Tafsir Ibn Uthaymeen — الشعراء 26:63 – الشعراء 26:127
المحتويات
- الشعراء 26:63
- الشعراء 26:64
- الشعراء 26:65
- الشعراء 26:66
- الشعراء 26:67
- الشعراء 26:68
- الشعراء 26:69
- الشعراء 26:70
- الشعراء 26:71
- الشعراء 26:72
- الشعراء 26:73
- الشعراء 26:74
- الشعراء 26:75
- الشعراء 26:76
- الشعراء 26:92
- الشعراء 26:93
- الشعراء 26:94
- الشعراء 26:95
- الشعراء 26:96
- الشعراء 26:97
- الشعراء 26:98
- الشعراء 26:99
- الشعراء 26:100
- الشعراء 26:101
- الشعراء 26:102
- الشعراء 26:103
- الشعراء 26:104
- الشعراء 26:105
- الشعراء 26:106
- الشعراء 26:107
- الشعراء 26:108
- الشعراء 26:109
- الشعراء 26:110
- الشعراء 26:111
- الشعراء 26:112
- الشعراء 26:113
- الشعراء 26:114
- الشعراء 26:115
- الشعراء 26:116
- الشعراء 26:117
- الشعراء 26:118
- الشعراء 26:119
- الشعراء 26:120
- الشعراء 26:121
- الشعراء 26:122
- الشعراء 26:123
- الشعراء 26:124
- الشعراء 26:125
- الشعراء 26:126
- الشعراء 26:127
الشعراء 26:63
قال الله تعالى: (﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ﴾ [الشعراء ٥٧] أي فرعون وقومه من مصر ليلحقوا موسى وقومه ﴿مِنْ جَنَّاتٍ﴾ بساتين كانت على جانبي النيل ﴿وَعُيُونٍ﴾ أنهار جارية في الدور من النيل ﴿وَكُنُوزٍ﴾ [الشعراء ٥٨] أموال ظاهرة من الذهب والفضة، وسُمِّيت كنوزًا؛ لأنه لم يُعطَ حق الله منها ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ مجلس حسن للأمراء والوزراء يحفه أتباعهم).
يقول الله عز وجل: ﴿أَخْرَجْنَاهُمْ﴾ الضمير يعود على آل فرعون.
وفي قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ﴾ بصيغة العظمة لمناسبة المقام؛ لأن هؤلاء الذين تعاظموا في أنفسهم وتكبروا قُوبلوا بما هو أعظم وهو قوة الله سبحانه وتعالى: ﴿أَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ﴾.
يقول المؤلف: (بساتين كانت على جانبي النيل) ولا يقال للبساتين جنات إلا إذا كانت كثيرة الأشجار والزروع بحيث تستتر أرضها بها، ويستتر من فيها بها، وأما ما فيه نخلات قليلة أو زرع قليل فلا يُسمَّى جنة.
وفي قوله: ﴿مِنْ جَنَّاتٍ﴾ إشارة إلى كثرتها، ولعل الكثير منهم كان له بستان.
وقوله: (﴿عُيُونٍ﴾ أنهار جارية في الدور من النيل) وينبغي أن يقال: في الدور وغيرها، حتى الجنات التي هى البساتين إذا كان فيها أنهار مطردة فإن ذلك لا شك مما يبهج ويسر القلب فهو أعم من كونها في الدور أو في هذه الجنات.
وقوله: ﴿وَكُنوزٍ﴾ يقول المؤلف: (أموال ظاهرة)، ولكن في هذا نظر كونه يفسرها بالأموال الظاهرة، ولو فسرناها بالأموال التي تُكنز، سواء كانت مكنوزة بالفعل لكثرة المال ووفرته فهم لا يحتاجون إلى إنفاقه، وإنما يكنزونه في الأرض ليقصدوه لما يُستقبل، أو نقول: إنها يعني سواء كانت مكنوزة بمعنى مدفونة أو غير مدفونة؛ لأن الذهب والفضة يُسمى كنزًا، إذا لم تُؤدَّ زكاته، وهذا كنز شرعي، وإذا دُفِن سُمِّي كنزًا لغويًّا.
المهم أنننا نقول: الكنوز هى الأموال العظيمة الكثيرة من الذهب والفضة، وسواء كانت هذه الكنوز نقودًا أو كانت حُلِيًّا يتحلَّون بها.
يقول: ﴿وَكُنوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ المقام يقول: (المجلس)، ويمكن أن يكون المراد به محل الإقامة؛ يعني المراد بالمقام المسكن فهو أعم من أن يكون المجلس، المسكن.
والكريم: الحسن؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٦٧١)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس.]] يعني أحاسنها، فصار هؤلاء ممتعين من كل وجه، مقام كريم فيه أمن وطمأنينة وراحة وحسن باللون والكيفية، كذلك أيضًا من حيث الأموال الوفيرة التي توافرت لهم حتى صاروا يكنزونها لاستغنائهم عنها.
يقول الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي إخراجنا كما وصفنا ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. يعني إن ﴿كَذَلِكَ﴾ تكون خبرًا لمبتدأ محذوف؛ يعني إخراجنا لهم كان كذلك، أو يكون التقدير: الأمر كذلك. المهم أن ﴿كَذَلِكَ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، فهي جملة مستقلة عما قبلها وعما بعدها.
ثم قال: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾ يعني هذه الجنات والعيون والكنوز والمقام الكريم أورثناها (﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بعد إغراق فرعون وقومه) فصارت لهم.
وقوله: ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق، ومعناه عبد الله، وإنما نُسبوا إليه؛ لأن بني إسرائيل تفرعوا منه.
وقوله: ﴿أَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فيها من الإشكال أن النبي ﷺ يقول: «أُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر.]]. وهنا أورث الله ديار فرعون وقومه وأموالهم أورثها بني إسرائيل، فهل هذا ينافي الحديث أو لا؟ أنتم فهمون المقصود؟
* طالب: ما ينافي الحديث.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: لأن هذا الله سبحانه وتعالى هو الذي ملكهم إياها، أما هناك فالرسول محمد ﷺ ملكه إياه ولكن بوحي من الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: الرسول يقول: «إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ الْمُعْطِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧ / ١٠٠) من حديث معاوية.]]. إي لكن (...).
* طالب: (...)؛ لأن الغنيمة هي ما أخذ من الكفار بعد القتال في ديار الحرب، أما هؤلاء فإن الله سبحانه وتعالى أباح قتل فرعون في البحر (...) بدون حرب.
* الشيخ: صحيح، الغنيمة هي ما أُخذ من مال الكفار بقتال وما أُلحق به. هذا تعريفها شرعًا، وهذا ما أُخذ بقتال، هؤلاء هلكوا بقيت ديارهم لمن؟ لبني إسرائيل حتى لو لم يسكنها بنو إسرائيل لسكنها آخرون غيرهم، فالمسألة هذه ما غنموها بأيديهم، ولكنه من الله عز وجل لهلاك هؤلاء؛ يعني كان الأمر أنهم لما هلكوا صارت إرثًا لبني إسرائيل إرثًا قدريًّا؛ لأنه لا بد أن يكون كذلك.
* طالب: فيه جواب آخر أن يقال كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥] فهذا شيء كتبه الله سبحانه وتعالى من بدء الخليقة أن الأرض للمؤمنين، فهذه هي القرينة التي تخرج على الغنائم، فلا تحل الغنيمة.
* الشيخ: لا، هو الآن ما هي أرض فقط جنات وعيون وكنوز ومقام كريم، المسألة حتى الكنوز هذه مما ينقل.
* طالب: طيب هم كانوا ساكنين معهم.
* الشيخ: من؟
* الطالب: بنو إسرائيل.
* الشيخ: ساكنين في جانب من جانب مصر، جانب المدينة لكن الآن أخذوا كنوز فرعون وآل فرعون.
المهم الجواب الصحيح هو الأول أن يقال: إن الغنيمة هي ما أُخذ بقتال وما أُلحق به، وما عدا ذلك لا يسمى غنيمة شرعًا.
* طالب: بنو إسرائيل خرجوا كلهم من مصر؟
* الشيخ: إي نعم، هو الظاهر أنهم خرجوا مع موسى كلهم ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ [طه ٧٧] هذا عام.
* الطالب: بعد ذلك عادوا؟
* الشيخ: بعد ذلك عادوا، رجعوا إلى مصر وصاروا فيها.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا بعد هذا.
* الطالب: بعده؟
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: قد يقول قائل: إن موسى هرب من فرعون، وقطع البحر، ولم يتقاتل مع فرعون، وإنما هؤلاء أُهلكوا من الله سبحانه وتعالى، ما هناك حرب بين موسى وفرعون (...)، ما فيه غنيمة، ولا فيه، أقصد بذلك (...) أن ديار فرعون خربت وخرج فرعون من هذه الديار، وتقابل مع موسى عند البحر فما غنم في هذا المكان فهو الذي لا يحل لموسى، أما (...) فليست غنيمة.
* الشيخ: بس ما صار فيهم قتال إطلاقًا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما صار فيه قتال.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لكن إحنا نقول: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ظاهرها مشكل مع قوله: «وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر.]]. إحنا نقول: أصلًا ما فيه غنيمة هنا، يعني كونه أنه يقول: هذه من الغنائم؛ ما هو بصحيح، ليست غنيمة لكن قد يقول قائل: يعني يتبادر إلى ذهن أحد عندما يقرأ الآية هذه لأول وهلة يقول: هذه كيف يورثها الله بني إسرائيل، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْغَنَائِمَ لَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي». فجوابها أن نقول: هذه ليست من باب الغنائم.
* طالب: بنو إسرائيل الذين آمنوا مع موسى هؤلاء ماذا لو قلنا: إن (...) عبد الله بن إسحاق فهل يلزم يعني موسى عليه السلام أدرك يعني إبراهيم عليه السلام؟
* الشيخ: لا مدة طويلة، الذرية يعني.
* الطالب: هو النبي الذي أتي بعد إبراهيم مباشرة أو بينهما يوسف.
* الشيخ: إسحاق ويعقوب، وجاء بعد يوسف جاء إلى أهل مصر يوسف بن يعقوب، جاء إلى أهل مصر رسول؛ ولهذا المؤمن قال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ [غافر ٣٤].
المهم صار نقول: الجواب على هذا: أن هذا التوريث ليس من باب الغنيمة؛ لأن الغنيمة ما أخذ من كفار بقتال وما ألحق به.
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ [الشعراء ٥٩، ٦٠] (لحقوهم ﴿مُشْرِقِينَ﴾ وقت شروق الشمس). الواو في قوله: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ يعود إلى فرعون، والهاء إلى بني إسرائيل، وعلى هذا فقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ من حيث المعنى جملة معترضة؛ لأن توريث بني إسرائيل كان بعد أن غرق فرعون وقومه، مفهوم؟
وفي ذكر ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ مناسبة تقديمها في الترتيب على ما بعدها؛ لأنه لما قال: ﴿أَخْرَجْنَاهُمْ﴾ كأن قائلًا يقول: من الذي حل محلهم؟
فقال: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فلمناسبة الإخراج قدمت وإلا كان مقتضى الترتيب أن تكون بعد ذكر إهلاك فرعون وقومه.
(﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ لحقوهم) يقال: تبعه، واتبعه، وأتبعه بمعنى واحد. ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف ١٧٥]، أتبع يعني تبعه أو اتبعه، كل الثلاثة معناهم واحد ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ يعني أتبعوهم أو تبيعوهم؛ بمعنى لحقوهم.
(﴿مُشْرِقِينَ﴾ وقت شروق الشمس) وإلى جهة المشرق أيضًا مثل ما نقول: إحنا نشرِّق؛ يعني نحو المشرق فهم في الحقيقة مشرقون إما كما قال المؤلف: وقت شروق الشمس، أو متجهين نحو المشرق، وكلا المعنيين صحيح؛ فمُشْرق متجهين نحو المشرق باعتبار المكان، ومشرق وقت الشروق باعتبار الزمان، والعادة أن الخروج أول النهار أنشط للناس وأولى، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يخرج مبكرًا ولكنه يبقى حتى تفيء الأفياء، وتزول الشمس وتهب الرياح ﴿أَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾.
* طالب: ربما يقول قائل: لماذا موسى ومن معه خرجوا بالليل وفرعون ما خرج بعدهم إلا بعد شروق الشمس؟
* الشيخ: هذا كثير الجواب عليها، ويش تقولون؟
* طلبة: ما علم بهم؟
* الشيخ: لا، هو ما علم إلا بعد مدة؛ لأنه أرسل في المدائن حاشرين، وجمع الناس وخرج، لكن أنت بأيش تجيب أن هذا خرج ليلًا وهذا خرج نهارًا؟
* الطالب: أقول: لأن النهار هو الذي سيبينه، أما لو خرجوا ليلًا فربما يختبئون في مكان.
* الشيخ: قلنا: لماذا خرج موسى وقومه ليلًا؟
* طلبة: للاختفاء.
* الشيخ: للاختفاء خوفًا على أنفسهم من فرعون، خرجوا بالليل، أما هذا ما خرج خائفًا حتى ينتظر ويكون الليل خرج معلنًا بأنه ظاهر منتصر في نفسه.
(﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ [الشعراء ٦١] أي رأى كل منهما الآخر) والمراد بهما جمع موسى وجمع فرعون.
(﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ يدركنا جمع فرعون فلا طاقة لنا به).
﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أكدوا الإدراك بـ(إن) و(اللام)؛ يعني مدركون يقينًا، كيف ذلك؟ لأن البحر أمامهم وآل فرعون خلفهم، فلا بد أن يدركوهم، أين يذهبون؟ ليس أمامهم إلا البحر إن خاضوا البحر غرقوا وهم لن يخوضوه بحسب اعتقادهم، تلك الساعة؛ لأنهم ما يعلمون بالأمر، فهم لن يخوضوا البحر، فما بقي إلا أن يدركهم آل فرعون؛ ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا لَمدْرَكُونَ﴾ بالجملة الاسمية المؤكدة بـ(إن) و(اللام)، ولكن موسى أجابهم بقوله: (﴿كَلَّا﴾ أي لن يدركونا) قال ذلك إيمانًا بالله تعالى وثقة بوعده، وأنه سبحانه وتعالى ما أمرهم بالخروج إلا ليحميهم من فرعون وآله.
(﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ بنصره ﴿سَيَهْدِينِ﴾ طريق النجاة قال الله تعالى إلى آخره).
أولًا: ما قال: كلا إني سأُهدى بل قدم معية الله؛ لأنها أقوى في تثبيت قومه ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ وكل إنسان يكون الله معه فلن يضره شيء.
ثم قال أيضًا مؤكدًا أثر هذه المعية ﴿سَيَهْدِينِ﴾ والسين تدل على التحقيق والقرب.
ومعنى يهدين هنا يدلني ﴿سَيَهْدِينِ﴾ أي: سيدلني على طريق أنجو به.
وهل كان موسى عالِمًا بهذه الطريق حين ذاك؟
* طالب: لا، لم يكن يعلم.
* الشيخ: لم يعلم، لكنه واثق بالنجاة؛ ولهذا أتى بالسين الدالة على التحقيق وعلى القرب أيضًا؛ لأن المقام يقتضي ذلك، فهؤلاء أكدوا أنهم مدركون يقابلون بالتأكيد أنهم لن يدركوا، وتأكيد ذلك أولًا بذكر معية الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾، وتأكيده ثانيًا بقوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾؛ لأن السين -كما هو معروف عند أهل النحو- تدل على التحقيق والقرب.
﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وفعلًا حصل ما تيقنه موسى عليه الصلاة والسلام من أن الله تعالى سيهديه طريق النجاة ﴿فَأَوْحَيْنَا﴾ إليه.
* طالب: قول المؤلف هنا بنصره يعني ما يوهم أن هذا فيه (...) تأويل للصفات يعني (...) مَعِيَّته.
* الشيخ: هو المراد بالمعية هنا المعية الخاصة التي تقتضي النصر والتأييد، فإن قصد بنصره أنه تفسير للمعية للمعنى الذاتي فهذا ليس بصحيح، وإن أراد بنصره أنه أثر لذلك فهذا صحيح، فالمؤلف ما يُعترض عليه؛ لأنه فيه احتمال أن يقول: معي بنصره؛ بمعنى أن هذه المعية سيكون أثرها النصر.
﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء ٦٣] هذه ما يصلح (أن أضرب)؛ لأن ضرب ما تأتي رباعية؛ ولهذا يجب كسر النون ﴿أَنِ اضْرِبْ﴾، و﴿أَنِ﴾ هذه مثلما قلنا فيما سبق: تفسيرية.
(﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ فضربه) ﴿فَانْفَلَقَ﴾ تقدير المؤلف فضربه صحيح؟ نعم؛ لأن البحر لم ينفلق بمجرد الوحي بل بالضرب.
وفي قوله: ﴿أَنِ اضْرِبْ﴾ ﴿فَانْفَلَقَ﴾ إشارة إلى أن موسى ﷺ بادر بضرب البحر، وأن البحر انفلق حالًا بدون تأخر.
ومعنى (﴿انْفَلَقَ﴾ انشق اثني عشر فرقًا ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ الجبل الضخم، بينها مسالك سلكوها لم يبتلَّ منها سرج الراكب ولا لبده).
يقول: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ أي عصا هذه؟ العصا التي كان يحمله دائما يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، وله فيها مآرب، فتكون هذه العصا فيها مصالح عظيمة، وفيها من آيات الله ثلاث آيات، هذه إحداها، والثانية؟
* طلبة: ثعبان.
* الشيخ: أنه إذا ألقاها صارت ثعبانًا مبينًا، والثالثة: إذا ضرب بها الحجر تفجر عيونًا، هذه ثلاث آيات، أما عاد البقية الاتكاء عليها، والهش بها على الغنم، ودفع الصائل وما أشبه ذلك، فهذا ليس من الآيات من الأمور المعتادة.
وقوله: ﴿الْبَحْرَ﴾ ما المراد به؟ البحر الأحمر، ويسمى بحر القلزم، هذا البحر انفلق ﴿فَكَانَ كلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ كالجبل العظيم؛ يعني لكِبره وارتفاعه؛ لأن قاع البحر طويل عميق فيكون كالطود العظيم؛ للكبر والارتفاع، وظاهره أنه يعني عريض؛ لأن الطود العظيم يتناول الكِبَر والارتفاع والعِرْض، وهو كذلك، وهذا من آيات الله؛ لأن العصا إذا ضربت لا تتسع لمكان واسع، وهذه الأطواد الاثنا عشر مكانها بلا شك واسع، والطرق أيضًا ستكون واسعة، ثم إن في هذه الضربة من آيات الله غير انفلاق البحر أنه كان يبسًا يبس في الحال في لحظة ﴿يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه ٧٧]، وهذا أيضًا من آيات الله أن الله أزال عنهم الخوف وألقاه عنهم، وإلا فطبيعة البشر تقتضي إذا كان الماء على يمينه ويساره كالأطواد تقتضي أن يخاف ولَّا لا؟ أن يخاف ولكن الله سبحانه وتعالى ألقى عنهم الخوف فلم يخافوا أبدًا.
وفي قوله: ﴿كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ ظاهر أن الماء لم يتغير؛ يعني لم يتجمد بالمعنى المعروف فيكون أبيض جامدًا، ولكنه بقي جامدًا على طبيعته أسود، وهذا أعظم مما لو تجمد، لو تجمد وهو على غير طبيعته، صار فيه آية واحدة، وهي سرعة التجمد في هذه اللحظة، لكن كونه لا يسيل من آيات الله ولَّا أمر معتاد؟
* طلبة: من آية الله.
* الشيخ: أمر معتاد.
* طالب: (...).
* الشيخ: أي وهو جامد (...)، وهو جامد أمر طبيعي عادي لكن كونه يبقى مائعًا، ولكن لا يسيل هذا أبلغ من ذلك، فيه آيتان أنه ما يسيل، وأنه لا يسيل وهو على طبيعته، والله تعالى عل كل شيء قدير.
* وفيه أيضًا: دليل على أن كل شيء يمتثل لأمر الله، وأن الله تعالى قادر على قلب الأمور عن طبائعها فضلًا عن تغير صفاتها، فهذه النار التي من طبيعتها الإحراق والحرارة كانت بردًا وسلامًا على إبراهيم في الحال، وهذا الماء الذي من طبيعته الإغراق والسيلان صار أمنًا وجامدًا لا يسيل بالنسبة لبني إسرائيل.
قال أهل العلم: إنه ما من آية أُعْطِيها أحد من الأنبياء إلا وكانت للرسول عليه الصلاة والسلام فما هي الآية المقابلة لهذا الأمر؟
* طالب: ما جرى لسعد بن أبي وقاص حين أراد الغزو، فصار النهر صار يبسًا.
* الشيخ: يبسًا؟
* الطالب: إي يعني أراد حينما كان معه سلمان الفارسي.
* الشيخ: ما صار يبسًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي (...) بس هو ماء.
* الطالب: لم (...).
* الشيخ: لكن ما يخالف، ما صار يبسًا، هذا أبلغ أنه باقٍ على طبيعته، يجري كما هو، وهذه الخيول والإبل والمشاة يمشون عليه.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، هذا المثال، لكن إذا قال قائل: هذه ليست في عهد النبي عليه الصلاة والسلام؟
* طلبة: كرامات أوليائه (...).
* الشيخ: كرامة أتباعه معجزة له..
لكن كونه يبقى مائعًا ولكن لا يسيل، هذا أبلغ من ذلك، فيه آيتان: أنه ما يسيل وأنه لا يسيل وهو على طبيعته، والله تعالى على كل شيء قدير.
* وفيه أيضًا: دليل على أن كل شيء يمتثل لأمر الله، وأن الله تعالى قادر على قلب الأمور عن طبائعها فضلًا عن تغير صفاتها، فهذه النار التي من طبيعتها الإحراق والحرارة كانت بردًا وسلامًا على إبراهيم في الحال، وهذا الماء الذي من طبيعته الإغراق والسيلان صار أمنًا وجامدًا لا يسيل.
بالنسبة لبني إسرائيل، قال أهل العلم: إنه ما من آية أعطيها أحد من الأنبياء إلا وكانت للرسول عليه الصلاة والسلام، فما هي الآية المقابلة لهذا الأمر؟
* طالب: ما جرى لسعد بن أبي وقاص حين أراد الغزو، فصار النهر يبسًا.
* الشيخ: يبسًا؟
* الطالب: إي، يعني حينما كان معه سلمان الفارسي..
* الشيخ: ما صار يبسًا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي (...) بس هو ماء.
* الطالب: لم (...).
* الشيخ: لكن ما يخالف، بس ما صار يبسًا، هذا أبلغ أنه باق على طبيعته يجري كما هو، وهذه الخيول والإبل والمشاة يمشون عليه.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، هذا المثال. لكن إذا قال قائل: هذه ليست في عهد النبي عليه الصلاة والسلام.
* طلبة: كرامات أوليائه (...).
* الشيخ: كرامة أتباعه معجزة له (...).
صخرة في وسط الماء فاستراحت عليها، ثم (...)، فهذا أيضًا من الآيات.
فالحاصل أن يقال: إن ما جرى لبني إسرائيل جرى لهذه الأمة مثله؛ وذلك لأن كرامة أتباع النبي معجزة له؛ إذ معنى الكرامة الشهادة بأن ما عليه هذا المكرم حقٌّ، فإذا كان أتباع النبي عليه الصلاة والسلام جاء لهم شهادة بأن ما هم عليه حق، كان معنى ذلك أن ما جاء به الرسول ﷺ فهو حق.
* طالب: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء ٦٣]، فانفلق اثني عشر فرقًا، الاثنا عشر هذه، ضرب اثنتي عشرة مَرَّة أو ضربة واحدة؟
* الشيخ: لا، ضربة واحدة.
* الطالب: ضربة واحدة صاروا اثنتي عشرة.
* طالب آخر: (...) اثني عشر ألف (...).
* الشيخ: ما ندري إذا كانوا اثني عشر داخلين من طريق أو عشرة آلاف أو ألفًا، ما ندري.
* الطالب: (...) عددهم.
* الشيخ: اثني عشر ألف رجل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: على القول اللي قال: ست مئة ألف.
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا يقول: ست مئة ألفٍ عددهم.
* الطالب: (...) اثني عشر.
* الشيخ: ما ندري، هم على كل حال اثنتا عشرة قبيلة، الأسباط في بني إسرائيل مثل القبائل في العرب هم مئتا عشرة قبيلة، ما نعرف كم عدد القبيلة، قد تقلُّ وقد تكثر (...)، كل قبيلة (...) خمس مئة نفر يمكن أو أكثر أو أقل.
* طالب: قوله: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء ٦٣] دليل على الكثرة؛ لأنه (...) الحكمة (...) اثني عشر (...)، طريق عظيم هم قليلون.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...) قبائل بني إسرائيل هم قليلون (...) الحكمة، فلا بد أنهم كثيرون كل واحد كالطود العظيم.
* الشيخ: إي نعم، كل فرق..
* الطالب: كل فرق كالطود العظيم.
* الشيخ: الفرق ما هو معناها الطريق، في اللغة العربية الماء اللي بينه مثل الجبال ما هو بنفس الطريق، ﴿كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ يعني: من الماء؛ الماء بينهم مثل الجبال.
ذكر بعض الذين ينقلون الإسرائيليات أنه صار بهذه الأطواد صار فيها فرج ينظر بعضهم إلى بعض زيادة في الأمن، ولكن الله أعلم هذا صحيح ولَّا لا، ما يعلم فيه شيء.
* طالب: (...) بني إسرائيل قبل أن تحدث المعركة (...)؟
* الشيخ: ما فيه معركة.
* الطالب: قبل أن يأتي الانتصار لبني إسرائيل على فرعون (...).
* الشيخ: الظاهر أني كان (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، كررناها مرتين أو ثلاثة.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) في المعنى؟
* الطالب: في المعنى لكنها (...)، فإذا قال: قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ﴾ [الشعراء ٥٧] يتبادر إلى الذهن (...)، فيكون الجواب: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩].
* الشيخ: هذا وجه المناسبة، يعني بالنظر إلى الترتيب يكون ﴿أَوْرَثْنَاهَا﴾ بعد ذكر الإغراق، بالنظر إلى الترتيب الطبيعي يكون الإرث بعد الإغراق، لكن بالنظر إلى الترتيب التناسبي مناسبة الإرث للإخراج قدمها على ذكر الإغراق.
* طالب: قولك يا شيخ: النظر إلى حال بني إسرائيل (...) ما يدل على أن إيمانهم (...) ضعيف؟
* الشيخ: لا، ما هو الظاهر، لاحظ أنه أحيانًا ترى ينسب القول إلى الأمة والمراد البعض، بل إن الله أحيانًا يخاطب بني إسرائيل في عهد الرسول ﷺ بفعل أمتهم من قبل.
* طالب: (...).
* الشيخ: هادول غير اللي قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف ١٣٨].
* الطالب: هم الذين قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء ١٥٣].
* الشيخ: هم الذين قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾.
* الطالب: أليس (...)؟
* الشيخ: إلا بلى، هادول المختارين.
* الطالب: هادول المختارين.
* الشيخ: لا شك أن هذا في الحقيقة مما يدل على أنهم مهما بلغوا في الكمال ما هم مثل هذه الأمة.
* طالب: هم إيمانهم ضعيف؛ لأنهم وصلوا إلى حد عبادة الصنم.
* الشيخ: لا، يعني طلبوا؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: طلبوا إلهًا.
* الطالب: طلبوا، يعني..
* الشيخ: لكن منعوا من هذا.
* الطالب: عبدوا العجل.
* الشيخ: عبدوا العجل بعد أن غاب عنهم موسى.
* الطالب: إلا إن قلنا (...) في البداية.
* الشيخ: على كل حال، فهم مهما كان حتى ولو كان إيمانهم ضعيفًا في أول البداية نحن ما ندري عن إيمانهم، لكن ظاهر الآيات أن الله مَنَّ عليهم بهذا لكمال إيمانهم، أنت تعرف أن الإنسان إذا توفَّرت لديه النعمة قد تختلف حاله، فهم خرجوا بالأول وهم في قلة وفي ضعف وفي خوف وهم أقرب إلى الإيمان مما إذا نعموا هذا النعيم؛ لأن العادة أن الإنسان إذا نعم أنه يحصل منه الأشر والبطر، هذه العادة.
* طالب: ما يمكن أن يقال: إن هؤلاء بعدين صاروا شيعًا ذريتهم يعني أو (...)؟
* الشيخ: ما هو بالظاهر، الظاهر أنهم يعني على حسب الأجيال المعروفة يتوالدون، وأن موسى (...) اللي صار ذريتهم على ما قيل الذين تاهوا؛ اللي صاروا في التيه وحُرِّمَت عليهم أربعين سنة.
* طالب: هذا لا يعني (...)؟
* الشيخ: هذا هو اللي قيل: إنه حُرِّمت عليهم أربعين سنة لأجل أن تتغير أوضاعهم وأحوالهم في إنشاء خلق آخر.
* طالب: نجزم أن إيمانهم..
* الشيخ: المهم نجزم أن إيمانهم في ذلك اليوم كان إيمانًا جيدًا قويًّا حينما أغرق فرعون، ولهذا نصروا هذا النصر العظيم على فرعون وأُغْرِق فرعون، وسياق الآيات يدلُّ على هذا.
* طالب: قد يكون هذه نعمة وابتلاء، واللي في إيمانه ضعف.
* الشيخ: إي، لكن ما نقول (...).
* الطالب: يُبْتَلى بنعمة.
* الشيخ: يُبْتَلى بنعمة أو ببلاء.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: إنما من يقول: إن إيمانهم ضعيف، مَن يقول هذا؟
* الطالب: قرينة ما حصل.
* الشيخ: ما حصل بعد، الإنسان يتغير.
* الطالب: يعني المهاجرين لما آمنوا إيمان قوي، والأنصار لما آمنوا ما صار منهم شيئًا.
* الشيخ: لا يمكن تقارن بني إسرائيل بهذه الأمة، لا تقارنهم، مسألة المقارنة غير ورادة؛ لأنه لا سواء، بنو إسرائيل ابتلوا بالحيتان فلم يصبروا وتحيلوا، وهذه الأمة ابتلوا بالصيد وهم محرمون فصبروا وغيره، لا تقارن إيمان هذه الأمة بإيمان من سبق.
* الطالب: لا، أنا ما أقصد المقارنة، وإنما أقصد أن الإيمان إذا كان جيدًا وكان في البداية، يعني الغالب أنه يصرف عنهم هذه الأشياء الخطيرة بالذات إلا الصغائر يمكن أن تحدث.
* الشيخ: على كل حال ما نقدر، نقول: إنهم حين ذاك لا شك أنهم مؤمنون؛ لأنهم شهدوا إيمانًا وغيره في الأرض، ولا مانع من أن تطرأ لهم أحوال فيتغيرون بها.
* طالب: نقول: لو لم يكونوا مؤمنين ما صبروا على آذى فرعون حينما قطَّع أرجلهم وأيديهم من خلاف، هذا دليل على قوة إيمان عظيم.
* الشيخ: لا، هادول السحرة لا شك في قوة إيمانهم، والسحرة من آل فرعون.
* الطالب: يعني غير اللي راح ذهبوا مع موسى؟
* الشيخ: إي غيره، هذا الكلام على بني إسرائيل، بنو إسرائيل غير السحرة، السحرة من القبط؛ من آل فرعون.
* طالب: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف ١٢٩] دليل على أنهم عندهم..؟
* الشيخ: عندهم صبر.
* الطالب: عندهم صبر (...) قبل وبعد يعني (...) قوة إيمانهم (...).
* الشيخ: هو كل حال كونهم يقولون: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف ١٢٩] وعد موسى لهم..
* الطالب: نفوسهم ضعيفة.
* الشيخ: (...) إيمان ضعيف، نقول: الأصل أن إيمانهم في هذه الساعة قوي، هذا الأصل، وأن النصر إنما يستحقه المؤمنون، وإنما يرث الأرض عباد الله الصالحون، ولَّا لا؟ لكن لا مانع من أن تطرأ أحوال وتتجدد أعمال فينصرفون هم أو بعضهم عنها.
* طالب: حديث ابن مسعود «وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١) من حديث ابن مسعود.]]، قلنا: إنه إذا كان الإنسان أن هذا العمل فيما يظهر للناس بينما إيمانه يكون فيه ضعف بعض الشيء، فهؤلاء لا يمكن أن نقول: في البداية لما ذهبوا مع فرعون كان إيمانهم قويًّا، ثم غيَّرهم الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: ما يخالف، هل غيروا؟ هل عبدوا؟ ما فيه إلا اللي عبد العجل (...) وأخيرًا مَنَّ الله عليهم وجاءهم موسى (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: كم بقي موسى فيهم؟
* الطالب: أربعين يومًا.
* الشيخ: هذا في التيه فقط.
* الطالب: إي، هو لما بنقول: إنهم تغيروا يعني نفس أجسادهم (...).
* الشيخ: لا، نقول: حتى أحوالهم تتغير، لا شك في هذا، المهم دعونا من هذا جدل، الحقيقة هذا جدل ما لنا بفائدة، هذا مجرد جدل ما لنا بفائدة.
إحنا نقول: الأصل أن من انتصر فهو مؤمن حقًّا، ومن نصره الله وورثه الديار فهو من عباد الله الصالحين، هذا الأصل، ثم إذا طرأت أحواله نقول: الله أعلم كيف تطورت هذه الأحوال، وليست في هذا فائدة في الحقيقة، ما فيه مسألة عملية نبغي نطبقها الآن حتى نحقق كيف نعمل، مسألة قَصَّ الله علينا فيها أحوالًا لبني إسرائيل تدل على أن هؤلاء القوم آمنوا وطرأت عليهم أحوال، وبالنظر إلى أحوالهم العامة نعرف أن إيمانهم ليس كإيمان هذه الأمة، وأن هذه الأمة أكمل إيمانًا وأكمل عملًا.
* طالب: لا، إحنا (...) هل نستنتج من هذا أنه من الممكن أن يكون هناك إيمان كامل في البداية، ثم ينقص نقصًا شديدًا إلى أن يصل إلى هذا الحد؟
* الشيخ: نعم، هذا ممكن.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا ما ذكرته إلا أخيرًا عند مجلس حديث ابن مسعود (...) بهم في الأول.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، أبدًا.
* الطالب: (...) لا شك أنهم مؤمنون، وأنهم..
* الشيخ: ما فيه إشكال أن الإيمان حاصل، لكن الحين اللي أشكل عليكم أنه -مثلًا- كيف تطورت فيهم الأحوال إلى أن يقولوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف ١٣٨]، ما يمنع أن بعضهم قال هذا أو تقلَّبت فيهم الأحوال، الله أعلم.
* طالب: قوله (...).
* الشيخ: الفرقة الطائفة.
* الطالب: الطائفة من الماء.
* الشيخ: إي، الطائفة من الماء صار كل فرق وقطعة منه مثل الطود العظيم.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: هو من الممكن أن يكون أن الله يذكِّرهم بعيوبهم السابقة لعلهم يرتدعون، أو يذكرهم بهذا لبيان أن هذه من عادتهم وسجيتهم بين أمرين: إما أن يبين عيبهم لعله يصلح من أحوالهم، ويكون ما صلح من أحوالهم أحوال باقيهم كالهادم لما سبق.
وإما أن يقال: إن هذا بيان لأن هذه طبيعتهم وسجيتهم مثلًا، فيكون فيه مع التوبيخ لهؤلاء تسلية للرسول عليه السلام وأصحابه.
* طالب: ما صاروا عليه بعد الرسول ﷺ، وبعد الإسلام ما يدل.
* الشيخ: ما صاروا عليه أخبث؛ لأنهم الآن صاروا كفار؛ لأنه بعد بعثة الرسول بل بعثة عيسى عليه الصلاة والسلام وكفرهم، صاروا كفارًا ما فيهم إيمان أبدًا.
* طالب: (...) حتى المختارين السبعين منهم.
* الشيخ: نعم، ما فيه شك أنهم هم معارضون، وأن عندهم عذرًا، ومن أراد أن يعرف عن أحوالهم شيء فهو يراجع إغاثة اللهفان لابن القيم، هذا ما فيه شك.
لكن الكلام على الذين أورثوا أرض فرعون في ذلك الوقت، ما لنا الحين الحق بأن نقول: إيمانهم كامل ولَّا إيمانهم ناقص، إنما نعرف من قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥] أنهم في ذلك الوقت صالحون فقط وتغير الأحوال بعد ذلك.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى﴾ (...)﴾ ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (...)﴾ ﴿وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء ٦١ - ٨٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فيما سبق من الآيات * ومن الفوائد:
* أولًا: بيان عقوبة الله سبحانه وتعالى للطاغين، وذلك بإزالة النعم عنهم؛ إما بإخراجهم منها، وإما بإزالتها هي، وتؤخذ من قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء ٥٧].
* وفيها: أن العقوبة بعد التنعيم أشد، ولذلك نص عليه ما قال: فأخرجناهم من أماكنهم فقط أو من ديارهم، ولكن بَيَّن على سبيل التعين ما هم فيه من النعيم؛ لأن الأخذ بالعقوبة بعد النعيم يكون أشد.
* وفيها أيضًا: تحذير للطغاة من أن تزول نعمهم بسبب طغيانهم. ففي عصرنا هذا فتح الله على الناس من أنواع النعيم ما لم يكن موهومًا من قبل وبالأولى ليس معلومًا، فيخشى أن يخرج هؤلاء من هذا النعيم إذا طغوا وعتوا عن أمر الله سبحانه وتعالى.
* وفيه أيضًا فائدة: أن الإنسان قد يؤخذ من حيث يرى أنه علا وظهر، فإن فرعون بعث في المدائن حاشرين يدعوهم إلى قتال موسى وقومه، فخرجوا تابعين لهم على أنهم سيدركونهم، فصار في هذا الخروج حتفهم وهلاكهم، ونظيره في هذه الأمة ما صنعت قريش حين خرجت إلى بدر، وكان أبو جهل يقول: والله لا نرجع حتى نقدم بدرًا، فنسقي فيها الخمور وتعزف علينا القيان ونشرب الخمور حتى تسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدًا، فأُخِذُوا من حيث أتوا.
* وفي هذا دليل على قوة إيمان موسى عليه الصلاة والسلام في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء ٦٢].
ووجه قوة الإيمان أنه في هذا المقام المحرج الذي لا يرى الإنسان فيه إلا أنه هالك، ولهذا قال أصحابه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء ٦١].
* وفيه أيضًا: تمام قدرة الله عز وجل بفلق البحر وتيبيسه في الحال.
* وفيه دليل على أن لكل شيء سببًا، حتى الآيات التي يجعلها الله على يد الشخص لها سبب، فإن الله تعالى لم يفلق البحر إلا بعد أن أوحى إلى موسى أن أضرب بعصاك، فضربه فانفلق.
* وفي هذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى كما يهدي إلى الطريق المعنوي يهدي أيضًا إلى الطريق الحسي؛ لقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء ٦٢]، ليس المراد هنا هداية العلم والتوفيق للعمل الصالح، وإنما المراد الهداية لطريق النجاة التي ينجو بها، فهداه الله سبحانه وتعالى.
* وفيه: أن الله سبحانه وتعالى جعل هذا الماء كالأطواد؛ كالجبال العظيمة على أيمانهم وشمائلهم؛ ليكون في ذلك، أي: في عبورهم حتى لا يأخذهم العجب والعلو؛ لأن هذه الأطواد هي في الحقيقة في منزلة نواقيس الإنذار، يخافون ويرهبون إذا كان الماء على أيمانهم وعن شمائلهم مثل الأطواد، فإنهم لا يرون في أنفسهم استغناء عن الخوف، فيكونون بين الخوف وبين الرجاء ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء ٦٣].
* فيه أيضًا من آيات الله -فوق تفريق الماء-: إثبات الماء جامدًا حتى لا يسيل، والله تعالى على كل شيء قدير، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
الشعراء 26:64
قال الله تعالى: (﴿وَأَزْلَفْنَا﴾ قَرَّبْنَا، ﴿ثَمَّ﴾ هناك، ﴿الْآخِرِينَ﴾ فرعونَ وقومَه حتى سلكوا مسالكهم).
(الإزلاف) بمعنى الإقراب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء ٩٠]؛ أي: قُرِّبت. وقوله: ﴿ثَمَّ﴾؛ أي: هناك؛ أي: عند البحر.
وقوله: ﴿الْآخِرِينَ﴾ يعني فرعون وقومه، قرَّبهم الله تعالى إلى البحر، فرأوا هذه الطرق مفتوحة أمامهم، فما كان منهم إلا أن دخلوها؛ لأنها طرق أمامهم رأوا موسى وقومه قد عبروا منها فاتبعوهم، فلما (...) لهؤلاء داخلين وهولاء خارجين.
الشعراء 26:65
يقول الله تعالى: (﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ بإخراجهم من البحر على هيئته المذكورة)، وهذا إنجاء من أعظم المنن، ثم بعد ذلك: (﴿أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ فرعون وقومه بإطباق البحر عليهم لما تم دخولهم في البحر وخروج بني إسرائيل منه)، فانتقم الله تعالى من فرعون قومه وأغرقهم بالماء الذي كان يفخر به فرعون من قبل، فإنه كان يقول لقومه مفتخرًا: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُون﴾ [الزخرف ٥١]، فهو افتخر على قومه بأن الأنهار تجري من تحته وهي ماء، فأُغِرَق بما كان يفتخر به، وهذا من عادة الله سبحانه وتعالى أن الله يغرق المعجبين إما بما أعجبوا به، وإما بما هو أهون شيء، عاد لمَّا قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] بماذا أهلكوا؟
* طالب: بأوسط الأشياء.
* الشيخ: بأوسط الأشياء وهي الرياح.
الشعراء 26:66
يقول الله تعالى: (﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ بإخراجهم من البحر على هيئته المذكورة)، وهذا إنجاء من أعظم المنن، ثم بعد ذلك: (﴿أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ فرعون وقومه بإطباق البحر عليهم لما تم دخولهم في البحر وخروج بني إسرائيل منه)، فانتقم الله تعالى من فرعون قومه وأغرقهم بالماء الذي كان يفخر به فرعون من قبل، فإنه كان يقول لقومه مفتخرًا: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُون﴾ [الزخرف ٥١]، فهو افتخر على قومه بأن الأنهار تجري من تحته وهي ماء، فأُغِرَق بما كان يفتخر به، وهذا من عادة الله سبحانه وتعالى أن الله يغرق المعجبين إما بما أعجبوا به، وإما بما هو أهون شيء، عاد لمَّا قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] بماذا أهلكوا؟
* طالب: بأوسط الأشياء.
* الشيخ: بأوسط الأشياء وهي الرياح.
الشعراء 26:67
(﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: إغراق فرعون وقومه ﴿لَآيَةً﴾ )، وتفسير المؤلف للمشار إليه فيه قصور؛ لأنها ليست الآية بإغراق فرعون وقومه فحسب، ولكن في فلق البحر وكونه يبسًا، وإنجاء موسى وقومه وإغراق فرعون وقومه.
ولو قيل: إن الإشارة تعود إلى كل ما ذكر؛ يعني: إن في ذلك المذكور من قصة موسى ﴿لَآيَةً﴾: علامة على قدرة الله سبحانه وتعالى وعلى نصره لأوليائه، فيكون متضمنًا لتسلية النبي ﷺ وتحذير المخالفين له، (﴿لَآيَةً﴾ عبرة لمن بعدهم). واللام؟
* الطالب: للتأكيد.
* الشيخ: للتأكيد، وأصلها أين محلها؟ محلها في هذا دائمًا الابتداء اللي تكون في أول الجملة (لأن في ذلك).
لكن قال النحويون في تعليلهم لهذا: إنه لا ينبغي أن يجتمع مؤكِّدان متواليان، فأخَّروا اللام إلى ما تأخر من خبر (إن) واسمها، والله أعلم هل هذا حقيقة أو أن العرب نطقوا به هكذا.
(﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بالله لم يؤمن منهم غير آسية امرأة فرعون، وحزقيل مؤمن آل فرعون، ومريم بنت ناموصي التي دلت على عظام يوسف عليه السلام).
يجوز أن يكون ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾؛ يعني: أكثر قوم موسى الذين أُرْسِلَ إليهم، ويجوز أن يكون ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾؛ أي: أكثر الناس المخاطبين بهذا القرآن؛ يعني هذا فيه آية لكن ما كان أكثر المخاطبين به مؤمنين به.
وأما كون ذلك كما قال المؤلف فنقول: أما امرأة فرعون فصحيح أنها آمنت، وأما مؤمن آل فرعون فصحيح أنه آمن، لكن تسميته بحزقيل يحتاج إلى دليل، والثالثة مريم بنت ناموصي، هذه (...) وما سمعنا بها إلا الآن. وقوله: (التي دلت على عظام يوسف) أيش يوسف؟
* طلبة: يوسف عليه السلام.
* الشيخ: يوسف بن يعقوب، فأين عظامه؟ ما ندري، ثم إذا دلت على عظامه فهل تُمْدح ولَّا تُذَم؟ هي إلى الذم أقرب؛ لأن العظام مُحترمة، المفروض أنها لا تنبش ولا يُسْأل عنها.
ثم إن عظام يوسف هذا خطأ؛ لأنه ثبت أن الله حَرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، فكيف يقال: إنه ما بقي إلا عظامه؟! فالحاصل أن مثل هذه الإسرائيليات يُؤْسَف مِن المؤلف ومن غيره أن ينقلوها.
* طالب: (...).
* الشيخ: هو أكله؟
* الطالب: لا، ما أكله.
* الشيخ: طيب.
* الطالب: (...) الإسرائيليات.
* الشيخ: هذا (...)، فيوسف عليه الصلاة والسلام ما أكله الذئب ولا أكلته الأرض أيضًا؛ لأنه من الأنبياء، فكيف يدل على عظامه؟!
* طالب: (...) يسبح.
* الشيخ: يسبح؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن هذا ما هو محل العوم؛ لأنهم انطبق عليهم الماء وفي أعماق البحر ما يستطيعون. ثم إن العذاب إذا نزل ما ينفع فيه السباحة ولا غيرها.
تذكرون أن قبل ثلاث سنوات أظن نزل على محطة الكهرباء في نيويورك صواعق مع أن عندهم مانعة صواعق من الأعمدة ولكن ما نفعت.
يقول: الأَولى أن يقال: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أنه يعود على الذين نزل عليهم القرآن، لا على بني إسرائيل أو آل فرعون.
وقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٢٢] هذا مما يؤيد ما ذهبنا إليه؛ أن المراد بـ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ الذين نزل عليهم القرآن، ولهذا أضاف الربوبية إلى النبي ﷺ في قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾؛ لأنها تقتضي العناية الخاصة بالرسول عليه الصلاة والسلام.
وفي قوله: ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أتى باللام الدالة على التأكيد لتكون الجملة مؤكَّدة بمؤكدين.
فإذا قال قائل: الخطاب للنبي ﷺ وحاله لا تقتضي التأكيد؛ لأنه مُقِرٌّ، ومن قواعد البلاغة أنه لا يؤكد الكلام إلا للمتردد أو للمنكر؛ فإن كان للمتردد فهو استحسان، وإن كان للمنكر فهو وجوب زيادة تأكيد، وهنا أكد بمؤكدين مع أن الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام وهو مُقِرٌّ بذلك؟
فيقال: إن هذه القاعدة التي ذكروها ليست على إطلاقها، بل فيها قصور؛ فإن الشيء يؤكَّد باعتبار حال المخاطب، وحينئذٍ نقول: إذا كان مُترددًا فيحسُن تأكيده، وإذا كان مُنكِرًا فيجِب تأكيده.
كذلك يُؤَكَّد الكلام باعتبار أهميته؛ إذا كان الكلام ذا اهتمام فإنه يُؤَكَّد حتى وإن كان المخاطب مُقرًّا به؛ لبيان اعتناء المتكلم به. فهنا هذه المسألة مهمة جدًّا.
ثم يقال أيضًا: إن الآية ذُكِرَت تسليةً للرسول عليه الصلاة والسلام، ومن جهة أخرى تهديد للكفار، والكفار قد يشكُّون أو يُنكرون في عزَّة الله ورحمته، فلهذا جمع بينهما مُؤكِّدان.
وقوله: (﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فانتقم من الكافرين بإغراقهم، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين فأنجاهم من الغرق) يُقْرِنُ الله تبارك تعالى دائمًا بين العزة والحكمة، وأحيانًا في مثل هذه السورة بين العزة والرحمة، وبين الوصفين أو الاثنين تناسب ظاهر؛ أما العزة والحكمة فالتناسب بينهما هو أن العزيز هو الغالب القاهر، والغالب القاهر إن لم يكن في غلبته حكمة صار تصرفه غير محمود؛ لأنه يتصرف من مصدر القوة، وإذا كان يتصرف من مصدر القوة ولا حكمة عنده صار يبطش بطشًا في غير محله، وربما يترك ما ينبغي فيه البطش في غير محله، فجاءت الحكمة مقترنة بالعزة.
وأما هنا فلما كان سياق الآيات يتضمن ما تقتضيه الرحمة ويتضمن ما تقتضيه العزة، فإهلاك فرعون يقتضي أن يقابل بالعزة، وإنجاء موسى يقتضي أن يقابل بالرحمة؛ لأنه من مقتضاه جمع الله تعالى بينهما.
الشعراء 26:68
(﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: إغراق فرعون وقومه ﴿لَآيَةً﴾ )، وتفسير المؤلف للمشار إليه فيه قصور؛ لأنها ليست الآية بإغراق فرعون وقومه فحسب، ولكن في فلق البحر وكونه يبسًا، وإنجاء موسى وقومه وإغراق فرعون وقومه.
ولو قيل: إن الإشارة تعود إلى كل ما ذكر؛ يعني: إن في ذلك المذكور من قصة موسى ﴿لَآيَةً﴾: علامة على قدرة الله سبحانه وتعالى وعلى نصره لأوليائه، فيكون متضمنًا لتسلية النبي ﷺ وتحذير المخالفين له، (﴿لَآيَةً﴾ عبرة لمن بعدهم). واللام؟
* الطالب: للتأكيد.
* الشيخ: للتأكيد، وأصلها أين محلها؟ محلها في هذا دائمًا الابتداء اللي تكون في أول الجملة (لأن في ذلك).
لكن قال النحويون في تعليلهم لهذا: إنه لا ينبغي أن يجتمع مؤكِّدان متواليان، فأخَّروا اللام إلى ما تأخر من خبر (إن) واسمها، والله أعلم هل هذا حقيقة أو أن العرب نطقوا به هكذا.
(﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بالله لم يؤمن منهم غير آسية امرأة فرعون، وحزقيل مؤمن آل فرعون، ومريم بنت ناموصي التي دلت على عظام يوسف عليه السلام).
يجوز أن يكون ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾؛ يعني: أكثر قوم موسى الذين أُرْسِلَ إليهم، ويجوز أن يكون ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾؛ أي: أكثر الناس المخاطبين بهذا القرآن؛ يعني هذا فيه آية لكن ما كان أكثر المخاطبين به مؤمنين به.
وأما كون ذلك كما قال المؤلف فنقول: أما امرأة فرعون فصحيح أنها آمنت، وأما مؤمن آل فرعون فصحيح أنه آمن، لكن تسميته بحزقيل يحتاج إلى دليل، والثالثة مريم بنت ناموصي، هذه (...) وما سمعنا بها إلا الآن. وقوله: (التي دلت على عظام يوسف) أيش يوسف؟
* طلبة: يوسف عليه السلام.
* الشيخ: يوسف بن يعقوب، فأين عظامه؟ ما ندري، ثم إذا دلت على عظامه فهل تُمْدح ولَّا تُذَم؟ هي إلى الذم أقرب؛ لأن العظام مُحترمة، المفروض أنها لا تنبش ولا يُسْأل عنها.
ثم إن عظام يوسف هذا خطأ؛ لأنه ثبت أن الله حَرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، فكيف يقال: إنه ما بقي إلا عظامه؟! فالحاصل أن مثل هذه الإسرائيليات يُؤْسَف مِن المؤلف ومن غيره أن ينقلوها.
* طالب: (...).
* الشيخ: هو أكله؟
* الطالب: لا، ما أكله.
* الشيخ: طيب.
* الطالب: (...) الإسرائيليات.
* الشيخ: هذا (...)، فيوسف عليه الصلاة والسلام ما أكله الذئب ولا أكلته الأرض أيضًا؛ لأنه من الأنبياء، فكيف يدل على عظامه؟!
* طالب: (...) يسبح.
* الشيخ: يسبح؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن هذا ما هو محل العوم؛ لأنهم انطبق عليهم الماء وفي أعماق البحر ما يستطيعون. ثم إن العذاب إذا نزل ما ينفع فيه السباحة ولا غيرها.
تذكرون أن قبل ثلاث سنوات أظن نزل على محطة الكهرباء في نيويورك صواعق مع أن عندهم مانعة صواعق من الأعمدة ولكن ما نفعت.
يقول: الأَولى أن يقال: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أنه يعود على الذين نزل عليهم القرآن، لا على بني إسرائيل أو آل فرعون.
وقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٢٢] هذا مما يؤيد ما ذهبنا إليه؛ أن المراد بـ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ الذين نزل عليهم القرآن، ولهذا أضاف الربوبية إلى النبي ﷺ في قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾؛ لأنها تقتضي العناية الخاصة بالرسول عليه الصلاة والسلام.
وفي قوله: ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أتى باللام الدالة على التأكيد لتكون الجملة مؤكَّدة بمؤكدين.
فإذا قال قائل: الخطاب للنبي ﷺ وحاله لا تقتضي التأكيد؛ لأنه مُقِرٌّ، ومن قواعد البلاغة أنه لا يؤكد الكلام إلا للمتردد أو للمنكر؛ فإن كان للمتردد فهو استحسان، وإن كان للمنكر فهو وجوب زيادة تأكيد، وهنا أكد بمؤكدين مع أن الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام وهو مُقِرٌّ بذلك؟
فيقال: إن هذه القاعدة التي ذكروها ليست على إطلاقها، بل فيها قصور؛ فإن الشيء يؤكَّد باعتبار حال المخاطب، وحينئذٍ نقول: إذا كان مُترددًا فيحسُن تأكيده، وإذا كان مُنكِرًا فيجِب تأكيده.
كذلك يُؤَكَّد الكلام باعتبار أهميته؛ إذا كان الكلام ذا اهتمام فإنه يُؤَكَّد حتى وإن كان المخاطب مُقرًّا به؛ لبيان اعتناء المتكلم به. فهنا هذه المسألة مهمة جدًّا.
ثم يقال أيضًا: إن الآية ذُكِرَت تسليةً للرسول عليه الصلاة والسلام، ومن جهة أخرى تهديد للكفار، والكفار قد يشكُّون أو يُنكرون في عزَّة الله ورحمته، فلهذا جمع بينهما مُؤكِّدان.
وقوله: (﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فانتقم من الكافرين بإغراقهم، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين فأنجاهم من الغرق) يُقْرِنُ الله تبارك تعالى دائمًا بين العزة والحكمة، وأحيانًا في مثل هذه السورة بين العزة والرحمة، وبين الوصفين أو الاثنين تناسب ظاهر؛ أما العزة والحكمة فالتناسب بينهما هو أن العزيز هو الغالب القاهر، والغالب القاهر إن لم يكن في غلبته حكمة صار تصرفه غير محمود؛ لأنه يتصرف من مصدر القوة، وإذا كان يتصرف من مصدر القوة ولا حكمة عنده صار يبطش بطشًا في غير محله، وربما يترك ما ينبغي فيه البطش في غير محله، فجاءت الحكمة مقترنة بالعزة.
وأما هنا فلما كان سياق الآيات يتضمن ما تقتضيه الرحمة ويتضمن ما تقتضيه العزة، فإهلاك فرعون يقتضي أن يقابل بالعزة، وإنجاء موسى يقتضي أن يقابل بالرحمة؛ لأنه من مقتضاه جمع الله تعالى بينهما.
الشعراء 26:69
ثم قال الله تعالى: (﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: كفَّار مكة) والصواب أي: على الناس الذين أُرْسِلت إليهم.
(﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: كفَّار مكة) ﴿نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ [الشعراء ٦٩، ٧٠].
والرسول عليه الصلاة والسلام تلا على الناس حتى إننا نقول الآن: هو تلا علينا، حتى في هذا العصر وفيما بعده قد تلا رسول الله ﷺ على الناس هذا النبأ.
وقوله: (﴿نَبَأَ﴾ خبر) ولكن لا يكون النبأ إلا في الأمور الهامة، والخبر يكون فيها وفي غيرها، لكن النبأ ما يكون إلا في الأمور الهامة، وهذا النبأ هام جدًّا لما يتضمنه من التوحيد والمناظرة والتوكيد وما يتعلق بذلك في الثواب والعقاب.
(﴿نَبَأَ﴾ خبر، ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ويبدل منه) أي: مِن نبأٍ. ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾ فتكون (إذ) هنا في محل نصب بدلًا من ﴿نَبَأَ﴾، وإبراهيم هو خليل الله سبحانه وتعالى، وهو معروف.
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أبوه اسمه آزر، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام ٧٤].
وأما قومه فالذين بعث إليهم، وفي هذا دليل على أن إبراهيم لم يُبْعَث إلى الناس عامة، وإنما بعث إلى قومه كسائر الأنبياء.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ليس بصحيح.
وقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿مَا﴾ للاستفهام، والمراد به الإنكار والتعجب أيضًا؛ يعني أنه يُنْكِر مُتعجِّبًا.
(﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ صرَّحوا بالفعل ليعطفوا عليه) ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء ٧١]، ﴿أَصْنَامًا﴾ جمع صنم، والمراد بالصنم كل ما اتخذ إلهًا مع الله، سواء كان شجرًا أو حجرًا أم غيرهما. ولكن هل يشترط أن يكون منصوبًا ولَّا ما يُشترط؟ الظاهر عدم اشتراطه، وأنه قد لا يكون منصوبًا، قد يكون مبطوحًا ومضجعًا وغير قائم.
وقول المؤلف: (صرحوا بالفعل ليعطفوا عليه ﴿فَنَظَلُّ﴾ ) هذه مُناسبة لفظية قد تكون مقصودة وقد لا تكون مقصودة.
قد يقول قائل: لو قالوا: (أصنامًا فنظل) لكان المعنى مستقيمًا، ولا حاجة إلى ذكر الجملة ليعطف عليها؛ لأننا نرى أنه تأتي أحيانًا جمل عطف عليها جمل وهي محذوفة؛ مثل: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [الروم ٩] ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [طه ١٢٨] على أحد الوجهين.
ولكن الصحيح أنهم صرحوا بالفعل إظهارًا لفعلهم كأنهم يفتخرون به؛ يعني يحققون العبادة ويفخرون بعبادتهم؛ لأن التصريح بالعبادة للمعبود يدل على أن الإنسان فخورٌ بها ﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾، فهم أظهروها تأكيدًا وافتخارًا بهذا الذي لا شك فيه.
وأما لأجل العطف فهذا العطف نقول: يصح بدون ذكره، وهذا ليس بمقصود فيما يبدو، وإنما المقصود هو تأكيد هذا والافتخار به ﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾؛ مثل ما يقول لك القائل: أنت تفعل كذا؟ تقول: نعم أفعله، لو قلت: (نعم) لكفى، لكن (أفعله) من باب تأكيده والافتخار به، فهم كذلك يقولون: ﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ مُؤَكِّدين لعبادتها مُفتخرِين بها.
(﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾؛ أي: نقيم نهارًا على عبادتها، زادوه في الجواب افتخارًا به) صحيح، ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ هذا ما سألهم: هل أنتم تدومون على عبادتها أو لا؟ لكن هم زادوا على هذا وقالوا: ﴿نَظَلُّ﴾؛ يعني: نستمر، ﴿لَهَا عَاكِفِينَ﴾.
وقوله: ﴿لَهَا﴾ مُتعلِّقٌ بـ﴿عَاكِفِينَ﴾، وتقديمه عليه يفيد الحصر؛ يعني أننا نعكف لها لا لغيرها.
ويقول المؤلف: (زادوه في الجواب افتخارًا به) إي نعم، كما قال المؤلف: (زادوه افتخارًا به) ، ثم إصرارًا وعنادًا؛ يعني: لسنا نعبدها وقتًا دون وقت، بل نعبدها ونستمرُّ على عبادتها.
وقول المؤلف: (نهارًا) منين أخذ نهارًا؟ لأنهم يقولون: إن (ظَلَّ) فعل يدلُّ على وقوع الشيء نهارًا، هذا هو المعروف عند النحويين، والذي يظهر أنها تدل على وقوع الفعل باستمرار ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل ٥٨]، في النهار ولَّا في النهار والليل؟
* طالب: في أي وقت.
* الشيخ: نعم، أي وقت يُبَشَّر به يستمر وجهه مسودًّا ليلًا ونهارًا، فالصواب أن هذا الفعل يشعر بالاستمرار ولا يختص بالنهار، كما قاله المؤلف وغيره.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يعود على ما ذكروه.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، على ما ذكروه الأخير.
* الطالب: العبادة (...)؟
* الشيخ: لا، وكونهم مستمرين عليه.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي، على الاستمرار.
الشعراء 26:70
ثم قال الله تعالى: (﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: كفَّار مكة) والصواب أي: على الناس الذين أُرْسِلت إليهم.
(﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: كفَّار مكة) ﴿نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ [الشعراء ٦٩، ٧٠].
والرسول عليه الصلاة والسلام تلا على الناس حتى إننا نقول الآن: هو تلا علينا، حتى في هذا العصر وفيما بعده قد تلا رسول الله ﷺ على الناس هذا النبأ.
وقوله: (﴿نَبَأَ﴾ خبر) ولكن لا يكون النبأ إلا في الأمور الهامة، والخبر يكون فيها وفي غيرها، لكن النبأ ما يكون إلا في الأمور الهامة، وهذا النبأ هام جدًّا لما يتضمنه من التوحيد والمناظرة والتوكيد وما يتعلق بذلك في الثواب والعقاب.
(﴿نَبَأَ﴾ خبر، ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ويبدل منه) أي: مِن نبأٍ. ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾ فتكون (إذ) هنا في محل نصب بدلًا من ﴿نَبَأَ﴾، وإبراهيم هو خليل الله سبحانه وتعالى، وهو معروف.
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أبوه اسمه آزر، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام ٧٤].
وأما قومه فالذين بعث إليهم، وفي هذا دليل على أن إبراهيم لم يُبْعَث إلى الناس عامة، وإنما بعث إلى قومه كسائر الأنبياء.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ليس بصحيح.
وقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿مَا﴾ للاستفهام، والمراد به الإنكار والتعجب أيضًا؛ يعني أنه يُنْكِر مُتعجِّبًا.
(﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ صرَّحوا بالفعل ليعطفوا عليه) ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء ٧١]، ﴿أَصْنَامًا﴾ جمع صنم، والمراد بالصنم كل ما اتخذ إلهًا مع الله، سواء كان شجرًا أو حجرًا أم غيرهما. ولكن هل يشترط أن يكون منصوبًا ولَّا ما يُشترط؟ الظاهر عدم اشتراطه، وأنه قد لا يكون منصوبًا، قد يكون مبطوحًا ومضجعًا وغير قائم.
وقول المؤلف: (صرحوا بالفعل ليعطفوا عليه ﴿فَنَظَلُّ﴾ ) هذه مُناسبة لفظية قد تكون مقصودة وقد لا تكون مقصودة.
قد يقول قائل: لو قالوا: (أصنامًا فنظل) لكان المعنى مستقيمًا، ولا حاجة إلى ذكر الجملة ليعطف عليها؛ لأننا نرى أنه تأتي أحيانًا جمل عطف عليها جمل وهي محذوفة؛ مثل: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [الروم ٩] ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [طه ١٢٨] على أحد الوجهين.
ولكن الصحيح أنهم صرحوا بالفعل إظهارًا لفعلهم كأنهم يفتخرون به؛ يعني يحققون العبادة ويفخرون بعبادتهم؛ لأن التصريح بالعبادة للمعبود يدل على أن الإنسان فخورٌ بها ﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾، فهم أظهروها تأكيدًا وافتخارًا بهذا الذي لا شك فيه.
وأما لأجل العطف فهذا العطف نقول: يصح بدون ذكره، وهذا ليس بمقصود فيما يبدو، وإنما المقصود هو تأكيد هذا والافتخار به ﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾؛ مثل ما يقول لك القائل: أنت تفعل كذا؟ تقول: نعم أفعله، لو قلت: (نعم) لكفى، لكن (أفعله) من باب تأكيده والافتخار به، فهم كذلك يقولون: ﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ مُؤَكِّدين لعبادتها مُفتخرِين بها.
(﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾؛ أي: نقيم نهارًا على عبادتها، زادوه في الجواب افتخارًا به) صحيح، ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ هذا ما سألهم: هل أنتم تدومون على عبادتها أو لا؟ لكن هم زادوا على هذا وقالوا: ﴿نَظَلُّ﴾؛ يعني: نستمر، ﴿لَهَا عَاكِفِينَ﴾.
وقوله: ﴿لَهَا﴾ مُتعلِّقٌ بـ﴿عَاكِفِينَ﴾، وتقديمه عليه يفيد الحصر؛ يعني أننا نعكف لها لا لغيرها.
ويقول المؤلف: (زادوه في الجواب افتخارًا به) إي نعم، كما قال المؤلف: (زادوه افتخارًا به) ، ثم إصرارًا وعنادًا؛ يعني: لسنا نعبدها وقتًا دون وقت، بل نعبدها ونستمرُّ على عبادتها.
وقول المؤلف: (نهارًا) منين أخذ نهارًا؟ لأنهم يقولون: إن (ظَلَّ) فعل يدلُّ على وقوع الشيء نهارًا، هذا هو المعروف عند النحويين، والذي يظهر أنها تدل على وقوع الفعل باستمرار ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل ٥٨]، في النهار ولَّا في النهار والليل؟
* طالب: في أي وقت.
* الشيخ: نعم، أي وقت يُبَشَّر به يستمر وجهه مسودًّا ليلًا ونهارًا، فالصواب أن هذا الفعل يشعر بالاستمرار ولا يختص بالنهار، كما قاله المؤلف وغيره.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يعود على ما ذكروه.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، على ما ذكروه الأخير.
* الطالب: العبادة (...)؟
* الشيخ: لا، وكونهم مستمرين عليه.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي، على الاستمرار.
الشعراء 26:71
ثم قال الله تعالى: (﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: كفَّار مكة) والصواب أي: على الناس الذين أُرْسِلت إليهم.
(﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: كفَّار مكة) ﴿نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ [الشعراء ٦٩، ٧٠].
والرسول عليه الصلاة والسلام تلا على الناس حتى إننا نقول الآن: هو تلا علينا، حتى في هذا العصر وفيما بعده قد تلا رسول الله ﷺ على الناس هذا النبأ.
وقوله: (﴿نَبَأَ﴾ خبر) ولكن لا يكون النبأ إلا في الأمور الهامة، والخبر يكون فيها وفي غيرها، لكن النبأ ما يكون إلا في الأمور الهامة، وهذا النبأ هام جدًّا لما يتضمنه من التوحيد والمناظرة والتوكيد وما يتعلق بذلك في الثواب والعقاب.
(﴿نَبَأَ﴾ خبر، ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ويبدل منه) أي: مِن نبأٍ. ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾ فتكون (إذ) هنا في محل نصب بدلًا من ﴿نَبَأَ﴾، وإبراهيم هو خليل الله سبحانه وتعالى، وهو معروف.
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أبوه اسمه آزر، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام ٧٤].
وأما قومه فالذين بعث إليهم، وفي هذا دليل على أن إبراهيم لم يُبْعَث إلى الناس عامة، وإنما بعث إلى قومه كسائر الأنبياء.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ليس بصحيح.
وقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿مَا﴾ للاستفهام، والمراد به الإنكار والتعجب أيضًا؛ يعني أنه يُنْكِر مُتعجِّبًا.
(﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ صرَّحوا بالفعل ليعطفوا عليه) ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء ٧١]، ﴿أَصْنَامًا﴾ جمع صنم، والمراد بالصنم كل ما اتخذ إلهًا مع الله، سواء كان شجرًا أو حجرًا أم غيرهما. ولكن هل يشترط أن يكون منصوبًا ولَّا ما يُشترط؟ الظاهر عدم اشتراطه، وأنه قد لا يكون منصوبًا، قد يكون مبطوحًا ومضجعًا وغير قائم.
وقول المؤلف: (صرحوا بالفعل ليعطفوا عليه ﴿فَنَظَلُّ﴾ ) هذه مُناسبة لفظية قد تكون مقصودة وقد لا تكون مقصودة.
قد يقول قائل: لو قالوا: (أصنامًا فنظل) لكان المعنى مستقيمًا، ولا حاجة إلى ذكر الجملة ليعطف عليها؛ لأننا نرى أنه تأتي أحيانًا جمل عطف عليها جمل وهي محذوفة؛ مثل: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [الروم ٩] ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [طه ١٢٨] على أحد الوجهين.
ولكن الصحيح أنهم صرحوا بالفعل إظهارًا لفعلهم كأنهم يفتخرون به؛ يعني يحققون العبادة ويفخرون بعبادتهم؛ لأن التصريح بالعبادة للمعبود يدل على أن الإنسان فخورٌ بها ﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾، فهم أظهروها تأكيدًا وافتخارًا بهذا الذي لا شك فيه.
وأما لأجل العطف فهذا العطف نقول: يصح بدون ذكره، وهذا ليس بمقصود فيما يبدو، وإنما المقصود هو تأكيد هذا والافتخار به ﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾؛ مثل ما يقول لك القائل: أنت تفعل كذا؟ تقول: نعم أفعله، لو قلت: (نعم) لكفى، لكن (أفعله) من باب تأكيده والافتخار به، فهم كذلك يقولون: ﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ مُؤَكِّدين لعبادتها مُفتخرِين بها.
(﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾؛ أي: نقيم نهارًا على عبادتها، زادوه في الجواب افتخارًا به) صحيح، ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ هذا ما سألهم: هل أنتم تدومون على عبادتها أو لا؟ لكن هم زادوا على هذا وقالوا: ﴿نَظَلُّ﴾؛ يعني: نستمر، ﴿لَهَا عَاكِفِينَ﴾.
وقوله: ﴿لَهَا﴾ مُتعلِّقٌ بـ﴿عَاكِفِينَ﴾، وتقديمه عليه يفيد الحصر؛ يعني أننا نعكف لها لا لغيرها.
ويقول المؤلف: (زادوه في الجواب افتخارًا به) إي نعم، كما قال المؤلف: (زادوه افتخارًا به) ، ثم إصرارًا وعنادًا؛ يعني: لسنا نعبدها وقتًا دون وقت، بل نعبدها ونستمرُّ على عبادتها.
وقول المؤلف: (نهارًا) منين أخذ نهارًا؟ لأنهم يقولون: إن (ظَلَّ) فعل يدلُّ على وقوع الشيء نهارًا، هذا هو المعروف عند النحويين، والذي يظهر أنها تدل على وقوع الفعل باستمرار ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل ٥٨]، في النهار ولَّا في النهار والليل؟
* طالب: في أي وقت.
* الشيخ: نعم، أي وقت يُبَشَّر به يستمر وجهه مسودًّا ليلًا ونهارًا، فالصواب أن هذا الفعل يشعر بالاستمرار ولا يختص بالنهار، كما قاله المؤلف وغيره.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يعود على ما ذكروه.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، على ما ذكروه الأخير.
* الطالب: العبادة (...)؟
* الشيخ: لا، وكونهم مستمرين عليه.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي، على الاستمرار.
الشعراء 26:72
﴿قَالَ﴾ عليه الصلاة والسلام ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ﴾ (حين) ﴿تَدْعُونَ﴾؛ ﴿إِذْ﴾ هذه ظرف من فعل (يسمعون)، و﴿هَلْ﴾ للاستفهام المراد به الإنكار مع التحدي؛ يعني يتحداهم يقول: هذه الأصنام التي تعبدونها تسألونها الحوائج، ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ الجواب؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا.
(﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ إنْ عبدتموهم، ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾ لكم إن لم تعبدوهم). الجواب؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، هم أقرُّوا ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾؛ يعني لا تسمع ولا تنفع ولا تضر وإنما فعلنا ذلك تقليدًا، فقط تلقيدًا محضًا لآبائنا.
وقوله: ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾ قدَّر المؤلف المفعول بقوله: (يضرونكم)، وحينئذٍ نسأل: ما هي الحكمة في حذف المفعول؟ الحكمة هي بالنسبة لآخر الآية لفظية وهي مراعاة الفواصل، وبالنسبة للعموم معنوية؛ لأن الإنسان الذي يعبد الشيء لا يريد أن يضره بل يريد أن ينفعه، ولهذا قال: ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾، أما أنه يريد أن يضره فلا، نعم يريد أن يضر غيره من أعدائه صحيح؛ قد يعبد هذا الشيء ليدعوه أن يضر عدوه، فالحذف هنا للعموم يصير: إما أن يضرونكم إن لم تعبدوهم، أو أن يضرون عدوكم إذا عبدوتموهم.
جواب هؤلاء قالوا: ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء ٧٤]، ﴿بَلْ﴾ للإضراب الإبطالي؛ يعني معناه أنهم أنكروا أن يسمعوهم هذه الأصنام أو تنفعهم أو تضرهم، ولكنهم وجدوا آباءهم ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾؛ يعني يفعلون كذلك يعبدون هذه الأصنام.
و(الكاف) اسم بمعنى مِثْل، و(ذا) اسم إشارة تعود إلى الفعل؛ يعني: مثل ذلك الفعل يفعلون، ومحل الكاف في قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ محلها النصب على أنها مفعول مطلق؛ أي: يفعلون مثل فعلنا.
وليت أن المؤلف جعل (أي مثل فعلنا قد لا يفعلون)؛ لأن تأخيره عن الفعل يُوهِم أنه يريد أن يكون مفعول الفعل محذوف؛ أي: مثل فعلنا، والصواب أنه موجود، وهو قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾، فيحسُن به أن يقدم مثل فعلنا على قوله: ﴿يَفْعَلُونَ﴾، ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل فعلنا ﴿يَفْعَلُونَ﴾.
صار ما لهم حجة إلا التقليد الأعمى فقط؛ أنهم وجدوا آباءهم على هذه الملة فسلكوها، فقال لهم إبراهيم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ [الشعراء ٧٥، ٧٦] (...).
الشعراء 26:73
﴿قَالَ﴾ عليه الصلاة والسلام ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ﴾ (حين) ﴿تَدْعُونَ﴾؛ ﴿إِذْ﴾ هذه ظرف من فعل (يسمعون)، و﴿هَلْ﴾ للاستفهام المراد به الإنكار مع التحدي؛ يعني يتحداهم يقول: هذه الأصنام التي تعبدونها تسألونها الحوائج، ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ الجواب؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا.
(﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ إنْ عبدتموهم، ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾ لكم إن لم تعبدوهم). الجواب؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، هم أقرُّوا ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾؛ يعني لا تسمع ولا تنفع ولا تضر وإنما فعلنا ذلك تقليدًا، فقط تلقيدًا محضًا لآبائنا.
وقوله: ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾ قدَّر المؤلف المفعول بقوله: (يضرونكم)، وحينئذٍ نسأل: ما هي الحكمة في حذف المفعول؟ الحكمة هي بالنسبة لآخر الآية لفظية وهي مراعاة الفواصل، وبالنسبة للعموم معنوية؛ لأن الإنسان الذي يعبد الشيء لا يريد أن يضره بل يريد أن ينفعه، ولهذا قال: ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾، أما أنه يريد أن يضره فلا، نعم يريد أن يضر غيره من أعدائه صحيح؛ قد يعبد هذا الشيء ليدعوه أن يضر عدوه، فالحذف هنا للعموم يصير: إما أن يضرونكم إن لم تعبدوهم، أو أن يضرون عدوكم إذا عبدوتموهم.
جواب هؤلاء قالوا: ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء ٧٤]، ﴿بَلْ﴾ للإضراب الإبطالي؛ يعني معناه أنهم أنكروا أن يسمعوهم هذه الأصنام أو تنفعهم أو تضرهم، ولكنهم وجدوا آباءهم ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾؛ يعني يفعلون كذلك يعبدون هذه الأصنام.
و(الكاف) اسم بمعنى مِثْل، و(ذا) اسم إشارة تعود إلى الفعل؛ يعني: مثل ذلك الفعل يفعلون، ومحل الكاف في قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ محلها النصب على أنها مفعول مطلق؛ أي: يفعلون مثل فعلنا.
وليت أن المؤلف جعل (أي مثل فعلنا قد لا يفعلون)؛ لأن تأخيره عن الفعل يُوهِم أنه يريد أن يكون مفعول الفعل محذوف؛ أي: مثل فعلنا، والصواب أنه موجود، وهو قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾، فيحسُن به أن يقدم مثل فعلنا على قوله: ﴿يَفْعَلُونَ﴾، ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل فعلنا ﴿يَفْعَلُونَ﴾.
صار ما لهم حجة إلا التقليد الأعمى فقط؛ أنهم وجدوا آباءهم على هذه الملة فسلكوها، فقال لهم إبراهيم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ [الشعراء ٧٥، ٧٦] (...).
الشعراء 26:74
﴿قَالَ﴾ عليه الصلاة والسلام ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ﴾ (حين) ﴿تَدْعُونَ﴾؛ ﴿إِذْ﴾ هذه ظرف من فعل (يسمعون)، و﴿هَلْ﴾ للاستفهام المراد به الإنكار مع التحدي؛ يعني يتحداهم يقول: هذه الأصنام التي تعبدونها تسألونها الحوائج، ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ الجواب؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا.
(﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ إنْ عبدتموهم، ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾ لكم إن لم تعبدوهم). الجواب؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، هم أقرُّوا ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾؛ يعني لا تسمع ولا تنفع ولا تضر وإنما فعلنا ذلك تقليدًا، فقط تلقيدًا محضًا لآبائنا.
وقوله: ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾ قدَّر المؤلف المفعول بقوله: (يضرونكم)، وحينئذٍ نسأل: ما هي الحكمة في حذف المفعول؟ الحكمة هي بالنسبة لآخر الآية لفظية وهي مراعاة الفواصل، وبالنسبة للعموم معنوية؛ لأن الإنسان الذي يعبد الشيء لا يريد أن يضره بل يريد أن ينفعه، ولهذا قال: ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾، أما أنه يريد أن يضره فلا، نعم يريد أن يضر غيره من أعدائه صحيح؛ قد يعبد هذا الشيء ليدعوه أن يضر عدوه، فالحذف هنا للعموم يصير: إما أن يضرونكم إن لم تعبدوهم، أو أن يضرون عدوكم إذا عبدوتموهم.
جواب هؤلاء قالوا: ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء ٧٤]، ﴿بَلْ﴾ للإضراب الإبطالي؛ يعني معناه أنهم أنكروا أن يسمعوهم هذه الأصنام أو تنفعهم أو تضرهم، ولكنهم وجدوا آباءهم ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾؛ يعني يفعلون كذلك يعبدون هذه الأصنام.
و(الكاف) اسم بمعنى مِثْل، و(ذا) اسم إشارة تعود إلى الفعل؛ يعني: مثل ذلك الفعل يفعلون، ومحل الكاف في قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ محلها النصب على أنها مفعول مطلق؛ أي: يفعلون مثل فعلنا.
وليت أن المؤلف جعل (أي مثل فعلنا قد لا يفعلون)؛ لأن تأخيره عن الفعل يُوهِم أنه يريد أن يكون مفعول الفعل محذوف؛ أي: مثل فعلنا، والصواب أنه موجود، وهو قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾، فيحسُن به أن يقدم مثل فعلنا على قوله: ﴿يَفْعَلُونَ﴾، ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل فعلنا ﴿يَفْعَلُونَ﴾.
صار ما لهم حجة إلا التقليد الأعمى فقط؛ أنهم وجدوا آباءهم على هذه الملة فسلكوها، فقال لهم إبراهيم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ [الشعراء ٧٥، ٧٦] (...).
الشعراء 26:75
﴿قَالَ﴾ عليه الصلاة والسلام ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ﴾ (حين) ﴿تَدْعُونَ﴾؛ ﴿إِذْ﴾ هذه ظرف من فعل (يسمعون)، و﴿هَلْ﴾ للاستفهام المراد به الإنكار مع التحدي؛ يعني يتحداهم يقول: هذه الأصنام التي تعبدونها تسألونها الحوائج، ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ الجواب؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا.
(﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ إنْ عبدتموهم، ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾ لكم إن لم تعبدوهم). الجواب؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، هم أقرُّوا ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾؛ يعني لا تسمع ولا تنفع ولا تضر وإنما فعلنا ذلك تقليدًا، فقط تلقيدًا محضًا لآبائنا.
وقوله: ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾ قدَّر المؤلف المفعول بقوله: (يضرونكم)، وحينئذٍ نسأل: ما هي الحكمة في حذف المفعول؟ الحكمة هي بالنسبة لآخر الآية لفظية وهي مراعاة الفواصل، وبالنسبة للعموم معنوية؛ لأن الإنسان الذي يعبد الشيء لا يريد أن يضره بل يريد أن ينفعه، ولهذا قال: ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾، أما أنه يريد أن يضره فلا، نعم يريد أن يضر غيره من أعدائه صحيح؛ قد يعبد هذا الشيء ليدعوه أن يضر عدوه، فالحذف هنا للعموم يصير: إما أن يضرونكم إن لم تعبدوهم، أو أن يضرون عدوكم إذا عبدوتموهم.
جواب هؤلاء قالوا: ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء ٧٤]، ﴿بَلْ﴾ للإضراب الإبطالي؛ يعني معناه أنهم أنكروا أن يسمعوهم هذه الأصنام أو تنفعهم أو تضرهم، ولكنهم وجدوا آباءهم ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾؛ يعني يفعلون كذلك يعبدون هذه الأصنام.
و(الكاف) اسم بمعنى مِثْل، و(ذا) اسم إشارة تعود إلى الفعل؛ يعني: مثل ذلك الفعل يفعلون، ومحل الكاف في قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ محلها النصب على أنها مفعول مطلق؛ أي: يفعلون مثل فعلنا.
وليت أن المؤلف جعل (أي مثل فعلنا قد لا يفعلون)؛ لأن تأخيره عن الفعل يُوهِم أنه يريد أن يكون مفعول الفعل محذوف؛ أي: مثل فعلنا، والصواب أنه موجود، وهو قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾، فيحسُن به أن يقدم مثل فعلنا على قوله: ﴿يَفْعَلُونَ﴾، ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل فعلنا ﴿يَفْعَلُونَ﴾.
صار ما لهم حجة إلا التقليد الأعمى فقط؛ أنهم وجدوا آباءهم على هذه الملة فسلكوها، فقال لهم إبراهيم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ [الشعراء ٧٥، ٧٦] (...).
الشعراء 26:76
﴿قَالَ﴾ عليه الصلاة والسلام ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ﴾ (حين) ﴿تَدْعُونَ﴾؛ ﴿إِذْ﴾ هذه ظرف من فعل (يسمعون)، و﴿هَلْ﴾ للاستفهام المراد به الإنكار مع التحدي؛ يعني يتحداهم يقول: هذه الأصنام التي تعبدونها تسألونها الحوائج، ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ الجواب؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا.
(﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ إنْ عبدتموهم، ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾ لكم إن لم تعبدوهم). الجواب؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، هم أقرُّوا ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾؛ يعني لا تسمع ولا تنفع ولا تضر وإنما فعلنا ذلك تقليدًا، فقط تلقيدًا محضًا لآبائنا.
وقوله: ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾ قدَّر المؤلف المفعول بقوله: (يضرونكم)، وحينئذٍ نسأل: ما هي الحكمة في حذف المفعول؟ الحكمة هي بالنسبة لآخر الآية لفظية وهي مراعاة الفواصل، وبالنسبة للعموم معنوية؛ لأن الإنسان الذي يعبد الشيء لا يريد أن يضره بل يريد أن ينفعه، ولهذا قال: ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾، أما أنه يريد أن يضره فلا، نعم يريد أن يضر غيره من أعدائه صحيح؛ قد يعبد هذا الشيء ليدعوه أن يضر عدوه، فالحذف هنا للعموم يصير: إما أن يضرونكم إن لم تعبدوهم، أو أن يضرون عدوكم إذا عبدوتموهم.
جواب هؤلاء قالوا: ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء ٧٤]، ﴿بَلْ﴾ للإضراب الإبطالي؛ يعني معناه أنهم أنكروا أن يسمعوهم هذه الأصنام أو تنفعهم أو تضرهم، ولكنهم وجدوا آباءهم ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾؛ يعني يفعلون كذلك يعبدون هذه الأصنام.
و(الكاف) اسم بمعنى مِثْل، و(ذا) اسم إشارة تعود إلى الفعل؛ يعني: مثل ذلك الفعل يفعلون، ومحل الكاف في قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ محلها النصب على أنها مفعول مطلق؛ أي: يفعلون مثل فعلنا.
وليت أن المؤلف جعل (أي مثل فعلنا قد لا يفعلون)؛ لأن تأخيره عن الفعل يُوهِم أنه يريد أن يكون مفعول الفعل محذوف؛ أي: مثل فعلنا، والصواب أنه موجود، وهو قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾، فيحسُن به أن يقدم مثل فعلنا على قوله: ﴿يَفْعَلُونَ﴾، ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل فعلنا ﴿يَفْعَلُونَ﴾.
صار ما لهم حجة إلا التقليد الأعمى فقط؛ أنهم وجدوا آباءهم على هذه الملة فسلكوها، فقال لهم إبراهيم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ [الشعراء ٧٥، ٧٦] (...).
الشعراء 26:92
وقوله: ﴿تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الشعراء 92، 93] يقول المؤلف: (أي غيره)؛ لأن (دون) تأتي بمعنى غير وسوى، وتأتي بمعنى (أقل)؛ كما تقول: هذا دون هذا؛ يعني أقل منه، حسب السياق.
(﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ بدفع العذاب عنكم) أيش الجواب؟ لا، مع أنهم (...) ولكنها في الواقع لا تنفعهم بل تضرهم.
(﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بدفعه عن أنفسهم، لا) إذا كانوا لا ينفعون ولا ينتفعون، فلا فائدة فيهم ولا في عبادتهم.
وفي قوله: ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ دليل على أن هذه الأصنام تُعَذَّب وتُلْقَى في جهنم، كما جاء في الآيات الأخرى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨]، لكن إذا كان الذي يعبد من دون الله مما (...)؛ فإن رضي بعبادتهم فهو معهم، وإن لم يرضَ فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠١] ما يدخلون النار.
فإذا قيل: ما هي فائدة إدخال الأصنام النار وتعذبيها مع أنها لا تحس؟ قلنا..
* طالب: للإهانة.
* الشيخ: إي نعم، إهانة لعابديها؛ لأن هذا فيه من الإهانة وبيان أنها لا تنفع ما هو ظاهر.
(﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ [الشعراء ٩٤] أُلْقوا) ﴿فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾، ﴿هُمْ﴾ الضمير يعود على أي شيء؟ على ما يعبدون ما دون الله.
وقوله: ﴿كُبْكِبُوا﴾ بمعنى أُلْقوا، لكن تكرار هذا يدل على معنًى أدق من الألقاء فقط؛ يعني كأنهم يُكبون فيها على وجوههم وبدون أيضًا ترتيب بدون نظام، كأنما يحشون حشًّا -والعياذ بالله- ويلقون.
(﴿هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾ [الشعراء ٩٤، ٩٥] أتباعه ومن أطاعه من الجن والإنس ﴿أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء ٩٥]) أعوذ بالله!
﴿جُنُودُ إِبْلِيسَ﴾ هم الذين يتبعونه ويغوون الناس، فكل من سعى في إغواء الناس والإفساد بينهم فإنه من جنود إبليس، ومعلوم أن جنود إبليس على عكس جنود الرحمن، جنود الرحمن يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك يدعون إلى الشر ويأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.
وفي هذا دليل على أن كل من نصر أحدًا فهو من جنوده، ولو بالاتباع فإنه يكون من جنده، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦١٦٨)، ومسلم (٢٦٤٠ / ١٦٥) من حديث ابن مسعود.]]، ومن أحب شخصًا أطاعه واتبعه.
وقوله: ﴿هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾، المراد بـ﴿الْغَاوُونَ﴾ هنا غير ﴿الْغَاوُونَ﴾ الأولون ولَّا هم؟ المراد من؟ المراد من سبق، ولكن كُرِّر ذلك الوصف ما قال: فكبكوا فيها هم وأولئك، كرَّره لإظهار ذم الغواية.
ولكن قوله: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ هذا هل هو من باب عطف متغايرين وأن الغاوي ليس من جنود إبليس أو أنه من باب عطف المترادفين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش الأصل؟
* الطالب: الأصل العدد.
* الشيخ: الأصل في العطف التغاير، لكن ما وجه التغاير هنا؟
* الطالب: أن الغاوون (...).
* الشيخ: وغير؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا هو الظاهر؛ أن الغاوي هو الفاسد في نفسه، وأما جنود إبليس (...) ويدعون لما يدعو إليه، فيكون أشد.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: ما هو بظاهر، يقول المؤلف: (أتباعه ومن أطاعه) يقيد بما أطاعه في إغواء الناس ودعوتهم إلى الضلالة، يصير هنا من باب عطف الخاص على العام؛ لأن كل من دعا الناس إلى الباطل فهو غاوٍ ولا عكس.
(﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا﴾ [الشعراء ٩٥، ٩٦]؛ أي: الغاوون، ﴿وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ مع معبوديهم) ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ٩٧، ٩٨]. لكن هذا الإقرار ينفع متى؟
* طالب: في الدنيا.
* الشيخ: لو كان في الدنيا هم يتخاصمون؛ العابد والمعبود، والتابع والمتبوع يوم القيامة، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة ١٦٦] وكذلك أيضًا: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ ٣٢]، و﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص ٦٤]، ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]، وهكذا، ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٦٧]، هؤلاء الذين كانوا في الدنيا على ضلالٍ وعلى باطل يوم القيامة، كما قال إبراهيم: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت ٢٥].
وليت أننا نتَّعظ بمثل هذه الآيات ونعظ الناس بها، ونقول: لكل قوم اجتمعوا على فساد فإنهم يوم القيامة تزول هذه المحبة وهذه الرابطة، ويتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضًا، ونذكرهم بهذا الأمر الذي في الحقيقة ليس ببعيد، ما بينهم وبينه إلا أن تخرج أرواحهم من أجسامهم ثم يجدونه، وخروج الروح من الجسد ليس ببعيد؛ فقد يكون قريبًا جدًّا، وكما قال أبو بكر:
كُــلُّ امْرِئٍ مُـــصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ∗∗∗ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وقد يكون غير قريب جدًّا ولكنه مؤخر لأجل معلوم، إذا كان الله تعالى يقول في يوم القيامة: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود ١٠٤]، فكيف عاد يؤجل الإنسان لنفسه؟! يكون مِن باب أولى.
﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ﴾ [الشعراء ٩٦، ٩٧]، هذا قسمٌ بحرف التاء، وحروف القسم ثلاثة هي؟
* طالب: التاء، والواو، والباء.
* الشيخ: والباء طيب. أيهم الأفضل؟
* طالب: الواو.
* الشيخ: (...) كل الثلاثة يقسم بها لكن بعضها أفضل، وبعضها غير أفضل، مثل (كان) وأخواتها مثلًا.
* الطالب: الأفضل الباء.
* الشيخ: الأفضل الباء. أيش الدليل أنها الأفضل؟
* الطالب: لأنها ظاهرة في القسم.
* الشيخ: ووالله؟
* الطالب: (...) يقسم بالله، يقول: أقسم بالله (...).
* الشيخ: يعني الدليل أن الباء تأني مع القسم وبدونه، كذا؟ تأتي مع لفظ القسم ودونه، وتكون في الضمير والظاهر؛ أقسم بالله، وأقسم به، وأقسم بك يارب، فلهذا نقول: هي الأفضل.
التاء ما تأتي إلا مع الظاهر وبدون فعل القسم، أو لا؟ وأيضًا ليست مع كل ظاهر إنما تكون (تالله) فقط، وقد يقسم بالرحمن فيقال: تالرحمن، وقد يقسم: ترب الكعبة لكن على قلَّةٍ، فأضعفهما التاء.
الواو تدخل على كل ظاهر، يقسم بها بكل اسم ظاهر، سواء الله أو الرحمن أو العزيز أو ما أشبه ذلك، ولكنها لا يقسم بها في المضمر، ولا يأتي معها غير القسم، وبهذا تبين أن الأم من هذه الثلاثة الباء، ثم الواو، ثم التاء.
قال: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ﴾، ﴿إِنْ﴾ يقول المؤلف: (مخففة من ، لثقيلة واسمها محذوف؛ أي: إنه) أي التاء (﴿كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بين)، ﴿كُنَّا﴾ هذه فعل ماضٍ طلب منها الدلالة على الزمن (...)؟ لأن المراد: كنا في الدنيا.
(﴿كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بين ﴿إِذْ﴾ حيث ﴿نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ٩٨] في العبادة) وهذا صحيح، إن هذا غاية ما يكون الضلال؛ أن يسوي الإنسان المخلوق بالخالق في العبادة. وليست العبادة هي الركوع والسجود فقط، بل حتى من أطاع أحدًا في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فإنه عابد له، كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة ٣١]، وقال عدي بن حاتم للنبي ﷺ: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم؛ يعني ما نعبد أحبارنا ورهباننا؛ يعني علماءنا وعُبَّادنا؟ فقال النبي ﷺ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ؟» قال: بلى يقولها عدي، قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرجه الترمذي (٣٠٩٥)، والمعجم الكبير (٢١٨) واللفظ له من حديث عدي بن حاتم.]]، وهؤلاء الذين يُطبِّقون أنظمة حكوماتهم مع مخالفتها للشرع سيكون مآلهم يوم القيامة كهؤلاء؛ يعني يتبرَّؤون منهم ويخاصمونهم ويقولون محتجين على أنفسهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
فمثلًا الإنسان يقول له الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ: هذا حلال، فيقول له الحاكم: هذا حرام ممنوع، فيمنعه ويرى أنه محرم مع تحليل الله له، لا شك أنه اتخذ هذا الحاكم إلهًا مع الله مشرعًا.
كذلك يقول له -مثلًا- ربه: هذا حرام، فيأتي هذا الحاكم ويقول: النظام أو الدستور يقتضي الحل فيحله، لا شك أيضًا أنه اتخذ هذا الحاكم إلهًا مع الله، وسيكون مآله مآل هؤلاء القوم، فيخاصمه يوم القيامة ويقول له: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١٤٥)، ومسلم (١٨٤٠ / ٣٩) من حديث علي بن أبي طالب.]]؛ يعني طاعة ولي الأمر في المعروف الذي عرفه الشخص، كما أن الصحيح أن ولي الأمر إذا شرَّع تنظيمات تخالف شريعة الله فإنه يكفر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، فإذا بُيِّنَ له الحق وقيل له: هذا حكم الله، وهذا النظام الذي سنَنْتَ يخالف الحكم، ولكنه أصرَّ مع تبيُّنِ الحق له صار كافرًا، وجاز حينئذٍِ أن يُخْرَجَ عليه ليُنَحَّى عن الحكم؛ لأنه في الحقيقة إذا كفر كفرًا بواحًا فيه من الله برهان فإنه يجوز منازلته والخروج عليه؛ لأنه لا يمكن أي واحد من الناس أن يحكم المسلمين بخلاف شريعتهم، بل يجب أن ينبذ ويُقام عليه حتى يُزاح عن الحكم.
الحاصل أن الله تعالى يقول لهؤلاء الذين اتخذوا معبودين سواه، سواء كانت عبادة تذلُّلٍ أمْ عبادة حُكمٍ يقول لهم: إنهم يُكَبْكِبون في نار جهنم ويختصمون فيها، ويقول التابعون للمتبوعين: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
(﴿وَمَا أَضَلَّنَا﴾ [الشعراء ٩٩] عن الهدى ﴿إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ ) إلى آخره.
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا كان يحتمل التأويل (...)؛ يعني سواء كانت التأويل من الفاعل أو من (...)، لكن تأويل الفاعل إذا بُيِّنَ له الحق يجوز إذا كان واضحًا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثلًا لو أحل للحاكم، وبعض الدول الإسلامية الآن الزنا حلال مجعولٌ له سوقٌ معيَّنٌ، مَن أراده فليذهب إليه. وسمعنا أنه في بعض الدول الإسلامية إذا نزل الراكب المسافر تُعرَضُ عليه الصور من الشابات والشبان -والعياذ بالله- فيقال: تحب هذا أو هذا؟ يعني إحلال لِلِّواط وإحلال للزنا، هذا كفر صريح، ما يحتاج إلى تأويل.
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني كيف كفر (...) لأنه إما أن (...)، إذا قال كفرًا ولو كان بواحًا (...) الخروج عليه، أو نرى كفرًا بواحًا، كُفرًا وصريحًا؛ (صريح) بمعنى أنه ارتكبه عن علمٍ، وعندنا فيه من الله سبحانه برهان؛ معناه أن دلالة النصوص على هذا أنه كفر صريح.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...) فرق بين اللي يحكم في قضية معينة، هذا يمكن أن يقول: أنا أعرف حكم الله، لكن خالفت هذا لهواي أو لعدواني على المحكوم عليه، وفرق بين اللي يُشرِّع؛ لأن اللي يشرع يكتب قوانين، هذا معناه انتزع الحكم الشرعي ووضع الحكم الوضعي، فيجب أن نفرق بين الوضع وبين الفعل. الإنسان اللي يحكم بغير ما أنزل الله في قضية معينة قد يكون الحامل له على ذلك هوى نفسه، وقد يكون الحامل على ذلك -مثلًا- الانتصار لصاحبه أو مراغمة عدوه إذا كان المحكوم عليه عدوًّا له، وقد يكون الحكم سببه كراهةُ حكم الله، فهذه الأحوال الثلاثة تتنزَّل عليها الآيات الثلاث.
وأما الإنسان المشرع اللي يضع قوانين، ويش معنى ذلك؟ أنه ما رضي حكم الله؛ لأنه استبدل أحكام الله بهذه القوانين، هذا كافر ما فيه شك، ولا يدخل في الآية.
* طالب: من شرع (...)؟
* الشيخ: لا، ما يدخل في الثلاث، يدخل في واحدة منها؛ وهي الحكم بغير ما أنزل الله ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ﴾ [الشورى ٢١].
* طالب: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥] إن كان (...)؟
* الشيخ: ما هو على كل حال؛ لأن نفي الإيمان قد يكون قسمان، قد يكون الإنسان خرج بما قضى؛ إما كراهة لحكم الله سبحانه وتعالى، وإما كراهة لأنه خالف هواه، ما هو كراهة للحكم، مثل المصائب الآن تصيب الإنسان، فيكرهها لكن لا يكره قضاء الله به.
* طالب: (...) الحكم الشرعي؟
* الشيخ: حتى الحكم الشرعي ربما إذا خالف ما هو عليه بعض الناس، الآن بعض العوام إذا جاء الحكم الشرعي يطبقه لكن ما (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) لكنه ناقص الإيمان؛ لأن في قلبه الآن وفي نفسه حرج، والواجب أن الإنسان يشرح صدره لأحكام الإسلام ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٢٢].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: هذا من العذاب؛ لأن المهم يتخاصمون يكلمون الخزنة ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف ٧٧]، يلعن بعضهم بعضًا ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]، كل هذا من العذاب.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، هم يتخاصمون وهم يُعَذَّبون، إي نعم.
* طالب: لا يتصور هذا.
* الشيخ: إي، بس أحوال الآخرة ما تُقاس بأحوال الدنيا، أليست الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة مقدار ميل، الآن لو تخرج مقدار أنملة عن مكانها أحرقت الدنيا إحراق (...) تكون يوم القيامة مقدار ميل (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما يمكن أن تقاس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا أبدًا.
* طالب: بعض (...) تصور (...).
* الشيخ: لا، ما يتصور، كما أن أحوال البرزخ إذا مات الإنسان وأقعد وسُئِلَ وعُذِّبَ (...).
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ٩٦ - ١٢٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى مُبيِّنًا أنه لا ينفع الإنسان يوم القيامة: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء ٨٩]، فالمال والبنون لا ينفعون ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، وفي هذا الاستثناء دليل على أن المدار على القلب وهو أن يكون سليمًا.
وسلامته يقول المؤلف: (من الشرك والنفاق)، وهو أعم من ذلك أيضًا، سلامته من كل عمل أو قول، وللقلب قول عمل؛ أما قوله فإقراره، وأما عمله فهو تحركه من رجاء وخوف ومحبة وغيرِ ذلك.
* وفي الآية إثبات البعث؛ لقوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾.
* وفيها أيضًا: أن كل إنسان مفتقر إلى الدعاء حتى الأنبياء؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام دعا الله سبحانه وتعالى بذلك.
* وفيه دليل على أنه في يوم القيامة لا تنفع الأموال ولا البنون؛ لقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ [الشعراء ٨٨]، خلاف ما كان الناس عليه في الدنيا، فإن الأموال والبنين تنفع لكن في الآخرة لا ينفعون.
* وفيه دليل على فضيلة القلب السليم؛ لأنه سبب لاستفادة الإنسان من ماله وبنيه، بناء على أن الاستثناء متصل، وهو كذلك.
* وفيه أيضًا دليل على إثبات الجنة؛ لقوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾، وأن أهلها هم المتقون، وهم الذين فعلوا ما يقيهم من عذاب الله من فعل الأوامر واجتناب النواهي.
* وفيه دليل على إثبات النار؛ لقوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾.
* وفيه دليل حين فرَّق بين التعبيرين في إزلاف الجنة وإظهار النار، دليل على أن الرحمة سبقت الغضب؛ لأن الجنة تُدْنَى من المؤمنين، أما أولئك فتظهر لهم فيرونها من بعيد ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان ١٢]؛ لأجل أن يكونوا في خوف وذعر من قبل أن يَصِلُوا إليها.
* وفيه أيضًا دليل على أن أصحاب الجحيم كل غاوٍ. والغاوي من هو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...) هو الذي.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، الغواية ضد، ما هي الهداية، الهداية ضد الضلال، الغواية ضد الرشد، والمعنى أن المراد بالغاوين هم الذين جانبوا الصراط المستقيم، جانبوه لا ضلوا عنه؛ يعني علِموه ولكن جانبوه، والعياذ بالله.
* وفيه دليل على التعذيب القلبي والبدني لأصحاب النار. تؤخذ من أين؟
* طالب: الآية وما بعدها.
* الشيخ: ويش؟
* الطالب: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾.
* الشيخ: ما هي، عيِّن لنا الجملة المعينة لهذه الآية.
* الطالب: التعيُّن البدني ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾.
* الشيخ: طيب والقلبي؟
* الطالب: القلبي ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾، أحسنت.
* وفيه دليل على (...) هؤلاء العابدين للأصنام لإهانة أصنامهم ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾. ويستثى من ذلك من؟ من عُبِدَ وهو صالح، فإنه لا يُكَبْكَبُ؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء ١٠١-١٠٢].
* وفي هذا دليل على أن من اتبع الشيطان لم يكن من أتباعه فحسب، بل من جنوده المرافقين له؛ لقوله: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾؛ وذلك لأن المتبع للشخص مُقَوٍّ له وناصر له وناشر لما يريد، فيكون كالجندي المسخر له.
* وفي هذا دليل على ندم أهل النار ندمًا عظيمًا حين قالوا وهم يختصمون يخاصم بعضهم بعضًا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهنا أقسموا وأكدوا ﴿تَاللَّهِ﴾ قسم، ﴿إِنْ كُنَّا﴾ (إنْ) مخففة من الثقيلة تفيد التوكيد، واللام ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ كذلك، وإن كان بعض النحويين يُسمي اللام هنا لام (...)، ولكنها مع كونها فارقة هي أيضًا مؤكدة، ومعنى (فارقة) أنها تفرق بين (إنْ) النافية و(إنْ) المخففة؛ لأن (إنْ) الصورة واحدة، ولا يتبين أن المراد هذه أو هذه إلا بوجود اللام، فإن عدمت اللام امتنع الكلام إلا إذا دلت القرينة على خلاف ذلك.
أقول: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وفي قولهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ﴾ اعتراف ضمنيٌّ بأن الله تبارك وتعالى لا شبيه له؛ لأنهم أنكروا وبيَّنوا أنهم في ضلال مبين حين سووا هذه الأصنام بالرب تبارك وتعالى الذي لا يماثله أحد في هذا الوصف ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. هذه الأصنام الذين يعبدونها يعتقدون أن ألوهيتها أنها محصورة بعابديها، أما رب العالمين فهو رَبٌّ لكل أحد.
* وفي قوله من الفوائد ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: إشارة إلى بيان الضلال ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ إذ لا يمكن التسوية بين من هذا وصفه بمن لم يستحق من هذا الوصف شيئًا ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهذه الأصنام لا تستحق وصفًا من الربوبية إطلاقًا، فضلًا عن الربوبية العامة لجميع العالمين.
* ثم فيه أيضًا، في هذه الآية: اعترافهم البالغ بضلالهم ﴿إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ يعني بيِّنٍ ظاهرٍ، حيث ﴿نُسَوِّيكُمْ﴾، ولكن هذا الاعتراف وهذا الإقرار بالرب وهذا التنزيه له عن المساواة في ذلك المكان لا ينفع؛ لأنه فات الآوان، وقت العمل في الدنيا، أما الآن فهو وقت الجزاء.
الشعراء 26:93
وقوله: ﴿تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الشعراء 92، 93] يقول المؤلف: (أي غيره)؛ لأن (دون) تأتي بمعنى غير وسوى، وتأتي بمعنى (أقل)؛ كما تقول: هذا دون هذا؛ يعني أقل منه، حسب السياق.
(﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ بدفع العذاب عنكم) أيش الجواب؟ لا، مع أنهم (...) ولكنها في الواقع لا تنفعهم بل تضرهم.
(﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بدفعه عن أنفسهم، لا) إذا كانوا لا ينفعون ولا ينتفعون، فلا فائدة فيهم ولا في عبادتهم.
وفي قوله: ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ دليل على أن هذه الأصنام تُعَذَّب وتُلْقَى في جهنم، كما جاء في الآيات الأخرى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨]، لكن إذا كان الذي يعبد من دون الله مما (...)؛ فإن رضي بعبادتهم فهو معهم، وإن لم يرضَ فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠١] ما يدخلون النار.
فإذا قيل: ما هي فائدة إدخال الأصنام النار وتعذبيها مع أنها لا تحس؟ قلنا..
* طالب: للإهانة.
* الشيخ: إي نعم، إهانة لعابديها؛ لأن هذا فيه من الإهانة وبيان أنها لا تنفع ما هو ظاهر.
(﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ [الشعراء ٩٤] أُلْقوا) ﴿فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾، ﴿هُمْ﴾ الضمير يعود على أي شيء؟ على ما يعبدون ما دون الله.
وقوله: ﴿كُبْكِبُوا﴾ بمعنى أُلْقوا، لكن تكرار هذا يدل على معنًى أدق من الألقاء فقط؛ يعني كأنهم يُكبون فيها على وجوههم وبدون أيضًا ترتيب بدون نظام، كأنما يحشون حشًّا -والعياذ بالله- ويلقون.
(﴿هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾ [الشعراء ٩٤، ٩٥] أتباعه ومن أطاعه من الجن والإنس ﴿أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء ٩٥]) أعوذ بالله!
﴿جُنُودُ إِبْلِيسَ﴾ هم الذين يتبعونه ويغوون الناس، فكل من سعى في إغواء الناس والإفساد بينهم فإنه من جنود إبليس، ومعلوم أن جنود إبليس على عكس جنود الرحمن، جنود الرحمن يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك يدعون إلى الشر ويأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.
وفي هذا دليل على أن كل من نصر أحدًا فهو من جنوده، ولو بالاتباع فإنه يكون من جنده، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦١٦٨)، ومسلم (٢٦٤٠ / ١٦٥) من حديث ابن مسعود.]]، ومن أحب شخصًا أطاعه واتبعه.
وقوله: ﴿هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾، المراد بـ﴿الْغَاوُونَ﴾ هنا غير ﴿الْغَاوُونَ﴾ الأولون ولَّا هم؟ المراد من؟ المراد من سبق، ولكن كُرِّر ذلك الوصف ما قال: فكبكوا فيها هم وأولئك، كرَّره لإظهار ذم الغواية.
ولكن قوله: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ هذا هل هو من باب عطف متغايرين وأن الغاوي ليس من جنود إبليس أو أنه من باب عطف المترادفين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش الأصل؟
* الطالب: الأصل العدد.
* الشيخ: الأصل في العطف التغاير، لكن ما وجه التغاير هنا؟
* الطالب: أن الغاوون (...).
* الشيخ: وغير؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا هو الظاهر؛ أن الغاوي هو الفاسد في نفسه، وأما جنود إبليس (...) ويدعون لما يدعو إليه، فيكون أشد.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: ما هو بظاهر، يقول المؤلف: (أتباعه ومن أطاعه) يقيد بما أطاعه في إغواء الناس ودعوتهم إلى الضلالة، يصير هنا من باب عطف الخاص على العام؛ لأن كل من دعا الناس إلى الباطل فهو غاوٍ ولا عكس.
(﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا﴾ [الشعراء ٩٥، ٩٦]؛ أي: الغاوون، ﴿وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ مع معبوديهم) ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ٩٧، ٩٨]. لكن هذا الإقرار ينفع متى؟
* طالب: في الدنيا.
* الشيخ: لو كان في الدنيا هم يتخاصمون؛ العابد والمعبود، والتابع والمتبوع يوم القيامة، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة ١٦٦] وكذلك أيضًا: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ ٣٢]، و﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص ٦٤]، ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]، وهكذا، ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٦٧]، هؤلاء الذين كانوا في الدنيا على ضلالٍ وعلى باطل يوم القيامة، كما قال إبراهيم: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت ٢٥].
وليت أننا نتَّعظ بمثل هذه الآيات ونعظ الناس بها، ونقول: لكل قوم اجتمعوا على فساد فإنهم يوم القيامة تزول هذه المحبة وهذه الرابطة، ويتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضًا، ونذكرهم بهذا الأمر الذي في الحقيقة ليس ببعيد، ما بينهم وبينه إلا أن تخرج أرواحهم من أجسامهم ثم يجدونه، وخروج الروح من الجسد ليس ببعيد؛ فقد يكون قريبًا جدًّا، وكما قال أبو بكر:
كُــلُّ امْرِئٍ مُـــصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ∗∗∗ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وقد يكون غير قريب جدًّا ولكنه مؤخر لأجل معلوم، إذا كان الله تعالى يقول في يوم القيامة: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود ١٠٤]، فكيف عاد يؤجل الإنسان لنفسه؟! يكون مِن باب أولى.
﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ﴾ [الشعراء ٩٦، ٩٧]، هذا قسمٌ بحرف التاء، وحروف القسم ثلاثة هي؟
* طالب: التاء، والواو، والباء.
* الشيخ: والباء طيب. أيهم الأفضل؟
* طالب: الواو.
* الشيخ: (...) كل الثلاثة يقسم بها لكن بعضها أفضل، وبعضها غير أفضل، مثل (كان) وأخواتها مثلًا.
* الطالب: الأفضل الباء.
* الشيخ: الأفضل الباء. أيش الدليل أنها الأفضل؟
* الطالب: لأنها ظاهرة في القسم.
* الشيخ: ووالله؟
* الطالب: (...) يقسم بالله، يقول: أقسم بالله (...).
* الشيخ: يعني الدليل أن الباء تأني مع القسم وبدونه، كذا؟ تأتي مع لفظ القسم ودونه، وتكون في الضمير والظاهر؛ أقسم بالله، وأقسم به، وأقسم بك يارب، فلهذا نقول: هي الأفضل.
التاء ما تأتي إلا مع الظاهر وبدون فعل القسم، أو لا؟ وأيضًا ليست مع كل ظاهر إنما تكون (تالله) فقط، وقد يقسم بالرحمن فيقال: تالرحمن، وقد يقسم: ترب الكعبة لكن على قلَّةٍ، فأضعفهما التاء.
الواو تدخل على كل ظاهر، يقسم بها بكل اسم ظاهر، سواء الله أو الرحمن أو العزيز أو ما أشبه ذلك، ولكنها لا يقسم بها في المضمر، ولا يأتي معها غير القسم، وبهذا تبين أن الأم من هذه الثلاثة الباء، ثم الواو، ثم التاء.
قال: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ﴾، ﴿إِنْ﴾ يقول المؤلف: (مخففة من ، لثقيلة واسمها محذوف؛ أي: إنه) أي التاء (﴿كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بين)، ﴿كُنَّا﴾ هذه فعل ماضٍ طلب منها الدلالة على الزمن (...)؟ لأن المراد: كنا في الدنيا.
(﴿كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بين ﴿إِذْ﴾ حيث ﴿نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ٩٨] في العبادة) وهذا صحيح، إن هذا غاية ما يكون الضلال؛ أن يسوي الإنسان المخلوق بالخالق في العبادة. وليست العبادة هي الركوع والسجود فقط، بل حتى من أطاع أحدًا في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فإنه عابد له، كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة ٣١]، وقال عدي بن حاتم للنبي ﷺ: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم؛ يعني ما نعبد أحبارنا ورهباننا؛ يعني علماءنا وعُبَّادنا؟ فقال النبي ﷺ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ؟» قال: بلى يقولها عدي، قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرجه الترمذي (٣٠٩٥)، والمعجم الكبير (٢١٨) واللفظ له من حديث عدي بن حاتم.]]، وهؤلاء الذين يُطبِّقون أنظمة حكوماتهم مع مخالفتها للشرع سيكون مآلهم يوم القيامة كهؤلاء؛ يعني يتبرَّؤون منهم ويخاصمونهم ويقولون محتجين على أنفسهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
فمثلًا الإنسان يقول له الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ: هذا حلال، فيقول له الحاكم: هذا حرام ممنوع، فيمنعه ويرى أنه محرم مع تحليل الله له، لا شك أنه اتخذ هذا الحاكم إلهًا مع الله مشرعًا.
كذلك يقول له -مثلًا- ربه: هذا حرام، فيأتي هذا الحاكم ويقول: النظام أو الدستور يقتضي الحل فيحله، لا شك أيضًا أنه اتخذ هذا الحاكم إلهًا مع الله، وسيكون مآله مآل هؤلاء القوم، فيخاصمه يوم القيامة ويقول له: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١٤٥)، ومسلم (١٨٤٠ / ٣٩) من حديث علي بن أبي طالب.]]؛ يعني طاعة ولي الأمر في المعروف الذي عرفه الشخص، كما أن الصحيح أن ولي الأمر إذا شرَّع تنظيمات تخالف شريعة الله فإنه يكفر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، فإذا بُيِّنَ له الحق وقيل له: هذا حكم الله، وهذا النظام الذي سنَنْتَ يخالف الحكم، ولكنه أصرَّ مع تبيُّنِ الحق له صار كافرًا، وجاز حينئذٍِ أن يُخْرَجَ عليه ليُنَحَّى عن الحكم؛ لأنه في الحقيقة إذا كفر كفرًا بواحًا فيه من الله برهان فإنه يجوز منازلته والخروج عليه؛ لأنه لا يمكن أي واحد من الناس أن يحكم المسلمين بخلاف شريعتهم، بل يجب أن ينبذ ويُقام عليه حتى يُزاح عن الحكم.
الحاصل أن الله تعالى يقول لهؤلاء الذين اتخذوا معبودين سواه، سواء كانت عبادة تذلُّلٍ أمْ عبادة حُكمٍ يقول لهم: إنهم يُكَبْكِبون في نار جهنم ويختصمون فيها، ويقول التابعون للمتبوعين: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
(﴿وَمَا أَضَلَّنَا﴾ [الشعراء ٩٩] عن الهدى ﴿إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ ) إلى آخره.
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا كان يحتمل التأويل (...)؛ يعني سواء كانت التأويل من الفاعل أو من (...)، لكن تأويل الفاعل إذا بُيِّنَ له الحق يجوز إذا كان واضحًا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثلًا لو أحل للحاكم، وبعض الدول الإسلامية الآن الزنا حلال مجعولٌ له سوقٌ معيَّنٌ، مَن أراده فليذهب إليه. وسمعنا أنه في بعض الدول الإسلامية إذا نزل الراكب المسافر تُعرَضُ عليه الصور من الشابات والشبان -والعياذ بالله- فيقال: تحب هذا أو هذا؟ يعني إحلال لِلِّواط وإحلال للزنا، هذا كفر صريح، ما يحتاج إلى تأويل.
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني كيف كفر (...) لأنه إما أن (...)، إذا قال كفرًا ولو كان بواحًا (...) الخروج عليه، أو نرى كفرًا بواحًا، كُفرًا وصريحًا؛ (صريح) بمعنى أنه ارتكبه عن علمٍ، وعندنا فيه من الله سبحانه برهان؛ معناه أن دلالة النصوص على هذا أنه كفر صريح.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...) فرق بين اللي يحكم في قضية معينة، هذا يمكن أن يقول: أنا أعرف حكم الله، لكن خالفت هذا لهواي أو لعدواني على المحكوم عليه، وفرق بين اللي يُشرِّع؛ لأن اللي يشرع يكتب قوانين، هذا معناه انتزع الحكم الشرعي ووضع الحكم الوضعي، فيجب أن نفرق بين الوضع وبين الفعل. الإنسان اللي يحكم بغير ما أنزل الله في قضية معينة قد يكون الحامل له على ذلك هوى نفسه، وقد يكون الحامل على ذلك -مثلًا- الانتصار لصاحبه أو مراغمة عدوه إذا كان المحكوم عليه عدوًّا له، وقد يكون الحكم سببه كراهةُ حكم الله، فهذه الأحوال الثلاثة تتنزَّل عليها الآيات الثلاث.
وأما الإنسان المشرع اللي يضع قوانين، ويش معنى ذلك؟ أنه ما رضي حكم الله؛ لأنه استبدل أحكام الله بهذه القوانين، هذا كافر ما فيه شك، ولا يدخل في الآية.
* طالب: من شرع (...)؟
* الشيخ: لا، ما يدخل في الثلاث، يدخل في واحدة منها؛ وهي الحكم بغير ما أنزل الله ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ﴾ [الشورى ٢١].
* طالب: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥] إن كان (...)؟
* الشيخ: ما هو على كل حال؛ لأن نفي الإيمان قد يكون قسمان، قد يكون الإنسان خرج بما قضى؛ إما كراهة لحكم الله سبحانه وتعالى، وإما كراهة لأنه خالف هواه، ما هو كراهة للحكم، مثل المصائب الآن تصيب الإنسان، فيكرهها لكن لا يكره قضاء الله به.
* طالب: (...) الحكم الشرعي؟
* الشيخ: حتى الحكم الشرعي ربما إذا خالف ما هو عليه بعض الناس، الآن بعض العوام إذا جاء الحكم الشرعي يطبقه لكن ما (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) لكنه ناقص الإيمان؛ لأن في قلبه الآن وفي نفسه حرج، والواجب أن الإنسان يشرح صدره لأحكام الإسلام ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٢٢].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: هذا من العذاب؛ لأن المهم يتخاصمون يكلمون الخزنة ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف ٧٧]، يلعن بعضهم بعضًا ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]، كل هذا من العذاب.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، هم يتخاصمون وهم يُعَذَّبون، إي نعم.
* طالب: لا يتصور هذا.
* الشيخ: إي، بس أحوال الآخرة ما تُقاس بأحوال الدنيا، أليست الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة مقدار ميل، الآن لو تخرج مقدار أنملة عن مكانها أحرقت الدنيا إحراق (...) تكون يوم القيامة مقدار ميل (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما يمكن أن تقاس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا أبدًا.
* طالب: بعض (...) تصور (...).
* الشيخ: لا، ما يتصور، كما أن أحوال البرزخ إذا مات الإنسان وأقعد وسُئِلَ وعُذِّبَ (...).
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ٩٦ - ١٢٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى مُبيِّنًا أنه لا ينفع الإنسان يوم القيامة: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء ٨٩]، فالمال والبنون لا ينفعون ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، وفي هذا الاستثناء دليل على أن المدار على القلب وهو أن يكون سليمًا.
وسلامته يقول المؤلف: (من الشرك والنفاق)، وهو أعم من ذلك أيضًا، سلامته من كل عمل أو قول، وللقلب قول عمل؛ أما قوله فإقراره، وأما عمله فهو تحركه من رجاء وخوف ومحبة وغيرِ ذلك.
* وفي الآية إثبات البعث؛ لقوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾.
* وفيها أيضًا: أن كل إنسان مفتقر إلى الدعاء حتى الأنبياء؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام دعا الله سبحانه وتعالى بذلك.
* وفيه دليل على أنه في يوم القيامة لا تنفع الأموال ولا البنون؛ لقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ [الشعراء ٨٨]، خلاف ما كان الناس عليه في الدنيا، فإن الأموال والبنين تنفع لكن في الآخرة لا ينفعون.
* وفيه دليل على فضيلة القلب السليم؛ لأنه سبب لاستفادة الإنسان من ماله وبنيه، بناء على أن الاستثناء متصل، وهو كذلك.
* وفيه أيضًا دليل على إثبات الجنة؛ لقوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾، وأن أهلها هم المتقون، وهم الذين فعلوا ما يقيهم من عذاب الله من فعل الأوامر واجتناب النواهي.
* وفيه دليل على إثبات النار؛ لقوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾.
* وفيه دليل حين فرَّق بين التعبيرين في إزلاف الجنة وإظهار النار، دليل على أن الرحمة سبقت الغضب؛ لأن الجنة تُدْنَى من المؤمنين، أما أولئك فتظهر لهم فيرونها من بعيد ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان ١٢]؛ لأجل أن يكونوا في خوف وذعر من قبل أن يَصِلُوا إليها.
* وفيه أيضًا دليل على أن أصحاب الجحيم كل غاوٍ. والغاوي من هو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...) هو الذي.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، الغواية ضد، ما هي الهداية، الهداية ضد الضلال، الغواية ضد الرشد، والمعنى أن المراد بالغاوين هم الذين جانبوا الصراط المستقيم، جانبوه لا ضلوا عنه؛ يعني علِموه ولكن جانبوه، والعياذ بالله.
* وفيه دليل على التعذيب القلبي والبدني لأصحاب النار. تؤخذ من أين؟
* طالب: الآية وما بعدها.
* الشيخ: ويش؟
* الطالب: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾.
* الشيخ: ما هي، عيِّن لنا الجملة المعينة لهذه الآية.
* الطالب: التعيُّن البدني ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾.
* الشيخ: طيب والقلبي؟
* الطالب: القلبي ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾، أحسنت.
* وفيه دليل على (...) هؤلاء العابدين للأصنام لإهانة أصنامهم ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾. ويستثى من ذلك من؟ من عُبِدَ وهو صالح، فإنه لا يُكَبْكَبُ؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء ١٠١-١٠٢].
* وفي هذا دليل على أن من اتبع الشيطان لم يكن من أتباعه فحسب، بل من جنوده المرافقين له؛ لقوله: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾؛ وذلك لأن المتبع للشخص مُقَوٍّ له وناصر له وناشر لما يريد، فيكون كالجندي المسخر له.
* وفي هذا دليل على ندم أهل النار ندمًا عظيمًا حين قالوا وهم يختصمون يخاصم بعضهم بعضًا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهنا أقسموا وأكدوا ﴿تَاللَّهِ﴾ قسم، ﴿إِنْ كُنَّا﴾ (إنْ) مخففة من الثقيلة تفيد التوكيد، واللام ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ كذلك، وإن كان بعض النحويين يُسمي اللام هنا لام (...)، ولكنها مع كونها فارقة هي أيضًا مؤكدة، ومعنى (فارقة) أنها تفرق بين (إنْ) النافية و(إنْ) المخففة؛ لأن (إنْ) الصورة واحدة، ولا يتبين أن المراد هذه أو هذه إلا بوجود اللام، فإن عدمت اللام امتنع الكلام إلا إذا دلت القرينة على خلاف ذلك.
أقول: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وفي قولهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ﴾ اعتراف ضمنيٌّ بأن الله تبارك وتعالى لا شبيه له؛ لأنهم أنكروا وبيَّنوا أنهم في ضلال مبين حين سووا هذه الأصنام بالرب تبارك وتعالى الذي لا يماثله أحد في هذا الوصف ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. هذه الأصنام الذين يعبدونها يعتقدون أن ألوهيتها أنها محصورة بعابديها، أما رب العالمين فهو رَبٌّ لكل أحد.
* وفي قوله من الفوائد ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: إشارة إلى بيان الضلال ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ إذ لا يمكن التسوية بين من هذا وصفه بمن لم يستحق من هذا الوصف شيئًا ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهذه الأصنام لا تستحق وصفًا من الربوبية إطلاقًا، فضلًا عن الربوبية العامة لجميع العالمين.
* ثم فيه أيضًا، في هذه الآية: اعترافهم البالغ بضلالهم ﴿إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ يعني بيِّنٍ ظاهرٍ، حيث ﴿نُسَوِّيكُمْ﴾، ولكن هذا الاعتراف وهذا الإقرار بالرب وهذا التنزيه له عن المساواة في ذلك المكان لا ينفع؛ لأنه فات الآوان، وقت العمل في الدنيا، أما الآن فهو وقت الجزاء.
الشعراء 26:94
وقوله: ﴿تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الشعراء 92، 93] يقول المؤلف: (أي غيره)؛ لأن (دون) تأتي بمعنى غير وسوى، وتأتي بمعنى (أقل)؛ كما تقول: هذا دون هذا؛ يعني أقل منه، حسب السياق.
(﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ بدفع العذاب عنكم) أيش الجواب؟ لا، مع أنهم (...) ولكنها في الواقع لا تنفعهم بل تضرهم.
(﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بدفعه عن أنفسهم، لا) إذا كانوا لا ينفعون ولا ينتفعون، فلا فائدة فيهم ولا في عبادتهم.
وفي قوله: ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ دليل على أن هذه الأصنام تُعَذَّب وتُلْقَى في جهنم، كما جاء في الآيات الأخرى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨]، لكن إذا كان الذي يعبد من دون الله مما (...)؛ فإن رضي بعبادتهم فهو معهم، وإن لم يرضَ فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠١] ما يدخلون النار.
فإذا قيل: ما هي فائدة إدخال الأصنام النار وتعذبيها مع أنها لا تحس؟ قلنا..
* طالب: للإهانة.
* الشيخ: إي نعم، إهانة لعابديها؛ لأن هذا فيه من الإهانة وبيان أنها لا تنفع ما هو ظاهر.
(﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ [الشعراء ٩٤] أُلْقوا) ﴿فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾، ﴿هُمْ﴾ الضمير يعود على أي شيء؟ على ما يعبدون ما دون الله.
وقوله: ﴿كُبْكِبُوا﴾ بمعنى أُلْقوا، لكن تكرار هذا يدل على معنًى أدق من الألقاء فقط؛ يعني كأنهم يُكبون فيها على وجوههم وبدون أيضًا ترتيب بدون نظام، كأنما يحشون حشًّا -والعياذ بالله- ويلقون.
(﴿هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾ [الشعراء ٩٤، ٩٥] أتباعه ومن أطاعه من الجن والإنس ﴿أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء ٩٥]) أعوذ بالله!
﴿جُنُودُ إِبْلِيسَ﴾ هم الذين يتبعونه ويغوون الناس، فكل من سعى في إغواء الناس والإفساد بينهم فإنه من جنود إبليس، ومعلوم أن جنود إبليس على عكس جنود الرحمن، جنود الرحمن يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك يدعون إلى الشر ويأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.
وفي هذا دليل على أن كل من نصر أحدًا فهو من جنوده، ولو بالاتباع فإنه يكون من جنده، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦١٦٨)، ومسلم (٢٦٤٠ / ١٦٥) من حديث ابن مسعود.]]، ومن أحب شخصًا أطاعه واتبعه.
وقوله: ﴿هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾، المراد بـ﴿الْغَاوُونَ﴾ هنا غير ﴿الْغَاوُونَ﴾ الأولون ولَّا هم؟ المراد من؟ المراد من سبق، ولكن كُرِّر ذلك الوصف ما قال: فكبكوا فيها هم وأولئك، كرَّره لإظهار ذم الغواية.
ولكن قوله: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ هذا هل هو من باب عطف متغايرين وأن الغاوي ليس من جنود إبليس أو أنه من باب عطف المترادفين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش الأصل؟
* الطالب: الأصل العدد.
* الشيخ: الأصل في العطف التغاير، لكن ما وجه التغاير هنا؟
* الطالب: أن الغاوون (...).
* الشيخ: وغير؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا هو الظاهر؛ أن الغاوي هو الفاسد في نفسه، وأما جنود إبليس (...) ويدعون لما يدعو إليه، فيكون أشد.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: ما هو بظاهر، يقول المؤلف: (أتباعه ومن أطاعه) يقيد بما أطاعه في إغواء الناس ودعوتهم إلى الضلالة، يصير هنا من باب عطف الخاص على العام؛ لأن كل من دعا الناس إلى الباطل فهو غاوٍ ولا عكس.
(﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا﴾ [الشعراء ٩٥، ٩٦]؛ أي: الغاوون، ﴿وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ مع معبوديهم) ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ٩٧، ٩٨]. لكن هذا الإقرار ينفع متى؟
* طالب: في الدنيا.
* الشيخ: لو كان في الدنيا هم يتخاصمون؛ العابد والمعبود، والتابع والمتبوع يوم القيامة، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة ١٦٦] وكذلك أيضًا: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ ٣٢]، و﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص ٦٤]، ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]، وهكذا، ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٦٧]، هؤلاء الذين كانوا في الدنيا على ضلالٍ وعلى باطل يوم القيامة، كما قال إبراهيم: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت ٢٥].
وليت أننا نتَّعظ بمثل هذه الآيات ونعظ الناس بها، ونقول: لكل قوم اجتمعوا على فساد فإنهم يوم القيامة تزول هذه المحبة وهذه الرابطة، ويتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضًا، ونذكرهم بهذا الأمر الذي في الحقيقة ليس ببعيد، ما بينهم وبينه إلا أن تخرج أرواحهم من أجسامهم ثم يجدونه، وخروج الروح من الجسد ليس ببعيد؛ فقد يكون قريبًا جدًّا، وكما قال أبو بكر:
كُــلُّ امْرِئٍ مُـــصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ∗∗∗ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وقد يكون غير قريب جدًّا ولكنه مؤخر لأجل معلوم، إذا كان الله تعالى يقول في يوم القيامة: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود ١٠٤]، فكيف عاد يؤجل الإنسان لنفسه؟! يكون مِن باب أولى.
﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ﴾ [الشعراء ٩٦، ٩٧]، هذا قسمٌ بحرف التاء، وحروف القسم ثلاثة هي؟
* طالب: التاء، والواو، والباء.
* الشيخ: والباء طيب. أيهم الأفضل؟
* طالب: الواو.
* الشيخ: (...) كل الثلاثة يقسم بها لكن بعضها أفضل، وبعضها غير أفضل، مثل (كان) وأخواتها مثلًا.
* الطالب: الأفضل الباء.
* الشيخ: الأفضل الباء. أيش الدليل أنها الأفضل؟
* الطالب: لأنها ظاهرة في القسم.
* الشيخ: ووالله؟
* الطالب: (...) يقسم بالله، يقول: أقسم بالله (...).
* الشيخ: يعني الدليل أن الباء تأني مع القسم وبدونه، كذا؟ تأتي مع لفظ القسم ودونه، وتكون في الضمير والظاهر؛ أقسم بالله، وأقسم به، وأقسم بك يارب، فلهذا نقول: هي الأفضل.
التاء ما تأتي إلا مع الظاهر وبدون فعل القسم، أو لا؟ وأيضًا ليست مع كل ظاهر إنما تكون (تالله) فقط، وقد يقسم بالرحمن فيقال: تالرحمن، وقد يقسم: ترب الكعبة لكن على قلَّةٍ، فأضعفهما التاء.
الواو تدخل على كل ظاهر، يقسم بها بكل اسم ظاهر، سواء الله أو الرحمن أو العزيز أو ما أشبه ذلك، ولكنها لا يقسم بها في المضمر، ولا يأتي معها غير القسم، وبهذا تبين أن الأم من هذه الثلاثة الباء، ثم الواو، ثم التاء.
قال: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ﴾، ﴿إِنْ﴾ يقول المؤلف: (مخففة من ، لثقيلة واسمها محذوف؛ أي: إنه) أي التاء (﴿كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بين)، ﴿كُنَّا﴾ هذه فعل ماضٍ طلب منها الدلالة على الزمن (...)؟ لأن المراد: كنا في الدنيا.
(﴿كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بين ﴿إِذْ﴾ حيث ﴿نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ٩٨] في العبادة) وهذا صحيح، إن هذا غاية ما يكون الضلال؛ أن يسوي الإنسان المخلوق بالخالق في العبادة. وليست العبادة هي الركوع والسجود فقط، بل حتى من أطاع أحدًا في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فإنه عابد له، كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة ٣١]، وقال عدي بن حاتم للنبي ﷺ: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم؛ يعني ما نعبد أحبارنا ورهباننا؛ يعني علماءنا وعُبَّادنا؟ فقال النبي ﷺ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ؟» قال: بلى يقولها عدي، قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرجه الترمذي (٣٠٩٥)، والمعجم الكبير (٢١٨) واللفظ له من حديث عدي بن حاتم.]]، وهؤلاء الذين يُطبِّقون أنظمة حكوماتهم مع مخالفتها للشرع سيكون مآلهم يوم القيامة كهؤلاء؛ يعني يتبرَّؤون منهم ويخاصمونهم ويقولون محتجين على أنفسهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
فمثلًا الإنسان يقول له الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ: هذا حلال، فيقول له الحاكم: هذا حرام ممنوع، فيمنعه ويرى أنه محرم مع تحليل الله له، لا شك أنه اتخذ هذا الحاكم إلهًا مع الله مشرعًا.
كذلك يقول له -مثلًا- ربه: هذا حرام، فيأتي هذا الحاكم ويقول: النظام أو الدستور يقتضي الحل فيحله، لا شك أيضًا أنه اتخذ هذا الحاكم إلهًا مع الله، وسيكون مآله مآل هؤلاء القوم، فيخاصمه يوم القيامة ويقول له: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١٤٥)، ومسلم (١٨٤٠ / ٣٩) من حديث علي بن أبي طالب.]]؛ يعني طاعة ولي الأمر في المعروف الذي عرفه الشخص، كما أن الصحيح أن ولي الأمر إذا شرَّع تنظيمات تخالف شريعة الله فإنه يكفر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، فإذا بُيِّنَ له الحق وقيل له: هذا حكم الله، وهذا النظام الذي سنَنْتَ يخالف الحكم، ولكنه أصرَّ مع تبيُّنِ الحق له صار كافرًا، وجاز حينئذٍِ أن يُخْرَجَ عليه ليُنَحَّى عن الحكم؛ لأنه في الحقيقة إذا كفر كفرًا بواحًا فيه من الله برهان فإنه يجوز منازلته والخروج عليه؛ لأنه لا يمكن أي واحد من الناس أن يحكم المسلمين بخلاف شريعتهم، بل يجب أن ينبذ ويُقام عليه حتى يُزاح عن الحكم.
الحاصل أن الله تعالى يقول لهؤلاء الذين اتخذوا معبودين سواه، سواء كانت عبادة تذلُّلٍ أمْ عبادة حُكمٍ يقول لهم: إنهم يُكَبْكِبون في نار جهنم ويختصمون فيها، ويقول التابعون للمتبوعين: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
(﴿وَمَا أَضَلَّنَا﴾ [الشعراء ٩٩] عن الهدى ﴿إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ ) إلى آخره.
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا كان يحتمل التأويل (...)؛ يعني سواء كانت التأويل من الفاعل أو من (...)، لكن تأويل الفاعل إذا بُيِّنَ له الحق يجوز إذا كان واضحًا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثلًا لو أحل للحاكم، وبعض الدول الإسلامية الآن الزنا حلال مجعولٌ له سوقٌ معيَّنٌ، مَن أراده فليذهب إليه. وسمعنا أنه في بعض الدول الإسلامية إذا نزل الراكب المسافر تُعرَضُ عليه الصور من الشابات والشبان -والعياذ بالله- فيقال: تحب هذا أو هذا؟ يعني إحلال لِلِّواط وإحلال للزنا، هذا كفر صريح، ما يحتاج إلى تأويل.
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني كيف كفر (...) لأنه إما أن (...)، إذا قال كفرًا ولو كان بواحًا (...) الخروج عليه، أو نرى كفرًا بواحًا، كُفرًا وصريحًا؛ (صريح) بمعنى أنه ارتكبه عن علمٍ، وعندنا فيه من الله سبحانه برهان؛ معناه أن دلالة النصوص على هذا أنه كفر صريح.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...) فرق بين اللي يحكم في قضية معينة، هذا يمكن أن يقول: أنا أعرف حكم الله، لكن خالفت هذا لهواي أو لعدواني على المحكوم عليه، وفرق بين اللي يُشرِّع؛ لأن اللي يشرع يكتب قوانين، هذا معناه انتزع الحكم الشرعي ووضع الحكم الوضعي، فيجب أن نفرق بين الوضع وبين الفعل. الإنسان اللي يحكم بغير ما أنزل الله في قضية معينة قد يكون الحامل له على ذلك هوى نفسه، وقد يكون الحامل على ذلك -مثلًا- الانتصار لصاحبه أو مراغمة عدوه إذا كان المحكوم عليه عدوًّا له، وقد يكون الحكم سببه كراهةُ حكم الله، فهذه الأحوال الثلاثة تتنزَّل عليها الآيات الثلاث.
وأما الإنسان المشرع اللي يضع قوانين، ويش معنى ذلك؟ أنه ما رضي حكم الله؛ لأنه استبدل أحكام الله بهذه القوانين، هذا كافر ما فيه شك، ولا يدخل في الآية.
* طالب: من شرع (...)؟
* الشيخ: لا، ما يدخل في الثلاث، يدخل في واحدة منها؛ وهي الحكم بغير ما أنزل الله ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ﴾ [الشورى ٢١].
* طالب: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥] إن كان (...)؟
* الشيخ: ما هو على كل حال؛ لأن نفي الإيمان قد يكون قسمان، قد يكون الإنسان خرج بما قضى؛ إما كراهة لحكم الله سبحانه وتعالى، وإما كراهة لأنه خالف هواه، ما هو كراهة للحكم، مثل المصائب الآن تصيب الإنسان، فيكرهها لكن لا يكره قضاء الله به.
* طالب: (...) الحكم الشرعي؟
* الشيخ: حتى الحكم الشرعي ربما إذا خالف ما هو عليه بعض الناس، الآن بعض العوام إذا جاء الحكم الشرعي يطبقه لكن ما (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) لكنه ناقص الإيمان؛ لأن في قلبه الآن وفي نفسه حرج، والواجب أن الإنسان يشرح صدره لأحكام الإسلام ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٢٢].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: هذا من العذاب؛ لأن المهم يتخاصمون يكلمون الخزنة ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف ٧٧]، يلعن بعضهم بعضًا ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]، كل هذا من العذاب.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، هم يتخاصمون وهم يُعَذَّبون، إي نعم.
* طالب: لا يتصور هذا.
* الشيخ: إي، بس أحوال الآخرة ما تُقاس بأحوال الدنيا، أليست الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة مقدار ميل، الآن لو تخرج مقدار أنملة عن مكانها أحرقت الدنيا إحراق (...) تكون يوم القيامة مقدار ميل (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما يمكن أن تقاس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا أبدًا.
* طالب: بعض (...) تصور (...).
* الشيخ: لا، ما يتصور، كما أن أحوال البرزخ إذا مات الإنسان وأقعد وسُئِلَ وعُذِّبَ (...).
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ٩٦ - ١٢٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى مُبيِّنًا أنه لا ينفع الإنسان يوم القيامة: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء ٨٩]، فالمال والبنون لا ينفعون ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، وفي هذا الاستثناء دليل على أن المدار على القلب وهو أن يكون سليمًا.
وسلامته يقول المؤلف: (من الشرك والنفاق)، وهو أعم من ذلك أيضًا، سلامته من كل عمل أو قول، وللقلب قول عمل؛ أما قوله فإقراره، وأما عمله فهو تحركه من رجاء وخوف ومحبة وغيرِ ذلك.
* وفي الآية إثبات البعث؛ لقوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾.
* وفيها أيضًا: أن كل إنسان مفتقر إلى الدعاء حتى الأنبياء؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام دعا الله سبحانه وتعالى بذلك.
* وفيه دليل على أنه في يوم القيامة لا تنفع الأموال ولا البنون؛ لقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ [الشعراء ٨٨]، خلاف ما كان الناس عليه في الدنيا، فإن الأموال والبنين تنفع لكن في الآخرة لا ينفعون.
* وفيه دليل على فضيلة القلب السليم؛ لأنه سبب لاستفادة الإنسان من ماله وبنيه، بناء على أن الاستثناء متصل، وهو كذلك.
* وفيه أيضًا دليل على إثبات الجنة؛ لقوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾، وأن أهلها هم المتقون، وهم الذين فعلوا ما يقيهم من عذاب الله من فعل الأوامر واجتناب النواهي.
* وفيه دليل على إثبات النار؛ لقوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾.
* وفيه دليل حين فرَّق بين التعبيرين في إزلاف الجنة وإظهار النار، دليل على أن الرحمة سبقت الغضب؛ لأن الجنة تُدْنَى من المؤمنين، أما أولئك فتظهر لهم فيرونها من بعيد ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان ١٢]؛ لأجل أن يكونوا في خوف وذعر من قبل أن يَصِلُوا إليها.
* وفيه أيضًا دليل على أن أصحاب الجحيم كل غاوٍ. والغاوي من هو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...) هو الذي.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، الغواية ضد، ما هي الهداية، الهداية ضد الضلال، الغواية ضد الرشد، والمعنى أن المراد بالغاوين هم الذين جانبوا الصراط المستقيم، جانبوه لا ضلوا عنه؛ يعني علِموه ولكن جانبوه، والعياذ بالله.
* وفيه دليل على التعذيب القلبي والبدني لأصحاب النار. تؤخذ من أين؟
* طالب: الآية وما بعدها.
* الشيخ: ويش؟
* الطالب: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾.
* الشيخ: ما هي، عيِّن لنا الجملة المعينة لهذه الآية.
* الطالب: التعيُّن البدني ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾.
* الشيخ: طيب والقلبي؟
* الطالب: القلبي ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾، أحسنت.
* وفيه دليل على (...) هؤلاء العابدين للأصنام لإهانة أصنامهم ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾. ويستثى من ذلك من؟ من عُبِدَ وهو صالح، فإنه لا يُكَبْكَبُ؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء ١٠١-١٠٢].
* وفي هذا دليل على أن من اتبع الشيطان لم يكن من أتباعه فحسب، بل من جنوده المرافقين له؛ لقوله: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾؛ وذلك لأن المتبع للشخص مُقَوٍّ له وناصر له وناشر لما يريد، فيكون كالجندي المسخر له.
* وفي هذا دليل على ندم أهل النار ندمًا عظيمًا حين قالوا وهم يختصمون يخاصم بعضهم بعضًا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهنا أقسموا وأكدوا ﴿تَاللَّهِ﴾ قسم، ﴿إِنْ كُنَّا﴾ (إنْ) مخففة من الثقيلة تفيد التوكيد، واللام ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ كذلك، وإن كان بعض النحويين يُسمي اللام هنا لام (...)، ولكنها مع كونها فارقة هي أيضًا مؤكدة، ومعنى (فارقة) أنها تفرق بين (إنْ) النافية و(إنْ) المخففة؛ لأن (إنْ) الصورة واحدة، ولا يتبين أن المراد هذه أو هذه إلا بوجود اللام، فإن عدمت اللام امتنع الكلام إلا إذا دلت القرينة على خلاف ذلك.
أقول: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وفي قولهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ﴾ اعتراف ضمنيٌّ بأن الله تبارك وتعالى لا شبيه له؛ لأنهم أنكروا وبيَّنوا أنهم في ضلال مبين حين سووا هذه الأصنام بالرب تبارك وتعالى الذي لا يماثله أحد في هذا الوصف ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. هذه الأصنام الذين يعبدونها يعتقدون أن ألوهيتها أنها محصورة بعابديها، أما رب العالمين فهو رَبٌّ لكل أحد.
* وفي قوله من الفوائد ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: إشارة إلى بيان الضلال ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ إذ لا يمكن التسوية بين من هذا وصفه بمن لم يستحق من هذا الوصف شيئًا ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهذه الأصنام لا تستحق وصفًا من الربوبية إطلاقًا، فضلًا عن الربوبية العامة لجميع العالمين.
* ثم فيه أيضًا، في هذه الآية: اعترافهم البالغ بضلالهم ﴿إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ يعني بيِّنٍ ظاهرٍ، حيث ﴿نُسَوِّيكُمْ﴾، ولكن هذا الاعتراف وهذا الإقرار بالرب وهذا التنزيه له عن المساواة في ذلك المكان لا ينفع؛ لأنه فات الآوان، وقت العمل في الدنيا، أما الآن فهو وقت الجزاء.
الشعراء 26:95
وقوله: ﴿تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الشعراء 92، 93] يقول المؤلف: (أي غيره)؛ لأن (دون) تأتي بمعنى غير وسوى، وتأتي بمعنى (أقل)؛ كما تقول: هذا دون هذا؛ يعني أقل منه، حسب السياق.
(﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ بدفع العذاب عنكم) أيش الجواب؟ لا، مع أنهم (...) ولكنها في الواقع لا تنفعهم بل تضرهم.
(﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بدفعه عن أنفسهم، لا) إذا كانوا لا ينفعون ولا ينتفعون، فلا فائدة فيهم ولا في عبادتهم.
وفي قوله: ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ دليل على أن هذه الأصنام تُعَذَّب وتُلْقَى في جهنم، كما جاء في الآيات الأخرى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨]، لكن إذا كان الذي يعبد من دون الله مما (...)؛ فإن رضي بعبادتهم فهو معهم، وإن لم يرضَ فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠١] ما يدخلون النار.
فإذا قيل: ما هي فائدة إدخال الأصنام النار وتعذبيها مع أنها لا تحس؟ قلنا..
* طالب: للإهانة.
* الشيخ: إي نعم، إهانة لعابديها؛ لأن هذا فيه من الإهانة وبيان أنها لا تنفع ما هو ظاهر.
(﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ [الشعراء ٩٤] أُلْقوا) ﴿فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾، ﴿هُمْ﴾ الضمير يعود على أي شيء؟ على ما يعبدون ما دون الله.
وقوله: ﴿كُبْكِبُوا﴾ بمعنى أُلْقوا، لكن تكرار هذا يدل على معنًى أدق من الألقاء فقط؛ يعني كأنهم يُكبون فيها على وجوههم وبدون أيضًا ترتيب بدون نظام، كأنما يحشون حشًّا -والعياذ بالله- ويلقون.
(﴿هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾ [الشعراء ٩٤، ٩٥] أتباعه ومن أطاعه من الجن والإنس ﴿أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء ٩٥]) أعوذ بالله!
﴿جُنُودُ إِبْلِيسَ﴾ هم الذين يتبعونه ويغوون الناس، فكل من سعى في إغواء الناس والإفساد بينهم فإنه من جنود إبليس، ومعلوم أن جنود إبليس على عكس جنود الرحمن، جنود الرحمن يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك يدعون إلى الشر ويأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.
وفي هذا دليل على أن كل من نصر أحدًا فهو من جنوده، ولو بالاتباع فإنه يكون من جنده، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦١٦٨)، ومسلم (٢٦٤٠ / ١٦٥) من حديث ابن مسعود.]]، ومن أحب شخصًا أطاعه واتبعه.
وقوله: ﴿هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾، المراد بـ﴿الْغَاوُونَ﴾ هنا غير ﴿الْغَاوُونَ﴾ الأولون ولَّا هم؟ المراد من؟ المراد من سبق، ولكن كُرِّر ذلك الوصف ما قال: فكبكوا فيها هم وأولئك، كرَّره لإظهار ذم الغواية.
ولكن قوله: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ هذا هل هو من باب عطف متغايرين وأن الغاوي ليس من جنود إبليس أو أنه من باب عطف المترادفين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش الأصل؟
* الطالب: الأصل العدد.
* الشيخ: الأصل في العطف التغاير، لكن ما وجه التغاير هنا؟
* الطالب: أن الغاوون (...).
* الشيخ: وغير؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا هو الظاهر؛ أن الغاوي هو الفاسد في نفسه، وأما جنود إبليس (...) ويدعون لما يدعو إليه، فيكون أشد.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: ما هو بظاهر، يقول المؤلف: (أتباعه ومن أطاعه) يقيد بما أطاعه في إغواء الناس ودعوتهم إلى الضلالة، يصير هنا من باب عطف الخاص على العام؛ لأن كل من دعا الناس إلى الباطل فهو غاوٍ ولا عكس.
(﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا﴾ [الشعراء ٩٥، ٩٦]؛ أي: الغاوون، ﴿وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ مع معبوديهم) ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ٩٧، ٩٨]. لكن هذا الإقرار ينفع متى؟
* طالب: في الدنيا.
* الشيخ: لو كان في الدنيا هم يتخاصمون؛ العابد والمعبود، والتابع والمتبوع يوم القيامة، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة ١٦٦] وكذلك أيضًا: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ ٣٢]، و﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص ٦٤]، ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]، وهكذا، ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٦٧]، هؤلاء الذين كانوا في الدنيا على ضلالٍ وعلى باطل يوم القيامة، كما قال إبراهيم: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت ٢٥].
وليت أننا نتَّعظ بمثل هذه الآيات ونعظ الناس بها، ونقول: لكل قوم اجتمعوا على فساد فإنهم يوم القيامة تزول هذه المحبة وهذه الرابطة، ويتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضًا، ونذكرهم بهذا الأمر الذي في الحقيقة ليس ببعيد، ما بينهم وبينه إلا أن تخرج أرواحهم من أجسامهم ثم يجدونه، وخروج الروح من الجسد ليس ببعيد؛ فقد يكون قريبًا جدًّا، وكما قال أبو بكر:
كُــلُّ امْرِئٍ مُـــصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ∗∗∗ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وقد يكون غير قريب جدًّا ولكنه مؤخر لأجل معلوم، إذا كان الله تعالى يقول في يوم القيامة: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود ١٠٤]، فكيف عاد يؤجل الإنسان لنفسه؟! يكون مِن باب أولى.
﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ﴾ [الشعراء ٩٦، ٩٧]، هذا قسمٌ بحرف التاء، وحروف القسم ثلاثة هي؟
* طالب: التاء، والواو، والباء.
* الشيخ: والباء طيب. أيهم الأفضل؟
* طالب: الواو.
* الشيخ: (...) كل الثلاثة يقسم بها لكن بعضها أفضل، وبعضها غير أفضل، مثل (كان) وأخواتها مثلًا.
* الطالب: الأفضل الباء.
* الشيخ: الأفضل الباء. أيش الدليل أنها الأفضل؟
* الطالب: لأنها ظاهرة في القسم.
* الشيخ: ووالله؟
* الطالب: (...) يقسم بالله، يقول: أقسم بالله (...).
* الشيخ: يعني الدليل أن الباء تأني مع القسم وبدونه، كذا؟ تأتي مع لفظ القسم ودونه، وتكون في الضمير والظاهر؛ أقسم بالله، وأقسم به، وأقسم بك يارب، فلهذا نقول: هي الأفضل.
التاء ما تأتي إلا مع الظاهر وبدون فعل القسم، أو لا؟ وأيضًا ليست مع كل ظاهر إنما تكون (تالله) فقط، وقد يقسم بالرحمن فيقال: تالرحمن، وقد يقسم: ترب الكعبة لكن على قلَّةٍ، فأضعفهما التاء.
الواو تدخل على كل ظاهر، يقسم بها بكل اسم ظاهر، سواء الله أو الرحمن أو العزيز أو ما أشبه ذلك، ولكنها لا يقسم بها في المضمر، ولا يأتي معها غير القسم، وبهذا تبين أن الأم من هذه الثلاثة الباء، ثم الواو، ثم التاء.
قال: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ﴾، ﴿إِنْ﴾ يقول المؤلف: (مخففة من ، لثقيلة واسمها محذوف؛ أي: إنه) أي التاء (﴿كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بين)، ﴿كُنَّا﴾ هذه فعل ماضٍ طلب منها الدلالة على الزمن (...)؟ لأن المراد: كنا في الدنيا.
(﴿كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بين ﴿إِذْ﴾ حيث ﴿نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ٩٨] في العبادة) وهذا صحيح، إن هذا غاية ما يكون الضلال؛ أن يسوي الإنسان المخلوق بالخالق في العبادة. وليست العبادة هي الركوع والسجود فقط، بل حتى من أطاع أحدًا في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فإنه عابد له، كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة ٣١]، وقال عدي بن حاتم للنبي ﷺ: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم؛ يعني ما نعبد أحبارنا ورهباننا؛ يعني علماءنا وعُبَّادنا؟ فقال النبي ﷺ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ؟» قال: بلى يقولها عدي، قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرجه الترمذي (٣٠٩٥)، والمعجم الكبير (٢١٨) واللفظ له من حديث عدي بن حاتم.]]، وهؤلاء الذين يُطبِّقون أنظمة حكوماتهم مع مخالفتها للشرع سيكون مآلهم يوم القيامة كهؤلاء؛ يعني يتبرَّؤون منهم ويخاصمونهم ويقولون محتجين على أنفسهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
فمثلًا الإنسان يقول له الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ: هذا حلال، فيقول له الحاكم: هذا حرام ممنوع، فيمنعه ويرى أنه محرم مع تحليل الله له، لا شك أنه اتخذ هذا الحاكم إلهًا مع الله مشرعًا.
كذلك يقول له -مثلًا- ربه: هذا حرام، فيأتي هذا الحاكم ويقول: النظام أو الدستور يقتضي الحل فيحله، لا شك أيضًا أنه اتخذ هذا الحاكم إلهًا مع الله، وسيكون مآله مآل هؤلاء القوم، فيخاصمه يوم القيامة ويقول له: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١٤٥)، ومسلم (١٨٤٠ / ٣٩) من حديث علي بن أبي طالب.]]؛ يعني طاعة ولي الأمر في المعروف الذي عرفه الشخص، كما أن الصحيح أن ولي الأمر إذا شرَّع تنظيمات تخالف شريعة الله فإنه يكفر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، فإذا بُيِّنَ له الحق وقيل له: هذا حكم الله، وهذا النظام الذي سنَنْتَ يخالف الحكم، ولكنه أصرَّ مع تبيُّنِ الحق له صار كافرًا، وجاز حينئذٍِ أن يُخْرَجَ عليه ليُنَحَّى عن الحكم؛ لأنه في الحقيقة إذا كفر كفرًا بواحًا فيه من الله برهان فإنه يجوز منازلته والخروج عليه؛ لأنه لا يمكن أي واحد من الناس أن يحكم المسلمين بخلاف شريعتهم، بل يجب أن ينبذ ويُقام عليه حتى يُزاح عن الحكم.
الحاصل أن الله تعالى يقول لهؤلاء الذين اتخذوا معبودين سواه، سواء كانت عبادة تذلُّلٍ أمْ عبادة حُكمٍ يقول لهم: إنهم يُكَبْكِبون في نار جهنم ويختصمون فيها، ويقول التابعون للمتبوعين: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
(﴿وَمَا أَضَلَّنَا﴾ [الشعراء ٩٩] عن الهدى ﴿إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ ) إلى آخره.
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا كان يحتمل التأويل (...)؛ يعني سواء كانت التأويل من الفاعل أو من (...)، لكن تأويل الفاعل إذا بُيِّنَ له الحق يجوز إذا كان واضحًا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثلًا لو أحل للحاكم، وبعض الدول الإسلامية الآن الزنا حلال مجعولٌ له سوقٌ معيَّنٌ، مَن أراده فليذهب إليه. وسمعنا أنه في بعض الدول الإسلامية إذا نزل الراكب المسافر تُعرَضُ عليه الصور من الشابات والشبان -والعياذ بالله- فيقال: تحب هذا أو هذا؟ يعني إحلال لِلِّواط وإحلال للزنا، هذا كفر صريح، ما يحتاج إلى تأويل.
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني كيف كفر (...) لأنه إما أن (...)، إذا قال كفرًا ولو كان بواحًا (...) الخروج عليه، أو نرى كفرًا بواحًا، كُفرًا وصريحًا؛ (صريح) بمعنى أنه ارتكبه عن علمٍ، وعندنا فيه من الله سبحانه برهان؛ معناه أن دلالة النصوص على هذا أنه كفر صريح.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...) فرق بين اللي يحكم في قضية معينة، هذا يمكن أن يقول: أنا أعرف حكم الله، لكن خالفت هذا لهواي أو لعدواني على المحكوم عليه، وفرق بين اللي يُشرِّع؛ لأن اللي يشرع يكتب قوانين، هذا معناه انتزع الحكم الشرعي ووضع الحكم الوضعي، فيجب أن نفرق بين الوضع وبين الفعل. الإنسان اللي يحكم بغير ما أنزل الله في قضية معينة قد يكون الحامل له على ذلك هوى نفسه، وقد يكون الحامل على ذلك -مثلًا- الانتصار لصاحبه أو مراغمة عدوه إذا كان المحكوم عليه عدوًّا له، وقد يكون الحكم سببه كراهةُ حكم الله، فهذه الأحوال الثلاثة تتنزَّل عليها الآيات الثلاث.
وأما الإنسان المشرع اللي يضع قوانين، ويش معنى ذلك؟ أنه ما رضي حكم الله؛ لأنه استبدل أحكام الله بهذه القوانين، هذا كافر ما فيه شك، ولا يدخل في الآية.
* طالب: من شرع (...)؟
* الشيخ: لا، ما يدخل في الثلاث، يدخل في واحدة منها؛ وهي الحكم بغير ما أنزل الله ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ﴾ [الشورى ٢١].
* طالب: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥] إن كان (...)؟
* الشيخ: ما هو على كل حال؛ لأن نفي الإيمان قد يكون قسمان، قد يكون الإنسان خرج بما قضى؛ إما كراهة لحكم الله سبحانه وتعالى، وإما كراهة لأنه خالف هواه، ما هو كراهة للحكم، مثل المصائب الآن تصيب الإنسان، فيكرهها لكن لا يكره قضاء الله به.
* طالب: (...) الحكم الشرعي؟
* الشيخ: حتى الحكم الشرعي ربما إذا خالف ما هو عليه بعض الناس، الآن بعض العوام إذا جاء الحكم الشرعي يطبقه لكن ما (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) لكنه ناقص الإيمان؛ لأن في قلبه الآن وفي نفسه حرج، والواجب أن الإنسان يشرح صدره لأحكام الإسلام ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٢٢].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: هذا من العذاب؛ لأن المهم يتخاصمون يكلمون الخزنة ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف ٧٧]، يلعن بعضهم بعضًا ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]، كل هذا من العذاب.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، هم يتخاصمون وهم يُعَذَّبون، إي نعم.
* طالب: لا يتصور هذا.
* الشيخ: إي، بس أحوال الآخرة ما تُقاس بأحوال الدنيا، أليست الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة مقدار ميل، الآن لو تخرج مقدار أنملة عن مكانها أحرقت الدنيا إحراق (...) تكون يوم القيامة مقدار ميل (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما يمكن أن تقاس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا أبدًا.
* طالب: بعض (...) تصور (...).
* الشيخ: لا، ما يتصور، كما أن أحوال البرزخ إذا مات الإنسان وأقعد وسُئِلَ وعُذِّبَ (...).
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ٩٦ - ١٢٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى مُبيِّنًا أنه لا ينفع الإنسان يوم القيامة: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء ٨٩]، فالمال والبنون لا ينفعون ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، وفي هذا الاستثناء دليل على أن المدار على القلب وهو أن يكون سليمًا.
وسلامته يقول المؤلف: (من الشرك والنفاق)، وهو أعم من ذلك أيضًا، سلامته من كل عمل أو قول، وللقلب قول عمل؛ أما قوله فإقراره، وأما عمله فهو تحركه من رجاء وخوف ومحبة وغيرِ ذلك.
* وفي الآية إثبات البعث؛ لقوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾.
* وفيها أيضًا: أن كل إنسان مفتقر إلى الدعاء حتى الأنبياء؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام دعا الله سبحانه وتعالى بذلك.
* وفيه دليل على أنه في يوم القيامة لا تنفع الأموال ولا البنون؛ لقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ [الشعراء ٨٨]، خلاف ما كان الناس عليه في الدنيا، فإن الأموال والبنين تنفع لكن في الآخرة لا ينفعون.
* وفيه دليل على فضيلة القلب السليم؛ لأنه سبب لاستفادة الإنسان من ماله وبنيه، بناء على أن الاستثناء متصل، وهو كذلك.
* وفيه أيضًا دليل على إثبات الجنة؛ لقوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾، وأن أهلها هم المتقون، وهم الذين فعلوا ما يقيهم من عذاب الله من فعل الأوامر واجتناب النواهي.
* وفيه دليل على إثبات النار؛ لقوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾.
* وفيه دليل حين فرَّق بين التعبيرين في إزلاف الجنة وإظهار النار، دليل على أن الرحمة سبقت الغضب؛ لأن الجنة تُدْنَى من المؤمنين، أما أولئك فتظهر لهم فيرونها من بعيد ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان ١٢]؛ لأجل أن يكونوا في خوف وذعر من قبل أن يَصِلُوا إليها.
* وفيه أيضًا دليل على أن أصحاب الجحيم كل غاوٍ. والغاوي من هو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...) هو الذي.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، الغواية ضد، ما هي الهداية، الهداية ضد الضلال، الغواية ضد الرشد، والمعنى أن المراد بالغاوين هم الذين جانبوا الصراط المستقيم، جانبوه لا ضلوا عنه؛ يعني علِموه ولكن جانبوه، والعياذ بالله.
* وفيه دليل على التعذيب القلبي والبدني لأصحاب النار. تؤخذ من أين؟
* طالب: الآية وما بعدها.
* الشيخ: ويش؟
* الطالب: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾.
* الشيخ: ما هي، عيِّن لنا الجملة المعينة لهذه الآية.
* الطالب: التعيُّن البدني ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾.
* الشيخ: طيب والقلبي؟
* الطالب: القلبي ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾، أحسنت.
* وفيه دليل على (...) هؤلاء العابدين للأصنام لإهانة أصنامهم ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾. ويستثى من ذلك من؟ من عُبِدَ وهو صالح، فإنه لا يُكَبْكَبُ؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء ١٠١-١٠٢].
* وفي هذا دليل على أن من اتبع الشيطان لم يكن من أتباعه فحسب، بل من جنوده المرافقين له؛ لقوله: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾؛ وذلك لأن المتبع للشخص مُقَوٍّ له وناصر له وناشر لما يريد، فيكون كالجندي المسخر له.
* وفي هذا دليل على ندم أهل النار ندمًا عظيمًا حين قالوا وهم يختصمون يخاصم بعضهم بعضًا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهنا أقسموا وأكدوا ﴿تَاللَّهِ﴾ قسم، ﴿إِنْ كُنَّا﴾ (إنْ) مخففة من الثقيلة تفيد التوكيد، واللام ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ كذلك، وإن كان بعض النحويين يُسمي اللام هنا لام (...)، ولكنها مع كونها فارقة هي أيضًا مؤكدة، ومعنى (فارقة) أنها تفرق بين (إنْ) النافية و(إنْ) المخففة؛ لأن (إنْ) الصورة واحدة، ولا يتبين أن المراد هذه أو هذه إلا بوجود اللام، فإن عدمت اللام امتنع الكلام إلا إذا دلت القرينة على خلاف ذلك.
أقول: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وفي قولهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ﴾ اعتراف ضمنيٌّ بأن الله تبارك وتعالى لا شبيه له؛ لأنهم أنكروا وبيَّنوا أنهم في ضلال مبين حين سووا هذه الأصنام بالرب تبارك وتعالى الذي لا يماثله أحد في هذا الوصف ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. هذه الأصنام الذين يعبدونها يعتقدون أن ألوهيتها أنها محصورة بعابديها، أما رب العالمين فهو رَبٌّ لكل أحد.
* وفي قوله من الفوائد ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: إشارة إلى بيان الضلال ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ إذ لا يمكن التسوية بين من هذا وصفه بمن لم يستحق من هذا الوصف شيئًا ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهذه الأصنام لا تستحق وصفًا من الربوبية إطلاقًا، فضلًا عن الربوبية العامة لجميع العالمين.
* ثم فيه أيضًا، في هذه الآية: اعترافهم البالغ بضلالهم ﴿إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ يعني بيِّنٍ ظاهرٍ، حيث ﴿نُسَوِّيكُمْ﴾، ولكن هذا الاعتراف وهذا الإقرار بالرب وهذا التنزيه له عن المساواة في ذلك المكان لا ينفع؛ لأنه فات الآوان، وقت العمل في الدنيا، أما الآن فهو وقت الجزاء.
الشعراء 26:96
وقوله: ﴿تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الشعراء 92، 93] يقول المؤلف: (أي غيره)؛ لأن (دون) تأتي بمعنى غير وسوى، وتأتي بمعنى (أقل)؛ كما تقول: هذا دون هذا؛ يعني أقل منه، حسب السياق.
(﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ بدفع العذاب عنكم) أيش الجواب؟ لا، مع أنهم (...) ولكنها في الواقع لا تنفعهم بل تضرهم.
(﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بدفعه عن أنفسهم، لا) إذا كانوا لا ينفعون ولا ينتفعون، فلا فائدة فيهم ولا في عبادتهم.
وفي قوله: ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ دليل على أن هذه الأصنام تُعَذَّب وتُلْقَى في جهنم، كما جاء في الآيات الأخرى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨]، لكن إذا كان الذي يعبد من دون الله مما (...)؛ فإن رضي بعبادتهم فهو معهم، وإن لم يرضَ فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠١] ما يدخلون النار.
فإذا قيل: ما هي فائدة إدخال الأصنام النار وتعذبيها مع أنها لا تحس؟ قلنا..
* طالب: للإهانة.
* الشيخ: إي نعم، إهانة لعابديها؛ لأن هذا فيه من الإهانة وبيان أنها لا تنفع ما هو ظاهر.
(﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ [الشعراء ٩٤] أُلْقوا) ﴿فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾، ﴿هُمْ﴾ الضمير يعود على أي شيء؟ على ما يعبدون ما دون الله.
وقوله: ﴿كُبْكِبُوا﴾ بمعنى أُلْقوا، لكن تكرار هذا يدل على معنًى أدق من الألقاء فقط؛ يعني كأنهم يُكبون فيها على وجوههم وبدون أيضًا ترتيب بدون نظام، كأنما يحشون حشًّا -والعياذ بالله- ويلقون.
(﴿هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾ [الشعراء ٩٤، ٩٥] أتباعه ومن أطاعه من الجن والإنس ﴿أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء ٩٥]) أعوذ بالله!
﴿جُنُودُ إِبْلِيسَ﴾ هم الذين يتبعونه ويغوون الناس، فكل من سعى في إغواء الناس والإفساد بينهم فإنه من جنود إبليس، ومعلوم أن جنود إبليس على عكس جنود الرحمن، جنود الرحمن يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك يدعون إلى الشر ويأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.
وفي هذا دليل على أن كل من نصر أحدًا فهو من جنوده، ولو بالاتباع فإنه يكون من جنده، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦١٦٨)، ومسلم (٢٦٤٠ / ١٦٥) من حديث ابن مسعود.]]، ومن أحب شخصًا أطاعه واتبعه.
وقوله: ﴿هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾، المراد بـ﴿الْغَاوُونَ﴾ هنا غير ﴿الْغَاوُونَ﴾ الأولون ولَّا هم؟ المراد من؟ المراد من سبق، ولكن كُرِّر ذلك الوصف ما قال: فكبكوا فيها هم وأولئك، كرَّره لإظهار ذم الغواية.
ولكن قوله: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ هذا هل هو من باب عطف متغايرين وأن الغاوي ليس من جنود إبليس أو أنه من باب عطف المترادفين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش الأصل؟
* الطالب: الأصل العدد.
* الشيخ: الأصل في العطف التغاير، لكن ما وجه التغاير هنا؟
* الطالب: أن الغاوون (...).
* الشيخ: وغير؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا هو الظاهر؛ أن الغاوي هو الفاسد في نفسه، وأما جنود إبليس (...) ويدعون لما يدعو إليه، فيكون أشد.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: ما هو بظاهر، يقول المؤلف: (أتباعه ومن أطاعه) يقيد بما أطاعه في إغواء الناس ودعوتهم إلى الضلالة، يصير هنا من باب عطف الخاص على العام؛ لأن كل من دعا الناس إلى الباطل فهو غاوٍ ولا عكس.
(﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا﴾ [الشعراء ٩٥، ٩٦]؛ أي: الغاوون، ﴿وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ مع معبوديهم) ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ٩٧، ٩٨]. لكن هذا الإقرار ينفع متى؟
* طالب: في الدنيا.
* الشيخ: لو كان في الدنيا هم يتخاصمون؛ العابد والمعبود، والتابع والمتبوع يوم القيامة، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة ١٦٦] وكذلك أيضًا: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ ٣٢]، و﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص ٦٤]، ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]، وهكذا، ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٦٧]، هؤلاء الذين كانوا في الدنيا على ضلالٍ وعلى باطل يوم القيامة، كما قال إبراهيم: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت ٢٥].
وليت أننا نتَّعظ بمثل هذه الآيات ونعظ الناس بها، ونقول: لكل قوم اجتمعوا على فساد فإنهم يوم القيامة تزول هذه المحبة وهذه الرابطة، ويتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضًا، ونذكرهم بهذا الأمر الذي في الحقيقة ليس ببعيد، ما بينهم وبينه إلا أن تخرج أرواحهم من أجسامهم ثم يجدونه، وخروج الروح من الجسد ليس ببعيد؛ فقد يكون قريبًا جدًّا، وكما قال أبو بكر:
كُــلُّ امْرِئٍ مُـــصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ∗∗∗ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وقد يكون غير قريب جدًّا ولكنه مؤخر لأجل معلوم، إذا كان الله تعالى يقول في يوم القيامة: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود ١٠٤]، فكيف عاد يؤجل الإنسان لنفسه؟! يكون مِن باب أولى.
﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ﴾ [الشعراء ٩٦، ٩٧]، هذا قسمٌ بحرف التاء، وحروف القسم ثلاثة هي؟
* طالب: التاء، والواو، والباء.
* الشيخ: والباء طيب. أيهم الأفضل؟
* طالب: الواو.
* الشيخ: (...) كل الثلاثة يقسم بها لكن بعضها أفضل، وبعضها غير أفضل، مثل (كان) وأخواتها مثلًا.
* الطالب: الأفضل الباء.
* الشيخ: الأفضل الباء. أيش الدليل أنها الأفضل؟
* الطالب: لأنها ظاهرة في القسم.
* الشيخ: ووالله؟
* الطالب: (...) يقسم بالله، يقول: أقسم بالله (...).
* الشيخ: يعني الدليل أن الباء تأني مع القسم وبدونه، كذا؟ تأتي مع لفظ القسم ودونه، وتكون في الضمير والظاهر؛ أقسم بالله، وأقسم به، وأقسم بك يارب، فلهذا نقول: هي الأفضل.
التاء ما تأتي إلا مع الظاهر وبدون فعل القسم، أو لا؟ وأيضًا ليست مع كل ظاهر إنما تكون (تالله) فقط، وقد يقسم بالرحمن فيقال: تالرحمن، وقد يقسم: ترب الكعبة لكن على قلَّةٍ، فأضعفهما التاء.
الواو تدخل على كل ظاهر، يقسم بها بكل اسم ظاهر، سواء الله أو الرحمن أو العزيز أو ما أشبه ذلك، ولكنها لا يقسم بها في المضمر، ولا يأتي معها غير القسم، وبهذا تبين أن الأم من هذه الثلاثة الباء، ثم الواو، ثم التاء.
قال: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ﴾، ﴿إِنْ﴾ يقول المؤلف: (مخففة من ، لثقيلة واسمها محذوف؛ أي: إنه) أي التاء (﴿كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بين)، ﴿كُنَّا﴾ هذه فعل ماضٍ طلب منها الدلالة على الزمن (...)؟ لأن المراد: كنا في الدنيا.
(﴿كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بين ﴿إِذْ﴾ حيث ﴿نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ٩٨] في العبادة) وهذا صحيح، إن هذا غاية ما يكون الضلال؛ أن يسوي الإنسان المخلوق بالخالق في العبادة. وليست العبادة هي الركوع والسجود فقط، بل حتى من أطاع أحدًا في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فإنه عابد له، كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة ٣١]، وقال عدي بن حاتم للنبي ﷺ: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم؛ يعني ما نعبد أحبارنا ورهباننا؛ يعني علماءنا وعُبَّادنا؟ فقال النبي ﷺ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ؟» قال: بلى يقولها عدي، قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرجه الترمذي (٣٠٩٥)، والمعجم الكبير (٢١٨) واللفظ له من حديث عدي بن حاتم.]]، وهؤلاء الذين يُطبِّقون أنظمة حكوماتهم مع مخالفتها للشرع سيكون مآلهم يوم القيامة كهؤلاء؛ يعني يتبرَّؤون منهم ويخاصمونهم ويقولون محتجين على أنفسهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
فمثلًا الإنسان يقول له الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ: هذا حلال، فيقول له الحاكم: هذا حرام ممنوع، فيمنعه ويرى أنه محرم مع تحليل الله له، لا شك أنه اتخذ هذا الحاكم إلهًا مع الله مشرعًا.
كذلك يقول له -مثلًا- ربه: هذا حرام، فيأتي هذا الحاكم ويقول: النظام أو الدستور يقتضي الحل فيحله، لا شك أيضًا أنه اتخذ هذا الحاكم إلهًا مع الله، وسيكون مآله مآل هؤلاء القوم، فيخاصمه يوم القيامة ويقول له: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١٤٥)، ومسلم (١٨٤٠ / ٣٩) من حديث علي بن أبي طالب.]]؛ يعني طاعة ولي الأمر في المعروف الذي عرفه الشخص، كما أن الصحيح أن ولي الأمر إذا شرَّع تنظيمات تخالف شريعة الله فإنه يكفر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، فإذا بُيِّنَ له الحق وقيل له: هذا حكم الله، وهذا النظام الذي سنَنْتَ يخالف الحكم، ولكنه أصرَّ مع تبيُّنِ الحق له صار كافرًا، وجاز حينئذٍِ أن يُخْرَجَ عليه ليُنَحَّى عن الحكم؛ لأنه في الحقيقة إذا كفر كفرًا بواحًا فيه من الله برهان فإنه يجوز منازلته والخروج عليه؛ لأنه لا يمكن أي واحد من الناس أن يحكم المسلمين بخلاف شريعتهم، بل يجب أن ينبذ ويُقام عليه حتى يُزاح عن الحكم.
الحاصل أن الله تعالى يقول لهؤلاء الذين اتخذوا معبودين سواه، سواء كانت عبادة تذلُّلٍ أمْ عبادة حُكمٍ يقول لهم: إنهم يُكَبْكِبون في نار جهنم ويختصمون فيها، ويقول التابعون للمتبوعين: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
(﴿وَمَا أَضَلَّنَا﴾ [الشعراء ٩٩] عن الهدى ﴿إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ ) إلى آخره.
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا كان يحتمل التأويل (...)؛ يعني سواء كانت التأويل من الفاعل أو من (...)، لكن تأويل الفاعل إذا بُيِّنَ له الحق يجوز إذا كان واضحًا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثلًا لو أحل للحاكم، وبعض الدول الإسلامية الآن الزنا حلال مجعولٌ له سوقٌ معيَّنٌ، مَن أراده فليذهب إليه. وسمعنا أنه في بعض الدول الإسلامية إذا نزل الراكب المسافر تُعرَضُ عليه الصور من الشابات والشبان -والعياذ بالله- فيقال: تحب هذا أو هذا؟ يعني إحلال لِلِّواط وإحلال للزنا، هذا كفر صريح، ما يحتاج إلى تأويل.
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني كيف كفر (...) لأنه إما أن (...)، إذا قال كفرًا ولو كان بواحًا (...) الخروج عليه، أو نرى كفرًا بواحًا، كُفرًا وصريحًا؛ (صريح) بمعنى أنه ارتكبه عن علمٍ، وعندنا فيه من الله سبحانه برهان؛ معناه أن دلالة النصوص على هذا أنه كفر صريح.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...) فرق بين اللي يحكم في قضية معينة، هذا يمكن أن يقول: أنا أعرف حكم الله، لكن خالفت هذا لهواي أو لعدواني على المحكوم عليه، وفرق بين اللي يُشرِّع؛ لأن اللي يشرع يكتب قوانين، هذا معناه انتزع الحكم الشرعي ووضع الحكم الوضعي، فيجب أن نفرق بين الوضع وبين الفعل. الإنسان اللي يحكم بغير ما أنزل الله في قضية معينة قد يكون الحامل له على ذلك هوى نفسه، وقد يكون الحامل على ذلك -مثلًا- الانتصار لصاحبه أو مراغمة عدوه إذا كان المحكوم عليه عدوًّا له، وقد يكون الحكم سببه كراهةُ حكم الله، فهذه الأحوال الثلاثة تتنزَّل عليها الآيات الثلاث.
وأما الإنسان المشرع اللي يضع قوانين، ويش معنى ذلك؟ أنه ما رضي حكم الله؛ لأنه استبدل أحكام الله بهذه القوانين، هذا كافر ما فيه شك، ولا يدخل في الآية.
* طالب: من شرع (...)؟
* الشيخ: لا، ما يدخل في الثلاث، يدخل في واحدة منها؛ وهي الحكم بغير ما أنزل الله ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ﴾ [الشورى ٢١].
* طالب: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥] إن كان (...)؟
* الشيخ: ما هو على كل حال؛ لأن نفي الإيمان قد يكون قسمان، قد يكون الإنسان خرج بما قضى؛ إما كراهة لحكم الله سبحانه وتعالى، وإما كراهة لأنه خالف هواه، ما هو كراهة للحكم، مثل المصائب الآن تصيب الإنسان، فيكرهها لكن لا يكره قضاء الله به.
* طالب: (...) الحكم الشرعي؟
* الشيخ: حتى الحكم الشرعي ربما إذا خالف ما هو عليه بعض الناس، الآن بعض العوام إذا جاء الحكم الشرعي يطبقه لكن ما (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) لكنه ناقص الإيمان؛ لأن في قلبه الآن وفي نفسه حرج، والواجب أن الإنسان يشرح صدره لأحكام الإسلام ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٢٢].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: هذا من العذاب؛ لأن المهم يتخاصمون يكلمون الخزنة ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف ٧٧]، يلعن بعضهم بعضًا ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]، كل هذا من العذاب.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، هم يتخاصمون وهم يُعَذَّبون، إي نعم.
* طالب: لا يتصور هذا.
* الشيخ: إي، بس أحوال الآخرة ما تُقاس بأحوال الدنيا، أليست الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة مقدار ميل، الآن لو تخرج مقدار أنملة عن مكانها أحرقت الدنيا إحراق (...) تكون يوم القيامة مقدار ميل (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما يمكن أن تقاس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا أبدًا.
* طالب: بعض (...) تصور (...).
* الشيخ: لا، ما يتصور، كما أن أحوال البرزخ إذا مات الإنسان وأقعد وسُئِلَ وعُذِّبَ (...).
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ٩٦ - ١٢٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى مُبيِّنًا أنه لا ينفع الإنسان يوم القيامة: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء ٨٩]، فالمال والبنون لا ينفعون ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، وفي هذا الاستثناء دليل على أن المدار على القلب وهو أن يكون سليمًا.
وسلامته يقول المؤلف: (من الشرك والنفاق)، وهو أعم من ذلك أيضًا، سلامته من كل عمل أو قول، وللقلب قول عمل؛ أما قوله فإقراره، وأما عمله فهو تحركه من رجاء وخوف ومحبة وغيرِ ذلك.
* وفي الآية إثبات البعث؛ لقوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾.
* وفيها أيضًا: أن كل إنسان مفتقر إلى الدعاء حتى الأنبياء؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام دعا الله سبحانه وتعالى بذلك.
* وفيه دليل على أنه في يوم القيامة لا تنفع الأموال ولا البنون؛ لقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ [الشعراء ٨٨]، خلاف ما كان الناس عليه في الدنيا، فإن الأموال والبنين تنفع لكن في الآخرة لا ينفعون.
* وفيه دليل على فضيلة القلب السليم؛ لأنه سبب لاستفادة الإنسان من ماله وبنيه، بناء على أن الاستثناء متصل، وهو كذلك.
* وفيه أيضًا دليل على إثبات الجنة؛ لقوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾، وأن أهلها هم المتقون، وهم الذين فعلوا ما يقيهم من عذاب الله من فعل الأوامر واجتناب النواهي.
* وفيه دليل على إثبات النار؛ لقوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾.
* وفيه دليل حين فرَّق بين التعبيرين في إزلاف الجنة وإظهار النار، دليل على أن الرحمة سبقت الغضب؛ لأن الجنة تُدْنَى من المؤمنين، أما أولئك فتظهر لهم فيرونها من بعيد ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان ١٢]؛ لأجل أن يكونوا في خوف وذعر من قبل أن يَصِلُوا إليها.
* وفيه أيضًا دليل على أن أصحاب الجحيم كل غاوٍ. والغاوي من هو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...) هو الذي.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، الغواية ضد، ما هي الهداية، الهداية ضد الضلال، الغواية ضد الرشد، والمعنى أن المراد بالغاوين هم الذين جانبوا الصراط المستقيم، جانبوه لا ضلوا عنه؛ يعني علِموه ولكن جانبوه، والعياذ بالله.
* وفيه دليل على التعذيب القلبي والبدني لأصحاب النار. تؤخذ من أين؟
* طالب: الآية وما بعدها.
* الشيخ: ويش؟
* الطالب: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾.
* الشيخ: ما هي، عيِّن لنا الجملة المعينة لهذه الآية.
* الطالب: التعيُّن البدني ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾.
* الشيخ: طيب والقلبي؟
* الطالب: القلبي ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾، أحسنت.
* وفيه دليل على (...) هؤلاء العابدين للأصنام لإهانة أصنامهم ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾. ويستثى من ذلك من؟ من عُبِدَ وهو صالح، فإنه لا يُكَبْكَبُ؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء ١٠١-١٠٢].
* وفي هذا دليل على أن من اتبع الشيطان لم يكن من أتباعه فحسب، بل من جنوده المرافقين له؛ لقوله: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾؛ وذلك لأن المتبع للشخص مُقَوٍّ له وناصر له وناشر لما يريد، فيكون كالجندي المسخر له.
* وفي هذا دليل على ندم أهل النار ندمًا عظيمًا حين قالوا وهم يختصمون يخاصم بعضهم بعضًا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهنا أقسموا وأكدوا ﴿تَاللَّهِ﴾ قسم، ﴿إِنْ كُنَّا﴾ (إنْ) مخففة من الثقيلة تفيد التوكيد، واللام ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ كذلك، وإن كان بعض النحويين يُسمي اللام هنا لام (...)، ولكنها مع كونها فارقة هي أيضًا مؤكدة، ومعنى (فارقة) أنها تفرق بين (إنْ) النافية و(إنْ) المخففة؛ لأن (إنْ) الصورة واحدة، ولا يتبين أن المراد هذه أو هذه إلا بوجود اللام، فإن عدمت اللام امتنع الكلام إلا إذا دلت القرينة على خلاف ذلك.
أقول: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وفي قولهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ﴾ اعتراف ضمنيٌّ بأن الله تبارك وتعالى لا شبيه له؛ لأنهم أنكروا وبيَّنوا أنهم في ضلال مبين حين سووا هذه الأصنام بالرب تبارك وتعالى الذي لا يماثله أحد في هذا الوصف ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. هذه الأصنام الذين يعبدونها يعتقدون أن ألوهيتها أنها محصورة بعابديها، أما رب العالمين فهو رَبٌّ لكل أحد.
* وفي قوله من الفوائد ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: إشارة إلى بيان الضلال ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ إذ لا يمكن التسوية بين من هذا وصفه بمن لم يستحق من هذا الوصف شيئًا ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهذه الأصنام لا تستحق وصفًا من الربوبية إطلاقًا، فضلًا عن الربوبية العامة لجميع العالمين.
* ثم فيه أيضًا، في هذه الآية: اعترافهم البالغ بضلالهم ﴿إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ يعني بيِّنٍ ظاهرٍ، حيث ﴿نُسَوِّيكُمْ﴾، ولكن هذا الاعتراف وهذا الإقرار بالرب وهذا التنزيه له عن المساواة في ذلك المكان لا ينفع؛ لأنه فات الآوان، وقت العمل في الدنيا، أما الآن فهو وقت الجزاء.
الشعراء 26:97
وقوله: ﴿تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الشعراء 92، 93] يقول المؤلف: (أي غيره)؛ لأن (دون) تأتي بمعنى غير وسوى، وتأتي بمعنى (أقل)؛ كما تقول: هذا دون هذا؛ يعني أقل منه، حسب السياق.
(﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ بدفع العذاب عنكم) أيش الجواب؟ لا، مع أنهم (...) ولكنها في الواقع لا تنفعهم بل تضرهم.
(﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بدفعه عن أنفسهم، لا) إذا كانوا لا ينفعون ولا ينتفعون، فلا فائدة فيهم ولا في عبادتهم.
وفي قوله: ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ دليل على أن هذه الأصنام تُعَذَّب وتُلْقَى في جهنم، كما جاء في الآيات الأخرى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨]، لكن إذا كان الذي يعبد من دون الله مما (...)؛ فإن رضي بعبادتهم فهو معهم، وإن لم يرضَ فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠١] ما يدخلون النار.
فإذا قيل: ما هي فائدة إدخال الأصنام النار وتعذبيها مع أنها لا تحس؟ قلنا..
* طالب: للإهانة.
* الشيخ: إي نعم، إهانة لعابديها؛ لأن هذا فيه من الإهانة وبيان أنها لا تنفع ما هو ظاهر.
(﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ [الشعراء ٩٤] أُلْقوا) ﴿فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾، ﴿هُمْ﴾ الضمير يعود على أي شيء؟ على ما يعبدون ما دون الله.
وقوله: ﴿كُبْكِبُوا﴾ بمعنى أُلْقوا، لكن تكرار هذا يدل على معنًى أدق من الألقاء فقط؛ يعني كأنهم يُكبون فيها على وجوههم وبدون أيضًا ترتيب بدون نظام، كأنما يحشون حشًّا -والعياذ بالله- ويلقون.
(﴿هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾ [الشعراء ٩٤، ٩٥] أتباعه ومن أطاعه من الجن والإنس ﴿أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء ٩٥]) أعوذ بالله!
﴿جُنُودُ إِبْلِيسَ﴾ هم الذين يتبعونه ويغوون الناس، فكل من سعى في إغواء الناس والإفساد بينهم فإنه من جنود إبليس، ومعلوم أن جنود إبليس على عكس جنود الرحمن، جنود الرحمن يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك يدعون إلى الشر ويأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.
وفي هذا دليل على أن كل من نصر أحدًا فهو من جنوده، ولو بالاتباع فإنه يكون من جنده، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦١٦٨)، ومسلم (٢٦٤٠ / ١٦٥) من حديث ابن مسعود.]]، ومن أحب شخصًا أطاعه واتبعه.
وقوله: ﴿هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾، المراد بـ﴿الْغَاوُونَ﴾ هنا غير ﴿الْغَاوُونَ﴾ الأولون ولَّا هم؟ المراد من؟ المراد من سبق، ولكن كُرِّر ذلك الوصف ما قال: فكبكوا فيها هم وأولئك، كرَّره لإظهار ذم الغواية.
ولكن قوله: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ هذا هل هو من باب عطف متغايرين وأن الغاوي ليس من جنود إبليس أو أنه من باب عطف المترادفين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش الأصل؟
* الطالب: الأصل العدد.
* الشيخ: الأصل في العطف التغاير، لكن ما وجه التغاير هنا؟
* الطالب: أن الغاوون (...).
* الشيخ: وغير؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا هو الظاهر؛ أن الغاوي هو الفاسد في نفسه، وأما جنود إبليس (...) ويدعون لما يدعو إليه، فيكون أشد.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: ما هو بظاهر، يقول المؤلف: (أتباعه ومن أطاعه) يقيد بما أطاعه في إغواء الناس ودعوتهم إلى الضلالة، يصير هنا من باب عطف الخاص على العام؛ لأن كل من دعا الناس إلى الباطل فهو غاوٍ ولا عكس.
(﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا﴾ [الشعراء ٩٥، ٩٦]؛ أي: الغاوون، ﴿وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ مع معبوديهم) ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ٩٧، ٩٨]. لكن هذا الإقرار ينفع متى؟
* طالب: في الدنيا.
* الشيخ: لو كان في الدنيا هم يتخاصمون؛ العابد والمعبود، والتابع والمتبوع يوم القيامة، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة ١٦٦] وكذلك أيضًا: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ ٣٢]، و﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص ٦٤]، ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]، وهكذا، ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٦٧]، هؤلاء الذين كانوا في الدنيا على ضلالٍ وعلى باطل يوم القيامة، كما قال إبراهيم: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت ٢٥].
وليت أننا نتَّعظ بمثل هذه الآيات ونعظ الناس بها، ونقول: لكل قوم اجتمعوا على فساد فإنهم يوم القيامة تزول هذه المحبة وهذه الرابطة، ويتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضًا، ونذكرهم بهذا الأمر الذي في الحقيقة ليس ببعيد، ما بينهم وبينه إلا أن تخرج أرواحهم من أجسامهم ثم يجدونه، وخروج الروح من الجسد ليس ببعيد؛ فقد يكون قريبًا جدًّا، وكما قال أبو بكر:
كُــلُّ امْرِئٍ مُـــصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ∗∗∗ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وقد يكون غير قريب جدًّا ولكنه مؤخر لأجل معلوم، إذا كان الله تعالى يقول في يوم القيامة: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود ١٠٤]، فكيف عاد يؤجل الإنسان لنفسه؟! يكون مِن باب أولى.
﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ﴾ [الشعراء ٩٦، ٩٧]، هذا قسمٌ بحرف التاء، وحروف القسم ثلاثة هي؟
* طالب: التاء، والواو، والباء.
* الشيخ: والباء طيب. أيهم الأفضل؟
* طالب: الواو.
* الشيخ: (...) كل الثلاثة يقسم بها لكن بعضها أفضل، وبعضها غير أفضل، مثل (كان) وأخواتها مثلًا.
* الطالب: الأفضل الباء.
* الشيخ: الأفضل الباء. أيش الدليل أنها الأفضل؟
* الطالب: لأنها ظاهرة في القسم.
* الشيخ: ووالله؟
* الطالب: (...) يقسم بالله، يقول: أقسم بالله (...).
* الشيخ: يعني الدليل أن الباء تأني مع القسم وبدونه، كذا؟ تأتي مع لفظ القسم ودونه، وتكون في الضمير والظاهر؛ أقسم بالله، وأقسم به، وأقسم بك يارب، فلهذا نقول: هي الأفضل.
التاء ما تأتي إلا مع الظاهر وبدون فعل القسم، أو لا؟ وأيضًا ليست مع كل ظاهر إنما تكون (تالله) فقط، وقد يقسم بالرحمن فيقال: تالرحمن، وقد يقسم: ترب الكعبة لكن على قلَّةٍ، فأضعفهما التاء.
الواو تدخل على كل ظاهر، يقسم بها بكل اسم ظاهر، سواء الله أو الرحمن أو العزيز أو ما أشبه ذلك، ولكنها لا يقسم بها في المضمر، ولا يأتي معها غير القسم، وبهذا تبين أن الأم من هذه الثلاثة الباء، ثم الواو، ثم التاء.
قال: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ﴾، ﴿إِنْ﴾ يقول المؤلف: (مخففة من ، لثقيلة واسمها محذوف؛ أي: إنه) أي التاء (﴿كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بين)، ﴿كُنَّا﴾ هذه فعل ماضٍ طلب منها الدلالة على الزمن (...)؟ لأن المراد: كنا في الدنيا.
(﴿كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بين ﴿إِذْ﴾ حيث ﴿نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ٩٨] في العبادة) وهذا صحيح، إن هذا غاية ما يكون الضلال؛ أن يسوي الإنسان المخلوق بالخالق في العبادة. وليست العبادة هي الركوع والسجود فقط، بل حتى من أطاع أحدًا في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فإنه عابد له، كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة ٣١]، وقال عدي بن حاتم للنبي ﷺ: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم؛ يعني ما نعبد أحبارنا ورهباننا؛ يعني علماءنا وعُبَّادنا؟ فقال النبي ﷺ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ؟» قال: بلى يقولها عدي، قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرجه الترمذي (٣٠٩٥)، والمعجم الكبير (٢١٨) واللفظ له من حديث عدي بن حاتم.]]، وهؤلاء الذين يُطبِّقون أنظمة حكوماتهم مع مخالفتها للشرع سيكون مآلهم يوم القيامة كهؤلاء؛ يعني يتبرَّؤون منهم ويخاصمونهم ويقولون محتجين على أنفسهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
فمثلًا الإنسان يقول له الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ: هذا حلال، فيقول له الحاكم: هذا حرام ممنوع، فيمنعه ويرى أنه محرم مع تحليل الله له، لا شك أنه اتخذ هذا الحاكم إلهًا مع الله مشرعًا.
كذلك يقول له -مثلًا- ربه: هذا حرام، فيأتي هذا الحاكم ويقول: النظام أو الدستور يقتضي الحل فيحله، لا شك أيضًا أنه اتخذ هذا الحاكم إلهًا مع الله، وسيكون مآله مآل هؤلاء القوم، فيخاصمه يوم القيامة ويقول له: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١٤٥)، ومسلم (١٨٤٠ / ٣٩) من حديث علي بن أبي طالب.]]؛ يعني طاعة ولي الأمر في المعروف الذي عرفه الشخص، كما أن الصحيح أن ولي الأمر إذا شرَّع تنظيمات تخالف شريعة الله فإنه يكفر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، فإذا بُيِّنَ له الحق وقيل له: هذا حكم الله، وهذا النظام الذي سنَنْتَ يخالف الحكم، ولكنه أصرَّ مع تبيُّنِ الحق له صار كافرًا، وجاز حينئذٍِ أن يُخْرَجَ عليه ليُنَحَّى عن الحكم؛ لأنه في الحقيقة إذا كفر كفرًا بواحًا فيه من الله برهان فإنه يجوز منازلته والخروج عليه؛ لأنه لا يمكن أي واحد من الناس أن يحكم المسلمين بخلاف شريعتهم، بل يجب أن ينبذ ويُقام عليه حتى يُزاح عن الحكم.
الحاصل أن الله تعالى يقول لهؤلاء الذين اتخذوا معبودين سواه، سواء كانت عبادة تذلُّلٍ أمْ عبادة حُكمٍ يقول لهم: إنهم يُكَبْكِبون في نار جهنم ويختصمون فيها، ويقول التابعون للمتبوعين: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
(﴿وَمَا أَضَلَّنَا﴾ [الشعراء ٩٩] عن الهدى ﴿إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ ) إلى آخره.
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا كان يحتمل التأويل (...)؛ يعني سواء كانت التأويل من الفاعل أو من (...)، لكن تأويل الفاعل إذا بُيِّنَ له الحق يجوز إذا كان واضحًا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثلًا لو أحل للحاكم، وبعض الدول الإسلامية الآن الزنا حلال مجعولٌ له سوقٌ معيَّنٌ، مَن أراده فليذهب إليه. وسمعنا أنه في بعض الدول الإسلامية إذا نزل الراكب المسافر تُعرَضُ عليه الصور من الشابات والشبان -والعياذ بالله- فيقال: تحب هذا أو هذا؟ يعني إحلال لِلِّواط وإحلال للزنا، هذا كفر صريح، ما يحتاج إلى تأويل.
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني كيف كفر (...) لأنه إما أن (...)، إذا قال كفرًا ولو كان بواحًا (...) الخروج عليه، أو نرى كفرًا بواحًا، كُفرًا وصريحًا؛ (صريح) بمعنى أنه ارتكبه عن علمٍ، وعندنا فيه من الله سبحانه برهان؛ معناه أن دلالة النصوص على هذا أنه كفر صريح.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...) فرق بين اللي يحكم في قضية معينة، هذا يمكن أن يقول: أنا أعرف حكم الله، لكن خالفت هذا لهواي أو لعدواني على المحكوم عليه، وفرق بين اللي يُشرِّع؛ لأن اللي يشرع يكتب قوانين، هذا معناه انتزع الحكم الشرعي ووضع الحكم الوضعي، فيجب أن نفرق بين الوضع وبين الفعل. الإنسان اللي يحكم بغير ما أنزل الله في قضية معينة قد يكون الحامل له على ذلك هوى نفسه، وقد يكون الحامل على ذلك -مثلًا- الانتصار لصاحبه أو مراغمة عدوه إذا كان المحكوم عليه عدوًّا له، وقد يكون الحكم سببه كراهةُ حكم الله، فهذه الأحوال الثلاثة تتنزَّل عليها الآيات الثلاث.
وأما الإنسان المشرع اللي يضع قوانين، ويش معنى ذلك؟ أنه ما رضي حكم الله؛ لأنه استبدل أحكام الله بهذه القوانين، هذا كافر ما فيه شك، ولا يدخل في الآية.
* طالب: من شرع (...)؟
* الشيخ: لا، ما يدخل في الثلاث، يدخل في واحدة منها؛ وهي الحكم بغير ما أنزل الله ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ﴾ [الشورى ٢١].
* طالب: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥] إن كان (...)؟
* الشيخ: ما هو على كل حال؛ لأن نفي الإيمان قد يكون قسمان، قد يكون الإنسان خرج بما قضى؛ إما كراهة لحكم الله سبحانه وتعالى، وإما كراهة لأنه خالف هواه، ما هو كراهة للحكم، مثل المصائب الآن تصيب الإنسان، فيكرهها لكن لا يكره قضاء الله به.
* طالب: (...) الحكم الشرعي؟
* الشيخ: حتى الحكم الشرعي ربما إذا خالف ما هو عليه بعض الناس، الآن بعض العوام إذا جاء الحكم الشرعي يطبقه لكن ما (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) لكنه ناقص الإيمان؛ لأن في قلبه الآن وفي نفسه حرج، والواجب أن الإنسان يشرح صدره لأحكام الإسلام ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٢٢].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: هذا من العذاب؛ لأن المهم يتخاصمون يكلمون الخزنة ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف ٧٧]، يلعن بعضهم بعضًا ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]، كل هذا من العذاب.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، هم يتخاصمون وهم يُعَذَّبون، إي نعم.
* طالب: لا يتصور هذا.
* الشيخ: إي، بس أحوال الآخرة ما تُقاس بأحوال الدنيا، أليست الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة مقدار ميل، الآن لو تخرج مقدار أنملة عن مكانها أحرقت الدنيا إحراق (...) تكون يوم القيامة مقدار ميل (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما يمكن أن تقاس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا أبدًا.
* طالب: بعض (...) تصور (...).
* الشيخ: لا، ما يتصور، كما أن أحوال البرزخ إذا مات الإنسان وأقعد وسُئِلَ وعُذِّبَ (...).
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ٩٦ - ١٢٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى مُبيِّنًا أنه لا ينفع الإنسان يوم القيامة: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء ٨٩]، فالمال والبنون لا ينفعون ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، وفي هذا الاستثناء دليل على أن المدار على القلب وهو أن يكون سليمًا.
وسلامته يقول المؤلف: (من الشرك والنفاق)، وهو أعم من ذلك أيضًا، سلامته من كل عمل أو قول، وللقلب قول عمل؛ أما قوله فإقراره، وأما عمله فهو تحركه من رجاء وخوف ومحبة وغيرِ ذلك.
* وفي الآية إثبات البعث؛ لقوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾.
* وفيها أيضًا: أن كل إنسان مفتقر إلى الدعاء حتى الأنبياء؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام دعا الله سبحانه وتعالى بذلك.
* وفيه دليل على أنه في يوم القيامة لا تنفع الأموال ولا البنون؛ لقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ [الشعراء ٨٨]، خلاف ما كان الناس عليه في الدنيا، فإن الأموال والبنين تنفع لكن في الآخرة لا ينفعون.
* وفيه دليل على فضيلة القلب السليم؛ لأنه سبب لاستفادة الإنسان من ماله وبنيه، بناء على أن الاستثناء متصل، وهو كذلك.
* وفيه أيضًا دليل على إثبات الجنة؛ لقوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾، وأن أهلها هم المتقون، وهم الذين فعلوا ما يقيهم من عذاب الله من فعل الأوامر واجتناب النواهي.
* وفيه دليل على إثبات النار؛ لقوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾.
* وفيه دليل حين فرَّق بين التعبيرين في إزلاف الجنة وإظهار النار، دليل على أن الرحمة سبقت الغضب؛ لأن الجنة تُدْنَى من المؤمنين، أما أولئك فتظهر لهم فيرونها من بعيد ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان ١٢]؛ لأجل أن يكونوا في خوف وذعر من قبل أن يَصِلُوا إليها.
* وفيه أيضًا دليل على أن أصحاب الجحيم كل غاوٍ. والغاوي من هو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...) هو الذي.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، الغواية ضد، ما هي الهداية، الهداية ضد الضلال، الغواية ضد الرشد، والمعنى أن المراد بالغاوين هم الذين جانبوا الصراط المستقيم، جانبوه لا ضلوا عنه؛ يعني علِموه ولكن جانبوه، والعياذ بالله.
* وفيه دليل على التعذيب القلبي والبدني لأصحاب النار. تؤخذ من أين؟
* طالب: الآية وما بعدها.
* الشيخ: ويش؟
* الطالب: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾.
* الشيخ: ما هي، عيِّن لنا الجملة المعينة لهذه الآية.
* الطالب: التعيُّن البدني ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾.
* الشيخ: طيب والقلبي؟
* الطالب: القلبي ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾، أحسنت.
* وفيه دليل على (...) هؤلاء العابدين للأصنام لإهانة أصنامهم ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾. ويستثى من ذلك من؟ من عُبِدَ وهو صالح، فإنه لا يُكَبْكَبُ؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء ١٠١-١٠٢].
* وفي هذا دليل على أن من اتبع الشيطان لم يكن من أتباعه فحسب، بل من جنوده المرافقين له؛ لقوله: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾؛ وذلك لأن المتبع للشخص مُقَوٍّ له وناصر له وناشر لما يريد، فيكون كالجندي المسخر له.
* وفي هذا دليل على ندم أهل النار ندمًا عظيمًا حين قالوا وهم يختصمون يخاصم بعضهم بعضًا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهنا أقسموا وأكدوا ﴿تَاللَّهِ﴾ قسم، ﴿إِنْ كُنَّا﴾ (إنْ) مخففة من الثقيلة تفيد التوكيد، واللام ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ كذلك، وإن كان بعض النحويين يُسمي اللام هنا لام (...)، ولكنها مع كونها فارقة هي أيضًا مؤكدة، ومعنى (فارقة) أنها تفرق بين (إنْ) النافية و(إنْ) المخففة؛ لأن (إنْ) الصورة واحدة، ولا يتبين أن المراد هذه أو هذه إلا بوجود اللام، فإن عدمت اللام امتنع الكلام إلا إذا دلت القرينة على خلاف ذلك.
أقول: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وفي قولهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ﴾ اعتراف ضمنيٌّ بأن الله تبارك وتعالى لا شبيه له؛ لأنهم أنكروا وبيَّنوا أنهم في ضلال مبين حين سووا هذه الأصنام بالرب تبارك وتعالى الذي لا يماثله أحد في هذا الوصف ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. هذه الأصنام الذين يعبدونها يعتقدون أن ألوهيتها أنها محصورة بعابديها، أما رب العالمين فهو رَبٌّ لكل أحد.
* وفي قوله من الفوائد ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: إشارة إلى بيان الضلال ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ إذ لا يمكن التسوية بين من هذا وصفه بمن لم يستحق من هذا الوصف شيئًا ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهذه الأصنام لا تستحق وصفًا من الربوبية إطلاقًا، فضلًا عن الربوبية العامة لجميع العالمين.
* ثم فيه أيضًا، في هذه الآية: اعترافهم البالغ بضلالهم ﴿إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ يعني بيِّنٍ ظاهرٍ، حيث ﴿نُسَوِّيكُمْ﴾، ولكن هذا الاعتراف وهذا الإقرار بالرب وهذا التنزيه له عن المساواة في ذلك المكان لا ينفع؛ لأنه فات الآوان، وقت العمل في الدنيا، أما الآن فهو وقت الجزاء.
الشعراء 26:98
وقوله: ﴿تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الشعراء 92، 93] يقول المؤلف: (أي غيره)؛ لأن (دون) تأتي بمعنى غير وسوى، وتأتي بمعنى (أقل)؛ كما تقول: هذا دون هذا؛ يعني أقل منه، حسب السياق.
(﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ بدفع العذاب عنكم) أيش الجواب؟ لا، مع أنهم (...) ولكنها في الواقع لا تنفعهم بل تضرهم.
(﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بدفعه عن أنفسهم، لا) إذا كانوا لا ينفعون ولا ينتفعون، فلا فائدة فيهم ولا في عبادتهم.
وفي قوله: ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ دليل على أن هذه الأصنام تُعَذَّب وتُلْقَى في جهنم، كما جاء في الآيات الأخرى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨]، لكن إذا كان الذي يعبد من دون الله مما (...)؛ فإن رضي بعبادتهم فهو معهم، وإن لم يرضَ فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠١] ما يدخلون النار.
فإذا قيل: ما هي فائدة إدخال الأصنام النار وتعذبيها مع أنها لا تحس؟ قلنا..
* طالب: للإهانة.
* الشيخ: إي نعم، إهانة لعابديها؛ لأن هذا فيه من الإهانة وبيان أنها لا تنفع ما هو ظاهر.
(﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ [الشعراء ٩٤] أُلْقوا) ﴿فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾، ﴿هُمْ﴾ الضمير يعود على أي شيء؟ على ما يعبدون ما دون الله.
وقوله: ﴿كُبْكِبُوا﴾ بمعنى أُلْقوا، لكن تكرار هذا يدل على معنًى أدق من الألقاء فقط؛ يعني كأنهم يُكبون فيها على وجوههم وبدون أيضًا ترتيب بدون نظام، كأنما يحشون حشًّا -والعياذ بالله- ويلقون.
(﴿هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾ [الشعراء ٩٤، ٩٥] أتباعه ومن أطاعه من الجن والإنس ﴿أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء ٩٥]) أعوذ بالله!
﴿جُنُودُ إِبْلِيسَ﴾ هم الذين يتبعونه ويغوون الناس، فكل من سعى في إغواء الناس والإفساد بينهم فإنه من جنود إبليس، ومعلوم أن جنود إبليس على عكس جنود الرحمن، جنود الرحمن يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك يدعون إلى الشر ويأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.
وفي هذا دليل على أن كل من نصر أحدًا فهو من جنوده، ولو بالاتباع فإنه يكون من جنده، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦١٦٨)، ومسلم (٢٦٤٠ / ١٦٥) من حديث ابن مسعود.]]، ومن أحب شخصًا أطاعه واتبعه.
وقوله: ﴿هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾، المراد بـ﴿الْغَاوُونَ﴾ هنا غير ﴿الْغَاوُونَ﴾ الأولون ولَّا هم؟ المراد من؟ المراد من سبق، ولكن كُرِّر ذلك الوصف ما قال: فكبكوا فيها هم وأولئك، كرَّره لإظهار ذم الغواية.
ولكن قوله: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ هذا هل هو من باب عطف متغايرين وأن الغاوي ليس من جنود إبليس أو أنه من باب عطف المترادفين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش الأصل؟
* الطالب: الأصل العدد.
* الشيخ: الأصل في العطف التغاير، لكن ما وجه التغاير هنا؟
* الطالب: أن الغاوون (...).
* الشيخ: وغير؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا هو الظاهر؛ أن الغاوي هو الفاسد في نفسه، وأما جنود إبليس (...) ويدعون لما يدعو إليه، فيكون أشد.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: ما هو بظاهر، يقول المؤلف: (أتباعه ومن أطاعه) يقيد بما أطاعه في إغواء الناس ودعوتهم إلى الضلالة، يصير هنا من باب عطف الخاص على العام؛ لأن كل من دعا الناس إلى الباطل فهو غاوٍ ولا عكس.
(﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا﴾ [الشعراء ٩٥، ٩٦]؛ أي: الغاوون، ﴿وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ مع معبوديهم) ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ٩٧، ٩٨]. لكن هذا الإقرار ينفع متى؟
* طالب: في الدنيا.
* الشيخ: لو كان في الدنيا هم يتخاصمون؛ العابد والمعبود، والتابع والمتبوع يوم القيامة، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة ١٦٦] وكذلك أيضًا: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ ٣٢]، و﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص ٦٤]، ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]، وهكذا، ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٦٧]، هؤلاء الذين كانوا في الدنيا على ضلالٍ وعلى باطل يوم القيامة، كما قال إبراهيم: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت ٢٥].
وليت أننا نتَّعظ بمثل هذه الآيات ونعظ الناس بها، ونقول: لكل قوم اجتمعوا على فساد فإنهم يوم القيامة تزول هذه المحبة وهذه الرابطة، ويتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضًا، ونذكرهم بهذا الأمر الذي في الحقيقة ليس ببعيد، ما بينهم وبينه إلا أن تخرج أرواحهم من أجسامهم ثم يجدونه، وخروج الروح من الجسد ليس ببعيد؛ فقد يكون قريبًا جدًّا، وكما قال أبو بكر:
كُــلُّ امْرِئٍ مُـــصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ∗∗∗ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وقد يكون غير قريب جدًّا ولكنه مؤخر لأجل معلوم، إذا كان الله تعالى يقول في يوم القيامة: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود ١٠٤]، فكيف عاد يؤجل الإنسان لنفسه؟! يكون مِن باب أولى.
﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ﴾ [الشعراء ٩٦، ٩٧]، هذا قسمٌ بحرف التاء، وحروف القسم ثلاثة هي؟
* طالب: التاء، والواو، والباء.
* الشيخ: والباء طيب. أيهم الأفضل؟
* طالب: الواو.
* الشيخ: (...) كل الثلاثة يقسم بها لكن بعضها أفضل، وبعضها غير أفضل، مثل (كان) وأخواتها مثلًا.
* الطالب: الأفضل الباء.
* الشيخ: الأفضل الباء. أيش الدليل أنها الأفضل؟
* الطالب: لأنها ظاهرة في القسم.
* الشيخ: ووالله؟
* الطالب: (...) يقسم بالله، يقول: أقسم بالله (...).
* الشيخ: يعني الدليل أن الباء تأني مع القسم وبدونه، كذا؟ تأتي مع لفظ القسم ودونه، وتكون في الضمير والظاهر؛ أقسم بالله، وأقسم به، وأقسم بك يارب، فلهذا نقول: هي الأفضل.
التاء ما تأتي إلا مع الظاهر وبدون فعل القسم، أو لا؟ وأيضًا ليست مع كل ظاهر إنما تكون (تالله) فقط، وقد يقسم بالرحمن فيقال: تالرحمن، وقد يقسم: ترب الكعبة لكن على قلَّةٍ، فأضعفهما التاء.
الواو تدخل على كل ظاهر، يقسم بها بكل اسم ظاهر، سواء الله أو الرحمن أو العزيز أو ما أشبه ذلك، ولكنها لا يقسم بها في المضمر، ولا يأتي معها غير القسم، وبهذا تبين أن الأم من هذه الثلاثة الباء، ثم الواو، ثم التاء.
قال: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ﴾، ﴿إِنْ﴾ يقول المؤلف: (مخففة من ، لثقيلة واسمها محذوف؛ أي: إنه) أي التاء (﴿كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بين)، ﴿كُنَّا﴾ هذه فعل ماضٍ طلب منها الدلالة على الزمن (...)؟ لأن المراد: كنا في الدنيا.
(﴿كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بين ﴿إِذْ﴾ حيث ﴿نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ٩٨] في العبادة) وهذا صحيح، إن هذا غاية ما يكون الضلال؛ أن يسوي الإنسان المخلوق بالخالق في العبادة. وليست العبادة هي الركوع والسجود فقط، بل حتى من أطاع أحدًا في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فإنه عابد له، كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة ٣١]، وقال عدي بن حاتم للنبي ﷺ: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم؛ يعني ما نعبد أحبارنا ورهباننا؛ يعني علماءنا وعُبَّادنا؟ فقال النبي ﷺ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ؟» قال: بلى يقولها عدي، قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرجه الترمذي (٣٠٩٥)، والمعجم الكبير (٢١٨) واللفظ له من حديث عدي بن حاتم.]]، وهؤلاء الذين يُطبِّقون أنظمة حكوماتهم مع مخالفتها للشرع سيكون مآلهم يوم القيامة كهؤلاء؛ يعني يتبرَّؤون منهم ويخاصمونهم ويقولون محتجين على أنفسهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
فمثلًا الإنسان يقول له الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ: هذا حلال، فيقول له الحاكم: هذا حرام ممنوع، فيمنعه ويرى أنه محرم مع تحليل الله له، لا شك أنه اتخذ هذا الحاكم إلهًا مع الله مشرعًا.
كذلك يقول له -مثلًا- ربه: هذا حرام، فيأتي هذا الحاكم ويقول: النظام أو الدستور يقتضي الحل فيحله، لا شك أيضًا أنه اتخذ هذا الحاكم إلهًا مع الله، وسيكون مآله مآل هؤلاء القوم، فيخاصمه يوم القيامة ويقول له: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١٤٥)، ومسلم (١٨٤٠ / ٣٩) من حديث علي بن أبي طالب.]]؛ يعني طاعة ولي الأمر في المعروف الذي عرفه الشخص، كما أن الصحيح أن ولي الأمر إذا شرَّع تنظيمات تخالف شريعة الله فإنه يكفر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، فإذا بُيِّنَ له الحق وقيل له: هذا حكم الله، وهذا النظام الذي سنَنْتَ يخالف الحكم، ولكنه أصرَّ مع تبيُّنِ الحق له صار كافرًا، وجاز حينئذٍِ أن يُخْرَجَ عليه ليُنَحَّى عن الحكم؛ لأنه في الحقيقة إذا كفر كفرًا بواحًا فيه من الله برهان فإنه يجوز منازلته والخروج عليه؛ لأنه لا يمكن أي واحد من الناس أن يحكم المسلمين بخلاف شريعتهم، بل يجب أن ينبذ ويُقام عليه حتى يُزاح عن الحكم.
الحاصل أن الله تعالى يقول لهؤلاء الذين اتخذوا معبودين سواه، سواء كانت عبادة تذلُّلٍ أمْ عبادة حُكمٍ يقول لهم: إنهم يُكَبْكِبون في نار جهنم ويختصمون فيها، ويقول التابعون للمتبوعين: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
(﴿وَمَا أَضَلَّنَا﴾ [الشعراء ٩٩] عن الهدى ﴿إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ ) إلى آخره.
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا كان يحتمل التأويل (...)؛ يعني سواء كانت التأويل من الفاعل أو من (...)، لكن تأويل الفاعل إذا بُيِّنَ له الحق يجوز إذا كان واضحًا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثلًا لو أحل للحاكم، وبعض الدول الإسلامية الآن الزنا حلال مجعولٌ له سوقٌ معيَّنٌ، مَن أراده فليذهب إليه. وسمعنا أنه في بعض الدول الإسلامية إذا نزل الراكب المسافر تُعرَضُ عليه الصور من الشابات والشبان -والعياذ بالله- فيقال: تحب هذا أو هذا؟ يعني إحلال لِلِّواط وإحلال للزنا، هذا كفر صريح، ما يحتاج إلى تأويل.
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني كيف كفر (...) لأنه إما أن (...)، إذا قال كفرًا ولو كان بواحًا (...) الخروج عليه، أو نرى كفرًا بواحًا، كُفرًا وصريحًا؛ (صريح) بمعنى أنه ارتكبه عن علمٍ، وعندنا فيه من الله سبحانه برهان؛ معناه أن دلالة النصوص على هذا أنه كفر صريح.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...) فرق بين اللي يحكم في قضية معينة، هذا يمكن أن يقول: أنا أعرف حكم الله، لكن خالفت هذا لهواي أو لعدواني على المحكوم عليه، وفرق بين اللي يُشرِّع؛ لأن اللي يشرع يكتب قوانين، هذا معناه انتزع الحكم الشرعي ووضع الحكم الوضعي، فيجب أن نفرق بين الوضع وبين الفعل. الإنسان اللي يحكم بغير ما أنزل الله في قضية معينة قد يكون الحامل له على ذلك هوى نفسه، وقد يكون الحامل على ذلك -مثلًا- الانتصار لصاحبه أو مراغمة عدوه إذا كان المحكوم عليه عدوًّا له، وقد يكون الحكم سببه كراهةُ حكم الله، فهذه الأحوال الثلاثة تتنزَّل عليها الآيات الثلاث.
وأما الإنسان المشرع اللي يضع قوانين، ويش معنى ذلك؟ أنه ما رضي حكم الله؛ لأنه استبدل أحكام الله بهذه القوانين، هذا كافر ما فيه شك، ولا يدخل في الآية.
* طالب: من شرع (...)؟
* الشيخ: لا، ما يدخل في الثلاث، يدخل في واحدة منها؛ وهي الحكم بغير ما أنزل الله ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ﴾ [الشورى ٢١].
* طالب: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥] إن كان (...)؟
* الشيخ: ما هو على كل حال؛ لأن نفي الإيمان قد يكون قسمان، قد يكون الإنسان خرج بما قضى؛ إما كراهة لحكم الله سبحانه وتعالى، وإما كراهة لأنه خالف هواه، ما هو كراهة للحكم، مثل المصائب الآن تصيب الإنسان، فيكرهها لكن لا يكره قضاء الله به.
* طالب: (...) الحكم الشرعي؟
* الشيخ: حتى الحكم الشرعي ربما إذا خالف ما هو عليه بعض الناس، الآن بعض العوام إذا جاء الحكم الشرعي يطبقه لكن ما (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) لكنه ناقص الإيمان؛ لأن في قلبه الآن وفي نفسه حرج، والواجب أن الإنسان يشرح صدره لأحكام الإسلام ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٢٢].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: هذا من العذاب؛ لأن المهم يتخاصمون يكلمون الخزنة ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف ٧٧]، يلعن بعضهم بعضًا ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨]، كل هذا من العذاب.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، هم يتخاصمون وهم يُعَذَّبون، إي نعم.
* طالب: لا يتصور هذا.
* الشيخ: إي، بس أحوال الآخرة ما تُقاس بأحوال الدنيا، أليست الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة مقدار ميل، الآن لو تخرج مقدار أنملة عن مكانها أحرقت الدنيا إحراق (...) تكون يوم القيامة مقدار ميل (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما يمكن أن تقاس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا أبدًا.
* طالب: بعض (...) تصور (...).
* الشيخ: لا، ما يتصور، كما أن أحوال البرزخ إذا مات الإنسان وأقعد وسُئِلَ وعُذِّبَ (...).
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ٩٦ - ١٢٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى مُبيِّنًا أنه لا ينفع الإنسان يوم القيامة: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء ٨٩]، فالمال والبنون لا ينفعون ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، وفي هذا الاستثناء دليل على أن المدار على القلب وهو أن يكون سليمًا.
وسلامته يقول المؤلف: (من الشرك والنفاق)، وهو أعم من ذلك أيضًا، سلامته من كل عمل أو قول، وللقلب قول عمل؛ أما قوله فإقراره، وأما عمله فهو تحركه من رجاء وخوف ومحبة وغيرِ ذلك.
* وفي الآية إثبات البعث؛ لقوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾.
* وفيها أيضًا: أن كل إنسان مفتقر إلى الدعاء حتى الأنبياء؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام دعا الله سبحانه وتعالى بذلك.
* وفيه دليل على أنه في يوم القيامة لا تنفع الأموال ولا البنون؛ لقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ [الشعراء ٨٨]، خلاف ما كان الناس عليه في الدنيا، فإن الأموال والبنين تنفع لكن في الآخرة لا ينفعون.
* وفيه دليل على فضيلة القلب السليم؛ لأنه سبب لاستفادة الإنسان من ماله وبنيه، بناء على أن الاستثناء متصل، وهو كذلك.
* وفيه أيضًا دليل على إثبات الجنة؛ لقوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾، وأن أهلها هم المتقون، وهم الذين فعلوا ما يقيهم من عذاب الله من فعل الأوامر واجتناب النواهي.
* وفيه دليل على إثبات النار؛ لقوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾.
* وفيه دليل حين فرَّق بين التعبيرين في إزلاف الجنة وإظهار النار، دليل على أن الرحمة سبقت الغضب؛ لأن الجنة تُدْنَى من المؤمنين، أما أولئك فتظهر لهم فيرونها من بعيد ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان ١٢]؛ لأجل أن يكونوا في خوف وذعر من قبل أن يَصِلُوا إليها.
* وفيه أيضًا دليل على أن أصحاب الجحيم كل غاوٍ. والغاوي من هو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...) هو الذي.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، الغواية ضد، ما هي الهداية، الهداية ضد الضلال، الغواية ضد الرشد، والمعنى أن المراد بالغاوين هم الذين جانبوا الصراط المستقيم، جانبوه لا ضلوا عنه؛ يعني علِموه ولكن جانبوه، والعياذ بالله.
* وفيه دليل على التعذيب القلبي والبدني لأصحاب النار. تؤخذ من أين؟
* طالب: الآية وما بعدها.
* الشيخ: ويش؟
* الطالب: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾.
* الشيخ: ما هي، عيِّن لنا الجملة المعينة لهذه الآية.
* الطالب: التعيُّن البدني ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾.
* الشيخ: طيب والقلبي؟
* الطالب: القلبي ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾، أحسنت.
* وفيه دليل على (...) هؤلاء العابدين للأصنام لإهانة أصنامهم ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾. ويستثى من ذلك من؟ من عُبِدَ وهو صالح، فإنه لا يُكَبْكَبُ؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء ١٠١-١٠٢].
* وفي هذا دليل على أن من اتبع الشيطان لم يكن من أتباعه فحسب، بل من جنوده المرافقين له؛ لقوله: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾؛ وذلك لأن المتبع للشخص مُقَوٍّ له وناصر له وناشر لما يريد، فيكون كالجندي المسخر له.
* وفي هذا دليل على ندم أهل النار ندمًا عظيمًا حين قالوا وهم يختصمون يخاصم بعضهم بعضًا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهنا أقسموا وأكدوا ﴿تَاللَّهِ﴾ قسم، ﴿إِنْ كُنَّا﴾ (إنْ) مخففة من الثقيلة تفيد التوكيد، واللام ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ كذلك، وإن كان بعض النحويين يُسمي اللام هنا لام (...)، ولكنها مع كونها فارقة هي أيضًا مؤكدة، ومعنى (فارقة) أنها تفرق بين (إنْ) النافية و(إنْ) المخففة؛ لأن (إنْ) الصورة واحدة، ولا يتبين أن المراد هذه أو هذه إلا بوجود اللام، فإن عدمت اللام امتنع الكلام إلا إذا دلت القرينة على خلاف ذلك.
أقول: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وفي قولهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ﴾ اعتراف ضمنيٌّ بأن الله تبارك وتعالى لا شبيه له؛ لأنهم أنكروا وبيَّنوا أنهم في ضلال مبين حين سووا هذه الأصنام بالرب تبارك وتعالى الذي لا يماثله أحد في هذا الوصف ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. هذه الأصنام الذين يعبدونها يعتقدون أن ألوهيتها أنها محصورة بعابديها، أما رب العالمين فهو رَبٌّ لكل أحد.
* وفي قوله من الفوائد ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: إشارة إلى بيان الضلال ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ إذ لا يمكن التسوية بين من هذا وصفه بمن لم يستحق من هذا الوصف شيئًا ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهذه الأصنام لا تستحق وصفًا من الربوبية إطلاقًا، فضلًا عن الربوبية العامة لجميع العالمين.
* ثم فيه أيضًا، في هذه الآية: اعترافهم البالغ بضلالهم ﴿إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ يعني بيِّنٍ ظاهرٍ، حيث ﴿نُسَوِّيكُمْ﴾، ولكن هذا الاعتراف وهذا الإقرار بالرب وهذا التنزيه له عن المساواة في ذلك المكان لا ينفع؛ لأنه فات الآوان، وقت العمل في الدنيا، أما الآن فهو وقت الجزاء.
الشعراء 26:99
يقول: (﴿وَمَا أَضَلَّنَا﴾ عن الهدى ﴿إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ أي الشياطين)؛ يعني شياطين الإنس والجن، يجب هكذا، والمجرم فاعل الإجرام، ويُطْلَقُ كثيرًا في القرآن على الكافر، فالمعنى: ما أضلَّنا إلا أهل الكفر والإجرام الذين اعتدوا علينا بهذا الإضلال، ولكن الحقيقة هم ما اعتدوا عليهم؛ لأنهم هم الذين انقادوا لهذا الكفر ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ [غافر ٤٧، ٤٨]، وفي سورة سبأ الآيات في هذا المعنى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ ٣٣]، فالكفار الذين تبعوا المستكبرين لا عذر لهم عند الله عز وجل، حتى وإن سبوهم وقالوا: إنهم مجرمون، فإن ذلك ليس بعذر.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، فإنهم قد أعطاهم الله تعالى العقول والإدراك، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، فما بقي لهم حجة في أن يحتجوا بأن هؤلاء أضلوهم.
قال الله تعالى: (﴿إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: الشياطين أو أولونا الذين اقتدينا بهم)، هذا إذا كان المراد بالمجرم الضال، سواء اعتدى أم لم يَعتدِ؛ لأنه إذا كانوا آباؤهم الذين اقتدوا بهم فإنهم لم يضلوهم ولم يجرموا عليهم، هؤلاء هم الذين أجرموا على أنفسهم، ولا يبعد أن يراد بالآية المعنيين جميعًا؛ فإنهم ضلُّوا بأمرين:
أولًا: بمن يدعونهم وهو أحياءٌ إلى الضلال.
والثاني: بمن يقلدهم هؤلاء من الأموات، لكن في المسألة الأولى يكون الجرم عليهم وعلى من أضلَّهم، وفي الثانية عليهم وحدهم؛ لأن أولئك الأموات حقيقة ما جنوا عليهم؛ لأن الرسل جاءتهم وبينت لهم.
الشعراء 26:100
(﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ كما للمؤمنين من الملائكة والنبيين والمؤمنين)، ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ كلمة (ما) استفهامية ولَّا نافية؟
* طالب: نافية.
* الشيخ: نافية، والدليل إتيان (مِن) المؤكدة ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾، وأصله: فما لنا شافعون، لكن أوتي بـ(مِن) للتوكيد.
والشافع هو المتوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة؛ كشفاعة النبي ﷺ لأهل الموقف أن يُقْضَى بينهم من باب الشفاعة لدفع المضرة والمشقة، وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة من باب جلب المنافع.
فالشفاعة هي التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة، وإن شئت فقل: بدفع الضير أو جلب الخير.
هم ليس لهم شافعون؛ لأن من شرط الشفاعة؟
* طالب: من شرط الشفاعة (...).
* الشيخ: وغيره؟
* الطالب: وغيره أن يكون المشفوع له مؤمنًا.
* الشيخ: ويش الدليل؟
* الطالب: الدليل ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨].
* الشيخ: نعم، هؤلاء لا يرتضيهم الله، فهم يقولون: ﴿مَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾؛ يعني: ما لنا أحد يشفع إطلاقًا، لا من الأنبياء ولا من غيرهم؛ لأن من شرط الشفاعة أن يرضى الله تبارك وتعالى عن المشفوع له وعن الشافع. يرضى عن الشافع؟
* طالب: من باب أولى.
* الشيخ: من باب أولى، نعم، إذا كان لا بد من رضا الله عن المشفوع له فعنِ الشافع من باب أولى.
وإما الإذن فهو شرط أيضًا، حتى مع رضا الله عن هذا وهذا لا بد أيضًا من الإذن، والله تبارك وتعالى لا يأذن بالشفاعة إلا لمن يرضاه، فصار لا بد من الشرطين، لا يقال مثلًا: إنه إذا ارتضى شخصًا لا بد أن يأذن له، قد يأذن، وقد لا يأذن، ولكن نعلم أنه لم يأذن إلا لمن ارتضى، وهؤلاء لا يرتضيهم الله.
﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾. ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ هذه معطوفة على ﴿شَافِعِينَ﴾ باعتبار اللفظ، لو عطف عليها باعتبار المحل لكانت (ولا صديقٌ)؛ لأن ﴿شَافِعِينَ﴾ في محل مبتدأ.
﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ الصديق من صدَقَك الود؛ يعني: الصاحب الصادق في وُدِّه يسمونه صديقًا، وهو أخص من الصاحب، فكل صديق صاحب، وليس كل صاحب صديقًا.
وأما الحميم فإنه القريب، أو أنه يبالغ في الصداقة بحيث يحنو عليك، ثم يحنو القريب. والمؤلف يقول: (أي: يهمه أمرنا)؛ لأن الصديق الحميم الحاني العاطف أو القريب يهمه أمر صاحبه كصديقه.
فهل هذه الصفة (حميم) صفة كاشفة أو صفة مقيدة؟ كاشفة، إذا قلنا: ما من صديقٍ إلا وهو حميم، فهي صفة كاشفة، وإذا قلنا: قد يكون صديقًا لكنه ليس بحميم، فهذه الصفة مقيدة بشرط أن نجعل الحميم هنا بمعنى القريب؛ لأنه قد يكون صديقًا وليس قريبًا، فإذا جعلنا الحميم بمعنى الحاني الذي يكون كالقريب لحنوه وعطفه، فهي صفة كاشفة. لكن إذا قلنا: (حميم) قريب صارت مقيدة؛ لأن ما كل صديقٍ يكون قريبًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، كيف؟ يعني إذا قلنا: (ولا صديق حميم) صار هذان وصفين؛ الصداقة والقرابة، ولَّا لا؟ إذن صفة القرابة ما معناها صفة الصداقة، يكون صديق وغير قريب ما فيه مانع.
* طالب: يوم القيامة.
* الشيخ: (...) يوم القيامة لكن ما تنفعه القرابة ولا الصداقة.
﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ (رجعة إلى الدنيا)، ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (لو) للتمني؛ يعني: ليس لنا كرَّة؛ يعني رجعة إلى الدنيا، ﴿فَنَكُونَ﴾ الفاء للسببية، (نكون) منصوبة بـ(أن) مضمرة بعد فاء السببية لتقدم التمني، ولهذا يقول: (لو هنا للتمني، و(نكون) جوابه).
﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾؛ يعني: ليت أن لنا كرَّةً، ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقولوا: (ليت) لأن المقام مقام تذلل وخضوع، و(لو) في التمني أقل من (ليت)؛ لأن (ليت) صريحة في الطلب، و(لو) فيها نوع من اللين والعرض؛ مثلما تقول للإنسان الذي تمنى أن يزورك: لو أنك تزورني، فإن (لو) هذه للتمني بلا شك، لكنها تَمَنٍّ فيه لين وعرض ولطف، والمقام هنا يقتضيه؛ لأنهم في مقام ذلٍّ -والعياذ بالله- وخضوع، فلم يقولوا: ليتنا نرجع، ولكنهم يقولون: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، على أنهم في سورة الأنعام يقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام ٢٧].
فيقال: الجمع بينهما أن لهم حالات أحيانًا يقولون بهذا، وأحيانًا يقولون بهذا. لكن أيهم الأول (ليت) أو (لو)؟ الظاهر (ليت) هي الأولى؛ يعني كأنهم يكونون بالأول بعزم على التمني، ثم إذا لم يحصل لهم رجعوا إلى الخضوع والعرض.
لو أنهم رُدُّوا هل يرجعون؟ يقول الله عز وجل في سورة الأنعام: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨]، هذا الخبر الصادق؛ يعني ليس قولهم: إننا إذا رجعنا نكون من المؤمنين، هذا خبر كاذب الخبر الصادق ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قولهم: إننا ﴿نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
* طالب: في نفس المقام (...) فعل الله ﴿لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنها فعل الله يمكن (...) تلك الساعة يقولونها صدقًا، ولكن الله أخبر بأنهم إذا رجعوا سيعودون إلى الكفر.
﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: من المصدقين (...) الملتزمين بالعمل؛ لأن الإيمان وحده لا ينفع إذا لم يستلزم العمل فليس بإيمان، ولهذا نقول: الكفار الذين (...) مؤمنون ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]، لكن لكونهم لا ينقادون لم ينتفعوا بإيمانهم. إبليس مؤمن ولَّا لا؟
* طلبة: مؤمن.
* الشيخ: بمعنى التصديق مؤمن، لكنه مستكبر، فلم ينفعه إيمانه. وأذكر أنه حينما صعد أول رجل إلى الفضاء من روسيا وشاهد الكون أعلن بأن هذا الكون له مدبر، فجاء أصحابه..
أبدًا، يكون أشد من غيره، إذا تبين له الأمر، الآن تبين له الآن (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) حتى (...) منه.
* طالب: إذا قلنا مثلًا: الإيمان قول وعمل واعتقاد، على هذا مثلًا نخرِج كل مثلًا من قال بلسانه أو اعتقد بقلبه كإبليس وفرعون.
* الشيخ: إذا لم ينقد نعم، إذا لم ينقد فإنه ليس بمؤمن، معلوم.
ولهذا قلنا: إن الإيمان هو التصديق المستلزِم للقبول والانقياد؛ قبول الخبر والانقياد للأمر (...)، هذا الإيمان، وأما مجرد الإنسان يقول: أنا مؤمن بالله وأنا أعترف بأن الله موجود وأن له رسلًا، لكنه ما يعمل، ما ينفعه هذا الإيمان.
* طالب: هو أصله ما يحصل بالنفس.
* الشيخ: هو إيمان لأن الإيمان الذي ينفع هو ما ذكرت، أما الإيمان فهو يطلق على مجرد التصديق. (...) هذا مؤمن بشيء لكنه كافر بأشياء، إنما الإيمان الشرعي نعم ينفع نقول: هذا ليس بمؤمن يعني إيمانًا شرعيًّا، أما لغةً فهو مؤمن.
* طالب: فضيلة الشيخ، كل من كان مستكبِرًا فهو أشر.
* الشيخ: (...) لأن الذي يتبين له الحق وهو يستكبر عنه يكون كفره كفر عناد، واللي ما يعرف الحق وهو الآن يعمل بعمل أهل الكفر فهذه كفره كفر جحد.
فالنصارى الآن في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، يعني قبل بعثته، يعتبرون ضالين، وبعد أن بُعث وتبين لهم الحق يكونون مغضوبًا عليهم؛ إذ لا فرق بينهم وبين اليهود، كل منهم بُشر بمحمد عليه الصلاة والسلام. والله تعالى يقول في وصف الرسول: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف ١٥٧] معروف، وكفرهما على حد سواء، ولهذا ما يصح أن نقول: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة ٨٢]، هذه ما تنطبق على زماننا هذا، ولا على ما قبله بأزمنة؛ لأن الله بيَّن: ﴿ذَلِكَ﴾ العلة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة ٨٢- ٨٣] الآن منهم الصدِّيقون والرُّهبان مستكبرون عن الحق، داعون إلى الضلال والعياذ بالله، فلا يمكن أن ينطبق عليهم هذا الوصف، وعداوتُهم الآن للمسلمين وللذين آمنوا أيضًا خاصة، للذين آمنوا، لا للمسلمين فقط، عداوتهم ظاهرة، وهم لا ينسون أبدًا غزوات المؤمنين لهم في عُقر دارهم، ولا ينسون أبدًا الحروب الصليبية، ولا ينسون الافتتاح العظيم الذي حصل بديار أهلهم، فإن بلاد الروم كلها أُخذت، والروم كلهم نصارى، أخذت على أيدي المسلمين.
يقول الله تعالى: (﴿﴿إنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ ﴾ المذكور من قصة إبراهيم وقومه ﴿﴿لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴾ [الشعراء: ١٠٣-١٠٤]) هذه سبق الكلام عليها، لكن يجب علينا أن نعرف أن الله تعالى إذا قال عن شيء: إن فيه آية يجب ألا نأخذه مأخذ الظاهر فقط، فلنتأمل ويش هالآيات هذي.
وقوله: ﴿فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ هل المراد في جملة القصة، أو في كل قطعة من القصة؟ الإشارة إلى المجموع بلا شك، ففي كل قطعة منها آية، وفي اجتماع هذه القطع بعضها إلى بعض أيضًا آية، فتكون الآية موزعة على كل قطعة، وتكون الآية أيضًا اجتماع هذه الأشياء جميعًا يكون فيه آية.
إنما المهم أن الله تعالى إذا قال لك: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ يجب عليك أن تتأمل وتتفكر وتعتبر؛ لتُظهِر هذه الآية.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ سبق أن الضمير في قوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ الراجح أنه يعود إلى من كانوا في عهد النبي ﷺ.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه حجازية ولَّا تميمية؟
* طالب: هذه حجازية.
* طالب آخر: هذه حجازية لكن (...).
* الشيخ: هذا الصواب، ولهذا بعض الطلبة يتوهم أن (ما) هي التي عملت، والصواب أن اللي عمل (كان)؛ لأنك إذا جعلتَ (ما) هي العاملة جعلت (كان) زائدةً. والأصل عدم الزيادة، (...) هو نفي للكون ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني لم يكن أكثرهم من ضمننا.
ثم قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] المؤلف يبغي يذكر جوابًا على تأنيث الفعل مع أن الفاعل مذكر.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ أولًا نوح عليه الصلاة والسلام هو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، أول رسول بُعِث إلى أهل الأرض هو نوح عليه الصلاة والسلام. وآدم أول نبي نُبِّئَ، فإنه كان نبيًّا بلا شك، ونوح أول رسول. وإنما كان آدم نبيًّا للضرورة؛ لأنه لا بد أن يتعبد لله، ولا عبادة لله إلا بما شرع، ولا شرع إلا بوحي، لكنه لم يرسَل؛ لعدم دعاء الحاجة إلى ذلك؛ إذ الناس كانوا متفقين، فلما اختلفوا بعث الله الرسل؛ ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة ٢١٣] وفي قراءة ابن عباس: ﴿﴿فاختلفوا﴾ ﴾ وهذه جملة لا داعي لها؛ لأنها مفهومة من قوله: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣].
فعلى كل حال في عهد آدم ما حاجة إلى الرسالة، إنما النبوة فقط، وهو يتعبد لله وأبناؤه، بل أولاده يتبعونه في ذلك على وجه الاتفاق بينهم، ولما كثُرت الأمة وانتشرت في الأرض اختلفت، فصارت الحاجة داعية بل الضرورة داعية إلى إرسال الرسل، فبعث الله تعالى نوحًا، وهو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض؛ كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، وكما هو صحيح صريح في «حديث الشفاعة أنهم يذهبون إلى نوح فيقولون له من جملة ما يتوسلون به إليه: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣/ ٣٢٢) من حديث أنس.]]، لكن إذا قلنا: إنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض فهل نقول: إنه أُرسِل إلى الناس كافة؟
فيحتاج حينئذ إلى أن نجمع بينه وبين قول النبي ﷺ: «وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١) من حديث جابر بن عبد الله.]].
* طالب: (...).
* الشيخ: هم يقولون: أول رسول، الأولية ما تصدق إلا بالانفراد، ولَّا لا؟
* طالب: بلا.
* الشيخ: لأنه لو شاركه غيرُه ما كان هو الأول، كان هو وغيره هو الأول.
فقد يقول قائل: لعل أحدًا بُعث في زمنه، بُعث في حياته لكن في غير مكانه. وقد نقول بظاهر الأول وأنه إنما بُعث إلى الناس لأن الناس كانوا في ذلك الوقت أمة واحدة قليلين لم ينتشروا كثيرًا في الأرض، فكان هؤلاء الناس بمنزلة القوم في الرسل الذين بعدهم.
وعلى هذا الطريق نَسلَم من الإشكال الآخر، وهو أن الله تعالى أغرق جميع أهل الأرض في عهد نوح إلا من آمن معه؛ إذ يقال: كيف يغرقون ولم يُبعَث إليهم رسول؟! فلولا أن نوحًا كان رسولًا إليهم ما أُغرقوا جميعًا.
وإن كان من الجائز أن يُقال: لعله أيضًا الذين بُعث إليهم في زمنه كذبوا رسلهم، لكن ظاهر الآيات أن الذين غرقوا إنما غرقوا بسؤال نوح.
على كل حال هذا إشكال دائر بين العلماء من قديم، وقد أجابوا على ذلك بأن نوحًا عليه الصلاة والسلام كانت رسالته إلى الناس كافةً في ذلك الوقت عرَضًا لا أصلًا. وفرق بين من يأتي إلى أمم مختلفة أُرسل إلى كل أمة رسول، ثم يقال لهؤلاء الأمم كلهم: يجب أن تتبعوا هذا الرسول لتكونوا أمةً واحدةً، وبين من لم يُبعَث إلا في قومه فقط؛ في أمة واحدة فقط؛ فإن كونه مبعوثًا إليهم جميعًا على سبيل الاتفاق والعرَض، لا على سبيل القصد. وبهذا تظهر الميزة بين محمد ﷺ وبين نوح عليه الصلاة والسلام، ونسلَم من الإشكال، فنقول: نوح أُرسِل إلى قومه، وليس هناك أمم مختلفة يجب أن يتوحدوا على رسول كما كان في عهد النبي محمد ﷺ. وكونه مرسَلًا إلى جميع الناس في ذلك الوقت ليس من باب القصد، بل هو من باب الاتفاق والعرَض، يعني أنه اتفق أن الناس كلهم انحصروا في قوم نوح. فهنا ما قُصِد من رسالته أن تكون شاملة لجميع الأمم، بخلاف رسالة النبي ﷺ؛ فإنه قُصد أن تكون شاملة، وأن يتوحد اليهود والنصارى والمجوس والوثنيون كلهم يتوحدون في أمة واحدة؛ لفرقٍ بين العمومين؛ العموم القصدي والعموم الاتفاقي العرَضي.
هذا نوح يقول الله: إن قومه كذبوا المرسلين، ونحن نعلم أنهم ما كذبوا إلا رسولًا واحدًا، ولَّا لا؟ ليس قبله أحد حتى نقول: كذبوا هذا وهذا، يقول المؤلف في الجواب عن هذا: (بتكذيبهم له لاشتراكهم) أي المرسلين (في المجيء بالتوحيد) إذا اشتركوا كلهم في المجيء بتوحيد الله عز وجل والقيام في طاعته صاروا جنسًا واحدًا، وتكذيب واحد من الجنس تكذيب للجميع؛ إذ إنهم لم يكذبوا نوحًا لأنه اسمه نوح، لكن كذبوا نوحًا لأنه جاء وقال: إنه من رب العالمين. وعلى هذا فإذا جاء هود كذبوه ولَّا لا؟
* طالب: بلا كذبوه.
* الشيخ: بلا؛ إذ لا فرق. إذا جاء صالح كذبوه، إذا جاء موسى كذبوه، إذا جاء محمد كذبوه، لماذا؟ لأنهم كذبوه للجنس لا للشخص؛ لأنه أتى بما يخالف ما هم عليه، فكذبوه لذلك، فيكونون مكذبين لجميع الرسل.
ولهذا الآن نقول للنصارى الذين يدعون أنهم مؤمنون بعيسى عليه الصلاة والسلام: إنكم كافرون به مكذبون له، لماذا؟ لأنهم كذبوا محمدًا ﷺ، لا سيما وأن رسولهم ﷺ عيسى بشرهم به ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦]، وهل يبشرهم بمن ليس لهم؟ لا يبشرهم بمن ليس لهم، أرأيت لو أن مولودًا لفلان وُلد، هل أجيء إليك وأقول: أبشر بمولود فلان؛ إذا كان ما بينك وبينه ارتباط؟ لو أن إنسانًا قدِم ليوزع جوائز على آل فلان، هل أبشرك بقدومه؟ أبدًا، ولو بشرت به لَعُدَّ سَفَهًا. إذن لم يبشرهم عيسى إلا لأنه رسول إليهم، ولهذا قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ يعني عينه بالاسم حتى لا يبقى فيه إشكال فيما بعد، ولكن -والعياذ بالله- هم كفروا بالنبي عليه الصلاة والسلام ليكونوا من الكافرين بعيسى بن مريم.
واليهود كذلك كفرهم بمحمد عليه الصلاة والسلام كفر بموسى وبالتوراة التي وُجد فيها رسولُ الله مكتوبًا عندهم ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦] مثلما أن الإنسان يعرف ابنه؛ هم يعرفون محمدًا ﷺ بوصفه، ولكنه الاستكبار والعياذ بالله.
* طالب: ﴿اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ من قَبيل العَلَمية ولا من قبيل الوصف؟
* الشيخ: لا من قبيل العلمية؛ لأن الرسول سمى نفسه أحمد في غير حديث. من قبيل العلمية.
* طالب: شيخ بالنسبة لآدم نقول: إنه نبي وليس برسول، يعني لأنه نُبِّئَ بالشرع فهو يتعبد به؟
* الشيخ: يتعبد به ولم يختلف عليه أحد.
* الطالب: طيب أولاده كيف وصلت إليهم (...)؟
* الشيخ: رأوه يفعل ففعلوا؛ لأن عادة أن الإنسان يقلد من هو أكبر منه، وليس هناك موانع وفوارق تمنعهم وتفرقهم عن تقليده.
* الطالب: قد تكون فيه أشياء قولية تحتاج إلى تفسير؟
* الشيخ: هو يمكن فهَّمهم، سيفههم، يفههم من فعله ومن قوله، إذا رأوه يقول ويفعل قالوا وفعلوا مثله.
* الطالب: إذن صار مرسلًا.
* الشيخ: لا، المرسَل: المبلَّغ المكلَّف، أما هذا فليس بمكلَّف. ولهذا نقول مثلًا: إن الجن انتفعوا برسالة موسى، ولَّا لا؟ والمعروف عند أهل العلم أنه لم يصل إليهم، وأنه ما أُرسل إلى أحد من الجن إلا محمد ﷺ، (...) ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف ٣٠] وهذا يدل على أنهم كانوا منتفعين بكتاب موسى.
* طالب: أهل العلم أيش دليلهم على أن الرسل السابقين لم (...) ما دام الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]؟
* الشيخ: يقولون: إن النبي يُبعث إلى قومه، وقومه: قبيلته ومن يتصل بهم، والجنُّ ليسوا من جنسه حتى يكونوا من قومه.
* طالب: (...).
* الشيخ: صحيح، هذه ما تدل على عموم الرسالة إلى الجن؛ لأن الجن ليسوا من الناس، لكن في كون الرسول عليه الصلاة والسلام يجتمع بهم ويواعدهم، ويتلو عليهم القرآن، ويخبرهم بما فيه يدل على أنه مرسَل إليهم.
* طالب: (...) يعني ما فيها نفي (...) أرسل (...).
* الشيخ: لا، (...) يرسل إلى قومه، والجن ليسوا منهم.
* الطالب: الجن الذين يعيشون عند القدوم؟
* الشيخ: لا، أوافق (...) من الإنس والجن، حتى لو قال: من الجن لكان في النفس منها شيء؛ لأن الجن ليسوا من قومه.
* الطالب: وإنما يعيشون عند القوم.
* الشيخ: ولو عاشوا، لو عاشوا عند قوم ما صاروا منهم.
* الطالب: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦] (...) يعبدون (...) بالهوى، إلا بشرع.
* الشيخ: يبقى عندنا (بشرع)، كلمة (بشرع)، هم يتعبدون لله بشرع (...) لكن هل منهم رسل أو ليس منهم رسل؟ هذه المسألة أيضًا موضع نزاع بين العلماء؛ منهم من قال: منهم رسل؛ لقوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام ١٣٠] ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ والرسول لا بد أن يكون من جنس مَن أُرسِل إليه؛ لقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام ٩]، ولا يمكن أن يُرسَل إلى الجن بشر.
ومنهم من قال: إن قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ يعود إلى المخاطَبين باعتبارهم مجموعًا ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ يخاطب اثنين، والضمير في ﴿مِنْكُمْ﴾ يعود إلى أحد الاثنين.
مثلما قالوا على زعمهم: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن ١٩ - ٢٢] وزعموا أن اللؤلؤ والمرجان لا يخرج إلا من المالح، وإن كان الصواب أنه يخرج منهما جميعًا، لكن على كل حال عود الضمير على واحد من المجموع إذا فُقد الجميع سائغ لغةً.
وبعضهم يقول: إن المراد بالرسل هنا النُّذُر، فسُمُّوا رُسُلًا لمشابهتم لهم، والنذر لا شك أنهم يأتون إلى الجن كما يأتون إلى الإنس.
* طالب: شيخ، (...) الراجح (...).
* الشيخ: الراجح أنه ليس منهم رسول؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف ١٠٩]، والجن لا يُسَمَّونَ رجالًا.
* طالب: ثبت في الحديث أن أحد ابني آدم قتل (...) فهذا يدل على (...).
* الشيخ: إي نعم، ما فيه شك أن العدوان لا بد منه، يعني هذه (...) ولكن هذا لا يلزم منه أن يستكبر عن عبادة الله (...) ألا يصلي، ألا يصوم، ألا يتعبد، مثلما (...) العدوان من كثير من العُبَّاد.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا (...)، لكن الأنبياء؛ لأن النبي غير الرسول، النبي من أُوحي إليه.
* الطالب: (...) لأن لم يوح إلى (...).
* الشيخ: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء ١٦٣] يعني معه لأن الوحي الذي يُشَبَّه بوحي محمد عليه الصلاة والسلام هو من نوح فما دونه. الوحي المشَبَّه بوحي الله إلى رسوله محمد ﷺ هو ما كان لنوح ومن بعده؛ ليش؟ لأنه وحي مقرون بالإنسان.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...) هو بالأصل، الأصل هو (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، لكن آدم عليه الصلاة والسلام ما هو كما أوحى الله إلى محمد عليه الصلاة والسلام. هو وحي خاص فقط غير مكلَّف بتبليغه.
* طالب: (...) مخبِرًا أنه سوف (...)؟
* الشيخ: إذا قال: إنه غير مقصِّر انتهينا، قال مستكبرًا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إذا صار عامةً نقول: لا، إن الله تعالى بشركم أيها النصارى على لسان عيسى نبيكم بمحمد.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نقول: إذا كنت لا تعتقد إلا أنه مخبِر بأنه سوف يُبعَث رسول فإن هذا من ضلال قومه الذين أضلوه، وإلا ما فيه شك، ما عندنا شك أن عيسى بشر بمحمد عليه الصلاة والسلام، بشرهم (...) البشارة.
* طالب: ابن القيم (...).
* الشيخ: ما هو فيه شك، من كذب أي رسول فهو منكر لله، أو واصف الله بما لا يستحق؛ لأن الله تعالى يؤيد الرسول بالآيات، فإذا كان ثابتًا لزم أن يكون الله تعالى غير موجود أو أنه تعالى والعياذ بالله خائن أو ما أشبه ذلك.
* * *
قال الله تعالى فيما سبق من الفوائد:
* أولًا: انتفاء الشفاعة عن المكذبين للرسل، أنه لا يُشفَع لهم. منين تؤخذ؟
* طالب: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء ١٠٠].
* الشيخ: من قوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾.
* وفيها أيضًا من الفوائد: سب هؤلاء بعضهم بعضًا.
* طالب: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء ٩٧ - ٩٩].
* الشيخ: فإن هذا قدح فيهم؛ من جهة أنهم أضلوهم، ومن جهة أنهم مجرمون.
* وفيه دليل على انتفاء التشبيه عن الله.
* طالب: قولهم: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ٩٧، ٩٨].
وهذا التشبيه (...) تشبيه الخالق بالمخلوق أو المخلوق بالخالق؟
* الطالب: تشبيه المخلوق بالخالق.
* الشيخ: المخلوق بالخالق، إي نعم.
* ويستفاد من هذا الحديث: إثبات الشفاعة للمؤمنين.
* طالب: من قوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء ١٠٠] نفوا أن يكونوا شافعين (...).
* الشيخ: إي، كأنهم رأوا أن المؤمنين يشفعون بعضهم لبعض قالوا: نحن ما لنا من شافعين ولا صديق حميم.
* وفيه دليل على الندم البالغ الذي يصيب هؤلاء في ذلك اليوم.
* طالب: من قوله (...) لو رجع إلى الدنيا.
* الشيخ: لو رجعنا إلى الدنيا ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٠٢]. هذا التمني هل هو صحيح؛ لو رجعوا لكانوا مؤمنين؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ويش الدليل؟
* الطالب: لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨].
* الشيخ: قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
طيب نوح عليه الصلاة والسلام من هو؟
* طالب: هو أول رسل الله؟
* الشيخ: أول رسول أرسله الله.
* الطالب: أول رسول أرسله الله إلى الأرض.
* الشيخ: ويش الدليل؟
* الطالب: الدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣] فكونه أوحى إلى نوح (...).
* الشيخ: (...) الدلالة من الآية؟
* الطالب: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ كما أنه أوحي إليك ورسول إلى هؤلاء فإن نوحًا قد أُرسل من قبل.
* الشيخ: ما يلزم من كونه قبل الرسول عليه الصلاة والسلام أن يكون أول الرسل.
* الطالب: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ نعم هذا.
* الطالب: يدل على أنه قبلهم.
* الشيخ: وأيضًا في «حديث الشفاعة: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣/ ٣٢٢) من حديث أنس.]] صريح. كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] مع أنه أول الرسل؟
* طالب: أن رسالة الأنبياء واحدة، فمكذبو نوح عليه السلام لم يكذبوه لشخصه أو لأن اسمه نوح، ولكن كذبوه لأن ما جاء به هو التوحيد، فلو جاء كل نبي بالتوحيد لكذبوه، فهم مكذبون بالمرسلين. أو أنه لطول مكثه عليه السلام في قومه مئة سنة إلا خمسين عامًا كأنه رسل.
* الشيخ: نعم، طيب.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن التكذيب بالحق من شخص تكذيب به من جميع الأشخاص.
* طالب: قوله: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥].
* الشيخ: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ مع أنه ما كذبه إلا واحد، لكن في الحقيقة هم كذبوا الحق، سواء جاء به نوح أو غيره، ولهذا صاروا مكذِّبين لجميع الرسل.
* وفيه دليل على أن نوحًا أُرسل إلى جميع الناس.
* طالب: لأن قوم نوح هم أول الناس.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما يكفي هذا.
* طالب: لقوله تعالى: ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء ١٠٥]، ولم يقل: أخوهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: (...) أخوهم.
* الشيخ: كتير قال: أخوهم، كل (...) أخوهم إلا شعيبًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: فيه دليل على أن نوحًا بُعث إلى جميع الناس.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما (...) وجه الدلالة من هذا، أنا أقول هكذا فما وجه الدلالة؟
* طالب: قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] فهم قد كذبوا عامة المرسلين، فيدل على أنهم جمع للمرسلين (...).
* الشيخ: لا.
ما دمنا قلنا: إنه أول الرسل، أول رسول ومرسل إلى قومه، يعني ما فيه أحد غيره، لو كان ثمة رسول لشاركه في الأولية.
* طالب: (...).
* الشيخ: قررنا أن نوحًا .. المشكلة في نوح فسرناها بأنه الرسول الذي بعثه الله تعالى أول ما بعث من الرسل.
* طالب: قد يقول قائل: نعم ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] القوم الذين بُعث فيهم لوحدهم، وفيه أقوام ما أُرسل إليهم.
* الشيخ: ما يمكن، ولهذا إحنا قلنا أمس، قلنا: يحتمل أن الله بعث رسلًا آخرين بعد بعثة نوح في زمنه إلى قوم آخرين، فلا يكون مرسَلًا إلى جميع الناس، لكن على كل حال ما دام أول لحظة بُعث إلى هؤلاء يكون ما فيه رسول غيره.
وقد قلنا: إن هذا لا ينافي عموم رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه في ذلك الوقت ما فيه إلا قومه ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]. وهذا أمر ليس قصدًا وإنما هو باتفاق، وقع اتفاقًا.
ومعنى وقع اتفاقًا أن الله تعالى لما أرسله لم يكن في الأرض سوى قومه. أما الرسول عليه الصلاة والسلام فإن الأقوام كثيرون: بنو إسرائيل والعرب والأجناس الأخرى، ومع ذلك فهو مبعوث إليهم جميعًا.
الشعراء 26:101
(﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ كما للمؤمنين من الملائكة والنبيين والمؤمنين)، ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ كلمة (ما) استفهامية ولَّا نافية؟
* طالب: نافية.
* الشيخ: نافية، والدليل إتيان (مِن) المؤكدة ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾، وأصله: فما لنا شافعون، لكن أوتي بـ(مِن) للتوكيد.
والشافع هو المتوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة؛ كشفاعة النبي ﷺ لأهل الموقف أن يُقْضَى بينهم من باب الشفاعة لدفع المضرة والمشقة، وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة من باب جلب المنافع.
فالشفاعة هي التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة، وإن شئت فقل: بدفع الضير أو جلب الخير.
هم ليس لهم شافعون؛ لأن من شرط الشفاعة؟
* طالب: من شرط الشفاعة (...).
* الشيخ: وغيره؟
* الطالب: وغيره أن يكون المشفوع له مؤمنًا.
* الشيخ: ويش الدليل؟
* الطالب: الدليل ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨].
* الشيخ: نعم، هؤلاء لا يرتضيهم الله، فهم يقولون: ﴿مَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾؛ يعني: ما لنا أحد يشفع إطلاقًا، لا من الأنبياء ولا من غيرهم؛ لأن من شرط الشفاعة أن يرضى الله تبارك وتعالى عن المشفوع له وعن الشافع. يرضى عن الشافع؟
* طالب: من باب أولى.
* الشيخ: من باب أولى، نعم، إذا كان لا بد من رضا الله عن المشفوع له فعنِ الشافع من باب أولى.
وإما الإذن فهو شرط أيضًا، حتى مع رضا الله عن هذا وهذا لا بد أيضًا من الإذن، والله تبارك وتعالى لا يأذن بالشفاعة إلا لمن يرضاه، فصار لا بد من الشرطين، لا يقال مثلًا: إنه إذا ارتضى شخصًا لا بد أن يأذن له، قد يأذن، وقد لا يأذن، ولكن نعلم أنه لم يأذن إلا لمن ارتضى، وهؤلاء لا يرتضيهم الله.
﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾. ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ هذه معطوفة على ﴿شَافِعِينَ﴾ باعتبار اللفظ، لو عطف عليها باعتبار المحل لكانت (ولا صديقٌ)؛ لأن ﴿شَافِعِينَ﴾ في محل مبتدأ.
﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ الصديق من صدَقَك الود؛ يعني: الصاحب الصادق في وُدِّه يسمونه صديقًا، وهو أخص من الصاحب، فكل صديق صاحب، وليس كل صاحب صديقًا.
وأما الحميم فإنه القريب، أو أنه يبالغ في الصداقة بحيث يحنو عليك، ثم يحنو القريب. والمؤلف يقول: (أي: يهمه أمرنا)؛ لأن الصديق الحميم الحاني العاطف أو القريب يهمه أمر صاحبه كصديقه.
فهل هذه الصفة (حميم) صفة كاشفة أو صفة مقيدة؟ كاشفة، إذا قلنا: ما من صديقٍ إلا وهو حميم، فهي صفة كاشفة، وإذا قلنا: قد يكون صديقًا لكنه ليس بحميم، فهذه الصفة مقيدة بشرط أن نجعل الحميم هنا بمعنى القريب؛ لأنه قد يكون صديقًا وليس قريبًا، فإذا جعلنا الحميم بمعنى الحاني الذي يكون كالقريب لحنوه وعطفه، فهي صفة كاشفة. لكن إذا قلنا: (حميم) قريب صارت مقيدة؛ لأن ما كل صديقٍ يكون قريبًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، كيف؟ يعني إذا قلنا: (ولا صديق حميم) صار هذان وصفين؛ الصداقة والقرابة، ولَّا لا؟ إذن صفة القرابة ما معناها صفة الصداقة، يكون صديق وغير قريب ما فيه مانع.
* طالب: يوم القيامة.
* الشيخ: (...) يوم القيامة لكن ما تنفعه القرابة ولا الصداقة.
﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ (رجعة إلى الدنيا)، ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (لو) للتمني؛ يعني: ليس لنا كرَّة؛ يعني رجعة إلى الدنيا، ﴿فَنَكُونَ﴾ الفاء للسببية، (نكون) منصوبة بـ(أن) مضمرة بعد فاء السببية لتقدم التمني، ولهذا يقول: (لو هنا للتمني، و(نكون) جوابه).
﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾؛ يعني: ليت أن لنا كرَّةً، ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقولوا: (ليت) لأن المقام مقام تذلل وخضوع، و(لو) في التمني أقل من (ليت)؛ لأن (ليت) صريحة في الطلب، و(لو) فيها نوع من اللين والعرض؛ مثلما تقول للإنسان الذي تمنى أن يزورك: لو أنك تزورني، فإن (لو) هذه للتمني بلا شك، لكنها تَمَنٍّ فيه لين وعرض ولطف، والمقام هنا يقتضيه؛ لأنهم في مقام ذلٍّ -والعياذ بالله- وخضوع، فلم يقولوا: ليتنا نرجع، ولكنهم يقولون: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، على أنهم في سورة الأنعام يقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام ٢٧].
فيقال: الجمع بينهما أن لهم حالات أحيانًا يقولون بهذا، وأحيانًا يقولون بهذا. لكن أيهم الأول (ليت) أو (لو)؟ الظاهر (ليت) هي الأولى؛ يعني كأنهم يكونون بالأول بعزم على التمني، ثم إذا لم يحصل لهم رجعوا إلى الخضوع والعرض.
لو أنهم رُدُّوا هل يرجعون؟ يقول الله عز وجل في سورة الأنعام: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨]، هذا الخبر الصادق؛ يعني ليس قولهم: إننا إذا رجعنا نكون من المؤمنين، هذا خبر كاذب الخبر الصادق ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قولهم: إننا ﴿نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
* طالب: في نفس المقام (...) فعل الله ﴿لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنها فعل الله يمكن (...) تلك الساعة يقولونها صدقًا، ولكن الله أخبر بأنهم إذا رجعوا سيعودون إلى الكفر.
﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: من المصدقين (...) الملتزمين بالعمل؛ لأن الإيمان وحده لا ينفع إذا لم يستلزم العمل فليس بإيمان، ولهذا نقول: الكفار الذين (...) مؤمنون ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]، لكن لكونهم لا ينقادون لم ينتفعوا بإيمانهم. إبليس مؤمن ولَّا لا؟
* طلبة: مؤمن.
* الشيخ: بمعنى التصديق مؤمن، لكنه مستكبر، فلم ينفعه إيمانه. وأذكر أنه حينما صعد أول رجل إلى الفضاء من روسيا وشاهد الكون أعلن بأن هذا الكون له مدبر، فجاء أصحابه..
أبدًا، يكون أشد من غيره، إذا تبين له الأمر، الآن تبين له الآن (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) حتى (...) منه.
* طالب: إذا قلنا مثلًا: الإيمان قول وعمل واعتقاد، على هذا مثلًا نخرِج كل مثلًا من قال بلسانه أو اعتقد بقلبه كإبليس وفرعون.
* الشيخ: إذا لم ينقد نعم، إذا لم ينقد فإنه ليس بمؤمن، معلوم.
ولهذا قلنا: إن الإيمان هو التصديق المستلزِم للقبول والانقياد؛ قبول الخبر والانقياد للأمر (...)، هذا الإيمان، وأما مجرد الإنسان يقول: أنا مؤمن بالله وأنا أعترف بأن الله موجود وأن له رسلًا، لكنه ما يعمل، ما ينفعه هذا الإيمان.
* طالب: هو أصله ما يحصل بالنفس.
* الشيخ: هو إيمان لأن الإيمان الذي ينفع هو ما ذكرت، أما الإيمان فهو يطلق على مجرد التصديق. (...) هذا مؤمن بشيء لكنه كافر بأشياء، إنما الإيمان الشرعي نعم ينفع نقول: هذا ليس بمؤمن يعني إيمانًا شرعيًّا، أما لغةً فهو مؤمن.
* طالب: فضيلة الشيخ، كل من كان مستكبِرًا فهو أشر.
* الشيخ: (...) لأن الذي يتبين له الحق وهو يستكبر عنه يكون كفره كفر عناد، واللي ما يعرف الحق وهو الآن يعمل بعمل أهل الكفر فهذه كفره كفر جحد.
فالنصارى الآن في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، يعني قبل بعثته، يعتبرون ضالين، وبعد أن بُعث وتبين لهم الحق يكونون مغضوبًا عليهم؛ إذ لا فرق بينهم وبين اليهود، كل منهم بُشر بمحمد عليه الصلاة والسلام. والله تعالى يقول في وصف الرسول: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف ١٥٧] معروف، وكفرهما على حد سواء، ولهذا ما يصح أن نقول: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة ٨٢]، هذه ما تنطبق على زماننا هذا، ولا على ما قبله بأزمنة؛ لأن الله بيَّن: ﴿ذَلِكَ﴾ العلة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة ٨٢- ٨٣] الآن منهم الصدِّيقون والرُّهبان مستكبرون عن الحق، داعون إلى الضلال والعياذ بالله، فلا يمكن أن ينطبق عليهم هذا الوصف، وعداوتُهم الآن للمسلمين وللذين آمنوا أيضًا خاصة، للذين آمنوا، لا للمسلمين فقط، عداوتهم ظاهرة، وهم لا ينسون أبدًا غزوات المؤمنين لهم في عُقر دارهم، ولا ينسون أبدًا الحروب الصليبية، ولا ينسون الافتتاح العظيم الذي حصل بديار أهلهم، فإن بلاد الروم كلها أُخذت، والروم كلهم نصارى، أخذت على أيدي المسلمين.
يقول الله تعالى: (﴿﴿إنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ ﴾ المذكور من قصة إبراهيم وقومه ﴿﴿لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴾ [الشعراء: ١٠٣-١٠٤]) هذه سبق الكلام عليها، لكن يجب علينا أن نعرف أن الله تعالى إذا قال عن شيء: إن فيه آية يجب ألا نأخذه مأخذ الظاهر فقط، فلنتأمل ويش هالآيات هذي.
وقوله: ﴿فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ هل المراد في جملة القصة، أو في كل قطعة من القصة؟ الإشارة إلى المجموع بلا شك، ففي كل قطعة منها آية، وفي اجتماع هذه القطع بعضها إلى بعض أيضًا آية، فتكون الآية موزعة على كل قطعة، وتكون الآية أيضًا اجتماع هذه الأشياء جميعًا يكون فيه آية.
إنما المهم أن الله تعالى إذا قال لك: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ يجب عليك أن تتأمل وتتفكر وتعتبر؛ لتُظهِر هذه الآية.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ سبق أن الضمير في قوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ الراجح أنه يعود إلى من كانوا في عهد النبي ﷺ.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه حجازية ولَّا تميمية؟
* طالب: هذه حجازية.
* طالب آخر: هذه حجازية لكن (...).
* الشيخ: هذا الصواب، ولهذا بعض الطلبة يتوهم أن (ما) هي التي عملت، والصواب أن اللي عمل (كان)؛ لأنك إذا جعلتَ (ما) هي العاملة جعلت (كان) زائدةً. والأصل عدم الزيادة، (...) هو نفي للكون ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني لم يكن أكثرهم من ضمننا.
ثم قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] المؤلف يبغي يذكر جوابًا على تأنيث الفعل مع أن الفاعل مذكر.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ أولًا نوح عليه الصلاة والسلام هو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، أول رسول بُعِث إلى أهل الأرض هو نوح عليه الصلاة والسلام. وآدم أول نبي نُبِّئَ، فإنه كان نبيًّا بلا شك، ونوح أول رسول. وإنما كان آدم نبيًّا للضرورة؛ لأنه لا بد أن يتعبد لله، ولا عبادة لله إلا بما شرع، ولا شرع إلا بوحي، لكنه لم يرسَل؛ لعدم دعاء الحاجة إلى ذلك؛ إذ الناس كانوا متفقين، فلما اختلفوا بعث الله الرسل؛ ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة ٢١٣] وفي قراءة ابن عباس: ﴿﴿فاختلفوا﴾ ﴾ وهذه جملة لا داعي لها؛ لأنها مفهومة من قوله: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣].
فعلى كل حال في عهد آدم ما حاجة إلى الرسالة، إنما النبوة فقط، وهو يتعبد لله وأبناؤه، بل أولاده يتبعونه في ذلك على وجه الاتفاق بينهم، ولما كثُرت الأمة وانتشرت في الأرض اختلفت، فصارت الحاجة داعية بل الضرورة داعية إلى إرسال الرسل، فبعث الله تعالى نوحًا، وهو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض؛ كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، وكما هو صحيح صريح في «حديث الشفاعة أنهم يذهبون إلى نوح فيقولون له من جملة ما يتوسلون به إليه: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣/ ٣٢٢) من حديث أنس.]]، لكن إذا قلنا: إنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض فهل نقول: إنه أُرسِل إلى الناس كافة؟
فيحتاج حينئذ إلى أن نجمع بينه وبين قول النبي ﷺ: «وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١) من حديث جابر بن عبد الله.]].
* طالب: (...).
* الشيخ: هم يقولون: أول رسول، الأولية ما تصدق إلا بالانفراد، ولَّا لا؟
* طالب: بلا.
* الشيخ: لأنه لو شاركه غيرُه ما كان هو الأول، كان هو وغيره هو الأول.
فقد يقول قائل: لعل أحدًا بُعث في زمنه، بُعث في حياته لكن في غير مكانه. وقد نقول بظاهر الأول وأنه إنما بُعث إلى الناس لأن الناس كانوا في ذلك الوقت أمة واحدة قليلين لم ينتشروا كثيرًا في الأرض، فكان هؤلاء الناس بمنزلة القوم في الرسل الذين بعدهم.
وعلى هذا الطريق نَسلَم من الإشكال الآخر، وهو أن الله تعالى أغرق جميع أهل الأرض في عهد نوح إلا من آمن معه؛ إذ يقال: كيف يغرقون ولم يُبعَث إليهم رسول؟! فلولا أن نوحًا كان رسولًا إليهم ما أُغرقوا جميعًا.
وإن كان من الجائز أن يُقال: لعله أيضًا الذين بُعث إليهم في زمنه كذبوا رسلهم، لكن ظاهر الآيات أن الذين غرقوا إنما غرقوا بسؤال نوح.
على كل حال هذا إشكال دائر بين العلماء من قديم، وقد أجابوا على ذلك بأن نوحًا عليه الصلاة والسلام كانت رسالته إلى الناس كافةً في ذلك الوقت عرَضًا لا أصلًا. وفرق بين من يأتي إلى أمم مختلفة أُرسل إلى كل أمة رسول، ثم يقال لهؤلاء الأمم كلهم: يجب أن تتبعوا هذا الرسول لتكونوا أمةً واحدةً، وبين من لم يُبعَث إلا في قومه فقط؛ في أمة واحدة فقط؛ فإن كونه مبعوثًا إليهم جميعًا على سبيل الاتفاق والعرَض، لا على سبيل القصد. وبهذا تظهر الميزة بين محمد ﷺ وبين نوح عليه الصلاة والسلام، ونسلَم من الإشكال، فنقول: نوح أُرسِل إلى قومه، وليس هناك أمم مختلفة يجب أن يتوحدوا على رسول كما كان في عهد النبي محمد ﷺ. وكونه مرسَلًا إلى جميع الناس في ذلك الوقت ليس من باب القصد، بل هو من باب الاتفاق والعرَض، يعني أنه اتفق أن الناس كلهم انحصروا في قوم نوح. فهنا ما قُصِد من رسالته أن تكون شاملة لجميع الأمم، بخلاف رسالة النبي ﷺ؛ فإنه قُصد أن تكون شاملة، وأن يتوحد اليهود والنصارى والمجوس والوثنيون كلهم يتوحدون في أمة واحدة؛ لفرقٍ بين العمومين؛ العموم القصدي والعموم الاتفاقي العرَضي.
هذا نوح يقول الله: إن قومه كذبوا المرسلين، ونحن نعلم أنهم ما كذبوا إلا رسولًا واحدًا، ولَّا لا؟ ليس قبله أحد حتى نقول: كذبوا هذا وهذا، يقول المؤلف في الجواب عن هذا: (بتكذيبهم له لاشتراكهم) أي المرسلين (في المجيء بالتوحيد) إذا اشتركوا كلهم في المجيء بتوحيد الله عز وجل والقيام في طاعته صاروا جنسًا واحدًا، وتكذيب واحد من الجنس تكذيب للجميع؛ إذ إنهم لم يكذبوا نوحًا لأنه اسمه نوح، لكن كذبوا نوحًا لأنه جاء وقال: إنه من رب العالمين. وعلى هذا فإذا جاء هود كذبوه ولَّا لا؟
* طالب: بلا كذبوه.
* الشيخ: بلا؛ إذ لا فرق. إذا جاء صالح كذبوه، إذا جاء موسى كذبوه، إذا جاء محمد كذبوه، لماذا؟ لأنهم كذبوه للجنس لا للشخص؛ لأنه أتى بما يخالف ما هم عليه، فكذبوه لذلك، فيكونون مكذبين لجميع الرسل.
ولهذا الآن نقول للنصارى الذين يدعون أنهم مؤمنون بعيسى عليه الصلاة والسلام: إنكم كافرون به مكذبون له، لماذا؟ لأنهم كذبوا محمدًا ﷺ، لا سيما وأن رسولهم ﷺ عيسى بشرهم به ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦]، وهل يبشرهم بمن ليس لهم؟ لا يبشرهم بمن ليس لهم، أرأيت لو أن مولودًا لفلان وُلد، هل أجيء إليك وأقول: أبشر بمولود فلان؛ إذا كان ما بينك وبينه ارتباط؟ لو أن إنسانًا قدِم ليوزع جوائز على آل فلان، هل أبشرك بقدومه؟ أبدًا، ولو بشرت به لَعُدَّ سَفَهًا. إذن لم يبشرهم عيسى إلا لأنه رسول إليهم، ولهذا قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ يعني عينه بالاسم حتى لا يبقى فيه إشكال فيما بعد، ولكن -والعياذ بالله- هم كفروا بالنبي عليه الصلاة والسلام ليكونوا من الكافرين بعيسى بن مريم.
واليهود كذلك كفرهم بمحمد عليه الصلاة والسلام كفر بموسى وبالتوراة التي وُجد فيها رسولُ الله مكتوبًا عندهم ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦] مثلما أن الإنسان يعرف ابنه؛ هم يعرفون محمدًا ﷺ بوصفه، ولكنه الاستكبار والعياذ بالله.
* طالب: ﴿اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ من قَبيل العَلَمية ولا من قبيل الوصف؟
* الشيخ: لا من قبيل العلمية؛ لأن الرسول سمى نفسه أحمد في غير حديث. من قبيل العلمية.
* طالب: شيخ بالنسبة لآدم نقول: إنه نبي وليس برسول، يعني لأنه نُبِّئَ بالشرع فهو يتعبد به؟
* الشيخ: يتعبد به ولم يختلف عليه أحد.
* الطالب: طيب أولاده كيف وصلت إليهم (...)؟
* الشيخ: رأوه يفعل ففعلوا؛ لأن عادة أن الإنسان يقلد من هو أكبر منه، وليس هناك موانع وفوارق تمنعهم وتفرقهم عن تقليده.
* الطالب: قد تكون فيه أشياء قولية تحتاج إلى تفسير؟
* الشيخ: هو يمكن فهَّمهم، سيفههم، يفههم من فعله ومن قوله، إذا رأوه يقول ويفعل قالوا وفعلوا مثله.
* الطالب: إذن صار مرسلًا.
* الشيخ: لا، المرسَل: المبلَّغ المكلَّف، أما هذا فليس بمكلَّف. ولهذا نقول مثلًا: إن الجن انتفعوا برسالة موسى، ولَّا لا؟ والمعروف عند أهل العلم أنه لم يصل إليهم، وأنه ما أُرسل إلى أحد من الجن إلا محمد ﷺ، (...) ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف ٣٠] وهذا يدل على أنهم كانوا منتفعين بكتاب موسى.
* طالب: أهل العلم أيش دليلهم على أن الرسل السابقين لم (...) ما دام الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]؟
* الشيخ: يقولون: إن النبي يُبعث إلى قومه، وقومه: قبيلته ومن يتصل بهم، والجنُّ ليسوا من جنسه حتى يكونوا من قومه.
* طالب: (...).
* الشيخ: صحيح، هذه ما تدل على عموم الرسالة إلى الجن؛ لأن الجن ليسوا من الناس، لكن في كون الرسول عليه الصلاة والسلام يجتمع بهم ويواعدهم، ويتلو عليهم القرآن، ويخبرهم بما فيه يدل على أنه مرسَل إليهم.
* طالب: (...) يعني ما فيها نفي (...) أرسل (...).
* الشيخ: لا، (...) يرسل إلى قومه، والجن ليسوا منهم.
* الطالب: الجن الذين يعيشون عند القدوم؟
* الشيخ: لا، أوافق (...) من الإنس والجن، حتى لو قال: من الجن لكان في النفس منها شيء؛ لأن الجن ليسوا من قومه.
* الطالب: وإنما يعيشون عند القوم.
* الشيخ: ولو عاشوا، لو عاشوا عند قوم ما صاروا منهم.
* الطالب: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦] (...) يعبدون (...) بالهوى، إلا بشرع.
* الشيخ: يبقى عندنا (بشرع)، كلمة (بشرع)، هم يتعبدون لله بشرع (...) لكن هل منهم رسل أو ليس منهم رسل؟ هذه المسألة أيضًا موضع نزاع بين العلماء؛ منهم من قال: منهم رسل؛ لقوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام ١٣٠] ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ والرسول لا بد أن يكون من جنس مَن أُرسِل إليه؛ لقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام ٩]، ولا يمكن أن يُرسَل إلى الجن بشر.
ومنهم من قال: إن قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ يعود إلى المخاطَبين باعتبارهم مجموعًا ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ يخاطب اثنين، والضمير في ﴿مِنْكُمْ﴾ يعود إلى أحد الاثنين.
مثلما قالوا على زعمهم: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن ١٩ - ٢٢] وزعموا أن اللؤلؤ والمرجان لا يخرج إلا من المالح، وإن كان الصواب أنه يخرج منهما جميعًا، لكن على كل حال عود الضمير على واحد من المجموع إذا فُقد الجميع سائغ لغةً.
وبعضهم يقول: إن المراد بالرسل هنا النُّذُر، فسُمُّوا رُسُلًا لمشابهتم لهم، والنذر لا شك أنهم يأتون إلى الجن كما يأتون إلى الإنس.
* طالب: شيخ، (...) الراجح (...).
* الشيخ: الراجح أنه ليس منهم رسول؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف ١٠٩]، والجن لا يُسَمَّونَ رجالًا.
* طالب: ثبت في الحديث أن أحد ابني آدم قتل (...) فهذا يدل على (...).
* الشيخ: إي نعم، ما فيه شك أن العدوان لا بد منه، يعني هذه (...) ولكن هذا لا يلزم منه أن يستكبر عن عبادة الله (...) ألا يصلي، ألا يصوم، ألا يتعبد، مثلما (...) العدوان من كثير من العُبَّاد.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا (...)، لكن الأنبياء؛ لأن النبي غير الرسول، النبي من أُوحي إليه.
* الطالب: (...) لأن لم يوح إلى (...).
* الشيخ: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء ١٦٣] يعني معه لأن الوحي الذي يُشَبَّه بوحي محمد عليه الصلاة والسلام هو من نوح فما دونه. الوحي المشَبَّه بوحي الله إلى رسوله محمد ﷺ هو ما كان لنوح ومن بعده؛ ليش؟ لأنه وحي مقرون بالإنسان.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...) هو بالأصل، الأصل هو (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، لكن آدم عليه الصلاة والسلام ما هو كما أوحى الله إلى محمد عليه الصلاة والسلام. هو وحي خاص فقط غير مكلَّف بتبليغه.
* طالب: (...) مخبِرًا أنه سوف (...)؟
* الشيخ: إذا قال: إنه غير مقصِّر انتهينا، قال مستكبرًا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إذا صار عامةً نقول: لا، إن الله تعالى بشركم أيها النصارى على لسان عيسى نبيكم بمحمد.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نقول: إذا كنت لا تعتقد إلا أنه مخبِر بأنه سوف يُبعَث رسول فإن هذا من ضلال قومه الذين أضلوه، وإلا ما فيه شك، ما عندنا شك أن عيسى بشر بمحمد عليه الصلاة والسلام، بشرهم (...) البشارة.
* طالب: ابن القيم (...).
* الشيخ: ما هو فيه شك، من كذب أي رسول فهو منكر لله، أو واصف الله بما لا يستحق؛ لأن الله تعالى يؤيد الرسول بالآيات، فإذا كان ثابتًا لزم أن يكون الله تعالى غير موجود أو أنه تعالى والعياذ بالله خائن أو ما أشبه ذلك.
* * *
قال الله تعالى فيما سبق من الفوائد:
* أولًا: انتفاء الشفاعة عن المكذبين للرسل، أنه لا يُشفَع لهم. منين تؤخذ؟
* طالب: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء ١٠٠].
* الشيخ: من قوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾.
* وفيها أيضًا من الفوائد: سب هؤلاء بعضهم بعضًا.
* طالب: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء ٩٧ - ٩٩].
* الشيخ: فإن هذا قدح فيهم؛ من جهة أنهم أضلوهم، ومن جهة أنهم مجرمون.
* وفيه دليل على انتفاء التشبيه عن الله.
* طالب: قولهم: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ٩٧، ٩٨].
وهذا التشبيه (...) تشبيه الخالق بالمخلوق أو المخلوق بالخالق؟
* الطالب: تشبيه المخلوق بالخالق.
* الشيخ: المخلوق بالخالق، إي نعم.
* ويستفاد من هذا الحديث: إثبات الشفاعة للمؤمنين.
* طالب: من قوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء ١٠٠] نفوا أن يكونوا شافعين (...).
* الشيخ: إي، كأنهم رأوا أن المؤمنين يشفعون بعضهم لبعض قالوا: نحن ما لنا من شافعين ولا صديق حميم.
* وفيه دليل على الندم البالغ الذي يصيب هؤلاء في ذلك اليوم.
* طالب: من قوله (...) لو رجع إلى الدنيا.
* الشيخ: لو رجعنا إلى الدنيا ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٠٢]. هذا التمني هل هو صحيح؛ لو رجعوا لكانوا مؤمنين؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ويش الدليل؟
* الطالب: لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨].
* الشيخ: قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
طيب نوح عليه الصلاة والسلام من هو؟
* طالب: هو أول رسل الله؟
* الشيخ: أول رسول أرسله الله.
* الطالب: أول رسول أرسله الله إلى الأرض.
* الشيخ: ويش الدليل؟
* الطالب: الدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣] فكونه أوحى إلى نوح (...).
* الشيخ: (...) الدلالة من الآية؟
* الطالب: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ كما أنه أوحي إليك ورسول إلى هؤلاء فإن نوحًا قد أُرسل من قبل.
* الشيخ: ما يلزم من كونه قبل الرسول عليه الصلاة والسلام أن يكون أول الرسل.
* الطالب: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ نعم هذا.
* الطالب: يدل على أنه قبلهم.
* الشيخ: وأيضًا في «حديث الشفاعة: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣/ ٣٢٢) من حديث أنس.]] صريح. كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] مع أنه أول الرسل؟
* طالب: أن رسالة الأنبياء واحدة، فمكذبو نوح عليه السلام لم يكذبوه لشخصه أو لأن اسمه نوح، ولكن كذبوه لأن ما جاء به هو التوحيد، فلو جاء كل نبي بالتوحيد لكذبوه، فهم مكذبون بالمرسلين. أو أنه لطول مكثه عليه السلام في قومه مئة سنة إلا خمسين عامًا كأنه رسل.
* الشيخ: نعم، طيب.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن التكذيب بالحق من شخص تكذيب به من جميع الأشخاص.
* طالب: قوله: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥].
* الشيخ: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ مع أنه ما كذبه إلا واحد، لكن في الحقيقة هم كذبوا الحق، سواء جاء به نوح أو غيره، ولهذا صاروا مكذِّبين لجميع الرسل.
* وفيه دليل على أن نوحًا أُرسل إلى جميع الناس.
* طالب: لأن قوم نوح هم أول الناس.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما يكفي هذا.
* طالب: لقوله تعالى: ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء ١٠٥]، ولم يقل: أخوهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: (...) أخوهم.
* الشيخ: كتير قال: أخوهم، كل (...) أخوهم إلا شعيبًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: فيه دليل على أن نوحًا بُعث إلى جميع الناس.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما (...) وجه الدلالة من هذا، أنا أقول هكذا فما وجه الدلالة؟
* طالب: قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] فهم قد كذبوا عامة المرسلين، فيدل على أنهم جمع للمرسلين (...).
* الشيخ: لا.
ما دمنا قلنا: إنه أول الرسل، أول رسول ومرسل إلى قومه، يعني ما فيه أحد غيره، لو كان ثمة رسول لشاركه في الأولية.
* طالب: (...).
* الشيخ: قررنا أن نوحًا .. المشكلة في نوح فسرناها بأنه الرسول الذي بعثه الله تعالى أول ما بعث من الرسل.
* طالب: قد يقول قائل: نعم ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] القوم الذين بُعث فيهم لوحدهم، وفيه أقوام ما أُرسل إليهم.
* الشيخ: ما يمكن، ولهذا إحنا قلنا أمس، قلنا: يحتمل أن الله بعث رسلًا آخرين بعد بعثة نوح في زمنه إلى قوم آخرين، فلا يكون مرسَلًا إلى جميع الناس، لكن على كل حال ما دام أول لحظة بُعث إلى هؤلاء يكون ما فيه رسول غيره.
وقد قلنا: إن هذا لا ينافي عموم رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه في ذلك الوقت ما فيه إلا قومه ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]. وهذا أمر ليس قصدًا وإنما هو باتفاق، وقع اتفاقًا.
ومعنى وقع اتفاقًا أن الله تعالى لما أرسله لم يكن في الأرض سوى قومه. أما الرسول عليه الصلاة والسلام فإن الأقوام كثيرون: بنو إسرائيل والعرب والأجناس الأخرى، ومع ذلك فهو مبعوث إليهم جميعًا.
الشعراء 26:102
(﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ كما للمؤمنين من الملائكة والنبيين والمؤمنين)، ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ كلمة (ما) استفهامية ولَّا نافية؟
* طالب: نافية.
* الشيخ: نافية، والدليل إتيان (مِن) المؤكدة ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾، وأصله: فما لنا شافعون، لكن أوتي بـ(مِن) للتوكيد.
والشافع هو المتوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة؛ كشفاعة النبي ﷺ لأهل الموقف أن يُقْضَى بينهم من باب الشفاعة لدفع المضرة والمشقة، وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة من باب جلب المنافع.
فالشفاعة هي التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة، وإن شئت فقل: بدفع الضير أو جلب الخير.
هم ليس لهم شافعون؛ لأن من شرط الشفاعة؟
* طالب: من شرط الشفاعة (...).
* الشيخ: وغيره؟
* الطالب: وغيره أن يكون المشفوع له مؤمنًا.
* الشيخ: ويش الدليل؟
* الطالب: الدليل ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨].
* الشيخ: نعم، هؤلاء لا يرتضيهم الله، فهم يقولون: ﴿مَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾؛ يعني: ما لنا أحد يشفع إطلاقًا، لا من الأنبياء ولا من غيرهم؛ لأن من شرط الشفاعة أن يرضى الله تبارك وتعالى عن المشفوع له وعن الشافع. يرضى عن الشافع؟
* طالب: من باب أولى.
* الشيخ: من باب أولى، نعم، إذا كان لا بد من رضا الله عن المشفوع له فعنِ الشافع من باب أولى.
وإما الإذن فهو شرط أيضًا، حتى مع رضا الله عن هذا وهذا لا بد أيضًا من الإذن، والله تبارك وتعالى لا يأذن بالشفاعة إلا لمن يرضاه، فصار لا بد من الشرطين، لا يقال مثلًا: إنه إذا ارتضى شخصًا لا بد أن يأذن له، قد يأذن، وقد لا يأذن، ولكن نعلم أنه لم يأذن إلا لمن ارتضى، وهؤلاء لا يرتضيهم الله.
﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾. ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ هذه معطوفة على ﴿شَافِعِينَ﴾ باعتبار اللفظ، لو عطف عليها باعتبار المحل لكانت (ولا صديقٌ)؛ لأن ﴿شَافِعِينَ﴾ في محل مبتدأ.
﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ الصديق من صدَقَك الود؛ يعني: الصاحب الصادق في وُدِّه يسمونه صديقًا، وهو أخص من الصاحب، فكل صديق صاحب، وليس كل صاحب صديقًا.
وأما الحميم فإنه القريب، أو أنه يبالغ في الصداقة بحيث يحنو عليك، ثم يحنو القريب. والمؤلف يقول: (أي: يهمه أمرنا)؛ لأن الصديق الحميم الحاني العاطف أو القريب يهمه أمر صاحبه كصديقه.
فهل هذه الصفة (حميم) صفة كاشفة أو صفة مقيدة؟ كاشفة، إذا قلنا: ما من صديقٍ إلا وهو حميم، فهي صفة كاشفة، وإذا قلنا: قد يكون صديقًا لكنه ليس بحميم، فهذه الصفة مقيدة بشرط أن نجعل الحميم هنا بمعنى القريب؛ لأنه قد يكون صديقًا وليس قريبًا، فإذا جعلنا الحميم بمعنى الحاني الذي يكون كالقريب لحنوه وعطفه، فهي صفة كاشفة. لكن إذا قلنا: (حميم) قريب صارت مقيدة؛ لأن ما كل صديقٍ يكون قريبًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، كيف؟ يعني إذا قلنا: (ولا صديق حميم) صار هذان وصفين؛ الصداقة والقرابة، ولَّا لا؟ إذن صفة القرابة ما معناها صفة الصداقة، يكون صديق وغير قريب ما فيه مانع.
* طالب: يوم القيامة.
* الشيخ: (...) يوم القيامة لكن ما تنفعه القرابة ولا الصداقة.
﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ (رجعة إلى الدنيا)، ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (لو) للتمني؛ يعني: ليس لنا كرَّة؛ يعني رجعة إلى الدنيا، ﴿فَنَكُونَ﴾ الفاء للسببية، (نكون) منصوبة بـ(أن) مضمرة بعد فاء السببية لتقدم التمني، ولهذا يقول: (لو هنا للتمني، و(نكون) جوابه).
﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾؛ يعني: ليت أن لنا كرَّةً، ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقولوا: (ليت) لأن المقام مقام تذلل وخضوع، و(لو) في التمني أقل من (ليت)؛ لأن (ليت) صريحة في الطلب، و(لو) فيها نوع من اللين والعرض؛ مثلما تقول للإنسان الذي تمنى أن يزورك: لو أنك تزورني، فإن (لو) هذه للتمني بلا شك، لكنها تَمَنٍّ فيه لين وعرض ولطف، والمقام هنا يقتضيه؛ لأنهم في مقام ذلٍّ -والعياذ بالله- وخضوع، فلم يقولوا: ليتنا نرجع، ولكنهم يقولون: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، على أنهم في سورة الأنعام يقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام ٢٧].
فيقال: الجمع بينهما أن لهم حالات أحيانًا يقولون بهذا، وأحيانًا يقولون بهذا. لكن أيهم الأول (ليت) أو (لو)؟ الظاهر (ليت) هي الأولى؛ يعني كأنهم يكونون بالأول بعزم على التمني، ثم إذا لم يحصل لهم رجعوا إلى الخضوع والعرض.
لو أنهم رُدُّوا هل يرجعون؟ يقول الله عز وجل في سورة الأنعام: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨]، هذا الخبر الصادق؛ يعني ليس قولهم: إننا إذا رجعنا نكون من المؤمنين، هذا خبر كاذب الخبر الصادق ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قولهم: إننا ﴿نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
* طالب: في نفس المقام (...) فعل الله ﴿لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنها فعل الله يمكن (...) تلك الساعة يقولونها صدقًا، ولكن الله أخبر بأنهم إذا رجعوا سيعودون إلى الكفر.
﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: من المصدقين (...) الملتزمين بالعمل؛ لأن الإيمان وحده لا ينفع إذا لم يستلزم العمل فليس بإيمان، ولهذا نقول: الكفار الذين (...) مؤمنون ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]، لكن لكونهم لا ينقادون لم ينتفعوا بإيمانهم. إبليس مؤمن ولَّا لا؟
* طلبة: مؤمن.
* الشيخ: بمعنى التصديق مؤمن، لكنه مستكبر، فلم ينفعه إيمانه. وأذكر أنه حينما صعد أول رجل إلى الفضاء من روسيا وشاهد الكون أعلن بأن هذا الكون له مدبر، فجاء أصحابه..
أبدًا، يكون أشد من غيره، إذا تبين له الأمر، الآن تبين له الآن (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) حتى (...) منه.
* طالب: إذا قلنا مثلًا: الإيمان قول وعمل واعتقاد، على هذا مثلًا نخرِج كل مثلًا من قال بلسانه أو اعتقد بقلبه كإبليس وفرعون.
* الشيخ: إذا لم ينقد نعم، إذا لم ينقد فإنه ليس بمؤمن، معلوم.
ولهذا قلنا: إن الإيمان هو التصديق المستلزِم للقبول والانقياد؛ قبول الخبر والانقياد للأمر (...)، هذا الإيمان، وأما مجرد الإنسان يقول: أنا مؤمن بالله وأنا أعترف بأن الله موجود وأن له رسلًا، لكنه ما يعمل، ما ينفعه هذا الإيمان.
* طالب: هو أصله ما يحصل بالنفس.
* الشيخ: هو إيمان لأن الإيمان الذي ينفع هو ما ذكرت، أما الإيمان فهو يطلق على مجرد التصديق. (...) هذا مؤمن بشيء لكنه كافر بأشياء، إنما الإيمان الشرعي نعم ينفع نقول: هذا ليس بمؤمن يعني إيمانًا شرعيًّا، أما لغةً فهو مؤمن.
* طالب: فضيلة الشيخ، كل من كان مستكبِرًا فهو أشر.
* الشيخ: (...) لأن الذي يتبين له الحق وهو يستكبر عنه يكون كفره كفر عناد، واللي ما يعرف الحق وهو الآن يعمل بعمل أهل الكفر فهذه كفره كفر جحد.
فالنصارى الآن في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، يعني قبل بعثته، يعتبرون ضالين، وبعد أن بُعث وتبين لهم الحق يكونون مغضوبًا عليهم؛ إذ لا فرق بينهم وبين اليهود، كل منهم بُشر بمحمد عليه الصلاة والسلام. والله تعالى يقول في وصف الرسول: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف ١٥٧] معروف، وكفرهما على حد سواء، ولهذا ما يصح أن نقول: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة ٨٢]، هذه ما تنطبق على زماننا هذا، ولا على ما قبله بأزمنة؛ لأن الله بيَّن: ﴿ذَلِكَ﴾ العلة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة ٨٢- ٨٣] الآن منهم الصدِّيقون والرُّهبان مستكبرون عن الحق، داعون إلى الضلال والعياذ بالله، فلا يمكن أن ينطبق عليهم هذا الوصف، وعداوتُهم الآن للمسلمين وللذين آمنوا أيضًا خاصة، للذين آمنوا، لا للمسلمين فقط، عداوتهم ظاهرة، وهم لا ينسون أبدًا غزوات المؤمنين لهم في عُقر دارهم، ولا ينسون أبدًا الحروب الصليبية، ولا ينسون الافتتاح العظيم الذي حصل بديار أهلهم، فإن بلاد الروم كلها أُخذت، والروم كلهم نصارى، أخذت على أيدي المسلمين.
يقول الله تعالى: (﴿﴿إنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ ﴾ المذكور من قصة إبراهيم وقومه ﴿﴿لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴾ [الشعراء: ١٠٣-١٠٤]) هذه سبق الكلام عليها، لكن يجب علينا أن نعرف أن الله تعالى إذا قال عن شيء: إن فيه آية يجب ألا نأخذه مأخذ الظاهر فقط، فلنتأمل ويش هالآيات هذي.
وقوله: ﴿فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ هل المراد في جملة القصة، أو في كل قطعة من القصة؟ الإشارة إلى المجموع بلا شك، ففي كل قطعة منها آية، وفي اجتماع هذه القطع بعضها إلى بعض أيضًا آية، فتكون الآية موزعة على كل قطعة، وتكون الآية أيضًا اجتماع هذه الأشياء جميعًا يكون فيه آية.
إنما المهم أن الله تعالى إذا قال لك: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ يجب عليك أن تتأمل وتتفكر وتعتبر؛ لتُظهِر هذه الآية.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ سبق أن الضمير في قوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ الراجح أنه يعود إلى من كانوا في عهد النبي ﷺ.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه حجازية ولَّا تميمية؟
* طالب: هذه حجازية.
* طالب آخر: هذه حجازية لكن (...).
* الشيخ: هذا الصواب، ولهذا بعض الطلبة يتوهم أن (ما) هي التي عملت، والصواب أن اللي عمل (كان)؛ لأنك إذا جعلتَ (ما) هي العاملة جعلت (كان) زائدةً. والأصل عدم الزيادة، (...) هو نفي للكون ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني لم يكن أكثرهم من ضمننا.
ثم قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] المؤلف يبغي يذكر جوابًا على تأنيث الفعل مع أن الفاعل مذكر.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ أولًا نوح عليه الصلاة والسلام هو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، أول رسول بُعِث إلى أهل الأرض هو نوح عليه الصلاة والسلام. وآدم أول نبي نُبِّئَ، فإنه كان نبيًّا بلا شك، ونوح أول رسول. وإنما كان آدم نبيًّا للضرورة؛ لأنه لا بد أن يتعبد لله، ولا عبادة لله إلا بما شرع، ولا شرع إلا بوحي، لكنه لم يرسَل؛ لعدم دعاء الحاجة إلى ذلك؛ إذ الناس كانوا متفقين، فلما اختلفوا بعث الله الرسل؛ ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة ٢١٣] وفي قراءة ابن عباس: ﴿﴿فاختلفوا﴾ ﴾ وهذه جملة لا داعي لها؛ لأنها مفهومة من قوله: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣].
فعلى كل حال في عهد آدم ما حاجة إلى الرسالة، إنما النبوة فقط، وهو يتعبد لله وأبناؤه، بل أولاده يتبعونه في ذلك على وجه الاتفاق بينهم، ولما كثُرت الأمة وانتشرت في الأرض اختلفت، فصارت الحاجة داعية بل الضرورة داعية إلى إرسال الرسل، فبعث الله تعالى نوحًا، وهو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض؛ كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، وكما هو صحيح صريح في «حديث الشفاعة أنهم يذهبون إلى نوح فيقولون له من جملة ما يتوسلون به إليه: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣/ ٣٢٢) من حديث أنس.]]، لكن إذا قلنا: إنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض فهل نقول: إنه أُرسِل إلى الناس كافة؟
فيحتاج حينئذ إلى أن نجمع بينه وبين قول النبي ﷺ: «وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١) من حديث جابر بن عبد الله.]].
* طالب: (...).
* الشيخ: هم يقولون: أول رسول، الأولية ما تصدق إلا بالانفراد، ولَّا لا؟
* طالب: بلا.
* الشيخ: لأنه لو شاركه غيرُه ما كان هو الأول، كان هو وغيره هو الأول.
فقد يقول قائل: لعل أحدًا بُعث في زمنه، بُعث في حياته لكن في غير مكانه. وقد نقول بظاهر الأول وأنه إنما بُعث إلى الناس لأن الناس كانوا في ذلك الوقت أمة واحدة قليلين لم ينتشروا كثيرًا في الأرض، فكان هؤلاء الناس بمنزلة القوم في الرسل الذين بعدهم.
وعلى هذا الطريق نَسلَم من الإشكال الآخر، وهو أن الله تعالى أغرق جميع أهل الأرض في عهد نوح إلا من آمن معه؛ إذ يقال: كيف يغرقون ولم يُبعَث إليهم رسول؟! فلولا أن نوحًا كان رسولًا إليهم ما أُغرقوا جميعًا.
وإن كان من الجائز أن يُقال: لعله أيضًا الذين بُعث إليهم في زمنه كذبوا رسلهم، لكن ظاهر الآيات أن الذين غرقوا إنما غرقوا بسؤال نوح.
على كل حال هذا إشكال دائر بين العلماء من قديم، وقد أجابوا على ذلك بأن نوحًا عليه الصلاة والسلام كانت رسالته إلى الناس كافةً في ذلك الوقت عرَضًا لا أصلًا. وفرق بين من يأتي إلى أمم مختلفة أُرسل إلى كل أمة رسول، ثم يقال لهؤلاء الأمم كلهم: يجب أن تتبعوا هذا الرسول لتكونوا أمةً واحدةً، وبين من لم يُبعَث إلا في قومه فقط؛ في أمة واحدة فقط؛ فإن كونه مبعوثًا إليهم جميعًا على سبيل الاتفاق والعرَض، لا على سبيل القصد. وبهذا تظهر الميزة بين محمد ﷺ وبين نوح عليه الصلاة والسلام، ونسلَم من الإشكال، فنقول: نوح أُرسِل إلى قومه، وليس هناك أمم مختلفة يجب أن يتوحدوا على رسول كما كان في عهد النبي محمد ﷺ. وكونه مرسَلًا إلى جميع الناس في ذلك الوقت ليس من باب القصد، بل هو من باب الاتفاق والعرَض، يعني أنه اتفق أن الناس كلهم انحصروا في قوم نوح. فهنا ما قُصِد من رسالته أن تكون شاملة لجميع الأمم، بخلاف رسالة النبي ﷺ؛ فإنه قُصد أن تكون شاملة، وأن يتوحد اليهود والنصارى والمجوس والوثنيون كلهم يتوحدون في أمة واحدة؛ لفرقٍ بين العمومين؛ العموم القصدي والعموم الاتفاقي العرَضي.
هذا نوح يقول الله: إن قومه كذبوا المرسلين، ونحن نعلم أنهم ما كذبوا إلا رسولًا واحدًا، ولَّا لا؟ ليس قبله أحد حتى نقول: كذبوا هذا وهذا، يقول المؤلف في الجواب عن هذا: (بتكذيبهم له لاشتراكهم) أي المرسلين (في المجيء بالتوحيد) إذا اشتركوا كلهم في المجيء بتوحيد الله عز وجل والقيام في طاعته صاروا جنسًا واحدًا، وتكذيب واحد من الجنس تكذيب للجميع؛ إذ إنهم لم يكذبوا نوحًا لأنه اسمه نوح، لكن كذبوا نوحًا لأنه جاء وقال: إنه من رب العالمين. وعلى هذا فإذا جاء هود كذبوه ولَّا لا؟
* طالب: بلا كذبوه.
* الشيخ: بلا؛ إذ لا فرق. إذا جاء صالح كذبوه، إذا جاء موسى كذبوه، إذا جاء محمد كذبوه، لماذا؟ لأنهم كذبوه للجنس لا للشخص؛ لأنه أتى بما يخالف ما هم عليه، فكذبوه لذلك، فيكونون مكذبين لجميع الرسل.
ولهذا الآن نقول للنصارى الذين يدعون أنهم مؤمنون بعيسى عليه الصلاة والسلام: إنكم كافرون به مكذبون له، لماذا؟ لأنهم كذبوا محمدًا ﷺ، لا سيما وأن رسولهم ﷺ عيسى بشرهم به ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦]، وهل يبشرهم بمن ليس لهم؟ لا يبشرهم بمن ليس لهم، أرأيت لو أن مولودًا لفلان وُلد، هل أجيء إليك وأقول: أبشر بمولود فلان؛ إذا كان ما بينك وبينه ارتباط؟ لو أن إنسانًا قدِم ليوزع جوائز على آل فلان، هل أبشرك بقدومه؟ أبدًا، ولو بشرت به لَعُدَّ سَفَهًا. إذن لم يبشرهم عيسى إلا لأنه رسول إليهم، ولهذا قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ يعني عينه بالاسم حتى لا يبقى فيه إشكال فيما بعد، ولكن -والعياذ بالله- هم كفروا بالنبي عليه الصلاة والسلام ليكونوا من الكافرين بعيسى بن مريم.
واليهود كذلك كفرهم بمحمد عليه الصلاة والسلام كفر بموسى وبالتوراة التي وُجد فيها رسولُ الله مكتوبًا عندهم ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦] مثلما أن الإنسان يعرف ابنه؛ هم يعرفون محمدًا ﷺ بوصفه، ولكنه الاستكبار والعياذ بالله.
* طالب: ﴿اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ من قَبيل العَلَمية ولا من قبيل الوصف؟
* الشيخ: لا من قبيل العلمية؛ لأن الرسول سمى نفسه أحمد في غير حديث. من قبيل العلمية.
* طالب: شيخ بالنسبة لآدم نقول: إنه نبي وليس برسول، يعني لأنه نُبِّئَ بالشرع فهو يتعبد به؟
* الشيخ: يتعبد به ولم يختلف عليه أحد.
* الطالب: طيب أولاده كيف وصلت إليهم (...)؟
* الشيخ: رأوه يفعل ففعلوا؛ لأن عادة أن الإنسان يقلد من هو أكبر منه، وليس هناك موانع وفوارق تمنعهم وتفرقهم عن تقليده.
* الطالب: قد تكون فيه أشياء قولية تحتاج إلى تفسير؟
* الشيخ: هو يمكن فهَّمهم، سيفههم، يفههم من فعله ومن قوله، إذا رأوه يقول ويفعل قالوا وفعلوا مثله.
* الطالب: إذن صار مرسلًا.
* الشيخ: لا، المرسَل: المبلَّغ المكلَّف، أما هذا فليس بمكلَّف. ولهذا نقول مثلًا: إن الجن انتفعوا برسالة موسى، ولَّا لا؟ والمعروف عند أهل العلم أنه لم يصل إليهم، وأنه ما أُرسل إلى أحد من الجن إلا محمد ﷺ، (...) ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف ٣٠] وهذا يدل على أنهم كانوا منتفعين بكتاب موسى.
* طالب: أهل العلم أيش دليلهم على أن الرسل السابقين لم (...) ما دام الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]؟
* الشيخ: يقولون: إن النبي يُبعث إلى قومه، وقومه: قبيلته ومن يتصل بهم، والجنُّ ليسوا من جنسه حتى يكونوا من قومه.
* طالب: (...).
* الشيخ: صحيح، هذه ما تدل على عموم الرسالة إلى الجن؛ لأن الجن ليسوا من الناس، لكن في كون الرسول عليه الصلاة والسلام يجتمع بهم ويواعدهم، ويتلو عليهم القرآن، ويخبرهم بما فيه يدل على أنه مرسَل إليهم.
* طالب: (...) يعني ما فيها نفي (...) أرسل (...).
* الشيخ: لا، (...) يرسل إلى قومه، والجن ليسوا منهم.
* الطالب: الجن الذين يعيشون عند القدوم؟
* الشيخ: لا، أوافق (...) من الإنس والجن، حتى لو قال: من الجن لكان في النفس منها شيء؛ لأن الجن ليسوا من قومه.
* الطالب: وإنما يعيشون عند القوم.
* الشيخ: ولو عاشوا، لو عاشوا عند قوم ما صاروا منهم.
* الطالب: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦] (...) يعبدون (...) بالهوى، إلا بشرع.
* الشيخ: يبقى عندنا (بشرع)، كلمة (بشرع)، هم يتعبدون لله بشرع (...) لكن هل منهم رسل أو ليس منهم رسل؟ هذه المسألة أيضًا موضع نزاع بين العلماء؛ منهم من قال: منهم رسل؛ لقوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام ١٣٠] ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ والرسول لا بد أن يكون من جنس مَن أُرسِل إليه؛ لقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام ٩]، ولا يمكن أن يُرسَل إلى الجن بشر.
ومنهم من قال: إن قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ يعود إلى المخاطَبين باعتبارهم مجموعًا ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ يخاطب اثنين، والضمير في ﴿مِنْكُمْ﴾ يعود إلى أحد الاثنين.
مثلما قالوا على زعمهم: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن ١٩ - ٢٢] وزعموا أن اللؤلؤ والمرجان لا يخرج إلا من المالح، وإن كان الصواب أنه يخرج منهما جميعًا، لكن على كل حال عود الضمير على واحد من المجموع إذا فُقد الجميع سائغ لغةً.
وبعضهم يقول: إن المراد بالرسل هنا النُّذُر، فسُمُّوا رُسُلًا لمشابهتم لهم، والنذر لا شك أنهم يأتون إلى الجن كما يأتون إلى الإنس.
* طالب: شيخ، (...) الراجح (...).
* الشيخ: الراجح أنه ليس منهم رسول؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف ١٠٩]، والجن لا يُسَمَّونَ رجالًا.
* طالب: ثبت في الحديث أن أحد ابني آدم قتل (...) فهذا يدل على (...).
* الشيخ: إي نعم، ما فيه شك أن العدوان لا بد منه، يعني هذه (...) ولكن هذا لا يلزم منه أن يستكبر عن عبادة الله (...) ألا يصلي، ألا يصوم، ألا يتعبد، مثلما (...) العدوان من كثير من العُبَّاد.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا (...)، لكن الأنبياء؛ لأن النبي غير الرسول، النبي من أُوحي إليه.
* الطالب: (...) لأن لم يوح إلى (...).
* الشيخ: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء ١٦٣] يعني معه لأن الوحي الذي يُشَبَّه بوحي محمد عليه الصلاة والسلام هو من نوح فما دونه. الوحي المشَبَّه بوحي الله إلى رسوله محمد ﷺ هو ما كان لنوح ومن بعده؛ ليش؟ لأنه وحي مقرون بالإنسان.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...) هو بالأصل، الأصل هو (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، لكن آدم عليه الصلاة والسلام ما هو كما أوحى الله إلى محمد عليه الصلاة والسلام. هو وحي خاص فقط غير مكلَّف بتبليغه.
* طالب: (...) مخبِرًا أنه سوف (...)؟
* الشيخ: إذا قال: إنه غير مقصِّر انتهينا، قال مستكبرًا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إذا صار عامةً نقول: لا، إن الله تعالى بشركم أيها النصارى على لسان عيسى نبيكم بمحمد.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نقول: إذا كنت لا تعتقد إلا أنه مخبِر بأنه سوف يُبعَث رسول فإن هذا من ضلال قومه الذين أضلوه، وإلا ما فيه شك، ما عندنا شك أن عيسى بشر بمحمد عليه الصلاة والسلام، بشرهم (...) البشارة.
* طالب: ابن القيم (...).
* الشيخ: ما هو فيه شك، من كذب أي رسول فهو منكر لله، أو واصف الله بما لا يستحق؛ لأن الله تعالى يؤيد الرسول بالآيات، فإذا كان ثابتًا لزم أن يكون الله تعالى غير موجود أو أنه تعالى والعياذ بالله خائن أو ما أشبه ذلك.
* * *
قال الله تعالى فيما سبق من الفوائد:
* أولًا: انتفاء الشفاعة عن المكذبين للرسل، أنه لا يُشفَع لهم. منين تؤخذ؟
* طالب: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء ١٠٠].
* الشيخ: من قوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾.
* وفيها أيضًا من الفوائد: سب هؤلاء بعضهم بعضًا.
* طالب: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء ٩٧ - ٩٩].
* الشيخ: فإن هذا قدح فيهم؛ من جهة أنهم أضلوهم، ومن جهة أنهم مجرمون.
* وفيه دليل على انتفاء التشبيه عن الله.
* طالب: قولهم: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ٩٧، ٩٨].
وهذا التشبيه (...) تشبيه الخالق بالمخلوق أو المخلوق بالخالق؟
* الطالب: تشبيه المخلوق بالخالق.
* الشيخ: المخلوق بالخالق، إي نعم.
* ويستفاد من هذا الحديث: إثبات الشفاعة للمؤمنين.
* طالب: من قوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء ١٠٠] نفوا أن يكونوا شافعين (...).
* الشيخ: إي، كأنهم رأوا أن المؤمنين يشفعون بعضهم لبعض قالوا: نحن ما لنا من شافعين ولا صديق حميم.
* وفيه دليل على الندم البالغ الذي يصيب هؤلاء في ذلك اليوم.
* طالب: من قوله (...) لو رجع إلى الدنيا.
* الشيخ: لو رجعنا إلى الدنيا ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٠٢]. هذا التمني هل هو صحيح؛ لو رجعوا لكانوا مؤمنين؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ويش الدليل؟
* الطالب: لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨].
* الشيخ: قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
طيب نوح عليه الصلاة والسلام من هو؟
* طالب: هو أول رسل الله؟
* الشيخ: أول رسول أرسله الله.
* الطالب: أول رسول أرسله الله إلى الأرض.
* الشيخ: ويش الدليل؟
* الطالب: الدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣] فكونه أوحى إلى نوح (...).
* الشيخ: (...) الدلالة من الآية؟
* الطالب: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ كما أنه أوحي إليك ورسول إلى هؤلاء فإن نوحًا قد أُرسل من قبل.
* الشيخ: ما يلزم من كونه قبل الرسول عليه الصلاة والسلام أن يكون أول الرسل.
* الطالب: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ نعم هذا.
* الطالب: يدل على أنه قبلهم.
* الشيخ: وأيضًا في «حديث الشفاعة: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣/ ٣٢٢) من حديث أنس.]] صريح. كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] مع أنه أول الرسل؟
* طالب: أن رسالة الأنبياء واحدة، فمكذبو نوح عليه السلام لم يكذبوه لشخصه أو لأن اسمه نوح، ولكن كذبوه لأن ما جاء به هو التوحيد، فلو جاء كل نبي بالتوحيد لكذبوه، فهم مكذبون بالمرسلين. أو أنه لطول مكثه عليه السلام في قومه مئة سنة إلا خمسين عامًا كأنه رسل.
* الشيخ: نعم، طيب.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن التكذيب بالحق من شخص تكذيب به من جميع الأشخاص.
* طالب: قوله: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥].
* الشيخ: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ مع أنه ما كذبه إلا واحد، لكن في الحقيقة هم كذبوا الحق، سواء جاء به نوح أو غيره، ولهذا صاروا مكذِّبين لجميع الرسل.
* وفيه دليل على أن نوحًا أُرسل إلى جميع الناس.
* طالب: لأن قوم نوح هم أول الناس.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما يكفي هذا.
* طالب: لقوله تعالى: ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء ١٠٥]، ولم يقل: أخوهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: (...) أخوهم.
* الشيخ: كتير قال: أخوهم، كل (...) أخوهم إلا شعيبًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: فيه دليل على أن نوحًا بُعث إلى جميع الناس.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما (...) وجه الدلالة من هذا، أنا أقول هكذا فما وجه الدلالة؟
* طالب: قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] فهم قد كذبوا عامة المرسلين، فيدل على أنهم جمع للمرسلين (...).
* الشيخ: لا.
ما دمنا قلنا: إنه أول الرسل، أول رسول ومرسل إلى قومه، يعني ما فيه أحد غيره، لو كان ثمة رسول لشاركه في الأولية.
* طالب: (...).
* الشيخ: قررنا أن نوحًا .. المشكلة في نوح فسرناها بأنه الرسول الذي بعثه الله تعالى أول ما بعث من الرسل.
* طالب: قد يقول قائل: نعم ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] القوم الذين بُعث فيهم لوحدهم، وفيه أقوام ما أُرسل إليهم.
* الشيخ: ما يمكن، ولهذا إحنا قلنا أمس، قلنا: يحتمل أن الله بعث رسلًا آخرين بعد بعثة نوح في زمنه إلى قوم آخرين، فلا يكون مرسَلًا إلى جميع الناس، لكن على كل حال ما دام أول لحظة بُعث إلى هؤلاء يكون ما فيه رسول غيره.
وقد قلنا: إن هذا لا ينافي عموم رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه في ذلك الوقت ما فيه إلا قومه ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]. وهذا أمر ليس قصدًا وإنما هو باتفاق، وقع اتفاقًا.
ومعنى وقع اتفاقًا أن الله تعالى لما أرسله لم يكن في الأرض سوى قومه. أما الرسول عليه الصلاة والسلام فإن الأقوام كثيرون: بنو إسرائيل والعرب والأجناس الأخرى، ومع ذلك فهو مبعوث إليهم جميعًا.
الشعراء 26:103
(﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ كما للمؤمنين من الملائكة والنبيين والمؤمنين)، ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ كلمة (ما) استفهامية ولَّا نافية؟
* طالب: نافية.
* الشيخ: نافية، والدليل إتيان (مِن) المؤكدة ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾، وأصله: فما لنا شافعون، لكن أوتي بـ(مِن) للتوكيد.
والشافع هو المتوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة؛ كشفاعة النبي ﷺ لأهل الموقف أن يُقْضَى بينهم من باب الشفاعة لدفع المضرة والمشقة، وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة من باب جلب المنافع.
فالشفاعة هي التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة، وإن شئت فقل: بدفع الضير أو جلب الخير.
هم ليس لهم شافعون؛ لأن من شرط الشفاعة؟
* طالب: من شرط الشفاعة (...).
* الشيخ: وغيره؟
* الطالب: وغيره أن يكون المشفوع له مؤمنًا.
* الشيخ: ويش الدليل؟
* الطالب: الدليل ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨].
* الشيخ: نعم، هؤلاء لا يرتضيهم الله، فهم يقولون: ﴿مَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾؛ يعني: ما لنا أحد يشفع إطلاقًا، لا من الأنبياء ولا من غيرهم؛ لأن من شرط الشفاعة أن يرضى الله تبارك وتعالى عن المشفوع له وعن الشافع. يرضى عن الشافع؟
* طالب: من باب أولى.
* الشيخ: من باب أولى، نعم، إذا كان لا بد من رضا الله عن المشفوع له فعنِ الشافع من باب أولى.
وإما الإذن فهو شرط أيضًا، حتى مع رضا الله عن هذا وهذا لا بد أيضًا من الإذن، والله تبارك وتعالى لا يأذن بالشفاعة إلا لمن يرضاه، فصار لا بد من الشرطين، لا يقال مثلًا: إنه إذا ارتضى شخصًا لا بد أن يأذن له، قد يأذن، وقد لا يأذن، ولكن نعلم أنه لم يأذن إلا لمن ارتضى، وهؤلاء لا يرتضيهم الله.
﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾. ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ هذه معطوفة على ﴿شَافِعِينَ﴾ باعتبار اللفظ، لو عطف عليها باعتبار المحل لكانت (ولا صديقٌ)؛ لأن ﴿شَافِعِينَ﴾ في محل مبتدأ.
﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ الصديق من صدَقَك الود؛ يعني: الصاحب الصادق في وُدِّه يسمونه صديقًا، وهو أخص من الصاحب، فكل صديق صاحب، وليس كل صاحب صديقًا.
وأما الحميم فإنه القريب، أو أنه يبالغ في الصداقة بحيث يحنو عليك، ثم يحنو القريب. والمؤلف يقول: (أي: يهمه أمرنا)؛ لأن الصديق الحميم الحاني العاطف أو القريب يهمه أمر صاحبه كصديقه.
فهل هذه الصفة (حميم) صفة كاشفة أو صفة مقيدة؟ كاشفة، إذا قلنا: ما من صديقٍ إلا وهو حميم، فهي صفة كاشفة، وإذا قلنا: قد يكون صديقًا لكنه ليس بحميم، فهذه الصفة مقيدة بشرط أن نجعل الحميم هنا بمعنى القريب؛ لأنه قد يكون صديقًا وليس قريبًا، فإذا جعلنا الحميم بمعنى الحاني الذي يكون كالقريب لحنوه وعطفه، فهي صفة كاشفة. لكن إذا قلنا: (حميم) قريب صارت مقيدة؛ لأن ما كل صديقٍ يكون قريبًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، كيف؟ يعني إذا قلنا: (ولا صديق حميم) صار هذان وصفين؛ الصداقة والقرابة، ولَّا لا؟ إذن صفة القرابة ما معناها صفة الصداقة، يكون صديق وغير قريب ما فيه مانع.
* طالب: يوم القيامة.
* الشيخ: (...) يوم القيامة لكن ما تنفعه القرابة ولا الصداقة.
﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ (رجعة إلى الدنيا)، ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (لو) للتمني؛ يعني: ليس لنا كرَّة؛ يعني رجعة إلى الدنيا، ﴿فَنَكُونَ﴾ الفاء للسببية، (نكون) منصوبة بـ(أن) مضمرة بعد فاء السببية لتقدم التمني، ولهذا يقول: (لو هنا للتمني، و(نكون) جوابه).
﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾؛ يعني: ليت أن لنا كرَّةً، ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقولوا: (ليت) لأن المقام مقام تذلل وخضوع، و(لو) في التمني أقل من (ليت)؛ لأن (ليت) صريحة في الطلب، و(لو) فيها نوع من اللين والعرض؛ مثلما تقول للإنسان الذي تمنى أن يزورك: لو أنك تزورني، فإن (لو) هذه للتمني بلا شك، لكنها تَمَنٍّ فيه لين وعرض ولطف، والمقام هنا يقتضيه؛ لأنهم في مقام ذلٍّ -والعياذ بالله- وخضوع، فلم يقولوا: ليتنا نرجع، ولكنهم يقولون: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، على أنهم في سورة الأنعام يقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام ٢٧].
فيقال: الجمع بينهما أن لهم حالات أحيانًا يقولون بهذا، وأحيانًا يقولون بهذا. لكن أيهم الأول (ليت) أو (لو)؟ الظاهر (ليت) هي الأولى؛ يعني كأنهم يكونون بالأول بعزم على التمني، ثم إذا لم يحصل لهم رجعوا إلى الخضوع والعرض.
لو أنهم رُدُّوا هل يرجعون؟ يقول الله عز وجل في سورة الأنعام: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨]، هذا الخبر الصادق؛ يعني ليس قولهم: إننا إذا رجعنا نكون من المؤمنين، هذا خبر كاذب الخبر الصادق ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قولهم: إننا ﴿نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
* طالب: في نفس المقام (...) فعل الله ﴿لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنها فعل الله يمكن (...) تلك الساعة يقولونها صدقًا، ولكن الله أخبر بأنهم إذا رجعوا سيعودون إلى الكفر.
﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: من المصدقين (...) الملتزمين بالعمل؛ لأن الإيمان وحده لا ينفع إذا لم يستلزم العمل فليس بإيمان، ولهذا نقول: الكفار الذين (...) مؤمنون ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]، لكن لكونهم لا ينقادون لم ينتفعوا بإيمانهم. إبليس مؤمن ولَّا لا؟
* طلبة: مؤمن.
* الشيخ: بمعنى التصديق مؤمن، لكنه مستكبر، فلم ينفعه إيمانه. وأذكر أنه حينما صعد أول رجل إلى الفضاء من روسيا وشاهد الكون أعلن بأن هذا الكون له مدبر، فجاء أصحابه..
أبدًا، يكون أشد من غيره، إذا تبين له الأمر، الآن تبين له الآن (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) حتى (...) منه.
* طالب: إذا قلنا مثلًا: الإيمان قول وعمل واعتقاد، على هذا مثلًا نخرِج كل مثلًا من قال بلسانه أو اعتقد بقلبه كإبليس وفرعون.
* الشيخ: إذا لم ينقد نعم، إذا لم ينقد فإنه ليس بمؤمن، معلوم.
ولهذا قلنا: إن الإيمان هو التصديق المستلزِم للقبول والانقياد؛ قبول الخبر والانقياد للأمر (...)، هذا الإيمان، وأما مجرد الإنسان يقول: أنا مؤمن بالله وأنا أعترف بأن الله موجود وأن له رسلًا، لكنه ما يعمل، ما ينفعه هذا الإيمان.
* طالب: هو أصله ما يحصل بالنفس.
* الشيخ: هو إيمان لأن الإيمان الذي ينفع هو ما ذكرت، أما الإيمان فهو يطلق على مجرد التصديق. (...) هذا مؤمن بشيء لكنه كافر بأشياء، إنما الإيمان الشرعي نعم ينفع نقول: هذا ليس بمؤمن يعني إيمانًا شرعيًّا، أما لغةً فهو مؤمن.
* طالب: فضيلة الشيخ، كل من كان مستكبِرًا فهو أشر.
* الشيخ: (...) لأن الذي يتبين له الحق وهو يستكبر عنه يكون كفره كفر عناد، واللي ما يعرف الحق وهو الآن يعمل بعمل أهل الكفر فهذه كفره كفر جحد.
فالنصارى الآن في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، يعني قبل بعثته، يعتبرون ضالين، وبعد أن بُعث وتبين لهم الحق يكونون مغضوبًا عليهم؛ إذ لا فرق بينهم وبين اليهود، كل منهم بُشر بمحمد عليه الصلاة والسلام. والله تعالى يقول في وصف الرسول: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف ١٥٧] معروف، وكفرهما على حد سواء، ولهذا ما يصح أن نقول: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة ٨٢]، هذه ما تنطبق على زماننا هذا، ولا على ما قبله بأزمنة؛ لأن الله بيَّن: ﴿ذَلِكَ﴾ العلة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة ٨٢- ٨٣] الآن منهم الصدِّيقون والرُّهبان مستكبرون عن الحق، داعون إلى الضلال والعياذ بالله، فلا يمكن أن ينطبق عليهم هذا الوصف، وعداوتُهم الآن للمسلمين وللذين آمنوا أيضًا خاصة، للذين آمنوا، لا للمسلمين فقط، عداوتهم ظاهرة، وهم لا ينسون أبدًا غزوات المؤمنين لهم في عُقر دارهم، ولا ينسون أبدًا الحروب الصليبية، ولا ينسون الافتتاح العظيم الذي حصل بديار أهلهم، فإن بلاد الروم كلها أُخذت، والروم كلهم نصارى، أخذت على أيدي المسلمين.
يقول الله تعالى: (﴿﴿إنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ ﴾ المذكور من قصة إبراهيم وقومه ﴿﴿لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴾ [الشعراء: ١٠٣-١٠٤]) هذه سبق الكلام عليها، لكن يجب علينا أن نعرف أن الله تعالى إذا قال عن شيء: إن فيه آية يجب ألا نأخذه مأخذ الظاهر فقط، فلنتأمل ويش هالآيات هذي.
وقوله: ﴿فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ هل المراد في جملة القصة، أو في كل قطعة من القصة؟ الإشارة إلى المجموع بلا شك، ففي كل قطعة منها آية، وفي اجتماع هذه القطع بعضها إلى بعض أيضًا آية، فتكون الآية موزعة على كل قطعة، وتكون الآية أيضًا اجتماع هذه الأشياء جميعًا يكون فيه آية.
إنما المهم أن الله تعالى إذا قال لك: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ يجب عليك أن تتأمل وتتفكر وتعتبر؛ لتُظهِر هذه الآية.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ سبق أن الضمير في قوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ الراجح أنه يعود إلى من كانوا في عهد النبي ﷺ.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه حجازية ولَّا تميمية؟
* طالب: هذه حجازية.
* طالب آخر: هذه حجازية لكن (...).
* الشيخ: هذا الصواب، ولهذا بعض الطلبة يتوهم أن (ما) هي التي عملت، والصواب أن اللي عمل (كان)؛ لأنك إذا جعلتَ (ما) هي العاملة جعلت (كان) زائدةً. والأصل عدم الزيادة، (...) هو نفي للكون ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني لم يكن أكثرهم من ضمننا.
ثم قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] المؤلف يبغي يذكر جوابًا على تأنيث الفعل مع أن الفاعل مذكر.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ أولًا نوح عليه الصلاة والسلام هو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، أول رسول بُعِث إلى أهل الأرض هو نوح عليه الصلاة والسلام. وآدم أول نبي نُبِّئَ، فإنه كان نبيًّا بلا شك، ونوح أول رسول. وإنما كان آدم نبيًّا للضرورة؛ لأنه لا بد أن يتعبد لله، ولا عبادة لله إلا بما شرع، ولا شرع إلا بوحي، لكنه لم يرسَل؛ لعدم دعاء الحاجة إلى ذلك؛ إذ الناس كانوا متفقين، فلما اختلفوا بعث الله الرسل؛ ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة ٢١٣] وفي قراءة ابن عباس: ﴿﴿فاختلفوا﴾ ﴾ وهذه جملة لا داعي لها؛ لأنها مفهومة من قوله: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣].
فعلى كل حال في عهد آدم ما حاجة إلى الرسالة، إنما النبوة فقط، وهو يتعبد لله وأبناؤه، بل أولاده يتبعونه في ذلك على وجه الاتفاق بينهم، ولما كثُرت الأمة وانتشرت في الأرض اختلفت، فصارت الحاجة داعية بل الضرورة داعية إلى إرسال الرسل، فبعث الله تعالى نوحًا، وهو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض؛ كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، وكما هو صحيح صريح في «حديث الشفاعة أنهم يذهبون إلى نوح فيقولون له من جملة ما يتوسلون به إليه: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣/ ٣٢٢) من حديث أنس.]]، لكن إذا قلنا: إنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض فهل نقول: إنه أُرسِل إلى الناس كافة؟
فيحتاج حينئذ إلى أن نجمع بينه وبين قول النبي ﷺ: «وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١) من حديث جابر بن عبد الله.]].
* طالب: (...).
* الشيخ: هم يقولون: أول رسول، الأولية ما تصدق إلا بالانفراد، ولَّا لا؟
* طالب: بلا.
* الشيخ: لأنه لو شاركه غيرُه ما كان هو الأول، كان هو وغيره هو الأول.
فقد يقول قائل: لعل أحدًا بُعث في زمنه، بُعث في حياته لكن في غير مكانه. وقد نقول بظاهر الأول وأنه إنما بُعث إلى الناس لأن الناس كانوا في ذلك الوقت أمة واحدة قليلين لم ينتشروا كثيرًا في الأرض، فكان هؤلاء الناس بمنزلة القوم في الرسل الذين بعدهم.
وعلى هذا الطريق نَسلَم من الإشكال الآخر، وهو أن الله تعالى أغرق جميع أهل الأرض في عهد نوح إلا من آمن معه؛ إذ يقال: كيف يغرقون ولم يُبعَث إليهم رسول؟! فلولا أن نوحًا كان رسولًا إليهم ما أُغرقوا جميعًا.
وإن كان من الجائز أن يُقال: لعله أيضًا الذين بُعث إليهم في زمنه كذبوا رسلهم، لكن ظاهر الآيات أن الذين غرقوا إنما غرقوا بسؤال نوح.
على كل حال هذا إشكال دائر بين العلماء من قديم، وقد أجابوا على ذلك بأن نوحًا عليه الصلاة والسلام كانت رسالته إلى الناس كافةً في ذلك الوقت عرَضًا لا أصلًا. وفرق بين من يأتي إلى أمم مختلفة أُرسل إلى كل أمة رسول، ثم يقال لهؤلاء الأمم كلهم: يجب أن تتبعوا هذا الرسول لتكونوا أمةً واحدةً، وبين من لم يُبعَث إلا في قومه فقط؛ في أمة واحدة فقط؛ فإن كونه مبعوثًا إليهم جميعًا على سبيل الاتفاق والعرَض، لا على سبيل القصد. وبهذا تظهر الميزة بين محمد ﷺ وبين نوح عليه الصلاة والسلام، ونسلَم من الإشكال، فنقول: نوح أُرسِل إلى قومه، وليس هناك أمم مختلفة يجب أن يتوحدوا على رسول كما كان في عهد النبي محمد ﷺ. وكونه مرسَلًا إلى جميع الناس في ذلك الوقت ليس من باب القصد، بل هو من باب الاتفاق والعرَض، يعني أنه اتفق أن الناس كلهم انحصروا في قوم نوح. فهنا ما قُصِد من رسالته أن تكون شاملة لجميع الأمم، بخلاف رسالة النبي ﷺ؛ فإنه قُصد أن تكون شاملة، وأن يتوحد اليهود والنصارى والمجوس والوثنيون كلهم يتوحدون في أمة واحدة؛ لفرقٍ بين العمومين؛ العموم القصدي والعموم الاتفاقي العرَضي.
هذا نوح يقول الله: إن قومه كذبوا المرسلين، ونحن نعلم أنهم ما كذبوا إلا رسولًا واحدًا، ولَّا لا؟ ليس قبله أحد حتى نقول: كذبوا هذا وهذا، يقول المؤلف في الجواب عن هذا: (بتكذيبهم له لاشتراكهم) أي المرسلين (في المجيء بالتوحيد) إذا اشتركوا كلهم في المجيء بتوحيد الله عز وجل والقيام في طاعته صاروا جنسًا واحدًا، وتكذيب واحد من الجنس تكذيب للجميع؛ إذ إنهم لم يكذبوا نوحًا لأنه اسمه نوح، لكن كذبوا نوحًا لأنه جاء وقال: إنه من رب العالمين. وعلى هذا فإذا جاء هود كذبوه ولَّا لا؟
* طالب: بلا كذبوه.
* الشيخ: بلا؛ إذ لا فرق. إذا جاء صالح كذبوه، إذا جاء موسى كذبوه، إذا جاء محمد كذبوه، لماذا؟ لأنهم كذبوه للجنس لا للشخص؛ لأنه أتى بما يخالف ما هم عليه، فكذبوه لذلك، فيكونون مكذبين لجميع الرسل.
ولهذا الآن نقول للنصارى الذين يدعون أنهم مؤمنون بعيسى عليه الصلاة والسلام: إنكم كافرون به مكذبون له، لماذا؟ لأنهم كذبوا محمدًا ﷺ، لا سيما وأن رسولهم ﷺ عيسى بشرهم به ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦]، وهل يبشرهم بمن ليس لهم؟ لا يبشرهم بمن ليس لهم، أرأيت لو أن مولودًا لفلان وُلد، هل أجيء إليك وأقول: أبشر بمولود فلان؛ إذا كان ما بينك وبينه ارتباط؟ لو أن إنسانًا قدِم ليوزع جوائز على آل فلان، هل أبشرك بقدومه؟ أبدًا، ولو بشرت به لَعُدَّ سَفَهًا. إذن لم يبشرهم عيسى إلا لأنه رسول إليهم، ولهذا قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ يعني عينه بالاسم حتى لا يبقى فيه إشكال فيما بعد، ولكن -والعياذ بالله- هم كفروا بالنبي عليه الصلاة والسلام ليكونوا من الكافرين بعيسى بن مريم.
واليهود كذلك كفرهم بمحمد عليه الصلاة والسلام كفر بموسى وبالتوراة التي وُجد فيها رسولُ الله مكتوبًا عندهم ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦] مثلما أن الإنسان يعرف ابنه؛ هم يعرفون محمدًا ﷺ بوصفه، ولكنه الاستكبار والعياذ بالله.
* طالب: ﴿اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ من قَبيل العَلَمية ولا من قبيل الوصف؟
* الشيخ: لا من قبيل العلمية؛ لأن الرسول سمى نفسه أحمد في غير حديث. من قبيل العلمية.
* طالب: شيخ بالنسبة لآدم نقول: إنه نبي وليس برسول، يعني لأنه نُبِّئَ بالشرع فهو يتعبد به؟
* الشيخ: يتعبد به ولم يختلف عليه أحد.
* الطالب: طيب أولاده كيف وصلت إليهم (...)؟
* الشيخ: رأوه يفعل ففعلوا؛ لأن عادة أن الإنسان يقلد من هو أكبر منه، وليس هناك موانع وفوارق تمنعهم وتفرقهم عن تقليده.
* الطالب: قد تكون فيه أشياء قولية تحتاج إلى تفسير؟
* الشيخ: هو يمكن فهَّمهم، سيفههم، يفههم من فعله ومن قوله، إذا رأوه يقول ويفعل قالوا وفعلوا مثله.
* الطالب: إذن صار مرسلًا.
* الشيخ: لا، المرسَل: المبلَّغ المكلَّف، أما هذا فليس بمكلَّف. ولهذا نقول مثلًا: إن الجن انتفعوا برسالة موسى، ولَّا لا؟ والمعروف عند أهل العلم أنه لم يصل إليهم، وأنه ما أُرسل إلى أحد من الجن إلا محمد ﷺ، (...) ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف ٣٠] وهذا يدل على أنهم كانوا منتفعين بكتاب موسى.
* طالب: أهل العلم أيش دليلهم على أن الرسل السابقين لم (...) ما دام الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]؟
* الشيخ: يقولون: إن النبي يُبعث إلى قومه، وقومه: قبيلته ومن يتصل بهم، والجنُّ ليسوا من جنسه حتى يكونوا من قومه.
* طالب: (...).
* الشيخ: صحيح، هذه ما تدل على عموم الرسالة إلى الجن؛ لأن الجن ليسوا من الناس، لكن في كون الرسول عليه الصلاة والسلام يجتمع بهم ويواعدهم، ويتلو عليهم القرآن، ويخبرهم بما فيه يدل على أنه مرسَل إليهم.
* طالب: (...) يعني ما فيها نفي (...) أرسل (...).
* الشيخ: لا، (...) يرسل إلى قومه، والجن ليسوا منهم.
* الطالب: الجن الذين يعيشون عند القدوم؟
* الشيخ: لا، أوافق (...) من الإنس والجن، حتى لو قال: من الجن لكان في النفس منها شيء؛ لأن الجن ليسوا من قومه.
* الطالب: وإنما يعيشون عند القوم.
* الشيخ: ولو عاشوا، لو عاشوا عند قوم ما صاروا منهم.
* الطالب: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦] (...) يعبدون (...) بالهوى، إلا بشرع.
* الشيخ: يبقى عندنا (بشرع)، كلمة (بشرع)، هم يتعبدون لله بشرع (...) لكن هل منهم رسل أو ليس منهم رسل؟ هذه المسألة أيضًا موضع نزاع بين العلماء؛ منهم من قال: منهم رسل؛ لقوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام ١٣٠] ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ والرسول لا بد أن يكون من جنس مَن أُرسِل إليه؛ لقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام ٩]، ولا يمكن أن يُرسَل إلى الجن بشر.
ومنهم من قال: إن قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ يعود إلى المخاطَبين باعتبارهم مجموعًا ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ يخاطب اثنين، والضمير في ﴿مِنْكُمْ﴾ يعود إلى أحد الاثنين.
مثلما قالوا على زعمهم: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن ١٩ - ٢٢] وزعموا أن اللؤلؤ والمرجان لا يخرج إلا من المالح، وإن كان الصواب أنه يخرج منهما جميعًا، لكن على كل حال عود الضمير على واحد من المجموع إذا فُقد الجميع سائغ لغةً.
وبعضهم يقول: إن المراد بالرسل هنا النُّذُر، فسُمُّوا رُسُلًا لمشابهتم لهم، والنذر لا شك أنهم يأتون إلى الجن كما يأتون إلى الإنس.
* طالب: شيخ، (...) الراجح (...).
* الشيخ: الراجح أنه ليس منهم رسول؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف ١٠٩]، والجن لا يُسَمَّونَ رجالًا.
* طالب: ثبت في الحديث أن أحد ابني آدم قتل (...) فهذا يدل على (...).
* الشيخ: إي نعم، ما فيه شك أن العدوان لا بد منه، يعني هذه (...) ولكن هذا لا يلزم منه أن يستكبر عن عبادة الله (...) ألا يصلي، ألا يصوم، ألا يتعبد، مثلما (...) العدوان من كثير من العُبَّاد.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا (...)، لكن الأنبياء؛ لأن النبي غير الرسول، النبي من أُوحي إليه.
* الطالب: (...) لأن لم يوح إلى (...).
* الشيخ: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء ١٦٣] يعني معه لأن الوحي الذي يُشَبَّه بوحي محمد عليه الصلاة والسلام هو من نوح فما دونه. الوحي المشَبَّه بوحي الله إلى رسوله محمد ﷺ هو ما كان لنوح ومن بعده؛ ليش؟ لأنه وحي مقرون بالإنسان.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...) هو بالأصل، الأصل هو (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، لكن آدم عليه الصلاة والسلام ما هو كما أوحى الله إلى محمد عليه الصلاة والسلام. هو وحي خاص فقط غير مكلَّف بتبليغه.
* طالب: (...) مخبِرًا أنه سوف (...)؟
* الشيخ: إذا قال: إنه غير مقصِّر انتهينا، قال مستكبرًا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إذا صار عامةً نقول: لا، إن الله تعالى بشركم أيها النصارى على لسان عيسى نبيكم بمحمد.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نقول: إذا كنت لا تعتقد إلا أنه مخبِر بأنه سوف يُبعَث رسول فإن هذا من ضلال قومه الذين أضلوه، وإلا ما فيه شك، ما عندنا شك أن عيسى بشر بمحمد عليه الصلاة والسلام، بشرهم (...) البشارة.
* طالب: ابن القيم (...).
* الشيخ: ما هو فيه شك، من كذب أي رسول فهو منكر لله، أو واصف الله بما لا يستحق؛ لأن الله تعالى يؤيد الرسول بالآيات، فإذا كان ثابتًا لزم أن يكون الله تعالى غير موجود أو أنه تعالى والعياذ بالله خائن أو ما أشبه ذلك.
* * *
قال الله تعالى فيما سبق من الفوائد:
* أولًا: انتفاء الشفاعة عن المكذبين للرسل، أنه لا يُشفَع لهم. منين تؤخذ؟
* طالب: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء ١٠٠].
* الشيخ: من قوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾.
* وفيها أيضًا من الفوائد: سب هؤلاء بعضهم بعضًا.
* طالب: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء ٩٧ - ٩٩].
* الشيخ: فإن هذا قدح فيهم؛ من جهة أنهم أضلوهم، ومن جهة أنهم مجرمون.
* وفيه دليل على انتفاء التشبيه عن الله.
* طالب: قولهم: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ٩٧، ٩٨].
وهذا التشبيه (...) تشبيه الخالق بالمخلوق أو المخلوق بالخالق؟
* الطالب: تشبيه المخلوق بالخالق.
* الشيخ: المخلوق بالخالق، إي نعم.
* ويستفاد من هذا الحديث: إثبات الشفاعة للمؤمنين.
* طالب: من قوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء ١٠٠] نفوا أن يكونوا شافعين (...).
* الشيخ: إي، كأنهم رأوا أن المؤمنين يشفعون بعضهم لبعض قالوا: نحن ما لنا من شافعين ولا صديق حميم.
* وفيه دليل على الندم البالغ الذي يصيب هؤلاء في ذلك اليوم.
* طالب: من قوله (...) لو رجع إلى الدنيا.
* الشيخ: لو رجعنا إلى الدنيا ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٠٢]. هذا التمني هل هو صحيح؛ لو رجعوا لكانوا مؤمنين؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ويش الدليل؟
* الطالب: لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨].
* الشيخ: قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
طيب نوح عليه الصلاة والسلام من هو؟
* طالب: هو أول رسل الله؟
* الشيخ: أول رسول أرسله الله.
* الطالب: أول رسول أرسله الله إلى الأرض.
* الشيخ: ويش الدليل؟
* الطالب: الدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣] فكونه أوحى إلى نوح (...).
* الشيخ: (...) الدلالة من الآية؟
* الطالب: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ كما أنه أوحي إليك ورسول إلى هؤلاء فإن نوحًا قد أُرسل من قبل.
* الشيخ: ما يلزم من كونه قبل الرسول عليه الصلاة والسلام أن يكون أول الرسل.
* الطالب: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ نعم هذا.
* الطالب: يدل على أنه قبلهم.
* الشيخ: وأيضًا في «حديث الشفاعة: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣/ ٣٢٢) من حديث أنس.]] صريح. كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] مع أنه أول الرسل؟
* طالب: أن رسالة الأنبياء واحدة، فمكذبو نوح عليه السلام لم يكذبوه لشخصه أو لأن اسمه نوح، ولكن كذبوه لأن ما جاء به هو التوحيد، فلو جاء كل نبي بالتوحيد لكذبوه، فهم مكذبون بالمرسلين. أو أنه لطول مكثه عليه السلام في قومه مئة سنة إلا خمسين عامًا كأنه رسل.
* الشيخ: نعم، طيب.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن التكذيب بالحق من شخص تكذيب به من جميع الأشخاص.
* طالب: قوله: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥].
* الشيخ: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ مع أنه ما كذبه إلا واحد، لكن في الحقيقة هم كذبوا الحق، سواء جاء به نوح أو غيره، ولهذا صاروا مكذِّبين لجميع الرسل.
* وفيه دليل على أن نوحًا أُرسل إلى جميع الناس.
* طالب: لأن قوم نوح هم أول الناس.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما يكفي هذا.
* طالب: لقوله تعالى: ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء ١٠٥]، ولم يقل: أخوهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: (...) أخوهم.
* الشيخ: كتير قال: أخوهم، كل (...) أخوهم إلا شعيبًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: فيه دليل على أن نوحًا بُعث إلى جميع الناس.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما (...) وجه الدلالة من هذا، أنا أقول هكذا فما وجه الدلالة؟
* طالب: قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] فهم قد كذبوا عامة المرسلين، فيدل على أنهم جمع للمرسلين (...).
* الشيخ: لا.
ما دمنا قلنا: إنه أول الرسل، أول رسول ومرسل إلى قومه، يعني ما فيه أحد غيره، لو كان ثمة رسول لشاركه في الأولية.
* طالب: (...).
* الشيخ: قررنا أن نوحًا .. المشكلة في نوح فسرناها بأنه الرسول الذي بعثه الله تعالى أول ما بعث من الرسل.
* طالب: قد يقول قائل: نعم ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] القوم الذين بُعث فيهم لوحدهم، وفيه أقوام ما أُرسل إليهم.
* الشيخ: ما يمكن، ولهذا إحنا قلنا أمس، قلنا: يحتمل أن الله بعث رسلًا آخرين بعد بعثة نوح في زمنه إلى قوم آخرين، فلا يكون مرسَلًا إلى جميع الناس، لكن على كل حال ما دام أول لحظة بُعث إلى هؤلاء يكون ما فيه رسول غيره.
وقد قلنا: إن هذا لا ينافي عموم رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه في ذلك الوقت ما فيه إلا قومه ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]. وهذا أمر ليس قصدًا وإنما هو باتفاق، وقع اتفاقًا.
ومعنى وقع اتفاقًا أن الله تعالى لما أرسله لم يكن في الأرض سوى قومه. أما الرسول عليه الصلاة والسلام فإن الأقوام كثيرون: بنو إسرائيل والعرب والأجناس الأخرى، ومع ذلك فهو مبعوث إليهم جميعًا.
الشعراء 26:104
(﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ كما للمؤمنين من الملائكة والنبيين والمؤمنين)، ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ كلمة (ما) استفهامية ولَّا نافية؟
* طالب: نافية.
* الشيخ: نافية، والدليل إتيان (مِن) المؤكدة ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾، وأصله: فما لنا شافعون، لكن أوتي بـ(مِن) للتوكيد.
والشافع هو المتوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة؛ كشفاعة النبي ﷺ لأهل الموقف أن يُقْضَى بينهم من باب الشفاعة لدفع المضرة والمشقة، وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة من باب جلب المنافع.
فالشفاعة هي التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة، وإن شئت فقل: بدفع الضير أو جلب الخير.
هم ليس لهم شافعون؛ لأن من شرط الشفاعة؟
* طالب: من شرط الشفاعة (...).
* الشيخ: وغيره؟
* الطالب: وغيره أن يكون المشفوع له مؤمنًا.
* الشيخ: ويش الدليل؟
* الطالب: الدليل ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨].
* الشيخ: نعم، هؤلاء لا يرتضيهم الله، فهم يقولون: ﴿مَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾؛ يعني: ما لنا أحد يشفع إطلاقًا، لا من الأنبياء ولا من غيرهم؛ لأن من شرط الشفاعة أن يرضى الله تبارك وتعالى عن المشفوع له وعن الشافع. يرضى عن الشافع؟
* طالب: من باب أولى.
* الشيخ: من باب أولى، نعم، إذا كان لا بد من رضا الله عن المشفوع له فعنِ الشافع من باب أولى.
وإما الإذن فهو شرط أيضًا، حتى مع رضا الله عن هذا وهذا لا بد أيضًا من الإذن، والله تبارك وتعالى لا يأذن بالشفاعة إلا لمن يرضاه، فصار لا بد من الشرطين، لا يقال مثلًا: إنه إذا ارتضى شخصًا لا بد أن يأذن له، قد يأذن، وقد لا يأذن، ولكن نعلم أنه لم يأذن إلا لمن ارتضى، وهؤلاء لا يرتضيهم الله.
﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾. ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ هذه معطوفة على ﴿شَافِعِينَ﴾ باعتبار اللفظ، لو عطف عليها باعتبار المحل لكانت (ولا صديقٌ)؛ لأن ﴿شَافِعِينَ﴾ في محل مبتدأ.
﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ الصديق من صدَقَك الود؛ يعني: الصاحب الصادق في وُدِّه يسمونه صديقًا، وهو أخص من الصاحب، فكل صديق صاحب، وليس كل صاحب صديقًا.
وأما الحميم فإنه القريب، أو أنه يبالغ في الصداقة بحيث يحنو عليك، ثم يحنو القريب. والمؤلف يقول: (أي: يهمه أمرنا)؛ لأن الصديق الحميم الحاني العاطف أو القريب يهمه أمر صاحبه كصديقه.
فهل هذه الصفة (حميم) صفة كاشفة أو صفة مقيدة؟ كاشفة، إذا قلنا: ما من صديقٍ إلا وهو حميم، فهي صفة كاشفة، وإذا قلنا: قد يكون صديقًا لكنه ليس بحميم، فهذه الصفة مقيدة بشرط أن نجعل الحميم هنا بمعنى القريب؛ لأنه قد يكون صديقًا وليس قريبًا، فإذا جعلنا الحميم بمعنى الحاني الذي يكون كالقريب لحنوه وعطفه، فهي صفة كاشفة. لكن إذا قلنا: (حميم) قريب صارت مقيدة؛ لأن ما كل صديقٍ يكون قريبًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، كيف؟ يعني إذا قلنا: (ولا صديق حميم) صار هذان وصفين؛ الصداقة والقرابة، ولَّا لا؟ إذن صفة القرابة ما معناها صفة الصداقة، يكون صديق وغير قريب ما فيه مانع.
* طالب: يوم القيامة.
* الشيخ: (...) يوم القيامة لكن ما تنفعه القرابة ولا الصداقة.
﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ (رجعة إلى الدنيا)، ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (لو) للتمني؛ يعني: ليس لنا كرَّة؛ يعني رجعة إلى الدنيا، ﴿فَنَكُونَ﴾ الفاء للسببية، (نكون) منصوبة بـ(أن) مضمرة بعد فاء السببية لتقدم التمني، ولهذا يقول: (لو هنا للتمني، و(نكون) جوابه).
﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾؛ يعني: ليت أن لنا كرَّةً، ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقولوا: (ليت) لأن المقام مقام تذلل وخضوع، و(لو) في التمني أقل من (ليت)؛ لأن (ليت) صريحة في الطلب، و(لو) فيها نوع من اللين والعرض؛ مثلما تقول للإنسان الذي تمنى أن يزورك: لو أنك تزورني، فإن (لو) هذه للتمني بلا شك، لكنها تَمَنٍّ فيه لين وعرض ولطف، والمقام هنا يقتضيه؛ لأنهم في مقام ذلٍّ -والعياذ بالله- وخضوع، فلم يقولوا: ليتنا نرجع، ولكنهم يقولون: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، على أنهم في سورة الأنعام يقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام ٢٧].
فيقال: الجمع بينهما أن لهم حالات أحيانًا يقولون بهذا، وأحيانًا يقولون بهذا. لكن أيهم الأول (ليت) أو (لو)؟ الظاهر (ليت) هي الأولى؛ يعني كأنهم يكونون بالأول بعزم على التمني، ثم إذا لم يحصل لهم رجعوا إلى الخضوع والعرض.
لو أنهم رُدُّوا هل يرجعون؟ يقول الله عز وجل في سورة الأنعام: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨]، هذا الخبر الصادق؛ يعني ليس قولهم: إننا إذا رجعنا نكون من المؤمنين، هذا خبر كاذب الخبر الصادق ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قولهم: إننا ﴿نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
* طالب: في نفس المقام (...) فعل الله ﴿لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنها فعل الله يمكن (...) تلك الساعة يقولونها صدقًا، ولكن الله أخبر بأنهم إذا رجعوا سيعودون إلى الكفر.
﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: من المصدقين (...) الملتزمين بالعمل؛ لأن الإيمان وحده لا ينفع إذا لم يستلزم العمل فليس بإيمان، ولهذا نقول: الكفار الذين (...) مؤمنون ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]، لكن لكونهم لا ينقادون لم ينتفعوا بإيمانهم. إبليس مؤمن ولَّا لا؟
* طلبة: مؤمن.
* الشيخ: بمعنى التصديق مؤمن، لكنه مستكبر، فلم ينفعه إيمانه. وأذكر أنه حينما صعد أول رجل إلى الفضاء من روسيا وشاهد الكون أعلن بأن هذا الكون له مدبر، فجاء أصحابه..
أبدًا، يكون أشد من غيره، إذا تبين له الأمر، الآن تبين له الآن (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) حتى (...) منه.
* طالب: إذا قلنا مثلًا: الإيمان قول وعمل واعتقاد، على هذا مثلًا نخرِج كل مثلًا من قال بلسانه أو اعتقد بقلبه كإبليس وفرعون.
* الشيخ: إذا لم ينقد نعم، إذا لم ينقد فإنه ليس بمؤمن، معلوم.
ولهذا قلنا: إن الإيمان هو التصديق المستلزِم للقبول والانقياد؛ قبول الخبر والانقياد للأمر (...)، هذا الإيمان، وأما مجرد الإنسان يقول: أنا مؤمن بالله وأنا أعترف بأن الله موجود وأن له رسلًا، لكنه ما يعمل، ما ينفعه هذا الإيمان.
* طالب: هو أصله ما يحصل بالنفس.
* الشيخ: هو إيمان لأن الإيمان الذي ينفع هو ما ذكرت، أما الإيمان فهو يطلق على مجرد التصديق. (...) هذا مؤمن بشيء لكنه كافر بأشياء، إنما الإيمان الشرعي نعم ينفع نقول: هذا ليس بمؤمن يعني إيمانًا شرعيًّا، أما لغةً فهو مؤمن.
* طالب: فضيلة الشيخ، كل من كان مستكبِرًا فهو أشر.
* الشيخ: (...) لأن الذي يتبين له الحق وهو يستكبر عنه يكون كفره كفر عناد، واللي ما يعرف الحق وهو الآن يعمل بعمل أهل الكفر فهذه كفره كفر جحد.
فالنصارى الآن في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، يعني قبل بعثته، يعتبرون ضالين، وبعد أن بُعث وتبين لهم الحق يكونون مغضوبًا عليهم؛ إذ لا فرق بينهم وبين اليهود، كل منهم بُشر بمحمد عليه الصلاة والسلام. والله تعالى يقول في وصف الرسول: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف ١٥٧] معروف، وكفرهما على حد سواء، ولهذا ما يصح أن نقول: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة ٨٢]، هذه ما تنطبق على زماننا هذا، ولا على ما قبله بأزمنة؛ لأن الله بيَّن: ﴿ذَلِكَ﴾ العلة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة ٨٢- ٨٣] الآن منهم الصدِّيقون والرُّهبان مستكبرون عن الحق، داعون إلى الضلال والعياذ بالله، فلا يمكن أن ينطبق عليهم هذا الوصف، وعداوتُهم الآن للمسلمين وللذين آمنوا أيضًا خاصة، للذين آمنوا، لا للمسلمين فقط، عداوتهم ظاهرة، وهم لا ينسون أبدًا غزوات المؤمنين لهم في عُقر دارهم، ولا ينسون أبدًا الحروب الصليبية، ولا ينسون الافتتاح العظيم الذي حصل بديار أهلهم، فإن بلاد الروم كلها أُخذت، والروم كلهم نصارى، أخذت على أيدي المسلمين.
يقول الله تعالى: (﴿﴿إنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ ﴾ المذكور من قصة إبراهيم وقومه ﴿﴿لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴾ [الشعراء: ١٠٣-١٠٤]) هذه سبق الكلام عليها، لكن يجب علينا أن نعرف أن الله تعالى إذا قال عن شيء: إن فيه آية يجب ألا نأخذه مأخذ الظاهر فقط، فلنتأمل ويش هالآيات هذي.
وقوله: ﴿فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ هل المراد في جملة القصة، أو في كل قطعة من القصة؟ الإشارة إلى المجموع بلا شك، ففي كل قطعة منها آية، وفي اجتماع هذه القطع بعضها إلى بعض أيضًا آية، فتكون الآية موزعة على كل قطعة، وتكون الآية أيضًا اجتماع هذه الأشياء جميعًا يكون فيه آية.
إنما المهم أن الله تعالى إذا قال لك: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ يجب عليك أن تتأمل وتتفكر وتعتبر؛ لتُظهِر هذه الآية.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ سبق أن الضمير في قوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ الراجح أنه يعود إلى من كانوا في عهد النبي ﷺ.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه حجازية ولَّا تميمية؟
* طالب: هذه حجازية.
* طالب آخر: هذه حجازية لكن (...).
* الشيخ: هذا الصواب، ولهذا بعض الطلبة يتوهم أن (ما) هي التي عملت، والصواب أن اللي عمل (كان)؛ لأنك إذا جعلتَ (ما) هي العاملة جعلت (كان) زائدةً. والأصل عدم الزيادة، (...) هو نفي للكون ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني لم يكن أكثرهم من ضمننا.
ثم قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] المؤلف يبغي يذكر جوابًا على تأنيث الفعل مع أن الفاعل مذكر.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ أولًا نوح عليه الصلاة والسلام هو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، أول رسول بُعِث إلى أهل الأرض هو نوح عليه الصلاة والسلام. وآدم أول نبي نُبِّئَ، فإنه كان نبيًّا بلا شك، ونوح أول رسول. وإنما كان آدم نبيًّا للضرورة؛ لأنه لا بد أن يتعبد لله، ولا عبادة لله إلا بما شرع، ولا شرع إلا بوحي، لكنه لم يرسَل؛ لعدم دعاء الحاجة إلى ذلك؛ إذ الناس كانوا متفقين، فلما اختلفوا بعث الله الرسل؛ ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة ٢١٣] وفي قراءة ابن عباس: ﴿﴿فاختلفوا﴾ ﴾ وهذه جملة لا داعي لها؛ لأنها مفهومة من قوله: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣].
فعلى كل حال في عهد آدم ما حاجة إلى الرسالة، إنما النبوة فقط، وهو يتعبد لله وأبناؤه، بل أولاده يتبعونه في ذلك على وجه الاتفاق بينهم، ولما كثُرت الأمة وانتشرت في الأرض اختلفت، فصارت الحاجة داعية بل الضرورة داعية إلى إرسال الرسل، فبعث الله تعالى نوحًا، وهو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض؛ كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، وكما هو صحيح صريح في «حديث الشفاعة أنهم يذهبون إلى نوح فيقولون له من جملة ما يتوسلون به إليه: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣/ ٣٢٢) من حديث أنس.]]، لكن إذا قلنا: إنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض فهل نقول: إنه أُرسِل إلى الناس كافة؟
فيحتاج حينئذ إلى أن نجمع بينه وبين قول النبي ﷺ: «وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١) من حديث جابر بن عبد الله.]].
* طالب: (...).
* الشيخ: هم يقولون: أول رسول، الأولية ما تصدق إلا بالانفراد، ولَّا لا؟
* طالب: بلا.
* الشيخ: لأنه لو شاركه غيرُه ما كان هو الأول، كان هو وغيره هو الأول.
فقد يقول قائل: لعل أحدًا بُعث في زمنه، بُعث في حياته لكن في غير مكانه. وقد نقول بظاهر الأول وأنه إنما بُعث إلى الناس لأن الناس كانوا في ذلك الوقت أمة واحدة قليلين لم ينتشروا كثيرًا في الأرض، فكان هؤلاء الناس بمنزلة القوم في الرسل الذين بعدهم.
وعلى هذا الطريق نَسلَم من الإشكال الآخر، وهو أن الله تعالى أغرق جميع أهل الأرض في عهد نوح إلا من آمن معه؛ إذ يقال: كيف يغرقون ولم يُبعَث إليهم رسول؟! فلولا أن نوحًا كان رسولًا إليهم ما أُغرقوا جميعًا.
وإن كان من الجائز أن يُقال: لعله أيضًا الذين بُعث إليهم في زمنه كذبوا رسلهم، لكن ظاهر الآيات أن الذين غرقوا إنما غرقوا بسؤال نوح.
على كل حال هذا إشكال دائر بين العلماء من قديم، وقد أجابوا على ذلك بأن نوحًا عليه الصلاة والسلام كانت رسالته إلى الناس كافةً في ذلك الوقت عرَضًا لا أصلًا. وفرق بين من يأتي إلى أمم مختلفة أُرسل إلى كل أمة رسول، ثم يقال لهؤلاء الأمم كلهم: يجب أن تتبعوا هذا الرسول لتكونوا أمةً واحدةً، وبين من لم يُبعَث إلا في قومه فقط؛ في أمة واحدة فقط؛ فإن كونه مبعوثًا إليهم جميعًا على سبيل الاتفاق والعرَض، لا على سبيل القصد. وبهذا تظهر الميزة بين محمد ﷺ وبين نوح عليه الصلاة والسلام، ونسلَم من الإشكال، فنقول: نوح أُرسِل إلى قومه، وليس هناك أمم مختلفة يجب أن يتوحدوا على رسول كما كان في عهد النبي محمد ﷺ. وكونه مرسَلًا إلى جميع الناس في ذلك الوقت ليس من باب القصد، بل هو من باب الاتفاق والعرَض، يعني أنه اتفق أن الناس كلهم انحصروا في قوم نوح. فهنا ما قُصِد من رسالته أن تكون شاملة لجميع الأمم، بخلاف رسالة النبي ﷺ؛ فإنه قُصد أن تكون شاملة، وأن يتوحد اليهود والنصارى والمجوس والوثنيون كلهم يتوحدون في أمة واحدة؛ لفرقٍ بين العمومين؛ العموم القصدي والعموم الاتفاقي العرَضي.
هذا نوح يقول الله: إن قومه كذبوا المرسلين، ونحن نعلم أنهم ما كذبوا إلا رسولًا واحدًا، ولَّا لا؟ ليس قبله أحد حتى نقول: كذبوا هذا وهذا، يقول المؤلف في الجواب عن هذا: (بتكذيبهم له لاشتراكهم) أي المرسلين (في المجيء بالتوحيد) إذا اشتركوا كلهم في المجيء بتوحيد الله عز وجل والقيام في طاعته صاروا جنسًا واحدًا، وتكذيب واحد من الجنس تكذيب للجميع؛ إذ إنهم لم يكذبوا نوحًا لأنه اسمه نوح، لكن كذبوا نوحًا لأنه جاء وقال: إنه من رب العالمين. وعلى هذا فإذا جاء هود كذبوه ولَّا لا؟
* طالب: بلا كذبوه.
* الشيخ: بلا؛ إذ لا فرق. إذا جاء صالح كذبوه، إذا جاء موسى كذبوه، إذا جاء محمد كذبوه، لماذا؟ لأنهم كذبوه للجنس لا للشخص؛ لأنه أتى بما يخالف ما هم عليه، فكذبوه لذلك، فيكونون مكذبين لجميع الرسل.
ولهذا الآن نقول للنصارى الذين يدعون أنهم مؤمنون بعيسى عليه الصلاة والسلام: إنكم كافرون به مكذبون له، لماذا؟ لأنهم كذبوا محمدًا ﷺ، لا سيما وأن رسولهم ﷺ عيسى بشرهم به ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦]، وهل يبشرهم بمن ليس لهم؟ لا يبشرهم بمن ليس لهم، أرأيت لو أن مولودًا لفلان وُلد، هل أجيء إليك وأقول: أبشر بمولود فلان؛ إذا كان ما بينك وبينه ارتباط؟ لو أن إنسانًا قدِم ليوزع جوائز على آل فلان، هل أبشرك بقدومه؟ أبدًا، ولو بشرت به لَعُدَّ سَفَهًا. إذن لم يبشرهم عيسى إلا لأنه رسول إليهم، ولهذا قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ يعني عينه بالاسم حتى لا يبقى فيه إشكال فيما بعد، ولكن -والعياذ بالله- هم كفروا بالنبي عليه الصلاة والسلام ليكونوا من الكافرين بعيسى بن مريم.
واليهود كذلك كفرهم بمحمد عليه الصلاة والسلام كفر بموسى وبالتوراة التي وُجد فيها رسولُ الله مكتوبًا عندهم ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦] مثلما أن الإنسان يعرف ابنه؛ هم يعرفون محمدًا ﷺ بوصفه، ولكنه الاستكبار والعياذ بالله.
* طالب: ﴿اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ من قَبيل العَلَمية ولا من قبيل الوصف؟
* الشيخ: لا من قبيل العلمية؛ لأن الرسول سمى نفسه أحمد في غير حديث. من قبيل العلمية.
* طالب: شيخ بالنسبة لآدم نقول: إنه نبي وليس برسول، يعني لأنه نُبِّئَ بالشرع فهو يتعبد به؟
* الشيخ: يتعبد به ولم يختلف عليه أحد.
* الطالب: طيب أولاده كيف وصلت إليهم (...)؟
* الشيخ: رأوه يفعل ففعلوا؛ لأن عادة أن الإنسان يقلد من هو أكبر منه، وليس هناك موانع وفوارق تمنعهم وتفرقهم عن تقليده.
* الطالب: قد تكون فيه أشياء قولية تحتاج إلى تفسير؟
* الشيخ: هو يمكن فهَّمهم، سيفههم، يفههم من فعله ومن قوله، إذا رأوه يقول ويفعل قالوا وفعلوا مثله.
* الطالب: إذن صار مرسلًا.
* الشيخ: لا، المرسَل: المبلَّغ المكلَّف، أما هذا فليس بمكلَّف. ولهذا نقول مثلًا: إن الجن انتفعوا برسالة موسى، ولَّا لا؟ والمعروف عند أهل العلم أنه لم يصل إليهم، وأنه ما أُرسل إلى أحد من الجن إلا محمد ﷺ، (...) ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف ٣٠] وهذا يدل على أنهم كانوا منتفعين بكتاب موسى.
* طالب: أهل العلم أيش دليلهم على أن الرسل السابقين لم (...) ما دام الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]؟
* الشيخ: يقولون: إن النبي يُبعث إلى قومه، وقومه: قبيلته ومن يتصل بهم، والجنُّ ليسوا من جنسه حتى يكونوا من قومه.
* طالب: (...).
* الشيخ: صحيح، هذه ما تدل على عموم الرسالة إلى الجن؛ لأن الجن ليسوا من الناس، لكن في كون الرسول عليه الصلاة والسلام يجتمع بهم ويواعدهم، ويتلو عليهم القرآن، ويخبرهم بما فيه يدل على أنه مرسَل إليهم.
* طالب: (...) يعني ما فيها نفي (...) أرسل (...).
* الشيخ: لا، (...) يرسل إلى قومه، والجن ليسوا منهم.
* الطالب: الجن الذين يعيشون عند القدوم؟
* الشيخ: لا، أوافق (...) من الإنس والجن، حتى لو قال: من الجن لكان في النفس منها شيء؛ لأن الجن ليسوا من قومه.
* الطالب: وإنما يعيشون عند القوم.
* الشيخ: ولو عاشوا، لو عاشوا عند قوم ما صاروا منهم.
* الطالب: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦] (...) يعبدون (...) بالهوى، إلا بشرع.
* الشيخ: يبقى عندنا (بشرع)، كلمة (بشرع)، هم يتعبدون لله بشرع (...) لكن هل منهم رسل أو ليس منهم رسل؟ هذه المسألة أيضًا موضع نزاع بين العلماء؛ منهم من قال: منهم رسل؛ لقوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام ١٣٠] ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ والرسول لا بد أن يكون من جنس مَن أُرسِل إليه؛ لقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام ٩]، ولا يمكن أن يُرسَل إلى الجن بشر.
ومنهم من قال: إن قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ يعود إلى المخاطَبين باعتبارهم مجموعًا ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ يخاطب اثنين، والضمير في ﴿مِنْكُمْ﴾ يعود إلى أحد الاثنين.
مثلما قالوا على زعمهم: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن ١٩ - ٢٢] وزعموا أن اللؤلؤ والمرجان لا يخرج إلا من المالح، وإن كان الصواب أنه يخرج منهما جميعًا، لكن على كل حال عود الضمير على واحد من المجموع إذا فُقد الجميع سائغ لغةً.
وبعضهم يقول: إن المراد بالرسل هنا النُّذُر، فسُمُّوا رُسُلًا لمشابهتم لهم، والنذر لا شك أنهم يأتون إلى الجن كما يأتون إلى الإنس.
* طالب: شيخ، (...) الراجح (...).
* الشيخ: الراجح أنه ليس منهم رسول؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف ١٠٩]، والجن لا يُسَمَّونَ رجالًا.
* طالب: ثبت في الحديث أن أحد ابني آدم قتل (...) فهذا يدل على (...).
* الشيخ: إي نعم، ما فيه شك أن العدوان لا بد منه، يعني هذه (...) ولكن هذا لا يلزم منه أن يستكبر عن عبادة الله (...) ألا يصلي، ألا يصوم، ألا يتعبد، مثلما (...) العدوان من كثير من العُبَّاد.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا (...)، لكن الأنبياء؛ لأن النبي غير الرسول، النبي من أُوحي إليه.
* الطالب: (...) لأن لم يوح إلى (...).
* الشيخ: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء ١٦٣] يعني معه لأن الوحي الذي يُشَبَّه بوحي محمد عليه الصلاة والسلام هو من نوح فما دونه. الوحي المشَبَّه بوحي الله إلى رسوله محمد ﷺ هو ما كان لنوح ومن بعده؛ ليش؟ لأنه وحي مقرون بالإنسان.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...) هو بالأصل، الأصل هو (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، لكن آدم عليه الصلاة والسلام ما هو كما أوحى الله إلى محمد عليه الصلاة والسلام. هو وحي خاص فقط غير مكلَّف بتبليغه.
* طالب: (...) مخبِرًا أنه سوف (...)؟
* الشيخ: إذا قال: إنه غير مقصِّر انتهينا، قال مستكبرًا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إذا صار عامةً نقول: لا، إن الله تعالى بشركم أيها النصارى على لسان عيسى نبيكم بمحمد.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نقول: إذا كنت لا تعتقد إلا أنه مخبِر بأنه سوف يُبعَث رسول فإن هذا من ضلال قومه الذين أضلوه، وإلا ما فيه شك، ما عندنا شك أن عيسى بشر بمحمد عليه الصلاة والسلام، بشرهم (...) البشارة.
* طالب: ابن القيم (...).
* الشيخ: ما هو فيه شك، من كذب أي رسول فهو منكر لله، أو واصف الله بما لا يستحق؛ لأن الله تعالى يؤيد الرسول بالآيات، فإذا كان ثابتًا لزم أن يكون الله تعالى غير موجود أو أنه تعالى والعياذ بالله خائن أو ما أشبه ذلك.
* * *
قال الله تعالى فيما سبق من الفوائد:
* أولًا: انتفاء الشفاعة عن المكذبين للرسل، أنه لا يُشفَع لهم. منين تؤخذ؟
* طالب: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء ١٠٠].
* الشيخ: من قوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾.
* وفيها أيضًا من الفوائد: سب هؤلاء بعضهم بعضًا.
* طالب: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء ٩٧ - ٩٩].
* الشيخ: فإن هذا قدح فيهم؛ من جهة أنهم أضلوهم، ومن جهة أنهم مجرمون.
* وفيه دليل على انتفاء التشبيه عن الله.
* طالب: قولهم: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ٩٧، ٩٨].
وهذا التشبيه (...) تشبيه الخالق بالمخلوق أو المخلوق بالخالق؟
* الطالب: تشبيه المخلوق بالخالق.
* الشيخ: المخلوق بالخالق، إي نعم.
* ويستفاد من هذا الحديث: إثبات الشفاعة للمؤمنين.
* طالب: من قوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء ١٠٠] نفوا أن يكونوا شافعين (...).
* الشيخ: إي، كأنهم رأوا أن المؤمنين يشفعون بعضهم لبعض قالوا: نحن ما لنا من شافعين ولا صديق حميم.
* وفيه دليل على الندم البالغ الذي يصيب هؤلاء في ذلك اليوم.
* طالب: من قوله (...) لو رجع إلى الدنيا.
* الشيخ: لو رجعنا إلى الدنيا ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٠٢]. هذا التمني هل هو صحيح؛ لو رجعوا لكانوا مؤمنين؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ويش الدليل؟
* الطالب: لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨].
* الشيخ: قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
طيب نوح عليه الصلاة والسلام من هو؟
* طالب: هو أول رسل الله؟
* الشيخ: أول رسول أرسله الله.
* الطالب: أول رسول أرسله الله إلى الأرض.
* الشيخ: ويش الدليل؟
* الطالب: الدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣] فكونه أوحى إلى نوح (...).
* الشيخ: (...) الدلالة من الآية؟
* الطالب: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ كما أنه أوحي إليك ورسول إلى هؤلاء فإن نوحًا قد أُرسل من قبل.
* الشيخ: ما يلزم من كونه قبل الرسول عليه الصلاة والسلام أن يكون أول الرسل.
* الطالب: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ نعم هذا.
* الطالب: يدل على أنه قبلهم.
* الشيخ: وأيضًا في «حديث الشفاعة: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣/ ٣٢٢) من حديث أنس.]] صريح. كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] مع أنه أول الرسل؟
* طالب: أن رسالة الأنبياء واحدة، فمكذبو نوح عليه السلام لم يكذبوه لشخصه أو لأن اسمه نوح، ولكن كذبوه لأن ما جاء به هو التوحيد، فلو جاء كل نبي بالتوحيد لكذبوه، فهم مكذبون بالمرسلين. أو أنه لطول مكثه عليه السلام في قومه مئة سنة إلا خمسين عامًا كأنه رسل.
* الشيخ: نعم، طيب.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن التكذيب بالحق من شخص تكذيب به من جميع الأشخاص.
* طالب: قوله: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥].
* الشيخ: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ مع أنه ما كذبه إلا واحد، لكن في الحقيقة هم كذبوا الحق، سواء جاء به نوح أو غيره، ولهذا صاروا مكذِّبين لجميع الرسل.
* وفيه دليل على أن نوحًا أُرسل إلى جميع الناس.
* طالب: لأن قوم نوح هم أول الناس.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما يكفي هذا.
* طالب: لقوله تعالى: ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء ١٠٥]، ولم يقل: أخوهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: (...) أخوهم.
* الشيخ: كتير قال: أخوهم، كل (...) أخوهم إلا شعيبًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: فيه دليل على أن نوحًا بُعث إلى جميع الناس.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما (...) وجه الدلالة من هذا، أنا أقول هكذا فما وجه الدلالة؟
* طالب: قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] فهم قد كذبوا عامة المرسلين، فيدل على أنهم جمع للمرسلين (...).
* الشيخ: لا.
ما دمنا قلنا: إنه أول الرسل، أول رسول ومرسل إلى قومه، يعني ما فيه أحد غيره، لو كان ثمة رسول لشاركه في الأولية.
* طالب: (...).
* الشيخ: قررنا أن نوحًا .. المشكلة في نوح فسرناها بأنه الرسول الذي بعثه الله تعالى أول ما بعث من الرسل.
* طالب: قد يقول قائل: نعم ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] القوم الذين بُعث فيهم لوحدهم، وفيه أقوام ما أُرسل إليهم.
* الشيخ: ما يمكن، ولهذا إحنا قلنا أمس، قلنا: يحتمل أن الله بعث رسلًا آخرين بعد بعثة نوح في زمنه إلى قوم آخرين، فلا يكون مرسَلًا إلى جميع الناس، لكن على كل حال ما دام أول لحظة بُعث إلى هؤلاء يكون ما فيه رسول غيره.
وقد قلنا: إن هذا لا ينافي عموم رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه في ذلك الوقت ما فيه إلا قومه ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]. وهذا أمر ليس قصدًا وإنما هو باتفاق، وقع اتفاقًا.
ومعنى وقع اتفاقًا أن الله تعالى لما أرسله لم يكن في الأرض سوى قومه. أما الرسول عليه الصلاة والسلام فإن الأقوام كثيرون: بنو إسرائيل والعرب والأجناس الأخرى، ومع ذلك فهو مبعوث إليهم جميعًا.
الشعراء 26:105
(﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ كما للمؤمنين من الملائكة والنبيين والمؤمنين)، ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ كلمة (ما) استفهامية ولَّا نافية؟
* طالب: نافية.
* الشيخ: نافية، والدليل إتيان (مِن) المؤكدة ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾، وأصله: فما لنا شافعون، لكن أوتي بـ(مِن) للتوكيد.
والشافع هو المتوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة؛ كشفاعة النبي ﷺ لأهل الموقف أن يُقْضَى بينهم من باب الشفاعة لدفع المضرة والمشقة، وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة من باب جلب المنافع.
فالشفاعة هي التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة، وإن شئت فقل: بدفع الضير أو جلب الخير.
هم ليس لهم شافعون؛ لأن من شرط الشفاعة؟
* طالب: من شرط الشفاعة (...).
* الشيخ: وغيره؟
* الطالب: وغيره أن يكون المشفوع له مؤمنًا.
* الشيخ: ويش الدليل؟
* الطالب: الدليل ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨].
* الشيخ: نعم، هؤلاء لا يرتضيهم الله، فهم يقولون: ﴿مَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾؛ يعني: ما لنا أحد يشفع إطلاقًا، لا من الأنبياء ولا من غيرهم؛ لأن من شرط الشفاعة أن يرضى الله تبارك وتعالى عن المشفوع له وعن الشافع. يرضى عن الشافع؟
* طالب: من باب أولى.
* الشيخ: من باب أولى، نعم، إذا كان لا بد من رضا الله عن المشفوع له فعنِ الشافع من باب أولى.
وإما الإذن فهو شرط أيضًا، حتى مع رضا الله عن هذا وهذا لا بد أيضًا من الإذن، والله تبارك وتعالى لا يأذن بالشفاعة إلا لمن يرضاه، فصار لا بد من الشرطين، لا يقال مثلًا: إنه إذا ارتضى شخصًا لا بد أن يأذن له، قد يأذن، وقد لا يأذن، ولكن نعلم أنه لم يأذن إلا لمن ارتضى، وهؤلاء لا يرتضيهم الله.
﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾. ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ هذه معطوفة على ﴿شَافِعِينَ﴾ باعتبار اللفظ، لو عطف عليها باعتبار المحل لكانت (ولا صديقٌ)؛ لأن ﴿شَافِعِينَ﴾ في محل مبتدأ.
﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ الصديق من صدَقَك الود؛ يعني: الصاحب الصادق في وُدِّه يسمونه صديقًا، وهو أخص من الصاحب، فكل صديق صاحب، وليس كل صاحب صديقًا.
وأما الحميم فإنه القريب، أو أنه يبالغ في الصداقة بحيث يحنو عليك، ثم يحنو القريب. والمؤلف يقول: (أي: يهمه أمرنا)؛ لأن الصديق الحميم الحاني العاطف أو القريب يهمه أمر صاحبه كصديقه.
فهل هذه الصفة (حميم) صفة كاشفة أو صفة مقيدة؟ كاشفة، إذا قلنا: ما من صديقٍ إلا وهو حميم، فهي صفة كاشفة، وإذا قلنا: قد يكون صديقًا لكنه ليس بحميم، فهذه الصفة مقيدة بشرط أن نجعل الحميم هنا بمعنى القريب؛ لأنه قد يكون صديقًا وليس قريبًا، فإذا جعلنا الحميم بمعنى الحاني الذي يكون كالقريب لحنوه وعطفه، فهي صفة كاشفة. لكن إذا قلنا: (حميم) قريب صارت مقيدة؛ لأن ما كل صديقٍ يكون قريبًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، كيف؟ يعني إذا قلنا: (ولا صديق حميم) صار هذان وصفين؛ الصداقة والقرابة، ولَّا لا؟ إذن صفة القرابة ما معناها صفة الصداقة، يكون صديق وغير قريب ما فيه مانع.
* طالب: يوم القيامة.
* الشيخ: (...) يوم القيامة لكن ما تنفعه القرابة ولا الصداقة.
﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ (رجعة إلى الدنيا)، ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (لو) للتمني؛ يعني: ليس لنا كرَّة؛ يعني رجعة إلى الدنيا، ﴿فَنَكُونَ﴾ الفاء للسببية، (نكون) منصوبة بـ(أن) مضمرة بعد فاء السببية لتقدم التمني، ولهذا يقول: (لو هنا للتمني، و(نكون) جوابه).
﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾؛ يعني: ليت أن لنا كرَّةً، ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقولوا: (ليت) لأن المقام مقام تذلل وخضوع، و(لو) في التمني أقل من (ليت)؛ لأن (ليت) صريحة في الطلب، و(لو) فيها نوع من اللين والعرض؛ مثلما تقول للإنسان الذي تمنى أن يزورك: لو أنك تزورني، فإن (لو) هذه للتمني بلا شك، لكنها تَمَنٍّ فيه لين وعرض ولطف، والمقام هنا يقتضيه؛ لأنهم في مقام ذلٍّ -والعياذ بالله- وخضوع، فلم يقولوا: ليتنا نرجع، ولكنهم يقولون: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، على أنهم في سورة الأنعام يقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام ٢٧].
فيقال: الجمع بينهما أن لهم حالات أحيانًا يقولون بهذا، وأحيانًا يقولون بهذا. لكن أيهم الأول (ليت) أو (لو)؟ الظاهر (ليت) هي الأولى؛ يعني كأنهم يكونون بالأول بعزم على التمني، ثم إذا لم يحصل لهم رجعوا إلى الخضوع والعرض.
لو أنهم رُدُّوا هل يرجعون؟ يقول الله عز وجل في سورة الأنعام: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨]، هذا الخبر الصادق؛ يعني ليس قولهم: إننا إذا رجعنا نكون من المؤمنين، هذا خبر كاذب الخبر الصادق ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قولهم: إننا ﴿نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
* طالب: في نفس المقام (...) فعل الله ﴿لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنها فعل الله يمكن (...) تلك الساعة يقولونها صدقًا، ولكن الله أخبر بأنهم إذا رجعوا سيعودون إلى الكفر.
﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: من المصدقين (...) الملتزمين بالعمل؛ لأن الإيمان وحده لا ينفع إذا لم يستلزم العمل فليس بإيمان، ولهذا نقول: الكفار الذين (...) مؤمنون ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]، لكن لكونهم لا ينقادون لم ينتفعوا بإيمانهم. إبليس مؤمن ولَّا لا؟
* طلبة: مؤمن.
* الشيخ: بمعنى التصديق مؤمن، لكنه مستكبر، فلم ينفعه إيمانه. وأذكر أنه حينما صعد أول رجل إلى الفضاء من روسيا وشاهد الكون أعلن بأن هذا الكون له مدبر، فجاء أصحابه..
أبدًا، يكون أشد من غيره، إذا تبين له الأمر، الآن تبين له الآن (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) حتى (...) منه.
* طالب: إذا قلنا مثلًا: الإيمان قول وعمل واعتقاد، على هذا مثلًا نخرِج كل مثلًا من قال بلسانه أو اعتقد بقلبه كإبليس وفرعون.
* الشيخ: إذا لم ينقد نعم، إذا لم ينقد فإنه ليس بمؤمن، معلوم.
ولهذا قلنا: إن الإيمان هو التصديق المستلزِم للقبول والانقياد؛ قبول الخبر والانقياد للأمر (...)، هذا الإيمان، وأما مجرد الإنسان يقول: أنا مؤمن بالله وأنا أعترف بأن الله موجود وأن له رسلًا، لكنه ما يعمل، ما ينفعه هذا الإيمان.
* طالب: هو أصله ما يحصل بالنفس.
* الشيخ: هو إيمان لأن الإيمان الذي ينفع هو ما ذكرت، أما الإيمان فهو يطلق على مجرد التصديق. (...) هذا مؤمن بشيء لكنه كافر بأشياء، إنما الإيمان الشرعي نعم ينفع نقول: هذا ليس بمؤمن يعني إيمانًا شرعيًّا، أما لغةً فهو مؤمن.
* طالب: فضيلة الشيخ، كل من كان مستكبِرًا فهو أشر.
* الشيخ: (...) لأن الذي يتبين له الحق وهو يستكبر عنه يكون كفره كفر عناد، واللي ما يعرف الحق وهو الآن يعمل بعمل أهل الكفر فهذه كفره كفر جحد.
فالنصارى الآن في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، يعني قبل بعثته، يعتبرون ضالين، وبعد أن بُعث وتبين لهم الحق يكونون مغضوبًا عليهم؛ إذ لا فرق بينهم وبين اليهود، كل منهم بُشر بمحمد عليه الصلاة والسلام. والله تعالى يقول في وصف الرسول: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف ١٥٧] معروف، وكفرهما على حد سواء، ولهذا ما يصح أن نقول: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة ٨٢]، هذه ما تنطبق على زماننا هذا، ولا على ما قبله بأزمنة؛ لأن الله بيَّن: ﴿ذَلِكَ﴾ العلة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة ٨٢- ٨٣] الآن منهم الصدِّيقون والرُّهبان مستكبرون عن الحق، داعون إلى الضلال والعياذ بالله، فلا يمكن أن ينطبق عليهم هذا الوصف، وعداوتُهم الآن للمسلمين وللذين آمنوا أيضًا خاصة، للذين آمنوا، لا للمسلمين فقط، عداوتهم ظاهرة، وهم لا ينسون أبدًا غزوات المؤمنين لهم في عُقر دارهم، ولا ينسون أبدًا الحروب الصليبية، ولا ينسون الافتتاح العظيم الذي حصل بديار أهلهم، فإن بلاد الروم كلها أُخذت، والروم كلهم نصارى، أخذت على أيدي المسلمين.
يقول الله تعالى: (﴿﴿إنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ ﴾ المذكور من قصة إبراهيم وقومه ﴿﴿لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴾ [الشعراء: ١٠٣-١٠٤]) هذه سبق الكلام عليها، لكن يجب علينا أن نعرف أن الله تعالى إذا قال عن شيء: إن فيه آية يجب ألا نأخذه مأخذ الظاهر فقط، فلنتأمل ويش هالآيات هذي.
وقوله: ﴿فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ هل المراد في جملة القصة، أو في كل قطعة من القصة؟ الإشارة إلى المجموع بلا شك، ففي كل قطعة منها آية، وفي اجتماع هذه القطع بعضها إلى بعض أيضًا آية، فتكون الآية موزعة على كل قطعة، وتكون الآية أيضًا اجتماع هذه الأشياء جميعًا يكون فيه آية.
إنما المهم أن الله تعالى إذا قال لك: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ يجب عليك أن تتأمل وتتفكر وتعتبر؛ لتُظهِر هذه الآية.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ سبق أن الضمير في قوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ الراجح أنه يعود إلى من كانوا في عهد النبي ﷺ.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه حجازية ولَّا تميمية؟
* طالب: هذه حجازية.
* طالب آخر: هذه حجازية لكن (...).
* الشيخ: هذا الصواب، ولهذا بعض الطلبة يتوهم أن (ما) هي التي عملت، والصواب أن اللي عمل (كان)؛ لأنك إذا جعلتَ (ما) هي العاملة جعلت (كان) زائدةً. والأصل عدم الزيادة، (...) هو نفي للكون ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني لم يكن أكثرهم من ضمننا.
ثم قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] المؤلف يبغي يذكر جوابًا على تأنيث الفعل مع أن الفاعل مذكر.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ أولًا نوح عليه الصلاة والسلام هو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، أول رسول بُعِث إلى أهل الأرض هو نوح عليه الصلاة والسلام. وآدم أول نبي نُبِّئَ، فإنه كان نبيًّا بلا شك، ونوح أول رسول. وإنما كان آدم نبيًّا للضرورة؛ لأنه لا بد أن يتعبد لله، ولا عبادة لله إلا بما شرع، ولا شرع إلا بوحي، لكنه لم يرسَل؛ لعدم دعاء الحاجة إلى ذلك؛ إذ الناس كانوا متفقين، فلما اختلفوا بعث الله الرسل؛ ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة ٢١٣] وفي قراءة ابن عباس: ﴿﴿فاختلفوا﴾ ﴾ وهذه جملة لا داعي لها؛ لأنها مفهومة من قوله: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣].
فعلى كل حال في عهد آدم ما حاجة إلى الرسالة، إنما النبوة فقط، وهو يتعبد لله وأبناؤه، بل أولاده يتبعونه في ذلك على وجه الاتفاق بينهم، ولما كثُرت الأمة وانتشرت في الأرض اختلفت، فصارت الحاجة داعية بل الضرورة داعية إلى إرسال الرسل، فبعث الله تعالى نوحًا، وهو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض؛ كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، وكما هو صحيح صريح في «حديث الشفاعة أنهم يذهبون إلى نوح فيقولون له من جملة ما يتوسلون به إليه: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣/ ٣٢٢) من حديث أنس.]]، لكن إذا قلنا: إنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض فهل نقول: إنه أُرسِل إلى الناس كافة؟
فيحتاج حينئذ إلى أن نجمع بينه وبين قول النبي ﷺ: «وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١) من حديث جابر بن عبد الله.]].
* طالب: (...).
* الشيخ: هم يقولون: أول رسول، الأولية ما تصدق إلا بالانفراد، ولَّا لا؟
* طالب: بلا.
* الشيخ: لأنه لو شاركه غيرُه ما كان هو الأول، كان هو وغيره هو الأول.
فقد يقول قائل: لعل أحدًا بُعث في زمنه، بُعث في حياته لكن في غير مكانه. وقد نقول بظاهر الأول وأنه إنما بُعث إلى الناس لأن الناس كانوا في ذلك الوقت أمة واحدة قليلين لم ينتشروا كثيرًا في الأرض، فكان هؤلاء الناس بمنزلة القوم في الرسل الذين بعدهم.
وعلى هذا الطريق نَسلَم من الإشكال الآخر، وهو أن الله تعالى أغرق جميع أهل الأرض في عهد نوح إلا من آمن معه؛ إذ يقال: كيف يغرقون ولم يُبعَث إليهم رسول؟! فلولا أن نوحًا كان رسولًا إليهم ما أُغرقوا جميعًا.
وإن كان من الجائز أن يُقال: لعله أيضًا الذين بُعث إليهم في زمنه كذبوا رسلهم، لكن ظاهر الآيات أن الذين غرقوا إنما غرقوا بسؤال نوح.
على كل حال هذا إشكال دائر بين العلماء من قديم، وقد أجابوا على ذلك بأن نوحًا عليه الصلاة والسلام كانت رسالته إلى الناس كافةً في ذلك الوقت عرَضًا لا أصلًا. وفرق بين من يأتي إلى أمم مختلفة أُرسل إلى كل أمة رسول، ثم يقال لهؤلاء الأمم كلهم: يجب أن تتبعوا هذا الرسول لتكونوا أمةً واحدةً، وبين من لم يُبعَث إلا في قومه فقط؛ في أمة واحدة فقط؛ فإن كونه مبعوثًا إليهم جميعًا على سبيل الاتفاق والعرَض، لا على سبيل القصد. وبهذا تظهر الميزة بين محمد ﷺ وبين نوح عليه الصلاة والسلام، ونسلَم من الإشكال، فنقول: نوح أُرسِل إلى قومه، وليس هناك أمم مختلفة يجب أن يتوحدوا على رسول كما كان في عهد النبي محمد ﷺ. وكونه مرسَلًا إلى جميع الناس في ذلك الوقت ليس من باب القصد، بل هو من باب الاتفاق والعرَض، يعني أنه اتفق أن الناس كلهم انحصروا في قوم نوح. فهنا ما قُصِد من رسالته أن تكون شاملة لجميع الأمم، بخلاف رسالة النبي ﷺ؛ فإنه قُصد أن تكون شاملة، وأن يتوحد اليهود والنصارى والمجوس والوثنيون كلهم يتوحدون في أمة واحدة؛ لفرقٍ بين العمومين؛ العموم القصدي والعموم الاتفاقي العرَضي.
هذا نوح يقول الله: إن قومه كذبوا المرسلين، ونحن نعلم أنهم ما كذبوا إلا رسولًا واحدًا، ولَّا لا؟ ليس قبله أحد حتى نقول: كذبوا هذا وهذا، يقول المؤلف في الجواب عن هذا: (بتكذيبهم له لاشتراكهم) أي المرسلين (في المجيء بالتوحيد) إذا اشتركوا كلهم في المجيء بتوحيد الله عز وجل والقيام في طاعته صاروا جنسًا واحدًا، وتكذيب واحد من الجنس تكذيب للجميع؛ إذ إنهم لم يكذبوا نوحًا لأنه اسمه نوح، لكن كذبوا نوحًا لأنه جاء وقال: إنه من رب العالمين. وعلى هذا فإذا جاء هود كذبوه ولَّا لا؟
* طالب: بلا كذبوه.
* الشيخ: بلا؛ إذ لا فرق. إذا جاء صالح كذبوه، إذا جاء موسى كذبوه، إذا جاء محمد كذبوه، لماذا؟ لأنهم كذبوه للجنس لا للشخص؛ لأنه أتى بما يخالف ما هم عليه، فكذبوه لذلك، فيكونون مكذبين لجميع الرسل.
ولهذا الآن نقول للنصارى الذين يدعون أنهم مؤمنون بعيسى عليه الصلاة والسلام: إنكم كافرون به مكذبون له، لماذا؟ لأنهم كذبوا محمدًا ﷺ، لا سيما وأن رسولهم ﷺ عيسى بشرهم به ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦]، وهل يبشرهم بمن ليس لهم؟ لا يبشرهم بمن ليس لهم، أرأيت لو أن مولودًا لفلان وُلد، هل أجيء إليك وأقول: أبشر بمولود فلان؛ إذا كان ما بينك وبينه ارتباط؟ لو أن إنسانًا قدِم ليوزع جوائز على آل فلان، هل أبشرك بقدومه؟ أبدًا، ولو بشرت به لَعُدَّ سَفَهًا. إذن لم يبشرهم عيسى إلا لأنه رسول إليهم، ولهذا قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ يعني عينه بالاسم حتى لا يبقى فيه إشكال فيما بعد، ولكن -والعياذ بالله- هم كفروا بالنبي عليه الصلاة والسلام ليكونوا من الكافرين بعيسى بن مريم.
واليهود كذلك كفرهم بمحمد عليه الصلاة والسلام كفر بموسى وبالتوراة التي وُجد فيها رسولُ الله مكتوبًا عندهم ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦] مثلما أن الإنسان يعرف ابنه؛ هم يعرفون محمدًا ﷺ بوصفه، ولكنه الاستكبار والعياذ بالله.
* طالب: ﴿اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ من قَبيل العَلَمية ولا من قبيل الوصف؟
* الشيخ: لا من قبيل العلمية؛ لأن الرسول سمى نفسه أحمد في غير حديث. من قبيل العلمية.
* طالب: شيخ بالنسبة لآدم نقول: إنه نبي وليس برسول، يعني لأنه نُبِّئَ بالشرع فهو يتعبد به؟
* الشيخ: يتعبد به ولم يختلف عليه أحد.
* الطالب: طيب أولاده كيف وصلت إليهم (...)؟
* الشيخ: رأوه يفعل ففعلوا؛ لأن عادة أن الإنسان يقلد من هو أكبر منه، وليس هناك موانع وفوارق تمنعهم وتفرقهم عن تقليده.
* الطالب: قد تكون فيه أشياء قولية تحتاج إلى تفسير؟
* الشيخ: هو يمكن فهَّمهم، سيفههم، يفههم من فعله ومن قوله، إذا رأوه يقول ويفعل قالوا وفعلوا مثله.
* الطالب: إذن صار مرسلًا.
* الشيخ: لا، المرسَل: المبلَّغ المكلَّف، أما هذا فليس بمكلَّف. ولهذا نقول مثلًا: إن الجن انتفعوا برسالة موسى، ولَّا لا؟ والمعروف عند أهل العلم أنه لم يصل إليهم، وأنه ما أُرسل إلى أحد من الجن إلا محمد ﷺ، (...) ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف ٣٠] وهذا يدل على أنهم كانوا منتفعين بكتاب موسى.
* طالب: أهل العلم أيش دليلهم على أن الرسل السابقين لم (...) ما دام الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]؟
* الشيخ: يقولون: إن النبي يُبعث إلى قومه، وقومه: قبيلته ومن يتصل بهم، والجنُّ ليسوا من جنسه حتى يكونوا من قومه.
* طالب: (...).
* الشيخ: صحيح، هذه ما تدل على عموم الرسالة إلى الجن؛ لأن الجن ليسوا من الناس، لكن في كون الرسول عليه الصلاة والسلام يجتمع بهم ويواعدهم، ويتلو عليهم القرآن، ويخبرهم بما فيه يدل على أنه مرسَل إليهم.
* طالب: (...) يعني ما فيها نفي (...) أرسل (...).
* الشيخ: لا، (...) يرسل إلى قومه، والجن ليسوا منهم.
* الطالب: الجن الذين يعيشون عند القدوم؟
* الشيخ: لا، أوافق (...) من الإنس والجن، حتى لو قال: من الجن لكان في النفس منها شيء؛ لأن الجن ليسوا من قومه.
* الطالب: وإنما يعيشون عند القوم.
* الشيخ: ولو عاشوا، لو عاشوا عند قوم ما صاروا منهم.
* الطالب: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦] (...) يعبدون (...) بالهوى، إلا بشرع.
* الشيخ: يبقى عندنا (بشرع)، كلمة (بشرع)، هم يتعبدون لله بشرع (...) لكن هل منهم رسل أو ليس منهم رسل؟ هذه المسألة أيضًا موضع نزاع بين العلماء؛ منهم من قال: منهم رسل؛ لقوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام ١٣٠] ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ والرسول لا بد أن يكون من جنس مَن أُرسِل إليه؛ لقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام ٩]، ولا يمكن أن يُرسَل إلى الجن بشر.
ومنهم من قال: إن قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ يعود إلى المخاطَبين باعتبارهم مجموعًا ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ يخاطب اثنين، والضمير في ﴿مِنْكُمْ﴾ يعود إلى أحد الاثنين.
مثلما قالوا على زعمهم: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن ١٩ - ٢٢] وزعموا أن اللؤلؤ والمرجان لا يخرج إلا من المالح، وإن كان الصواب أنه يخرج منهما جميعًا، لكن على كل حال عود الضمير على واحد من المجموع إذا فُقد الجميع سائغ لغةً.
وبعضهم يقول: إن المراد بالرسل هنا النُّذُر، فسُمُّوا رُسُلًا لمشابهتم لهم، والنذر لا شك أنهم يأتون إلى الجن كما يأتون إلى الإنس.
* طالب: شيخ، (...) الراجح (...).
* الشيخ: الراجح أنه ليس منهم رسول؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف ١٠٩]، والجن لا يُسَمَّونَ رجالًا.
* طالب: ثبت في الحديث أن أحد ابني آدم قتل (...) فهذا يدل على (...).
* الشيخ: إي نعم، ما فيه شك أن العدوان لا بد منه، يعني هذه (...) ولكن هذا لا يلزم منه أن يستكبر عن عبادة الله (...) ألا يصلي، ألا يصوم، ألا يتعبد، مثلما (...) العدوان من كثير من العُبَّاد.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا (...)، لكن الأنبياء؛ لأن النبي غير الرسول، النبي من أُوحي إليه.
* الطالب: (...) لأن لم يوح إلى (...).
* الشيخ: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء ١٦٣] يعني معه لأن الوحي الذي يُشَبَّه بوحي محمد عليه الصلاة والسلام هو من نوح فما دونه. الوحي المشَبَّه بوحي الله إلى رسوله محمد ﷺ هو ما كان لنوح ومن بعده؛ ليش؟ لأنه وحي مقرون بالإنسان.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...) هو بالأصل، الأصل هو (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، لكن آدم عليه الصلاة والسلام ما هو كما أوحى الله إلى محمد عليه الصلاة والسلام. هو وحي خاص فقط غير مكلَّف بتبليغه.
* طالب: (...) مخبِرًا أنه سوف (...)؟
* الشيخ: إذا قال: إنه غير مقصِّر انتهينا، قال مستكبرًا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إذا صار عامةً نقول: لا، إن الله تعالى بشركم أيها النصارى على لسان عيسى نبيكم بمحمد.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نقول: إذا كنت لا تعتقد إلا أنه مخبِر بأنه سوف يُبعَث رسول فإن هذا من ضلال قومه الذين أضلوه، وإلا ما فيه شك، ما عندنا شك أن عيسى بشر بمحمد عليه الصلاة والسلام، بشرهم (...) البشارة.
* طالب: ابن القيم (...).
* الشيخ: ما هو فيه شك، من كذب أي رسول فهو منكر لله، أو واصف الله بما لا يستحق؛ لأن الله تعالى يؤيد الرسول بالآيات، فإذا كان ثابتًا لزم أن يكون الله تعالى غير موجود أو أنه تعالى والعياذ بالله خائن أو ما أشبه ذلك.
* * *
قال الله تعالى فيما سبق من الفوائد:
* أولًا: انتفاء الشفاعة عن المكذبين للرسل، أنه لا يُشفَع لهم. منين تؤخذ؟
* طالب: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء ١٠٠].
* الشيخ: من قوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾.
* وفيها أيضًا من الفوائد: سب هؤلاء بعضهم بعضًا.
* طالب: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء ٩٧ - ٩٩].
* الشيخ: فإن هذا قدح فيهم؛ من جهة أنهم أضلوهم، ومن جهة أنهم مجرمون.
* وفيه دليل على انتفاء التشبيه عن الله.
* طالب: قولهم: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ٩٧، ٩٨].
وهذا التشبيه (...) تشبيه الخالق بالمخلوق أو المخلوق بالخالق؟
* الطالب: تشبيه المخلوق بالخالق.
* الشيخ: المخلوق بالخالق، إي نعم.
* ويستفاد من هذا الحديث: إثبات الشفاعة للمؤمنين.
* طالب: من قوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء ١٠٠] نفوا أن يكونوا شافعين (...).
* الشيخ: إي، كأنهم رأوا أن المؤمنين يشفعون بعضهم لبعض قالوا: نحن ما لنا من شافعين ولا صديق حميم.
* وفيه دليل على الندم البالغ الذي يصيب هؤلاء في ذلك اليوم.
* طالب: من قوله (...) لو رجع إلى الدنيا.
* الشيخ: لو رجعنا إلى الدنيا ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٠٢]. هذا التمني هل هو صحيح؛ لو رجعوا لكانوا مؤمنين؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ويش الدليل؟
* الطالب: لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨].
* الشيخ: قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
طيب نوح عليه الصلاة والسلام من هو؟
* طالب: هو أول رسل الله؟
* الشيخ: أول رسول أرسله الله.
* الطالب: أول رسول أرسله الله إلى الأرض.
* الشيخ: ويش الدليل؟
* الطالب: الدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣] فكونه أوحى إلى نوح (...).
* الشيخ: (...) الدلالة من الآية؟
* الطالب: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ كما أنه أوحي إليك ورسول إلى هؤلاء فإن نوحًا قد أُرسل من قبل.
* الشيخ: ما يلزم من كونه قبل الرسول عليه الصلاة والسلام أن يكون أول الرسل.
* الطالب: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ نعم هذا.
* الطالب: يدل على أنه قبلهم.
* الشيخ: وأيضًا في «حديث الشفاعة: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣/ ٣٢٢) من حديث أنس.]] صريح. كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] مع أنه أول الرسل؟
* طالب: أن رسالة الأنبياء واحدة، فمكذبو نوح عليه السلام لم يكذبوه لشخصه أو لأن اسمه نوح، ولكن كذبوه لأن ما جاء به هو التوحيد، فلو جاء كل نبي بالتوحيد لكذبوه، فهم مكذبون بالمرسلين. أو أنه لطول مكثه عليه السلام في قومه مئة سنة إلا خمسين عامًا كأنه رسل.
* الشيخ: نعم، طيب.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن التكذيب بالحق من شخص تكذيب به من جميع الأشخاص.
* طالب: قوله: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥].
* الشيخ: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ مع أنه ما كذبه إلا واحد، لكن في الحقيقة هم كذبوا الحق، سواء جاء به نوح أو غيره، ولهذا صاروا مكذِّبين لجميع الرسل.
* وفيه دليل على أن نوحًا أُرسل إلى جميع الناس.
* طالب: لأن قوم نوح هم أول الناس.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما يكفي هذا.
* طالب: لقوله تعالى: ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء ١٠٥]، ولم يقل: أخوهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: (...) أخوهم.
* الشيخ: كتير قال: أخوهم، كل (...) أخوهم إلا شعيبًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: فيه دليل على أن نوحًا بُعث إلى جميع الناس.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما (...) وجه الدلالة من هذا، أنا أقول هكذا فما وجه الدلالة؟
* طالب: قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] فهم قد كذبوا عامة المرسلين، فيدل على أنهم جمع للمرسلين (...).
* الشيخ: لا.
ما دمنا قلنا: إنه أول الرسل، أول رسول ومرسل إلى قومه، يعني ما فيه أحد غيره، لو كان ثمة رسول لشاركه في الأولية.
* طالب: (...).
* الشيخ: قررنا أن نوحًا .. المشكلة في نوح فسرناها بأنه الرسول الذي بعثه الله تعالى أول ما بعث من الرسل.
* طالب: قد يقول قائل: نعم ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] القوم الذين بُعث فيهم لوحدهم، وفيه أقوام ما أُرسل إليهم.
* الشيخ: ما يمكن، ولهذا إحنا قلنا أمس، قلنا: يحتمل أن الله بعث رسلًا آخرين بعد بعثة نوح في زمنه إلى قوم آخرين، فلا يكون مرسَلًا إلى جميع الناس، لكن على كل حال ما دام أول لحظة بُعث إلى هؤلاء يكون ما فيه رسول غيره.
وقد قلنا: إن هذا لا ينافي عموم رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه في ذلك الوقت ما فيه إلا قومه ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]. وهذا أمر ليس قصدًا وإنما هو باتفاق، وقع اتفاقًا.
ومعنى وقع اتفاقًا أن الله تعالى لما أرسله لم يكن في الأرض سوى قومه. أما الرسول عليه الصلاة والسلام فإن الأقوام كثيرون: بنو إسرائيل والعرب والأجناس الأخرى، ومع ذلك فهو مبعوث إليهم جميعًا.
الشعراء 26:106
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعرا: ١٠٦] (الله)، ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾، (ألا) هذه في الأصل تكون للعرْض، وهو الطلب برفق، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات ٢٧] ولكن المراد به هنا التحضيض، وهو الطلب بحث وإزعاج يعني أنه يحضهم على أن يتقوا الله عز وجل؛ يتخذوا وقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
ثم بيَّن لهم أنه إنما قام بهذه الموعظة لأنه رسول أمين: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء ١٠٧]: ﴿إِنِّي لَكُمْ﴾ يعني: لا لغيركم، الخطاب لقومه.
وفي قوله: ﴿لَكُمْ﴾ ولم يقل: إني رسول حض لهم على قبوله؛ لأنه إذا كان رسولًا مطلقًا قد يقولون: إنك لم ترسل إلينا، فإذا قال: (لكم) تعيَّن. ثم إنه إذا قال: (لكم) يشعرهم بأن الله تعالى قد اعتنى بهم، حيث بعث إليهم هذا الرسول، فيكون فيه هنا حمل على أن يقبلوا رسالته.
وقوله: ﴿رَسُولٌ﴾ أي: من الله، وهذا معروف من سياق الآيات التي معنا ومن غيرها من الآيات الأخرى.
وقوله: ﴿أَمِينٌ﴾ الأمين هو من كان محل أمانة، والرسل عليهم الصلاة والسلام كلهم محل أمانة لرسالتهم؛ كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤].
وقوله: (على تبليغ ما أرسلت به) واضح، يعني: من الذي ائتمنه على ذلك؟ الله سبحانه وتعالى.
وفي هذا ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ إظهار لوصف خاص المناسب للمقام -وهو الرسالة- بأمانة لا خيانة فيها، لا بزيادة ولا بنقص.
وقد يقول قائل: أي فائدة لوصفه نفسه بأنه رسول أمين، وهو يخاطب قومًا قد أنكروه، فإذا كانوا قد أنكروا رسالته فبالأولى ينكرون أمانته؟
فالجواب: أنه لم يتركهم هملًا، لم يدَّعِ أنه رسول أمين فقط، ولكنه جاءهم بآيات، ما من رسول بعثه الله إلا أعطاه ما على مثله يؤمن البشر[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٨١)، ومسلم (١٥٢/ ٢٣٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر..».]]؛ لأن الله سبحانه وتعالى عليم حكيم، لا يمكن أن يرسل أحدًا إلى أقوام فيسفه أحلامهم ويفسد أديانهم إلا ومعه من الآيات ما يؤمنون على مثله لو لم يستكبروا.
الشعراء 26:107
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعرا: ١٠٦] (الله)، ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾، (ألا) هذه في الأصل تكون للعرْض، وهو الطلب برفق، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات ٢٧] ولكن المراد به هنا التحضيض، وهو الطلب بحث وإزعاج يعني أنه يحضهم على أن يتقوا الله عز وجل؛ يتخذوا وقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
ثم بيَّن لهم أنه إنما قام بهذه الموعظة لأنه رسول أمين: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء ١٠٧]: ﴿إِنِّي لَكُمْ﴾ يعني: لا لغيركم، الخطاب لقومه.
وفي قوله: ﴿لَكُمْ﴾ ولم يقل: إني رسول حض لهم على قبوله؛ لأنه إذا كان رسولًا مطلقًا قد يقولون: إنك لم ترسل إلينا، فإذا قال: (لكم) تعيَّن. ثم إنه إذا قال: (لكم) يشعرهم بأن الله تعالى قد اعتنى بهم، حيث بعث إليهم هذا الرسول، فيكون فيه هنا حمل على أن يقبلوا رسالته.
وقوله: ﴿رَسُولٌ﴾ أي: من الله، وهذا معروف من سياق الآيات التي معنا ومن غيرها من الآيات الأخرى.
وقوله: ﴿أَمِينٌ﴾ الأمين هو من كان محل أمانة، والرسل عليهم الصلاة والسلام كلهم محل أمانة لرسالتهم؛ كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤].
وقوله: (على تبليغ ما أرسلت به) واضح، يعني: من الذي ائتمنه على ذلك؟ الله سبحانه وتعالى.
وفي هذا ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ إظهار لوصف خاص المناسب للمقام -وهو الرسالة- بأمانة لا خيانة فيها، لا بزيادة ولا بنقص.
وقد يقول قائل: أي فائدة لوصفه نفسه بأنه رسول أمين، وهو يخاطب قومًا قد أنكروه، فإذا كانوا قد أنكروا رسالته فبالأولى ينكرون أمانته؟
فالجواب: أنه لم يتركهم هملًا، لم يدَّعِ أنه رسول أمين فقط، ولكنه جاءهم بآيات، ما من رسول بعثه الله إلا أعطاه ما على مثله يؤمن البشر[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٨١)، ومسلم (١٥٢/ ٢٣٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر..».]]؛ لأن الله سبحانه وتعالى عليم حكيم، لا يمكن أن يرسل أحدًا إلى أقوام فيسفه أحلامهم ويفسد أديانهم إلا ومعه من الآيات ما يؤمنون على مثله لو لم يستكبروا.
الشعراء 26:108
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٠٨] هذا معنى مكرر مع ما قبله، لكنه في الأسلوب أشد من الأول؛ الأول حض بصفة العرض: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء ١٠٦] وهنا أمر: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، وفي هذا دليل على قوة جانب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بحيث توصلوا إلى أن يأمروا أقوامهم، مع أنهم يتحدثون من مصدر القوة ولَّا من مصدر الملتمِس؟
في الواقع من مصدر الملتمِس، لكن هم بأنفسهم أعزاء، يعرفون أنهم يتكلمون من مصدر القوة، أما هم بالنسبة لأقوامهم فإن أقوامهم مستكبرون عنهم، ليسوا مبالين بهم.
(﴿﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ﴾ فيما آمركم به) إذا اتقوا الله وأطاعوا رسوله فقد حققوا شهادة أن لا إله إلا الله وأن هذا رسول الله، وهو أمرهم بهذا، ولا يتم الإسلام في أي زمان أو مكان إلا بذلك، إلا بشهادة أن لا إله إلا الله وأن هذا رسول الله. بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام نقول ونعين: وأن محمدًا رسول الله.
(﴿﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ﴾ فيما آمركم به من توحيد الله وطاعته). وفي أمرهم بهذا إشارة إلى أنه أُرسل بذلك، أرسل بأن يأمرهم بتقوى الله؛ لأنه قال: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا﴾ والفاء لتفريع ما بعدها على ما قبلها، يعني: فهذه الرسالة التي أُرسلتُ بها تتضمن التقوى وطاعة الرسول؛ لأن طاعة الرسول طاعة للمرسِل.
الشعراء 26:109
﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على تبليغ الرسالة.
﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ (من) مؤكِّدة، و(أجر) اسم منصوب على أنه مفعول ثان لـ(أسألكم)، لكنه بفتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
وأتت (من) هنا في سياق النفي داخلة على نكرة للتنصيص على العموم، يعني: من أجر قليل أو كثير.
والمراد بالأجر هنا أي أجر؟ أجر الدنيا، وهو المعاوضة، يعني: ما قلت لكم: أعطوني أجرًا، لو أمرتكم بهذا لقيل: هذا رجل يريد أن يستجدي بما يدعيه من الرسالة.
نعم فيه أناس الآن يتكلمون في المساجد ويعظون الناس ويوجهونهم، فإذا انتهَوا مدوا أيديَهم: أعطوني، هذه حالهم خلاف حال الرسل، ولهذا تجد الناس لو كانوا قد تأثروا بموعظتهم الأولى إذا مدوا أيديهم بعد أن وعظوا ذهب كل ما كان في نفوسهم من هذا التأثر؛ لأن الإنسان إذا طلب الدنيا بما يُراد به الآخرة فسد أمره: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود ١٥، ١٦].
ويستفاد من هذا أن من طلب العلم الذي جاءت به الرسل لينال به أمرًا من الدنيا فليست طريقه طريق الرسل؛ لأن الرسل إنما يأمرون الناس وينهونهم لما يرجونه من ثواب الله، لا لما ينالونه من الأجر.
ففي هذا دليل على وجوب تصحيح النية لمن قام مقام الرسل في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
يقول: ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ [الشعراء ١٠٩] (﴿إِنْ﴾ ما) ما وجه هذا؟ (ما) تفسير لـ(إن)، يعني يقول المؤلف: إنَّ (إنْ) بمعنى (ما)، فهي نافية.
(﴿﴿أَجْرِيَ﴾ ﴾ أي: ثوابي ﴿﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴾ [الشعراء: ١٠٩])
(أجري) ويش محلها من الإعراب؟
* طالب: ما أجري إلا على الله.
* الشيخ: (...) ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهو الله سبحانه وتعالى، يعني ليس أجري عليكم ولا على غيركم من الخلق، وإنما هو على رب العالمين، وفي هذا إخلاص المرء لله عز وجل، وأنه لا يريد ثوابًا من أحد ولا منالًا إلا من الله.
وفيه أيضًا دليل على أن عمل الإنسان لينال الثواب ليس أمرًا ممقوتًا، بل هو طريق الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم.
وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: مالكهم المدبر لهم بما يشاء. وأصل الرب: المتصرِّف في الشيء، ومنه سُمي رب البيت، ورب البهيمة، ورب كذا، ويُطلَق بمعنى صاحب، كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات ١٨٠] يعني: صاحب العزة. ولا يمكن أن تكون الرب هنا مثل الرب في قوله: ﴿رَبِّكَ﴾؛ لأن العزة من صفات الله ولا تكون مخلوقة.
هنا ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: خالقهم ومالكهم والمدبر فيهم بما يشاء، و(العالمين) سبق أن معناها: كل ما سوى الله.
الشعراء 26:110
(﴿﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ﴾ [الشعراء: ١١٠] كرره تأكيدًا) أو تأسيسًا؟ في الحقيقة أنه تأسيس؛ لأنه بناه على قوله: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٠٩]، يعني: فإذا انتفى ذلك فاتقوا الله وأطيعوه، فيكون هذا تأسيسًا لا يستفاد المعنى المقصود منه لو حُذف، والفرق بين التأكيد والتأسيس أن التأكيد لو حذف لاستفيد المعنى مما بقي دون التأسيس، يعني أن المؤكد لا يستفاد منه سوى التأكيد، لا يحمل معنًى جديدًا، أما هذا فيحمل معنى جديدًا، وهو أهه وعلى أنني لا أريد الأجر وإنما ألتمس الثواب من الله فيجب عليكم أن تتقوا الله وتطيعوني.
* طالب: (...) تعليل (...).
* الشيخ: لا؛ لأن انتهى (...) انتهى.
الشعراء 26:111
ثم قال: (﴿﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ﴾ ﴾ نصدق ﴿﴿لَكَ﴾ ﴾ لقولك ﴿﴿وَاتَّبَعَكَ﴾ ﴾ [الشعراء: ١١١]).
﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ﴾ مجابهة صريحة قبيحة في الواقع؛ لأن الاستفهام هنا للإنكار، وإتيان الاستفهام للإنكار والنفي أبلغ من النفي المجرد، يعني: كيف نؤمن لك؟! ولا يمكن أن نؤمن لك.
وقوله: ﴿لَكَ﴾ ما قال: (بك) هل يكون كما قال المؤلف: إن (نؤمن) بمعنى (نصدق)، أو نقول: إن (نؤمن) ضُمِّن معنى (ننقاد)؟ وهو كذلك؛ لأنهم يريدون الاستكبار، لا نفي (...).
على تقدير (قد) يعني: وقد اتبعك الأرذلون، يعني ما يمكن نؤمن لك واتبعك الأرذلون الأنقصون من الخلق.
وقوله: ﴿وَاتَّبَعَكَ﴾ فيها قراءاتان: (وفي قراءة: ﴿﴿وأتباعك﴾ ﴾ جمع تابع، مبتدأ) و(الأرذلون) خبره على هذه القراءة، وهي فاعل على القراءة الأولى: ﴿وَاتَّبَعَكَ﴾.
المعنى أنهم قالوا: لو كان أتباعك الملأ والأشراف لاتبعناك، لكن أتباعك أراذل الناس؛ الفقراء والسوقة واللي ما يقدرون الأمور ولا يعرفونها، أراذلهم من حيث المال على زعمهم، ويمكن أن نقول: ومن حيث الثقافة أيضًا، والجاه والشرف، فهم أرذل الأراذل عندهم.
لكن هل هذا مانع؟ يقال: إنه الآن يُوجَّه الخطاب إليكم أيها الأكملون، فكيف تقولون: ما نؤمن واتبعك الأرذلون؟ الخطاب الآن موجَّه لكم؛ لأنكم لو آمنتم ما احتيج إلى توجيه الخطاب والأمر لكم بتقوى الله وطاعته، ولكنكم معاندون.
هم هنا قالوا: ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ على سبيل الإطلاق، بدون إضافة إلى أحد. وفي سورة هود قالوا: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود ٢٧] فكانت العبارة هناك أهون من هذه؛ أولًا: لأنهم أضافوا الأمر إليهم وهنا أطلقوا، وثانيًا: قالوا: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ يعني: ولعله عند التأمل لا يكون الأراذل هم الأتباع، وهنا أطلقوا ما قالوا: بادي الرأي ولا آخر الرأي.
إما أن تكون هذه الآية قبل تلك أو تلك قبل هذه، أيهما الأنسب؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكن حمله على حالين أحس من طائفتين.
* الطالب: (...) على العموم (...).
* الشيخ: يعني يبدو أن هذه الآية هي الأولى، وأنهم بعدما شاهدوا وبعدما رأوا وبعد إلحاح نوح لانوا قليلًا، ويحتمل العكس الحقيقة، والله أعلم، إنما هذا أقرب والله أعلم.
* طالب: القرآن نزل على أنه (...).
* الشيخ: إذن تكون (...) هي الأولى؛ لأن ما دام عندنا نص ما نعدل إلى التفكير العقلي، إنهم استكبروا بعد ذلك ثم نفوا نفيًا مطلقًا وأتَوا بصيغة التفضيل المطلَق: ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾.
الشعراء 26:112
﴿قَالَ﴾ لهم عليه الصلاة والسلام: (﴿﴿وَمَا عِلْمِي﴾ ﴾ أي علم لي ﴿﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴾ [الشعراء: ١١٢]) هذه قد يقال في بادئ الأمر: إنه اعتذار منه، يعني كونهم آمنوا وهم على زعمكم الأرذلون، ويش يدريني أنهم الأرذلون، يعني فأنا ما قصدتهم حتى آمنوا لعلم بهم، ولكن هكذا جرت الدعوة واتبعها هؤلاء. هذا ما يتبادر إلى الذهن في أول الأمر، ولكن الظاهر والله أعلم أن نفيه العلم هنا نفي للتبعية، يعني معناه: أي شيء يكون علي وأي شيء يلحقني في عملهم؟ هل يكونون عاملين هم الأراذل على زعمكم، أنا لا يضرني ذلك، (ما علمي) أي: ما حسابي وما تبعتي التي تلحقوني بها فيما كانوا يعملون.
لو قرأت الحاشية عندك:
* طالب: مكتوب (...).
* الشيخ: طيب يقول.. الآن اتضح المعنى: ما علمي أي علم لي بما كانوا يعملون. هذا على كلام المؤلف، يدعون أنهم إنما تابعوه لينالوا بذلك جاهًا ومالًا فيكونون غير مخلصين في إيمانهم، فيقول: وما علمي فيما كانوا يعملون، أي بما كانوا يعملونه من أعمال القلوب، لا من أعمال الظواهر، ولكن هذا خلاف الظاهر فيما يبدو، بل إن المعنى: إن عملهم هذا ليس عليَّ فيه تبِعة، مهما عملوا، ولو كانوا في زعمكم الأراذل فإن ذلك لا يلحقني بشيء ما دامت رسالتي قائمة وآياتي بينة، فالحجة عليكم قائمة. أما هم حتى وإن كانوا الأراذل عندكم فحسابهم على من؟ ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ [الشعراء ١١٣]. (إن) بمعنى (ما)، (ما ﴿﴿حِسَابُهُمْ﴾ ﴾) كما قال المؤلف (﴿﴿إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ ﴾ فيجازيهم)، وأما أنا فما عليَّ من حسابهم من شيء، كما أنه ليس عليَّ أيضًا من حسابكم من شيء.
* طالب: (...) المعنى الأول (...) قوة في المعنى (...).
* الشيخ: وهي:
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، لكن ما هو بالظاهر؛ لأن حسابهم على ربي حتى لو عملوا هذه الأعمال؛ لأن أعمال البواطن ما يمكن أنهم يقدحون بهم لباطلهم، ولقد (...) ما (...).
فيقول: حسابهم على الله، ليس عليَّ، وأنا ما عليَّ إلا تبليغ الرسالة.
وقوله: ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء ١١٣] الشعور هنا بمعنى العلم، (ما عبتموهم) يعني ما قدحتم فيهم.
* طالب: (ما عبدتموهم).
* الشيخ: لا غلط (ما عبتموهم).
يعني لو أنكم تشعرون بالأمر وتعلمونه ما عبتموهم بقولهم: أراذلنا. ولكن عيبهم إياهم في الواقع لأنهم آمنوا بنوح، فهم أراذل عندهم، هم عندهم أراذل؛ لأنهم آمنوا بمن يرون أنه ليس على حق. ومعلوم أن من اتبع من ليس بحق فهو من أراذل الناس؛ معنًى ولا حسًّا؟
معنًى، اللي يتبع من لم تقم عليه البيِّنة فهو من أراذل الناس معنًى، وإن كان فيما بين الناس قد يكون له جاه، ويكون عزيزًا، فالمعنى: لو تشعرون بالأمر على حقيقته لعرفتم أنهم ليسوا بأراذل، وأن حسابهم ليس عليَّ، وأن عليَّ واجبًا وعليهم واجب.
الشعراء 26:113
﴿قَالَ﴾ لهم عليه الصلاة والسلام: (﴿﴿وَمَا عِلْمِي﴾ ﴾ أي علم لي ﴿﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴾ [الشعراء: ١١٢]) هذه قد يقال في بادئ الأمر: إنه اعتذار منه، يعني كونهم آمنوا وهم على زعمكم الأرذلون، ويش يدريني أنهم الأرذلون، يعني فأنا ما قصدتهم حتى آمنوا لعلم بهم، ولكن هكذا جرت الدعوة واتبعها هؤلاء. هذا ما يتبادر إلى الذهن في أول الأمر، ولكن الظاهر والله أعلم أن نفيه العلم هنا نفي للتبعية، يعني معناه: أي شيء يكون علي وأي شيء يلحقني في عملهم؟ هل يكونون عاملين هم الأراذل على زعمكم، أنا لا يضرني ذلك، (ما علمي) أي: ما حسابي وما تبعتي التي تلحقوني بها فيما كانوا يعملون.
لو قرأت الحاشية عندك:
* طالب: مكتوب (...).
* الشيخ: طيب يقول.. الآن اتضح المعنى: ما علمي أي علم لي بما كانوا يعملون. هذا على كلام المؤلف، يدعون أنهم إنما تابعوه لينالوا بذلك جاهًا ومالًا فيكونون غير مخلصين في إيمانهم، فيقول: وما علمي فيما كانوا يعملون، أي بما كانوا يعملونه من أعمال القلوب، لا من أعمال الظواهر، ولكن هذا خلاف الظاهر فيما يبدو، بل إن المعنى: إن عملهم هذا ليس عليَّ فيه تبِعة، مهما عملوا، ولو كانوا في زعمكم الأراذل فإن ذلك لا يلحقني بشيء ما دامت رسالتي قائمة وآياتي بينة، فالحجة عليكم قائمة. أما هم حتى وإن كانوا الأراذل عندكم فحسابهم على من؟ ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ [الشعراء ١١٣]. (إن) بمعنى (ما)، (ما ﴿﴿حِسَابُهُمْ﴾ ﴾) كما قال المؤلف (﴿﴿إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ ﴾ فيجازيهم)، وأما أنا فما عليَّ من حسابهم من شيء، كما أنه ليس عليَّ أيضًا من حسابكم من شيء.
* طالب: (...) المعنى الأول (...) قوة في المعنى (...).
* الشيخ: وهي:
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، لكن ما هو بالظاهر؛ لأن حسابهم على ربي حتى لو عملوا هذه الأعمال؛ لأن أعمال البواطن ما يمكن أنهم يقدحون بهم لباطلهم، ولقد (...) ما (...).
فيقول: حسابهم على الله، ليس عليَّ، وأنا ما عليَّ إلا تبليغ الرسالة.
وقوله: ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء ١١٣] الشعور هنا بمعنى العلم، (ما عبتموهم) يعني ما قدحتم فيهم.
* طالب: (ما عبدتموهم).
* الشيخ: لا غلط (ما عبتموهم).
يعني لو أنكم تشعرون بالأمر وتعلمونه ما عبتموهم بقولهم: أراذلنا. ولكن عيبهم إياهم في الواقع لأنهم آمنوا بنوح، فهم أراذل عندهم، هم عندهم أراذل؛ لأنهم آمنوا بمن يرون أنه ليس على حق. ومعلوم أن من اتبع من ليس بحق فهو من أراذل الناس؛ معنًى ولا حسًّا؟
معنًى، اللي يتبع من لم تقم عليه البيِّنة فهو من أراذل الناس معنًى، وإن كان فيما بين الناس قد يكون له جاه، ويكون عزيزًا، فالمعنى: لو تشعرون بالأمر على حقيقته لعرفتم أنهم ليسوا بأراذل، وأن حسابهم ليس عليَّ، وأن عليَّ واجبًا وعليهم واجب.
الشعراء 26:114
قال: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١١٤] هذا يشعر بأنه علِم إخلاصهم، وأنهم إنما قالوا: ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء ١١١] تلميحًا لطردهم، ولَّا لا؟
ولا شك أن هذا الذي قالوه كأنهم يقولون: نحن نأنف أن نكون معك؛ ومعك هؤلاء الأرذلون، نكون نحن على اليمين وهم على اليسار، أو هم على اليسار وهم على اليمين، لا بد أن تطردهم لنؤمن، فيقول: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أكَّد هذا (ما أنا بطارد) الباء هذه للتوكيد، يعني ما يمكِن أطردهم أبدًا؛ لأنني أنا دعوتهم إلى الإيمان فآمنوا، وكان حقهم عليَّ الطرد ولَّا الإكرام؟ الإكرام.
وهذا الذي قاله قوم نوح -وهو أول الرسل- قاله قوم محمد ﷺ، وهو آخر الرسل، فقال الله تعالى له: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام ٥٢].
فهذا دأب المكذبين للرسل، ما عندهم شيء يعتمدون عليه سوى التمويه والتضليل وزخارف القول التي لا تنطلي إلا على العميان.
﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
* وفي هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يقرِّب منه كل مؤمن، وأن يختار لنفسه أصلح الأصحاب، كما جاء في السنَّة بالحث عليه؛ على اختيار الجليس الصالح[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٠١)، ومسلم (٢٦٢٨/ ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري؛ أنه ﷺ قال: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحداد..».]].
* وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي موالاة المؤمنين، والقُرب منهم، وأن هذا دأب الأنبياء.
* وفيه أيضًا الصبر على ما يجد من المؤمن من الجفاء ومن دناءة المهنة وغير ذلك.
* وفيه أيضًا التواضع للمؤمنين وعدم إزعاجهم، ولو كانوا من كانوا فيما بين الناس؛ الرسول عليه الصلاة والسلام أشرف الخلق جاهًا عند الله وأعظمهم منزلةً عاتبه الله تعالى في رجل أعمى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس ١ - ٤].
الشعراء 26:115
﴿إِنْ أَنَا﴾ (﴿﴿إِنْ﴾ ﴾ ما ﴿﴿إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴾) [الشعراء: ١١٥] قوله: ﴿نَذِيرٌ﴾ سبق معنى النذير هو المخبر بما يخوَّل، يعني الإعلام المقرون بالتخويف، هذا الإنذار.
وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ جعله المؤلف من (أبان) القاصر دون المتعدي، مع أنه يحتمل أنه من (أبان) المتعدي، فتكون بمعنى مُظهِر، يعني أني مظهِر لِما جئت به، فأنا نذير مبيِّن للناس.
الشعراء 26:116
﴿قَالُوا﴾ يعني لما رأوا تصميمه عليه الصلاة والسلام وأنه لن يطرد المؤمنين لقولهم، وأن هؤلاء الأراذل ليس عليهم من حسابهم من شيء، وإنما حسابهم على الله، وهو مؤمنون، لجؤوا إلى القوة فقالوا: (﴿﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ﴾ ﴾ عما تقول لنا ﴿﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ ﴾ [الشعراء: ١١٦] بالحجارة أو بالشتم).
﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ فيها إشكال من حيث الإعراب؛ لأن فيها قسمًا وشرطًا، وكلاهما يحتاج إلى جواب، فأين جواب الشرط؟ وأين جواب القسم؟
* طالب: إذا اجتمع قسم وشرط فالجواب للمؤخر منهما ويغني جواب المؤخر عن جواب المقدم.
* طالب آخر: نقول: (لتكونن) هذه جواب الشرط، وأما جواب القسم فأحيانًا المقسم يستغني عن جواب القسم.
* الشيخ: لا هذا خطأ، ابن مالك يقول:
واحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَــــــوَابَ مَـا أَخَّـــــــرْتَ فَهْـــــــــوَمُلْتَــــــزَمْ
وأيضًا (لتكونن) ما تصح تكون جواب شرط؛ لأن اللام ما يمكن تقترن بجواب الشرط، إنما تقترن بجواب القسم.
فعلى كل حال القاعدة عند أهل العلم بالنحو يقولون: إنه إذا اجتمع شرط وقسم حُذف أيهما؟ جواب المتأخر، فإذا قلت: (إن كنتَ واللهِ ضربتُكَ)، ما تقول: (لَأَضْرِبَنَّكَ)؛ لأن الشرط متقدِّم، ولكن إن قلت: (واللهِ إنْ كنتَ ضَرَبْتُكَ) ما يصح، تقول: (لأضربنك).
﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ فأكدوا -والعياذ بالله- ما أرادوا من رجمه بثلاثة مؤكدات: القسم واللام ونون التوكيد. ثم أوغلوا في الوعيد والتهديد حيث قالوا: ﴿مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ ولم يقولوا: (لنرجمنك) كأنهم يقولون: فيه من سبقك فرُجم فنحن نرجمك معهم.
وقوله: بالحجارة أو بالقول؛ أيهما أقرب؟ الحجارة أقرب؛ لأن الرجم بالقول قليل الاستعمال، ثم إن التهديد به من هؤلاء الذين يرون أنهم يتكلمون من مصدر القوة ليس بلائق في المقام، فالصواب أنه: لتكونن من المرجومين بالحجارة. والله أعلم.
* * *
(...) عليه الصلاة والسلام، وأن الله أخبر أن قومه كذبوا المرسلين، والمؤلف ذكر فيه احتمالين؛ إما لأنهم كذبوا بالتوحيد، وهذا التوحيد جنس لكل ما بُعِثَتْ به الرسلُ، وتكذيب الواحد من الجنس تكذيب للجنس كله، وهذا هو الأصح، أو لأنه طال مُكثه فصار كأنه رسل متعددون. وسبق أيضًا في القصة أنه لاستكبار قومه ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء ١١١] يعني لسنا مؤمنين لك لأن الذين اتبعوك هم الأرذلون على رأيهم؛ كما قالوا في سورة هود: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود ٢٧].
وفيه أيضًا أنه قال لهم: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء ١١٢] يعني: أيُّ علم لي بعملهم الذي يعملونه، فأنا ليس لي إلا ظاهر أمرهم وأما باطنهم فإلى الله، وظاهرُ أمرهم أنهم أخيار أبرار، وليسوا أراذل كما يزعم هؤلاء، ولكنهم بعد هذا توعدوه والعياذ بالله بالرجم على سبيل التهديد وإظهار القوة في قولهم: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء ١١٦] وهو أبلغ من قولهم: (لنرجمنك)؛ لأن فيه تخويفًا، حيث إنه ليس أول من يُرجَم، بل هناك من رُجم قبله.
حينئذ لجأ إلى الله سبحانه وتعالى فـ ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ﴾ [الشعراء ١١٧، ١١٨] هذا الدعاء كما جمع بين أسباب الإجابة الثلاثة، وهي دعاء الله تعالى باسم الربوبية: ﴿رَبِّ﴾، وبذكر الحال الداعية المقتضية للدعاء ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾، والثالث: الطلب: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١١٨].
أولًا: قوله: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ الربوبية –كما مر علينا- تنقسم إلى قسمين؛ عامة وخاصة، وهذه من الربوبية الخاصة، بل هي من أخص الربوبيات؛ لأنها ربوبية الله تعالى لرسله.
وفيه أيضًا قوله: ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾، إظهار للأضعف، يعني ما هو أضعف؛ لأنه قوله: ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾ كان مقتضَى الحال أن يكونوا مصدِّقين له لأنهم قومه، ولكنهم -والعياذ بالله- صاروا مكذبين له، فصارت حاله تقتضي رأفة أكثر؛ حيث إن قومه هم الذين كذبوه، ثم إنه يقتضي أن تكون النكاية فيهم أعظم أيضًا؛ لأنهم قومه. فهذه الإضافة فيها فائدتان:
الفائدة الأولى: بيان أنهم مستحقون للرأفة أكثر؛ لأن قومه هم الذين كذبوه.
ثانيا: أن قومه مستحقون للتنكيل بهم أكثر؛ لأنهم قومه؛ وكان عليهم أن يصدقوه ويمنعوه، يعني من أن يؤذى، فكيف يكونون الذين يؤذونه!
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم ١، ٢] ولم يقل: ما ضل النبي أو الرسول، بل قال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ يعني الذي تعرفونه وتعرفون رجاحة عقله، وتعرفون أمانته، فكيف تنكرون ما جاءكم به من المعراج!
قال: ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ يعني نسبوني إلى الكذب وقالوا: كذَّبه وكذَبه، والفرق بينهما:
* طالب: أن كَذَبَهُ أخبره بخلاف الواقع، وكَذَّبَهُ أنه لم يصدِّق ما جاء به.
* الشيخ: نسبه إلى الكذب. طيب وكَذَبَهُ: أخبره بالكذب.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي﴾ [الشعراء ١١٧، ١١٨] الفاء للسببية. (افتح بيني) هذا هو ظاهره الأمر لكنه في جانب الله يُسمَّى دعاءً؛ إذ الأمر لا يكون إلا ممن يستعلي على المأمور، وليس الطالب بمستعلٍ على مطلوبه، ثم إن الله جل وعلا فوق كل شيء.
(﴿﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ ﴾ أي: احكم). وسُمِّيَ الحكم فتحًا لأنه ينفتح به الأمر ويتبين، فينفصل هذا عن هذا. وهذا الفتح بأن ينجيه ومن معه من المؤمنين ويهلكهم؛ أما نجاته ومن معه من المؤمنين فمصرَّح بها، وأما إهلاكهم؛ فلا نجاة إلا من هَلَكة، هذا الفتح الذي فعله نوح أن يهلك الله تعالى قومه وأن ينجيه هو ومن معه من المؤمنين، وقد قال تعالى عنه في سورة نوح: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح ٢٦، ٢٧].
وفي هذه الآية ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ يعني قد يقول قائل: هل إن نوحًا يخبر الله تعالى بالواقع، أليس الله تعالى عالمًا به؟
فالجواب: بلى، هو عالم به، لكن قصده عليه الصلاة والسلام بيان الحامل له على هذا الدعاء؛ أنه باعتقاده يظن أو يعتقد أنه إذا أبقاهم لا يلدون إلا فاجرًا كفارًا، وإلا فالله تعالى عليم بهم، فيكون هذا كالاعتذار عن هذا السؤال العام ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾.
ثم قال: ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١١٨] هذه المعية ليست معية اختلاط كما هو معروف، بل هي معية اشتراك في عمل وعقيدة، فإن المؤمن (...) المؤمنين كانوا مشاركين له في العقيدة والعمل، وهذا مما يدل على أن المعية ليست كما فهمه المحرِّفون في معية الله سبحانه وتعالى وأنها تقتضي المشاركة في المكان أو الاختلاط، ليس (...) هذا.
وقوله: ﴿وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لبيان المبهَم فيمن معي؛ لأن (من) اسم موصول، والاسم الموصول يحتاج إلى بيان، وبيانه إما من صلته وإما من غيرها.
الشعراء 26:117
﴿قَالُوا﴾ يعني لما رأوا تصميمه عليه الصلاة والسلام وأنه لن يطرد المؤمنين لقولهم، وأن هؤلاء الأراذل ليس عليهم من حسابهم من شيء، وإنما حسابهم على الله، وهو مؤمنون، لجؤوا إلى القوة فقالوا: (﴿﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ﴾ ﴾ عما تقول لنا ﴿﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ ﴾ [الشعراء: ١١٦] بالحجارة أو بالشتم).
﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ فيها إشكال من حيث الإعراب؛ لأن فيها قسمًا وشرطًا، وكلاهما يحتاج إلى جواب، فأين جواب الشرط؟ وأين جواب القسم؟
* طالب: إذا اجتمع قسم وشرط فالجواب للمؤخر منهما ويغني جواب المؤخر عن جواب المقدم.
* طالب آخر: نقول: (لتكونن) هذه جواب الشرط، وأما جواب القسم فأحيانًا المقسم يستغني عن جواب القسم.
* الشيخ: لا هذا خطأ، ابن مالك يقول:
واحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَــــــوَابَ مَـا أَخَّـــــــرْتَ فَهْـــــــــوَمُلْتَــــــزَمْ
وأيضًا (لتكونن) ما تصح تكون جواب شرط؛ لأن اللام ما يمكن تقترن بجواب الشرط، إنما تقترن بجواب القسم.
فعلى كل حال القاعدة عند أهل العلم بالنحو يقولون: إنه إذا اجتمع شرط وقسم حُذف أيهما؟ جواب المتأخر، فإذا قلت: (إن كنتَ واللهِ ضربتُكَ)، ما تقول: (لَأَضْرِبَنَّكَ)؛ لأن الشرط متقدِّم، ولكن إن قلت: (واللهِ إنْ كنتَ ضَرَبْتُكَ) ما يصح، تقول: (لأضربنك).
﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ فأكدوا -والعياذ بالله- ما أرادوا من رجمه بثلاثة مؤكدات: القسم واللام ونون التوكيد. ثم أوغلوا في الوعيد والتهديد حيث قالوا: ﴿مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ ولم يقولوا: (لنرجمنك) كأنهم يقولون: فيه من سبقك فرُجم فنحن نرجمك معهم.
وقوله: بالحجارة أو بالقول؛ أيهما أقرب؟ الحجارة أقرب؛ لأن الرجم بالقول قليل الاستعمال، ثم إن التهديد به من هؤلاء الذين يرون أنهم يتكلمون من مصدر القوة ليس بلائق في المقام، فالصواب أنه: لتكونن من المرجومين بالحجارة. والله أعلم.
* * *
(...) عليه الصلاة والسلام، وأن الله أخبر أن قومه كذبوا المرسلين، والمؤلف ذكر فيه احتمالين؛ إما لأنهم كذبوا بالتوحيد، وهذا التوحيد جنس لكل ما بُعِثَتْ به الرسلُ، وتكذيب الواحد من الجنس تكذيب للجنس كله، وهذا هو الأصح، أو لأنه طال مُكثه فصار كأنه رسل متعددون. وسبق أيضًا في القصة أنه لاستكبار قومه ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء ١١١] يعني لسنا مؤمنين لك لأن الذين اتبعوك هم الأرذلون على رأيهم؛ كما قالوا في سورة هود: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود ٢٧].
وفيه أيضًا أنه قال لهم: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء ١١٢] يعني: أيُّ علم لي بعملهم الذي يعملونه، فأنا ليس لي إلا ظاهر أمرهم وأما باطنهم فإلى الله، وظاهرُ أمرهم أنهم أخيار أبرار، وليسوا أراذل كما يزعم هؤلاء، ولكنهم بعد هذا توعدوه والعياذ بالله بالرجم على سبيل التهديد وإظهار القوة في قولهم: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء ١١٦] وهو أبلغ من قولهم: (لنرجمنك)؛ لأن فيه تخويفًا، حيث إنه ليس أول من يُرجَم، بل هناك من رُجم قبله.
حينئذ لجأ إلى الله سبحانه وتعالى فـ ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ﴾ [الشعراء ١١٧، ١١٨] هذا الدعاء كما جمع بين أسباب الإجابة الثلاثة، وهي دعاء الله تعالى باسم الربوبية: ﴿رَبِّ﴾، وبذكر الحال الداعية المقتضية للدعاء ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾، والثالث: الطلب: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١١٨].
أولًا: قوله: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ الربوبية –كما مر علينا- تنقسم إلى قسمين؛ عامة وخاصة، وهذه من الربوبية الخاصة، بل هي من أخص الربوبيات؛ لأنها ربوبية الله تعالى لرسله.
وفيه أيضًا قوله: ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾، إظهار للأضعف، يعني ما هو أضعف؛ لأنه قوله: ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾ كان مقتضَى الحال أن يكونوا مصدِّقين له لأنهم قومه، ولكنهم -والعياذ بالله- صاروا مكذبين له، فصارت حاله تقتضي رأفة أكثر؛ حيث إن قومه هم الذين كذبوه، ثم إنه يقتضي أن تكون النكاية فيهم أعظم أيضًا؛ لأنهم قومه. فهذه الإضافة فيها فائدتان:
الفائدة الأولى: بيان أنهم مستحقون للرأفة أكثر؛ لأن قومه هم الذين كذبوه.
ثانيا: أن قومه مستحقون للتنكيل بهم أكثر؛ لأنهم قومه؛ وكان عليهم أن يصدقوه ويمنعوه، يعني من أن يؤذى، فكيف يكونون الذين يؤذونه!
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم ١، ٢] ولم يقل: ما ضل النبي أو الرسول، بل قال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ يعني الذي تعرفونه وتعرفون رجاحة عقله، وتعرفون أمانته، فكيف تنكرون ما جاءكم به من المعراج!
قال: ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ يعني نسبوني إلى الكذب وقالوا: كذَّبه وكذَبه، والفرق بينهما:
* طالب: أن كَذَبَهُ أخبره بخلاف الواقع، وكَذَّبَهُ أنه لم يصدِّق ما جاء به.
* الشيخ: نسبه إلى الكذب. طيب وكَذَبَهُ: أخبره بالكذب.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي﴾ [الشعراء ١١٧، ١١٨] الفاء للسببية. (افتح بيني) هذا هو ظاهره الأمر لكنه في جانب الله يُسمَّى دعاءً؛ إذ الأمر لا يكون إلا ممن يستعلي على المأمور، وليس الطالب بمستعلٍ على مطلوبه، ثم إن الله جل وعلا فوق كل شيء.
(﴿﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ ﴾ أي: احكم). وسُمِّيَ الحكم فتحًا لأنه ينفتح به الأمر ويتبين، فينفصل هذا عن هذا. وهذا الفتح بأن ينجيه ومن معه من المؤمنين ويهلكهم؛ أما نجاته ومن معه من المؤمنين فمصرَّح بها، وأما إهلاكهم؛ فلا نجاة إلا من هَلَكة، هذا الفتح الذي فعله نوح أن يهلك الله تعالى قومه وأن ينجيه هو ومن معه من المؤمنين، وقد قال تعالى عنه في سورة نوح: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح ٢٦، ٢٧].
وفي هذه الآية ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ يعني قد يقول قائل: هل إن نوحًا يخبر الله تعالى بالواقع، أليس الله تعالى عالمًا به؟
فالجواب: بلى، هو عالم به، لكن قصده عليه الصلاة والسلام بيان الحامل له على هذا الدعاء؛ أنه باعتقاده يظن أو يعتقد أنه إذا أبقاهم لا يلدون إلا فاجرًا كفارًا، وإلا فالله تعالى عليم بهم، فيكون هذا كالاعتذار عن هذا السؤال العام ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾.
ثم قال: ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١١٨] هذه المعية ليست معية اختلاط كما هو معروف، بل هي معية اشتراك في عمل وعقيدة، فإن المؤمن (...) المؤمنين كانوا مشاركين له في العقيدة والعمل، وهذا مما يدل على أن المعية ليست كما فهمه المحرِّفون في معية الله سبحانه وتعالى وأنها تقتضي المشاركة في المكان أو الاختلاط، ليس (...) هذا.
وقوله: ﴿وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لبيان المبهَم فيمن معي؛ لأن (من) اسم موصول، والاسم الموصول يحتاج إلى بيان، وبيانه إما من صلته وإما من غيرها.
الشعراء 26:118
﴿قَالُوا﴾ يعني لما رأوا تصميمه عليه الصلاة والسلام وأنه لن يطرد المؤمنين لقولهم، وأن هؤلاء الأراذل ليس عليهم من حسابهم من شيء، وإنما حسابهم على الله، وهو مؤمنون، لجؤوا إلى القوة فقالوا: (﴿﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ﴾ ﴾ عما تقول لنا ﴿﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ ﴾ [الشعراء: ١١٦] بالحجارة أو بالشتم).
﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ فيها إشكال من حيث الإعراب؛ لأن فيها قسمًا وشرطًا، وكلاهما يحتاج إلى جواب، فأين جواب الشرط؟ وأين جواب القسم؟
* طالب: إذا اجتمع قسم وشرط فالجواب للمؤخر منهما ويغني جواب المؤخر عن جواب المقدم.
* طالب آخر: نقول: (لتكونن) هذه جواب الشرط، وأما جواب القسم فأحيانًا المقسم يستغني عن جواب القسم.
* الشيخ: لا هذا خطأ، ابن مالك يقول:
واحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَــــــوَابَ مَـا أَخَّـــــــرْتَ فَهْـــــــــوَمُلْتَــــــزَمْ
وأيضًا (لتكونن) ما تصح تكون جواب شرط؛ لأن اللام ما يمكن تقترن بجواب الشرط، إنما تقترن بجواب القسم.
فعلى كل حال القاعدة عند أهل العلم بالنحو يقولون: إنه إذا اجتمع شرط وقسم حُذف أيهما؟ جواب المتأخر، فإذا قلت: (إن كنتَ واللهِ ضربتُكَ)، ما تقول: (لَأَضْرِبَنَّكَ)؛ لأن الشرط متقدِّم، ولكن إن قلت: (واللهِ إنْ كنتَ ضَرَبْتُكَ) ما يصح، تقول: (لأضربنك).
﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ فأكدوا -والعياذ بالله- ما أرادوا من رجمه بثلاثة مؤكدات: القسم واللام ونون التوكيد. ثم أوغلوا في الوعيد والتهديد حيث قالوا: ﴿مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ ولم يقولوا: (لنرجمنك) كأنهم يقولون: فيه من سبقك فرُجم فنحن نرجمك معهم.
وقوله: بالحجارة أو بالقول؛ أيهما أقرب؟ الحجارة أقرب؛ لأن الرجم بالقول قليل الاستعمال، ثم إن التهديد به من هؤلاء الذين يرون أنهم يتكلمون من مصدر القوة ليس بلائق في المقام، فالصواب أنه: لتكونن من المرجومين بالحجارة. والله أعلم.
* * *
(...) عليه الصلاة والسلام، وأن الله أخبر أن قومه كذبوا المرسلين، والمؤلف ذكر فيه احتمالين؛ إما لأنهم كذبوا بالتوحيد، وهذا التوحيد جنس لكل ما بُعِثَتْ به الرسلُ، وتكذيب الواحد من الجنس تكذيب للجنس كله، وهذا هو الأصح، أو لأنه طال مُكثه فصار كأنه رسل متعددون. وسبق أيضًا في القصة أنه لاستكبار قومه ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء ١١١] يعني لسنا مؤمنين لك لأن الذين اتبعوك هم الأرذلون على رأيهم؛ كما قالوا في سورة هود: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود ٢٧].
وفيه أيضًا أنه قال لهم: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء ١١٢] يعني: أيُّ علم لي بعملهم الذي يعملونه، فأنا ليس لي إلا ظاهر أمرهم وأما باطنهم فإلى الله، وظاهرُ أمرهم أنهم أخيار أبرار، وليسوا أراذل كما يزعم هؤلاء، ولكنهم بعد هذا توعدوه والعياذ بالله بالرجم على سبيل التهديد وإظهار القوة في قولهم: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء ١١٦] وهو أبلغ من قولهم: (لنرجمنك)؛ لأن فيه تخويفًا، حيث إنه ليس أول من يُرجَم، بل هناك من رُجم قبله.
حينئذ لجأ إلى الله سبحانه وتعالى فـ ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ﴾ [الشعراء ١١٧، ١١٨] هذا الدعاء كما جمع بين أسباب الإجابة الثلاثة، وهي دعاء الله تعالى باسم الربوبية: ﴿رَبِّ﴾، وبذكر الحال الداعية المقتضية للدعاء ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾، والثالث: الطلب: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١١٨].
أولًا: قوله: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ الربوبية –كما مر علينا- تنقسم إلى قسمين؛ عامة وخاصة، وهذه من الربوبية الخاصة، بل هي من أخص الربوبيات؛ لأنها ربوبية الله تعالى لرسله.
وفيه أيضًا قوله: ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾، إظهار للأضعف، يعني ما هو أضعف؛ لأنه قوله: ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾ كان مقتضَى الحال أن يكونوا مصدِّقين له لأنهم قومه، ولكنهم -والعياذ بالله- صاروا مكذبين له، فصارت حاله تقتضي رأفة أكثر؛ حيث إن قومه هم الذين كذبوه، ثم إنه يقتضي أن تكون النكاية فيهم أعظم أيضًا؛ لأنهم قومه. فهذه الإضافة فيها فائدتان:
الفائدة الأولى: بيان أنهم مستحقون للرأفة أكثر؛ لأن قومه هم الذين كذبوه.
ثانيا: أن قومه مستحقون للتنكيل بهم أكثر؛ لأنهم قومه؛ وكان عليهم أن يصدقوه ويمنعوه، يعني من أن يؤذى، فكيف يكونون الذين يؤذونه!
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم ١، ٢] ولم يقل: ما ضل النبي أو الرسول، بل قال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ يعني الذي تعرفونه وتعرفون رجاحة عقله، وتعرفون أمانته، فكيف تنكرون ما جاءكم به من المعراج!
قال: ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ يعني نسبوني إلى الكذب وقالوا: كذَّبه وكذَبه، والفرق بينهما:
* طالب: أن كَذَبَهُ أخبره بخلاف الواقع، وكَذَّبَهُ أنه لم يصدِّق ما جاء به.
* الشيخ: نسبه إلى الكذب. طيب وكَذَبَهُ: أخبره بالكذب.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي﴾ [الشعراء ١١٧، ١١٨] الفاء للسببية. (افتح بيني) هذا هو ظاهره الأمر لكنه في جانب الله يُسمَّى دعاءً؛ إذ الأمر لا يكون إلا ممن يستعلي على المأمور، وليس الطالب بمستعلٍ على مطلوبه، ثم إن الله جل وعلا فوق كل شيء.
(﴿﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ ﴾ أي: احكم). وسُمِّيَ الحكم فتحًا لأنه ينفتح به الأمر ويتبين، فينفصل هذا عن هذا. وهذا الفتح بأن ينجيه ومن معه من المؤمنين ويهلكهم؛ أما نجاته ومن معه من المؤمنين فمصرَّح بها، وأما إهلاكهم؛ فلا نجاة إلا من هَلَكة، هذا الفتح الذي فعله نوح أن يهلك الله تعالى قومه وأن ينجيه هو ومن معه من المؤمنين، وقد قال تعالى عنه في سورة نوح: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح ٢٦، ٢٧].
وفي هذه الآية ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ يعني قد يقول قائل: هل إن نوحًا يخبر الله تعالى بالواقع، أليس الله تعالى عالمًا به؟
فالجواب: بلى، هو عالم به، لكن قصده عليه الصلاة والسلام بيان الحامل له على هذا الدعاء؛ أنه باعتقاده يظن أو يعتقد أنه إذا أبقاهم لا يلدون إلا فاجرًا كفارًا، وإلا فالله تعالى عليم بهم، فيكون هذا كالاعتذار عن هذا السؤال العام ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾.
ثم قال: ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١١٨] هذه المعية ليست معية اختلاط كما هو معروف، بل هي معية اشتراك في عمل وعقيدة، فإن المؤمن (...) المؤمنين كانوا مشاركين له في العقيدة والعمل، وهذا مما يدل على أن المعية ليست كما فهمه المحرِّفون في معية الله سبحانه وتعالى وأنها تقتضي المشاركة في المكان أو الاختلاط، ليس (...) هذا.
وقوله: ﴿وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لبيان المبهَم فيمن معي؛ لأن (من) اسم موصول، والاسم الموصول يحتاج إلى بيان، وبيانه إما من صلته وإما من غيرها.
الشعراء 26:119
قال الله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ [الشعراء ١١٩] الفاء للسببية، أي: فبسبب دعائهم أنجيناه، وهي مع إفادتها السببية تفيد أيضًا التعقيب.
قال: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء ١١٩] هنا قال: ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾ مع أن دعاءه ﴿وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وكلمة (من معه) أعم، فما هي الحكمة في ذلك؟
* طالب: أنه اصطحب معه بعض الحيوانات، وأنه أخذ من كلٍّ زوجين، فهذه لا توصف بالإيمان.
* الشيخ: ولعله ما قصدها أيضًا، نوح عليه الصلاة والسلام في دعائه ما كان فيما يظهر يدور في ذهنه أن الله ينجي هذه المخلوقات الأخرى، بل قال: ﴿وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ويشكل على هذا قوله: ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾ من؟ ولم يقل: (وما معه)؟
* طالب: التغليب.
* الشيخ: من باب التغليب، ولأنه هو أيضًا إنما دعا لمن معه فكأن الله سبحانه وتعالى غلَّب جانب العقلاء لأنه هو إنما دعا بإنجائهم، فصار هذا أنسب لمطابقة الإجابة للطلب.
وقوله: ﴿وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ الفلك الذي بناه أو صنعه نوح في علم الله عز وجل، وقال قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر ١٣]، وهنا قال: ﴿فِي الْفُلْكِ﴾، وهناك قال: ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾، وأيها أخصر؟ الفلك أخصر ما فيها شك، أقصر من ذات ألواح ودثر، لكن السورة ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١] كما هو معروف في فواصل آياتها ومقاطعها وجمل الآيات المناسب لها: (ذات ألواح ودثر)، كما أن فيه فائدة معنوية، وهي بيان مواد هذه السفينة، أنها من الألواح والمسامير؛ ليكون في ذلك دليل على أنها محكَمة ولأجل أن يتعلم صناعة السفن من لم يعرف. والصناعة في ذلك الوقت ما تطورت إلى هذا التطور، فالحاصل أن هذا السبب في أنها هناك ذكرت مبسوطة وهنا ذُكرت (...).
وقوله: (﴿﴿الْمَشْحُونِ﴾ ﴾ المملوء من الناس والحيوان والطير) الطير ما هو من الحيوان؟ بلى، لكن عطفه عليه من باب عطف الخاص على العام.
* طالب: الطير من الحيوان؟
* الشيخ: إي، حتى الإنسان من الحيوان، لكن الإنسان حيوان ناطق كما يقول المناطقة.
كأنه يريد الحيوان ما يمشي على رجلين، والطير ما يطير بجناحين، وإلا لو قال: (والحيوان) لكفى.
وقوله: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ مر علينا كثيرًا أن الفلك اسم جنس يشمل بلفظه الوحد والجمع، يعني هذا اللفظ صالح للجمع والمفرد ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ [يونس ٢٢] ﴿وَجَرَيْنَ﴾ هنا أراد بالفلك الجمع ولَّا المفرد؟
* طالب: الجمع.
* الشيخ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [لقمان ٣١] هذا؟
* طالب: جمع.
* الشيخ: لا، أراد المفرد. لو كان للجمع لقال: تجرين.
* طالب: أراد جنس الفلك.
* الشيخ: لا، هو أراد المفرد هنا، اللفظ مفرد الآن، لكن يُراد به الجنس، ما ينفع تقول: الإنسان هو المفرد لكن الجنس، وإلا معنى الكلام على أن الفلك تُطلَق على الجمع والمفرد إطلاقًا واحدًا، ما يتميز أن المراد بها الجمع والمفرد أو (...) المفرد من الجمع إلا بالسياق.
الشعراء 26:120
قال تعالى: (﴿﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ﴾ ﴾ أي بعد إنجائهم ﴿﴿الْبَاقِينَ﴾ ﴾ [الشعراء: ١٢٠] من قومه) والذين نجَوا كما قال الله تعالى في سورة هود قليل: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود ٤٠] شوف وابنه -أحد أبنائه- ما نجا؛ لأنه كان كافرًا، وهو قد قال: ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١١٨] كذا؟ وفي الآية الأخرى أن الله قال له: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [هود ٤٠] لكن الله استثنى ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ [المؤمنون ٢٧] ولكنه عليه الصلاة والسلام دعا الله تعالى مشفقًا وراجيًا رحمته ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود ٤٥]، فقال الله تعالى له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود ٤٦].
والجواب هنا فيه إشكال، إنما قال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾؛ لأنه كان مقتضى ما سبق أن يقول: إنه ليس من أهلك لأنا استثنينا مثلًا ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ لكن لو قيل كذلك لأنه سبق عليه القول لقال: ولماذا سبق عليه القول؟ فذكر النتيجة الأخيرة، وهو أنه عمِل غيرَ صالحٍ، أو ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود ٤٦] إلى آخره.
* طالب: ويش (...) عمل غير صالح؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: توجيه قراءة (...).
* الشيخ: لها توجيهان: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: سؤالَك ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾؛ لأنك سألت ما لا يجوز.
أو ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الولد ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ من باب المبالغة. يعني: عامل غير صالح، فأطلق عليه المصدر؛ كما يقال: فلان عدل، وفلان رضا، بمعنى هو عدل ورضا، فالمعنى أنه ذو عمل غير صالح.
ويؤيد هذا الاحتمال القراءة لكنها ليست سبعية ﴿﴿إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ﴾.
هؤلاء الذين نجوا هل هم الذين بقوا من أهل الأرض؟ لا، ليسوا هم، بل ذرية نوح هم الذين بقوا، وأما من كان معه من المؤمنين فإنه فني ما بقي له نسل؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]، ولهذا يقال: إن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو الأب الثاني للإنسان، الأب الأول آدم، وهذا هو الأب الثاني؛ لأن جميع بني الإنسان ماتوا، وما بقي إلا ذريته ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ﴾ وهذه (هم) ضمير فصل يفيد الحصر والاختصاص، فهم الذين بقوا، ويقولون، يعني يقول المؤرخون: إنهم ثلاثة: سام وحام ويافث. والله أعلم هل هذه أسماؤهم أم لا، وهل هم ثلاثة أو أكثر أو أقل، إنما هذا كلام المؤرخين، المهم إنما الذي نتيقن أنه ما بقي أحد في الأرض إلا ذرية نوح عليه الصلاة والسلام فيكون هو الأب الثاني.
الشعراء 26:121
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٠، ١٢١] وإغراقهم آية عظيمة، يعني الله تبارك وتعالى فتَّح أبواب السماء بماء منهمر ﴿فَفَتَحْنَا﴾ [القمر ١١] و﴿﴿فَتَّحْنَا﴾ ﴾ قراءتان سبعيتان، و﴿﴿فَتَّحْنَا﴾ ﴾ أبلغ من (فتَحنا).
فتَّح الله أبواب السماء بماء منهمر، يعني نازلًا بقوة وشدة وكثرة.
﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢] المعربون يقولون: إن الأصل: (فجرنا عيون الأرض) (...) محولة عن مفعول، وفي الحقيقة أن (فجرنا الأرض عيونًا) أبلغ وأعظم، يعني كأن الأرض كلها صارت عيونًا، فهو أبلغ من (فجرنا عيون الأرض)، عيون الأرض (...) عشر عيون، ما تزيد لو كانت (فجرنا عيون الأرض)، لكن: فجرنا الأرض عيونًا كلها، حتى إن التنور بدأ يفور من الماء. والتنور كما تعرفون أبعد ما يكون عن الماء؛ لأنه محل تفجير النار، ومحل تفجير النار يكون يابسًا يبوسًا بالغًا، ولكن مع ذلك صار بإذن الله يفور.
التقى الماء على أمر قد قُدر حتى بلغ قمم الجبال، وغرق الناس كلهم إلا من في هذه السفينة، وحينئذ صدق قول نوح لقومه: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود ٣٨، ٣٩] (...) السفينة الآن السفينة الحقيقية من هؤلاء الذين على السفينة وكأني بهم يطلعون إليهم من نوافذها وهم يعومون في هذا الماء ويغرقون، وهؤلاء في منجاة منه.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أكثر من؟ على رأي المؤلف: أكثر قوم نوح مؤمنون، لكن الأصح أكثرهم أي الذين بُعث فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام.
قوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه هي (ما) الحجازية و(كان) زائدة، ولَّا معناها (...) أصلية والعمل لـ(كان)؟
* طالب: العمل لـ(كان) كما ذكرنا.
* الشيخ: العمل لـ(كان) كما ذكرنا؛ لأن الأصل عدم الزيادة، إذا جعلت العمل لـ(ما) لزم أن تجعل (كان) زائدة، وإذا جعلت العمل لـ(كان) بقيت (ما) نافية على ما هي عليه.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ الجامع بين العزة الغالبة القاهرة، الرحيم الرحمة البالغة، لكنه سبحانه وتعالى لجمعه بين العز والرحمة صارت الرحمة تكون في مواضعها والعز يكون في مواضعه.
وكم أقسام العزة التي يتصف الله بها؟
* طالب: عزة قدر، عزة قهر، عزة امتناع
* الشيخ: عزة القدر والقهر والامتناع.
ويش معنى عزة القدر؟
* الطالب: أن الله سبحانه وتعالى له القدر العالي الذي لا يشبهه أحد من مخلوقاته.
* الشيخ: ذكر عزيز القدر يعني أن قدره لا نظير له، مثلما تقول: هذا عزيز، يعني ما يوجد.
عزة القهر؟
* طالب: أي أن الله سبحانه وتعالى قاهر من سواه من مخلوقاته أو (...).
* الشيخ: قاهر غالب لهم.
طيب وعزة الامتناع؟
* طالب: أي أنه لا يمكن لأحد من مخلوقاته أن يتوصل إليه..
* الشيخ: بسوء.
* الطالب: بسوء، أو أي..
* الشيخ: يعني يمتنع عليه كل سوء أو نقص.
وقالوا في المعنى الأخير: من هذا قولهم: أرض عزاز، نحن نسميها عزا، يعني صلبة قوية ممتنعة، ليست رخوة لينة.
وأما الرحيم فمعناه ذو الرحمة الواصلة إلى خلقه، يعني الرحيم غير الرحمن.
أهل السنة جميعًا يثبتون الرحمة لله حقيقة، وغيرهم يؤولها بأن المراد بها الإحسان أو إرادة الإحسان، يعني أنهم يصرفونها إلى لازمها، كيف؟ لأن الرحمة هي الرقة، والله سبحانه وتعالى منزه عن الرحمة، فيقال: من قال لكم: إن الله منزه عن رقة الرحمة؟ الله سبحانه وتعالى يرحم عبده بمعنى أنه يعطف عليه، وأي مانع يمنع؟ هل القاسي هو المحمود أو اللين هو المحمود؟ لا شك أن هذا هو المحمود.
ثم إننا نقول: إن لين الإنسان غير لين الله سبحانه وتعالى؛ لأن لين الإنسان سببه الضعف أحيانًا وعدم القدرة، ولهذا يرحم الإنسان أحيانًا من لا يستحق الرحمة؛ لأنه ما عنده إلا مجرد عاطفة اللين التي سببها الضعف، أما الله عز وجل فإن رحمته رحمة قوةٍ ورحمة حكمة، ولهذا يعذب أهل النار ذلك العذاب العظيم وهو أرحم الراحمين؛ مما يدل على أن رحمة الخالق ليست كرحمة المخلوق.
الشعراء 26:122
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٠، ١٢١] وإغراقهم آية عظيمة، يعني الله تبارك وتعالى فتَّح أبواب السماء بماء منهمر ﴿فَفَتَحْنَا﴾ [القمر ١١] و﴿﴿فَتَّحْنَا﴾ ﴾ قراءتان سبعيتان، و﴿﴿فَتَّحْنَا﴾ ﴾ أبلغ من (فتَحنا).
فتَّح الله أبواب السماء بماء منهمر، يعني نازلًا بقوة وشدة وكثرة.
﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢] المعربون يقولون: إن الأصل: (فجرنا عيون الأرض) (...) محولة عن مفعول، وفي الحقيقة أن (فجرنا الأرض عيونًا) أبلغ وأعظم، يعني كأن الأرض كلها صارت عيونًا، فهو أبلغ من (فجرنا عيون الأرض)، عيون الأرض (...) عشر عيون، ما تزيد لو كانت (فجرنا عيون الأرض)، لكن: فجرنا الأرض عيونًا كلها، حتى إن التنور بدأ يفور من الماء. والتنور كما تعرفون أبعد ما يكون عن الماء؛ لأنه محل تفجير النار، ومحل تفجير النار يكون يابسًا يبوسًا بالغًا، ولكن مع ذلك صار بإذن الله يفور.
التقى الماء على أمر قد قُدر حتى بلغ قمم الجبال، وغرق الناس كلهم إلا من في هذه السفينة، وحينئذ صدق قول نوح لقومه: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود ٣٨، ٣٩] (...) السفينة الآن السفينة الحقيقية من هؤلاء الذين على السفينة وكأني بهم يطلعون إليهم من نوافذها وهم يعومون في هذا الماء ويغرقون، وهؤلاء في منجاة منه.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أكثر من؟ على رأي المؤلف: أكثر قوم نوح مؤمنون، لكن الأصح أكثرهم أي الذين بُعث فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام.
قوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه هي (ما) الحجازية و(كان) زائدة، ولَّا معناها (...) أصلية والعمل لـ(كان)؟
* طالب: العمل لـ(كان) كما ذكرنا.
* الشيخ: العمل لـ(كان) كما ذكرنا؛ لأن الأصل عدم الزيادة، إذا جعلت العمل لـ(ما) لزم أن تجعل (كان) زائدة، وإذا جعلت العمل لـ(كان) بقيت (ما) نافية على ما هي عليه.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ الجامع بين العزة الغالبة القاهرة، الرحيم الرحمة البالغة، لكنه سبحانه وتعالى لجمعه بين العز والرحمة صارت الرحمة تكون في مواضعها والعز يكون في مواضعه.
وكم أقسام العزة التي يتصف الله بها؟
* طالب: عزة قدر، عزة قهر، عزة امتناع
* الشيخ: عزة القدر والقهر والامتناع.
ويش معنى عزة القدر؟
* الطالب: أن الله سبحانه وتعالى له القدر العالي الذي لا يشبهه أحد من مخلوقاته.
* الشيخ: ذكر عزيز القدر يعني أن قدره لا نظير له، مثلما تقول: هذا عزيز، يعني ما يوجد.
عزة القهر؟
* طالب: أي أن الله سبحانه وتعالى قاهر من سواه من مخلوقاته أو (...).
* الشيخ: قاهر غالب لهم.
طيب وعزة الامتناع؟
* طالب: أي أنه لا يمكن لأحد من مخلوقاته أن يتوصل إليه..
* الشيخ: بسوء.
* الطالب: بسوء، أو أي..
* الشيخ: يعني يمتنع عليه كل سوء أو نقص.
وقالوا في المعنى الأخير: من هذا قولهم: أرض عزاز، نحن نسميها عزا، يعني صلبة قوية ممتنعة، ليست رخوة لينة.
وأما الرحيم فمعناه ذو الرحمة الواصلة إلى خلقه، يعني الرحيم غير الرحمن.
أهل السنة جميعًا يثبتون الرحمة لله حقيقة، وغيرهم يؤولها بأن المراد بها الإحسان أو إرادة الإحسان، يعني أنهم يصرفونها إلى لازمها، كيف؟ لأن الرحمة هي الرقة، والله سبحانه وتعالى منزه عن الرحمة، فيقال: من قال لكم: إن الله منزه عن رقة الرحمة؟ الله سبحانه وتعالى يرحم عبده بمعنى أنه يعطف عليه، وأي مانع يمنع؟ هل القاسي هو المحمود أو اللين هو المحمود؟ لا شك أن هذا هو المحمود.
ثم إننا نقول: إن لين الإنسان غير لين الله سبحانه وتعالى؛ لأن لين الإنسان سببه الضعف أحيانًا وعدم القدرة، ولهذا يرحم الإنسان أحيانًا من لا يستحق الرحمة؛ لأنه ما عنده إلا مجرد عاطفة اللين التي سببها الضعف، أما الله عز وجل فإن رحمته رحمة قوةٍ ورحمة حكمة، ولهذا يعذب أهل النار ذلك العذاب العظيم وهو أرحم الراحمين؛ مما يدل على أن رحمة الخالق ليست كرحمة المخلوق.
الشعراء 26:123
قال: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٢٣]، وعاد هم قوم هود، ولهذا قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء ١٢٤]، ومحل هؤلاء القوم؟
* طالب: في الربع الخالي.
* الشيخ: في الربع الخالي، طيب في الأحقاف، ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف ٢١] هؤلاء القوم معروفون بالقوة والشدة إلى حد أنهم قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] كأنهم مسيطرون. وأما المبالغة التي يذكرها المفسرون وهم يؤرخون في كبر أجسادهم وقوتهم فالله أعلم بها، إنما هم بلا شك أنهم قوم أقوياء وأنهم عتاة، يعني جفاة القلوب أقوياء الأبدان، فهم معروفون بالقوة، ولكن الله تعالى أراد أن يوبخهم ويقيم الحجة عليهم بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ [فصلت ١٥] يعني يخفضون رءوسهم، ﴿الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ فهم مخلوقون وهو خالق، فلا بد ضرورة أن يكون الخالق أعلى من المخلوق، وأن يكون المخلوق في قبضته، وهذا هو الحكمة في قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ ولم يقل: أن الله الذي خلق السماوات والأرض، نعم خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، لكن لأجل أن يخفض رءوسهم أكثر ﴿خَلَقَهُمْ﴾، هم بأنفسهم مخلوقون (...).
* * *
كذبوا نوحًا عليه الصلاة والسلام وهودًا عليه الصلاة والسلام، مع أنه نصحهم هذه النصيحة ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء ١٢٤] وسبق أن الاستفهام هنا؛ أن هذا إما للتحضيض على (...)، للتحضيض، أو أنه استفهام بمعنى التوبيخ، يعني يوبخهم على عدم التقوى: (أَ لا تتقون) يعني يجعل الهمزة وحدها و(لا) وحدها، هذا إذا جعلناه استفهامًا بمعنى التوبيخ. أما إن جعلناه تحضيضًا فإنا نقول: (ألا) جميعًا، نعربها جميعًا.
﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ من؟
* طالب: الله.
* الشيخ: ألا تتقون الله؛ لأن هذه الجملة مختصرة، والمعروف أنه كان يأمرهم مثلًا: اتقوا الله (...).
* طالب: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٢٣] ألا يؤيد (...) ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] أنهم ليس مقصوده أنه (...)؟
* الشيخ: إي نعم، هذا مما (...).
الشعراء 26:124
قال: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٢٣]، وعاد هم قوم هود، ولهذا قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء ١٢٤]، ومحل هؤلاء القوم؟
* طالب: في الربع الخالي.
* الشيخ: في الربع الخالي، طيب في الأحقاف، ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف ٢١] هؤلاء القوم معروفون بالقوة والشدة إلى حد أنهم قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] كأنهم مسيطرون. وأما المبالغة التي يذكرها المفسرون وهم يؤرخون في كبر أجسادهم وقوتهم فالله أعلم بها، إنما هم بلا شك أنهم قوم أقوياء وأنهم عتاة، يعني جفاة القلوب أقوياء الأبدان، فهم معروفون بالقوة، ولكن الله تعالى أراد أن يوبخهم ويقيم الحجة عليهم بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ [فصلت ١٥] يعني يخفضون رءوسهم، ﴿الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ فهم مخلوقون وهو خالق، فلا بد ضرورة أن يكون الخالق أعلى من المخلوق، وأن يكون المخلوق في قبضته، وهذا هو الحكمة في قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ ولم يقل: أن الله الذي خلق السماوات والأرض، نعم خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، لكن لأجل أن يخفض رءوسهم أكثر ﴿خَلَقَهُمْ﴾، هم بأنفسهم مخلوقون (...).
* * *
كذبوا نوحًا عليه الصلاة والسلام وهودًا عليه الصلاة والسلام، مع أنه نصحهم هذه النصيحة ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء ١٢٤] وسبق أن الاستفهام هنا؛ أن هذا إما للتحضيض على (...)، للتحضيض، أو أنه استفهام بمعنى التوبيخ، يعني يوبخهم على عدم التقوى: (أَ لا تتقون) يعني يجعل الهمزة وحدها و(لا) وحدها، هذا إذا جعلناه استفهامًا بمعنى التوبيخ. أما إن جعلناه تحضيضًا فإنا نقول: (ألا) جميعًا، نعربها جميعًا.
﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ من؟
* طالب: الله.
* الشيخ: ألا تتقون الله؛ لأن هذه الجملة مختصرة، والمعروف أنه كان يأمرهم مثلًا: اتقوا الله (...).
* طالب: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٢٣] ألا يؤيد (...) ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] أنهم ليس مقصوده أنه (...)؟
* الشيخ: إي نعم، هذا مما (...).
الشعراء 26:125
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٢٥] إني لكم رسول أي: مرسل من قِبل الله سبحانه وتعالى لكم، (لكم) تقديمها يدل على الاختصاص، يعني: مرسل لكم خاصة، يعني كل رسول يُبعث إلى قومه فقط.
وقوله: ﴿أَمِينٌ﴾ أي ذو أمانة، ائتمنني الله سبحانه وتعالى على رسالته.
فإذا قال قائل: هذا الوصف، بل هذان الوصفان: ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ مجرد دعوى، وهم ينكرون أن يكون رسولًا أمينًا، بل يقولون: إنه كاذب..
وقوله: ﴿أَمِينٌ﴾ [الشعراء ١٢٥]؛ أي: ذو أمانة ائتمنني الله سبحانه وتعالى على رسالته.
فإذا قال قائل: هذان الوصفان ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ وهم ينكرون أن يكون رسولًا أمينًا، بل يقولون: إنه كاذب خائن، فهل بمجرد الدعوى تقوم عليهم الحجة؟ الجواب: لا، لكن هذه الدعوى مؤيدة بآيات من الله عز وجل؛ لقول النبي ﷺ: «مَا مِنْ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) من حديث أبي هريرة.]]، فهو ليس مجرد الدعوة؛ لأن مجرد الدعوة سهل رفضها، لكنها دعوة مؤيدة مدعمة من الله سبحانه وتعالى بآيات بينة يؤمن على مثلها البشر، وفي هذا، يعني كأنه لما قال: إن هذا القول جازمًا به دليل على قوة آياته، وأن معه من الآيات ما جعله يُعبِّر هذا التعبير الجازم ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء ١٢٥]، وفي هذا دليل على أن الرسالة أكبر دليل على أمانة الشخص، ولَّا لا؟ لأنه لولا أنه أمين ما ائتمنه الله سبحانه وتعالى على الوحي الذي فيه الحكم على الناس بالسعادة والشقاء، بل الحكم عليهم باستباحة أموالهم واستباحة نسائهم واستباحة دمائهم، فلولا أن الرسل عليهم الصلاة والسلام هم أعظم الناس أمانة ما ائتمنهم الله على هذا الوحي العظيم.
* طالب: ممكن يكون قولهم ادعاء لأنهم ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ﴾ [سورة هود ٥٣].
* الشيخ: إي، إنكار هذه مكابرة.﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء ١٢٦]، عودًا في المعنى على قوله: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء ١٢٤]؛ يعني فلأني رسول أمين افعلوا ما آمركم به من التقوى، وأحثكم عليه ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ما قال: واتقون؛ لأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، لا هو ولا غيره، وظيفة الناس بالنسبة للرسل ليس تقوى الرسل بل طاعة الرسل، ولهذا ما جاء على لسان أي واحد من الرسل أنه قال لقومه: (اتقون) بل يأمرونهم بالطاعة، وأما التقوى والخشية والخوف فهو لمن؟ لله سبحانه وتعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
وهذه التقوى مرت علينا كثيرًا في أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله سبحانه وتعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وأن هذا أجمع ما قيل في التقوى، ولهم فيها عبارات كثيرة.
وقوله: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ ما هي الطاعة؟ أصل الطاعةِ الانقيادُ، ومنه قولهم: هذه الناقة طوعُ صاحبها؛ أي: منقادة له وذليلة، وتُفسَّر بأنها موافقة الأمر، فإذن نقول: موافقة الأمر تذللًا للآمر؛ لأن موافقة الأمر قد تكون تذللًا للآمر، وقد تكون كالإكراه فهذه لا تكون طاعة.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، في الآية الكريمة هذه وجوب تقوى الله ووجوب طاعة رسوله؛ لأن طاعة رسوله من طاعته ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠].
(﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ﴾ ما ﴿أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء 127])
﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على ما أقول لكم، أو ﴿عَلَيْهِ﴾ على تبليغ الرسالة، والمعنى متقارب؛ يعني أنا لست أقول: أعطوني شيئًا، وإنما آمركم بما فيه خيركم، لو كنت أسألكم أجرًا على ذلك لكان لكم الحجة في أن تردوا، لكني لا أسألكم عليه أجرًا؛ يعني ثوابًا وعوضًا ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
(﴿إِنْ﴾ ما ﴿أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ) وفي هذا كمال الإخلاص؛ يعني: أنا لا أريد الأجر إلا من الله سبحانه وتعالى.
في قوله: ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿إِلَّا عَلَى﴾ (على) يقول العلماء: إنها تفيد الوجوب؛ يعني ما قال: إن أجري إلا من رب العالمين، قال: ﴿عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهل الله سبحانه وتعالى يجب عليه شيء؟
الجواب: أما أن نوجب عليه فلا، وأما أن يوجب على نفسه تكرُّمًا فهذا لا مانع منه، قال ابن القيم:
مَـــــا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَـــــقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِ؎كَـــلَّا وَلَا عَــــــمَلٌ لَدَيْهِ ضَـــائِعٌ ∗∗∗ إِنْ كَانَ بِالْإِخْــــلَاصِ وَالْإِحْــسَانِ؎إِنْ عُــــــــذِّبُوا فَبِعَـــــدْلِهِ أَوْنُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِـــــــــــــهِوَالْحَـــــــــــــــــــمْدُ لِلْمَـــــــنَّانِ
واللي فيها دول ثلاثة الأبيات (...) وهم مقيدات لأبيات سابقة
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَــقٌّ وَاجِــبٌ ∗∗∗ كَــلَّا وَلَا سَـــعْيٌ لَدَيْهِ ضَـــــائِعُ؎إِنْ عُــــذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُــــعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الْـــكَرِيمُالْوَاسِــعُ
البيتان هادول مطلقات لكن ابن القيم قال:
مَا لِلْعِبَــادِ عَلَــيْهِ حَـــقٌّ وَاجِـــبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَالشَّانِ
(كلا ولا عمل لديه ضائع) قيَّدها بقوله: (إن كان بالإخلاص والإحسان)، الإحسان المتابعة، أما إذا لم يكن بالإخلاص والإحسان فيضيع، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف ١١٠].
يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٢٦، ١٢٧]، (﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ مكان مرتفع، ﴿آيَةً﴾ بناءً علمًا للمارة، ﴿تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء ١٢٨] بمَن يمُرُّ بكم وتسخرون منهم) إلى آخره.
يقول: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ ﴿آيَةً﴾؛ يعني: علامة، لكن هل هو علامة على الطريق كما قال المؤلف؟ يحتمل هذا، مع أن السياق لا يؤيده، لكنه يحتمله ما يمنعه، لكن لا يؤيده، أو أن المراد ﴿آيَةً﴾ أي: علامة على قوتكم ومقدرتكم، هذا هو الأقرب، ولهذا قال: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾؛ يعني أنكم تقصدون من هذه البنايات أن تكون آية ودليلًا وبرهانًا على قُوَّتكم، وقوله: ﴿تَعْبَثُونَ﴾: تتخذون ذلك عبثًا؛ لأنه لا مصلحة لكم فيه إلا مجرد العبث وإظهار العظمة وإظهار القوة، وهذا بلا شك أن كون الإنسان يُظْهِرُ قوته أنه عبث وفساد.
وعلى هذا يتبين لنا أن هؤلاء الذين يحاولون أن يصلوا إلى الكواكب ويطلقوا هذه الأقمار اللي ما تجدون منها في الأرض مثل قوم عاد تمامًا؛ يعني الطريقة هي الطريقة وإن كان الأسلوب مختلفًا؛ يعني يفعلون هذه الأشياء آية وعبثًا؛ إذ لا يستفيدون منها فيما خلق لهم ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٩]، في السماء، لكن اللي في الأرض هو اللي مخلوق لنا ننتفع به مباشرة، لكن ما في السماء مسخر لمصالحنا، ولكننا لا ننتفع به مباشرة، فالمنتفع الذي ننتفع به مباشرة هو ما في الأرض.
ولهذا يقول بعض الناس: لماذا تحاولون أن تصلوا إلى السماء وأنتم عاجزون عن حل مشاكلكم في الأرض، وهذا صحيح، لكن بس مجرد العبث والفخر، وأننا أقوياء، وأننا وصلنا إلى كذا ووصلنا إلى كذا مع أنهم قوم هود، وهؤلاء القوم أيضًا المعاصرون يخسرون على هذه الأمور خسائر باهظة، فصارت عبثا؛ لأن كل شيء يتعب الإنسان فيه جسمه وماله وفكره بدون فائدة، فهو عبث لا فائدة منه، بل إنه إذا أراد ما وراءه من إظهار العظمة والكبرياء على الخلق صار أيضًا فسادًا، فصار إيجابيًّا لا سلبيًّا فقط، نعم إيجابيًّا لأنه فساد، هو ينكر عليهم هذا الأمر ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾.
وأما ما سلكه المؤلف رحمه الله من أنهم يجعلون علامات للمارة لأجل إذا مروا بهم يسخرون منهم، فهذا بعيد عن السياق، وإن كان السياق لا يمنعه لكنه لا يؤيده، فالصواب في هذه الآية أنهم يبنون بنايات عظيمة تدل على قوتهم وقدرتهم عبثًا؛ لأنهم لا يستفيدون منها سوى إظهار العظمة فقط، وهذا لا شك أنه عبث، ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ [الشعراء ١٢٩] إلى آخره.
إذا تأملت الإنسان؛ الإنسان الأول هو الإنسان الأخير، أو الإنسان الأخير هو الإنسان الأول، لكن يختلف الأسلوب ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٢٩ - ٣٢].
هذه الأمور طبقها على الوقت الحاضر موجودة، بس عاد كلمة ضالون (...) رجعيون أو محافظون أو ما أشبه ذلك، ولَّا نفس الشيء، فالإنسان الأول في الحقيقة أن الفكر هو هو، لكن الأسلوب يختلف مسايرة للزمن ولَّا نفس الشيء، الله أعلم.
* طالب: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٣٢٠) واللفظ له، ومسلم (٢٦٦٩ / ٦) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، هل هو صحيح قول بعض الناس: إن الحيوانات على زمن نوح أنها أقل أنواع منها اليوم، هذا بسبب نزو بعضها على شكل آخر أنه تولد منها أشكال.
* الشيخ: طالما أن الآية ما تصرح لا بهذا ولا بهذا ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود ٤٠]؛ يعني: من كل من الموجودات، ما ندري هو لا شك أن الأصل لم يوجد أصل جديد، لكن ربما مثلما قلت بالتوالد أو نزو بعضها على بعض تختلف، مع أنهم يقولون: من المعروف عندهم أن ما حصل من نزو بعض (...) على بعض أنه ما يتوالد، الحاصل بالتوالد ما يتوالد؛ كل شيء نشأ من التوالد لا يتوالد، هذا معروف عندهم، ولهذا البغل ما يمكن (...)، إي نعم.
* طالب: من أين كثرة البغال؟
* الشيخ: من نزو الحمير على الفرس.
* طالب: قال الشيخ عبد الرحمن: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٤١]، قال إن: الفلك يشمل حتى الطائرات (...)، وقال: الدليل أنه ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ولم يقل: حملناهم.
* الشيخ: اقرأ الآيات التي قبلها.
* طالب: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٣٣ - ٤١].
* الشيخ: الحقيقة اللي يمنع من هذا أن قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ والذرية تأتي بعد، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: فكيف تكون آية لهم وهو سابقون عليها؟ ولذلك أكثر المفسرين على خلاف هذا الرأي، يقول: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾؛ يعني: ذرية أبيهم؛ يعني نوح عليه الصلاة والسلام، وبعضهم قال: إن الذرية هنا بمعنى الآباء، لكن استعمال الذرية بمعنى الآباء بعيدة في اللغة العربية، لكن استعمالها بمعنى ذريتهم؛ أي الذرية التي نشؤوا منها، فليست الإضافة للذرية التي نشأت منهم، بل الذرية التي نشؤوا منها وهي ذرية أبيهم نوح حملناهم في الفلك المشحون، وهذا أنسب؛ لأن الحقيقة أن كونه يجعل ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ لذرية ما بعد جاءت، أو تكون آية لمن قد مات، هذه بعيدة (...)، كلام الشيخ أنا عندي ما له وجه.
* طالب: (...) إنما تطلق على طائرات، سيارات..
* الشيخ: لا، ربما تطلق؛ لأن الحوت كل (...)، ولهذا حصر الله سبحانه وتعالى المركوبات في هذا ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف ١٢]، فالفلك ما نصنعه نحن والأنعام ما يخلقه الله، لكن بس أنه كونه آية لهم وهو ينظرون والذرية ما بعده.
* طالب: يقول: هذا الخطاب للمتأخرين وذريتهم الأولين ذرية ما وجدوا على عهد (...) حملوا على؟
* الشيخ: (...) الآيات الموجودة في عهده، إذا حملنا نحن على الطائرات والسيارات والمراكب ما يكون آيات لأولئك، ثم إن كلمة (حملنا) يحتاج إلى تأويلها إلى (فنحمل)، وحينئذٍ إذا كانت (فنحمل) ما يصير آية لهم إلا باعتبارها وعدًا من الله، لا مُشاهَدًا لهم.
* طالب: ما يكون أن هذه المركوبات تكون لكم آية، وكذلك مع تعاقب الأزمان آية؟
* الشيخ: آية لمن؟
* الطالب: لذريتكم؛ أنكم حملتم عليها وسيُحْمَل..
* الشيخ: إي، ما يخالف، لكن الطائرات والسيارات الذرية الموجودين على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، كيف يصدق عليها ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ إلا بتأويل (فنحمل ثم إنه إذا كانت بتأويل (فنحمل) هي ما تكون آية لهم إلا باعتبار أنها وعد من الله وأنهم واثقون به، والله سبحانه وتعالى ما يخاطب هؤلاء المعاندين بما يقتضيه وعده فقط، وإنما يخاطبهم بآية يشاهدونها أو تكون معلومة لديهم بحيث لا يتمكن من الإنكار، فأنا في الحقيقة هي مرت علي في كلام الشيخ، لكن ما لها وجه، والصواب أن نقول: ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾؛ يعني الذرية التي كانوا منها الإضافة -كما يقول النحويون- لأدنى ملابسة، فآباؤهم بالنسبة لنوح ذرية، وأما عاد إطلاق أن الذرية تأتي بالمعنى الحقيقي للآباء (...).
في قصة نوح ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ [الشعراء ١١٧، ١١٨]، إلى آخره. ما الذي يستفاد من هذه الجملة؟
* طالب: إضافة القوم إليه.
* الشيخ: يعني من كل (...) ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾.
* طالب: أولًا: الالتجاء إلى الله عز وجل، والدعاء عليهم، وذكر الأسباب التي دعت إلى الدعاء عليهم.
* الشيخ: في قوله؟
* طالب: ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾.
* الشيخ: هذا الدعاء، من آداب الدعاء؟
* طالب: من آداب الدعاء أولًا: دعا بالله بصفة الربوبية، وأيضًا ذكر الحال وحال الأوضاع التي إلى الله سبحانه وتعالى..
* الشيخ: يعني ذكر الحال الموجبة للدعاء.
* طالب: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾.
* الشيخ: لا، وذكر المطلوب؛ لأن الداعي تارة يذكر المطلوب وحده، وتارة يثني على الله مع ذكر المطلوب، وتارة يثني على الله ويذكر حاله والمطلوب، أيضًا تارة يذكر حاله فقط ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص ٢٤]، المهم إذن من آداب الدعاء فيه ثلاثة أشياء، وهي؟
* طالب: التوسل بصفات الله، وأيضًا بيان الحال والطلب.
* الشيخ: ما هي الفائدة من قوله: ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ إضافة القوم إليه؟
* طالب: الفائدة من نسبة القوم إليه أنه أقيمت الحجة عليهم إلى أكبر درجة؛ لأنه أرسل إليهم نبي منهم إلى قومه ولم يرسل إليهم رجل آخر من قبيلة أخرى..
* الشيخ: يعني زيادة التشنيع عليهم.
* طالب: زيادة التشنيع عليهم.
* الشيخ: حيث كذَّبوه وهو من قومه، زين فيه أيضًا ثانٍ.
* طالب: فائدة أخرى: لكي تكون عذرًا إليه لم يطلب من إهلاكهم..
* الشيخ: يعني عظم البلاء عليه؛ لأنه إذا كذبه قومه صار أشد عليه وأعظم، ففيها عظم البلاء عليه ليكون أقوى وسيلة في إجابة دعوته. ماذا يستفاد من قوله: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾؟
* طالب: يعني احكم بينهم.
* الشيخ: معناه أن يحكم بينهم بإهلاكهم. هل يسوغ مثل هذا الدعاء؟
* طالب: نعم؛ لأنهم أهلٌ للإهلاك.
* الشيخ: يعني يستفاد منه أنه عند اليأس يجوز أن يدعو الإنسان على المكذبين والمعاندين. هل أقرَّ شرعنا هذا أم خالفه؟
* طالب: شرعنا أقره، إنما فضَّل عدم الدعاء إلا إذا كان ثبت أنهم لا يستقيمون ولا يؤمنون يُشْرَع الدعاء.
* الشيخ: ويش دليله؟
* طالب: الدليل على عدم مشروعية الدعاء إلا عند الحاجة: «رأى النبي ﷺ عندما نزل عليه جبريل وقال: إن شئت أطبق عليهم الأخشبين، فقال: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥ / ١١١) من حديث عائشة بلفظ: «فناداني ملك الجبال وسلم علي، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله ﷺ: بل أرجو أن يحرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا».]]، أو كما قال ﷺ هذا النبي عليه الصلاة والسلام لكنه لم يمنع، هو منع أن الإنسان يدعو على..
* الشيخ: أنا الآن أسأل؟
* طالب: إذن المشروع عدم الدعاء..
* الشيخ: معناه أن شرعنا ورد مخالفًا لذلك؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب، فيه دليل أصرح من هذا؟
* طالب: الدليل الصريح في ذلك: «أن النبي ﷺ لما دعا عليهم في الصلاة: اللهم أهلِكْ فلان بن فلان، وفلان بن فلان، نزل عليه قوله تعالى:» ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران ١٢٨]«، فكفَّ عنهم»[[أخرج البخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (٦٧٥ / ٢٩٤) من حديث أبي هريرة: ...وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر «اللهم العن فلانًا وفلانًا». لأحياء من العرب حتى أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. واللفظ للبخاري.]].
* الشيخ: نعم، شرعنا أمر بالصبر وعدم الدعاء عليهم، ولكن قد يقال: إن نوحًا عليه الصلاة والسلام شريعته تخالف شريعتنا، ولا مانع من أن تختلف الشرائع في مثل هذا، وأيضًا فإن نوحًا عليه الصلاة والسلام مكَثَ في قومه كم؟ ألف سنة إلا خمسين عامًا، وكلما دعاهم ازدادوا إصرارًا واستكبارًا، فما بقي أن (...) عليهم فائدة، لكنه لم يهاجر منهم كما فعل يونس، بل بقي فيهم حتى أخذهم الله.
* طالب: كون الرسول ﷺ دعا على الملأ من قريش، ألا يدل هذا على جواز الدعاء على..
* الشيخ: إي، لكنه في آخر الأمر مُنِعَ منه، ولا هو دعا على الملأ من قريش في مكة قبل أن يهاجر، في الأخير منع؛ يعني ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران ١٢٨] (...).
ماذا يستفاد من قوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء ١١٩]؟
* طالب: الأمر يشمل (...) نجاة المؤمنين ومن ركب معهم في الفلك من الحيوان.
* الشيخ: إي، يعني اختيار منه أن الله سبحانه وتعالى أنجى من معه من المؤمنين بناء على دعائه، وأنجى غيرهم أيضًا مما يحتاجون إلى وجوده ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود ٤٠].
هل يستفاد من الآية الكريمة الإشهاد في هذا الفلك؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: من أين؟
* طالب: ﴿وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أول وصفه بالمشحون، ثم الفلك تعريفه بـ(أل) للتعريف..
* الشيخ: الدال على الكمال يعني.
* طالب: الكمال نعم.
* الشيخ: وكونه مشحونًا يدل أيضًا على قوته؛ لأن ما ليس بقوي لو شُحِنَ لغرق وتلف.
* طالب: ثم قوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ﴾ يعني كثيرين هم قطعًا.
* الشيخ: لا، الكلام على المشحون لكونه مملوءًا، ومع ذلك استقام وأنجى الله به من معه.
وفي قصة هود أولًا: هود عليه الصلاة والسلام في قبيلة تسمى عادًا وتنزل مساكنها؟
* طالب: بالأحقاف.
* الشيخ: نعم، واشتهروا بماذا؟
* طالب: اشتهروا بالقوة والجبروت حتى أنهم قالوا ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، كما ورد في القرآن.
* الشيخ: أحسنت، يستفاد من قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
* طالب: أن الرسالة تتضمن الأمانة؛ لأن الإنسان وهو بشر لا يرسل إلا من وثق به فكيف بالخالق؟!
* الشيخ: إي نعم، يعني يستفاد من ذلك أن أهل الرسالة كلهم أمناء؛ يعني ما يمكن يستقيم الإرسال إلا بأمين يوثق به.
أوردنا على هذا إشكال ما هو؟
* طالب: أن الرسول أو من بعث إذا كان أمينًا لا يلزم تصديقه؛ لأنه عرفناه بالأمانة إلا ببينة أو بآية تدل على رسالته (...) بأمانته عن الآية أو المعجزة التي تدل على..
* الشيخ: لا، ما هو إشكال، إحنا أوردنا إشكالًا على قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
* طالب: التخصيص، قلنا: الحصر له..
* الشيخ: لا، أوردنا إشكالًا بيَّنَّا ما هو، وأجبنا عنه.
* طالب: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
* الشيخ: إي، قلنا: هذه دعوى منه أنه يكون ذلك يقولون: لست رسولًا ولست أمينًا، بل كذَّبوه، فكيف يجعل هذا القول حجة ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، فلكوني رسولًا أمينًا اتقوا الله؟
* طالب: هو ما يذكر بذلك بل بالآيات.
* الشيخ: نعم، قلنا: إن هذه الدعوى ليست دعوى مجردة، أنت ذكرت الجواب فقط، ما ذكرت الإيراد، أهم شيء الإيراد أن يقول قائل: كيف أنه احتج عليهم بما ادعاه لنفسه؟ فنقول: إن هذه الدعوى مقرونة بالدليل.
* يستفاد من هذه الآية: جواز وصف الإنسان بالثناء على نفسه للمصلحة، كقوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، وهذا أيضًا ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ»[[أخرجه الترمذي (٣١٤٨) وابن ماجه (٤٣٠٨) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، وورد أيضًا عن الصحابة مثل هذا المدح؛ قول ابن مسعود: «لو أعلَمُ أن أحدًا أعلم بكتاب الله مني تناله الإبل لرحلت إليه، أو لسرت إليه»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٠٢)، ومسلم (٢٤٦٣ / ١١٥) من حديث ابن مسعود.]]، وأمثال هذا، لكن بشرط أن يكون غرض الإنسان من ذلك هو المصلحة.
* ويستفاد من هذا: أن التقوى لا تضاف إلى المخلوق بخلاف الطاعة؛ لقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، الطاعة لا بأس أن أقول: أنا أطعت فلانًا، لكن ما يجوز أنك تقول: اتق فلانًا بمعنى التقوى المستلزمة للتذلل.
* وفي هذا دليل على إخلاص الرسل لله في قوله: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾.
* وفيه أيضًا: احتساب الإنسان عمله على الله، ليس الإذلال على الله في هذا العمل والمنة عليه به ولكن الاحتساب به عليه لرجاء ثوابه؛ لقوله: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* وفي هذا دليل على جبروت عادٍ ومحبتهم للكبرياء والعظمة فيما أنكره عليهم نبيهم ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾.
* وفيه دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يكون غرضه من عمله، لا سيما العمل الجبار العظيم أن يكون غرضه غرضًا صحيحًا لا عبثًا ومُباهاةً، لقوله: ﴿تَعْبَثُونَ﴾، وهذا هو محط الانتقاد، ليس أن يبنوا بكل رِيعٍ آيةً ولكن كون ذلك عبثًا هو محل الانتقاد ومحط اللوم.
الشعراء 26:126
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٢٥] إني لكم رسول أي: مرسل من قِبل الله سبحانه وتعالى لكم، (لكم) تقديمها يدل على الاختصاص، يعني: مرسل لكم خاصة، يعني كل رسول يُبعث إلى قومه فقط.
وقوله: ﴿أَمِينٌ﴾ أي ذو أمانة، ائتمنني الله سبحانه وتعالى على رسالته.
فإذا قال قائل: هذا الوصف، بل هذان الوصفان: ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ مجرد دعوى، وهم ينكرون أن يكون رسولًا أمينًا، بل يقولون: إنه كاذب..
وقوله: ﴿أَمِينٌ﴾ [الشعراء ١٢٥]؛ أي: ذو أمانة ائتمنني الله سبحانه وتعالى على رسالته.
فإذا قال قائل: هذان الوصفان ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ وهم ينكرون أن يكون رسولًا أمينًا، بل يقولون: إنه كاذب خائن، فهل بمجرد الدعوى تقوم عليهم الحجة؟ الجواب: لا، لكن هذه الدعوى مؤيدة بآيات من الله عز وجل؛ لقول النبي ﷺ: «مَا مِنْ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) من حديث أبي هريرة.]]، فهو ليس مجرد الدعوة؛ لأن مجرد الدعوة سهل رفضها، لكنها دعوة مؤيدة مدعمة من الله سبحانه وتعالى بآيات بينة يؤمن على مثلها البشر، وفي هذا، يعني كأنه لما قال: إن هذا القول جازمًا به دليل على قوة آياته، وأن معه من الآيات ما جعله يُعبِّر هذا التعبير الجازم ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء ١٢٥]، وفي هذا دليل على أن الرسالة أكبر دليل على أمانة الشخص، ولَّا لا؟ لأنه لولا أنه أمين ما ائتمنه الله سبحانه وتعالى على الوحي الذي فيه الحكم على الناس بالسعادة والشقاء، بل الحكم عليهم باستباحة أموالهم واستباحة نسائهم واستباحة دمائهم، فلولا أن الرسل عليهم الصلاة والسلام هم أعظم الناس أمانة ما ائتمنهم الله على هذا الوحي العظيم.
* طالب: ممكن يكون قولهم ادعاء لأنهم ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ﴾ [سورة هود ٥٣].
* الشيخ: إي، إنكار هذه مكابرة.﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء ١٢٦]، عودًا في المعنى على قوله: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء ١٢٤]؛ يعني فلأني رسول أمين افعلوا ما آمركم به من التقوى، وأحثكم عليه ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ما قال: واتقون؛ لأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، لا هو ولا غيره، وظيفة الناس بالنسبة للرسل ليس تقوى الرسل بل طاعة الرسل، ولهذا ما جاء على لسان أي واحد من الرسل أنه قال لقومه: (اتقون) بل يأمرونهم بالطاعة، وأما التقوى والخشية والخوف فهو لمن؟ لله سبحانه وتعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
وهذه التقوى مرت علينا كثيرًا في أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله سبحانه وتعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وأن هذا أجمع ما قيل في التقوى، ولهم فيها عبارات كثيرة.
وقوله: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ ما هي الطاعة؟ أصل الطاعةِ الانقيادُ، ومنه قولهم: هذه الناقة طوعُ صاحبها؛ أي: منقادة له وذليلة، وتُفسَّر بأنها موافقة الأمر، فإذن نقول: موافقة الأمر تذللًا للآمر؛ لأن موافقة الأمر قد تكون تذللًا للآمر، وقد تكون كالإكراه فهذه لا تكون طاعة.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، في الآية الكريمة هذه وجوب تقوى الله ووجوب طاعة رسوله؛ لأن طاعة رسوله من طاعته ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠].
(﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ﴾ ما ﴿أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء 127])
﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على ما أقول لكم، أو ﴿عَلَيْهِ﴾ على تبليغ الرسالة، والمعنى متقارب؛ يعني أنا لست أقول: أعطوني شيئًا، وإنما آمركم بما فيه خيركم، لو كنت أسألكم أجرًا على ذلك لكان لكم الحجة في أن تردوا، لكني لا أسألكم عليه أجرًا؛ يعني ثوابًا وعوضًا ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
(﴿إِنْ﴾ ما ﴿أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ) وفي هذا كمال الإخلاص؛ يعني: أنا لا أريد الأجر إلا من الله سبحانه وتعالى.
في قوله: ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿إِلَّا عَلَى﴾ (على) يقول العلماء: إنها تفيد الوجوب؛ يعني ما قال: إن أجري إلا من رب العالمين، قال: ﴿عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهل الله سبحانه وتعالى يجب عليه شيء؟
الجواب: أما أن نوجب عليه فلا، وأما أن يوجب على نفسه تكرُّمًا فهذا لا مانع منه، قال ابن القيم:
مَـــــا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَـــــقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِ؎كَـــلَّا وَلَا عَــــــمَلٌ لَدَيْهِ ضَـــائِعٌ ∗∗∗ إِنْ كَانَ بِالْإِخْــــلَاصِ وَالْإِحْــسَانِ؎إِنْ عُــــــــذِّبُوا فَبِعَـــــدْلِهِ أَوْنُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِـــــــــــــهِوَالْحَـــــــــــــــــــمْدُ لِلْمَـــــــنَّانِ
واللي فيها دول ثلاثة الأبيات (...) وهم مقيدات لأبيات سابقة
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَــقٌّ وَاجِــبٌ ∗∗∗ كَــلَّا وَلَا سَـــعْيٌ لَدَيْهِ ضَـــــائِعُ؎إِنْ عُــــذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُــــعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الْـــكَرِيمُالْوَاسِــعُ
البيتان هادول مطلقات لكن ابن القيم قال:
مَا لِلْعِبَــادِ عَلَــيْهِ حَـــقٌّ وَاجِـــبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَالشَّانِ
(كلا ولا عمل لديه ضائع) قيَّدها بقوله: (إن كان بالإخلاص والإحسان)، الإحسان المتابعة، أما إذا لم يكن بالإخلاص والإحسان فيضيع، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف ١١٠].
يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٢٦، ١٢٧]، (﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ مكان مرتفع، ﴿آيَةً﴾ بناءً علمًا للمارة، ﴿تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء ١٢٨] بمَن يمُرُّ بكم وتسخرون منهم) إلى آخره.
يقول: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ ﴿آيَةً﴾؛ يعني: علامة، لكن هل هو علامة على الطريق كما قال المؤلف؟ يحتمل هذا، مع أن السياق لا يؤيده، لكنه يحتمله ما يمنعه، لكن لا يؤيده، أو أن المراد ﴿آيَةً﴾ أي: علامة على قوتكم ومقدرتكم، هذا هو الأقرب، ولهذا قال: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾؛ يعني أنكم تقصدون من هذه البنايات أن تكون آية ودليلًا وبرهانًا على قُوَّتكم، وقوله: ﴿تَعْبَثُونَ﴾: تتخذون ذلك عبثًا؛ لأنه لا مصلحة لكم فيه إلا مجرد العبث وإظهار العظمة وإظهار القوة، وهذا بلا شك أن كون الإنسان يُظْهِرُ قوته أنه عبث وفساد.
وعلى هذا يتبين لنا أن هؤلاء الذين يحاولون أن يصلوا إلى الكواكب ويطلقوا هذه الأقمار اللي ما تجدون منها في الأرض مثل قوم عاد تمامًا؛ يعني الطريقة هي الطريقة وإن كان الأسلوب مختلفًا؛ يعني يفعلون هذه الأشياء آية وعبثًا؛ إذ لا يستفيدون منها فيما خلق لهم ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٩]، في السماء، لكن اللي في الأرض هو اللي مخلوق لنا ننتفع به مباشرة، لكن ما في السماء مسخر لمصالحنا، ولكننا لا ننتفع به مباشرة، فالمنتفع الذي ننتفع به مباشرة هو ما في الأرض.
ولهذا يقول بعض الناس: لماذا تحاولون أن تصلوا إلى السماء وأنتم عاجزون عن حل مشاكلكم في الأرض، وهذا صحيح، لكن بس مجرد العبث والفخر، وأننا أقوياء، وأننا وصلنا إلى كذا ووصلنا إلى كذا مع أنهم قوم هود، وهؤلاء القوم أيضًا المعاصرون يخسرون على هذه الأمور خسائر باهظة، فصارت عبثا؛ لأن كل شيء يتعب الإنسان فيه جسمه وماله وفكره بدون فائدة، فهو عبث لا فائدة منه، بل إنه إذا أراد ما وراءه من إظهار العظمة والكبرياء على الخلق صار أيضًا فسادًا، فصار إيجابيًّا لا سلبيًّا فقط، نعم إيجابيًّا لأنه فساد، هو ينكر عليهم هذا الأمر ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾.
وأما ما سلكه المؤلف رحمه الله من أنهم يجعلون علامات للمارة لأجل إذا مروا بهم يسخرون منهم، فهذا بعيد عن السياق، وإن كان السياق لا يمنعه لكنه لا يؤيده، فالصواب في هذه الآية أنهم يبنون بنايات عظيمة تدل على قوتهم وقدرتهم عبثًا؛ لأنهم لا يستفيدون منها سوى إظهار العظمة فقط، وهذا لا شك أنه عبث، ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ [الشعراء ١٢٩] إلى آخره.
إذا تأملت الإنسان؛ الإنسان الأول هو الإنسان الأخير، أو الإنسان الأخير هو الإنسان الأول، لكن يختلف الأسلوب ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٢٩ - ٣٢].
هذه الأمور طبقها على الوقت الحاضر موجودة، بس عاد كلمة ضالون (...) رجعيون أو محافظون أو ما أشبه ذلك، ولَّا نفس الشيء، فالإنسان الأول في الحقيقة أن الفكر هو هو، لكن الأسلوب يختلف مسايرة للزمن ولَّا نفس الشيء، الله أعلم.
* طالب: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٣٢٠) واللفظ له، ومسلم (٢٦٦٩ / ٦) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، هل هو صحيح قول بعض الناس: إن الحيوانات على زمن نوح أنها أقل أنواع منها اليوم، هذا بسبب نزو بعضها على شكل آخر أنه تولد منها أشكال.
* الشيخ: طالما أن الآية ما تصرح لا بهذا ولا بهذا ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود ٤٠]؛ يعني: من كل من الموجودات، ما ندري هو لا شك أن الأصل لم يوجد أصل جديد، لكن ربما مثلما قلت بالتوالد أو نزو بعضها على بعض تختلف، مع أنهم يقولون: من المعروف عندهم أن ما حصل من نزو بعض (...) على بعض أنه ما يتوالد، الحاصل بالتوالد ما يتوالد؛ كل شيء نشأ من التوالد لا يتوالد، هذا معروف عندهم، ولهذا البغل ما يمكن (...)، إي نعم.
* طالب: من أين كثرة البغال؟
* الشيخ: من نزو الحمير على الفرس.
* طالب: قال الشيخ عبد الرحمن: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٤١]، قال إن: الفلك يشمل حتى الطائرات (...)، وقال: الدليل أنه ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ولم يقل: حملناهم.
* الشيخ: اقرأ الآيات التي قبلها.
* طالب: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٣٣ - ٤١].
* الشيخ: الحقيقة اللي يمنع من هذا أن قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ والذرية تأتي بعد، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: فكيف تكون آية لهم وهو سابقون عليها؟ ولذلك أكثر المفسرين على خلاف هذا الرأي، يقول: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾؛ يعني: ذرية أبيهم؛ يعني نوح عليه الصلاة والسلام، وبعضهم قال: إن الذرية هنا بمعنى الآباء، لكن استعمال الذرية بمعنى الآباء بعيدة في اللغة العربية، لكن استعمالها بمعنى ذريتهم؛ أي الذرية التي نشؤوا منها، فليست الإضافة للذرية التي نشأت منهم، بل الذرية التي نشؤوا منها وهي ذرية أبيهم نوح حملناهم في الفلك المشحون، وهذا أنسب؛ لأن الحقيقة أن كونه يجعل ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ لذرية ما بعد جاءت، أو تكون آية لمن قد مات، هذه بعيدة (...)، كلام الشيخ أنا عندي ما له وجه.
* طالب: (...) إنما تطلق على طائرات، سيارات..
* الشيخ: لا، ربما تطلق؛ لأن الحوت كل (...)، ولهذا حصر الله سبحانه وتعالى المركوبات في هذا ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف ١٢]، فالفلك ما نصنعه نحن والأنعام ما يخلقه الله، لكن بس أنه كونه آية لهم وهو ينظرون والذرية ما بعده.
* طالب: يقول: هذا الخطاب للمتأخرين وذريتهم الأولين ذرية ما وجدوا على عهد (...) حملوا على؟
* الشيخ: (...) الآيات الموجودة في عهده، إذا حملنا نحن على الطائرات والسيارات والمراكب ما يكون آيات لأولئك، ثم إن كلمة (حملنا) يحتاج إلى تأويلها إلى (فنحمل)، وحينئذٍ إذا كانت (فنحمل) ما يصير آية لهم إلا باعتبارها وعدًا من الله، لا مُشاهَدًا لهم.
* طالب: ما يكون أن هذه المركوبات تكون لكم آية، وكذلك مع تعاقب الأزمان آية؟
* الشيخ: آية لمن؟
* الطالب: لذريتكم؛ أنكم حملتم عليها وسيُحْمَل..
* الشيخ: إي، ما يخالف، لكن الطائرات والسيارات الذرية الموجودين على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، كيف يصدق عليها ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ إلا بتأويل (فنحمل ثم إنه إذا كانت بتأويل (فنحمل) هي ما تكون آية لهم إلا باعتبار أنها وعد من الله وأنهم واثقون به، والله سبحانه وتعالى ما يخاطب هؤلاء المعاندين بما يقتضيه وعده فقط، وإنما يخاطبهم بآية يشاهدونها أو تكون معلومة لديهم بحيث لا يتمكن من الإنكار، فأنا في الحقيقة هي مرت علي في كلام الشيخ، لكن ما لها وجه، والصواب أن نقول: ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾؛ يعني الذرية التي كانوا منها الإضافة -كما يقول النحويون- لأدنى ملابسة، فآباؤهم بالنسبة لنوح ذرية، وأما عاد إطلاق أن الذرية تأتي بالمعنى الحقيقي للآباء (...).
في قصة نوح ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ [الشعراء ١١٧، ١١٨]، إلى آخره. ما الذي يستفاد من هذه الجملة؟
* طالب: إضافة القوم إليه.
* الشيخ: يعني من كل (...) ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾.
* طالب: أولًا: الالتجاء إلى الله عز وجل، والدعاء عليهم، وذكر الأسباب التي دعت إلى الدعاء عليهم.
* الشيخ: في قوله؟
* طالب: ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾.
* الشيخ: هذا الدعاء، من آداب الدعاء؟
* طالب: من آداب الدعاء أولًا: دعا بالله بصفة الربوبية، وأيضًا ذكر الحال وحال الأوضاع التي إلى الله سبحانه وتعالى..
* الشيخ: يعني ذكر الحال الموجبة للدعاء.
* طالب: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾.
* الشيخ: لا، وذكر المطلوب؛ لأن الداعي تارة يذكر المطلوب وحده، وتارة يثني على الله مع ذكر المطلوب، وتارة يثني على الله ويذكر حاله والمطلوب، أيضًا تارة يذكر حاله فقط ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص ٢٤]، المهم إذن من آداب الدعاء فيه ثلاثة أشياء، وهي؟
* طالب: التوسل بصفات الله، وأيضًا بيان الحال والطلب.
* الشيخ: ما هي الفائدة من قوله: ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ إضافة القوم إليه؟
* طالب: الفائدة من نسبة القوم إليه أنه أقيمت الحجة عليهم إلى أكبر درجة؛ لأنه أرسل إليهم نبي منهم إلى قومه ولم يرسل إليهم رجل آخر من قبيلة أخرى..
* الشيخ: يعني زيادة التشنيع عليهم.
* طالب: زيادة التشنيع عليهم.
* الشيخ: حيث كذَّبوه وهو من قومه، زين فيه أيضًا ثانٍ.
* طالب: فائدة أخرى: لكي تكون عذرًا إليه لم يطلب من إهلاكهم..
* الشيخ: يعني عظم البلاء عليه؛ لأنه إذا كذبه قومه صار أشد عليه وأعظم، ففيها عظم البلاء عليه ليكون أقوى وسيلة في إجابة دعوته. ماذا يستفاد من قوله: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾؟
* طالب: يعني احكم بينهم.
* الشيخ: معناه أن يحكم بينهم بإهلاكهم. هل يسوغ مثل هذا الدعاء؟
* طالب: نعم؛ لأنهم أهلٌ للإهلاك.
* الشيخ: يعني يستفاد منه أنه عند اليأس يجوز أن يدعو الإنسان على المكذبين والمعاندين. هل أقرَّ شرعنا هذا أم خالفه؟
* طالب: شرعنا أقره، إنما فضَّل عدم الدعاء إلا إذا كان ثبت أنهم لا يستقيمون ولا يؤمنون يُشْرَع الدعاء.
* الشيخ: ويش دليله؟
* طالب: الدليل على عدم مشروعية الدعاء إلا عند الحاجة: «رأى النبي ﷺ عندما نزل عليه جبريل وقال: إن شئت أطبق عليهم الأخشبين، فقال: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥ / ١١١) من حديث عائشة بلفظ: «فناداني ملك الجبال وسلم علي، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله ﷺ: بل أرجو أن يحرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا».]]، أو كما قال ﷺ هذا النبي عليه الصلاة والسلام لكنه لم يمنع، هو منع أن الإنسان يدعو على..
* الشيخ: أنا الآن أسأل؟
* طالب: إذن المشروع عدم الدعاء..
* الشيخ: معناه أن شرعنا ورد مخالفًا لذلك؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب، فيه دليل أصرح من هذا؟
* طالب: الدليل الصريح في ذلك: «أن النبي ﷺ لما دعا عليهم في الصلاة: اللهم أهلِكْ فلان بن فلان، وفلان بن فلان، نزل عليه قوله تعالى:» ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران ١٢٨]«، فكفَّ عنهم»[[أخرج البخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (٦٧٥ / ٢٩٤) من حديث أبي هريرة: ...وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر «اللهم العن فلانًا وفلانًا». لأحياء من العرب حتى أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. واللفظ للبخاري.]].
* الشيخ: نعم، شرعنا أمر بالصبر وعدم الدعاء عليهم، ولكن قد يقال: إن نوحًا عليه الصلاة والسلام شريعته تخالف شريعتنا، ولا مانع من أن تختلف الشرائع في مثل هذا، وأيضًا فإن نوحًا عليه الصلاة والسلام مكَثَ في قومه كم؟ ألف سنة إلا خمسين عامًا، وكلما دعاهم ازدادوا إصرارًا واستكبارًا، فما بقي أن (...) عليهم فائدة، لكنه لم يهاجر منهم كما فعل يونس، بل بقي فيهم حتى أخذهم الله.
* طالب: كون الرسول ﷺ دعا على الملأ من قريش، ألا يدل هذا على جواز الدعاء على..
* الشيخ: إي، لكنه في آخر الأمر مُنِعَ منه، ولا هو دعا على الملأ من قريش في مكة قبل أن يهاجر، في الأخير منع؛ يعني ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران ١٢٨] (...).
ماذا يستفاد من قوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء ١١٩]؟
* طالب: الأمر يشمل (...) نجاة المؤمنين ومن ركب معهم في الفلك من الحيوان.
* الشيخ: إي، يعني اختيار منه أن الله سبحانه وتعالى أنجى من معه من المؤمنين بناء على دعائه، وأنجى غيرهم أيضًا مما يحتاجون إلى وجوده ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود ٤٠].
هل يستفاد من الآية الكريمة الإشهاد في هذا الفلك؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: من أين؟
* طالب: ﴿وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أول وصفه بالمشحون، ثم الفلك تعريفه بـ(أل) للتعريف..
* الشيخ: الدال على الكمال يعني.
* طالب: الكمال نعم.
* الشيخ: وكونه مشحونًا يدل أيضًا على قوته؛ لأن ما ليس بقوي لو شُحِنَ لغرق وتلف.
* طالب: ثم قوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ﴾ يعني كثيرين هم قطعًا.
* الشيخ: لا، الكلام على المشحون لكونه مملوءًا، ومع ذلك استقام وأنجى الله به من معه.
وفي قصة هود أولًا: هود عليه الصلاة والسلام في قبيلة تسمى عادًا وتنزل مساكنها؟
* طالب: بالأحقاف.
* الشيخ: نعم، واشتهروا بماذا؟
* طالب: اشتهروا بالقوة والجبروت حتى أنهم قالوا ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، كما ورد في القرآن.
* الشيخ: أحسنت، يستفاد من قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
* طالب: أن الرسالة تتضمن الأمانة؛ لأن الإنسان وهو بشر لا يرسل إلا من وثق به فكيف بالخالق؟!
* الشيخ: إي نعم، يعني يستفاد من ذلك أن أهل الرسالة كلهم أمناء؛ يعني ما يمكن يستقيم الإرسال إلا بأمين يوثق به.
أوردنا على هذا إشكال ما هو؟
* طالب: أن الرسول أو من بعث إذا كان أمينًا لا يلزم تصديقه؛ لأنه عرفناه بالأمانة إلا ببينة أو بآية تدل على رسالته (...) بأمانته عن الآية أو المعجزة التي تدل على..
* الشيخ: لا، ما هو إشكال، إحنا أوردنا إشكالًا على قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
* طالب: التخصيص، قلنا: الحصر له..
* الشيخ: لا، أوردنا إشكالًا بيَّنَّا ما هو، وأجبنا عنه.
* طالب: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
* الشيخ: إي، قلنا: هذه دعوى منه أنه يكون ذلك يقولون: لست رسولًا ولست أمينًا، بل كذَّبوه، فكيف يجعل هذا القول حجة ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، فلكوني رسولًا أمينًا اتقوا الله؟
* طالب: هو ما يذكر بذلك بل بالآيات.
* الشيخ: نعم، قلنا: إن هذه الدعوى ليست دعوى مجردة، أنت ذكرت الجواب فقط، ما ذكرت الإيراد، أهم شيء الإيراد أن يقول قائل: كيف أنه احتج عليهم بما ادعاه لنفسه؟ فنقول: إن هذه الدعوى مقرونة بالدليل.
* يستفاد من هذه الآية: جواز وصف الإنسان بالثناء على نفسه للمصلحة، كقوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، وهذا أيضًا ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ»[[أخرجه الترمذي (٣١٤٨) وابن ماجه (٤٣٠٨) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، وورد أيضًا عن الصحابة مثل هذا المدح؛ قول ابن مسعود: «لو أعلَمُ أن أحدًا أعلم بكتاب الله مني تناله الإبل لرحلت إليه، أو لسرت إليه»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٠٢)، ومسلم (٢٤٦٣ / ١١٥) من حديث ابن مسعود.]]، وأمثال هذا، لكن بشرط أن يكون غرض الإنسان من ذلك هو المصلحة.
* ويستفاد من هذا: أن التقوى لا تضاف إلى المخلوق بخلاف الطاعة؛ لقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، الطاعة لا بأس أن أقول: أنا أطعت فلانًا، لكن ما يجوز أنك تقول: اتق فلانًا بمعنى التقوى المستلزمة للتذلل.
* وفي هذا دليل على إخلاص الرسل لله في قوله: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾.
* وفيه أيضًا: احتساب الإنسان عمله على الله، ليس الإذلال على الله في هذا العمل والمنة عليه به ولكن الاحتساب به عليه لرجاء ثوابه؛ لقوله: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* وفي هذا دليل على جبروت عادٍ ومحبتهم للكبرياء والعظمة فيما أنكره عليهم نبيهم ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾.
* وفيه دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يكون غرضه من عمله، لا سيما العمل الجبار العظيم أن يكون غرضه غرضًا صحيحًا لا عبثًا ومُباهاةً، لقوله: ﴿تَعْبَثُونَ﴾، وهذا هو محط الانتقاد، ليس أن يبنوا بكل رِيعٍ آيةً ولكن كون ذلك عبثًا هو محل الانتقاد ومحط اللوم.
الشعراء 26:127
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٢٥] إني لكم رسول أي: مرسل من قِبل الله سبحانه وتعالى لكم، (لكم) تقديمها يدل على الاختصاص، يعني: مرسل لكم خاصة، يعني كل رسول يُبعث إلى قومه فقط.
وقوله: ﴿أَمِينٌ﴾ أي ذو أمانة، ائتمنني الله سبحانه وتعالى على رسالته.
فإذا قال قائل: هذا الوصف، بل هذان الوصفان: ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ مجرد دعوى، وهم ينكرون أن يكون رسولًا أمينًا، بل يقولون: إنه كاذب..
وقوله: ﴿أَمِينٌ﴾ [الشعراء ١٢٥]؛ أي: ذو أمانة ائتمنني الله سبحانه وتعالى على رسالته.
فإذا قال قائل: هذان الوصفان ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ وهم ينكرون أن يكون رسولًا أمينًا، بل يقولون: إنه كاذب خائن، فهل بمجرد الدعوى تقوم عليهم الحجة؟ الجواب: لا، لكن هذه الدعوى مؤيدة بآيات من الله عز وجل؛ لقول النبي ﷺ: «مَا مِنْ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) من حديث أبي هريرة.]]، فهو ليس مجرد الدعوة؛ لأن مجرد الدعوة سهل رفضها، لكنها دعوة مؤيدة مدعمة من الله سبحانه وتعالى بآيات بينة يؤمن على مثلها البشر، وفي هذا، يعني كأنه لما قال: إن هذا القول جازمًا به دليل على قوة آياته، وأن معه من الآيات ما جعله يُعبِّر هذا التعبير الجازم ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء ١٢٥]، وفي هذا دليل على أن الرسالة أكبر دليل على أمانة الشخص، ولَّا لا؟ لأنه لولا أنه أمين ما ائتمنه الله سبحانه وتعالى على الوحي الذي فيه الحكم على الناس بالسعادة والشقاء، بل الحكم عليهم باستباحة أموالهم واستباحة نسائهم واستباحة دمائهم، فلولا أن الرسل عليهم الصلاة والسلام هم أعظم الناس أمانة ما ائتمنهم الله على هذا الوحي العظيم.
* طالب: ممكن يكون قولهم ادعاء لأنهم ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ﴾ [سورة هود ٥٣].
* الشيخ: إي، إنكار هذه مكابرة.﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء ١٢٦]، عودًا في المعنى على قوله: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء ١٢٤]؛ يعني فلأني رسول أمين افعلوا ما آمركم به من التقوى، وأحثكم عليه ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ما قال: واتقون؛ لأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، لا هو ولا غيره، وظيفة الناس بالنسبة للرسل ليس تقوى الرسل بل طاعة الرسل، ولهذا ما جاء على لسان أي واحد من الرسل أنه قال لقومه: (اتقون) بل يأمرونهم بالطاعة، وأما التقوى والخشية والخوف فهو لمن؟ لله سبحانه وتعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
وهذه التقوى مرت علينا كثيرًا في أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله سبحانه وتعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وأن هذا أجمع ما قيل في التقوى، ولهم فيها عبارات كثيرة.
وقوله: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ ما هي الطاعة؟ أصل الطاعةِ الانقيادُ، ومنه قولهم: هذه الناقة طوعُ صاحبها؛ أي: منقادة له وذليلة، وتُفسَّر بأنها موافقة الأمر، فإذن نقول: موافقة الأمر تذللًا للآمر؛ لأن موافقة الأمر قد تكون تذللًا للآمر، وقد تكون كالإكراه فهذه لا تكون طاعة.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، في الآية الكريمة هذه وجوب تقوى الله ووجوب طاعة رسوله؛ لأن طاعة رسوله من طاعته ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠].
(﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ﴾ ما ﴿أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء 127])
﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على ما أقول لكم، أو ﴿عَلَيْهِ﴾ على تبليغ الرسالة، والمعنى متقارب؛ يعني أنا لست أقول: أعطوني شيئًا، وإنما آمركم بما فيه خيركم، لو كنت أسألكم أجرًا على ذلك لكان لكم الحجة في أن تردوا، لكني لا أسألكم عليه أجرًا؛ يعني ثوابًا وعوضًا ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
(﴿إِنْ﴾ ما ﴿أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ) وفي هذا كمال الإخلاص؛ يعني: أنا لا أريد الأجر إلا من الله سبحانه وتعالى.
في قوله: ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿إِلَّا عَلَى﴾ (على) يقول العلماء: إنها تفيد الوجوب؛ يعني ما قال: إن أجري إلا من رب العالمين، قال: ﴿عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهل الله سبحانه وتعالى يجب عليه شيء؟
الجواب: أما أن نوجب عليه فلا، وأما أن يوجب على نفسه تكرُّمًا فهذا لا مانع منه، قال ابن القيم:
مَـــــا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَـــــقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِ؎كَـــلَّا وَلَا عَــــــمَلٌ لَدَيْهِ ضَـــائِعٌ ∗∗∗ إِنْ كَانَ بِالْإِخْــــلَاصِ وَالْإِحْــسَانِ؎إِنْ عُــــــــذِّبُوا فَبِعَـــــدْلِهِ أَوْنُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِـــــــــــــهِوَالْحَـــــــــــــــــــمْدُ لِلْمَـــــــنَّانِ
واللي فيها دول ثلاثة الأبيات (...) وهم مقيدات لأبيات سابقة
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَــقٌّ وَاجِــبٌ ∗∗∗ كَــلَّا وَلَا سَـــعْيٌ لَدَيْهِ ضَـــــائِعُ؎إِنْ عُــــذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُــــعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الْـــكَرِيمُالْوَاسِــعُ
البيتان هادول مطلقات لكن ابن القيم قال:
مَا لِلْعِبَــادِ عَلَــيْهِ حَـــقٌّ وَاجِـــبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَالشَّانِ
(كلا ولا عمل لديه ضائع) قيَّدها بقوله: (إن كان بالإخلاص والإحسان)، الإحسان المتابعة، أما إذا لم يكن بالإخلاص والإحسان فيضيع، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف ١١٠].
يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٢٦، ١٢٧]، (﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ مكان مرتفع، ﴿آيَةً﴾ بناءً علمًا للمارة، ﴿تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء ١٢٨] بمَن يمُرُّ بكم وتسخرون منهم) إلى آخره.
يقول: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ ﴿آيَةً﴾؛ يعني: علامة، لكن هل هو علامة على الطريق كما قال المؤلف؟ يحتمل هذا، مع أن السياق لا يؤيده، لكنه يحتمله ما يمنعه، لكن لا يؤيده، أو أن المراد ﴿آيَةً﴾ أي: علامة على قوتكم ومقدرتكم، هذا هو الأقرب، ولهذا قال: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾؛ يعني أنكم تقصدون من هذه البنايات أن تكون آية ودليلًا وبرهانًا على قُوَّتكم، وقوله: ﴿تَعْبَثُونَ﴾: تتخذون ذلك عبثًا؛ لأنه لا مصلحة لكم فيه إلا مجرد العبث وإظهار العظمة وإظهار القوة، وهذا بلا شك أن كون الإنسان يُظْهِرُ قوته أنه عبث وفساد.
وعلى هذا يتبين لنا أن هؤلاء الذين يحاولون أن يصلوا إلى الكواكب ويطلقوا هذه الأقمار اللي ما تجدون منها في الأرض مثل قوم عاد تمامًا؛ يعني الطريقة هي الطريقة وإن كان الأسلوب مختلفًا؛ يعني يفعلون هذه الأشياء آية وعبثًا؛ إذ لا يستفيدون منها فيما خلق لهم ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٩]، في السماء، لكن اللي في الأرض هو اللي مخلوق لنا ننتفع به مباشرة، لكن ما في السماء مسخر لمصالحنا، ولكننا لا ننتفع به مباشرة، فالمنتفع الذي ننتفع به مباشرة هو ما في الأرض.
ولهذا يقول بعض الناس: لماذا تحاولون أن تصلوا إلى السماء وأنتم عاجزون عن حل مشاكلكم في الأرض، وهذا صحيح، لكن بس مجرد العبث والفخر، وأننا أقوياء، وأننا وصلنا إلى كذا ووصلنا إلى كذا مع أنهم قوم هود، وهؤلاء القوم أيضًا المعاصرون يخسرون على هذه الأمور خسائر باهظة، فصارت عبثا؛ لأن كل شيء يتعب الإنسان فيه جسمه وماله وفكره بدون فائدة، فهو عبث لا فائدة منه، بل إنه إذا أراد ما وراءه من إظهار العظمة والكبرياء على الخلق صار أيضًا فسادًا، فصار إيجابيًّا لا سلبيًّا فقط، نعم إيجابيًّا لأنه فساد، هو ينكر عليهم هذا الأمر ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾.
وأما ما سلكه المؤلف رحمه الله من أنهم يجعلون علامات للمارة لأجل إذا مروا بهم يسخرون منهم، فهذا بعيد عن السياق، وإن كان السياق لا يمنعه لكنه لا يؤيده، فالصواب في هذه الآية أنهم يبنون بنايات عظيمة تدل على قوتهم وقدرتهم عبثًا؛ لأنهم لا يستفيدون منها سوى إظهار العظمة فقط، وهذا لا شك أنه عبث، ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ [الشعراء ١٢٩] إلى آخره.
إذا تأملت الإنسان؛ الإنسان الأول هو الإنسان الأخير، أو الإنسان الأخير هو الإنسان الأول، لكن يختلف الأسلوب ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٢٩ - ٣٢].
هذه الأمور طبقها على الوقت الحاضر موجودة، بس عاد كلمة ضالون (...) رجعيون أو محافظون أو ما أشبه ذلك، ولَّا نفس الشيء، فالإنسان الأول في الحقيقة أن الفكر هو هو، لكن الأسلوب يختلف مسايرة للزمن ولَّا نفس الشيء، الله أعلم.
* طالب: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٣٢٠) واللفظ له، ومسلم (٢٦٦٩ / ٦) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، هل هو صحيح قول بعض الناس: إن الحيوانات على زمن نوح أنها أقل أنواع منها اليوم، هذا بسبب نزو بعضها على شكل آخر أنه تولد منها أشكال.
* الشيخ: طالما أن الآية ما تصرح لا بهذا ولا بهذا ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود ٤٠]؛ يعني: من كل من الموجودات، ما ندري هو لا شك أن الأصل لم يوجد أصل جديد، لكن ربما مثلما قلت بالتوالد أو نزو بعضها على بعض تختلف، مع أنهم يقولون: من المعروف عندهم أن ما حصل من نزو بعض (...) على بعض أنه ما يتوالد، الحاصل بالتوالد ما يتوالد؛ كل شيء نشأ من التوالد لا يتوالد، هذا معروف عندهم، ولهذا البغل ما يمكن (...)، إي نعم.
* طالب: من أين كثرة البغال؟
* الشيخ: من نزو الحمير على الفرس.
* طالب: قال الشيخ عبد الرحمن: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٤١]، قال إن: الفلك يشمل حتى الطائرات (...)، وقال: الدليل أنه ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ولم يقل: حملناهم.
* الشيخ: اقرأ الآيات التي قبلها.
* طالب: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٣٣ - ٤١].
* الشيخ: الحقيقة اللي يمنع من هذا أن قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ والذرية تأتي بعد، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: فكيف تكون آية لهم وهو سابقون عليها؟ ولذلك أكثر المفسرين على خلاف هذا الرأي، يقول: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾؛ يعني: ذرية أبيهم؛ يعني نوح عليه الصلاة والسلام، وبعضهم قال: إن الذرية هنا بمعنى الآباء، لكن استعمال الذرية بمعنى الآباء بعيدة في اللغة العربية، لكن استعمالها بمعنى ذريتهم؛ أي الذرية التي نشؤوا منها، فليست الإضافة للذرية التي نشأت منهم، بل الذرية التي نشؤوا منها وهي ذرية أبيهم نوح حملناهم في الفلك المشحون، وهذا أنسب؛ لأن الحقيقة أن كونه يجعل ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ لذرية ما بعد جاءت، أو تكون آية لمن قد مات، هذه بعيدة (...)، كلام الشيخ أنا عندي ما له وجه.
* طالب: (...) إنما تطلق على طائرات، سيارات..
* الشيخ: لا، ربما تطلق؛ لأن الحوت كل (...)، ولهذا حصر الله سبحانه وتعالى المركوبات في هذا ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف ١٢]، فالفلك ما نصنعه نحن والأنعام ما يخلقه الله، لكن بس أنه كونه آية لهم وهو ينظرون والذرية ما بعده.
* طالب: يقول: هذا الخطاب للمتأخرين وذريتهم الأولين ذرية ما وجدوا على عهد (...) حملوا على؟
* الشيخ: (...) الآيات الموجودة في عهده، إذا حملنا نحن على الطائرات والسيارات والمراكب ما يكون آيات لأولئك، ثم إن كلمة (حملنا) يحتاج إلى تأويلها إلى (فنحمل)، وحينئذٍ إذا كانت (فنحمل) ما يصير آية لهم إلا باعتبارها وعدًا من الله، لا مُشاهَدًا لهم.
* طالب: ما يكون أن هذه المركوبات تكون لكم آية، وكذلك مع تعاقب الأزمان آية؟
* الشيخ: آية لمن؟
* الطالب: لذريتكم؛ أنكم حملتم عليها وسيُحْمَل..
* الشيخ: إي، ما يخالف، لكن الطائرات والسيارات الذرية الموجودين على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، كيف يصدق عليها ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ إلا بتأويل (فنحمل ثم إنه إذا كانت بتأويل (فنحمل) هي ما تكون آية لهم إلا باعتبار أنها وعد من الله وأنهم واثقون به، والله سبحانه وتعالى ما يخاطب هؤلاء المعاندين بما يقتضيه وعده فقط، وإنما يخاطبهم بآية يشاهدونها أو تكون معلومة لديهم بحيث لا يتمكن من الإنكار، فأنا في الحقيقة هي مرت علي في كلام الشيخ، لكن ما لها وجه، والصواب أن نقول: ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾؛ يعني الذرية التي كانوا منها الإضافة -كما يقول النحويون- لأدنى ملابسة، فآباؤهم بالنسبة لنوح ذرية، وأما عاد إطلاق أن الذرية تأتي بالمعنى الحقيقي للآباء (...).
في قصة نوح ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ [الشعراء ١١٧، ١١٨]، إلى آخره. ما الذي يستفاد من هذه الجملة؟
* طالب: إضافة القوم إليه.
* الشيخ: يعني من كل (...) ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾.
* طالب: أولًا: الالتجاء إلى الله عز وجل، والدعاء عليهم، وذكر الأسباب التي دعت إلى الدعاء عليهم.
* الشيخ: في قوله؟
* طالب: ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾.
* الشيخ: هذا الدعاء، من آداب الدعاء؟
* طالب: من آداب الدعاء أولًا: دعا بالله بصفة الربوبية، وأيضًا ذكر الحال وحال الأوضاع التي إلى الله سبحانه وتعالى..
* الشيخ: يعني ذكر الحال الموجبة للدعاء.
* طالب: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾.
* الشيخ: لا، وذكر المطلوب؛ لأن الداعي تارة يذكر المطلوب وحده، وتارة يثني على الله مع ذكر المطلوب، وتارة يثني على الله ويذكر حاله والمطلوب، أيضًا تارة يذكر حاله فقط ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص ٢٤]، المهم إذن من آداب الدعاء فيه ثلاثة أشياء، وهي؟
* طالب: التوسل بصفات الله، وأيضًا بيان الحال والطلب.
* الشيخ: ما هي الفائدة من قوله: ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ إضافة القوم إليه؟
* طالب: الفائدة من نسبة القوم إليه أنه أقيمت الحجة عليهم إلى أكبر درجة؛ لأنه أرسل إليهم نبي منهم إلى قومه ولم يرسل إليهم رجل آخر من قبيلة أخرى..
* الشيخ: يعني زيادة التشنيع عليهم.
* طالب: زيادة التشنيع عليهم.
* الشيخ: حيث كذَّبوه وهو من قومه، زين فيه أيضًا ثانٍ.
* طالب: فائدة أخرى: لكي تكون عذرًا إليه لم يطلب من إهلاكهم..
* الشيخ: يعني عظم البلاء عليه؛ لأنه إذا كذبه قومه صار أشد عليه وأعظم، ففيها عظم البلاء عليه ليكون أقوى وسيلة في إجابة دعوته. ماذا يستفاد من قوله: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾؟
* طالب: يعني احكم بينهم.
* الشيخ: معناه أن يحكم بينهم بإهلاكهم. هل يسوغ مثل هذا الدعاء؟
* طالب: نعم؛ لأنهم أهلٌ للإهلاك.
* الشيخ: يعني يستفاد منه أنه عند اليأس يجوز أن يدعو الإنسان على المكذبين والمعاندين. هل أقرَّ شرعنا هذا أم خالفه؟
* طالب: شرعنا أقره، إنما فضَّل عدم الدعاء إلا إذا كان ثبت أنهم لا يستقيمون ولا يؤمنون يُشْرَع الدعاء.
* الشيخ: ويش دليله؟
* طالب: الدليل على عدم مشروعية الدعاء إلا عند الحاجة: «رأى النبي ﷺ عندما نزل عليه جبريل وقال: إن شئت أطبق عليهم الأخشبين، فقال: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥ / ١١١) من حديث عائشة بلفظ: «فناداني ملك الجبال وسلم علي، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله ﷺ: بل أرجو أن يحرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا».]]، أو كما قال ﷺ هذا النبي عليه الصلاة والسلام لكنه لم يمنع، هو منع أن الإنسان يدعو على..
* الشيخ: أنا الآن أسأل؟
* طالب: إذن المشروع عدم الدعاء..
* الشيخ: معناه أن شرعنا ورد مخالفًا لذلك؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب، فيه دليل أصرح من هذا؟
* طالب: الدليل الصريح في ذلك: «أن النبي ﷺ لما دعا عليهم في الصلاة: اللهم أهلِكْ فلان بن فلان، وفلان بن فلان، نزل عليه قوله تعالى:» ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران ١٢٨]«، فكفَّ عنهم»[[أخرج البخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (٦٧٥ / ٢٩٤) من حديث أبي هريرة: ...وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر «اللهم العن فلانًا وفلانًا». لأحياء من العرب حتى أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. واللفظ للبخاري.]].
* الشيخ: نعم، شرعنا أمر بالصبر وعدم الدعاء عليهم، ولكن قد يقال: إن نوحًا عليه الصلاة والسلام شريعته تخالف شريعتنا، ولا مانع من أن تختلف الشرائع في مثل هذا، وأيضًا فإن نوحًا عليه الصلاة والسلام مكَثَ في قومه كم؟ ألف سنة إلا خمسين عامًا، وكلما دعاهم ازدادوا إصرارًا واستكبارًا، فما بقي أن (...) عليهم فائدة، لكنه لم يهاجر منهم كما فعل يونس، بل بقي فيهم حتى أخذهم الله.
* طالب: كون الرسول ﷺ دعا على الملأ من قريش، ألا يدل هذا على جواز الدعاء على..
* الشيخ: إي، لكنه في آخر الأمر مُنِعَ منه، ولا هو دعا على الملأ من قريش في مكة قبل أن يهاجر، في الأخير منع؛ يعني ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران ١٢٨] (...).
ماذا يستفاد من قوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء ١١٩]؟
* طالب: الأمر يشمل (...) نجاة المؤمنين ومن ركب معهم في الفلك من الحيوان.
* الشيخ: إي، يعني اختيار منه أن الله سبحانه وتعالى أنجى من معه من المؤمنين بناء على دعائه، وأنجى غيرهم أيضًا مما يحتاجون إلى وجوده ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود ٤٠].
هل يستفاد من الآية الكريمة الإشهاد في هذا الفلك؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: من أين؟
* طالب: ﴿وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أول وصفه بالمشحون، ثم الفلك تعريفه بـ(أل) للتعريف..
* الشيخ: الدال على الكمال يعني.
* طالب: الكمال نعم.
* الشيخ: وكونه مشحونًا يدل أيضًا على قوته؛ لأن ما ليس بقوي لو شُحِنَ لغرق وتلف.
* طالب: ثم قوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ﴾ يعني كثيرين هم قطعًا.
* الشيخ: لا، الكلام على المشحون لكونه مملوءًا، ومع ذلك استقام وأنجى الله به من معه.
وفي قصة هود أولًا: هود عليه الصلاة والسلام في قبيلة تسمى عادًا وتنزل مساكنها؟
* طالب: بالأحقاف.
* الشيخ: نعم، واشتهروا بماذا؟
* طالب: اشتهروا بالقوة والجبروت حتى أنهم قالوا ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، كما ورد في القرآن.
* الشيخ: أحسنت، يستفاد من قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
* طالب: أن الرسالة تتضمن الأمانة؛ لأن الإنسان وهو بشر لا يرسل إلا من وثق به فكيف بالخالق؟!
* الشيخ: إي نعم، يعني يستفاد من ذلك أن أهل الرسالة كلهم أمناء؛ يعني ما يمكن يستقيم الإرسال إلا بأمين يوثق به.
أوردنا على هذا إشكال ما هو؟
* طالب: أن الرسول أو من بعث إذا كان أمينًا لا يلزم تصديقه؛ لأنه عرفناه بالأمانة إلا ببينة أو بآية تدل على رسالته (...) بأمانته عن الآية أو المعجزة التي تدل على..
* الشيخ: لا، ما هو إشكال، إحنا أوردنا إشكالًا على قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
* طالب: التخصيص، قلنا: الحصر له..
* الشيخ: لا، أوردنا إشكالًا بيَّنَّا ما هو، وأجبنا عنه.
* طالب: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
* الشيخ: إي، قلنا: هذه دعوى منه أنه يكون ذلك يقولون: لست رسولًا ولست أمينًا، بل كذَّبوه، فكيف يجعل هذا القول حجة ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، فلكوني رسولًا أمينًا اتقوا الله؟
* طالب: هو ما يذكر بذلك بل بالآيات.
* الشيخ: نعم، قلنا: إن هذه الدعوى ليست دعوى مجردة، أنت ذكرت الجواب فقط، ما ذكرت الإيراد، أهم شيء الإيراد أن يقول قائل: كيف أنه احتج عليهم بما ادعاه لنفسه؟ فنقول: إن هذه الدعوى مقرونة بالدليل.
* يستفاد من هذه الآية: جواز وصف الإنسان بالثناء على نفسه للمصلحة، كقوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، وهذا أيضًا ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ»[[أخرجه الترمذي (٣١٤٨) وابن ماجه (٤٣٠٨) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، وورد أيضًا عن الصحابة مثل هذا المدح؛ قول ابن مسعود: «لو أعلَمُ أن أحدًا أعلم بكتاب الله مني تناله الإبل لرحلت إليه، أو لسرت إليه»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٠٢)، ومسلم (٢٤٦٣ / ١١٥) من حديث ابن مسعود.]]، وأمثال هذا، لكن بشرط أن يكون غرض الإنسان من ذلك هو المصلحة.
* ويستفاد من هذا: أن التقوى لا تضاف إلى المخلوق بخلاف الطاعة؛ لقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، الطاعة لا بأس أن أقول: أنا أطعت فلانًا، لكن ما يجوز أنك تقول: اتق فلانًا بمعنى التقوى المستلزمة للتذلل.
* وفي هذا دليل على إخلاص الرسل لله في قوله: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾.
* وفيه أيضًا: احتساب الإنسان عمله على الله، ليس الإذلال على الله في هذا العمل والمنة عليه به ولكن الاحتساب به عليه لرجاء ثوابه؛ لقوله: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* وفي هذا دليل على جبروت عادٍ ومحبتهم للكبرياء والعظمة فيما أنكره عليهم نبيهم ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾.
* وفيه دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يكون غرضه من عمله، لا سيما العمل الجبار العظيم أن يكون غرضه غرضًا صحيحًا لا عبثًا ومُباهاةً، لقوله: ﴿تَعْبَثُونَ﴾، وهذا هو محط الانتقاد، ليس أن يبنوا بكل رِيعٍ آيةً ولكن كون ذلك عبثًا هو محل الانتقاد ومحط اللوم.