Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — الفرقان 25:60 – الفرقان 25:77

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. الفرقان 25:60
  2. الفرقان 25:61
  3. الفرقان 25:62
  4. الفرقان 25:63
  5. الفرقان 25:64
  6. الفرقان 25:65
  7. الفرقان 25:66
  8. الفرقان 25:67
  9. الفرقان 25:68
  10. الفرقان 25:69
  11. الفرقان 25:70
  12. الفرقان 25:71
  13. الفرقان 25:72
  14. الفرقان 25:73
  15. الفرقان 25:74
  16. الفرقان 25:75
  17. الفرقان 25:76
  18. الفرقان 25:77

الفرقان 25:60

ثم قال الله تعالى بعد ذلك، بعد أن ذكر عظمته وربوبيته في خلق السماوات والأرض واستواءه على عرشه، قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ [الفرقان ٦٠]، قال المؤلف: (لكفار مكة ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان ٦٠]). هذا السجود يحتمِل أن يراد به السجود الخاص الذي هو خرور الإنسان على أعضائه السبعة، ويَحتمل أن المراد به السجود العام الذي هو الخضوع المطلق؛ لأن السجود يطلَق بالمعنيين: السجود العام الذي هو الخضوع والذل مطلقًا، أو السجود الخاص على هذه الأعضاء المعروفة. إذا قيل لهم ذلك قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾، فأنكروا المسجود له ثم استكبروا عن السجود: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، وهذا الاستفهام استفهام إنكار واستبعاد: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، والأول: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ استفهام إنكار، يعني أنهم ينكرون الرحمن، والمراد بإنكارهم الرحمن إنكار هذا الاسم، لا إنكار الله، يعني أنكروا الاسم دون الذات، فهم يؤمنون بالله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، ولكنهم أنكروا الرحمن، أنكروا هذا الاسم لله سبحانه وتعالى وقالوا: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة[[أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (١٥٣٠٥) عن عطاء: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]. ]]، ما نعرف أن هناك أحدًا اسمه رحمن إلا هذا الموصوف برحمن اليمامة، فأنكروا هذا الوصف العظيم لله عز وجل الذي هو من أعظم أوصافه وأعظم أسمائه، وهي الرحمة التي وسعت جميع المخلوقات، وهذا الإنكار لا وجه له؛ لأنه ما دام قد أثبت بطريق الرسالة فلا وجه له لكونهم لا يعرفونه؛ لأن الإنسان الذي لا يؤمن إلا بما يعرف هل هو مؤمن بالرسل ولَّا تابع لهواه؟ * طالب: متبع لهواه. * الشيخ: تابع لهواه، الذي لا يؤمن إلا بما يعرف، ومنه ما يفعله بعض العامة الآن؛ إذا أحييت سنة من السنن التي أُميتت قالوا: ويش هذا؟ هذا دين جديد لا نقبله ولا نريده؟ نقول لهؤلاء: إنهم يشبهون هؤلاء الكفار من بعض الوجوه، حيث أنكروا ما لا يعرفونه وقالوا: ما نقبل، أين المشائخ من هذا الدين؟ وأين فلان؟ وأين فلان؟ وهذا ليس بحجة؛ لأن الحق يجب أن يُقبل، وأن يكون هوى الإنسان تابعًا للحق، لا أن الحق تابع لهواه: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون ٧١]. والواجب على المؤمن إذا رأى ما لا يعرفه، أو سمع ما لا يعرفه، الواجب عليه التثبت، صحيح أن الإنسان يستنكر ما لا يعرف، ولكن الواجب عليه نحو ذلك ألا ينكر، الواجب عليه التثبت وأن يعرف مصدر هذا الشيء، أما أن يقول: أتيتم بدين جديد ولا نقبله فليس كذلك، بل إن الذي يحيي سنة هو الذي أتى بالدين القديم، ومن خالف السنة فهو الدين الجديد المحدَث، أما السنة فهي الدين القديم الذي عليه الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه. والحاصل أنك لا تكاد تجد معصية من المعاصي إلا وفيها مشابهة بكفر من الكفر، لا تكاد تجد معصية من المعاصي إلا ولها شبيه - يعني من جنسها - من الكفر. ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان ٦٠]، هذا أيضًا إنكار واستكبار، يعني كيف نسجد لما تأمرنا، قال: (بالفوقانية والتحتانية والآمر محمد) ﷺ. قوله: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، (ما) هذه بمعنى (من) أو (ما) مصدرية؟ يعني: هل المعنى لمن تأمرنا بالسجود به، فتكون موصولة بمعنى (من)، أو أنها مصدرية، أي: لأمرك؟ * طالب: كلها. * الشيخ: ما يمكن تصير كلها. * طالب: كلاهما أظن. * الشيخ: كلاهما ممكن، الشارح يقول: (ولا نعرفه) يشير إلى أن (ما) اسم موصول، يعني: للذي تأمرنا بالسجود له ونحن لا نعرفه، فعلى مقتضى تفسيره أن تكون (ما) بمعنى (من)، وحينئذ التعبير بـ(ما) بدل (من) في غير الجماد أو في غير من لا يعقل كما يقولون خلاف الأصل؛ لأن الأصل أن يعبر عن ذي العلم بـ(من)، لا بـ(ما)، ولا يعبر بـ(ما) إلا لملاحظة شيء، مثل قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣]، لم يقل: من طاب، فما هو هذا الشيء؟ نقول: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ هو لا يريد امرأة بعينها حتى يعبر عنها بـ(من)، إنما يريد الجنس الذي يتزوج لطيبه، فيكون في ذلك مراعيًا للصفة، لا للموصوف، ولهذا أتى بـ(ما): ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا (...) للعموم من باب التغليظ. كذلك أيضًا هنا: ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان ٦٠]، إذا جعلنا (ما) بمعنى (من)، نقول: ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ عدلوا عن الموصوف إلى الإشارة إلى الصفة؛ لأنهم ينكرون هذا الوصف الذي هو الرحمن، فكأنهم قالوا: أنسجد لأمر مجهول غير معلوم، وهو ما تأمرنا بالسجود له. أما على أن تكون (ما) مصدرية فالأمر واضح جدًّا، يعني كأنهم يقولون: أنسجد لأمرك وأنت لست بشيء عندنا؛ لأنهم قالوا: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان ٤١، ٤٢]، فيكونون هنا جمعوا بين الإنكار والاستكبار، الإنكار لصفة من صفات الله واسم من أسمائه، ثم الإنكار لما أمروا بالسجود له، ثم الاستكبار عن أمر النبي ﷺ: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان ٦٠]. (﴿وَزَادَهُمْ﴾ هذا القول لهم ﴿نُفُورًا﴾ [الفرقان ٦٠] عن الإيمان)، والعياذ بالله! يعني ما زادهم إقبالًا ولا امتثالًا، بل زادهم نفورًا، وفي هذا دليل على أن واجب الداعية أن يدعو إلى الله، سواء امتثل المدعو أم نفر، وقد كان بعض الناس يسأل يقول: إذا كان هذا المدعو إذا دعوته يزداد نفورًا وكراهية للشرع ولما يؤمر به، هل يجوز أن أدعوه، أو يحرم أن أدعوه لأني أكون سببًا لنفوره واستكباره، ونفوره واستكباره أعظم من معصيته المجردة، فما رأيكم في هذا السؤال؟ أو ما فهمتم السؤال؟ * طالب: بلى. * الشيخ: يقول: أنا إذا دعوت أخي أو عمي أو أبي ازداد نفورًا واستكبارًا، فأكون سببًا لاستكباره ونفوره وكراهيته للحق، وذلك أعظم من مجرد المعصية أو ترك الواجب، فهل أتركه أو أدعوه وحينئذ أرى نفسي في حرج أني تسببت له فوقع في هذا الأمر العظيم؟ فنقول؟ * طالب: يدعوه. * طالب: عمل (...) مأمور به، ما دام (...) فكيف يـ...؟ النتيجة ما يزعل عليها. * الشيخ: يعني معناه أنه يأمره (...)؟ * الطالب: يأمره، والهداية بيد الله. * طالب: (...) قد لا يتجاوب لهذا ويتجاوب لهذا. * الشيخ: إي نعم، حتى لو تجاوب، حتى لو كان نفورًا من الشخص نفسه فإنه لا يترك الدعوة. * طالب: أرى أنه إذا كان مثلًا (...) أعظم من صلاحه أو دعوته. * الشيخ: إي، لكن الآن اللي معنا، الرسول عليه الصلاة والسلام يقول الله: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان ٦٠]، هل الرسول عليه الصلاة والسلام لما رأى هؤلاء يزدادون نفورًا ترك الدعوة؟ * طالب: مطلقًا لا، لكن تركها لهؤلاء. * الشيخ: لا، ما تركها لهؤلاء أبدًا. * طالب: طيب، إذا كان يعني للعاصي فتجوز دعوته، إذا كان الكفر سواء يبلغ به درجة الكلام الكفر وقول الكفر فيترك. * الشيخ: لا، الذي نرى أنه يجب أن تدعو. * طالب: على العموم؟ * الشيخ: على العموم، و﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٧٢]؛ لأنك إذا سكت عنه استمرأ المعصية ولم يرها معصية ولم يستقم، ثم هو أيضًا ربما يستكبر ولكنه بعد ذلك يرجع ويحاسب نفسه، والكلمة التي تقال لله لا بد أن تؤثر، كل كلمة تقال لله لا بد أن تؤثر تأثيرًا بالغًا، وما نحن ببعيد عن تكرار قضية موسى عليه الصلاة والسلام حينما تكلم للناس جميعًا وللسحرة بالأخص، فقال لهم: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه ٦١]، هذا كلام عظيم، يعني: كلام رادع، توعد ووعيد، ومع ذلك أثر ولَّا لا؟ * طالب: أثر. * الشيخ: أثر. * الطالب: ﴿فَتَنَازَعُوا﴾. * الشيخ: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [طه ٦٢]، والفاء تدل على التفريع والتعقيب، يعني هذا التنازع أثارته هذه الكلمة، بمنزلة ما يسمونه بالقنبلة التي فرقتهم، فأنت لا تظن أن كلمتك التي تقولها لله لا تظن أنها تضيع سدى، لا بد لها من تأثير، وهذا التأثير وإن كان قد لا يكون في الوقت الحاضر ولكنه لا بد أن يؤثر. قالوا: (﴿وَزَادَهُمْ﴾ هذا القول لهم ﴿نُفُورًا﴾ [الفرقان ٦٠] عن الإيمان). * طالب: شيخ. * الشيخ: نعم (...) إلى حد أنهم يضعون السلى على رأسه وهو ساجد[[أخرج البخاري - واللفظ له - (٣٨٥٤) ومسلم (١٧٩٤ /١٠٧) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: بينا النبي ﷺ ساجد، وحوله ناس من قريش، جاء عقبة بن أبي معيط بسلى جزور، فقذفه على ظهر النبي ﷺ، فلم يرفع رأسه، فجاءت فاطمة عليها السلام فأخذته من ظهره، ودعت على من صنع. الحديث.]]، وإلى حد أنهم يلقون العذرات والأقذار عند عتبته، نعم، هذا ليس بصحيح. وأنت إذا كنت مؤمنًا بقول الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود ٤٩]، هذا ما يضرك، العاقبة للمتقين، وأنا قلت لكم قبل هذا، قلت: إن المراد بنجاح الدعوة نجاح الجنس، لا الشخص، قد لا تنجح أنت بشخصك وتموت وأنت ما نلت المقصود، لكن الكلام على الدعوة أنها نجحت وأثرت، وهذا لا بد أن يكون، ونحن قلنا هذا من قبل، واضح ذلك؟ * طالب: نعم. * الشيخ: إي نعم. ثم إنكم اقرءوا قول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان ٢٣]، ويش بعده؟ ما قال: فاشكر نعمة ربك على هذا الإنزال، قال: ﴿فَاصْبِرْ﴾ [الإنسان ٢٤]، معنى ذلك أن الذي يتحمل هذا القرآن سواء نزل عليه أو حفظه لا بد أن يناله ما يناله، سواء بالنسبة لنفسه التي تأمره بالسوء وبمخالفة هذا الوحي، أو بالنسبة لغيره، أما هذه الأشياء هذه جبن في الحقيقة ومن الشيطان: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧٥]. وإحنا نقول هذا ونقرره وإن كنا مقصرين، لكن لا بد من بيان الحق، والتقصير على أنفسنا في الحقيقة، لكننا نحن نرى أن الداعية إلى الله، بل والعالم الذي أعطاه الله علمًا، لا بد أن ينشره، وأن يدعو إليه، وإلا صار حجة عليه. * طالب: وهم ما يكرهونه إلا بالظاهر يا شيخ؟ * الشيخ: إي نعم، وربما إنه لا يكرهونه إلا بالظاهر، أن ما في أنفسهم من الحسد أو ما في أنفسهم من كراهة مخالفة هواهم يؤدي إلى أنهم ينابذونه ظاهرًا، وإن كانت قلوبهم تحبهم، ربما يكون هذا أيضًا. * الطالب: (...). * الشيخ: على كل حال هي المسألة إن أصابك ما أصابك من الأذى مع الاستقامة فإن هذا لرفعة درجاتك، وإن أصابك ما أصابك من الأذى مع عدم الاستقامة، يعني إما خطأ في سبيل الدعوة، ما استعملت ما أرشد الله إليه من الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، فإن هذا الأذى يكون تكفيرًا لسيئاتك التي وقعت منك، فأنت على كل حال لا بد أن تُنال بأذى، لكنه إما رفعة درجات أو تكفير سيئات. * طالب: (...)، الذين لا يؤيدون أن يكون الإنسان داعية دائمًا يقولون مثلًا: كيف ندعو الناس ونحن عاجزون عن إصلاح أنفسنا؟ * الشيخ: إذا لم تدع الناس فأنت أفسدت نفسك باختيارك؛ لأن من إصلاح نفسك الدعوة إلى الله، فإذا لم تدع إلى الله فأفسدت نفسك باختيارك (...) اتق الله ما استطعت، أما أن تترك واجبًا لأنك تترك واجبًا آخر ما هو بصحيح، وهو لا شك أنه من سوء الأدب ومن عدم الحكمة أن الإنسان يدعو إلى أمر وهو متلبس بضد ما يأمر به: لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِي مِثْلَهُ ∗∗∗ عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ لكن ليس معنى ذلك أنك تترك الواجب، حاول أن تصلح غيرك وأن تصلح أمر غيرك. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان ٦١].

الفرقان 25:61

(﴿تَبَارَكَ﴾ [الفرقان ٦١] تعاظم)، ومر علينا أنه لا ينبغي الاقتصار فيها على (تعاظم)، فإنها تدل على كثرة خيراتها وسعتها؛ لأن هذه البروج التي ستأتي فيها من الخير للناس والمصلحة والمنفعة ما يناسب هذا الوصف: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾. وكلمة (تبارك) مبالغة من البركة؛ لزيادة التاء، وهي تقال لله عز وجل، والعامة عندنا يقولونها لغير الله، يقولون: تبارك علينا، وما أشبه ذلك، فبعض الناس يقول: إن هذا الوصف خاص بالله، ولا يجوز أن تقول للإنسان: تباركت، ولكن الذي نرى أنه لا بأس به؛ لأن الناس يريدون بـ(تباركت) أن الله وضع فيك بركة، لا أنها بركة ذاتية، ولا بأس بها، والعبرة بالمعاني، واللفظ إذا لم يكن فيه محظور شرعي فلا بأس به. وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾، (جعل) بمعنى صير ولَّا بمعنى وضع؟ بمعنى وضع، وعلى هذا فتعدى لمفعول واحد، وهو قوله: ﴿بُرُوجًا﴾ جمع برج، والبرج في الأصل: البناء العالي المرتفع، وهذه البروج الشاملة للنجوم هي بالحقيقة مثل الأبنية الشامخة العالية، لعلوها. وهي يقول: (اثني عشر) هذه بدل من ﴿بُرُوجًا﴾. (اثني عشر: الحمل، والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت)، اثنا عشر برجًا. بدأ المؤلف بـالحمل لأنه وقت اعتدال الزمان الربيعي؛ لأنه إذا حلت الشمس أول يوم من برج الحمل تساوى الليل والنهار ربيعًا عند ابتداء برج الحمل، يعني يكون الليل اثنتي عشرة ساعة والنهار اثنتي عشرة ساعة. ثلاثة بروج: (الحمل والثور والجوزاء)، إذا تمت الجوزاء وبدأ السرطان انتهى الليل في القصر، والنهار في الطور، يعني أن الشمس تنتهي إلى البروج الشمالية بعد الثلاثة: (الحمل والثور والجوزاء)، ثم بعد ذلك تنصرف الشمس إلى الجنوب. (السرطان والأسد والسنبلة)، هذه ثلاثة، إذا مضت الثلاثة تساوى الليل والنهار خريفًا بعد انتهاء طول النهار. فهمتم الآن؟ * طالب: نعم. * الشيخ: طيب، (الميزان والعقرب والقوس)، الثلاثة هذه إذا انتهت ينتهي طول الليل وقصر النهار. ثم تعود الشمس في (الجدي والدلو والحوت)، إذا انتهى الحوت تساوى الليل والنهار ربيعًا. وقد اختلف الناس هل يبدأ بالحمل؛ لأنه أحسن أيام السنة، حيث إن فيه الاعتدال الربيعي، أو يبدأ بالميزان؛ لأنه هو الوقت الذي ينتهي به النهار قصرًا والليل طولًا؟ * طالب: يعتدل يا شيخ. * الشيخ: اعتدال الزمان الخريف. المعروف والمشهور والأكثر الذي مشى عليه المؤلف، أنه يُبتدأ بما فيه الاعتدال الربيعي، لكن بعض الناس يبتدئ بالطرف الثاني ويزعم أن هذه هي طريقة العرب، والله أعلم، إنما اللي أنا أشوف أن التقاويم أكثرها تبدأ بهذا، ويقول: إن العرب يبتدئون من الاعتدال الخريفي، وإن العجم يبتدئون من الاعتدال الربيعي. وكون العجم يبتدئون من الاعتدال الربيعي هذا واضح؛ لأن العجم الآن إيران و(...) تؤرخ ابتداء السنة بالحمل، يعني عندهم السنون شمسية ويبدؤونها ببرج الحمل. يقول المؤلف: (وهي منازل الكواكب السبعة السيارة؛ المريخ وله الحمل والعقرب، والزهرة ولها الثور والميزان، وعطارد وله الجوزاء والسنبلة، والقمر وله السرطان، والشمس ولها الأسد، والمشتري وله القوس والحوت، وزحل وله الجدي والدلو). * طالب: (...). * الشيخ: إي، هي على كل حال هذا التقسيم الأخير ما أعرف أنا وجهه، ولا أدري عنه، لكن هذه البروج الشمس تقطعها في السنة كما سمعنا قريبًا، والقمر يقطعها في الشهر، كل شهر يقطع القمر، هذه البروج، وله منازل ثمان وعشرون منزلة، تشتمل على هذه البروج الاثني عشر، أما الشمس فإنما تقطعها بالسنة. هذه البروج يدل على عظمتها أن الله قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ﴾، وقوله: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ [الفرقان ٦١] المراد به العلو، وليس المراد به السقف المحفوظ، بل هو العلو؛ لأن هذه البروج دونها. (﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾ أيضًا ﴿سِرَاجًا﴾ هو الشمس ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان ٦١]، وفي قراءة: برجا بالجمع، أي: نَيِّرات، وخَصَّ القمر منها بالذِّكر). * طالب: ﴿سُرُجًا﴾ . * الشيخ: ﴿سُرُجًا﴾ نعم، ﴿سُرُجًا﴾ صح، (﴿سُرُجًا﴾ بالجمع أي: نَيِّرات). * طالب: عندي ﴿سِرَاجًا﴾. * الشيخ: لا ﴿سِرَاجًا﴾ هي اللي بالقرآن. * الطالب: (...). * الشيخ: واللي بالأصل؟ * الطالب: كذلك. * الشيخ: لا، (﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾ ) بالأصل؟ * الطالب: (﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾ أيضًا ﴿سِرَاجًا﴾ ). * الشيخ: إي، الثانية: (﴿سُرُجًا﴾ بالجمع)، بالجمع: سُرُج. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم. على هذه القراءة (خصَّ القمر منها بالذِّكر لنوع فضيلة). ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ يعني سُرُجًا، ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ يقول: عطف على سرج، وهو منها (لنوع فضيلة)، ولكن على قراءة الإفراد المراد بالسراج الشمس، وسُميت سراجًا والقمر منيرًا لأن الشمس نورها ذاتي وحار، والقمر نوره مكتسب من الشمس، فليس بنفسه سِراجًا، وإنما هو منير أو نور، لكن نوره مكتسب. وعلى قراءة: ﴿سُرُجًا﴾ ، يقول المؤلف: (يعني نَيِّرَات) ومنها القمر نير، لكن خصه لنوع فضيلة. إذا قلنا: إن منه القمر، يعني ومنه الشمس ولَّا لا؟ هي أم السرج، الشمس في الحقيقة. * طالب: عندنا (لنوع فضيلته)؟ * الشيخ: اللي عندي (فضيلة) بالتاء، يصلح، اللي عندنا أحسن. * طالب: (فضيلته)؟ * الشيخ: لا، أنا عندي: (فضيلة) فقط. أقول: إن كلام المؤلف رحمه الله فيه نظر، ولكن عطف القمر المنير على السرج من باب عطف المتغايرين، لا من باب عطف الخاص على العام، فالقمر ليس من السرج، ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح ١٦]، الشمس بلا شك أنها سراج، ولكن القمر نور، فعليه لا يكون منها، ولا يحتاج إلى الجواب الذي ذكر المؤلف: (خص القمر لنوع فضيلة)، بل نقول: إن هذا ليس من باب التخصيص، ولكن من باب عطف أيش؟ المتغايرين. لكن على قراءة الجمع: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سُرُجًا﴾ يدل على أن غير الشمس من الكواكب فيه حرارة وفيه إضاءة أيضًا، لكنها لا تصل إلى الأرض، لماذا؟ * طالب: لبعدها. * الشيخ: للبعد، لا تصل إلى الأرض للبعد، ولكن هذه الآية تدل على أن فيها الحرارة والإضاءة. وإنما ذكر السرج والقمر المنير مع البروج؛ لأن البروج منازل، وهذه الأشياء نازلة، فذكر المنازل والنازل جميعًا، وكلاهما مما يدل على آيات الله سبحانه وتعالى العظيمة التي لا يمكن أن يقابلها أي أحد.

الفرقان 25:62

(...) ثم قال: (﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ أي: يخلف كل منهما الآخر ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان ٦٢] بالتشديد والتخفيف) ﴿يَذَّكَّرَ﴾ و﴿يَذْكُرَ﴾ (كما تقدم ما فاته في أحدهما من خير فيفعله في الآخر ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان ٦٢] أي: شكرًا لنعمة ربه عليه فيهما). ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾، الضمير في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾ يعود على ﴿الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان ٦١]، يعني: ومن آياته ونعمه أنه جعل الليل والنهار خلفة، يعني يخلف بعضهما الآخر. هذه الخلفة فيها فائدة عظيمة جدًّا، بل فائدتان عظيمتان: أولًا: التذكر والاتعاظ، والشيء الثاني: شكر النعمة. فالتذكر المؤلف يقول: (ما فاته في أحدهما من خير فيفعله في الآخر)، وهذا نوع من التذكر في الواقع، لكن من التذكر أن تتذكر بذلك قدرة الله عز وجل، حيث أتى بالليل بدل النهار، وبالنهار بدل الليل، ولو اجتمع الخلق على أن يغيروا هذا النظام فيأتوا بالليل بدل النهار أو بالعكس، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا. ثانيًا مما تتذكره في هذا الليل والنهار: تتذكر الموت والحياة، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام ٦٠]، وفي الحقيقة أن الإنسان إذا قام من الليل يشعر كأنه خلق من جديد، يعني لو يتصور الإنسان أن الوقت كله نهار أو كله ليل ما حصل هذا النشاط الذي يتجدد له كل يوم، ويشعر بأنه دخل في حياة جديدة؛ ولهذا سماه الله تعالى بعثًا: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام ٦٠]، فتذكر أنت البعث بعد الموت. كذلك أيضًا مما يتذكر ويتعظ به أنه يتذكر ما هو مطلق البعث وأن الله قادر، يتذكر أنه لا بد من يقظة بعد الرقدة؛ وذلك في يوم القيامة: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس ٥٢]، فلا بد من هذا؛ لأن هذه سنة الله، لكن يوم القيامة يوم واحد لا ليل فيه، بل هو دائمًا على ما هو عليه. كذلك أيضًا ما قاله المؤلف من التذكر العملي: أن الإنسان إذا نسي عبادة في ليل قضاها في النهار، أو في نهار قضاها في ليل، أو إذا لم يتب في النهار تاب في الليل: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ»[[أخرجه مسلم (٢٧٥٩/٣١)، وأحمد، واللفظ له (١٩٦١٩)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ]]، والنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا غلبه نوم أو وجع قضى ما يصليه في الليل قضاه في النهار[[أخرج أحمد (٢٦٠٥٨) أن أبا الدرداء كان يخطب الناس أن لا وتر لمن أدرك الصبح، فانطلق رجال من المؤمنين إلى عائشة فأخبروها، فقالت: كان رسول الله ﷺ يصبح فيوتر.]]، فهذا أيضًا من التذكر العملي. وأما ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ فـ(أو) هنا هل هي للتقسيم والتنويع، يعني بمعنى أن يجعل هذا قسيمًا للأول فتكون مانعة اجتماع، أو هي مانعة خلو؟ * طالب: مانعة خلو (...). * الشيخ: هل هي مانعة خلو ولّا مانعة اجتماع. * الطالب: كلها مانعة خلو. * طالب: (...). * الشيخ: مانعة خلو نعم، مانعة الاجتماع معناه أنه إذا وُجد الأول امتنع الثاني، إذا وجد إحداهما يعني، لكن مانعة الخلو أن معناه أنه إما أن يوجد هذا أو هذا أو هما. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾، فهل يمكن أن يجتمعا؟ * طالب: لا، ما يجتمعان. * الشيخ: إذن، هي مانعة خلو. ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾، يعني أن من أراد أن يشكر نعمة ربه عليه في هذا النهار والليل فإنه له المجاز، ولا شك أن من تذكر نعمة الله سبحانه وتعالى في هذا الليل والنهار فلا بد أن يشكر الله، يعني الليل سكون وغدو، وكل راقد وكل ساكن فيطيب النوم ويلذ وتحصل الراحة الكاملة، هذه نعمة عظيمة، وفي النهار الأمر بالعكس: كل الإنسان نشاط وقوة ورغبة في الكسب والعمل، فيزداد بذلك شكرًا لله سبحانه وتعالى على هذه النعمة. وليس هذا المجال أو هذا المكان بمحيط لما يتصوره الإنسان من نعمة الله تعالى عليه بهذا الليل والنهار، الإنسان أحيانًا يفتح عليه عند التأمل والتفكر ما يتبين به نعمة الله سبحانه وتعالى أكثر مما نقول ومما نستطيع أن نقول، ولو أن الإنسان سهر ليلة من الليالي لتبين له نعمة الله سبحانه وتعالى على الناس بهذا الليل وهذا النهار. ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾.

الفرقان 25:63

ثم قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣]. (الرحمن) الآن كرر في مواضع قريبة جدًّا، كم؟ ثلاث مرات الآن: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان ٥٩]، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان ٦٠]، والثالثة هنا: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣]. ثم السورة كلها مصدَّرة بالقرآن: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١]، مما يدل على أن نزول هذا القرآن من رحمة الله سبحانه وتعالى. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الصحيح أنه لا يقضيها على صفته وأنه يشفعه. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا الحديث ثابت في مسلم. * الطالب: يسمى وترًا؟ * الشيخ: لا، يسمى قضاء، لكن أصل الوتر: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» »[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٢) ومسلم (٧٥١/١٥١) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ]]، صلاة الليل انتهت الآن، فلا فائدة من الوتر، لكن ما كان الإنسان يتعبد به لربه يحب ألا يفوته. * الطالب: ولو تركه إذا كان يحبه؟ * الشيخ: لو تركه ما (...). * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذا ما تركه عمدًا، تركه نسيانًا، ترك قضاءه وهو أهون من فعله، ولكن مع هذا نقول: ما ينبغي للإنسان إذا كان يوتر عادته بثلاث يصلي أربعًا، وليتذكر الإنسان عندما تقول له نفسه: لا تفعل ها الطاعة، ليتذكر أنه يحتاج لها، ولَّا لا؟ يحتاج لها حاجة عظيمة. * طالب: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون ٨٨، ٨٩]. * الشيخ: نعم. * الطالب: السؤال لمن الجواب ﴿لِلَّهِ﴾؟ * الشيخ: هذه فيها قراءتان، هذه القراءة اللي تقول وهي اللي في المصحف، وقراءة ثانية سبعية: ﴿سَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ ، ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [المؤمنون: ٨٨، ٨٩]، أما الأولى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون ٨٤، ٨٥]، يعني الأولى: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ باتفاق القراءتين؛ لأن السؤال: ﴿لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾، الثاني: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ [المؤمنون ٨٦] فيها قراءتان في الجواب: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٧]، وقراءة ثانية سبعية: ﴿سَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ ، والثالثة أيضًا: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون ٨٨]، الجواب: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون ٨٩]، أو ﴿سَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ . أما ﴿سَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ فلا إشكال فيها، أو لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: لكن على قراءة ﴿لِلَّهِ﴾ يكون المعنى: سيقولون: ذلك لله. أما على قراءة ﴿اللَّهُ﴾ يعني: سيقولون: هو الله. * طالب: ذلك لله. * الشيخ: إي، ذلك لله. * الطالب: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦]؟ * الشيخ: إي، ذلك، أي: الربوبية العظيمة التي هي ربوبية السماوات والأرض لله. الفوائد كما قال الأخ، يعطينا هو ما قدر عليها منها؟ * طالب: الفوائد؟ * الشيخ: إي (...) أعطني إياها، هو اللي اقترح. * الطالب: (...). * الشيخ: طيب، هذه واحدة، فاهمون الفائدة هذه؟ أن من عادة الكفار إنكار ما لا يعرفون، كذا؟ سواء كان عمليًّا أو اعتقاديًّا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان ٦٠]. الفائدة الثانية؟ * طالب: قبلها ما فيه فائدة؟ * الشيخ: ما يخالف. * الطالب: السجود لله سبحانه وتعالى (...). * الشيخ: السجود لله؟ * الطالب: إي نعم، من قوله: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾. * الشيخ: منين عرفت الحصر؟ * الطالب: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان ٦٠]، هم أو غيرهم. * الشيخ: إي، لكن منين عرفت أن الحصر السجود لله لا لغيره؟ * الطالب: ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾. * الشيخ: لكن هل في الآية شيء من الحصر؟ * الطالب: لا، ما في الآية (...). * الشيخ: إي، ما يمنع أن يجعل السجود لغيره. * الطالب: (...) السجود للرحمن. * الشيخ: إي. * الطالب: تخصيص للرحمة (...). * الشيخ: هي الآية ما فيها شيء من طرق الحصر، لو قال: للرحمن اسجدوا لكان فيها حصر. * طالب: أن فعل الجهمية والمعطلة أعظم من فعل الكافرين، حيث أنكروا صفات الله سبحانه وتعالى، أما الكفار فلم ينكروا إلا اسم الرحمن (...). * الشيخ: زين، يعني أن تعطيل الجهمية وشبههم أعظم من تعطيل هؤلاء. * طالب: لأن (...). * الشيخ: هم يقرون بالله؟ * طالب: إي (...). * الشيخ: ويقرون بالرحيم، يقرون به، ما أنكروا إلا الرحمن؛ لأنهم قالوا: ما نعرف إلا رحمن اليمامة[[أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (١٥٣٠٥) عن عطاء: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]. ]]. طيب، وفيه؟ * طالب: (...) الفائدة الثانية. * الشيخ: الفائدة يعني يقول: إذا كان هؤلاء كفرهم بإنكار الرحمن فكيف بمن ينكر جميع الأسماء من الجهمية ونحوهم؟ ومعروف أن الأسماء المعتزلةُ ما ينكرونها، لكن اللي ينكرها الجهمية غلاتهم. * طالب: إذن الجهمية أشد كفرًا من (...). * الشيخ: إي، معلوم، أعظم، اللي ينكر كل الأسماء أعظم من اللي ينكر اسمًا واحدًا. * طالب: لأن (...). * الشيخ: زين، يعني أن الشرع لا يقاس بالهوى والعقل، وإنما الشرع متبوع وليس بتابع. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، (...) غيرك. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما بعد انتهينا من الآية الأولى. * الطالب: فضيلة السجود من بين العبادات (...). * الشيخ: هذا إذا قلنا: إن السجود خاص، لكن الآية محتملة أن المراد بالسجود ما هو أعم، الخضوع المطلق، يعني مطلق الخضوع لا الخضوع (...) المعروف، ما دام فيه احتمال ما يكون استدلالًا. * الطالب: طيب، (...) نفور المدعو لا يمنع الداعي من استمرار دعوته. * الشيخ: أحسنت، وهذه مهمة جدًّا هذه الفائدة؛ لأن الآن مجال نقاش أو تساؤل من بعض الإخوان أن نفور المدعو من الدعوة لا يستوجب التوقف ولا يمنع الدعوة. * طالب: أن على الداعي ألا يهتم (...). * الشيخ: يعني، إذن ويش نقول في التعبير السليم اللي ما يرد عليه شيء: أن على الداعي ألا يربط دعوته بنتائج، بمعنى أنه ما يقول: إني شوفت نتيجة وإلا وقفت. * الطالب: نعم. * الشيخ: طيب، زين، هذه والله ما ندري أنا أعد بأصابعي... * طالب: خمس. * الشيخ: خمس. طيب؟ * طالب: ازدياد الناس نفورًا مما (...). * الشيخ: يعني معناه أن زيادة نفور المدعو يكون سببًا لصلابة الداعي ولَّا أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يعني أن المدعو إذا كان مؤمنًا يقبل؟ * الطالب: لا، إذا كان يزداد إيمان الداعي (...). * الشيخ: منين تأخذه؟ * الطالب: يعني أن الداعي زاد إيمانه بهذه الدعوة (...). * الشيخ: ما (...). * طالب: أن ذلك، أن عدم الاستجابة أو الاستجابة لا تدل على صلاح الداعية أو يعني على صلاحه؛ لأن النتيجة لا تكون دليلًا على (...) الصلاح أو عدم الصلاح؛ لأن الرسول ﷺ وهو أتقى البشر هنا الكفار لما دعاهم الرسول ﷺ إلى السجود زادهم نفورًا، والنتيجة أن النفور هو (...). * الشيخ: يعني معناه أن عدم استجابة المدعوين للداعي لا يدل على سوء قصده مثلًا؟ * الطالب: عن سوء قصده أو الوسيلة التي اتخذها (...) أو في ذلك الأسلوب. * الشيخ: إي، يعني على فساد قصده أو عمله؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: صحيح هذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: صحيح. * طالب: (...) ولا تقصيره. * الشيخ: إي، ولا تقصيره نعم. المهم هذه فائدة صحيحة، يعني مثلًا إذا واحد دعا ولكن ما نجح، هل يجوز لنا أن نتهمه ونقول: هذا لو كان فيه صلاح لكانت الناس انتفعوا به، ولَّا ما يجوز؟ * طالب: ما يجوز. * الشيخ: ما يجوز، إذن هذه فائدة عظيمة بعد؛ لأن هذه ربما يكون من بعض الناس اعتراض على الداعي، يقولون: ها الداعي هذا نيته باطلة، لو نيته صحيحة ما نفر الناس منه. * طالب: (...). * الشيخ: إي، المهم على كل حال هذه فائدة طيبة، زين. * طالب: (...). * الشيخ: إي، أو سوء القصد. * الطالب: (...) للداعي، حيث إن الكفار قابلوا دعوة الرسول الذي هو أبلغ في دعوته وأحكم من أي داع فلم يعني... * الشيخ: ينقادوا. * الطالب: فلم ينقادوا (...)، فالداعي مثلًا... * الشيخ: اللي دون الرسول من باب أولى؟ * الطالب: من باب أولى. * الشيخ: إي، زين، هذا صحيح، فيه تسلية للدعاة إذا قدر أنهم لم ينجحوا مثلًا فيقال: هذا النبي عليه الصلاة والسلام دعا هؤلاء القوم وزادهم نفورًا، لكن كانت العاقبة له، فأنت اصبر وستكون العاقبة للمتقين. * طالب: لكن (...)؟ * الشيخ: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان ٦٠]، وسيأتي إن شاء الله الفرق بين هذه وهذه. * طالب: إثبات صفة الرحمة لله عز وجل. * الشيخ: إثبات صفة الرحمة واسم الرحمة؛ لأنهم أنكروها. * الطالب: (...) قال الأخ: المعاصي يجلب بعضها بعضًا (...)؛ لأنهم قالوا: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ﴾ هذا القول ﴿نُفُورًا﴾ [الفرقان ٦٠]، فالمعاصي تتجاذب كما أن الطاعات تتجاذب. أقول (...). * الشيخ: هذا مرادك أنت؟ * طالب: (...). * الشيخ: إذن أنت مترجم له. * طالب: (...). * الشيخ: طيب، زين. هل (...) الفوائد أظن؟ * طالب: نعم. * الشيخ: طيب، ويش فيها بعد؟ فيها أن السجود من أسباب الرحمة؛ ولهذا قال: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان ٦٠]، سواء السجود العام أو السجود الخاص. * طالب: (...). * الشيخ: اصبر، فإنه من أسباب الرحمة؛ ولهذا ما قال: اسجدوا لله؛ ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾، يعني لتصلوا إلى رحمة هذا المسجود له. فهذه تسعة؟ * طالب: لا. * الشيخ: عشرة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي. * الطالب: أن المعاصي بعضها يجلب بعضًا (...). * الشيخ: إي، هذه: أن المعاصي يجر بعضها بعضًا. طيب، ويش تقول يا أخ؟ * طالب: الشيخ عبد الرحمن السعدي (...) على تفسير قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى ٩]، يقول: إنه ﴿فَذَكِّرْ﴾ (...) نتائجها، فإذا رأيته مثلًا لم ينتفع فاتركه الآن لوقت آخر مثلًا ترى فيه انتفاعه. * الشيخ: إي. * الطالب: فمثلًا هل يعني أنك مثلًا تترك الدعوة عامة في الوقت الحاضر أو أنه (...)؟ * الشيخ: هذا على كل حال تبع الحكمة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل ١٢٥]، قد يكون من الحكمة أنك تدعوه في وقت يكون ضجرًا أو (...) أو تعبان، ما يكون مناسبًا للدعوة، اتركه وأعطه وقتًا آخر. * الطالب: يعني يكون تفسير الآية ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾.. * الشيخ: أما قوله: ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾، فالعلماء مختلفون فيها، هل إنها شرطية، أو إنها لبيان الحالة يمكن، يعني معناه: إن كان (...)، يعني دوله ما فيهم خير، ما هو بنافع (...)، مثلما تكون مثلًا (...)، نعم، ولكن على كل حال الأصل أن الشرط مقصود. * طالب: ما هي الفائدة (...)؟ * الشيخ: إي، من هذا النوع، هذا من الحكمة، ما هو معناه أنه ما تحدثون بما لا يعرفون، لكن لأنه قال: أتريدون أن يكذب الله ورسوله[[أخرجه البخاري (١٢٧)، والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (٦١٠) عن علي رضي الله عنه موقوفًا عليه. ]]، فالمعنى: اسلكوا سبيل الحكمة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، من ذم المشركين بعدم إجابتهم لأمر الرسول ﷺ بالسجود لله. طيب، في الآية، نعم؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: يعني بلوغ المشركين الغاية في الاستكبار؛ ولهذا ما قالوا: ﴿أَنَسْجُدُ﴾ يعني ما ندري السجود، ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان ٦٠]، يعني إحنا نمتثل أمره، يعني على فرض أننا يمكن أن نسجد فلا يمكن أن نسجد لأمرك. وفيها أيضًا دليل على – أظن هذا – أنه لا يجوز للإنسان أن يقيس الحق بقائله، وإنما يعرف الحق بالحق لا بالقائل؛ لأن بعض الناس إذا قيل له مثلًا: هذا قاله فلان، قال: ويش فلان عند فلان، نعم، فيريدون أن يعرفوا الحق بالرجال، والواجب كما قال النووي وغيره أن يعرف الرجال بالحق. هذه أيضًا من فوائد الآية: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، يعني كأنهم يقولون: لو فرض أننا سجدنا ما سجدنا لأمرك، فيكون في هذا أيضًا دليل على أنه يجب على الإنسان أن ينقاد للحق مهما كان قائله، حتى لو كان من (...) الناس في نظرك، فالواجب عليه أن ينقاد للحق لأنه حق، لا لأن قائله ذاك الرجل. طيب، فيه أيضًا هنا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان ٦٠]، فيها قراءة، يقول: (بالفوقانية والتحتانية)، قراءتان سبعيتان. أما على قراءة التحتانية: ﴿لِمَا يَأْمُرُنَا﴾ فلا إشكال فيه؛ لأن التقدير: أنسجد لما يأمرنا القائل. لكن على قراءة: ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، هنا خصص، ويقصدون بما تأمرنا من؟ النبي عليه الصلاة والسلام، ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، فما هو الحكمة في أنه عبر بالأول بالعموم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ أبهم القائل لعمومه، وهنا قال: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾؟ * طالب: بعضهم قال: إنها تدل على أن دعوة الكافرين في ذاك الوقت كانت من الرسول ﷺ وكانت من الصحابة. * الشيخ: منه ومن غيره؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: إي، يعني كأن كل أحد يأمرهم بالسجود، يعني مهما قيل لهم يقولون للقائل: أتسجد لما تأمرنا، فيكون الأول حكى ما يقال، وهنا حكاها على سبيل المخاطبة، هم يقولون لكل إنسان: أتسجد لما تأمرنا، أفهمتم يعني؟ فعلى هذا التقدير اللي قلنا ما يكون ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ يعني الرسول، ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ أيها القائل، يكون هنا عدول عن الغيبة إلى الخطاب، يعني: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا﴾ لمن قال لهم ﴿اسْجُدُوا﴾: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾. وعلى رأي المؤلف يقول: (والآمر محمد) ﷺ، يصير فيه عدول عن العموم إلى الخصوص، إذا كان ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ يا محمد يكون عدولًا عن العموم إلى الخصوص، فإذا أنكروا ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام فإنكارهم إياه من غيره من باب أولى. * طالب: ما نقول ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ (...)؟ * الشيخ: نحن ما عرفنا إلى الآن القضية التي (...)؛ لأنه ورد سبب نزول الآية. * الطالب: هذا هو موقف الكفار يعني؟ * الشيخ: لا، هو الآن هؤلاء الكفار أنكروا أمرين؛ أنكروا السجود، قالوا: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان ٦٠]، كأنهم يقولون: لو جاء الأمر من غيرك لكنا ننظر. والثاني إنكار الرحمن: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان ٦٠]، هل كل كافر ينكر الرحمن؟ ما ندري. * الطالب: حديث (...)؟ * الشيخ: إي صحيح. * الطالب: يدل على (...). * الشيخ: صحيح، لكن هل أنه من أجل ما ذكر، أو أنه لقوة ما أخذهم؟ يعني لما كان التهديد بالأول وذكر: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾ [النجم ٣٣، ٣٤]، وقبلها أيضًا ذم الأصنام... إلى آخره، ثم جاءت أوصاف الله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ [النجم ٤٨]، ثم جاء التهديد بذكر الأمثال بالأمم السابقين. كأن هذا أخذت بألبابهم حتى نسوا ما هم عليه، حتى نسوا (...). معروف أن الرسول كان يقرأ، وأبو بكر كان يقرأ، وكان الصغار والنساء من الكفار يجيئون إلى أبي بكر يستمعون قراءته ويسمعون أيضًا قراءة النبي عليه الصلاة والسلام. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هم يطلعون لأن الرسول يبلغها والصحابة يبلغونها. * الطالب: يا شيخ، الوليد بن المغيرة (...)؟ * الشيخ: ما أعرف، اللي أعرف ناشدتك الله والرحم. * الطالب: أو ناشدتك الله والرحم. * الشيخ: إي. * الطالب: طيب، هل يعني معنى ذلك أنه لما اعترف (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: هل يكون الوليد بن المغيرة استمر على هذا (...)؟ * الشيخ: لا، أبدًا (...). * * * * طالب: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان ٦٣ - ٦٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان ٦٣]. مر فيما سبق أن الله تعالى أثنى على نفسه بمخلوقاته العظيمة: البروج التي جعلها في السماء لما تتضمنه من الدلالة على قدرته وعلى رحمته بعباده، وكذلك القمر والشمس، وفيهما من مصالح العباد الدينية والدنيوية ما هو معلوم، فالقمر جعله الله تعالى ميقاتًا للحج وللصوم ولآجال الناس في بيعهم وشرائهم وديونهم وغير ذلك، والشمس فيها منافع أيضًا كثيرة من إنضاج الثمار وتعاقب الليل والنهار والفصول وغيرها. ثم بين أنه سبحانه وتعالى ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ يخلف أحدهما الآخر، ولكن هذه الآية لا ينتفع بها إلا من ﴿أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان ٦٢]، ﴿يَذَّكَّرَ﴾ يعني ما فيه من آيات الله سبحانه وتعالى، والإشارة إلى ما هو أعظم من البعث والنشور يوم القيامة؛ فإن الليل والنوم فيه بمنزلة الموت، والنهار والاستيقاظ فيه بمنزلة البعث. وأما الشكور فإنه لما تضمن هذا التخالف بين الليل والنهار من مصالح العباد ما تضمنه، صار مستوجبًا على العبد أن يشكر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه بذلك. ثم بين الله سبحانه وتعالى بعد أن ذكر ما سبق عن المشركين المجادلين للرسول ﷺ والمكذبين له، الذين لم ينتفعوا بآيات الله ولم يؤمنوا به ولا برسوله؛ ذكر أو ختم هذه السورة بذكر من كانوا على خلاف هؤلاء، وهكذا القرآن جعله الله تعالى مثاني، تثنَّى فيه المعاني المتقابلة والمتماثلة أيضًا. ولهذا دائمًا إذا وجدت أن الله ذكر النار يذكر الجنة، وإذا ذكر الجنة ذكر النار، وإذا ذكر صفات أهل النار ذكر صفات أهل الجنة، وهكذا لأنه مثانٍ، وهذا من الحكمة؛ لأن الإنسان إذا رأى النار وصفات أهلها قد يؤدي ذلك إلى القنوت من رحمة الله، فيأتي بعده ذكر الجنة وأهلها فينشط ويرجو رحمة الله سبحانه وتعالى، والعكس بالعكس. ومن المعلوم للإنسان أنه إذا كان على وتيرة واحدة لحِقه السأم والملل، فإذا تنوعت له الأحوال وتنوع الخطاب نشط. * طالب: كيف (...)؟ * الشيخ: إي نعم، هو هذا لأجل مثل ما قلنا. * الطالب: يعني ما بدأ بوصف المؤمنين (...). * الشيخ: يعني حسب المناسبة للسياق، كونه يبدأ بالجنة أحيانًا وبالنار أحيانًا حسب ما يقتضيه السياق، إنما في الغالب إذا ذكر الصفات لهذا ذكر الصفات لهذا؛ ليكون الإنسان غير مالٍّ وغير قانت من رحمة الله وغير آمن من مكره. قال: (﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان ٦٣] مبتدأ وما بعده صفات له إلى (أولئك يجزون) غير المعترض فيه). ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾، (عباد) جمع عبد، وأضافهم إلى الرحمن إشارة إلى أن هذه العبودية التي اتصفوا بها من آثار رحمة الله، وأن الله تعالى رحمهم حتى صاروا عبادًا له. وفيها أيضًا -في الإضافة- معنى آخر، ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ أنهم عباد يتعبدون لله لرجاء رحمته، لا يتعبدون رياء ولا سمعة. فالإضافة إذن ذات شقين؛ أحدهما؟ * طالب: الأولى إضافة تشريف، وأنهم متعبدون لله سبحانه وتعالى، فهم عباد ممتثلون لأمره. * الشيخ: ما حضرت، الواقع أنت ما حضرت. * طالب: أن هذه العبادة حصلت بفضل الله ورحمته. * الشيخ: نعم، أن كونهم عبادًا لله من أثر رحمته، هذه واحدة. * الطالب: الثانية أنهم عبدوا الرحمن رجاء رحمة (...). * الشيخ: إي نعم، أنهم يتعبدون لله لرجاء رحمته: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾، يعني العباد الذين يعبدون الله لرجاء رحمته، وبرحمته أيضًا عبدوه. فهذا وجه الإضافة من الناحيتين: من ناحية أن عبادتهم لله كانت من مقتضيات رحمته، ومن ناحية أخرى أنهم يرجون بهذه العبادة رحمة ربهم، لا يرجون بذلك دنيا ولا دفع مذمة عنهم، وإنما يرجون بهذا رحمة الله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾. * طالب: فيه ثناء (...). * الشيخ: لا، إي بس قصدنا بالإضافة، الإضافة إلى الرحمن، ما قال: عباد الله، عباد الرب، وما أشبه ذلك. وهذه العبودية عامة ولَّا خاصة؟ * طالب: خاصة. * الشيخ: خاصة؛ لأن المراد بها عبودية الشرع، وعبودية الشرع خاصة بمن أتى بالشرع، أما العامة فهي عبودية القدر، وهي الخضوع لقدر الله عز وجل، وهذه عامة، كل أحد خاضع لقدر الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يستعصي عليه. وأما قول المؤلف: (مبتدأ وما بعده صفات له)، يعني: والخبر ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ [الفرقان ٧٥]، ففيه نظر، بل الصواب أن (وعباد) مبتدأ و(الذين) خبره، وما بعده معطوف عليه، يعني: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ هم ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ إلى آخره [الفرقان: ٦٣]، ويصير ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ جملة مستأنفة لبيان جزائهم وثوابهم؛ وذلك لأنا إذا مشينا على ما قال المؤلف لزم من هذا الفصل بين المبتدأ والخبر بفواصل طويلة لا داعي لها، ولزم أن يكون الكلام غير تام حتى نهاية ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان ٧٥]. فالصواب أن ﴿وَعِبَادُ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال: (﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣] أي: بسكينة وتواضُع). ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ أبلغ من: الماشون ﴿عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾؛ لأن الجملة الفعلية تدل على الحدوث والتجدد، يعني الذين في حال مشيتهم يمشون على الأرض هونًا. وفي تعريف المبتدأ والخبر دليل على الحصر كما هو معروف في القواعد؛ أنه إذا عُرف المبتدأ والخبر كان ذلك دليلًا على الحصر، يعني أن عباد الرحمن هم هؤلاء. ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ يقول المؤلف: (بسكينة وتواضع)، يعني ليس مشيتهم مشية الإنسان (...) الذي ليس بمتزن، وإنما مشيتهم مشية اتزان، هونًا بدون سرعة. ولا ينافي ذلك ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من أنه كان يمشي بقوة وجلد «كأنما ينحدر من صبب »[[أخرجه أحمد (٩٤٧) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.]]، فإنما ذلك لقوته وليس هذا من باب العجلة التي (...). ففرق بين إنسان يمشي كمشية المجنون غير المهذب، وإنسان يمشي بقوة ولكنه مشي متزن، فالأول مذموم والثاني محمود؛ لأنه يدل على النشاط وعلى القوة، وأريح للبدن وأسرع في بلوغ الغاية، كما كان الرسول ﷺ يفعل. ثم إن هذا المشي هل هو المشي الحسي، أو يعم المشي الحسي والمعنوي؟ * طالب: الحسي والمعنوي. * الشيخ: الجواب: يعمهما جميعًا، حتى المشي المعنوي، بدليل قوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان ٦٣]، وهذا من هون المشي المعنوي؛ أنهم إذا خاطبهم الجاهلون ما يتسرعون، فيقابلونه بمثل جهلهم، ولكنهم يقولون سلامًا. يقول: (﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾ بما يكرهونه ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان ٦٣] أي: قولًا يسلمون فيه من الإثم)، وليس المراد سلامًا يعني السلام عليكم؛ ولذلك تسلط الفعل عليها فنصبها، ولو كان المراد بالسلام الجملة السلامية لكان قال: سلامٌ، ولكن المراد مثلما قال المؤلف: قولًا سلامًا، أي: (يسلمون فيه من الإثم) ومن التطاول في الأذية؛ لأن الرجل إذا قابل الجاهل بمثل قوله فالجاهل لا حدود له، لا يحده شرع ولا عقل، إذا قال كلمة أتاه بكلمتين أو بعشر، لكنه إذا كان عاقلًا مؤمنًا متزنًا فإنه يقول قولًا يسلم فيه من الإثم ومن الأذية، وهذا القول يحفظ للإنسان كرامته؛ لأنه لم يقل: إنهم يسكتون، بل قال: ﴿قَالُوا﴾ قولًا، لا بد من قول، لكنه قول يسلمون به من أذية هذا الجاهل ومن إثمه وينتصرون لأنفسهم، فلا يحسبهم الجاهل جبناء، ولا يحسبهم متصفين بما يقول إذا سكتوا؛ لأنهم إذا سكتوا مع القدرة على الإنكار فإنه يدل على أنهم راضون بما وُصفوا به، ولا بد من مقابلته، ولكن كما قال الله تعالى؛ بقول يسلم فيه الإنسان من الإثم. ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾، ويش مثاله؟ * طالب: (...). * طالب: إذا كان جاهلًا مثلًا. * الشيخ: يعني مثلًا لو قال له: أنت فاسق، أنت سروق، أنت كذوب، أنت كذا؟ * طالب: لا. * طلبة: (...). * الشيخ: إي نعم. * طالب: (...) قال: إن كنت صادقًا فالله يغفر لي ويرحمني، وإن كنت كاذبًا فالله يغفر لك وهو أرحم الراحمين، أو كما قال. * الشيخ: إي، يعني المهم أنه ما نستطيع أن نحدد؛ لأن هذا يرجع تحديده إلى الحال أو المقام التي يكون فيها الإنسان.

الفرقان 25:64

(﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا﴾ جمع ساجد ﴿وَقِيَامًا﴾ [الفرقان ٦٤] بمعنى قائمين) أي (يصلون بالليل). (يصلون بالليل) أخذه من قوله: ﴿يَبِيتُونَ﴾. ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ هذه معطوفة على ما سبق. وقوله: ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا﴾ تقديم المعمول أو المتعلق يدل على الحصر، يعني لا يسجدون رياء ولا سمعة، وإنما يسجدون لله وحده ﴿لِرَبِّهِمْ﴾. وفي قولهم: ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ دون قوله: لله، إشارة إلى أن هذا السجود يريدون به ثواب الله ورضوانه؛ لأن الرب هو المالك المتصرف، ومن ملكه وتصرفه مجازاة هؤلاء على أعمالهم. وقوله: ﴿سُجَّدًا﴾ معروف الساجد، ﴿وَقِيَامًا﴾ القائم أيضًا معروف، يعني قائمين. ولم يذكر الله الركوع ولم يذكر القعود؛ لأن القيام أشرف ما في الصلاة من حيث ذكره، من حيث الذكر اللي هو القرآن، والسجود أشرف ما في الصلاة من حيث الحال والهيئة: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢/٢١٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، فذكر القيام لشرفه بذكره بما يقال فيه، وذكر السجود لشرفه بهيئته، فدل ذلك على أن هذا أفضل حالات الصلاة، وهو كذلك. وقوله: ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ﴾ [الفرقان ٦٤]، قد يقول قائل: إن ظاهر الآية الكريمة أنهم يسهرون الليل؛ لأنه ذكر أن وصفهم في حال البيات القيام والسجود، فهل معنى ذلك مشروعية قيام الليل كله؟ نقول: إذا أخذنا بظاهر الآية فهو كذلك، ولكن. * طالب: عامة (...). * الشيخ: ولكن ما جاءت به السنة يدل على خلاف هذا، وأن أفضل ما يكون أن ينام الإنسان نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، كما كانت ذلك صلاة داود عليه الصلاة والسلام وصلاة النبي ﷺ فإنه كان ينام سحرًا ويقوم في جوف الليل ﷺ[[أخرج البخاري (١١٣١) ومسلم (١١٥٩/١٨٩) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أحب الصيام إلى الله، صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوما، ويفطر يوما».]]. * طالب: كالقرآن يا شيخ، كالقرآن في سورة المزمل. * الشيخ: إي نعم، فيكون على هذا معناه أنهم يبيتون غالب ليلهم، أو أن الله يكتب لهم أجر الصلاة والقيام وإن كانوا بائتين، ما داموا على هذه النية وعلى هذا الفعل، ما داموا يفعلون وينوون أنهم إذا ناموا إنما ينامون ليتقووا على القيام فيكتب لهم أجره وإن كانوا نائمين. * طالب: يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: فيه عندي نظر في كونهم يصلون بالليل. * الشيخ: نعم. * الطالب: أنه ما يلزم أنه يكون لازم بالليل، ربما يكون يطلق القيام على... * الشيخ: بس، ﴿يَبِيتُونَ﴾ [الفرقان ٦٤]، البيات ما يكون إلا بالليل. * الطالب: ما يكون بيات بالنهار. * الشيخ: لا، ما يكون البيات بالنهار.

الفرقان 25:65

(﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان ٦٥] أي: لازمًا). هذا مما يدعون الله به. ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان ٦٥]، وفي هذا دليل قولهم: ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ أنهم لا يدلون على الله بأعمالهم، وأنهم مع قيامهم بهذا العمل خائفون من النار، ولذلك يسألون الله تعالى أن يصرف عنهم عذاب جهنم. وجهنم اسم من أسماء النار، وسُميت به لأنها بعيدة القعر مظلمة. وقوله: (﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ أي: لازمًا) كملازمة الغريم لغريمه، وهذا بالنسبة للعذاب المطلق، لا لمطلق العذاب؛ لأن مطلق العذاب ليس بلازم، فالمؤمن يعذب بالنار على حسب ذنوبه، ثم يخرج منها إلى الجنة، لكن عذابها المطلق غرام ملازم لها، فهم يسألون الله سبحانه وتعالى أن يصرفه عنهم ويبينون مقدار هذا العذاب الذي استعاذوا بالله منه أنه ملازم بمن أخذوا به.

الفرقان 25:66

﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥، ٦٦]. (﴿إِنَّهَا سَاءَتْ﴾ بئست ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان ٦٦] هي أسيؤه موضع استقرار وإقامة). يعني معناه، المؤلف يقول: (هي أسيؤه)؟ * طالب: لا، (هي أي موضع استقرار وإقامة). * الشيخ: (هي أي موضع)؟ * طالب: ما نعرف أسيأه. * الشيخ: أشده سوءًا، لكن بس... حتى بعد أنا استغربت (أسيؤه)؛ لأن المعروف أسوأه. * طالب: يعني كأنه قال: بئست المكان؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: بئست المكان هي، كأنه يقال. * الشيخ: (﴿إِنَّهَا سَاءَتْ﴾ بئست ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان ٦٦] هي أي موضع استقرار وإقامة). ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ﴾، هذه الجملة يحتمل أنها من كلام الله سبحانه وتعالى، ويحتمل أنها من كلامهم، يعني أنهم استجاروا من النار بالله سبحانه وتعالى، وبينوا سبب ذلك بأن عذابها دائم، وأنها أيضًا بئست المحل للاستقرار والمقام، فكأنهم بينوا سبب استعاذتهم بالله منها بهذين الأمرين: بدوام عذابهما، وبسوء مقامها والعياذ بالله، مما يحفزهم إلى سؤال الله تبارك وتعالى أن يصرف عنهم هذا العذاب. ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان ٦٦] عكس أهل الجنة ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: أنها أيش؟ * الطالب: أن النار مستقر للكافرين وفي نفس السورة يفسر بأنها (...). * الشيخ: بأنها أيش؟ * الطالب: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ (...) أن الجنة مستقر، وأما النار فليست موضع استقرار، أما هنا قال: إن النار موضع استقرار؟ * الشيخ: لا (...) فيها حسن، يعني ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ يعني قد يدل أن في النار خيرية كما هو مقتضى اسم التفضيل وليس كذلك.

الفرقان 25:67

(﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا﴾ عَلَى عيالهم ﴿لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان ٦٧] بفتح أوله وضمه، أي: يضيقوا). (بفتح أوله) ﴿يَقْتُرُوا﴾ (وضمه)؟ * طالب: ﴿يُقْتِرُوا﴾ . * طالب: ﴿يُسْرِفُوا﴾. * طالب: ﴿يُسْرِفُوا﴾ و﴿يُقْتِرُوا﴾ . * طالب: ﴿يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾. * الشيخ: (بفتح أوله)، يعني الأخير، عندكم (أولهما) ولَّا (أوله)؟ * طالب: (أوله). * الشيخ: إي، الأخير، (وضمه) ضم أوله، لكن لو مشينا على كلام المؤلف لكان: ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾، (وَلَمْ يُقْتُرُوا)؛ لأنه ما ذكر حكم التاء بالمسألة الأخيرة، (...)؛ لأن (يُقْتُرُوا) ما هي بظاهرة من جهة التصريف، إنما ﴿يُقْتِرُوا﴾ يمكن من أَقْتَر. طيب، نرجئ (...)، هي عندك؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: لا بد (...). ﴿إِذَا أَنْفَقُوا﴾ [الفرقان ٦٧]، قول المؤلف: (على عيالهم)، هذا تخصيصه بالإنفاق على العيال فيه نظر، اللهم إلا أن يريد بذلك المثل، يعني مثل الإنفاق على العيال، وإلا فهو شامل للإنفاق على العيال والإنفاق في سبيل الله والإنفاق في وجوه الخير وفي كل ما يكون إنفاقًا. فهؤلاء إذا أنفقوا لم يسرفوا، والإسراف: مجاوزة الحد، ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ (يضيقوا). ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان ٦٧]: (﴿وَكَانَ﴾ إنفاقهم ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ الإسراف والإقتار ﴿قَوَامًا﴾ [الفرقان ٦٧] وسطًا). * طالب: (...)؟ * الشيخ: ﴿أَنْفَقُوا﴾، ما بين المتعلق، ما قال الله: أنفقوا على عيالهم، أطلق، فيشمل كل ما أنفقوه على العيال وعلى غيرهم. وقوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾، يعني: كان الإنفاق بين ذلك المذكور وهو الإسراف والإقتار. وقوله: ﴿قَوَامًا﴾، أي: مستقيمًا، وإنما قال: ﴿قَوَامًا﴾ يعني مستقيمًا لأجل أنه قد يميل إلى الإسراف وقد يميل إلى الإقتار بحسب الحال، يعني ما بين الإسراف والإقتار منزلة، لكن قد يكون الأمر يقتضي أن يميل إلى الإسراف، وقد يكون الأمر يقتضي أن يميل إلى الإقتار، ولهذا قال: ﴿قَوَامًا﴾، ما قال: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وسكت، بل قال: ﴿قَوَامًا﴾ يعني مستقيمًا، إن كان الأمر يتطلب أن يزيدوا قليلًا عن الوسط زادوا، إن كان الأمر يتطلب أن ينقصوا نقصوا. مثال ذلك: مثلًا إذا قدرنا أن الإنفاق في هذه الجهة إنفاق ألف درهم يعتبر إسرافًا، وإنفاق أربع مئة درهم يعتبر إقتارًا. بينهما الآن ست مئة درهم، أحيانًا يكون الحال تقتضي أن يجعلوها تسع مئة ويكون الفرق مئة، وأحيانًا يكون الحال تطلب أن يجعلوها خمس مئة فيكون الفرق مئة، وأحيانًا يكون الحال تقتضي أن يكون سبع مئة، المهم أنه ﴿بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾، يعني على وجه تقوم به الحال، سواء ارتفع وقرب من الإسراف، أو انخفض وقرب من الإقتار، هذا معنى قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان ٦٧]. * طالب: يعني مثل الصرف على البيت والأكل (...)؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: وأنك تجيب المطالب ولكن لا تسرف يعني (...)؟ * الشيخ: لا تسرف، لكن أحيانًا تتطلب الحال أنك تزيد، مثل لو أن أحدًا دعا أناسًا ذوي جاه ومكانة، هؤلاء يزاد لهم بعض الشيء، ومن كان دون ذلك فالحكمة تقتضي أن يعطوا بقدر حالهم.

الفرقان 25:68

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان ٦٨]. قبل الإنفاق بين الإسراف والإقتار، هو داخل في قوله: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣]، إذا جعلنا المشي مشيًا معنويًّا؛ لأن هذا من المشي المعنوي الهين الذي لا يميل إلى السرعة ولا يميل إلى الانحطاط. ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. ﴿إِلَهًا﴾ بمعنى: معبودًا، و﴿لَا يَدْعُونَ﴾ هل المراد دعاء المسألة أو دعاء العبادة أو هما؟ * طالب: كلاهما. * الشيخ: نعم، المراد كلاهما، يعني لا يدعون دعاء مسألة ولا دعاء عبادة، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠]. دعاء الطلب واضح أنه يسمى دعاء؛ لأنك تقول: يا رب اغفر لي، ودعاء العبادة كيف كان دعاء؟ نقول: لأن الإنسان الذي يعبد الله هو داع بلسان الحال؛ لأنه إنما يرجو رحمة الله ويخاف عذابه، فالإنسان إذا صلى وزكى وصام وحج وبر والديه ووصل رحمه، ويش يريد بذلك؟ يريد بذلك ثواب الله، فكأنه يقول: رب أثبني وأعطني الجنة وأنجني من النار وما أشبه ذلك؛ لهذا سميت العبادة دعاء، وأما دعاء المسألة فواضح. لكن كيف كان دعاء المسألة عبادة؟ نعم، لأنه يدل على الذل والخضوع لمن دعاه، وهذه هي حقيقة العبادة. وهم ﴿لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ لا دعاء عبادة ولا دعاء مسألة، ولا ينافي هذا أن يسألوا المخلوقين ما يقدرون عليه؛ فإن ذلك باعتقادهم أن هؤلاء المسؤولين سبب وليسوا مستقلين. عندما يسأل الإنسان غنيًّا شيئًا من الدراهم، أو سلطانًا شيئًا من الدراهم، هو يعتقد أن هذا المسؤول مجرد وسيلة فقط، وليس مستقلًّا بالعطاء والمنع، وإنما العطاء والمنع بيد الله، وهذا الذي أعطاك أو منعك إنما هو وسيلة، فهم... مثل بناء بمعنى مبني، وغراس بمعنى مغروس، فراش بمعنى مفروش. فكلمة (فِعال) دائمًا تأتي بمعنى مفعول، فإله بمعنى مألوه، والمألوه هو المعبود المتقَرَّب إليه بالعبادة، وعلى هذا فأصنام المشركين تُعْتَبر آلهة باعتبار فعلِهم، أما باعتبار الحقيقة فإنها ليست آلهة حقيقة؛ لأن الألوهية حقًّا لله سبحانه وتعالى. (﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قَتْلهَا ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان ٦٨]). ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ كلام المؤلف يقول: إن المفعول محذوف تقديره: (قتلها)، ويمكن أن نجعل المفعول المحذوف ضميرًا فقط، فيكون صلة الموصول حُذِفَ منه العائد، أي: التي حرَّمها الله، والمراد بتحريمها تحريم قتلها وأذيتها. ﴿النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أربعة أنفس: المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمن. هذه هي الأنفس التي حرَّم الله، ثم إن المسلم أيضًا قد يبيح الله قتله مع إسلامه كالزاني المحصَن والقاتل عمدًا، فإن قتلَه مباح مع أنه مسلم، لكننا نقول: إن قتْل المسلم بهذه الأسباب طارئ، وإلَّا فوَصْفُ الإسلام محرِّمٌ لقتله، فالأنفس ما هي التي حرمها الله؟ * طالب: المسلم، والذمي، والمعاهد. * الشيخ: المستأمن. * الطالب: المستأمن. * الشيخ: طيب، المسلم معروف، والذمي؟ * طالب: الذمي هو الكافر أو (...) أهل الكتاب، إذا كان في ديار المسلمين ويعمل عندهم، ولكنه (...)، يعني مكاتب بيننا وبينه، يعني بيننا وبينه عهد. * الشيخ: يعني مَنْ عُقِدَ معه عهد على بدل الجزية والحماية. طيب، والمعاهد؟ * طالب: هو من وُقِّع بيننا وبينه عهد (...). * الشيخ: بدون حماية؟ * الطالب: بدون حماية. * الشيخ: وبدون جِزْيَة. والمستأمن من هو؟ * طالب: الكافر إذا دخل ديار المسلمين بأمان منهم. * الشيخ: بأمان منهم، أحسنت، هذا هو أضعفهم، أضعفهم هذا؛ لأنه عبارة عن تأمين بدون عقد، ولهذا يصح من كل إنسان، كل إنسان يصح أن يُؤَمِّن الكافر؛ لقول النبي ﷺ: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٧)، مسلم (٣٣٦ / ٨٢) من حديث أم هانئ رضي الله عنها.]]. وأما المعاهدة والذمة فلا تكون إلا من الإمام أو نائبه. * طالب: قوله ﷺ: «أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ» ما يدل على أنه ما يُسقِط الإجارة حتى (...)؟ * الشيخ: لا، ما يدل على هذا؛ لأنه لو كان كذلك لمنع الرسول عليه الصلاة والسلام غيرَها أن يُجير بعد ذلك، فهذا ليس معناه أنه إنشاء، بل معناه حكم وليس إنشاء، فالإنشاء حصل بإجارتها الأولى؛ يعني: كأنه يقول: قد ثبت إجارتكِ بها. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا؛ لأنه كيف نعلم أنه يصير ثابتًا إلا بهذا؟ فليس هذا إنشاء وإنما هو عبارة عن بيان حكم أنه نفذ إجارتها. * طالب: ذكرنا أن عباد الله سبحانه وتعالى عباد الرحمن قد (...) ما ورد في الآيات القرآنية مثل: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة ٢٧٣] والأحاديث. * الشيخ: لكن سؤال الناس أحيانًا يكون محمودًا، وأحيانًا يكون مذمومًا، وأحيانًا يكون مكروهًا، يعني إما كراهة أو تحريم، لكن في حال الإباحة؛ لأن الإنسان قد يسأل عند الضرورة، عند الضرورة يسأل، مباح له أن يسأل، يعني لو أن الإنسان جاع حتى وصل إلى حد إما أن يموت وإما أن يسأل، فهنا يجوز له أن يسأل. * طالب: أو يجب عليه؟ * الشيخ: نعم، هو يجوز في الأصل، وقد يجب، الكلام على أن هذا حالة لا يُذَمُّ فاعلها. ﴿لَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان ٦٨]. مِنَ الحق ما أشرنا إليه من كون المسلم يزني وهو محصن، وكذلك الذمِّي فإنه يقام عليه الحد كما فعل النبي ﷺ في رجم الزانيين المحصنين. وكذلك من الحق أن يكون ذلك قصاصًا، ومن الحق إذا كان قاطع طريق. وأما إذا ارتد فلا يدخل في الاستثناء، بل يدخل في المفهوم: ﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾، فإن المرتد مباح الدم، وليس هو ممن يحرم قتلُه إلا لسبب، بل هو ممن يجوز قتله، فيكون المرتد داخلًا في مفهوم قوله: ﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾؛ لأن المرتد ليس مُحَرَّمًا. وقوله: ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان ٦٨] لما ذكر انتهاك الأنفس ذكر انتهاك الأعراض، والزنا: فعل الفاحشة في قُبل أو دبر، فإن كان بِذَكَرٍ سُمِّي لواطًا، وإن كان بأنثى فهو زنا، وإنما لم يَذْكِر الله تبارك وتعالى اللواط؛ لأنه أمر مستكره مستبعد حتى بالطبيعة لا تدعو إليه إلا من نكس الله تبارك وتعالى طبيعته وفطرته. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، (...). * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما تدخل في هذا، هي على كل حال تدخل في المعاصي الأخرى، لكن إذا قيل: لا يقتلون النفس، أو مَنْ قتل نفسًا فعليه كذا وكذا فالمراد النفس الآدمية. * طالب: القاعدة (...)؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ما آذى طبعًا قتل شرعًا؟ * الشيخ: مستقيم. * الطالب: (...) جميع ما نهى؟ * الشيخ: كل ما آذى طبعًا فإنه يُقْتَل شرعًا. * طالب: يا شيخ، الجن لو عملوا الأعمال هذه كيف ما يقتلون؟ * الشيخ: (...)؟ * الطالب: لا، بعضهم يقتلون بعضًا. * الشيخ: حكمهم؟ * الطالب: إي. * الشيخ: إلا، الظاهر أن أحكامهم مثل أحكام الإنس؛ لأن الرسول بُعِثَ إليهم، وهذا من الاعتداء؛ ولهذا يذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية إذا أُتِي إليه بالمصروع وعظه وزجره وبين له أن الاعتداء على المسلم محرم، مما يدل على أنهم يعتقدون تحريم ذلك وأنهم مُلزَمون به، فهو في الحقيقة مر علينا هذه المسألة: هل إن تكليف الجن كتكليف الإنس؟ قلنا: إن ظاهرَ النصوصِ أنهم مساوون لهم؛ لأن الرسول بُعِثَ إليهم جميعًا، ولم نعلم أن شريعة تخصهم، ولكن من نظر إلى الحكمة من التشريع وجد أن الله يُشَرِّع لكل أحد ما يناسبه؛ فعلى هذا يكون تكليف الجن يخالف تكليف الإنس، ويُكَلَّفُون بما يليق بهم، ويدلُّ على هذا أن الله جعل لهم كل عَظْم ذُكِر اسم الله عليه يجدونه أوفر ما يكون لحمًا[[أخرج مسلم (٤٥٠ / ١٥) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه سلم الحديث، وفيه: «لكم كُلُّ عظمٍ ذُكِر اسمُ الله عليه يقع في أيديكم أوفرَ ما يكون لحمًا...».]]، مما يدل على أنهم يخالفون الإنس؛ لأن الإنس لا يحصل لهم ذلك. وأيضًا إذا كان الإنس يختلفون في التكليف بحسب الحال، فتكليف الغني بالزكاة لا يساويه تكليف الفقير لأنه لا مال عنده، وتكليف القادر على العبادة لا يساويه تكليف العاجز عنها؛ لأنه ليس فيه الوصف الذي لزم فيه التكليف. فالظاهر والله أعلم أن يقال: حصول العبادة لا شك أنهم مكلَّفون بها، وأما صفات العبادة وفروع العبادة فإنه لا يلزم أن يكونوا مساوين للإنس؛ لأنهم يختلفون عنهم في الحقيقة، والشريعة تقتضي أن يكون كل إنسان يُشْرَع له ما يناسبه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: فأعطاهم التشريعات أو (...)؟ * الشيخ: إي، لكن لا يلزم أن من كون هؤلاء الجماعة اللي اتصلوا به أن يكون انقطع تكليفهم، قد يكونون ملزمين بما يسمعونه ويعلمونه من الشريعة، وإن كان الرسول ما باشرهم؛ لأن قولهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن ١، ٢] يقتضي أنهم يهتدون بالقرآن كله؛ لأن ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ما سمعوا القرآن كله؛ لأن السورة مكية والقرآن ما نزل كله. * الطالب: أليس (...)؟ * الشيخ: لا، هذا ليس بصحيح، مخاطَبون بالفروع بلا شك، لكن هل يلزم من هذا أن يكونوا مساوين لنا؟ هذا فيه بعض العلماء يقول: يلزم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام بُعِثَ إلى الجن والإنس، ولم يُرِد أو لم نعلم أن تشريعًا خاصًّا بالجن قد جعل لهم، فما داموا مُكَلَّفين بالرسالة فإنها تلزمهم عمومًا. وبعض العلماء يقول: مَنْ نظر إلى الحكمة في التشريع قال: إن كل قوم يُشْرَع لهم ما يناسبهم، فإذا كان الإنس إذا اختلف بعضهم عن بعض بنوعٍ من التكليف خُصَّ به، فما بالك بالجنس الآخر؟ وهذا أقرب إلى الحكمة في التشريع؛ أنَّ لهم شرائع خاصة بهم، أما أصول الدين فلا شك أنهم مثلنا؛ يعني: مثل الصلاة وأصل الزكاة وما أشبه ذلك. * طالب: يا شيخ، إذن مثل الصلاة عندهم مثل الحج عندهم، أفعالهم تختلف عنا.. * الشيخ: لا، الظاهر أنها ما تختلف هذه العبادات؛ لأنهم يمكنهم أن يُصَلُّوا ويمكنُهم أن يَحُجُّوا. * الطالب: (...) عندهم (...) من النور. * الشيخ: لا، النور بعد؟ ما هم مخلوقون من النار؟ * طالب: نعم يا شيخ. * الشيخ: نعم، أنت (...) أحدًا منهم؟ * طالب: لا، جلست عند اللي يقرؤون عنهم. وتكلم ناس معي يقول (...). * الشيخ: أصله ما يرى، هم لا يُرَوْن وإلا فهم أجسام. * الطالب: أجسام (...)؟ * الشيخ: ما ندري، العوام يقولون: ما لهم عظام ولا لهم عصب، ما ندري عن هذا، صحيح ولَّا لا؟ المهم أنهم أجسام يأكلون ويشربون ويبولون، الرسول يقول: «ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٧٠)، ومسلم (٧٧٤ / ٢٠٥) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، وقال: إنه إذا لم يُسَمِّ على الطعام فإنه يشاركه الجن، وأخبر لكم: «كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ تَجِدُونَهُ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا»[[أخرجه مسلم (٤٥٠ / ١٥) من حديث ابن مسعود رضي الله بلفظ «لكم كل عظم ذُكِرَ اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفرَ ما يكون لحمًا...» الحديث.]]. * طالب: (...) مكنهم في الأرض؟ * الشيخ: إي، مكنهم في ظاهر الأرض، لكن حسب ما نعرف مِنَ التتبع أنهم يأوون دائمًا إلى الأماكن الخالية، الأماكن الخالية هم اللي دائمًا يكونون فيها. وهذا من رحمة الله بنا وبهم؛ لأنهم لو كانوا في الأماكن المسكونة يمكن يتأذون، أو نحن نتأذى بهم. أحيانًا إذا سكن أحد في أماكن خالية (...)، يقال: إن فيه محل عندنا مهجور وله (...)، فجاء إنسان وسكنه، فثاروا عليه بالليل وقالوا: لا بد أنك تخرج عنا وإلا ترانا نقتل أولادك، فخرج، راح وتركهم. * طالب: يهددونه يا شيخ؟ * الشيخ: والله، أنا الحمد لله أني سالم منهم، ما عمري سمعت منهم تهديدًا، لكن الناس معروف عندهم هذا الشيء، لكن يقولون: العلماء يقولون: إنه يجوز أن الواحد يتزوج منهم، ويش رأيك؟ * طالب: (...). * الشيخ: بعض العلماء يقول: إنه يجوز، وبعض العلماء يقول: ما يجوز أن الإنسان يتزوج منهم؛ لأن مِنْ شرط الزواج مثل ما قال الله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم ٢١]، ومعلوم أن الإنس ما يمكن؛ أولًا: لا هم من أنفسهم، والثاني: أنه ما يمكن يسكن إليها، بينهما غاية النفور، فكيف يمكن أن تكون زوجة له. أما صحيح أن الجن يتناكحون، ولّا لا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ويش الدليل؟ * الطالب: لقوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾، قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ﴾. * الشيخ: أحسنت، ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف ٥٠]، فهذا يدل على أنهم يتزاوجون ويتوالدون، وهذا صريح القرآن والواقع أيضًا يشهد له. أما كون الجنِّي يتزوج الإنسية، أو الإنسي يتزوج الجنية، فهذا فيه نظر، فالصواب قول من يمنع ذلك، الصواب القول بالمنع. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ولهذا الفقهاء قالوا: لو قالت امرأة إن بها جنيًّا يجامعها كالرجل وجب عليها أن تغتسل، وهذا يعني أولًا يُنْظَر في إمكانه ووجوده، ثم ينظر عاد في حكمه. * طالب: يقام عليها الحد؟ * الشيخ: لا، يقام عليها الحد، ما أظن. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: أنت أيش (...) ها البحث الدقيق معهم، يمكن يتصلون بك الليلة يستفهمون. * الطالب: أنا يا شيخ أقرأ عليهم، لكن (...). * الشيخ: عجيب، تقرأ يعني.. * الطالب: أقرأ على اللي بيصاب (...). * الشيخ: يعني ما يهرجون؟ * الطالب: إي (...). * الشيخ: هم الغالب أنهم يكلمون؛ ولهذا ذكر في الفروع عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية أن الجني يكلم شيخ الإسلام، ويخاطبه ويأخذ عليه العهد، وأنه يضربه، لكن يقول: إن الضرب يقع على المصروع في الظاهر، وهو في الحقيقة على الصارع؛ ولذلك يقول: إذا أفاق المصروع ما يحس. وأذكر واحدًا من الإخوان قُدِّم إليه رجل قالوا: إنه مصروع، وقال: يلَّا أعطوني (...)، ولا استفاد من هذا شيئًا أبدًا، هو يصرخ المسكين يقول: آلمتوني، ولكن قام ولا الضرب واقع عليه؛ لأنه بيسوي مثل ما سوى ابن تيمية، فظن أن كل شيء يحصل له مثل هذا الأمر يفعله هذا الفعل. (...) * * * * طالب: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٦٣ - ٧٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في وصف عباد الرحمن: إنَّ من صفاتهم أنهم ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾، ما تقول؟ ويش معنى ﴿هَوْنًا﴾؟ * طالب: (...) وتواضع. * الشيخ: وما المراد بالمشي هنا؟ * الطالب: جميع المشي، يعني (...) سواء أكان مشيًا معنويًّا أو مشيًا حسيًّا. * الشيخ: نعم، أحسنت، تمام. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، طيب، كيف تجمع بين هذا وبين ما ثبت من صفات مَشْيِ النبي عليه الصلاة والسلام أنه يمشي «كأنما ينحدر من صَبَبٍ»[[أخرجه أحمد (٩٤٧) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.]]؟ * الطالب: مشيه؟ * الشيخ: كأنما ينحدر من صبب، «وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى الرجل يتوانى في مشيته ضربه»[[ذكر الزمخشري في الفائق في غريب الحديث (١ / ٢٨٠) عن عمر رضي الله تعالى عنه لما رأى رجلًا متماوِتًا فخفقه بالدرة قال: لا تُمِتْ علينا دينَنا، أماتك الله.]]، كيف تجمع بين هذه الآية وبين ذاك؟ * طالب: الرسول عليه الصلاة والسلام كان مشيه يعني (...) قوة. * الشيخ: المعنى أنه مشي قوة وجلد وليس مَشْيَ خفة؛ ﴿هَوْنًا﴾ يعني ليس خفة؛ لأن بعض الناس إذا كان يمشي، وإذا (...) بَيَّن، حركاته ما هي سليمة، هؤلاء يمشون باتزان وبقوة وجلد. طيب، قوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾ [الفرقان ٦٣]، من المراد بالجاهل؟ هل هو غير العالم ولّا مَنْ؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي؛ يعني: ليس معناه الجاهل الذي ليس بعالم. * الطالب: (...). * الشيخ: السفيه؛ لأنه يطلق الجهالة على السفه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء ١٧]؛ يعني: بسفه، ثم يرشدون. ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ ويش معنى ﴿سَلَامًا﴾؟ * طالب: يعني هذا القول الذي قلتم لنا سلام، يعني أنهم لا يؤاخذونهم بما قالوا، وإنما لا يتعرضون لهم بما قالوا. * الشيخ: يعني قالوا: إن ما قلتم سلام..؟ * الطالب: إن ما قلتم سلام، هذا الكلام (...). * الشيخ: لا. * طالب: يردون عليهم، ولكن بقول (...). * الشيخ: يعني قولًا يسلمون به.. * الطالب: يَسْلَمون به من الإثم والعدوان. * الشيخ: من الإثم والنزاع (...)، نعم هذا المراد، ليس معناه قالوا: السلام عليكم، كما يظن بعض العامة، ولا المراد أنهم لا يقولون قولًا، بل يقولون قولًا يسلمون به من الإثم فيما بينهم وبين الله، ومن (...) والخصومة والأذى فيما بينهم وبين هؤلاء الجاهلين. * طالب: (...)؟ * الشيخ: فهنا الآية ما تعرضت له، لكنه يُنْظَر للمصلحة؛ يعني: هذا وصف أنهم يقولون قولًا يسلمون فيه من الإثم؛ لأنه في الغالب أن القول أحسن، والقول ما هو معناه أنه يرد عليه، يمكن القول أنه ينصحه ويقول: يا أخي، اتق الله، مثل ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام فيمن شتم وهو صائم، قال: «فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥٠ / ١٥٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فالمهم أن يسلك الطريق؛ لأن سكوته أيضًا قد يؤدي إلى استطالة الآخر عليه، وأنه ضعيف أمامه. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: الآية ما تعرضت له، لكن إذا رُئِيَت المصلحة في هذا فلا بأس. * طالب: قول الله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص ٥٥]، هذه منطوق الآية (...)؟ * الشيخ: إي. * الطالب: يعني (...)؟ * الشيخ: ويش اللي قبلها؟ * الطالب: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص ٥٥]. * الشيخ: إي، هذه غير، هذه ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ﴾ [الفرقان ٦٣] هنا، الخطاب معهم، أما ذاك ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ يعني مثلًا الكلام ما فيه فائدة، قاموا وتركوهم وقالوا: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾. طيب، في هذه الآية أيضًا، في الآيات الكريمة يقول الله تعالى من صفاتهم: إنهم يتوسَّلون إلى الله سبحانه وتعالى بربوبيته ليصرف عنهم عذاب جهنم. والغالب أن الأدعية تُقَدَّر بالتوسل بالربوبية: ﴿رَبَّنَا﴾؛ لأنها هي التي فيها التصرف والتدبير. وفي قولهم: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان ٦٥] توسل أيضًا؛ لأن شدة هذا العذاب وملازمته يوجب للمرء الفرار منه والاستعاذة بالله منه. وفي قوله: ﴿إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان ٦٧]، المراد بالإنفاق، أيش تقول؟ ﴿إِذَا أَنْفَقُوا﴾ أيش؟ * طالب: إذا أنفقوا على عيالهم. * الشيخ: بس. * الطالب: أو (...). * الشيخ: يعني: الآية ما ذكرت نوع الإنفاق، فيكون عامًّا في كل إنفاقهم سواء على عيالهم، أو في سبيل الله، أو في الزكوات، أو في الصدقات، أو في أي شيء. ﴿إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾، ما هو الإسراف؟ * طالب: مجاوزة الحد. * الشيخ: مجاوزة الحد كمية أو كيفية. ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾، الإقتار؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي طيب، هنا الآية: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ بيِّنَة جدًّا يعني، لو فرضنا ما نعرف باللغة (...). * طالب: يعني (...). * الشيخ: طيب، زين، ويش يدريك أن هذا المعنى؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي، فهمته مما قوبل به؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: وهو قوله: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا﴾، مثل: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]، ﴿ثُبَاتٍ﴾ الواحد ما يعرف وأيش معناها أبدًا، لكن لما قال: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ عرفنا أن معنى ﴿ثُبَاتٍ﴾ متفرقين، وهذا مما يُعْرَف به تفسير القرآن، يعرف تفسير الكلمة بمقارنتها بما يقابلها. وهنا ذكرنا أن المؤلف رحمه الله لم يُفْصِح بالقراءة، قال: (بفتح أوله وضمه)، ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾، ﴿﴿وَلَمْ يُقْتُرُوا﴾ ﴾، هذا ظاهر كلامه وليس كذلك، ولكن إذا قُرِئ بضم الياء كسرت التاء: ﴿﴿وَلَمْ يُقْتِرُوا﴾ ﴾ من (أقتَر) الرباعي، لكن في الثلاثي: ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ قراءة ثانية بكسر التاء: ﴿﴿وَلَمْ يَقْتِرُوا﴾ ﴾، فتكون القراءات على هذا ثلاثة: ﴿﴿وَلَمْ يَقْتِرُوا﴾ ﴾، ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾، ﴿﴿وَلَمْ يُقْتِرُوا﴾ ﴾. والإقتار بمعنى الإقلال والتضييق. يقول الله عز وجل: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [الفرقان ٦٧]، ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ الإشارة تعود؟ * طالب: تعود إلى (...) الإسراف والإقتار. * الشيخ: والإقتار. و﴿قَوَامًا﴾ ويش الفائدة من الإتيان بها؟ * الطالب: الفائدة أن ﴿قَوَامًا﴾ (...) فائدتها أنه لا يلزم التَّوسُّط في قوله تعالى، التوسط يعني (...) في قوله تعالى: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾، وإنما يراعى الاستقامة في ذلك وهو (...). * الشيخ: أحسنت، تمام. ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ والدعاء نوعان؟ * طالب: دعاء مسألة ودعاء عبادة. * الشيخ: دعاء مسألة ودعاء عبادة. ما هو الدليل على تقسيم الدعاء إلى هذا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: التقرب إلى الله تعالى بعبادته. إي، لكن ما هو الدليل؟ * طالب: قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠]. * الشيخ: إي. * الطالب: فأوَّلًا (...)، لكن هذا دعاء عبادة. * الشيخ: نعم. * الطالب: ثم ختم الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾. * الشيخ: ولم يقل؟ * الطالب: دلَّ أن الدعاء أيضًا من العبادة وهو دعاء العبادة. * الشيخ: أحسنت، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾.. * الطالب: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. * الشيخ: دلَّ ذلك على أن الدعاء عبادة، وقد جاء في الحديث: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ»[[أخرجه أبو داود (١٤٧٩) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.]] وهو ضعيف أيضًا، لكنه في الحقيقة واضح. أما كون العبادة دعاء، ما وجه كون العبادة دعاء؟ * طالب: من الآية؟ * الشيخ: إي، ما وجه كون العبادة دعاء؟ * الطالب: العبادة تشتمل على الدعاء. * الشيخ: وغير؟ ربما يصوم الإنسان ولا يدعو الله تعالى يومه كله إلا في الصلاة، والصلاة (...). * الطالب: إذا الرجل يعني (...). * الشيخ: بارك الله فيك؛ لأن حقيقة الأمر أن التعبد لله دعاء بلسان الحال، أو لا؟ فإن الإنسان العابد لو سألته: لماذا عبدت الله؟ قال: رجاء ثوابه وخوفًا من عقابه، فهو في الحقيقة داع. ما وجه كون دعاء المسألة عبادة؟ * طالب: لأنه (...). * الشيخ: إي. * الطالب: عندما يدعو يفتقر إلى الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إي، نعم؟ * طالب: أن الدعاء يعني يحتاج إلى الخضوع والخشية، فهو في غاية العبودية لله سبحانه وتعالى، فالمسلم الداعي المحتاج إلى الله الخاشع الساكن الطالب لثواب الله مفتقر فهو عابد لله غاية العبادة. * الشيخ: يعني مثل ما قال الأخ. يعني أن الداعي راجٍ خائف؟ * الطالب: (...) متذلل لله. * الشيخ: هو في الحقيقة راجٍ خائف. * طالب: ثم إنه مُنَفِّذ لكلام الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ [غافر ٦٠]، وتنفيذ الأمر هو العبادة. * الشيخ: هو العبادة. طيب، وهذا وجه. وجه ثالث؟ * طالب: (...) ولن يقدر على هذا إلا الله عز وجل (...). * الشيخ: يعني كأنه ثناء على الله؟ * الطالب: نعم، لأنه (...). * الشيخ: والثناء على الله من العبادة؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: طيب، المهم أننا الآن صارت عندنا أوجه ثلاثة. عندك شيء بعد؟ * طالب: لأن (...) من الله سبحانه وتعالى أن يغفر له ما (...)، فهو جامع بين الخوف وبين الرجاء. * الشيخ: إي، طيب، هذا زيادة إيضاح. هذا وجه كون دعاء المسألة عبادة. طيب، يقول الله عز وجل: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان ٦٨]، ما هي ﴿النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو بالكتابي، الكتابي ربما يكون غير محرم. المؤمن. * طالب: (...). * الشيخ: لا. أيش تقول؟ * طالب: المسلم والذمي والمعاهد والمستأمِن. * الشيخ: والمستأمِن. طيب، أربعة أصناف: المؤمن والذمي والمعاهد والمستأمِن، هؤلاء الأربعة أنفس محرمة. وقوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ مستثنى من الأنفس المحرمة؛ لأن هذه الأنفس المحرمة قد تستباح بالحق. مثاله؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، فهذه في الأصل نفس محرمة، لكنها وُجِد حق يبيح قتلها، إي نعم. ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان ٦٨]؟ * طالب: المرتد (...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأنه ليس ممن حرم بالأصل، لكن لما ارتدَّ صار وصفُه؟ ويش صار وصفه؟ * الطالب: كافرًا. * الشيخ: طيب، إذن لا يدخل في الأربع، لكن الزاني يبقى على إسلامه مع زناه، والقاتل يبقى على إسلامه مع قتله. * الطالب: لكن المرتد ما نقول مثلًا (...)؟ * الشيخ: لا، نقول: سُلِب عنه وصف الإسلام؛ يعني: زال عنه الوصف نهائيًّا، صار الآن غير محترم. * طالب: إذا زنى فقتل أو إذا مثلًا (...)؟ * الشيخ: إي نعم. * طالب: حديث: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ». * الشيخ: نعم. * الطالب: ما في الحديث ذكر «التَّارِكُ لِدِينِهِ»؟ * الشيخ: «التَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ»[[أخرجه مسلم (١٦٧٦ / ٢٥) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]] بعضهم قال: المراد به قطاع الطريق؛ لأن قطع الطريق ترك للدين؛ لأجل أن يكون الاستثناء متصلًا. وبعضهم قال: إن التارك لدينه هو المرتد، ويكون الاستثناء بالنسبة إليه منقطعًا؛ لأنه ليس مسلمًا من يترك دينه إلا باعتبار وصف زائد. * طالب: شيخ (...)؟ * الشيخ: الخارج عن الإيمان يعني؟ * الطالب: اللي (...). * الشيخ: إي، (...). نعم. الفوائد تقولون ما خلصناها؟ * طالب: لا، وقفنا على: ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾. * الشيخ: (...) نكمل الآية. * الطالب: إي. * * * * الشيخ: طيب، قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾، الزنا يقول العلماء في تفسيره: إنه فعل الفاحشة في قُبُلٍ أو دُبُرٍ، ومن باب أولى اللواط؛ لأنه أخبث، ولأن اللواط لا يحل بحال، والفرج يحل بالزواج؛ ولهذا كانت عقوبة اللواط على القول الراجح الإعدام بكل حال، سواء كان مُحْصنًا أم غير محصن؛ لأنه فرج لا يباح بحال، ثم إنه أمر لا يمكن التحرز منه، فلا يمكن تطهير المجتمع إلا بإعدام الفاعل والمفعول به. وكذلك أيضًا على القول الراجح: الزنا بذوات المحارم يوجب القتل بكل حال؛ لأن هذا الفرج لا يباح بحال من الأحوال، وقد ورد في ذلك حديث في السنن وهو صحيح[[أخرج أبو داود (٢٥٦٤) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «من وَقَعَ على ذات مَحْرَمٍ فاقتلوه، ومن وقع على بهيمةٍ فاقتلوه، واقتلوا البهيمة».]]، فالزنا بذوات المحارم مثل لو زنى بأخته والعياذ بالله ولو من الرضاع، فإنه يوجب قتله بكل حال، سواء كان محصنًا أم غير محصن. وقد وصف الله تبارك وتعالى الزنا بأنه فاحشة، ووصف اللواط على لسان لوط بأنه الفاحشة: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف ٨٠]، فدخلت عليها (أل)، أما ذاك: ﴿كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢] من الفواحش، لكن كأن هذا انحصرت الفاحشة فيه لعِظَمِه وقبحه. (﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي واحدًا من الثلاثة ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان ٦٨]). قول المؤلف: (أي واحدًا من الثلاثة) فيه نظر؛ لأن الأصل في الإشارة أن يعود لما سبق كله، فيقتضي أن يكون ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ المذكورَ؛ من دعاء غير الله وقتل النفس والزنا ثلاثة- ﴿يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان ٦٨، ٦٩]. وهذا الذي قرَّرناه من عودِه على الجميع نسلم به من إيراد سيأتي عند قوله: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ﴾، فإن الزنا ليس موجبًا للخلود في النار. القتل ذكر الله تعالى في سورة النساء أنه موجب للخلود في النار وسيأتي إن شاء الله ذكره قريبًا. الكلام أن عوده على الثلاثة نسلم به من الإيراد الآتي إن شاء الله. وأما إذا فعل واحدًا منها على الانفراد، فيؤخذ حكمه من دليل آخر، ليس بلازم أن نأخذه من هذه الآية. (﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ أَيْ عقوبة)، والأثام والنكال بمعنى واحد، والعقوبة والنكال بمعنى واحد أيضًا. فالمراد بالأثام هنا العقوبة، وهو مفرد وليس بجمع؛ لأن الجمع: آثام، جمع إثم. وأما هذه: ﴿أَثَامًا﴾.

الفرقان 25:69

(﴿يُضَاعَفْ﴾ وفي قراءة ﴿﴿يُضَعَّفْ﴾ ﴾ بالتشديد)، وهي سبعية ﴿﴿يُضَعَّفْ﴾ ﴾ و﴿يُضَاعَفْ﴾. والمضاعفة والتضعيف بمعنى تكرير الشيء، وإنما ضُوعِف له العذاب؛ لأنه فعل ثلاثة أسباب للعذاب: وهي الإشراك بالله وقتل النفس والزنا. ومعلوم أن الأسباب إذا اجتمعت صار لكل واحد منها أثره، فمن فعل شيئًا واحدًا من ثلاثة فعليه إثمه، ومن فعل اثنين فعليه إثمهما، ومن فعل الثلاثة فعليه إثمهن. فهذا وجه التضعيف. ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾، والعذاب والنكال بمعنى واحد، والعقوبة ﴿الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ هو اليوم الذي يُبعَث فيه الناس، وسُمِّيَ ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لأسبابٍ ثلاثة، ما هي الأسباب الثلاثة؟ * طالب: البعث من القبور. * الشيخ: نعم. * الطالب: وقيامهم يوم العرض. * الشيخ: ما هو بداخل في الأول؟ * الطالب: نعم، أقول: قيام الحق في ذلك اليوم. * الشيخ: إي، قيام العدل؟ * الطالب: العدل. * الشيخ: وإقامة العدل. نعم، ويش بعد؟ الثالث؟ * طالب: لأنهم قائمون واقفون (...). * الشيخ: الوقوف يعني قصدك؟ * الطالب: الوقوف نعم. * الشيخ: قصدك بالقيام الوقوف؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: لا. * طالب: قيام الرسل. * الشيخ: لا. * طالب: ما يؤخذ من قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٦]؟ * الشيخ: إي، هذا من قبورهم، ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]، ولأنه تقام فيه الشهادة، يقوم الأشهاد فيه، وهم الملائكة والرسل وكذلك الأمم؛ إذن سُمِّيَ يوم القيامة لهذه الوجوه الثلاثة. ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ﴾ [الفرقان ٦٩]، يبقى فيه، ﴿فِيهِ﴾ أي في العذاب: (بجزم الفعلين بدلًا وبرفعهما استئنافًا). وين الفعلان؟ أين الفعلان؟ ﴿يُضَاعَفْ﴾، ﴿وَيَخْلُدْ﴾. يعني أنه فيهما قراءتان: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾، ﴿﴿يُضَاعَفُ لَهُ الْعَذَابُ﴾ ﴾. ﴿وَيَخْلُدْ﴾، ﴿﴿وَيَخْلُدُ﴾ ﴾. طيب، أما قوله: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ فليس فيها سوى قراءة واحدة وهي الجزم؛ لأنها جواب الشرط، وجواب الشرط لا بد أن يكون مجزومًا، لكن فيها إشكال وهي أنها مفتوحة: ﴿يَلْقَ﴾، فيقال: هي مجزومة بحذف الألف، وهذه الفتحة ما هي فتحة الإعراب، ولكنها فتحة الفعل. وقوله: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ﴾ هذه يجوز فيها – وهي خارجة عن شبيهاتها – يجوز فيها وجهان: ﴿فِيهِ﴾ بالمد، و﴿﴿فِيهِ مُهَانًا﴾ ﴾ بالصلة، بالوصل بدون مد. أما ﴿فِيهِ مُهَانًا﴾ فهذه على الأصل، وأما ﴿﴿فِيهِ مُهَانًا﴾ ﴾ فهذه على خلاف الأصل لكنها جائزة، يعني مسموعة عن النبي ﷺ. ولها نظير، يعني هي خارج عن العادة: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ [الفتح ١٠]، وفي قراءة أخرى سبعية: ﴿﴿عَلَيْهِ اللَّهَ﴾ ﴾ يعني على الأصل. فهذان حرفان في القرآن خرجا عن الأصل المتَّبع في القراءة المشهورة في المصاحف. قال: (﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ حال)، وهذه من قصور المؤلف في الحقيقة، (﴿مُهَانًا﴾ حَال) أعربها الآن على أنها حال من الضمير في قوله: ﴿وَيَخْلُدْ﴾، أو من الضميرين في قوله: ﴿يُضَاعَفْ﴾، ﴿وَيَخْلُدْ﴾، لكنها للأقرب أقرب. إلا أنه لم يفسر ويش معنى ﴿مُهَانًا﴾، ونحن إلى تفسير الكلمة أحوج منا إلى إعرابها؛ لأننا سنقرأها كما هي، لكن لا نفهم معناها. فما معنى ﴿مُهَانًا﴾؟ المهان المحتقر الذليل، يعني: محتقرًا ذليلًا لا يقام له وزن ولا إكرام.

الفرقان 25:70

﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٦٩، ٧٠]، هذا استثناء متصل ولّا منقطع؟ * طالب: متصل. * الشيخ: متصل، ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾، فالاستثناء متصل؛ يعني من تاب من دعاء غير الله معه، ومن تاب من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، ومن تاب من الزنا. أما الأول وهو التوبة من دعاء غير الله معه فلا شبهة فيه ولا إشكال؛ لأنه حق لله، فإذا تاب الإنسان منه إلى الله قَبِلَه إذا كانت توبة نصوحًا، ولا حاجة إلى أن يستأذن أحدًا، يحتاج أنه يسترخص من الصنم؟ * طالب: ما يحتاج. * الشيخ: ما يحتاج. ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (...) واضحة، وكذلك أيضًا ما ثبت في الحديث الصحيح في قصة الرجل الذي قتل تسعًا وتسعين نفسًا، ثم سأل عابدًا هل له من توبة؟ فقال العابد: لا، ما لك توبة. العابد جاهل، واستعظم تسعة وتسعين نفسًا، فقال: ما لك توبة. قال: نكمل بك المئة، فقتله. وهذا من الجريرة التي يجرها الإنسان على نفسه إذا أفتى بغير علم. ثم سأل عالمًا: هل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة، ولكنه أرشده إلى أن يخرج من قريته هذه إلى قرية أخرى يكثر فيها الصالحون.. إلى آخر الحديث[[أخرج مسلم (٢٧٦٦) عن أبي سعيد الخدري أن نبي الله ﷺ قال: «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله، فكمَّل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على رجل عالم، فقال: إنه قتل مئة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يَحولُ بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإنَّ بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء...» الحديث.]]. فإذا كان هذا في بني إسرائيل، فما بالك بهذه الأمة الذين وضع الله عنهم الآصار والأغلال؟! طيب، التوبة من قتل النفس التي حرم الله هل يتعلق بها حق آخر لغير الله؟ الجواب: نعم، يتعلق بها حقان آخران؛ أحدهما: حق المقتول الميت، والثاني حق أولياء المقتول، فلا تصح التوبة إلا بالتمكين من ذوي الحقوق أن يأخذوا بحقوقهم. فنقول: الميت لا يمكن الوصول إلى أخذه بحقه، ولّا لا؟ ما يمكن؛ لأنه مات ولا نعلم عنه، وربما نعلم في الحقيقة أحيانًا إذا لم يمت حتى أباح صاحبه، حتى أباحه ربما يعلم، لكن في الغالب أنه ما يُعلَم. وأما أولياء المقتول فالتمكين من حقهم ممكن، فيذهب إليهم ويسلِّم نفسه لهم ويقول: أنتم الآن بالخيار، تريدون الدية؟ تريدون القتل؟ تريدون العفو؟ طيب، إذن نقول: التوبة من قتل النفس يتعلق بها حقان آخران غير حق الله، حق ممكن تحقيقه وهو حق الورثة أولياء المقتول، وحق يمكن أو لا يمكن وهو حق المقتول، فإن أمكن تحقيقه في الدنيا وأسقطه فذاك، وإلَّا فإن الله سبحانه وتعالى إذا علم مِنْ هذا القاتل أنه تاب إليه توبة نصوحًا فإن من تمام توبة الله عليه أن يعطي المقتول حقه حتى لا يأخذ من حسنات القاتل شيئًا. * طالب: ذكرنا أن الضمير في الآية يعود إلى الأفعال الثلاثة، ثم الآن خصَّصنا لكل واحد مع قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ دليل في أنه (...) ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ وما بعدها (...). * الشيخ: لا، عمومًا، لكن الآن نبغي نحقق التوبة، وما هي التوبة؟ التوبة هي الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. بقينا بالزنا: ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ هل يتعلق به حق آخر سوى حق الله؟ * طالب: (...). * الشيخ: إذن يحتاج إذا تاب أن يستبيح أو أن يستحلَّ المزني به، ولّا ما يحتاج؟ * الطالب: إذا كانت مجبرة (...). * الشيخ: إي معلوم، إذا كان باختيارها ما فيه، هي التي جنت على نفسها. * طالب: (...). * طالب: إذا كانت ذات زوج (...). * الشيخ: دعنا من إذا كانت ذات زوج، لكن إذا لم يكن لها زوج؟ فإذا كان باختيارها فلا حق لها؛ لأنها هي اللي انتهكت عرضها، وإذا كانت مُجْبَرة فلها حق، فلا بد من استحلالها؛ أن تُسْتَحَلَّ. وقد يقال: إن التوبة إذا صارت نصوحًا، وتاب إلى الله فلا حاجة إلى الاستحلال، فإن الله تعالى يتوب عليه، كما ثبت في الحديث الصحيح أن الحدَّ يكون كفارة للذنب[[وذلك في الحديث الذي أخرجه الشيخان؛ البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩ / ٤١) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفَّى منكم فأجرُه على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقِب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا، ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه».]]، ولم يذكر النبي ﷺ شيئًا فوقه بدون استحلال. ومن نظر إلى أن هذا فيه حق انتهاك عرضها وإكراهها على الفاحشة وسوء سمعتها وأهلها، قال: لا بد من استحلالها في هذا الأمر؛ لأنه أمر عظيم، ومَنْ نظر إلى عمومات الأدلة الدالة على أن الزاني إذا أقيم عليه الحد وإذا تابَ تاب الله عليه، قلنا: إن الله تعالى يتحمل عنه حق هذه المرأة المزني بها. وعلى هذا فالاستحلال أولى، استحلاله أولى وأحسن. * طالب: لا فرق -يا شيخ- بين البكر والثيب؟ * الشيخ: كله واحد. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، لكن من جهة النار، مسألة التوبة. * الطالب: (...). * الشيخ: لا ما هو من صحة التوبة، لكن لا بد من أن يبذل لها النقص الذي حصل، مثل ما لو أتلف مالها. * الطالب: ولو لم يبذل ما تُقْبَل؟ * الشيخ: تصلح، ويكون ذنبًا آخر مستقلًّا، تصح ويكون ذنبًا آخر مستقلًّا. وقد نقول: إنه من تمام التوبة ولا تصح؛ لأن هذا الفعل ناشئ عن ذلك، إنما على كل حال هذا ما يدخل في مسألة العرض، إنما يدخل في مسألة المال، البكارة من جهة المال لا من جهة العرض. إذن نقول: الأوَّل حق لله محض ولا إشكال فيه، والثاني حق لله ولغيره ولا إشكال فيه، والثالث حق لله ولغيره. ولكن من نظر إلى عمومات الأدلة الدالة على أنه ليس بشرط أن يستحل مَنْ زنى بها قال: لا حاجة إلا الاستحلال، ولكن الأولى يقول: الأحوط أن يستحل. قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ وشروط التوبة مرت علينا، أظنها خمسة، ما حاجة لإعادتها. * طالب: الشرط الرابع (...)؟ * الشيخ: بيِّنْهم لنا. هو يقول: الرابع والخامس عاد ما يدري ويش الثلاثة اللي بعدها؟ عدهم كلهم الآن؟ * طالب: شروط التوبة: الندم على ما فات، وإذا كانت تتعلق بحق (...). * الشيخ: قبل، اذكر بالترتيب، والإقلاع. * الطالب: الإقلاع عن الذنب. * الشيخ: إي، الندم والإقلاع. * الطالب: وإذا كانت تتعلق بـ... * الشيخ: والعزم؟ * الطالب: والعزم على عدم العودة، وإذا كانت تتعلق بحق (...). * الشيخ: لا، هذا ما هو بشرط. * طالب: والإخلاص. * الشيخ: نعم. * الطالب: وأن تكون في محلها. * الشيخ: نعم، في محل قبولها، في وقت قبولها. الإخلاص لله؛ لأن الإنسان قد يتوب رياء. * طالب: إعادة الحق (...). * الشيخ: الإقلاع عن المعصية يشمل إعادة الحق؛ لأنه ما دام الحق عندك ما أقلعت، إي نعم؛ ولهذا نقول: (...) نزيد شرطًا رابعًا، نقول: هذا الشرط داخل في قولنا الإقلاع. * الطالب: لكن (...)؟ * الشيخ: لا، ما يقدر. * الطالب: على ألا يعود يعني؟ * الشيخ: ما ينفع، يمكن يعزم على ألا يعود نظرًا لأن السلطة قوية ما يستطيع، لا بد من الإخلاص، كل عمل صالح لا بد فيه من الإصلاح. أما كونها في محلها؛ فهي بالنسبة لكل واحد أن يتوب قبل أن يعاين الموت؛ لقوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، وبالنسبة لعموم الناس أن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها، فإنها بعد طلوع الشمس من مغربها لا تُقْبَل لو تاب الإنسان. ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يقال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ [يوسف ١١١]، والنبي عليه الصلاة والسلام ما هو (...) نفهم القصة فقط، لكن نعتبر بها وإلا لكانت لغوًا. أما كونها في شريعة منسوخة، فإن مثل هذه الأمور ما (...)، يعني كون الله يتوب على من تاب هذه من صفات ما تتخلف، ثم إن نسخها لا يمكن أن ينسخ إلى أسوأ في هذه الحال؛ لأن هذه الأمة أكمل من غيرها، قد رفع الله عنها الآصار والأغلال، ولو كانت التوبة لا تُقْبَل من القاتل لكان هذا من أعظم الآصار والأغلال التي على هذه الأمة؛ ولهذا بنو إسرائيل ما يقص علينا شيئًا من قصصهم ولا كذلك النبي عليه الصلاة والسلام إلا للتَّحذير مما يكره والترغيب فيما يحب. * طالب: (...)؟ نجمع بينها وبين هذه الآية رغم أنها صريحة، عدم التوبة؟ * الشيخ: الآية التي ذكرت: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان ٦٩]، هذه لغير التائبين، ما فيها إشكال، مع التوبة ما فيها إشكال. * الطالب: (...) آية النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٩٣]؟ * الشيخ: إي نعم، نحن نقول: حتى في الشرك ما ورد فيه الخلود؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: الخلود الأبدي بعد، ومع ذلك لو تاب منه؟ * الطالب: قُبِلَت توبته. * الشيخ: قبلت توبته، هذه مثلها. لكن الكلام (...)؟ على أنه إذا تاب هل نقول: إن التوبة قُبِلَت مطلقًا، أو نقول كما قال ابن القيم مثل ما قلنا: إن التوبة يتعلق بها ثلاثة أشياء ولا بد من تحقيقها. * الطالب: قول ابن عباس (...). * الشيخ: إي، لو قاله يُحمَل مثل ما قال ابن القيم يُحمَل على أنه لا يجد له توبة بالنسبة لحق (...)؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣]. وحقيقة يعني إن بالنسبة للميت في الغالب ما يمكن الوصول إلى التوبة، ويش السبب؟ لأنه فات ما يمكن الاستحلال، وأما بالنسبة لحق الله فلا شك فيه أبدًا. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا يا أخي، هذا جزاؤه، (...) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٦]، ومع ذلك إذا أسلموا وتابوا قبلت توبتهم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: (...) عليك في باب التوبة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي، احفظها يا أخي. * الطالب: على العقل. * الشيخ: طيب، أولًا -سلمك الله- الندم على فعله، والثاني العزم على ألا يعود، والثالث أن يقلع عن المعصية، والرابع الإخلاص، والخامس أن تكون في وقتها. (...). * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، لأنه قد يقلع الإنسان ويقول: والله أنا اليوم ما أنا بأسوي ها الفعل، لكن باكر أفعله. * طالب: طيب، يا شيخ قد يدخل العزم في الإخلاص. * الشيخ: لا. * الطالب: لأنه إذا أخلص في التوبة دليل على أنه لن (...). * الشيخ: هو أيضًا لو قلنا هذا الكلام على أن تكون التوبة لله، هذا معنى الإخلاص، وإلا حتى إذا أخلص بيقلع وبيندم و.. كل الشروط هذه (...)، ما عدا أن تكون في الوقت. لكن المراد معناه أن يكون الحامل لها الإخلاص لله؛ يعني ما تاب لا رياء ولا سمعة ولا خوفًا من سلطان ولا شيء. * طالب: قوله تعالى في سورة طه: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ﴾ [طه ١٦]، وفي سورة القصص: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ﴾ [القصص ٨٧]، رغم أنها في (...)؟ * الشيخ: طيب، اقرأ آية طه. * الطالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا﴾ [طه ١٥، ١٦]. * الشيخ: ﴿مَنْ﴾ هذا الفاعل؛ ﴿مَنْ لَا يُؤْمِنُ﴾، كذا؟ إذن الفعل مفرد ولَّا مجموع؟ * الطالب: مفرد. * الشيخ: مفرد، إذا كان مفردًا يُبْنَى على الفتح لاتصاله بنون التوكيد؛ لأنه ما بينه وبين التوكيد شيء، وهذيك ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [القصص ٨٧] ويش اللي قبلها؟ ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦) وَلَا يَصُدُّنَّكَ﴾ [القصص ٨٦، ٨٧] يعني المجرمون، فهو عائد إلى جمع، فيكون الفعل الآن غير مباشر لنون التوكيد، أصله: يصدونَنَّك، (ولا يصدونَنَّك)، مفهوم؟ فحُذِفَت النون للجازم، وبقي عندنا الواو ساكنة والنون المشددة ساكن أولها، حُذِفَت الواو لالتقاء الساكنين، ثم بقيت الدلالة على ما هي عليه. واضح؟ * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي. * طالب: التائب من الزنا مثلًا هل يلزم عليه إقامة الحد على نفسه؟ * الشيخ: يعني: يأخذ عصا ويضرب نفسه؟ * الطالب: لا، يطلب مثلًا من الحاكم مثلما فعل ماعز ومثلما فعلت الغامدية. * الشيخ: لا، ما يلزم، بل الأولى أنه يستر على نفسه. * الطالب: فِعْل هؤلاء مثل ماعز والغامدية؟ * الشيخ: فِعْلُ هؤلاء اجتهادًا منهم ولا مانع منه، والرسول عليه الصلاة والسلام لاحظوا أنه يراعي أشياء يفعلها الإنسان اجتهادًا ولا يُنْكِر عليه إذا صار ما هي بمخالفة للشرع، مثل الصدقة عن الميت والحج عن الميت وما أشبه ذلك مما لم يَأْمُر به الرسول عليه الصلاة والسلام، هذا جائز وليس من الأمور المشروعة. * الطالب: طيب يا شيخ، إذا كان الذنب مثلًا (...) يطرق عليه بابه (...)؟ * الشيخ: إذا كان مات، افرض أنه مات، أخذ من إنسان مالًا وتاب إلى الله، هل يلزم أنه يروح ويقول: (...) مالك؟ * الطالب: إي هذا يلزمه. * الشيخ: يلزمه. * الطالب: يُرَجِّع المال إذا كان سالفه؟ * الشيخ: إي. * طالب: (...). * الشيخ: يلزمه، من تمام التوبة أن يعيد المال. * طالب: إي؛ لأنه حقه. * الشيخ: طيب، «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٧٣٩)، ومسلم (١٦٧٩ / ٣٠) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.]]، فإذا تاب هو؟ * الطالب: يروح (...). * الشيخ: يعني مثل المال؟ * طالب: ويستغفر له، يعني ما رأيك؟ * الشيخ: لا، أسألك أنا لأن هذه مناقشة: هل هناك فرق بين المال والعِرْض، والرسول جمع بينهما؟ * الطالب: لا. * الشيخ: إذن نقول: روح اذهب إليه، واستحله، مفهوم؟ * الطالب: إي. * الشيخ: طيب، وإلى هذا ذهب الفقهاء رحمهم الله، المذهب أنه إذا تاب من الغيبة يجب عليه يخبر المغتاب، يقول له مثلًا: أنا حصل مني كذا وكذا فأرجوك أن تسمح لي. والقول الثاني: لا؛ لأن الغيبة عبارة عن قدح فيه، وردُّها بمثلِها، وذلك بأن تُثْنِي عليه في المكان الذي اغتبتَه فيه بما يزيل هذه الغيبة، فهمت؟ (...) في الحقيقة؛ لأنه كونك تروح تقوله: والله حلني، ما ذاك برد، اعتباره الذي سقط حينما اغتبته في المجلس هل يزول إذا حللك؟ * الطالب: لا. * الشيخ: ما يزول، يبقى، فردُّ الغِيبة أن تثني عليه في مقابل الثناء بالسوء، تثني عليه بالخير في مقابل الثناء بالسوء. وهذا أصح؛ لأنه في الحقيقة لو تذهب تُعَلِّمه يمكن تأخذه العزة بالإثم يقول: لا. ثم (...) أني قلت: والله فلان بخيل، قال لي: لا، ما قال: بخيل وبس، قال: بخيل وشرير وفاسق وفاجر؛ لأن الشيطان يقول له كذا، فيتصور أن الأمر أكثر من هذا ولا يسامحك، فما دام الأمر أنه ما بعد وصله العلم. أما نعم، لو وصله العلم وعرفت أن الرجل قد أُخْبِرَ عنك بأنك اغتبته فهنا لا بد أن تستحلَّه، فهمت الآن؟ فصار الخلاصة أن يقال: إن المغتاب إن كان عالمًا بغيبتك فهو الآن قد ثار في نفسه عليك شيء، لا بد أن تستحله ليزول ما في نفسه، وإن كان مثلًا ما بعد بلغته، ما عمرك تكلمت إلا بها المجلس، وعرفت أنه ما وصله العلم، فهنا ما حاجة إلى أن تذهب وتقول له، وإنما تثني عليه بالخير مقابل ثنائك عليك بالشر. هذا القول هو الصحيح واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. (...) * * * * طالب: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٠ - ٧٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: (﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ منهم ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ ). هذا مستثنى من قوله: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ وما أُبْدِل منه، يعني ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ فإنه لا يلقى أثامًا ولا يُضاعَف له العذاب ولا يخلد فيه. وتقدَّم أن شروط التوبة خمسة: الإخلاص لله، والندم على ما وقع، وأن يُقْلِعَ عنها، وأن يَعْزِمَ على ألا يعود، وأن تكون في الوقت الذي تُقْبَل فيه التوبة؛ في وقتها. وتقدم أيضًا أن هذا الاستثناء يشمل كلَّ الذنوب الثلاثة: الشرك، وقتل النفس، والزنا، وأن ما ذُكِرَ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن القاتل لا توبة له[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٦٤)، ومسلم (٣٠٢٣ / ١٩).]]، فإن أراد على وجه الإطلاق فليس بصحيح، وإن أراد لا توبة له فيما يتعلق بحق المقتول؛ فهذا صحيح، على أننا نقول: لا يبعُد أنه إذا تاب توبة نصوحًا أن يتحمَّل الله تعالى وتبارك عنه حق المقتول فيرضيه. * طالب: قول ابن القيم في إعلام الموقعين: إن الحدود تسقط بالتوبة (...)، واستدل بحديث البخاري أن رجلًا وقع على امرأة (...)، فذهبوا به إلى النبي ﷺ وقالت: إن هذا الذي زنا بي، فلما أراد أن يقيم عليه النبي ﷺ حدَّ القذف اعترف الرجل عند النبي ﷺ قال: أنا الذي فعلت بها، فقال عمر: ألا تقيم الحد على هذا الذي اعترف؟ فقال ﷺ: «لَقَدْ تَابَ»[[أخرج أحمد (٢٧٢٤٠) من حديث وائل بن حجر قال: خرجت امرأة إلى الصلاة فلقيها رجل فتجللها بثيابه فقضى حاجته منها، وذهب وانتهى إليها رجل فقالت له: إن الرجل فعل بي كذا وكذا، فذهب الرجل في طلبه فانتهى إليها قوم من الأنصار، فوقفوا عليها، فقالت لهم: إن رجلًا فعل بي كذا وكذا، فذهبوا في طلبه، فجاؤوا بالرجل الذي ذهب في طلب الرجل الذي وقع عليها، فذهبوا به إلى النبي ﷺ فقالت: هو هذا، فلما أمر النبي ﷺ برجمه قال الذي وقع عليها: يا رسول الله، أنا والله هو، فقال للمرأة: «اذهبي فقد غفر الله لك»، وقال للرجل قولًا حسنًا، فقيل: يا نبي الله، ألا ترجمه، فقال: «لقد تاب توبةً لو تابها أهل المدينة لقُبِلَ منهم». ولكن أخرجه أبو داود (٤٣٧٩)، والترمذي (١٤٥٤) من حديث وائل بن حجر أيضًا بسياق آخر وهو أن النبي ﷺ قال للرجل قولًا حسنًا، قال أبو داود: يعني الرجل المأخوذ، وقال للرجل الذي وقع عليها: «ارجموه»، فقال: «لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقُبلَ منهم».]] (...)؟ * الشيخ: بالقرآن: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]. * الطالب: ما يقام عليه الحد؟ * الشيخ: ما يقام عليه الحد إذا تاب قبل القُدْرَة عليه، إذا كان هذا في قطاع الطريق وذنبه من أعظم الذنوب، فهذا من باب أولى إلا حد القذف إذا قلنا: إنه حق للآدمي، فلا يسقط إلا بإسقاط المقذوف. * الطالب: (...) اعترافه؟ * الشيخ: على مسألة التوبة أو أن الرسول عَلِم منه ذلك، المهم أنه إذا تاب قبل القُدْرَة فإنه يقام عليه الحد، نعم. ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ التوبة تقدم الكلام عليها، والإيمان في اللغة التصديق والإقرار، ولكنه في الشرع: تصديق القلب المستلزِم للقبول والإذعان، وليس مُجرد التصديق، بل هو تصديق مستلزم لهذا، فإن لم يستلزم فليس بإيمان. قلنا المستلزم لأي شيء؟ للقبول والإذعان، يقبل ما جاء به الشرع ويُذْعِنَ له، فيصدقه إن كان خبرًا ويقوم به إن كان طلبًا. * طالب: إذا لم يتب القاتل؟ * الشيخ: إذا لم يتب القاتل فعليه الوعيد الذي ذكر الله سبحانه وتعالى. * الطالب: طيب، (...)؟ * الشيخ: نعم، هو تحت المشيئة، لكن من يقول: إنه يغفر له؟ وقوله: ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾. هنا ذكر العمل ووصفه بالصلاح؛ لأن العمل غير الصالح لا ينفع صاحبه، والعمل الصالح ما جمع شرطين وهما: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ، فإن لم يكن فيه الإخلاص فليس بمقبول، وإن لم يكن فيه المتابعة فليس بمقبول، ففي الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، هذا دليل أن غير المخلَص فيه مردود. وأما غير المتابَع فيه؛ فلقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. ويجمعهما قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف ١١٠]. وقوله: (منهم)، منين؟ أي: من فاعل هذه الأمور الثلاثة؛ الشرك وقَتْلِ النفس والزنا، وإنما قيَّدها بذلك لقرينة السياق ولئلا تتكرر مع ما بعدها. (﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ المذكورة ﴿حَسَنَاتٍ﴾ في الآخرة). يبدلها: التبديل: جعْلُ شيء مكان شيء، وهذا التبديل هل هو تبديل قَدَرَيٌّ، أو تبديل جزائي؟ اختلف في ذلك أهل العلم، فمنهم مَنْ قال: إنه تبديل قَدَرَيٌّ، ومنهم من قال: إنه تبديل جزائي. كيف ذلك؟ الذين يقولون: إنه تبديل قَدَرِيٌّ يقولون: إن معنى تبديل السيئات حسنات أنه لما آمن وعمل عملًا صالحًا صار بدلَ الشِّرْكِ إيمان، وصار بدل الزنا وقتل النفس عمل صالح؛ يعني معناه: أن هذا الإيمان والعمل الصالح صار بدلًا عن الكفر والزنا وقتل النفس. فالمعنى أن إيمانه وعمله الصالح الذي فعله هو الحسنات التي أبدل الله تبارك وتعالى السيئات بها، فيكون هذا التبديل قدريًّا. وقيل: بل هو جزائي، بمعنى أن هذه المعاصي نفسها تكون حسنات، يبدل الله السيئات السابقة يجعلها حسنات، بالإضافة إلى حسناته الأخيرة التي قُدِّرَت له ففعلها. وكيف ذلك؟ يقولون: لأن هذه السيئات لما تاب منها صار له بكل توبة من هذه السيئات حسنة، فأُبْدِلَت سيئاته حسنات بالتوبة منها، ولأنه كُلَّما تذكر ما سبق من أعماله السيئة أحدث له توبة، فكانت هذه الأعمال السابقة صارت حسنات بالتوبة منها. والصحيح شمول الآية لهذا وهذا، وأن الآية شاملة للأمرين، فإن ﴿مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ تبدَّلت سيئاته السابقة فصارت حسنات، لكنها ليست هي الأولى نفسها، وكذلك إذا تاب منها جوزي على هذه التوبة بالثواب، فصارت السيئات بالتوبة منها حسنات. وكلام المؤلف يميل إلى الثاني؛ إلى أن التبديل هذا تبديل جزائي؛ لقوله: (في الآخرة)؛ لأنه لو كان قدريًّا ما كان في الآخرة؛ إذ التبديل القدري إنما يكون في الدنيا؛ لأنه عمله. والصحيح شمول الآية للأمرين، فبالإيمان والعمل الصالح تبدَّلت أعماله إلى أعمال صالحة، وبالتوبة من السيئات صارت السيئات السابقة حسنات؛ لأنه يزداد بهذه التوبة رِفْعَة ومقامًا عند الله سبحانه وتعالى. (﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: لم يزل متَّصفًا بذلك). و(كان) هنا كما مر علينا مجردة من الزمن، والمراد بها: اتصاف اسمها بخبرها صفة لازمة، ولهذا قال: (أي لم يزل متَّصِفًا بذلك) أي: بالمغفرة والرحمة. والغفور صيغة مبالغة أو صفة مشبهة، وكلاهما يدل على الثبوت والدوام والكثرة، والمغفرة ستر الذنب مع التجاوز عنه، يعني ستر الذنب وإسقاط عقوبته، وليس مجرد الستر لأنه مأخوذ من المِغْفَر، وبالمِغْفَر يكون الستر والوقاية. وأما الرحيم فهو ذو الرحمة الواصلة إلى المرحومين؛ لأنها تدلُّ على الفعل مع الصفة أيضًا، والرحمة صفة من صفات الله سبحانه وتعالى يكون بسببها الإنعام والإحسان إلى الخلق بجلب المنافع ودفع المضار. وأما من فسَّر الرحمة بالإحسان أو بإرادته فقوله خطأ؛ لأنَّ إرادةَ الإحسانِ أثرٌ من آثار الرحمة، وكذلك الإحسان، وليس هو الرحمة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. * طالب: شيخ، قولنا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ هنا صفة مشبهة ربما (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...) ولم تضف. * الشيخ: ما هو بلازم تُعْمَل ولا تضاف، وأما نصبها فللعامل، نصبها للعامل. * الطالب: ورد حديث ما معناه: ما يزال العبد يرى سيئاته تضع في كفة موازين حسناته (...)، حتى يتمنى أن لو أكثر من السيئات[[ورد في هذا المعنى ما أخرجه الطبري (١٩ / ٣١٢) عن أبي ذرّ، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنِّي لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار، وآخر أهل النار دخولًا الجنة، قال: يؤتى برجل يوم القيامة، فيقال: نحُّوا كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت كذا وكذا، وعملت كذا وكذا، قال: فيقول: يا رب لقد عملت أشياء ما أراها هاهنا، قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه» قال: فيقال له: «لك مكان كل سيئة حسنة».]]. * الشيخ: ما أعرف هذا الحديث، لكن نظرًا إلى أنها تبديل السيئات بحسنات يمكن من هذا الوجه.

الفرقان 25:71

(﴿وَمَنْ تَابَ﴾ من ذنوبه غير مَنْ ذُكِر)، ولهذا قال فيمن سبق: (﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ منهم)، من هؤلاء. وإنما قال: (غير مَنْ ذُكِرَ) لئلا يلزم التكرار، ولكن لا مانع أن نقول: لا حاجة للاستثناء، وتكون الآية الثانية عامة، فيكون من باب ذِكْر العام على الخاص؛ لأن إخراج مَنْ سَبَق من عموم الآية هذه لا وجه له، فالأولى أن يقال: إن الآية الثانية عامة تشمل مَنْ سبق وغيرهم. (﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ أي: يرجع إليه رجوعًا فيجازيه خيرًا). ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ ﴿تَابَ﴾ رجع من ذنبه، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: استزاد من العمل الصالح، فيكون هذا الرجل استعتب مما فعل وازداد خيرًا. يقول: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾؛ أي: ﴿مَتَابًا﴾ تامًّا، فالمصدر هنا لتعظيم هذه التوبة؛ أي: ﴿مَتَابًا﴾ عظيمًا لكمال هذه التوبة. وإلا لو قال قائل: إن هذا تحصيل حاصل، مَنْ تاب فإنه يكون تائبًا! لا، المقصود أنَّ توبته هذه توبة كاملة عظيمة، الإتيان بالمصدر: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ للدلالة على أن هذه التوبة وقعت موقعَها وأنها كاملة، وهذا حق فإن الرجل إذا تاب وازداد عملًا صالحًا تبيَّن بذلك صحة توبته وكمالها. وقد اختلف العلماء رحمهم الله: هل يُشترَط للتوبة إصلاح العمل أو لا يُشترَط؟ فمنهم من قال: إنه يشترط لها إصلاح العمل، وعلى هذا فيكون هذا شرطًا سادسًا زائدًا على الشروط الخمسة، وأن مَنْ تاب ولم يُصْلِح عملَه فإنه ليس بتائب. وقال بعض العلماء: بل تصحُّ التوبة مع عدم إصلاح العمل. وقال بعضهم: إن كان العمل من جنس ما تاب منه فلا بد من إصلاحه، وإلا فلا تصح التوبة. مثال ذلك: رجل تاب من الزنا ولكنه يسرق، فعلى القول الأول لا تصح توبته من الزنا؛ لعدم إصلاح العمل، وعلى القول الثاني تصح؛ لأن السرقة ليست من جنس الزنا، وعلى القول الثالث من باب أولى أنه لا يشترط إصلاح العمل مطلقًا، وأن من تاب من ذنب قُبِلَت توبته. ورجل آخر تاب من الزنا ولكنه استمر في النظر المحرم، استمر ينظر إلى النساء نظرًا محرمًا، فهذا على القول بأنه لا يشترط إصلاح العمل تصحُّ توبته من الزنا، وعلى القول بأنه لا بد من إصلاح العمل لا تصح توبته من الزنا، وعلى القول بأنه بالوسط اللي يقول: إذا كان من جنس ما تاب منه ولم تقبل أيضًا لا تصح؛ لأن هذا زنا العين كما قال النبي ﷺ[[أخرج أحمد (٨٣٥٦) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ، قال: «العين تزني، والقلب يزني، فزنا العين النظر، وزنا القلب التمني، والفرج يصدق ما هنالك أو يكذبه».]]. ولكن الصحيح أن يقال: أما إن أريد بالتوبة وصف هذا الرجل بأنه من التائبين الذين يلحقهم الثناء، ويصدُق عليهم أنهم تائبون، فهذا لا يمكن أن تصح منه التوبة أو أن يستحق وصف التوبة إلا بإصلاح العمل؛ لأنه لم يتب التوبة المطلقة، وإنما عنده مطلق توبة. وأما إن أريد بالتوبة التوبة من العمل المعين، فالصواب الجزم بأن توبته تقبَل؛ لأن هذا مقتضى عدل الله عز وجل: مَنْ عمل خيرًا فله، ومن عمل شرًّا فعليه، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨]، فكيف نقول: إن هذا الرجل لا تصح توبته من عمل تاب منه ورجع وندم؛ لأنه مُصِرٌّ على غيره؟! ما يصلح. فالصواب في هذا أن يقال: أما استحقاق وصف التائبين على وجه الإطلاق، فهذا لا يستحقه التائب إلى بإصلاح العمل؛ لأنه كيف يكون تائبًا إلى الله مَنْ هو مُصر على معصيته ولو من غير جنس ما تاب منه أو من جنسها؟! وأما إذا كان المقصود التوبة من هذا العمل المعيَّن؛ يعني: مطلق توبة لا توبة مطلقة، فإنها تصح جزمًا؛ لأن هذا مقتضى عدل الله سبحانه وتعالى. * طالب: شيخ، في الحديث أن رجلًا أذنب ثم تاب ثم أذنب ثم تاب، ثم أذنب ثم تاب، ثم قال الله سبحانه وتعالى: علم عبدي أن (...)[[أخرج البخاري (٧٥٠٧)، ومسلم –واللفظ له- (٢٧٥٨ / ٢٩) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ، فيما يحكي عن ربه عز وجل، قال: «أذنب عبدي ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا، فعلم أنَّ له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي ربِّ اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك».]]، هذا دليل على أنه يعني إذا تاب ثم رجع إلى العمل لم تُقْبَل توبته؟ * الشيخ: إي نعم، هذا العمل ما هي بمسألتنا هنا. * الطالب: ربما يكون عملًا آخر؟ * الشيخ: لا، هذه غير مسألتنا، نقول: الرجل هذا تاب من الذنب ولا رجع إليه، لكنه عاص لله من جهة أخرى، هذا هو بحثهم. * طالب: إذا قلنا بأن (...)، فهناك أحكام كثيرة تترتب على التوبة؛ مثل قلب السيئات إلى حسنات. * الشيخ: نقول: نعم، بالنسبة لهذا العمل المعين إذا تاب منه صار حسنة. * طالب: تُقْلَب (...)؟ * الشيخ: الكلام اللي قلنا قبل: هل هو قلب جزائي ولّا قلب قدري؟ * الطالب: إي، بس لا هذا العام؟ * الشيخ: لا أبدًا، لكن إما الشرك والزنا وقتل النفس. * الطالب: إي، لكن تاب توبة نصوحًا كاملة. * الشيخ: لا، تاب من هذه الأشياء، المهم أنه حتى مَنْ تاب توبة خاصة مِنْ ذنب خاص بُدِّلَت سيئاته حسنات، السيئة اللي تاب منه تكون حسنة، أولًا لأنه تركها لله، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن مَنْ هَمَّ بسيئة فتركها كُتِبَت له حسنة[[أخرج البخاري (٦٤٩١) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ، فيما يروي عن ربه عز وجل قال: قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيَّن ذلك، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هَمَّ بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومَنْ هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هَمَّ بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة».]]؛ لأنه تركها لله، فهذا مثله. ثم إن مجرد أن يتوب إلى الله ويعرف أن له ربًّا يؤاخذه ويعاقبه ويشعر بالخجل مِنَ الله عز وجل والحياء منه؛ هذه من الحسنات العظيمة. * الطالب: ما دام عليه وصف العاصي (...). * الشيخ: إي، عاص بالنسبة لكذا، تائب بالنسبة لكذا. * الطالب: طيب، ما الفرق بين الزنا (...)؟ * الشيخ: كيف الفرق؟ * الطالب: يعني مثلًا (...) كلهم مثلًا؟ * الشيخ: الفرق بينهم أن هذا يُجْلَد، وهذا تُقْطَع يده، وهذا يكون فاسقًا من وجه وذاك فاسق من وجه آخر؛ هذا باعتبار الأعراض، وهذا باعتبار الأموال، (...) من الفروق، ليس كل الذنوب على حد سواء لا في النوع ولا في القَدْر ولا في الإثم؛ ولهذا قلنا: إن الوصف المطلَق للتوبة لا يصح، لأنه حقيقة ما هو بتائب؛ إذ إنه عاص لله سبحانه وتعالى من وجه، لكن كوننا نقول: ما يُقْبَل توبتك من الزنا؛ لأنك تسرق، هذا ليس بصحيح. * الطالب: طيب، ما يمكن بدل ما نفرق بينهم من ناحية الجنس، نفرق بينهم من ناحية الدرجة؟ * الشيخ: كيف من ناحية الدرجة؟ * الطالب: يعني مثلًا فيه هناك كبائر يعني شديدة، وهناك (...)؟ * الشيخ: هو يستحق ما حصل، اللي هو تاب منه يُغْفَر له، واللي أصرَّ عليه يبقى عليه، صغيرة كانت أم كبيرة؛ لأن هذا مقتضى عدل الله، أليس هذا عمل خيرًا بتوبته؟ * طالب: هو ربما وصفه يعني واضح، لكن أن تُقْلَب إلى حسنة يعني (...). * الشيخ: طيب، نحن قلنا: إن قلب السيئة حسنة بالتوبة؛ لأن مجرد رجوعه إلى الله سبحانه وتعالى وتركه لها وتوبته منها حسنة، هذا إذا قلنا: إن المراد بالحسنة الحسنة الجزائية؛ أنه يجازى على نفس السيئة حسنة، إذا قلنا: إنه قدري بمعنى أن إقلاع هذا الرجل عن هذا الذنب واستقامته، هذا (...)، حتى الجزائي ما فيه إشكال أبدًا. * طالب: القدري واضح. * الشيخ: والجزائي أيضًا؛ لأن كرم الله سبحانه وتعالى أسرع وأسبق من عقوبته. * طالب: (...)؟ * الشيخ: قدريٌّ من القدر. * الطالب: وأيضًا الجزائي مِنَ القدر. * الشيخ: إي، لكنه ثواب، لكن هذا قدري بمعنى أنه يُقَدَّر له حسنات جديدة غير الأولى، والجزائي بمعنى أنه يجزى على نفس السيئات حسنات. * طالب: الواو يا شيخ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا﴾ (...) ويش نعربها؟ عاطفة؟ * الشيخ: إي نعم، عاطفة. * الطالب: إذا كانت عاطفة نرجع إلى الشرط السادس الذي يقول لا بد من صلاح العمل. * الشيخ: إي، لكن عاد عمل صالحًا نحن قلنا: ما يستحق وصف التوبة المطلق إلا بهذا، بالعمل الصالح. * الطالب: هناك يا شيخ آيات من القرآن تصف الإنسان بالتوبة ولو ما عمل عملًا صالحًا (...)؟ * الشيخ: إي، مثل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]. * طالب: ذكرنا أن العاصي يعرف من نفسه أنه ضعيف الإيمان وسيُسَلَّط عدوه عليه، وأنه سوف يعود إلى هذه المعصية (...) كل ما يعمل معصية يتوب وإلا (...)؟ * الشيخ: لا، يتوب، ويش يدريه؟ * الطالب: سيعرف أنه سيذنب. * الشيخ: لا، بس نقول: توبته هذه ما تصح، لكن مجرد شعوره بأنه مخطئ قد ينفعه هذا، أما أننا نقول: لا تستمر، ما يجوز هذا. * الطالب: هو من أصله معترف أنه مخطئ. * الشيخ: طيب، معترف أنه مخطئ لكن هو يقول: أنا أبغي أستمر، ما أنا بمقلع لا بقلبي ولا بفعلي، كلما سنحت لي الفرصة بأفعل، هذا شر، لكن كونه يتوب إلى الله ويخجل ويصير عنده نوع من التقرب إلى الله أحسن من عدمه. * الطالب: ولو تعددت توبته؟ * الشيخ: ولو تعددت توبته، لكن الواجب على المؤمن أنه يتوب جزمًا، وإذا قُدِّر فيما بعد أن أسباب المعصية توفرت لديه وأن نفسه غلبته فإن ذلك لا ينقض توبته الأولى، سيؤاخذ من جديد بالمعصية الجديدة ثم يتوب. * طالب: (...)؟ * الشيخ: واستغفارك أيضًا.. هذا أمر غير وارد، إلا على مذهب الجبرية (...) فالتروك أهون من الأفعال؛ ولهذا ما تجد الترك مثلًا رُتب عليه مثلًا الثواب المطلق، بخلاف الفعل؛ الفعل أشق على النفس؛ لأنه جهاد للنفس من وجهين، لكن الترك من وجه واحد، فكلمة (...) ما هو بصحيح. * طالب: طيب، يا شيخ كلمة... * الشيخ: هذا سلمك الله لو أن سوط السلطان في ظهره مرة وفي بطنه مرة، يعجز ولَّا ما يعجز؟ * الطالب: لا، ما يعجز، لكن (...). * الشيخ: ما هو بصحيح، أنا أشهد أنه (...)؛ لأن فيه أناسًا تابوا، صدقوا العزيمة وتابوا وأقلعوا عنه، إي نعم. الصحابة رضي الله عنهم قبل أن ينزل الخمر كانوا مدمنين على الخمر، وإمساك الخمر لشاربها أكثر من إمساك الدخان، ومع ذلك بيوم واحد كلهم (...)، الكلام على صدق العزيمة، إي نعم. الآن في غير الصيام هذا الشارب ما يستطيع يتوقف على زعمه النهار كله، ما يقدر على زعمه يمسك النهار كله عن الدخان، وفي الصيام، حيث إنه عازم. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان ٧١]. قلنا: إن قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ ليست كقول القائل: الأرض تحتنا والسماء فوقنا، يعني تحصيل حاصل. بل إن المعنى أن هذه هي التوبة الصادقة الحقيقية الكاملة. وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ أي: يرجع إلى الله رجوعًا تامًّا كاملًا كما قال المؤلف. ﴿ ﴾

الفرقان 25:72

﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]، هذه معطوفة على قوله؟ * طالب: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ﴾ [الفرقان ٦٣]. * طالب آخر: لا، على مجموع الأوصاف. * الشيخ: على قوله: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ [الفرقان ٦٣]، وسبق أن الصحيح أن ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ خبر وليست صفة كما قال المؤلف. (﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان ٧٢] أي الكذب والباطل). هذا معنى (الزور) من ازورَّ، أي: مال وانحرف، ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ [الكهف ١٧]. فالمعنى الزور: كل ميل قولي أو فعلي، إن كان قولًا وصف بالكذب، وإن كان فعلًا وصف بالباطل، فكل قول أو فعل مائل عن الطريق فإنه زور. الكذب زور، والشتم واللعن والغيبة زور أيضًا، والغصب والسرقة والزنا وغيرها زور أيضًا. * طالب: باطل. * الشيخ: زور، هو زور، لكن قد نسميه باطلًا إذا كان فعلًا. فالمهم أنهم لا يشهدون الزور، وإذا كانوا لا يشهدون الزور فهل يفعلونه؟ * طالب: لا. * الشيخ: من باب أولى؛ لأنهم إذا كانوا لا يحضرونه فإنهم لا يفعلونه قطعًا، إذ لو فعلوه لحضروه، كل فاعل حاضر، وليس كل حاضر فاعلًا على وجه الحقيقة، لكنه فاعل حكمًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء ١٤٠]، فدل هذا على أن القاعد سواء قاعد أو مضطجع أو واقف، المهم أن المشاهد لفعل العاصي مثل العاصي حكمًا عند الله، نعم، إلا من أُكره على الحضور فهذا شيء آخر لا حكم له، كمن أكره على الفعل. * طالب: كل المعاصي يا شيخ؟ * الشيخ: كل المعاصي نعم. (﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ من الكلام القبيح وغيره ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢] معرضين عنه). ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾، (اللغو) الصواب أنه ليس الكلام القبيح؛ لأن الكلام القبيح داخل في ﴿الزُّورَ﴾، لكن المراد باللغو: ما لا فائدة فيه، كل ما لا فائدة فيه فهو لغو؛ وذلك لأنه لا يقصد، وما لا يقصد فهو لغو: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة ٨٩]. فاللغو ما لا فائدة فيه. * طالب: لو كان مباحًا؟ * الشيخ: سواء كان قولًا أو فعلًا. وقوله هنا: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢]، ما قال مثلما سبق: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان ٦٣]؛ لأنه هناك خطاب معين مباشر، فيقولون لا بد أن يقولوا قولًا يسلمون به، لكن هنا يمرون بالشيء بدون أن يخاطبوا به، والمراد بالمرور به سواء كانوا مارين هكذا في طريق أو مارين مثلًا جالسين فجاء شيء لا فائدة فيه، لغو، فإنهم يمرون كرامًا، ومعنى مر الكرام هنا أي أنهم لا يلحقهم منه شيء، بل يحاولون الإصلاح؛ لأن الكريم يعطي غيره، ينفع نفسه وغيره، فهم إذا مروا باللغو يمرون كرامًا، يحاولون أن يفيدوا من وجودهم؛ وذلك بأن ينقلوا هذا اللغو إلى أمر مفيد. ولهذا قال: ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ ما قال: قالوا سلامًا؛ لأنه هناك يخاطبون بما يسيء إليهم فيقولون قولًا يسلمون به؛ لأن المقام يقتضي بس أنك تسلم، لكن هنا ما يؤذون، إنما يمرون بلغو لا فائدة منه، فيمرون كرامًا مفيدين ومستفيدين. ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾، قال: (معرضين عنه) ما هو بصحيح أيضًا، قد لا يعرضون عنه لكن يفيدون ويستفيدون، والإنسان الموفَّق يستطيع أن يفيد ويستفيد حتى فيما إذا كان المجلس مجلس لغو، يعني كلامًا مباحًا، يستطيع أن يحوله إلى كلام مطلوب؛ وذلك بما يستعرضه مثلًا من كون هذا الشيء الذي يتحدثون به دليلًا على قدرة الله ولّا على رحمة الله ولّا على حكمة الله مثلًا، فيفيد ويستفيد. لكن هذه الأمور في الحقيقة تريد رجالًا يعتبرون أنفسهم قادة مصلحين، ما تريد رجالًا يعتبرون أنفسهم من جنس مجتمعهم يمشون الهوينى بدون إصلاح؛ ولهذا يفوتنا كثيرًا في هذه الأمور، يفوتنا كثيرًا والله من هذه الناحية، نجلس مجالس اللغو لا نفيد ولا نستفيد، غاية ما هنالك إن كان الإنسان استحضر نية التأليف وعدم الانزواء وما أشبه ذلك، وهذا خير لكن ولو، الخير والأكمل أن تحاول الإفادة والاستفادة. وبعض الناس أيضًا يريد بالمجالس التسلي فقط، ما يريد معنى وراء ذلك، وهذا فاته خير كثير. فعلى كل حال الناس يختلفون، والمسائل تعود على النيات، وكم من عمل عمله شخص وعمله آخر فصار بينهما مثل ما بين السماء والأرض: السجود يكون شركًا ويكون طاعة، إن سجدت لصنم كان شركًا، ولله كان طاعة، وهكذا جميع الأعمال في الحقيقة النية لها تأثير كبير في إصلاحها أو إفسادها. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، أصلًا ما تحوله (...)، لكن تستطيع شوي شوي، نعم، الآن مثلًا عندما تحاول أن تمنع الماء الكثير المنحدر في مرة واحدة ما تستطيع، حتى مثلًا (...) الجوانب شوي شوي يمكن تقضي عليه. * طالب: شيخ سؤال مثلًا لو كان الأشخاص هؤلاء مثلًا يعني شباب يعني همهم (...)، هم على قصد وأنا على قصد، أنا قصدي بأصلحهم مثلًا أحاول أعالجهم، وهم قصدهم غير قصدهم أني معهم، يعني في اللهو معهم، وأنا لي هدف يا شيخ؟ * الشيخ: ما يخالف، أنت إذا قصدت الإصلاح، فهذا طيب، بس أخشى أنهم يغلبونك. * الطالب: لا إن شاء الله (...). * الشيخ: نعم؟ * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، أصلًا ما هي بالنوادي محرمة، من يقول: إن النوادي محرمة؟ * طالب: بعض الأفعال فيها. * الشيخ: بعض الأفعال فيها، لا بأس، بعض الأفعال فيها قد يكون غير مرضي، لكننا ما نحاول أن نقول: إن هذا محرم؛ لأن بعد تركهم وترك الاختلاط بهم مشكلة بعد، معناه أنهم نخلوهم والشياطين. * طالب: (...). * الشيخ: يحاول ينصحهم. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ليس إصلاحًا (...). * الطالب: أبدًا (...). * الشيخ: هي على كل حال، ما فيه شك أنه يمكن المراد منها، وأصل المؤسسين لها أن قصدهم صد الناس عن دين الله، وهذا هو الواقع؛ لأنها هي أيضًا مثل القات، لكن مع ذلك ما نقول: إنها معدومة الخير مئة بالمئة. * طالب: (...). * الشيخ: طيب، ويش رأيكم؟ ويش نسوي؟ * الطالب: ما يقربون ولا يؤيدون؛ لأن البعض ممكن (...). * الشيخ: لا ما نؤيدهم، نحن ما نؤيدهم على أعمالهم ولا على نواديهم بالحقيقة، ونرى أنه من المصلحة أن يصرف الشباب إلى شيء آخر، إلى تعلم الرماية وإلى تعلم السباحة وإلى السباق وإلى الأشياء المفيدة (...)، ما يهم، المهم بس شيء يفيدون الناس. أما هذه أنا ما أقول إني أؤيد النوادي، بل أقول: إن ضررها أكثر من نفعها، وإن كان مع ذلك ما نقول: إن ضررها مئة بالمئة، نقول: ضررها أكثر من نفعها. * طلبة: (...). * الشيخ: ألا ترون أن ها الشباب الكثير هذا لو بقي مسرحًا في الأسواق ما يحصل فيه مفسدة؟ * طالب: لا بد أنه... * الشيخ: والله أنا عندي أن هي كافة هي، يعني كافة... * طالب: (...). * الشيخ: لا، بس أنا عندي أن بقاءهم أفسد، لو بقوا مسرحين في الأسواق لكان أفسد لهم. * طالب: (...) ومكتبات. * الشيخ: اتفقنا على هذا، على أنها تحتاج إلى توجيه، وأن وجود النوادي ضرر، لكن ما نقول: إنها ضرر محض؛ لأنها كافة بعد عن أشياء كثيرة، تجد هذا الشباب لو أنهم مثلًا قام يتجول في الأسواق ويتجمعون تجمعات، كان يحصل شيئًا كثيرًا. * طالب: (...) ومكتبات وحدائق وكذا فيستفادوا يا شيخ. * الشيخ: هو ما أنا بأقول: إن هذه فكرة جيدة، ما هي (...)، ما هي بسليمة أبدًا، ولا هي مقصود بها الخير للمسلمين أيضًا، أنا أجزم والله أعلم أنه ما قصد بها الخير للمسلمين، إنما قصد بها إلهاء الناس وصدهم عن دين الله. * طالب: بس يا شيخ (...)؟ * الشيخ: لا، لكن مع ذلك ما نقول: إنها شر محض، هذا الكلام العام الذي هو موضع النقاش هل هي شر محض أو فيها خير؟ وأقصد بالخير ما هو بالخير الإيجابي، لا أقصد به خيرًا إيجابيًّا، لكن خيرًا سلبيًّا بمعنى أنك تكف عن مفاسد في ظني أكثر منها. * طالب: إي نعم (...). * الشيخ: متدهورة؟ * الطالب: متدهورة، إي الكرة السعودية متدهورة اليوم وضعيفة. * الشيخ: إي. * الطالب: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة ١١١]. * الشيخ: الاستشهاد (...)! * الطالب: الاستشهاد بالقرآن، ثم علم لا إله إلا الله محمد رسول الله قد (...). * طالب: أكثر (...)، لو كان مع يهود مع أي شيء؟ * الشيخ: هو ما فيها شك، ولهذا تجد أن بعضهم يشجع ناسًا مثلما يقول من النصارى واليهود من هؤلاء اللاعبين، وتجدهم إذا جاءت مباراة في التلفزيون لو أقيمت الصلاة يسمع إقامة الصلاة ما يقوم للصلاة، هذا صحيح، ما أنا أقول: إنه... * طالب: ويحبون هؤلاء أكثر أي شخص. * الشيخ: إي نعم، يحبون من يشجعونهم من هؤلاء يمكن أشد من حب الله ورسوله. * طالب: (...). * طالب: ما تعتبر صنمًا هذا؟ * طالب: عبادة يعني. * طالب: يقدمون طاعتها على طاعة الله عز وجل وعلى حب الله عز وجل. * الشيخ: نعم، صحيح، ينطبق عليها عبد الدينار والدرهم[[أخرجه البخاري (٦٤٣٥) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «تعس عبد الدينار، والدرهم، والقطيفة، والخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض». ]]؛ لأنهم إن أعطوا رضوا وإن لم يعطوا سخطوا، إن نجحوا رضوا وإلا سخطوا، وقالوا: ويش هذا الحظ؟ ويش ها النصيب ويش ها التقدير؟ * طالب: (...). * الشيخ: عجيب، هذا الأيام دي؟ * طالب: (...). * الشيخ: ومات موت؟ * الطالب: ما تموت، لا ربما إذا ذهب (...). * الشيخ: يعني فرح على ها الحال؟ * طالب: إي (...). * الشيخ: فرحًا. * الطالب: إي، وفرح (...). * الشيخ: انتصار فريقه الذي يراه. * الطالب: (...). * الشيخ: الله أكبر، سبحان الله العظيم. * طالب: يعني يا شيخ كم مرة (...). * الشيخ: لا روح (...). * الطالب: وإلا كان (...)، لكن متى يصير فيها شيء؟ يصير فيها شيء إذا أخرتنا مثلًا عن وقت الصلاة، إذا مثلًا (...). * الشيخ: لا (...) أبدًا إن شاء الله، ما يصير إلا الخير، أنت إذا صار هم اللي طالبينك، فهم ما يطلبونك إلا أنهم يظنونك (...). * الطالب: (...). * الشيخ: هاه؟ * طالب: علشان يبارك هذا العمل (...). * الشيخ: لا، أنا أخشى بعد أن هذا يقتضي، خطير يعني، الإنسان يجب أنه يراعي اللي بينه وبين الله بعد، إذا طلب منه ناس وقالوا: تعال (...). * طالب: (...). * الشيخ: (...) اجتمعوا. * الطالب: فيه صور مثلًا (...). * الشيخ: لا، هذا (...) أنك تقول لهم: ما نجلس بها المكان، قوموا إلى مكان ثانٍ وبعدين (...). * الطالب: يقولون (...).

الفرقان 25:73

الشيخ: إضافة إلى ما ذُكر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان ٧٣]. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ ولم يبين من المذكِّر ليشمل كل مذكِّر؛ وليبين أن قبولهم للتذكير ليس من أجل شخص مذكِّر؛ لأن من الناس من لا يقبل الحق إلا من شخص معين، إذا جاءه من شخص آخر لم يقبله، مثل ما فعل أهل الكتاب بالنبي عليه الصلاة والسلام، وغيرهم أيضًا، لا يقبلون الحق إلا من طائفة معينة أو شخص معين: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة ١٤٥]. فهنا قال: ﴿إِذَا ذُكِّرُوا﴾ ولم يبين المذكر إشارة إلى أنهم إنما يقبلون الحق؛ لأنه حق، لا من أجل من قال به، نعم، فهم لا يقبلون التذكير لأجل شخص مذكِّر أو يردونه من أجل شخص مذكِّر، وإنما يقبلونه؛ لأنه تذكير، وهذا هو الفائدة في حذف الفاعل. (﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا﴾ وُعِظُوا ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان ٧٣]). هنا: ﴿ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾، هل المراد ﴿ذُكِّرُوا﴾ بها؛ أي أنها جُعلت وسيلة للذكرى أو التذكير، أو ﴿ذُكِّرُوا﴾ بها؛ أي بما حكمت به ليعملوا به؟ * طالب: شامل الجميع. * الشيخ: شامل الجميع؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: يعني سواء ﴿ذُكِّرُوا﴾ تذكيرًا بواسطة الآيات بأن قُرِأت عليهم ليذَّكَّروا، أو ﴿ذُكِّرُوا﴾ بها؛ أي: قيل لهم اذكروا أحكام الله واعملوا بها، فهو شامل للأمرين. وقوله: (﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الفرقان ٧٣] أي: القرآن)، الصواب العموم: القرآن وغير القرآن، وأنه أيضًا أعم من جهة كون الآيات كونية أو شرعية، فنحن نقول: بالقرآن وغيره من الكتب السابقة، ونقول أيضًا: بالقرآن والكتب أو بالآيات الكونية، فإن الآيات الكونية مذكرة لقول النبي ﷺ في الكسوف: «يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ»[[أخرجه البخاري (١٠٥٩) من حديث أبي موسى الأشعري، ومسلم واللفظ له (٩١١ / ٢١) من حديث أبي مسعود الأنصاري.]]، فالآيات الكونية مخوفة ومذكرة بالله عز وجل؛ ولهذا دائمًا يحث الله سبحانه وتعالى على النظر في هذه الآيات الكونية، لما فيها من الدلالة على الخالق وعلى ما تشتمل عليه من صفاته: من الحكمة والرحمة وغير ذلك. صار الآن عندنا عمومان في التذكير بالآيات؛ العموم الأول: أنها تشمل الآيات الكونية والشرعية، والثاني: أنها تشمل القرآن وغير القرآن من الكتب السابقة؛ لأن المراد بقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [الفرقان ٦٣] ليس خاصًّا بعباد الرحمن من هذه الأمة، بل هو عام لكل عباد الرحمن من كل أمة. (﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان ٧٣] يسقطوا عليها ﴿صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ بل خروا سامعين ناظرين منتفعين). ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا﴾ جمع أصم؛ وهو الذي لم يسمع، ﴿وَعُمْيَانًا﴾ جمع أعمى وهو الذي لم ير، وإنما قيده بهاتين الحاستين؛ لأنهما الوسيلة إلى وصول الشيء إلى القلب؛ إذ الأشياء إما مرئية فوسيلتها النظر، وإما مسموعة فوسيلتها السمع، فنفى أن يكونوا صمًّا ونفى أن يكونوا عميانًا. وقوله: ﴿لَمْ يَخِرُّوا﴾، يقول المؤلف: (لم يَسْقُطُوا)، وإنما يقبل عليها إقبال سامع مبصر؛ لا أنهم يسقطون عليها على هذا الوجه. فإذا قال قائل: هذه الصفة سلبية، والصفات الثبوتية أبلغ في الثناء، فلماذا لم يقل: إذا ذكروا بآيات ربهم أقبلوا عليها مبصرين سامعين؟ * طالب: لأنه أولًا المؤمنون موصوفون بضد هذه الصفات من صفات الثبوت، فـ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ يدل على أنهم ينتفعون بها (...) عليها. * الشيخ: إي. * الطالب: ثانيًا: أنه فيه التعريض بالخارين عليها صُمًّا وعميانًا وهم الكفار. * الشيخ: تمام، نعم، الأول تمشي حالًا على الوجه الأول؛ لأننا نقول: حتى إذا قلنا إن هذا النفي تضمن إثباتًا، والنفي كما مر علينا لا يكون مدحًا إلا إذا تضمن إثباتًا، لكننا نقول: لماذا لم يثبت أصلًا؟ فلا يرتفع الإشكال، إنما يُقال: إنه تعريض بالذين يخرون عليها صمًّا وعميانًا، وتعرفون أن هذه السورة من أولها إلى آخرها في مجادلة المنكرين لما جاء به الرسول ﷺ، وهم إذا كانوا منكرين يخرون على الآيات صمًّا وعميانًا، فهذه -والله أعلم- وجه المناسبة في العدول عن ذكر الصفة الثبوتية إلى ذكر الصفة السلبية: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نقول: تعريضًا؛ لأجل التعريض بهؤلاء الذين إذا ذكروا بآيات ربهم خروا عليها صمًّا وعميانًا. * الطالب: (...) أكثر. * الشيخ: هه؟ * الطالب: (...) على نقيضهم. * الشيخ: إي، على نقيضهم، لكن إحنا نقول: هم على نقيضهم، لماذا لم يقل: خروا عليها مبصرين سامعين؟ لأجل السبب الذي ذكرنا، نعم. (﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان ٧٣] بل خروا سامعين ناظرين منتفعين).

الفرقان 25:74

ثم قال: (﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ [الفرقان ٧٤] بالجمع والإفراد). ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ جمع، ﴿وَذُرِّيَّتِنَا﴾ إفراد. ﴿هَبْ لَنَا﴾ منها ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ لنا بأن نراهم مطيعين لك ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤] في الخير). بعد أن ذكر الله تعالى صلاح هؤلاء بأنفسهم، ذكر أنهم أيضًا يسعون في إصلاح غيرهم ممن يتصل بهم من الأزواج والذرية، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا﴾ [الفرقان ٧٤]، وفي هذا دليل واضح على أن دأب المؤمنين دعاء الله، وأما من قال: علمه بحالي يكفي عن سؤالي، فهذا قول باطل، وليس بصحيح؛ لأننا نقول: إن الله تعالى وصف الرسل وأتباعهم بأنهم يدعون الله، وهم يعلمون علم اليقين بأن الله تعالى يعلم بحالهم، ومن قال مثل هذا القول فإنه يدل على استكباره عن دعاء الله سبحانه وتعالى، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وأيش قلنا؟ * الطالب: قلنا بأن الذين قالوا: إنه يكفي معرفة الله بحال المؤمن (...) عليه. * الشيخ: إي. * الطالب: فالمؤمنون دعوا بدعاء الله عز وجل، وكذلك الرسل. * الشيخ: بعد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي، قلنا: وأن هذا القول يدل على استكبار صاحبه وعدم خضوعه لربه، وإلا فمن المعلوم أن الله عالم بكل أحد، فلماذا لا تقول: يا ربي؟ لماذا لم تقل؟ ولكن هذا والعياذ بالله من الطرق الشيطانية التي أرسلها الشيطان على متبعيها من الصوفية وغيرهم. ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا﴾ الهبة بمعنى العطية ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ [الفرقان ٧٤]. هل ﴿مِنْ﴾ للتبعيض ولّا لبيان الجنس؟ * طالب: لبيان الجنس. * الشيخ: هه؟ * طالب: للجميع، صلاح الذرية جميعًا. * طالب آخر: للصلاح. * الشيخ: إي نعم، لبيان الجنس، ما هم يقولون: بعض أزواجنا هب لنا منهم قرة أعين، بل الجميع، لا، ولكنها للبيان، ﴿مِنْ﴾ بيانية وليست تبعيضية. وقوله: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾ جمع زوج، الذكر ولّا الأنثى؟ * طالب: كلا (...). * الشيخ: الرجل يقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ﴾؛ لأن (الذين) للمذكر، والمرأة تقوله أيضًا؛ لأن الخطاب أو التحدث بصيغة جمع المذكر يشمل المؤنث أيضًا، فالمرأة تقوله والرجل يقوله أيضًا. يقول: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ قراءتان: ﴿وَذُرِّيَّتِنَا﴾ ، ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾، أما على قراءة ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ فالوجه فيها ظاهر لفظًا ومعنى، أما لفظًا فلمناسبة الجمع قبلها: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾، وأما معنى فلأنه أشمل، شموله ظاهر: من أجل الجميع. وأما ﴿وَذُرِّيَّتِنَا﴾ فإنها لا تتلاقى مع ما قبلها من حيث الصيغة؛ لأنها مفرد، لكنها تلاقيها من حيث المعنى؛ لأنها مفرد مضاف، والمفرد المضاف للعموم، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: هل فيه مثال يدل على أن المفرد المضاف للعموم من القرآن؟ * طالب: من القرآن؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: ما أستحضر. * الشيخ: ما تستحضر؟ * الطالب: نعم. * طالب آخر: قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان ٢٠]. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: قوله ﴿نِعَمَهُ﴾. * الشيخ: إي، جمع، هل مثله ما تستحضر؟ * طالب: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨]. * الشيخ: نعم ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، يقينًا المراد بالـ﴿نِعْمَةَ﴾ هنا الجمع؛ لأنه قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا﴾، والنعمة الواحدة أولًا لا تُعد، والشيء الثاني لا تُحصى، والله يقول: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾، فهذا مثال واضح جدًّا على أن المفرد المضاف يكون للعموم والشمول. إذن ﴿وَذُرِّيَّتِنَا﴾ على قراءة الإفراد يلاقي ما قبله من حيث المعنى؛ لأنه يشمل جميع الذرية. ومَن المراد بالذرية؟ المراد بالذرية الأولاد ذكورهم وإناثهم، وأولاد الأبناء دون أبناء البنات، فإن أولاد البنات ليسوا من الذرية لغة ولا شرعًا عند كثير من الفقهاء، نعم، وقيل: بل أولاد البنات من الذرية؛ لأن الله تعالى قال في إبراهيم: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ [الأنعام ٨٤، ٨٥]، ﴿وَعِيسَى﴾ ولد بنت وليس ولد ابن، فجعله الله من الذرية، فدل هذا على أن أولاد البنات من الذرية. ولكننا نقول: ليس في الآية دلالة؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام أمه أبوه؛ يعني ما له نسب من قبل الأبوة، منقطع؛ ولهذا المرأة الملاعِنة أو الملاعَنة إذا نفى زوجها ولدها منها، صارت هي أمًّا وأبًا. فالصواب أن الذرية لا يدخل فيها أولاد البنات، هذا من حيث اللغة والشرع، أما من حيث الوقف والهبة وما أشبه ذلك مما يتصرف فيه الإنسان بنفسه وله الحرية فيه، فهذا حسب ما ينص عليه، لو قال مثلًا: هذا وقف على ذريتي الذكور والإناث ومن مات منهم عن ولد فنصيبه لولده، وأيش يصير هذا؟ يكون للجميع. وكذلك لو قال: هذا وقف على ذريتي ومن تفرع منهم، وليس له إلا بنات، هذا أيضًا يدخل أولاد البنات بلا شك، أو قال مثلًا: على ذريتي وولد البنات ينزلون منزلة أمهاتهم. فكذلك؛ يعني إذا نص على الشيء أو دلت القرينة عليه دخل أولاد البنات، لكن هذا الدخول بحسب ما تقتضيه الصيغة عرفًا أو نطقًا لا بحسب الشرع واللغة العربية. ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان ٧٤]، ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾، وأيش معنى قرة العين؟ قرة العين هل معناها الاستقرار، مأخوذة من الاستقرار؟ ولّا مأخوذة من القُّر وهو البرد؛ لأنهم يقولون: إن دموع العين الحزينة حارة والعين القريرة باردة؟ نعم، هذا هو الأقرب، وليس من الاستقرار؛ لأن الإنسان ما هو معناه إذا فرح قرت عينه، ولا معناه أنه إذا حزن (...)، ليس الأمر كذلك، لكنها من القر الذي هو البرودة؛ لأن الإنسان إذا حزن حميت عينه، ولهذا يُقال: دموع الحزين حارة. فالمعنى السرور والاطمئنان وما أشبه ذلك، وكني بالعين؛ لأنها تتأثر. وقول المؤلف: (بأن نراهم مطيعين لك)، هذا بالحقيقة من جملة ما تقر به عين المؤمن؛ أن يرى أزواجه وذرياته مطيعين لله، والغريب أن الإنسان المسلم إذا رأى أزواجه وذرياته مطيعين لله تقر عينه وإن كان هو فاسقًا، الغريب أن الوالد يفرح أن وليده يصير مطيعًا لله مجتنبًا للمعاصي وهو فاسق! يحب أن وليده يصلي مع الجماعة ولو ما يصلي هو، وكذلك يحب أن وليده ما يشرب الدخان لو هو يشرب الدخان؛ لأن المسلم مجبول على محبة طاعة الله، فهؤلاء الذين يكونون قرة أعين؛ يعني: بأن نراهم مطيعين لك. هذا واحد. والصواب أيضًا: ولنا؛ لأن الإنسان أيضًا إذا كان ولده وزوجته موافقين لطاعته، تقر عينه ولّا لا؟ تقر، هذا إذا أضيفت إلى طاعة الله، لكن إذا كانوا مطيعين لله وعاصين له، تقر عينه من وجه إذا ذكر طاعتهم لله وقيامهم بطاعة الله رضي وفرح، وإذا رآهم عاصين له يقول للولد: اجلس في القهوة وانتظر الرجال، ولكنه يخرج، نعم. ويقول للمرأة: أصلحي الطعام، ولكنها لا تصلحه، هذا لا شك أنه يسوؤه هذا الشيء ولا تقر عينه به، مع أن هذا الأمر معصية لله؛ يعني لو شئنا لقلنا: إن قوله: (بأن نراهم مطيعين لك) يشمل حتى طاعتهم لأبيهم وطاعة المرأة لزوجها، يشمل هذا وهذا، وكذلك قيام الرجل بما يجب لزوجته يدخل في ذلك؛ يعني لو شئنا أن نقول هكذا لقلناه، لكنه خلاف ظاهر الكلام. فالصواب: أن نراهم مطيعين لك قائمين بما يجب عليهم لنا؛ لأن بذلك يتم قرار العين. يقول: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤]، ﴿إِمَامًا﴾ يعني: قدوة، والإمام هو القدوة المتبع. وقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، سبق الكلام على التقوى عدة مرات، وأن المراد بالتقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله، وذلك بفعل الأوامر واجتناب النواهي. ومعنى كونهم: ﴿لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ أي قدوة، اتصافهم بالتقوى واتصافهم بالعلم؛ لأنه ما يمكن أن يكون الإنسان قدوة إلا إذا علم فيه العلم والتقوى، فإذا لم يكن عالمًا لم يثق الناس به من حيث العلم، الجاهل ما يقتدون به، وإذا كان عالمًا لكن عنده انحراف قولي أو عملي أو اعتقادي، فإنه أيضًا لا يكون قدوة للمتقين، لا لعدم علمه، ولكن لعدم نصحه. فهذا الدعاء: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، يتضمن ثلاثة أمور: العلم، والتقوى، والتأثير؛ لأن من لم يكن عالمًا لم يكن قدوة، ومن لم يكن متقيًا لم يكن قدوة، ومن لم يكن مؤثرًا لم يكن قدوة أيضًا، والتأثير بالقول وبالفعل له دور كبير، تجد مثلًا رجلين متقاربين في العلم، لكن أحدهما يصرف الله القلوب إليه فيتخذونه قدوة، والآخر لا يحصل له هذا الأمر، فهذا نقول: نزيد على العلم والتقوى التأثير، والتأثير -كما تعرفون- يكون سببه قوة البيان والفصاحة إذا كان التأثير بالقول، ويكون سببه أيضًا الاستقامة وحسن السلوك إذا كان تأثيرًا بالفعل. وعلى كل حال فلا تتم الإمامة إلا بهذه الأمور الثلاثة: العلم، والتقوى، والتأثير بالقول أو بالفعل. وفي الآية إشكال لفظي، وهو قوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤]؛ لأن (اجعلنا) فعل ينصب مفعولين أحدهما مبتدأ والثاني الخبر، ومن شروط المبتدأ والخبر أن يكونا متطابقين إفرادًا وتثنية وجمعًا. هنا المبتدأ جمع ولّا لا؟ ﴿وَاجْعَلْنَا﴾ (نا) جمع، و﴿لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، ﴿إِمَامًا﴾ هذا الخبر، وهو المفعول الثاني، مفرد ولّا جمع؟ * طالب: مفرد. * الشيخ: مفرد، هو مفرد، فيبقى إشكال؛ وهو عدم مطابقة الخبر للمبتدأ، والمطابقة أن يُقال: واجعلنا للمتقين أئمة، فما هو الجواب على هذا؟ * طالب: ما يمكن يصير الخبر جملة؟ * الشيخ: وين الجملة؟ * الطالب: فيها تقدير: ﴿إِمَامًا﴾ (...)؟ * الشيخ: ما تصير جملة؛ لأن هذه ﴿إِمَامًا﴾ منصوبة، فالفعل مسلط عليها. * طالب: (...). * الشيخ: إي، لو قال: للمتقين إمامٌ، مع أنه ما يصلح. لو كان: للمتقين إمامٌ، صارت جملة مع أنه ما يصلح، لخلوها من الرابط، نعم؟ * طالب: نقول إن هذه من الصفات التي تصلح للمفرد وللمثنى والجمع. * الشيخ: كذا؟ * الطالب: ربما، وجه نظر. * الشيخ: يعني حجة نحو؟ * الطالب: إي. * الشيخ: إي نعم، بعضهم قال هكذا، قال: إن ﴿إِمَامًا﴾ لفظ صالح للمفرد وغيره، مثل: فلك، وجنب، وأشياء كثيرة من هذا النوع، وعلى هذا لا إشكال؛ لأن ﴿إِمَامًا﴾ بمعنى أئمة، صالحة للجمع. ومنهم من قال: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤]، أن (نا) نائبة عن كل واحد، ما هو بعين المجموع؛ يعني: اجعل كل واحد منا إمامًا. * طالب: (...). * الشيخ: يعني كل واحد يدعو لمفرده؛ أي: اجعل كل واحد منا إمامًا، نعم؟ * طالب: أو من ذرياتهم؟ * الشيخ: لا، ما هو من ذرياتهم، ﴿وَاجْعَلْنَا﴾ نحن، فعلى هذا.. * الطالب: يعني يشمله يا شيخ؟ * الشيخ: على هذا لا إشكال أيضًا، إذا جعلنا الضمير في ﴿وَاجْعَلْنَا﴾ ليس عائدًا للمجموع، إنما عائد لكل فرد من الجميع، فلا إشكال في المسألة، وهذا أقرب؛ لأن كل واحد من المؤمنين ليس يسأل الله سبحانه وتعالى أنه يجعل المجموع أئمة، هو يريد أن يجعل كل واحد إمامًا. وفي هذا دليل على فضيلة الإمامة في الدين، ومنها إمامة المساجد، فإن الإمام في المسجد إمام للمتقين، اللي يجون يصلون متقون إن شاء الله، فهو إمام لهم، فيدل ذلك على فضيلة تولي الإمامة في المساجد، وأظن ذلك معلوم، فضل الإمامة في المساجد معلوم، لو لم يكن منها إلا أن الإنسان يكون قدوة، وأن الإمامة تعينه على أداء الصلاة، الإمام ما تفوِّته الصلاة كل يوم، واللي غيره تفوته أو يفوته بعضها. كذلك الإمام إذا تكلم يُسمع له أكثر، وكم من إنسان ما برز وظهر إلا بسبب إمامته، لا سيما إذا تولى الخطابة. فالمهم أن هذه الأمور التي ينفر الناس منها -مع الأسف- الآن تجد حتى بعض طلبة العلم لا يمكن أن يتولوا إمامة مسجد حتى مع الضرورة إلى ذلك، وإلا الواجب الذي ينبغي أو المستحب المؤكد الذي ينبغي أن يتولوا هم هذه الإمامة لينتفعوا وينفعوا غيرهم، ويسدوا الفراغ الذي ربما يشغله من لا يوثق في دينه وعمله. * طالب: يا شيخ، لو يا شيخ سوينا مثلًا توعية أو إرشاد للناس على مثلًا حب الإمامة لأجل ألا (...)؛ لأنه حتى الآن الأشخاص الذين يرغبون في الإمامة يأتيهم مثلًا آباؤهم أو أقاربهم ويقولون لهم كلامًا فارغًا لهم: أنك تتحمل الجماعة يوم القيامة، وأنك ربما تبطل صلاتهم؟ * الشيخ: صحيح، نعم. * الطالب: إي والله. * الشيخ: إي، بعض الناس يظنون أن الإمام مسؤول عن جماعته، ما هو مسؤول أبدًا، هو مسؤول عن صلاته، وصحيح هذه المسؤولية من جهة إتمام الصلاة؛ يعني مثلًا إذا صليت وحدي ممكن أن أقتصر على الواجبات فقط، لكن إذا كنت إمامًا لغيري ما يجوز أقتصر على الواجبات، يجب أن آتي بالصلاة كاملة، وهذه مسألة أيضًا يجب أن يلاحظها الأئمة؛ لأن بعض الناس يقول: ما دام أني إمام بجيب أدنى الواجب. نقول: نعم، لو كنت تصلي وحدك فلا حرج عليك أن تقتصر على أدنى الواجب، ولا حرج عليك أن تطول ما شئت كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن إذا كنت إمامًا فأنت الآن في ولاية، والولي على الشيء أيش يجب عليه أن يفعل؟ ما هو أحسن ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام ١٥٢]، فما دام أنك أنت ولي الآن، يجب عليك أنك تفعل في صلاتك أكمل ما يكون، ما هو بتقتصر على الواجب. الفقهاء رحمهم الله يقولون: يُكره سرعة تمنع المأموم فعل ما يُسن، وتحرم السرعة التي تمنع المأموم فعل ما يجب. هذا صحيح، لكن أنا عندي حتى الأول السرعة التي تمنع المأموم فعل ما يُسن ما هي بمكروهة فقط، بل حرام، حرام ليش؟ لأنك أنت الآن ولي، ويجب على الولي أن يفعل ما هو الأصلح لمن وُلِّي عليه، ولا شك أن الأصلح هو اتباع السنة. مثل ما قلنا في الأمور التي يُخير فيها الإنسان: إن كان أنه من أجل ما يتعلق بنفسه فالتخيير تَشَهٍّ، اللي يشتهيه يسويه، كالتخيير في خصال الكفارة، مثلًا: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة. وإذا كان التخيير فيما يتعلق بمصلحة الغير، فالتخيير تخيير تَشَهٍّ ولّا مصلحة؟ تخيير مصلحة. * طالب: بعض الأئمة يا شيخ يقول: أنا (...)، فهل عليه مسؤولية من جانبه؟ * الشيخ: الإمام ما عليه مسؤولية في هذا إلا مثل ما على غيره، كل إنسان رأى منكرًا فليغيره. * الطالب: ولا تزيد مسؤوليته في ذلك؟ * الشيخ: أبدًا ما تزيد. * طالب: بس (...)؟ * الشيخ: مثل غيره، أيضًا لو كان في المسجد إنسان وجيه كلمته مسموعة صار عليه من السلطة أكثر من الإمام، فنحن نقول: هو مثل غيره حسب الحال، الإنسان اللي يقدر يغير بإيده يغير بإيده، واللي ما يقدر يغير بلسانه، واللي ما يقدر يغير بقلبه. * طالب: بس يا شيخ مثلًا يستطيع أنه يعدل، يستطيع أنه يتأكد؟ * الشيخ: ما يجب عليه العدل أبدًا. * الطالب: بس (...)؟ * الشيخ: لا، التعاون؟ كل الناس ودهم التعاون في هذا الأمر. * الطالب: أن الأمر معروف (...)؟ * الشيخ: حتى لو فُرض أن الرجل قال: أنا إن كنت إمامًا ألزمت نفسي بهذا، فهل هذا من الخير ولّا من الشر؟ * الطالب: من الخير. * الشيخ: إي، الحمد لله، إن كان من الخير فليكن مما يدعو إلى الإمامة ويشجع عليها، والحقيقة أن الله -سبحانه وتعالى- جعل للأشياء شروطًا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت ٦٩]، ما يهدي الله الإنسان سبيله إلا بعد أن يجاهد فيها، لما تبغي تصل إلى شيء به السرور والأنس والحبور على جناح الريح ما يمكن، لا بد من شوك ومن حصى ومن كل شيء: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٢٢ / ١) من حديث أنس بن مالك.]]. * طالب: يا شيخ الآن (...)؟ * الشيخ: لا يلزم يا أخي، هو ما فيه شك أنه من الكمال أن يكون الإمام عالمًا أو طالب علم يستطيع أن يتكلم، لكن إذا لم يكن؟ * طالب: ينهى عن المعروف ولو (...). * الشيخ: لا، أنا (...) الإمام، أنا أقول: إنه يجب أننا نسد الفراغ عن غيرها؛ لأنه من الكثرة والأجانب عندنا وصارت مساجدنا كلها (...) الإمام يؤثر؛ يعني لولا أن الناس عندهم تمسك وعدم ثقة بالأجانب وعندهم ثقة كبيرة في المواطنين، لكان كل اللي يصلون وراء الأجانب يجهرون بالبسملة ويقنتون في الفجر ويمشون، لكن -الحمد لله- أنهم إلى الآن ما صار لهم قبول في البلد، وهذا من نعمة الله، وإلا كان يؤثرون تأثيرًا بالغًا، فالإمام لا شك أنه يؤثر على من خلفه، إي، إحنا نقول: يجب على المواطنين عندنا أنهم يسدون هذا الفراغ لئلا يشغله من لا يُوثق به. * طالب: اللي يدخن (...)؟ * الشيخ: (...)، والدخان أهون من العقيدة؛ لأن المشكلة العقيدة الآن، المهم العقيدة، نعم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: مسألة إغلاق المسجد هذه وظيفة، حتى الفقهاء يسمونها وظائف. * الطالب: يلزم بأشياء خلاف (...). * طالب آخر: صحيح؛ لأني أنا شفت (...)، يجب على الإمام كذا، ويجب عليه كذا. * الشيخ: ما يخالف، هو يجب على الإمام كذا بمقتضى الإمامة، وهل هذا يمنع أيضًا؟ لأنك أنت إذا ما قمت بهذا قام بها الأجنبي. * طالب: إن كان ما يعتقد هذا الشيء وبيمنعه (...)؟ * الشيخ: كيف ما يعتقد؟ ويش ما تعتقده؟ * الطالب: الإنسان اللي بيرشد الناس (...) إلى أن يقول كلمة خير. * الشيخ: وأيش يدريك أنه يقول كلمة خير؟ * الطالب: واضح، الإنسان (...). * الشيخ: أبدًا ما هو بواضح، قبل أن يتكلم وهو غير معروف لك ما هو بواضح. * الطالب: ممكن إذا ما صار خير (...). * الشيخ: صعب. * الطالب: (...). * الشيخ: لا أبدًا. * الطالب: (...). * الشيخ: ثم أيضًا أن الإنسان الإمام نفسه قد لا يكون عنده إدراك اللي يقول ها الكلمة الخير، يمكن يجيب لك الحديث الموضوع: (...) خصلة، نعم، كلها أحاديث موضوعة، ويش يدريك هذا؟ يعني اتقاء الشر قبل الوقوع فيه أحسن ما يكون الإنسان (...). * الطالب: الأحسن يا شيخ ما منع (...) يتكلم. * الشيخ: أولًا الرسول ما أظن أحد يتكلم والرسول حاضر. * الطالب: (...). * الشيخ: هذه واحدة، وكذلك أيضًا ما عهدنا أن أحدًا يتكلم مع وجود الأئمة، والشيء الثاني: ما إحنا بنقول: إن الحق يجب أنه يمنع، لكن نقول: من يقول إن هؤلاء يريدون الحق؟ نجد كثيرًا يتكلمون إذا قضوا قالوا: أعطونا، هذا اللي يجب أن يمنعوا ويضربوا أيضًا، يعني يصطادون الدنيا بالدين؟ (...). * طالب: (...). * الشيخ: نعم، إذا صارت عندنا (...)، نسمع عن هذا. * الطالب: بس يمكن أن يكون معروفًا يا شيخ؟ * الشيخ: وأيش هو اللي معروف؟ * الطالب: الشخص هذا. * الشيخ: اللي بيتكلم؟ * الطالب: إي. * الشيخ: إذا صار معروفًا ما يمنع أبدًا، إذا صار معروفًا ما هو بيمنع، أما الحين يقولون -يعني أنا ما جاءني شيء من هذا (...)، لكن أجزم جزمًا أنهم يقولون-: اللي ما تعرفوه لا (...). * طالب: (...). * الشيخ: المهم أن هذه غير مانعة يا جماعة، ما هي مانعة من تولي الإمامة، وكما أنك أنت إذا صرت غير إمام، هل أنك إذا صرت غير إمام اللي بيتولى الإمامة بيسمح للناس يتكلمون؟ أبدًا، أنا قصدي أن الإمامة فيها مصالح كثيرة، لا بالنسبة للشخص نفسه؛ لأنه هو يقدر يتكلم بما يشاء ويوجه الناس، عندما لا يكون إمامًا، لو جاء يتكلم قال له الإمام: لا تتكلم، على كلامهم، لكن لو صار هو الإمام أحد يمنعه أن يقول أتكلم؟ إذن ينفع الناس بعلمه. ثم هي أيضًا مما يعين على الطاعة، أنا أشعر بهذا، لما كنت غير إمام يفوتني بعض الأحيان بعض الصلاة وأتكاسل وحينًا نروح المسجد ذاك، وحينًا نروح المسجد ذاك، لكن لما كنت إمامًا الحمد لله ما تفوتني صلاة الجماعة. * طالب: بس أجرًا يا شيخ إذا كان اللي يضبطه الصلاة، وهو من الأول (...)، ما ينقص أجل تبكيره؟ * الشيخ: ما ينقص أبدًا؛ لأن كون الأشياء تشجع الإنسان، كون أن الإنسان يصير له مشجعات على الخير ما يبطل هذا أجره، ليش المرغبات اللي جعلها الله في الكتاب والسنة على الخير إلا لأجر يسعى له؟ * طالب: بس فيه ناس (...)؟ * الشيخ: لا، ما هو بمسألة التبكير، مسألة أنك تعين (...) على التبكير فقط، على إدراك الجماعة أيضًا، يمكن ما أبكر. * الطالب: إي نعم، إدراك. * الشيخ: نعم، هذا مما يعين، أليس الله جعل للناس من الغنيمة شيئًا؟ وأليس أن الأئمة والمؤذنين يجعل لهم رَزقًا من بيت المال؟ وأليس النبي عليه الصلاة والسلام يشجع في إعطاء المؤلفة قلوبهم؟ وغير ذلك، يعني كون أن الإنسان يكون له مشجعات على الخير ما يبطل أجره، الكلام على النية الأصل، إذا كنت تفعل هذا للدنيا هذا صحيح، هذا يؤثر عليك كثيرًا، أما إذا يسر الله لك من الأسباب الطاعة ما يعينك عليها فهذا طيب، ولا ينقص الأجر. * طالب: (...)؟ * الشيخ: بل الرسول ﷺ يشجع على هذا الشيء، على ما يعين: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٢٣)، ومسلم (١٠٩٥ / ٤٥) من حديث أنس بن مالك.]]، «وكان يصب على رأسه الماء وهو صائم من الحر»[[أخرج أبو داود (٢٣٦٥) عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: رأيت رسول الله ﷺ أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر، وقال: «تَقَوَّوْا لِعَدُوِّكُمْ»، وصام رسول الله ﷺ، قال أبو بكر -أحد الرواة-: قال الذي حدثني: لقد رأيت رسول الله ﷺ بالعرج يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش، أو من الحر.]]، كل هذا يعينه على الطاعة، فالمشجعات على الخير ما تنقص الخير، الكلام على النية بس: إن فعلت هذا الشيء للدنيا تراه صحيحًا هذا (...). * طالب: بس ربما يسرع يا شيخ الواحد، قصده (...)، يعني مثلًا يصير دأبه؟ * الشيخ: نعم، إذا كان إنه يرائي الناس في هذا، هذا شيء ثان، حتى اللي ما هو بإمام يمكن يرى أنه يفقد في الجماعة، ويجب ألا يفقد لو ما هو بإمام، فالكلام عاد هذا على النية، إذا كان يخجل من الناس فهذه لا شك أنها تنقص أجره، لكن إذا كان لا يقول: أنا أسرع لأقوم بالواجب عليَّ ولا أربك الناس، مرة يتقدم ومرة يتأخر، هذا طيب؛ إنما أسرع لإحسان عمله. * طالب: بعض الأئمة الآن (...)؟ * الشيخ: بس اللي (...) هذا ما نقدر نقول له تأخر؛ لأن اختيارنا الأولى عند ابتداء الإمام، فإذا وُجد إمام ما يمكن نعزله إلا بسبب شرعي. * الطالب: تطوعي، يعني ربما يكون الشخص متطوعًا، يقول: (...). * الشيخ: لكن بس ما هو مطيع. * الطالب: هذا يشكل. * الشيخ: لا ما يشكل، عندك معناه (...) الأئمة، البلد اللي على ها الصفة هذه (...). * الطالب: (...) أربع شباب خلف إمام عامي. * الشيخ: نحن ودنا يجيئون عندنا دول. * الطالب: الكلام (...). * الشيخ: لا، (...) بالتراويح بعضهم قاموا ببعض الواجب، لكن (...). * طالب: يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: ما نسوي لهم توعية بالنسبة لحث الناس على الإمامة؟ * الشيخ: (...) من غير توعية. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، والله ما سويت. * الطالب: ربما يا شيخ إذا فعلت يصير فيه إقبال من الشباب؟ * الشيخ: والله لعله إن شاء الله، راح يكون إذا صارت مناسبة إن شاء الله. * طالب: (...) إذا رضي؟ * الشيخ: إي، إذا رضي ما فيه مانع، لا سيما إذا كان الذي تولى خيرًا منه، إذا كان الذي بيتولى خيرًا منه فهذا طيب. * الطالب: لكن هذا الإمام لو موجود ما (...). * الشيخ: إذن هذا تنازل له؛ لأن المرتب من اللي بيصير له؟ بيصير للثاني، والثاني تنازل عنه، ما يهم، وهذه وقعت -حسب ما سمعت- مؤذن الجامع الكبير في الرياض ابن ماجد كان يؤذن في مسجد (...)، ولما عُمِر المسجد هذا الجديد والكبير طلبوا منه أنه يكون هو المؤذن، لكن إمامه الأول ما صار راضيًا بذلك، فجعلوا له مرتبًا والوظائف اللي على المسجد، وهذا جعلوا له مرتبًا جديدًا. طالب: يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: فيه بعض الأئمة مثلًا طريقه في البيت مثلًا (...) أصلي مثلًا أوقاتي التي أستطيع أن أحضر فيها المسجد، ويجعل شخصًا آخر من أهل البلد من كان يساعده في أوقات (...)؟ * الشيخ: أقول: ما فيه مانع، إذا تخلفت فصلِّ. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذه أكثر ما (...) مثل ما قال الأخ، يقول: والله هذه تربط وتشغل، وأنا ودي يومًا أتمشى هنا ويومًا أتمشى هنا ويومًا.. * طالب: قصده يا شيخ هذا (...)؟ * الشيخ: والله أنا أقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق ٤]، كل هذه عقبات الأصل عدمها، فأنت اجزم واحتسب الأجر من الله، وبيساعدك الله، يهيئ الله لك من أمرك يسرًا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، صحيح. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما هو معنى ذلك أنا إذا قلنا: إن الأذان أفضل من الإمامة معناه أن الإمامة ما فيها (...). * الطالب: قد يكون يا شيخ. * الشيخ: نقول: صر مؤذنًا (...) جزاك الله خيرًا، إذا كنت حرصت على الخير فكن مؤذنًا، وكن إمامًا. * طالب: والحديث الأول حديث: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ»[[أخرجه أبو داود (٥١٧) من حديث أبي هريرة.]]؟ * الشيخ: حديث «الْإِمَامُ ضَامِنٌ» إن صح بعد، الحديث فيه مقال، لكن إذا صح فالمعنى أن الإمام مسؤول عمن وراءه؛ يعني ضامنًا لهم، يجب أن يكون في صلاته مثل ما قلنا قبل قليل: إنه يأتي بها على الوجه الأكمل. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي، إذا صلى بهم نعم، (...)، لو يصلي واحد محدث الإمام وأيش (...). * طالب: يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: لو إمام مثلًا اقتنع أن (...). * الشيخ: الأحسن يأخذه، نرى أن الأحسن يأخذه، لا المرتب ولا الوظائف اللي على المسجد. * الطالب: يمكن يقول: هذا زيادة خير وأجر إن شاء الله. * الشيخ: نعم، هو على خير، يأخذه ما دام أن نيته أصلًا ما جاء إلا لله، أليس الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه يأخذون من الغنائم ولّا لا؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: هل يوجد أحد أخلص منهم؟ * الطالب: لا. * الشيخ: (...) وإذا شئت فخذه واصرفه في شيء نافع لك؛ يعني حقيقة الأمر -مثل ما قالوا: إنك لو ما تأخذ أنت يتعطل المسجد، إن جاء إمام جديد بعدك يحتاج إلى معاملة جديدة، إي نعم، وكذلك أيضًا الوظائف، بعض الناس يقول: والله (...) الإمام أو المؤذن، نقول: هذا بكيفك أنت، يعني كونك تأخذه أو ما تأخذه هذا شيء ثان، لكن نظرًا إلى أنك إذا تركته وكان (...) لكن تروح لغيرك أيضًا؛ لأن الإمام بالحقيقة ليس مستقلًّا -ولا المؤذن- بما يعطى من كل وجه. الشيخ: (منهم ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٧٠]). هذا مستثنى من قوله: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان ٦٨] وما أُبدل منه؛ يعني: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان ٧٠] فإنه لا يلقى أثامًا ولا يضاعف له العذاب ولا يخلد فيه. وتقدم أن شروط التوبة خمسة: الإخلاص لله، والندم على ما وقع، وأن يقلع عنها، وأن يعزم على ألا يعود، وأن تكون في الوقت الذي تُقبل فيه التوبة، في وقتها. وتقدم أيضًا أن هذا الاستثناء يشمل كل الذنوب الثلاثة: الشرك، وقتل النفس، والزنا، وأن ما ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن القاتل لا توبة له[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٦٤)، ومسلم (٣٠٢٣ / ١٩).]] » فإن أراد على وجه الإطلاق فليس بصحيح، وإن أراد لا توبة له فيما يتعلق بحق المقتول فهذا صحيح، على أننا نقول: لا يبعد أنه إذا تاب توبة نصوحًا أن يتحمل الله تعالى وتبارك عنه حق المقتول فيرضيه. * طالب: قول ابن القيم في إعلام الموقعين إن الحدود تسقط بالتوبة (...)، واستدل بحديث النسائي «أن رجلًا وقع على امرأة فأنها استغاثت برجل فمر (...)، فأمسكوا بالرجل الذي استغاثت به، فذهبوا به إلى النبي ﷺ، وقالت: إن هذا الذي زنى بي، فلما أراد أن يقيم عليه النبي ﷺ حد القذف اعترف رجل عند النبي ﷺ، وقال: أنا الذي فعلت بها، فقال عمر: ألا تقيم الحد على هذا الذي اعترف؟ فقال ﷺ: «لَقَدْ تَابَ»[[أخرج أحمد (٢٧٢٤٠) من حديث وائل بن حجر قال: خرجت امرأة إلى الصلاة، فلقيها رجل فتجللها بثيابه، فقضى حاجته منها وذهب، وانتهى إليها رجل فقالت له: إن الرجل فعل بي كذا وكذا، فذهب الرجل في طلبه فانتهى إليها قوم من الأنصار، فوقفوا عليها، فقالت لهم: إن رجلًا فعل بي كذا وكذا، فذهبوا في طلبه، فجاءوا بالرجل الذي ذهب في طلب الرجل الذي وقع عليها، فذهبوا به إلى النبي ﷺ فقالت: هو هذا، فلما أمر النبي ﷺ برجمه قال الذي وقع عليها: يا رسول الله، أنا والله هو، فقال للمرأة: «اذهبي فقد غفر الله لك»، وقال للرجل قولًا حسنًا، فقيل: يا نبي الله، ألا ترجمه، فقال: «لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقُبِل منهم». وأخرجه أبو داود (٤٣٧٩)، والترمذي (١٤٥٤) من حديث وائل بن حجر بسياق آخر، وهو أن النبي ﷺ قال للرجل قولًا حسنًا، قال أبو داود: يعني الرجل المأخوذ، وقال للرجل الذي وقع عليها: «ارجموه»، فقال: «لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقُبِل منهم».]] (...)؟ * الشيخ: هذا صحيح بالقرآن: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]. * الطالب: بس ما يُقام عليه الحد؟ * الشيخ: ما يُقام عليه الحد إذا تاب قبل القدرة عليه، إذا كان هذا في قُطَّاع الطريق وذنبهم من أعظم الذنوب، فهذا من باب أولى، إلا حد القذف إذا قلنا: إنه حق للآدمي، فلا يسقط إلا بإسقاط المقذوف. * الطالب: (...). * الشيخ: هه؟ * الطالب: اعترافه.. * الشيخ: على مسألة التوبة، أو أن الرسول علم منه ذلك، المهم أنه إذا تاب قبل القدرة، فإنه لا يُقام عليه الحد. ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان ٧٠] التوبة تقدم الكلام عليها، والإيمان في اللغة التصديق والإقرار، ولكنه في الشرع: تصديق القلب المستلزِم للقبول والإذعان، وليس مجرد التصديق، بل هو تصديق مستلزم لهذا، فإن لم يستلزم فليس بإيمان. قلنا المستلزم لأي شيء؟ للقبول والإذعان، يقبل ما جاء به الشرع ويذعن له، فيصدقه إن كان خبرًا ويقوم به إن كان طلبًا. * طالب: وإذا لم يتب القاتل؟ * الشيخ: إذا لم يتب القاتل فعليه الوعيد الذي ذكر الله سبحانه وتعالى. * الطالب: أليس هو من الكبائر؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: والكبائر تحت مشيئة الله؟ * الشيخ: نعم، هو تحت المشيئة، لكن من يقول: إنه يغفر له؟ وقوله: ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان ٧٠] هنا ذكر العمل ووصفه بالصلاح؛ لأن العمل غير الصالح لا ينفع صاحبه، والعمل الصالح ما جمع شرطين، وهما: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ، فإن لم يكن فيه الإخلاص فليس بمقبول، وإن لم يكن فيه المتابعة فليس بمقبول، ففي الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]، هذا دليل أن غير المخلَص فيه مردود. وأما غير المتابَع فيه فلقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري بنحوه (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]]. ويجمعهما قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف ١١٠]. وقوله: (منهم) منين؟ أي: من فاعل هذه الأمور الثلاثة؛ الشرك وقتل النفس والزنا، وإنما قيدها بذلك بقرينة السياق، ولئلا تتكرر مع ما بعدها. (﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ المذكورة ﴿حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٧٠] في الآخرة) يبدلها، التبديل: جَعْلُ شيء مكان شيء، وهذا التبديل هل هو تبديل قدري، أو تبديل جزائي؟ اختلف في ذلك أهل العلم، فمنهم من قال: إنه تبديل قدري، ومنهم من قال: إنه تبديل جزائي، كيف ذلك؟ الذين يقولون: إنه تبديل قدري، يقولون: إن معنى تبديل السيئات حسنات أنه لما آمن وعمل عملًا صالحًا صار بدل الشرك إيمان، وصار بدل الزنا وقتل النفس عمل صالح؛ معناه: أن هذا الإيمان والعمل الصالح صار بدلًا عن الكفر والزنا وقتل النفس، فالمعنى أن إيمانه وعمله الصالح الذي فعله هو الحسنات التي أبدل الله تبارك وتعالى السيئات بها، فيكون هذا التبديل قدريًّا. وقيل: بل هو جزائي، بمعنى أن هذه المعاصي نفسها تكون حسنات، يبدل الله السيئات السابقة يجعلها حسنات، بالإضافة إلى حسناته الأخيرة التي قُدرت له فَفَعَلها، وكيف ذلك؟ يقولون: لأن هذه السيئات لما تاب منها صار له بكل توبة من هذه السيئات حسنة، فأبدلت السيئات حسنات بالتوبة منها؛ ولأنه كلما تذكر ما سبق من أعماله السيئة أحدث له توبة، فكانت هذه الأعمال السابقة صارت حسنات بالتوبة منها. والصحيح شمول الآية لهذا وهذا، وأن الآية شاملة للأمرين، فإن ﴿مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ تبدلت سيئاته السابقة فصارت حسنات، لكنها ليست هي الأولى نفسها، وكذلك إذا تاب منها جوزي على هذه التوبة بالثواب، فصارت السيئات بالتوبة منها حسنات. وكلام المؤلف يميل إلى الثاني، إلى أن التبديل هذا تبديل جزائي، لقوله: (في الآخرة) لأنه لو كان قدريًّا ما كان في الآخرة، إذ التبديل القدري إنما يكون في الدنيا؛ لأنه عمله. والصحيح شمول الآية للأمرين، فبالإيمان والعمل الصالح تبدلت أعماله إلى أعمال صالحة، وبالتوبة من السيئات صارت السيئات السابقة حسنات؛ لأنه يزداد بهذه التوبة رفعة ومقامًا عند الله سبحانه وتعالى. (﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٧٠] أي لم يزل متصفا بذلك). و(كان) هنا كما مر علينا مجردة من الزمن، والمراد بها: اتصاف اسمها بخبرها صفة لازمة، ولهذا قال: (أي لم يزل متصفا بذلك) أي بالمغفرة والرحمة. والغفور صيغة مبالغة أو صفة مشبهة، وكلاهما يدل على الثبوت والدوام والكثرة. والمغفرة ستر الذنب مع التجاوز عنه؛ يعني ستر الذنب وإسقاط عقوبته، وليس مجرد الستر؛ لأنه مأخوذ من المِغفر، وبالمغفر يكون الستر والوقاية. وأما الرحيم فهو ذو الرحمة الواصلة إلى المرحومين؛ لأنها تدل على الفعل مع الصفة أيضًا، والرحمة صفة من صفات الله سبحانه وتعالى يكون بسببها الإنعام والإحسان إلى الخلق بجلب المنافع ودفع المضار. وأما من فسر الرحمة بالإحسان أو بإرادته فقوله خطأ؛ لأن إرادة الإحسان أثر من آثار الرحمة، وكذلك الإحسان، وليس هو الرحمة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٧٠]، نعم؟ * طالب: شيخ، قولنا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ هنا صفة مشبهة، ربما (...) يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: رغم أنها منصوبة ولم تعمل ولم تضف. * الشيخ: ما هو بلازم تعمل ولّا تضاف، وأما نصبها فللعامل، نصبها للعامل. * طالب: ورد حديث فيما معناه: ما يزال العبد يرى سيئاته توضع في كفة موازين حسناته؛ يعني التائب. * الشيخ: نعم. * الطالب: حتى يتمنى أن لو أكثر من السيئات[[أخرجه مسلم (١٩٠/ ٣١٤) من حديث أبي ذر.]]؟ * الشيخ: ما أعرف هذا الحديث، لكن نظرًا إلى أنها تبديل السيئات بحسنات يمكن من هذا الوجه. (﴿وَمَنْ تَابَ﴾ [الفرقان ٧١] من ذنوبه غير من ذكر)؛ ولهذا قال فيمن سبق: (﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان ٧٠] منهم)، من هؤلاء. وإنما قال: (غير من ذكر) لئلا يلزم التكرار، ولكن لا مانع أن نقول: لا حاجة للاستثناء وتكون الآية الثانية عامة، فيكون من باب ذكر العام بعد الخاص؛ لأن إخراج من سبق من عموم الآية هذه لا وجه له، فالأولى أن يُقال: إن الآية الثانية عامة تشمل من سبق وغيرهم. (﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان ٧١] أي يرجع إليه رجوعا فيجازيه خيرا). شوف ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، ﴿تَابَ﴾: رجع من ذنبه، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: استزاد من العمل الصالح، فيكون هذا الرجل استَعتب مما فعل وازداد خيرًا. يقول: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾، أي: ﴿مَتَابًا﴾ تامًّا، فالمصدر هنا للتعظيم، لتعظيم هذه التوبة؛ أي: ﴿مَتَابًا﴾ عظيمًا لكمال هذه التوبة، وإلا لو قال قائل: إن هذا تحصيل حاصل، من تاب فإنه يكون تائبًا؟! لا، المقصود أن توبته هذه توبة كاملة عظيمة، فالإتيان بالمصدر: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ للدلالة على أن هذه التوبة وقعت موقعها، وأنها كاملة، وهذا حق فإن الرجل إذا تاب وازداد عملًا صالحًا تبين بذلك صحة توبته وكمالها. وقد اختلف العلماء -رحمهم الله: هل يُشترط للتوبة إصلاح العمل أو لا يُشترط؟ فمنهم من قال: إنه يُشترط لها إصلاح العمل، وعلى هذا فيكون ذلك شرطًا سادسًا زائدًا على الشروط الخمسة، وأن من تاب ولم يصلح عمله فإنه ليس بتائب. وقال بعض العلماء: بل تصح التوبة مع عدم إصلاح العمل، وقال بعضهم: إن كان العمل من جنس ما تاب منه فلا بد من إصلاحه، وإلا فلا تصح التوبة. مثال ذلك: رجل تاب من الزنا ولكنه يسرق، فعلى القول الأول لا تصح توبته من الزنا لعدم إصلاح العمل، وعلى القول الثاني تصح؛ لأن السرقة ليست من جنس الزنا، وعلى القول الثالث من باب أولى أنه لا يشترط إصلاح العمل مطلقًا، وأن من تاب من ذنب قُبلت توبته. ورجل آخر تاب من الزنا ولكنه استمر في النظر المحرم، استمر ينظر إلى النساء نظرًا محرمًا، فهذا على القول بأنه لا يُشترط إصلاح العمل تصح توبته من الزنا، وعلى القول بأنه لا بد من إصلاح العمل لا تصح توبته من الزنا، وعلى القول بأنه بالوسط اللي يقول إذا كان من جنس ما تاب منه لم تُقبل أيضًا لا تصح؛ لأن هذا زنا العين كما قال النبي ﷺ[[أخرج أحمد (٨٣٥٦) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال: «العين تزني، والقلب يزني، فزنا العين النظر، وزنا القلب التمني، والفرج يصدق ما هنالك أو يكذبه».]]. ولكن الصحيح أن يُقال: أما إن أُريد بالتوبة وصف هذا الرجل بأنه من التائبين الذين يلحقهم الثناء ويصدق عليهم أنهم تائبون، فهذا لا يمكن أن تصح منه التوبة أو أن يستحق وصف التوبة إلا بإصلاح العمل؛ لأنه لم يتب التوبة المطلقة، وإنما عنده مطلق توبة، وأما إن أُريد بالتوبة التوبة من العمل المعين، فالصواب الجزم بأن توبته تُقبل؛ لأن هذا مقتضى عدل الله عز وجل، من عمل خيرًا فله ومن عمل شرًّا فعليه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨]، فكيف نقول: إن هذا الرجل لا تصح توبته مِن عمل تاب منه ورجع وندم؛ لأنه مُصِرٌّ على غيره؟! ما يصلح. فالصواب في هذا أن يُقال: أما استحقاق وصف التائبين على وجه الإطلاق، فهذا لا يستحقه التائب إلا بإصلاح العمل؛ لأنه كيف يكون تائبًا إلى الله من هو مُصِر على معصيته ولو من غير جنس ما تاب منه أو من جنسها! وأما إذا كان المقصود التوبة من هذا العمل المعين؛ يعني مطلق توبة، لا توبة مطلقة، فإنها تصح جزمًا؛ لأن هذا مقتضى عدل الله سبحانه وتعالى. * طالب: شيخ، في الحديث «أن رجلًا أذنب ثم تاب ثم أذنب ثم تاب ثم أذنب ثم تاب، ثم قال الله تعالى: علم عبدي أن (...)، فليعمل عبدي ما شاء»[[أخرج البخاري (٧٥٠٧)، ومسلم واللفظ له (٢٧٥٨ / ٢٩) بسنديهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ، فيما يحكي عن ربه عز وجل، قال: «أذنب عبد ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك»، قال عبد الأعلى: لا أدري أقال في الثالثة أو الرابعة: «اعمل ما شِئْت».]]، أو كما قال. * الشيخ: نعم. * الطالب: هذا دليل على أنه إذا تاب ثم رجع إلى العمل لم تُقبل توبته؟ * الشيخ: لَمْ؟ * الطالب: لا تُقبل توبته. * الشيخ: إي نعم، هذا العمل ما هي بمسألتنا هنا. * الطالب: ربما يكون عملًا آخر؟ * الشيخ: لا، هذه غير مسألتنا، نحن نقول: الرجل هذا تاب من الذنب ولّا رجع إليه، لكنه عاصٍ لله من جهة أخرى، هذا هو بحثهم. * طالب: بس إذا قلنا بأنه جزمًا تحصل له التوبة، فهناك أحكام كثيرة تترتب على التوبة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: مثل قلب السيئات إلى حسنات. * الشيخ: نعم، نقول: نعم، بالنسبة لهذا العمل المعين إذا تاب منه صار حسنة. * طالب: تقلب (...)؟ * الشيخ: والله هذا الكلام اللي قلنا قبل: هل هو قلب جزائي ولّا قلب قدري؟ * الطالب: إي، بس لا، هذا العام؟ * الشيخ: لا أبدًا، إذا كان من الشرك والزنا وقتل النفس. * الطالب: إي، لكن تاب توبة نصوحًا كاملة؟ * الشيخ: لا، تاب من هذه الأشياء، المهم أنه حتى من تاب توبة خاصة من ذنب خاص بُدلت سيئاته حسنات، السيئة اللي تاب منه تكون حسنة، أولًا؛ لأنه تركها لله، وقد «ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من هَمَّ بسيئة فتركها كتبت له حسنة»[[أخرج البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣٠ / ٢٠٦) واللفظ له، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من هَمَّ بحسنة فلم يعملها، كُتبت له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها، كُتِبت له عشرًا إلى سبع مئة ضعف، ومن هَمَّ بسيئة فلم يعملها لم تُكتب، وإن عملها كُتِبت».]]؛ لأنه تركها لله، فهذا مثله، ثم إن مجرد أن يتوب إلى الله ويعرف أن له ربًّا يؤاخذه ويعاقبه ويشعر بالخجل من الله عز وجل والحياء منه هذه من الحسنات العظيمة. * الطالب: بس ما دام عليه وصف العاصي أو فاسق.. * الشيخ: إي، عاصٍ بأيش؟ بالنسبة لكذا، تائب بالنسبة لكذا. * الطالب: ما الفرق بين الزنا والسرقة؟ * الشيخ: كيف الفرق؟ * الطالب: يعني مثلًا كلهم (...) من الكبائر، وكلهم مثلًا.. * الشيخ: الفرق بينهما أن هذا يُجلد وهذا تُقطع يده، وهذا يكون فاسقًا من وجه، وذاك فاسق من وجه آخر، هذا باعتبار الأعراض، وهذا باعتبار الأموال، (...) الفروق، ليس كل الذنوب على حد سواء لا في النوع ولا في القدر ولا في الإثم؛ ولهذا قلنا: إن الوصف المطلق للتوبة لا يستحقه؛ لأنه حقيقة ما هو بتائب؛ إذ إنه عاص لله سبحانه وتعالى من وجه، لكن كوننا نقول: ما يقبل توبتك من الزنا؛ لأنك تسرق، هذا ليس بصحيح. * الطالب: ما يمكن بدل ما نفرق بينهم من ناحية الجنس، نفرق بينهم من ناحية الدرجة؟ * الشيخ: كيف من ناحية الدرجة؟ * الطالب: يعني مثلًا فيه هناك كبائر شديدة وهناك وسط (...)؟ * الشيخ: هو يستحق ما حصل، اللي هو تاب منه يُغفر له، واللي أصر عليه يبقى عليه، صغيرة كانت أم كبيرة؛ لأن هذا مقتضى عدل الله، أليس هذا عَمِل خيرًا بتوبته؟ * طالب: هو ربما وصفه واضح، لكن أن تُقلب إلى حسنة (...)؟ * الشيخ: نحن ما قلنا: إن قلب السيئة حسنة بالتوبة؛ لأنه مجرد رجوعه إلى الله سبحانه وتعالى وتركه لها وتوبته منها حسنة، هذا إذا قلنا: إن المراد بالحسنة الجزائية، أنه يُجازى على نفس السيئة حسنة، إذا قلنا: إنه قدري؛ بمعنى أن إقلاع هذا الرجل عن هذا الذنب.. * الطالب: لا، واضح هذا. * الشيخ: واستقامته، هذا ما فيه شيء، حتى الجزائي ما فيه إشكال أبدًا. * الطالب: القدري واضح، لكن.. * الشيخ: والجزائي أيضًا؛ لأن كرم الله سبحانه وتعالى أسرع وأسبق من عقوبته. * طالب: (...)، فهو من قدري؟ * الشيخ: قَدَري من القدر. * الطالب: وأيضًا الجزائي من القدر؟ * الشيخ: إي، لكنه ثواب، لكن هذا قدري بمعنى أنه يُقدر له حسنات جديدة غير الأولى، والجزائي بمعنى أنه يُجزى على نفس السيئات حسنات. * طالب: الواو يا شيخ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا﴾ [الفرقان ٧٠]، (...)، وأيش نعرفهم؟ عاطفات؟ * الشيخ: إي نعم، عاطفات، نعم. * الطالب: إذا كانت يا شيخ عاطفة فإذن يكون على الشرط السادس من لا بد من أن يصلح العمل. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: إذا كانت عاطفة نرجع إلى الشرط السادس الذي يقول لا بد من صلاح العمل؟ * الشيخ: إي، لكن عاد عَمِل صالحًا، نحن قلنا: ما يستحق وصف التوبة المطلق إلا بهذا، بالعمل الصالح. * الطالب: هناك يا شيخ آيات من القرآن تصف الإنسان بالتوبة ولو ما عمل عملًا صالحًا؛ يعني (...)؟ * الشيخ: إي، مثل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]، إي نعم. * طالب: ذكرنا هنا أن العاصي يعرف من نفسه مثلًا ضعف إيمانه وتسلط عدوه عليه، وأنه سوف يعود إلى هذه المعصية، أيهما أولى (...) كلما يعمل معصية يتوب، وإلّا يترك التوبة لئلا تكون توبة كذب؟ * الشيخ: لا، يتوب، وأيش يدريك؟ * الطالب: بس يعرف أنه سيذنب. * الشيخ: لا، بس نقول: توبته هذه ما تصح، لكن مجرد شعوره بأنه مخطئ قد ينفعه هذا، أما أن يقول: أستمر، ما يجوز هذا. * الطالب: هو من أصله معترف أنه مخطئ؟ * الشيخ: معترف أنه مخطئ لكن هو يقول: أنا أستمر، ما أنا بمقلع لا بقلبي ولا بفعلي. * الطالب: إي. * الشيخ: كلما سنحت لي الفرصة أفعل. * الطالب: نعم. * الشيخ: هذا شر، لكن كونه يتوب إلى الله ويخجل ويصير عنده نوع من التقرب إلى الله أحسن من عدمه. * الطالب: ولو تعددت توبته؟ * الشيخ: ولو تعددت توبته، لكن الواجب على المؤمن أنه يتوب جزمًا، وإذا قُدر فيما بعد أن أسباب المعصية توفرت لديه وأن نفسه غلبته فإن ذلك لا ينقض توبته الأولى، سيؤاخذ من جديد بالمعصية الجديدة ثم يتوب. * طالب: (...) على قوله: أستغفر الله وأتوب إليه، أن قول الكثير (...)؟ * الشيخ: واستغفارك أيضًا استغفار كذابين؟ * الطالب: (...) تطلب المغفرة من الله سبحانه وتعالى رغم إصرارك، إنما التوبة لا. * الشيخ: على كل حال نسأل الله أن يتوب علينا، حتى قول الإنسان إذا انتهى من الأكل: الحمد لله، ما أحد يشعر بمعنى هذه الكلمة تمامًا إلا أنها روتينية، وبسم الله كذلك، (...) بعد الصلاة عادية، عادة؛ يعني الحقيقة هذه مسائل..، وهذا هو اللي الحقيقة يفسدنا: أن أعمال القلوب ما نشعر بها، تلقى كثيرًا منا يحافظ على سنة رفع الأصبع عند الدعاء، لكن رفع القلب عند الدعاء ما أحد يبحث فيه، مع أن هذا أهم، الله يتوب علينا، إذا فكرنا بأنفسنا (...) ظاهريين لا باطنيين. * طالب: يا شيخ، التوبة الخاصة ذَكَر فيها الإيمان، والتوبة العامة ما ذَكَر فيها الإيمان، وجه ذلك؟ * الشيخ: ويش لون؟ * الطالب: الخاصة: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [الفرقان ٧٠]، والعامة: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [الفرقان ٧١]؟ * الشيخ: أصله فيه الشرك هناك، ذَكَر فيه الشرك، فلا بد من الإيمان مقابل الشرك. * طالب: يا شيخ، عندما يكون إنسان أخلف مع الله؛ يعني أصابه البلاء. * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: ابتلي بذنب، وأخذ يستغفر الله ويتوب ويستغفر الله ويتوب؛ يعني ظل على هذا الذنب، عَجَز لا يقلع عنه؛ يعني عجز أبدًا ما قدر.. * الشيخ: مسألة عجز هذه أمر غير وارد إلا على مذهب الجبرية (...) عن ترك، فالتروك أهون من الأفعال؛ ولهذا ما تجد الترك مثلًا رُتب عليه مثلًا الثواب المطلق، بخلاف الفعل، الفعل أشق على النفس؛ لأنه جهاد للنفس من وجهين، لكن الترك من وجه واحد، فكلمة يعجز ما هو بصحيح. * طالب: يا شيخ كلمة.. * الشيخ: هذا -سلمك الله- لو أن سوط السلطان في ظهره مرة وفي بطنه مرة، يعجز ولّا ما يعجز؟ * الطالب: لا ما يعجز. * الشيخ: خلاص. * الطالب: لكن (...)؟ * الشيخ: ما هو بصحيح، أنا أشهد أنه ليس عجزًا؛ لأن فيه أناسًا تابوا، صدقوا العزيمة وتابوا وأقلعوا عنه، إي نعم، الصحابة رضي الله عنهم قبل أن ينزل تحريم الخمر كانوا مدمنين على الخمر، وإمساك الخمر لشاربها أكثر من إمساك الدخان، ومع ذلك بيوم واحد كلهم (...)، الكلام على صدق العزيمة بس، إي نعم. الآن في غير الصيام هذا الشارب ما يستطيع يتوقف -على زعمه- النهار كله، ما يقدر على زعمه يمسك النهار كله عن الدخان، وفي الصيام حيث إنه عازم. * الطالب: يقدر يصوم، والليل كله ما يقدر. * الشيخ: إي. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان ٧١]، قلنا: إن قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ ليست كقول القائل: الأرض تحتنا والسماء فوقنا؛ يعني تحصيل حاصل، بل إن المعنى أن هذه هي التوبة الصادقة الحقيقية الكاملة. وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ أي: يعني يرجع إلى الله رجوعًا تامًّا كاملًا، كما قال المؤلف. ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان ٧٢]، هذه معطوفة على قوله؟ * طالب: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ﴾ [الفرقان ٦٣]. * طالب آخر: لا، على مجموع الأوصاف. * الشيخ: على قوله: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ [الفرقان ٦٣]، وسبق أن الصحيح أن ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ خبر وليست صفة، كما قال المؤلف. (﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان ٧٢] أَي الْكَذِب وَالْبَاطِل). هذا معنى ﴿الزُّورَ﴾ من ازورَّ؛ أي: مال وانحرف: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ [الكهف ١٧]، فالمعنى ﴿الزُّورَ﴾: كل ميل قولي أو فعلي، إن كان قولًا وُصف بالكذب، وإن كان فعلًا وصف بالباطل، فكل قول أو فعل مائل عن الطريق فإنه زور، مفهوم الآن؟ * طالب: نعم. * الشيخ: الكذب زور، والشتم واللعن والغيبة زور أيضًا، والغصب والسرقة والزنا وغيرها زور أيضًا. * طالب: باطل. * الشيخ: زور، هو زور، لكن قد نسميه باطلًا إذا كان فعلًا. فالمهم أنهم ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾، وإذا كانوا لا يشهدون الزور فهل يفعلونه؟ * طالب: لا. * الشيخ: من باب أولى؛ لأنهم إذا كانوا لا يحضرونه فإنهم لا يفعلونه قطعًا، إذ لو فعلوه لحضروه، كل فاعل حاضر، وليس كل حاضر فاعلًا على وجه الحقيقة، لكنه فاعل حكمًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء ١٤٠]، فدل هذا على أن القاعد سواء قاعدًا أو مضجعًا أو واقفًا، المهم أن المشاهد لفعل العاصي مثل العاصي حكمًا عند الله، نعم، إلا من أُكره على الحضور، فهذا شيء آخر لا حكم له كمن أُكره على الفعل. * طالب: كل المعاصي يا شيخ؟ * الشيخ: كل المعاصي نعم. (﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ من الكلام القبيح وغيره ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢] معرضين عنه). ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ (اللغو) الصواب أنه ليس الكلام القبيح؛ لأن الكلام القبيح داخل في الزُّور، لكن المراد بـ(اللغو) ما لا فائدة فيه، كل ما لا فائدة فيه فهو لغو؛ وذلك لأنه لا يقصد، وما لا يقصد فهو لغو: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة ٨٩]، فاللغو ما لا فائدة فيه. * طالب: لو كان مباحًا؟ * الشيخ: سواء كان قولًا أو فعلًا. وقوله هنا: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢]، ما قال مثل ما سبق: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان ٦٣]؛ لأنه هناك خطاب معين مباشر، فيقولون: لا بد أن يقولوا قولًا يسلمون به. لكن هنا يمرون بالشيء بدون أن يخاطبوا به، والمراد بالمرور به سواء كانوا مارين هكذا في طريق أو مارين مثلًا جالسين فجاء شيء لا فائدة فيه؛ لغو، فإنهم يمرون كرامًا، ومعنى مر الكرام هنا: أي أنهم لا يلحقهم منه شيء، بل يحاولون الإصلاح؛ لأن الكريم يعطي غيره، ينفع نفسه وغيره. فهم إذا ﴿مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ يمرون ﴿كِرَامًا﴾ يحاولون أن يفيدوا من وجودهم؛ وذلك بأن ينقلوا هذا اللغو إلى أمر مفيد، فهمتم ولّا لا؟ ولهذا قال: ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾، ما قال: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ لأنه هناك يخاطبون بما يُسيء إليهم فيقولون قولًا يسلمون به؛ لأن المقام يقتضي بس أنك تسلم، لكن هنا ما يؤذَون، إنما يمرون بلغو لا فائدة منه فيمرون كرامًا مفيدين ومستفيدين. ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾، قال: (معرضين عنه) ما هو بصحيح أيضًا، قد لا يعرضون عنه لكن يفيدون ويستفيدون، والإنسان الموفق يستطيع أن يفيد ويستفيد، حتى فيما إذا كان المجلس مجلس لغو؛ يعني كلامًا مباحًا، يستطيع أن يحوله إلى كلام مطلوب؛ وذلك بما يستعرضه مثلًا من كون هذا الشيء الذي يتحدثون به دليلًا على قدرة الله، ولّا على رحمة الله، ولّا على حكمة الله مثلًا، فيفيد ويستفيد، لكن هذه الأمور في الحقيقة تريد رجالًا يعتبرون أنفسهم قادة مصلحين، ما تريد رجالًا يعتبرون أنفسهم من جنس مجتمعهم يمشون الهوينى بدون إصلاح؛ ولهذا يفوتنا كثيرًا في هذه الأمور، يفوتنا كثيرًا واللهِ من هذه الناحية، نجلس مجالس اللغو لا نفيد ولا نستفيد، غاية ما هنالك إن كان الإنسان استحضر نية التأليف وعدم الانزواء وما أشبه ذلك، وهذا خير لكن ولو، الخير والأكمل أن تحاول الإفادة والاستفادة. وبعض الناس أيضًا يريد بالمجالس التسلي فقط، ما يريد معنى وراء ذلك، وهذا فاته خير كثير، فعلى كل حال الناس يختلفون، والمسائل تعود على النيات، وكم من عمل عمله شخص وعمله آخر فصار بينهما مثل ما بين السماء والأرض: السجود يكون شركًا ويكون طاعة، إن سجدت لصنم كان شركًا ولله كان طاعة، وهكذا جميع الأعمال في الحقيقة النية لها تأثير كبير في إصلاحها أو إفسادها. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، أصلًا لا تحولهم قفزة (...)، لكن تستطيع شوي شوي، نعم، الآن مثلًا عندما تحاول أن تمنع الماء الكثير المنحدر في مرة واحدة ما تستطيع، (...) مع الجوانب شوي شوي، يمكن تقضي عليه. * طالب: شيخ سؤال، لو كان الأشخاص هؤلاء شباب شفت أن همهم لهو كله، مثل ما قال (...) لهو، مثل ما يحدث في النوادي وغيرها، لكن أنا قلت: بروح أسافر مع هؤلاء وأروح معهم للمحلات اللي يروحون إياها هم على قصد وأنا على قصد، أنا قصدي أصلحهم مثلًا أحاول أعالجهم، وهم قصدهم غير، قصدهم أني معهم داخل معهم في اللهو، وأنا لي هدف من ذلك.. * الشيخ: ما يخالف، أنت إذا قصدت الإصلاح فهذا طيب، بس أخشى أنهم يغلبونك. * الطالب: لا، إن شاء الله بحاولهم، إن جاء ولّا (...) ويكون وسيلة إلى أول حاجة (...) ثم إقراره على هذا الفعل. * الشيخ: لا، أصلًا ما هي النوادي محرمة، من يقول: إن النوادي محرمة؟ * طالب: بعض الأفعال فيها يا شيخ. * الشيخ: بعض الأفعال فيها، لا بأس، بعض الأفعال فيها قد يكون غير مرضٍ، لكننا ما نحاول أن نقول: إن هذا مُحرَّم؛ لأن بعد تركهم وترك الاختلاط بهم مشكلة، معناه أنهم يخلوهم والشياطين. * طالب: (...)، لما يشوفه يقول: شوف ابن الشيخ الفلاني، ولّا العالم الفلاني حاضر؟ * الشيخ: حاضر بينصحهم. * الطالب: إي، بس الناس ما (...). * الشيخ: نعم؟ * طالب: (...)، أصلًا لو تبغي تصلح مثلًا تزيل النوادي، هذا المعنى؛ يعني إصلاحها إزالتها. * الشيخ: لا، ليس إصلاحه هو إزالته. * الطالب: أبدًا (...). * الشيخ: هي على كل حال، ما فيه شك أنه يمكن المراد منها وأصل المؤسسين لها أن قصدهم صد الناس عن دين الله، وهذا هو الواقع؛ لأنها هي أيضًا مثل القات، لكن مع ذلك ما نقول إنها معدومة الخير مئة بالمئة. * طالب: (...). * الشيخ: ويش رأيكم؟ ويش نسوي؟ * الطالب: ما يقربون ولا يؤيدون؛ لأن البعض ممكن (...). * الشيخ: لا ما نؤيدهم، نحن ما نؤيدهم على أعمالهم ولا على نواديهم بالحقيقة، ونرى أنه من المصلحة أن يُصرف الشباب إلى شيء آخر، إلى تعلم الرماية وإلى تعلم السباحة وإلى السياق وإلى الأشياء المفيدة (...)، ما يهم، المهم بس شيء يفيدون الناس، أما هذه أنا ما أقول إني أؤيد النوادي، بل أقول: إن ضررها أكثر من نفعها، وإن كان مع ذلك ما نقول: إن ضررها مئة بالمئة، نقول: ضررها أكثر من نفعها. * طلبة: (...). * الشيخ: ألا ترون أن ها الشباب الكثير هذا لو بقي مُسَرَّحًا في الأسواق ما يحصل فيه مفسدة؟ * طالب: لا بد أنه يفسد.. * الشيخ: والله أنا عندي أن هي كافة هي؛ يعني كافة.. * طالب: (...). * الشيخ: لا، بس أنا عندي أن بقاءهم أفسد، لو بقوا مُسَرَّحين في الأسواق لكان أفسد لهم. * طالب: (...) ومكتبات. * الشيخ: اتفقنا على هذا، على أنها تحتاج إلى توجيه، وأن وجود النوادي ضرر، لكن ما نقول: إنها ضرر محض؛ لأنها كافة بعدت عنا أشياء كثيرة، تجد هذا الشباب لو أنهم مثلًا قاموا يتجولون في الأسواق ويتجمعون تجمعات، كان يحصل شيء كثير. * طالب: بلا شك (...) ومكتبات وحدائق، وكذا فيفادون يا شيخ. * الشيخ: هو ما أنا بقول: إن هذه فكرة جيدة، ما هي بفكرة جيدة، ما هي بسليمة أبدًا، ولا هي مقصود بها الخير للمسلمين أيضًا، أنا أجزم -والله أعلم- أنه ما قصد بها الخير للمسلمين، إنما قُصد بها إلهاء الناس وصدهم عن دين الله. * طالب: حتى يا شيخ أيش تدلنا (...)؟ * الشيخ: لا، لكن مع ذلك ما نقول: إنها شر محض، هذا الكلام العام الذي هو موضع النقاش، هل هي شر محض أو فيها خير؟ وأقصد بالخير ما هو بالخير الإيجابي، لا أقصد به خيرًا إيجابيًّا، لكن خيرًا سلبيًّا، بمعنى أنك تكف عن مفاسد في ظني أكثر منها. * طالب: إي نعم، (...). * الشيخ: متدهورة؟ * الطالب: متدهورة، إي الكرة السعودية متدهورة وضعيفة. * الشيخ: إي. * الطالب: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة ١١١]. * الشيخ: الاستشهاد ليس.. * الطالب: الاستشهاد بالقرآن، ثم علم لا إله إلا الله محمد رسول الله قد (...). * طالب آخر: (...)، لو كان مع يهود بأي شيء؟ * الشيخ: هو ما فيها شك، ولهذا تجد أن بعضهم يشجع ناسًا -مثلما قلت- من النصارى واليهود من هؤلاء اللاعبين، وتجدهم إذا جاءت مباراة في التليفزيون لو أُقيمت الصلاة يسمع إقامة الصلاة ما يقوم للصلاة، هذا صحيح. * طالب: ويحبون هؤلاء أكثر من أي شخص. * الشيخ: إي نعم، يحبون من يشجعونهم من هؤلاء يمكن أشد من حب الله ورسوله. * طالب: (...) وقدموا طاعتها على طاعة الله عز وجل، وعلى حب الله عز وجل. * الشيخ: نعم، صحيح، ينطبق عليها عبد الدينار والدرهم؛ لأنهم إن أعطوا رضوا، وإن لم يعطوا سخطوا، إن نجحوا رضوا وإلا سخطوا، وقالوا: أيش هذا الحظ؟ وأيش ها النصيب؟ وأيش ها التقدير؟ * طالب: (...). * الشيخ: عجيب، هذه الأيام دي؟ * طالب: (...). * الشيخ: ومات موتًا؟ * الطالب: (...). * طالب آخر: يذكر (...). * الشيخ: يعني فرح على ها الحال؟ * الطالب: إي، قفز (...). * الشيخ: فرحًا. * الطالب: إي، فرح (...). * الشيخ: انتصار فريقه الذي يراه. * الطالب: يظنه (...). * الشيخ: الله أكبر، سبحان الله العظيم. * طالب: يعني يا شيخ كم مرة (...). * الشيخ: لا، (...). * الطالب: وإلا كان وأيش نيتي بها المحاضرة، بقول لهم مثلًا: إن الكرة ما فيها شيء، لكن متى يصير فيها شيء؟ يصير فيها شيء إذا أشغلتنا مثلًا عن وقت الصلاة، إذا مثلًا جعلنا كل همنا بعد، ولّا أقولهم (...). * الشيخ: لا، فيه خير أبدًا إن شاء الله، ما يصير إلا الخير، أنت إذا صار هم اللي طالبينك، فهم ما يطلبوك إلا أنهم يظنونك (...). * الطالب: لكن بس نخشى (...). * الشيخ: هه؟ * طالب: علشان يبارك هذا العمل (...). * الشيخ: لا، أنا أخشى بعد أن هذا يصير خطيرًا، الإنسان يجب أنه يراعي اللي بينه وبين الله بعد، إذا طلب منه ناس وقالوا: تعال ذكرنا. * طالب: بس أذكرهم بالمسجد، بس أمامي مثلًا أشياء.. * الشيخ: لا، ما هو بالمسجد، إذا قال: تعال ذكرني اجتمعوا. * الطالب: فيه صور مثلًا (...). * الشيخ: أحسنت. * الطالب: صور مجسمة.

الفرقان 25:75

ثم قال: (﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ [الفرقان ٧٤] بالجمع والإفراد). ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ جمع، ﴿وَذُرِّيَّتِنَا﴾ إفراد. ﴿هَبْ لَنَا﴾ منها ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ لنا بأن نراهم مطيعين لك ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤] في الخير). بعد أن ذكر الله تعالى صلاح هؤلاء بأنفسهم، ذكر أنهم أيضًا يسعون في إصلاح غيرهم ممن يتصل بهم من الأزواج والذرية، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا﴾ [الفرقان ٧٤]، وفي هذا دليل واضح على أن دأب المؤمنين دعاء الله، وأما من قال: علمه بحالي يكفي عن سؤالي، فهذا قول باطل، وليس بصحيح؛ لأننا نقول: إن الله تعالى وصف الرسل وأتباعهم بأنهم يدعون الله، وهم يعلمون علم اليقين بأن الله تعالى يعلم بحالهم، ومن قال مثل هذا القول فإنه يدل على استكباره عن دعاء الله سبحانه وتعالى، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وأيش قلنا؟ * الطالب: قلنا بأن الذين قالوا: إنه يكفي معرفة الله بحال المؤمن (...) عليه. * الشيخ: إي. * الطالب: فالمؤمنون دعوا بدعاء الله عز وجل، وكذلك الرسل. * الشيخ: بعد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي، قلنا: وأن هذا القول يدل على استكبار صاحبه وعدم خضوعه لربه، وإلا فمن المعلوم أن الله عالم بكل أحد، فلماذا لا تقول: يا ربي؟ لماذا لم تقل؟ ولكن هذا والعياذ بالله من الطرق الشيطانية التي أرسلها الشيطان على متبعيها من الصوفية وغيرهم. ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا﴾ الهبة بمعنى العطية ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ [الفرقان ٧٤]. هل ﴿مِنْ﴾ للتبعيض ولّا لبيان الجنس؟ * طالب: لبيان الجنس. * الشيخ: هه؟ * طالب: للجميع، صلاح الذرية جميعًا. * طالب آخر: للصلاح. * الشيخ: إي نعم، لبيان الجنس، ما هم يقولون: بعض أزواجنا هب لنا منهم قرة أعين، بل الجميع، لا، ولكنها للبيان، ﴿مِنْ﴾ بيانية وليست تبعيضية. وقوله: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾ جمع زوج، الذكر ولّا الأنثى؟ * طالب: كلا (...). * الشيخ: الرجل يقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ﴾؛ لأن (الذين) للمذكر، والمرأة تقوله أيضًا؛ لأن الخطاب أو التحدث بصيغة جمع المذكر يشمل المؤنث أيضًا، فالمرأة تقوله والرجل يقوله أيضًا. يقول: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ قراءتان: ﴿وَذُرِّيَّتِنَا﴾ ، ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾، أما على قراءة ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ فالوجه فيها ظاهر لفظًا ومعنى، أما لفظًا فلمناسبة الجمع قبلها: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾، وأما معنى فلأنه أشمل، شموله ظاهر: من أجل الجميع. وأما ﴿وَذُرِّيَّتِنَا﴾ فإنها لا تتلاقى مع ما قبلها من حيث الصيغة؛ لأنها مفرد، لكنها تلاقيها من حيث المعنى؛ لأنها مفرد مضاف، والمفرد المضاف للعموم، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: هل فيه مثال يدل على أن المفرد المضاف للعموم من القرآن؟ * طالب: من القرآن؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: ما أستحضر. * الشيخ: ما تستحضر؟ * الطالب: نعم. * طالب آخر: قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان ٢٠]. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: قوله ﴿نِعَمَهُ﴾. * الشيخ: إي، جمع، هل مثله ما تستحضر؟ * طالب: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨]. * الشيخ: نعم ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، يقينًا المراد بالـ﴿نِعْمَةَ﴾ هنا الجمع؛ لأنه قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا﴾، والنعمة الواحدة أولًا لا تُعد، والشيء الثاني لا تُحصى، والله يقول: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾، فهذا مثال واضح جدًّا على أن المفرد المضاف يكون للعموم والشمول. إذن ﴿وَذُرِّيَّتِنَا﴾ على قراءة الإفراد يلاقي ما قبله من حيث المعنى؛ لأنه يشمل جميع الذرية. ومَن المراد بالذرية؟ المراد بالذرية الأولاد ذكورهم وإناثهم، وأولاد الأبناء دون أبناء البنات، فإن أولاد البنات ليسوا من الذرية لغة ولا شرعًا عند كثير من الفقهاء، نعم، وقيل: بل أولاد البنات من الذرية؛ لأن الله تعالى قال في إبراهيم: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ [الأنعام ٨٤، ٨٥]، ﴿وَعِيسَى﴾ ولد بنت وليس ولد ابن، فجعله الله من الذرية، فدل هذا على أن أولاد البنات من الذرية. ولكننا نقول: ليس في الآية دلالة؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام أمه أبوه؛ يعني ما له نسب من قبل الأبوة، منقطع؛ ولهذا المرأة الملاعِنة أو الملاعَنة إذا نفى زوجها ولدها منها، صارت هي أمًّا وأبًا. فالصواب أن الذرية لا يدخل فيها أولاد البنات، هذا من حيث اللغة والشرع، أما من حيث الوقف والهبة وما أشبه ذلك مما يتصرف فيه الإنسان بنفسه وله الحرية فيه، فهذا حسب ما ينص عليه، لو قال مثلًا: هذا وقف على ذريتي الذكور والإناث ومن مات منهم عن ولد فنصيبه لولده، وأيش يصير هذا؟ يكون للجميع. وكذلك لو قال: هذا وقف على ذريتي ومن تفرع منهم، وليس له إلا بنات، هذا أيضًا يدخل أولاد البنات بلا شك، أو قال مثلًا: على ذريتي وولد البنات ينزلون منزلة أمهاتهم. فكذلك؛ يعني إذا نص على الشيء أو دلت القرينة عليه دخل أولاد البنات، لكن هذا الدخول بحسب ما تقتضيه الصيغة عرفًا أو نطقًا لا بحسب الشرع واللغة العربية. ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان ٧٤]، ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾، وأيش معنى قرة العين؟ قرة العين هل معناها الاستقرار، مأخوذة من الاستقرار؟ ولّا مأخوذة من القُّر وهو البرد؛ لأنهم يقولون: إن دموع العين الحزينة حارة والعين القريرة باردة؟ نعم، هذا هو الأقرب، وليس من الاستقرار؛ لأن الإنسان ما هو معناه إذا فرح قرت عينه، ولا معناه أنه إذا حزن (...)، ليس الأمر كذلك، لكنها من القر الذي هو البرودة؛ لأن الإنسان إذا حزن حميت عينه، ولهذا يُقال: دموع الحزين حارة. فالمعنى السرور والاطمئنان وما أشبه ذلك، وكني بالعين؛ لأنها تتأثر. وقول المؤلف: (بأن نراهم مطيعين لك)، هذا بالحقيقة من جملة ما تقر به عين المؤمن؛ أن يرى أزواجه وذرياته مطيعين لله، والغريب أن الإنسان المسلم إذا رأى أزواجه وذرياته مطيعين لله تقر عينه وإن كان هو فاسقًا، الغريب أن الوالد يفرح أن وليده يصير مطيعًا لله مجتنبًا للمعاصي وهو فاسق! يحب أن وليده يصلي مع الجماعة ولو ما يصلي هو، وكذلك يحب أن وليده ما يشرب الدخان لو هو يشرب الدخان؛ لأن المسلم مجبول على محبة طاعة الله، فهؤلاء الذين يكونون قرة أعين؛ يعني: بأن نراهم مطيعين لك. هذا واحد. والصواب أيضًا: ولنا؛ لأن الإنسان أيضًا إذا كان ولده وزوجته موافقين لطاعته، تقر عينه ولّا لا؟ تقر، هذا إذا أضيفت إلى طاعة الله، لكن إذا كانوا مطيعين لله وعاصين له، تقر عينه من وجه إذا ذكر طاعتهم لله وقيامهم بطاعة الله رضي وفرح، وإذا رآهم عاصين له يقول للولد: اجلس في القهوة وانتظر الرجال، ولكنه يخرج، نعم. ويقول للمرأة: أصلحي الطعام، ولكنها لا تصلحه، هذا لا شك أنه يسوؤه هذا الشيء ولا تقر عينه به، مع أن هذا الأمر معصية لله؛ يعني لو شئنا لقلنا: إن قوله: (بأن نراهم مطيعين لك) يشمل حتى طاعتهم لأبيهم وطاعة المرأة لزوجها، يشمل هذا وهذا، وكذلك قيام الرجل بما يجب لزوجته يدخل في ذلك؛ يعني لو شئنا أن نقول هكذا لقلناه، لكنه خلاف ظاهر الكلام. فالصواب: أن نراهم مطيعين لك قائمين بما يجب عليهم لنا؛ لأن بذلك يتم قرار العين. يقول: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤]، ﴿إِمَامًا﴾ يعني: قدوة، والإمام هو القدوة المتبع. وقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، سبق الكلام على التقوى عدة مرات، وأن المراد بالتقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله، وذلك بفعل الأوامر واجتناب النواهي. ومعنى كونهم: ﴿لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ أي قدوة، اتصافهم بالتقوى واتصافهم بالعلم؛ لأنه ما يمكن أن يكون الإنسان قدوة إلا إذا علم فيه العلم والتقوى، فإذا لم يكن عالمًا لم يثق الناس به من حيث العلم، الجاهل ما يقتدون به، وإذا كان عالمًا لكن عنده انحراف قولي أو عملي أو اعتقادي، فإنه أيضًا لا يكون قدوة للمتقين، لا لعدم علمه، ولكن لعدم نصحه. فهذا الدعاء: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، يتضمن ثلاثة أمور: العلم، والتقوى، والتأثير؛ لأن من لم يكن عالمًا لم يكن قدوة، ومن لم يكن متقيًا لم يكن قدوة، ومن لم يكن مؤثرًا لم يكن قدوة أيضًا، والتأثير بالقول وبالفعل له دور كبير، تجد مثلًا رجلين متقاربين في العلم، لكن أحدهما يصرف الله القلوب إليه فيتخذونه قدوة، والآخر لا يحصل له هذا الأمر، فهذا نقول: نزيد على العلم والتقوى التأثير، والتأثير -كما تعرفون- يكون سببه قوة البيان والفصاحة إذا كان التأثير بالقول، ويكون سببه أيضًا الاستقامة وحسن السلوك إذا كان تأثيرًا بالفعل. وعلى كل حال فلا تتم الإمامة إلا بهذه الأمور الثلاثة: العلم، والتقوى، والتأثير بالقول أو بالفعل. وفي الآية إشكال لفظي، وهو قوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤]؛ لأن (اجعلنا) فعل ينصب مفعولين أحدهما مبتدأ والثاني الخبر، ومن شروط المبتدأ والخبر أن يكونا متطابقين إفرادًا وتثنية وجمعًا. هنا المبتدأ جمع ولّا لا؟ ﴿وَاجْعَلْنَا﴾ (نا) جمع، و﴿لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، ﴿إِمَامًا﴾ هذا الخبر، وهو المفعول الثاني، مفرد ولّا جمع؟ * طالب: مفرد. * الشيخ: مفرد، هو مفرد، فيبقى إشكال؛ وهو عدم مطابقة الخبر للمبتدأ، والمطابقة أن يُقال: واجعلنا للمتقين أئمة، فما هو الجواب على هذا؟ * طالب: ما يمكن يصير الخبر جملة؟ * الشيخ: وين الجملة؟ * الطالب: فيها تقدير: ﴿إِمَامًا﴾ (...)؟ * الشيخ: ما تصير جملة؛ لأن هذه ﴿إِمَامًا﴾ منصوبة، فالفعل مسلط عليها. * طالب: (...). * الشيخ: إي، لو قال: للمتقين إمامٌ، مع أنه ما يصلح. لو كان: للمتقين إمامٌ، صارت جملة مع أنه ما يصلح، لخلوها من الرابط، نعم؟ * طالب: نقول إن هذه من الصفات التي تصلح للمفرد وللمثنى والجمع. * الشيخ: كذا؟ * الطالب: ربما، وجه نظر. * الشيخ: يعني حجة نحو؟ * الطالب: إي. * الشيخ: إي نعم، بعضهم قال هكذا، قال: إن ﴿إِمَامًا﴾ لفظ صالح للمفرد وغيره، مثل: فلك، وجنب، وأشياء كثيرة من هذا النوع، وعلى هذا لا إشكال؛ لأن ﴿إِمَامًا﴾ بمعنى أئمة، صالحة للجمع. ومنهم من قال: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤]، أن (نا) نائبة عن كل واحد، ما هو بعين المجموع؛ يعني: اجعل كل واحد منا إمامًا. * طالب: (...). * الشيخ: يعني كل واحد يدعو لمفرده؛ أي: اجعل كل واحد منا إمامًا، نعم؟ * طالب: أو من ذرياتهم؟ * الشيخ: لا، ما هو من ذرياتهم، ﴿وَاجْعَلْنَا﴾ نحن، فعلى هذا.. * الطالب: يعني يشمله يا شيخ؟ * الشيخ: على هذا لا إشكال أيضًا، إذا جعلنا الضمير في ﴿وَاجْعَلْنَا﴾ ليس عائدًا للمجموع، إنما عائد لكل فرد من الجميع، فلا إشكال في المسألة، وهذا أقرب؛ لأن كل واحد من المؤمنين ليس يسأل الله سبحانه وتعالى أنه يجعل المجموع أئمة، هو يريد أن يجعل كل واحد إمامًا. وفي هذا دليل على فضيلة الإمامة في الدين، ومنها إمامة المساجد، فإن الإمام في المسجد إمام للمتقين، اللي يجون يصلون متقون إن شاء الله، فهو إمام لهم، فيدل ذلك على فضيلة تولي الإمامة في المساجد، وأظن ذلك معلوم، فضل الإمامة في المساجد معلوم، لو لم يكن منها إلا أن الإنسان يكون قدوة، وأن الإمامة تعينه على أداء الصلاة، الإمام ما تفوِّته الصلاة كل يوم، واللي غيره تفوته أو يفوته بعضها. كذلك الإمام إذا تكلم يُسمع له أكثر، وكم من إنسان ما برز وظهر إلا بسبب إمامته، لا سيما إذا تولى الخطابة. فالمهم أن هذه الأمور التي ينفر الناس منها -مع الأسف- الآن تجد حتى بعض طلبة العلم لا يمكن أن يتولوا إمامة مسجد حتى مع الضرورة إلى ذلك، وإلا الواجب الذي ينبغي أو المستحب المؤكد الذي ينبغي أن يتولوا هم هذه الإمامة لينتفعوا وينفعوا غيرهم، ويسدوا الفراغ الذي ربما يشغله من لا يوثق في دينه وعمله. * طالب: يا شيخ، لو يا شيخ سوينا مثلًا توعية أو إرشاد للناس على مثلًا حب الإمامة لأجل ألا (...)؛ لأنه حتى الآن الأشخاص الذين يرغبون في الإمامة يأتيهم مثلًا آباؤهم أو أقاربهم ويقولون لهم كلامًا فارغًا لهم: أنك تتحمل الجماعة يوم القيامة، وأنك ربما تبطل صلاتهم؟ * الشيخ: صحيح، نعم. * الطالب: إي والله. * الشيخ: إي، بعض الناس يظنون أن الإمام مسؤول عن جماعته، ما هو مسؤول أبدًا، هو مسؤول عن صلاته، وصحيح هذه المسؤولية من جهة إتمام الصلاة؛ يعني مثلًا إذا صليت وحدي ممكن أن أقتصر على الواجبات فقط، لكن إذا كنت إمامًا لغيري ما يجوز أقتصر على الواجبات، يجب أن آتي بالصلاة كاملة، وهذه مسألة أيضًا يجب أن يلاحظها الأئمة؛ لأن بعض الناس يقول: ما دام أني إمام بجيب أدنى الواجب. نقول: نعم، لو كنت تصلي وحدك فلا حرج عليك أن تقتصر على أدنى الواجب، ولا حرج عليك أن تطول ما شئت كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن إذا كنت إمامًا فأنت الآن في ولاية، والولي على الشيء أيش يجب عليه أن يفعل؟ ما هو أحسن ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام ١٥٢]، فما دام أنك أنت ولي الآن، يجب عليك أنك تفعل في صلاتك أكمل ما يكون، ما هو بتقتصر على الواجب. الفقهاء رحمهم الله يقولون: يُكره سرعة تمنع المأموم فعل ما يُسن، وتحرم السرعة التي تمنع المأموم فعل ما يجب. هذا صحيح، لكن أنا عندي حتى الأول السرعة التي تمنع المأموم فعل ما يُسن ما هي بمكروهة فقط، بل حرام، حرام ليش؟ لأنك أنت الآن ولي، ويجب على الولي أن يفعل ما هو الأصلح لمن وُلِّي عليه، ولا شك أن الأصلح هو اتباع السنة. مثل ما قلنا في الأمور التي يُخير فيها الإنسان: إن كان أنه من أجل ما يتعلق بنفسه فالتخيير تَشَهٍّ، اللي يشتهيه يسويه، كالتخيير في خصال الكفارة، مثلًا: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة. وإذا كان التخيير فيما يتعلق بمصلحة الغير، فالتخيير تخيير تَشَهٍّ ولّا مصلحة؟ تخيير مصلحة. * طالب: بعض الأئمة يا شيخ يقول: أنا (...)، فهل عليه مسؤولية من جانبه؟ * الشيخ: الإمام ما عليه مسؤولية في هذا إلا مثل ما على غيره، كل إنسان رأى منكرًا فليغيره. * الطالب: ولا تزيد مسؤوليته في ذلك؟ * الشيخ: أبدًا ما تزيد. * طالب: بس (...)؟ * الشيخ: مثل غيره، أيضًا لو كان في المسجد إنسان وجيه كلمته مسموعة صار عليه من السلطة أكثر من الإمام، فنحن نقول: هو مثل غيره حسب الحال، الإنسان اللي يقدر يغير بإيده يغير بإيده، واللي ما يقدر يغير بلسانه، واللي ما يقدر يغير بقلبه. * طالب: بس يا شيخ مثلًا يستطيع أنه يعدل، يستطيع أنه يتأكد؟ * الشيخ: ما يجب عليه العدل أبدًا. * الطالب: بس (...)؟ * الشيخ: لا، التعاون؟ كل الناس ودهم التعاون في هذا الأمر. * الطالب: أن الأمر معروف (...)؟ * الشيخ: حتى لو فُرض أن الرجل قال: أنا إن كنت إمامًا ألزمت نفسي بهذا، فهل هذا من الخير ولّا من الشر؟ * الطالب: من الخير. * الشيخ: إي، الحمد لله، إن كان من الخير فليكن مما يدعو إلى الإمامة ويشجع عليها، والحقيقة أن الله -سبحانه وتعالى- جعل للأشياء شروطًا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت ٦٩]، ما يهدي الله الإنسان سبيله إلا بعد أن يجاهد فيها، لما تبغي تصل إلى شيء به السرور والأنس والحبور على جناح الريح ما يمكن، لا بد من شوك ومن حصى ومن كل شيء: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٢٢ / ١) من حديث أنس بن مالك.]]. * طالب: يا شيخ الآن (...)؟ * الشيخ: لا يلزم يا أخي، هو ما فيه شك أنه من الكمال أن يكون الإمام عالمًا أو طالب علم يستطيع أن يتكلم، لكن إذا لم يكن؟ * طالب: ينهى عن المعروف ولو (...). * الشيخ: لا، أنا (...) الإمام، أنا أقول: إنه يجب أننا نسد الفراغ عن غيرها؛ لأنه من الكثرة والأجانب عندنا وصارت مساجدنا كلها (...) الإمام يؤثر؛ يعني لولا أن الناس عندهم تمسك وعدم ثقة بالأجانب وعندهم ثقة كبيرة في المواطنين، لكان كل اللي يصلون وراء الأجانب يجهرون بالبسملة ويقنتون في الفجر ويمشون، لكن -الحمد لله- أنهم إلى الآن ما صار لهم قبول في البلد، وهذا من نعمة الله، وإلا كان يؤثرون تأثيرًا بالغًا، فالإمام لا شك أنه يؤثر على من خلفه، إي، إحنا نقول: يجب على المواطنين عندنا أنهم يسدون هذا الفراغ لئلا يشغله من لا يُوثق به. * طالب: اللي يدخن (...)؟ * الشيخ: (...)، والدخان أهون من العقيدة؛ لأن المشكلة العقيدة الآن، المهم العقيدة، نعم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: مسألة إغلاق المسجد هذه وظيفة، حتى الفقهاء يسمونها وظائف. * الطالب: يلزم بأشياء خلاف (...). * طالب آخر: صحيح؛ لأني أنا شفت (...)، يجب على الإمام كذا، ويجب عليه كذا. * الشيخ: ما يخالف، هو يجب على الإمام كذا بمقتضى الإمامة، وهل هذا يمنع أيضًا؟ لأنك أنت إذا ما قمت بهذا قام بها الأجنبي. * طالب: إن كان ما يعتقد هذا الشيء وبيمنعه (...)؟ * الشيخ: كيف ما يعتقد؟ ويش ما تعتقده؟ * الطالب: الإنسان اللي بيرشد الناس (...) إلى أن يقول كلمة خير. * الشيخ: وأيش يدريك أنه يقول كلمة خير؟ * الطالب: واضح، الإنسان (...). * الشيخ: أبدًا ما هو بواضح، قبل أن يتكلم وهو غير معروف لك ما هو بواضح. * الطالب: ممكن إذا ما صار خير (...). * الشيخ: صعب. * الطالب: (...). * الشيخ: لا أبدًا. * الطالب: (...). * الشيخ: ثم أيضًا أن الإنسان الإمام نفسه قد لا يكون عنده إدراك اللي يقول ها الكلمة الخير، يمكن يجيب لك الحديث الموضوع: (...) خصلة، نعم، كلها أحاديث موضوعة، ويش يدريك هذا؟ يعني اتقاء الشر قبل الوقوع فيه أحسن ما يكون الإنسان (...). * الطالب: الأحسن يا شيخ ما منع (...) يتكلم. * الشيخ: أولًا الرسول ما أظن أحد يتكلم والرسول حاضر. * الطالب: (...). * الشيخ: هذه واحدة، وكذلك أيضًا ما عهدنا أن أحدًا يتكلم مع وجود الأئمة، والشيء الثاني: ما إحنا بنقول: إن الحق يجب أنه يمنع، لكن نقول: من يقول إن هؤلاء يريدون الحق؟ نجد كثيرًا يتكلمون إذا قضوا قالوا: أعطونا، هذا اللي يجب أن يمنعوا ويضربوا أيضًا، يعني يصطادون الدنيا بالدين؟ (...). * طالب: (...). * الشيخ: نعم، إذا صارت عندنا (...)، نسمع عن هذا. * الطالب: بس يمكن أن يكون معروفًا يا شيخ؟ * الشيخ: وأيش هو اللي معروف؟ * الطالب: الشخص هذا. * الشيخ: اللي بيتكلم؟ * الطالب: إي. * الشيخ: إذا صار معروفًا ما يمنع أبدًا، إذا صار معروفًا ما هو بيمنع، أما الحين يقولون -يعني أنا ما جاءني شيء من هذا (...)، لكن أجزم جزمًا أنهم يقولون-: اللي ما تعرفوه لا (...). * طالب: (...). * الشيخ: المهم أن هذه غير مانعة يا جماعة، ما هي مانعة من تولي الإمامة، وكما أنك أنت إذا صرت غير إمام، هل أنك إذا صرت غير إمام اللي بيتولى الإمامة بيسمح للناس يتكلمون؟ أبدًا، أنا قصدي أن الإمامة فيها مصالح كثيرة، لا بالنسبة للشخص نفسه؛ لأنه هو يقدر يتكلم بما يشاء ويوجه الناس، عندما لا يكون إمامًا، لو جاء يتكلم قال له الإمام: لا تتكلم، على كلامهم، لكن لو صار هو الإمام أحد يمنعه أن يقول أتكلم؟ إذن ينفع الناس بعلمه. ثم هي أيضًا مما يعين على الطاعة، أنا أشعر بهذا، لما كنت غير إمام يفوتني بعض الأحيان بعض الصلاة وأتكاسل وحينًا نروح المسجد ذاك، وحينًا نروح المسجد ذاك، لكن لما كنت إمامًا الحمد لله ما تفوتني صلاة الجماعة. * طالب: بس أجرًا يا شيخ إذا كان اللي يضبطه الصلاة، وهو من الأول (...)، ما ينقص أجل تبكيره؟ * الشيخ: ما ينقص أبدًا؛ لأن كون الأشياء تشجع الإنسان، كون أن الإنسان يصير له مشجعات على الخير ما يبطل هذا أجره، ليش المرغبات اللي جعلها الله في الكتاب والسنة على الخير إلا لأجر يسعى له؟ * طالب: بس فيه ناس (...)؟ * الشيخ: لا، ما هو بمسألة التبكير، مسألة أنك تعين (...) على التبكير فقط، على إدراك الجماعة أيضًا، يمكن ما أبكر. * الطالب: إي نعم، إدراك. * الشيخ: نعم، هذا مما يعين، أليس الله جعل للناس من الغنيمة شيئًا؟ وأليس أن الأئمة والمؤذنين يجعل لهم رَزقًا من بيت المال؟ وأليس النبي عليه الصلاة والسلام يشجع في إعطاء المؤلفة قلوبهم؟ وغير ذلك، يعني كون أن الإنسان يكون له مشجعات على الخير ما يبطل أجره، الكلام على النية الأصل، إذا كنت تفعل هذا للدنيا هذا صحيح، هذا يؤثر عليك كثيرًا، أما إذا يسر الله لك من الأسباب الطاعة ما يعينك عليها فهذا طيب، ولا ينقص الأجر. * طالب: (...)؟ * الشيخ: بل الرسول ﷺ يشجع على هذا الشيء، على ما يعين: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٢٣)، ومسلم (١٠٩٥ / ٤٥) من حديث أنس بن مالك.]]، «وكان يصب على رأسه الماء وهو صائم من الحر»[[أخرج أبو داود (٢٣٦٥) عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: رأيت رسول الله ﷺ أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر، وقال: «تَقَوَّوْا لِعَدُوِّكُمْ»، وصام رسول الله ﷺ، قال أبو بكر -أحد الرواة-: قال الذي حدثني: لقد رأيت رسول الله ﷺ بالعرج يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش، أو من الحر.]]، كل هذا يعينه على الطاعة، فالمشجعات على الخير ما تنقص الخير، الكلام على النية بس: إن فعلت هذا الشيء للدنيا تراه صحيحًا هذا (...). * طالب: بس ربما يسرع يا شيخ الواحد، قصده (...)، يعني مثلًا يصير دأبه؟ * الشيخ: نعم، إذا كان إنه يرائي الناس في هذا، هذا شيء ثان، حتى اللي ما هو بإمام يمكن يرى أنه يفقد في الجماعة، ويجب ألا يفقد لو ما هو بإمام، فالكلام عاد هذا على النية، إذا كان يخجل من الناس فهذه لا شك أنها تنقص أجره، لكن إذا كان لا يقول: أنا أسرع لأقوم بالواجب عليَّ ولا أربك الناس، مرة يتقدم ومرة يتأخر، هذا طيب؛ إنما أسرع لإحسان عمله. * طالب: بعض الأئمة الآن (...)؟ * الشيخ: بس اللي (...) هذا ما نقدر نقول له تأخر؛ لأن اختيارنا الأولى عند ابتداء الإمام، فإذا وُجد إمام ما يمكن نعزله إلا بسبب شرعي. * الطالب: تطوعي، يعني ربما يكون الشخص متطوعًا، يقول: (...). * الشيخ: لكن بس ما هو مطيع. * الطالب: هذا يشكل. * الشيخ: لا ما يشكل، عندك معناه (...) الأئمة، البلد اللي على ها الصفة هذه (...). * الطالب: (...) أربع شباب خلف إمام عامي. * الشيخ: نحن ودنا يجيئون عندنا دول. * الطالب: الكلام (...). * الشيخ: لا، (...) بالتراويح بعضهم قاموا ببعض الواجب، لكن (...). * طالب: يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: ما نسوي لهم توعية بالنسبة لحث الناس على الإمامة؟ * الشيخ: (...) من غير توعية. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، والله ما سويت. * الطالب: ربما يا شيخ إذا فعلت يصير فيه إقبال من الشباب؟ * الشيخ: والله لعله إن شاء الله، راح يكون إذا صارت مناسبة إن شاء الله. * طالب: (...) إذا رضي؟ * الشيخ: إي، إذا رضي ما فيه مانع، لا سيما إذا كان الذي تولى خيرًا منه، إذا كان الذي بيتولى خيرًا منه فهذا طيب. * الطالب: لكن هذا الإمام لو موجود ما (...). * الشيخ: إذن هذا تنازل له؛ لأن المرتب من اللي بيصير له؟ بيصير للثاني، والثاني تنازل عنه، ما يهم، وهذه وقعت -حسب ما سمعت- مؤذن الجامع الكبير في الرياض ابن ماجد كان يؤذن في مسجد (...)، ولما عُمِر المسجد هذا الجديد والكبير طلبوا منه أنه يكون هو المؤذن، لكن إمامه الأول ما صار راضيًا بذلك، فجعلوا له مرتبًا والوظائف اللي على المسجد، وهذا جعلوا له مرتبًا جديدًا. طالب: يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: فيه بعض الأئمة مثلًا طريقه في البيت مثلًا (...) أصلي مثلًا أوقاتي التي أستطيع أن أحضر فيها المسجد، ويجعل شخصًا آخر من أهل البلد من كان يساعده في أوقات (...)؟ * الشيخ: أقول: ما فيه مانع، إذا تخلفت فصلِّ. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذه أكثر ما (...) مثل ما قال الأخ، يقول: والله هذه تربط وتشغل، وأنا ودي يومًا أتمشى هنا ويومًا أتمشى هنا ويومًا.. * طالب: قصده يا شيخ هذا (...)؟ * الشيخ: والله أنا أقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق ٤]، كل هذه عقبات الأصل عدمها، فأنت اجزم واحتسب الأجر من الله، وبيساعدك الله، يهيئ الله لك من أمرك يسرًا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، صحيح. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما هو معنى ذلك أنا إذا قلنا: إن الأذان أفضل من الإمامة معناه أن الإمامة ما فيها (...). * الطالب: قد يكون يا شيخ. * الشيخ: نقول: صر مؤذنًا (...) جزاك الله خيرًا، إذا كنت حرصت على الخير فكن مؤذنًا، وكن إمامًا. * طالب: والحديث الأول حديث: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ»[[أخرجه أبو داود (٥١٧) من حديث أبي هريرة.]]؟ * الشيخ: حديث «الْإِمَامُ ضَامِنٌ» إن صح بعد، الحديث فيه مقال، لكن إذا صح فالمعنى أن الإمام مسؤول عمن وراءه؛ يعني ضامنًا لهم، يجب أن يكون في صلاته مثل ما قلنا قبل قليل: إنه يأتي بها على الوجه الأكمل. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي، إذا صلى بهم نعم، (...)، لو يصلي واحد محدث الإمام وأيش (...). * طالب: يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: لو إمام مثلًا اقتنع أن (...). * الشيخ: الأحسن يأخذه، نرى أن الأحسن يأخذه، لا المرتب ولا الوظائف اللي على المسجد. * الطالب: يمكن يقول: هذا زيادة خير وأجر إن شاء الله. * الشيخ: نعم، هو على خير، يأخذه ما دام أن نيته أصلًا ما جاء إلا لله، أليس الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه يأخذون من الغنائم ولّا لا؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: هل يوجد أحد أخلص منهم؟ * الطالب: لا. * الشيخ: (...) وإذا شئت فخذه واصرفه في شيء نافع لك؛ يعني حقيقة الأمر -مثل ما قالوا: إنك لو ما تأخذ أنت يتعطل المسجد، إن جاء إمام جديد بعدك يحتاج إلى معاملة جديدة، إي نعم، وكذلك أيضًا الوظائف، بعض الناس يقول: والله (...) الإمام أو المؤذن، نقول: هذا بكيفك أنت، يعني كونك تأخذه أو ما تأخذه هذا شيء ثان، لكن نظرًا إلى أنك إذا تركته وكان (...) لكن تروح لغيرك أيضًا؛ لأن الإمام بالحقيقة ليس مستقلًّا -ولا المؤذن- بما يعطى من كل وجه. الشيخ: (منهم ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٧٠]). هذا مستثنى من قوله: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان ٦٨] وما أُبدل منه؛ يعني: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان ٧٠] فإنه لا يلقى أثامًا ولا يضاعف له العذاب ولا يخلد فيه. وتقدم أن شروط التوبة خمسة: الإخلاص لله، والندم على ما وقع، وأن يقلع عنها، وأن يعزم على ألا يعود، وأن تكون في الوقت الذي تُقبل فيه التوبة، في وقتها. وتقدم أيضًا أن هذا الاستثناء يشمل كل الذنوب الثلاثة: الشرك، وقتل النفس، والزنا، وأن ما ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن القاتل لا توبة له[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٦٤)، ومسلم (٣٠٢٣ / ١٩).]] » فإن أراد على وجه الإطلاق فليس بصحيح، وإن أراد لا توبة له فيما يتعلق بحق المقتول فهذا صحيح، على أننا نقول: لا يبعد أنه إذا تاب توبة نصوحًا أن يتحمل الله تعالى وتبارك عنه حق المقتول فيرضيه. * طالب: قول ابن القيم في إعلام الموقعين إن الحدود تسقط بالتوبة (...)، واستدل بحديث النسائي «أن رجلًا وقع على امرأة فأنها استغاثت برجل فمر (...)، فأمسكوا بالرجل الذي استغاثت به، فذهبوا به إلى النبي ﷺ، وقالت: إن هذا الذي زنى بي، فلما أراد أن يقيم عليه النبي ﷺ حد القذف اعترف رجل عند النبي ﷺ، وقال: أنا الذي فعلت بها، فقال عمر: ألا تقيم الحد على هذا الذي اعترف؟ فقال ﷺ: «لَقَدْ تَابَ»[[أخرج أحمد (٢٧٢٤٠) من حديث وائل بن حجر قال: خرجت امرأة إلى الصلاة، فلقيها رجل فتجللها بثيابه، فقضى حاجته منها وذهب، وانتهى إليها رجل فقالت له: إن الرجل فعل بي كذا وكذا، فذهب الرجل في طلبه فانتهى إليها قوم من الأنصار، فوقفوا عليها، فقالت لهم: إن رجلًا فعل بي كذا وكذا، فذهبوا في طلبه، فجاءوا بالرجل الذي ذهب في طلب الرجل الذي وقع عليها، فذهبوا به إلى النبي ﷺ فقالت: هو هذا، فلما أمر النبي ﷺ برجمه قال الذي وقع عليها: يا رسول الله، أنا والله هو، فقال للمرأة: «اذهبي فقد غفر الله لك»، وقال للرجل قولًا حسنًا، فقيل: يا نبي الله، ألا ترجمه، فقال: «لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقُبِل منهم». وأخرجه أبو داود (٤٣٧٩)، والترمذي (١٤٥٤) من حديث وائل بن حجر بسياق آخر، وهو أن النبي ﷺ قال للرجل قولًا حسنًا، قال أبو داود: يعني الرجل المأخوذ، وقال للرجل الذي وقع عليها: «ارجموه»، فقال: «لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقُبِل منهم».]] (...)؟ * الشيخ: هذا صحيح بالقرآن: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]. * الطالب: بس ما يُقام عليه الحد؟ * الشيخ: ما يُقام عليه الحد إذا تاب قبل القدرة عليه، إذا كان هذا في قُطَّاع الطريق وذنبهم من أعظم الذنوب، فهذا من باب أولى، إلا حد القذف إذا قلنا: إنه حق للآدمي، فلا يسقط إلا بإسقاط المقذوف. * الطالب: (...). * الشيخ: هه؟ * الطالب: اعترافه.. * الشيخ: على مسألة التوبة، أو أن الرسول علم منه ذلك، المهم أنه إذا تاب قبل القدرة، فإنه لا يُقام عليه الحد. ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان ٧٠] التوبة تقدم الكلام عليها، والإيمان في اللغة التصديق والإقرار، ولكنه في الشرع: تصديق القلب المستلزِم للقبول والإذعان، وليس مجرد التصديق، بل هو تصديق مستلزم لهذا، فإن لم يستلزم فليس بإيمان. قلنا المستلزم لأي شيء؟ للقبول والإذعان، يقبل ما جاء به الشرع ويذعن له، فيصدقه إن كان خبرًا ويقوم به إن كان طلبًا. * طالب: وإذا لم يتب القاتل؟ * الشيخ: إذا لم يتب القاتل فعليه الوعيد الذي ذكر الله سبحانه وتعالى. * الطالب: أليس هو من الكبائر؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: والكبائر تحت مشيئة الله؟ * الشيخ: نعم، هو تحت المشيئة، لكن من يقول: إنه يغفر له؟ وقوله: ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان ٧٠] هنا ذكر العمل ووصفه بالصلاح؛ لأن العمل غير الصالح لا ينفع صاحبه، والعمل الصالح ما جمع شرطين، وهما: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ، فإن لم يكن فيه الإخلاص فليس بمقبول، وإن لم يكن فيه المتابعة فليس بمقبول، ففي الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]، هذا دليل أن غير المخلَص فيه مردود. وأما غير المتابَع فيه فلقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري بنحوه (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]]. ويجمعهما قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف ١١٠]. وقوله: (منهم) منين؟ أي: من فاعل هذه الأمور الثلاثة؛ الشرك وقتل النفس والزنا، وإنما قيدها بذلك بقرينة السياق، ولئلا تتكرر مع ما بعدها. (﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ المذكورة ﴿حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٧٠] في الآخرة) يبدلها، التبديل: جَعْلُ شيء مكان شيء، وهذا التبديل هل هو تبديل قدري، أو تبديل جزائي؟ اختلف في ذلك أهل العلم، فمنهم من قال: إنه تبديل قدري، ومنهم من قال: إنه تبديل جزائي، كيف ذلك؟ الذين يقولون: إنه تبديل قدري، يقولون: إن معنى تبديل السيئات حسنات أنه لما آمن وعمل عملًا صالحًا صار بدل الشرك إيمان، وصار بدل الزنا وقتل النفس عمل صالح؛ معناه: أن هذا الإيمان والعمل الصالح صار بدلًا عن الكفر والزنا وقتل النفس، فالمعنى أن إيمانه وعمله الصالح الذي فعله هو الحسنات التي أبدل الله تبارك وتعالى السيئات بها، فيكون هذا التبديل قدريًّا. وقيل: بل هو جزائي، بمعنى أن هذه المعاصي نفسها تكون حسنات، يبدل الله السيئات السابقة يجعلها حسنات، بالإضافة إلى حسناته الأخيرة التي قُدرت له فَفَعَلها، وكيف ذلك؟ يقولون: لأن هذه السيئات لما تاب منها صار له بكل توبة من هذه السيئات حسنة، فأبدلت السيئات حسنات بالتوبة منها؛ ولأنه كلما تذكر ما سبق من أعماله السيئة أحدث له توبة، فكانت هذه الأعمال السابقة صارت حسنات بالتوبة منها. والصحيح شمول الآية لهذا وهذا، وأن الآية شاملة للأمرين، فإن ﴿مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ تبدلت سيئاته السابقة فصارت حسنات، لكنها ليست هي الأولى نفسها، وكذلك إذا تاب منها جوزي على هذه التوبة بالثواب، فصارت السيئات بالتوبة منها حسنات. وكلام المؤلف يميل إلى الثاني، إلى أن التبديل هذا تبديل جزائي، لقوله: (في الآخرة) لأنه لو كان قدريًّا ما كان في الآخرة، إذ التبديل القدري إنما يكون في الدنيا؛ لأنه عمله. والصحيح شمول الآية للأمرين، فبالإيمان والعمل الصالح تبدلت أعماله إلى أعمال صالحة، وبالتوبة من السيئات صارت السيئات السابقة حسنات؛ لأنه يزداد بهذه التوبة رفعة ومقامًا عند الله سبحانه وتعالى. (﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٧٠] أي لم يزل متصفا بذلك). و(كان) هنا كما مر علينا مجردة من الزمن، والمراد بها: اتصاف اسمها بخبرها صفة لازمة، ولهذا قال: (أي لم يزل متصفا بذلك) أي بالمغفرة والرحمة. والغفور صيغة مبالغة أو صفة مشبهة، وكلاهما يدل على الثبوت والدوام والكثرة. والمغفرة ستر الذنب مع التجاوز عنه؛ يعني ستر الذنب وإسقاط عقوبته، وليس مجرد الستر؛ لأنه مأخوذ من المِغفر، وبالمغفر يكون الستر والوقاية. وأما الرحيم فهو ذو الرحمة الواصلة إلى المرحومين؛ لأنها تدل على الفعل مع الصفة أيضًا، والرحمة صفة من صفات الله سبحانه وتعالى يكون بسببها الإنعام والإحسان إلى الخلق بجلب المنافع ودفع المضار. وأما من فسر الرحمة بالإحسان أو بإرادته فقوله خطأ؛ لأن إرادة الإحسان أثر من آثار الرحمة، وكذلك الإحسان، وليس هو الرحمة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٧٠]، نعم؟ * طالب: شيخ، قولنا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ هنا صفة مشبهة، ربما (...) يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: رغم أنها منصوبة ولم تعمل ولم تضف. * الشيخ: ما هو بلازم تعمل ولّا تضاف، وأما نصبها فللعامل، نصبها للعامل. * طالب: ورد حديث فيما معناه: ما يزال العبد يرى سيئاته توضع في كفة موازين حسناته؛ يعني التائب. * الشيخ: نعم. * الطالب: حتى يتمنى أن لو أكثر من السيئات[[أخرجه مسلم (١٩٠/ ٣١٤) من حديث أبي ذر.]]؟ * الشيخ: ما أعرف هذا الحديث، لكن نظرًا إلى أنها تبديل السيئات بحسنات يمكن من هذا الوجه. (﴿وَمَنْ تَابَ﴾ [الفرقان ٧١] من ذنوبه غير من ذكر)؛ ولهذا قال فيمن سبق: (﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان ٧٠] منهم)، من هؤلاء. وإنما قال: (غير من ذكر) لئلا يلزم التكرار، ولكن لا مانع أن نقول: لا حاجة للاستثناء وتكون الآية الثانية عامة، فيكون من باب ذكر العام بعد الخاص؛ لأن إخراج من سبق من عموم الآية هذه لا وجه له، فالأولى أن يُقال: إن الآية الثانية عامة تشمل من سبق وغيرهم. (﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان ٧١] أي يرجع إليه رجوعا فيجازيه خيرا). شوف ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، ﴿تَابَ﴾: رجع من ذنبه، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: استزاد من العمل الصالح، فيكون هذا الرجل استَعتب مما فعل وازداد خيرًا. يقول: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾، أي: ﴿مَتَابًا﴾ تامًّا، فالمصدر هنا للتعظيم، لتعظيم هذه التوبة؛ أي: ﴿مَتَابًا﴾ عظيمًا لكمال هذه التوبة، وإلا لو قال قائل: إن هذا تحصيل حاصل، من تاب فإنه يكون تائبًا؟! لا، المقصود أن توبته هذه توبة كاملة عظيمة، فالإتيان بالمصدر: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ للدلالة على أن هذه التوبة وقعت موقعها، وأنها كاملة، وهذا حق فإن الرجل إذا تاب وازداد عملًا صالحًا تبين بذلك صحة توبته وكمالها. وقد اختلف العلماء -رحمهم الله: هل يُشترط للتوبة إصلاح العمل أو لا يُشترط؟ فمنهم من قال: إنه يُشترط لها إصلاح العمل، وعلى هذا فيكون ذلك شرطًا سادسًا زائدًا على الشروط الخمسة، وأن من تاب ولم يصلح عمله فإنه ليس بتائب. وقال بعض العلماء: بل تصح التوبة مع عدم إصلاح العمل، وقال بعضهم: إن كان العمل من جنس ما تاب منه فلا بد من إصلاحه، وإلا فلا تصح التوبة. مثال ذلك: رجل تاب من الزنا ولكنه يسرق، فعلى القول الأول لا تصح توبته من الزنا لعدم إصلاح العمل، وعلى القول الثاني تصح؛ لأن السرقة ليست من جنس الزنا، وعلى القول الثالث من باب أولى أنه لا يشترط إصلاح العمل مطلقًا، وأن من تاب من ذنب قُبلت توبته. ورجل آخر تاب من الزنا ولكنه استمر في النظر المحرم، استمر ينظر إلى النساء نظرًا محرمًا، فهذا على القول بأنه لا يُشترط إصلاح العمل تصح توبته من الزنا، وعلى القول بأنه لا بد من إصلاح العمل لا تصح توبته من الزنا، وعلى القول بأنه بالوسط اللي يقول إذا كان من جنس ما تاب منه لم تُقبل أيضًا لا تصح؛ لأن هذا زنا العين كما قال النبي ﷺ[[أخرج أحمد (٨٣٥٦) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال: «العين تزني، والقلب يزني، فزنا العين النظر، وزنا القلب التمني، والفرج يصدق ما هنالك أو يكذبه».]]. ولكن الصحيح أن يُقال: أما إن أُريد بالتوبة وصف هذا الرجل بأنه من التائبين الذين يلحقهم الثناء ويصدق عليهم أنهم تائبون، فهذا لا يمكن أن تصح منه التوبة أو أن يستحق وصف التوبة إلا بإصلاح العمل؛ لأنه لم يتب التوبة المطلقة، وإنما عنده مطلق توبة، وأما إن أُريد بالتوبة التوبة من العمل المعين، فالصواب الجزم بأن توبته تُقبل؛ لأن هذا مقتضى عدل الله عز وجل، من عمل خيرًا فله ومن عمل شرًّا فعليه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨]، فكيف نقول: إن هذا الرجل لا تصح توبته مِن عمل تاب منه ورجع وندم؛ لأنه مُصِرٌّ على غيره؟! ما يصلح. فالصواب في هذا أن يُقال: أما استحقاق وصف التائبين على وجه الإطلاق، فهذا لا يستحقه التائب إلا بإصلاح العمل؛ لأنه كيف يكون تائبًا إلى الله من هو مُصِر على معصيته ولو من غير جنس ما تاب منه أو من جنسها! وأما إذا كان المقصود التوبة من هذا العمل المعين؛ يعني مطلق توبة، لا توبة مطلقة، فإنها تصح جزمًا؛ لأن هذا مقتضى عدل الله سبحانه وتعالى. * طالب: شيخ، في الحديث «أن رجلًا أذنب ثم تاب ثم أذنب ثم تاب ثم أذنب ثم تاب، ثم قال الله تعالى: علم عبدي أن (...)، فليعمل عبدي ما شاء»[[أخرج البخاري (٧٥٠٧)، ومسلم واللفظ له (٢٧٥٨ / ٢٩) بسنديهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ، فيما يحكي عن ربه عز وجل، قال: «أذنب عبد ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك»، قال عبد الأعلى: لا أدري أقال في الثالثة أو الرابعة: «اعمل ما شِئْت».]]، أو كما قال. * الشيخ: نعم. * الطالب: هذا دليل على أنه إذا تاب ثم رجع إلى العمل لم تُقبل توبته؟ * الشيخ: لَمْ؟ * الطالب: لا تُقبل توبته. * الشيخ: إي نعم، هذا العمل ما هي بمسألتنا هنا. * الطالب: ربما يكون عملًا آخر؟ * الشيخ: لا، هذه غير مسألتنا، نحن نقول: الرجل هذا تاب من الذنب ولّا رجع إليه، لكنه عاصٍ لله من جهة أخرى، هذا هو بحثهم. * طالب: بس إذا قلنا بأنه جزمًا تحصل له التوبة، فهناك أحكام كثيرة تترتب على التوبة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: مثل قلب السيئات إلى حسنات. * الشيخ: نعم، نقول: نعم، بالنسبة لهذا العمل المعين إذا تاب منه صار حسنة. * طالب: تقلب (...)؟ * الشيخ: والله هذا الكلام اللي قلنا قبل: هل هو قلب جزائي ولّا قلب قدري؟ * الطالب: إي، بس لا، هذا العام؟ * الشيخ: لا أبدًا، إذا كان من الشرك والزنا وقتل النفس. * الطالب: إي، لكن تاب توبة نصوحًا كاملة؟ * الشيخ: لا، تاب من هذه الأشياء، المهم أنه حتى من تاب توبة خاصة من ذنب خاص بُدلت سيئاته حسنات، السيئة اللي تاب منه تكون حسنة، أولًا؛ لأنه تركها لله، وقد «ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من هَمَّ بسيئة فتركها كتبت له حسنة»[[أخرج البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣٠ / ٢٠٦) واللفظ له، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من هَمَّ بحسنة فلم يعملها، كُتبت له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها، كُتِبت له عشرًا إلى سبع مئة ضعف، ومن هَمَّ بسيئة فلم يعملها لم تُكتب، وإن عملها كُتِبت».]]؛ لأنه تركها لله، فهذا مثله، ثم إن مجرد أن يتوب إلى الله ويعرف أن له ربًّا يؤاخذه ويعاقبه ويشعر بالخجل من الله عز وجل والحياء منه هذه من الحسنات العظيمة. * الطالب: بس ما دام عليه وصف العاصي أو فاسق.. * الشيخ: إي، عاصٍ بأيش؟ بالنسبة لكذا، تائب بالنسبة لكذا. * الطالب: ما الفرق بين الزنا والسرقة؟ * الشيخ: كيف الفرق؟ * الطالب: يعني مثلًا كلهم (...) من الكبائر، وكلهم مثلًا.. * الشيخ: الفرق بينهما أن هذا يُجلد وهذا تُقطع يده، وهذا يكون فاسقًا من وجه، وذاك فاسق من وجه آخر، هذا باعتبار الأعراض، وهذا باعتبار الأموال، (...) الفروق، ليس كل الذنوب على حد سواء لا في النوع ولا في القدر ولا في الإثم؛ ولهذا قلنا: إن الوصف المطلق للتوبة لا يستحقه؛ لأنه حقيقة ما هو بتائب؛ إذ إنه عاص لله سبحانه وتعالى من وجه، لكن كوننا نقول: ما يقبل توبتك من الزنا؛ لأنك تسرق، هذا ليس بصحيح. * الطالب: ما يمكن بدل ما نفرق بينهم من ناحية الجنس، نفرق بينهم من ناحية الدرجة؟ * الشيخ: كيف من ناحية الدرجة؟ * الطالب: يعني مثلًا فيه هناك كبائر شديدة وهناك وسط (...)؟ * الشيخ: هو يستحق ما حصل، اللي هو تاب منه يُغفر له، واللي أصر عليه يبقى عليه، صغيرة كانت أم كبيرة؛ لأن هذا مقتضى عدل الله، أليس هذا عَمِل خيرًا بتوبته؟ * طالب: هو ربما وصفه واضح، لكن أن تُقلب إلى حسنة (...)؟ * الشيخ: نحن ما قلنا: إن قلب السيئة حسنة بالتوبة؛ لأنه مجرد رجوعه إلى الله سبحانه وتعالى وتركه لها وتوبته منها حسنة، هذا إذا قلنا: إن المراد بالحسنة الجزائية، أنه يُجازى على نفس السيئة حسنة، إذا قلنا: إنه قدري؛ بمعنى أن إقلاع هذا الرجل عن هذا الذنب.. * الطالب: لا، واضح هذا. * الشيخ: واستقامته، هذا ما فيه شيء، حتى الجزائي ما فيه إشكال أبدًا. * الطالب: القدري واضح، لكن.. * الشيخ: والجزائي أيضًا؛ لأن كرم الله سبحانه وتعالى أسرع وأسبق من عقوبته. * طالب: (...)، فهو من قدري؟ * الشيخ: قَدَري من القدر. * الطالب: وأيضًا الجزائي من القدر؟ * الشيخ: إي، لكنه ثواب، لكن هذا قدري بمعنى أنه يُقدر له حسنات جديدة غير الأولى، والجزائي بمعنى أنه يُجزى على نفس السيئات حسنات. * طالب: الواو يا شيخ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا﴾ [الفرقان ٧٠]، (...)، وأيش نعرفهم؟ عاطفات؟ * الشيخ: إي نعم، عاطفات، نعم. * الطالب: إذا كانت يا شيخ عاطفة فإذن يكون على الشرط السادس من لا بد من أن يصلح العمل. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: إذا كانت عاطفة نرجع إلى الشرط السادس الذي يقول لا بد من صلاح العمل؟ * الشيخ: إي، لكن عاد عَمِل صالحًا، نحن قلنا: ما يستحق وصف التوبة المطلق إلا بهذا، بالعمل الصالح. * الطالب: هناك يا شيخ آيات من القرآن تصف الإنسان بالتوبة ولو ما عمل عملًا صالحًا؛ يعني (...)؟ * الشيخ: إي، مثل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]، إي نعم. * طالب: ذكرنا هنا أن العاصي يعرف من نفسه مثلًا ضعف إيمانه وتسلط عدوه عليه، وأنه سوف يعود إلى هذه المعصية، أيهما أولى (...) كلما يعمل معصية يتوب، وإلّا يترك التوبة لئلا تكون توبة كذب؟ * الشيخ: لا، يتوب، وأيش يدريك؟ * الطالب: بس يعرف أنه سيذنب. * الشيخ: لا، بس نقول: توبته هذه ما تصح، لكن مجرد شعوره بأنه مخطئ قد ينفعه هذا، أما أن يقول: أستمر، ما يجوز هذا. * الطالب: هو من أصله معترف أنه مخطئ؟ * الشيخ: معترف أنه مخطئ لكن هو يقول: أنا أستمر، ما أنا بمقلع لا بقلبي ولا بفعلي. * الطالب: إي. * الشيخ: كلما سنحت لي الفرصة أفعل. * الطالب: نعم. * الشيخ: هذا شر، لكن كونه يتوب إلى الله ويخجل ويصير عنده نوع من التقرب إلى الله أحسن من عدمه. * الطالب: ولو تعددت توبته؟ * الشيخ: ولو تعددت توبته، لكن الواجب على المؤمن أنه يتوب جزمًا، وإذا قُدر فيما بعد أن أسباب المعصية توفرت لديه وأن نفسه غلبته فإن ذلك لا ينقض توبته الأولى، سيؤاخذ من جديد بالمعصية الجديدة ثم يتوب. * طالب: (...) على قوله: أستغفر الله وأتوب إليه، أن قول الكثير (...)؟ * الشيخ: واستغفارك أيضًا استغفار كذابين؟ * الطالب: (...) تطلب المغفرة من الله سبحانه وتعالى رغم إصرارك، إنما التوبة لا. * الشيخ: على كل حال نسأل الله أن يتوب علينا، حتى قول الإنسان إذا انتهى من الأكل: الحمد لله، ما أحد يشعر بمعنى هذه الكلمة تمامًا إلا أنها روتينية، وبسم الله كذلك، (...) بعد الصلاة عادية، عادة؛ يعني الحقيقة هذه مسائل..، وهذا هو اللي الحقيقة يفسدنا: أن أعمال القلوب ما نشعر بها، تلقى كثيرًا منا يحافظ على سنة رفع الأصبع عند الدعاء، لكن رفع القلب عند الدعاء ما أحد يبحث فيه، مع أن هذا أهم، الله يتوب علينا، إذا فكرنا بأنفسنا (...) ظاهريين لا باطنيين. * طالب: يا شيخ، التوبة الخاصة ذَكَر فيها الإيمان، والتوبة العامة ما ذَكَر فيها الإيمان، وجه ذلك؟ * الشيخ: ويش لون؟ * الطالب: الخاصة: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [الفرقان ٧٠]، والعامة: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [الفرقان ٧١]؟ * الشيخ: أصله فيه الشرك هناك، ذَكَر فيه الشرك، فلا بد من الإيمان مقابل الشرك. * طالب: يا شيخ، عندما يكون إنسان أخلف مع الله؛ يعني أصابه البلاء. * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: ابتلي بذنب، وأخذ يستغفر الله ويتوب ويستغفر الله ويتوب؛ يعني ظل على هذا الذنب، عَجَز لا يقلع عنه؛ يعني عجز أبدًا ما قدر.. * الشيخ: مسألة عجز هذه أمر غير وارد إلا على مذهب الجبرية (...) عن ترك، فالتروك أهون من الأفعال؛ ولهذا ما تجد الترك مثلًا رُتب عليه مثلًا الثواب المطلق، بخلاف الفعل، الفعل أشق على النفس؛ لأنه جهاد للنفس من وجهين، لكن الترك من وجه واحد، فكلمة يعجز ما هو بصحيح. * طالب: يا شيخ كلمة.. * الشيخ: هذا -سلمك الله- لو أن سوط السلطان في ظهره مرة وفي بطنه مرة، يعجز ولّا ما يعجز؟ * الطالب: لا ما يعجز. * الشيخ: خلاص. * الطالب: لكن (...)؟ * الشيخ: ما هو بصحيح، أنا أشهد أنه ليس عجزًا؛ لأن فيه أناسًا تابوا، صدقوا العزيمة وتابوا وأقلعوا عنه، إي نعم، الصحابة رضي الله عنهم قبل أن ينزل تحريم الخمر كانوا مدمنين على الخمر، وإمساك الخمر لشاربها أكثر من إمساك الدخان، ومع ذلك بيوم واحد كلهم (...)، الكلام على صدق العزيمة بس، إي نعم. الآن في غير الصيام هذا الشارب ما يستطيع يتوقف -على زعمه- النهار كله، ما يقدر على زعمه يمسك النهار كله عن الدخان، وفي الصيام حيث إنه عازم. * الطالب: يقدر يصوم، والليل كله ما يقدر. * الشيخ: إي. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان ٧١]، قلنا: إن قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ ليست كقول القائل: الأرض تحتنا والسماء فوقنا؛ يعني تحصيل حاصل، بل إن المعنى أن هذه هي التوبة الصادقة الحقيقية الكاملة. وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ أي: يعني يرجع إلى الله رجوعًا تامًّا كاملًا، كما قال المؤلف. ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان ٧٢]، هذه معطوفة على قوله؟ * طالب: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ﴾ [الفرقان ٦٣]. * طالب آخر: لا، على مجموع الأوصاف. * الشيخ: على قوله: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ [الفرقان ٦٣]، وسبق أن الصحيح أن ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ خبر وليست صفة، كما قال المؤلف. (﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان ٧٢] أَي الْكَذِب وَالْبَاطِل). هذا معنى ﴿الزُّورَ﴾ من ازورَّ؛ أي: مال وانحرف: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ [الكهف ١٧]، فالمعنى ﴿الزُّورَ﴾: كل ميل قولي أو فعلي، إن كان قولًا وُصف بالكذب، وإن كان فعلًا وصف بالباطل، فكل قول أو فعل مائل عن الطريق فإنه زور، مفهوم الآن؟ * طالب: نعم. * الشيخ: الكذب زور، والشتم واللعن والغيبة زور أيضًا، والغصب والسرقة والزنا وغيرها زور أيضًا. * طالب: باطل. * الشيخ: زور، هو زور، لكن قد نسميه باطلًا إذا كان فعلًا. فالمهم أنهم ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾، وإذا كانوا لا يشهدون الزور فهل يفعلونه؟ * طالب: لا. * الشيخ: من باب أولى؛ لأنهم إذا كانوا لا يحضرونه فإنهم لا يفعلونه قطعًا، إذ لو فعلوه لحضروه، كل فاعل حاضر، وليس كل حاضر فاعلًا على وجه الحقيقة، لكنه فاعل حكمًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء ١٤٠]، فدل هذا على أن القاعد سواء قاعدًا أو مضجعًا أو واقفًا، المهم أن المشاهد لفعل العاصي مثل العاصي حكمًا عند الله، نعم، إلا من أُكره على الحضور، فهذا شيء آخر لا حكم له كمن أُكره على الفعل. * طالب: كل المعاصي يا شيخ؟ * الشيخ: كل المعاصي نعم. (﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ من الكلام القبيح وغيره ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢] معرضين عنه). ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ (اللغو) الصواب أنه ليس الكلام القبيح؛ لأن الكلام القبيح داخل في الزُّور، لكن المراد بـ(اللغو) ما لا فائدة فيه، كل ما لا فائدة فيه فهو لغو؛ وذلك لأنه لا يقصد، وما لا يقصد فهو لغو: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة ٨٩]، فاللغو ما لا فائدة فيه. * طالب: لو كان مباحًا؟ * الشيخ: سواء كان قولًا أو فعلًا. وقوله هنا: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢]، ما قال مثل ما سبق: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان ٦٣]؛ لأنه هناك خطاب معين مباشر، فيقولون: لا بد أن يقولوا قولًا يسلمون به. لكن هنا يمرون بالشيء بدون أن يخاطبوا به، والمراد بالمرور به سواء كانوا مارين هكذا في طريق أو مارين مثلًا جالسين فجاء شيء لا فائدة فيه؛ لغو، فإنهم يمرون كرامًا، ومعنى مر الكرام هنا: أي أنهم لا يلحقهم منه شيء، بل يحاولون الإصلاح؛ لأن الكريم يعطي غيره، ينفع نفسه وغيره. فهم إذا ﴿مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ يمرون ﴿كِرَامًا﴾ يحاولون أن يفيدوا من وجودهم؛ وذلك بأن ينقلوا هذا اللغو إلى أمر مفيد، فهمتم ولّا لا؟ ولهذا قال: ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾، ما قال: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ لأنه هناك يخاطبون بما يُسيء إليهم فيقولون قولًا يسلمون به؛ لأن المقام يقتضي بس أنك تسلم، لكن هنا ما يؤذَون، إنما يمرون بلغو لا فائدة منه فيمرون كرامًا مفيدين ومستفيدين. ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾، قال: (معرضين عنه) ما هو بصحيح أيضًا، قد لا يعرضون عنه لكن يفيدون ويستفيدون، والإنسان الموفق يستطيع أن يفيد ويستفيد، حتى فيما إذا كان المجلس مجلس لغو؛ يعني كلامًا مباحًا، يستطيع أن يحوله إلى كلام مطلوب؛ وذلك بما يستعرضه مثلًا من كون هذا الشيء الذي يتحدثون به دليلًا على قدرة الله، ولّا على رحمة الله، ولّا على حكمة الله مثلًا، فيفيد ويستفيد، لكن هذه الأمور في الحقيقة تريد رجالًا يعتبرون أنفسهم قادة مصلحين، ما تريد رجالًا يعتبرون أنفسهم من جنس مجتمعهم يمشون الهوينى بدون إصلاح؛ ولهذا يفوتنا كثيرًا في هذه الأمور، يفوتنا كثيرًا واللهِ من هذه الناحية، نجلس مجالس اللغو لا نفيد ولا نستفيد، غاية ما هنالك إن كان الإنسان استحضر نية التأليف وعدم الانزواء وما أشبه ذلك، وهذا خير لكن ولو، الخير والأكمل أن تحاول الإفادة والاستفادة. وبعض الناس أيضًا يريد بالمجالس التسلي فقط، ما يريد معنى وراء ذلك، وهذا فاته خير كثير، فعلى كل حال الناس يختلفون، والمسائل تعود على النيات، وكم من عمل عمله شخص وعمله آخر فصار بينهما مثل ما بين السماء والأرض: السجود يكون شركًا ويكون طاعة، إن سجدت لصنم كان شركًا ولله كان طاعة، وهكذا جميع الأعمال في الحقيقة النية لها تأثير كبير في إصلاحها أو إفسادها. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، أصلًا لا تحولهم قفزة (...)، لكن تستطيع شوي شوي، نعم، الآن مثلًا عندما تحاول أن تمنع الماء الكثير المنحدر في مرة واحدة ما تستطيع، (...) مع الجوانب شوي شوي، يمكن تقضي عليه. * طالب: شيخ سؤال، لو كان الأشخاص هؤلاء شباب شفت أن همهم لهو كله، مثل ما قال (...) لهو، مثل ما يحدث في النوادي وغيرها، لكن أنا قلت: بروح أسافر مع هؤلاء وأروح معهم للمحلات اللي يروحون إياها هم على قصد وأنا على قصد، أنا قصدي أصلحهم مثلًا أحاول أعالجهم، وهم قصدهم غير، قصدهم أني معهم داخل معهم في اللهو، وأنا لي هدف من ذلك.. * الشيخ: ما يخالف، أنت إذا قصدت الإصلاح فهذا طيب، بس أخشى أنهم يغلبونك. * الطالب: لا، إن شاء الله بحاولهم، إن جاء ولّا (...) ويكون وسيلة إلى أول حاجة (...) ثم إقراره على هذا الفعل. * الشيخ: لا، أصلًا ما هي النوادي محرمة، من يقول: إن النوادي محرمة؟ * طالب: بعض الأفعال فيها يا شيخ. * الشيخ: بعض الأفعال فيها، لا بأس، بعض الأفعال فيها قد يكون غير مرضٍ، لكننا ما نحاول أن نقول: إن هذا مُحرَّم؛ لأن بعد تركهم وترك الاختلاط بهم مشكلة، معناه أنهم يخلوهم والشياطين. * طالب: (...)، لما يشوفه يقول: شوف ابن الشيخ الفلاني، ولّا العالم الفلاني حاضر؟ * الشيخ: حاضر بينصحهم. * الطالب: إي، بس الناس ما (...). * الشيخ: نعم؟ * طالب: (...)، أصلًا لو تبغي تصلح مثلًا تزيل النوادي، هذا المعنى؛ يعني إصلاحها إزالتها. * الشيخ: لا، ليس إصلاحه هو إزالته. * الطالب: أبدًا (...). * الشيخ: هي على كل حال، ما فيه شك أنه يمكن المراد منها وأصل المؤسسين لها أن قصدهم صد الناس عن دين الله، وهذا هو الواقع؛ لأنها هي أيضًا مثل القات، لكن مع ذلك ما نقول إنها معدومة الخير مئة بالمئة. * طالب: (...). * الشيخ: ويش رأيكم؟ ويش نسوي؟ * الطالب: ما يقربون ولا يؤيدون؛ لأن البعض ممكن (...). * الشيخ: لا ما نؤيدهم، نحن ما نؤيدهم على أعمالهم ولا على نواديهم بالحقيقة، ونرى أنه من المصلحة أن يُصرف الشباب إلى شيء آخر، إلى تعلم الرماية وإلى تعلم السباحة وإلى السياق وإلى الأشياء المفيدة (...)، ما يهم، المهم بس شيء يفيدون الناس، أما هذه أنا ما أقول إني أؤيد النوادي، بل أقول: إن ضررها أكثر من نفعها، وإن كان مع ذلك ما نقول: إن ضررها مئة بالمئة، نقول: ضررها أكثر من نفعها. * طلبة: (...). * الشيخ: ألا ترون أن ها الشباب الكثير هذا لو بقي مُسَرَّحًا في الأسواق ما يحصل فيه مفسدة؟ * طالب: لا بد أنه يفسد.. * الشيخ: والله أنا عندي أن هي كافة هي؛ يعني كافة.. * طالب: (...). * الشيخ: لا، بس أنا عندي أن بقاءهم أفسد، لو بقوا مُسَرَّحين في الأسواق لكان أفسد لهم. * طالب: (...) ومكتبات. * الشيخ: اتفقنا على هذا، على أنها تحتاج إلى توجيه، وأن وجود النوادي ضرر، لكن ما نقول: إنها ضرر محض؛ لأنها كافة بعدت عنا أشياء كثيرة، تجد هذا الشباب لو أنهم مثلًا قاموا يتجولون في الأسواق ويتجمعون تجمعات، كان يحصل شيء كثير. * طالب: بلا شك (...) ومكتبات وحدائق، وكذا فيفادون يا شيخ. * الشيخ: هو ما أنا بقول: إن هذه فكرة جيدة، ما هي بفكرة جيدة، ما هي بسليمة أبدًا، ولا هي مقصود بها الخير للمسلمين أيضًا، أنا أجزم -والله أعلم- أنه ما قصد بها الخير للمسلمين، إنما قُصد بها إلهاء الناس وصدهم عن دين الله. * طالب: حتى يا شيخ أيش تدلنا (...)؟ * الشيخ: لا، لكن مع ذلك ما نقول: إنها شر محض، هذا الكلام العام الذي هو موضع النقاش، هل هي شر محض أو فيها خير؟ وأقصد بالخير ما هو بالخير الإيجابي، لا أقصد به خيرًا إيجابيًّا، لكن خيرًا سلبيًّا، بمعنى أنك تكف عن مفاسد في ظني أكثر منها. * طالب: إي نعم، (...). * الشيخ: متدهورة؟ * الطالب: متدهورة، إي الكرة السعودية متدهورة وضعيفة. * الشيخ: إي. * الطالب: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة ١١١]. * الشيخ: الاستشهاد ليس.. * الطالب: الاستشهاد بالقرآن، ثم علم لا إله إلا الله محمد رسول الله قد (...). * طالب آخر: (...)، لو كان مع يهود بأي شيء؟ * الشيخ: هو ما فيها شك، ولهذا تجد أن بعضهم يشجع ناسًا -مثلما قلت- من النصارى واليهود من هؤلاء اللاعبين، وتجدهم إذا جاءت مباراة في التليفزيون لو أُقيمت الصلاة يسمع إقامة الصلاة ما يقوم للصلاة، هذا صحيح. * طالب: ويحبون هؤلاء أكثر من أي شخص. * الشيخ: إي نعم، يحبون من يشجعونهم من هؤلاء يمكن أشد من حب الله ورسوله. * طالب: (...) وقدموا طاعتها على طاعة الله عز وجل، وعلى حب الله عز وجل. * الشيخ: نعم، صحيح، ينطبق عليها عبد الدينار والدرهم؛ لأنهم إن أعطوا رضوا، وإن لم يعطوا سخطوا، إن نجحوا رضوا وإلا سخطوا، وقالوا: أيش هذا الحظ؟ وأيش ها النصيب؟ وأيش ها التقدير؟ * طالب: (...). * الشيخ: عجيب، هذه الأيام دي؟ * طالب: (...). * الشيخ: ومات موتًا؟ * الطالب: (...). * طالب آخر: يذكر (...). * الشيخ: يعني فرح على ها الحال؟ * الطالب: إي، قفز (...). * الشيخ: فرحًا. * الطالب: إي، فرح (...). * الشيخ: انتصار فريقه الذي يراه. * الطالب: يظنه (...). * الشيخ: الله أكبر، سبحان الله العظيم. * طالب: يعني يا شيخ كم مرة (...). * الشيخ: لا، (...). * الطالب: وإلا كان وأيش نيتي بها المحاضرة، بقول لهم مثلًا: إن الكرة ما فيها شيء، لكن متى يصير فيها شيء؟ يصير فيها شيء إذا أشغلتنا مثلًا عن وقت الصلاة، إذا مثلًا جعلنا كل همنا بعد، ولّا أقولهم (...). * الشيخ: لا، فيه خير أبدًا إن شاء الله، ما يصير إلا الخير، أنت إذا صار هم اللي طالبينك، فهم ما يطلبوك إلا أنهم يظنونك (...). * الطالب: لكن بس نخشى (...). * الشيخ: هه؟ * طالب: علشان يبارك هذا العمل (...). * الشيخ: لا، أنا أخشى بعد أن هذا يصير خطيرًا، الإنسان يجب أنه يراعي اللي بينه وبين الله بعد، إذا طلب منه ناس وقالوا: تعال ذكرنا. * طالب: بس أذكرهم بالمسجد، بس أمامي مثلًا أشياء.. * الشيخ: لا، ما هو بالمسجد، إذا قال: تعال ذكرني اجتمعوا. * الطالب: فيه صور مثلًا (...). * الشيخ: أحسنت. * الطالب: صور مجسمة.

الفرقان 25:76

ثم قال: (﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ [الفرقان ٧٤] بالجمع والإفراد). ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ جمع، ﴿وَذُرِّيَّتِنَا﴾ إفراد. ﴿هَبْ لَنَا﴾ منها ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ لنا بأن نراهم مطيعين لك ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤] في الخير). بعد أن ذكر الله تعالى صلاح هؤلاء بأنفسهم، ذكر أنهم أيضًا يسعون في إصلاح غيرهم ممن يتصل بهم من الأزواج والذرية، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا﴾ [الفرقان ٧٤]، وفي هذا دليل واضح على أن دأب المؤمنين دعاء الله، وأما من قال: علمه بحالي يكفي عن سؤالي، فهذا قول باطل، وليس بصحيح؛ لأننا نقول: إن الله تعالى وصف الرسل وأتباعهم بأنهم يدعون الله، وهم يعلمون علم اليقين بأن الله تعالى يعلم بحالهم، ومن قال مثل هذا القول فإنه يدل على استكباره عن دعاء الله سبحانه وتعالى، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وأيش قلنا؟ * الطالب: قلنا بأن الذين قالوا: إنه يكفي معرفة الله بحال المؤمن (...) عليه. * الشيخ: إي. * الطالب: فالمؤمنون دعوا بدعاء الله عز وجل، وكذلك الرسل. * الشيخ: بعد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي، قلنا: وأن هذا القول يدل على استكبار صاحبه وعدم خضوعه لربه، وإلا فمن المعلوم أن الله عالم بكل أحد، فلماذا لا تقول: يا ربي؟ لماذا لم تقل؟ ولكن هذا والعياذ بالله من الطرق الشيطانية التي أرسلها الشيطان على متبعيها من الصوفية وغيرهم. ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا﴾ الهبة بمعنى العطية ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ [الفرقان ٧٤]. هل ﴿مِنْ﴾ للتبعيض ولّا لبيان الجنس؟ * طالب: لبيان الجنس. * الشيخ: هه؟ * طالب: للجميع، صلاح الذرية جميعًا. * طالب آخر: للصلاح. * الشيخ: إي نعم، لبيان الجنس، ما هم يقولون: بعض أزواجنا هب لنا منهم قرة أعين، بل الجميع، لا، ولكنها للبيان، ﴿مِنْ﴾ بيانية وليست تبعيضية. وقوله: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾ جمع زوج، الذكر ولّا الأنثى؟ * طالب: كلا (...). * الشيخ: الرجل يقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ﴾؛ لأن (الذين) للمذكر، والمرأة تقوله أيضًا؛ لأن الخطاب أو التحدث بصيغة جمع المذكر يشمل المؤنث أيضًا، فالمرأة تقوله والرجل يقوله أيضًا. يقول: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ قراءتان: ﴿وَذُرِّيَّتِنَا﴾ ، ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾، أما على قراءة ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ فالوجه فيها ظاهر لفظًا ومعنى، أما لفظًا فلمناسبة الجمع قبلها: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾، وأما معنى فلأنه أشمل، شموله ظاهر: من أجل الجميع. وأما ﴿وَذُرِّيَّتِنَا﴾ فإنها لا تتلاقى مع ما قبلها من حيث الصيغة؛ لأنها مفرد، لكنها تلاقيها من حيث المعنى؛ لأنها مفرد مضاف، والمفرد المضاف للعموم، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: هل فيه مثال يدل على أن المفرد المضاف للعموم من القرآن؟ * طالب: من القرآن؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: ما أستحضر. * الشيخ: ما تستحضر؟ * الطالب: نعم. * طالب آخر: قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان ٢٠]. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: قوله ﴿نِعَمَهُ﴾. * الشيخ: إي، جمع، هل مثله ما تستحضر؟ * طالب: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨]. * الشيخ: نعم ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، يقينًا المراد بالـ﴿نِعْمَةَ﴾ هنا الجمع؛ لأنه قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا﴾، والنعمة الواحدة أولًا لا تُعد، والشيء الثاني لا تُحصى، والله يقول: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾، فهذا مثال واضح جدًّا على أن المفرد المضاف يكون للعموم والشمول. إذن ﴿وَذُرِّيَّتِنَا﴾ على قراءة الإفراد يلاقي ما قبله من حيث المعنى؛ لأنه يشمل جميع الذرية. ومَن المراد بالذرية؟ المراد بالذرية الأولاد ذكورهم وإناثهم، وأولاد الأبناء دون أبناء البنات، فإن أولاد البنات ليسوا من الذرية لغة ولا شرعًا عند كثير من الفقهاء، نعم، وقيل: بل أولاد البنات من الذرية؛ لأن الله تعالى قال في إبراهيم: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ [الأنعام ٨٤، ٨٥]، ﴿وَعِيسَى﴾ ولد بنت وليس ولد ابن، فجعله الله من الذرية، فدل هذا على أن أولاد البنات من الذرية. ولكننا نقول: ليس في الآية دلالة؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام أمه أبوه؛ يعني ما له نسب من قبل الأبوة، منقطع؛ ولهذا المرأة الملاعِنة أو الملاعَنة إذا نفى زوجها ولدها منها، صارت هي أمًّا وأبًا. فالصواب أن الذرية لا يدخل فيها أولاد البنات، هذا من حيث اللغة والشرع، أما من حيث الوقف والهبة وما أشبه ذلك مما يتصرف فيه الإنسان بنفسه وله الحرية فيه، فهذا حسب ما ينص عليه، لو قال مثلًا: هذا وقف على ذريتي الذكور والإناث ومن مات منهم عن ولد فنصيبه لولده، وأيش يصير هذا؟ يكون للجميع. وكذلك لو قال: هذا وقف على ذريتي ومن تفرع منهم، وليس له إلا بنات، هذا أيضًا يدخل أولاد البنات بلا شك، أو قال مثلًا: على ذريتي وولد البنات ينزلون منزلة أمهاتهم. فكذلك؛ يعني إذا نص على الشيء أو دلت القرينة عليه دخل أولاد البنات، لكن هذا الدخول بحسب ما تقتضيه الصيغة عرفًا أو نطقًا لا بحسب الشرع واللغة العربية. ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان ٧٤]، ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾، وأيش معنى قرة العين؟ قرة العين هل معناها الاستقرار، مأخوذة من الاستقرار؟ ولّا مأخوذة من القُّر وهو البرد؛ لأنهم يقولون: إن دموع العين الحزينة حارة والعين القريرة باردة؟ نعم، هذا هو الأقرب، وليس من الاستقرار؛ لأن الإنسان ما هو معناه إذا فرح قرت عينه، ولا معناه أنه إذا حزن (...)، ليس الأمر كذلك، لكنها من القر الذي هو البرودة؛ لأن الإنسان إذا حزن حميت عينه، ولهذا يُقال: دموع الحزين حارة. فالمعنى السرور والاطمئنان وما أشبه ذلك، وكني بالعين؛ لأنها تتأثر. وقول المؤلف: (بأن نراهم مطيعين لك)، هذا بالحقيقة من جملة ما تقر به عين المؤمن؛ أن يرى أزواجه وذرياته مطيعين لله، والغريب أن الإنسان المسلم إذا رأى أزواجه وذرياته مطيعين لله تقر عينه وإن كان هو فاسقًا، الغريب أن الوالد يفرح أن وليده يصير مطيعًا لله مجتنبًا للمعاصي وهو فاسق! يحب أن وليده يصلي مع الجماعة ولو ما يصلي هو، وكذلك يحب أن وليده ما يشرب الدخان لو هو يشرب الدخان؛ لأن المسلم مجبول على محبة طاعة الله، فهؤلاء الذين يكونون قرة أعين؛ يعني: بأن نراهم مطيعين لك. هذا واحد. والصواب أيضًا: ولنا؛ لأن الإنسان أيضًا إذا كان ولده وزوجته موافقين لطاعته، تقر عينه ولّا لا؟ تقر، هذا إذا أضيفت إلى طاعة الله، لكن إذا كانوا مطيعين لله وعاصين له، تقر عينه من وجه إذا ذكر طاعتهم لله وقيامهم بطاعة الله رضي وفرح، وإذا رآهم عاصين له يقول للولد: اجلس في القهوة وانتظر الرجال، ولكنه يخرج، نعم. ويقول للمرأة: أصلحي الطعام، ولكنها لا تصلحه، هذا لا شك أنه يسوؤه هذا الشيء ولا تقر عينه به، مع أن هذا الأمر معصية لله؛ يعني لو شئنا لقلنا: إن قوله: (بأن نراهم مطيعين لك) يشمل حتى طاعتهم لأبيهم وطاعة المرأة لزوجها، يشمل هذا وهذا، وكذلك قيام الرجل بما يجب لزوجته يدخل في ذلك؛ يعني لو شئنا أن نقول هكذا لقلناه، لكنه خلاف ظاهر الكلام. فالصواب: أن نراهم مطيعين لك قائمين بما يجب عليهم لنا؛ لأن بذلك يتم قرار العين. يقول: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤]، ﴿إِمَامًا﴾ يعني: قدوة، والإمام هو القدوة المتبع. وقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، سبق الكلام على التقوى عدة مرات، وأن المراد بالتقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله، وذلك بفعل الأوامر واجتناب النواهي. ومعنى كونهم: ﴿لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ أي قدوة، اتصافهم بالتقوى واتصافهم بالعلم؛ لأنه ما يمكن أن يكون الإنسان قدوة إلا إذا علم فيه العلم والتقوى، فإذا لم يكن عالمًا لم يثق الناس به من حيث العلم، الجاهل ما يقتدون به، وإذا كان عالمًا لكن عنده انحراف قولي أو عملي أو اعتقادي، فإنه أيضًا لا يكون قدوة للمتقين، لا لعدم علمه، ولكن لعدم نصحه. فهذا الدعاء: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، يتضمن ثلاثة أمور: العلم، والتقوى، والتأثير؛ لأن من لم يكن عالمًا لم يكن قدوة، ومن لم يكن متقيًا لم يكن قدوة، ومن لم يكن مؤثرًا لم يكن قدوة أيضًا، والتأثير بالقول وبالفعل له دور كبير، تجد مثلًا رجلين متقاربين في العلم، لكن أحدهما يصرف الله القلوب إليه فيتخذونه قدوة، والآخر لا يحصل له هذا الأمر، فهذا نقول: نزيد على العلم والتقوى التأثير، والتأثير -كما تعرفون- يكون سببه قوة البيان والفصاحة إذا كان التأثير بالقول، ويكون سببه أيضًا الاستقامة وحسن السلوك إذا كان تأثيرًا بالفعل. وعلى كل حال فلا تتم الإمامة إلا بهذه الأمور الثلاثة: العلم، والتقوى، والتأثير بالقول أو بالفعل. وفي الآية إشكال لفظي، وهو قوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤]؛ لأن (اجعلنا) فعل ينصب مفعولين أحدهما مبتدأ والثاني الخبر، ومن شروط المبتدأ والخبر أن يكونا متطابقين إفرادًا وتثنية وجمعًا. هنا المبتدأ جمع ولّا لا؟ ﴿وَاجْعَلْنَا﴾ (نا) جمع، و﴿لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، ﴿إِمَامًا﴾ هذا الخبر، وهو المفعول الثاني، مفرد ولّا جمع؟ * طالب: مفرد. * الشيخ: مفرد، هو مفرد، فيبقى إشكال؛ وهو عدم مطابقة الخبر للمبتدأ، والمطابقة أن يُقال: واجعلنا للمتقين أئمة، فما هو الجواب على هذا؟ * طالب: ما يمكن يصير الخبر جملة؟ * الشيخ: وين الجملة؟ * الطالب: فيها تقدير: ﴿إِمَامًا﴾ (...)؟ * الشيخ: ما تصير جملة؛ لأن هذه ﴿إِمَامًا﴾ منصوبة، فالفعل مسلط عليها. * طالب: (...). * الشيخ: إي، لو قال: للمتقين إمامٌ، مع أنه ما يصلح. لو كان: للمتقين إمامٌ، صارت جملة مع أنه ما يصلح، لخلوها من الرابط، نعم؟ * طالب: نقول إن هذه من الصفات التي تصلح للمفرد وللمثنى والجمع. * الشيخ: كذا؟ * الطالب: ربما، وجه نظر. * الشيخ: يعني حجة نحو؟ * الطالب: إي. * الشيخ: إي نعم، بعضهم قال هكذا، قال: إن ﴿إِمَامًا﴾ لفظ صالح للمفرد وغيره، مثل: فلك، وجنب، وأشياء كثيرة من هذا النوع، وعلى هذا لا إشكال؛ لأن ﴿إِمَامًا﴾ بمعنى أئمة، صالحة للجمع. ومنهم من قال: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤]، أن (نا) نائبة عن كل واحد، ما هو بعين المجموع؛ يعني: اجعل كل واحد منا إمامًا. * طالب: (...). * الشيخ: يعني كل واحد يدعو لمفرده؛ أي: اجعل كل واحد منا إمامًا، نعم؟ * طالب: أو من ذرياتهم؟ * الشيخ: لا، ما هو من ذرياتهم، ﴿وَاجْعَلْنَا﴾ نحن، فعلى هذا.. * الطالب: يعني يشمله يا شيخ؟ * الشيخ: على هذا لا إشكال أيضًا، إذا جعلنا الضمير في ﴿وَاجْعَلْنَا﴾ ليس عائدًا للمجموع، إنما عائد لكل فرد من الجميع، فلا إشكال في المسألة، وهذا أقرب؛ لأن كل واحد من المؤمنين ليس يسأل الله سبحانه وتعالى أنه يجعل المجموع أئمة، هو يريد أن يجعل كل واحد إمامًا. وفي هذا دليل على فضيلة الإمامة في الدين، ومنها إمامة المساجد، فإن الإمام في المسجد إمام للمتقين، اللي يجون يصلون متقون إن شاء الله، فهو إمام لهم، فيدل ذلك على فضيلة تولي الإمامة في المساجد، وأظن ذلك معلوم، فضل الإمامة في المساجد معلوم، لو لم يكن منها إلا أن الإنسان يكون قدوة، وأن الإمامة تعينه على أداء الصلاة، الإمام ما تفوِّته الصلاة كل يوم، واللي غيره تفوته أو يفوته بعضها. كذلك الإمام إذا تكلم يُسمع له أكثر، وكم من إنسان ما برز وظهر إلا بسبب إمامته، لا سيما إذا تولى الخطابة. فالمهم أن هذه الأمور التي ينفر الناس منها -مع الأسف- الآن تجد حتى بعض طلبة العلم لا يمكن أن يتولوا إمامة مسجد حتى مع الضرورة إلى ذلك، وإلا الواجب الذي ينبغي أو المستحب المؤكد الذي ينبغي أن يتولوا هم هذه الإمامة لينتفعوا وينفعوا غيرهم، ويسدوا الفراغ الذي ربما يشغله من لا يوثق في دينه وعمله. * طالب: يا شيخ، لو يا شيخ سوينا مثلًا توعية أو إرشاد للناس على مثلًا حب الإمامة لأجل ألا (...)؛ لأنه حتى الآن الأشخاص الذين يرغبون في الإمامة يأتيهم مثلًا آباؤهم أو أقاربهم ويقولون لهم كلامًا فارغًا لهم: أنك تتحمل الجماعة يوم القيامة، وأنك ربما تبطل صلاتهم؟ * الشيخ: صحيح، نعم. * الطالب: إي والله. * الشيخ: إي، بعض الناس يظنون أن الإمام مسؤول عن جماعته، ما هو مسؤول أبدًا، هو مسؤول عن صلاته، وصحيح هذه المسؤولية من جهة إتمام الصلاة؛ يعني مثلًا إذا صليت وحدي ممكن أن أقتصر على الواجبات فقط، لكن إذا كنت إمامًا لغيري ما يجوز أقتصر على الواجبات، يجب أن آتي بالصلاة كاملة، وهذه مسألة أيضًا يجب أن يلاحظها الأئمة؛ لأن بعض الناس يقول: ما دام أني إمام بجيب أدنى الواجب. نقول: نعم، لو كنت تصلي وحدك فلا حرج عليك أن تقتصر على أدنى الواجب، ولا حرج عليك أن تطول ما شئت كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن إذا كنت إمامًا فأنت الآن في ولاية، والولي على الشيء أيش يجب عليه أن يفعل؟ ما هو أحسن ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام ١٥٢]، فما دام أنك أنت ولي الآن، يجب عليك أنك تفعل في صلاتك أكمل ما يكون، ما هو بتقتصر على الواجب. الفقهاء رحمهم الله يقولون: يُكره سرعة تمنع المأموم فعل ما يُسن، وتحرم السرعة التي تمنع المأموم فعل ما يجب. هذا صحيح، لكن أنا عندي حتى الأول السرعة التي تمنع المأموم فعل ما يُسن ما هي بمكروهة فقط، بل حرام، حرام ليش؟ لأنك أنت الآن ولي، ويجب على الولي أن يفعل ما هو الأصلح لمن وُلِّي عليه، ولا شك أن الأصلح هو اتباع السنة. مثل ما قلنا في الأمور التي يُخير فيها الإنسان: إن كان أنه من أجل ما يتعلق بنفسه فالتخيير تَشَهٍّ، اللي يشتهيه يسويه، كالتخيير في خصال الكفارة، مثلًا: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة. وإذا كان التخيير فيما يتعلق بمصلحة الغير، فالتخيير تخيير تَشَهٍّ ولّا مصلحة؟ تخيير مصلحة. * طالب: بعض الأئمة يا شيخ يقول: أنا (...)، فهل عليه مسؤولية من جانبه؟ * الشيخ: الإمام ما عليه مسؤولية في هذا إلا مثل ما على غيره، كل إنسان رأى منكرًا فليغيره. * الطالب: ولا تزيد مسؤوليته في ذلك؟ * الشيخ: أبدًا ما تزيد. * طالب: بس (...)؟ * الشيخ: مثل غيره، أيضًا لو كان في المسجد إنسان وجيه كلمته مسموعة صار عليه من السلطة أكثر من الإمام، فنحن نقول: هو مثل غيره حسب الحال، الإنسان اللي يقدر يغير بإيده يغير بإيده، واللي ما يقدر يغير بلسانه، واللي ما يقدر يغير بقلبه. * طالب: بس يا شيخ مثلًا يستطيع أنه يعدل، يستطيع أنه يتأكد؟ * الشيخ: ما يجب عليه العدل أبدًا. * الطالب: بس (...)؟ * الشيخ: لا، التعاون؟ كل الناس ودهم التعاون في هذا الأمر. * الطالب: أن الأمر معروف (...)؟ * الشيخ: حتى لو فُرض أن الرجل قال: أنا إن كنت إمامًا ألزمت نفسي بهذا، فهل هذا من الخير ولّا من الشر؟ * الطالب: من الخير. * الشيخ: إي، الحمد لله، إن كان من الخير فليكن مما يدعو إلى الإمامة ويشجع عليها، والحقيقة أن الله -سبحانه وتعالى- جعل للأشياء شروطًا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت ٦٩]، ما يهدي الله الإنسان سبيله إلا بعد أن يجاهد فيها، لما تبغي تصل إلى شيء به السرور والأنس والحبور على جناح الريح ما يمكن، لا بد من شوك ومن حصى ومن كل شيء: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٢٢ / ١) من حديث أنس بن مالك.]]. * طالب: يا شيخ الآن (...)؟ * الشيخ: لا يلزم يا أخي، هو ما فيه شك أنه من الكمال أن يكون الإمام عالمًا أو طالب علم يستطيع أن يتكلم، لكن إذا لم يكن؟ * طالب: ينهى عن المعروف ولو (...). * الشيخ: لا، أنا (...) الإمام، أنا أقول: إنه يجب أننا نسد الفراغ عن غيرها؛ لأنه من الكثرة والأجانب عندنا وصارت مساجدنا كلها (...) الإمام يؤثر؛ يعني لولا أن الناس عندهم تمسك وعدم ثقة بالأجانب وعندهم ثقة كبيرة في المواطنين، لكان كل اللي يصلون وراء الأجانب يجهرون بالبسملة ويقنتون في الفجر ويمشون، لكن -الحمد لله- أنهم إلى الآن ما صار لهم قبول في البلد، وهذا من نعمة الله، وإلا كان يؤثرون تأثيرًا بالغًا، فالإمام لا شك أنه يؤثر على من خلفه، إي، إحنا نقول: يجب على المواطنين عندنا أنهم يسدون هذا الفراغ لئلا يشغله من لا يُوثق به. * طالب: اللي يدخن (...)؟ * الشيخ: (...)، والدخان أهون من العقيدة؛ لأن المشكلة العقيدة الآن، المهم العقيدة، نعم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: مسألة إغلاق المسجد هذه وظيفة، حتى الفقهاء يسمونها وظائف. * الطالب: يلزم بأشياء خلاف (...). * طالب آخر: صحيح؛ لأني أنا شفت (...)، يجب على الإمام كذا، ويجب عليه كذا. * الشيخ: ما يخالف، هو يجب على الإمام كذا بمقتضى الإمامة، وهل هذا يمنع أيضًا؟ لأنك أنت إذا ما قمت بهذا قام بها الأجنبي. * طالب: إن كان ما يعتقد هذا الشيء وبيمنعه (...)؟ * الشيخ: كيف ما يعتقد؟ ويش ما تعتقده؟ * الطالب: الإنسان اللي بيرشد الناس (...) إلى أن يقول كلمة خير. * الشيخ: وأيش يدريك أنه يقول كلمة خير؟ * الطالب: واضح، الإنسان (...). * الشيخ: أبدًا ما هو بواضح، قبل أن يتكلم وهو غير معروف لك ما هو بواضح. * الطالب: ممكن إذا ما صار خير (...). * الشيخ: صعب. * الطالب: (...). * الشيخ: لا أبدًا. * الطالب: (...). * الشيخ: ثم أيضًا أن الإنسان الإمام نفسه قد لا يكون عنده إدراك اللي يقول ها الكلمة الخير، يمكن يجيب لك الحديث الموضوع: (...) خصلة، نعم، كلها أحاديث موضوعة، ويش يدريك هذا؟ يعني اتقاء الشر قبل الوقوع فيه أحسن ما يكون الإنسان (...). * الطالب: الأحسن يا شيخ ما منع (...) يتكلم. * الشيخ: أولًا الرسول ما أظن أحد يتكلم والرسول حاضر. * الطالب: (...). * الشيخ: هذه واحدة، وكذلك أيضًا ما عهدنا أن أحدًا يتكلم مع وجود الأئمة، والشيء الثاني: ما إحنا بنقول: إن الحق يجب أنه يمنع، لكن نقول: من يقول إن هؤلاء يريدون الحق؟ نجد كثيرًا يتكلمون إذا قضوا قالوا: أعطونا، هذا اللي يجب أن يمنعوا ويضربوا أيضًا، يعني يصطادون الدنيا بالدين؟ (...). * طالب: (...). * الشيخ: نعم، إذا صارت عندنا (...)، نسمع عن هذا. * الطالب: بس يمكن أن يكون معروفًا يا شيخ؟ * الشيخ: وأيش هو اللي معروف؟ * الطالب: الشخص هذا. * الشيخ: اللي بيتكلم؟ * الطالب: إي. * الشيخ: إذا صار معروفًا ما يمنع أبدًا، إذا صار معروفًا ما هو بيمنع، أما الحين يقولون -يعني أنا ما جاءني شيء من هذا (...)، لكن أجزم جزمًا أنهم يقولون-: اللي ما تعرفوه لا (...). * طالب: (...). * الشيخ: المهم أن هذه غير مانعة يا جماعة، ما هي مانعة من تولي الإمامة، وكما أنك أنت إذا صرت غير إمام، هل أنك إذا صرت غير إمام اللي بيتولى الإمامة بيسمح للناس يتكلمون؟ أبدًا، أنا قصدي أن الإمامة فيها مصالح كثيرة، لا بالنسبة للشخص نفسه؛ لأنه هو يقدر يتكلم بما يشاء ويوجه الناس، عندما لا يكون إمامًا، لو جاء يتكلم قال له الإمام: لا تتكلم، على كلامهم، لكن لو صار هو الإمام أحد يمنعه أن يقول أتكلم؟ إذن ينفع الناس بعلمه. ثم هي أيضًا مما يعين على الطاعة، أنا أشعر بهذا، لما كنت غير إمام يفوتني بعض الأحيان بعض الصلاة وأتكاسل وحينًا نروح المسجد ذاك، وحينًا نروح المسجد ذاك، لكن لما كنت إمامًا الحمد لله ما تفوتني صلاة الجماعة. * طالب: بس أجرًا يا شيخ إذا كان اللي يضبطه الصلاة، وهو من الأول (...)، ما ينقص أجل تبكيره؟ * الشيخ: ما ينقص أبدًا؛ لأن كون الأشياء تشجع الإنسان، كون أن الإنسان يصير له مشجعات على الخير ما يبطل هذا أجره، ليش المرغبات اللي جعلها الله في الكتاب والسنة على الخير إلا لأجر يسعى له؟ * طالب: بس فيه ناس (...)؟ * الشيخ: لا، ما هو بمسألة التبكير، مسألة أنك تعين (...) على التبكير فقط، على إدراك الجماعة أيضًا، يمكن ما أبكر. * الطالب: إي نعم، إدراك. * الشيخ: نعم، هذا مما يعين، أليس الله جعل للناس من الغنيمة شيئًا؟ وأليس أن الأئمة والمؤذنين يجعل لهم رَزقًا من بيت المال؟ وأليس النبي عليه الصلاة والسلام يشجع في إعطاء المؤلفة قلوبهم؟ وغير ذلك، يعني كون أن الإنسان يكون له مشجعات على الخير ما يبطل أجره، الكلام على النية الأصل، إذا كنت تفعل هذا للدنيا هذا صحيح، هذا يؤثر عليك كثيرًا، أما إذا يسر الله لك من الأسباب الطاعة ما يعينك عليها فهذا طيب، ولا ينقص الأجر. * طالب: (...)؟ * الشيخ: بل الرسول ﷺ يشجع على هذا الشيء، على ما يعين: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٢٣)، ومسلم (١٠٩٥ / ٤٥) من حديث أنس بن مالك.]]، «وكان يصب على رأسه الماء وهو صائم من الحر»[[أخرج أبو داود (٢٣٦٥) عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: رأيت رسول الله ﷺ أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر، وقال: «تَقَوَّوْا لِعَدُوِّكُمْ»، وصام رسول الله ﷺ، قال أبو بكر -أحد الرواة-: قال الذي حدثني: لقد رأيت رسول الله ﷺ بالعرج يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش، أو من الحر.]]، كل هذا يعينه على الطاعة، فالمشجعات على الخير ما تنقص الخير، الكلام على النية بس: إن فعلت هذا الشيء للدنيا تراه صحيحًا هذا (...). * طالب: بس ربما يسرع يا شيخ الواحد، قصده (...)، يعني مثلًا يصير دأبه؟ * الشيخ: نعم، إذا كان إنه يرائي الناس في هذا، هذا شيء ثان، حتى اللي ما هو بإمام يمكن يرى أنه يفقد في الجماعة، ويجب ألا يفقد لو ما هو بإمام، فالكلام عاد هذا على النية، إذا كان يخجل من الناس فهذه لا شك أنها تنقص أجره، لكن إذا كان لا يقول: أنا أسرع لأقوم بالواجب عليَّ ولا أربك الناس، مرة يتقدم ومرة يتأخر، هذا طيب؛ إنما أسرع لإحسان عمله. * طالب: بعض الأئمة الآن (...)؟ * الشيخ: بس اللي (...) هذا ما نقدر نقول له تأخر؛ لأن اختيارنا الأولى عند ابتداء الإمام، فإذا وُجد إمام ما يمكن نعزله إلا بسبب شرعي. * الطالب: تطوعي، يعني ربما يكون الشخص متطوعًا، يقول: (...). * الشيخ: لكن بس ما هو مطيع. * الطالب: هذا يشكل. * الشيخ: لا ما يشكل، عندك معناه (...) الأئمة، البلد اللي على ها الصفة هذه (...). * الطالب: (...) أربع شباب خلف إمام عامي. * الشيخ: نحن ودنا يجيئون عندنا دول. * الطالب: الكلام (...). * الشيخ: لا، (...) بالتراويح بعضهم قاموا ببعض الواجب، لكن (...). * طالب: يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: ما نسوي لهم توعية بالنسبة لحث الناس على الإمامة؟ * الشيخ: (...) من غير توعية. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، والله ما سويت. * الطالب: ربما يا شيخ إذا فعلت يصير فيه إقبال من الشباب؟ * الشيخ: والله لعله إن شاء الله، راح يكون إذا صارت مناسبة إن شاء الله. * طالب: (...) إذا رضي؟ * الشيخ: إي، إذا رضي ما فيه مانع، لا سيما إذا كان الذي تولى خيرًا منه، إذا كان الذي بيتولى خيرًا منه فهذا طيب. * الطالب: لكن هذا الإمام لو موجود ما (...). * الشيخ: إذن هذا تنازل له؛ لأن المرتب من اللي بيصير له؟ بيصير للثاني، والثاني تنازل عنه، ما يهم، وهذه وقعت -حسب ما سمعت- مؤذن الجامع الكبير في الرياض ابن ماجد كان يؤذن في مسجد (...)، ولما عُمِر المسجد هذا الجديد والكبير طلبوا منه أنه يكون هو المؤذن، لكن إمامه الأول ما صار راضيًا بذلك، فجعلوا له مرتبًا والوظائف اللي على المسجد، وهذا جعلوا له مرتبًا جديدًا. طالب: يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: فيه بعض الأئمة مثلًا طريقه في البيت مثلًا (...) أصلي مثلًا أوقاتي التي أستطيع أن أحضر فيها المسجد، ويجعل شخصًا آخر من أهل البلد من كان يساعده في أوقات (...)؟ * الشيخ: أقول: ما فيه مانع، إذا تخلفت فصلِّ. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذه أكثر ما (...) مثل ما قال الأخ، يقول: والله هذه تربط وتشغل، وأنا ودي يومًا أتمشى هنا ويومًا أتمشى هنا ويومًا.. * طالب: قصده يا شيخ هذا (...)؟ * الشيخ: والله أنا أقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق ٤]، كل هذه عقبات الأصل عدمها، فأنت اجزم واحتسب الأجر من الله، وبيساعدك الله، يهيئ الله لك من أمرك يسرًا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، صحيح. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما هو معنى ذلك أنا إذا قلنا: إن الأذان أفضل من الإمامة معناه أن الإمامة ما فيها (...). * الطالب: قد يكون يا شيخ. * الشيخ: نقول: صر مؤذنًا (...) جزاك الله خيرًا، إذا كنت حرصت على الخير فكن مؤذنًا، وكن إمامًا. * طالب: والحديث الأول حديث: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ»[[أخرجه أبو داود (٥١٧) من حديث أبي هريرة.]]؟ * الشيخ: حديث «الْإِمَامُ ضَامِنٌ» إن صح بعد، الحديث فيه مقال، لكن إذا صح فالمعنى أن الإمام مسؤول عمن وراءه؛ يعني ضامنًا لهم، يجب أن يكون في صلاته مثل ما قلنا قبل قليل: إنه يأتي بها على الوجه الأكمل. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي، إذا صلى بهم نعم، (...)، لو يصلي واحد محدث الإمام وأيش (...). * طالب: يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: لو إمام مثلًا اقتنع أن (...). * الشيخ: الأحسن يأخذه، نرى أن الأحسن يأخذه، لا المرتب ولا الوظائف اللي على المسجد. * الطالب: يمكن يقول: هذا زيادة خير وأجر إن شاء الله. * الشيخ: نعم، هو على خير، يأخذه ما دام أن نيته أصلًا ما جاء إلا لله، أليس الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه يأخذون من الغنائم ولّا لا؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: هل يوجد أحد أخلص منهم؟ * الطالب: لا. * الشيخ: (...) وإذا شئت فخذه واصرفه في شيء نافع لك؛ يعني حقيقة الأمر -مثل ما قالوا: إنك لو ما تأخذ أنت يتعطل المسجد، إن جاء إمام جديد بعدك يحتاج إلى معاملة جديدة، إي نعم، وكذلك أيضًا الوظائف، بعض الناس يقول: والله (...) الإمام أو المؤذن، نقول: هذا بكيفك أنت، يعني كونك تأخذه أو ما تأخذه هذا شيء ثان، لكن نظرًا إلى أنك إذا تركته وكان (...) لكن تروح لغيرك أيضًا؛ لأن الإمام بالحقيقة ليس مستقلًّا -ولا المؤذن- بما يعطى من كل وجه. الشيخ: (منهم ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٧٠]). هذا مستثنى من قوله: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان ٦٨] وما أُبدل منه؛ يعني: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان ٧٠] فإنه لا يلقى أثامًا ولا يضاعف له العذاب ولا يخلد فيه. وتقدم أن شروط التوبة خمسة: الإخلاص لله، والندم على ما وقع، وأن يقلع عنها، وأن يعزم على ألا يعود، وأن تكون في الوقت الذي تُقبل فيه التوبة، في وقتها. وتقدم أيضًا أن هذا الاستثناء يشمل كل الذنوب الثلاثة: الشرك، وقتل النفس، والزنا، وأن ما ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن القاتل لا توبة له[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٦٤)، ومسلم (٣٠٢٣ / ١٩).]] » فإن أراد على وجه الإطلاق فليس بصحيح، وإن أراد لا توبة له فيما يتعلق بحق المقتول فهذا صحيح، على أننا نقول: لا يبعد أنه إذا تاب توبة نصوحًا أن يتحمل الله تعالى وتبارك عنه حق المقتول فيرضيه. * طالب: قول ابن القيم في إعلام الموقعين إن الحدود تسقط بالتوبة (...)، واستدل بحديث النسائي «أن رجلًا وقع على امرأة فأنها استغاثت برجل فمر (...)، فأمسكوا بالرجل الذي استغاثت به، فذهبوا به إلى النبي ﷺ، وقالت: إن هذا الذي زنى بي، فلما أراد أن يقيم عليه النبي ﷺ حد القذف اعترف رجل عند النبي ﷺ، وقال: أنا الذي فعلت بها، فقال عمر: ألا تقيم الحد على هذا الذي اعترف؟ فقال ﷺ: «لَقَدْ تَابَ»[[أخرج أحمد (٢٧٢٤٠) من حديث وائل بن حجر قال: خرجت امرأة إلى الصلاة، فلقيها رجل فتجللها بثيابه، فقضى حاجته منها وذهب، وانتهى إليها رجل فقالت له: إن الرجل فعل بي كذا وكذا، فذهب الرجل في طلبه فانتهى إليها قوم من الأنصار، فوقفوا عليها، فقالت لهم: إن رجلًا فعل بي كذا وكذا، فذهبوا في طلبه، فجاءوا بالرجل الذي ذهب في طلب الرجل الذي وقع عليها، فذهبوا به إلى النبي ﷺ فقالت: هو هذا، فلما أمر النبي ﷺ برجمه قال الذي وقع عليها: يا رسول الله، أنا والله هو، فقال للمرأة: «اذهبي فقد غفر الله لك»، وقال للرجل قولًا حسنًا، فقيل: يا نبي الله، ألا ترجمه، فقال: «لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقُبِل منهم». وأخرجه أبو داود (٤٣٧٩)، والترمذي (١٤٥٤) من حديث وائل بن حجر بسياق آخر، وهو أن النبي ﷺ قال للرجل قولًا حسنًا، قال أبو داود: يعني الرجل المأخوذ، وقال للرجل الذي وقع عليها: «ارجموه»، فقال: «لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقُبِل منهم».]] (...)؟ * الشيخ: هذا صحيح بالقرآن: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]. * الطالب: بس ما يُقام عليه الحد؟ * الشيخ: ما يُقام عليه الحد إذا تاب قبل القدرة عليه، إذا كان هذا في قُطَّاع الطريق وذنبهم من أعظم الذنوب، فهذا من باب أولى، إلا حد القذف إذا قلنا: إنه حق للآدمي، فلا يسقط إلا بإسقاط المقذوف. * الطالب: (...). * الشيخ: هه؟ * الطالب: اعترافه.. * الشيخ: على مسألة التوبة، أو أن الرسول علم منه ذلك، المهم أنه إذا تاب قبل القدرة، فإنه لا يُقام عليه الحد. ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان ٧٠] التوبة تقدم الكلام عليها، والإيمان في اللغة التصديق والإقرار، ولكنه في الشرع: تصديق القلب المستلزِم للقبول والإذعان، وليس مجرد التصديق، بل هو تصديق مستلزم لهذا، فإن لم يستلزم فليس بإيمان. قلنا المستلزم لأي شيء؟ للقبول والإذعان، يقبل ما جاء به الشرع ويذعن له، فيصدقه إن كان خبرًا ويقوم به إن كان طلبًا. * طالب: وإذا لم يتب القاتل؟ * الشيخ: إذا لم يتب القاتل فعليه الوعيد الذي ذكر الله سبحانه وتعالى. * الطالب: أليس هو من الكبائر؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: والكبائر تحت مشيئة الله؟ * الشيخ: نعم، هو تحت المشيئة، لكن من يقول: إنه يغفر له؟ وقوله: ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان ٧٠] هنا ذكر العمل ووصفه بالصلاح؛ لأن العمل غير الصالح لا ينفع صاحبه، والعمل الصالح ما جمع شرطين، وهما: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ، فإن لم يكن فيه الإخلاص فليس بمقبول، وإن لم يكن فيه المتابعة فليس بمقبول، ففي الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]، هذا دليل أن غير المخلَص فيه مردود. وأما غير المتابَع فيه فلقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري بنحوه (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]]. ويجمعهما قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف ١١٠]. وقوله: (منهم) منين؟ أي: من فاعل هذه الأمور الثلاثة؛ الشرك وقتل النفس والزنا، وإنما قيدها بذلك بقرينة السياق، ولئلا تتكرر مع ما بعدها. (﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ المذكورة ﴿حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٧٠] في الآخرة) يبدلها، التبديل: جَعْلُ شيء مكان شيء، وهذا التبديل هل هو تبديل قدري، أو تبديل جزائي؟ اختلف في ذلك أهل العلم، فمنهم من قال: إنه تبديل قدري، ومنهم من قال: إنه تبديل جزائي، كيف ذلك؟ الذين يقولون: إنه تبديل قدري، يقولون: إن معنى تبديل السيئات حسنات أنه لما آمن وعمل عملًا صالحًا صار بدل الشرك إيمان، وصار بدل الزنا وقتل النفس عمل صالح؛ معناه: أن هذا الإيمان والعمل الصالح صار بدلًا عن الكفر والزنا وقتل النفس، فالمعنى أن إيمانه وعمله الصالح الذي فعله هو الحسنات التي أبدل الله تبارك وتعالى السيئات بها، فيكون هذا التبديل قدريًّا. وقيل: بل هو جزائي، بمعنى أن هذه المعاصي نفسها تكون حسنات، يبدل الله السيئات السابقة يجعلها حسنات، بالإضافة إلى حسناته الأخيرة التي قُدرت له فَفَعَلها، وكيف ذلك؟ يقولون: لأن هذه السيئات لما تاب منها صار له بكل توبة من هذه السيئات حسنة، فأبدلت السيئات حسنات بالتوبة منها؛ ولأنه كلما تذكر ما سبق من أعماله السيئة أحدث له توبة، فكانت هذه الأعمال السابقة صارت حسنات بالتوبة منها. والصحيح شمول الآية لهذا وهذا، وأن الآية شاملة للأمرين، فإن ﴿مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ تبدلت سيئاته السابقة فصارت حسنات، لكنها ليست هي الأولى نفسها، وكذلك إذا تاب منها جوزي على هذه التوبة بالثواب، فصارت السيئات بالتوبة منها حسنات. وكلام المؤلف يميل إلى الثاني، إلى أن التبديل هذا تبديل جزائي، لقوله: (في الآخرة) لأنه لو كان قدريًّا ما كان في الآخرة، إذ التبديل القدري إنما يكون في الدنيا؛ لأنه عمله. والصحيح شمول الآية للأمرين، فبالإيمان والعمل الصالح تبدلت أعماله إلى أعمال صالحة، وبالتوبة من السيئات صارت السيئات السابقة حسنات؛ لأنه يزداد بهذه التوبة رفعة ومقامًا عند الله سبحانه وتعالى. (﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٧٠] أي لم يزل متصفا بذلك). و(كان) هنا كما مر علينا مجردة من الزمن، والمراد بها: اتصاف اسمها بخبرها صفة لازمة، ولهذا قال: (أي لم يزل متصفا بذلك) أي بالمغفرة والرحمة. والغفور صيغة مبالغة أو صفة مشبهة، وكلاهما يدل على الثبوت والدوام والكثرة. والمغفرة ستر الذنب مع التجاوز عنه؛ يعني ستر الذنب وإسقاط عقوبته، وليس مجرد الستر؛ لأنه مأخوذ من المِغفر، وبالمغفر يكون الستر والوقاية. وأما الرحيم فهو ذو الرحمة الواصلة إلى المرحومين؛ لأنها تدل على الفعل مع الصفة أيضًا، والرحمة صفة من صفات الله سبحانه وتعالى يكون بسببها الإنعام والإحسان إلى الخلق بجلب المنافع ودفع المضار. وأما من فسر الرحمة بالإحسان أو بإرادته فقوله خطأ؛ لأن إرادة الإحسان أثر من آثار الرحمة، وكذلك الإحسان، وليس هو الرحمة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٧٠]، نعم؟ * طالب: شيخ، قولنا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ هنا صفة مشبهة، ربما (...) يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: رغم أنها منصوبة ولم تعمل ولم تضف. * الشيخ: ما هو بلازم تعمل ولّا تضاف، وأما نصبها فللعامل، نصبها للعامل. * طالب: ورد حديث فيما معناه: ما يزال العبد يرى سيئاته توضع في كفة موازين حسناته؛ يعني التائب. * الشيخ: نعم. * الطالب: حتى يتمنى أن لو أكثر من السيئات[[أخرجه مسلم (١٩٠/ ٣١٤) من حديث أبي ذر.]]؟ * الشيخ: ما أعرف هذا الحديث، لكن نظرًا إلى أنها تبديل السيئات بحسنات يمكن من هذا الوجه. (﴿وَمَنْ تَابَ﴾ [الفرقان ٧١] من ذنوبه غير من ذكر)؛ ولهذا قال فيمن سبق: (﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان ٧٠] منهم)، من هؤلاء. وإنما قال: (غير من ذكر) لئلا يلزم التكرار، ولكن لا مانع أن نقول: لا حاجة للاستثناء وتكون الآية الثانية عامة، فيكون من باب ذكر العام بعد الخاص؛ لأن إخراج من سبق من عموم الآية هذه لا وجه له، فالأولى أن يُقال: إن الآية الثانية عامة تشمل من سبق وغيرهم. (﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان ٧١] أي يرجع إليه رجوعا فيجازيه خيرا). شوف ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، ﴿تَابَ﴾: رجع من ذنبه، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: استزاد من العمل الصالح، فيكون هذا الرجل استَعتب مما فعل وازداد خيرًا. يقول: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾، أي: ﴿مَتَابًا﴾ تامًّا، فالمصدر هنا للتعظيم، لتعظيم هذه التوبة؛ أي: ﴿مَتَابًا﴾ عظيمًا لكمال هذه التوبة، وإلا لو قال قائل: إن هذا تحصيل حاصل، من تاب فإنه يكون تائبًا؟! لا، المقصود أن توبته هذه توبة كاملة عظيمة، فالإتيان بالمصدر: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ للدلالة على أن هذه التوبة وقعت موقعها، وأنها كاملة، وهذا حق فإن الرجل إذا تاب وازداد عملًا صالحًا تبين بذلك صحة توبته وكمالها. وقد اختلف العلماء -رحمهم الله: هل يُشترط للتوبة إصلاح العمل أو لا يُشترط؟ فمنهم من قال: إنه يُشترط لها إصلاح العمل، وعلى هذا فيكون ذلك شرطًا سادسًا زائدًا على الشروط الخمسة، وأن من تاب ولم يصلح عمله فإنه ليس بتائب. وقال بعض العلماء: بل تصح التوبة مع عدم إصلاح العمل، وقال بعضهم: إن كان العمل من جنس ما تاب منه فلا بد من إصلاحه، وإلا فلا تصح التوبة. مثال ذلك: رجل تاب من الزنا ولكنه يسرق، فعلى القول الأول لا تصح توبته من الزنا لعدم إصلاح العمل، وعلى القول الثاني تصح؛ لأن السرقة ليست من جنس الزنا، وعلى القول الثالث من باب أولى أنه لا يشترط إصلاح العمل مطلقًا، وأن من تاب من ذنب قُبلت توبته. ورجل آخر تاب من الزنا ولكنه استمر في النظر المحرم، استمر ينظر إلى النساء نظرًا محرمًا، فهذا على القول بأنه لا يُشترط إصلاح العمل تصح توبته من الزنا، وعلى القول بأنه لا بد من إصلاح العمل لا تصح توبته من الزنا، وعلى القول بأنه بالوسط اللي يقول إذا كان من جنس ما تاب منه لم تُقبل أيضًا لا تصح؛ لأن هذا زنا العين كما قال النبي ﷺ[[أخرج أحمد (٨٣٥٦) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال: «العين تزني، والقلب يزني، فزنا العين النظر، وزنا القلب التمني، والفرج يصدق ما هنالك أو يكذبه».]]. ولكن الصحيح أن يُقال: أما إن أُريد بالتوبة وصف هذا الرجل بأنه من التائبين الذين يلحقهم الثناء ويصدق عليهم أنهم تائبون، فهذا لا يمكن أن تصح منه التوبة أو أن يستحق وصف التوبة إلا بإصلاح العمل؛ لأنه لم يتب التوبة المطلقة، وإنما عنده مطلق توبة، وأما إن أُريد بالتوبة التوبة من العمل المعين، فالصواب الجزم بأن توبته تُقبل؛ لأن هذا مقتضى عدل الله عز وجل، من عمل خيرًا فله ومن عمل شرًّا فعليه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨]، فكيف نقول: إن هذا الرجل لا تصح توبته مِن عمل تاب منه ورجع وندم؛ لأنه مُصِرٌّ على غيره؟! ما يصلح. فالصواب في هذا أن يُقال: أما استحقاق وصف التائبين على وجه الإطلاق، فهذا لا يستحقه التائب إلا بإصلاح العمل؛ لأنه كيف يكون تائبًا إلى الله من هو مُصِر على معصيته ولو من غير جنس ما تاب منه أو من جنسها! وأما إذا كان المقصود التوبة من هذا العمل المعين؛ يعني مطلق توبة، لا توبة مطلقة، فإنها تصح جزمًا؛ لأن هذا مقتضى عدل الله سبحانه وتعالى. * طالب: شيخ، في الحديث «أن رجلًا أذنب ثم تاب ثم أذنب ثم تاب ثم أذنب ثم تاب، ثم قال الله تعالى: علم عبدي أن (...)، فليعمل عبدي ما شاء»[[أخرج البخاري (٧٥٠٧)، ومسلم واللفظ له (٢٧٥٨ / ٢٩) بسنديهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ، فيما يحكي عن ربه عز وجل، قال: «أذنب عبد ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك»، قال عبد الأعلى: لا أدري أقال في الثالثة أو الرابعة: «اعمل ما شِئْت».]]، أو كما قال. * الشيخ: نعم. * الطالب: هذا دليل على أنه إذا تاب ثم رجع إلى العمل لم تُقبل توبته؟ * الشيخ: لَمْ؟ * الطالب: لا تُقبل توبته. * الشيخ: إي نعم، هذا العمل ما هي بمسألتنا هنا. * الطالب: ربما يكون عملًا آخر؟ * الشيخ: لا، هذه غير مسألتنا، نحن نقول: الرجل هذا تاب من الذنب ولّا رجع إليه، لكنه عاصٍ لله من جهة أخرى، هذا هو بحثهم. * طالب: بس إذا قلنا بأنه جزمًا تحصل له التوبة، فهناك أحكام كثيرة تترتب على التوبة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: مثل قلب السيئات إلى حسنات. * الشيخ: نعم، نقول: نعم، بالنسبة لهذا العمل المعين إذا تاب منه صار حسنة. * طالب: تقلب (...)؟ * الشيخ: والله هذا الكلام اللي قلنا قبل: هل هو قلب جزائي ولّا قلب قدري؟ * الطالب: إي، بس لا، هذا العام؟ * الشيخ: لا أبدًا، إذا كان من الشرك والزنا وقتل النفس. * الطالب: إي، لكن تاب توبة نصوحًا كاملة؟ * الشيخ: لا، تاب من هذه الأشياء، المهم أنه حتى من تاب توبة خاصة من ذنب خاص بُدلت سيئاته حسنات، السيئة اللي تاب منه تكون حسنة، أولًا؛ لأنه تركها لله، وقد «ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من هَمَّ بسيئة فتركها كتبت له حسنة»[[أخرج البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣٠ / ٢٠٦) واللفظ له، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من هَمَّ بحسنة فلم يعملها، كُتبت له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها، كُتِبت له عشرًا إلى سبع مئة ضعف، ومن هَمَّ بسيئة فلم يعملها لم تُكتب، وإن عملها كُتِبت».]]؛ لأنه تركها لله، فهذا مثله، ثم إن مجرد أن يتوب إلى الله ويعرف أن له ربًّا يؤاخذه ويعاقبه ويشعر بالخجل من الله عز وجل والحياء منه هذه من الحسنات العظيمة. * الطالب: بس ما دام عليه وصف العاصي أو فاسق.. * الشيخ: إي، عاصٍ بأيش؟ بالنسبة لكذا، تائب بالنسبة لكذا. * الطالب: ما الفرق بين الزنا والسرقة؟ * الشيخ: كيف الفرق؟ * الطالب: يعني مثلًا كلهم (...) من الكبائر، وكلهم مثلًا.. * الشيخ: الفرق بينهما أن هذا يُجلد وهذا تُقطع يده، وهذا يكون فاسقًا من وجه، وذاك فاسق من وجه آخر، هذا باعتبار الأعراض، وهذا باعتبار الأموال، (...) الفروق، ليس كل الذنوب على حد سواء لا في النوع ولا في القدر ولا في الإثم؛ ولهذا قلنا: إن الوصف المطلق للتوبة لا يستحقه؛ لأنه حقيقة ما هو بتائب؛ إذ إنه عاص لله سبحانه وتعالى من وجه، لكن كوننا نقول: ما يقبل توبتك من الزنا؛ لأنك تسرق، هذا ليس بصحيح. * الطالب: ما يمكن بدل ما نفرق بينهم من ناحية الجنس، نفرق بينهم من ناحية الدرجة؟ * الشيخ: كيف من ناحية الدرجة؟ * الطالب: يعني مثلًا فيه هناك كبائر شديدة وهناك وسط (...)؟ * الشيخ: هو يستحق ما حصل، اللي هو تاب منه يُغفر له، واللي أصر عليه يبقى عليه، صغيرة كانت أم كبيرة؛ لأن هذا مقتضى عدل الله، أليس هذا عَمِل خيرًا بتوبته؟ * طالب: هو ربما وصفه واضح، لكن أن تُقلب إلى حسنة (...)؟ * الشيخ: نحن ما قلنا: إن قلب السيئة حسنة بالتوبة؛ لأنه مجرد رجوعه إلى الله سبحانه وتعالى وتركه لها وتوبته منها حسنة، هذا إذا قلنا: إن المراد بالحسنة الجزائية، أنه يُجازى على نفس السيئة حسنة، إذا قلنا: إنه قدري؛ بمعنى أن إقلاع هذا الرجل عن هذا الذنب.. * الطالب: لا، واضح هذا. * الشيخ: واستقامته، هذا ما فيه شيء، حتى الجزائي ما فيه إشكال أبدًا. * الطالب: القدري واضح، لكن.. * الشيخ: والجزائي أيضًا؛ لأن كرم الله سبحانه وتعالى أسرع وأسبق من عقوبته. * طالب: (...)، فهو من قدري؟ * الشيخ: قَدَري من القدر. * الطالب: وأيضًا الجزائي من القدر؟ * الشيخ: إي، لكنه ثواب، لكن هذا قدري بمعنى أنه يُقدر له حسنات جديدة غير الأولى، والجزائي بمعنى أنه يُجزى على نفس السيئات حسنات. * طالب: الواو يا شيخ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا﴾ [الفرقان ٧٠]، (...)، وأيش نعرفهم؟ عاطفات؟ * الشيخ: إي نعم، عاطفات، نعم. * الطالب: إذا كانت يا شيخ عاطفة فإذن يكون على الشرط السادس من لا بد من أن يصلح العمل. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: إذا كانت عاطفة نرجع إلى الشرط السادس الذي يقول لا بد من صلاح العمل؟ * الشيخ: إي، لكن عاد عَمِل صالحًا، نحن قلنا: ما يستحق وصف التوبة المطلق إلا بهذا، بالعمل الصالح. * الطالب: هناك يا شيخ آيات من القرآن تصف الإنسان بالتوبة ولو ما عمل عملًا صالحًا؛ يعني (...)؟ * الشيخ: إي، مثل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]، إي نعم. * طالب: ذكرنا هنا أن العاصي يعرف من نفسه مثلًا ضعف إيمانه وتسلط عدوه عليه، وأنه سوف يعود إلى هذه المعصية، أيهما أولى (...) كلما يعمل معصية يتوب، وإلّا يترك التوبة لئلا تكون توبة كذب؟ * الشيخ: لا، يتوب، وأيش يدريك؟ * الطالب: بس يعرف أنه سيذنب. * الشيخ: لا، بس نقول: توبته هذه ما تصح، لكن مجرد شعوره بأنه مخطئ قد ينفعه هذا، أما أن يقول: أستمر، ما يجوز هذا. * الطالب: هو من أصله معترف أنه مخطئ؟ * الشيخ: معترف أنه مخطئ لكن هو يقول: أنا أستمر، ما أنا بمقلع لا بقلبي ولا بفعلي. * الطالب: إي. * الشيخ: كلما سنحت لي الفرصة أفعل. * الطالب: نعم. * الشيخ: هذا شر، لكن كونه يتوب إلى الله ويخجل ويصير عنده نوع من التقرب إلى الله أحسن من عدمه. * الطالب: ولو تعددت توبته؟ * الشيخ: ولو تعددت توبته، لكن الواجب على المؤمن أنه يتوب جزمًا، وإذا قُدر فيما بعد أن أسباب المعصية توفرت لديه وأن نفسه غلبته فإن ذلك لا ينقض توبته الأولى، سيؤاخذ من جديد بالمعصية الجديدة ثم يتوب. * طالب: (...) على قوله: أستغفر الله وأتوب إليه، أن قول الكثير (...)؟ * الشيخ: واستغفارك أيضًا استغفار كذابين؟ * الطالب: (...) تطلب المغفرة من الله سبحانه وتعالى رغم إصرارك، إنما التوبة لا. * الشيخ: على كل حال نسأل الله أن يتوب علينا، حتى قول الإنسان إذا انتهى من الأكل: الحمد لله، ما أحد يشعر بمعنى هذه الكلمة تمامًا إلا أنها روتينية، وبسم الله كذلك، (...) بعد الصلاة عادية، عادة؛ يعني الحقيقة هذه مسائل..، وهذا هو اللي الحقيقة يفسدنا: أن أعمال القلوب ما نشعر بها، تلقى كثيرًا منا يحافظ على سنة رفع الأصبع عند الدعاء، لكن رفع القلب عند الدعاء ما أحد يبحث فيه، مع أن هذا أهم، الله يتوب علينا، إذا فكرنا بأنفسنا (...) ظاهريين لا باطنيين. * طالب: يا شيخ، التوبة الخاصة ذَكَر فيها الإيمان، والتوبة العامة ما ذَكَر فيها الإيمان، وجه ذلك؟ * الشيخ: ويش لون؟ * الطالب: الخاصة: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [الفرقان ٧٠]، والعامة: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [الفرقان ٧١]؟ * الشيخ: أصله فيه الشرك هناك، ذَكَر فيه الشرك، فلا بد من الإيمان مقابل الشرك. * طالب: يا شيخ، عندما يكون إنسان أخلف مع الله؛ يعني أصابه البلاء. * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: ابتلي بذنب، وأخذ يستغفر الله ويتوب ويستغفر الله ويتوب؛ يعني ظل على هذا الذنب، عَجَز لا يقلع عنه؛ يعني عجز أبدًا ما قدر.. * الشيخ: مسألة عجز هذه أمر غير وارد إلا على مذهب الجبرية (...) عن ترك، فالتروك أهون من الأفعال؛ ولهذا ما تجد الترك مثلًا رُتب عليه مثلًا الثواب المطلق، بخلاف الفعل، الفعل أشق على النفس؛ لأنه جهاد للنفس من وجهين، لكن الترك من وجه واحد، فكلمة يعجز ما هو بصحيح. * طالب: يا شيخ كلمة.. * الشيخ: هذا -سلمك الله- لو أن سوط السلطان في ظهره مرة وفي بطنه مرة، يعجز ولّا ما يعجز؟ * الطالب: لا ما يعجز. * الشيخ: خلاص. * الطالب: لكن (...)؟ * الشيخ: ما هو بصحيح، أنا أشهد أنه ليس عجزًا؛ لأن فيه أناسًا تابوا، صدقوا العزيمة وتابوا وأقلعوا عنه، إي نعم، الصحابة رضي الله عنهم قبل أن ينزل تحريم الخمر كانوا مدمنين على الخمر، وإمساك الخمر لشاربها أكثر من إمساك الدخان، ومع ذلك بيوم واحد كلهم (...)، الكلام على صدق العزيمة بس، إي نعم. الآن في غير الصيام هذا الشارب ما يستطيع يتوقف -على زعمه- النهار كله، ما يقدر على زعمه يمسك النهار كله عن الدخان، وفي الصيام حيث إنه عازم. * الطالب: يقدر يصوم، والليل كله ما يقدر. * الشيخ: إي. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان ٧١]، قلنا: إن قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ ليست كقول القائل: الأرض تحتنا والسماء فوقنا؛ يعني تحصيل حاصل، بل إن المعنى أن هذه هي التوبة الصادقة الحقيقية الكاملة. وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ أي: يعني يرجع إلى الله رجوعًا تامًّا كاملًا، كما قال المؤلف. ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان ٧٢]، هذه معطوفة على قوله؟ * طالب: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ﴾ [الفرقان ٦٣]. * طالب آخر: لا، على مجموع الأوصاف. * الشيخ: على قوله: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ [الفرقان ٦٣]، وسبق أن الصحيح أن ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ خبر وليست صفة، كما قال المؤلف. (﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان ٧٢] أَي الْكَذِب وَالْبَاطِل). هذا معنى ﴿الزُّورَ﴾ من ازورَّ؛ أي: مال وانحرف: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ [الكهف ١٧]، فالمعنى ﴿الزُّورَ﴾: كل ميل قولي أو فعلي، إن كان قولًا وُصف بالكذب، وإن كان فعلًا وصف بالباطل، فكل قول أو فعل مائل عن الطريق فإنه زور، مفهوم الآن؟ * طالب: نعم. * الشيخ: الكذب زور، والشتم واللعن والغيبة زور أيضًا، والغصب والسرقة والزنا وغيرها زور أيضًا. * طالب: باطل. * الشيخ: زور، هو زور، لكن قد نسميه باطلًا إذا كان فعلًا. فالمهم أنهم ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾، وإذا كانوا لا يشهدون الزور فهل يفعلونه؟ * طالب: لا. * الشيخ: من باب أولى؛ لأنهم إذا كانوا لا يحضرونه فإنهم لا يفعلونه قطعًا، إذ لو فعلوه لحضروه، كل فاعل حاضر، وليس كل حاضر فاعلًا على وجه الحقيقة، لكنه فاعل حكمًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء ١٤٠]، فدل هذا على أن القاعد سواء قاعدًا أو مضجعًا أو واقفًا، المهم أن المشاهد لفعل العاصي مثل العاصي حكمًا عند الله، نعم، إلا من أُكره على الحضور، فهذا شيء آخر لا حكم له كمن أُكره على الفعل. * طالب: كل المعاصي يا شيخ؟ * الشيخ: كل المعاصي نعم. (﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ من الكلام القبيح وغيره ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢] معرضين عنه). ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ (اللغو) الصواب أنه ليس الكلام القبيح؛ لأن الكلام القبيح داخل في الزُّور، لكن المراد بـ(اللغو) ما لا فائدة فيه، كل ما لا فائدة فيه فهو لغو؛ وذلك لأنه لا يقصد، وما لا يقصد فهو لغو: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة ٨٩]، فاللغو ما لا فائدة فيه. * طالب: لو كان مباحًا؟ * الشيخ: سواء كان قولًا أو فعلًا. وقوله هنا: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢]، ما قال مثل ما سبق: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان ٦٣]؛ لأنه هناك خطاب معين مباشر، فيقولون: لا بد أن يقولوا قولًا يسلمون به. لكن هنا يمرون بالشيء بدون أن يخاطبوا به، والمراد بالمرور به سواء كانوا مارين هكذا في طريق أو مارين مثلًا جالسين فجاء شيء لا فائدة فيه؛ لغو، فإنهم يمرون كرامًا، ومعنى مر الكرام هنا: أي أنهم لا يلحقهم منه شيء، بل يحاولون الإصلاح؛ لأن الكريم يعطي غيره، ينفع نفسه وغيره. فهم إذا ﴿مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ يمرون ﴿كِرَامًا﴾ يحاولون أن يفيدوا من وجودهم؛ وذلك بأن ينقلوا هذا اللغو إلى أمر مفيد، فهمتم ولّا لا؟ ولهذا قال: ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾، ما قال: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ لأنه هناك يخاطبون بما يُسيء إليهم فيقولون قولًا يسلمون به؛ لأن المقام يقتضي بس أنك تسلم، لكن هنا ما يؤذَون، إنما يمرون بلغو لا فائدة منه فيمرون كرامًا مفيدين ومستفيدين. ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾، قال: (معرضين عنه) ما هو بصحيح أيضًا، قد لا يعرضون عنه لكن يفيدون ويستفيدون، والإنسان الموفق يستطيع أن يفيد ويستفيد، حتى فيما إذا كان المجلس مجلس لغو؛ يعني كلامًا مباحًا، يستطيع أن يحوله إلى كلام مطلوب؛ وذلك بما يستعرضه مثلًا من كون هذا الشيء الذي يتحدثون به دليلًا على قدرة الله، ولّا على رحمة الله، ولّا على حكمة الله مثلًا، فيفيد ويستفيد، لكن هذه الأمور في الحقيقة تريد رجالًا يعتبرون أنفسهم قادة مصلحين، ما تريد رجالًا يعتبرون أنفسهم من جنس مجتمعهم يمشون الهوينى بدون إصلاح؛ ولهذا يفوتنا كثيرًا في هذه الأمور، يفوتنا كثيرًا واللهِ من هذه الناحية، نجلس مجالس اللغو لا نفيد ولا نستفيد، غاية ما هنالك إن كان الإنسان استحضر نية التأليف وعدم الانزواء وما أشبه ذلك، وهذا خير لكن ولو، الخير والأكمل أن تحاول الإفادة والاستفادة. وبعض الناس أيضًا يريد بالمجالس التسلي فقط، ما يريد معنى وراء ذلك، وهذا فاته خير كثير، فعلى كل حال الناس يختلفون، والمسائل تعود على النيات، وكم من عمل عمله شخص وعمله آخر فصار بينهما مثل ما بين السماء والأرض: السجود يكون شركًا ويكون طاعة، إن سجدت لصنم كان شركًا ولله كان طاعة، وهكذا جميع الأعمال في الحقيقة النية لها تأثير كبير في إصلاحها أو إفسادها. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، أصلًا لا تحولهم قفزة (...)، لكن تستطيع شوي شوي، نعم، الآن مثلًا عندما تحاول أن تمنع الماء الكثير المنحدر في مرة واحدة ما تستطيع، (...) مع الجوانب شوي شوي، يمكن تقضي عليه. * طالب: شيخ سؤال، لو كان الأشخاص هؤلاء شباب شفت أن همهم لهو كله، مثل ما قال (...) لهو، مثل ما يحدث في النوادي وغيرها، لكن أنا قلت: بروح أسافر مع هؤلاء وأروح معهم للمحلات اللي يروحون إياها هم على قصد وأنا على قصد، أنا قصدي أصلحهم مثلًا أحاول أعالجهم، وهم قصدهم غير، قصدهم أني معهم داخل معهم في اللهو، وأنا لي هدف من ذلك.. * الشيخ: ما يخالف، أنت إذا قصدت الإصلاح فهذا طيب، بس أخشى أنهم يغلبونك. * الطالب: لا، إن شاء الله بحاولهم، إن جاء ولّا (...) ويكون وسيلة إلى أول حاجة (...) ثم إقراره على هذا الفعل. * الشيخ: لا، أصلًا ما هي النوادي محرمة، من يقول: إن النوادي محرمة؟ * طالب: بعض الأفعال فيها يا شيخ. * الشيخ: بعض الأفعال فيها، لا بأس، بعض الأفعال فيها قد يكون غير مرضٍ، لكننا ما نحاول أن نقول: إن هذا مُحرَّم؛ لأن بعد تركهم وترك الاختلاط بهم مشكلة، معناه أنهم يخلوهم والشياطين. * طالب: (...)، لما يشوفه يقول: شوف ابن الشيخ الفلاني، ولّا العالم الفلاني حاضر؟ * الشيخ: حاضر بينصحهم. * الطالب: إي، بس الناس ما (...). * الشيخ: نعم؟ * طالب: (...)، أصلًا لو تبغي تصلح مثلًا تزيل النوادي، هذا المعنى؛ يعني إصلاحها إزالتها. * الشيخ: لا، ليس إصلاحه هو إزالته. * الطالب: أبدًا (...). * الشيخ: هي على كل حال، ما فيه شك أنه يمكن المراد منها وأصل المؤسسين لها أن قصدهم صد الناس عن دين الله، وهذا هو الواقع؛ لأنها هي أيضًا مثل القات، لكن مع ذلك ما نقول إنها معدومة الخير مئة بالمئة. * طالب: (...). * الشيخ: ويش رأيكم؟ ويش نسوي؟ * الطالب: ما يقربون ولا يؤيدون؛ لأن البعض ممكن (...). * الشيخ: لا ما نؤيدهم، نحن ما نؤيدهم على أعمالهم ولا على نواديهم بالحقيقة، ونرى أنه من المصلحة أن يُصرف الشباب إلى شيء آخر، إلى تعلم الرماية وإلى تعلم السباحة وإلى السياق وإلى الأشياء المفيدة (...)، ما يهم، المهم بس شيء يفيدون الناس، أما هذه أنا ما أقول إني أؤيد النوادي، بل أقول: إن ضررها أكثر من نفعها، وإن كان مع ذلك ما نقول: إن ضررها مئة بالمئة، نقول: ضررها أكثر من نفعها. * طلبة: (...). * الشيخ: ألا ترون أن ها الشباب الكثير هذا لو بقي مُسَرَّحًا في الأسواق ما يحصل فيه مفسدة؟ * طالب: لا بد أنه يفسد.. * الشيخ: والله أنا عندي أن هي كافة هي؛ يعني كافة.. * طالب: (...). * الشيخ: لا، بس أنا عندي أن بقاءهم أفسد، لو بقوا مُسَرَّحين في الأسواق لكان أفسد لهم. * طالب: (...) ومكتبات. * الشيخ: اتفقنا على هذا، على أنها تحتاج إلى توجيه، وأن وجود النوادي ضرر، لكن ما نقول: إنها ضرر محض؛ لأنها كافة بعدت عنا أشياء كثيرة، تجد هذا الشباب لو أنهم مثلًا قاموا يتجولون في الأسواق ويتجمعون تجمعات، كان يحصل شيء كثير. * طالب: بلا شك (...) ومكتبات وحدائق، وكذا فيفادون يا شيخ. * الشيخ: هو ما أنا بقول: إن هذه فكرة جيدة، ما هي بفكرة جيدة، ما هي بسليمة أبدًا، ولا هي مقصود بها الخير للمسلمين أيضًا، أنا أجزم -والله أعلم- أنه ما قصد بها الخير للمسلمين، إنما قُصد بها إلهاء الناس وصدهم عن دين الله. * طالب: حتى يا شيخ أيش تدلنا (...)؟ * الشيخ: لا، لكن مع ذلك ما نقول: إنها شر محض، هذا الكلام العام الذي هو موضع النقاش، هل هي شر محض أو فيها خير؟ وأقصد بالخير ما هو بالخير الإيجابي، لا أقصد به خيرًا إيجابيًّا، لكن خيرًا سلبيًّا، بمعنى أنك تكف عن مفاسد في ظني أكثر منها. * طالب: إي نعم، (...). * الشيخ: متدهورة؟ * الطالب: متدهورة، إي الكرة السعودية متدهورة وضعيفة. * الشيخ: إي. * الطالب: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة ١١١]. * الشيخ: الاستشهاد ليس.. * الطالب: الاستشهاد بالقرآن، ثم علم لا إله إلا الله محمد رسول الله قد (...). * طالب آخر: (...)، لو كان مع يهود بأي شيء؟ * الشيخ: هو ما فيها شك، ولهذا تجد أن بعضهم يشجع ناسًا -مثلما قلت- من النصارى واليهود من هؤلاء اللاعبين، وتجدهم إذا جاءت مباراة في التليفزيون لو أُقيمت الصلاة يسمع إقامة الصلاة ما يقوم للصلاة، هذا صحيح. * طالب: ويحبون هؤلاء أكثر من أي شخص. * الشيخ: إي نعم، يحبون من يشجعونهم من هؤلاء يمكن أشد من حب الله ورسوله. * طالب: (...) وقدموا طاعتها على طاعة الله عز وجل، وعلى حب الله عز وجل. * الشيخ: نعم، صحيح، ينطبق عليها عبد الدينار والدرهم؛ لأنهم إن أعطوا رضوا، وإن لم يعطوا سخطوا، إن نجحوا رضوا وإلا سخطوا، وقالوا: أيش هذا الحظ؟ وأيش ها النصيب؟ وأيش ها التقدير؟ * طالب: (...). * الشيخ: عجيب، هذه الأيام دي؟ * طالب: (...). * الشيخ: ومات موتًا؟ * الطالب: (...). * طالب آخر: يذكر (...). * الشيخ: يعني فرح على ها الحال؟ * الطالب: إي، قفز (...). * الشيخ: فرحًا. * الطالب: إي، فرح (...). * الشيخ: انتصار فريقه الذي يراه. * الطالب: يظنه (...). * الشيخ: الله أكبر، سبحان الله العظيم. * طالب: يعني يا شيخ كم مرة (...). * الشيخ: لا، (...). * الطالب: وإلا كان وأيش نيتي بها المحاضرة، بقول لهم مثلًا: إن الكرة ما فيها شيء، لكن متى يصير فيها شيء؟ يصير فيها شيء إذا أشغلتنا مثلًا عن وقت الصلاة، إذا مثلًا جعلنا كل همنا بعد، ولّا أقولهم (...). * الشيخ: لا، فيه خير أبدًا إن شاء الله، ما يصير إلا الخير، أنت إذا صار هم اللي طالبينك، فهم ما يطلبوك إلا أنهم يظنونك (...). * الطالب: لكن بس نخشى (...). * الشيخ: هه؟ * طالب: علشان يبارك هذا العمل (...). * الشيخ: لا، أنا أخشى بعد أن هذا يصير خطيرًا، الإنسان يجب أنه يراعي اللي بينه وبين الله بعد، إذا طلب منه ناس وقالوا: تعال ذكرنا. * طالب: بس أذكرهم بالمسجد، بس أمامي مثلًا أشياء.. * الشيخ: لا، ما هو بالمسجد، إذا قال: تعال ذكرني اجتمعوا. * الطالب: فيه صور مثلًا (...). * الشيخ: أحسنت. * الطالب: صور مجسمة.

الفرقان 25:77

ثم قال: (﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ [الفرقان ٧٤] بالجمع والإفراد). ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ جمع، ﴿وَذُرِّيَّتِنَا﴾ إفراد. ﴿هَبْ لَنَا﴾ منها ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ لنا بأن نراهم مطيعين لك ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤] في الخير). بعد أن ذكر الله تعالى صلاح هؤلاء بأنفسهم، ذكر أنهم أيضًا يسعون في إصلاح غيرهم ممن يتصل بهم من الأزواج والذرية، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا﴾ [الفرقان ٧٤]، وفي هذا دليل واضح على أن دأب المؤمنين دعاء الله، وأما من قال: علمه بحالي يكفي عن سؤالي، فهذا قول باطل، وليس بصحيح؛ لأننا نقول: إن الله تعالى وصف الرسل وأتباعهم بأنهم يدعون الله، وهم يعلمون علم اليقين بأن الله تعالى يعلم بحالهم، ومن قال مثل هذا القول فإنه يدل على استكباره عن دعاء الله سبحانه وتعالى، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وأيش قلنا؟ * الطالب: قلنا بأن الذين قالوا: إنه يكفي معرفة الله بحال المؤمن (...) عليه. * الشيخ: إي. * الطالب: فالمؤمنون دعوا بدعاء الله عز وجل، وكذلك الرسل. * الشيخ: بعد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي، قلنا: وأن هذا القول يدل على استكبار صاحبه وعدم خضوعه لربه، وإلا فمن المعلوم أن الله عالم بكل أحد، فلماذا لا تقول: يا ربي؟ لماذا لم تقل؟ ولكن هذا والعياذ بالله من الطرق الشيطانية التي أرسلها الشيطان على متبعيها من الصوفية وغيرهم. ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا﴾ الهبة بمعنى العطية ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ [الفرقان ٧٤]. هل ﴿مِنْ﴾ للتبعيض ولّا لبيان الجنس؟ * طالب: لبيان الجنس. * الشيخ: هه؟ * طالب: للجميع، صلاح الذرية جميعًا. * طالب آخر: للصلاح. * الشيخ: إي نعم، لبيان الجنس، ما هم يقولون: بعض أزواجنا هب لنا منهم قرة أعين، بل الجميع، لا، ولكنها للبيان، ﴿مِنْ﴾ بيانية وليست تبعيضية. وقوله: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾ جمع زوج، الذكر ولّا الأنثى؟ * طالب: كلا (...). * الشيخ: الرجل يقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ﴾؛ لأن (الذين) للمذكر، والمرأة تقوله أيضًا؛ لأن الخطاب أو التحدث بصيغة جمع المذكر يشمل المؤنث أيضًا، فالمرأة تقوله والرجل يقوله أيضًا. يقول: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ قراءتان: ﴿وَذُرِّيَّتِنَا﴾ ، ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾، أما على قراءة ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ فالوجه فيها ظاهر لفظًا ومعنى، أما لفظًا فلمناسبة الجمع قبلها: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾، وأما معنى فلأنه أشمل، شموله ظاهر: من أجل الجميع. وأما ﴿وَذُرِّيَّتِنَا﴾ فإنها لا تتلاقى مع ما قبلها من حيث الصيغة؛ لأنها مفرد، لكنها تلاقيها من حيث المعنى؛ لأنها مفرد مضاف، والمفرد المضاف للعموم، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: هل فيه مثال يدل على أن المفرد المضاف للعموم من القرآن؟ * طالب: من القرآن؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: ما أستحضر. * الشيخ: ما تستحضر؟ * الطالب: نعم. * طالب آخر: قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان ٢٠]. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: قوله ﴿نِعَمَهُ﴾. * الشيخ: إي، جمع، هل مثله ما تستحضر؟ * طالب: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨]. * الشيخ: نعم ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، يقينًا المراد بالـ﴿نِعْمَةَ﴾ هنا الجمع؛ لأنه قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا﴾، والنعمة الواحدة أولًا لا تُعد، والشيء الثاني لا تُحصى، والله يقول: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾، فهذا مثال واضح جدًّا على أن المفرد المضاف يكون للعموم والشمول. إذن ﴿وَذُرِّيَّتِنَا﴾ على قراءة الإفراد يلاقي ما قبله من حيث المعنى؛ لأنه يشمل جميع الذرية. ومَن المراد بالذرية؟ المراد بالذرية الأولاد ذكورهم وإناثهم، وأولاد الأبناء دون أبناء البنات، فإن أولاد البنات ليسوا من الذرية لغة ولا شرعًا عند كثير من الفقهاء، نعم، وقيل: بل أولاد البنات من الذرية؛ لأن الله تعالى قال في إبراهيم: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ [الأنعام ٨٤، ٨٥]، ﴿وَعِيسَى﴾ ولد بنت وليس ولد ابن، فجعله الله من الذرية، فدل هذا على أن أولاد البنات من الذرية. ولكننا نقول: ليس في الآية دلالة؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام أمه أبوه؛ يعني ما له نسب من قبل الأبوة، منقطع؛ ولهذا المرأة الملاعِنة أو الملاعَنة إذا نفى زوجها ولدها منها، صارت هي أمًّا وأبًا. فالصواب أن الذرية لا يدخل فيها أولاد البنات، هذا من حيث اللغة والشرع، أما من حيث الوقف والهبة وما أشبه ذلك مما يتصرف فيه الإنسان بنفسه وله الحرية فيه، فهذا حسب ما ينص عليه، لو قال مثلًا: هذا وقف على ذريتي الذكور والإناث ومن مات منهم عن ولد فنصيبه لولده، وأيش يصير هذا؟ يكون للجميع. وكذلك لو قال: هذا وقف على ذريتي ومن تفرع منهم، وليس له إلا بنات، هذا أيضًا يدخل أولاد البنات بلا شك، أو قال مثلًا: على ذريتي وولد البنات ينزلون منزلة أمهاتهم. فكذلك؛ يعني إذا نص على الشيء أو دلت القرينة عليه دخل أولاد البنات، لكن هذا الدخول بحسب ما تقتضيه الصيغة عرفًا أو نطقًا لا بحسب الشرع واللغة العربية. ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان ٧٤]، ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾، وأيش معنى قرة العين؟ قرة العين هل معناها الاستقرار، مأخوذة من الاستقرار؟ ولّا مأخوذة من القُّر وهو البرد؛ لأنهم يقولون: إن دموع العين الحزينة حارة والعين القريرة باردة؟ نعم، هذا هو الأقرب، وليس من الاستقرار؛ لأن الإنسان ما هو معناه إذا فرح قرت عينه، ولا معناه أنه إذا حزن (...)، ليس الأمر كذلك، لكنها من القر الذي هو البرودة؛ لأن الإنسان إذا حزن حميت عينه، ولهذا يُقال: دموع الحزين حارة. فالمعنى السرور والاطمئنان وما أشبه ذلك، وكني بالعين؛ لأنها تتأثر. وقول المؤلف: (بأن نراهم مطيعين لك)، هذا بالحقيقة من جملة ما تقر به عين المؤمن؛ أن يرى أزواجه وذرياته مطيعين لله، والغريب أن الإنسان المسلم إذا رأى أزواجه وذرياته مطيعين لله تقر عينه وإن كان هو فاسقًا، الغريب أن الوالد يفرح أن وليده يصير مطيعًا لله مجتنبًا للمعاصي وهو فاسق! يحب أن وليده يصلي مع الجماعة ولو ما يصلي هو، وكذلك يحب أن وليده ما يشرب الدخان لو هو يشرب الدخان؛ لأن المسلم مجبول على محبة طاعة الله، فهؤلاء الذين يكونون قرة أعين؛ يعني: بأن نراهم مطيعين لك. هذا واحد. والصواب أيضًا: ولنا؛ لأن الإنسان أيضًا إذا كان ولده وزوجته موافقين لطاعته، تقر عينه ولّا لا؟ تقر، هذا إذا أضيفت إلى طاعة الله، لكن إذا كانوا مطيعين لله وعاصين له، تقر عينه من وجه إذا ذكر طاعتهم لله وقيامهم بطاعة الله رضي وفرح، وإذا رآهم عاصين له يقول للولد: اجلس في القهوة وانتظر الرجال، ولكنه يخرج، نعم. ويقول للمرأة: أصلحي الطعام، ولكنها لا تصلحه، هذا لا شك أنه يسوؤه هذا الشيء ولا تقر عينه به، مع أن هذا الأمر معصية لله؛ يعني لو شئنا لقلنا: إن قوله: (بأن نراهم مطيعين لك) يشمل حتى طاعتهم لأبيهم وطاعة المرأة لزوجها، يشمل هذا وهذا، وكذلك قيام الرجل بما يجب لزوجته يدخل في ذلك؛ يعني لو شئنا أن نقول هكذا لقلناه، لكنه خلاف ظاهر الكلام. فالصواب: أن نراهم مطيعين لك قائمين بما يجب عليهم لنا؛ لأن بذلك يتم قرار العين. يقول: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤]، ﴿إِمَامًا﴾ يعني: قدوة، والإمام هو القدوة المتبع. وقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، سبق الكلام على التقوى عدة مرات، وأن المراد بالتقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله، وذلك بفعل الأوامر واجتناب النواهي. ومعنى كونهم: ﴿لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ أي قدوة، اتصافهم بالتقوى واتصافهم بالعلم؛ لأنه ما يمكن أن يكون الإنسان قدوة إلا إذا علم فيه العلم والتقوى، فإذا لم يكن عالمًا لم يثق الناس به من حيث العلم، الجاهل ما يقتدون به، وإذا كان عالمًا لكن عنده انحراف قولي أو عملي أو اعتقادي، فإنه أيضًا لا يكون قدوة للمتقين، لا لعدم علمه، ولكن لعدم نصحه. فهذا الدعاء: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، يتضمن ثلاثة أمور: العلم، والتقوى، والتأثير؛ لأن من لم يكن عالمًا لم يكن قدوة، ومن لم يكن متقيًا لم يكن قدوة، ومن لم يكن مؤثرًا لم يكن قدوة أيضًا، والتأثير بالقول وبالفعل له دور كبير، تجد مثلًا رجلين متقاربين في العلم، لكن أحدهما يصرف الله القلوب إليه فيتخذونه قدوة، والآخر لا يحصل له هذا الأمر، فهذا نقول: نزيد على العلم والتقوى التأثير، والتأثير -كما تعرفون- يكون سببه قوة البيان والفصاحة إذا كان التأثير بالقول، ويكون سببه أيضًا الاستقامة وحسن السلوك إذا كان تأثيرًا بالفعل. وعلى كل حال فلا تتم الإمامة إلا بهذه الأمور الثلاثة: العلم، والتقوى، والتأثير بالقول أو بالفعل. وفي الآية إشكال لفظي، وهو قوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤]؛ لأن (اجعلنا) فعل ينصب مفعولين أحدهما مبتدأ والثاني الخبر، ومن شروط المبتدأ والخبر أن يكونا متطابقين إفرادًا وتثنية وجمعًا. هنا المبتدأ جمع ولّا لا؟ ﴿وَاجْعَلْنَا﴾ (نا) جمع، و﴿لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، ﴿إِمَامًا﴾ هذا الخبر، وهو المفعول الثاني، مفرد ولّا جمع؟ * طالب: مفرد. * الشيخ: مفرد، هو مفرد، فيبقى إشكال؛ وهو عدم مطابقة الخبر للمبتدأ، والمطابقة أن يُقال: واجعلنا للمتقين أئمة، فما هو الجواب على هذا؟ * طالب: ما يمكن يصير الخبر جملة؟ * الشيخ: وين الجملة؟ * الطالب: فيها تقدير: ﴿إِمَامًا﴾ (...)؟ * الشيخ: ما تصير جملة؛ لأن هذه ﴿إِمَامًا﴾ منصوبة، فالفعل مسلط عليها. * طالب: (...). * الشيخ: إي، لو قال: للمتقين إمامٌ، مع أنه ما يصلح. لو كان: للمتقين إمامٌ، صارت جملة مع أنه ما يصلح، لخلوها من الرابط، نعم؟ * طالب: نقول إن هذه من الصفات التي تصلح للمفرد وللمثنى والجمع. * الشيخ: كذا؟ * الطالب: ربما، وجه نظر. * الشيخ: يعني حجة نحو؟ * الطالب: إي. * الشيخ: إي نعم، بعضهم قال هكذا، قال: إن ﴿إِمَامًا﴾ لفظ صالح للمفرد وغيره، مثل: فلك، وجنب، وأشياء كثيرة من هذا النوع، وعلى هذا لا إشكال؛ لأن ﴿إِمَامًا﴾ بمعنى أئمة، صالحة للجمع. ومنهم من قال: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤]، أن (نا) نائبة عن كل واحد، ما هو بعين المجموع؛ يعني: اجعل كل واحد منا إمامًا. * طالب: (...). * الشيخ: يعني كل واحد يدعو لمفرده؛ أي: اجعل كل واحد منا إمامًا، نعم؟ * طالب: أو من ذرياتهم؟ * الشيخ: لا، ما هو من ذرياتهم، ﴿وَاجْعَلْنَا﴾ نحن، فعلى هذا.. * الطالب: يعني يشمله يا شيخ؟ * الشيخ: على هذا لا إشكال أيضًا، إذا جعلنا الضمير في ﴿وَاجْعَلْنَا﴾ ليس عائدًا للمجموع، إنما عائد لكل فرد من الجميع، فلا إشكال في المسألة، وهذا أقرب؛ لأن كل واحد من المؤمنين ليس يسأل الله سبحانه وتعالى أنه يجعل المجموع أئمة، هو يريد أن يجعل كل واحد إمامًا. وفي هذا دليل على فضيلة الإمامة في الدين، ومنها إمامة المساجد، فإن الإمام في المسجد إمام للمتقين، اللي يجون يصلون متقون إن شاء الله، فهو إمام لهم، فيدل ذلك على فضيلة تولي الإمامة في المساجد، وأظن ذلك معلوم، فضل الإمامة في المساجد معلوم، لو لم يكن منها إلا أن الإنسان يكون قدوة، وأن الإمامة تعينه على أداء الصلاة، الإمام ما تفوِّته الصلاة كل يوم، واللي غيره تفوته أو يفوته بعضها. كذلك الإمام إذا تكلم يُسمع له أكثر، وكم من إنسان ما برز وظهر إلا بسبب إمامته، لا سيما إذا تولى الخطابة. فالمهم أن هذه الأمور التي ينفر الناس منها -مع الأسف- الآن تجد حتى بعض طلبة العلم لا يمكن أن يتولوا إمامة مسجد حتى مع الضرورة إلى ذلك، وإلا الواجب الذي ينبغي أو المستحب المؤكد الذي ينبغي أن يتولوا هم هذه الإمامة لينتفعوا وينفعوا غيرهم، ويسدوا الفراغ الذي ربما يشغله من لا يوثق في دينه وعمله. * طالب: يا شيخ، لو يا شيخ سوينا مثلًا توعية أو إرشاد للناس على مثلًا حب الإمامة لأجل ألا (...)؛ لأنه حتى الآن الأشخاص الذين يرغبون في الإمامة يأتيهم مثلًا آباؤهم أو أقاربهم ويقولون لهم كلامًا فارغًا لهم: أنك تتحمل الجماعة يوم القيامة، وأنك ربما تبطل صلاتهم؟ * الشيخ: صحيح، نعم. * الطالب: إي والله. * الشيخ: إي، بعض الناس يظنون أن الإمام مسؤول عن جماعته، ما هو مسؤول أبدًا، هو مسؤول عن صلاته، وصحيح هذه المسؤولية من جهة إتمام الصلاة؛ يعني مثلًا إذا صليت وحدي ممكن أن أقتصر على الواجبات فقط، لكن إذا كنت إمامًا لغيري ما يجوز أقتصر على الواجبات، يجب أن آتي بالصلاة كاملة، وهذه مسألة أيضًا يجب أن يلاحظها الأئمة؛ لأن بعض الناس يقول: ما دام أني إمام بجيب أدنى الواجب. نقول: نعم، لو كنت تصلي وحدك فلا حرج عليك أن تقتصر على أدنى الواجب، ولا حرج عليك أن تطول ما شئت كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن إذا كنت إمامًا فأنت الآن في ولاية، والولي على الشيء أيش يجب عليه أن يفعل؟ ما هو أحسن ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام ١٥٢]، فما دام أنك أنت ولي الآن، يجب عليك أنك تفعل في صلاتك أكمل ما يكون، ما هو بتقتصر على الواجب. الفقهاء رحمهم الله يقولون: يُكره سرعة تمنع المأموم فعل ما يُسن، وتحرم السرعة التي تمنع المأموم فعل ما يجب. هذا صحيح، لكن أنا عندي حتى الأول السرعة التي تمنع المأموم فعل ما يُسن ما هي بمكروهة فقط، بل حرام، حرام ليش؟ لأنك أنت الآن ولي، ويجب على الولي أن يفعل ما هو الأصلح لمن وُلِّي عليه، ولا شك أن الأصلح هو اتباع السنة. مثل ما قلنا في الأمور التي يُخير فيها الإنسان: إن كان أنه من أجل ما يتعلق بنفسه فالتخيير تَشَهٍّ، اللي يشتهيه يسويه، كالتخيير في خصال الكفارة، مثلًا: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة. وإذا كان التخيير فيما يتعلق بمصلحة الغير، فالتخيير تخيير تَشَهٍّ ولّا مصلحة؟ تخيير مصلحة. * طالب: بعض الأئمة يا شيخ يقول: أنا (...)، فهل عليه مسؤولية من جانبه؟ * الشيخ: الإمام ما عليه مسؤولية في هذا إلا مثل ما على غيره، كل إنسان رأى منكرًا فليغيره. * الطالب: ولا تزيد مسؤوليته في ذلك؟ * الشيخ: أبدًا ما تزيد. * طالب: بس (...)؟ * الشيخ: مثل غيره، أيضًا لو كان في المسجد إنسان وجيه كلمته مسموعة صار عليه من السلطة أكثر من الإمام، فنحن نقول: هو مثل غيره حسب الحال، الإنسان اللي يقدر يغير بإيده يغير بإيده، واللي ما يقدر يغير بلسانه، واللي ما يقدر يغير بقلبه. * طالب: بس يا شيخ مثلًا يستطيع أنه يعدل، يستطيع أنه يتأكد؟ * الشيخ: ما يجب عليه العدل أبدًا. * الطالب: بس (...)؟ * الشيخ: لا، التعاون؟ كل الناس ودهم التعاون في هذا الأمر. * الطالب: أن الأمر معروف (...)؟ * الشيخ: حتى لو فُرض أن الرجل قال: أنا إن كنت إمامًا ألزمت نفسي بهذا، فهل هذا من الخير ولّا من الشر؟ * الطالب: من الخير. * الشيخ: إي، الحمد لله، إن كان من الخير فليكن مما يدعو إلى الإمامة ويشجع عليها، والحقيقة أن الله -سبحانه وتعالى- جعل للأشياء شروطًا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت ٦٩]، ما يهدي الله الإنسان سبيله إلا بعد أن يجاهد فيها، لما تبغي تصل إلى شيء به السرور والأنس والحبور على جناح الريح ما يمكن، لا بد من شوك ومن حصى ومن كل شيء: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٢٢ / ١) من حديث أنس بن مالك.]]. * طالب: يا شيخ الآن (...)؟ * الشيخ: لا يلزم يا أخي، هو ما فيه شك أنه من الكمال أن يكون الإمام عالمًا أو طالب علم يستطيع أن يتكلم، لكن إذا لم يكن؟ * طالب: ينهى عن المعروف ولو (...). * الشيخ: لا، أنا (...) الإمام، أنا أقول: إنه يجب أننا نسد الفراغ عن غيرها؛ لأنه من الكثرة والأجانب عندنا وصارت مساجدنا كلها (...) الإمام يؤثر؛ يعني لولا أن الناس عندهم تمسك وعدم ثقة بالأجانب وعندهم ثقة كبيرة في المواطنين، لكان كل اللي يصلون وراء الأجانب يجهرون بالبسملة ويقنتون في الفجر ويمشون، لكن -الحمد لله- أنهم إلى الآن ما صار لهم قبول في البلد، وهذا من نعمة الله، وإلا كان يؤثرون تأثيرًا بالغًا، فالإمام لا شك أنه يؤثر على من خلفه، إي، إحنا نقول: يجب على المواطنين عندنا أنهم يسدون هذا الفراغ لئلا يشغله من لا يُوثق به. * طالب: اللي يدخن (...)؟ * الشيخ: (...)، والدخان أهون من العقيدة؛ لأن المشكلة العقيدة الآن، المهم العقيدة، نعم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: مسألة إغلاق المسجد هذه وظيفة، حتى الفقهاء يسمونها وظائف. * الطالب: يلزم بأشياء خلاف (...). * طالب آخر: صحيح؛ لأني أنا شفت (...)، يجب على الإمام كذا، ويجب عليه كذا. * الشيخ: ما يخالف، هو يجب على الإمام كذا بمقتضى الإمامة، وهل هذا يمنع أيضًا؟ لأنك أنت إذا ما قمت بهذا قام بها الأجنبي. * طالب: إن كان ما يعتقد هذا الشيء وبيمنعه (...)؟ * الشيخ: كيف ما يعتقد؟ ويش ما تعتقده؟ * الطالب: الإنسان اللي بيرشد الناس (...) إلى أن يقول كلمة خير. * الشيخ: وأيش يدريك أنه يقول كلمة خير؟ * الطالب: واضح، الإنسان (...). * الشيخ: أبدًا ما هو بواضح، قبل أن يتكلم وهو غير معروف لك ما هو بواضح. * الطالب: ممكن إذا ما صار خير (...). * الشيخ: صعب. * الطالب: (...). * الشيخ: لا أبدًا. * الطالب: (...). * الشيخ: ثم أيضًا أن الإنسان الإمام نفسه قد لا يكون عنده إدراك اللي يقول ها الكلمة الخير، يمكن يجيب لك الحديث الموضوع: (...) خصلة، نعم، كلها أحاديث موضوعة، ويش يدريك هذا؟ يعني اتقاء الشر قبل الوقوع فيه أحسن ما يكون الإنسان (...). * الطالب: الأحسن يا شيخ ما منع (...) يتكلم. * الشيخ: أولًا الرسول ما أظن أحد يتكلم والرسول حاضر. * الطالب: (...). * الشيخ: هذه واحدة، وكذلك أيضًا ما عهدنا أن أحدًا يتكلم مع وجود الأئمة، والشيء الثاني: ما إحنا بنقول: إن الحق يجب أنه يمنع، لكن نقول: من يقول إن هؤلاء يريدون الحق؟ نجد كثيرًا يتكلمون إذا قضوا قالوا: أعطونا، هذا اللي يجب أن يمنعوا ويضربوا أيضًا، يعني يصطادون الدنيا بالدين؟ (...). * طالب: (...). * الشيخ: نعم، إذا صارت عندنا (...)، نسمع عن هذا. * الطالب: بس يمكن أن يكون معروفًا يا شيخ؟ * الشيخ: وأيش هو اللي معروف؟ * الطالب: الشخص هذا. * الشيخ: اللي بيتكلم؟ * الطالب: إي. * الشيخ: إذا صار معروفًا ما يمنع أبدًا، إذا صار معروفًا ما هو بيمنع، أما الحين يقولون -يعني أنا ما جاءني شيء من هذا (...)، لكن أجزم جزمًا أنهم يقولون-: اللي ما تعرفوه لا (...). * طالب: (...). * الشيخ: المهم أن هذه غير مانعة يا جماعة، ما هي مانعة من تولي الإمامة، وكما أنك أنت إذا صرت غير إمام، هل أنك إذا صرت غير إمام اللي بيتولى الإمامة بيسمح للناس يتكلمون؟ أبدًا، أنا قصدي أن الإمامة فيها مصالح كثيرة، لا بالنسبة للشخص نفسه؛ لأنه هو يقدر يتكلم بما يشاء ويوجه الناس، عندما لا يكون إمامًا، لو جاء يتكلم قال له الإمام: لا تتكلم، على كلامهم، لكن لو صار هو الإمام أحد يمنعه أن يقول أتكلم؟ إذن ينفع الناس بعلمه. ثم هي أيضًا مما يعين على الطاعة، أنا أشعر بهذا، لما كنت غير إمام يفوتني بعض الأحيان بعض الصلاة وأتكاسل وحينًا نروح المسجد ذاك، وحينًا نروح المسجد ذاك، لكن لما كنت إمامًا الحمد لله ما تفوتني صلاة الجماعة. * طالب: بس أجرًا يا شيخ إذا كان اللي يضبطه الصلاة، وهو من الأول (...)، ما ينقص أجل تبكيره؟ * الشيخ: ما ينقص أبدًا؛ لأن كون الأشياء تشجع الإنسان، كون أن الإنسان يصير له مشجعات على الخير ما يبطل هذا أجره، ليش المرغبات اللي جعلها الله في الكتاب والسنة على الخير إلا لأجر يسعى له؟ * طالب: بس فيه ناس (...)؟ * الشيخ: لا، ما هو بمسألة التبكير، مسألة أنك تعين (...) على التبكير فقط، على إدراك الجماعة أيضًا، يمكن ما أبكر. * الطالب: إي نعم، إدراك. * الشيخ: نعم، هذا مما يعين، أليس الله جعل للناس من الغنيمة شيئًا؟ وأليس أن الأئمة والمؤذنين يجعل لهم رَزقًا من بيت المال؟ وأليس النبي عليه الصلاة والسلام يشجع في إعطاء المؤلفة قلوبهم؟ وغير ذلك، يعني كون أن الإنسان يكون له مشجعات على الخير ما يبطل أجره، الكلام على النية الأصل، إذا كنت تفعل هذا للدنيا هذا صحيح، هذا يؤثر عليك كثيرًا، أما إذا يسر الله لك من الأسباب الطاعة ما يعينك عليها فهذا طيب، ولا ينقص الأجر. * طالب: (...)؟ * الشيخ: بل الرسول ﷺ يشجع على هذا الشيء، على ما يعين: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٢٣)، ومسلم (١٠٩٥ / ٤٥) من حديث أنس بن مالك.]]، «وكان يصب على رأسه الماء وهو صائم من الحر»[[أخرج أبو داود (٢٣٦٥) عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: رأيت رسول الله ﷺ أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر، وقال: «تَقَوَّوْا لِعَدُوِّكُمْ»، وصام رسول الله ﷺ، قال أبو بكر -أحد الرواة-: قال الذي حدثني: لقد رأيت رسول الله ﷺ بالعرج يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش، أو من الحر.]]، كل هذا يعينه على الطاعة، فالمشجعات على الخير ما تنقص الخير، الكلام على النية بس: إن فعلت هذا الشيء للدنيا تراه صحيحًا هذا (...). * طالب: بس ربما يسرع يا شيخ الواحد، قصده (...)، يعني مثلًا يصير دأبه؟ * الشيخ: نعم، إذا كان إنه يرائي الناس في هذا، هذا شيء ثان، حتى اللي ما هو بإمام يمكن يرى أنه يفقد في الجماعة، ويجب ألا يفقد لو ما هو بإمام، فالكلام عاد هذا على النية، إذا كان يخجل من الناس فهذه لا شك أنها تنقص أجره، لكن إذا كان لا يقول: أنا أسرع لأقوم بالواجب عليَّ ولا أربك الناس، مرة يتقدم ومرة يتأخر، هذا طيب؛ إنما أسرع لإحسان عمله. * طالب: بعض الأئمة الآن (...)؟ * الشيخ: بس اللي (...) هذا ما نقدر نقول له تأخر؛ لأن اختيارنا الأولى عند ابتداء الإمام، فإذا وُجد إمام ما يمكن نعزله إلا بسبب شرعي. * الطالب: تطوعي، يعني ربما يكون الشخص متطوعًا، يقول: (...). * الشيخ: لكن بس ما هو مطيع. * الطالب: هذا يشكل. * الشيخ: لا ما يشكل، عندك معناه (...) الأئمة، البلد اللي على ها الصفة هذه (...). * الطالب: (...) أربع شباب خلف إمام عامي. * الشيخ: نحن ودنا يجيئون عندنا دول. * الطالب: الكلام (...). * الشيخ: لا، (...) بالتراويح بعضهم قاموا ببعض الواجب، لكن (...). * طالب: يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: ما نسوي لهم توعية بالنسبة لحث الناس على الإمامة؟ * الشيخ: (...) من غير توعية. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، والله ما سويت. * الطالب: ربما يا شيخ إذا فعلت يصير فيه إقبال من الشباب؟ * الشيخ: والله لعله إن شاء الله، راح يكون إذا صارت مناسبة إن شاء الله. * طالب: (...) إذا رضي؟ * الشيخ: إي، إذا رضي ما فيه مانع، لا سيما إذا كان الذي تولى خيرًا منه، إذا كان الذي بيتولى خيرًا منه فهذا طيب. * الطالب: لكن هذا الإمام لو موجود ما (...). * الشيخ: إذن هذا تنازل له؛ لأن المرتب من اللي بيصير له؟ بيصير للثاني، والثاني تنازل عنه، ما يهم، وهذه وقعت -حسب ما سمعت- مؤذن الجامع الكبير في الرياض ابن ماجد كان يؤذن في مسجد (...)، ولما عُمِر المسجد هذا الجديد والكبير طلبوا منه أنه يكون هو المؤذن، لكن إمامه الأول ما صار راضيًا بذلك، فجعلوا له مرتبًا والوظائف اللي على المسجد، وهذا جعلوا له مرتبًا جديدًا. طالب: يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: فيه بعض الأئمة مثلًا طريقه في البيت مثلًا (...) أصلي مثلًا أوقاتي التي أستطيع أن أحضر فيها المسجد، ويجعل شخصًا آخر من أهل البلد من كان يساعده في أوقات (...)؟ * الشيخ: أقول: ما فيه مانع، إذا تخلفت فصلِّ. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذه أكثر ما (...) مثل ما قال الأخ، يقول: والله هذه تربط وتشغل، وأنا ودي يومًا أتمشى هنا ويومًا أتمشى هنا ويومًا.. * طالب: قصده يا شيخ هذا (...)؟ * الشيخ: والله أنا أقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق ٤]، كل هذه عقبات الأصل عدمها، فأنت اجزم واحتسب الأجر من الله، وبيساعدك الله، يهيئ الله لك من أمرك يسرًا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، صحيح. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما هو معنى ذلك أنا إذا قلنا: إن الأذان أفضل من الإمامة معناه أن الإمامة ما فيها (...). * الطالب: قد يكون يا شيخ. * الشيخ: نقول: صر مؤذنًا (...) جزاك الله خيرًا، إذا كنت حرصت على الخير فكن مؤذنًا، وكن إمامًا. * طالب: والحديث الأول حديث: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ»[[أخرجه أبو داود (٥١٧) من حديث أبي هريرة.]]؟ * الشيخ: حديث «الْإِمَامُ ضَامِنٌ» إن صح بعد، الحديث فيه مقال، لكن إذا صح فالمعنى أن الإمام مسؤول عمن وراءه؛ يعني ضامنًا لهم، يجب أن يكون في صلاته مثل ما قلنا قبل قليل: إنه يأتي بها على الوجه الأكمل. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي، إذا صلى بهم نعم، (...)، لو يصلي واحد محدث الإمام وأيش (...). * طالب: يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: لو إمام مثلًا اقتنع أن (...). * الشيخ: الأحسن يأخذه، نرى أن الأحسن يأخذه، لا المرتب ولا الوظائف اللي على المسجد. * الطالب: يمكن يقول: هذا زيادة خير وأجر إن شاء الله. * الشيخ: نعم، هو على خير، يأخذه ما دام أن نيته أصلًا ما جاء إلا لله، أليس الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه يأخذون من الغنائم ولّا لا؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: هل يوجد أحد أخلص منهم؟ * الطالب: لا. * الشيخ: (...) وإذا شئت فخذه واصرفه في شيء نافع لك؛ يعني حقيقة الأمر -مثل ما قالوا: إنك لو ما تأخذ أنت يتعطل المسجد، إن جاء إمام جديد بعدك يحتاج إلى معاملة جديدة، إي نعم، وكذلك أيضًا الوظائف، بعض الناس يقول: والله (...) الإمام أو المؤذن، نقول: هذا بكيفك أنت، يعني كونك تأخذه أو ما تأخذه هذا شيء ثان، لكن نظرًا إلى أنك إذا تركته وكان (...) لكن تروح لغيرك أيضًا؛ لأن الإمام بالحقيقة ليس مستقلًّا -ولا المؤذن- بما يعطى من كل وجه. الشيخ: (منهم ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٧٠]). هذا مستثنى من قوله: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان ٦٨] وما أُبدل منه؛ يعني: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان ٧٠] فإنه لا يلقى أثامًا ولا يضاعف له العذاب ولا يخلد فيه. وتقدم أن شروط التوبة خمسة: الإخلاص لله، والندم على ما وقع، وأن يقلع عنها، وأن يعزم على ألا يعود، وأن تكون في الوقت الذي تُقبل فيه التوبة، في وقتها. وتقدم أيضًا أن هذا الاستثناء يشمل كل الذنوب الثلاثة: الشرك، وقتل النفس، والزنا، وأن ما ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن القاتل لا توبة له[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٦٤)، ومسلم (٣٠٢٣ / ١٩).]] » فإن أراد على وجه الإطلاق فليس بصحيح، وإن أراد لا توبة له فيما يتعلق بحق المقتول فهذا صحيح، على أننا نقول: لا يبعد أنه إذا تاب توبة نصوحًا أن يتحمل الله تعالى وتبارك عنه حق المقتول فيرضيه. * طالب: قول ابن القيم في إعلام الموقعين إن الحدود تسقط بالتوبة (...)، واستدل بحديث النسائي «أن رجلًا وقع على امرأة فأنها استغاثت برجل فمر (...)، فأمسكوا بالرجل الذي استغاثت به، فذهبوا به إلى النبي ﷺ، وقالت: إن هذا الذي زنى بي، فلما أراد أن يقيم عليه النبي ﷺ حد القذف اعترف رجل عند النبي ﷺ، وقال: أنا الذي فعلت بها، فقال عمر: ألا تقيم الحد على هذا الذي اعترف؟ فقال ﷺ: «لَقَدْ تَابَ»[[أخرج أحمد (٢٧٢٤٠) من حديث وائل بن حجر قال: خرجت امرأة إلى الصلاة، فلقيها رجل فتجللها بثيابه، فقضى حاجته منها وذهب، وانتهى إليها رجل فقالت له: إن الرجل فعل بي كذا وكذا، فذهب الرجل في طلبه فانتهى إليها قوم من الأنصار، فوقفوا عليها، فقالت لهم: إن رجلًا فعل بي كذا وكذا، فذهبوا في طلبه، فجاءوا بالرجل الذي ذهب في طلب الرجل الذي وقع عليها، فذهبوا به إلى النبي ﷺ فقالت: هو هذا، فلما أمر النبي ﷺ برجمه قال الذي وقع عليها: يا رسول الله، أنا والله هو، فقال للمرأة: «اذهبي فقد غفر الله لك»، وقال للرجل قولًا حسنًا، فقيل: يا نبي الله، ألا ترجمه، فقال: «لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقُبِل منهم». وأخرجه أبو داود (٤٣٧٩)، والترمذي (١٤٥٤) من حديث وائل بن حجر بسياق آخر، وهو أن النبي ﷺ قال للرجل قولًا حسنًا، قال أبو داود: يعني الرجل المأخوذ، وقال للرجل الذي وقع عليها: «ارجموه»، فقال: «لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقُبِل منهم».]] (...)؟ * الشيخ: هذا صحيح بالقرآن: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]. * الطالب: بس ما يُقام عليه الحد؟ * الشيخ: ما يُقام عليه الحد إذا تاب قبل القدرة عليه، إذا كان هذا في قُطَّاع الطريق وذنبهم من أعظم الذنوب، فهذا من باب أولى، إلا حد القذف إذا قلنا: إنه حق للآدمي، فلا يسقط إلا بإسقاط المقذوف. * الطالب: (...). * الشيخ: هه؟ * الطالب: اعترافه.. * الشيخ: على مسألة التوبة، أو أن الرسول علم منه ذلك، المهم أنه إذا تاب قبل القدرة، فإنه لا يُقام عليه الحد. ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان ٧٠] التوبة تقدم الكلام عليها، والإيمان في اللغة التصديق والإقرار، ولكنه في الشرع: تصديق القلب المستلزِم للقبول والإذعان، وليس مجرد التصديق، بل هو تصديق مستلزم لهذا، فإن لم يستلزم فليس بإيمان. قلنا المستلزم لأي شيء؟ للقبول والإذعان، يقبل ما جاء به الشرع ويذعن له، فيصدقه إن كان خبرًا ويقوم به إن كان طلبًا. * طالب: وإذا لم يتب القاتل؟ * الشيخ: إذا لم يتب القاتل فعليه الوعيد الذي ذكر الله سبحانه وتعالى. * الطالب: أليس هو من الكبائر؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: والكبائر تحت مشيئة الله؟ * الشيخ: نعم، هو تحت المشيئة، لكن من يقول: إنه يغفر له؟ وقوله: ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان ٧٠] هنا ذكر العمل ووصفه بالصلاح؛ لأن العمل غير الصالح لا ينفع صاحبه، والعمل الصالح ما جمع شرطين، وهما: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ، فإن لم يكن فيه الإخلاص فليس بمقبول، وإن لم يكن فيه المتابعة فليس بمقبول، ففي الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]، هذا دليل أن غير المخلَص فيه مردود. وأما غير المتابَع فيه فلقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري بنحوه (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]]. ويجمعهما قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف ١١٠]. وقوله: (منهم) منين؟ أي: من فاعل هذه الأمور الثلاثة؛ الشرك وقتل النفس والزنا، وإنما قيدها بذلك بقرينة السياق، ولئلا تتكرر مع ما بعدها. (﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ المذكورة ﴿حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٧٠] في الآخرة) يبدلها، التبديل: جَعْلُ شيء مكان شيء، وهذا التبديل هل هو تبديل قدري، أو تبديل جزائي؟ اختلف في ذلك أهل العلم، فمنهم من قال: إنه تبديل قدري، ومنهم من قال: إنه تبديل جزائي، كيف ذلك؟ الذين يقولون: إنه تبديل قدري، يقولون: إن معنى تبديل السيئات حسنات أنه لما آمن وعمل عملًا صالحًا صار بدل الشرك إيمان، وصار بدل الزنا وقتل النفس عمل صالح؛ معناه: أن هذا الإيمان والعمل الصالح صار بدلًا عن الكفر والزنا وقتل النفس، فالمعنى أن إيمانه وعمله الصالح الذي فعله هو الحسنات التي أبدل الله تبارك وتعالى السيئات بها، فيكون هذا التبديل قدريًّا. وقيل: بل هو جزائي، بمعنى أن هذه المعاصي نفسها تكون حسنات، يبدل الله السيئات السابقة يجعلها حسنات، بالإضافة إلى حسناته الأخيرة التي قُدرت له فَفَعَلها، وكيف ذلك؟ يقولون: لأن هذه السيئات لما تاب منها صار له بكل توبة من هذه السيئات حسنة، فأبدلت السيئات حسنات بالتوبة منها؛ ولأنه كلما تذكر ما سبق من أعماله السيئة أحدث له توبة، فكانت هذه الأعمال السابقة صارت حسنات بالتوبة منها. والصحيح شمول الآية لهذا وهذا، وأن الآية شاملة للأمرين، فإن ﴿مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ تبدلت سيئاته السابقة فصارت حسنات، لكنها ليست هي الأولى نفسها، وكذلك إذا تاب منها جوزي على هذه التوبة بالثواب، فصارت السيئات بالتوبة منها حسنات. وكلام المؤلف يميل إلى الثاني، إلى أن التبديل هذا تبديل جزائي، لقوله: (في الآخرة) لأنه لو كان قدريًّا ما كان في الآخرة، إذ التبديل القدري إنما يكون في الدنيا؛ لأنه عمله. والصحيح شمول الآية للأمرين، فبالإيمان والعمل الصالح تبدلت أعماله إلى أعمال صالحة، وبالتوبة من السيئات صارت السيئات السابقة حسنات؛ لأنه يزداد بهذه التوبة رفعة ومقامًا عند الله سبحانه وتعالى. (﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٧٠] أي لم يزل متصفا بذلك). و(كان) هنا كما مر علينا مجردة من الزمن، والمراد بها: اتصاف اسمها بخبرها صفة لازمة، ولهذا قال: (أي لم يزل متصفا بذلك) أي بالمغفرة والرحمة. والغفور صيغة مبالغة أو صفة مشبهة، وكلاهما يدل على الثبوت والدوام والكثرة. والمغفرة ستر الذنب مع التجاوز عنه؛ يعني ستر الذنب وإسقاط عقوبته، وليس مجرد الستر؛ لأنه مأخوذ من المِغفر، وبالمغفر يكون الستر والوقاية. وأما الرحيم فهو ذو الرحمة الواصلة إلى المرحومين؛ لأنها تدل على الفعل مع الصفة أيضًا، والرحمة صفة من صفات الله سبحانه وتعالى يكون بسببها الإنعام والإحسان إلى الخلق بجلب المنافع ودفع المضار. وأما من فسر الرحمة بالإحسان أو بإرادته فقوله خطأ؛ لأن إرادة الإحسان أثر من آثار الرحمة، وكذلك الإحسان، وليس هو الرحمة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٧٠]، نعم؟ * طالب: شيخ، قولنا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ هنا صفة مشبهة، ربما (...) يا شيخ. * الشيخ: نعم. * الطالب: رغم أنها منصوبة ولم تعمل ولم تضف. * الشيخ: ما هو بلازم تعمل ولّا تضاف، وأما نصبها فللعامل، نصبها للعامل. * طالب: ورد حديث فيما معناه: ما يزال العبد يرى سيئاته توضع في كفة موازين حسناته؛ يعني التائب. * الشيخ: نعم. * الطالب: حتى يتمنى أن لو أكثر من السيئات[[أخرجه مسلم (١٩٠/ ٣١٤) من حديث أبي ذر.]]؟ * الشيخ: ما أعرف هذا الحديث، لكن نظرًا إلى أنها تبديل السيئات بحسنات يمكن من هذا الوجه. (﴿وَمَنْ تَابَ﴾ [الفرقان ٧١] من ذنوبه غير من ذكر)؛ ولهذا قال فيمن سبق: (﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان ٧٠] منهم)، من هؤلاء. وإنما قال: (غير من ذكر) لئلا يلزم التكرار، ولكن لا مانع أن نقول: لا حاجة للاستثناء وتكون الآية الثانية عامة، فيكون من باب ذكر العام بعد الخاص؛ لأن إخراج من سبق من عموم الآية هذه لا وجه له، فالأولى أن يُقال: إن الآية الثانية عامة تشمل من سبق وغيرهم. (﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان ٧١] أي يرجع إليه رجوعا فيجازيه خيرا). شوف ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، ﴿تَابَ﴾: رجع من ذنبه، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: استزاد من العمل الصالح، فيكون هذا الرجل استَعتب مما فعل وازداد خيرًا. يقول: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾، أي: ﴿مَتَابًا﴾ تامًّا، فالمصدر هنا للتعظيم، لتعظيم هذه التوبة؛ أي: ﴿مَتَابًا﴾ عظيمًا لكمال هذه التوبة، وإلا لو قال قائل: إن هذا تحصيل حاصل، من تاب فإنه يكون تائبًا؟! لا، المقصود أن توبته هذه توبة كاملة عظيمة، فالإتيان بالمصدر: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ للدلالة على أن هذه التوبة وقعت موقعها، وأنها كاملة، وهذا حق فإن الرجل إذا تاب وازداد عملًا صالحًا تبين بذلك صحة توبته وكمالها. وقد اختلف العلماء -رحمهم الله: هل يُشترط للتوبة إصلاح العمل أو لا يُشترط؟ فمنهم من قال: إنه يُشترط لها إصلاح العمل، وعلى هذا فيكون ذلك شرطًا سادسًا زائدًا على الشروط الخمسة، وأن من تاب ولم يصلح عمله فإنه ليس بتائب. وقال بعض العلماء: بل تصح التوبة مع عدم إصلاح العمل، وقال بعضهم: إن كان العمل من جنس ما تاب منه فلا بد من إصلاحه، وإلا فلا تصح التوبة. مثال ذلك: رجل تاب من الزنا ولكنه يسرق، فعلى القول الأول لا تصح توبته من الزنا لعدم إصلاح العمل، وعلى القول الثاني تصح؛ لأن السرقة ليست من جنس الزنا، وعلى القول الثالث من باب أولى أنه لا يشترط إصلاح العمل مطلقًا، وأن من تاب من ذنب قُبلت توبته. ورجل آخر تاب من الزنا ولكنه استمر في النظر المحرم، استمر ينظر إلى النساء نظرًا محرمًا، فهذا على القول بأنه لا يُشترط إصلاح العمل تصح توبته من الزنا، وعلى القول بأنه لا بد من إصلاح العمل لا تصح توبته من الزنا، وعلى القول بأنه بالوسط اللي يقول إذا كان من جنس ما تاب منه لم تُقبل أيضًا لا تصح؛ لأن هذا زنا العين كما قال النبي ﷺ[[أخرج أحمد (٨٣٥٦) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال: «العين تزني، والقلب يزني، فزنا العين النظر، وزنا القلب التمني، والفرج يصدق ما هنالك أو يكذبه».]]. ولكن الصحيح أن يُقال: أما إن أُريد بالتوبة وصف هذا الرجل بأنه من التائبين الذين يلحقهم الثناء ويصدق عليهم أنهم تائبون، فهذا لا يمكن أن تصح منه التوبة أو أن يستحق وصف التوبة إلا بإصلاح العمل؛ لأنه لم يتب التوبة المطلقة، وإنما عنده مطلق توبة، وأما إن أُريد بالتوبة التوبة من العمل المعين، فالصواب الجزم بأن توبته تُقبل؛ لأن هذا مقتضى عدل الله عز وجل، من عمل خيرًا فله ومن عمل شرًّا فعليه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨]، فكيف نقول: إن هذا الرجل لا تصح توبته مِن عمل تاب منه ورجع وندم؛ لأنه مُصِرٌّ على غيره؟! ما يصلح. فالصواب في هذا أن يُقال: أما استحقاق وصف التائبين على وجه الإطلاق، فهذا لا يستحقه التائب إلا بإصلاح العمل؛ لأنه كيف يكون تائبًا إلى الله من هو مُصِر على معصيته ولو من غير جنس ما تاب منه أو من جنسها! وأما إذا كان المقصود التوبة من هذا العمل المعين؛ يعني مطلق توبة، لا توبة مطلقة، فإنها تصح جزمًا؛ لأن هذا مقتضى عدل الله سبحانه وتعالى. * طالب: شيخ، في الحديث «أن رجلًا أذنب ثم تاب ثم أذنب ثم تاب ثم أذنب ثم تاب، ثم قال الله تعالى: علم عبدي أن (...)، فليعمل عبدي ما شاء»[[أخرج البخاري (٧٥٠٧)، ومسلم واللفظ له (٢٧٥٨ / ٢٩) بسنديهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ، فيما يحكي عن ربه عز وجل، قال: «أذنب عبد ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك»، قال عبد الأعلى: لا أدري أقال في الثالثة أو الرابعة: «اعمل ما شِئْت».]]، أو كما قال. * الشيخ: نعم. * الطالب: هذا دليل على أنه إذا تاب ثم رجع إلى العمل لم تُقبل توبته؟ * الشيخ: لَمْ؟ * الطالب: لا تُقبل توبته. * الشيخ: إي نعم، هذا العمل ما هي بمسألتنا هنا. * الطالب: ربما يكون عملًا آخر؟ * الشيخ: لا، هذه غير مسألتنا، نحن نقول: الرجل هذا تاب من الذنب ولّا رجع إليه، لكنه عاصٍ لله من جهة أخرى، هذا هو بحثهم. * طالب: بس إذا قلنا بأنه جزمًا تحصل له التوبة، فهناك أحكام كثيرة تترتب على التوبة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: مثل قلب السيئات إلى حسنات. * الشيخ: نعم، نقول: نعم، بالنسبة لهذا العمل المعين إذا تاب منه صار حسنة. * طالب: تقلب (...)؟ * الشيخ: والله هذا الكلام اللي قلنا قبل: هل هو قلب جزائي ولّا قلب قدري؟ * الطالب: إي، بس لا، هذا العام؟ * الشيخ: لا أبدًا، إذا كان من الشرك والزنا وقتل النفس. * الطالب: إي، لكن تاب توبة نصوحًا كاملة؟ * الشيخ: لا، تاب من هذه الأشياء، المهم أنه حتى من تاب توبة خاصة من ذنب خاص بُدلت سيئاته حسنات، السيئة اللي تاب منه تكون حسنة، أولًا؛ لأنه تركها لله، وقد «ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من هَمَّ بسيئة فتركها كتبت له حسنة»[[أخرج البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣٠ / ٢٠٦) واللفظ له، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من هَمَّ بحسنة فلم يعملها، كُتبت له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها، كُتِبت له عشرًا إلى سبع مئة ضعف، ومن هَمَّ بسيئة فلم يعملها لم تُكتب، وإن عملها كُتِبت».]]؛ لأنه تركها لله، فهذا مثله، ثم إن مجرد أن يتوب إلى الله ويعرف أن له ربًّا يؤاخذه ويعاقبه ويشعر بالخجل من الله عز وجل والحياء منه هذه من الحسنات العظيمة. * الطالب: بس ما دام عليه وصف العاصي أو فاسق.. * الشيخ: إي، عاصٍ بأيش؟ بالنسبة لكذا، تائب بالنسبة لكذا. * الطالب: ما الفرق بين الزنا والسرقة؟ * الشيخ: كيف الفرق؟ * الطالب: يعني مثلًا كلهم (...) من الكبائر، وكلهم مثلًا.. * الشيخ: الفرق بينهما أن هذا يُجلد وهذا تُقطع يده، وهذا يكون فاسقًا من وجه، وذاك فاسق من وجه آخر، هذا باعتبار الأعراض، وهذا باعتبار الأموال، (...) الفروق، ليس كل الذنوب على حد سواء لا في النوع ولا في القدر ولا في الإثم؛ ولهذا قلنا: إن الوصف المطلق للتوبة لا يستحقه؛ لأنه حقيقة ما هو بتائب؛ إذ إنه عاص لله سبحانه وتعالى من وجه، لكن كوننا نقول: ما يقبل توبتك من الزنا؛ لأنك تسرق، هذا ليس بصحيح. * الطالب: ما يمكن بدل ما نفرق بينهم من ناحية الجنس، نفرق بينهم من ناحية الدرجة؟ * الشيخ: كيف من ناحية الدرجة؟ * الطالب: يعني مثلًا فيه هناك كبائر شديدة وهناك وسط (...)؟ * الشيخ: هو يستحق ما حصل، اللي هو تاب منه يُغفر له، واللي أصر عليه يبقى عليه، صغيرة كانت أم كبيرة؛ لأن هذا مقتضى عدل الله، أليس هذا عَمِل خيرًا بتوبته؟ * طالب: هو ربما وصفه واضح، لكن أن تُقلب إلى حسنة (...)؟ * الشيخ: نحن ما قلنا: إن قلب السيئة حسنة بالتوبة؛ لأنه مجرد رجوعه إلى الله سبحانه وتعالى وتركه لها وتوبته منها حسنة، هذا إذا قلنا: إن المراد بالحسنة الجزائية، أنه يُجازى على نفس السيئة حسنة، إذا قلنا: إنه قدري؛ بمعنى أن إقلاع هذا الرجل عن هذا الذنب.. * الطالب: لا، واضح هذا. * الشيخ: واستقامته، هذا ما فيه شيء، حتى الجزائي ما فيه إشكال أبدًا. * الطالب: القدري واضح، لكن.. * الشيخ: والجزائي أيضًا؛ لأن كرم الله سبحانه وتعالى أسرع وأسبق من عقوبته. * طالب: (...)، فهو من قدري؟ * الشيخ: قَدَري من القدر. * الطالب: وأيضًا الجزائي من القدر؟ * الشيخ: إي، لكنه ثواب، لكن هذا قدري بمعنى أنه يُقدر له حسنات جديدة غير الأولى، والجزائي بمعنى أنه يُجزى على نفس السيئات حسنات. * طالب: الواو يا شيخ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا﴾ [الفرقان ٧٠]، (...)، وأيش نعرفهم؟ عاطفات؟ * الشيخ: إي نعم، عاطفات، نعم. * الطالب: إذا كانت يا شيخ عاطفة فإذن يكون على الشرط السادس من لا بد من أن يصلح العمل. * الشيخ: نعم؟ * الطالب: إذا كانت عاطفة نرجع إلى الشرط السادس الذي يقول لا بد من صلاح العمل؟ * الشيخ: إي، لكن عاد عَمِل صالحًا، نحن قلنا: ما يستحق وصف التوبة المطلق إلا بهذا، بالعمل الصالح. * الطالب: هناك يا شيخ آيات من القرآن تصف الإنسان بالتوبة ولو ما عمل عملًا صالحًا؛ يعني (...)؟ * الشيخ: إي، مثل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]، إي نعم. * طالب: ذكرنا هنا أن العاصي يعرف من نفسه مثلًا ضعف إيمانه وتسلط عدوه عليه، وأنه سوف يعود إلى هذه المعصية، أيهما أولى (...) كلما يعمل معصية يتوب، وإلّا يترك التوبة لئلا تكون توبة كذب؟ * الشيخ: لا، يتوب، وأيش يدريك؟ * الطالب: بس يعرف أنه سيذنب. * الشيخ: لا، بس نقول: توبته هذه ما تصح، لكن مجرد شعوره بأنه مخطئ قد ينفعه هذا، أما أن يقول: أستمر، ما يجوز هذا. * الطالب: هو من أصله معترف أنه مخطئ؟ * الشيخ: معترف أنه مخطئ لكن هو يقول: أنا أستمر، ما أنا بمقلع لا بقلبي ولا بفعلي. * الطالب: إي. * الشيخ: كلما سنحت لي الفرصة أفعل. * الطالب: نعم. * الشيخ: هذا شر، لكن كونه يتوب إلى الله ويخجل ويصير عنده نوع من التقرب إلى الله أحسن من عدمه. * الطالب: ولو تعددت توبته؟ * الشيخ: ولو تعددت توبته، لكن الواجب على المؤمن أنه يتوب جزمًا، وإذا قُدر فيما بعد أن أسباب المعصية توفرت لديه وأن نفسه غلبته فإن ذلك لا ينقض توبته الأولى، سيؤاخذ من جديد بالمعصية الجديدة ثم يتوب. * طالب: (...) على قوله: أستغفر الله وأتوب إليه، أن قول الكثير (...)؟ * الشيخ: واستغفارك أيضًا استغفار كذابين؟ * الطالب: (...) تطلب المغفرة من الله سبحانه وتعالى رغم إصرارك، إنما التوبة لا. * الشيخ: على كل حال نسأل الله أن يتوب علينا، حتى قول الإنسان إذا انتهى من الأكل: الحمد لله، ما أحد يشعر بمعنى هذه الكلمة تمامًا إلا أنها روتينية، وبسم الله كذلك، (...) بعد الصلاة عادية، عادة؛ يعني الحقيقة هذه مسائل..، وهذا هو اللي الحقيقة يفسدنا: أن أعمال القلوب ما نشعر بها، تلقى كثيرًا منا يحافظ على سنة رفع الأصبع عند الدعاء، لكن رفع القلب عند الدعاء ما أحد يبحث فيه، مع أن هذا أهم، الله يتوب علينا، إذا فكرنا بأنفسنا (...) ظاهريين لا باطنيين. * طالب: يا شيخ، التوبة الخاصة ذَكَر فيها الإيمان، والتوبة العامة ما ذَكَر فيها الإيمان، وجه ذلك؟ * الشيخ: ويش لون؟ * الطالب: الخاصة: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [الفرقان ٧٠]، والعامة: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [الفرقان ٧١]؟ * الشيخ: أصله فيه الشرك هناك، ذَكَر فيه الشرك، فلا بد من الإيمان مقابل الشرك. * طالب: يا شيخ، عندما يكون إنسان أخلف مع الله؛ يعني أصابه البلاء. * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: ابتلي بذنب، وأخذ يستغفر الله ويتوب ويستغفر الله ويتوب؛ يعني ظل على هذا الذنب، عَجَز لا يقلع عنه؛ يعني عجز أبدًا ما قدر.. * الشيخ: مسألة عجز هذه أمر غير وارد إلا على مذهب الجبرية (...) عن ترك، فالتروك أهون من الأفعال؛ ولهذا ما تجد الترك مثلًا رُتب عليه مثلًا الثواب المطلق، بخلاف الفعل، الفعل أشق على النفس؛ لأنه جهاد للنفس من وجهين، لكن الترك من وجه واحد، فكلمة يعجز ما هو بصحيح. * طالب: يا شيخ كلمة.. * الشيخ: هذا -سلمك الله- لو أن سوط السلطان في ظهره مرة وفي بطنه مرة، يعجز ولّا ما يعجز؟ * الطالب: لا ما يعجز. * الشيخ: خلاص. * الطالب: لكن (...)؟ * الشيخ: ما هو بصحيح، أنا أشهد أنه ليس عجزًا؛ لأن فيه أناسًا تابوا، صدقوا العزيمة وتابوا وأقلعوا عنه، إي نعم، الصحابة رضي الله عنهم قبل أن ينزل تحريم الخمر كانوا مدمنين على الخمر، وإمساك الخمر لشاربها أكثر من إمساك الدخان، ومع ذلك بيوم واحد كلهم (...)، الكلام على صدق العزيمة بس، إي نعم. الآن في غير الصيام هذا الشارب ما يستطيع يتوقف -على زعمه- النهار كله، ما يقدر على زعمه يمسك النهار كله عن الدخان، وفي الصيام حيث إنه عازم. * الطالب: يقدر يصوم، والليل كله ما يقدر. * الشيخ: إي. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان ٧١]، قلنا: إن قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ ليست كقول القائل: الأرض تحتنا والسماء فوقنا؛ يعني تحصيل حاصل، بل إن المعنى أن هذه هي التوبة الصادقة الحقيقية الكاملة. وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ أي: يعني يرجع إلى الله رجوعًا تامًّا كاملًا، كما قال المؤلف. ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان ٧٢]، هذه معطوفة على قوله؟ * طالب: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ﴾ [الفرقان ٦٣]. * طالب آخر: لا، على مجموع الأوصاف. * الشيخ: على قوله: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ [الفرقان ٦٣]، وسبق أن الصحيح أن ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ خبر وليست صفة، كما قال المؤلف. (﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان ٧٢] أَي الْكَذِب وَالْبَاطِل). هذا معنى ﴿الزُّورَ﴾ من ازورَّ؛ أي: مال وانحرف: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ [الكهف ١٧]، فالمعنى ﴿الزُّورَ﴾: كل ميل قولي أو فعلي، إن كان قولًا وُصف بالكذب، وإن كان فعلًا وصف بالباطل، فكل قول أو فعل مائل عن الطريق فإنه زور، مفهوم الآن؟ * طالب: نعم. * الشيخ: الكذب زور، والشتم واللعن والغيبة زور أيضًا، والغصب والسرقة والزنا وغيرها زور أيضًا. * طالب: باطل. * الشيخ: زور، هو زور، لكن قد نسميه باطلًا إذا كان فعلًا. فالمهم أنهم ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾، وإذا كانوا لا يشهدون الزور فهل يفعلونه؟ * طالب: لا. * الشيخ: من باب أولى؛ لأنهم إذا كانوا لا يحضرونه فإنهم لا يفعلونه قطعًا، إذ لو فعلوه لحضروه، كل فاعل حاضر، وليس كل حاضر فاعلًا على وجه الحقيقة، لكنه فاعل حكمًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء ١٤٠]، فدل هذا على أن القاعد سواء قاعدًا أو مضجعًا أو واقفًا، المهم أن المشاهد لفعل العاصي مثل العاصي حكمًا عند الله، نعم، إلا من أُكره على الحضور، فهذا شيء آخر لا حكم له كمن أُكره على الفعل. * طالب: كل المعاصي يا شيخ؟ * الشيخ: كل المعاصي نعم. (﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ من الكلام القبيح وغيره ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢] معرضين عنه). ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ (اللغو) الصواب أنه ليس الكلام القبيح؛ لأن الكلام القبيح داخل في الزُّور، لكن المراد بـ(اللغو) ما لا فائدة فيه، كل ما لا فائدة فيه فهو لغو؛ وذلك لأنه لا يقصد، وما لا يقصد فهو لغو: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة ٨٩]، فاللغو ما لا فائدة فيه. * طالب: لو كان مباحًا؟ * الشيخ: سواء كان قولًا أو فعلًا. وقوله هنا: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢]، ما قال مثل ما سبق: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان ٦٣]؛ لأنه هناك خطاب معين مباشر، فيقولون: لا بد أن يقولوا قولًا يسلمون به. لكن هنا يمرون بالشيء بدون أن يخاطبوا به، والمراد بالمرور به سواء كانوا مارين هكذا في طريق أو مارين مثلًا جالسين فجاء شيء لا فائدة فيه؛ لغو، فإنهم يمرون كرامًا، ومعنى مر الكرام هنا: أي أنهم لا يلحقهم منه شيء، بل يحاولون الإصلاح؛ لأن الكريم يعطي غيره، ينفع نفسه وغيره. فهم إذا ﴿مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ يمرون ﴿كِرَامًا﴾ يحاولون أن يفيدوا من وجودهم؛ وذلك بأن ينقلوا هذا اللغو إلى أمر مفيد، فهمتم ولّا لا؟ ولهذا قال: ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾، ما قال: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ لأنه هناك يخاطبون بما يُسيء إليهم فيقولون قولًا يسلمون به؛ لأن المقام يقتضي بس أنك تسلم، لكن هنا ما يؤذَون، إنما يمرون بلغو لا فائدة منه فيمرون كرامًا مفيدين ومستفيدين. ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾، قال: (معرضين عنه) ما هو بصحيح أيضًا، قد لا يعرضون عنه لكن يفيدون ويستفيدون، والإنسان الموفق يستطيع أن يفيد ويستفيد، حتى فيما إذا كان المجلس مجلس لغو؛ يعني كلامًا مباحًا، يستطيع أن يحوله إلى كلام مطلوب؛ وذلك بما يستعرضه مثلًا من كون هذا الشيء الذي يتحدثون به دليلًا على قدرة الله، ولّا على رحمة الله، ولّا على حكمة الله مثلًا، فيفيد ويستفيد، لكن هذه الأمور في الحقيقة تريد رجالًا يعتبرون أنفسهم قادة مصلحين، ما تريد رجالًا يعتبرون أنفسهم من جنس مجتمعهم يمشون الهوينى بدون إصلاح؛ ولهذا يفوتنا كثيرًا في هذه الأمور، يفوتنا كثيرًا واللهِ من هذه الناحية، نجلس مجالس اللغو لا نفيد ولا نستفيد، غاية ما هنالك إن كان الإنسان استحضر نية التأليف وعدم الانزواء وما أشبه ذلك، وهذا خير لكن ولو، الخير والأكمل أن تحاول الإفادة والاستفادة. وبعض الناس أيضًا يريد بالمجالس التسلي فقط، ما يريد معنى وراء ذلك، وهذا فاته خير كثير، فعلى كل حال الناس يختلفون، والمسائل تعود على النيات، وكم من عمل عمله شخص وعمله آخر فصار بينهما مثل ما بين السماء والأرض: السجود يكون شركًا ويكون طاعة، إن سجدت لصنم كان شركًا ولله كان طاعة، وهكذا جميع الأعمال في الحقيقة النية لها تأثير كبير في إصلاحها أو إفسادها. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، أصلًا لا تحولهم قفزة (...)، لكن تستطيع شوي شوي، نعم، الآن مثلًا عندما تحاول أن تمنع الماء الكثير المنحدر في مرة واحدة ما تستطيع، (...) مع الجوانب شوي شوي، يمكن تقضي عليه. * طالب: شيخ سؤال، لو كان الأشخاص هؤلاء شباب شفت أن همهم لهو كله، مثل ما قال (...) لهو، مثل ما يحدث في النوادي وغيرها، لكن أنا قلت: بروح أسافر مع هؤلاء وأروح معهم للمحلات اللي يروحون إياها هم على قصد وأنا على قصد، أنا قصدي أصلحهم مثلًا أحاول أعالجهم، وهم قصدهم غير، قصدهم أني معهم داخل معهم في اللهو، وأنا لي هدف من ذلك.. * الشيخ: ما يخالف، أنت إذا قصدت الإصلاح فهذا طيب، بس أخشى أنهم يغلبونك. * الطالب: لا، إن شاء الله بحاولهم، إن جاء ولّا (...) ويكون وسيلة إلى أول حاجة (...) ثم إقراره على هذا الفعل. * الشيخ: لا، أصلًا ما هي النوادي محرمة، من يقول: إن النوادي محرمة؟ * طالب: بعض الأفعال فيها يا شيخ. * الشيخ: بعض الأفعال فيها، لا بأس، بعض الأفعال فيها قد يكون غير مرضٍ، لكننا ما نحاول أن نقول: إن هذا مُحرَّم؛ لأن بعد تركهم وترك الاختلاط بهم مشكلة، معناه أنهم يخلوهم والشياطين. * طالب: (...)، لما يشوفه يقول: شوف ابن الشيخ الفلاني، ولّا العالم الفلاني حاضر؟ * الشيخ: حاضر بينصحهم. * الطالب: إي، بس الناس ما (...). * الشيخ: نعم؟ * طالب: (...)، أصلًا لو تبغي تصلح مثلًا تزيل النوادي، هذا المعنى؛ يعني إصلاحها إزالتها. * الشيخ: لا، ليس إصلاحه هو إزالته. * الطالب: أبدًا (...). * الشيخ: هي على كل حال، ما فيه شك أنه يمكن المراد منها وأصل المؤسسين لها أن قصدهم صد الناس عن دين الله، وهذا هو الواقع؛ لأنها هي أيضًا مثل القات، لكن مع ذلك ما نقول إنها معدومة الخير مئة بالمئة. * طالب: (...). * الشيخ: ويش رأيكم؟ ويش نسوي؟ * الطالب: ما يقربون ولا يؤيدون؛ لأن البعض ممكن (...). * الشيخ: لا ما نؤيدهم، نحن ما نؤيدهم على أعمالهم ولا على نواديهم بالحقيقة، ونرى أنه من المصلحة أن يُصرف الشباب إلى شيء آخر، إلى تعلم الرماية وإلى تعلم السباحة وإلى السياق وإلى الأشياء المفيدة (...)، ما يهم، المهم بس شيء يفيدون الناس، أما هذه أنا ما أقول إني أؤيد النوادي، بل أقول: إن ضررها أكثر من نفعها، وإن كان مع ذلك ما نقول: إن ضررها مئة بالمئة، نقول: ضررها أكثر من نفعها. * طلبة: (...). * الشيخ: ألا ترون أن ها الشباب الكثير هذا لو بقي مُسَرَّحًا في الأسواق ما يحصل فيه مفسدة؟ * طالب: لا بد أنه يفسد.. * الشيخ: والله أنا عندي أن هي كافة هي؛ يعني كافة.. * طالب: (...). * الشيخ: لا، بس أنا عندي أن بقاءهم أفسد، لو بقوا مُسَرَّحين في الأسواق لكان أفسد لهم. * طالب: (...) ومكتبات. * الشيخ: اتفقنا على هذا، على أنها تحتاج إلى توجيه، وأن وجود النوادي ضرر، لكن ما نقول: إنها ضرر محض؛ لأنها كافة بعدت عنا أشياء كثيرة، تجد هذا الشباب لو أنهم مثلًا قاموا يتجولون في الأسواق ويتجمعون تجمعات، كان يحصل شيء كثير. * طالب: بلا شك (...) ومكتبات وحدائق، وكذا فيفادون يا شيخ. * الشيخ: هو ما أنا بقول: إن هذه فكرة جيدة، ما هي بفكرة جيدة، ما هي بسليمة أبدًا، ولا هي مقصود بها الخير للمسلمين أيضًا، أنا أجزم -والله أعلم- أنه ما قصد بها الخير للمسلمين، إنما قُصد بها إلهاء الناس وصدهم عن دين الله. * طالب: حتى يا شيخ أيش تدلنا (...)؟ * الشيخ: لا، لكن مع ذلك ما نقول: إنها شر محض، هذا الكلام العام الذي هو موضع النقاش، هل هي شر محض أو فيها خير؟ وأقصد بالخير ما هو بالخير الإيجابي، لا أقصد به خيرًا إيجابيًّا، لكن خيرًا سلبيًّا، بمعنى أنك تكف عن مفاسد في ظني أكثر منها. * طالب: إي نعم، (...). * الشيخ: متدهورة؟ * الطالب: متدهورة، إي الكرة السعودية متدهورة وضعيفة. * الشيخ: إي. * الطالب: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة ١١١]. * الشيخ: الاستشهاد ليس.. * الطالب: الاستشهاد بالقرآن، ثم علم لا إله إلا الله محمد رسول الله قد (...). * طالب آخر: (...)، لو كان مع يهود بأي شيء؟ * الشيخ: هو ما فيها شك، ولهذا تجد أن بعضهم يشجع ناسًا -مثلما قلت- من النصارى واليهود من هؤلاء اللاعبين، وتجدهم إذا جاءت مباراة في التليفزيون لو أُقيمت الصلاة يسمع إقامة الصلاة ما يقوم للصلاة، هذا صحيح. * طالب: ويحبون هؤلاء أكثر من أي شخص. * الشيخ: إي نعم، يحبون من يشجعونهم من هؤلاء يمكن أشد من حب الله ورسوله. * طالب: (...) وقدموا طاعتها على طاعة الله عز وجل، وعلى حب الله عز وجل. * الشيخ: نعم، صحيح، ينطبق عليها عبد الدينار والدرهم؛ لأنهم إن أعطوا رضوا، وإن لم يعطوا سخطوا، إن نجحوا رضوا وإلا سخطوا، وقالوا: أيش هذا الحظ؟ وأيش ها النصيب؟ وأيش ها التقدير؟ * طالب: (...). * الشيخ: عجيب، هذه الأيام دي؟ * طالب: (...). * الشيخ: ومات موتًا؟ * الطالب: (...). * طالب آخر: يذكر (...). * الشيخ: يعني فرح على ها الحال؟ * الطالب: إي، قفز (...). * الشيخ: فرحًا. * الطالب: إي، فرح (...). * الشيخ: انتصار فريقه الذي يراه. * الطالب: يظنه (...). * الشيخ: الله أكبر، سبحان الله العظيم. * طالب: يعني يا شيخ كم مرة (...). * الشيخ: لا، (...). * الطالب: وإلا كان وأيش نيتي بها المحاضرة، بقول لهم مثلًا: إن الكرة ما فيها شيء، لكن متى يصير فيها شيء؟ يصير فيها شيء إذا أشغلتنا مثلًا عن وقت الصلاة، إذا مثلًا جعلنا كل همنا بعد، ولّا أقولهم (...). * الشيخ: لا، فيه خير أبدًا إن شاء الله، ما يصير إلا الخير، أنت إذا صار هم اللي طالبينك، فهم ما يطلبوك إلا أنهم يظنونك (...). * الطالب: لكن بس نخشى (...). * الشيخ: هه؟ * طالب: علشان يبارك هذا العمل (...). * الشيخ: لا، أنا أخشى بعد أن هذا يصير خطيرًا، الإنسان يجب أنه يراعي اللي بينه وبين الله بعد، إذا طلب منه ناس وقالوا: تعال ذكرنا. * طالب: بس أذكرهم بالمسجد، بس أمامي مثلًا أشياء.. * الشيخ: لا، ما هو بالمسجد، إذا قال: تعال ذكرني اجتمعوا. * الطالب: فيه صور مثلًا (...). * الشيخ: أحسنت. * الطالب: صور مجسمة.