Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — الشعراء 26:1 – الشعراء 26:44

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. الشعراء 26:1
  2. الشعراء 26:2
  3. الشعراء 26:3
  4. الشعراء 26:4
  5. الشعراء 26:5
  6. الشعراء 26:6
  7. الشعراء 26:7
  8. الشعراء 26:8
  9. الشعراء 26:9
  10. الشعراء 26:10
  11. الشعراء 26:11
  12. الشعراء 26:12
  13. الشعراء 26:13
  14. الشعراء 26:14
  15. الشعراء 26:15
  16. الشعراء 26:16
  17. الشعراء 26:17
  18. الشعراء 26:18
  19. الشعراء 26:19
  20. الشعراء 26:20
  21. الشعراء 26:21
  22. الشعراء 26:22
  23. الشعراء 26:23
  24. الشعراء 26:24
  25. الشعراء 26:25
  26. الشعراء 26:26
  27. الشعراء 26:27
  28. الشعراء 26:28
  29. الشعراء 26:29
  30. الشعراء 26:30
  31. الشعراء 26:31
  32. الشعراء 26:32
  33. الشعراء 26:33
  34. الشعراء 26:34
  35. الشعراء 26:35
  36. الشعراء 26:36
  37. الشعراء 26:37
  38. الشعراء 26:38
  39. الشعراء 26:39
  40. الشعراء 26:40
  41. الشعراء 26:41
  42. الشعراء 26:42
  43. الشعراء 26:43
  44. الشعراء 26:44

الشعراء 26:1

الطالب: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ [الشعراء ١ - ١١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تقدَّم أن الله سبحانه وتعالى بيَّن جزاء عباد الرحمن بأنهم ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان ٧٥]، وأنَّ الصبر؟ * طالب: (...). * الشيخ: أنواعه، هذه ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ (...)، الباء معناها؟ * طالب: الباء هنا (...). * الشيخ: و(ما)؟ * طالب: و(ما) بمعنى الذي. * الشيخ: بمعنى الذي؟ بالذي صبروا؟ أولئك يُجْزَون الغرفة بالذي صبروا؟ * الطالب: لا، (ما) مصدرية. * الشيخ: (ما) مصدرية. * الطالب: بصبرهم. * الشيخ: أي: بصبرهم. إذا قلنا: الباء للسببية، فكيف تجمع بينها وبين قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]؟ فاهم الآن؟ أقول: كيف تجمع بين قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ و﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان ٧٥] هما متفقان، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مثل ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان ٧٥]، الباء للسببية لهذا وهذا، لكن يحتاج إلى الجمع بينهما، والحديث الصحيح: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧١) من حديث أبي هريرة.]]. يجمع بينهما؟ * طالب: (...). * الشيخ: تمام؛ لأننا نقول: الباء للعوض؛ (...) باء العوض؛ يعني: ما يمكن العمل عوضًا؛ لأنه لو كان عوضًا، وأراد الله أن يقتصَّ من العامل لكان العمل ما يكافئ نعمة من النعم، واضح؟ وأما الآيات والأحاديث التي تُثبِت أن العمل يدخل به الجنةَ الإنسانُ، وينجو به من النار، فهذه للسببية، واضح؟ إذا قلت: بعت عليك ثوبًا بدرهم، الباء هنا ويش هي؟ * طالب: للعوض. * الشيخ: للعوض معلوم، ما هو بسبب الدرهم، لو كان الدرهم معك ما أعطيتكَ الثوب، مجرد أن كونه معك، لكن إذا عوضتني به أعطيتُك الثوب، فهذا هو الفرق. قوله تعالى: ﴿تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان ٧٥] هل هما مترادفان ولَّا متغيران؟ * طالب: (...). * الشيخ: كيف ذلك، والصحيح (...)؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما دام قلنا: إن كل الكلام تحية.. * الطالب: إي نعم (...). * الشيخ: إذن.. * طالب: العام التحية. * الشيخ: أيُّ العام؟ * الطالب: العام التحية. * الشيخ: العام التحية، ثم إن التحية أيضًا كما تقولون بالقول تكون بالفعل؛ ولهذا يقال: حيَّاه بالتُّحَف (...) بالمنزل، وما أشبه ذلك. قوله: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان ٧٧] الرسول أمر بأن يخاطب مَنْ؟ * طالب: (...). * الشيخ: حتى المؤمنين، إذن: فقد كذبتم، هذا وجه السؤال، شوف (...) المناقشة؛ يأمر نبيه. * الطالب: (...). * الشيخ: يرفع عنهم العذاب. * طالب: في قوله: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ ما (...)؛ يعني: تكفرون، ثم بيَّن أنهم بعد تكذيبهم للنبي ﷺ وجهادهم ضد الحق أنهم الآن يحِلُّ بهم العذاب، ويكون لزامًا لهم في الدنيا والآخرة، وفي هذا ما يثبت عذاب القبر أيضًا. * الشيخ: المهم أن المعنى: الخطاب للكفار، والمعنى: لولا دعاؤهم الله لعجلهم بالعذاب، طيب، ويش دعاؤهم؟ * طالب: دعاؤهم إذا قلنا: يا رب، اللهم.. * الشيخ: لكن متى يكون هذا الدعاء؟ * طالب: (...) قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت ٦٥]، يعني: عند الاحتياج والضرورة يدعون الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: فهذا هو ظاهر الآية؛ لقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾، وقيل: إن المعنى: الخطاب للمؤمنين، وأن المراد بالدعاء العبادة؛ يعني: ما يصنع الله بكم لولا عبادتكم، ويصير: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ انتقال إلى خطاب آخرين. لكن في هذا تشتيت الضمائر في الواقع، واختلاف السياق بعضه مع بعض، وما دام المعنى صحيحًا مع وجود التناسق بين الكلامين فهو أولى. لكن في هذه الحال دعاء مضطر، والله سبحانه يقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل ٦٢] عام، فدعاء المضطر، ودعاء المظلوم لذاته؛ لأن المضطر في تلك الحال يعلم أنه مضطر إلى الله، إذا سأله سؤال افتقار، وسؤال حاجة، والله سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين، ما أحد يحتاج إليه ويدعوه ولو كان كافرًا إلا أجابه. * طالب: (...). * الشيخ: إي، يستجاب. * الطالب: ولو كان كافرًا؟ * الشيخ: ولو كان كافرًا، إي نعم، اقرؤوا الآية على تقبل العمل، (...) سياق عمل؛ قرَّب أحدهما قربانًا، فتقبَّل منه والثاني لم يتقبل، فقال: إنما يتقبَّل الله من المتقين. * طالب: (...) دعاء عمل. * الشيخ: إي لكن دعاء سؤال وإلحاح؛ يعني: واحد محتاج يسأل؛ يعني: كريم إذا سأله السائل ولو كان أعدى عدو له هو يعطيه؛ لكرمه، ما هو لذات السائل، مثل ما المظلوم يجاب ولو كان كافرًا، ليس لشخصه، ولكن إقامةً للعدل. * طالب: (...). * الشيخ: أيهم؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو (...)؛ ولهذا يُقبَل الدعاء حتى من غير المتقي مثل ما ذكرنا، ثم إنَّ الله تمدَّح ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل ٦٢]، أن اللهَ بيَّن ﴿إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت ٦٥]. سورة الشعراء الشعراء: جمع شاعر، وسُميِّت به؛ لأنه ذُكِرَ في آخرها. والتسمية للسور: منها شيء توقيفي من النبي عليه الصلاة والسلام، ومنها شيء اجتهادي؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام أحيانًا يذكر السورة بعينها؛ مثلما قال: «اقْرَؤُوا الزَّهْرَاوَيْنِ: البَقَرَةَ، وَآلَ عِمْرَانَ»[[أخرجه مسلم (٨٠٤ / ٢٥٢) من حديث أبي أمامة الباهلي.]]، وأحيانًا لا يذكرها ولا يُبَيِّن اسمَها، ولكن يجتهد الصحابة في تسميتها. وتسمية السور أيضًا قد تكون واحدة؛ بمعنى أن تُسمَّى السورة باسم واحد، وقد يكون للسورة عدة أسماء. ومن التُّحَفِ الغربية أن سورة الإسراء تُسَمَّى سورة بني إسرائيل، وبعض القوميين أنكر ذلك قال: ما يمكن (...) بني إسرائيل خصوصًا اليهود، فأنكروا هذا الشيء مثلما أنهم أثبتوا -القوميون- أثبتوا أن اليهود قتلوا عيسى بن مريم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ [النساء ١٥٧]؛ ولهذا لما اجتمعت الكنيسة قبل أعوام، وأصدروا بينانًا ببراءة اليهود من قتلِ المسيحِ عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام قامت القيامة من القوميين (...)، كلٌّ يجادلون بالباطل، والحقيقة أن هذا لا يضر إسرائيل شيئًا، وإنما يضرُّهم هم بتكذيبهم للقرآن، ثم إنهم ما زالوا الآن اليهود لهم ثلاثون سنة أو أظن أكثر، (...) وأربعين، والآن نحن في ثمانين؛ أكثر من ثلاثين سنة، اثنين وثلاثين سنة، وهم محتلُّون القدس، وهؤلاء القوميون كالكلاب تنبح لكن لا تصل، ولا غرضهم أيضًا القضاء على اليهود، ولا يريدون ذلك أبدًا، وإنما غرضُهم البقاء على كراسيِّ الحكم فقط، وإلَّا فنحن نعلم بقرائن الأحوال أنهم لا يريدون القضاء عليها أبدًا، بل يريدون أن تبقى المسألة هكذا (...) مشاعر السُّذَّج والسطحيين. (...) رحمه الله له قصيدة جيدة جدًّا في هذا المعنى اسمها فلسطينيات، وذكر أن قضية فلسطين مثل الدمية الصورة التي يلعب بها الطفل يتلهَّى بها، وهذا صحيح وحق. الدليل على ذلك أن القضاء على إسرائيل لا يكون إلا عن عقيدة؛ لأنهم هم يحاربون عن عقيدة، وقد قيل لي: إنهم لما احتلوا أرض فلسطين ودخلوا مدينة القدس، جعلوا يُقَبِّلون تراب الأرض ويبكون؛ لأنهم يحاربون عن عقيدة، ونحن لا نحارب عن عقيدة بلا شك، الذين واجهوا اليهود لا يحاربون عن عقيدة إلا عن عقيدة قومية لا انتصار بها؛ ولهذا نحن نحمد الله بعد هذه الهزيمة العظيمة النكراء أن هذه الهزيمة ليست هزيمة دين، وإلا لتضاعفت نكباتها، ولكنها هزيمة عصبية، وهزيمة العصبية ما تهم، اللي يهم أن تكون هزيمة باسم الدين، فيقالُ: غُلِبَ الإسلام، ولكنهم لا يقولون: غلب الإسلام، وإنما يقولون: نُكِبَ العرب، فهذا مما يُخَفِّف عنا القضية، وإن كنا وإن كانت ثقيلةً علينا على كل حال، ولكن مع ذلك اليهود يزدادون (...) لأقدامهم في مدينة القدس، ولن يخرجوا منها إلا بصلاح المسلمين؛ ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥] هؤلاء هم الذين يرثون الأرض، أما غير الصالحين فلن يرثوها، اللهم إلا إزالة من هو أظلم، قد يكون ذلك، لكن انتصارًا لحق ما يمكن من غير صالحين، فإذا صلح المسلمون، ورجعوا رجوعًا حقيقيًّا إلى الله، حينئذ ينصرون، وإلا فلا نصر لهم؛ ولذلك الآن اليهود يثبتون أقدامهم في القدس. في الليلة الماضية أنا سمعت أنهم سينقلون مكاتب الحكومة إلى القدس الشرقية، معنى ذلك أنهم ما عندهم نية يخرجون، وسمعتُ مرة من خطيبٍ في مصر يقال له: عبد الحميد كشك، يقول: إنه سمع أن جولد مائير رئيسة الوزراء حين النكبة تقول: إذا كان من الجائز أن نتنازل عن تل أبيب فليس من الجائز أن نتنازل عن القدس؛ يعني: مع ذلك -صرح به يقول في لندن- معنى ذلك أنهم ما يمكن يتنازلون، وهذا صحيح، أناس يجيب الله لهم بلدًا مقدَّسًا، قيل لهم في التوارة: إنها الأرض التي كتب الله لكم، فوعدهم إياها موسى؛ ولهذا يسمونها أرض الميعاد، ثم يتركونها لعرب، ما يمكن هذا. * طالب: شعارهم (...) على كل ملة (...) كفر، يعني صريح. * الشيخ: إي نعم، نعوذ بالله. * طالب: في حديث يقول -ما أدري عن صحته-: «إنه في آخر الزمان أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق»[[أخرج مسلم (٢٩٤٩ / ١٣١) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، قال: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس».]]، هل هذا الحديث صحيح؟ * الشيخ: صحيح. * الطالب: يعني: على شرار الخلق، كيف يعني؟ يعني: يضعف الإيمان (...)؟ * الشيخ: إي نعم، يضعف الإيمان. * طالب: ولكن يا شيخ ما يكون هناك أناس صالحون يبقون على هذه الحالة (...)؟ * الشيخ: حتى يأتي أمر الله، إي، أمر الله بأي شيء؟ * طالب: الريح الطيبة. * طالب آخر: بأمر الله؛ للقضاء على (...). * الشيخ: القضاء على الإسلام. * الطالب: القضاء على الإسلام؟ * الشيخ: إي نعم، لا تزال ظاهرة على الحق حتى يأتي أمر الله؛ لأن إذا جاء أمر الله ذهب ظهورهم. * طالب: الأشخاص هؤلاء يذهبون مع اللي ذهبوا. * الشيخ: مثلما قال الرسول: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ، وَإِنَّمَا يَقْبِضُهُ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٠)، ومسلم (٢٦٧٣ / ١٣) من حديث عبد الله بن عمرو.]]، فيموت العلماء ويموت الناس المسلمون شيئًا فشيئًا حتى تنقضي الدنيا. الشعراء يقول: (مكية -والمكي هو الذي نزل قبل الهجرة على القول الصحيح؛ يعني: فالمعتبر الزمن لا المكان- إلَّا ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ ﴾) إلى آخره، أربع آيات ﴿الشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء ٢٢٤ - ٢٢٦]، هذا الاستثناء كما قلنا سابقًا ونقوله الآن: ليس بمقبولٍ إلَّا إذا دلَّ الدليل عليه، والدليل عليه تارة يكون بالنقل، وتارة يكون بالمعنى، والمعنى قد يكون واضحًا، وقد يُنازَع فيه، فهنا المؤلف استثنى هذه الآيات الأربع بقرينة السياق؛ لأن قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [الشعراء ٢٢٧] هذه قِيل: إنها نزلت حينما قال حسان رضي الله عنه لما نزلت الآية.. تأثَّر لها؛ فأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾، والانتصار بعد الظلم متى كان في المدينة ولَّا في مكة؟ * الطلبة: في المدينة. * الشيخ: في المدينة، كان في المدينة، فمِن ثَمَّ قالوا:إن هذه الآيات إنها مدنية. ثم قال: (وهي مئتان وسبع وعشرون آية)، وتقسيمُ الآياتِ هذا أيضًا توقيفيٌّ، حتى النبي عليه الصلاة والسلام ليس له شأن في تقسيم الآيات، تَنزِلُ الآيات من عند الله مُقَسَّمة، وأيضًا الرسول عليه الصلاة والسلام يأمر بوضعها في مكانها من السورة فهي توقيفية أيضًا في الترقيم. قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وقد تقدم الكلام على ذلك كثيرًا، وقلنا: إن البسملة متعلقة بفعل محذوف متأخِّر، ويش بعد؟ مناسبٍ لما يُسَمَّى عليه، فمثلًا: بسمِ الله الرحمن الرحيم، عندما تريد أن تقرأ تقول: التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، وقُدِّرَ فعلًا لأنه الأصل في العمل، وقُدِّر متأخرًا لإفادة الحصر والتبرك بتقديم اسم الله، وقدِّر مناسبًا لأنه أخصُّ، وإلَّا يجوز أن تُقَدِّر: باسم الله أبتدِئ، ولكنه إذا قُدِّر خاصًّا فهو أخص وأدلُّ على المقصود. (﴿طسم﴾ الله أعلمُ بمرادِه بذلك)، وهذا يحتمل قوله: (بمراده بذلك) يحتمل أنه يقصد أن لهذه الكلمة، أو لهذه الحروف معانٍ، والله أعلم بها، ويحتمل أن مراده الله أعلم بذلك، أي: بالغرض الذي من أجله أتى بهذه الحروف الهجائية، أفهتم الآن؟ وبين المعينين فرقٌ؛ يعني على التقدير الأول: يكون هذه الكلمة لها معنى، لكن ما هو بمعروف، وعلى التقدير الثاني: يكون لا معنى لها، ولكن ما هو الحكمة في الإتيان بها؟ غير معروفة. أما احتمال أن يكون لها معنى، فهذا بعيد؛ وجهُ البُعد أن القرآن أتى بلسانٍ عربيٍّ، وأن هذه الحروف الهجائية بمجرد كونها حروفًا ليس لها معنى، والله سبحانه وتعالى لا يُنَزِّل لنا حروفًا هجائية، ويُقصَد بها المعنى؛ لأن هذا خلافُ أن يكون القرآن بيانًا وخروجًا عن مقتضي اللغة العربية. وأما الاحتمال الثاني: وهو أن يُقال: اللهُ أعلم بما أراد بالغرض الذي مِن أجله أتى بهذه الحروف الهجائية، فهذا حَقٌّ، حَقٌّ إذا قال الإنسان: أنا ما أعلم، الله أعلم. ولكن بعض أهل العلم أبدى مناسبة، وقال: إن من المناسبات أن القرآن الكريم المُعجز للناسِ أجمعين أنه لم يأتِ بأمر غريب، وإنما أتى بكلماتٍ من هذه الحروف التي يتكوَّن منها كلامُ الناس، ومع ذلك أعجزهم؛ لأنه لو أتى بحروف جديدةٍ غير معلومة للناس لقيل: إن إعجازَه ظاهر، ولا أحد يقدر، لكن وجه الإعجاز وتمام الإعجاز أن يأتي بحروف هي من حروف الكلام الذي يتكلَّم به الناس، ومع ذلك يُعْجِزُهم، واستأنسوا لهذه المناسبة، أو لإثباتِ هذه المناسبة بأنك لو تدبَّرت هذه السور التي ابتُدِئت بالحروف الهجائية لوجدتها يُذكَر بعد الحروف ما يتصل بالقرآن. ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢]، ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١ - ٣]، ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١، ٢]، ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس ١]، ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود ١]، ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف ١]، ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الرعد ١]، ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم ١]، ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر ١]، ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم ١، ٢]، ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه ١، ٢]، ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الشعراء ١، ٢]، ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ١]، ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [القصص ١، ٢]، ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم﴾ [العنكبوت ١ - ٣]، ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم ١ - ٣]، ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [لقمان ١، ٢]، ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة ١، ٢]، ونمشى على هذا. بقي أنه يجب أن تقولوا: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت ١، ٢]، و﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم ١ - ٣]، و﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم ١، ٢] ما فيها للذكر للقرآن. فيقال: فيها ذكر للقرآن؛ ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ هذا وحي، و﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم﴾ فإنَّ قصص وأخبار الأولين إنما كان بالوحي، و﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾، إخبار أيضًا عن أمرٍ مستقبلٍ من أمور الغيب لا يُعْلم إلا بالوحي، ثم لو فُرِضَ أن هذا ليس بواضح، فإن النادر لا حكم له، وهذا المعنى الذي أشرنا إليه ذكره الزمخشري، وأيَّده شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

الشعراء 26:2

(﴿تِلْكَ﴾ أي: هذه الآيات آيات الكتاب الحكيم)، المؤلف يقول: (أي: هذه الآيات)، وتعبير القرآن: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ وبينهما فرق، ويش الفرق بين التعبير القرآني وتعبير المُفَسِّر؟ * طالب: (...) هذا الشيء يعني كأنه.. * الشيخ: لا، ويش الفرق؟ ما نقول: ويش التعليل. ويش الفرق؟ * الطالب: (...). * طالب آخر: (تلك) إشارة للبعد، وهذا لإشارة للقريب. * الشيخ: لإشارة للقريب، زين؟ * الطالب: (...). * الشيخ: المهم أن الفرق بينهما: أن التعبير القرآني أتي بالإشارة للبعيد، والمؤلف أتي بالإشارة للقريب. ثم قال: (أي: هذه الآيات آيات الكتاب) أيضًا ليبيِّن أن آيات الكتاب هي الخبر. والصواب أن نقول: لو قال المؤلف: تلك الآيات آيات، لكان أحسن؛ لأن كونه يعدل عن الإشارة للبعيد إلى الإشارة بالقريب، مع أن الله تعالى أثبت الإشارة بالبعيد، هذا ليس تفسيرًا، فالصواب -بلا شك ما يحتاج- أن القرآن هو الصواب، والإشارة بالبعيد هنا مع قُرْبِ القرآن الكريم، وكونه بين أيدينا إشارة إلى عُلُوِّ مرتبته فهو للتعظيم، وإذا مشينا على ما قال المؤلف فات عنا هذا المعنى الذي أُريدَ للإشارة بالبعيد. وقوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ القرآن، والإضافة بمعنى: (من) يعني: آيات من الكتاب، وقوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ ﴿الْكِتَابِ﴾ بمعنى المكتوب، كاللباس بمعنى الملبوس، والغراس بمعنى المغروس، والبناء بمعنى المبني، والفراش بمعنى المفروش. وسمي كتابًا؛ لأنه كُتِبَ في اللوح المحفوظ، وكتب بالصحف التي بأيدي الملائكة، وكتب في الأرض بين الناس. وقوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ الآيات جمع آية، وهي في اللغة: العلامة، والمراد بها هنا العلامة الدالة على مُنزِّل هذا القرآن وهو الله سبحانه وتعالى. إذن كل آية فيها إعجاز، من هذا نأخذ أن كل آية فيها إعجاز؛ لأنه لو لم يكن فيها إعجاز لم تكن آية؛ لأن الآية العلامة الفارقة، ولا يكون القرآن علامة فارقة بينه وبين كلام الآدميين إلا إذا كان مُعجِزًا. ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الشعراء ٢]. ﴿الْمُبِينِ﴾ قال: (المظهِر الحقَّ من الباطل)، وأحيانًا يفسِّرون المبين بالبين، أحيانا يُفَسَّرُ المبين بالبين ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل ٧٩] يعني: البين الواضح؛ وذلك لأن (أبان) تُسْتَعمل قاصرة ومتعدية؛ لأنه يقال: بان الشيء، وأبان الشيء، وتستعمل متعدية، فيقال: أبنتُ الحقَّ؛ يعني: أظهرته. فالمبين إذا فُسِّرت بالبيِّن، فمعناه أن السياق لا يقتضي سوى ذلك، فتكون من اللازم ولَّا من المتعدي؟ * طلبة: من اللازم. * الشيخ: من اللازم، وإذا كان المعنى يحتمل أن تكون من المتعدي؛ يعني: بمعني مظهر وجب أن تُفَسَّر به؛ لأن تفسيرَها بالمظهر يشمل أو يتضمَّن تفسيرها بالبيِّن؛ إذ المبين معناه بيِّن بنفسِه مبين لغيره، بخلاف البين بنفسه؛ فقد لا يُبين غيرَه. فالآن كلما جاءت مبين في القرآن إن أمكن أن تُفَسَّر بالإبانة اللي هي الإظهار وجب؛ لأن ذلك أشمل، وإذا لم يمكن فُسِّرت بالبين الذي هو اللازم (...). ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] من أي: القسمين. * طالب: من اللازم. * الشيخ: بَيِّن، من اللازم، كذا؟ ويمكن على بُعد أن تكون (المبين) يعني المظهر لضلالهم، ضلال مظهر لضلالهم، ولكن المعنى الأول أبين. على كل حال، الآن نقول: المبين هنا بمعنى المظهر للحق، ولا يكون مظهرًا للحق إلا وهو بَيِّنٌ بنفسه ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الشعراء ٢]. وفي قوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ ولم يذكر المفعول، ما ذكر المفعول، لإفادة؟ * طلبة: العموم. * الشيخ: العموم والشمول، فهو مُبينٌ لكلِّ شيء؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، وهذا هو الذي يدلُّ على أن القرآن شامل لكل شيء. وأما ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ٣٨] فليس المراد به القرآن، وإن كان كثير من الناس تسمعهم يستدلون بهذه الآية على أن القرآن شامل لكل شيء، ولكن المراد ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ٣٨]: اللوح المحفوظ، و﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أبلغ؛ إنه مذكور فيه بيان كل شيء، القرآن تبيان لكل شيء، ولا يخفى على أحد تبيانُ القرآن إلا لعلة فيه، ما في القرآن؛ لعلة في نفس الذي خفي عليه؛ لأن نحن نجزم بصدق هذه القضية، ﴿وَأنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، وما خفي على أحد من الناس من الأحكام إلا لقصورٍ في فَهمه، أو في علمه، أو في إرادته؛ إما قاصر في الفهم، ما يفهم، و هذا ما يتبين له شيء، وإلا قاصر في العلم، ما عنده معلومات، وإما قاصر في قَصْدِه، ويش معنى قصده؟ يعني نيته؛ ولهذا مر علينا كلام شيخ الإسلام: منْ تدبَّر القرآن طالبًا الهدى منه تبيَّن له طريق الحق، هذه ذكرها في العقيدة الواسطية حينما تكلم على الآيات القرآنية الدالة على الصفات، وهي كلمة لها معناها: (مَنْ تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبينَ له طريق الحق)، ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. إذن نقول: المبين لكل شيء، وخفاءُ بعض الأمور على الناس من القرآن ليس من قصور القرآن، ولكن من قصورِهم هم؛ إما لقصور في الفهم، أو العلم، أو القصد. قد يقول قائل: إننا لا نجد كلَّ شيء في القرآن، أول ما يعترض علينا أننا لا نجد كم عدد الركعات في القرآن في الصلاة، فأين البيان؟ * طالب: القرآن أتى تبيانًا لكل شيء على العموم، والسنة (...) تبين للناس ما نُزِّل إليهم؛ فالرسول ﷺ قد فسر القرآن، ولكن تفسيرًا عامًّا، الإشارات العامة في القرآن، إنما التفريعات بيَّنها الرسول. * الشيخ: نقول: بيان القرآن نوعان: أحدهما: أن يبين الشيء بعينه، والثاني: أن يبينه بوسيلتِه وطريقتِه؛ يعني يقول: الطريق كذا، الطريق إلى معرفة هذا كذا، تارة يبين الشيءَ بعينه، والغالب أن ذلك فيما لا يمكن إدراكه، وتارة يبيِّن الشيء بطريقتِه ووسيلته؛ يعني يقول: الطريقة إلى كذا هي كذا. فمثلًا بيَّن لنا الطريق إلى معرفة عدد الصلاة بقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر ٧]، وبقوله: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣]، وبقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وبقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤]، وغير ذلك. وقد مرَّت عليكم عدة مرَّات قصة ما نُقِلَ عن الشيخ محمد عبده مع الرجل النصراني الذي اعترض عليه حيث قال: إننا لا نجد في القرآن كيف نصنع هذا الطعام. فدعا بصاحب المطعم، وقال له: كيف صنعت هذا الطعام؟ قال: فعلت كذا وكذا، فقال: هكذا علمنا القرآن، قال: كيف علَّمكم القرآن؟ قال: لأنه قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣]، فالتبيان في القرآن تارة يبيِّن الشيء بعينه، وتارة يبين وسيلته التي تظهره وتبينه.

الشعراء 26:3

قال: (﴿لَعَلَّكَ﴾ يا محمد ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قاتلها غمًّا من أجل ﴿أَلَّا يَكُونُوا﴾ أي: أهل مكة ﴿مُؤْمِنِينَ﴾. و(لعل) هنا للإشفاق، أي: أشفق عليها بتخفيف هذا الغم). ﴿لعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء ٣] هذه (لعل) للإشفاق، وتكون للتعليل، وتكون للترجي؛ فإذا تعلَّقت بمكروه فهي للإشفاق، وإذا تعلَّقت بمحبوب فهي للترجي، وإذا تعلقت بعلة من العلل فهي للتعليل. هنا للإشفاق مثلما تقول: لعل الحبيب هالك. أنت تترجى أن حبيبك يهلك؟! لا، لكن تشفق، الله تعالى أشفق على نبيه ﷺ من أن يُهلِك نفسه، يقتلها من الغم بسبب عدم إيمانهم؛ الرسول عليه الصلاة والسلام يعاني من عدم إيمانهم يعاني المشقة الشديدة، ويحزن ويضيق صدره، ولكن الله تعالى يسليه بمثل هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل ١٢٧]. وهنا يقول: ﴿لعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ مهلكها ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، ففي هذا دليل على أن الإنسان الداعية لا ينبغي أن يهلك نفسه بالهم والغم لعدم قبول الناس للحق؛ لأنه إذا أتى بما يجب عليه انشرح صدره، كفاية أن تأتي بما وجَبَ عليك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم إنِ امتثلَ الناس فهو نعمة على الجميع، وإن لم يمتثلوا فلا تغتمَّ؛ لأنك إذا اغتَمَمْتَ اشتغلْتَ بغيرِك عن نفسك، وصار همك إن صليت ولاء الناس، وإن جلست ولاء الناس، وإن قمت ولاء الناس، هذا ما هو بصحيح؛ لأنه يفسد عليك عبادتك أنت خاصة، فأنت اشتغل بنفسك، وغيرك أدِّ ما أوجب الله عليك لهم، ثم إنِ اهْتَدَوْا، وإلا فلستَ عليهم بمسيطر، وبهذا يستريحُ الإنسان راحة عظيمة، ويكون مقبلًا على عبادته محسنًا لها. * طالب: نزلت بعد الواقعة. * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: الشعراء. * الشيخ: الشعراء؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...) في الإتقان لما رتَّب السُّوَر ما ذكر دليلًا أن هذه نزلت بعد هذه، وهذه نزلت بعد هذه، ما ذكر دليلًا. * الطالب: (...). * الشيخ: ما يثبُت؛ لأن الزهري من التابعين، مرسَل. * طالب: «وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ». * الشيخ: «وَدُنْيا مُؤْثَرَة». * الطالب: «وَدُنْيا مُؤْثَرَة» (...) ودع الناس. * الشيخ: «فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ العَوَامِ». * الطالب: (...). * الشيخ: نقول: عليك بخاصَّة نفسك، ومن خاصَّة نفسك: أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ [المائدة ١٠٥] متى؟ * الطلبة: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. * الشيخ: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، نعم إذا رأيت ألَّا تدعَ نفسَك ملاحقة الناس والاشتغال بهم عن دينهم، ولكن هل هذا الحديث الآن منطبق؟ «إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجه (٤٠١٤) من حديث أبي ثعلبة الخشني.]] ينطَبِقُ على وقتِنا الحاضِر؟ * طلبة: نعم (...). * الشيخ: كيف؟ * طالب: الشح. * الشيخ: الشح مطاع؟ * طالب: (...). * الشيخ: عند كل حد؟ * الطالب: ما هو كل أحد. * الشيخ: عند الغالب؟ * الطالب: عند الغالب. * الشيخ: يعنى معنى ذلك أنه إذا أمرته نفسه بشيء أطاعها. * طالب: (...) يتبعون أهواءهم. * الشيخ: وهوى متبعًا واضح. * طالب: (...). * الشيخ: لكن، نطبق الحديث على الواقع الآن، هل الشح المطاع؟ أنا أظن مثلما قلتم: إن الشح المطاع عند أكثر الناس الآن وارد، وهوى متبعًا أيضًا ورادة. * طالب: كلهم. * الشيخ: «ودنيا مُؤثَرَة»؟ * طالب: (...). * الشيخ: «وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ».» * طالب: واردة عند الاختلاف. * طالب آخر: هذا كثير يا شيخ. * الشيخ: هذا كثير صحيح، لكن الكلام على الغالب. * طالب: في الغالب يقال.. * طالب آخر: (...). * الشيخ: لا في الغالب، على كل حال، فعليك بخاصَّة نفسك (...). * * * * طالب: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء ١ - ١٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تقدَّم أن الله سبحانه وتعالى يبتدِئُ بعضَ السُّوَرِ بالحروف الهجائية، فهل لهذه الحروف معنى؟ * طالب: الله أعلم بمرادها. * الشيخ: نعم، أقول: ما نفهم اللغة العربية. * طالب: يعني: هل لها حكمة؟ * الشيخ: لا، (...) وهل لها يعني حكمة في..؟ * طالب: (...). * الشيخ: قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الشعراء ٢] الإشارة بصيغة البعد؛ لعلو شأنه..؟ * طالب: ومرتبته. * الشيخ: ولماذا سُمِّيَ كتابًا؟ * طالب: لأنه مكتوب في المصاحف. * الشيخ: طيب، ويش بعد؟ كتابته في اللوح المحفوظ، كتابته بين الناس ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٤]. و﴿الْمُبِينِ﴾ هنا بمعنى؟ * طالب: البين والمظهر. * الشيخ: وإن احتملتهما. * الطالب: (...) أنه.. * الشيخ: أي؟ * الطالب: أنه يشمل الأمرين. * الشيخ: المظهر يعني. قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء ٣]، (لعل) ويش معناها؟ * الطالب: هنا أي: لا تأسى عليهم. * الشيخ: أي؟ * الطالب: للإشفاق. * الشيخ: للإشفاق، نعم؛ أن الله يُشْفِقُ على نبيِّه ﷺ أن يُهلِكَ نفسَه بعدم إيمانهم. في هذه الآية ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء ٣]. * طالب: (...). * الشيخ: لا تكون مخلوقةً، مثل القرآن ما هو مخلوق، ولَّا نعم مثل الشمس والقمر مخلوقات. * طالب: على مَنْ أوجدها؟ * الشيخ: يعني: الآية هي العلامة، لكن أهم شيء عندي أن نقول: الخاصة، أو المعجزة مثلًا؛ لأن علامةَ الشيء معناه ما يختص به، لو كان هذا الشيء ما يختص بالله ما صار آية له، فالآية هي العلامة الخاصة التي لا تكون لغير مَن كانت له. فالشمس والقمر ما يمكن أحد أن يأتي بمثلهما، والقرآن ما يمكن أحد يأتي بمثله. * طالب: نقول: الآية هنا بمعنى أيش؟ * الشيخ: العلامة الخاصَّة لمن كانت له بحيث لا يستطيع أحد أن يأتي بمثلها، سواء كانت كونية أو شرعية، وكذلك في الآية هذه أن جميع آيات القران معجزات، ولو كانت آية واحدة فإنها معجزة، قد تكون معجزة بذاتها، وقد تكون معجزة بسياقها؛ لأنه مثلًا: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر ٢١] قد لا يستطيع أحد أن يقول: إنها معجزة، وأن كل إنسان يمكن يأتي بكلمة ثم نظر، لكنها معجزة في سياقها، وفي موضعها. فالآيات حقيقة كما قلنا هي حروف من كلمات الناس، وهذه الحروف ليست معجزة؛ لأنها من كلامهم، يستطيعونها، لكن مكانها وسياقها، وما تدل عليه هذا هو المعجز. * طالب: (...). * الشيخ: معلوم هذا، لا (...)؛ لأنَّ معنى ذلك أنه في استطاعة الإنسان أن يفعل لولا المانع، وهذا ما يسميه العلماء مذهب أهل الصِّرْفة الذين يقولون: إن الناس مصرفون عن معارضة القرآن، لا عاجزون. وفرق بين مَنْ يقول باستطاعته أن يفعل لولا المانع، وأن نقول: ليس باستطاعتهم أن يفعلوا، وأيهم أبلغ؟ الأخير؛ ولهذا مذهبُ الصِّرْفة يقول العلماء: إنه مذهب باطل، وأنه ليس باستطاعة أحد أن يفعل أبدًا. * طالب: (...). * الشيخ: إي معلوم، ولا (...). * طالب: (...) هل ينقل على حقيقته (...)؟ * الشيخ: كيف يعني؟ الله سبحانه وتعالى يُعَبِّر عنه، لا بلفظه. * طالب: يعني ليس هذا لفظه؟ * الشيخ: ليس هو لفظه حقيقة، ولهذا مثلًا كلام موسى باللغة العبرية، وكلام فرعون باللغة القبطية، وما أشبه ذلك، ثم إنَّ الكلمات أيضًا تختلف يعني نفس الآيات تُنْقَل مرة كذا، ومرة كذا، الله يعبِّر ويكون السياق هو الذي يقتضي هذا التعبير دون ذاك.

الشعراء 26:4

قال الله تعالى: (﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ﴾ بمعنى المضارع أي: تظل، أي: تدوم ﴿أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ فيؤمنون). ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ﴾ [الشعراء ٤] (إن) الشرطية، فعل الشرط (نشأ)، وجوابه (ننزل)، وفي الإتيان بهذه الصيغة (نشأ.. ننزل) فيها من تعظيم الله سبحانه وتعالى لنفسه ما لا يخفي؛ لأنه جعل الأمر هنا يسيرًا عليه إذا شاءه، وأنه سبحانه وتعالى بإرادته لم يفعَلْ، ثم الإتيان بنون العظمة هو تعظيم آخر أيضًا، فالله تعالى ما قال إذا شئنا نزَّلْنا ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ﴾. وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ آيَةً﴾ أي: علامة، وهذه العلامة لا شك أنه لا يمكن لأحدٍ أن يأتي بمثلها كما أشرنا إليه قريبًا، ثم إنها علامةٌ أيضًا ليست على قدرة مَنْ هي له، أو على انفراده بالخلق، ولكنها آية أيضًا على أنهم لم يؤمنوا، وعلى تهديدِهم بالوعيد؛ ولهذا قال: ﴿فظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء ٤] لا تستطيع أن تمثِّل هذه الآية؛ لأن الله تعالى نكرها، فهي آية ليست معلومة لنا؛ لأن الله لم ينزلها، لكنها آية تسمعهم؛ ولهذا قال: ﴿فظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا﴾. وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ هل المراد بها السقف المحفوظ أو المراد بها العلو؟ محتمل هذا وهذا، يحتمل أنه العلو يعني: من العلو، ويحتمل أن المراد به السقف الذي هو على الأرض، وأيًّا كان فإن إتيان الشيء من فوق أبلغ في التهديد؛ لأن من فوقك فقد علاك، ومَن علاك فلا طاقة لك به، بخلافِ من كان بحذائِكَ فقد تفر، وقد تناضل لكن المشكل إذا جاء الأمر من فوق. وقوله: ﴿فظَلَّتْ﴾ يقول: (بمعنى المضارع، أي: تظل)، وإنما قال المؤلف: بمعنى المضارع؛ لأن قوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ﴾ مضارع. ﴿فظَلَّتْ﴾ الذي يناسب أن يكون مضارعًا، لكنه عُدِلَ عنه لبيان أنه كالأمر الواقع؛ مثل قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١] مع أنه سيأتي. فالمعنى: فإذا نزلت بهم ظلت أعناقهم لها خاضعين. وقوله: ﴿أَعْنَاقُهُمْ لَهَا﴾ أي: لهذه الآية، فيحتمل أن تكون اللام هنا للتعدية أي: خاضعين لها، أو للتعليل أي: من أجلها. وقوله: ﴿خَاضِعِينَ﴾ أي: ذليلين، عندي أنا، (ولَمَّا وُصِفَتْ الأعناقُ بالخضوع الذي هو لأربابها جُمِعَتْ الصفةُ منه جمعَ العقلاءِ). المراد بـ(الصفة منه) هنا الخبر ﴿خَاضِعِينَ﴾، والخبر صفة في المعنى، وإن كان في الإعراب لا يُسَمَّى صفة، لكنه في المعنى صفة، وهنا ﴿أَعْنَاقُهُمْ﴾ المعروف الكثير في اللغة العربية أن تقول: خاضعة، أعناقهم لها خاضعة، مثل خاشعة أبصارهم، لكنه لما كان الخضوع من أوصاف العقلاء لا من أوصاف غير العاقل، وكذلك الخضوع من أوصاف العقلاء، جُمِع جمع عاقل؛ لأن جمعَ المذكر السالم يختص بالعقلاء؛ فجُمِعَت جمع العاقل لهذا السبب. ولا يمكن أن نقول ﴿أَعْنَاقُهُمْ لَهَا﴾ إن (لها) هي الخبر، ﴿فظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا﴾ هي الخبر، وتكون خاضعين حالًا من الضمير المستتر في الخبر، نقول: هذا بعيد؛ لأن ما معنى: (ظلت أعناقهم لها)؟ ليس لها معنى، فإذا قال إنسان: ربما يكون التقدير ناظرة لها، ظلت أعناقهم ناظرة لها. قلنا: رَدُّ هذا بأن يقال: إن المتعلَّقَ إذا كان خاصًّا فإنه لا يُحذَف، وإنما يُحذَف إذا كان عامًّا؛ يعني: تقديره: كائن أو مستقر، هذا الذي يُحْذَف، أما إذا كان خاصًّا كراكب، وجالس، وما أشبه ذلك فإنه لا يُحْذَف. * ثم في هذه الآية: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنْ نَشَأْ﴾. * وفيه: إثبات القدرة؛ لقوله: ﴿نُنَزِّلْ﴾. * وفيه: التهديد لهؤلاء المكذبين؛ لقوله: ﴿فظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾. * وفيه: دليل على أن الأسباب مؤثرة؛ لأنها إذا نزلت الآية خضعوا، وهذا دليل على ثبوت الأسباب وأنها مؤثرة. * وفيه: دليل على إثبات الحكمة؛ لأن الله لم ينزل هذه الآية؛ لأنه لو أنزلها لكان الإيمان اضطراريًّا، والإيمان الاضطراري لا مدح فيه ولا ثناء، بل ولا ينفع صاحبه، ولهذا إذا آمن الإنسان عند ملاقاة الموت ما نفعه، وبعد طلوع الشمس من مغربها ما نفعه، ما ينفع إلا إذا كان الإيمان اختياريًّا، ولما نطقَ الله الجبلَ فوق بني إسرائيل آمنوا، ولكن هذا الإيمانَ لا شكَّ أنه ضعيف؛ لأنه إيمان اضطراري؛ فمن حكمة الله سبحانه وتعالى أنه لم يُنزِل هذه الآية ليكون الإيمان عن اختيار، لا عن اضطرار. * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: (...). * الشيخ: (...)؛ لأن نزول الآيات من عنده ما يدل على أنه (...)، قال: من السماء لو قال: من عندنا، لا بأس؛ النزول من السماء لا يقتضي أن يكون الله فوق. * طالب: هل تنكير الآية يدل على عظمتها؟ * الشيخ: إي نعم، العظمة من هي له، وعلى تعظيم الآيات نفسها؛ ولهذا تظل أعناقهم لها خاضعين.

الشعراء 26:5

وفي هذا يقول: (﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾ قرآنٍ ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ صفة كاشفة ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ ). (ما) نافية بدليل قوله ﴿إِلَّا كَانُوا﴾، وهذا الاستثناء مُفرَّغ من عموم الأحوال؛ يعني: ما يكون لهم من أيِّ حالة من الأحوال سوى الإعراب. وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾ (من) زائدة إعرابًا للتوكيد، والتقدير: ذكرٌ. وقوله تبارك وتعالى: ﴿مِنْ ذِكْرٍ﴾ المؤلف قال: (قرآنٍ)، وسُمِّيَ القرآنُ ذكرًا؛ لأن به التَّذَكُّر والتذكيرُ أيضًا، فهو تذكير من الله، وتَذَكُّرٌ من سامعه، ولهذا سمي ذكرًا، ووُصِف القرآن مرة ثانية بأنه ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص ١]، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس ٦٩]، ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص ١]، فمرة جعله ذكرًا، ومرة جعله ذا ذكرٍ، ولا فرق بينهما في الواقع؛ لأنه ذكرٌ بنفسه وتذكير، ولأنه ذو ذِكْرٍ، أي: ذو تذكُّرٍ، فمنْ قرَأَه وحفظه وتدبره تذكَّرَ به ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر ١٧]. * طالب: ما يكون مشتمل للذكر. * الشيخ: كيف مشتمل للذكر؟! مشتمل على الذكر يعني؟ ويش معنى مشتمل عليه؟ * الطالب: فيه آيات فيها تذكرة. * الشيخ: لا، حتى ولو كان فالمقصود به التذكرة نفسها، المقصود أنه ذِكْرٌ مُذَكِّر، ويتذكَّر به من تلاه. وقوله: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الشعراء ٥]، والآية الأخرى ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [الأنبياء ٢]، فَذِكْرُ الرحمن هنا إشارة إلى أن نزول هذا القرآن وإتيانه من مقتضى رحمة الله، وأن الله سبحانه وتعالى رَحِمَ العبادَ بهذا القرآن، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧] إلا رحمةً منا للعالمين، وليس المعنى كما يفهم كثيرٌ من العوام إلا رحمة؛ يعني: أنك أنت الرحمة، لا، يعني: وما أرسلناك إلا لنرحم العباد، هذا المعنى، وليس هو نفسه رحمة، كما يقول أهل الغلو بالنبي ﷺ والجاهلون أيضًا. ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ [الشعراء ٥] يقول: (صفة كاشفة)، والصفة الكاشفة هي التي تبيِّنُ الواقع، ولا تُقيِّد الموصوف؛ لأن الصفات -كما تعرفون- منها صفة مقيِّدة تخرج ما سواه، ومنها صفة كاشفة تبين حقيقة أمره، فهنا يقول المؤلف: إن كلمة ﴿مُحْدَثٍ﴾ صفة كاشفة؛ لأن القرآن ما يأتيهم من ذكر محدث، كلمة ﴿مَا يَأْتِيهِمْ﴾ تدل على محدث فلا مفهوم لها؛ لأنه إذا كان يأتيهم، وجب أن يكون مُحْدَثًا؛ لأن بإتيانه إياهم صار محدثًا؛ ووجه ذلك ظاهر أنها صفة كاشفة؛ لأنه لو كان غيرَ مُحْدَثٍ ما صحَّ أن يقول: وما يأتيهم إذ هو آت من الأصل. وقوله: ﴿مُحْدَثٍ﴾ هل ظاهر الآية الكريمة أنَّ المحدثَ هو الذكر نفسه، فيكون في الآية دلالة على أن الله تعالى يتكلم بالقرآن حين إنزاله. وأنه ليس كما رُوِيَ عن ابنِ عباس: أنه نزل إلى بيت العزة من اللوح المحفوظ، وإنما يتكلم الله تبارك وتعالى به حين إنزاله. وقيل: مُحْدَثٍ إنزاله، فـ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ إنزالُه، فلا تكون الصفة هنا حقيقية، وإنما هي صفة سببية؛ لأن الموصوف بها حقيقة ليس الذكر، بل هو الإنزال، إذا قلنا: محدث إنزاله. مثلما إذا قلت: مررت برجل قائمٍ أبوه، فقائم هذه صفة من حيث الإعراب لرجل، لكن من حيث المعنى صفة لأبيه، وهذا الوصف على هذا الوجهِ يُسَمَّى بالنعتِ السببيِّ، فعلى القول بأن المراد محدث إنزاله يكون النعت هنا سببيًّا، لا حقيقيًّا. ولكن إذا دارَ الأمرُ بين أن يكونَ النعتُ صفةً حقيقية، أو صفة سببية فالواجب أن يكون صفة حقيقة؛ لأنَّ الصفة السببية تحتاج إلى تقييد، وكل ما يحتاج إلى تقييد يحتاج إلى دليل، فهنا نقول: إذا قلنا: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ إنزاله، خرجت عن ظاهر اللفظ؛ لأنَّ ظاهرَه مُحدَث هو، أي: القرآن نفسه، ثم إنَّ (محدَثٍ إنزاله) لا معنى لها في الواقع بعد قوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾؛ لأنه ما يمكن يأتيهم إلَّا وإنزاله مُحدَث؛ لأن (أتى) معناه حدث. فعلى هذا نقولُ: الصوابُ أنَّ المراد بالمُحدَث نفس الذكر، وليس إنزالَه. قال: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿عَنْهُ﴾ جار ومجرور متعلَّق بمعرضين، ومعرضين خبر كان، وفائدة تقديمه عليه هنا لفظية ومعنوية؛ أما اللفظية: فمراعاة الفواصل؛ فواصل الآيات. وأما المعنوية: فلإفادة الحصر، كأنه يقولُ: ما تكون حالهم إلا الإعراض عنه دون غيره، يعنى: عنه فقط وحده معرضين، وهذا أبلغ في الذم مما لو قال: إلَّا كانوا معرضين عنه؛ لأنه يحتمل أن يعرضوا عنه وغيره، ولكنه لما قال: ﴿عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ كأنهم لا يتَّصفون بالإعراض إلا عن هذا الذكر. ففائدة تقديمها إذن.. * طالب: مراعاة (...) معنوية ولفظية. * الشيخ: طيب. * الطالب: (...) الفواصل (...) المعنوية. * الشيخ: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ هذا الإعراض معنويٌّ أو حسي؟ الجواب: يشمل الأمرين؛ فهم معرضون وإن حضروا بأبدانهم، ومعرضون أيضًا بأبدانهم يقومون عنه؛ ﴿وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت ٢٦] فهم معرضون -والعياذ بالله- بقلوبِهم وأبدانهم. قال الله تبارك وتعالى: (﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ به). * طالب: (...). * الشيخ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾، لكن المؤلف يقول: (به)، أي: بهذا الذكر، والجملة محققة بـ(قد)، والمعنى أنه مع وضوح كون هذا الذكر من الرحمن ما انتفعوا به، بل كذَّبوا به، والتكذيبُ به يَعُمُّ التكذيبَ به رأسًا؛ بأن يقولوا: إن هذا ليس القرآنَ مِن الله كما قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل ١٠٣]، أو التكذيب ببعضِ الآيات منه، كما لو كذَّبوا بقصة أحد الرسل، أو بقصة قصها الله تعالى على أحد؛ كالذي مر على قرية، وما أشبه ذلك. فهو إما أن يكون التكذيبُ به رأسًا، فيقال: أنت لا يوحى إليك، وهذا القرآن ليس بوحي، أو التكذيب ببعض الآيات التي جاءت في هذا، فكلُّه تكذيب. والتكذيب أبلغ من الإعراض؛ لأن الإنسان قد يُعرِضُ تهاونًا، وتكاسلًا، ولسبب من الأسباب ولا يكذِّب، لكن المكذِّب أشدُّ؛ لأنَّ المُكذِّب لا يمكن أن يُقبِل، وكيف يُقبِل على أمر يعتقده كذبًا؛ ولهذا قال: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ [الشعراء ٥، ٦] ما قال: فقد أعرضوا قال: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾، وهذا شاملٌ للإعراضِ ولا عكس.

الشعراء 26:6

(﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ﴾ عواقِبُ ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ) الفاء عاطفة، وتفيدُ الترتيب، والسين تفيدُ التقريب أيضًا، المعنى: فبسبب تكذيبهم سيأتيهم عن قُرْبٍ. وأنباء بمعنى أخبار ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ الأنباء جمع نبأ، وهو الخبرُ من الأمور الهامة، والمراد بالخبر هنا: العواقِبُ كما قال المؤلف: (العواقب)؛ لأنَّ العواقب أخبار في الحقيقة. فمثلًا في القرآن أنَّ الله تعالى ينصُر رسولَه ويهلك المكذبين، هذه أنباء هي في الحقيقة ستكونُ عواقبَ سينتصرُ النبيُّ عليه الصلاة والسلام، وسيهزم أعداؤه، وهذه هي الحقيقة وهي العاقبة. وقوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَسْخَرون، وتقديمُ المعمول في قوله: ﴿بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ للفائدتين السابقتين اللفظية والمعنوية. وقوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ﴾ هذه يحتمل أن تكون مجردة عن الزمان؛ أي: ما يستهزِئون به، ويحتمل أن تكونَ من الزمان، أي: ما كانوا في الماضي يستهزئون به عند وقوع العاقبة، فإنَّ استهزاءهم به سابق لهذه العاقبة، ولكن الظاهر أنها مجردة عن الزمان، وهو غالب ما تأتي (كانوا). ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: يسخرون ويضحكون منه، والتكذيب بالشيء الحقِّ نوع من الاستهزاء به؛ لأنه مثلًا إذا كان فيه وعد ووعيد، وأمر ونهي، وخبر واستخبار، وإرشاد وتوبيخ، ثُمَّ كُذِّب به معناه أنه يستهزِئ به، وبأحكامه، وبأخباره، وبما تضمنه من هذه الأمور. * طالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: ما الفائدة؟ * الشيخ: الفائدة يقولون: إن زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى؛ فإذا وجدْتَ في الكلمة حروفًا زائدة فمعنى ذلك أن هناك معان زائدة، والزيادة هنا للمبالغة؛ مثل: استكبر وتكبر، استكبر أبلغ من تكبر، وهنا استهزَأ أبلغ من هَزِئ به؛ فلذلك نقول: السين والتاء هنا للمبالغة. قال الله تعالى مبينًا دليلًا واضحًا على آياته: (﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ ينظروا ﴿إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: كثيرًا أنبتنا ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ نوع حسن).

الشعراء 26:7

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يعني هؤلاء المكذبين، و ﴿يَرَوْا﴾ يقول المؤلف: (ينظروا)، فجعلها من الرؤية الحسية، لا من الرؤية العلمية، وقد سبق لنا مثل هذا، وقلنا: إنها تحتمل المعنيين الرؤية الحسية إذا نظر بعينه هو، والعلمية إذا عَلِمَ بذلك من غيرِه؛ لأنَّ فيه أشياء ما نعلمها مما ينبت في الأرض، يعني: ما نراها، ولكننا نخبر بها، فالأولى أن يقال: إنه شامل لنظر العين، والنظر بالقلب اللي هو العلم. ﴿إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا﴾ يقول المؤلف: (أي كثيرًا)، و(كثيرًا) هذه تفسيرٌ لـ(كم)، يعني: فهنا (كم) تكثيرية، المعنى: كثيرًا أنبتنا فيها. مثل قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٤٩]، أي: كثيرًا من فئة قليلة تغلب الفئة الكثيرة. وقوله: ﴿كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أضافَ الإنباتَ إليه تبارك وتعالى؛ لأنَّه هو الفاعلُ حقيقة، وإذا أضيف الإنبات إلى المطر فإنما ذلك؛ لأنه سبب. وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أي: صنف، والكريمُ في الأصل كثير البذل، ولكنه يُطْلَق أحيانًا على الحَسَنِ، ومنه قوله ﷺ لمعاذ: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس.]] أي حَسَنها، وليس المعنى كرائهما التي تعطي كثيرًا؛ لأنها لا تعطي بهائم، ولكن يراد بها الحسنة، فهنا الكريم نقول: الحسن. والزَّوج بمعنى: الصنف والنوع، هذه الأصناف والأنواع الحسنة البهيجة تدل على قدرة خالقِها تبارك وتعالى، وعلى فضلِه وإحسانه، وعلى حكمتِه، فانظر إلى الأرض وفيها هذا النبات تجده مختلفًا في حجمه، ومختلفًا في لونه، ومختلفًا في نفعه، ومختلفًا من جميع الوجوه، والأرضُ واحدة، والماء واحد، بل أحيانًا تجدُ النوع الواحد من هذا النبات يختلف؛ كما إذا نظرنا إلى البُر، البُرُّ نوع واحد بالنسبة للحبوب، ومع ذلك يختلِفُ، وإذا نظرنا أيضًا إلى النَّخْل وجدناه يختلف، وإذا نظرنا إلى البطيخ وغيره نجده مختلفًا، مما يدل على كمال قدرة الله تبارك وتعالى كما قال الله تعالى: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد ٤]، الماء واحد والأرض واحدة تأخذ من هذا شيئًا تذوقه وإذا هو مُرٌّ، وتأخذ من هذا تذوقُه وإذا هو حلو، مع أن الأرض واحدة والماء واحد، ولكن هذا هو قدرة الله تبارك وتعالى التي يَستدل بها الموفَّقون على كمال قدرته.

الشعراء 26:8

(﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ دلالة على كمال قدرته تعالى ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ). يقول: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾، كيف نُصِبَت آية؟ * طالب: (...). * الشيخ: اسم (إن)، وين خبرها؟ * الطالب: في ذلك. * الشيخ: في ذلك. * الطالب: (...). * الشيخ: والخبر، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾؛ في ذلك المذكور من الإنبات، ومن الأنواع، ومن الحسن، فتكون آية هنا بمعنى آيات. و(آية) يقول: دلالة على كمال قدرة الله، صحيح هذا أبرز ما فيها القدرة، لكن فيها أيضًا من الآياتِ دلالة على الحكمة البالغة في تنويع هذه الأشياء واختلافها، فإنه لحكمة أرادها الله تبارك وتعالى، فالقدرة -مثل ما قال المؤلف- هي أبين ما يكون في هذه النبات من آيات الله سبحانه وتعالى، لكنها أيضًا على أمور أخرى أيضًا. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٨] قال المؤلف: (في عِلْمِ الله) يقْصِدُ (كان) ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ لأنهم إلى الآن ما آمنوا، ليس معناه أنهم لم يكونوا مؤمنين فيما سبق، والآن هم مؤمنون، فيقول المؤلف: (في علم الله)، ما كانوا في علم الله، ولكن قال: (وكان قال سيبويه: زائدة)، و(كان) ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ زائدة، وهذا إدخال من المؤلف لقولٍ في قول؛ لأنَّ الذي يقول: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، إن (كان) زائدة، ما يقول في علم الله، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني: حسب الواقع والحال، لا، أما الذي يقول: إنها في علم الله ما يحتاج إلى كونها زائدة، واللي يقول: إن كان فعل ماض على حقيقتها، يحتاج إلى أن يقول في علم الله. ولكننا نتخلص من هذا كله بأن نقول: إن المراد بـ(كان) هنا مجرد الحدث، الدلالة على الحدث فقط، فهي مجردة عن الزمان، وإذا كانت مجردة عن الزمان ما نحتاج أن نقول: إنها زائدة، ولا نحتاج أن نقول: في علم الله. نقول: الواقع أن أكثرهم ليس بمؤمن، وما أكثرهم بمؤمنين. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: ما يتوجه على كلام الشارح إلا أن يكون قولًا آخر؛ لأنك إذا قلت: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في علم الله، ما يصح أن تقول: (كان) زائدة. * طالب: (...) وقال سيبويه. * الشيخ: (...). * طالب: وقال سيبويه (...). * الشيخ: لا، يعني: يقول: وقال سيبويه (...)، لكن لما قال: (وكان قال سيبويه) يعني: معناه أنه كلام مفرَّع على ما قبله. المهم أن سيبويه يرى أنها زائدة، والمؤلف يرى أنها أصلية لكن باعتبار علم الله، ونحن نقول: إنها أصلية مجردة عن الزمان، بل للدلالة على الحدث فقط. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فيه دليل على أن بعضهم مؤمن، وهو كذلك، فإن بعضهم مؤمن وآمن بالفعل.

الشعراء 26:9

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ الرُّبوبية هنا خاصة؛ لأن الله تعالى رب النبي ﷺ وغيره لكنه للعناية به ﷺ، وبيان أنه لن يخذُلَه مع هذا التكذيب، بل لا بد أن يتولاه بعنايته وربوبيته الخاصة. وقوله: (﴿لَهُوَ﴾ اللام للتوكيد، ﴿الْعَزِيزُ﴾ ذو العزة ينتقم من الكافرين ﴿الرَّحِيمُ﴾ يرحم المؤمنين). ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ ذو العزة، والعزة بمعنى الغلبة، يقال: عزَّ بمعنى غلب وقهر، وقد قالوا: إن العزة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع. فمعنى عزة القدر: أنه سبحانه وتعالى عزيز لا يبلغ أحد قدره. وعزة القهر: عزيز لا يقهر، بل هو الغالب. وعزة الامتناع: أنه سبحانه وتعالى ممتنع عليه النقص بأي وجه من الوجوه؛ عبارة عن القوة، ومنه: الأرضُ العزاز، العزاز يعني الصلبة القوية. على كل حال، العزة بجميع أنواعها؛ هذه الثلاثة كاملة لله تبارك وتعالى، ومِن عزَّتِه أخذ المكذبين؛ ولهذا قال المؤلف: (ينتقم من الكافرين)، وهذا يعود إلى أي أنواع الثلاثة؟ * طالب: إلى عزة القهر. * الشيخ: إلى عزة القهر. (﴿الرَّحِيمُ﴾ يرحَمُ المؤمنين)، ولو أنَّ المؤلفَ أبقاها على عمومها لكان أولى، لكنه لما قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣] أخذ المؤلف يُقَيِّد كلمة الرحيم بالمؤمنين، ولكن ينبغي أن يكون عامًّا؛ لأن عزته لا تقتضي انتقامه، بل قد يمنعُ الانتقام هذه الرحمة التي تُختص به، فالجمع هنا بين العزة والرحمة بين هاتين الصفتين للتَّناسُبِ البالِغ؛ لأن من اجتماعهما يحصُل كمالٌ، فهو بعزته ذو رحمة؛ لأن لو قارنَّا بين العِزَّة والرحمة في صفات المخلوقين لوجدنا أنهما لا يجتمعان في الغالب، وأنَّ العزيز الذي يرى نفسه قاهرًا في الغالب لا يكون فيه رحمة، فاجتماع الصفتين يحصل بهما كمالٌ على الكمال؛ عزة ورحمة، ثم اجتماعهما كمال، سيكون مع العزة رحيمًا، لا يؤاخِذُ ولا ينتقم؛ ولهذا لم يعجل الله سبحانه وتعالى العقوبة للظالم، ولكنه بحكمته يُمْلِي له حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه. * طالب: هو ضمير فصل؟ * الشيخ: إي نعم، هو ضمير فصل. * طالب: اللام. * الشيخ: اللام للتوكيد. * طالب: عزة الامتناع، أيش معناها؟ * الشيخ: عزة الامتناع معناها أنه يمتنع عليه النقص. * طالب: (...) القدرة. * الشيخ: الله أعلم، بل إن الله سبحانه وتعالى جعل بعد الموت لغة عربية؛ لأنه في الآخرة الظاهر أنَّ اللسان عربي، مثلما جاء في الحديث: «إِنَّ لِسَانَ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (٥٥٨٣)، والحاكم في المستدرك (٧١٧٥) من حديث ابن عباس.]] والظاهر، والله أعلم أنه في الآخرة يكون عربيًّا؛ ولهذا أخطأ من قال: إن الملكين يسألان الميت باللغة السريانية، والظاهر من هذا أنه مُتَلقى من النصارى بالذات؛ لأن هي لغة الإنجيل زعموا أن الملكين يسألان المرء عن ربِّه ودينة بالسريانية، (...) باللغة العربية. * طالب: (...) يريدون (...). * الشيخ: ما أدري، ما ذكرها (...). * طالب: (...). * الشيخ: الحديث ضعيف، لكن المعنى يشهد له؛ لأن غالبَ أهلِ الجنة من هذه الأمة من المسلمين، إما أن يقال: القرآن اللي هو أشرف الكتب المنزلة هو باللسان عربي (...).

الشعراء 26:10

الطالب: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء ١١ - ١٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠] في القرآن الكريم يُكْثِر الله تبارك وتعالى من ذكر قصة موسى، وما جرى له مع فرعون، ومع بني إسرائيل؛ وذلك ليستعدَّ النبيُّ ﷺ لليهود الذين في المدينة حتى يعرف من أمرهم ما لم يكن معروفًا عنده؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا بَعَث أحدًا أخبره بحالِ المبعوثِ له، كما قال لمعاذ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس.]] ليستعد لهم. وقد كرر الله تعالى قصة موسى مختصرة، ومبسوطة لهذا الغرض لُيبيِّن حال هؤلاء اليهود الذين هم (...)، أو الذين هم من سكان دار الهجرة. وفي درس أمس بيَّن اللهُ تبارك وتعالى أنَّ المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ﴾ [الأنبياء ٢]. وسبق البحثُ في قوله: ﴿مُحْدَثٍ﴾، ما المراد بذلك؟ يعني: قيل: المراد بـ(محدث) أي: إنزاله، أو محدث هو أي: الذكر، وأيهما أرجح ؟ * الطالب: الأرجح أنه الذكر. * الشيخ: الجواب الثاني. * الطالب: الجواب الثاني؛ لأنه إذا قلنا: إنه مُحدَث إنزاله (...)، قوله: وما يأتيهم (...). * الشيخ: (...) بيان على إحداث النزول. وأيضًا إنه لو كان الثالث لكان النعت سببيًّا؛ يعني: الموصوف به غير (...)، والأصلُ خلافُ ذلك، الأصل أن يكون النعتُ حقيقيًّا، (...)، بل لما يتصل به، والأمرُ ليس كذلك. تقدَّم أن المراد بالأنباء هنا العاقبة؛ لأنهم أُنْبِئوا بها، فالمراد بإتيان النَّبأ إتيانُ المنبأ به، وهو العاقبة. وسبق أيضًا أن الله تعالى.. تقدم أن المراد بالأنباء هنا العاقبة؛ لأنهم أنبؤوا بها، فالمراد بإتيان النبأ إتيان المنبأ به، وهو العاقبة، وسبق أيضًا أن الله تعالى أراد أن يبين تمام قدرته، حيث أشار إلى ما أنبت في هذه الأرض من الأصناف والأنواع الحسنة البهيجة، وأن في ذلك آية، لكن لمن كان مؤمنًا ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ والآية هي بنفسها آية، ولكنه لا ينتفع بها إلا المؤمن، فإذا لم ينتفع بها أحد ما صارت بالنسبة إليه آية. ولهذا قيدها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٨] أي: لا ينتفعون بها، ثم ختم الآية بذكر عزته ورحمته ليجمع بين الترغيب والترهيب، الترهيب بالعزة، والترغيب بالرحمة، ثم بدأ الله تعالى بذكر قصص الأنبياء، مقدمًا ذكر قصة موسى؛ لطولها، ولأهميتها بالنسبة للنبي ﷺ. وقال: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠] إذ: هذه ظرف، عاملها محذوف، التقدير ما قدره المؤلف، (﴿وَ﴾ اذكر يا محمد لقومك ﴿إذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ ليلة رأى النار والشجرة) إلى آخره. ﴿إِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ ناداه؛ أي: دعاه بصوت مرتفع؛ لأن النداء لا يكون إلا بصوت عالٍ، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم ٥٢] فالنداء يكون للبعيد، ويلزم أن يكون بصوت عالٍ، وأما المناجاة فهي للقريب. ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ هو ابن عمران عليه الصلاة والسلام، وقوله: ﴿رَبُّكَ﴾، الإضافة هنا للتخصيص، وليس للتخصيص أنه ليس رب غيرك، ولكنها ربوبية خاصة؛ لأن ربوبية الله نوعان، كما أن عبوديته نوعان. ﴿رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾، ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾ (أن) هذه تفسيرية؛ لأنه سبقها معنى القول دون حروفه، وأن إذا سُبقت بمعنى القول دون حروفه تُسمى تفسيرية، ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾، ومثلها ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧] فإن الوحي فيه بمعنى القول دون حروفه، فيعربون مثل هذه بأنها تفسيرية، ولهذا قال الشارح أو المفسر: (أي بأن ﴿ائْتِ﴾ ). وقول المؤلف: (ليلة رأى النار، والشجرة) ليلة رأى النار صحيحة ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه ١٠]، وكذلك الشجرة، ولكنه التزم بأنه رآها فيه نظر؛ لأن سورة القصص ما تدل على أنه رآها، ويش لفظ الآية؟ * طالب: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص ٣٠]. * الشيخ: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص ٢٩، ٣٠] فلا يتبين من القرآن أنه رأى الشجرة، إنما يتبين أن الصوت سمعه من قبل الشجرة. (﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ رسولًا) لأنه ليس المراد أنه يأتيهم فقط، بل يأتيهم بالرسالة، و﴿الْقَوْمَ﴾ الجماعة، و﴿الظَّالِمِينَ﴾ سيأتي في كلام المؤلف معنى الظلم هنا. (﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ معه، ظلموا أنفسهم بالكفر بالله، وبني إسرائيل باستعبادهم) من الظالمين المعتدين الناقصين حق الله، وحق العباد، أما حق الله فإنهم كفروا به وأشركوا به، وقد قال الله تعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣] وأما حق الإنسان فقد استعبدوا بني إسرائيل، وصاروا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم. وفي قوله: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء ١٠، ١١] تخصيص بعد تعميم، أو بيان بعد إجمال؛ لأن القوم الظالمين مبهم، لكن قوم فرعون مبين، وفائدة الإبهام، ثم البيان بعده التأكيد من وجه، وبيان الاهتمام به من وجه آخر، وتلقي السمع له بالقبول من وجه ثالث. أما التأكيد؛ فلأنه كُرر مرتين، مرة مجملًا، ومرة مبينًا، وهذا التأكيد، وأما الاهتمام به؛ فلأن ذكره مؤكدًا دليل على أنه مهتم به، وأما تلقي السمع له بالقبول؛ فلأنه إذا جاء اللفظ مجملًا بقي الذهن يدور، ما هذا؟ ومن هؤلاء؟ مثلًا، فإذا أتى البيان إليه بعد ذلك أتى إلى ذهن متشوق حريص على معرفة هذا المبهم فيتلقاه بالقبول أكثر؛ لأنه متشوق إليه ومتطلع إليه، فهذه فوائد البيان بعد الإجمال. وفي وصفهم بالظلم قبل بيانهم؛ أي: في هذه الآية إشارة إلى عظم أمرهم حيث قدم الوصف على الموصوف في الحقيقة؛ لأنه عندما يُقال: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يتصور الإنسان ويعرف أنهم ظلمة، فإذا جاء بيانهم جاء بعد الحكم عليهم بهذا الوصف مما يدل على قبح ما هم عليه من هذا الأمر ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. (﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري ﴿يَتَّقُونَ﴾ الله بطاعته فيوحدونه). قوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ يحتمل أنه من المرسل به؛ يعني قل لهم: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾، ويحتمل أنه من كلام الله سبحانه وتعالى لموسى؛ ليبين له حالهم، وأنهم متجنبون للتقوى، وأن الأليق بهم أن يتقوا الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿أَلَا﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، مقتضى كلامه أن نقول: الهمزة للاستفهام، و(لا) نافية؛ يعني: أهم لا يتقون، وأنه لا يصح أن نجعلها للعرض: ألا تنزل عندنا فتصيب خيرًا؟ ويكون المقصود بقوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ عرض التقوى عليهم مع أنها (...). * طالب: (...). * الشيخ: لا، عرضها عليهم. * الطالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...). * الشيخ: فالمهم إنها على كلام المؤلف تعرب الهمزة وحدها و(لا) وحدها، وتكون الهمزة للاستفهام و(لا) نافية، وعلى الاحتمال الذي ذكرنا أن تكون بالعرض؛ يعني: أعرض عليهم التقوى ملزمًا لهم بها، وسبق أن المراد بالتقوى اتخاذ الوقاية من عذاب الله. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، تحتمل، ولا يتنافى المعنيان. * طالب: المؤلف ماذا يريد؟ * الشيخ: المؤلف يريد الهمزة وحدها، و(لا) نافية، الهمزة للاستفهام، و(لا) نافية؛ يعني أهم لا يتقون. ثم قال: (﴿قَالَ﴾ موسى ﴿رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ) هذا جواب موسى عليه الصلاة والسلام لله مبينًا له حاله، حتى يكون الأمر لديه -أي: لدى موسى- واضحًا فينشط ويقوى، وليس المراد بهذا معارضة أمر الله، فإن موسى لم يعارض أمر الله عز وجل، ولكن يريد أن يستبين الأمر؛ ماذا تكون حاله مع فرعون وقد اتصف بهذه الصفات، وهي الخوف ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ (أن) هذه مصدرية؛ يعني: أخاف تكذيبهم إياي، والمراد بالخوف هنا (...)؛ يعني: إني أتوقع ذلك ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم منهم هذا الأمر وعتوهم واستكبارهم والتزامهم بعبادة فرعون. وقوله: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ من تكذيبهم لي) فيه إشكال؛ حيث رُفِع مع أنه يلي المنصوب ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ لأن (أن) هذه مصدرية، و(يكذبونِ) منصوبة بها بحذف النون، والنون الموجودة للوقاية، وأصلها: يكذبونني، ثم حُذفت النون الأولى للناصب، وحذفت الياء للتخفيف، لكن ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ لم يقل: ويضيقَ صدري. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...) الاختلاف؛ يعني (...). * الشيخ: هنا يخافهم، ويقول: أنا أخاف يكذبوني، وأخاف يضيق صدري ولا ينطلق لساني. * طالب: (...). * الشيخ: إذن معناه أنه: أخاف أن يكذبونِ، وأخاف أن يضيق صدري بتكذيبهم. * الطالب: (...). * الشيخ: ناسخ، معطوفة على أخاف ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ وإني يضيق صدري بتكذيبهم، ولا ينطلق لساني، إلى آخره. * طالب: (...). * الشيخ: ما يخالف؛ يعني لأن يكذبوني، هذه ما تعدو أن تكون مفعولًا فقط، مفعولًا به مثل: ضربت زيدًا وأكرمته. وقوله: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ من تكذبيهم لي)، ضيق الصدر: عدم انشراحه وانبساطه، وهذا أمر فطري؛ أن الإنسان إذا خولف فسوف يضيق صدره كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يضيق صدره، ولكن الله تعالى يسلي رسله بأن لا تضيق صدورهم، ولا يحزنوا على هؤلاء المكذبين؛ لأن لهم يومًا يحاسبهم الله تعالى فيه، والرسل مبلغون فقط. ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ يقولون: إن ضيق الصدر من أسباب حدوث الضغط، ولهذا ينصحون المصابين بالضغط ينصحونهم أن يتجنبوا الغضب وما يحزنهم ويضيِّق صدورهم؛ لأن هذا في الحقيقة هو الواقع؛ لأن الضغط يستلزم ضيق الصدر، وضيق التنفس، وضيق الأرض على الإنسان، فإذا عَرَّض نفسه لما (...) ذلك ازداد عليه الضغط، فإذا عود نفسه الانبساط، والانشراح وعدم الاكتراث بالنوازل، فإنه يحصل خيرًا كثيرًا، ويبقى دائمًا في سرور، لا سيما إذا كان محتسبًا ومؤمنًا بالقدر. قال: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ بأداء الرسالة للعقدة التي فيه)، وهذه العقدة هي معنوية ولّا حسية؟ * طالب: معنوية (...). * الشيخ: لا، (...) الجمرة هذه باطلة، قصة إسرائيلية ما هي مقبولة، لكنها يحتمل أن تكون معنوية، بمعنى أنه لا يستطيع التعبير بانطلاق وفصاحة؛ لقوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه ٢٧، ٢٨]، وقول فرعون في وصفه: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢] ويحتمل -وهو أقرب- أن فيه لكنة، إما سرعة في القول بالنطق بالحروف، بحيث تتتابع الحروف حتى لا تفهم؛ لأن من الناس من يكون كذلك، ما في لسانه عقدة حسية، لكنه تترادف الحروف في كلامه بحيث لا تدري ما يقول؛ أو لأنه فيه لكنة لا تتبين الحروف من كلامه، وكل هذا محتمل؛ إنما يدل على أن هذه العقدة ليست كما ذكر من الجمرة؛ لأنها أثر حسي يمنعه من الكلام فهي أثر خلقي؛ يعني بأصل الخلقة، ويحتمل أنها من جهة البيان؛ يعني ليس فصيحًا في خطابه، وبيانه وإقناعه لكن الأول أولى؛ أي أنها عقده معنوية، وذلك بصفة الكلام، بحيث لا تتبين الحروف من كلامه إما لعجلته، وإما للثغته أو غير ذلك. (﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى﴾ أخي ﴿هَارُونَ﴾ معي)، أرسل إليه؛ يعني ابعث له بالرسالة حتى يكون مُعينًا، ووزيرًا له، وقد قيل: إنه لا يوجد أحد أشد منه على أخيه من موسى على أخيه هارون؛ لأنه تسبب بأن يكون في المقام الأعلى من مقامات بني آدم الذين أنعم الله عليهم، وهي الرسالة، حيث قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾. ثم بَيَّن مانعًا آخر غير التكذيب، فقال: (﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ بقتل القبطي منهم ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ ) هذا خوف آخر ناتج عن معاملته معهم، والأول خوف يتعلق بالرسالة، وهذا خوف يتعلق بالمعاملة معهم، ولهذا في الأول قال: ﴿أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ما قال: أن يقتلون، ولا كان يتصور أن يُقْتَلَ إذا جاء بالرسالة، ولهذا قال في الثاني: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ بأي شيء؟ مثلما قال المؤلف: (بقتل القبطي منهم). وقصته مشهورة في سورة القصص، حيث إنه عليه الصلاة والسلام كان رجلًا قويًّا وشديدًا، فخرج ذات يوم، فوجد في المدينة رجلين يقتتلان، أحدهما من شيعته من بني إسرائيل، والثاني من عدوه الأقباط، فاستنجد به الإسرائيلي فوكز موسى القبطي حتى مات، وفي اليوم الثاني خرج، ووجد صاحبه الإسرائيلي مع رجل آخر، فقال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨]، وأراد أن يبطش بالعدو، فظن الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به؛ لأنه وبخه، وقال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فلما تهيأ للبطش ظن أنه سيبطش به فقال الإسرائيلي: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [القصص ١٩]، الله يكفيك شر من تحسن إليه، لما قال هكذا انتبه لها القبطي، فدل على موسى بهذا السبب، موسى عليه الصلاة والسلام خرج خائفًا يترقب، ولجأ إلى الله سبحانه وتعالى قال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٢١] فنجاه الله ومَنَّ عليه بالرسالة. * طالب: (...). * الشيخ: ما يتعلق بشيء، اقرأ الآيات (...). * طالب: (...). * الشيخ: ما هو السياق كله في سياق الرجل الذي (...) ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨]، (...) لكن موسى ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [القصص ١٩]. يقول: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي: يقتلونني به، وحُذفت الياء للتخفيف، والنون نون الفعل حُذفت للنصب، ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ به.قال الله تعالى (﴿كَلَّا﴾ أي لا يقتلونك ﴿فَاذْهَبَا﴾ أي: أنت وأخوك ففيه تغليب الحاضر على الغائب)، وفيه: أيضًا أن الله تعالى أجاب دعاء موسى كما قال في سورة طه: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه ٣٦] أجابه، وأرسل إلى هارون بالرسالة ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا﴾ الباء للمصاحبة، المصاحبون لآيات الله؛ أي: العلامات الخاصة به التي تدل عليه وحده دون غيره، والآيات التي ذهب بها هو الوحي، والثاني: العصا، والثالث: اليد، هذه الآيات التي كانت عند الوحي إليه. ثم تلاها بعد ذلك تسع آيات كما هو واضح، هذه الآيات الثلاث منها آية معنوية، وآيتان حسيتان مناسبتان للأصل؛ لأن انقلاب العصا حية يشبه السحر، وليس بالسحر؛ لأن هذا حقيقة، والسحر خيال، وأيضًا كون اليد إذا أدخلها في جيبه تخرج بيضاء من غير سوء؛ يعني من غير برص، ونقص هذا أيضًا مثل السحر، ولكنه ليس بسحر، فيكون آية من آيات الله سبحانه وتعالى المعجزة لهؤلاء أن يأتوا بمثلها. (﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ ما تقولون، وما يُقال لكم، أُجري مجرى الجماعة)، أما قوله: ﴿إِنَّا﴾ فالضمير لله سبحانه وتعالى بلفظ الغلبة، ما قال: إنني، مع أنه في سورة طه، قال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، لكن هنا ذكر ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ فكان المبالغة حصلت بانضمام الأمرين: السمع والرؤية، وهنا ما ذكر إلا الاستماع فقط، ولهذا جاء في صورة العظمة بالنسبة للمبتدأ. وقول: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ولم يقل: معكما، كما قال في سورة طه، يقول المؤلف: (أُجري مجرى الجماعة)، والجواب عن هذا، هذا ما قال المؤلف أن يقول: أُجري الاثنان مجرى الجماعة، وإذا قلنا: بأن أقل الجمع اثنان. * طلبة: (...). * الشيخ: (...)، إذا قلنا بأن أقل الجمع اثنان نقول هذا، وإن كان بلفظ الجمع، لكنه دال على الاثنين باعتبار المراد اللغوي، فلا حاجة إلى التأويل. وإذا قلت: إنه لما كان موسى وهارون والآيات، كأنها صارت ثلاثة، وإن كانت الآيات ليست (...) ولكنها مؤيدة؛ لأن التأييد يكون بالأدلة وبقوة الداعي والمستدل، ويحتمل أيضًا أنه جمعها باعتبار أن موسى وهارون سيكون لهم قوم، ويكون الاستماع بموسى وهارون بقومهما. ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦] يقول: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ وهنا قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ فدل ذلك على أن القوم والآل إذا أضيفت إلى الشخص دخل فيهم، فقوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٦] لا يدل على نجاة فرعون؛ لقوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود ٩٨] فهو أولهم، وهنا أيضًا قال: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠]، ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ مما يدل على أن (القوم) إذا أُضيفت فأول ما يدخل فيها من أُضيفت له ما لم يمنع من ذلك مانع حسي كموته مثلًا، فإنه إذا مات ما عاد يكون فائدة في الإتيان إليه لكن إذا كان موجودًا فهو أول من يدخل في قومه. ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يبين الله تعالى صفة القول، بل بين هنا المقول، لكنه في سورة طه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه ٤٤]، أمروا أو أمر موسى، وهارون بأن يقولا: إنهما رسول من الله، وأن يقولا ذلك بلهجة لينة لا بلهجة قاسية؛ لأن القاسي إذا قُوبل بلهجة قاسية قسى أكثر، وإذا قُوبل بلهجة لينة اجتمع لين وقاس فلا يحصل الصدم، والاصطدام بينهما، وهذا من الحكمة في الدعوة، أما الإنسان إذا كان عاتيًا جبارًا فلا ينبغي أن يُقابل بالعتو والجبروت؛ وذلك لأنه لا يزيد الأمر إلا شدة، يُقابل باللين حتى تقوم عليه الحُجَّة. (﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا﴾ أي كلًّا منا ﴿رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ) قدر المؤلف: (أي كلًّا منا)؛ لأجل التناسب مع المبتدأ الذي هو اسم (إنَّ) والخبر الذي هو رسول ﴿إِنَّا رَسُولُ﴾. وفي آية أخرى ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه ٤٧] بالتثنية، وهنا بالإفراد فقدر المؤلف أو خرج المؤلف في الآية على أن المعنى: كل واحد منا، وقد مر قريبًا قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤] أي: اجعل كل واحد منا، هذا أحد الوجوه. وجه آخر أن رسول بمعنى الرسالة؛ بمعنى المصدر اسم مصدر، والمصدر إذا وُصف به يستوي فيه المفرد، وغيره. ووجه ثالث: أن يُقال: إن الأصل في الرسالة موسى وهو واحد، وهارون معينٌ ووزير، وإلا فالأصل أن موسى هو الرسول كما (...) السيرة ذكر موسى بدون ذكر هارون. ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يقل: إني رسول الله؛ لأنهم سيقابلون شخصًا يدعي الربوبية أنه الرب، فيتبين له من أول الأمر أن الربوبية ليست له، وإنما هي لله ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والعالَمون كل من سوى الله فهو عالَم، فكل المخلوقات عالَم، ومع ذلك ربما تُضاف إلى أنواعها، فيُقال: عالم البشر، عالم الجن، عالم الإبل عالم كذا، عالم كذا، لكن إذا جُمعت هكذا شملت جميع الأنواع، فكل من سوى الله فإنه عالَم قالوا: وسموا عالمًا؛ لأنهم علم على خالقهم. (﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إليك)، المؤلف قَدَّر (إليك) للإيضاح، وإلا فلا حاجة؛ لأنهم يخاطبونه فقولهم: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لولا أنه لم يكن هناك فائدة من خطابهم إياه، فهم رسول رب العالمين إليه (﴿أَنْ﴾ أي: بأن ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا﴾ إلى الشام ﴿بَنِي إسْرَائِيل﴾ فأتياه) إلى آخره. قوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٧] الإرسال يُطلق بمعنى الإطلاق؛ يعني أطلقهم؛ لأنه كان قد ضيق عليهم الخناق، وعذبهم بكونه يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم، فطلب موسى عليه الصلاة والسلام منه أن يرسل معه بني إسرائيل، ويطلقهم، ولكن ستأتي المناقشة بينه وبين موسى فيما بعد إن شاء الله. * يستفاد من هذه الآيات أولًا: إثبات النداء لله سبحانه وتعالى، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: فيكون كلامه بصوت على هذا، وأنه بحرف. * ويستفاد أيضًا من الآية: أنه بحرف. * طالب: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. * الشيخ: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ فإن ﴿ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ [الشعراء ١٠، ١١] كلها حروف. وفي هذا دليل على فضل الله سبحانه وتعالى على الخلق، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: إرسال الرسل، نعم، إرسال الرسل دليل على فضل الله على الخلق وعنايته بهم؛ لأن الخلق مهما أُوتوا من ذكاء لا يمكنهم أن يدركوا ما يجب لله سبحانه وتعالى على التفصيل، العاقل يدرك ما يجب لله على وجه الإجمال، فإدراكه أن له الكمال المطلق، وأنه مستحق للعبادة لكن على وجه التفصيل لا يمكن إلا عن طريق الرسل، ولهذا قال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥] وفي هذا دليل على سوء حال فرعون وقومه، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...). وفيه دليل على أنه لا بأس بالإجمال في الكلام، بشرط أن يكون (...)، من أين نأخذه؟ ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء ١٠] ما فائدة الإجمال ثم التفصيل بعده؟ * طالب: (...). * الشيخ: المعنى؟ الاهتمام به؛ (...) لأنه يكون متشوفًا، ومتطلعًا إلى بيان هذا المجمل، فيأتيه وهو على (...)، وفي الحديث أيضًا من الفوائد دليل على جواز الخوف الطبيعي، وأنه ليس بشرك، من أين تأخذه؟ (...) أي: الخوفين؛ لأنه يخاف مرتين ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء ١٢] و﴿أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء ١٤]. أو قلنا: إن المراد بالخوف هنا لازِمُهُ، وهو التوقع؛ لأنه يتوقع هذا (...)، يقول: ﴿أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء ١٢]، أنا أظن أنهم يكذبونني، ليس معنى أنه يخاف خوف ذعر، الذعر الذي يقع في النفس، وبمعنى التوقع، وفي هذا دليل على جواز بيان الإنسان حاله إذا لم يقصد به الشكوى، قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ فإن هذا وصف له بالضعف، نعم، وعدم التحمل نفسيًّا بضيق الصدر، وعدم البيان المتقن بكونه لا ينطلق لسانه، وفيه دليل على جواز ذكر الوسائل التي تستوجب القبول في الدعاء، إذ إنه ذكر أنه ما يستطيع لكونه يضيق صدره، ولا ينطلق لسانه، وهذا من باب توسل الداعي، ذِكْر حالِهِ هذه من الوسائل التي تستوجب قبول دعائه. وفي هذا إثبات المعية لله عز وجل، وهل المعية حقيقية ولّا مجاز؟ * طالب: (...). * الشيخ: إذا كانت حقيقية ألا يكون ذلك موجبًا للقول (...)؛ يعني مثلًا: أنت الآن (...) بأن المعية في الأصل المشاركة في المكان ولّا لا؟ تقر بهذا أن المعية في الأصل تستلزم المشاركة في المكان. * طالب: لا شك. * الشيخ: لا شك. * طالب: (...). * الشيخ: ترى تقتضي غير تستلزم؟ تقتضي؛ يعني (...) هذا أو تستلزم. * الطالب: (...). * الشيخ: تستلزم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أنا أقول: المعية مطلقًا؛ لأجل أن يتوصل إلى دعوة (...)، فلماذا يؤولون المعية، ثم ينكرون علينا تأويل اليد. * طالب: (...). * الشيخ: لا تستلزم المشاركة في المكان ولا الاختلاط (...)؛ لأن المعية في حقيقة الله معناها المصاحبة المطلقة، ولكنها في كل شيء بحسبه ولّا لا؟ تقول مثلًا: اللبن معه ماء، سقاني لبنًا معه ماء، هذه تقتضي الامتزاج والاختلاط. (...). واستصحاب الدليل؛ لقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، والعلم بالمدافع، وهو قوله: ﴿مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ فكل شيء يحتاج إلى تشجيع، فينبغي للإنسان أن يظهر تشجيع صاحبه حتى ينشط ويؤدي الرسالة على الوجه الأكمل، وفي هذا دليل على أن القوم والأهل وما أشبه ذلك إذا أُضيفت دخل فيها من أضيفت له، نأخذه من قوله: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، ثم قال في آخر الآيات: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ فدل ذلك على أن فرعون منهم. وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي أن يُخَاطَبَ الإنسان بما تقتضيه حاله، فمنكر الربوبية نخاطبه بإثبات الربوبية، ومنكر الألوهية نثبته بإثبات الأولوهية، وهكذا، تؤخذ من أين؟ من قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]. * طالب: ها دول قوم فرعون. * الشيخ: لا، فرعون معهم. * الطالب: فرعون وقومه (...). * الشيخ: إي نعم، وقال له أيضًا موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء ١٠٢]. * طالب: فرعون، هذا الدليل واضح عليه، وفي غير فرعون ممن جحد (...) هل هناك دليل صحيح بأنه (...) يقينًا (...). * الشيخ: نعم الدليل عقلي. * طالب: شرعي؛ يعني ما فيه. * الشيخ: لا، شرعي ما فيه؛ لأن الشرعي ما يمكن يتحدث عن أمر ما بعد وقع؛ لأن في الموجودين الآن اللي ينكرون يقولون بلا خالق؟ * الطالب: إلا بالقياس (...). * الشيخ: إلا بالقياس؟! لا، وبالعقل أيضًا، كل إنسان عاقل ما يمكن يدعي إن هذه الأمور حدثت بدون محدث أبدًا لا، إحنا ما علمنا أحدًا أنكر، ونرى أنه لا يمكن أيضًا، وأنه إذا أنكرها بلسانه فإن قلبه يعترف إلا أن يكون غير عاقل؛ يعني قد يكون بعض الناس مقلدًا تقليدًا محضًا، ولا يفكر مثل عوام الشيوعيين، وغيرهم هؤلاء فيما يظهر أنهم ما يفكرون بهذه الأمور؛ لأنهم عاشوا في بيئة من الأصل تقول: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وإنه ما فيه بعث ولا فيه رب ولا فيه شيء أبدًا، مثل دول يمكن أن يكونوا منكرين بقرارة قلوبهم، أو نفوسهم (...) بس انقطع عن المعارضة. * طالب: انقطع عن المعارضة. * الشيخ: ما يلزم أنه يؤمن، يمكن يستكبر ولا يؤمن. * طالب: (...) دليلًا. * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على (...). * الشيخ: عجز عن المعارضة. * الطالب: نعم اعترف (...). * الشيخ: لأنه قال: أنا أحيي وأميت، فعارض تمويها ثم بعد ذلك عجز. * طالب: (...) أقر. * الشيخ: لا، ما أقر؛ لأنه ما قال: فأقر. * طالب: بهت. * الشيخ: بهت، عجز، ويش معنى بهت؟ * الطالب: انقطع (...). * الشيخ: إي، هذه، لكن لا يلزم من عدم قيام الحجة، أو من قيام الحجة على الخصم أن يقر، ربما يستكبر. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، إحنا الآن نقول فيه من أنكر باللفظ. * طالب: لا، بقلبه. * الشيخ: لا، ما تدل الآية على أنه أنكر بقلبه حتى لو بُهت، ما فيه دليل على أنه أنكر بقلبه، لا تدل على أنه أقر بالإيمان، ولا على أنه أنكر المعنى؛ لأنه قال لما قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، ما قال: إنه ما لك رب، جعل نفسه ندًّا لله، قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فأورد عليه الإيراد اللي عاد ما (...) يتخلص منه، ذكر ثلاث علل استبيانًا للأمر أمام هذه العلل، وهي: تكذيبهم، وأنه يضيق صدره، وأنه لا ينطلق لسانه، فبين الله سبحانه وتعالى أن ذلك لا يؤثر، فقال: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٥، ١٦]، وهما سيمتثلان هذا الأمر؛ لأنهما يعلمان أن الله تعالى معهما مستمع لما يقول فرعون، وما يقولون له، ونفذ هذه الرسالة بأمر الله تبارك وتعالى. وتقدم أيضًا أنهم طلبوا منه أن يرسل معهما بني إسرائيل، المؤلف يقول: يرسلهما إلى الشام، ولكن ليس في القرآن ما يدل على ذلك؛ أي أنهما طلبا أن يرسل معهما بني إسرائيل إلى الشام، بل المراد بالإرسال هنا الإطلاق من الاستعباد والرق؛ لأنه كان يفعل ببني إسرائيل كذلك.

الشعراء 26:11

الطالب: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء ١١ - ١٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠] في القرآن الكريم يُكْثِر الله تبارك وتعالى من ذكر قصة موسى، وما جرى له مع فرعون، ومع بني إسرائيل؛ وذلك ليستعدَّ النبيُّ ﷺ لليهود الذين في المدينة حتى يعرف من أمرهم ما لم يكن معروفًا عنده؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا بَعَث أحدًا أخبره بحالِ المبعوثِ له، كما قال لمعاذ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس.]] ليستعد لهم. وقد كرر الله تعالى قصة موسى مختصرة، ومبسوطة لهذا الغرض لُيبيِّن حال هؤلاء اليهود الذين هم (...)، أو الذين هم من سكان دار الهجرة. وفي درس أمس بيَّن اللهُ تبارك وتعالى أنَّ المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ﴾ [الأنبياء ٢]. وسبق البحثُ في قوله: ﴿مُحْدَثٍ﴾، ما المراد بذلك؟ يعني: قيل: المراد بـ(محدث) أي: إنزاله، أو محدث هو أي: الذكر، وأيهما أرجح ؟ * الطالب: الأرجح أنه الذكر. * الشيخ: الجواب الثاني. * الطالب: الجواب الثاني؛ لأنه إذا قلنا: إنه مُحدَث إنزاله (...)، قوله: وما يأتيهم (...). * الشيخ: (...) بيان على إحداث النزول. وأيضًا إنه لو كان الثالث لكان النعت سببيًّا؛ يعني: الموصوف به غير (...)، والأصلُ خلافُ ذلك، الأصل أن يكون النعتُ حقيقيًّا، (...)، بل لما يتصل به، والأمرُ ليس كذلك. تقدَّم أن المراد بالأنباء هنا العاقبة؛ لأنهم أُنْبِئوا بها، فالمراد بإتيان النَّبأ إتيانُ المنبأ به، وهو العاقبة. وسبق أيضًا أن الله تعالى.. تقدم أن المراد بالأنباء هنا العاقبة؛ لأنهم أنبؤوا بها، فالمراد بإتيان النبأ إتيان المنبأ به، وهو العاقبة، وسبق أيضًا أن الله تعالى أراد أن يبين تمام قدرته، حيث أشار إلى ما أنبت في هذه الأرض من الأصناف والأنواع الحسنة البهيجة، وأن في ذلك آية، لكن لمن كان مؤمنًا ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ والآية هي بنفسها آية، ولكنه لا ينتفع بها إلا المؤمن، فإذا لم ينتفع بها أحد ما صارت بالنسبة إليه آية. ولهذا قيدها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٨] أي: لا ينتفعون بها، ثم ختم الآية بذكر عزته ورحمته ليجمع بين الترغيب والترهيب، الترهيب بالعزة، والترغيب بالرحمة، ثم بدأ الله تعالى بذكر قصص الأنبياء، مقدمًا ذكر قصة موسى؛ لطولها، ولأهميتها بالنسبة للنبي ﷺ. وقال: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠] إذ: هذه ظرف، عاملها محذوف، التقدير ما قدره المؤلف، (﴿وَ﴾ اذكر يا محمد لقومك ﴿إذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ ليلة رأى النار والشجرة) إلى آخره. ﴿إِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ ناداه؛ أي: دعاه بصوت مرتفع؛ لأن النداء لا يكون إلا بصوت عالٍ، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم ٥٢] فالنداء يكون للبعيد، ويلزم أن يكون بصوت عالٍ، وأما المناجاة فهي للقريب. ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ هو ابن عمران عليه الصلاة والسلام، وقوله: ﴿رَبُّكَ﴾، الإضافة هنا للتخصيص، وليس للتخصيص أنه ليس رب غيرك، ولكنها ربوبية خاصة؛ لأن ربوبية الله نوعان، كما أن عبوديته نوعان. ﴿رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾، ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾ (أن) هذه تفسيرية؛ لأنه سبقها معنى القول دون حروفه، وأن إذا سُبقت بمعنى القول دون حروفه تُسمى تفسيرية، ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾، ومثلها ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧] فإن الوحي فيه بمعنى القول دون حروفه، فيعربون مثل هذه بأنها تفسيرية، ولهذا قال الشارح أو المفسر: (أي بأن ﴿ائْتِ﴾ ). وقول المؤلف: (ليلة رأى النار، والشجرة) ليلة رأى النار صحيحة ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه ١٠]، وكذلك الشجرة، ولكنه التزم بأنه رآها فيه نظر؛ لأن سورة القصص ما تدل على أنه رآها، ويش لفظ الآية؟ * طالب: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص ٣٠]. * الشيخ: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص ٢٩، ٣٠] فلا يتبين من القرآن أنه رأى الشجرة، إنما يتبين أن الصوت سمعه من قبل الشجرة. (﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ رسولًا) لأنه ليس المراد أنه يأتيهم فقط، بل يأتيهم بالرسالة، و﴿الْقَوْمَ﴾ الجماعة، و﴿الظَّالِمِينَ﴾ سيأتي في كلام المؤلف معنى الظلم هنا. (﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ معه، ظلموا أنفسهم بالكفر بالله، وبني إسرائيل باستعبادهم) من الظالمين المعتدين الناقصين حق الله، وحق العباد، أما حق الله فإنهم كفروا به وأشركوا به، وقد قال الله تعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣] وأما حق الإنسان فقد استعبدوا بني إسرائيل، وصاروا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم. وفي قوله: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء ١٠، ١١] تخصيص بعد تعميم، أو بيان بعد إجمال؛ لأن القوم الظالمين مبهم، لكن قوم فرعون مبين، وفائدة الإبهام، ثم البيان بعده التأكيد من وجه، وبيان الاهتمام به من وجه آخر، وتلقي السمع له بالقبول من وجه ثالث. أما التأكيد؛ فلأنه كُرر مرتين، مرة مجملًا، ومرة مبينًا، وهذا التأكيد، وأما الاهتمام به؛ فلأن ذكره مؤكدًا دليل على أنه مهتم به، وأما تلقي السمع له بالقبول؛ فلأنه إذا جاء اللفظ مجملًا بقي الذهن يدور، ما هذا؟ ومن هؤلاء؟ مثلًا، فإذا أتى البيان إليه بعد ذلك أتى إلى ذهن متشوق حريص على معرفة هذا المبهم فيتلقاه بالقبول أكثر؛ لأنه متشوق إليه ومتطلع إليه، فهذه فوائد البيان بعد الإجمال. وفي وصفهم بالظلم قبل بيانهم؛ أي: في هذه الآية إشارة إلى عظم أمرهم حيث قدم الوصف على الموصوف في الحقيقة؛ لأنه عندما يُقال: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يتصور الإنسان ويعرف أنهم ظلمة، فإذا جاء بيانهم جاء بعد الحكم عليهم بهذا الوصف مما يدل على قبح ما هم عليه من هذا الأمر ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. (﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري ﴿يَتَّقُونَ﴾ الله بطاعته فيوحدونه). قوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ يحتمل أنه من المرسل به؛ يعني قل لهم: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾، ويحتمل أنه من كلام الله سبحانه وتعالى لموسى؛ ليبين له حالهم، وأنهم متجنبون للتقوى، وأن الأليق بهم أن يتقوا الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿أَلَا﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، مقتضى كلامه أن نقول: الهمزة للاستفهام، و(لا) نافية؛ يعني: أهم لا يتقون، وأنه لا يصح أن نجعلها للعرض: ألا تنزل عندنا فتصيب خيرًا؟ ويكون المقصود بقوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ عرض التقوى عليهم مع أنها (...). * طالب: (...). * الشيخ: لا، عرضها عليهم. * الطالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...). * الشيخ: فالمهم إنها على كلام المؤلف تعرب الهمزة وحدها و(لا) وحدها، وتكون الهمزة للاستفهام و(لا) نافية، وعلى الاحتمال الذي ذكرنا أن تكون بالعرض؛ يعني: أعرض عليهم التقوى ملزمًا لهم بها، وسبق أن المراد بالتقوى اتخاذ الوقاية من عذاب الله. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، تحتمل، ولا يتنافى المعنيان. * طالب: المؤلف ماذا يريد؟ * الشيخ: المؤلف يريد الهمزة وحدها، و(لا) نافية، الهمزة للاستفهام، و(لا) نافية؛ يعني أهم لا يتقون. ثم قال: (﴿قَالَ﴾ موسى ﴿رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ) هذا جواب موسى عليه الصلاة والسلام لله مبينًا له حاله، حتى يكون الأمر لديه -أي: لدى موسى- واضحًا فينشط ويقوى، وليس المراد بهذا معارضة أمر الله، فإن موسى لم يعارض أمر الله عز وجل، ولكن يريد أن يستبين الأمر؛ ماذا تكون حاله مع فرعون وقد اتصف بهذه الصفات، وهي الخوف ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ (أن) هذه مصدرية؛ يعني: أخاف تكذيبهم إياي، والمراد بالخوف هنا (...)؛ يعني: إني أتوقع ذلك ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم منهم هذا الأمر وعتوهم واستكبارهم والتزامهم بعبادة فرعون. وقوله: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ من تكذيبهم لي) فيه إشكال؛ حيث رُفِع مع أنه يلي المنصوب ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ لأن (أن) هذه مصدرية، و(يكذبونِ) منصوبة بها بحذف النون، والنون الموجودة للوقاية، وأصلها: يكذبونني، ثم حُذفت النون الأولى للناصب، وحذفت الياء للتخفيف، لكن ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ لم يقل: ويضيقَ صدري. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...) الاختلاف؛ يعني (...). * الشيخ: هنا يخافهم، ويقول: أنا أخاف يكذبوني، وأخاف يضيق صدري ولا ينطلق لساني. * طالب: (...). * الشيخ: إذن معناه أنه: أخاف أن يكذبونِ، وأخاف أن يضيق صدري بتكذيبهم. * الطالب: (...). * الشيخ: ناسخ، معطوفة على أخاف ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ وإني يضيق صدري بتكذيبهم، ولا ينطلق لساني، إلى آخره. * طالب: (...). * الشيخ: ما يخالف؛ يعني لأن يكذبوني، هذه ما تعدو أن تكون مفعولًا فقط، مفعولًا به مثل: ضربت زيدًا وأكرمته. وقوله: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ من تكذبيهم لي)، ضيق الصدر: عدم انشراحه وانبساطه، وهذا أمر فطري؛ أن الإنسان إذا خولف فسوف يضيق صدره كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يضيق صدره، ولكن الله تعالى يسلي رسله بأن لا تضيق صدورهم، ولا يحزنوا على هؤلاء المكذبين؛ لأن لهم يومًا يحاسبهم الله تعالى فيه، والرسل مبلغون فقط. ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ يقولون: إن ضيق الصدر من أسباب حدوث الضغط، ولهذا ينصحون المصابين بالضغط ينصحونهم أن يتجنبوا الغضب وما يحزنهم ويضيِّق صدورهم؛ لأن هذا في الحقيقة هو الواقع؛ لأن الضغط يستلزم ضيق الصدر، وضيق التنفس، وضيق الأرض على الإنسان، فإذا عَرَّض نفسه لما (...) ذلك ازداد عليه الضغط، فإذا عود نفسه الانبساط، والانشراح وعدم الاكتراث بالنوازل، فإنه يحصل خيرًا كثيرًا، ويبقى دائمًا في سرور، لا سيما إذا كان محتسبًا ومؤمنًا بالقدر. قال: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ بأداء الرسالة للعقدة التي فيه)، وهذه العقدة هي معنوية ولّا حسية؟ * طالب: معنوية (...). * الشيخ: لا، (...) الجمرة هذه باطلة، قصة إسرائيلية ما هي مقبولة، لكنها يحتمل أن تكون معنوية، بمعنى أنه لا يستطيع التعبير بانطلاق وفصاحة؛ لقوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه ٢٧، ٢٨]، وقول فرعون في وصفه: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢] ويحتمل -وهو أقرب- أن فيه لكنة، إما سرعة في القول بالنطق بالحروف، بحيث تتتابع الحروف حتى لا تفهم؛ لأن من الناس من يكون كذلك، ما في لسانه عقدة حسية، لكنه تترادف الحروف في كلامه بحيث لا تدري ما يقول؛ أو لأنه فيه لكنة لا تتبين الحروف من كلامه، وكل هذا محتمل؛ إنما يدل على أن هذه العقدة ليست كما ذكر من الجمرة؛ لأنها أثر حسي يمنعه من الكلام فهي أثر خلقي؛ يعني بأصل الخلقة، ويحتمل أنها من جهة البيان؛ يعني ليس فصيحًا في خطابه، وبيانه وإقناعه لكن الأول أولى؛ أي أنها عقده معنوية، وذلك بصفة الكلام، بحيث لا تتبين الحروف من كلامه إما لعجلته، وإما للثغته أو غير ذلك. (﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى﴾ أخي ﴿هَارُونَ﴾ معي)، أرسل إليه؛ يعني ابعث له بالرسالة حتى يكون مُعينًا، ووزيرًا له، وقد قيل: إنه لا يوجد أحد أشد منه على أخيه من موسى على أخيه هارون؛ لأنه تسبب بأن يكون في المقام الأعلى من مقامات بني آدم الذين أنعم الله عليهم، وهي الرسالة، حيث قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾. ثم بَيَّن مانعًا آخر غير التكذيب، فقال: (﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ بقتل القبطي منهم ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ ) هذا خوف آخر ناتج عن معاملته معهم، والأول خوف يتعلق بالرسالة، وهذا خوف يتعلق بالمعاملة معهم، ولهذا في الأول قال: ﴿أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ما قال: أن يقتلون، ولا كان يتصور أن يُقْتَلَ إذا جاء بالرسالة، ولهذا قال في الثاني: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ بأي شيء؟ مثلما قال المؤلف: (بقتل القبطي منهم). وقصته مشهورة في سورة القصص، حيث إنه عليه الصلاة والسلام كان رجلًا قويًّا وشديدًا، فخرج ذات يوم، فوجد في المدينة رجلين يقتتلان، أحدهما من شيعته من بني إسرائيل، والثاني من عدوه الأقباط، فاستنجد به الإسرائيلي فوكز موسى القبطي حتى مات، وفي اليوم الثاني خرج، ووجد صاحبه الإسرائيلي مع رجل آخر، فقال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨]، وأراد أن يبطش بالعدو، فظن الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به؛ لأنه وبخه، وقال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فلما تهيأ للبطش ظن أنه سيبطش به فقال الإسرائيلي: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [القصص ١٩]، الله يكفيك شر من تحسن إليه، لما قال هكذا انتبه لها القبطي، فدل على موسى بهذا السبب، موسى عليه الصلاة والسلام خرج خائفًا يترقب، ولجأ إلى الله سبحانه وتعالى قال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٢١] فنجاه الله ومَنَّ عليه بالرسالة. * طالب: (...). * الشيخ: ما يتعلق بشيء، اقرأ الآيات (...). * طالب: (...). * الشيخ: ما هو السياق كله في سياق الرجل الذي (...) ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨]، (...) لكن موسى ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [القصص ١٩]. يقول: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي: يقتلونني به، وحُذفت الياء للتخفيف، والنون نون الفعل حُذفت للنصب، ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ به.قال الله تعالى (﴿كَلَّا﴾ أي لا يقتلونك ﴿فَاذْهَبَا﴾ أي: أنت وأخوك ففيه تغليب الحاضر على الغائب)، وفيه: أيضًا أن الله تعالى أجاب دعاء موسى كما قال في سورة طه: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه ٣٦] أجابه، وأرسل إلى هارون بالرسالة ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا﴾ الباء للمصاحبة، المصاحبون لآيات الله؛ أي: العلامات الخاصة به التي تدل عليه وحده دون غيره، والآيات التي ذهب بها هو الوحي، والثاني: العصا، والثالث: اليد، هذه الآيات التي كانت عند الوحي إليه. ثم تلاها بعد ذلك تسع آيات كما هو واضح، هذه الآيات الثلاث منها آية معنوية، وآيتان حسيتان مناسبتان للأصل؛ لأن انقلاب العصا حية يشبه السحر، وليس بالسحر؛ لأن هذا حقيقة، والسحر خيال، وأيضًا كون اليد إذا أدخلها في جيبه تخرج بيضاء من غير سوء؛ يعني من غير برص، ونقص هذا أيضًا مثل السحر، ولكنه ليس بسحر، فيكون آية من آيات الله سبحانه وتعالى المعجزة لهؤلاء أن يأتوا بمثلها. (﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ ما تقولون، وما يُقال لكم، أُجري مجرى الجماعة)، أما قوله: ﴿إِنَّا﴾ فالضمير لله سبحانه وتعالى بلفظ الغلبة، ما قال: إنني، مع أنه في سورة طه، قال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، لكن هنا ذكر ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ فكان المبالغة حصلت بانضمام الأمرين: السمع والرؤية، وهنا ما ذكر إلا الاستماع فقط، ولهذا جاء في صورة العظمة بالنسبة للمبتدأ. وقول: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ولم يقل: معكما، كما قال في سورة طه، يقول المؤلف: (أُجري مجرى الجماعة)، والجواب عن هذا، هذا ما قال المؤلف أن يقول: أُجري الاثنان مجرى الجماعة، وإذا قلنا: بأن أقل الجمع اثنان. * طلبة: (...). * الشيخ: (...)، إذا قلنا بأن أقل الجمع اثنان نقول هذا، وإن كان بلفظ الجمع، لكنه دال على الاثنين باعتبار المراد اللغوي، فلا حاجة إلى التأويل. وإذا قلت: إنه لما كان موسى وهارون والآيات، كأنها صارت ثلاثة، وإن كانت الآيات ليست (...) ولكنها مؤيدة؛ لأن التأييد يكون بالأدلة وبقوة الداعي والمستدل، ويحتمل أيضًا أنه جمعها باعتبار أن موسى وهارون سيكون لهم قوم، ويكون الاستماع بموسى وهارون بقومهما. ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦] يقول: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ وهنا قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ فدل ذلك على أن القوم والآل إذا أضيفت إلى الشخص دخل فيهم، فقوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٦] لا يدل على نجاة فرعون؛ لقوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود ٩٨] فهو أولهم، وهنا أيضًا قال: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠]، ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ مما يدل على أن (القوم) إذا أُضيفت فأول ما يدخل فيها من أُضيفت له ما لم يمنع من ذلك مانع حسي كموته مثلًا، فإنه إذا مات ما عاد يكون فائدة في الإتيان إليه لكن إذا كان موجودًا فهو أول من يدخل في قومه. ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يبين الله تعالى صفة القول، بل بين هنا المقول، لكنه في سورة طه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه ٤٤]، أمروا أو أمر موسى، وهارون بأن يقولا: إنهما رسول من الله، وأن يقولا ذلك بلهجة لينة لا بلهجة قاسية؛ لأن القاسي إذا قُوبل بلهجة قاسية قسى أكثر، وإذا قُوبل بلهجة لينة اجتمع لين وقاس فلا يحصل الصدم، والاصطدام بينهما، وهذا من الحكمة في الدعوة، أما الإنسان إذا كان عاتيًا جبارًا فلا ينبغي أن يُقابل بالعتو والجبروت؛ وذلك لأنه لا يزيد الأمر إلا شدة، يُقابل باللين حتى تقوم عليه الحُجَّة. (﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا﴾ أي كلًّا منا ﴿رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ) قدر المؤلف: (أي كلًّا منا)؛ لأجل التناسب مع المبتدأ الذي هو اسم (إنَّ) والخبر الذي هو رسول ﴿إِنَّا رَسُولُ﴾. وفي آية أخرى ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه ٤٧] بالتثنية، وهنا بالإفراد فقدر المؤلف أو خرج المؤلف في الآية على أن المعنى: كل واحد منا، وقد مر قريبًا قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤] أي: اجعل كل واحد منا، هذا أحد الوجوه. وجه آخر أن رسول بمعنى الرسالة؛ بمعنى المصدر اسم مصدر، والمصدر إذا وُصف به يستوي فيه المفرد، وغيره. ووجه ثالث: أن يُقال: إن الأصل في الرسالة موسى وهو واحد، وهارون معينٌ ووزير، وإلا فالأصل أن موسى هو الرسول كما (...) السيرة ذكر موسى بدون ذكر هارون. ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يقل: إني رسول الله؛ لأنهم سيقابلون شخصًا يدعي الربوبية أنه الرب، فيتبين له من أول الأمر أن الربوبية ليست له، وإنما هي لله ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والعالَمون كل من سوى الله فهو عالَم، فكل المخلوقات عالَم، ومع ذلك ربما تُضاف إلى أنواعها، فيُقال: عالم البشر، عالم الجن، عالم الإبل عالم كذا، عالم كذا، لكن إذا جُمعت هكذا شملت جميع الأنواع، فكل من سوى الله فإنه عالَم قالوا: وسموا عالمًا؛ لأنهم علم على خالقهم. (﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إليك)، المؤلف قَدَّر (إليك) للإيضاح، وإلا فلا حاجة؛ لأنهم يخاطبونه فقولهم: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لولا أنه لم يكن هناك فائدة من خطابهم إياه، فهم رسول رب العالمين إليه (﴿أَنْ﴾ أي: بأن ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا﴾ إلى الشام ﴿بَنِي إسْرَائِيل﴾ فأتياه) إلى آخره. قوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٧] الإرسال يُطلق بمعنى الإطلاق؛ يعني أطلقهم؛ لأنه كان قد ضيق عليهم الخناق، وعذبهم بكونه يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم، فطلب موسى عليه الصلاة والسلام منه أن يرسل معه بني إسرائيل، ويطلقهم، ولكن ستأتي المناقشة بينه وبين موسى فيما بعد إن شاء الله. * يستفاد من هذه الآيات أولًا: إثبات النداء لله سبحانه وتعالى، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: فيكون كلامه بصوت على هذا، وأنه بحرف. * ويستفاد أيضًا من الآية: أنه بحرف. * طالب: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. * الشيخ: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ فإن ﴿ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ [الشعراء ١٠، ١١] كلها حروف. وفي هذا دليل على فضل الله سبحانه وتعالى على الخلق، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: إرسال الرسل، نعم، إرسال الرسل دليل على فضل الله على الخلق وعنايته بهم؛ لأن الخلق مهما أُوتوا من ذكاء لا يمكنهم أن يدركوا ما يجب لله سبحانه وتعالى على التفصيل، العاقل يدرك ما يجب لله على وجه الإجمال، فإدراكه أن له الكمال المطلق، وأنه مستحق للعبادة لكن على وجه التفصيل لا يمكن إلا عن طريق الرسل، ولهذا قال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥] وفي هذا دليل على سوء حال فرعون وقومه، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...). وفيه دليل على أنه لا بأس بالإجمال في الكلام، بشرط أن يكون (...)، من أين نأخذه؟ ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء ١٠] ما فائدة الإجمال ثم التفصيل بعده؟ * طالب: (...). * الشيخ: المعنى؟ الاهتمام به؛ (...) لأنه يكون متشوفًا، ومتطلعًا إلى بيان هذا المجمل، فيأتيه وهو على (...)، وفي الحديث أيضًا من الفوائد دليل على جواز الخوف الطبيعي، وأنه ليس بشرك، من أين تأخذه؟ (...) أي: الخوفين؛ لأنه يخاف مرتين ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء ١٢] و﴿أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء ١٤]. أو قلنا: إن المراد بالخوف هنا لازِمُهُ، وهو التوقع؛ لأنه يتوقع هذا (...)، يقول: ﴿أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء ١٢]، أنا أظن أنهم يكذبونني، ليس معنى أنه يخاف خوف ذعر، الذعر الذي يقع في النفس، وبمعنى التوقع، وفي هذا دليل على جواز بيان الإنسان حاله إذا لم يقصد به الشكوى، قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ فإن هذا وصف له بالضعف، نعم، وعدم التحمل نفسيًّا بضيق الصدر، وعدم البيان المتقن بكونه لا ينطلق لسانه، وفيه دليل على جواز ذكر الوسائل التي تستوجب القبول في الدعاء، إذ إنه ذكر أنه ما يستطيع لكونه يضيق صدره، ولا ينطلق لسانه، وهذا من باب توسل الداعي، ذِكْر حالِهِ هذه من الوسائل التي تستوجب قبول دعائه. وفي هذا إثبات المعية لله عز وجل، وهل المعية حقيقية ولّا مجاز؟ * طالب: (...). * الشيخ: إذا كانت حقيقية ألا يكون ذلك موجبًا للقول (...)؛ يعني مثلًا: أنت الآن (...) بأن المعية في الأصل المشاركة في المكان ولّا لا؟ تقر بهذا أن المعية في الأصل تستلزم المشاركة في المكان. * طالب: لا شك. * الشيخ: لا شك. * طالب: (...). * الشيخ: ترى تقتضي غير تستلزم؟ تقتضي؛ يعني (...) هذا أو تستلزم. * الطالب: (...). * الشيخ: تستلزم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أنا أقول: المعية مطلقًا؛ لأجل أن يتوصل إلى دعوة (...)، فلماذا يؤولون المعية، ثم ينكرون علينا تأويل اليد. * طالب: (...). * الشيخ: لا تستلزم المشاركة في المكان ولا الاختلاط (...)؛ لأن المعية في حقيقة الله معناها المصاحبة المطلقة، ولكنها في كل شيء بحسبه ولّا لا؟ تقول مثلًا: اللبن معه ماء، سقاني لبنًا معه ماء، هذه تقتضي الامتزاج والاختلاط. (...). واستصحاب الدليل؛ لقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، والعلم بالمدافع، وهو قوله: ﴿مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ فكل شيء يحتاج إلى تشجيع، فينبغي للإنسان أن يظهر تشجيع صاحبه حتى ينشط ويؤدي الرسالة على الوجه الأكمل، وفي هذا دليل على أن القوم والأهل وما أشبه ذلك إذا أُضيفت دخل فيها من أضيفت له، نأخذه من قوله: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، ثم قال في آخر الآيات: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ فدل ذلك على أن فرعون منهم. وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي أن يُخَاطَبَ الإنسان بما تقتضيه حاله، فمنكر الربوبية نخاطبه بإثبات الربوبية، ومنكر الألوهية نثبته بإثبات الأولوهية، وهكذا، تؤخذ من أين؟ من قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]. * طالب: ها دول قوم فرعون. * الشيخ: لا، فرعون معهم. * الطالب: فرعون وقومه (...). * الشيخ: إي نعم، وقال له أيضًا موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء ١٠٢]. * طالب: فرعون، هذا الدليل واضح عليه، وفي غير فرعون ممن جحد (...) هل هناك دليل صحيح بأنه (...) يقينًا (...). * الشيخ: نعم الدليل عقلي. * طالب: شرعي؛ يعني ما فيه. * الشيخ: لا، شرعي ما فيه؛ لأن الشرعي ما يمكن يتحدث عن أمر ما بعد وقع؛ لأن في الموجودين الآن اللي ينكرون يقولون بلا خالق؟ * الطالب: إلا بالقياس (...). * الشيخ: إلا بالقياس؟! لا، وبالعقل أيضًا، كل إنسان عاقل ما يمكن يدعي إن هذه الأمور حدثت بدون محدث أبدًا لا، إحنا ما علمنا أحدًا أنكر، ونرى أنه لا يمكن أيضًا، وأنه إذا أنكرها بلسانه فإن قلبه يعترف إلا أن يكون غير عاقل؛ يعني قد يكون بعض الناس مقلدًا تقليدًا محضًا، ولا يفكر مثل عوام الشيوعيين، وغيرهم هؤلاء فيما يظهر أنهم ما يفكرون بهذه الأمور؛ لأنهم عاشوا في بيئة من الأصل تقول: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وإنه ما فيه بعث ولا فيه رب ولا فيه شيء أبدًا، مثل دول يمكن أن يكونوا منكرين بقرارة قلوبهم، أو نفوسهم (...) بس انقطع عن المعارضة. * طالب: انقطع عن المعارضة. * الشيخ: ما يلزم أنه يؤمن، يمكن يستكبر ولا يؤمن. * طالب: (...) دليلًا. * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على (...). * الشيخ: عجز عن المعارضة. * الطالب: نعم اعترف (...). * الشيخ: لأنه قال: أنا أحيي وأميت، فعارض تمويها ثم بعد ذلك عجز. * طالب: (...) أقر. * الشيخ: لا، ما أقر؛ لأنه ما قال: فأقر. * طالب: بهت. * الشيخ: بهت، عجز، ويش معنى بهت؟ * الطالب: انقطع (...). * الشيخ: إي، هذه، لكن لا يلزم من عدم قيام الحجة، أو من قيام الحجة على الخصم أن يقر، ربما يستكبر. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، إحنا الآن نقول فيه من أنكر باللفظ. * طالب: لا، بقلبه. * الشيخ: لا، ما تدل الآية على أنه أنكر بقلبه حتى لو بُهت، ما فيه دليل على أنه أنكر بقلبه، لا تدل على أنه أقر بالإيمان، ولا على أنه أنكر المعنى؛ لأنه قال لما قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، ما قال: إنه ما لك رب، جعل نفسه ندًّا لله، قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فأورد عليه الإيراد اللي عاد ما (...) يتخلص منه، ذكر ثلاث علل استبيانًا للأمر أمام هذه العلل، وهي: تكذيبهم، وأنه يضيق صدره، وأنه لا ينطلق لسانه، فبين الله سبحانه وتعالى أن ذلك لا يؤثر، فقال: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٥، ١٦]، وهما سيمتثلان هذا الأمر؛ لأنهما يعلمان أن الله تعالى معهما مستمع لما يقول فرعون، وما يقولون له، ونفذ هذه الرسالة بأمر الله تبارك وتعالى. وتقدم أيضًا أنهم طلبوا منه أن يرسل معهما بني إسرائيل، المؤلف يقول: يرسلهما إلى الشام، ولكن ليس في القرآن ما يدل على ذلك؛ أي أنهما طلبا أن يرسل معهما بني إسرائيل إلى الشام، بل المراد بالإرسال هنا الإطلاق من الاستعباد والرق؛ لأنه كان يفعل ببني إسرائيل كذلك.

الشعراء 26:12

الطالب: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء ١١ - ١٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠] في القرآن الكريم يُكْثِر الله تبارك وتعالى من ذكر قصة موسى، وما جرى له مع فرعون، ومع بني إسرائيل؛ وذلك ليستعدَّ النبيُّ ﷺ لليهود الذين في المدينة حتى يعرف من أمرهم ما لم يكن معروفًا عنده؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا بَعَث أحدًا أخبره بحالِ المبعوثِ له، كما قال لمعاذ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس.]] ليستعد لهم. وقد كرر الله تعالى قصة موسى مختصرة، ومبسوطة لهذا الغرض لُيبيِّن حال هؤلاء اليهود الذين هم (...)، أو الذين هم من سكان دار الهجرة. وفي درس أمس بيَّن اللهُ تبارك وتعالى أنَّ المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ﴾ [الأنبياء ٢]. وسبق البحثُ في قوله: ﴿مُحْدَثٍ﴾، ما المراد بذلك؟ يعني: قيل: المراد بـ(محدث) أي: إنزاله، أو محدث هو أي: الذكر، وأيهما أرجح ؟ * الطالب: الأرجح أنه الذكر. * الشيخ: الجواب الثاني. * الطالب: الجواب الثاني؛ لأنه إذا قلنا: إنه مُحدَث إنزاله (...)، قوله: وما يأتيهم (...). * الشيخ: (...) بيان على إحداث النزول. وأيضًا إنه لو كان الثالث لكان النعت سببيًّا؛ يعني: الموصوف به غير (...)، والأصلُ خلافُ ذلك، الأصل أن يكون النعتُ حقيقيًّا، (...)، بل لما يتصل به، والأمرُ ليس كذلك. تقدَّم أن المراد بالأنباء هنا العاقبة؛ لأنهم أُنْبِئوا بها، فالمراد بإتيان النَّبأ إتيانُ المنبأ به، وهو العاقبة. وسبق أيضًا أن الله تعالى.. تقدم أن المراد بالأنباء هنا العاقبة؛ لأنهم أنبؤوا بها، فالمراد بإتيان النبأ إتيان المنبأ به، وهو العاقبة، وسبق أيضًا أن الله تعالى أراد أن يبين تمام قدرته، حيث أشار إلى ما أنبت في هذه الأرض من الأصناف والأنواع الحسنة البهيجة، وأن في ذلك آية، لكن لمن كان مؤمنًا ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ والآية هي بنفسها آية، ولكنه لا ينتفع بها إلا المؤمن، فإذا لم ينتفع بها أحد ما صارت بالنسبة إليه آية. ولهذا قيدها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٨] أي: لا ينتفعون بها، ثم ختم الآية بذكر عزته ورحمته ليجمع بين الترغيب والترهيب، الترهيب بالعزة، والترغيب بالرحمة، ثم بدأ الله تعالى بذكر قصص الأنبياء، مقدمًا ذكر قصة موسى؛ لطولها، ولأهميتها بالنسبة للنبي ﷺ. وقال: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠] إذ: هذه ظرف، عاملها محذوف، التقدير ما قدره المؤلف، (﴿وَ﴾ اذكر يا محمد لقومك ﴿إذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ ليلة رأى النار والشجرة) إلى آخره. ﴿إِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ ناداه؛ أي: دعاه بصوت مرتفع؛ لأن النداء لا يكون إلا بصوت عالٍ، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم ٥٢] فالنداء يكون للبعيد، ويلزم أن يكون بصوت عالٍ، وأما المناجاة فهي للقريب. ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ هو ابن عمران عليه الصلاة والسلام، وقوله: ﴿رَبُّكَ﴾، الإضافة هنا للتخصيص، وليس للتخصيص أنه ليس رب غيرك، ولكنها ربوبية خاصة؛ لأن ربوبية الله نوعان، كما أن عبوديته نوعان. ﴿رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾، ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾ (أن) هذه تفسيرية؛ لأنه سبقها معنى القول دون حروفه، وأن إذا سُبقت بمعنى القول دون حروفه تُسمى تفسيرية، ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾، ومثلها ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧] فإن الوحي فيه بمعنى القول دون حروفه، فيعربون مثل هذه بأنها تفسيرية، ولهذا قال الشارح أو المفسر: (أي بأن ﴿ائْتِ﴾ ). وقول المؤلف: (ليلة رأى النار، والشجرة) ليلة رأى النار صحيحة ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه ١٠]، وكذلك الشجرة، ولكنه التزم بأنه رآها فيه نظر؛ لأن سورة القصص ما تدل على أنه رآها، ويش لفظ الآية؟ * طالب: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص ٣٠]. * الشيخ: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص ٢٩، ٣٠] فلا يتبين من القرآن أنه رأى الشجرة، إنما يتبين أن الصوت سمعه من قبل الشجرة. (﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ رسولًا) لأنه ليس المراد أنه يأتيهم فقط، بل يأتيهم بالرسالة، و﴿الْقَوْمَ﴾ الجماعة، و﴿الظَّالِمِينَ﴾ سيأتي في كلام المؤلف معنى الظلم هنا. (﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ معه، ظلموا أنفسهم بالكفر بالله، وبني إسرائيل باستعبادهم) من الظالمين المعتدين الناقصين حق الله، وحق العباد، أما حق الله فإنهم كفروا به وأشركوا به، وقد قال الله تعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣] وأما حق الإنسان فقد استعبدوا بني إسرائيل، وصاروا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم. وفي قوله: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء ١٠، ١١] تخصيص بعد تعميم، أو بيان بعد إجمال؛ لأن القوم الظالمين مبهم، لكن قوم فرعون مبين، وفائدة الإبهام، ثم البيان بعده التأكيد من وجه، وبيان الاهتمام به من وجه آخر، وتلقي السمع له بالقبول من وجه ثالث. أما التأكيد؛ فلأنه كُرر مرتين، مرة مجملًا، ومرة مبينًا، وهذا التأكيد، وأما الاهتمام به؛ فلأن ذكره مؤكدًا دليل على أنه مهتم به، وأما تلقي السمع له بالقبول؛ فلأنه إذا جاء اللفظ مجملًا بقي الذهن يدور، ما هذا؟ ومن هؤلاء؟ مثلًا، فإذا أتى البيان إليه بعد ذلك أتى إلى ذهن متشوق حريص على معرفة هذا المبهم فيتلقاه بالقبول أكثر؛ لأنه متشوق إليه ومتطلع إليه، فهذه فوائد البيان بعد الإجمال. وفي وصفهم بالظلم قبل بيانهم؛ أي: في هذه الآية إشارة إلى عظم أمرهم حيث قدم الوصف على الموصوف في الحقيقة؛ لأنه عندما يُقال: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يتصور الإنسان ويعرف أنهم ظلمة، فإذا جاء بيانهم جاء بعد الحكم عليهم بهذا الوصف مما يدل على قبح ما هم عليه من هذا الأمر ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. (﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري ﴿يَتَّقُونَ﴾ الله بطاعته فيوحدونه). قوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ يحتمل أنه من المرسل به؛ يعني قل لهم: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾، ويحتمل أنه من كلام الله سبحانه وتعالى لموسى؛ ليبين له حالهم، وأنهم متجنبون للتقوى، وأن الأليق بهم أن يتقوا الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿أَلَا﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، مقتضى كلامه أن نقول: الهمزة للاستفهام، و(لا) نافية؛ يعني: أهم لا يتقون، وأنه لا يصح أن نجعلها للعرض: ألا تنزل عندنا فتصيب خيرًا؟ ويكون المقصود بقوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ عرض التقوى عليهم مع أنها (...). * طالب: (...). * الشيخ: لا، عرضها عليهم. * الطالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...). * الشيخ: فالمهم إنها على كلام المؤلف تعرب الهمزة وحدها و(لا) وحدها، وتكون الهمزة للاستفهام و(لا) نافية، وعلى الاحتمال الذي ذكرنا أن تكون بالعرض؛ يعني: أعرض عليهم التقوى ملزمًا لهم بها، وسبق أن المراد بالتقوى اتخاذ الوقاية من عذاب الله. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، تحتمل، ولا يتنافى المعنيان. * طالب: المؤلف ماذا يريد؟ * الشيخ: المؤلف يريد الهمزة وحدها، و(لا) نافية، الهمزة للاستفهام، و(لا) نافية؛ يعني أهم لا يتقون. ثم قال: (﴿قَالَ﴾ موسى ﴿رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ) هذا جواب موسى عليه الصلاة والسلام لله مبينًا له حاله، حتى يكون الأمر لديه -أي: لدى موسى- واضحًا فينشط ويقوى، وليس المراد بهذا معارضة أمر الله، فإن موسى لم يعارض أمر الله عز وجل، ولكن يريد أن يستبين الأمر؛ ماذا تكون حاله مع فرعون وقد اتصف بهذه الصفات، وهي الخوف ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ (أن) هذه مصدرية؛ يعني: أخاف تكذيبهم إياي، والمراد بالخوف هنا (...)؛ يعني: إني أتوقع ذلك ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم منهم هذا الأمر وعتوهم واستكبارهم والتزامهم بعبادة فرعون. وقوله: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ من تكذيبهم لي) فيه إشكال؛ حيث رُفِع مع أنه يلي المنصوب ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ لأن (أن) هذه مصدرية، و(يكذبونِ) منصوبة بها بحذف النون، والنون الموجودة للوقاية، وأصلها: يكذبونني، ثم حُذفت النون الأولى للناصب، وحذفت الياء للتخفيف، لكن ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ لم يقل: ويضيقَ صدري. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...) الاختلاف؛ يعني (...). * الشيخ: هنا يخافهم، ويقول: أنا أخاف يكذبوني، وأخاف يضيق صدري ولا ينطلق لساني. * طالب: (...). * الشيخ: إذن معناه أنه: أخاف أن يكذبونِ، وأخاف أن يضيق صدري بتكذيبهم. * الطالب: (...). * الشيخ: ناسخ، معطوفة على أخاف ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ وإني يضيق صدري بتكذيبهم، ولا ينطلق لساني، إلى آخره. * طالب: (...). * الشيخ: ما يخالف؛ يعني لأن يكذبوني، هذه ما تعدو أن تكون مفعولًا فقط، مفعولًا به مثل: ضربت زيدًا وأكرمته. وقوله: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ من تكذبيهم لي)، ضيق الصدر: عدم انشراحه وانبساطه، وهذا أمر فطري؛ أن الإنسان إذا خولف فسوف يضيق صدره كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يضيق صدره، ولكن الله تعالى يسلي رسله بأن لا تضيق صدورهم، ولا يحزنوا على هؤلاء المكذبين؛ لأن لهم يومًا يحاسبهم الله تعالى فيه، والرسل مبلغون فقط. ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ يقولون: إن ضيق الصدر من أسباب حدوث الضغط، ولهذا ينصحون المصابين بالضغط ينصحونهم أن يتجنبوا الغضب وما يحزنهم ويضيِّق صدورهم؛ لأن هذا في الحقيقة هو الواقع؛ لأن الضغط يستلزم ضيق الصدر، وضيق التنفس، وضيق الأرض على الإنسان، فإذا عَرَّض نفسه لما (...) ذلك ازداد عليه الضغط، فإذا عود نفسه الانبساط، والانشراح وعدم الاكتراث بالنوازل، فإنه يحصل خيرًا كثيرًا، ويبقى دائمًا في سرور، لا سيما إذا كان محتسبًا ومؤمنًا بالقدر. قال: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ بأداء الرسالة للعقدة التي فيه)، وهذه العقدة هي معنوية ولّا حسية؟ * طالب: معنوية (...). * الشيخ: لا، (...) الجمرة هذه باطلة، قصة إسرائيلية ما هي مقبولة، لكنها يحتمل أن تكون معنوية، بمعنى أنه لا يستطيع التعبير بانطلاق وفصاحة؛ لقوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه ٢٧، ٢٨]، وقول فرعون في وصفه: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢] ويحتمل -وهو أقرب- أن فيه لكنة، إما سرعة في القول بالنطق بالحروف، بحيث تتتابع الحروف حتى لا تفهم؛ لأن من الناس من يكون كذلك، ما في لسانه عقدة حسية، لكنه تترادف الحروف في كلامه بحيث لا تدري ما يقول؛ أو لأنه فيه لكنة لا تتبين الحروف من كلامه، وكل هذا محتمل؛ إنما يدل على أن هذه العقدة ليست كما ذكر من الجمرة؛ لأنها أثر حسي يمنعه من الكلام فهي أثر خلقي؛ يعني بأصل الخلقة، ويحتمل أنها من جهة البيان؛ يعني ليس فصيحًا في خطابه، وبيانه وإقناعه لكن الأول أولى؛ أي أنها عقده معنوية، وذلك بصفة الكلام، بحيث لا تتبين الحروف من كلامه إما لعجلته، وإما للثغته أو غير ذلك. (﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى﴾ أخي ﴿هَارُونَ﴾ معي)، أرسل إليه؛ يعني ابعث له بالرسالة حتى يكون مُعينًا، ووزيرًا له، وقد قيل: إنه لا يوجد أحد أشد منه على أخيه من موسى على أخيه هارون؛ لأنه تسبب بأن يكون في المقام الأعلى من مقامات بني آدم الذين أنعم الله عليهم، وهي الرسالة، حيث قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾. ثم بَيَّن مانعًا آخر غير التكذيب، فقال: (﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ بقتل القبطي منهم ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ ) هذا خوف آخر ناتج عن معاملته معهم، والأول خوف يتعلق بالرسالة، وهذا خوف يتعلق بالمعاملة معهم، ولهذا في الأول قال: ﴿أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ما قال: أن يقتلون، ولا كان يتصور أن يُقْتَلَ إذا جاء بالرسالة، ولهذا قال في الثاني: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ بأي شيء؟ مثلما قال المؤلف: (بقتل القبطي منهم). وقصته مشهورة في سورة القصص، حيث إنه عليه الصلاة والسلام كان رجلًا قويًّا وشديدًا، فخرج ذات يوم، فوجد في المدينة رجلين يقتتلان، أحدهما من شيعته من بني إسرائيل، والثاني من عدوه الأقباط، فاستنجد به الإسرائيلي فوكز موسى القبطي حتى مات، وفي اليوم الثاني خرج، ووجد صاحبه الإسرائيلي مع رجل آخر، فقال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨]، وأراد أن يبطش بالعدو، فظن الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به؛ لأنه وبخه، وقال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فلما تهيأ للبطش ظن أنه سيبطش به فقال الإسرائيلي: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [القصص ١٩]، الله يكفيك شر من تحسن إليه، لما قال هكذا انتبه لها القبطي، فدل على موسى بهذا السبب، موسى عليه الصلاة والسلام خرج خائفًا يترقب، ولجأ إلى الله سبحانه وتعالى قال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٢١] فنجاه الله ومَنَّ عليه بالرسالة. * طالب: (...). * الشيخ: ما يتعلق بشيء، اقرأ الآيات (...). * طالب: (...). * الشيخ: ما هو السياق كله في سياق الرجل الذي (...) ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨]، (...) لكن موسى ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [القصص ١٩]. يقول: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي: يقتلونني به، وحُذفت الياء للتخفيف، والنون نون الفعل حُذفت للنصب، ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ به.قال الله تعالى (﴿كَلَّا﴾ أي لا يقتلونك ﴿فَاذْهَبَا﴾ أي: أنت وأخوك ففيه تغليب الحاضر على الغائب)، وفيه: أيضًا أن الله تعالى أجاب دعاء موسى كما قال في سورة طه: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه ٣٦] أجابه، وأرسل إلى هارون بالرسالة ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا﴾ الباء للمصاحبة، المصاحبون لآيات الله؛ أي: العلامات الخاصة به التي تدل عليه وحده دون غيره، والآيات التي ذهب بها هو الوحي، والثاني: العصا، والثالث: اليد، هذه الآيات التي كانت عند الوحي إليه. ثم تلاها بعد ذلك تسع آيات كما هو واضح، هذه الآيات الثلاث منها آية معنوية، وآيتان حسيتان مناسبتان للأصل؛ لأن انقلاب العصا حية يشبه السحر، وليس بالسحر؛ لأن هذا حقيقة، والسحر خيال، وأيضًا كون اليد إذا أدخلها في جيبه تخرج بيضاء من غير سوء؛ يعني من غير برص، ونقص هذا أيضًا مثل السحر، ولكنه ليس بسحر، فيكون آية من آيات الله سبحانه وتعالى المعجزة لهؤلاء أن يأتوا بمثلها. (﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ ما تقولون، وما يُقال لكم، أُجري مجرى الجماعة)، أما قوله: ﴿إِنَّا﴾ فالضمير لله سبحانه وتعالى بلفظ الغلبة، ما قال: إنني، مع أنه في سورة طه، قال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، لكن هنا ذكر ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ فكان المبالغة حصلت بانضمام الأمرين: السمع والرؤية، وهنا ما ذكر إلا الاستماع فقط، ولهذا جاء في صورة العظمة بالنسبة للمبتدأ. وقول: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ولم يقل: معكما، كما قال في سورة طه، يقول المؤلف: (أُجري مجرى الجماعة)، والجواب عن هذا، هذا ما قال المؤلف أن يقول: أُجري الاثنان مجرى الجماعة، وإذا قلنا: بأن أقل الجمع اثنان. * طلبة: (...). * الشيخ: (...)، إذا قلنا بأن أقل الجمع اثنان نقول هذا، وإن كان بلفظ الجمع، لكنه دال على الاثنين باعتبار المراد اللغوي، فلا حاجة إلى التأويل. وإذا قلت: إنه لما كان موسى وهارون والآيات، كأنها صارت ثلاثة، وإن كانت الآيات ليست (...) ولكنها مؤيدة؛ لأن التأييد يكون بالأدلة وبقوة الداعي والمستدل، ويحتمل أيضًا أنه جمعها باعتبار أن موسى وهارون سيكون لهم قوم، ويكون الاستماع بموسى وهارون بقومهما. ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦] يقول: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ وهنا قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ فدل ذلك على أن القوم والآل إذا أضيفت إلى الشخص دخل فيهم، فقوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٦] لا يدل على نجاة فرعون؛ لقوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود ٩٨] فهو أولهم، وهنا أيضًا قال: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠]، ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ مما يدل على أن (القوم) إذا أُضيفت فأول ما يدخل فيها من أُضيفت له ما لم يمنع من ذلك مانع حسي كموته مثلًا، فإنه إذا مات ما عاد يكون فائدة في الإتيان إليه لكن إذا كان موجودًا فهو أول من يدخل في قومه. ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يبين الله تعالى صفة القول، بل بين هنا المقول، لكنه في سورة طه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه ٤٤]، أمروا أو أمر موسى، وهارون بأن يقولا: إنهما رسول من الله، وأن يقولا ذلك بلهجة لينة لا بلهجة قاسية؛ لأن القاسي إذا قُوبل بلهجة قاسية قسى أكثر، وإذا قُوبل بلهجة لينة اجتمع لين وقاس فلا يحصل الصدم، والاصطدام بينهما، وهذا من الحكمة في الدعوة، أما الإنسان إذا كان عاتيًا جبارًا فلا ينبغي أن يُقابل بالعتو والجبروت؛ وذلك لأنه لا يزيد الأمر إلا شدة، يُقابل باللين حتى تقوم عليه الحُجَّة. (﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا﴾ أي كلًّا منا ﴿رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ) قدر المؤلف: (أي كلًّا منا)؛ لأجل التناسب مع المبتدأ الذي هو اسم (إنَّ) والخبر الذي هو رسول ﴿إِنَّا رَسُولُ﴾. وفي آية أخرى ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه ٤٧] بالتثنية، وهنا بالإفراد فقدر المؤلف أو خرج المؤلف في الآية على أن المعنى: كل واحد منا، وقد مر قريبًا قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤] أي: اجعل كل واحد منا، هذا أحد الوجوه. وجه آخر أن رسول بمعنى الرسالة؛ بمعنى المصدر اسم مصدر، والمصدر إذا وُصف به يستوي فيه المفرد، وغيره. ووجه ثالث: أن يُقال: إن الأصل في الرسالة موسى وهو واحد، وهارون معينٌ ووزير، وإلا فالأصل أن موسى هو الرسول كما (...) السيرة ذكر موسى بدون ذكر هارون. ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يقل: إني رسول الله؛ لأنهم سيقابلون شخصًا يدعي الربوبية أنه الرب، فيتبين له من أول الأمر أن الربوبية ليست له، وإنما هي لله ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والعالَمون كل من سوى الله فهو عالَم، فكل المخلوقات عالَم، ومع ذلك ربما تُضاف إلى أنواعها، فيُقال: عالم البشر، عالم الجن، عالم الإبل عالم كذا، عالم كذا، لكن إذا جُمعت هكذا شملت جميع الأنواع، فكل من سوى الله فإنه عالَم قالوا: وسموا عالمًا؛ لأنهم علم على خالقهم. (﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إليك)، المؤلف قَدَّر (إليك) للإيضاح، وإلا فلا حاجة؛ لأنهم يخاطبونه فقولهم: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لولا أنه لم يكن هناك فائدة من خطابهم إياه، فهم رسول رب العالمين إليه (﴿أَنْ﴾ أي: بأن ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا﴾ إلى الشام ﴿بَنِي إسْرَائِيل﴾ فأتياه) إلى آخره. قوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٧] الإرسال يُطلق بمعنى الإطلاق؛ يعني أطلقهم؛ لأنه كان قد ضيق عليهم الخناق، وعذبهم بكونه يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم، فطلب موسى عليه الصلاة والسلام منه أن يرسل معه بني إسرائيل، ويطلقهم، ولكن ستأتي المناقشة بينه وبين موسى فيما بعد إن شاء الله. * يستفاد من هذه الآيات أولًا: إثبات النداء لله سبحانه وتعالى، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: فيكون كلامه بصوت على هذا، وأنه بحرف. * ويستفاد أيضًا من الآية: أنه بحرف. * طالب: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. * الشيخ: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ فإن ﴿ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ [الشعراء ١٠، ١١] كلها حروف. وفي هذا دليل على فضل الله سبحانه وتعالى على الخلق، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: إرسال الرسل، نعم، إرسال الرسل دليل على فضل الله على الخلق وعنايته بهم؛ لأن الخلق مهما أُوتوا من ذكاء لا يمكنهم أن يدركوا ما يجب لله سبحانه وتعالى على التفصيل، العاقل يدرك ما يجب لله على وجه الإجمال، فإدراكه أن له الكمال المطلق، وأنه مستحق للعبادة لكن على وجه التفصيل لا يمكن إلا عن طريق الرسل، ولهذا قال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥] وفي هذا دليل على سوء حال فرعون وقومه، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...). وفيه دليل على أنه لا بأس بالإجمال في الكلام، بشرط أن يكون (...)، من أين نأخذه؟ ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء ١٠] ما فائدة الإجمال ثم التفصيل بعده؟ * طالب: (...). * الشيخ: المعنى؟ الاهتمام به؛ (...) لأنه يكون متشوفًا، ومتطلعًا إلى بيان هذا المجمل، فيأتيه وهو على (...)، وفي الحديث أيضًا من الفوائد دليل على جواز الخوف الطبيعي، وأنه ليس بشرك، من أين تأخذه؟ (...) أي: الخوفين؛ لأنه يخاف مرتين ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء ١٢] و﴿أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء ١٤]. أو قلنا: إن المراد بالخوف هنا لازِمُهُ، وهو التوقع؛ لأنه يتوقع هذا (...)، يقول: ﴿أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء ١٢]، أنا أظن أنهم يكذبونني، ليس معنى أنه يخاف خوف ذعر، الذعر الذي يقع في النفس، وبمعنى التوقع، وفي هذا دليل على جواز بيان الإنسان حاله إذا لم يقصد به الشكوى، قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ فإن هذا وصف له بالضعف، نعم، وعدم التحمل نفسيًّا بضيق الصدر، وعدم البيان المتقن بكونه لا ينطلق لسانه، وفيه دليل على جواز ذكر الوسائل التي تستوجب القبول في الدعاء، إذ إنه ذكر أنه ما يستطيع لكونه يضيق صدره، ولا ينطلق لسانه، وهذا من باب توسل الداعي، ذِكْر حالِهِ هذه من الوسائل التي تستوجب قبول دعائه. وفي هذا إثبات المعية لله عز وجل، وهل المعية حقيقية ولّا مجاز؟ * طالب: (...). * الشيخ: إذا كانت حقيقية ألا يكون ذلك موجبًا للقول (...)؛ يعني مثلًا: أنت الآن (...) بأن المعية في الأصل المشاركة في المكان ولّا لا؟ تقر بهذا أن المعية في الأصل تستلزم المشاركة في المكان. * طالب: لا شك. * الشيخ: لا شك. * طالب: (...). * الشيخ: ترى تقتضي غير تستلزم؟ تقتضي؛ يعني (...) هذا أو تستلزم. * الطالب: (...). * الشيخ: تستلزم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أنا أقول: المعية مطلقًا؛ لأجل أن يتوصل إلى دعوة (...)، فلماذا يؤولون المعية، ثم ينكرون علينا تأويل اليد. * طالب: (...). * الشيخ: لا تستلزم المشاركة في المكان ولا الاختلاط (...)؛ لأن المعية في حقيقة الله معناها المصاحبة المطلقة، ولكنها في كل شيء بحسبه ولّا لا؟ تقول مثلًا: اللبن معه ماء، سقاني لبنًا معه ماء، هذه تقتضي الامتزاج والاختلاط. (...). واستصحاب الدليل؛ لقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، والعلم بالمدافع، وهو قوله: ﴿مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ فكل شيء يحتاج إلى تشجيع، فينبغي للإنسان أن يظهر تشجيع صاحبه حتى ينشط ويؤدي الرسالة على الوجه الأكمل، وفي هذا دليل على أن القوم والأهل وما أشبه ذلك إذا أُضيفت دخل فيها من أضيفت له، نأخذه من قوله: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، ثم قال في آخر الآيات: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ فدل ذلك على أن فرعون منهم. وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي أن يُخَاطَبَ الإنسان بما تقتضيه حاله، فمنكر الربوبية نخاطبه بإثبات الربوبية، ومنكر الألوهية نثبته بإثبات الأولوهية، وهكذا، تؤخذ من أين؟ من قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]. * طالب: ها دول قوم فرعون. * الشيخ: لا، فرعون معهم. * الطالب: فرعون وقومه (...). * الشيخ: إي نعم، وقال له أيضًا موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء ١٠٢]. * طالب: فرعون، هذا الدليل واضح عليه، وفي غير فرعون ممن جحد (...) هل هناك دليل صحيح بأنه (...) يقينًا (...). * الشيخ: نعم الدليل عقلي. * طالب: شرعي؛ يعني ما فيه. * الشيخ: لا، شرعي ما فيه؛ لأن الشرعي ما يمكن يتحدث عن أمر ما بعد وقع؛ لأن في الموجودين الآن اللي ينكرون يقولون بلا خالق؟ * الطالب: إلا بالقياس (...). * الشيخ: إلا بالقياس؟! لا، وبالعقل أيضًا، كل إنسان عاقل ما يمكن يدعي إن هذه الأمور حدثت بدون محدث أبدًا لا، إحنا ما علمنا أحدًا أنكر، ونرى أنه لا يمكن أيضًا، وأنه إذا أنكرها بلسانه فإن قلبه يعترف إلا أن يكون غير عاقل؛ يعني قد يكون بعض الناس مقلدًا تقليدًا محضًا، ولا يفكر مثل عوام الشيوعيين، وغيرهم هؤلاء فيما يظهر أنهم ما يفكرون بهذه الأمور؛ لأنهم عاشوا في بيئة من الأصل تقول: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وإنه ما فيه بعث ولا فيه رب ولا فيه شيء أبدًا، مثل دول يمكن أن يكونوا منكرين بقرارة قلوبهم، أو نفوسهم (...) بس انقطع عن المعارضة. * طالب: انقطع عن المعارضة. * الشيخ: ما يلزم أنه يؤمن، يمكن يستكبر ولا يؤمن. * طالب: (...) دليلًا. * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على (...). * الشيخ: عجز عن المعارضة. * الطالب: نعم اعترف (...). * الشيخ: لأنه قال: أنا أحيي وأميت، فعارض تمويها ثم بعد ذلك عجز. * طالب: (...) أقر. * الشيخ: لا، ما أقر؛ لأنه ما قال: فأقر. * طالب: بهت. * الشيخ: بهت، عجز، ويش معنى بهت؟ * الطالب: انقطع (...). * الشيخ: إي، هذه، لكن لا يلزم من عدم قيام الحجة، أو من قيام الحجة على الخصم أن يقر، ربما يستكبر. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، إحنا الآن نقول فيه من أنكر باللفظ. * طالب: لا، بقلبه. * الشيخ: لا، ما تدل الآية على أنه أنكر بقلبه حتى لو بُهت، ما فيه دليل على أنه أنكر بقلبه، لا تدل على أنه أقر بالإيمان، ولا على أنه أنكر المعنى؛ لأنه قال لما قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، ما قال: إنه ما لك رب، جعل نفسه ندًّا لله، قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فأورد عليه الإيراد اللي عاد ما (...) يتخلص منه، ذكر ثلاث علل استبيانًا للأمر أمام هذه العلل، وهي: تكذيبهم، وأنه يضيق صدره، وأنه لا ينطلق لسانه، فبين الله سبحانه وتعالى أن ذلك لا يؤثر، فقال: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٥، ١٦]، وهما سيمتثلان هذا الأمر؛ لأنهما يعلمان أن الله تعالى معهما مستمع لما يقول فرعون، وما يقولون له، ونفذ هذه الرسالة بأمر الله تبارك وتعالى. وتقدم أيضًا أنهم طلبوا منه أن يرسل معهما بني إسرائيل، المؤلف يقول: يرسلهما إلى الشام، ولكن ليس في القرآن ما يدل على ذلك؛ أي أنهما طلبا أن يرسل معهما بني إسرائيل إلى الشام، بل المراد بالإرسال هنا الإطلاق من الاستعباد والرق؛ لأنه كان يفعل ببني إسرائيل كذلك.

الشعراء 26:13

الطالب: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء ١١ - ١٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠] في القرآن الكريم يُكْثِر الله تبارك وتعالى من ذكر قصة موسى، وما جرى له مع فرعون، ومع بني إسرائيل؛ وذلك ليستعدَّ النبيُّ ﷺ لليهود الذين في المدينة حتى يعرف من أمرهم ما لم يكن معروفًا عنده؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا بَعَث أحدًا أخبره بحالِ المبعوثِ له، كما قال لمعاذ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس.]] ليستعد لهم. وقد كرر الله تعالى قصة موسى مختصرة، ومبسوطة لهذا الغرض لُيبيِّن حال هؤلاء اليهود الذين هم (...)، أو الذين هم من سكان دار الهجرة. وفي درس أمس بيَّن اللهُ تبارك وتعالى أنَّ المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ﴾ [الأنبياء ٢]. وسبق البحثُ في قوله: ﴿مُحْدَثٍ﴾، ما المراد بذلك؟ يعني: قيل: المراد بـ(محدث) أي: إنزاله، أو محدث هو أي: الذكر، وأيهما أرجح ؟ * الطالب: الأرجح أنه الذكر. * الشيخ: الجواب الثاني. * الطالب: الجواب الثاني؛ لأنه إذا قلنا: إنه مُحدَث إنزاله (...)، قوله: وما يأتيهم (...). * الشيخ: (...) بيان على إحداث النزول. وأيضًا إنه لو كان الثالث لكان النعت سببيًّا؛ يعني: الموصوف به غير (...)، والأصلُ خلافُ ذلك، الأصل أن يكون النعتُ حقيقيًّا، (...)، بل لما يتصل به، والأمرُ ليس كذلك. تقدَّم أن المراد بالأنباء هنا العاقبة؛ لأنهم أُنْبِئوا بها، فالمراد بإتيان النَّبأ إتيانُ المنبأ به، وهو العاقبة. وسبق أيضًا أن الله تعالى.. تقدم أن المراد بالأنباء هنا العاقبة؛ لأنهم أنبؤوا بها، فالمراد بإتيان النبأ إتيان المنبأ به، وهو العاقبة، وسبق أيضًا أن الله تعالى أراد أن يبين تمام قدرته، حيث أشار إلى ما أنبت في هذه الأرض من الأصناف والأنواع الحسنة البهيجة، وأن في ذلك آية، لكن لمن كان مؤمنًا ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ والآية هي بنفسها آية، ولكنه لا ينتفع بها إلا المؤمن، فإذا لم ينتفع بها أحد ما صارت بالنسبة إليه آية. ولهذا قيدها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٨] أي: لا ينتفعون بها، ثم ختم الآية بذكر عزته ورحمته ليجمع بين الترغيب والترهيب، الترهيب بالعزة، والترغيب بالرحمة، ثم بدأ الله تعالى بذكر قصص الأنبياء، مقدمًا ذكر قصة موسى؛ لطولها، ولأهميتها بالنسبة للنبي ﷺ. وقال: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠] إذ: هذه ظرف، عاملها محذوف، التقدير ما قدره المؤلف، (﴿وَ﴾ اذكر يا محمد لقومك ﴿إذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ ليلة رأى النار والشجرة) إلى آخره. ﴿إِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ ناداه؛ أي: دعاه بصوت مرتفع؛ لأن النداء لا يكون إلا بصوت عالٍ، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم ٥٢] فالنداء يكون للبعيد، ويلزم أن يكون بصوت عالٍ، وأما المناجاة فهي للقريب. ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ هو ابن عمران عليه الصلاة والسلام، وقوله: ﴿رَبُّكَ﴾، الإضافة هنا للتخصيص، وليس للتخصيص أنه ليس رب غيرك، ولكنها ربوبية خاصة؛ لأن ربوبية الله نوعان، كما أن عبوديته نوعان. ﴿رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾، ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾ (أن) هذه تفسيرية؛ لأنه سبقها معنى القول دون حروفه، وأن إذا سُبقت بمعنى القول دون حروفه تُسمى تفسيرية، ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾، ومثلها ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧] فإن الوحي فيه بمعنى القول دون حروفه، فيعربون مثل هذه بأنها تفسيرية، ولهذا قال الشارح أو المفسر: (أي بأن ﴿ائْتِ﴾ ). وقول المؤلف: (ليلة رأى النار، والشجرة) ليلة رأى النار صحيحة ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه ١٠]، وكذلك الشجرة، ولكنه التزم بأنه رآها فيه نظر؛ لأن سورة القصص ما تدل على أنه رآها، ويش لفظ الآية؟ * طالب: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص ٣٠]. * الشيخ: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص ٢٩، ٣٠] فلا يتبين من القرآن أنه رأى الشجرة، إنما يتبين أن الصوت سمعه من قبل الشجرة. (﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ رسولًا) لأنه ليس المراد أنه يأتيهم فقط، بل يأتيهم بالرسالة، و﴿الْقَوْمَ﴾ الجماعة، و﴿الظَّالِمِينَ﴾ سيأتي في كلام المؤلف معنى الظلم هنا. (﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ معه، ظلموا أنفسهم بالكفر بالله، وبني إسرائيل باستعبادهم) من الظالمين المعتدين الناقصين حق الله، وحق العباد، أما حق الله فإنهم كفروا به وأشركوا به، وقد قال الله تعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣] وأما حق الإنسان فقد استعبدوا بني إسرائيل، وصاروا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم. وفي قوله: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء ١٠، ١١] تخصيص بعد تعميم، أو بيان بعد إجمال؛ لأن القوم الظالمين مبهم، لكن قوم فرعون مبين، وفائدة الإبهام، ثم البيان بعده التأكيد من وجه، وبيان الاهتمام به من وجه آخر، وتلقي السمع له بالقبول من وجه ثالث. أما التأكيد؛ فلأنه كُرر مرتين، مرة مجملًا، ومرة مبينًا، وهذا التأكيد، وأما الاهتمام به؛ فلأن ذكره مؤكدًا دليل على أنه مهتم به، وأما تلقي السمع له بالقبول؛ فلأنه إذا جاء اللفظ مجملًا بقي الذهن يدور، ما هذا؟ ومن هؤلاء؟ مثلًا، فإذا أتى البيان إليه بعد ذلك أتى إلى ذهن متشوق حريص على معرفة هذا المبهم فيتلقاه بالقبول أكثر؛ لأنه متشوق إليه ومتطلع إليه، فهذه فوائد البيان بعد الإجمال. وفي وصفهم بالظلم قبل بيانهم؛ أي: في هذه الآية إشارة إلى عظم أمرهم حيث قدم الوصف على الموصوف في الحقيقة؛ لأنه عندما يُقال: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يتصور الإنسان ويعرف أنهم ظلمة، فإذا جاء بيانهم جاء بعد الحكم عليهم بهذا الوصف مما يدل على قبح ما هم عليه من هذا الأمر ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. (﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري ﴿يَتَّقُونَ﴾ الله بطاعته فيوحدونه). قوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ يحتمل أنه من المرسل به؛ يعني قل لهم: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾، ويحتمل أنه من كلام الله سبحانه وتعالى لموسى؛ ليبين له حالهم، وأنهم متجنبون للتقوى، وأن الأليق بهم أن يتقوا الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿أَلَا﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، مقتضى كلامه أن نقول: الهمزة للاستفهام، و(لا) نافية؛ يعني: أهم لا يتقون، وأنه لا يصح أن نجعلها للعرض: ألا تنزل عندنا فتصيب خيرًا؟ ويكون المقصود بقوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ عرض التقوى عليهم مع أنها (...). * طالب: (...). * الشيخ: لا، عرضها عليهم. * الطالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...). * الشيخ: فالمهم إنها على كلام المؤلف تعرب الهمزة وحدها و(لا) وحدها، وتكون الهمزة للاستفهام و(لا) نافية، وعلى الاحتمال الذي ذكرنا أن تكون بالعرض؛ يعني: أعرض عليهم التقوى ملزمًا لهم بها، وسبق أن المراد بالتقوى اتخاذ الوقاية من عذاب الله. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، تحتمل، ولا يتنافى المعنيان. * طالب: المؤلف ماذا يريد؟ * الشيخ: المؤلف يريد الهمزة وحدها، و(لا) نافية، الهمزة للاستفهام، و(لا) نافية؛ يعني أهم لا يتقون. ثم قال: (﴿قَالَ﴾ موسى ﴿رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ) هذا جواب موسى عليه الصلاة والسلام لله مبينًا له حاله، حتى يكون الأمر لديه -أي: لدى موسى- واضحًا فينشط ويقوى، وليس المراد بهذا معارضة أمر الله، فإن موسى لم يعارض أمر الله عز وجل، ولكن يريد أن يستبين الأمر؛ ماذا تكون حاله مع فرعون وقد اتصف بهذه الصفات، وهي الخوف ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ (أن) هذه مصدرية؛ يعني: أخاف تكذيبهم إياي، والمراد بالخوف هنا (...)؛ يعني: إني أتوقع ذلك ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم منهم هذا الأمر وعتوهم واستكبارهم والتزامهم بعبادة فرعون. وقوله: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ من تكذيبهم لي) فيه إشكال؛ حيث رُفِع مع أنه يلي المنصوب ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ لأن (أن) هذه مصدرية، و(يكذبونِ) منصوبة بها بحذف النون، والنون الموجودة للوقاية، وأصلها: يكذبونني، ثم حُذفت النون الأولى للناصب، وحذفت الياء للتخفيف، لكن ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ لم يقل: ويضيقَ صدري. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...) الاختلاف؛ يعني (...). * الشيخ: هنا يخافهم، ويقول: أنا أخاف يكذبوني، وأخاف يضيق صدري ولا ينطلق لساني. * طالب: (...). * الشيخ: إذن معناه أنه: أخاف أن يكذبونِ، وأخاف أن يضيق صدري بتكذيبهم. * الطالب: (...). * الشيخ: ناسخ، معطوفة على أخاف ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ وإني يضيق صدري بتكذيبهم، ولا ينطلق لساني، إلى آخره. * طالب: (...). * الشيخ: ما يخالف؛ يعني لأن يكذبوني، هذه ما تعدو أن تكون مفعولًا فقط، مفعولًا به مثل: ضربت زيدًا وأكرمته. وقوله: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ من تكذبيهم لي)، ضيق الصدر: عدم انشراحه وانبساطه، وهذا أمر فطري؛ أن الإنسان إذا خولف فسوف يضيق صدره كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يضيق صدره، ولكن الله تعالى يسلي رسله بأن لا تضيق صدورهم، ولا يحزنوا على هؤلاء المكذبين؛ لأن لهم يومًا يحاسبهم الله تعالى فيه، والرسل مبلغون فقط. ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ يقولون: إن ضيق الصدر من أسباب حدوث الضغط، ولهذا ينصحون المصابين بالضغط ينصحونهم أن يتجنبوا الغضب وما يحزنهم ويضيِّق صدورهم؛ لأن هذا في الحقيقة هو الواقع؛ لأن الضغط يستلزم ضيق الصدر، وضيق التنفس، وضيق الأرض على الإنسان، فإذا عَرَّض نفسه لما (...) ذلك ازداد عليه الضغط، فإذا عود نفسه الانبساط، والانشراح وعدم الاكتراث بالنوازل، فإنه يحصل خيرًا كثيرًا، ويبقى دائمًا في سرور، لا سيما إذا كان محتسبًا ومؤمنًا بالقدر. قال: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ بأداء الرسالة للعقدة التي فيه)، وهذه العقدة هي معنوية ولّا حسية؟ * طالب: معنوية (...). * الشيخ: لا، (...) الجمرة هذه باطلة، قصة إسرائيلية ما هي مقبولة، لكنها يحتمل أن تكون معنوية، بمعنى أنه لا يستطيع التعبير بانطلاق وفصاحة؛ لقوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه ٢٧، ٢٨]، وقول فرعون في وصفه: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢] ويحتمل -وهو أقرب- أن فيه لكنة، إما سرعة في القول بالنطق بالحروف، بحيث تتتابع الحروف حتى لا تفهم؛ لأن من الناس من يكون كذلك، ما في لسانه عقدة حسية، لكنه تترادف الحروف في كلامه بحيث لا تدري ما يقول؛ أو لأنه فيه لكنة لا تتبين الحروف من كلامه، وكل هذا محتمل؛ إنما يدل على أن هذه العقدة ليست كما ذكر من الجمرة؛ لأنها أثر حسي يمنعه من الكلام فهي أثر خلقي؛ يعني بأصل الخلقة، ويحتمل أنها من جهة البيان؛ يعني ليس فصيحًا في خطابه، وبيانه وإقناعه لكن الأول أولى؛ أي أنها عقده معنوية، وذلك بصفة الكلام، بحيث لا تتبين الحروف من كلامه إما لعجلته، وإما للثغته أو غير ذلك. (﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى﴾ أخي ﴿هَارُونَ﴾ معي)، أرسل إليه؛ يعني ابعث له بالرسالة حتى يكون مُعينًا، ووزيرًا له، وقد قيل: إنه لا يوجد أحد أشد منه على أخيه من موسى على أخيه هارون؛ لأنه تسبب بأن يكون في المقام الأعلى من مقامات بني آدم الذين أنعم الله عليهم، وهي الرسالة، حيث قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾. ثم بَيَّن مانعًا آخر غير التكذيب، فقال: (﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ بقتل القبطي منهم ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ ) هذا خوف آخر ناتج عن معاملته معهم، والأول خوف يتعلق بالرسالة، وهذا خوف يتعلق بالمعاملة معهم، ولهذا في الأول قال: ﴿أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ما قال: أن يقتلون، ولا كان يتصور أن يُقْتَلَ إذا جاء بالرسالة، ولهذا قال في الثاني: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ بأي شيء؟ مثلما قال المؤلف: (بقتل القبطي منهم). وقصته مشهورة في سورة القصص، حيث إنه عليه الصلاة والسلام كان رجلًا قويًّا وشديدًا، فخرج ذات يوم، فوجد في المدينة رجلين يقتتلان، أحدهما من شيعته من بني إسرائيل، والثاني من عدوه الأقباط، فاستنجد به الإسرائيلي فوكز موسى القبطي حتى مات، وفي اليوم الثاني خرج، ووجد صاحبه الإسرائيلي مع رجل آخر، فقال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨]، وأراد أن يبطش بالعدو، فظن الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به؛ لأنه وبخه، وقال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فلما تهيأ للبطش ظن أنه سيبطش به فقال الإسرائيلي: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [القصص ١٩]، الله يكفيك شر من تحسن إليه، لما قال هكذا انتبه لها القبطي، فدل على موسى بهذا السبب، موسى عليه الصلاة والسلام خرج خائفًا يترقب، ولجأ إلى الله سبحانه وتعالى قال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٢١] فنجاه الله ومَنَّ عليه بالرسالة. * طالب: (...). * الشيخ: ما يتعلق بشيء، اقرأ الآيات (...). * طالب: (...). * الشيخ: ما هو السياق كله في سياق الرجل الذي (...) ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨]، (...) لكن موسى ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [القصص ١٩]. يقول: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي: يقتلونني به، وحُذفت الياء للتخفيف، والنون نون الفعل حُذفت للنصب، ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ به.قال الله تعالى (﴿كَلَّا﴾ أي لا يقتلونك ﴿فَاذْهَبَا﴾ أي: أنت وأخوك ففيه تغليب الحاضر على الغائب)، وفيه: أيضًا أن الله تعالى أجاب دعاء موسى كما قال في سورة طه: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه ٣٦] أجابه، وأرسل إلى هارون بالرسالة ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا﴾ الباء للمصاحبة، المصاحبون لآيات الله؛ أي: العلامات الخاصة به التي تدل عليه وحده دون غيره، والآيات التي ذهب بها هو الوحي، والثاني: العصا، والثالث: اليد، هذه الآيات التي كانت عند الوحي إليه. ثم تلاها بعد ذلك تسع آيات كما هو واضح، هذه الآيات الثلاث منها آية معنوية، وآيتان حسيتان مناسبتان للأصل؛ لأن انقلاب العصا حية يشبه السحر، وليس بالسحر؛ لأن هذا حقيقة، والسحر خيال، وأيضًا كون اليد إذا أدخلها في جيبه تخرج بيضاء من غير سوء؛ يعني من غير برص، ونقص هذا أيضًا مثل السحر، ولكنه ليس بسحر، فيكون آية من آيات الله سبحانه وتعالى المعجزة لهؤلاء أن يأتوا بمثلها. (﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ ما تقولون، وما يُقال لكم، أُجري مجرى الجماعة)، أما قوله: ﴿إِنَّا﴾ فالضمير لله سبحانه وتعالى بلفظ الغلبة، ما قال: إنني، مع أنه في سورة طه، قال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، لكن هنا ذكر ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ فكان المبالغة حصلت بانضمام الأمرين: السمع والرؤية، وهنا ما ذكر إلا الاستماع فقط، ولهذا جاء في صورة العظمة بالنسبة للمبتدأ. وقول: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ولم يقل: معكما، كما قال في سورة طه، يقول المؤلف: (أُجري مجرى الجماعة)، والجواب عن هذا، هذا ما قال المؤلف أن يقول: أُجري الاثنان مجرى الجماعة، وإذا قلنا: بأن أقل الجمع اثنان. * طلبة: (...). * الشيخ: (...)، إذا قلنا بأن أقل الجمع اثنان نقول هذا، وإن كان بلفظ الجمع، لكنه دال على الاثنين باعتبار المراد اللغوي، فلا حاجة إلى التأويل. وإذا قلت: إنه لما كان موسى وهارون والآيات، كأنها صارت ثلاثة، وإن كانت الآيات ليست (...) ولكنها مؤيدة؛ لأن التأييد يكون بالأدلة وبقوة الداعي والمستدل، ويحتمل أيضًا أنه جمعها باعتبار أن موسى وهارون سيكون لهم قوم، ويكون الاستماع بموسى وهارون بقومهما. ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦] يقول: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ وهنا قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ فدل ذلك على أن القوم والآل إذا أضيفت إلى الشخص دخل فيهم، فقوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٦] لا يدل على نجاة فرعون؛ لقوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود ٩٨] فهو أولهم، وهنا أيضًا قال: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠]، ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ مما يدل على أن (القوم) إذا أُضيفت فأول ما يدخل فيها من أُضيفت له ما لم يمنع من ذلك مانع حسي كموته مثلًا، فإنه إذا مات ما عاد يكون فائدة في الإتيان إليه لكن إذا كان موجودًا فهو أول من يدخل في قومه. ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يبين الله تعالى صفة القول، بل بين هنا المقول، لكنه في سورة طه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه ٤٤]، أمروا أو أمر موسى، وهارون بأن يقولا: إنهما رسول من الله، وأن يقولا ذلك بلهجة لينة لا بلهجة قاسية؛ لأن القاسي إذا قُوبل بلهجة قاسية قسى أكثر، وإذا قُوبل بلهجة لينة اجتمع لين وقاس فلا يحصل الصدم، والاصطدام بينهما، وهذا من الحكمة في الدعوة، أما الإنسان إذا كان عاتيًا جبارًا فلا ينبغي أن يُقابل بالعتو والجبروت؛ وذلك لأنه لا يزيد الأمر إلا شدة، يُقابل باللين حتى تقوم عليه الحُجَّة. (﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا﴾ أي كلًّا منا ﴿رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ) قدر المؤلف: (أي كلًّا منا)؛ لأجل التناسب مع المبتدأ الذي هو اسم (إنَّ) والخبر الذي هو رسول ﴿إِنَّا رَسُولُ﴾. وفي آية أخرى ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه ٤٧] بالتثنية، وهنا بالإفراد فقدر المؤلف أو خرج المؤلف في الآية على أن المعنى: كل واحد منا، وقد مر قريبًا قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤] أي: اجعل كل واحد منا، هذا أحد الوجوه. وجه آخر أن رسول بمعنى الرسالة؛ بمعنى المصدر اسم مصدر، والمصدر إذا وُصف به يستوي فيه المفرد، وغيره. ووجه ثالث: أن يُقال: إن الأصل في الرسالة موسى وهو واحد، وهارون معينٌ ووزير، وإلا فالأصل أن موسى هو الرسول كما (...) السيرة ذكر موسى بدون ذكر هارون. ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يقل: إني رسول الله؛ لأنهم سيقابلون شخصًا يدعي الربوبية أنه الرب، فيتبين له من أول الأمر أن الربوبية ليست له، وإنما هي لله ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والعالَمون كل من سوى الله فهو عالَم، فكل المخلوقات عالَم، ومع ذلك ربما تُضاف إلى أنواعها، فيُقال: عالم البشر، عالم الجن، عالم الإبل عالم كذا، عالم كذا، لكن إذا جُمعت هكذا شملت جميع الأنواع، فكل من سوى الله فإنه عالَم قالوا: وسموا عالمًا؛ لأنهم علم على خالقهم. (﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إليك)، المؤلف قَدَّر (إليك) للإيضاح، وإلا فلا حاجة؛ لأنهم يخاطبونه فقولهم: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لولا أنه لم يكن هناك فائدة من خطابهم إياه، فهم رسول رب العالمين إليه (﴿أَنْ﴾ أي: بأن ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا﴾ إلى الشام ﴿بَنِي إسْرَائِيل﴾ فأتياه) إلى آخره. قوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٧] الإرسال يُطلق بمعنى الإطلاق؛ يعني أطلقهم؛ لأنه كان قد ضيق عليهم الخناق، وعذبهم بكونه يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم، فطلب موسى عليه الصلاة والسلام منه أن يرسل معه بني إسرائيل، ويطلقهم، ولكن ستأتي المناقشة بينه وبين موسى فيما بعد إن شاء الله. * يستفاد من هذه الآيات أولًا: إثبات النداء لله سبحانه وتعالى، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: فيكون كلامه بصوت على هذا، وأنه بحرف. * ويستفاد أيضًا من الآية: أنه بحرف. * طالب: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. * الشيخ: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ فإن ﴿ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ [الشعراء ١٠، ١١] كلها حروف. وفي هذا دليل على فضل الله سبحانه وتعالى على الخلق، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: إرسال الرسل، نعم، إرسال الرسل دليل على فضل الله على الخلق وعنايته بهم؛ لأن الخلق مهما أُوتوا من ذكاء لا يمكنهم أن يدركوا ما يجب لله سبحانه وتعالى على التفصيل، العاقل يدرك ما يجب لله على وجه الإجمال، فإدراكه أن له الكمال المطلق، وأنه مستحق للعبادة لكن على وجه التفصيل لا يمكن إلا عن طريق الرسل، ولهذا قال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥] وفي هذا دليل على سوء حال فرعون وقومه، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...). وفيه دليل على أنه لا بأس بالإجمال في الكلام، بشرط أن يكون (...)، من أين نأخذه؟ ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء ١٠] ما فائدة الإجمال ثم التفصيل بعده؟ * طالب: (...). * الشيخ: المعنى؟ الاهتمام به؛ (...) لأنه يكون متشوفًا، ومتطلعًا إلى بيان هذا المجمل، فيأتيه وهو على (...)، وفي الحديث أيضًا من الفوائد دليل على جواز الخوف الطبيعي، وأنه ليس بشرك، من أين تأخذه؟ (...) أي: الخوفين؛ لأنه يخاف مرتين ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء ١٢] و﴿أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء ١٤]. أو قلنا: إن المراد بالخوف هنا لازِمُهُ، وهو التوقع؛ لأنه يتوقع هذا (...)، يقول: ﴿أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء ١٢]، أنا أظن أنهم يكذبونني، ليس معنى أنه يخاف خوف ذعر، الذعر الذي يقع في النفس، وبمعنى التوقع، وفي هذا دليل على جواز بيان الإنسان حاله إذا لم يقصد به الشكوى، قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ فإن هذا وصف له بالضعف، نعم، وعدم التحمل نفسيًّا بضيق الصدر، وعدم البيان المتقن بكونه لا ينطلق لسانه، وفيه دليل على جواز ذكر الوسائل التي تستوجب القبول في الدعاء، إذ إنه ذكر أنه ما يستطيع لكونه يضيق صدره، ولا ينطلق لسانه، وهذا من باب توسل الداعي، ذِكْر حالِهِ هذه من الوسائل التي تستوجب قبول دعائه. وفي هذا إثبات المعية لله عز وجل، وهل المعية حقيقية ولّا مجاز؟ * طالب: (...). * الشيخ: إذا كانت حقيقية ألا يكون ذلك موجبًا للقول (...)؛ يعني مثلًا: أنت الآن (...) بأن المعية في الأصل المشاركة في المكان ولّا لا؟ تقر بهذا أن المعية في الأصل تستلزم المشاركة في المكان. * طالب: لا شك. * الشيخ: لا شك. * طالب: (...). * الشيخ: ترى تقتضي غير تستلزم؟ تقتضي؛ يعني (...) هذا أو تستلزم. * الطالب: (...). * الشيخ: تستلزم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أنا أقول: المعية مطلقًا؛ لأجل أن يتوصل إلى دعوة (...)، فلماذا يؤولون المعية، ثم ينكرون علينا تأويل اليد. * طالب: (...). * الشيخ: لا تستلزم المشاركة في المكان ولا الاختلاط (...)؛ لأن المعية في حقيقة الله معناها المصاحبة المطلقة، ولكنها في كل شيء بحسبه ولّا لا؟ تقول مثلًا: اللبن معه ماء، سقاني لبنًا معه ماء، هذه تقتضي الامتزاج والاختلاط. (...). واستصحاب الدليل؛ لقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، والعلم بالمدافع، وهو قوله: ﴿مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ فكل شيء يحتاج إلى تشجيع، فينبغي للإنسان أن يظهر تشجيع صاحبه حتى ينشط ويؤدي الرسالة على الوجه الأكمل، وفي هذا دليل على أن القوم والأهل وما أشبه ذلك إذا أُضيفت دخل فيها من أضيفت له، نأخذه من قوله: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، ثم قال في آخر الآيات: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ فدل ذلك على أن فرعون منهم. وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي أن يُخَاطَبَ الإنسان بما تقتضيه حاله، فمنكر الربوبية نخاطبه بإثبات الربوبية، ومنكر الألوهية نثبته بإثبات الأولوهية، وهكذا، تؤخذ من أين؟ من قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]. * طالب: ها دول قوم فرعون. * الشيخ: لا، فرعون معهم. * الطالب: فرعون وقومه (...). * الشيخ: إي نعم، وقال له أيضًا موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء ١٠٢]. * طالب: فرعون، هذا الدليل واضح عليه، وفي غير فرعون ممن جحد (...) هل هناك دليل صحيح بأنه (...) يقينًا (...). * الشيخ: نعم الدليل عقلي. * طالب: شرعي؛ يعني ما فيه. * الشيخ: لا، شرعي ما فيه؛ لأن الشرعي ما يمكن يتحدث عن أمر ما بعد وقع؛ لأن في الموجودين الآن اللي ينكرون يقولون بلا خالق؟ * الطالب: إلا بالقياس (...). * الشيخ: إلا بالقياس؟! لا، وبالعقل أيضًا، كل إنسان عاقل ما يمكن يدعي إن هذه الأمور حدثت بدون محدث أبدًا لا، إحنا ما علمنا أحدًا أنكر، ونرى أنه لا يمكن أيضًا، وأنه إذا أنكرها بلسانه فإن قلبه يعترف إلا أن يكون غير عاقل؛ يعني قد يكون بعض الناس مقلدًا تقليدًا محضًا، ولا يفكر مثل عوام الشيوعيين، وغيرهم هؤلاء فيما يظهر أنهم ما يفكرون بهذه الأمور؛ لأنهم عاشوا في بيئة من الأصل تقول: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وإنه ما فيه بعث ولا فيه رب ولا فيه شيء أبدًا، مثل دول يمكن أن يكونوا منكرين بقرارة قلوبهم، أو نفوسهم (...) بس انقطع عن المعارضة. * طالب: انقطع عن المعارضة. * الشيخ: ما يلزم أنه يؤمن، يمكن يستكبر ولا يؤمن. * طالب: (...) دليلًا. * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على (...). * الشيخ: عجز عن المعارضة. * الطالب: نعم اعترف (...). * الشيخ: لأنه قال: أنا أحيي وأميت، فعارض تمويها ثم بعد ذلك عجز. * طالب: (...) أقر. * الشيخ: لا، ما أقر؛ لأنه ما قال: فأقر. * طالب: بهت. * الشيخ: بهت، عجز، ويش معنى بهت؟ * الطالب: انقطع (...). * الشيخ: إي، هذه، لكن لا يلزم من عدم قيام الحجة، أو من قيام الحجة على الخصم أن يقر، ربما يستكبر. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، إحنا الآن نقول فيه من أنكر باللفظ. * طالب: لا، بقلبه. * الشيخ: لا، ما تدل الآية على أنه أنكر بقلبه حتى لو بُهت، ما فيه دليل على أنه أنكر بقلبه، لا تدل على أنه أقر بالإيمان، ولا على أنه أنكر المعنى؛ لأنه قال لما قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، ما قال: إنه ما لك رب، جعل نفسه ندًّا لله، قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فأورد عليه الإيراد اللي عاد ما (...) يتخلص منه، ذكر ثلاث علل استبيانًا للأمر أمام هذه العلل، وهي: تكذيبهم، وأنه يضيق صدره، وأنه لا ينطلق لسانه، فبين الله سبحانه وتعالى أن ذلك لا يؤثر، فقال: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٥، ١٦]، وهما سيمتثلان هذا الأمر؛ لأنهما يعلمان أن الله تعالى معهما مستمع لما يقول فرعون، وما يقولون له، ونفذ هذه الرسالة بأمر الله تبارك وتعالى. وتقدم أيضًا أنهم طلبوا منه أن يرسل معهما بني إسرائيل، المؤلف يقول: يرسلهما إلى الشام، ولكن ليس في القرآن ما يدل على ذلك؛ أي أنهما طلبا أن يرسل معهما بني إسرائيل إلى الشام، بل المراد بالإرسال هنا الإطلاق من الاستعباد والرق؛ لأنه كان يفعل ببني إسرائيل كذلك.

الشعراء 26:14

الطالب: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء ١١ - ١٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠] في القرآن الكريم يُكْثِر الله تبارك وتعالى من ذكر قصة موسى، وما جرى له مع فرعون، ومع بني إسرائيل؛ وذلك ليستعدَّ النبيُّ ﷺ لليهود الذين في المدينة حتى يعرف من أمرهم ما لم يكن معروفًا عنده؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا بَعَث أحدًا أخبره بحالِ المبعوثِ له، كما قال لمعاذ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس.]] ليستعد لهم. وقد كرر الله تعالى قصة موسى مختصرة، ومبسوطة لهذا الغرض لُيبيِّن حال هؤلاء اليهود الذين هم (...)، أو الذين هم من سكان دار الهجرة. وفي درس أمس بيَّن اللهُ تبارك وتعالى أنَّ المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ﴾ [الأنبياء ٢]. وسبق البحثُ في قوله: ﴿مُحْدَثٍ﴾، ما المراد بذلك؟ يعني: قيل: المراد بـ(محدث) أي: إنزاله، أو محدث هو أي: الذكر، وأيهما أرجح ؟ * الطالب: الأرجح أنه الذكر. * الشيخ: الجواب الثاني. * الطالب: الجواب الثاني؛ لأنه إذا قلنا: إنه مُحدَث إنزاله (...)، قوله: وما يأتيهم (...). * الشيخ: (...) بيان على إحداث النزول. وأيضًا إنه لو كان الثالث لكان النعت سببيًّا؛ يعني: الموصوف به غير (...)، والأصلُ خلافُ ذلك، الأصل أن يكون النعتُ حقيقيًّا، (...)، بل لما يتصل به، والأمرُ ليس كذلك. تقدَّم أن المراد بالأنباء هنا العاقبة؛ لأنهم أُنْبِئوا بها، فالمراد بإتيان النَّبأ إتيانُ المنبأ به، وهو العاقبة. وسبق أيضًا أن الله تعالى.. تقدم أن المراد بالأنباء هنا العاقبة؛ لأنهم أنبؤوا بها، فالمراد بإتيان النبأ إتيان المنبأ به، وهو العاقبة، وسبق أيضًا أن الله تعالى أراد أن يبين تمام قدرته، حيث أشار إلى ما أنبت في هذه الأرض من الأصناف والأنواع الحسنة البهيجة، وأن في ذلك آية، لكن لمن كان مؤمنًا ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ والآية هي بنفسها آية، ولكنه لا ينتفع بها إلا المؤمن، فإذا لم ينتفع بها أحد ما صارت بالنسبة إليه آية. ولهذا قيدها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٨] أي: لا ينتفعون بها، ثم ختم الآية بذكر عزته ورحمته ليجمع بين الترغيب والترهيب، الترهيب بالعزة، والترغيب بالرحمة، ثم بدأ الله تعالى بذكر قصص الأنبياء، مقدمًا ذكر قصة موسى؛ لطولها، ولأهميتها بالنسبة للنبي ﷺ. وقال: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠] إذ: هذه ظرف، عاملها محذوف، التقدير ما قدره المؤلف، (﴿وَ﴾ اذكر يا محمد لقومك ﴿إذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ ليلة رأى النار والشجرة) إلى آخره. ﴿إِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ ناداه؛ أي: دعاه بصوت مرتفع؛ لأن النداء لا يكون إلا بصوت عالٍ، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم ٥٢] فالنداء يكون للبعيد، ويلزم أن يكون بصوت عالٍ، وأما المناجاة فهي للقريب. ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ هو ابن عمران عليه الصلاة والسلام، وقوله: ﴿رَبُّكَ﴾، الإضافة هنا للتخصيص، وليس للتخصيص أنه ليس رب غيرك، ولكنها ربوبية خاصة؛ لأن ربوبية الله نوعان، كما أن عبوديته نوعان. ﴿رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾، ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾ (أن) هذه تفسيرية؛ لأنه سبقها معنى القول دون حروفه، وأن إذا سُبقت بمعنى القول دون حروفه تُسمى تفسيرية، ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾، ومثلها ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧] فإن الوحي فيه بمعنى القول دون حروفه، فيعربون مثل هذه بأنها تفسيرية، ولهذا قال الشارح أو المفسر: (أي بأن ﴿ائْتِ﴾ ). وقول المؤلف: (ليلة رأى النار، والشجرة) ليلة رأى النار صحيحة ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه ١٠]، وكذلك الشجرة، ولكنه التزم بأنه رآها فيه نظر؛ لأن سورة القصص ما تدل على أنه رآها، ويش لفظ الآية؟ * طالب: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص ٣٠]. * الشيخ: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص ٢٩، ٣٠] فلا يتبين من القرآن أنه رأى الشجرة، إنما يتبين أن الصوت سمعه من قبل الشجرة. (﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ رسولًا) لأنه ليس المراد أنه يأتيهم فقط، بل يأتيهم بالرسالة، و﴿الْقَوْمَ﴾ الجماعة، و﴿الظَّالِمِينَ﴾ سيأتي في كلام المؤلف معنى الظلم هنا. (﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ معه، ظلموا أنفسهم بالكفر بالله، وبني إسرائيل باستعبادهم) من الظالمين المعتدين الناقصين حق الله، وحق العباد، أما حق الله فإنهم كفروا به وأشركوا به، وقد قال الله تعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣] وأما حق الإنسان فقد استعبدوا بني إسرائيل، وصاروا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم. وفي قوله: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء ١٠، ١١] تخصيص بعد تعميم، أو بيان بعد إجمال؛ لأن القوم الظالمين مبهم، لكن قوم فرعون مبين، وفائدة الإبهام، ثم البيان بعده التأكيد من وجه، وبيان الاهتمام به من وجه آخر، وتلقي السمع له بالقبول من وجه ثالث. أما التأكيد؛ فلأنه كُرر مرتين، مرة مجملًا، ومرة مبينًا، وهذا التأكيد، وأما الاهتمام به؛ فلأن ذكره مؤكدًا دليل على أنه مهتم به، وأما تلقي السمع له بالقبول؛ فلأنه إذا جاء اللفظ مجملًا بقي الذهن يدور، ما هذا؟ ومن هؤلاء؟ مثلًا، فإذا أتى البيان إليه بعد ذلك أتى إلى ذهن متشوق حريص على معرفة هذا المبهم فيتلقاه بالقبول أكثر؛ لأنه متشوق إليه ومتطلع إليه، فهذه فوائد البيان بعد الإجمال. وفي وصفهم بالظلم قبل بيانهم؛ أي: في هذه الآية إشارة إلى عظم أمرهم حيث قدم الوصف على الموصوف في الحقيقة؛ لأنه عندما يُقال: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يتصور الإنسان ويعرف أنهم ظلمة، فإذا جاء بيانهم جاء بعد الحكم عليهم بهذا الوصف مما يدل على قبح ما هم عليه من هذا الأمر ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. (﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري ﴿يَتَّقُونَ﴾ الله بطاعته فيوحدونه). قوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ يحتمل أنه من المرسل به؛ يعني قل لهم: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾، ويحتمل أنه من كلام الله سبحانه وتعالى لموسى؛ ليبين له حالهم، وأنهم متجنبون للتقوى، وأن الأليق بهم أن يتقوا الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿أَلَا﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، مقتضى كلامه أن نقول: الهمزة للاستفهام، و(لا) نافية؛ يعني: أهم لا يتقون، وأنه لا يصح أن نجعلها للعرض: ألا تنزل عندنا فتصيب خيرًا؟ ويكون المقصود بقوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ عرض التقوى عليهم مع أنها (...). * طالب: (...). * الشيخ: لا، عرضها عليهم. * الطالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...). * الشيخ: فالمهم إنها على كلام المؤلف تعرب الهمزة وحدها و(لا) وحدها، وتكون الهمزة للاستفهام و(لا) نافية، وعلى الاحتمال الذي ذكرنا أن تكون بالعرض؛ يعني: أعرض عليهم التقوى ملزمًا لهم بها، وسبق أن المراد بالتقوى اتخاذ الوقاية من عذاب الله. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، تحتمل، ولا يتنافى المعنيان. * طالب: المؤلف ماذا يريد؟ * الشيخ: المؤلف يريد الهمزة وحدها، و(لا) نافية، الهمزة للاستفهام، و(لا) نافية؛ يعني أهم لا يتقون. ثم قال: (﴿قَالَ﴾ موسى ﴿رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ) هذا جواب موسى عليه الصلاة والسلام لله مبينًا له حاله، حتى يكون الأمر لديه -أي: لدى موسى- واضحًا فينشط ويقوى، وليس المراد بهذا معارضة أمر الله، فإن موسى لم يعارض أمر الله عز وجل، ولكن يريد أن يستبين الأمر؛ ماذا تكون حاله مع فرعون وقد اتصف بهذه الصفات، وهي الخوف ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ (أن) هذه مصدرية؛ يعني: أخاف تكذيبهم إياي، والمراد بالخوف هنا (...)؛ يعني: إني أتوقع ذلك ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم منهم هذا الأمر وعتوهم واستكبارهم والتزامهم بعبادة فرعون. وقوله: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ من تكذيبهم لي) فيه إشكال؛ حيث رُفِع مع أنه يلي المنصوب ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ لأن (أن) هذه مصدرية، و(يكذبونِ) منصوبة بها بحذف النون، والنون الموجودة للوقاية، وأصلها: يكذبونني، ثم حُذفت النون الأولى للناصب، وحذفت الياء للتخفيف، لكن ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ لم يقل: ويضيقَ صدري. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...) الاختلاف؛ يعني (...). * الشيخ: هنا يخافهم، ويقول: أنا أخاف يكذبوني، وأخاف يضيق صدري ولا ينطلق لساني. * طالب: (...). * الشيخ: إذن معناه أنه: أخاف أن يكذبونِ، وأخاف أن يضيق صدري بتكذيبهم. * الطالب: (...). * الشيخ: ناسخ، معطوفة على أخاف ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ وإني يضيق صدري بتكذيبهم، ولا ينطلق لساني، إلى آخره. * طالب: (...). * الشيخ: ما يخالف؛ يعني لأن يكذبوني، هذه ما تعدو أن تكون مفعولًا فقط، مفعولًا به مثل: ضربت زيدًا وأكرمته. وقوله: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ من تكذبيهم لي)، ضيق الصدر: عدم انشراحه وانبساطه، وهذا أمر فطري؛ أن الإنسان إذا خولف فسوف يضيق صدره كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يضيق صدره، ولكن الله تعالى يسلي رسله بأن لا تضيق صدورهم، ولا يحزنوا على هؤلاء المكذبين؛ لأن لهم يومًا يحاسبهم الله تعالى فيه، والرسل مبلغون فقط. ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ يقولون: إن ضيق الصدر من أسباب حدوث الضغط، ولهذا ينصحون المصابين بالضغط ينصحونهم أن يتجنبوا الغضب وما يحزنهم ويضيِّق صدورهم؛ لأن هذا في الحقيقة هو الواقع؛ لأن الضغط يستلزم ضيق الصدر، وضيق التنفس، وضيق الأرض على الإنسان، فإذا عَرَّض نفسه لما (...) ذلك ازداد عليه الضغط، فإذا عود نفسه الانبساط، والانشراح وعدم الاكتراث بالنوازل، فإنه يحصل خيرًا كثيرًا، ويبقى دائمًا في سرور، لا سيما إذا كان محتسبًا ومؤمنًا بالقدر. قال: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ بأداء الرسالة للعقدة التي فيه)، وهذه العقدة هي معنوية ولّا حسية؟ * طالب: معنوية (...). * الشيخ: لا، (...) الجمرة هذه باطلة، قصة إسرائيلية ما هي مقبولة، لكنها يحتمل أن تكون معنوية، بمعنى أنه لا يستطيع التعبير بانطلاق وفصاحة؛ لقوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه ٢٧، ٢٨]، وقول فرعون في وصفه: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢] ويحتمل -وهو أقرب- أن فيه لكنة، إما سرعة في القول بالنطق بالحروف، بحيث تتتابع الحروف حتى لا تفهم؛ لأن من الناس من يكون كذلك، ما في لسانه عقدة حسية، لكنه تترادف الحروف في كلامه بحيث لا تدري ما يقول؛ أو لأنه فيه لكنة لا تتبين الحروف من كلامه، وكل هذا محتمل؛ إنما يدل على أن هذه العقدة ليست كما ذكر من الجمرة؛ لأنها أثر حسي يمنعه من الكلام فهي أثر خلقي؛ يعني بأصل الخلقة، ويحتمل أنها من جهة البيان؛ يعني ليس فصيحًا في خطابه، وبيانه وإقناعه لكن الأول أولى؛ أي أنها عقده معنوية، وذلك بصفة الكلام، بحيث لا تتبين الحروف من كلامه إما لعجلته، وإما للثغته أو غير ذلك. (﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى﴾ أخي ﴿هَارُونَ﴾ معي)، أرسل إليه؛ يعني ابعث له بالرسالة حتى يكون مُعينًا، ووزيرًا له، وقد قيل: إنه لا يوجد أحد أشد منه على أخيه من موسى على أخيه هارون؛ لأنه تسبب بأن يكون في المقام الأعلى من مقامات بني آدم الذين أنعم الله عليهم، وهي الرسالة، حيث قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾. ثم بَيَّن مانعًا آخر غير التكذيب، فقال: (﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ بقتل القبطي منهم ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ ) هذا خوف آخر ناتج عن معاملته معهم، والأول خوف يتعلق بالرسالة، وهذا خوف يتعلق بالمعاملة معهم، ولهذا في الأول قال: ﴿أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ما قال: أن يقتلون، ولا كان يتصور أن يُقْتَلَ إذا جاء بالرسالة، ولهذا قال في الثاني: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ بأي شيء؟ مثلما قال المؤلف: (بقتل القبطي منهم). وقصته مشهورة في سورة القصص، حيث إنه عليه الصلاة والسلام كان رجلًا قويًّا وشديدًا، فخرج ذات يوم، فوجد في المدينة رجلين يقتتلان، أحدهما من شيعته من بني إسرائيل، والثاني من عدوه الأقباط، فاستنجد به الإسرائيلي فوكز موسى القبطي حتى مات، وفي اليوم الثاني خرج، ووجد صاحبه الإسرائيلي مع رجل آخر، فقال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨]، وأراد أن يبطش بالعدو، فظن الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به؛ لأنه وبخه، وقال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فلما تهيأ للبطش ظن أنه سيبطش به فقال الإسرائيلي: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [القصص ١٩]، الله يكفيك شر من تحسن إليه، لما قال هكذا انتبه لها القبطي، فدل على موسى بهذا السبب، موسى عليه الصلاة والسلام خرج خائفًا يترقب، ولجأ إلى الله سبحانه وتعالى قال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٢١] فنجاه الله ومَنَّ عليه بالرسالة. * طالب: (...). * الشيخ: ما يتعلق بشيء، اقرأ الآيات (...). * طالب: (...). * الشيخ: ما هو السياق كله في سياق الرجل الذي (...) ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨]، (...) لكن موسى ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [القصص ١٩]. يقول: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي: يقتلونني به، وحُذفت الياء للتخفيف، والنون نون الفعل حُذفت للنصب، ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ به.قال الله تعالى (﴿كَلَّا﴾ أي لا يقتلونك ﴿فَاذْهَبَا﴾ أي: أنت وأخوك ففيه تغليب الحاضر على الغائب)، وفيه: أيضًا أن الله تعالى أجاب دعاء موسى كما قال في سورة طه: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه ٣٦] أجابه، وأرسل إلى هارون بالرسالة ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا﴾ الباء للمصاحبة، المصاحبون لآيات الله؛ أي: العلامات الخاصة به التي تدل عليه وحده دون غيره، والآيات التي ذهب بها هو الوحي، والثاني: العصا، والثالث: اليد، هذه الآيات التي كانت عند الوحي إليه. ثم تلاها بعد ذلك تسع آيات كما هو واضح، هذه الآيات الثلاث منها آية معنوية، وآيتان حسيتان مناسبتان للأصل؛ لأن انقلاب العصا حية يشبه السحر، وليس بالسحر؛ لأن هذا حقيقة، والسحر خيال، وأيضًا كون اليد إذا أدخلها في جيبه تخرج بيضاء من غير سوء؛ يعني من غير برص، ونقص هذا أيضًا مثل السحر، ولكنه ليس بسحر، فيكون آية من آيات الله سبحانه وتعالى المعجزة لهؤلاء أن يأتوا بمثلها. (﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ ما تقولون، وما يُقال لكم، أُجري مجرى الجماعة)، أما قوله: ﴿إِنَّا﴾ فالضمير لله سبحانه وتعالى بلفظ الغلبة، ما قال: إنني، مع أنه في سورة طه، قال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، لكن هنا ذكر ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ فكان المبالغة حصلت بانضمام الأمرين: السمع والرؤية، وهنا ما ذكر إلا الاستماع فقط، ولهذا جاء في صورة العظمة بالنسبة للمبتدأ. وقول: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ولم يقل: معكما، كما قال في سورة طه، يقول المؤلف: (أُجري مجرى الجماعة)، والجواب عن هذا، هذا ما قال المؤلف أن يقول: أُجري الاثنان مجرى الجماعة، وإذا قلنا: بأن أقل الجمع اثنان. * طلبة: (...). * الشيخ: (...)، إذا قلنا بأن أقل الجمع اثنان نقول هذا، وإن كان بلفظ الجمع، لكنه دال على الاثنين باعتبار المراد اللغوي، فلا حاجة إلى التأويل. وإذا قلت: إنه لما كان موسى وهارون والآيات، كأنها صارت ثلاثة، وإن كانت الآيات ليست (...) ولكنها مؤيدة؛ لأن التأييد يكون بالأدلة وبقوة الداعي والمستدل، ويحتمل أيضًا أنه جمعها باعتبار أن موسى وهارون سيكون لهم قوم، ويكون الاستماع بموسى وهارون بقومهما. ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦] يقول: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ وهنا قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ فدل ذلك على أن القوم والآل إذا أضيفت إلى الشخص دخل فيهم، فقوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٦] لا يدل على نجاة فرعون؛ لقوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود ٩٨] فهو أولهم، وهنا أيضًا قال: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠]، ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ مما يدل على أن (القوم) إذا أُضيفت فأول ما يدخل فيها من أُضيفت له ما لم يمنع من ذلك مانع حسي كموته مثلًا، فإنه إذا مات ما عاد يكون فائدة في الإتيان إليه لكن إذا كان موجودًا فهو أول من يدخل في قومه. ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يبين الله تعالى صفة القول، بل بين هنا المقول، لكنه في سورة طه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه ٤٤]، أمروا أو أمر موسى، وهارون بأن يقولا: إنهما رسول من الله، وأن يقولا ذلك بلهجة لينة لا بلهجة قاسية؛ لأن القاسي إذا قُوبل بلهجة قاسية قسى أكثر، وإذا قُوبل بلهجة لينة اجتمع لين وقاس فلا يحصل الصدم، والاصطدام بينهما، وهذا من الحكمة في الدعوة، أما الإنسان إذا كان عاتيًا جبارًا فلا ينبغي أن يُقابل بالعتو والجبروت؛ وذلك لأنه لا يزيد الأمر إلا شدة، يُقابل باللين حتى تقوم عليه الحُجَّة. (﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا﴾ أي كلًّا منا ﴿رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ) قدر المؤلف: (أي كلًّا منا)؛ لأجل التناسب مع المبتدأ الذي هو اسم (إنَّ) والخبر الذي هو رسول ﴿إِنَّا رَسُولُ﴾. وفي آية أخرى ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه ٤٧] بالتثنية، وهنا بالإفراد فقدر المؤلف أو خرج المؤلف في الآية على أن المعنى: كل واحد منا، وقد مر قريبًا قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤] أي: اجعل كل واحد منا، هذا أحد الوجوه. وجه آخر أن رسول بمعنى الرسالة؛ بمعنى المصدر اسم مصدر، والمصدر إذا وُصف به يستوي فيه المفرد، وغيره. ووجه ثالث: أن يُقال: إن الأصل في الرسالة موسى وهو واحد، وهارون معينٌ ووزير، وإلا فالأصل أن موسى هو الرسول كما (...) السيرة ذكر موسى بدون ذكر هارون. ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يقل: إني رسول الله؛ لأنهم سيقابلون شخصًا يدعي الربوبية أنه الرب، فيتبين له من أول الأمر أن الربوبية ليست له، وإنما هي لله ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والعالَمون كل من سوى الله فهو عالَم، فكل المخلوقات عالَم، ومع ذلك ربما تُضاف إلى أنواعها، فيُقال: عالم البشر، عالم الجن، عالم الإبل عالم كذا، عالم كذا، لكن إذا جُمعت هكذا شملت جميع الأنواع، فكل من سوى الله فإنه عالَم قالوا: وسموا عالمًا؛ لأنهم علم على خالقهم. (﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إليك)، المؤلف قَدَّر (إليك) للإيضاح، وإلا فلا حاجة؛ لأنهم يخاطبونه فقولهم: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لولا أنه لم يكن هناك فائدة من خطابهم إياه، فهم رسول رب العالمين إليه (﴿أَنْ﴾ أي: بأن ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا﴾ إلى الشام ﴿بَنِي إسْرَائِيل﴾ فأتياه) إلى آخره. قوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٧] الإرسال يُطلق بمعنى الإطلاق؛ يعني أطلقهم؛ لأنه كان قد ضيق عليهم الخناق، وعذبهم بكونه يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم، فطلب موسى عليه الصلاة والسلام منه أن يرسل معه بني إسرائيل، ويطلقهم، ولكن ستأتي المناقشة بينه وبين موسى فيما بعد إن شاء الله. * يستفاد من هذه الآيات أولًا: إثبات النداء لله سبحانه وتعالى، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: فيكون كلامه بصوت على هذا، وأنه بحرف. * ويستفاد أيضًا من الآية: أنه بحرف. * طالب: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. * الشيخ: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ فإن ﴿ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ [الشعراء ١٠، ١١] كلها حروف. وفي هذا دليل على فضل الله سبحانه وتعالى على الخلق، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: إرسال الرسل، نعم، إرسال الرسل دليل على فضل الله على الخلق وعنايته بهم؛ لأن الخلق مهما أُوتوا من ذكاء لا يمكنهم أن يدركوا ما يجب لله سبحانه وتعالى على التفصيل، العاقل يدرك ما يجب لله على وجه الإجمال، فإدراكه أن له الكمال المطلق، وأنه مستحق للعبادة لكن على وجه التفصيل لا يمكن إلا عن طريق الرسل، ولهذا قال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥] وفي هذا دليل على سوء حال فرعون وقومه، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...). وفيه دليل على أنه لا بأس بالإجمال في الكلام، بشرط أن يكون (...)، من أين نأخذه؟ ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء ١٠] ما فائدة الإجمال ثم التفصيل بعده؟ * طالب: (...). * الشيخ: المعنى؟ الاهتمام به؛ (...) لأنه يكون متشوفًا، ومتطلعًا إلى بيان هذا المجمل، فيأتيه وهو على (...)، وفي الحديث أيضًا من الفوائد دليل على جواز الخوف الطبيعي، وأنه ليس بشرك، من أين تأخذه؟ (...) أي: الخوفين؛ لأنه يخاف مرتين ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء ١٢] و﴿أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء ١٤]. أو قلنا: إن المراد بالخوف هنا لازِمُهُ، وهو التوقع؛ لأنه يتوقع هذا (...)، يقول: ﴿أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء ١٢]، أنا أظن أنهم يكذبونني، ليس معنى أنه يخاف خوف ذعر، الذعر الذي يقع في النفس، وبمعنى التوقع، وفي هذا دليل على جواز بيان الإنسان حاله إذا لم يقصد به الشكوى، قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ فإن هذا وصف له بالضعف، نعم، وعدم التحمل نفسيًّا بضيق الصدر، وعدم البيان المتقن بكونه لا ينطلق لسانه، وفيه دليل على جواز ذكر الوسائل التي تستوجب القبول في الدعاء، إذ إنه ذكر أنه ما يستطيع لكونه يضيق صدره، ولا ينطلق لسانه، وهذا من باب توسل الداعي، ذِكْر حالِهِ هذه من الوسائل التي تستوجب قبول دعائه. وفي هذا إثبات المعية لله عز وجل، وهل المعية حقيقية ولّا مجاز؟ * طالب: (...). * الشيخ: إذا كانت حقيقية ألا يكون ذلك موجبًا للقول (...)؛ يعني مثلًا: أنت الآن (...) بأن المعية في الأصل المشاركة في المكان ولّا لا؟ تقر بهذا أن المعية في الأصل تستلزم المشاركة في المكان. * طالب: لا شك. * الشيخ: لا شك. * طالب: (...). * الشيخ: ترى تقتضي غير تستلزم؟ تقتضي؛ يعني (...) هذا أو تستلزم. * الطالب: (...). * الشيخ: تستلزم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أنا أقول: المعية مطلقًا؛ لأجل أن يتوصل إلى دعوة (...)، فلماذا يؤولون المعية، ثم ينكرون علينا تأويل اليد. * طالب: (...). * الشيخ: لا تستلزم المشاركة في المكان ولا الاختلاط (...)؛ لأن المعية في حقيقة الله معناها المصاحبة المطلقة، ولكنها في كل شيء بحسبه ولّا لا؟ تقول مثلًا: اللبن معه ماء، سقاني لبنًا معه ماء، هذه تقتضي الامتزاج والاختلاط. (...). واستصحاب الدليل؛ لقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، والعلم بالمدافع، وهو قوله: ﴿مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ فكل شيء يحتاج إلى تشجيع، فينبغي للإنسان أن يظهر تشجيع صاحبه حتى ينشط ويؤدي الرسالة على الوجه الأكمل، وفي هذا دليل على أن القوم والأهل وما أشبه ذلك إذا أُضيفت دخل فيها من أضيفت له، نأخذه من قوله: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، ثم قال في آخر الآيات: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ فدل ذلك على أن فرعون منهم. وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي أن يُخَاطَبَ الإنسان بما تقتضيه حاله، فمنكر الربوبية نخاطبه بإثبات الربوبية، ومنكر الألوهية نثبته بإثبات الأولوهية، وهكذا، تؤخذ من أين؟ من قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]. * طالب: ها دول قوم فرعون. * الشيخ: لا، فرعون معهم. * الطالب: فرعون وقومه (...). * الشيخ: إي نعم، وقال له أيضًا موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء ١٠٢]. * طالب: فرعون، هذا الدليل واضح عليه، وفي غير فرعون ممن جحد (...) هل هناك دليل صحيح بأنه (...) يقينًا (...). * الشيخ: نعم الدليل عقلي. * طالب: شرعي؛ يعني ما فيه. * الشيخ: لا، شرعي ما فيه؛ لأن الشرعي ما يمكن يتحدث عن أمر ما بعد وقع؛ لأن في الموجودين الآن اللي ينكرون يقولون بلا خالق؟ * الطالب: إلا بالقياس (...). * الشيخ: إلا بالقياس؟! لا، وبالعقل أيضًا، كل إنسان عاقل ما يمكن يدعي إن هذه الأمور حدثت بدون محدث أبدًا لا، إحنا ما علمنا أحدًا أنكر، ونرى أنه لا يمكن أيضًا، وأنه إذا أنكرها بلسانه فإن قلبه يعترف إلا أن يكون غير عاقل؛ يعني قد يكون بعض الناس مقلدًا تقليدًا محضًا، ولا يفكر مثل عوام الشيوعيين، وغيرهم هؤلاء فيما يظهر أنهم ما يفكرون بهذه الأمور؛ لأنهم عاشوا في بيئة من الأصل تقول: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وإنه ما فيه بعث ولا فيه رب ولا فيه شيء أبدًا، مثل دول يمكن أن يكونوا منكرين بقرارة قلوبهم، أو نفوسهم (...) بس انقطع عن المعارضة. * طالب: انقطع عن المعارضة. * الشيخ: ما يلزم أنه يؤمن، يمكن يستكبر ولا يؤمن. * طالب: (...) دليلًا. * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على (...). * الشيخ: عجز عن المعارضة. * الطالب: نعم اعترف (...). * الشيخ: لأنه قال: أنا أحيي وأميت، فعارض تمويها ثم بعد ذلك عجز. * طالب: (...) أقر. * الشيخ: لا، ما أقر؛ لأنه ما قال: فأقر. * طالب: بهت. * الشيخ: بهت، عجز، ويش معنى بهت؟ * الطالب: انقطع (...). * الشيخ: إي، هذه، لكن لا يلزم من عدم قيام الحجة، أو من قيام الحجة على الخصم أن يقر، ربما يستكبر. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، إحنا الآن نقول فيه من أنكر باللفظ. * طالب: لا، بقلبه. * الشيخ: لا، ما تدل الآية على أنه أنكر بقلبه حتى لو بُهت، ما فيه دليل على أنه أنكر بقلبه، لا تدل على أنه أقر بالإيمان، ولا على أنه أنكر المعنى؛ لأنه قال لما قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، ما قال: إنه ما لك رب، جعل نفسه ندًّا لله، قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فأورد عليه الإيراد اللي عاد ما (...) يتخلص منه، ذكر ثلاث علل استبيانًا للأمر أمام هذه العلل، وهي: تكذيبهم، وأنه يضيق صدره، وأنه لا ينطلق لسانه، فبين الله سبحانه وتعالى أن ذلك لا يؤثر، فقال: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٥، ١٦]، وهما سيمتثلان هذا الأمر؛ لأنهما يعلمان أن الله تعالى معهما مستمع لما يقول فرعون، وما يقولون له، ونفذ هذه الرسالة بأمر الله تبارك وتعالى. وتقدم أيضًا أنهم طلبوا منه أن يرسل معهما بني إسرائيل، المؤلف يقول: يرسلهما إلى الشام، ولكن ليس في القرآن ما يدل على ذلك؛ أي أنهما طلبا أن يرسل معهما بني إسرائيل إلى الشام، بل المراد بالإرسال هنا الإطلاق من الاستعباد والرق؛ لأنه كان يفعل ببني إسرائيل كذلك.

الشعراء 26:15

الطالب: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء ١١ - ١٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠] في القرآن الكريم يُكْثِر الله تبارك وتعالى من ذكر قصة موسى، وما جرى له مع فرعون، ومع بني إسرائيل؛ وذلك ليستعدَّ النبيُّ ﷺ لليهود الذين في المدينة حتى يعرف من أمرهم ما لم يكن معروفًا عنده؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا بَعَث أحدًا أخبره بحالِ المبعوثِ له، كما قال لمعاذ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس.]] ليستعد لهم. وقد كرر الله تعالى قصة موسى مختصرة، ومبسوطة لهذا الغرض لُيبيِّن حال هؤلاء اليهود الذين هم (...)، أو الذين هم من سكان دار الهجرة. وفي درس أمس بيَّن اللهُ تبارك وتعالى أنَّ المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ﴾ [الأنبياء ٢]. وسبق البحثُ في قوله: ﴿مُحْدَثٍ﴾، ما المراد بذلك؟ يعني: قيل: المراد بـ(محدث) أي: إنزاله، أو محدث هو أي: الذكر، وأيهما أرجح ؟ * الطالب: الأرجح أنه الذكر. * الشيخ: الجواب الثاني. * الطالب: الجواب الثاني؛ لأنه إذا قلنا: إنه مُحدَث إنزاله (...)، قوله: وما يأتيهم (...). * الشيخ: (...) بيان على إحداث النزول. وأيضًا إنه لو كان الثالث لكان النعت سببيًّا؛ يعني: الموصوف به غير (...)، والأصلُ خلافُ ذلك، الأصل أن يكون النعتُ حقيقيًّا، (...)، بل لما يتصل به، والأمرُ ليس كذلك. تقدَّم أن المراد بالأنباء هنا العاقبة؛ لأنهم أُنْبِئوا بها، فالمراد بإتيان النَّبأ إتيانُ المنبأ به، وهو العاقبة. وسبق أيضًا أن الله تعالى.. تقدم أن المراد بالأنباء هنا العاقبة؛ لأنهم أنبؤوا بها، فالمراد بإتيان النبأ إتيان المنبأ به، وهو العاقبة، وسبق أيضًا أن الله تعالى أراد أن يبين تمام قدرته، حيث أشار إلى ما أنبت في هذه الأرض من الأصناف والأنواع الحسنة البهيجة، وأن في ذلك آية، لكن لمن كان مؤمنًا ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ والآية هي بنفسها آية، ولكنه لا ينتفع بها إلا المؤمن، فإذا لم ينتفع بها أحد ما صارت بالنسبة إليه آية. ولهذا قيدها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٨] أي: لا ينتفعون بها، ثم ختم الآية بذكر عزته ورحمته ليجمع بين الترغيب والترهيب، الترهيب بالعزة، والترغيب بالرحمة، ثم بدأ الله تعالى بذكر قصص الأنبياء، مقدمًا ذكر قصة موسى؛ لطولها، ولأهميتها بالنسبة للنبي ﷺ. وقال: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠] إذ: هذه ظرف، عاملها محذوف، التقدير ما قدره المؤلف، (﴿وَ﴾ اذكر يا محمد لقومك ﴿إذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ ليلة رأى النار والشجرة) إلى آخره. ﴿إِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ ناداه؛ أي: دعاه بصوت مرتفع؛ لأن النداء لا يكون إلا بصوت عالٍ، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم ٥٢] فالنداء يكون للبعيد، ويلزم أن يكون بصوت عالٍ، وأما المناجاة فهي للقريب. ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ هو ابن عمران عليه الصلاة والسلام، وقوله: ﴿رَبُّكَ﴾، الإضافة هنا للتخصيص، وليس للتخصيص أنه ليس رب غيرك، ولكنها ربوبية خاصة؛ لأن ربوبية الله نوعان، كما أن عبوديته نوعان. ﴿رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾، ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾ (أن) هذه تفسيرية؛ لأنه سبقها معنى القول دون حروفه، وأن إذا سُبقت بمعنى القول دون حروفه تُسمى تفسيرية، ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾، ومثلها ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧] فإن الوحي فيه بمعنى القول دون حروفه، فيعربون مثل هذه بأنها تفسيرية، ولهذا قال الشارح أو المفسر: (أي بأن ﴿ائْتِ﴾ ). وقول المؤلف: (ليلة رأى النار، والشجرة) ليلة رأى النار صحيحة ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه ١٠]، وكذلك الشجرة، ولكنه التزم بأنه رآها فيه نظر؛ لأن سورة القصص ما تدل على أنه رآها، ويش لفظ الآية؟ * طالب: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص ٣٠]. * الشيخ: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص ٢٩، ٣٠] فلا يتبين من القرآن أنه رأى الشجرة، إنما يتبين أن الصوت سمعه من قبل الشجرة. (﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ رسولًا) لأنه ليس المراد أنه يأتيهم فقط، بل يأتيهم بالرسالة، و﴿الْقَوْمَ﴾ الجماعة، و﴿الظَّالِمِينَ﴾ سيأتي في كلام المؤلف معنى الظلم هنا. (﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ معه، ظلموا أنفسهم بالكفر بالله، وبني إسرائيل باستعبادهم) من الظالمين المعتدين الناقصين حق الله، وحق العباد، أما حق الله فإنهم كفروا به وأشركوا به، وقد قال الله تعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣] وأما حق الإنسان فقد استعبدوا بني إسرائيل، وصاروا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم. وفي قوله: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء ١٠، ١١] تخصيص بعد تعميم، أو بيان بعد إجمال؛ لأن القوم الظالمين مبهم، لكن قوم فرعون مبين، وفائدة الإبهام، ثم البيان بعده التأكيد من وجه، وبيان الاهتمام به من وجه آخر، وتلقي السمع له بالقبول من وجه ثالث. أما التأكيد؛ فلأنه كُرر مرتين، مرة مجملًا، ومرة مبينًا، وهذا التأكيد، وأما الاهتمام به؛ فلأن ذكره مؤكدًا دليل على أنه مهتم به، وأما تلقي السمع له بالقبول؛ فلأنه إذا جاء اللفظ مجملًا بقي الذهن يدور، ما هذا؟ ومن هؤلاء؟ مثلًا، فإذا أتى البيان إليه بعد ذلك أتى إلى ذهن متشوق حريص على معرفة هذا المبهم فيتلقاه بالقبول أكثر؛ لأنه متشوق إليه ومتطلع إليه، فهذه فوائد البيان بعد الإجمال. وفي وصفهم بالظلم قبل بيانهم؛ أي: في هذه الآية إشارة إلى عظم أمرهم حيث قدم الوصف على الموصوف في الحقيقة؛ لأنه عندما يُقال: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يتصور الإنسان ويعرف أنهم ظلمة، فإذا جاء بيانهم جاء بعد الحكم عليهم بهذا الوصف مما يدل على قبح ما هم عليه من هذا الأمر ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. (﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري ﴿يَتَّقُونَ﴾ الله بطاعته فيوحدونه). قوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ يحتمل أنه من المرسل به؛ يعني قل لهم: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾، ويحتمل أنه من كلام الله سبحانه وتعالى لموسى؛ ليبين له حالهم، وأنهم متجنبون للتقوى، وأن الأليق بهم أن يتقوا الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿أَلَا﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، مقتضى كلامه أن نقول: الهمزة للاستفهام، و(لا) نافية؛ يعني: أهم لا يتقون، وأنه لا يصح أن نجعلها للعرض: ألا تنزل عندنا فتصيب خيرًا؟ ويكون المقصود بقوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ عرض التقوى عليهم مع أنها (...). * طالب: (...). * الشيخ: لا، عرضها عليهم. * الطالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...). * الشيخ: فالمهم إنها على كلام المؤلف تعرب الهمزة وحدها و(لا) وحدها، وتكون الهمزة للاستفهام و(لا) نافية، وعلى الاحتمال الذي ذكرنا أن تكون بالعرض؛ يعني: أعرض عليهم التقوى ملزمًا لهم بها، وسبق أن المراد بالتقوى اتخاذ الوقاية من عذاب الله. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، تحتمل، ولا يتنافى المعنيان. * طالب: المؤلف ماذا يريد؟ * الشيخ: المؤلف يريد الهمزة وحدها، و(لا) نافية، الهمزة للاستفهام، و(لا) نافية؛ يعني أهم لا يتقون. ثم قال: (﴿قَالَ﴾ موسى ﴿رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ) هذا جواب موسى عليه الصلاة والسلام لله مبينًا له حاله، حتى يكون الأمر لديه -أي: لدى موسى- واضحًا فينشط ويقوى، وليس المراد بهذا معارضة أمر الله، فإن موسى لم يعارض أمر الله عز وجل، ولكن يريد أن يستبين الأمر؛ ماذا تكون حاله مع فرعون وقد اتصف بهذه الصفات، وهي الخوف ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ (أن) هذه مصدرية؛ يعني: أخاف تكذيبهم إياي، والمراد بالخوف هنا (...)؛ يعني: إني أتوقع ذلك ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم منهم هذا الأمر وعتوهم واستكبارهم والتزامهم بعبادة فرعون. وقوله: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ من تكذيبهم لي) فيه إشكال؛ حيث رُفِع مع أنه يلي المنصوب ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ لأن (أن) هذه مصدرية، و(يكذبونِ) منصوبة بها بحذف النون، والنون الموجودة للوقاية، وأصلها: يكذبونني، ثم حُذفت النون الأولى للناصب، وحذفت الياء للتخفيف، لكن ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ لم يقل: ويضيقَ صدري. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...) الاختلاف؛ يعني (...). * الشيخ: هنا يخافهم، ويقول: أنا أخاف يكذبوني، وأخاف يضيق صدري ولا ينطلق لساني. * طالب: (...). * الشيخ: إذن معناه أنه: أخاف أن يكذبونِ، وأخاف أن يضيق صدري بتكذيبهم. * الطالب: (...). * الشيخ: ناسخ، معطوفة على أخاف ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ وإني يضيق صدري بتكذيبهم، ولا ينطلق لساني، إلى آخره. * طالب: (...). * الشيخ: ما يخالف؛ يعني لأن يكذبوني، هذه ما تعدو أن تكون مفعولًا فقط، مفعولًا به مثل: ضربت زيدًا وأكرمته. وقوله: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ من تكذبيهم لي)، ضيق الصدر: عدم انشراحه وانبساطه، وهذا أمر فطري؛ أن الإنسان إذا خولف فسوف يضيق صدره كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يضيق صدره، ولكن الله تعالى يسلي رسله بأن لا تضيق صدورهم، ولا يحزنوا على هؤلاء المكذبين؛ لأن لهم يومًا يحاسبهم الله تعالى فيه، والرسل مبلغون فقط. ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ يقولون: إن ضيق الصدر من أسباب حدوث الضغط، ولهذا ينصحون المصابين بالضغط ينصحونهم أن يتجنبوا الغضب وما يحزنهم ويضيِّق صدورهم؛ لأن هذا في الحقيقة هو الواقع؛ لأن الضغط يستلزم ضيق الصدر، وضيق التنفس، وضيق الأرض على الإنسان، فإذا عَرَّض نفسه لما (...) ذلك ازداد عليه الضغط، فإذا عود نفسه الانبساط، والانشراح وعدم الاكتراث بالنوازل، فإنه يحصل خيرًا كثيرًا، ويبقى دائمًا في سرور، لا سيما إذا كان محتسبًا ومؤمنًا بالقدر. قال: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ بأداء الرسالة للعقدة التي فيه)، وهذه العقدة هي معنوية ولّا حسية؟ * طالب: معنوية (...). * الشيخ: لا، (...) الجمرة هذه باطلة، قصة إسرائيلية ما هي مقبولة، لكنها يحتمل أن تكون معنوية، بمعنى أنه لا يستطيع التعبير بانطلاق وفصاحة؛ لقوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه ٢٧، ٢٨]، وقول فرعون في وصفه: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢] ويحتمل -وهو أقرب- أن فيه لكنة، إما سرعة في القول بالنطق بالحروف، بحيث تتتابع الحروف حتى لا تفهم؛ لأن من الناس من يكون كذلك، ما في لسانه عقدة حسية، لكنه تترادف الحروف في كلامه بحيث لا تدري ما يقول؛ أو لأنه فيه لكنة لا تتبين الحروف من كلامه، وكل هذا محتمل؛ إنما يدل على أن هذه العقدة ليست كما ذكر من الجمرة؛ لأنها أثر حسي يمنعه من الكلام فهي أثر خلقي؛ يعني بأصل الخلقة، ويحتمل أنها من جهة البيان؛ يعني ليس فصيحًا في خطابه، وبيانه وإقناعه لكن الأول أولى؛ أي أنها عقده معنوية، وذلك بصفة الكلام، بحيث لا تتبين الحروف من كلامه إما لعجلته، وإما للثغته أو غير ذلك. (﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى﴾ أخي ﴿هَارُونَ﴾ معي)، أرسل إليه؛ يعني ابعث له بالرسالة حتى يكون مُعينًا، ووزيرًا له، وقد قيل: إنه لا يوجد أحد أشد منه على أخيه من موسى على أخيه هارون؛ لأنه تسبب بأن يكون في المقام الأعلى من مقامات بني آدم الذين أنعم الله عليهم، وهي الرسالة، حيث قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾. ثم بَيَّن مانعًا آخر غير التكذيب، فقال: (﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ بقتل القبطي منهم ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ ) هذا خوف آخر ناتج عن معاملته معهم، والأول خوف يتعلق بالرسالة، وهذا خوف يتعلق بالمعاملة معهم، ولهذا في الأول قال: ﴿أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ما قال: أن يقتلون، ولا كان يتصور أن يُقْتَلَ إذا جاء بالرسالة، ولهذا قال في الثاني: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ بأي شيء؟ مثلما قال المؤلف: (بقتل القبطي منهم). وقصته مشهورة في سورة القصص، حيث إنه عليه الصلاة والسلام كان رجلًا قويًّا وشديدًا، فخرج ذات يوم، فوجد في المدينة رجلين يقتتلان، أحدهما من شيعته من بني إسرائيل، والثاني من عدوه الأقباط، فاستنجد به الإسرائيلي فوكز موسى القبطي حتى مات، وفي اليوم الثاني خرج، ووجد صاحبه الإسرائيلي مع رجل آخر، فقال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨]، وأراد أن يبطش بالعدو، فظن الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به؛ لأنه وبخه، وقال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فلما تهيأ للبطش ظن أنه سيبطش به فقال الإسرائيلي: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [القصص ١٩]، الله يكفيك شر من تحسن إليه، لما قال هكذا انتبه لها القبطي، فدل على موسى بهذا السبب، موسى عليه الصلاة والسلام خرج خائفًا يترقب، ولجأ إلى الله سبحانه وتعالى قال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٢١] فنجاه الله ومَنَّ عليه بالرسالة. * طالب: (...). * الشيخ: ما يتعلق بشيء، اقرأ الآيات (...). * طالب: (...). * الشيخ: ما هو السياق كله في سياق الرجل الذي (...) ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨]، (...) لكن موسى ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [القصص ١٩]. يقول: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي: يقتلونني به، وحُذفت الياء للتخفيف، والنون نون الفعل حُذفت للنصب، ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ به.قال الله تعالى (﴿كَلَّا﴾ أي لا يقتلونك ﴿فَاذْهَبَا﴾ أي: أنت وأخوك ففيه تغليب الحاضر على الغائب)، وفيه: أيضًا أن الله تعالى أجاب دعاء موسى كما قال في سورة طه: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه ٣٦] أجابه، وأرسل إلى هارون بالرسالة ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا﴾ الباء للمصاحبة، المصاحبون لآيات الله؛ أي: العلامات الخاصة به التي تدل عليه وحده دون غيره، والآيات التي ذهب بها هو الوحي، والثاني: العصا، والثالث: اليد، هذه الآيات التي كانت عند الوحي إليه. ثم تلاها بعد ذلك تسع آيات كما هو واضح، هذه الآيات الثلاث منها آية معنوية، وآيتان حسيتان مناسبتان للأصل؛ لأن انقلاب العصا حية يشبه السحر، وليس بالسحر؛ لأن هذا حقيقة، والسحر خيال، وأيضًا كون اليد إذا أدخلها في جيبه تخرج بيضاء من غير سوء؛ يعني من غير برص، ونقص هذا أيضًا مثل السحر، ولكنه ليس بسحر، فيكون آية من آيات الله سبحانه وتعالى المعجزة لهؤلاء أن يأتوا بمثلها. (﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ ما تقولون، وما يُقال لكم، أُجري مجرى الجماعة)، أما قوله: ﴿إِنَّا﴾ فالضمير لله سبحانه وتعالى بلفظ الغلبة، ما قال: إنني، مع أنه في سورة طه، قال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، لكن هنا ذكر ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ فكان المبالغة حصلت بانضمام الأمرين: السمع والرؤية، وهنا ما ذكر إلا الاستماع فقط، ولهذا جاء في صورة العظمة بالنسبة للمبتدأ. وقول: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ولم يقل: معكما، كما قال في سورة طه، يقول المؤلف: (أُجري مجرى الجماعة)، والجواب عن هذا، هذا ما قال المؤلف أن يقول: أُجري الاثنان مجرى الجماعة، وإذا قلنا: بأن أقل الجمع اثنان. * طلبة: (...). * الشيخ: (...)، إذا قلنا بأن أقل الجمع اثنان نقول هذا، وإن كان بلفظ الجمع، لكنه دال على الاثنين باعتبار المراد اللغوي، فلا حاجة إلى التأويل. وإذا قلت: إنه لما كان موسى وهارون والآيات، كأنها صارت ثلاثة، وإن كانت الآيات ليست (...) ولكنها مؤيدة؛ لأن التأييد يكون بالأدلة وبقوة الداعي والمستدل، ويحتمل أيضًا أنه جمعها باعتبار أن موسى وهارون سيكون لهم قوم، ويكون الاستماع بموسى وهارون بقومهما. ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦] يقول: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ وهنا قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ فدل ذلك على أن القوم والآل إذا أضيفت إلى الشخص دخل فيهم، فقوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٦] لا يدل على نجاة فرعون؛ لقوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود ٩٨] فهو أولهم، وهنا أيضًا قال: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠]، ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ مما يدل على أن (القوم) إذا أُضيفت فأول ما يدخل فيها من أُضيفت له ما لم يمنع من ذلك مانع حسي كموته مثلًا، فإنه إذا مات ما عاد يكون فائدة في الإتيان إليه لكن إذا كان موجودًا فهو أول من يدخل في قومه. ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يبين الله تعالى صفة القول، بل بين هنا المقول، لكنه في سورة طه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه ٤٤]، أمروا أو أمر موسى، وهارون بأن يقولا: إنهما رسول من الله، وأن يقولا ذلك بلهجة لينة لا بلهجة قاسية؛ لأن القاسي إذا قُوبل بلهجة قاسية قسى أكثر، وإذا قُوبل بلهجة لينة اجتمع لين وقاس فلا يحصل الصدم، والاصطدام بينهما، وهذا من الحكمة في الدعوة، أما الإنسان إذا كان عاتيًا جبارًا فلا ينبغي أن يُقابل بالعتو والجبروت؛ وذلك لأنه لا يزيد الأمر إلا شدة، يُقابل باللين حتى تقوم عليه الحُجَّة. (﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا﴾ أي كلًّا منا ﴿رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ) قدر المؤلف: (أي كلًّا منا)؛ لأجل التناسب مع المبتدأ الذي هو اسم (إنَّ) والخبر الذي هو رسول ﴿إِنَّا رَسُولُ﴾. وفي آية أخرى ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه ٤٧] بالتثنية، وهنا بالإفراد فقدر المؤلف أو خرج المؤلف في الآية على أن المعنى: كل واحد منا، وقد مر قريبًا قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤] أي: اجعل كل واحد منا، هذا أحد الوجوه. وجه آخر أن رسول بمعنى الرسالة؛ بمعنى المصدر اسم مصدر، والمصدر إذا وُصف به يستوي فيه المفرد، وغيره. ووجه ثالث: أن يُقال: إن الأصل في الرسالة موسى وهو واحد، وهارون معينٌ ووزير، وإلا فالأصل أن موسى هو الرسول كما (...) السيرة ذكر موسى بدون ذكر هارون. ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يقل: إني رسول الله؛ لأنهم سيقابلون شخصًا يدعي الربوبية أنه الرب، فيتبين له من أول الأمر أن الربوبية ليست له، وإنما هي لله ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والعالَمون كل من سوى الله فهو عالَم، فكل المخلوقات عالَم، ومع ذلك ربما تُضاف إلى أنواعها، فيُقال: عالم البشر، عالم الجن، عالم الإبل عالم كذا، عالم كذا، لكن إذا جُمعت هكذا شملت جميع الأنواع، فكل من سوى الله فإنه عالَم قالوا: وسموا عالمًا؛ لأنهم علم على خالقهم. (﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إليك)، المؤلف قَدَّر (إليك) للإيضاح، وإلا فلا حاجة؛ لأنهم يخاطبونه فقولهم: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لولا أنه لم يكن هناك فائدة من خطابهم إياه، فهم رسول رب العالمين إليه (﴿أَنْ﴾ أي: بأن ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا﴾ إلى الشام ﴿بَنِي إسْرَائِيل﴾ فأتياه) إلى آخره. قوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٧] الإرسال يُطلق بمعنى الإطلاق؛ يعني أطلقهم؛ لأنه كان قد ضيق عليهم الخناق، وعذبهم بكونه يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم، فطلب موسى عليه الصلاة والسلام منه أن يرسل معه بني إسرائيل، ويطلقهم، ولكن ستأتي المناقشة بينه وبين موسى فيما بعد إن شاء الله. * يستفاد من هذه الآيات أولًا: إثبات النداء لله سبحانه وتعالى، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: فيكون كلامه بصوت على هذا، وأنه بحرف. * ويستفاد أيضًا من الآية: أنه بحرف. * طالب: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. * الشيخ: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ فإن ﴿ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ [الشعراء ١٠، ١١] كلها حروف. وفي هذا دليل على فضل الله سبحانه وتعالى على الخلق، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: إرسال الرسل، نعم، إرسال الرسل دليل على فضل الله على الخلق وعنايته بهم؛ لأن الخلق مهما أُوتوا من ذكاء لا يمكنهم أن يدركوا ما يجب لله سبحانه وتعالى على التفصيل، العاقل يدرك ما يجب لله على وجه الإجمال، فإدراكه أن له الكمال المطلق، وأنه مستحق للعبادة لكن على وجه التفصيل لا يمكن إلا عن طريق الرسل، ولهذا قال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥] وفي هذا دليل على سوء حال فرعون وقومه، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...). وفيه دليل على أنه لا بأس بالإجمال في الكلام، بشرط أن يكون (...)، من أين نأخذه؟ ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء ١٠] ما فائدة الإجمال ثم التفصيل بعده؟ * طالب: (...). * الشيخ: المعنى؟ الاهتمام به؛ (...) لأنه يكون متشوفًا، ومتطلعًا إلى بيان هذا المجمل، فيأتيه وهو على (...)، وفي الحديث أيضًا من الفوائد دليل على جواز الخوف الطبيعي، وأنه ليس بشرك، من أين تأخذه؟ (...) أي: الخوفين؛ لأنه يخاف مرتين ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء ١٢] و﴿أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء ١٤]. أو قلنا: إن المراد بالخوف هنا لازِمُهُ، وهو التوقع؛ لأنه يتوقع هذا (...)، يقول: ﴿أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء ١٢]، أنا أظن أنهم يكذبونني، ليس معنى أنه يخاف خوف ذعر، الذعر الذي يقع في النفس، وبمعنى التوقع، وفي هذا دليل على جواز بيان الإنسان حاله إذا لم يقصد به الشكوى، قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ فإن هذا وصف له بالضعف، نعم، وعدم التحمل نفسيًّا بضيق الصدر، وعدم البيان المتقن بكونه لا ينطلق لسانه، وفيه دليل على جواز ذكر الوسائل التي تستوجب القبول في الدعاء، إذ إنه ذكر أنه ما يستطيع لكونه يضيق صدره، ولا ينطلق لسانه، وهذا من باب توسل الداعي، ذِكْر حالِهِ هذه من الوسائل التي تستوجب قبول دعائه. وفي هذا إثبات المعية لله عز وجل، وهل المعية حقيقية ولّا مجاز؟ * طالب: (...). * الشيخ: إذا كانت حقيقية ألا يكون ذلك موجبًا للقول (...)؛ يعني مثلًا: أنت الآن (...) بأن المعية في الأصل المشاركة في المكان ولّا لا؟ تقر بهذا أن المعية في الأصل تستلزم المشاركة في المكان. * طالب: لا شك. * الشيخ: لا شك. * طالب: (...). * الشيخ: ترى تقتضي غير تستلزم؟ تقتضي؛ يعني (...) هذا أو تستلزم. * الطالب: (...). * الشيخ: تستلزم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أنا أقول: المعية مطلقًا؛ لأجل أن يتوصل إلى دعوة (...)، فلماذا يؤولون المعية، ثم ينكرون علينا تأويل اليد. * طالب: (...). * الشيخ: لا تستلزم المشاركة في المكان ولا الاختلاط (...)؛ لأن المعية في حقيقة الله معناها المصاحبة المطلقة، ولكنها في كل شيء بحسبه ولّا لا؟ تقول مثلًا: اللبن معه ماء، سقاني لبنًا معه ماء، هذه تقتضي الامتزاج والاختلاط. (...). واستصحاب الدليل؛ لقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، والعلم بالمدافع، وهو قوله: ﴿مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ فكل شيء يحتاج إلى تشجيع، فينبغي للإنسان أن يظهر تشجيع صاحبه حتى ينشط ويؤدي الرسالة على الوجه الأكمل، وفي هذا دليل على أن القوم والأهل وما أشبه ذلك إذا أُضيفت دخل فيها من أضيفت له، نأخذه من قوله: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، ثم قال في آخر الآيات: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ فدل ذلك على أن فرعون منهم. وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي أن يُخَاطَبَ الإنسان بما تقتضيه حاله، فمنكر الربوبية نخاطبه بإثبات الربوبية، ومنكر الألوهية نثبته بإثبات الأولوهية، وهكذا، تؤخذ من أين؟ من قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]. * طالب: ها دول قوم فرعون. * الشيخ: لا، فرعون معهم. * الطالب: فرعون وقومه (...). * الشيخ: إي نعم، وقال له أيضًا موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء ١٠٢]. * طالب: فرعون، هذا الدليل واضح عليه، وفي غير فرعون ممن جحد (...) هل هناك دليل صحيح بأنه (...) يقينًا (...). * الشيخ: نعم الدليل عقلي. * طالب: شرعي؛ يعني ما فيه. * الشيخ: لا، شرعي ما فيه؛ لأن الشرعي ما يمكن يتحدث عن أمر ما بعد وقع؛ لأن في الموجودين الآن اللي ينكرون يقولون بلا خالق؟ * الطالب: إلا بالقياس (...). * الشيخ: إلا بالقياس؟! لا، وبالعقل أيضًا، كل إنسان عاقل ما يمكن يدعي إن هذه الأمور حدثت بدون محدث أبدًا لا، إحنا ما علمنا أحدًا أنكر، ونرى أنه لا يمكن أيضًا، وأنه إذا أنكرها بلسانه فإن قلبه يعترف إلا أن يكون غير عاقل؛ يعني قد يكون بعض الناس مقلدًا تقليدًا محضًا، ولا يفكر مثل عوام الشيوعيين، وغيرهم هؤلاء فيما يظهر أنهم ما يفكرون بهذه الأمور؛ لأنهم عاشوا في بيئة من الأصل تقول: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وإنه ما فيه بعث ولا فيه رب ولا فيه شيء أبدًا، مثل دول يمكن أن يكونوا منكرين بقرارة قلوبهم، أو نفوسهم (...) بس انقطع عن المعارضة. * طالب: انقطع عن المعارضة. * الشيخ: ما يلزم أنه يؤمن، يمكن يستكبر ولا يؤمن. * طالب: (...) دليلًا. * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على (...). * الشيخ: عجز عن المعارضة. * الطالب: نعم اعترف (...). * الشيخ: لأنه قال: أنا أحيي وأميت، فعارض تمويها ثم بعد ذلك عجز. * طالب: (...) أقر. * الشيخ: لا، ما أقر؛ لأنه ما قال: فأقر. * طالب: بهت. * الشيخ: بهت، عجز، ويش معنى بهت؟ * الطالب: انقطع (...). * الشيخ: إي، هذه، لكن لا يلزم من عدم قيام الحجة، أو من قيام الحجة على الخصم أن يقر، ربما يستكبر. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، إحنا الآن نقول فيه من أنكر باللفظ. * طالب: لا، بقلبه. * الشيخ: لا، ما تدل الآية على أنه أنكر بقلبه حتى لو بُهت، ما فيه دليل على أنه أنكر بقلبه، لا تدل على أنه أقر بالإيمان، ولا على أنه أنكر المعنى؛ لأنه قال لما قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، ما قال: إنه ما لك رب، جعل نفسه ندًّا لله، قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فأورد عليه الإيراد اللي عاد ما (...) يتخلص منه، ذكر ثلاث علل استبيانًا للأمر أمام هذه العلل، وهي: تكذيبهم، وأنه يضيق صدره، وأنه لا ينطلق لسانه، فبين الله سبحانه وتعالى أن ذلك لا يؤثر، فقال: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٥، ١٦]، وهما سيمتثلان هذا الأمر؛ لأنهما يعلمان أن الله تعالى معهما مستمع لما يقول فرعون، وما يقولون له، ونفذ هذه الرسالة بأمر الله تبارك وتعالى. وتقدم أيضًا أنهم طلبوا منه أن يرسل معهما بني إسرائيل، المؤلف يقول: يرسلهما إلى الشام، ولكن ليس في القرآن ما يدل على ذلك؛ أي أنهما طلبا أن يرسل معهما بني إسرائيل إلى الشام، بل المراد بالإرسال هنا الإطلاق من الاستعباد والرق؛ لأنه كان يفعل ببني إسرائيل كذلك.

الشعراء 26:16

الطالب: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء ١١ - ١٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠] في القرآن الكريم يُكْثِر الله تبارك وتعالى من ذكر قصة موسى، وما جرى له مع فرعون، ومع بني إسرائيل؛ وذلك ليستعدَّ النبيُّ ﷺ لليهود الذين في المدينة حتى يعرف من أمرهم ما لم يكن معروفًا عنده؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا بَعَث أحدًا أخبره بحالِ المبعوثِ له، كما قال لمعاذ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس.]] ليستعد لهم. وقد كرر الله تعالى قصة موسى مختصرة، ومبسوطة لهذا الغرض لُيبيِّن حال هؤلاء اليهود الذين هم (...)، أو الذين هم من سكان دار الهجرة. وفي درس أمس بيَّن اللهُ تبارك وتعالى أنَّ المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ﴾ [الأنبياء ٢]. وسبق البحثُ في قوله: ﴿مُحْدَثٍ﴾، ما المراد بذلك؟ يعني: قيل: المراد بـ(محدث) أي: إنزاله، أو محدث هو أي: الذكر، وأيهما أرجح ؟ * الطالب: الأرجح أنه الذكر. * الشيخ: الجواب الثاني. * الطالب: الجواب الثاني؛ لأنه إذا قلنا: إنه مُحدَث إنزاله (...)، قوله: وما يأتيهم (...). * الشيخ: (...) بيان على إحداث النزول. وأيضًا إنه لو كان الثالث لكان النعت سببيًّا؛ يعني: الموصوف به غير (...)، والأصلُ خلافُ ذلك، الأصل أن يكون النعتُ حقيقيًّا، (...)، بل لما يتصل به، والأمرُ ليس كذلك. تقدَّم أن المراد بالأنباء هنا العاقبة؛ لأنهم أُنْبِئوا بها، فالمراد بإتيان النَّبأ إتيانُ المنبأ به، وهو العاقبة. وسبق أيضًا أن الله تعالى.. تقدم أن المراد بالأنباء هنا العاقبة؛ لأنهم أنبؤوا بها، فالمراد بإتيان النبأ إتيان المنبأ به، وهو العاقبة، وسبق أيضًا أن الله تعالى أراد أن يبين تمام قدرته، حيث أشار إلى ما أنبت في هذه الأرض من الأصناف والأنواع الحسنة البهيجة، وأن في ذلك آية، لكن لمن كان مؤمنًا ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ والآية هي بنفسها آية، ولكنه لا ينتفع بها إلا المؤمن، فإذا لم ينتفع بها أحد ما صارت بالنسبة إليه آية. ولهذا قيدها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٨] أي: لا ينتفعون بها، ثم ختم الآية بذكر عزته ورحمته ليجمع بين الترغيب والترهيب، الترهيب بالعزة، والترغيب بالرحمة، ثم بدأ الله تعالى بذكر قصص الأنبياء، مقدمًا ذكر قصة موسى؛ لطولها، ولأهميتها بالنسبة للنبي ﷺ. وقال: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠] إذ: هذه ظرف، عاملها محذوف، التقدير ما قدره المؤلف، (﴿وَ﴾ اذكر يا محمد لقومك ﴿إذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ ليلة رأى النار والشجرة) إلى آخره. ﴿إِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ ناداه؛ أي: دعاه بصوت مرتفع؛ لأن النداء لا يكون إلا بصوت عالٍ، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم ٥٢] فالنداء يكون للبعيد، ويلزم أن يكون بصوت عالٍ، وأما المناجاة فهي للقريب. ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ هو ابن عمران عليه الصلاة والسلام، وقوله: ﴿رَبُّكَ﴾، الإضافة هنا للتخصيص، وليس للتخصيص أنه ليس رب غيرك، ولكنها ربوبية خاصة؛ لأن ربوبية الله نوعان، كما أن عبوديته نوعان. ﴿رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾، ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾ (أن) هذه تفسيرية؛ لأنه سبقها معنى القول دون حروفه، وأن إذا سُبقت بمعنى القول دون حروفه تُسمى تفسيرية، ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾، ومثلها ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧] فإن الوحي فيه بمعنى القول دون حروفه، فيعربون مثل هذه بأنها تفسيرية، ولهذا قال الشارح أو المفسر: (أي بأن ﴿ائْتِ﴾ ). وقول المؤلف: (ليلة رأى النار، والشجرة) ليلة رأى النار صحيحة ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه ١٠]، وكذلك الشجرة، ولكنه التزم بأنه رآها فيه نظر؛ لأن سورة القصص ما تدل على أنه رآها، ويش لفظ الآية؟ * طالب: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص ٣٠]. * الشيخ: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص ٢٩، ٣٠] فلا يتبين من القرآن أنه رأى الشجرة، إنما يتبين أن الصوت سمعه من قبل الشجرة. (﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ رسولًا) لأنه ليس المراد أنه يأتيهم فقط، بل يأتيهم بالرسالة، و﴿الْقَوْمَ﴾ الجماعة، و﴿الظَّالِمِينَ﴾ سيأتي في كلام المؤلف معنى الظلم هنا. (﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ معه، ظلموا أنفسهم بالكفر بالله، وبني إسرائيل باستعبادهم) من الظالمين المعتدين الناقصين حق الله، وحق العباد، أما حق الله فإنهم كفروا به وأشركوا به، وقد قال الله تعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣] وأما حق الإنسان فقد استعبدوا بني إسرائيل، وصاروا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم. وفي قوله: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء ١٠، ١١] تخصيص بعد تعميم، أو بيان بعد إجمال؛ لأن القوم الظالمين مبهم، لكن قوم فرعون مبين، وفائدة الإبهام، ثم البيان بعده التأكيد من وجه، وبيان الاهتمام به من وجه آخر، وتلقي السمع له بالقبول من وجه ثالث. أما التأكيد؛ فلأنه كُرر مرتين، مرة مجملًا، ومرة مبينًا، وهذا التأكيد، وأما الاهتمام به؛ فلأن ذكره مؤكدًا دليل على أنه مهتم به، وأما تلقي السمع له بالقبول؛ فلأنه إذا جاء اللفظ مجملًا بقي الذهن يدور، ما هذا؟ ومن هؤلاء؟ مثلًا، فإذا أتى البيان إليه بعد ذلك أتى إلى ذهن متشوق حريص على معرفة هذا المبهم فيتلقاه بالقبول أكثر؛ لأنه متشوق إليه ومتطلع إليه، فهذه فوائد البيان بعد الإجمال. وفي وصفهم بالظلم قبل بيانهم؛ أي: في هذه الآية إشارة إلى عظم أمرهم حيث قدم الوصف على الموصوف في الحقيقة؛ لأنه عندما يُقال: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يتصور الإنسان ويعرف أنهم ظلمة، فإذا جاء بيانهم جاء بعد الحكم عليهم بهذا الوصف مما يدل على قبح ما هم عليه من هذا الأمر ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. (﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري ﴿يَتَّقُونَ﴾ الله بطاعته فيوحدونه). قوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ يحتمل أنه من المرسل به؛ يعني قل لهم: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾، ويحتمل أنه من كلام الله سبحانه وتعالى لموسى؛ ليبين له حالهم، وأنهم متجنبون للتقوى، وأن الأليق بهم أن يتقوا الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿أَلَا﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، مقتضى كلامه أن نقول: الهمزة للاستفهام، و(لا) نافية؛ يعني: أهم لا يتقون، وأنه لا يصح أن نجعلها للعرض: ألا تنزل عندنا فتصيب خيرًا؟ ويكون المقصود بقوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ عرض التقوى عليهم مع أنها (...). * طالب: (...). * الشيخ: لا، عرضها عليهم. * الطالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...). * الشيخ: فالمهم إنها على كلام المؤلف تعرب الهمزة وحدها و(لا) وحدها، وتكون الهمزة للاستفهام و(لا) نافية، وعلى الاحتمال الذي ذكرنا أن تكون بالعرض؛ يعني: أعرض عليهم التقوى ملزمًا لهم بها، وسبق أن المراد بالتقوى اتخاذ الوقاية من عذاب الله. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، تحتمل، ولا يتنافى المعنيان. * طالب: المؤلف ماذا يريد؟ * الشيخ: المؤلف يريد الهمزة وحدها، و(لا) نافية، الهمزة للاستفهام، و(لا) نافية؛ يعني أهم لا يتقون. ثم قال: (﴿قَالَ﴾ موسى ﴿رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ) هذا جواب موسى عليه الصلاة والسلام لله مبينًا له حاله، حتى يكون الأمر لديه -أي: لدى موسى- واضحًا فينشط ويقوى، وليس المراد بهذا معارضة أمر الله، فإن موسى لم يعارض أمر الله عز وجل، ولكن يريد أن يستبين الأمر؛ ماذا تكون حاله مع فرعون وقد اتصف بهذه الصفات، وهي الخوف ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ (أن) هذه مصدرية؛ يعني: أخاف تكذيبهم إياي، والمراد بالخوف هنا (...)؛ يعني: إني أتوقع ذلك ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم منهم هذا الأمر وعتوهم واستكبارهم والتزامهم بعبادة فرعون. وقوله: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ من تكذيبهم لي) فيه إشكال؛ حيث رُفِع مع أنه يلي المنصوب ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ لأن (أن) هذه مصدرية، و(يكذبونِ) منصوبة بها بحذف النون، والنون الموجودة للوقاية، وأصلها: يكذبونني، ثم حُذفت النون الأولى للناصب، وحذفت الياء للتخفيف، لكن ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ لم يقل: ويضيقَ صدري. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...) الاختلاف؛ يعني (...). * الشيخ: هنا يخافهم، ويقول: أنا أخاف يكذبوني، وأخاف يضيق صدري ولا ينطلق لساني. * طالب: (...). * الشيخ: إذن معناه أنه: أخاف أن يكذبونِ، وأخاف أن يضيق صدري بتكذيبهم. * الطالب: (...). * الشيخ: ناسخ، معطوفة على أخاف ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ وإني يضيق صدري بتكذيبهم، ولا ينطلق لساني، إلى آخره. * طالب: (...). * الشيخ: ما يخالف؛ يعني لأن يكذبوني، هذه ما تعدو أن تكون مفعولًا فقط، مفعولًا به مثل: ضربت زيدًا وأكرمته. وقوله: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ من تكذبيهم لي)، ضيق الصدر: عدم انشراحه وانبساطه، وهذا أمر فطري؛ أن الإنسان إذا خولف فسوف يضيق صدره كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يضيق صدره، ولكن الله تعالى يسلي رسله بأن لا تضيق صدورهم، ولا يحزنوا على هؤلاء المكذبين؛ لأن لهم يومًا يحاسبهم الله تعالى فيه، والرسل مبلغون فقط. ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ يقولون: إن ضيق الصدر من أسباب حدوث الضغط، ولهذا ينصحون المصابين بالضغط ينصحونهم أن يتجنبوا الغضب وما يحزنهم ويضيِّق صدورهم؛ لأن هذا في الحقيقة هو الواقع؛ لأن الضغط يستلزم ضيق الصدر، وضيق التنفس، وضيق الأرض على الإنسان، فإذا عَرَّض نفسه لما (...) ذلك ازداد عليه الضغط، فإذا عود نفسه الانبساط، والانشراح وعدم الاكتراث بالنوازل، فإنه يحصل خيرًا كثيرًا، ويبقى دائمًا في سرور، لا سيما إذا كان محتسبًا ومؤمنًا بالقدر. قال: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ بأداء الرسالة للعقدة التي فيه)، وهذه العقدة هي معنوية ولّا حسية؟ * طالب: معنوية (...). * الشيخ: لا، (...) الجمرة هذه باطلة، قصة إسرائيلية ما هي مقبولة، لكنها يحتمل أن تكون معنوية، بمعنى أنه لا يستطيع التعبير بانطلاق وفصاحة؛ لقوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه ٢٧، ٢٨]، وقول فرعون في وصفه: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢] ويحتمل -وهو أقرب- أن فيه لكنة، إما سرعة في القول بالنطق بالحروف، بحيث تتتابع الحروف حتى لا تفهم؛ لأن من الناس من يكون كذلك، ما في لسانه عقدة حسية، لكنه تترادف الحروف في كلامه بحيث لا تدري ما يقول؛ أو لأنه فيه لكنة لا تتبين الحروف من كلامه، وكل هذا محتمل؛ إنما يدل على أن هذه العقدة ليست كما ذكر من الجمرة؛ لأنها أثر حسي يمنعه من الكلام فهي أثر خلقي؛ يعني بأصل الخلقة، ويحتمل أنها من جهة البيان؛ يعني ليس فصيحًا في خطابه، وبيانه وإقناعه لكن الأول أولى؛ أي أنها عقده معنوية، وذلك بصفة الكلام، بحيث لا تتبين الحروف من كلامه إما لعجلته، وإما للثغته أو غير ذلك. (﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى﴾ أخي ﴿هَارُونَ﴾ معي)، أرسل إليه؛ يعني ابعث له بالرسالة حتى يكون مُعينًا، ووزيرًا له، وقد قيل: إنه لا يوجد أحد أشد منه على أخيه من موسى على أخيه هارون؛ لأنه تسبب بأن يكون في المقام الأعلى من مقامات بني آدم الذين أنعم الله عليهم، وهي الرسالة، حيث قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾. ثم بَيَّن مانعًا آخر غير التكذيب، فقال: (﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ بقتل القبطي منهم ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ ) هذا خوف آخر ناتج عن معاملته معهم، والأول خوف يتعلق بالرسالة، وهذا خوف يتعلق بالمعاملة معهم، ولهذا في الأول قال: ﴿أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ما قال: أن يقتلون، ولا كان يتصور أن يُقْتَلَ إذا جاء بالرسالة، ولهذا قال في الثاني: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ بأي شيء؟ مثلما قال المؤلف: (بقتل القبطي منهم). وقصته مشهورة في سورة القصص، حيث إنه عليه الصلاة والسلام كان رجلًا قويًّا وشديدًا، فخرج ذات يوم، فوجد في المدينة رجلين يقتتلان، أحدهما من شيعته من بني إسرائيل، والثاني من عدوه الأقباط، فاستنجد به الإسرائيلي فوكز موسى القبطي حتى مات، وفي اليوم الثاني خرج، ووجد صاحبه الإسرائيلي مع رجل آخر، فقال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨]، وأراد أن يبطش بالعدو، فظن الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به؛ لأنه وبخه، وقال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فلما تهيأ للبطش ظن أنه سيبطش به فقال الإسرائيلي: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [القصص ١٩]، الله يكفيك شر من تحسن إليه، لما قال هكذا انتبه لها القبطي، فدل على موسى بهذا السبب، موسى عليه الصلاة والسلام خرج خائفًا يترقب، ولجأ إلى الله سبحانه وتعالى قال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٢١] فنجاه الله ومَنَّ عليه بالرسالة. * طالب: (...). * الشيخ: ما يتعلق بشيء، اقرأ الآيات (...). * طالب: (...). * الشيخ: ما هو السياق كله في سياق الرجل الذي (...) ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨]، (...) لكن موسى ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [القصص ١٩]. يقول: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي: يقتلونني به، وحُذفت الياء للتخفيف، والنون نون الفعل حُذفت للنصب، ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ به.قال الله تعالى (﴿كَلَّا﴾ أي لا يقتلونك ﴿فَاذْهَبَا﴾ أي: أنت وأخوك ففيه تغليب الحاضر على الغائب)، وفيه: أيضًا أن الله تعالى أجاب دعاء موسى كما قال في سورة طه: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه ٣٦] أجابه، وأرسل إلى هارون بالرسالة ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا﴾ الباء للمصاحبة، المصاحبون لآيات الله؛ أي: العلامات الخاصة به التي تدل عليه وحده دون غيره، والآيات التي ذهب بها هو الوحي، والثاني: العصا، والثالث: اليد، هذه الآيات التي كانت عند الوحي إليه. ثم تلاها بعد ذلك تسع آيات كما هو واضح، هذه الآيات الثلاث منها آية معنوية، وآيتان حسيتان مناسبتان للأصل؛ لأن انقلاب العصا حية يشبه السحر، وليس بالسحر؛ لأن هذا حقيقة، والسحر خيال، وأيضًا كون اليد إذا أدخلها في جيبه تخرج بيضاء من غير سوء؛ يعني من غير برص، ونقص هذا أيضًا مثل السحر، ولكنه ليس بسحر، فيكون آية من آيات الله سبحانه وتعالى المعجزة لهؤلاء أن يأتوا بمثلها. (﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ ما تقولون، وما يُقال لكم، أُجري مجرى الجماعة)، أما قوله: ﴿إِنَّا﴾ فالضمير لله سبحانه وتعالى بلفظ الغلبة، ما قال: إنني، مع أنه في سورة طه، قال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، لكن هنا ذكر ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ فكان المبالغة حصلت بانضمام الأمرين: السمع والرؤية، وهنا ما ذكر إلا الاستماع فقط، ولهذا جاء في صورة العظمة بالنسبة للمبتدأ. وقول: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ولم يقل: معكما، كما قال في سورة طه، يقول المؤلف: (أُجري مجرى الجماعة)، والجواب عن هذا، هذا ما قال المؤلف أن يقول: أُجري الاثنان مجرى الجماعة، وإذا قلنا: بأن أقل الجمع اثنان. * طلبة: (...). * الشيخ: (...)، إذا قلنا بأن أقل الجمع اثنان نقول هذا، وإن كان بلفظ الجمع، لكنه دال على الاثنين باعتبار المراد اللغوي، فلا حاجة إلى التأويل. وإذا قلت: إنه لما كان موسى وهارون والآيات، كأنها صارت ثلاثة، وإن كانت الآيات ليست (...) ولكنها مؤيدة؛ لأن التأييد يكون بالأدلة وبقوة الداعي والمستدل، ويحتمل أيضًا أنه جمعها باعتبار أن موسى وهارون سيكون لهم قوم، ويكون الاستماع بموسى وهارون بقومهما. ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦] يقول: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ وهنا قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ فدل ذلك على أن القوم والآل إذا أضيفت إلى الشخص دخل فيهم، فقوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٦] لا يدل على نجاة فرعون؛ لقوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود ٩٨] فهو أولهم، وهنا أيضًا قال: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠]، ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ مما يدل على أن (القوم) إذا أُضيفت فأول ما يدخل فيها من أُضيفت له ما لم يمنع من ذلك مانع حسي كموته مثلًا، فإنه إذا مات ما عاد يكون فائدة في الإتيان إليه لكن إذا كان موجودًا فهو أول من يدخل في قومه. ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يبين الله تعالى صفة القول، بل بين هنا المقول، لكنه في سورة طه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه ٤٤]، أمروا أو أمر موسى، وهارون بأن يقولا: إنهما رسول من الله، وأن يقولا ذلك بلهجة لينة لا بلهجة قاسية؛ لأن القاسي إذا قُوبل بلهجة قاسية قسى أكثر، وإذا قُوبل بلهجة لينة اجتمع لين وقاس فلا يحصل الصدم، والاصطدام بينهما، وهذا من الحكمة في الدعوة، أما الإنسان إذا كان عاتيًا جبارًا فلا ينبغي أن يُقابل بالعتو والجبروت؛ وذلك لأنه لا يزيد الأمر إلا شدة، يُقابل باللين حتى تقوم عليه الحُجَّة. (﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا﴾ أي كلًّا منا ﴿رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ) قدر المؤلف: (أي كلًّا منا)؛ لأجل التناسب مع المبتدأ الذي هو اسم (إنَّ) والخبر الذي هو رسول ﴿إِنَّا رَسُولُ﴾. وفي آية أخرى ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه ٤٧] بالتثنية، وهنا بالإفراد فقدر المؤلف أو خرج المؤلف في الآية على أن المعنى: كل واحد منا، وقد مر قريبًا قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤] أي: اجعل كل واحد منا، هذا أحد الوجوه. وجه آخر أن رسول بمعنى الرسالة؛ بمعنى المصدر اسم مصدر، والمصدر إذا وُصف به يستوي فيه المفرد، وغيره. ووجه ثالث: أن يُقال: إن الأصل في الرسالة موسى وهو واحد، وهارون معينٌ ووزير، وإلا فالأصل أن موسى هو الرسول كما (...) السيرة ذكر موسى بدون ذكر هارون. ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يقل: إني رسول الله؛ لأنهم سيقابلون شخصًا يدعي الربوبية أنه الرب، فيتبين له من أول الأمر أن الربوبية ليست له، وإنما هي لله ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والعالَمون كل من سوى الله فهو عالَم، فكل المخلوقات عالَم، ومع ذلك ربما تُضاف إلى أنواعها، فيُقال: عالم البشر، عالم الجن، عالم الإبل عالم كذا، عالم كذا، لكن إذا جُمعت هكذا شملت جميع الأنواع، فكل من سوى الله فإنه عالَم قالوا: وسموا عالمًا؛ لأنهم علم على خالقهم. (﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إليك)، المؤلف قَدَّر (إليك) للإيضاح، وإلا فلا حاجة؛ لأنهم يخاطبونه فقولهم: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لولا أنه لم يكن هناك فائدة من خطابهم إياه، فهم رسول رب العالمين إليه (﴿أَنْ﴾ أي: بأن ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا﴾ إلى الشام ﴿بَنِي إسْرَائِيل﴾ فأتياه) إلى آخره. قوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٧] الإرسال يُطلق بمعنى الإطلاق؛ يعني أطلقهم؛ لأنه كان قد ضيق عليهم الخناق، وعذبهم بكونه يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم، فطلب موسى عليه الصلاة والسلام منه أن يرسل معه بني إسرائيل، ويطلقهم، ولكن ستأتي المناقشة بينه وبين موسى فيما بعد إن شاء الله. * يستفاد من هذه الآيات أولًا: إثبات النداء لله سبحانه وتعالى، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: فيكون كلامه بصوت على هذا، وأنه بحرف. * ويستفاد أيضًا من الآية: أنه بحرف. * طالب: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. * الشيخ: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ فإن ﴿ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ [الشعراء ١٠، ١١] كلها حروف. وفي هذا دليل على فضل الله سبحانه وتعالى على الخلق، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: إرسال الرسل، نعم، إرسال الرسل دليل على فضل الله على الخلق وعنايته بهم؛ لأن الخلق مهما أُوتوا من ذكاء لا يمكنهم أن يدركوا ما يجب لله سبحانه وتعالى على التفصيل، العاقل يدرك ما يجب لله على وجه الإجمال، فإدراكه أن له الكمال المطلق، وأنه مستحق للعبادة لكن على وجه التفصيل لا يمكن إلا عن طريق الرسل، ولهذا قال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥] وفي هذا دليل على سوء حال فرعون وقومه، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...). وفيه دليل على أنه لا بأس بالإجمال في الكلام، بشرط أن يكون (...)، من أين نأخذه؟ ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء ١٠] ما فائدة الإجمال ثم التفصيل بعده؟ * طالب: (...). * الشيخ: المعنى؟ الاهتمام به؛ (...) لأنه يكون متشوفًا، ومتطلعًا إلى بيان هذا المجمل، فيأتيه وهو على (...)، وفي الحديث أيضًا من الفوائد دليل على جواز الخوف الطبيعي، وأنه ليس بشرك، من أين تأخذه؟ (...) أي: الخوفين؛ لأنه يخاف مرتين ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء ١٢] و﴿أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء ١٤]. أو قلنا: إن المراد بالخوف هنا لازِمُهُ، وهو التوقع؛ لأنه يتوقع هذا (...)، يقول: ﴿أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء ١٢]، أنا أظن أنهم يكذبونني، ليس معنى أنه يخاف خوف ذعر، الذعر الذي يقع في النفس، وبمعنى التوقع، وفي هذا دليل على جواز بيان الإنسان حاله إذا لم يقصد به الشكوى، قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ فإن هذا وصف له بالضعف، نعم، وعدم التحمل نفسيًّا بضيق الصدر، وعدم البيان المتقن بكونه لا ينطلق لسانه، وفيه دليل على جواز ذكر الوسائل التي تستوجب القبول في الدعاء، إذ إنه ذكر أنه ما يستطيع لكونه يضيق صدره، ولا ينطلق لسانه، وهذا من باب توسل الداعي، ذِكْر حالِهِ هذه من الوسائل التي تستوجب قبول دعائه. وفي هذا إثبات المعية لله عز وجل، وهل المعية حقيقية ولّا مجاز؟ * طالب: (...). * الشيخ: إذا كانت حقيقية ألا يكون ذلك موجبًا للقول (...)؛ يعني مثلًا: أنت الآن (...) بأن المعية في الأصل المشاركة في المكان ولّا لا؟ تقر بهذا أن المعية في الأصل تستلزم المشاركة في المكان. * طالب: لا شك. * الشيخ: لا شك. * طالب: (...). * الشيخ: ترى تقتضي غير تستلزم؟ تقتضي؛ يعني (...) هذا أو تستلزم. * الطالب: (...). * الشيخ: تستلزم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أنا أقول: المعية مطلقًا؛ لأجل أن يتوصل إلى دعوة (...)، فلماذا يؤولون المعية، ثم ينكرون علينا تأويل اليد. * طالب: (...). * الشيخ: لا تستلزم المشاركة في المكان ولا الاختلاط (...)؛ لأن المعية في حقيقة الله معناها المصاحبة المطلقة، ولكنها في كل شيء بحسبه ولّا لا؟ تقول مثلًا: اللبن معه ماء، سقاني لبنًا معه ماء، هذه تقتضي الامتزاج والاختلاط. (...). واستصحاب الدليل؛ لقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، والعلم بالمدافع، وهو قوله: ﴿مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ فكل شيء يحتاج إلى تشجيع، فينبغي للإنسان أن يظهر تشجيع صاحبه حتى ينشط ويؤدي الرسالة على الوجه الأكمل، وفي هذا دليل على أن القوم والأهل وما أشبه ذلك إذا أُضيفت دخل فيها من أضيفت له، نأخذه من قوله: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، ثم قال في آخر الآيات: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ فدل ذلك على أن فرعون منهم. وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي أن يُخَاطَبَ الإنسان بما تقتضيه حاله، فمنكر الربوبية نخاطبه بإثبات الربوبية، ومنكر الألوهية نثبته بإثبات الأولوهية، وهكذا، تؤخذ من أين؟ من قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]. * طالب: ها دول قوم فرعون. * الشيخ: لا، فرعون معهم. * الطالب: فرعون وقومه (...). * الشيخ: إي نعم، وقال له أيضًا موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء ١٠٢]. * طالب: فرعون، هذا الدليل واضح عليه، وفي غير فرعون ممن جحد (...) هل هناك دليل صحيح بأنه (...) يقينًا (...). * الشيخ: نعم الدليل عقلي. * طالب: شرعي؛ يعني ما فيه. * الشيخ: لا، شرعي ما فيه؛ لأن الشرعي ما يمكن يتحدث عن أمر ما بعد وقع؛ لأن في الموجودين الآن اللي ينكرون يقولون بلا خالق؟ * الطالب: إلا بالقياس (...). * الشيخ: إلا بالقياس؟! لا، وبالعقل أيضًا، كل إنسان عاقل ما يمكن يدعي إن هذه الأمور حدثت بدون محدث أبدًا لا، إحنا ما علمنا أحدًا أنكر، ونرى أنه لا يمكن أيضًا، وأنه إذا أنكرها بلسانه فإن قلبه يعترف إلا أن يكون غير عاقل؛ يعني قد يكون بعض الناس مقلدًا تقليدًا محضًا، ولا يفكر مثل عوام الشيوعيين، وغيرهم هؤلاء فيما يظهر أنهم ما يفكرون بهذه الأمور؛ لأنهم عاشوا في بيئة من الأصل تقول: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وإنه ما فيه بعث ولا فيه رب ولا فيه شيء أبدًا، مثل دول يمكن أن يكونوا منكرين بقرارة قلوبهم، أو نفوسهم (...) بس انقطع عن المعارضة. * طالب: انقطع عن المعارضة. * الشيخ: ما يلزم أنه يؤمن، يمكن يستكبر ولا يؤمن. * طالب: (...) دليلًا. * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على (...). * الشيخ: عجز عن المعارضة. * الطالب: نعم اعترف (...). * الشيخ: لأنه قال: أنا أحيي وأميت، فعارض تمويها ثم بعد ذلك عجز. * طالب: (...) أقر. * الشيخ: لا، ما أقر؛ لأنه ما قال: فأقر. * طالب: بهت. * الشيخ: بهت، عجز، ويش معنى بهت؟ * الطالب: انقطع (...). * الشيخ: إي، هذه، لكن لا يلزم من عدم قيام الحجة، أو من قيام الحجة على الخصم أن يقر، ربما يستكبر. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، إحنا الآن نقول فيه من أنكر باللفظ. * طالب: لا، بقلبه. * الشيخ: لا، ما تدل الآية على أنه أنكر بقلبه حتى لو بُهت، ما فيه دليل على أنه أنكر بقلبه، لا تدل على أنه أقر بالإيمان، ولا على أنه أنكر المعنى؛ لأنه قال لما قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، ما قال: إنه ما لك رب، جعل نفسه ندًّا لله، قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فأورد عليه الإيراد اللي عاد ما (...) يتخلص منه، ذكر ثلاث علل استبيانًا للأمر أمام هذه العلل، وهي: تكذيبهم، وأنه يضيق صدره، وأنه لا ينطلق لسانه، فبين الله سبحانه وتعالى أن ذلك لا يؤثر، فقال: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٥، ١٦]، وهما سيمتثلان هذا الأمر؛ لأنهما يعلمان أن الله تعالى معهما مستمع لما يقول فرعون، وما يقولون له، ونفذ هذه الرسالة بأمر الله تبارك وتعالى. وتقدم أيضًا أنهم طلبوا منه أن يرسل معهما بني إسرائيل، المؤلف يقول: يرسلهما إلى الشام، ولكن ليس في القرآن ما يدل على ذلك؛ أي أنهما طلبا أن يرسل معهما بني إسرائيل إلى الشام، بل المراد بالإرسال هنا الإطلاق من الاستعباد والرق؛ لأنه كان يفعل ببني إسرائيل كذلك.

الشعراء 26:17

الطالب: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء ١١ - ١٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠] في القرآن الكريم يُكْثِر الله تبارك وتعالى من ذكر قصة موسى، وما جرى له مع فرعون، ومع بني إسرائيل؛ وذلك ليستعدَّ النبيُّ ﷺ لليهود الذين في المدينة حتى يعرف من أمرهم ما لم يكن معروفًا عنده؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا بَعَث أحدًا أخبره بحالِ المبعوثِ له، كما قال لمعاذ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس.]] ليستعد لهم. وقد كرر الله تعالى قصة موسى مختصرة، ومبسوطة لهذا الغرض لُيبيِّن حال هؤلاء اليهود الذين هم (...)، أو الذين هم من سكان دار الهجرة. وفي درس أمس بيَّن اللهُ تبارك وتعالى أنَّ المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ﴾ [الأنبياء ٢]. وسبق البحثُ في قوله: ﴿مُحْدَثٍ﴾، ما المراد بذلك؟ يعني: قيل: المراد بـ(محدث) أي: إنزاله، أو محدث هو أي: الذكر، وأيهما أرجح ؟ * الطالب: الأرجح أنه الذكر. * الشيخ: الجواب الثاني. * الطالب: الجواب الثاني؛ لأنه إذا قلنا: إنه مُحدَث إنزاله (...)، قوله: وما يأتيهم (...). * الشيخ: (...) بيان على إحداث النزول. وأيضًا إنه لو كان الثالث لكان النعت سببيًّا؛ يعني: الموصوف به غير (...)، والأصلُ خلافُ ذلك، الأصل أن يكون النعتُ حقيقيًّا، (...)، بل لما يتصل به، والأمرُ ليس كذلك. تقدَّم أن المراد بالأنباء هنا العاقبة؛ لأنهم أُنْبِئوا بها، فالمراد بإتيان النَّبأ إتيانُ المنبأ به، وهو العاقبة. وسبق أيضًا أن الله تعالى.. تقدم أن المراد بالأنباء هنا العاقبة؛ لأنهم أنبؤوا بها، فالمراد بإتيان النبأ إتيان المنبأ به، وهو العاقبة، وسبق أيضًا أن الله تعالى أراد أن يبين تمام قدرته، حيث أشار إلى ما أنبت في هذه الأرض من الأصناف والأنواع الحسنة البهيجة، وأن في ذلك آية، لكن لمن كان مؤمنًا ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ والآية هي بنفسها آية، ولكنه لا ينتفع بها إلا المؤمن، فإذا لم ينتفع بها أحد ما صارت بالنسبة إليه آية. ولهذا قيدها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٨] أي: لا ينتفعون بها، ثم ختم الآية بذكر عزته ورحمته ليجمع بين الترغيب والترهيب، الترهيب بالعزة، والترغيب بالرحمة، ثم بدأ الله تعالى بذكر قصص الأنبياء، مقدمًا ذكر قصة موسى؛ لطولها، ولأهميتها بالنسبة للنبي ﷺ. وقال: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠] إذ: هذه ظرف، عاملها محذوف، التقدير ما قدره المؤلف، (﴿وَ﴾ اذكر يا محمد لقومك ﴿إذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ ليلة رأى النار والشجرة) إلى آخره. ﴿إِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ ناداه؛ أي: دعاه بصوت مرتفع؛ لأن النداء لا يكون إلا بصوت عالٍ، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم ٥٢] فالنداء يكون للبعيد، ويلزم أن يكون بصوت عالٍ، وأما المناجاة فهي للقريب. ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ هو ابن عمران عليه الصلاة والسلام، وقوله: ﴿رَبُّكَ﴾، الإضافة هنا للتخصيص، وليس للتخصيص أنه ليس رب غيرك، ولكنها ربوبية خاصة؛ لأن ربوبية الله نوعان، كما أن عبوديته نوعان. ﴿رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾، ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾ (أن) هذه تفسيرية؛ لأنه سبقها معنى القول دون حروفه، وأن إذا سُبقت بمعنى القول دون حروفه تُسمى تفسيرية، ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾، ومثلها ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧] فإن الوحي فيه بمعنى القول دون حروفه، فيعربون مثل هذه بأنها تفسيرية، ولهذا قال الشارح أو المفسر: (أي بأن ﴿ائْتِ﴾ ). وقول المؤلف: (ليلة رأى النار، والشجرة) ليلة رأى النار صحيحة ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه ١٠]، وكذلك الشجرة، ولكنه التزم بأنه رآها فيه نظر؛ لأن سورة القصص ما تدل على أنه رآها، ويش لفظ الآية؟ * طالب: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص ٣٠]. * الشيخ: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص ٢٩، ٣٠] فلا يتبين من القرآن أنه رأى الشجرة، إنما يتبين أن الصوت سمعه من قبل الشجرة. (﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ رسولًا) لأنه ليس المراد أنه يأتيهم فقط، بل يأتيهم بالرسالة، و﴿الْقَوْمَ﴾ الجماعة، و﴿الظَّالِمِينَ﴾ سيأتي في كلام المؤلف معنى الظلم هنا. (﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ معه، ظلموا أنفسهم بالكفر بالله، وبني إسرائيل باستعبادهم) من الظالمين المعتدين الناقصين حق الله، وحق العباد، أما حق الله فإنهم كفروا به وأشركوا به، وقد قال الله تعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣] وأما حق الإنسان فقد استعبدوا بني إسرائيل، وصاروا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم. وفي قوله: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء ١٠، ١١] تخصيص بعد تعميم، أو بيان بعد إجمال؛ لأن القوم الظالمين مبهم، لكن قوم فرعون مبين، وفائدة الإبهام، ثم البيان بعده التأكيد من وجه، وبيان الاهتمام به من وجه آخر، وتلقي السمع له بالقبول من وجه ثالث. أما التأكيد؛ فلأنه كُرر مرتين، مرة مجملًا، ومرة مبينًا، وهذا التأكيد، وأما الاهتمام به؛ فلأن ذكره مؤكدًا دليل على أنه مهتم به، وأما تلقي السمع له بالقبول؛ فلأنه إذا جاء اللفظ مجملًا بقي الذهن يدور، ما هذا؟ ومن هؤلاء؟ مثلًا، فإذا أتى البيان إليه بعد ذلك أتى إلى ذهن متشوق حريص على معرفة هذا المبهم فيتلقاه بالقبول أكثر؛ لأنه متشوق إليه ومتطلع إليه، فهذه فوائد البيان بعد الإجمال. وفي وصفهم بالظلم قبل بيانهم؛ أي: في هذه الآية إشارة إلى عظم أمرهم حيث قدم الوصف على الموصوف في الحقيقة؛ لأنه عندما يُقال: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يتصور الإنسان ويعرف أنهم ظلمة، فإذا جاء بيانهم جاء بعد الحكم عليهم بهذا الوصف مما يدل على قبح ما هم عليه من هذا الأمر ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. (﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري ﴿يَتَّقُونَ﴾ الله بطاعته فيوحدونه). قوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ يحتمل أنه من المرسل به؛ يعني قل لهم: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾، ويحتمل أنه من كلام الله سبحانه وتعالى لموسى؛ ليبين له حالهم، وأنهم متجنبون للتقوى، وأن الأليق بهم أن يتقوا الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿أَلَا﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، مقتضى كلامه أن نقول: الهمزة للاستفهام، و(لا) نافية؛ يعني: أهم لا يتقون، وأنه لا يصح أن نجعلها للعرض: ألا تنزل عندنا فتصيب خيرًا؟ ويكون المقصود بقوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ عرض التقوى عليهم مع أنها (...). * طالب: (...). * الشيخ: لا، عرضها عليهم. * الطالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...). * الشيخ: فالمهم إنها على كلام المؤلف تعرب الهمزة وحدها و(لا) وحدها، وتكون الهمزة للاستفهام و(لا) نافية، وعلى الاحتمال الذي ذكرنا أن تكون بالعرض؛ يعني: أعرض عليهم التقوى ملزمًا لهم بها، وسبق أن المراد بالتقوى اتخاذ الوقاية من عذاب الله. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، تحتمل، ولا يتنافى المعنيان. * طالب: المؤلف ماذا يريد؟ * الشيخ: المؤلف يريد الهمزة وحدها، و(لا) نافية، الهمزة للاستفهام، و(لا) نافية؛ يعني أهم لا يتقون. ثم قال: (﴿قَالَ﴾ موسى ﴿رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ) هذا جواب موسى عليه الصلاة والسلام لله مبينًا له حاله، حتى يكون الأمر لديه -أي: لدى موسى- واضحًا فينشط ويقوى، وليس المراد بهذا معارضة أمر الله، فإن موسى لم يعارض أمر الله عز وجل، ولكن يريد أن يستبين الأمر؛ ماذا تكون حاله مع فرعون وقد اتصف بهذه الصفات، وهي الخوف ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ (أن) هذه مصدرية؛ يعني: أخاف تكذيبهم إياي، والمراد بالخوف هنا (...)؛ يعني: إني أتوقع ذلك ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم منهم هذا الأمر وعتوهم واستكبارهم والتزامهم بعبادة فرعون. وقوله: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ من تكذيبهم لي) فيه إشكال؛ حيث رُفِع مع أنه يلي المنصوب ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ لأن (أن) هذه مصدرية، و(يكذبونِ) منصوبة بها بحذف النون، والنون الموجودة للوقاية، وأصلها: يكذبونني، ثم حُذفت النون الأولى للناصب، وحذفت الياء للتخفيف، لكن ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ لم يقل: ويضيقَ صدري. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * الطالب: (...) الاختلاف؛ يعني (...). * الشيخ: هنا يخافهم، ويقول: أنا أخاف يكذبوني، وأخاف يضيق صدري ولا ينطلق لساني. * طالب: (...). * الشيخ: إذن معناه أنه: أخاف أن يكذبونِ، وأخاف أن يضيق صدري بتكذيبهم. * الطالب: (...). * الشيخ: ناسخ، معطوفة على أخاف ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ وإني يضيق صدري بتكذيبهم، ولا ينطلق لساني، إلى آخره. * طالب: (...). * الشيخ: ما يخالف؛ يعني لأن يكذبوني، هذه ما تعدو أن تكون مفعولًا فقط، مفعولًا به مثل: ضربت زيدًا وأكرمته. وقوله: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ من تكذبيهم لي)، ضيق الصدر: عدم انشراحه وانبساطه، وهذا أمر فطري؛ أن الإنسان إذا خولف فسوف يضيق صدره كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يضيق صدره، ولكن الله تعالى يسلي رسله بأن لا تضيق صدورهم، ولا يحزنوا على هؤلاء المكذبين؛ لأن لهم يومًا يحاسبهم الله تعالى فيه، والرسل مبلغون فقط. ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ يقولون: إن ضيق الصدر من أسباب حدوث الضغط، ولهذا ينصحون المصابين بالضغط ينصحونهم أن يتجنبوا الغضب وما يحزنهم ويضيِّق صدورهم؛ لأن هذا في الحقيقة هو الواقع؛ لأن الضغط يستلزم ضيق الصدر، وضيق التنفس، وضيق الأرض على الإنسان، فإذا عَرَّض نفسه لما (...) ذلك ازداد عليه الضغط، فإذا عود نفسه الانبساط، والانشراح وعدم الاكتراث بالنوازل، فإنه يحصل خيرًا كثيرًا، ويبقى دائمًا في سرور، لا سيما إذا كان محتسبًا ومؤمنًا بالقدر. قال: (﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ بأداء الرسالة للعقدة التي فيه)، وهذه العقدة هي معنوية ولّا حسية؟ * طالب: معنوية (...). * الشيخ: لا، (...) الجمرة هذه باطلة، قصة إسرائيلية ما هي مقبولة، لكنها يحتمل أن تكون معنوية، بمعنى أنه لا يستطيع التعبير بانطلاق وفصاحة؛ لقوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه ٢٧، ٢٨]، وقول فرعون في وصفه: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢] ويحتمل -وهو أقرب- أن فيه لكنة، إما سرعة في القول بالنطق بالحروف، بحيث تتتابع الحروف حتى لا تفهم؛ لأن من الناس من يكون كذلك، ما في لسانه عقدة حسية، لكنه تترادف الحروف في كلامه بحيث لا تدري ما يقول؛ أو لأنه فيه لكنة لا تتبين الحروف من كلامه، وكل هذا محتمل؛ إنما يدل على أن هذه العقدة ليست كما ذكر من الجمرة؛ لأنها أثر حسي يمنعه من الكلام فهي أثر خلقي؛ يعني بأصل الخلقة، ويحتمل أنها من جهة البيان؛ يعني ليس فصيحًا في خطابه، وبيانه وإقناعه لكن الأول أولى؛ أي أنها عقده معنوية، وذلك بصفة الكلام، بحيث لا تتبين الحروف من كلامه إما لعجلته، وإما للثغته أو غير ذلك. (﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى﴾ أخي ﴿هَارُونَ﴾ معي)، أرسل إليه؛ يعني ابعث له بالرسالة حتى يكون مُعينًا، ووزيرًا له، وقد قيل: إنه لا يوجد أحد أشد منه على أخيه من موسى على أخيه هارون؛ لأنه تسبب بأن يكون في المقام الأعلى من مقامات بني آدم الذين أنعم الله عليهم، وهي الرسالة، حيث قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾. ثم بَيَّن مانعًا آخر غير التكذيب، فقال: (﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ بقتل القبطي منهم ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ ) هذا خوف آخر ناتج عن معاملته معهم، والأول خوف يتعلق بالرسالة، وهذا خوف يتعلق بالمعاملة معهم، ولهذا في الأول قال: ﴿أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ما قال: أن يقتلون، ولا كان يتصور أن يُقْتَلَ إذا جاء بالرسالة، ولهذا قال في الثاني: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ بأي شيء؟ مثلما قال المؤلف: (بقتل القبطي منهم). وقصته مشهورة في سورة القصص، حيث إنه عليه الصلاة والسلام كان رجلًا قويًّا وشديدًا، فخرج ذات يوم، فوجد في المدينة رجلين يقتتلان، أحدهما من شيعته من بني إسرائيل، والثاني من عدوه الأقباط، فاستنجد به الإسرائيلي فوكز موسى القبطي حتى مات، وفي اليوم الثاني خرج، ووجد صاحبه الإسرائيلي مع رجل آخر، فقال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨]، وأراد أن يبطش بالعدو، فظن الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به؛ لأنه وبخه، وقال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فلما تهيأ للبطش ظن أنه سيبطش به فقال الإسرائيلي: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [القصص ١٩]، الله يكفيك شر من تحسن إليه، لما قال هكذا انتبه لها القبطي، فدل على موسى بهذا السبب، موسى عليه الصلاة والسلام خرج خائفًا يترقب، ولجأ إلى الله سبحانه وتعالى قال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٢١] فنجاه الله ومَنَّ عليه بالرسالة. * طالب: (...). * الشيخ: ما يتعلق بشيء، اقرأ الآيات (...). * طالب: (...). * الشيخ: ما هو السياق كله في سياق الرجل الذي (...) ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨]، (...) لكن موسى ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [القصص ١٩]. يقول: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي: يقتلونني به، وحُذفت الياء للتخفيف، والنون نون الفعل حُذفت للنصب، ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ به.قال الله تعالى (﴿كَلَّا﴾ أي لا يقتلونك ﴿فَاذْهَبَا﴾ أي: أنت وأخوك ففيه تغليب الحاضر على الغائب)، وفيه: أيضًا أن الله تعالى أجاب دعاء موسى كما قال في سورة طه: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه ٣٦] أجابه، وأرسل إلى هارون بالرسالة ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا﴾ الباء للمصاحبة، المصاحبون لآيات الله؛ أي: العلامات الخاصة به التي تدل عليه وحده دون غيره، والآيات التي ذهب بها هو الوحي، والثاني: العصا، والثالث: اليد، هذه الآيات التي كانت عند الوحي إليه. ثم تلاها بعد ذلك تسع آيات كما هو واضح، هذه الآيات الثلاث منها آية معنوية، وآيتان حسيتان مناسبتان للأصل؛ لأن انقلاب العصا حية يشبه السحر، وليس بالسحر؛ لأن هذا حقيقة، والسحر خيال، وأيضًا كون اليد إذا أدخلها في جيبه تخرج بيضاء من غير سوء؛ يعني من غير برص، ونقص هذا أيضًا مثل السحر، ولكنه ليس بسحر، فيكون آية من آيات الله سبحانه وتعالى المعجزة لهؤلاء أن يأتوا بمثلها. (﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ ما تقولون، وما يُقال لكم، أُجري مجرى الجماعة)، أما قوله: ﴿إِنَّا﴾ فالضمير لله سبحانه وتعالى بلفظ الغلبة، ما قال: إنني، مع أنه في سورة طه، قال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، لكن هنا ذكر ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ فكان المبالغة حصلت بانضمام الأمرين: السمع والرؤية، وهنا ما ذكر إلا الاستماع فقط، ولهذا جاء في صورة العظمة بالنسبة للمبتدأ. وقول: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ولم يقل: معكما، كما قال في سورة طه، يقول المؤلف: (أُجري مجرى الجماعة)، والجواب عن هذا، هذا ما قال المؤلف أن يقول: أُجري الاثنان مجرى الجماعة، وإذا قلنا: بأن أقل الجمع اثنان. * طلبة: (...). * الشيخ: (...)، إذا قلنا بأن أقل الجمع اثنان نقول هذا، وإن كان بلفظ الجمع، لكنه دال على الاثنين باعتبار المراد اللغوي، فلا حاجة إلى التأويل. وإذا قلت: إنه لما كان موسى وهارون والآيات، كأنها صارت ثلاثة، وإن كانت الآيات ليست (...) ولكنها مؤيدة؛ لأن التأييد يكون بالأدلة وبقوة الداعي والمستدل، ويحتمل أيضًا أنه جمعها باعتبار أن موسى وهارون سيكون لهم قوم، ويكون الاستماع بموسى وهارون بقومهما. ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦] يقول: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ وهنا قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ فدل ذلك على أن القوم والآل إذا أضيفت إلى الشخص دخل فيهم، فقوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٦] لا يدل على نجاة فرعون؛ لقوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود ٩٨] فهو أولهم، وهنا أيضًا قال: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء ١٠]، ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ مما يدل على أن (القوم) إذا أُضيفت فأول ما يدخل فيها من أُضيفت له ما لم يمنع من ذلك مانع حسي كموته مثلًا، فإنه إذا مات ما عاد يكون فائدة في الإتيان إليه لكن إذا كان موجودًا فهو أول من يدخل في قومه. ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يبين الله تعالى صفة القول، بل بين هنا المقول، لكنه في سورة طه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه ٤٤]، أمروا أو أمر موسى، وهارون بأن يقولا: إنهما رسول من الله، وأن يقولا ذلك بلهجة لينة لا بلهجة قاسية؛ لأن القاسي إذا قُوبل بلهجة قاسية قسى أكثر، وإذا قُوبل بلهجة لينة اجتمع لين وقاس فلا يحصل الصدم، والاصطدام بينهما، وهذا من الحكمة في الدعوة، أما الإنسان إذا كان عاتيًا جبارًا فلا ينبغي أن يُقابل بالعتو والجبروت؛ وذلك لأنه لا يزيد الأمر إلا شدة، يُقابل باللين حتى تقوم عليه الحُجَّة. (﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا﴾ أي كلًّا منا ﴿رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ) قدر المؤلف: (أي كلًّا منا)؛ لأجل التناسب مع المبتدأ الذي هو اسم (إنَّ) والخبر الذي هو رسول ﴿إِنَّا رَسُولُ﴾. وفي آية أخرى ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه ٤٧] بالتثنية، وهنا بالإفراد فقدر المؤلف أو خرج المؤلف في الآية على أن المعنى: كل واحد منا، وقد مر قريبًا قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤] أي: اجعل كل واحد منا، هذا أحد الوجوه. وجه آخر أن رسول بمعنى الرسالة؛ بمعنى المصدر اسم مصدر، والمصدر إذا وُصف به يستوي فيه المفرد، وغيره. ووجه ثالث: أن يُقال: إن الأصل في الرسالة موسى وهو واحد، وهارون معينٌ ووزير، وإلا فالأصل أن موسى هو الرسول كما (...) السيرة ذكر موسى بدون ذكر هارون. ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يقل: إني رسول الله؛ لأنهم سيقابلون شخصًا يدعي الربوبية أنه الرب، فيتبين له من أول الأمر أن الربوبية ليست له، وإنما هي لله ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والعالَمون كل من سوى الله فهو عالَم، فكل المخلوقات عالَم، ومع ذلك ربما تُضاف إلى أنواعها، فيُقال: عالم البشر، عالم الجن، عالم الإبل عالم كذا، عالم كذا، لكن إذا جُمعت هكذا شملت جميع الأنواع، فكل من سوى الله فإنه عالَم قالوا: وسموا عالمًا؛ لأنهم علم على خالقهم. (﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إليك)، المؤلف قَدَّر (إليك) للإيضاح، وإلا فلا حاجة؛ لأنهم يخاطبونه فقولهم: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لولا أنه لم يكن هناك فائدة من خطابهم إياه، فهم رسول رب العالمين إليه (﴿أَنْ﴾ أي: بأن ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا﴾ إلى الشام ﴿بَنِي إسْرَائِيل﴾ فأتياه) إلى آخره. قوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٧] الإرسال يُطلق بمعنى الإطلاق؛ يعني أطلقهم؛ لأنه كان قد ضيق عليهم الخناق، وعذبهم بكونه يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم، فطلب موسى عليه الصلاة والسلام منه أن يرسل معه بني إسرائيل، ويطلقهم، ولكن ستأتي المناقشة بينه وبين موسى فيما بعد إن شاء الله. * يستفاد من هذه الآيات أولًا: إثبات النداء لله سبحانه وتعالى، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: فيكون كلامه بصوت على هذا، وأنه بحرف. * ويستفاد أيضًا من الآية: أنه بحرف. * طالب: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. * الشيخ: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ فإن ﴿ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ [الشعراء ١٠، ١١] كلها حروف. وفي هذا دليل على فضل الله سبحانه وتعالى على الخلق، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: إرسال الرسل، نعم، إرسال الرسل دليل على فضل الله على الخلق وعنايته بهم؛ لأن الخلق مهما أُوتوا من ذكاء لا يمكنهم أن يدركوا ما يجب لله سبحانه وتعالى على التفصيل، العاقل يدرك ما يجب لله على وجه الإجمال، فإدراكه أن له الكمال المطلق، وأنه مستحق للعبادة لكن على وجه التفصيل لا يمكن إلا عن طريق الرسل، ولهذا قال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥] وفي هذا دليل على سوء حال فرعون وقومه، من أين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...). وفيه دليل على أنه لا بأس بالإجمال في الكلام، بشرط أن يكون (...)، من أين نأخذه؟ ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء ١٠] ما فائدة الإجمال ثم التفصيل بعده؟ * طالب: (...). * الشيخ: المعنى؟ الاهتمام به؛ (...) لأنه يكون متشوفًا، ومتطلعًا إلى بيان هذا المجمل، فيأتيه وهو على (...)، وفي الحديث أيضًا من الفوائد دليل على جواز الخوف الطبيعي، وأنه ليس بشرك، من أين تأخذه؟ (...) أي: الخوفين؛ لأنه يخاف مرتين ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء ١٢] و﴿أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء ١٤]. أو قلنا: إن المراد بالخوف هنا لازِمُهُ، وهو التوقع؛ لأنه يتوقع هذا (...)، يقول: ﴿أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء ١٢]، أنا أظن أنهم يكذبونني، ليس معنى أنه يخاف خوف ذعر، الذعر الذي يقع في النفس، وبمعنى التوقع، وفي هذا دليل على جواز بيان الإنسان حاله إذا لم يقصد به الشكوى، قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ فإن هذا وصف له بالضعف، نعم، وعدم التحمل نفسيًّا بضيق الصدر، وعدم البيان المتقن بكونه لا ينطلق لسانه، وفيه دليل على جواز ذكر الوسائل التي تستوجب القبول في الدعاء، إذ إنه ذكر أنه ما يستطيع لكونه يضيق صدره، ولا ينطلق لسانه، وهذا من باب توسل الداعي، ذِكْر حالِهِ هذه من الوسائل التي تستوجب قبول دعائه. وفي هذا إثبات المعية لله عز وجل، وهل المعية حقيقية ولّا مجاز؟ * طالب: (...). * الشيخ: إذا كانت حقيقية ألا يكون ذلك موجبًا للقول (...)؛ يعني مثلًا: أنت الآن (...) بأن المعية في الأصل المشاركة في المكان ولّا لا؟ تقر بهذا أن المعية في الأصل تستلزم المشاركة في المكان. * طالب: لا شك. * الشيخ: لا شك. * طالب: (...). * الشيخ: ترى تقتضي غير تستلزم؟ تقتضي؛ يعني (...) هذا أو تستلزم. * الطالب: (...). * الشيخ: تستلزم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أنا أقول: المعية مطلقًا؛ لأجل أن يتوصل إلى دعوة (...)، فلماذا يؤولون المعية، ثم ينكرون علينا تأويل اليد. * طالب: (...). * الشيخ: لا تستلزم المشاركة في المكان ولا الاختلاط (...)؛ لأن المعية في حقيقة الله معناها المصاحبة المطلقة، ولكنها في كل شيء بحسبه ولّا لا؟ تقول مثلًا: اللبن معه ماء، سقاني لبنًا معه ماء، هذه تقتضي الامتزاج والاختلاط. (...). واستصحاب الدليل؛ لقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، والعلم بالمدافع، وهو قوله: ﴿مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ فكل شيء يحتاج إلى تشجيع، فينبغي للإنسان أن يظهر تشجيع صاحبه حتى ينشط ويؤدي الرسالة على الوجه الأكمل، وفي هذا دليل على أن القوم والأهل وما أشبه ذلك إذا أُضيفت دخل فيها من أضيفت له، نأخذه من قوله: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، ثم قال في آخر الآيات: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ فدل ذلك على أن فرعون منهم. وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي أن يُخَاطَبَ الإنسان بما تقتضيه حاله، فمنكر الربوبية نخاطبه بإثبات الربوبية، ومنكر الألوهية نثبته بإثبات الأولوهية، وهكذا، تؤخذ من أين؟ من قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]. * طالب: ها دول قوم فرعون. * الشيخ: لا، فرعون معهم. * الطالب: فرعون وقومه (...). * الشيخ: إي نعم، وقال له أيضًا موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء ١٠٢]. * طالب: فرعون، هذا الدليل واضح عليه، وفي غير فرعون ممن جحد (...) هل هناك دليل صحيح بأنه (...) يقينًا (...). * الشيخ: نعم الدليل عقلي. * طالب: شرعي؛ يعني ما فيه. * الشيخ: لا، شرعي ما فيه؛ لأن الشرعي ما يمكن يتحدث عن أمر ما بعد وقع؛ لأن في الموجودين الآن اللي ينكرون يقولون بلا خالق؟ * الطالب: إلا بالقياس (...). * الشيخ: إلا بالقياس؟! لا، وبالعقل أيضًا، كل إنسان عاقل ما يمكن يدعي إن هذه الأمور حدثت بدون محدث أبدًا لا، إحنا ما علمنا أحدًا أنكر، ونرى أنه لا يمكن أيضًا، وأنه إذا أنكرها بلسانه فإن قلبه يعترف إلا أن يكون غير عاقل؛ يعني قد يكون بعض الناس مقلدًا تقليدًا محضًا، ولا يفكر مثل عوام الشيوعيين، وغيرهم هؤلاء فيما يظهر أنهم ما يفكرون بهذه الأمور؛ لأنهم عاشوا في بيئة من الأصل تقول: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وإنه ما فيه بعث ولا فيه رب ولا فيه شيء أبدًا، مثل دول يمكن أن يكونوا منكرين بقرارة قلوبهم، أو نفوسهم (...) بس انقطع عن المعارضة. * طالب: انقطع عن المعارضة. * الشيخ: ما يلزم أنه يؤمن، يمكن يستكبر ولا يؤمن. * طالب: (...) دليلًا. * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: على (...). * الشيخ: عجز عن المعارضة. * الطالب: نعم اعترف (...). * الشيخ: لأنه قال: أنا أحيي وأميت، فعارض تمويها ثم بعد ذلك عجز. * طالب: (...) أقر. * الشيخ: لا، ما أقر؛ لأنه ما قال: فأقر. * طالب: بهت. * الشيخ: بهت، عجز، ويش معنى بهت؟ * الطالب: انقطع (...). * الشيخ: إي، هذه، لكن لا يلزم من عدم قيام الحجة، أو من قيام الحجة على الخصم أن يقر، ربما يستكبر. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، إحنا الآن نقول فيه من أنكر باللفظ. * طالب: لا، بقلبه. * الشيخ: لا، ما تدل الآية على أنه أنكر بقلبه حتى لو بُهت، ما فيه دليل على أنه أنكر بقلبه، لا تدل على أنه أقر بالإيمان، ولا على أنه أنكر المعنى؛ لأنه قال لما قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، ما قال: إنه ما لك رب، جعل نفسه ندًّا لله، قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فأورد عليه الإيراد اللي عاد ما (...) يتخلص منه، ذكر ثلاث علل استبيانًا للأمر أمام هذه العلل، وهي: تكذيبهم، وأنه يضيق صدره، وأنه لا ينطلق لسانه، فبين الله سبحانه وتعالى أن ذلك لا يؤثر، فقال: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٥، ١٦]، وهما سيمتثلان هذا الأمر؛ لأنهما يعلمان أن الله تعالى معهما مستمع لما يقول فرعون، وما يقولون له، ونفذ هذه الرسالة بأمر الله تبارك وتعالى. وتقدم أيضًا أنهم طلبوا منه أن يرسل معهما بني إسرائيل، المؤلف يقول: يرسلهما إلى الشام، ولكن ليس في القرآن ما يدل على ذلك؛ أي أنهما طلبا أن يرسل معهما بني إسرائيل إلى الشام، بل المراد بالإرسال هنا الإطلاق من الاستعباد والرق؛ لأنه كان يفعل ببني إسرائيل كذلك.

الشعراء 26:18

قال الله تبارك تعالى في ذكر جواب فرعون لموسى: (﴿قَالَ﴾ فرعون لموسى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ﴾ ) في الآية إيجاز، والإيجاز عند البلاغيين ينقسم إلى قسمين؛ إيجاز حذف، وإيجاز اختصار، أيهما الموجود هنا؟ * طالب: الحذف. * الشيخ: إيجاز الحذف، ولهذا قال: (فأتياه فقالا له ما ذُكِر)، قَالَ فرعون لموسى إلى آخره، موسى لما أدى الرسالة هو وأخوه، قال فرعون مجيبًا لهذه الدعوة: (﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا﴾ في منازلنا ﴿وَلِيدًا﴾ صغيرًا قريبًا من الولادة بعد فطامه)، هذه واحدة ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء ١٨، ١٩] يعني: أفبعد هذا الأمر تأتي وتدعي أنك رسول رب العالمين، ومعنى ذلك أنه ينكر ربوبية فرعون، فكأنه يقول بعد هذه الأمور الثلاثة: كان الأليق بك أن تأتي معتذرًا، وأن تأتي خاضعًا؛ لأننا مَنَنَّا عليك؛ ولأنك أخطأت علينا المنة. قال: (﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا﴾ في منازلنا ﴿وَلِيدًا﴾ صغيرًا قريبًا من الولادة بعد فطامه)، والقصة معروفة في سورة القصص، أن الله تعالى أوحى إلى أمه إذا خافت عليه أن تجعله في تابوت، وتلقيه في اليم، وفعلت إيمانًا منها بوعد الله، ثم قدر الله تعالى أن وقع هذا التابوت في قبضة آل فرعون، فالتقطوه لحكمة يريدها الله عز وجل وهم لا يشعرون، فلما التقطوه أرسلت أم موسى أخته لتقص الخبر ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ [القصص ١١] عن بُعد، ثم رأتهم يطلبون له مرضعة، فعرضت عليهم ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص ١٢] فرُدَّ إلى أُمِّه، مع أنه لم يرتضع ثدي أنثى غيرها، وهذا من تمام قدرة الله عز وجل، ووفائه بوعده، أنه رده إلى أمه قبل أن يتغذى بشيء سوى لبنها، وبقي معها حتى فطمته، وبحسب الحال سوف يرجع إلى من؟ * طلبة: فرعون. * الشيخ: إلى آل فرعون الذين التقطوه، فرجع إليهم فنشأ فيهم، وهذا من تمام قدرة الله أن ينشأ هذا الصبي الذي كان هلاك فرعون بسببه ينشأ في حجره، وقد قيل: إن فرعون كان يقتل أبناء بني إسرائيل خوفًا من هذا الولد؛ لأن الكهنة قالوا له: إنه سيظهر رجل في بني إسرائيل يكون زوال ملكك على يده، فصار يقتل أبناءهم. هذا على كل حال من الإسرائيليات الذي لا ندري هل يصدق أم لا، إنما كونه يقتل الأبناء، ويستحيي النساء هذا في القرآن، لكن هل هو إذلال للشعب واستعباد لهم، أو خوف من هذا الولد؟ الله أعلم، على كل حال تربى عنده فكان يمن عليه فرعون بهذه المنة ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ يعني: فكيف تأتي بضد ما نريد، وتدعي أن لك ربًّا أرسلك، ثانيًا: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ولَّا سنينًا؟ * طلبة: سنين. * الشيخ: سنين؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم. وقوله: ﴿مِنْ عُمُرِكَ﴾ في الأصل صفة للسنين، أصلها: لبثت فينا سنين من عمرك، ولكن القاعدة في النحو أن الصفة إذا قُدِّمت أعربت حالًا؛ لأن الحال صفة في المعنى، والصفة بالمعنى الذي هو النعت لا يمكن أن يتقدم على المنعوت، لهذا قالوا: إن صفة النكرة إذا قُدِّمت عليها أُعْربت حالًا منها، هذه القاعدة عند النحويين. ﴿مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ هذه السنين ثلاثين سنة، حسب ما قال المؤلف وبعض المفسرين، ولكن الأَوْلى أن تُبْهَمَ كما أبهمها الله، لكن هم قدروا هذه الثلاثين؛ لأن موسى عليه الصلاة والسلام نُبِّئ على رأس الأربعين على ما هي عادة الله سبحانه وتعالى في إرسال الرسل، فقالوا: إن الثلاثين كان عند فرعون، ثم إنه ذهب إلى مدين، وبقي فيهم كم؟ * طلبة: عشر سنوات. * الشيخ: عشر سنوات، ثم أرسله الله، فمن هنا صارت السنين ثلاثين، ولكن هذا ليس بلازم؛ لأنه قد يكون تربى عند فرعون أقل من هذا، ثم انضم إلى من؟ إلى بني إسرائيل، فلهذا ما ينبغي أن نجزم بأنها ثلاثون سنة، فلنقول كما قال الله: ﴿سِنِينَ﴾ وهي جمع، وأقل الجمع ثلاث سنوات، ولكن يبدو أنها أكثر؛ لأن الثلاث سنوات قد لا يكون بها تلك المنة التي يمن بها فرعون. يقول: (يلبس من ملابس فرعون، ويركب من مراكبه، وكان يسمى ابنه)، ولذلك قالت امرأة فرعون: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص ٩]. * طالب: امرأة فرعون. * الشيخ: امرأة فرعون ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ إي نعم. فهذا دليل على أنهم اتخذوه ولدا؛ يعني عسى أن ينفعنا مطلقًا، وإن لم نتبنه أو نتخذه ولدًا، ومن المعلوم أن الولد سوف ينفع، ولكن الله يقول: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص ٩] لم يكن الأمر كما توقعوه، بل كان بالعكس.

الشعراء 26:19

(﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ وهي قتله القبطي) ﴿فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ أبهمها تعظيمًا لها، والإبهام يأتي للتعظيم أحيانًا، كما في قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة ١، ٢] وقوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه ٧٨] هذا إبهام يُراد به التعظيم، وهنا قال: ﴿فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ ولم يقل: قتلت القبطي، إشارة إلى تعظيمها، وأضافها إليه من باب التقرير، يعني: أنك فعلت تلك الفعلة التي لا يفعلها -أولم يفعلها- سواك، وهي قتله القبطي الذي كان في مشاجرة مع الإسرائيلي. ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء ١٩] الجملة حال من الضمير في ﴿فَعَلْتَ﴾، ﴿التي فعلت وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ الكافرين بمن؟ ليس بالله؛ لأنه لا يؤمن بالله، ولكن من الكافرين به بفرعون؛ لأن موسى لم يتخذه إلهًا كما اتخذه الأقباط، (﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ الجاحدين لنعمتي عليك بالتربية، وعدم الاستعباد)، هذا ما ذهب إليه المؤلف، وأن المراد بالكفر هنا كفر النعمة، وذلك جحده لما منَّ به فرعون عليه من التربية، وعدم الاستعباد كما استعبد بني إسرائيل، ولكن الذي ينبغي أن نقول: هي أعم مما قال المؤلف، بل حتى وهي الأهم عند فرعون أنه كفر بعبوديته، فلم يتعبد له.

الشعراء 26:20

(﴿قَالَ﴾ مُوسَى ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا﴾ أي: حينئذ ﴿وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ﴾ عَمًّا آتَانِي اللَّه بَعْدهَا مِنْ العلم والرسالة)، ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا﴾ كلمة إذن تعرفون أنها للمستقبل؛ لأن أصلها إذَا فنونت، وحينئذ تكون للماضي، فتفسير المؤلف (إذن) بـ(حينئذ) من باب التفسير بالمعنى، لا التفسير باللفظ؛ إذ لا يُفسر حرف بحرف يُقابله في المعنى، ولكن من باب التفسير بالمعنى؛ يعني: فعلتها حينئذ، فعلتها فيما مضى ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾. وذهب بعض المفسرين إلى أن إذن على ما هي عليه جواب لفرعون كالمتهكم به، كأنه يقول: إذن أفعلها؛ يعني: ولا أبالي بك، ولكني من الضالين الجاهلين بحكم القتل، ولعل هذا أقرب أن تكون: إذن على بابها ليست بمعنى الماضي، وكأن ذلك جواب لفرعون على سبيل الاستهانة به، وعدم الاكتراث، وأنه لا يبالي به، وقوله: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ جواب على قول فرعون له: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. وقوله: ﴿مِنَ الضَّالِّينَ﴾ يقول الشارح، أو المفسر: (عما آتاني الله بعدها من العلم، والرسالة)، فيكون المراد بالضلال هنا الجهل، وعلى هذا فيكون الضلال إذن ينقسم إلى قسمين؛ ضلال يُذم عليه الفاعل أو الضال، وضلال لا يُذم عليه، فالضلال الذي حصل، أو الذي اتصف به موسى حين قتله القبطي ضلال لا يُلام عليه؛ لأنه لم يأته وحي، ولا رسالة حينئذ، فهو معذور. ومن هنا نعرف أنه يصح أن نصف المخالفين للصواب من أهل العلم نصفهم بالضلال، لكن لا الضلال المطلق الذي يُذمون عليه إذا عرف أنهم أهل نصح في الإسلام، لكن أخطؤوا بعد الاجتهاد، مثال ذلك مثلًا ما مر علينا في باب الأصول من أن كثيرًا من أهل العلم أشاعرة من الذين عرفوا بالإخلاص للإسلام، وبمقام الصدق فيه، ومع ذلك نصفهم بأنهم ضالون، لكن لا الضلال المطلق الذي يُشم منه، أو يشعر بالذم، والقدح، لكن المراد مخالفة الصواب، وإلا سنجد من يشنع إذا قلنا مثلًا: إن ابن حجر ضال، والنووي ضال، وكثير من أكابر العلماء مخطؤون للصواب، أو مخطئون فيما يقولون، مجانبون للصواب، لكن لا، نقول: ليس الضلال المطلق الذي يُذم عليه الفاعل؛ لأن الضلال مع الاجتهاد هو تحري الحق، لا يُذم عليه المرء وإن وُصِف به. * طالب: (...) أفعلها. * الشيخ: لا، أصله ما يمكن يقول: أفعلها. وقد فعل، لكن: ﴿إذًا﴾ في جواب للحال باعتبار جوابه لفرعون. * طالب: ثم إن جملة الحال ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ (...). * الشيخ: لا؛ لأن ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ جملة حالية حال من الفاعل في ﴿فَعَلْتُهَا﴾، الآن ﴿إذًا﴾ ما تكون متعلقة بفعلتها تكون متعلقة بجواب: أجيبك إذن، ﴿فَعَلْتُهَا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ يعني: باعتبار جوابه لفرعون، لا باعتبار أنه فعلها؛ لأن ما يمكن أن نقول: فعلتها إذن، ما فعلها إذن، وفعلها سابقا. * طالب: أُجِيبك إذن. * الشيخ: أُجيبك إذن، فأنا فَعلتُها وأنا مِنَ الضالين، فكأنه يشعر بعدم الاكتراثِ وبالتحدي لفرعون، وأنه لم يبالِ به، يقول: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ ويش المراد بالضلال هنا؟ * الطلبة: الجهل. * الشيخ: الجهل المراد به الجهل الذي ليس عن عمد.

الشعراء 26:21

قال تعالى: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ [الشعراء ٢١] إلى آخره ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ﴾ وسبب فراره منهم أن رجلًا جاءه يسعى، وقال: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص ٢٠]، والرجل هذا كما تعرفون مجهول؛ لأنه قال: جاء رجل، لكن قَبِل موسى خبره لوجود القرينة، ويش هي القرينة؟ * طالب: قتله القبطي. * الشيخ: قتله القبطي، وإلا فما يقبل خبر رجل مجهول، ثم إن هذا الرجل أكد خبره بقوله: ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص ٢٠] فخرج، فر منه خائفًا. ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ (لما) ظرف بمعنى: حين، وتعرفون أنها تستعمل عدة استعمالات (لما)، فتُستعمل ظرفًا بمعنى: حين، وتُستعمل بمعنى أداة استثناء بمعنى: إلا، وتُستعمل شرطية، وتُستعمل نافية، أما استعمالها نافية ففي مثل قول الله تعالى؟ * طالب: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ١٤]. * الشيخ: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ﴾ [الحجرات ١٤] يعني: لم يدخل. وأما استعمالها شرطية ففي مثل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ﴾ [البقرة ١٠١] (ولما جاءهم.. نبذ) هذه شرطية، وأما استعمالها بمعنى (إلا) ففي مثل قول الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] يعني: ما كل نفس إلا عليها حافظ. وهنا ﴿لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ اسم بمعنى حين، فهي ظرف يعني: لما خفتكم أي حين خفتكم، ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ [الشعراء ٢١] وهذا مما يؤيد ما سبق أن أشرنا إليه بأن الكلمات تعتبر حقيقة بحسب السياق، وأن هذا هو مأخذ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في أنه ليس في اللغة العربية ما يُسمى بالمجاز مطلقًا؛ لأن المعنى ليس أمرًا ذاتيًّا للكلمة، بل الكلمة لها معنى بحسب سياقها، وقرائن أحوالها. * طالب: الرجل الذي ذُكِر في سورة القصص ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [القصص ٢٠]، ما يُفسر بأنه الرجل في سورة غافر ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر ٢٨]. * الشيخ: ما هو بالظاهر؛ لأن الرجل المؤمن هذا بعد أن جاء إلى فرعون بالرسالة، وأما الأول فإنه قبل أن يذهب إلى مدين، ما يمكن (...)؛ لأنه ما يتعين، ما ندري قد يكون هو، لكن تفسيرنا إياه معناه نجزم بأنه هو، وليس كذلك. * طالب: إعراب ﴿لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ لما.. * الشيخ: أي حين خفتكم ظرف بمعنى حين. (﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ علما ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ). ﴿فَوَهَبَ لِي﴾ أعطاني، وقوله: ﴿حُكْمًا﴾ عِلمًا، ولكن تفسير الحكم بالعلم قد يقول قائل: إن فيه نظرًا؛ لأن الله تعالى يعطف بعضهما على بعض ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [يوسف ٢٢] والعطف يقتضي المغايرة، وإذا كان كذلك فإنه لا يمكن أن يفسر أحدهما بالآخر، ولننظر: هل هذا صحيح اعتراضنا، أو يُقال: إنهما من الألفاظ التي إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، فإذا اجتمعتا تغايرتا، وإذا انفردت إحداهما صار معنى كل واحدة معنى الأخرى. ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ٢١] الحكم القضاء بالشيء يسمى حُكمًا، ولا حكم إلا بعلم، فتفسير الحكم الآن بلازمه ولّا لا؟ تفسيره بلازمه، وإذا جُمع مع العلم صار العلم ضد الجهل، والحكم تطبيق ذلك العلم، فالذي يظهر أن المراد بالحكم هنا أخف من العلم؛ يعني الحكم: القضاء، أو ما به يقضي الإنسان بين الناس، ولا يكون ذلك إلا بعلم، فتفسير المؤلف له تفسير بلازمه؛ لأن من لازم الحكم العلم، وليس من لازم العلم الحكم؛ لأن الإنسان قد يعلم ولكن ما يحكم. وقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ هذا بعد أن أوحى الله إليه، وآتاه من العلم والحكم جعله أيضًا مرسلًا، كلف بالرسالة. وفي قوله: ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ولم يقل: وجعلني رسولًا، كالتنبيه لفرعون أنه ليس ببدع من الرسل، وأنه لم يأت بأمر جديد، بل إن أمامه رسلًا، وقد ذكر الله تعالى في سورة غافر أن الرجل المؤمن يقول لهم: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ [غافر ٣٤]، فكأنه يقول له: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ الذين عندك خبرهم، فلست ببدع من الرسل.

الشعراء 26:22

(﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء ٢٢] أصلها: تمن بها علَيَّ)، أي: تجعل بها منة عليَّ، ولكنه حذف حرف الجر وعُدي الفعل إليها فـ﴿تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ أي: تجعلها منة ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يقول: (بيان لتلك أي: اتخذتهم عبيدًا)، وإذا كانت بيانًا لتلك فتكون أن تفسيرية، تفسير لاسم الإشارة في قوله: ﴿تِلْكَ نِعْمَةٌ﴾؛ يعني أي: ﴿عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: حين عبدت بني إسرائيل جعلت تربيتي عندك وليد النعمة، وفي الحقيقة أن هذا ليس بنعمة؛ لأن كون الإنسان لا يقتل هذا الرجل، وهو يقتل غيره عدوانًا هل تكون هذه نعمة؟ لا، ليش؟ لأن أصل قتل أولئك ظلم وجور، فكونه لا يقتل هذا الرجل ليس نعمة، غاية ما هنالك أنه لم يظلمه، فهو لم يدفع عنه ضررًا نازلًا به من غيره، ولم يجلب إليه نفعًا، فموسى يقول: كيف تَمُن علي بهذه النعمة أن عبدت بني إسرائيل؛ يعني: ولم تستعبدني، فهذه ليست نعمة؛ لأن كون الإنسان لا يظلم هذا الرجل، ويظلم ذاك، ليس نعمة على من لم يظلم؛ إذ لم يسد إليه نفعًا، ولم يدفع عنه ضررًا، غاية ما هنالك أنه امتنع عن ظلمه، وامتناعه عن ظلمه نعمة على من؟ في الواقع على الظالم، على نفس الظالم؛ أن الله تعالى أنعم عليه، فمنعه من ظلم هذا الرجل، ولهذا يقول: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (ولم تستعبدني لا نعمة لك بذلك لظلمك باستعبادهم)، فأنت الآن ما أعطيتني منة جديدة ونعمة جديدة، حتى تمن بها. * طالب: أقول ما يكون قول (...) فرعون أنه أنعم بها عليه. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: قوله: ﴿تِلْكَ نِعْمَةٌ﴾. * الشيخ: إي هو ينكر عليه، ولهذا يقول المؤلف: (وقدر بعضهم أول الكلام همزة استفهام للإنكار)، هو ينكر عليه، يقول: كيف تـمُنُّ عليَّ بهذا الشيء؛ لأنك عبدت بني إسرائيل، هذا ليس بنعمة. * طالب: وإن فرعون يراها نعمة. * الشيخ: إي يراها نعمة، هذا اللي قال له: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ [الشعراء ١٨، ١٩] هو جعل هذه من النعم. هنا يقول: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ كونك عبدتهم؛ أي: جعلتهم عبيدًا له، ووجه الاستعباد أنه -والعياذ بالله- كان يقتل الرجال، فيبقى النساء بدون قَيِّم، والمرأة إذا بقيت بدون قَيِّم تُضطر إلى أن تخدم، ولهذا قال العلماء: إنه كان يستخدم النساء فيبقيهن، وبالضرورة إذا لم يكن لهن قيم سوف يلجأن إلى الأقباط لاستخدامهن. وقوله: (قدر بعضهم أول الكلام همزة) ليس ببعيد أنه قال: أَوَتِلْك نعمة تمنها علي أن عَبَّدْت بني إسرائيل؟ يعني فليس لك علي نعمة. * طالب: فرعون كان يمن عليه بهذه النعمة ويذكره بالماضي، فموسى عليه السلام يُعرض عن ذلك، ويحاول أن يقرره ويبين له شناعة عمله، (...) النعمة البسيطة التي أنعمتها علي أَنْسَتْك ما عملته مع بني إسرائيل. * الشيخ: إي نعم، هذا صحيح، لولا وجود (أن)؛ يعني أن هذه تبين المبهم في قوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾؛ يعني: فكأنه يقول: تَمُن عليَّ بهذه النعمة حين عبدت بني إسرائيل؛ يعني: ولم تستعبدني، هذا المعنى، ولولا أن هذا المعنى ظاهر لقلنا: إن موسى عليه الصلاة والسلام صرف نعمته عليه كالمتهكم به، كيف؟ يعني يقول: أين النعمة التي أنعمت بها علي، وأنت تعبد بني إسرائيل؛ لأن تعبيد بني إسرائيل خلاف النعمة في الواقع، ومن المعلوم أن موسى من بني إسرائيل، فتعبيد بني إسرائيل وهم قومه إذلال له، هذا المعني جيد في الحقيقة أن نقول: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ يعني: كيف تَمُن علي بهذه النعمة؛ يعني وأنت تُعَبِّد بني إسرائيل، ويكون هذا من باب ما يسمونه بتأكيد الذم بما يشبه المدح، وحينئذ نبقي ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ على أنها تفسير لتلك؛ يعني: أهذه النعمة التي تَمُن عليَّ أن تعبد بني إسرائيل فأين النعمة فهذا معنى جيد، إن كنت تريد هذا فهذا معنى جيد.

الشعراء 26:23

(﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ لموسى ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الذي قلت: إنك رسوله؛ أيْ: أيُّ شيء هو؟ ولما لم يكن سبيل للخلق إلى معرفة حقيقته تعالى، وإنما يعرفونه بصفاته، أجابه موسى ببعضها) ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ هذا الكلام الذي قاله المؤلف في تفسير الجملة بعيد من الصواب كل البعد، ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ من المعروف أن (ما) يستفهم بها عن الحقيقة، فتقول: ما الذهب؟ يُقال مثلًا: هو معدن نفيس إلى آخره، تقول مثلًا: ما العلم؟ تقول: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، فـ(ما) يُستفهم بها في الأصل عن الحقيقة. ويدعي المؤلف أن فرعون استفهم عن ذلك عن الحقيقة، ولكنه ليس كذلك، فرعون استفهم عن هذه الربوبية؛ لأنه قال: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فما هذه الربوبية التي زعمت أن الله تعالى أرسلك وهو رب العالمين؟ لأننا لو قلنا: بأنه يستفهم عن حقيقة الله سبحانه وتعالى للزم من ذلك أن يكون قد أقر به، ولكنه يسأل عن حقيقته، وهو لم يقر به حتى يسأل عن الحقيقة، عن حقيقة هذا الرب، وإنما ينكر الرب أصلًا. فالاستفهام للإنكار؛ أي شيء هو رب العالمين الذي زعمت أنه أرسلك؟ يعني ليس هناك رب، فالتفسير الذي ذهب إليه المؤلف بناء على ما هو معروف، من أن (ما) -وهو عند المناطقة أيضًا، ما هو معروف في اللغة العربية، عند أهل المنطق- أن (ما) يُستفهم بها عن كنه الشيء وحقيقته، فقال: إن فرعون يستفهم عن كنه الخالق سبحانه وتعالى وحقيقته، ولكن موسى لما لم يمكن أن يجيب عن ذلك عدل إلى بيان صفة من صفاته، فيكون الجواب من موسى غير مطابق للسؤال، ويُسمى هذا بأسلوب الحكيم أن يُجاب السائل بغير ما يتوقع، ولكن ما قاله وما ذهب إليه ليس بصحيح، كما أنكره ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره، وقال: إن هذا معناه إقرار فرعون بالله، لكن يسأل عن حقيقة هذا الإله، والصواب أن موسى عليه الصلاة والسلام أجابه بجواب مطابق للسؤال، وأن فرعون يسأل عن هذه الربوبية التي زعم موسى أنه مرسل من رب العالمين ﴿مَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أي شيء رب العالمين الذي أرسلك؟ ليس معناه: من أي شيء هو مادته، لا. الجواب: (﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: خالق ذلك)، ولا يكفي أن يُفسر بالخالق، خالق ذلك ومدبره، والمتصرف فيه؛ لأن الرب ما يكفي أن يكون خالقًا، بل لا بد من خلق وتدبير وتصرف، وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ هل ربوبية فرعون كهذه الربوبية؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا، وهل يدخل في ذلك؛ لأن الله ربه؟ نعم؛ لأن السماوات والأرض وما بينهما هو لا يخرج عن واحد منها، وهو في الأرض وما بينهما، وكأنه أيضًا أجاب بهذا إشارة إلى إبطال عبودية فرعون؛ لأن فرعون لا خلق سماوات ولا أرضًا ولا ما بينهما، فمن الذي يستحق الربوبية؟ خالق ذلك ومدبره والمتصرف فيه؛ لأن الرب ما يكفي أن يكون خالقًا، بل لا بد من خلق وتدبير وتصرف. وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء ٢٤] هل ربوبية فرعون كهذه الربوبية؟ لا. وهل يدخل في ذلك لأن الله ربه؟ نعم، لأن السماوات والأرض وما بينهما هو لا يخرج عن واحد منها وهو في الأرض. ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وكأنه أيضًا أجاب بهذا إشارة إلى إبطال عبودية فرعون؛ لأن فرعون لا خَلَقَ سماواتٍ ولا أرضًا ولا ما بينهما، فمن الذي يستحق (...)؟ فينبغي الوقوف ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ ثم يقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء ٢٤] فالأمر بَيِّن؛ ولهذا المؤلف قدَّر الجواب قال: (﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ بأنه تعالى خالقه فآمنوا به وحده). وإنما قلنا: إنها لا تَعَلُّقَ لها بما قبلها؛ لأنه لو تعلقت بما قبلها لكان المعنى أنه رب السماوات والأرض إن أيقنوا بذلك وإلَّا فليس رب السماوات والأرض، وهذا الكلام لا يستقيم، بل نقول: رب السماوات والأرض وما بينهما (...). ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أي: من ذوي الإيقان فأيقنوا بذلك لأنه لا أحد أو لا مدفع لكون السماوات والأرض مخلوقة لله لا يقدر أحد على خلقها. * طالب: (إن) هنا شرطية؟ * الشيخ: إي نعم، (إن) هنا شرطية وجواب الشرط محذوف؛ إما ما قدَّره المؤلف أو ما قلناه أيضًا فأيقنوا، و(فآمنوا) و(أيقنوا) معناهما واحد، فآمنوا به وحده.

الشعراء 26:24

(﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ لموسى ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الذي قلت: إنك رسوله؛ أيْ: أيُّ شيء هو؟ ولما لم يكن سبيل للخلق إلى معرفة حقيقته تعالى، وإنما يعرفونه بصفاته، أجابه موسى ببعضها) ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ هذا الكلام الذي قاله المؤلف في تفسير الجملة بعيد من الصواب كل البعد، ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ من المعروف أن (ما) يستفهم بها عن الحقيقة، فتقول: ما الذهب؟ يُقال مثلًا: هو معدن نفيس إلى آخره، تقول مثلًا: ما العلم؟ تقول: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، فـ(ما) يُستفهم بها في الأصل عن الحقيقة. ويدعي المؤلف أن فرعون استفهم عن ذلك عن الحقيقة، ولكنه ليس كذلك، فرعون استفهم عن هذه الربوبية؛ لأنه قال: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فما هذه الربوبية التي زعمت أن الله تعالى أرسلك وهو رب العالمين؟ لأننا لو قلنا: بأنه يستفهم عن حقيقة الله سبحانه وتعالى للزم من ذلك أن يكون قد أقر به، ولكنه يسأل عن حقيقته، وهو لم يقر به حتى يسأل عن الحقيقة، عن حقيقة هذا الرب، وإنما ينكر الرب أصلًا. فالاستفهام للإنكار؛ أي شيء هو رب العالمين الذي زعمت أنه أرسلك؟ يعني ليس هناك رب، فالتفسير الذي ذهب إليه المؤلف بناء على ما هو معروف، من أن (ما) -وهو عند المناطقة أيضًا، ما هو معروف في اللغة العربية، عند أهل المنطق- أن (ما) يُستفهم بها عن كنه الشيء وحقيقته، فقال: إن فرعون يستفهم عن كنه الخالق سبحانه وتعالى وحقيقته، ولكن موسى لما لم يمكن أن يجيب عن ذلك عدل إلى بيان صفة من صفاته، فيكون الجواب من موسى غير مطابق للسؤال، ويُسمى هذا بأسلوب الحكيم أن يُجاب السائل بغير ما يتوقع، ولكن ما قاله وما ذهب إليه ليس بصحيح، كما أنكره ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره، وقال: إن هذا معناه إقرار فرعون بالله، لكن يسأل عن حقيقة هذا الإله، والصواب أن موسى عليه الصلاة والسلام أجابه بجواب مطابق للسؤال، وأن فرعون يسأل عن هذه الربوبية التي زعم موسى أنه مرسل من رب العالمين ﴿مَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أي شيء رب العالمين الذي أرسلك؟ ليس معناه: من أي شيء هو مادته، لا. الجواب: (﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: خالق ذلك)، ولا يكفي أن يُفسر بالخالق، خالق ذلك ومدبره، والمتصرف فيه؛ لأن الرب ما يكفي أن يكون خالقًا، بل لا بد من خلق وتدبير وتصرف، وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ هل ربوبية فرعون كهذه الربوبية؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا، وهل يدخل في ذلك؛ لأن الله ربه؟ نعم؛ لأن السماوات والأرض وما بينهما هو لا يخرج عن واحد منها، وهو في الأرض وما بينهما، وكأنه أيضًا أجاب بهذا إشارة إلى إبطال عبودية فرعون؛ لأن فرعون لا خلق سماوات ولا أرضًا ولا ما بينهما، فمن الذي يستحق الربوبية؟ خالق ذلك ومدبره والمتصرف فيه؛ لأن الرب ما يكفي أن يكون خالقًا، بل لا بد من خلق وتدبير وتصرف. وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء ٢٤] هل ربوبية فرعون كهذه الربوبية؟ لا. وهل يدخل في ذلك لأن الله ربه؟ نعم، لأن السماوات والأرض وما بينهما هو لا يخرج عن واحد منها وهو في الأرض. ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وكأنه أيضًا أجاب بهذا إشارة إلى إبطال عبودية فرعون؛ لأن فرعون لا خَلَقَ سماواتٍ ولا أرضًا ولا ما بينهما، فمن الذي يستحق (...)؟ فينبغي الوقوف ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ ثم يقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء ٢٤] فالأمر بَيِّن؛ ولهذا المؤلف قدَّر الجواب قال: (﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ بأنه تعالى خالقه فآمنوا به وحده). وإنما قلنا: إنها لا تَعَلُّقَ لها بما قبلها؛ لأنه لو تعلقت بما قبلها لكان المعنى أنه رب السماوات والأرض إن أيقنوا بذلك وإلَّا فليس رب السماوات والأرض، وهذا الكلام لا يستقيم، بل نقول: رب السماوات والأرض وما بينهما (...). ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أي: من ذوي الإيقان فأيقنوا بذلك لأنه لا أحد أو لا مدفع لكون السماوات والأرض مخلوقة لله لا يقدر أحد على خلقها. * طالب: (إن) هنا شرطية؟ * الشيخ: إي نعم، (إن) هنا شرطية وجواب الشرط محذوف؛ إما ما قدَّره المؤلف أو ما قلناه أيضًا فأيقنوا، و(فآمنوا) و(أيقنوا) معناهما واحد، فآمنوا به وحده.

الشعراء 26:25

(﴿قَالَ﴾ فرعون ﴿لِمَنْ حَوْلَهُ﴾ من أشراف قومه ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ جوابه الذي لم يطابق السؤال) غريبة هذه؟! (﴿قَالَ﴾ فرعون ﴿لِمَنْ حَوْلَهُ﴾ ). * طالب: (...) * الشيخ: إي نعم. ﴿قَالَ﴾ فرعون ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ الاستفهام هنا للتهكم بلا شك؛ يعني: ألا تستمعون إلى هذا الذي زعم أن رب العالمين رب السماوات والأرض؟! يعني: والواقع -على حسب زعمه- أن رب العالمين هو فرعون، فهو يتهكم به؛ يقول: استمعوا لهذا، يقول: إن رب العالمين، رب السماوات والأرض وما بينهما! فيكون على هذا خاطئًا في تهكمه ولَّا مصيبًا؟ خاطئًا. وقصده في هذا الحقيقة التهويل وتحطيم موسى عليه الصلاة والسلام وبيان أن ما جاء به ليس بصواب. أما على رأي المؤلف: (جوابه الذي لم يطابق السؤال) لو كان الأمر كذلك لكان فرعون مُحِقًّا في اعتراضه ولَّا لا؟ لأن كل أحد إذا عرف أن الإنسان أجاب بغير ما سُئِل عنه فمعنى ذلك أنه منقطع عن الحجة وعاجز عن دفعها، فهذا من أبعد ما يكون. ونحن نقول للمؤلف ولغير المؤلف ممن مشى على طريقته: إن جواب موسى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ مطابق للسؤال، وإن فرعون لم يسأل عن حقيقةِ وكنه الخالق أبدًا ولا دار في فكره هذا، ولا يبالي به من أي شيء هو، ما هو مبال، الكلام على تصرفه وماذا يكون؛ فلهذا الجواب نقول: إنه مطابق للسؤال. و﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ الاستفهام للتهكم؛ لأنه –أي: موسى- أتى بأمر بعيد عما يريده فرعون؛ ففرعون الذي يقول: ﴿مَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ يريد من موسى أن يقول: رب العالمين فرعون، ولكنه قال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء ٢٤] ثم أيضًا استبلههم بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ يعني: إن كنتم من ذوي الإيقان والعلم فأيقنوا بذلك. والاستفهام هنا في: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ في هذا المقام لا شك أنه سيصدر من مثل فرعون يتهكم بموسى الذي جاء بالحقيقة ولا يستطيع فرعون أن يدفعها.

الشعراء 26:26

(﴿قَالَ﴾ موسى ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ وهذا وإن كان داخلًا فيما قبله يغيظ فرعون). شوف موسى عليه الصلاة والسلام أسلوبه أسلوب حكيم أتى بالأول بالربوبية العامة للسماوات والأرض وما بينهما، ثم أتى للربوبية الخاصة بفرعون الذي يَدَّعِي أنه رب وقال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ إشارة إلى أنكم أنتم أتيتم من آباء ولَّا لا؟ * طالب: بلى * الشيخ: ومن أتى مِنْ أَبٍ فكيف يمكن أن يكون ربًّا هو مخلوق من نطفة؛ يعني: فكأنه يقول: ارجعوا إلى أصلكم، فالله تعالى ربكم أنتم الذين تَدَّعُون أنكم أرباب. ﴿وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ الذين أتيتم منهم فيُذَكِّرُهم بأصلهم ليذكروا أنهم كانوا مُحْدَثِين، وأنهم لا يصلحون أن يكونوا أربابًا، وهذا من حُسْنِ الجواب، وهو في الحقيقة كل جواب يقوله موسى فهو حجة قاطعة تَدْمَغُه، ولكن -والعياذ بالله- مَنْ لم يُوَفَّق للحق فإنه لا ينتفع به ويستكبر عنه. (﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ وهذا وإن كان داخلًا فيما قبله يغيظ فرعون) يعني كلام في الحقيقة لَيِّن من المؤلف، لو قال: وهذا أيضًا إقامة حُجَّةٍ أخرى ما هو عليه على فرعون أنهم مربوبون وأنهم مخلوقون من أصلاب آبائهم الأولين، ومن كان كذلك مولودًا فلا يستحق أن يكون ربًّا وإلهًا (...). يعني: أجاب عن الفعلة بأنه كان عن جهل. ثم إنه يقول: ﴿فَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ فكأنه يقول: أنتم لم تألوا جهدًا في معاقبتي عليها، ولكنني فررت منكم فلم تدركوني (...) ما قلناه لكن الآن نقوله؛ يعني قال: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ [الشعراء ٢١] فكأنه يقول لهم: لم تألوا جهدًا ولكن نجوت فالعقوبة نجوت منها بالفرار، والجهل تَنَزَّهْتُ منه بالرسالة. الجواب عن الأمر الثالث: كأنه يقول: تَرْكٌ للظلم بالنسبة إليَّ، وترك الظلم لا يُعَدُّ نعمة؛ لأن الإنسان ليس مستحقًّا له حتى نقول: إنه عفا عنه وتركه، أو يقال:هذا ما مشى عليه المؤلف. لكن فيه احتمال آخر فالإساءة إلى قومي إساءة لي فكأنه يؤكد الآن نفي النعمة بما يشبه (...). يقول: يعني: أين النعمة وأنت قد عَبَّدْتَ بني إسرائيل وهم قومي؟ فإذا قُدِّر أني سَلِمْت منك من التعبيد والظلم فأنا فرد من قبيلة وقوم وقد عبدتهم، فأين النعمة؟! بعد ذلك جرت المناظرة بينه وبين موسى؛ فقال السؤال الأول من فرعون.. هذا السؤال الأول. * طالب: من فرعون إلى موسى؟ * الشيخ: إي وهذا السؤال يتضمن السؤال عن الحقيقة والماهية، أو عن أمر آخر يعني؟ * طالب: يريد أن يقرر.. * الشيخ: أولًا اذكر لي معناها على رأي المؤلف، السؤال عن الحقيقة كأنه يقول: ما هو مادته، ما مادته؟ ما كنهه؟ ما حقيقته؟ إي، لكن هو يسأل عما قال المؤلف؛ لأنه لا يمكن يسأل عما قال المؤلف إلا وقد أقر به، وهو ما أقر بالله عز وجل. فالاستفهام إنكار يقول: أي شيء يكون رب العالمين، وأنا الرب؟! بماذا أجاب موسى؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء ٢٤]. ويش الفائدة من قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ هل هي تعود على ما سبق؛ يعني: أنه رب هذه الأشياء إن أيقنتم وإن لم توقنوا فليس ربها. * طالب: (...). * الشيخ: يعني: إن كنتم من ذوي الإيقان الذين يتصفون باليقين بما يشاهدونه فأيقنوا بذلك. بماذا أجاب فرعون؟ * طالب: يعني: كأن.. * الشيخ: الاستفهام هنا: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ أيش الغرض منه؟ * الطالب: الغرض منه التهكم. * الشيخ: إظهار التهكم والاستهزاء. المؤلف على أي شيء حمل هذا التهكم والاستهزاء؟ * طالب: المؤلف يقول: (ألا تستمعون لهذا الجواب الذي لا يطابق السؤال)؟ * الشيخ: إني أسأله عن الحقيقة وأجابني بالأوصاف. والصواب؟ * الطالب: والصواب على القول الصحيح أن الجواب ليس للسؤال، ولكن لأنه إنكار على ما أجابه أن ربه هو رب السماوات. * الشيخ: تمام، يعني: ألا تستمعون إلى هذا الرجل الذي أنكر ربوبيتي وزعم أن هناك ربًّا للسماوات والأرض وما بينهما؟! * طالب: لا، يقال: إنه (...). * الشيخ: بل هو؟ * الطالب: فرعون لم (...). * الشيخ: مطابق للجواب، إي. * الطالب: سؤال فرعون.. * الشيخ: مطابق لجواب موسى، وجواب موسى مطابق لسؤال فرعون. بعد ذلك انتقل إلى جواب آخر؟ * طالب: (...). * الشيخ: طيب، هذا ما دخل في رب السماوات والأرض؟ * الطالب: بلى، داخل. * الشيخ: لكن؟ * الطالب: لكن ذكر هذا، والتقدير ليذكرهم أنهم خُلِقوا من أصلاب آبائهم فلا يستحق أحد الربوبية (...). * الشيخ: يعني: كان هذا كإقامة الدليل على امتناع ربوبية فرعون وأن الله سبحانه وتعالى كان ربًّا له ولآبائه الأولين الذين وُجِدَ منهم، فلا يمكن أن يكون هو ربًّا وهو مربوب. * طالب: ما يقال هذا (...). * الشيخ: لا، يمكن، كل الجواب هذا كله موافق للحكمة، لكن ليس من أسلوب الحكيم المعروف عند البلاغيين. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أصل فرعون ما سأل في الثانية، تَهَكَّم فقط. * الطالب: قصدي في الأول. * الشيخ: وين؟ * الطالب: قال: ما رب العالمين؟ * الشيخ: لا، الأول جواب سليم، الأول جواب صحيح، والثاني جواب صحيح لكنه أخص من الأول؛ يعني: جواب مطابق للسؤال تمامًا، لكن تَنَقُّله من هذا إلى هذا هذا من الحكمة؛ فذكر في الأول رب السماوات والأرض ثم ذكر الربوبية المباشِرة لهؤلاء. * طالب: ما فيه أحقية لفرعون حين استفهم بقوله: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾؟ * الشيخ: إلا فيه، فيه نعم. * الطالب: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ﴾ تحقيرًا لهم أنهم من آباء.. * الشيخ: إي نعم، هو تحقير وبيان أنه ما يصح لهم ربوبية.

الشعراء 26:27

يقول: قال الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء ٢٧] شوف، (إِنَّ) للتوكيد و(لمجنون) اللَّام أيضًا للتوكيد، فأَكَّد جنون موسى بأمرين بـ(إن) واللام. وفي قوله: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ﴾ من التهكم ما هو غير خفي؛ يعني: رسولكم يُتَهَكَّم به؛ لأنه هو ينكر رسالته وينكر ربوبية مَنْ أرسله، ولكن هذا من باب التهكم به، ثم إنه لم يضفه إلى نفسه تكبرًا، ما قال: إن الرسول الذي أُرْسِل إلينا أو إن رسولنا، قال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ﴾ وهذا عُلُوٌّ منه وتكبر وتهكم بموسى فالعلو والتكبر والترفع حيث أضافه إليهم؛ يعني: كأنه هو في شأن أعلى من أن يُرْسَل إليه ولا على سبيل التهكم، ثم إن إضافة الرسالة إليهم وهو ينكر ذلك تهكم بموسى ظاهر. وقوله: ﴿الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾، ولم يقل: أرسله رب العالمين مع أن موسى قال: إني رسول رب العالمين؛ لأنه ما سمح لنفسه أن يصف الله تعالى بالربوبية، ولا على سبيل التهكم. وقوله: ﴿لَمَجْنُونٌ﴾ المجنون فاقد العقل، وهذا دأب جميع الذين كذبوا الرسل ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢] يقولون: ساحر أو مجنون و(أو) هذه مانعة خلو وليست مانعة جمع؛ لأنهم قد يقولون: ساحر فقط أو مجنون فقط أو ساحر ومجنون وهذا ما وقع لموسى عليه الصلاة والسلام كما سيأتي قريبًا إن شاء الله.

الشعراء 26:28

﴿قَالَ﴾ موسى ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء ٢٨] يعني: هو رب المشرق والمغرب، المراد الجهة فقط أو الجهة وما يحدث فيها من شروق الشمس والقمر والنجوم وما إليها؟ لا شك أن المراد الأخير؛ الجهة وما فيها. رب المشرق والمغرب وما بينهما وهذا كقول إبراهيم للذي حاجه ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨] فكأنه موسى عليه الصلاة والسلام عدل إلى أمر ظاهر بَيِّن ما يمكن (...) أبدًا، رب المشرق والمغرب وما بينهما. والذي بينهما ما يحدث من السحاب والرياح وغير ذلك فهذا أمر لا أحد ينكره؛ ولهذا قال لهم: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ لأن هذا الأمر ظاهر للعقلاء. ثم في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تعريض لهم كرَدٍّ على قولهم: إنه ﴿لَمَجْنُونٌ﴾؛ إن رسولكم لمجنون، كأنه يقول: المجنون مَنْ ينكر هذه الأشياء؛ ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. وفي قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ من ظهور القوة من موسى عليه الصلاة والسلام وأنه لم يكترث بهم؛ رجل وحده أمام جبار عنيد ويقول هذا الكلام هذا كلام مزعج في الواقع، يعني: يقوله الإنسان لمن كان ندًّا له، ولكن موسى عليه الصلاة والسلام لمَّا قال الله له في الأول: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء ١٥] كان واثقًا بالله سبحانه وتعالى وموقنًا بأنه لن يضره فرعون، والأمر كذلك، الشاهد أن المشرق والمغرب وما بينهما لظهور الآيات فيهما، قال لهم: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء ٢٨] هذا من وجه. ثانيًا: أراد أن يقابل قول فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ فكأنه يقول: المجنون من لم يستدل بهذه الآيات على الرب سبحانه وتعالى. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أنه كذلك فآمنوا به وحده، مثلما قال المؤلف فيما سبق: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء ٢٤] أنه كذلك فآمنوا به وحده.

الشعراء 26:29

قال فرعون لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩] بعد أن قَطَع بالحجة والبرهان عدل إلى القوة؛ يعني: سلطان الحجة انقطع به، فعدل إلى سلطان القوة والتهديد؛ لأن هكذا العاجز عن رد الحجة بالحجة ويش يعمد إليه؟ إلى القوة إذا كان له سلطان، وهذا له سلطان على موسى؛ ولهذا هدَّدَه بقوله: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾ لم يقل: لئن دعوت إلى الله فقط؛ يعني: يريد منه أن يمتنع عن الدعوة إلى الله بالأولى وألا يتخذ إلهًا سواه، وفي هذا دليل على أن فرعون كان ينكر أن يكون هناك ربٌّ سواه. وأن قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات ٢٤] صفة كاشفة وليست صفة مقيدة؛ لأنه لا يعتقد أن هناك ربًّا سواه. وقوله: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ﴾ [الشعراء ٢٩] هذه فيها شيئان يحتاجان إلى جواب؛ الشرط والقسم، والموجود هنا جواب القسم ولَّا جواب الشرط؟ * طالب: القسم. * الشيخ: ويش الدليل؟ * طالب: (...). * الشيخ: الموجود الآن جواب الشرط ولَّا جواب القسم؟ * طالب: جواب الشرط. * الشيخ: لا، جواب القسم؛ لأن ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ﴾ ما هي جواب شرط، هذه جواب قسم ولهذا أُكِّدت بالنون واللام فهو جواب القسم، وهذه هي القاعدة. يقول ابن مالك: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَــــــــوَابَ مَـــا أَخَّرْتَ فَـــــهْوَمَــــلْتَزَمْ وهنا اجتمع شرط وقسم؛ الشرط (إن) والقسم (والله) المحذوف. يقول: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَــــــــوَابَ مَــاأَخَّــــــرْتَ............... والمؤخر أيهن هنا؟ المؤخر الشرط فيكون الجواب الموجود للقسم وهو كذلك. وقوله: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾ إلهًا بمعني مألوه أي: معبود. والمراد بالمعبود هنا المعبود الذي يَسْتَحِقُّ أن يُعْبَد، وذلك لربوبيته فهو يعتقد أنه الرب فيجب أن يكون هو الإله الذي يعبد. ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ شوف ﴿مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾، ولم يقل: لأسجننك. كما قال الله تعالى في قصة يوسف: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف ٣٥]، بل قال: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ زيادة في تهديد موسى كأنه يقول: إن هناك سجناء، وأنا قادر على سجن الناس، فإذا لم تتخذْني إلهًا واتخذت إلهًا غيري جعلتك في جملة هؤلاء من المسجونين. (كان سجنه شديدًا؛ يحبس الشخص في مكان تحت الأرض وحده لا يبصر ولا يسمع فيه أحدًا) هذا ما هو شديد بالنسبة لما نعرف الآن من السجون؛ لأنها شيء أشد من هذا بكثير، وفرعون إنما قال: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾، أما كيف يسجنه فالآية لم تتعرض له، وأما أيضًا إذا كان معروفًا أن سجنه بهذه الكيفية فهذا السجن ليس شديدًا، بل في السجون من التعذيب ما هو أشد؛ نسمع أنهم -والعياذ بالله- يؤتى بالشخص ويجعل في مثل البرميل وفيه مسامير وتحته نار، هذا الرجل كيف يجلس؟! ما يستطيع، إن جلس خرقته المسامير الحارة، وإن اتكأ على أحد الجدران كذلك، فهذا -والعياذ بالله- من الأساليب التي يفعلونها، ونسمع أيضًا أنه من الأساليب أنهم يجوعون السباع الضارية ثم يرسلونها على السجناء تنهشهم ولا يستطيعون الدفاع؛ لأن ما عندهم قدرة؛ مثلما «فعل الحجاج بجحدر بن مالك فإنه كان من الخوارج فقبضه -وكان شجاعًا جدًّا- فلما قبضه حبسه وأتى به وقال: إنا ملقوك على الأسد، وإنا سنقيد يدك، وأنت والأسد (...)، فأتى بأسد فأجاعه ثلاثة أيام، ثم قال له: أعطني سيفًا وشد إحدى يدي بكيفك، فأعطاه السيف، وشد إحدى يديه، ثم ألقاه على الأسد، والأسد جائع ثلاثة أيام ما أكل، يقولون في ترجمته: فلما وثب عليه الأسد ضربه في نحره بالسيف بيد واحدة فخرَّ صريعًا الأسد، فأطلقه الحجاج لقوته وشجاعته»[[البداية والنهاية (١٢ / ٥٢٦).]]. فهذه الأساليب أيضًا مما يعمد إليه أهل الظلم -والعياذ بالله- بالسجناء. المهم أن الآية الكريمة ليس فيها ذكر ما يفعله به، إنما فيها أنه سيكون من المسجونين؛ من جملة مَنْ يسجن.

الشعراء 26:30

(قال له موسى: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ أي أتفعل ذلك ولو جئت به). وقد مر علينا فيما إذا اقترنت همزة الاستفهام بالعاطف هل يُقَدَّر بعدها جملة يعطف عليها ما بعد الهمزة، أو أن الهمزة تُقَدَّر متأخرة بعد حرف العطف، وذكرنا في ذلك وجهين لأهل العلم. وقلنا: إن الوجه الأخير أسهل؛ لأن الأول ربما يمر بك ما لا يمكن فيه التقدير، وأما هذا فتقول: الهمزة للاستفهام وهي مقدمة، والواو حرف عطف وهو مقدم حكمًا، مؤخَّرٌ لفظًا والجملة معطوفة. أما على ما ذهب إليه المؤلف هنا فإنه جعل الهمزة داخلة على شيء محذوف؛ (أتفعل ذلك ولو ﴿جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ) كأن موسى عليه الصلاة والسلام قال له: على رسلك، لا تَسْجُنِّي، فأنا ما جئت بباطل وسأقيم البرهان على جئت به. ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ومن لطف الله أن فرعون قال: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾، وكان مقتضى جبروته وطغيانه أن يقول: ولو جئتني بشيء مبين إن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنك من المسجونين، ولكن القلوب بيد الله عز وجل، أَلَان الله قلب هذا الرجل المتكبر الجبار لموسى حين قال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾، وهذا اللين قد يكون له سبب حسيٌّ؛ وهو لئلا ينقطع أمام الملأ الذين عنده؛ لأن موسى إذا عرض عليهم خطة الرشد ثم تعسف وقال: ولو جئتني بهذا فربما يكون حينئذ أمام مَلَئِهِ يظهر فيه أنه معاند وأنه منقطع فقال: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾. ثم إنه أيضًا قد يكون مما حمله على ذلك أنه أراد أن يأتي به ليكون إبطاله أو دعوى بطلانه على يده؛ لأنه ربما يأتي به موسى في مكان آخر فيغترُّ به الناس على زعمه، فأراد أن يأتي به أمامه ليتمكن من دعوى بطلانه. * طالب: (...). * الشيخ: إي، هو، لا، استبعد ظاهرًا لكن من الجائز.. لأن موسى ما قال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ إلا وهو متأكد، فمن الجائز أن يفعل ما قال كما فعل، فكون فرعون يتنازل ويقول: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾. هذا لا شك أنه من تفسير الله الذي قد يكون له أسباب حسية معلومة. * طالب: (...). * الشيخ: إي، ما يخالف، لكن أليس فيه احتمال؟ فيه احتمال أنه يأتي به؛ لأن موسى ما قاله إلا وهو متأكد منه. ونحن نقول: إن وجه التليين أو أن الله ألانه له: أنه ما قال لا تأت بشيء، سأسجنك ولو لم تأت؛ لأن كونه يعرض أنه يأتي بشيء أمر محتمل أن يأتيَ به، ولكن فرعون لان بعض الشيء للأسباب التي ذكرنا: أولًا: أن الله سبحانه وتعالى ألانه والله على كل شيء قدير. والثاني: الأسباب الحسية؛ لأجل ألا يقال: إن حجته انقطعت، وأن الرجل عرض عليه خطة رشد فأباها. وثالثًا: لأجل أن يكون إبطال ما يجيء به موسى على يده حتى يبين. والثالث أيضًا -إذا شئتم نضيف إلى ذلك- أنه أراد أن يتحداه، وإن كان هذا ما يمنع أن يقول: لا تأت به؛ لأنه قادر هو على أن يقول لا تأت به بدون أن يتحداه؛ لأن تحديه له فيه احتمال أن يأتي به وحينئذ تنقطع حجة فرعون. ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. يقول: (﴿بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ أي: ببرهان بَيِّنٍ على رسالتي). ﴿شَيْءٍ﴾ فسرها المؤلف ببرهان، ﴿مُبِينٍ﴾ ببيِّن. إذن فهي من (أبان) المتعدي أو اللازم؟ من (أبان) اللازم. لأن إحنا قلنا: أبان بمعنى (أظهر) متعدٍّ، و(أبان) بمعنى (...) يعني: ظهر، فهو لازم. قوله: (بيِّنًا على رسالتي) المؤلف قيَّدَها بقوله: على رسالتي، والأولى أن يقال: إنها أعم من ذلك؛ على كل ما قلتُ من الرسالة، ومن وصف الله تبارك وتعالى بأنه رب العالمين ورب السماوات والأرض وربكم ورب آباءكم الأولين ورب المشرق والمغرب، ولكن كلام المؤلف لا يأباه إذا قلنا: إن المراد بالرسالة كل ما جاء به موسى. (﴿قَالَ﴾ فرعون له ﴿فَأْتِ بِهِ﴾ ) أي: بهذا الشيء المبين (﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيه). والجملة الشرطية موصولة بما قبلها ولَّا منقطعة؟ موصولة يعني: إن كنت من الصادقين فأت به. وفي مثل هذا التركيب يقول بعض النحويين: إنه لا حاجة إلى جواب الشرط لدلالة ما قبله عليه. وبعضهم يقول: إن جواب الشرط محذوف دلَّ عليه ما قبله. ولا أعلم أن أحدًا قال: إن جواب الشرط ما سبق، وذلك لأن جواب الشرط لا يتقدم على العامل. ولكنَّ الصحيحَ الأولُ؛ أن التركيب في مثل هذا لا يحتاج إلى جواب. والفرق بين هذا وبين الذي بعده أن اللي بعده يقول: إنه يجب أن يُقَدَّر الجواب، ولكنه حُذِف للعلم به. ونحن نقول: إنما عُلِم، لا يحتاج إلى جواب؛ لا يحتاج إليه إطلاقًا، فهذا هو الصحيح. ومثل هذا يقع أيضًا في القسم؛ قد يأتي القسم، قد يأتي القسم (...). * * * فقال له: ﴿أْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ذكرنا أن هذا الخضوع من فرعون يتضمن ثلاثة أمور هي؟ * طالب: أول (...) أن الله سخره، وكذلك أنه أراد أن يقطع الحجة أمام قومه، وكذلك أراد أن لا يظهر بمظهر الضعف أمام قومه. * الشيخ: إي نعم لأنه تحداه بقوله؟ * الطالب: لأنه تحداه قال.. * الشيخ: ﴿فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ مع أنه في الحقيقة هذا التحدي لولا أن الله ألانه لكان ما يتحداه به؛ إذ من الجائز أيش؟ أن يقول له: لا تأت به. ومن الجائز بعد أن تحداه أن يأتي به موسى فيكون في ذلك حجة على فرعون، فأتى بالآيتين العظيمتين وهي آية العصا وآية اليد. وماذا قابلهما فرعون به؟ قابلهما بمثل ما قابل به بالأول؛ وهو التمويه وادعاء السحر وأنه ساحر عليم، جيد في سحره. ثم قال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء ٣٥]. ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ ما قال: أن يخرجني مثلًا أو أن يخرجنا ترفعًا وتعظمًا أن يبدو أمام موسى بمظهر الضعف الذي يهدد ولكنه خاطب به قومه. ثم قال: ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ تهييجًا لهم؛ لأن الإنسان لا شك أنه لا يمكن أحدًا يخرجه من أرضه؛ ولهذا قال: ﴿يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ ولم يقل: من أرض مصر ولا من الأرض؛ تهييجًا لهم على مقابلة موسى بما يقابلونه به، ولأجل أن يكرهوا موسى عليه الصلاة والسلام ويروا أنه عدو مستعمر. وقوله: ﴿بِسِحْرِهِ﴾ الباء للسببية أي: بسبب سحره. وفرعون هنا قال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ والملأ ما قالوا: بسحره، أما هو فقال: ﴿بِسِحْرِهِ﴾ لأجل أن يشدهم على طلب السحرة الذين يقابلون (...) فرعون في سورة الأعراف ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف ١٠٩، ١١٠] ولم يقولوا: بسحره، والفرق هو أن فرعون أراد أن يشدهم وأن يغريهم بما يقابلون به موسى عليه الصلاة والسلام. وقوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ ليس المراد بالأمر هنا هو طلب الفعل على وجه الاستعلاء؛ لأن فرعون لن يخضع لقومه حتى يطلب منهم أمرًا، ولكن المراد بالأمر المشورة؛ يعني: فبماذا تشيرون عليَّ؟ وسمِّي المشير آمرًا لأنه مُوَجِّه فإن من استشاره لا شك أنه يطلب توجيه فيكون مشورته بالأمر أمرًا به. * طالب: لو خضع (...) جبروته. * الشيخ: الاستشارة هنا لمصلحته؛ لأنه يريد أن يختبرهم ماذا يكون عندهم، ويريد أيضًا: أن يُبَيِّنَ أن لهم وَزْنًا لأجل أن يتشجعوا على هذا الأمر (...). ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص ٣٢] لكن هذه ما هو بـ (اضمم) إليك جناحك من الرهب، هذه: ﴿أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل ١٢] لأنه والله أعلم أن الجيب في مقدم الجسم ولا يمكن لو أنه ألقاها خلف ظهره ثم أخرجها، فقد يقول قائل: إنه عمل فيها عملًا لم نشاهده لكن هذا أمامهم وظهر. وكنت أتصور بالأول أنه لما كانت العادة أن اليد إذا أدخلت وتغيبت عن الشمس والهواء ابيَضَّتْ، الجلد كله الآن المستور من الإنسان أبيض والبارز للشمس والهواء أسمر فلعله -كنت أتصور ذلك- لعله لما كان إدخالها يتغير بهذه السرعة وهذا خلاف العادة، فالعادة ما تتغير إلا بعد مدة طويلة وأنها بهذه السرعة يدل على أنه ليس أمرًا عاديًّا، بل هو أمر خلاف العادة وهذا من آيات الله. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، اجمع بينهما. * طالب: أولُ مَنْ قال فرعونُ وتبعه أناس. * الشيخ: وافقوه على ذلك. * الطالب: (...) من قولهم.. * الشيخ: (...) من قولهم موافقة، ولَّا أول من قاله فرعون، لكن تعرفون الكبير -كبير القوم- إذا قال شيئًا، قالوا: صحيح هذا ساحر، الآن كبير القوم إذا قال: (...)، لَجّ اللي عنده (...)، فهذا مثله هذا لما قال قالوا مثله فوافقوه. * طالب: تعقيب الآيات -يا شيخ- يدل على أنه من قولهم. * الشيخ: لولا هذا يعني لو جاءت آية واحدة لقلنا: من قولهم، لكن ما دام جاءت آيتين ولا يمكن أيضًا لهم يتكلموا بين يديه؛ لأنه قد أرعبهم، فهو قال، ثم قال، واضح؟ * طالب: (...) لكن أسند القول إليه من باب (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: لأنه قال: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ صريح واضح. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، موافقة في الحقيقة؛ لأنك تقول: قال الإمام أحمد: كذا وكذا، وقال شيخ الإسلام بمثله، وقال ابن القيم بمثله، هذا في القول، فالموافقة للإنسان قول، هذا أقرب طريق للجمع بين الآيات، ويش نقول؟ هم يقينًا أنهم ما هم متكلمين قبل أن يتكلم فإذا تكلم هو قال الملأ من قوم فرعون. وهذا ما يدلنا على أن القرآن نقل الترجمة بالمعنى؛ يعني: نَقَل الله تعالى كلام هؤلاء بالمعنى، ما هو باللفظ؛ لأنه لو كان بنفسه ما تَغَيَّر في قضية واحدة.

الشعراء 26:31

(قال له موسى: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ أي أتفعل ذلك ولو جئت به). وقد مر علينا فيما إذا اقترنت همزة الاستفهام بالعاطف هل يُقَدَّر بعدها جملة يعطف عليها ما بعد الهمزة، أو أن الهمزة تُقَدَّر متأخرة بعد حرف العطف، وذكرنا في ذلك وجهين لأهل العلم. وقلنا: إن الوجه الأخير أسهل؛ لأن الأول ربما يمر بك ما لا يمكن فيه التقدير، وأما هذا فتقول: الهمزة للاستفهام وهي مقدمة، والواو حرف عطف وهو مقدم حكمًا، مؤخَّرٌ لفظًا والجملة معطوفة. أما على ما ذهب إليه المؤلف هنا فإنه جعل الهمزة داخلة على شيء محذوف؛ (أتفعل ذلك ولو ﴿جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ) كأن موسى عليه الصلاة والسلام قال له: على رسلك، لا تَسْجُنِّي، فأنا ما جئت بباطل وسأقيم البرهان على جئت به. ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ومن لطف الله أن فرعون قال: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾، وكان مقتضى جبروته وطغيانه أن يقول: ولو جئتني بشيء مبين إن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنك من المسجونين، ولكن القلوب بيد الله عز وجل، أَلَان الله قلب هذا الرجل المتكبر الجبار لموسى حين قال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾، وهذا اللين قد يكون له سبب حسيٌّ؛ وهو لئلا ينقطع أمام الملأ الذين عنده؛ لأن موسى إذا عرض عليهم خطة الرشد ثم تعسف وقال: ولو جئتني بهذا فربما يكون حينئذ أمام مَلَئِهِ يظهر فيه أنه معاند وأنه منقطع فقال: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾. ثم إنه أيضًا قد يكون مما حمله على ذلك أنه أراد أن يأتي به ليكون إبطاله أو دعوى بطلانه على يده؛ لأنه ربما يأتي به موسى في مكان آخر فيغترُّ به الناس على زعمه، فأراد أن يأتي به أمامه ليتمكن من دعوى بطلانه. * طالب: (...). * الشيخ: إي، هو، لا، استبعد ظاهرًا لكن من الجائز.. لأن موسى ما قال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ إلا وهو متأكد، فمن الجائز أن يفعل ما قال كما فعل، فكون فرعون يتنازل ويقول: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾. هذا لا شك أنه من تفسير الله الذي قد يكون له أسباب حسية معلومة. * طالب: (...). * الشيخ: إي، ما يخالف، لكن أليس فيه احتمال؟ فيه احتمال أنه يأتي به؛ لأن موسى ما قاله إلا وهو متأكد منه. ونحن نقول: إن وجه التليين أو أن الله ألانه له: أنه ما قال لا تأت بشيء، سأسجنك ولو لم تأت؛ لأن كونه يعرض أنه يأتي بشيء أمر محتمل أن يأتيَ به، ولكن فرعون لان بعض الشيء للأسباب التي ذكرنا: أولًا: أن الله سبحانه وتعالى ألانه والله على كل شيء قدير. والثاني: الأسباب الحسية؛ لأجل ألا يقال: إن حجته انقطعت، وأن الرجل عرض عليه خطة رشد فأباها. وثالثًا: لأجل أن يكون إبطال ما يجيء به موسى على يده حتى يبين. والثالث أيضًا -إذا شئتم نضيف إلى ذلك- أنه أراد أن يتحداه، وإن كان هذا ما يمنع أن يقول: لا تأت به؛ لأنه قادر هو على أن يقول لا تأت به بدون أن يتحداه؛ لأن تحديه له فيه احتمال أن يأتي به وحينئذ تنقطع حجة فرعون. ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. يقول: (﴿بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ أي: ببرهان بَيِّنٍ على رسالتي). ﴿شَيْءٍ﴾ فسرها المؤلف ببرهان، ﴿مُبِينٍ﴾ ببيِّن. إذن فهي من (أبان) المتعدي أو اللازم؟ من (أبان) اللازم. لأن إحنا قلنا: أبان بمعنى (أظهر) متعدٍّ، و(أبان) بمعنى (...) يعني: ظهر، فهو لازم. قوله: (بيِّنًا على رسالتي) المؤلف قيَّدَها بقوله: على رسالتي، والأولى أن يقال: إنها أعم من ذلك؛ على كل ما قلتُ من الرسالة، ومن وصف الله تبارك وتعالى بأنه رب العالمين ورب السماوات والأرض وربكم ورب آباءكم الأولين ورب المشرق والمغرب، ولكن كلام المؤلف لا يأباه إذا قلنا: إن المراد بالرسالة كل ما جاء به موسى. (﴿قَالَ﴾ فرعون له ﴿فَأْتِ بِهِ﴾ ) أي: بهذا الشيء المبين (﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيه). والجملة الشرطية موصولة بما قبلها ولَّا منقطعة؟ موصولة يعني: إن كنت من الصادقين فأت به. وفي مثل هذا التركيب يقول بعض النحويين: إنه لا حاجة إلى جواب الشرط لدلالة ما قبله عليه. وبعضهم يقول: إن جواب الشرط محذوف دلَّ عليه ما قبله. ولا أعلم أن أحدًا قال: إن جواب الشرط ما سبق، وذلك لأن جواب الشرط لا يتقدم على العامل. ولكنَّ الصحيحَ الأولُ؛ أن التركيب في مثل هذا لا يحتاج إلى جواب. والفرق بين هذا وبين الذي بعده أن اللي بعده يقول: إنه يجب أن يُقَدَّر الجواب، ولكنه حُذِف للعلم به. ونحن نقول: إنما عُلِم، لا يحتاج إلى جواب؛ لا يحتاج إليه إطلاقًا، فهذا هو الصحيح. ومثل هذا يقع أيضًا في القسم؛ قد يأتي القسم، قد يأتي القسم (...). * * * فقال له: ﴿أْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ذكرنا أن هذا الخضوع من فرعون يتضمن ثلاثة أمور هي؟ * طالب: أول (...) أن الله سخره، وكذلك أنه أراد أن يقطع الحجة أمام قومه، وكذلك أراد أن لا يظهر بمظهر الضعف أمام قومه. * الشيخ: إي نعم لأنه تحداه بقوله؟ * الطالب: لأنه تحداه قال.. * الشيخ: ﴿فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ مع أنه في الحقيقة هذا التحدي لولا أن الله ألانه لكان ما يتحداه به؛ إذ من الجائز أيش؟ أن يقول له: لا تأت به. ومن الجائز بعد أن تحداه أن يأتي به موسى فيكون في ذلك حجة على فرعون، فأتى بالآيتين العظيمتين وهي آية العصا وآية اليد. وماذا قابلهما فرعون به؟ قابلهما بمثل ما قابل به بالأول؛ وهو التمويه وادعاء السحر وأنه ساحر عليم، جيد في سحره. ثم قال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء ٣٥]. ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ ما قال: أن يخرجني مثلًا أو أن يخرجنا ترفعًا وتعظمًا أن يبدو أمام موسى بمظهر الضعف الذي يهدد ولكنه خاطب به قومه. ثم قال: ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ تهييجًا لهم؛ لأن الإنسان لا شك أنه لا يمكن أحدًا يخرجه من أرضه؛ ولهذا قال: ﴿يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ ولم يقل: من أرض مصر ولا من الأرض؛ تهييجًا لهم على مقابلة موسى بما يقابلونه به، ولأجل أن يكرهوا موسى عليه الصلاة والسلام ويروا أنه عدو مستعمر. وقوله: ﴿بِسِحْرِهِ﴾ الباء للسببية أي: بسبب سحره. وفرعون هنا قال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ والملأ ما قالوا: بسحره، أما هو فقال: ﴿بِسِحْرِهِ﴾ لأجل أن يشدهم على طلب السحرة الذين يقابلون (...) فرعون في سورة الأعراف ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف ١٠٩، ١١٠] ولم يقولوا: بسحره، والفرق هو أن فرعون أراد أن يشدهم وأن يغريهم بما يقابلون به موسى عليه الصلاة والسلام. وقوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ ليس المراد بالأمر هنا هو طلب الفعل على وجه الاستعلاء؛ لأن فرعون لن يخضع لقومه حتى يطلب منهم أمرًا، ولكن المراد بالأمر المشورة؛ يعني: فبماذا تشيرون عليَّ؟ وسمِّي المشير آمرًا لأنه مُوَجِّه فإن من استشاره لا شك أنه يطلب توجيه فيكون مشورته بالأمر أمرًا به. * طالب: لو خضع (...) جبروته. * الشيخ: الاستشارة هنا لمصلحته؛ لأنه يريد أن يختبرهم ماذا يكون عندهم، ويريد أيضًا: أن يُبَيِّنَ أن لهم وَزْنًا لأجل أن يتشجعوا على هذا الأمر (...). ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص ٣٢] لكن هذه ما هو بـ (اضمم) إليك جناحك من الرهب، هذه: ﴿أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل ١٢] لأنه والله أعلم أن الجيب في مقدم الجسم ولا يمكن لو أنه ألقاها خلف ظهره ثم أخرجها، فقد يقول قائل: إنه عمل فيها عملًا لم نشاهده لكن هذا أمامهم وظهر. وكنت أتصور بالأول أنه لما كانت العادة أن اليد إذا أدخلت وتغيبت عن الشمس والهواء ابيَضَّتْ، الجلد كله الآن المستور من الإنسان أبيض والبارز للشمس والهواء أسمر فلعله -كنت أتصور ذلك- لعله لما كان إدخالها يتغير بهذه السرعة وهذا خلاف العادة، فالعادة ما تتغير إلا بعد مدة طويلة وأنها بهذه السرعة يدل على أنه ليس أمرًا عاديًّا، بل هو أمر خلاف العادة وهذا من آيات الله. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، اجمع بينهما. * طالب: أولُ مَنْ قال فرعونُ وتبعه أناس. * الشيخ: وافقوه على ذلك. * الطالب: (...) من قولهم.. * الشيخ: (...) من قولهم موافقة، ولَّا أول من قاله فرعون، لكن تعرفون الكبير -كبير القوم- إذا قال شيئًا، قالوا: صحيح هذا ساحر، الآن كبير القوم إذا قال: (...)، لَجّ اللي عنده (...)، فهذا مثله هذا لما قال قالوا مثله فوافقوه. * طالب: تعقيب الآيات -يا شيخ- يدل على أنه من قولهم. * الشيخ: لولا هذا يعني لو جاءت آية واحدة لقلنا: من قولهم، لكن ما دام جاءت آيتين ولا يمكن أيضًا لهم يتكلموا بين يديه؛ لأنه قد أرعبهم، فهو قال، ثم قال، واضح؟ * طالب: (...) لكن أسند القول إليه من باب (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: لأنه قال: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ صريح واضح. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، موافقة في الحقيقة؛ لأنك تقول: قال الإمام أحمد: كذا وكذا، وقال شيخ الإسلام بمثله، وقال ابن القيم بمثله، هذا في القول، فالموافقة للإنسان قول، هذا أقرب طريق للجمع بين الآيات، ويش نقول؟ هم يقينًا أنهم ما هم متكلمين قبل أن يتكلم فإذا تكلم هو قال الملأ من قوم فرعون. وهذا ما يدلنا على أن القرآن نقل الترجمة بالمعنى؛ يعني: نَقَل الله تعالى كلام هؤلاء بالمعنى، ما هو باللفظ؛ لأنه لو كان بنفسه ما تَغَيَّر في قضية واحدة.

الشعراء 26:32

(قال له موسى: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ أي أتفعل ذلك ولو جئت به). وقد مر علينا فيما إذا اقترنت همزة الاستفهام بالعاطف هل يُقَدَّر بعدها جملة يعطف عليها ما بعد الهمزة، أو أن الهمزة تُقَدَّر متأخرة بعد حرف العطف، وذكرنا في ذلك وجهين لأهل العلم. وقلنا: إن الوجه الأخير أسهل؛ لأن الأول ربما يمر بك ما لا يمكن فيه التقدير، وأما هذا فتقول: الهمزة للاستفهام وهي مقدمة، والواو حرف عطف وهو مقدم حكمًا، مؤخَّرٌ لفظًا والجملة معطوفة. أما على ما ذهب إليه المؤلف هنا فإنه جعل الهمزة داخلة على شيء محذوف؛ (أتفعل ذلك ولو ﴿جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ) كأن موسى عليه الصلاة والسلام قال له: على رسلك، لا تَسْجُنِّي، فأنا ما جئت بباطل وسأقيم البرهان على جئت به. ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ومن لطف الله أن فرعون قال: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾، وكان مقتضى جبروته وطغيانه أن يقول: ولو جئتني بشيء مبين إن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنك من المسجونين، ولكن القلوب بيد الله عز وجل، أَلَان الله قلب هذا الرجل المتكبر الجبار لموسى حين قال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾، وهذا اللين قد يكون له سبب حسيٌّ؛ وهو لئلا ينقطع أمام الملأ الذين عنده؛ لأن موسى إذا عرض عليهم خطة الرشد ثم تعسف وقال: ولو جئتني بهذا فربما يكون حينئذ أمام مَلَئِهِ يظهر فيه أنه معاند وأنه منقطع فقال: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾. ثم إنه أيضًا قد يكون مما حمله على ذلك أنه أراد أن يأتي به ليكون إبطاله أو دعوى بطلانه على يده؛ لأنه ربما يأتي به موسى في مكان آخر فيغترُّ به الناس على زعمه، فأراد أن يأتي به أمامه ليتمكن من دعوى بطلانه. * طالب: (...). * الشيخ: إي، هو، لا، استبعد ظاهرًا لكن من الجائز.. لأن موسى ما قال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ إلا وهو متأكد، فمن الجائز أن يفعل ما قال كما فعل، فكون فرعون يتنازل ويقول: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾. هذا لا شك أنه من تفسير الله الذي قد يكون له أسباب حسية معلومة. * طالب: (...). * الشيخ: إي، ما يخالف، لكن أليس فيه احتمال؟ فيه احتمال أنه يأتي به؛ لأن موسى ما قاله إلا وهو متأكد منه. ونحن نقول: إن وجه التليين أو أن الله ألانه له: أنه ما قال لا تأت بشيء، سأسجنك ولو لم تأت؛ لأن كونه يعرض أنه يأتي بشيء أمر محتمل أن يأتيَ به، ولكن فرعون لان بعض الشيء للأسباب التي ذكرنا: أولًا: أن الله سبحانه وتعالى ألانه والله على كل شيء قدير. والثاني: الأسباب الحسية؛ لأجل ألا يقال: إن حجته انقطعت، وأن الرجل عرض عليه خطة رشد فأباها. وثالثًا: لأجل أن يكون إبطال ما يجيء به موسى على يده حتى يبين. والثالث أيضًا -إذا شئتم نضيف إلى ذلك- أنه أراد أن يتحداه، وإن كان هذا ما يمنع أن يقول: لا تأت به؛ لأنه قادر هو على أن يقول لا تأت به بدون أن يتحداه؛ لأن تحديه له فيه احتمال أن يأتي به وحينئذ تنقطع حجة فرعون. ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. يقول: (﴿بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ أي: ببرهان بَيِّنٍ على رسالتي). ﴿شَيْءٍ﴾ فسرها المؤلف ببرهان، ﴿مُبِينٍ﴾ ببيِّن. إذن فهي من (أبان) المتعدي أو اللازم؟ من (أبان) اللازم. لأن إحنا قلنا: أبان بمعنى (أظهر) متعدٍّ، و(أبان) بمعنى (...) يعني: ظهر، فهو لازم. قوله: (بيِّنًا على رسالتي) المؤلف قيَّدَها بقوله: على رسالتي، والأولى أن يقال: إنها أعم من ذلك؛ على كل ما قلتُ من الرسالة، ومن وصف الله تبارك وتعالى بأنه رب العالمين ورب السماوات والأرض وربكم ورب آباءكم الأولين ورب المشرق والمغرب، ولكن كلام المؤلف لا يأباه إذا قلنا: إن المراد بالرسالة كل ما جاء به موسى. (﴿قَالَ﴾ فرعون له ﴿فَأْتِ بِهِ﴾ ) أي: بهذا الشيء المبين (﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيه). والجملة الشرطية موصولة بما قبلها ولَّا منقطعة؟ موصولة يعني: إن كنت من الصادقين فأت به. وفي مثل هذا التركيب يقول بعض النحويين: إنه لا حاجة إلى جواب الشرط لدلالة ما قبله عليه. وبعضهم يقول: إن جواب الشرط محذوف دلَّ عليه ما قبله. ولا أعلم أن أحدًا قال: إن جواب الشرط ما سبق، وذلك لأن جواب الشرط لا يتقدم على العامل. ولكنَّ الصحيحَ الأولُ؛ أن التركيب في مثل هذا لا يحتاج إلى جواب. والفرق بين هذا وبين الذي بعده أن اللي بعده يقول: إنه يجب أن يُقَدَّر الجواب، ولكنه حُذِف للعلم به. ونحن نقول: إنما عُلِم، لا يحتاج إلى جواب؛ لا يحتاج إليه إطلاقًا، فهذا هو الصحيح. ومثل هذا يقع أيضًا في القسم؛ قد يأتي القسم، قد يأتي القسم (...). * * * فقال له: ﴿أْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ذكرنا أن هذا الخضوع من فرعون يتضمن ثلاثة أمور هي؟ * طالب: أول (...) أن الله سخره، وكذلك أنه أراد أن يقطع الحجة أمام قومه، وكذلك أراد أن لا يظهر بمظهر الضعف أمام قومه. * الشيخ: إي نعم لأنه تحداه بقوله؟ * الطالب: لأنه تحداه قال.. * الشيخ: ﴿فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ مع أنه في الحقيقة هذا التحدي لولا أن الله ألانه لكان ما يتحداه به؛ إذ من الجائز أيش؟ أن يقول له: لا تأت به. ومن الجائز بعد أن تحداه أن يأتي به موسى فيكون في ذلك حجة على فرعون، فأتى بالآيتين العظيمتين وهي آية العصا وآية اليد. وماذا قابلهما فرعون به؟ قابلهما بمثل ما قابل به بالأول؛ وهو التمويه وادعاء السحر وأنه ساحر عليم، جيد في سحره. ثم قال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء ٣٥]. ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ ما قال: أن يخرجني مثلًا أو أن يخرجنا ترفعًا وتعظمًا أن يبدو أمام موسى بمظهر الضعف الذي يهدد ولكنه خاطب به قومه. ثم قال: ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ تهييجًا لهم؛ لأن الإنسان لا شك أنه لا يمكن أحدًا يخرجه من أرضه؛ ولهذا قال: ﴿يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ ولم يقل: من أرض مصر ولا من الأرض؛ تهييجًا لهم على مقابلة موسى بما يقابلونه به، ولأجل أن يكرهوا موسى عليه الصلاة والسلام ويروا أنه عدو مستعمر. وقوله: ﴿بِسِحْرِهِ﴾ الباء للسببية أي: بسبب سحره. وفرعون هنا قال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ والملأ ما قالوا: بسحره، أما هو فقال: ﴿بِسِحْرِهِ﴾ لأجل أن يشدهم على طلب السحرة الذين يقابلون (...) فرعون في سورة الأعراف ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف ١٠٩، ١١٠] ولم يقولوا: بسحره، والفرق هو أن فرعون أراد أن يشدهم وأن يغريهم بما يقابلون به موسى عليه الصلاة والسلام. وقوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ ليس المراد بالأمر هنا هو طلب الفعل على وجه الاستعلاء؛ لأن فرعون لن يخضع لقومه حتى يطلب منهم أمرًا، ولكن المراد بالأمر المشورة؛ يعني: فبماذا تشيرون عليَّ؟ وسمِّي المشير آمرًا لأنه مُوَجِّه فإن من استشاره لا شك أنه يطلب توجيه فيكون مشورته بالأمر أمرًا به. * طالب: لو خضع (...) جبروته. * الشيخ: الاستشارة هنا لمصلحته؛ لأنه يريد أن يختبرهم ماذا يكون عندهم، ويريد أيضًا: أن يُبَيِّنَ أن لهم وَزْنًا لأجل أن يتشجعوا على هذا الأمر (...). ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص ٣٢] لكن هذه ما هو بـ (اضمم) إليك جناحك من الرهب، هذه: ﴿أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل ١٢] لأنه والله أعلم أن الجيب في مقدم الجسم ولا يمكن لو أنه ألقاها خلف ظهره ثم أخرجها، فقد يقول قائل: إنه عمل فيها عملًا لم نشاهده لكن هذا أمامهم وظهر. وكنت أتصور بالأول أنه لما كانت العادة أن اليد إذا أدخلت وتغيبت عن الشمس والهواء ابيَضَّتْ، الجلد كله الآن المستور من الإنسان أبيض والبارز للشمس والهواء أسمر فلعله -كنت أتصور ذلك- لعله لما كان إدخالها يتغير بهذه السرعة وهذا خلاف العادة، فالعادة ما تتغير إلا بعد مدة طويلة وأنها بهذه السرعة يدل على أنه ليس أمرًا عاديًّا، بل هو أمر خلاف العادة وهذا من آيات الله. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، اجمع بينهما. * طالب: أولُ مَنْ قال فرعونُ وتبعه أناس. * الشيخ: وافقوه على ذلك. * الطالب: (...) من قولهم.. * الشيخ: (...) من قولهم موافقة، ولَّا أول من قاله فرعون، لكن تعرفون الكبير -كبير القوم- إذا قال شيئًا، قالوا: صحيح هذا ساحر، الآن كبير القوم إذا قال: (...)، لَجّ اللي عنده (...)، فهذا مثله هذا لما قال قالوا مثله فوافقوه. * طالب: تعقيب الآيات -يا شيخ- يدل على أنه من قولهم. * الشيخ: لولا هذا يعني لو جاءت آية واحدة لقلنا: من قولهم، لكن ما دام جاءت آيتين ولا يمكن أيضًا لهم يتكلموا بين يديه؛ لأنه قد أرعبهم، فهو قال، ثم قال، واضح؟ * طالب: (...) لكن أسند القول إليه من باب (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: لأنه قال: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ صريح واضح. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، موافقة في الحقيقة؛ لأنك تقول: قال الإمام أحمد: كذا وكذا، وقال شيخ الإسلام بمثله، وقال ابن القيم بمثله، هذا في القول، فالموافقة للإنسان قول، هذا أقرب طريق للجمع بين الآيات، ويش نقول؟ هم يقينًا أنهم ما هم متكلمين قبل أن يتكلم فإذا تكلم هو قال الملأ من قوم فرعون. وهذا ما يدلنا على أن القرآن نقل الترجمة بالمعنى؛ يعني: نَقَل الله تعالى كلام هؤلاء بالمعنى، ما هو باللفظ؛ لأنه لو كان بنفسه ما تَغَيَّر في قضية واحدة.

الشعراء 26:33

(قال له موسى: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ أي أتفعل ذلك ولو جئت به). وقد مر علينا فيما إذا اقترنت همزة الاستفهام بالعاطف هل يُقَدَّر بعدها جملة يعطف عليها ما بعد الهمزة، أو أن الهمزة تُقَدَّر متأخرة بعد حرف العطف، وذكرنا في ذلك وجهين لأهل العلم. وقلنا: إن الوجه الأخير أسهل؛ لأن الأول ربما يمر بك ما لا يمكن فيه التقدير، وأما هذا فتقول: الهمزة للاستفهام وهي مقدمة، والواو حرف عطف وهو مقدم حكمًا، مؤخَّرٌ لفظًا والجملة معطوفة. أما على ما ذهب إليه المؤلف هنا فإنه جعل الهمزة داخلة على شيء محذوف؛ (أتفعل ذلك ولو ﴿جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ) كأن موسى عليه الصلاة والسلام قال له: على رسلك، لا تَسْجُنِّي، فأنا ما جئت بباطل وسأقيم البرهان على جئت به. ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ومن لطف الله أن فرعون قال: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾، وكان مقتضى جبروته وطغيانه أن يقول: ولو جئتني بشيء مبين إن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنك من المسجونين، ولكن القلوب بيد الله عز وجل، أَلَان الله قلب هذا الرجل المتكبر الجبار لموسى حين قال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾، وهذا اللين قد يكون له سبب حسيٌّ؛ وهو لئلا ينقطع أمام الملأ الذين عنده؛ لأن موسى إذا عرض عليهم خطة الرشد ثم تعسف وقال: ولو جئتني بهذا فربما يكون حينئذ أمام مَلَئِهِ يظهر فيه أنه معاند وأنه منقطع فقال: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾. ثم إنه أيضًا قد يكون مما حمله على ذلك أنه أراد أن يأتي به ليكون إبطاله أو دعوى بطلانه على يده؛ لأنه ربما يأتي به موسى في مكان آخر فيغترُّ به الناس على زعمه، فأراد أن يأتي به أمامه ليتمكن من دعوى بطلانه. * طالب: (...). * الشيخ: إي، هو، لا، استبعد ظاهرًا لكن من الجائز.. لأن موسى ما قال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ إلا وهو متأكد، فمن الجائز أن يفعل ما قال كما فعل، فكون فرعون يتنازل ويقول: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾. هذا لا شك أنه من تفسير الله الذي قد يكون له أسباب حسية معلومة. * طالب: (...). * الشيخ: إي، ما يخالف، لكن أليس فيه احتمال؟ فيه احتمال أنه يأتي به؛ لأن موسى ما قاله إلا وهو متأكد منه. ونحن نقول: إن وجه التليين أو أن الله ألانه له: أنه ما قال لا تأت بشيء، سأسجنك ولو لم تأت؛ لأن كونه يعرض أنه يأتي بشيء أمر محتمل أن يأتيَ به، ولكن فرعون لان بعض الشيء للأسباب التي ذكرنا: أولًا: أن الله سبحانه وتعالى ألانه والله على كل شيء قدير. والثاني: الأسباب الحسية؛ لأجل ألا يقال: إن حجته انقطعت، وأن الرجل عرض عليه خطة رشد فأباها. وثالثًا: لأجل أن يكون إبطال ما يجيء به موسى على يده حتى يبين. والثالث أيضًا -إذا شئتم نضيف إلى ذلك- أنه أراد أن يتحداه، وإن كان هذا ما يمنع أن يقول: لا تأت به؛ لأنه قادر هو على أن يقول لا تأت به بدون أن يتحداه؛ لأن تحديه له فيه احتمال أن يأتي به وحينئذ تنقطع حجة فرعون. ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. يقول: (﴿بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ أي: ببرهان بَيِّنٍ على رسالتي). ﴿شَيْءٍ﴾ فسرها المؤلف ببرهان، ﴿مُبِينٍ﴾ ببيِّن. إذن فهي من (أبان) المتعدي أو اللازم؟ من (أبان) اللازم. لأن إحنا قلنا: أبان بمعنى (أظهر) متعدٍّ، و(أبان) بمعنى (...) يعني: ظهر، فهو لازم. قوله: (بيِّنًا على رسالتي) المؤلف قيَّدَها بقوله: على رسالتي، والأولى أن يقال: إنها أعم من ذلك؛ على كل ما قلتُ من الرسالة، ومن وصف الله تبارك وتعالى بأنه رب العالمين ورب السماوات والأرض وربكم ورب آباءكم الأولين ورب المشرق والمغرب، ولكن كلام المؤلف لا يأباه إذا قلنا: إن المراد بالرسالة كل ما جاء به موسى. (﴿قَالَ﴾ فرعون له ﴿فَأْتِ بِهِ﴾ ) أي: بهذا الشيء المبين (﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيه). والجملة الشرطية موصولة بما قبلها ولَّا منقطعة؟ موصولة يعني: إن كنت من الصادقين فأت به. وفي مثل هذا التركيب يقول بعض النحويين: إنه لا حاجة إلى جواب الشرط لدلالة ما قبله عليه. وبعضهم يقول: إن جواب الشرط محذوف دلَّ عليه ما قبله. ولا أعلم أن أحدًا قال: إن جواب الشرط ما سبق، وذلك لأن جواب الشرط لا يتقدم على العامل. ولكنَّ الصحيحَ الأولُ؛ أن التركيب في مثل هذا لا يحتاج إلى جواب. والفرق بين هذا وبين الذي بعده أن اللي بعده يقول: إنه يجب أن يُقَدَّر الجواب، ولكنه حُذِف للعلم به. ونحن نقول: إنما عُلِم، لا يحتاج إلى جواب؛ لا يحتاج إليه إطلاقًا، فهذا هو الصحيح. ومثل هذا يقع أيضًا في القسم؛ قد يأتي القسم، قد يأتي القسم (...). * * * فقال له: ﴿أْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ذكرنا أن هذا الخضوع من فرعون يتضمن ثلاثة أمور هي؟ * طالب: أول (...) أن الله سخره، وكذلك أنه أراد أن يقطع الحجة أمام قومه، وكذلك أراد أن لا يظهر بمظهر الضعف أمام قومه. * الشيخ: إي نعم لأنه تحداه بقوله؟ * الطالب: لأنه تحداه قال.. * الشيخ: ﴿فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ مع أنه في الحقيقة هذا التحدي لولا أن الله ألانه لكان ما يتحداه به؛ إذ من الجائز أيش؟ أن يقول له: لا تأت به. ومن الجائز بعد أن تحداه أن يأتي به موسى فيكون في ذلك حجة على فرعون، فأتى بالآيتين العظيمتين وهي آية العصا وآية اليد. وماذا قابلهما فرعون به؟ قابلهما بمثل ما قابل به بالأول؛ وهو التمويه وادعاء السحر وأنه ساحر عليم، جيد في سحره. ثم قال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء ٣٥]. ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ ما قال: أن يخرجني مثلًا أو أن يخرجنا ترفعًا وتعظمًا أن يبدو أمام موسى بمظهر الضعف الذي يهدد ولكنه خاطب به قومه. ثم قال: ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ تهييجًا لهم؛ لأن الإنسان لا شك أنه لا يمكن أحدًا يخرجه من أرضه؛ ولهذا قال: ﴿يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ ولم يقل: من أرض مصر ولا من الأرض؛ تهييجًا لهم على مقابلة موسى بما يقابلونه به، ولأجل أن يكرهوا موسى عليه الصلاة والسلام ويروا أنه عدو مستعمر. وقوله: ﴿بِسِحْرِهِ﴾ الباء للسببية أي: بسبب سحره. وفرعون هنا قال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ والملأ ما قالوا: بسحره، أما هو فقال: ﴿بِسِحْرِهِ﴾ لأجل أن يشدهم على طلب السحرة الذين يقابلون (...) فرعون في سورة الأعراف ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف ١٠٩، ١١٠] ولم يقولوا: بسحره، والفرق هو أن فرعون أراد أن يشدهم وأن يغريهم بما يقابلون به موسى عليه الصلاة والسلام. وقوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ ليس المراد بالأمر هنا هو طلب الفعل على وجه الاستعلاء؛ لأن فرعون لن يخضع لقومه حتى يطلب منهم أمرًا، ولكن المراد بالأمر المشورة؛ يعني: فبماذا تشيرون عليَّ؟ وسمِّي المشير آمرًا لأنه مُوَجِّه فإن من استشاره لا شك أنه يطلب توجيه فيكون مشورته بالأمر أمرًا به. * طالب: لو خضع (...) جبروته. * الشيخ: الاستشارة هنا لمصلحته؛ لأنه يريد أن يختبرهم ماذا يكون عندهم، ويريد أيضًا: أن يُبَيِّنَ أن لهم وَزْنًا لأجل أن يتشجعوا على هذا الأمر (...). ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص ٣٢] لكن هذه ما هو بـ (اضمم) إليك جناحك من الرهب، هذه: ﴿أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل ١٢] لأنه والله أعلم أن الجيب في مقدم الجسم ولا يمكن لو أنه ألقاها خلف ظهره ثم أخرجها، فقد يقول قائل: إنه عمل فيها عملًا لم نشاهده لكن هذا أمامهم وظهر. وكنت أتصور بالأول أنه لما كانت العادة أن اليد إذا أدخلت وتغيبت عن الشمس والهواء ابيَضَّتْ، الجلد كله الآن المستور من الإنسان أبيض والبارز للشمس والهواء أسمر فلعله -كنت أتصور ذلك- لعله لما كان إدخالها يتغير بهذه السرعة وهذا خلاف العادة، فالعادة ما تتغير إلا بعد مدة طويلة وأنها بهذه السرعة يدل على أنه ليس أمرًا عاديًّا، بل هو أمر خلاف العادة وهذا من آيات الله. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، اجمع بينهما. * طالب: أولُ مَنْ قال فرعونُ وتبعه أناس. * الشيخ: وافقوه على ذلك. * الطالب: (...) من قولهم.. * الشيخ: (...) من قولهم موافقة، ولَّا أول من قاله فرعون، لكن تعرفون الكبير -كبير القوم- إذا قال شيئًا، قالوا: صحيح هذا ساحر، الآن كبير القوم إذا قال: (...)، لَجّ اللي عنده (...)، فهذا مثله هذا لما قال قالوا مثله فوافقوه. * طالب: تعقيب الآيات -يا شيخ- يدل على أنه من قولهم. * الشيخ: لولا هذا يعني لو جاءت آية واحدة لقلنا: من قولهم، لكن ما دام جاءت آيتين ولا يمكن أيضًا لهم يتكلموا بين يديه؛ لأنه قد أرعبهم، فهو قال، ثم قال، واضح؟ * طالب: (...) لكن أسند القول إليه من باب (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: لأنه قال: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ صريح واضح. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، موافقة في الحقيقة؛ لأنك تقول: قال الإمام أحمد: كذا وكذا، وقال شيخ الإسلام بمثله، وقال ابن القيم بمثله، هذا في القول، فالموافقة للإنسان قول، هذا أقرب طريق للجمع بين الآيات، ويش نقول؟ هم يقينًا أنهم ما هم متكلمين قبل أن يتكلم فإذا تكلم هو قال الملأ من قوم فرعون. وهذا ما يدلنا على أن القرآن نقل الترجمة بالمعنى؛ يعني: نَقَل الله تعالى كلام هؤلاء بالمعنى، ما هو باللفظ؛ لأنه لو كان بنفسه ما تَغَيَّر في قضية واحدة.

الشعراء 26:34

(قال له موسى: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ أي أتفعل ذلك ولو جئت به). وقد مر علينا فيما إذا اقترنت همزة الاستفهام بالعاطف هل يُقَدَّر بعدها جملة يعطف عليها ما بعد الهمزة، أو أن الهمزة تُقَدَّر متأخرة بعد حرف العطف، وذكرنا في ذلك وجهين لأهل العلم. وقلنا: إن الوجه الأخير أسهل؛ لأن الأول ربما يمر بك ما لا يمكن فيه التقدير، وأما هذا فتقول: الهمزة للاستفهام وهي مقدمة، والواو حرف عطف وهو مقدم حكمًا، مؤخَّرٌ لفظًا والجملة معطوفة. أما على ما ذهب إليه المؤلف هنا فإنه جعل الهمزة داخلة على شيء محذوف؛ (أتفعل ذلك ولو ﴿جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ) كأن موسى عليه الصلاة والسلام قال له: على رسلك، لا تَسْجُنِّي، فأنا ما جئت بباطل وسأقيم البرهان على جئت به. ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ومن لطف الله أن فرعون قال: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾، وكان مقتضى جبروته وطغيانه أن يقول: ولو جئتني بشيء مبين إن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنك من المسجونين، ولكن القلوب بيد الله عز وجل، أَلَان الله قلب هذا الرجل المتكبر الجبار لموسى حين قال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾، وهذا اللين قد يكون له سبب حسيٌّ؛ وهو لئلا ينقطع أمام الملأ الذين عنده؛ لأن موسى إذا عرض عليهم خطة الرشد ثم تعسف وقال: ولو جئتني بهذا فربما يكون حينئذ أمام مَلَئِهِ يظهر فيه أنه معاند وأنه منقطع فقال: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾. ثم إنه أيضًا قد يكون مما حمله على ذلك أنه أراد أن يأتي به ليكون إبطاله أو دعوى بطلانه على يده؛ لأنه ربما يأتي به موسى في مكان آخر فيغترُّ به الناس على زعمه، فأراد أن يأتي به أمامه ليتمكن من دعوى بطلانه. * طالب: (...). * الشيخ: إي، هو، لا، استبعد ظاهرًا لكن من الجائز.. لأن موسى ما قال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ إلا وهو متأكد، فمن الجائز أن يفعل ما قال كما فعل، فكون فرعون يتنازل ويقول: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾. هذا لا شك أنه من تفسير الله الذي قد يكون له أسباب حسية معلومة. * طالب: (...). * الشيخ: إي، ما يخالف، لكن أليس فيه احتمال؟ فيه احتمال أنه يأتي به؛ لأن موسى ما قاله إلا وهو متأكد منه. ونحن نقول: إن وجه التليين أو أن الله ألانه له: أنه ما قال لا تأت بشيء، سأسجنك ولو لم تأت؛ لأن كونه يعرض أنه يأتي بشيء أمر محتمل أن يأتيَ به، ولكن فرعون لان بعض الشيء للأسباب التي ذكرنا: أولًا: أن الله سبحانه وتعالى ألانه والله على كل شيء قدير. والثاني: الأسباب الحسية؛ لأجل ألا يقال: إن حجته انقطعت، وأن الرجل عرض عليه خطة رشد فأباها. وثالثًا: لأجل أن يكون إبطال ما يجيء به موسى على يده حتى يبين. والثالث أيضًا -إذا شئتم نضيف إلى ذلك- أنه أراد أن يتحداه، وإن كان هذا ما يمنع أن يقول: لا تأت به؛ لأنه قادر هو على أن يقول لا تأت به بدون أن يتحداه؛ لأن تحديه له فيه احتمال أن يأتي به وحينئذ تنقطع حجة فرعون. ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. يقول: (﴿بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ أي: ببرهان بَيِّنٍ على رسالتي). ﴿شَيْءٍ﴾ فسرها المؤلف ببرهان، ﴿مُبِينٍ﴾ ببيِّن. إذن فهي من (أبان) المتعدي أو اللازم؟ من (أبان) اللازم. لأن إحنا قلنا: أبان بمعنى (أظهر) متعدٍّ، و(أبان) بمعنى (...) يعني: ظهر، فهو لازم. قوله: (بيِّنًا على رسالتي) المؤلف قيَّدَها بقوله: على رسالتي، والأولى أن يقال: إنها أعم من ذلك؛ على كل ما قلتُ من الرسالة، ومن وصف الله تبارك وتعالى بأنه رب العالمين ورب السماوات والأرض وربكم ورب آباءكم الأولين ورب المشرق والمغرب، ولكن كلام المؤلف لا يأباه إذا قلنا: إن المراد بالرسالة كل ما جاء به موسى. (﴿قَالَ﴾ فرعون له ﴿فَأْتِ بِهِ﴾ ) أي: بهذا الشيء المبين (﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيه). والجملة الشرطية موصولة بما قبلها ولَّا منقطعة؟ موصولة يعني: إن كنت من الصادقين فأت به. وفي مثل هذا التركيب يقول بعض النحويين: إنه لا حاجة إلى جواب الشرط لدلالة ما قبله عليه. وبعضهم يقول: إن جواب الشرط محذوف دلَّ عليه ما قبله. ولا أعلم أن أحدًا قال: إن جواب الشرط ما سبق، وذلك لأن جواب الشرط لا يتقدم على العامل. ولكنَّ الصحيحَ الأولُ؛ أن التركيب في مثل هذا لا يحتاج إلى جواب. والفرق بين هذا وبين الذي بعده أن اللي بعده يقول: إنه يجب أن يُقَدَّر الجواب، ولكنه حُذِف للعلم به. ونحن نقول: إنما عُلِم، لا يحتاج إلى جواب؛ لا يحتاج إليه إطلاقًا، فهذا هو الصحيح. ومثل هذا يقع أيضًا في القسم؛ قد يأتي القسم، قد يأتي القسم (...). * * * فقال له: ﴿أْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ذكرنا أن هذا الخضوع من فرعون يتضمن ثلاثة أمور هي؟ * طالب: أول (...) أن الله سخره، وكذلك أنه أراد أن يقطع الحجة أمام قومه، وكذلك أراد أن لا يظهر بمظهر الضعف أمام قومه. * الشيخ: إي نعم لأنه تحداه بقوله؟ * الطالب: لأنه تحداه قال.. * الشيخ: ﴿فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ مع أنه في الحقيقة هذا التحدي لولا أن الله ألانه لكان ما يتحداه به؛ إذ من الجائز أيش؟ أن يقول له: لا تأت به. ومن الجائز بعد أن تحداه أن يأتي به موسى فيكون في ذلك حجة على فرعون، فأتى بالآيتين العظيمتين وهي آية العصا وآية اليد. وماذا قابلهما فرعون به؟ قابلهما بمثل ما قابل به بالأول؛ وهو التمويه وادعاء السحر وأنه ساحر عليم، جيد في سحره. ثم قال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء ٣٥]. ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ ما قال: أن يخرجني مثلًا أو أن يخرجنا ترفعًا وتعظمًا أن يبدو أمام موسى بمظهر الضعف الذي يهدد ولكنه خاطب به قومه. ثم قال: ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ تهييجًا لهم؛ لأن الإنسان لا شك أنه لا يمكن أحدًا يخرجه من أرضه؛ ولهذا قال: ﴿يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ ولم يقل: من أرض مصر ولا من الأرض؛ تهييجًا لهم على مقابلة موسى بما يقابلونه به، ولأجل أن يكرهوا موسى عليه الصلاة والسلام ويروا أنه عدو مستعمر. وقوله: ﴿بِسِحْرِهِ﴾ الباء للسببية أي: بسبب سحره. وفرعون هنا قال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ والملأ ما قالوا: بسحره، أما هو فقال: ﴿بِسِحْرِهِ﴾ لأجل أن يشدهم على طلب السحرة الذين يقابلون (...) فرعون في سورة الأعراف ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف ١٠٩، ١١٠] ولم يقولوا: بسحره، والفرق هو أن فرعون أراد أن يشدهم وأن يغريهم بما يقابلون به موسى عليه الصلاة والسلام. وقوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ ليس المراد بالأمر هنا هو طلب الفعل على وجه الاستعلاء؛ لأن فرعون لن يخضع لقومه حتى يطلب منهم أمرًا، ولكن المراد بالأمر المشورة؛ يعني: فبماذا تشيرون عليَّ؟ وسمِّي المشير آمرًا لأنه مُوَجِّه فإن من استشاره لا شك أنه يطلب توجيه فيكون مشورته بالأمر أمرًا به. * طالب: لو خضع (...) جبروته. * الشيخ: الاستشارة هنا لمصلحته؛ لأنه يريد أن يختبرهم ماذا يكون عندهم، ويريد أيضًا: أن يُبَيِّنَ أن لهم وَزْنًا لأجل أن يتشجعوا على هذا الأمر (...). ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص ٣٢] لكن هذه ما هو بـ (اضمم) إليك جناحك من الرهب، هذه: ﴿أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل ١٢] لأنه والله أعلم أن الجيب في مقدم الجسم ولا يمكن لو أنه ألقاها خلف ظهره ثم أخرجها، فقد يقول قائل: إنه عمل فيها عملًا لم نشاهده لكن هذا أمامهم وظهر. وكنت أتصور بالأول أنه لما كانت العادة أن اليد إذا أدخلت وتغيبت عن الشمس والهواء ابيَضَّتْ، الجلد كله الآن المستور من الإنسان أبيض والبارز للشمس والهواء أسمر فلعله -كنت أتصور ذلك- لعله لما كان إدخالها يتغير بهذه السرعة وهذا خلاف العادة، فالعادة ما تتغير إلا بعد مدة طويلة وأنها بهذه السرعة يدل على أنه ليس أمرًا عاديًّا، بل هو أمر خلاف العادة وهذا من آيات الله. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، اجمع بينهما. * طالب: أولُ مَنْ قال فرعونُ وتبعه أناس. * الشيخ: وافقوه على ذلك. * الطالب: (...) من قولهم.. * الشيخ: (...) من قولهم موافقة، ولَّا أول من قاله فرعون، لكن تعرفون الكبير -كبير القوم- إذا قال شيئًا، قالوا: صحيح هذا ساحر، الآن كبير القوم إذا قال: (...)، لَجّ اللي عنده (...)، فهذا مثله هذا لما قال قالوا مثله فوافقوه. * طالب: تعقيب الآيات -يا شيخ- يدل على أنه من قولهم. * الشيخ: لولا هذا يعني لو جاءت آية واحدة لقلنا: من قولهم، لكن ما دام جاءت آيتين ولا يمكن أيضًا لهم يتكلموا بين يديه؛ لأنه قد أرعبهم، فهو قال، ثم قال، واضح؟ * طالب: (...) لكن أسند القول إليه من باب (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: لأنه قال: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ صريح واضح. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، موافقة في الحقيقة؛ لأنك تقول: قال الإمام أحمد: كذا وكذا، وقال شيخ الإسلام بمثله، وقال ابن القيم بمثله، هذا في القول، فالموافقة للإنسان قول، هذا أقرب طريق للجمع بين الآيات، ويش نقول؟ هم يقينًا أنهم ما هم متكلمين قبل أن يتكلم فإذا تكلم هو قال الملأ من قوم فرعون. وهذا ما يدلنا على أن القرآن نقل الترجمة بالمعنى؛ يعني: نَقَل الله تعالى كلام هؤلاء بالمعنى، ما هو باللفظ؛ لأنه لو كان بنفسه ما تَغَيَّر في قضية واحدة.

الشعراء 26:35

(قال له موسى: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ أي أتفعل ذلك ولو جئت به). وقد مر علينا فيما إذا اقترنت همزة الاستفهام بالعاطف هل يُقَدَّر بعدها جملة يعطف عليها ما بعد الهمزة، أو أن الهمزة تُقَدَّر متأخرة بعد حرف العطف، وذكرنا في ذلك وجهين لأهل العلم. وقلنا: إن الوجه الأخير أسهل؛ لأن الأول ربما يمر بك ما لا يمكن فيه التقدير، وأما هذا فتقول: الهمزة للاستفهام وهي مقدمة، والواو حرف عطف وهو مقدم حكمًا، مؤخَّرٌ لفظًا والجملة معطوفة. أما على ما ذهب إليه المؤلف هنا فإنه جعل الهمزة داخلة على شيء محذوف؛ (أتفعل ذلك ولو ﴿جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ) كأن موسى عليه الصلاة والسلام قال له: على رسلك، لا تَسْجُنِّي، فأنا ما جئت بباطل وسأقيم البرهان على جئت به. ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ومن لطف الله أن فرعون قال: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾، وكان مقتضى جبروته وطغيانه أن يقول: ولو جئتني بشيء مبين إن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنك من المسجونين، ولكن القلوب بيد الله عز وجل، أَلَان الله قلب هذا الرجل المتكبر الجبار لموسى حين قال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾، وهذا اللين قد يكون له سبب حسيٌّ؛ وهو لئلا ينقطع أمام الملأ الذين عنده؛ لأن موسى إذا عرض عليهم خطة الرشد ثم تعسف وقال: ولو جئتني بهذا فربما يكون حينئذ أمام مَلَئِهِ يظهر فيه أنه معاند وأنه منقطع فقال: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾. ثم إنه أيضًا قد يكون مما حمله على ذلك أنه أراد أن يأتي به ليكون إبطاله أو دعوى بطلانه على يده؛ لأنه ربما يأتي به موسى في مكان آخر فيغترُّ به الناس على زعمه، فأراد أن يأتي به أمامه ليتمكن من دعوى بطلانه. * طالب: (...). * الشيخ: إي، هو، لا، استبعد ظاهرًا لكن من الجائز.. لأن موسى ما قال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ إلا وهو متأكد، فمن الجائز أن يفعل ما قال كما فعل، فكون فرعون يتنازل ويقول: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾. هذا لا شك أنه من تفسير الله الذي قد يكون له أسباب حسية معلومة. * طالب: (...). * الشيخ: إي، ما يخالف، لكن أليس فيه احتمال؟ فيه احتمال أنه يأتي به؛ لأن موسى ما قاله إلا وهو متأكد منه. ونحن نقول: إن وجه التليين أو أن الله ألانه له: أنه ما قال لا تأت بشيء، سأسجنك ولو لم تأت؛ لأن كونه يعرض أنه يأتي بشيء أمر محتمل أن يأتيَ به، ولكن فرعون لان بعض الشيء للأسباب التي ذكرنا: أولًا: أن الله سبحانه وتعالى ألانه والله على كل شيء قدير. والثاني: الأسباب الحسية؛ لأجل ألا يقال: إن حجته انقطعت، وأن الرجل عرض عليه خطة رشد فأباها. وثالثًا: لأجل أن يكون إبطال ما يجيء به موسى على يده حتى يبين. والثالث أيضًا -إذا شئتم نضيف إلى ذلك- أنه أراد أن يتحداه، وإن كان هذا ما يمنع أن يقول: لا تأت به؛ لأنه قادر هو على أن يقول لا تأت به بدون أن يتحداه؛ لأن تحديه له فيه احتمال أن يأتي به وحينئذ تنقطع حجة فرعون. ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. يقول: (﴿بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ أي: ببرهان بَيِّنٍ على رسالتي). ﴿شَيْءٍ﴾ فسرها المؤلف ببرهان، ﴿مُبِينٍ﴾ ببيِّن. إذن فهي من (أبان) المتعدي أو اللازم؟ من (أبان) اللازم. لأن إحنا قلنا: أبان بمعنى (أظهر) متعدٍّ، و(أبان) بمعنى (...) يعني: ظهر، فهو لازم. قوله: (بيِّنًا على رسالتي) المؤلف قيَّدَها بقوله: على رسالتي، والأولى أن يقال: إنها أعم من ذلك؛ على كل ما قلتُ من الرسالة، ومن وصف الله تبارك وتعالى بأنه رب العالمين ورب السماوات والأرض وربكم ورب آباءكم الأولين ورب المشرق والمغرب، ولكن كلام المؤلف لا يأباه إذا قلنا: إن المراد بالرسالة كل ما جاء به موسى. (﴿قَالَ﴾ فرعون له ﴿فَأْتِ بِهِ﴾ ) أي: بهذا الشيء المبين (﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيه). والجملة الشرطية موصولة بما قبلها ولَّا منقطعة؟ موصولة يعني: إن كنت من الصادقين فأت به. وفي مثل هذا التركيب يقول بعض النحويين: إنه لا حاجة إلى جواب الشرط لدلالة ما قبله عليه. وبعضهم يقول: إن جواب الشرط محذوف دلَّ عليه ما قبله. ولا أعلم أن أحدًا قال: إن جواب الشرط ما سبق، وذلك لأن جواب الشرط لا يتقدم على العامل. ولكنَّ الصحيحَ الأولُ؛ أن التركيب في مثل هذا لا يحتاج إلى جواب. والفرق بين هذا وبين الذي بعده أن اللي بعده يقول: إنه يجب أن يُقَدَّر الجواب، ولكنه حُذِف للعلم به. ونحن نقول: إنما عُلِم، لا يحتاج إلى جواب؛ لا يحتاج إليه إطلاقًا، فهذا هو الصحيح. ومثل هذا يقع أيضًا في القسم؛ قد يأتي القسم، قد يأتي القسم (...). * * * فقال له: ﴿أْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ذكرنا أن هذا الخضوع من فرعون يتضمن ثلاثة أمور هي؟ * طالب: أول (...) أن الله سخره، وكذلك أنه أراد أن يقطع الحجة أمام قومه، وكذلك أراد أن لا يظهر بمظهر الضعف أمام قومه. * الشيخ: إي نعم لأنه تحداه بقوله؟ * الطالب: لأنه تحداه قال.. * الشيخ: ﴿فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ مع أنه في الحقيقة هذا التحدي لولا أن الله ألانه لكان ما يتحداه به؛ إذ من الجائز أيش؟ أن يقول له: لا تأت به. ومن الجائز بعد أن تحداه أن يأتي به موسى فيكون في ذلك حجة على فرعون، فأتى بالآيتين العظيمتين وهي آية العصا وآية اليد. وماذا قابلهما فرعون به؟ قابلهما بمثل ما قابل به بالأول؛ وهو التمويه وادعاء السحر وأنه ساحر عليم، جيد في سحره. ثم قال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء ٣٥]. ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ ما قال: أن يخرجني مثلًا أو أن يخرجنا ترفعًا وتعظمًا أن يبدو أمام موسى بمظهر الضعف الذي يهدد ولكنه خاطب به قومه. ثم قال: ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ تهييجًا لهم؛ لأن الإنسان لا شك أنه لا يمكن أحدًا يخرجه من أرضه؛ ولهذا قال: ﴿يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ ولم يقل: من أرض مصر ولا من الأرض؛ تهييجًا لهم على مقابلة موسى بما يقابلونه به، ولأجل أن يكرهوا موسى عليه الصلاة والسلام ويروا أنه عدو مستعمر. وقوله: ﴿بِسِحْرِهِ﴾ الباء للسببية أي: بسبب سحره. وفرعون هنا قال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ والملأ ما قالوا: بسحره، أما هو فقال: ﴿بِسِحْرِهِ﴾ لأجل أن يشدهم على طلب السحرة الذين يقابلون (...) فرعون في سورة الأعراف ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف ١٠٩، ١١٠] ولم يقولوا: بسحره، والفرق هو أن فرعون أراد أن يشدهم وأن يغريهم بما يقابلون به موسى عليه الصلاة والسلام. وقوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ ليس المراد بالأمر هنا هو طلب الفعل على وجه الاستعلاء؛ لأن فرعون لن يخضع لقومه حتى يطلب منهم أمرًا، ولكن المراد بالأمر المشورة؛ يعني: فبماذا تشيرون عليَّ؟ وسمِّي المشير آمرًا لأنه مُوَجِّه فإن من استشاره لا شك أنه يطلب توجيه فيكون مشورته بالأمر أمرًا به. * طالب: لو خضع (...) جبروته. * الشيخ: الاستشارة هنا لمصلحته؛ لأنه يريد أن يختبرهم ماذا يكون عندهم، ويريد أيضًا: أن يُبَيِّنَ أن لهم وَزْنًا لأجل أن يتشجعوا على هذا الأمر (...). ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص ٣٢] لكن هذه ما هو بـ (اضمم) إليك جناحك من الرهب، هذه: ﴿أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل ١٢] لأنه والله أعلم أن الجيب في مقدم الجسم ولا يمكن لو أنه ألقاها خلف ظهره ثم أخرجها، فقد يقول قائل: إنه عمل فيها عملًا لم نشاهده لكن هذا أمامهم وظهر. وكنت أتصور بالأول أنه لما كانت العادة أن اليد إذا أدخلت وتغيبت عن الشمس والهواء ابيَضَّتْ، الجلد كله الآن المستور من الإنسان أبيض والبارز للشمس والهواء أسمر فلعله -كنت أتصور ذلك- لعله لما كان إدخالها يتغير بهذه السرعة وهذا خلاف العادة، فالعادة ما تتغير إلا بعد مدة طويلة وأنها بهذه السرعة يدل على أنه ليس أمرًا عاديًّا، بل هو أمر خلاف العادة وهذا من آيات الله. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، اجمع بينهما. * طالب: أولُ مَنْ قال فرعونُ وتبعه أناس. * الشيخ: وافقوه على ذلك. * الطالب: (...) من قولهم.. * الشيخ: (...) من قولهم موافقة، ولَّا أول من قاله فرعون، لكن تعرفون الكبير -كبير القوم- إذا قال شيئًا، قالوا: صحيح هذا ساحر، الآن كبير القوم إذا قال: (...)، لَجّ اللي عنده (...)، فهذا مثله هذا لما قال قالوا مثله فوافقوه. * طالب: تعقيب الآيات -يا شيخ- يدل على أنه من قولهم. * الشيخ: لولا هذا يعني لو جاءت آية واحدة لقلنا: من قولهم، لكن ما دام جاءت آيتين ولا يمكن أيضًا لهم يتكلموا بين يديه؛ لأنه قد أرعبهم، فهو قال، ثم قال، واضح؟ * طالب: (...) لكن أسند القول إليه من باب (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: لأنه قال: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ صريح واضح. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، موافقة في الحقيقة؛ لأنك تقول: قال الإمام أحمد: كذا وكذا، وقال شيخ الإسلام بمثله، وقال ابن القيم بمثله، هذا في القول، فالموافقة للإنسان قول، هذا أقرب طريق للجمع بين الآيات، ويش نقول؟ هم يقينًا أنهم ما هم متكلمين قبل أن يتكلم فإذا تكلم هو قال الملأ من قوم فرعون. وهذا ما يدلنا على أن القرآن نقل الترجمة بالمعنى؛ يعني: نَقَل الله تعالى كلام هؤلاء بالمعنى، ما هو باللفظ؛ لأنه لو كان بنفسه ما تَغَيَّر في قضية واحدة.

الشعراء 26:36

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم (...). * الشيخ: (أَخِّرْ أمرَهما ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الشعراء ٣٦]) إذا أراد الله أمرًا هيأ أسبابه؛ لو سلط فرعون على موسى وأخيه لقضى عليهما، لكن الله سبحانه وتعالى جعل لكل شيء سببًا. أشار الملأ على فرعون أن يُؤَخِّرَ أمرهما؛ أمر موسى وهارون وأن يبعث في المدائن جمع: مدينة، ﴿حَاشِرِينَ﴾ جامعين. يعني: يرسل إلى المدائن -مدائن مصر- من يجمع السحرة؛ ولهذا جاء الجواب: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ﴾. وكان من المتوقع أن يقول: (يأتونك) فما هو الفرق بين (يأتوك) وبين (يأتونك)؟ (...) الفرق بينهما بالنسبة لـ (يأتوك) محذوف النون، لكن ويش الفرق بينهم من حيث المعنى؟ * طالب: (يأتوك) و(يأتونك)؛ يعني: نفس اللفظ بدون جزم يعني. * الشيخ: لو قال: (يأتونك) أو قال: (يأتوك).. * الطالب: جواب الطلب. * الشيخ: أيهم؟ إذا كانت بحذف النون؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ولو جاءت النون. * الطالب: ولو جاءت النون لأصبحت (...). * الشيخ: لا، قال: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، لو قال: (يأتونك) لكانت صفة لكل ساحر عليم؛ حاشرين يأتونك، صفة لحاشرين، حاشرين يأتونك، فهمتم؟ تكون صفة لـ (حاشرين)؛ أنهم يأتونك بكل سَحَّار عليم. ولكن المراد خلاف ذلك؛ لأن (يأتوك) أبلغ من (يأتونك)؛ حيث كانت جوابًا للأمر اللي هو للمشورة. (ابعث) أيضًا ليست أمرًا حقيقيًّا، بل هي أمر للمشورة، (ابعث) (يأتوك)؛ يعني: بمجرد بعثك يأتونك به، أفهمتم؟ لكن لو كانت صفة لحاشرين (حاشرين يأتونك) لكان من الجائز ألا يأتوا، صفة الحاشر أنه يجمع ويأتي بالسحرة، لكن قد يتهيأ له ذلك وقد لا يتهيأ. أما إذا قال: (ابعث) (يأتوك) صار هذا مثل الشرط والجزاء؛ يعني أنه إذا حصل بعثك لزم منه نتيجة، وهو أن ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾. ﴿سَحَّارٍ﴾ هل هي من باب صفة المبالغة؛ من باب المبالغة أو هي من باب النسبة؟ كما يقال: بَنَّاء ونجَّار وصنَّاع؛ يعني: لأن صنعتهم السحر ولا ينسب الإنسان إلى هذه الصفة إلا إذا كان مُجِيدًا فيها، ما يقال لمن بنى مرة واحدة إنه بناء، ولا لمن نجر مرة واحدة إنه نجار وإنما يقال ذلك فيمن أتقن المهنة والصنعة، فهل تقولون: إن السحار صيغة مبالغة أو إنها نسبة صيغة نسبة؟ * طالب: الفرق بينهما (...)؟ * الشيخ: الفرق بينهما ظاهر؛ لأن (سحَّار) كثير السحر، ولكن (سحَّار) بمعنى النسبة أنه متقن لهذه الصنعة؛ لأنه نُسِبَ إليها، الظاهر أن النسبة أولى؛ يعني بذي سحر قد أتقن هذه المهنة فتكون للنسبة. ويغني عن هذا -عن المبالغة- قولهم: ﴿عَلِيمٍ﴾؛ يعني: فائق في السحر. وقد يقال: إن هذا يغني عن النسبة وأن (سحَّار) صيغة مبالغة لكثرة سحرهم وإتقانهم. * طالب: ما يكون مثلما قلنا الثاني؛ قلنا: صيغة نسبة مقابل قول فرعون: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾. * الشيخ: إي، لكن فرعون ما جاء به بصيغة مبالغة ولا بالنسبة، قال: ﴿سَاحِرٌ﴾ فقط، لكن ﴿عَلِيمٍ﴾ هذه صفة ثانية مستفادة مستقلة عن ساحر. هنا قالوا: ﴿سَحَّارٍ﴾ و﴿عَلِيمٍ﴾؛ ولهذا قد يترجح أنها للمبالغة، وتكون النسبة مفهومة من قوله: ﴿عَلِيمٍ﴾. (يَفْضُل موسى في علم السحر) يعني: يزيد عليه؛ فعلى هذا طلبوا أن يأتوا بسحرة يفوقون موسى في الكم وفي الكيف ولَّا لا؟ وفعلًا حصل هذا أتوا بمهرة السحرة وبعدد كبير، ولكن ليس الأمر الذي من آيات الله سبحانه وتعالى مثل السحر الذي هو خيال لا حقيقة له.

الشعراء 26:37

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم (...). * الشيخ: (أَخِّرْ أمرَهما ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الشعراء ٣٦]) إذا أراد الله أمرًا هيأ أسبابه؛ لو سلط فرعون على موسى وأخيه لقضى عليهما، لكن الله سبحانه وتعالى جعل لكل شيء سببًا. أشار الملأ على فرعون أن يُؤَخِّرَ أمرهما؛ أمر موسى وهارون وأن يبعث في المدائن جمع: مدينة، ﴿حَاشِرِينَ﴾ جامعين. يعني: يرسل إلى المدائن -مدائن مصر- من يجمع السحرة؛ ولهذا جاء الجواب: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ﴾. وكان من المتوقع أن يقول: (يأتونك) فما هو الفرق بين (يأتوك) وبين (يأتونك)؟ (...) الفرق بينهما بالنسبة لـ (يأتوك) محذوف النون، لكن ويش الفرق بينهم من حيث المعنى؟ * طالب: (يأتوك) و(يأتونك)؛ يعني: نفس اللفظ بدون جزم يعني. * الشيخ: لو قال: (يأتونك) أو قال: (يأتوك).. * الطالب: جواب الطلب. * الشيخ: أيهم؟ إذا كانت بحذف النون؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ولو جاءت النون. * الطالب: ولو جاءت النون لأصبحت (...). * الشيخ: لا، قال: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، لو قال: (يأتونك) لكانت صفة لكل ساحر عليم؛ حاشرين يأتونك، صفة لحاشرين، حاشرين يأتونك، فهمتم؟ تكون صفة لـ (حاشرين)؛ أنهم يأتونك بكل سَحَّار عليم. ولكن المراد خلاف ذلك؛ لأن (يأتوك) أبلغ من (يأتونك)؛ حيث كانت جوابًا للأمر اللي هو للمشورة. (ابعث) أيضًا ليست أمرًا حقيقيًّا، بل هي أمر للمشورة، (ابعث) (يأتوك)؛ يعني: بمجرد بعثك يأتونك به، أفهمتم؟ لكن لو كانت صفة لحاشرين (حاشرين يأتونك) لكان من الجائز ألا يأتوا، صفة الحاشر أنه يجمع ويأتي بالسحرة، لكن قد يتهيأ له ذلك وقد لا يتهيأ. أما إذا قال: (ابعث) (يأتوك) صار هذا مثل الشرط والجزاء؛ يعني أنه إذا حصل بعثك لزم منه نتيجة، وهو أن ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾. ﴿سَحَّارٍ﴾ هل هي من باب صفة المبالغة؛ من باب المبالغة أو هي من باب النسبة؟ كما يقال: بَنَّاء ونجَّار وصنَّاع؛ يعني: لأن صنعتهم السحر ولا ينسب الإنسان إلى هذه الصفة إلا إذا كان مُجِيدًا فيها، ما يقال لمن بنى مرة واحدة إنه بناء، ولا لمن نجر مرة واحدة إنه نجار وإنما يقال ذلك فيمن أتقن المهنة والصنعة، فهل تقولون: إن السحار صيغة مبالغة أو إنها نسبة صيغة نسبة؟ * طالب: الفرق بينهما (...)؟ * الشيخ: الفرق بينهما ظاهر؛ لأن (سحَّار) كثير السحر، ولكن (سحَّار) بمعنى النسبة أنه متقن لهذه الصنعة؛ لأنه نُسِبَ إليها، الظاهر أن النسبة أولى؛ يعني بذي سحر قد أتقن هذه المهنة فتكون للنسبة. ويغني عن هذا -عن المبالغة- قولهم: ﴿عَلِيمٍ﴾؛ يعني: فائق في السحر. وقد يقال: إن هذا يغني عن النسبة وأن (سحَّار) صيغة مبالغة لكثرة سحرهم وإتقانهم. * طالب: ما يكون مثلما قلنا الثاني؛ قلنا: صيغة نسبة مقابل قول فرعون: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾. * الشيخ: إي، لكن فرعون ما جاء به بصيغة مبالغة ولا بالنسبة، قال: ﴿سَاحِرٌ﴾ فقط، لكن ﴿عَلِيمٍ﴾ هذه صفة ثانية مستفادة مستقلة عن ساحر. هنا قالوا: ﴿سَحَّارٍ﴾ و﴿عَلِيمٍ﴾؛ ولهذا قد يترجح أنها للمبالغة، وتكون النسبة مفهومة من قوله: ﴿عَلِيمٍ﴾. (يَفْضُل موسى في علم السحر) يعني: يزيد عليه؛ فعلى هذا طلبوا أن يأتوا بسحرة يفوقون موسى في الكم وفي الكيف ولَّا لا؟ وفعلًا حصل هذا أتوا بمهرة السحرة وبعدد كبير، ولكن ليس الأمر الذي من آيات الله سبحانه وتعالى مثل السحر الذي هو خيال لا حقيقة له.

الشعراء 26:38

﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ٣٨] ﴿جُمِعَ﴾ و﴿السَّحَرَةُ﴾ (أل) للعموم، والجامع إما فرعون وإما الحاشرون الذين ذهبوا إلى المدائن يحشرون الناس. وقوله: ﴿لِمِيقَاتِ﴾ اللام للتوقيت كقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١] أي: لوقت عدتهن. جُمِعُوا لهذا اليوم ﴿لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ لدى الناس، والذي فَرَض هذا اليوم -سبحان الله- مَنْ؟ الذي فرضه موسى، الذي اقترحه موسى، شوف كيف التقدير! يعني: موسى هو الذي يحدد الزمان والمكان؛ ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه ٥٩]؛ لأنه واثق بنصر الله؛ ولهذا وَعَدَهم يومًا يسمونه يوم الزينة بمنزلة العيد للمسلمين. وأمرهم أيضًا أن يكون في واضحة النهار ﴿ضُحًى﴾ ليتمكن الناس من الرؤية والمشاهدة على وجه التَّأَنِّي والطمأنينة. ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ وهو وقت الضحى من يوم الزينة.

الشعراء 26:39

﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٣٩] والقائل مبهم؛ لأن القائلين كثيرون؛ بُعِثَ الناس في الأسواق وفي الأماكن يقولون: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾؟ والاستفهام هنا للأمر؛ يعني: اجتمعوا، أو هو للتشويق كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم﴾ [الصف ١٠] لكنه للأمر أوضح، يعني: أُمِروا أن يجتمعوا ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٣٩، ٤٠] عندي يقول: (الاستفهام للحثِّ على الاستماع، والترجي على تقدير غَلَبَتِهم ليستمروا على دينهم فلا يتبعوا موسى). ما ذكره المؤلف من الاستفهام محتمل؛ وهو التشويق الذي قد أشرنا إليه، ويحتمل أنه للأمر يعني: يأمرون الناس أن يجتمعوا. وقال: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ ﴿لَعَلَّنَا﴾ يعني معشر الأقباط جميعًا، ﴿نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ دون موسى لكن شرط ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ وهذا الشرط في ظنهم أنه متحقق وأن السحرة سوف يغلبون. وفي قولهم: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ من إظهار التعصب ما لا يخفى؛ لأن الواجب عليهم أن يقولوا: لعلنا نتبع الغالب، ما يقولوا: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾، قد يكون الحق مع موسى وقد يكون الحق مع السحرة؛ فلو وُفِّقُوا لقالوا: لعلنا نتبع الغالب أو الحق، ولكنهم قالوا: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾، ثم استدركوا فقالوا: ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾، وهذا ما يسمى بالتحفظ في لغة العصر؛ يعني: كأنهم حكموا بأن الغلبة للسحرة لكن مع تحفظ لقولهم؛ ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾. وفي قوله: ﴿الْغَالِبِينَ﴾ إشكال من الناحية الإعرابية؛ لأن (هم) ضمير والخبر يكون مرفوعًا ولَّا منصوبًا؟ مرفوعًا، فلماذا نُصِبَ هنا؟ * طالب: نقول: (هم) ضمير فصل لا محل له من الإعراب. * الشيخ: إي، طيب و﴿الْغَالِبِينَ﴾. * الطالب: ﴿الْغَالِبِينَ﴾ خبر (كان). * الشيخ: خبر (كان) أحسنت، إي نعم، فـ (هم) هنا ضمير فصل ليس لها محل من الإعراب، و﴿الْغَالِبِينَ﴾ خبر (كان) ومعلوم أن خبر (كان) يكون منصوبًا. فائدة ضمير الفصل، له فوائد وهي؟ * طالب: تمييز الصفة عن الخبر، فنقول: زيدٌ الفاضلُ أو زيد هو الفاضل. * الشيخ: فإذا قلت: زيد الفاضل قد تكون نعتًا، والخبر لم يأت، وإذا قلت: هو الفاضل. * الطالب: حددنا أنه.. * الشيخ: خبر. * الطالب: خبر، وكذلك من فوائده الحصر.. * الشيخ: المبتدأ في الخبر. زيد هو الفاضل؛ يعني: لا غيره. * الطالب: والفائدة الثالثة التأكيد. * الشيخ: التأكيد؛ لأنك إذا قلت: زيد هو الفاضل، كأنك تؤكد ذلك، تؤكد أنه الفاضل لا غيره. قال: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ الاستفهام للحث على الاجتماع. قوله: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ يعني: اجتمعوا بترغيب وحثٍّ. (والترجي على تقدير غَلَبَتِهم) وين الترجي؟ ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ على تقدير غلبتهم ليستمروا على دينهم فلا يتبعوا موسى. هل هؤلاء الذين ذهبوا يجمعون الناس هل فيهم نوع من الإنصاف ولَّا لا؟ * طالب: لا؛ لأنهم أول مانع فيه تعصب في الدعوى؛ لأنهم قالوا: ﴿نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ فأظهروا الاتباع فهذا يدل على تعصبهم و.. * الشيخ: إي نعم، لكن أنا أسأل: هل فيهم نوع من الإنصاف، ما هو إنصاف كامل؟ * الطالب: (لعلهم) قول: (لعلهم) قد يكون فيه شيء من.. * الشيخ: لا، ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ﴾ هينة ما فيها شيء، ما فيها إنصاف. * الطالب: ما فيها إنصاف؟! * طالب آخر: نعم، فيها نوع من الإنصاف؛ لقولهم: ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾. * الشيخ: ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ فيها نوع من الإنصاف؛ لأن إن ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ اتبعناهم وإلَّا فلا، لكن تقديم اتباع السحرة وترجي اتباعهم هذا هو اللي فيه نوع من التعصب، وكان عليهم ألا (...) في السحرة إطلاقًا، وأن يقولوا: لعلنا نتبع الغالب.

الشعراء 26:40

﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٣٩] والقائل مبهم؛ لأن القائلين كثيرون؛ بُعِثَ الناس في الأسواق وفي الأماكن يقولون: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾؟ والاستفهام هنا للأمر؛ يعني: اجتمعوا، أو هو للتشويق كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم﴾ [الصف ١٠] لكنه للأمر أوضح، يعني: أُمِروا أن يجتمعوا ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٣٩، ٤٠] عندي يقول: (الاستفهام للحثِّ على الاستماع، والترجي على تقدير غَلَبَتِهم ليستمروا على دينهم فلا يتبعوا موسى). ما ذكره المؤلف من الاستفهام محتمل؛ وهو التشويق الذي قد أشرنا إليه، ويحتمل أنه للأمر يعني: يأمرون الناس أن يجتمعوا. وقال: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ ﴿لَعَلَّنَا﴾ يعني معشر الأقباط جميعًا، ﴿نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ دون موسى لكن شرط ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ وهذا الشرط في ظنهم أنه متحقق وأن السحرة سوف يغلبون. وفي قولهم: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ من إظهار التعصب ما لا يخفى؛ لأن الواجب عليهم أن يقولوا: لعلنا نتبع الغالب، ما يقولوا: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾، قد يكون الحق مع موسى وقد يكون الحق مع السحرة؛ فلو وُفِّقُوا لقالوا: لعلنا نتبع الغالب أو الحق، ولكنهم قالوا: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾، ثم استدركوا فقالوا: ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾، وهذا ما يسمى بالتحفظ في لغة العصر؛ يعني: كأنهم حكموا بأن الغلبة للسحرة لكن مع تحفظ لقولهم؛ ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾. وفي قوله: ﴿الْغَالِبِينَ﴾ إشكال من الناحية الإعرابية؛ لأن (هم) ضمير والخبر يكون مرفوعًا ولَّا منصوبًا؟ مرفوعًا، فلماذا نُصِبَ هنا؟ * طالب: نقول: (هم) ضمير فصل لا محل له من الإعراب. * الشيخ: إي، طيب و﴿الْغَالِبِينَ﴾. * الطالب: ﴿الْغَالِبِينَ﴾ خبر (كان). * الشيخ: خبر (كان) أحسنت، إي نعم، فـ (هم) هنا ضمير فصل ليس لها محل من الإعراب، و﴿الْغَالِبِينَ﴾ خبر (كان) ومعلوم أن خبر (كان) يكون منصوبًا. فائدة ضمير الفصل، له فوائد وهي؟ * طالب: تمييز الصفة عن الخبر، فنقول: زيدٌ الفاضلُ أو زيد هو الفاضل. * الشيخ: فإذا قلت: زيد الفاضل قد تكون نعتًا، والخبر لم يأت، وإذا قلت: هو الفاضل. * الطالب: حددنا أنه.. * الشيخ: خبر. * الطالب: خبر، وكذلك من فوائده الحصر.. * الشيخ: المبتدأ في الخبر. زيد هو الفاضل؛ يعني: لا غيره. * الطالب: والفائدة الثالثة التأكيد. * الشيخ: التأكيد؛ لأنك إذا قلت: زيد هو الفاضل، كأنك تؤكد ذلك، تؤكد أنه الفاضل لا غيره. قال: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ الاستفهام للحث على الاجتماع. قوله: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ يعني: اجتمعوا بترغيب وحثٍّ. (والترجي على تقدير غَلَبَتِهم) وين الترجي؟ ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ على تقدير غلبتهم ليستمروا على دينهم فلا يتبعوا موسى. هل هؤلاء الذين ذهبوا يجمعون الناس هل فيهم نوع من الإنصاف ولَّا لا؟ * طالب: لا؛ لأنهم أول مانع فيه تعصب في الدعوى؛ لأنهم قالوا: ﴿نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ فأظهروا الاتباع فهذا يدل على تعصبهم و.. * الشيخ: إي نعم، لكن أنا أسأل: هل فيهم نوع من الإنصاف، ما هو إنصاف كامل؟ * الطالب: (لعلهم) قول: (لعلهم) قد يكون فيه شيء من.. * الشيخ: لا، ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ﴾ هينة ما فيها شيء، ما فيها إنصاف. * الطالب: ما فيها إنصاف؟! * طالب آخر: نعم، فيها نوع من الإنصاف؛ لقولهم: ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾. * الشيخ: ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ فيها نوع من الإنصاف؛ لأن إن ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ اتبعناهم وإلَّا فلا، لكن تقديم اتباع السحرة وترجي اتباعهم هذا هو اللي فيه نوع من التعصب، وكان عليهم ألا (...) في السحرة إطلاقًا، وأن يقولوا: لعلنا نتبع الغالب.

الشعراء 26:41

ثم قال: (﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ﴾ يعني: لفرعون ﴿قَالُوا﴾ له ﴿أَئِنَّ﴾ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين) التحقيق والتسهيل؛ ﴿أَئِنَّ﴾ هذا تحقيق. تسهيل الثانية ﴿﴿أَاِنَّ﴾ ﴾ سهلة (...) الهمزة والياء، إدخال ألف بينهما على الوجهين ﴿﴿آئِنَّ﴾ ﴾، ﴿﴿آاِنَّ﴾ ﴾ على تسهيلها، فتكون القراءة على هذا أربعًا. ﴿لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ اللام هذه للتوكيد ﴿لَأَجْرًا﴾، والمراد بالأجر هنا المثوبة الدنيوية والقربى والزلفى منه أو نقول: المثوبة الدنيوية فقط؟ لكن هو زادهم القربى والزلفى منه ﴿نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. وهنا يقول: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ إذا قيل: كيف دخلت لام التوكيد على الاستفهام، والاستفهام إلى الآن ما بعد وقع، فكيف يؤكد؟ ولهذا نظائر في القرآن مثل قوله تعالى: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يوسف ٩٠] فكيف يصح التوكيد مع الاستفهام والمستفهم يسأل؟ ما بعد إلى الآن ما تبين له الأمر أنه واقع، فكيف يؤكد؟ فيقال: إن التأكيد هنا يراد به تأكيد الجواب، كأنهم يقولون: أتؤكد لنا الأجر، أتؤكد لنا أنك أنت يوسف؟ أما بالنسبة للسائل فلا يمكن التوكيد؛ لأنه سائل مستفهم ولا جمع بين الاستفهام الذي هو جهل وبين التوكيد الذي هو علم محقق. فعليه نقول: الاستفهام هنا على تقدير أي شيء؟ الجواب: يعني: أتؤكد لنا أن لنا لأجرًا؟ ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ الجواب: ﴿قَالَ نَعَمْ﴾ هؤلاء يريدون الراتب قبل المرتبة، يبغون الأجر مثلما يقول بعض الناس إذا طُلِبَ منه أن يكون إمامًا في المسجد قال: هل هناك شيء أو مؤذن أو ما أشبه ذلك؟ ها دولا أيضًا؛ لأن المقام الآن مقام صار حقًّا على زعمهم، ومع ذلك قالوا: إن انتصرنا على الباطل كما يزعمون بالحق ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾؟ فقال لهم: ﴿نَعَمْ﴾ يعني: لكم أجر. و﴿نَعَمْ﴾ حرف جواب، ويقال: إن الجواب سؤال معاد فالحرف نائب عن السؤال؛ يعني: نعم لكم أجر، ولهذا بهذه القاعدة وهو أن حرف الجواب إعادة للسؤال؛ لو قيل للرجل: أطلقت امرأتك؟ فقال: نعم، ما قال: هي طالق. قال: نعم، تطلق؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: تطلق لو ما قال: أنت طالق؛ لأن حرف الجواب إعادة للسؤال، كذلك أيضًا لو قيل له: أقبلتَ النكاح؟ قال: نعم؛ انعقد النكاح. لو قيل له: أعتقتَ عبدك؟ قال: نعم؛ عتق. أوقفت بيتك؟ قال: نعم. لو أراد الكذب في مثل هذه الأحوال؛ لو قيل له: أوقفتَ بيتك؟ قال: نعم. وهو يكذب. أطلقت امرأتك؟ قال: نعم. وهو يكذب، فهل يقع الطلاق والوقف والعتق وما أشبه ذلك أو لا يقع؟ * طالب: أما الطلاق فيه تفصيل؛ حق الغير يقع؛ لأنه يؤخذ بالظاهر. * الشيخ: إي نعم، يقال: هذا يدين حكمًا لا يقبل، وأما فيما بينه وبين الله إذا لم يحاكم فإنه يُقْبَل؛ يعني: لو أن زوجته وثقت به وقالت: إن الرجل لما قيل له: أطلقت امرأتك؟ قال: نعم. أراد أنه يكذب على صاحبه، فإنها تبقى معه؛ لأن ما ادعاه محتمل ولَّا غير محتمل؟ * طالب: محتمل. * الشيخ: محتمل، ما ادعاه محتمل، وإذا كان محتملًا ولم ينازع فيه مَنْ له الحق وصدقه فإنه يُقْبَل منه؟ قالوا: نعم. * طالب: نعم، فيه معنى آخر للاستفهام؟ * الشيخ: لا. * الطالب: يستفهم؛ يعني: هو يستفهم (...) يقال: طلقت امرأتك؟ يتعجب؛ نعم، كأنه يتعجب هنا. * الشيخ: (نعم) حرف جواب. * الطالب: لغة. * الشيخ: لا لغة ولا عُرفًا، لكن نعم تلقى أحيانًا يعقبها يقول: ويش تقول؟ نعم، ويش تقول؟ * الطالب: أو استفهامية. * الشيخ: لا على كل حال إنها حرف جواب ولا تأتي في اللغة ولا في العرف استفهامية إلا إذا قُرِنَت بشيء؛ مثل: نعم ويش تقول؟ لأنه كأن يقول: نعم، هات ما عندك، (نعم) يستزيده. * الطالب: العلماء قالوا: إنهم يسمون العالم عندهم ساحر استدلالًا بقوله: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف ٤٩] صحيح؟ * الشيخ: لا، ما هو بصحيح. * الطالب: أو أنه اتهام لموسى بأنه ساحر؟ كانوا معتقدين.. * الشيخ: لا، هم معتقدين هذا ﴿يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ بناء على عقيدة به، وقوله: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ هذا من باب التهكم. قال: ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا﴾ (﴿إِذًا﴾ أي: حينئذ) ولكن هذا ليس بصحيح تفسيره، ﴿إِذًا﴾ بـ (حينئذ) غير صحيح؛ لأن (حينئذ) للماضي، لكن يجب إذن؛ أي إذا غلبتموه إذا كنتم الغالبين. ﴿لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ يعني: لدَيَّ، فكأنه زادهم على ما طلبوا ويش هو؟ زادهم القربى منه وإنما وعدهم بذلك تشجيعًا لهم على هذا الأمر، فأجابهم على ما سألوا وزيادة تشجيعًا لهم. * طالب: التنوين يا شيخ؟ * الشيخ: التنوين عوض عن جملة يعني إذا غلبتموهم. وقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ اللام ويش معناها؟ * طالب: التوكيد. * الشيخ: التوكيد. وقال: ﴿لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ إشارة إلى أنه سيجعلهم في حاشيته؛ لأنه ما قال: لأقربنكم. قال: ﴿لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾؛ يعني: أنكم تكونون في جملة الحاشية الذين هم أقرب الناس إليَّ.

الشعراء 26:42

ثم قال: (﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ﴾ يعني: لفرعون ﴿قَالُوا﴾ له ﴿أَئِنَّ﴾ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين) التحقيق والتسهيل؛ ﴿أَئِنَّ﴾ هذا تحقيق. تسهيل الثانية ﴿﴿أَاِنَّ﴾ ﴾ سهلة (...) الهمزة والياء، إدخال ألف بينهما على الوجهين ﴿﴿آئِنَّ﴾ ﴾، ﴿﴿آاِنَّ﴾ ﴾ على تسهيلها، فتكون القراءة على هذا أربعًا. ﴿لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ اللام هذه للتوكيد ﴿لَأَجْرًا﴾، والمراد بالأجر هنا المثوبة الدنيوية والقربى والزلفى منه أو نقول: المثوبة الدنيوية فقط؟ لكن هو زادهم القربى والزلفى منه ﴿نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. وهنا يقول: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ إذا قيل: كيف دخلت لام التوكيد على الاستفهام، والاستفهام إلى الآن ما بعد وقع، فكيف يؤكد؟ ولهذا نظائر في القرآن مثل قوله تعالى: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يوسف ٩٠] فكيف يصح التوكيد مع الاستفهام والمستفهم يسأل؟ ما بعد إلى الآن ما تبين له الأمر أنه واقع، فكيف يؤكد؟ فيقال: إن التأكيد هنا يراد به تأكيد الجواب، كأنهم يقولون: أتؤكد لنا الأجر، أتؤكد لنا أنك أنت يوسف؟ أما بالنسبة للسائل فلا يمكن التوكيد؛ لأنه سائل مستفهم ولا جمع بين الاستفهام الذي هو جهل وبين التوكيد الذي هو علم محقق. فعليه نقول: الاستفهام هنا على تقدير أي شيء؟ الجواب: يعني: أتؤكد لنا أن لنا لأجرًا؟ ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ الجواب: ﴿قَالَ نَعَمْ﴾ هؤلاء يريدون الراتب قبل المرتبة، يبغون الأجر مثلما يقول بعض الناس إذا طُلِبَ منه أن يكون إمامًا في المسجد قال: هل هناك شيء أو مؤذن أو ما أشبه ذلك؟ ها دولا أيضًا؛ لأن المقام الآن مقام صار حقًّا على زعمهم، ومع ذلك قالوا: إن انتصرنا على الباطل كما يزعمون بالحق ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾؟ فقال لهم: ﴿نَعَمْ﴾ يعني: لكم أجر. و﴿نَعَمْ﴾ حرف جواب، ويقال: إن الجواب سؤال معاد فالحرف نائب عن السؤال؛ يعني: نعم لكم أجر، ولهذا بهذه القاعدة وهو أن حرف الجواب إعادة للسؤال؛ لو قيل للرجل: أطلقت امرأتك؟ فقال: نعم، ما قال: هي طالق. قال: نعم، تطلق؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: تطلق لو ما قال: أنت طالق؛ لأن حرف الجواب إعادة للسؤال، كذلك أيضًا لو قيل له: أقبلتَ النكاح؟ قال: نعم؛ انعقد النكاح. لو قيل له: أعتقتَ عبدك؟ قال: نعم؛ عتق. أوقفت بيتك؟ قال: نعم. لو أراد الكذب في مثل هذه الأحوال؛ لو قيل له: أوقفتَ بيتك؟ قال: نعم. وهو يكذب. أطلقت امرأتك؟ قال: نعم. وهو يكذب، فهل يقع الطلاق والوقف والعتق وما أشبه ذلك أو لا يقع؟ * طالب: أما الطلاق فيه تفصيل؛ حق الغير يقع؛ لأنه يؤخذ بالظاهر. * الشيخ: إي نعم، يقال: هذا يدين حكمًا لا يقبل، وأما فيما بينه وبين الله إذا لم يحاكم فإنه يُقْبَل؛ يعني: لو أن زوجته وثقت به وقالت: إن الرجل لما قيل له: أطلقت امرأتك؟ قال: نعم. أراد أنه يكذب على صاحبه، فإنها تبقى معه؛ لأن ما ادعاه محتمل ولَّا غير محتمل؟ * طالب: محتمل. * الشيخ: محتمل، ما ادعاه محتمل، وإذا كان محتملًا ولم ينازع فيه مَنْ له الحق وصدقه فإنه يُقْبَل منه؟ قالوا: نعم. * طالب: نعم، فيه معنى آخر للاستفهام؟ * الشيخ: لا. * الطالب: يستفهم؛ يعني: هو يستفهم (...) يقال: طلقت امرأتك؟ يتعجب؛ نعم، كأنه يتعجب هنا. * الشيخ: (نعم) حرف جواب. * الطالب: لغة. * الشيخ: لا لغة ولا عُرفًا، لكن نعم تلقى أحيانًا يعقبها يقول: ويش تقول؟ نعم، ويش تقول؟ * الطالب: أو استفهامية. * الشيخ: لا على كل حال إنها حرف جواب ولا تأتي في اللغة ولا في العرف استفهامية إلا إذا قُرِنَت بشيء؛ مثل: نعم ويش تقول؟ لأنه كأن يقول: نعم، هات ما عندك، (نعم) يستزيده. * الطالب: العلماء قالوا: إنهم يسمون العالم عندهم ساحر استدلالًا بقوله: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف ٤٩] صحيح؟ * الشيخ: لا، ما هو بصحيح. * الطالب: أو أنه اتهام لموسى بأنه ساحر؟ كانوا معتقدين.. * الشيخ: لا، هم معتقدين هذا ﴿يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ بناء على عقيدة به، وقوله: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ هذا من باب التهكم. قال: ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا﴾ (﴿إِذًا﴾ أي: حينئذ) ولكن هذا ليس بصحيح تفسيره، ﴿إِذًا﴾ بـ (حينئذ) غير صحيح؛ لأن (حينئذ) للماضي، لكن يجب إذن؛ أي إذا غلبتموه إذا كنتم الغالبين. ﴿لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ يعني: لدَيَّ، فكأنه زادهم على ما طلبوا ويش هو؟ زادهم القربى منه وإنما وعدهم بذلك تشجيعًا لهم على هذا الأمر، فأجابهم على ما سألوا وزيادة تشجيعًا لهم. * طالب: التنوين يا شيخ؟ * الشيخ: التنوين عوض عن جملة يعني إذا غلبتموهم. وقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ اللام ويش معناها؟ * طالب: التوكيد. * الشيخ: التوكيد. وقال: ﴿لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ إشارة إلى أنه سيجعلهم في حاشيته؛ لأنه ما قال: لأقربنكم. قال: ﴿لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾؛ يعني: أنكم تكونون في جملة الحاشية الذين هم أقرب الناس إليَّ.

الشعراء 26:43

﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى﴾ بعدما قالوا له: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف ١١٥] قال لهم: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ فالأمر فيه للإذن بتقديم إلقائهم توصلًا به إلى إظهار الحق. قوله: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ مثلما قال المؤلف بعد أن قالوا: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا﴾ [الأعراف ١١٥، ١١٦] هذا الأمر يقول المؤلف: إنه للإذن ويحتمل أن يكون للتحدي؛ ولهذا قال: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ (ما) بصيغة العموم؛ يعني: ألقوا ما تريدون مما تلقونه فأنا لا أكترث به ولا أهتم به. ويدل على ذلك أنه طلب أن يكونوا هم الملقين لأجل أن يكون هو الغالب بعدهم؛ لأنه لو ألقى عصاه ماذا تصنع وليس أمامها شيء؟ صارت ثعبانًا مبينًا، ولكن ليس أمامها شيء، فأمرهم أن يلقوا هم أولًا لأنه عليه الصلاة والسلام واثق بوعد الله فهو ينطق من منطق القوة يقول: أنا لا أكترث بكم، ألقوا ما تريدون ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ فالإبهام هنا للمبالغة يعني: ألقوا الذي تريدون مما تلقونه. وفي قوله: ﴿مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ بالجملة الاسمية دليل على أنه مهما كانوا متصفين به من الإلقاء فإنه لا يهتم به. يقول: ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ -أعوذ بالله- ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء ٤٤]. ﴿حِبَالَهُمْ﴾ يعني التي يسحرون الناس بها. ﴿وَعِصِيَّهُمْ﴾ التي يسحرون الناس بها وهم يلقون هذه الحبال وهذه العصي فتكون في أعين الناس ثعابين وحيات. وأيضًا تظهر بمظهر الكثرة تملأ الوادي حقيقة هي ثعابين وحيات ولَّا لا؟ لا، إذن السحر هو خيال ولَّا حقيقة؟ * طلبة: خيال. * الشيخ: لا. * طالب: حقيقة. * الشيخ: السحر حقيقة لكن باعتبار ما سُحر به خيال؛ حقيقة لأنه أَثَّر في الرؤية أثر بدل أن يرى الإنسان هذه الحبال حبالًا وعصيًا صار يراها ثعابين وحيات. * طالب: كيف يخلونه (...)؟ * الشيخ: إذن هذه حقيقة، لكن بالنسبة لما يراه ليس متغيرًا عن حقيقته؛ فالحبال حبال والعصي عصي، لو رآها من لم يصل إليه السحر لرآها حقيقة حبالًا وعصيًّا. ويذكر أنه فيه واحد ساحر جلس إلى قوم وهم يبشرون النخل، تعرفون البشارة عندنا؟ البشارة أنه يؤخذ رطب بعد ما يذبل قليلًا ويوضع. المهم: جاء أحد السحرة إلى هؤلاء القوم وهم مجتمعون حول القِدْر وفيها الرطب، فقال لهم: أنا بأمشي على هذا الرطب ولا يتأثر، بأمشي في وسط القدر ولا يتأثر قالوا: ما يمكن. قال: يمكن، فألقى السحر فجعل يمشي في وسط القدر في رؤيتهم وهو يمشي خارجه يدور عليه، فتعجبوا، فقال الذي في النخلة: تراه يكذب عليكم، تراه ساحركم، فألقى السحر إليه قال: لا، صحيح الآن، طب بوسطه. هذه صحيح يعني: إن كانت منسوجة فهي منسوجة لكنها قريبة من الواقع. فالسحر يؤثر بالنسبة للحواس وإدراك الإنسان، أما بالنسبة لواقع الأمر فإنه لا يؤثر أبدًا * طالب: على رغبة الساحر مثلًا يعني تأثيره؟ * الشيخ: هو الظاهر، إي حسب السحر اللي معه، مثل العين تمامًا العين أيضًا على رغبة العائن يسوي بالمعيون كما يريد؛ ولهذا ذهب رجل من الناس -وهي قصة محققة- إلى شخص عائن وكان هذا الذاهب أشد تعيينًا منه، والعائن هذا قد جنى على صاحب له -والقصة إذا أحببتموها وإن كانت طويلة بعض الشيء- فيه رجل عائن تزاود ويا إنسان ببعير فغلبه هذا الإنسان، واشترى البعير وكانت (...) اللي اشتراها، وله إبل في البر يعني: رعية، فأخرج البعير اللي هو شرى إلى الرعية، قدَّر الله سبحانه وتعالى أنه في آخر النهار هبت ريح شديدة وضاعت الإبل وضاعت البعير اللي هو أرسل، وابنه أيضًا ذهب في طلب الإبل ولا عنه خبر، ابن هذا الذي اشترى البعير وهو من ليلته أوجعته عيونه فصار لا ينام بالليل ولا بالنهار -والعياذ بالله- بقي مدة طوية حوالي خمسة عشر يوم فجاءه صاحبه العائن وقال له: يا فلان أنت ما (...)؟ قال: الله يهديك، أنت ما فيك خير (...)؟ ليش تيجي؟ ويش اللي حاصل؟ قال: اللي حاصل: فلان تزوادت أنا وياه بالبعير واشتريته، ومين اشتريته وهو حاصل هذا وليدي وبعيريَّ ضاعوا، وبعيري اللي اشتريته ضاعت وعيوني، (...) أنام بالليل ولا بالنهار، قال: (...) خرج منه وراح للرجل الذي عانه ودقَّ عليه الباب، سلم عليه كيف حالك؟ فلان وتلببله، قاله: ويش (...) بفلان حابسه في بيته خمسة عشر يومًا، الآن ما ينام بالليل ولا بالنهار، وبعيره ضاعت، وليده ضاع، ولكن اختر ثلاث حالات: إما نصلي عليك العصر، وإلَّا أحبسك في بيتك ما تطلع منه (...)، وإلا تقسم لي قسمًا أنه من الحد الفلاني من الأسواق ما عمرك تنالهم بسوء. قال: هذه أهون. فأقسم له أنه ما ينالهم بسوء، قال: عطيني الطاقية، وعطاه طاقيته وراح للرجل وبلها بالماء وشرب منه ورش على وجهه، وعيونه -سبحان الله العظيم- كأنما نشط من عقال، ويجي الخبر بعد الظهر إن الولد والبعيرين جاءا، والبعير اللي ضاعت جائته هذا شيء محقق. لكن الشاهد أن العائن الآن يحاكمه؛ قال له: اختر ثلاثًا وجابن هذا اللي سحره مثله أيضًا يسحرون كما يشاؤون. * طالب: يقتل العائن يا شيخ؟ * الشيخ: لا، الصحيح أنه ما يقتل إلا إذا تَعَمَّد القتل. * الطالب: (...). * الشيخ: إذا قال: أنا أقتل فلانًا، اقتله. * الطالب: ولو أفسد بغير قتل. * الشيخ: لا، إذا أفسد يحبس، هو يقول: يجب حبسه على كل حال، العائن يجب حبسه بكل حال كما قال أهل العلم، ولكن الغريب إن المعيان هذا مشهور في الزمن السابق بين الناس، والولاة أقوياء يعني، الأمراء أقوى مركزًا من اليوم، حتى أمراء البلدان، والقضاة موجودون، وكلام الفقهاء -أيضًا- الحنابلة ما فيه بعد شيء نقول: هذا قول مرجوح في المذهب؛ أنه يجب أن هؤلاء يحبسون، ولكن مع ذلك (...) ولَّا لو حبسوا لقلَّ الشر. * طالب: (...). * الشيخ: ويش لونه؟ إي نعم؛ لأنه ما قتله. * الطالب: (...). * الشيخ: إي إذا قتله؛ إذا تعمد أيضًا، قال: بأقتله؛ بأقتل فلانًا، وأما إذا كان ما قصد القتل ولكن مات فهذا خطأ يضمنه بالدية. على أن بعض العلماء يقول: ما يقتل حتى وإن كان تعمَّد قتله؛ لأن هذا السلاح سلاح خفي باطن، وبعضهم قال: يُقتل بمثله يجاب واحد (...). * طالب: هذه أولى، لا يفل الحديد إلا الحديد. * الشيخ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل ١٢٦] لكن يخاف يشجع اللي ينحتون. * طالب: علاج العين؛ الإنسان يصاب بعين؟ * الشيخ: تعالج -بارك الله فيك- بالقراءة وتعالج بالحس معالجة حسية؛ إنه يجاب العائن ويتوضأ ويغسل مغابنه ويؤخذ ما يتناثر منه ويُسْقَى على هذا ويرش به رأسه من فوق على ظهره، وبإذن الله يبرأ. عند الناس الآن شيء ما هو بمعروف في السنة، لكنه مجرب؛ أنه يأخذ من ثيابه اللي (...) سواء طاقية ولَّا غطرة ولَّا فانلة ولَّا سروالًا، ويُغْسَل ويأخذ أغساله ويشربه المصاب وينتفع به بإذن الله. * طالب: (...) يمكن (...). * الشيخ: إي. * الطالب: يخيلهم (...). * الشيخ: لا ما يقدر، الغريب أنه إذا تُحِدِّي ما يقدر (...). * الطالب: (...). * الشيخ: إذا تحداه سواء بعداوة ولا ما هو بعداوة؛ لأن العين ما تأتي إلا على غفلة، وأكثر ما تأتي أيضًا من يخاف منها، أما إذا ما تحداه ما يقدر، يقولون: الناس.. * طالب: (...) للحرب. * طالب آخر: أو يقول: (...). * الشيخ: هي تُؤثِّر، ما فيه شك، حتى (...) السيارات مشهورة عندنا. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، هذه حصل لها نظير عندنا؛ ناس في الوادي القصر اللي بين عنيزة وبريدة وكانوا يشتغلون، ولما طلعوا وقت الظهر بطلوا وبدأوا يتهجرون، هذا من مدة ثلاثين سنة، فيه سيارة جاية من بريدة تروح لعنيزة، فقال بعضهم لبعض: والله غادينا نروح (...) يلَّا امشوا قال: لا (...)، تهجروا، ما هي (...)، ودهم يقومون يتحفزون، ويقول لهم: اقعدوا ما تروحوا أبدًا (...)، و(...) في القصر، وهم يتهجرون (...) على طمأنينة، ولكن (...) البودي، ياما شاف (...)، عيت (...) مرة، لما انتهوا وجوا وصلوا، وقال: والله يا جماعة (...) قال له: طيب تبغي (...) قال: بس نزل (...) قال لهم: اللي يسمون هذا اللي معنا عائن، قال (...). * طالب: شيخ، ويش هو العلاج من السنة؟ * الشيخ: هو اللي ذكرنا؛ أولًا: أنه يتوضأ ويغسل مغابنه، ويرش على هذا.. * طالب: مغابنه اللي هي زي الآباط. * الشيخ: إي نعم، زي الآباط. * الطالب: يعني: زيادة على الوضوء الأعضاء. * الشيخ: إي نعم، لكن عاد اللي مجرب عند الناس مشهور عندهم الشيء اللي مباشر لبدنه، يزعمون أن الإنسان إذا صلي عليه صلاة الجنازة –العائن- أنه يبطل، ولكن ليس بصحيح. * طالب: يقولون: قصص واقعية. * الشيخ: يقولون: وفي بعض الروايات أنه يغسل مغابنه. * طالب: ما بحث الموضوع؟ * الشيخ: إلا في زاد المعاد. * الطالب: في ذيل زاد المعاد. * الشيخ: ما أدري. * طالب: القراءة (...) ابن تيمية. * الشيخ: شيخ الإسلام (...). * الطالب: (...). * الشيخ: ربما يوجد في كلام الشيخ. * طالب: (...) أرواح شريرة (...) تخرج من العين. * الشيخ: صحيح، منشأها الحسد؛ ولهذا قيل في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق ٥] إنه العائن إذا عان، وإلَّا ما فيه شك أنها تطلع من شح وشفقة على الشيء وحسد لغيره. * طالب: بس ما هو بأي حاسد؟ العائن؟ * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: البارحة (...) شيخنا كان يدرس لنا بالليل بين العشاءين، ومرت طيور هذه التي (...) أظنها يسمونها البط، ورفعت رأسي وقال: هون صيد العلم أفضل أو خيرٌ من صيد الطيور، وهو صحيح ما فيه شك أنا أجزم جزمًا أن الإنسان اللي يلتفت يقينًا بيروح فكره وهو ما يلتفت إلا مُؤتمرًا بأمر مَن؟ بأمر قلبه ما يمكن يلتفت إلا بهذا. * * * أقول: لما جُمِعَ الناس بميعاد من موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ [الشعراء ٤٣] بعد أن قالوا: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف ١١٥]. وذكرنا أن في الإبهام؛ ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾: في هذا الإبهام من التحدي ما هو ظاهر، يعني: أي شيء تلقونه فإني لا أهتم به. ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء ٤٤]. * طالب: شيخ، قولهم: إن كانوا غالبين، ما يُفهَم منه أنهم شاكُّون في انتصار السحرة على موسى؟ * الشيخ: يمكن هذا أنهم شاكُّون هذا من باب التحرز، إنما ما قالوا: لعلنا نتبع الغالب أو الحق؛ ﴿السَّحَرَةَ﴾، ثم إنه يحتمل أن قولهم: ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ أن هذا من باب الشرط المبين للواقع؛ يعني: سيغلبون على كل حال.. * طالب: السحرة ينفي أن نجزم بهذا ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ ذكرهم للسحرة يعني: ﴿لَعَلَّنَا﴾ ما نجزم بكونهم شاكِّين؟ * الشيخ: إي نعم، لما قالوا: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ كان المفروض أن يقولوا؟ * الطالب: الغالب. * الشيخ: إي، الغالب، فلما قالوا: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ خافوا أيضًا من أن يكون الأمر على خلاف ما يتوقعون، وقالوا: ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ الحبال جمع حبل، والعصي جمع عصى. وتلك الحبال والعصي يلقونها ليوهموا الناس بسحرهم أنها حيات وثعابين حتى موسى عليه الصلاة والسلام خاف وأوجس من هذا خيفة لما رأى هذه الحيات والثعابين تُقبِل إليه خاف، ولكن الله قال له في تلك الساعة: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ [طه ٦٨، ٦٩]. وقالوا لما ألقوها: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء ٤٤] الباء للسببية. و﴿عِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾: غلبته وقهره، وفي تقديمهم هنا للعزة دليل على أنهم لا يعتزون بغيره، وأنهم لا يرون أن ينتصروا بسوى عزته. وقولهم: ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ أكدوها بـ (إن) واللام؛ لأنهم يعتقدون تلك الساعة أنه لا أحد أقوى من فرعون، وأنهم بعزته سيغلبون لا محالة؛ ولهذا أكدوها بقول: ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾. ثم أتوا بالجملة الاسمية: ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ إشارة إلى أن هذه الغلبة ستدوم وتستمر؛ لأن الجملة الاسمية تدل على الثبوت والاستقرار والدوام. وفي قوله: ﴿إِنَّا لَنَحْنُ﴾ إذا أعربنا (نحن) ضمير فصل، فيه ما يستفاد من ضمير الفصل؛ وهو التأكيد والحصر والفصل؛ يعني: إنا لنحن الغالبون دون غيرنا بهذه العزة العظيمة التي كانوا يعتقدونها حين ذاك، ويش تقول؟ * طالب: سؤالي يا شيخ: (لعل) (...) للتعليل، ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾. * الشيخ: يمكن، لكن للترجي أبين. * الطالب: أبين من التعليل. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ﴾ بوحي خاص من الله كما في سورة طه: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [طه ٦٨، ٦٩] ألقى موسى عصاه. ﴿﴿فَإِذَا هِيَ تَلَقَّفُ﴾ ﴾ بحذف إحدى التاءين من الأصل: تبتلع ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾. ﴿﴿تَلَقَّفُ﴾ ﴾ ولم يُشِر المؤلف إلى القراءة الثانية وهي ﴿تَلْقَفُ﴾. أما قراءة: ﴿تَلْقَفُ﴾ فليس فيها حذف إحدى التاءين، وأما ﴿﴿تَلَقَّفُ﴾ ﴾ ففيها حذف إحدى التاءين وأصله فتتلقف ومعناهما واحد يعني: تبتلع، لكن ﴿﴿تَلَقَّفُ﴾ ﴾ تفيد معنًى زائدًا على ﴿تَلْقَفُ﴾ وهي تفيد التتبع؛ يعني: كأنها جعلت تتبع حتى أفنتها كلها؛ لأنها إذا كانت كثيرة أمامها ما تتبعها، والسبب أنها ما تتبعها؛ لأنها كثيرة، أي جهة تأخذ تلقف؟ لكن لما فنيت وقلَّت صارت حبلًا هنا وحبلًا هنا وحبلًا هنا، فهي تَتَلقَّفه؛ تتبعه. وقوله: ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ يقلبونه بتمويههم، فيخيلون حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى. ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ الإفك: الكذب، وهذا كذب بالفعل ولَّا بالقول؟ * طلبة: بالفعل. * الشيخ: كذب فعلي؛ لأن الكذب القولي يكون باللسان وهو إخبار الإنسان بما لا يوافق الواقع، والكذب الفعلي يكون بالفعل وهو إظهار الإنسان الفعل بخلاف الحقيقة. فهؤلاء أظهروا أن هذه الحبال والعصي حيات، لكنها ليست كذلك ليست حيات. يقول: هذا كذب بالفعل؛ لأنهم أظهروها حيات وليست كذلك، وإنما هي حبال وعصي. وقد زعم بعض العلماء: أن السحر لا حقيقة له، واستدلوا بقوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه ٦٦]. والصواب أن له حقيقة؛ حقيقته: هذا التخييل. طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، يؤثر في التصور، وفي الإحساس، وما أشبه ذلك، أما أن يؤثر في قلب الحقائق فلا؛ لأن هذا من صفات الخالق. لما رأى السحرة وهم أعلم الناس بالسحر وآثاره وتأثيره، لما رأوا ما تفعله هذه العصا التي وضعها من يده وهم يشاهدون؛ عرفوا أن الأمر ليس بسحر؛ لأن سحرهم أقوى ما يكون من السحر وأكثره، كل السحرة الذين في مصر، وكان السحر في ذلك الوقت أيضًا شائعًا؛ ولهذا جاء في آية موسى بشيء يشبهه بنوع منه، ولكن هم عرفوا أن هذا ليس بسحر، وأنه فوق طاقة السحرة، فماذا حصل؟ ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء ٤٦ - ٤٨]. ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ ولم يقل: (فسجد السحرة) كأن هذا السجود أمر اضطراري؛ لقوة ما دفعهم إليه؛ يعني لا كأنه أمر اختياري لكن لقوة الدافع صار كأنهم أُلقوا إلقاءً بدون اختيارهم. ﴿أُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ و﴿السَّحَرَةُ﴾ (أل) للعموم؛ يعني جميع السحرة مع مهارتهم ومعرفتهم أُلقوا ساجدين، ساجدين لمن؟ لله؛ بدليل قولهم: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾، وليسوا ساجدين تعظيمًا لعصا موسى، لا؛ لأن تصريحهم بالإيمان دليل على أنهم ساجدون لله سبحانه وتعالى. ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ هذا البدل من أحسن ما يكون بعد العموم. ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لأن موسى كان يقول: إنه رسول رب العالمين، فقالوا: آمنا برب العالمين، وكان فرعون أيضًا يقول: إنه رب العالمين، فأخرجوا ربوبية فرعون بقولهم: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾؛ لأن فرعون، وإن كان يدعي أنه رب العالمين لكنه ليس رب موسى وهارون؛ لأن موسى وهارون منكرانِ ربوبيته؛ فلذلك كان هذا البدل من أحسن ما يكون في بيان المراد برب العالمين. وإتيانهم ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ دون أن يأتوا مباشرة برب موسى وهارون؛ إشارة إلى أنهم آمنوا برسالة موسى؛ لأن موسى قال: أنا رسول رب العالمين، ما قال: أنا رسول ربي. قال: رب العالمين. هذا هو فائدة البدل في قوله: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾. والترتيب هنا بين موسى وهارون ترتيب يُطابِق الواقع، فإن مرتبة موسى أعلى من مرتبة هارون؛ لأن موسى من أُولي العزم ولكن الترتيب اختلف في سورة طه: ﴿رَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] من أجل مراعاة الفواصل، وفي هذا دليل على أن القرآن الكريم، وكل كلام فصيح قد تُراعى فيه الفواصل والنغمات لكن في الأمر المعلوم، فهنا من المعلوم أن موسى أفضل، وترتيبه في الذِّكر لا أحد يتوهم أن هارون أعلى منه مرتبة. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، لكن التقديم له مزيته، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر.]]. (﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ لعلمهم بأن ما شاهدوه من العصا لا يتأتى بالسحر) فلما آمنوا هذا الإيمان، وأعلنوه إعلانًا غير مبالين بما ينتج وراء ذلك؛ لأن الإيمان الصادق يقضي على كل عاطفة، فعاطفة حب النفس أمر جبلي فطري، لكن الإيمان يقضي عليها؛ ولهذا الإنسان يعرض نفسه للهلاك حينما يخرج مجاهدًا في سبيل الله، وهو يعرف أن سيوف القوم قد تبتر رقبته، لكنه لا يُبالي كذلك أيضًا الإنسان ينسى العاطفة بينه وبين أقاربه حتى إن الرجل ليقتل أباه إذا كان من الكفار. فهنا قالوا مُعلنين هذا الإعلان غير مُبالين بما ينتج، وفي ظني أنهم سيعلمون أنه سينتج عن ذلك أمر عظيم؛ لأن فرعون جاء بهم سلاحًا له، فإذا خانوه في هذا المجتمع العظيم وهو يوم الزينة فالعقوبة أكبر إلا أنهم غير مبالين بهذا لما أشرنا إليه قبل. قال: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ﴾ [الشعراء ٤٩] هذا قول فرعون: ﴿﴿قَالَ أَأَمَنْتُمْ﴾ ﴾ وكلمة ﴿قَالَ﴾ أتت بالفصل ولَّا بالوصل؟ موصولة ولَّا مفصولة مع الأولى؟ هي مفصولة؛ لأن الوصل هو العطف بالواو وما عدا ذلك فهو فصل، فهي مفصولة لكن تدل على وقوع هذا الشيء مباشرة كأنه جواب على فعلهم؛ يعني فماذا كان الأمر؟ (﴿﴿قَالَ أَأَمَنْتُمْ﴾ ﴾ بتحقيق الهمزتين -﴿﴿أَأَمَنْتُمْ﴾ ﴾- وإبدال الثانية ألفًا -﴿آمَنْتُمْ﴾ - ﴿﴿لَهُ﴾ ﴾) . (﴿﴿قَالَ أَأَمَنْتُمْ لَهُ﴾ ﴾ لموسى ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ﴾ أنا ﴿لَكُمْ﴾ ) هذا أمر لا يكون عادة من هؤلاء ولا من غيرهم؛ أن يؤمن أحد لعدو فرعون بدون إذنه. وفي قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ إشارة إلى أن الرجل قد سيطر عليهم سيطرة كاملة، وأنهم لا يتصرفون بشيء إلا بإذنه. ﴿إِنَّهُ﴾ والاستفهام في قوله: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ للإنكار والتوبيخ. ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْر﴾ شوف التمويه قال: غريب يعني، وهذا في الحقيقة مظهر ضعف منه، كيف يكون كبيرهم الذي علمهم السحر وهم قد حُشِروا من المدائن؟ حتى وليسوا مع موسى في مدينته؟ فيقال: إنه علمهم، بل هم في مدائن متباعدة. وكيف يمكن أن يقال: إنه كبيرهم الذي علمهم السحر وهم قد وضعوا حبالهم وعصيهم ليقضوا عليه؟ لأن من علمهم السحر فإنهم لا بد أن يخافوا منه. وكيف يقال: إنه علمهم السحر وهم قد تعزوا بعزة فرعون ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء ٤٤]، وهم يعلمون أن فرعون خصم لموسى؟ لكن هذا من باب التمويه على قومه، وقومه كما قال الله فيهم: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف ٥٤] يعني عقولهم بالنسبة لفرعون لا شيء، خفيفو العقول والتفكير ما يعرفون شيئًا سوى فرعون أنه إلههم. ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [الشعراء ٤٩] وقلنا: إن هذا باطل من الأوجه الثلاثة أو الأربعة التي ذكرناها، وأنه لا يمكن، لكن هذا مظهر ضعف من فرعون بلا شك؛ يعني كأنه يقول الآن: أنتم اجتمعتم عليَّ، وتحاشمتم علي، أنتم ومعلمكم، ثم لجأ إلى التهديد كعادته فقال: (﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما ينالكم مني) ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الشعراء ٤٩]. قوله: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. هذا تهديد بأمر مبهم ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وقد ذكرنا أن الإجمال، ثم التفصيل من فوائده: تشوق المخاطب إلى تبيين هذا المجمل، وإذا كان وعيدًا فإنه يتشوق ذلك لكنه يكون خائفًا جدًّا؛ لأنه لا يدري ما هذا المبهم الذي وعد به. بيَّنه بقوله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ﴾ واللام واقعة في جواب القسم بدليل أنه مؤكد ﴿لَأُقَطِّعَنَّ﴾. وقوله: ﴿أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ جمع (يد) و(رجل). و﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ يعني متخالفة، إذا قطع اليد اليمنى قطع الرجل اليسرى، وإذا قطع اليد اليسرى قطع الرجل اليمنى، وليس معنى ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ إني أخالف بينكم، فمنكم من أقطع يديه ومنكم من أقطع رجليه، بل هذا واقع على محل واحد، الخلاف في محل واحد يعني كل واحد منكم أقطع يده ورجله متخالفتين، وهذا في شريعتنا حد قُطَّاع الطريق؛ يعني أحد ما يحد به قطاع الطريق هو هذه أن تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يعني بعد أن أفعل هذا أصلبنكم أجمعين، يعني كما قال في آية أخرى: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه ٧١]، وهو يشير إلى أن في مصر نخلًا، هو وَعَدَهُم بذلك. والصلب الربط، وهل يُشترط أن يكون المصلوب ممدود اليد أو لا؟ ليس بشرط. المهم أن يُربط ربطًا محكمًا على خشبة الصليب. * طالب: بعد الموت أو قبله؟ * الشيخ: لا، قبل الموت؛ لأنه قال: أُقَطِّع ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ [الشعراء ٤٩] فهم.. * طالب: الصلب في آية قُطَّاع الطريق. * الشيخ: الصلب في آية قُطَّاع الطريق اختلف فيه العلماء: هل يكون قبل الموت أو بعده؟ فالمشهور من مذهبنا: أنه بعد الموت، ولكن الصحيح أنه قبل، أنهم يصلبون قبل؛ لأنهم إذا صُلِّبوا قبل نالوا الألمين؛ الحسي والنفسي أو القلبي، لكن إذا صُلبوا بعد الموت هم ما ينالون شيئًا أبدًا، ثم إن في تصليبهم بعد الموت مثل ما يقولون العوام: (...) لا فائدة منه؛ ولهذا لما قيل لأسماء بنت أبي بكر رضى الله عنه وعنها: إن الحجاج فعل كذا وكذا بعبد الله بن الزبير بعد موته، فقالت رضي الله عنها: وما يضر الشاة سلخ جلدها بعد موتها؟ لأن هذا الشيء ما يؤثر. كان جوابهم: ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء ٥٠]. (﴿لَا ضَيْرَ﴾ لا ضرر علينا في ذلك) ما شاء الله يعني لقوة إيمانهم قالوا: هذا ما يضرنا ولا يؤثر. وفي هذا من التحدي وإظهار القوة والشجاعة ما هو ظاهر؛ لأنهم يُخاطبون أعتى أهل الأرض وهو فرعون يقول: لا ضير، افعل ما تريد، ما يهمنا، وصدقوا أنهم لا ضير عليهم في ذلك ما دام تعذبيهم هذا في ذات الله، فهم هنا إنما يُعذَّبون في ذات الله فقط، هذا لا يضرهم أبدًا، بل يزيدهم رِفْعَة؛ ولذلك كان ذكرهم إلى يوم القيامة، أشاد الله تعالى بذكرهم في القرآن، وسيبقى إلى يوم القيامة، وهذا فيه أكبر منفعة. (﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا﴾ بعد موتنا بأي وجه كان ﴿مُنْقَلِبُونَ﴾ راجعون في الآخرة). يقول يعني مهما كان حتى لو بلغنا إلى الموت فإن النهاية أننا سنرجع إلى ربنا، ورجعونا إلى ربنا خير من الدنيا؛ لأنهم يرجعون إلى نعيم أبدِيٍّ، لا يماثله شيء من نعيم الدنيا. وفي سورة طه: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه ٧٢] يعني اقضِ ما تريد غاية ما يكون أن يكون تعذيبك موصلًا إلى الموت، وإذا أوصل إلى الموت فالنتيجة إنما تقضي هذه الحياة الدنيا؛ مما يدل على أنهم صادقون في الإيمان، وأن إيمانهم راسخ جدًّا، وفي هذا من آيات الله سبحانه وتعالى وبيان قدرته ما هو ظاهر. كيف يعني في لحظة واحدة انقلب الكفر العظيم إلى إيمان عميق؟ بلحظة يعني بمجرد أن رأوا ما تفعله عصا موسى انقلبوا بعد الكفر مؤمنين؛ ولهذا قال بعض العلماء: أصبحوا كفارًا سحرة، وأمسوا شهداء بررة، وهذا صحيح أنهم كانوا بررة وأتقياء وكانوا من أقوى الناس إيمانًا وجهادًا في سبيل الله. ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء ٥٠]. وفي هذا أيضًا دليل على إيمانهم بالبعث؛ لقولهم: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ فهم يؤمنون بلقاء الله سبحانه تعالى وهو من أصول الإيمان. (﴿إِنَّا نَطْمَعُ﴾ نرجو ﴿أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾ أي بـ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في زماننا) ﴿نَطْمَعُ﴾ [الشعراء ٥١] يعني نرجو ونُؤمِّل، وهذا الطمع مما يُمدح عليه العبد لكن متى؟ إذا فعل أسبابه، أما إذا لم يفعل أسبابه فإنه من الأماني الباطلة، كما جاء في الحديث: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنِ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (١٧١) من حديث شداد بن أوس.]]. هم أكدوا أنهم يطمعون في مغفرة الله؛ لأنهم فعلوا السبب وهو الإيمان بعد الكفر وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨] فهم طمعوا هذا الطمع المعروف لسببه وهو مدح. وقولهم رضي الله عنهم: ﴿أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾ (الغَفْر) تقدم أن معناه ستر الذنب والعفو عنه. وقولهم: ﴿خَطَايَانَا﴾ جمع (خطيئة)، وهل الخطايا والسيئات واحدة أو بينهما فرْق أو يفرق بينهما عند الاجتماع فقط؟ * طلبة: عند الاجتماع فقط. * الشيخ: عند الاجتماع فقط، يُفرَّق بينهما، وأما إذا أُفرد إحداهما فإنه يشمل الآخر، في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ إلى أن قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران ١٩٠ - ١٩٣]. ففرقوا بين الذنوب والسيئات، الذنوب طلبوا مغفرتها، والسيئات طلبوا تكفيرها؛ لأنها من الصغائر التي تُكفِّرها الأعمال الصالحة. والسيئات المراد بها هنا الكبائر التي لا تزول إلا بمغفرة لا بتكفير. ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٥١] هذا ليس من باب الإدلال على الله والمن عليه بكونهم أول المؤمنين ولكن من باب التحدث بنعمة الله، الذي يرونه سببًا ووسيلة لمغفرة الذنوب؛ لأن السبق إلى الإيمان وإلى العمل الصالح منقبة، ومن أسباب الرتب العالية؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠]. فالسبق إلى الإيمان والعمل الصالح له مزيته ومرتبة صاحبه، كذا؟ * طالب: قوله: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ [الشعراء ٤٩] وفي آية الأعراف ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [الأعراف ١٢٣]؟ * الشيخ: إي نعم، في الأصل بينهما فرق، (آمَنَ به) أقر به واعترف إيمانًا كاملًا، و(آمَنَ له) مضمنة معنى انقاد. * طالب: (...). * الشيخ: انقاد له، قد تكون أقل، وقد تكون أكثر، انقاد له مع الإيمان؛ لأنك إذا جمعت بين الآيتين هنا صارت أبلغ؛ يعني كأنهم آمنوا إيمانًا به، ثم آمنوا له فانقادوا له. * طالب: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾ [طه ٧٢ - ٧٤]. * الشيخ: يعني قصدك ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ﴾. * الطالب: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. * الشيخ: لا ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ من كلامهم هم، إي نعم، لكن ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ قد يحتمل أنه كلامهم أو من كلام الله. * طالب: هنا السحرة هؤلاء (...) هم اللي يعني هم آمنوا هم (...) أو هؤلاء قُتلوا. * الشيخ: مَن؟ * الطالب: السحرة اللي آمنوا (...). * الشيخ: هم (...) من؟ * الطالب: بعدين موسى (...). * الشيخ: لا، بنو إسرائيل. * الطالب: بنو إسرائيل، هؤلاء قُتلوا على طول. * الشيخ: هذا إما أنهم قتلوا على طول وإلا أنهم ما صار منهم شيء لكن أما اللي آذوه هم قومه. * الطالب: إي، هم ما آمنوا. * الشيخ: مَنْ؟ * الطالب: بنو إسرائيل ما كانوا مؤمنين؟ * الشيخ: في هذه المعالجة ما كانوا مؤمنين إطلاقًا، أو كانوا مؤمن بعضهم يعني، ما أعرف؛ لأن أصل إنزال التوراة بعد ذلك ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣]. * طالب: في قول الله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ (...) لأنه إذا قطع اليمنى، وبقيت اليسرى، ما فيه إنسان يستطيع أن يتكئ على (...)؛ لأنه إذا قطع يده ورجله (...) واحدة ما يستطيع (...) هل هذا يعني أشد (...)؟ * الشيخ: لا، هو من جهة أشد، ومن جهة أخف، من جهة أشد أنه يصير الألم مع الجانبين، ومن جهة أخف، وهذا هو الظاهر أنه أراد هنا؛ لأنه فيما يبدو -والله أعلم- أنهم قتلوا في آخر الأمر. * الطالب: الظاهر أنهم كلهم كذلك. * الشيخ: لأن قول بعض العلماء: شهداء بررة يدل على أنهم قُتلوا، أنا ما أعرف الآن. * الطالب: (...) بعض العلماء (...). * الشيخ: يحتاج إلى تثبُّت هذا. * الطالب: الظاهر أنهم كلهم كذلك. * الشيخ: كلهم أيش؟ * الطالب: ما في ولا واحد مثلًا. * الشيخ: من السحرة؟ * الطالب: إي. * الشيخ: كلهم آمنوا ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ ويش كلمة (أل) هذه؟ * طلبة: للعموم. * الشيخ: للعموم، كلهم آمنوا، وإيمانهم كامل ما هو إيمان بعد. * طالب: من خاف الله سبحانه جنته دون خدمته. * الشيخ: من اللي يقول؟ * الطالب: بعض العلماء (...). * الشيخ: أبدًا، هو فيه خدمة وجنة؟ * الطالب: لأنهم لم يعملوا. * الشيخ: أولًا: كلمة (خدمته) هذه غير واردة، والحقيقة ما ينبغي أن تستعمل بجانب العبادة، الله ما مدح الناس؛ لأنهم خدموه؛ لأنهم عباده؛ ولهذا هذا التعبير اللي يكتب في كتب الوعظ الحقيقة يجب أنه يلاحظ. ثانيًا: أن نقول: كل إنسان يعمل هو يعمل لله سبحانه وتعالى تعبُّدًا له ورجاءً لثوابه، وقد وصف الله أفضل الخلق وأعلاهم مرتبة محمد رسول الله ﷺ ومَنْ معه، فقال: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]. وقال الرسول عليه الصلاة والسلام لما قال الأعرابي: أنا لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، وإنما اسأل الله الجنة، وأستعيذ به من النار، فقال: «حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ»[[أخرجه أحمد في المسند (١٥٨٩٨)، وأبو داود (٧٩٢) من حديث بعض أصحاب النبي.]]. بعض العارفين -كما يقولون- يقول: يجب أن تعبد الله لله لا لحظ نفسك، وهذا من قال لك هذا؟ قال: تعبد الله لما ترجو من ثوابه تبارك وتعالى وهو الحقيقة، وهذا الذي وصف الله به عباده، هذا اللي قلت لخدمته لا جنته، كذا؟ * الطالب: لخدمته لا جنته. * الشيخ: أقول: يعني أو يعبدون الله في خدمته لا جنته، يعني يقولون: الأفضل أن تعبد الله لخدمته لا لجنته، ويرون أن من يعبد الله في جنته ناقصًا. * الطالب: عبدت الله لا لجنته ولا خوفًا من ناره ولكن حُبًّا في ذاته. * طالب آخر: يقولون: ابن الفارض في مرض الموت كان تهيأ له، يقولون: رأى الجنة فصار يصرخ ويصيح: ما لهذا عملت، ما لهذا صليت، وإنما حُبًّا لك. * الشيخ: حُبًّا لك، وهو يراه في كل (...)، أعوذ بالله. * طالب: الجمع بين.. يعمل حُبًّا لله سبحانه وتعالى وطلبًا للجنة (...). * الشيخ: هو الحقيقة؛ لأن الوصول إلى الجنة وصول إلى الله؛ لأن أهل الجنة يرون الله سبحانه وتعالى. * الطالب: لا أقصد أن الإنسان كان عمله لأجل الجنة فقط، ربما يكون شعوره شكر الله (...). * الشيخ: شعوره بأيش؟ * الطالب: شعوره داخليًّا بتعظيم الله سبحانه وتعالى خلاه يعمل بهذه السجية، فإذا (...). * الشيخ: والله ما أدري، أنا في الحقيقة أنا أرى أن أفضل ما يكون ما درج عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه. * الطالب: (...). * الشيخ: شكورًا لله. * الطالب: شكورًا لله سبحانه وتعالى. * الشيخ: هو ما ينافي أن يكون يحب الله ويسعى للوصول إلى جنته ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾. * طالب: والفضل لا يكون إلا بعد الرضا. * الشيخ: وأيضًا هذا الفضل والرضوان يتضمن محبة الله. * طالب: وبعدين يا شيخ كلما زادت المحبة كلما زاد الأجر عليها. * الشيخ: إي، ما فيه شك، الإنسان يُؤجر المحبة. * الطالب: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران ٣١]. * الشيخ: إي، ما أحد ينكر محبة الله، ولا أحد ينكر أنه.. حتى كونك تعمل لتصل إلى رضوان الله فهذا محبة لله، وإلا كان يقول: يرضى ولَّا ما يرضى، ما يهم، ينعم ولَّا ما ينعم، ما يهم، لكن كونه يقول: لا، اعمل لذات الله مثل هذا (...) ما هو صحيح. * طالب: قال رحمه الله تعالى في فوائد هذه الآيات: إن عبادة المؤمنين من رحمة الله سبحانه وتعالى لهم وذلك من قوله سبحانه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان ٦٣]. * الشيخ: هذه موجودة عندكم؟ * طالب: بصيغة ثانية. * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: أن عبودية المرء لله تجذب له الرحمة من الله. * الشيخ: إي، لا، هذه غير دي. * الطالب: يدعو الذين وُفِّقوا لهذه الخصال بسبب رحمته. * الشيخ: هذه قريبة منها. * طالب: أن صفة العبودية (...). * الشيخ: هذه غير. * طالب: أن العبادة سبب للرحمة، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ فإضافة العبادة إلى اسم الرحمن خاصة دون غيرها. * الشيخ: يعني هذه فائدة أنهم يعبدون الله للوصول إلى رحمته. * طالب: أن من صفات عباد الرحمن عباده المؤمنين المشي على الأرض بسكينة ووقار ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣]. * الشيخ: علي عنده فائدة أيضًا وهي تقسيم العبودية إلى عامة وخاصة، كذا؟ * الطالب: (...) إثبات العبودية الخاصة وهي عبودية النبي. * الشيخ: إي، وأيضًا هذه ربما نقول: يستفاد من هذه الآية: أن وصف الإنسان بالعبودية من مراتب الكمال؛ ولهذا قال: ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾. * طالب: تشريفهم، حيث نسبهم إليه. * الشيخ: إي نعم، هذه أيضًا فائدة غير اللي أنا (...). * الطالب: نعم، غير (...). * الشيخ: نقول: وصف العبودية مُطلقًا من مراتب الكمال من إضافتهم إلى الله ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ هذا من باب التشريف والتكريم. * طالب: قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ (...). * الشيخ: هذه ذكروا فيها فائدتين؛ أولًا: أن عبادتهم من رحمة الله بهم. والثانية: أنهم يأتون بهذه العبودية الرحمة. * طالب: قلنا: إن من صفات عباد الرحمن المؤمنين المشي على الأرض بسكينة ووقار ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. خامسًا: التعريض بالمستكبرين الذين يمشون على الأرض مرحًا من قوله: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. * الشيخ: التعريض بذمهم. * الطالب: بذمهم نعم. * طالب آخر: نقول هنا: من صفاتهم عدم إيذاء الغير ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. * الشيخ: منين نأخذه؟ من قوله: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. * الطالب: يعني من سجيتهم يعني السكينة. * طالب آخر: ﴿إِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾. * الطالب: نعم، أحسنت ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. * الشيخ: لكن تكون هذه وصف حتى لو ما كان في المكان أحد ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ لو ما كان حولهم أحد يخشون من إيذائه، ولو قلنا بالسكينة والوقار تشمل الصور الممكنة. * الطالب: (...). * الشيخ: أنهم ما يؤذون أحد بمشيهم. * طالب: (...) قوله: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. * الشيخ: يعني يشمل المشي الحسي والمعنوي، كذا؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: يمكن. * طالب: ترغيب، ذكرناها ترغيب في الطمأنينة والتأني في جميع أنواع السعي، ومنها السعي المعنوي (...) طلب الرزق والعلم. * الشيخ: أيش عندك أنت؟ * طالب: نعم، نفس اللي يمشون على الأرض، فيه بيان صفة من صفات هؤلاء الأفاضل، وكأن الله سبحانه وتعالى رد على سؤال قد يحدث منهم مَنْ هم هؤلاء العباد؟ ولماذا استحقوا هذا الوصف الجميل حيث أضافهم إلى نفسه، (...) من صفاتهم التواضع، حب الخير، والبعد عن العلو والعزة التي لا تنبغي إلا لله وحده، وأن من أحب أن يكون من العباد الصالحين عليه أن يعرف صفة من صفاتهم وهى التواضع ولين الجانب. * طالب آخر: العزة من صفات المؤمنين ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨]، يقول: والبعد بمعنى عزة! * الشيخ: الاعتزاز بالنفس قصدك؟ * الطالب: لا، عزة دون عزة. * الشيخ: إي، كفر دون كفر. * الطالب: لا، يعني العزة التي تختص بالله. * الشيخ: قصدك الكبر يعني؟ * الطالب: نعم، الكِبْر. * الشيخ: على كل حال، أنا لي اعتراض على هذا، ما هو من ناحية هذه المسألة، لكن من ناحية أنه جاء مرسلًا هكذا كأنه كلام (...). وبيان الفوائد في الغالب يكون مركزًا، ما يصير كذا كلامًا مرسلًا كأننا نتكلم في خطبة، هذا كأنه شرح معنوي، وهذا من حيث الأسلوب قاصر، إلا هو تام يعني الكلام ما فيه شيء نقص في المعنى، لكنه من جهة الأسلوب (...) الفوائد خليها مركزة لأجل ما يتشتت الذهن، يلتقطها حبة حبة. * طالب: في قوله: ﴿يَمْشُونَ﴾ أن الإنسان الموفَّق يستطيع أن يجعل من العادة عبادة المشي وهو عادة (...). * الشيخ: إي، إذا كانوا يلاحظون هذا، وهو الظاهر، الظاهر أنهم يلاحظون هذا؛ يعني ليس أمرًا عاديًّا أو من سجيتهم هذا، وإنما هذا تعمد. * طالب: إثبات صفة الرحمة لله، وإثبات الرحمن صفة لله تعالى. * الشيخ: هذا لا بد منه، فيه أيضًا إثبات اسم الرحمن وصفة الرحمة، صحيح. * طالب: قوله: ﴿يَمْشُونَ﴾ لم يقل: وعباد الرحمن الذين يسيرون على الأرض هونًا، في هذا إشراك بأن عباد الرحمن (...). * الشيخ: أيش الفرق بينهما؟ * الطالب: لو قال: يسيرون ربما يسيرون على مراكبهم، يسيرون (...). * الشيخ: حتى هذا إذا سار الإنسان على مراكبه ما هو بظاهر، حتى السير يكون على القدمين أيضًا، والمشي يكون على القدم وعلى المركوب. * طالب: (...). * الشيخ: المهم هذا لاحظوها اللي قال الأخ إثبات اسم الرحمن الرحمن وصفة الرحمة لله سبحانه وتعالى. * الطالب: الحث على الحلم من قوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ أنهم لا يقابلون السيئة بمثلها، بل يقولون (...)، وبعدها فائدة الحث على الحلم، التعريض بذم الجهل وأهل الذنوب من قوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ أن من صفات عباده المؤمنين (...) إذا خاطبهم الجاهلون التزامهم بالقول الذي يسلمون فيه من الإثم (...). * الشيخ: طيب (...) ثلاث فوائد، ويش عندكم؟ * طالب: أقول: إنه إذا ذكر الأول (...) سلامًا أي مناسبة لحال المعتدي، وقد يردون عليهم ردًّا قويًّا يناسب حالهم لا يكون حلمهم دائمًا (...) أنهم إذا جُهل عليهم يردون الرد المناسب لحال المعتدي (...). * الشيخ: الحلم يمكن؛ لأن الحِلم ليس معناه العفو مُطلقًا قد يكون الحلم بعدم الاعتداء أيضًا يُسمى حلمًا، وهذا يسلمون به من الإثم إذا لم يعتدوا. لكن عندي أيضًا فائدة أهم من هذا كله الحقيقة؟ * الطالب: أن الله يحب من عباده (...)، وأنه لا ينبغي مقابلة الجاهل بجهله (...) بيان القرآن لهذا الأدب الجميل (...) ومقابلة المسيء بالإحسان مشروعية العفو عن الجاهل أن حُسْن معاملة الخلق بالإضافة للخالق. * الشيخ: إي نعم. * طالب: فيه أن (...) والاعتداء بالقول على الآخرين من الجهل. * الشيخ: لقوله: ﴿إِذَا خَاطَبَهُمُ﴾. * طالب: (...) المؤمن بالحكمة. * الشيخ: إي، هذه، أنا أريد هذا؟ * الطالب: وأن المؤمن يجب عليه تحمل الأذى. * الشيخ: الحكمة هذه أهم من الحِلم، والحِلم هذا وضع طيِّب، لكن الحكمة مهمة؛ لأن قولهم: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ ما قال: إذا خاطبهم الجاهلون سكتوا، بل يقول: قالوا، لكن سلامًا يسلمون به مثلما قلنا في الشرح والتفسير من الإثم والأذى ومن المهانة والذل. المهم: سلامًا من كل النواحي، فإذا كان الإغلاظ (...) السلامة أغلظوا، إذا كان بالنسبة للي أعرضوا. المهم أنهم لا يفوتون الأمر ولكنهم لا يقولون قولًا تكون عاقبته سيئة بل يقولون: سلامًا. * طالب: بيان أن هؤلاء القوم لا ينتقمون لأنفسهم عندما يسمعون الكلام من جاهل لا يعقل، ما يقوله؛ لأنه كيف يحق لهذا الرجل العالم العاقل أن يأخذ من لا يعقل وفيه دليل على أن الجهل وضعف العقل متقاربان. * الشيخ: متقاربان؟ * الطالب: من قوله. * الشيخ: إذن الجهل هنا المراد به سيئ التصرف، ما هو المراد به ليس بعالم. الخلاصة الآن كم ترى عندنا من الفائدة على الجملة هذه؟ * طلبة: أربعة أو خمسة. * الشيخ: أربعة أو خمسة، نعيدهم أولًا يلَّا اقرأهم علينا. * طالب: (...). * الشيخ: هذا ما لم يكن الحلم سكوتًا وذلًّا. * طالب: (...) حكمة والتعريض بذم الجهل وأهل السوء من قوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ وأن من صفات عباد الله المؤمنين إذا خاطبهم الجاهلون التزامهم بالقول الذي يسلمون فيه من الإثم (...) والأذى والحلم. * الشيخ: طيب، فيه فائدة (...). * طالب: أن المؤمن يجب عليه تحمل الأذى. * طالب آخر: أن معاملة الناس بالحسنى هي التي ترضي الله. * الشيخ: طيب. * طالب: ما يؤخذ من هذه الآيات. * الشيخ: من يقرؤها (...). * الطالب: يؤخذ يا شيخ.. * الشيخ: يؤخذ من هذا نفسه أن نعامل الناس بالحسنى منين؟ * طالب: لأنه ذكرهم في صفات عباده. * الشيخ: إي، بس ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ قد يكون ما هي معاملتهم بالحسنى من السلامة، قد يكون معاملتهم بما يستحقون أذى، ربما يؤخذ منها ما ذكر الله في سورة الشورى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى ٣٩]، وأن الرجل لا يُذم إذا عارض الجاهل بما يستحقه؛ يعني فليس السكوت خيرًا مطلقًا وليس القول خيرًا مطلقًا، إنما اتباع الحسنى فى ذلك هو الخير ولكل مقام مقال ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة ٢٦٩]، قد يريد الإنسان الحكمة ولكن لا يوفق لها. * طالب: ما فيها دليل على إباحة المجاملة في بعض الأحوال؟ لأنه ربما لا يسلمون إلا بالمجاملة. * الشيخ: ما يخالف، المجاملة ما دام قولًا سلامًا (...) المجاملة، مثلًا لو أرادوا أن يلينوا القول ضد إغلاظ هؤلاء، وهو مما يسلمون به لكن سلامًا حسيًّا ومعنويًّا فلا بأس. * طالب: ما لم يكن منكرًا. * الشيخ: نعم، ما لم يكن منكرًا. * الطالب: يغضب. * الشيخ: إي، لكن كلمة ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ﴾ يدل على أن الخطاب موجه لهم، أما لو سبوا الله، لا. على كل حال ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ هذه ميزان حكمة. * طالب: (...) ذكرنا مراعاة حال المعتدي ورده بما يناسب المقام. * الشيخ: إي، هذه من الحكمة؛ لأنك إذا أثبت أن هذا يدل على حكمتهم. * الطالب: هذا مما يدل. * الشيخ: يكون الباقي صور. * طالب: معاملة الجاهل بما يليق به ليس (...). * الشيخ: ليس أيش؟ * الطالب: ليس (...). * الشيخ: هذا تبعًا (...) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. * من فوائد الآيات السابقة: أن موسى عليه الصلاة والسلام لما قال: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقونَ﴾ [الشعراء ٤٣] ألقوا حبالهم وعصيهم، واستعانوا بغير معين فقالوا: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾. * وفيه أيضًا: أن موسى عليه الصلاة والسلام ألقى عصاه بأمر الله حين أوحى إليه ألَّا يخاف، وأن يلقي ما في يمينه. * وفيه أيضًا من فوائدها: أن الحق إذا تبين كان أعلم الناس به من يعرف هذا الحق، فإن موسى عليه الصلاة والسلام أول من تبين له أن ما جاء به الحق وأنه ليس بسحر هم السحرة الذين عرفوا السحر وباطله، فالذي يعرف الحق هو الذي يعرف الباطل، أما من لا يعرف الباطل فإنها قد تلتبس عليه الأمور؛ ولهذا قيل: بضدها تتبين الأشياء. * وفيه أيضًا: مبادرة السحرة إلى الإيمان، حتى إن الإيمان كان كأنه أمر اضطراري ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ لقوة ما شاهدوا من الآيات التي لم يتمكنوا معها أن يتأخروا. * طالب: الفائدة التي ذكرت الأخيرة. * الشيخ: أقول: لما رأوا الآيات ما أمكنهم أن يتأخروا عن الإيمان فكأنهم أُلْقوا اضطرارًا. * وفيه أيضًا: شدة تمويه فرعون حين قال: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ مع أنه يعلم أنه ليس بين موسى وبين هؤلاء السحرة شيء من الاتصال، ولكنه لقوة تمويهه أراد أن يموه بهذا الكلام الذي ليس بمعقول. * وفيه: قوة جبروته حين هددهم بقطع الأيدي والأرجل من خلاف، ثم الصَّلْب. * وفيه أيضًا من الفوائد: قوة إيمان هؤلاء السحرة الذين تحدوا فرعون بجبروته، وقالوا: إنه لا ضرر علينا فيما هددتنا به؛ لأننا سننقلب إلى الله سبحانه وتعالى ويعطينا من الأجر والثواب أكثر مما فقدنا من هذه الحياة الدنيا، كما قال في سورة طه ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه ٧٢]. * وفيه أيضًا: أن الإيمان إذا صدق صار أقوى من العاطفة فحب النفس أمر فطري، ولكن الإيمان يؤدي إلى أن ترخص النفس عند المرء في جانب دينه. * وفيه أيضًا: قوة رجاء هؤلاء السحرة في الله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾. * وفيه: دليل على أن السبق إلى الإيمان من أسباب المغفرة والرفعة؛ لقولهم: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقد دل على ذلك الكتاب في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠]. ولما تخاصم عبد الرحمن بن عوف، وخالد بن الوليد قال النبي ﷺ: «يَا خَالِدُ، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي». مهلًا يا خالد «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. * وفيه أيضًا: أن الإطلاق يقيده قرينة؛ لقولهم: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأن المراد ﴿أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في وقتهم، وإلا فقد آمن أحد قبلهم، أو أول المؤمنين من آل فرعون؛ لأنه قد آمن أحد قبلهم، فقولهم: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني من آل فرعون. والمؤلف يقول: (في زماننا) ولكن هذا ليس بظاهر، بل الظاهر أنه من آل فرعون؛ لأن من بني إسرائيل من آمن قبل ذلك. * طالب: مؤمن آل فرعون آمن قبلهم؟ * الشيخ: لعله لم يظهره؛ لأنه قال: ﴿رَجلٌ مؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر ٢٨].

الشعراء 26:44

﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى﴾ بعدما قالوا له: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف ١١٥] قال لهم: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ فالأمر فيه للإذن بتقديم إلقائهم توصلًا به إلى إظهار الحق. قوله: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ مثلما قال المؤلف بعد أن قالوا: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا﴾ [الأعراف ١١٥، ١١٦] هذا الأمر يقول المؤلف: إنه للإذن ويحتمل أن يكون للتحدي؛ ولهذا قال: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ (ما) بصيغة العموم؛ يعني: ألقوا ما تريدون مما تلقونه فأنا لا أكترث به ولا أهتم به. ويدل على ذلك أنه طلب أن يكونوا هم الملقين لأجل أن يكون هو الغالب بعدهم؛ لأنه لو ألقى عصاه ماذا تصنع وليس أمامها شيء؟ صارت ثعبانًا مبينًا، ولكن ليس أمامها شيء، فأمرهم أن يلقوا هم أولًا لأنه عليه الصلاة والسلام واثق بوعد الله فهو ينطق من منطق القوة يقول: أنا لا أكترث بكم، ألقوا ما تريدون ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ فالإبهام هنا للمبالغة يعني: ألقوا الذي تريدون مما تلقونه. وفي قوله: ﴿مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ بالجملة الاسمية دليل على أنه مهما كانوا متصفين به من الإلقاء فإنه لا يهتم به. يقول: ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ -أعوذ بالله- ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء ٤٤]. ﴿حِبَالَهُمْ﴾ يعني التي يسحرون الناس بها. ﴿وَعِصِيَّهُمْ﴾ التي يسحرون الناس بها وهم يلقون هذه الحبال وهذه العصي فتكون في أعين الناس ثعابين وحيات. وأيضًا تظهر بمظهر الكثرة تملأ الوادي حقيقة هي ثعابين وحيات ولَّا لا؟ لا، إذن السحر هو خيال ولَّا حقيقة؟ * طلبة: خيال. * الشيخ: لا. * طالب: حقيقة. * الشيخ: السحر حقيقة لكن باعتبار ما سُحر به خيال؛ حقيقة لأنه أَثَّر في الرؤية أثر بدل أن يرى الإنسان هذه الحبال حبالًا وعصيًا صار يراها ثعابين وحيات. * طالب: كيف يخلونه (...)؟ * الشيخ: إذن هذه حقيقة، لكن بالنسبة لما يراه ليس متغيرًا عن حقيقته؛ فالحبال حبال والعصي عصي، لو رآها من لم يصل إليه السحر لرآها حقيقة حبالًا وعصيًّا. ويذكر أنه فيه واحد ساحر جلس إلى قوم وهم يبشرون النخل، تعرفون البشارة عندنا؟ البشارة أنه يؤخذ رطب بعد ما يذبل قليلًا ويوضع. المهم: جاء أحد السحرة إلى هؤلاء القوم وهم مجتمعون حول القِدْر وفيها الرطب، فقال لهم: أنا بأمشي على هذا الرطب ولا يتأثر، بأمشي في وسط القدر ولا يتأثر قالوا: ما يمكن. قال: يمكن، فألقى السحر فجعل يمشي في وسط القدر في رؤيتهم وهو يمشي خارجه يدور عليه، فتعجبوا، فقال الذي في النخلة: تراه يكذب عليكم، تراه ساحركم، فألقى السحر إليه قال: لا، صحيح الآن، طب بوسطه. هذه صحيح يعني: إن كانت منسوجة فهي منسوجة لكنها قريبة من الواقع. فالسحر يؤثر بالنسبة للحواس وإدراك الإنسان، أما بالنسبة لواقع الأمر فإنه لا يؤثر أبدًا * طالب: على رغبة الساحر مثلًا يعني تأثيره؟ * الشيخ: هو الظاهر، إي حسب السحر اللي معه، مثل العين تمامًا العين أيضًا على رغبة العائن يسوي بالمعيون كما يريد؛ ولهذا ذهب رجل من الناس -وهي قصة محققة- إلى شخص عائن وكان هذا الذاهب أشد تعيينًا منه، والعائن هذا قد جنى على صاحب له -والقصة إذا أحببتموها وإن كانت طويلة بعض الشيء- فيه رجل عائن تزاود ويا إنسان ببعير فغلبه هذا الإنسان، واشترى البعير وكانت (...) اللي اشتراها، وله إبل في البر يعني: رعية، فأخرج البعير اللي هو شرى إلى الرعية، قدَّر الله سبحانه وتعالى أنه في آخر النهار هبت ريح شديدة وضاعت الإبل وضاعت البعير اللي هو أرسل، وابنه أيضًا ذهب في طلب الإبل ولا عنه خبر، ابن هذا الذي اشترى البعير وهو من ليلته أوجعته عيونه فصار لا ينام بالليل ولا بالنهار -والعياذ بالله- بقي مدة طوية حوالي خمسة عشر يوم فجاءه صاحبه العائن وقال له: يا فلان أنت ما (...)؟ قال: الله يهديك، أنت ما فيك خير (...)؟ ليش تيجي؟ ويش اللي حاصل؟ قال: اللي حاصل: فلان تزوادت أنا وياه بالبعير واشتريته، ومين اشتريته وهو حاصل هذا وليدي وبعيريَّ ضاعوا، وبعيري اللي اشتريته ضاعت وعيوني، (...) أنام بالليل ولا بالنهار، قال: (...) خرج منه وراح للرجل الذي عانه ودقَّ عليه الباب، سلم عليه كيف حالك؟ فلان وتلببله، قاله: ويش (...) بفلان حابسه في بيته خمسة عشر يومًا، الآن ما ينام بالليل ولا بالنهار، وبعيره ضاعت، وليده ضاع، ولكن اختر ثلاث حالات: إما نصلي عليك العصر، وإلَّا أحبسك في بيتك ما تطلع منه (...)، وإلا تقسم لي قسمًا أنه من الحد الفلاني من الأسواق ما عمرك تنالهم بسوء. قال: هذه أهون. فأقسم له أنه ما ينالهم بسوء، قال: عطيني الطاقية، وعطاه طاقيته وراح للرجل وبلها بالماء وشرب منه ورش على وجهه، وعيونه -سبحان الله العظيم- كأنما نشط من عقال، ويجي الخبر بعد الظهر إن الولد والبعيرين جاءا، والبعير اللي ضاعت جائته هذا شيء محقق. لكن الشاهد أن العائن الآن يحاكمه؛ قال له: اختر ثلاثًا وجابن هذا اللي سحره مثله أيضًا يسحرون كما يشاؤون. * طالب: يقتل العائن يا شيخ؟ * الشيخ: لا، الصحيح أنه ما يقتل إلا إذا تَعَمَّد القتل. * الطالب: (...). * الشيخ: إذا قال: أنا أقتل فلانًا، اقتله. * الطالب: ولو أفسد بغير قتل. * الشيخ: لا، إذا أفسد يحبس، هو يقول: يجب حبسه على كل حال، العائن يجب حبسه بكل حال كما قال أهل العلم، ولكن الغريب إن المعيان هذا مشهور في الزمن السابق بين الناس، والولاة أقوياء يعني، الأمراء أقوى مركزًا من اليوم، حتى أمراء البلدان، والقضاة موجودون، وكلام الفقهاء -أيضًا- الحنابلة ما فيه بعد شيء نقول: هذا قول مرجوح في المذهب؛ أنه يجب أن هؤلاء يحبسون، ولكن مع ذلك (...) ولَّا لو حبسوا لقلَّ الشر. * طالب: (...). * الشيخ: ويش لونه؟ إي نعم؛ لأنه ما قتله. * الطالب: (...). * الشيخ: إي إذا قتله؛ إذا تعمد أيضًا، قال: بأقتله؛ بأقتل فلانًا، وأما إذا كان ما قصد القتل ولكن مات فهذا خطأ يضمنه بالدية. على أن بعض العلماء يقول: ما يقتل حتى وإن كان تعمَّد قتله؛ لأن هذا السلاح سلاح خفي باطن، وبعضهم قال: يُقتل بمثله يجاب واحد (...). * طالب: هذه أولى، لا يفل الحديد إلا الحديد. * الشيخ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل ١٢٦] لكن يخاف يشجع اللي ينحتون. * طالب: علاج العين؛ الإنسان يصاب بعين؟ * الشيخ: تعالج -بارك الله فيك- بالقراءة وتعالج بالحس معالجة حسية؛ إنه يجاب العائن ويتوضأ ويغسل مغابنه ويؤخذ ما يتناثر منه ويُسْقَى على هذا ويرش به رأسه من فوق على ظهره، وبإذن الله يبرأ. عند الناس الآن شيء ما هو بمعروف في السنة، لكنه مجرب؛ أنه يأخذ من ثيابه اللي (...) سواء طاقية ولَّا غطرة ولَّا فانلة ولَّا سروالًا، ويُغْسَل ويأخذ أغساله ويشربه المصاب وينتفع به بإذن الله. * طالب: (...) يمكن (...). * الشيخ: إي. * الطالب: يخيلهم (...). * الشيخ: لا ما يقدر، الغريب أنه إذا تُحِدِّي ما يقدر (...). * الطالب: (...). * الشيخ: إذا تحداه سواء بعداوة ولا ما هو بعداوة؛ لأن العين ما تأتي إلا على غفلة، وأكثر ما تأتي أيضًا من يخاف منها، أما إذا ما تحداه ما يقدر، يقولون: الناس.. * طالب: (...) للحرب. * طالب آخر: أو يقول: (...). * الشيخ: هي تُؤثِّر، ما فيه شك، حتى (...) السيارات مشهورة عندنا. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، هذه حصل لها نظير عندنا؛ ناس في الوادي القصر اللي بين عنيزة وبريدة وكانوا يشتغلون، ولما طلعوا وقت الظهر بطلوا وبدأوا يتهجرون، هذا من مدة ثلاثين سنة، فيه سيارة جاية من بريدة تروح لعنيزة، فقال بعضهم لبعض: والله غادينا نروح (...) يلَّا امشوا قال: لا (...)، تهجروا، ما هي (...)، ودهم يقومون يتحفزون، ويقول لهم: اقعدوا ما تروحوا أبدًا (...)، و(...) في القصر، وهم يتهجرون (...) على طمأنينة، ولكن (...) البودي، ياما شاف (...)، عيت (...) مرة، لما انتهوا وجوا وصلوا، وقال: والله يا جماعة (...) قال له: طيب تبغي (...) قال: بس نزل (...) قال لهم: اللي يسمون هذا اللي معنا عائن، قال (...). * طالب: شيخ، ويش هو العلاج من السنة؟ * الشيخ: هو اللي ذكرنا؛ أولًا: أنه يتوضأ ويغسل مغابنه، ويرش على هذا.. * طالب: مغابنه اللي هي زي الآباط. * الشيخ: إي نعم، زي الآباط. * الطالب: يعني: زيادة على الوضوء الأعضاء. * الشيخ: إي نعم، لكن عاد اللي مجرب عند الناس مشهور عندهم الشيء اللي مباشر لبدنه، يزعمون أن الإنسان إذا صلي عليه صلاة الجنازة –العائن- أنه يبطل، ولكن ليس بصحيح. * طالب: يقولون: قصص واقعية. * الشيخ: يقولون: وفي بعض الروايات أنه يغسل مغابنه. * طالب: ما بحث الموضوع؟ * الشيخ: إلا في زاد المعاد. * الطالب: في ذيل زاد المعاد. * الشيخ: ما أدري. * طالب: القراءة (...) ابن تيمية. * الشيخ: شيخ الإسلام (...). * الطالب: (...). * الشيخ: ربما يوجد في كلام الشيخ. * طالب: (...) أرواح شريرة (...) تخرج من العين. * الشيخ: صحيح، منشأها الحسد؛ ولهذا قيل في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق ٥] إنه العائن إذا عان، وإلَّا ما فيه شك أنها تطلع من شح وشفقة على الشيء وحسد لغيره. * طالب: بس ما هو بأي حاسد؟ العائن؟ * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: البارحة (...) شيخنا كان يدرس لنا بالليل بين العشاءين، ومرت طيور هذه التي (...) أظنها يسمونها البط، ورفعت رأسي وقال: هون صيد العلم أفضل أو خيرٌ من صيد الطيور، وهو صحيح ما فيه شك أنا أجزم جزمًا أن الإنسان اللي يلتفت يقينًا بيروح فكره وهو ما يلتفت إلا مُؤتمرًا بأمر مَن؟ بأمر قلبه ما يمكن يلتفت إلا بهذا. * * * أقول: لما جُمِعَ الناس بميعاد من موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ [الشعراء ٤٣] بعد أن قالوا: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف ١١٥]. وذكرنا أن في الإبهام؛ ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾: في هذا الإبهام من التحدي ما هو ظاهر، يعني: أي شيء تلقونه فإني لا أهتم به. ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء ٤٤]. * طالب: شيخ، قولهم: إن كانوا غالبين، ما يُفهَم منه أنهم شاكُّون في انتصار السحرة على موسى؟ * الشيخ: يمكن هذا أنهم شاكُّون هذا من باب التحرز، إنما ما قالوا: لعلنا نتبع الغالب أو الحق؛ ﴿السَّحَرَةَ﴾، ثم إنه يحتمل أن قولهم: ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ أن هذا من باب الشرط المبين للواقع؛ يعني: سيغلبون على كل حال.. * طالب: السحرة ينفي أن نجزم بهذا ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ ذكرهم للسحرة يعني: ﴿لَعَلَّنَا﴾ ما نجزم بكونهم شاكِّين؟ * الشيخ: إي نعم، لما قالوا: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ كان المفروض أن يقولوا؟ * الطالب: الغالب. * الشيخ: إي، الغالب، فلما قالوا: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ خافوا أيضًا من أن يكون الأمر على خلاف ما يتوقعون، وقالوا: ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ الحبال جمع حبل، والعصي جمع عصى. وتلك الحبال والعصي يلقونها ليوهموا الناس بسحرهم أنها حيات وثعابين حتى موسى عليه الصلاة والسلام خاف وأوجس من هذا خيفة لما رأى هذه الحيات والثعابين تُقبِل إليه خاف، ولكن الله قال له في تلك الساعة: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ [طه ٦٨، ٦٩]. وقالوا لما ألقوها: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء ٤٤] الباء للسببية. و﴿عِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾: غلبته وقهره، وفي تقديمهم هنا للعزة دليل على أنهم لا يعتزون بغيره، وأنهم لا يرون أن ينتصروا بسوى عزته. وقولهم: ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ أكدوها بـ (إن) واللام؛ لأنهم يعتقدون تلك الساعة أنه لا أحد أقوى من فرعون، وأنهم بعزته سيغلبون لا محالة؛ ولهذا أكدوها بقول: ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾. ثم أتوا بالجملة الاسمية: ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ إشارة إلى أن هذه الغلبة ستدوم وتستمر؛ لأن الجملة الاسمية تدل على الثبوت والاستقرار والدوام. وفي قوله: ﴿إِنَّا لَنَحْنُ﴾ إذا أعربنا (نحن) ضمير فصل، فيه ما يستفاد من ضمير الفصل؛ وهو التأكيد والحصر والفصل؛ يعني: إنا لنحن الغالبون دون غيرنا بهذه العزة العظيمة التي كانوا يعتقدونها حين ذاك، ويش تقول؟ * طالب: سؤالي يا شيخ: (لعل) (...) للتعليل، ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾. * الشيخ: يمكن، لكن للترجي أبين. * الطالب: أبين من التعليل. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ﴾ بوحي خاص من الله كما في سورة طه: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [طه ٦٨، ٦٩] ألقى موسى عصاه. ﴿﴿فَإِذَا هِيَ تَلَقَّفُ﴾ ﴾ بحذف إحدى التاءين من الأصل: تبتلع ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾. ﴿﴿تَلَقَّفُ﴾ ﴾ ولم يُشِر المؤلف إلى القراءة الثانية وهي ﴿تَلْقَفُ﴾. أما قراءة: ﴿تَلْقَفُ﴾ فليس فيها حذف إحدى التاءين، وأما ﴿﴿تَلَقَّفُ﴾ ﴾ ففيها حذف إحدى التاءين وأصله فتتلقف ومعناهما واحد يعني: تبتلع، لكن ﴿﴿تَلَقَّفُ﴾ ﴾ تفيد معنًى زائدًا على ﴿تَلْقَفُ﴾ وهي تفيد التتبع؛ يعني: كأنها جعلت تتبع حتى أفنتها كلها؛ لأنها إذا كانت كثيرة أمامها ما تتبعها، والسبب أنها ما تتبعها؛ لأنها كثيرة، أي جهة تأخذ تلقف؟ لكن لما فنيت وقلَّت صارت حبلًا هنا وحبلًا هنا وحبلًا هنا، فهي تَتَلقَّفه؛ تتبعه. وقوله: ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ يقلبونه بتمويههم، فيخيلون حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى. ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ الإفك: الكذب، وهذا كذب بالفعل ولَّا بالقول؟ * طلبة: بالفعل. * الشيخ: كذب فعلي؛ لأن الكذب القولي يكون باللسان وهو إخبار الإنسان بما لا يوافق الواقع، والكذب الفعلي يكون بالفعل وهو إظهار الإنسان الفعل بخلاف الحقيقة. فهؤلاء أظهروا أن هذه الحبال والعصي حيات، لكنها ليست كذلك ليست حيات. يقول: هذا كذب بالفعل؛ لأنهم أظهروها حيات وليست كذلك، وإنما هي حبال وعصي. وقد زعم بعض العلماء: أن السحر لا حقيقة له، واستدلوا بقوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه ٦٦]. والصواب أن له حقيقة؛ حقيقته: هذا التخييل. طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، يؤثر في التصور، وفي الإحساس، وما أشبه ذلك، أما أن يؤثر في قلب الحقائق فلا؛ لأن هذا من صفات الخالق. لما رأى السحرة وهم أعلم الناس بالسحر وآثاره وتأثيره، لما رأوا ما تفعله هذه العصا التي وضعها من يده وهم يشاهدون؛ عرفوا أن الأمر ليس بسحر؛ لأن سحرهم أقوى ما يكون من السحر وأكثره، كل السحرة الذين في مصر، وكان السحر في ذلك الوقت أيضًا شائعًا؛ ولهذا جاء في آية موسى بشيء يشبهه بنوع منه، ولكن هم عرفوا أن هذا ليس بسحر، وأنه فوق طاقة السحرة، فماذا حصل؟ ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء ٤٦ - ٤٨]. ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ ولم يقل: (فسجد السحرة) كأن هذا السجود أمر اضطراري؛ لقوة ما دفعهم إليه؛ يعني لا كأنه أمر اختياري لكن لقوة الدافع صار كأنهم أُلقوا إلقاءً بدون اختيارهم. ﴿أُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ و﴿السَّحَرَةُ﴾ (أل) للعموم؛ يعني جميع السحرة مع مهارتهم ومعرفتهم أُلقوا ساجدين، ساجدين لمن؟ لله؛ بدليل قولهم: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾، وليسوا ساجدين تعظيمًا لعصا موسى، لا؛ لأن تصريحهم بالإيمان دليل على أنهم ساجدون لله سبحانه وتعالى. ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ هذا البدل من أحسن ما يكون بعد العموم. ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لأن موسى كان يقول: إنه رسول رب العالمين، فقالوا: آمنا برب العالمين، وكان فرعون أيضًا يقول: إنه رب العالمين، فأخرجوا ربوبية فرعون بقولهم: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾؛ لأن فرعون، وإن كان يدعي أنه رب العالمين لكنه ليس رب موسى وهارون؛ لأن موسى وهارون منكرانِ ربوبيته؛ فلذلك كان هذا البدل من أحسن ما يكون في بيان المراد برب العالمين. وإتيانهم ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ دون أن يأتوا مباشرة برب موسى وهارون؛ إشارة إلى أنهم آمنوا برسالة موسى؛ لأن موسى قال: أنا رسول رب العالمين، ما قال: أنا رسول ربي. قال: رب العالمين. هذا هو فائدة البدل في قوله: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾. والترتيب هنا بين موسى وهارون ترتيب يُطابِق الواقع، فإن مرتبة موسى أعلى من مرتبة هارون؛ لأن موسى من أُولي العزم ولكن الترتيب اختلف في سورة طه: ﴿رَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] من أجل مراعاة الفواصل، وفي هذا دليل على أن القرآن الكريم، وكل كلام فصيح قد تُراعى فيه الفواصل والنغمات لكن في الأمر المعلوم، فهنا من المعلوم أن موسى أفضل، وترتيبه في الذِّكر لا أحد يتوهم أن هارون أعلى منه مرتبة. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، لكن التقديم له مزيته، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر.]]. (﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ لعلمهم بأن ما شاهدوه من العصا لا يتأتى بالسحر) فلما آمنوا هذا الإيمان، وأعلنوه إعلانًا غير مبالين بما ينتج وراء ذلك؛ لأن الإيمان الصادق يقضي على كل عاطفة، فعاطفة حب النفس أمر جبلي فطري، لكن الإيمان يقضي عليها؛ ولهذا الإنسان يعرض نفسه للهلاك حينما يخرج مجاهدًا في سبيل الله، وهو يعرف أن سيوف القوم قد تبتر رقبته، لكنه لا يُبالي كذلك أيضًا الإنسان ينسى العاطفة بينه وبين أقاربه حتى إن الرجل ليقتل أباه إذا كان من الكفار. فهنا قالوا مُعلنين هذا الإعلان غير مُبالين بما ينتج، وفي ظني أنهم سيعلمون أنه سينتج عن ذلك أمر عظيم؛ لأن فرعون جاء بهم سلاحًا له، فإذا خانوه في هذا المجتمع العظيم وهو يوم الزينة فالعقوبة أكبر إلا أنهم غير مبالين بهذا لما أشرنا إليه قبل. قال: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ﴾ [الشعراء ٤٩] هذا قول فرعون: ﴿﴿قَالَ أَأَمَنْتُمْ﴾ ﴾ وكلمة ﴿قَالَ﴾ أتت بالفصل ولَّا بالوصل؟ موصولة ولَّا مفصولة مع الأولى؟ هي مفصولة؛ لأن الوصل هو العطف بالواو وما عدا ذلك فهو فصل، فهي مفصولة لكن تدل على وقوع هذا الشيء مباشرة كأنه جواب على فعلهم؛ يعني فماذا كان الأمر؟ (﴿﴿قَالَ أَأَمَنْتُمْ﴾ ﴾ بتحقيق الهمزتين -﴿﴿أَأَمَنْتُمْ﴾ ﴾- وإبدال الثانية ألفًا -﴿آمَنْتُمْ﴾ - ﴿﴿لَهُ﴾ ﴾) . (﴿﴿قَالَ أَأَمَنْتُمْ لَهُ﴾ ﴾ لموسى ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ﴾ أنا ﴿لَكُمْ﴾ ) هذا أمر لا يكون عادة من هؤلاء ولا من غيرهم؛ أن يؤمن أحد لعدو فرعون بدون إذنه. وفي قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ إشارة إلى أن الرجل قد سيطر عليهم سيطرة كاملة، وأنهم لا يتصرفون بشيء إلا بإذنه. ﴿إِنَّهُ﴾ والاستفهام في قوله: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ للإنكار والتوبيخ. ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْر﴾ شوف التمويه قال: غريب يعني، وهذا في الحقيقة مظهر ضعف منه، كيف يكون كبيرهم الذي علمهم السحر وهم قد حُشِروا من المدائن؟ حتى وليسوا مع موسى في مدينته؟ فيقال: إنه علمهم، بل هم في مدائن متباعدة. وكيف يمكن أن يقال: إنه كبيرهم الذي علمهم السحر وهم قد وضعوا حبالهم وعصيهم ليقضوا عليه؟ لأن من علمهم السحر فإنهم لا بد أن يخافوا منه. وكيف يقال: إنه علمهم السحر وهم قد تعزوا بعزة فرعون ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء ٤٤]، وهم يعلمون أن فرعون خصم لموسى؟ لكن هذا من باب التمويه على قومه، وقومه كما قال الله فيهم: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف ٥٤] يعني عقولهم بالنسبة لفرعون لا شيء، خفيفو العقول والتفكير ما يعرفون شيئًا سوى فرعون أنه إلههم. ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [الشعراء ٤٩] وقلنا: إن هذا باطل من الأوجه الثلاثة أو الأربعة التي ذكرناها، وأنه لا يمكن، لكن هذا مظهر ضعف من فرعون بلا شك؛ يعني كأنه يقول الآن: أنتم اجتمعتم عليَّ، وتحاشمتم علي، أنتم ومعلمكم، ثم لجأ إلى التهديد كعادته فقال: (﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما ينالكم مني) ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الشعراء ٤٩]. قوله: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. هذا تهديد بأمر مبهم ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وقد ذكرنا أن الإجمال، ثم التفصيل من فوائده: تشوق المخاطب إلى تبيين هذا المجمل، وإذا كان وعيدًا فإنه يتشوق ذلك لكنه يكون خائفًا جدًّا؛ لأنه لا يدري ما هذا المبهم الذي وعد به. بيَّنه بقوله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ﴾ واللام واقعة في جواب القسم بدليل أنه مؤكد ﴿لَأُقَطِّعَنَّ﴾. وقوله: ﴿أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ جمع (يد) و(رجل). و﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ يعني متخالفة، إذا قطع اليد اليمنى قطع الرجل اليسرى، وإذا قطع اليد اليسرى قطع الرجل اليمنى، وليس معنى ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ إني أخالف بينكم، فمنكم من أقطع يديه ومنكم من أقطع رجليه، بل هذا واقع على محل واحد، الخلاف في محل واحد يعني كل واحد منكم أقطع يده ورجله متخالفتين، وهذا في شريعتنا حد قُطَّاع الطريق؛ يعني أحد ما يحد به قطاع الطريق هو هذه أن تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يعني بعد أن أفعل هذا أصلبنكم أجمعين، يعني كما قال في آية أخرى: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه ٧١]، وهو يشير إلى أن في مصر نخلًا، هو وَعَدَهُم بذلك. والصلب الربط، وهل يُشترط أن يكون المصلوب ممدود اليد أو لا؟ ليس بشرط. المهم أن يُربط ربطًا محكمًا على خشبة الصليب. * طالب: بعد الموت أو قبله؟ * الشيخ: لا، قبل الموت؛ لأنه قال: أُقَطِّع ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ [الشعراء ٤٩] فهم.. * طالب: الصلب في آية قُطَّاع الطريق. * الشيخ: الصلب في آية قُطَّاع الطريق اختلف فيه العلماء: هل يكون قبل الموت أو بعده؟ فالمشهور من مذهبنا: أنه بعد الموت، ولكن الصحيح أنه قبل، أنهم يصلبون قبل؛ لأنهم إذا صُلِّبوا قبل نالوا الألمين؛ الحسي والنفسي أو القلبي، لكن إذا صُلبوا بعد الموت هم ما ينالون شيئًا أبدًا، ثم إن في تصليبهم بعد الموت مثل ما يقولون العوام: (...) لا فائدة منه؛ ولهذا لما قيل لأسماء بنت أبي بكر رضى الله عنه وعنها: إن الحجاج فعل كذا وكذا بعبد الله بن الزبير بعد موته، فقالت رضي الله عنها: وما يضر الشاة سلخ جلدها بعد موتها؟ لأن هذا الشيء ما يؤثر. كان جوابهم: ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء ٥٠]. (﴿لَا ضَيْرَ﴾ لا ضرر علينا في ذلك) ما شاء الله يعني لقوة إيمانهم قالوا: هذا ما يضرنا ولا يؤثر. وفي هذا من التحدي وإظهار القوة والشجاعة ما هو ظاهر؛ لأنهم يُخاطبون أعتى أهل الأرض وهو فرعون يقول: لا ضير، افعل ما تريد، ما يهمنا، وصدقوا أنهم لا ضير عليهم في ذلك ما دام تعذبيهم هذا في ذات الله، فهم هنا إنما يُعذَّبون في ذات الله فقط، هذا لا يضرهم أبدًا، بل يزيدهم رِفْعَة؛ ولذلك كان ذكرهم إلى يوم القيامة، أشاد الله تعالى بذكرهم في القرآن، وسيبقى إلى يوم القيامة، وهذا فيه أكبر منفعة. (﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا﴾ بعد موتنا بأي وجه كان ﴿مُنْقَلِبُونَ﴾ راجعون في الآخرة). يقول يعني مهما كان حتى لو بلغنا إلى الموت فإن النهاية أننا سنرجع إلى ربنا، ورجعونا إلى ربنا خير من الدنيا؛ لأنهم يرجعون إلى نعيم أبدِيٍّ، لا يماثله شيء من نعيم الدنيا. وفي سورة طه: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه ٧٢] يعني اقضِ ما تريد غاية ما يكون أن يكون تعذيبك موصلًا إلى الموت، وإذا أوصل إلى الموت فالنتيجة إنما تقضي هذه الحياة الدنيا؛ مما يدل على أنهم صادقون في الإيمان، وأن إيمانهم راسخ جدًّا، وفي هذا من آيات الله سبحانه وتعالى وبيان قدرته ما هو ظاهر. كيف يعني في لحظة واحدة انقلب الكفر العظيم إلى إيمان عميق؟ بلحظة يعني بمجرد أن رأوا ما تفعله عصا موسى انقلبوا بعد الكفر مؤمنين؛ ولهذا قال بعض العلماء: أصبحوا كفارًا سحرة، وأمسوا شهداء بررة، وهذا صحيح أنهم كانوا بررة وأتقياء وكانوا من أقوى الناس إيمانًا وجهادًا في سبيل الله. ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء ٥٠]. وفي هذا أيضًا دليل على إيمانهم بالبعث؛ لقولهم: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ فهم يؤمنون بلقاء الله سبحانه تعالى وهو من أصول الإيمان. (﴿إِنَّا نَطْمَعُ﴾ نرجو ﴿أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾ أي بـ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في زماننا) ﴿نَطْمَعُ﴾ [الشعراء ٥١] يعني نرجو ونُؤمِّل، وهذا الطمع مما يُمدح عليه العبد لكن متى؟ إذا فعل أسبابه، أما إذا لم يفعل أسبابه فإنه من الأماني الباطلة، كما جاء في الحديث: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنِ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (١٧١) من حديث شداد بن أوس.]]. هم أكدوا أنهم يطمعون في مغفرة الله؛ لأنهم فعلوا السبب وهو الإيمان بعد الكفر وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨] فهم طمعوا هذا الطمع المعروف لسببه وهو مدح. وقولهم رضي الله عنهم: ﴿أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾ (الغَفْر) تقدم أن معناه ستر الذنب والعفو عنه. وقولهم: ﴿خَطَايَانَا﴾ جمع (خطيئة)، وهل الخطايا والسيئات واحدة أو بينهما فرْق أو يفرق بينهما عند الاجتماع فقط؟ * طلبة: عند الاجتماع فقط. * الشيخ: عند الاجتماع فقط، يُفرَّق بينهما، وأما إذا أُفرد إحداهما فإنه يشمل الآخر، في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ إلى أن قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران ١٩٠ - ١٩٣]. ففرقوا بين الذنوب والسيئات، الذنوب طلبوا مغفرتها، والسيئات طلبوا تكفيرها؛ لأنها من الصغائر التي تُكفِّرها الأعمال الصالحة. والسيئات المراد بها هنا الكبائر التي لا تزول إلا بمغفرة لا بتكفير. ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٥١] هذا ليس من باب الإدلال على الله والمن عليه بكونهم أول المؤمنين ولكن من باب التحدث بنعمة الله، الذي يرونه سببًا ووسيلة لمغفرة الذنوب؛ لأن السبق إلى الإيمان وإلى العمل الصالح منقبة، ومن أسباب الرتب العالية؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠]. فالسبق إلى الإيمان والعمل الصالح له مزيته ومرتبة صاحبه، كذا؟ * طالب: قوله: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ [الشعراء ٤٩] وفي آية الأعراف ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [الأعراف ١٢٣]؟ * الشيخ: إي نعم، في الأصل بينهما فرق، (آمَنَ به) أقر به واعترف إيمانًا كاملًا، و(آمَنَ له) مضمنة معنى انقاد. * طالب: (...). * الشيخ: انقاد له، قد تكون أقل، وقد تكون أكثر، انقاد له مع الإيمان؛ لأنك إذا جمعت بين الآيتين هنا صارت أبلغ؛ يعني كأنهم آمنوا إيمانًا به، ثم آمنوا له فانقادوا له. * طالب: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾ [طه ٧٢ - ٧٤]. * الشيخ: يعني قصدك ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ﴾. * الطالب: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. * الشيخ: لا ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ من كلامهم هم، إي نعم، لكن ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ قد يحتمل أنه كلامهم أو من كلام الله. * طالب: هنا السحرة هؤلاء (...) هم اللي يعني هم آمنوا هم (...) أو هؤلاء قُتلوا. * الشيخ: مَن؟ * الطالب: السحرة اللي آمنوا (...). * الشيخ: هم (...) من؟ * الطالب: بعدين موسى (...). * الشيخ: لا، بنو إسرائيل. * الطالب: بنو إسرائيل، هؤلاء قُتلوا على طول. * الشيخ: هذا إما أنهم قتلوا على طول وإلا أنهم ما صار منهم شيء لكن أما اللي آذوه هم قومه. * الطالب: إي، هم ما آمنوا. * الشيخ: مَنْ؟ * الطالب: بنو إسرائيل ما كانوا مؤمنين؟ * الشيخ: في هذه المعالجة ما كانوا مؤمنين إطلاقًا، أو كانوا مؤمن بعضهم يعني، ما أعرف؛ لأن أصل إنزال التوراة بعد ذلك ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣]. * طالب: في قول الله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ (...) لأنه إذا قطع اليمنى، وبقيت اليسرى، ما فيه إنسان يستطيع أن يتكئ على (...)؛ لأنه إذا قطع يده ورجله (...) واحدة ما يستطيع (...) هل هذا يعني أشد (...)؟ * الشيخ: لا، هو من جهة أشد، ومن جهة أخف، من جهة أشد أنه يصير الألم مع الجانبين، ومن جهة أخف، وهذا هو الظاهر أنه أراد هنا؛ لأنه فيما يبدو -والله أعلم- أنهم قتلوا في آخر الأمر. * الطالب: الظاهر أنهم كلهم كذلك. * الشيخ: لأن قول بعض العلماء: شهداء بررة يدل على أنهم قُتلوا، أنا ما أعرف الآن. * الطالب: (...) بعض العلماء (...). * الشيخ: يحتاج إلى تثبُّت هذا. * الطالب: الظاهر أنهم كلهم كذلك. * الشيخ: كلهم أيش؟ * الطالب: ما في ولا واحد مثلًا. * الشيخ: من السحرة؟ * الطالب: إي. * الشيخ: كلهم آمنوا ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ ويش كلمة (أل) هذه؟ * طلبة: للعموم. * الشيخ: للعموم، كلهم آمنوا، وإيمانهم كامل ما هو إيمان بعد. * طالب: من خاف الله سبحانه جنته دون خدمته. * الشيخ: من اللي يقول؟ * الطالب: بعض العلماء (...). * الشيخ: أبدًا، هو فيه خدمة وجنة؟ * الطالب: لأنهم لم يعملوا. * الشيخ: أولًا: كلمة (خدمته) هذه غير واردة، والحقيقة ما ينبغي أن تستعمل بجانب العبادة، الله ما مدح الناس؛ لأنهم خدموه؛ لأنهم عباده؛ ولهذا هذا التعبير اللي يكتب في كتب الوعظ الحقيقة يجب أنه يلاحظ. ثانيًا: أن نقول: كل إنسان يعمل هو يعمل لله سبحانه وتعالى تعبُّدًا له ورجاءً لثوابه، وقد وصف الله أفضل الخلق وأعلاهم مرتبة محمد رسول الله ﷺ ومَنْ معه، فقال: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]. وقال الرسول عليه الصلاة والسلام لما قال الأعرابي: أنا لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، وإنما اسأل الله الجنة، وأستعيذ به من النار، فقال: «حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ»[[أخرجه أحمد في المسند (١٥٨٩٨)، وأبو داود (٧٩٢) من حديث بعض أصحاب النبي.]]. بعض العارفين -كما يقولون- يقول: يجب أن تعبد الله لله لا لحظ نفسك، وهذا من قال لك هذا؟ قال: تعبد الله لما ترجو من ثوابه تبارك وتعالى وهو الحقيقة، وهذا الذي وصف الله به عباده، هذا اللي قلت لخدمته لا جنته، كذا؟ * الطالب: لخدمته لا جنته. * الشيخ: أقول: يعني أو يعبدون الله في خدمته لا جنته، يعني يقولون: الأفضل أن تعبد الله لخدمته لا لجنته، ويرون أن من يعبد الله في جنته ناقصًا. * الطالب: عبدت الله لا لجنته ولا خوفًا من ناره ولكن حُبًّا في ذاته. * طالب آخر: يقولون: ابن الفارض في مرض الموت كان تهيأ له، يقولون: رأى الجنة فصار يصرخ ويصيح: ما لهذا عملت، ما لهذا صليت، وإنما حُبًّا لك. * الشيخ: حُبًّا لك، وهو يراه في كل (...)، أعوذ بالله. * طالب: الجمع بين.. يعمل حُبًّا لله سبحانه وتعالى وطلبًا للجنة (...). * الشيخ: هو الحقيقة؛ لأن الوصول إلى الجنة وصول إلى الله؛ لأن أهل الجنة يرون الله سبحانه وتعالى. * الطالب: لا أقصد أن الإنسان كان عمله لأجل الجنة فقط، ربما يكون شعوره شكر الله (...). * الشيخ: شعوره بأيش؟ * الطالب: شعوره داخليًّا بتعظيم الله سبحانه وتعالى خلاه يعمل بهذه السجية، فإذا (...). * الشيخ: والله ما أدري، أنا في الحقيقة أنا أرى أن أفضل ما يكون ما درج عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه. * الطالب: (...). * الشيخ: شكورًا لله. * الطالب: شكورًا لله سبحانه وتعالى. * الشيخ: هو ما ينافي أن يكون يحب الله ويسعى للوصول إلى جنته ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾. * طالب: والفضل لا يكون إلا بعد الرضا. * الشيخ: وأيضًا هذا الفضل والرضوان يتضمن محبة الله. * طالب: وبعدين يا شيخ كلما زادت المحبة كلما زاد الأجر عليها. * الشيخ: إي، ما فيه شك، الإنسان يُؤجر المحبة. * الطالب: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران ٣١]. * الشيخ: إي، ما أحد ينكر محبة الله، ولا أحد ينكر أنه.. حتى كونك تعمل لتصل إلى رضوان الله فهذا محبة لله، وإلا كان يقول: يرضى ولَّا ما يرضى، ما يهم، ينعم ولَّا ما ينعم، ما يهم، لكن كونه يقول: لا، اعمل لذات الله مثل هذا (...) ما هو صحيح. * طالب: قال رحمه الله تعالى في فوائد هذه الآيات: إن عبادة المؤمنين من رحمة الله سبحانه وتعالى لهم وذلك من قوله سبحانه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان ٦٣]. * الشيخ: هذه موجودة عندكم؟ * طالب: بصيغة ثانية. * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: أن عبودية المرء لله تجذب له الرحمة من الله. * الشيخ: إي، لا، هذه غير دي. * الطالب: يدعو الذين وُفِّقوا لهذه الخصال بسبب رحمته. * الشيخ: هذه قريبة منها. * طالب: أن صفة العبودية (...). * الشيخ: هذه غير. * طالب: أن العبادة سبب للرحمة، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ فإضافة العبادة إلى اسم الرحمن خاصة دون غيرها. * الشيخ: يعني هذه فائدة أنهم يعبدون الله للوصول إلى رحمته. * طالب: أن من صفات عباد الرحمن عباده المؤمنين المشي على الأرض بسكينة ووقار ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣]. * الشيخ: علي عنده فائدة أيضًا وهي تقسيم العبودية إلى عامة وخاصة، كذا؟ * الطالب: (...) إثبات العبودية الخاصة وهي عبودية النبي. * الشيخ: إي، وأيضًا هذه ربما نقول: يستفاد من هذه الآية: أن وصف الإنسان بالعبودية من مراتب الكمال؛ ولهذا قال: ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾. * طالب: تشريفهم، حيث نسبهم إليه. * الشيخ: إي نعم، هذه أيضًا فائدة غير اللي أنا (...). * الطالب: نعم، غير (...). * الشيخ: نقول: وصف العبودية مُطلقًا من مراتب الكمال من إضافتهم إلى الله ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ هذا من باب التشريف والتكريم. * طالب: قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ (...). * الشيخ: هذه ذكروا فيها فائدتين؛ أولًا: أن عبادتهم من رحمة الله بهم. والثانية: أنهم يأتون بهذه العبودية الرحمة. * طالب: قلنا: إن من صفات عباد الرحمن المؤمنين المشي على الأرض بسكينة ووقار ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. خامسًا: التعريض بالمستكبرين الذين يمشون على الأرض مرحًا من قوله: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. * الشيخ: التعريض بذمهم. * الطالب: بذمهم نعم. * طالب آخر: نقول هنا: من صفاتهم عدم إيذاء الغير ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. * الشيخ: منين نأخذه؟ من قوله: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. * الطالب: يعني من سجيتهم يعني السكينة. * طالب آخر: ﴿إِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾. * الطالب: نعم، أحسنت ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. * الشيخ: لكن تكون هذه وصف حتى لو ما كان في المكان أحد ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ لو ما كان حولهم أحد يخشون من إيذائه، ولو قلنا بالسكينة والوقار تشمل الصور الممكنة. * الطالب: (...). * الشيخ: أنهم ما يؤذون أحد بمشيهم. * طالب: (...) قوله: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. * الشيخ: يعني يشمل المشي الحسي والمعنوي، كذا؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: يمكن. * طالب: ترغيب، ذكرناها ترغيب في الطمأنينة والتأني في جميع أنواع السعي، ومنها السعي المعنوي (...) طلب الرزق والعلم. * الشيخ: أيش عندك أنت؟ * طالب: نعم، نفس اللي يمشون على الأرض، فيه بيان صفة من صفات هؤلاء الأفاضل، وكأن الله سبحانه وتعالى رد على سؤال قد يحدث منهم مَنْ هم هؤلاء العباد؟ ولماذا استحقوا هذا الوصف الجميل حيث أضافهم إلى نفسه، (...) من صفاتهم التواضع، حب الخير، والبعد عن العلو والعزة التي لا تنبغي إلا لله وحده، وأن من أحب أن يكون من العباد الصالحين عليه أن يعرف صفة من صفاتهم وهى التواضع ولين الجانب. * طالب آخر: العزة من صفات المؤمنين ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨]، يقول: والبعد بمعنى عزة! * الشيخ: الاعتزاز بالنفس قصدك؟ * الطالب: لا، عزة دون عزة. * الشيخ: إي، كفر دون كفر. * الطالب: لا، يعني العزة التي تختص بالله. * الشيخ: قصدك الكبر يعني؟ * الطالب: نعم، الكِبْر. * الشيخ: على كل حال، أنا لي اعتراض على هذا، ما هو من ناحية هذه المسألة، لكن من ناحية أنه جاء مرسلًا هكذا كأنه كلام (...). وبيان الفوائد في الغالب يكون مركزًا، ما يصير كذا كلامًا مرسلًا كأننا نتكلم في خطبة، هذا كأنه شرح معنوي، وهذا من حيث الأسلوب قاصر، إلا هو تام يعني الكلام ما فيه شيء نقص في المعنى، لكنه من جهة الأسلوب (...) الفوائد خليها مركزة لأجل ما يتشتت الذهن، يلتقطها حبة حبة. * طالب: في قوله: ﴿يَمْشُونَ﴾ أن الإنسان الموفَّق يستطيع أن يجعل من العادة عبادة المشي وهو عادة (...). * الشيخ: إي، إذا كانوا يلاحظون هذا، وهو الظاهر، الظاهر أنهم يلاحظون هذا؛ يعني ليس أمرًا عاديًّا أو من سجيتهم هذا، وإنما هذا تعمد. * طالب: إثبات صفة الرحمة لله، وإثبات الرحمن صفة لله تعالى. * الشيخ: هذا لا بد منه، فيه أيضًا إثبات اسم الرحمن وصفة الرحمة، صحيح. * طالب: قوله: ﴿يَمْشُونَ﴾ لم يقل: وعباد الرحمن الذين يسيرون على الأرض هونًا، في هذا إشراك بأن عباد الرحمن (...). * الشيخ: أيش الفرق بينهما؟ * الطالب: لو قال: يسيرون ربما يسيرون على مراكبهم، يسيرون (...). * الشيخ: حتى هذا إذا سار الإنسان على مراكبه ما هو بظاهر، حتى السير يكون على القدمين أيضًا، والمشي يكون على القدم وعلى المركوب. * طالب: (...). * الشيخ: المهم هذا لاحظوها اللي قال الأخ إثبات اسم الرحمن الرحمن وصفة الرحمة لله سبحانه وتعالى. * الطالب: الحث على الحلم من قوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ أنهم لا يقابلون السيئة بمثلها، بل يقولون (...)، وبعدها فائدة الحث على الحلم، التعريض بذم الجهل وأهل الذنوب من قوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ أن من صفات عباده المؤمنين (...) إذا خاطبهم الجاهلون التزامهم بالقول الذي يسلمون فيه من الإثم (...). * الشيخ: طيب (...) ثلاث فوائد، ويش عندكم؟ * طالب: أقول: إنه إذا ذكر الأول (...) سلامًا أي مناسبة لحال المعتدي، وقد يردون عليهم ردًّا قويًّا يناسب حالهم لا يكون حلمهم دائمًا (...) أنهم إذا جُهل عليهم يردون الرد المناسب لحال المعتدي (...). * الشيخ: الحلم يمكن؛ لأن الحِلم ليس معناه العفو مُطلقًا قد يكون الحلم بعدم الاعتداء أيضًا يُسمى حلمًا، وهذا يسلمون به من الإثم إذا لم يعتدوا. لكن عندي أيضًا فائدة أهم من هذا كله الحقيقة؟ * الطالب: أن الله يحب من عباده (...)، وأنه لا ينبغي مقابلة الجاهل بجهله (...) بيان القرآن لهذا الأدب الجميل (...) ومقابلة المسيء بالإحسان مشروعية العفو عن الجاهل أن حُسْن معاملة الخلق بالإضافة للخالق. * الشيخ: إي نعم. * طالب: فيه أن (...) والاعتداء بالقول على الآخرين من الجهل. * الشيخ: لقوله: ﴿إِذَا خَاطَبَهُمُ﴾. * طالب: (...) المؤمن بالحكمة. * الشيخ: إي، هذه، أنا أريد هذا؟ * الطالب: وأن المؤمن يجب عليه تحمل الأذى. * الشيخ: الحكمة هذه أهم من الحِلم، والحِلم هذا وضع طيِّب، لكن الحكمة مهمة؛ لأن قولهم: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ ما قال: إذا خاطبهم الجاهلون سكتوا، بل يقول: قالوا، لكن سلامًا يسلمون به مثلما قلنا في الشرح والتفسير من الإثم والأذى ومن المهانة والذل. المهم: سلامًا من كل النواحي، فإذا كان الإغلاظ (...) السلامة أغلظوا، إذا كان بالنسبة للي أعرضوا. المهم أنهم لا يفوتون الأمر ولكنهم لا يقولون قولًا تكون عاقبته سيئة بل يقولون: سلامًا. * طالب: بيان أن هؤلاء القوم لا ينتقمون لأنفسهم عندما يسمعون الكلام من جاهل لا يعقل، ما يقوله؛ لأنه كيف يحق لهذا الرجل العالم العاقل أن يأخذ من لا يعقل وفيه دليل على أن الجهل وضعف العقل متقاربان. * الشيخ: متقاربان؟ * الطالب: من قوله. * الشيخ: إذن الجهل هنا المراد به سيئ التصرف، ما هو المراد به ليس بعالم. الخلاصة الآن كم ترى عندنا من الفائدة على الجملة هذه؟ * طلبة: أربعة أو خمسة. * الشيخ: أربعة أو خمسة، نعيدهم أولًا يلَّا اقرأهم علينا. * طالب: (...). * الشيخ: هذا ما لم يكن الحلم سكوتًا وذلًّا. * طالب: (...) حكمة والتعريض بذم الجهل وأهل السوء من قوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ وأن من صفات عباد الله المؤمنين إذا خاطبهم الجاهلون التزامهم بالقول الذي يسلمون فيه من الإثم (...) والأذى والحلم. * الشيخ: طيب، فيه فائدة (...). * طالب: أن المؤمن يجب عليه تحمل الأذى. * طالب آخر: أن معاملة الناس بالحسنى هي التي ترضي الله. * الشيخ: طيب. * طالب: ما يؤخذ من هذه الآيات. * الشيخ: من يقرؤها (...). * الطالب: يؤخذ يا شيخ.. * الشيخ: يؤخذ من هذا نفسه أن نعامل الناس بالحسنى منين؟ * طالب: لأنه ذكرهم في صفات عباده. * الشيخ: إي، بس ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ قد يكون ما هي معاملتهم بالحسنى من السلامة، قد يكون معاملتهم بما يستحقون أذى، ربما يؤخذ منها ما ذكر الله في سورة الشورى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى ٣٩]، وأن الرجل لا يُذم إذا عارض الجاهل بما يستحقه؛ يعني فليس السكوت خيرًا مطلقًا وليس القول خيرًا مطلقًا، إنما اتباع الحسنى فى ذلك هو الخير ولكل مقام مقال ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة ٢٦٩]، قد يريد الإنسان الحكمة ولكن لا يوفق لها. * طالب: ما فيها دليل على إباحة المجاملة في بعض الأحوال؟ لأنه ربما لا يسلمون إلا بالمجاملة. * الشيخ: ما يخالف، المجاملة ما دام قولًا سلامًا (...) المجاملة، مثلًا لو أرادوا أن يلينوا القول ضد إغلاظ هؤلاء، وهو مما يسلمون به لكن سلامًا حسيًّا ومعنويًّا فلا بأس. * طالب: ما لم يكن منكرًا. * الشيخ: نعم، ما لم يكن منكرًا. * الطالب: يغضب. * الشيخ: إي، لكن كلمة ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ﴾ يدل على أن الخطاب موجه لهم، أما لو سبوا الله، لا. على كل حال ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ هذه ميزان حكمة. * طالب: (...) ذكرنا مراعاة حال المعتدي ورده بما يناسب المقام. * الشيخ: إي، هذه من الحكمة؛ لأنك إذا أثبت أن هذا يدل على حكمتهم. * الطالب: هذا مما يدل. * الشيخ: يكون الباقي صور. * طالب: معاملة الجاهل بما يليق به ليس (...). * الشيخ: ليس أيش؟ * الطالب: ليس (...). * الشيخ: هذا تبعًا (...) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. * من فوائد الآيات السابقة: أن موسى عليه الصلاة والسلام لما قال: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقونَ﴾ [الشعراء ٤٣] ألقوا حبالهم وعصيهم، واستعانوا بغير معين فقالوا: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾. * وفيه أيضًا: أن موسى عليه الصلاة والسلام ألقى عصاه بأمر الله حين أوحى إليه ألَّا يخاف، وأن يلقي ما في يمينه. * وفيه أيضًا من فوائدها: أن الحق إذا تبين كان أعلم الناس به من يعرف هذا الحق، فإن موسى عليه الصلاة والسلام أول من تبين له أن ما جاء به الحق وأنه ليس بسحر هم السحرة الذين عرفوا السحر وباطله، فالذي يعرف الحق هو الذي يعرف الباطل، أما من لا يعرف الباطل فإنها قد تلتبس عليه الأمور؛ ولهذا قيل: بضدها تتبين الأشياء. * وفيه أيضًا: مبادرة السحرة إلى الإيمان، حتى إن الإيمان كان كأنه أمر اضطراري ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ لقوة ما شاهدوا من الآيات التي لم يتمكنوا معها أن يتأخروا. * طالب: الفائدة التي ذكرت الأخيرة. * الشيخ: أقول: لما رأوا الآيات ما أمكنهم أن يتأخروا عن الإيمان فكأنهم أُلْقوا اضطرارًا. * وفيه أيضًا: شدة تمويه فرعون حين قال: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ مع أنه يعلم أنه ليس بين موسى وبين هؤلاء السحرة شيء من الاتصال، ولكنه لقوة تمويهه أراد أن يموه بهذا الكلام الذي ليس بمعقول. * وفيه: قوة جبروته حين هددهم بقطع الأيدي والأرجل من خلاف، ثم الصَّلْب. * وفيه أيضًا من الفوائد: قوة إيمان هؤلاء السحرة الذين تحدوا فرعون بجبروته، وقالوا: إنه لا ضرر علينا فيما هددتنا به؛ لأننا سننقلب إلى الله سبحانه وتعالى ويعطينا من الأجر والثواب أكثر مما فقدنا من هذه الحياة الدنيا، كما قال في سورة طه ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه ٧٢]. * وفيه أيضًا: أن الإيمان إذا صدق صار أقوى من العاطفة فحب النفس أمر فطري، ولكن الإيمان يؤدي إلى أن ترخص النفس عند المرء في جانب دينه. * وفيه أيضًا: قوة رجاء هؤلاء السحرة في الله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾. * وفيه: دليل على أن السبق إلى الإيمان من أسباب المغفرة والرفعة؛ لقولهم: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقد دل على ذلك الكتاب في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠]. ولما تخاصم عبد الرحمن بن عوف، وخالد بن الوليد قال النبي ﷺ: «يَا خَالِدُ، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي». مهلًا يا خالد «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. * وفيه أيضًا: أن الإطلاق يقيده قرينة؛ لقولهم: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأن المراد ﴿أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في وقتهم، وإلا فقد آمن أحد قبلهم، أو أول المؤمنين من آل فرعون؛ لأنه قد آمن أحد قبلهم، فقولهم: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني من آل فرعون. والمؤلف يقول: (في زماننا) ولكن هذا ليس بظاهر، بل الظاهر أنه من آل فرعون؛ لأن من بني إسرائيل من آمن قبل ذلك. * طالب: مؤمن آل فرعون آمن قبلهم؟ * الشيخ: لعله لم يظهره؛ لأنه قال: ﴿رَجلٌ مؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر ٢٨].