّر؛ يعني ما قال شيئًا في الرسالة مما يمكن أن تتغير به الرسالة في هذه المدة.
فالحاصل أن الاستدلال بهذه الآية على إبطال أحاديث صحيحة متواترة، لا شك أنه جرأة عظيمة، لو كانت الأحاديث ضعيفة أو كانت الأحاديث -مثلًا- من الأحاديث التي في أدنى مراتب الصحة، لكنا نقول: إن هذا له وجه. وأما أحاديث صحيحة مشهورة متواترة ونبطلها بمثل هذا الأمر لا يمكن أن يبطلها، ولذلك الصواب، بل اليقين المتيقن المتعين أن ذلك وقَعَ للرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن الله تعالى أنزل عليه سورتين ثم هُدِيَ إلى محَل السحر. أين كان سحره؟ في بئر أريس، وكان في مُشْطٍ ومُشاطةٍ في جوف طلعة ذكَرٍ، يعني كافور. تعرفون الكافور؟ كافور الفحل يكون كبيرًا ويسع. هذا السحر وُضِعَ للرسول عليه الصلاة والسلام في مُشْطٍ اللي يُكَدُّ به الرأس، والمُشاطة الشعر الذي يتناثر مع الكدُّ، وجعل في هذا الكافور في البئر التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يأتي إليها. فذهب النبي عليه الصلاة والسلام وأمر أن يُخْرَجَ هذا السحر، فأُخْرِجَ السحر فنُقِضَ، فعافاه الله سبحانه وتعالى.
قال الله تعالى: ﴿فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿سَبِيلًا﴾ بمعنى طريقًا. إلى أي شيء؟ إلى الهدى، والعياذ بالله. وفي هذا تحذير كما أشرنا إليه أولًا، تحذير من أن يتابع الإنسان الشُّبَه التي تَرِدُ عليه، وأنه يجب على الإنسان أن يبتعد عن هذا كله.
الفرقان 25:6
(...) الآية الآن، ذُكر أولًا تنزيل القرآن (...).
* طالب: (...) ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٤ - ٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان ٣].
(﴿وَاتَّخَذُوا﴾ أي: الكفار ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: الله)، أمَّا الضمير الأول: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ فلمْ يُذكَر له مرجعٌ لفظيٌّ، لكنَّه مرجعه معلومٌ بحسب الحال؛ يعني ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾ مَن هم؟
* طالب: الكفار.
* الشيخ: الكفار المتَّخذون، فهو لا مَرجِع له لفظًا، لكن مَرجعه معلومٌ بحال الواقع.
وأمَّا ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ فمَرجعه ظاهرٌ مما سبق؛ لأنَّ الله تحدَّث عن نفسه بقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾.
ومناسبة هذه الآية لِمَا قبلها أنَّ الله لَمَّا أثنى على نفسه بما أثنى به ناسبَ أن يذكر تلك الأصنام التي اتُّخذتْ من دونه -يعني مِن دون الله- آلهةً، ليتبيَّن حالُهم؛ لأنَّ الأشياء تتبيَّن بما يكون لها من صفات.
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾، وقوله: ﴿آلِهَةً﴾ جمع (إله)، وهذه الآلهة إنما كانت آلهةً باتِّخاذهم، أمَّا في الحقيقة فليست آلهةً لأنها ليستْ مستحقةً للعبادة، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: لقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم ١٩ - ٢٣]، وقال يوسف: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف ٣٩، ٤٠]، فهي آلهةٌ لاسمهم واعتقادهم، أمَّا في الواقع فليست آلهةً؛ بمعنى أنها لا تستحقُّ أن تكون آلهة. واضح يا جماعة؟
فعلى هذا مثلًا إذا قال قائل: كيف أثبتَ الله هنا أنها آلهة ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾، مع أنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم يقولون لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود ٦١]، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣]، كيف نجمع بين هذا النفي وبين هذا الإثبات؟
نقول: نجمع بين هذا النفي وبين هذا الإثبات أنَّ النفي باعتبار الحقيقة والواقع؛ فإنَّه لا إله إلا الله ولا شك في ذلك، وأمَّا الإثبات فهو بحسب أيش؟ بحسب عمل هؤلاء حيث جعلوا هذه آلهةً؛ أي: معبودةً، وهي لا شك أنها تُعبَد، لكنَّها ليست مستحقَّة للعبادة، فبحسب الاستحقاق يكون النفي، وبحسب الواقع يكون الإثبات. واضح الأمر ولَّا لا؟
بحسب الاستحقاق يكون النفي؛ يعني: لا أحد يستحقُّ ولا أحد يكون حقيقةً إلهًا سوى الله عز وجل. وأمَّا باعتبار الاعتقاد وباعتبار العمل فإنَّ مِن الناس مَن اعتقد وعَمِل فجعل مع الله إلهًا آخَر، وحقيقة هذه الآلهة أنها ليست بشيء، صحيح أنها تُعبَد وتُدعى ويُركَع لها ويُسجَد ويُنذَر لها، لكنَّها في الواقع ليست مستحقَّة لهذا الأمر، فليست آلهة.
ثم بيَّن الله هذه الآلهة المتَّخَذة: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾، وعدم خلْقهم دليلٌ على عَجْزِهم، وعَجْزُهم دليلٌ على أنهم ليسوا آلهة؛ لأنَّ الإله لا بدَّ أن يكون قادرًا؛ لأنَّ القدرة من كماله، وهذا العجز الذي اتَّصفتْ به هذه الآلهة يمنع أن تكون آلهة.
ثانيًا: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، مين اللي ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾؟ الآلهة. إذَنْ هي حادثةٌ بعد أن لم تكن، والربُّ يجب أن يكون أوَّليًّا ليس قبله شيء؛ لأنَّ الربَّ المستحقَّ للعبادة لا بدَّ أن يكون خالقًا، وإذا كان مخلوقًا فهو حادثٌ، وإذا كان حادثًا فمَن قبله ليس من خلْقه، وعلى هذا يكون في قوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ بيانٌ لعدم صلاحيتهم للآلهة من حيث أيش؟ انتفاء القدرة.
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لا يصلح أيضًا أن يكونوا آلهةً من وجهين:
أولًا: الحدوث؛ لأنهم محدَثون، والإله لا يمكن أن يكون مُحْدَثًا.
الأمر الثاني: أنَّ مَن قبلهم ومَن سبقهم ليس مِن خلْقهم، على فرض أن يكونوا يَخلقون، وهذا دليلٌ على عدم صلاحيتهم للألوهية.
﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان ٣] يقول المؤلف: (﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ أي: دَفْعه). ونحن نقول: دَفْعه وجَلْبه أيضًا. ويش المانع؟! لو أرادوا أن يضرُّوا أنفسَهم ما ضرُّوها، ولو أرادوا أن يدفعوا عنها ضررًا ما دفعوا عنها، فإبقاء الآية على العموم أَوْلى؛ ﴿لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ أيش؟ لا جَلْبًا للضرِّ ولا دَفْعًا له، حتى الضرر الذي يمكن أن يكون سهلًا لو أرادوه لأنفسهم ما استطاعوا؛ يعني لو أرادتْ هذه الأصنام أن تُتلف نفسَها تستطيع ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لو أرادتْ أن تُمرِض نفسَها -إذا كانت مما يَلْحقه المرض- هل تملك ذلك ولَّا لا؟ لا تملك. ولو أراد أحدٌ أن يعتدي عليها تملك دَفْعه ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما تستطيع، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ وهذا يدلُّ على أهميته؛ أَمْر الله تعالى لنا بأنْ نستمع لهذا المثل يدلُّ على أهميته.
المثل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، الذباب اللي هو مِن أَهْون الحيوانات وأَضْعفها لو أنَّهم اجتمعوا على أن يخلقوه ما استطاعوا.
أمرٌ آخَر: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ على ضعفه ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ ما يستطيعون أن يستنقذوه، ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج ٧٣].
فهؤلاء لا يملكون لأنفسهم ضَرًّا؛ لا دَفْعَه ولا جَلْبَه، ولا يملكون أيضًا نَفْعًا، يقول المؤلف: (أي: جَرَّه)، يعني: ما يملكون أن يجرُّوا لأنفسهم نفعًا. كذا؟ عندي: (أي: جَرَّه)؟
* طالب: إي نعم، (جَرَّه).
* الشيخ: إي نعم، فهُم لا يملكون أن يجرُّوا النفع إلى أنفسهم، ولا يملكون أيضًا أن يدفعوه عن أنفسهم، مِثل الأول، يعني ينبغي أن نجعلها على سبيل العموم، وإنْ كان مقتضى الحال أنَّ الإنسان يريد الدفع .. أو أنَّ أيَّ واحدٍ يريد دَفْع الضرر ويريد جَلْب النفع، ولكن إبقاء الآية على العموم أَوْلى؛ يعني: لا يستطيعون شيئًا لأنفسهم، وإذا كانوا لا يستطيعون ذلك لأنفسهم فمِن باب أَوْلى ألَّا يستطيعوه لعابديهم.
(﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ أي: إماتةً لأحدٍ وإحياءً لأحدٍ ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ أي: بعثًا للأموات).
﴿لَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ يعني: ما يملكون أن يموِّتوا أحدًا (...)، نعرف أنَّ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه وقال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨] أنَّه كاذب ولَّا صادق؟ كاذب.
﴿لَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ يعني: لا يملكون أن يَجْلبوا موتًا لأحدٍ ولا أن يَجْلبوا حياةً لأحد مهما اجتمعوا لذلك.
فإذا قال إنسان: أليس يمكن أن يقتلوا أحدًا؟
فالجواب: هذا سببُ الموت وليس هو الموت؛ يعني يمكن الإنسان يفعل سببَ الموت، لكن ما يمكن أن يُوقِع الموت، وبين الأمرين فرق، ولهذا أحيانًا يوجد سبب الموت ولا يموت الإنسان، وأحيانًا يموت الإنسان بدون سبب؛ يعني بدون سببٍ معلومٍ.
فإذَنْ هؤلاء لا يملكون موتًا لأحدٍ ولا حياةً، لا يملكون أن يُحْيُوا أحدًا من الأموات لأنَّ ذلك إلى الله عز وجل.
وأمَّا إحياء عيسى للأموات فليس من هذا الباب، ليس من الأمر الذي نفاه الله؛ لأنَّ الذي يُحْيِي حقيقةً للأموات هو الله، ولهذا قيَّد الله إحياءَه للموتى بقوله: ﴿بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠]، فليس هو يستقلُّ بهذا، وإنما يكون قوله سببًا للحياة التي يخلقها الله عز وجل. واضح؟
﴿وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ النُّشور هو بَعْثُ الموتى وتفريقُهم، نَشْرُهم معناه أنَّهم يُفَرَّقون؛ يخرجون من الأجداث وينتشرون في الأرض يتفرَّقون فيها، فهُم لا يملكون شيئًا من هذا كلِّه.
فإذا تبيَّن عَجْزهم الذاتي والعَرَضي تبيَّن أنها لا تصلح أن تكون آلهة، ففيهم عجز ذاتي وعَرَضي.
طيب، ما مقام أو ما حال ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ بالنسبة لقوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾؟
عَطْفها على قوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ من باب عطْف الخاصِّ على العامِّ أو التفصيل بعد الإجمال.
تجدون الآن الآية الكريمة تترقَّى من الأدنى إلى الأعلى: ﴿ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾، ﴿مَوْتًا﴾ و﴿حَيَاةً﴾ و﴿نُشُورًا﴾، معلوم؛ لأنَّ الحياة أشدُّ من الموت؛ يعني وجود سبب الحياة أو القدرة على الحياة أعظم من الموت، كذلك أيضًا النفعُ والضررُ؛ أيُّهما أعظم؟ النفع؛ لأن الضرر .. الإنسان يريد من الضرر دَفْع الشيء، ودَفْع الشيءِ أسهل من جَلْبه؛ لأنَّ الجلب إيجابيٌّ والدفْع سلبيٌّ، وغالبًا أن السلبي يكون أَهْون من الإيجابي، فانتقل الله سبحانه وتعالى في بيان عَجْز هذه الآلهة وأنها لا تَصْلح من الأدنى إلى الأعلى، هذا بالنسبة للتفصيل، أمَّا بالنسبة للإجمال فقال: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾.
* وفي هذا من الفوائد: دليلٌ على أنَّه ينبغي للإنسان أن يسوق للخَصْم ما يُقِرُّ به لزومًا حتى تقوم الحجَّة عليه.
هؤلاء الذين جعلوها آلهةً هل يمكن أن يدَّعوا بأنها تَخْلق؟ لا.
هل يمكن أن يدَّعوا بأنها غير مخلوقة؟ لا؛ لأنهم يعرفونها موجودةً وليستْ من قبل.
هل يمكن أن يدَّعوا بأنها تنفع أو تضرُّ؟ نقول: يمكن أن يدَّعوا ذلك، وفِعْلًا يدَّعون ذلك؛ يقولون: إنَّ الأولياء ينفعون، وإنهم يضرُّون، وإنَّ مَن لم يذبح لهذا الولي أو ينذر له فإنَّه يضرُّه. هذه دعوى.
يُطالَبون بأيِّ شيء إذا ادَّعوا؟ يُطالَبون بالدليل، نعم، الدليل أنْ يُقال لهم مثلًا: ادعوا هذا الوليَّ بأمرٍ معيَّن وانظروا هل يجلب لكم ذلك أو لا يجلبه، مِثْلما أنهم هم يطالبون الرُّسُلَ بأشياء معيَّنة؛ يقولون مثلًا لَمَّا قالت لهم الرُّسُل: إنَّ الله يُحْيي الموتى، قالوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، مع أنَّ الرُّسُل ما قالت لهم: إنَّ البعث في الدنيا، حتى يقولوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾، إنما قالت لهم: إنَّ البعث متى؟ بعد الموت. وهذا غير ما طالب به هؤلاء الخصْم للرُّسُل، فقولهم: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ هو في الحقيقة مصادرة؛ يعني: طلبُ دليلٍ لشيءٍ لم يقُله الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ إذ لم يقولوا: إنهم يُبعثون الآن.
فعلى كل حالٍ هذه الدعوى أنَّهم يملكون نفعًا أو ضرًّا، هذه دعوى تحتاج إلى بيِّنة.
أمَّا دعوى الموت والإحياء فهي أيضًا أوضح بُطلانًا، بل لَرُبَّما تُدَّعى؛ لأنَّ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه قال له: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فربما تُدَّعى.
وفي مناظرة إبراهيم عليه الصلاة والسلام -يعني يمكن أنْ ننتفع بها هنا- دليلٌ على أنَّه إذا ادَّعى المبطِل دعوى فإنَّنا ننقله إلى ما هو أَوْضح؛ لأنَّ المقصود ما هي بالمجادلة، المقصود إقامة الحجَّة على بُطلان هذا الأمر، وهو إذا بَطَل ولو من دليلٍ واحدٍ كفى، ما حاجة لأننا نُبْطله من الدليل الذي يُعيِّنه الخصم، قد نُبْطله من دليلٍ آخَر، إبراهيم عليه الصلاة والسلام لو أراد أن يحاجَّ هذا الرجل ويجادل هذا الرجل لَقال له: لستَ تُحيي وتميت، وإنما تفعل سببَ الإحياء والإماتة. لكنَّه عليه الصلاة والسلام ذهب إلى دليلٍ أَوْضح وأَبْين ولا تمكن المحاجَّة فيه؛ قطعًا لأيِّ شيء؟ قطعًا للنزاع والمجادلة؛ لأنَّ الإنسان اللي يجادل قابِلْه بدليلٍ لا يمكنه دَفْعه، فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨]، إلزام ولَّا ما هو بإلزام؟ إلزامٌ لا يتمكَّن معه أن يدَّعي شيئًا، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة ٢٥٨].
المهم الآن اللي عندنا: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ مُسَلَّم، ويمكن دعوى نَفْيه ولَّا ما يمكن؟ لا يمكن، حتى عند العابدين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان ٢٥]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، حتى عند العابدين ما يمكن يدعون هذه الصفة المنفية.
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لا يمكن أيضًا أن يدَّعوا أنها ليستْ مخلوقة؛ لأنها مصنوعة، هُم صنعوها بأيديهم؛ يقول إبراهيم لهم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦].
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ هذه قُلنا: إنه يمكن أن يُدَّعى أيش؟ خلافُ هذا النفي، وجوابُنا عليه من أمرين:
إمَّا إبطال هذه الدعوى بعينها ونقول: هذا أمرٌ لا يمكن، وإذا شئتم فادْعوا.
وإمَّا أن يقال: ننتقل عن هذا النفي عند المجادلة -ترى- لا ننتقل عن هذا النفي لعدم إيمانٍ بالله؛ يجب علينا أنْ نؤمن بأنهم لا يملكون ذلك، لكنْ عند المخاصمة ويش ننتقل إليه؟ إلى أمرٍ أعظم وأَبْين وأوضح.
مثلًا لو نزلتْ أمطارٌ كثيرةٌ مغرِقةٌ أو حصلتْ زلازل، ممكن نقول لهم: ادْعوا هذه الأصنام وانظروا هل (...) السماء؟ وهل تتوقَّف الأرض عن الزلازل؟ وما أشبهَ ذلك. لكنْ مهما كان لو ادَّعوا ما يدَّعون فإنَّنا ننتقل عند المجادلة إلى أمرٍ أوضح لا يتمكَّنون من نفيه. ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾.
ولَمَّا ذكر الله سبحانه وتعالى ما يعود إلى التوحيد انتقل إلى ما يعود إلى الرسالة؛ لأنَّ (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله)، فقال تعالى..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الفرق بينهما أنَّ النشور عامٌّ، وأمَّا الحياة فهي خاصَّة، الحياة لواحدٍ معيَّن؛ مِثل أن يُقال لهم: أحيوا هذا الميت. النُّشُور عامٌّ، ولهذا قُلنا: إنَّه من النَّشْر بمعنى التفريق والانتشار، فهو أعمُّ.
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾ أي: ما القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كَذِبٌ ﴿افْتَرَاهُ﴾ محمَّد ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان ٤] وهم من أهل الكتاب).
هذا الأصل الثاني من الأصول في التوحيد وهو إثبات الرسالة، إثبات الرسالة لا شك أنَّه أحدُ شطري التوحيد: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله)، ولا يمكن أن يُعبَد الله سبحانه وتعالى إلا بما جاءت به الرسل؛ لأنَّ العبادة طريقٌ للمرء إلى ربِّه.
وهل يمكن أن نتوصَّل إلى الله بطريقٍ لم يجعله طريقًا؟ ويش الجواب؟
* طلبة: لا يمكن.
* الشيخ: لا، وهذا الطريق الذي جعله الله طريقًا إليه جاء بواسطة الرسل، إذَنْ فالعبادة لا بدَّ لها من رسالة، ولا يمكن أنْ يُعبَد الله بمجرَّد العقل؛ لأن العبادة طريقٌ يوصل إلى الله، وهذا الطريق لا يمكن إلا بوضعٍ من الله، والله سبحانه وتعالى جعله بواسطة من؟ بواسطة الرسل.
المكذِّبون للرسل أيضًا قدحوا في الرسل وبما جاءوا به؛ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ هنا صرَّح بالاسم الظاهر، بالأول قال: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ [الفرقان ٣] ليعمَّ جميع المشركين من العرب وغيرهم، وهنا قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني من العرب الذين ردُّوا رسالة النبي عليه الصلاة والسلام.
(﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما القرآن)، المؤلف دقيقٌ في التفسير، فسَّر لنا الآن -رحمه الله- فسَّر لنا ﴿إِنْ﴾، وفسَّر لنا اسمَ الإشارة.
﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما) فهي نافية، ﴿هَذَا﴾ يقول: (القرآن)، فالمشار إليه إذَن القرآن.
﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما هذا القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾، شوف -والعياذ بالله- أَتَوْا بالحصر؛ يعني ما يمكن يكون إلا إفكًا، لا يمكن أن يكون فيه صِدْق، فأَتَوا بالحصر عن طريق النفي والإثبات؛ (ما هذا إلا إفكٌ) يعني: ولا يمكن أن يكون صدقًا.
(كَذِبٌ ﴿افْتَرَاهُ﴾ ) يعني اختلقه؛ أي: النبي ﷺ.
﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يقول: (من أهل الكتاب)، ومنه أيضًا الرجُل الذي قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل ١٠٣].
يقولون: إنَّ هذا ليس من الله، بل هو من محمدٍ ﷺ افتراه مع مساعدة غيره.
يقول الله عز وجل مبطلًا لكلامهم: (﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان ٤] كُفْرًا وكَذِبًا).
﴿جَاءُوا ظُلْمًا﴾ المؤلف فسَّر الظُّلم بالكفر لأنَّ الكفر ظُلم؛ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، ثم أيضًا هو ظلمٌ بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه اعتداءٌ عليه ووصْفٌ له بالكذب، ولو أنَّ إنسانًا وَصَف أحدًا من الناس بالكذب لَقُلنا: إنَّه ظالِمٌ له ومُعْتدٍ عليه.
﴿وَزُورًا﴾ الزُّور في الأصل: كلُّ ما انحرف عن الصراط المستقيم، كلُّ انحرافٍ فهو زُور؛ ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف ١٧]؛ تميل، فكلُّ مَيْلٍ فهو زُور، وفي الحديث: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ» » والمراد به كلُّ قولٍ منحرفٍ، «والْعَمَلَ بِهِ»[[الحديث بتمامه: «مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه» أخرجه البخاري (١٩٠٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]].
الزُّور إذَن الكذب، فهُم من أكذَبِ الناس، بل أكذَبُ الناس فيما قالوا؛ هل قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ فيه شيءٌ من الصدق؟ لا، بل هو كَذِبٌ وظلمٌ وعدوانٌ على الرسول ﷺ.
ثم نقول لهم: إذا كان محمدٌ ﷺ هو الذي افتراه وأعانه عليه قومٌ آخرون فأْتوا بسورةٍ من مِثله؛ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور ٣٤]، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨].
ثم إنَّ محمدًا ﷺ عاش فيهم قبل الوحي كم؟ أربعين سنة، ما قال يومًا من الأيام: إنَّه يُوحى إليه، والذي يريد أن يكذبَ يكذبُ في عُنفوان شبابه ليكسب الأتباع من أول الأمر، فلمَّا لم يكن هذا إلا بعد مُضِيِّ أربعين سنةً، دلَّ ذلك على أنَّ دعواهم يُكَذِّبها الواقع أيضًا؛ فإنَّ هذا الوحي جاء والرسولُ عليه الصلاة والسلام في سِنِّ الأربعين، ولا يمكن أن يكون الكذب يتجدَّد له في هذا السن.
ثم إنَّنا نقول: مِمَّا يبيِّن أنَّه الغرور أنَّ هؤلاء الذين يقولون: إنه افتراه، هم بأنفسهم يشهدون للرسول ﷺ بالصدق، وكانوا يُسَمُّونه الأمين[[أخرج الحاكم (١٧٠١) من حديث عبد الله بن السائب رضي الله عنه: «وكانوا يُسَمُّونه في الجاهلية الأمينَ».]]، ولا يشكُّون في صِدْقه، ولا يشكُّون في عدالته ﷺ. فأين كانوا من قبل؟
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان ٥].
(﴿وَقَالُوا﴾ أيضًا هو ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أكاذيبهم؛ جمع (أُسطورة) بالضمِّ ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ انتسخها من ذلك القوم) أيش؟
* طالب: (لغيره).
* الشيخ: (بغيره).
* الطالب: باللام.
* الشيخ: (لغيره)؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: عندي بالباء، (بغيره ﴿فَهِيَ تُمْلَى﴾ تُقرأ ﴿عَلَيْهِ﴾ ليحفظها ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ غُدوةً وعشيًّا).
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، ﴿أَسَاطِيرُ﴾ جمع أُسطورة، وهي الأحاديث الرائجة التي لا أصل لها، وعند العامَّة يسمُّونها (...)، هذه الأسطورة. قالوا: إنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام أتى بأساطير الأوَّلين؛ يعني: أقاصيصهم وأحاديثهم التي لا أصل لها.
هذا القول الذي قالوه هل هو عن عقيدة ولَّا حسب الواقع؟ يعني: هل هو عن عقيدةٍ كاذبةٍ؟ يعني: قالوه بألسنتهم، ولَّا قالوه بحسب الواقع؟ يعني هل هم ادَّعَوْا ذلك دعوى، أو هذا الذي يعتقدونه وهذا الذي تبيَّن لهم؟
يمكن هذا ويمكن هذا، والله سبحانه وتعالى يقول في سورة المطففين: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ٧ - ١٤]، هذا يدلُّ على أنَّ قولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ليس دعوى بل اعتقاد، وأنَّ هذا هو الذي يعتقدونه، فإنْ كانت دعوى وهم يعتقدون أنها وحيٌ وصِدْقٌ فهذه دعوى باطلةٌ مثل غيرها من الدعاوى، وإنْ كان هذا ما يعتقدونه وهو ما ظهر لهم من القرآن فليس بغريبٍ أيضًا؛ لأنَّ الإنسان -والعياذ بالله- إذا حُجِبَ قلبُه رأى الحقَّ باطلًا والباطلَ حقًّا، فيمكن أن هؤلاء لظلمهم وكفرهم وعدوانهم لم يتبيَّن لهم حقيقة القرآن وظنُّوها أساطير. وهذا في الحقيقة معنًى جيِّد -الأخير- أنهم يقولونه لا مجرَّد دعوى لتكذيب الرسول ﷺ، ولكن بحسب الواقع فيما يعتقدون؛ وذلك لأنهم ليس عندهم اتجاهٌ سليمٌ صحيحٌ لقبول الحقِّ، فأُرُوا الحقَّ باطلًا.
الآن لو قرأْنا القرآنَ على إنسانٍ مُعْرِضٍ هل يتذوَّق حلاوتَه؟ هل يُحِسُّ بأنَّه كلام الله؟ هل يُحِسُّ بأنَّه أصدَقُ الأخبار وبأنَّه أعدَلُ الأحكام؟ لا، أبدًا، تجده مُعْرِضًا عنه، وليس بشيءٍ عنده حقيقةً باعتبار الواقع. ليش؟ لأنه -والعياذ بالله- كما قال الله عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠].
فهو -قولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ - قد يكون ذلك عن عقيدةٍ وأنَّ هذا بحسب الواقع لأنَّ حالهم تقتضي ذلك، وكلَّما أعرضَ الإنسانُ عن القرآن يكون أشدَّ خفاءً عليه وأبعدَ عن معرفته، وكلَّما أقبلَ عليه ازدادَ به يقينًا ومعرفةً. أفهمتم الآن؟
ولِهذا أنا أدعوكم ونفسي إلى أنْ يتأمل الإنسان دائمًا في القرآن ويتدبَّر لئلَّا يكون أُمِّيًّا. الله تعالى سَمَّى اللي ما يعرفون المعنى سَمَّاهم أُمِّيِّين، اللي ما يعرف المعنى وإنْ كان يعرف اللفظَ سَمَّاه الله أُمِّيًّا؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]، أيش معنى ﴿أَمَانِيَّ﴾؟
* الطلبة: قراءة.
* الشيخ: قراءة، فسَمَّى هؤلاء الذين لا يعلمون الكتاب إلا قراءةً سَمَّاهم أُمِّيِّين؛ لأنَّ مَن يقرأ ولا يفهم فهو كمَنْ لا يقرأ، لا فرق بينهما، إلَّا أنَّ هذا عنده فهمٌ للَّفظ وذاك ليس عنده (...)، واللفظ ماذا يستفيد به المرء وهو لا يعرف معناه؟! لأنَّ اللفظ هو بمنزلة الثوب للجسم؛ إذا كان عند الإنسان ثيابٌ هل تكون رجالًا؟ واحد عنده عشرون ثوبًا، قال: واللهِ أنا أبغي آخذه على هؤلاء الجماعة (...) عليهم. أيش عندك؟ قال: عندي عشرين ثوب. تنفعه هذه الثياب؟ ليست عشرون الثوب تكون عشرين رجلًا.
فالمهم أنَّنا نقول: إنَّ الواقع أنَّ الرجل إذا لم يُقبل على القرآن وهو يتأمَّله ويحرص على معرفة معناه فإنَّه لا يستفيد من القرآن شيئًا، وكما تعرفون حال الصحابة رضي الله عنهم؛ لا يتجاوزون عَشْر آياتٍ حتى يتعلَّموها وما فيها من العلم والعمل[[أخرج الطبري في تفسيره (١ / ٨٠) عن أبي عبد الرحمن قال: حدثنا الذين كانوا يُقرِئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبيِّ ﷺ، فكانوا إذا تعلَّموا عشر آياتٍ لم يخلِّفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلَّمنا القرآن والعمل جميعًا.]]، فتعلَّموا القرآنَ والعلمَ والعملَ جميعًا.
والذي يضرُّنا نحن أنَّنا نحرص على تلاوة القرآن لفظًا، وهذا طيب، لكن معنًى أيضًا. ومن الممكن أنَّ الإنسان يقرأ ما تيسَّر لفظًا، ثم إذا كان ما قد مَنَّ الله عليه بحفظه يتأمَّله وهو يمشي، يتأمَّله وهو على فراشه، وبتأمُّل القرآن يفتح الله على الإنسان معاني ما كان يعرفها ولا تخطر له على البال؛ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧]، وجرِّبْ تَجِدْ؛ لأنَّ القرآن تبيانٌ لكلِّ شيء، وهذا كلام الله عنه، والذي يحول بيننا وبين هذا التبيان لكلِّ شيءٍ هو عدمُ إقبالنا على هذا القرآن والتأمُّل فيه والتفكُّر فيه، وإلا لو أنَّنا تأمَّلْناه لَوجدناه تبيانًا لكلِّ شيء.
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ يعني: استنسخها من غيره. وأيضًا الرسولُ ﷺ يعرفون هم أنَّه كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب، لكنَّه أَمَر غيره أن يكتبها له، ولهذا المؤلف يقول: (انتسخها من ذلك القوم بغيره) انتسخها بغيره، لأنهم ما قالوا: كتبها، قالوا: ﴿اكْتَتَبَهَا﴾؛ يعني أَمَر غيرَه أن يكتبها له؛ لأنهم هم يعرفون الرسول ﷺ أنه كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب.
﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان ٥] ﴿تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ يعني: تُقرأ عليه، ليس تُملى عليه ليكتبها؛ لأنه لا يكتب، ولكنْ تُقرأ عليه ﴿بُكْرَةً﴾ في أول النهار ﴿وَأَصِيلًا﴾ في آخر النهار، ثم يأتي بها للناس ويقول: هذا كلام الله وهذا وَحْيٌ يُلقى إليه، وهو في ذلك -على زعمهم- ليس بصادق.
قال الله تعالى ردًّا لقولهم ..
* طالب: قوله تعالى: (...)؟
* الشيخ: يمكن أن يكون (...)، يجوز هذا وهذا، ويمكن بعضهم مِثْل كُبَرائهم لا شكَّ أنهم يعرفون الحقَّ، لكن عوامهم قد لا يعرفون، قد يخفى عليهم هذا الأمر ويقولون: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* طالب: يا شيخ، قوله تعالى: (...)، يؤخذ من هذا أنَّ (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو بيؤخذ، يؤخذ من هذا العموم ومن كلِّ وقت، دائمًا إذا أُرِيدَ العمومُ يُذكَر البُكرة والعشي؛ ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢] مع أنَّ رزقهم لا ينقطع في الجنة؛ ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة ٣٣]، لكنَّه يُذكَر هذان الوقتان للدوام.
أمَّا بالنسبة للواقع والتجربة فإنَّنا جرَّبْنا أنَّ الحفظ في أول النهار أسرع، والحفظ في آخر النهار -حسب ما جرَّبتُ أنا- إذا حفظت في آخر النهار ما هو سريع الحفظ، لكنَّك إذا قُمت من النوم وجدت أنك حافظ، فكلُّ واحدٍ منهما له مزيَّة بالنسبة للحفظ.
ردَّ الله عليهم بقوله: (﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ الغيب ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ للمؤمنين ﴿رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٦] بهم).
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ أمْرٌ للنبيِّ عليه الصلاة والسلام بأنْ يقول لهم في ردِّ قولهم: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، ونحن ذكرنا فيما سبق أنَّ القرآن كلَّه قد أُمِرَ النبيُّ ﷺ بتبليغه، ولكنَّه إذا جاء حُكمٌ من الأحكام أو خبرٌ من الأخبار وأُمِرَ النبيُّ ﷺ أن يقوله، ويش يدلُّ عليه؟ على الاهتمام به والعناية به، كأنَّه وصيَّةٌ خاصَّةٌ بهذا الأمر.
وفي هذا المقام الذي معنا فيه أيضًا زيادةٌ على ذلك أنَّه دعمٌ للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّه إذا كان الله هو الذي يُلَقِّنه الحُجَّة، كان ذلك أبلغ في دَعْمه وتقويته، أليس كذلك؟ يعني كأنَّ الله يُلَقِّنه الحُجَّة ليُحاجَّ عنه لكن على لسانه.
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ أي: القرآن ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قد يبدو للإنسان أن هذا الجواب ليس بمقنع؛ لأن هذا الجواب هو نفس الشيء الذي كان الرسول يقوله؛ فإنَّ الرسول يقول: إنَّ هذا الوحي أنزله الله، من الأصل، فهل يمكن.. أنتم فاهمون الكلام الآن؟
يعني قد يبدو للإنسان مِن أوَّل وَهْلةٍ أنَّ هذا الجواب غير مقنع، كيف ذلك؟ لأنَّ الرسول ما زال يقول: إن الذي أنزله الله، فكيف يكون هذا الجواب مُفْحِمًا لهم ومُبْطِلًا لقولهم؟
* طالب: لأنَّ الله سبحانه وتعالى (...).
* الشيخ: وهي؟
* الطالب: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان ٦] (...).
* الشيخ: زين، هذا وجه. ووجه آخر: في نفس ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾؛ ولهذا الله قال: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ [الفرقان ٦]، وفي أخبار هذا القرآن ما هو من الأسرار التي لا يطَّلع عليها محمدٌ ﷺ ولا غيره؛ ولهذا عدلَ الله سبحانه وتعالى عن قوله: قلْ أنزله الله، إلى قوله: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، يعني هو في القرآن من الأسرار ما هو معلوم، يُخبر بالخبر فيقع، هل الرسول عليه الصلاة والسلام يمكنه أن يعلم ذلك؟ لا يعلم ذلك، وإنما الذي يعلمه الله، وهو الذي أنزله، فنأخذ من قوله: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ نأخذ منه البرهان القاطع على أنَّ هذا القرآن ليس من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، وليس أساطير الأولين؛ لأنَّ فيه إخبارًا عن أمورٍ مستقبَلةٍ تقع كما أخبر، ولا أظنُّ أنَّ بشرًا يتمكَّن من ذلك، هذا وجهٌ بيِّنٌ جدًّا.
وجهٌ آخَر يمكن أن يؤخذ؛ وهو أنَّه إذا كان هذا القرآن من عند محمدٍ ﷺ وينسبه إلى الله، فإنَّ الله لا يمكن أن يُقِرَّه على هذا الأمر؛ لأنَّ الله تعالى يعلم السِّرَّ، وهذا الذي فعله محمدٌ ﷺ على فرض أنَّه ليس بصحيحٍ سرٌّ ولَّا جَهْر؟ جَهْرٌ. فإذا كان الله يعلم السِّرَّ فإنَّه يعلم الجهرَ من باب أَوْلى، وإذا كان يعلم الجهرَ ومحمدٌ ﷺ يقول: إنَّ هذا كلام الله، فإنَّ الله تعالى لا يمكن أن يُهمله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾، ﴿بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ ما هي بكلِّها ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٦].
إذَنْ فهذه حُجَّة من وجهين:
منين الوجه الأول؟ أنَّ في القرآن أسرارًا وأخبارًا بالغيب لا يمكن أنْ يأتي بها بَشَر.
الأمر الثاني: أنَّه لو كان القرآن من عند محمدٍ ﷺ وهو (...) إلى الله ويجاهد به أيضًا، ويجاهد به وعليه، لَكان الله سبحانه وتعالى يُعاجله بأيِّ شيء؟ بالعقوبة؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾، وهذا هو السرُّ في العدول عن قوله: قلْ أنزله الله، إلى قوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يُشير المؤلف .. المؤلف تصرَّف في إطلاق الآية؛ الآية: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وهو يقول هنا: (﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ للمؤمنين ﴿رَحِيمًا﴾ بهم)، فما رأيُكم بهذا التصرُّف من المؤلف؟ هذا في الحقيقة تخصيصٌ لا وجه له؛ فالله تعالى موصوفٌ بهذا الوصف ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ لكلِّ مَن يستحقُّ المغفرة؛ للمؤمن معه أصل الإيمان لكن يعمل المعاصي..
تجوز مخالفة الرسم العثماني، قالوا: لأن للرسم قواعد خاضعة لكل أمة ولكل عصر، ولو أن القرآن حين نزَلَ كتابته على غير هذا الوجه لكُتِبَ على غير هذا الوجه.
إذن (...) القول الأول يقولون: لا تجوز مخالفة الرسم العثماني، ويجب على الإنسان إذا كتب القرآن لنفسه أو لغيره، تعليمًا أو تلاوة، أو أي حال من الأحوال، يجب أن يكون على الرسم العثماني، بناءً على أن هذا من باب التوقيف، فكما أننا لا نغيِّر اللفظ فكذلك لا نغيِّر الكتابة.
ثانيًا: يجوز أن يُكتب القرآن بحسب القواعد التي يُكتَب بها في أي عصر كان، ولا يجب التقيُّد بالرسم العثماني.
قالوا: لأن الكتابة لها قواعد تختلف باختلاف العصور والأمم، والقرآن لم ينزل مكتوبًا وإنما نزَلَ مقروءًا باللفظ لا بالكتابة حتى نقول: إن الكتابة توقيفية. ولأنه لو كانت القواعد -قواعد الرسم- حين نزول القرآن على غير هذا الوجه لكتب بها ولَّا لا؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: لو فُرِضَ أن الرسم حين نزول القرآن أو حين جمعه في عصر عثمان رضي الله عنه على غير هذه القواعد، لكُتِبَ بها ولَّا يُكْتب بشيء آخر؟ لكُتِب بها. فدلَّ ذلك على أن الكتابة تابعةٌ للعصر الذي تُكْتَب فيه.
والقول الثالث: التفصيل؛ إن كُتِبَ لعالمٍ فبالرسم العثماني، وإن كُتِبَ لجاهل فبالرسم العصري الذي هو فيه. قالوا: لأنه إذا كان جاهلًا ثم كُتِبَ له على الرسم العثماني أخطأ في اللفظ؛ مثلًا: نبغي نكتب (الصلاة)، على الرسم العثماني فيها واو.
* طالب: الصلوات.
* الشيخ: بيقرأها الجاهل الصلوات مثلًا، أو الصلوت، وكذلك الزكاة، وكذلك الربا، وما أشبهها. فهؤلاء يفصِّلون بين أن يُكْتَبَ لعالمٍ وأن يُكْتَبَ لجاهلٍ.
والصحيح القول الثاني: إنه يجوز أن يُكْتَبَ القرآن بحسب القواعد العصرية التي كُتِبَ بها؛ لأن كتابته ليست بتوقيفية؛ لأنه لم ينزِلْ مكتوبًا، فنقول: يجب التوقف على ما نزل عليه، وإنما هو كُتِبَ في عصرٍ كانت قواعد الرسم على هذا الوجه، فبقي على هذا الوجه.
* طالب: ربما يا شيخ (...)؟
* الشيخ: لا، ما يقع، أصله هو يُتْلَى، فالتلاوة تضبطه عن التحريف.
طيب، بناء على هذا الخلاف: كتابة القرآن بطريقة (برايل) تجوز ولَّا لا؟
* طالب: تجوز.
* الشيخ: لا، ما تجوز من باب أولى؛ لأن النقط هذه أبعد ما تكون عن الحروف، وعلى هذا فلا يجوز إطلاقًا أن يُكْتَبَ، وعمل الناس الآن على خلاف هذا؛ فهم الآن يوجد مصاحف كاملة مكتوبة بهذه الطريقة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، لفظًا، ما هي ترجمة.
* طالب: يُكْتَب ببرايل بالرسم العثماني؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: ما المعنى يعني؟
* الشيخ: الآن مثلًا: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ [المائدة ١١٦]، ﴿قَالَ﴾ ما تكتب ببرايل إلا على حسب قواعد برايل، حسب رسمها، (...).
* الطالب: إي نعم، لا يكتب (...) يا شيخ، أغلبها اختصارات.
* الشيخ: لا، حتى لو فُرِضَ أنها تبقى على ما هي عليه، إن كان بعد اختصارات فهي يجب البحث فيها، حتى لو قلنا بالجواز.
* الطالب: لا، أغلبها اختصارات، تعلمنا في (...) أكثرها اختصارات، يختصرون الكلمات إلى نقط (...) الحرف.
* الشيخ: نقطة واحدة؟
* الطالب: يعني ربما كلمة كاملة مثلًا (كيف)، بالذات الكلمات المشهورة.
* الشيخ: إي، يرمزون لها رمزًا؟
* الطالب: إي رمز، ربما رمَزَ بحرف واحد.
* الشيخ: معناه أنهم يسقطون بعض الحروف كتابة؟
* الطالب: إي.
* الشيخ: هذه تكون أبعد عن الجواز، يعني هذه أبعد حتى لو قلنا بالجواز فيُنْظر في هذا.
* طالب: يا شيخ، بالنسبة لكتابة القرآن لنا، يعني (...)؟
* الشيخ: لا، القراءات على الرسم العثماني صحيح تأتي، لكن قبل أن يوجد التشكيل والإعراب. الإعجام الآن يمنع، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] مثلًا بعد أن أُعجمت ونُقِطَت ما يمكن أنك تقرأها: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ .
* الطالب: لا، مثل قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]؟
* الشيخ: إي.
* الطالب: تقرأ ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فيها، يعني بالرسم العثماني ألف مُزالةٌ، فتُقْرَأ على الوجهين.
* الشيخ: الآن؟
* الطالب: لكن لو كُتِبَت على الكتابة المعروفة لاحتملت وجهًا واحدًا، وهو (...).
* الشيخ: الآن ﴿مَالِكِ﴾، لو أنا بنقرأها على الرسم العثماني بدون تشكيل، على طول نقرؤها: ﴿مَلِكِ﴾ ، ولا يمكن نقرؤها: ﴿مَالِكِ﴾، ولَّا لا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: وبالتشكيل تقرؤها: ﴿مَالِكِ﴾؛ لأنه يرمز للألف بالشرطة.
* الطالب: للاسم.
* الشيخ: بالشرطة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: فإذن على كل حال سيتبين هذا وهذا، يعني بعد التشكيل في الحقيقة ما تتبين القراءة، يعني ما تكون الكلمة الواحدة جامعة للقراءة.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، أبدًا، ما هو محظور هذا.
* طالب: بالنسبة لكتابة (برايل)، أليس القرآن الكريم نزل مقصودًا للنطق به، يعني تعلم الناس؟
* الشيخ: بلى.
* الطالب: ويش المانع أن تكون الكتابة على هذه (...)؟
* الشيخ: نحن نقول بناء على الخلاف، أما إذا قلنا بالجواز فهي جائزة طريقة (برايل)، إي، لكن بس عاد اللي يوجب علينا الإشكال كلام الأخ أن فيها اختصارًا.
* الطالب: إذا كان يفهم المعنى؟
* الشيخ: إي.
* الطالب: إذا كان -مثلًا- يفهم أن هذه النقطة أنها مثلًا (كيف) أو (لماذا).
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: يعني يكون القرآن كاملًا، يعني لفظًا؟
* الشيخ: ما فيه إشكال.
* الطالب: ما فيه إشكال؟
* الشيخ: إي نعم، هو على القول بالجواز الأمر واسع، على القول بجواز كتابة القرآن بغير الرسم العثماني الأمر فيه واسع، وما زال الناس الآن بالنسبة للتعليم -تعليم الصبيان- يكتبونه بالرسم العصري، وأنا ما عندي إشكال في جواز الرسم العصري بدون حاجة، حتى وإن لم يحتج الإنسان إليه؛ لأنه كما أشرنا إليه أولًا. أولًا ذكرنا ثلاثة أوجه للجواز: أن القرآن نزل؟
* طالب: ليُقْرَأ.
* الشيخ: مَلْفوظًا به لا مكتوبًا، وحينئذٍ يمنع التوقيف.
ثانيًا: أنه إنما كُتِب على هذا الوجه لأن القاعدة الرسمية في ذلك الوقت كانت على هذا الوضع، لا لأنه -مثلًا- الرسول قال: اكتبوه على هذه الصفة، أو أن جبريل نزل به على هذه الصفة.. إلى آخره.
* طالب: فيه حديث عن النبي ﷺ أمره بأن يكتب على هذه الصفة.
* الشيخ: على هذه الصفة؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وين هو؟
* الطالب: في حديث (...) ﷺ: مدَّ الألف، يعني لا أحفظ لفظ الحديث: وحرك اللام...
* الشيخ: ما أعرفه.
* الطالب: لا (...)، فيه حديث -يا شيخ- شرحه الزرقاني.
* الشيخ: إي.
* الطالب: يعني ذكر فيه كيفية أمر النبي ﷺ لهم بكتابة القرآن، بأن قال لهم يعني: مُدَّ الْأَلِفَ، أو حَرِّكِ اللَّامَ.
* الشيخ: طيب، إذا قال: مُدَّ الْأَلِفَ، هذا عليهم؛ لأن ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، إذا مدينا الألف نجيب الألف، مع أني ما أعتقد أن هذا يصلح من الرسول عليه الصلاة والسلام، أبدًا، أنه يقول: اكتبوا (الصلاة) بالواو، واكتبوا (الزكاة) بالواو، واكتبوا (الربا) بالواو.
* الطالب: لا، هو ذكر فيها قواعد الرسم الخمسة (...)، يعني الحذف والوصل والـ...
* الشيخ: على كل حال، اللي بيغير اللفظ لا بد، هذا لو ما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام لفظًا أمرًا خاصًّا، هذا معلوم، اللي بيغير اللفظ.
* الطالب: (...) حسب الأحرف السبعة، حتى تعتبرها الأحرف السبعة.
* الشيخ: أبدًا، ما نعتبرها الأحرف السبعة، الأحرف السبعة باللفظ ما بالكتابة.
الوجه الثالث: أننا نجزم بأنه لو كانت القواعد الرسمية في ذلك الوقت على غير هذا الشكل لكُتِبَ بها بلا شكٍّ، ما يمكن يُكْتَب بغير القواعد الرسمية في ذلك الوقت.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، لكنه في عهد عثمان رضي الله عنه كتبوا حسب القواعد الرسمية -فيما يبدو لي- في المدينة في ذلك الوقت ولو هو من الجائز، ما دام أن عثمان أمر بإحراق جميع المصاحف المخالفة لهذا في اللفظ، حتى لفظًا أمر بإحراقها ليجتمع الناس.
على هذا نقول: هذا القول هو الراجح؛ أنه يجوز أن يكتب القرآن بحسب القواعد العصرية، وأنه لا يجوز أن يكتب بالرسم العثماني للجاهل، هذا الذي نراه أيضًا، إنسان جاهل ما إحنا معلمينه لفظًا، يعني لا نعلمه التلاوة لفظًا، لا يجوز أن نكتب له بالرسم العثماني، والسبب أنه لو قرأه على حسب الرسم العثماني وهو لم يعلم إياه بالتلاوة سوف يحرف القرآن.
* طالب: يا شيخ، بالنسبة لأصحاب القول الثاني الذين يرون أنه، الذين فسروا بالنسبة (...)؟
* الشيخ: بالنسبة؟
* الطالب: للجاهل، يعني يجب كتابة القرآن بالطريقة التي يقرأها (...).
* الشيخ: إي.
* الطالب: طيب، منها نستنبط أنه أيضًا (...)؟
* الشيخ: ما فيها شك، هذا إذا قلنا بالجواز سواء تفصيلًا أو إطلاقًا، فالطريقة (برايل) هذه جائزة للحاجة.
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان ٧] قلنا: إن (ما) استفهامية، و(لِ هذا) جار ومجرور خبرُ المبتدأ، و﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ الجملة ويش محلها من الإعراب؟ نجيب آية تشبهها ليتضح لكم: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر ٤٩]، ويش تُعْرِبون ﴿مُعْرِضِينَ﴾؟
* طالب: (...) حال.
* الشيخ: حال. إذن ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ حال؛ الجملة حالية، يعني: ما باله آكلًا للطعام، كأنهم يقولون: لو كان رسولًا لم يأكل الطعام. هذه واحدة.
ثانيًا: ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، يمشي في الأسواق مع الناس، ما يترفَّع، ولا يختبئ في بيته، ولا يمشي ومعه جنوده يمينًا وشمالًا، وأمامًا وخلفًا، ليش يمشي في الأسواق؟
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾، يعني كأنهم يقولون: ولماذا لم يكن معه مَلَكٌ؟ لأن ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى: هلَّا، وهي للتحضيض.
وقوله: ﴿مَلَكٌ﴾ أحد الملائكة، وهو مشتقٌّ من الألوكة، وهي لُغةً الرسالةُ، وقد قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر ١].
﴿فَيَكُونَ مَعَهُ﴾ مع من؟ مع الرسول ﷺ، ﴿نَذِيرًا﴾ يعني مُنذِرًا؛ ليعلم بذلك أنه صادق.
الوجه الرابع: (﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [الفرقان ٨] من السماء ينفقه ولا يحتاج إلى المشي في الأسواق لطلَبِ المَعاش).
﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ يعني: من السماء ينزل، ﴿كَنْزٌ﴾ من السماء، وإنما قلنا: (من السماء)؛ لأن قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ تدل على الانتهاء والغاية، وإلا من الجائز: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ يعني: يجد كنزًا في الأرض، ولكن (إلى) تفيد الانتهاء والغاية، فيكون معنى هذا يعني: ﴿يُلْقَى إِلَيْهِ﴾ من السماء ينزل، ﴿إِلَيْهِ﴾ من السماء، ﴿كَنْزٌ﴾ لأجل أي شيء؟ ليكون ذا مال كثير، فلا يحتاج إلى المشي في الأسواق، ولا يصيبه الفقر كما هي حال النبي ﷺ.
هذه كم؟ ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾، ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾، ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾.
(﴿تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بستانٌ، ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أي: من ثمارها، فيكتفي بها، وفي قراءة ﴿نَأْكُلُ﴾ بالنون؛ أي: نحن، فيكون له مَزِيَّة علينا بها).
(وفي قراءة) سبعيَّة ولَّا شاذة؟
* طالب: سبعيَّة.
* الشيخ: سبعيَّة؛ لأن قاعدة المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: (وفي قراءة) فهي سبعية، وإذا قال: (وقُرِئَ) فهي شاذة.
إذن فيها قراءتان: ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ و﴿نَأْكُلُ مِنْهَا﴾ ، ﴿يَأْكُلُ﴾ و﴿نَأْكُلُ﴾ .
طيب، هذه خمسة أشياء اعترضوا بها.
(﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ أي: الكافرون للمؤمنين، ﴿إِنْ﴾ ما، ﴿تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ مخدوعًا مغلوبًا على عقله).
﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ أولًا: في هذا إظهار في مقام الإضمار، ولَّا لا؟ لأنه بالأول كلها المسألة ضمائر: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾، وهنا: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾. والإظهار في مقام الإضمار له فوائد، وأظن أننا قد ذكرناها من قبل.
* طالب: أولًا (...).
* الشيخ: تسجيل هذا الوصف عليهم، يعني بيان حالهم أنهم بهذا الوصف، يعني أنهم ظالمون. هذه واحدة.
طيب، الثانية؟
* طالب: الاعتناء (...).
* الشيخ: اهتمام، كيف ذلك؟ ما فيه شيء.
الفائدة الثانية: أن هذا القول يُعتَبَرُ من الظلم، فيكون الأمر شاملًا، يعني أن كل من قال فهو ظالم.
الفائدة الثالثة: التنبيه، تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد فإن الإنسان ينسجم وربما يسرح، فإذا جاءه شيء على خلاف النمط الأول حصل بذلك الانتباه. وهذه الفائدة لفظية، والفائدتان الأوليان معنويتان.
* طالب: العلة (...)؟
* الشيخ: هو هذا يؤخذ من الأمر الثاني؛ الفائدة الثانية.
الفائدة الأولى قلنا: إنه يسجل على هؤلاء وصفهم بهذا الظاهر؛ إن كان كفرًا فهو كفر، أو ظلمًا فهو ظلم، أو فسقًا فهو فسق، أو إيمانًا فهو إيمان.. إلى آخره.
والفائدة الثانية: أن هذا الحكم أو هذا القول أو هذا الفعل ظُلمٌ، من أي إنسان وقع، وهذا هو الذي أشار إليه (...)؛ لأنه للتعليل.
والفائدة الثالثة: التنبيه، تنبيه المخاطب؛ لأن اختلاف الكلام أو اختلاف نسق الكلام يوجب الانتباه.
و﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾، يقول المؤلف: (﴿إِنْ﴾ مَا)، (ما) هذه تفسير لـ﴿إِنْ﴾، يعني أنَّ ﴿إِنْ﴾ نافية، إذا كانت نافية فالمسألة فيها حصر، يعني: ما ﴿تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا﴾، وهذا أبلغ من قولهم: إنكم تتبعون رجلًا مسحورًا، يعني كأنهم قالوا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس له حال من الأحوال إلا أنه مسحور، يعني: (مخدوعًا مغلوبًا على عقله) يعني: مختل العقلِ بالسِّحر.
ومن العجائب أنهم أحيانًا يقولون: إنه ﴿سَاحِرٌ﴾ [الذاريات ٥٢]، وأحيانًا يقولون: إنه ﴿مَسْحُورًا﴾ [الإسراء ٤٧]، وبينهما فرق. ولكن مع هذا المبطل كل ما يمكنه من الدعاوى الباطلة يأتي بها ولو كان (...).
نشوف الآن: هذه الأشياء الست التي قدحوا في النبي ﷺ بها.
أولًا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾، بماذا نجيبهم؟ ويش نرد عليهم به؟
* طالب: أنه بشرٌ.
* الشيخ: أنه بشرٌ، فهو محتاج إلى الطعام، وهذا ليس بقادح، ما دامت القرائن أو البينات شهدت بصدقه، فإن كونَه يأكل الطعام لا يمنع من صدقه؛ لأنه بشر.
﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾..
* طالب: أيضًا.
* الشيخ: لا، هذه ما هي من الطبيعة البشرية، البقر يمشي بالأسواق، والإبل تمشي في الأسواق.
* طالب: التواضع.
* طالب آخر: (...) طلب الرزق يعني.
* الشيخ: إي، التواضع نعم، نرد عليهم بأن هذا مما يؤيد كونه رسولًا، لا مما يناقض كونه رسولًا؛ لأن هذا يدل على تواضعه، وعلى محبته لأنْ يكون بين أُمَّته يفيدهم ويستفيدون منه.
إذن فهذه لكونها دليلًا على الرسالة أوضح من كونها مانعًا من الرسالة، ولَّا لا؟
طيب، و﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾، هم كأنهم يقولون: ولماذا لم ينزل عليه مَلَكٌ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، يُقال: أولًا: إنه أنزل إليه مَلَكٌ، لكنه ليس كما طلبوا يمشي معه ويُنذِرُ، فإن جبريل قد أُنْزِلَ إلى النبي ﷺ ومعه الوحي، وهذا ما يقوله النبي عليه الصلاة والسلام. وأمَّا كونه معه مصاحبًا له، فهذا لا يقدح في الرسالة إذا لم يكن مصاحبًا؛ لأنه لو كان مصاحبًا وجاء على غير صفة الملائكة عاد الأمر كما كان، صارت الحجة التي يحتجون بها أو الشبهة التي يحتجون بها موجودة. ولو جُعِلَ مَلكًا في صورة الملك لكان يقضى عليه إذا لم يؤمنوا؛ لأن الآيات المعينة إذا طلبت ولم يؤمن من طلبها فإنه يهلك.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما هي معينة، ولهذا قيدناها: الآيات المعينة إذا طُلِبَت، أما لو قالوا: أَرِنا آيةً ولم يعينوها، فهذا يمكن ما يهلكون به.
طيب، ﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾، يقول: ليش ما صار هذا غنيًّا؟ فكونه قليل ذاتِ اليد يدل على أنه غير رسول، بماذا نجيبهم؟
* طالب: لأن الرسول ﷺ دعا إلى هذا؛ دعا إلى الكفاف وطلب الرزق.
* الشيخ: إي، لكن هم يقولون: أنت رسول، ليش ما نزل عليك كنزٌ تستغني به عن طلب الرزق؟
* الطالب: مما يدل على (...).
* طالب: لأن جميع الأنبياء كانوا فقراء، فكما ثبت وَكَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْ كَسْبِ أَيْدِيهِمْ[[أخرج البخاري (٢٠٧٢) عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ، قال: «ما أكل أحد طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده». ]].
* الشيخ: طيب، وغير؟
* طالب: ولأن الرسول ﷺ خُيِّر بين (...).
* الشيخ: ما يخالف، هو خُيِّر بين أن تسير معه الجبال ذهبًا، أو خُيِّر بين أن يكون مَلَكًا نبيًّا أو عبدًا نبيًّا، فاختار هذا[[أخرج النسائي في الكبرى (٤٣١٢) أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يحدث أن الله تبارك وتعالى أرسل إلى نبيه ﷺ ملكًا من الملائكة ومعه جبريل، فقال الملك: إن الله يخيرك بين أن تكون عبدًا نبيًّا وبين أن تكون مَلِكًا، فالتفت رسول الله ﷺ إلى جبريل كالمستشير، فأشار جبريل بيده أن تواضع، فقال رسول الله ﷺ: «بل أكون عبدًا نبيًّا»، قال: فما أكل بعد تلك الكلمة طعامًا متكئًا. ]]، لكن ما هي بهذه مقنعة.
* طالب: لأن الأمر الذي جاء به أمر عظيم من الدعوة (...)، ومن الإيمان بالله سبحانه وتعالى، فليس يعني (...) المال وغيره، وإنما عليه كي ينبههم إلى...
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، طيب.
* طالب: لأنه قد يكون الإنسان معه -مثلًا- مال ولا يكون رسولًا، كم مثلًا من صاحب جاهٍ فيكون معه، ليس دليلًا على (...).
* الشيخ: يعني معناه الرسالة لا تتوقف؟
* الطالب: على المال.
* الشيخ: على المال، الرسالة لا تتوقف على المال، وليس المال دليلًا على الرسالة؛ لأن هناك أناسًا كثيرين أغنياء وليسوا برُسُلٍ.
* طالب: ثم إنه لو كان معه مالٌ لاتُّبِعَ لأجل ماله.
* الشيخ: هذه إيجابية، الكلمة اللي أنت قلت إيجابية، لكن نريد الدفع؛ دفع قولهم، ثم نقول كما أشار إليه الأخ: إن عدم المال معه قد يكون أكثر لتأييد كونه رسولًا؛ لأنه لو نزل إليه مالٌ واتبعه الناس من أجله صارت المسألة ما اتبعوه علشان رسالته.
إذن نقول: هذا -أي: كونه لم ينزل عليه كنزٌ- ليس مانعًا من الرسالة. لماذا؟ لأن ثبوت الرسالة لا يتوقف على الكنز، بل تثبت بدونه، ولأنه لو كان عنده كنزٌ لقيل: اتبعه الناس من أجل كنزه وغناه. فهذا إبطال لقولهم.
﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾، نقول فيها مثلما قلنا في مسألة الكنز: إن هذا ليس بلازم في الرسالة، وأنه لو كان ﴿لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أو ﴿نَأْكُلُ﴾ على القراءة الثانية (...) لقيل: إنهم اتبعوه لأجل الأكل من هذه الجنة.
السادس: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، بماذا نرد عليهم؟
* طالب: بالآيات القرآنية.
* الشيخ: لا، بس الآيات القرآنية ما هم مؤمنين هم بالقرآن.
* طالب: (...).
* الشيخ: وغير هذا؟
* طالب: نرد عليهم (...).
* الشيخ: نعم، نرد عليهم بأن المسحور لا يمكن أن يأتي بمثل هذا الكلام، يأتي بكلام يعجز عنه العقلاء فيقال: إنه مسحور، يمكن هذا ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: يعني يمكن لإنسانٍ مسحورٍ مخبولِ العقل بالسحر يأتي بكلام يعجز عنه البلغاء، ويتحدى العقلاء أن يأتوا بمثله ولا يستطيعون أو ما يمكن؟ لا يمكن، هذا واضح جدًّا، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٩].
* طالب: كذلك ما أقول: إن (...).
* الشيخ: إي، الساحر (...)، لكن أثر على المسحور، ما يمكن أن يأتي بمثل هذا الكلام.
* الطالب: إذا كان الساحر يبطل سحره، فالمسحور أولى أن يُبطل السحر.
* الشيخ: لا، أصلًا ما هو بيجي بكلام مضبوط، يعني لا نقول: إنه بيأتي بكلام يمكن نقضه أو لا يمكن، لا يمكن يأتي بكلام إلا كلام غير متوازن، فكيف بكلام معجز؟!
قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ الاستفهام في قوله: ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ﴾ للتعجب والإنكار.
وقوله: ﴿الْأَمْثَالَ﴾ يعني: الأشباه أو الأوصاف؛ لأن المثَلَ يأتي بمعنى الشبَهِ ويأتي بمعنى الصفة. قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [محمد ١٥]، معنى ﴿مَثَلُ﴾ صفةُ الجنة. ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ [البقرة ١٧] يعني: شَبَهُهُم كشَبَهِ... فالأمثال إما بمعنى الأشباه أو بمعنى الأوصاف، يعني: كيف جعلوا هذه الأوصاف التي يقدحون برسالتك بها؟! انظر إليها متعجبًا، والتعجب يقتضي في الغالبِ الإنكارَ.
(﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ بالمسحور، والمحتاج إلى ما ينفقه، وإلى مَلَكٍ يقوم معه بالأمر، ﴿فَضَلُّوا﴾ بذلك عن الهُدى، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ طريقًا إليه).
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ﴾، الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، وكونه يُخاطب الرسول ﷺ بهذا الإنكار عليهم لا يخفى ما فيه من التأييد والتقوية للرسول ﷺ وعناية الله تعالى به ﷺ، وهذا أمر معلوم.
وقوله: ﴿فَضَلُّوا﴾، الفاء هذه عاطفة لكنها تُفيد السببية؛ أي: فبسبب ما ضربوا لك من الأمثال ضلَّوا. وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا أورد الشبهات على نفسه أو على من أتى بالحق فإنه يكون سببًا لضلاله، إذا لم يَقْبَل الإنسان الحق ويدَعْ ما يَرِدُ على خاطره من الشبهات حول ذلك الحق فإنه يكون سببًا لضلاله؛ ولهذا قال: ﴿فَضَلُّوا﴾، الفاء عاطفة وتُفيد السببية.
وقد ذكر ابن القيم في مفتاح دار السعادة أنه تكلم مع شيخه ابن تيمية في مسائل (...)، يقول: فجعلت أورد عليه بالنقد، فقال لي: لا تجعل قلبك مثل الإسفنجة يقبَلُ كلَّ شُبهةٍ فيتشرَّبها، ولكن اجعله كالزجاجة الصلبة تكشف ما وراءها ولا تتأثر. وهذا صحيح، الإنسان إذا فتح على نفسه باب الشبهات والتساؤلات فإنه يضِلُّ، وانظر إلى إرشاد النبي ﷺ الرجل حينما يتساءل الناس: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقولوا: من خلق الله، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام الإنسان إذا وصل إلى هذا الحد أن يستعيذ بالله ولينته، وأرشده إلى أن يقرأ ﴿اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١ - ٤]، وفي حديث آخر: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد ٣]
فهذه الأشياء التي تَرِدُ على القلب إذا استرسل الإنسان منها فسوف تكون سببًا لضلاله، كما تفيده هذه الآية وآيات أخرى كثيرة؛ مثل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]. فالإنسان يجب عليه أن يكون قابلًا للحق، متشوِّفًا له، قابلًا له، ولا يورد على نفسه شبهات؛ لأن الشبهات ما لها حدٌّ، والشيطان يحب من ابن آدم أن يرد على قلبه هذه الشبهات ليضل.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، (المسحور) واضح، وكونه ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، و﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾، كلها مندرجة بقوله: (والمحتاج إلى ما ينفقهًا وإلى مَلَكٍ يقوم معه).
الخلاصة الآن -يا جماعة- أن هؤلاء الكفار جعلوا مع الله آلهة، وهذا قدح في التوحيد. ثم زعموا أن القرآن أساطير الأولين، وهذا قدح في القرآن مباشرة، ويتضمن القدح في الله أيضًا والقدح في الرسول ﷺ. ثم بعد ذلك ذكر الله قدحهم في الرسول ﷺ القدح المباشر بهذه الأوجه الستة، وتبين -ولله الحمد- أن هذه الأوجه التي أوردوها قدحًا في النبي ﷺ كلها ليست بقدح، بل منها ما يؤيد أنه رسول.
استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن النبي ﷺ لم يُسْحَرْ، وكذَّبوا بذلك الأحاديثَ المشهورة بل المتواترة أن النبي ﷺ سُحِرَ، وأن الله أنزل عليه المعوذتين لنقض هذا السحر[[أخرج عبد بن حميد (٢٧١) عن زيد بن أرقم، قال: سحر النبي ﷺ رجل من اليهود، قال: فاشتكى فأتاه جبريل، فنزل عليه بالمعوذتين... الحديث. ]]. فهل لاستدلالهم بهذه الآية وجه ولَّا لا؟
* طالب: له وجه.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لأنها (...) الظالمين.
* الشيخ: إي نعم، لكن هم.. الآن نحن لا نشك أن الرسول ﷺ قد سُحِرَ، وأنه نزلت عليه المعوذتان ونُقِضَ سِحْرُه بهما، هذا أمر لا شك فيه؛ لأن الأحاديث في ذلك متواترة. هم يقولون: هذه الأحاديث كلها كذبٌ، ما هي بصحيحة؛ لأن القول بأنه مسحور هو قول الكفار.
* طالب: لا وجه له؛ لأن (...).
* الشيخ: لا، ما هو بهذا الوصف، ما هو بهذا الرد، هو صحيح ما له وجه لكن ما هو بهذا الـ...
* طالب: قولهم: رجل مسحور، تُفيد الوصفَ اللازم.
* الشيخ: إي.
* الطالب: أنه يعني هذا حاله الدائم أنه مسحور، أما السحر الذي سحره اليهودي فهو شيء طارئ مثل المرض، يعني يُزَالُ بمزيلات.
* الشيخ: إي نعم، هذا صحيح، هذا هو الرد عليهم، نقول: إن هؤلاء الظالمين الذين قالوا: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، أرادوا بذلك أن السحر وصف لازم له، وأن كل ها الكلام اللي بيقول كله كلام مسحور (...). أما السحر الذي طرأ على النبي عليه الصلاة والسلام فهو سحر طارئ، ثم مع ذلك ما أثَّر في الرسالة أبدًا، عائشة رضي الله عنها تقول: اللي حصل أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله[[أخرج البخاري (٦٠٦٣) ومسلم واللفظ له (٢١٨٩ / ٤٣) عن عائشة، قالت: سحر رسول الله ﷺ يهودي من يهود بني زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم، قالت: حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم، أو ذات ليلة، دعا رسول الله ﷺ، ثم دعا، ثم دعا، ثم قال: «يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟ جاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي، أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، قال: وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان» قالت: فأتاها رسول الله ﷺ في أناس من أصحابه، ثم قال: «يا عائشة، والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رءوس الشياطين». قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا أحرقته؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرًّا، فأمرت بها فدفنت».]]، هذا الذي حصل، وهي مدة وجيزة أيضًا ولم تؤثِّر؛ يعني ما قال شيئًا في الرسالة مما يمكن أن تتغير به الرسالة في هذه المدة.
فالحاصل أن الاستدلال بهذه الآية على إبطال أحاديث صحيحة متواترة، لا شك أنه جرأة عظيمة، لو كانت الأحاديث ضعيفة أو كانت الأحاديث -مثلًا- من الأحاديث التي في أدنى مراتب الصحة، لكنا نقول: إن هذا له وجه. وأما أحاديث صحيحة مشهورة متواترة ونبطلها بمثل هذا الأمر لا يمكن أن يبطلها، ولذلك الصواب، بل اليقين المتيقن المتعين أن ذلك وقَعَ للرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن الله تعالى أنزل عليه سورتين ثم هُدِيَ إلى محَل السحر. أين كان سحره؟ في بئر أريس، وكان في مُشْطٍ ومُشاطةٍ في جوف طلعة ذكَرٍ، يعني كافور. تعرفون الكافور؟ كافور الفحل يكون كبيرًا ويسع. هذا السحر وُضِعَ للرسول عليه الصلاة والسلام في مُشْطٍ اللي يُكَدُّ به الرأس، والمُشاطة الشعر الذي يتناثر مع الكدُّ، وجعل في هذا الكافور في البئر التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يأتي إليها. فذهب النبي عليه الصلاة والسلام وأمر أن يُخْرَجَ هذا السحر، فأُخْرِجَ السحر فنُقِضَ، فعافاه الله سبحانه وتعالى.
قال الله تعالى: ﴿فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿سَبِيلًا﴾ بمعنى طريقًا. إلى أي شيء؟ إلى الهدى، والعياذ بالله. وفي هذا تحذير كما أشرنا إليه أولًا، تحذير من أن يتابع الإنسان الشُّبَه التي تَرِدُ عليه، وأنه يجب على الإنسان أن يبتعد عن هذا كله.
الفرقان 25:7
(...) الآية الآن، ذُكر أولًا تنزيل القرآن (...).
* طالب: (...) ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٤ - ٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان ٣].
(﴿وَاتَّخَذُوا﴾ أي: الكفار ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: الله)، أمَّا الضمير الأول: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ فلمْ يُذكَر له مرجعٌ لفظيٌّ، لكنَّه مرجعه معلومٌ بحسب الحال؛ يعني ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾ مَن هم؟
* طالب: الكفار.
* الشيخ: الكفار المتَّخذون، فهو لا مَرجِع له لفظًا، لكن مَرجعه معلومٌ بحال الواقع.
وأمَّا ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ فمَرجعه ظاهرٌ مما سبق؛ لأنَّ الله تحدَّث عن نفسه بقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾.
ومناسبة هذه الآية لِمَا قبلها أنَّ الله لَمَّا أثنى على نفسه بما أثنى به ناسبَ أن يذكر تلك الأصنام التي اتُّخذتْ من دونه -يعني مِن دون الله- آلهةً، ليتبيَّن حالُهم؛ لأنَّ الأشياء تتبيَّن بما يكون لها من صفات.
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾، وقوله: ﴿آلِهَةً﴾ جمع (إله)، وهذه الآلهة إنما كانت آلهةً باتِّخاذهم، أمَّا في الحقيقة فليست آلهةً لأنها ليستْ مستحقةً للعبادة، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: لقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم ١٩ - ٢٣]، وقال يوسف: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف ٣٩، ٤٠]، فهي آلهةٌ لاسمهم واعتقادهم، أمَّا في الواقع فليست آلهةً؛ بمعنى أنها لا تستحقُّ أن تكون آلهة. واضح يا جماعة؟
فعلى هذا مثلًا إذا قال قائل: كيف أثبتَ الله هنا أنها آلهة ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾، مع أنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم يقولون لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود ٦١]، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣]، كيف نجمع بين هذا النفي وبين هذا الإثبات؟
نقول: نجمع بين هذا النفي وبين هذا الإثبات أنَّ النفي باعتبار الحقيقة والواقع؛ فإنَّه لا إله إلا الله ولا شك في ذلك، وأمَّا الإثبات فهو بحسب أيش؟ بحسب عمل هؤلاء حيث جعلوا هذه آلهةً؛ أي: معبودةً، وهي لا شك أنها تُعبَد، لكنَّها ليست مستحقَّة للعبادة، فبحسب الاستحقاق يكون النفي، وبحسب الواقع يكون الإثبات. واضح الأمر ولَّا لا؟
بحسب الاستحقاق يكون النفي؛ يعني: لا أحد يستحقُّ ولا أحد يكون حقيقةً إلهًا سوى الله عز وجل. وأمَّا باعتبار الاعتقاد وباعتبار العمل فإنَّ مِن الناس مَن اعتقد وعَمِل فجعل مع الله إلهًا آخَر، وحقيقة هذه الآلهة أنها ليست بشيء، صحيح أنها تُعبَد وتُدعى ويُركَع لها ويُسجَد ويُنذَر لها، لكنَّها في الواقع ليست مستحقَّة لهذا الأمر، فليست آلهة.
ثم بيَّن الله هذه الآلهة المتَّخَذة: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾، وعدم خلْقهم دليلٌ على عَجْزِهم، وعَجْزُهم دليلٌ على أنهم ليسوا آلهة؛ لأنَّ الإله لا بدَّ أن يكون قادرًا؛ لأنَّ القدرة من كماله، وهذا العجز الذي اتَّصفتْ به هذه الآلهة يمنع أن تكون آلهة.
ثانيًا: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، مين اللي ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾؟ الآلهة. إذَنْ هي حادثةٌ بعد أن لم تكن، والربُّ يجب أن يكون أوَّليًّا ليس قبله شيء؛ لأنَّ الربَّ المستحقَّ للعبادة لا بدَّ أن يكون خالقًا، وإذا كان مخلوقًا فهو حادثٌ، وإذا كان حادثًا فمَن قبله ليس من خلْقه، وعلى هذا يكون في قوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ بيانٌ لعدم صلاحيتهم للآلهة من حيث أيش؟ انتفاء القدرة.
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لا يصلح أيضًا أن يكونوا آلهةً من وجهين:
أولًا: الحدوث؛ لأنهم محدَثون، والإله لا يمكن أن يكون مُحْدَثًا.
الأمر الثاني: أنَّ مَن قبلهم ومَن سبقهم ليس مِن خلْقهم، على فرض أن يكونوا يَخلقون، وهذا دليلٌ على عدم صلاحيتهم للألوهية.
﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان ٣] يقول المؤلف: (﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ أي: دَفْعه). ونحن نقول: دَفْعه وجَلْبه أيضًا. ويش المانع؟! لو أرادوا أن يضرُّوا أنفسَهم ما ضرُّوها، ولو أرادوا أن يدفعوا عنها ضررًا ما دفعوا عنها، فإبقاء الآية على العموم أَوْلى؛ ﴿لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ أيش؟ لا جَلْبًا للضرِّ ولا دَفْعًا له، حتى الضرر الذي يمكن أن يكون سهلًا لو أرادوه لأنفسهم ما استطاعوا؛ يعني لو أرادتْ هذه الأصنام أن تُتلف نفسَها تستطيع ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لو أرادتْ أن تُمرِض نفسَها -إذا كانت مما يَلْحقه المرض- هل تملك ذلك ولَّا لا؟ لا تملك. ولو أراد أحدٌ أن يعتدي عليها تملك دَفْعه ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما تستطيع، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ وهذا يدلُّ على أهميته؛ أَمْر الله تعالى لنا بأنْ نستمع لهذا المثل يدلُّ على أهميته.
المثل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، الذباب اللي هو مِن أَهْون الحيوانات وأَضْعفها لو أنَّهم اجتمعوا على أن يخلقوه ما استطاعوا.
أمرٌ آخَر: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ على ضعفه ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ ما يستطيعون أن يستنقذوه، ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج ٧٣].
فهؤلاء لا يملكون لأنفسهم ضَرًّا؛ لا دَفْعَه ولا جَلْبَه، ولا يملكون أيضًا نَفْعًا، يقول المؤلف: (أي: جَرَّه)، يعني: ما يملكون أن يجرُّوا لأنفسهم نفعًا. كذا؟ عندي: (أي: جَرَّه)؟
* طالب: إي نعم، (جَرَّه).
* الشيخ: إي نعم، فهُم لا يملكون أن يجرُّوا النفع إلى أنفسهم، ولا يملكون أيضًا أن يدفعوه عن أنفسهم، مِثل الأول، يعني ينبغي أن نجعلها على سبيل العموم، وإنْ كان مقتضى الحال أنَّ الإنسان يريد الدفع .. أو أنَّ أيَّ واحدٍ يريد دَفْع الضرر ويريد جَلْب النفع، ولكن إبقاء الآية على العموم أَوْلى؛ يعني: لا يستطيعون شيئًا لأنفسهم، وإذا كانوا لا يستطيعون ذلك لأنفسهم فمِن باب أَوْلى ألَّا يستطيعوه لعابديهم.
(﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ أي: إماتةً لأحدٍ وإحياءً لأحدٍ ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ أي: بعثًا للأموات).
﴿لَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ يعني: ما يملكون أن يموِّتوا أحدًا (...)، نعرف أنَّ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه وقال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨] أنَّه كاذب ولَّا صادق؟ كاذب.
﴿لَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ يعني: لا يملكون أن يَجْلبوا موتًا لأحدٍ ولا أن يَجْلبوا حياةً لأحد مهما اجتمعوا لذلك.
فإذا قال إنسان: أليس يمكن أن يقتلوا أحدًا؟
فالجواب: هذا سببُ الموت وليس هو الموت؛ يعني يمكن الإنسان يفعل سببَ الموت، لكن ما يمكن أن يُوقِع الموت، وبين الأمرين فرق، ولهذا أحيانًا يوجد سبب الموت ولا يموت الإنسان، وأحيانًا يموت الإنسان بدون سبب؛ يعني بدون سببٍ معلومٍ.
فإذَنْ هؤلاء لا يملكون موتًا لأحدٍ ولا حياةً، لا يملكون أن يُحْيُوا أحدًا من الأموات لأنَّ ذلك إلى الله عز وجل.
وأمَّا إحياء عيسى للأموات فليس من هذا الباب، ليس من الأمر الذي نفاه الله؛ لأنَّ الذي يُحْيِي حقيقةً للأموات هو الله، ولهذا قيَّد الله إحياءَه للموتى بقوله: ﴿بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠]، فليس هو يستقلُّ بهذا، وإنما يكون قوله سببًا للحياة التي يخلقها الله عز وجل. واضح؟
﴿وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ النُّشور هو بَعْثُ الموتى وتفريقُهم، نَشْرُهم معناه أنَّهم يُفَرَّقون؛ يخرجون من الأجداث وينتشرون في الأرض يتفرَّقون فيها، فهُم لا يملكون شيئًا من هذا كلِّه.
فإذا تبيَّن عَجْزهم الذاتي والعَرَضي تبيَّن أنها لا تصلح أن تكون آلهة، ففيهم عجز ذاتي وعَرَضي.
طيب، ما مقام أو ما حال ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ بالنسبة لقوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾؟
عَطْفها على قوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ من باب عطْف الخاصِّ على العامِّ أو التفصيل بعد الإجمال.
تجدون الآن الآية الكريمة تترقَّى من الأدنى إلى الأعلى: ﴿ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾، ﴿مَوْتًا﴾ و﴿حَيَاةً﴾ و﴿نُشُورًا﴾، معلوم؛ لأنَّ الحياة أشدُّ من الموت؛ يعني وجود سبب الحياة أو القدرة على الحياة أعظم من الموت، كذلك أيضًا النفعُ والضررُ؛ أيُّهما أعظم؟ النفع؛ لأن الضرر .. الإنسان يريد من الضرر دَفْع الشيء، ودَفْع الشيءِ أسهل من جَلْبه؛ لأنَّ الجلب إيجابيٌّ والدفْع سلبيٌّ، وغالبًا أن السلبي يكون أَهْون من الإيجابي، فانتقل الله سبحانه وتعالى في بيان عَجْز هذه الآلهة وأنها لا تَصْلح من الأدنى إلى الأعلى، هذا بالنسبة للتفصيل، أمَّا بالنسبة للإجمال فقال: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾.
* وفي هذا من الفوائد: دليلٌ على أنَّه ينبغي للإنسان أن يسوق للخَصْم ما يُقِرُّ به لزومًا حتى تقوم الحجَّة عليه.
هؤلاء الذين جعلوها آلهةً هل يمكن أن يدَّعوا بأنها تَخْلق؟ لا.
هل يمكن أن يدَّعوا بأنها غير مخلوقة؟ لا؛ لأنهم يعرفونها موجودةً وليستْ من قبل.
هل يمكن أن يدَّعوا بأنها تنفع أو تضرُّ؟ نقول: يمكن أن يدَّعوا ذلك، وفِعْلًا يدَّعون ذلك؛ يقولون: إنَّ الأولياء ينفعون، وإنهم يضرُّون، وإنَّ مَن لم يذبح لهذا الولي أو ينذر له فإنَّه يضرُّه. هذه دعوى.
يُطالَبون بأيِّ شيء إذا ادَّعوا؟ يُطالَبون بالدليل، نعم، الدليل أنْ يُقال لهم مثلًا: ادعوا هذا الوليَّ بأمرٍ معيَّن وانظروا هل يجلب لكم ذلك أو لا يجلبه، مِثْلما أنهم هم يطالبون الرُّسُلَ بأشياء معيَّنة؛ يقولون مثلًا لَمَّا قالت لهم الرُّسُل: إنَّ الله يُحْيي الموتى، قالوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، مع أنَّ الرُّسُل ما قالت لهم: إنَّ البعث في الدنيا، حتى يقولوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾، إنما قالت لهم: إنَّ البعث متى؟ بعد الموت. وهذا غير ما طالب به هؤلاء الخصْم للرُّسُل، فقولهم: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ هو في الحقيقة مصادرة؛ يعني: طلبُ دليلٍ لشيءٍ لم يقُله الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ إذ لم يقولوا: إنهم يُبعثون الآن.
فعلى كل حالٍ هذه الدعوى أنَّهم يملكون نفعًا أو ضرًّا، هذه دعوى تحتاج إلى بيِّنة.
أمَّا دعوى الموت والإحياء فهي أيضًا أوضح بُطلانًا، بل لَرُبَّما تُدَّعى؛ لأنَّ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه قال له: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فربما تُدَّعى.
وفي مناظرة إبراهيم عليه الصلاة والسلام -يعني يمكن أنْ ننتفع بها هنا- دليلٌ على أنَّه إذا ادَّعى المبطِل دعوى فإنَّنا ننقله إلى ما هو أَوْضح؛ لأنَّ المقصود ما هي بالمجادلة، المقصود إقامة الحجَّة على بُطلان هذا الأمر، وهو إذا بَطَل ولو من دليلٍ واحدٍ كفى، ما حاجة لأننا نُبْطله من الدليل الذي يُعيِّنه الخصم، قد نُبْطله من دليلٍ آخَر، إبراهيم عليه الصلاة والسلام لو أراد أن يحاجَّ هذا الرجل ويجادل هذا الرجل لَقال له: لستَ تُحيي وتميت، وإنما تفعل سببَ الإحياء والإماتة. لكنَّه عليه الصلاة والسلام ذهب إلى دليلٍ أَوْضح وأَبْين ولا تمكن المحاجَّة فيه؛ قطعًا لأيِّ شيء؟ قطعًا للنزاع والمجادلة؛ لأنَّ الإنسان اللي يجادل قابِلْه بدليلٍ لا يمكنه دَفْعه، فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨]، إلزام ولَّا ما هو بإلزام؟ إلزامٌ لا يتمكَّن معه أن يدَّعي شيئًا، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة ٢٥٨].
المهم الآن اللي عندنا: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ مُسَلَّم، ويمكن دعوى نَفْيه ولَّا ما يمكن؟ لا يمكن، حتى عند العابدين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان ٢٥]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، حتى عند العابدين ما يمكن يدعون هذه الصفة المنفية.
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لا يمكن أيضًا أن يدَّعوا أنها ليستْ مخلوقة؛ لأنها مصنوعة، هُم صنعوها بأيديهم؛ يقول إبراهيم لهم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦].
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ هذه قُلنا: إنه يمكن أن يُدَّعى أيش؟ خلافُ هذا النفي، وجوابُنا عليه من أمرين:
إمَّا إبطال هذه الدعوى بعينها ونقول: هذا أمرٌ لا يمكن، وإذا شئتم فادْعوا.
وإمَّا أن يقال: ننتقل عن هذا النفي عند المجادلة -ترى- لا ننتقل عن هذا النفي لعدم إيمانٍ بالله؛ يجب علينا أنْ نؤمن بأنهم لا يملكون ذلك، لكنْ عند المخاصمة ويش ننتقل إليه؟ إلى أمرٍ أعظم وأَبْين وأوضح.
مثلًا لو نزلتْ أمطارٌ كثيرةٌ مغرِقةٌ أو حصلتْ زلازل، ممكن نقول لهم: ادْعوا هذه الأصنام وانظروا هل (...) السماء؟ وهل تتوقَّف الأرض عن الزلازل؟ وما أشبهَ ذلك. لكنْ مهما كان لو ادَّعوا ما يدَّعون فإنَّنا ننتقل عند المجادلة إلى أمرٍ أوضح لا يتمكَّنون من نفيه. ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾.
ولَمَّا ذكر الله سبحانه وتعالى ما يعود إلى التوحيد انتقل إلى ما يعود إلى الرسالة؛ لأنَّ (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله)، فقال تعالى..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الفرق بينهما أنَّ النشور عامٌّ، وأمَّا الحياة فهي خاصَّة، الحياة لواحدٍ معيَّن؛ مِثل أن يُقال لهم: أحيوا هذا الميت. النُّشُور عامٌّ، ولهذا قُلنا: إنَّه من النَّشْر بمعنى التفريق والانتشار، فهو أعمُّ.
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾ أي: ما القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كَذِبٌ ﴿افْتَرَاهُ﴾ محمَّد ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان ٤] وهم من أهل الكتاب).
هذا الأصل الثاني من الأصول في التوحيد وهو إثبات الرسالة، إثبات الرسالة لا شك أنَّه أحدُ شطري التوحيد: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله)، ولا يمكن أن يُعبَد الله سبحانه وتعالى إلا بما جاءت به الرسل؛ لأنَّ العبادة طريقٌ للمرء إلى ربِّه.
وهل يمكن أن نتوصَّل إلى الله بطريقٍ لم يجعله طريقًا؟ ويش الجواب؟
* طلبة: لا يمكن.
* الشيخ: لا، وهذا الطريق الذي جعله الله طريقًا إليه جاء بواسطة الرسل، إذَنْ فالعبادة لا بدَّ لها من رسالة، ولا يمكن أنْ يُعبَد الله بمجرَّد العقل؛ لأن العبادة طريقٌ يوصل إلى الله، وهذا الطريق لا يمكن إلا بوضعٍ من الله، والله سبحانه وتعالى جعله بواسطة من؟ بواسطة الرسل.
المكذِّبون للرسل أيضًا قدحوا في الرسل وبما جاءوا به؛ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ هنا صرَّح بالاسم الظاهر، بالأول قال: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ [الفرقان ٣] ليعمَّ جميع المشركين من العرب وغيرهم، وهنا قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني من العرب الذين ردُّوا رسالة النبي عليه الصلاة والسلام.
(﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما القرآن)، المؤلف دقيقٌ في التفسير، فسَّر لنا الآن -رحمه الله- فسَّر لنا ﴿إِنْ﴾، وفسَّر لنا اسمَ الإشارة.
﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما) فهي نافية، ﴿هَذَا﴾ يقول: (القرآن)، فالمشار إليه إذَن القرآن.
﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما هذا القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾، شوف -والعياذ بالله- أَتَوْا بالحصر؛ يعني ما يمكن يكون إلا إفكًا، لا يمكن أن يكون فيه صِدْق، فأَتَوا بالحصر عن طريق النفي والإثبات؛ (ما هذا إلا إفكٌ) يعني: ولا يمكن أن يكون صدقًا.
(كَذِبٌ ﴿افْتَرَاهُ﴾ ) يعني اختلقه؛ أي: النبي ﷺ.
﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يقول: (من أهل الكتاب)، ومنه أيضًا الرجُل الذي قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل ١٠٣].
يقولون: إنَّ هذا ليس من الله، بل هو من محمدٍ ﷺ افتراه مع مساعدة غيره.
يقول الله عز وجل مبطلًا لكلامهم: (﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان ٤] كُفْرًا وكَذِبًا).
﴿جَاءُوا ظُلْمًا﴾ المؤلف فسَّر الظُّلم بالكفر لأنَّ الكفر ظُلم؛ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، ثم أيضًا هو ظلمٌ بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه اعتداءٌ عليه ووصْفٌ له بالكذب، ولو أنَّ إنسانًا وَصَف أحدًا من الناس بالكذب لَقُلنا: إنَّه ظالِمٌ له ومُعْتدٍ عليه.
﴿وَزُورًا﴾ الزُّور في الأصل: كلُّ ما انحرف عن الصراط المستقيم، كلُّ انحرافٍ فهو زُور؛ ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف ١٧]؛ تميل، فكلُّ مَيْلٍ فهو زُور، وفي الحديث: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ» » والمراد به كلُّ قولٍ منحرفٍ، «والْعَمَلَ بِهِ»[[الحديث بتمامه: «مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه» أخرجه البخاري (١٩٠٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]].
الزُّور إذَن الكذب، فهُم من أكذَبِ الناس، بل أكذَبُ الناس فيما قالوا؛ هل قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ فيه شيءٌ من الصدق؟ لا، بل هو كَذِبٌ وظلمٌ وعدوانٌ على الرسول ﷺ.
ثم نقول لهم: إذا كان محمدٌ ﷺ هو الذي افتراه وأعانه عليه قومٌ آخرون فأْتوا بسورةٍ من مِثله؛ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور ٣٤]، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨].
ثم إنَّ محمدًا ﷺ عاش فيهم قبل الوحي كم؟ أربعين سنة، ما قال يومًا من الأيام: إنَّه يُوحى إليه، والذي يريد أن يكذبَ يكذبُ في عُنفوان شبابه ليكسب الأتباع من أول الأمر، فلمَّا لم يكن هذا إلا بعد مُضِيِّ أربعين سنةً، دلَّ ذلك على أنَّ دعواهم يُكَذِّبها الواقع أيضًا؛ فإنَّ هذا الوحي جاء والرسولُ عليه الصلاة والسلام في سِنِّ الأربعين، ولا يمكن أن يكون الكذب يتجدَّد له في هذا السن.
ثم إنَّنا نقول: مِمَّا يبيِّن أنَّه الغرور أنَّ هؤلاء الذين يقولون: إنه افتراه، هم بأنفسهم يشهدون للرسول ﷺ بالصدق، وكانوا يُسَمُّونه الأمين[[أخرج الحاكم (١٧٠١) من حديث عبد الله بن السائب رضي الله عنه: «وكانوا يُسَمُّونه في الجاهلية الأمينَ».]]، ولا يشكُّون في صِدْقه، ولا يشكُّون في عدالته ﷺ. فأين كانوا من قبل؟
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان ٥].
(﴿وَقَالُوا﴾ أيضًا هو ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أكاذيبهم؛ جمع (أُسطورة) بالضمِّ ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ انتسخها من ذلك القوم) أيش؟
* طالب: (لغيره).
* الشيخ: (بغيره).
* الطالب: باللام.
* الشيخ: (لغيره)؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: عندي بالباء، (بغيره ﴿فَهِيَ تُمْلَى﴾ تُقرأ ﴿عَلَيْهِ﴾ ليحفظها ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ غُدوةً وعشيًّا).
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، ﴿أَسَاطِيرُ﴾ جمع أُسطورة، وهي الأحاديث الرائجة التي لا أصل لها، وعند العامَّة يسمُّونها (...)، هذه الأسطورة. قالوا: إنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام أتى بأساطير الأوَّلين؛ يعني: أقاصيصهم وأحاديثهم التي لا أصل لها.
هذا القول الذي قالوه هل هو عن عقيدة ولَّا حسب الواقع؟ يعني: هل هو عن عقيدةٍ كاذبةٍ؟ يعني: قالوه بألسنتهم، ولَّا قالوه بحسب الواقع؟ يعني هل هم ادَّعَوْا ذلك دعوى، أو هذا الذي يعتقدونه وهذا الذي تبيَّن لهم؟
يمكن هذا ويمكن هذا، والله سبحانه وتعالى يقول في سورة المطففين: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ٧ - ١٤]، هذا يدلُّ على أنَّ قولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ليس دعوى بل اعتقاد، وأنَّ هذا هو الذي يعتقدونه، فإنْ كانت دعوى وهم يعتقدون أنها وحيٌ وصِدْقٌ فهذه دعوى باطلةٌ مثل غيرها من الدعاوى، وإنْ كان هذا ما يعتقدونه وهو ما ظهر لهم من القرآن فليس بغريبٍ أيضًا؛ لأنَّ الإنسان -والعياذ بالله- إذا حُجِبَ قلبُه رأى الحقَّ باطلًا والباطلَ حقًّا، فيمكن أن هؤلاء لظلمهم وكفرهم وعدوانهم لم يتبيَّن لهم حقيقة القرآن وظنُّوها أساطير. وهذا في الحقيقة معنًى جيِّد -الأخير- أنهم يقولونه لا مجرَّد دعوى لتكذيب الرسول ﷺ، ولكن بحسب الواقع فيما يعتقدون؛ وذلك لأنهم ليس عندهم اتجاهٌ سليمٌ صحيحٌ لقبول الحقِّ، فأُرُوا الحقَّ باطلًا.
الآن لو قرأْنا القرآنَ على إنسانٍ مُعْرِضٍ هل يتذوَّق حلاوتَه؟ هل يُحِسُّ بأنَّه كلام الله؟ هل يُحِسُّ بأنَّه أصدَقُ الأخبار وبأنَّه أعدَلُ الأحكام؟ لا، أبدًا، تجده مُعْرِضًا عنه، وليس بشيءٍ عنده حقيقةً باعتبار الواقع. ليش؟ لأنه -والعياذ بالله- كما قال الله عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠].
فهو -قولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ - قد يكون ذلك عن عقيدةٍ وأنَّ هذا بحسب الواقع لأنَّ حالهم تقتضي ذلك، وكلَّما أعرضَ الإنسانُ عن القرآن يكون أشدَّ خفاءً عليه وأبعدَ عن معرفته، وكلَّما أقبلَ عليه ازدادَ به يقينًا ومعرفةً. أفهمتم الآن؟
ولِهذا أنا أدعوكم ونفسي إلى أنْ يتأمل الإنسان دائمًا في القرآن ويتدبَّر لئلَّا يكون أُمِّيًّا. الله تعالى سَمَّى اللي ما يعرفون المعنى سَمَّاهم أُمِّيِّين، اللي ما يعرف المعنى وإنْ كان يعرف اللفظَ سَمَّاه الله أُمِّيًّا؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]، أيش معنى ﴿أَمَانِيَّ﴾؟
* الطلبة: قراءة.
* الشيخ: قراءة، فسَمَّى هؤلاء الذين لا يعلمون الكتاب إلا قراءةً سَمَّاهم أُمِّيِّين؛ لأنَّ مَن يقرأ ولا يفهم فهو كمَنْ لا يقرأ، لا فرق بينهما، إلَّا أنَّ هذا عنده فهمٌ للَّفظ وذاك ليس عنده (...)، واللفظ ماذا يستفيد به المرء وهو لا يعرف معناه؟! لأنَّ اللفظ هو بمنزلة الثوب للجسم؛ إذا كان عند الإنسان ثيابٌ هل تكون رجالًا؟ واحد عنده عشرون ثوبًا، قال: واللهِ أنا أبغي آخذه على هؤلاء الجماعة (...) عليهم. أيش عندك؟ قال: عندي عشرين ثوب. تنفعه هذه الثياب؟ ليست عشرون الثوب تكون عشرين رجلًا.
فالمهم أنَّنا نقول: إنَّ الواقع أنَّ الرجل إذا لم يُقبل على القرآن وهو يتأمَّله ويحرص على معرفة معناه فإنَّه لا يستفيد من القرآن شيئًا، وكما تعرفون حال الصحابة رضي الله عنهم؛ لا يتجاوزون عَشْر آياتٍ حتى يتعلَّموها وما فيها من العلم والعمل[[أخرج الطبري في تفسيره (١ / ٨٠) عن أبي عبد الرحمن قال: حدثنا الذين كانوا يُقرِئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبيِّ ﷺ، فكانوا إذا تعلَّموا عشر آياتٍ لم يخلِّفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلَّمنا القرآن والعمل جميعًا.]]، فتعلَّموا القرآنَ والعلمَ والعملَ جميعًا.
والذي يضرُّنا نحن أنَّنا نحرص على تلاوة القرآن لفظًا، وهذا طيب، لكن معنًى أيضًا. ومن الممكن أنَّ الإنسان يقرأ ما تيسَّر لفظًا، ثم إذا كان ما قد مَنَّ الله عليه بحفظه يتأمَّله وهو يمشي، يتأمَّله وهو على فراشه، وبتأمُّل القرآن يفتح الله على الإنسان معاني ما كان يعرفها ولا تخطر له على البال؛ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧]، وجرِّبْ تَجِدْ؛ لأنَّ القرآن تبيانٌ لكلِّ شيء، وهذا كلام الله عنه، والذي يحول بيننا وبين هذا التبيان لكلِّ شيءٍ هو عدمُ إقبالنا على هذا القرآن والتأمُّل فيه والتفكُّر فيه، وإلا لو أنَّنا تأمَّلْناه لَوجدناه تبيانًا لكلِّ شيء.
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ يعني: استنسخها من غيره. وأيضًا الرسولُ ﷺ يعرفون هم أنَّه كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب، لكنَّه أَمَر غيره أن يكتبها له، ولهذا المؤلف يقول: (انتسخها من ذلك القوم بغيره) انتسخها بغيره، لأنهم ما قالوا: كتبها، قالوا: ﴿اكْتَتَبَهَا﴾؛ يعني أَمَر غيرَه أن يكتبها له؛ لأنهم هم يعرفون الرسول ﷺ أنه كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب.
﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان ٥] ﴿تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ يعني: تُقرأ عليه، ليس تُملى عليه ليكتبها؛ لأنه لا يكتب، ولكنْ تُقرأ عليه ﴿بُكْرَةً﴾ في أول النهار ﴿وَأَصِيلًا﴾ في آخر النهار، ثم يأتي بها للناس ويقول: هذا كلام الله وهذا وَحْيٌ يُلقى إليه، وهو في ذلك -على زعمهم- ليس بصادق.
قال الله تعالى ردًّا لقولهم ..
* طالب: قوله تعالى: (...)؟
* الشيخ: يمكن أن يكون (...)، يجوز هذا وهذا، ويمكن بعضهم مِثْل كُبَرائهم لا شكَّ أنهم يعرفون الحقَّ، لكن عوامهم قد لا يعرفون، قد يخفى عليهم هذا الأمر ويقولون: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* طالب: يا شيخ، قوله تعالى: (...)، يؤخذ من هذا أنَّ (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو بيؤخذ، يؤخذ من هذا العموم ومن كلِّ وقت، دائمًا إذا أُرِيدَ العمومُ يُذكَر البُكرة والعشي؛ ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢] مع أنَّ رزقهم لا ينقطع في الجنة؛ ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة ٣٣]، لكنَّه يُذكَر هذان الوقتان للدوام.
أمَّا بالنسبة للواقع والتجربة فإنَّنا جرَّبْنا أنَّ الحفظ في أول النهار أسرع، والحفظ في آخر النهار -حسب ما جرَّبتُ أنا- إذا حفظت في آخر النهار ما هو سريع الحفظ، لكنَّك إذا قُمت من النوم وجدت أنك حافظ، فكلُّ واحدٍ منهما له مزيَّة بالنسبة للحفظ.
ردَّ الله عليهم بقوله: (﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ الغيب ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ للمؤمنين ﴿رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٦] بهم).
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ أمْرٌ للنبيِّ عليه الصلاة والسلام بأنْ يقول لهم في ردِّ قولهم: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، ونحن ذكرنا فيما سبق أنَّ القرآن كلَّه قد أُمِرَ النبيُّ ﷺ بتبليغه، ولكنَّه إذا جاء حُكمٌ من الأحكام أو خبرٌ من الأخبار وأُمِرَ النبيُّ ﷺ أن يقوله، ويش يدلُّ عليه؟ على الاهتمام به والعناية به، كأنَّه وصيَّةٌ خاصَّةٌ بهذا الأمر.
وفي هذا المقام الذي معنا فيه أيضًا زيادةٌ على ذلك أنَّه دعمٌ للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّه إذا كان الله هو الذي يُلَقِّنه الحُجَّة، كان ذلك أبلغ في دَعْمه وتقويته، أليس كذلك؟ يعني كأنَّ الله يُلَقِّنه الحُجَّة ليُحاجَّ عنه لكن على لسانه.
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ أي: القرآن ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قد يبدو للإنسان أن هذا الجواب ليس بمقنع؛ لأن هذا الجواب هو نفس الشيء الذي كان الرسول يقوله؛ فإنَّ الرسول يقول: إنَّ هذا الوحي أنزله الله، من الأصل، فهل يمكن.. أنتم فاهمون الكلام الآن؟
يعني قد يبدو للإنسان مِن أوَّل وَهْلةٍ أنَّ هذا الجواب غير مقنع، كيف ذلك؟ لأنَّ الرسول ما زال يقول: إن الذي أنزله الله، فكيف يكون هذا الجواب مُفْحِمًا لهم ومُبْطِلًا لقولهم؟
* طالب: لأنَّ الله سبحانه وتعالى (...).
* الشيخ: وهي؟
* الطالب: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان ٦] (...).
* الشيخ: زين، هذا وجه. ووجه آخر: في نفس ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾؛ ولهذا الله قال: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ [الفرقان ٦]، وفي أخبار هذا القرآن ما هو من الأسرار التي لا يطَّلع عليها محمدٌ ﷺ ولا غيره؛ ولهذا عدلَ الله سبحانه وتعالى عن قوله: قلْ أنزله الله، إلى قوله: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، يعني هو في القرآن من الأسرار ما هو معلوم، يُخبر بالخبر فيقع، هل الرسول عليه الصلاة والسلام يمكنه أن يعلم ذلك؟ لا يعلم ذلك، وإنما الذي يعلمه الله، وهو الذي أنزله، فنأخذ من قوله: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ نأخذ منه البرهان القاطع على أنَّ هذا القرآن ليس من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، وليس أساطير الأولين؛ لأنَّ فيه إخبارًا عن أمورٍ مستقبَلةٍ تقع كما أخبر، ولا أظنُّ أنَّ بشرًا يتمكَّن من ذلك، هذا وجهٌ بيِّنٌ جدًّا.
وجهٌ آخَر يمكن أن يؤخذ؛ وهو أنَّه إذا كان هذا القرآن من عند محمدٍ ﷺ وينسبه إلى الله، فإنَّ الله لا يمكن أن يُقِرَّه على هذا الأمر؛ لأنَّ الله تعالى يعلم السِّرَّ، وهذا الذي فعله محمدٌ ﷺ على فرض أنَّه ليس بصحيحٍ سرٌّ ولَّا جَهْر؟ جَهْرٌ. فإذا كان الله يعلم السِّرَّ فإنَّه يعلم الجهرَ من باب أَوْلى، وإذا كان يعلم الجهرَ ومحمدٌ ﷺ يقول: إنَّ هذا كلام الله، فإنَّ الله تعالى لا يمكن أن يُهمله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾، ﴿بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ ما هي بكلِّها ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٦].
إذَنْ فهذه حُجَّة من وجهين:
منين الوجه الأول؟ أنَّ في القرآن أسرارًا وأخبارًا بالغيب لا يمكن أنْ يأتي بها بَشَر.
الأمر الثاني: أنَّه لو كان القرآن من عند محمدٍ ﷺ وهو (...) إلى الله ويجاهد به أيضًا، ويجاهد به وعليه، لَكان الله سبحانه وتعالى يُعاجله بأيِّ شيء؟ بالعقوبة؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾، وهذا هو السرُّ في العدول عن قوله: قلْ أنزله الله، إلى قوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يُشير المؤلف .. المؤلف تصرَّف في إطلاق الآية؛ الآية: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وهو يقول هنا: (﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ للمؤمنين ﴿رَحِيمًا﴾ بهم)، فما رأيُكم بهذا التصرُّف من المؤلف؟ هذا في الحقيقة تخصيصٌ لا وجه له؛ فالله تعالى موصوفٌ بهذا الوصف ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ لكلِّ مَن يستحقُّ المغفرة؛ للمؤمن معه أصل الإيمان لكن يعمل المعاصي..
تجوز مخالفة الرسم العثماني، قالوا: لأن للرسم قواعد خاضعة لكل أمة ولكل عصر، ولو أن القرآن حين نزَلَ كتابته على غير هذا الوجه لكُتِبَ على غير هذا الوجه.
إذن (...) القول الأول يقولون: لا تجوز مخالفة الرسم العثماني، ويجب على الإنسان إذا كتب القرآن لنفسه أو لغيره، تعليمًا أو تلاوة، أو أي حال من الأحوال، يجب أن يكون على الرسم العثماني، بناءً على أن هذا من باب التوقيف، فكما أننا لا نغيِّر اللفظ فكذلك لا نغيِّر الكتابة.
ثانيًا: يجوز أن يُكتب القرآن بحسب القواعد التي يُكتَب بها في أي عصر كان، ولا يجب التقيُّد بالرسم العثماني.
قالوا: لأن الكتابة لها قواعد تختلف باختلاف العصور والأمم، والقرآن لم ينزل مكتوبًا وإنما نزَلَ مقروءًا باللفظ لا بالكتابة حتى نقول: إن الكتابة توقيفية. ولأنه لو كانت القواعد -قواعد الرسم- حين نزول القرآن على غير هذا الوجه لكتب بها ولَّا لا؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: لو فُرِضَ أن الرسم حين نزول القرآن أو حين جمعه في عصر عثمان رضي الله عنه على غير هذه القواعد، لكُتِبَ بها ولَّا يُكْتب بشيء آخر؟ لكُتِب بها. فدلَّ ذلك على أن الكتابة تابعةٌ للعصر الذي تُكْتَب فيه.
والقول الثالث: التفصيل؛ إن كُتِبَ لعالمٍ فبالرسم العثماني، وإن كُتِبَ لجاهل فبالرسم العصري الذي هو فيه. قالوا: لأنه إذا كان جاهلًا ثم كُتِبَ له على الرسم العثماني أخطأ في اللفظ؛ مثلًا: نبغي نكتب (الصلاة)، على الرسم العثماني فيها واو.
* طالب: الصلوات.
* الشيخ: بيقرأها الجاهل الصلوات مثلًا، أو الصلوت، وكذلك الزكاة، وكذلك الربا، وما أشبهها. فهؤلاء يفصِّلون بين أن يُكْتَبَ لعالمٍ وأن يُكْتَبَ لجاهلٍ.
والصحيح القول الثاني: إنه يجوز أن يُكْتَبَ القرآن بحسب القواعد العصرية التي كُتِبَ بها؛ لأن كتابته ليست بتوقيفية؛ لأنه لم ينزِلْ مكتوبًا، فنقول: يجب التوقف على ما نزل عليه، وإنما هو كُتِبَ في عصرٍ كانت قواعد الرسم على هذا الوجه، فبقي على هذا الوجه.
* طالب: ربما يا شيخ (...)؟
* الشيخ: لا، ما يقع، أصله هو يُتْلَى، فالتلاوة تضبطه عن التحريف.
طيب، بناء على هذا الخلاف: كتابة القرآن بطريقة (برايل) تجوز ولَّا لا؟
* طالب: تجوز.
* الشيخ: لا، ما تجوز من باب أولى؛ لأن النقط هذه أبعد ما تكون عن الحروف، وعلى هذا فلا يجوز إطلاقًا أن يُكْتَبَ، وعمل الناس الآن على خلاف هذا؛ فهم الآن يوجد مصاحف كاملة مكتوبة بهذه الطريقة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، لفظًا، ما هي ترجمة.
* طالب: يُكْتَب ببرايل بالرسم العثماني؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: ما المعنى يعني؟
* الشيخ: الآن مثلًا: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ [المائدة ١١٦]، ﴿قَالَ﴾ ما تكتب ببرايل إلا على حسب قواعد برايل، حسب رسمها، (...).
* الطالب: إي نعم، لا يكتب (...) يا شيخ، أغلبها اختصارات.
* الشيخ: لا، حتى لو فُرِضَ أنها تبقى على ما هي عليه، إن كان بعد اختصارات فهي يجب البحث فيها، حتى لو قلنا بالجواز.
* الطالب: لا، أغلبها اختصارات، تعلمنا في (...) أكثرها اختصارات، يختصرون الكلمات إلى نقط (...) الحرف.
* الشيخ: نقطة واحدة؟
* الطالب: يعني ربما كلمة كاملة مثلًا (كيف)، بالذات الكلمات المشهورة.
* الشيخ: إي، يرمزون لها رمزًا؟
* الطالب: إي رمز، ربما رمَزَ بحرف واحد.
* الشيخ: معناه أنهم يسقطون بعض الحروف كتابة؟
* الطالب: إي.
* الشيخ: هذه تكون أبعد عن الجواز، يعني هذه أبعد حتى لو قلنا بالجواز فيُنْظر في هذا.
* طالب: يا شيخ، بالنسبة لكتابة القرآن لنا، يعني (...)؟
* الشيخ: لا، القراءات على الرسم العثماني صحيح تأتي، لكن قبل أن يوجد التشكيل والإعراب. الإعجام الآن يمنع، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] مثلًا بعد أن أُعجمت ونُقِطَت ما يمكن أنك تقرأها: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ .
* الطالب: لا، مثل قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]؟
* الشيخ: إي.
* الطالب: تقرأ ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فيها، يعني بالرسم العثماني ألف مُزالةٌ، فتُقْرَأ على الوجهين.
* الشيخ: الآن؟
* الطالب: لكن لو كُتِبَت على الكتابة المعروفة لاحتملت وجهًا واحدًا، وهو (...).
* الشيخ: الآن ﴿مَالِكِ﴾، لو أنا بنقرأها على الرسم العثماني بدون تشكيل، على طول نقرؤها: ﴿مَلِكِ﴾ ، ولا يمكن نقرؤها: ﴿مَالِكِ﴾، ولَّا لا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: وبالتشكيل تقرؤها: ﴿مَالِكِ﴾؛ لأنه يرمز للألف بالشرطة.
* الطالب: للاسم.
* الشيخ: بالشرطة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: فإذن على كل حال سيتبين هذا وهذا، يعني بعد التشكيل في الحقيقة ما تتبين القراءة، يعني ما تكون الكلمة الواحدة جامعة للقراءة.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، أبدًا، ما هو محظور هذا.
* طالب: بالنسبة لكتابة (برايل)، أليس القرآن الكريم نزل مقصودًا للنطق به، يعني تعلم الناس؟
* الشيخ: بلى.
* الطالب: ويش المانع أن تكون الكتابة على هذه (...)؟
* الشيخ: نحن نقول بناء على الخلاف، أما إذا قلنا بالجواز فهي جائزة طريقة (برايل)، إي، لكن بس عاد اللي يوجب علينا الإشكال كلام الأخ أن فيها اختصارًا.
* الطالب: إذا كان يفهم المعنى؟
* الشيخ: إي.
* الطالب: إذا كان -مثلًا- يفهم أن هذه النقطة أنها مثلًا (كيف) أو (لماذا).
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: يعني يكون القرآن كاملًا، يعني لفظًا؟
* الشيخ: ما فيه إشكال.
* الطالب: ما فيه إشكال؟
* الشيخ: إي نعم، هو على القول بالجواز الأمر واسع، على القول بجواز كتابة القرآن بغير الرسم العثماني الأمر فيه واسع، وما زال الناس الآن بالنسبة للتعليم -تعليم الصبيان- يكتبونه بالرسم العصري، وأنا ما عندي إشكال في جواز الرسم العصري بدون حاجة، حتى وإن لم يحتج الإنسان إليه؛ لأنه كما أشرنا إليه أولًا. أولًا ذكرنا ثلاثة أوجه للجواز: أن القرآن نزل؟
* طالب: ليُقْرَأ.
* الشيخ: مَلْفوظًا به لا مكتوبًا، وحينئذٍ يمنع التوقيف.
ثانيًا: أنه إنما كُتِب على هذا الوجه لأن القاعدة الرسمية في ذلك الوقت كانت على هذا الوضع، لا لأنه -مثلًا- الرسول قال: اكتبوه على هذه الصفة، أو أن جبريل نزل به على هذه الصفة.. إلى آخره.
* طالب: فيه حديث عن النبي ﷺ أمره بأن يكتب على هذه الصفة.
* الشيخ: على هذه الصفة؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وين هو؟
* الطالب: في حديث (...) ﷺ: مدَّ الألف، يعني لا أحفظ لفظ الحديث: وحرك اللام...
* الشيخ: ما أعرفه.
* الطالب: لا (...)، فيه حديث -يا شيخ- شرحه الزرقاني.
* الشيخ: إي.
* الطالب: يعني ذكر فيه كيفية أمر النبي ﷺ لهم بكتابة القرآن، بأن قال لهم يعني: مُدَّ الْأَلِفَ، أو حَرِّكِ اللَّامَ.
* الشيخ: طيب، إذا قال: مُدَّ الْأَلِفَ، هذا عليهم؛ لأن ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، إذا مدينا الألف نجيب الألف، مع أني ما أعتقد أن هذا يصلح من الرسول عليه الصلاة والسلام، أبدًا، أنه يقول: اكتبوا (الصلاة) بالواو، واكتبوا (الزكاة) بالواو، واكتبوا (الربا) بالواو.
* الطالب: لا، هو ذكر فيها قواعد الرسم الخمسة (...)، يعني الحذف والوصل والـ...
* الشيخ: على كل حال، اللي بيغير اللفظ لا بد، هذا لو ما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام لفظًا أمرًا خاصًّا، هذا معلوم، اللي بيغير اللفظ.
* الطالب: (...) حسب الأحرف السبعة، حتى تعتبرها الأحرف السبعة.
* الشيخ: أبدًا، ما نعتبرها الأحرف السبعة، الأحرف السبعة باللفظ ما بالكتابة.
الوجه الثالث: أننا نجزم بأنه لو كانت القواعد الرسمية في ذلك الوقت على غير هذا الشكل لكُتِبَ بها بلا شكٍّ، ما يمكن يُكْتَب بغير القواعد الرسمية في ذلك الوقت.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، لكنه في عهد عثمان رضي الله عنه كتبوا حسب القواعد الرسمية -فيما يبدو لي- في المدينة في ذلك الوقت ولو هو من الجائز، ما دام أن عثمان أمر بإحراق جميع المصاحف المخالفة لهذا في اللفظ، حتى لفظًا أمر بإحراقها ليجتمع الناس.
على هذا نقول: هذا القول هو الراجح؛ أنه يجوز أن يكتب القرآن بحسب القواعد العصرية، وأنه لا يجوز أن يكتب بالرسم العثماني للجاهل، هذا الذي نراه أيضًا، إنسان جاهل ما إحنا معلمينه لفظًا، يعني لا نعلمه التلاوة لفظًا، لا يجوز أن نكتب له بالرسم العثماني، والسبب أنه لو قرأه على حسب الرسم العثماني وهو لم يعلم إياه بالتلاوة سوف يحرف القرآن.
* طالب: يا شيخ، بالنسبة لأصحاب القول الثاني الذين يرون أنه، الذين فسروا بالنسبة (...)؟
* الشيخ: بالنسبة؟
* الطالب: للجاهل، يعني يجب كتابة القرآن بالطريقة التي يقرأها (...).
* الشيخ: إي.
* الطالب: طيب، منها نستنبط أنه أيضًا (...)؟
* الشيخ: ما فيها شك، هذا إذا قلنا بالجواز سواء تفصيلًا أو إطلاقًا، فالطريقة (برايل) هذه جائزة للحاجة.
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان ٧] قلنا: إن (ما) استفهامية، و(لِ هذا) جار ومجرور خبرُ المبتدأ، و﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ الجملة ويش محلها من الإعراب؟ نجيب آية تشبهها ليتضح لكم: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر ٤٩]، ويش تُعْرِبون ﴿مُعْرِضِينَ﴾؟
* طالب: (...) حال.
* الشيخ: حال. إذن ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ حال؛ الجملة حالية، يعني: ما باله آكلًا للطعام، كأنهم يقولون: لو كان رسولًا لم يأكل الطعام. هذه واحدة.
ثانيًا: ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، يمشي في الأسواق مع الناس، ما يترفَّع، ولا يختبئ في بيته، ولا يمشي ومعه جنوده يمينًا وشمالًا، وأمامًا وخلفًا، ليش يمشي في الأسواق؟
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾، يعني كأنهم يقولون: ولماذا لم يكن معه مَلَكٌ؟ لأن ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى: هلَّا، وهي للتحضيض.
وقوله: ﴿مَلَكٌ﴾ أحد الملائكة، وهو مشتقٌّ من الألوكة، وهي لُغةً الرسالةُ، وقد قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر ١].
﴿فَيَكُونَ مَعَهُ﴾ مع من؟ مع الرسول ﷺ، ﴿نَذِيرًا﴾ يعني مُنذِرًا؛ ليعلم بذلك أنه صادق.
الوجه الرابع: (﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [الفرقان ٨] من السماء ينفقه ولا يحتاج إلى المشي في الأسواق لطلَبِ المَعاش).
﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ يعني: من السماء ينزل، ﴿كَنْزٌ﴾ من السماء، وإنما قلنا: (من السماء)؛ لأن قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ تدل على الانتهاء والغاية، وإلا من الجائز: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ يعني: يجد كنزًا في الأرض، ولكن (إلى) تفيد الانتهاء والغاية، فيكون معنى هذا يعني: ﴿يُلْقَى إِلَيْهِ﴾ من السماء ينزل، ﴿إِلَيْهِ﴾ من السماء، ﴿كَنْزٌ﴾ لأجل أي شيء؟ ليكون ذا مال كثير، فلا يحتاج إلى المشي في الأسواق، ولا يصيبه الفقر كما هي حال النبي ﷺ.
هذه كم؟ ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾، ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾، ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾.
(﴿تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بستانٌ، ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أي: من ثمارها، فيكتفي بها، وفي قراءة ﴿نَأْكُلُ﴾ بالنون؛ أي: نحن، فيكون له مَزِيَّة علينا بها).
(وفي قراءة) سبعيَّة ولَّا شاذة؟
* طالب: سبعيَّة.
* الشيخ: سبعيَّة؛ لأن قاعدة المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: (وفي قراءة) فهي سبعية، وإذا قال: (وقُرِئَ) فهي شاذة.
إذن فيها قراءتان: ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ و﴿نَأْكُلُ مِنْهَا﴾ ، ﴿يَأْكُلُ﴾ و﴿نَأْكُلُ﴾ .
طيب، هذه خمسة أشياء اعترضوا بها.
(﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ أي: الكافرون للمؤمنين، ﴿إِنْ﴾ ما، ﴿تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ مخدوعًا مغلوبًا على عقله).
﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ أولًا: في هذا إظهار في مقام الإضمار، ولَّا لا؟ لأنه بالأول كلها المسألة ضمائر: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾، وهنا: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾. والإظهار في مقام الإضمار له فوائد، وأظن أننا قد ذكرناها من قبل.
* طالب: أولًا (...).
* الشيخ: تسجيل هذا الوصف عليهم، يعني بيان حالهم أنهم بهذا الوصف، يعني أنهم ظالمون. هذه واحدة.
طيب، الثانية؟
* طالب: الاعتناء (...).
* الشيخ: اهتمام، كيف ذلك؟ ما فيه شيء.
الفائدة الثانية: أن هذا القول يُعتَبَرُ من الظلم، فيكون الأمر شاملًا، يعني أن كل من قال فهو ظالم.
الفائدة الثالثة: التنبيه، تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد فإن الإنسان ينسجم وربما يسرح، فإذا جاءه شيء على خلاف النمط الأول حصل بذلك الانتباه. وهذه الفائدة لفظية، والفائدتان الأوليان معنويتان.
* طالب: العلة (...)؟
* الشيخ: هو هذا يؤخذ من الأمر الثاني؛ الفائدة الثانية.
الفائدة الأولى قلنا: إنه يسجل على هؤلاء وصفهم بهذا الظاهر؛ إن كان كفرًا فهو كفر، أو ظلمًا فهو ظلم، أو فسقًا فهو فسق، أو إيمانًا فهو إيمان.. إلى آخره.
والفائدة الثانية: أن هذا الحكم أو هذا القول أو هذا الفعل ظُلمٌ، من أي إنسان وقع، وهذا هو الذي أشار إليه (...)؛ لأنه للتعليل.
والفائدة الثالثة: التنبيه، تنبيه المخاطب؛ لأن اختلاف الكلام أو اختلاف نسق الكلام يوجب الانتباه.
و﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾، يقول المؤلف: (﴿إِنْ﴾ مَا)، (ما) هذه تفسير لـ﴿إِنْ﴾، يعني أنَّ ﴿إِنْ﴾ نافية، إذا كانت نافية فالمسألة فيها حصر، يعني: ما ﴿تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا﴾، وهذا أبلغ من قولهم: إنكم تتبعون رجلًا مسحورًا، يعني كأنهم قالوا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس له حال من الأحوال إلا أنه مسحور، يعني: (مخدوعًا مغلوبًا على عقله) يعني: مختل العقلِ بالسِّحر.
ومن العجائب أنهم أحيانًا يقولون: إنه ﴿سَاحِرٌ﴾ [الذاريات ٥٢]، وأحيانًا يقولون: إنه ﴿مَسْحُورًا﴾ [الإسراء ٤٧]، وبينهما فرق. ولكن مع هذا المبطل كل ما يمكنه من الدعاوى الباطلة يأتي بها ولو كان (...).
نشوف الآن: هذه الأشياء الست التي قدحوا في النبي ﷺ بها.
أولًا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾، بماذا نجيبهم؟ ويش نرد عليهم به؟
* طالب: أنه بشرٌ.
* الشيخ: أنه بشرٌ، فهو محتاج إلى الطعام، وهذا ليس بقادح، ما دامت القرائن أو البينات شهدت بصدقه، فإن كونَه يأكل الطعام لا يمنع من صدقه؛ لأنه بشر.
﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾..
* طالب: أيضًا.
* الشيخ: لا، هذه ما هي من الطبيعة البشرية، البقر يمشي بالأسواق، والإبل تمشي في الأسواق.
* طالب: التواضع.
* طالب آخر: (...) طلب الرزق يعني.
* الشيخ: إي، التواضع نعم، نرد عليهم بأن هذا مما يؤيد كونه رسولًا، لا مما يناقض كونه رسولًا؛ لأن هذا يدل على تواضعه، وعلى محبته لأنْ يكون بين أُمَّته يفيدهم ويستفيدون منه.
إذن فهذه لكونها دليلًا على الرسالة أوضح من كونها مانعًا من الرسالة، ولَّا لا؟
طيب، و﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾، هم كأنهم يقولون: ولماذا لم ينزل عليه مَلَكٌ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، يُقال: أولًا: إنه أنزل إليه مَلَكٌ، لكنه ليس كما طلبوا يمشي معه ويُنذِرُ، فإن جبريل قد أُنْزِلَ إلى النبي ﷺ ومعه الوحي، وهذا ما يقوله النبي عليه الصلاة والسلام. وأمَّا كونه معه مصاحبًا له، فهذا لا يقدح في الرسالة إذا لم يكن مصاحبًا؛ لأنه لو كان مصاحبًا وجاء على غير صفة الملائكة عاد الأمر كما كان، صارت الحجة التي يحتجون بها أو الشبهة التي يحتجون بها موجودة. ولو جُعِلَ مَلكًا في صورة الملك لكان يقضى عليه إذا لم يؤمنوا؛ لأن الآيات المعينة إذا طلبت ولم يؤمن من طلبها فإنه يهلك.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما هي معينة، ولهذا قيدناها: الآيات المعينة إذا طُلِبَت، أما لو قالوا: أَرِنا آيةً ولم يعينوها، فهذا يمكن ما يهلكون به.
طيب، ﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾، يقول: ليش ما صار هذا غنيًّا؟ فكونه قليل ذاتِ اليد يدل على أنه غير رسول، بماذا نجيبهم؟
* طالب: لأن الرسول ﷺ دعا إلى هذا؛ دعا إلى الكفاف وطلب الرزق.
* الشيخ: إي، لكن هم يقولون: أنت رسول، ليش ما نزل عليك كنزٌ تستغني به عن طلب الرزق؟
* الطالب: مما يدل على (...).
* طالب: لأن جميع الأنبياء كانوا فقراء، فكما ثبت وَكَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْ كَسْبِ أَيْدِيهِمْ[[أخرج البخاري (٢٠٧٢) عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ، قال: «ما أكل أحد طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده». ]].
* الشيخ: طيب، وغير؟
* طالب: ولأن الرسول ﷺ خُيِّر بين (...).
* الشيخ: ما يخالف، هو خُيِّر بين أن تسير معه الجبال ذهبًا، أو خُيِّر بين أن يكون مَلَكًا نبيًّا أو عبدًا نبيًّا، فاختار هذا[[أخرج النسائي في الكبرى (٤٣١٢) أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يحدث أن الله تبارك وتعالى أرسل إلى نبيه ﷺ ملكًا من الملائكة ومعه جبريل، فقال الملك: إن الله يخيرك بين أن تكون عبدًا نبيًّا وبين أن تكون مَلِكًا، فالتفت رسول الله ﷺ إلى جبريل كالمستشير، فأشار جبريل بيده أن تواضع، فقال رسول الله ﷺ: «بل أكون عبدًا نبيًّا»، قال: فما أكل بعد تلك الكلمة طعامًا متكئًا. ]]، لكن ما هي بهذه مقنعة.
* طالب: لأن الأمر الذي جاء به أمر عظيم من الدعوة (...)، ومن الإيمان بالله سبحانه وتعالى، فليس يعني (...) المال وغيره، وإنما عليه كي ينبههم إلى...
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، طيب.
* طالب: لأنه قد يكون الإنسان معه -مثلًا- مال ولا يكون رسولًا، كم مثلًا من صاحب جاهٍ فيكون معه، ليس دليلًا على (...).
* الشيخ: يعني معناه الرسالة لا تتوقف؟
* الطالب: على المال.
* الشيخ: على المال، الرسالة لا تتوقف على المال، وليس المال دليلًا على الرسالة؛ لأن هناك أناسًا كثيرين أغنياء وليسوا برُسُلٍ.
* طالب: ثم إنه لو كان معه مالٌ لاتُّبِعَ لأجل ماله.
* الشيخ: هذه إيجابية، الكلمة اللي أنت قلت إيجابية، لكن نريد الدفع؛ دفع قولهم، ثم نقول كما أشار إليه الأخ: إن عدم المال معه قد يكون أكثر لتأييد كونه رسولًا؛ لأنه لو نزل إليه مالٌ واتبعه الناس من أجله صارت المسألة ما اتبعوه علشان رسالته.
إذن نقول: هذا -أي: كونه لم ينزل عليه كنزٌ- ليس مانعًا من الرسالة. لماذا؟ لأن ثبوت الرسالة لا يتوقف على الكنز، بل تثبت بدونه، ولأنه لو كان عنده كنزٌ لقيل: اتبعه الناس من أجل كنزه وغناه. فهذا إبطال لقولهم.
﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾، نقول فيها مثلما قلنا في مسألة الكنز: إن هذا ليس بلازم في الرسالة، وأنه لو كان ﴿لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أو ﴿نَأْكُلُ﴾ على القراءة الثانية (...) لقيل: إنهم اتبعوه لأجل الأكل من هذه الجنة.
السادس: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، بماذا نرد عليهم؟
* طالب: بالآيات القرآنية.
* الشيخ: لا، بس الآيات القرآنية ما هم مؤمنين هم بالقرآن.
* طالب: (...).
* الشيخ: وغير هذا؟
* طالب: نرد عليهم (...).
* الشيخ: نعم، نرد عليهم بأن المسحور لا يمكن أن يأتي بمثل هذا الكلام، يأتي بكلام يعجز عنه العقلاء فيقال: إنه مسحور، يمكن هذا ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: يعني يمكن لإنسانٍ مسحورٍ مخبولِ العقل بالسحر يأتي بكلام يعجز عنه البلغاء، ويتحدى العقلاء أن يأتوا بمثله ولا يستطيعون أو ما يمكن؟ لا يمكن، هذا واضح جدًّا، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٩].
* طالب: كذلك ما أقول: إن (...).
* الشيخ: إي، الساحر (...)، لكن أثر على المسحور، ما يمكن أن يأتي بمثل هذا الكلام.
* الطالب: إذا كان الساحر يبطل سحره، فالمسحور أولى أن يُبطل السحر.
* الشيخ: لا، أصلًا ما هو بيجي بكلام مضبوط، يعني لا نقول: إنه بيأتي بكلام يمكن نقضه أو لا يمكن، لا يمكن يأتي بكلام إلا كلام غير متوازن، فكيف بكلام معجز؟!
قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ الاستفهام في قوله: ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ﴾ للتعجب والإنكار.
وقوله: ﴿الْأَمْثَالَ﴾ يعني: الأشباه أو الأوصاف؛ لأن المثَلَ يأتي بمعنى الشبَهِ ويأتي بمعنى الصفة. قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [محمد ١٥]، معنى ﴿مَثَلُ﴾ صفةُ الجنة. ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ [البقرة ١٧] يعني: شَبَهُهُم كشَبَهِ... فالأمثال إما بمعنى الأشباه أو بمعنى الأوصاف، يعني: كيف جعلوا هذه الأوصاف التي يقدحون برسالتك بها؟! انظر إليها متعجبًا، والتعجب يقتضي في الغالبِ الإنكارَ.
(﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ بالمسحور، والمحتاج إلى ما ينفقه، وإلى مَلَكٍ يقوم معه بالأمر، ﴿فَضَلُّوا﴾ بذلك عن الهُدى، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ طريقًا إليه).
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ﴾، الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، وكونه يُخاطب الرسول ﷺ بهذا الإنكار عليهم لا يخفى ما فيه من التأييد والتقوية للرسول ﷺ وعناية الله تعالى به ﷺ، وهذا أمر معلوم.
وقوله: ﴿فَضَلُّوا﴾، الفاء هذه عاطفة لكنها تُفيد السببية؛ أي: فبسبب ما ضربوا لك من الأمثال ضلَّوا. وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا أورد الشبهات على نفسه أو على من أتى بالحق فإنه يكون سببًا لضلاله، إذا لم يَقْبَل الإنسان الحق ويدَعْ ما يَرِدُ على خاطره من الشبهات حول ذلك الحق فإنه يكون سببًا لضلاله؛ ولهذا قال: ﴿فَضَلُّوا﴾، الفاء عاطفة وتُفيد السببية.
وقد ذكر ابن القيم في مفتاح دار السعادة أنه تكلم مع شيخه ابن تيمية في مسائل (...)، يقول: فجعلت أورد عليه بالنقد، فقال لي: لا تجعل قلبك مثل الإسفنجة يقبَلُ كلَّ شُبهةٍ فيتشرَّبها، ولكن اجعله كالزجاجة الصلبة تكشف ما وراءها ولا تتأثر. وهذا صحيح، الإنسان إذا فتح على نفسه باب الشبهات والتساؤلات فإنه يضِلُّ، وانظر إلى إرشاد النبي ﷺ الرجل حينما يتساءل الناس: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقولوا: من خلق الله، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام الإنسان إذا وصل إلى هذا الحد أن يستعيذ بالله ولينته، وأرشده إلى أن يقرأ ﴿اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١ - ٤]، وفي حديث آخر: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد ٣]
فهذه الأشياء التي تَرِدُ على القلب إذا استرسل الإنسان منها فسوف تكون سببًا لضلاله، كما تفيده هذه الآية وآيات أخرى كثيرة؛ مثل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]. فالإنسان يجب عليه أن يكون قابلًا للحق، متشوِّفًا له، قابلًا له، ولا يورد على نفسه شبهات؛ لأن الشبهات ما لها حدٌّ، والشيطان يحب من ابن آدم أن يرد على قلبه هذه الشبهات ليضل.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، (المسحور) واضح، وكونه ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، و﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾، كلها مندرجة بقوله: (والمحتاج إلى ما ينفقهًا وإلى مَلَكٍ يقوم معه).
الخلاصة الآن -يا جماعة- أن هؤلاء الكفار جعلوا مع الله آلهة، وهذا قدح في التوحيد. ثم زعموا أن القرآن أساطير الأولين، وهذا قدح في القرآن مباشرة، ويتضمن القدح في الله أيضًا والقدح في الرسول ﷺ. ثم بعد ذلك ذكر الله قدحهم في الرسول ﷺ القدح المباشر بهذه الأوجه الستة، وتبين -ولله الحمد- أن هذه الأوجه التي أوردوها قدحًا في النبي ﷺ كلها ليست بقدح، بل منها ما يؤيد أنه رسول.
استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن النبي ﷺ لم يُسْحَرْ، وكذَّبوا بذلك الأحاديثَ المشهورة بل المتواترة أن النبي ﷺ سُحِرَ، وأن الله أنزل عليه المعوذتين لنقض هذا السحر[[أخرج عبد بن حميد (٢٧١) عن زيد بن أرقم، قال: سحر النبي ﷺ رجل من اليهود، قال: فاشتكى فأتاه جبريل، فنزل عليه بالمعوذتين... الحديث. ]]. فهل لاستدلالهم بهذه الآية وجه ولَّا لا؟
* طالب: له وجه.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لأنها (...) الظالمين.
* الشيخ: إي نعم، لكن هم.. الآن نحن لا نشك أن الرسول ﷺ قد سُحِرَ، وأنه نزلت عليه المعوذتان ونُقِضَ سِحْرُه بهما، هذا أمر لا شك فيه؛ لأن الأحاديث في ذلك متواترة. هم يقولون: هذه الأحاديث كلها كذبٌ، ما هي بصحيحة؛ لأن القول بأنه مسحور هو قول الكفار.
* طالب: لا وجه له؛ لأن (...).
* الشيخ: لا، ما هو بهذا الوصف، ما هو بهذا الرد، هو صحيح ما له وجه لكن ما هو بهذا الـ...
* طالب: قولهم: رجل مسحور، تُفيد الوصفَ اللازم.
* الشيخ: إي.
* الطالب: أنه يعني هذا حاله الدائم أنه مسحور، أما السحر الذي سحره اليهودي فهو شيء طارئ مثل المرض، يعني يُزَالُ بمزيلات.
* الشيخ: إي نعم، هذا صحيح، هذا هو الرد عليهم، نقول: إن هؤلاء الظالمين الذين قالوا: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، أرادوا بذلك أن السحر وصف لازم له، وأن كل ها الكلام اللي بيقول كله كلام مسحور (...). أما السحر الذي طرأ على النبي عليه الصلاة والسلام فهو سحر طارئ، ثم مع ذلك ما أثَّر في الرسالة أبدًا، عائشة رضي الله عنها تقول: اللي حصل أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله[[أخرج البخاري (٦٠٦٣) ومسلم واللفظ له (٢١٨٩ / ٤٣) عن عائشة، قالت: سحر رسول الله ﷺ يهودي من يهود بني زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم، قالت: حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم، أو ذات ليلة، دعا رسول الله ﷺ، ثم دعا، ثم دعا، ثم قال: «يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟ جاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي، أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، قال: وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان» قالت: فأتاها رسول الله ﷺ في أناس من أصحابه، ثم قال: «يا عائشة، والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رءوس الشياطين». قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا أحرقته؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرًّا، فأمرت بها فدفنت».]]، هذا الذي حصل، وهي مدة وجيزة أيضًا ولم تؤثِّر؛ يعني ما قال شيئًا في الرسالة مما يمكن أن تتغير به الرسالة في هذه المدة.
فالحاصل أن الاستدلال بهذه الآية على إبطال أحاديث صحيحة متواترة، لا شك أنه جرأة عظيمة، لو كانت الأحاديث ضعيفة أو كانت الأحاديث -مثلًا- من الأحاديث التي في أدنى مراتب الصحة، لكنا نقول: إن هذا له وجه. وأما أحاديث صحيحة مشهورة متواترة ونبطلها بمثل هذا الأمر لا يمكن أن يبطلها، ولذلك الصواب، بل اليقين المتيقن المتعين أن ذلك وقَعَ للرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن الله تعالى أنزل عليه سورتين ثم هُدِيَ إلى محَل السحر. أين كان سحره؟ في بئر أريس، وكان في مُشْطٍ ومُشاطةٍ في جوف طلعة ذكَرٍ، يعني كافور. تعرفون الكافور؟ كافور الفحل يكون كبيرًا ويسع. هذا السحر وُضِعَ للرسول عليه الصلاة والسلام في مُشْطٍ اللي يُكَدُّ به الرأس، والمُشاطة الشعر الذي يتناثر مع الكدُّ، وجعل في هذا الكافور في البئر التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يأتي إليها. فذهب النبي عليه الصلاة والسلام وأمر أن يُخْرَجَ هذا السحر، فأُخْرِجَ السحر فنُقِضَ، فعافاه الله سبحانه وتعالى.
قال الله تعالى: ﴿فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿سَبِيلًا﴾ بمعنى طريقًا. إلى أي شيء؟ إلى الهدى، والعياذ بالله. وفي هذا تحذير كما أشرنا إليه أولًا، تحذير من أن يتابع الإنسان الشُّبَه التي تَرِدُ عليه، وأنه يجب على الإنسان أن يبتعد عن هذا كله.
الفرقان 25:8
(...) الآية الآن، ذُكر أولًا تنزيل القرآن (...).
* طالب: (...) ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٤ - ٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان ٣].
(﴿وَاتَّخَذُوا﴾ أي: الكفار ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: الله)، أمَّا الضمير الأول: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ فلمْ يُذكَر له مرجعٌ لفظيٌّ، لكنَّه مرجعه معلومٌ بحسب الحال؛ يعني ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾ مَن هم؟
* طالب: الكفار.
* الشيخ: الكفار المتَّخذون، فهو لا مَرجِع له لفظًا، لكن مَرجعه معلومٌ بحال الواقع.
وأمَّا ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ فمَرجعه ظاهرٌ مما سبق؛ لأنَّ الله تحدَّث عن نفسه بقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾.
ومناسبة هذه الآية لِمَا قبلها أنَّ الله لَمَّا أثنى على نفسه بما أثنى به ناسبَ أن يذكر تلك الأصنام التي اتُّخذتْ من دونه -يعني مِن دون الله- آلهةً، ليتبيَّن حالُهم؛ لأنَّ الأشياء تتبيَّن بما يكون لها من صفات.
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾، وقوله: ﴿آلِهَةً﴾ جمع (إله)، وهذه الآلهة إنما كانت آلهةً باتِّخاذهم، أمَّا في الحقيقة فليست آلهةً لأنها ليستْ مستحقةً للعبادة، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: لقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم ١٩ - ٢٣]، وقال يوسف: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف ٣٩، ٤٠]، فهي آلهةٌ لاسمهم واعتقادهم، أمَّا في الواقع فليست آلهةً؛ بمعنى أنها لا تستحقُّ أن تكون آلهة. واضح يا جماعة؟
فعلى هذا مثلًا إذا قال قائل: كيف أثبتَ الله هنا أنها آلهة ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾، مع أنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم يقولون لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود ٦١]، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣]، كيف نجمع بين هذا النفي وبين هذا الإثبات؟
نقول: نجمع بين هذا النفي وبين هذا الإثبات أنَّ النفي باعتبار الحقيقة والواقع؛ فإنَّه لا إله إلا الله ولا شك في ذلك، وأمَّا الإثبات فهو بحسب أيش؟ بحسب عمل هؤلاء حيث جعلوا هذه آلهةً؛ أي: معبودةً، وهي لا شك أنها تُعبَد، لكنَّها ليست مستحقَّة للعبادة، فبحسب الاستحقاق يكون النفي، وبحسب الواقع يكون الإثبات. واضح الأمر ولَّا لا؟
بحسب الاستحقاق يكون النفي؛ يعني: لا أحد يستحقُّ ولا أحد يكون حقيقةً إلهًا سوى الله عز وجل. وأمَّا باعتبار الاعتقاد وباعتبار العمل فإنَّ مِن الناس مَن اعتقد وعَمِل فجعل مع الله إلهًا آخَر، وحقيقة هذه الآلهة أنها ليست بشيء، صحيح أنها تُعبَد وتُدعى ويُركَع لها ويُسجَد ويُنذَر لها، لكنَّها في الواقع ليست مستحقَّة لهذا الأمر، فليست آلهة.
ثم بيَّن الله هذه الآلهة المتَّخَذة: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾، وعدم خلْقهم دليلٌ على عَجْزِهم، وعَجْزُهم دليلٌ على أنهم ليسوا آلهة؛ لأنَّ الإله لا بدَّ أن يكون قادرًا؛ لأنَّ القدرة من كماله، وهذا العجز الذي اتَّصفتْ به هذه الآلهة يمنع أن تكون آلهة.
ثانيًا: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، مين اللي ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾؟ الآلهة. إذَنْ هي حادثةٌ بعد أن لم تكن، والربُّ يجب أن يكون أوَّليًّا ليس قبله شيء؛ لأنَّ الربَّ المستحقَّ للعبادة لا بدَّ أن يكون خالقًا، وإذا كان مخلوقًا فهو حادثٌ، وإذا كان حادثًا فمَن قبله ليس من خلْقه، وعلى هذا يكون في قوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ بيانٌ لعدم صلاحيتهم للآلهة من حيث أيش؟ انتفاء القدرة.
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لا يصلح أيضًا أن يكونوا آلهةً من وجهين:
أولًا: الحدوث؛ لأنهم محدَثون، والإله لا يمكن أن يكون مُحْدَثًا.
الأمر الثاني: أنَّ مَن قبلهم ومَن سبقهم ليس مِن خلْقهم، على فرض أن يكونوا يَخلقون، وهذا دليلٌ على عدم صلاحيتهم للألوهية.
﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان ٣] يقول المؤلف: (﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ أي: دَفْعه). ونحن نقول: دَفْعه وجَلْبه أيضًا. ويش المانع؟! لو أرادوا أن يضرُّوا أنفسَهم ما ضرُّوها، ولو أرادوا أن يدفعوا عنها ضررًا ما دفعوا عنها، فإبقاء الآية على العموم أَوْلى؛ ﴿لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ أيش؟ لا جَلْبًا للضرِّ ولا دَفْعًا له، حتى الضرر الذي يمكن أن يكون سهلًا لو أرادوه لأنفسهم ما استطاعوا؛ يعني لو أرادتْ هذه الأصنام أن تُتلف نفسَها تستطيع ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لو أرادتْ أن تُمرِض نفسَها -إذا كانت مما يَلْحقه المرض- هل تملك ذلك ولَّا لا؟ لا تملك. ولو أراد أحدٌ أن يعتدي عليها تملك دَفْعه ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما تستطيع، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ وهذا يدلُّ على أهميته؛ أَمْر الله تعالى لنا بأنْ نستمع لهذا المثل يدلُّ على أهميته.
المثل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، الذباب اللي هو مِن أَهْون الحيوانات وأَضْعفها لو أنَّهم اجتمعوا على أن يخلقوه ما استطاعوا.
أمرٌ آخَر: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ على ضعفه ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ ما يستطيعون أن يستنقذوه، ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج ٧٣].
فهؤلاء لا يملكون لأنفسهم ضَرًّا؛ لا دَفْعَه ولا جَلْبَه، ولا يملكون أيضًا نَفْعًا، يقول المؤلف: (أي: جَرَّه)، يعني: ما يملكون أن يجرُّوا لأنفسهم نفعًا. كذا؟ عندي: (أي: جَرَّه)؟
* طالب: إي نعم، (جَرَّه).
* الشيخ: إي نعم، فهُم لا يملكون أن يجرُّوا النفع إلى أنفسهم، ولا يملكون أيضًا أن يدفعوه عن أنفسهم، مِثل الأول، يعني ينبغي أن نجعلها على سبيل العموم، وإنْ كان مقتضى الحال أنَّ الإنسان يريد الدفع .. أو أنَّ أيَّ واحدٍ يريد دَفْع الضرر ويريد جَلْب النفع، ولكن إبقاء الآية على العموم أَوْلى؛ يعني: لا يستطيعون شيئًا لأنفسهم، وإذا كانوا لا يستطيعون ذلك لأنفسهم فمِن باب أَوْلى ألَّا يستطيعوه لعابديهم.
(﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ أي: إماتةً لأحدٍ وإحياءً لأحدٍ ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ أي: بعثًا للأموات).
﴿لَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ يعني: ما يملكون أن يموِّتوا أحدًا (...)، نعرف أنَّ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه وقال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨] أنَّه كاذب ولَّا صادق؟ كاذب.
﴿لَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ يعني: لا يملكون أن يَجْلبوا موتًا لأحدٍ ولا أن يَجْلبوا حياةً لأحد مهما اجتمعوا لذلك.
فإذا قال إنسان: أليس يمكن أن يقتلوا أحدًا؟
فالجواب: هذا سببُ الموت وليس هو الموت؛ يعني يمكن الإنسان يفعل سببَ الموت، لكن ما يمكن أن يُوقِع الموت، وبين الأمرين فرق، ولهذا أحيانًا يوجد سبب الموت ولا يموت الإنسان، وأحيانًا يموت الإنسان بدون سبب؛ يعني بدون سببٍ معلومٍ.
فإذَنْ هؤلاء لا يملكون موتًا لأحدٍ ولا حياةً، لا يملكون أن يُحْيُوا أحدًا من الأموات لأنَّ ذلك إلى الله عز وجل.
وأمَّا إحياء عيسى للأموات فليس من هذا الباب، ليس من الأمر الذي نفاه الله؛ لأنَّ الذي يُحْيِي حقيقةً للأموات هو الله، ولهذا قيَّد الله إحياءَه للموتى بقوله: ﴿بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠]، فليس هو يستقلُّ بهذا، وإنما يكون قوله سببًا للحياة التي يخلقها الله عز وجل. واضح؟
﴿وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ النُّشور هو بَعْثُ الموتى وتفريقُهم، نَشْرُهم معناه أنَّهم يُفَرَّقون؛ يخرجون من الأجداث وينتشرون في الأرض يتفرَّقون فيها، فهُم لا يملكون شيئًا من هذا كلِّه.
فإذا تبيَّن عَجْزهم الذاتي والعَرَضي تبيَّن أنها لا تصلح أن تكون آلهة، ففيهم عجز ذاتي وعَرَضي.
طيب، ما مقام أو ما حال ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ بالنسبة لقوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾؟
عَطْفها على قوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ من باب عطْف الخاصِّ على العامِّ أو التفصيل بعد الإجمال.
تجدون الآن الآية الكريمة تترقَّى من الأدنى إلى الأعلى: ﴿ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾، ﴿مَوْتًا﴾ و﴿حَيَاةً﴾ و﴿نُشُورًا﴾، معلوم؛ لأنَّ الحياة أشدُّ من الموت؛ يعني وجود سبب الحياة أو القدرة على الحياة أعظم من الموت، كذلك أيضًا النفعُ والضررُ؛ أيُّهما أعظم؟ النفع؛ لأن الضرر .. الإنسان يريد من الضرر دَفْع الشيء، ودَفْع الشيءِ أسهل من جَلْبه؛ لأنَّ الجلب إيجابيٌّ والدفْع سلبيٌّ، وغالبًا أن السلبي يكون أَهْون من الإيجابي، فانتقل الله سبحانه وتعالى في بيان عَجْز هذه الآلهة وأنها لا تَصْلح من الأدنى إلى الأعلى، هذا بالنسبة للتفصيل، أمَّا بالنسبة للإجمال فقال: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾.
* وفي هذا من الفوائد: دليلٌ على أنَّه ينبغي للإنسان أن يسوق للخَصْم ما يُقِرُّ به لزومًا حتى تقوم الحجَّة عليه.
هؤلاء الذين جعلوها آلهةً هل يمكن أن يدَّعوا بأنها تَخْلق؟ لا.
هل يمكن أن يدَّعوا بأنها غير مخلوقة؟ لا؛ لأنهم يعرفونها موجودةً وليستْ من قبل.
هل يمكن أن يدَّعوا بأنها تنفع أو تضرُّ؟ نقول: يمكن أن يدَّعوا ذلك، وفِعْلًا يدَّعون ذلك؛ يقولون: إنَّ الأولياء ينفعون، وإنهم يضرُّون، وإنَّ مَن لم يذبح لهذا الولي أو ينذر له فإنَّه يضرُّه. هذه دعوى.
يُطالَبون بأيِّ شيء إذا ادَّعوا؟ يُطالَبون بالدليل، نعم، الدليل أنْ يُقال لهم مثلًا: ادعوا هذا الوليَّ بأمرٍ معيَّن وانظروا هل يجلب لكم ذلك أو لا يجلبه، مِثْلما أنهم هم يطالبون الرُّسُلَ بأشياء معيَّنة؛ يقولون مثلًا لَمَّا قالت لهم الرُّسُل: إنَّ الله يُحْيي الموتى، قالوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، مع أنَّ الرُّسُل ما قالت لهم: إنَّ البعث في الدنيا، حتى يقولوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾، إنما قالت لهم: إنَّ البعث متى؟ بعد الموت. وهذا غير ما طالب به هؤلاء الخصْم للرُّسُل، فقولهم: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ هو في الحقيقة مصادرة؛ يعني: طلبُ دليلٍ لشيءٍ لم يقُله الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ إذ لم يقولوا: إنهم يُبعثون الآن.
فعلى كل حالٍ هذه الدعوى أنَّهم يملكون نفعًا أو ضرًّا، هذه دعوى تحتاج إلى بيِّنة.
أمَّا دعوى الموت والإحياء فهي أيضًا أوضح بُطلانًا، بل لَرُبَّما تُدَّعى؛ لأنَّ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه قال له: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فربما تُدَّعى.
وفي مناظرة إبراهيم عليه الصلاة والسلام -يعني يمكن أنْ ننتفع بها هنا- دليلٌ على أنَّه إذا ادَّعى المبطِل دعوى فإنَّنا ننقله إلى ما هو أَوْضح؛ لأنَّ المقصود ما هي بالمجادلة، المقصود إقامة الحجَّة على بُطلان هذا الأمر، وهو إذا بَطَل ولو من دليلٍ واحدٍ كفى، ما حاجة لأننا نُبْطله من الدليل الذي يُعيِّنه الخصم، قد نُبْطله من دليلٍ آخَر، إبراهيم عليه الصلاة والسلام لو أراد أن يحاجَّ هذا الرجل ويجادل هذا الرجل لَقال له: لستَ تُحيي وتميت، وإنما تفعل سببَ الإحياء والإماتة. لكنَّه عليه الصلاة والسلام ذهب إلى دليلٍ أَوْضح وأَبْين ولا تمكن المحاجَّة فيه؛ قطعًا لأيِّ شيء؟ قطعًا للنزاع والمجادلة؛ لأنَّ الإنسان اللي يجادل قابِلْه بدليلٍ لا يمكنه دَفْعه، فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨]، إلزام ولَّا ما هو بإلزام؟ إلزامٌ لا يتمكَّن معه أن يدَّعي شيئًا، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة ٢٥٨].
المهم الآن اللي عندنا: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ مُسَلَّم، ويمكن دعوى نَفْيه ولَّا ما يمكن؟ لا يمكن، حتى عند العابدين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان ٢٥]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، حتى عند العابدين ما يمكن يدعون هذه الصفة المنفية.
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لا يمكن أيضًا أن يدَّعوا أنها ليستْ مخلوقة؛ لأنها مصنوعة، هُم صنعوها بأيديهم؛ يقول إبراهيم لهم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦].
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ هذه قُلنا: إنه يمكن أن يُدَّعى أيش؟ خلافُ هذا النفي، وجوابُنا عليه من أمرين:
إمَّا إبطال هذه الدعوى بعينها ونقول: هذا أمرٌ لا يمكن، وإذا شئتم فادْعوا.
وإمَّا أن يقال: ننتقل عن هذا النفي عند المجادلة -ترى- لا ننتقل عن هذا النفي لعدم إيمانٍ بالله؛ يجب علينا أنْ نؤمن بأنهم لا يملكون ذلك، لكنْ عند المخاصمة ويش ننتقل إليه؟ إلى أمرٍ أعظم وأَبْين وأوضح.
مثلًا لو نزلتْ أمطارٌ كثيرةٌ مغرِقةٌ أو حصلتْ زلازل، ممكن نقول لهم: ادْعوا هذه الأصنام وانظروا هل (...) السماء؟ وهل تتوقَّف الأرض عن الزلازل؟ وما أشبهَ ذلك. لكنْ مهما كان لو ادَّعوا ما يدَّعون فإنَّنا ننتقل عند المجادلة إلى أمرٍ أوضح لا يتمكَّنون من نفيه. ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾.
ولَمَّا ذكر الله سبحانه وتعالى ما يعود إلى التوحيد انتقل إلى ما يعود إلى الرسالة؛ لأنَّ (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله)، فقال تعالى..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الفرق بينهما أنَّ النشور عامٌّ، وأمَّا الحياة فهي خاصَّة، الحياة لواحدٍ معيَّن؛ مِثل أن يُقال لهم: أحيوا هذا الميت. النُّشُور عامٌّ، ولهذا قُلنا: إنَّه من النَّشْر بمعنى التفريق والانتشار، فهو أعمُّ.
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾ أي: ما القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كَذِبٌ ﴿افْتَرَاهُ﴾ محمَّد ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان ٤] وهم من أهل الكتاب).
هذا الأصل الثاني من الأصول في التوحيد وهو إثبات الرسالة، إثبات الرسالة لا شك أنَّه أحدُ شطري التوحيد: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله)، ولا يمكن أن يُعبَد الله سبحانه وتعالى إلا بما جاءت به الرسل؛ لأنَّ العبادة طريقٌ للمرء إلى ربِّه.
وهل يمكن أن نتوصَّل إلى الله بطريقٍ لم يجعله طريقًا؟ ويش الجواب؟
* طلبة: لا يمكن.
* الشيخ: لا، وهذا الطريق الذي جعله الله طريقًا إليه جاء بواسطة الرسل، إذَنْ فالعبادة لا بدَّ لها من رسالة، ولا يمكن أنْ يُعبَد الله بمجرَّد العقل؛ لأن العبادة طريقٌ يوصل إلى الله، وهذا الطريق لا يمكن إلا بوضعٍ من الله، والله سبحانه وتعالى جعله بواسطة من؟ بواسطة الرسل.
المكذِّبون للرسل أيضًا قدحوا في الرسل وبما جاءوا به؛ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ هنا صرَّح بالاسم الظاهر، بالأول قال: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ [الفرقان ٣] ليعمَّ جميع المشركين من العرب وغيرهم، وهنا قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني من العرب الذين ردُّوا رسالة النبي عليه الصلاة والسلام.
(﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما القرآن)، المؤلف دقيقٌ في التفسير، فسَّر لنا الآن -رحمه الله- فسَّر لنا ﴿إِنْ﴾، وفسَّر لنا اسمَ الإشارة.
﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما) فهي نافية، ﴿هَذَا﴾ يقول: (القرآن)، فالمشار إليه إذَن القرآن.
﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما هذا القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾، شوف -والعياذ بالله- أَتَوْا بالحصر؛ يعني ما يمكن يكون إلا إفكًا، لا يمكن أن يكون فيه صِدْق، فأَتَوا بالحصر عن طريق النفي والإثبات؛ (ما هذا إلا إفكٌ) يعني: ولا يمكن أن يكون صدقًا.
(كَذِبٌ ﴿افْتَرَاهُ﴾ ) يعني اختلقه؛ أي: النبي ﷺ.
﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يقول: (من أهل الكتاب)، ومنه أيضًا الرجُل الذي قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل ١٠٣].
يقولون: إنَّ هذا ليس من الله، بل هو من محمدٍ ﷺ افتراه مع مساعدة غيره.
يقول الله عز وجل مبطلًا لكلامهم: (﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان ٤] كُفْرًا وكَذِبًا).
﴿جَاءُوا ظُلْمًا﴾ المؤلف فسَّر الظُّلم بالكفر لأنَّ الكفر ظُلم؛ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، ثم أيضًا هو ظلمٌ بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه اعتداءٌ عليه ووصْفٌ له بالكذب، ولو أنَّ إنسانًا وَصَف أحدًا من الناس بالكذب لَقُلنا: إنَّه ظالِمٌ له ومُعْتدٍ عليه.
﴿وَزُورًا﴾ الزُّور في الأصل: كلُّ ما انحرف عن الصراط المستقيم، كلُّ انحرافٍ فهو زُور؛ ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف ١٧]؛ تميل، فكلُّ مَيْلٍ فهو زُور، وفي الحديث: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ» » والمراد به كلُّ قولٍ منحرفٍ، «والْعَمَلَ بِهِ»[[الحديث بتمامه: «مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه» أخرجه البخاري (١٩٠٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]].
الزُّور إذَن الكذب، فهُم من أكذَبِ الناس، بل أكذَبُ الناس فيما قالوا؛ هل قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ فيه شيءٌ من الصدق؟ لا، بل هو كَذِبٌ وظلمٌ وعدوانٌ على الرسول ﷺ.
ثم نقول لهم: إذا كان محمدٌ ﷺ هو الذي افتراه وأعانه عليه قومٌ آخرون فأْتوا بسورةٍ من مِثله؛ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور ٣٤]، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨].
ثم إنَّ محمدًا ﷺ عاش فيهم قبل الوحي كم؟ أربعين سنة، ما قال يومًا من الأيام: إنَّه يُوحى إليه، والذي يريد أن يكذبَ يكذبُ في عُنفوان شبابه ليكسب الأتباع من أول الأمر، فلمَّا لم يكن هذا إلا بعد مُضِيِّ أربعين سنةً، دلَّ ذلك على أنَّ دعواهم يُكَذِّبها الواقع أيضًا؛ فإنَّ هذا الوحي جاء والرسولُ عليه الصلاة والسلام في سِنِّ الأربعين، ولا يمكن أن يكون الكذب يتجدَّد له في هذا السن.
ثم إنَّنا نقول: مِمَّا يبيِّن أنَّه الغرور أنَّ هؤلاء الذين يقولون: إنه افتراه، هم بأنفسهم يشهدون للرسول ﷺ بالصدق، وكانوا يُسَمُّونه الأمين[[أخرج الحاكم (١٧٠١) من حديث عبد الله بن السائب رضي الله عنه: «وكانوا يُسَمُّونه في الجاهلية الأمينَ».]]، ولا يشكُّون في صِدْقه، ولا يشكُّون في عدالته ﷺ. فأين كانوا من قبل؟
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان ٥].
(﴿وَقَالُوا﴾ أيضًا هو ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أكاذيبهم؛ جمع (أُسطورة) بالضمِّ ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ انتسخها من ذلك القوم) أيش؟
* طالب: (لغيره).
* الشيخ: (بغيره).
* الطالب: باللام.
* الشيخ: (لغيره)؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: عندي بالباء، (بغيره ﴿فَهِيَ تُمْلَى﴾ تُقرأ ﴿عَلَيْهِ﴾ ليحفظها ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ غُدوةً وعشيًّا).
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، ﴿أَسَاطِيرُ﴾ جمع أُسطورة، وهي الأحاديث الرائجة التي لا أصل لها، وعند العامَّة يسمُّونها (...)، هذه الأسطورة. قالوا: إنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام أتى بأساطير الأوَّلين؛ يعني: أقاصيصهم وأحاديثهم التي لا أصل لها.
هذا القول الذي قالوه هل هو عن عقيدة ولَّا حسب الواقع؟ يعني: هل هو عن عقيدةٍ كاذبةٍ؟ يعني: قالوه بألسنتهم، ولَّا قالوه بحسب الواقع؟ يعني هل هم ادَّعَوْا ذلك دعوى، أو هذا الذي يعتقدونه وهذا الذي تبيَّن لهم؟
يمكن هذا ويمكن هذا، والله سبحانه وتعالى يقول في سورة المطففين: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ٧ - ١٤]، هذا يدلُّ على أنَّ قولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ليس دعوى بل اعتقاد، وأنَّ هذا هو الذي يعتقدونه، فإنْ كانت دعوى وهم يعتقدون أنها وحيٌ وصِدْقٌ فهذه دعوى باطلةٌ مثل غيرها من الدعاوى، وإنْ كان هذا ما يعتقدونه وهو ما ظهر لهم من القرآن فليس بغريبٍ أيضًا؛ لأنَّ الإنسان -والعياذ بالله- إذا حُجِبَ قلبُه رأى الحقَّ باطلًا والباطلَ حقًّا، فيمكن أن هؤلاء لظلمهم وكفرهم وعدوانهم لم يتبيَّن لهم حقيقة القرآن وظنُّوها أساطير. وهذا في الحقيقة معنًى جيِّد -الأخير- أنهم يقولونه لا مجرَّد دعوى لتكذيب الرسول ﷺ، ولكن بحسب الواقع فيما يعتقدون؛ وذلك لأنهم ليس عندهم اتجاهٌ سليمٌ صحيحٌ لقبول الحقِّ، فأُرُوا الحقَّ باطلًا.
الآن لو قرأْنا القرآنَ على إنسانٍ مُعْرِضٍ هل يتذوَّق حلاوتَه؟ هل يُحِسُّ بأنَّه كلام الله؟ هل يُحِسُّ بأنَّه أصدَقُ الأخبار وبأنَّه أعدَلُ الأحكام؟ لا، أبدًا، تجده مُعْرِضًا عنه، وليس بشيءٍ عنده حقيقةً باعتبار الواقع. ليش؟ لأنه -والعياذ بالله- كما قال الله عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠].
فهو -قولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ - قد يكون ذلك عن عقيدةٍ وأنَّ هذا بحسب الواقع لأنَّ حالهم تقتضي ذلك، وكلَّما أعرضَ الإنسانُ عن القرآن يكون أشدَّ خفاءً عليه وأبعدَ عن معرفته، وكلَّما أقبلَ عليه ازدادَ به يقينًا ومعرفةً. أفهمتم الآن؟
ولِهذا أنا أدعوكم ونفسي إلى أنْ يتأمل الإنسان دائمًا في القرآن ويتدبَّر لئلَّا يكون أُمِّيًّا. الله تعالى سَمَّى اللي ما يعرفون المعنى سَمَّاهم أُمِّيِّين، اللي ما يعرف المعنى وإنْ كان يعرف اللفظَ سَمَّاه الله أُمِّيًّا؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]، أيش معنى ﴿أَمَانِيَّ﴾؟
* الطلبة: قراءة.
* الشيخ: قراءة، فسَمَّى هؤلاء الذين لا يعلمون الكتاب إلا قراءةً سَمَّاهم أُمِّيِّين؛ لأنَّ مَن يقرأ ولا يفهم فهو كمَنْ لا يقرأ، لا فرق بينهما، إلَّا أنَّ هذا عنده فهمٌ للَّفظ وذاك ليس عنده (...)، واللفظ ماذا يستفيد به المرء وهو لا يعرف معناه؟! لأنَّ اللفظ هو بمنزلة الثوب للجسم؛ إذا كان عند الإنسان ثيابٌ هل تكون رجالًا؟ واحد عنده عشرون ثوبًا، قال: واللهِ أنا أبغي آخذه على هؤلاء الجماعة (...) عليهم. أيش عندك؟ قال: عندي عشرين ثوب. تنفعه هذه الثياب؟ ليست عشرون الثوب تكون عشرين رجلًا.
فالمهم أنَّنا نقول: إنَّ الواقع أنَّ الرجل إذا لم يُقبل على القرآن وهو يتأمَّله ويحرص على معرفة معناه فإنَّه لا يستفيد من القرآن شيئًا، وكما تعرفون حال الصحابة رضي الله عنهم؛ لا يتجاوزون عَشْر آياتٍ حتى يتعلَّموها وما فيها من العلم والعمل[[أخرج الطبري في تفسيره (١ / ٨٠) عن أبي عبد الرحمن قال: حدثنا الذين كانوا يُقرِئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبيِّ ﷺ، فكانوا إذا تعلَّموا عشر آياتٍ لم يخلِّفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلَّمنا القرآن والعمل جميعًا.]]، فتعلَّموا القرآنَ والعلمَ والعملَ جميعًا.
والذي يضرُّنا نحن أنَّنا نحرص على تلاوة القرآن لفظًا، وهذا طيب، لكن معنًى أيضًا. ومن الممكن أنَّ الإنسان يقرأ ما تيسَّر لفظًا، ثم إذا كان ما قد مَنَّ الله عليه بحفظه يتأمَّله وهو يمشي، يتأمَّله وهو على فراشه، وبتأمُّل القرآن يفتح الله على الإنسان معاني ما كان يعرفها ولا تخطر له على البال؛ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧]، وجرِّبْ تَجِدْ؛ لأنَّ القرآن تبيانٌ لكلِّ شيء، وهذا كلام الله عنه، والذي يحول بيننا وبين هذا التبيان لكلِّ شيءٍ هو عدمُ إقبالنا على هذا القرآن والتأمُّل فيه والتفكُّر فيه، وإلا لو أنَّنا تأمَّلْناه لَوجدناه تبيانًا لكلِّ شيء.
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ يعني: استنسخها من غيره. وأيضًا الرسولُ ﷺ يعرفون هم أنَّه كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب، لكنَّه أَمَر غيره أن يكتبها له، ولهذا المؤلف يقول: (انتسخها من ذلك القوم بغيره) انتسخها بغيره، لأنهم ما قالوا: كتبها، قالوا: ﴿اكْتَتَبَهَا﴾؛ يعني أَمَر غيرَه أن يكتبها له؛ لأنهم هم يعرفون الرسول ﷺ أنه كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب.
﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان ٥] ﴿تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ يعني: تُقرأ عليه، ليس تُملى عليه ليكتبها؛ لأنه لا يكتب، ولكنْ تُقرأ عليه ﴿بُكْرَةً﴾ في أول النهار ﴿وَأَصِيلًا﴾ في آخر النهار، ثم يأتي بها للناس ويقول: هذا كلام الله وهذا وَحْيٌ يُلقى إليه، وهو في ذلك -على زعمهم- ليس بصادق.
قال الله تعالى ردًّا لقولهم ..
* طالب: قوله تعالى: (...)؟
* الشيخ: يمكن أن يكون (...)، يجوز هذا وهذا، ويمكن بعضهم مِثْل كُبَرائهم لا شكَّ أنهم يعرفون الحقَّ، لكن عوامهم قد لا يعرفون، قد يخفى عليهم هذا الأمر ويقولون: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* طالب: يا شيخ، قوله تعالى: (...)، يؤخذ من هذا أنَّ (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو بيؤخذ، يؤخذ من هذا العموم ومن كلِّ وقت، دائمًا إذا أُرِيدَ العمومُ يُذكَر البُكرة والعشي؛ ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢] مع أنَّ رزقهم لا ينقطع في الجنة؛ ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة ٣٣]، لكنَّه يُذكَر هذان الوقتان للدوام.
أمَّا بالنسبة للواقع والتجربة فإنَّنا جرَّبْنا أنَّ الحفظ في أول النهار أسرع، والحفظ في آخر النهار -حسب ما جرَّبتُ أنا- إذا حفظت في آخر النهار ما هو سريع الحفظ، لكنَّك إذا قُمت من النوم وجدت أنك حافظ، فكلُّ واحدٍ منهما له مزيَّة بالنسبة للحفظ.
ردَّ الله عليهم بقوله: (﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ الغيب ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ للمؤمنين ﴿رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٦] بهم).
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ أمْرٌ للنبيِّ عليه الصلاة والسلام بأنْ يقول لهم في ردِّ قولهم: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، ونحن ذكرنا فيما سبق أنَّ القرآن كلَّه قد أُمِرَ النبيُّ ﷺ بتبليغه، ولكنَّه إذا جاء حُكمٌ من الأحكام أو خبرٌ من الأخبار وأُمِرَ النبيُّ ﷺ أن يقوله، ويش يدلُّ عليه؟ على الاهتمام به والعناية به، كأنَّه وصيَّةٌ خاصَّةٌ بهذا الأمر.
وفي هذا المقام الذي معنا فيه أيضًا زيادةٌ على ذلك أنَّه دعمٌ للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّه إذا كان الله هو الذي يُلَقِّنه الحُجَّة، كان ذلك أبلغ في دَعْمه وتقويته، أليس كذلك؟ يعني كأنَّ الله يُلَقِّنه الحُجَّة ليُحاجَّ عنه لكن على لسانه.
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ أي: القرآن ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قد يبدو للإنسان أن هذا الجواب ليس بمقنع؛ لأن هذا الجواب هو نفس الشيء الذي كان الرسول يقوله؛ فإنَّ الرسول يقول: إنَّ هذا الوحي أنزله الله، من الأصل، فهل يمكن.. أنتم فاهمون الكلام الآن؟
يعني قد يبدو للإنسان مِن أوَّل وَهْلةٍ أنَّ هذا الجواب غير مقنع، كيف ذلك؟ لأنَّ الرسول ما زال يقول: إن الذي أنزله الله، فكيف يكون هذا الجواب مُفْحِمًا لهم ومُبْطِلًا لقولهم؟
* طالب: لأنَّ الله سبحانه وتعالى (...).
* الشيخ: وهي؟
* الطالب: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان ٦] (...).
* الشيخ: زين، هذا وجه. ووجه آخر: في نفس ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾؛ ولهذا الله قال: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ [الفرقان ٦]، وفي أخبار هذا القرآن ما هو من الأسرار التي لا يطَّلع عليها محمدٌ ﷺ ولا غيره؛ ولهذا عدلَ الله سبحانه وتعالى عن قوله: قلْ أنزله الله، إلى قوله: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، يعني هو في القرآن من الأسرار ما هو معلوم، يُخبر بالخبر فيقع، هل الرسول عليه الصلاة والسلام يمكنه أن يعلم ذلك؟ لا يعلم ذلك، وإنما الذي يعلمه الله، وهو الذي أنزله، فنأخذ من قوله: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ نأخذ منه البرهان القاطع على أنَّ هذا القرآن ليس من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، وليس أساطير الأولين؛ لأنَّ فيه إخبارًا عن أمورٍ مستقبَلةٍ تقع كما أخبر، ولا أظنُّ أنَّ بشرًا يتمكَّن من ذلك، هذا وجهٌ بيِّنٌ جدًّا.
وجهٌ آخَر يمكن أن يؤخذ؛ وهو أنَّه إذا كان هذا القرآن من عند محمدٍ ﷺ وينسبه إلى الله، فإنَّ الله لا يمكن أن يُقِرَّه على هذا الأمر؛ لأنَّ الله تعالى يعلم السِّرَّ، وهذا الذي فعله محمدٌ ﷺ على فرض أنَّه ليس بصحيحٍ سرٌّ ولَّا جَهْر؟ جَهْرٌ. فإذا كان الله يعلم السِّرَّ فإنَّه يعلم الجهرَ من باب أَوْلى، وإذا كان يعلم الجهرَ ومحمدٌ ﷺ يقول: إنَّ هذا كلام الله، فإنَّ الله تعالى لا يمكن أن يُهمله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾، ﴿بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ ما هي بكلِّها ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٦].
إذَنْ فهذه حُجَّة من وجهين:
منين الوجه الأول؟ أنَّ في القرآن أسرارًا وأخبارًا بالغيب لا يمكن أنْ يأتي بها بَشَر.
الأمر الثاني: أنَّه لو كان القرآن من عند محمدٍ ﷺ وهو (...) إلى الله ويجاهد به أيضًا، ويجاهد به وعليه، لَكان الله سبحانه وتعالى يُعاجله بأيِّ شيء؟ بالعقوبة؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾، وهذا هو السرُّ في العدول عن قوله: قلْ أنزله الله، إلى قوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يُشير المؤلف .. المؤلف تصرَّف في إطلاق الآية؛ الآية: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وهو يقول هنا: (﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ للمؤمنين ﴿رَحِيمًا﴾ بهم)، فما رأيُكم بهذا التصرُّف من المؤلف؟ هذا في الحقيقة تخصيصٌ لا وجه له؛ فالله تعالى موصوفٌ بهذا الوصف ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ لكلِّ مَن يستحقُّ المغفرة؛ للمؤمن معه أصل الإيمان لكن يعمل المعاصي..
تجوز مخالفة الرسم العثماني، قالوا: لأن للرسم قواعد خاضعة لكل أمة ولكل عصر، ولو أن القرآن حين نزَلَ كتابته على غير هذا الوجه لكُتِبَ على غير هذا الوجه.
إذن (...) القول الأول يقولون: لا تجوز مخالفة الرسم العثماني، ويجب على الإنسان إذا كتب القرآن لنفسه أو لغيره، تعليمًا أو تلاوة، أو أي حال من الأحوال، يجب أن يكون على الرسم العثماني، بناءً على أن هذا من باب التوقيف، فكما أننا لا نغيِّر اللفظ فكذلك لا نغيِّر الكتابة.
ثانيًا: يجوز أن يُكتب القرآن بحسب القواعد التي يُكتَب بها في أي عصر كان، ولا يجب التقيُّد بالرسم العثماني.
قالوا: لأن الكتابة لها قواعد تختلف باختلاف العصور والأمم، والقرآن لم ينزل مكتوبًا وإنما نزَلَ مقروءًا باللفظ لا بالكتابة حتى نقول: إن الكتابة توقيفية. ولأنه لو كانت القواعد -قواعد الرسم- حين نزول القرآن على غير هذا الوجه لكتب بها ولَّا لا؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: لو فُرِضَ أن الرسم حين نزول القرآن أو حين جمعه في عصر عثمان رضي الله عنه على غير هذه القواعد، لكُتِبَ بها ولَّا يُكْتب بشيء آخر؟ لكُتِب بها. فدلَّ ذلك على أن الكتابة تابعةٌ للعصر الذي تُكْتَب فيه.
والقول الثالث: التفصيل؛ إن كُتِبَ لعالمٍ فبالرسم العثماني، وإن كُتِبَ لجاهل فبالرسم العصري الذي هو فيه. قالوا: لأنه إذا كان جاهلًا ثم كُتِبَ له على الرسم العثماني أخطأ في اللفظ؛ مثلًا: نبغي نكتب (الصلاة)، على الرسم العثماني فيها واو.
* طالب: الصلوات.
* الشيخ: بيقرأها الجاهل الصلوات مثلًا، أو الصلوت، وكذلك الزكاة، وكذلك الربا، وما أشبهها. فهؤلاء يفصِّلون بين أن يُكْتَبَ لعالمٍ وأن يُكْتَبَ لجاهلٍ.
والصحيح القول الثاني: إنه يجوز أن يُكْتَبَ القرآن بحسب القواعد العصرية التي كُتِبَ بها؛ لأن كتابته ليست بتوقيفية؛ لأنه لم ينزِلْ مكتوبًا، فنقول: يجب التوقف على ما نزل عليه، وإنما هو كُتِبَ في عصرٍ كانت قواعد الرسم على هذا الوجه، فبقي على هذا الوجه.
* طالب: ربما يا شيخ (...)؟
* الشيخ: لا، ما يقع، أصله هو يُتْلَى، فالتلاوة تضبطه عن التحريف.
طيب، بناء على هذا الخلاف: كتابة القرآن بطريقة (برايل) تجوز ولَّا لا؟
* طالب: تجوز.
* الشيخ: لا، ما تجوز من باب أولى؛ لأن النقط هذه أبعد ما تكون عن الحروف، وعلى هذا فلا يجوز إطلاقًا أن يُكْتَبَ، وعمل الناس الآن على خلاف هذا؛ فهم الآن يوجد مصاحف كاملة مكتوبة بهذه الطريقة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، لفظًا، ما هي ترجمة.
* طالب: يُكْتَب ببرايل بالرسم العثماني؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: ما المعنى يعني؟
* الشيخ: الآن مثلًا: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ [المائدة ١١٦]، ﴿قَالَ﴾ ما تكتب ببرايل إلا على حسب قواعد برايل، حسب رسمها، (...).
* الطالب: إي نعم، لا يكتب (...) يا شيخ، أغلبها اختصارات.
* الشيخ: لا، حتى لو فُرِضَ أنها تبقى على ما هي عليه، إن كان بعد اختصارات فهي يجب البحث فيها، حتى لو قلنا بالجواز.
* الطالب: لا، أغلبها اختصارات، تعلمنا في (...) أكثرها اختصارات، يختصرون الكلمات إلى نقط (...) الحرف.
* الشيخ: نقطة واحدة؟
* الطالب: يعني ربما كلمة كاملة مثلًا (كيف)، بالذات الكلمات المشهورة.
* الشيخ: إي، يرمزون لها رمزًا؟
* الطالب: إي رمز، ربما رمَزَ بحرف واحد.
* الشيخ: معناه أنهم يسقطون بعض الحروف كتابة؟
* الطالب: إي.
* الشيخ: هذه تكون أبعد عن الجواز، يعني هذه أبعد حتى لو قلنا بالجواز فيُنْظر في هذا.
* طالب: يا شيخ، بالنسبة لكتابة القرآن لنا، يعني (...)؟
* الشيخ: لا، القراءات على الرسم العثماني صحيح تأتي، لكن قبل أن يوجد التشكيل والإعراب. الإعجام الآن يمنع، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] مثلًا بعد أن أُعجمت ونُقِطَت ما يمكن أنك تقرأها: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ .
* الطالب: لا، مثل قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]؟
* الشيخ: إي.
* الطالب: تقرأ ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فيها، يعني بالرسم العثماني ألف مُزالةٌ، فتُقْرَأ على الوجهين.
* الشيخ: الآن؟
* الطالب: لكن لو كُتِبَت على الكتابة المعروفة لاحتملت وجهًا واحدًا، وهو (...).
* الشيخ: الآن ﴿مَالِكِ﴾، لو أنا بنقرأها على الرسم العثماني بدون تشكيل، على طول نقرؤها: ﴿مَلِكِ﴾ ، ولا يمكن نقرؤها: ﴿مَالِكِ﴾، ولَّا لا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: وبالتشكيل تقرؤها: ﴿مَالِكِ﴾؛ لأنه يرمز للألف بالشرطة.
* الطالب: للاسم.
* الشيخ: بالشرطة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: فإذن على كل حال سيتبين هذا وهذا، يعني بعد التشكيل في الحقيقة ما تتبين القراءة، يعني ما تكون الكلمة الواحدة جامعة للقراءة.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، أبدًا، ما هو محظور هذا.
* طالب: بالنسبة لكتابة (برايل)، أليس القرآن الكريم نزل مقصودًا للنطق به، يعني تعلم الناس؟
* الشيخ: بلى.
* الطالب: ويش المانع أن تكون الكتابة على هذه (...)؟
* الشيخ: نحن نقول بناء على الخلاف، أما إذا قلنا بالجواز فهي جائزة طريقة (برايل)، إي، لكن بس عاد اللي يوجب علينا الإشكال كلام الأخ أن فيها اختصارًا.
* الطالب: إذا كان يفهم المعنى؟
* الشيخ: إي.
* الطالب: إذا كان -مثلًا- يفهم أن هذه النقطة أنها مثلًا (كيف) أو (لماذا).
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: يعني يكون القرآن كاملًا، يعني لفظًا؟
* الشيخ: ما فيه إشكال.
* الطالب: ما فيه إشكال؟
* الشيخ: إي نعم، هو على القول بالجواز الأمر واسع، على القول بجواز كتابة القرآن بغير الرسم العثماني الأمر فيه واسع، وما زال الناس الآن بالنسبة للتعليم -تعليم الصبيان- يكتبونه بالرسم العصري، وأنا ما عندي إشكال في جواز الرسم العصري بدون حاجة، حتى وإن لم يحتج الإنسان إليه؛ لأنه كما أشرنا إليه أولًا. أولًا ذكرنا ثلاثة أوجه للجواز: أن القرآن نزل؟
* طالب: ليُقْرَأ.
* الشيخ: مَلْفوظًا به لا مكتوبًا، وحينئذٍ يمنع التوقيف.
ثانيًا: أنه إنما كُتِب على هذا الوجه لأن القاعدة الرسمية في ذلك الوقت كانت على هذا الوضع، لا لأنه -مثلًا- الرسول قال: اكتبوه على هذه الصفة، أو أن جبريل نزل به على هذه الصفة.. إلى آخره.
* طالب: فيه حديث عن النبي ﷺ أمره بأن يكتب على هذه الصفة.
* الشيخ: على هذه الصفة؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وين هو؟
* الطالب: في حديث (...) ﷺ: مدَّ الألف، يعني لا أحفظ لفظ الحديث: وحرك اللام...
* الشيخ: ما أعرفه.
* الطالب: لا (...)، فيه حديث -يا شيخ- شرحه الزرقاني.
* الشيخ: إي.
* الطالب: يعني ذكر فيه كيفية أمر النبي ﷺ لهم بكتابة القرآن، بأن قال لهم يعني: مُدَّ الْأَلِفَ، أو حَرِّكِ اللَّامَ.
* الشيخ: طيب، إذا قال: مُدَّ الْأَلِفَ، هذا عليهم؛ لأن ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، إذا مدينا الألف نجيب الألف، مع أني ما أعتقد أن هذا يصلح من الرسول عليه الصلاة والسلام، أبدًا، أنه يقول: اكتبوا (الصلاة) بالواو، واكتبوا (الزكاة) بالواو، واكتبوا (الربا) بالواو.
* الطالب: لا، هو ذكر فيها قواعد الرسم الخمسة (...)، يعني الحذف والوصل والـ...
* الشيخ: على كل حال، اللي بيغير اللفظ لا بد، هذا لو ما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام لفظًا أمرًا خاصًّا، هذا معلوم، اللي بيغير اللفظ.
* الطالب: (...) حسب الأحرف السبعة، حتى تعتبرها الأحرف السبعة.
* الشيخ: أبدًا، ما نعتبرها الأحرف السبعة، الأحرف السبعة باللفظ ما بالكتابة.
الوجه الثالث: أننا نجزم بأنه لو كانت القواعد الرسمية في ذلك الوقت على غير هذا الشكل لكُتِبَ بها بلا شكٍّ، ما يمكن يُكْتَب بغير القواعد الرسمية في ذلك الوقت.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، لكنه في عهد عثمان رضي الله عنه كتبوا حسب القواعد الرسمية -فيما يبدو لي- في المدينة في ذلك الوقت ولو هو من الجائز، ما دام أن عثمان أمر بإحراق جميع المصاحف المخالفة لهذا في اللفظ، حتى لفظًا أمر بإحراقها ليجتمع الناس.
على هذا نقول: هذا القول هو الراجح؛ أنه يجوز أن يكتب القرآن بحسب القواعد العصرية، وأنه لا يجوز أن يكتب بالرسم العثماني للجاهل، هذا الذي نراه أيضًا، إنسان جاهل ما إحنا معلمينه لفظًا، يعني لا نعلمه التلاوة لفظًا، لا يجوز أن نكتب له بالرسم العثماني، والسبب أنه لو قرأه على حسب الرسم العثماني وهو لم يعلم إياه بالتلاوة سوف يحرف القرآن.
* طالب: يا شيخ، بالنسبة لأصحاب القول الثاني الذين يرون أنه، الذين فسروا بالنسبة (...)؟
* الشيخ: بالنسبة؟
* الطالب: للجاهل، يعني يجب كتابة القرآن بالطريقة التي يقرأها (...).
* الشيخ: إي.
* الطالب: طيب، منها نستنبط أنه أيضًا (...)؟
* الشيخ: ما فيها شك، هذا إذا قلنا بالجواز سواء تفصيلًا أو إطلاقًا، فالطريقة (برايل) هذه جائزة للحاجة.
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان ٧] قلنا: إن (ما) استفهامية، و(لِ هذا) جار ومجرور خبرُ المبتدأ، و﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ الجملة ويش محلها من الإعراب؟ نجيب آية تشبهها ليتضح لكم: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر ٤٩]، ويش تُعْرِبون ﴿مُعْرِضِينَ﴾؟
* طالب: (...) حال.
* الشيخ: حال. إذن ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ حال؛ الجملة حالية، يعني: ما باله آكلًا للطعام، كأنهم يقولون: لو كان رسولًا لم يأكل الطعام. هذه واحدة.
ثانيًا: ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، يمشي في الأسواق مع الناس، ما يترفَّع، ولا يختبئ في بيته، ولا يمشي ومعه جنوده يمينًا وشمالًا، وأمامًا وخلفًا، ليش يمشي في الأسواق؟
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾، يعني كأنهم يقولون: ولماذا لم يكن معه مَلَكٌ؟ لأن ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى: هلَّا، وهي للتحضيض.
وقوله: ﴿مَلَكٌ﴾ أحد الملائكة، وهو مشتقٌّ من الألوكة، وهي لُغةً الرسالةُ، وقد قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر ١].
﴿فَيَكُونَ مَعَهُ﴾ مع من؟ مع الرسول ﷺ، ﴿نَذِيرًا﴾ يعني مُنذِرًا؛ ليعلم بذلك أنه صادق.
الوجه الرابع: (﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [الفرقان ٨] من السماء ينفقه ولا يحتاج إلى المشي في الأسواق لطلَبِ المَعاش).
﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ يعني: من السماء ينزل، ﴿كَنْزٌ﴾ من السماء، وإنما قلنا: (من السماء)؛ لأن قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ تدل على الانتهاء والغاية، وإلا من الجائز: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ يعني: يجد كنزًا في الأرض، ولكن (إلى) تفيد الانتهاء والغاية، فيكون معنى هذا يعني: ﴿يُلْقَى إِلَيْهِ﴾ من السماء ينزل، ﴿إِلَيْهِ﴾ من السماء، ﴿كَنْزٌ﴾ لأجل أي شيء؟ ليكون ذا مال كثير، فلا يحتاج إلى المشي في الأسواق، ولا يصيبه الفقر كما هي حال النبي ﷺ.
هذه كم؟ ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾، ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾، ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾.
(﴿تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بستانٌ، ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أي: من ثمارها، فيكتفي بها، وفي قراءة ﴿نَأْكُلُ﴾ بالنون؛ أي: نحن، فيكون له مَزِيَّة علينا بها).
(وفي قراءة) سبعيَّة ولَّا شاذة؟
* طالب: سبعيَّة.
* الشيخ: سبعيَّة؛ لأن قاعدة المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: (وفي قراءة) فهي سبعية، وإذا قال: (وقُرِئَ) فهي شاذة.
إذن فيها قراءتان: ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ و﴿نَأْكُلُ مِنْهَا﴾ ، ﴿يَأْكُلُ﴾ و﴿نَأْكُلُ﴾ .
طيب، هذه خمسة أشياء اعترضوا بها.
(﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ أي: الكافرون للمؤمنين، ﴿إِنْ﴾ ما، ﴿تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ مخدوعًا مغلوبًا على عقله).
﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ أولًا: في هذا إظهار في مقام الإضمار، ولَّا لا؟ لأنه بالأول كلها المسألة ضمائر: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾، وهنا: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾. والإظهار في مقام الإضمار له فوائد، وأظن أننا قد ذكرناها من قبل.
* طالب: أولًا (...).
* الشيخ: تسجيل هذا الوصف عليهم، يعني بيان حالهم أنهم بهذا الوصف، يعني أنهم ظالمون. هذه واحدة.
طيب، الثانية؟
* طالب: الاعتناء (...).
* الشيخ: اهتمام، كيف ذلك؟ ما فيه شيء.
الفائدة الثانية: أن هذا القول يُعتَبَرُ من الظلم، فيكون الأمر شاملًا، يعني أن كل من قال فهو ظالم.
الفائدة الثالثة: التنبيه، تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد فإن الإنسان ينسجم وربما يسرح، فإذا جاءه شيء على خلاف النمط الأول حصل بذلك الانتباه. وهذه الفائدة لفظية، والفائدتان الأوليان معنويتان.
* طالب: العلة (...)؟
* الشيخ: هو هذا يؤخذ من الأمر الثاني؛ الفائدة الثانية.
الفائدة الأولى قلنا: إنه يسجل على هؤلاء وصفهم بهذا الظاهر؛ إن كان كفرًا فهو كفر، أو ظلمًا فهو ظلم، أو فسقًا فهو فسق، أو إيمانًا فهو إيمان.. إلى آخره.
والفائدة الثانية: أن هذا الحكم أو هذا القول أو هذا الفعل ظُلمٌ، من أي إنسان وقع، وهذا هو الذي أشار إليه (...)؛ لأنه للتعليل.
والفائدة الثالثة: التنبيه، تنبيه المخاطب؛ لأن اختلاف الكلام أو اختلاف نسق الكلام يوجب الانتباه.
و﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾، يقول المؤلف: (﴿إِنْ﴾ مَا)، (ما) هذه تفسير لـ﴿إِنْ﴾، يعني أنَّ ﴿إِنْ﴾ نافية، إذا كانت نافية فالمسألة فيها حصر، يعني: ما ﴿تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا﴾، وهذا أبلغ من قولهم: إنكم تتبعون رجلًا مسحورًا، يعني كأنهم قالوا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس له حال من الأحوال إلا أنه مسحور، يعني: (مخدوعًا مغلوبًا على عقله) يعني: مختل العقلِ بالسِّحر.
ومن العجائب أنهم أحيانًا يقولون: إنه ﴿سَاحِرٌ﴾ [الذاريات ٥٢]، وأحيانًا يقولون: إنه ﴿مَسْحُورًا﴾ [الإسراء ٤٧]، وبينهما فرق. ولكن مع هذا المبطل كل ما يمكنه من الدعاوى الباطلة يأتي بها ولو كان (...).
نشوف الآن: هذه الأشياء الست التي قدحوا في النبي ﷺ بها.
أولًا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾، بماذا نجيبهم؟ ويش نرد عليهم به؟
* طالب: أنه بشرٌ.
* الشيخ: أنه بشرٌ، فهو محتاج إلى الطعام، وهذا ليس بقادح، ما دامت القرائن أو البينات شهدت بصدقه، فإن كونَه يأكل الطعام لا يمنع من صدقه؛ لأنه بشر.
﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾..
* طالب: أيضًا.
* الشيخ: لا، هذه ما هي من الطبيعة البشرية، البقر يمشي بالأسواق، والإبل تمشي في الأسواق.
* طالب: التواضع.
* طالب آخر: (...) طلب الرزق يعني.
* الشيخ: إي، التواضع نعم، نرد عليهم بأن هذا مما يؤيد كونه رسولًا، لا مما يناقض كونه رسولًا؛ لأن هذا يدل على تواضعه، وعلى محبته لأنْ يكون بين أُمَّته يفيدهم ويستفيدون منه.
إذن فهذه لكونها دليلًا على الرسالة أوضح من كونها مانعًا من الرسالة، ولَّا لا؟
طيب، و﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾، هم كأنهم يقولون: ولماذا لم ينزل عليه مَلَكٌ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، يُقال: أولًا: إنه أنزل إليه مَلَكٌ، لكنه ليس كما طلبوا يمشي معه ويُنذِرُ، فإن جبريل قد أُنْزِلَ إلى النبي ﷺ ومعه الوحي، وهذا ما يقوله النبي عليه الصلاة والسلام. وأمَّا كونه معه مصاحبًا له، فهذا لا يقدح في الرسالة إذا لم يكن مصاحبًا؛ لأنه لو كان مصاحبًا وجاء على غير صفة الملائكة عاد الأمر كما كان، صارت الحجة التي يحتجون بها أو الشبهة التي يحتجون بها موجودة. ولو جُعِلَ مَلكًا في صورة الملك لكان يقضى عليه إذا لم يؤمنوا؛ لأن الآيات المعينة إذا طلبت ولم يؤمن من طلبها فإنه يهلك.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما هي معينة، ولهذا قيدناها: الآيات المعينة إذا طُلِبَت، أما لو قالوا: أَرِنا آيةً ولم يعينوها، فهذا يمكن ما يهلكون به.
طيب، ﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾، يقول: ليش ما صار هذا غنيًّا؟ فكونه قليل ذاتِ اليد يدل على أنه غير رسول، بماذا نجيبهم؟
* طالب: لأن الرسول ﷺ دعا إلى هذا؛ دعا إلى الكفاف وطلب الرزق.
* الشيخ: إي، لكن هم يقولون: أنت رسول، ليش ما نزل عليك كنزٌ تستغني به عن طلب الرزق؟
* الطالب: مما يدل على (...).
* طالب: لأن جميع الأنبياء كانوا فقراء، فكما ثبت وَكَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْ كَسْبِ أَيْدِيهِمْ[[أخرج البخاري (٢٠٧٢) عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ، قال: «ما أكل أحد طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده». ]].
* الشيخ: طيب، وغير؟
* طالب: ولأن الرسول ﷺ خُيِّر بين (...).
* الشيخ: ما يخالف، هو خُيِّر بين أن تسير معه الجبال ذهبًا، أو خُيِّر بين أن يكون مَلَكًا نبيًّا أو عبدًا نبيًّا، فاختار هذا[[أخرج النسائي في الكبرى (٤٣١٢) أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يحدث أن الله تبارك وتعالى أرسل إلى نبيه ﷺ ملكًا من الملائكة ومعه جبريل، فقال الملك: إن الله يخيرك بين أن تكون عبدًا نبيًّا وبين أن تكون مَلِكًا، فالتفت رسول الله ﷺ إلى جبريل كالمستشير، فأشار جبريل بيده أن تواضع، فقال رسول الله ﷺ: «بل أكون عبدًا نبيًّا»، قال: فما أكل بعد تلك الكلمة طعامًا متكئًا. ]]، لكن ما هي بهذه مقنعة.
* طالب: لأن الأمر الذي جاء به أمر عظيم من الدعوة (...)، ومن الإيمان بالله سبحانه وتعالى، فليس يعني (...) المال وغيره، وإنما عليه كي ينبههم إلى...
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، طيب.
* طالب: لأنه قد يكون الإنسان معه -مثلًا- مال ولا يكون رسولًا، كم مثلًا من صاحب جاهٍ فيكون معه، ليس دليلًا على (...).
* الشيخ: يعني معناه الرسالة لا تتوقف؟
* الطالب: على المال.
* الشيخ: على المال، الرسالة لا تتوقف على المال، وليس المال دليلًا على الرسالة؛ لأن هناك أناسًا كثيرين أغنياء وليسوا برُسُلٍ.
* طالب: ثم إنه لو كان معه مالٌ لاتُّبِعَ لأجل ماله.
* الشيخ: هذه إيجابية، الكلمة اللي أنت قلت إيجابية، لكن نريد الدفع؛ دفع قولهم، ثم نقول كما أشار إليه الأخ: إن عدم المال معه قد يكون أكثر لتأييد كونه رسولًا؛ لأنه لو نزل إليه مالٌ واتبعه الناس من أجله صارت المسألة ما اتبعوه علشان رسالته.
إذن نقول: هذا -أي: كونه لم ينزل عليه كنزٌ- ليس مانعًا من الرسالة. لماذا؟ لأن ثبوت الرسالة لا يتوقف على الكنز، بل تثبت بدونه، ولأنه لو كان عنده كنزٌ لقيل: اتبعه الناس من أجل كنزه وغناه. فهذا إبطال لقولهم.
﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾، نقول فيها مثلما قلنا في مسألة الكنز: إن هذا ليس بلازم في الرسالة، وأنه لو كان ﴿لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أو ﴿نَأْكُلُ﴾ على القراءة الثانية (...) لقيل: إنهم اتبعوه لأجل الأكل من هذه الجنة.
السادس: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، بماذا نرد عليهم؟
* طالب: بالآيات القرآنية.
* الشيخ: لا، بس الآيات القرآنية ما هم مؤمنين هم بالقرآن.
* طالب: (...).
* الشيخ: وغير هذا؟
* طالب: نرد عليهم (...).
* الشيخ: نعم، نرد عليهم بأن المسحور لا يمكن أن يأتي بمثل هذا الكلام، يأتي بكلام يعجز عنه العقلاء فيقال: إنه مسحور، يمكن هذا ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: يعني يمكن لإنسانٍ مسحورٍ مخبولِ العقل بالسحر يأتي بكلام يعجز عنه البلغاء، ويتحدى العقلاء أن يأتوا بمثله ولا يستطيعون أو ما يمكن؟ لا يمكن، هذا واضح جدًّا، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٩].
* طالب: كذلك ما أقول: إن (...).
* الشيخ: إي، الساحر (...)، لكن أثر على المسحور، ما يمكن أن يأتي بمثل هذا الكلام.
* الطالب: إذا كان الساحر يبطل سحره، فالمسحور أولى أن يُبطل السحر.
* الشيخ: لا، أصلًا ما هو بيجي بكلام مضبوط، يعني لا نقول: إنه بيأتي بكلام يمكن نقضه أو لا يمكن، لا يمكن يأتي بكلام إلا كلام غير متوازن، فكيف بكلام معجز؟!
قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ الاستفهام في قوله: ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ﴾ للتعجب والإنكار.
وقوله: ﴿الْأَمْثَالَ﴾ يعني: الأشباه أو الأوصاف؛ لأن المثَلَ يأتي بمعنى الشبَهِ ويأتي بمعنى الصفة. قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [محمد ١٥]، معنى ﴿مَثَلُ﴾ صفةُ الجنة. ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ [البقرة ١٧] يعني: شَبَهُهُم كشَبَهِ... فالأمثال إما بمعنى الأشباه أو بمعنى الأوصاف، يعني: كيف جعلوا هذه الأوصاف التي يقدحون برسالتك بها؟! انظر إليها متعجبًا، والتعجب يقتضي في الغالبِ الإنكارَ.
(﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ بالمسحور، والمحتاج إلى ما ينفقه، وإلى مَلَكٍ يقوم معه بالأمر، ﴿فَضَلُّوا﴾ بذلك عن الهُدى، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ طريقًا إليه).
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ﴾، الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، وكونه يُخاطب الرسول ﷺ بهذا الإنكار عليهم لا يخفى ما فيه من التأييد والتقوية للرسول ﷺ وعناية الله تعالى به ﷺ، وهذا أمر معلوم.
وقوله: ﴿فَضَلُّوا﴾، الفاء هذه عاطفة لكنها تُفيد السببية؛ أي: فبسبب ما ضربوا لك من الأمثال ضلَّوا. وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا أورد الشبهات على نفسه أو على من أتى بالحق فإنه يكون سببًا لضلاله، إذا لم يَقْبَل الإنسان الحق ويدَعْ ما يَرِدُ على خاطره من الشبهات حول ذلك الحق فإنه يكون سببًا لضلاله؛ ولهذا قال: ﴿فَضَلُّوا﴾، الفاء عاطفة وتُفيد السببية.
وقد ذكر ابن القيم في مفتاح دار السعادة أنه تكلم مع شيخه ابن تيمية في مسائل (...)، يقول: فجعلت أورد عليه بالنقد، فقال لي: لا تجعل قلبك مثل الإسفنجة يقبَلُ كلَّ شُبهةٍ فيتشرَّبها، ولكن اجعله كالزجاجة الصلبة تكشف ما وراءها ولا تتأثر. وهذا صحيح، الإنسان إذا فتح على نفسه باب الشبهات والتساؤلات فإنه يضِلُّ، وانظر إلى إرشاد النبي ﷺ الرجل حينما يتساءل الناس: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقولوا: من خلق الله، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام الإنسان إذا وصل إلى هذا الحد أن يستعيذ بالله ولينته، وأرشده إلى أن يقرأ ﴿اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١ - ٤]، وفي حديث آخر: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد ٣]
فهذه الأشياء التي تَرِدُ على القلب إذا استرسل الإنسان منها فسوف تكون سببًا لضلاله، كما تفيده هذه الآية وآيات أخرى كثيرة؛ مثل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]. فالإنسان يجب عليه أن يكون قابلًا للحق، متشوِّفًا له، قابلًا له، ولا يورد على نفسه شبهات؛ لأن الشبهات ما لها حدٌّ، والشيطان يحب من ابن آدم أن يرد على قلبه هذه الشبهات ليضل.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، (المسحور) واضح، وكونه ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، و﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾، كلها مندرجة بقوله: (والمحتاج إلى ما ينفقهًا وإلى مَلَكٍ يقوم معه).
الخلاصة الآن -يا جماعة- أن هؤلاء الكفار جعلوا مع الله آلهة، وهذا قدح في التوحيد. ثم زعموا أن القرآن أساطير الأولين، وهذا قدح في القرآن مباشرة، ويتضمن القدح في الله أيضًا والقدح في الرسول ﷺ. ثم بعد ذلك ذكر الله قدحهم في الرسول ﷺ القدح المباشر بهذه الأوجه الستة، وتبين -ولله الحمد- أن هذه الأوجه التي أوردوها قدحًا في النبي ﷺ كلها ليست بقدح، بل منها ما يؤيد أنه رسول.
استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن النبي ﷺ لم يُسْحَرْ، وكذَّبوا بذلك الأحاديثَ المشهورة بل المتواترة أن النبي ﷺ سُحِرَ، وأن الله أنزل عليه المعوذتين لنقض هذا السحر[[أخرج عبد بن حميد (٢٧١) عن زيد بن أرقم، قال: سحر النبي ﷺ رجل من اليهود، قال: فاشتكى فأتاه جبريل، فنزل عليه بالمعوذتين... الحديث. ]]. فهل لاستدلالهم بهذه الآية وجه ولَّا لا؟
* طالب: له وجه.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لأنها (...) الظالمين.
* الشيخ: إي نعم، لكن هم.. الآن نحن لا نشك أن الرسول ﷺ قد سُحِرَ، وأنه نزلت عليه المعوذتان ونُقِضَ سِحْرُه بهما، هذا أمر لا شك فيه؛ لأن الأحاديث في ذلك متواترة. هم يقولون: هذه الأحاديث كلها كذبٌ، ما هي بصحيحة؛ لأن القول بأنه مسحور هو قول الكفار.
* طالب: لا وجه له؛ لأن (...).
* الشيخ: لا، ما هو بهذا الوصف، ما هو بهذا الرد، هو صحيح ما له وجه لكن ما هو بهذا الـ...
* طالب: قولهم: رجل مسحور، تُفيد الوصفَ اللازم.
* الشيخ: إي.
* الطالب: أنه يعني هذا حاله الدائم أنه مسحور، أما السحر الذي سحره اليهودي فهو شيء طارئ مثل المرض، يعني يُزَالُ بمزيلات.
* الشيخ: إي نعم، هذا صحيح، هذا هو الرد عليهم، نقول: إن هؤلاء الظالمين الذين قالوا: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، أرادوا بذلك أن السحر وصف لازم له، وأن كل ها الكلام اللي بيقول كله كلام مسحور (...). أما السحر الذي طرأ على النبي عليه الصلاة والسلام فهو سحر طارئ، ثم مع ذلك ما أثَّر في الرسالة أبدًا، عائشة رضي الله عنها تقول: اللي حصل أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله[[أخرج البخاري (٦٠٦٣) ومسلم واللفظ له (٢١٨٩ / ٤٣) عن عائشة، قالت: سحر رسول الله ﷺ يهودي من يهود بني زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم، قالت: حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم، أو ذات ليلة، دعا رسول الله ﷺ، ثم دعا، ثم دعا، ثم قال: «يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟ جاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي، أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، قال: وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان» قالت: فأتاها رسول الله ﷺ في أناس من أصحابه، ثم قال: «يا عائشة، والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رءوس الشياطين». قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا أحرقته؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرًّا، فأمرت بها فدفنت».]]، هذا الذي حصل، وهي مدة وجيزة أيضًا ولم تؤثِّر؛ يعني ما قال شيئًا في الرسالة مما يمكن أن تتغير به الرسالة في هذه المدة.
فالحاصل أن الاستدلال بهذه الآية على إبطال أحاديث صحيحة متواترة، لا شك أنه جرأة عظيمة، لو كانت الأحاديث ضعيفة أو كانت الأحاديث -مثلًا- من الأحاديث التي في أدنى مراتب الصحة، لكنا نقول: إن هذا له وجه. وأما أحاديث صحيحة مشهورة متواترة ونبطلها بمثل هذا الأمر لا يمكن أن يبطلها، ولذلك الصواب، بل اليقين المتيقن المتعين أن ذلك وقَعَ للرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن الله تعالى أنزل عليه سورتين ثم هُدِيَ إلى محَل السحر. أين كان سحره؟ في بئر أريس، وكان في مُشْطٍ ومُشاطةٍ في جوف طلعة ذكَرٍ، يعني كافور. تعرفون الكافور؟ كافور الفحل يكون كبيرًا ويسع. هذا السحر وُضِعَ للرسول عليه الصلاة والسلام في مُشْطٍ اللي يُكَدُّ به الرأس، والمُشاطة الشعر الذي يتناثر مع الكدُّ، وجعل في هذا الكافور في البئر التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يأتي إليها. فذهب النبي عليه الصلاة والسلام وأمر أن يُخْرَجَ هذا السحر، فأُخْرِجَ السحر فنُقِضَ، فعافاه الله سبحانه وتعالى.
قال الله تعالى: ﴿فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿سَبِيلًا﴾ بمعنى طريقًا. إلى أي شيء؟ إلى الهدى، والعياذ بالله. وفي هذا تحذير كما أشرنا إليه أولًا، تحذير من أن يتابع الإنسان الشُّبَه التي تَرِدُ عليه، وأنه يجب على الإنسان أن يبتعد عن هذا كله.
الفرقان 25:9
(...) الآية الآن، ذُكر أولًا تنزيل القرآن (...).
* طالب: (...) ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٤ - ٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان ٣].
(﴿وَاتَّخَذُوا﴾ أي: الكفار ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: الله)، أمَّا الضمير الأول: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ فلمْ يُذكَر له مرجعٌ لفظيٌّ، لكنَّه مرجعه معلومٌ بحسب الحال؛ يعني ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾ مَن هم؟
* طالب: الكفار.
* الشيخ: الكفار المتَّخذون، فهو لا مَرجِع له لفظًا، لكن مَرجعه معلومٌ بحال الواقع.
وأمَّا ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ فمَرجعه ظاهرٌ مما سبق؛ لأنَّ الله تحدَّث عن نفسه بقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾.
ومناسبة هذه الآية لِمَا قبلها أنَّ الله لَمَّا أثنى على نفسه بما أثنى به ناسبَ أن يذكر تلك الأصنام التي اتُّخذتْ من دونه -يعني مِن دون الله- آلهةً، ليتبيَّن حالُهم؛ لأنَّ الأشياء تتبيَّن بما يكون لها من صفات.
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾، وقوله: ﴿آلِهَةً﴾ جمع (إله)، وهذه الآلهة إنما كانت آلهةً باتِّخاذهم، أمَّا في الحقيقة فليست آلهةً لأنها ليستْ مستحقةً للعبادة، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: لقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم ١٩ - ٢٣]، وقال يوسف: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف ٣٩، ٤٠]، فهي آلهةٌ لاسمهم واعتقادهم، أمَّا في الواقع فليست آلهةً؛ بمعنى أنها لا تستحقُّ أن تكون آلهة. واضح يا جماعة؟
فعلى هذا مثلًا إذا قال قائل: كيف أثبتَ الله هنا أنها آلهة ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾، مع أنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم يقولون لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود ٦١]، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣]، كيف نجمع بين هذا النفي وبين هذا الإثبات؟
نقول: نجمع بين هذا النفي وبين هذا الإثبات أنَّ النفي باعتبار الحقيقة والواقع؛ فإنَّه لا إله إلا الله ولا شك في ذلك، وأمَّا الإثبات فهو بحسب أيش؟ بحسب عمل هؤلاء حيث جعلوا هذه آلهةً؛ أي: معبودةً، وهي لا شك أنها تُعبَد، لكنَّها ليست مستحقَّة للعبادة، فبحسب الاستحقاق يكون النفي، وبحسب الواقع يكون الإثبات. واضح الأمر ولَّا لا؟
بحسب الاستحقاق يكون النفي؛ يعني: لا أحد يستحقُّ ولا أحد يكون حقيقةً إلهًا سوى الله عز وجل. وأمَّا باعتبار الاعتقاد وباعتبار العمل فإنَّ مِن الناس مَن اعتقد وعَمِل فجعل مع الله إلهًا آخَر، وحقيقة هذه الآلهة أنها ليست بشيء، صحيح أنها تُعبَد وتُدعى ويُركَع لها ويُسجَد ويُنذَر لها، لكنَّها في الواقع ليست مستحقَّة لهذا الأمر، فليست آلهة.
ثم بيَّن الله هذه الآلهة المتَّخَذة: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾، وعدم خلْقهم دليلٌ على عَجْزِهم، وعَجْزُهم دليلٌ على أنهم ليسوا آلهة؛ لأنَّ الإله لا بدَّ أن يكون قادرًا؛ لأنَّ القدرة من كماله، وهذا العجز الذي اتَّصفتْ به هذه الآلهة يمنع أن تكون آلهة.
ثانيًا: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، مين اللي ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾؟ الآلهة. إذَنْ هي حادثةٌ بعد أن لم تكن، والربُّ يجب أن يكون أوَّليًّا ليس قبله شيء؛ لأنَّ الربَّ المستحقَّ للعبادة لا بدَّ أن يكون خالقًا، وإذا كان مخلوقًا فهو حادثٌ، وإذا كان حادثًا فمَن قبله ليس من خلْقه، وعلى هذا يكون في قوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ بيانٌ لعدم صلاحيتهم للآلهة من حيث أيش؟ انتفاء القدرة.
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لا يصلح أيضًا أن يكونوا آلهةً من وجهين:
أولًا: الحدوث؛ لأنهم محدَثون، والإله لا يمكن أن يكون مُحْدَثًا.
الأمر الثاني: أنَّ مَن قبلهم ومَن سبقهم ليس مِن خلْقهم، على فرض أن يكونوا يَخلقون، وهذا دليلٌ على عدم صلاحيتهم للألوهية.
﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان ٣] يقول المؤلف: (﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ أي: دَفْعه). ونحن نقول: دَفْعه وجَلْبه أيضًا. ويش المانع؟! لو أرادوا أن يضرُّوا أنفسَهم ما ضرُّوها، ولو أرادوا أن يدفعوا عنها ضررًا ما دفعوا عنها، فإبقاء الآية على العموم أَوْلى؛ ﴿لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ أيش؟ لا جَلْبًا للضرِّ ولا دَفْعًا له، حتى الضرر الذي يمكن أن يكون سهلًا لو أرادوه لأنفسهم ما استطاعوا؛ يعني لو أرادتْ هذه الأصنام أن تُتلف نفسَها تستطيع ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لو أرادتْ أن تُمرِض نفسَها -إذا كانت مما يَلْحقه المرض- هل تملك ذلك ولَّا لا؟ لا تملك. ولو أراد أحدٌ أن يعتدي عليها تملك دَفْعه ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما تستطيع، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ وهذا يدلُّ على أهميته؛ أَمْر الله تعالى لنا بأنْ نستمع لهذا المثل يدلُّ على أهميته.
المثل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، الذباب اللي هو مِن أَهْون الحيوانات وأَضْعفها لو أنَّهم اجتمعوا على أن يخلقوه ما استطاعوا.
أمرٌ آخَر: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ على ضعفه ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ ما يستطيعون أن يستنقذوه، ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج ٧٣].
فهؤلاء لا يملكون لأنفسهم ضَرًّا؛ لا دَفْعَه ولا جَلْبَه، ولا يملكون أيضًا نَفْعًا، يقول المؤلف: (أي: جَرَّه)، يعني: ما يملكون أن يجرُّوا لأنفسهم نفعًا. كذا؟ عندي: (أي: جَرَّه)؟
* طالب: إي نعم، (جَرَّه).
* الشيخ: إي نعم، فهُم لا يملكون أن يجرُّوا النفع إلى أنفسهم، ولا يملكون أيضًا أن يدفعوه عن أنفسهم، مِثل الأول، يعني ينبغي أن نجعلها على سبيل العموم، وإنْ كان مقتضى الحال أنَّ الإنسان يريد الدفع .. أو أنَّ أيَّ واحدٍ يريد دَفْع الضرر ويريد جَلْب النفع، ولكن إبقاء الآية على العموم أَوْلى؛ يعني: لا يستطيعون شيئًا لأنفسهم، وإذا كانوا لا يستطيعون ذلك لأنفسهم فمِن باب أَوْلى ألَّا يستطيعوه لعابديهم.
(﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ أي: إماتةً لأحدٍ وإحياءً لأحدٍ ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ أي: بعثًا للأموات).
﴿لَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ يعني: ما يملكون أن يموِّتوا أحدًا (...)، نعرف أنَّ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه وقال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨] أنَّه كاذب ولَّا صادق؟ كاذب.
﴿لَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ يعني: لا يملكون أن يَجْلبوا موتًا لأحدٍ ولا أن يَجْلبوا حياةً لأحد مهما اجتمعوا لذلك.
فإذا قال إنسان: أليس يمكن أن يقتلوا أحدًا؟
فالجواب: هذا سببُ الموت وليس هو الموت؛ يعني يمكن الإنسان يفعل سببَ الموت، لكن ما يمكن أن يُوقِع الموت، وبين الأمرين فرق، ولهذا أحيانًا يوجد سبب الموت ولا يموت الإنسان، وأحيانًا يموت الإنسان بدون سبب؛ يعني بدون سببٍ معلومٍ.
فإذَنْ هؤلاء لا يملكون موتًا لأحدٍ ولا حياةً، لا يملكون أن يُحْيُوا أحدًا من الأموات لأنَّ ذلك إلى الله عز وجل.
وأمَّا إحياء عيسى للأموات فليس من هذا الباب، ليس من الأمر الذي نفاه الله؛ لأنَّ الذي يُحْيِي حقيقةً للأموات هو الله، ولهذا قيَّد الله إحياءَه للموتى بقوله: ﴿بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠]، فليس هو يستقلُّ بهذا، وإنما يكون قوله سببًا للحياة التي يخلقها الله عز وجل. واضح؟
﴿وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ النُّشور هو بَعْثُ الموتى وتفريقُهم، نَشْرُهم معناه أنَّهم يُفَرَّقون؛ يخرجون من الأجداث وينتشرون في الأرض يتفرَّقون فيها، فهُم لا يملكون شيئًا من هذا كلِّه.
فإذا تبيَّن عَجْزهم الذاتي والعَرَضي تبيَّن أنها لا تصلح أن تكون آلهة، ففيهم عجز ذاتي وعَرَضي.
طيب، ما مقام أو ما حال ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ بالنسبة لقوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾؟
عَطْفها على قوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ من باب عطْف الخاصِّ على العامِّ أو التفصيل بعد الإجمال.
تجدون الآن الآية الكريمة تترقَّى من الأدنى إلى الأعلى: ﴿ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾، ﴿مَوْتًا﴾ و﴿حَيَاةً﴾ و﴿نُشُورًا﴾، معلوم؛ لأنَّ الحياة أشدُّ من الموت؛ يعني وجود سبب الحياة أو القدرة على الحياة أعظم من الموت، كذلك أيضًا النفعُ والضررُ؛ أيُّهما أعظم؟ النفع؛ لأن الضرر .. الإنسان يريد من الضرر دَفْع الشيء، ودَفْع الشيءِ أسهل من جَلْبه؛ لأنَّ الجلب إيجابيٌّ والدفْع سلبيٌّ، وغالبًا أن السلبي يكون أَهْون من الإيجابي، فانتقل الله سبحانه وتعالى في بيان عَجْز هذه الآلهة وأنها لا تَصْلح من الأدنى إلى الأعلى، هذا بالنسبة للتفصيل، أمَّا بالنسبة للإجمال فقال: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾.
* وفي هذا من الفوائد: دليلٌ على أنَّه ينبغي للإنسان أن يسوق للخَصْم ما يُقِرُّ به لزومًا حتى تقوم الحجَّة عليه.
هؤلاء الذين جعلوها آلهةً هل يمكن أن يدَّعوا بأنها تَخْلق؟ لا.
هل يمكن أن يدَّعوا بأنها غير مخلوقة؟ لا؛ لأنهم يعرفونها موجودةً وليستْ من قبل.
هل يمكن أن يدَّعوا بأنها تنفع أو تضرُّ؟ نقول: يمكن أن يدَّعوا ذلك، وفِعْلًا يدَّعون ذلك؛ يقولون: إنَّ الأولياء ينفعون، وإنهم يضرُّون، وإنَّ مَن لم يذبح لهذا الولي أو ينذر له فإنَّه يضرُّه. هذه دعوى.
يُطالَبون بأيِّ شيء إذا ادَّعوا؟ يُطالَبون بالدليل، نعم، الدليل أنْ يُقال لهم مثلًا: ادعوا هذا الوليَّ بأمرٍ معيَّن وانظروا هل يجلب لكم ذلك أو لا يجلبه، مِثْلما أنهم هم يطالبون الرُّسُلَ بأشياء معيَّنة؛ يقولون مثلًا لَمَّا قالت لهم الرُّسُل: إنَّ الله يُحْيي الموتى، قالوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، مع أنَّ الرُّسُل ما قالت لهم: إنَّ البعث في الدنيا، حتى يقولوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾، إنما قالت لهم: إنَّ البعث متى؟ بعد الموت. وهذا غير ما طالب به هؤلاء الخصْم للرُّسُل، فقولهم: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ هو في الحقيقة مصادرة؛ يعني: طلبُ دليلٍ لشيءٍ لم يقُله الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ إذ لم يقولوا: إنهم يُبعثون الآن.
فعلى كل حالٍ هذه الدعوى أنَّهم يملكون نفعًا أو ضرًّا، هذه دعوى تحتاج إلى بيِّنة.
أمَّا دعوى الموت والإحياء فهي أيضًا أوضح بُطلانًا، بل لَرُبَّما تُدَّعى؛ لأنَّ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه قال له: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فربما تُدَّعى.
وفي مناظرة إبراهيم عليه الصلاة والسلام -يعني يمكن أنْ ننتفع بها هنا- دليلٌ على أنَّه إذا ادَّعى المبطِل دعوى فإنَّنا ننقله إلى ما هو أَوْضح؛ لأنَّ المقصود ما هي بالمجادلة، المقصود إقامة الحجَّة على بُطلان هذا الأمر، وهو إذا بَطَل ولو من دليلٍ واحدٍ كفى، ما حاجة لأننا نُبْطله من الدليل الذي يُعيِّنه الخصم، قد نُبْطله من دليلٍ آخَر، إبراهيم عليه الصلاة والسلام لو أراد أن يحاجَّ هذا الرجل ويجادل هذا الرجل لَقال له: لستَ تُحيي وتميت، وإنما تفعل سببَ الإحياء والإماتة. لكنَّه عليه الصلاة والسلام ذهب إلى دليلٍ أَوْضح وأَبْين ولا تمكن المحاجَّة فيه؛ قطعًا لأيِّ شيء؟ قطعًا للنزاع والمجادلة؛ لأنَّ الإنسان اللي يجادل قابِلْه بدليلٍ لا يمكنه دَفْعه، فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨]، إلزام ولَّا ما هو بإلزام؟ إلزامٌ لا يتمكَّن معه أن يدَّعي شيئًا، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة ٢٥٨].
المهم الآن اللي عندنا: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ مُسَلَّم، ويمكن دعوى نَفْيه ولَّا ما يمكن؟ لا يمكن، حتى عند العابدين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان ٢٥]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، حتى عند العابدين ما يمكن يدعون هذه الصفة المنفية.
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لا يمكن أيضًا أن يدَّعوا أنها ليستْ مخلوقة؛ لأنها مصنوعة، هُم صنعوها بأيديهم؛ يقول إبراهيم لهم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦].
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ هذه قُلنا: إنه يمكن أن يُدَّعى أيش؟ خلافُ هذا النفي، وجوابُنا عليه من أمرين:
إمَّا إبطال هذه الدعوى بعينها ونقول: هذا أمرٌ لا يمكن، وإذا شئتم فادْعوا.
وإمَّا أن يقال: ننتقل عن هذا النفي عند المجادلة -ترى- لا ننتقل عن هذا النفي لعدم إيمانٍ بالله؛ يجب علينا أنْ نؤمن بأنهم لا يملكون ذلك، لكنْ عند المخاصمة ويش ننتقل إليه؟ إلى أمرٍ أعظم وأَبْين وأوضح.
مثلًا لو نزلتْ أمطارٌ كثيرةٌ مغرِقةٌ أو حصلتْ زلازل، ممكن نقول لهم: ادْعوا هذه الأصنام وانظروا هل (...) السماء؟ وهل تتوقَّف الأرض عن الزلازل؟ وما أشبهَ ذلك. لكنْ مهما كان لو ادَّعوا ما يدَّعون فإنَّنا ننتقل عند المجادلة إلى أمرٍ أوضح لا يتمكَّنون من نفيه. ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾.
ولَمَّا ذكر الله سبحانه وتعالى ما يعود إلى التوحيد انتقل إلى ما يعود إلى الرسالة؛ لأنَّ (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله)، فقال تعالى..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الفرق بينهما أنَّ النشور عامٌّ، وأمَّا الحياة فهي خاصَّة، الحياة لواحدٍ معيَّن؛ مِثل أن يُقال لهم: أحيوا هذا الميت. النُّشُور عامٌّ، ولهذا قُلنا: إنَّه من النَّشْر بمعنى التفريق والانتشار، فهو أعمُّ.
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾ أي: ما القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كَذِبٌ ﴿افْتَرَاهُ﴾ محمَّد ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان ٤] وهم من أهل الكتاب).
هذا الأصل الثاني من الأصول في التوحيد وهو إثبات الرسالة، إثبات الرسالة لا شك أنَّه أحدُ شطري التوحيد: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله)، ولا يمكن أن يُعبَد الله سبحانه وتعالى إلا بما جاءت به الرسل؛ لأنَّ العبادة طريقٌ للمرء إلى ربِّه.
وهل يمكن أن نتوصَّل إلى الله بطريقٍ لم يجعله طريقًا؟ ويش الجواب؟
* طلبة: لا يمكن.
* الشيخ: لا، وهذا الطريق الذي جعله الله طريقًا إليه جاء بواسطة الرسل، إذَنْ فالعبادة لا بدَّ لها من رسالة، ولا يمكن أنْ يُعبَد الله بمجرَّد العقل؛ لأن العبادة طريقٌ يوصل إلى الله، وهذا الطريق لا يمكن إلا بوضعٍ من الله، والله سبحانه وتعالى جعله بواسطة من؟ بواسطة الرسل.
المكذِّبون للرسل أيضًا قدحوا في الرسل وبما جاءوا به؛ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ هنا صرَّح بالاسم الظاهر، بالأول قال: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ [الفرقان ٣] ليعمَّ جميع المشركين من العرب وغيرهم، وهنا قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني من العرب الذين ردُّوا رسالة النبي عليه الصلاة والسلام.
(﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما القرآن)، المؤلف دقيقٌ في التفسير، فسَّر لنا الآن -رحمه الله- فسَّر لنا ﴿إِنْ﴾، وفسَّر لنا اسمَ الإشارة.
﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما) فهي نافية، ﴿هَذَا﴾ يقول: (القرآن)، فالمشار إليه إذَن القرآن.
﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما هذا القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾، شوف -والعياذ بالله- أَتَوْا بالحصر؛ يعني ما يمكن يكون إلا إفكًا، لا يمكن أن يكون فيه صِدْق، فأَتَوا بالحصر عن طريق النفي والإثبات؛ (ما هذا إلا إفكٌ) يعني: ولا يمكن أن يكون صدقًا.
(كَذِبٌ ﴿افْتَرَاهُ﴾ ) يعني اختلقه؛ أي: النبي ﷺ.
﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يقول: (من أهل الكتاب)، ومنه أيضًا الرجُل الذي قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل ١٠٣].
يقولون: إنَّ هذا ليس من الله، بل هو من محمدٍ ﷺ افتراه مع مساعدة غيره.
يقول الله عز وجل مبطلًا لكلامهم: (﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان ٤] كُفْرًا وكَذِبًا).
﴿جَاءُوا ظُلْمًا﴾ المؤلف فسَّر الظُّلم بالكفر لأنَّ الكفر ظُلم؛ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، ثم أيضًا هو ظلمٌ بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه اعتداءٌ عليه ووصْفٌ له بالكذب، ولو أنَّ إنسانًا وَصَف أحدًا من الناس بالكذب لَقُلنا: إنَّه ظالِمٌ له ومُعْتدٍ عليه.
﴿وَزُورًا﴾ الزُّور في الأصل: كلُّ ما انحرف عن الصراط المستقيم، كلُّ انحرافٍ فهو زُور؛ ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف ١٧]؛ تميل، فكلُّ مَيْلٍ فهو زُور، وفي الحديث: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ» » والمراد به كلُّ قولٍ منحرفٍ، «والْعَمَلَ بِهِ»[[الحديث بتمامه: «مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه» أخرجه البخاري (١٩٠٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]].
الزُّور إذَن الكذب، فهُم من أكذَبِ الناس، بل أكذَبُ الناس فيما قالوا؛ هل قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ فيه شيءٌ من الصدق؟ لا، بل هو كَذِبٌ وظلمٌ وعدوانٌ على الرسول ﷺ.
ثم نقول لهم: إذا كان محمدٌ ﷺ هو الذي افتراه وأعانه عليه قومٌ آخرون فأْتوا بسورةٍ من مِثله؛ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور ٣٤]، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨].
ثم إنَّ محمدًا ﷺ عاش فيهم قبل الوحي كم؟ أربعين سنة، ما قال يومًا من الأيام: إنَّه يُوحى إليه، والذي يريد أن يكذبَ يكذبُ في عُنفوان شبابه ليكسب الأتباع من أول الأمر، فلمَّا لم يكن هذا إلا بعد مُضِيِّ أربعين سنةً، دلَّ ذلك على أنَّ دعواهم يُكَذِّبها الواقع أيضًا؛ فإنَّ هذا الوحي جاء والرسولُ عليه الصلاة والسلام في سِنِّ الأربعين، ولا يمكن أن يكون الكذب يتجدَّد له في هذا السن.
ثم إنَّنا نقول: مِمَّا يبيِّن أنَّه الغرور أنَّ هؤلاء الذين يقولون: إنه افتراه، هم بأنفسهم يشهدون للرسول ﷺ بالصدق، وكانوا يُسَمُّونه الأمين[[أخرج الحاكم (١٧٠١) من حديث عبد الله بن السائب رضي الله عنه: «وكانوا يُسَمُّونه في الجاهلية الأمينَ».]]، ولا يشكُّون في صِدْقه، ولا يشكُّون في عدالته ﷺ. فأين كانوا من قبل؟
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان ٥].
(﴿وَقَالُوا﴾ أيضًا هو ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أكاذيبهم؛ جمع (أُسطورة) بالضمِّ ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ انتسخها من ذلك القوم) أيش؟
* طالب: (لغيره).
* الشيخ: (بغيره).
* الطالب: باللام.
* الشيخ: (لغيره)؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: عندي بالباء، (بغيره ﴿فَهِيَ تُمْلَى﴾ تُقرأ ﴿عَلَيْهِ﴾ ليحفظها ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ غُدوةً وعشيًّا).
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، ﴿أَسَاطِيرُ﴾ جمع أُسطورة، وهي الأحاديث الرائجة التي لا أصل لها، وعند العامَّة يسمُّونها (...)، هذه الأسطورة. قالوا: إنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام أتى بأساطير الأوَّلين؛ يعني: أقاصيصهم وأحاديثهم التي لا أصل لها.
هذا القول الذي قالوه هل هو عن عقيدة ولَّا حسب الواقع؟ يعني: هل هو عن عقيدةٍ كاذبةٍ؟ يعني: قالوه بألسنتهم، ولَّا قالوه بحسب الواقع؟ يعني هل هم ادَّعَوْا ذلك دعوى، أو هذا الذي يعتقدونه وهذا الذي تبيَّن لهم؟
يمكن هذا ويمكن هذا، والله سبحانه وتعالى يقول في سورة المطففين: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ٧ - ١٤]، هذا يدلُّ على أنَّ قولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ليس دعوى بل اعتقاد، وأنَّ هذا هو الذي يعتقدونه، فإنْ كانت دعوى وهم يعتقدون أنها وحيٌ وصِدْقٌ فهذه دعوى باطلةٌ مثل غيرها من الدعاوى، وإنْ كان هذا ما يعتقدونه وهو ما ظهر لهم من القرآن فليس بغريبٍ أيضًا؛ لأنَّ الإنسان -والعياذ بالله- إذا حُجِبَ قلبُه رأى الحقَّ باطلًا والباطلَ حقًّا، فيمكن أن هؤلاء لظلمهم وكفرهم وعدوانهم لم يتبيَّن لهم حقيقة القرآن وظنُّوها أساطير. وهذا في الحقيقة معنًى جيِّد -الأخير- أنهم يقولونه لا مجرَّد دعوى لتكذيب الرسول ﷺ، ولكن بحسب الواقع فيما يعتقدون؛ وذلك لأنهم ليس عندهم اتجاهٌ سليمٌ صحيحٌ لقبول الحقِّ، فأُرُوا الحقَّ باطلًا.
الآن لو قرأْنا القرآنَ على إنسانٍ مُعْرِضٍ هل يتذوَّق حلاوتَه؟ هل يُحِسُّ بأنَّه كلام الله؟ هل يُحِسُّ بأنَّه أصدَقُ الأخبار وبأنَّه أعدَلُ الأحكام؟ لا، أبدًا، تجده مُعْرِضًا عنه، وليس بشيءٍ عنده حقيقةً باعتبار الواقع. ليش؟ لأنه -والعياذ بالله- كما قال الله عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠].
فهو -قولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ - قد يكون ذلك عن عقيدةٍ وأنَّ هذا بحسب الواقع لأنَّ حالهم تقتضي ذلك، وكلَّما أعرضَ الإنسانُ عن القرآن يكون أشدَّ خفاءً عليه وأبعدَ عن معرفته، وكلَّما أقبلَ عليه ازدادَ به يقينًا ومعرفةً. أفهمتم الآن؟
ولِهذا أنا أدعوكم ونفسي إلى أنْ يتأمل الإنسان دائمًا في القرآن ويتدبَّر لئلَّا يكون أُمِّيًّا. الله تعالى سَمَّى اللي ما يعرفون المعنى سَمَّاهم أُمِّيِّين، اللي ما يعرف المعنى وإنْ كان يعرف اللفظَ سَمَّاه الله أُمِّيًّا؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]، أيش معنى ﴿أَمَانِيَّ﴾؟
* الطلبة: قراءة.
* الشيخ: قراءة، فسَمَّى هؤلاء الذين لا يعلمون الكتاب إلا قراءةً سَمَّاهم أُمِّيِّين؛ لأنَّ مَن يقرأ ولا يفهم فهو كمَنْ لا يقرأ، لا فرق بينهما، إلَّا أنَّ هذا عنده فهمٌ للَّفظ وذاك ليس عنده (...)، واللفظ ماذا يستفيد به المرء وهو لا يعرف معناه؟! لأنَّ اللفظ هو بمنزلة الثوب للجسم؛ إذا كان عند الإنسان ثيابٌ هل تكون رجالًا؟ واحد عنده عشرون ثوبًا، قال: واللهِ أنا أبغي آخذه على هؤلاء الجماعة (...) عليهم. أيش عندك؟ قال: عندي عشرين ثوب. تنفعه هذه الثياب؟ ليست عشرون الثوب تكون عشرين رجلًا.
فالمهم أنَّنا نقول: إنَّ الواقع أنَّ الرجل إذا لم يُقبل على القرآن وهو يتأمَّله ويحرص على معرفة معناه فإنَّه لا يستفيد من القرآن شيئًا، وكما تعرفون حال الصحابة رضي الله عنهم؛ لا يتجاوزون عَشْر آياتٍ حتى يتعلَّموها وما فيها من العلم والعمل[[أخرج الطبري في تفسيره (١ / ٨٠) عن أبي عبد الرحمن قال: حدثنا الذين كانوا يُقرِئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبيِّ ﷺ، فكانوا إذا تعلَّموا عشر آياتٍ لم يخلِّفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلَّمنا القرآن والعمل جميعًا.]]، فتعلَّموا القرآنَ والعلمَ والعملَ جميعًا.
والذي يضرُّنا نحن أنَّنا نحرص على تلاوة القرآن لفظًا، وهذا طيب، لكن معنًى أيضًا. ومن الممكن أنَّ الإنسان يقرأ ما تيسَّر لفظًا، ثم إذا كان ما قد مَنَّ الله عليه بحفظه يتأمَّله وهو يمشي، يتأمَّله وهو على فراشه، وبتأمُّل القرآن يفتح الله على الإنسان معاني ما كان يعرفها ولا تخطر له على البال؛ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧]، وجرِّبْ تَجِدْ؛ لأنَّ القرآن تبيانٌ لكلِّ شيء، وهذا كلام الله عنه، والذي يحول بيننا وبين هذا التبيان لكلِّ شيءٍ هو عدمُ إقبالنا على هذا القرآن والتأمُّل فيه والتفكُّر فيه، وإلا لو أنَّنا تأمَّلْناه لَوجدناه تبيانًا لكلِّ شيء.
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ يعني: استنسخها من غيره. وأيضًا الرسولُ ﷺ يعرفون هم أنَّه كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب، لكنَّه أَمَر غيره أن يكتبها له، ولهذا المؤلف يقول: (انتسخها من ذلك القوم بغيره) انتسخها بغيره، لأنهم ما قالوا: كتبها، قالوا: ﴿اكْتَتَبَهَا﴾؛ يعني أَمَر غيرَه أن يكتبها له؛ لأنهم هم يعرفون الرسول ﷺ أنه كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب.
﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان ٥] ﴿تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ يعني: تُقرأ عليه، ليس تُملى عليه ليكتبها؛ لأنه لا يكتب، ولكنْ تُقرأ عليه ﴿بُكْرَةً﴾ في أول النهار ﴿وَأَصِيلًا﴾ في آخر النهار، ثم يأتي بها للناس ويقول: هذا كلام الله وهذا وَحْيٌ يُلقى إليه، وهو في ذلك -على زعمهم- ليس بصادق.
قال الله تعالى ردًّا لقولهم ..
* طالب: قوله تعالى: (...)؟
* الشيخ: يمكن أن يكون (...)، يجوز هذا وهذا، ويمكن بعضهم مِثْل كُبَرائهم لا شكَّ أنهم يعرفون الحقَّ، لكن عوامهم قد لا يعرفون، قد يخفى عليهم هذا الأمر ويقولون: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* طالب: يا شيخ، قوله تعالى: (...)، يؤخذ من هذا أنَّ (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو بيؤخذ، يؤخذ من هذا العموم ومن كلِّ وقت، دائمًا إذا أُرِيدَ العمومُ يُذكَر البُكرة والعشي؛ ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢] مع أنَّ رزقهم لا ينقطع في الجنة؛ ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة ٣٣]، لكنَّه يُذكَر هذان الوقتان للدوام.
أمَّا بالنسبة للواقع والتجربة فإنَّنا جرَّبْنا أنَّ الحفظ في أول النهار أسرع، والحفظ في آخر النهار -حسب ما جرَّبتُ أنا- إذا حفظت في آخر النهار ما هو سريع الحفظ، لكنَّك إذا قُمت من النوم وجدت أنك حافظ، فكلُّ واحدٍ منهما له مزيَّة بالنسبة للحفظ.
ردَّ الله عليهم بقوله: (﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ الغيب ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ للمؤمنين ﴿رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٦] بهم).
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ أمْرٌ للنبيِّ عليه الصلاة والسلام بأنْ يقول لهم في ردِّ قولهم: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، ونحن ذكرنا فيما سبق أنَّ القرآن كلَّه قد أُمِرَ النبيُّ ﷺ بتبليغه، ولكنَّه إذا جاء حُكمٌ من الأحكام أو خبرٌ من الأخبار وأُمِرَ النبيُّ ﷺ أن يقوله، ويش يدلُّ عليه؟ على الاهتمام به والعناية به، كأنَّه وصيَّةٌ خاصَّةٌ بهذا الأمر.
وفي هذا المقام الذي معنا فيه أيضًا زيادةٌ على ذلك أنَّه دعمٌ للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّه إذا كان الله هو الذي يُلَقِّنه الحُجَّة، كان ذلك أبلغ في دَعْمه وتقويته، أليس كذلك؟ يعني كأنَّ الله يُلَقِّنه الحُجَّة ليُحاجَّ عنه لكن على لسانه.
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ أي: القرآن ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قد يبدو للإنسان أن هذا الجواب ليس بمقنع؛ لأن هذا الجواب هو نفس الشيء الذي كان الرسول يقوله؛ فإنَّ الرسول يقول: إنَّ هذا الوحي أنزله الله، من الأصل، فهل يمكن.. أنتم فاهمون الكلام الآن؟
يعني قد يبدو للإنسان مِن أوَّل وَهْلةٍ أنَّ هذا الجواب غير مقنع، كيف ذلك؟ لأنَّ الرسول ما زال يقول: إن الذي أنزله الله، فكيف يكون هذا الجواب مُفْحِمًا لهم ومُبْطِلًا لقولهم؟
* طالب: لأنَّ الله سبحانه وتعالى (...).
* الشيخ: وهي؟
* الطالب: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان ٦] (...).
* الشيخ: زين، هذا وجه. ووجه آخر: في نفس ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾؛ ولهذا الله قال: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ [الفرقان ٦]، وفي أخبار هذا القرآن ما هو من الأسرار التي لا يطَّلع عليها محمدٌ ﷺ ولا غيره؛ ولهذا عدلَ الله سبحانه وتعالى عن قوله: قلْ أنزله الله، إلى قوله: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، يعني هو في القرآن من الأسرار ما هو معلوم، يُخبر بالخبر فيقع، هل الرسول عليه الصلاة والسلام يمكنه أن يعلم ذلك؟ لا يعلم ذلك، وإنما الذي يعلمه الله، وهو الذي أنزله، فنأخذ من قوله: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ نأخذ منه البرهان القاطع على أنَّ هذا القرآن ليس من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، وليس أساطير الأولين؛ لأنَّ فيه إخبارًا عن أمورٍ مستقبَلةٍ تقع كما أخبر، ولا أظنُّ أنَّ بشرًا يتمكَّن من ذلك، هذا وجهٌ بيِّنٌ جدًّا.
وجهٌ آخَر يمكن أن يؤخذ؛ وهو أنَّه إذا كان هذا القرآن من عند محمدٍ ﷺ وينسبه إلى الله، فإنَّ الله لا يمكن أن يُقِرَّه على هذا الأمر؛ لأنَّ الله تعالى يعلم السِّرَّ، وهذا الذي فعله محمدٌ ﷺ على فرض أنَّه ليس بصحيحٍ سرٌّ ولَّا جَهْر؟ جَهْرٌ. فإذا كان الله يعلم السِّرَّ فإنَّه يعلم الجهرَ من باب أَوْلى، وإذا كان يعلم الجهرَ ومحمدٌ ﷺ يقول: إنَّ هذا كلام الله، فإنَّ الله تعالى لا يمكن أن يُهمله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾، ﴿بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ ما هي بكلِّها ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٦].
إذَنْ فهذه حُجَّة من وجهين:
منين الوجه الأول؟ أنَّ في القرآن أسرارًا وأخبارًا بالغيب لا يمكن أنْ يأتي بها بَشَر.
الأمر الثاني: أنَّه لو كان القرآن من عند محمدٍ ﷺ وهو (...) إلى الله ويجاهد به أيضًا، ويجاهد به وعليه، لَكان الله سبحانه وتعالى يُعاجله بأيِّ شيء؟ بالعقوبة؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾، وهذا هو السرُّ في العدول عن قوله: قلْ أنزله الله، إلى قوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يُشير المؤلف .. المؤلف تصرَّف في إطلاق الآية؛ الآية: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وهو يقول هنا: (﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ للمؤمنين ﴿رَحِيمًا﴾ بهم)، فما رأيُكم بهذا التصرُّف من المؤلف؟ هذا في الحقيقة تخصيصٌ لا وجه له؛ فالله تعالى موصوفٌ بهذا الوصف ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ لكلِّ مَن يستحقُّ المغفرة؛ للمؤمن معه أصل الإيمان لكن يعمل المعاصي..
تجوز مخالفة الرسم العثماني، قالوا: لأن للرسم قواعد خاضعة لكل أمة ولكل عصر، ولو أن القرآن حين نزَلَ كتابته على غير هذا الوجه لكُتِبَ على غير هذا الوجه.
إذن (...) القول الأول يقولون: لا تجوز مخالفة الرسم العثماني، ويجب على الإنسان إذا كتب القرآن لنفسه أو لغيره، تعليمًا أو تلاوة، أو أي حال من الأحوال، يجب أن يكون على الرسم العثماني، بناءً على أن هذا من باب التوقيف، فكما أننا لا نغيِّر اللفظ فكذلك لا نغيِّر الكتابة.
ثانيًا: يجوز أن يُكتب القرآن بحسب القواعد التي يُكتَب بها في أي عصر كان، ولا يجب التقيُّد بالرسم العثماني.
قالوا: لأن الكتابة لها قواعد تختلف باختلاف العصور والأمم، والقرآن لم ينزل مكتوبًا وإنما نزَلَ مقروءًا باللفظ لا بالكتابة حتى نقول: إن الكتابة توقيفية. ولأنه لو كانت القواعد -قواعد الرسم- حين نزول القرآن على غير هذا الوجه لكتب بها ولَّا لا؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: لو فُرِضَ أن الرسم حين نزول القرآن أو حين جمعه في عصر عثمان رضي الله عنه على غير هذه القواعد، لكُتِبَ بها ولَّا يُكْتب بشيء آخر؟ لكُتِب بها. فدلَّ ذلك على أن الكتابة تابعةٌ للعصر الذي تُكْتَب فيه.
والقول الثالث: التفصيل؛ إن كُتِبَ لعالمٍ فبالرسم العثماني، وإن كُتِبَ لجاهل فبالرسم العصري الذي هو فيه. قالوا: لأنه إذا كان جاهلًا ثم كُتِبَ له على الرسم العثماني أخطأ في اللفظ؛ مثلًا: نبغي نكتب (الصلاة)، على الرسم العثماني فيها واو.
* طالب: الصلوات.
* الشيخ: بيقرأها الجاهل الصلوات مثلًا، أو الصلوت، وكذلك الزكاة، وكذلك الربا، وما أشبهها. فهؤلاء يفصِّلون بين أن يُكْتَبَ لعالمٍ وأن يُكْتَبَ لجاهلٍ.
والصحيح القول الثاني: إنه يجوز أن يُكْتَبَ القرآن بحسب القواعد العصرية التي كُتِبَ بها؛ لأن كتابته ليست بتوقيفية؛ لأنه لم ينزِلْ مكتوبًا، فنقول: يجب التوقف على ما نزل عليه، وإنما هو كُتِبَ في عصرٍ كانت قواعد الرسم على هذا الوجه، فبقي على هذا الوجه.
* طالب: ربما يا شيخ (...)؟
* الشيخ: لا، ما يقع، أصله هو يُتْلَى، فالتلاوة تضبطه عن التحريف.
طيب، بناء على هذا الخلاف: كتابة القرآن بطريقة (برايل) تجوز ولَّا لا؟
* طالب: تجوز.
* الشيخ: لا، ما تجوز من باب أولى؛ لأن النقط هذه أبعد ما تكون عن الحروف، وعلى هذا فلا يجوز إطلاقًا أن يُكْتَبَ، وعمل الناس الآن على خلاف هذا؛ فهم الآن يوجد مصاحف كاملة مكتوبة بهذه الطريقة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، لفظًا، ما هي ترجمة.
* طالب: يُكْتَب ببرايل بالرسم العثماني؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: ما المعنى يعني؟
* الشيخ: الآن مثلًا: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ [المائدة ١١٦]، ﴿قَالَ﴾ ما تكتب ببرايل إلا على حسب قواعد برايل، حسب رسمها، (...).
* الطالب: إي نعم، لا يكتب (...) يا شيخ، أغلبها اختصارات.
* الشيخ: لا، حتى لو فُرِضَ أنها تبقى على ما هي عليه، إن كان بعد اختصارات فهي يجب البحث فيها، حتى لو قلنا بالجواز.
* الطالب: لا، أغلبها اختصارات، تعلمنا في (...) أكثرها اختصارات، يختصرون الكلمات إلى نقط (...) الحرف.
* الشيخ: نقطة واحدة؟
* الطالب: يعني ربما كلمة كاملة مثلًا (كيف)، بالذات الكلمات المشهورة.
* الشيخ: إي، يرمزون لها رمزًا؟
* الطالب: إي رمز، ربما رمَزَ بحرف واحد.
* الشيخ: معناه أنهم يسقطون بعض الحروف كتابة؟
* الطالب: إي.
* الشيخ: هذه تكون أبعد عن الجواز، يعني هذه أبعد حتى لو قلنا بالجواز فيُنْظر في هذا.
* طالب: يا شيخ، بالنسبة لكتابة القرآن لنا، يعني (...)؟
* الشيخ: لا، القراءات على الرسم العثماني صحيح تأتي، لكن قبل أن يوجد التشكيل والإعراب. الإعجام الآن يمنع، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] مثلًا بعد أن أُعجمت ونُقِطَت ما يمكن أنك تقرأها: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ .
* الطالب: لا، مثل قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]؟
* الشيخ: إي.
* الطالب: تقرأ ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فيها، يعني بالرسم العثماني ألف مُزالةٌ، فتُقْرَأ على الوجهين.
* الشيخ: الآن؟
* الطالب: لكن لو كُتِبَت على الكتابة المعروفة لاحتملت وجهًا واحدًا، وهو (...).
* الشيخ: الآن ﴿مَالِكِ﴾، لو أنا بنقرأها على الرسم العثماني بدون تشكيل، على طول نقرؤها: ﴿مَلِكِ﴾ ، ولا يمكن نقرؤها: ﴿مَالِكِ﴾، ولَّا لا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: وبالتشكيل تقرؤها: ﴿مَالِكِ﴾؛ لأنه يرمز للألف بالشرطة.
* الطالب: للاسم.
* الشيخ: بالشرطة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: فإذن على كل حال سيتبين هذا وهذا، يعني بعد التشكيل في الحقيقة ما تتبين القراءة، يعني ما تكون الكلمة الواحدة جامعة للقراءة.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، أبدًا، ما هو محظور هذا.
* طالب: بالنسبة لكتابة (برايل)، أليس القرآن الكريم نزل مقصودًا للنطق به، يعني تعلم الناس؟
* الشيخ: بلى.
* الطالب: ويش المانع أن تكون الكتابة على هذه (...)؟
* الشيخ: نحن نقول بناء على الخلاف، أما إذا قلنا بالجواز فهي جائزة طريقة (برايل)، إي، لكن بس عاد اللي يوجب علينا الإشكال كلام الأخ أن فيها اختصارًا.
* الطالب: إذا كان يفهم المعنى؟
* الشيخ: إي.
* الطالب: إذا كان -مثلًا- يفهم أن هذه النقطة أنها مثلًا (كيف) أو (لماذا).
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: يعني يكون القرآن كاملًا، يعني لفظًا؟
* الشيخ: ما فيه إشكال.
* الطالب: ما فيه إشكال؟
* الشيخ: إي نعم، هو على القول بالجواز الأمر واسع، على القول بجواز كتابة القرآن بغير الرسم العثماني الأمر فيه واسع، وما زال الناس الآن بالنسبة للتعليم -تعليم الصبيان- يكتبونه بالرسم العصري، وأنا ما عندي إشكال في جواز الرسم العصري بدون حاجة، حتى وإن لم يحتج الإنسان إليه؛ لأنه كما أشرنا إليه أولًا. أولًا ذكرنا ثلاثة أوجه للجواز: أن القرآن نزل؟
* طالب: ليُقْرَأ.
* الشيخ: مَلْفوظًا به لا مكتوبًا، وحينئذٍ يمنع التوقيف.
ثانيًا: أنه إنما كُتِب على هذا الوجه لأن القاعدة الرسمية في ذلك الوقت كانت على هذا الوضع، لا لأنه -مثلًا- الرسول قال: اكتبوه على هذه الصفة، أو أن جبريل نزل به على هذه الصفة.. إلى آخره.
* طالب: فيه حديث عن النبي ﷺ أمره بأن يكتب على هذه الصفة.
* الشيخ: على هذه الصفة؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وين هو؟
* الطالب: في حديث (...) ﷺ: مدَّ الألف، يعني لا أحفظ لفظ الحديث: وحرك اللام...
* الشيخ: ما أعرفه.
* الطالب: لا (...)، فيه حديث -يا شيخ- شرحه الزرقاني.
* الشيخ: إي.
* الطالب: يعني ذكر فيه كيفية أمر النبي ﷺ لهم بكتابة القرآن، بأن قال لهم يعني: مُدَّ الْأَلِفَ، أو حَرِّكِ اللَّامَ.
* الشيخ: طيب، إذا قال: مُدَّ الْأَلِفَ، هذا عليهم؛ لأن ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، إذا مدينا الألف نجيب الألف، مع أني ما أعتقد أن هذا يصلح من الرسول عليه الصلاة والسلام، أبدًا، أنه يقول: اكتبوا (الصلاة) بالواو، واكتبوا (الزكاة) بالواو، واكتبوا (الربا) بالواو.
* الطالب: لا، هو ذكر فيها قواعد الرسم الخمسة (...)، يعني الحذف والوصل والـ...
* الشيخ: على كل حال، اللي بيغير اللفظ لا بد، هذا لو ما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام لفظًا أمرًا خاصًّا، هذا معلوم، اللي بيغير اللفظ.
* الطالب: (...) حسب الأحرف السبعة، حتى تعتبرها الأحرف السبعة.
* الشيخ: أبدًا، ما نعتبرها الأحرف السبعة، الأحرف السبعة باللفظ ما بالكتابة.
الوجه الثالث: أننا نجزم بأنه لو كانت القواعد الرسمية في ذلك الوقت على غير هذا الشكل لكُتِبَ بها بلا شكٍّ، ما يمكن يُكْتَب بغير القواعد الرسمية في ذلك الوقت.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، لكنه في عهد عثمان رضي الله عنه كتبوا حسب القواعد الرسمية -فيما يبدو لي- في المدينة في ذلك الوقت ولو هو من الجائز، ما دام أن عثمان أمر بإحراق جميع المصاحف المخالفة لهذا في اللفظ، حتى لفظًا أمر بإحراقها ليجتمع الناس.
على هذا نقول: هذا القول هو الراجح؛ أنه يجوز أن يكتب القرآن بحسب القواعد العصرية، وأنه لا يجوز أن يكتب بالرسم العثماني للجاهل، هذا الذي نراه أيضًا، إنسان جاهل ما إحنا معلمينه لفظًا، يعني لا نعلمه التلاوة لفظًا، لا يجوز أن نكتب له بالرسم العثماني، والسبب أنه لو قرأه على حسب الرسم العثماني وهو لم يعلم إياه بالتلاوة سوف يحرف القرآن.
* طالب: يا شيخ، بالنسبة لأصحاب القول الثاني الذين يرون أنه، الذين فسروا بالنسبة (...)؟
* الشيخ: بالنسبة؟
* الطالب: للجاهل، يعني يجب كتابة القرآن بالطريقة التي يقرأها (...).
* الشيخ: إي.
* الطالب: طيب، منها نستنبط أنه أيضًا (...)؟
* الشيخ: ما فيها شك، هذا إذا قلنا بالجواز سواء تفصيلًا أو إطلاقًا، فالطريقة (برايل) هذه جائزة للحاجة.
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان ٧] قلنا: إن (ما) استفهامية، و(لِ هذا) جار ومجرور خبرُ المبتدأ، و﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ الجملة ويش محلها من الإعراب؟ نجيب آية تشبهها ليتضح لكم: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر ٤٩]، ويش تُعْرِبون ﴿مُعْرِضِينَ﴾؟
* طالب: (...) حال.
* الشيخ: حال. إذن ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ حال؛ الجملة حالية، يعني: ما باله آكلًا للطعام، كأنهم يقولون: لو كان رسولًا لم يأكل الطعام. هذه واحدة.
ثانيًا: ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، يمشي في الأسواق مع الناس، ما يترفَّع، ولا يختبئ في بيته، ولا يمشي ومعه جنوده يمينًا وشمالًا، وأمامًا وخلفًا، ليش يمشي في الأسواق؟
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾، يعني كأنهم يقولون: ولماذا لم يكن معه مَلَكٌ؟ لأن ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى: هلَّا، وهي للتحضيض.
وقوله: ﴿مَلَكٌ﴾ أحد الملائكة، وهو مشتقٌّ من الألوكة، وهي لُغةً الرسالةُ، وقد قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر ١].
﴿فَيَكُونَ مَعَهُ﴾ مع من؟ مع الرسول ﷺ، ﴿نَذِيرًا﴾ يعني مُنذِرًا؛ ليعلم بذلك أنه صادق.
الوجه الرابع: (﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [الفرقان ٨] من السماء ينفقه ولا يحتاج إلى المشي في الأسواق لطلَبِ المَعاش).
﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ يعني: من السماء ينزل، ﴿كَنْزٌ﴾ من السماء، وإنما قلنا: (من السماء)؛ لأن قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ تدل على الانتهاء والغاية، وإلا من الجائز: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ يعني: يجد كنزًا في الأرض، ولكن (إلى) تفيد الانتهاء والغاية، فيكون معنى هذا يعني: ﴿يُلْقَى إِلَيْهِ﴾ من السماء ينزل، ﴿إِلَيْهِ﴾ من السماء، ﴿كَنْزٌ﴾ لأجل أي شيء؟ ليكون ذا مال كثير، فلا يحتاج إلى المشي في الأسواق، ولا يصيبه الفقر كما هي حال النبي ﷺ.
هذه كم؟ ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾، ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾، ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾.
(﴿تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بستانٌ، ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أي: من ثمارها، فيكتفي بها، وفي قراءة ﴿نَأْكُلُ﴾ بالنون؛ أي: نحن، فيكون له مَزِيَّة علينا بها).
(وفي قراءة) سبعيَّة ولَّا شاذة؟
* طالب: سبعيَّة.
* الشيخ: سبعيَّة؛ لأن قاعدة المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: (وفي قراءة) فهي سبعية، وإذا قال: (وقُرِئَ) فهي شاذة.
إذن فيها قراءتان: ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ و﴿نَأْكُلُ مِنْهَا﴾ ، ﴿يَأْكُلُ﴾ و﴿نَأْكُلُ﴾ .
طيب، هذه خمسة أشياء اعترضوا بها.
(﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ أي: الكافرون للمؤمنين، ﴿إِنْ﴾ ما، ﴿تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ مخدوعًا مغلوبًا على عقله).
﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ أولًا: في هذا إظهار في مقام الإضمار، ولَّا لا؟ لأنه بالأول كلها المسألة ضمائر: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾، وهنا: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾. والإظهار في مقام الإضمار له فوائد، وأظن أننا قد ذكرناها من قبل.
* طالب: أولًا (...).
* الشيخ: تسجيل هذا الوصف عليهم، يعني بيان حالهم أنهم بهذا الوصف، يعني أنهم ظالمون. هذه واحدة.
طيب، الثانية؟
* طالب: الاعتناء (...).
* الشيخ: اهتمام، كيف ذلك؟ ما فيه شيء.
الفائدة الثانية: أن هذا القول يُعتَبَرُ من الظلم، فيكون الأمر شاملًا، يعني أن كل من قال فهو ظالم.
الفائدة الثالثة: التنبيه، تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد فإن الإنسان ينسجم وربما يسرح، فإذا جاءه شيء على خلاف النمط الأول حصل بذلك الانتباه. وهذه الفائدة لفظية، والفائدتان الأوليان معنويتان.
* طالب: العلة (...)؟
* الشيخ: هو هذا يؤخذ من الأمر الثاني؛ الفائدة الثانية.
الفائدة الأولى قلنا: إنه يسجل على هؤلاء وصفهم بهذا الظاهر؛ إن كان كفرًا فهو كفر، أو ظلمًا فهو ظلم، أو فسقًا فهو فسق، أو إيمانًا فهو إيمان.. إلى آخره.
والفائدة الثانية: أن هذا الحكم أو هذا القول أو هذا الفعل ظُلمٌ، من أي إنسان وقع، وهذا هو الذي أشار إليه (...)؛ لأنه للتعليل.
والفائدة الثالثة: التنبيه، تنبيه المخاطب؛ لأن اختلاف الكلام أو اختلاف نسق الكلام يوجب الانتباه.
و﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾، يقول المؤلف: (﴿إِنْ﴾ مَا)، (ما) هذه تفسير لـ﴿إِنْ﴾، يعني أنَّ ﴿إِنْ﴾ نافية، إذا كانت نافية فالمسألة فيها حصر، يعني: ما ﴿تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا﴾، وهذا أبلغ من قولهم: إنكم تتبعون رجلًا مسحورًا، يعني كأنهم قالوا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس له حال من الأحوال إلا أنه مسحور، يعني: (مخدوعًا مغلوبًا على عقله) يعني: مختل العقلِ بالسِّحر.
ومن العجائب أنهم أحيانًا يقولون: إنه ﴿سَاحِرٌ﴾ [الذاريات ٥٢]، وأحيانًا يقولون: إنه ﴿مَسْحُورًا﴾ [الإسراء ٤٧]، وبينهما فرق. ولكن مع هذا المبطل كل ما يمكنه من الدعاوى الباطلة يأتي بها ولو كان (...).
نشوف الآن: هذه الأشياء الست التي قدحوا في النبي ﷺ بها.
أولًا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾، بماذا نجيبهم؟ ويش نرد عليهم به؟
* طالب: أنه بشرٌ.
* الشيخ: أنه بشرٌ، فهو محتاج إلى الطعام، وهذا ليس بقادح، ما دامت القرائن أو البينات شهدت بصدقه، فإن كونَه يأكل الطعام لا يمنع من صدقه؛ لأنه بشر.
﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾..
* طالب: أيضًا.
* الشيخ: لا، هذه ما هي من الطبيعة البشرية، البقر يمشي بالأسواق، والإبل تمشي في الأسواق.
* طالب: التواضع.
* طالب آخر: (...) طلب الرزق يعني.
* الشيخ: إي، التواضع نعم، نرد عليهم بأن هذا مما يؤيد كونه رسولًا، لا مما يناقض كونه رسولًا؛ لأن هذا يدل على تواضعه، وعلى محبته لأنْ يكون بين أُمَّته يفيدهم ويستفيدون منه.
إذن فهذه لكونها دليلًا على الرسالة أوضح من كونها مانعًا من الرسالة، ولَّا لا؟
طيب، و﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾، هم كأنهم يقولون: ولماذا لم ينزل عليه مَلَكٌ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، يُقال: أولًا: إنه أنزل إليه مَلَكٌ، لكنه ليس كما طلبوا يمشي معه ويُنذِرُ، فإن جبريل قد أُنْزِلَ إلى النبي ﷺ ومعه الوحي، وهذا ما يقوله النبي عليه الصلاة والسلام. وأمَّا كونه معه مصاحبًا له، فهذا لا يقدح في الرسالة إذا لم يكن مصاحبًا؛ لأنه لو كان مصاحبًا وجاء على غير صفة الملائكة عاد الأمر كما كان، صارت الحجة التي يحتجون بها أو الشبهة التي يحتجون بها موجودة. ولو جُعِلَ مَلكًا في صورة الملك لكان يقضى عليه إذا لم يؤمنوا؛ لأن الآيات المعينة إذا طلبت ولم يؤمن من طلبها فإنه يهلك.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما هي معينة، ولهذا قيدناها: الآيات المعينة إذا طُلِبَت، أما لو قالوا: أَرِنا آيةً ولم يعينوها، فهذا يمكن ما يهلكون به.
طيب، ﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾، يقول: ليش ما صار هذا غنيًّا؟ فكونه قليل ذاتِ اليد يدل على أنه غير رسول، بماذا نجيبهم؟
* طالب: لأن الرسول ﷺ دعا إلى هذا؛ دعا إلى الكفاف وطلب الرزق.
* الشيخ: إي، لكن هم يقولون: أنت رسول، ليش ما نزل عليك كنزٌ تستغني به عن طلب الرزق؟
* الطالب: مما يدل على (...).
* طالب: لأن جميع الأنبياء كانوا فقراء، فكما ثبت وَكَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْ كَسْبِ أَيْدِيهِمْ[[أخرج البخاري (٢٠٧٢) عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ، قال: «ما أكل أحد طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده». ]].
* الشيخ: طيب، وغير؟
* طالب: ولأن الرسول ﷺ خُيِّر بين (...).
* الشيخ: ما يخالف، هو خُيِّر بين أن تسير معه الجبال ذهبًا، أو خُيِّر بين أن يكون مَلَكًا نبيًّا أو عبدًا نبيًّا، فاختار هذا[[أخرج النسائي في الكبرى (٤٣١٢) أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يحدث أن الله تبارك وتعالى أرسل إلى نبيه ﷺ ملكًا من الملائكة ومعه جبريل، فقال الملك: إن الله يخيرك بين أن تكون عبدًا نبيًّا وبين أن تكون مَلِكًا، فالتفت رسول الله ﷺ إلى جبريل كالمستشير، فأشار جبريل بيده أن تواضع، فقال رسول الله ﷺ: «بل أكون عبدًا نبيًّا»، قال: فما أكل بعد تلك الكلمة طعامًا متكئًا. ]]، لكن ما هي بهذه مقنعة.
* طالب: لأن الأمر الذي جاء به أمر عظيم من الدعوة (...)، ومن الإيمان بالله سبحانه وتعالى، فليس يعني (...) المال وغيره، وإنما عليه كي ينبههم إلى...
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، طيب.
* طالب: لأنه قد يكون الإنسان معه -مثلًا- مال ولا يكون رسولًا، كم مثلًا من صاحب جاهٍ فيكون معه، ليس دليلًا على (...).
* الشيخ: يعني معناه الرسالة لا تتوقف؟
* الطالب: على المال.
* الشيخ: على المال، الرسالة لا تتوقف على المال، وليس المال دليلًا على الرسالة؛ لأن هناك أناسًا كثيرين أغنياء وليسوا برُسُلٍ.
* طالب: ثم إنه لو كان معه مالٌ لاتُّبِعَ لأجل ماله.
* الشيخ: هذه إيجابية، الكلمة اللي أنت قلت إيجابية، لكن نريد الدفع؛ دفع قولهم، ثم نقول كما أشار إليه الأخ: إن عدم المال معه قد يكون أكثر لتأييد كونه رسولًا؛ لأنه لو نزل إليه مالٌ واتبعه الناس من أجله صارت المسألة ما اتبعوه علشان رسالته.
إذن نقول: هذا -أي: كونه لم ينزل عليه كنزٌ- ليس مانعًا من الرسالة. لماذا؟ لأن ثبوت الرسالة لا يتوقف على الكنز، بل تثبت بدونه، ولأنه لو كان عنده كنزٌ لقيل: اتبعه الناس من أجل كنزه وغناه. فهذا إبطال لقولهم.
﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾، نقول فيها مثلما قلنا في مسألة الكنز: إن هذا ليس بلازم في الرسالة، وأنه لو كان ﴿لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أو ﴿نَأْكُلُ﴾ على القراءة الثانية (...) لقيل: إنهم اتبعوه لأجل الأكل من هذه الجنة.
السادس: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، بماذا نرد عليهم؟
* طالب: بالآيات القرآنية.
* الشيخ: لا، بس الآيات القرآنية ما هم مؤمنين هم بالقرآن.
* طالب: (...).
* الشيخ: وغير هذا؟
* طالب: نرد عليهم (...).
* الشيخ: نعم، نرد عليهم بأن المسحور لا يمكن أن يأتي بمثل هذا الكلام، يأتي بكلام يعجز عنه العقلاء فيقال: إنه مسحور، يمكن هذا ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: يعني يمكن لإنسانٍ مسحورٍ مخبولِ العقل بالسحر يأتي بكلام يعجز عنه البلغاء، ويتحدى العقلاء أن يأتوا بمثله ولا يستطيعون أو ما يمكن؟ لا يمكن، هذا واضح جدًّا، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٩].
* طالب: كذلك ما أقول: إن (...).
* الشيخ: إي، الساحر (...)، لكن أثر على المسحور، ما يمكن أن يأتي بمثل هذا الكلام.
* الطالب: إذا كان الساحر يبطل سحره، فالمسحور أولى أن يُبطل السحر.
* الشيخ: لا، أصلًا ما هو بيجي بكلام مضبوط، يعني لا نقول: إنه بيأتي بكلام يمكن نقضه أو لا يمكن، لا يمكن يأتي بكلام إلا كلام غير متوازن، فكيف بكلام معجز؟!
قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ الاستفهام في قوله: ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ﴾ للتعجب والإنكار.
وقوله: ﴿الْأَمْثَالَ﴾ يعني: الأشباه أو الأوصاف؛ لأن المثَلَ يأتي بمعنى الشبَهِ ويأتي بمعنى الصفة. قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [محمد ١٥]، معنى ﴿مَثَلُ﴾ صفةُ الجنة. ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ [البقرة ١٧] يعني: شَبَهُهُم كشَبَهِ... فالأمثال إما بمعنى الأشباه أو بمعنى الأوصاف، يعني: كيف جعلوا هذه الأوصاف التي يقدحون برسالتك بها؟! انظر إليها متعجبًا، والتعجب يقتضي في الغالبِ الإنكارَ.
(﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ بالمسحور، والمحتاج إلى ما ينفقه، وإلى مَلَكٍ يقوم معه بالأمر، ﴿فَضَلُّوا﴾ بذلك عن الهُدى، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ طريقًا إليه).
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ﴾، الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، وكونه يُخاطب الرسول ﷺ بهذا الإنكار عليهم لا يخفى ما فيه من التأييد والتقوية للرسول ﷺ وعناية الله تعالى به ﷺ، وهذا أمر معلوم.
وقوله: ﴿فَضَلُّوا﴾، الفاء هذه عاطفة لكنها تُفيد السببية؛ أي: فبسبب ما ضربوا لك من الأمثال ضلَّوا. وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا أورد الشبهات على نفسه أو على من أتى بالحق فإنه يكون سببًا لضلاله، إذا لم يَقْبَل الإنسان الحق ويدَعْ ما يَرِدُ على خاطره من الشبهات حول ذلك الحق فإنه يكون سببًا لضلاله؛ ولهذا قال: ﴿فَضَلُّوا﴾، الفاء عاطفة وتُفيد السببية.
وقد ذكر ابن القيم في مفتاح دار السعادة أنه تكلم مع شيخه ابن تيمية في مسائل (...)، يقول: فجعلت أورد عليه بالنقد، فقال لي: لا تجعل قلبك مثل الإسفنجة يقبَلُ كلَّ شُبهةٍ فيتشرَّبها، ولكن اجعله كالزجاجة الصلبة تكشف ما وراءها ولا تتأثر. وهذا صحيح، الإنسان إذا فتح على نفسه باب الشبهات والتساؤلات فإنه يضِلُّ، وانظر إلى إرشاد النبي ﷺ الرجل حينما يتساءل الناس: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقولوا: من خلق الله، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام الإنسان إذا وصل إلى هذا الحد أن يستعيذ بالله ولينته، وأرشده إلى أن يقرأ ﴿اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١ - ٤]، وفي حديث آخر: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد ٣]
فهذه الأشياء التي تَرِدُ على القلب إذا استرسل الإنسان منها فسوف تكون سببًا لضلاله، كما تفيده هذه الآية وآيات أخرى كثيرة؛ مثل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]. فالإنسان يجب عليه أن يكون قابلًا للحق، متشوِّفًا له، قابلًا له، ولا يورد على نفسه شبهات؛ لأن الشبهات ما لها حدٌّ، والشيطان يحب من ابن آدم أن يرد على قلبه هذه الشبهات ليضل.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، (المسحور) واضح، وكونه ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، و﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾، كلها مندرجة بقوله: (والمحتاج إلى ما ينفقهًا وإلى مَلَكٍ يقوم معه).
الخلاصة الآن -يا جماعة- أن هؤلاء الكفار جعلوا مع الله آلهة، وهذا قدح في التوحيد. ثم زعموا أن القرآن أساطير الأولين، وهذا قدح في القرآن مباشرة، ويتضمن القدح في الله أيضًا والقدح في الرسول ﷺ. ثم بعد ذلك ذكر الله قدحهم في الرسول ﷺ القدح المباشر بهذه الأوجه الستة، وتبين -ولله الحمد- أن هذه الأوجه التي أوردوها قدحًا في النبي ﷺ كلها ليست بقدح، بل منها ما يؤيد أنه رسول.
استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن النبي ﷺ لم يُسْحَرْ، وكذَّبوا بذلك الأحاديثَ المشهورة بل المتواترة أن النبي ﷺ سُحِرَ، وأن الله أنزل عليه المعوذتين لنقض هذا السحر[[أخرج عبد بن حميد (٢٧١) عن زيد بن أرقم، قال: سحر النبي ﷺ رجل من اليهود، قال: فاشتكى فأتاه جبريل، فنزل عليه بالمعوذتين... الحديث. ]]. فهل لاستدلالهم بهذه الآية وجه ولَّا لا؟
* طالب: له وجه.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لأنها (...) الظالمين.
* الشيخ: إي نعم، لكن هم.. الآن نحن لا نشك أن الرسول ﷺ قد سُحِرَ، وأنه نزلت عليه المعوذتان ونُقِضَ سِحْرُه بهما، هذا أمر لا شك فيه؛ لأن الأحاديث في ذلك متواترة. هم يقولون: هذه الأحاديث كلها كذبٌ، ما هي بصحيحة؛ لأن القول بأنه مسحور هو قول الكفار.
* طالب: لا وجه له؛ لأن (...).
* الشيخ: لا، ما هو بهذا الوصف، ما هو بهذا الرد، هو صحيح ما له وجه لكن ما هو بهذا الـ...
* طالب: قولهم: رجل مسحور، تُفيد الوصفَ اللازم.
* الشيخ: إي.
* الطالب: أنه يعني هذا حاله الدائم أنه مسحور، أما السحر الذي سحره اليهودي فهو شيء طارئ مثل المرض، يعني يُزَالُ بمزيلات.
* الشيخ: إي نعم، هذا صحيح، هذا هو الرد عليهم، نقول: إن هؤلاء الظالمين الذين قالوا: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، أرادوا بذلك أن السحر وصف لازم له، وأن كل ها الكلام اللي بيقول كله كلام مسحور (...). أما السحر الذي طرأ على النبي عليه الصلاة والسلام فهو سحر طارئ، ثم مع ذلك ما أثَّر في الرسالة أبدًا، عائشة رضي الله عنها تقول: اللي حصل أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله[[أخرج البخاري (٦٠٦٣) ومسلم واللفظ له (٢١٨٩ / ٤٣) عن عائشة، قالت: سحر رسول الله ﷺ يهودي من يهود بني زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم، قالت: حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم، أو ذات ليلة، دعا رسول الله ﷺ، ثم دعا، ثم دعا، ثم قال: «يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟ جاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي، أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، قال: وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان» قالت: فأتاها رسول الله ﷺ في أناس من أصحابه، ثم قال: «يا عائشة، والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رءوس الشياطين». قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا أحرقته؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرًّا، فأمرت بها فدفنت».]]، هذا الذي حصل، وهي مدة وجيزة أيضًا ولم تؤثِّر؛ يعني ما قال شيئًا في الرسالة مما يمكن أن تتغير به الرسالة في هذه المدة.
فالحاصل أن الاستدلال بهذه الآية على إبطال أحاديث صحيحة متواترة، لا شك أنه جرأة عظيمة، لو كانت الأحاديث ضعيفة أو كانت الأحاديث -مثلًا- من الأحاديث التي في أدنى مراتب الصحة، لكنا نقول: إن هذا له وجه. وأما أحاديث صحيحة مشهورة متواترة ونبطلها بمثل هذا الأمر لا يمكن أن يبطلها، ولذلك الصواب، بل اليقين المتيقن المتعين أن ذلك وقَعَ للرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن الله تعالى أنزل عليه سورتين ثم هُدِيَ إلى محَل السحر. أين كان سحره؟ في بئر أريس، وكان في مُشْطٍ ومُشاطةٍ في جوف طلعة ذكَرٍ، يعني كافور. تعرفون الكافور؟ كافور الفحل يكون كبيرًا ويسع. هذا السحر وُضِعَ للرسول عليه الصلاة والسلام في مُشْطٍ اللي يُكَدُّ به الرأس، والمُشاطة الشعر الذي يتناثر مع الكدُّ، وجعل في هذا الكافور في البئر التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يأتي إليها. فذهب النبي عليه الصلاة والسلام وأمر أن يُخْرَجَ هذا السحر، فأُخْرِجَ السحر فنُقِضَ، فعافاه الله سبحانه وتعالى.
قال الله تعالى: ﴿فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿سَبِيلًا﴾ بمعنى طريقًا. إلى أي شيء؟ إلى الهدى، والعياذ بالله. وفي هذا تحذير كما أشرنا إليه أولًا، تحذير من أن يتابع الإنسان الشُّبَه التي تَرِدُ عليه، وأنه يجب على الإنسان أن يبتعد عن هذا كله.
الفرقان 25:10
قال الله تبارك وتعالى: (﴿تَبَارَكَ﴾ تكاثَرَ خير، ﴿الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ﴾ [الفرقان ١٠]).
نشوف المؤلف في أول السورة فسَّر ﴿تَبَارَكَ﴾ [الفرقان ١] بأي شيء؟
* طالب: (تعالى).
* الشيخ: بـ(تعالى)، وهنا: (تكاثَرَ خيرُه)، فهل معنى ذلك أن هذه الكلمة خاضعة للسياق وأنها تفسر في سياق بمعنى (تعالى) وفي سياق بمعنى (تكاثر خيره)؟
ظاهر صنيع المؤلف أنها كذلك؛ أن هذه الكلمة (تَبَارَكَ) إن جاءت في سياق فُسِّرت بمقتضاه، وإن جاءت في سياق فُسِّرت بمقتضاه. ولكننا أشرنا فيما سبق إلى أنها وإن دلت على التعالي فهي دالة أيضًا على كثرة الخير؛ لأنها من البركة، والبركة هي كثرة الخير مع دوامه، مأخوذة من البِركة التي هي مجمع الماء، ففيها ماءٌ ثابتٌ وكثيرٌ.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي﴾ أي: تعالى مع كثرة الخيرات، ﴿الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ إلى آخره.
جملة صلة الموصول هنا شرطية، أو لا؟ الجملة التي وصل بها الموصول شرطية، وهي ﴿إِنْ شَاءَ جَعَلَ﴾، فنستفيد من ذلك أن صلة الموصول تأتي شرطية، وإذا أتت شرطية فلا بُدَّ من وجود فعل الشرط وجواب الشرط، ثم نقول: الجملة من فعل الشرط وجوابه صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي﴾ والمراد به الله سبحانه وتعالى، (﴿إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ الذي قالوه من الكنز والبستان). ما هو الخير؟ أبدل منه قوله: (﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: في الدنيا؛ لأنه شاء أن يعطيه إياها في الآخرة، ﴿وَيَجْعَلْ﴾ بالجزم، ﴿لَكَ قُصُورًا﴾ أيضًا، وفي قراءة بالرفع استئنافًا) (...) كذلك.
وقول المؤلف: (أي: في الدنيا؛ لأنه شاء أن يعطيه إياها في الآخرة) ما له داعٍ؛ لأن السياق يغني عن هذا القيد؛ إذ إن هؤلاء يقترحون أن تكون الأمور السابقة لهم في الآخرة ولَّا في الدنيا؟
* طالب: في الدنيا.
* الشيخ: في الدنيا، فيقول الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا﴾، فالقيد الذي ذكر المؤلف كأنه يقول: جوابًا على الإيراد الذي يرد علينا -وهو أن الله تعالى قد شاء أن يعطي رسوله جنة الآخرة- نقيد الآية بالدنيا، نقول: ما حاجة إلى هذا القيد؛ لأنهم هم لا يريدون أن الله يجعل له كنزًا وجنة في الآخرة، يريدون أن تكون له في الدنيا، فيقول الله: لو شاء الله أن يجعل لك ذلك لجعل لك خيرًا منه، وهي هذه البساتين، وهم يقولون: ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾، واللي بيجعل الله بدلًا عنها لو شاء: ﴿جَنَّاتٍ﴾، ما هي جنة واحدة.
أيضًا ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾، الجنة ربما يُؤْكَل منها وهي ليس فيها أنهار، يمكن تشرب النخيل والأشجار بعروقها. لكن هنا ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أبلغ وأتم؛ لأن لجريان الماء في أنهاره شهوةً بصريةً يتلذذ بها الإنسان عند رؤيته إياه، زيادة على كثرة الماء على البستان الذي يكون سببًا لكثرة نمائه وقوته.
وقوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ فيها قراءتان: ﴿وَيَجْعَلْ﴾ بالسكون، ﴿وَيَجْعَلُ﴾ بالرفع.
على قراءة السكون ويش تكون معطوفة عليه؟ على جواب الشرط: ﴿إِنْ شَاءَ جَعَلَ﴾ ﴿وَيَجْعَلْ﴾، وعلى قراءة الرفع يقول المؤلف: (استئنافًا). ولكنه ليس متعينًا حتى على قراءة الرفع، يعني كأنه يقول: وهو يجعل لك قصورًا، وليس كذلك، يعني لا تفهموا منه هذا الأمر، (استئنافًا) من حيث الإعراب لا من حيث المعنى؛ لأن المعنى مضافًا إلى ما سبق، لكنه من حيث الإعراب يجوز فيه الجزم اتباعًا للفظ، ويجوز الرفع (استئنافًا)، ويكون عطف جملة على جملة.
يقول ابن مالك في ألفيته:
وَبَعْدَ مَاضٍ رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَنْ ∗∗∗ ...........................
يعني: إذا كان فعل الشرط ماضيًا، فرفع (الجزاء) إذا كان مضارعًا.
......رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَنْ ∗∗∗ وَرَفْعُهُ بَعْدَ مُضَارِعٍ وَهَنْ
يعني: ضعف، وهو جائز لكنه ضعيف.
يستفاد من هذه الآيات: عناية الله سبحانه وتعالى بالرسول ﷺ بالدفاع عنه، وعناية الله بالرسول بالدفاع عنه ليست عناية به وحده، بل حتى في الأمة؛ لأن ذلك يزيل الشبه التي يحتج بها المبطلون، وإزالة الشبه عن الأمة هذه من رحمة الله تعالى بهم، والله الموفق. (...)
* * *
﴿كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان ١١] لمَّا ذكر الله سبحانه وتعالى ما جنى به هؤلاء عليه وعلى وحيه وعلى رسوله والجوابَ على ذلك ذكَرَ أمرًا آخر وهو تكذيبهم بالساعة، وأتى بـ(بَل) الدالة على الانتقال، وهذا الانتقال ليس إبطالًا لما سبق، بل إضافة شيء آخر إليه، وهو قوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾.
والمراد ﴿بِالسَّاعَةِ﴾ يوم القيامة، وكلمة (الساعة) تُطْلَق في اللغة على كل أمر هامٍّ، كأنه لا يوجد إلا هذه الساعة التي يشار إليها بهذا الزمن، وإلا فهي في الأصل لكل مدة من الزمان قليلة كانت أم كثيرة، لكنها تُطْلَق كثيرًا على ما يحدث فيه أمر هامٍّ، وذلك كما هنا.
﴿كَذَّبُوا﴾ بها، التكذيب بالساعة يشمل التكذيب بوقوعها رأسًا؛ بأن يقول: لا بعث، أو التكذيب بما يقع فيها من الأمور؛ كالحساب والكتب والصراط والحوض والشفاعة، وما أشبه ذلك؛ لأن الإيمان باليوم الآخر يتضمن الإيمان بوقوعه وبما يقع فيه، فإذا كذَّب به الإنسان رأسًا فقد كذَّب به، وإذا صدَّق به ولكن كذَّب بما يقع فيه فهو أيضًا مكذِّب به.
قال الله عز وجل: (﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ نارا مُسَعَّرَة؛ أي: مُشْتَدَّة).
﴿أَعْتَدْنَا﴾ بمعنى هيَّأنا، و﴿لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ﴾ منهم ومن غيرهم؛ ولهذا أتى بـ(مَن) الدَّالة على العموم، ولم يقل: وأعتدنا لهم، وهذا إظهار في موضع الإضمار، وقد سبق أمس أن من فوائد الإظهار في موضع الإضمار العمومَ، والتصريح بالعلة؛ علة الحكم.
فقوله: ﴿لِمَنْ كَذَّبَ﴾ ﴿سَعِيرًا﴾، كأن هذا تعليل للحكم الذي هو قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ ﴿سَعِيرًا﴾ لأنهم كذبوا بالساعة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ﴾ * يستفاد منه: أن النار مخلوقة الآن، وهو كذلك، وقد دلَّت على ذلك نصوص الكتاب والسُّنة، قال الله تعالى عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر ٤٦]، وهذا نص صريح بأنها مخلوقة. وفي الأحاديث الصحيحة ما يدل على ذلك مثل: «اشْتَكَتِ النَّارَ إِلَى رَبِّهَا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسًا فِي الشِّتَاءَ، وَنَفَسًا فِي الصِّيْفِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٣٦)، ومسلم (٦١٧ / ١٨٦) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
وقوله: ﴿سَعِيرًا﴾ قال المؤلف: (نارًا مُسَّعرة)، فجعل (فعيلًا) بمعنى مفعولٍ؛ أي: مُسَّعرة. ويحتمل أن تكون بمعنى فاعلٍ؛ أي: حارقة تُحْرِق مَن دخل فيها. والمعنى لا يتنافى؛ لأنها إذا كانت مُسَّعرةً -يعني: مُشتدَّة الحرارة- أو كانت هي بنفسها تسْعَرُ بالناس وتأكلهم، فهذا وهذا متلازمان.
(﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ [الفرقان ١٢] غليانًا كالغَضْبان إذا غلى صَدْره من الغضب، ﴿وَزَفِيرًا﴾ صوتًا شديدًا، أو سماعُ التَّغَيُّظِ رؤيتُه وعلْمُه).
يقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، الفاعل هي السعير، وفيه دليل على أنها ترى، وهذه الرؤية يجب أن نحملها على المعنى الحقيقي. ولا يمكن أن نقول: إن هذا من باب الاستعارة، وإنه معنى مجازي؛ لأنه من الجائز أن يخلق الله تعالى فيها إدراك الرؤية، وإن كانت هي ليست من ذوات الرؤية في العادة، ولكن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، كما أن الأرض تسمع وتُحَدِّث ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة ٤]، والمؤذِّنُ لا يسمع صوتَه شجرٌ ولا مَدَرٌ إلا شهِدَ له يوم القيامة[[أخرج ابن خزيمة (٣٨٩) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: إذا كنت في البوادي فارفع صوتك بالنداء؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يسمع صوته شجر، ولا مدر، ولا حجر، ولا جن، ولا إنس إلا شهد له».]].
فنحن نقول: ليس في هذه الآية استعارة، بل هي على المعنى الحقيقي، وأن النار تَرَى؛ لأن الله أخبر أنها ترى ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾. وما المانع من أن الله يخلق بها هذه الحاسة؟
بدليل أيضًا ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾، التغيَّظ من المعروف أنه لا يكون إلا من ذوات الشعور، ولكن مع هذا يجب أن نقول: إنه في هذه الآية على ظاهره، وإنها تتغيَّظ ويُسْمَع لتغيُّظها صوتٌ مثل تغيظ الإنسان الغضبان، إذا امتلأ صدره غضبًا فإنك تسمع له صوتًا من الغضب.
وهذا دليل على شدة حَنَقِها -والعياذ بالله- على أهلها، وأنها كما قال الله تعالى في سورة تبارك: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك ٧، ٨]، فما ظنُّك بشيءٍ يُلْقَى فيه الإنسان في جوفه وهو ممتلئ عليه غيظًا وحَنَقًا، ماذا يصنع به؟ هذا دليل على شدة عذابها -والعياذ بالله- وأنها لا ترحمهم، ولا تألوا فيهم أي شيء؛ إلًّا ولا ذمَّة.
(﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ غليانًا كالغَضْبان إذا غلى صدْرُه من الغضب ﴿وَزَفِيرًا﴾ ) هذا وهو مِن مكانٍ بعيدٍ، مما يدل على أن هذا التغيُّظ والزفير شديد أو هيِّنٌ؟ شديد، ما دام يُسْمَع من محَلٍّ بعيد فإنه شديد.
المؤلف يقول: (أو سَمَاعُ التَّغَيُّظ رؤيتُه وعلْمُه) هذا ليس بصحيح وإن كان محتملًا، لكن المعنى الأول أن تُحْمَلَ الرؤية على الحقيقة، هذا هو الواجب. وقد مرَّ علينا من قواعد التفسير، بل من قواعد كل كلام: أنه يجب أن يُحْمَل على ظاهره وعلى حقيقته ما لم يوجد دليل يصرف عن الحقيقة أو الظاهر، وليس دليلًا أيَّ دليل، يوجد دليل صحيح، وأما ما يظنه الإنسان دليلًا وليس بدليل فهذا غير مقبول.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يعني إذا رأوها.
* الطالب: يعني اللفظ ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾، إذا رآهم زبائنها يعني؟
* الشيخ: لا، ما هو بصحيح، هذا من التحريف في الواقع؛ لأنا قلنا: جائز أن الله تعالى يخلق فيها حاسة الرؤية.
* طالب: فيه أحاديث ضعيفة مقيِّدة للآية (...)؟
* الشيخ: على أيش؟
* الطالب: أحاديث ضعيفة، يعني قيل: لها عينان[[أخرج الطبراني في الكبير (٧٥٩٩) عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «من كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من بين عيني جهنم». فشق ذلك على أصحابه، فقالوا: يا رسول الله، نحدث عنك بالحديث نزيد وننقص؟ قال: «ليس ذا أعنيكم إنما أعني الذي يكذب علي متحدثًا، يطلب به شين الإسلام». قالوا: يا رسول الله، إنك قلت: بين عيني جهنم وهل لجهنم عين؟ قال: «نعم»، أما سمعته يقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢] فهل تراهم إلا بعينين؟]] (...).
* الشيخ: نحن ما، هذه الأحاديث ضعيفة..
* الطالب: تؤيدنا يعني (...)؟
* الشيخ: لا، ما نحتاج إلى تأييدها، التأييد ما دام عندنا اللفظ صريح ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٨٤]. الذي خلق العين في الإنسان يمتنع عليه أن يخلقها في النار؟
* طالب: لا يمتنع.
* الشيخ: لا يمتنع، لكن بعض الناس إذا لم يدرك عقلُه الشيءَ ذهب يحرفه إلى ما يدركه.
ثم إنه يجب أيضًا أن نعرف أن أحوال الآخرة لا يمكن أن تُقاس بأحوال الدنيا، نحن نعلم أن الناس يُحْشَرون؛ منهم من يسعى نوره بين يديه، ومنهم من هو في ظلمة، وهم في مكان واحد مُسْتَوٍ يُسْمِعُهم الداعي وينفذهم البصر. ونعلم أن من الناس من يعرق، فيَصِلُ العَرَق إلى كعبيه، ورُكبتيه، وحِقْويه، ومنهم من يلجمه إلجامًا، ومع ذلك فهم في مكان واحد، ولا يمكن أن تُقاس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا أبدًا.
قال: (﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ [الفرقان ١٣] بالتشديد والتخفيف) يعني: قراءتان سبعيتان، (بأن يُضَيَّق عليهم، و﴿مِنْهَا﴾ حالٌ مِنْ ﴿مَكَانًا﴾؛ لأنه في الأصل صفةٌ له ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ ) إلى آخره.
﴿إِذَا أُلْقُوا﴾، في هذا دليل على أنهم -والعياذ بالله- لا يُعَاملون معاملةَ رحمةٍ، بل يُلْقَون إلقاءً ويُطْرَحون طرحًا.
وقوله: ﴿مَكَانًا﴾ ظرف، عامله قوله: ﴿أُلْقُوا﴾. وقوله: ﴿مِنْهَا﴾ في الأصل صفة، ولكن القاعدة عند أهل النحو أن الجار والمجرور إذا تقدم على موصوفة صار حالًا منه؛ لأن الصفة لا تتقدَّم على الموصوف، تقول مثلًا: جاء رجلٌ على بعيرٍ راكبًا، فتُعْرِب (راكبًا) حالًا، لكن لو قدمتها على (رجل): جاء راكبٌ، لوجب أن تكون صفة بالمعنى.
كذلك الجار والمجرور؛ إذا قلت: جاء رجل على بعير، (على بعير) صفةٌ لـ(رجُل)، فإذا قدمت (على بعير): جاء على بعيرٍ رجلٌ، وجب أن تكون الصفة هذه حالًا. لماذا؟ نقول: لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف، ولهذا قال: (و﴿مِنْهَا﴾ حَالٌ مِنْ ﴿مَكَانًا﴾ )؛ لأنه في الأصل صفة له.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، ضيقًا.
* وفي هذا أيضًا ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾: دليل على أن هذا المكان الذي يُلْقَون منه لا يكون واسعًا، بل يُضَيَّق عليهم، وهذا قبل دخولها فكيف إذا دخلوها؟!
ويحتمل أن نفس الأمكنة التي هم فيها في نفس النار تكون ضيقة؛ إذا ألقوا مكانًا منها ضيقًا، فتكون (مِن) هذه قريبة من معنى (فيها).
(﴿مُقَرَّنِينَ﴾ مُصَفَّدِينَ قد قُرِنَتْ -أي: جُمِعَتْ- أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، والتشديد للتكثير) التشديد في قوله: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾؛ لأن أصل (مُقرَّن) أصله: قَرَنَ، يعني مأخوذة مِن: قُرِّن فهو مُقرَّن، وأصله مِن: قرَنَ بالتخفيف؛ قرَنْتُ هذا الرجل أَقْرِنُه فهو مقرونٌ، لكنها أتت بالتشديد للتكثير، أو للمبالغة في هذا القَرْن؛ أنهم يقرنون بشدة، فهم إذا ﴿أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ (هلاكًا، فيقال لهم) ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان ١٤].
هذا في الحقيقة تصوير بيِّنٌ لحال النار وأهلها يوم القيامة؛ أنهم قبل أن يدخلوها يسمعون لها تغيُّظًا وزفيرًا، وهذا بلا شكٍّ يخلع قلوبهم ويرعبهم.
ثم إذا أُلْقُوا فيها ليسوا يُلْقَون على سبيل الكرامة، بل يُلْقَون إلقاء. ثم إنهم لا يُلْقَون هكذا مُطْلَقين، ولكن مُقرَّنين؛ يعني مجموعة أيديهم إلى أعناقهم.
ثم إذا أُلْقُوا على هذا الوصف يدعون بالثبور والعياذ بالله؛ ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾، يعني يقولون: واهلاكنا، واثُبورنا، وما أشبه ذلك، فيقال لهم: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾، هذا على سبيل التوبيخ؛ لأن العادة أن الرجل إذا دعا بالثُّبور في الدنيا رُحِمَ، ولكنهم هناك لا يُرْحَمون، يقال لهم: إن دعواكم بالثُّبور لا تفيدكم شيئًا، فادعوا ثبورًا كثيرًا، فالعذاب سيستمر ﴿وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾.
كل هذا يُوجِبُ لأهل النار -نسأل الله السلامة منها- أنهم يُعذَّبون عذابًا قلبيًّا وعذابًا جسميًّا، والعذاب القلبي قد يكون في بعض الأحيان أشدَّ مِن العذاب الجسمي -والعياذ بالله- فهم لا يُكرَّمون؛ لا بالفعل، ولا بالاستقبال، ولا بالقول.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، صحيح أن ما ذُكِرَ عنهم مما سبق يدل على أنهم لا يؤمنون بالبعث؛ لأن من آمن بالبعث لزم أن يعمل له. ولكن هذه في الحقيقة مِن جُملة ما قالوه، مِن جُملة ما قالوه أنهم كذبوا بالبعث، فهو إضافة إلى ما سبق. لكن نعم ينبغي أن نقول: لماذا ذُكِرَ بـ(بَلْ) دون الواو، مع أن المعائب والمساوئ التي سبَقَت كلها ذُكِرَت بالواو، وهذه ذُكِرَت بـ(بَلْ)؟
قد يُوحِي هذا بأن من أسباب أقوالهم السابقة أنهم كذبوا بالساعة؛ يعني أنهم ليس عندهم إيمان بالساعة، ولو آمنوا بها ما قالوا ما سبق.
* طالب: قوله: ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾، هل المعنى يدخلون (...)؟
* الشيخ: قلنا: فيها احتمالان؛ إما أن المعنى يلقون من مكان ضيق عند دخولهم، وإما أن المعنى أن المكان نفسه في النار يكون ضيقًا؛ يعني تُضَيَّق عليهم؛ لأن كل واحد منهم -والعياذ بالله- يكون في تابوتٍ كما جاء به الحديث؛ في تابوتٍ مُغْلَقٍ عليه[[أخرج ابن أبي شيبة (٣٥٤١٤) عن سويد بن غفلة قال: إذا أراد الله أن ينسى أهل النار جعل لكل إنسان منهم تابوت من نار على قدره، ثم أقفل عليه بأقفال من نار فلا يضرب منه عرق إلا وفيه مسمار من نار، ثم جعل ذلك التابوت في تابوت آخر من نار، ثم أقفل عليه بأقفال من نار، ثم يضرم بينهما نار، فلا يرى أحد منهم أن في النار أحدًا غيره، فذلك قوله تعالى: ﴿ لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]، وذلك قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤١].]].
* طالب: ما ورد عن (...) تفخم بعض أجزاء جسمه؟
* الشيخ: إلا هو نفسه يُفَخَّم، ولكن ما يمنع أنه يُفَخَّم وفي مكان ضيقٍ، يمكن أن تفخيمه هذا من أسباب التضييق.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنه ممكن هذا، يمكن بعضهم يقِرُّ بهذا لكنه يشرك بالله.
ولكنه يذكُرُ الله سبحانه وتعالى الأفعال منسوبة إلى الأمة جميعًا، حتى إنه أحيانًا يُخاطِبُ آخر الأمة بما فعل أولُها؛ لأنها ترضى به وتقِرُّه، انظروا مثلًا يخاطب الله بني إسرائيل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام بما فعل أولُهم: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة ٧٢]، و﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة ٥٤]، مع أن هذا الخطاب لا يتأتَّى لهؤلاء؛ لأنهم ليسوا هم الذين فعلوا، لكن الأمة الواحدة يكون فعل بعضها فعلًا للجميع؛ لأنها ترضى به.
قال الله تعالى: (﴿قُلْ أَذَلِكَ﴾ المذكور من الوعيد وصفةِ النار، ﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ﴾ ها ﴿الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ﴾ في عِلْمه تعالى، ﴿جَزَاءً﴾ ثوابًا، ﴿وَمَصِيرًا﴾ مَرْجِعًا).
الخطاب في ﴿قُلْ﴾ لمن؟ للرسول ﷺ، وكذلك لغيره، ولهذا يمكن أن نقول: إن الخطاب لكل من يتأتَّى خطابُه؛ يعني الرسول ﷺ وغيره، ولكن الأقرب أنه للنبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك فالخطاب للرسول ﷺ له ولأُمَّته ما لم يدل الدليل على تخصيصه، فنحن يمكن كل واحد أن يقول مثل هذا، فيقول للمكذبين الذين وُعِدُوا بالنار: أذلك المذكور من الوعيد الذي لا بد أن يقع خيرٌ أمْ جنَّة الخلد، ويش الجواب؟ بل جنة الخلد، بلا شك.
وهنا فيه إشكال؛ وهو أنه قال: ﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ مع أن ذلك لا خيرَ فيه إطلاقًا، فكيف يمكن أن يُقارَن بما فيه الخير المطلَقُ؟
الجواب: أن هذا من باب التنزُّل مع الخصم، وباب التنزُّل مع الخصم لا بأس أن تأتي مثْلُ هذه المقارنة، وقد قارن الله تعالى بين شيئين بينهما من التباين أعظم من التباين في وعيد أهل النار ووعد أهل الجنة، فقال تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩]، معلوم أن الله خيرٌ، وأنه لا يمكن لأي عاقل أن يُقارِن بين هذا وهذا، لكنه لما كان المخاطبون يساوون غير الله بالله صار من باب التنزل معهم أن نخاطبهم بهذا ونقول: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾، أضافها إلى ﴿الْخُلْدِ﴾ من باب إضافةِ الموصوفِ إلى صفته؛ يعني الجنة التي هي مكان الخلد، و﴿الْخُلْدِ﴾ معناه: المُكْث، وقد صرَّح الله تعالى كثيرًا بالتأبيد في خُلودهم.
وأما أهل النار فالتأبيد ورد في ثلاث آيات من القرآن: في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن؛ ففي سورة النساء: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]، وفي سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].
وفي هذا ردٌّ واضحٌ على من قال: إن عذاب النار غير مؤبَّدٍ، وممن مال إلى هذا القول -وهو من أغرب ما يكون- ابن القيم رحمه الله، حيث كان يميل إلى أن عذاب النار لا يؤبَّدُ وأنه لا بد أن ينتهي، ولكن ليس يقول: إنه ينتهي، ثم ينتقل أهل النار إلى الجنة، لا، لكن ينتهي بمعنى أنها تفنى ومَن فيها.
والصواب الذي لا شك فيه ما عليه جمهور أهل السنة وحُكِيَ إجماعًا؛ أن النار مؤبَّدة هي وأهلها، وهذا لا ينافي رحمة الله عز وجل؛ لأن الله تعالى قد أعذر إلى هؤلاء وأقام عليهم الحجة، فهم الذين جَنَوا على أنفسهم.
* طالب: الاستثناء -أحسن الله إليكم- في هود؟
* الشيخ: الاستثناء في هود؛ لأنه استثنى من قوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود ١٠٧]، فإنه لو قُيِّدَت بدوام السماوات والأرض لكان لها أمدٌ، فلما قال: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ هذا ما خرج عن دوام السماوات والأرض. هذا معنى الاستثناء.
* طالب: في آية أخرى (...)؟
* الشيخ: نعم، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام ١٢٨]، نقول: هذا الاستثناء ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ دلَّت النصوص على أنه لا يشاء أن لا يخلدوا، فكأن هذا الاستثناء يشير إلى أن الله سبحانه وتعالى لو شاء لمنَعَ العذاب عنهم، وأنه ليس أمرًا مُحتَّمًا عليه، بل هو في مشيئته. فالاستثناء إذن مُفسَّر بالآيات الصريحة الواضحة؛ أنه تعالى لا يشاء أن يرفع العذاب عنهم؛ لأنه أخبر، والخبر لا يخلِفُ الله خبرَه بأن عذابهم مؤبَّدٌ.
* طالب: ابن القيم (...)؟
* الشيخ: مَن؟
* الطالب: ابن القيم.
* الشيخ: لا، هو في أول كلامه جزم بهذا.
* الطالب: في حادي الأرواح (...).
* الشيخ: لا، هو ذكره في شفاء الغليل، ذكره في ذلك وجزم به في أول الكلام، ثم ساق الآثار في هذا.
* طالب: تعليل أنه ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود ١٠٧] (...)؟
* الشيخ: لا، كأنه يُشْعِر أن أحدًا لو قال: كيف يفعل الله سبحانه وتعالى هذا مع أنه عذاب دائم ورحمته وسعت كل شيء؟ فقال: إنه ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، مثلما قال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود ١٠٨].
وفي الحقيقة هذه الأشياء وإن كان قد يكون لها وجه هذه الاحتمالات، لكن ما دام عندنا نصوص صريحة مُحكمَةٌ، فالواجب على المؤمن أن يحمل المتشابه على المحكَمِ، ما دام أن المسائل في الآيات الثلاث هذه احتمال، فإن عندنا شيئًا لا يحتمل، وهو التصريح بالتأبيد، وتعرفون أن هذا خبر، والخبر لا يدخله النفي ولا (...).
* طالب: طيب يا شيخ، (...) إخلاف الوعيد دون إخلاف الوعد.
* الشيخ: نعم، ولو قالوا، الله يتمدح بأنه لا يخلف وأن خبره صدق، والوعيد الذي يتمدح الله به هو ما يدخل تحت المشيئة ما سوى الشرك، فنحن مثلًا فيه وعيد على المعاصي اللي دون الشرك، فإذا عفا الله عنها فهذا طيبٌ ويمدح عليه سبحانه وتعالى.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: من هو عنه؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن عمر وغير عمر يخاطب بقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما علينا منه، حتى لو كان صريحًا، لو قال: سيخرجون، نقول: لا يخرجون، ما دام أن فيه آيات صريحة ما هو المانع؟ و﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ ٢٣، ٢٤] أيضًا هذه ما تدل على التقييد؛ لأن ﴿أَحْقَابًا﴾ يعني: طويلة لا منتهى لها، هذا المعنى، والإنسان إذا تصور أنه بيبقى في النار ما هو بأحقاب، يعني ثانية من الزمن وهو عاقل، فسوف يتجنب عمل أهل النار، فكيف بمن يلبثون فيه أحقابًا؟! وهي لا تدل على التقييد، ومن زعم أنها تدل على التقييد وقال: إن الأحقاب هذه مقيدة بما بعدها، يعني: ﴿أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ و﴿أَحْقَابًا﴾ أخرى يذوقون، فهذا ليس بصحيح، بل إن المعنى المبالغة في ذلك وأنهم لابثين فيها دهورًا عظيمة طويلة لا منتهى لها.
(﴿أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ﴾ ها ﴿الْمُتَّقُونَ﴾ ) أتى المؤلف بـ(ها)، ويش هي (ها)؟ مفعولٌ ثانٍ لـ﴿وُعِدَ﴾؛ لأن (وَعَدَ) مما ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر؛ فالمفعول الأول محذوف، والمفعول الثاني نائب الفاعل ﴿الْمُتَّقُونَ﴾. وقد سبق لنا كثيرًا أن المتَّقي هو من اتخذ وقاية من عذاب الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وأن هذا أجمع ما قيل في التقوى وأنسب ما يكون للفظها؛ لأنها من (اتَّقى) من الوقاية.
وقوله: ﴿وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾، مَن الذي وعدهم؟ وعدهم الله سبحانه وتعالى، وحُذِفَ الفاعل هنا للعلم به؛ كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، والخالق هو الله سبحانه وتعالى.
وقوله: (﴿كَانَتْ لَهُمْ﴾ فِي عِلْمه)، تقييد المؤلف رحمه الله الكينونة في علمه؛ لأن (كان) فعل ماض، والجنة قد كانت مصيرًا ولَّا ستكون مصيرًا؟ ستكون مصيرًا، فلهذا قيَّد الكينونة التي عبَّر عنها بالفعل الماضي، قيدها في علم الله، يعني لا بحسب الواقع؛ لأن الواقع لم تكن وإنما ستكون، ولكن هذا بناء على أن (كان) يُراد بها الزمن، مع أن (كان) إذا تأمل الإنسان مواضعها في القرآن وفي السنة وجدها أنها أحيانًا تدل على مجرد الحدث، لا على الزمن؛ لأن الفعل كما تعرفون يدل على زمنٍ ومعنى، فـ(كان) دائمًا تأتي للدلالة على مجرد المعنى فقط، يعني: ﴿الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ وهي لهم جزاء ومصير. وعلى هذا فلا حاجة إلى التقدير الذي ذكره المؤلف، وهذا هو الأوضح، ﴿الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ يعني: وهي لهم جزاء ومصير، ولا حاجة إلى أن نقدر أنها كانت في علم الله، بل هي ﴿كَانَتْ﴾ أي: هي جزاء، فنجرِّد (كان) من الدلالة على الزمن، وإذا جرَّدناها كما ترد كثيرًا في اللغة العربية سلِمْنا من هذا التقدير الذي جاء به المؤلف.
* طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١١]؟
* الشيخ: مثلها، مجردة عن الزمن، هذه مجردة عن الزمن؛ لأن الله ما زال ولا يزال غفورًا رحيمًا.
* الطالب: نحن قلنا: (...)؟
* الشيخ: لا، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٢٣]، عندما نأتي بـ(كان) ونقول: المراد بها الزمن والحدث، مثل مغفرة الله ورحمته فيما سبق، أما الآن فليس غفورًا رحيمًا، لكن هذه يراد بها مجرد الحدث؛ يعني أنه متَّصفٌ بالمغفرة والرحمة. ومثلها هذه الآية، و(كان) هذه دائمًا تدل على مجرد الحدث لا على الزمن.
* طالب: (...) رؤوس الآي؟
* الشيخ: ويش لون؟
* الطالب: فيقال: إن الله غفور رحيم (...)؟
* الشيخ: لا، يمكن، ما هو بلازم، يعني أحيانًا تأتي مُتناسِبة وأحيانًا غير مُتناسِبة.
الكلام على إن (كان) يا جماعة، المهم هذا، (كان) تأتي دائمًا في اللغة العربية لا يُراد بها الزمن وإنما يراد بها مُطلَقُ الحدَثِ؛ يعني أن هذا الأمر هو الواقع، فهنا ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾، من المعلوم أن المتَّقين الآن ما دخلوا الجنة ولا صاروا إليها، ولكنهم سيصيرون، لذلك احتاج المؤلف أن يقدر: (في علمه)، يعني: كانت في علم الله. ولكننا نقول: لا حاجة لهذا التقدير؛ لأن (كان) مسلوبةُ الدلالة عن الزمن.
وقوله: ﴿جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾، يقول: (ثوابًا)، والذي جعل هذا الثواب لهم هو الله سبحانه وتعالى، (﴿وَمَصِيرًا﴾ مَرْجِعًا). من متى تكون مصيرًا؟ من يوم القيامة أو من موته؟
* طالب: من موته.
* الشيخ: من حين ما يموتون، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [النحل ٣٢]، لكنها طبعًا ما هي دخول الجنة التي في السماء، ولهذا يُفْتَح له باب إلى الجنة، ويُفْرَش له فراشٌ من الجنة، ويلبس بلباس من الجنة. فالمتَّقون من حين ما يموتون يدخلون الجنة، كما أن أهل الجحيم من حين ما يموتون يذوقون عذاب الجحيم.
ولهذا في كُتُبِ المواعظ، أنا البارحة سمعت واحدًا يقرأ في كتب المواعظ يأتون بالموت والدود والأشياء هذه وأكله الدود والصديد، وما أشبه ذلك، هذا في الحقيقة إنما يكون على الجسم فقط، والناس إذا شعروا بهذا الشيء ما يفرحون بالموت، ينفرون منه كثيرًا، الذي ينبغي أن يوعظ الإنسان بما يكون على روحه، فيقال مثلًا: إنه إذا مات وليس من أهل التقوى يكون له من العذاب كذا وكذا.. إلى آخره، وإذا كان من أهل التقوى يكون في نعيم ومن أهل الجنة؛ لأجل أن المؤمن يفرح. أما أننا نذهب ونوجه الناس إلى التخويف من الأمر الحسي المادي فقط فهذا في الحقيقة مما يسيء إلى الناس، عندما يسمع الإنسان هذا الشيء، هل يكون مطمئنًّا للموت؟ لا، أبدًا، ينفر منه، لكن عندما يسمع أنه إذا كان مؤمنًا دخل الجنة من حين ما يموت، نعم، تجده يمكن لا أقول: يفرح بالموت، لكنه يستبشر بهذا الوعد الذي يكون له.
فهذا هو الذي ينبغي أن ينشأ الناس عليه، ما ينبغي أنهم يذكر لهم الأمور المادية فقط، ولذلك لو تأملت القرآن كله لوجدت أن هذه الأمور المادية ما لها ذكر في القرآن، إنما يذكر في القرآن ما يكون على الروح من النعيم والعذاب، حتى إن الإنسان يستبشر ويفرح ويعمل لهذا النعيم، نعم، ويخاف ويرهب ويهرب من هذا الجحيم.
هذه المسألة أنا أحببنا أننا ننبه عليها؛ لأنها توجد كثيرًا في كتب الوعظ، مثل ما يوجد في كتب الوعظ أشياء كثيرة ترغب فيما نهى عنه الشرع، مثل ما يذكرون عن بعض العباد الذين يعذرون بجهلهم أنهم كانوا يقومون الليل كله في جميع أعمارهم، وقالوا: إن فلانًا بقي أربعين سنة يصلي الفجر بوضوء العشاء. ويش قصدهم بهذا؟ الترغيب. هذا ضد ما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام، فيكون هذا من المحادة لله ورسوله، فهم يأتون بأمور منكرة لا يعرفونها، وأنا أبين لكم ذلك؛ لأنكم تسمعون مثل ما أسمع، فإذا حصل مثلًا قارئ من الأئمة يقرأ بمثل هذه الكتب فإنه يجب علينا أن نتكلم معه، ما هو بأمام الناس هكذا، لا؛ لأن العوام -كما تعرفون- عوام، ويكونون مع إمامهم، يمكن تكون بحق وهم يقومون عليك، لكن من الممكن إذا خلص تقول له: يا أخي، تجيبه بالطمأنينة تقول: أنت إمام يُقْتَدى بك، والعوام يقولون: ما قيل في المحراب فهو صواب، فأنت يجب أن تعرف أن هذا خلاف الشرع، وتبين له ما استطعتم من البيان، حتى يكون الأئمة اللي يقتضى بهم الآن على صواب.
* طالب: أحاديث ضغطة القبر صحيحة[[منها ما أخرجه ابن حبان (٢٤٦٦٤) عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: «للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ».]] (...)؟
* الشيخ: إي نعم، لكن ضغطة القبر ما أعرف عن صحته، وردت في قصة سعد بن معاذ، ولكن ما يحضرني الآن هل هو صحيح، هو قطعًا ليس في الصحيحين، لكن ما أدري هل يصل إلى درجة الصحة أم لا، لكنه مهما كان ضغطة القبر ليست بشيء بالنسبة لما يقولون وما يصفون من حال الميت، وهم يركزون على مسألة الجسم، حتى إن الناس مهما كانت أعمالهم الصالحة يقعون في القنوط.
* طالب: يا شيخ، فناء الجسم أو بقاؤه دليل على الصلاح أو كذا؟
* الشيخ: واللهِ هو الظاهر أن بقاءه يدل على الصلاح؛ لأنه ما يقع إلا كرامة؛ لأن الأصل أن الأجسام تأكلها الأرض، إلا الأنبياء فإنهم لا تأكلهم الأرض[[أخرج أبو داود (١٠٤٧) عن أوس بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي» قال: قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت -يقولون: بليت-؟ فقال: «إن الله عز وجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء».]].
* طالب: والشهداء؟
* الشيخ: لا، الشهداء ما ثبت، المسألة في الأنبياء.
* طالب: طيب وذهابهم؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: ما يدل على أن الإنسان ليس من أهل الخير، ما يدل، لكنه قد يقع كرامة لبعض أهل الخير.
* طالب: لكن الحديث ما هو بصحيح؟
* الشيخ: الشهداء، لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، أن تأكل أجساد الأنبياء فقط.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، هو من باب الكرامة، وكذلك قصة عمر لما حفروا القبور، إي نعم. لكن في شهداء أحد من وجدت الأرض قد أكلته.
* طالب: سبحان الله!
* الشيخ: أكلت بعض جسمه، ما هو كل جسمه. (...)
(﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ مرجِعًا، ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ﴾ [الفرقان ١٦] حالٌ لازِمَةٌ) أيها الحال اللازمة؟
* طالب: ﴿خَالِدِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿خَالِدِينَ﴾.
وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾، هذه الآية تدل على أن كل ما يشاءون فهو لهم، وفي سورة (ق) أن الله قال: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥]؛ يعني: عند الله مزيد على ما يشاؤه الإنسان؛ لأن الإنسان مهما بلغ فإن تصوره وإرادته قاصرة، فقد يشاء أشياء ويخفى عليه من النعيم أشياء، فيكملها الله سبحانه وتعالى له، ولهذا قال: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾.
وقوله: ﴿خَالِدِينَ﴾، ويش معنى (حال لازمة)؟ يعني هل هناك حال لازمة وحال عارضة؟
الجواب: نعم، إذا كانت الحال ليست لازمة لصاحبها فهي حال عارضة (...) أقبل الرجل راكبًا، هذه حال عارضة؛ لأنه قد يقبل غير راكب؛ ماشيًا. وإذا كانت لازمة..
كانت الملائكة أكثر، وكلُّ سماء فإنَّها أكثر ملائكةً من السماء التي تحتها.
كذلك أيضًا هؤلاء الملائكة الذين يحيطون بالعالم، كل دائرة أكثر عددًا من الدائرة التي قبلها، وإنما يُنَزَّلون بيانًا لعظمة الله عز وجل وإحاطةً بالخلق، وحينئذ يصدُق قول الله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣]؛ لأنهم ما يستطيعون مع إحاطة الملائكة بهم أن يهربوا من أهوال هذا اليوم.
وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلًا﴾ مصدر (نُزِّل)، وهو كما أسلفنا يدلُّ على أنهم يَنْزِلون شيئًا فشيئًا، لا ينزلون جملة، فتنزل ملائكة السماء الدنيا أولًا، ثم الثانية ثم الثالثة إلى السابعة.
وأشرنا إلى الآية التي في سورة الرحمن دفعًا لقول بعض الناس الذين يفسِّرونها بهذه الأقمار الصناعية أو المراكبِ الفضائية التي صعد الناس بها إلى الفضاء، ويزعمون أن قول الله تعالى: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ إلا بعلمٍ، وأنَّ هذا العلم أوصلهم إلى النفوذ، وهذا لا شك تحريف للقرآن، ولا حاجة إلى أن نتكلَّف فنقول: كل ما يحدث فإن في القرآن له شاهدًا. ما حاجة لهذا التكلف؛ لأن هذه الحوادث شواهدها حصولُها، متى حصلت فإننا نؤمن بهذا، سواء دلَّ عليها القرآن أو سكت عنها القرآن، إلا إذا دلَّ القرآن على نفيها فإنه لا يجوز لنا أن نصدقها.
وكل ما يحدث من هذه الاختراعات وهذه الصناعات فإنه داخل في قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٨]، بعد أن قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل ٨] قال: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، هذه الآية يدخل فيها كل ما حدث وكلُّ ما يحدث من مثل هذه الأمور. وأما أن نحرِّف القرآن إلى ما يوافق هذا الواقع، فهذا حرام علينا ولا يجوز.
وأما قوله: ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣] فليس المراد به العلم، المراد به السلطة التي تتمكنون بها من النفوذ؛ لأن السلطان في كل موضعٍ بحسبه، وأصلُه: السلطة التي يتمكن بها الإنسان من الوصول إلى ما يريد؛ فمثلًا إذا كانت في دعوى مدعٍ، نقول: لا سلطان لك في هذا يعني: لا حُجَّة لك، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس ٦٨]؛ يعني: ما عندكم من حجة؛ لأن الحجة سلطة يتمكن بها المدَّعِي من إثبات دعواه.
ثم إن الآية: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرحمن ٣٣]، وهؤلاء لم ينفذوا من أقطار السماوات، حتى لو قلنا: إنهم نفذوا من أقطار الأرض أو خرجوا عن محيط الأرض، فإنهم لا يستطيعون أن ينفُذوا من أقطار السماوات.
ثم إن الآية ظاهرة في التحدي: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾، والتحدي بما يمكن صحيح ولّا لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: التحدي بما يمكن غير صحيح؛ لأنه يبطل التحدي.
ثم إن قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن ٣٥] يكذِّبه الواقع، يكذب دعوى هؤلاء الواقع؛ لأنهم طاروا إلى الفضاء ووصلوا إلى ما وصلوا إليه، ولم يرسل عليهم شواظ من نار ولا نحاس.
فالمهم أنا قصدي بذلك أن بعض الناس أهل العلم بالطبيعة يحاولون أن يوجدوا لكل حادث دليلًا خاصًّا من القرآن، وهذا لا يجوز؛ لأنه يصرِفُ القرآن عما أراد الله به، ويقتضي أن يتلاعب الناس في القرآن.
ثم إنهم مثلًا قد يستدلون بالآيات الكريمة على ما رأوا من النظريات، وتأتي بعد ذلك نظريات أخرى تُبْطِلها، فيكون القرآن حينئذ باطلًا حسب ما استدلَّ به الأولون، ونحن ولله الحمد في غنى عن هذا الأمر؛ هذه الأمور الحوادث التي تحدث من صنائع الإنسان أمر لا حاجة إلى إقامة الدليل عليه من القرآن؛ لأن واقعَها يُثْبِتُها.
* طالب: هم يريدون إثبات إعجاز القرآن، (...)؟
* الشيخ: إعجاز القرآن يكفي أن نقول: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٨]؟
* طالب: طيب، والحقائق (...)؟
* الشيخ: إذا دلَّ عليها القرآن لا بأس، لكن كوننا نُحرِّف القرآن من أجل أن نخضِعه للدلالة على هذا الأمر، لا.
أما مثلًا لو استُدِلَّ بتطور الجنين في خِلْقَتِه، فاستدل أحد بالآية الكريمة وبالحديث الصحيح هذا لا بأس، الشيء اللِّي يدلُّ عليه القرآن يدل عليه القرآن، لكن شيء يُحرَّف القرآن من أجله، لا.
* طالب: قال مثلًا: (...)؟
* الشيخ: هذا أيضًا غير صحيح؛ لأنَّ أحوال الآخرة ما تقاس بأحوال الدنيا، والإنسان مثلًا لو احترق الآن جلده وانكشط، وأحرقنا اللحم ما يخالف، أحرقْنا اللَّحم، يتعذَّب الإنسان بلا شك، يتعذَّب الإنسانُ به يقينًا، ولا (...) نجربه.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: صحيح، هذا معقول، وكل الداخل في الغالب ما فيه إحساس؛ ولهذا ما يحس الإنسان بنزول الطعام في بطنه.
* طالب: بعض (...)؟
* الشيخ: إي، ما يخالف، ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ٣٨]، ما المراد بـ﴿الْكِتَابِ﴾؟
* طالب: اللوح المحفوظ.
* الشيخ: اللوح المحفوظ، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام ٣٨]، لكن ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩] هذه أوضح إن أرادوا يستدلون، ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، لكننا نعلم أن التبيان إما مجمل وإما مفصَّل، والقضية المشهورة عن الشيخ محمد عبده مع الرجل النصراني حينما سأله عن كيفية صنع الطعام الذي قُدِّم له في المطعم، قال: القرآن تبيان لكل شيء، فكيف يُصْنَع هذا الطعام؟ أين يوجد في القرآن كيف يصنع؟ فقال: هذا موجود في القرآن، فدعا الطباخ وقال له: كيف تصنع هذا الطعام؟ قال: أصنعه بكذا وكذا، فقال: هكذا الطريق في القرآن، فإن الله يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣]، وكل قوم ذكرهم خاص بهم، فأنا سألت هذا الرجل؛ لأني ما أعلم. فالقرآن قد يدلنا على الشيء مباشرة أو بالوسيلة والطريقة.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٨] ما المقصود بها؟ (...)؟
* الشيخ: كل ما لا نعلمه، يعني أن الله سبحانه وتعالى يخلق كل شيء لا نعلمه، في وقتنا نحن..
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: على كل هذه الحوادث، إي نعم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا ما يعلم الإنسان، قبل أن تقع ما يعلم الإنسان.
* الطالب: بعد وقوعها يعلمها.
* الشيخ: بعد وقوعها يعلمها؛ لأنه قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل ٨]، وهذا شيء معلوم، ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٨]؛ يعني أشياء لا تعلمونها، وفعلًا خلَق الله تعالى أشياء ما كانوا يعلمونها في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وسيخلُق أشياء ما نعلمها نحن في وقتها.
* الطالب: يعني مثلًا (...)؟
* الشيخ: إلى آخر الدهر، يخلق الله سبحانه وتعالى إلى آخر الدهر شيئًا لا يعلمه مَنْ سبق، لكن يعلمه مَن أدركه؛ لأن كونه يخلق معناه يوجد، نعم، الموجود لا بد أن يُعْلَم؛ لأن الله يتحدث عن أمر سيكون لنا: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل ٨]، فإذا كان يتحدث عن أمر سيكون لنا فمعناه سنعلمه إذا خلقه الله.
* طالب: قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء ٧] (...)؟
* الشيخ: إي نعم، كل شيء ما تعلمه فالطريق إلى الوصول إليه أن تسأل أهل ذكره.
* الطالب: لكن أهل الذكر ما المقصود بهم؟
* الشيخ: أهل العلم، لكن هل المراد أهل العلم الشرعي أو كل علم بحسبِه؟ افرض أنك خصصته بالعلم الشرعي، لنفرض أننا خصصناه بالعلم الشرعي، أفلا يقاس غيرُه عليه؟
* الطالب: بلى.
* الشيخ: (...)، فهي إما أن تدل على العموم، وتكون شاملة لمثل هذه القضية بدلالة التضمُّن، وإما بدلالة الشمول المعنوي لا اللفظي، وهو القياس.
* طالب: بس السياق ما يدل على أنه (...)؟
* الشيخ: هي الآية ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل ٤٣، ٤٤]، هذه آية، هذه تدلُّ على أن المراد العلم الشرعي؛ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل ٤٣] لا.
وفي الآية الثانية ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء ٧] وهو عام، ما قال: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾. ومثل ما قلت لك: إن كان أنها شاملة لكل شيء وأن أهل كل ذكر بحسبه فهي شاملة، وإلا فهي شاملة شمولًا معنويًّا وهو القياس. فنقول: إذا كان الله أحالَنا على أهل الذكر الشرعيِّ لمعرفة الحكم الشرعي، فكذلك نحن نتحول إلى أهل العلم غير الشرعي لمعرفة هذا العلم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، لكن مثل ما ذكرنا لك الآن: إن العموم قد يكون شمولًا لفظيًّا، وقد يكون شمولًا معنويًّا، فهم لا يستوون، لكن من الذي يُثْنَى عليه؟ أهل العلم الشرعي.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الشمول اللفظي معناه أن هذا اللفظ يدل على هذا بخصوصه؛ يعني من جملة الأفراد الدالة، والعموم المعنوي معناه أن هذا اللفظ لا يدخل فيه ما ذُكِرَ، لكنه يقاس على ما ذُكِرَ فيه، فيكون هذا عمومًا معنويًّا؛ لأن العلة في الجميع واحدة.