Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — الفرقان 25:43 – الفرقان 25:59

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. الفرقان 25:43
  2. الفرقان 25:44
  3. الفرقان 25:45
  4. الفرقان 25:46
  5. الفرقان 25:47
  6. الفرقان 25:48
  7. الفرقان 25:49
  8. الفرقان 25:50
  9. الفرقان 25:51
  10. الفرقان 25:52
  11. الفرقان 25:53
  12. الفرقان 25:54
  13. الفرقان 25:55
  14. الفرقان 25:56
  15. الفرقان 25:57
  16. الفرقان 25:58
  17. الفرقان 25:59

الفرقان 25:43

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ [الفرقان ٣٥]. هذه الجملة ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ فيها مؤكدات، عددها؟ * طالب: اللام و(قد) والواو. * الشيخ: لا، الواو حرف عطف. * الطالب: اللام و(قد). * طالب: والقسم؟ * الشيخ: والقسم؛ لأن اللام موطئة للقسم، والتقدير: والله لقد. والتأكيد في القرآن سببه أحد أمرين: إما أن يكون في مقابلة إنكار المنكر، وإما أن يكون لأهمية الموضوع، وإما للأمرين جميعًا. يكون الأمر مهمًّا، ويكون هناك منكر له، فيؤكد الله سبحانه وتعالى ذلك الأمر. فهنا إيتاء موسى الكتاب؛ هذا أمر واقع ولا ينكر، لكن لأهمية الموضوع أكده الله سبحانه وتعالى ليعرض للرسول عليه الصلاة والسلام صورًا من تكذيب السابقين، حتى يكون ذلك أبلغ في تسليته. ففيما سبق يقول الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]، وهذا قول مجمل، ولَّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان ٣١]، ثم شرع هنا لتفصيل ذلك وبيان ما وقع على سبيل التعيين. (﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الفرقان ٣٥] التوراة)، و(آتيناه) بمعنى: أعطيناه إياه، أنزلها الله تعالى عليه مكتوبة بألواح، هذا معنى الإيتاء. (﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ [الفرقان ٣٥] معينًا). * طالب: يا شيخ، (...)؟ * الشيخ: إي نعم، ألواح مكتوب فيها التوراة. * الطالب: يعني على شكل ألواح (...). * الشيخ: جاء بها موسى من الله، ما هي تنزل من السماء. * الطالب: لا، هو (...). * الشيخ: أنزلها الله على موسى فجاء بها إلى قومه (...) بالأعراف مبسوطة. ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾. ﴿أَخَاهُ﴾ من أبيه وأمه ولَّا من أمه؟ * طالب: من أمة بس. * الشيخ: كم أبيه وأمه، وأما قوله: ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه ٩٤]، فهذا من باب التلطف والتعطف؛ لأن الأم أشد حنانًا من الأب، وإلا فهو أخوه من أبيه وأمه. (﴿هَارُونَ وَزِيرًا﴾ [الفرقان ٣٥] معينًا) من الأزر، وهو القوة (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: مسألة أيش؟ * الطالب: القرابة. * الشيخ: القرابة؟ * الطالب: إي. * الشيخ: أنه شقيقه؟ * الطالب: إي. * الشيخ: إي نعم، شيء ثابت. وقوله: ﴿وَزِيرًا﴾ من الأزر، وهو العون، يعني أنه كان وزيرًا، أي: معينًا له؛ وذلك بطلب من موسى، كما قال الله تعالى: ﴿هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه ٣٠ - ٣٢]. ويقال: إنه لا يوجد أحد من الإخوة أشد منة وفضلًا من موسى على هارون؛ لأنه طلب أن يكون رسولًا، والرسالة أعلى المقامات التي يتوصل إليها البشر. (﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: القِبْط فرعون وقومه، فذَهَبَا إليهم بالرسالة فكذبوهما ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان ٣٦] أهلكناهم إهلاكًا). ﴿اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، في كلمة ﴿كَذَّبُوا﴾ إشكال، وهي أنه يقتضي أن التكذيب سابق للرسالة: ﴿اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، فكيف يكونون مكذبين مع أنهم لم يصل إليهم رسول؟ والجواب: أن الفعل الماضي هنا بمعنى المستقبل، بمعنى: الذين يكذبون بآياتنا؛ لأن الآيات ما بعد وصلت إليهم. * طالب: (...). * الشيخ: لحظة يا أخي. فالمعنى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: يكذبون بها في المستقبل. أو يقال: كذبوا بآياتنا بحسب علم الله تبارك وتعالى، يعني: قدرنا أنهم يكذبون. ويحتمل وجهًا ثالثًا، لكنه احتمال ما فيه ما يؤيده: أنهم قد أرسل إليهم رسول فكذبوه، وهذا يؤيده قول المؤمن من آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر ٣٤]، فإذا قيل: إن يوسف سابق جدًّا على موسى ولم ندر هل أدركه فرعون أم لم يدركه؟ فيقال: لعل آثار رسالته قد بقيت؛ ولهذا خاطبهم (...) ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ﴾ ولم ينكروا، ما قالوا: ما جاءنا، ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ يعني: إلى الآن. فصارت عندنا الوجوه كم؟ الوجوه ثلاثة: إما أن الماضي هنا بمعنى المضارع. * طالب: (...) استعماله بمعنى المضارع. * الشيخ: هذا كثير في اللغة العربية ما يحضرني الآن وربما يأتي. وإما أن يكون: كذبوا في علم الله، حسب علم الله سبحانه وتعالى وتقديره. وإما أن يكون بحسب الرسالة السابقة اللي هي رسالة يوسف. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الفرقان ٣٦]. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، المراد بالآيات هنا الكونية ولَّا الشرعية؟ * طالب: الشرعية. * طالب آخر: كلاهما. * الشيخ: الظاهر أنه ممكن يشمل؛ لأن آيات الله سبحانه وتعالى كما تعرفون آيات شرعية وآيات كونية، فما تعلق بالخلق والتقدير فهو آيات كونية؛ لأن في انتظامه ودقته وصنعه ما يدل على حكمة صانعه وقدرته. وما يتعلق بالوحي فهو آيات شرعية؛ لأن إصلاح هذا الوحي بمن نزل إليه على حسب ما شرع، هذا من الآيات العظيمة الدالة على أنه من عند الله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، نعم؟ * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، طيب، زين. ﴿اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان ٣٦]، اذهبا إليهم فدمرناهم. كلنا يعرف أن في الآية تقديرًا، ويش التقدير؟ فذهبا إليهما فكذبوهما فدمرناهم تدميرًا. وإنما يتعين هذا التقدير لأنه لا يمكن التدمير بمجرد ذهاب الرسول إليهم، لا بد من تكذيب، فإن الله تعالى لن يهلك أحدًا إلا بذنب. وقوله: ﴿تَدْمِيرًا﴾ مصدر يراد به التعظيم، يعني تدميرًا عظيمًا. ولا شك أن التدمير الذي وقع لفرعون وقومه أنه من أعظم التدمير؛ لأن الله يقول: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٧]. هذا النعيم العظيم الذي كان فيه قوم فرعون إذا جاء من بعده الهلاك ماذا يكون وقع الهلاك فيهم؟ يكون شديدًا؛ لأن الهلاك إذا وقع للبائس فهو أهون مما إذا وقع للناعم، أهون بكثير؛ ولهذا وصف الله هذا التدمير بقوله: ﴿تَدْمِيرًا﴾، يعني عظيمًا بالغًا. وهذا التدمير لا ينافي ما أشار إليه الأخ من أن الله تعالى أنجى فرعون ببدنه، يعني لا بروحه؛ فإن روحه هلكت مع من هلك، لكنه أنجاه ببدنه ليكون آية لبني إسرائيل علامة على أنه هلك؛ لأن الرجل قد أرعبهم وأرهبهم، فلا يطمئنون تمام الطمأنينة حتى يشاهدوا جثته ميتة، وبذلك يكون آية علامة على أنه ما بقي له بقية. طيب، هل في هذا تأييد لما يتسلى به الرسول عليه الصلاة والسلام؟ الجواب: نعم فيه؛ لأن فرعون من أعظم الناس عتوًّا وتكبرًا، ومع ذلك أهلكه الله تعالى إهلاكًا بالغًا هو وقومه، فهكذا أيضًا تكون العاقبة للرسول ﷺ مثلما كانت العاقبة لموسى وقومه. هذه قصة، ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ [الفرقان ٣٧]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، يعرفونها إما من قبل نزول القرآن أو من بعده؛ لأنهم يعرفون أن القرآن في أنفسهم حق. طيب، بدأ بذكر موسى (...) مع أنه متأخر بالنسبة إلى قوم نوح، ما هي الحكمة من ذلك؟ * طالب: أقرب عهدًا (...). * الشيخ: لأنه أقرب عهدًا من قوم نوح. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني أقرب عهدًا وأشد عتوًّا. ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ إلى آخره [الفرقان: ٣٧]. * طالب: (...). * الشيخ: وهي؟ * الطالب: مراعاة (...). * الشيخ: لا، الإشكال لماذا بدأ بموسى قبل نوح وهو بعده؟ طيب، ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ فيه إشكال من حيث الإعراب، وهو أنه نصب ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾، ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾، مع أنها لم يسبقها عامل يقتضي النصب؟ * طالب: (...). * الشيخ: واذكر قوم نوح؟ إي، ذكره الشارح. لكن أنا بالحقيقة ذهب وهمي إلى شيء آخر غير تقدير الشارح، وإلا لو كنت رأيته ما سألتكم. في الحقيقة أن الناصب لها موجود، ما هو مقدر، وهو قوله: ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾، فهو من باب الاشتغال. ولكن لماذا نصب مع أن الراجح في ظاهر القول الرفع؟ نقول: لأنه عطف على جملة فعلية، وإذا كان معطوفًا على جملة فعلية فتقدير الفعل أولى من المبتدأ؛ لأجل أن تتناسب الجملتان: يعطف فعلًا على فعل، يعني: فدمرناهم تدميرًا وأغرقنا قوم نوح لما كذبوا الرسل، وأغرقنا قوم نوح، (...) فدمرناهم وأغرقنا قوم نوح. المهم الآن على رأي المؤلف منصوب بتقدير (﴿وَ﴾ اذْكُرْ ﴿قَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ [الفرقان ٣٧])، ولكننا نقول: لا نحتاج إلى تقدير، والمسألة من باب الاشتغال، والاشتغال معروف عندكم أظن؟ * طالب: نعم. * الشيخ: هذا الاشتغال مثل (...) تجري فيه الأحكام الخمسة، والاشتغال أيضًا تجري فيه الأحكام الخمسة، أحيانًا يجب الرفع، وأحيانًا يجب النصب، وأحيانًا يترجح النصب، وأحيانًا يترجح الرفع، وأحيانًا يتساوى الأمران، تجري فيه الأحكام الخمسة. أحكام النحو ما هي أقسام (...) في الشرع. في مثل هذا التركيب ويش يترجح؟ يترجح النصب؛ لأنه معطوف على جملة فعلية، وإذا عطف على جملة فعلية فالأرجح النصب؛ لأجل أن يقدر الفعل ليكون مناسبًا لما عطف عليه. (﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ [الفرقان ٣٧] بتكذيبهم نوحًا لطول لبثه فيهم، فكأنه رسل، أو لأن تكذيبه تكذيب لباقي الرسل لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد). المؤلف خلى الآية الكريمة على وجه جواب لإشكال. ﴿لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾، ومعلوم أن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو أول الرسل: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، وكذلك أيضًا من حيث الشفاعة «كُنْت أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ»[[أخرج البخاري (٧٤١٠) ومسلم -واللفظ له- (١٩٣/٣٢٢) عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك - وقال ابن عبيد: فيلهمون لذلك - فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، قال: فيأتون آدم ﷺ، فيقولون: أنت آدم، أبو الخلق، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربه منها، ولكن ائتوا نوحا أول رسول بعثه الله...» الحديث. ]]. فإذا كان أول الرسل فكيف الجواب عن قوله تعالى: ﴿كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾، مع أنه ما سبقه رسول ولا جاء معه رسول؟ أجاب المؤلف بواحد من أمرين: إما أنه لطول مكثه في قومه صار كأنه رسل كثيرون؛ لأنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، وهذه المدة تستوعب رسلًا كثيرين، فكأنه لطول المكث صار متعددًا. هذا واحد. الجواب الثاني: (أو لأن تكذيبه تكذيب لباقي الرسل لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد)، فيكون هذا من باب الجنس؛ لأن من كذب رسولًا فكأنما كذب جميع الرسل؛ لأنه -كما أسلفنا- أعداء الرسل لا يعادونهم لشخصهم، وإنما يعادونهم لما يدعون إليه وما جاءوا به، وهذا جنس، فيكون تكذيبهم لرسول تكذيبًا لجميع الرسل، وهذا أقرب، ولذلك من كذب رسولًا واحدًا فهو مكذب لجميع الرسل، وبهذا نعرف أن اليهود الآن مكذبون لموسى، وأن النصارى الذين يزعمون أنهم متبعون لعيسى مكذبون لعيسى، لماذا؟ لأنهم مكذبون للرسول ﷺ، فهم مكذبون حتى لأنبيائهم. وبهذا نعرف أيضًا أن ما اشتهر بين الناس الآن من تسمية النصارى بالمسيحيين أنه خطأ، وأنه لا ينبغي أن نسميهم بالمسيحيين؛ لأن المسيح منهم بريء، ولا يجوز أن ينسبوا إليه ولا إلى دينهم، وإنما يقال لهم ما قاله الله فيهم وهو النصارى، وما زال المسلمون في كتبهم يسمونهم بهذا الاسم؛ بالنصارى، إلى أن استعمروا البلاد الإسلامية فأدخلوا على المسلمين هذا التعبير تلطيفًا وتنويهًا لتصطبغ ملتهم بالوصف الشرعي وهو المسيحية. ونحن نقول: نشهد الله على أن المسيح عليه الصلاة والسلام منهم بريء، وأنهم كافرون به كما هم كافرون بمحمد ﷺ، بل إنهم في الحقيقة كافرون به، لا من حيث العموم والجنس، بل من حيث التعيين؛ لأن الله تعالى يقول عن عيسى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦]، يخاطب من؟ بني إسرائيل، ويبشرهم بهذا الرسول، وهل يمكن أن يبشر أحد بما لا يتصل به؟ لا يمكن. إذا كان يبشرهم برسول يأتي للعرب ويحاربهم ويقاتلهم، هل هذه بشارة؟ أبدًا، البشارة ﴿بِرَسُولٍ يَأْتِي﴾ إليهم لينقذهم من الضلال، ومحمد ﷺ لما جاء إلى هذه الأمة هل صار يحارب النصارى ولَّا لا؟ نعم يحاربهم، وأوجب الله عليه محاربتهم ومحاربة اليهود ومحاربة جميع الكفار. هل يمكن أن يكون عيسى مبشرًا للنصارى ﴿بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ليقاتلهم؟ لا يمكن. وبهذا نعرف أنهم كذبوا عيسى على التعيين، لا على جنس الرسالة كما أسلفنا أولًا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما يعلمون بهذا؟ * الطالب: إي (...). * الشيخ: إي نعم، لكن هذه البشارة موجودة في أصل الكتاب، ولا أظنها تحرف، لا بد أن تكون باقية؛ لأنه مبشر لهم، ولا يبشر إلا من تتصل إليه البشارة، فالظاهر أنه ما جرى عليه التحريف لأنها باقية. * الطالب: (...) من المعنى يعني؟ * الشيخ: المعنى أو بعض الأمور، كتموها أو ما أشبه ذلك، ولهذا اليهود لما أنهم أرادوا ألا يطبقوا الحد في التوراة ما راحوا يزيلونها من التوراة، هي باقية لكن يحاولون أن يكتموها عن الناس كما هو معروف. * طالب: موجودة يا شيخ هذه. * الشيخ: وهي؟ * الطالب: البشارة (...) على التعيين، هذه موجودة. * الشيخ: موجودة الآن (...). * الطالب: إي، (...) أثبت وجودها وذكرها بنصها (...). * الشيخ: بالسريانية. * الطالب: إي نعم، بالسريانية باسم (...). * الشيخ: وأظن (...) عنده شيء من هذا. * طالب: نعم. * الشيخ: أنا عندي أن ذلك لا بد أن يكون؛ لأنه قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ﴾ [الصف ٦]، لا بد أن يكون هذا موجودًا، لم يجر عليه التحريف؛ لأنه إنما يبشر بالرسول من كان في وقت الرسول، وهذا معناه أنه سيبقى، وكما قال الأخ.. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، هذا مما يؤيد ما قلنا، لكن نفس البشارة تدل عليه؛ لأن ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة ١٢١] يؤيد وليس نصًّا في الموضوع، قد يكون المراد أوائلهم قبل التحريف، لكن الظاهر أن المراد الأوائل والأواخر. * طالب: (...) للعقل يا شيخ، ما هم قالوا: والله هذا النبي الذي أرسل (...)؟ * الشيخ: إي نعم، أظنه (...) في وفد نجران. * الطالب: إي، في وفد نجران. * الشيخ: نعم. طيب، على كل حال الآن، يعني (...)، والكلام ويش على؟ على ﴿لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ [الفرقان ٣٧]، فهو جمع مع أنهم ما كذبوا إلا نوحًا؟ والجواب على ذلك من أحد وجهين: إما أنه لطول مكثه كأنه رسل، وإما أنه لما كذبوا هذا الرسول من أجل الرسالة صاروا مكذبين لجميع الرسل. الذي حصل ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ جواب ﴿لَمَّا﴾، ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ [الفرقان ٣٧]، وقصتهم معروفة، حتى إن الله تعالى أغرق من قوم نوح ابنه: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود ٤٥]، فقال الله له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود ٤٦]؛ لأنه كافر وأنت مؤمن. (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ﴾ بعدهم ﴿آيَةً﴾ عِبرة ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ في الآخرة ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ الكافرين ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفرقان ٣٧]). يقول: (﴿أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ﴾ بعدهم ﴿آيَةً﴾ عبرة). كيف كانوا عبرة؛ لأن الآية لا بد أن تكون معلومة، فكيف كان ذلك؟ * طالب: لأن الله سبحانه وتعالى أنزل ذلك في كتب الرسل. * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: أنزلها للرسل الذين أتوا بعد نوح. * الشيخ: إي، يعني عن طريق الإخبار؟ * الطالب: الإخبار إي. * الشيخ: عن طريق الإخبار، زين. * طالب: وإما أن نوحًا عليه السلام لم (...). * الشيخ: إي، رجعت إلى ما قال الأخ، يعني عن طريق الخبر. ما فيه شيء عن طريق حسي معلوم؟ * طالب: (...). * الشيخ: طيب، عن طريق الخبر، سواء كان عن طريق الوحي ولَّا عن طريق النقل بين الناس. * طالب: (...). * الشيخ: إي، الظاهر أنه مثلما قال إبراهيم. * الطالب: أو مثلًا (...) الفلك. * الشيخ: إي، الفلك، لما قال: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٣ - ١٥]، فالفلك أول من صنعها نوح فبقيت آية إلى يومنا هذا ولكنها تطورت بحسب الزمن. (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ بعدهم ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ في الآخرة ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ الكافرين ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفرقان ٣٧]). ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ هذا إظهار في موضع الإضمار؛ لأن مقتضى السياق أن يقول: وأعتدنا لهم، كما قال الله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح ٢٥]. ولكن الإظهار هنا له فائدة، بل فوائد، نعم، نعدها؟ * طالب: (...) فيدور الحكم على دوران الـ... * الشيخ: (...) العموم؟ * الطالب: لأنه قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ (...) ولكن لما قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾ [الفرقان ٣٧] ما شابههم من الظالمين فلهم هذا العذاب. * الشيخ: يعم كل ظالم. * الطالب: كل ظالم. * الشيخ: زين، تمام. ثانيًا؟ * الطالب: ثانيًا (...) بوصف زائد وهو وصف الظلم. * الشيخ: نعم، هم ينطبق عليهم هذا الوصف، إي نعم. * طالب: التنبيه على (...). * الشيخ: كيف التنبيه؟ * الطالب: لأن السياق كان يتكلم على الماضي ثم يعني تكلم على الحاضر، فهذا يدل على الأهمية. * الشيخ: أي أهمية؟ تغيير السياق تقصد؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: تغيير السياق يبدو للمخاطب، يعني مثل الكتاب: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ﴾ [المائدة ١٢]، ولم يقل: وبعث. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٢ - ٤]. * طالب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. * الشيخ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥]، ما قال: إياه نعبد، قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. كذا؟ طيب، هذه فائدة جديدة ما كنا نذكرها. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يعني التعليل، يعني كأنه أعد لهم عذابًا أليمًا لأنهم ظالمون. * الطالب: ظالمون. * الشيخ: كذا؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: طيب، تعليل الحكم. فصارت الفوائد الآن ثلاثة؛ أولًا: إرادة الشمول والعموم؛ ليشملهم هم وغيرهم، حتى الظالمون من قريش يدخلون في هذا. والثاني: وصف هؤلاء بالظلم. والثالث: التعليل، يعني أعد لهم العذاب الأليم لأنهم ظالمون. والرابع: التنبيه، تنبيه المخاطب؛ لأن تغير السياق يوجب انتباه المخاطب. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفرقان ٣٧]، فعيل بمعنى مُفعِل، يعني: مؤلم. وهذا الألم الذي في عذاب جهنم والعياذ بالله أو في عذاب الآخرة يشمل الألم البدني والألم القلبي، فالألم البدني يحصل بنوع العذاب، والألم القلبي يحصل بما يقارب عذابهم من التوبيخ؛ لأنهم يوبخون ويقرعون بإتيان الرسل، وهذا من أشد ما يكون من العذاب القلبي. (﴿وَ﴾ اذكر ﴿عَادًا﴾ قوم هود ﴿وَثَمُودًا﴾ [الفرقان: ٣٨] قوم صالح). عندكم بالتنوين؟ أنا عندي بالتنوين: (﴿وَعَادًا وَثَمُودًا﴾ ). * طالب: لا، (﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ ). * الشيخ: بدون تنوين؟ أنا عندي بالتنوين. * طالب: ثمود؟ * الشيخ: إي. * الطالب: لا. * الشيخ: (﴿وَعَادًا وَثَمُودًا﴾ قوم صالح ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ اسم بئر، ونبيهم قيل: شعيب، وقيل غيره، كانوا قعودًا حولها فانهارت بهم وبمنازلهم، ﴿وَقُرُونًا﴾ أقوامًا ﴿بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان ٣٨] أي: بين عاد وأصحاب الرَّسِّ). ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾، يقول المؤلف: إنها على تقدير: اذكر؛ لأنه ما ذُكر فعل بحيث يحال العمل عليه. ﴿وَعَادًا﴾ قوم هود، وكانوا بالأحقاف في جنوب الجزيرة العربية، وكانوا ذوي قوة وشدة، حتى إنهم قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾، فقال الله تعالى مجيبًا لهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ شوف ﴿الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ لها فائدة؛ لأنهم مخلوقون ضعفاء: ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]. وبماذا أهلكوا؟ أهلكوا بألطف الأشياء وهي الريح، ريح دمرتهم: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ الأحقاف: ٢٥]. ﴿وَثَمُودَ﴾ الفرقان: ٣٨]، وفيها قراءتان: ﴿وَثَمُودًا﴾ كالتي عندي، ﴿وَثَمُودَ﴾ بدون تنوين. فعلى قراءة التنوين يكون غير ملاحظ فيها اسم القبيلة، يعني ما فيها التأنيث. وعلى قراءة عدم التنوين ﴿وَثَمُودَ﴾ منعت من الصرف للعلمية والتأنيث؛ لأن مثل هذه، أسماء القبائل كلها (...)، يعني يجوز أن تمنعها من الصرف باعتبار اسم القبيلة، ويجوز ألا تمنعها إذا لم يكن فيها مسوغ (...). طيب، ﴿وَثَمُودًا﴾ قوم صالح، كذبوا صالحًا وعقروا الناقة التي جعلها الله تعالى آية، وأخيرًا أهلكوا بماذا؟ * طالب: بالصاعقة. * الشيخ: لا، بصيحة ورجفة، صيح بهم مع الرجفة فماتوا والعياذ بالله، كانوا كهشيم المحتظر: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر ٣١]، وفي آية أخرى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف ٧٨]. وأصحاب الرس وإن شاء الله يأتي الكلام عليها.. * طالب: شيخ، صالح عربي؟ * الشيخ: إي نعم، الظاهر أنه عربي. * الطالب: وهود؟ * الشيخ: وهود أيضًا، لكنه ما هو من العرب المستعربة اللي هم بنو إسماعيل؛ من العرب العاربة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: والله ما أعرفه، لكنه حتى (...) تدل على أنها عربية. * الطالب: يعني (...)؟ * الشيخ: أنا (...) شعيب ما أدري عنهم إلا من هذا الحديث. * الطالب: ذكر (...). * الشيخ: ما أدري عنهم الحقيقة، أما هود (...) عرب عاربة. * طالب: أصل الأسماء (...) الأنبياء، يعني هل ما أحد (...)؟ * الشيخ: بإعرابها؟ * الطالب: يعني بتعريبها (...)؟ * الشيخ: إي. وأنت تعرف أن الأعلام قد تكون أسماء جامدة ما لها اشتقاق، نعم، ربما تكون ما لها اشتقاق. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي، ولكن فيما يبدو لي والله أعلم أن أسماء الأنبياء في الغالب لها معان، لكن ما أعرف عنها شيئًا. * طالب: بس هي أفضل من عبد الله وعبد الرحمن يعني؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: أسماء الأنبياء. * الشيخ: لا، أفضل الأسماء (...) لا، وإلا «أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن»[[أخرجه مسلم (٢١٣٢/٢) وأبو داود –واللفظ له- (٤٩٤٩) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ]]. (...) أنه جعل لكل نبي عدوًّا من المجرمين تسلية للنبي ﷺ وإنذارًا لقومه، وأنه بين أقوامًا على التعيين ليكون ذلك أبلغ؛ لأن التعيين كضرب المثل. وممن عين؟ * طالب: شعيب. * الشيخ: قبل؟ * طالب: قوم لوط. * الشيخ: قبل؟ أول من بدأ الله به قوم موسى، ثم بعد ذلك نوح، وبعد ذلك عاد وثمود. هذا كله ذكرناه، وذكرنا أن الله سبحانه وتعالى أهلك فرعون المكذب للرسول عليه الصلاة والسلام بالغرق بأي مكان؟ في البحر الأحمر أغرق، وأن الحكمة من إغراقه بالماء أنه افتخر بالماء هو حيث قال لقومه: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١]، فافتخر بالماء فأهلكه الله تعالى بما افتخر به. وقوم نوح أهلكوا بالغرق العام الذي هو من آيات الله، حيث فجر الله الأرض عيونًا وفتح أبواب السماء بماء منهمر. وأما عاد فأهلكوا بأي شيء؟ بالريح، والحكمة من ذلك هي أنهم كانوا يفتخرون بالقوة، يقولون: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، فأهلكهم الله تعالى بالأشياء اللطيفة التي ليست بشيء؛ ليتبين للناس أن الإنسان مهما كان من القوة فإنه ضعيف أمام قدرة الله عز وجل. ثمود أهلكوا بأي شيء؟ * طالب: بالرجفة مع الصيحة. * الشيخ: بالرجفة مع الصيحة، فإن الله رجف بهم وصاح بهم جبريل حتى تقطعت قلوبهم في أجوافهم وكانوا كهشيم المحتظر. ثم الصيحة أيضًا ليست كصفارات الإنذار تتكرر ولعل أحدًا يدخل في الملاجئ، بل هي صيحة واحدة فقط: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر ٣١]، يعني مثل هشيم الإحظار، ومعروف هشيم الإحظار أنه متفتت بالٍ. كل هذا الحكمة منه أمران، هما الحكمة من ذكر هؤلاء الرسل وما جرى لقومهم؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، غيره؟ * الطالب: وإنذار للكفار. * الشيخ: وإنذار لكفار قريش. التسلية للرسول عليه الصلاة والسلام، والإنذار لهؤلاء المكذبين له أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم، نعم، ولهذا قال شعيب لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود ٨٩]. ثم قال: ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ [الفرقان ٣٨]. الرس: اسم للبئر، وقيل: للبئر غير المطوية؛ إما للبئر مطلقًا أو لبئر غير مطوية. ولم يبين الله سبحانه وتعالى من أصحاب الرس؛ ولذلك اختلف المفسرون فيهم اختلافًا كثيرًا، فقيل: إنهم – كما قال المؤلف – قوم شعيب، ولكن هذا ليس بصحيح. وقيل: إنهم من قوم ثمود، وليسوا قوم ثمود. وعلى هذا فيكون عطفهم على ثمود من باب عطف البعض على الكل، نعم. وليسوا هم ثمود أصحاب البئر، يعني بئر الناقة؛ لأن ثمود معروفة، يعني: مستقلون، وهلاكهم معروف، وجوابهم لرسولهم معروف، والأصل في العطف أي شيء؟ التغاير. وقيل: إن أصحاب الرس -ورجحه ابن جرير- هم أصحاب الأخدود الذين ذكر الله تعالى في سورة البروج. ولكن الأولى التوقف في تعيينهم؛ لأن الله تعالى لم يعينهم، ولكننا نعلم أن هؤلاء القوم كانوا معلومين للعرب حين نزول القرآن؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يكن ليضرب لهم المثل في قوم لا يعرفون ما جرى عليهم. وإنما.. لأن الله سبحانه وتعالى لم يكن ليضرب لهم المثل في قوم لا يعرفون ما جرى عليهم، وإنما نسبوا إلى الرَّس، الآن نحن نتكلم عن تعيينهم بأشخاصهم أو بقبائلهم، نقول: الأولى التوقف. لكن لماذا سموا أصحاب الرَّس؟ قيل: إنهم دفنوا نبيهم في هذه الرس؛ يعني في البئر، فسمُّوا بأصحاب الرَّس، من باب إضافة الشيء إلى العمل الشنيع المنكر. وقيل: إنهم كانوا حول هذه البئر، وإن الله تعالى خسَفَ بهم وببئرهم، انهارت البئر بمن حولها، فذهبوا عن آخرهم. وهذا، يعني كيفية العقوبة التي جرت عليهم أو كيفية العمل اللي عملوه فعلقوا به، على الأول تكون الإضافة إشارة إلى أي شيء؟ إلى الفعلة القبيحة التي فعلوها، فصارت سببًا في إهلاكهم، وعلى الثاني يكون إشارة إلى نوع العقوبة التي عوقبوا بها. طيب، ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان ٣٨]، ﴿وَقُرُونًا﴾ ويش هي معطوفة عليه؟ نقرأ كلام المؤلف: (﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ اسْم بِئْرٍ. ونبيُّهم قيل: شُعَيْب، وقيل: غيره، كانوا قُعودًا حولها، فانهارت بهم وبمنازلهم). المؤلف اقتصر على أي شيء؟ على ذكر كيفية إهلاكهم، فهم أضيفوا إلى البئر لأن إهلاكهم كان بما حولها. قال: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾، (﴿وَقُرُونًا﴾ أقوامًا، ﴿بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾؛ أي: بين عادٍ وأصحابِ الرَّس)، إي نعم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي، ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ﴾، هذا ما ذهب إليه المؤلف. ويحتمل أن الإشارة تعود إلى ما سبق من قوم نوح؛ يعني: من قوم نوح إلى أصحاب الرس قرونًا كثيرة أهلكهم الله سبحانه وتعالى. وقول المؤلف: (﴿وَقُرُونًا﴾ أقوامًا)، كأنه يقول: إن المراد بالقرنِ القومُ والأمَّةُ التي كانت في عصر واحد، وهذا أحد الأقوال في القرن؛ أن المراد به الأمة والطائفة اللي كانوا في عصر واحد وعلى طريق واحدة، واستدلوا بقول النبي ﷺ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣/ ٢١٢) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]. وقيل: إن القرن الزمن، واختلفوا في مقداره؛ فمنهم من قال: إنه مئة، وهذا هو المشهور، ومنهم من قال: مئة وعشرون، ومنهم من قال: ثمانون سنة. وهذه الأقوال التي تُقَدِّر بالزمن هي مقاربة للأقوال التي تقدر بالأمة؛ لأن الغالب أن مثل هذا الزمن يفنى به الأولون ويأتي بعدهم قوم آخرون، ولهذا قال النبي ﷺ في آخر حياته: «إِنَّهُ عَلَى رَأْسِ مِئَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ»[[أخرج البخاري (٦٠١)، ومسلم (٢٥٣٧/ ٢١٧) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام فقال: «أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن على رأس مئة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد».]]، «عَلَى رَأْسِ مِئَةِ سَنَةٍ»، » فهذا مما يشير إلى أن القرْنَ مئة سنة. ولكن السياق هنا يدل على أن المراد بالقرون الأُمم؛ لأن الإهلاك للقرون إنما يكون للأزمان ولَّا لأهل الزمان؟ * طالب: لأهل الزمان. * الشيخ: لأهل الأزمان، فالآية هنا سياقها يدل على أن المراد بالقرون الكثيرة الأمم، وما أكثر القرون التي أهلكها الله سبحانه وتعالى بين نوح وأصحاب الرس، وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو ذرٍّ وهو حسن وصححه الحاكم: أن عدد الرسل ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، الرسل، وأما الأنبياء فكثيرون مئة وأربعة وعشرون ألفًا[[أخرج أحمد (٢٢٢٨٨) بسنده عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، كم وفى عدة الأنبياء؟ قال: «مئة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، الرسل من ذلك ثلاث مئة وخمسة عشر جمًّا غفيرًا».]]. هذا عدد كبير، فإذا كان غالب الرسل مُكَذَّبةً فمعنى ذلك أن القرون التي أهلكت كانت كثيرة، والنبي عليه الصلاة والسلام رأى رؤيا ورأى الأنبياء، فرأى النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد[[أخرج البخاري (٥٧٠٥) ومسلم (٢٢٠/ ٣٧٤) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «عرضت عليَّ الأمم، فرأيت النبي ﷺ ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد...» الحديث.]]، مما يدل على أن غالب الأنبياء كُذِّبَ فيما سبق ولم يتبعه إلا القليل. وهذا نوح -كما عرفتم- لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود ٤٠]، هذه المدة العظيمة وهو يكابدهم ويناظرهم ويجادلهم، ويقولون: ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ [هود ٣٢]، ما إحنا مطاوعينك، اللي عندك هاته، والعياذ بالله، وهذا الذي حصل من هذه المدة. نحن الآن إذا كابدنا واحدًا في الدعوة إلى الله لمدة دقيقة واحدة تطاولناه، نعم: لماذا لم يُسْتَجَبْ من أول مرة؟ قلنا له: والرسل عليهم الصلاة والسلام الذين وعدهم الله بالنصر ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]، يُكابِدون أقوامهم، ثم لا يؤمن إلا القليل منهم. فالحاصل أننا نقول: هؤلاء القرون العظيمة الكثيرة كلها أهلكها الله عز وجل بتكذيبها لرسلهم، أفلا يكون قادرًا على أن يهلك المكذبين للرسول؟ بلى، هو قادر عليه، وهذا هو الذي حصل، لكن الله تعالى جعل إهلاك أعداء الرسول عليه الصلاة والسلام على يد الرسول ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة ١٤، ١٥]، هذه المصالح العظيمة لو أهلكت قريش بعذاب من عند الله تحصل ولَّا لا؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا، ولهذا إذا هلك عدوك على يديك كان أشفى لك، أليس كذلك؟ وأشد سرورًا وفرحًا أن الله يهلكه على يدك. أما إذا هلك بعذاب من الله، فهذا لا شك أن الله كفاك شره، ولكن كونه على يدك أبلغ وأشد فرحًا وسرورًا. ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان ٣٩] ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾، سنسأل: لماذا نصبت ﴿وَكُلًّا﴾ والاسم إذا ابتدئ به يكون مبتدأ؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: مفعول. * الشيخ: ويش هو اللي مفعول؟ * الطالب: ﴿ضَرَبْنَا﴾. * الشيخ: لا، ﴿ضَرَبْنَا لَهُ﴾، كان يقول: (وكلٍّ)؛ لأن ﴿لَهُ﴾ جار ومجرور. * طالب: على ﴿نُوحٍ﴾. * الشيخ: لا، يعني ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ [الفرقان ٣٧] ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا﴾، ما يصح. * الطالب: بعد ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ (...). * الشيخ: لا. * طالب: مفعول لفعل متأخِّر ﴿تَبَّرْنَا﴾. * الشيخ: لا؛ لأن ﴿تَبَّرْنَا﴾ فيها مفعول. هذا يسمونه باب الاشتغال، وباب الاشتغال يكون الفعل منصوبًا بالعامل بعده، أو بعامل مقدَّرٍ مناسب. هنا ما يصلح بالعامل بعده؛ لأن العامل بعده متعدٍّ بحرف الجر، إذن لا بد أن نُقدِّر فعلًا مناسبًا، والتقدير: وأنذرنا كلًّا ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾، فهو مفعول لفعل محذوف، وهو من باب الاشتغال. وإنما ترجح النصب هنا؛ لأنه معطوف على جملة فعلية، وباب الاشتغال من مرجحات النصب فيه أن يُعْطَفَ على جملة فعلية. (﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ في إقامة الحجة) ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ يعني: بيَّنا له الأمثال؛ يعني الوقائع التي أوقعها الله تعالى بمن قبلهم، كل أمة تُنْذَرُ بمن قبلها ويُضْرَبُ لها المثل، يقال: هذا مثل المكذِّبين، حصل عليهم كيت وكيت. فكل أمة أنذرها الله تمام الإنذار بحيث لا يبقى لها حجة، لا أمة محمد عليه الصلاة والسلام ولا غيرهم. (﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ في إقامة الحُجَّة عليهم، فلا نهلكهم إلا بعد الإنذار)، وهذا من عدْلِ الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله قادر على أن يُهْلِك عباده بمجرد معصيتهم؛ إذ إنه قد أخذ عليهم العهد والميثاق الفطري أو الحسي -على الخلاف في ذلك- بأنه ربهم وأنهم عابدون له، ولكن مع ذلك ما يهلك أحدًا إلا بعد بعث الرسل ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]، فلم يَكِلِ اللهُ العباد إلى فطرهم ولا إلى العهد الذي أخذه عليهم، وإنما بعث إليهم رسلًا مبشرين ومنذرين. بعد هذا البعث هل يبقى لأحد حُجة؟ ما يبقى، حتى المحتجون بالقدر لا يستطيعون أن يحتجوا به مع إقامة الحجة عليهم بالرسل، ولهذا لو كان القدرُ حُجَّة لم تنتفِ بإرسال الرسل؛ إذ القدر قائم مع وجود الرسل، فلو كان القدر حُجة للعاصين ما كان إرسال الرسل حُجة على الخلق؛ لأنهم يقولون: يا ربنا، القدر موجود حتى مع إرسال الرسل، فهو لنا حُجة. ولكن ما دام أن الناس قد أُنْذِروا وأُوتوا بالآيات، ما من رسول إلا أوتي ما على مثله يؤمن البشر، كل الرسل أيضًا ما أتوا بس للناس يقولون: أنا رسول، افعل كذا، حتى لو جاء إنسان وقال: أنا رسول، افعل كذا، ولم يأت بآيات، فللناس الحجة في أن يردوا قوله، يقولون: أبدًا، هات بينة أنك رسول وإلا ما نقبل. لكن مع ذلك ما من رسول إلا أتى بآية يؤمن على مثلها البشر، ثم مع ذلك أنذروا؛ فشعيب كما أشرنا سابقًا قال لقومه: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ [هود ٨٩]، وهود قال لقومه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف ٦٩]، وصالح قال لقومه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ [الأعراف ٧٤]، فكل رسول يضرب المثل لقومه بمن سبقهم، إذن فالحُجة قائمة. (﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ أهلكنا إهلاكًا بتكذيبهم أنبياءهم). هذه ﴿وَكُلًّا﴾ نريد من يعربها لنا؟ أعربها لنا: ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾؟ * طالب: فذكرنا كلًّا. * الشيخ: لا. * الطالب: معطوفة. * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، هذان رأيان؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: جيب الرأي الثالث ونشوف، إذا كان لك انتقل الأمر إلى غيرك. من يعرف إعرابه؟ * طالب: (...). * الشيخ: من باب الاشتغال؟ * طالب: مفعول مقدم. * الشيخ: نعم، مفعول مقدم لـ﴿تَبَّرْنَا﴾، ترى باب الاشتغال على اسمه، يكون العامل مشتغلًا بضميره؛ بضمير ما سبقه، هذا باب الاشتغال، يعني إذا قلت: زيدًا ضربتُ، لا يصير من باب الاشتغال؛ لأن العامل الآن ما اشتغل بضميره، يكون هذا من باب المفعول المقدم؛ زيدًا ضربتُ. لكن إذا قلت: زيدٌ ضربتُه، صار الآن من باب الاشتغال، إن شئت فارفعه على أنه مبتدأ، والجملة بعده خبر، وإن شئت فانصبه؛ زيدًا ضربتُه. لكن مثلما قلت لكم أمس أو قبل أمس: إن الاشتغال تجري فيه الأحكام الخمسة؛ تارة يجب النصب، وتارة يجب الرفع، وتارة يترجح الرفع، وتارة يترجح النصب، وتارة يتساوى الأمران. وهو الأصل فيه الرفع، هذا أصله، لكن إذا كان الفعل لم يشتغل بالضمير صار السابق مفعولًا، ما يصير من باب الاشتغال. فهنا لو قال الله عز وجل: وكلًّا تبرناه تتبيرًا، لصارت من باب الاشتغال؛ لأن العامل اشتغل بضميره، لكن قال: ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾، فيكون من باب تقدم المفعول لا من باب الاشتغال. * طالب: والأول؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا﴾؟ * الشيخ: ﴿لَهُ﴾، الضمير ﴿لَهُ﴾، تعود إلى (كل) فقد اشتغل بضمير لكن بواسطة حرف الجر. (﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ أهلكنا إهلاكًا)، وإعادة المصدر هنا يعني الإتيان بالمصدر للتوكيد؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٤]، ﴿تَكْلِيمًا﴾ فضلة في هذا السياق، لو قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾ فهمنا الموضوع، لكن ﴿تَكْلِيمًا﴾ من باب التوكيد. وأما التنكير فهو للتعظيم، يعني تتبيرًا لا بقاء معه؛ هلاكًا لا بقاء معه، كامل، وهو كذلك. (﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ [الفرقان ٤٠] أي: مَرَّ كُفَّار مكة، ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ مصدر (سَاءَ)؛ أي: بالحجارة وهي عُظْمَى قُرَى قوم لُوط، فأهلك اللهُ أهلهَا لفعلهم الفاحشة). يقول المؤلف: (مرَّ كفَّار مكة)، (مرَّ) تفسير لـ(أتى)، (كفَّار مكة) تفسير للضمير؛ للواو، يعني أن كفار مكة مروا على القرية التي أمطرت مطر السوء، وهي قرية قوم لوط. وقول المؤلف: (وهي عُظْمَى قُرى قوم لوط)، (عُظْمى قُرى) يستفاد منه: أن القرى أكثر من واحدة، وقد قيل: إنها سبع قُرى، ولكن ظاهر القرآن أنها قرية واحدة، مثلما قال الله تعالى في الرسل: ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٣١، ٣٢]، فكون القرآن يأتي باسم قرية واحدة، لا ينبغي لنا أن نقول: إنها أكثر من واحدة إلا بدليل ثابت عن الرسول ﷺ. وما جاء عن بني إسرائيل في ذلك -أي في أنها سبع قرى- فهو مقبول ولَّا مرفوض؟ هذا مرفوض؛ لأن دلالة كتاب الله عز وجل تدل على -ظاهرُه- أنها قرية واحدة، فعلينا أن نتمسك بهذا الظاهر ما لم يوجد دليل ينفي هذا الظاهر، إن وجد دليل فنعم، أما مجرد أخبار بني إسرائيل فليست مقبولة في هذا الموضع. قال: ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ﴾، و(القرية) اسم للبلد سواء كان كبيرًا أو صغيرًا، بل لو كان أُمًّا للقرى فهو قرية: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد ١٣]. نحن مثلًا نزعل إذا قيل: عنيزة قرية، وبريدة قرية، والرياض قرية، لكن هذا الزعل بالحقيقة بناء على اللغة العرفية؛ أن القريةَ اسم للبلد الصغير والمدينةَ اسم للبلد الكبيرة؛ ولذلك بعضهم يحترز، يقول: بلدية مدينة عُنيزة، بلدية مدينة بريدة، بلدية مدينة الرس، ما حاجة تجيب (...) إضافات، بلدية الرس، بلدية عنيزة، بلدية بريدة، بلدية الرياض، ما حاجة، لكن كل خوفًا من أن يكون عيبًا عليهم أن تُسَمى قرية، ولكنا نحن نقول: أم القرى، سماها الله تعالى قرية، وكفى بذلك أسوة. وإنما سُمِّيَ البلد قرية لأنه من: القَرْي؛ يعني الجمع؛ إذ إنه يجمع أناسًا، فالناس يجتمعون فيه، فلذلك سُمِّي قرية. * طالب: بالنسبة للقرية التي وردت في القرآن (...)؟ * الشيخ: لا، نحن نجيب دليل على أن قُرى قوم لوط سبعٌ، ما هو معناه أننا نجيب دليلًا على أن البلد تُسَمَّى قرية. * الطالب: أنا فاهم الكلام هذا، لكن.. * الشيخ: إذا فهمت صار ما فيه إشكال. * الطالب: لا، إذا (...)؟ * الشيخ: لا، أقول: إن المؤلف وكثيرًا من المفسرين يقولون: إن قوم لوط ليست قرية واحدة، قرى متعددة، فنحن نقول: لا، هي قرية واحدة ما لم يوجد دليل. * الطالب: لأنه -يا شيخ- مشكل علي (...)، كيف نجيب دليلًا على القرآن؟ * الشيخ: لا، نجيب دليلًا على تعددها؛ لأن ظاهر القرآن أنها قرية واحدة، فإذا قال قائل: إنها سبعُ قُرى، نقول له: هات الدليل. إذا جاء بدليل، لو فُرِضَ أن المسألة فيها دليل صريح صحيح، فإنه يمكن أن يقال كما قال المؤلف، يُذْهَب إلى ما ذهب إليه المؤلف، فيقال: المُراد بالقرية هنا (عُظْمى القُرى)، ولكن نحن نقول: ما حاجة إلى أن نقول: (عُظْمى القُرى)، بل نقول: هي قرية واحدة، ولا مانع من أن الله يرسل رسولًا إلى قرية واحدة، بل كان فيما سبق يوجد رسولان في أمة واحدة؛ موسى وهارون كانا في أمة واحدة، وداود وسليمان، وزكريا ويحيى، وهكذا كثير. وقوله: ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ المطر نوعان: مطر سوء؛ يعني عذاب يسوء الممطَرين، ومطر رحمة يسرُّهم، فالغيث الذي ينزل من السماء بالماء، هذا مطر رحمة، وإذا كان يضر صار مطر سوء. وقرية قوم لوط أُمْطِرَت بمطر سوء. ما هو المطر الذي أمطرت به؟ ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [هود ٨٢] والعياذ بالله، ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ معلمة ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات ٣٤] الذين جاوزوا حدَّهم. وهذا المطر -والعياذ بالله- جعَلَ عاليها سافلها (...) هذا المطر جعل عاليها سافلها، ويش لون؟ * طالب: قُلِبَت. * الشيخ: ما في القرآن أنها قُلِبَت، يعني ليس في القرآن ولا آية واحدة تدل على أنها قُلِبَت. * طالب: الحديث الذي (...) رفعها جبريل عليه السلام حتى سمع (...). * الشيخ: إي، هذا أنَّى له الصحة! لو صح لكان الأمر واضحًا، لكن جعل عاليها سافلها؛ لأن الحجارة هذه لما ضربتها صارت المباني تتهدَّم، فصار أعلاها أسفلها. هذه الحجارة -والعياذ بالله- التي دمرتها بهذا التدمير يقول الله تعالى فيها: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود ٨٣]؛ يعني: من الذين يفعلون هذا الفعل ليست ببعيد منهم. ولهذا ذهب بعض الصحابة رضي الله عنهم أن فاعل الفاحشة هذه يُفْعَل به هكذا؛ يُلْقَى من شاهقٍ ويُرْمَى بالحجارة، بناءً على أنها رُفِعَت، ثم قُلِبَت، ثم أُتْبِعَت بالحجارة. وقال بعض العلماء: بل إنهم يرجمون رجمًا بالحجارة بدون أن يلقوا من الشاهق، بناءً على أنه لم يثبت أنها رُفِعَت وقُلِبَت. وعلى كل حال فهذه الفاحشة المنكَرةُ التي عبَّر الله عنها بـ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف ٨٠]، الزنا قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢]، شوف: ﴿كَانَ فَاحِشَةً﴾، يعني: فاحشة من الفواحش. وأما هذا فقال لهم نبيهم: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف ٨٠] (أل)، ودخول (أل) عليها يدل على أنها قد بلغت في الفحش غايته، وهو كذلك، وهذا لأن الفِطَرَ تنفر منها: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، شوف يعني تقريع وتوبيخ -والعياذ بالله- تترك ما خُلِقَ لك إلى ما لم يُخْلَقْ لك، فتأتي -والعياذ بالله- الذكَر؟! قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على أن فاعل هذه الفاحشة يُقْتَل فاعلًا كان أو مفعولًا إذا كان قد بلَغَ. لكنهم اختلفوا في قتله؛ فمنهم من قال: يُحْرَق، ومنهم من قال: يُرْجَم بالحجارة، ومنهم من قال: يُلْقَى من على شاهق، وذلك لقول النبي ﷺ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. ]]. ولا يُشْتَرَط أن يكون مُحْصَنًا، الزِّنا ما يُرْجَم ويُعْدَم إلا المحصَن، أما هذا فإنه لا يُشْتَرَط فيه الإحصان، متى كان بالغًا عاقلًا وجَبَ إعدامُه. * طالب: (...). * الشيخ: نعم؛ وذلك لأن هذا الفعل المنكَر ما يمكن التحرُّز منه في الحقيقة، الزنا يمكن التحرز منه، ويمكن مراقبة من حاول الزنا، فإنك لو رأيت رجلًا مع امرأة تقول: ما هذه المرأة؟ لكن لو رأيت رجلًا مع ولد، ما يمكن تقول، ما هو مستغرب. فلذلك من أجل أن فساده خفيٌّ لا يمكن التحرُّز منه صار لا يمكن إصلاح الخلق إلا بإعدامه، وهو مصلحة له ومصلحة لغيره؛ أما كونه مصلحة له، فإن الحد كفارة، ولأنه إذا بقي في الدنيا متماديًا في هذه الفاحشة صار يزداد إثمًا، فنحن في الحقيقة قد قطعنا الطريق على الشيطان بالنسبة لهذا الرجل، ثم هو أيضًا إصلاح لغيره. وهذا القول الذي ذكره شيخ الإسلام وأجمعت عليه الصحابة رضي الله عنهم هو القول المتعين، لا سيما إذا كثر هذا الأمر؛ لأنه كلما كثرت الفاحشة وجب أن تقابل بعقوبة أشد، إلا ما حدده الشرع فيجب الوقوف عليه. وتجدون أن عمر رضي الله عنه لما أكثر الناس من شرب الخمر ماذا صنع؟ زاد الضعف إلى ثمانين[[أخرج مالك (٢٤٤٢) عن ثور بن زيد الديلي أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال له علي بن أبي طالب: نرى أن تجلده ثمانين؛ فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى. أو كما قال: فجلد عمر في الخمر ثمانين.]]، ولما كثر الطلاق الثلاث في عهده عاقب المطلقين بتنفيذ قولهم[[أخرج مسلم (١٤٧٢/ ١٤) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.]]. * طالب: أمضاه. * الشيخ: أمضاه عليهم. فعلى هذا نقول: إنه إذا كثرت هذه الفاحشة وجب على ولاة الأمور أن يكونوا أشدَّاءَ على فاعليها، وأن يقتلوهم إعدامًا بدون أي توقف؛ لأن ذلك هو الذي يُصْلِح الخلق، وإلا انتشارها مثلما قلنا: إنه ما يمكن التحرُّز منها، وانتشارها عظيم، كل واحد مثلًا -والعياذ بالله- مُبْتَلًى بهذا الأمر يمسك أي صبي ويعاشره ويفعل به الفاحشة، ليس مثل النساء. هذا هو القول الصحيح المتعين. فيه قول آخر كما أشرنا إلى أن حكم اللواط حكم الزنا، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو ضعيف. فعلى هذا إن كان الفاعل محصنًا والمفعول به محصنًا ويش وجب؟ وجب القتل؛ الرجم، وإلا فالجلد والتغريب. وذهب بعض العلماء إلى أنه يُعزَّر تعزيرًا بدون حدٍّ، قال: لأن هذا لم يثبت عنده الحديث: «فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.]]، وليس فيه حدٌّ ثابت، فيُرْجَع فيه إلى التعزير. والتعزير إذا قلنا بأن ولي الأمر له أن يعزر بالقتل فما دونه صار قتل اللائط والملوط به عائدًا إلى اجتهاد الإمام. وذهب بعض العلماء إلى أنه ليس فيه حدٌّ ولا تعزير، لكنه حرام. * طالب: حُجَّته؟ * الشيخ: حُجَّته يقول: إنه يكتفى بالنفور الفطري عن العقوبة الرادعة؛ يعني أن هذا أمْرٌ فطري النفور منه، فلا يحتاج إلى عقوبة رادعة، ولهذا جعل الشرع في شرب الخمر عقوبة؛ لأن النفوس تميل إليه، ولم يجعل في شرب البول عقوبة؛ لأن النفوس تنفر منه بالطبيعة، فهذا مثله. فيقال: هذا رجُلٌ -الحقيقةَ- سليمٌ ولا يعرف الواقع، فإذا كانت فطرته سليمة تنفر من هذا الأمر، فإن هناك فطرًا مقلوبة تهوى هذا الأمر وتميل إليه، فماذا نصنع بهذه الفطر؟ ثم إن قوله: إن شرب البول لا تعزير فيه لأن النفوس تنفر منه، غير مُسلَّمٍ، فلو أن رجلًا ابتلي بشرب البول نخليه يشرب من بول الناس ولَّا نُعزِّره؟ نعزره ونمنعه من ذلك، وإن كانت الفطرة تأبى هذا الأمر، إي نعم. فالحاصل أن الأقوال هذه الأربعة أصحها القول الأول. * طالب: إذا كان في إجماع صحابة، أجمعوا على القتل؟ * الشيخ: إي نعم، هم الحقيقة الإجماع ما هو إجماع قطعي، يعني فيه سكوت، سكوتي، والإجماع السكوتي ليس إجماعًا قطعيًّا. واعلم أن الزنا كما قسَّمه الرسول عليه الصلاة والسلام وكذلك اللواط أنواع: زنا الفرج، ولواط الفرج، وفيه أيضًا زنا العين ولواط العين، وفيه أيضًا زنا الأذن ولواط الأذن، وزنا اليد ولواط اليد، وزنا الرِّجل ولواط الرِّجل. يعني لا تظن أن اللواط خاص بالفعل؛ بالفرج، بل حتى العين، لو أن أحدًا تلذَّذ بالنظر إلى أمردٍ، قلنا: هذا الرجل تلوط به، لكن تلوط به فعلًا ولَّا نظرًا؟ نظرًا. ولذلك يجب الحذر من هذا الأمر، حتى إن النووي وجماعة من أهل العلم قالوا: إنه لا يجوز النظر مطلقًا إلى الأمرد الحسن؛ إلحاقًا له بالمرأة. ولكن الصواب أنه يجوز، إلا مع التلذذ بذلك فهذا حرام. * طالب: قوله (...) فيه دليل؟ * الشيخ: وين؟ * الطالب: يعني أن (...). * الشيخ: نحن ما بدأنا بالاستنباطات، لكن ما يخالف. * طالب: (...)؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، من أُكْرِهَ على فعل الفاحشة فلا شيء عليه، لا في هذا ولا في غيره؛ لأنه من شروط إقامة الحد أن يكون غير مكره، حتى المرأة لو أكرهت على الزنا ما يُقام الحد عليها. وهذا هو الذي أوجب لبعض أهل العلم أن المرأة إذا حملت لا تُحَدُّ، قال: لأنه يحتمل أن تكون مُكرهةً (...)، وهذا الاحتمال يدرأ الحد. ولكن الصحيح أن المرأة إذا حملت وليس لها زوج ولا سيِّد يُقام عليها الحد؛ لأن خطبة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وقوله: إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف[[أخرج البخاري -واللفظ له- (٦٨٢٩)، ومسلم اللفظ له (١٦٩١/ ١٥) عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال عمر: لقد خشيت أن يطول بالناس زمان، حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف. ]]، أمام الناس ولا أحد أنكر عليه. فهي يُقام عليها الحد، لكن إن ادَّعت شُبهةً، يعني تؤخذ الآن ويقال: يلَّا أقيموا الحد عليها، لكن إن ادَّعت شُبهةً ممكنة ارتفع عنها الحدُّ؛ لأن الأمر محتمل، وكثير من النساء تُغْلب على نفسها ويُفْعَل بها الفاحشة. * طالب: (...) قوم لوط عليه السلام فيه فاحشة اللواط، هل هي مشتقة من (...)؟ * الشيخ: إي نعم، يعني كونه يقال: لوطي أو لواط، نسبة إلى قوم لوط. لكن فيه إشكال هنا؛ أن النسبة صارت إلى المضاف إليه وهو نبيُّهم، فيقال -والله أعلم-: إن السبب في ذلك أن هذه الفاحشة اختُصَّت بها هذه الأمة، ولهذا قال لهم نبيهم: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف ٨٠]، ما أحد سبق عليها، يعني أول من سنَّ هذه الفاحشة -والعياذ بالله- هم قوم لوط، وعلى هذا فعليهم وزْرُها ووزرُ من عمل بها إلى يوم القيامة، نسأل الله السلامة. * طالب: طيب، منشأ اللغة العربية (...)، أول ما نشأت اللغة العربية، إذا قلنا: إن لغة آدم سريانية؟ * الشيخ: أول ما نشأت من العرب العاربة حينما جاؤوا إلى مكة القحطانيون واتصلوا بإسماعيل ونشأ بينهم صار عربيًّا، ولهذا بنو إسماعيل هم العرب المستعرِبة. وقطعًا اللغة العربية مثل غيرها يدخل عليها تطورات وتحسينات، مثلما أن بعد الفتوح دخل عليها تغييرات (...)، كذلك فيما سبق دخل عليها تطورات وتحسينات حتى وصلت إلى الكمال في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام. * طالب: في الآية السابقة، آية (...)؟ * الشيخ: يعني ما ذكرنا فوائد الآيات؟ * الطالب: إلا ذكرت. * الشيخ: إي. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفرقان ٣٧]، قوله: ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾. * الطالب: إي. * الشيخ: هذا إظهار في موضع الإضمار، ما قال: أعتدنا لهم، وذكرنا أن فيه فوائد. كأن الأخ يعرفها؟ * طالب: ما كتبتها. * الشيخ: ما كتبتها ولَّا في رأسك؟ الذي ينبغي لطالب العلم أنه يكتب؛ إمَّا في ورقته، أو في رأسه. ويش تقول؟ * طالب: فائدة الإظهار. * الشيخ: فائدة الإظهار في مقام الإضمار؟ * الطالب: للعموم. * الشيخ: طيب، إرادة العموم. * طالب: (...). * الشيخ: إي، لانطباق الوصف على هؤلاء؛ يعني: تسجيل هذا الوصف أو ما دلَّ عليه على هؤلاء، طيب. * طالب: بيان عدْلِ الله عز وجل؛ أنه لم يعذبهم إلا أنهم ظالمون. * الشيخ: إي، إظهار العلة يعني؟ * الطالب: العلة يعني. * الشيخ: زين. * الطالب: وتنبيه المخاطب (...). * الشيخ: تنبيه المخاطب، زين. هذه فوائدها. فمثلًا في الأول قلنا: إرادة العموم؛ لأنه إذا قال: وأعتدنا لهم عذابًا أليمًا، صار العذاب الأليم لهم فقط، لكن ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ لهم ولغيرهم. هذه واحدة. والثاني: تسجيل هذا الوصف عليهم؛ لأنه وصفهم بأنهم ظالمون. والثالث: إظهار الحكمة من هذه العقوبة، وهي أنهم كانوا ظالمين. والرابع: تنبيه المخاطب، لكن ترى المراد بالمخاطَب اللي يكون قلبه فيه حياة، وإلا اللي يمر القرآن سَدَا ترى ما ينتبه، إظهار في موضع الإضمار، التفات، تنبيه، كله واحد عنده، لكن كلامنا الذي يقرأ بتدبر لا بد أن ينتبه؛ كيف تغيَّر السياق؟ كيف عُدِلَ عن الضمير إلى الظاهر. * طالب: ما نقول: إنه ما ينبغي أن يُسْمَّى لواطًا (...)، وإنما نقول ما ورد في الحديث: عمل قومِ لوطٍ. * الشيخ: هذا طيب الحقيقة، لكن أنا أشوف العلماء الكبار يقولون هذا؛ كابن القيم وشيخ الإسلام ومن قبلهم ومن بعدهم. * الطالب: (...)، أو أنه مشتق؟ * الشيخ: لا، أبدًا، إلا قوم لوط. * الطالب: قوله تعالى عن سليمان: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل ١٦]. * الشيخ: سليمان؟ * الطالب: إي، (...)، ﴿مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ هل للطير منطِقٌ؟ ثم قال بعد بآيات: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل ١٨]. * الشيخ: إي. * الطالب: (...). * الشيخ: إلى الآن هي تنطق، ولهذا قال: ﴿عُلِّمْنَا﴾ [النمل ١٦]، (...). مَن هم أصحاب الرَّس؟ * طالب: هم القوم الذين أهلكهم الله عز وجل (...). * الشيخ: أحسنت. وما الصحيح في هذه المسألة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، لكن ماذا نقول يعني؟ إذا قلنا: ليسوا قوم شعيب، هل هم غيرهم؟ * الطالب: نعم، هم القوم الذين قتلوا نبيهم. * الشيخ: إي، لكن ماذا نقول؟ هل يعني نمسك عن التعيين ونقول: إن هؤلاء ما عيَّنهم الله، فلسنا بحاجة إلى التعيين؟ * الطالب: تقصد (...)؟ * الشيخ: لا، يعني لو قال لنا قائل: هل هم معروفون -مثلًا- لديكم أو لا؟ * طالب: لا، المعروفون هم المسلمون الأوائل (...). * الشيخ: إنما الآن معروفون ولَّا لا؟ * الطالب: لا، (...) أنهم أصحاب بئر. * الشيخ: أصحاب الرس هذا معلوم من القرآن، لكن هل -مثلًا- معيَّنون قال: من هم؟ وأين مكانهم وكذا؟ يعني هل نعرف قبيلتهم ونعرف مكانهم ونعرف رسولهم؟ * الطالب: لا. * الشيخ: لا؛ لأن الله ما عيَّنهم، فالأَولى السكوت. قوله: ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾، هذه الإضافة شو المراد بها؟ * طالب: يعني أصحاب البئر. * الشيخ: أصحاب البئر، لكن ويش المقصود بالإضافة؟ * الطالب: قيل: لأن البئر انهار عليهم. * الشيخ: أو بهم؟ * الطالب: انْهَارَ بهم، وقيل: إنهم كانوا يقطنون حوله، فأضيفوا إليه؛ أضيفوا إلى هذا البئر الذي (...). * الشيخ: نعم؛ لأنه (...). * طالب: (...)، إما إضافته للعقوبة، وإما إلى مكانه. * الشيخ: إي. * الطالب: فإذا قيل: إنهم هم من حول البئر ساكنون، فهم نسبوا إليه (...). * الشيخ: إي، وخسَفَ الله بهم وببئرهم؟ * الطالب: وببئرهم، (...). * الشيخ: هذه من باب الإضافة للعقوبة. * الطالب: للعقوبة. * الشيخ: طيب. * الطالب: (...)؛ لأنهم يقطنون حولها. * الشيخ: المعنى الثاني ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾، مُضافة إلى فعلهم وأنهم رسُّوا نبيهم؛ يعني دفنوه فيها. نحن قلنا: إن الإضافة هنا إما لكذا وإما لكذا؛ لأن العلماء افترقوا في هذا (...)، منهم من قال: سموا أصحاب الرس؛ لأنهم كانوا حول هذه البئر، فخسف الله بهم وببئرهم، وقيل: إنهم أصحاب الرس؛ لأنهم رسُّوا نبيهم؛ يعني دفنوه. وذهب ابن جرير إلى أن المراد بهم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في البروج. قوله: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ﴾، ما المراد بالقَرن؟ * طالب: قيل: إنه الزمن. * الشيخ: يُطلَق على الزَّمن، ما هو قِيلَ. ويُطْلَق؟ * الطالب: ويُطْلَق على الدهر. * الشيخ: الدهر والزمن معناهما واحد. * الطالب: ويُطْلَق على (...). * الشيخ: لا، على الزمن عاد على الخلاف في تقدير هذا الزمن، يُطْلَق على الجيل؛ يعني على الأمة التي تكون في عصر واحد وعلى مصر واحد. أيهما أنسب بالنسبة للآية الكريمة؟ * طالب: على الجيل. * الشيخ: على الجيل؛ لأن المراد إهلاكهم، والإهلاك يكون للأُمَّة لا للزمن. ما معنى قول الله تعالى: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾؟ * طالب: يعني: أنذرنا. * الشيخ: إي، أنذرنا كلًّا، لكن وأيش معنى: ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾؟ * طالب: ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: أنذرناه بما (...). * الشيخ: المكذِّبين. * الطالب: المكذبين. * الشيخ: أحسنت، تمام. ضرب الأمثال معناه ذكر (...) في حالهم، بمعنى أننا أنذرناهم بذكر ما جرى للأمم السابقين الذين هم مثلهم في التكليف، فهلكوا. ما المراد بـ﴿الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾؟ * طالب: المراد قوم لوطٍ. * الشيخ: قوم لوطٍ. ما نوع هذا المطر الذي سمَّاه الله مطر سوء؟ * الطالب: حجارة من سجيل. * الشيخ: حجارة من سجيل، نعم. اشتهر عند أهل العلم أن القرى كانت سبعًا، فما رأيك؟ هل هي سبع؟ * طالب: (...) القرآن قرية واحدة. * الشيخ: وأنها واحدة. طيب، إذا قلنا بما قاله الكثير من أهل العلم، فكيف نفسر قوله: ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ﴾؟ * طالب: أي: عُظْمى القرى. * الشيخ: إي، عُظْمى القرى؛ لأن ما دونها تابع لها. ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾، هذه الجملة مؤكدة ولَّا غير مؤكدة؟ * طالب: نعم، مؤكدة. * الشيخ: مؤكدَة بكم مؤكِّدٍ؟ * الطالب: بثلاثة مؤكدات؛ اللام، وقد، والقسَم. * الشيخ: والقسم المقدَّر. طيب، وهذا المقصود بالتوكيد تقرير الأمر الواقع، يعني أنه ليس الخبر كالمعاينة، فهم الآن يعاينون ما حلَّ بهذه القرية من عذاب الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم يمضون عليها ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨]. يقول الله عز وجل: (﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ في سفرهم إلى الشام، فيعتبرون، والاستفهام للتقرير). عندنا ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾، هذه تأتي في القرآن كثيرًا: (أَفَلَمْ) (أَوَلَمْ)، يعني: يأتي حرف الاستفهام الهمزة، وبعده حرف عطف، فاختلف النحويون في ذلك؛ فمنهم من يقول: إن حرف الاستفهام داخل على جملة مقدَّرة مفهومة من السياق، تقدَّر حسب ما يليها. ومنهم من قال: إن حرف الاستفهام داخل على الجملة المذكورة، لكن محله بعد حرف العطف، فمثلًا: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ يقولون: أصلها (فألم يكونوا يرونها)، فقُدِّمت أداة الاستفهام؛ لأن لها الصدارة. فالآن أمامنا رأيان فيما إذا وُجِدَ حرف استفهام بعده حرف عطف، هل يكون داخلًا على الجملة المذكورة مُقدَّمًا على حرف العطف؟ أو يكون داخلًا على جملة مُقدَّرة تُسْتَفاد من السياق؟ كيف نُقدِّر ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ على الرأي الثاني الذين يقولون: إنه داخل على جملة مُقدَّرة مفهومة من السياق؟ * طالب: (...). * الشيخ: كيف نقدر؟ * طالب: (...) فلم يكونوا. * الشيخ: إي، أَعَموا، فلم يكونوا يرونها؛ لأن انتفاء الرؤية معناها العمى. وعلى الرأي الثاني ما يحتاج إلى تقدير، نقول التقدير: فألم يكونوا يرونها. والأول رأي سيبويه، والثاني رأي الكسائي. وأيهما أهون وأسلم؟ * طالب: الثاني. * الشيخ: الثاني أهونُ وأسلمُ. * طالب: تدخل الفاء عليها (...). * الشيخ: لأنه في الحقيقة في بعض الأحيان تأتيك أمثلة ما تستطيع أن تقدر هذا المحذوف ولا كيف تقدره. ثم إن الأصل عدم التقدير والحذف، هذا هو الأصل. ونحن إذا ذهبنا إلى الرأي الثاني لم نرتكب إلا شيئًا واحدًا فقط، وهو تقديم الهمزة عن مكانها، وهذا شيء بسيط، فالذي ينبغي سلوكه أن نقول: إن همزة الاستفهام هنا داخلة على الجملة الموجودة بدون تقدير، لكنها مُقدَّرة بعد حرف العطف، إلا أنها قُدِّمَت لأجل الصدارة. وهنا ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾، إذا دخلت همزة الاستفهام على (لم) فالمراد به التقرير، ومعنى التقرير: حمل المخاطب على الإقرار. مثلًا: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، أيش نقول بالهمزة؟ الاستفهام التقريري أو للاستفهام المراد به التقرير، المهم أن هذه ليست للاستفهام الاستخبار، ما هو بالله يسأل، ولكنه يقرر أنه شرح له صدره، فنقول: الاستفهام هنا للتقرير. وما معنى التقرير؟ * طالب: الإثبات. * الشيخ: لا، ما هو بس الإثبات وفقط، حمل المخاطب على الإقرار؛ يعني إن كان هذا الشيء متقررًا، فيجِبُ عليك أن تُقِرَّ به. * طالب: إذا تلاها (...)؟ * الشيخ: إي نعم، طيب. نقول: هي للاستفهام التقريري؛ أي: حمل المخاطب على الإقرار، وكأن هذا أمْرٌ لا يمكن إنكاره؛ لأنه معلوم له. في الآية الكريمة: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾، نقول: الاستفهام للتقرير؛ يعني أنهم قد رأوها، إذا كان بمعنى التقرير فإنه يُقدَّرُ بفعل ماضٍ مقرونٍ بـ(قد)، يعني مثلًا: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَك﴾ [الشرح ١] معناه: قد شرحنا لك، لكنها أبلغ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَك﴾. ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ معناه؟ * طالب: قد رأوها. * الشيخ: قد رأوها، لكن الإتيان بالاستفهام أبلغ؛ لأنه يحمل المخاطب على أن يقر، وهذا أبلغ من أن أُخْبِرَه بأمْرٍ على سبيل التحقيق بـ(قد). ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾، يعني معناه: أنهم قد رأوها وهم يُقرُّون بذلك، ولا يمكنهم إنكاره، ويرونها، يقول المؤلف في وقت الرؤية: (في سفرهم إلى الشام، فيعتبرون) وهذا صحيح أن الإنسان إذا عاين آثار العذاب يكون أشد في يقينه وتصديقه؛ لأنه ليس الخبر كالمعاينة. وإبراهيم ﷺ لا يشك أن الله تعالى قادر على إحياء الموتى، ومع ذلك قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة ٢٦٠]، وقال النبي ﷺ: «نَحْنُ أَوْلَى بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٢)، ومسلم (١٥١/ ٢٣٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وجئت بهذا الحديث لأجل أن نفهم معناه حقيقة، ويش معنى «نَحْنُ أَوْلَى بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ»؟ لو أخذنا بظاهره لقلنا: إن إبراهيم قد شكَّ ونحن قد شككنا ونحن أولى بالشك منه، ولكن ليس المراد بذلك، ويش المراد؟ * طالب: مؤكدٌ أنه لم يشكَّ إبراهيم، لكن لو كان.. يعني هذا تأكيد على أنه لم يشك؛ لأننا يعني بمعنى أنه لو حصل منه شك فنحن أولى بذلك، لكنه ما حصل منه شكٌّ. * الشيخ: يعني كما أننا نتيقَّن أن الله يحيي الموتى وقادر عليها، فإبراهيم أولى باليقين، ولو كان ثمة شكٌّ لكنا أَوْلى به من ذلك، إي نعم. ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾، بيَّن لنا عن القرية هذه، موجودة الآن؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، هذه مدائن صالح، لكن قرية لوط البحر الميت، البحر الميت هذا يقولون: إنه هو مكان قُرى قوم لوط، إنه صار بحيرة مالحة. * طالب: فيها قولان. * الشيخ: ما أدري واللهِ إن كان فيها قولان، إنما الآن عندي قول واحد. * طالب: صحة القول هذا؟ * الشيخ: أقول: هذا مشهور، مشهور أن هذا البحر الميت أنه هو محل قرية قوم لوط. يقول: (﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ﴾ لا يخافون ﴿نُشُورًا﴾ ) (بل) للإضراب، وكأنه إضراب عن توبيخ إلى أشد منه. ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ قلنا: الاستفهام للتقرير، والإنسان الذي يرى الشيء ثم لا يعتبر به مستحقٌّ للتوبيخ. انتقل إلى ما هو أعظم؛ إلى حال يستحقون التوبيخ عليها أشد، فالإضراب هنا للانتقال منين؟ من سيءٍ إلى أسوأ، ومن خفيف إلى أغلظ منه، يعني معناه: أن هؤلاء ليسوا تاركين للاعتبار بما شاهدوا، بل إنهم أبلغ من ذلك ﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾، وفسَّر المؤلف الرجاء بالخوف؛ لأن الرجاء يأتي بمعنى الخوف، مثل قول الله تعالى عن نوح: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح ١٣]. ولكن إتيان الرجاء في موضع الخوف لا يكون إلا حيث تعذر أن يُفَسَّر بمعناه الحقيقي، وهنا لا يتعذَّر؛ لأن معنى ﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ يعني: لا يؤملونه، ما يؤملون ولا يقرون به؛ لأن مَن لا يؤمل شيئًا لا يُقِرُّ به. وكأن المؤلف رحمه الله حمله على معنى الخوف؛ لأن حاله تقتضي أنهم لا يخافون؛ إذ لو خافوا لأقرُّوا وآمنوا. ولكن يقال أيضًا: الرجاء، لو كان يرجون هذا النشور ويؤملونه لعملوا له؛ لأنهم قيل لهم: إن صدقتم الرسل فلكم كذا، وإن كذبتم الرسل فعليكم كذا، فهم مَوْعُودون ومُتَوعَّدون، فلا يتعيَّن أن نحمل الرجاء على الخوف، بل لا ينبغي ما دام للرجاء بمعناه الحقيقي، ما دام له محل فإنه يجب أن يُحْمَلَ على معناه الأصلي. فنقول: ﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾؛ أي: لا يؤملون النشور الذي فيه ما وعدتهم به الرسل من كرامة الله سبحانه وتعالى وإدخال الجنة. وهذا أشد من عدم اعتبارهم بما رأوا من إهلاك المكذبين، حيث ينكرون البعث الذي دلَّ عليه العقل، فالعقل يدل على أن للناس بعثًا، ولهذا يقرِّرُ الله تبارك وتعالى هذا المعنى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة ٣٦]؛ يعني: لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهَى ولا يُجَازى، هذا سفهٌ، لو كانت هذه الخليقة التي خلقها الله، وأرسل إليها الرسل، وأباح دماء بعضهم لبعض وأموالهم ونساءهم لأجل الدين الذي بعث به الرسل، وهذا القتال العظيم بينهم والعداوة والبغضاء، لو كانت لا لشيء إلا أن الإنسان يحيى ويموت، ماذا يكون هذا الفعل؟ * طالب: سفهًا. * الشيخ: يكون سفهًا يُنَرَّه الله عنه، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص ٨٥]، ما أنزل الله هذا القرآن إلا لمعادٍ يكون الناس يوم القيامة يرجعون إليه، ثم يُجازون بأعمالهم، فالعقل دلَّ على أنه لا بُدَّ من بعثٍ، ولا بُدَّ من جزاء، ومع ذلك هؤلاء ينكرونه. و﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ بحُججٍ واهيةٍ باطلةٍ؛ مثل: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، هذه حجة ولَّا ما هي حجة؟ هي شُبهةٌ في الواقع، شُبهةٌ باطلةٌ، ولذلك أبطلها الله في الآيات التي بعدها من نحو عشرة أوجه، هذا الإنكار المبني على استبعاد عقله، لذلك أبطله الله تعالى كما يظهر من القصة من نحو عشرة أوجه؛ أولها: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس ٧٩]، هذا يكفي العاقل، هي ما كانت هذه العظام ماء مهينًا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ماء مهينًا، بل قبل ذلك لم تكن شيئًا مذكورًا، ثم خلقها الله إلى عظام، فالذي أحياها أول مرَّة قادر على إعادتها، وهو عقلًا أهون من الابتداء ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]. على كل حال لسنا بصدد الإثبات لهذا الشيء، لكن أقول: إن هؤلاء الذين لا يرجون نشورًا مع قيام الأدلة على وجوده لا شك في سفههم، وأنهم ليسوا على صواب. ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ﴾ [الفرقان ٤١]، منتقلًا إلى حالة أخرى يقابل بها هؤلاء المشركون رسول الله ﷺ. (﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ مهزوءًا به) ﴿يَتَّخِذُونَكَ﴾ يُصيِّرونك ويجعلونك مهزوءًا به، وتجدون الآن أن الآية فيها حصرٌ طريقه النفي والإثبات؛ يعني: ما يجعلون لك أي حال من الأحوال إلا الهزء، و﴿هُزُوًا﴾ مصدر، لكنه يقول المؤلف: (مهزوءًا به) يعني أنه بمعنى اسم المفعول. والمصدر بمعنى اسم المفعول كثير ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]، ويش وجه الاستدلال بهذه الآية اللي استدللت بها الآن ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، ويش وجه الاستدلال بالآية التي ذكرت؟ * الطالب: يعني أن (...). * الشيخ: إي، وجه الاستدلال السؤال أحيانًا يُرَادُ به التنبيه والاستخبار، فهنا نقول: وجه الاستدلال أن قوله: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، (حمل) مصدر بمعنى محمول، فهو مصدر بمعنى اسم المفعول، وفي الحديث عن النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري بنحوه (٢٦٩٧)، ومسلم واللفظ له (١٧١٨/ ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]؛ يعني: مردودٌ. هنا ﴿هُزُوًا﴾ مصدر، لكنه بمعنى اسم المفعول على رأي المؤلف. ويمكن أن يقال: إنه على بابه؛ مصدر، ويكون من باب المبالغة، كأنه ما جعل الرسول محلًّا للهزء؛ يعني مهزوءًا به، به جعلوه نفسه هو نفس الهزء، وهذا من باب المبالغة، كما تقول: فلان عدل، وفلان رضا، يعني من باب المبالغة، كأنه هو العدل لا أنه محل العدل، وكأنه الرضا لا محل الرضا، وكذلك: فلان ثقة؛ لأن (ثقة) مصدر بمعنى موثوق به لكنه من باب المبالغة. المعنى: أن هؤلاء ما يرون الرسول عليه الصلاة والسلام إلا محل استهزاء -والعياذ بالله- كأنه لعبة عندهم، يقولون: (﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ في دعواه محتقرِين له عن الرسالة). ﴿أَهَذَا﴾ الاستفهام هنا للتحقيق، وهو متضمِّنٌ للنفي؛ يعني ما يمكن أن يبعث مثل هذا الرجل. وهذا كقولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١]، ولا شك أن هذا من جملة الشبه التي يحتجون بها، وهي لا تنطلي على أحد؛ لأننا نعلم أن محمدًا ﷺ أعظم الخلق وأحقهم بالرسالة، فإن الله تعالى يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، فللرسالة محلٌّ، فهذا النبي ﷺ نؤمن بأنه أعظم الخلق وأحقهم بالرسالة، ولهذا جعلها الله فيه، جعل فيه أعظم الرسالات، فهو أعظم من كل ما يقترفونه، لكن تعرفون أن المكابر والمكذب يأتي بكل شُبهةٍ سواء كانت حقيقة أم غير حقيقة. وقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي﴾ (هذا) اسمُ إشارةٍ للقريب ولَّا للبعيد؟ * طالب: للقريب. * الشيخ: للقريب، احتقارًا أيضًا؛ لأن اسم الإشارة يأتي للقريب أحيانًا للاحتقار، وأحيانًا للتعظيم والمودة، وكذلك اسم الإشارة في البعيد يأتي لما هو قريب من باب التعظيم، مثل: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ البقرة: ٢]، ويش يعني بـ﴿الْكِتَابُ﴾؟ * طالب: القرآن. * الشيخ: لكنه أتى بـ﴿ذَلِكَ﴾ اسم إشارة للبعيد تنبيهًا لعلوِّ مرتبته. هم أتوا بـ(هذا) للتحقير؛ يعني: أهذا القريب الذي لدينا ونتصوره ونشاهده، أهذا يُبْعَثُ رسولًا؟! هكذا يقولون. وأردفوا ذلك: (﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف؛ أي إنه ﴿كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ يصرفنا ﴿عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان ٤٢]) بئس الصبرُ هذا! ﴿إِنْ كَادَ﴾ يعني: قَرُبَ، و﴿إِنْ﴾ يقول المؤلف: (إنها مُخَفَّفة من الثقيلة)؛ لأن (إنْ) -كما تعرفون- لها معانٍ كثيرة، والذي يُعَيِّنها السياق؛ تأتي نافية، وتأتي شرطية، وتأتي زائدة. * طالب: وناصبة. * الشيخ: لا، ما تأتي ناصبة، اللي تأتي ناصبة (أنْ). لكن هنا مخففة من الثقيلة؛ لأن أصلها (إنَّ) فخُفِّفَت، وإذا خُفِّفَت من الثقيلة لزم أن يكون اسمها محذوفًا، ما نقول: مستتر؛ لأن الاستتار يكون بالفعل أو بما هو بمعناه، لكن نقول: محذوف، والتقدير: إنه ﴿كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾. و﴿كَادَ﴾ بمعنى: قَرُبَ، والصواب أن (كاد) تأتي بمعنى قرُبَ، سواءٌ كانت منفية أو مستترة. وأما قول بعض النحويين: إن نفيها إثبات وإثباتها نفي، فليس بصحيح كما حققه ابن هشام في المغني، بل هي دائمًا بمعنى القرب، يعني: لقد قرب أن يضلنا عن آلهتنا، لكن منع من هذا مانع وهو الصبر عليها، فهم الآن -في الحقيقة- يقرُّون أن رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام خطيرة بالنسبة إليهم، ولَّا لا؟ خطيرة، لكنهم يتمدحون بأنهم ذوو صبرٍ بالغ عظيم ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾؛ يعني: على عبادتها، لكان الرسول عليه الصلاة والسلام يضلنا. والصواب: أنه لو تركوها لكان الرسول قد هداهم الله به، أليس كذلك؟ نعم، وليتهم لم يصبروا هذا الصبر؛ فإن هذا الصبر صبر عن معصية الله ولَّا على معصية الله؟ * طلبة: على معصية الله. * الشيخ: على معصية الله، وهو مذمومٌ، لا شك أنه مذموم. ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ صارت الآن الجملة هذه أقول: إنها تدل على أنهم يقرون بخطر رسالة النبي ﷺ عليهم أو لا؟ * طالب: بلى. * الشيخ: ولكنهم يتمدحون بالصبر عليها، وأنه مع قوة تأثير الرسالة هم صبروا على آلهتهم فلم يضلهم النبي عليه الصلاة والسلام. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، مُقرِّين بخطر الرسالة، ولإقرارهم بخطر الرسالة بذلوا مُهَجَهم ورِقابَهم لقتال الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم لو كانوا يعرفون ما هي مؤثرة ما احتاجوا إلى أنهم يخرجون لقتال الرسول، كان قالوا: هين هذا مثل المجنون اللي ما يؤثر ولا (...). ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ أي: معبوداتنا. والآلهة تُطْلَقُ على المعبود، لكن تُطْلَقُ إطلاقًا مجازيًّا على المعبود بغير حق، وإطلاقًا حقيقيًّا على المعبود بحق، ولهذا الرسل صلى الله عليهم وسلم يقولون لأقوامهم: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف ٥٩]، ويش معنى ﴿مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾؟ أي: من معبودٍ حقيقةً غير الله، أما معبوداتكم التي تعبدونها فهذه معبودات لكنها ليست حقًّا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، نحن الآن صحيح التعبير هذا خطأ ما دام قلنا: لا مجاز في القرآن، لكن تنزلًا على حسب كلامهم، هم يدعون أنها آلهة، ولكنها حقًّا ليست آلهة. * الطالب: نعتبر بما (...)؟ * الشيخ: التعبير الصحيح أن نقول: ﴿عَنْ آلِهَتِنَا﴾، سموها آلهة باعتقادهم، وإلَّا فليست آلهة. ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾؛ يعني: حبسنا أنفسنا عليها (لصرَفَنا عنها). استفدنا من قول المؤلف: (لصرفنا) أن ﴿لَوْلَا﴾ شرطية، وأن جوابها محذوف. ﴿أَنْ صَبَرْنَا﴾ ويش محلها من الإعراب؟ ما كنت أريد أن أعربها، لكن لما أنه تعرض...، ويش محل ﴿أَنْ صَبَرْنَا﴾ من الإعراب؟ * طالب: مصدر لفعل (...). * طالب آخر: بتأويل مصدر. * الشيخ: إي، ويش محلها من الإعراب؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: خبر المبتدأ. * طالب آخر: مبتدأ لخبر محذوف وجوبًا. * الشيخ: مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا. (...) (لصرَفَنا عنها)، أو الأصح أن نقول: لأضلَّنا عنها؛ لأنهم يقولون: ﴿لَيُضِلُّنَا﴾؟ لأضلَّنا عنها. ﴿لَوْلَا﴾ صبرُنا موجودٌ على هذه الآلهة لأضلَّنا عنها، وبعد، وبعد، (لولا) غالبًا حذف الخبر حتمٌ. (لولا) هذه شرطية، وتأتي غير شرطية؟ * طالب: إي نعم، تأتي. * الشيخ: ويش (...)؟ * الطالب: للتحضيض. * الشيخ: للتحضيض، ومرَّت علينا قريبًا في هذه السورة. وكون (لولا) وهي لفظ واحد يأتي أحيانًا بمعنى التحضيض، وأحيانًا بمعنى الشرط، وكذلك (إنْ) وغيرها من الحروف، هذا مما يؤيد ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وأنه لا مجاز في اللغة، وأن الذي يُعيِّنُ المعنى ويجعله حقيقة أو غيرَ حقيقة؟ * طالب: السياق. * الشيخ: السياق، فالكلمة في سياقها أو الجملة في سياقها حقيقةً ما تحتمل غير ما يُراد، وإن كانت -مثلًا- تُطْلَق إطلاقًا آخر في معانٍ أخرى. فالسياق في الحقيقة، المعاني للكلمات كما يدلُّ عليه كلام الشيخ، ليست المعاني في الكلمات صفات ذاتيةً، ما هي صفاتٌ ذاتية، وإنما هي صفات إضافية. ويش معنى إضافية؟ أي بحسب ما تضاف إليه؛ يعني بحسب السياق. وبذلك نتخلص من الإشكال الذي يَرِدُ علينا كثيرًا في بعض كلمات في القرآن، حيث (...) المجاز تأتينا كلمات أو جمل تُشْكِل علينا، فإذا قلنا بهذا القول، وقلنا: إن المعاني للألفاظ ليست من الصفات الذاتية، وإنما هي من الصفات الإضافية التي يعيِّنها أي شيء؟ * طالب: السياق. * الشيخ: السياق، نتخلص بهذا، ونقول مثلًا: ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء ٢٤]، ﴿جَنَاحَ﴾ إذا أضيف للطائر صار له معنًى، وإذا أضيف إلى ﴿الذُّلِّ﴾ صار له معنًى. ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف ٧٧]، الإرادة إذا أضيفت إلى الإنسان صار لها معنًى، وإذا أضيفت للحيوان صار لها معنًى، وإذا أضيفت للجماد صار لها معنًى. بحسب الإضافات، وحينئذٍ نتخلَّص، ما نقول: الإرادة الأصل أن تكون حقيقة لذوي الشعور، فإذا أضيفت إلى غيرهم صارت مجازًا، ما حاجة أن نقول هكذا. * طالب: كيف تكون للجماد؟ * الشيخ: تكون للجماد ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾، معناه: مايلٌ للانقضاض. * طالب: بالنسبة لـ﴿لَوْلَا﴾، قد يكون التفريق بين التحضيض والظرفية بأنها إذا دخلت على الفعل صارت (...)، فلا يحتاج إلى.. * الشيخ: صارت للتحضيض. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: فلا يحتاج لتعيين السياق. * الشيخ: كيف؟ إلا، وجودها بجانب الفعل جعلها للتحضيض، ووجودها بجانب الجملة الاسمية جعلها للشرطية، إي نعم. (﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾، قال الله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ عيانًا في الآخرة، ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أخطأُ طريقًا أَهُمْ أم المؤمنون؟) لو قال: (أَمِ الرسول) -لأن (...) الرسول ﷺ- لكان أولى. ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾، يقول المؤلف: (عيانًا في الآخرة)، وهذا ليس بلازم أن يكون في الآخرة، يُقَيَّد في الآخرة ما هو لازم، نقول: إنهم يرون العذاب متى؟ في الآخرة وعند الموت يشاهدونه، وإذا قالوا: إنهم تابوا عند الموت فالتوبة لا تنفعهم ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]. ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾، هم أمِ الرسول عليه الصلاة والسلام. وفي جملة قوله: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فيها من التهديد ما هو ظاهر؛ يعني سوف يعلمون في تلك الحال هل هم الأضل أم الرسول ﷺ الأضل. وما هو الواقع؟ * طلبة: هم الأضل. * الشيخ: سيعلمون إذا رأوا العذاب أنهم هم الأضل. قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان ٤٣] ﴿أَرَأَيْتَ﴾، الخطاب للرسول ﷺ؛ لأن السياق يدلُّ عليه، ولا أظنه هنا يصح أن نجعله لكل من يتأتَّى خطابه؛ لأن قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ إنما يناسب من؟ الرسول عليه الصلاة والسلام، كقوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢٢]. وهنا ﴿أَرَأَيْتَ﴾ يقول: (بمعنى أخبِرْني)، كيف (بمعنى أخبرني) الرؤية هي الخبر؟ * طالب: لا. * الشيخ: لكن أريد لازمه؛ يعني: هل رأيت فأخبِرْني؛ هذا المعنى، وهذا هو السبب الذي جعل العلماء يفسِّرون ﴿أَرَأَيْتَ﴾ بمعنى أخبرني؛ لأن المقصود بالاستفهام عن الرؤية هنا ليس مجرد هل رأيت ولَّا ما رأيت، بل المراد لازمها وهو الإخبار؛ يعني إذا كنت رأيت فأخبرني. وهنا (رأيت) يقولون: إنها تنصب مفعولين، ولا بد أن يكون المفعول الثاني منهما جملة استفهامية. نشوف اللي عندنا في الآية: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾، المفعول الأول؟ * طالب: ﴿مَنِ﴾. * الشيخ: ﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ﴾. والمفعول الثاني جملةُ ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾. هذا ما ذكره المؤلف. وفي القرآن لها أمثلة ولَّا لا؟ * طالب: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾ [العلق ٩]. * الشيخ: لا، ما هي بمعنى أخبِرْني. * طالب: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف ٦٣]. * الشيخ: إي، ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾. * طالب: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم ١٩]. * الشيخ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم ١٩، ٢٠]. * الطالب: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾ [النجم ٣٣، ٣٤]. * الشيخ: إي نعم، كثيرة، لكن أحيانًا يُذْكَرُ المفعول الثاني، وكثيرًا يُحْذَفُ يحذف المفعول الثاني؛ لدلالة السياق عليه. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾، ما يمكن يصير الجواب: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ﴾ [النجم ٢١]، ما يمكن، لكن المعنى: هل تغنيكم شيئًا؟ هل تنفعكم؟ هل تستحق أن تعبد؟ وما أشبه ذلك. وللبحث بقية تأتي إن شاء الله. * طالب: على رأي النحاة (...)، فهنا تصبح القضية (...)؟ * الشيخ: نعم، يقول: أعلمت هذا فأخبرني به. * الطالب: نعم. * الشيخ: الله أكبر، سبحان الله العظيم! القرآن -سبحان الله العظيم- ما هو مثل بقية الكلام، تجد استفهامات، أمرًا، تحديات في السياق، وهذا من إعجازه في الحقيقة، يعني ما تجد كلامًا.. لأن كل هذه الاختلافات في الكلام توجب إثارة الإنسان وإقباله، ولكنه كما أسلفنا فيمن يقرأه عن قلب، أما من يقرأه عن بصرٍ فقط بدون بصيرة فهذا ما يستفيد منه. * طالب: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم ٤٩]، تكرار ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ مرتين (...)، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾؟ * الشيخ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران ١٨٨]، التكرار هذا يكون لفائدة وغرضٍ، فهنا ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ فيها خلاف: هل هي الأُولى أو أنها ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ غير الأولى؟ ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ هذا التنزيل، فيكون من باب التكرار توكيدًا. وإن كان ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ يعني: من قبل هذا الأمر الذي حدث لهم، ما هو من قبل أن يُنَزَّل، من قبل حالهم، فلا يكون فيها تكرار. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: فكيف يعني؟ فهل معناه أنه (...)؟ * الشيخ: (...) الإيمان عند الموت إلا إنسان سريرته باطلة، أما الإنسان الذي عمله صالح ومبني على عقيدة صحيحة ما يمكن، لكنه على خطر؛ لأنه يُخْشَى أن يكون عمله مبنيًّا على سريرة باطلة. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، إذا عايَنَ الإنسان ما ينفعه التوبة. * الطالب: طيب، ولا ينفع أن نقول: (...)؟ * الشيخ: لو أضله؟ ويش لون؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: نحن نقول: ما يمكن يضله؛ لأن الله يقول: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم ٢٧]. إنما يكون الإضلال عند الموت بناءً على أن الإنسان في عبادته غير مستقيم، كما جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٠٧)، ومسلم (١١٢ / ١٧٩) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي، هو لا بد أن تكون السريرة باطلة؛ لأننا نعلم أن الإنسان لو بنى عمله على عقيدة سليمةٍ سواء بالإخلاص أو بغير الإخلاص، إنما ما يمكن أن الله يخذل المؤمن أبدًا، المؤمن حقيقة. وهذا هو ما كنا ندعو إليه دائمًا؛ بأن نحرص على عمل القلب، أما عمل الجوارح فإنها مثل السُّور؛ يعني الأعمال الظاهرة عمل الجوارح هي بمنزلة السُّور للبستان، تحميه وتحيطه، وأما العمل الأساسي فهو عمل القلب. قلنا: يحرص دائمًا على أن يكون الإنسان مطهرًا قلبه مُصلحًا لقلبه، هذا أهم شيء. والأعمال الظاهرة هذه في الحقيقة رسوم مصلحة ومنمِّية؛ مثل السقي للبستان، والرسول عليه الصلاة والسلام شبَّه أعظم العبادات الظاهرة -وهي الصلاة- بالنهر الذي يطهِّر الإنسان من أوساخه[[أخرج مسلم (٦٦٧/ ٢٨٦) عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا».]]. فهذه ثقالات للقلب، مادة ينتفع بها القلب، إنما الأصل هو القلب. ولهذا يجب علينا دائمًا أن نشوف قلوبنا: أحيانًا يكون في القلب سريرة الحسد مثلًا، سريرة الحسد هذه ما هي هينة؛ لأنها موروثة عمن؟ عن اليهود، فهل ترضى أن تكون شبيهًا لليهود؟ ما أحد يرضى، ومع ذلك تجدها في قلوب كثير من المؤمنين موجودة. مسألة الرياء في العبادة أو في المظهر. (...) بعد أن بيَّن أمثلة لكفار قريش من الأمم الذين أهلكهم الله تبارك وتعالى بسبب تكذيبهم للرسل، وبيَّن أن من هذه الأمم من كانوا أتوا عليها، وهي قرية قوم لوط التي أُمْطِرَت مطَرَ السوء. ثم انتقل الله سبحانه وتعالى بعد ذلك إلى ما هو أقبح وأشد في التوبيخ، وهو كونهم ﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾؛ يعني لا يرجون بعثًا، فلا يؤمِّلونه ولا يخافونه. ثم انتقل الله سبحانه وتعالى بعد هذا إلى حال هؤلاء مع الرسول عليه الصلاة والسلام الذي كان يجب علينا أن نجلَّه ونعظِّمه ونوقِّره، بأن هؤلاء المكذبين اتخذوه هزوًا، وأن قوله: (اتخذوه هزوًا) أشد وأبلغ من قوله: هزِءوا به؛ يعني: جعلوه كأنه صورة يُهْزَأ بها، لكن لو قال: استهزؤوا به، صار فعلًا، والفعل مطلقٌ يدل على المرة الواحدة، بخلاف الأول اللي جعلوه كالصورة التي يُهْزَأ بها. ثم بيَّن أنه مع اتخاذهم إيَّاه هزوًا أنهم يسخرون به في القول، يقولون: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ احتقارًا له، ثم يفتخرون مع احتقارهم له بأنهم صبروا على آلهتهم، وأن دعوة النبي ﷺ كان لها تأثيرٌ قويٌّ، لولا أنهم صبروا عليها؛ على آلهتهم لكانوا متأثرين بها ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾. ثم توعَّدهم الله سبحانه وتعالى بأنهم حين يرون العذاب سيعلمون من هو أضل؛ هم أمِ النبي ﷺ. ثم ذكَرَ الله سبحانه وتعالى استفهامًا مُشْربًا بالتعجب فيمن اتخذه إلهه هواه، فقال: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾. وسبق لنا بالنسبة لـ﴿أَرَأَيْتَ﴾ أنها بمعنى أخبِرْني، وأن هذا ليس هو المعنى الحقيقي لها، لكنه معنًى لازم للرؤية التي بمعنى العلْمِ؛ فإن المستفهم لا يريد من المخاطب إذا قال: (أرأيت) لا يريد أن يستفهم عن كونه رأى، إنما يريد أن يستفهم عن لازم هذه الرؤية وهي الإخبار، ولهذا يقولون: إنها بمعنى (أخبِرْني) من باب إطلاق الملزوم للازم. أما بالنسبة لإعرابها، فقد ذكرنا أمس؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: الأول التمني. * الشيخ: نعم. * الطالب: (...)، ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾. * الشيخ: إي نعم، وهذا التركيب: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ يأتي كثيرًا في القرآن، ويكون ناصبًا لمفعولين الأول منهما اسم، والثاني منهما جملة استفهامية أو قسمية. والمفعول الأول -انتبهوا لإعرابها لأنها مشكلة- المفعول الأول قلنا: إنه يكون اسمًا؛ إما مذكورًا وإما محذوفًا، فصار الآن المفعول الأول اسمًا؛ إما مذكورًا، أو محذوفًا، هذا واحد. المفعول الثاني جملة إما استفهامية أو قسمية. مفهوم هذا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: طيب، التاء في ﴿أَرَأَيْتَ﴾ فاعل، وقد يلحقها ضمير لمجرد الدلالة على المخاطب، ولا محل له من الإعراب، نقول: حرف خطاب لا محل له من الإعراب، تلحقها الكاف اللي هي حرف خطاب وليس لها محل من الإعراب. ولنضرب لهذا أمثلة: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٦٢]، هذه أين المفعول الأول؟ ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾؟ * طلبة: (...). الشيخ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٦٢]؟ * طالب: ﴿هَذَا الَّذِي﴾. * الشيخ: ﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ﴾ هذا المفعول الأول، والمفعول الثاني الجملة القسمية: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ﴾، ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾، مفهوم؟ * طالب: نعم. * الشيخ: والكاف ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾: حرف خطاب، لا محل لها من الإعراب، إذن المفعول الأول الآن موجود، والمفعول الثاني جملة قسمية موجودة. ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام ٤٦] أين المفعول الأول؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: محذوف؛ لأنه ما يمكن يكون جملة المفعول الأول، فهو إذن محذوف: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾... ﴿مَنْ إِلَهٌ﴾، محذوف تقديره: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ حالكم؛ يعني: أخبروني عن حالكم ﴿إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ إلى آخره، وجملة ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ هذا هو المفعول الثاني. ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام ٤٧]، هنا فيها كاف الخطاب ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ التاء للمفرد، والمخاطب جماعة ولّا واحد؟ * طالب: جماعة. * الشيخ: ويش الدلالة على أنهم جماعة؟ * طالب: الميم. * الشيخ: الكاف والميم ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾، ومفعولها الأول محذوف، ومفعولها الثاني: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾، فالخلاصة الآن أن إعراب هذه نقول: إن ﴿أَرَأَيْتَ﴾ [الفرقان ٤٣]، معناها: أَخْبِرني، وهذا المعنى لازم، وليس هو المعنى الحقيقي لـ﴿أَرَأَيْتَ﴾؛ لأن رأى بمعنى علم، وأما إعرابها فإنها فاعل، التاء في ﴿أَرَأَيْتَ﴾ فاعل، وتكون مفردة دائمًا، أو مجموعة مثل: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ﴾ [الأنعام ٤٦]، أو مثناة: أرأيتما إن كان كذا وكذا؟ وربما تلحق الكاف للدلالة على المخاطب وتبقى التاء مفردة؛ هذا بالنسبة بـ﴿أَرَأَيْتَ﴾، أما مفعولها أو معمولها، فإنها تنصب مفعولين: الأول منهما اسم محذوف أو مذكور، والثاني منهما جملة استفهامية أو قسمية. نشوف اللي معنا الآن في الآية الكريمة: (﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان ٤٣] أَيْ: مَهْوِيَّهُ). المؤلف فسر (هوى) بمعنى مَهْوِي، يعني فسر المصدر بمعنى اسم المفعول؛ يعني اتخذ إلهه هذا الحجرَ مثلًا أو هذه الشجرة، يعني جعل الإله الشجرة، والشجرة أو الحجر هي الهوى ولّا مَهْوِي؟ * طالب: مَهْوي. * الشيخ: مَهْوِي؛ ولهذا فسر الهوى بالمَهْوِي؛ لأنه يريد أن يجعل الإله هنا هو المعبود. ولكن الصواب أن الآية على ظاهرها، وأن الإله هو الهوى، يعني معنى ذلك أنه جعل المتبوع الهوى، وكون الإنسان يتبع غيره سواء هوى نفسه أو غيره، كونه يتبع غيره؛ هذا من اتخاذه إلهًا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣١]، «فقال عدي بن حاتم: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم؟ قال: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَّلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟» قال: بلى، قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرج الطبراني في الكبير (٢١٨)، والبيهقي في الكبرى (٢٠٣٥٠)، بسنديهما من حديث عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك، فطرحته، فانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة، فقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] حتى فرغ منها، فقلت: إنا لسنا نعبدهم، فقال: «أليس يُحَرِّمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حَرَّم الله فتستحلونه؟»، قلت: بلى، قال: «فتِلْك عِبَادَتهُم».]]. فإذن نقول: الآية على ظاهرها، يعني أن الإله هو الهوى نفسه، والهوى يقوده إلى عبادة الشجر والحجر ويقوده إلى استحلال الزنا وإلى استحلال الربا وإلى غير ذلك، فعليه الأولى، وأيش الأولى؟ جعل الآية على ظاهرها، وألا تصرف إلى المعبود خلافًا للمؤلف. وقوله: (قُدِّمَ الْمَفْعُول الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ أَهَمّ)، كيف المفعول الثاني؟ وين المفعول الثاني؟ أصله: من اتخذ هواه إلهه، فالهوى هو المُتَّخَذ لا الإله، المتخذ إلهًا هو الهوى، لا الإله مُتخذًا هوى، الإله ما اتخذ هوًى، ولكن الهوى مُتَّخَذٌ إلهًا؛ فلهذا قال المؤلف: إنه قدم المفعول؛ لأنه أهم؛ يعني لأنه هو محل التعجب، محل التعجب أن يكون هذا الشيء إلهًا، هذا محل التعجب، لا محل التعجب مجرد الهوى، مجرد الهوى ليس محل تعجب، إنما محط التعجب أن يُتخَذ إلهًا. فعلى هذا نقول: المفعول الأول ﴿إِلَهَهُ﴾ [الفرقان ٤٣]، والثاني: ﴿هَوَاهُ﴾ [الفرقان ٤٣]. قال: (وَجُمْلَة ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ [الفرقان ٤٣] مَفْعُول أَوَّل لِرَأَيْتَ). قوله: (جملة ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ )، كلامه صحيح ولّا غير صحيح؟ * طالب: نعم. * الشيخ: صحيح كلامه ولّا لا؟ * الطالب: ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ مفعول أول؟ * الشيخ: إي، يقول: جملة ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ مفعول أول. * الطالب: لو قلنا: إنه يكون مفردًا فليس الكلام صحيحًا. * الشيخ: وإن قلت: ما يكون مفردًا؟ * الطالب: فكلامه صحيح، ولكن ما (...). * الشيخ: إي، لكن هل يُعبر عن الموصول وصلته بجملة؛ لأن ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ سواء قلت: إنه مفرد، وهو على كل حال مفرد مثل ما قلت، ما فيها قولان إلا على طريقة ابن جني (...). ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ هل يُعبر عن الموصول وصلته بالجملة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي، لكن هل يُعبر عنه بأنه جملة؟ إذا قلت مثلًا: قدم الذي سافر، هل تقول: (الذي سافر) جملة؟ لا؛ لأن الاسم الموصول مفرد، لكن صلته جملة، ويدل على ذلك أن اسم الموصول يقع فاعلًا، والفاعل ما يمكن يكون جملة، تقول: جاء الذي سافر، (الذي) فاعل وليس يكون جملة. وعلى هذا فيكون في قوله: (جملة ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ ) فيه تسامح، والصواب أن يُقال: و﴿مَنِ﴾ في قوله: ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ مفعول أول لـ(رأيت). والثاني: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان ٤٣]، الاستفهام هنا للنفي؛ يعني: فلن تكون عليه وكيلًا؛ أي: (حَافِظًا تَحْفَظهُ مِن اتِّبَاع هواه) يعني: لست وكيلًا عليه، وإذا لم تكن وكيلًا عليه فلست مسؤولًا عنه، وإذا كان هذا الكلام للنبي ﷺ فمن دونه أولى، فنحن لسنا وكلاء على من عصوا الله ولا على من فسقوا عن أمره، إنما علينا، ويش علينا؟ * طالب: البلاغ. * الشيخ: البلاغ والدعوة، وعلى الله سبحانه وتعالى الحساب: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد ٤٠]، وبهذا نعرف أنه لا ينبغي للإنسان أن يحزن على ضلال من ضل إذا كان قد قام بما أوجب الله عليه من البلاغ والدعوة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل ١٢٧]، وقال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣] يعني: مهلك نفسك ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، إلى آيات كثيرة في هذا المعنى، وأن الإنسان لا يحزن؛ لأن ضلال من ضل بفعل الله سبحانه وتعالى، وفعله تعالى لحكمة؛ ولهذا قال أهل العلم: إننا ننظر إلى أهل المعاصي نظرين؛ نظرًا شرعيًّا ونظرًا كونيًّا، فالنظر الشرعي: نحاول إلزامهم بما أوجب الله ونعاقبهم على ذلك، نعزِّرهم بما يليق بهم، ونقيم الحدود عليهم، ولا نرحمهم في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور ٢]، هذا النظر الشرعي، نظر قوة وحزم. أما النظر الثاني: النظر القدري الكوني، فإننا نرق لهم ونرحمهم، أن الله سبحانه وتعالى ابتلاهم بهذا الأمر، ومن الناس من يتحمل هذا وهذا، ومن الناس من لا يتحمل إلا واحدًا منهما، وأيهما أكمل؟ اللي يتحمل هذا وهذا أكمل، لكن من الناس من لا يتحمل الأمر القدري، وتجده يغضب ويصير عنده غيره ينفعل فيها انفعالًا بالغًا، ويندفع اندفاعًا كثيرًا، ومن الناس من ينظر إلى الأمر القدري ويقول: هذا بقضاء الله وقدره، ولا يكون عنده غيرة أبدًا إطلاقًا، وهذا أيضًا خطأ. فالواجب على المرء أن ينظر إلى الأمور من النافذتين: نافذة القدر ونافذة الشرع؛ ليكون مستقيمًا، وهذا هو العدل. إذن من ضل من الناس فلسنا وكلاء عليه، ولكن له علينا أي شيء؟ الدعوة إلى الله ومحاولة إصلاحه فيما نستطيع، نعم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا الحزن على القريب، هذا من باب الرقة -في الحقيقة- والرحمة، وهو يجب مع هذا أن يكون عنده حزم في الدعوة إلى الله وتبليغه لشرعه وإقامة ما يجب، إقامته من الحدود على هذا المخالف؛ لأن بعض الناس يرق لقريبه وصاحبه وأخيه وما أشبه ذلك، ولا يقوم بالواجب بالنسبة لتأديبه ومحاولة إصلاحه، وهذا خطأ. يقول المؤلف: (لا)، أيش معنى (لا)؟ * طالب: (...). * الشيخ: إشارة إلى أن الاستفهام هنا بمعنى النفي، يعني: لن تكون عليه وكيلًا. (﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ﴾ سماع تفهُّم ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ ما تقول لهم ﴿إِنْ﴾ ما ﴿هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٤٤] أخطأ طريقًا منها؛ لأنها تنقاد لمن يتعهدها وهم لا يطيعون مولاهم المنعم عليهم). ﴿أَمْ تَحْسَبُ﴾ الخطاب إما للرسول عليه الصلاة والسلام وإما لكل من يتأتي خطابه، ممن يصح خطابه. وقوله: ﴿أَمْ﴾ بمعنى: بل وهمزة الاستفهام، فهي متصلة ولّا منقطعة؟ ﴿أَمْ﴾ منقطعة ولّا متصلة، ولّا ما نعرف منقطعة ومتصلة؟ هي منقطعة؛ لأنها بمعنى بل، والمتصلة هي التي تكون بين أمرين متعادلين، مثل قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦]، هذه متصلة، اللي تأتي بين شيئين متعادلين يسمونها متصلة؛ لأنها تصل الأول بالثاني، وإذا لم تكن كذلك فهي منقطعة. فقوله هنا: ﴿أَمْ﴾ ما فيها معادل، فتكون إذن منقطعة بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام. تَحْسِبُ أو تَحْسَبُ؟ ﴿تَحْسَبُ﴾ بمعنى: تظن ﴿أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ [الفرقان ٤٤]. يعني أنهم لا يسمعون ولا يعقلون، وما المراد بالسمع؟ يقول المؤلف هنا: (سماع تَفَهُّم)، وإنما قيده بسماع التفهم؛ لأنهم يسمعون سمع إدراك، أو لا؟ * طالب: بلى. * الشيخ: يسمعون سمع إدراك لكنه لا ينفعهم؛ لأنهم لا يتفهمون، ولو أن المؤلف أبقى الآية على إطلاقها بدون تقييد لكان أولى، ويصير هنا نفى السمع لانتفاء فائدته؛ لأن ما لا يستفاد منه كالمعدوم، فهم لا يسمعون وإن كانوا يدركون ما يُقال إدراكًا حسيًّا، لكنهم لعدم انتفاعهم بهذا السماع صاروا كالذين لا يسمعون. وقوله: ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ [الفرقان ٤٤]، يقول: (مَا تَقُول لَهُمْ)، وفي هذا نظر ظاهر، بل المراد: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ كل ما ينفعهم؛ يعني أنه ليس عندهم عقل لا لما تقول ولا لغيره، ﴿يَعْقِلُونَ﴾ العقل هنا ليس العقل الذي هو الذكاء، وهو إدراك الأمور، فإنهم يعقلون بهذا المعنى، ولّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: لكن المراد بالعقل الذي يمنع صاحبه ويعقله من أن يتصرف بما لا يليق؛ هذا العقل، العقل: ما يمنع صاحبه من التصرف بما لا يليق، هذا العقل الحقيقي، وليس العقل أن يدرك الإنسان المعقول، فإن العقل اللي معناه أن يدرك المعقول هو مناط التكليف وليس مناط المدح أو الذم، أفهمتم الآن؟ * طالب: نعم. * الشيخ: صار العقل عقلان؛ أحدهما: مناط التكليف الذي به يدرك الإنسان ويتميز عن الحيوان، والثاني: العقل اللي هو مناط المدح، هو الذي يمنع صاحبه مما لا يليق، أيهما المنفي عن الكفار؟ * طالب: الثاني. * الشيخ: المنفي عن الكفار الثاني، الذي هو العقل بمعنى ما يمنع صاحبه عما لا يليق، هذا هو المنفي عن الكفار. أما الأول اللي هو إدراك المعقولات، فهذا ثابت لهم؛ ولذلك كُلِّفوا وخُوطبوا بالشرع، ولولا ذلك لَمَا كُلفوا ولَمَا وجب عليهم التزام الشرع. هل العقل هذا الذي نفاه الله تعالى عن الكفار هل يقتضي نفي الذكاء عنهم؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا، هم أذكياء يفهمون اللي ينفعهم ويفهمون الذي يضرهم، لكنه ما عقل؛ يعني ما منعهم هذا العقل عما لا يليق، فلذلك صح أن نقول: إنهم لا يعقلون، أبو جهل مثلًا عاقل ولّا غير عاقل؟ * طالب: عاقل. * طالب آخر: على المعنى يا شيخ. * الشيخ: إن قلت: عاقل. ما هو صحيح، إن قلت: غير عاقل. على الإطلاق ما هو صحيح. * طالب: على مناط التكليف.. * الشيخ: إي، نقول: العقل الذي هو مناط التكليف هو عاقل -بلا شك- ومن أذكى الناس، والعقل الذي هو محط المدح الذي يمتنع الإنسان به عما لا يليق ليس عاقلًا؛ ولذلك بقي على كفره مع وضوح الأدلة والبيِّنَات على صدق ما جاء به الرسول ﷺ. وهنا المراد بالعقل هنا الذي نفاه الله؟ * طالب: هو الذي يمنع عما لا يليق. * الشيخ: إي، المراد به العقل الذي يمنع صاحبه عما لا يليق. قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ [الفرقان ٤٤]، هذا حصر؛ يعني: ما هم إلا كالأنعام؛ أي: مثل الأنعام، والأنعام هي البهائم، ومن المعلوم أنك لو قلت لأي إنسان: أنت بهيمة، يغضب ولّا ما يغضب؟ * طالب: يغضب. * طالب آخر: ما يغضب. * الشيخ: لا، إذا قلت: أنت بهيمة؟ * طالب: إي. * الشيخ: إي، يغضب بلا شك، فالله يقول: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾، ما قال: إن هم إلا أنعام؛ ﴿كَالْأَنْعَامِ﴾، والتشبيه يقتضي أن المشبه أقل من المشبه به؛ ولهذا قال: ﴿بَلْ هُمْ﴾ هذا انتقال إلى الصريح: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٤٤] يعني: (أَخْطَأ طَرِيقًا) من الأنعام، كيف ذلك؟ لأن الأنعام تهتدي لما ينفعها، وهؤلاء لم يهتدوا لما ينفعهم، الأنعام إذا دعاها الراعي إلى المرعى تأتي ولّا لا؟ * طالب: تأتي. * الشيخ: تأتي، إذا دعاها إلى المحلب أتت، إذا دعاها إلى المأوى أتت، كذلك أيضًا تنفر مما يضرها ولّا لا؟ لكن هؤلاء بالعكس؛ تدعوهم الرسل عليهم الصلاة والسلام إلى ما ينفعهم وتحذرهم مما يضرهم، ومع ذلك لا يهتدون سبيلًا ولا ينقادون، فصاروا إذن أضل سبيلًا من الأنعام؛ ولهذا قال الله تعالى في آيات كثيرة، بَيَّن الله تعالى في آيات متعددة، ما هي كثيرة، أن الكفار شر البرية، شر ما برأ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٦]، ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال ٥٥] يعني شر من الكلاب؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، شر من الكلاب والخنازير، وكل ما يمكن أن تقول: من الخسة في مخلوقات الله سبحانه وتعالى التي خلقها؛ فهم شر من ذلك، ومع هذا نجد من المسلمين الآن من يكرمهم، بل من يقدمهم على المؤمنين، وهذه محنة عظيمة استطال بها أعداء الله على المسلمين بهذا السبب: أنهم رأوا أنفسهم عند كثير من المسلمين محل التبجيل والتعظيم، ففخروا بأنفسهم، بل إن أنكى من ذلك وأدهى أنهم صاروا محل التقليد عند بعض الناس؛ يعني يقلدونه. وأنتم تعرفون أن الإنسان إذا قلد فسوف يفخر ويرى نفسه إمامًا، وهذا في الحقيقة من سوء التصرف ومن ضعف الشخصية، وإلا فالواجب أن ننزل هؤلاء الكفار منزلتهم التي أنزلهم الله تبارك وتعالى، وألا نجعل منهم قدوة، وأنهم إذا فتحوا لنا أبوابًا من الاختراعات والصناعات وغيرها، نعم نستفيد من علمهم لكن لا على أننا نظهرهم بمظهر البارز المتقدم المعظم، إي، نقول: هؤلاء مثل ما تهتدي الشاة إلى العلق الجيد وتأكله، هم اهتدوا إلى هذه الصناعة وعملهم الله محنة لهم ولغيرهم، لكن كوننا نقدمهم ونجعلهم محل إعزاز وإكرام هذا خطأ. ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٤٤]، وبين المؤلف قال: (لأنها تنقاد لمن يتعهدها وهم لا يطيعون مولاهم المنعم عليهم). في الليلة الماضية كنا نقرأ في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة ٢٩]، فإذا قال هؤلاء الكتابيون: نحن ندين دين الحق؛ لأننا نتبع رسولًا، والله قَيَّد: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، فهم يقولون: نحن نؤمن بالله واليوم الآخر، ونحرِّم ما حرم الله ورسوله وندين دين الحق؛ لأننا على دين رسل. * طالب: كيف دين الحق، ودين الحق هو الإسلام؟ * الشيخ: ويش الدليل؟ * الطالب: لأن من صدق رسالة موسى وعيسى فلا بد أن يتبع الإسلام؛ لأنه جاء عيسى مبشرًا برسالة محمد ﷺ، فيلزم من اتباعهم للرسل.. * الشيخ: عيسى وموسى. * الطالب: وموسى كذلك، يلزم منه.. * الشيخ: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف ١٥٧]، نعم. * الطالب: فيلزم أنهم لا بد أن يتفقوا؛ يعني يتبع الرسول ﷺ. * الشيخ: هذا من باب اللازم، لكن فيه أشياء أصرح من هذا، نعم؟ * طالب: نقول إنه مر علينا أنه من كذب برسول واحد فقد كذب بجميع الرسل. * الشيخ: (...). * الطالب: وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٨٥]. * الشيخ: يعني الحمد لله من نص الآيات سياق الآيات هذه بينت ما هو دين الحق، سياق الآيات: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٠ - ٣٣]. فنقول: دين الحق ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، فإذن اليهودي الكتابي إذا بقي على دين، وإن كان دينه حقًّا حينما كان هو الثابت، لكنه الآن ليس بحق، ليس بدين حق؛ لأن دين الحق ما جاء به محمد ﷺ، فيكون في آخر الآيات ما يدل على أن هؤلاء وإن زعموا أنهم على شريعة وعلى دين فإن دينهم ليس دين حق بعد أن جاء به الرسول ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾. وهذا نظير ما يحتج به هؤلاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البينة ٦]، فهو يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، وهم يقولون: نحن ما كفرنا، نؤمن، فيجعلون ﴿مِنْ﴾ للتبعيض لا لبيان الجنس، ونحن نقول: إن ﴿مِنْ﴾ لبيان الجنس، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل الكتاب والمشركين؛ هذا بيان لـ﴿الَّذِينَ﴾، بيان لاسم الموصول اللي هو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. فالحاصل أنه فيه آيات من القرآن كما أسلفنا أمس، آيات مشتبهات يتبعها من؟ ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران ٧]، ولكنِ المؤمنون يردونها إلى المحكم فتكون كلها محكمة. نعم؟ * طالب: (...) في قوله تعالى: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة ٣٠]، فإذن (...) للكفار الأولين؟ * الشيخ: إي، في قولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣٠] إي نعم، لكن إذا (...) نقول: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم. * الطالب: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة ٦٨]، هل (...) صريحة يا شيخ؟ * الشيخ: ما هي بصريحة. * الطالب: ما هي بصريحة؟ * الشيخ: لا. * الطالب: فيها (...)؟ * الشيخ: (...). * الطالب: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾. * الشيخ: إي، هم يقولون: نحن أقمنا التوراة والإنجيل. * الطالب: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، والعطف يقتضي المغايرة. * الشيخ: ما يخالف، نقول: ما أنزل إلينا من ربنا من غير التوراة والإنجيل؛ لأن الرسل جاءوا بأمر غير التوراة والإنجيل. * الطالب: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾. * الشيخ: ﴿كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾، نقول: ما هم بالكثيرين. * الطالب: يا شيخ (...)؟ * الشيخ: إي، ما هي بصريحة، لكن فيه آيات صريحة والحمد لله، واضحة جدًّا، وهذا هو اللي أوجب، أنا قرأت وقلت: إني قرأت في مقال لامرأة (...)، والظاهر أنها هي نُسِب لأنثى، ولكنه لمؤنث ما هو لأنثى، تقول: ليش أنكم تسوون ها الضجة العظيمة لتوريد المربيات؟ وأيش السبب؟ إنه دين تقر به، تقول كذا تخاطب المسلم: دين تقر به، كيف تنكر على من قام به؟ وكيف تنكر على المرأة النصرانية اللي تيجي عندك البيت تقيم شعائر دينها؟ هذا ما هو منكر؛ لأن إحنا عندهم هناك في بلادهم نقيم ديننا، حتى إنهم -تقول كذا- حتى إنهم يقدمون لنا وجبة الإفطار في الصوم، فهم يساعدوننا على ديننا، وإحنا الآن ننكر دينهم؟ ونقول: ليش نجيب مربيات ونفتعل ها الضجة؟ مع أنه ما صار ضجة مع الأسف، (...) نعم. هذا في الحقيقة مما يهون عليهم مسألة النصارى واليهود؛ أنه يوجد في بعض الآيات أشياء مشتبهة يتبعها مثل هؤلاء الذين أزاغ الله قلوبهم والعياذ بالله، وإلا لو عقلوا لفهموا خطر النصارى في البلاد هذه بالذات؛ لأن هذه البلاد بالذات مغزوة من أعداء المسلمين، حيث إنه لم يبق فيما نعلم أحد من بلاد الإسلام يطبق من الإسلام ما تطبقه هذه البلاد، فهي مغزوة من ناحيتين: من ناحية التزامها بالإسلام التزامًا فائقًا على غيرها، هذه واحدة، ومن ناحية أخرى أنها هي مهبط الوحي ومنبع الرسالة، وإذا قضي على الرسالة في مهدها ومنبعها فالأطراف من باب أولى، على أن الأطراف قد أكلت الآن فما بقي إلا هذا الصلب، فركزوا جهودهم على هذه البلاد. ولكن مع الأسف أن كثيرًا منا لا يعي خطر هذا الأمر، وهم في غفلة، وما همهم إلا الدنيا؛ ولذلك يريدون أن يحصلوا عليها بأي وسيلة، والواجب علينا الحذر من هؤلاء الأعداء، وأن نعلم أنهم مهما حصل منهم من نصح -كما يقولون- وإخلاص في العمل فما ذلك إلا شبكة يصطادون بها من لا يفهمون. على أنه في الحقيقة مهما بلغوا من النصح –إن صح ذلك– فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة ٢٢١]، ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة ٢٢١]، والآية تقول: ﴿مُؤْمِنٌ﴾ أيضًا و﴿مُؤْمِنَةٌ﴾ لاحظوها، لا مسلم ومسلمة؛ لأن من المسلمين من لا خير فيه، لكن الكلام على المؤمن؛ ولهذا ينبغي للإنسان في مربيات أولاده وفي خدمه أن يكونوا مؤمنين، وأن يحذر من هؤلاء الأعداء. * طالب: (...)؟ * الشيخ: والله بالنظر إلى مفاسده، أما في الأصل يجوز استخدام الكافر، لكن بالنظر إلى مفاسده وأن هذه البلاد خالية منهم فإننا نميل إلى أن منعهم أولى؛ لأنك تعرف أن الثوب الوسخ ما يهمه أن يتوسخ، لكن الثوب النظيف أي وسخ يدمره، فبلادنا لما كانت خالية منهم فهي أطهر، وكما تعرفون في حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها «أن الرسول عليه الصلاة والسلام استيقظ ذات ليلة فزعًا محمرًّا وجهه يقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلَ هَذِهِ»، قالت: يَا رَسُولَ اللَّه أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٦)، ومسلم (٢٨٨٠ / ١).]]. ومن هم الخبث؟ الكفار ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة ٢٨]، فالكفار هم الخبث، وإن كان الحديث قد يُراد به ما هو أعم من ذلك، لكن «فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ» يدل على ما أشرنا إليه، وهو كثرة غير المسلمين في المسلمين، إنما قد يُراد بالخبث كل المعاصي، فالمعاصي كلها خبث، والطاعات طهر، لكن لعل الحديث يشمل هذا وهذا، ويؤيد الأول فتح ردم يأجوج ومأجوج، إي نعم. * طالب: ما فيه أي (...)؟ * الشيخ: وأيش هي؟ * الطالب: (...). * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: (...) ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة ٦٩]؟ * الشيخ: نعم، نقول: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، الذين يكذبون بالرسول ليسوا بمؤمنين. * الطالب: ما ذُكر بها تكذيب للرسول ﷺ. * الشيخ: لا، معروفة. * الطالب: يعني في نفس الآية؟ * الشيخ: إي، لكن معروف.. * الطالب: (...) على طريقة الرسل؟ * الشيخ: إي نعم، أصلًا كلما جاء نبي وكذبوه صاروا كافرين بنبيهم، إي. * الطالب: ما (...)؟ * الشيخ: معطوف على (...)؟ * الطالب: إي ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾. * الشيخ: كذا ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ مرفوعة. * الطالب: مرفوعة في سورة المائدة فقط. * الشيخ: إي. * الطالب: في الآيات الأخرى، في السور الأخرى لا.. * الشيخ: مرفوعة، وهي معطوفة على منصوب. * الطالب: إي. * الشيخ: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء ١٦٢]، هذا عكس الآيات اللي أنت قلت، منصوب بين مرفوعات، وهذه مرفوع بين منصوبات. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: وأيش تقولون في الإعراب؟ * الطالب: مرفوع (...). * طالب آخر: الفاعل محذوف (...). * الشيخ: نعم ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ انتهينا؛ يعني أعربها الأستاذ ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ وأقص أو وأمدح المقيمين للصلاة. إذا قال قائل: ما هي الحكمة في قطع العطف إلى هذا التقدير؟ نقول؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، العناية بالصلاة يعني؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وشيء آخر، هذه فائدة معنوية، وفيه أيضًا فائدة لفظية؟ * طالب: التنبيه، تنبيه المخاطب. * الشيخ: إي نعم، التنبيه؛ لأن تغير الأسلوب يوجب الانتباه، لو قرينها كلها على نسق واحد مشينا، لكن (...) فيكون في هذا التنبيه. عندنا الآيات اللي ذكر الأخ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى آخره [المائدة: ٦٩]، نعم؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن الكلام على أن (...) قطع؟ * طالب: خبر (...). * الشيخ: لا، خبر؟! الواو حرف عطف. * طالب: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ الخبر. * الشيخ: (...) ﴿وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾، يجوز أن ﴿وَالنَّصَارَى﴾ مرفوعة أيضًا، يمكن تكون مرفوعة. * الطالب: ويجوز نصبها. * الشيخ: ويمكن أن تكون منصوبة، لكنها ما يتعين أن تكون منصوبة، فتكون الواو هنا للاستئناف، ﴿وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ كذلك، هذا التقدير: ﴿وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾، نعم، ويكون هذه جملة مستأنفة بين جملتين، أو نقول: ﴿وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هو الخبر، وحذف الخبر من الجملة الأولى. * طالب: شيخ، في سورة الحج: ﴿وَالْمَجُوسَ﴾ [الحج ١٧]، يدل على أنهم من أهل الكتاب (...). * الشيخ: ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج ١٧]، أهل الكتاب بعد؟ لأنه فرَّق، هنا يقول: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [المائدة ٦٩]، وفي اليهود والنصارى مؤمنون بالله واليوم الآخر، وهناك ما ذكر جزاءهم الجنة مثلًا، ذكر أن الله يفصل بينهم، والفصل الكامل للمؤمنين والمشركين والمجوس وغيرهم، واضح؟ ففَرَّق بين الآيتين، إي نعم. * طالب: شيخ. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: العرب لأنهم في الحقيقة (...)، نعم؟ لماذا خص العرب؟ أفلا يكون في ذلك أيضًا تأييد للقومية (...).

الفرقان 25:44

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ [الفرقان ٣٥]. هذه الجملة ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ فيها مؤكدات، عددها؟ * طالب: اللام و(قد) والواو. * الشيخ: لا، الواو حرف عطف. * الطالب: اللام و(قد). * طالب: والقسم؟ * الشيخ: والقسم؛ لأن اللام موطئة للقسم، والتقدير: والله لقد. والتأكيد في القرآن سببه أحد أمرين: إما أن يكون في مقابلة إنكار المنكر، وإما أن يكون لأهمية الموضوع، وإما للأمرين جميعًا. يكون الأمر مهمًّا، ويكون هناك منكر له، فيؤكد الله سبحانه وتعالى ذلك الأمر. فهنا إيتاء موسى الكتاب؛ هذا أمر واقع ولا ينكر، لكن لأهمية الموضوع أكده الله سبحانه وتعالى ليعرض للرسول عليه الصلاة والسلام صورًا من تكذيب السابقين، حتى يكون ذلك أبلغ في تسليته. ففيما سبق يقول الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]، وهذا قول مجمل، ولَّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان ٣١]، ثم شرع هنا لتفصيل ذلك وبيان ما وقع على سبيل التعيين. (﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الفرقان ٣٥] التوراة)، و(آتيناه) بمعنى: أعطيناه إياه، أنزلها الله تعالى عليه مكتوبة بألواح، هذا معنى الإيتاء. (﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ [الفرقان ٣٥] معينًا). * طالب: يا شيخ، (...)؟ * الشيخ: إي نعم، ألواح مكتوب فيها التوراة. * الطالب: يعني على شكل ألواح (...). * الشيخ: جاء بها موسى من الله، ما هي تنزل من السماء. * الطالب: لا، هو (...). * الشيخ: أنزلها الله على موسى فجاء بها إلى قومه (...) بالأعراف مبسوطة. ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾. ﴿أَخَاهُ﴾ من أبيه وأمه ولَّا من أمه؟ * طالب: من أمة بس. * الشيخ: كم أبيه وأمه، وأما قوله: ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه ٩٤]، فهذا من باب التلطف والتعطف؛ لأن الأم أشد حنانًا من الأب، وإلا فهو أخوه من أبيه وأمه. (﴿هَارُونَ وَزِيرًا﴾ [الفرقان ٣٥] معينًا) من الأزر، وهو القوة (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: مسألة أيش؟ * الطالب: القرابة. * الشيخ: القرابة؟ * الطالب: إي. * الشيخ: أنه شقيقه؟ * الطالب: إي. * الشيخ: إي نعم، شيء ثابت. وقوله: ﴿وَزِيرًا﴾ من الأزر، وهو العون، يعني أنه كان وزيرًا، أي: معينًا له؛ وذلك بطلب من موسى، كما قال الله تعالى: ﴿هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه ٣٠ - ٣٢]. ويقال: إنه لا يوجد أحد من الإخوة أشد منة وفضلًا من موسى على هارون؛ لأنه طلب أن يكون رسولًا، والرسالة أعلى المقامات التي يتوصل إليها البشر. (﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: القِبْط فرعون وقومه، فذَهَبَا إليهم بالرسالة فكذبوهما ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان ٣٦] أهلكناهم إهلاكًا). ﴿اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، في كلمة ﴿كَذَّبُوا﴾ إشكال، وهي أنه يقتضي أن التكذيب سابق للرسالة: ﴿اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، فكيف يكونون مكذبين مع أنهم لم يصل إليهم رسول؟ والجواب: أن الفعل الماضي هنا بمعنى المستقبل، بمعنى: الذين يكذبون بآياتنا؛ لأن الآيات ما بعد وصلت إليهم. * طالب: (...). * الشيخ: لحظة يا أخي. فالمعنى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: يكذبون بها في المستقبل. أو يقال: كذبوا بآياتنا بحسب علم الله تبارك وتعالى، يعني: قدرنا أنهم يكذبون. ويحتمل وجهًا ثالثًا، لكنه احتمال ما فيه ما يؤيده: أنهم قد أرسل إليهم رسول فكذبوه، وهذا يؤيده قول المؤمن من آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر ٣٤]، فإذا قيل: إن يوسف سابق جدًّا على موسى ولم ندر هل أدركه فرعون أم لم يدركه؟ فيقال: لعل آثار رسالته قد بقيت؛ ولهذا خاطبهم (...) ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ﴾ ولم ينكروا، ما قالوا: ما جاءنا، ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ يعني: إلى الآن. فصارت عندنا الوجوه كم؟ الوجوه ثلاثة: إما أن الماضي هنا بمعنى المضارع. * طالب: (...) استعماله بمعنى المضارع. * الشيخ: هذا كثير في اللغة العربية ما يحضرني الآن وربما يأتي. وإما أن يكون: كذبوا في علم الله، حسب علم الله سبحانه وتعالى وتقديره. وإما أن يكون بحسب الرسالة السابقة اللي هي رسالة يوسف. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الفرقان ٣٦]. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، المراد بالآيات هنا الكونية ولَّا الشرعية؟ * طالب: الشرعية. * طالب آخر: كلاهما. * الشيخ: الظاهر أنه ممكن يشمل؛ لأن آيات الله سبحانه وتعالى كما تعرفون آيات شرعية وآيات كونية، فما تعلق بالخلق والتقدير فهو آيات كونية؛ لأن في انتظامه ودقته وصنعه ما يدل على حكمة صانعه وقدرته. وما يتعلق بالوحي فهو آيات شرعية؛ لأن إصلاح هذا الوحي بمن نزل إليه على حسب ما شرع، هذا من الآيات العظيمة الدالة على أنه من عند الله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، نعم؟ * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، طيب، زين. ﴿اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان ٣٦]، اذهبا إليهم فدمرناهم. كلنا يعرف أن في الآية تقديرًا، ويش التقدير؟ فذهبا إليهما فكذبوهما فدمرناهم تدميرًا. وإنما يتعين هذا التقدير لأنه لا يمكن التدمير بمجرد ذهاب الرسول إليهم، لا بد من تكذيب، فإن الله تعالى لن يهلك أحدًا إلا بذنب. وقوله: ﴿تَدْمِيرًا﴾ مصدر يراد به التعظيم، يعني تدميرًا عظيمًا. ولا شك أن التدمير الذي وقع لفرعون وقومه أنه من أعظم التدمير؛ لأن الله يقول: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٧]. هذا النعيم العظيم الذي كان فيه قوم فرعون إذا جاء من بعده الهلاك ماذا يكون وقع الهلاك فيهم؟ يكون شديدًا؛ لأن الهلاك إذا وقع للبائس فهو أهون مما إذا وقع للناعم، أهون بكثير؛ ولهذا وصف الله هذا التدمير بقوله: ﴿تَدْمِيرًا﴾، يعني عظيمًا بالغًا. وهذا التدمير لا ينافي ما أشار إليه الأخ من أن الله تعالى أنجى فرعون ببدنه، يعني لا بروحه؛ فإن روحه هلكت مع من هلك، لكنه أنجاه ببدنه ليكون آية لبني إسرائيل علامة على أنه هلك؛ لأن الرجل قد أرعبهم وأرهبهم، فلا يطمئنون تمام الطمأنينة حتى يشاهدوا جثته ميتة، وبذلك يكون آية علامة على أنه ما بقي له بقية. طيب، هل في هذا تأييد لما يتسلى به الرسول عليه الصلاة والسلام؟ الجواب: نعم فيه؛ لأن فرعون من أعظم الناس عتوًّا وتكبرًا، ومع ذلك أهلكه الله تعالى إهلاكًا بالغًا هو وقومه، فهكذا أيضًا تكون العاقبة للرسول ﷺ مثلما كانت العاقبة لموسى وقومه. هذه قصة، ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ [الفرقان ٣٧]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، يعرفونها إما من قبل نزول القرآن أو من بعده؛ لأنهم يعرفون أن القرآن في أنفسهم حق. طيب، بدأ بذكر موسى (...) مع أنه متأخر بالنسبة إلى قوم نوح، ما هي الحكمة من ذلك؟ * طالب: أقرب عهدًا (...). * الشيخ: لأنه أقرب عهدًا من قوم نوح. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني أقرب عهدًا وأشد عتوًّا. ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ إلى آخره [الفرقان: ٣٧]. * طالب: (...). * الشيخ: وهي؟ * الطالب: مراعاة (...). * الشيخ: لا، الإشكال لماذا بدأ بموسى قبل نوح وهو بعده؟ طيب، ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ فيه إشكال من حيث الإعراب، وهو أنه نصب ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾، ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾، مع أنها لم يسبقها عامل يقتضي النصب؟ * طالب: (...). * الشيخ: واذكر قوم نوح؟ إي، ذكره الشارح. لكن أنا بالحقيقة ذهب وهمي إلى شيء آخر غير تقدير الشارح، وإلا لو كنت رأيته ما سألتكم. في الحقيقة أن الناصب لها موجود، ما هو مقدر، وهو قوله: ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾، فهو من باب الاشتغال. ولكن لماذا نصب مع أن الراجح في ظاهر القول الرفع؟ نقول: لأنه عطف على جملة فعلية، وإذا كان معطوفًا على جملة فعلية فتقدير الفعل أولى من المبتدأ؛ لأجل أن تتناسب الجملتان: يعطف فعلًا على فعل، يعني: فدمرناهم تدميرًا وأغرقنا قوم نوح لما كذبوا الرسل، وأغرقنا قوم نوح، (...) فدمرناهم وأغرقنا قوم نوح. المهم الآن على رأي المؤلف منصوب بتقدير (﴿وَ﴾ اذْكُرْ ﴿قَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ [الفرقان ٣٧])، ولكننا نقول: لا نحتاج إلى تقدير، والمسألة من باب الاشتغال، والاشتغال معروف عندكم أظن؟ * طالب: نعم. * الشيخ: هذا الاشتغال مثل (...) تجري فيه الأحكام الخمسة، والاشتغال أيضًا تجري فيه الأحكام الخمسة، أحيانًا يجب الرفع، وأحيانًا يجب النصب، وأحيانًا يترجح النصب، وأحيانًا يترجح الرفع، وأحيانًا يتساوى الأمران، تجري فيه الأحكام الخمسة. أحكام النحو ما هي أقسام (...) في الشرع. في مثل هذا التركيب ويش يترجح؟ يترجح النصب؛ لأنه معطوف على جملة فعلية، وإذا عطف على جملة فعلية فالأرجح النصب؛ لأجل أن يقدر الفعل ليكون مناسبًا لما عطف عليه. (﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ [الفرقان ٣٧] بتكذيبهم نوحًا لطول لبثه فيهم، فكأنه رسل، أو لأن تكذيبه تكذيب لباقي الرسل لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد). المؤلف خلى الآية الكريمة على وجه جواب لإشكال. ﴿لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾، ومعلوم أن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو أول الرسل: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، وكذلك أيضًا من حيث الشفاعة «كُنْت أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ»[[أخرج البخاري (٧٤١٠) ومسلم -واللفظ له- (١٩٣/٣٢٢) عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك - وقال ابن عبيد: فيلهمون لذلك - فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، قال: فيأتون آدم ﷺ، فيقولون: أنت آدم، أبو الخلق، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربه منها، ولكن ائتوا نوحا أول رسول بعثه الله...» الحديث. ]]. فإذا كان أول الرسل فكيف الجواب عن قوله تعالى: ﴿كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾، مع أنه ما سبقه رسول ولا جاء معه رسول؟ أجاب المؤلف بواحد من أمرين: إما أنه لطول مكثه في قومه صار كأنه رسل كثيرون؛ لأنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، وهذه المدة تستوعب رسلًا كثيرين، فكأنه لطول المكث صار متعددًا. هذا واحد. الجواب الثاني: (أو لأن تكذيبه تكذيب لباقي الرسل لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد)، فيكون هذا من باب الجنس؛ لأن من كذب رسولًا فكأنما كذب جميع الرسل؛ لأنه -كما أسلفنا- أعداء الرسل لا يعادونهم لشخصهم، وإنما يعادونهم لما يدعون إليه وما جاءوا به، وهذا جنس، فيكون تكذيبهم لرسول تكذيبًا لجميع الرسل، وهذا أقرب، ولذلك من كذب رسولًا واحدًا فهو مكذب لجميع الرسل، وبهذا نعرف أن اليهود الآن مكذبون لموسى، وأن النصارى الذين يزعمون أنهم متبعون لعيسى مكذبون لعيسى، لماذا؟ لأنهم مكذبون للرسول ﷺ، فهم مكذبون حتى لأنبيائهم. وبهذا نعرف أيضًا أن ما اشتهر بين الناس الآن من تسمية النصارى بالمسيحيين أنه خطأ، وأنه لا ينبغي أن نسميهم بالمسيحيين؛ لأن المسيح منهم بريء، ولا يجوز أن ينسبوا إليه ولا إلى دينهم، وإنما يقال لهم ما قاله الله فيهم وهو النصارى، وما زال المسلمون في كتبهم يسمونهم بهذا الاسم؛ بالنصارى، إلى أن استعمروا البلاد الإسلامية فأدخلوا على المسلمين هذا التعبير تلطيفًا وتنويهًا لتصطبغ ملتهم بالوصف الشرعي وهو المسيحية. ونحن نقول: نشهد الله على أن المسيح عليه الصلاة والسلام منهم بريء، وأنهم كافرون به كما هم كافرون بمحمد ﷺ، بل إنهم في الحقيقة كافرون به، لا من حيث العموم والجنس، بل من حيث التعيين؛ لأن الله تعالى يقول عن عيسى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦]، يخاطب من؟ بني إسرائيل، ويبشرهم بهذا الرسول، وهل يمكن أن يبشر أحد بما لا يتصل به؟ لا يمكن. إذا كان يبشرهم برسول يأتي للعرب ويحاربهم ويقاتلهم، هل هذه بشارة؟ أبدًا، البشارة ﴿بِرَسُولٍ يَأْتِي﴾ إليهم لينقذهم من الضلال، ومحمد ﷺ لما جاء إلى هذه الأمة هل صار يحارب النصارى ولَّا لا؟ نعم يحاربهم، وأوجب الله عليه محاربتهم ومحاربة اليهود ومحاربة جميع الكفار. هل يمكن أن يكون عيسى مبشرًا للنصارى ﴿بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ليقاتلهم؟ لا يمكن. وبهذا نعرف أنهم كذبوا عيسى على التعيين، لا على جنس الرسالة كما أسلفنا أولًا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما يعلمون بهذا؟ * الطالب: إي (...). * الشيخ: إي نعم، لكن هذه البشارة موجودة في أصل الكتاب، ولا أظنها تحرف، لا بد أن تكون باقية؛ لأنه مبشر لهم، ولا يبشر إلا من تتصل إليه البشارة، فالظاهر أنه ما جرى عليه التحريف لأنها باقية. * الطالب: (...) من المعنى يعني؟ * الشيخ: المعنى أو بعض الأمور، كتموها أو ما أشبه ذلك، ولهذا اليهود لما أنهم أرادوا ألا يطبقوا الحد في التوراة ما راحوا يزيلونها من التوراة، هي باقية لكن يحاولون أن يكتموها عن الناس كما هو معروف. * طالب: موجودة يا شيخ هذه. * الشيخ: وهي؟ * الطالب: البشارة (...) على التعيين، هذه موجودة. * الشيخ: موجودة الآن (...). * الطالب: إي، (...) أثبت وجودها وذكرها بنصها (...). * الشيخ: بالسريانية. * الطالب: إي نعم، بالسريانية باسم (...). * الشيخ: وأظن (...) عنده شيء من هذا. * طالب: نعم. * الشيخ: أنا عندي أن ذلك لا بد أن يكون؛ لأنه قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ﴾ [الصف ٦]، لا بد أن يكون هذا موجودًا، لم يجر عليه التحريف؛ لأنه إنما يبشر بالرسول من كان في وقت الرسول، وهذا معناه أنه سيبقى، وكما قال الأخ.. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، هذا مما يؤيد ما قلنا، لكن نفس البشارة تدل عليه؛ لأن ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة ١٢١] يؤيد وليس نصًّا في الموضوع، قد يكون المراد أوائلهم قبل التحريف، لكن الظاهر أن المراد الأوائل والأواخر. * طالب: (...) للعقل يا شيخ، ما هم قالوا: والله هذا النبي الذي أرسل (...)؟ * الشيخ: إي نعم، أظنه (...) في وفد نجران. * الطالب: إي، في وفد نجران. * الشيخ: نعم. طيب، على كل حال الآن، يعني (...)، والكلام ويش على؟ على ﴿لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ [الفرقان ٣٧]، فهو جمع مع أنهم ما كذبوا إلا نوحًا؟ والجواب على ذلك من أحد وجهين: إما أنه لطول مكثه كأنه رسل، وإما أنه لما كذبوا هذا الرسول من أجل الرسالة صاروا مكذبين لجميع الرسل. الذي حصل ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ جواب ﴿لَمَّا﴾، ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ [الفرقان ٣٧]، وقصتهم معروفة، حتى إن الله تعالى أغرق من قوم نوح ابنه: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود ٤٥]، فقال الله له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود ٤٦]؛ لأنه كافر وأنت مؤمن. (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ﴾ بعدهم ﴿آيَةً﴾ عِبرة ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ في الآخرة ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ الكافرين ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفرقان ٣٧]). يقول: (﴿أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ﴾ بعدهم ﴿آيَةً﴾ عبرة). كيف كانوا عبرة؛ لأن الآية لا بد أن تكون معلومة، فكيف كان ذلك؟ * طالب: لأن الله سبحانه وتعالى أنزل ذلك في كتب الرسل. * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: أنزلها للرسل الذين أتوا بعد نوح. * الشيخ: إي، يعني عن طريق الإخبار؟ * الطالب: الإخبار إي. * الشيخ: عن طريق الإخبار، زين. * طالب: وإما أن نوحًا عليه السلام لم (...). * الشيخ: إي، رجعت إلى ما قال الأخ، يعني عن طريق الخبر. ما فيه شيء عن طريق حسي معلوم؟ * طالب: (...). * الشيخ: طيب، عن طريق الخبر، سواء كان عن طريق الوحي ولَّا عن طريق النقل بين الناس. * طالب: (...). * الشيخ: إي، الظاهر أنه مثلما قال إبراهيم. * الطالب: أو مثلًا (...) الفلك. * الشيخ: إي، الفلك، لما قال: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٣ - ١٥]، فالفلك أول من صنعها نوح فبقيت آية إلى يومنا هذا ولكنها تطورت بحسب الزمن. (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ بعدهم ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ في الآخرة ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ الكافرين ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفرقان ٣٧]). ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ هذا إظهار في موضع الإضمار؛ لأن مقتضى السياق أن يقول: وأعتدنا لهم، كما قال الله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح ٢٥]. ولكن الإظهار هنا له فائدة، بل فوائد، نعم، نعدها؟ * طالب: (...) فيدور الحكم على دوران الـ... * الشيخ: (...) العموم؟ * الطالب: لأنه قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ (...) ولكن لما قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾ [الفرقان ٣٧] ما شابههم من الظالمين فلهم هذا العذاب. * الشيخ: يعم كل ظالم. * الطالب: كل ظالم. * الشيخ: زين، تمام. ثانيًا؟ * الطالب: ثانيًا (...) بوصف زائد وهو وصف الظلم. * الشيخ: نعم، هم ينطبق عليهم هذا الوصف، إي نعم. * طالب: التنبيه على (...). * الشيخ: كيف التنبيه؟ * الطالب: لأن السياق كان يتكلم على الماضي ثم يعني تكلم على الحاضر، فهذا يدل على الأهمية. * الشيخ: أي أهمية؟ تغيير السياق تقصد؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: تغيير السياق يبدو للمخاطب، يعني مثل الكتاب: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ﴾ [المائدة ١٢]، ولم يقل: وبعث. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٢ - ٤]. * طالب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. * الشيخ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥]، ما قال: إياه نعبد، قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. كذا؟ طيب، هذه فائدة جديدة ما كنا نذكرها. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يعني التعليل، يعني كأنه أعد لهم عذابًا أليمًا لأنهم ظالمون. * الطالب: ظالمون. * الشيخ: كذا؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: طيب، تعليل الحكم. فصارت الفوائد الآن ثلاثة؛ أولًا: إرادة الشمول والعموم؛ ليشملهم هم وغيرهم، حتى الظالمون من قريش يدخلون في هذا. والثاني: وصف هؤلاء بالظلم. والثالث: التعليل، يعني أعد لهم العذاب الأليم لأنهم ظالمون. والرابع: التنبيه، تنبيه المخاطب؛ لأن تغير السياق يوجب انتباه المخاطب. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفرقان ٣٧]، فعيل بمعنى مُفعِل، يعني: مؤلم. وهذا الألم الذي في عذاب جهنم والعياذ بالله أو في عذاب الآخرة يشمل الألم البدني والألم القلبي، فالألم البدني يحصل بنوع العذاب، والألم القلبي يحصل بما يقارب عذابهم من التوبيخ؛ لأنهم يوبخون ويقرعون بإتيان الرسل، وهذا من أشد ما يكون من العذاب القلبي. (﴿وَ﴾ اذكر ﴿عَادًا﴾ قوم هود ﴿وَثَمُودًا﴾ [الفرقان: ٣٨] قوم صالح). عندكم بالتنوين؟ أنا عندي بالتنوين: (﴿وَعَادًا وَثَمُودًا﴾ ). * طالب: لا، (﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ ). * الشيخ: بدون تنوين؟ أنا عندي بالتنوين. * طالب: ثمود؟ * الشيخ: إي. * الطالب: لا. * الشيخ: (﴿وَعَادًا وَثَمُودًا﴾ قوم صالح ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ اسم بئر، ونبيهم قيل: شعيب، وقيل غيره، كانوا قعودًا حولها فانهارت بهم وبمنازلهم، ﴿وَقُرُونًا﴾ أقوامًا ﴿بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان ٣٨] أي: بين عاد وأصحاب الرَّسِّ). ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾، يقول المؤلف: إنها على تقدير: اذكر؛ لأنه ما ذُكر فعل بحيث يحال العمل عليه. ﴿وَعَادًا﴾ قوم هود، وكانوا بالأحقاف في جنوب الجزيرة العربية، وكانوا ذوي قوة وشدة، حتى إنهم قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾، فقال الله تعالى مجيبًا لهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ شوف ﴿الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ لها فائدة؛ لأنهم مخلوقون ضعفاء: ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]. وبماذا أهلكوا؟ أهلكوا بألطف الأشياء وهي الريح، ريح دمرتهم: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ الأحقاف: ٢٥]. ﴿وَثَمُودَ﴾ الفرقان: ٣٨]، وفيها قراءتان: ﴿وَثَمُودًا﴾ كالتي عندي، ﴿وَثَمُودَ﴾ بدون تنوين. فعلى قراءة التنوين يكون غير ملاحظ فيها اسم القبيلة، يعني ما فيها التأنيث. وعلى قراءة عدم التنوين ﴿وَثَمُودَ﴾ منعت من الصرف للعلمية والتأنيث؛ لأن مثل هذه، أسماء القبائل كلها (...)، يعني يجوز أن تمنعها من الصرف باعتبار اسم القبيلة، ويجوز ألا تمنعها إذا لم يكن فيها مسوغ (...). طيب، ﴿وَثَمُودًا﴾ قوم صالح، كذبوا صالحًا وعقروا الناقة التي جعلها الله تعالى آية، وأخيرًا أهلكوا بماذا؟ * طالب: بالصاعقة. * الشيخ: لا، بصيحة ورجفة، صيح بهم مع الرجفة فماتوا والعياذ بالله، كانوا كهشيم المحتظر: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر ٣١]، وفي آية أخرى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف ٧٨]. وأصحاب الرس وإن شاء الله يأتي الكلام عليها.. * طالب: شيخ، صالح عربي؟ * الشيخ: إي نعم، الظاهر أنه عربي. * الطالب: وهود؟ * الشيخ: وهود أيضًا، لكنه ما هو من العرب المستعربة اللي هم بنو إسماعيل؛ من العرب العاربة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: والله ما أعرفه، لكنه حتى (...) تدل على أنها عربية. * الطالب: يعني (...)؟ * الشيخ: أنا (...) شعيب ما أدري عنهم إلا من هذا الحديث. * الطالب: ذكر (...). * الشيخ: ما أدري عنهم الحقيقة، أما هود (...) عرب عاربة. * طالب: أصل الأسماء (...) الأنبياء، يعني هل ما أحد (...)؟ * الشيخ: بإعرابها؟ * الطالب: يعني بتعريبها (...)؟ * الشيخ: إي. وأنت تعرف أن الأعلام قد تكون أسماء جامدة ما لها اشتقاق، نعم، ربما تكون ما لها اشتقاق. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي، ولكن فيما يبدو لي والله أعلم أن أسماء الأنبياء في الغالب لها معان، لكن ما أعرف عنها شيئًا. * طالب: بس هي أفضل من عبد الله وعبد الرحمن يعني؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: أسماء الأنبياء. * الشيخ: لا، أفضل الأسماء (...) لا، وإلا «أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن»[[أخرجه مسلم (٢١٣٢/٢) وأبو داود –واللفظ له- (٤٩٤٩) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ]]. (...) أنه جعل لكل نبي عدوًّا من المجرمين تسلية للنبي ﷺ وإنذارًا لقومه، وأنه بين أقوامًا على التعيين ليكون ذلك أبلغ؛ لأن التعيين كضرب المثل. وممن عين؟ * طالب: شعيب. * الشيخ: قبل؟ * طالب: قوم لوط. * الشيخ: قبل؟ أول من بدأ الله به قوم موسى، ثم بعد ذلك نوح، وبعد ذلك عاد وثمود. هذا كله ذكرناه، وذكرنا أن الله سبحانه وتعالى أهلك فرعون المكذب للرسول عليه الصلاة والسلام بالغرق بأي مكان؟ في البحر الأحمر أغرق، وأن الحكمة من إغراقه بالماء أنه افتخر بالماء هو حيث قال لقومه: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١]، فافتخر بالماء فأهلكه الله تعالى بما افتخر به. وقوم نوح أهلكوا بالغرق العام الذي هو من آيات الله، حيث فجر الله الأرض عيونًا وفتح أبواب السماء بماء منهمر. وأما عاد فأهلكوا بأي شيء؟ بالريح، والحكمة من ذلك هي أنهم كانوا يفتخرون بالقوة، يقولون: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، فأهلكهم الله تعالى بالأشياء اللطيفة التي ليست بشيء؛ ليتبين للناس أن الإنسان مهما كان من القوة فإنه ضعيف أمام قدرة الله عز وجل. ثمود أهلكوا بأي شيء؟ * طالب: بالرجفة مع الصيحة. * الشيخ: بالرجفة مع الصيحة، فإن الله رجف بهم وصاح بهم جبريل حتى تقطعت قلوبهم في أجوافهم وكانوا كهشيم المحتظر. ثم الصيحة أيضًا ليست كصفارات الإنذار تتكرر ولعل أحدًا يدخل في الملاجئ، بل هي صيحة واحدة فقط: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر ٣١]، يعني مثل هشيم الإحظار، ومعروف هشيم الإحظار أنه متفتت بالٍ. كل هذا الحكمة منه أمران، هما الحكمة من ذكر هؤلاء الرسل وما جرى لقومهم؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، غيره؟ * الطالب: وإنذار للكفار. * الشيخ: وإنذار لكفار قريش. التسلية للرسول عليه الصلاة والسلام، والإنذار لهؤلاء المكذبين له أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم، نعم، ولهذا قال شعيب لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود ٨٩]. ثم قال: ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ [الفرقان ٣٨]. الرس: اسم للبئر، وقيل: للبئر غير المطوية؛ إما للبئر مطلقًا أو لبئر غير مطوية. ولم يبين الله سبحانه وتعالى من أصحاب الرس؛ ولذلك اختلف المفسرون فيهم اختلافًا كثيرًا، فقيل: إنهم – كما قال المؤلف – قوم شعيب، ولكن هذا ليس بصحيح. وقيل: إنهم من قوم ثمود، وليسوا قوم ثمود. وعلى هذا فيكون عطفهم على ثمود من باب عطف البعض على الكل، نعم. وليسوا هم ثمود أصحاب البئر، يعني بئر الناقة؛ لأن ثمود معروفة، يعني: مستقلون، وهلاكهم معروف، وجوابهم لرسولهم معروف، والأصل في العطف أي شيء؟ التغاير. وقيل: إن أصحاب الرس -ورجحه ابن جرير- هم أصحاب الأخدود الذين ذكر الله تعالى في سورة البروج. ولكن الأولى التوقف في تعيينهم؛ لأن الله تعالى لم يعينهم، ولكننا نعلم أن هؤلاء القوم كانوا معلومين للعرب حين نزول القرآن؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يكن ليضرب لهم المثل في قوم لا يعرفون ما جرى عليهم. وإنما.. لأن الله سبحانه وتعالى لم يكن ليضرب لهم المثل في قوم لا يعرفون ما جرى عليهم، وإنما نسبوا إلى الرَّس، الآن نحن نتكلم عن تعيينهم بأشخاصهم أو بقبائلهم، نقول: الأولى التوقف. لكن لماذا سموا أصحاب الرَّس؟ قيل: إنهم دفنوا نبيهم في هذه الرس؛ يعني في البئر، فسمُّوا بأصحاب الرَّس، من باب إضافة الشيء إلى العمل الشنيع المنكر. وقيل: إنهم كانوا حول هذه البئر، وإن الله تعالى خسَفَ بهم وببئرهم، انهارت البئر بمن حولها، فذهبوا عن آخرهم. وهذا، يعني كيفية العقوبة التي جرت عليهم أو كيفية العمل اللي عملوه فعلقوا به، على الأول تكون الإضافة إشارة إلى أي شيء؟ إلى الفعلة القبيحة التي فعلوها، فصارت سببًا في إهلاكهم، وعلى الثاني يكون إشارة إلى نوع العقوبة التي عوقبوا بها. طيب، ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان ٣٨]، ﴿وَقُرُونًا﴾ ويش هي معطوفة عليه؟ نقرأ كلام المؤلف: (﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ اسْم بِئْرٍ. ونبيُّهم قيل: شُعَيْب، وقيل: غيره، كانوا قُعودًا حولها، فانهارت بهم وبمنازلهم). المؤلف اقتصر على أي شيء؟ على ذكر كيفية إهلاكهم، فهم أضيفوا إلى البئر لأن إهلاكهم كان بما حولها. قال: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾، (﴿وَقُرُونًا﴾ أقوامًا، ﴿بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾؛ أي: بين عادٍ وأصحابِ الرَّس)، إي نعم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي، ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ﴾، هذا ما ذهب إليه المؤلف. ويحتمل أن الإشارة تعود إلى ما سبق من قوم نوح؛ يعني: من قوم نوح إلى أصحاب الرس قرونًا كثيرة أهلكهم الله سبحانه وتعالى. وقول المؤلف: (﴿وَقُرُونًا﴾ أقوامًا)، كأنه يقول: إن المراد بالقرنِ القومُ والأمَّةُ التي كانت في عصر واحد، وهذا أحد الأقوال في القرن؛ أن المراد به الأمة والطائفة اللي كانوا في عصر واحد وعلى طريق واحدة، واستدلوا بقول النبي ﷺ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣/ ٢١٢) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]. وقيل: إن القرن الزمن، واختلفوا في مقداره؛ فمنهم من قال: إنه مئة، وهذا هو المشهور، ومنهم من قال: مئة وعشرون، ومنهم من قال: ثمانون سنة. وهذه الأقوال التي تُقَدِّر بالزمن هي مقاربة للأقوال التي تقدر بالأمة؛ لأن الغالب أن مثل هذا الزمن يفنى به الأولون ويأتي بعدهم قوم آخرون، ولهذا قال النبي ﷺ في آخر حياته: «إِنَّهُ عَلَى رَأْسِ مِئَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ»[[أخرج البخاري (٦٠١)، ومسلم (٢٥٣٧/ ٢١٧) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام فقال: «أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن على رأس مئة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد».]]، «عَلَى رَأْسِ مِئَةِ سَنَةٍ»، » فهذا مما يشير إلى أن القرْنَ مئة سنة. ولكن السياق هنا يدل على أن المراد بالقرون الأُمم؛ لأن الإهلاك للقرون إنما يكون للأزمان ولَّا لأهل الزمان؟ * طالب: لأهل الزمان. * الشيخ: لأهل الأزمان، فالآية هنا سياقها يدل على أن المراد بالقرون الكثيرة الأمم، وما أكثر القرون التي أهلكها الله سبحانه وتعالى بين نوح وأصحاب الرس، وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو ذرٍّ وهو حسن وصححه الحاكم: أن عدد الرسل ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، الرسل، وأما الأنبياء فكثيرون مئة وأربعة وعشرون ألفًا[[أخرج أحمد (٢٢٢٨٨) بسنده عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، كم وفى عدة الأنبياء؟ قال: «مئة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، الرسل من ذلك ثلاث مئة وخمسة عشر جمًّا غفيرًا».]]. هذا عدد كبير، فإذا كان غالب الرسل مُكَذَّبةً فمعنى ذلك أن القرون التي أهلكت كانت كثيرة، والنبي عليه الصلاة والسلام رأى رؤيا ورأى الأنبياء، فرأى النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد[[أخرج البخاري (٥٧٠٥) ومسلم (٢٢٠/ ٣٧٤) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «عرضت عليَّ الأمم، فرأيت النبي ﷺ ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد...» الحديث.]]، مما يدل على أن غالب الأنبياء كُذِّبَ فيما سبق ولم يتبعه إلا القليل. وهذا نوح -كما عرفتم- لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود ٤٠]، هذه المدة العظيمة وهو يكابدهم ويناظرهم ويجادلهم، ويقولون: ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ [هود ٣٢]، ما إحنا مطاوعينك، اللي عندك هاته، والعياذ بالله، وهذا الذي حصل من هذه المدة. نحن الآن إذا كابدنا واحدًا في الدعوة إلى الله لمدة دقيقة واحدة تطاولناه، نعم: لماذا لم يُسْتَجَبْ من أول مرة؟ قلنا له: والرسل عليهم الصلاة والسلام الذين وعدهم الله بالنصر ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]، يُكابِدون أقوامهم، ثم لا يؤمن إلا القليل منهم. فالحاصل أننا نقول: هؤلاء القرون العظيمة الكثيرة كلها أهلكها الله عز وجل بتكذيبها لرسلهم، أفلا يكون قادرًا على أن يهلك المكذبين للرسول؟ بلى، هو قادر عليه، وهذا هو الذي حصل، لكن الله تعالى جعل إهلاك أعداء الرسول عليه الصلاة والسلام على يد الرسول ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة ١٤، ١٥]، هذه المصالح العظيمة لو أهلكت قريش بعذاب من عند الله تحصل ولَّا لا؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا، ولهذا إذا هلك عدوك على يديك كان أشفى لك، أليس كذلك؟ وأشد سرورًا وفرحًا أن الله يهلكه على يدك. أما إذا هلك بعذاب من الله، فهذا لا شك أن الله كفاك شره، ولكن كونه على يدك أبلغ وأشد فرحًا وسرورًا. ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان ٣٩] ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾، سنسأل: لماذا نصبت ﴿وَكُلًّا﴾ والاسم إذا ابتدئ به يكون مبتدأ؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: مفعول. * الشيخ: ويش هو اللي مفعول؟ * الطالب: ﴿ضَرَبْنَا﴾. * الشيخ: لا، ﴿ضَرَبْنَا لَهُ﴾، كان يقول: (وكلٍّ)؛ لأن ﴿لَهُ﴾ جار ومجرور. * طالب: على ﴿نُوحٍ﴾. * الشيخ: لا، يعني ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ [الفرقان ٣٧] ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا﴾، ما يصح. * الطالب: بعد ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ (...). * الشيخ: لا. * طالب: مفعول لفعل متأخِّر ﴿تَبَّرْنَا﴾. * الشيخ: لا؛ لأن ﴿تَبَّرْنَا﴾ فيها مفعول. هذا يسمونه باب الاشتغال، وباب الاشتغال يكون الفعل منصوبًا بالعامل بعده، أو بعامل مقدَّرٍ مناسب. هنا ما يصلح بالعامل بعده؛ لأن العامل بعده متعدٍّ بحرف الجر، إذن لا بد أن نُقدِّر فعلًا مناسبًا، والتقدير: وأنذرنا كلًّا ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾، فهو مفعول لفعل محذوف، وهو من باب الاشتغال. وإنما ترجح النصب هنا؛ لأنه معطوف على جملة فعلية، وباب الاشتغال من مرجحات النصب فيه أن يُعْطَفَ على جملة فعلية. (﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ في إقامة الحجة) ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ يعني: بيَّنا له الأمثال؛ يعني الوقائع التي أوقعها الله تعالى بمن قبلهم، كل أمة تُنْذَرُ بمن قبلها ويُضْرَبُ لها المثل، يقال: هذا مثل المكذِّبين، حصل عليهم كيت وكيت. فكل أمة أنذرها الله تمام الإنذار بحيث لا يبقى لها حجة، لا أمة محمد عليه الصلاة والسلام ولا غيرهم. (﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ في إقامة الحُجَّة عليهم، فلا نهلكهم إلا بعد الإنذار)، وهذا من عدْلِ الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله قادر على أن يُهْلِك عباده بمجرد معصيتهم؛ إذ إنه قد أخذ عليهم العهد والميثاق الفطري أو الحسي -على الخلاف في ذلك- بأنه ربهم وأنهم عابدون له، ولكن مع ذلك ما يهلك أحدًا إلا بعد بعث الرسل ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]، فلم يَكِلِ اللهُ العباد إلى فطرهم ولا إلى العهد الذي أخذه عليهم، وإنما بعث إليهم رسلًا مبشرين ومنذرين. بعد هذا البعث هل يبقى لأحد حُجة؟ ما يبقى، حتى المحتجون بالقدر لا يستطيعون أن يحتجوا به مع إقامة الحجة عليهم بالرسل، ولهذا لو كان القدرُ حُجَّة لم تنتفِ بإرسال الرسل؛ إذ القدر قائم مع وجود الرسل، فلو كان القدر حُجة للعاصين ما كان إرسال الرسل حُجة على الخلق؛ لأنهم يقولون: يا ربنا، القدر موجود حتى مع إرسال الرسل، فهو لنا حُجة. ولكن ما دام أن الناس قد أُنْذِروا وأُوتوا بالآيات، ما من رسول إلا أوتي ما على مثله يؤمن البشر، كل الرسل أيضًا ما أتوا بس للناس يقولون: أنا رسول، افعل كذا، حتى لو جاء إنسان وقال: أنا رسول، افعل كذا، ولم يأت بآيات، فللناس الحجة في أن يردوا قوله، يقولون: أبدًا، هات بينة أنك رسول وإلا ما نقبل. لكن مع ذلك ما من رسول إلا أتى بآية يؤمن على مثلها البشر، ثم مع ذلك أنذروا؛ فشعيب كما أشرنا سابقًا قال لقومه: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ [هود ٨٩]، وهود قال لقومه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف ٦٩]، وصالح قال لقومه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ [الأعراف ٧٤]، فكل رسول يضرب المثل لقومه بمن سبقهم، إذن فالحُجة قائمة. (﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ أهلكنا إهلاكًا بتكذيبهم أنبياءهم). هذه ﴿وَكُلًّا﴾ نريد من يعربها لنا؟ أعربها لنا: ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾؟ * طالب: فذكرنا كلًّا. * الشيخ: لا. * الطالب: معطوفة. * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، هذان رأيان؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: جيب الرأي الثالث ونشوف، إذا كان لك انتقل الأمر إلى غيرك. من يعرف إعرابه؟ * طالب: (...). * الشيخ: من باب الاشتغال؟ * طالب: مفعول مقدم. * الشيخ: نعم، مفعول مقدم لـ﴿تَبَّرْنَا﴾، ترى باب الاشتغال على اسمه، يكون العامل مشتغلًا بضميره؛ بضمير ما سبقه، هذا باب الاشتغال، يعني إذا قلت: زيدًا ضربتُ، لا يصير من باب الاشتغال؛ لأن العامل الآن ما اشتغل بضميره، يكون هذا من باب المفعول المقدم؛ زيدًا ضربتُ. لكن إذا قلت: زيدٌ ضربتُه، صار الآن من باب الاشتغال، إن شئت فارفعه على أنه مبتدأ، والجملة بعده خبر، وإن شئت فانصبه؛ زيدًا ضربتُه. لكن مثلما قلت لكم أمس أو قبل أمس: إن الاشتغال تجري فيه الأحكام الخمسة؛ تارة يجب النصب، وتارة يجب الرفع، وتارة يترجح الرفع، وتارة يترجح النصب، وتارة يتساوى الأمران. وهو الأصل فيه الرفع، هذا أصله، لكن إذا كان الفعل لم يشتغل بالضمير صار السابق مفعولًا، ما يصير من باب الاشتغال. فهنا لو قال الله عز وجل: وكلًّا تبرناه تتبيرًا، لصارت من باب الاشتغال؛ لأن العامل اشتغل بضميره، لكن قال: ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾، فيكون من باب تقدم المفعول لا من باب الاشتغال. * طالب: والأول؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا﴾؟ * الشيخ: ﴿لَهُ﴾، الضمير ﴿لَهُ﴾، تعود إلى (كل) فقد اشتغل بضمير لكن بواسطة حرف الجر. (﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ أهلكنا إهلاكًا)، وإعادة المصدر هنا يعني الإتيان بالمصدر للتوكيد؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٤]، ﴿تَكْلِيمًا﴾ فضلة في هذا السياق، لو قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾ فهمنا الموضوع، لكن ﴿تَكْلِيمًا﴾ من باب التوكيد. وأما التنكير فهو للتعظيم، يعني تتبيرًا لا بقاء معه؛ هلاكًا لا بقاء معه، كامل، وهو كذلك. (﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ [الفرقان ٤٠] أي: مَرَّ كُفَّار مكة، ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ مصدر (سَاءَ)؛ أي: بالحجارة وهي عُظْمَى قُرَى قوم لُوط، فأهلك اللهُ أهلهَا لفعلهم الفاحشة). يقول المؤلف: (مرَّ كفَّار مكة)، (مرَّ) تفسير لـ(أتى)، (كفَّار مكة) تفسير للضمير؛ للواو، يعني أن كفار مكة مروا على القرية التي أمطرت مطر السوء، وهي قرية قوم لوط. وقول المؤلف: (وهي عُظْمَى قُرى قوم لوط)، (عُظْمى قُرى) يستفاد منه: أن القرى أكثر من واحدة، وقد قيل: إنها سبع قُرى، ولكن ظاهر القرآن أنها قرية واحدة، مثلما قال الله تعالى في الرسل: ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٣١، ٣٢]، فكون القرآن يأتي باسم قرية واحدة، لا ينبغي لنا أن نقول: إنها أكثر من واحدة إلا بدليل ثابت عن الرسول ﷺ. وما جاء عن بني إسرائيل في ذلك -أي في أنها سبع قرى- فهو مقبول ولَّا مرفوض؟ هذا مرفوض؛ لأن دلالة كتاب الله عز وجل تدل على -ظاهرُه- أنها قرية واحدة، فعلينا أن نتمسك بهذا الظاهر ما لم يوجد دليل ينفي هذا الظاهر، إن وجد دليل فنعم، أما مجرد أخبار بني إسرائيل فليست مقبولة في هذا الموضع. قال: ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ﴾، و(القرية) اسم للبلد سواء كان كبيرًا أو صغيرًا، بل لو كان أُمًّا للقرى فهو قرية: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد ١٣]. نحن مثلًا نزعل إذا قيل: عنيزة قرية، وبريدة قرية، والرياض قرية، لكن هذا الزعل بالحقيقة بناء على اللغة العرفية؛ أن القريةَ اسم للبلد الصغير والمدينةَ اسم للبلد الكبيرة؛ ولذلك بعضهم يحترز، يقول: بلدية مدينة عُنيزة، بلدية مدينة بريدة، بلدية مدينة الرس، ما حاجة تجيب (...) إضافات، بلدية الرس، بلدية عنيزة، بلدية بريدة، بلدية الرياض، ما حاجة، لكن كل خوفًا من أن يكون عيبًا عليهم أن تُسَمى قرية، ولكنا نحن نقول: أم القرى، سماها الله تعالى قرية، وكفى بذلك أسوة. وإنما سُمِّيَ البلد قرية لأنه من: القَرْي؛ يعني الجمع؛ إذ إنه يجمع أناسًا، فالناس يجتمعون فيه، فلذلك سُمِّي قرية. * طالب: بالنسبة للقرية التي وردت في القرآن (...)؟ * الشيخ: لا، نحن نجيب دليل على أن قُرى قوم لوط سبعٌ، ما هو معناه أننا نجيب دليلًا على أن البلد تُسَمَّى قرية. * الطالب: أنا فاهم الكلام هذا، لكن.. * الشيخ: إذا فهمت صار ما فيه إشكال. * الطالب: لا، إذا (...)؟ * الشيخ: لا، أقول: إن المؤلف وكثيرًا من المفسرين يقولون: إن قوم لوط ليست قرية واحدة، قرى متعددة، فنحن نقول: لا، هي قرية واحدة ما لم يوجد دليل. * الطالب: لأنه -يا شيخ- مشكل علي (...)، كيف نجيب دليلًا على القرآن؟ * الشيخ: لا، نجيب دليلًا على تعددها؛ لأن ظاهر القرآن أنها قرية واحدة، فإذا قال قائل: إنها سبعُ قُرى، نقول له: هات الدليل. إذا جاء بدليل، لو فُرِضَ أن المسألة فيها دليل صريح صحيح، فإنه يمكن أن يقال كما قال المؤلف، يُذْهَب إلى ما ذهب إليه المؤلف، فيقال: المُراد بالقرية هنا (عُظْمى القُرى)، ولكن نحن نقول: ما حاجة إلى أن نقول: (عُظْمى القُرى)، بل نقول: هي قرية واحدة، ولا مانع من أن الله يرسل رسولًا إلى قرية واحدة، بل كان فيما سبق يوجد رسولان في أمة واحدة؛ موسى وهارون كانا في أمة واحدة، وداود وسليمان، وزكريا ويحيى، وهكذا كثير. وقوله: ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ المطر نوعان: مطر سوء؛ يعني عذاب يسوء الممطَرين، ومطر رحمة يسرُّهم، فالغيث الذي ينزل من السماء بالماء، هذا مطر رحمة، وإذا كان يضر صار مطر سوء. وقرية قوم لوط أُمْطِرَت بمطر سوء. ما هو المطر الذي أمطرت به؟ ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [هود ٨٢] والعياذ بالله، ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ معلمة ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات ٣٤] الذين جاوزوا حدَّهم. وهذا المطر -والعياذ بالله- جعَلَ عاليها سافلها (...) هذا المطر جعل عاليها سافلها، ويش لون؟ * طالب: قُلِبَت. * الشيخ: ما في القرآن أنها قُلِبَت، يعني ليس في القرآن ولا آية واحدة تدل على أنها قُلِبَت. * طالب: الحديث الذي (...) رفعها جبريل عليه السلام حتى سمع (...). * الشيخ: إي، هذا أنَّى له الصحة! لو صح لكان الأمر واضحًا، لكن جعل عاليها سافلها؛ لأن الحجارة هذه لما ضربتها صارت المباني تتهدَّم، فصار أعلاها أسفلها. هذه الحجارة -والعياذ بالله- التي دمرتها بهذا التدمير يقول الله تعالى فيها: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود ٨٣]؛ يعني: من الذين يفعلون هذا الفعل ليست ببعيد منهم. ولهذا ذهب بعض الصحابة رضي الله عنهم أن فاعل الفاحشة هذه يُفْعَل به هكذا؛ يُلْقَى من شاهقٍ ويُرْمَى بالحجارة، بناءً على أنها رُفِعَت، ثم قُلِبَت، ثم أُتْبِعَت بالحجارة. وقال بعض العلماء: بل إنهم يرجمون رجمًا بالحجارة بدون أن يلقوا من الشاهق، بناءً على أنه لم يثبت أنها رُفِعَت وقُلِبَت. وعلى كل حال فهذه الفاحشة المنكَرةُ التي عبَّر الله عنها بـ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف ٨٠]، الزنا قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢]، شوف: ﴿كَانَ فَاحِشَةً﴾، يعني: فاحشة من الفواحش. وأما هذا فقال لهم نبيهم: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف ٨٠] (أل)، ودخول (أل) عليها يدل على أنها قد بلغت في الفحش غايته، وهو كذلك، وهذا لأن الفِطَرَ تنفر منها: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، شوف يعني تقريع وتوبيخ -والعياذ بالله- تترك ما خُلِقَ لك إلى ما لم يُخْلَقْ لك، فتأتي -والعياذ بالله- الذكَر؟! قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على أن فاعل هذه الفاحشة يُقْتَل فاعلًا كان أو مفعولًا إذا كان قد بلَغَ. لكنهم اختلفوا في قتله؛ فمنهم من قال: يُحْرَق، ومنهم من قال: يُرْجَم بالحجارة، ومنهم من قال: يُلْقَى من على شاهق، وذلك لقول النبي ﷺ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. ]]. ولا يُشْتَرَط أن يكون مُحْصَنًا، الزِّنا ما يُرْجَم ويُعْدَم إلا المحصَن، أما هذا فإنه لا يُشْتَرَط فيه الإحصان، متى كان بالغًا عاقلًا وجَبَ إعدامُه. * طالب: (...). * الشيخ: نعم؛ وذلك لأن هذا الفعل المنكَر ما يمكن التحرُّز منه في الحقيقة، الزنا يمكن التحرز منه، ويمكن مراقبة من حاول الزنا، فإنك لو رأيت رجلًا مع امرأة تقول: ما هذه المرأة؟ لكن لو رأيت رجلًا مع ولد، ما يمكن تقول، ما هو مستغرب. فلذلك من أجل أن فساده خفيٌّ لا يمكن التحرُّز منه صار لا يمكن إصلاح الخلق إلا بإعدامه، وهو مصلحة له ومصلحة لغيره؛ أما كونه مصلحة له، فإن الحد كفارة، ولأنه إذا بقي في الدنيا متماديًا في هذه الفاحشة صار يزداد إثمًا، فنحن في الحقيقة قد قطعنا الطريق على الشيطان بالنسبة لهذا الرجل، ثم هو أيضًا إصلاح لغيره. وهذا القول الذي ذكره شيخ الإسلام وأجمعت عليه الصحابة رضي الله عنهم هو القول المتعين، لا سيما إذا كثر هذا الأمر؛ لأنه كلما كثرت الفاحشة وجب أن تقابل بعقوبة أشد، إلا ما حدده الشرع فيجب الوقوف عليه. وتجدون أن عمر رضي الله عنه لما أكثر الناس من شرب الخمر ماذا صنع؟ زاد الضعف إلى ثمانين[[أخرج مالك (٢٤٤٢) عن ثور بن زيد الديلي أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال له علي بن أبي طالب: نرى أن تجلده ثمانين؛ فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى. أو كما قال: فجلد عمر في الخمر ثمانين.]]، ولما كثر الطلاق الثلاث في عهده عاقب المطلقين بتنفيذ قولهم[[أخرج مسلم (١٤٧٢/ ١٤) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.]]. * طالب: أمضاه. * الشيخ: أمضاه عليهم. فعلى هذا نقول: إنه إذا كثرت هذه الفاحشة وجب على ولاة الأمور أن يكونوا أشدَّاءَ على فاعليها، وأن يقتلوهم إعدامًا بدون أي توقف؛ لأن ذلك هو الذي يُصْلِح الخلق، وإلا انتشارها مثلما قلنا: إنه ما يمكن التحرُّز منها، وانتشارها عظيم، كل واحد مثلًا -والعياذ بالله- مُبْتَلًى بهذا الأمر يمسك أي صبي ويعاشره ويفعل به الفاحشة، ليس مثل النساء. هذا هو القول الصحيح المتعين. فيه قول آخر كما أشرنا إلى أن حكم اللواط حكم الزنا، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو ضعيف. فعلى هذا إن كان الفاعل محصنًا والمفعول به محصنًا ويش وجب؟ وجب القتل؛ الرجم، وإلا فالجلد والتغريب. وذهب بعض العلماء إلى أنه يُعزَّر تعزيرًا بدون حدٍّ، قال: لأن هذا لم يثبت عنده الحديث: «فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.]]، وليس فيه حدٌّ ثابت، فيُرْجَع فيه إلى التعزير. والتعزير إذا قلنا بأن ولي الأمر له أن يعزر بالقتل فما دونه صار قتل اللائط والملوط به عائدًا إلى اجتهاد الإمام. وذهب بعض العلماء إلى أنه ليس فيه حدٌّ ولا تعزير، لكنه حرام. * طالب: حُجَّته؟ * الشيخ: حُجَّته يقول: إنه يكتفى بالنفور الفطري عن العقوبة الرادعة؛ يعني أن هذا أمْرٌ فطري النفور منه، فلا يحتاج إلى عقوبة رادعة، ولهذا جعل الشرع في شرب الخمر عقوبة؛ لأن النفوس تميل إليه، ولم يجعل في شرب البول عقوبة؛ لأن النفوس تنفر منه بالطبيعة، فهذا مثله. فيقال: هذا رجُلٌ -الحقيقةَ- سليمٌ ولا يعرف الواقع، فإذا كانت فطرته سليمة تنفر من هذا الأمر، فإن هناك فطرًا مقلوبة تهوى هذا الأمر وتميل إليه، فماذا نصنع بهذه الفطر؟ ثم إن قوله: إن شرب البول لا تعزير فيه لأن النفوس تنفر منه، غير مُسلَّمٍ، فلو أن رجلًا ابتلي بشرب البول نخليه يشرب من بول الناس ولَّا نُعزِّره؟ نعزره ونمنعه من ذلك، وإن كانت الفطرة تأبى هذا الأمر، إي نعم. فالحاصل أن الأقوال هذه الأربعة أصحها القول الأول. * طالب: إذا كان في إجماع صحابة، أجمعوا على القتل؟ * الشيخ: إي نعم، هم الحقيقة الإجماع ما هو إجماع قطعي، يعني فيه سكوت، سكوتي، والإجماع السكوتي ليس إجماعًا قطعيًّا. واعلم أن الزنا كما قسَّمه الرسول عليه الصلاة والسلام وكذلك اللواط أنواع: زنا الفرج، ولواط الفرج، وفيه أيضًا زنا العين ولواط العين، وفيه أيضًا زنا الأذن ولواط الأذن، وزنا اليد ولواط اليد، وزنا الرِّجل ولواط الرِّجل. يعني لا تظن أن اللواط خاص بالفعل؛ بالفرج، بل حتى العين، لو أن أحدًا تلذَّذ بالنظر إلى أمردٍ، قلنا: هذا الرجل تلوط به، لكن تلوط به فعلًا ولَّا نظرًا؟ نظرًا. ولذلك يجب الحذر من هذا الأمر، حتى إن النووي وجماعة من أهل العلم قالوا: إنه لا يجوز النظر مطلقًا إلى الأمرد الحسن؛ إلحاقًا له بالمرأة. ولكن الصواب أنه يجوز، إلا مع التلذذ بذلك فهذا حرام. * طالب: قوله (...) فيه دليل؟ * الشيخ: وين؟ * الطالب: يعني أن (...). * الشيخ: نحن ما بدأنا بالاستنباطات، لكن ما يخالف. * طالب: (...)؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، من أُكْرِهَ على فعل الفاحشة فلا شيء عليه، لا في هذا ولا في غيره؛ لأنه من شروط إقامة الحد أن يكون غير مكره، حتى المرأة لو أكرهت على الزنا ما يُقام الحد عليها. وهذا هو الذي أوجب لبعض أهل العلم أن المرأة إذا حملت لا تُحَدُّ، قال: لأنه يحتمل أن تكون مُكرهةً (...)، وهذا الاحتمال يدرأ الحد. ولكن الصحيح أن المرأة إذا حملت وليس لها زوج ولا سيِّد يُقام عليها الحد؛ لأن خطبة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وقوله: إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف[[أخرج البخاري -واللفظ له- (٦٨٢٩)، ومسلم اللفظ له (١٦٩١/ ١٥) عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال عمر: لقد خشيت أن يطول بالناس زمان، حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف. ]]، أمام الناس ولا أحد أنكر عليه. فهي يُقام عليها الحد، لكن إن ادَّعت شُبهةً، يعني تؤخذ الآن ويقال: يلَّا أقيموا الحد عليها، لكن إن ادَّعت شُبهةً ممكنة ارتفع عنها الحدُّ؛ لأن الأمر محتمل، وكثير من النساء تُغْلب على نفسها ويُفْعَل بها الفاحشة. * طالب: (...) قوم لوط عليه السلام فيه فاحشة اللواط، هل هي مشتقة من (...)؟ * الشيخ: إي نعم، يعني كونه يقال: لوطي أو لواط، نسبة إلى قوم لوط. لكن فيه إشكال هنا؛ أن النسبة صارت إلى المضاف إليه وهو نبيُّهم، فيقال -والله أعلم-: إن السبب في ذلك أن هذه الفاحشة اختُصَّت بها هذه الأمة، ولهذا قال لهم نبيهم: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف ٨٠]، ما أحد سبق عليها، يعني أول من سنَّ هذه الفاحشة -والعياذ بالله- هم قوم لوط، وعلى هذا فعليهم وزْرُها ووزرُ من عمل بها إلى يوم القيامة، نسأل الله السلامة. * طالب: طيب، منشأ اللغة العربية (...)، أول ما نشأت اللغة العربية، إذا قلنا: إن لغة آدم سريانية؟ * الشيخ: أول ما نشأت من العرب العاربة حينما جاؤوا إلى مكة القحطانيون واتصلوا بإسماعيل ونشأ بينهم صار عربيًّا، ولهذا بنو إسماعيل هم العرب المستعرِبة. وقطعًا اللغة العربية مثل غيرها يدخل عليها تطورات وتحسينات، مثلما أن بعد الفتوح دخل عليها تغييرات (...)، كذلك فيما سبق دخل عليها تطورات وتحسينات حتى وصلت إلى الكمال في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام. * طالب: في الآية السابقة، آية (...)؟ * الشيخ: يعني ما ذكرنا فوائد الآيات؟ * الطالب: إلا ذكرت. * الشيخ: إي. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفرقان ٣٧]، قوله: ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾. * الطالب: إي. * الشيخ: هذا إظهار في موضع الإضمار، ما قال: أعتدنا لهم، وذكرنا أن فيه فوائد. كأن الأخ يعرفها؟ * طالب: ما كتبتها. * الشيخ: ما كتبتها ولَّا في رأسك؟ الذي ينبغي لطالب العلم أنه يكتب؛ إمَّا في ورقته، أو في رأسه. ويش تقول؟ * طالب: فائدة الإظهار. * الشيخ: فائدة الإظهار في مقام الإضمار؟ * الطالب: للعموم. * الشيخ: طيب، إرادة العموم. * طالب: (...). * الشيخ: إي، لانطباق الوصف على هؤلاء؛ يعني: تسجيل هذا الوصف أو ما دلَّ عليه على هؤلاء، طيب. * طالب: بيان عدْلِ الله عز وجل؛ أنه لم يعذبهم إلا أنهم ظالمون. * الشيخ: إي، إظهار العلة يعني؟ * الطالب: العلة يعني. * الشيخ: زين. * الطالب: وتنبيه المخاطب (...). * الشيخ: تنبيه المخاطب، زين. هذه فوائدها. فمثلًا في الأول قلنا: إرادة العموم؛ لأنه إذا قال: وأعتدنا لهم عذابًا أليمًا، صار العذاب الأليم لهم فقط، لكن ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ لهم ولغيرهم. هذه واحدة. والثاني: تسجيل هذا الوصف عليهم؛ لأنه وصفهم بأنهم ظالمون. والثالث: إظهار الحكمة من هذه العقوبة، وهي أنهم كانوا ظالمين. والرابع: تنبيه المخاطب، لكن ترى المراد بالمخاطَب اللي يكون قلبه فيه حياة، وإلا اللي يمر القرآن سَدَا ترى ما ينتبه، إظهار في موضع الإضمار، التفات، تنبيه، كله واحد عنده، لكن كلامنا الذي يقرأ بتدبر لا بد أن ينتبه؛ كيف تغيَّر السياق؟ كيف عُدِلَ عن الضمير إلى الظاهر. * طالب: ما نقول: إنه ما ينبغي أن يُسْمَّى لواطًا (...)، وإنما نقول ما ورد في الحديث: عمل قومِ لوطٍ. * الشيخ: هذا طيب الحقيقة، لكن أنا أشوف العلماء الكبار يقولون هذا؛ كابن القيم وشيخ الإسلام ومن قبلهم ومن بعدهم. * الطالب: (...)، أو أنه مشتق؟ * الشيخ: لا، أبدًا، إلا قوم لوط. * الطالب: قوله تعالى عن سليمان: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل ١٦]. * الشيخ: سليمان؟ * الطالب: إي، (...)، ﴿مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ هل للطير منطِقٌ؟ ثم قال بعد بآيات: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل ١٨]. * الشيخ: إي. * الطالب: (...). * الشيخ: إلى الآن هي تنطق، ولهذا قال: ﴿عُلِّمْنَا﴾ [النمل ١٦]، (...). مَن هم أصحاب الرَّس؟ * طالب: هم القوم الذين أهلكهم الله عز وجل (...). * الشيخ: أحسنت. وما الصحيح في هذه المسألة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، لكن ماذا نقول يعني؟ إذا قلنا: ليسوا قوم شعيب، هل هم غيرهم؟ * الطالب: نعم، هم القوم الذين قتلوا نبيهم. * الشيخ: إي، لكن ماذا نقول؟ هل يعني نمسك عن التعيين ونقول: إن هؤلاء ما عيَّنهم الله، فلسنا بحاجة إلى التعيين؟ * الطالب: تقصد (...)؟ * الشيخ: لا، يعني لو قال لنا قائل: هل هم معروفون -مثلًا- لديكم أو لا؟ * طالب: لا، المعروفون هم المسلمون الأوائل (...). * الشيخ: إنما الآن معروفون ولَّا لا؟ * الطالب: لا، (...) أنهم أصحاب بئر. * الشيخ: أصحاب الرس هذا معلوم من القرآن، لكن هل -مثلًا- معيَّنون قال: من هم؟ وأين مكانهم وكذا؟ يعني هل نعرف قبيلتهم ونعرف مكانهم ونعرف رسولهم؟ * الطالب: لا. * الشيخ: لا؛ لأن الله ما عيَّنهم، فالأَولى السكوت. قوله: ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾، هذه الإضافة شو المراد بها؟ * طالب: يعني أصحاب البئر. * الشيخ: أصحاب البئر، لكن ويش المقصود بالإضافة؟ * الطالب: قيل: لأن البئر انهار عليهم. * الشيخ: أو بهم؟ * الطالب: انْهَارَ بهم، وقيل: إنهم كانوا يقطنون حوله، فأضيفوا إليه؛ أضيفوا إلى هذا البئر الذي (...). * الشيخ: نعم؛ لأنه (...). * طالب: (...)، إما إضافته للعقوبة، وإما إلى مكانه. * الشيخ: إي. * الطالب: فإذا قيل: إنهم هم من حول البئر ساكنون، فهم نسبوا إليه (...). * الشيخ: إي، وخسَفَ الله بهم وببئرهم؟ * الطالب: وببئرهم، (...). * الشيخ: هذه من باب الإضافة للعقوبة. * الطالب: للعقوبة. * الشيخ: طيب. * الطالب: (...)؛ لأنهم يقطنون حولها. * الشيخ: المعنى الثاني ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾، مُضافة إلى فعلهم وأنهم رسُّوا نبيهم؛ يعني دفنوه فيها. نحن قلنا: إن الإضافة هنا إما لكذا وإما لكذا؛ لأن العلماء افترقوا في هذا (...)، منهم من قال: سموا أصحاب الرس؛ لأنهم كانوا حول هذه البئر، فخسف الله بهم وببئرهم، وقيل: إنهم أصحاب الرس؛ لأنهم رسُّوا نبيهم؛ يعني دفنوه. وذهب ابن جرير إلى أن المراد بهم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في البروج. قوله: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ﴾، ما المراد بالقَرن؟ * طالب: قيل: إنه الزمن. * الشيخ: يُطلَق على الزَّمن، ما هو قِيلَ. ويُطْلَق؟ * الطالب: ويُطْلَق على الدهر. * الشيخ: الدهر والزمن معناهما واحد. * الطالب: ويُطْلَق على (...). * الشيخ: لا، على الزمن عاد على الخلاف في تقدير هذا الزمن، يُطْلَق على الجيل؛ يعني على الأمة التي تكون في عصر واحد وعلى مصر واحد. أيهما أنسب بالنسبة للآية الكريمة؟ * طالب: على الجيل. * الشيخ: على الجيل؛ لأن المراد إهلاكهم، والإهلاك يكون للأُمَّة لا للزمن. ما معنى قول الله تعالى: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾؟ * طالب: يعني: أنذرنا. * الشيخ: إي، أنذرنا كلًّا، لكن وأيش معنى: ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾؟ * طالب: ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: أنذرناه بما (...). * الشيخ: المكذِّبين. * الطالب: المكذبين. * الشيخ: أحسنت، تمام. ضرب الأمثال معناه ذكر (...) في حالهم، بمعنى أننا أنذرناهم بذكر ما جرى للأمم السابقين الذين هم مثلهم في التكليف، فهلكوا. ما المراد بـ﴿الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾؟ * طالب: المراد قوم لوطٍ. * الشيخ: قوم لوطٍ. ما نوع هذا المطر الذي سمَّاه الله مطر سوء؟ * الطالب: حجارة من سجيل. * الشيخ: حجارة من سجيل، نعم. اشتهر عند أهل العلم أن القرى كانت سبعًا، فما رأيك؟ هل هي سبع؟ * طالب: (...) القرآن قرية واحدة. * الشيخ: وأنها واحدة. طيب، إذا قلنا بما قاله الكثير من أهل العلم، فكيف نفسر قوله: ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ﴾؟ * طالب: أي: عُظْمى القرى. * الشيخ: إي، عُظْمى القرى؛ لأن ما دونها تابع لها. ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾، هذه الجملة مؤكدة ولَّا غير مؤكدة؟ * طالب: نعم، مؤكدة. * الشيخ: مؤكدَة بكم مؤكِّدٍ؟ * الطالب: بثلاثة مؤكدات؛ اللام، وقد، والقسَم. * الشيخ: والقسم المقدَّر. طيب، وهذا المقصود بالتوكيد تقرير الأمر الواقع، يعني أنه ليس الخبر كالمعاينة، فهم الآن يعاينون ما حلَّ بهذه القرية من عذاب الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم يمضون عليها ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨]. يقول الله عز وجل: (﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ في سفرهم إلى الشام، فيعتبرون، والاستفهام للتقرير). عندنا ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾، هذه تأتي في القرآن كثيرًا: (أَفَلَمْ) (أَوَلَمْ)، يعني: يأتي حرف الاستفهام الهمزة، وبعده حرف عطف، فاختلف النحويون في ذلك؛ فمنهم من يقول: إن حرف الاستفهام داخل على جملة مقدَّرة مفهومة من السياق، تقدَّر حسب ما يليها. ومنهم من قال: إن حرف الاستفهام داخل على الجملة المذكورة، لكن محله بعد حرف العطف، فمثلًا: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ يقولون: أصلها (فألم يكونوا يرونها)، فقُدِّمت أداة الاستفهام؛ لأن لها الصدارة. فالآن أمامنا رأيان فيما إذا وُجِدَ حرف استفهام بعده حرف عطف، هل يكون داخلًا على الجملة المذكورة مُقدَّمًا على حرف العطف؟ أو يكون داخلًا على جملة مُقدَّرة تُسْتَفاد من السياق؟ كيف نُقدِّر ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ على الرأي الثاني الذين يقولون: إنه داخل على جملة مُقدَّرة مفهومة من السياق؟ * طالب: (...). * الشيخ: كيف نقدر؟ * طالب: (...) فلم يكونوا. * الشيخ: إي، أَعَموا، فلم يكونوا يرونها؛ لأن انتفاء الرؤية معناها العمى. وعلى الرأي الثاني ما يحتاج إلى تقدير، نقول التقدير: فألم يكونوا يرونها. والأول رأي سيبويه، والثاني رأي الكسائي. وأيهما أهون وأسلم؟ * طالب: الثاني. * الشيخ: الثاني أهونُ وأسلمُ. * طالب: تدخل الفاء عليها (...). * الشيخ: لأنه في الحقيقة في بعض الأحيان تأتيك أمثلة ما تستطيع أن تقدر هذا المحذوف ولا كيف تقدره. ثم إن الأصل عدم التقدير والحذف، هذا هو الأصل. ونحن إذا ذهبنا إلى الرأي الثاني لم نرتكب إلا شيئًا واحدًا فقط، وهو تقديم الهمزة عن مكانها، وهذا شيء بسيط، فالذي ينبغي سلوكه أن نقول: إن همزة الاستفهام هنا داخلة على الجملة الموجودة بدون تقدير، لكنها مُقدَّرة بعد حرف العطف، إلا أنها قُدِّمَت لأجل الصدارة. وهنا ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾، إذا دخلت همزة الاستفهام على (لم) فالمراد به التقرير، ومعنى التقرير: حمل المخاطب على الإقرار. مثلًا: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، أيش نقول بالهمزة؟ الاستفهام التقريري أو للاستفهام المراد به التقرير، المهم أن هذه ليست للاستفهام الاستخبار، ما هو بالله يسأل، ولكنه يقرر أنه شرح له صدره، فنقول: الاستفهام هنا للتقرير. وما معنى التقرير؟ * طالب: الإثبات. * الشيخ: لا، ما هو بس الإثبات وفقط، حمل المخاطب على الإقرار؛ يعني إن كان هذا الشيء متقررًا، فيجِبُ عليك أن تُقِرَّ به. * طالب: إذا تلاها (...)؟ * الشيخ: إي نعم، طيب. نقول: هي للاستفهام التقريري؛ أي: حمل المخاطب على الإقرار، وكأن هذا أمْرٌ لا يمكن إنكاره؛ لأنه معلوم له. في الآية الكريمة: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾، نقول: الاستفهام للتقرير؛ يعني أنهم قد رأوها، إذا كان بمعنى التقرير فإنه يُقدَّرُ بفعل ماضٍ مقرونٍ بـ(قد)، يعني مثلًا: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَك﴾ [الشرح ١] معناه: قد شرحنا لك، لكنها أبلغ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَك﴾. ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ معناه؟ * طالب: قد رأوها. * الشيخ: قد رأوها، لكن الإتيان بالاستفهام أبلغ؛ لأنه يحمل المخاطب على أن يقر، وهذا أبلغ من أن أُخْبِرَه بأمْرٍ على سبيل التحقيق بـ(قد). ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾، يعني معناه: أنهم قد رأوها وهم يُقرُّون بذلك، ولا يمكنهم إنكاره، ويرونها، يقول المؤلف في وقت الرؤية: (في سفرهم إلى الشام، فيعتبرون) وهذا صحيح أن الإنسان إذا عاين آثار العذاب يكون أشد في يقينه وتصديقه؛ لأنه ليس الخبر كالمعاينة. وإبراهيم ﷺ لا يشك أن الله تعالى قادر على إحياء الموتى، ومع ذلك قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة ٢٦٠]، وقال النبي ﷺ: «نَحْنُ أَوْلَى بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٢)، ومسلم (١٥١/ ٢٣٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وجئت بهذا الحديث لأجل أن نفهم معناه حقيقة، ويش معنى «نَحْنُ أَوْلَى بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ»؟ لو أخذنا بظاهره لقلنا: إن إبراهيم قد شكَّ ونحن قد شككنا ونحن أولى بالشك منه، ولكن ليس المراد بذلك، ويش المراد؟ * طالب: مؤكدٌ أنه لم يشكَّ إبراهيم، لكن لو كان.. يعني هذا تأكيد على أنه لم يشك؛ لأننا يعني بمعنى أنه لو حصل منه شك فنحن أولى بذلك، لكنه ما حصل منه شكٌّ. * الشيخ: يعني كما أننا نتيقَّن أن الله يحيي الموتى وقادر عليها، فإبراهيم أولى باليقين، ولو كان ثمة شكٌّ لكنا أَوْلى به من ذلك، إي نعم. ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾، بيَّن لنا عن القرية هذه، موجودة الآن؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، هذه مدائن صالح، لكن قرية لوط البحر الميت، البحر الميت هذا يقولون: إنه هو مكان قُرى قوم لوط، إنه صار بحيرة مالحة. * طالب: فيها قولان. * الشيخ: ما أدري واللهِ إن كان فيها قولان، إنما الآن عندي قول واحد. * طالب: صحة القول هذا؟ * الشيخ: أقول: هذا مشهور، مشهور أن هذا البحر الميت أنه هو محل قرية قوم لوط. يقول: (﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ﴾ لا يخافون ﴿نُشُورًا﴾ ) (بل) للإضراب، وكأنه إضراب عن توبيخ إلى أشد منه. ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ قلنا: الاستفهام للتقرير، والإنسان الذي يرى الشيء ثم لا يعتبر به مستحقٌّ للتوبيخ. انتقل إلى ما هو أعظم؛ إلى حال يستحقون التوبيخ عليها أشد، فالإضراب هنا للانتقال منين؟ من سيءٍ إلى أسوأ، ومن خفيف إلى أغلظ منه، يعني معناه: أن هؤلاء ليسوا تاركين للاعتبار بما شاهدوا، بل إنهم أبلغ من ذلك ﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾، وفسَّر المؤلف الرجاء بالخوف؛ لأن الرجاء يأتي بمعنى الخوف، مثل قول الله تعالى عن نوح: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح ١٣]. ولكن إتيان الرجاء في موضع الخوف لا يكون إلا حيث تعذر أن يُفَسَّر بمعناه الحقيقي، وهنا لا يتعذَّر؛ لأن معنى ﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ يعني: لا يؤملونه، ما يؤملون ولا يقرون به؛ لأن مَن لا يؤمل شيئًا لا يُقِرُّ به. وكأن المؤلف رحمه الله حمله على معنى الخوف؛ لأن حاله تقتضي أنهم لا يخافون؛ إذ لو خافوا لأقرُّوا وآمنوا. ولكن يقال أيضًا: الرجاء، لو كان يرجون هذا النشور ويؤملونه لعملوا له؛ لأنهم قيل لهم: إن صدقتم الرسل فلكم كذا، وإن كذبتم الرسل فعليكم كذا، فهم مَوْعُودون ومُتَوعَّدون، فلا يتعيَّن أن نحمل الرجاء على الخوف، بل لا ينبغي ما دام للرجاء بمعناه الحقيقي، ما دام له محل فإنه يجب أن يُحْمَلَ على معناه الأصلي. فنقول: ﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾؛ أي: لا يؤملون النشور الذي فيه ما وعدتهم به الرسل من كرامة الله سبحانه وتعالى وإدخال الجنة. وهذا أشد من عدم اعتبارهم بما رأوا من إهلاك المكذبين، حيث ينكرون البعث الذي دلَّ عليه العقل، فالعقل يدل على أن للناس بعثًا، ولهذا يقرِّرُ الله تبارك وتعالى هذا المعنى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة ٣٦]؛ يعني: لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهَى ولا يُجَازى، هذا سفهٌ، لو كانت هذه الخليقة التي خلقها الله، وأرسل إليها الرسل، وأباح دماء بعضهم لبعض وأموالهم ونساءهم لأجل الدين الذي بعث به الرسل، وهذا القتال العظيم بينهم والعداوة والبغضاء، لو كانت لا لشيء إلا أن الإنسان يحيى ويموت، ماذا يكون هذا الفعل؟ * طالب: سفهًا. * الشيخ: يكون سفهًا يُنَرَّه الله عنه، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص ٨٥]، ما أنزل الله هذا القرآن إلا لمعادٍ يكون الناس يوم القيامة يرجعون إليه، ثم يُجازون بأعمالهم، فالعقل دلَّ على أنه لا بُدَّ من بعثٍ، ولا بُدَّ من جزاء، ومع ذلك هؤلاء ينكرونه. و﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ بحُججٍ واهيةٍ باطلةٍ؛ مثل: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، هذه حجة ولَّا ما هي حجة؟ هي شُبهةٌ في الواقع، شُبهةٌ باطلةٌ، ولذلك أبطلها الله في الآيات التي بعدها من نحو عشرة أوجه، هذا الإنكار المبني على استبعاد عقله، لذلك أبطله الله تعالى كما يظهر من القصة من نحو عشرة أوجه؛ أولها: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس ٧٩]، هذا يكفي العاقل، هي ما كانت هذه العظام ماء مهينًا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ماء مهينًا، بل قبل ذلك لم تكن شيئًا مذكورًا، ثم خلقها الله إلى عظام، فالذي أحياها أول مرَّة قادر على إعادتها، وهو عقلًا أهون من الابتداء ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]. على كل حال لسنا بصدد الإثبات لهذا الشيء، لكن أقول: إن هؤلاء الذين لا يرجون نشورًا مع قيام الأدلة على وجوده لا شك في سفههم، وأنهم ليسوا على صواب. ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ﴾ [الفرقان ٤١]، منتقلًا إلى حالة أخرى يقابل بها هؤلاء المشركون رسول الله ﷺ. (﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ مهزوءًا به) ﴿يَتَّخِذُونَكَ﴾ يُصيِّرونك ويجعلونك مهزوءًا به، وتجدون الآن أن الآية فيها حصرٌ طريقه النفي والإثبات؛ يعني: ما يجعلون لك أي حال من الأحوال إلا الهزء، و﴿هُزُوًا﴾ مصدر، لكنه يقول المؤلف: (مهزوءًا به) يعني أنه بمعنى اسم المفعول. والمصدر بمعنى اسم المفعول كثير ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]، ويش وجه الاستدلال بهذه الآية اللي استدللت بها الآن ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، ويش وجه الاستدلال بالآية التي ذكرت؟ * الطالب: يعني أن (...). * الشيخ: إي، وجه الاستدلال السؤال أحيانًا يُرَادُ به التنبيه والاستخبار، فهنا نقول: وجه الاستدلال أن قوله: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، (حمل) مصدر بمعنى محمول، فهو مصدر بمعنى اسم المفعول، وفي الحديث عن النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري بنحوه (٢٦٩٧)، ومسلم واللفظ له (١٧١٨/ ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]؛ يعني: مردودٌ. هنا ﴿هُزُوًا﴾ مصدر، لكنه بمعنى اسم المفعول على رأي المؤلف. ويمكن أن يقال: إنه على بابه؛ مصدر، ويكون من باب المبالغة، كأنه ما جعل الرسول محلًّا للهزء؛ يعني مهزوءًا به، به جعلوه نفسه هو نفس الهزء، وهذا من باب المبالغة، كما تقول: فلان عدل، وفلان رضا، يعني من باب المبالغة، كأنه هو العدل لا أنه محل العدل، وكأنه الرضا لا محل الرضا، وكذلك: فلان ثقة؛ لأن (ثقة) مصدر بمعنى موثوق به لكنه من باب المبالغة. المعنى: أن هؤلاء ما يرون الرسول عليه الصلاة والسلام إلا محل استهزاء -والعياذ بالله- كأنه لعبة عندهم، يقولون: (﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ في دعواه محتقرِين له عن الرسالة). ﴿أَهَذَا﴾ الاستفهام هنا للتحقيق، وهو متضمِّنٌ للنفي؛ يعني ما يمكن أن يبعث مثل هذا الرجل. وهذا كقولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١]، ولا شك أن هذا من جملة الشبه التي يحتجون بها، وهي لا تنطلي على أحد؛ لأننا نعلم أن محمدًا ﷺ أعظم الخلق وأحقهم بالرسالة، فإن الله تعالى يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، فللرسالة محلٌّ، فهذا النبي ﷺ نؤمن بأنه أعظم الخلق وأحقهم بالرسالة، ولهذا جعلها الله فيه، جعل فيه أعظم الرسالات، فهو أعظم من كل ما يقترفونه، لكن تعرفون أن المكابر والمكذب يأتي بكل شُبهةٍ سواء كانت حقيقة أم غير حقيقة. وقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي﴾ (هذا) اسمُ إشارةٍ للقريب ولَّا للبعيد؟ * طالب: للقريب. * الشيخ: للقريب، احتقارًا أيضًا؛ لأن اسم الإشارة يأتي للقريب أحيانًا للاحتقار، وأحيانًا للتعظيم والمودة، وكذلك اسم الإشارة في البعيد يأتي لما هو قريب من باب التعظيم، مثل: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ البقرة: ٢]، ويش يعني بـ﴿الْكِتَابُ﴾؟ * طالب: القرآن. * الشيخ: لكنه أتى بـ﴿ذَلِكَ﴾ اسم إشارة للبعيد تنبيهًا لعلوِّ مرتبته. هم أتوا بـ(هذا) للتحقير؛ يعني: أهذا القريب الذي لدينا ونتصوره ونشاهده، أهذا يُبْعَثُ رسولًا؟! هكذا يقولون. وأردفوا ذلك: (﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف؛ أي إنه ﴿كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ يصرفنا ﴿عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان ٤٢]) بئس الصبرُ هذا! ﴿إِنْ كَادَ﴾ يعني: قَرُبَ، و﴿إِنْ﴾ يقول المؤلف: (إنها مُخَفَّفة من الثقيلة)؛ لأن (إنْ) -كما تعرفون- لها معانٍ كثيرة، والذي يُعَيِّنها السياق؛ تأتي نافية، وتأتي شرطية، وتأتي زائدة. * طالب: وناصبة. * الشيخ: لا، ما تأتي ناصبة، اللي تأتي ناصبة (أنْ). لكن هنا مخففة من الثقيلة؛ لأن أصلها (إنَّ) فخُفِّفَت، وإذا خُفِّفَت من الثقيلة لزم أن يكون اسمها محذوفًا، ما نقول: مستتر؛ لأن الاستتار يكون بالفعل أو بما هو بمعناه، لكن نقول: محذوف، والتقدير: إنه ﴿كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾. و﴿كَادَ﴾ بمعنى: قَرُبَ، والصواب أن (كاد) تأتي بمعنى قرُبَ، سواءٌ كانت منفية أو مستترة. وأما قول بعض النحويين: إن نفيها إثبات وإثباتها نفي، فليس بصحيح كما حققه ابن هشام في المغني، بل هي دائمًا بمعنى القرب، يعني: لقد قرب أن يضلنا عن آلهتنا، لكن منع من هذا مانع وهو الصبر عليها، فهم الآن -في الحقيقة- يقرُّون أن رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام خطيرة بالنسبة إليهم، ولَّا لا؟ خطيرة، لكنهم يتمدحون بأنهم ذوو صبرٍ بالغ عظيم ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾؛ يعني: على عبادتها، لكان الرسول عليه الصلاة والسلام يضلنا. والصواب: أنه لو تركوها لكان الرسول قد هداهم الله به، أليس كذلك؟ نعم، وليتهم لم يصبروا هذا الصبر؛ فإن هذا الصبر صبر عن معصية الله ولَّا على معصية الله؟ * طلبة: على معصية الله. * الشيخ: على معصية الله، وهو مذمومٌ، لا شك أنه مذموم. ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ صارت الآن الجملة هذه أقول: إنها تدل على أنهم يقرون بخطر رسالة النبي ﷺ عليهم أو لا؟ * طالب: بلى. * الشيخ: ولكنهم يتمدحون بالصبر عليها، وأنه مع قوة تأثير الرسالة هم صبروا على آلهتهم فلم يضلهم النبي عليه الصلاة والسلام. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، مُقرِّين بخطر الرسالة، ولإقرارهم بخطر الرسالة بذلوا مُهَجَهم ورِقابَهم لقتال الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم لو كانوا يعرفون ما هي مؤثرة ما احتاجوا إلى أنهم يخرجون لقتال الرسول، كان قالوا: هين هذا مثل المجنون اللي ما يؤثر ولا (...). ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ أي: معبوداتنا. والآلهة تُطْلَقُ على المعبود، لكن تُطْلَقُ إطلاقًا مجازيًّا على المعبود بغير حق، وإطلاقًا حقيقيًّا على المعبود بحق، ولهذا الرسل صلى الله عليهم وسلم يقولون لأقوامهم: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف ٥٩]، ويش معنى ﴿مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾؟ أي: من معبودٍ حقيقةً غير الله، أما معبوداتكم التي تعبدونها فهذه معبودات لكنها ليست حقًّا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، نحن الآن صحيح التعبير هذا خطأ ما دام قلنا: لا مجاز في القرآن، لكن تنزلًا على حسب كلامهم، هم يدعون أنها آلهة، ولكنها حقًّا ليست آلهة. * الطالب: نعتبر بما (...)؟ * الشيخ: التعبير الصحيح أن نقول: ﴿عَنْ آلِهَتِنَا﴾، سموها آلهة باعتقادهم، وإلَّا فليست آلهة. ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾؛ يعني: حبسنا أنفسنا عليها (لصرَفَنا عنها). استفدنا من قول المؤلف: (لصرفنا) أن ﴿لَوْلَا﴾ شرطية، وأن جوابها محذوف. ﴿أَنْ صَبَرْنَا﴾ ويش محلها من الإعراب؟ ما كنت أريد أن أعربها، لكن لما أنه تعرض...، ويش محل ﴿أَنْ صَبَرْنَا﴾ من الإعراب؟ * طالب: مصدر لفعل (...). * طالب آخر: بتأويل مصدر. * الشيخ: إي، ويش محلها من الإعراب؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: خبر المبتدأ. * طالب آخر: مبتدأ لخبر محذوف وجوبًا. * الشيخ: مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا. (...) (لصرَفَنا عنها)، أو الأصح أن نقول: لأضلَّنا عنها؛ لأنهم يقولون: ﴿لَيُضِلُّنَا﴾؟ لأضلَّنا عنها. ﴿لَوْلَا﴾ صبرُنا موجودٌ على هذه الآلهة لأضلَّنا عنها، وبعد، وبعد، (لولا) غالبًا حذف الخبر حتمٌ. (لولا) هذه شرطية، وتأتي غير شرطية؟ * طالب: إي نعم، تأتي. * الشيخ: ويش (...)؟ * الطالب: للتحضيض. * الشيخ: للتحضيض، ومرَّت علينا قريبًا في هذه السورة. وكون (لولا) وهي لفظ واحد يأتي أحيانًا بمعنى التحضيض، وأحيانًا بمعنى الشرط، وكذلك (إنْ) وغيرها من الحروف، هذا مما يؤيد ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وأنه لا مجاز في اللغة، وأن الذي يُعيِّنُ المعنى ويجعله حقيقة أو غيرَ حقيقة؟ * طالب: السياق. * الشيخ: السياق، فالكلمة في سياقها أو الجملة في سياقها حقيقةً ما تحتمل غير ما يُراد، وإن كانت -مثلًا- تُطْلَق إطلاقًا آخر في معانٍ أخرى. فالسياق في الحقيقة، المعاني للكلمات كما يدلُّ عليه كلام الشيخ، ليست المعاني في الكلمات صفات ذاتيةً، ما هي صفاتٌ ذاتية، وإنما هي صفات إضافية. ويش معنى إضافية؟ أي بحسب ما تضاف إليه؛ يعني بحسب السياق. وبذلك نتخلص من الإشكال الذي يَرِدُ علينا كثيرًا في بعض كلمات في القرآن، حيث (...) المجاز تأتينا كلمات أو جمل تُشْكِل علينا، فإذا قلنا بهذا القول، وقلنا: إن المعاني للألفاظ ليست من الصفات الذاتية، وإنما هي من الصفات الإضافية التي يعيِّنها أي شيء؟ * طالب: السياق. * الشيخ: السياق، نتخلص بهذا، ونقول مثلًا: ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء ٢٤]، ﴿جَنَاحَ﴾ إذا أضيف للطائر صار له معنًى، وإذا أضيف إلى ﴿الذُّلِّ﴾ صار له معنًى. ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف ٧٧]، الإرادة إذا أضيفت إلى الإنسان صار لها معنًى، وإذا أضيفت للحيوان صار لها معنًى، وإذا أضيفت للجماد صار لها معنًى. بحسب الإضافات، وحينئذٍ نتخلَّص، ما نقول: الإرادة الأصل أن تكون حقيقة لذوي الشعور، فإذا أضيفت إلى غيرهم صارت مجازًا، ما حاجة أن نقول هكذا. * طالب: كيف تكون للجماد؟ * الشيخ: تكون للجماد ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾، معناه: مايلٌ للانقضاض. * طالب: بالنسبة لـ﴿لَوْلَا﴾، قد يكون التفريق بين التحضيض والظرفية بأنها إذا دخلت على الفعل صارت (...)، فلا يحتاج إلى.. * الشيخ: صارت للتحضيض. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: فلا يحتاج لتعيين السياق. * الشيخ: كيف؟ إلا، وجودها بجانب الفعل جعلها للتحضيض، ووجودها بجانب الجملة الاسمية جعلها للشرطية، إي نعم. (﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾، قال الله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ عيانًا في الآخرة، ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أخطأُ طريقًا أَهُمْ أم المؤمنون؟) لو قال: (أَمِ الرسول) -لأن (...) الرسول ﷺ- لكان أولى. ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾، يقول المؤلف: (عيانًا في الآخرة)، وهذا ليس بلازم أن يكون في الآخرة، يُقَيَّد في الآخرة ما هو لازم، نقول: إنهم يرون العذاب متى؟ في الآخرة وعند الموت يشاهدونه، وإذا قالوا: إنهم تابوا عند الموت فالتوبة لا تنفعهم ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]. ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾، هم أمِ الرسول عليه الصلاة والسلام. وفي جملة قوله: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فيها من التهديد ما هو ظاهر؛ يعني سوف يعلمون في تلك الحال هل هم الأضل أم الرسول ﷺ الأضل. وما هو الواقع؟ * طلبة: هم الأضل. * الشيخ: سيعلمون إذا رأوا العذاب أنهم هم الأضل. قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان ٤٣] ﴿أَرَأَيْتَ﴾، الخطاب للرسول ﷺ؛ لأن السياق يدلُّ عليه، ولا أظنه هنا يصح أن نجعله لكل من يتأتَّى خطابه؛ لأن قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ إنما يناسب من؟ الرسول عليه الصلاة والسلام، كقوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢٢]. وهنا ﴿أَرَأَيْتَ﴾ يقول: (بمعنى أخبِرْني)، كيف (بمعنى أخبرني) الرؤية هي الخبر؟ * طالب: لا. * الشيخ: لكن أريد لازمه؛ يعني: هل رأيت فأخبِرْني؛ هذا المعنى، وهذا هو السبب الذي جعل العلماء يفسِّرون ﴿أَرَأَيْتَ﴾ بمعنى أخبرني؛ لأن المقصود بالاستفهام عن الرؤية هنا ليس مجرد هل رأيت ولَّا ما رأيت، بل المراد لازمها وهو الإخبار؛ يعني إذا كنت رأيت فأخبرني. وهنا (رأيت) يقولون: إنها تنصب مفعولين، ولا بد أن يكون المفعول الثاني منهما جملة استفهامية. نشوف اللي عندنا في الآية: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾، المفعول الأول؟ * طالب: ﴿مَنِ﴾. * الشيخ: ﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ﴾. والمفعول الثاني جملةُ ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾. هذا ما ذكره المؤلف. وفي القرآن لها أمثلة ولَّا لا؟ * طالب: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾ [العلق ٩]. * الشيخ: لا، ما هي بمعنى أخبِرْني. * طالب: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف ٦٣]. * الشيخ: إي، ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾. * طالب: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم ١٩]. * الشيخ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم ١٩، ٢٠]. * الطالب: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾ [النجم ٣٣، ٣٤]. * الشيخ: إي نعم، كثيرة، لكن أحيانًا يُذْكَرُ المفعول الثاني، وكثيرًا يُحْذَفُ يحذف المفعول الثاني؛ لدلالة السياق عليه. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾، ما يمكن يصير الجواب: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ﴾ [النجم ٢١]، ما يمكن، لكن المعنى: هل تغنيكم شيئًا؟ هل تنفعكم؟ هل تستحق أن تعبد؟ وما أشبه ذلك. وللبحث بقية تأتي إن شاء الله. * طالب: على رأي النحاة (...)، فهنا تصبح القضية (...)؟ * الشيخ: نعم، يقول: أعلمت هذا فأخبرني به. * الطالب: نعم. * الشيخ: الله أكبر، سبحان الله العظيم! القرآن -سبحان الله العظيم- ما هو مثل بقية الكلام، تجد استفهامات، أمرًا، تحديات في السياق، وهذا من إعجازه في الحقيقة، يعني ما تجد كلامًا.. لأن كل هذه الاختلافات في الكلام توجب إثارة الإنسان وإقباله، ولكنه كما أسلفنا فيمن يقرأه عن قلب، أما من يقرأه عن بصرٍ فقط بدون بصيرة فهذا ما يستفيد منه. * طالب: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم ٤٩]، تكرار ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ مرتين (...)، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾؟ * الشيخ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران ١٨٨]، التكرار هذا يكون لفائدة وغرضٍ، فهنا ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ فيها خلاف: هل هي الأُولى أو أنها ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ غير الأولى؟ ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ هذا التنزيل، فيكون من باب التكرار توكيدًا. وإن كان ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ يعني: من قبل هذا الأمر الذي حدث لهم، ما هو من قبل أن يُنَزَّل، من قبل حالهم، فلا يكون فيها تكرار. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: فكيف يعني؟ فهل معناه أنه (...)؟ * الشيخ: (...) الإيمان عند الموت إلا إنسان سريرته باطلة، أما الإنسان الذي عمله صالح ومبني على عقيدة صحيحة ما يمكن، لكنه على خطر؛ لأنه يُخْشَى أن يكون عمله مبنيًّا على سريرة باطلة. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، إذا عايَنَ الإنسان ما ينفعه التوبة. * الطالب: طيب، ولا ينفع أن نقول: (...)؟ * الشيخ: لو أضله؟ ويش لون؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: نحن نقول: ما يمكن يضله؛ لأن الله يقول: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم ٢٧]. إنما يكون الإضلال عند الموت بناءً على أن الإنسان في عبادته غير مستقيم، كما جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٠٧)، ومسلم (١١٢ / ١٧٩) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي، هو لا بد أن تكون السريرة باطلة؛ لأننا نعلم أن الإنسان لو بنى عمله على عقيدة سليمةٍ سواء بالإخلاص أو بغير الإخلاص، إنما ما يمكن أن الله يخذل المؤمن أبدًا، المؤمن حقيقة. وهذا هو ما كنا ندعو إليه دائمًا؛ بأن نحرص على عمل القلب، أما عمل الجوارح فإنها مثل السُّور؛ يعني الأعمال الظاهرة عمل الجوارح هي بمنزلة السُّور للبستان، تحميه وتحيطه، وأما العمل الأساسي فهو عمل القلب. قلنا: يحرص دائمًا على أن يكون الإنسان مطهرًا قلبه مُصلحًا لقلبه، هذا أهم شيء. والأعمال الظاهرة هذه في الحقيقة رسوم مصلحة ومنمِّية؛ مثل السقي للبستان، والرسول عليه الصلاة والسلام شبَّه أعظم العبادات الظاهرة -وهي الصلاة- بالنهر الذي يطهِّر الإنسان من أوساخه[[أخرج مسلم (٦٦٧/ ٢٨٦) عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا».]]. فهذه ثقالات للقلب، مادة ينتفع بها القلب، إنما الأصل هو القلب. ولهذا يجب علينا دائمًا أن نشوف قلوبنا: أحيانًا يكون في القلب سريرة الحسد مثلًا، سريرة الحسد هذه ما هي هينة؛ لأنها موروثة عمن؟ عن اليهود، فهل ترضى أن تكون شبيهًا لليهود؟ ما أحد يرضى، ومع ذلك تجدها في قلوب كثير من المؤمنين موجودة. مسألة الرياء في العبادة أو في المظهر. (...) بعد أن بيَّن أمثلة لكفار قريش من الأمم الذين أهلكهم الله تبارك وتعالى بسبب تكذيبهم للرسل، وبيَّن أن من هذه الأمم من كانوا أتوا عليها، وهي قرية قوم لوط التي أُمْطِرَت مطَرَ السوء. ثم انتقل الله سبحانه وتعالى بعد ذلك إلى ما هو أقبح وأشد في التوبيخ، وهو كونهم ﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾؛ يعني لا يرجون بعثًا، فلا يؤمِّلونه ولا يخافونه. ثم انتقل الله سبحانه وتعالى بعد هذا إلى حال هؤلاء مع الرسول عليه الصلاة والسلام الذي كان يجب علينا أن نجلَّه ونعظِّمه ونوقِّره، بأن هؤلاء المكذبين اتخذوه هزوًا، وأن قوله: (اتخذوه هزوًا) أشد وأبلغ من قوله: هزِءوا به؛ يعني: جعلوه كأنه صورة يُهْزَأ بها، لكن لو قال: استهزؤوا به، صار فعلًا، والفعل مطلقٌ يدل على المرة الواحدة، بخلاف الأول اللي جعلوه كالصورة التي يُهْزَأ بها. ثم بيَّن أنه مع اتخاذهم إيَّاه هزوًا أنهم يسخرون به في القول، يقولون: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ احتقارًا له، ثم يفتخرون مع احتقارهم له بأنهم صبروا على آلهتهم، وأن دعوة النبي ﷺ كان لها تأثيرٌ قويٌّ، لولا أنهم صبروا عليها؛ على آلهتهم لكانوا متأثرين بها ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾. ثم توعَّدهم الله سبحانه وتعالى بأنهم حين يرون العذاب سيعلمون من هو أضل؛ هم أمِ النبي ﷺ. ثم ذكَرَ الله سبحانه وتعالى استفهامًا مُشْربًا بالتعجب فيمن اتخذه إلهه هواه، فقال: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾. وسبق لنا بالنسبة لـ﴿أَرَأَيْتَ﴾ أنها بمعنى أخبِرْني، وأن هذا ليس هو المعنى الحقيقي لها، لكنه معنًى لازم للرؤية التي بمعنى العلْمِ؛ فإن المستفهم لا يريد من المخاطب إذا قال: (أرأيت) لا يريد أن يستفهم عن كونه رأى، إنما يريد أن يستفهم عن لازم هذه الرؤية وهي الإخبار، ولهذا يقولون: إنها بمعنى (أخبِرْني) من باب إطلاق الملزوم للازم. أما بالنسبة لإعرابها، فقد ذكرنا أمس؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: الأول التمني. * الشيخ: نعم. * الطالب: (...)، ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾. * الشيخ: إي نعم، وهذا التركيب: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ يأتي كثيرًا في القرآن، ويكون ناصبًا لمفعولين الأول منهما اسم، والثاني منهما جملة استفهامية أو قسمية. والمفعول الأول -انتبهوا لإعرابها لأنها مشكلة- المفعول الأول قلنا: إنه يكون اسمًا؛ إما مذكورًا وإما محذوفًا، فصار الآن المفعول الأول اسمًا؛ إما مذكورًا، أو محذوفًا، هذا واحد. المفعول الثاني جملة إما استفهامية أو قسمية. مفهوم هذا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: طيب، التاء في ﴿أَرَأَيْتَ﴾ فاعل، وقد يلحقها ضمير لمجرد الدلالة على المخاطب، ولا محل له من الإعراب، نقول: حرف خطاب لا محل له من الإعراب، تلحقها الكاف اللي هي حرف خطاب وليس لها محل من الإعراب. ولنضرب لهذا أمثلة: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٦٢]، هذه أين المفعول الأول؟ ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾؟ * طلبة: (...). الشيخ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٦٢]؟ * طالب: ﴿هَذَا الَّذِي﴾. * الشيخ: ﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ﴾ هذا المفعول الأول، والمفعول الثاني الجملة القسمية: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ﴾، ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾، مفهوم؟ * طالب: نعم. * الشيخ: والكاف ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾: حرف خطاب، لا محل لها من الإعراب، إذن المفعول الأول الآن موجود، والمفعول الثاني جملة قسمية موجودة. ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام ٤٦] أين المفعول الأول؟ * طالب: محذوف. * الشيخ: محذوف؛ لأنه ما يمكن يكون جملة المفعول الأول، فهو إذن محذوف: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾... ﴿مَنْ إِلَهٌ﴾، محذوف تقديره: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ حالكم؛ يعني: أخبروني عن حالكم ﴿إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ إلى آخره، وجملة ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ هذا هو المفعول الثاني. ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام ٤٧]، هنا فيها كاف الخطاب ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ التاء للمفرد، والمخاطب جماعة ولّا واحد؟ * طالب: جماعة. * الشيخ: ويش الدلالة على أنهم جماعة؟ * طالب: الميم. * الشيخ: الكاف والميم ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾، ومفعولها الأول محذوف، ومفعولها الثاني: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾، فالخلاصة الآن أن إعراب هذه نقول: إن ﴿أَرَأَيْتَ﴾ [الفرقان ٤٣]، معناها: أَخْبِرني، وهذا المعنى لازم، وليس هو المعنى الحقيقي لـ﴿أَرَأَيْتَ﴾؛ لأن رأى بمعنى علم، وأما إعرابها فإنها فاعل، التاء في ﴿أَرَأَيْتَ﴾ فاعل، وتكون مفردة دائمًا، أو مجموعة مثل: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ﴾ [الأنعام ٤٦]، أو مثناة: أرأيتما إن كان كذا وكذا؟ وربما تلحق الكاف للدلالة على المخاطب وتبقى التاء مفردة؛ هذا بالنسبة بـ﴿أَرَأَيْتَ﴾، أما مفعولها أو معمولها، فإنها تنصب مفعولين: الأول منهما اسم محذوف أو مذكور، والثاني منهما جملة استفهامية أو قسمية. نشوف اللي معنا الآن في الآية الكريمة: (﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان ٤٣] أَيْ: مَهْوِيَّهُ). المؤلف فسر (هوى) بمعنى مَهْوِي، يعني فسر المصدر بمعنى اسم المفعول؛ يعني اتخذ إلهه هذا الحجرَ مثلًا أو هذه الشجرة، يعني جعل الإله الشجرة، والشجرة أو الحجر هي الهوى ولّا مَهْوِي؟ * طالب: مَهْوي. * الشيخ: مَهْوِي؛ ولهذا فسر الهوى بالمَهْوِي؛ لأنه يريد أن يجعل الإله هنا هو المعبود. ولكن الصواب أن الآية على ظاهرها، وأن الإله هو الهوى، يعني معنى ذلك أنه جعل المتبوع الهوى، وكون الإنسان يتبع غيره سواء هوى نفسه أو غيره، كونه يتبع غيره؛ هذا من اتخاذه إلهًا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣١]، «فقال عدي بن حاتم: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم؟ قال: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَّلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟» قال: بلى، قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرج الطبراني في الكبير (٢١٨)، والبيهقي في الكبرى (٢٠٣٥٠)، بسنديهما من حديث عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك، فطرحته، فانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة، فقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] حتى فرغ منها، فقلت: إنا لسنا نعبدهم، فقال: «أليس يُحَرِّمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حَرَّم الله فتستحلونه؟»، قلت: بلى، قال: «فتِلْك عِبَادَتهُم».]]. فإذن نقول: الآية على ظاهرها، يعني أن الإله هو الهوى نفسه، والهوى يقوده إلى عبادة الشجر والحجر ويقوده إلى استحلال الزنا وإلى استحلال الربا وإلى غير ذلك، فعليه الأولى، وأيش الأولى؟ جعل الآية على ظاهرها، وألا تصرف إلى المعبود خلافًا للمؤلف. وقوله: (قُدِّمَ الْمَفْعُول الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ أَهَمّ)، كيف المفعول الثاني؟ وين المفعول الثاني؟ أصله: من اتخذ هواه إلهه، فالهوى هو المُتَّخَذ لا الإله، المتخذ إلهًا هو الهوى، لا الإله مُتخذًا هوى، الإله ما اتخذ هوًى، ولكن الهوى مُتَّخَذٌ إلهًا؛ فلهذا قال المؤلف: إنه قدم المفعول؛ لأنه أهم؛ يعني لأنه هو محل التعجب، محل التعجب أن يكون هذا الشيء إلهًا، هذا محل التعجب، لا محل التعجب مجرد الهوى، مجرد الهوى ليس محل تعجب، إنما محط التعجب أن يُتخَذ إلهًا. فعلى هذا نقول: المفعول الأول ﴿إِلَهَهُ﴾ [الفرقان ٤٣]، والثاني: ﴿هَوَاهُ﴾ [الفرقان ٤٣]. قال: (وَجُمْلَة ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ [الفرقان ٤٣] مَفْعُول أَوَّل لِرَأَيْتَ). قوله: (جملة ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ )، كلامه صحيح ولّا غير صحيح؟ * طالب: نعم. * الشيخ: صحيح كلامه ولّا لا؟ * الطالب: ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ مفعول أول؟ * الشيخ: إي، يقول: جملة ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ مفعول أول. * الطالب: لو قلنا: إنه يكون مفردًا فليس الكلام صحيحًا. * الشيخ: وإن قلت: ما يكون مفردًا؟ * الطالب: فكلامه صحيح، ولكن ما (...). * الشيخ: إي، لكن هل يُعبر عن الموصول وصلته بجملة؛ لأن ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ سواء قلت: إنه مفرد، وهو على كل حال مفرد مثل ما قلت، ما فيها قولان إلا على طريقة ابن جني (...). ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ هل يُعبر عن الموصول وصلته بالجملة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي، لكن هل يُعبر عنه بأنه جملة؟ إذا قلت مثلًا: قدم الذي سافر، هل تقول: (الذي سافر) جملة؟ لا؛ لأن الاسم الموصول مفرد، لكن صلته جملة، ويدل على ذلك أن اسم الموصول يقع فاعلًا، والفاعل ما يمكن يكون جملة، تقول: جاء الذي سافر، (الذي) فاعل وليس يكون جملة. وعلى هذا فيكون في قوله: (جملة ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ ) فيه تسامح، والصواب أن يُقال: و﴿مَنِ﴾ في قوله: ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ مفعول أول لـ(رأيت). والثاني: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان ٤٣]، الاستفهام هنا للنفي؛ يعني: فلن تكون عليه وكيلًا؛ أي: (حَافِظًا تَحْفَظهُ مِن اتِّبَاع هواه) يعني: لست وكيلًا عليه، وإذا لم تكن وكيلًا عليه فلست مسؤولًا عنه، وإذا كان هذا الكلام للنبي ﷺ فمن دونه أولى، فنحن لسنا وكلاء على من عصوا الله ولا على من فسقوا عن أمره، إنما علينا، ويش علينا؟ * طالب: البلاغ. * الشيخ: البلاغ والدعوة، وعلى الله سبحانه وتعالى الحساب: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد ٤٠]، وبهذا نعرف أنه لا ينبغي للإنسان أن يحزن على ضلال من ضل إذا كان قد قام بما أوجب الله عليه من البلاغ والدعوة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل ١٢٧]، وقال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣] يعني: مهلك نفسك ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، إلى آيات كثيرة في هذا المعنى، وأن الإنسان لا يحزن؛ لأن ضلال من ضل بفعل الله سبحانه وتعالى، وفعله تعالى لحكمة؛ ولهذا قال أهل العلم: إننا ننظر إلى أهل المعاصي نظرين؛ نظرًا شرعيًّا ونظرًا كونيًّا، فالنظر الشرعي: نحاول إلزامهم بما أوجب الله ونعاقبهم على ذلك، نعزِّرهم بما يليق بهم، ونقيم الحدود عليهم، ولا نرحمهم في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور ٢]، هذا النظر الشرعي، نظر قوة وحزم. أما النظر الثاني: النظر القدري الكوني، فإننا نرق لهم ونرحمهم، أن الله سبحانه وتعالى ابتلاهم بهذا الأمر، ومن الناس من يتحمل هذا وهذا، ومن الناس من لا يتحمل إلا واحدًا منهما، وأيهما أكمل؟ اللي يتحمل هذا وهذا أكمل، لكن من الناس من لا يتحمل الأمر القدري، وتجده يغضب ويصير عنده غيره ينفعل فيها انفعالًا بالغًا، ويندفع اندفاعًا كثيرًا، ومن الناس من ينظر إلى الأمر القدري ويقول: هذا بقضاء الله وقدره، ولا يكون عنده غيرة أبدًا إطلاقًا، وهذا أيضًا خطأ. فالواجب على المرء أن ينظر إلى الأمور من النافذتين: نافذة القدر ونافذة الشرع؛ ليكون مستقيمًا، وهذا هو العدل. إذن من ضل من الناس فلسنا وكلاء عليه، ولكن له علينا أي شيء؟ الدعوة إلى الله ومحاولة إصلاحه فيما نستطيع، نعم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا الحزن على القريب، هذا من باب الرقة -في الحقيقة- والرحمة، وهو يجب مع هذا أن يكون عنده حزم في الدعوة إلى الله وتبليغه لشرعه وإقامة ما يجب، إقامته من الحدود على هذا المخالف؛ لأن بعض الناس يرق لقريبه وصاحبه وأخيه وما أشبه ذلك، ولا يقوم بالواجب بالنسبة لتأديبه ومحاولة إصلاحه، وهذا خطأ. يقول المؤلف: (لا)، أيش معنى (لا)؟ * طالب: (...). * الشيخ: إشارة إلى أن الاستفهام هنا بمعنى النفي، يعني: لن تكون عليه وكيلًا. (﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ﴾ سماع تفهُّم ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ ما تقول لهم ﴿إِنْ﴾ ما ﴿هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٤٤] أخطأ طريقًا منها؛ لأنها تنقاد لمن يتعهدها وهم لا يطيعون مولاهم المنعم عليهم). ﴿أَمْ تَحْسَبُ﴾ الخطاب إما للرسول عليه الصلاة والسلام وإما لكل من يتأتي خطابه، ممن يصح خطابه. وقوله: ﴿أَمْ﴾ بمعنى: بل وهمزة الاستفهام، فهي متصلة ولّا منقطعة؟ ﴿أَمْ﴾ منقطعة ولّا متصلة، ولّا ما نعرف منقطعة ومتصلة؟ هي منقطعة؛ لأنها بمعنى بل، والمتصلة هي التي تكون بين أمرين متعادلين، مثل قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦]، هذه متصلة، اللي تأتي بين شيئين متعادلين يسمونها متصلة؛ لأنها تصل الأول بالثاني، وإذا لم تكن كذلك فهي منقطعة. فقوله هنا: ﴿أَمْ﴾ ما فيها معادل، فتكون إذن منقطعة بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام. تَحْسِبُ أو تَحْسَبُ؟ ﴿تَحْسَبُ﴾ بمعنى: تظن ﴿أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ [الفرقان ٤٤]. يعني أنهم لا يسمعون ولا يعقلون، وما المراد بالسمع؟ يقول المؤلف هنا: (سماع تَفَهُّم)، وإنما قيده بسماع التفهم؛ لأنهم يسمعون سمع إدراك، أو لا؟ * طالب: بلى. * الشيخ: يسمعون سمع إدراك لكنه لا ينفعهم؛ لأنهم لا يتفهمون، ولو أن المؤلف أبقى الآية على إطلاقها بدون تقييد لكان أولى، ويصير هنا نفى السمع لانتفاء فائدته؛ لأن ما لا يستفاد منه كالمعدوم، فهم لا يسمعون وإن كانوا يدركون ما يُقال إدراكًا حسيًّا، لكنهم لعدم انتفاعهم بهذا السماع صاروا كالذين لا يسمعون. وقوله: ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ [الفرقان ٤٤]، يقول: (مَا تَقُول لَهُمْ)، وفي هذا نظر ظاهر، بل المراد: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ كل ما ينفعهم؛ يعني أنه ليس عندهم عقل لا لما تقول ولا لغيره، ﴿يَعْقِلُونَ﴾ العقل هنا ليس العقل الذي هو الذكاء، وهو إدراك الأمور، فإنهم يعقلون بهذا المعنى، ولّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: لكن المراد بالعقل الذي يمنع صاحبه ويعقله من أن يتصرف بما لا يليق؛ هذا العقل، العقل: ما يمنع صاحبه من التصرف بما لا يليق، هذا العقل الحقيقي، وليس العقل أن يدرك الإنسان المعقول، فإن العقل اللي معناه أن يدرك المعقول هو مناط التكليف وليس مناط المدح أو الذم، أفهمتم الآن؟ * طالب: نعم. * الشيخ: صار العقل عقلان؛ أحدهما: مناط التكليف الذي به يدرك الإنسان ويتميز عن الحيوان، والثاني: العقل اللي هو مناط المدح، هو الذي يمنع صاحبه مما لا يليق، أيهما المنفي عن الكفار؟ * طالب: الثاني. * الشيخ: المنفي عن الكفار الثاني، الذي هو العقل بمعنى ما يمنع صاحبه عما لا يليق، هذا هو المنفي عن الكفار. أما الأول اللي هو إدراك المعقولات، فهذا ثابت لهم؛ ولذلك كُلِّفوا وخُوطبوا بالشرع، ولولا ذلك لَمَا كُلفوا ولَمَا وجب عليهم التزام الشرع. هل العقل هذا الذي نفاه الله تعالى عن الكفار هل يقتضي نفي الذكاء عنهم؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا، هم أذكياء يفهمون اللي ينفعهم ويفهمون الذي يضرهم، لكنه ما عقل؛ يعني ما منعهم هذا العقل عما لا يليق، فلذلك صح أن نقول: إنهم لا يعقلون، أبو جهل مثلًا عاقل ولّا غير عاقل؟ * طالب: عاقل. * طالب آخر: على المعنى يا شيخ. * الشيخ: إن قلت: عاقل. ما هو صحيح، إن قلت: غير عاقل. على الإطلاق ما هو صحيح. * طالب: على مناط التكليف.. * الشيخ: إي، نقول: العقل الذي هو مناط التكليف هو عاقل -بلا شك- ومن أذكى الناس، والعقل الذي هو محط المدح الذي يمتنع الإنسان به عما لا يليق ليس عاقلًا؛ ولذلك بقي على كفره مع وضوح الأدلة والبيِّنَات على صدق ما جاء به الرسول ﷺ. وهنا المراد بالعقل هنا الذي نفاه الله؟ * طالب: هو الذي يمنع عما لا يليق. * الشيخ: إي، المراد به العقل الذي يمنع صاحبه عما لا يليق. قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ [الفرقان ٤٤]، هذا حصر؛ يعني: ما هم إلا كالأنعام؛ أي: مثل الأنعام، والأنعام هي البهائم، ومن المعلوم أنك لو قلت لأي إنسان: أنت بهيمة، يغضب ولّا ما يغضب؟ * طالب: يغضب. * طالب آخر: ما يغضب. * الشيخ: لا، إذا قلت: أنت بهيمة؟ * طالب: إي. * الشيخ: إي، يغضب بلا شك، فالله يقول: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾، ما قال: إن هم إلا أنعام؛ ﴿كَالْأَنْعَامِ﴾، والتشبيه يقتضي أن المشبه أقل من المشبه به؛ ولهذا قال: ﴿بَلْ هُمْ﴾ هذا انتقال إلى الصريح: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٤٤] يعني: (أَخْطَأ طَرِيقًا) من الأنعام، كيف ذلك؟ لأن الأنعام تهتدي لما ينفعها، وهؤلاء لم يهتدوا لما ينفعهم، الأنعام إذا دعاها الراعي إلى المرعى تأتي ولّا لا؟ * طالب: تأتي. * الشيخ: تأتي، إذا دعاها إلى المحلب أتت، إذا دعاها إلى المأوى أتت، كذلك أيضًا تنفر مما يضرها ولّا لا؟ لكن هؤلاء بالعكس؛ تدعوهم الرسل عليهم الصلاة والسلام إلى ما ينفعهم وتحذرهم مما يضرهم، ومع ذلك لا يهتدون سبيلًا ولا ينقادون، فصاروا إذن أضل سبيلًا من الأنعام؛ ولهذا قال الله تعالى في آيات كثيرة، بَيَّن الله تعالى في آيات متعددة، ما هي كثيرة، أن الكفار شر البرية، شر ما برأ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٦]، ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال ٥٥] يعني شر من الكلاب؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، شر من الكلاب والخنازير، وكل ما يمكن أن تقول: من الخسة في مخلوقات الله سبحانه وتعالى التي خلقها؛ فهم شر من ذلك، ومع هذا نجد من المسلمين الآن من يكرمهم، بل من يقدمهم على المؤمنين، وهذه محنة عظيمة استطال بها أعداء الله على المسلمين بهذا السبب: أنهم رأوا أنفسهم عند كثير من المسلمين محل التبجيل والتعظيم، ففخروا بأنفسهم، بل إن أنكى من ذلك وأدهى أنهم صاروا محل التقليد عند بعض الناس؛ يعني يقلدونه. وأنتم تعرفون أن الإنسان إذا قلد فسوف يفخر ويرى نفسه إمامًا، وهذا في الحقيقة من سوء التصرف ومن ضعف الشخصية، وإلا فالواجب أن ننزل هؤلاء الكفار منزلتهم التي أنزلهم الله تبارك وتعالى، وألا نجعل منهم قدوة، وأنهم إذا فتحوا لنا أبوابًا من الاختراعات والصناعات وغيرها، نعم نستفيد من علمهم لكن لا على أننا نظهرهم بمظهر البارز المتقدم المعظم، إي، نقول: هؤلاء مثل ما تهتدي الشاة إلى العلق الجيد وتأكله، هم اهتدوا إلى هذه الصناعة وعملهم الله محنة لهم ولغيرهم، لكن كوننا نقدمهم ونجعلهم محل إعزاز وإكرام هذا خطأ. ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٤٤]، وبين المؤلف قال: (لأنها تنقاد لمن يتعهدها وهم لا يطيعون مولاهم المنعم عليهم). في الليلة الماضية كنا نقرأ في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة ٢٩]، فإذا قال هؤلاء الكتابيون: نحن ندين دين الحق؛ لأننا نتبع رسولًا، والله قَيَّد: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، فهم يقولون: نحن نؤمن بالله واليوم الآخر، ونحرِّم ما حرم الله ورسوله وندين دين الحق؛ لأننا على دين رسل. * طالب: كيف دين الحق، ودين الحق هو الإسلام؟ * الشيخ: ويش الدليل؟ * الطالب: لأن من صدق رسالة موسى وعيسى فلا بد أن يتبع الإسلام؛ لأنه جاء عيسى مبشرًا برسالة محمد ﷺ، فيلزم من اتباعهم للرسل.. * الشيخ: عيسى وموسى. * الطالب: وموسى كذلك، يلزم منه.. * الشيخ: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف ١٥٧]، نعم. * الطالب: فيلزم أنهم لا بد أن يتفقوا؛ يعني يتبع الرسول ﷺ. * الشيخ: هذا من باب اللازم، لكن فيه أشياء أصرح من هذا، نعم؟ * طالب: نقول إنه مر علينا أنه من كذب برسول واحد فقد كذب بجميع الرسل. * الشيخ: (...). * الطالب: وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٨٥]. * الشيخ: يعني الحمد لله من نص الآيات سياق الآيات هذه بينت ما هو دين الحق، سياق الآيات: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٠ - ٣٣]. فنقول: دين الحق ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، فإذن اليهودي الكتابي إذا بقي على دين، وإن كان دينه حقًّا حينما كان هو الثابت، لكنه الآن ليس بحق، ليس بدين حق؛ لأن دين الحق ما جاء به محمد ﷺ، فيكون في آخر الآيات ما يدل على أن هؤلاء وإن زعموا أنهم على شريعة وعلى دين فإن دينهم ليس دين حق بعد أن جاء به الرسول ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾. وهذا نظير ما يحتج به هؤلاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البينة ٦]، فهو يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، وهم يقولون: نحن ما كفرنا، نؤمن، فيجعلون ﴿مِنْ﴾ للتبعيض لا لبيان الجنس، ونحن نقول: إن ﴿مِنْ﴾ لبيان الجنس، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل الكتاب والمشركين؛ هذا بيان لـ﴿الَّذِينَ﴾، بيان لاسم الموصول اللي هو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. فالحاصل أنه فيه آيات من القرآن كما أسلفنا أمس، آيات مشتبهات يتبعها من؟ ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران ٧]، ولكنِ المؤمنون يردونها إلى المحكم فتكون كلها محكمة. نعم؟ * طالب: (...) في قوله تعالى: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة ٣٠]، فإذن (...) للكفار الأولين؟ * الشيخ: إي، في قولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣٠] إي نعم، لكن إذا (...) نقول: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم. * الطالب: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة ٦٨]، هل (...) صريحة يا شيخ؟ * الشيخ: ما هي بصريحة. * الطالب: ما هي بصريحة؟ * الشيخ: لا. * الطالب: فيها (...)؟ * الشيخ: (...). * الطالب: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾. * الشيخ: إي، هم يقولون: نحن أقمنا التوراة والإنجيل. * الطالب: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، والعطف يقتضي المغايرة. * الشيخ: ما يخالف، نقول: ما أنزل إلينا من ربنا من غير التوراة والإنجيل؛ لأن الرسل جاءوا بأمر غير التوراة والإنجيل. * الطالب: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾. * الشيخ: ﴿كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾، نقول: ما هم بالكثيرين. * الطالب: يا شيخ (...)؟ * الشيخ: إي، ما هي بصريحة، لكن فيه آيات صريحة والحمد لله، واضحة جدًّا، وهذا هو اللي أوجب، أنا قرأت وقلت: إني قرأت في مقال لامرأة (...)، والظاهر أنها هي نُسِب لأنثى، ولكنه لمؤنث ما هو لأنثى، تقول: ليش أنكم تسوون ها الضجة العظيمة لتوريد المربيات؟ وأيش السبب؟ إنه دين تقر به، تقول كذا تخاطب المسلم: دين تقر به، كيف تنكر على من قام به؟ وكيف تنكر على المرأة النصرانية اللي تيجي عندك البيت تقيم شعائر دينها؟ هذا ما هو منكر؛ لأن إحنا عندهم هناك في بلادهم نقيم ديننا، حتى إنهم -تقول كذا- حتى إنهم يقدمون لنا وجبة الإفطار في الصوم، فهم يساعدوننا على ديننا، وإحنا الآن ننكر دينهم؟ ونقول: ليش نجيب مربيات ونفتعل ها الضجة؟ مع أنه ما صار ضجة مع الأسف، (...) نعم. هذا في الحقيقة مما يهون عليهم مسألة النصارى واليهود؛ أنه يوجد في بعض الآيات أشياء مشتبهة يتبعها مثل هؤلاء الذين أزاغ الله قلوبهم والعياذ بالله، وإلا لو عقلوا لفهموا خطر النصارى في البلاد هذه بالذات؛ لأن هذه البلاد بالذات مغزوة من أعداء المسلمين، حيث إنه لم يبق فيما نعلم أحد من بلاد الإسلام يطبق من الإسلام ما تطبقه هذه البلاد، فهي مغزوة من ناحيتين: من ناحية التزامها بالإسلام التزامًا فائقًا على غيرها، هذه واحدة، ومن ناحية أخرى أنها هي مهبط الوحي ومنبع الرسالة، وإذا قضي على الرسالة في مهدها ومنبعها فالأطراف من باب أولى، على أن الأطراف قد أكلت الآن فما بقي إلا هذا الصلب، فركزوا جهودهم على هذه البلاد. ولكن مع الأسف أن كثيرًا منا لا يعي خطر هذا الأمر، وهم في غفلة، وما همهم إلا الدنيا؛ ولذلك يريدون أن يحصلوا عليها بأي وسيلة، والواجب علينا الحذر من هؤلاء الأعداء، وأن نعلم أنهم مهما حصل منهم من نصح -كما يقولون- وإخلاص في العمل فما ذلك إلا شبكة يصطادون بها من لا يفهمون. على أنه في الحقيقة مهما بلغوا من النصح –إن صح ذلك– فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة ٢٢١]، ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة ٢٢١]، والآية تقول: ﴿مُؤْمِنٌ﴾ أيضًا و﴿مُؤْمِنَةٌ﴾ لاحظوها، لا مسلم ومسلمة؛ لأن من المسلمين من لا خير فيه، لكن الكلام على المؤمن؛ ولهذا ينبغي للإنسان في مربيات أولاده وفي خدمه أن يكونوا مؤمنين، وأن يحذر من هؤلاء الأعداء. * طالب: (...)؟ * الشيخ: والله بالنظر إلى مفاسده، أما في الأصل يجوز استخدام الكافر، لكن بالنظر إلى مفاسده وأن هذه البلاد خالية منهم فإننا نميل إلى أن منعهم أولى؛ لأنك تعرف أن الثوب الوسخ ما يهمه أن يتوسخ، لكن الثوب النظيف أي وسخ يدمره، فبلادنا لما كانت خالية منهم فهي أطهر، وكما تعرفون في حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها «أن الرسول عليه الصلاة والسلام استيقظ ذات ليلة فزعًا محمرًّا وجهه يقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلَ هَذِهِ»، قالت: يَا رَسُولَ اللَّه أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٦)، ومسلم (٢٨٨٠ / ١).]]. ومن هم الخبث؟ الكفار ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة ٢٨]، فالكفار هم الخبث، وإن كان الحديث قد يُراد به ما هو أعم من ذلك، لكن «فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ» يدل على ما أشرنا إليه، وهو كثرة غير المسلمين في المسلمين، إنما قد يُراد بالخبث كل المعاصي، فالمعاصي كلها خبث، والطاعات طهر، لكن لعل الحديث يشمل هذا وهذا، ويؤيد الأول فتح ردم يأجوج ومأجوج، إي نعم. * طالب: ما فيه أي (...)؟ * الشيخ: وأيش هي؟ * الطالب: (...). * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: (...) ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة ٦٩]؟ * الشيخ: نعم، نقول: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، الذين يكذبون بالرسول ليسوا بمؤمنين. * الطالب: ما ذُكر بها تكذيب للرسول ﷺ. * الشيخ: لا، معروفة. * الطالب: يعني في نفس الآية؟ * الشيخ: إي، لكن معروف.. * الطالب: (...) على طريقة الرسل؟ * الشيخ: إي نعم، أصلًا كلما جاء نبي وكذبوه صاروا كافرين بنبيهم، إي. * الطالب: ما (...)؟ * الشيخ: معطوف على (...)؟ * الطالب: إي ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾. * الشيخ: كذا ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ مرفوعة. * الطالب: مرفوعة في سورة المائدة فقط. * الشيخ: إي. * الطالب: في الآيات الأخرى، في السور الأخرى لا.. * الشيخ: مرفوعة، وهي معطوفة على منصوب. * الطالب: إي. * الشيخ: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء ١٦٢]، هذا عكس الآيات اللي أنت قلت، منصوب بين مرفوعات، وهذه مرفوع بين منصوبات. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: وأيش تقولون في الإعراب؟ * الطالب: مرفوع (...). * طالب آخر: الفاعل محذوف (...). * الشيخ: نعم ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ انتهينا؛ يعني أعربها الأستاذ ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ وأقص أو وأمدح المقيمين للصلاة. إذا قال قائل: ما هي الحكمة في قطع العطف إلى هذا التقدير؟ نقول؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، العناية بالصلاة يعني؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وشيء آخر، هذه فائدة معنوية، وفيه أيضًا فائدة لفظية؟ * طالب: التنبيه، تنبيه المخاطب. * الشيخ: إي نعم، التنبيه؛ لأن تغير الأسلوب يوجب الانتباه، لو قرينها كلها على نسق واحد مشينا، لكن (...) فيكون في هذا التنبيه. عندنا الآيات اللي ذكر الأخ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى آخره [المائدة: ٦٩]، نعم؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن الكلام على أن (...) قطع؟ * طالب: خبر (...). * الشيخ: لا، خبر؟! الواو حرف عطف. * طالب: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ الخبر. * الشيخ: (...) ﴿وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾، يجوز أن ﴿وَالنَّصَارَى﴾ مرفوعة أيضًا، يمكن تكون مرفوعة. * الطالب: ويجوز نصبها. * الشيخ: ويمكن أن تكون منصوبة، لكنها ما يتعين أن تكون منصوبة، فتكون الواو هنا للاستئناف، ﴿وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ كذلك، هذا التقدير: ﴿وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾، نعم، ويكون هذه جملة مستأنفة بين جملتين، أو نقول: ﴿وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هو الخبر، وحذف الخبر من الجملة الأولى. * طالب: شيخ، في سورة الحج: ﴿وَالْمَجُوسَ﴾ [الحج ١٧]، يدل على أنهم من أهل الكتاب (...). * الشيخ: ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج ١٧]، أهل الكتاب بعد؟ لأنه فرَّق، هنا يقول: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [المائدة ٦٩]، وفي اليهود والنصارى مؤمنون بالله واليوم الآخر، وهناك ما ذكر جزاءهم الجنة مثلًا، ذكر أن الله يفصل بينهم، والفصل الكامل للمؤمنين والمشركين والمجوس وغيرهم، واضح؟ ففَرَّق بين الآيتين، إي نعم. * طالب: شيخ. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: العرب لأنهم في الحقيقة (...)، نعم؟ لماذا خص العرب؟ أفلا يكون في ذلك أيضًا تأييد للقومية (...).

الفرقان 25:45

كذبوا الرسل السابقين، وما أحل الله بهم من العذاب والعقوبة، أراد سبحانه وتعالى أن يبين شيئًا من آياته تدل على قدرته ووحدانيته، فقال: (﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تَنْظُر ﴿إِلَى﴾ فِعْل ﴿رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان ٤٥]) إلى آخره. أولًا كلمة ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ معناها مفهوم، أن الاستفهام لأي شيء؟ الاستفهام للتقرير، كقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات ١٦]، وما أشبه ذلك من الأمثلة، ويقدر بعض العلماء مثل هذا التركيب بقوله: قد فعلنا ذلك، قد رأيت ذلك. فمثلًا: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يعني أنك رأيت ذلك. وقول المؤلف: (تنظر) فسر الرؤية بالرؤية البصرية، مع أنه يحتمل أن تكون رؤية بصرية ورؤية بصيرة؛ يعني رؤية علمية؛ يعني: تعلم هذا الأمر الذي سيذكر. والخطاب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هل هو للنبي ﷺ أو لكل ما من شأنه أن يخاطب؟ * طالب: للنبي ولـ.. * الشيخ: الجواب: أنه لكل ما من شأنه أن يخاطب؛ النبي ﷺ وغيره؛ لأنه كما أسلفنا في القاعدة التفسيرية: أنه كلما كانت الآية أدل على العموم كان القول به أولى، وأنه لا ينبغي أن تجعل خطابات القرآن للخصوص إلا بدليل يمنع العموم، يعني ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها الإنسان ﴿إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان ٤٥]، المؤلف قدر مضافًا فقال: (إلى فعل ﴿رَبِّكَ﴾ ) نعم؛ لأنه ليس المراد أن ينظر الإنسان إلى الله عز وجل بذاته، إنما المراد أن ينظر إليه من هذه الحيثية، فيكون مصب النظر أي شيء؟ هو الفعل. قال: (﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان ٤٥] من وقت الإسفار إلى وقت طلوع الشمس)، هذا تفسير للظل وليس تفصيلًا للمد، فالظل من وقت الإسفار إلى وقت طلوع الشمس، وسميَّ ظلًّا؛ لأنه ذو نور ولكن بدون شعاع شمس، فكان ظلًّا، وهذا هو الذي عليه جمهور المفسرين بأن الظل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس؛ لأنه كما قلنا: نور بدون شعاع، ومده يعني تطويله، وأن الفرق بين هذا وهذا معروف. ولكن أي شيء يكون فيه من آيات الله؟ * طالب: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان ٤٥]. * الشيخ: قوله ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ يعني غير ممدود، بحيث تطلع الشمس مباغتة بدون مد، هذا أحد الأقوال في تفسير الظل. والقول الثاني في الظل: أن المراد به الليل كله، وأن المراد بمده تطويله. ﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان ٤٦] بمعنى: بعد أن كان طويلًا كان ينقص شيئًا فشيئًا، فيكون في هذا إشارة إلى تغير الفصول؛ لأن الفصول تتغير بتغير الليل والنهار. والقول الثالث: أن المراد بالظل، ظل كل شاخص إذا طلعت الشمس، فإن الله تعالى يمده ثم يقبضه شيئًا فشيئًا، ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ فتكون الشمس مستقرة ثابتة في مكان لا ترتفع ولا تنخفض. الآن صار المراد بالظل على الخلاف، ثلاثة آراء: إما أنه ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والمؤلف يقول: (من وقت الإسفار) لأجل أن يتحقق الظل. أو أنه الليل كله ويكون مده تطويله ثم ينقص، في هذا من قدرة الله تعالى تغير الفصول لسبب طول الليل وقصره. أو أن المراد به ظل كل شاخص، فإنه أول ما تطلع الشمس يكون الظل طويلًا ممدودًا، ثم يقبض شيئًا فشيئًا. ﴿وَلَوْ شَاءَ﴾ تعالى ﴿لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان ٤٥]، والسكون هنا يختلف معناه بحسب اختلاف معنى الظل، فإذا قلنا: المراد بالظل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس كان المراد بسكونه أن الشمس تخرج دفعة واحدة بدون أن يكون ظلها كذا شيئًا فشيئًا، وإذا قلنا: إن المراد به الليل، كان المراد بسكونه أن يبقى الليل دائمًا لا يزيد ولا ينقص، وإذا قلنا: إن المراد بالظل ظل الشاخص صار المراد بسكونه أن الشمس لا تتحرك، تبقى في مكان واحد، ويكون الظل ساكنًا لا يزيد ولا ينقص، ففي كون الله قادرًا سبحانه وتعالى على هذا فهذا دليل على كمال قدرته ووحدانيته بالتفرد؛ لأنه لو كان معه إله آخر لم يكن له المشيئة المطلقة في هذا وفي هذا. ثم فيه أيضًا من نعمه سبحانه وتعالى على العباد اختلاف هذا الظل ما هو معلوم؛ لأننا لو قُدِّر أن الشمس تخرج هكذا بغتة بعد ظلام دامس يكون هذا النور الساطع قد يؤثر على المواشي في إفطارها وعلى بني آدم وعلى الأشجار والنبات، بخلاف ما إذا كان الشيء يأتيها تدريجيًّا، وكذلك أيضًا لو كان الليل والنهار دائمًا لا يزيد أحدهما ولا ينقص، لم يكن في ذلك اختلاف في الفصول، ولم يكن في ذلك اختلاف في الأشجار؛ لأن كثيرًا من الأشجار تختلف ثمارها وإناؤها بحسب اختلاف الفصول. كذلك أيضًا إذا قلنا بأن الظل ظل كل شاخص فإن في كون الشمس تدور وتختلف الأشياء والأظلة بحسب سيرها هو أيضًا من نعمة الله سبحانه وتعالى ومن تمام قدرته. فالحاصل أن هذا الأمر الذي قرر الله تعالى بأننا ننظر إليه في كل وقت دال على أمرين: تمام القدرة، وتمام الرحمة؛ لأنه متضمن لهما. ﴿إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان ٤٥]، إذا قال قائل: ما هو الذي تختارونه من هذه الأقوال؟ * طلبة: (...). * طالب: لو نظرنا إلى اللغة قلنا: إن الظل هو الظل؛ يعني العادي؛ يعني ظل كل شاخص. * الشيخ: إي. * طالب: كلام عام. * الشيخ: وكذلك أيضًا بالحقيقة أن الليل ظل؛ لأن الأرض تحول بين الشمس وبين الناس. * طالب: قد تُسمى لغة (...). * الشيخ: سميت. * الطالب: استخدمها العرب. * الشيخ: نعم، اللي فسروها من أئمة اللغة، وكذلك ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس أيضًا فسره ابن عباس وغيره. * الطالب: كلها (...). * الشيخ: نعم، نقول: ما دام أن هذه المعاني لا تتناسب، فالواجب أن تحمل الآية على الجميع، وهذه قاعدة قررناها سابقًا، وهي قد قررت أيضًا من قبلنا، قررها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بأنه إذا كانت الآية تحتمل المعاني المذكورة فيها فالواجب أن تُحمل على كل هذه المعاني؛ لأن كلام الله سبحانه وتعالى لا يحيط به شيء. وقوله تعالى: (﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ﴾ أي على الظل ﴿دَلِيلًا﴾ [الفرقان ٤٥])، نعم؟ * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذا تفسير لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان ٤٥]. * الطالب: نعم؛ لأنك عندما فسرت (...). * الشيخ: لا، على القول بأن المراد: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ أن المراد بالظل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لو شاء لجعله ساكنًا فلا ينتهي. * الطالب: فلا ينتهي. * الشيخ: فلا ينتهي؛ بمعنى أنه يكون هذا الظل تخرج الشمس مفاجئة. * طالب: وهنا يقول: (...) موجودة؟ * الشيخ: لا يمكن هذا؛ لأنه يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾، والواقع خلاف ذلك؛ أنه ليس بساكن، بل هو ممتد، وكونه ما يزول بطلوع الشمس، هذا غير موجود. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما يستقيم أبدًا. * الطالب: لأنه على تفسير (...)؟ * الشيخ: يقول: عندي أنا تفسير لكلام المؤلف: أي بألا تطلع الشمس. * الطالب: تفسير الجلالين. * الشيخ: تفسير الجَمل. * الطالب: نعم. * الشيخ: يقول: مقيمًا لا يزول بطلوع الشمس، بمعنى أنه ما تطلع الشمس، ما هو بمعنى تطلع ولا يزول. * طالب: لا يزول من طلوع الشمس. * الشيخ: لا يزول؛ وذلك لأن زواله بطلوع الشمس، فليس معناه أنها تطلع ولا يزول؛ لأنها إذا طلعت لا بد أن يزول، المعنى أن النفي مسلط على قوله بطلوع الشمس. * الطالب: المؤلف (...) إلى وقت طلوع الشمس. * الشيخ: ما بين طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس. * الطالب: (...) تطلع الشمس. * الشيخ: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان ٤٥]، ويش معنى ﴿لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾؟ * الطالب: أي أن هذا الظل.. * الشيخ: أي أن الشمس لا تطلع. * طالب: أن يبقى باستمرار. * الشيخ: يبقى باستمرار. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني أنه يبقى الأمر لا ليل ولا نهار. * طالب: إي نعم. * الشيخ: إسفار بدون شمس. * طالب: ما هو بواضح هذا. * طالب آخر: كلام المؤلف ما هو بواضح. * الشيخ: لا، كلامه واضح، يقول: أي بألا تطلع الشمس فلا يزول، فالنفي مسلط على مجموع المقيَّد والمقيِّد. * الطالب: وهو (...). * الشيخ: أو بأن تطلع مسلوبة الضوء على ما تقدم. * الطالب: (...). * الشيخ: أو بأن تطلع، لكن يصلح، كلام الجلالين يصلح أن نجعل النفي مسلطًا على قوله بطلوع الشمس؛ يعني: فلا تطلع الشمس. على كل حال المعنى مفهوم الآن: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ فلا تطلع الشمس، أو إن صح أن يُقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ فتطلع الشمس غير مضيئة، وهذا خلاف المعهود أنها تطلع غير مضيئة، ولكن الله قادر على أن (...) غير مضيئة كما يُعلم ذلك في الكسوف، فالحاصل أن السكون الآن يُفسَّر بحسب ما يُفسر به الظل. هنا فرق بين الظل والفيء، وسبق لنا ذلك، سبقت لنا هذه الفائدة. وأيش الفرق بينهما؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، واللي بعده يُسمى فيئًا، يعني: إن نسخته الشمس فهو ظل، وإن نسخ الشمس فهو فيء، فالفيء ما نسخ الشمس، والظل ما نسخته الشمس، مثل قولنا: الظل ما قبل الزوال، والفيء ما بعد الزوال؛ لأن الظل اللي قبل الزوال ويش اللي يزيله وينسخه؟ * طالب: الشمس. * الشيخ: الشمس، والفيء اللي بعد الزوال ينسخ الشمس؛ لأنه يمتد، وكلما امتد إلى شيء أزال ضوء الشمس عنه، نعم. * * * قال تعالى: (﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ﴾ أَي على الظِّلّ ﴿دَلِيلًا﴾ [الفرقان ٤٥]). قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا﴾، الجملة الفعلية هذه معطوفة على قوله: ﴿لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان ٤٥] ولّا على قوله: ﴿مَدَّ﴾ ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ﴾؟ نعم؟ الجواب: على ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ لأن قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ لو جُعلت معطوفة على ﴿لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ لكانت الشمس الآن ليست دليلًا عليه، والأمر بخلاف ذلك، فالمعنى يفسد، فهي إذن معطوفة على قوله: ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾، ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ يعني: وكيف ﴿جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾. ولكن فيه التفاتًا من الغيبة إلى التكلم: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا﴾، ولم يقل: ثم جعل. وقوله: ﴿الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يعني على الظل. وكيف كان الدليل على الظل؟ نعم، يقول المؤلف: (لَوْلَا الشَّمْس مَا عُرِفَ الظِّلّ)، هه؟ * طالب: ليس صحيحًا. * الشيخ: ليس صحيحًا؟ كيف ذلك؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الأنوار؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: أي أنوار؟ * الطالب: الأنوار (...). * الشيخ: لا، المراد بالظل الذي يأتي من الله سبحانه وتعالى دون ظل الأنوار اللي الإنسان يحط الكشاف ويكون ظلالًا. * الطالب: (...). * الشيخ: لأن هذا الظل اللي يكون من مصباحي أنا ومصباحك أنت هذا ظل نسبي. * الطالب: ظل شاخص (...). * الشيخ: حتى ظل الشاخص إذا جعلناه أنه (...) الأنوار؛ لأنه ما هو بالمقصود معرفة الظل الذي يكون بمجرد تسلط ضوء على جسم، المراد بالظل العام الذي يعم كل الناس، وهذا لا يمكن إلا بجعل الشمس وحدها هي الدليل عليه. لكن قد يقول قائل: القمر أيضًا ﴿دَلِيلًا﴾، القمر دليل عليه؟ فنقول: إن نور القمر مستفاد من نور الشمس، فليس مستقلًّا بالإضاءة، فالذي يدل على الظل أصلًا هو الشمس. * طالب: القمر ما يكون (...). * الشيخ: هذا (...) عليه الشمس أيضًا. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، والقمر كذلك؛ لأن المسار واحد. وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان ٤٥]، إذا قيل: جعل الشمس دليلًا على الظل ما الذي فيه؟ يُقال: في ذلك دليل ليس على مجرد وجود الظل، دليل على ما فيه من المصالح، وهي أيضًا مدلول عليها به، فالشمس الآن يُستدل بها على ما في الظل من المصالح، ويُستدل بالظل على ما فيها من المصالح أيضًا؛ لأن غيوب الشمس عن الأرض قد يؤثر، وبقاؤها دائمًا على وجه الأرض قد يؤثر، مثل قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص ٧١، ٧٢]، فكون هذا دليلًا على هذا، وهذا دليلًا على هذا هو أيضًا من رحمة الله؛ لأنه لولا الشمس ما عرفنا فائدة الظل، ولولا الظل ما عرفنا فائدة الشمس، فكل منهما في الحقيقة دال ومدلول. (﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ أي الظل الممدود ﴿إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان ٤٦] خفيًّا بطلوع الشمس). ﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾، قوله: ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾، هل المراد باليسير هنا صفة للفعل؛ يعني أن قَبْضَنَا إياه يسير علينا، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق ٤٤]، أو أن المراد ﴿يَسِيرًا﴾ يعني أنه كان القبض شيئًا فشيئًا؟ * طالب: الأخير. * الشيخ: الأخير أظهر، الأخير هو المتبادر، أن الله تعالى قبض هذا الظل قبضًا ﴿يَسِيرًا﴾ شيئًا فشيئًا، وهو منطبق على كل التفسيرات السابقة، إذا قلنا: الظل ما بين طلوع الفجر أو ما بين وقت الإسفار إلى وقت طلوع الشمس، فإنه يقبض هذا الظل شيئًا فشيئًا، ولّا لا؟ لا يزال النور يسطع حتى تطلع الشمس، هذا واحد، إذا قلنا: المراد به الليل، فهو أيضًا يقبض شيئًا فشيئًا؛ يعني ما يكون الليل اثنتي عشرة ساعة في اليوم هذا، ويكون تسع ساعات في اليوم الذي يليه، وإنما يقبض شيئًا فشيئًا. كذلك إذا قلنا: المراد بالظل ظل الشاخص فهو نفس الشيء، إنما يتناقص شيئًا فشيئًا. وليس في الآية إشكال سوى قوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان ٤٦]، ﴿إِلَيْنَا﴾، هذه الغاية فيها إشكال؛ لأنه كان من الممكن أن يقتصر على قوله: ثم قبضناه قبضًا يسيرًا، فما هي الحكمة من هذه الغاية: ﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾؟ نعم؟ * طالب: للدلالة على (...). * الشيخ: إي نعم، فيه أحد يرى (...)؟ * طالب: يعني المعنى أننا إذا قبضناه أي (...). * الشيخ: ﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ قبضه إليه، نعم؟ * طالب: نقول الظل يتأثر تحركه وتدريجه بالشمس، (...) الشمس أو تحرك الشمس، والشمس تتحرك إلى الله سبحانه وتعالى تسجد عند العرش، فيكون معناه: قبض هذا الشيء اللي يتسبب عنه (...). * الشيخ: يعني يكون الضمير في قوله: ﴿قَبَضْنَاهُ﴾ إلى الشمس يعني؟ * الطالب: لا، إلى المؤثر على هذا الشيء وهو الشمس. * الشيخ: لأنه -نعم- فيه من يرى أن الضمير في قوله: ﴿قَبَضْنَاهُ﴾ أي: الشمس، باعتبارها دليلًا: ﴿جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ [الفرقان ٤٥، ٤٦] أي: قبضنا هذا الدليل ﴿إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾. هو على كل حال فيه الاحتمال الذي ذكر الأخ، أن المراد جعل الغاية إلى الله سبحانه وتعالى إشارة إلى أنه هو المتصرف به، وأنه لا أحد يستطيع أن يتصرف بخلاف ذلك. وفيه احتمال أنه يجعل ﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ يعني: الدليل؛ أي: الشمس، ويكون المراد بالقبض إليه ما أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام في قوله في حديث أبي ذر «أنها تذهب وتسجد تحت العرش»[[أخرج البخاري (٣١٩٩) واللفظ له، ومسلم (١٥٩ / ٢٥٠)، بسنديهما من حديث عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال النبي ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس: «أتدري أين تذهب؟»، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيُؤْذَن لها ويوشك أن تسجد، فلا يُقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها يُقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]».]]. وفيه احتمال ثالث مشى إليه الزمخشري، وقال: إن المراد بالقبض هنا ما ذكره الله بقوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير ١، ٢]، وأن المراد به قبض هذه النيرات -الشمس وغيرها- يوم القيامة، وجعل اليسير ليس صفة للقبض أنه يكون شيئًا فشيئًا، بل هو صفة للفعل -لفعل الله- يعني أنه يسير عليه، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق ٤٤]. لكن الأخير بعيد؛ لأن الله تعالى إنما يمتن بذلك على أمر يدرك الناس فائدته في الدنيا وتمام قدرة الله فيه، فيكون على هذا إما أن يُقال إن الغاية التي ذكرها الله سبحانه وتعالى إشارة إلى أن ذلك من تصرفه وحده، وأن الأمر إليه وحده لا إلى غيره، ويكون دليلًا على عظمة الله سبحانه وتعالى، أو أن المراد بالقبض إليه أن الشمس تُقبض إلى الله، بمعنى أنها تذهب وتسجد تحت العرش كما جاء به الحديث عن النبي ﷺ. * وفي الآية من الفوائد: أولًا: تقرير الإنسان بالنعم التي يشاهدها؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾ [الفرقان ٤٥]. * ثانيًا: إثبات ربوبية الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾، والرب هو الخالق المتصرف. * وثالثًا: بيان كمال قدرة الله ورحمته بمد الظل، وجعل الشمس دليلًا عليه وقبضه قبضًا يسيرًا بهذه الأمور الثلاثة. * ورابعًا: إثبات الاستدلال بالشيء على الشيء. * والخامس: الاستدلال بالشيء على ضده، وبضده يعرف الضد، يقول بعضهم: ..................... ∗∗∗ وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ لقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان ٤٥]. * وسادسًا: إثبات مشيئة الله؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان ٤٥]. * والفائدة السابعة: أنه ينبغي للإنسان أنه لا يجعل النعم أمورًا عادية لا بد منها، بل يقدرها بضدها؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾، فالآن إذا قال الإنسان مثلًا: خروج الشمس على هذه الأرض وغروبها عنها أمر معتاد، نقول: نعم، هو أمر معتاد ومن أجل كونه معتادًا لا يحس الإنسان بأنه نعمة، لكن قدر هذا الشيء بضده: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾، خروج النفس من جسم الإنسان أمر معتاد، ولهذا لا يحس الإنسان بقدر هذه النعمة، لكن قدر: ولو شاء الله لحبسه، وحينئذ يتبين قدر النعمة، فقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ ينبغي أن يجعل هذا قاعدة لنا في كل النعم المعتادة التي نحن عشنا عليها واعتدناها فإننا لا نحس بكونها نعمًا، لكن علينا أن نقدر ضدها: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ حتى نعرف بذلك قدر نعمة الله سبحانه وتعالى بهذه النعم المعتادة. * طالب: ما تؤخذ فائدة (...)؟ * الشيخ: لا، هو إثبات رحمة الله بوجود هذه النعم، لكن تنبيه الإنسان على الشكر إنما يكون بذكر ضد هذه النعم؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾. وفيه أيضًا فائدة الالتفات، وهي تغيير الأسلوب لتنبيه المخاطب؛ لقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان ٤٥]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، إي نعم. * طالب: (...). * الشيخ: لا، هذه إثبات النعم بضدها، معرفة قدر النعم بمعرفة ضدها. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، الاستدلال على الشيء بضده، مرادنا بالنعم أن الإنسان يستدل بضدها على مساغ هذه النعمة.

الفرقان 25:46

كذبوا الرسل السابقين، وما أحل الله بهم من العذاب والعقوبة، أراد سبحانه وتعالى أن يبين شيئًا من آياته تدل على قدرته ووحدانيته، فقال: (﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تَنْظُر ﴿إِلَى﴾ فِعْل ﴿رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان ٤٥]) إلى آخره. أولًا كلمة ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ معناها مفهوم، أن الاستفهام لأي شيء؟ الاستفهام للتقرير، كقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات ١٦]، وما أشبه ذلك من الأمثلة، ويقدر بعض العلماء مثل هذا التركيب بقوله: قد فعلنا ذلك، قد رأيت ذلك. فمثلًا: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يعني أنك رأيت ذلك. وقول المؤلف: (تنظر) فسر الرؤية بالرؤية البصرية، مع أنه يحتمل أن تكون رؤية بصرية ورؤية بصيرة؛ يعني رؤية علمية؛ يعني: تعلم هذا الأمر الذي سيذكر. والخطاب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هل هو للنبي ﷺ أو لكل ما من شأنه أن يخاطب؟ * طالب: للنبي ولـ.. * الشيخ: الجواب: أنه لكل ما من شأنه أن يخاطب؛ النبي ﷺ وغيره؛ لأنه كما أسلفنا في القاعدة التفسيرية: أنه كلما كانت الآية أدل على العموم كان القول به أولى، وأنه لا ينبغي أن تجعل خطابات القرآن للخصوص إلا بدليل يمنع العموم، يعني ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها الإنسان ﴿إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان ٤٥]، المؤلف قدر مضافًا فقال: (إلى فعل ﴿رَبِّكَ﴾ ) نعم؛ لأنه ليس المراد أن ينظر الإنسان إلى الله عز وجل بذاته، إنما المراد أن ينظر إليه من هذه الحيثية، فيكون مصب النظر أي شيء؟ هو الفعل. قال: (﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان ٤٥] من وقت الإسفار إلى وقت طلوع الشمس)، هذا تفسير للظل وليس تفصيلًا للمد، فالظل من وقت الإسفار إلى وقت طلوع الشمس، وسميَّ ظلًّا؛ لأنه ذو نور ولكن بدون شعاع شمس، فكان ظلًّا، وهذا هو الذي عليه جمهور المفسرين بأن الظل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس؛ لأنه كما قلنا: نور بدون شعاع، ومده يعني تطويله، وأن الفرق بين هذا وهذا معروف. ولكن أي شيء يكون فيه من آيات الله؟ * طالب: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان ٤٥]. * الشيخ: قوله ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ يعني غير ممدود، بحيث تطلع الشمس مباغتة بدون مد، هذا أحد الأقوال في تفسير الظل. والقول الثاني في الظل: أن المراد به الليل كله، وأن المراد بمده تطويله. ﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان ٤٦] بمعنى: بعد أن كان طويلًا كان ينقص شيئًا فشيئًا، فيكون في هذا إشارة إلى تغير الفصول؛ لأن الفصول تتغير بتغير الليل والنهار. والقول الثالث: أن المراد بالظل، ظل كل شاخص إذا طلعت الشمس، فإن الله تعالى يمده ثم يقبضه شيئًا فشيئًا، ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ فتكون الشمس مستقرة ثابتة في مكان لا ترتفع ولا تنخفض. الآن صار المراد بالظل على الخلاف، ثلاثة آراء: إما أنه ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والمؤلف يقول: (من وقت الإسفار) لأجل أن يتحقق الظل. أو أنه الليل كله ويكون مده تطويله ثم ينقص، في هذا من قدرة الله تعالى تغير الفصول لسبب طول الليل وقصره. أو أن المراد به ظل كل شاخص، فإنه أول ما تطلع الشمس يكون الظل طويلًا ممدودًا، ثم يقبض شيئًا فشيئًا. ﴿وَلَوْ شَاءَ﴾ تعالى ﴿لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان ٤٥]، والسكون هنا يختلف معناه بحسب اختلاف معنى الظل، فإذا قلنا: المراد بالظل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس كان المراد بسكونه أن الشمس تخرج دفعة واحدة بدون أن يكون ظلها كذا شيئًا فشيئًا، وإذا قلنا: إن المراد به الليل، كان المراد بسكونه أن يبقى الليل دائمًا لا يزيد ولا ينقص، وإذا قلنا: إن المراد بالظل ظل الشاخص صار المراد بسكونه أن الشمس لا تتحرك، تبقى في مكان واحد، ويكون الظل ساكنًا لا يزيد ولا ينقص، ففي كون الله قادرًا سبحانه وتعالى على هذا فهذا دليل على كمال قدرته ووحدانيته بالتفرد؛ لأنه لو كان معه إله آخر لم يكن له المشيئة المطلقة في هذا وفي هذا. ثم فيه أيضًا من نعمه سبحانه وتعالى على العباد اختلاف هذا الظل ما هو معلوم؛ لأننا لو قُدِّر أن الشمس تخرج هكذا بغتة بعد ظلام دامس يكون هذا النور الساطع قد يؤثر على المواشي في إفطارها وعلى بني آدم وعلى الأشجار والنبات، بخلاف ما إذا كان الشيء يأتيها تدريجيًّا، وكذلك أيضًا لو كان الليل والنهار دائمًا لا يزيد أحدهما ولا ينقص، لم يكن في ذلك اختلاف في الفصول، ولم يكن في ذلك اختلاف في الأشجار؛ لأن كثيرًا من الأشجار تختلف ثمارها وإناؤها بحسب اختلاف الفصول. كذلك أيضًا إذا قلنا بأن الظل ظل كل شاخص فإن في كون الشمس تدور وتختلف الأشياء والأظلة بحسب سيرها هو أيضًا من نعمة الله سبحانه وتعالى ومن تمام قدرته. فالحاصل أن هذا الأمر الذي قرر الله تعالى بأننا ننظر إليه في كل وقت دال على أمرين: تمام القدرة، وتمام الرحمة؛ لأنه متضمن لهما. ﴿إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان ٤٥]، إذا قال قائل: ما هو الذي تختارونه من هذه الأقوال؟ * طلبة: (...). * طالب: لو نظرنا إلى اللغة قلنا: إن الظل هو الظل؛ يعني العادي؛ يعني ظل كل شاخص. * الشيخ: إي. * طالب: كلام عام. * الشيخ: وكذلك أيضًا بالحقيقة أن الليل ظل؛ لأن الأرض تحول بين الشمس وبين الناس. * طالب: قد تُسمى لغة (...). * الشيخ: سميت. * الطالب: استخدمها العرب. * الشيخ: نعم، اللي فسروها من أئمة اللغة، وكذلك ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس أيضًا فسره ابن عباس وغيره. * الطالب: كلها (...). * الشيخ: نعم، نقول: ما دام أن هذه المعاني لا تتناسب، فالواجب أن تحمل الآية على الجميع، وهذه قاعدة قررناها سابقًا، وهي قد قررت أيضًا من قبلنا، قررها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بأنه إذا كانت الآية تحتمل المعاني المذكورة فيها فالواجب أن تُحمل على كل هذه المعاني؛ لأن كلام الله سبحانه وتعالى لا يحيط به شيء. وقوله تعالى: (﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ﴾ أي على الظل ﴿دَلِيلًا﴾ [الفرقان ٤٥])، نعم؟ * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذا تفسير لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان ٤٥]. * الطالب: نعم؛ لأنك عندما فسرت (...). * الشيخ: لا، على القول بأن المراد: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ أن المراد بالظل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لو شاء لجعله ساكنًا فلا ينتهي. * الطالب: فلا ينتهي. * الشيخ: فلا ينتهي؛ بمعنى أنه يكون هذا الظل تخرج الشمس مفاجئة. * طالب: وهنا يقول: (...) موجودة؟ * الشيخ: لا يمكن هذا؛ لأنه يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾، والواقع خلاف ذلك؛ أنه ليس بساكن، بل هو ممتد، وكونه ما يزول بطلوع الشمس، هذا غير موجود. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما يستقيم أبدًا. * الطالب: لأنه على تفسير (...)؟ * الشيخ: يقول: عندي أنا تفسير لكلام المؤلف: أي بألا تطلع الشمس. * الطالب: تفسير الجلالين. * الشيخ: تفسير الجَمل. * الطالب: نعم. * الشيخ: يقول: مقيمًا لا يزول بطلوع الشمس، بمعنى أنه ما تطلع الشمس، ما هو بمعنى تطلع ولا يزول. * طالب: لا يزول من طلوع الشمس. * الشيخ: لا يزول؛ وذلك لأن زواله بطلوع الشمس، فليس معناه أنها تطلع ولا يزول؛ لأنها إذا طلعت لا بد أن يزول، المعنى أن النفي مسلط على قوله بطلوع الشمس. * الطالب: المؤلف (...) إلى وقت طلوع الشمس. * الشيخ: ما بين طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس. * الطالب: (...) تطلع الشمس. * الشيخ: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان ٤٥]، ويش معنى ﴿لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾؟ * الطالب: أي أن هذا الظل.. * الشيخ: أي أن الشمس لا تطلع. * طالب: أن يبقى باستمرار. * الشيخ: يبقى باستمرار. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني أنه يبقى الأمر لا ليل ولا نهار. * طالب: إي نعم. * الشيخ: إسفار بدون شمس. * طالب: ما هو بواضح هذا. * طالب آخر: كلام المؤلف ما هو بواضح. * الشيخ: لا، كلامه واضح، يقول: أي بألا تطلع الشمس فلا يزول، فالنفي مسلط على مجموع المقيَّد والمقيِّد. * الطالب: وهو (...). * الشيخ: أو بأن تطلع مسلوبة الضوء على ما تقدم. * الطالب: (...). * الشيخ: أو بأن تطلع، لكن يصلح، كلام الجلالين يصلح أن نجعل النفي مسلطًا على قوله بطلوع الشمس؛ يعني: فلا تطلع الشمس. على كل حال المعنى مفهوم الآن: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ فلا تطلع الشمس، أو إن صح أن يُقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ فتطلع الشمس غير مضيئة، وهذا خلاف المعهود أنها تطلع غير مضيئة، ولكن الله قادر على أن (...) غير مضيئة كما يُعلم ذلك في الكسوف، فالحاصل أن السكون الآن يُفسَّر بحسب ما يُفسر به الظل. هنا فرق بين الظل والفيء، وسبق لنا ذلك، سبقت لنا هذه الفائدة. وأيش الفرق بينهما؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، واللي بعده يُسمى فيئًا، يعني: إن نسخته الشمس فهو ظل، وإن نسخ الشمس فهو فيء، فالفيء ما نسخ الشمس، والظل ما نسخته الشمس، مثل قولنا: الظل ما قبل الزوال، والفيء ما بعد الزوال؛ لأن الظل اللي قبل الزوال ويش اللي يزيله وينسخه؟ * طالب: الشمس. * الشيخ: الشمس، والفيء اللي بعد الزوال ينسخ الشمس؛ لأنه يمتد، وكلما امتد إلى شيء أزال ضوء الشمس عنه، نعم. * * * قال تعالى: (﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ﴾ أَي على الظِّلّ ﴿دَلِيلًا﴾ [الفرقان ٤٥]). قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا﴾، الجملة الفعلية هذه معطوفة على قوله: ﴿لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان ٤٥] ولّا على قوله: ﴿مَدَّ﴾ ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ﴾؟ نعم؟ الجواب: على ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ لأن قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ لو جُعلت معطوفة على ﴿لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ لكانت الشمس الآن ليست دليلًا عليه، والأمر بخلاف ذلك، فالمعنى يفسد، فهي إذن معطوفة على قوله: ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾، ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ يعني: وكيف ﴿جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾. ولكن فيه التفاتًا من الغيبة إلى التكلم: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا﴾، ولم يقل: ثم جعل. وقوله: ﴿الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يعني على الظل. وكيف كان الدليل على الظل؟ نعم، يقول المؤلف: (لَوْلَا الشَّمْس مَا عُرِفَ الظِّلّ)، هه؟ * طالب: ليس صحيحًا. * الشيخ: ليس صحيحًا؟ كيف ذلك؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الأنوار؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: أي أنوار؟ * الطالب: الأنوار (...). * الشيخ: لا، المراد بالظل الذي يأتي من الله سبحانه وتعالى دون ظل الأنوار اللي الإنسان يحط الكشاف ويكون ظلالًا. * الطالب: (...). * الشيخ: لأن هذا الظل اللي يكون من مصباحي أنا ومصباحك أنت هذا ظل نسبي. * الطالب: ظل شاخص (...). * الشيخ: حتى ظل الشاخص إذا جعلناه أنه (...) الأنوار؛ لأنه ما هو بالمقصود معرفة الظل الذي يكون بمجرد تسلط ضوء على جسم، المراد بالظل العام الذي يعم كل الناس، وهذا لا يمكن إلا بجعل الشمس وحدها هي الدليل عليه. لكن قد يقول قائل: القمر أيضًا ﴿دَلِيلًا﴾، القمر دليل عليه؟ فنقول: إن نور القمر مستفاد من نور الشمس، فليس مستقلًّا بالإضاءة، فالذي يدل على الظل أصلًا هو الشمس. * طالب: القمر ما يكون (...). * الشيخ: هذا (...) عليه الشمس أيضًا. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، والقمر كذلك؛ لأن المسار واحد. وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان ٤٥]، إذا قيل: جعل الشمس دليلًا على الظل ما الذي فيه؟ يُقال: في ذلك دليل ليس على مجرد وجود الظل، دليل على ما فيه من المصالح، وهي أيضًا مدلول عليها به، فالشمس الآن يُستدل بها على ما في الظل من المصالح، ويُستدل بالظل على ما فيها من المصالح أيضًا؛ لأن غيوب الشمس عن الأرض قد يؤثر، وبقاؤها دائمًا على وجه الأرض قد يؤثر، مثل قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص ٧١، ٧٢]، فكون هذا دليلًا على هذا، وهذا دليلًا على هذا هو أيضًا من رحمة الله؛ لأنه لولا الشمس ما عرفنا فائدة الظل، ولولا الظل ما عرفنا فائدة الشمس، فكل منهما في الحقيقة دال ومدلول. (﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ أي الظل الممدود ﴿إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان ٤٦] خفيًّا بطلوع الشمس). ﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾، قوله: ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾، هل المراد باليسير هنا صفة للفعل؛ يعني أن قَبْضَنَا إياه يسير علينا، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق ٤٤]، أو أن المراد ﴿يَسِيرًا﴾ يعني أنه كان القبض شيئًا فشيئًا؟ * طالب: الأخير. * الشيخ: الأخير أظهر، الأخير هو المتبادر، أن الله تعالى قبض هذا الظل قبضًا ﴿يَسِيرًا﴾ شيئًا فشيئًا، وهو منطبق على كل التفسيرات السابقة، إذا قلنا: الظل ما بين طلوع الفجر أو ما بين وقت الإسفار إلى وقت طلوع الشمس، فإنه يقبض هذا الظل شيئًا فشيئًا، ولّا لا؟ لا يزال النور يسطع حتى تطلع الشمس، هذا واحد، إذا قلنا: المراد به الليل، فهو أيضًا يقبض شيئًا فشيئًا؛ يعني ما يكون الليل اثنتي عشرة ساعة في اليوم هذا، ويكون تسع ساعات في اليوم الذي يليه، وإنما يقبض شيئًا فشيئًا. كذلك إذا قلنا: المراد بالظل ظل الشاخص فهو نفس الشيء، إنما يتناقص شيئًا فشيئًا. وليس في الآية إشكال سوى قوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان ٤٦]، ﴿إِلَيْنَا﴾، هذه الغاية فيها إشكال؛ لأنه كان من الممكن أن يقتصر على قوله: ثم قبضناه قبضًا يسيرًا، فما هي الحكمة من هذه الغاية: ﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾؟ نعم؟ * طالب: للدلالة على (...). * الشيخ: إي نعم، فيه أحد يرى (...)؟ * طالب: يعني المعنى أننا إذا قبضناه أي (...). * الشيخ: ﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ قبضه إليه، نعم؟ * طالب: نقول الظل يتأثر تحركه وتدريجه بالشمس، (...) الشمس أو تحرك الشمس، والشمس تتحرك إلى الله سبحانه وتعالى تسجد عند العرش، فيكون معناه: قبض هذا الشيء اللي يتسبب عنه (...). * الشيخ: يعني يكون الضمير في قوله: ﴿قَبَضْنَاهُ﴾ إلى الشمس يعني؟ * الطالب: لا، إلى المؤثر على هذا الشيء وهو الشمس. * الشيخ: لأنه -نعم- فيه من يرى أن الضمير في قوله: ﴿قَبَضْنَاهُ﴾ أي: الشمس، باعتبارها دليلًا: ﴿جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ [الفرقان ٤٥، ٤٦] أي: قبضنا هذا الدليل ﴿إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾. هو على كل حال فيه الاحتمال الذي ذكر الأخ، أن المراد جعل الغاية إلى الله سبحانه وتعالى إشارة إلى أنه هو المتصرف به، وأنه لا أحد يستطيع أن يتصرف بخلاف ذلك. وفيه احتمال أنه يجعل ﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ يعني: الدليل؛ أي: الشمس، ويكون المراد بالقبض إليه ما أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام في قوله في حديث أبي ذر «أنها تذهب وتسجد تحت العرش»[[أخرج البخاري (٣١٩٩) واللفظ له، ومسلم (١٥٩ / ٢٥٠)، بسنديهما من حديث عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال النبي ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس: «أتدري أين تذهب؟»، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيُؤْذَن لها ويوشك أن تسجد، فلا يُقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها يُقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]».]]. وفيه احتمال ثالث مشى إليه الزمخشري، وقال: إن المراد بالقبض هنا ما ذكره الله بقوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير ١، ٢]، وأن المراد به قبض هذه النيرات -الشمس وغيرها- يوم القيامة، وجعل اليسير ليس صفة للقبض أنه يكون شيئًا فشيئًا، بل هو صفة للفعل -لفعل الله- يعني أنه يسير عليه، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق ٤٤]. لكن الأخير بعيد؛ لأن الله تعالى إنما يمتن بذلك على أمر يدرك الناس فائدته في الدنيا وتمام قدرة الله فيه، فيكون على هذا إما أن يُقال إن الغاية التي ذكرها الله سبحانه وتعالى إشارة إلى أن ذلك من تصرفه وحده، وأن الأمر إليه وحده لا إلى غيره، ويكون دليلًا على عظمة الله سبحانه وتعالى، أو أن المراد بالقبض إليه أن الشمس تُقبض إلى الله، بمعنى أنها تذهب وتسجد تحت العرش كما جاء به الحديث عن النبي ﷺ. * وفي الآية من الفوائد: أولًا: تقرير الإنسان بالنعم التي يشاهدها؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾ [الفرقان ٤٥]. * ثانيًا: إثبات ربوبية الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾، والرب هو الخالق المتصرف. * وثالثًا: بيان كمال قدرة الله ورحمته بمد الظل، وجعل الشمس دليلًا عليه وقبضه قبضًا يسيرًا بهذه الأمور الثلاثة. * ورابعًا: إثبات الاستدلال بالشيء على الشيء. * والخامس: الاستدلال بالشيء على ضده، وبضده يعرف الضد، يقول بعضهم: ..................... ∗∗∗ وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ لقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان ٤٥]. * وسادسًا: إثبات مشيئة الله؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان ٤٥]. * والفائدة السابعة: أنه ينبغي للإنسان أنه لا يجعل النعم أمورًا عادية لا بد منها، بل يقدرها بضدها؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾، فالآن إذا قال الإنسان مثلًا: خروج الشمس على هذه الأرض وغروبها عنها أمر معتاد، نقول: نعم، هو أمر معتاد ومن أجل كونه معتادًا لا يحس الإنسان بأنه نعمة، لكن قدر هذا الشيء بضده: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾، خروج النفس من جسم الإنسان أمر معتاد، ولهذا لا يحس الإنسان بقدر هذه النعمة، لكن قدر: ولو شاء الله لحبسه، وحينئذ يتبين قدر النعمة، فقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ ينبغي أن يجعل هذا قاعدة لنا في كل النعم المعتادة التي نحن عشنا عليها واعتدناها فإننا لا نحس بكونها نعمًا، لكن علينا أن نقدر ضدها: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ حتى نعرف بذلك قدر نعمة الله سبحانه وتعالى بهذه النعم المعتادة. * طالب: ما تؤخذ فائدة (...)؟ * الشيخ: لا، هو إثبات رحمة الله بوجود هذه النعم، لكن تنبيه الإنسان على الشكر إنما يكون بذكر ضد هذه النعم؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾. وفيه أيضًا فائدة الالتفات، وهي تغيير الأسلوب لتنبيه المخاطب؛ لقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان ٤٥]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، إي نعم. * طالب: (...). * الشيخ: لا، هذه إثبات النعم بضدها، معرفة قدر النعم بمعرفة ضدها. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، الاستدلال على الشيء بضده، مرادنا بالنعم أن الإنسان يستدل بضدها على مساغ هذه النعمة.

الفرقان 25:47

ثم قال: (﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ ساترًا كاللباس ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ راحة للأبدان بقطع الأعمال ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان ٤٧] منشورا فيه لابتغاء الرزق وغيره). هذا أيضًا من النعم التي لا يستطيع أحد أن يأتي بها إلا الله. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ اللام للتعليل؛ أي: من أجلكم، ﴿جَعَلَ﴾ من أجلكم ﴿اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾، ومعنى ﴿لِبَاسًا﴾: (ساترًا كاللباس)؛ وذلك لظلامه. ولهذا الإنسان ربما يخرج في الليل بثياب لا يستطيع أن يخرج بها في النهار، ربما يخرج يجيب حوائج في الليل، لا يستطيع أن يخرج بها في النهار؛ لأن الليل يستر، فهو لباس. وهل هو لباس للأرض ولّا لباس لنا؟ للجميع؛ لأنه يكسو الأرض ويكسو الإنسان في الواقع، فهو كاسٍ للأرض وهو كاسٍ أيضًا للإنسان. وقوله: ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ [الفرقان ٤٧]، السبت بمعنى القطع، والمؤلف فسره بالراحة وهو من باب تفسير الشيء بلازمه، وإلا فهو قطع للتعب، يقطع التعب، ففيه هذه الفائدة العظيمة: أنه يقطع التعب السابق، وليس كما قال المؤلف: (بِقَطْعِ الْأَعْمَال)؛ لأن الإنسان قد يقطع أعماله وهو يقظان، ولكنه يقطع التعب كما هو مشاهد، فالإنسان يكون تعبانًا ثم ينام، فإذا نام انتقض تعبه، فهو في الحقيقة قطع للتعب الماضي وتجديد للنصاب المستقبل. * طالب: (...). * الشيخ: لا، قصده أن الإنسان إذا نام ما يعمل. * الطالب: يعني ما يعمل لله سبحانه وتعالى ولّا لأي شيء؟ * الشيخ: لأي شيء، فهو إذا نام لا يعمل، فهذا وجه كونه سباتًا، ولكنا نقول: ليس كذلك، ليس قطعًا للعمل، بل هو قطع لتعب البدن؛ ولذلك يكسب البدن راحة، أما مجرد قطع الأعمال فهذا قد يكون مع وجود الصحو واليقظة. ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان ٤٧] يعني: محلًّا للنشور؛ ولهذا قال المؤلف: (منشورًا فيه)؛ يعني أن النهار محل النشور لابتغاء الرزق وغيره من الأعمال، وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى. ولا يرد على هذا ما نحن فيه اليوم من كون الليل ليس لباسًا؛ لأن هذا أمر طارئ بسبب الأنوار المحدثة التي صنعها الإنسان، هذه الأنوار لو فاتت لعاد الظلام على الأرض، ثم إن هذا النور والإضاءة الذي يمنع كون الليل لباسًا ليس بعام في الواقع، بل هو أمر نسبي، ثم هو أيضًا ضعيف لا يشمل الظل، فالظل الذي يحجب ضوء هذه الشمعة مثلًا يكون أسود ﴿لِبَاسًا﴾. وكذلك أيضًا: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ لا يرد عليه بعض الحالات الطارئة كالحراس مثلًا، الحراس في النهار ينامون وفي الليل يعملون، لكن هذه أمور نادرة، والنادر ليس يقطع القواعد، القواعد لا يمكن أن (...) بالأمور النادرة، إنما الكلام على العام. هذا أيضًا من نعمة الله سبحانه وتعالى، هل أحد يستطيع لو لم يجعل الله الليل أن يأتي بالليل؟ ما أحد يستطيع؛ يعني لو اجتمع الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم بجميع صنائعهم ما استطاعوا أن يأتوا بنصف ليل ولا بساعة من ليل. كذلك أيضًا النوم، هل يستطيع أحد أن ينوِّم أحدًا؟ أبدًا ما يستطيع، وحبوب النوم هذه ما ترد علينا؛ لأن الإنسان يعطي حبوب النوم مثل الذي يقول: أنا أستطيع أن أنوم الإنسان بإعطائه جرعات للنوم، نقول: هذا مثل الذي قال لإبراهيم: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فإن هذا الذي يعطي جرعات للنوم ليس هو الذي ينوم، وإنما يفعل السبب الذي يكون به النوم. أرأيت لو أن الله تعالى جعل هذا الجسم غير قابل للنوم هل تستطيع هذه الجرعات أن تنومه؟ لا، إذن فالنوم لا يستطيع أحد أبدًا أن يأتي به إلى بدن الإنسان، وحتى لو أتى به مثلًا فقد يأتي به الإنسان ولا يكون قطعًا، لا يكون قاطعًا للتعب؛ ولهذا امتن الله سبحانه وتعالى به على العباد، وهو أمر لا يستطيع أحد فعله. كذلك جعل النهار نشورًا، من يستطيع أن يخلع هذا اللباس -لباس الليل- حتى يكون الإسفار وينتشر الناس في مصالحهم؟ الجواب: لا أحد يستطيع سوى الله عز وجل؛ ولهذا امتن الله سبحانه وتعالى على عباده في هذه الأمور الثلاثة: بالنوم، والليل، والنهار. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الله يعافينا من هذا، أعوذ بالله. * الطالب: يعني هذا دليل على أنه (...)، مهما يسوي به. * الشيخ: معلوم، ما فيه شك، هذا أمر معلوم. إذا قال قائل: إن الله سبحانه وتعالى جعل الليل لباسًا وجعل النهار نشورًا وجعل النوم سباتًا، ما حل النوم؟ هل هو في الليل ولّا في النهار؟ * طالب: في الليل. * الشيخ: الأصل في الليل، لكن قد يكون في النهار أيضًا، قد يتعب الإنسان في النهار وينام ثم يستريح، كوقت القائلة مثلًا؛ ولذلك ما يقول قائل: إن الله سبحانه وتعالى ذكر نعمتين في الليل ونعمة واحدة في النهار، بل نقول: إن الله ذكر في الليل نعمة وهو كونه ﴿لِبَاسًا﴾، وفي النهار نعمة؛ وهو كونه نُشورًا، وجعل في النوم مطلقًا نعمة وهو أنه سبات؛ يعني قاطع للتعب، والله أعلم. * طالب: شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: النوم بكل أنواعه قاطع للتعب ولّا نوع دون نوع؟ * الشيخ: النوم الطبيعي الذي من خلقة الإنسان، فأما النوم الذي يحدث بسبب المرض؛ لأنه قد يكون الإنسان يمرض فيكثر معه النوم، فالظاهر ما يدخل في الآية. * طالب: (...)؟ * الشيخ: المهم في الظاهر، الظاهر أنه أمر نسبي، وبعض الناس يرتاح له كثيرًا. * الطالب: أو مثلًا بعد العصر (...). * الشيخ: أنا الآن لو ما أنام شوي قبل (...) ممكن ما استطعت أني أعمل، كان أنعس ثانيًا، وهو ما جربناه فيما سبق. * طالب: (...)؟ * الشيخ: تقول إنه يتعب بالحقيقة أكثر ما يتعب إذا صار الإنسان ممتلئ البطن، إذا نام ممتلئ البطن فهو يمكن، لكن الكلام على العموم (...)، نعم؟ * طالب: يا شيخ، بعض الأوقات مكروه النوم فيه؟ * الشيخ: ما أعرف عن هذا شيئًا. * الطالب: (...). * الشيخ: ما هو مكروه، «إلا أن الرسول يكره النوم قبل صلاة العشاء»[[أخرج البخاري (٥٩٩)، ومسلم (٦٤٧ / ٢٣٦) واللفظ له، عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ لا يبالي بعض تأخير صلاة العشاء إلى نصف الليل، وكان لا يحب النوم قبلها، ولا الحديث بعدها.]]، هذا مكروه، قبل صلاة العشاء لسبب شرعي ما هو بسبب جسمي، وأما نوم العصر فهم يقولون قول الشاعر: أَلَا إِنَّ نَوْمَاتِ الضُّحَى تُورِثُ الْفَتَى ∗∗∗ خَبَــــــالًا وَنَوْمَــــــــاتِ الْعُــــــصَيْرِجُنُـــــونُ هذا ما هو بصحيح، كثير من الناس الآن ينامون العصر باستمرار، ولا أصيبوا بالجنون ولا قيل: إنكم مجانين. * الطالب: العلماء قالوا: إنه (...). * الشيخ: يشغل عن الفكر، يمكن يقضيه الإنسان، أحيانًا يعني ما يستطيع أنه ينام في نصف النهار، ولكن ما يستطيع يبقى إلى الليل، لازم ينام (...). * طالب: شيخ، (...). * الشيخ: إي، يمكن (...). نعم؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما أظن هذا، هذا فهم للحديث (...)، فالعوام يقولون: .. * الطالب: (...). * الشيخ: ما (...)، والعوام بعد يقولون: أقل فإن الشياطين لا تقل، يحذفون الياء (...). نعم؟ (...) (نَشُور كَرَسُولٍ وَالْأَخِيرَة بَشِير) هذه فيها عدة قراءات، أولًا الريح فيها قراءتان، سبعيتان ولّا إحداهما شاذة؟ * طالب: سبعيتان. * الشيخ: وأيش الدليل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، الدليل أنه إذا قال: وفي قراءة؛ فهي سبعية، وإذا قيل: وقرئ؛ فهي شاذة. نعم. ﴿الرِّيَاحَ﴾ و﴿﴿الرِّيحَ﴾ ﴾ [الفرقان: ٤٨] فيها قراءتان: ﴿الرِّيَاحَ﴾ و﴿﴿الرِّيحَ﴾ ﴾، وفي هذا نعرف أن ما اشتهر من قولهم: إن الريح لا تكون إلا في العذاب والرياح تكون في الرحمة ليس على إطلاقه، وأنه قد يؤتى بالريح مفردًا في ريح الرحمة، لكنه له قرينة، فهنا قال: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان ٤٨]، فعرف أنها ريح رحمة. وكذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ﴾ وأيش بعدها؟ ﴿طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢]، هذه ريح رحمة لكنها وُصِفت، فأما عند الإطلاق فالغالب أن الريح للعذاب. * طالب: (...). * الشيخ: نعم مثل الحديث هذا. وقوله: ﴿بُشْرًا﴾ [الفرقان ٤٨] فيها عدة قراءات، نشوف أولًا: ﴿﴿نُشُرًا﴾ ﴾ بضم النون والشين، ومعنى ﴿﴿نُشُرًا﴾ ﴾ يقول المؤلف: (متفرقة)؛ يعني أنها تكون أحيانًا جنوبًا، وأحيانًا شمالًا، وأحيانًا غربًا، وأحيانًا شرقًا، بهذا التفرق يتولد السحاب ثم المطر. وقوله: (وفي قراءة بسكون الشين تخفيفًا) كيف؟ * طالب: ﴿﴿نُشْرًا﴾ ﴾. * الشيخ: ﴿﴿نُشْرًا﴾ ﴾، وقوله: (تخفيفًا) يعني أنها لا يتغير بها المعنى، وإنما تسكن للتخفيف. (وفي أخرى بسكونها وفتح النون مصدرًا). * طالب: ﴿﴿نَشْرًا﴾ ﴾. * الشيخ: ﴿﴿نُشْرًا﴾ ﴾، حينئذ يتغير. ﴿﴿نُشُرًا﴾ ﴾ و﴿﴿نُشْرًا﴾ ﴾ معناهما واحد لا يختلف؛ لأن التسكين للتخفيف. لكن ﴿﴿نَشْرًا﴾ ﴾ يعني ينشرها نشرًا، هذه مختلفة تكون مصدرًا. (وفي أخرى بسكونها وضم الموحدة) سكون الشين وضم الموحدة بدل النون، وهي: ﴿بُشْرًا﴾ وهذه هي القراءة المشهورة، ومعنى ﴿بُشْرًا﴾ على هذا أي: مبشرات؛ يعني: هي تبشر، وليست مصدرًا، وأن الله يبشر بها، وإنما هي نفسها ﴿بُشْرًا﴾، نعم؟ * طالب: (...) (وفي أخرى بسكونها وضم الموحدة بدل النون) ما ذكر (...)؟ * الشيخ: (بسكونها) أظنه واحدًا. * الطالب: و(الموحدة) (...). * الشيخ: الباء الموحدة، إي ﴿بُشْرًا﴾، هذه هي. المفرد يقول: (مفرد الأولى: نشور)، وأيش هي الأولى؟ ﴿﴿نُشُرًا﴾ ﴾. (كرسول ورسل)، رسول ورُسُل، ورسول ورُسْل، هذا مفرد الأولى ما لم تكن مصدرًا وهي ﴿﴿نَشْرًا﴾ ﴾، فإن كانت مصدرًا فهي مفرد، ما هي جمع. والأخيرة ﴿بُشْرًا﴾، يقول: (الأخيرة مفردها بشير). صارت القراءات أظن أربعًا: ﴿﴿نُشُرًا﴾ ﴾، و﴿﴿نُشْرًا﴾ ﴾، و﴿﴿نَشْرًا﴾ ﴾، و﴿بُشْرًا﴾ أربع قراءات في هذه الكلمة. فائدة اختلاف القراءات؛ يعني هذا من إعجاز القرآن: أن يؤخذ من كل قراءة معنى، وعلى هذا ستكون هي جامعة على كونها بشارة وكونها منشورة متفرقة بين يدي المطر. وقوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان ٤٨]، المراد بالرحمة هنا المطر أو آثاره، وهذه رحمة مخلوقة؛ لأن الرحمة المضافة إلى الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: رحمة هي صفته فهي غير مخلوقة، ورحمة هي من آثار الصفة فهي مخلوقة، فقوله تعالى للجنة: «أَنْتَ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، هذه مخلوقة ولّا لا؟ مخلوقة، وقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٥٦] هذه الصفة التي ليست مخلوقة، فإذن الرحمة المضافة إلى الله تنقسم إلى قسمين: مخلوقة؛ وسميت رحمة؛ لأنها من آثار الرحمة، وغير مخلوقة؛ وهي صفته. والذي معنا الآن: ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان ٤٨]، هل هي المخلوقة ولّا غير المخلوقة؟ * طالب: الأمران. * الشيخ: كيف الأمران؟ * الطالب: عموم الرحمة من الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، يحتمل أن المراد ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ يعني معناه: إذا أراد أن يرحم، إذا أراد أن يرحم فتكون من غير المخلوقة، ويحتمل ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ بين يدي المطر نفسه، فتكون الرحمة هنا مخلوقة؛ لأن إطلاقها للمطر يقتضي ذلك. والمؤلف فسرها على أنها الرحمة المخلوقة؛ لأنه قال: (قُدَّام الْمَطَر). ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾ [الفرقان ٤٨]. من المعروف أن الذي يكون به المطر بإذن الله هي الرياح الجنوبية؛ ولذلك يقولون لنا -الأولون من آبائنا وأجدادنا: إذا هبت الريح الجنوبية (...)، قالوا: خلاص الآن يأتي المطر ولا حاجة نسقي الزرع؛ لأنه كأنه شيء معتاد عندهم. ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان ٤٨]، ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من السحاب؛ لأن السماء كل ما علاك فهو سماء، ولا شك أن المطر إنما ينزل من السحاب، فيكون المراد بـ﴿السَّمَاءِ﴾ هنا العلو. وقوله: ﴿مَاءً طَهُورًا﴾ يعني به المطر، والطَّهور -بفتح الطاء- هو ما يُتطهر به أو ما تحصل به الطهارة، وأما الطُّهور بفعلها فهو فعل التطهر، فهو التطهر. هنا يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾، وقبلها: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ [الفرقان ٤٨]، ففيه من علم البديع ما يُسمى بالالتفات، وفائدته كما مر علينا كثيرًا تنبيه المخاطب؛ لأن تغير الأسلوب يوجب التنبه، وفيه أيضًا العناية بما حصل الالتفات إليه؛ لأنه احتاج إلى أن ينبه بهذا الالتفات إليه. ولا شك أن إنزال المطر هو المقصود من إرسال الرياح، أليس كذلك؟ ولذلك جاء الالتفات إليه بصورة المتكلم: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾، كلمة ﴿مَاءً﴾ للواحد ولّا للجماعة؟ * طالب: للواحد. * طالب: قد تكون للواحد وقد تكون للجماعة. * الشيخ: لكن تصلح للواحد المعظم نفسه، وهي هنا كذلك. (﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الفرقان ٤٨، ٤٩] بالتخفيف، يستوي فيه المذكر والمؤنث، ذكره باعتبار المكان، ﴿وَنُسْقِيَهُ﴾ أي: الماء ﴿مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا﴾ إبلًا وبقرًا وغنمًا ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان ٤٩] جمع إنسان، وأصله أناسين، فأُبدلت النون ياء وأُدغمت فيها الياء أو جمع إنسي). ذكر الله سبحانه وتعالى من فوائد هذا المطر فائدتين: أولًا: إحياء البلدة الميتة ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾، ولم يقل: ميتة؛ لأنه (يستوي فيه المذكر والمؤنث) كذا عندي، ما عندكم أنتم: (أو ذَكَّرَهُ باعتبار المكان)؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن الصواب أن يُقال: (أو ذكَّرَه باعتبار المكان)؛ لأنه إذا قال: (ذكَّرَه باعتبار المكان)، ما صح قوله: (يستوي فيه المذكر والمؤنث)؛ لأنه إذا استوى فيه المذكر والمؤنث ما يحتاج أن يعلل أنه ذكر باعتبار المكان، فنقول مثلًا: الصواب أن يُقال: (أو ذَكَّره باعتبار المكان). فكلمة (مَيْتًا) إذا كان يستوي فيه المذكر والمؤنث، صار قولك: (مَيْتًا) أو (ميتة) على حد سواء. أو ميتة على حد سواء، وأما إذا قلنا: إنه للمذكر فحينئذ نحتاج إلى الجواب عن كونه وُصف به مؤنث: ﴿بَلْدَةً﴾ [الفرقان ٤٩]، فيقول: إنه ذكَّره باعتبار المكان. قوله تعالى: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ [الفرقان ٤٩]، الباء هنا للسببية، والمحيي هو الله عز وجل، ولكن المطر سبب. وقوله: ﴿مَيْتًا﴾ [الفرقان ٤٩]، وصف البلدة هنا بالميت هل المراد نفس الأرض تكون ميتة ولَّا ما عليها؟ * طالب: كل ما عليها من نبات. * الشيخ: ما عليها في الواقع؛ لأن الفائدة من الأرض وما عليها، والذي ترعاه الإبل والبقر والغنم هو ما على الأرض، ليس تأكل التراب والحصى. فإحياؤها باعتبار ما فيه أنه يحيا وينمو ويكبر. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، بس هي نفس الأرض ما يدخلها الحياة والموت، نفس الأرض يعني الأحجار والطين ما يدخلها الحياة والموت، إنما يدخل الحياة والموت ما فيها؛ فلذلك قال في آية أخرى: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج ٥]، والاهتزاز والربو إنما يكون بما عليها، أما هي ما تهتز. قوله: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا﴾ [الفرقان ٤٩]. هذه فائدة أخرى للمطر: أنه يسقى به الأنعام والناس. لكن كيف ذلك؟ هل هو بالغدران التي تبقى على وجه الأرض، أو أن هذا الماء يخزن في الأرض، أو بهما؟ بهما جميعًا؛ لأن سقي المطر يكون على هذين الوجهين: إما غدران تكون به قيعان لا تشرب فينتفع الناس بها، وإما أن الأرض تشربه ويُخزن فيها كما قال الله: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر ٢٢]، بل الذي يخزنه الله سبحانه وتعالى. * وفي الآية هذه: دليل على إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الفرقان ٤٩]. * وفيه دليل على إرسال المبشرات والمقدمات بين يدي الأشياء بقوة الرجاء؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان ٤٨]. * وفيه أيضًا دليل على قدرة الله عز وجل بإرسال الرياح؛ لأن هذه الرياح لو اجتمع الخلق كله بالتأكيد على أن يأتوا بواحدة منها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، مع أن هذه الرياح في بعض الأحيان تقتلع الأشجار وتدمر المنازل. هذه القوة العظيمة لو تأتي بمولدات الدنيا كلها لتخلق مثل هذا الهواء ما حصل هذا. * وفيه دليل أيضًا على الحكمة، على حكمة الله عز وجل بكون المطر ينزل من السماء. لو كان هذا المطر الذي تحيا به الأرض يأتي جريًا على سطح الأرض ما كان فيه هذا النفع؛ لأنه لا يصل إلى قمم الجبال إلا بعد أن يغرق ما تحتها، لكنه إذا نزل من فوق أتى على قمم الجبال وأتى على ما هو أسفل منها، وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى بذلك. * وفيه دليل على أن الأصل في الماء الطهارة؛ لقوله: ﴿مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان ٤٨]. ونحن نعرف الآن حسب ما تلونا عليكم أن الماء الموجود في الأرض من السماء. * طالب: كله؟ * الشيخ: نعم كله، ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر ٢٢]، فإذا كان من السماء فإن الأصل فيما نبع من الأرض أو فيما نزل من السماء الأصل فيه أن يكون طهورًا. * وفيه دليل على إثبات الحكمة في أفعال الله؛ لقوله: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ [الفرقان ٤٩]، لام التعليل، وهذا دليل من مئات الأدلة على إثبات الحكمة، فيكون فيه رد على طائفة من طوائف المبتدعة، من هم؟ * طالب: الجهمية والمعتزلة. * الشيخ: لا، ما هم بالمعتزلة. الجهمية؛ لأنهم يرون أن فعل الله لمجرد المشيئة، ليس لعلة، الجهمية؛ فإنه لا يرجح شيئًا على شيء لحكمة، إنما لمجرد المشيئة، ولا يفعل شيئًا إلا لمجرد المشيئة! ولا شك أن هذا القول مردود بالأدلة النقلية والعقلية؛ لأن من يفعل لحكمة أكمل ممن يفعل لغير حكمة، أليس كذلك؟ وهم يرون نفي الحكمة، يقولون: لأن الحكمة غرض، والله سبحانه وتعالى منزه عن الأبعاض والأعراض والأغراض، شوف حسن التعبير! اللي يسمع هذا التعبير يقول: هذا مثل تعبير القرآن: منزه عن الأبعاض والأغراض والأعراض. يريدون بالأبعاض مثل اليد والوجه والعين وما أشبه ذلك، ويريدون بالأعراض الصفات الفعلية، الأفعال الاختيارية؛ كالنزول والاستواء وما أشبه ذلك، ويريدون بالأغراض الحكمة؛ لأنهم يقولون: لو فعل لحكمة لكان ناقصًا بدونها. وهذا من قلب الحقائق، إذا فعل لحكمة فهو دليل على كماله، وأنه لا يفعل شيئًا لمجرد المشيئة سفهًا. * وفيه دليل على جواز ذكر بعض الفوائد، يعني الاختصار على البعض لا يعد نقصًا؛ لأنه هنا ذكر الله من فوائد المطر فائدتين فقط: إحياء الأرض وسقي الأنعام والأناسي، مع أن للمطر فوائد أخرى: كالتطهر به مثلًا، فالتطهر به ليس سقيًا وليس إحياء للأرض، وغير ذلك أيضًا من الفوائد. لكنه لما كان أشد ما يكون ضرورة في المطر هو إحياء الأرض بالنبات ليأكل الناس والأنعام، وكذلك السقي، فالطعام والشراب ضروري من ضروريات الحياة بالنسبة للأنعام وبالنسبة للناس، اقتصر الله تبارك وتعالى على ذكر هاتين الفائدتين فقط؛ لأنهما هما الفائدتان الضروريتان الحاصلتان بنزول المطر: إحياء الأرض للنبات والأكل، والسقي للشرب. وقوله تعالى: ﴿أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ﴾ [الفرقان ٤٩]، لكن هنا الأنعام ما قال: أنعامًا كثيرة، والأناسي قال: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان ٤٩]. وفي هذا التعبير إشكالان: الإشكال الأول: لماذا وصف الأناسي بالكثير ولم يصف الأنعام بالكثير. الثاني: أننا نعلم أن الله تعالى يسقي بهذا الماء كل الأناسي، كل الناس يشربون منه؛ فلماذا قال: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾؟ يعني كأنه يفهم أن من الأناسي من لا يسقى بماء المطر، فما هو الجواب عن الإشكال الأول: وصف الأناسي بالكثرة دون وصف الأنعام؟ * طالب: (...). * الشيخ: معناه أن ﴿كَثِيرًا﴾ صفة لهما جميعًا؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ما هو بالظاهر؛ لأنه كان يطابق. * طالب: الأنعام بالنسبة للأناسي هي أقل. * طالب: (...). * طالب: الأنعام أكثر من الأناسي. * الشيخ: إي نعم. أيش لون؟ * الطالب: أقول: الأنعام أكثر من الأناسي. * طالب: (...). * الشيخ: أنا عندي والله أعلم أن بعض الأنعام لا يحتاج إلى الماء حسب ما نسمع أن بعضها ما يحتاج إلى الماء، وبعضها ما يحتاج إلا قليلًا جدًّا؟ * طالب: (...). * الشيخ: أشياء كثيرة يعدون علينا نقول: ما تحتاج إلى الماء، أو إذا شربت لا تشرب إلا قليلًا جدًّا، يمكن في السنة مرة. فإذا صح هذا فهو من الحكمة، قد يكون هذا من الحكمة بعدم وصفه بالكثرة. لكن يبقى عندنا الإشكال الثاني أشد من هذا: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان ٤٩]. * طالب: ما يقال على الإشكال الأول. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: مثل الأنعام لا (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: بخلاف الإنسان (...). * الشيخ: إي، لكن أنا ما ذكر لنا الشرب فقط: ونسقيه أنعامًا وأناسي. الإشكال الثاني: أن قوله: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾، مع أن جميع الأناسي يشربون؟ * طالب: (...). * طالب آخر: حسب ما قلته الأنعام يجب أن تكون كثيرة (...). * الشيخ: إي نعم. * طالب: وصفها بالكثرة ليس تقييدًا للشرط (...) الواقع أن الأناسي كثيرة. * الشيخ: يعني بالنسبة للأنعام، يعني؟ * الطالب: لا، (...) وأنت قلت: الإشكال الثاني أنه يوجد أن هناك بعض الأنعام لا تشرب. * الشيخ: نعم. * الطالب: أو لا تستفيد من (...)، فنقول: إن ﴿كَثِيرًا﴾ ليست تقييدًا للشرب لمن يشرب من الأناسي، وإنما بيان الواقع فقط أن هؤلاء الأناسي كثيرون الذين يشربون، وهم كلهم يشربون، فتكون للكثرة. * الشيخ: لو أقول مثلًا: عندي رجال كثيرٌ، هل يفهم من ذلك أن فيه رجالًا آخرين ما حضروا (...)؟ * طالب: نعم. * طالب: الله سبحانه وتعالى (...). * الشيخ: إي، ولهذا يقول: جمع إنسان، وأصله... * طالب: (...) أن تكون ﴿كَثِيرًا﴾ صفة للأنعام والأناسي؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: ما فيه ما يمنع من أن تكون الصفة (...)؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، نحن قلنا: المطابقة، ولكن أورد علينا الأخ قال: حتى الأنعام فيه أيضًا جمع، ﴿كَثِيرًا﴾ يستوي فيها المفرد والجمع. * طالب: ربما يدل على (...). * الشيخ: لا، هي إذا قلنا: إن ﴿كَثِيرًا﴾ صفة للأناسي وللأنعام زال الإشكال. الإشكال الثاني: ممكن أن نقول مثلما قال محمد، يعني أنه يبين الله سبحانه وتعالى أنهم أناسي كثيرون، ولا يلزم من هذا أن بعضهم لا يشرب، وأنه تكون الكثرة هذه كثرة شاملة، مثلما تقول: الجند كثيرون، أو عند الأمير جند كثير، كلمة (جند كثير) تشمل جميع الجنود وتصفهم بالكثرة. (أناسي) تشمل جميع الناس وتصفهم بالكثرة. * طالب: لو قال أكثر (...). * الشيخ: إي، قول قال أكثر صحيح، واضح. على كل حال يمكن إذن، إذن الإشكال الذي يتبادر في الأول التخلص منه بأي شيء؟ بأن نجعل ﴿كَثِيرًا﴾ صفة للأمرين: أنعامًا كثيرًا وأناسي كثيرًا. وليس كقول الله تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء ١]، فإن ﴿رِجَالًا كَثِيرًا﴾ ما تصلح أن تكون ﴿كَثِيرًا﴾ صفة للأمرين؛ لأنها مقدمة على النساء؛ أما هذه فيمكن أن يقال بأنها وصف للمعطوف والمعطوف عليه. وأما ﴿كَثِيرًا﴾ فإنه لبيان الواقع وليس لإخراج البعث، ونظيره في التمثيل أن تقول مثلًا: عند الأمير جند كثير، أو خرج إلى العدو جيش كثير، فهو وصف له بالكثرة. يعني: ﴿وَأَنَاسِيَّ﴾ ليسوا بالقليلين، هذا المعنى، ﴿أَنْعَامًا﴾ ليست قليلة ﴿وَأَنَاسِيَّ﴾ ليست قليلة، بل هي كثيرة، ويكون هذا بيانًا لشمول انتفاع الخلق ناطقهم وبهيمهم بهذا الماء: ﴿أَنْعَامًا﴾ كثيرًا ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾. طيب، إلى الآن توصلنا جميعًا إلى أن الكثير صفة للأنعام والأناسي، بالنسبة لكثرة الأنعام هل نقول: كثرة الجنس والأنواع ولَّا كثرة الأفراد، أو الجميع؟ * طالب: الجميع. * الشيخ: وبالنسبة للأناسي كثرة الأفراد؛ لأن الأناسي جنس واحد. ثم قال الله تبارك وتعالى، كم من الفوائد اللي عدينا من هذه الآيات؟ سبع فوائد. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الظاهر والله أعلم للكثرة؛ لأنها أكثر، أكثر أنواعًا وأفرادًا. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: الله أعلم، ما هو علشان الـ... الكلام على إفادتها من المطر، إي هو على الأنعام هذا لأنه أكثر. وقد يقال: إن إحياء الأرض لمصلحة الإنسان، وسقي الأنعام لمصلحة الإنسان، وسقي الإنسان هذه لمصلحة نفسه، فقدم ما يكون انتفاعًا غير مباشر للإنسان، ثم أخر الانتفاع المباشر من باب السير للأبعد فالأبعد في المصالح، الأبعد فالأبعد؛ لأن الأنعام من مصلحة الإنسان، والأرض إحياؤها من مصلحة الإنسان، وإحياء الأنعام أشد مباشرة والتصاقًا بالإنسان من إحياء الأرض؛ لأنه كم من أراض تشرب المطر لا ينالها الإنسان وينتفع بها، بخلاف الأنعام.

الفرقان 25:48

ثم قال: (﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ ساترًا كاللباس ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ راحة للأبدان بقطع الأعمال ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان ٤٧] منشورا فيه لابتغاء الرزق وغيره). هذا أيضًا من النعم التي لا يستطيع أحد أن يأتي بها إلا الله. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ اللام للتعليل؛ أي: من أجلكم، ﴿جَعَلَ﴾ من أجلكم ﴿اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾، ومعنى ﴿لِبَاسًا﴾: (ساترًا كاللباس)؛ وذلك لظلامه. ولهذا الإنسان ربما يخرج في الليل بثياب لا يستطيع أن يخرج بها في النهار، ربما يخرج يجيب حوائج في الليل، لا يستطيع أن يخرج بها في النهار؛ لأن الليل يستر، فهو لباس. وهل هو لباس للأرض ولّا لباس لنا؟ للجميع؛ لأنه يكسو الأرض ويكسو الإنسان في الواقع، فهو كاسٍ للأرض وهو كاسٍ أيضًا للإنسان. وقوله: ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ [الفرقان ٤٧]، السبت بمعنى القطع، والمؤلف فسره بالراحة وهو من باب تفسير الشيء بلازمه، وإلا فهو قطع للتعب، يقطع التعب، ففيه هذه الفائدة العظيمة: أنه يقطع التعب السابق، وليس كما قال المؤلف: (بِقَطْعِ الْأَعْمَال)؛ لأن الإنسان قد يقطع أعماله وهو يقظان، ولكنه يقطع التعب كما هو مشاهد، فالإنسان يكون تعبانًا ثم ينام، فإذا نام انتقض تعبه، فهو في الحقيقة قطع للتعب الماضي وتجديد للنصاب المستقبل. * طالب: (...). * الشيخ: لا، قصده أن الإنسان إذا نام ما يعمل. * الطالب: يعني ما يعمل لله سبحانه وتعالى ولّا لأي شيء؟ * الشيخ: لأي شيء، فهو إذا نام لا يعمل، فهذا وجه كونه سباتًا، ولكنا نقول: ليس كذلك، ليس قطعًا للعمل، بل هو قطع لتعب البدن؛ ولذلك يكسب البدن راحة، أما مجرد قطع الأعمال فهذا قد يكون مع وجود الصحو واليقظة. ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان ٤٧] يعني: محلًّا للنشور؛ ولهذا قال المؤلف: (منشورًا فيه)؛ يعني أن النهار محل النشور لابتغاء الرزق وغيره من الأعمال، وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى. ولا يرد على هذا ما نحن فيه اليوم من كون الليل ليس لباسًا؛ لأن هذا أمر طارئ بسبب الأنوار المحدثة التي صنعها الإنسان، هذه الأنوار لو فاتت لعاد الظلام على الأرض، ثم إن هذا النور والإضاءة الذي يمنع كون الليل لباسًا ليس بعام في الواقع، بل هو أمر نسبي، ثم هو أيضًا ضعيف لا يشمل الظل، فالظل الذي يحجب ضوء هذه الشمعة مثلًا يكون أسود ﴿لِبَاسًا﴾. وكذلك أيضًا: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ لا يرد عليه بعض الحالات الطارئة كالحراس مثلًا، الحراس في النهار ينامون وفي الليل يعملون، لكن هذه أمور نادرة، والنادر ليس يقطع القواعد، القواعد لا يمكن أن (...) بالأمور النادرة، إنما الكلام على العام. هذا أيضًا من نعمة الله سبحانه وتعالى، هل أحد يستطيع لو لم يجعل الله الليل أن يأتي بالليل؟ ما أحد يستطيع؛ يعني لو اجتمع الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم بجميع صنائعهم ما استطاعوا أن يأتوا بنصف ليل ولا بساعة من ليل. كذلك أيضًا النوم، هل يستطيع أحد أن ينوِّم أحدًا؟ أبدًا ما يستطيع، وحبوب النوم هذه ما ترد علينا؛ لأن الإنسان يعطي حبوب النوم مثل الذي يقول: أنا أستطيع أن أنوم الإنسان بإعطائه جرعات للنوم، نقول: هذا مثل الذي قال لإبراهيم: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فإن هذا الذي يعطي جرعات للنوم ليس هو الذي ينوم، وإنما يفعل السبب الذي يكون به النوم. أرأيت لو أن الله تعالى جعل هذا الجسم غير قابل للنوم هل تستطيع هذه الجرعات أن تنومه؟ لا، إذن فالنوم لا يستطيع أحد أبدًا أن يأتي به إلى بدن الإنسان، وحتى لو أتى به مثلًا فقد يأتي به الإنسان ولا يكون قطعًا، لا يكون قاطعًا للتعب؛ ولهذا امتن الله سبحانه وتعالى به على العباد، وهو أمر لا يستطيع أحد فعله. كذلك جعل النهار نشورًا، من يستطيع أن يخلع هذا اللباس -لباس الليل- حتى يكون الإسفار وينتشر الناس في مصالحهم؟ الجواب: لا أحد يستطيع سوى الله عز وجل؛ ولهذا امتن الله سبحانه وتعالى على عباده في هذه الأمور الثلاثة: بالنوم، والليل، والنهار. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الله يعافينا من هذا، أعوذ بالله. * الطالب: يعني هذا دليل على أنه (...)، مهما يسوي به. * الشيخ: معلوم، ما فيه شك، هذا أمر معلوم. إذا قال قائل: إن الله سبحانه وتعالى جعل الليل لباسًا وجعل النهار نشورًا وجعل النوم سباتًا، ما حل النوم؟ هل هو في الليل ولّا في النهار؟ * طالب: في الليل. * الشيخ: الأصل في الليل، لكن قد يكون في النهار أيضًا، قد يتعب الإنسان في النهار وينام ثم يستريح، كوقت القائلة مثلًا؛ ولذلك ما يقول قائل: إن الله سبحانه وتعالى ذكر نعمتين في الليل ونعمة واحدة في النهار، بل نقول: إن الله ذكر في الليل نعمة وهو كونه ﴿لِبَاسًا﴾، وفي النهار نعمة؛ وهو كونه نُشورًا، وجعل في النوم مطلقًا نعمة وهو أنه سبات؛ يعني قاطع للتعب، والله أعلم. * طالب: شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: النوم بكل أنواعه قاطع للتعب ولّا نوع دون نوع؟ * الشيخ: النوم الطبيعي الذي من خلقة الإنسان، فأما النوم الذي يحدث بسبب المرض؛ لأنه قد يكون الإنسان يمرض فيكثر معه النوم، فالظاهر ما يدخل في الآية. * طالب: (...)؟ * الشيخ: المهم في الظاهر، الظاهر أنه أمر نسبي، وبعض الناس يرتاح له كثيرًا. * الطالب: أو مثلًا بعد العصر (...). * الشيخ: أنا الآن لو ما أنام شوي قبل (...) ممكن ما استطعت أني أعمل، كان أنعس ثانيًا، وهو ما جربناه فيما سبق. * طالب: (...)؟ * الشيخ: تقول إنه يتعب بالحقيقة أكثر ما يتعب إذا صار الإنسان ممتلئ البطن، إذا نام ممتلئ البطن فهو يمكن، لكن الكلام على العموم (...)، نعم؟ * طالب: يا شيخ، بعض الأوقات مكروه النوم فيه؟ * الشيخ: ما أعرف عن هذا شيئًا. * الطالب: (...). * الشيخ: ما هو مكروه، «إلا أن الرسول يكره النوم قبل صلاة العشاء»[[أخرج البخاري (٥٩٩)، ومسلم (٦٤٧ / ٢٣٦) واللفظ له، عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ لا يبالي بعض تأخير صلاة العشاء إلى نصف الليل، وكان لا يحب النوم قبلها، ولا الحديث بعدها.]]، هذا مكروه، قبل صلاة العشاء لسبب شرعي ما هو بسبب جسمي، وأما نوم العصر فهم يقولون قول الشاعر: أَلَا إِنَّ نَوْمَاتِ الضُّحَى تُورِثُ الْفَتَى ∗∗∗ خَبَــــــالًا وَنَوْمَــــــــاتِ الْعُــــــصَيْرِجُنُـــــونُ هذا ما هو بصحيح، كثير من الناس الآن ينامون العصر باستمرار، ولا أصيبوا بالجنون ولا قيل: إنكم مجانين. * الطالب: العلماء قالوا: إنه (...). * الشيخ: يشغل عن الفكر، يمكن يقضيه الإنسان، أحيانًا يعني ما يستطيع أنه ينام في نصف النهار، ولكن ما يستطيع يبقى إلى الليل، لازم ينام (...). * طالب: شيخ، (...). * الشيخ: إي، يمكن (...). نعم؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما أظن هذا، هذا فهم للحديث (...)، فالعوام يقولون: .. * الطالب: (...). * الشيخ: ما (...)، والعوام بعد يقولون: أقل فإن الشياطين لا تقل، يحذفون الياء (...). نعم؟ (...) (نَشُور كَرَسُولٍ وَالْأَخِيرَة بَشِير) هذه فيها عدة قراءات، أولًا الريح فيها قراءتان، سبعيتان ولّا إحداهما شاذة؟ * طالب: سبعيتان. * الشيخ: وأيش الدليل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، الدليل أنه إذا قال: وفي قراءة؛ فهي سبعية، وإذا قيل: وقرئ؛ فهي شاذة. نعم. ﴿الرِّيَاحَ﴾ و﴿﴿الرِّيحَ﴾ ﴾ [الفرقان: ٤٨] فيها قراءتان: ﴿الرِّيَاحَ﴾ و﴿﴿الرِّيحَ﴾ ﴾، وفي هذا نعرف أن ما اشتهر من قولهم: إن الريح لا تكون إلا في العذاب والرياح تكون في الرحمة ليس على إطلاقه، وأنه قد يؤتى بالريح مفردًا في ريح الرحمة، لكنه له قرينة، فهنا قال: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان ٤٨]، فعرف أنها ريح رحمة. وكذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ﴾ وأيش بعدها؟ ﴿طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢]، هذه ريح رحمة لكنها وُصِفت، فأما عند الإطلاق فالغالب أن الريح للعذاب. * طالب: (...). * الشيخ: نعم مثل الحديث هذا. وقوله: ﴿بُشْرًا﴾ [الفرقان ٤٨] فيها عدة قراءات، نشوف أولًا: ﴿﴿نُشُرًا﴾ ﴾ بضم النون والشين، ومعنى ﴿﴿نُشُرًا﴾ ﴾ يقول المؤلف: (متفرقة)؛ يعني أنها تكون أحيانًا جنوبًا، وأحيانًا شمالًا، وأحيانًا غربًا، وأحيانًا شرقًا، بهذا التفرق يتولد السحاب ثم المطر. وقوله: (وفي قراءة بسكون الشين تخفيفًا) كيف؟ * طالب: ﴿﴿نُشْرًا﴾ ﴾. * الشيخ: ﴿﴿نُشْرًا﴾ ﴾، وقوله: (تخفيفًا) يعني أنها لا يتغير بها المعنى، وإنما تسكن للتخفيف. (وفي أخرى بسكونها وفتح النون مصدرًا). * طالب: ﴿﴿نَشْرًا﴾ ﴾. * الشيخ: ﴿﴿نُشْرًا﴾ ﴾، حينئذ يتغير. ﴿﴿نُشُرًا﴾ ﴾ و﴿﴿نُشْرًا﴾ ﴾ معناهما واحد لا يختلف؛ لأن التسكين للتخفيف. لكن ﴿﴿نَشْرًا﴾ ﴾ يعني ينشرها نشرًا، هذه مختلفة تكون مصدرًا. (وفي أخرى بسكونها وضم الموحدة) سكون الشين وضم الموحدة بدل النون، وهي: ﴿بُشْرًا﴾ وهذه هي القراءة المشهورة، ومعنى ﴿بُشْرًا﴾ على هذا أي: مبشرات؛ يعني: هي تبشر، وليست مصدرًا، وأن الله يبشر بها، وإنما هي نفسها ﴿بُشْرًا﴾، نعم؟ * طالب: (...) (وفي أخرى بسكونها وضم الموحدة بدل النون) ما ذكر (...)؟ * الشيخ: (بسكونها) أظنه واحدًا. * الطالب: و(الموحدة) (...). * الشيخ: الباء الموحدة، إي ﴿بُشْرًا﴾، هذه هي. المفرد يقول: (مفرد الأولى: نشور)، وأيش هي الأولى؟ ﴿﴿نُشُرًا﴾ ﴾. (كرسول ورسل)، رسول ورُسُل، ورسول ورُسْل، هذا مفرد الأولى ما لم تكن مصدرًا وهي ﴿﴿نَشْرًا﴾ ﴾، فإن كانت مصدرًا فهي مفرد، ما هي جمع. والأخيرة ﴿بُشْرًا﴾، يقول: (الأخيرة مفردها بشير). صارت القراءات أظن أربعًا: ﴿﴿نُشُرًا﴾ ﴾، و﴿﴿نُشْرًا﴾ ﴾، و﴿﴿نَشْرًا﴾ ﴾، و﴿بُشْرًا﴾ أربع قراءات في هذه الكلمة. فائدة اختلاف القراءات؛ يعني هذا من إعجاز القرآن: أن يؤخذ من كل قراءة معنى، وعلى هذا ستكون هي جامعة على كونها بشارة وكونها منشورة متفرقة بين يدي المطر. وقوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان ٤٨]، المراد بالرحمة هنا المطر أو آثاره، وهذه رحمة مخلوقة؛ لأن الرحمة المضافة إلى الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: رحمة هي صفته فهي غير مخلوقة، ورحمة هي من آثار الصفة فهي مخلوقة، فقوله تعالى للجنة: «أَنْتَ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، هذه مخلوقة ولّا لا؟ مخلوقة، وقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٥٦] هذه الصفة التي ليست مخلوقة، فإذن الرحمة المضافة إلى الله تنقسم إلى قسمين: مخلوقة؛ وسميت رحمة؛ لأنها من آثار الرحمة، وغير مخلوقة؛ وهي صفته. والذي معنا الآن: ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان ٤٨]، هل هي المخلوقة ولّا غير المخلوقة؟ * طالب: الأمران. * الشيخ: كيف الأمران؟ * الطالب: عموم الرحمة من الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، يحتمل أن المراد ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ يعني معناه: إذا أراد أن يرحم، إذا أراد أن يرحم فتكون من غير المخلوقة، ويحتمل ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ بين يدي المطر نفسه، فتكون الرحمة هنا مخلوقة؛ لأن إطلاقها للمطر يقتضي ذلك. والمؤلف فسرها على أنها الرحمة المخلوقة؛ لأنه قال: (قُدَّام الْمَطَر). ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾ [الفرقان ٤٨]. من المعروف أن الذي يكون به المطر بإذن الله هي الرياح الجنوبية؛ ولذلك يقولون لنا -الأولون من آبائنا وأجدادنا: إذا هبت الريح الجنوبية (...)، قالوا: خلاص الآن يأتي المطر ولا حاجة نسقي الزرع؛ لأنه كأنه شيء معتاد عندهم. ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان ٤٨]، ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من السحاب؛ لأن السماء كل ما علاك فهو سماء، ولا شك أن المطر إنما ينزل من السحاب، فيكون المراد بـ﴿السَّمَاءِ﴾ هنا العلو. وقوله: ﴿مَاءً طَهُورًا﴾ يعني به المطر، والطَّهور -بفتح الطاء- هو ما يُتطهر به أو ما تحصل به الطهارة، وأما الطُّهور بفعلها فهو فعل التطهر، فهو التطهر. هنا يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾، وقبلها: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ [الفرقان ٤٨]، ففيه من علم البديع ما يُسمى بالالتفات، وفائدته كما مر علينا كثيرًا تنبيه المخاطب؛ لأن تغير الأسلوب يوجب التنبه، وفيه أيضًا العناية بما حصل الالتفات إليه؛ لأنه احتاج إلى أن ينبه بهذا الالتفات إليه. ولا شك أن إنزال المطر هو المقصود من إرسال الرياح، أليس كذلك؟ ولذلك جاء الالتفات إليه بصورة المتكلم: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾، كلمة ﴿مَاءً﴾ للواحد ولّا للجماعة؟ * طالب: للواحد. * طالب: قد تكون للواحد وقد تكون للجماعة. * الشيخ: لكن تصلح للواحد المعظم نفسه، وهي هنا كذلك. (﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الفرقان ٤٨، ٤٩] بالتخفيف، يستوي فيه المذكر والمؤنث، ذكره باعتبار المكان، ﴿وَنُسْقِيَهُ﴾ أي: الماء ﴿مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا﴾ إبلًا وبقرًا وغنمًا ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان ٤٩] جمع إنسان، وأصله أناسين، فأُبدلت النون ياء وأُدغمت فيها الياء أو جمع إنسي). ذكر الله سبحانه وتعالى من فوائد هذا المطر فائدتين: أولًا: إحياء البلدة الميتة ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾، ولم يقل: ميتة؛ لأنه (يستوي فيه المذكر والمؤنث) كذا عندي، ما عندكم أنتم: (أو ذَكَّرَهُ باعتبار المكان)؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن الصواب أن يُقال: (أو ذكَّرَه باعتبار المكان)؛ لأنه إذا قال: (ذكَّرَه باعتبار المكان)، ما صح قوله: (يستوي فيه المذكر والمؤنث)؛ لأنه إذا استوى فيه المذكر والمؤنث ما يحتاج أن يعلل أنه ذكر باعتبار المكان، فنقول مثلًا: الصواب أن يُقال: (أو ذَكَّره باعتبار المكان). فكلمة (مَيْتًا) إذا كان يستوي فيه المذكر والمؤنث، صار قولك: (مَيْتًا) أو (ميتة) على حد سواء. أو ميتة على حد سواء، وأما إذا قلنا: إنه للمذكر فحينئذ نحتاج إلى الجواب عن كونه وُصف به مؤنث: ﴿بَلْدَةً﴾ [الفرقان ٤٩]، فيقول: إنه ذكَّره باعتبار المكان. قوله تعالى: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ [الفرقان ٤٩]، الباء هنا للسببية، والمحيي هو الله عز وجل، ولكن المطر سبب. وقوله: ﴿مَيْتًا﴾ [الفرقان ٤٩]، وصف البلدة هنا بالميت هل المراد نفس الأرض تكون ميتة ولَّا ما عليها؟ * طالب: كل ما عليها من نبات. * الشيخ: ما عليها في الواقع؛ لأن الفائدة من الأرض وما عليها، والذي ترعاه الإبل والبقر والغنم هو ما على الأرض، ليس تأكل التراب والحصى. فإحياؤها باعتبار ما فيه أنه يحيا وينمو ويكبر. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، بس هي نفس الأرض ما يدخلها الحياة والموت، نفس الأرض يعني الأحجار والطين ما يدخلها الحياة والموت، إنما يدخل الحياة والموت ما فيها؛ فلذلك قال في آية أخرى: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج ٥]، والاهتزاز والربو إنما يكون بما عليها، أما هي ما تهتز. قوله: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا﴾ [الفرقان ٤٩]. هذه فائدة أخرى للمطر: أنه يسقى به الأنعام والناس. لكن كيف ذلك؟ هل هو بالغدران التي تبقى على وجه الأرض، أو أن هذا الماء يخزن في الأرض، أو بهما؟ بهما جميعًا؛ لأن سقي المطر يكون على هذين الوجهين: إما غدران تكون به قيعان لا تشرب فينتفع الناس بها، وإما أن الأرض تشربه ويُخزن فيها كما قال الله: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر ٢٢]، بل الذي يخزنه الله سبحانه وتعالى. * وفي الآية هذه: دليل على إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الفرقان ٤٩]. * وفيه دليل على إرسال المبشرات والمقدمات بين يدي الأشياء بقوة الرجاء؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان ٤٨]. * وفيه أيضًا دليل على قدرة الله عز وجل بإرسال الرياح؛ لأن هذه الرياح لو اجتمع الخلق كله بالتأكيد على أن يأتوا بواحدة منها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، مع أن هذه الرياح في بعض الأحيان تقتلع الأشجار وتدمر المنازل. هذه القوة العظيمة لو تأتي بمولدات الدنيا كلها لتخلق مثل هذا الهواء ما حصل هذا. * وفيه دليل أيضًا على الحكمة، على حكمة الله عز وجل بكون المطر ينزل من السماء. لو كان هذا المطر الذي تحيا به الأرض يأتي جريًا على سطح الأرض ما كان فيه هذا النفع؛ لأنه لا يصل إلى قمم الجبال إلا بعد أن يغرق ما تحتها، لكنه إذا نزل من فوق أتى على قمم الجبال وأتى على ما هو أسفل منها، وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى بذلك. * وفيه دليل على أن الأصل في الماء الطهارة؛ لقوله: ﴿مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان ٤٨]. ونحن نعرف الآن حسب ما تلونا عليكم أن الماء الموجود في الأرض من السماء. * طالب: كله؟ * الشيخ: نعم كله، ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر ٢٢]، فإذا كان من السماء فإن الأصل فيما نبع من الأرض أو فيما نزل من السماء الأصل فيه أن يكون طهورًا. * وفيه دليل على إثبات الحكمة في أفعال الله؛ لقوله: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ [الفرقان ٤٩]، لام التعليل، وهذا دليل من مئات الأدلة على إثبات الحكمة، فيكون فيه رد على طائفة من طوائف المبتدعة، من هم؟ * طالب: الجهمية والمعتزلة. * الشيخ: لا، ما هم بالمعتزلة. الجهمية؛ لأنهم يرون أن فعل الله لمجرد المشيئة، ليس لعلة، الجهمية؛ فإنه لا يرجح شيئًا على شيء لحكمة، إنما لمجرد المشيئة، ولا يفعل شيئًا إلا لمجرد المشيئة! ولا شك أن هذا القول مردود بالأدلة النقلية والعقلية؛ لأن من يفعل لحكمة أكمل ممن يفعل لغير حكمة، أليس كذلك؟ وهم يرون نفي الحكمة، يقولون: لأن الحكمة غرض، والله سبحانه وتعالى منزه عن الأبعاض والأعراض والأغراض، شوف حسن التعبير! اللي يسمع هذا التعبير يقول: هذا مثل تعبير القرآن: منزه عن الأبعاض والأغراض والأعراض. يريدون بالأبعاض مثل اليد والوجه والعين وما أشبه ذلك، ويريدون بالأعراض الصفات الفعلية، الأفعال الاختيارية؛ كالنزول والاستواء وما أشبه ذلك، ويريدون بالأغراض الحكمة؛ لأنهم يقولون: لو فعل لحكمة لكان ناقصًا بدونها. وهذا من قلب الحقائق، إذا فعل لحكمة فهو دليل على كماله، وأنه لا يفعل شيئًا لمجرد المشيئة سفهًا. * وفيه دليل على جواز ذكر بعض الفوائد، يعني الاختصار على البعض لا يعد نقصًا؛ لأنه هنا ذكر الله من فوائد المطر فائدتين فقط: إحياء الأرض وسقي الأنعام والأناسي، مع أن للمطر فوائد أخرى: كالتطهر به مثلًا، فالتطهر به ليس سقيًا وليس إحياء للأرض، وغير ذلك أيضًا من الفوائد. لكنه لما كان أشد ما يكون ضرورة في المطر هو إحياء الأرض بالنبات ليأكل الناس والأنعام، وكذلك السقي، فالطعام والشراب ضروري من ضروريات الحياة بالنسبة للأنعام وبالنسبة للناس، اقتصر الله تبارك وتعالى على ذكر هاتين الفائدتين فقط؛ لأنهما هما الفائدتان الضروريتان الحاصلتان بنزول المطر: إحياء الأرض للنبات والأكل، والسقي للشرب. وقوله تعالى: ﴿أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ﴾ [الفرقان ٤٩]، لكن هنا الأنعام ما قال: أنعامًا كثيرة، والأناسي قال: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان ٤٩]. وفي هذا التعبير إشكالان: الإشكال الأول: لماذا وصف الأناسي بالكثير ولم يصف الأنعام بالكثير. الثاني: أننا نعلم أن الله تعالى يسقي بهذا الماء كل الأناسي، كل الناس يشربون منه؛ فلماذا قال: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾؟ يعني كأنه يفهم أن من الأناسي من لا يسقى بماء المطر، فما هو الجواب عن الإشكال الأول: وصف الأناسي بالكثرة دون وصف الأنعام؟ * طالب: (...). * الشيخ: معناه أن ﴿كَثِيرًا﴾ صفة لهما جميعًا؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ما هو بالظاهر؛ لأنه كان يطابق. * طالب: الأنعام بالنسبة للأناسي هي أقل. * طالب: (...). * طالب: الأنعام أكثر من الأناسي. * الشيخ: إي نعم. أيش لون؟ * الطالب: أقول: الأنعام أكثر من الأناسي. * طالب: (...). * الشيخ: أنا عندي والله أعلم أن بعض الأنعام لا يحتاج إلى الماء حسب ما نسمع أن بعضها ما يحتاج إلى الماء، وبعضها ما يحتاج إلا قليلًا جدًّا؟ * طالب: (...). * الشيخ: أشياء كثيرة يعدون علينا نقول: ما تحتاج إلى الماء، أو إذا شربت لا تشرب إلا قليلًا جدًّا، يمكن في السنة مرة. فإذا صح هذا فهو من الحكمة، قد يكون هذا من الحكمة بعدم وصفه بالكثرة. لكن يبقى عندنا الإشكال الثاني أشد من هذا: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان ٤٩]. * طالب: ما يقال على الإشكال الأول. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: مثل الأنعام لا (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: بخلاف الإنسان (...). * الشيخ: إي، لكن أنا ما ذكر لنا الشرب فقط: ونسقيه أنعامًا وأناسي. الإشكال الثاني: أن قوله: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾، مع أن جميع الأناسي يشربون؟ * طالب: (...). * طالب آخر: حسب ما قلته الأنعام يجب أن تكون كثيرة (...). * الشيخ: إي نعم. * طالب: وصفها بالكثرة ليس تقييدًا للشرط (...) الواقع أن الأناسي كثيرة. * الشيخ: يعني بالنسبة للأنعام، يعني؟ * الطالب: لا، (...) وأنت قلت: الإشكال الثاني أنه يوجد أن هناك بعض الأنعام لا تشرب. * الشيخ: نعم. * الطالب: أو لا تستفيد من (...)، فنقول: إن ﴿كَثِيرًا﴾ ليست تقييدًا للشرب لمن يشرب من الأناسي، وإنما بيان الواقع فقط أن هؤلاء الأناسي كثيرون الذين يشربون، وهم كلهم يشربون، فتكون للكثرة. * الشيخ: لو أقول مثلًا: عندي رجال كثيرٌ، هل يفهم من ذلك أن فيه رجالًا آخرين ما حضروا (...)؟ * طالب: نعم. * طالب: الله سبحانه وتعالى (...). * الشيخ: إي، ولهذا يقول: جمع إنسان، وأصله... * طالب: (...) أن تكون ﴿كَثِيرًا﴾ صفة للأنعام والأناسي؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: ما فيه ما يمنع من أن تكون الصفة (...)؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، نحن قلنا: المطابقة، ولكن أورد علينا الأخ قال: حتى الأنعام فيه أيضًا جمع، ﴿كَثِيرًا﴾ يستوي فيها المفرد والجمع. * طالب: ربما يدل على (...). * الشيخ: لا، هي إذا قلنا: إن ﴿كَثِيرًا﴾ صفة للأناسي وللأنعام زال الإشكال. الإشكال الثاني: ممكن أن نقول مثلما قال محمد، يعني أنه يبين الله سبحانه وتعالى أنهم أناسي كثيرون، ولا يلزم من هذا أن بعضهم لا يشرب، وأنه تكون الكثرة هذه كثرة شاملة، مثلما تقول: الجند كثيرون، أو عند الأمير جند كثير، كلمة (جند كثير) تشمل جميع الجنود وتصفهم بالكثرة. (أناسي) تشمل جميع الناس وتصفهم بالكثرة. * طالب: لو قال أكثر (...). * الشيخ: إي، قول قال أكثر صحيح، واضح. على كل حال يمكن إذن، إذن الإشكال الذي يتبادر في الأول التخلص منه بأي شيء؟ بأن نجعل ﴿كَثِيرًا﴾ صفة للأمرين: أنعامًا كثيرًا وأناسي كثيرًا. وليس كقول الله تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء ١]، فإن ﴿رِجَالًا كَثِيرًا﴾ ما تصلح أن تكون ﴿كَثِيرًا﴾ صفة للأمرين؛ لأنها مقدمة على النساء؛ أما هذه فيمكن أن يقال بأنها وصف للمعطوف والمعطوف عليه. وأما ﴿كَثِيرًا﴾ فإنه لبيان الواقع وليس لإخراج البعث، ونظيره في التمثيل أن تقول مثلًا: عند الأمير جند كثير، أو خرج إلى العدو جيش كثير، فهو وصف له بالكثرة. يعني: ﴿وَأَنَاسِيَّ﴾ ليسوا بالقليلين، هذا المعنى، ﴿أَنْعَامًا﴾ ليست قليلة ﴿وَأَنَاسِيَّ﴾ ليست قليلة، بل هي كثيرة، ويكون هذا بيانًا لشمول انتفاع الخلق ناطقهم وبهيمهم بهذا الماء: ﴿أَنْعَامًا﴾ كثيرًا ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾. طيب، إلى الآن توصلنا جميعًا إلى أن الكثير صفة للأنعام والأناسي، بالنسبة لكثرة الأنعام هل نقول: كثرة الجنس والأنواع ولَّا كثرة الأفراد، أو الجميع؟ * طالب: الجميع. * الشيخ: وبالنسبة للأناسي كثرة الأفراد؛ لأن الأناسي جنس واحد. ثم قال الله تبارك وتعالى، كم من الفوائد اللي عدينا من هذه الآيات؟ سبع فوائد. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الظاهر والله أعلم للكثرة؛ لأنها أكثر، أكثر أنواعًا وأفرادًا. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: الله أعلم، ما هو علشان الـ... الكلام على إفادتها من المطر، إي هو على الأنعام هذا لأنه أكثر. وقد يقال: إن إحياء الأرض لمصلحة الإنسان، وسقي الأنعام لمصلحة الإنسان، وسقي الإنسان هذه لمصلحة نفسه، فقدم ما يكون انتفاعًا غير مباشر للإنسان، ثم أخر الانتفاع المباشر من باب السير للأبعد فالأبعد في المصالح، الأبعد فالأبعد؛ لأن الأنعام من مصلحة الإنسان، والأرض إحياؤها من مصلحة الإنسان، وإحياء الأنعام أشد مباشرة والتصاقًا بالإنسان من إحياء الأرض؛ لأنه كم من أراض تشرب المطر لا ينالها الإنسان وينتفع بها، بخلاف الأنعام.

الفرقان 25:49

ثم قال: (﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ ساترًا كاللباس ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ راحة للأبدان بقطع الأعمال ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان ٤٧] منشورا فيه لابتغاء الرزق وغيره). هذا أيضًا من النعم التي لا يستطيع أحد أن يأتي بها إلا الله. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ اللام للتعليل؛ أي: من أجلكم، ﴿جَعَلَ﴾ من أجلكم ﴿اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾، ومعنى ﴿لِبَاسًا﴾: (ساترًا كاللباس)؛ وذلك لظلامه. ولهذا الإنسان ربما يخرج في الليل بثياب لا يستطيع أن يخرج بها في النهار، ربما يخرج يجيب حوائج في الليل، لا يستطيع أن يخرج بها في النهار؛ لأن الليل يستر، فهو لباس. وهل هو لباس للأرض ولّا لباس لنا؟ للجميع؛ لأنه يكسو الأرض ويكسو الإنسان في الواقع، فهو كاسٍ للأرض وهو كاسٍ أيضًا للإنسان. وقوله: ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ [الفرقان ٤٧]، السبت بمعنى القطع، والمؤلف فسره بالراحة وهو من باب تفسير الشيء بلازمه، وإلا فهو قطع للتعب، يقطع التعب، ففيه هذه الفائدة العظيمة: أنه يقطع التعب السابق، وليس كما قال المؤلف: (بِقَطْعِ الْأَعْمَال)؛ لأن الإنسان قد يقطع أعماله وهو يقظان، ولكنه يقطع التعب كما هو مشاهد، فالإنسان يكون تعبانًا ثم ينام، فإذا نام انتقض تعبه، فهو في الحقيقة قطع للتعب الماضي وتجديد للنصاب المستقبل. * طالب: (...). * الشيخ: لا، قصده أن الإنسان إذا نام ما يعمل. * الطالب: يعني ما يعمل لله سبحانه وتعالى ولّا لأي شيء؟ * الشيخ: لأي شيء، فهو إذا نام لا يعمل، فهذا وجه كونه سباتًا، ولكنا نقول: ليس كذلك، ليس قطعًا للعمل، بل هو قطع لتعب البدن؛ ولذلك يكسب البدن راحة، أما مجرد قطع الأعمال فهذا قد يكون مع وجود الصحو واليقظة. ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان ٤٧] يعني: محلًّا للنشور؛ ولهذا قال المؤلف: (منشورًا فيه)؛ يعني أن النهار محل النشور لابتغاء الرزق وغيره من الأعمال، وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى. ولا يرد على هذا ما نحن فيه اليوم من كون الليل ليس لباسًا؛ لأن هذا أمر طارئ بسبب الأنوار المحدثة التي صنعها الإنسان، هذه الأنوار لو فاتت لعاد الظلام على الأرض، ثم إن هذا النور والإضاءة الذي يمنع كون الليل لباسًا ليس بعام في الواقع، بل هو أمر نسبي، ثم هو أيضًا ضعيف لا يشمل الظل، فالظل الذي يحجب ضوء هذه الشمعة مثلًا يكون أسود ﴿لِبَاسًا﴾. وكذلك أيضًا: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ لا يرد عليه بعض الحالات الطارئة كالحراس مثلًا، الحراس في النهار ينامون وفي الليل يعملون، لكن هذه أمور نادرة، والنادر ليس يقطع القواعد، القواعد لا يمكن أن (...) بالأمور النادرة، إنما الكلام على العام. هذا أيضًا من نعمة الله سبحانه وتعالى، هل أحد يستطيع لو لم يجعل الله الليل أن يأتي بالليل؟ ما أحد يستطيع؛ يعني لو اجتمع الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم بجميع صنائعهم ما استطاعوا أن يأتوا بنصف ليل ولا بساعة من ليل. كذلك أيضًا النوم، هل يستطيع أحد أن ينوِّم أحدًا؟ أبدًا ما يستطيع، وحبوب النوم هذه ما ترد علينا؛ لأن الإنسان يعطي حبوب النوم مثل الذي يقول: أنا أستطيع أن أنوم الإنسان بإعطائه جرعات للنوم، نقول: هذا مثل الذي قال لإبراهيم: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فإن هذا الذي يعطي جرعات للنوم ليس هو الذي ينوم، وإنما يفعل السبب الذي يكون به النوم. أرأيت لو أن الله تعالى جعل هذا الجسم غير قابل للنوم هل تستطيع هذه الجرعات أن تنومه؟ لا، إذن فالنوم لا يستطيع أحد أبدًا أن يأتي به إلى بدن الإنسان، وحتى لو أتى به مثلًا فقد يأتي به الإنسان ولا يكون قطعًا، لا يكون قاطعًا للتعب؛ ولهذا امتن الله سبحانه وتعالى به على العباد، وهو أمر لا يستطيع أحد فعله. كذلك جعل النهار نشورًا، من يستطيع أن يخلع هذا اللباس -لباس الليل- حتى يكون الإسفار وينتشر الناس في مصالحهم؟ الجواب: لا أحد يستطيع سوى الله عز وجل؛ ولهذا امتن الله سبحانه وتعالى على عباده في هذه الأمور الثلاثة: بالنوم، والليل، والنهار. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الله يعافينا من هذا، أعوذ بالله. * الطالب: يعني هذا دليل على أنه (...)، مهما يسوي به. * الشيخ: معلوم، ما فيه شك، هذا أمر معلوم. إذا قال قائل: إن الله سبحانه وتعالى جعل الليل لباسًا وجعل النهار نشورًا وجعل النوم سباتًا، ما حل النوم؟ هل هو في الليل ولّا في النهار؟ * طالب: في الليل. * الشيخ: الأصل في الليل، لكن قد يكون في النهار أيضًا، قد يتعب الإنسان في النهار وينام ثم يستريح، كوقت القائلة مثلًا؛ ولذلك ما يقول قائل: إن الله سبحانه وتعالى ذكر نعمتين في الليل ونعمة واحدة في النهار، بل نقول: إن الله ذكر في الليل نعمة وهو كونه ﴿لِبَاسًا﴾، وفي النهار نعمة؛ وهو كونه نُشورًا، وجعل في النوم مطلقًا نعمة وهو أنه سبات؛ يعني قاطع للتعب، والله أعلم. * طالب: شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: النوم بكل أنواعه قاطع للتعب ولّا نوع دون نوع؟ * الشيخ: النوم الطبيعي الذي من خلقة الإنسان، فأما النوم الذي يحدث بسبب المرض؛ لأنه قد يكون الإنسان يمرض فيكثر معه النوم، فالظاهر ما يدخل في الآية. * طالب: (...)؟ * الشيخ: المهم في الظاهر، الظاهر أنه أمر نسبي، وبعض الناس يرتاح له كثيرًا. * الطالب: أو مثلًا بعد العصر (...). * الشيخ: أنا الآن لو ما أنام شوي قبل (...) ممكن ما استطعت أني أعمل، كان أنعس ثانيًا، وهو ما جربناه فيما سبق. * طالب: (...)؟ * الشيخ: تقول إنه يتعب بالحقيقة أكثر ما يتعب إذا صار الإنسان ممتلئ البطن، إذا نام ممتلئ البطن فهو يمكن، لكن الكلام على العموم (...)، نعم؟ * طالب: يا شيخ، بعض الأوقات مكروه النوم فيه؟ * الشيخ: ما أعرف عن هذا شيئًا. * الطالب: (...). * الشيخ: ما هو مكروه، «إلا أن الرسول يكره النوم قبل صلاة العشاء»[[أخرج البخاري (٥٩٩)، ومسلم (٦٤٧ / ٢٣٦) واللفظ له، عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ لا يبالي بعض تأخير صلاة العشاء إلى نصف الليل، وكان لا يحب النوم قبلها، ولا الحديث بعدها.]]، هذا مكروه، قبل صلاة العشاء لسبب شرعي ما هو بسبب جسمي، وأما نوم العصر فهم يقولون قول الشاعر: أَلَا إِنَّ نَوْمَاتِ الضُّحَى تُورِثُ الْفَتَى ∗∗∗ خَبَــــــالًا وَنَوْمَــــــــاتِ الْعُــــــصَيْرِجُنُـــــونُ هذا ما هو بصحيح، كثير من الناس الآن ينامون العصر باستمرار، ولا أصيبوا بالجنون ولا قيل: إنكم مجانين. * الطالب: العلماء قالوا: إنه (...). * الشيخ: يشغل عن الفكر، يمكن يقضيه الإنسان، أحيانًا يعني ما يستطيع أنه ينام في نصف النهار، ولكن ما يستطيع يبقى إلى الليل، لازم ينام (...). * طالب: شيخ، (...). * الشيخ: إي، يمكن (...). نعم؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما أظن هذا، هذا فهم للحديث (...)، فالعوام يقولون: .. * الطالب: (...). * الشيخ: ما (...)، والعوام بعد يقولون: أقل فإن الشياطين لا تقل، يحذفون الياء (...). نعم؟ (...) (نَشُور كَرَسُولٍ وَالْأَخِيرَة بَشِير) هذه فيها عدة قراءات، أولًا الريح فيها قراءتان، سبعيتان ولّا إحداهما شاذة؟ * طالب: سبعيتان. * الشيخ: وأيش الدليل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، الدليل أنه إذا قال: وفي قراءة؛ فهي سبعية، وإذا قيل: وقرئ؛ فهي شاذة. نعم. ﴿الرِّيَاحَ﴾ و﴿﴿الرِّيحَ﴾ ﴾ [الفرقان: ٤٨] فيها قراءتان: ﴿الرِّيَاحَ﴾ و﴿﴿الرِّيحَ﴾ ﴾، وفي هذا نعرف أن ما اشتهر من قولهم: إن الريح لا تكون إلا في العذاب والرياح تكون في الرحمة ليس على إطلاقه، وأنه قد يؤتى بالريح مفردًا في ريح الرحمة، لكنه له قرينة، فهنا قال: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان ٤٨]، فعرف أنها ريح رحمة. وكذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ﴾ وأيش بعدها؟ ﴿طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢]، هذه ريح رحمة لكنها وُصِفت، فأما عند الإطلاق فالغالب أن الريح للعذاب. * طالب: (...). * الشيخ: نعم مثل الحديث هذا. وقوله: ﴿بُشْرًا﴾ [الفرقان ٤٨] فيها عدة قراءات، نشوف أولًا: ﴿﴿نُشُرًا﴾ ﴾ بضم النون والشين، ومعنى ﴿﴿نُشُرًا﴾ ﴾ يقول المؤلف: (متفرقة)؛ يعني أنها تكون أحيانًا جنوبًا، وأحيانًا شمالًا، وأحيانًا غربًا، وأحيانًا شرقًا، بهذا التفرق يتولد السحاب ثم المطر. وقوله: (وفي قراءة بسكون الشين تخفيفًا) كيف؟ * طالب: ﴿﴿نُشْرًا﴾ ﴾. * الشيخ: ﴿﴿نُشْرًا﴾ ﴾، وقوله: (تخفيفًا) يعني أنها لا يتغير بها المعنى، وإنما تسكن للتخفيف. (وفي أخرى بسكونها وفتح النون مصدرًا). * طالب: ﴿﴿نَشْرًا﴾ ﴾. * الشيخ: ﴿﴿نُشْرًا﴾ ﴾، حينئذ يتغير. ﴿﴿نُشُرًا﴾ ﴾ و﴿﴿نُشْرًا﴾ ﴾ معناهما واحد لا يختلف؛ لأن التسكين للتخفيف. لكن ﴿﴿نَشْرًا﴾ ﴾ يعني ينشرها نشرًا، هذه مختلفة تكون مصدرًا. (وفي أخرى بسكونها وضم الموحدة) سكون الشين وضم الموحدة بدل النون، وهي: ﴿بُشْرًا﴾ وهذه هي القراءة المشهورة، ومعنى ﴿بُشْرًا﴾ على هذا أي: مبشرات؛ يعني: هي تبشر، وليست مصدرًا، وأن الله يبشر بها، وإنما هي نفسها ﴿بُشْرًا﴾، نعم؟ * طالب: (...) (وفي أخرى بسكونها وضم الموحدة بدل النون) ما ذكر (...)؟ * الشيخ: (بسكونها) أظنه واحدًا. * الطالب: و(الموحدة) (...). * الشيخ: الباء الموحدة، إي ﴿بُشْرًا﴾، هذه هي. المفرد يقول: (مفرد الأولى: نشور)، وأيش هي الأولى؟ ﴿﴿نُشُرًا﴾ ﴾. (كرسول ورسل)، رسول ورُسُل، ورسول ورُسْل، هذا مفرد الأولى ما لم تكن مصدرًا وهي ﴿﴿نَشْرًا﴾ ﴾، فإن كانت مصدرًا فهي مفرد، ما هي جمع. والأخيرة ﴿بُشْرًا﴾، يقول: (الأخيرة مفردها بشير). صارت القراءات أظن أربعًا: ﴿﴿نُشُرًا﴾ ﴾، و﴿﴿نُشْرًا﴾ ﴾، و﴿﴿نَشْرًا﴾ ﴾، و﴿بُشْرًا﴾ أربع قراءات في هذه الكلمة. فائدة اختلاف القراءات؛ يعني هذا من إعجاز القرآن: أن يؤخذ من كل قراءة معنى، وعلى هذا ستكون هي جامعة على كونها بشارة وكونها منشورة متفرقة بين يدي المطر. وقوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان ٤٨]، المراد بالرحمة هنا المطر أو آثاره، وهذه رحمة مخلوقة؛ لأن الرحمة المضافة إلى الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: رحمة هي صفته فهي غير مخلوقة، ورحمة هي من آثار الصفة فهي مخلوقة، فقوله تعالى للجنة: «أَنْتَ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، هذه مخلوقة ولّا لا؟ مخلوقة، وقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٥٦] هذه الصفة التي ليست مخلوقة، فإذن الرحمة المضافة إلى الله تنقسم إلى قسمين: مخلوقة؛ وسميت رحمة؛ لأنها من آثار الرحمة، وغير مخلوقة؛ وهي صفته. والذي معنا الآن: ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان ٤٨]، هل هي المخلوقة ولّا غير المخلوقة؟ * طالب: الأمران. * الشيخ: كيف الأمران؟ * الطالب: عموم الرحمة من الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، يحتمل أن المراد ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ يعني معناه: إذا أراد أن يرحم، إذا أراد أن يرحم فتكون من غير المخلوقة، ويحتمل ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ بين يدي المطر نفسه، فتكون الرحمة هنا مخلوقة؛ لأن إطلاقها للمطر يقتضي ذلك. والمؤلف فسرها على أنها الرحمة المخلوقة؛ لأنه قال: (قُدَّام الْمَطَر). ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾ [الفرقان ٤٨]. من المعروف أن الذي يكون به المطر بإذن الله هي الرياح الجنوبية؛ ولذلك يقولون لنا -الأولون من آبائنا وأجدادنا: إذا هبت الريح الجنوبية (...)، قالوا: خلاص الآن يأتي المطر ولا حاجة نسقي الزرع؛ لأنه كأنه شيء معتاد عندهم. ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان ٤٨]، ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من السحاب؛ لأن السماء كل ما علاك فهو سماء، ولا شك أن المطر إنما ينزل من السحاب، فيكون المراد بـ﴿السَّمَاءِ﴾ هنا العلو. وقوله: ﴿مَاءً طَهُورًا﴾ يعني به المطر، والطَّهور -بفتح الطاء- هو ما يُتطهر به أو ما تحصل به الطهارة، وأما الطُّهور بفعلها فهو فعل التطهر، فهو التطهر. هنا يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾، وقبلها: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ [الفرقان ٤٨]، ففيه من علم البديع ما يُسمى بالالتفات، وفائدته كما مر علينا كثيرًا تنبيه المخاطب؛ لأن تغير الأسلوب يوجب التنبه، وفيه أيضًا العناية بما حصل الالتفات إليه؛ لأنه احتاج إلى أن ينبه بهذا الالتفات إليه. ولا شك أن إنزال المطر هو المقصود من إرسال الرياح، أليس كذلك؟ ولذلك جاء الالتفات إليه بصورة المتكلم: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾، كلمة ﴿مَاءً﴾ للواحد ولّا للجماعة؟ * طالب: للواحد. * طالب: قد تكون للواحد وقد تكون للجماعة. * الشيخ: لكن تصلح للواحد المعظم نفسه، وهي هنا كذلك. (﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الفرقان ٤٨، ٤٩] بالتخفيف، يستوي فيه المذكر والمؤنث، ذكره باعتبار المكان، ﴿وَنُسْقِيَهُ﴾ أي: الماء ﴿مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا﴾ إبلًا وبقرًا وغنمًا ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان ٤٩] جمع إنسان، وأصله أناسين، فأُبدلت النون ياء وأُدغمت فيها الياء أو جمع إنسي). ذكر الله سبحانه وتعالى من فوائد هذا المطر فائدتين: أولًا: إحياء البلدة الميتة ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾، ولم يقل: ميتة؛ لأنه (يستوي فيه المذكر والمؤنث) كذا عندي، ما عندكم أنتم: (أو ذَكَّرَهُ باعتبار المكان)؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن الصواب أن يُقال: (أو ذكَّرَه باعتبار المكان)؛ لأنه إذا قال: (ذكَّرَه باعتبار المكان)، ما صح قوله: (يستوي فيه المذكر والمؤنث)؛ لأنه إذا استوى فيه المذكر والمؤنث ما يحتاج أن يعلل أنه ذكر باعتبار المكان، فنقول مثلًا: الصواب أن يُقال: (أو ذَكَّره باعتبار المكان). فكلمة (مَيْتًا) إذا كان يستوي فيه المذكر والمؤنث، صار قولك: (مَيْتًا) أو (ميتة) على حد سواء. أو ميتة على حد سواء، وأما إذا قلنا: إنه للمذكر فحينئذ نحتاج إلى الجواب عن كونه وُصف به مؤنث: ﴿بَلْدَةً﴾ [الفرقان ٤٩]، فيقول: إنه ذكَّره باعتبار المكان. قوله تعالى: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ [الفرقان ٤٩]، الباء هنا للسببية، والمحيي هو الله عز وجل، ولكن المطر سبب. وقوله: ﴿مَيْتًا﴾ [الفرقان ٤٩]، وصف البلدة هنا بالميت هل المراد نفس الأرض تكون ميتة ولَّا ما عليها؟ * طالب: كل ما عليها من نبات. * الشيخ: ما عليها في الواقع؛ لأن الفائدة من الأرض وما عليها، والذي ترعاه الإبل والبقر والغنم هو ما على الأرض، ليس تأكل التراب والحصى. فإحياؤها باعتبار ما فيه أنه يحيا وينمو ويكبر. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، بس هي نفس الأرض ما يدخلها الحياة والموت، نفس الأرض يعني الأحجار والطين ما يدخلها الحياة والموت، إنما يدخل الحياة والموت ما فيها؛ فلذلك قال في آية أخرى: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج ٥]، والاهتزاز والربو إنما يكون بما عليها، أما هي ما تهتز. قوله: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا﴾ [الفرقان ٤٩]. هذه فائدة أخرى للمطر: أنه يسقى به الأنعام والناس. لكن كيف ذلك؟ هل هو بالغدران التي تبقى على وجه الأرض، أو أن هذا الماء يخزن في الأرض، أو بهما؟ بهما جميعًا؛ لأن سقي المطر يكون على هذين الوجهين: إما غدران تكون به قيعان لا تشرب فينتفع الناس بها، وإما أن الأرض تشربه ويُخزن فيها كما قال الله: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر ٢٢]، بل الذي يخزنه الله سبحانه وتعالى. * وفي الآية هذه: دليل على إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الفرقان ٤٩]. * وفيه دليل على إرسال المبشرات والمقدمات بين يدي الأشياء بقوة الرجاء؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان ٤٨]. * وفيه أيضًا دليل على قدرة الله عز وجل بإرسال الرياح؛ لأن هذه الرياح لو اجتمع الخلق كله بالتأكيد على أن يأتوا بواحدة منها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، مع أن هذه الرياح في بعض الأحيان تقتلع الأشجار وتدمر المنازل. هذه القوة العظيمة لو تأتي بمولدات الدنيا كلها لتخلق مثل هذا الهواء ما حصل هذا. * وفيه دليل أيضًا على الحكمة، على حكمة الله عز وجل بكون المطر ينزل من السماء. لو كان هذا المطر الذي تحيا به الأرض يأتي جريًا على سطح الأرض ما كان فيه هذا النفع؛ لأنه لا يصل إلى قمم الجبال إلا بعد أن يغرق ما تحتها، لكنه إذا نزل من فوق أتى على قمم الجبال وأتى على ما هو أسفل منها، وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى بذلك. * وفيه دليل على أن الأصل في الماء الطهارة؛ لقوله: ﴿مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان ٤٨]. ونحن نعرف الآن حسب ما تلونا عليكم أن الماء الموجود في الأرض من السماء. * طالب: كله؟ * الشيخ: نعم كله، ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر ٢٢]، فإذا كان من السماء فإن الأصل فيما نبع من الأرض أو فيما نزل من السماء الأصل فيه أن يكون طهورًا. * وفيه دليل على إثبات الحكمة في أفعال الله؛ لقوله: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ [الفرقان ٤٩]، لام التعليل، وهذا دليل من مئات الأدلة على إثبات الحكمة، فيكون فيه رد على طائفة من طوائف المبتدعة، من هم؟ * طالب: الجهمية والمعتزلة. * الشيخ: لا، ما هم بالمعتزلة. الجهمية؛ لأنهم يرون أن فعل الله لمجرد المشيئة، ليس لعلة، الجهمية؛ فإنه لا يرجح شيئًا على شيء لحكمة، إنما لمجرد المشيئة، ولا يفعل شيئًا إلا لمجرد المشيئة! ولا شك أن هذا القول مردود بالأدلة النقلية والعقلية؛ لأن من يفعل لحكمة أكمل ممن يفعل لغير حكمة، أليس كذلك؟ وهم يرون نفي الحكمة، يقولون: لأن الحكمة غرض، والله سبحانه وتعالى منزه عن الأبعاض والأعراض والأغراض، شوف حسن التعبير! اللي يسمع هذا التعبير يقول: هذا مثل تعبير القرآن: منزه عن الأبعاض والأغراض والأعراض. يريدون بالأبعاض مثل اليد والوجه والعين وما أشبه ذلك، ويريدون بالأعراض الصفات الفعلية، الأفعال الاختيارية؛ كالنزول والاستواء وما أشبه ذلك، ويريدون بالأغراض الحكمة؛ لأنهم يقولون: لو فعل لحكمة لكان ناقصًا بدونها. وهذا من قلب الحقائق، إذا فعل لحكمة فهو دليل على كماله، وأنه لا يفعل شيئًا لمجرد المشيئة سفهًا. * وفيه دليل على جواز ذكر بعض الفوائد، يعني الاختصار على البعض لا يعد نقصًا؛ لأنه هنا ذكر الله من فوائد المطر فائدتين فقط: إحياء الأرض وسقي الأنعام والأناسي، مع أن للمطر فوائد أخرى: كالتطهر به مثلًا، فالتطهر به ليس سقيًا وليس إحياء للأرض، وغير ذلك أيضًا من الفوائد. لكنه لما كان أشد ما يكون ضرورة في المطر هو إحياء الأرض بالنبات ليأكل الناس والأنعام، وكذلك السقي، فالطعام والشراب ضروري من ضروريات الحياة بالنسبة للأنعام وبالنسبة للناس، اقتصر الله تبارك وتعالى على ذكر هاتين الفائدتين فقط؛ لأنهما هما الفائدتان الضروريتان الحاصلتان بنزول المطر: إحياء الأرض للنبات والأكل، والسقي للشرب. وقوله تعالى: ﴿أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ﴾ [الفرقان ٤٩]، لكن هنا الأنعام ما قال: أنعامًا كثيرة، والأناسي قال: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان ٤٩]. وفي هذا التعبير إشكالان: الإشكال الأول: لماذا وصف الأناسي بالكثير ولم يصف الأنعام بالكثير. الثاني: أننا نعلم أن الله تعالى يسقي بهذا الماء كل الأناسي، كل الناس يشربون منه؛ فلماذا قال: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾؟ يعني كأنه يفهم أن من الأناسي من لا يسقى بماء المطر، فما هو الجواب عن الإشكال الأول: وصف الأناسي بالكثرة دون وصف الأنعام؟ * طالب: (...). * الشيخ: معناه أن ﴿كَثِيرًا﴾ صفة لهما جميعًا؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ما هو بالظاهر؛ لأنه كان يطابق. * طالب: الأنعام بالنسبة للأناسي هي أقل. * طالب: (...). * طالب: الأنعام أكثر من الأناسي. * الشيخ: إي نعم. أيش لون؟ * الطالب: أقول: الأنعام أكثر من الأناسي. * طالب: (...). * الشيخ: أنا عندي والله أعلم أن بعض الأنعام لا يحتاج إلى الماء حسب ما نسمع أن بعضها ما يحتاج إلى الماء، وبعضها ما يحتاج إلا قليلًا جدًّا؟ * طالب: (...). * الشيخ: أشياء كثيرة يعدون علينا نقول: ما تحتاج إلى الماء، أو إذا شربت لا تشرب إلا قليلًا جدًّا، يمكن في السنة مرة. فإذا صح هذا فهو من الحكمة، قد يكون هذا من الحكمة بعدم وصفه بالكثرة. لكن يبقى عندنا الإشكال الثاني أشد من هذا: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان ٤٩]. * طالب: ما يقال على الإشكال الأول. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: مثل الأنعام لا (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: بخلاف الإنسان (...). * الشيخ: إي، لكن أنا ما ذكر لنا الشرب فقط: ونسقيه أنعامًا وأناسي. الإشكال الثاني: أن قوله: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾، مع أن جميع الأناسي يشربون؟ * طالب: (...). * طالب آخر: حسب ما قلته الأنعام يجب أن تكون كثيرة (...). * الشيخ: إي نعم. * طالب: وصفها بالكثرة ليس تقييدًا للشرط (...) الواقع أن الأناسي كثيرة. * الشيخ: يعني بالنسبة للأنعام، يعني؟ * الطالب: لا، (...) وأنت قلت: الإشكال الثاني أنه يوجد أن هناك بعض الأنعام لا تشرب. * الشيخ: نعم. * الطالب: أو لا تستفيد من (...)، فنقول: إن ﴿كَثِيرًا﴾ ليست تقييدًا للشرب لمن يشرب من الأناسي، وإنما بيان الواقع فقط أن هؤلاء الأناسي كثيرون الذين يشربون، وهم كلهم يشربون، فتكون للكثرة. * الشيخ: لو أقول مثلًا: عندي رجال كثيرٌ، هل يفهم من ذلك أن فيه رجالًا آخرين ما حضروا (...)؟ * طالب: نعم. * طالب: الله سبحانه وتعالى (...). * الشيخ: إي، ولهذا يقول: جمع إنسان، وأصله... * طالب: (...) أن تكون ﴿كَثِيرًا﴾ صفة للأنعام والأناسي؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: ما فيه ما يمنع من أن تكون الصفة (...)؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، نحن قلنا: المطابقة، ولكن أورد علينا الأخ قال: حتى الأنعام فيه أيضًا جمع، ﴿كَثِيرًا﴾ يستوي فيها المفرد والجمع. * طالب: ربما يدل على (...). * الشيخ: لا، هي إذا قلنا: إن ﴿كَثِيرًا﴾ صفة للأناسي وللأنعام زال الإشكال. الإشكال الثاني: ممكن أن نقول مثلما قال محمد، يعني أنه يبين الله سبحانه وتعالى أنهم أناسي كثيرون، ولا يلزم من هذا أن بعضهم لا يشرب، وأنه تكون الكثرة هذه كثرة شاملة، مثلما تقول: الجند كثيرون، أو عند الأمير جند كثير، كلمة (جند كثير) تشمل جميع الجنود وتصفهم بالكثرة. (أناسي) تشمل جميع الناس وتصفهم بالكثرة. * طالب: لو قال أكثر (...). * الشيخ: إي، قول قال أكثر صحيح، واضح. على كل حال يمكن إذن، إذن الإشكال الذي يتبادر في الأول التخلص منه بأي شيء؟ بأن نجعل ﴿كَثِيرًا﴾ صفة للأمرين: أنعامًا كثيرًا وأناسي كثيرًا. وليس كقول الله تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء ١]، فإن ﴿رِجَالًا كَثِيرًا﴾ ما تصلح أن تكون ﴿كَثِيرًا﴾ صفة للأمرين؛ لأنها مقدمة على النساء؛ أما هذه فيمكن أن يقال بأنها وصف للمعطوف والمعطوف عليه. وأما ﴿كَثِيرًا﴾ فإنه لبيان الواقع وليس لإخراج البعث، ونظيره في التمثيل أن تقول مثلًا: عند الأمير جند كثير، أو خرج إلى العدو جيش كثير، فهو وصف له بالكثرة. يعني: ﴿وَأَنَاسِيَّ﴾ ليسوا بالقليلين، هذا المعنى، ﴿أَنْعَامًا﴾ ليست قليلة ﴿وَأَنَاسِيَّ﴾ ليست قليلة، بل هي كثيرة، ويكون هذا بيانًا لشمول انتفاع الخلق ناطقهم وبهيمهم بهذا الماء: ﴿أَنْعَامًا﴾ كثيرًا ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾. طيب، إلى الآن توصلنا جميعًا إلى أن الكثير صفة للأنعام والأناسي، بالنسبة لكثرة الأنعام هل نقول: كثرة الجنس والأنواع ولَّا كثرة الأفراد، أو الجميع؟ * طالب: الجميع. * الشيخ: وبالنسبة للأناسي كثرة الأفراد؛ لأن الأناسي جنس واحد. ثم قال الله تبارك وتعالى، كم من الفوائد اللي عدينا من هذه الآيات؟ سبع فوائد. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الظاهر والله أعلم للكثرة؛ لأنها أكثر، أكثر أنواعًا وأفرادًا. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: الله أعلم، ما هو علشان الـ... الكلام على إفادتها من المطر، إي هو على الأنعام هذا لأنه أكثر. وقد يقال: إن إحياء الأرض لمصلحة الإنسان، وسقي الأنعام لمصلحة الإنسان، وسقي الإنسان هذه لمصلحة نفسه، فقدم ما يكون انتفاعًا غير مباشر للإنسان، ثم أخر الانتفاع المباشر من باب السير للأبعد فالأبعد في المصالح، الأبعد فالأبعد؛ لأن الأنعام من مصلحة الإنسان، والأرض إحياؤها من مصلحة الإنسان، وإحياء الأنعام أشد مباشرة والتصاقًا بالإنسان من إحياء الأرض؛ لأنه كم من أراض تشرب المطر لا ينالها الإنسان وينتفع بها، بخلاف الأنعام.

الفرقان 25:50

ثم قال تعالى: (﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ أي: الماء ﴿بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ أصله: يتذكروا، وأُدغمت التاء في الذال) ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾، (وفي قراءة: ﴿لِيَذْكُرُوا﴾ بسكون الذال وضم الكاف، أي: نعمة الله به ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠] جحودًا للنعمة، حيث قالوا: مُطرنا بنوء كذا). ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾، ويش معناه؟ صرفت الشيء يعني غيرته وصرفته على وجهه، يعني أن الله تعالى غير هذا المطر بالنسبة للناس ووزعه بينهم ما بين مقل ومستكثر؛ فمنهم من يكثر المطر عنده ومنهم من يقل، هذا بالنسبة للبينية. كذلك أيضًا صرفه الله تعالى بينهم بالنسبة لكل أحد، أحيانًا يكون المطر كثيرًا في عام وقليلًا في عام. وقوله تعالى: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾، المؤلف جعل التذكر هنا تذكر النعمة فقط، ولكن الأصح أنه أعم. ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أي نعمة الله فيما إذا نزل عليهم، و﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ يتعظوا فيما إذا لم ينزل. وكذلك أيضًا ﴿لِيَذْكُرُوا﴾ في ذلك قدرة الله، حيث صرف في محل إلى محل. فالمهم أن تصريف هذا المطر في محل دون محل، أو في سنة دون سنة، هذا لا شك أنه سبب لتذكر الإنسان، إما تذكر النعمة إذا كان نازلًا، وإما تذكر النقمة ومعاصيه إذا كان ممتنعًا، وإما تذكر القدرة حينما يعرف أنه في مكان يكون غزيرًا وفي مكان يكون قليلًا. وقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠]، يعني امتنع أكثر الناس عن التذكر ولم يزده إلا كفرًا. * طالب: القراءة الثانية (...)؟ * الشيخ: مثل ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾، يذكرون نعمة الله إذا نزل، ويذكرون ما هم عليه من المعاصي والآثام إذا امتنع. وقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾، ﴿أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ يعني: والأقل شكر وتذكر واتعظ، ولكن أكثر الناس أبى إلا أن يكفر. الكفر ذكر المؤلف منه مثالًا واحدًا، وهو قوله: (مُطرنا بنوء كذا)، ويُستدَل لمَا مثَّل به المؤلف، يستدل له بقول النبي ﷺ في «حديث زيد بن خالد الجُهَنِي حين صلى بهم على إثر سماء كانت من الليل في الحديبية، فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ؛ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا؛ فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٣٨) ومسلم (٧١/١٢٥) من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه. ]]، فهذا كفر. وكيف يكون كفرًا؟ لأنه أضاف المطر إلى أمر ليس بسبب، وجعل هذا من فضل هذا النوء، ولكن الفضل لله عز وجل، وهو حرام وكفر كما جاء به الحديث. أما لو قال الإنسان: مُطرنا في نوء كذا، يجوز ولَّا لا؟ * طالب: نعم يجوز. * الشيخ: يجوز في نوء؛ لأنها للظرفية، وأما بنوء فلا يجوز لأنه للسببية. لكن عند العامة – عامتنا هنا في نجد – يجعلون الباء بمعنى (في) يقولون: مطرنا (...)، وما أشبه ذلك، فهل يكون هذا كفرًا؟ * طالب: لا. * طالب: نعم. * الشيخ: أو نقول: إن الباء تأتي للظرفية كثيرًا وهم يريدون بها الظرفية فلا بأس به؟ * طالب: حسب المقصود. * الشيخ: حسب النية نعم. ومن الكفر أيضًا بهذا المطر مما لم يذكر المؤلف، من الكفر به أن يجعل ذلك سببًا للأشر والبطر، مثلما يحصل من بعض الناس إذا نزلت الأمطار وكثرت (...)، صارت سببًا لأشره وبطره وفسوقه، هذا من أسبابه. ومن أسباب الكفر أيضًا أنه إذا امتنع المطر صار امتناعه سببًا لقنوط الإنسان من رحمة الله سبحانه وتعالى، والقنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب، ليس بالأمر الهين، فلا يجوز للإنسان أن يقنط من رحمة الله ولا أن يأمن مكر الله، لا هذا ولا هذا. وقوله تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ [الفرقان ٥٠]، في هذا دليل على أن الناس ينقسمون إلى قسمين: كافر ومؤمن، وهو كذلك، ليس في هذه النعمة فقط، بل بجميع النعم، من الناس من يؤمن بها ومن الناس من يكفر بالله سبحانه وتعالى وبهذه النعمة. في هذه الآية من الفوائد: أولًا: دليل على كمال القدرة؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفرقان ٥٠]. ثانيًا: دليل على ثبوت الحكمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان ٥٠]، لام التعليل. ثالثًا: دليل على بلوغ الغاية في الكفر من بعض الناس؛ لأنه إذا كان الله تعالى يريهم آية ليتذكروا بها فلا يزدادون إلا كفورًا، فهذا والعياذ بالله في غاية ما يكون من الكفر؛ لأن الإنسان إذا لم تحصل له الآيات فقد يعذر بكفره، لكن إذا حصلت الآيات ولم ينتفع صار أشد. وفي الآية أيضًا دليل على استعمال المؤكدات فيما ينبغي تأكيده. منين نأخذه؟ * طالب: من القسم. * الشيخ: إي، من القسم، من قوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ [الفرقان ٥٠]؛ لأن مثل هذا التعبير كما مر علينا كثيرًا يعتبر مؤكدًا بثلاثة مؤكدات: باللام و(قد) والقسم. والله أعلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، صريح، أحسنت. نعم فيه دليل على إبطال مذهب الجبرية؛ لقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠]، فجعل هذا باختيارهم، أبوا إلا أن يكفروا بذلك. * طالب: (...). * الشيخ: طيب، أولًا قول بعض السلف ما هو دليل، قول بعض السلف ليس بدليل، إلا إذا وجد له دليل. فهل في الآية التي قرأنا الآن ما يدل لقوله؟ * الطالب: ما أعرف. * الشيخ: لا، اقرأ. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، صحيح، ذكر الله أنه أنزله ليحيي به البلدة، فيقتضي هذا التعليل أنه ما من قطرة تنزل من السماء إلا ويحصل بها حياة الأرض، وإلا لفاتت العلة، ولكن يقال: هذا سبب، والأسباب قد تتخلف لوجود الموانع، قد لا تؤثر لوجود الموانع، فذنوب بني آدم من موانع إحياء الأرض لو نزل المطر، ويكون هذا أشد وأنكى وأبلغ في التذكر إذا نزل المطر ولم تنبت الأرض؛ ولهذا جاء في الحديث: «لَيْسَتِ السَّنَةُ أَلَّا تُمْطَرُوا، إِنَّمَا السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٠٤/٤٤) عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «ليست السنة بألا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا، ولا تنبت الأرض شيئا».]]، وهذا هو الصحيح. أحيانًا تأتي أمطار كثيرة ولا تجد فيها حياة في الأرض، وأحيانًا تأتي أمطار قليلة وتحيا بها الأرض حياة طيبة؛ مما يدل على أن هذا المطر سبب لحياة الأرض، ولكن الأسباب قد تتخلف مسبباتها لوجود الموانع. * طالب: قوله ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠] (...) أو أن ﴿كُفُورًا﴾ بعدم قدرة الله تعالى لإحياء الموتى؟ * الشيخ: عام، هذا يشمل كل ما يتصور من أنواع الكفر (...) مما لو كانت سببًا للأسر والبطر، يخرج الناس مثلًا ويمرحون ويفسقون ولا يؤدون ما أوجب الله عليهم من صلاة الجماعة وغير ذلك، هو من هذا النوع. * طالب: بسم الله الرحمن الرحيم. (...) * * * * الشيخ: أن هذا البرزخ هو هذا اليابس. والثالث ما ذكره الأستاذ إن احتملت الآية إذا جعلنا بينهما برزخًا، يعني هناك شيء فاصل، يعني ما نعرفه نحن؛ لأنه هنا الفصل بين الملح والحلو في ذاتهما، يعني ليس أمرًا (...) هذا عن هذا، إنما الفاصل بنفس الحلاوة ونفس المر، فليس بينهما شيء، إنما طبيعة هذا وطبيعة هذا تقتضي أن ينفصل بعضهما عن بعض، فإذا كان القرآن يحتمله فهذا لا شك أنه من أعظم الآيات، أن يكون مثلًا نهر يمشي مسافة طويلة في وسط الماء المالح ولا يختلط به. * طالب: (...)، ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن ١٩] ما هو للاستفهام. * الشيخ: نعم. * الطالب: ولا وصف بالملوحة والعذوبية. * الشيخ: نعم. * الطالب: والتفسير الوحيد للعلماء أن هذين لا يختلفان اختلافًا في الملوحة بينهما. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: وكأنه يعني تفسير حرفي للآية. * الشيخ: طيب! * طالب: يعني ما نقول: إن تفسير البرزخ شيء معنوي وليس.. ؟ * الشيخ: إي، لكن ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ [الفرقان ٥٣]، أنتم (...)؟ * الطالب: (...) للملوحة والعذوبة؟ * طالب: في الحقيقة ليس المعنى، يعني الفاصل بينهما كثافة هذا تختلف عن كثافة هذا، يعني الحقيقة ليس (...). * الشيخ: ما يخالف. أنا أقول: إن السبب كثافة هذا وكثافة هذا، أو ملوحة هذا وحلاوة هذا، لكن كلمة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ الآن على هذا أن الفاصل هو حقيقة هذا لا تتلاءم مع حقيقة هذا، يكون البرزخ ليس بينهما. * طالب: يقول المؤلف: (﴿بَرْزَخًا﴾ [الفرقان ٥٣] حَاجِزًا) يعني (...)؟ * الشيخ: إي، البرزخ (...) ﴿بَيْنَهُمَا﴾، فالبينية تقتضي طرفين وشيئًا بينهما. * طالب: (...) مثله يا شيخ بين الماء هذا وهذا. * طالب: نقول: برزخ الماء يعني حاجز الماء. * الشيخ: على كل حال نحن نقول: إذا كان القرآن يحتمل هذا المعنى والله أعلم، لكننا ما لنا أن (...) باللفظ في الحقيقة، كلمة البينية تقتضي أنها ثلاثة أفراد؛ اثنان ووسط بينهما، فإذا كان القرآن يحتمل وأمكن أن نجعل ﴿بَيْنَهُمَا﴾ أي في حقيقتيهما وتكوينهما؛ لأن الآن اللي فهمنا أن السبب عدم البغي ليس شيئًا فاصلًا بينهما، إنما حقيقة تكوين هذا وهذا. * طالب: مثل قطعة جلد في الماء. * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، ما تقدر تقول: بينها وبيننا برزخ. * الطالب: وكذا العين المجردة لا (...). * الشيخ: إي. * الطالب: كما في يعني (...). * الشيخ: لا، ولا الحقيقة ما (...). * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما تختلف، ولكن بس ما يندمج هذا بهذا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما فيه شك، نحن ما نقول: هذا ليس من آيات الله، بس الكلام (...) على دلالة القرآن على هذا، فهل لنا أن نتجاوز ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن ٢٠]، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان ٥٣]؟ هل لنا أن نتجاوز هذا ونقول: المراد بالبينية هذه كناية عن أن حقيقة هذا لا تندمج بهذا؟ * طالب: (...) دخول الأنهار بالبحار، ما هو فيه من العلماء، من قال ذلك؟ * الشيخ: إلا. * الطالب: طيب، ما نظروا إلى بين؟ * الشيخ: ولهذا ضعفنا هذا القول. * طالب: أصلًا لأنه ما يمشي (...). * الشيخ: ضعفنا هذا القول وقلنا: هذا ما يمشي. * الطالب: لأنه (...). * الشيخ: (...) اللي ينظر إلى كلمة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ [الرحمن ٢٠]، أما كونهما لا يختلطان هذا واضح. * طالب: ﴿بَرْزَخٌ﴾ هل هي حاجز حسي أو هي حاجز يعني مانعًا، ما المانع قد يكون من الشيء نفسه، قد يكون من الشيء نفسه وقد يكون من غيره. * الشيخ: طيب، إذا قلت: بينك وبين صاحبك حجر. * الطالب: هذا مكان. * الشيخ: إي، أيضًا البحر مكان، يبقى الحيز. * الطالب: بيني وبين فلان العلم، يعني (...) فهذا حسب المعنى. * الشيخ: صحيح؛ لأن العلم أصلًا معنى، لكن الماء والماء جسم يبقيان حيزًا. * الطالب: بس بيني وبين فلان؟ * الشيخ: على كل حال أنا ما أستطيع أني أجزم، يا جماعة الآن نحن نفسر كلام الله، إذا كان القرآن يحتمل هذا المعنى الذي ذكره الأستاذ نبيل والذين ذكروا هذا فهذا لا شك أنه من إعجاز القرآن يعتبر إذا كان يحتمل. إذا كانت كلمة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ تمنع هذا الاحتمال ونقول: إن البرزخية هنا في الحقيقة تقتضي شيئًا ثالثًا غير البحرين، نحن نقول: الحمد لله، هذا الذي اطلعنا عليه بالعلم يكون من آيات الله سبحانه وتعالى وإن كان القرآن لا يدل عليه. * طالب: ألا يقال مثلًا: إن البرزخ هذا جزء من هذا وهذا وإن يعني اندمجا كان (...)؟ * الشيخ: والله يمكن، إذا ثبت هذا أن نقول: إن النسبة مثلًا اللي بينهما لا تكون ماء خالصًا. * الطالب: لا من هذا ولا من هذا. * الشيخ: لا تكون حلوًا خالصًا ولا مرًّا خالصًا، مثل هذا البرزخ. * الطالب: فتكون كالحاجز وهي كلمة ﴿بَرْزَخٌ﴾ (...) الدنيا والآخرة. * الشيخ: يمكن، الله أعلم. * طالب: على ضوء أحيانًا مكتشف علمي لا بأس من إعطاء معنى معين؛ لأنه أحيانًا في غياب هذا الواقع العلمي تشكل (...)، أذكر أن تفسير آية في سورة النور: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ [النور ٤٠]، أكثر المفسرين قالوا: بما أنه لا يوجد موجان فوق بعضهم ففوق هنا تحمل على معنى من بعده موج، وهذا تأويل ما تحمله كثيرًا اللغة العربية. * الشيخ: نعم. * الطالب: قرأت بحثًا من مدة حوالي خمس سنوات لعالم في أمريكا هو أصله مصري وأخذ جنسية أمريكية مشهور في أبحاث الفضاء، نزل في أول غواصة من أجل اكتشاف أعماق المحيطات، فقال: الرأي الغالب كان عند العلماء قبل هذه التجربة بأن باطن المحيطات والبحار ساكن تمامًا، قال: وإذا بنا نفاجأ أن في قاع المحيطات أمواجًا، الأمواج التي على السطح لا تُذكر أمام تلك الأمواج من شدتها وعظمتها. فالآن كلمة ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ لم يعد هناك مبرر لتأويلها، وإنما ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ أي هناك موج في الأسفل ويعلوه موج في الأعلى، فيعني وجود الظاهرة الكونية التي تساعد على توجيه المعنى اتجاهًا معينًا بدون تعسف في المعنى. * الشيخ: نعم، حقيقة الأمر حتى الأمواج الظاهرية اللي على سطح البحر يكون الموج مثلًا قليل الارتفاع ثم يأتي موج أكبر منه ويعلوه. * الطالب: (...) من أجل قضية تبيان إعجاز القرآن (...) منا. * الشيخ: على كل حال يعني الآن لا نضيع علينا الوقت. الآن نقول: الآية تحتمل ثلاثة معان؛ المعنى الذي ذكره كثير من المفسرين، والمعنى الذي ذكرناه، والذي ذكرته أيضًا ذكره رجل عراقي في كتاب اسمه حقائق جغرافية، ذكر هذا المعنى الذي أشرنا إليه، والمعنى الثالث إذا كانت الآية تحتمله ما أطلعنا عليه الأستاذ نبيل في هذه الأنهار التي تكون في وسط المحيطات. وسمعنا النقاش الآن في كلمة ﴿بَيْنَهُمَا﴾ [الفرقان ٥٣] وما تحتمله، وإذا كان هناك طبقة عند إطلاقهما تكون بين الحلو وبين المالح، أمكن أن يقال: هذا برزخ يعني على ثقل؛ لأن ظاهره أن البرزخ هو المانع من الاختلاط، وهذا يمكن أن يقال: هو مانع من أن يختلطا لأجل يعني المقاربة. * طالب: يتعرض الإنسان (...)؛ لأن القرآن ذكر البرزخ على أنه (...)؟ * الشيخ: إي، الأنهار اللي في وسط البحر. * الطالب: الأنهار في وسط البحار وأنه لا يمر بعضها ببعض ولا تختلط. * الشيخ: طيب، على كل حال ما عندنا إلا كلمة ﴿بَيْنَهُمَا﴾، البينية هذه تقتضي أن هناك شيئًا ثالثًا لا من هذا ولا من هذا. * طالب: ما هو ورد عن بعض البحارة (...)؟ * الشيخ: إي نعم هذا سمعناه. * الطالب: طيب، إذا كان (...). * الشيخ: إي، لكن العين تقتضي من قاع البحر. * الطالب: تخرج من قاع البحر وتخرج. * الشيخ: إذا خرجت، لا، تختلط. * طالب: ما تختلط. * الشيخ: تختلط، (...) من نفس العين. * طالب: يعني تختلط (...)؟ * الشيخ: إي نعم، وبعدين تختلط. * الطالب: يعني يكون مالحًا؟ * الشيخ: إي، لكن هذا الذي ذكروا إذا كان أنهار في وسط الماء هذه (...)، أنهار تجري، ولا شك أنها بجريانها أيضًا تمنع من هذا.. * طالب: (...) دليل على القدرة. * الشيخ: إي ما (...)، نعم. طيب، الآن الحمد لله صارت الآية ثلاثة معان، ويبقى المعنى الثالث هذا محتملًا من ذات البينية، وإذا صح أن نقول: إنه عند ملاقاتهما لا بد أنه يكون بينها برزخ لا هو حلو ولا مالح. التأويل يمكن، والله أعلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، (...) في الحقيقة أن كونه عند المصب أنه ما يختلط، هذا ما هو بواضح. * طالب: أو يشمل الاثنين؟ * الشيخ: إي، يشمل الاثنين (...). أنا ما عندي شك في المعنى الذي أشرت إليه أمس أن هذا من آيات الله سبحانه وتعالى، وهذا الطبيعي ولو قرب منه ما يفسده، هذا ما عندي فيه شك، لكن الذي عندنا فيه شك هو الآن قد يكون فيه احتمال، هذا الفاصل الذي أشار إليه الأخ أنه يكون برزخًا، يصح أن نجعله برزخًا؛ لأنه في الحقيقة لا هو من المالح وليس من العذب. * طالب: (...) ﴿بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان ٥٣]؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...) معناهما مالح. * الشيخ: إي، مالح، والفائدة التقوية؛ ولهذا بعد حتى ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ فيها أيضًا فائدة؛ لأنا إحنا قلنا: محتمل حجره. * طالب: لو كان شيئًا حسيًّا. * الشيخ: هو على كل حال الآية فيها احتمال، ويمكن نقول أيضًا: إن الفاصل هذا اللي لا هو بحلو ولا مر أنه حجر محجور. * طالب: والمحجور (...). * الشيخ: إي، الله أعلم. فيه أيضًا من كمال قدرة الله سبحانه وتعالى أن خلق من الماء بشرًا وقسمه إلى قسمين، هما؟ * طالب: النسب والصهر. * الشيخ: النسب والصهر. * الطالب: النسب (...). * الشيخ: في الزوجية، نعم، وقلنا: إن هذه أسباب الصلة بين الناس، إما صلة بالولادة وهو النسب أو بالنكاح وهو المصاهرة. طيب، وقوله: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان ٥٤]، يقول المؤلف: (قادرا على ما يشاء). نحن نناقش المؤلف رحمه الله في تفسير ﴿قَدِيرًا﴾ بـ(قادر)، وفي تقييد المطلق بـ(ما يشاء). أما تفسير ﴿قَدِيرًا﴾ بـ(قادر) فهذا يعتبر نقصًا في التفسير؛ وذلك لأن ﴿قَدِيرًا﴾ إما أن تكون صفة مشبهة وإما أن تكون صيغة مبالغة، أما (قادر) فهي اسم فاعل مجرد لا تدل على ما تدل عليه الصفة المشبهة ولا على ما تدل عليه صيغة المبالغة، فهذا نوع من القصور في تفسير القرآن. ثانيًا: القرآن يطلق: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ وهنا قيده بقوله: (على ما يشاء)، وكلمة (على ما يشاء) نحن نعرف أن من الناس من يكون هذا القيد دالًّا على بدعة ارتكبها؛ لأن القدرية يقولون: إن الله سبحانه وتعالى لا يقدر إلا على ما يشاء، وإنه لا يشاء أفعال العباد، وعلى هذا فلا يكون قادرًا عليها. ولا شك أن هذا قول تبطله النصوص والعقل، فالله هو الذي يهدي ويضل، وما معنى الهداية والإضلال إلا أنه سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء حتى فيما يتعلق بأفعال العبد. لهذا نرى أن تقييد القدرة بالمشيئة لا ينبغي ولا يليق للوجوه الآتية: أولًا: أن الله سبحانه وتعالى أطلق هذا الوصف لنفسه بدون قيد، ولا ينبغي لنا أن نقيد ما أطلقه الله؛ لأن صفات الله توقيفية يتوقف فيها على ما ورد. الشيء الثاني: أنه خلاف طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه، بل طريقة الرسل كلهم؛ لأنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم ٨]، لا يقولون: إنك على ما تشاء قدير، ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. الشيء الثالث: أنه يوهم أن القدرة تتعلق بما يشاء فقط، وعلى هذا فيكون ما لا يشاؤه ليس بمقدور الله، وهذا معنى باطل، فهو قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاء، لكن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فهو قادر على الأمرين جميعًا، ليس على ما يشاء فقط. من أجل هذه الوجوه الثلاثة نرى أن التعبير بها لا ينبغي، وأنها مما يُرشَد إليه العبد ويقال له: لا تقل هكذا، لا تقيد ما أطلقه الله لنفسه. * طالب: يرشد أو لا ينبغي (...)؟ * الشيخ: لا، هو أصله على أساس أن الذي يقوله لا يريد هذا المعنى، نقول: يرشد، ويقال: هذا لا ينبغي. وإذا قيل: ما الجمع أو ما هو الجواب عن قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]. فهنا قال: ﴿عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾، ونحن نمنع تعليق القدرة بالمشيئة؟ * طالب: (إذا) بمعنى متى، متى شاء سبحانه وتعالى فهو من الزمن يعني. * الشيخ: ما يخالف، متى شاء قدير، ومتى لم يشأ؟ * الطالب: قدير أيضًا، ولكن المقصود بالزمن، يعني فإن الله على جمعهم إذا يشاء قدير، يعني أنه إذا حان الوقت الذي قد شاء الله سبحانه وتعالى أن يجمعهم فيه جمعهم (...). * الشيخ: إي، ما (...). الجواب أن هذا تقييد المشيئة بالجمع، يعني معناه: لأن الجمع فعل، وهذا الفعل ينكره الكفار المكذبون للبعث، فيقول الله عز وجل: إن المانع من ذلك ليس العجز، ولكنه عدم المشيئة، فإذا شاء أن يجمعهم جمعهم، خلافًا لمن؟ لمن ينكرون ذلك، لمن يقولون: إنه لا يمكن أن يجمعهم، فيكون هنا التقييد بالفعل، تقييد المشيئة عائد على الفعل، لا على القدرة، فهو قادر على جمعهم كل وقت، لكنه لما كان سبحانه وتعالى لا يريد أن يجمعهم إلا في وقت معين: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠]، موقت، ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ﴾ شوف ﴿مَعْدُودٍ﴾ [هود ١٠٤]، كل الدنيا أجل معدود، دليل على قصرها مهما طالت. فنقول: إن هذا عائد على الجمع، وهو فعل، فكأن الله يقول: إنه.. .. ما لا ينفعهم إذا عبدوه، ولا يضرهم إذا عَصَوْه، وقد قال الله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف ٥]، يعني لو قعد يدعو هذا الصنم إلى يوم القيامة ما استجاب له، هل أحد أَضَلُّ من هذا؟! ما من أحد أَضَلُّ من هذا أبدًا، إنسان يحاول أن هذا الصنم ينفعه أو يضره وهو لو يبقى يدعوه إلى يوم القيامة ما استجاب له، هذا من أبلغ ما يكون في الضلال، إي نعم. (﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان ٥٥]: مُعِِينًا للشيطان بطاعته)، أي: بطاعة الشيطان. الكافر على ربه ظهير، مُعِينٌ على الله سبحانه وتعالى، لا لله، مُعِينٌ عليه لا له، يعني حرب على الله، فكلما وجد عدوًّا لله.. الكافر كلما وجد عدوًّا لله أعانه على ربه، وهذا كما أنه مثل ما قال المؤلف أنه يُعِينُ الشيطان على معصية الله؛ لأن الإنسان (...) مُعِينًا للشيطان في تَمَرُّده على الله سبحانه وتعالى. هو أيضًا يشمل مَن اتصف بهذا الوصف من غير الكفار، كل مَن أعان على باطل فإنه مُعِينٌ على الله، ولّا لا؟ كل إنسان يُعِينُ أحدًا في باطل فإنه ظهير على ربه؛ لأن الله تعالى هو الحق وهو يريد الحق، فإذا أعنت صاحب باطل على صاحب حق فإنك مُعِينٌ على الله، كذا ولّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: لأنه ويش معنى الظهير؟ الظهير الْمُعِين، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، فالكافر دائمًا يُعِينُ على الله، وكل مَن أعان في باطل على حق فإنه مُعِينٌ على الله، يعني مُعِينٌ للباطل على الحق؛ لأن الله هو الحق، وهو يحب الحق. ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان ٥٥]، مناسبة الجملة هذه للتي قبلها: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان ٥٥]؟ * طالب: بمعنى أنه (...) مُعِينُون على الله بالشيطان. * الشيخ: يعني أن هذا من أوامر الشيطان؟ * الطالب: نعم؟ * الشيخ: يعني عبادته من أوامر الشيطان؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: طيب، وأيضًا؟ * طالب: الإنكار عليهم. * طالب آخر: (...). * الشيخ: يعني كأنه جعل هذا نِدًّا لله، جعل هذا الصنم نِدًّا لله يعبده كما يعبد الله، ومعلوم أن الصنم ضد ما جاءت به الرسل، فيكون نصرة هذا الصنم عونًا على الله.

الفرقان 25:51

ثم قال تعالى: (﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ أي: الماء ﴿بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ أصله: يتذكروا، وأُدغمت التاء في الذال) ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾، (وفي قراءة: ﴿لِيَذْكُرُوا﴾ بسكون الذال وضم الكاف، أي: نعمة الله به ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠] جحودًا للنعمة، حيث قالوا: مُطرنا بنوء كذا). ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾، ويش معناه؟ صرفت الشيء يعني غيرته وصرفته على وجهه، يعني أن الله تعالى غير هذا المطر بالنسبة للناس ووزعه بينهم ما بين مقل ومستكثر؛ فمنهم من يكثر المطر عنده ومنهم من يقل، هذا بالنسبة للبينية. كذلك أيضًا صرفه الله تعالى بينهم بالنسبة لكل أحد، أحيانًا يكون المطر كثيرًا في عام وقليلًا في عام. وقوله تعالى: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾، المؤلف جعل التذكر هنا تذكر النعمة فقط، ولكن الأصح أنه أعم. ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أي نعمة الله فيما إذا نزل عليهم، و﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ يتعظوا فيما إذا لم ينزل. وكذلك أيضًا ﴿لِيَذْكُرُوا﴾ في ذلك قدرة الله، حيث صرف في محل إلى محل. فالمهم أن تصريف هذا المطر في محل دون محل، أو في سنة دون سنة، هذا لا شك أنه سبب لتذكر الإنسان، إما تذكر النعمة إذا كان نازلًا، وإما تذكر النقمة ومعاصيه إذا كان ممتنعًا، وإما تذكر القدرة حينما يعرف أنه في مكان يكون غزيرًا وفي مكان يكون قليلًا. وقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠]، يعني امتنع أكثر الناس عن التذكر ولم يزده إلا كفرًا. * طالب: القراءة الثانية (...)؟ * الشيخ: مثل ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾، يذكرون نعمة الله إذا نزل، ويذكرون ما هم عليه من المعاصي والآثام إذا امتنع. وقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾، ﴿أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ يعني: والأقل شكر وتذكر واتعظ، ولكن أكثر الناس أبى إلا أن يكفر. الكفر ذكر المؤلف منه مثالًا واحدًا، وهو قوله: (مُطرنا بنوء كذا)، ويُستدَل لمَا مثَّل به المؤلف، يستدل له بقول النبي ﷺ في «حديث زيد بن خالد الجُهَنِي حين صلى بهم على إثر سماء كانت من الليل في الحديبية، فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ؛ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا؛ فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٣٨) ومسلم (٧١/١٢٥) من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه. ]]، فهذا كفر. وكيف يكون كفرًا؟ لأنه أضاف المطر إلى أمر ليس بسبب، وجعل هذا من فضل هذا النوء، ولكن الفضل لله عز وجل، وهو حرام وكفر كما جاء به الحديث. أما لو قال الإنسان: مُطرنا في نوء كذا، يجوز ولَّا لا؟ * طالب: نعم يجوز. * الشيخ: يجوز في نوء؛ لأنها للظرفية، وأما بنوء فلا يجوز لأنه للسببية. لكن عند العامة – عامتنا هنا في نجد – يجعلون الباء بمعنى (في) يقولون: مطرنا (...)، وما أشبه ذلك، فهل يكون هذا كفرًا؟ * طالب: لا. * طالب: نعم. * الشيخ: أو نقول: إن الباء تأتي للظرفية كثيرًا وهم يريدون بها الظرفية فلا بأس به؟ * طالب: حسب المقصود. * الشيخ: حسب النية نعم. ومن الكفر أيضًا بهذا المطر مما لم يذكر المؤلف، من الكفر به أن يجعل ذلك سببًا للأشر والبطر، مثلما يحصل من بعض الناس إذا نزلت الأمطار وكثرت (...)، صارت سببًا لأشره وبطره وفسوقه، هذا من أسبابه. ومن أسباب الكفر أيضًا أنه إذا امتنع المطر صار امتناعه سببًا لقنوط الإنسان من رحمة الله سبحانه وتعالى، والقنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب، ليس بالأمر الهين، فلا يجوز للإنسان أن يقنط من رحمة الله ولا أن يأمن مكر الله، لا هذا ولا هذا. وقوله تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ [الفرقان ٥٠]، في هذا دليل على أن الناس ينقسمون إلى قسمين: كافر ومؤمن، وهو كذلك، ليس في هذه النعمة فقط، بل بجميع النعم، من الناس من يؤمن بها ومن الناس من يكفر بالله سبحانه وتعالى وبهذه النعمة. في هذه الآية من الفوائد: أولًا: دليل على كمال القدرة؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفرقان ٥٠]. ثانيًا: دليل على ثبوت الحكمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان ٥٠]، لام التعليل. ثالثًا: دليل على بلوغ الغاية في الكفر من بعض الناس؛ لأنه إذا كان الله تعالى يريهم آية ليتذكروا بها فلا يزدادون إلا كفورًا، فهذا والعياذ بالله في غاية ما يكون من الكفر؛ لأن الإنسان إذا لم تحصل له الآيات فقد يعذر بكفره، لكن إذا حصلت الآيات ولم ينتفع صار أشد. وفي الآية أيضًا دليل على استعمال المؤكدات فيما ينبغي تأكيده. منين نأخذه؟ * طالب: من القسم. * الشيخ: إي، من القسم، من قوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ [الفرقان ٥٠]؛ لأن مثل هذا التعبير كما مر علينا كثيرًا يعتبر مؤكدًا بثلاثة مؤكدات: باللام و(قد) والقسم. والله أعلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، صريح، أحسنت. نعم فيه دليل على إبطال مذهب الجبرية؛ لقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠]، فجعل هذا باختيارهم، أبوا إلا أن يكفروا بذلك. * طالب: (...). * الشيخ: طيب، أولًا قول بعض السلف ما هو دليل، قول بعض السلف ليس بدليل، إلا إذا وجد له دليل. فهل في الآية التي قرأنا الآن ما يدل لقوله؟ * الطالب: ما أعرف. * الشيخ: لا، اقرأ. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، صحيح، ذكر الله أنه أنزله ليحيي به البلدة، فيقتضي هذا التعليل أنه ما من قطرة تنزل من السماء إلا ويحصل بها حياة الأرض، وإلا لفاتت العلة، ولكن يقال: هذا سبب، والأسباب قد تتخلف لوجود الموانع، قد لا تؤثر لوجود الموانع، فذنوب بني آدم من موانع إحياء الأرض لو نزل المطر، ويكون هذا أشد وأنكى وأبلغ في التذكر إذا نزل المطر ولم تنبت الأرض؛ ولهذا جاء في الحديث: «لَيْسَتِ السَّنَةُ أَلَّا تُمْطَرُوا، إِنَّمَا السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٠٤/٤٤) عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «ليست السنة بألا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا، ولا تنبت الأرض شيئا».]]، وهذا هو الصحيح. أحيانًا تأتي أمطار كثيرة ولا تجد فيها حياة في الأرض، وأحيانًا تأتي أمطار قليلة وتحيا بها الأرض حياة طيبة؛ مما يدل على أن هذا المطر سبب لحياة الأرض، ولكن الأسباب قد تتخلف مسبباتها لوجود الموانع. * طالب: قوله ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠] (...) أو أن ﴿كُفُورًا﴾ بعدم قدرة الله تعالى لإحياء الموتى؟ * الشيخ: عام، هذا يشمل كل ما يتصور من أنواع الكفر (...) مما لو كانت سببًا للأسر والبطر، يخرج الناس مثلًا ويمرحون ويفسقون ولا يؤدون ما أوجب الله عليهم من صلاة الجماعة وغير ذلك، هو من هذا النوع. * طالب: بسم الله الرحمن الرحيم. (...) * * * * الشيخ: أن هذا البرزخ هو هذا اليابس. والثالث ما ذكره الأستاذ إن احتملت الآية إذا جعلنا بينهما برزخًا، يعني هناك شيء فاصل، يعني ما نعرفه نحن؛ لأنه هنا الفصل بين الملح والحلو في ذاتهما، يعني ليس أمرًا (...) هذا عن هذا، إنما الفاصل بنفس الحلاوة ونفس المر، فليس بينهما شيء، إنما طبيعة هذا وطبيعة هذا تقتضي أن ينفصل بعضهما عن بعض، فإذا كان القرآن يحتمله فهذا لا شك أنه من أعظم الآيات، أن يكون مثلًا نهر يمشي مسافة طويلة في وسط الماء المالح ولا يختلط به. * طالب: (...)، ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن ١٩] ما هو للاستفهام. * الشيخ: نعم. * الطالب: ولا وصف بالملوحة والعذوبية. * الشيخ: نعم. * الطالب: والتفسير الوحيد للعلماء أن هذين لا يختلفان اختلافًا في الملوحة بينهما. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: وكأنه يعني تفسير حرفي للآية. * الشيخ: طيب! * طالب: يعني ما نقول: إن تفسير البرزخ شيء معنوي وليس.. ؟ * الشيخ: إي، لكن ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ [الفرقان ٥٣]، أنتم (...)؟ * الطالب: (...) للملوحة والعذوبة؟ * طالب: في الحقيقة ليس المعنى، يعني الفاصل بينهما كثافة هذا تختلف عن كثافة هذا، يعني الحقيقة ليس (...). * الشيخ: ما يخالف. أنا أقول: إن السبب كثافة هذا وكثافة هذا، أو ملوحة هذا وحلاوة هذا، لكن كلمة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ الآن على هذا أن الفاصل هو حقيقة هذا لا تتلاءم مع حقيقة هذا، يكون البرزخ ليس بينهما. * طالب: يقول المؤلف: (﴿بَرْزَخًا﴾ [الفرقان ٥٣] حَاجِزًا) يعني (...)؟ * الشيخ: إي، البرزخ (...) ﴿بَيْنَهُمَا﴾، فالبينية تقتضي طرفين وشيئًا بينهما. * طالب: (...) مثله يا شيخ بين الماء هذا وهذا. * طالب: نقول: برزخ الماء يعني حاجز الماء. * الشيخ: على كل حال نحن نقول: إذا كان القرآن يحتمل هذا المعنى والله أعلم، لكننا ما لنا أن (...) باللفظ في الحقيقة، كلمة البينية تقتضي أنها ثلاثة أفراد؛ اثنان ووسط بينهما، فإذا كان القرآن يحتمل وأمكن أن نجعل ﴿بَيْنَهُمَا﴾ أي في حقيقتيهما وتكوينهما؛ لأن الآن اللي فهمنا أن السبب عدم البغي ليس شيئًا فاصلًا بينهما، إنما حقيقة تكوين هذا وهذا. * طالب: مثل قطعة جلد في الماء. * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، ما تقدر تقول: بينها وبيننا برزخ. * الطالب: وكذا العين المجردة لا (...). * الشيخ: إي. * الطالب: كما في يعني (...). * الشيخ: لا، ولا الحقيقة ما (...). * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما تختلف، ولكن بس ما يندمج هذا بهذا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما فيه شك، نحن ما نقول: هذا ليس من آيات الله، بس الكلام (...) على دلالة القرآن على هذا، فهل لنا أن نتجاوز ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن ٢٠]، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان ٥٣]؟ هل لنا أن نتجاوز هذا ونقول: المراد بالبينية هذه كناية عن أن حقيقة هذا لا تندمج بهذا؟ * طالب: (...) دخول الأنهار بالبحار، ما هو فيه من العلماء، من قال ذلك؟ * الشيخ: إلا. * الطالب: طيب، ما نظروا إلى بين؟ * الشيخ: ولهذا ضعفنا هذا القول. * طالب: أصلًا لأنه ما يمشي (...). * الشيخ: ضعفنا هذا القول وقلنا: هذا ما يمشي. * الطالب: لأنه (...). * الشيخ: (...) اللي ينظر إلى كلمة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ [الرحمن ٢٠]، أما كونهما لا يختلطان هذا واضح. * طالب: ﴿بَرْزَخٌ﴾ هل هي حاجز حسي أو هي حاجز يعني مانعًا، ما المانع قد يكون من الشيء نفسه، قد يكون من الشيء نفسه وقد يكون من غيره. * الشيخ: طيب، إذا قلت: بينك وبين صاحبك حجر. * الطالب: هذا مكان. * الشيخ: إي، أيضًا البحر مكان، يبقى الحيز. * الطالب: بيني وبين فلان العلم، يعني (...) فهذا حسب المعنى. * الشيخ: صحيح؛ لأن العلم أصلًا معنى، لكن الماء والماء جسم يبقيان حيزًا. * الطالب: بس بيني وبين فلان؟ * الشيخ: على كل حال أنا ما أستطيع أني أجزم، يا جماعة الآن نحن نفسر كلام الله، إذا كان القرآن يحتمل هذا المعنى الذي ذكره الأستاذ نبيل والذين ذكروا هذا فهذا لا شك أنه من إعجاز القرآن يعتبر إذا كان يحتمل. إذا كانت كلمة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ تمنع هذا الاحتمال ونقول: إن البرزخية هنا في الحقيقة تقتضي شيئًا ثالثًا غير البحرين، نحن نقول: الحمد لله، هذا الذي اطلعنا عليه بالعلم يكون من آيات الله سبحانه وتعالى وإن كان القرآن لا يدل عليه. * طالب: ألا يقال مثلًا: إن البرزخ هذا جزء من هذا وهذا وإن يعني اندمجا كان (...)؟ * الشيخ: والله يمكن، إذا ثبت هذا أن نقول: إن النسبة مثلًا اللي بينهما لا تكون ماء خالصًا. * الطالب: لا من هذا ولا من هذا. * الشيخ: لا تكون حلوًا خالصًا ولا مرًّا خالصًا، مثل هذا البرزخ. * الطالب: فتكون كالحاجز وهي كلمة ﴿بَرْزَخٌ﴾ (...) الدنيا والآخرة. * الشيخ: يمكن، الله أعلم. * طالب: على ضوء أحيانًا مكتشف علمي لا بأس من إعطاء معنى معين؛ لأنه أحيانًا في غياب هذا الواقع العلمي تشكل (...)، أذكر أن تفسير آية في سورة النور: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ [النور ٤٠]، أكثر المفسرين قالوا: بما أنه لا يوجد موجان فوق بعضهم ففوق هنا تحمل على معنى من بعده موج، وهذا تأويل ما تحمله كثيرًا اللغة العربية. * الشيخ: نعم. * الطالب: قرأت بحثًا من مدة حوالي خمس سنوات لعالم في أمريكا هو أصله مصري وأخذ جنسية أمريكية مشهور في أبحاث الفضاء، نزل في أول غواصة من أجل اكتشاف أعماق المحيطات، فقال: الرأي الغالب كان عند العلماء قبل هذه التجربة بأن باطن المحيطات والبحار ساكن تمامًا، قال: وإذا بنا نفاجأ أن في قاع المحيطات أمواجًا، الأمواج التي على السطح لا تُذكر أمام تلك الأمواج من شدتها وعظمتها. فالآن كلمة ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ لم يعد هناك مبرر لتأويلها، وإنما ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ أي هناك موج في الأسفل ويعلوه موج في الأعلى، فيعني وجود الظاهرة الكونية التي تساعد على توجيه المعنى اتجاهًا معينًا بدون تعسف في المعنى. * الشيخ: نعم، حقيقة الأمر حتى الأمواج الظاهرية اللي على سطح البحر يكون الموج مثلًا قليل الارتفاع ثم يأتي موج أكبر منه ويعلوه. * الطالب: (...) من أجل قضية تبيان إعجاز القرآن (...) منا. * الشيخ: على كل حال يعني الآن لا نضيع علينا الوقت. الآن نقول: الآية تحتمل ثلاثة معان؛ المعنى الذي ذكره كثير من المفسرين، والمعنى الذي ذكرناه، والذي ذكرته أيضًا ذكره رجل عراقي في كتاب اسمه حقائق جغرافية، ذكر هذا المعنى الذي أشرنا إليه، والمعنى الثالث إذا كانت الآية تحتمله ما أطلعنا عليه الأستاذ نبيل في هذه الأنهار التي تكون في وسط المحيطات. وسمعنا النقاش الآن في كلمة ﴿بَيْنَهُمَا﴾ [الفرقان ٥٣] وما تحتمله، وإذا كان هناك طبقة عند إطلاقهما تكون بين الحلو وبين المالح، أمكن أن يقال: هذا برزخ يعني على ثقل؛ لأن ظاهره أن البرزخ هو المانع من الاختلاط، وهذا يمكن أن يقال: هو مانع من أن يختلطا لأجل يعني المقاربة. * طالب: يتعرض الإنسان (...)؛ لأن القرآن ذكر البرزخ على أنه (...)؟ * الشيخ: إي، الأنهار اللي في وسط البحر. * الطالب: الأنهار في وسط البحار وأنه لا يمر بعضها ببعض ولا تختلط. * الشيخ: طيب، على كل حال ما عندنا إلا كلمة ﴿بَيْنَهُمَا﴾، البينية هذه تقتضي أن هناك شيئًا ثالثًا لا من هذا ولا من هذا. * طالب: ما هو ورد عن بعض البحارة (...)؟ * الشيخ: إي نعم هذا سمعناه. * الطالب: طيب، إذا كان (...). * الشيخ: إي، لكن العين تقتضي من قاع البحر. * الطالب: تخرج من قاع البحر وتخرج. * الشيخ: إذا خرجت، لا، تختلط. * طالب: ما تختلط. * الشيخ: تختلط، (...) من نفس العين. * طالب: يعني تختلط (...)؟ * الشيخ: إي نعم، وبعدين تختلط. * الطالب: يعني يكون مالحًا؟ * الشيخ: إي، لكن هذا الذي ذكروا إذا كان أنهار في وسط الماء هذه (...)، أنهار تجري، ولا شك أنها بجريانها أيضًا تمنع من هذا.. * طالب: (...) دليل على القدرة. * الشيخ: إي ما (...)، نعم. طيب، الآن الحمد لله صارت الآية ثلاثة معان، ويبقى المعنى الثالث هذا محتملًا من ذات البينية، وإذا صح أن نقول: إنه عند ملاقاتهما لا بد أنه يكون بينها برزخ لا هو حلو ولا مالح. التأويل يمكن، والله أعلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، (...) في الحقيقة أن كونه عند المصب أنه ما يختلط، هذا ما هو بواضح. * طالب: أو يشمل الاثنين؟ * الشيخ: إي، يشمل الاثنين (...). أنا ما عندي شك في المعنى الذي أشرت إليه أمس أن هذا من آيات الله سبحانه وتعالى، وهذا الطبيعي ولو قرب منه ما يفسده، هذا ما عندي فيه شك، لكن الذي عندنا فيه شك هو الآن قد يكون فيه احتمال، هذا الفاصل الذي أشار إليه الأخ أنه يكون برزخًا، يصح أن نجعله برزخًا؛ لأنه في الحقيقة لا هو من المالح وليس من العذب. * طالب: (...) ﴿بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان ٥٣]؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...) معناهما مالح. * الشيخ: إي، مالح، والفائدة التقوية؛ ولهذا بعد حتى ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ فيها أيضًا فائدة؛ لأنا إحنا قلنا: محتمل حجره. * طالب: لو كان شيئًا حسيًّا. * الشيخ: هو على كل حال الآية فيها احتمال، ويمكن نقول أيضًا: إن الفاصل هذا اللي لا هو بحلو ولا مر أنه حجر محجور. * طالب: والمحجور (...). * الشيخ: إي، الله أعلم. فيه أيضًا من كمال قدرة الله سبحانه وتعالى أن خلق من الماء بشرًا وقسمه إلى قسمين، هما؟ * طالب: النسب والصهر. * الشيخ: النسب والصهر. * الطالب: النسب (...). * الشيخ: في الزوجية، نعم، وقلنا: إن هذه أسباب الصلة بين الناس، إما صلة بالولادة وهو النسب أو بالنكاح وهو المصاهرة. طيب، وقوله: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان ٥٤]، يقول المؤلف: (قادرا على ما يشاء). نحن نناقش المؤلف رحمه الله في تفسير ﴿قَدِيرًا﴾ بـ(قادر)، وفي تقييد المطلق بـ(ما يشاء). أما تفسير ﴿قَدِيرًا﴾ بـ(قادر) فهذا يعتبر نقصًا في التفسير؛ وذلك لأن ﴿قَدِيرًا﴾ إما أن تكون صفة مشبهة وإما أن تكون صيغة مبالغة، أما (قادر) فهي اسم فاعل مجرد لا تدل على ما تدل عليه الصفة المشبهة ولا على ما تدل عليه صيغة المبالغة، فهذا نوع من القصور في تفسير القرآن. ثانيًا: القرآن يطلق: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ وهنا قيده بقوله: (على ما يشاء)، وكلمة (على ما يشاء) نحن نعرف أن من الناس من يكون هذا القيد دالًّا على بدعة ارتكبها؛ لأن القدرية يقولون: إن الله سبحانه وتعالى لا يقدر إلا على ما يشاء، وإنه لا يشاء أفعال العباد، وعلى هذا فلا يكون قادرًا عليها. ولا شك أن هذا قول تبطله النصوص والعقل، فالله هو الذي يهدي ويضل، وما معنى الهداية والإضلال إلا أنه سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء حتى فيما يتعلق بأفعال العبد. لهذا نرى أن تقييد القدرة بالمشيئة لا ينبغي ولا يليق للوجوه الآتية: أولًا: أن الله سبحانه وتعالى أطلق هذا الوصف لنفسه بدون قيد، ولا ينبغي لنا أن نقيد ما أطلقه الله؛ لأن صفات الله توقيفية يتوقف فيها على ما ورد. الشيء الثاني: أنه خلاف طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه، بل طريقة الرسل كلهم؛ لأنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم ٨]، لا يقولون: إنك على ما تشاء قدير، ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. الشيء الثالث: أنه يوهم أن القدرة تتعلق بما يشاء فقط، وعلى هذا فيكون ما لا يشاؤه ليس بمقدور الله، وهذا معنى باطل، فهو قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاء، لكن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فهو قادر على الأمرين جميعًا، ليس على ما يشاء فقط. من أجل هذه الوجوه الثلاثة نرى أن التعبير بها لا ينبغي، وأنها مما يُرشَد إليه العبد ويقال له: لا تقل هكذا، لا تقيد ما أطلقه الله لنفسه. * طالب: يرشد أو لا ينبغي (...)؟ * الشيخ: لا، هو أصله على أساس أن الذي يقوله لا يريد هذا المعنى، نقول: يرشد، ويقال: هذا لا ينبغي. وإذا قيل: ما الجمع أو ما هو الجواب عن قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]. فهنا قال: ﴿عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾، ونحن نمنع تعليق القدرة بالمشيئة؟ * طالب: (إذا) بمعنى متى، متى شاء سبحانه وتعالى فهو من الزمن يعني. * الشيخ: ما يخالف، متى شاء قدير، ومتى لم يشأ؟ * الطالب: قدير أيضًا، ولكن المقصود بالزمن، يعني فإن الله على جمعهم إذا يشاء قدير، يعني أنه إذا حان الوقت الذي قد شاء الله سبحانه وتعالى أن يجمعهم فيه جمعهم (...). * الشيخ: إي، ما (...). الجواب أن هذا تقييد المشيئة بالجمع، يعني معناه: لأن الجمع فعل، وهذا الفعل ينكره الكفار المكذبون للبعث، فيقول الله عز وجل: إن المانع من ذلك ليس العجز، ولكنه عدم المشيئة، فإذا شاء أن يجمعهم جمعهم، خلافًا لمن؟ لمن ينكرون ذلك، لمن يقولون: إنه لا يمكن أن يجمعهم، فيكون هنا التقييد بالفعل، تقييد المشيئة عائد على الفعل، لا على القدرة، فهو قادر على جمعهم كل وقت، لكنه لما كان سبحانه وتعالى لا يريد أن يجمعهم إلا في وقت معين: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠]، موقت، ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ﴾ شوف ﴿مَعْدُودٍ﴾ [هود ١٠٤]، كل الدنيا أجل معدود، دليل على قصرها مهما طالت. فنقول: إن هذا عائد على الجمع، وهو فعل، فكأن الله يقول: إنه.. .. ما لا ينفعهم إذا عبدوه، ولا يضرهم إذا عَصَوْه، وقد قال الله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف ٥]، يعني لو قعد يدعو هذا الصنم إلى يوم القيامة ما استجاب له، هل أحد أَضَلُّ من هذا؟! ما من أحد أَضَلُّ من هذا أبدًا، إنسان يحاول أن هذا الصنم ينفعه أو يضره وهو لو يبقى يدعوه إلى يوم القيامة ما استجاب له، هذا من أبلغ ما يكون في الضلال، إي نعم. (﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان ٥٥]: مُعِِينًا للشيطان بطاعته)، أي: بطاعة الشيطان. الكافر على ربه ظهير، مُعِينٌ على الله سبحانه وتعالى، لا لله، مُعِينٌ عليه لا له، يعني حرب على الله، فكلما وجد عدوًّا لله.. الكافر كلما وجد عدوًّا لله أعانه على ربه، وهذا كما أنه مثل ما قال المؤلف أنه يُعِينُ الشيطان على معصية الله؛ لأن الإنسان (...) مُعِينًا للشيطان في تَمَرُّده على الله سبحانه وتعالى. هو أيضًا يشمل مَن اتصف بهذا الوصف من غير الكفار، كل مَن أعان على باطل فإنه مُعِينٌ على الله، ولّا لا؟ كل إنسان يُعِينُ أحدًا في باطل فإنه ظهير على ربه؛ لأن الله تعالى هو الحق وهو يريد الحق، فإذا أعنت صاحب باطل على صاحب حق فإنك مُعِينٌ على الله، كذا ولّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: لأنه ويش معنى الظهير؟ الظهير الْمُعِين، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، فالكافر دائمًا يُعِينُ على الله، وكل مَن أعان في باطل على حق فإنه مُعِينٌ على الله، يعني مُعِينٌ للباطل على الحق؛ لأن الله هو الحق، وهو يحب الحق. ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان ٥٥]، مناسبة الجملة هذه للتي قبلها: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان ٥٥]؟ * طالب: بمعنى أنه (...) مُعِينُون على الله بالشيطان. * الشيخ: يعني أن هذا من أوامر الشيطان؟ * الطالب: نعم؟ * الشيخ: يعني عبادته من أوامر الشيطان؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: طيب، وأيضًا؟ * طالب: الإنكار عليهم. * طالب آخر: (...). * الشيخ: يعني كأنه جعل هذا نِدًّا لله، جعل هذا الصنم نِدًّا لله يعبده كما يعبد الله، ومعلوم أن الصنم ضد ما جاءت به الرسل، فيكون نصرة هذا الصنم عونًا على الله.

الفرقان 25:52

ثم قال تعالى: (﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ أي: الماء ﴿بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ أصله: يتذكروا، وأُدغمت التاء في الذال) ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾، (وفي قراءة: ﴿لِيَذْكُرُوا﴾ بسكون الذال وضم الكاف، أي: نعمة الله به ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠] جحودًا للنعمة، حيث قالوا: مُطرنا بنوء كذا). ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾، ويش معناه؟ صرفت الشيء يعني غيرته وصرفته على وجهه، يعني أن الله تعالى غير هذا المطر بالنسبة للناس ووزعه بينهم ما بين مقل ومستكثر؛ فمنهم من يكثر المطر عنده ومنهم من يقل، هذا بالنسبة للبينية. كذلك أيضًا صرفه الله تعالى بينهم بالنسبة لكل أحد، أحيانًا يكون المطر كثيرًا في عام وقليلًا في عام. وقوله تعالى: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾، المؤلف جعل التذكر هنا تذكر النعمة فقط، ولكن الأصح أنه أعم. ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أي نعمة الله فيما إذا نزل عليهم، و﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ يتعظوا فيما إذا لم ينزل. وكذلك أيضًا ﴿لِيَذْكُرُوا﴾ في ذلك قدرة الله، حيث صرف في محل إلى محل. فالمهم أن تصريف هذا المطر في محل دون محل، أو في سنة دون سنة، هذا لا شك أنه سبب لتذكر الإنسان، إما تذكر النعمة إذا كان نازلًا، وإما تذكر النقمة ومعاصيه إذا كان ممتنعًا، وإما تذكر القدرة حينما يعرف أنه في مكان يكون غزيرًا وفي مكان يكون قليلًا. وقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠]، يعني امتنع أكثر الناس عن التذكر ولم يزده إلا كفرًا. * طالب: القراءة الثانية (...)؟ * الشيخ: مثل ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾، يذكرون نعمة الله إذا نزل، ويذكرون ما هم عليه من المعاصي والآثام إذا امتنع. وقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾، ﴿أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ يعني: والأقل شكر وتذكر واتعظ، ولكن أكثر الناس أبى إلا أن يكفر. الكفر ذكر المؤلف منه مثالًا واحدًا، وهو قوله: (مُطرنا بنوء كذا)، ويُستدَل لمَا مثَّل به المؤلف، يستدل له بقول النبي ﷺ في «حديث زيد بن خالد الجُهَنِي حين صلى بهم على إثر سماء كانت من الليل في الحديبية، فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ؛ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا؛ فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٣٨) ومسلم (٧١/١٢٥) من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه. ]]، فهذا كفر. وكيف يكون كفرًا؟ لأنه أضاف المطر إلى أمر ليس بسبب، وجعل هذا من فضل هذا النوء، ولكن الفضل لله عز وجل، وهو حرام وكفر كما جاء به الحديث. أما لو قال الإنسان: مُطرنا في نوء كذا، يجوز ولَّا لا؟ * طالب: نعم يجوز. * الشيخ: يجوز في نوء؛ لأنها للظرفية، وأما بنوء فلا يجوز لأنه للسببية. لكن عند العامة – عامتنا هنا في نجد – يجعلون الباء بمعنى (في) يقولون: مطرنا (...)، وما أشبه ذلك، فهل يكون هذا كفرًا؟ * طالب: لا. * طالب: نعم. * الشيخ: أو نقول: إن الباء تأتي للظرفية كثيرًا وهم يريدون بها الظرفية فلا بأس به؟ * طالب: حسب المقصود. * الشيخ: حسب النية نعم. ومن الكفر أيضًا بهذا المطر مما لم يذكر المؤلف، من الكفر به أن يجعل ذلك سببًا للأشر والبطر، مثلما يحصل من بعض الناس إذا نزلت الأمطار وكثرت (...)، صارت سببًا لأشره وبطره وفسوقه، هذا من أسبابه. ومن أسباب الكفر أيضًا أنه إذا امتنع المطر صار امتناعه سببًا لقنوط الإنسان من رحمة الله سبحانه وتعالى، والقنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب، ليس بالأمر الهين، فلا يجوز للإنسان أن يقنط من رحمة الله ولا أن يأمن مكر الله، لا هذا ولا هذا. وقوله تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ [الفرقان ٥٠]، في هذا دليل على أن الناس ينقسمون إلى قسمين: كافر ومؤمن، وهو كذلك، ليس في هذه النعمة فقط، بل بجميع النعم، من الناس من يؤمن بها ومن الناس من يكفر بالله سبحانه وتعالى وبهذه النعمة. في هذه الآية من الفوائد: أولًا: دليل على كمال القدرة؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفرقان ٥٠]. ثانيًا: دليل على ثبوت الحكمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان ٥٠]، لام التعليل. ثالثًا: دليل على بلوغ الغاية في الكفر من بعض الناس؛ لأنه إذا كان الله تعالى يريهم آية ليتذكروا بها فلا يزدادون إلا كفورًا، فهذا والعياذ بالله في غاية ما يكون من الكفر؛ لأن الإنسان إذا لم تحصل له الآيات فقد يعذر بكفره، لكن إذا حصلت الآيات ولم ينتفع صار أشد. وفي الآية أيضًا دليل على استعمال المؤكدات فيما ينبغي تأكيده. منين نأخذه؟ * طالب: من القسم. * الشيخ: إي، من القسم، من قوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ [الفرقان ٥٠]؛ لأن مثل هذا التعبير كما مر علينا كثيرًا يعتبر مؤكدًا بثلاثة مؤكدات: باللام و(قد) والقسم. والله أعلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، صريح، أحسنت. نعم فيه دليل على إبطال مذهب الجبرية؛ لقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠]، فجعل هذا باختيارهم، أبوا إلا أن يكفروا بذلك. * طالب: (...). * الشيخ: طيب، أولًا قول بعض السلف ما هو دليل، قول بعض السلف ليس بدليل، إلا إذا وجد له دليل. فهل في الآية التي قرأنا الآن ما يدل لقوله؟ * الطالب: ما أعرف. * الشيخ: لا، اقرأ. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، صحيح، ذكر الله أنه أنزله ليحيي به البلدة، فيقتضي هذا التعليل أنه ما من قطرة تنزل من السماء إلا ويحصل بها حياة الأرض، وإلا لفاتت العلة، ولكن يقال: هذا سبب، والأسباب قد تتخلف لوجود الموانع، قد لا تؤثر لوجود الموانع، فذنوب بني آدم من موانع إحياء الأرض لو نزل المطر، ويكون هذا أشد وأنكى وأبلغ في التذكر إذا نزل المطر ولم تنبت الأرض؛ ولهذا جاء في الحديث: «لَيْسَتِ السَّنَةُ أَلَّا تُمْطَرُوا، إِنَّمَا السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٠٤/٤٤) عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «ليست السنة بألا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا، ولا تنبت الأرض شيئا».]]، وهذا هو الصحيح. أحيانًا تأتي أمطار كثيرة ولا تجد فيها حياة في الأرض، وأحيانًا تأتي أمطار قليلة وتحيا بها الأرض حياة طيبة؛ مما يدل على أن هذا المطر سبب لحياة الأرض، ولكن الأسباب قد تتخلف مسبباتها لوجود الموانع. * طالب: قوله ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠] (...) أو أن ﴿كُفُورًا﴾ بعدم قدرة الله تعالى لإحياء الموتى؟ * الشيخ: عام، هذا يشمل كل ما يتصور من أنواع الكفر (...) مما لو كانت سببًا للأسر والبطر، يخرج الناس مثلًا ويمرحون ويفسقون ولا يؤدون ما أوجب الله عليهم من صلاة الجماعة وغير ذلك، هو من هذا النوع. * طالب: بسم الله الرحمن الرحيم. (...) * * * * الشيخ: أن هذا البرزخ هو هذا اليابس. والثالث ما ذكره الأستاذ إن احتملت الآية إذا جعلنا بينهما برزخًا، يعني هناك شيء فاصل، يعني ما نعرفه نحن؛ لأنه هنا الفصل بين الملح والحلو في ذاتهما، يعني ليس أمرًا (...) هذا عن هذا، إنما الفاصل بنفس الحلاوة ونفس المر، فليس بينهما شيء، إنما طبيعة هذا وطبيعة هذا تقتضي أن ينفصل بعضهما عن بعض، فإذا كان القرآن يحتمله فهذا لا شك أنه من أعظم الآيات، أن يكون مثلًا نهر يمشي مسافة طويلة في وسط الماء المالح ولا يختلط به. * طالب: (...)، ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن ١٩] ما هو للاستفهام. * الشيخ: نعم. * الطالب: ولا وصف بالملوحة والعذوبية. * الشيخ: نعم. * الطالب: والتفسير الوحيد للعلماء أن هذين لا يختلفان اختلافًا في الملوحة بينهما. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: وكأنه يعني تفسير حرفي للآية. * الشيخ: طيب! * طالب: يعني ما نقول: إن تفسير البرزخ شيء معنوي وليس.. ؟ * الشيخ: إي، لكن ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ [الفرقان ٥٣]، أنتم (...)؟ * الطالب: (...) للملوحة والعذوبة؟ * طالب: في الحقيقة ليس المعنى، يعني الفاصل بينهما كثافة هذا تختلف عن كثافة هذا، يعني الحقيقة ليس (...). * الشيخ: ما يخالف. أنا أقول: إن السبب كثافة هذا وكثافة هذا، أو ملوحة هذا وحلاوة هذا، لكن كلمة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ الآن على هذا أن الفاصل هو حقيقة هذا لا تتلاءم مع حقيقة هذا، يكون البرزخ ليس بينهما. * طالب: يقول المؤلف: (﴿بَرْزَخًا﴾ [الفرقان ٥٣] حَاجِزًا) يعني (...)؟ * الشيخ: إي، البرزخ (...) ﴿بَيْنَهُمَا﴾، فالبينية تقتضي طرفين وشيئًا بينهما. * طالب: (...) مثله يا شيخ بين الماء هذا وهذا. * طالب: نقول: برزخ الماء يعني حاجز الماء. * الشيخ: على كل حال نحن نقول: إذا كان القرآن يحتمل هذا المعنى والله أعلم، لكننا ما لنا أن (...) باللفظ في الحقيقة، كلمة البينية تقتضي أنها ثلاثة أفراد؛ اثنان ووسط بينهما، فإذا كان القرآن يحتمل وأمكن أن نجعل ﴿بَيْنَهُمَا﴾ أي في حقيقتيهما وتكوينهما؛ لأن الآن اللي فهمنا أن السبب عدم البغي ليس شيئًا فاصلًا بينهما، إنما حقيقة تكوين هذا وهذا. * طالب: مثل قطعة جلد في الماء. * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، ما تقدر تقول: بينها وبيننا برزخ. * الطالب: وكذا العين المجردة لا (...). * الشيخ: إي. * الطالب: كما في يعني (...). * الشيخ: لا، ولا الحقيقة ما (...). * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما تختلف، ولكن بس ما يندمج هذا بهذا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما فيه شك، نحن ما نقول: هذا ليس من آيات الله، بس الكلام (...) على دلالة القرآن على هذا، فهل لنا أن نتجاوز ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن ٢٠]، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان ٥٣]؟ هل لنا أن نتجاوز هذا ونقول: المراد بالبينية هذه كناية عن أن حقيقة هذا لا تندمج بهذا؟ * طالب: (...) دخول الأنهار بالبحار، ما هو فيه من العلماء، من قال ذلك؟ * الشيخ: إلا. * الطالب: طيب، ما نظروا إلى بين؟ * الشيخ: ولهذا ضعفنا هذا القول. * طالب: أصلًا لأنه ما يمشي (...). * الشيخ: ضعفنا هذا القول وقلنا: هذا ما يمشي. * الطالب: لأنه (...). * الشيخ: (...) اللي ينظر إلى كلمة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ [الرحمن ٢٠]، أما كونهما لا يختلطان هذا واضح. * طالب: ﴿بَرْزَخٌ﴾ هل هي حاجز حسي أو هي حاجز يعني مانعًا، ما المانع قد يكون من الشيء نفسه، قد يكون من الشيء نفسه وقد يكون من غيره. * الشيخ: طيب، إذا قلت: بينك وبين صاحبك حجر. * الطالب: هذا مكان. * الشيخ: إي، أيضًا البحر مكان، يبقى الحيز. * الطالب: بيني وبين فلان العلم، يعني (...) فهذا حسب المعنى. * الشيخ: صحيح؛ لأن العلم أصلًا معنى، لكن الماء والماء جسم يبقيان حيزًا. * الطالب: بس بيني وبين فلان؟ * الشيخ: على كل حال أنا ما أستطيع أني أجزم، يا جماعة الآن نحن نفسر كلام الله، إذا كان القرآن يحتمل هذا المعنى الذي ذكره الأستاذ نبيل والذين ذكروا هذا فهذا لا شك أنه من إعجاز القرآن يعتبر إذا كان يحتمل. إذا كانت كلمة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ تمنع هذا الاحتمال ونقول: إن البرزخية هنا في الحقيقة تقتضي شيئًا ثالثًا غير البحرين، نحن نقول: الحمد لله، هذا الذي اطلعنا عليه بالعلم يكون من آيات الله سبحانه وتعالى وإن كان القرآن لا يدل عليه. * طالب: ألا يقال مثلًا: إن البرزخ هذا جزء من هذا وهذا وإن يعني اندمجا كان (...)؟ * الشيخ: والله يمكن، إذا ثبت هذا أن نقول: إن النسبة مثلًا اللي بينهما لا تكون ماء خالصًا. * الطالب: لا من هذا ولا من هذا. * الشيخ: لا تكون حلوًا خالصًا ولا مرًّا خالصًا، مثل هذا البرزخ. * الطالب: فتكون كالحاجز وهي كلمة ﴿بَرْزَخٌ﴾ (...) الدنيا والآخرة. * الشيخ: يمكن، الله أعلم. * طالب: على ضوء أحيانًا مكتشف علمي لا بأس من إعطاء معنى معين؛ لأنه أحيانًا في غياب هذا الواقع العلمي تشكل (...)، أذكر أن تفسير آية في سورة النور: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ [النور ٤٠]، أكثر المفسرين قالوا: بما أنه لا يوجد موجان فوق بعضهم ففوق هنا تحمل على معنى من بعده موج، وهذا تأويل ما تحمله كثيرًا اللغة العربية. * الشيخ: نعم. * الطالب: قرأت بحثًا من مدة حوالي خمس سنوات لعالم في أمريكا هو أصله مصري وأخذ جنسية أمريكية مشهور في أبحاث الفضاء، نزل في أول غواصة من أجل اكتشاف أعماق المحيطات، فقال: الرأي الغالب كان عند العلماء قبل هذه التجربة بأن باطن المحيطات والبحار ساكن تمامًا، قال: وإذا بنا نفاجأ أن في قاع المحيطات أمواجًا، الأمواج التي على السطح لا تُذكر أمام تلك الأمواج من شدتها وعظمتها. فالآن كلمة ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ لم يعد هناك مبرر لتأويلها، وإنما ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ أي هناك موج في الأسفل ويعلوه موج في الأعلى، فيعني وجود الظاهرة الكونية التي تساعد على توجيه المعنى اتجاهًا معينًا بدون تعسف في المعنى. * الشيخ: نعم، حقيقة الأمر حتى الأمواج الظاهرية اللي على سطح البحر يكون الموج مثلًا قليل الارتفاع ثم يأتي موج أكبر منه ويعلوه. * الطالب: (...) من أجل قضية تبيان إعجاز القرآن (...) منا. * الشيخ: على كل حال يعني الآن لا نضيع علينا الوقت. الآن نقول: الآية تحتمل ثلاثة معان؛ المعنى الذي ذكره كثير من المفسرين، والمعنى الذي ذكرناه، والذي ذكرته أيضًا ذكره رجل عراقي في كتاب اسمه حقائق جغرافية، ذكر هذا المعنى الذي أشرنا إليه، والمعنى الثالث إذا كانت الآية تحتمله ما أطلعنا عليه الأستاذ نبيل في هذه الأنهار التي تكون في وسط المحيطات. وسمعنا النقاش الآن في كلمة ﴿بَيْنَهُمَا﴾ [الفرقان ٥٣] وما تحتمله، وإذا كان هناك طبقة عند إطلاقهما تكون بين الحلو وبين المالح، أمكن أن يقال: هذا برزخ يعني على ثقل؛ لأن ظاهره أن البرزخ هو المانع من الاختلاط، وهذا يمكن أن يقال: هو مانع من أن يختلطا لأجل يعني المقاربة. * طالب: يتعرض الإنسان (...)؛ لأن القرآن ذكر البرزخ على أنه (...)؟ * الشيخ: إي، الأنهار اللي في وسط البحر. * الطالب: الأنهار في وسط البحار وأنه لا يمر بعضها ببعض ولا تختلط. * الشيخ: طيب، على كل حال ما عندنا إلا كلمة ﴿بَيْنَهُمَا﴾، البينية هذه تقتضي أن هناك شيئًا ثالثًا لا من هذا ولا من هذا. * طالب: ما هو ورد عن بعض البحارة (...)؟ * الشيخ: إي نعم هذا سمعناه. * الطالب: طيب، إذا كان (...). * الشيخ: إي، لكن العين تقتضي من قاع البحر. * الطالب: تخرج من قاع البحر وتخرج. * الشيخ: إذا خرجت، لا، تختلط. * طالب: ما تختلط. * الشيخ: تختلط، (...) من نفس العين. * طالب: يعني تختلط (...)؟ * الشيخ: إي نعم، وبعدين تختلط. * الطالب: يعني يكون مالحًا؟ * الشيخ: إي، لكن هذا الذي ذكروا إذا كان أنهار في وسط الماء هذه (...)، أنهار تجري، ولا شك أنها بجريانها أيضًا تمنع من هذا.. * طالب: (...) دليل على القدرة. * الشيخ: إي ما (...)، نعم. طيب، الآن الحمد لله صارت الآية ثلاثة معان، ويبقى المعنى الثالث هذا محتملًا من ذات البينية، وإذا صح أن نقول: إنه عند ملاقاتهما لا بد أنه يكون بينها برزخ لا هو حلو ولا مالح. التأويل يمكن، والله أعلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، (...) في الحقيقة أن كونه عند المصب أنه ما يختلط، هذا ما هو بواضح. * طالب: أو يشمل الاثنين؟ * الشيخ: إي، يشمل الاثنين (...). أنا ما عندي شك في المعنى الذي أشرت إليه أمس أن هذا من آيات الله سبحانه وتعالى، وهذا الطبيعي ولو قرب منه ما يفسده، هذا ما عندي فيه شك، لكن الذي عندنا فيه شك هو الآن قد يكون فيه احتمال، هذا الفاصل الذي أشار إليه الأخ أنه يكون برزخًا، يصح أن نجعله برزخًا؛ لأنه في الحقيقة لا هو من المالح وليس من العذب. * طالب: (...) ﴿بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان ٥٣]؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...) معناهما مالح. * الشيخ: إي، مالح، والفائدة التقوية؛ ولهذا بعد حتى ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ فيها أيضًا فائدة؛ لأنا إحنا قلنا: محتمل حجره. * طالب: لو كان شيئًا حسيًّا. * الشيخ: هو على كل حال الآية فيها احتمال، ويمكن نقول أيضًا: إن الفاصل هذا اللي لا هو بحلو ولا مر أنه حجر محجور. * طالب: والمحجور (...). * الشيخ: إي، الله أعلم. فيه أيضًا من كمال قدرة الله سبحانه وتعالى أن خلق من الماء بشرًا وقسمه إلى قسمين، هما؟ * طالب: النسب والصهر. * الشيخ: النسب والصهر. * الطالب: النسب (...). * الشيخ: في الزوجية، نعم، وقلنا: إن هذه أسباب الصلة بين الناس، إما صلة بالولادة وهو النسب أو بالنكاح وهو المصاهرة. طيب، وقوله: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان ٥٤]، يقول المؤلف: (قادرا على ما يشاء). نحن نناقش المؤلف رحمه الله في تفسير ﴿قَدِيرًا﴾ بـ(قادر)، وفي تقييد المطلق بـ(ما يشاء). أما تفسير ﴿قَدِيرًا﴾ بـ(قادر) فهذا يعتبر نقصًا في التفسير؛ وذلك لأن ﴿قَدِيرًا﴾ إما أن تكون صفة مشبهة وإما أن تكون صيغة مبالغة، أما (قادر) فهي اسم فاعل مجرد لا تدل على ما تدل عليه الصفة المشبهة ولا على ما تدل عليه صيغة المبالغة، فهذا نوع من القصور في تفسير القرآن. ثانيًا: القرآن يطلق: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ وهنا قيده بقوله: (على ما يشاء)، وكلمة (على ما يشاء) نحن نعرف أن من الناس من يكون هذا القيد دالًّا على بدعة ارتكبها؛ لأن القدرية يقولون: إن الله سبحانه وتعالى لا يقدر إلا على ما يشاء، وإنه لا يشاء أفعال العباد، وعلى هذا فلا يكون قادرًا عليها. ولا شك أن هذا قول تبطله النصوص والعقل، فالله هو الذي يهدي ويضل، وما معنى الهداية والإضلال إلا أنه سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء حتى فيما يتعلق بأفعال العبد. لهذا نرى أن تقييد القدرة بالمشيئة لا ينبغي ولا يليق للوجوه الآتية: أولًا: أن الله سبحانه وتعالى أطلق هذا الوصف لنفسه بدون قيد، ولا ينبغي لنا أن نقيد ما أطلقه الله؛ لأن صفات الله توقيفية يتوقف فيها على ما ورد. الشيء الثاني: أنه خلاف طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه، بل طريقة الرسل كلهم؛ لأنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم ٨]، لا يقولون: إنك على ما تشاء قدير، ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. الشيء الثالث: أنه يوهم أن القدرة تتعلق بما يشاء فقط، وعلى هذا فيكون ما لا يشاؤه ليس بمقدور الله، وهذا معنى باطل، فهو قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاء، لكن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فهو قادر على الأمرين جميعًا، ليس على ما يشاء فقط. من أجل هذه الوجوه الثلاثة نرى أن التعبير بها لا ينبغي، وأنها مما يُرشَد إليه العبد ويقال له: لا تقل هكذا، لا تقيد ما أطلقه الله لنفسه. * طالب: يرشد أو لا ينبغي (...)؟ * الشيخ: لا، هو أصله على أساس أن الذي يقوله لا يريد هذا المعنى، نقول: يرشد، ويقال: هذا لا ينبغي. وإذا قيل: ما الجمع أو ما هو الجواب عن قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]. فهنا قال: ﴿عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾، ونحن نمنع تعليق القدرة بالمشيئة؟ * طالب: (إذا) بمعنى متى، متى شاء سبحانه وتعالى فهو من الزمن يعني. * الشيخ: ما يخالف، متى شاء قدير، ومتى لم يشأ؟ * الطالب: قدير أيضًا، ولكن المقصود بالزمن، يعني فإن الله على جمعهم إذا يشاء قدير، يعني أنه إذا حان الوقت الذي قد شاء الله سبحانه وتعالى أن يجمعهم فيه جمعهم (...). * الشيخ: إي، ما (...). الجواب أن هذا تقييد المشيئة بالجمع، يعني معناه: لأن الجمع فعل، وهذا الفعل ينكره الكفار المكذبون للبعث، فيقول الله عز وجل: إن المانع من ذلك ليس العجز، ولكنه عدم المشيئة، فإذا شاء أن يجمعهم جمعهم، خلافًا لمن؟ لمن ينكرون ذلك، لمن يقولون: إنه لا يمكن أن يجمعهم، فيكون هنا التقييد بالفعل، تقييد المشيئة عائد على الفعل، لا على القدرة، فهو قادر على جمعهم كل وقت، لكنه لما كان سبحانه وتعالى لا يريد أن يجمعهم إلا في وقت معين: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠]، موقت، ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ﴾ شوف ﴿مَعْدُودٍ﴾ [هود ١٠٤]، كل الدنيا أجل معدود، دليل على قصرها مهما طالت. فنقول: إن هذا عائد على الجمع، وهو فعل، فكأن الله يقول: إنه.. .. ما لا ينفعهم إذا عبدوه، ولا يضرهم إذا عَصَوْه، وقد قال الله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف ٥]، يعني لو قعد يدعو هذا الصنم إلى يوم القيامة ما استجاب له، هل أحد أَضَلُّ من هذا؟! ما من أحد أَضَلُّ من هذا أبدًا، إنسان يحاول أن هذا الصنم ينفعه أو يضره وهو لو يبقى يدعوه إلى يوم القيامة ما استجاب له، هذا من أبلغ ما يكون في الضلال، إي نعم. (﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان ٥٥]: مُعِِينًا للشيطان بطاعته)، أي: بطاعة الشيطان. الكافر على ربه ظهير، مُعِينٌ على الله سبحانه وتعالى، لا لله، مُعِينٌ عليه لا له، يعني حرب على الله، فكلما وجد عدوًّا لله.. الكافر كلما وجد عدوًّا لله أعانه على ربه، وهذا كما أنه مثل ما قال المؤلف أنه يُعِينُ الشيطان على معصية الله؛ لأن الإنسان (...) مُعِينًا للشيطان في تَمَرُّده على الله سبحانه وتعالى. هو أيضًا يشمل مَن اتصف بهذا الوصف من غير الكفار، كل مَن أعان على باطل فإنه مُعِينٌ على الله، ولّا لا؟ كل إنسان يُعِينُ أحدًا في باطل فإنه ظهير على ربه؛ لأن الله تعالى هو الحق وهو يريد الحق، فإذا أعنت صاحب باطل على صاحب حق فإنك مُعِينٌ على الله، كذا ولّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: لأنه ويش معنى الظهير؟ الظهير الْمُعِين، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، فالكافر دائمًا يُعِينُ على الله، وكل مَن أعان في باطل على حق فإنه مُعِينٌ على الله، يعني مُعِينٌ للباطل على الحق؛ لأن الله هو الحق، وهو يحب الحق. ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان ٥٥]، مناسبة الجملة هذه للتي قبلها: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان ٥٥]؟ * طالب: بمعنى أنه (...) مُعِينُون على الله بالشيطان. * الشيخ: يعني أن هذا من أوامر الشيطان؟ * الطالب: نعم؟ * الشيخ: يعني عبادته من أوامر الشيطان؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: طيب، وأيضًا؟ * طالب: الإنكار عليهم. * طالب آخر: (...). * الشيخ: يعني كأنه جعل هذا نِدًّا لله، جعل هذا الصنم نِدًّا لله يعبده كما يعبد الله، ومعلوم أن الصنم ضد ما جاءت به الرسل، فيكون نصرة هذا الصنم عونًا على الله.

الفرقان 25:53

ثم قال تعالى: (﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ أي: الماء ﴿بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ أصله: يتذكروا، وأُدغمت التاء في الذال) ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾، (وفي قراءة: ﴿لِيَذْكُرُوا﴾ بسكون الذال وضم الكاف، أي: نعمة الله به ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠] جحودًا للنعمة، حيث قالوا: مُطرنا بنوء كذا). ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾، ويش معناه؟ صرفت الشيء يعني غيرته وصرفته على وجهه، يعني أن الله تعالى غير هذا المطر بالنسبة للناس ووزعه بينهم ما بين مقل ومستكثر؛ فمنهم من يكثر المطر عنده ومنهم من يقل، هذا بالنسبة للبينية. كذلك أيضًا صرفه الله تعالى بينهم بالنسبة لكل أحد، أحيانًا يكون المطر كثيرًا في عام وقليلًا في عام. وقوله تعالى: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾، المؤلف جعل التذكر هنا تذكر النعمة فقط، ولكن الأصح أنه أعم. ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أي نعمة الله فيما إذا نزل عليهم، و﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ يتعظوا فيما إذا لم ينزل. وكذلك أيضًا ﴿لِيَذْكُرُوا﴾ في ذلك قدرة الله، حيث صرف في محل إلى محل. فالمهم أن تصريف هذا المطر في محل دون محل، أو في سنة دون سنة، هذا لا شك أنه سبب لتذكر الإنسان، إما تذكر النعمة إذا كان نازلًا، وإما تذكر النقمة ومعاصيه إذا كان ممتنعًا، وإما تذكر القدرة حينما يعرف أنه في مكان يكون غزيرًا وفي مكان يكون قليلًا. وقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠]، يعني امتنع أكثر الناس عن التذكر ولم يزده إلا كفرًا. * طالب: القراءة الثانية (...)؟ * الشيخ: مثل ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾، يذكرون نعمة الله إذا نزل، ويذكرون ما هم عليه من المعاصي والآثام إذا امتنع. وقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾، ﴿أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ يعني: والأقل شكر وتذكر واتعظ، ولكن أكثر الناس أبى إلا أن يكفر. الكفر ذكر المؤلف منه مثالًا واحدًا، وهو قوله: (مُطرنا بنوء كذا)، ويُستدَل لمَا مثَّل به المؤلف، يستدل له بقول النبي ﷺ في «حديث زيد بن خالد الجُهَنِي حين صلى بهم على إثر سماء كانت من الليل في الحديبية، فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ؛ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا؛ فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٣٨) ومسلم (٧١/١٢٥) من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه. ]]، فهذا كفر. وكيف يكون كفرًا؟ لأنه أضاف المطر إلى أمر ليس بسبب، وجعل هذا من فضل هذا النوء، ولكن الفضل لله عز وجل، وهو حرام وكفر كما جاء به الحديث. أما لو قال الإنسان: مُطرنا في نوء كذا، يجوز ولَّا لا؟ * طالب: نعم يجوز. * الشيخ: يجوز في نوء؛ لأنها للظرفية، وأما بنوء فلا يجوز لأنه للسببية. لكن عند العامة – عامتنا هنا في نجد – يجعلون الباء بمعنى (في) يقولون: مطرنا (...)، وما أشبه ذلك، فهل يكون هذا كفرًا؟ * طالب: لا. * طالب: نعم. * الشيخ: أو نقول: إن الباء تأتي للظرفية كثيرًا وهم يريدون بها الظرفية فلا بأس به؟ * طالب: حسب المقصود. * الشيخ: حسب النية نعم. ومن الكفر أيضًا بهذا المطر مما لم يذكر المؤلف، من الكفر به أن يجعل ذلك سببًا للأشر والبطر، مثلما يحصل من بعض الناس إذا نزلت الأمطار وكثرت (...)، صارت سببًا لأشره وبطره وفسوقه، هذا من أسبابه. ومن أسباب الكفر أيضًا أنه إذا امتنع المطر صار امتناعه سببًا لقنوط الإنسان من رحمة الله سبحانه وتعالى، والقنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب، ليس بالأمر الهين، فلا يجوز للإنسان أن يقنط من رحمة الله ولا أن يأمن مكر الله، لا هذا ولا هذا. وقوله تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ [الفرقان ٥٠]، في هذا دليل على أن الناس ينقسمون إلى قسمين: كافر ومؤمن، وهو كذلك، ليس في هذه النعمة فقط، بل بجميع النعم، من الناس من يؤمن بها ومن الناس من يكفر بالله سبحانه وتعالى وبهذه النعمة. في هذه الآية من الفوائد: أولًا: دليل على كمال القدرة؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفرقان ٥٠]. ثانيًا: دليل على ثبوت الحكمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان ٥٠]، لام التعليل. ثالثًا: دليل على بلوغ الغاية في الكفر من بعض الناس؛ لأنه إذا كان الله تعالى يريهم آية ليتذكروا بها فلا يزدادون إلا كفورًا، فهذا والعياذ بالله في غاية ما يكون من الكفر؛ لأن الإنسان إذا لم تحصل له الآيات فقد يعذر بكفره، لكن إذا حصلت الآيات ولم ينتفع صار أشد. وفي الآية أيضًا دليل على استعمال المؤكدات فيما ينبغي تأكيده. منين نأخذه؟ * طالب: من القسم. * الشيخ: إي، من القسم، من قوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ [الفرقان ٥٠]؛ لأن مثل هذا التعبير كما مر علينا كثيرًا يعتبر مؤكدًا بثلاثة مؤكدات: باللام و(قد) والقسم. والله أعلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، صريح، أحسنت. نعم فيه دليل على إبطال مذهب الجبرية؛ لقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠]، فجعل هذا باختيارهم، أبوا إلا أن يكفروا بذلك. * طالب: (...). * الشيخ: طيب، أولًا قول بعض السلف ما هو دليل، قول بعض السلف ليس بدليل، إلا إذا وجد له دليل. فهل في الآية التي قرأنا الآن ما يدل لقوله؟ * الطالب: ما أعرف. * الشيخ: لا، اقرأ. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، صحيح، ذكر الله أنه أنزله ليحيي به البلدة، فيقتضي هذا التعليل أنه ما من قطرة تنزل من السماء إلا ويحصل بها حياة الأرض، وإلا لفاتت العلة، ولكن يقال: هذا سبب، والأسباب قد تتخلف لوجود الموانع، قد لا تؤثر لوجود الموانع، فذنوب بني آدم من موانع إحياء الأرض لو نزل المطر، ويكون هذا أشد وأنكى وأبلغ في التذكر إذا نزل المطر ولم تنبت الأرض؛ ولهذا جاء في الحديث: «لَيْسَتِ السَّنَةُ أَلَّا تُمْطَرُوا، إِنَّمَا السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٠٤/٤٤) عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «ليست السنة بألا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا، ولا تنبت الأرض شيئا».]]، وهذا هو الصحيح. أحيانًا تأتي أمطار كثيرة ولا تجد فيها حياة في الأرض، وأحيانًا تأتي أمطار قليلة وتحيا بها الأرض حياة طيبة؛ مما يدل على أن هذا المطر سبب لحياة الأرض، ولكن الأسباب قد تتخلف مسبباتها لوجود الموانع. * طالب: قوله ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠] (...) أو أن ﴿كُفُورًا﴾ بعدم قدرة الله تعالى لإحياء الموتى؟ * الشيخ: عام، هذا يشمل كل ما يتصور من أنواع الكفر (...) مما لو كانت سببًا للأسر والبطر، يخرج الناس مثلًا ويمرحون ويفسقون ولا يؤدون ما أوجب الله عليهم من صلاة الجماعة وغير ذلك، هو من هذا النوع. * طالب: بسم الله الرحمن الرحيم. (...) * * * * الشيخ: أن هذا البرزخ هو هذا اليابس. والثالث ما ذكره الأستاذ إن احتملت الآية إذا جعلنا بينهما برزخًا، يعني هناك شيء فاصل، يعني ما نعرفه نحن؛ لأنه هنا الفصل بين الملح والحلو في ذاتهما، يعني ليس أمرًا (...) هذا عن هذا، إنما الفاصل بنفس الحلاوة ونفس المر، فليس بينهما شيء، إنما طبيعة هذا وطبيعة هذا تقتضي أن ينفصل بعضهما عن بعض، فإذا كان القرآن يحتمله فهذا لا شك أنه من أعظم الآيات، أن يكون مثلًا نهر يمشي مسافة طويلة في وسط الماء المالح ولا يختلط به. * طالب: (...)، ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن ١٩] ما هو للاستفهام. * الشيخ: نعم. * الطالب: ولا وصف بالملوحة والعذوبية. * الشيخ: نعم. * الطالب: والتفسير الوحيد للعلماء أن هذين لا يختلفان اختلافًا في الملوحة بينهما. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: وكأنه يعني تفسير حرفي للآية. * الشيخ: طيب! * طالب: يعني ما نقول: إن تفسير البرزخ شيء معنوي وليس.. ؟ * الشيخ: إي، لكن ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ [الفرقان ٥٣]، أنتم (...)؟ * الطالب: (...) للملوحة والعذوبة؟ * طالب: في الحقيقة ليس المعنى، يعني الفاصل بينهما كثافة هذا تختلف عن كثافة هذا، يعني الحقيقة ليس (...). * الشيخ: ما يخالف. أنا أقول: إن السبب كثافة هذا وكثافة هذا، أو ملوحة هذا وحلاوة هذا، لكن كلمة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ الآن على هذا أن الفاصل هو حقيقة هذا لا تتلاءم مع حقيقة هذا، يكون البرزخ ليس بينهما. * طالب: يقول المؤلف: (﴿بَرْزَخًا﴾ [الفرقان ٥٣] حَاجِزًا) يعني (...)؟ * الشيخ: إي، البرزخ (...) ﴿بَيْنَهُمَا﴾، فالبينية تقتضي طرفين وشيئًا بينهما. * طالب: (...) مثله يا شيخ بين الماء هذا وهذا. * طالب: نقول: برزخ الماء يعني حاجز الماء. * الشيخ: على كل حال نحن نقول: إذا كان القرآن يحتمل هذا المعنى والله أعلم، لكننا ما لنا أن (...) باللفظ في الحقيقة، كلمة البينية تقتضي أنها ثلاثة أفراد؛ اثنان ووسط بينهما، فإذا كان القرآن يحتمل وأمكن أن نجعل ﴿بَيْنَهُمَا﴾ أي في حقيقتيهما وتكوينهما؛ لأن الآن اللي فهمنا أن السبب عدم البغي ليس شيئًا فاصلًا بينهما، إنما حقيقة تكوين هذا وهذا. * طالب: مثل قطعة جلد في الماء. * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، ما تقدر تقول: بينها وبيننا برزخ. * الطالب: وكذا العين المجردة لا (...). * الشيخ: إي. * الطالب: كما في يعني (...). * الشيخ: لا، ولا الحقيقة ما (...). * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما تختلف، ولكن بس ما يندمج هذا بهذا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما فيه شك، نحن ما نقول: هذا ليس من آيات الله، بس الكلام (...) على دلالة القرآن على هذا، فهل لنا أن نتجاوز ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن ٢٠]، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان ٥٣]؟ هل لنا أن نتجاوز هذا ونقول: المراد بالبينية هذه كناية عن أن حقيقة هذا لا تندمج بهذا؟ * طالب: (...) دخول الأنهار بالبحار، ما هو فيه من العلماء، من قال ذلك؟ * الشيخ: إلا. * الطالب: طيب، ما نظروا إلى بين؟ * الشيخ: ولهذا ضعفنا هذا القول. * طالب: أصلًا لأنه ما يمشي (...). * الشيخ: ضعفنا هذا القول وقلنا: هذا ما يمشي. * الطالب: لأنه (...). * الشيخ: (...) اللي ينظر إلى كلمة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ [الرحمن ٢٠]، أما كونهما لا يختلطان هذا واضح. * طالب: ﴿بَرْزَخٌ﴾ هل هي حاجز حسي أو هي حاجز يعني مانعًا، ما المانع قد يكون من الشيء نفسه، قد يكون من الشيء نفسه وقد يكون من غيره. * الشيخ: طيب، إذا قلت: بينك وبين صاحبك حجر. * الطالب: هذا مكان. * الشيخ: إي، أيضًا البحر مكان، يبقى الحيز. * الطالب: بيني وبين فلان العلم، يعني (...) فهذا حسب المعنى. * الشيخ: صحيح؛ لأن العلم أصلًا معنى، لكن الماء والماء جسم يبقيان حيزًا. * الطالب: بس بيني وبين فلان؟ * الشيخ: على كل حال أنا ما أستطيع أني أجزم، يا جماعة الآن نحن نفسر كلام الله، إذا كان القرآن يحتمل هذا المعنى الذي ذكره الأستاذ نبيل والذين ذكروا هذا فهذا لا شك أنه من إعجاز القرآن يعتبر إذا كان يحتمل. إذا كانت كلمة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ تمنع هذا الاحتمال ونقول: إن البرزخية هنا في الحقيقة تقتضي شيئًا ثالثًا غير البحرين، نحن نقول: الحمد لله، هذا الذي اطلعنا عليه بالعلم يكون من آيات الله سبحانه وتعالى وإن كان القرآن لا يدل عليه. * طالب: ألا يقال مثلًا: إن البرزخ هذا جزء من هذا وهذا وإن يعني اندمجا كان (...)؟ * الشيخ: والله يمكن، إذا ثبت هذا أن نقول: إن النسبة مثلًا اللي بينهما لا تكون ماء خالصًا. * الطالب: لا من هذا ولا من هذا. * الشيخ: لا تكون حلوًا خالصًا ولا مرًّا خالصًا، مثل هذا البرزخ. * الطالب: فتكون كالحاجز وهي كلمة ﴿بَرْزَخٌ﴾ (...) الدنيا والآخرة. * الشيخ: يمكن، الله أعلم. * طالب: على ضوء أحيانًا مكتشف علمي لا بأس من إعطاء معنى معين؛ لأنه أحيانًا في غياب هذا الواقع العلمي تشكل (...)، أذكر أن تفسير آية في سورة النور: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ [النور ٤٠]، أكثر المفسرين قالوا: بما أنه لا يوجد موجان فوق بعضهم ففوق هنا تحمل على معنى من بعده موج، وهذا تأويل ما تحمله كثيرًا اللغة العربية. * الشيخ: نعم. * الطالب: قرأت بحثًا من مدة حوالي خمس سنوات لعالم في أمريكا هو أصله مصري وأخذ جنسية أمريكية مشهور في أبحاث الفضاء، نزل في أول غواصة من أجل اكتشاف أعماق المحيطات، فقال: الرأي الغالب كان عند العلماء قبل هذه التجربة بأن باطن المحيطات والبحار ساكن تمامًا، قال: وإذا بنا نفاجأ أن في قاع المحيطات أمواجًا، الأمواج التي على السطح لا تُذكر أمام تلك الأمواج من شدتها وعظمتها. فالآن كلمة ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ لم يعد هناك مبرر لتأويلها، وإنما ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ أي هناك موج في الأسفل ويعلوه موج في الأعلى، فيعني وجود الظاهرة الكونية التي تساعد على توجيه المعنى اتجاهًا معينًا بدون تعسف في المعنى. * الشيخ: نعم، حقيقة الأمر حتى الأمواج الظاهرية اللي على سطح البحر يكون الموج مثلًا قليل الارتفاع ثم يأتي موج أكبر منه ويعلوه. * الطالب: (...) من أجل قضية تبيان إعجاز القرآن (...) منا. * الشيخ: على كل حال يعني الآن لا نضيع علينا الوقت. الآن نقول: الآية تحتمل ثلاثة معان؛ المعنى الذي ذكره كثير من المفسرين، والمعنى الذي ذكرناه، والذي ذكرته أيضًا ذكره رجل عراقي في كتاب اسمه حقائق جغرافية، ذكر هذا المعنى الذي أشرنا إليه، والمعنى الثالث إذا كانت الآية تحتمله ما أطلعنا عليه الأستاذ نبيل في هذه الأنهار التي تكون في وسط المحيطات. وسمعنا النقاش الآن في كلمة ﴿بَيْنَهُمَا﴾ [الفرقان ٥٣] وما تحتمله، وإذا كان هناك طبقة عند إطلاقهما تكون بين الحلو وبين المالح، أمكن أن يقال: هذا برزخ يعني على ثقل؛ لأن ظاهره أن البرزخ هو المانع من الاختلاط، وهذا يمكن أن يقال: هو مانع من أن يختلطا لأجل يعني المقاربة. * طالب: يتعرض الإنسان (...)؛ لأن القرآن ذكر البرزخ على أنه (...)؟ * الشيخ: إي، الأنهار اللي في وسط البحر. * الطالب: الأنهار في وسط البحار وأنه لا يمر بعضها ببعض ولا تختلط. * الشيخ: طيب، على كل حال ما عندنا إلا كلمة ﴿بَيْنَهُمَا﴾، البينية هذه تقتضي أن هناك شيئًا ثالثًا لا من هذا ولا من هذا. * طالب: ما هو ورد عن بعض البحارة (...)؟ * الشيخ: إي نعم هذا سمعناه. * الطالب: طيب، إذا كان (...). * الشيخ: إي، لكن العين تقتضي من قاع البحر. * الطالب: تخرج من قاع البحر وتخرج. * الشيخ: إذا خرجت، لا، تختلط. * طالب: ما تختلط. * الشيخ: تختلط، (...) من نفس العين. * طالب: يعني تختلط (...)؟ * الشيخ: إي نعم، وبعدين تختلط. * الطالب: يعني يكون مالحًا؟ * الشيخ: إي، لكن هذا الذي ذكروا إذا كان أنهار في وسط الماء هذه (...)، أنهار تجري، ولا شك أنها بجريانها أيضًا تمنع من هذا.. * طالب: (...) دليل على القدرة. * الشيخ: إي ما (...)، نعم. طيب، الآن الحمد لله صارت الآية ثلاثة معان، ويبقى المعنى الثالث هذا محتملًا من ذات البينية، وإذا صح أن نقول: إنه عند ملاقاتهما لا بد أنه يكون بينها برزخ لا هو حلو ولا مالح. التأويل يمكن، والله أعلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، (...) في الحقيقة أن كونه عند المصب أنه ما يختلط، هذا ما هو بواضح. * طالب: أو يشمل الاثنين؟ * الشيخ: إي، يشمل الاثنين (...). أنا ما عندي شك في المعنى الذي أشرت إليه أمس أن هذا من آيات الله سبحانه وتعالى، وهذا الطبيعي ولو قرب منه ما يفسده، هذا ما عندي فيه شك، لكن الذي عندنا فيه شك هو الآن قد يكون فيه احتمال، هذا الفاصل الذي أشار إليه الأخ أنه يكون برزخًا، يصح أن نجعله برزخًا؛ لأنه في الحقيقة لا هو من المالح وليس من العذب. * طالب: (...) ﴿بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان ٥٣]؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...) معناهما مالح. * الشيخ: إي، مالح، والفائدة التقوية؛ ولهذا بعد حتى ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ فيها أيضًا فائدة؛ لأنا إحنا قلنا: محتمل حجره. * طالب: لو كان شيئًا حسيًّا. * الشيخ: هو على كل حال الآية فيها احتمال، ويمكن نقول أيضًا: إن الفاصل هذا اللي لا هو بحلو ولا مر أنه حجر محجور. * طالب: والمحجور (...). * الشيخ: إي، الله أعلم. فيه أيضًا من كمال قدرة الله سبحانه وتعالى أن خلق من الماء بشرًا وقسمه إلى قسمين، هما؟ * طالب: النسب والصهر. * الشيخ: النسب والصهر. * الطالب: النسب (...). * الشيخ: في الزوجية، نعم، وقلنا: إن هذه أسباب الصلة بين الناس، إما صلة بالولادة وهو النسب أو بالنكاح وهو المصاهرة. طيب، وقوله: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان ٥٤]، يقول المؤلف: (قادرا على ما يشاء). نحن نناقش المؤلف رحمه الله في تفسير ﴿قَدِيرًا﴾ بـ(قادر)، وفي تقييد المطلق بـ(ما يشاء). أما تفسير ﴿قَدِيرًا﴾ بـ(قادر) فهذا يعتبر نقصًا في التفسير؛ وذلك لأن ﴿قَدِيرًا﴾ إما أن تكون صفة مشبهة وإما أن تكون صيغة مبالغة، أما (قادر) فهي اسم فاعل مجرد لا تدل على ما تدل عليه الصفة المشبهة ولا على ما تدل عليه صيغة المبالغة، فهذا نوع من القصور في تفسير القرآن. ثانيًا: القرآن يطلق: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ وهنا قيده بقوله: (على ما يشاء)، وكلمة (على ما يشاء) نحن نعرف أن من الناس من يكون هذا القيد دالًّا على بدعة ارتكبها؛ لأن القدرية يقولون: إن الله سبحانه وتعالى لا يقدر إلا على ما يشاء، وإنه لا يشاء أفعال العباد، وعلى هذا فلا يكون قادرًا عليها. ولا شك أن هذا قول تبطله النصوص والعقل، فالله هو الذي يهدي ويضل، وما معنى الهداية والإضلال إلا أنه سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء حتى فيما يتعلق بأفعال العبد. لهذا نرى أن تقييد القدرة بالمشيئة لا ينبغي ولا يليق للوجوه الآتية: أولًا: أن الله سبحانه وتعالى أطلق هذا الوصف لنفسه بدون قيد، ولا ينبغي لنا أن نقيد ما أطلقه الله؛ لأن صفات الله توقيفية يتوقف فيها على ما ورد. الشيء الثاني: أنه خلاف طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه، بل طريقة الرسل كلهم؛ لأنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم ٨]، لا يقولون: إنك على ما تشاء قدير، ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. الشيء الثالث: أنه يوهم أن القدرة تتعلق بما يشاء فقط، وعلى هذا فيكون ما لا يشاؤه ليس بمقدور الله، وهذا معنى باطل، فهو قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاء، لكن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فهو قادر على الأمرين جميعًا، ليس على ما يشاء فقط. من أجل هذه الوجوه الثلاثة نرى أن التعبير بها لا ينبغي، وأنها مما يُرشَد إليه العبد ويقال له: لا تقل هكذا، لا تقيد ما أطلقه الله لنفسه. * طالب: يرشد أو لا ينبغي (...)؟ * الشيخ: لا، هو أصله على أساس أن الذي يقوله لا يريد هذا المعنى، نقول: يرشد، ويقال: هذا لا ينبغي. وإذا قيل: ما الجمع أو ما هو الجواب عن قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]. فهنا قال: ﴿عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾، ونحن نمنع تعليق القدرة بالمشيئة؟ * طالب: (إذا) بمعنى متى، متى شاء سبحانه وتعالى فهو من الزمن يعني. * الشيخ: ما يخالف، متى شاء قدير، ومتى لم يشأ؟ * الطالب: قدير أيضًا، ولكن المقصود بالزمن، يعني فإن الله على جمعهم إذا يشاء قدير، يعني أنه إذا حان الوقت الذي قد شاء الله سبحانه وتعالى أن يجمعهم فيه جمعهم (...). * الشيخ: إي، ما (...). الجواب أن هذا تقييد المشيئة بالجمع، يعني معناه: لأن الجمع فعل، وهذا الفعل ينكره الكفار المكذبون للبعث، فيقول الله عز وجل: إن المانع من ذلك ليس العجز، ولكنه عدم المشيئة، فإذا شاء أن يجمعهم جمعهم، خلافًا لمن؟ لمن ينكرون ذلك، لمن يقولون: إنه لا يمكن أن يجمعهم، فيكون هنا التقييد بالفعل، تقييد المشيئة عائد على الفعل، لا على القدرة، فهو قادر على جمعهم كل وقت، لكنه لما كان سبحانه وتعالى لا يريد أن يجمعهم إلا في وقت معين: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠]، موقت، ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ﴾ شوف ﴿مَعْدُودٍ﴾ [هود ١٠٤]، كل الدنيا أجل معدود، دليل على قصرها مهما طالت. فنقول: إن هذا عائد على الجمع، وهو فعل، فكأن الله يقول: إنه.. .. ما لا ينفعهم إذا عبدوه، ولا يضرهم إذا عَصَوْه، وقد قال الله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف ٥]، يعني لو قعد يدعو هذا الصنم إلى يوم القيامة ما استجاب له، هل أحد أَضَلُّ من هذا؟! ما من أحد أَضَلُّ من هذا أبدًا، إنسان يحاول أن هذا الصنم ينفعه أو يضره وهو لو يبقى يدعوه إلى يوم القيامة ما استجاب له، هذا من أبلغ ما يكون في الضلال، إي نعم. (﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان ٥٥]: مُعِِينًا للشيطان بطاعته)، أي: بطاعة الشيطان. الكافر على ربه ظهير، مُعِينٌ على الله سبحانه وتعالى، لا لله، مُعِينٌ عليه لا له، يعني حرب على الله، فكلما وجد عدوًّا لله.. الكافر كلما وجد عدوًّا لله أعانه على ربه، وهذا كما أنه مثل ما قال المؤلف أنه يُعِينُ الشيطان على معصية الله؛ لأن الإنسان (...) مُعِينًا للشيطان في تَمَرُّده على الله سبحانه وتعالى. هو أيضًا يشمل مَن اتصف بهذا الوصف من غير الكفار، كل مَن أعان على باطل فإنه مُعِينٌ على الله، ولّا لا؟ كل إنسان يُعِينُ أحدًا في باطل فإنه ظهير على ربه؛ لأن الله تعالى هو الحق وهو يريد الحق، فإذا أعنت صاحب باطل على صاحب حق فإنك مُعِينٌ على الله، كذا ولّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: لأنه ويش معنى الظهير؟ الظهير الْمُعِين، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، فالكافر دائمًا يُعِينُ على الله، وكل مَن أعان في باطل على حق فإنه مُعِينٌ على الله، يعني مُعِينٌ للباطل على الحق؛ لأن الله هو الحق، وهو يحب الحق. ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان ٥٥]، مناسبة الجملة هذه للتي قبلها: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان ٥٥]؟ * طالب: بمعنى أنه (...) مُعِينُون على الله بالشيطان. * الشيخ: يعني أن هذا من أوامر الشيطان؟ * الطالب: نعم؟ * الشيخ: يعني عبادته من أوامر الشيطان؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: طيب، وأيضًا؟ * طالب: الإنكار عليهم. * طالب آخر: (...). * الشيخ: يعني كأنه جعل هذا نِدًّا لله، جعل هذا الصنم نِدًّا لله يعبده كما يعبد الله، ومعلوم أن الصنم ضد ما جاءت به الرسل، فيكون نصرة هذا الصنم عونًا على الله.

الفرقان 25:54

ثم قال تعالى: (﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ أي: الماء ﴿بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ أصله: يتذكروا، وأُدغمت التاء في الذال) ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾، (وفي قراءة: ﴿لِيَذْكُرُوا﴾ بسكون الذال وضم الكاف، أي: نعمة الله به ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠] جحودًا للنعمة، حيث قالوا: مُطرنا بنوء كذا). ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾، ويش معناه؟ صرفت الشيء يعني غيرته وصرفته على وجهه، يعني أن الله تعالى غير هذا المطر بالنسبة للناس ووزعه بينهم ما بين مقل ومستكثر؛ فمنهم من يكثر المطر عنده ومنهم من يقل، هذا بالنسبة للبينية. كذلك أيضًا صرفه الله تعالى بينهم بالنسبة لكل أحد، أحيانًا يكون المطر كثيرًا في عام وقليلًا في عام. وقوله تعالى: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾، المؤلف جعل التذكر هنا تذكر النعمة فقط، ولكن الأصح أنه أعم. ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أي نعمة الله فيما إذا نزل عليهم، و﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ يتعظوا فيما إذا لم ينزل. وكذلك أيضًا ﴿لِيَذْكُرُوا﴾ في ذلك قدرة الله، حيث صرف في محل إلى محل. فالمهم أن تصريف هذا المطر في محل دون محل، أو في سنة دون سنة، هذا لا شك أنه سبب لتذكر الإنسان، إما تذكر النعمة إذا كان نازلًا، وإما تذكر النقمة ومعاصيه إذا كان ممتنعًا، وإما تذكر القدرة حينما يعرف أنه في مكان يكون غزيرًا وفي مكان يكون قليلًا. وقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠]، يعني امتنع أكثر الناس عن التذكر ولم يزده إلا كفرًا. * طالب: القراءة الثانية (...)؟ * الشيخ: مثل ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾، يذكرون نعمة الله إذا نزل، ويذكرون ما هم عليه من المعاصي والآثام إذا امتنع. وقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾، ﴿أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ يعني: والأقل شكر وتذكر واتعظ، ولكن أكثر الناس أبى إلا أن يكفر. الكفر ذكر المؤلف منه مثالًا واحدًا، وهو قوله: (مُطرنا بنوء كذا)، ويُستدَل لمَا مثَّل به المؤلف، يستدل له بقول النبي ﷺ في «حديث زيد بن خالد الجُهَنِي حين صلى بهم على إثر سماء كانت من الليل في الحديبية، فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ؛ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا؛ فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٣٨) ومسلم (٧١/١٢٥) من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه. ]]، فهذا كفر. وكيف يكون كفرًا؟ لأنه أضاف المطر إلى أمر ليس بسبب، وجعل هذا من فضل هذا النوء، ولكن الفضل لله عز وجل، وهو حرام وكفر كما جاء به الحديث. أما لو قال الإنسان: مُطرنا في نوء كذا، يجوز ولَّا لا؟ * طالب: نعم يجوز. * الشيخ: يجوز في نوء؛ لأنها للظرفية، وأما بنوء فلا يجوز لأنه للسببية. لكن عند العامة – عامتنا هنا في نجد – يجعلون الباء بمعنى (في) يقولون: مطرنا (...)، وما أشبه ذلك، فهل يكون هذا كفرًا؟ * طالب: لا. * طالب: نعم. * الشيخ: أو نقول: إن الباء تأتي للظرفية كثيرًا وهم يريدون بها الظرفية فلا بأس به؟ * طالب: حسب المقصود. * الشيخ: حسب النية نعم. ومن الكفر أيضًا بهذا المطر مما لم يذكر المؤلف، من الكفر به أن يجعل ذلك سببًا للأشر والبطر، مثلما يحصل من بعض الناس إذا نزلت الأمطار وكثرت (...)، صارت سببًا لأشره وبطره وفسوقه، هذا من أسبابه. ومن أسباب الكفر أيضًا أنه إذا امتنع المطر صار امتناعه سببًا لقنوط الإنسان من رحمة الله سبحانه وتعالى، والقنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب، ليس بالأمر الهين، فلا يجوز للإنسان أن يقنط من رحمة الله ولا أن يأمن مكر الله، لا هذا ولا هذا. وقوله تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ [الفرقان ٥٠]، في هذا دليل على أن الناس ينقسمون إلى قسمين: كافر ومؤمن، وهو كذلك، ليس في هذه النعمة فقط، بل بجميع النعم، من الناس من يؤمن بها ومن الناس من يكفر بالله سبحانه وتعالى وبهذه النعمة. في هذه الآية من الفوائد: أولًا: دليل على كمال القدرة؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفرقان ٥٠]. ثانيًا: دليل على ثبوت الحكمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان ٥٠]، لام التعليل. ثالثًا: دليل على بلوغ الغاية في الكفر من بعض الناس؛ لأنه إذا كان الله تعالى يريهم آية ليتذكروا بها فلا يزدادون إلا كفورًا، فهذا والعياذ بالله في غاية ما يكون من الكفر؛ لأن الإنسان إذا لم تحصل له الآيات فقد يعذر بكفره، لكن إذا حصلت الآيات ولم ينتفع صار أشد. وفي الآية أيضًا دليل على استعمال المؤكدات فيما ينبغي تأكيده. منين نأخذه؟ * طالب: من القسم. * الشيخ: إي، من القسم، من قوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ [الفرقان ٥٠]؛ لأن مثل هذا التعبير كما مر علينا كثيرًا يعتبر مؤكدًا بثلاثة مؤكدات: باللام و(قد) والقسم. والله أعلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، صريح، أحسنت. نعم فيه دليل على إبطال مذهب الجبرية؛ لقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠]، فجعل هذا باختيارهم، أبوا إلا أن يكفروا بذلك. * طالب: (...). * الشيخ: طيب، أولًا قول بعض السلف ما هو دليل، قول بعض السلف ليس بدليل، إلا إذا وجد له دليل. فهل في الآية التي قرأنا الآن ما يدل لقوله؟ * الطالب: ما أعرف. * الشيخ: لا، اقرأ. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، صحيح، ذكر الله أنه أنزله ليحيي به البلدة، فيقتضي هذا التعليل أنه ما من قطرة تنزل من السماء إلا ويحصل بها حياة الأرض، وإلا لفاتت العلة، ولكن يقال: هذا سبب، والأسباب قد تتخلف لوجود الموانع، قد لا تؤثر لوجود الموانع، فذنوب بني آدم من موانع إحياء الأرض لو نزل المطر، ويكون هذا أشد وأنكى وأبلغ في التذكر إذا نزل المطر ولم تنبت الأرض؛ ولهذا جاء في الحديث: «لَيْسَتِ السَّنَةُ أَلَّا تُمْطَرُوا، إِنَّمَا السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٠٤/٤٤) عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «ليست السنة بألا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا، ولا تنبت الأرض شيئا».]]، وهذا هو الصحيح. أحيانًا تأتي أمطار كثيرة ولا تجد فيها حياة في الأرض، وأحيانًا تأتي أمطار قليلة وتحيا بها الأرض حياة طيبة؛ مما يدل على أن هذا المطر سبب لحياة الأرض، ولكن الأسباب قد تتخلف مسبباتها لوجود الموانع. * طالب: قوله ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠] (...) أو أن ﴿كُفُورًا﴾ بعدم قدرة الله تعالى لإحياء الموتى؟ * الشيخ: عام، هذا يشمل كل ما يتصور من أنواع الكفر (...) مما لو كانت سببًا للأسر والبطر، يخرج الناس مثلًا ويمرحون ويفسقون ولا يؤدون ما أوجب الله عليهم من صلاة الجماعة وغير ذلك، هو من هذا النوع. * طالب: بسم الله الرحمن الرحيم. (...) * * * * الشيخ: أن هذا البرزخ هو هذا اليابس. والثالث ما ذكره الأستاذ إن احتملت الآية إذا جعلنا بينهما برزخًا، يعني هناك شيء فاصل، يعني ما نعرفه نحن؛ لأنه هنا الفصل بين الملح والحلو في ذاتهما، يعني ليس أمرًا (...) هذا عن هذا، إنما الفاصل بنفس الحلاوة ونفس المر، فليس بينهما شيء، إنما طبيعة هذا وطبيعة هذا تقتضي أن ينفصل بعضهما عن بعض، فإذا كان القرآن يحتمله فهذا لا شك أنه من أعظم الآيات، أن يكون مثلًا نهر يمشي مسافة طويلة في وسط الماء المالح ولا يختلط به. * طالب: (...)، ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن ١٩] ما هو للاستفهام. * الشيخ: نعم. * الطالب: ولا وصف بالملوحة والعذوبية. * الشيخ: نعم. * الطالب: والتفسير الوحيد للعلماء أن هذين لا يختلفان اختلافًا في الملوحة بينهما. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: وكأنه يعني تفسير حرفي للآية. * الشيخ: طيب! * طالب: يعني ما نقول: إن تفسير البرزخ شيء معنوي وليس.. ؟ * الشيخ: إي، لكن ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ [الفرقان ٥٣]، أنتم (...)؟ * الطالب: (...) للملوحة والعذوبة؟ * طالب: في الحقيقة ليس المعنى، يعني الفاصل بينهما كثافة هذا تختلف عن كثافة هذا، يعني الحقيقة ليس (...). * الشيخ: ما يخالف. أنا أقول: إن السبب كثافة هذا وكثافة هذا، أو ملوحة هذا وحلاوة هذا، لكن كلمة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ الآن على هذا أن الفاصل هو حقيقة هذا لا تتلاءم مع حقيقة هذا، يكون البرزخ ليس بينهما. * طالب: يقول المؤلف: (﴿بَرْزَخًا﴾ [الفرقان ٥٣] حَاجِزًا) يعني (...)؟ * الشيخ: إي، البرزخ (...) ﴿بَيْنَهُمَا﴾، فالبينية تقتضي طرفين وشيئًا بينهما. * طالب: (...) مثله يا شيخ بين الماء هذا وهذا. * طالب: نقول: برزخ الماء يعني حاجز الماء. * الشيخ: على كل حال نحن نقول: إذا كان القرآن يحتمل هذا المعنى والله أعلم، لكننا ما لنا أن (...) باللفظ في الحقيقة، كلمة البينية تقتضي أنها ثلاثة أفراد؛ اثنان ووسط بينهما، فإذا كان القرآن يحتمل وأمكن أن نجعل ﴿بَيْنَهُمَا﴾ أي في حقيقتيهما وتكوينهما؛ لأن الآن اللي فهمنا أن السبب عدم البغي ليس شيئًا فاصلًا بينهما، إنما حقيقة تكوين هذا وهذا. * طالب: مثل قطعة جلد في الماء. * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، ما تقدر تقول: بينها وبيننا برزخ. * الطالب: وكذا العين المجردة لا (...). * الشيخ: إي. * الطالب: كما في يعني (...). * الشيخ: لا، ولا الحقيقة ما (...). * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما تختلف، ولكن بس ما يندمج هذا بهذا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما فيه شك، نحن ما نقول: هذا ليس من آيات الله، بس الكلام (...) على دلالة القرآن على هذا، فهل لنا أن نتجاوز ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن ٢٠]، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان ٥٣]؟ هل لنا أن نتجاوز هذا ونقول: المراد بالبينية هذه كناية عن أن حقيقة هذا لا تندمج بهذا؟ * طالب: (...) دخول الأنهار بالبحار، ما هو فيه من العلماء، من قال ذلك؟ * الشيخ: إلا. * الطالب: طيب، ما نظروا إلى بين؟ * الشيخ: ولهذا ضعفنا هذا القول. * طالب: أصلًا لأنه ما يمشي (...). * الشيخ: ضعفنا هذا القول وقلنا: هذا ما يمشي. * الطالب: لأنه (...). * الشيخ: (...) اللي ينظر إلى كلمة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ [الرحمن ٢٠]، أما كونهما لا يختلطان هذا واضح. * طالب: ﴿بَرْزَخٌ﴾ هل هي حاجز حسي أو هي حاجز يعني مانعًا، ما المانع قد يكون من الشيء نفسه، قد يكون من الشيء نفسه وقد يكون من غيره. * الشيخ: طيب، إذا قلت: بينك وبين صاحبك حجر. * الطالب: هذا مكان. * الشيخ: إي، أيضًا البحر مكان، يبقى الحيز. * الطالب: بيني وبين فلان العلم، يعني (...) فهذا حسب المعنى. * الشيخ: صحيح؛ لأن العلم أصلًا معنى، لكن الماء والماء جسم يبقيان حيزًا. * الطالب: بس بيني وبين فلان؟ * الشيخ: على كل حال أنا ما أستطيع أني أجزم، يا جماعة الآن نحن نفسر كلام الله، إذا كان القرآن يحتمل هذا المعنى الذي ذكره الأستاذ نبيل والذين ذكروا هذا فهذا لا شك أنه من إعجاز القرآن يعتبر إذا كان يحتمل. إذا كانت كلمة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ تمنع هذا الاحتمال ونقول: إن البرزخية هنا في الحقيقة تقتضي شيئًا ثالثًا غير البحرين، نحن نقول: الحمد لله، هذا الذي اطلعنا عليه بالعلم يكون من آيات الله سبحانه وتعالى وإن كان القرآن لا يدل عليه. * طالب: ألا يقال مثلًا: إن البرزخ هذا جزء من هذا وهذا وإن يعني اندمجا كان (...)؟ * الشيخ: والله يمكن، إذا ثبت هذا أن نقول: إن النسبة مثلًا اللي بينهما لا تكون ماء خالصًا. * الطالب: لا من هذا ولا من هذا. * الشيخ: لا تكون حلوًا خالصًا ولا مرًّا خالصًا، مثل هذا البرزخ. * الطالب: فتكون كالحاجز وهي كلمة ﴿بَرْزَخٌ﴾ (...) الدنيا والآخرة. * الشيخ: يمكن، الله أعلم. * طالب: على ضوء أحيانًا مكتشف علمي لا بأس من إعطاء معنى معين؛ لأنه أحيانًا في غياب هذا الواقع العلمي تشكل (...)، أذكر أن تفسير آية في سورة النور: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ [النور ٤٠]، أكثر المفسرين قالوا: بما أنه لا يوجد موجان فوق بعضهم ففوق هنا تحمل على معنى من بعده موج، وهذا تأويل ما تحمله كثيرًا اللغة العربية. * الشيخ: نعم. * الطالب: قرأت بحثًا من مدة حوالي خمس سنوات لعالم في أمريكا هو أصله مصري وأخذ جنسية أمريكية مشهور في أبحاث الفضاء، نزل في أول غواصة من أجل اكتشاف أعماق المحيطات، فقال: الرأي الغالب كان عند العلماء قبل هذه التجربة بأن باطن المحيطات والبحار ساكن تمامًا، قال: وإذا بنا نفاجأ أن في قاع المحيطات أمواجًا، الأمواج التي على السطح لا تُذكر أمام تلك الأمواج من شدتها وعظمتها. فالآن كلمة ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ لم يعد هناك مبرر لتأويلها، وإنما ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ أي هناك موج في الأسفل ويعلوه موج في الأعلى، فيعني وجود الظاهرة الكونية التي تساعد على توجيه المعنى اتجاهًا معينًا بدون تعسف في المعنى. * الشيخ: نعم، حقيقة الأمر حتى الأمواج الظاهرية اللي على سطح البحر يكون الموج مثلًا قليل الارتفاع ثم يأتي موج أكبر منه ويعلوه. * الطالب: (...) من أجل قضية تبيان إعجاز القرآن (...) منا. * الشيخ: على كل حال يعني الآن لا نضيع علينا الوقت. الآن نقول: الآية تحتمل ثلاثة معان؛ المعنى الذي ذكره كثير من المفسرين، والمعنى الذي ذكرناه، والذي ذكرته أيضًا ذكره رجل عراقي في كتاب اسمه حقائق جغرافية، ذكر هذا المعنى الذي أشرنا إليه، والمعنى الثالث إذا كانت الآية تحتمله ما أطلعنا عليه الأستاذ نبيل في هذه الأنهار التي تكون في وسط المحيطات. وسمعنا النقاش الآن في كلمة ﴿بَيْنَهُمَا﴾ [الفرقان ٥٣] وما تحتمله، وإذا كان هناك طبقة عند إطلاقهما تكون بين الحلو وبين المالح، أمكن أن يقال: هذا برزخ يعني على ثقل؛ لأن ظاهره أن البرزخ هو المانع من الاختلاط، وهذا يمكن أن يقال: هو مانع من أن يختلطا لأجل يعني المقاربة. * طالب: يتعرض الإنسان (...)؛ لأن القرآن ذكر البرزخ على أنه (...)؟ * الشيخ: إي، الأنهار اللي في وسط البحر. * الطالب: الأنهار في وسط البحار وأنه لا يمر بعضها ببعض ولا تختلط. * الشيخ: طيب، على كل حال ما عندنا إلا كلمة ﴿بَيْنَهُمَا﴾، البينية هذه تقتضي أن هناك شيئًا ثالثًا لا من هذا ولا من هذا. * طالب: ما هو ورد عن بعض البحارة (...)؟ * الشيخ: إي نعم هذا سمعناه. * الطالب: طيب، إذا كان (...). * الشيخ: إي، لكن العين تقتضي من قاع البحر. * الطالب: تخرج من قاع البحر وتخرج. * الشيخ: إذا خرجت، لا، تختلط. * طالب: ما تختلط. * الشيخ: تختلط، (...) من نفس العين. * طالب: يعني تختلط (...)؟ * الشيخ: إي نعم، وبعدين تختلط. * الطالب: يعني يكون مالحًا؟ * الشيخ: إي، لكن هذا الذي ذكروا إذا كان أنهار في وسط الماء هذه (...)، أنهار تجري، ولا شك أنها بجريانها أيضًا تمنع من هذا.. * طالب: (...) دليل على القدرة. * الشيخ: إي ما (...)، نعم. طيب، الآن الحمد لله صارت الآية ثلاثة معان، ويبقى المعنى الثالث هذا محتملًا من ذات البينية، وإذا صح أن نقول: إنه عند ملاقاتهما لا بد أنه يكون بينها برزخ لا هو حلو ولا مالح. التأويل يمكن، والله أعلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، (...) في الحقيقة أن كونه عند المصب أنه ما يختلط، هذا ما هو بواضح. * طالب: أو يشمل الاثنين؟ * الشيخ: إي، يشمل الاثنين (...). أنا ما عندي شك في المعنى الذي أشرت إليه أمس أن هذا من آيات الله سبحانه وتعالى، وهذا الطبيعي ولو قرب منه ما يفسده، هذا ما عندي فيه شك، لكن الذي عندنا فيه شك هو الآن قد يكون فيه احتمال، هذا الفاصل الذي أشار إليه الأخ أنه يكون برزخًا، يصح أن نجعله برزخًا؛ لأنه في الحقيقة لا هو من المالح وليس من العذب. * طالب: (...) ﴿بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان ٥٣]؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...) معناهما مالح. * الشيخ: إي، مالح، والفائدة التقوية؛ ولهذا بعد حتى ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ فيها أيضًا فائدة؛ لأنا إحنا قلنا: محتمل حجره. * طالب: لو كان شيئًا حسيًّا. * الشيخ: هو على كل حال الآية فيها احتمال، ويمكن نقول أيضًا: إن الفاصل هذا اللي لا هو بحلو ولا مر أنه حجر محجور. * طالب: والمحجور (...). * الشيخ: إي، الله أعلم. فيه أيضًا من كمال قدرة الله سبحانه وتعالى أن خلق من الماء بشرًا وقسمه إلى قسمين، هما؟ * طالب: النسب والصهر. * الشيخ: النسب والصهر. * الطالب: النسب (...). * الشيخ: في الزوجية، نعم، وقلنا: إن هذه أسباب الصلة بين الناس، إما صلة بالولادة وهو النسب أو بالنكاح وهو المصاهرة. طيب، وقوله: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان ٥٤]، يقول المؤلف: (قادرا على ما يشاء). نحن نناقش المؤلف رحمه الله في تفسير ﴿قَدِيرًا﴾ بـ(قادر)، وفي تقييد المطلق بـ(ما يشاء). أما تفسير ﴿قَدِيرًا﴾ بـ(قادر) فهذا يعتبر نقصًا في التفسير؛ وذلك لأن ﴿قَدِيرًا﴾ إما أن تكون صفة مشبهة وإما أن تكون صيغة مبالغة، أما (قادر) فهي اسم فاعل مجرد لا تدل على ما تدل عليه الصفة المشبهة ولا على ما تدل عليه صيغة المبالغة، فهذا نوع من القصور في تفسير القرآن. ثانيًا: القرآن يطلق: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ وهنا قيده بقوله: (على ما يشاء)، وكلمة (على ما يشاء) نحن نعرف أن من الناس من يكون هذا القيد دالًّا على بدعة ارتكبها؛ لأن القدرية يقولون: إن الله سبحانه وتعالى لا يقدر إلا على ما يشاء، وإنه لا يشاء أفعال العباد، وعلى هذا فلا يكون قادرًا عليها. ولا شك أن هذا قول تبطله النصوص والعقل، فالله هو الذي يهدي ويضل، وما معنى الهداية والإضلال إلا أنه سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء حتى فيما يتعلق بأفعال العبد. لهذا نرى أن تقييد القدرة بالمشيئة لا ينبغي ولا يليق للوجوه الآتية: أولًا: أن الله سبحانه وتعالى أطلق هذا الوصف لنفسه بدون قيد، ولا ينبغي لنا أن نقيد ما أطلقه الله؛ لأن صفات الله توقيفية يتوقف فيها على ما ورد. الشيء الثاني: أنه خلاف طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه، بل طريقة الرسل كلهم؛ لأنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم ٨]، لا يقولون: إنك على ما تشاء قدير، ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. الشيء الثالث: أنه يوهم أن القدرة تتعلق بما يشاء فقط، وعلى هذا فيكون ما لا يشاؤه ليس بمقدور الله، وهذا معنى باطل، فهو قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاء، لكن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فهو قادر على الأمرين جميعًا، ليس على ما يشاء فقط. من أجل هذه الوجوه الثلاثة نرى أن التعبير بها لا ينبغي، وأنها مما يُرشَد إليه العبد ويقال له: لا تقل هكذا، لا تقيد ما أطلقه الله لنفسه. * طالب: يرشد أو لا ينبغي (...)؟ * الشيخ: لا، هو أصله على أساس أن الذي يقوله لا يريد هذا المعنى، نقول: يرشد، ويقال: هذا لا ينبغي. وإذا قيل: ما الجمع أو ما هو الجواب عن قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]. فهنا قال: ﴿عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾، ونحن نمنع تعليق القدرة بالمشيئة؟ * طالب: (إذا) بمعنى متى، متى شاء سبحانه وتعالى فهو من الزمن يعني. * الشيخ: ما يخالف، متى شاء قدير، ومتى لم يشأ؟ * الطالب: قدير أيضًا، ولكن المقصود بالزمن، يعني فإن الله على جمعهم إذا يشاء قدير، يعني أنه إذا حان الوقت الذي قد شاء الله سبحانه وتعالى أن يجمعهم فيه جمعهم (...). * الشيخ: إي، ما (...). الجواب أن هذا تقييد المشيئة بالجمع، يعني معناه: لأن الجمع فعل، وهذا الفعل ينكره الكفار المكذبون للبعث، فيقول الله عز وجل: إن المانع من ذلك ليس العجز، ولكنه عدم المشيئة، فإذا شاء أن يجمعهم جمعهم، خلافًا لمن؟ لمن ينكرون ذلك، لمن يقولون: إنه لا يمكن أن يجمعهم، فيكون هنا التقييد بالفعل، تقييد المشيئة عائد على الفعل، لا على القدرة، فهو قادر على جمعهم كل وقت، لكنه لما كان سبحانه وتعالى لا يريد أن يجمعهم إلا في وقت معين: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠]، موقت، ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ﴾ شوف ﴿مَعْدُودٍ﴾ [هود ١٠٤]، كل الدنيا أجل معدود، دليل على قصرها مهما طالت. فنقول: إن هذا عائد على الجمع، وهو فعل، فكأن الله يقول: إنه.. .. ما لا ينفعهم إذا عبدوه، ولا يضرهم إذا عَصَوْه، وقد قال الله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف ٥]، يعني لو قعد يدعو هذا الصنم إلى يوم القيامة ما استجاب له، هل أحد أَضَلُّ من هذا؟! ما من أحد أَضَلُّ من هذا أبدًا، إنسان يحاول أن هذا الصنم ينفعه أو يضره وهو لو يبقى يدعوه إلى يوم القيامة ما استجاب له، هذا من أبلغ ما يكون في الضلال، إي نعم. (﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان ٥٥]: مُعِِينًا للشيطان بطاعته)، أي: بطاعة الشيطان. الكافر على ربه ظهير، مُعِينٌ على الله سبحانه وتعالى، لا لله، مُعِينٌ عليه لا له، يعني حرب على الله، فكلما وجد عدوًّا لله.. الكافر كلما وجد عدوًّا لله أعانه على ربه، وهذا كما أنه مثل ما قال المؤلف أنه يُعِينُ الشيطان على معصية الله؛ لأن الإنسان (...) مُعِينًا للشيطان في تَمَرُّده على الله سبحانه وتعالى. هو أيضًا يشمل مَن اتصف بهذا الوصف من غير الكفار، كل مَن أعان على باطل فإنه مُعِينٌ على الله، ولّا لا؟ كل إنسان يُعِينُ أحدًا في باطل فإنه ظهير على ربه؛ لأن الله تعالى هو الحق وهو يريد الحق، فإذا أعنت صاحب باطل على صاحب حق فإنك مُعِينٌ على الله، كذا ولّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: لأنه ويش معنى الظهير؟ الظهير الْمُعِين، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، فالكافر دائمًا يُعِينُ على الله، وكل مَن أعان في باطل على حق فإنه مُعِينٌ على الله، يعني مُعِينٌ للباطل على الحق؛ لأن الله هو الحق، وهو يحب الحق. ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان ٥٥]، مناسبة الجملة هذه للتي قبلها: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان ٥٥]؟ * طالب: بمعنى أنه (...) مُعِينُون على الله بالشيطان. * الشيخ: يعني أن هذا من أوامر الشيطان؟ * الطالب: نعم؟ * الشيخ: يعني عبادته من أوامر الشيطان؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: طيب، وأيضًا؟ * طالب: الإنكار عليهم. * طالب آخر: (...). * الشيخ: يعني كأنه جعل هذا نِدًّا لله، جعل هذا الصنم نِدًّا لله يعبده كما يعبد الله، ومعلوم أن الصنم ضد ما جاءت به الرسل، فيكون نصرة هذا الصنم عونًا على الله.

الفرقان 25:55

ثم قال تعالى: (﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ أي: الماء ﴿بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ أصله: يتذكروا، وأُدغمت التاء في الذال) ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾، (وفي قراءة: ﴿لِيَذْكُرُوا﴾ بسكون الذال وضم الكاف، أي: نعمة الله به ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠] جحودًا للنعمة، حيث قالوا: مُطرنا بنوء كذا). ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾، ويش معناه؟ صرفت الشيء يعني غيرته وصرفته على وجهه، يعني أن الله تعالى غير هذا المطر بالنسبة للناس ووزعه بينهم ما بين مقل ومستكثر؛ فمنهم من يكثر المطر عنده ومنهم من يقل، هذا بالنسبة للبينية. كذلك أيضًا صرفه الله تعالى بينهم بالنسبة لكل أحد، أحيانًا يكون المطر كثيرًا في عام وقليلًا في عام. وقوله تعالى: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾، المؤلف جعل التذكر هنا تذكر النعمة فقط، ولكن الأصح أنه أعم. ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أي نعمة الله فيما إذا نزل عليهم، و﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ يتعظوا فيما إذا لم ينزل. وكذلك أيضًا ﴿لِيَذْكُرُوا﴾ في ذلك قدرة الله، حيث صرف في محل إلى محل. فالمهم أن تصريف هذا المطر في محل دون محل، أو في سنة دون سنة، هذا لا شك أنه سبب لتذكر الإنسان، إما تذكر النعمة إذا كان نازلًا، وإما تذكر النقمة ومعاصيه إذا كان ممتنعًا، وإما تذكر القدرة حينما يعرف أنه في مكان يكون غزيرًا وفي مكان يكون قليلًا. وقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠]، يعني امتنع أكثر الناس عن التذكر ولم يزده إلا كفرًا. * طالب: القراءة الثانية (...)؟ * الشيخ: مثل ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾، يذكرون نعمة الله إذا نزل، ويذكرون ما هم عليه من المعاصي والآثام إذا امتنع. وقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾، ﴿أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ يعني: والأقل شكر وتذكر واتعظ، ولكن أكثر الناس أبى إلا أن يكفر. الكفر ذكر المؤلف منه مثالًا واحدًا، وهو قوله: (مُطرنا بنوء كذا)، ويُستدَل لمَا مثَّل به المؤلف، يستدل له بقول النبي ﷺ في «حديث زيد بن خالد الجُهَنِي حين صلى بهم على إثر سماء كانت من الليل في الحديبية، فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ؛ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا؛ فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٣٨) ومسلم (٧١/١٢٥) من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه. ]]، فهذا كفر. وكيف يكون كفرًا؟ لأنه أضاف المطر إلى أمر ليس بسبب، وجعل هذا من فضل هذا النوء، ولكن الفضل لله عز وجل، وهو حرام وكفر كما جاء به الحديث. أما لو قال الإنسان: مُطرنا في نوء كذا، يجوز ولَّا لا؟ * طالب: نعم يجوز. * الشيخ: يجوز في نوء؛ لأنها للظرفية، وأما بنوء فلا يجوز لأنه للسببية. لكن عند العامة – عامتنا هنا في نجد – يجعلون الباء بمعنى (في) يقولون: مطرنا (...)، وما أشبه ذلك، فهل يكون هذا كفرًا؟ * طالب: لا. * طالب: نعم. * الشيخ: أو نقول: إن الباء تأتي للظرفية كثيرًا وهم يريدون بها الظرفية فلا بأس به؟ * طالب: حسب المقصود. * الشيخ: حسب النية نعم. ومن الكفر أيضًا بهذا المطر مما لم يذكر المؤلف، من الكفر به أن يجعل ذلك سببًا للأشر والبطر، مثلما يحصل من بعض الناس إذا نزلت الأمطار وكثرت (...)، صارت سببًا لأشره وبطره وفسوقه، هذا من أسبابه. ومن أسباب الكفر أيضًا أنه إذا امتنع المطر صار امتناعه سببًا لقنوط الإنسان من رحمة الله سبحانه وتعالى، والقنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب، ليس بالأمر الهين، فلا يجوز للإنسان أن يقنط من رحمة الله ولا أن يأمن مكر الله، لا هذا ولا هذا. وقوله تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ [الفرقان ٥٠]، في هذا دليل على أن الناس ينقسمون إلى قسمين: كافر ومؤمن، وهو كذلك، ليس في هذه النعمة فقط، بل بجميع النعم، من الناس من يؤمن بها ومن الناس من يكفر بالله سبحانه وتعالى وبهذه النعمة. في هذه الآية من الفوائد: أولًا: دليل على كمال القدرة؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفرقان ٥٠]. ثانيًا: دليل على ثبوت الحكمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان ٥٠]، لام التعليل. ثالثًا: دليل على بلوغ الغاية في الكفر من بعض الناس؛ لأنه إذا كان الله تعالى يريهم آية ليتذكروا بها فلا يزدادون إلا كفورًا، فهذا والعياذ بالله في غاية ما يكون من الكفر؛ لأن الإنسان إذا لم تحصل له الآيات فقد يعذر بكفره، لكن إذا حصلت الآيات ولم ينتفع صار أشد. وفي الآية أيضًا دليل على استعمال المؤكدات فيما ينبغي تأكيده. منين نأخذه؟ * طالب: من القسم. * الشيخ: إي، من القسم، من قوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ [الفرقان ٥٠]؛ لأن مثل هذا التعبير كما مر علينا كثيرًا يعتبر مؤكدًا بثلاثة مؤكدات: باللام و(قد) والقسم. والله أعلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، صريح، أحسنت. نعم فيه دليل على إبطال مذهب الجبرية؛ لقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠]، فجعل هذا باختيارهم، أبوا إلا أن يكفروا بذلك. * طالب: (...). * الشيخ: طيب، أولًا قول بعض السلف ما هو دليل، قول بعض السلف ليس بدليل، إلا إذا وجد له دليل. فهل في الآية التي قرأنا الآن ما يدل لقوله؟ * الطالب: ما أعرف. * الشيخ: لا، اقرأ. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، صحيح، ذكر الله أنه أنزله ليحيي به البلدة، فيقتضي هذا التعليل أنه ما من قطرة تنزل من السماء إلا ويحصل بها حياة الأرض، وإلا لفاتت العلة، ولكن يقال: هذا سبب، والأسباب قد تتخلف لوجود الموانع، قد لا تؤثر لوجود الموانع، فذنوب بني آدم من موانع إحياء الأرض لو نزل المطر، ويكون هذا أشد وأنكى وأبلغ في التذكر إذا نزل المطر ولم تنبت الأرض؛ ولهذا جاء في الحديث: «لَيْسَتِ السَّنَةُ أَلَّا تُمْطَرُوا، إِنَّمَا السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٠٤/٤٤) عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «ليست السنة بألا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا، ولا تنبت الأرض شيئا».]]، وهذا هو الصحيح. أحيانًا تأتي أمطار كثيرة ولا تجد فيها حياة في الأرض، وأحيانًا تأتي أمطار قليلة وتحيا بها الأرض حياة طيبة؛ مما يدل على أن هذا المطر سبب لحياة الأرض، ولكن الأسباب قد تتخلف مسبباتها لوجود الموانع. * طالب: قوله ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠] (...) أو أن ﴿كُفُورًا﴾ بعدم قدرة الله تعالى لإحياء الموتى؟ * الشيخ: عام، هذا يشمل كل ما يتصور من أنواع الكفر (...) مما لو كانت سببًا للأسر والبطر، يخرج الناس مثلًا ويمرحون ويفسقون ولا يؤدون ما أوجب الله عليهم من صلاة الجماعة وغير ذلك، هو من هذا النوع. * طالب: بسم الله الرحمن الرحيم. (...) * * * * الشيخ: أن هذا البرزخ هو هذا اليابس. والثالث ما ذكره الأستاذ إن احتملت الآية إذا جعلنا بينهما برزخًا، يعني هناك شيء فاصل، يعني ما نعرفه نحن؛ لأنه هنا الفصل بين الملح والحلو في ذاتهما، يعني ليس أمرًا (...) هذا عن هذا، إنما الفاصل بنفس الحلاوة ونفس المر، فليس بينهما شيء، إنما طبيعة هذا وطبيعة هذا تقتضي أن ينفصل بعضهما عن بعض، فإذا كان القرآن يحتمله فهذا لا شك أنه من أعظم الآيات، أن يكون مثلًا نهر يمشي مسافة طويلة في وسط الماء المالح ولا يختلط به. * طالب: (...)، ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن ١٩] ما هو للاستفهام. * الشيخ: نعم. * الطالب: ولا وصف بالملوحة والعذوبية. * الشيخ: نعم. * الطالب: والتفسير الوحيد للعلماء أن هذين لا يختلفان اختلافًا في الملوحة بينهما. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: وكأنه يعني تفسير حرفي للآية. * الشيخ: طيب! * طالب: يعني ما نقول: إن تفسير البرزخ شيء معنوي وليس.. ؟ * الشيخ: إي، لكن ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ [الفرقان ٥٣]، أنتم (...)؟ * الطالب: (...) للملوحة والعذوبة؟ * طالب: في الحقيقة ليس المعنى، يعني الفاصل بينهما كثافة هذا تختلف عن كثافة هذا، يعني الحقيقة ليس (...). * الشيخ: ما يخالف. أنا أقول: إن السبب كثافة هذا وكثافة هذا، أو ملوحة هذا وحلاوة هذا، لكن كلمة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ الآن على هذا أن الفاصل هو حقيقة هذا لا تتلاءم مع حقيقة هذا، يكون البرزخ ليس بينهما. * طالب: يقول المؤلف: (﴿بَرْزَخًا﴾ [الفرقان ٥٣] حَاجِزًا) يعني (...)؟ * الشيخ: إي، البرزخ (...) ﴿بَيْنَهُمَا﴾، فالبينية تقتضي طرفين وشيئًا بينهما. * طالب: (...) مثله يا شيخ بين الماء هذا وهذا. * طالب: نقول: برزخ الماء يعني حاجز الماء. * الشيخ: على كل حال نحن نقول: إذا كان القرآن يحتمل هذا المعنى والله أعلم، لكننا ما لنا أن (...) باللفظ في الحقيقة، كلمة البينية تقتضي أنها ثلاثة أفراد؛ اثنان ووسط بينهما، فإذا كان القرآن يحتمل وأمكن أن نجعل ﴿بَيْنَهُمَا﴾ أي في حقيقتيهما وتكوينهما؛ لأن الآن اللي فهمنا أن السبب عدم البغي ليس شيئًا فاصلًا بينهما، إنما حقيقة تكوين هذا وهذا. * طالب: مثل قطعة جلد في الماء. * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، ما تقدر تقول: بينها وبيننا برزخ. * الطالب: وكذا العين المجردة لا (...). * الشيخ: إي. * الطالب: كما في يعني (...). * الشيخ: لا، ولا الحقيقة ما (...). * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما تختلف، ولكن بس ما يندمج هذا بهذا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما فيه شك، نحن ما نقول: هذا ليس من آيات الله، بس الكلام (...) على دلالة القرآن على هذا، فهل لنا أن نتجاوز ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن ٢٠]، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان ٥٣]؟ هل لنا أن نتجاوز هذا ونقول: المراد بالبينية هذه كناية عن أن حقيقة هذا لا تندمج بهذا؟ * طالب: (...) دخول الأنهار بالبحار، ما هو فيه من العلماء، من قال ذلك؟ * الشيخ: إلا. * الطالب: طيب، ما نظروا إلى بين؟ * الشيخ: ولهذا ضعفنا هذا القول. * طالب: أصلًا لأنه ما يمشي (...). * الشيخ: ضعفنا هذا القول وقلنا: هذا ما يمشي. * الطالب: لأنه (...). * الشيخ: (...) اللي ينظر إلى كلمة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ [الرحمن ٢٠]، أما كونهما لا يختلطان هذا واضح. * طالب: ﴿بَرْزَخٌ﴾ هل هي حاجز حسي أو هي حاجز يعني مانعًا، ما المانع قد يكون من الشيء نفسه، قد يكون من الشيء نفسه وقد يكون من غيره. * الشيخ: طيب، إذا قلت: بينك وبين صاحبك حجر. * الطالب: هذا مكان. * الشيخ: إي، أيضًا البحر مكان، يبقى الحيز. * الطالب: بيني وبين فلان العلم، يعني (...) فهذا حسب المعنى. * الشيخ: صحيح؛ لأن العلم أصلًا معنى، لكن الماء والماء جسم يبقيان حيزًا. * الطالب: بس بيني وبين فلان؟ * الشيخ: على كل حال أنا ما أستطيع أني أجزم، يا جماعة الآن نحن نفسر كلام الله، إذا كان القرآن يحتمل هذا المعنى الذي ذكره الأستاذ نبيل والذين ذكروا هذا فهذا لا شك أنه من إعجاز القرآن يعتبر إذا كان يحتمل. إذا كانت كلمة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ تمنع هذا الاحتمال ونقول: إن البرزخية هنا في الحقيقة تقتضي شيئًا ثالثًا غير البحرين، نحن نقول: الحمد لله، هذا الذي اطلعنا عليه بالعلم يكون من آيات الله سبحانه وتعالى وإن كان القرآن لا يدل عليه. * طالب: ألا يقال مثلًا: إن البرزخ هذا جزء من هذا وهذا وإن يعني اندمجا كان (...)؟ * الشيخ: والله يمكن، إذا ثبت هذا أن نقول: إن النسبة مثلًا اللي بينهما لا تكون ماء خالصًا. * الطالب: لا من هذا ولا من هذا. * الشيخ: لا تكون حلوًا خالصًا ولا مرًّا خالصًا، مثل هذا البرزخ. * الطالب: فتكون كالحاجز وهي كلمة ﴿بَرْزَخٌ﴾ (...) الدنيا والآخرة. * الشيخ: يمكن، الله أعلم. * طالب: على ضوء أحيانًا مكتشف علمي لا بأس من إعطاء معنى معين؛ لأنه أحيانًا في غياب هذا الواقع العلمي تشكل (...)، أذكر أن تفسير آية في سورة النور: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ [النور ٤٠]، أكثر المفسرين قالوا: بما أنه لا يوجد موجان فوق بعضهم ففوق هنا تحمل على معنى من بعده موج، وهذا تأويل ما تحمله كثيرًا اللغة العربية. * الشيخ: نعم. * الطالب: قرأت بحثًا من مدة حوالي خمس سنوات لعالم في أمريكا هو أصله مصري وأخذ جنسية أمريكية مشهور في أبحاث الفضاء، نزل في أول غواصة من أجل اكتشاف أعماق المحيطات، فقال: الرأي الغالب كان عند العلماء قبل هذه التجربة بأن باطن المحيطات والبحار ساكن تمامًا، قال: وإذا بنا نفاجأ أن في قاع المحيطات أمواجًا، الأمواج التي على السطح لا تُذكر أمام تلك الأمواج من شدتها وعظمتها. فالآن كلمة ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ لم يعد هناك مبرر لتأويلها، وإنما ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ أي هناك موج في الأسفل ويعلوه موج في الأعلى، فيعني وجود الظاهرة الكونية التي تساعد على توجيه المعنى اتجاهًا معينًا بدون تعسف في المعنى. * الشيخ: نعم، حقيقة الأمر حتى الأمواج الظاهرية اللي على سطح البحر يكون الموج مثلًا قليل الارتفاع ثم يأتي موج أكبر منه ويعلوه. * الطالب: (...) من أجل قضية تبيان إعجاز القرآن (...) منا. * الشيخ: على كل حال يعني الآن لا نضيع علينا الوقت. الآن نقول: الآية تحتمل ثلاثة معان؛ المعنى الذي ذكره كثير من المفسرين، والمعنى الذي ذكرناه، والذي ذكرته أيضًا ذكره رجل عراقي في كتاب اسمه حقائق جغرافية، ذكر هذا المعنى الذي أشرنا إليه، والمعنى الثالث إذا كانت الآية تحتمله ما أطلعنا عليه الأستاذ نبيل في هذه الأنهار التي تكون في وسط المحيطات. وسمعنا النقاش الآن في كلمة ﴿بَيْنَهُمَا﴾ [الفرقان ٥٣] وما تحتمله، وإذا كان هناك طبقة عند إطلاقهما تكون بين الحلو وبين المالح، أمكن أن يقال: هذا برزخ يعني على ثقل؛ لأن ظاهره أن البرزخ هو المانع من الاختلاط، وهذا يمكن أن يقال: هو مانع من أن يختلطا لأجل يعني المقاربة. * طالب: يتعرض الإنسان (...)؛ لأن القرآن ذكر البرزخ على أنه (...)؟ * الشيخ: إي، الأنهار اللي في وسط البحر. * الطالب: الأنهار في وسط البحار وأنه لا يمر بعضها ببعض ولا تختلط. * الشيخ: طيب، على كل حال ما عندنا إلا كلمة ﴿بَيْنَهُمَا﴾، البينية هذه تقتضي أن هناك شيئًا ثالثًا لا من هذا ولا من هذا. * طالب: ما هو ورد عن بعض البحارة (...)؟ * الشيخ: إي نعم هذا سمعناه. * الطالب: طيب، إذا كان (...). * الشيخ: إي، لكن العين تقتضي من قاع البحر. * الطالب: تخرج من قاع البحر وتخرج. * الشيخ: إذا خرجت، لا، تختلط. * طالب: ما تختلط. * الشيخ: تختلط، (...) من نفس العين. * طالب: يعني تختلط (...)؟ * الشيخ: إي نعم، وبعدين تختلط. * الطالب: يعني يكون مالحًا؟ * الشيخ: إي، لكن هذا الذي ذكروا إذا كان أنهار في وسط الماء هذه (...)، أنهار تجري، ولا شك أنها بجريانها أيضًا تمنع من هذا.. * طالب: (...) دليل على القدرة. * الشيخ: إي ما (...)، نعم. طيب، الآن الحمد لله صارت الآية ثلاثة معان، ويبقى المعنى الثالث هذا محتملًا من ذات البينية، وإذا صح أن نقول: إنه عند ملاقاتهما لا بد أنه يكون بينها برزخ لا هو حلو ولا مالح. التأويل يمكن، والله أعلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، (...) في الحقيقة أن كونه عند المصب أنه ما يختلط، هذا ما هو بواضح. * طالب: أو يشمل الاثنين؟ * الشيخ: إي، يشمل الاثنين (...). أنا ما عندي شك في المعنى الذي أشرت إليه أمس أن هذا من آيات الله سبحانه وتعالى، وهذا الطبيعي ولو قرب منه ما يفسده، هذا ما عندي فيه شك، لكن الذي عندنا فيه شك هو الآن قد يكون فيه احتمال، هذا الفاصل الذي أشار إليه الأخ أنه يكون برزخًا، يصح أن نجعله برزخًا؛ لأنه في الحقيقة لا هو من المالح وليس من العذب. * طالب: (...) ﴿بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان ٥٣]؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...) معناهما مالح. * الشيخ: إي، مالح، والفائدة التقوية؛ ولهذا بعد حتى ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ فيها أيضًا فائدة؛ لأنا إحنا قلنا: محتمل حجره. * طالب: لو كان شيئًا حسيًّا. * الشيخ: هو على كل حال الآية فيها احتمال، ويمكن نقول أيضًا: إن الفاصل هذا اللي لا هو بحلو ولا مر أنه حجر محجور. * طالب: والمحجور (...). * الشيخ: إي، الله أعلم. فيه أيضًا من كمال قدرة الله سبحانه وتعالى أن خلق من الماء بشرًا وقسمه إلى قسمين، هما؟ * طالب: النسب والصهر. * الشيخ: النسب والصهر. * الطالب: النسب (...). * الشيخ: في الزوجية، نعم، وقلنا: إن هذه أسباب الصلة بين الناس، إما صلة بالولادة وهو النسب أو بالنكاح وهو المصاهرة. طيب، وقوله: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان ٥٤]، يقول المؤلف: (قادرا على ما يشاء). نحن نناقش المؤلف رحمه الله في تفسير ﴿قَدِيرًا﴾ بـ(قادر)، وفي تقييد المطلق بـ(ما يشاء). أما تفسير ﴿قَدِيرًا﴾ بـ(قادر) فهذا يعتبر نقصًا في التفسير؛ وذلك لأن ﴿قَدِيرًا﴾ إما أن تكون صفة مشبهة وإما أن تكون صيغة مبالغة، أما (قادر) فهي اسم فاعل مجرد لا تدل على ما تدل عليه الصفة المشبهة ولا على ما تدل عليه صيغة المبالغة، فهذا نوع من القصور في تفسير القرآن. ثانيًا: القرآن يطلق: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ وهنا قيده بقوله: (على ما يشاء)، وكلمة (على ما يشاء) نحن نعرف أن من الناس من يكون هذا القيد دالًّا على بدعة ارتكبها؛ لأن القدرية يقولون: إن الله سبحانه وتعالى لا يقدر إلا على ما يشاء، وإنه لا يشاء أفعال العباد، وعلى هذا فلا يكون قادرًا عليها. ولا شك أن هذا قول تبطله النصوص والعقل، فالله هو الذي يهدي ويضل، وما معنى الهداية والإضلال إلا أنه سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء حتى فيما يتعلق بأفعال العبد. لهذا نرى أن تقييد القدرة بالمشيئة لا ينبغي ولا يليق للوجوه الآتية: أولًا: أن الله سبحانه وتعالى أطلق هذا الوصف لنفسه بدون قيد، ولا ينبغي لنا أن نقيد ما أطلقه الله؛ لأن صفات الله توقيفية يتوقف فيها على ما ورد. الشيء الثاني: أنه خلاف طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه، بل طريقة الرسل كلهم؛ لأنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم ٨]، لا يقولون: إنك على ما تشاء قدير، ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. الشيء الثالث: أنه يوهم أن القدرة تتعلق بما يشاء فقط، وعلى هذا فيكون ما لا يشاؤه ليس بمقدور الله، وهذا معنى باطل، فهو قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاء، لكن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فهو قادر على الأمرين جميعًا، ليس على ما يشاء فقط. من أجل هذه الوجوه الثلاثة نرى أن التعبير بها لا ينبغي، وأنها مما يُرشَد إليه العبد ويقال له: لا تقل هكذا، لا تقيد ما أطلقه الله لنفسه. * طالب: يرشد أو لا ينبغي (...)؟ * الشيخ: لا، هو أصله على أساس أن الذي يقوله لا يريد هذا المعنى، نقول: يرشد، ويقال: هذا لا ينبغي. وإذا قيل: ما الجمع أو ما هو الجواب عن قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]. فهنا قال: ﴿عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾، ونحن نمنع تعليق القدرة بالمشيئة؟ * طالب: (إذا) بمعنى متى، متى شاء سبحانه وتعالى فهو من الزمن يعني. * الشيخ: ما يخالف، متى شاء قدير، ومتى لم يشأ؟ * الطالب: قدير أيضًا، ولكن المقصود بالزمن، يعني فإن الله على جمعهم إذا يشاء قدير، يعني أنه إذا حان الوقت الذي قد شاء الله سبحانه وتعالى أن يجمعهم فيه جمعهم (...). * الشيخ: إي، ما (...). الجواب أن هذا تقييد المشيئة بالجمع، يعني معناه: لأن الجمع فعل، وهذا الفعل ينكره الكفار المكذبون للبعث، فيقول الله عز وجل: إن المانع من ذلك ليس العجز، ولكنه عدم المشيئة، فإذا شاء أن يجمعهم جمعهم، خلافًا لمن؟ لمن ينكرون ذلك، لمن يقولون: إنه لا يمكن أن يجمعهم، فيكون هنا التقييد بالفعل، تقييد المشيئة عائد على الفعل، لا على القدرة، فهو قادر على جمعهم كل وقت، لكنه لما كان سبحانه وتعالى لا يريد أن يجمعهم إلا في وقت معين: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠]، موقت، ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ﴾ شوف ﴿مَعْدُودٍ﴾ [هود ١٠٤]، كل الدنيا أجل معدود، دليل على قصرها مهما طالت. فنقول: إن هذا عائد على الجمع، وهو فعل، فكأن الله يقول: إنه.. .. ما لا ينفعهم إذا عبدوه، ولا يضرهم إذا عَصَوْه، وقد قال الله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف ٥]، يعني لو قعد يدعو هذا الصنم إلى يوم القيامة ما استجاب له، هل أحد أَضَلُّ من هذا؟! ما من أحد أَضَلُّ من هذا أبدًا، إنسان يحاول أن هذا الصنم ينفعه أو يضره وهو لو يبقى يدعوه إلى يوم القيامة ما استجاب له، هذا من أبلغ ما يكون في الضلال، إي نعم. (﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان ٥٥]: مُعِِينًا للشيطان بطاعته)، أي: بطاعة الشيطان. الكافر على ربه ظهير، مُعِينٌ على الله سبحانه وتعالى، لا لله، مُعِينٌ عليه لا له، يعني حرب على الله، فكلما وجد عدوًّا لله.. الكافر كلما وجد عدوًّا لله أعانه على ربه، وهذا كما أنه مثل ما قال المؤلف أنه يُعِينُ الشيطان على معصية الله؛ لأن الإنسان (...) مُعِينًا للشيطان في تَمَرُّده على الله سبحانه وتعالى. هو أيضًا يشمل مَن اتصف بهذا الوصف من غير الكفار، كل مَن أعان على باطل فإنه مُعِينٌ على الله، ولّا لا؟ كل إنسان يُعِينُ أحدًا في باطل فإنه ظهير على ربه؛ لأن الله تعالى هو الحق وهو يريد الحق، فإذا أعنت صاحب باطل على صاحب حق فإنك مُعِينٌ على الله، كذا ولّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: لأنه ويش معنى الظهير؟ الظهير الْمُعِين، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، فالكافر دائمًا يُعِينُ على الله، وكل مَن أعان في باطل على حق فإنه مُعِينٌ على الله، يعني مُعِينٌ للباطل على الحق؛ لأن الله هو الحق، وهو يحب الحق. ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان ٥٥]، مناسبة الجملة هذه للتي قبلها: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان ٥٥]؟ * طالب: بمعنى أنه (...) مُعِينُون على الله بالشيطان. * الشيخ: يعني أن هذا من أوامر الشيطان؟ * الطالب: نعم؟ * الشيخ: يعني عبادته من أوامر الشيطان؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: طيب، وأيضًا؟ * طالب: الإنكار عليهم. * طالب آخر: (...). * الشيخ: يعني كأنه جعل هذا نِدًّا لله، جعل هذا الصنم نِدًّا لله يعبده كما يعبد الله، ومعلوم أن الصنم ضد ما جاءت به الرسل، فيكون نصرة هذا الصنم عونًا على الله.

الفرقان 25:56

ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفرقان ٥٦]. لما عاب على هؤلاء ما يتعلق بتحقيق التوحيد وهي عبادة غير الله انتقل بعد ذلك إلى تحقيق الرسالة؛ لأن الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فتحقيق العبادة أتى بِلَوْمِهِم على عبادة غير الله، ثم جاء تحقيق الرسالة بقوله: (﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا﴾ بِالْجَنَّةِ، ﴿وَنَذِيرًا﴾ [الفرقان ٥٦]: مُخَوِّفًا من النار). في هذا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا﴾ هذا الاستثناء لأعم الأحوال، يعني: ما حالك في الرسالة إلا هَذَيْنِ الأَمْرَيْنِ، هما: البشارة والإنذار، البشارة لِمَن؟ للمؤمنين بالجنة، ويش الدليل على هذا؟ * طالب: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب ٤٧]. * الشيخ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾، وقال تعالى في سورة الكهف: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الكهف ٢ - ٥]، وقد سبق أن النذير بمعنى الْمُخْطِر بما يُخَوِّف. هذا إذن وَصْفُ الرسول عليه الصلاة والسلام بالنسبة لما يتعلق بالرسالة هذان الأمران فقط. إذا قال قائل: أليس الرسول عليه الصلاة والسلام مُعَلِّمًا؟ أليس يُعَلِّم الناس الأحكام؟ * طالب: بلى. * الشيخ: نعم، كيف هذا الاستثناء مِن أعم الأحوال؟ قلنا: إن هذا مُسْتَثْنى من أعم الأحوال، يعني: ما حاله إلا هذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: أن نقول: إن التعليم هذا من وسائل الإنذار والبشارة، أو نقول: إن هذا الحصر إضافي؟ * طالب: (...). * الشيخ: كلام الرسول عليه الصلاة والسلام أحيانًا يخبر الناس ويعلِّمهم بدون أن يحثَّهم أو يُرَغِّبهم أو يُخَوِّفهم كما هو معروف، وأحيانًا يُخَوِّف ويُنْذِر على سبيل العموم، وأحيانًا يُخَوِّف ويُنْذِر على المخالفة في هذا الأمر الْمُعَيَّن، فنقول في الجواب على هذا: إن تعليم الرسول عليه الصلاة والسلام هو من وسائل أو من طرق ما يحصل به الْمُبَشَّر به، أو ما يحصل به الْمُنْذَر به، عندما يأمرنا بشيء ويش معنى ذلك؟ أننا إذا فعلناه وصلنا إلى ما ذَكَّرَ به، وعندما ينهانا عن شيء معناه أننا إذا وقعنا فيه وقعنا فيما أنذر به عليه الصلاة والسلام. وهذا أحسن من أن يقال: إن الحصر إضافي؛ لأنك إذا قلت: إن الحصر إضافي، أخذت الكلام عن حقيقته، وإذا قلت: إن هذا من اللوازم، بقي على حقيقته، ولكن يكون دالًّا على هذا الشيء (...). (﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على تبليغ ما أُرْسِلْتُ به ﴿مِنْ أَجْرٍ إِلَّا﴾، لكن ﴿مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٥٧]: طريقًا بإنفاق ماله في مرضاته تعالى، فلا أمنعه من ذلك). ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الفرقان ٥٧]. معروف لنا جميعًا أن ﴿مَا﴾ نافية، وأن ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ زائدة، إعرابًا ولّا معنى؟ * طالب: إعرابًا. * الشيخ: زائدة إعرابًا، ولهذا يعبر عنها بعض العلماء بقوله: صلة، تَحَرُّجًا من أن يقول: إنها زائدة. وفي الحقيقة إذا فهم المعنى زال الإشكال، ما دمنا نقول: إنها زائدة إعرابًا، فلا حرج علينا في ذلك، أما معنًى فليست بزائدة، أيش فائدتها؟ فائدتها التنصيص على العموم؛ لأن ﴿أَجْرٍ﴾ نكرة في سياق النفي، وهذا من صيغ العموم، لكن عندما تدخل فيها (مِنْ) تكون أدل (...) على العموم. (ما أسألكم عليه أجرًا)، صحيح ما فيه أجر أبدًا، لكن ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ كأنك تشعر أنه من أجر ولا أقل، لا قليل ولا كثير، ففائدتها إذن التنصيص على العموم. وقوله: ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾، إذا قلنا: إن ﴿مِنْ﴾ زائدة إعرابًا، كيف نعرب ﴿أَجْرٍ﴾؟ نقول: ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد إعرابًا، و﴿أَجْرٍ﴾ مفعول ثانٍ لـ(أسأل) منصوب بفتحة مُقَدَّرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، هذا إعرابها عندهم. * طالب: بعضهم يقول: منصوب محلًّا مجرور لفظًا؟ * الشيخ: إي، هذا في الحقيقة فيها احتمال ما قلت: إنها محلًّا منصوبة، لكن هذا إنما يكون (...)، فيه احتمال أنك تقول: ﴿أَجْرٍ﴾ مفعول به منصوب، وحُرِّك بالكسر لمناسبة حرف الجر، والمسألة كلها اعتبارية. المهم أن نعرف أن الفعل الآن مُسَلَّط على ﴿أَجْرٍ﴾ مباشرة، ما هو بواسطة حرف جر؛ لأن هذا الحرف من حيث الإعراب زائد، لكن من حيث المعنى له فائدة كبيرة، والله الموفق. * * * * طالب: هنا قال: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان ٥٥]، يعني ما نقول: أيّ عاصٍ -مثلًا- حال معصيته فهو مُعِين على المعصية؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: أي عاصٍ حال معصيته يكون معينًا على المعصية؟ * الشيخ: نعم صحيح. * الطالب: (...). * الشيخ: (...)، لكن هنا قال: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ﴾ لأنه يتحدث عن من يعبدون مع الله؛ ولهذا يمكن الإنسان ذَكَر يكون في كثير من الأمور، ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ﴾ فيها إظهار في مقام الإضمار، ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ [الفرقان ٥٥]، السياق يقتضي أن نقول: وكانوا على ربهم، لكن قال: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ﴾، إشارة إلى أن هذه العبادة أوصلتهم إلى الكفر، وأيضًا لفائدة التعميم، يعني (...) ولو كان بغير العبادة بغير الشرك يعني، حتى -مثلًا- الإنسان اللي دَهْرِيّ ما يعبد شيئًا أبدًا هو ظهير على ربه. (...) * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (...)، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الفرقان ٥٩]. سبق أن قلنا: إن فوائد الآيات التي قرأناها أمس وجوب التوكل على الله سبحانه وتعالى، وبَيَّنَّا أن مرتبته من الدين نصف الدين؛ لأن الله يأمر بالعبادة والتوكل. وسبق أن الآية تدل على كمال الله سبحانه وتعالى وانتفاء النقص عنه؛ لقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان ٥٨]؛ لأن التسبيح تنزيه، والحمد إثبات كمال. وأن فيها إثبات العلم لله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٨]، وفيها فوائد تقدمت.

الفرقان 25:57

ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفرقان ٥٦]. لما عاب على هؤلاء ما يتعلق بتحقيق التوحيد وهي عبادة غير الله انتقل بعد ذلك إلى تحقيق الرسالة؛ لأن الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فتحقيق العبادة أتى بِلَوْمِهِم على عبادة غير الله، ثم جاء تحقيق الرسالة بقوله: (﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا﴾ بِالْجَنَّةِ، ﴿وَنَذِيرًا﴾ [الفرقان ٥٦]: مُخَوِّفًا من النار). في هذا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا﴾ هذا الاستثناء لأعم الأحوال، يعني: ما حالك في الرسالة إلا هَذَيْنِ الأَمْرَيْنِ، هما: البشارة والإنذار، البشارة لِمَن؟ للمؤمنين بالجنة، ويش الدليل على هذا؟ * طالب: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب ٤٧]. * الشيخ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾، وقال تعالى في سورة الكهف: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الكهف ٢ - ٥]، وقد سبق أن النذير بمعنى الْمُخْطِر بما يُخَوِّف. هذا إذن وَصْفُ الرسول عليه الصلاة والسلام بالنسبة لما يتعلق بالرسالة هذان الأمران فقط. إذا قال قائل: أليس الرسول عليه الصلاة والسلام مُعَلِّمًا؟ أليس يُعَلِّم الناس الأحكام؟ * طالب: بلى. * الشيخ: نعم، كيف هذا الاستثناء مِن أعم الأحوال؟ قلنا: إن هذا مُسْتَثْنى من أعم الأحوال، يعني: ما حاله إلا هذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: أن نقول: إن التعليم هذا من وسائل الإنذار والبشارة، أو نقول: إن هذا الحصر إضافي؟ * طالب: (...). * الشيخ: كلام الرسول عليه الصلاة والسلام أحيانًا يخبر الناس ويعلِّمهم بدون أن يحثَّهم أو يُرَغِّبهم أو يُخَوِّفهم كما هو معروف، وأحيانًا يُخَوِّف ويُنْذِر على سبيل العموم، وأحيانًا يُخَوِّف ويُنْذِر على المخالفة في هذا الأمر الْمُعَيَّن، فنقول في الجواب على هذا: إن تعليم الرسول عليه الصلاة والسلام هو من وسائل أو من طرق ما يحصل به الْمُبَشَّر به، أو ما يحصل به الْمُنْذَر به، عندما يأمرنا بشيء ويش معنى ذلك؟ أننا إذا فعلناه وصلنا إلى ما ذَكَّرَ به، وعندما ينهانا عن شيء معناه أننا إذا وقعنا فيه وقعنا فيما أنذر به عليه الصلاة والسلام. وهذا أحسن من أن يقال: إن الحصر إضافي؛ لأنك إذا قلت: إن الحصر إضافي، أخذت الكلام عن حقيقته، وإذا قلت: إن هذا من اللوازم، بقي على حقيقته، ولكن يكون دالًّا على هذا الشيء (...). (﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على تبليغ ما أُرْسِلْتُ به ﴿مِنْ أَجْرٍ إِلَّا﴾، لكن ﴿مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٥٧]: طريقًا بإنفاق ماله في مرضاته تعالى، فلا أمنعه من ذلك). ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الفرقان ٥٧]. معروف لنا جميعًا أن ﴿مَا﴾ نافية، وأن ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ زائدة، إعرابًا ولّا معنى؟ * طالب: إعرابًا. * الشيخ: زائدة إعرابًا، ولهذا يعبر عنها بعض العلماء بقوله: صلة، تَحَرُّجًا من أن يقول: إنها زائدة. وفي الحقيقة إذا فهم المعنى زال الإشكال، ما دمنا نقول: إنها زائدة إعرابًا، فلا حرج علينا في ذلك، أما معنًى فليست بزائدة، أيش فائدتها؟ فائدتها التنصيص على العموم؛ لأن ﴿أَجْرٍ﴾ نكرة في سياق النفي، وهذا من صيغ العموم، لكن عندما تدخل فيها (مِنْ) تكون أدل (...) على العموم. (ما أسألكم عليه أجرًا)، صحيح ما فيه أجر أبدًا، لكن ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ كأنك تشعر أنه من أجر ولا أقل، لا قليل ولا كثير، ففائدتها إذن التنصيص على العموم. وقوله: ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾، إذا قلنا: إن ﴿مِنْ﴾ زائدة إعرابًا، كيف نعرب ﴿أَجْرٍ﴾؟ نقول: ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد إعرابًا، و﴿أَجْرٍ﴾ مفعول ثانٍ لـ(أسأل) منصوب بفتحة مُقَدَّرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، هذا إعرابها عندهم. * طالب: بعضهم يقول: منصوب محلًّا مجرور لفظًا؟ * الشيخ: إي، هذا في الحقيقة فيها احتمال ما قلت: إنها محلًّا منصوبة، لكن هذا إنما يكون (...)، فيه احتمال أنك تقول: ﴿أَجْرٍ﴾ مفعول به منصوب، وحُرِّك بالكسر لمناسبة حرف الجر، والمسألة كلها اعتبارية. المهم أن نعرف أن الفعل الآن مُسَلَّط على ﴿أَجْرٍ﴾ مباشرة، ما هو بواسطة حرف جر؛ لأن هذا الحرف من حيث الإعراب زائد، لكن من حيث المعنى له فائدة كبيرة، والله الموفق. * * * * طالب: هنا قال: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان ٥٥]، يعني ما نقول: أيّ عاصٍ -مثلًا- حال معصيته فهو مُعِين على المعصية؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: أي عاصٍ حال معصيته يكون معينًا على المعصية؟ * الشيخ: نعم صحيح. * الطالب: (...). * الشيخ: (...)، لكن هنا قال: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ﴾ لأنه يتحدث عن من يعبدون مع الله؛ ولهذا يمكن الإنسان ذَكَر يكون في كثير من الأمور، ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ﴾ فيها إظهار في مقام الإضمار، ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ [الفرقان ٥٥]، السياق يقتضي أن نقول: وكانوا على ربهم، لكن قال: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ﴾، إشارة إلى أن هذه العبادة أوصلتهم إلى الكفر، وأيضًا لفائدة التعميم، يعني (...) ولو كان بغير العبادة بغير الشرك يعني، حتى -مثلًا- الإنسان اللي دَهْرِيّ ما يعبد شيئًا أبدًا هو ظهير على ربه. (...) * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (...)، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الفرقان ٥٩]. سبق أن قلنا: إن فوائد الآيات التي قرأناها أمس وجوب التوكل على الله سبحانه وتعالى، وبَيَّنَّا أن مرتبته من الدين نصف الدين؛ لأن الله يأمر بالعبادة والتوكل. وسبق أن الآية تدل على كمال الله سبحانه وتعالى وانتفاء النقص عنه؛ لقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان ٥٨]؛ لأن التسبيح تنزيه، والحمد إثبات كمال. وأن فيها إثبات العلم لله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٨]، وفيها فوائد تقدمت.

الفرقان 25:58

ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفرقان ٥٦]. لما عاب على هؤلاء ما يتعلق بتحقيق التوحيد وهي عبادة غير الله انتقل بعد ذلك إلى تحقيق الرسالة؛ لأن الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فتحقيق العبادة أتى بِلَوْمِهِم على عبادة غير الله، ثم جاء تحقيق الرسالة بقوله: (﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا﴾ بِالْجَنَّةِ، ﴿وَنَذِيرًا﴾ [الفرقان ٥٦]: مُخَوِّفًا من النار). في هذا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا﴾ هذا الاستثناء لأعم الأحوال، يعني: ما حالك في الرسالة إلا هَذَيْنِ الأَمْرَيْنِ، هما: البشارة والإنذار، البشارة لِمَن؟ للمؤمنين بالجنة، ويش الدليل على هذا؟ * طالب: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب ٤٧]. * الشيخ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾، وقال تعالى في سورة الكهف: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الكهف ٢ - ٥]، وقد سبق أن النذير بمعنى الْمُخْطِر بما يُخَوِّف. هذا إذن وَصْفُ الرسول عليه الصلاة والسلام بالنسبة لما يتعلق بالرسالة هذان الأمران فقط. إذا قال قائل: أليس الرسول عليه الصلاة والسلام مُعَلِّمًا؟ أليس يُعَلِّم الناس الأحكام؟ * طالب: بلى. * الشيخ: نعم، كيف هذا الاستثناء مِن أعم الأحوال؟ قلنا: إن هذا مُسْتَثْنى من أعم الأحوال، يعني: ما حاله إلا هذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: أن نقول: إن التعليم هذا من وسائل الإنذار والبشارة، أو نقول: إن هذا الحصر إضافي؟ * طالب: (...). * الشيخ: كلام الرسول عليه الصلاة والسلام أحيانًا يخبر الناس ويعلِّمهم بدون أن يحثَّهم أو يُرَغِّبهم أو يُخَوِّفهم كما هو معروف، وأحيانًا يُخَوِّف ويُنْذِر على سبيل العموم، وأحيانًا يُخَوِّف ويُنْذِر على المخالفة في هذا الأمر الْمُعَيَّن، فنقول في الجواب على هذا: إن تعليم الرسول عليه الصلاة والسلام هو من وسائل أو من طرق ما يحصل به الْمُبَشَّر به، أو ما يحصل به الْمُنْذَر به، عندما يأمرنا بشيء ويش معنى ذلك؟ أننا إذا فعلناه وصلنا إلى ما ذَكَّرَ به، وعندما ينهانا عن شيء معناه أننا إذا وقعنا فيه وقعنا فيما أنذر به عليه الصلاة والسلام. وهذا أحسن من أن يقال: إن الحصر إضافي؛ لأنك إذا قلت: إن الحصر إضافي، أخذت الكلام عن حقيقته، وإذا قلت: إن هذا من اللوازم، بقي على حقيقته، ولكن يكون دالًّا على هذا الشيء (...). (﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على تبليغ ما أُرْسِلْتُ به ﴿مِنْ أَجْرٍ إِلَّا﴾، لكن ﴿مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٥٧]: طريقًا بإنفاق ماله في مرضاته تعالى، فلا أمنعه من ذلك). ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الفرقان ٥٧]. معروف لنا جميعًا أن ﴿مَا﴾ نافية، وأن ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ زائدة، إعرابًا ولّا معنى؟ * طالب: إعرابًا. * الشيخ: زائدة إعرابًا، ولهذا يعبر عنها بعض العلماء بقوله: صلة، تَحَرُّجًا من أن يقول: إنها زائدة. وفي الحقيقة إذا فهم المعنى زال الإشكال، ما دمنا نقول: إنها زائدة إعرابًا، فلا حرج علينا في ذلك، أما معنًى فليست بزائدة، أيش فائدتها؟ فائدتها التنصيص على العموم؛ لأن ﴿أَجْرٍ﴾ نكرة في سياق النفي، وهذا من صيغ العموم، لكن عندما تدخل فيها (مِنْ) تكون أدل (...) على العموم. (ما أسألكم عليه أجرًا)، صحيح ما فيه أجر أبدًا، لكن ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ كأنك تشعر أنه من أجر ولا أقل، لا قليل ولا كثير، ففائدتها إذن التنصيص على العموم. وقوله: ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾، إذا قلنا: إن ﴿مِنْ﴾ زائدة إعرابًا، كيف نعرب ﴿أَجْرٍ﴾؟ نقول: ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد إعرابًا، و﴿أَجْرٍ﴾ مفعول ثانٍ لـ(أسأل) منصوب بفتحة مُقَدَّرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، هذا إعرابها عندهم. * طالب: بعضهم يقول: منصوب محلًّا مجرور لفظًا؟ * الشيخ: إي، هذا في الحقيقة فيها احتمال ما قلت: إنها محلًّا منصوبة، لكن هذا إنما يكون (...)، فيه احتمال أنك تقول: ﴿أَجْرٍ﴾ مفعول به منصوب، وحُرِّك بالكسر لمناسبة حرف الجر، والمسألة كلها اعتبارية. المهم أن نعرف أن الفعل الآن مُسَلَّط على ﴿أَجْرٍ﴾ مباشرة، ما هو بواسطة حرف جر؛ لأن هذا الحرف من حيث الإعراب زائد، لكن من حيث المعنى له فائدة كبيرة، والله الموفق. * * * * طالب: هنا قال: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان ٥٥]، يعني ما نقول: أيّ عاصٍ -مثلًا- حال معصيته فهو مُعِين على المعصية؟ * الشيخ: نعم؟ * الطالب: أي عاصٍ حال معصيته يكون معينًا على المعصية؟ * الشيخ: نعم صحيح. * الطالب: (...). * الشيخ: (...)، لكن هنا قال: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ﴾ لأنه يتحدث عن من يعبدون مع الله؛ ولهذا يمكن الإنسان ذَكَر يكون في كثير من الأمور، ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ﴾ فيها إظهار في مقام الإضمار، ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ [الفرقان ٥٥]، السياق يقتضي أن نقول: وكانوا على ربهم، لكن قال: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ﴾، إشارة إلى أن هذه العبادة أوصلتهم إلى الكفر، وأيضًا لفائدة التعميم، يعني (...) ولو كان بغير العبادة بغير الشرك يعني، حتى -مثلًا- الإنسان اللي دَهْرِيّ ما يعبد شيئًا أبدًا هو ظهير على ربه. (...) * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (...)، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الفرقان ٥٩]. سبق أن قلنا: إن فوائد الآيات التي قرأناها أمس وجوب التوكل على الله سبحانه وتعالى، وبَيَّنَّا أن مرتبته من الدين نصف الدين؛ لأن الله يأمر بالعبادة والتوكل. وسبق أن الآية تدل على كمال الله سبحانه وتعالى وانتفاء النقص عنه؛ لقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان ٥٨]؛ لأن التسبيح تنزيه، والحمد إثبات كمال. وأن فيها إثبات العلم لله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٨]، وفيها فوائد تقدمت.

الفرقان 25:59

ثم قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، وعندي مكتوب قبل ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾: (هُوَ ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ [الفرقان ٥٩])، ومكتوبة على أنها أصل، وهذا ليس بصحيح، هي ليست من القرآن (هو). * طالب: هي مُخْرَجَة. * الشيخ: مُخْرَجَة؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: لا، أنا عندي مدخلها جنب القوس، ومشكولة أيضًا على أنها قرآن. قوله: (هُوَ ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ )، قدَّر المؤلف هذا المبتدأ ليجعل الجملة مستأنَفَة منفصلة عما قبلها من حيث الإعراب، مع أنه يجوز فيها وجه آخر؛ أن تكون صفة لقوله: ﴿الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان ٥٨]، يعني: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان ٥٨]، ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الفرقان ٥٩]، فيكون في قوله: ﴿الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ بيان لصفته الذاتية، وفي قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ بيان لصفته الفعلية، وبهذا يتحقق أن يكون سبحانه وتعالى أهلًا للاعتماد والتوكل؛ لأن مَن هذا وَصْفُه وهذا فِعْلُه جدير بأن يُخَصَّ بالتوكل. أما على ما ذهب إليه المؤلف فهو يجعل الجملة استئنافية، مُسْتَأْنَفَة، وهي أيضًا وإن كانت مستأنفة من حيث الإعراب فإنها من حيث المعنى متصلة بما قبلها، تدل على كمال قدرته، وأنه جدير بأن يُخَصَّ بالتوكل تبارك وتعالى. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الفرقان ٥٩]: أوجدها، وإنما يسمى الإيجاد خَلْقًا إذا كان مسبوقًا بتقدير؛ لأن أصل الخلق التقدير، لكنه يُطْلَق عليه وعلى الفعل، فإذا أُطْلِق الخلق على الفعل صار معناه أنه فعلٌ بتقدير، فيكون الإحكام سابقًا، ثم الفعل على منهاج ذلك الإحكام، فخلقها مُحْكَمَة، ومَن تَدَبَّرَها وتأَمَّلَها وجد فيها غاية الإحكام. وقوله: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الفرقان ٥٩]، يقول: (من أيام الدنيا، أي: في قدرها؛ لأنه لم يكن ثَمَّ شمس، ولو شاء لَخَلَقَهُنَّ في لمحة، والعدول عنه لتعليم خَلْقِه التَّثَبُّت). * طالب: عندي (والعدل). * الشيخ: عندي (العدول)، عدل يعدل عدلًا وعدولًا، صحيحة. يقول: (﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الفرقان ٥٩] من أيام الدنيا)، هذا هو القول المشهور، وهو الراجح. وأما مَن قال: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ من أيام الآخرة، وأن اليوم كألف سنة، أو مَن قال: إن المراد بالـ﴿أَيَّامٍ﴾ مُطْلَق الزمن، أي: في لحظات، فكذلك أيضًا قول مرجوح؛ لأن القرآن إنما يخاطب الناس بما يعرفون، والذي يعرف (...)، فالصحيح أن المراد (﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ مِنْ أَيَّام الدُّنْيَا) كما قال المؤلف، أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، فإنه به تَمَّ خَلْق السماوات والأرض، وخلق آدم في آخره. وقوله: (أي في قَدْرها لأنه لم يكن ثَمَّ شمس)، وتقدير الأيام بالشمس، والشمس غير موجودة حين الْخَلْق، فعلى هذا يكون المراد ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أي: في قدر هذه الأيام الستة. ثم أورد المؤلف جوابًا عن سؤال يفرضه الذهن، وهو أن يقول قائل: لماذا لم يخلقهن الله سبحانه وتعالى بكلمة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، يكون على مراد الله سبحانه وتعالى؟ أجاب بأنه فعل ذلك (لتعليم خَلْقه التَّثَبُّت)، هذا ما جرى عليه أهل العلم؛ أن الله سبحانه وتعالى خلقها في ستة أيام؛ ليُبَيِّن للعباد أن المقصود الإحكام لا الإسراع، فيتثبت الناس فيما يفعلون، حتى فيما قَدَرُوا عليه فإنه ينبغي أن يلاحظوا فيه الإحكام دون الإسراع في تنفيذه. ورأيت كلامًا لبعضهم حسنًا، قال: إن خَلْق السماوات والأرض له أسباب، وهو عبارة عن تكوين، والتكوين هذا يحتاج إلى مدة، يعني مثل ما ينشأ الجنين في بطن أمه شيئًا فشيئًا بمدة، كذلك هذا الْخَلْق له أسباب كَوَّنَتْه، هذه الأسباب كانت في هذه المدة ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، لكن هؤلاء الذين يقولون بهذا القول يُرَجِّحُون القول بأن المراد بالأيام أيام الآخرة الطويلة علشان تكون التطورات التي أدت إلى الكمال مناسبة. وعندي أن هذا ليس بلازم؛ لأن الله تعالى قادِر على أن يجعل هذه الأسباب التي مِن شأنها أن تمتد لعِظَم المخلوق أن يكون ذلك بهذه السرعة، والله أعلم، إنما التعليل هذا الأخير يكون معناه سبب تأخُّرها، وأنها لم تَنْتَهِ إلا في ستة؛ لأنها تحتاج إلى تطورات، هذه التطورات شيئًا فشيئًا حتى تنتهي إلى الكمال، كما هو المعروف فيما نشاهد مما يخلقه الله سبحانه وتعالى من غير السماوات والأرض، نجد أن هذه المخلوقات ما تأتي هكذا دفعة، وإنما لها أسباب وأحوال تتطور إليها حتى تصل إلى درجة الكمال. * طالب: قال المؤلف: (لم يكن ثَمَّ شمس). * الشيخ: نعم. * الطالب: مسلم هذا؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن الشمس إنما خُلِقَت بعد ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت ١٢]، بعدما خلقها أَوْحَى فيها أمرها، وهذا يشمل كل ما يتعلق بالسماء. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، لكنه خُلِقَ في آخر يوم الجمعة، أو في يوم جمعة بعد زمن طويل. * الطالب: (...) قبل خلق الماء؟ * الشيخ: ما ندري، الله أعلم. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان ٥٩]، ﴿ثُمَّ﴾ هذه للترتيب الذِّكْرِي أو المعنوي؟ * طالب: المعنوي. * طالب آخر: من معنى الآية. * الشيخ: المعنوي؛ لأن الأصل هو هذا، الأصل أنها للترتيب المعنوي لا للترتيب الذهني، والفرق بينهما أن الترتيب الذِّكْرِي لا يلزم أن يكون ما بعدها متأخِّرًا عما قبلها، بل قد يكون قبله ولكنه ذُكِرَ بعده، هذا يسميه العلماء الترتيب الذِّكْرِي، ولكنهم لا يلجئون إليه إلا عند الضرورة، إذا لم يمكن الترتيب المعنوي قالوا: هو ترتيب ذِكْرِي، وأنشدوا عليه البيت المشهور الذي لا أعلم قائله، وهو: إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ∗∗∗ ثُمَّ قَدْ سَادَ بَعْدَ ذَلِكَ جَدُّهُ قالوا: إن هذا من باب الترتيب الذِّكْرِي؛ لأن سيادة الجد متقدمة على سيادة الأب، وسيادة الأب متقدمة على سيادة الابن، هذا هو المعروف والمعهود، وإن كان قد يكون الأمر بالعكس، قد يكون الْحَسِيب يسود، وبسيادته يسود أبوه، ثم يسود جده، لكن المعروف بالعكس. على كل حال هذا الترتيب في الآية ترتيب معنوي؛ لأنه الأصل، ولا يلجأ للأول إلا عند الضرورة. وقوله: ﴿اسْتَوَى﴾ يعني: عَلَا على العرش، وهذا العلو عُلُوّ خاص، ليس كالعلو على سائر المخلوقات؛ لأن الله سبحانه وتعالى عالٍ على جميع المخلوقات عُلُوًّا مطلقًا، لكن هذا العلو على الأرض عُلُوّ خاص، وهو يدل على كمال العالي؛ لأن هذه المادة (استوى) تدل على الكمال من حيث هي، تقول: استوى الثَّمَر، بمعنى كَمُل نضجه، وتقول: استوى الرجل، بمعنى كَمُل عقلًا، ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص ١٤]. هنا إذا تعدت بـ(على) صارت دالة على العُلُوّ لكن متضمنة للكمال، فعلى هذا يكون ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى عَلَا علوًّا خاصًّا على وجه الكمال. وقول المؤلف: (﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ هو في اللغة سرير الْمَلِك). هذا العرش، يعني ليس كل كرسي يسمى عرشًا، كرسي المعلِّم ما نسميه عرشًا، لكن الكرسي الخاص بالْمَلِك يسمى عرشًا، هذا في الأصل في اللغة، قال الله تبارك وتعالى عن ملكة سبأ: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل ٢٣]، وقال: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف ١٠٠] في قصة يوسف، لكن المراد بالعرش هنا ما هو أعظم من ذلك، هو عبارة عن هذا المخلوق العظيم الذي وَسِعَ السماوات والأرض والكرسي؛ لأنه جاء في الحديث أن السماوات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، حلقة يعني حلقة الْمِغْفَر أو الدِّرْع، ما هي بالنسبة للفلاة؟ لا شيء، وإنَّ فَضْل العرش على الكرسي كفَضْل الفلاة على هذه الحلقة[[أخرج البيهقي في الأسماء والصفات (٨٦١) عن أبي ذر رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو في المسجد، فذكر الحديث، قال فيه: قلت: فأي آية أنزل الله عليك أعظم؟ قال: «آية الكرسي»، ثم قال ﷺ: «يا أبا ذر، ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة». ]]، إذن ما يعلم قدره إلا الله عز وجل. وهنا من التعمق والتنطع أن نبحث ونسأل عن ماهية هذا العرش، يعني من أين هو؟ مِن ذَهَب؟ من فضة؟ من زَبَرْجَد؟ من كذا؟ هذا وردت فيه آثار، لكنها ليست بصحيحة، وليست واردة عن معصوم، ولا ينبغي أيضًا الخوض فيه؛ لأن ما لنا وله من أين مادته، إنما المهم أن نعرف عِظَم هذا العرش، وأنه هو الذي استوى عليه الله عز وجل. يقول المؤلف: (﴿الرَّحْمَنُ﴾ بدل من ضمير ﴿استوى﴾ أي: استواءً يليق به). ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان ٥٩]، يعني ما تقول: إن ﴿الرَّحْمَنُ﴾ فاعل ﴿اسْتَوَى﴾؛ لأنه سبقه، ما يدل على رجوعه إليه: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان ٥٩]، يعني كلام المؤلف يقول: إنه لا يُعْرَب على أنه فاعل ﴿اسْتَوَى﴾؛ لأنه سبق، ما يرجع إليه الضمير في ﴿اسْتَوَى﴾، ولكن لا مانع من أن نجعله فاعلًا على أن يكون إظهارًا في مقام الإضمار، لا مانع منه، وإلا صحيح أن ظاهر السياق يقتضي أن يكون ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾، يعني: هو، أن الفاعل ضمير مستتر، أن يكون (﴿الرَّحْمَنُ﴾ بَدَل) كما قال المؤلف، هذا وجه، لكننا نقول: إنه ليس بمتعين؛ لجواز أن يكون ﴿الرَّحْمَنُ﴾ على أنه إظهار في مقام الإضمار. وذكروا أيضًا فيه وجهًا ثالثًا، وهو أن يكون مبتدأ، وخبره: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٩]، وأن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: هو الرحمن. ولكن ما ذهبنا إليه أولى، ويكون فائدة الإضمار هنا بيان أن هذا الاستواء والعلو الخاص ليس كعلو المتجبِّرِين الْمُتَكَبِّرِين، بل هو عُلُوّ رحمن واسع الرحمة؛ لأنه عادة البشر أو الملوك إذا استووا على عروشهم أن يكون لديهم من الجبروت في الغالب والعظمة ما يتخيلونه إذا استووا على عروشهم، ولكن الله سبحانه وتعالى مع عُلُوِّه عظيم على عرشه العظيم هو رحمن واسع الرحمة تبارك وتعالى، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾. وقول المؤلف: (أي استواءً يليق بِهِ)، السؤال الأول على هذه الجملة: هل هذه الجملة تدل على أن المؤلف لم يُحَرِّف؟ * طالب: لا تدل على أنه لم يحرِّف. * الشيخ: لا تدل؟ * الطالب: أي أنها تدل على العكس. * الشيخ: أعوذ بالله. * الطالب: أي أنه يُحَرِّف. * الشيخ: صح. * طالب: إي نعم، صحيح. * طالب آخر: لو ما جاءت، يعني لو كل الآيات غير الاستواء قال بكذا صار فيه دليل. * الشيخ: والله إني تأملت اللي قبلها يقول كذا، أنا راجعت عدة مواضع يقول كذا، (...). * طالب: هذه مخالفة. * الشيخ: إي، طيب ما يخالف، أنت تقول: إنها تدل على أنه لم يحرِّف. * طالب: (...). * الشيخ: هاه؟ * طالب: يعني ربما يكون اللائق به ﴿الرَّحْمَنُ﴾ أن تطلق بمعنى الـ.. * الشيخ: العلو. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: أنت ليش تقول أنها تدل على العكس؟ * الطالب: تدل على العكس؛ لأنه لم يقل: إن المعنى اللغوي لـ(على) صار (...)، فهو يعطيك هذه الجملة ليقنعك أنه على مذهب السنة كما هو اعتقاد البعض، ولكنه على العكس. * الشيخ: إي. * الطالب: يعني لو كان يريد العلو الحقيقي الذي فَسَّرَه العلماء (...). * الشيخ: على (...). * الطالب: (...). * الشيخ: هو في الحقيقة ما تثبت ولا تنفي، أنا في رأيي؛ لأنه ما ذَكَرَ إلا صفة الاستواء فقط، يعني ما تَعَرَّض إلا بأن صفة الاستواء تليق به، لكن معنى الاستواء ما تكلَّم عليه، لكن في الحقيقة أنا أرى أن هذا يومئ إلى مذهب أهل السنة والجماعة؛ لأنه لو كان يرى أن ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى استولى، ما قال: (استواء يليق به)؛ إذ لا يمكن أن يكون المعنى: استولى استيلاءً يَلِيق به، وإنما يكون مثل هذا التعبير فيما إذا جُعِلَ الاستواء صفة، ما هي صفة (...) صفة فعل، فيكون (استواء يليق به)، لكن مع هذا ليس هذا التفسير بكامل، وكان عليه أن يقول: عَلَا على وجهٍ يليق به، واضح؟ * طالب: (...) خاف أنه يقع (...) التأويل، فخرج عن التأويل؟ * الشيخ: لا، ما هو بوارد، لو أراد لقال: ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى استولى، مثل ما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢] هو فسرها بقوله: (جاء أمر ربك). * طالب: ثم آيات العلو كلها يؤولها. * الشيخ: إي. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، هو على كل حال كلامه هنا ما يدل على إثبات ولا على نفي، لكن فيما أعتقد أنه يدل على التفسير بمعنى العُلُوّ، بدليل الاستيلاء لا يقال: إنه استيلاء يليق به، ما يتصور هذا، لكن مع ذلك ما فَسَّرَها كما ينبغي، وكان الذي ينبغي أن يقول: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: عَلَا عليه عُلُوًّا يليق به. * طالب: يعني تفسير الآيات ليس على مذهبه؟ * الشيخ: إحنا ما أمامنا إلا هذا. * الطالب: (...). * الشيخ: الآيات هذه، وأنا تتبعت اللي قبلها من مواضع ووجدت أنه يقول هذا، وأنا استغربت في الحقيقة، ترى هذا الذي معنا ما هو بالسيوطي، هذا المحلي؛ لأن السيوطي فَسَّرَ أول القرآن، والمحلي فسر آخر القرآن، فأقول: إني أنا استغربت هذا مع أنه هو لا يُقِرّ بالعلو الذاتي، وهذا من الغرائب، يعني يعتبر طريقة متناقضة بالنسبة للمؤلف. فالصواب إذن على كل حال: (استواء يليق به) معناه صحيح، لكن تحتاج إلى تكميل، وهو أن يُفَسِّر يعني يُصَرِّح ويوضح معنى الاستواء. ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ عَلَا عليه على وجه يليق به. فإذا قال قائل: أليس الله عاليًا على جميع المخلوقات؟ فالجواب: بلى، لكن هذا العُلُوّ عُلُوٌّ خاص بالنسبة للعقل، وقد مر علينا في العقيدة، ولا حاجة إلى التكرار أن أهل التعطيل حرَّفُوا معنى الاستواء إلى معنى الاستيلاء، وبَيَّنَّا هناك أن هذا التحريف باطل من عدة أوجه لغوية وشرعية وعقلية، وأنه يلزم على هذا التفسير لوازم باطلة لا تليق بالله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ﴾، أي: الْمُتَّصِف بالرحمة، وهي إذا أُفْرِدَت عن الرحيم دَلَّت على الصفة والفعل، والرحيم أيضًا إذا أُفْرِدَ عنها دَلَّ على الصفة والفعل، وإذا اقترنتا فُسِّرَ الرحمن بما يتعلق بالصفة، والرحيم بما يتعلق بالفعل، مفهوم هذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: فعلى هذا هنا انفردت ﴿الرَّحْمَنُ﴾، فيكون تشمل الصفة والفعل، أيش سؤالك؟ * طالب: قوله سبحانه وتعالى في آية الكرسي: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة ٢٥٥]، وهنا يقول: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، كيف إذا جاء واحد -مثلًا- يقول (...)، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، وهنا يقول: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾؟ * الشيخ: (...) ما بينهما خلاف. * الطالب: أبدًا؟ * الشيخ: أبدًا، ويش الخلاف، (...)؟ * الطالب: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ (...)؟ * الشيخ: طيب، ويش معناه؟ * الطالب: المعنى أن العرش فوق الكرسي. * الشيخ: إي. * الطالب: وهنا الكرسي كان وَسِعَ السماوات والأرض. * الشيخ: كاملًا السماوات والأرض، يعني لعِظَمِهِ وكِبَرِه يكون واسعًا لهما جميعًا، لكل السماوات والأرض. * الطالب: الكرسي؟ * الشيخ: إي. * الطالب: والعرش فوقه؟ * الشيخ: والعرش فوقه. (﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ﴾ أيها الإنسان ﴿بِهِ﴾ بالرحمن ﴿خَبِيرًا﴾ يُخْبِرك بصفاته). * طالب: شيخ؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: كيف تكون الرحيم تدل على الفعل إذا اقترنت؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن فعيل تدل على إيقاع الفعل، سميع بمعنى سَمِع الصوت، رحيم بمعنى رحم الخلق، والرحمن مثلها كلمة غضبان، يعني ممتلئ غضبًا، كذلك الرحمن يعني واسع الرحمة، ولهذا فَسَّرَه بعض السلف بقوله: الرحمن ذو الرحمة العامة، والرحيم بالمؤمنين، إي نعم. قال: (﴿فَاسْأَلْ﴾ أيها الإنسان ﴿بِهِ خَبِيرًا﴾ ). المؤلف جعل الخطاب في قوله: ﴿فَاسْأَلْ﴾ ليس للرسول ﷺ، بل لجميع مَن يصح منه الخطاب، من يصح خطابه (أيها الإنسان). (﴿بِه﴾ بِالرَّحْمَنِ ﴿خَبِيرًا﴾ )، ﴿خَبِيرًا﴾ يعني به، بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾. وقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾ قد يقول قائل: إن المتبادر أن يقول: اسأل عنه خبيرًا؛ لأن السؤال بمعنى الاستفهام يُعَدَّى بـ(عن)، أو لا؟ تقول: سألت بفلان ولّا عن فلان؟ * طالب: عن فلان. * الشيخ: عن فلان، سألت عن فلان، فكيف نجيب عن التعدية بالباء، مع أن المتبادر أن يتعدى بـ(عن)؟ * طالب: يجوز لغويًّا أن تعمل مثلًا (عن) بمعنى الباء. * الشيخ: الباء بمعنى (عن). * الطالب: الباء بمعنى (عن). * الشيخ: عندك شاهد على هذا؟ * الطالب: (...). * طالب آخر: على المذهبين؛ مذهب البصريين ومذهب الكوفيين يُضَمِّنُون (...) ويُعَدَّى بالباء، وإما يُضَمِّنُون الحرف يعني يجعلون (في) بمعنى (عن) أو (من)، كقوله تعالى في سورة الإنسان: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦]، فـ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ يعني: فيها (...). * الشيخ: يعني أنت تقول: إن الباء بمعنى (عن)؟ * الطالب: إي. * الشيخ: هذا الفاصل، أي نجعل (اسأل) بمعنى فعل يناسب أن يتعدى بالباء، ما هو الفعل الذي يناسب يتعدى بالباء؟ * طالب: (...). * الشيخ: الآن اتفقتما في (...)، الباء بمعنى (عن)؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: زين، أو يُضَمَّن الفعل معنى يناسب الباء، لكن كيف الفعل المناسب، ويشلون نقول؟ فاسأل؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي. * طالب: (...). * الشيخ: لا، (...) ومرة نرجح ذا، لها نظير في القرآن يمكن إذا قرأناه يتضح: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ﴾ [المعارج ١، ٢]، ما قال: سأل سائل عن عذاب واقع. * طالب: طلب. * الشيخ: طلب عن، يعني استفهم عن كذا. * الطالب: سأل مع الطلب، أي (...). * الشيخ: هاه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم؟ * الطالب: تضمين الحرف سهل. * الشيخ: تضمين الحرف يمكن هنا بسهولة. * الطالب: يبقى الفعل. * الشيخ: الفعل نعم. * طالب: (...)، يعني: سأل سائل عن عذاب هو في الحقيقة سيقع، واقع يعني، فهو (...)؟ * الشيخ: لا، (...)، عندي يقول.. نقرأ عليكم الفائدة ونعقب عليها، يقول: (﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾ أي: اسأل عنه ﴿خَبِيرًا﴾ أي عالِمًا بصفاته)، ﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾ أي: بتفاصيل ما ذكر إجمالًا من الخَلْقِ والاستواء لا بنفسِهما فقط؛ إذْ بعد بيانِهما لا يبقى إلى السؤال حاجة، ولا في تعديتهِ بالباءِ فائدة، فإنها مبنية على تضمينه معنى الاعتناء. ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، يعني: اعْتَنِ بالسؤال عنه، واسأل خبيرًا، هذا التضمين. (المستدعِي لكون المسؤول أمرًا خطيرًا مهتمًّا بشأنه غير حاصل للسائل، وظاهر أن نفس الخلق والاستواء بعد الذِّكْر ليس كذلك، وما قيل من أن التقدير: إنْ شككتَ فيه ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، على أن الخطاب له ﷺ والمراد غيره، فهو بمعزل من السداد، بل التقدير: إن شئتَ تحقيق ما ذُكِر أو تفصيل ما ذُكِر ﴿فَاسْأَلْ﴾ معتنيًا بهِ ﴿خَبِيرًا﴾ عظيمَ الشَّأنِ، محيطًا بظواهر الأمور وبواطنها وهو الله (...) يُطلعك على جَلِيَّة الأمر، وقيل: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾ مَن وجده في الكتب المتقدمة ..) إلى آخره. يعني اللي فهمته الآن أنه يريد أن يجعل الباء متعلقة بمحذوف حالًا من فاعل (اسأل): فاسأل مُعْتَنِيًا به خبيرًا، أو مهتمًّا به خبيرًا. هذا وجهان؛ الوجه الأول: أن تكون الباء بمعنى (عن)، وهذا واضح، فاسأل عنه خبيرًا. والثاني: أن تكون متعلقة بمحذوف تقديره: معتنيًا أو مهتمًّا به، حال من الضمير المستتر فيه: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾. وعندي أيضًا أنه فيه احتمال أن ﴿فَاسْأَلْ﴾ تُجَب به ﴿خَبِيرًا﴾، يعني: كأنه ضَمَّن السؤال ما يدل على الجواب، مثلما قيل في: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾، ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ وأجيب ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾، فيكون هذا الباء عدل عن (عن)؛ لأن (عن) إنما تدل على مجرد السؤال، والباء تدل على الإجابة أيضًا. وعلى كل حال فالمعنى هذا: الرحمن الذي خلق السماوات والأرض واستوى على العرش اسأل عنه خبيرًا يخبرك. فمَن المراد بهذا الخبير الذي أمرنا الله تعالى أن نسأله؟ * طالب: هو الله. * الشيخ: هو الله، فكأنه سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، يعني: خذ الخبرة والعلم مني؛ لأني خبير بنفسي، هذا المعنى، ومنه قول عائشة رضي الله عنها: على الخبير سقطت، تعني نفسها حينما سُئِلَت عن مسألة نَسِيَتْها، لكنها قالت: على الخبير سقطت[[أخرجه مسلم (٣٤٩/٨٨) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ]]، تعني نفسها. فالمعنى: اسأل عن الله سبحانه وتعالى خبيرًا به وهو نفسه، وهذا يستفاد من الآية. الآن نأتي للفوائد. * طالب: (...). * الشيخ: ثلاثة. * الطالب: الأول بمعنى (...). * الشيخ: إي نعم. * الطالب: والثاني؟ * الشيخ: بمعنى معتنيًا به. * الطالب: وتكون الباء متعلقة بالحال. * الشيخ: بمحذوف حال من الضمير، والثالث: أن تكون دالة على الجواب: تُجَب به. * طالب: طيب، يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: ما نقول مثلًا (...) العرب على سبيل -مثلًا- الإغراء، أو على سبيل تعظيم المفعول؟ * الشيخ: يمكن أن يكون هذا، يعني يمكن أن تتضمن هذا، بمعنى أن ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ يعني: اسأل مَن هو مِن أعظم الناس قدرةً لما يخبرك به، يعني قصدك أن تكون .. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، فاهم كلامك، يعني معناه: أننا أخبرناك بذلك ونحن أعلم مَن نخبرك به، فكأنه من باب التعظيم والمبالغة، قال: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، وأنه ليس المراد حقيقة السؤال، إنما المراد التعظيم، يعني: ما أعظم مَن أخبرك خِبْرَةً. إي، هذا وجه جيد ولا ينقص معنى الآية (...). * طالب: لا يصح أن نقول (...)؟ * الشيخ: نعم، كيف؟ * الطالب: إذا قلنا (...). * الشيخ: لا، صحيح إذا قلنا: متعلقًا بـ﴿خَبِيرًا﴾ واضح، ولا تحتاج إلى أي (...)، يعني: فاسأل خبيرًا به يُخْبِرك عنه، هذا وجه، الحقيقة أنا عندي الآن أنه أحسن الأوجه ولا فيه تكلف، ويكون تقديمها عليها لمراعاة الفواصل، والأصل: فاسأل خبيرًا به. هذا ما يحتاج إلى كلام وواضح جدًّا، إي نعم، ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾. * طالب: تضمين المؤلف (...) الفعل؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: تضمين المؤلف الفعل. * الشيخ: ما أدري، المؤلف ما تعرَّض لهذا. * الطالب: لا، صاحب الحاشية. * الشيخ: هذا (معتنيًا به أو مهتمًّا). أقول: * فوائد الآيات الكريمة، أولًا: إثبات خلق السماوات والأرض، وأنها كانت معدومة، فيكون في هذا رد لقول الفلاسفة القائلين بقِدَم الأفلاك، وأن الأفلاك قديمة؛ لأن ما كان مخلوقًا فإنه ليس بقديم، وترى ليس بقديم بالمعنى الذي يفهمه، أو المصطلح عليه عند الفلاسفة؛ أن القديم هو الأَزَلِيّ، أفهمتم؟ لا أن المراد به القِدَم اللغوي؛ لأن القديم في اللغة هو الشيء المتقدِّم ولو كان حادثًا، كما قال الله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس ٣٩]، لكن في اصطلاح الفلاسفة إذا قالوا: قديم، فمعناه: أَزَلِيّ ليس بحادث، نقول: هذه الآية ترد عليهم؛ لأن الله يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. * وفيها أيضًا: دليل على ما أشار إليه المؤلف من أن الذي ينبغي أن يلاحظه الفاعل هو الإتقان والتثبت في الأمور، حتى يخرج الشيء على الكمال، يخرج المفعول على الكمال. * وفيها أيضًا: دليل على حكمة الله سبحانه وتعالى بتسيير الأمور حسب أسبابها على الوجه الذي أشرنا إليه، بأنها امتد خلقها إلى ستة أيام؛ لأن الأشياء تتطور وتتعلق بأسباب معينة تكمل في هذه المدة. * وفيها دليل: على كمال قدرة الله عز وجل؛ لأن هذه السماوات والأرض وما بينهما أمور عظيمة ما يستطيع الخلق أن يخلقوها أبدًا، لا في ستة أيام ولا في ستين قرنًا، ولا في .. ما يمكن، الذين صنعوا الأقمار الصناعية أول ما أخرجوها تَخْبُرُون ماذا حصل من الضجة العظيمة والتعظيم العظيم لهؤلاء الذين صنعوها، مع أنها ليست بشيء بالنسبة لأصغر نجم في السماء، ولّا لا؟ لا بذاته، لا بالحجم، ولا بالكيفية، ولا بالقوة، ولا بالانتظام، تزول في آخر الأمر، وفيه يختلف نظامها وتتلف. فالحاصل أن في خلق السماوات والأرض ولو في ستة أيام، ولو في الأيام الستة، فيها دليل على كمال قدرة الله تبارك وتعالى وعظمته؛ لأن عِظَم المخلوق يدل على عِظَم الخالق، كما أن عِظَم الفعل في غير الخالق يدل على عظمة الفاعل ومهارته وقدرته، ولهذا الناس إذا رَأَوْا بناءً مُحْكَمًا يُثْنُون على البناء ولّا على الباني؟ * طلبة: على الباني. * الشيخ: نعم، يُثْنُون على الباني أولًا، وعلى البناء ثانيًا، ويُذْكَر في الحيدة التي تُنْسَب إلى عبد العزيز الكِنَاني –إن صحت عنه – أن أحد الذين نَاظَرُوه عند الخليفة انتقد خِلْقَتَهُ، فقال له عبد العزيز الكِنَاني: أنت ما انتقدتني الآن، إنما انتقدت الخالق، ثم ضرب مثلًا بأنه لو كان الجدار اللي عند الخليفة مشوَّهًا ومائلًا ثم عِيبَ الجدار، مَن العيب يقع عليه في الحقيقة؟ على الباني، على الذي بناه، فخِلْقَة الإنسان ليست من اختياره، فلا يُذَمُّ عليها. ولذلك ما ورد من الأحاديث التي تُعَلِّق الذَّمَّ على الْخِلْقَة فإنما ذلك ليس للخلقة نفسها، ولكنها دليل على ما تحمل عليه هذه الْخِلْقَة من الصفات التي يُذَمُّ عليها العبد؛ لأنه وُجِد في بعض الأحاديث ذَمّ ثم يفسره العلماء بصفات خِلْقِيَّة، هذا الذم الْمُعَلَّق على صفة. نقول: إذا صح أن الحديث يُفَسَّر بهذه الصفات الْخِلْقِيَّة فليس ذلك لأجل هذه الصفات الخلقية، ولكن لما تتضمنه غالبًا من صفات فعلية أو خُلُقِيَّة للإنسان؛ إذ الإنسان لا يُذَمُّ على ما خلق الله فيه، وإنما يُذَمُّ على ما كان باختياره، واضح؟ * وفي هذا: دليل على الاستواء، على استواء الله على عرشه؛ لقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وعلى أن الاستواء من الصفات الفعلية، ليس من الصفات الذاتية؛ لأنه مُرَتَّبٌ بعد خلق السماوات، يعني حادث، وهل الاستواء قبل خلق السماوات والأرض ثابت أو ليس بثابت؟ * طالب: ليس بثابت. * الشيخ: هاه؟ * الطالب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود ٧]. * الشيخ: العرش على الماء. * طالب: ما دام (...). * الشيخ: ما ندري، يمكن (...)، ولذلك نقول: الاستواء على العرش قبل الخلق ما نتكلم فيه، الله أعلم به، لكن الاستواء على العرش حين الْخَلْق موجود ولّا لا؟ ليس بموجود؛ لأن ذلك ينافي قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾، أما قبل الْخَلْق فالواجب السكوت عنه؛ لأن ذلك ليس في وسعنا، والله تعالى لم يخبر عن نفسه به. * وفيه دليل على ثبوت صفة الرحمة لله، من قوله: ﴿الرَّحْمَنُ﴾. * وفيه دليل على عِظَم صفاته تبارك وتعالى؛ لقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾. * وفيه دليل أيضًا –في الآية– على أن الصفات توقيفية؛ لقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، يعني معناه أن وصف الله سبحانه وتعالى لا يكون إلا بحسب ما عَلِمْنَاه منه، فلا يمكن أن نصف الله تعالى بما لم يَصِف به نفسه، ولهذا قال العلماء: إن أسماء الله وصفاته توقيفية –هذا هو القول الصحيح الراجح– وأنه ليس لنا أن نَصِفَ الله تعالى بما لم يَصِفْ به نفسه؛ لأن ذلك ينافي كمال الأدب معه، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات ١]، وكما أنه ليس لنا أن نُحْدِث في شرعه شيئًا فليس لنا أن نصفه بشيء لم يَصِفْ به نفسه، ولله المثل الأعلى، الإنسان لو قيل: تَحَدَّثْ عن رجل، وهذا الرجل غائب عنه، هل يملك أن يتحدث عن شيء من صفاته؟ إلا ما يُعْلَم من الصفات البشرية، بأن يقول: هو إنسان مخلوق يَحْيَى ويموت، إلى آخره، لكن يتحدث عن صفة ما هي صفة من الصفات العامة من قبل البشرية ما يجوز يتحدث، فكيف بالله سبحانه وتعالى! * طالب: (...) أيام فالأيام على ما أراد الله سبحانه وتعالى من أيام الله لأن هذه المسألة من الخلق (...) ليست من الأمور المتعلقة بالمخلوقين حتى نقول (...) وإنما هي مسألة خلق السماوات والأرض مسألة تتعلق بالخالق وحده فنقول إنها في أيام (...) ؟ * الشيخ: كيف أيام (...)؟ * الطالب: اللي هي ألف سنة. * الشيخ: من يقول: إن الله أراد؟ * الطالب: أقول: إن المسألة هذه خلق السماوات والأرض ليست –مثلًا- مثل الصفات الأخرى المتعلقة .. * الشيخ: ما يخالف، الْخَلْق نفسه من صفات الله، لكن الأيام التي أضاف الله الْخَلْق إليها وجعله في هذه الأيام معلومة لنا. * الطالب: بس هو أخبرنا كذلك بنص القرآن (...) صارت معلومة. * الشيخ: (...) الأيام؟ * الطالب: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الحج ٤٧]. * الشيخ: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾، ﴿يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾، ما ندري عنه، يومًا واحدًا أو أيامًا ما ندري، حتى ﴿يَوْمًا﴾ هذه قد يقول قائل: إنه يوم مُعَيَّن عند الله كألف سنة. * الطالب: يعني ليست جميع أيام الله كهذه؟ * الشيخ: لا، ولو قال: وإن اليوم عند ربك، وأتى بـ(أل) الجنسية يمكن يقال، فالأقرب هو هذا، والله أعلم، حتى المسألة ما هي بالأمر اليقيني، لكن الذي يترجح حسب مقتضى اللفظ العربي، وأن (...) باللفظ العربي، هو أن الأصل حمل اللفظ على ما دل عليه (...) إلا بدليل؛ هذا الأصل، الواجب أن القرآن تكون دلالته بمقتضى اللغة العربية ما لم يوجد دليل يقتضيه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي، لكن تقرير المعاد؟ * الطالب: لا، تصحيح (...). * الشيخ: لا، القول (...)، ما هو معناه التصريح بوقوعه، التصريح موجود في كل الكتب، لكن تقريره ليس كتقرير القرآن. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هو ذكر عنه شيء في (...) ما يدل على هذا، يدل على أن القرآن يتكلم عن المعاد وتقريره وإثباته أكثر مما تكلمت التوراة والإنجيل، إي نعم، وإلا معلوم أنه مُصَرَّح به. * الطالب: لأن (...). * الشيخ: لا لا، مُصَرَّح به في كل الكتب، ولا يمكن أن يستقيم عمل الناس إلا بالإيمان بالمعاد، ولذلك اللي ينكرون المعاد الآن ما يؤمنون، ما (...)، ما دام أنهم يقولون: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية ٢٤] ما يعملون. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، من التصريح كالتقرير، يعني المراد تقريره على أوجه شتى؛ لأن الله سبحانه وتعالى قَرَّرَ المعاد في القرآن ليس بطريق واحد، بعدة طرق، ونحن أشرنا مرة إلى أنَّ آخر سورة يس فيها عشرة أوجه كلها تقرر المعاد. * طالب: عشرون يا شيخ. * الشيخ: عشرة، لكن بعضها أصرح من بعض. * الطالب: لماذا (...)؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لأن الأصل أن الخطاب الذي يفرد في القرآن لجميع الناس، إلا إذا دَلَّ الدليل على أنه خاص بالرسول؛ لأن القرآن نزل للجميع فهو يخاطب الكل، ما لم يدل دليل على أنه خاص بالرسول، مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، هذا معروف أنه خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام، ومثل: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ صرح أنه ينادي الرسول وحده، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ [المائدة ٦٧]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ [الأحزاب ٤٥]، إي. مما يدل على عظمة ذلك، ومنه أيضًا على ما نراه مما بينهما الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك؛ لأن القول بأن هذه في نفس السماوات ليس عليه دليل من الكتاب ولا من السنة، وإنما ظاهر القرآن يدل على أنها في فلك بين السماء والأرض، والواقع يشهد لذلك أيضًا، فإنهم وصلوا إلى القمر، ولو كان في نفس السماء ما وصلوا إليه؛ لأن الله يقول: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء ٣٢]، فإذا كانت السماء محفوظة حتى عن أشرف الرسل وأشرف الملائكة إلا باستئذان فمن دونهم من باب أولى. * طالب: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ﴾ [نوح ١٥، ١٦]؟ * الشيخ: إي نعم، يعني في جهتهن، ﴿فِيهِنَّ﴾ أي في جهتهن. * الطالب: يعني ما هي مظروفة لهم؟ * الشيخ: لا، ما هي مظروفة لهم، المظروف الجهة، مثلما سيأتينا إن شاء الله، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان ٦١]، نفس الشيء. وسبق أيضًا أن الله تعالى استوى على عرشه، أي: علا عليه علوًّا خاصًّا، وليس كالعلو المطلق للمخلوقات، وإنما هو علو خاص، وأنه من الصفات الفعلية، وأن أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك على الوجه الذي يليق بالله سبحانه وتعالى، لا يكيفون ولا يحاولون أن يكيفوا أيضًا؛ لأن ذلك أمر مستحيل. وسبق أن إضافة الاستواء إلى الرحمن: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان ٥٩] فيه إشارة إلى أنه تعالى مع علوه على جميع مخلوقاته فإن رحمته شاملة لجميع الخلق، وليس كعلو غيره مما إذا علا تجبر وتكبر وأخذ بالعنف والغلظة. وكذلك أيضًا تقدم أنه يُستفاد من قوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٩]، أنه لا تطلب معرفة الله إلا من الله، من الخبير به وهو الله سبحانه وتعالى، وأن هذه الآية تشهد بما عليه أهل السنة والجماعة من أن أسماء الله وصفاته توقيفية، لا يجوز لأحد أن يثبت منها إلا ما أثبته الله ورسوله.