Tafsir Ibn Uthaymeen — الشعراء 26:128 – الشعراء 26:164
المحتويات
- الشعراء 26:128
- الشعراء 26:129
- الشعراء 26:130
- الشعراء 26:131
- الشعراء 26:132
- الشعراء 26:133
- الشعراء 26:134
- الشعراء 26:135
- الشعراء 26:136
- الشعراء 26:137
- الشعراء 26:138
- الشعراء 26:139
- الشعراء 26:140
- الشعراء 26:141
- الشعراء 26:142
- الشعراء 26:143
- الشعراء 26:144
- الشعراء 26:145
- الشعراء 26:146
- الشعراء 26:147
- الشعراء 26:148
- الشعراء 26:149
- الشعراء 26:150
- الشعراء 26:151
- الشعراء 26:152
- الشعراء 26:153
- الشعراء 26:154
- الشعراء 26:155
- الشعراء 26:156
- الشعراء 26:157
- الشعراء 26:158
- الشعراء 26:159
- الشعراء 26:160
- الشعراء 26:161
- الشعراء 26:162
- الشعراء 26:163
- الشعراء 26:164
الشعراء 26:128
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٢٥] إني لكم رسول أي: مرسل من قِبل الله سبحانه وتعالى لكم، (لكم) تقديمها يدل على الاختصاص، يعني: مرسل لكم خاصة، يعني كل رسول يُبعث إلى قومه فقط.
وقوله: ﴿أَمِينٌ﴾ أي ذو أمانة، ائتمنني الله سبحانه وتعالى على رسالته.
فإذا قال قائل: هذا الوصف، بل هذان الوصفان: ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ مجرد دعوى، وهم ينكرون أن يكون رسولًا أمينًا، بل يقولون: إنه كاذب..
وقوله: ﴿أَمِينٌ﴾ [الشعراء ١٢٥]؛ أي: ذو أمانة ائتمنني الله سبحانه وتعالى على رسالته.
فإذا قال قائل: هذان الوصفان ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ وهم ينكرون أن يكون رسولًا أمينًا، بل يقولون: إنه كاذب خائن، فهل بمجرد الدعوى تقوم عليهم الحجة؟ الجواب: لا، لكن هذه الدعوى مؤيدة بآيات من الله عز وجل؛ لقول النبي ﷺ: «مَا مِنْ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) من حديث أبي هريرة.]]، فهو ليس مجرد الدعوة؛ لأن مجرد الدعوة سهل رفضها، لكنها دعوة مؤيدة مدعمة من الله سبحانه وتعالى بآيات بينة يؤمن على مثلها البشر، وفي هذا، يعني كأنه لما قال: إن هذا القول جازمًا به دليل على قوة آياته، وأن معه من الآيات ما جعله يُعبِّر هذا التعبير الجازم ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء ١٢٥]، وفي هذا دليل على أن الرسالة أكبر دليل على أمانة الشخص، ولَّا لا؟ لأنه لولا أنه أمين ما ائتمنه الله سبحانه وتعالى على الوحي الذي فيه الحكم على الناس بالسعادة والشقاء، بل الحكم عليهم باستباحة أموالهم واستباحة نسائهم واستباحة دمائهم، فلولا أن الرسل عليهم الصلاة والسلام هم أعظم الناس أمانة ما ائتمنهم الله على هذا الوحي العظيم.
* طالب: ممكن يكون قولهم ادعاء لأنهم ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ﴾ [سورة هود ٥٣].
* الشيخ: إي، إنكار هذه مكابرة.﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء ١٢٦]، عودًا في المعنى على قوله: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء ١٢٤]؛ يعني فلأني رسول أمين افعلوا ما آمركم به من التقوى، وأحثكم عليه ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ما قال: واتقون؛ لأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، لا هو ولا غيره، وظيفة الناس بالنسبة للرسل ليس تقوى الرسل بل طاعة الرسل، ولهذا ما جاء على لسان أي واحد من الرسل أنه قال لقومه: (اتقون) بل يأمرونهم بالطاعة، وأما التقوى والخشية والخوف فهو لمن؟ لله سبحانه وتعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
وهذه التقوى مرت علينا كثيرًا في أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله سبحانه وتعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وأن هذا أجمع ما قيل في التقوى، ولهم فيها عبارات كثيرة.
وقوله: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ ما هي الطاعة؟ أصل الطاعةِ الانقيادُ، ومنه قولهم: هذه الناقة طوعُ صاحبها؛ أي: منقادة له وذليلة، وتُفسَّر بأنها موافقة الأمر، فإذن نقول: موافقة الأمر تذللًا للآمر؛ لأن موافقة الأمر قد تكون تذللًا للآمر، وقد تكون كالإكراه فهذه لا تكون طاعة.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، في الآية الكريمة هذه وجوب تقوى الله ووجوب طاعة رسوله؛ لأن طاعة رسوله من طاعته ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠].
(﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ﴾ ما ﴿أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء 127])
﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على ما أقول لكم، أو ﴿عَلَيْهِ﴾ على تبليغ الرسالة، والمعنى متقارب؛ يعني أنا لست أقول: أعطوني شيئًا، وإنما آمركم بما فيه خيركم، لو كنت أسألكم أجرًا على ذلك لكان لكم الحجة في أن تردوا، لكني لا أسألكم عليه أجرًا؛ يعني ثوابًا وعوضًا ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
(﴿إِنْ﴾ ما ﴿أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ) وفي هذا كمال الإخلاص؛ يعني: أنا لا أريد الأجر إلا من الله سبحانه وتعالى.
في قوله: ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿إِلَّا عَلَى﴾ (على) يقول العلماء: إنها تفيد الوجوب؛ يعني ما قال: إن أجري إلا من رب العالمين، قال: ﴿عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهل الله سبحانه وتعالى يجب عليه شيء؟
الجواب: أما أن نوجب عليه فلا، وأما أن يوجب على نفسه تكرُّمًا فهذا لا مانع منه، قال ابن القيم:
مَـــــا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَـــــقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِ؎كَـــلَّا وَلَا عَــــــمَلٌ لَدَيْهِ ضَـــائِعٌ ∗∗∗ إِنْ كَانَ بِالْإِخْــــلَاصِ وَالْإِحْــسَانِ؎إِنْ عُــــــــذِّبُوا فَبِعَـــــدْلِهِ أَوْنُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِـــــــــــــهِوَالْحَـــــــــــــــــــمْدُ لِلْمَـــــــنَّانِ
واللي فيها دول ثلاثة الأبيات (...) وهم مقيدات لأبيات سابقة
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَــقٌّ وَاجِــبٌ ∗∗∗ كَــلَّا وَلَا سَـــعْيٌ لَدَيْهِ ضَـــــائِعُ؎إِنْ عُــــذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُــــعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الْـــكَرِيمُالْوَاسِــعُ
البيتان هادول مطلقات لكن ابن القيم قال:
مَا لِلْعِبَــادِ عَلَــيْهِ حَـــقٌّ وَاجِـــبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَالشَّانِ
(كلا ولا عمل لديه ضائع) قيَّدها بقوله: (إن كان بالإخلاص والإحسان)، الإحسان المتابعة، أما إذا لم يكن بالإخلاص والإحسان فيضيع، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف ١١٠].
يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٢٦، ١٢٧]، (﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ مكان مرتفع، ﴿آيَةً﴾ بناءً علمًا للمارة، ﴿تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء ١٢٨] بمَن يمُرُّ بكم وتسخرون منهم) إلى آخره.
يقول: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ ﴿آيَةً﴾؛ يعني: علامة، لكن هل هو علامة على الطريق كما قال المؤلف؟ يحتمل هذا، مع أن السياق لا يؤيده، لكنه يحتمله ما يمنعه، لكن لا يؤيده، أو أن المراد ﴿آيَةً﴾ أي: علامة على قوتكم ومقدرتكم، هذا هو الأقرب، ولهذا قال: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾؛ يعني أنكم تقصدون من هذه البنايات أن تكون آية ودليلًا وبرهانًا على قُوَّتكم، وقوله: ﴿تَعْبَثُونَ﴾: تتخذون ذلك عبثًا؛ لأنه لا مصلحة لكم فيه إلا مجرد العبث وإظهار العظمة وإظهار القوة، وهذا بلا شك أن كون الإنسان يُظْهِرُ قوته أنه عبث وفساد.
وعلى هذا يتبين لنا أن هؤلاء الذين يحاولون أن يصلوا إلى الكواكب ويطلقوا هذه الأقمار اللي ما تجدون منها في الأرض مثل قوم عاد تمامًا؛ يعني الطريقة هي الطريقة وإن كان الأسلوب مختلفًا؛ يعني يفعلون هذه الأشياء آية وعبثًا؛ إذ لا يستفيدون منها فيما خلق لهم ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٩]، في السماء، لكن اللي في الأرض هو اللي مخلوق لنا ننتفع به مباشرة، لكن ما في السماء مسخر لمصالحنا، ولكننا لا ننتفع به مباشرة، فالمنتفع الذي ننتفع به مباشرة هو ما في الأرض.
ولهذا يقول بعض الناس: لماذا تحاولون أن تصلوا إلى السماء وأنتم عاجزون عن حل مشاكلكم في الأرض، وهذا صحيح، لكن بس مجرد العبث والفخر، وأننا أقوياء، وأننا وصلنا إلى كذا ووصلنا إلى كذا مع أنهم قوم هود، وهؤلاء القوم أيضًا المعاصرون يخسرون على هذه الأمور خسائر باهظة، فصارت عبثا؛ لأن كل شيء يتعب الإنسان فيه جسمه وماله وفكره بدون فائدة، فهو عبث لا فائدة منه، بل إنه إذا أراد ما وراءه من إظهار العظمة والكبرياء على الخلق صار أيضًا فسادًا، فصار إيجابيًّا لا سلبيًّا فقط، نعم إيجابيًّا لأنه فساد، هو ينكر عليهم هذا الأمر ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾.
وأما ما سلكه المؤلف رحمه الله من أنهم يجعلون علامات للمارة لأجل إذا مروا بهم يسخرون منهم، فهذا بعيد عن السياق، وإن كان السياق لا يمنعه لكنه لا يؤيده، فالصواب في هذه الآية أنهم يبنون بنايات عظيمة تدل على قوتهم وقدرتهم عبثًا؛ لأنهم لا يستفيدون منها سوى إظهار العظمة فقط، وهذا لا شك أنه عبث، ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ [الشعراء ١٢٩] إلى آخره.
إذا تأملت الإنسان؛ الإنسان الأول هو الإنسان الأخير، أو الإنسان الأخير هو الإنسان الأول، لكن يختلف الأسلوب ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٢٩ - ٣٢].
هذه الأمور طبقها على الوقت الحاضر موجودة، بس عاد كلمة ضالون (...) رجعيون أو محافظون أو ما أشبه ذلك، ولَّا نفس الشيء، فالإنسان الأول في الحقيقة أن الفكر هو هو، لكن الأسلوب يختلف مسايرة للزمن ولَّا نفس الشيء، الله أعلم.
* طالب: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٣٢٠) واللفظ له، ومسلم (٢٦٦٩ / ٦) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، هل هو صحيح قول بعض الناس: إن الحيوانات على زمن نوح أنها أقل أنواع منها اليوم، هذا بسبب نزو بعضها على شكل آخر أنه تولد منها أشكال.
* الشيخ: طالما أن الآية ما تصرح لا بهذا ولا بهذا ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود ٤٠]؛ يعني: من كل من الموجودات، ما ندري هو لا شك أن الأصل لم يوجد أصل جديد، لكن ربما مثلما قلت بالتوالد أو نزو بعضها على بعض تختلف، مع أنهم يقولون: من المعروف عندهم أن ما حصل من نزو بعض (...) على بعض أنه ما يتوالد، الحاصل بالتوالد ما يتوالد؛ كل شيء نشأ من التوالد لا يتوالد، هذا معروف عندهم، ولهذا البغل ما يمكن (...)، إي نعم.
* طالب: من أين كثرة البغال؟
* الشيخ: من نزو الحمير على الفرس.
* طالب: قال الشيخ عبد الرحمن: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٤١]، قال إن: الفلك يشمل حتى الطائرات (...)، وقال: الدليل أنه ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ولم يقل: حملناهم.
* الشيخ: اقرأ الآيات التي قبلها.
* طالب: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٣٣ - ٤١].
* الشيخ: الحقيقة اللي يمنع من هذا أن قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ والذرية تأتي بعد، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: فكيف تكون آية لهم وهو سابقون عليها؟ ولذلك أكثر المفسرين على خلاف هذا الرأي، يقول: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾؛ يعني: ذرية أبيهم؛ يعني نوح عليه الصلاة والسلام، وبعضهم قال: إن الذرية هنا بمعنى الآباء، لكن استعمال الذرية بمعنى الآباء بعيدة في اللغة العربية، لكن استعمالها بمعنى ذريتهم؛ أي الذرية التي نشؤوا منها، فليست الإضافة للذرية التي نشأت منهم، بل الذرية التي نشؤوا منها وهي ذرية أبيهم نوح حملناهم في الفلك المشحون، وهذا أنسب؛ لأن الحقيقة أن كونه يجعل ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ لذرية ما بعد جاءت، أو تكون آية لمن قد مات، هذه بعيدة (...)، كلام الشيخ أنا عندي ما له وجه.
* طالب: (...) إنما تطلق على طائرات، سيارات..
* الشيخ: لا، ربما تطلق؛ لأن الحوت كل (...)، ولهذا حصر الله سبحانه وتعالى المركوبات في هذا ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف ١٢]، فالفلك ما نصنعه نحن والأنعام ما يخلقه الله، لكن بس أنه كونه آية لهم وهو ينظرون والذرية ما بعده.
* طالب: يقول: هذا الخطاب للمتأخرين وذريتهم الأولين ذرية ما وجدوا على عهد (...) حملوا على؟
* الشيخ: (...) الآيات الموجودة في عهده، إذا حملنا نحن على الطائرات والسيارات والمراكب ما يكون آيات لأولئك، ثم إن كلمة (حملنا) يحتاج إلى تأويلها إلى (فنحمل)، وحينئذٍ إذا كانت (فنحمل) ما يصير آية لهم إلا باعتبارها وعدًا من الله، لا مُشاهَدًا لهم.
* طالب: ما يكون أن هذه المركوبات تكون لكم آية، وكذلك مع تعاقب الأزمان آية؟
* الشيخ: آية لمن؟
* الطالب: لذريتكم؛ أنكم حملتم عليها وسيُحْمَل..
* الشيخ: إي، ما يخالف، لكن الطائرات والسيارات الذرية الموجودين على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، كيف يصدق عليها ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ إلا بتأويل (فنحمل ثم إنه إذا كانت بتأويل (فنحمل) هي ما تكون آية لهم إلا باعتبار أنها وعد من الله وأنهم واثقون به، والله سبحانه وتعالى ما يخاطب هؤلاء المعاندين بما يقتضيه وعده فقط، وإنما يخاطبهم بآية يشاهدونها أو تكون معلومة لديهم بحيث لا يتمكن من الإنكار، فأنا في الحقيقة هي مرت علي في كلام الشيخ، لكن ما لها وجه، والصواب أن نقول: ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾؛ يعني الذرية التي كانوا منها الإضافة -كما يقول النحويون- لأدنى ملابسة، فآباؤهم بالنسبة لنوح ذرية، وأما عاد إطلاق أن الذرية تأتي بالمعنى الحقيقي للآباء (...).
في قصة نوح ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ [الشعراء ١١٧، ١١٨]، إلى آخره. ما الذي يستفاد من هذه الجملة؟
* طالب: إضافة القوم إليه.
* الشيخ: يعني من كل (...) ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾.
* طالب: أولًا: الالتجاء إلى الله عز وجل، والدعاء عليهم، وذكر الأسباب التي دعت إلى الدعاء عليهم.
* الشيخ: في قوله؟
* طالب: ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾.
* الشيخ: هذا الدعاء، من آداب الدعاء؟
* طالب: من آداب الدعاء أولًا: دعا بالله بصفة الربوبية، وأيضًا ذكر الحال وحال الأوضاع التي إلى الله سبحانه وتعالى..
* الشيخ: يعني ذكر الحال الموجبة للدعاء.
* طالب: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾.
* الشيخ: لا، وذكر المطلوب؛ لأن الداعي تارة يذكر المطلوب وحده، وتارة يثني على الله مع ذكر المطلوب، وتارة يثني على الله ويذكر حاله والمطلوب، أيضًا تارة يذكر حاله فقط ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص ٢٤]، المهم إذن من آداب الدعاء فيه ثلاثة أشياء، وهي؟
* طالب: التوسل بصفات الله، وأيضًا بيان الحال والطلب.
* الشيخ: ما هي الفائدة من قوله: ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ إضافة القوم إليه؟
* طالب: الفائدة من نسبة القوم إليه أنه أقيمت الحجة عليهم إلى أكبر درجة؛ لأنه أرسل إليهم نبي منهم إلى قومه ولم يرسل إليهم رجل آخر من قبيلة أخرى..
* الشيخ: يعني زيادة التشنيع عليهم.
* طالب: زيادة التشنيع عليهم.
* الشيخ: حيث كذَّبوه وهو من قومه، زين فيه أيضًا ثانٍ.
* طالب: فائدة أخرى: لكي تكون عذرًا إليه لم يطلب من إهلاكهم..
* الشيخ: يعني عظم البلاء عليه؛ لأنه إذا كذبه قومه صار أشد عليه وأعظم، ففيها عظم البلاء عليه ليكون أقوى وسيلة في إجابة دعوته. ماذا يستفاد من قوله: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾؟
* طالب: يعني احكم بينهم.
* الشيخ: معناه أن يحكم بينهم بإهلاكهم. هل يسوغ مثل هذا الدعاء؟
* طالب: نعم؛ لأنهم أهلٌ للإهلاك.
* الشيخ: يعني يستفاد منه أنه عند اليأس يجوز أن يدعو الإنسان على المكذبين والمعاندين. هل أقرَّ شرعنا هذا أم خالفه؟
* طالب: شرعنا أقره، إنما فضَّل عدم الدعاء إلا إذا كان ثبت أنهم لا يستقيمون ولا يؤمنون يُشْرَع الدعاء.
* الشيخ: ويش دليله؟
* طالب: الدليل على عدم مشروعية الدعاء إلا عند الحاجة: «رأى النبي ﷺ عندما نزل عليه جبريل وقال: إن شئت أطبق عليهم الأخشبين، فقال: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥ / ١١١) من حديث عائشة بلفظ: «فناداني ملك الجبال وسلم علي، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله ﷺ: بل أرجو أن يحرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا».]]، أو كما قال ﷺ هذا النبي عليه الصلاة والسلام لكنه لم يمنع، هو منع أن الإنسان يدعو على..
* الشيخ: أنا الآن أسأل؟
* طالب: إذن المشروع عدم الدعاء..
* الشيخ: معناه أن شرعنا ورد مخالفًا لذلك؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب، فيه دليل أصرح من هذا؟
* طالب: الدليل الصريح في ذلك: «أن النبي ﷺ لما دعا عليهم في الصلاة: اللهم أهلِكْ فلان بن فلان، وفلان بن فلان، نزل عليه قوله تعالى:» ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران ١٢٨]«، فكفَّ عنهم»[[أخرج البخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (٦٧٥ / ٢٩٤) من حديث أبي هريرة: ...وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر «اللهم العن فلانًا وفلانًا». لأحياء من العرب حتى أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. واللفظ للبخاري.]].
* الشيخ: نعم، شرعنا أمر بالصبر وعدم الدعاء عليهم، ولكن قد يقال: إن نوحًا عليه الصلاة والسلام شريعته تخالف شريعتنا، ولا مانع من أن تختلف الشرائع في مثل هذا، وأيضًا فإن نوحًا عليه الصلاة والسلام مكَثَ في قومه كم؟ ألف سنة إلا خمسين عامًا، وكلما دعاهم ازدادوا إصرارًا واستكبارًا، فما بقي أن (...) عليهم فائدة، لكنه لم يهاجر منهم كما فعل يونس، بل بقي فيهم حتى أخذهم الله.
* طالب: كون الرسول ﷺ دعا على الملأ من قريش، ألا يدل هذا على جواز الدعاء على..
* الشيخ: إي، لكنه في آخر الأمر مُنِعَ منه، ولا هو دعا على الملأ من قريش في مكة قبل أن يهاجر، في الأخير منع؛ يعني ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران ١٢٨] (...).
ماذا يستفاد من قوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء ١١٩]؟
* طالب: الأمر يشمل (...) نجاة المؤمنين ومن ركب معهم في الفلك من الحيوان.
* الشيخ: إي، يعني اختيار منه أن الله سبحانه وتعالى أنجى من معه من المؤمنين بناء على دعائه، وأنجى غيرهم أيضًا مما يحتاجون إلى وجوده ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود ٤٠].
هل يستفاد من الآية الكريمة الإشهاد في هذا الفلك؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: من أين؟
* طالب: ﴿وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أول وصفه بالمشحون، ثم الفلك تعريفه بـ(أل) للتعريف..
* الشيخ: الدال على الكمال يعني.
* طالب: الكمال نعم.
* الشيخ: وكونه مشحونًا يدل أيضًا على قوته؛ لأن ما ليس بقوي لو شُحِنَ لغرق وتلف.
* طالب: ثم قوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ﴾ يعني كثيرين هم قطعًا.
* الشيخ: لا، الكلام على المشحون لكونه مملوءًا، ومع ذلك استقام وأنجى الله به من معه.
وفي قصة هود أولًا: هود عليه الصلاة والسلام في قبيلة تسمى عادًا وتنزل مساكنها؟
* طالب: بالأحقاف.
* الشيخ: نعم، واشتهروا بماذا؟
* طالب: اشتهروا بالقوة والجبروت حتى أنهم قالوا ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، كما ورد في القرآن.
* الشيخ: أحسنت، يستفاد من قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
* طالب: أن الرسالة تتضمن الأمانة؛ لأن الإنسان وهو بشر لا يرسل إلا من وثق به فكيف بالخالق؟!
* الشيخ: إي نعم، يعني يستفاد من ذلك أن أهل الرسالة كلهم أمناء؛ يعني ما يمكن يستقيم الإرسال إلا بأمين يوثق به.
أوردنا على هذا إشكال ما هو؟
* طالب: أن الرسول أو من بعث إذا كان أمينًا لا يلزم تصديقه؛ لأنه عرفناه بالأمانة إلا ببينة أو بآية تدل على رسالته (...) بأمانته عن الآية أو المعجزة التي تدل على..
* الشيخ: لا، ما هو إشكال، إحنا أوردنا إشكالًا على قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
* طالب: التخصيص، قلنا: الحصر له..
* الشيخ: لا، أوردنا إشكالًا بيَّنَّا ما هو، وأجبنا عنه.
* طالب: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
* الشيخ: إي، قلنا: هذه دعوى منه أنه يكون ذلك يقولون: لست رسولًا ولست أمينًا، بل كذَّبوه، فكيف يجعل هذا القول حجة ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، فلكوني رسولًا أمينًا اتقوا الله؟
* طالب: هو ما يذكر بذلك بل بالآيات.
* الشيخ: نعم، قلنا: إن هذه الدعوى ليست دعوى مجردة، أنت ذكرت الجواب فقط، ما ذكرت الإيراد، أهم شيء الإيراد أن يقول قائل: كيف أنه احتج عليهم بما ادعاه لنفسه؟ فنقول: إن هذه الدعوى مقرونة بالدليل.
* يستفاد من هذه الآية: جواز وصف الإنسان بالثناء على نفسه للمصلحة، كقوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، وهذا أيضًا ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ»[[أخرجه الترمذي (٣١٤٨) وابن ماجه (٤٣٠٨) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، وورد أيضًا عن الصحابة مثل هذا المدح؛ قول ابن مسعود: «لو أعلَمُ أن أحدًا أعلم بكتاب الله مني تناله الإبل لرحلت إليه، أو لسرت إليه»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٠٢)، ومسلم (٢٤٦٣ / ١١٥) من حديث ابن مسعود.]]، وأمثال هذا، لكن بشرط أن يكون غرض الإنسان من ذلك هو المصلحة.
* ويستفاد من هذا: أن التقوى لا تضاف إلى المخلوق بخلاف الطاعة؛ لقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، الطاعة لا بأس أن أقول: أنا أطعت فلانًا، لكن ما يجوز أنك تقول: اتق فلانًا بمعنى التقوى المستلزمة للتذلل.
* وفي هذا دليل على إخلاص الرسل لله في قوله: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾.
* وفيه أيضًا: احتساب الإنسان عمله على الله، ليس الإذلال على الله في هذا العمل والمنة عليه به ولكن الاحتساب به عليه لرجاء ثوابه؛ لقوله: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* وفي هذا دليل على جبروت عادٍ ومحبتهم للكبرياء والعظمة فيما أنكره عليهم نبيهم ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾.
* وفيه دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يكون غرضه من عمله، لا سيما العمل الجبار العظيم أن يكون غرضه غرضًا صحيحًا لا عبثًا ومُباهاةً، لقوله: ﴿تَعْبَثُونَ﴾، وهذا هو محط الانتقاد، ليس أن يبنوا بكل رِيعٍ آيةً ولكن كون ذلك عبثًا هو محل الانتقاد ومحط اللوم.
الشعراء 26:129
ثم قال الله تعالى في سياق ما قاله هود لقومه: (﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِع﴾ للماء تحت الأرض، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ كأنكم، ﴿تَخْلُدُونَ﴾ عليها لا تموتون).
﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِع﴾ جمع مَصنعٍ، وهو محل الماء، كما قال المؤلف المصانع عبارة عن الخزانات التي تحت الأرض يتخذونها لعلهم يخلدون؛ يعني كأنهم خالدون في هذه الدنيا غير ميتين.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ المؤلف رحمه الله أتى بها للتشبيه (كأنكم)، ولكن ما رأينا أحدًا ذكر أنها تأتي للتشبيه، بل إنما قالوا: إنها تأتي للإشفاق والتعليل والترجي، هذا هو المعروف من معاني (لعل)، ومن هنا ينظر المعاني الثلاثة أيها أولى بها؟
* طالب: الترجي.
* الشيخ: للترجي؛ يعني يترجون أن يخلدوا في ذلك؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: أو للتوقع؛ يتوقعون الخلود، على كل حال للترجي أقرب؛ يعني أنهم يتخذون هذه المساكن لأجل أن يبقوا فيها كأنما يخلَّدون فيها.
وقوله: المصانع هي التي للماء تحت الأرض، قد يُنازَعُ فيها أيضًا؛ بأن يقال: إن المراد بالمصانع مكان الصناعة؛ يعني أنهم أيضًا اتخذوا مصانع كثيرة كما تدل عليه صيغة منتهى الجموع (مفاعل).
ثم إنها قوية لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾؛ لأنه لا أحد يبني شيئًا للبقاء الكثير إلا ويحكمه ويتقنه، فيكون هود عليه الصلاة والسلام أنَّبهم بأمرين:
الأمر الأول: اتخاذ الآيات الأبنية القوية العظيمة عبثًا وإظهارًا للقوة والفخر.
والثاني: هذه المصانع العظيمة التي اتخذوها لأجل أن يخلدوا ويبقوا فيصنعوا فيها، وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر ٦ - ٨]، وهذه العماد العظيمة والتي لم تخلق مثلها في البلاد لا بد أن تكون ناتجة عن مصانع قوية لتولد هذه المواد.
﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾، ثم قال من جبروتهم أيضًا العدواني؛ لأن الأول جبروت معماري ومصنعي، والثالث الجبروت العدواني: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء ١٣٠]، والآن قِسْ هذه الأشياء على وقتنا الحاضر تجدها منطبقة تمامًا، فأمس تكلمنا على مَن يتخذون من هذه القوة آية للفخر والعبث، ثم هذه المصانع أيضًا التي يتخذونها مصانع القنابل الذرية والنووية وغيرها لأجل أن يخلدوا؛ حتى لا يتسلَّط عليهم أحدٌ، وحتى تكون لهم السيطرة في هذه المصانع.
نأتي للوصف الثالث موجود في هذا الوقت ولَّا لا؟ ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾؛ يعني: أنكم تبطشون ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾، وإنما قلت: أنكم تبطشون؛ لأن (إِذَا) تفيد تحقق وقوع الشرط بخلاف (إِنْ)؛ فإنَّ كلمة (إنْ): إنْ قام زيد فقُمْ، ما تدل على تحقُّق وُقوعِ الشرط، لكن إذا قلت: إذا قام زيد فقُمْ، هذه معناه كأنه سيقوم، ولكن ليكن وقت قيامك وقت قيامه.
هنا يقول: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ﴾؛ يعني: وأنتم تبطشون، ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ قال: (بضربٍ أو قتلٍ، ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ من غير رأفةٍ) هذا الوصف الثالث -والعياذ بالله- العدوان، والذي حملهم على هذا العدوان الإنسان بشرٌ، لما رأوا أنفسهم أقوياء في البناء والصناعة قالوا: ليس أحدٌ فوقنا، فبطشوا -والعياذ بالله- بدون رأفة؛ لأن الإنسان بطبيعته كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢].
(﴿فَاتَّقُوا اللَّه﴾ في ذلك ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ ) هذا كرَّره تأكيدًا، أو تأسيسًا إذا كان يعود على ما بعد قوله في الأول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾؛ إن كان يعود على ما بعد ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فهو تأسيس، وإذا كان لا يعود عليه وأنه قال ذلك إبلاغًا للرسالة فإنه يكون مع الأول تأكيدًا، وفي الحقيقة أن المقام يقتضي التأكيد، وأن المقام أيضًا في الأمور الثلاثة التي وبَّخهم عليها، أيضًا يقتضي أن يُخَصَّ بزيادة العناية في قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.
الشعراء 26:130
ثم قال الله تعالى في سياق ما قاله هود لقومه: (﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِع﴾ للماء تحت الأرض، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ كأنكم، ﴿تَخْلُدُونَ﴾ عليها لا تموتون).
﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِع﴾ جمع مَصنعٍ، وهو محل الماء، كما قال المؤلف المصانع عبارة عن الخزانات التي تحت الأرض يتخذونها لعلهم يخلدون؛ يعني كأنهم خالدون في هذه الدنيا غير ميتين.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ المؤلف رحمه الله أتى بها للتشبيه (كأنكم)، ولكن ما رأينا أحدًا ذكر أنها تأتي للتشبيه، بل إنما قالوا: إنها تأتي للإشفاق والتعليل والترجي، هذا هو المعروف من معاني (لعل)، ومن هنا ينظر المعاني الثلاثة أيها أولى بها؟
* طالب: الترجي.
* الشيخ: للترجي؛ يعني يترجون أن يخلدوا في ذلك؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: أو للتوقع؛ يتوقعون الخلود، على كل حال للترجي أقرب؛ يعني أنهم يتخذون هذه المساكن لأجل أن يبقوا فيها كأنما يخلَّدون فيها.
وقوله: المصانع هي التي للماء تحت الأرض، قد يُنازَعُ فيها أيضًا؛ بأن يقال: إن المراد بالمصانع مكان الصناعة؛ يعني أنهم أيضًا اتخذوا مصانع كثيرة كما تدل عليه صيغة منتهى الجموع (مفاعل).
ثم إنها قوية لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾؛ لأنه لا أحد يبني شيئًا للبقاء الكثير إلا ويحكمه ويتقنه، فيكون هود عليه الصلاة والسلام أنَّبهم بأمرين:
الأمر الأول: اتخاذ الآيات الأبنية القوية العظيمة عبثًا وإظهارًا للقوة والفخر.
والثاني: هذه المصانع العظيمة التي اتخذوها لأجل أن يخلدوا ويبقوا فيصنعوا فيها، وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر ٦ - ٨]، وهذه العماد العظيمة والتي لم تخلق مثلها في البلاد لا بد أن تكون ناتجة عن مصانع قوية لتولد هذه المواد.
﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾، ثم قال من جبروتهم أيضًا العدواني؛ لأن الأول جبروت معماري ومصنعي، والثالث الجبروت العدواني: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء ١٣٠]، والآن قِسْ هذه الأشياء على وقتنا الحاضر تجدها منطبقة تمامًا، فأمس تكلمنا على مَن يتخذون من هذه القوة آية للفخر والعبث، ثم هذه المصانع أيضًا التي يتخذونها مصانع القنابل الذرية والنووية وغيرها لأجل أن يخلدوا؛ حتى لا يتسلَّط عليهم أحدٌ، وحتى تكون لهم السيطرة في هذه المصانع.
نأتي للوصف الثالث موجود في هذا الوقت ولَّا لا؟ ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾؛ يعني: أنكم تبطشون ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾، وإنما قلت: أنكم تبطشون؛ لأن (إِذَا) تفيد تحقق وقوع الشرط بخلاف (إِنْ)؛ فإنَّ كلمة (إنْ): إنْ قام زيد فقُمْ، ما تدل على تحقُّق وُقوعِ الشرط، لكن إذا قلت: إذا قام زيد فقُمْ، هذه معناه كأنه سيقوم، ولكن ليكن وقت قيامك وقت قيامه.
هنا يقول: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ﴾؛ يعني: وأنتم تبطشون، ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ قال: (بضربٍ أو قتلٍ، ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ من غير رأفةٍ) هذا الوصف الثالث -والعياذ بالله- العدوان، والذي حملهم على هذا العدوان الإنسان بشرٌ، لما رأوا أنفسهم أقوياء في البناء والصناعة قالوا: ليس أحدٌ فوقنا، فبطشوا -والعياذ بالله- بدون رأفة؛ لأن الإنسان بطبيعته كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢].
(﴿فَاتَّقُوا اللَّه﴾ في ذلك ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ ) هذا كرَّره تأكيدًا، أو تأسيسًا إذا كان يعود على ما بعد قوله في الأول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾؛ إن كان يعود على ما بعد ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فهو تأسيس، وإذا كان لا يعود عليه وأنه قال ذلك إبلاغًا للرسالة فإنه يكون مع الأول تأكيدًا، وفي الحقيقة أن المقام يقتضي التأكيد، وأن المقام أيضًا في الأمور الثلاثة التي وبَّخهم عليها، أيضًا يقتضي أن يُخَصَّ بزيادة العناية في قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.
الشعراء 26:131
ثم قال لهم: (﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ أنعم عليكم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ )، ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي﴾ هنا أتى بالوصف لأن ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ الاسمُ الموصول وصلتُه بمنزلة الاسم المشتق؛ يعني: واتقوا المادَّ لكم، والاسم المشتق أو اسم الفاعل وصف ظاهر، فهنا انتقل من وصف الألوهية إلى وصف الربوبية الخاص الذي نالهم منه، وهو ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾؛ لأن إمداد الله تعالى بالنعم من مقتضى الربوبية.
وقوله: ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أتى بهذا الوصف أيضًا إقامة للحجة عليهم؛ لأن من أمدَّك بهذه النعم كان أولى أن تتَّقيه، وقوله: ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ مبهمٌ؛ لأن (ما) اسم موصول، والاسم الموصول مبهم وعام، ثم فصله بقوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ [الشعراء ١٣٣]، وقد ذكرنا أن من فوائد التفصيل بعد الإجمال أو البيان بعد الإبهام أن منه فوائد، من فوائده كذا؟
* طالب: تنبيه المخاطب (...).
* الشيخ: كيف تنبيهه؟
* الطالب: فإذا كان مثلًا يقرأ ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ يشعر براحة، ثم بتنبيه إذا كان غافلًا؛ لأن السياق تغيَّر، فمن المبهم إلى المبين، فمن الواضح أن فيه تنبيهًا.
ثانيًا: أيضًا فيه تشويقٌ؛ لأن الإنسان يحب الاستطلاع، فإذا أبهم إليه الأمر ووضح اشتاق إليه ورسخ في ذهنه.
* الشيخ: (...) ترسيخ الشيء في الذهن؛ لأنه إذا جاء مبهمًا تشوف له الذهن، فإذا بُيِّن له بعد ذلك رسخ فيه، طيب بعده.
* طالب: (...) الحكم عليه.
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا في الإظهار في مقام الإضمار.
* طالب: ما هو بتأكيد هذا المعنى.
* الشيخ: كيف تأكد تأكيدًا؟
* طالب: لأن خطه في (...) أظهره ثم أكده.
* الشيخ: يعني العناية به؟
* طالب: العناية به.
* الشيخ: العناية به نعم، هذا من فوائده العناية؛ لأن كونه يبهمه ثم يبينه، أو يجمله، ثم يفصله لأجل أن الإنسان يتشوف إليه (...) إليه معناه أنه أمر يُعْتَنى به، كما أن فيه أيضًا تأكيدًا؛ لأنه ذكر مرتين؛ مرة مبهمًا، ومرة مُفصَّلًا أو مبينًا، فإذن الثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: هو تشويق السامع أو المخاطب لفهم هذا المعنى.
والشيء الثاني: ترسيخ المعنى في هذا الذهن.
والشيء الثالث: بيان العناية به أي في الأربع.
والشيء الرابع: تأكيده بذكره مرتين؛ مرة مُجْمَلًا ومرَّة مُفصَّلًا، أو مبهمًا ثم مُبينًا.
قوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أيضًا ما قال: أمدكم بأنعام وبنينَ، من أول الأمر بالنسبة لهذه الآية بالذات بين لهم أن الله أمدهم بأمر لا يمكنهم إنكاره؛ لأنهم يعلمونه، فقدَّم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ على ذكر المنعم به لإقامة الحجة عليهم؛ حيث إن هذه نِعمٌ مفهومةٌ لهم ولَّا لا؟ مفهومة ومعلومة، فلا يمكنهم إنكارها أولًا: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء ١٣٣، ١٣٤]، (أنعام) جمع (نِعَم)، أو جمع (نَعَم)؛ يعني الإبل، وإذا قلت: إن (نِعمة) جمعها (نِعَم)، وجمع نِعَمٍ أنعامٌ، صار المراد بالأنعام ما هو أعم من الإبل؛ يعني كأنه يقول: بنِعَمٍ كثيرة.
وقوله: ﴿وَبَنِينَ﴾..
* طالب: (...) البقر الأنعام.
* الشيخ: المعروف أنها للإبل فقط، لكن إذا قيل: بهيمة الأنعام تشمل الثلاثة «خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٤٢)، ومسلم (٢٤٠٦ / ٣٤) من حديث سهل بن سعد.]].
قال: ﴿وَبَنِينَ﴾ الذكور من الأولاد، وخَصَّ البنين؛ لأنهم أبلغ في شرف الإنسان، ولأن أولادهم يكونون قبيلة، لكن أولاد البنات من غيرهم قبيلة ولا (...) أسرة.
وقوله: ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ بساتين، ﴿وَعُيُونٍ﴾ أنهار، وهذا مما يدل على أن هذا (...) من الماء إن كان فيه بساتين وكان فيه أنهار، ولعل هذا يوحي به أيضًا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا»[[أخرجه مسلم (١٥٧ / ٦٠) من حديث أبي هريرة.]]، فإن قوله: «حَتَّى تَعُودَ» العَودُ بعدَ البدْءِ، هذه الجنات بساتين ليست مجرد بستان فقط؛ لأنه لا يُسمَّى جنَّة إلا إذا كان كثير الأشجار والزروع، حيث يَجُنُّ مَن فيه ويسترُه.
والعيون جمع عين، وقول المؤلف: إنها أنهار باعتبار جريانها، وإلا فالعيون هي التي تنبُعُ من الأرض، والأنهار كما هو معروف ما هو بينبع من الأرض وإنما يأتي من الأمطار والثلوج وغيرها.
(﴿إنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ في الدنيا والآخرة إن عصيتموني)؛ يعني: إن استمررتم على ما أنتم عليه من الكفر بهذه النعم العظيمة، فأخاف عليكم عذاب هذا اليوم، وقوله: ﴿عَظِيم﴾ صفةٌ لليومِ، لكن يقول: (في الدنيا والآخرة) وصف هذا العذاب بالعظم في الدنيا باعتبار ما عداه، وأما وصفه بالعِظَم في الآخرة فظاهر؛ لأنه عظيم أعظم ما يكون في الآخرة، ﴿قَالُوا﴾ في الجواب بعد هذا التذكير بالنعم وبعد هذا الوعد، الجواب: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، أعوذ بالله! كبرياء عظيم، ﴿سَوَاءٌ﴾ بمعنى (مَستَوٍ)، وهي خبر مُقدَّم، و﴿أَوَعَظْتَ﴾ الجملة الاستفهامية هذه في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر؛ يعني وَعْظُك وعدمه سواء، وهذا من المواضع التي تكون مؤولة بالمصدر بدون حرف مصدري؛ لأن هنا مؤول بمصدر مع أن اللي داخل عليها أداة الاستفهام لكنها بعد (سواء) هكذا تُعامَلُ؛ تُؤَوَّل وما بعدها بمصدر، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦]؛ أي: استغفارك وعدمه، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦]؛ أي: إنذارك وعدمه.
طيب يقولون: (﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ أصلًا أَيْ لَا نرعوي لوعظِك)، شوف كيف الجبروت! أوعظت بالفعل أمْ لم تكن من الواعظين لم يكن وصفُك الوعظ، سواء تركت الوعظ أمْ لم تتركه؛ لأن هنا قالوا: سواء علينا أوعظت أمْ لم تعظ ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، ولهذا الشارح قال: (أصلًا) المفسِّرُ؛ يعني لم تكن صفتك الوعظ لا يهمنا أن تكون واعظًا أو غير واعظٍ، ولا أن تعظنا بالفعل أو لا تعظنا، كل الأمر عندنا سواء.
وإنما قالوا ذلك لأن الإنسان قد لا يكترث بالواعظ لكونه غير أهل، وقد لا يكترث به عنادًا، وهؤلاء لما قالوا ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، دَلَّ ذلك على أنهم يقولون: إنهم معاندون حتى وإن كنت مِن غير أهل الوعظ، أو وعظت وأنت من أهل الوعظ، وفي هذا من بلاغة القرآن ما هو ظاهر؛ لأنهم قالوا: سواء علينا أوعظت أمْ لم تعِظْ، لكن ربما يقولون: إنه قد يعِظُ وليس أهلًا للوعظ، ولكن لما قالوا: ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾؛ يعني: لم تكن ممن يستحقون أن يوصفوا بهذا الوصف يصير في الجملتين شبه اكتفاء؛ أوعظت أمْ لم تعِظْ، أكنت من الواعظين أمْ لم تكُنْ من الواعظين؛ يعني كونه قابَلَ ﴿أَوَعَظْتَ﴾ اللي تدل على الفعل؛ على وقوع الوعظ بأن لم تكن من الواعظين التي تدل على الوصف بكونه واعظًا.
يُؤخَذُ من هذا أنه حذف من كل واحدة ما يقابلها اختصارًا للوضوح. أيش يصير التقدير على هذا؟ أوعظت أمْ لم تعِظْ، أكنت واعظًا تستحق أن ينصرف الناس لك ويأخذوا منك، أمْ لم تكُنْ واعظًا، وهذا غاية ما يكون من بلاغة القرآن، وبالنسبة لهم غاية ما يكون من الاستكبار وعدم الاكتراث بوعظهم، فهمتم الآن الحكمة؟ بأنه قال ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ ولم يقل: (أمْ لم تعظْ) لأجل أن يُؤْخَذ من كل جملة أو من كل كلمة ما يقابلها ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.
(﴿إِنْ﴾ مَا) يعني نافية، (﴿هَذَا﴾ الذي خوَّفتنا به، ﴿إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي اختلاقهم وكذبهم)، يعني أنك أنت يا هودُ ما جئتنا إلا بأمر اختلقه من قبلك، فكذبوه هو ومن قبله أيضًا، وقالوا: هذا خلق الأولين، خُلُقُهم بمعنى اختلاقهم وافتراؤهم وكَذِبهم، كما قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت ١٧]؛ يعني تختلقونه.
﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾، وفي قراءة بضم الخاء واللام ﴿خُلُقُ﴾، والقراءة هذه سبعية بناء على قاعدة المؤلف إذا قال: (قُرِئَ) للشاذ، (وفي قراءة) للسبعية.
(أي ما هذا الذي نحن عليه من أنْ لا بعث إلا خلق الأولين؛ أي طبيعتهم وعادتهم)، المؤلف على القراءة الثانية يرى أن اسم الإشارة يعود لا إلى قول هود ولكن إلى ما كانوا عليه، وعلى قراءة ﴿خُلُقُ﴾ يرى أنه عائد على قول هود، وسياق الآية يدل على أنه راجع إلى قول هود، سواء بضم الخاء أو بفتحها؛ أما فتحها فظاهر ﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾، وأما ضمها فهو أيضًا ظاهر؛ كأنهم يقولون: إن ما جئت به هو خلق الأولين من قبلك؛ يعني دأبهم الذي كانوا عليه؛ يعني الأنبياء السابقين، فعلى هذا يكون مرجع الإشارة واحدًا، أما على رأي المؤلف: ﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾ يريد أن يحتجُّوا به هم، كأنهم يقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة وهذا ما عليه آباؤنا، فسنبقى عليه، والآية محتملة لكنها في الأول أظهر؛ أولًا: لأن القراءتين يفسِّر بعضهما بعضًا، والثاني: أنهم يريدون أن يردُّوا على قوله هو لا أن يبرروا فعلهم، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧، ١٣٨]، هذا إنكارٌ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، كأنهم يقولون: ما تخوَّفت ليس له أصلٌ، فما نحن بمعذَّبين.
وتأمَّل هذا التعبير الذي أتى مُؤكَّدًا بالباء في قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، لم يقولوا: وما نحن معذَّبين، ثم أتوا بالوصف ﴿بِمُعَذَّبِينَ﴾ بالجملة الاسمية للدلالة على انتفاءِ هذا أبدًا؛ لأن الجملة الاسمية تدل على الثبوت؛ ثبوت مدلولها، فعليه يكونون قد أنكروا أن يُعذَّبوا وادعوا أنهم لن يعذبوا أبدًا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، ولكن هذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَّنَى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس.]]، هؤلاء -والعياذ بالله- أتبعوا أنفسهم أهواءهم وتمنوا على الله الأماني إن كانوا مُصدِّقين بالبعث ما ندري، ربما يكونون مكذِّبين به وأنه لا بعث ولا جزاء ولا عذاب.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [الشعراء ١٣٩]؛ يعني فبهذا القول الذي صدَرَ منهم يصدق عليهم هذا الوصف؛ أنهم كذبوا هودًا، فيكونون مستحقين للعذاب، ولهذا أتى بالفاء (﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ في الدنيا بالريح ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ) أهلكهم الله تعالى بالريح.
ومن العجائب أن الله -سبحانه وبحمده- أهلكهم على حين تشوق منهم للرحمة؛ لأنهم أصيبوا بالجدب والقحط وبقوا مدة وصاروا ينتظرون الفرج بالمطر، فلما أرسل الله هذه الريح و﴿رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف ٢٤]، فاستفرحوا بذلك وظنوا أن الفرج قريب، ولكنه كان فرجًا لهودٍ ونقمةً عليهم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٤، ٢٥]، وهذه الريح التي بعثها الله سبحانه وتعالى على عادٍ فيها من آيات الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء القوم الأشداء الأقوياء الفخورين بقوتهم على غيرهم أُهْلِكوا بألطف الأشياء وهو الريح، ثم أُهْلِكوا في حال الرجاء أيضًا؛ لأنهم لاحظوا أن النقمة إذا أتت والإنسان يتوقع النعمة، ويش تكون؟ تكون أشد، وكذلك إذا أتت النقمة والإنسان في نعمة تكون أيضًا أشد وأنكى والعياذ بالله.
وفي قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ إلى آخره موعظة لنا بما نسمعه أحيانًا من هذه الأعاصير المدمرة التي تقلع الأشجار وتخرب الديار وتهلك الثمار وتهلك الأعمار أيضًا، ولكن مع الأسف أن الكثير منَّا يصدق عليهم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤]، هذا أمر طبيعي، ما هو شيء، الناس الآن يسمعون بالزلازل ويسمعون بهذه الأعاصير ويسمعون بالفيضانات العظيمة، ولكنهم لا يعزونها إلى أنها غضب من الله عز وجل، يعزونها إلى أنها أمر طبيعي، ولهذا ما يتأثر الإنسان بها إطلاقًا ولا كأنها بشيء، بينما ونحن صغار إذا سمعنا أن الأرض زلزلت بأحد، نرتجف نحن ونحن في بيوتنا آمنين؛ لأنه ما كان أحد يقول لنا: هذا أمر طبيعي، وهذا أمر ما يهم، وهذا أمر كائن لا محالة، مثلما أن الكسوف تمامًا؛ كان الناس بالأول إذا كسف القمر -أنا أذكره- يحصل منهم رهبة عظيمة، ويحصل منهم خوف، ويحضرون بأعداد كبيرة إلى المساجد من رجال ونساء وتحت صلاة وبكاء وخوف، الآن لا، ما كأنه بشيء، تجد هذا يشاهد التلفزيون في الأغنية، وهذا يسمع الأغنية من الراديو، إلا أنه -والحمد لله- آخر مرة انكسف القمر هذا العام اعتدلت إذاعتنا بعض الشيء وسائل الإعلام؛ فإنهم نقلوا صلاة الكسوف في التلفزيون وشاهدها الناس، واستفادوا من ذلك فائدة عظيمة؛ لأن أكثر اللي في المملكة من الأجانب ما يعرفون عن الكسوف شيئًا أبدًا؛ لأنهم عندهم هناك ما هم بيصلون، بل نسمع أنهم يطلعون (...) يغنون (...).
* طالب: إي، يغنون (...).
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: قولهم: ما استفدنا من الآية أنهم قد كذَّبوا رسالة هود، هذه الآية فيها العناد في آيات أخرى ثبت أنهم لم يصدقوا بهود أيضًا ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود ٥٩]..
* الشيخ: وهم لم يصدقوا عنادًا.
* طالب: قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء ١٣٥]، ألَا يدل هذا أنه يوم القيامة خاص لأني أخاف عليكم عذابًا عظيمًا.
* الشيخ: لا، حتى اليوم الذي يقع فيه العذاب في الدنيا (...).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما هو بلازم.
* طالب: (...) ما فيه التخفيف.
* الشيخ: (...) لأن ﴿يَوْمَ﴾ هذا ما عيَّنه، لو قال: عذاب اليوم حتى لو قال: (اليوم) يمكن يكون للجنس.
* طالب: على هذا كأنهم بلغتهم الرسالة يقولون: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧].
* الشيخ: إي نعم، (...) في قوم نوح (...) في سورة الأعراف صرَّح: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف ٦٩].
* طالب: لكن هو ترك إليهم -مثلًا- الخلافة في الأرض قوم نوح كلهم هناك، مثلًا ناس من هنا وهنا من قبائل.
* الشيخ: معرف أن قوم نوح لما هلكوا ما بقي إلا ذرية (...) هؤلاء منهم.
* طالب: يعني منهم؛ لأنهم كلهم..
* الشيخ: لا، ما هو كلهم، الظاهر أنهم تنامى الناس بسرعة والله أعلم، وطبعًا تعرف أن هؤلاء نجوا بإيمانهم، فهم سيبقون دهرًا طويلًا على الحق؛ لأنهم ما كثروا ولا تفرقت بهم الأهواء، فسيبقون دهرًا طويلًا على الحق، ثم إنه بعد ذلك حصل هذا التطور وكثر الناس، وصار كل قوم يحتاجون إلى رسول، فبعث الله رسولًا.
* طالب: (...) ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٢٣]، (...) لفظهم كذبوا الرسل الأولون ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ أو ﴿خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* الشيخ: إي، هو يؤيد أن المراد خلق الأولين عادة الأولين من الرسل (...)، هم أيضًا بيردون على كلامه، ما هم بيبرروا موقفهم، بيذكرون كلامه بأنه مختلق أو أنه شيء قلَّد غيره وليس له أصل.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص ٧].
* الشيخ: ﴿اخْتِلَاقٌ﴾؛ يعني: كذب، (...) الخَلْقُ بمعنى الكذب، وبمعنى الإيجاد.
* طالب: الحكمة في كون بعض الرسل أو بعض الأمم تكرَّر ذكرها في القرآن، وبعض الرسل لم يأت له ذكر قط؟
* الشيخ: هو الله سبحانه وتعالى ما ذكر إلا الرسل المحيطين بالعرب اللي كانوا يعرفون أنباءهم لكن هذا أقوى، أما اللي -مثلًا- في أمريكا وفي أقصى آسيا ما ذكر منهم، لكن نعلم أن الله بعث إليهم رسلًا ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، لكن ما ذكر الله سبحانه وتعالى من الرسل إلا ما كان حول الجزيرة.
* طالب: أفلا يدل هذا على أن الذي ذكروا في القرآن أفضل من غيرهم؟
* الشيخ: لا؛ لأن اللي غيرهم ما ذكروا لا ما نعرف عنهم شيئًا، إنما أولو العزم الخمسة هؤلاء لا شك أنهم أفضل من غيرهم.
* طالب: (...) ما تكتشفوه إلا حديثًا.
* الشيخ: ما اللي لم نكتشفه إلا حديثًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: المهم اللي في القارات هذه ما اكتشفوها إلا قريبًا، لكن هي موجودة من قبل هي موجودة من زمان.
* طالب: (...) قريبًا.
* الشيخ: إي، المهم أنها -سلمك الله- موجودة بلا شك، وموجود فيها ناس، ويُذْكَرُ أن شيخ الإسلام تكلم عن هذا، وقال: لا بد أن هناك أحدًا في المقابل لوجه الكرة الأرضية (...)، ما يمكن تسبح في الأرض بدون عمارة.
* * *
* الطالب: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٥١ - ١٥٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
فيما بقي من قصة هود عليه الصلاة والسلام * يستفاد منه: أن الداعية ينبغي له أن يذكِّرَ المدعُوَّ بنعمِ الله عليه. من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، ما هي الحكمة من تذكيره بالنعم؟
* طالب: لأن النعم تستوجب الشكر وطاعة المنعم.
* الشيخ: نعم، وأيضًا عقلًا تتضمن ذلك؛ لأن من أحسن إليك فإن من المستحسن عقلًا أن تطيعه فيما يأمرك به.
* وفي هذا من فوائد ما ذكر: أن هذه النعم التي يمد الله بها العبد تستوجب أن يقوم بتقوى الله؛ لأن قوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾، فالتعليل للأمر بالتقوى، فتكون النعم مستوجِبةً لتقوى العبد لربه تبارك وتعالى، لا للأشر والبطر والبُعد عن الله؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾، حيث عدَلَ عن قوله: (واتقوا الله) إلى ما ذُكِرَ إشارةً إلى أن هذا سببٌ كبير لوجوب التقوى.
* وفي الآية من الفوائد أيضًا: بيان أنه ينبغي للداعية مع القرن بذكر النعم أن يقرن الدعوة (...). من أين تؤخذ؟
* طالب: من قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* وفيه أيضًا: أنه ينبغي إذا كان المقام أنسب أن يكون غير مصرح بذلك؛ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾، ما قال: إنكم ستصابون بيوم عظيم، بل قال: ﴿أَخَافُ﴾ كالمتوقِّع له غير الجازم به؛ لأن المقام يقتضي ذلك، ولكل مقام مقال.
* وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى قد يطبع على قلب العبد فلا يستفيد بالموعظة؛ لقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، هذا إذا لم يكن هذا القول منه كذبًا، فإن كان كذبًا فلا شاهد فيه لذلك؛ يعني إن كان الأمر حقًّا كما يقولون: إنهم سواء وُعِظُوا أم لم يُوعَظُوا فإنه يدل على أن العبد -والعياذ بالله- إذا ران على قلبه ما يعمل لم يستفِدْ بموعظة، أما إن كان كذبًا فإنه يدل على عُتُوِّ هؤلاء القوم وشدة استكبارهم عن الحق.
* وفي هذا دليل في التعبير بقوله: ﴿أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ على بلاغة القرآن. تؤخذ من أين (...)؟
* طالب: (...) ثم الجملة الثانية ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ يعني..
* الشيخ: أمْ أنت المقابل لها.
* طالب: أم أنت..
* الشيخ: من ذوي الوعظ.
* طالب: من ذوي الوعظ، أو لست منهم..
* الشيخ: (لست منهم) موجودة ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.
* الطالب: إي نعم، جمع بين الجملتين في آية واحدة.
* الشيخ: يعني بين المعنيين في كلمتين؛ لأن الحقيقة أنها أربعة معانٍ: وعظت أم لم تعِظْ، كنت من الواعظين أمْ لم تكن، في كلمتين؛ لأنه حذف من كل كلمة ما يقابلها لدلالة الأخرى عليها.
* وفي الآية دليل على أنه لا حُجَّة للمعاندين للرسل سوى التمسك بما كان عليه أسلافهم. من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ على قراءة ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ على حسب ما مشى عليه المؤلف، أما على القراءة الثانية ﴿﴿إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾ فإنه * يستفاد منه: أن هؤلاء لم يقتصروا على تكذيب نبيهم، بل تعدَّوا إلى تكذيب غيره أيضًا، مع أنهم لم تطالبهم الرسل السابقون بذلك، إلا أنهم -لعنادهم واستكبارهم- كذَّبوا حتى السابقين، ولأجل أن يقولوا: إن هذا ليس بالأمر البدعي، وإنما ذلك دأب من كان من قبل.
يقول الله عز وجل: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ * ففي هذا دليل على أن التكذيب سبب للإهلاك، فينبغي للمؤمن الذي يعتبِرُ بقصص الأنبياء السابقين أن يحذر من هذا؛ أي: من التكذيب؛ لأنه إن فعل أُهْلِكَ.
ثم في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ ما سبق.
الشعراء 26:132
ثم قال لهم: (﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ أنعم عليكم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ )، ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي﴾ هنا أتى بالوصف لأن ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ الاسمُ الموصول وصلتُه بمنزلة الاسم المشتق؛ يعني: واتقوا المادَّ لكم، والاسم المشتق أو اسم الفاعل وصف ظاهر، فهنا انتقل من وصف الألوهية إلى وصف الربوبية الخاص الذي نالهم منه، وهو ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾؛ لأن إمداد الله تعالى بالنعم من مقتضى الربوبية.
وقوله: ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أتى بهذا الوصف أيضًا إقامة للحجة عليهم؛ لأن من أمدَّك بهذه النعم كان أولى أن تتَّقيه، وقوله: ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ مبهمٌ؛ لأن (ما) اسم موصول، والاسم الموصول مبهم وعام، ثم فصله بقوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ [الشعراء ١٣٣]، وقد ذكرنا أن من فوائد التفصيل بعد الإجمال أو البيان بعد الإبهام أن منه فوائد، من فوائده كذا؟
* طالب: تنبيه المخاطب (...).
* الشيخ: كيف تنبيهه؟
* الطالب: فإذا كان مثلًا يقرأ ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ يشعر براحة، ثم بتنبيه إذا كان غافلًا؛ لأن السياق تغيَّر، فمن المبهم إلى المبين، فمن الواضح أن فيه تنبيهًا.
ثانيًا: أيضًا فيه تشويقٌ؛ لأن الإنسان يحب الاستطلاع، فإذا أبهم إليه الأمر ووضح اشتاق إليه ورسخ في ذهنه.
* الشيخ: (...) ترسيخ الشيء في الذهن؛ لأنه إذا جاء مبهمًا تشوف له الذهن، فإذا بُيِّن له بعد ذلك رسخ فيه، طيب بعده.
* طالب: (...) الحكم عليه.
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا في الإظهار في مقام الإضمار.
* طالب: ما هو بتأكيد هذا المعنى.
* الشيخ: كيف تأكد تأكيدًا؟
* طالب: لأن خطه في (...) أظهره ثم أكده.
* الشيخ: يعني العناية به؟
* طالب: العناية به.
* الشيخ: العناية به نعم، هذا من فوائده العناية؛ لأن كونه يبهمه ثم يبينه، أو يجمله، ثم يفصله لأجل أن الإنسان يتشوف إليه (...) إليه معناه أنه أمر يُعْتَنى به، كما أن فيه أيضًا تأكيدًا؛ لأنه ذكر مرتين؛ مرة مبهمًا، ومرة مُفصَّلًا أو مبينًا، فإذن الثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: هو تشويق السامع أو المخاطب لفهم هذا المعنى.
والشيء الثاني: ترسيخ المعنى في هذا الذهن.
والشيء الثالث: بيان العناية به أي في الأربع.
والشيء الرابع: تأكيده بذكره مرتين؛ مرة مُجْمَلًا ومرَّة مُفصَّلًا، أو مبهمًا ثم مُبينًا.
قوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أيضًا ما قال: أمدكم بأنعام وبنينَ، من أول الأمر بالنسبة لهذه الآية بالذات بين لهم أن الله أمدهم بأمر لا يمكنهم إنكاره؛ لأنهم يعلمونه، فقدَّم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ على ذكر المنعم به لإقامة الحجة عليهم؛ حيث إن هذه نِعمٌ مفهومةٌ لهم ولَّا لا؟ مفهومة ومعلومة، فلا يمكنهم إنكارها أولًا: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء ١٣٣، ١٣٤]، (أنعام) جمع (نِعَم)، أو جمع (نَعَم)؛ يعني الإبل، وإذا قلت: إن (نِعمة) جمعها (نِعَم)، وجمع نِعَمٍ أنعامٌ، صار المراد بالأنعام ما هو أعم من الإبل؛ يعني كأنه يقول: بنِعَمٍ كثيرة.
وقوله: ﴿وَبَنِينَ﴾..
* طالب: (...) البقر الأنعام.
* الشيخ: المعروف أنها للإبل فقط، لكن إذا قيل: بهيمة الأنعام تشمل الثلاثة «خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٤٢)، ومسلم (٢٤٠٦ / ٣٤) من حديث سهل بن سعد.]].
قال: ﴿وَبَنِينَ﴾ الذكور من الأولاد، وخَصَّ البنين؛ لأنهم أبلغ في شرف الإنسان، ولأن أولادهم يكونون قبيلة، لكن أولاد البنات من غيرهم قبيلة ولا (...) أسرة.
وقوله: ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ بساتين، ﴿وَعُيُونٍ﴾ أنهار، وهذا مما يدل على أن هذا (...) من الماء إن كان فيه بساتين وكان فيه أنهار، ولعل هذا يوحي به أيضًا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا»[[أخرجه مسلم (١٥٧ / ٦٠) من حديث أبي هريرة.]]، فإن قوله: «حَتَّى تَعُودَ» العَودُ بعدَ البدْءِ، هذه الجنات بساتين ليست مجرد بستان فقط؛ لأنه لا يُسمَّى جنَّة إلا إذا كان كثير الأشجار والزروع، حيث يَجُنُّ مَن فيه ويسترُه.
والعيون جمع عين، وقول المؤلف: إنها أنهار باعتبار جريانها، وإلا فالعيون هي التي تنبُعُ من الأرض، والأنهار كما هو معروف ما هو بينبع من الأرض وإنما يأتي من الأمطار والثلوج وغيرها.
(﴿إنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ في الدنيا والآخرة إن عصيتموني)؛ يعني: إن استمررتم على ما أنتم عليه من الكفر بهذه النعم العظيمة، فأخاف عليكم عذاب هذا اليوم، وقوله: ﴿عَظِيم﴾ صفةٌ لليومِ، لكن يقول: (في الدنيا والآخرة) وصف هذا العذاب بالعظم في الدنيا باعتبار ما عداه، وأما وصفه بالعِظَم في الآخرة فظاهر؛ لأنه عظيم أعظم ما يكون في الآخرة، ﴿قَالُوا﴾ في الجواب بعد هذا التذكير بالنعم وبعد هذا الوعد، الجواب: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، أعوذ بالله! كبرياء عظيم، ﴿سَوَاءٌ﴾ بمعنى (مَستَوٍ)، وهي خبر مُقدَّم، و﴿أَوَعَظْتَ﴾ الجملة الاستفهامية هذه في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر؛ يعني وَعْظُك وعدمه سواء، وهذا من المواضع التي تكون مؤولة بالمصدر بدون حرف مصدري؛ لأن هنا مؤول بمصدر مع أن اللي داخل عليها أداة الاستفهام لكنها بعد (سواء) هكذا تُعامَلُ؛ تُؤَوَّل وما بعدها بمصدر، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦]؛ أي: استغفارك وعدمه، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦]؛ أي: إنذارك وعدمه.
طيب يقولون: (﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ أصلًا أَيْ لَا نرعوي لوعظِك)، شوف كيف الجبروت! أوعظت بالفعل أمْ لم تكن من الواعظين لم يكن وصفُك الوعظ، سواء تركت الوعظ أمْ لم تتركه؛ لأن هنا قالوا: سواء علينا أوعظت أمْ لم تعظ ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، ولهذا الشارح قال: (أصلًا) المفسِّرُ؛ يعني لم تكن صفتك الوعظ لا يهمنا أن تكون واعظًا أو غير واعظٍ، ولا أن تعظنا بالفعل أو لا تعظنا، كل الأمر عندنا سواء.
وإنما قالوا ذلك لأن الإنسان قد لا يكترث بالواعظ لكونه غير أهل، وقد لا يكترث به عنادًا، وهؤلاء لما قالوا ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، دَلَّ ذلك على أنهم يقولون: إنهم معاندون حتى وإن كنت مِن غير أهل الوعظ، أو وعظت وأنت من أهل الوعظ، وفي هذا من بلاغة القرآن ما هو ظاهر؛ لأنهم قالوا: سواء علينا أوعظت أمْ لم تعِظْ، لكن ربما يقولون: إنه قد يعِظُ وليس أهلًا للوعظ، ولكن لما قالوا: ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾؛ يعني: لم تكن ممن يستحقون أن يوصفوا بهذا الوصف يصير في الجملتين شبه اكتفاء؛ أوعظت أمْ لم تعِظْ، أكنت من الواعظين أمْ لم تكُنْ من الواعظين؛ يعني كونه قابَلَ ﴿أَوَعَظْتَ﴾ اللي تدل على الفعل؛ على وقوع الوعظ بأن لم تكن من الواعظين التي تدل على الوصف بكونه واعظًا.
يُؤخَذُ من هذا أنه حذف من كل واحدة ما يقابلها اختصارًا للوضوح. أيش يصير التقدير على هذا؟ أوعظت أمْ لم تعِظْ، أكنت واعظًا تستحق أن ينصرف الناس لك ويأخذوا منك، أمْ لم تكُنْ واعظًا، وهذا غاية ما يكون من بلاغة القرآن، وبالنسبة لهم غاية ما يكون من الاستكبار وعدم الاكتراث بوعظهم، فهمتم الآن الحكمة؟ بأنه قال ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ ولم يقل: (أمْ لم تعظْ) لأجل أن يُؤْخَذ من كل جملة أو من كل كلمة ما يقابلها ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.
(﴿إِنْ﴾ مَا) يعني نافية، (﴿هَذَا﴾ الذي خوَّفتنا به، ﴿إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي اختلاقهم وكذبهم)، يعني أنك أنت يا هودُ ما جئتنا إلا بأمر اختلقه من قبلك، فكذبوه هو ومن قبله أيضًا، وقالوا: هذا خلق الأولين، خُلُقُهم بمعنى اختلاقهم وافتراؤهم وكَذِبهم، كما قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت ١٧]؛ يعني تختلقونه.
﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾، وفي قراءة بضم الخاء واللام ﴿خُلُقُ﴾، والقراءة هذه سبعية بناء على قاعدة المؤلف إذا قال: (قُرِئَ) للشاذ، (وفي قراءة) للسبعية.
(أي ما هذا الذي نحن عليه من أنْ لا بعث إلا خلق الأولين؛ أي طبيعتهم وعادتهم)، المؤلف على القراءة الثانية يرى أن اسم الإشارة يعود لا إلى قول هود ولكن إلى ما كانوا عليه، وعلى قراءة ﴿خُلُقُ﴾ يرى أنه عائد على قول هود، وسياق الآية يدل على أنه راجع إلى قول هود، سواء بضم الخاء أو بفتحها؛ أما فتحها فظاهر ﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾، وأما ضمها فهو أيضًا ظاهر؛ كأنهم يقولون: إن ما جئت به هو خلق الأولين من قبلك؛ يعني دأبهم الذي كانوا عليه؛ يعني الأنبياء السابقين، فعلى هذا يكون مرجع الإشارة واحدًا، أما على رأي المؤلف: ﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾ يريد أن يحتجُّوا به هم، كأنهم يقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة وهذا ما عليه آباؤنا، فسنبقى عليه، والآية محتملة لكنها في الأول أظهر؛ أولًا: لأن القراءتين يفسِّر بعضهما بعضًا، والثاني: أنهم يريدون أن يردُّوا على قوله هو لا أن يبرروا فعلهم، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧، ١٣٨]، هذا إنكارٌ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، كأنهم يقولون: ما تخوَّفت ليس له أصلٌ، فما نحن بمعذَّبين.
وتأمَّل هذا التعبير الذي أتى مُؤكَّدًا بالباء في قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، لم يقولوا: وما نحن معذَّبين، ثم أتوا بالوصف ﴿بِمُعَذَّبِينَ﴾ بالجملة الاسمية للدلالة على انتفاءِ هذا أبدًا؛ لأن الجملة الاسمية تدل على الثبوت؛ ثبوت مدلولها، فعليه يكونون قد أنكروا أن يُعذَّبوا وادعوا أنهم لن يعذبوا أبدًا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، ولكن هذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَّنَى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس.]]، هؤلاء -والعياذ بالله- أتبعوا أنفسهم أهواءهم وتمنوا على الله الأماني إن كانوا مُصدِّقين بالبعث ما ندري، ربما يكونون مكذِّبين به وأنه لا بعث ولا جزاء ولا عذاب.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [الشعراء ١٣٩]؛ يعني فبهذا القول الذي صدَرَ منهم يصدق عليهم هذا الوصف؛ أنهم كذبوا هودًا، فيكونون مستحقين للعذاب، ولهذا أتى بالفاء (﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ في الدنيا بالريح ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ) أهلكهم الله تعالى بالريح.
ومن العجائب أن الله -سبحانه وبحمده- أهلكهم على حين تشوق منهم للرحمة؛ لأنهم أصيبوا بالجدب والقحط وبقوا مدة وصاروا ينتظرون الفرج بالمطر، فلما أرسل الله هذه الريح و﴿رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف ٢٤]، فاستفرحوا بذلك وظنوا أن الفرج قريب، ولكنه كان فرجًا لهودٍ ونقمةً عليهم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٤، ٢٥]، وهذه الريح التي بعثها الله سبحانه وتعالى على عادٍ فيها من آيات الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء القوم الأشداء الأقوياء الفخورين بقوتهم على غيرهم أُهْلِكوا بألطف الأشياء وهو الريح، ثم أُهْلِكوا في حال الرجاء أيضًا؛ لأنهم لاحظوا أن النقمة إذا أتت والإنسان يتوقع النعمة، ويش تكون؟ تكون أشد، وكذلك إذا أتت النقمة والإنسان في نعمة تكون أيضًا أشد وأنكى والعياذ بالله.
وفي قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ إلى آخره موعظة لنا بما نسمعه أحيانًا من هذه الأعاصير المدمرة التي تقلع الأشجار وتخرب الديار وتهلك الثمار وتهلك الأعمار أيضًا، ولكن مع الأسف أن الكثير منَّا يصدق عليهم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤]، هذا أمر طبيعي، ما هو شيء، الناس الآن يسمعون بالزلازل ويسمعون بهذه الأعاصير ويسمعون بالفيضانات العظيمة، ولكنهم لا يعزونها إلى أنها غضب من الله عز وجل، يعزونها إلى أنها أمر طبيعي، ولهذا ما يتأثر الإنسان بها إطلاقًا ولا كأنها بشيء، بينما ونحن صغار إذا سمعنا أن الأرض زلزلت بأحد، نرتجف نحن ونحن في بيوتنا آمنين؛ لأنه ما كان أحد يقول لنا: هذا أمر طبيعي، وهذا أمر ما يهم، وهذا أمر كائن لا محالة، مثلما أن الكسوف تمامًا؛ كان الناس بالأول إذا كسف القمر -أنا أذكره- يحصل منهم رهبة عظيمة، ويحصل منهم خوف، ويحضرون بأعداد كبيرة إلى المساجد من رجال ونساء وتحت صلاة وبكاء وخوف، الآن لا، ما كأنه بشيء، تجد هذا يشاهد التلفزيون في الأغنية، وهذا يسمع الأغنية من الراديو، إلا أنه -والحمد لله- آخر مرة انكسف القمر هذا العام اعتدلت إذاعتنا بعض الشيء وسائل الإعلام؛ فإنهم نقلوا صلاة الكسوف في التلفزيون وشاهدها الناس، واستفادوا من ذلك فائدة عظيمة؛ لأن أكثر اللي في المملكة من الأجانب ما يعرفون عن الكسوف شيئًا أبدًا؛ لأنهم عندهم هناك ما هم بيصلون، بل نسمع أنهم يطلعون (...) يغنون (...).
* طالب: إي، يغنون (...).
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: قولهم: ما استفدنا من الآية أنهم قد كذَّبوا رسالة هود، هذه الآية فيها العناد في آيات أخرى ثبت أنهم لم يصدقوا بهود أيضًا ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود ٥٩]..
* الشيخ: وهم لم يصدقوا عنادًا.
* طالب: قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء ١٣٥]، ألَا يدل هذا أنه يوم القيامة خاص لأني أخاف عليكم عذابًا عظيمًا.
* الشيخ: لا، حتى اليوم الذي يقع فيه العذاب في الدنيا (...).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما هو بلازم.
* طالب: (...) ما فيه التخفيف.
* الشيخ: (...) لأن ﴿يَوْمَ﴾ هذا ما عيَّنه، لو قال: عذاب اليوم حتى لو قال: (اليوم) يمكن يكون للجنس.
* طالب: على هذا كأنهم بلغتهم الرسالة يقولون: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧].
* الشيخ: إي نعم، (...) في قوم نوح (...) في سورة الأعراف صرَّح: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف ٦٩].
* طالب: لكن هو ترك إليهم -مثلًا- الخلافة في الأرض قوم نوح كلهم هناك، مثلًا ناس من هنا وهنا من قبائل.
* الشيخ: معرف أن قوم نوح لما هلكوا ما بقي إلا ذرية (...) هؤلاء منهم.
* طالب: يعني منهم؛ لأنهم كلهم..
* الشيخ: لا، ما هو كلهم، الظاهر أنهم تنامى الناس بسرعة والله أعلم، وطبعًا تعرف أن هؤلاء نجوا بإيمانهم، فهم سيبقون دهرًا طويلًا على الحق؛ لأنهم ما كثروا ولا تفرقت بهم الأهواء، فسيبقون دهرًا طويلًا على الحق، ثم إنه بعد ذلك حصل هذا التطور وكثر الناس، وصار كل قوم يحتاجون إلى رسول، فبعث الله رسولًا.
* طالب: (...) ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٢٣]، (...) لفظهم كذبوا الرسل الأولون ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ أو ﴿خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* الشيخ: إي، هو يؤيد أن المراد خلق الأولين عادة الأولين من الرسل (...)، هم أيضًا بيردون على كلامه، ما هم بيبرروا موقفهم، بيذكرون كلامه بأنه مختلق أو أنه شيء قلَّد غيره وليس له أصل.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص ٧].
* الشيخ: ﴿اخْتِلَاقٌ﴾؛ يعني: كذب، (...) الخَلْقُ بمعنى الكذب، وبمعنى الإيجاد.
* طالب: الحكمة في كون بعض الرسل أو بعض الأمم تكرَّر ذكرها في القرآن، وبعض الرسل لم يأت له ذكر قط؟
* الشيخ: هو الله سبحانه وتعالى ما ذكر إلا الرسل المحيطين بالعرب اللي كانوا يعرفون أنباءهم لكن هذا أقوى، أما اللي -مثلًا- في أمريكا وفي أقصى آسيا ما ذكر منهم، لكن نعلم أن الله بعث إليهم رسلًا ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، لكن ما ذكر الله سبحانه وتعالى من الرسل إلا ما كان حول الجزيرة.
* طالب: أفلا يدل هذا على أن الذي ذكروا في القرآن أفضل من غيرهم؟
* الشيخ: لا؛ لأن اللي غيرهم ما ذكروا لا ما نعرف عنهم شيئًا، إنما أولو العزم الخمسة هؤلاء لا شك أنهم أفضل من غيرهم.
* طالب: (...) ما تكتشفوه إلا حديثًا.
* الشيخ: ما اللي لم نكتشفه إلا حديثًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: المهم اللي في القارات هذه ما اكتشفوها إلا قريبًا، لكن هي موجودة من قبل هي موجودة من زمان.
* طالب: (...) قريبًا.
* الشيخ: إي، المهم أنها -سلمك الله- موجودة بلا شك، وموجود فيها ناس، ويُذْكَرُ أن شيخ الإسلام تكلم عن هذا، وقال: لا بد أن هناك أحدًا في المقابل لوجه الكرة الأرضية (...)، ما يمكن تسبح في الأرض بدون عمارة.
* * *
* الطالب: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٥١ - ١٥٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
فيما بقي من قصة هود عليه الصلاة والسلام * يستفاد منه: أن الداعية ينبغي له أن يذكِّرَ المدعُوَّ بنعمِ الله عليه. من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، ما هي الحكمة من تذكيره بالنعم؟
* طالب: لأن النعم تستوجب الشكر وطاعة المنعم.
* الشيخ: نعم، وأيضًا عقلًا تتضمن ذلك؛ لأن من أحسن إليك فإن من المستحسن عقلًا أن تطيعه فيما يأمرك به.
* وفي هذا من فوائد ما ذكر: أن هذه النعم التي يمد الله بها العبد تستوجب أن يقوم بتقوى الله؛ لأن قوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾، فالتعليل للأمر بالتقوى، فتكون النعم مستوجِبةً لتقوى العبد لربه تبارك وتعالى، لا للأشر والبطر والبُعد عن الله؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾، حيث عدَلَ عن قوله: (واتقوا الله) إلى ما ذُكِرَ إشارةً إلى أن هذا سببٌ كبير لوجوب التقوى.
* وفي الآية من الفوائد أيضًا: بيان أنه ينبغي للداعية مع القرن بذكر النعم أن يقرن الدعوة (...). من أين تؤخذ؟
* طالب: من قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* وفيه أيضًا: أنه ينبغي إذا كان المقام أنسب أن يكون غير مصرح بذلك؛ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾، ما قال: إنكم ستصابون بيوم عظيم، بل قال: ﴿أَخَافُ﴾ كالمتوقِّع له غير الجازم به؛ لأن المقام يقتضي ذلك، ولكل مقام مقال.
* وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى قد يطبع على قلب العبد فلا يستفيد بالموعظة؛ لقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، هذا إذا لم يكن هذا القول منه كذبًا، فإن كان كذبًا فلا شاهد فيه لذلك؛ يعني إن كان الأمر حقًّا كما يقولون: إنهم سواء وُعِظُوا أم لم يُوعَظُوا فإنه يدل على أن العبد -والعياذ بالله- إذا ران على قلبه ما يعمل لم يستفِدْ بموعظة، أما إن كان كذبًا فإنه يدل على عُتُوِّ هؤلاء القوم وشدة استكبارهم عن الحق.
* وفي هذا دليل في التعبير بقوله: ﴿أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ على بلاغة القرآن. تؤخذ من أين (...)؟
* طالب: (...) ثم الجملة الثانية ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ يعني..
* الشيخ: أمْ أنت المقابل لها.
* طالب: أم أنت..
* الشيخ: من ذوي الوعظ.
* طالب: من ذوي الوعظ، أو لست منهم..
* الشيخ: (لست منهم) موجودة ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.
* الطالب: إي نعم، جمع بين الجملتين في آية واحدة.
* الشيخ: يعني بين المعنيين في كلمتين؛ لأن الحقيقة أنها أربعة معانٍ: وعظت أم لم تعِظْ، كنت من الواعظين أمْ لم تكن، في كلمتين؛ لأنه حذف من كل كلمة ما يقابلها لدلالة الأخرى عليها.
* وفي الآية دليل على أنه لا حُجَّة للمعاندين للرسل سوى التمسك بما كان عليه أسلافهم. من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ على قراءة ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ على حسب ما مشى عليه المؤلف، أما على القراءة الثانية ﴿﴿إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾ فإنه * يستفاد منه: أن هؤلاء لم يقتصروا على تكذيب نبيهم، بل تعدَّوا إلى تكذيب غيره أيضًا، مع أنهم لم تطالبهم الرسل السابقون بذلك، إلا أنهم -لعنادهم واستكبارهم- كذَّبوا حتى السابقين، ولأجل أن يقولوا: إن هذا ليس بالأمر البدعي، وإنما ذلك دأب من كان من قبل.
يقول الله عز وجل: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ * ففي هذا دليل على أن التكذيب سبب للإهلاك، فينبغي للمؤمن الذي يعتبِرُ بقصص الأنبياء السابقين أن يحذر من هذا؛ أي: من التكذيب؛ لأنه إن فعل أُهْلِكَ.
ثم في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ ما سبق.
الشعراء 26:133
ثم قال لهم: (﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ أنعم عليكم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ )، ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي﴾ هنا أتى بالوصف لأن ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ الاسمُ الموصول وصلتُه بمنزلة الاسم المشتق؛ يعني: واتقوا المادَّ لكم، والاسم المشتق أو اسم الفاعل وصف ظاهر، فهنا انتقل من وصف الألوهية إلى وصف الربوبية الخاص الذي نالهم منه، وهو ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾؛ لأن إمداد الله تعالى بالنعم من مقتضى الربوبية.
وقوله: ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أتى بهذا الوصف أيضًا إقامة للحجة عليهم؛ لأن من أمدَّك بهذه النعم كان أولى أن تتَّقيه، وقوله: ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ مبهمٌ؛ لأن (ما) اسم موصول، والاسم الموصول مبهم وعام، ثم فصله بقوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ [الشعراء ١٣٣]، وقد ذكرنا أن من فوائد التفصيل بعد الإجمال أو البيان بعد الإبهام أن منه فوائد، من فوائده كذا؟
* طالب: تنبيه المخاطب (...).
* الشيخ: كيف تنبيهه؟
* الطالب: فإذا كان مثلًا يقرأ ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ يشعر براحة، ثم بتنبيه إذا كان غافلًا؛ لأن السياق تغيَّر، فمن المبهم إلى المبين، فمن الواضح أن فيه تنبيهًا.
ثانيًا: أيضًا فيه تشويقٌ؛ لأن الإنسان يحب الاستطلاع، فإذا أبهم إليه الأمر ووضح اشتاق إليه ورسخ في ذهنه.
* الشيخ: (...) ترسيخ الشيء في الذهن؛ لأنه إذا جاء مبهمًا تشوف له الذهن، فإذا بُيِّن له بعد ذلك رسخ فيه، طيب بعده.
* طالب: (...) الحكم عليه.
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا في الإظهار في مقام الإضمار.
* طالب: ما هو بتأكيد هذا المعنى.
* الشيخ: كيف تأكد تأكيدًا؟
* طالب: لأن خطه في (...) أظهره ثم أكده.
* الشيخ: يعني العناية به؟
* طالب: العناية به.
* الشيخ: العناية به نعم، هذا من فوائده العناية؛ لأن كونه يبهمه ثم يبينه، أو يجمله، ثم يفصله لأجل أن الإنسان يتشوف إليه (...) إليه معناه أنه أمر يُعْتَنى به، كما أن فيه أيضًا تأكيدًا؛ لأنه ذكر مرتين؛ مرة مبهمًا، ومرة مُفصَّلًا أو مبينًا، فإذن الثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: هو تشويق السامع أو المخاطب لفهم هذا المعنى.
والشيء الثاني: ترسيخ المعنى في هذا الذهن.
والشيء الثالث: بيان العناية به أي في الأربع.
والشيء الرابع: تأكيده بذكره مرتين؛ مرة مُجْمَلًا ومرَّة مُفصَّلًا، أو مبهمًا ثم مُبينًا.
قوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أيضًا ما قال: أمدكم بأنعام وبنينَ، من أول الأمر بالنسبة لهذه الآية بالذات بين لهم أن الله أمدهم بأمر لا يمكنهم إنكاره؛ لأنهم يعلمونه، فقدَّم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ على ذكر المنعم به لإقامة الحجة عليهم؛ حيث إن هذه نِعمٌ مفهومةٌ لهم ولَّا لا؟ مفهومة ومعلومة، فلا يمكنهم إنكارها أولًا: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء ١٣٣، ١٣٤]، (أنعام) جمع (نِعَم)، أو جمع (نَعَم)؛ يعني الإبل، وإذا قلت: إن (نِعمة) جمعها (نِعَم)، وجمع نِعَمٍ أنعامٌ، صار المراد بالأنعام ما هو أعم من الإبل؛ يعني كأنه يقول: بنِعَمٍ كثيرة.
وقوله: ﴿وَبَنِينَ﴾..
* طالب: (...) البقر الأنعام.
* الشيخ: المعروف أنها للإبل فقط، لكن إذا قيل: بهيمة الأنعام تشمل الثلاثة «خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٤٢)، ومسلم (٢٤٠٦ / ٣٤) من حديث سهل بن سعد.]].
قال: ﴿وَبَنِينَ﴾ الذكور من الأولاد، وخَصَّ البنين؛ لأنهم أبلغ في شرف الإنسان، ولأن أولادهم يكونون قبيلة، لكن أولاد البنات من غيرهم قبيلة ولا (...) أسرة.
وقوله: ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ بساتين، ﴿وَعُيُونٍ﴾ أنهار، وهذا مما يدل على أن هذا (...) من الماء إن كان فيه بساتين وكان فيه أنهار، ولعل هذا يوحي به أيضًا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا»[[أخرجه مسلم (١٥٧ / ٦٠) من حديث أبي هريرة.]]، فإن قوله: «حَتَّى تَعُودَ» العَودُ بعدَ البدْءِ، هذه الجنات بساتين ليست مجرد بستان فقط؛ لأنه لا يُسمَّى جنَّة إلا إذا كان كثير الأشجار والزروع، حيث يَجُنُّ مَن فيه ويسترُه.
والعيون جمع عين، وقول المؤلف: إنها أنهار باعتبار جريانها، وإلا فالعيون هي التي تنبُعُ من الأرض، والأنهار كما هو معروف ما هو بينبع من الأرض وإنما يأتي من الأمطار والثلوج وغيرها.
(﴿إنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ في الدنيا والآخرة إن عصيتموني)؛ يعني: إن استمررتم على ما أنتم عليه من الكفر بهذه النعم العظيمة، فأخاف عليكم عذاب هذا اليوم، وقوله: ﴿عَظِيم﴾ صفةٌ لليومِ، لكن يقول: (في الدنيا والآخرة) وصف هذا العذاب بالعظم في الدنيا باعتبار ما عداه، وأما وصفه بالعِظَم في الآخرة فظاهر؛ لأنه عظيم أعظم ما يكون في الآخرة، ﴿قَالُوا﴾ في الجواب بعد هذا التذكير بالنعم وبعد هذا الوعد، الجواب: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، أعوذ بالله! كبرياء عظيم، ﴿سَوَاءٌ﴾ بمعنى (مَستَوٍ)، وهي خبر مُقدَّم، و﴿أَوَعَظْتَ﴾ الجملة الاستفهامية هذه في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر؛ يعني وَعْظُك وعدمه سواء، وهذا من المواضع التي تكون مؤولة بالمصدر بدون حرف مصدري؛ لأن هنا مؤول بمصدر مع أن اللي داخل عليها أداة الاستفهام لكنها بعد (سواء) هكذا تُعامَلُ؛ تُؤَوَّل وما بعدها بمصدر، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦]؛ أي: استغفارك وعدمه، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦]؛ أي: إنذارك وعدمه.
طيب يقولون: (﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ أصلًا أَيْ لَا نرعوي لوعظِك)، شوف كيف الجبروت! أوعظت بالفعل أمْ لم تكن من الواعظين لم يكن وصفُك الوعظ، سواء تركت الوعظ أمْ لم تتركه؛ لأن هنا قالوا: سواء علينا أوعظت أمْ لم تعظ ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، ولهذا الشارح قال: (أصلًا) المفسِّرُ؛ يعني لم تكن صفتك الوعظ لا يهمنا أن تكون واعظًا أو غير واعظٍ، ولا أن تعظنا بالفعل أو لا تعظنا، كل الأمر عندنا سواء.
وإنما قالوا ذلك لأن الإنسان قد لا يكترث بالواعظ لكونه غير أهل، وقد لا يكترث به عنادًا، وهؤلاء لما قالوا ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، دَلَّ ذلك على أنهم يقولون: إنهم معاندون حتى وإن كنت مِن غير أهل الوعظ، أو وعظت وأنت من أهل الوعظ، وفي هذا من بلاغة القرآن ما هو ظاهر؛ لأنهم قالوا: سواء علينا أوعظت أمْ لم تعِظْ، لكن ربما يقولون: إنه قد يعِظُ وليس أهلًا للوعظ، ولكن لما قالوا: ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾؛ يعني: لم تكن ممن يستحقون أن يوصفوا بهذا الوصف يصير في الجملتين شبه اكتفاء؛ أوعظت أمْ لم تعِظْ، أكنت من الواعظين أمْ لم تكُنْ من الواعظين؛ يعني كونه قابَلَ ﴿أَوَعَظْتَ﴾ اللي تدل على الفعل؛ على وقوع الوعظ بأن لم تكن من الواعظين التي تدل على الوصف بكونه واعظًا.
يُؤخَذُ من هذا أنه حذف من كل واحدة ما يقابلها اختصارًا للوضوح. أيش يصير التقدير على هذا؟ أوعظت أمْ لم تعِظْ، أكنت واعظًا تستحق أن ينصرف الناس لك ويأخذوا منك، أمْ لم تكُنْ واعظًا، وهذا غاية ما يكون من بلاغة القرآن، وبالنسبة لهم غاية ما يكون من الاستكبار وعدم الاكتراث بوعظهم، فهمتم الآن الحكمة؟ بأنه قال ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ ولم يقل: (أمْ لم تعظْ) لأجل أن يُؤْخَذ من كل جملة أو من كل كلمة ما يقابلها ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.
(﴿إِنْ﴾ مَا) يعني نافية، (﴿هَذَا﴾ الذي خوَّفتنا به، ﴿إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي اختلاقهم وكذبهم)، يعني أنك أنت يا هودُ ما جئتنا إلا بأمر اختلقه من قبلك، فكذبوه هو ومن قبله أيضًا، وقالوا: هذا خلق الأولين، خُلُقُهم بمعنى اختلاقهم وافتراؤهم وكَذِبهم، كما قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت ١٧]؛ يعني تختلقونه.
﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾، وفي قراءة بضم الخاء واللام ﴿خُلُقُ﴾، والقراءة هذه سبعية بناء على قاعدة المؤلف إذا قال: (قُرِئَ) للشاذ، (وفي قراءة) للسبعية.
(أي ما هذا الذي نحن عليه من أنْ لا بعث إلا خلق الأولين؛ أي طبيعتهم وعادتهم)، المؤلف على القراءة الثانية يرى أن اسم الإشارة يعود لا إلى قول هود ولكن إلى ما كانوا عليه، وعلى قراءة ﴿خُلُقُ﴾ يرى أنه عائد على قول هود، وسياق الآية يدل على أنه راجع إلى قول هود، سواء بضم الخاء أو بفتحها؛ أما فتحها فظاهر ﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾، وأما ضمها فهو أيضًا ظاهر؛ كأنهم يقولون: إن ما جئت به هو خلق الأولين من قبلك؛ يعني دأبهم الذي كانوا عليه؛ يعني الأنبياء السابقين، فعلى هذا يكون مرجع الإشارة واحدًا، أما على رأي المؤلف: ﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾ يريد أن يحتجُّوا به هم، كأنهم يقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة وهذا ما عليه آباؤنا، فسنبقى عليه، والآية محتملة لكنها في الأول أظهر؛ أولًا: لأن القراءتين يفسِّر بعضهما بعضًا، والثاني: أنهم يريدون أن يردُّوا على قوله هو لا أن يبرروا فعلهم، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧، ١٣٨]، هذا إنكارٌ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، كأنهم يقولون: ما تخوَّفت ليس له أصلٌ، فما نحن بمعذَّبين.
وتأمَّل هذا التعبير الذي أتى مُؤكَّدًا بالباء في قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، لم يقولوا: وما نحن معذَّبين، ثم أتوا بالوصف ﴿بِمُعَذَّبِينَ﴾ بالجملة الاسمية للدلالة على انتفاءِ هذا أبدًا؛ لأن الجملة الاسمية تدل على الثبوت؛ ثبوت مدلولها، فعليه يكونون قد أنكروا أن يُعذَّبوا وادعوا أنهم لن يعذبوا أبدًا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، ولكن هذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَّنَى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس.]]، هؤلاء -والعياذ بالله- أتبعوا أنفسهم أهواءهم وتمنوا على الله الأماني إن كانوا مُصدِّقين بالبعث ما ندري، ربما يكونون مكذِّبين به وأنه لا بعث ولا جزاء ولا عذاب.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [الشعراء ١٣٩]؛ يعني فبهذا القول الذي صدَرَ منهم يصدق عليهم هذا الوصف؛ أنهم كذبوا هودًا، فيكونون مستحقين للعذاب، ولهذا أتى بالفاء (﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ في الدنيا بالريح ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ) أهلكهم الله تعالى بالريح.
ومن العجائب أن الله -سبحانه وبحمده- أهلكهم على حين تشوق منهم للرحمة؛ لأنهم أصيبوا بالجدب والقحط وبقوا مدة وصاروا ينتظرون الفرج بالمطر، فلما أرسل الله هذه الريح و﴿رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف ٢٤]، فاستفرحوا بذلك وظنوا أن الفرج قريب، ولكنه كان فرجًا لهودٍ ونقمةً عليهم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٤، ٢٥]، وهذه الريح التي بعثها الله سبحانه وتعالى على عادٍ فيها من آيات الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء القوم الأشداء الأقوياء الفخورين بقوتهم على غيرهم أُهْلِكوا بألطف الأشياء وهو الريح، ثم أُهْلِكوا في حال الرجاء أيضًا؛ لأنهم لاحظوا أن النقمة إذا أتت والإنسان يتوقع النعمة، ويش تكون؟ تكون أشد، وكذلك إذا أتت النقمة والإنسان في نعمة تكون أيضًا أشد وأنكى والعياذ بالله.
وفي قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ إلى آخره موعظة لنا بما نسمعه أحيانًا من هذه الأعاصير المدمرة التي تقلع الأشجار وتخرب الديار وتهلك الثمار وتهلك الأعمار أيضًا، ولكن مع الأسف أن الكثير منَّا يصدق عليهم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤]، هذا أمر طبيعي، ما هو شيء، الناس الآن يسمعون بالزلازل ويسمعون بهذه الأعاصير ويسمعون بالفيضانات العظيمة، ولكنهم لا يعزونها إلى أنها غضب من الله عز وجل، يعزونها إلى أنها أمر طبيعي، ولهذا ما يتأثر الإنسان بها إطلاقًا ولا كأنها بشيء، بينما ونحن صغار إذا سمعنا أن الأرض زلزلت بأحد، نرتجف نحن ونحن في بيوتنا آمنين؛ لأنه ما كان أحد يقول لنا: هذا أمر طبيعي، وهذا أمر ما يهم، وهذا أمر كائن لا محالة، مثلما أن الكسوف تمامًا؛ كان الناس بالأول إذا كسف القمر -أنا أذكره- يحصل منهم رهبة عظيمة، ويحصل منهم خوف، ويحضرون بأعداد كبيرة إلى المساجد من رجال ونساء وتحت صلاة وبكاء وخوف، الآن لا، ما كأنه بشيء، تجد هذا يشاهد التلفزيون في الأغنية، وهذا يسمع الأغنية من الراديو، إلا أنه -والحمد لله- آخر مرة انكسف القمر هذا العام اعتدلت إذاعتنا بعض الشيء وسائل الإعلام؛ فإنهم نقلوا صلاة الكسوف في التلفزيون وشاهدها الناس، واستفادوا من ذلك فائدة عظيمة؛ لأن أكثر اللي في المملكة من الأجانب ما يعرفون عن الكسوف شيئًا أبدًا؛ لأنهم عندهم هناك ما هم بيصلون، بل نسمع أنهم يطلعون (...) يغنون (...).
* طالب: إي، يغنون (...).
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: قولهم: ما استفدنا من الآية أنهم قد كذَّبوا رسالة هود، هذه الآية فيها العناد في آيات أخرى ثبت أنهم لم يصدقوا بهود أيضًا ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود ٥٩]..
* الشيخ: وهم لم يصدقوا عنادًا.
* طالب: قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء ١٣٥]، ألَا يدل هذا أنه يوم القيامة خاص لأني أخاف عليكم عذابًا عظيمًا.
* الشيخ: لا، حتى اليوم الذي يقع فيه العذاب في الدنيا (...).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما هو بلازم.
* طالب: (...) ما فيه التخفيف.
* الشيخ: (...) لأن ﴿يَوْمَ﴾ هذا ما عيَّنه، لو قال: عذاب اليوم حتى لو قال: (اليوم) يمكن يكون للجنس.
* طالب: على هذا كأنهم بلغتهم الرسالة يقولون: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧].
* الشيخ: إي نعم، (...) في قوم نوح (...) في سورة الأعراف صرَّح: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف ٦٩].
* طالب: لكن هو ترك إليهم -مثلًا- الخلافة في الأرض قوم نوح كلهم هناك، مثلًا ناس من هنا وهنا من قبائل.
* الشيخ: معرف أن قوم نوح لما هلكوا ما بقي إلا ذرية (...) هؤلاء منهم.
* طالب: يعني منهم؛ لأنهم كلهم..
* الشيخ: لا، ما هو كلهم، الظاهر أنهم تنامى الناس بسرعة والله أعلم، وطبعًا تعرف أن هؤلاء نجوا بإيمانهم، فهم سيبقون دهرًا طويلًا على الحق؛ لأنهم ما كثروا ولا تفرقت بهم الأهواء، فسيبقون دهرًا طويلًا على الحق، ثم إنه بعد ذلك حصل هذا التطور وكثر الناس، وصار كل قوم يحتاجون إلى رسول، فبعث الله رسولًا.
* طالب: (...) ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٢٣]، (...) لفظهم كذبوا الرسل الأولون ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ أو ﴿خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* الشيخ: إي، هو يؤيد أن المراد خلق الأولين عادة الأولين من الرسل (...)، هم أيضًا بيردون على كلامه، ما هم بيبرروا موقفهم، بيذكرون كلامه بأنه مختلق أو أنه شيء قلَّد غيره وليس له أصل.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص ٧].
* الشيخ: ﴿اخْتِلَاقٌ﴾؛ يعني: كذب، (...) الخَلْقُ بمعنى الكذب، وبمعنى الإيجاد.
* طالب: الحكمة في كون بعض الرسل أو بعض الأمم تكرَّر ذكرها في القرآن، وبعض الرسل لم يأت له ذكر قط؟
* الشيخ: هو الله سبحانه وتعالى ما ذكر إلا الرسل المحيطين بالعرب اللي كانوا يعرفون أنباءهم لكن هذا أقوى، أما اللي -مثلًا- في أمريكا وفي أقصى آسيا ما ذكر منهم، لكن نعلم أن الله بعث إليهم رسلًا ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، لكن ما ذكر الله سبحانه وتعالى من الرسل إلا ما كان حول الجزيرة.
* طالب: أفلا يدل هذا على أن الذي ذكروا في القرآن أفضل من غيرهم؟
* الشيخ: لا؛ لأن اللي غيرهم ما ذكروا لا ما نعرف عنهم شيئًا، إنما أولو العزم الخمسة هؤلاء لا شك أنهم أفضل من غيرهم.
* طالب: (...) ما تكتشفوه إلا حديثًا.
* الشيخ: ما اللي لم نكتشفه إلا حديثًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: المهم اللي في القارات هذه ما اكتشفوها إلا قريبًا، لكن هي موجودة من قبل هي موجودة من زمان.
* طالب: (...) قريبًا.
* الشيخ: إي، المهم أنها -سلمك الله- موجودة بلا شك، وموجود فيها ناس، ويُذْكَرُ أن شيخ الإسلام تكلم عن هذا، وقال: لا بد أن هناك أحدًا في المقابل لوجه الكرة الأرضية (...)، ما يمكن تسبح في الأرض بدون عمارة.
* * *
* الطالب: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٥١ - ١٥٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
فيما بقي من قصة هود عليه الصلاة والسلام * يستفاد منه: أن الداعية ينبغي له أن يذكِّرَ المدعُوَّ بنعمِ الله عليه. من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، ما هي الحكمة من تذكيره بالنعم؟
* طالب: لأن النعم تستوجب الشكر وطاعة المنعم.
* الشيخ: نعم، وأيضًا عقلًا تتضمن ذلك؛ لأن من أحسن إليك فإن من المستحسن عقلًا أن تطيعه فيما يأمرك به.
* وفي هذا من فوائد ما ذكر: أن هذه النعم التي يمد الله بها العبد تستوجب أن يقوم بتقوى الله؛ لأن قوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾، فالتعليل للأمر بالتقوى، فتكون النعم مستوجِبةً لتقوى العبد لربه تبارك وتعالى، لا للأشر والبطر والبُعد عن الله؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾، حيث عدَلَ عن قوله: (واتقوا الله) إلى ما ذُكِرَ إشارةً إلى أن هذا سببٌ كبير لوجوب التقوى.
* وفي الآية من الفوائد أيضًا: بيان أنه ينبغي للداعية مع القرن بذكر النعم أن يقرن الدعوة (...). من أين تؤخذ؟
* طالب: من قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* وفيه أيضًا: أنه ينبغي إذا كان المقام أنسب أن يكون غير مصرح بذلك؛ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾، ما قال: إنكم ستصابون بيوم عظيم، بل قال: ﴿أَخَافُ﴾ كالمتوقِّع له غير الجازم به؛ لأن المقام يقتضي ذلك، ولكل مقام مقال.
* وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى قد يطبع على قلب العبد فلا يستفيد بالموعظة؛ لقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، هذا إذا لم يكن هذا القول منه كذبًا، فإن كان كذبًا فلا شاهد فيه لذلك؛ يعني إن كان الأمر حقًّا كما يقولون: إنهم سواء وُعِظُوا أم لم يُوعَظُوا فإنه يدل على أن العبد -والعياذ بالله- إذا ران على قلبه ما يعمل لم يستفِدْ بموعظة، أما إن كان كذبًا فإنه يدل على عُتُوِّ هؤلاء القوم وشدة استكبارهم عن الحق.
* وفي هذا دليل في التعبير بقوله: ﴿أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ على بلاغة القرآن. تؤخذ من أين (...)؟
* طالب: (...) ثم الجملة الثانية ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ يعني..
* الشيخ: أمْ أنت المقابل لها.
* طالب: أم أنت..
* الشيخ: من ذوي الوعظ.
* طالب: من ذوي الوعظ، أو لست منهم..
* الشيخ: (لست منهم) موجودة ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.
* الطالب: إي نعم، جمع بين الجملتين في آية واحدة.
* الشيخ: يعني بين المعنيين في كلمتين؛ لأن الحقيقة أنها أربعة معانٍ: وعظت أم لم تعِظْ، كنت من الواعظين أمْ لم تكن، في كلمتين؛ لأنه حذف من كل كلمة ما يقابلها لدلالة الأخرى عليها.
* وفي الآية دليل على أنه لا حُجَّة للمعاندين للرسل سوى التمسك بما كان عليه أسلافهم. من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ على قراءة ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ على حسب ما مشى عليه المؤلف، أما على القراءة الثانية ﴿﴿إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾ فإنه * يستفاد منه: أن هؤلاء لم يقتصروا على تكذيب نبيهم، بل تعدَّوا إلى تكذيب غيره أيضًا، مع أنهم لم تطالبهم الرسل السابقون بذلك، إلا أنهم -لعنادهم واستكبارهم- كذَّبوا حتى السابقين، ولأجل أن يقولوا: إن هذا ليس بالأمر البدعي، وإنما ذلك دأب من كان من قبل.
يقول الله عز وجل: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ * ففي هذا دليل على أن التكذيب سبب للإهلاك، فينبغي للمؤمن الذي يعتبِرُ بقصص الأنبياء السابقين أن يحذر من هذا؛ أي: من التكذيب؛ لأنه إن فعل أُهْلِكَ.
ثم في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ ما سبق.
الشعراء 26:134
ثم قال لهم: (﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ أنعم عليكم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ )، ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي﴾ هنا أتى بالوصف لأن ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ الاسمُ الموصول وصلتُه بمنزلة الاسم المشتق؛ يعني: واتقوا المادَّ لكم، والاسم المشتق أو اسم الفاعل وصف ظاهر، فهنا انتقل من وصف الألوهية إلى وصف الربوبية الخاص الذي نالهم منه، وهو ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾؛ لأن إمداد الله تعالى بالنعم من مقتضى الربوبية.
وقوله: ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أتى بهذا الوصف أيضًا إقامة للحجة عليهم؛ لأن من أمدَّك بهذه النعم كان أولى أن تتَّقيه، وقوله: ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ مبهمٌ؛ لأن (ما) اسم موصول، والاسم الموصول مبهم وعام، ثم فصله بقوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ [الشعراء ١٣٣]، وقد ذكرنا أن من فوائد التفصيل بعد الإجمال أو البيان بعد الإبهام أن منه فوائد، من فوائده كذا؟
* طالب: تنبيه المخاطب (...).
* الشيخ: كيف تنبيهه؟
* الطالب: فإذا كان مثلًا يقرأ ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ يشعر براحة، ثم بتنبيه إذا كان غافلًا؛ لأن السياق تغيَّر، فمن المبهم إلى المبين، فمن الواضح أن فيه تنبيهًا.
ثانيًا: أيضًا فيه تشويقٌ؛ لأن الإنسان يحب الاستطلاع، فإذا أبهم إليه الأمر ووضح اشتاق إليه ورسخ في ذهنه.
* الشيخ: (...) ترسيخ الشيء في الذهن؛ لأنه إذا جاء مبهمًا تشوف له الذهن، فإذا بُيِّن له بعد ذلك رسخ فيه، طيب بعده.
* طالب: (...) الحكم عليه.
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا في الإظهار في مقام الإضمار.
* طالب: ما هو بتأكيد هذا المعنى.
* الشيخ: كيف تأكد تأكيدًا؟
* طالب: لأن خطه في (...) أظهره ثم أكده.
* الشيخ: يعني العناية به؟
* طالب: العناية به.
* الشيخ: العناية به نعم، هذا من فوائده العناية؛ لأن كونه يبهمه ثم يبينه، أو يجمله، ثم يفصله لأجل أن الإنسان يتشوف إليه (...) إليه معناه أنه أمر يُعْتَنى به، كما أن فيه أيضًا تأكيدًا؛ لأنه ذكر مرتين؛ مرة مبهمًا، ومرة مُفصَّلًا أو مبينًا، فإذن الثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: هو تشويق السامع أو المخاطب لفهم هذا المعنى.
والشيء الثاني: ترسيخ المعنى في هذا الذهن.
والشيء الثالث: بيان العناية به أي في الأربع.
والشيء الرابع: تأكيده بذكره مرتين؛ مرة مُجْمَلًا ومرَّة مُفصَّلًا، أو مبهمًا ثم مُبينًا.
قوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أيضًا ما قال: أمدكم بأنعام وبنينَ، من أول الأمر بالنسبة لهذه الآية بالذات بين لهم أن الله أمدهم بأمر لا يمكنهم إنكاره؛ لأنهم يعلمونه، فقدَّم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ على ذكر المنعم به لإقامة الحجة عليهم؛ حيث إن هذه نِعمٌ مفهومةٌ لهم ولَّا لا؟ مفهومة ومعلومة، فلا يمكنهم إنكارها أولًا: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء ١٣٣، ١٣٤]، (أنعام) جمع (نِعَم)، أو جمع (نَعَم)؛ يعني الإبل، وإذا قلت: إن (نِعمة) جمعها (نِعَم)، وجمع نِعَمٍ أنعامٌ، صار المراد بالأنعام ما هو أعم من الإبل؛ يعني كأنه يقول: بنِعَمٍ كثيرة.
وقوله: ﴿وَبَنِينَ﴾..
* طالب: (...) البقر الأنعام.
* الشيخ: المعروف أنها للإبل فقط، لكن إذا قيل: بهيمة الأنعام تشمل الثلاثة «خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٤٢)، ومسلم (٢٤٠٦ / ٣٤) من حديث سهل بن سعد.]].
قال: ﴿وَبَنِينَ﴾ الذكور من الأولاد، وخَصَّ البنين؛ لأنهم أبلغ في شرف الإنسان، ولأن أولادهم يكونون قبيلة، لكن أولاد البنات من غيرهم قبيلة ولا (...) أسرة.
وقوله: ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ بساتين، ﴿وَعُيُونٍ﴾ أنهار، وهذا مما يدل على أن هذا (...) من الماء إن كان فيه بساتين وكان فيه أنهار، ولعل هذا يوحي به أيضًا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا»[[أخرجه مسلم (١٥٧ / ٦٠) من حديث أبي هريرة.]]، فإن قوله: «حَتَّى تَعُودَ» العَودُ بعدَ البدْءِ، هذه الجنات بساتين ليست مجرد بستان فقط؛ لأنه لا يُسمَّى جنَّة إلا إذا كان كثير الأشجار والزروع، حيث يَجُنُّ مَن فيه ويسترُه.
والعيون جمع عين، وقول المؤلف: إنها أنهار باعتبار جريانها، وإلا فالعيون هي التي تنبُعُ من الأرض، والأنهار كما هو معروف ما هو بينبع من الأرض وإنما يأتي من الأمطار والثلوج وغيرها.
(﴿إنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ في الدنيا والآخرة إن عصيتموني)؛ يعني: إن استمررتم على ما أنتم عليه من الكفر بهذه النعم العظيمة، فأخاف عليكم عذاب هذا اليوم، وقوله: ﴿عَظِيم﴾ صفةٌ لليومِ، لكن يقول: (في الدنيا والآخرة) وصف هذا العذاب بالعظم في الدنيا باعتبار ما عداه، وأما وصفه بالعِظَم في الآخرة فظاهر؛ لأنه عظيم أعظم ما يكون في الآخرة، ﴿قَالُوا﴾ في الجواب بعد هذا التذكير بالنعم وبعد هذا الوعد، الجواب: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، أعوذ بالله! كبرياء عظيم، ﴿سَوَاءٌ﴾ بمعنى (مَستَوٍ)، وهي خبر مُقدَّم، و﴿أَوَعَظْتَ﴾ الجملة الاستفهامية هذه في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر؛ يعني وَعْظُك وعدمه سواء، وهذا من المواضع التي تكون مؤولة بالمصدر بدون حرف مصدري؛ لأن هنا مؤول بمصدر مع أن اللي داخل عليها أداة الاستفهام لكنها بعد (سواء) هكذا تُعامَلُ؛ تُؤَوَّل وما بعدها بمصدر، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦]؛ أي: استغفارك وعدمه، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦]؛ أي: إنذارك وعدمه.
طيب يقولون: (﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ أصلًا أَيْ لَا نرعوي لوعظِك)، شوف كيف الجبروت! أوعظت بالفعل أمْ لم تكن من الواعظين لم يكن وصفُك الوعظ، سواء تركت الوعظ أمْ لم تتركه؛ لأن هنا قالوا: سواء علينا أوعظت أمْ لم تعظ ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، ولهذا الشارح قال: (أصلًا) المفسِّرُ؛ يعني لم تكن صفتك الوعظ لا يهمنا أن تكون واعظًا أو غير واعظٍ، ولا أن تعظنا بالفعل أو لا تعظنا، كل الأمر عندنا سواء.
وإنما قالوا ذلك لأن الإنسان قد لا يكترث بالواعظ لكونه غير أهل، وقد لا يكترث به عنادًا، وهؤلاء لما قالوا ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، دَلَّ ذلك على أنهم يقولون: إنهم معاندون حتى وإن كنت مِن غير أهل الوعظ، أو وعظت وأنت من أهل الوعظ، وفي هذا من بلاغة القرآن ما هو ظاهر؛ لأنهم قالوا: سواء علينا أوعظت أمْ لم تعِظْ، لكن ربما يقولون: إنه قد يعِظُ وليس أهلًا للوعظ، ولكن لما قالوا: ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾؛ يعني: لم تكن ممن يستحقون أن يوصفوا بهذا الوصف يصير في الجملتين شبه اكتفاء؛ أوعظت أمْ لم تعِظْ، أكنت من الواعظين أمْ لم تكُنْ من الواعظين؛ يعني كونه قابَلَ ﴿أَوَعَظْتَ﴾ اللي تدل على الفعل؛ على وقوع الوعظ بأن لم تكن من الواعظين التي تدل على الوصف بكونه واعظًا.
يُؤخَذُ من هذا أنه حذف من كل واحدة ما يقابلها اختصارًا للوضوح. أيش يصير التقدير على هذا؟ أوعظت أمْ لم تعِظْ، أكنت واعظًا تستحق أن ينصرف الناس لك ويأخذوا منك، أمْ لم تكُنْ واعظًا، وهذا غاية ما يكون من بلاغة القرآن، وبالنسبة لهم غاية ما يكون من الاستكبار وعدم الاكتراث بوعظهم، فهمتم الآن الحكمة؟ بأنه قال ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ ولم يقل: (أمْ لم تعظْ) لأجل أن يُؤْخَذ من كل جملة أو من كل كلمة ما يقابلها ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.
(﴿إِنْ﴾ مَا) يعني نافية، (﴿هَذَا﴾ الذي خوَّفتنا به، ﴿إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي اختلاقهم وكذبهم)، يعني أنك أنت يا هودُ ما جئتنا إلا بأمر اختلقه من قبلك، فكذبوه هو ومن قبله أيضًا، وقالوا: هذا خلق الأولين، خُلُقُهم بمعنى اختلاقهم وافتراؤهم وكَذِبهم، كما قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت ١٧]؛ يعني تختلقونه.
﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾، وفي قراءة بضم الخاء واللام ﴿خُلُقُ﴾، والقراءة هذه سبعية بناء على قاعدة المؤلف إذا قال: (قُرِئَ) للشاذ، (وفي قراءة) للسبعية.
(أي ما هذا الذي نحن عليه من أنْ لا بعث إلا خلق الأولين؛ أي طبيعتهم وعادتهم)، المؤلف على القراءة الثانية يرى أن اسم الإشارة يعود لا إلى قول هود ولكن إلى ما كانوا عليه، وعلى قراءة ﴿خُلُقُ﴾ يرى أنه عائد على قول هود، وسياق الآية يدل على أنه راجع إلى قول هود، سواء بضم الخاء أو بفتحها؛ أما فتحها فظاهر ﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾، وأما ضمها فهو أيضًا ظاهر؛ كأنهم يقولون: إن ما جئت به هو خلق الأولين من قبلك؛ يعني دأبهم الذي كانوا عليه؛ يعني الأنبياء السابقين، فعلى هذا يكون مرجع الإشارة واحدًا، أما على رأي المؤلف: ﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾ يريد أن يحتجُّوا به هم، كأنهم يقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة وهذا ما عليه آباؤنا، فسنبقى عليه، والآية محتملة لكنها في الأول أظهر؛ أولًا: لأن القراءتين يفسِّر بعضهما بعضًا، والثاني: أنهم يريدون أن يردُّوا على قوله هو لا أن يبرروا فعلهم، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧، ١٣٨]، هذا إنكارٌ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، كأنهم يقولون: ما تخوَّفت ليس له أصلٌ، فما نحن بمعذَّبين.
وتأمَّل هذا التعبير الذي أتى مُؤكَّدًا بالباء في قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، لم يقولوا: وما نحن معذَّبين، ثم أتوا بالوصف ﴿بِمُعَذَّبِينَ﴾ بالجملة الاسمية للدلالة على انتفاءِ هذا أبدًا؛ لأن الجملة الاسمية تدل على الثبوت؛ ثبوت مدلولها، فعليه يكونون قد أنكروا أن يُعذَّبوا وادعوا أنهم لن يعذبوا أبدًا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، ولكن هذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَّنَى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس.]]، هؤلاء -والعياذ بالله- أتبعوا أنفسهم أهواءهم وتمنوا على الله الأماني إن كانوا مُصدِّقين بالبعث ما ندري، ربما يكونون مكذِّبين به وأنه لا بعث ولا جزاء ولا عذاب.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [الشعراء ١٣٩]؛ يعني فبهذا القول الذي صدَرَ منهم يصدق عليهم هذا الوصف؛ أنهم كذبوا هودًا، فيكونون مستحقين للعذاب، ولهذا أتى بالفاء (﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ في الدنيا بالريح ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ) أهلكهم الله تعالى بالريح.
ومن العجائب أن الله -سبحانه وبحمده- أهلكهم على حين تشوق منهم للرحمة؛ لأنهم أصيبوا بالجدب والقحط وبقوا مدة وصاروا ينتظرون الفرج بالمطر، فلما أرسل الله هذه الريح و﴿رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف ٢٤]، فاستفرحوا بذلك وظنوا أن الفرج قريب، ولكنه كان فرجًا لهودٍ ونقمةً عليهم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٤، ٢٥]، وهذه الريح التي بعثها الله سبحانه وتعالى على عادٍ فيها من آيات الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء القوم الأشداء الأقوياء الفخورين بقوتهم على غيرهم أُهْلِكوا بألطف الأشياء وهو الريح، ثم أُهْلِكوا في حال الرجاء أيضًا؛ لأنهم لاحظوا أن النقمة إذا أتت والإنسان يتوقع النعمة، ويش تكون؟ تكون أشد، وكذلك إذا أتت النقمة والإنسان في نعمة تكون أيضًا أشد وأنكى والعياذ بالله.
وفي قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ إلى آخره موعظة لنا بما نسمعه أحيانًا من هذه الأعاصير المدمرة التي تقلع الأشجار وتخرب الديار وتهلك الثمار وتهلك الأعمار أيضًا، ولكن مع الأسف أن الكثير منَّا يصدق عليهم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤]، هذا أمر طبيعي، ما هو شيء، الناس الآن يسمعون بالزلازل ويسمعون بهذه الأعاصير ويسمعون بالفيضانات العظيمة، ولكنهم لا يعزونها إلى أنها غضب من الله عز وجل، يعزونها إلى أنها أمر طبيعي، ولهذا ما يتأثر الإنسان بها إطلاقًا ولا كأنها بشيء، بينما ونحن صغار إذا سمعنا أن الأرض زلزلت بأحد، نرتجف نحن ونحن في بيوتنا آمنين؛ لأنه ما كان أحد يقول لنا: هذا أمر طبيعي، وهذا أمر ما يهم، وهذا أمر كائن لا محالة، مثلما أن الكسوف تمامًا؛ كان الناس بالأول إذا كسف القمر -أنا أذكره- يحصل منهم رهبة عظيمة، ويحصل منهم خوف، ويحضرون بأعداد كبيرة إلى المساجد من رجال ونساء وتحت صلاة وبكاء وخوف، الآن لا، ما كأنه بشيء، تجد هذا يشاهد التلفزيون في الأغنية، وهذا يسمع الأغنية من الراديو، إلا أنه -والحمد لله- آخر مرة انكسف القمر هذا العام اعتدلت إذاعتنا بعض الشيء وسائل الإعلام؛ فإنهم نقلوا صلاة الكسوف في التلفزيون وشاهدها الناس، واستفادوا من ذلك فائدة عظيمة؛ لأن أكثر اللي في المملكة من الأجانب ما يعرفون عن الكسوف شيئًا أبدًا؛ لأنهم عندهم هناك ما هم بيصلون، بل نسمع أنهم يطلعون (...) يغنون (...).
* طالب: إي، يغنون (...).
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: قولهم: ما استفدنا من الآية أنهم قد كذَّبوا رسالة هود، هذه الآية فيها العناد في آيات أخرى ثبت أنهم لم يصدقوا بهود أيضًا ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود ٥٩]..
* الشيخ: وهم لم يصدقوا عنادًا.
* طالب: قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء ١٣٥]، ألَا يدل هذا أنه يوم القيامة خاص لأني أخاف عليكم عذابًا عظيمًا.
* الشيخ: لا، حتى اليوم الذي يقع فيه العذاب في الدنيا (...).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما هو بلازم.
* طالب: (...) ما فيه التخفيف.
* الشيخ: (...) لأن ﴿يَوْمَ﴾ هذا ما عيَّنه، لو قال: عذاب اليوم حتى لو قال: (اليوم) يمكن يكون للجنس.
* طالب: على هذا كأنهم بلغتهم الرسالة يقولون: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧].
* الشيخ: إي نعم، (...) في قوم نوح (...) في سورة الأعراف صرَّح: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف ٦٩].
* طالب: لكن هو ترك إليهم -مثلًا- الخلافة في الأرض قوم نوح كلهم هناك، مثلًا ناس من هنا وهنا من قبائل.
* الشيخ: معرف أن قوم نوح لما هلكوا ما بقي إلا ذرية (...) هؤلاء منهم.
* طالب: يعني منهم؛ لأنهم كلهم..
* الشيخ: لا، ما هو كلهم، الظاهر أنهم تنامى الناس بسرعة والله أعلم، وطبعًا تعرف أن هؤلاء نجوا بإيمانهم، فهم سيبقون دهرًا طويلًا على الحق؛ لأنهم ما كثروا ولا تفرقت بهم الأهواء، فسيبقون دهرًا طويلًا على الحق، ثم إنه بعد ذلك حصل هذا التطور وكثر الناس، وصار كل قوم يحتاجون إلى رسول، فبعث الله رسولًا.
* طالب: (...) ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٢٣]، (...) لفظهم كذبوا الرسل الأولون ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ أو ﴿خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* الشيخ: إي، هو يؤيد أن المراد خلق الأولين عادة الأولين من الرسل (...)، هم أيضًا بيردون على كلامه، ما هم بيبرروا موقفهم، بيذكرون كلامه بأنه مختلق أو أنه شيء قلَّد غيره وليس له أصل.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص ٧].
* الشيخ: ﴿اخْتِلَاقٌ﴾؛ يعني: كذب، (...) الخَلْقُ بمعنى الكذب، وبمعنى الإيجاد.
* طالب: الحكمة في كون بعض الرسل أو بعض الأمم تكرَّر ذكرها في القرآن، وبعض الرسل لم يأت له ذكر قط؟
* الشيخ: هو الله سبحانه وتعالى ما ذكر إلا الرسل المحيطين بالعرب اللي كانوا يعرفون أنباءهم لكن هذا أقوى، أما اللي -مثلًا- في أمريكا وفي أقصى آسيا ما ذكر منهم، لكن نعلم أن الله بعث إليهم رسلًا ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، لكن ما ذكر الله سبحانه وتعالى من الرسل إلا ما كان حول الجزيرة.
* طالب: أفلا يدل هذا على أن الذي ذكروا في القرآن أفضل من غيرهم؟
* الشيخ: لا؛ لأن اللي غيرهم ما ذكروا لا ما نعرف عنهم شيئًا، إنما أولو العزم الخمسة هؤلاء لا شك أنهم أفضل من غيرهم.
* طالب: (...) ما تكتشفوه إلا حديثًا.
* الشيخ: ما اللي لم نكتشفه إلا حديثًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: المهم اللي في القارات هذه ما اكتشفوها إلا قريبًا، لكن هي موجودة من قبل هي موجودة من زمان.
* طالب: (...) قريبًا.
* الشيخ: إي، المهم أنها -سلمك الله- موجودة بلا شك، وموجود فيها ناس، ويُذْكَرُ أن شيخ الإسلام تكلم عن هذا، وقال: لا بد أن هناك أحدًا في المقابل لوجه الكرة الأرضية (...)، ما يمكن تسبح في الأرض بدون عمارة.
* * *
* الطالب: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٥١ - ١٥٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
فيما بقي من قصة هود عليه الصلاة والسلام * يستفاد منه: أن الداعية ينبغي له أن يذكِّرَ المدعُوَّ بنعمِ الله عليه. من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، ما هي الحكمة من تذكيره بالنعم؟
* طالب: لأن النعم تستوجب الشكر وطاعة المنعم.
* الشيخ: نعم، وأيضًا عقلًا تتضمن ذلك؛ لأن من أحسن إليك فإن من المستحسن عقلًا أن تطيعه فيما يأمرك به.
* وفي هذا من فوائد ما ذكر: أن هذه النعم التي يمد الله بها العبد تستوجب أن يقوم بتقوى الله؛ لأن قوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾، فالتعليل للأمر بالتقوى، فتكون النعم مستوجِبةً لتقوى العبد لربه تبارك وتعالى، لا للأشر والبطر والبُعد عن الله؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾، حيث عدَلَ عن قوله: (واتقوا الله) إلى ما ذُكِرَ إشارةً إلى أن هذا سببٌ كبير لوجوب التقوى.
* وفي الآية من الفوائد أيضًا: بيان أنه ينبغي للداعية مع القرن بذكر النعم أن يقرن الدعوة (...). من أين تؤخذ؟
* طالب: من قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* وفيه أيضًا: أنه ينبغي إذا كان المقام أنسب أن يكون غير مصرح بذلك؛ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾، ما قال: إنكم ستصابون بيوم عظيم، بل قال: ﴿أَخَافُ﴾ كالمتوقِّع له غير الجازم به؛ لأن المقام يقتضي ذلك، ولكل مقام مقال.
* وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى قد يطبع على قلب العبد فلا يستفيد بالموعظة؛ لقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، هذا إذا لم يكن هذا القول منه كذبًا، فإن كان كذبًا فلا شاهد فيه لذلك؛ يعني إن كان الأمر حقًّا كما يقولون: إنهم سواء وُعِظُوا أم لم يُوعَظُوا فإنه يدل على أن العبد -والعياذ بالله- إذا ران على قلبه ما يعمل لم يستفِدْ بموعظة، أما إن كان كذبًا فإنه يدل على عُتُوِّ هؤلاء القوم وشدة استكبارهم عن الحق.
* وفي هذا دليل في التعبير بقوله: ﴿أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ على بلاغة القرآن. تؤخذ من أين (...)؟
* طالب: (...) ثم الجملة الثانية ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ يعني..
* الشيخ: أمْ أنت المقابل لها.
* طالب: أم أنت..
* الشيخ: من ذوي الوعظ.
* طالب: من ذوي الوعظ، أو لست منهم..
* الشيخ: (لست منهم) موجودة ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.
* الطالب: إي نعم، جمع بين الجملتين في آية واحدة.
* الشيخ: يعني بين المعنيين في كلمتين؛ لأن الحقيقة أنها أربعة معانٍ: وعظت أم لم تعِظْ، كنت من الواعظين أمْ لم تكن، في كلمتين؛ لأنه حذف من كل كلمة ما يقابلها لدلالة الأخرى عليها.
* وفي الآية دليل على أنه لا حُجَّة للمعاندين للرسل سوى التمسك بما كان عليه أسلافهم. من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ على قراءة ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ على حسب ما مشى عليه المؤلف، أما على القراءة الثانية ﴿﴿إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾ فإنه * يستفاد منه: أن هؤلاء لم يقتصروا على تكذيب نبيهم، بل تعدَّوا إلى تكذيب غيره أيضًا، مع أنهم لم تطالبهم الرسل السابقون بذلك، إلا أنهم -لعنادهم واستكبارهم- كذَّبوا حتى السابقين، ولأجل أن يقولوا: إن هذا ليس بالأمر البدعي، وإنما ذلك دأب من كان من قبل.
يقول الله عز وجل: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ * ففي هذا دليل على أن التكذيب سبب للإهلاك، فينبغي للمؤمن الذي يعتبِرُ بقصص الأنبياء السابقين أن يحذر من هذا؛ أي: من التكذيب؛ لأنه إن فعل أُهْلِكَ.
ثم في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ ما سبق.
الشعراء 26:135
ثم قال لهم: (﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ أنعم عليكم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ )، ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي﴾ هنا أتى بالوصف لأن ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ الاسمُ الموصول وصلتُه بمنزلة الاسم المشتق؛ يعني: واتقوا المادَّ لكم، والاسم المشتق أو اسم الفاعل وصف ظاهر، فهنا انتقل من وصف الألوهية إلى وصف الربوبية الخاص الذي نالهم منه، وهو ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾؛ لأن إمداد الله تعالى بالنعم من مقتضى الربوبية.
وقوله: ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أتى بهذا الوصف أيضًا إقامة للحجة عليهم؛ لأن من أمدَّك بهذه النعم كان أولى أن تتَّقيه، وقوله: ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ مبهمٌ؛ لأن (ما) اسم موصول، والاسم الموصول مبهم وعام، ثم فصله بقوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ [الشعراء ١٣٣]، وقد ذكرنا أن من فوائد التفصيل بعد الإجمال أو البيان بعد الإبهام أن منه فوائد، من فوائده كذا؟
* طالب: تنبيه المخاطب (...).
* الشيخ: كيف تنبيهه؟
* الطالب: فإذا كان مثلًا يقرأ ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ يشعر براحة، ثم بتنبيه إذا كان غافلًا؛ لأن السياق تغيَّر، فمن المبهم إلى المبين، فمن الواضح أن فيه تنبيهًا.
ثانيًا: أيضًا فيه تشويقٌ؛ لأن الإنسان يحب الاستطلاع، فإذا أبهم إليه الأمر ووضح اشتاق إليه ورسخ في ذهنه.
* الشيخ: (...) ترسيخ الشيء في الذهن؛ لأنه إذا جاء مبهمًا تشوف له الذهن، فإذا بُيِّن له بعد ذلك رسخ فيه، طيب بعده.
* طالب: (...) الحكم عليه.
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا في الإظهار في مقام الإضمار.
* طالب: ما هو بتأكيد هذا المعنى.
* الشيخ: كيف تأكد تأكيدًا؟
* طالب: لأن خطه في (...) أظهره ثم أكده.
* الشيخ: يعني العناية به؟
* طالب: العناية به.
* الشيخ: العناية به نعم، هذا من فوائده العناية؛ لأن كونه يبهمه ثم يبينه، أو يجمله، ثم يفصله لأجل أن الإنسان يتشوف إليه (...) إليه معناه أنه أمر يُعْتَنى به، كما أن فيه أيضًا تأكيدًا؛ لأنه ذكر مرتين؛ مرة مبهمًا، ومرة مُفصَّلًا أو مبينًا، فإذن الثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: هو تشويق السامع أو المخاطب لفهم هذا المعنى.
والشيء الثاني: ترسيخ المعنى في هذا الذهن.
والشيء الثالث: بيان العناية به أي في الأربع.
والشيء الرابع: تأكيده بذكره مرتين؛ مرة مُجْمَلًا ومرَّة مُفصَّلًا، أو مبهمًا ثم مُبينًا.
قوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أيضًا ما قال: أمدكم بأنعام وبنينَ، من أول الأمر بالنسبة لهذه الآية بالذات بين لهم أن الله أمدهم بأمر لا يمكنهم إنكاره؛ لأنهم يعلمونه، فقدَّم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ على ذكر المنعم به لإقامة الحجة عليهم؛ حيث إن هذه نِعمٌ مفهومةٌ لهم ولَّا لا؟ مفهومة ومعلومة، فلا يمكنهم إنكارها أولًا: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء ١٣٣، ١٣٤]، (أنعام) جمع (نِعَم)، أو جمع (نَعَم)؛ يعني الإبل، وإذا قلت: إن (نِعمة) جمعها (نِعَم)، وجمع نِعَمٍ أنعامٌ، صار المراد بالأنعام ما هو أعم من الإبل؛ يعني كأنه يقول: بنِعَمٍ كثيرة.
وقوله: ﴿وَبَنِينَ﴾..
* طالب: (...) البقر الأنعام.
* الشيخ: المعروف أنها للإبل فقط، لكن إذا قيل: بهيمة الأنعام تشمل الثلاثة «خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٤٢)، ومسلم (٢٤٠٦ / ٣٤) من حديث سهل بن سعد.]].
قال: ﴿وَبَنِينَ﴾ الذكور من الأولاد، وخَصَّ البنين؛ لأنهم أبلغ في شرف الإنسان، ولأن أولادهم يكونون قبيلة، لكن أولاد البنات من غيرهم قبيلة ولا (...) أسرة.
وقوله: ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ بساتين، ﴿وَعُيُونٍ﴾ أنهار، وهذا مما يدل على أن هذا (...) من الماء إن كان فيه بساتين وكان فيه أنهار، ولعل هذا يوحي به أيضًا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا»[[أخرجه مسلم (١٥٧ / ٦٠) من حديث أبي هريرة.]]، فإن قوله: «حَتَّى تَعُودَ» العَودُ بعدَ البدْءِ، هذه الجنات بساتين ليست مجرد بستان فقط؛ لأنه لا يُسمَّى جنَّة إلا إذا كان كثير الأشجار والزروع، حيث يَجُنُّ مَن فيه ويسترُه.
والعيون جمع عين، وقول المؤلف: إنها أنهار باعتبار جريانها، وإلا فالعيون هي التي تنبُعُ من الأرض، والأنهار كما هو معروف ما هو بينبع من الأرض وإنما يأتي من الأمطار والثلوج وغيرها.
(﴿إنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ في الدنيا والآخرة إن عصيتموني)؛ يعني: إن استمررتم على ما أنتم عليه من الكفر بهذه النعم العظيمة، فأخاف عليكم عذاب هذا اليوم، وقوله: ﴿عَظِيم﴾ صفةٌ لليومِ، لكن يقول: (في الدنيا والآخرة) وصف هذا العذاب بالعظم في الدنيا باعتبار ما عداه، وأما وصفه بالعِظَم في الآخرة فظاهر؛ لأنه عظيم أعظم ما يكون في الآخرة، ﴿قَالُوا﴾ في الجواب بعد هذا التذكير بالنعم وبعد هذا الوعد، الجواب: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، أعوذ بالله! كبرياء عظيم، ﴿سَوَاءٌ﴾ بمعنى (مَستَوٍ)، وهي خبر مُقدَّم، و﴿أَوَعَظْتَ﴾ الجملة الاستفهامية هذه في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر؛ يعني وَعْظُك وعدمه سواء، وهذا من المواضع التي تكون مؤولة بالمصدر بدون حرف مصدري؛ لأن هنا مؤول بمصدر مع أن اللي داخل عليها أداة الاستفهام لكنها بعد (سواء) هكذا تُعامَلُ؛ تُؤَوَّل وما بعدها بمصدر، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦]؛ أي: استغفارك وعدمه، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦]؛ أي: إنذارك وعدمه.
طيب يقولون: (﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ أصلًا أَيْ لَا نرعوي لوعظِك)، شوف كيف الجبروت! أوعظت بالفعل أمْ لم تكن من الواعظين لم يكن وصفُك الوعظ، سواء تركت الوعظ أمْ لم تتركه؛ لأن هنا قالوا: سواء علينا أوعظت أمْ لم تعظ ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، ولهذا الشارح قال: (أصلًا) المفسِّرُ؛ يعني لم تكن صفتك الوعظ لا يهمنا أن تكون واعظًا أو غير واعظٍ، ولا أن تعظنا بالفعل أو لا تعظنا، كل الأمر عندنا سواء.
وإنما قالوا ذلك لأن الإنسان قد لا يكترث بالواعظ لكونه غير أهل، وقد لا يكترث به عنادًا، وهؤلاء لما قالوا ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، دَلَّ ذلك على أنهم يقولون: إنهم معاندون حتى وإن كنت مِن غير أهل الوعظ، أو وعظت وأنت من أهل الوعظ، وفي هذا من بلاغة القرآن ما هو ظاهر؛ لأنهم قالوا: سواء علينا أوعظت أمْ لم تعِظْ، لكن ربما يقولون: إنه قد يعِظُ وليس أهلًا للوعظ، ولكن لما قالوا: ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾؛ يعني: لم تكن ممن يستحقون أن يوصفوا بهذا الوصف يصير في الجملتين شبه اكتفاء؛ أوعظت أمْ لم تعِظْ، أكنت من الواعظين أمْ لم تكُنْ من الواعظين؛ يعني كونه قابَلَ ﴿أَوَعَظْتَ﴾ اللي تدل على الفعل؛ على وقوع الوعظ بأن لم تكن من الواعظين التي تدل على الوصف بكونه واعظًا.
يُؤخَذُ من هذا أنه حذف من كل واحدة ما يقابلها اختصارًا للوضوح. أيش يصير التقدير على هذا؟ أوعظت أمْ لم تعِظْ، أكنت واعظًا تستحق أن ينصرف الناس لك ويأخذوا منك، أمْ لم تكُنْ واعظًا، وهذا غاية ما يكون من بلاغة القرآن، وبالنسبة لهم غاية ما يكون من الاستكبار وعدم الاكتراث بوعظهم، فهمتم الآن الحكمة؟ بأنه قال ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ ولم يقل: (أمْ لم تعظْ) لأجل أن يُؤْخَذ من كل جملة أو من كل كلمة ما يقابلها ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.
(﴿إِنْ﴾ مَا) يعني نافية، (﴿هَذَا﴾ الذي خوَّفتنا به، ﴿إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي اختلاقهم وكذبهم)، يعني أنك أنت يا هودُ ما جئتنا إلا بأمر اختلقه من قبلك، فكذبوه هو ومن قبله أيضًا، وقالوا: هذا خلق الأولين، خُلُقُهم بمعنى اختلاقهم وافتراؤهم وكَذِبهم، كما قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت ١٧]؛ يعني تختلقونه.
﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾، وفي قراءة بضم الخاء واللام ﴿خُلُقُ﴾، والقراءة هذه سبعية بناء على قاعدة المؤلف إذا قال: (قُرِئَ) للشاذ، (وفي قراءة) للسبعية.
(أي ما هذا الذي نحن عليه من أنْ لا بعث إلا خلق الأولين؛ أي طبيعتهم وعادتهم)، المؤلف على القراءة الثانية يرى أن اسم الإشارة يعود لا إلى قول هود ولكن إلى ما كانوا عليه، وعلى قراءة ﴿خُلُقُ﴾ يرى أنه عائد على قول هود، وسياق الآية يدل على أنه راجع إلى قول هود، سواء بضم الخاء أو بفتحها؛ أما فتحها فظاهر ﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾، وأما ضمها فهو أيضًا ظاهر؛ كأنهم يقولون: إن ما جئت به هو خلق الأولين من قبلك؛ يعني دأبهم الذي كانوا عليه؛ يعني الأنبياء السابقين، فعلى هذا يكون مرجع الإشارة واحدًا، أما على رأي المؤلف: ﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾ يريد أن يحتجُّوا به هم، كأنهم يقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة وهذا ما عليه آباؤنا، فسنبقى عليه، والآية محتملة لكنها في الأول أظهر؛ أولًا: لأن القراءتين يفسِّر بعضهما بعضًا، والثاني: أنهم يريدون أن يردُّوا على قوله هو لا أن يبرروا فعلهم، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧، ١٣٨]، هذا إنكارٌ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، كأنهم يقولون: ما تخوَّفت ليس له أصلٌ، فما نحن بمعذَّبين.
وتأمَّل هذا التعبير الذي أتى مُؤكَّدًا بالباء في قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، لم يقولوا: وما نحن معذَّبين، ثم أتوا بالوصف ﴿بِمُعَذَّبِينَ﴾ بالجملة الاسمية للدلالة على انتفاءِ هذا أبدًا؛ لأن الجملة الاسمية تدل على الثبوت؛ ثبوت مدلولها، فعليه يكونون قد أنكروا أن يُعذَّبوا وادعوا أنهم لن يعذبوا أبدًا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، ولكن هذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَّنَى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس.]]، هؤلاء -والعياذ بالله- أتبعوا أنفسهم أهواءهم وتمنوا على الله الأماني إن كانوا مُصدِّقين بالبعث ما ندري، ربما يكونون مكذِّبين به وأنه لا بعث ولا جزاء ولا عذاب.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [الشعراء ١٣٩]؛ يعني فبهذا القول الذي صدَرَ منهم يصدق عليهم هذا الوصف؛ أنهم كذبوا هودًا، فيكونون مستحقين للعذاب، ولهذا أتى بالفاء (﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ في الدنيا بالريح ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ) أهلكهم الله تعالى بالريح.
ومن العجائب أن الله -سبحانه وبحمده- أهلكهم على حين تشوق منهم للرحمة؛ لأنهم أصيبوا بالجدب والقحط وبقوا مدة وصاروا ينتظرون الفرج بالمطر، فلما أرسل الله هذه الريح و﴿رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف ٢٤]، فاستفرحوا بذلك وظنوا أن الفرج قريب، ولكنه كان فرجًا لهودٍ ونقمةً عليهم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٤، ٢٥]، وهذه الريح التي بعثها الله سبحانه وتعالى على عادٍ فيها من آيات الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء القوم الأشداء الأقوياء الفخورين بقوتهم على غيرهم أُهْلِكوا بألطف الأشياء وهو الريح، ثم أُهْلِكوا في حال الرجاء أيضًا؛ لأنهم لاحظوا أن النقمة إذا أتت والإنسان يتوقع النعمة، ويش تكون؟ تكون أشد، وكذلك إذا أتت النقمة والإنسان في نعمة تكون أيضًا أشد وأنكى والعياذ بالله.
وفي قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ إلى آخره موعظة لنا بما نسمعه أحيانًا من هذه الأعاصير المدمرة التي تقلع الأشجار وتخرب الديار وتهلك الثمار وتهلك الأعمار أيضًا، ولكن مع الأسف أن الكثير منَّا يصدق عليهم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤]، هذا أمر طبيعي، ما هو شيء، الناس الآن يسمعون بالزلازل ويسمعون بهذه الأعاصير ويسمعون بالفيضانات العظيمة، ولكنهم لا يعزونها إلى أنها غضب من الله عز وجل، يعزونها إلى أنها أمر طبيعي، ولهذا ما يتأثر الإنسان بها إطلاقًا ولا كأنها بشيء، بينما ونحن صغار إذا سمعنا أن الأرض زلزلت بأحد، نرتجف نحن ونحن في بيوتنا آمنين؛ لأنه ما كان أحد يقول لنا: هذا أمر طبيعي، وهذا أمر ما يهم، وهذا أمر كائن لا محالة، مثلما أن الكسوف تمامًا؛ كان الناس بالأول إذا كسف القمر -أنا أذكره- يحصل منهم رهبة عظيمة، ويحصل منهم خوف، ويحضرون بأعداد كبيرة إلى المساجد من رجال ونساء وتحت صلاة وبكاء وخوف، الآن لا، ما كأنه بشيء، تجد هذا يشاهد التلفزيون في الأغنية، وهذا يسمع الأغنية من الراديو، إلا أنه -والحمد لله- آخر مرة انكسف القمر هذا العام اعتدلت إذاعتنا بعض الشيء وسائل الإعلام؛ فإنهم نقلوا صلاة الكسوف في التلفزيون وشاهدها الناس، واستفادوا من ذلك فائدة عظيمة؛ لأن أكثر اللي في المملكة من الأجانب ما يعرفون عن الكسوف شيئًا أبدًا؛ لأنهم عندهم هناك ما هم بيصلون، بل نسمع أنهم يطلعون (...) يغنون (...).
* طالب: إي، يغنون (...).
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: قولهم: ما استفدنا من الآية أنهم قد كذَّبوا رسالة هود، هذه الآية فيها العناد في آيات أخرى ثبت أنهم لم يصدقوا بهود أيضًا ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود ٥٩]..
* الشيخ: وهم لم يصدقوا عنادًا.
* طالب: قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء ١٣٥]، ألَا يدل هذا أنه يوم القيامة خاص لأني أخاف عليكم عذابًا عظيمًا.
* الشيخ: لا، حتى اليوم الذي يقع فيه العذاب في الدنيا (...).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما هو بلازم.
* طالب: (...) ما فيه التخفيف.
* الشيخ: (...) لأن ﴿يَوْمَ﴾ هذا ما عيَّنه، لو قال: عذاب اليوم حتى لو قال: (اليوم) يمكن يكون للجنس.
* طالب: على هذا كأنهم بلغتهم الرسالة يقولون: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧].
* الشيخ: إي نعم، (...) في قوم نوح (...) في سورة الأعراف صرَّح: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف ٦٩].
* طالب: لكن هو ترك إليهم -مثلًا- الخلافة في الأرض قوم نوح كلهم هناك، مثلًا ناس من هنا وهنا من قبائل.
* الشيخ: معرف أن قوم نوح لما هلكوا ما بقي إلا ذرية (...) هؤلاء منهم.
* طالب: يعني منهم؛ لأنهم كلهم..
* الشيخ: لا، ما هو كلهم، الظاهر أنهم تنامى الناس بسرعة والله أعلم، وطبعًا تعرف أن هؤلاء نجوا بإيمانهم، فهم سيبقون دهرًا طويلًا على الحق؛ لأنهم ما كثروا ولا تفرقت بهم الأهواء، فسيبقون دهرًا طويلًا على الحق، ثم إنه بعد ذلك حصل هذا التطور وكثر الناس، وصار كل قوم يحتاجون إلى رسول، فبعث الله رسولًا.
* طالب: (...) ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٢٣]، (...) لفظهم كذبوا الرسل الأولون ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ أو ﴿خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* الشيخ: إي، هو يؤيد أن المراد خلق الأولين عادة الأولين من الرسل (...)، هم أيضًا بيردون على كلامه، ما هم بيبرروا موقفهم، بيذكرون كلامه بأنه مختلق أو أنه شيء قلَّد غيره وليس له أصل.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص ٧].
* الشيخ: ﴿اخْتِلَاقٌ﴾؛ يعني: كذب، (...) الخَلْقُ بمعنى الكذب، وبمعنى الإيجاد.
* طالب: الحكمة في كون بعض الرسل أو بعض الأمم تكرَّر ذكرها في القرآن، وبعض الرسل لم يأت له ذكر قط؟
* الشيخ: هو الله سبحانه وتعالى ما ذكر إلا الرسل المحيطين بالعرب اللي كانوا يعرفون أنباءهم لكن هذا أقوى، أما اللي -مثلًا- في أمريكا وفي أقصى آسيا ما ذكر منهم، لكن نعلم أن الله بعث إليهم رسلًا ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، لكن ما ذكر الله سبحانه وتعالى من الرسل إلا ما كان حول الجزيرة.
* طالب: أفلا يدل هذا على أن الذي ذكروا في القرآن أفضل من غيرهم؟
* الشيخ: لا؛ لأن اللي غيرهم ما ذكروا لا ما نعرف عنهم شيئًا، إنما أولو العزم الخمسة هؤلاء لا شك أنهم أفضل من غيرهم.
* طالب: (...) ما تكتشفوه إلا حديثًا.
* الشيخ: ما اللي لم نكتشفه إلا حديثًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: المهم اللي في القارات هذه ما اكتشفوها إلا قريبًا، لكن هي موجودة من قبل هي موجودة من زمان.
* طالب: (...) قريبًا.
* الشيخ: إي، المهم أنها -سلمك الله- موجودة بلا شك، وموجود فيها ناس، ويُذْكَرُ أن شيخ الإسلام تكلم عن هذا، وقال: لا بد أن هناك أحدًا في المقابل لوجه الكرة الأرضية (...)، ما يمكن تسبح في الأرض بدون عمارة.
* * *
* الطالب: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٥١ - ١٥٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
فيما بقي من قصة هود عليه الصلاة والسلام * يستفاد منه: أن الداعية ينبغي له أن يذكِّرَ المدعُوَّ بنعمِ الله عليه. من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، ما هي الحكمة من تذكيره بالنعم؟
* طالب: لأن النعم تستوجب الشكر وطاعة المنعم.
* الشيخ: نعم، وأيضًا عقلًا تتضمن ذلك؛ لأن من أحسن إليك فإن من المستحسن عقلًا أن تطيعه فيما يأمرك به.
* وفي هذا من فوائد ما ذكر: أن هذه النعم التي يمد الله بها العبد تستوجب أن يقوم بتقوى الله؛ لأن قوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾، فالتعليل للأمر بالتقوى، فتكون النعم مستوجِبةً لتقوى العبد لربه تبارك وتعالى، لا للأشر والبطر والبُعد عن الله؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾، حيث عدَلَ عن قوله: (واتقوا الله) إلى ما ذُكِرَ إشارةً إلى أن هذا سببٌ كبير لوجوب التقوى.
* وفي الآية من الفوائد أيضًا: بيان أنه ينبغي للداعية مع القرن بذكر النعم أن يقرن الدعوة (...). من أين تؤخذ؟
* طالب: من قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* وفيه أيضًا: أنه ينبغي إذا كان المقام أنسب أن يكون غير مصرح بذلك؛ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾، ما قال: إنكم ستصابون بيوم عظيم، بل قال: ﴿أَخَافُ﴾ كالمتوقِّع له غير الجازم به؛ لأن المقام يقتضي ذلك، ولكل مقام مقال.
* وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى قد يطبع على قلب العبد فلا يستفيد بالموعظة؛ لقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، هذا إذا لم يكن هذا القول منه كذبًا، فإن كان كذبًا فلا شاهد فيه لذلك؛ يعني إن كان الأمر حقًّا كما يقولون: إنهم سواء وُعِظُوا أم لم يُوعَظُوا فإنه يدل على أن العبد -والعياذ بالله- إذا ران على قلبه ما يعمل لم يستفِدْ بموعظة، أما إن كان كذبًا فإنه يدل على عُتُوِّ هؤلاء القوم وشدة استكبارهم عن الحق.
* وفي هذا دليل في التعبير بقوله: ﴿أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ على بلاغة القرآن. تؤخذ من أين (...)؟
* طالب: (...) ثم الجملة الثانية ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ يعني..
* الشيخ: أمْ أنت المقابل لها.
* طالب: أم أنت..
* الشيخ: من ذوي الوعظ.
* طالب: من ذوي الوعظ، أو لست منهم..
* الشيخ: (لست منهم) موجودة ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.
* الطالب: إي نعم، جمع بين الجملتين في آية واحدة.
* الشيخ: يعني بين المعنيين في كلمتين؛ لأن الحقيقة أنها أربعة معانٍ: وعظت أم لم تعِظْ، كنت من الواعظين أمْ لم تكن، في كلمتين؛ لأنه حذف من كل كلمة ما يقابلها لدلالة الأخرى عليها.
* وفي الآية دليل على أنه لا حُجَّة للمعاندين للرسل سوى التمسك بما كان عليه أسلافهم. من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ على قراءة ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ على حسب ما مشى عليه المؤلف، أما على القراءة الثانية ﴿﴿إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾ فإنه * يستفاد منه: أن هؤلاء لم يقتصروا على تكذيب نبيهم، بل تعدَّوا إلى تكذيب غيره أيضًا، مع أنهم لم تطالبهم الرسل السابقون بذلك، إلا أنهم -لعنادهم واستكبارهم- كذَّبوا حتى السابقين، ولأجل أن يقولوا: إن هذا ليس بالأمر البدعي، وإنما ذلك دأب من كان من قبل.
يقول الله عز وجل: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ * ففي هذا دليل على أن التكذيب سبب للإهلاك، فينبغي للمؤمن الذي يعتبِرُ بقصص الأنبياء السابقين أن يحذر من هذا؛ أي: من التكذيب؛ لأنه إن فعل أُهْلِكَ.
ثم في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ ما سبق.
الشعراء 26:136
ثم قال لهم: (﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ أنعم عليكم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ )، ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي﴾ هنا أتى بالوصف لأن ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ الاسمُ الموصول وصلتُه بمنزلة الاسم المشتق؛ يعني: واتقوا المادَّ لكم، والاسم المشتق أو اسم الفاعل وصف ظاهر، فهنا انتقل من وصف الألوهية إلى وصف الربوبية الخاص الذي نالهم منه، وهو ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾؛ لأن إمداد الله تعالى بالنعم من مقتضى الربوبية.
وقوله: ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أتى بهذا الوصف أيضًا إقامة للحجة عليهم؛ لأن من أمدَّك بهذه النعم كان أولى أن تتَّقيه، وقوله: ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ مبهمٌ؛ لأن (ما) اسم موصول، والاسم الموصول مبهم وعام، ثم فصله بقوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ [الشعراء ١٣٣]، وقد ذكرنا أن من فوائد التفصيل بعد الإجمال أو البيان بعد الإبهام أن منه فوائد، من فوائده كذا؟
* طالب: تنبيه المخاطب (...).
* الشيخ: كيف تنبيهه؟
* الطالب: فإذا كان مثلًا يقرأ ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ يشعر براحة، ثم بتنبيه إذا كان غافلًا؛ لأن السياق تغيَّر، فمن المبهم إلى المبين، فمن الواضح أن فيه تنبيهًا.
ثانيًا: أيضًا فيه تشويقٌ؛ لأن الإنسان يحب الاستطلاع، فإذا أبهم إليه الأمر ووضح اشتاق إليه ورسخ في ذهنه.
* الشيخ: (...) ترسيخ الشيء في الذهن؛ لأنه إذا جاء مبهمًا تشوف له الذهن، فإذا بُيِّن له بعد ذلك رسخ فيه، طيب بعده.
* طالب: (...) الحكم عليه.
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا في الإظهار في مقام الإضمار.
* طالب: ما هو بتأكيد هذا المعنى.
* الشيخ: كيف تأكد تأكيدًا؟
* طالب: لأن خطه في (...) أظهره ثم أكده.
* الشيخ: يعني العناية به؟
* طالب: العناية به.
* الشيخ: العناية به نعم، هذا من فوائده العناية؛ لأن كونه يبهمه ثم يبينه، أو يجمله، ثم يفصله لأجل أن الإنسان يتشوف إليه (...) إليه معناه أنه أمر يُعْتَنى به، كما أن فيه أيضًا تأكيدًا؛ لأنه ذكر مرتين؛ مرة مبهمًا، ومرة مُفصَّلًا أو مبينًا، فإذن الثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: هو تشويق السامع أو المخاطب لفهم هذا المعنى.
والشيء الثاني: ترسيخ المعنى في هذا الذهن.
والشيء الثالث: بيان العناية به أي في الأربع.
والشيء الرابع: تأكيده بذكره مرتين؛ مرة مُجْمَلًا ومرَّة مُفصَّلًا، أو مبهمًا ثم مُبينًا.
قوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أيضًا ما قال: أمدكم بأنعام وبنينَ، من أول الأمر بالنسبة لهذه الآية بالذات بين لهم أن الله أمدهم بأمر لا يمكنهم إنكاره؛ لأنهم يعلمونه، فقدَّم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ على ذكر المنعم به لإقامة الحجة عليهم؛ حيث إن هذه نِعمٌ مفهومةٌ لهم ولَّا لا؟ مفهومة ومعلومة، فلا يمكنهم إنكارها أولًا: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء ١٣٣، ١٣٤]، (أنعام) جمع (نِعَم)، أو جمع (نَعَم)؛ يعني الإبل، وإذا قلت: إن (نِعمة) جمعها (نِعَم)، وجمع نِعَمٍ أنعامٌ، صار المراد بالأنعام ما هو أعم من الإبل؛ يعني كأنه يقول: بنِعَمٍ كثيرة.
وقوله: ﴿وَبَنِينَ﴾..
* طالب: (...) البقر الأنعام.
* الشيخ: المعروف أنها للإبل فقط، لكن إذا قيل: بهيمة الأنعام تشمل الثلاثة «خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٤٢)، ومسلم (٢٤٠٦ / ٣٤) من حديث سهل بن سعد.]].
قال: ﴿وَبَنِينَ﴾ الذكور من الأولاد، وخَصَّ البنين؛ لأنهم أبلغ في شرف الإنسان، ولأن أولادهم يكونون قبيلة، لكن أولاد البنات من غيرهم قبيلة ولا (...) أسرة.
وقوله: ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ بساتين، ﴿وَعُيُونٍ﴾ أنهار، وهذا مما يدل على أن هذا (...) من الماء إن كان فيه بساتين وكان فيه أنهار، ولعل هذا يوحي به أيضًا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا»[[أخرجه مسلم (١٥٧ / ٦٠) من حديث أبي هريرة.]]، فإن قوله: «حَتَّى تَعُودَ» العَودُ بعدَ البدْءِ، هذه الجنات بساتين ليست مجرد بستان فقط؛ لأنه لا يُسمَّى جنَّة إلا إذا كان كثير الأشجار والزروع، حيث يَجُنُّ مَن فيه ويسترُه.
والعيون جمع عين، وقول المؤلف: إنها أنهار باعتبار جريانها، وإلا فالعيون هي التي تنبُعُ من الأرض، والأنهار كما هو معروف ما هو بينبع من الأرض وإنما يأتي من الأمطار والثلوج وغيرها.
(﴿إنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ في الدنيا والآخرة إن عصيتموني)؛ يعني: إن استمررتم على ما أنتم عليه من الكفر بهذه النعم العظيمة، فأخاف عليكم عذاب هذا اليوم، وقوله: ﴿عَظِيم﴾ صفةٌ لليومِ، لكن يقول: (في الدنيا والآخرة) وصف هذا العذاب بالعظم في الدنيا باعتبار ما عداه، وأما وصفه بالعِظَم في الآخرة فظاهر؛ لأنه عظيم أعظم ما يكون في الآخرة، ﴿قَالُوا﴾ في الجواب بعد هذا التذكير بالنعم وبعد هذا الوعد، الجواب: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، أعوذ بالله! كبرياء عظيم، ﴿سَوَاءٌ﴾ بمعنى (مَستَوٍ)، وهي خبر مُقدَّم، و﴿أَوَعَظْتَ﴾ الجملة الاستفهامية هذه في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر؛ يعني وَعْظُك وعدمه سواء، وهذا من المواضع التي تكون مؤولة بالمصدر بدون حرف مصدري؛ لأن هنا مؤول بمصدر مع أن اللي داخل عليها أداة الاستفهام لكنها بعد (سواء) هكذا تُعامَلُ؛ تُؤَوَّل وما بعدها بمصدر، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦]؛ أي: استغفارك وعدمه، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦]؛ أي: إنذارك وعدمه.
طيب يقولون: (﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ أصلًا أَيْ لَا نرعوي لوعظِك)، شوف كيف الجبروت! أوعظت بالفعل أمْ لم تكن من الواعظين لم يكن وصفُك الوعظ، سواء تركت الوعظ أمْ لم تتركه؛ لأن هنا قالوا: سواء علينا أوعظت أمْ لم تعظ ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، ولهذا الشارح قال: (أصلًا) المفسِّرُ؛ يعني لم تكن صفتك الوعظ لا يهمنا أن تكون واعظًا أو غير واعظٍ، ولا أن تعظنا بالفعل أو لا تعظنا، كل الأمر عندنا سواء.
وإنما قالوا ذلك لأن الإنسان قد لا يكترث بالواعظ لكونه غير أهل، وقد لا يكترث به عنادًا، وهؤلاء لما قالوا ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، دَلَّ ذلك على أنهم يقولون: إنهم معاندون حتى وإن كنت مِن غير أهل الوعظ، أو وعظت وأنت من أهل الوعظ، وفي هذا من بلاغة القرآن ما هو ظاهر؛ لأنهم قالوا: سواء علينا أوعظت أمْ لم تعِظْ، لكن ربما يقولون: إنه قد يعِظُ وليس أهلًا للوعظ، ولكن لما قالوا: ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾؛ يعني: لم تكن ممن يستحقون أن يوصفوا بهذا الوصف يصير في الجملتين شبه اكتفاء؛ أوعظت أمْ لم تعِظْ، أكنت من الواعظين أمْ لم تكُنْ من الواعظين؛ يعني كونه قابَلَ ﴿أَوَعَظْتَ﴾ اللي تدل على الفعل؛ على وقوع الوعظ بأن لم تكن من الواعظين التي تدل على الوصف بكونه واعظًا.
يُؤخَذُ من هذا أنه حذف من كل واحدة ما يقابلها اختصارًا للوضوح. أيش يصير التقدير على هذا؟ أوعظت أمْ لم تعِظْ، أكنت واعظًا تستحق أن ينصرف الناس لك ويأخذوا منك، أمْ لم تكُنْ واعظًا، وهذا غاية ما يكون من بلاغة القرآن، وبالنسبة لهم غاية ما يكون من الاستكبار وعدم الاكتراث بوعظهم، فهمتم الآن الحكمة؟ بأنه قال ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ ولم يقل: (أمْ لم تعظْ) لأجل أن يُؤْخَذ من كل جملة أو من كل كلمة ما يقابلها ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.
(﴿إِنْ﴾ مَا) يعني نافية، (﴿هَذَا﴾ الذي خوَّفتنا به، ﴿إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي اختلاقهم وكذبهم)، يعني أنك أنت يا هودُ ما جئتنا إلا بأمر اختلقه من قبلك، فكذبوه هو ومن قبله أيضًا، وقالوا: هذا خلق الأولين، خُلُقُهم بمعنى اختلاقهم وافتراؤهم وكَذِبهم، كما قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت ١٧]؛ يعني تختلقونه.
﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾، وفي قراءة بضم الخاء واللام ﴿خُلُقُ﴾، والقراءة هذه سبعية بناء على قاعدة المؤلف إذا قال: (قُرِئَ) للشاذ، (وفي قراءة) للسبعية.
(أي ما هذا الذي نحن عليه من أنْ لا بعث إلا خلق الأولين؛ أي طبيعتهم وعادتهم)، المؤلف على القراءة الثانية يرى أن اسم الإشارة يعود لا إلى قول هود ولكن إلى ما كانوا عليه، وعلى قراءة ﴿خُلُقُ﴾ يرى أنه عائد على قول هود، وسياق الآية يدل على أنه راجع إلى قول هود، سواء بضم الخاء أو بفتحها؛ أما فتحها فظاهر ﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾، وأما ضمها فهو أيضًا ظاهر؛ كأنهم يقولون: إن ما جئت به هو خلق الأولين من قبلك؛ يعني دأبهم الذي كانوا عليه؛ يعني الأنبياء السابقين، فعلى هذا يكون مرجع الإشارة واحدًا، أما على رأي المؤلف: ﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾ يريد أن يحتجُّوا به هم، كأنهم يقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة وهذا ما عليه آباؤنا، فسنبقى عليه، والآية محتملة لكنها في الأول أظهر؛ أولًا: لأن القراءتين يفسِّر بعضهما بعضًا، والثاني: أنهم يريدون أن يردُّوا على قوله هو لا أن يبرروا فعلهم، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧، ١٣٨]، هذا إنكارٌ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، كأنهم يقولون: ما تخوَّفت ليس له أصلٌ، فما نحن بمعذَّبين.
وتأمَّل هذا التعبير الذي أتى مُؤكَّدًا بالباء في قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، لم يقولوا: وما نحن معذَّبين، ثم أتوا بالوصف ﴿بِمُعَذَّبِينَ﴾ بالجملة الاسمية للدلالة على انتفاءِ هذا أبدًا؛ لأن الجملة الاسمية تدل على الثبوت؛ ثبوت مدلولها، فعليه يكونون قد أنكروا أن يُعذَّبوا وادعوا أنهم لن يعذبوا أبدًا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، ولكن هذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَّنَى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس.]]، هؤلاء -والعياذ بالله- أتبعوا أنفسهم أهواءهم وتمنوا على الله الأماني إن كانوا مُصدِّقين بالبعث ما ندري، ربما يكونون مكذِّبين به وأنه لا بعث ولا جزاء ولا عذاب.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [الشعراء ١٣٩]؛ يعني فبهذا القول الذي صدَرَ منهم يصدق عليهم هذا الوصف؛ أنهم كذبوا هودًا، فيكونون مستحقين للعذاب، ولهذا أتى بالفاء (﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ في الدنيا بالريح ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ) أهلكهم الله تعالى بالريح.
ومن العجائب أن الله -سبحانه وبحمده- أهلكهم على حين تشوق منهم للرحمة؛ لأنهم أصيبوا بالجدب والقحط وبقوا مدة وصاروا ينتظرون الفرج بالمطر، فلما أرسل الله هذه الريح و﴿رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف ٢٤]، فاستفرحوا بذلك وظنوا أن الفرج قريب، ولكنه كان فرجًا لهودٍ ونقمةً عليهم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٤، ٢٥]، وهذه الريح التي بعثها الله سبحانه وتعالى على عادٍ فيها من آيات الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء القوم الأشداء الأقوياء الفخورين بقوتهم على غيرهم أُهْلِكوا بألطف الأشياء وهو الريح، ثم أُهْلِكوا في حال الرجاء أيضًا؛ لأنهم لاحظوا أن النقمة إذا أتت والإنسان يتوقع النعمة، ويش تكون؟ تكون أشد، وكذلك إذا أتت النقمة والإنسان في نعمة تكون أيضًا أشد وأنكى والعياذ بالله.
وفي قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ إلى آخره موعظة لنا بما نسمعه أحيانًا من هذه الأعاصير المدمرة التي تقلع الأشجار وتخرب الديار وتهلك الثمار وتهلك الأعمار أيضًا، ولكن مع الأسف أن الكثير منَّا يصدق عليهم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤]، هذا أمر طبيعي، ما هو شيء، الناس الآن يسمعون بالزلازل ويسمعون بهذه الأعاصير ويسمعون بالفيضانات العظيمة، ولكنهم لا يعزونها إلى أنها غضب من الله عز وجل، يعزونها إلى أنها أمر طبيعي، ولهذا ما يتأثر الإنسان بها إطلاقًا ولا كأنها بشيء، بينما ونحن صغار إذا سمعنا أن الأرض زلزلت بأحد، نرتجف نحن ونحن في بيوتنا آمنين؛ لأنه ما كان أحد يقول لنا: هذا أمر طبيعي، وهذا أمر ما يهم، وهذا أمر كائن لا محالة، مثلما أن الكسوف تمامًا؛ كان الناس بالأول إذا كسف القمر -أنا أذكره- يحصل منهم رهبة عظيمة، ويحصل منهم خوف، ويحضرون بأعداد كبيرة إلى المساجد من رجال ونساء وتحت صلاة وبكاء وخوف، الآن لا، ما كأنه بشيء، تجد هذا يشاهد التلفزيون في الأغنية، وهذا يسمع الأغنية من الراديو، إلا أنه -والحمد لله- آخر مرة انكسف القمر هذا العام اعتدلت إذاعتنا بعض الشيء وسائل الإعلام؛ فإنهم نقلوا صلاة الكسوف في التلفزيون وشاهدها الناس، واستفادوا من ذلك فائدة عظيمة؛ لأن أكثر اللي في المملكة من الأجانب ما يعرفون عن الكسوف شيئًا أبدًا؛ لأنهم عندهم هناك ما هم بيصلون، بل نسمع أنهم يطلعون (...) يغنون (...).
* طالب: إي، يغنون (...).
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: قولهم: ما استفدنا من الآية أنهم قد كذَّبوا رسالة هود، هذه الآية فيها العناد في آيات أخرى ثبت أنهم لم يصدقوا بهود أيضًا ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود ٥٩]..
* الشيخ: وهم لم يصدقوا عنادًا.
* طالب: قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء ١٣٥]، ألَا يدل هذا أنه يوم القيامة خاص لأني أخاف عليكم عذابًا عظيمًا.
* الشيخ: لا، حتى اليوم الذي يقع فيه العذاب في الدنيا (...).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما هو بلازم.
* طالب: (...) ما فيه التخفيف.
* الشيخ: (...) لأن ﴿يَوْمَ﴾ هذا ما عيَّنه، لو قال: عذاب اليوم حتى لو قال: (اليوم) يمكن يكون للجنس.
* طالب: على هذا كأنهم بلغتهم الرسالة يقولون: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧].
* الشيخ: إي نعم، (...) في قوم نوح (...) في سورة الأعراف صرَّح: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف ٦٩].
* طالب: لكن هو ترك إليهم -مثلًا- الخلافة في الأرض قوم نوح كلهم هناك، مثلًا ناس من هنا وهنا من قبائل.
* الشيخ: معرف أن قوم نوح لما هلكوا ما بقي إلا ذرية (...) هؤلاء منهم.
* طالب: يعني منهم؛ لأنهم كلهم..
* الشيخ: لا، ما هو كلهم، الظاهر أنهم تنامى الناس بسرعة والله أعلم، وطبعًا تعرف أن هؤلاء نجوا بإيمانهم، فهم سيبقون دهرًا طويلًا على الحق؛ لأنهم ما كثروا ولا تفرقت بهم الأهواء، فسيبقون دهرًا طويلًا على الحق، ثم إنه بعد ذلك حصل هذا التطور وكثر الناس، وصار كل قوم يحتاجون إلى رسول، فبعث الله رسولًا.
* طالب: (...) ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٢٣]، (...) لفظهم كذبوا الرسل الأولون ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ أو ﴿خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* الشيخ: إي، هو يؤيد أن المراد خلق الأولين عادة الأولين من الرسل (...)، هم أيضًا بيردون على كلامه، ما هم بيبرروا موقفهم، بيذكرون كلامه بأنه مختلق أو أنه شيء قلَّد غيره وليس له أصل.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص ٧].
* الشيخ: ﴿اخْتِلَاقٌ﴾؛ يعني: كذب، (...) الخَلْقُ بمعنى الكذب، وبمعنى الإيجاد.
* طالب: الحكمة في كون بعض الرسل أو بعض الأمم تكرَّر ذكرها في القرآن، وبعض الرسل لم يأت له ذكر قط؟
* الشيخ: هو الله سبحانه وتعالى ما ذكر إلا الرسل المحيطين بالعرب اللي كانوا يعرفون أنباءهم لكن هذا أقوى، أما اللي -مثلًا- في أمريكا وفي أقصى آسيا ما ذكر منهم، لكن نعلم أن الله بعث إليهم رسلًا ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، لكن ما ذكر الله سبحانه وتعالى من الرسل إلا ما كان حول الجزيرة.
* طالب: أفلا يدل هذا على أن الذي ذكروا في القرآن أفضل من غيرهم؟
* الشيخ: لا؛ لأن اللي غيرهم ما ذكروا لا ما نعرف عنهم شيئًا، إنما أولو العزم الخمسة هؤلاء لا شك أنهم أفضل من غيرهم.
* طالب: (...) ما تكتشفوه إلا حديثًا.
* الشيخ: ما اللي لم نكتشفه إلا حديثًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: المهم اللي في القارات هذه ما اكتشفوها إلا قريبًا، لكن هي موجودة من قبل هي موجودة من زمان.
* طالب: (...) قريبًا.
* الشيخ: إي، المهم أنها -سلمك الله- موجودة بلا شك، وموجود فيها ناس، ويُذْكَرُ أن شيخ الإسلام تكلم عن هذا، وقال: لا بد أن هناك أحدًا في المقابل لوجه الكرة الأرضية (...)، ما يمكن تسبح في الأرض بدون عمارة.
* * *
* الطالب: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٥١ - ١٥٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
فيما بقي من قصة هود عليه الصلاة والسلام * يستفاد منه: أن الداعية ينبغي له أن يذكِّرَ المدعُوَّ بنعمِ الله عليه. من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، ما هي الحكمة من تذكيره بالنعم؟
* طالب: لأن النعم تستوجب الشكر وطاعة المنعم.
* الشيخ: نعم، وأيضًا عقلًا تتضمن ذلك؛ لأن من أحسن إليك فإن من المستحسن عقلًا أن تطيعه فيما يأمرك به.
* وفي هذا من فوائد ما ذكر: أن هذه النعم التي يمد الله بها العبد تستوجب أن يقوم بتقوى الله؛ لأن قوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾، فالتعليل للأمر بالتقوى، فتكون النعم مستوجِبةً لتقوى العبد لربه تبارك وتعالى، لا للأشر والبطر والبُعد عن الله؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾، حيث عدَلَ عن قوله: (واتقوا الله) إلى ما ذُكِرَ إشارةً إلى أن هذا سببٌ كبير لوجوب التقوى.
* وفي الآية من الفوائد أيضًا: بيان أنه ينبغي للداعية مع القرن بذكر النعم أن يقرن الدعوة (...). من أين تؤخذ؟
* طالب: من قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* وفيه أيضًا: أنه ينبغي إذا كان المقام أنسب أن يكون غير مصرح بذلك؛ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾، ما قال: إنكم ستصابون بيوم عظيم، بل قال: ﴿أَخَافُ﴾ كالمتوقِّع له غير الجازم به؛ لأن المقام يقتضي ذلك، ولكل مقام مقال.
* وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى قد يطبع على قلب العبد فلا يستفيد بالموعظة؛ لقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، هذا إذا لم يكن هذا القول منه كذبًا، فإن كان كذبًا فلا شاهد فيه لذلك؛ يعني إن كان الأمر حقًّا كما يقولون: إنهم سواء وُعِظُوا أم لم يُوعَظُوا فإنه يدل على أن العبد -والعياذ بالله- إذا ران على قلبه ما يعمل لم يستفِدْ بموعظة، أما إن كان كذبًا فإنه يدل على عُتُوِّ هؤلاء القوم وشدة استكبارهم عن الحق.
* وفي هذا دليل في التعبير بقوله: ﴿أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ على بلاغة القرآن. تؤخذ من أين (...)؟
* طالب: (...) ثم الجملة الثانية ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ يعني..
* الشيخ: أمْ أنت المقابل لها.
* طالب: أم أنت..
* الشيخ: من ذوي الوعظ.
* طالب: من ذوي الوعظ، أو لست منهم..
* الشيخ: (لست منهم) موجودة ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.
* الطالب: إي نعم، جمع بين الجملتين في آية واحدة.
* الشيخ: يعني بين المعنيين في كلمتين؛ لأن الحقيقة أنها أربعة معانٍ: وعظت أم لم تعِظْ، كنت من الواعظين أمْ لم تكن، في كلمتين؛ لأنه حذف من كل كلمة ما يقابلها لدلالة الأخرى عليها.
* وفي الآية دليل على أنه لا حُجَّة للمعاندين للرسل سوى التمسك بما كان عليه أسلافهم. من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ على قراءة ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ على حسب ما مشى عليه المؤلف، أما على القراءة الثانية ﴿﴿إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾ فإنه * يستفاد منه: أن هؤلاء لم يقتصروا على تكذيب نبيهم، بل تعدَّوا إلى تكذيب غيره أيضًا، مع أنهم لم تطالبهم الرسل السابقون بذلك، إلا أنهم -لعنادهم واستكبارهم- كذَّبوا حتى السابقين، ولأجل أن يقولوا: إن هذا ليس بالأمر البدعي، وإنما ذلك دأب من كان من قبل.
يقول الله عز وجل: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ * ففي هذا دليل على أن التكذيب سبب للإهلاك، فينبغي للمؤمن الذي يعتبِرُ بقصص الأنبياء السابقين أن يحذر من هذا؛ أي: من التكذيب؛ لأنه إن فعل أُهْلِكَ.
ثم في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ ما سبق.
الشعراء 26:137
ثم قال لهم: (﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ أنعم عليكم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ )، ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي﴾ هنا أتى بالوصف لأن ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ الاسمُ الموصول وصلتُه بمنزلة الاسم المشتق؛ يعني: واتقوا المادَّ لكم، والاسم المشتق أو اسم الفاعل وصف ظاهر، فهنا انتقل من وصف الألوهية إلى وصف الربوبية الخاص الذي نالهم منه، وهو ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾؛ لأن إمداد الله تعالى بالنعم من مقتضى الربوبية.
وقوله: ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أتى بهذا الوصف أيضًا إقامة للحجة عليهم؛ لأن من أمدَّك بهذه النعم كان أولى أن تتَّقيه، وقوله: ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ مبهمٌ؛ لأن (ما) اسم موصول، والاسم الموصول مبهم وعام، ثم فصله بقوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ [الشعراء ١٣٣]، وقد ذكرنا أن من فوائد التفصيل بعد الإجمال أو البيان بعد الإبهام أن منه فوائد، من فوائده كذا؟
* طالب: تنبيه المخاطب (...).
* الشيخ: كيف تنبيهه؟
* الطالب: فإذا كان مثلًا يقرأ ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ يشعر براحة، ثم بتنبيه إذا كان غافلًا؛ لأن السياق تغيَّر، فمن المبهم إلى المبين، فمن الواضح أن فيه تنبيهًا.
ثانيًا: أيضًا فيه تشويقٌ؛ لأن الإنسان يحب الاستطلاع، فإذا أبهم إليه الأمر ووضح اشتاق إليه ورسخ في ذهنه.
* الشيخ: (...) ترسيخ الشيء في الذهن؛ لأنه إذا جاء مبهمًا تشوف له الذهن، فإذا بُيِّن له بعد ذلك رسخ فيه، طيب بعده.
* طالب: (...) الحكم عليه.
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا في الإظهار في مقام الإضمار.
* طالب: ما هو بتأكيد هذا المعنى.
* الشيخ: كيف تأكد تأكيدًا؟
* طالب: لأن خطه في (...) أظهره ثم أكده.
* الشيخ: يعني العناية به؟
* طالب: العناية به.
* الشيخ: العناية به نعم، هذا من فوائده العناية؛ لأن كونه يبهمه ثم يبينه، أو يجمله، ثم يفصله لأجل أن الإنسان يتشوف إليه (...) إليه معناه أنه أمر يُعْتَنى به، كما أن فيه أيضًا تأكيدًا؛ لأنه ذكر مرتين؛ مرة مبهمًا، ومرة مُفصَّلًا أو مبينًا، فإذن الثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: هو تشويق السامع أو المخاطب لفهم هذا المعنى.
والشيء الثاني: ترسيخ المعنى في هذا الذهن.
والشيء الثالث: بيان العناية به أي في الأربع.
والشيء الرابع: تأكيده بذكره مرتين؛ مرة مُجْمَلًا ومرَّة مُفصَّلًا، أو مبهمًا ثم مُبينًا.
قوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أيضًا ما قال: أمدكم بأنعام وبنينَ، من أول الأمر بالنسبة لهذه الآية بالذات بين لهم أن الله أمدهم بأمر لا يمكنهم إنكاره؛ لأنهم يعلمونه، فقدَّم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ على ذكر المنعم به لإقامة الحجة عليهم؛ حيث إن هذه نِعمٌ مفهومةٌ لهم ولَّا لا؟ مفهومة ومعلومة، فلا يمكنهم إنكارها أولًا: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء ١٣٣، ١٣٤]، (أنعام) جمع (نِعَم)، أو جمع (نَعَم)؛ يعني الإبل، وإذا قلت: إن (نِعمة) جمعها (نِعَم)، وجمع نِعَمٍ أنعامٌ، صار المراد بالأنعام ما هو أعم من الإبل؛ يعني كأنه يقول: بنِعَمٍ كثيرة.
وقوله: ﴿وَبَنِينَ﴾..
* طالب: (...) البقر الأنعام.
* الشيخ: المعروف أنها للإبل فقط، لكن إذا قيل: بهيمة الأنعام تشمل الثلاثة «خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٤٢)، ومسلم (٢٤٠٦ / ٣٤) من حديث سهل بن سعد.]].
قال: ﴿وَبَنِينَ﴾ الذكور من الأولاد، وخَصَّ البنين؛ لأنهم أبلغ في شرف الإنسان، ولأن أولادهم يكونون قبيلة، لكن أولاد البنات من غيرهم قبيلة ولا (...) أسرة.
وقوله: ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ بساتين، ﴿وَعُيُونٍ﴾ أنهار، وهذا مما يدل على أن هذا (...) من الماء إن كان فيه بساتين وكان فيه أنهار، ولعل هذا يوحي به أيضًا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا»[[أخرجه مسلم (١٥٧ / ٦٠) من حديث أبي هريرة.]]، فإن قوله: «حَتَّى تَعُودَ» العَودُ بعدَ البدْءِ، هذه الجنات بساتين ليست مجرد بستان فقط؛ لأنه لا يُسمَّى جنَّة إلا إذا كان كثير الأشجار والزروع، حيث يَجُنُّ مَن فيه ويسترُه.
والعيون جمع عين، وقول المؤلف: إنها أنهار باعتبار جريانها، وإلا فالعيون هي التي تنبُعُ من الأرض، والأنهار كما هو معروف ما هو بينبع من الأرض وإنما يأتي من الأمطار والثلوج وغيرها.
(﴿إنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ في الدنيا والآخرة إن عصيتموني)؛ يعني: إن استمررتم على ما أنتم عليه من الكفر بهذه النعم العظيمة، فأخاف عليكم عذاب هذا اليوم، وقوله: ﴿عَظِيم﴾ صفةٌ لليومِ، لكن يقول: (في الدنيا والآخرة) وصف هذا العذاب بالعظم في الدنيا باعتبار ما عداه، وأما وصفه بالعِظَم في الآخرة فظاهر؛ لأنه عظيم أعظم ما يكون في الآخرة، ﴿قَالُوا﴾ في الجواب بعد هذا التذكير بالنعم وبعد هذا الوعد، الجواب: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، أعوذ بالله! كبرياء عظيم، ﴿سَوَاءٌ﴾ بمعنى (مَستَوٍ)، وهي خبر مُقدَّم، و﴿أَوَعَظْتَ﴾ الجملة الاستفهامية هذه في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر؛ يعني وَعْظُك وعدمه سواء، وهذا من المواضع التي تكون مؤولة بالمصدر بدون حرف مصدري؛ لأن هنا مؤول بمصدر مع أن اللي داخل عليها أداة الاستفهام لكنها بعد (سواء) هكذا تُعامَلُ؛ تُؤَوَّل وما بعدها بمصدر، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦]؛ أي: استغفارك وعدمه، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦]؛ أي: إنذارك وعدمه.
طيب يقولون: (﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ أصلًا أَيْ لَا نرعوي لوعظِك)، شوف كيف الجبروت! أوعظت بالفعل أمْ لم تكن من الواعظين لم يكن وصفُك الوعظ، سواء تركت الوعظ أمْ لم تتركه؛ لأن هنا قالوا: سواء علينا أوعظت أمْ لم تعظ ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، ولهذا الشارح قال: (أصلًا) المفسِّرُ؛ يعني لم تكن صفتك الوعظ لا يهمنا أن تكون واعظًا أو غير واعظٍ، ولا أن تعظنا بالفعل أو لا تعظنا، كل الأمر عندنا سواء.
وإنما قالوا ذلك لأن الإنسان قد لا يكترث بالواعظ لكونه غير أهل، وقد لا يكترث به عنادًا، وهؤلاء لما قالوا ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، دَلَّ ذلك على أنهم يقولون: إنهم معاندون حتى وإن كنت مِن غير أهل الوعظ، أو وعظت وأنت من أهل الوعظ، وفي هذا من بلاغة القرآن ما هو ظاهر؛ لأنهم قالوا: سواء علينا أوعظت أمْ لم تعِظْ، لكن ربما يقولون: إنه قد يعِظُ وليس أهلًا للوعظ، ولكن لما قالوا: ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾؛ يعني: لم تكن ممن يستحقون أن يوصفوا بهذا الوصف يصير في الجملتين شبه اكتفاء؛ أوعظت أمْ لم تعِظْ، أكنت من الواعظين أمْ لم تكُنْ من الواعظين؛ يعني كونه قابَلَ ﴿أَوَعَظْتَ﴾ اللي تدل على الفعل؛ على وقوع الوعظ بأن لم تكن من الواعظين التي تدل على الوصف بكونه واعظًا.
يُؤخَذُ من هذا أنه حذف من كل واحدة ما يقابلها اختصارًا للوضوح. أيش يصير التقدير على هذا؟ أوعظت أمْ لم تعِظْ، أكنت واعظًا تستحق أن ينصرف الناس لك ويأخذوا منك، أمْ لم تكُنْ واعظًا، وهذا غاية ما يكون من بلاغة القرآن، وبالنسبة لهم غاية ما يكون من الاستكبار وعدم الاكتراث بوعظهم، فهمتم الآن الحكمة؟ بأنه قال ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ ولم يقل: (أمْ لم تعظْ) لأجل أن يُؤْخَذ من كل جملة أو من كل كلمة ما يقابلها ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.
(﴿إِنْ﴾ مَا) يعني نافية، (﴿هَذَا﴾ الذي خوَّفتنا به، ﴿إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي اختلاقهم وكذبهم)، يعني أنك أنت يا هودُ ما جئتنا إلا بأمر اختلقه من قبلك، فكذبوه هو ومن قبله أيضًا، وقالوا: هذا خلق الأولين، خُلُقُهم بمعنى اختلاقهم وافتراؤهم وكَذِبهم، كما قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت ١٧]؛ يعني تختلقونه.
﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾، وفي قراءة بضم الخاء واللام ﴿خُلُقُ﴾، والقراءة هذه سبعية بناء على قاعدة المؤلف إذا قال: (قُرِئَ) للشاذ، (وفي قراءة) للسبعية.
(أي ما هذا الذي نحن عليه من أنْ لا بعث إلا خلق الأولين؛ أي طبيعتهم وعادتهم)، المؤلف على القراءة الثانية يرى أن اسم الإشارة يعود لا إلى قول هود ولكن إلى ما كانوا عليه، وعلى قراءة ﴿خُلُقُ﴾ يرى أنه عائد على قول هود، وسياق الآية يدل على أنه راجع إلى قول هود، سواء بضم الخاء أو بفتحها؛ أما فتحها فظاهر ﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾، وأما ضمها فهو أيضًا ظاهر؛ كأنهم يقولون: إن ما جئت به هو خلق الأولين من قبلك؛ يعني دأبهم الذي كانوا عليه؛ يعني الأنبياء السابقين، فعلى هذا يكون مرجع الإشارة واحدًا، أما على رأي المؤلف: ﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾ يريد أن يحتجُّوا به هم، كأنهم يقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة وهذا ما عليه آباؤنا، فسنبقى عليه، والآية محتملة لكنها في الأول أظهر؛ أولًا: لأن القراءتين يفسِّر بعضهما بعضًا، والثاني: أنهم يريدون أن يردُّوا على قوله هو لا أن يبرروا فعلهم، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧، ١٣٨]، هذا إنكارٌ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، كأنهم يقولون: ما تخوَّفت ليس له أصلٌ، فما نحن بمعذَّبين.
وتأمَّل هذا التعبير الذي أتى مُؤكَّدًا بالباء في قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، لم يقولوا: وما نحن معذَّبين، ثم أتوا بالوصف ﴿بِمُعَذَّبِينَ﴾ بالجملة الاسمية للدلالة على انتفاءِ هذا أبدًا؛ لأن الجملة الاسمية تدل على الثبوت؛ ثبوت مدلولها، فعليه يكونون قد أنكروا أن يُعذَّبوا وادعوا أنهم لن يعذبوا أبدًا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، ولكن هذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَّنَى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس.]]، هؤلاء -والعياذ بالله- أتبعوا أنفسهم أهواءهم وتمنوا على الله الأماني إن كانوا مُصدِّقين بالبعث ما ندري، ربما يكونون مكذِّبين به وأنه لا بعث ولا جزاء ولا عذاب.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [الشعراء ١٣٩]؛ يعني فبهذا القول الذي صدَرَ منهم يصدق عليهم هذا الوصف؛ أنهم كذبوا هودًا، فيكونون مستحقين للعذاب، ولهذا أتى بالفاء (﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ في الدنيا بالريح ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ) أهلكهم الله تعالى بالريح.
ومن العجائب أن الله -سبحانه وبحمده- أهلكهم على حين تشوق منهم للرحمة؛ لأنهم أصيبوا بالجدب والقحط وبقوا مدة وصاروا ينتظرون الفرج بالمطر، فلما أرسل الله هذه الريح و﴿رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف ٢٤]، فاستفرحوا بذلك وظنوا أن الفرج قريب، ولكنه كان فرجًا لهودٍ ونقمةً عليهم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٤، ٢٥]، وهذه الريح التي بعثها الله سبحانه وتعالى على عادٍ فيها من آيات الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء القوم الأشداء الأقوياء الفخورين بقوتهم على غيرهم أُهْلِكوا بألطف الأشياء وهو الريح، ثم أُهْلِكوا في حال الرجاء أيضًا؛ لأنهم لاحظوا أن النقمة إذا أتت والإنسان يتوقع النعمة، ويش تكون؟ تكون أشد، وكذلك إذا أتت النقمة والإنسان في نعمة تكون أيضًا أشد وأنكى والعياذ بالله.
وفي قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ إلى آخره موعظة لنا بما نسمعه أحيانًا من هذه الأعاصير المدمرة التي تقلع الأشجار وتخرب الديار وتهلك الثمار وتهلك الأعمار أيضًا، ولكن مع الأسف أن الكثير منَّا يصدق عليهم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤]، هذا أمر طبيعي، ما هو شيء، الناس الآن يسمعون بالزلازل ويسمعون بهذه الأعاصير ويسمعون بالفيضانات العظيمة، ولكنهم لا يعزونها إلى أنها غضب من الله عز وجل، يعزونها إلى أنها أمر طبيعي، ولهذا ما يتأثر الإنسان بها إطلاقًا ولا كأنها بشيء، بينما ونحن صغار إذا سمعنا أن الأرض زلزلت بأحد، نرتجف نحن ونحن في بيوتنا آمنين؛ لأنه ما كان أحد يقول لنا: هذا أمر طبيعي، وهذا أمر ما يهم، وهذا أمر كائن لا محالة، مثلما أن الكسوف تمامًا؛ كان الناس بالأول إذا كسف القمر -أنا أذكره- يحصل منهم رهبة عظيمة، ويحصل منهم خوف، ويحضرون بأعداد كبيرة إلى المساجد من رجال ونساء وتحت صلاة وبكاء وخوف، الآن لا، ما كأنه بشيء، تجد هذا يشاهد التلفزيون في الأغنية، وهذا يسمع الأغنية من الراديو، إلا أنه -والحمد لله- آخر مرة انكسف القمر هذا العام اعتدلت إذاعتنا بعض الشيء وسائل الإعلام؛ فإنهم نقلوا صلاة الكسوف في التلفزيون وشاهدها الناس، واستفادوا من ذلك فائدة عظيمة؛ لأن أكثر اللي في المملكة من الأجانب ما يعرفون عن الكسوف شيئًا أبدًا؛ لأنهم عندهم هناك ما هم بيصلون، بل نسمع أنهم يطلعون (...) يغنون (...).
* طالب: إي، يغنون (...).
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: قولهم: ما استفدنا من الآية أنهم قد كذَّبوا رسالة هود، هذه الآية فيها العناد في آيات أخرى ثبت أنهم لم يصدقوا بهود أيضًا ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود ٥٩]..
* الشيخ: وهم لم يصدقوا عنادًا.
* طالب: قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء ١٣٥]، ألَا يدل هذا أنه يوم القيامة خاص لأني أخاف عليكم عذابًا عظيمًا.
* الشيخ: لا، حتى اليوم الذي يقع فيه العذاب في الدنيا (...).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما هو بلازم.
* طالب: (...) ما فيه التخفيف.
* الشيخ: (...) لأن ﴿يَوْمَ﴾ هذا ما عيَّنه، لو قال: عذاب اليوم حتى لو قال: (اليوم) يمكن يكون للجنس.
* طالب: على هذا كأنهم بلغتهم الرسالة يقولون: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧].
* الشيخ: إي نعم، (...) في قوم نوح (...) في سورة الأعراف صرَّح: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف ٦٩].
* طالب: لكن هو ترك إليهم -مثلًا- الخلافة في الأرض قوم نوح كلهم هناك، مثلًا ناس من هنا وهنا من قبائل.
* الشيخ: معرف أن قوم نوح لما هلكوا ما بقي إلا ذرية (...) هؤلاء منهم.
* طالب: يعني منهم؛ لأنهم كلهم..
* الشيخ: لا، ما هو كلهم، الظاهر أنهم تنامى الناس بسرعة والله أعلم، وطبعًا تعرف أن هؤلاء نجوا بإيمانهم، فهم سيبقون دهرًا طويلًا على الحق؛ لأنهم ما كثروا ولا تفرقت بهم الأهواء، فسيبقون دهرًا طويلًا على الحق، ثم إنه بعد ذلك حصل هذا التطور وكثر الناس، وصار كل قوم يحتاجون إلى رسول، فبعث الله رسولًا.
* طالب: (...) ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٢٣]، (...) لفظهم كذبوا الرسل الأولون ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ أو ﴿خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* الشيخ: إي، هو يؤيد أن المراد خلق الأولين عادة الأولين من الرسل (...)، هم أيضًا بيردون على كلامه، ما هم بيبرروا موقفهم، بيذكرون كلامه بأنه مختلق أو أنه شيء قلَّد غيره وليس له أصل.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص ٧].
* الشيخ: ﴿اخْتِلَاقٌ﴾؛ يعني: كذب، (...) الخَلْقُ بمعنى الكذب، وبمعنى الإيجاد.
* طالب: الحكمة في كون بعض الرسل أو بعض الأمم تكرَّر ذكرها في القرآن، وبعض الرسل لم يأت له ذكر قط؟
* الشيخ: هو الله سبحانه وتعالى ما ذكر إلا الرسل المحيطين بالعرب اللي كانوا يعرفون أنباءهم لكن هذا أقوى، أما اللي -مثلًا- في أمريكا وفي أقصى آسيا ما ذكر منهم، لكن نعلم أن الله بعث إليهم رسلًا ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، لكن ما ذكر الله سبحانه وتعالى من الرسل إلا ما كان حول الجزيرة.
* طالب: أفلا يدل هذا على أن الذي ذكروا في القرآن أفضل من غيرهم؟
* الشيخ: لا؛ لأن اللي غيرهم ما ذكروا لا ما نعرف عنهم شيئًا، إنما أولو العزم الخمسة هؤلاء لا شك أنهم أفضل من غيرهم.
* طالب: (...) ما تكتشفوه إلا حديثًا.
* الشيخ: ما اللي لم نكتشفه إلا حديثًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: المهم اللي في القارات هذه ما اكتشفوها إلا قريبًا، لكن هي موجودة من قبل هي موجودة من زمان.
* طالب: (...) قريبًا.
* الشيخ: إي، المهم أنها -سلمك الله- موجودة بلا شك، وموجود فيها ناس، ويُذْكَرُ أن شيخ الإسلام تكلم عن هذا، وقال: لا بد أن هناك أحدًا في المقابل لوجه الكرة الأرضية (...)، ما يمكن تسبح في الأرض بدون عمارة.
* * *
* الطالب: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٥١ - ١٥٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
فيما بقي من قصة هود عليه الصلاة والسلام * يستفاد منه: أن الداعية ينبغي له أن يذكِّرَ المدعُوَّ بنعمِ الله عليه. من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، ما هي الحكمة من تذكيره بالنعم؟
* طالب: لأن النعم تستوجب الشكر وطاعة المنعم.
* الشيخ: نعم، وأيضًا عقلًا تتضمن ذلك؛ لأن من أحسن إليك فإن من المستحسن عقلًا أن تطيعه فيما يأمرك به.
* وفي هذا من فوائد ما ذكر: أن هذه النعم التي يمد الله بها العبد تستوجب أن يقوم بتقوى الله؛ لأن قوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾، فالتعليل للأمر بالتقوى، فتكون النعم مستوجِبةً لتقوى العبد لربه تبارك وتعالى، لا للأشر والبطر والبُعد عن الله؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾، حيث عدَلَ عن قوله: (واتقوا الله) إلى ما ذُكِرَ إشارةً إلى أن هذا سببٌ كبير لوجوب التقوى.
* وفي الآية من الفوائد أيضًا: بيان أنه ينبغي للداعية مع القرن بذكر النعم أن يقرن الدعوة (...). من أين تؤخذ؟
* طالب: من قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* وفيه أيضًا: أنه ينبغي إذا كان المقام أنسب أن يكون غير مصرح بذلك؛ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾، ما قال: إنكم ستصابون بيوم عظيم، بل قال: ﴿أَخَافُ﴾ كالمتوقِّع له غير الجازم به؛ لأن المقام يقتضي ذلك، ولكل مقام مقال.
* وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى قد يطبع على قلب العبد فلا يستفيد بالموعظة؛ لقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، هذا إذا لم يكن هذا القول منه كذبًا، فإن كان كذبًا فلا شاهد فيه لذلك؛ يعني إن كان الأمر حقًّا كما يقولون: إنهم سواء وُعِظُوا أم لم يُوعَظُوا فإنه يدل على أن العبد -والعياذ بالله- إذا ران على قلبه ما يعمل لم يستفِدْ بموعظة، أما إن كان كذبًا فإنه يدل على عُتُوِّ هؤلاء القوم وشدة استكبارهم عن الحق.
* وفي هذا دليل في التعبير بقوله: ﴿أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ على بلاغة القرآن. تؤخذ من أين (...)؟
* طالب: (...) ثم الجملة الثانية ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ يعني..
* الشيخ: أمْ أنت المقابل لها.
* طالب: أم أنت..
* الشيخ: من ذوي الوعظ.
* طالب: من ذوي الوعظ، أو لست منهم..
* الشيخ: (لست منهم) موجودة ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.
* الطالب: إي نعم، جمع بين الجملتين في آية واحدة.
* الشيخ: يعني بين المعنيين في كلمتين؛ لأن الحقيقة أنها أربعة معانٍ: وعظت أم لم تعِظْ، كنت من الواعظين أمْ لم تكن، في كلمتين؛ لأنه حذف من كل كلمة ما يقابلها لدلالة الأخرى عليها.
* وفي الآية دليل على أنه لا حُجَّة للمعاندين للرسل سوى التمسك بما كان عليه أسلافهم. من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ على قراءة ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ على حسب ما مشى عليه المؤلف، أما على القراءة الثانية ﴿﴿إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾ فإنه * يستفاد منه: أن هؤلاء لم يقتصروا على تكذيب نبيهم، بل تعدَّوا إلى تكذيب غيره أيضًا، مع أنهم لم تطالبهم الرسل السابقون بذلك، إلا أنهم -لعنادهم واستكبارهم- كذَّبوا حتى السابقين، ولأجل أن يقولوا: إن هذا ليس بالأمر البدعي، وإنما ذلك دأب من كان من قبل.
يقول الله عز وجل: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ * ففي هذا دليل على أن التكذيب سبب للإهلاك، فينبغي للمؤمن الذي يعتبِرُ بقصص الأنبياء السابقين أن يحذر من هذا؛ أي: من التكذيب؛ لأنه إن فعل أُهْلِكَ.
ثم في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ ما سبق.
الشعراء 26:138
ثم قال لهم: (﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ أنعم عليكم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ )، ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي﴾ هنا أتى بالوصف لأن ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ الاسمُ الموصول وصلتُه بمنزلة الاسم المشتق؛ يعني: واتقوا المادَّ لكم، والاسم المشتق أو اسم الفاعل وصف ظاهر، فهنا انتقل من وصف الألوهية إلى وصف الربوبية الخاص الذي نالهم منه، وهو ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾؛ لأن إمداد الله تعالى بالنعم من مقتضى الربوبية.
وقوله: ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أتى بهذا الوصف أيضًا إقامة للحجة عليهم؛ لأن من أمدَّك بهذه النعم كان أولى أن تتَّقيه، وقوله: ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ مبهمٌ؛ لأن (ما) اسم موصول، والاسم الموصول مبهم وعام، ثم فصله بقوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ [الشعراء ١٣٣]، وقد ذكرنا أن من فوائد التفصيل بعد الإجمال أو البيان بعد الإبهام أن منه فوائد، من فوائده كذا؟
* طالب: تنبيه المخاطب (...).
* الشيخ: كيف تنبيهه؟
* الطالب: فإذا كان مثلًا يقرأ ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ يشعر براحة، ثم بتنبيه إذا كان غافلًا؛ لأن السياق تغيَّر، فمن المبهم إلى المبين، فمن الواضح أن فيه تنبيهًا.
ثانيًا: أيضًا فيه تشويقٌ؛ لأن الإنسان يحب الاستطلاع، فإذا أبهم إليه الأمر ووضح اشتاق إليه ورسخ في ذهنه.
* الشيخ: (...) ترسيخ الشيء في الذهن؛ لأنه إذا جاء مبهمًا تشوف له الذهن، فإذا بُيِّن له بعد ذلك رسخ فيه، طيب بعده.
* طالب: (...) الحكم عليه.
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا في الإظهار في مقام الإضمار.
* طالب: ما هو بتأكيد هذا المعنى.
* الشيخ: كيف تأكد تأكيدًا؟
* طالب: لأن خطه في (...) أظهره ثم أكده.
* الشيخ: يعني العناية به؟
* طالب: العناية به.
* الشيخ: العناية به نعم، هذا من فوائده العناية؛ لأن كونه يبهمه ثم يبينه، أو يجمله، ثم يفصله لأجل أن الإنسان يتشوف إليه (...) إليه معناه أنه أمر يُعْتَنى به، كما أن فيه أيضًا تأكيدًا؛ لأنه ذكر مرتين؛ مرة مبهمًا، ومرة مُفصَّلًا أو مبينًا، فإذن الثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: هو تشويق السامع أو المخاطب لفهم هذا المعنى.
والشيء الثاني: ترسيخ المعنى في هذا الذهن.
والشيء الثالث: بيان العناية به أي في الأربع.
والشيء الرابع: تأكيده بذكره مرتين؛ مرة مُجْمَلًا ومرَّة مُفصَّلًا، أو مبهمًا ثم مُبينًا.
قوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أيضًا ما قال: أمدكم بأنعام وبنينَ، من أول الأمر بالنسبة لهذه الآية بالذات بين لهم أن الله أمدهم بأمر لا يمكنهم إنكاره؛ لأنهم يعلمونه، فقدَّم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ على ذكر المنعم به لإقامة الحجة عليهم؛ حيث إن هذه نِعمٌ مفهومةٌ لهم ولَّا لا؟ مفهومة ومعلومة، فلا يمكنهم إنكارها أولًا: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء ١٣٣، ١٣٤]، (أنعام) جمع (نِعَم)، أو جمع (نَعَم)؛ يعني الإبل، وإذا قلت: إن (نِعمة) جمعها (نِعَم)، وجمع نِعَمٍ أنعامٌ، صار المراد بالأنعام ما هو أعم من الإبل؛ يعني كأنه يقول: بنِعَمٍ كثيرة.
وقوله: ﴿وَبَنِينَ﴾..
* طالب: (...) البقر الأنعام.
* الشيخ: المعروف أنها للإبل فقط، لكن إذا قيل: بهيمة الأنعام تشمل الثلاثة «خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٤٢)، ومسلم (٢٤٠٦ / ٣٤) من حديث سهل بن سعد.]].
قال: ﴿وَبَنِينَ﴾ الذكور من الأولاد، وخَصَّ البنين؛ لأنهم أبلغ في شرف الإنسان، ولأن أولادهم يكونون قبيلة، لكن أولاد البنات من غيرهم قبيلة ولا (...) أسرة.
وقوله: ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ بساتين، ﴿وَعُيُونٍ﴾ أنهار، وهذا مما يدل على أن هذا (...) من الماء إن كان فيه بساتين وكان فيه أنهار، ولعل هذا يوحي به أيضًا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا»[[أخرجه مسلم (١٥٧ / ٦٠) من حديث أبي هريرة.]]، فإن قوله: «حَتَّى تَعُودَ» العَودُ بعدَ البدْءِ، هذه الجنات بساتين ليست مجرد بستان فقط؛ لأنه لا يُسمَّى جنَّة إلا إذا كان كثير الأشجار والزروع، حيث يَجُنُّ مَن فيه ويسترُه.
والعيون جمع عين، وقول المؤلف: إنها أنهار باعتبار جريانها، وإلا فالعيون هي التي تنبُعُ من الأرض، والأنهار كما هو معروف ما هو بينبع من الأرض وإنما يأتي من الأمطار والثلوج وغيرها.
(﴿إنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ في الدنيا والآخرة إن عصيتموني)؛ يعني: إن استمررتم على ما أنتم عليه من الكفر بهذه النعم العظيمة، فأخاف عليكم عذاب هذا اليوم، وقوله: ﴿عَظِيم﴾ صفةٌ لليومِ، لكن يقول: (في الدنيا والآخرة) وصف هذا العذاب بالعظم في الدنيا باعتبار ما عداه، وأما وصفه بالعِظَم في الآخرة فظاهر؛ لأنه عظيم أعظم ما يكون في الآخرة، ﴿قَالُوا﴾ في الجواب بعد هذا التذكير بالنعم وبعد هذا الوعد، الجواب: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، أعوذ بالله! كبرياء عظيم، ﴿سَوَاءٌ﴾ بمعنى (مَستَوٍ)، وهي خبر مُقدَّم، و﴿أَوَعَظْتَ﴾ الجملة الاستفهامية هذه في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر؛ يعني وَعْظُك وعدمه سواء، وهذا من المواضع التي تكون مؤولة بالمصدر بدون حرف مصدري؛ لأن هنا مؤول بمصدر مع أن اللي داخل عليها أداة الاستفهام لكنها بعد (سواء) هكذا تُعامَلُ؛ تُؤَوَّل وما بعدها بمصدر، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦]؛ أي: استغفارك وعدمه، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦]؛ أي: إنذارك وعدمه.
طيب يقولون: (﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ أصلًا أَيْ لَا نرعوي لوعظِك)، شوف كيف الجبروت! أوعظت بالفعل أمْ لم تكن من الواعظين لم يكن وصفُك الوعظ، سواء تركت الوعظ أمْ لم تتركه؛ لأن هنا قالوا: سواء علينا أوعظت أمْ لم تعظ ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، ولهذا الشارح قال: (أصلًا) المفسِّرُ؛ يعني لم تكن صفتك الوعظ لا يهمنا أن تكون واعظًا أو غير واعظٍ، ولا أن تعظنا بالفعل أو لا تعظنا، كل الأمر عندنا سواء.
وإنما قالوا ذلك لأن الإنسان قد لا يكترث بالواعظ لكونه غير أهل، وقد لا يكترث به عنادًا، وهؤلاء لما قالوا ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، دَلَّ ذلك على أنهم يقولون: إنهم معاندون حتى وإن كنت مِن غير أهل الوعظ، أو وعظت وأنت من أهل الوعظ، وفي هذا من بلاغة القرآن ما هو ظاهر؛ لأنهم قالوا: سواء علينا أوعظت أمْ لم تعِظْ، لكن ربما يقولون: إنه قد يعِظُ وليس أهلًا للوعظ، ولكن لما قالوا: ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾؛ يعني: لم تكن ممن يستحقون أن يوصفوا بهذا الوصف يصير في الجملتين شبه اكتفاء؛ أوعظت أمْ لم تعِظْ، أكنت من الواعظين أمْ لم تكُنْ من الواعظين؛ يعني كونه قابَلَ ﴿أَوَعَظْتَ﴾ اللي تدل على الفعل؛ على وقوع الوعظ بأن لم تكن من الواعظين التي تدل على الوصف بكونه واعظًا.
يُؤخَذُ من هذا أنه حذف من كل واحدة ما يقابلها اختصارًا للوضوح. أيش يصير التقدير على هذا؟ أوعظت أمْ لم تعِظْ، أكنت واعظًا تستحق أن ينصرف الناس لك ويأخذوا منك، أمْ لم تكُنْ واعظًا، وهذا غاية ما يكون من بلاغة القرآن، وبالنسبة لهم غاية ما يكون من الاستكبار وعدم الاكتراث بوعظهم، فهمتم الآن الحكمة؟ بأنه قال ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ ولم يقل: (أمْ لم تعظْ) لأجل أن يُؤْخَذ من كل جملة أو من كل كلمة ما يقابلها ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.
(﴿إِنْ﴾ مَا) يعني نافية، (﴿هَذَا﴾ الذي خوَّفتنا به، ﴿إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي اختلاقهم وكذبهم)، يعني أنك أنت يا هودُ ما جئتنا إلا بأمر اختلقه من قبلك، فكذبوه هو ومن قبله أيضًا، وقالوا: هذا خلق الأولين، خُلُقُهم بمعنى اختلاقهم وافتراؤهم وكَذِبهم، كما قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت ١٧]؛ يعني تختلقونه.
﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾، وفي قراءة بضم الخاء واللام ﴿خُلُقُ﴾، والقراءة هذه سبعية بناء على قاعدة المؤلف إذا قال: (قُرِئَ) للشاذ، (وفي قراءة) للسبعية.
(أي ما هذا الذي نحن عليه من أنْ لا بعث إلا خلق الأولين؛ أي طبيعتهم وعادتهم)، المؤلف على القراءة الثانية يرى أن اسم الإشارة يعود لا إلى قول هود ولكن إلى ما كانوا عليه، وعلى قراءة ﴿خُلُقُ﴾ يرى أنه عائد على قول هود، وسياق الآية يدل على أنه راجع إلى قول هود، سواء بضم الخاء أو بفتحها؛ أما فتحها فظاهر ﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾، وأما ضمها فهو أيضًا ظاهر؛ كأنهم يقولون: إن ما جئت به هو خلق الأولين من قبلك؛ يعني دأبهم الذي كانوا عليه؛ يعني الأنبياء السابقين، فعلى هذا يكون مرجع الإشارة واحدًا، أما على رأي المؤلف: ﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾ يريد أن يحتجُّوا به هم، كأنهم يقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة وهذا ما عليه آباؤنا، فسنبقى عليه، والآية محتملة لكنها في الأول أظهر؛ أولًا: لأن القراءتين يفسِّر بعضهما بعضًا، والثاني: أنهم يريدون أن يردُّوا على قوله هو لا أن يبرروا فعلهم، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧، ١٣٨]، هذا إنكارٌ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، كأنهم يقولون: ما تخوَّفت ليس له أصلٌ، فما نحن بمعذَّبين.
وتأمَّل هذا التعبير الذي أتى مُؤكَّدًا بالباء في قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، لم يقولوا: وما نحن معذَّبين، ثم أتوا بالوصف ﴿بِمُعَذَّبِينَ﴾ بالجملة الاسمية للدلالة على انتفاءِ هذا أبدًا؛ لأن الجملة الاسمية تدل على الثبوت؛ ثبوت مدلولها، فعليه يكونون قد أنكروا أن يُعذَّبوا وادعوا أنهم لن يعذبوا أبدًا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، ولكن هذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَّنَى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس.]]، هؤلاء -والعياذ بالله- أتبعوا أنفسهم أهواءهم وتمنوا على الله الأماني إن كانوا مُصدِّقين بالبعث ما ندري، ربما يكونون مكذِّبين به وأنه لا بعث ولا جزاء ولا عذاب.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [الشعراء ١٣٩]؛ يعني فبهذا القول الذي صدَرَ منهم يصدق عليهم هذا الوصف؛ أنهم كذبوا هودًا، فيكونون مستحقين للعذاب، ولهذا أتى بالفاء (﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ في الدنيا بالريح ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ) أهلكهم الله تعالى بالريح.
ومن العجائب أن الله -سبحانه وبحمده- أهلكهم على حين تشوق منهم للرحمة؛ لأنهم أصيبوا بالجدب والقحط وبقوا مدة وصاروا ينتظرون الفرج بالمطر، فلما أرسل الله هذه الريح و﴿رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف ٢٤]، فاستفرحوا بذلك وظنوا أن الفرج قريب، ولكنه كان فرجًا لهودٍ ونقمةً عليهم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٤، ٢٥]، وهذه الريح التي بعثها الله سبحانه وتعالى على عادٍ فيها من آيات الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء القوم الأشداء الأقوياء الفخورين بقوتهم على غيرهم أُهْلِكوا بألطف الأشياء وهو الريح، ثم أُهْلِكوا في حال الرجاء أيضًا؛ لأنهم لاحظوا أن النقمة إذا أتت والإنسان يتوقع النعمة، ويش تكون؟ تكون أشد، وكذلك إذا أتت النقمة والإنسان في نعمة تكون أيضًا أشد وأنكى والعياذ بالله.
وفي قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ إلى آخره موعظة لنا بما نسمعه أحيانًا من هذه الأعاصير المدمرة التي تقلع الأشجار وتخرب الديار وتهلك الثمار وتهلك الأعمار أيضًا، ولكن مع الأسف أن الكثير منَّا يصدق عليهم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤]، هذا أمر طبيعي، ما هو شيء، الناس الآن يسمعون بالزلازل ويسمعون بهذه الأعاصير ويسمعون بالفيضانات العظيمة، ولكنهم لا يعزونها إلى أنها غضب من الله عز وجل، يعزونها إلى أنها أمر طبيعي، ولهذا ما يتأثر الإنسان بها إطلاقًا ولا كأنها بشيء، بينما ونحن صغار إذا سمعنا أن الأرض زلزلت بأحد، نرتجف نحن ونحن في بيوتنا آمنين؛ لأنه ما كان أحد يقول لنا: هذا أمر طبيعي، وهذا أمر ما يهم، وهذا أمر كائن لا محالة، مثلما أن الكسوف تمامًا؛ كان الناس بالأول إذا كسف القمر -أنا أذكره- يحصل منهم رهبة عظيمة، ويحصل منهم خوف، ويحضرون بأعداد كبيرة إلى المساجد من رجال ونساء وتحت صلاة وبكاء وخوف، الآن لا، ما كأنه بشيء، تجد هذا يشاهد التلفزيون في الأغنية، وهذا يسمع الأغنية من الراديو، إلا أنه -والحمد لله- آخر مرة انكسف القمر هذا العام اعتدلت إذاعتنا بعض الشيء وسائل الإعلام؛ فإنهم نقلوا صلاة الكسوف في التلفزيون وشاهدها الناس، واستفادوا من ذلك فائدة عظيمة؛ لأن أكثر اللي في المملكة من الأجانب ما يعرفون عن الكسوف شيئًا أبدًا؛ لأنهم عندهم هناك ما هم بيصلون، بل نسمع أنهم يطلعون (...) يغنون (...).
* طالب: إي، يغنون (...).
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: قولهم: ما استفدنا من الآية أنهم قد كذَّبوا رسالة هود، هذه الآية فيها العناد في آيات أخرى ثبت أنهم لم يصدقوا بهود أيضًا ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود ٥٩]..
* الشيخ: وهم لم يصدقوا عنادًا.
* طالب: قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء ١٣٥]، ألَا يدل هذا أنه يوم القيامة خاص لأني أخاف عليكم عذابًا عظيمًا.
* الشيخ: لا، حتى اليوم الذي يقع فيه العذاب في الدنيا (...).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما هو بلازم.
* طالب: (...) ما فيه التخفيف.
* الشيخ: (...) لأن ﴿يَوْمَ﴾ هذا ما عيَّنه، لو قال: عذاب اليوم حتى لو قال: (اليوم) يمكن يكون للجنس.
* طالب: على هذا كأنهم بلغتهم الرسالة يقولون: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧].
* الشيخ: إي نعم، (...) في قوم نوح (...) في سورة الأعراف صرَّح: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف ٦٩].
* طالب: لكن هو ترك إليهم -مثلًا- الخلافة في الأرض قوم نوح كلهم هناك، مثلًا ناس من هنا وهنا من قبائل.
* الشيخ: معرف أن قوم نوح لما هلكوا ما بقي إلا ذرية (...) هؤلاء منهم.
* طالب: يعني منهم؛ لأنهم كلهم..
* الشيخ: لا، ما هو كلهم، الظاهر أنهم تنامى الناس بسرعة والله أعلم، وطبعًا تعرف أن هؤلاء نجوا بإيمانهم، فهم سيبقون دهرًا طويلًا على الحق؛ لأنهم ما كثروا ولا تفرقت بهم الأهواء، فسيبقون دهرًا طويلًا على الحق، ثم إنه بعد ذلك حصل هذا التطور وكثر الناس، وصار كل قوم يحتاجون إلى رسول، فبعث الله رسولًا.
* طالب: (...) ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٢٣]، (...) لفظهم كذبوا الرسل الأولون ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ أو ﴿خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* الشيخ: إي، هو يؤيد أن المراد خلق الأولين عادة الأولين من الرسل (...)، هم أيضًا بيردون على كلامه، ما هم بيبرروا موقفهم، بيذكرون كلامه بأنه مختلق أو أنه شيء قلَّد غيره وليس له أصل.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص ٧].
* الشيخ: ﴿اخْتِلَاقٌ﴾؛ يعني: كذب، (...) الخَلْقُ بمعنى الكذب، وبمعنى الإيجاد.
* طالب: الحكمة في كون بعض الرسل أو بعض الأمم تكرَّر ذكرها في القرآن، وبعض الرسل لم يأت له ذكر قط؟
* الشيخ: هو الله سبحانه وتعالى ما ذكر إلا الرسل المحيطين بالعرب اللي كانوا يعرفون أنباءهم لكن هذا أقوى، أما اللي -مثلًا- في أمريكا وفي أقصى آسيا ما ذكر منهم، لكن نعلم أن الله بعث إليهم رسلًا ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، لكن ما ذكر الله سبحانه وتعالى من الرسل إلا ما كان حول الجزيرة.
* طالب: أفلا يدل هذا على أن الذي ذكروا في القرآن أفضل من غيرهم؟
* الشيخ: لا؛ لأن اللي غيرهم ما ذكروا لا ما نعرف عنهم شيئًا، إنما أولو العزم الخمسة هؤلاء لا شك أنهم أفضل من غيرهم.
* طالب: (...) ما تكتشفوه إلا حديثًا.
* الشيخ: ما اللي لم نكتشفه إلا حديثًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: المهم اللي في القارات هذه ما اكتشفوها إلا قريبًا، لكن هي موجودة من قبل هي موجودة من زمان.
* طالب: (...) قريبًا.
* الشيخ: إي، المهم أنها -سلمك الله- موجودة بلا شك، وموجود فيها ناس، ويُذْكَرُ أن شيخ الإسلام تكلم عن هذا، وقال: لا بد أن هناك أحدًا في المقابل لوجه الكرة الأرضية (...)، ما يمكن تسبح في الأرض بدون عمارة.
* * *
* الطالب: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٥١ - ١٥٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
فيما بقي من قصة هود عليه الصلاة والسلام * يستفاد منه: أن الداعية ينبغي له أن يذكِّرَ المدعُوَّ بنعمِ الله عليه. من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، ما هي الحكمة من تذكيره بالنعم؟
* طالب: لأن النعم تستوجب الشكر وطاعة المنعم.
* الشيخ: نعم، وأيضًا عقلًا تتضمن ذلك؛ لأن من أحسن إليك فإن من المستحسن عقلًا أن تطيعه فيما يأمرك به.
* وفي هذا من فوائد ما ذكر: أن هذه النعم التي يمد الله بها العبد تستوجب أن يقوم بتقوى الله؛ لأن قوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾، فالتعليل للأمر بالتقوى، فتكون النعم مستوجِبةً لتقوى العبد لربه تبارك وتعالى، لا للأشر والبطر والبُعد عن الله؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾، حيث عدَلَ عن قوله: (واتقوا الله) إلى ما ذُكِرَ إشارةً إلى أن هذا سببٌ كبير لوجوب التقوى.
* وفي الآية من الفوائد أيضًا: بيان أنه ينبغي للداعية مع القرن بذكر النعم أن يقرن الدعوة (...). من أين تؤخذ؟
* طالب: من قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* وفيه أيضًا: أنه ينبغي إذا كان المقام أنسب أن يكون غير مصرح بذلك؛ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾، ما قال: إنكم ستصابون بيوم عظيم، بل قال: ﴿أَخَافُ﴾ كالمتوقِّع له غير الجازم به؛ لأن المقام يقتضي ذلك، ولكل مقام مقال.
* وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى قد يطبع على قلب العبد فلا يستفيد بالموعظة؛ لقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، هذا إذا لم يكن هذا القول منه كذبًا، فإن كان كذبًا فلا شاهد فيه لذلك؛ يعني إن كان الأمر حقًّا كما يقولون: إنهم سواء وُعِظُوا أم لم يُوعَظُوا فإنه يدل على أن العبد -والعياذ بالله- إذا ران على قلبه ما يعمل لم يستفِدْ بموعظة، أما إن كان كذبًا فإنه يدل على عُتُوِّ هؤلاء القوم وشدة استكبارهم عن الحق.
* وفي هذا دليل في التعبير بقوله: ﴿أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ على بلاغة القرآن. تؤخذ من أين (...)؟
* طالب: (...) ثم الجملة الثانية ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ يعني..
* الشيخ: أمْ أنت المقابل لها.
* طالب: أم أنت..
* الشيخ: من ذوي الوعظ.
* طالب: من ذوي الوعظ، أو لست منهم..
* الشيخ: (لست منهم) موجودة ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.
* الطالب: إي نعم، جمع بين الجملتين في آية واحدة.
* الشيخ: يعني بين المعنيين في كلمتين؛ لأن الحقيقة أنها أربعة معانٍ: وعظت أم لم تعِظْ، كنت من الواعظين أمْ لم تكن، في كلمتين؛ لأنه حذف من كل كلمة ما يقابلها لدلالة الأخرى عليها.
* وفي الآية دليل على أنه لا حُجَّة للمعاندين للرسل سوى التمسك بما كان عليه أسلافهم. من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ على قراءة ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ على حسب ما مشى عليه المؤلف، أما على القراءة الثانية ﴿﴿إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾ فإنه * يستفاد منه: أن هؤلاء لم يقتصروا على تكذيب نبيهم، بل تعدَّوا إلى تكذيب غيره أيضًا، مع أنهم لم تطالبهم الرسل السابقون بذلك، إلا أنهم -لعنادهم واستكبارهم- كذَّبوا حتى السابقين، ولأجل أن يقولوا: إن هذا ليس بالأمر البدعي، وإنما ذلك دأب من كان من قبل.
يقول الله عز وجل: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ * ففي هذا دليل على أن التكذيب سبب للإهلاك، فينبغي للمؤمن الذي يعتبِرُ بقصص الأنبياء السابقين أن يحذر من هذا؛ أي: من التكذيب؛ لأنه إن فعل أُهْلِكَ.
ثم في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ ما سبق.
الشعراء 26:139
ثم قال لهم: (﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ أنعم عليكم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ )، ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي﴾ هنا أتى بالوصف لأن ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ الاسمُ الموصول وصلتُه بمنزلة الاسم المشتق؛ يعني: واتقوا المادَّ لكم، والاسم المشتق أو اسم الفاعل وصف ظاهر، فهنا انتقل من وصف الألوهية إلى وصف الربوبية الخاص الذي نالهم منه، وهو ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾؛ لأن إمداد الله تعالى بالنعم من مقتضى الربوبية.
وقوله: ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أتى بهذا الوصف أيضًا إقامة للحجة عليهم؛ لأن من أمدَّك بهذه النعم كان أولى أن تتَّقيه، وقوله: ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ مبهمٌ؛ لأن (ما) اسم موصول، والاسم الموصول مبهم وعام، ثم فصله بقوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ [الشعراء ١٣٣]، وقد ذكرنا أن من فوائد التفصيل بعد الإجمال أو البيان بعد الإبهام أن منه فوائد، من فوائده كذا؟
* طالب: تنبيه المخاطب (...).
* الشيخ: كيف تنبيهه؟
* الطالب: فإذا كان مثلًا يقرأ ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ يشعر براحة، ثم بتنبيه إذا كان غافلًا؛ لأن السياق تغيَّر، فمن المبهم إلى المبين، فمن الواضح أن فيه تنبيهًا.
ثانيًا: أيضًا فيه تشويقٌ؛ لأن الإنسان يحب الاستطلاع، فإذا أبهم إليه الأمر ووضح اشتاق إليه ورسخ في ذهنه.
* الشيخ: (...) ترسيخ الشيء في الذهن؛ لأنه إذا جاء مبهمًا تشوف له الذهن، فإذا بُيِّن له بعد ذلك رسخ فيه، طيب بعده.
* طالب: (...) الحكم عليه.
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا في الإظهار في مقام الإضمار.
* طالب: ما هو بتأكيد هذا المعنى.
* الشيخ: كيف تأكد تأكيدًا؟
* طالب: لأن خطه في (...) أظهره ثم أكده.
* الشيخ: يعني العناية به؟
* طالب: العناية به.
* الشيخ: العناية به نعم، هذا من فوائده العناية؛ لأن كونه يبهمه ثم يبينه، أو يجمله، ثم يفصله لأجل أن الإنسان يتشوف إليه (...) إليه معناه أنه أمر يُعْتَنى به، كما أن فيه أيضًا تأكيدًا؛ لأنه ذكر مرتين؛ مرة مبهمًا، ومرة مُفصَّلًا أو مبينًا، فإذن الثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: هو تشويق السامع أو المخاطب لفهم هذا المعنى.
والشيء الثاني: ترسيخ المعنى في هذا الذهن.
والشيء الثالث: بيان العناية به أي في الأربع.
والشيء الرابع: تأكيده بذكره مرتين؛ مرة مُجْمَلًا ومرَّة مُفصَّلًا، أو مبهمًا ثم مُبينًا.
قوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أيضًا ما قال: أمدكم بأنعام وبنينَ، من أول الأمر بالنسبة لهذه الآية بالذات بين لهم أن الله أمدهم بأمر لا يمكنهم إنكاره؛ لأنهم يعلمونه، فقدَّم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ على ذكر المنعم به لإقامة الحجة عليهم؛ حيث إن هذه نِعمٌ مفهومةٌ لهم ولَّا لا؟ مفهومة ومعلومة، فلا يمكنهم إنكارها أولًا: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء ١٣٣، ١٣٤]، (أنعام) جمع (نِعَم)، أو جمع (نَعَم)؛ يعني الإبل، وإذا قلت: إن (نِعمة) جمعها (نِعَم)، وجمع نِعَمٍ أنعامٌ، صار المراد بالأنعام ما هو أعم من الإبل؛ يعني كأنه يقول: بنِعَمٍ كثيرة.
وقوله: ﴿وَبَنِينَ﴾..
* طالب: (...) البقر الأنعام.
* الشيخ: المعروف أنها للإبل فقط، لكن إذا قيل: بهيمة الأنعام تشمل الثلاثة «خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٤٢)، ومسلم (٢٤٠٦ / ٣٤) من حديث سهل بن سعد.]].
قال: ﴿وَبَنِينَ﴾ الذكور من الأولاد، وخَصَّ البنين؛ لأنهم أبلغ في شرف الإنسان، ولأن أولادهم يكونون قبيلة، لكن أولاد البنات من غيرهم قبيلة ولا (...) أسرة.
وقوله: ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ بساتين، ﴿وَعُيُونٍ﴾ أنهار، وهذا مما يدل على أن هذا (...) من الماء إن كان فيه بساتين وكان فيه أنهار، ولعل هذا يوحي به أيضًا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا»[[أخرجه مسلم (١٥٧ / ٦٠) من حديث أبي هريرة.]]، فإن قوله: «حَتَّى تَعُودَ» العَودُ بعدَ البدْءِ، هذه الجنات بساتين ليست مجرد بستان فقط؛ لأنه لا يُسمَّى جنَّة إلا إذا كان كثير الأشجار والزروع، حيث يَجُنُّ مَن فيه ويسترُه.
والعيون جمع عين، وقول المؤلف: إنها أنهار باعتبار جريانها، وإلا فالعيون هي التي تنبُعُ من الأرض، والأنهار كما هو معروف ما هو بينبع من الأرض وإنما يأتي من الأمطار والثلوج وغيرها.
(﴿إنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ في الدنيا والآخرة إن عصيتموني)؛ يعني: إن استمررتم على ما أنتم عليه من الكفر بهذه النعم العظيمة، فأخاف عليكم عذاب هذا اليوم، وقوله: ﴿عَظِيم﴾ صفةٌ لليومِ، لكن يقول: (في الدنيا والآخرة) وصف هذا العذاب بالعظم في الدنيا باعتبار ما عداه، وأما وصفه بالعِظَم في الآخرة فظاهر؛ لأنه عظيم أعظم ما يكون في الآخرة، ﴿قَالُوا﴾ في الجواب بعد هذا التذكير بالنعم وبعد هذا الوعد، الجواب: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، أعوذ بالله! كبرياء عظيم، ﴿سَوَاءٌ﴾ بمعنى (مَستَوٍ)، وهي خبر مُقدَّم، و﴿أَوَعَظْتَ﴾ الجملة الاستفهامية هذه في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر؛ يعني وَعْظُك وعدمه سواء، وهذا من المواضع التي تكون مؤولة بالمصدر بدون حرف مصدري؛ لأن هنا مؤول بمصدر مع أن اللي داخل عليها أداة الاستفهام لكنها بعد (سواء) هكذا تُعامَلُ؛ تُؤَوَّل وما بعدها بمصدر، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦]؛ أي: استغفارك وعدمه، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦]؛ أي: إنذارك وعدمه.
طيب يقولون: (﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ أصلًا أَيْ لَا نرعوي لوعظِك)، شوف كيف الجبروت! أوعظت بالفعل أمْ لم تكن من الواعظين لم يكن وصفُك الوعظ، سواء تركت الوعظ أمْ لم تتركه؛ لأن هنا قالوا: سواء علينا أوعظت أمْ لم تعظ ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، ولهذا الشارح قال: (أصلًا) المفسِّرُ؛ يعني لم تكن صفتك الوعظ لا يهمنا أن تكون واعظًا أو غير واعظٍ، ولا أن تعظنا بالفعل أو لا تعظنا، كل الأمر عندنا سواء.
وإنما قالوا ذلك لأن الإنسان قد لا يكترث بالواعظ لكونه غير أهل، وقد لا يكترث به عنادًا، وهؤلاء لما قالوا ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، دَلَّ ذلك على أنهم يقولون: إنهم معاندون حتى وإن كنت مِن غير أهل الوعظ، أو وعظت وأنت من أهل الوعظ، وفي هذا من بلاغة القرآن ما هو ظاهر؛ لأنهم قالوا: سواء علينا أوعظت أمْ لم تعِظْ، لكن ربما يقولون: إنه قد يعِظُ وليس أهلًا للوعظ، ولكن لما قالوا: ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾؛ يعني: لم تكن ممن يستحقون أن يوصفوا بهذا الوصف يصير في الجملتين شبه اكتفاء؛ أوعظت أمْ لم تعِظْ، أكنت من الواعظين أمْ لم تكُنْ من الواعظين؛ يعني كونه قابَلَ ﴿أَوَعَظْتَ﴾ اللي تدل على الفعل؛ على وقوع الوعظ بأن لم تكن من الواعظين التي تدل على الوصف بكونه واعظًا.
يُؤخَذُ من هذا أنه حذف من كل واحدة ما يقابلها اختصارًا للوضوح. أيش يصير التقدير على هذا؟ أوعظت أمْ لم تعِظْ، أكنت واعظًا تستحق أن ينصرف الناس لك ويأخذوا منك، أمْ لم تكُنْ واعظًا، وهذا غاية ما يكون من بلاغة القرآن، وبالنسبة لهم غاية ما يكون من الاستكبار وعدم الاكتراث بوعظهم، فهمتم الآن الحكمة؟ بأنه قال ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ ولم يقل: (أمْ لم تعظْ) لأجل أن يُؤْخَذ من كل جملة أو من كل كلمة ما يقابلها ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.
(﴿إِنْ﴾ مَا) يعني نافية، (﴿هَذَا﴾ الذي خوَّفتنا به، ﴿إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي اختلاقهم وكذبهم)، يعني أنك أنت يا هودُ ما جئتنا إلا بأمر اختلقه من قبلك، فكذبوه هو ومن قبله أيضًا، وقالوا: هذا خلق الأولين، خُلُقُهم بمعنى اختلاقهم وافتراؤهم وكَذِبهم، كما قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت ١٧]؛ يعني تختلقونه.
﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾، وفي قراءة بضم الخاء واللام ﴿خُلُقُ﴾، والقراءة هذه سبعية بناء على قاعدة المؤلف إذا قال: (قُرِئَ) للشاذ، (وفي قراءة) للسبعية.
(أي ما هذا الذي نحن عليه من أنْ لا بعث إلا خلق الأولين؛ أي طبيعتهم وعادتهم)، المؤلف على القراءة الثانية يرى أن اسم الإشارة يعود لا إلى قول هود ولكن إلى ما كانوا عليه، وعلى قراءة ﴿خُلُقُ﴾ يرى أنه عائد على قول هود، وسياق الآية يدل على أنه راجع إلى قول هود، سواء بضم الخاء أو بفتحها؛ أما فتحها فظاهر ﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾، وأما ضمها فهو أيضًا ظاهر؛ كأنهم يقولون: إن ما جئت به هو خلق الأولين من قبلك؛ يعني دأبهم الذي كانوا عليه؛ يعني الأنبياء السابقين، فعلى هذا يكون مرجع الإشارة واحدًا، أما على رأي المؤلف: ﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾ يريد أن يحتجُّوا به هم، كأنهم يقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة وهذا ما عليه آباؤنا، فسنبقى عليه، والآية محتملة لكنها في الأول أظهر؛ أولًا: لأن القراءتين يفسِّر بعضهما بعضًا، والثاني: أنهم يريدون أن يردُّوا على قوله هو لا أن يبرروا فعلهم، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧، ١٣٨]، هذا إنكارٌ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، كأنهم يقولون: ما تخوَّفت ليس له أصلٌ، فما نحن بمعذَّبين.
وتأمَّل هذا التعبير الذي أتى مُؤكَّدًا بالباء في قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، لم يقولوا: وما نحن معذَّبين، ثم أتوا بالوصف ﴿بِمُعَذَّبِينَ﴾ بالجملة الاسمية للدلالة على انتفاءِ هذا أبدًا؛ لأن الجملة الاسمية تدل على الثبوت؛ ثبوت مدلولها، فعليه يكونون قد أنكروا أن يُعذَّبوا وادعوا أنهم لن يعذبوا أبدًا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، ولكن هذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَّنَى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس.]]، هؤلاء -والعياذ بالله- أتبعوا أنفسهم أهواءهم وتمنوا على الله الأماني إن كانوا مُصدِّقين بالبعث ما ندري، ربما يكونون مكذِّبين به وأنه لا بعث ولا جزاء ولا عذاب.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [الشعراء ١٣٩]؛ يعني فبهذا القول الذي صدَرَ منهم يصدق عليهم هذا الوصف؛ أنهم كذبوا هودًا، فيكونون مستحقين للعذاب، ولهذا أتى بالفاء (﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ في الدنيا بالريح ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ) أهلكهم الله تعالى بالريح.
ومن العجائب أن الله -سبحانه وبحمده- أهلكهم على حين تشوق منهم للرحمة؛ لأنهم أصيبوا بالجدب والقحط وبقوا مدة وصاروا ينتظرون الفرج بالمطر، فلما أرسل الله هذه الريح و﴿رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف ٢٤]، فاستفرحوا بذلك وظنوا أن الفرج قريب، ولكنه كان فرجًا لهودٍ ونقمةً عليهم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٤، ٢٥]، وهذه الريح التي بعثها الله سبحانه وتعالى على عادٍ فيها من آيات الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء القوم الأشداء الأقوياء الفخورين بقوتهم على غيرهم أُهْلِكوا بألطف الأشياء وهو الريح، ثم أُهْلِكوا في حال الرجاء أيضًا؛ لأنهم لاحظوا أن النقمة إذا أتت والإنسان يتوقع النعمة، ويش تكون؟ تكون أشد، وكذلك إذا أتت النقمة والإنسان في نعمة تكون أيضًا أشد وأنكى والعياذ بالله.
وفي قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ إلى آخره موعظة لنا بما نسمعه أحيانًا من هذه الأعاصير المدمرة التي تقلع الأشجار وتخرب الديار وتهلك الثمار وتهلك الأعمار أيضًا، ولكن مع الأسف أن الكثير منَّا يصدق عليهم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤]، هذا أمر طبيعي، ما هو شيء، الناس الآن يسمعون بالزلازل ويسمعون بهذه الأعاصير ويسمعون بالفيضانات العظيمة، ولكنهم لا يعزونها إلى أنها غضب من الله عز وجل، يعزونها إلى أنها أمر طبيعي، ولهذا ما يتأثر الإنسان بها إطلاقًا ولا كأنها بشيء، بينما ونحن صغار إذا سمعنا أن الأرض زلزلت بأحد، نرتجف نحن ونحن في بيوتنا آمنين؛ لأنه ما كان أحد يقول لنا: هذا أمر طبيعي، وهذا أمر ما يهم، وهذا أمر كائن لا محالة، مثلما أن الكسوف تمامًا؛ كان الناس بالأول إذا كسف القمر -أنا أذكره- يحصل منهم رهبة عظيمة، ويحصل منهم خوف، ويحضرون بأعداد كبيرة إلى المساجد من رجال ونساء وتحت صلاة وبكاء وخوف، الآن لا، ما كأنه بشيء، تجد هذا يشاهد التلفزيون في الأغنية، وهذا يسمع الأغنية من الراديو، إلا أنه -والحمد لله- آخر مرة انكسف القمر هذا العام اعتدلت إذاعتنا بعض الشيء وسائل الإعلام؛ فإنهم نقلوا صلاة الكسوف في التلفزيون وشاهدها الناس، واستفادوا من ذلك فائدة عظيمة؛ لأن أكثر اللي في المملكة من الأجانب ما يعرفون عن الكسوف شيئًا أبدًا؛ لأنهم عندهم هناك ما هم بيصلون، بل نسمع أنهم يطلعون (...) يغنون (...).
* طالب: إي، يغنون (...).
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: قولهم: ما استفدنا من الآية أنهم قد كذَّبوا رسالة هود، هذه الآية فيها العناد في آيات أخرى ثبت أنهم لم يصدقوا بهود أيضًا ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود ٥٩]..
* الشيخ: وهم لم يصدقوا عنادًا.
* طالب: قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء ١٣٥]، ألَا يدل هذا أنه يوم القيامة خاص لأني أخاف عليكم عذابًا عظيمًا.
* الشيخ: لا، حتى اليوم الذي يقع فيه العذاب في الدنيا (...).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما هو بلازم.
* طالب: (...) ما فيه التخفيف.
* الشيخ: (...) لأن ﴿يَوْمَ﴾ هذا ما عيَّنه، لو قال: عذاب اليوم حتى لو قال: (اليوم) يمكن يكون للجنس.
* طالب: على هذا كأنهم بلغتهم الرسالة يقولون: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧].
* الشيخ: إي نعم، (...) في قوم نوح (...) في سورة الأعراف صرَّح: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف ٦٩].
* طالب: لكن هو ترك إليهم -مثلًا- الخلافة في الأرض قوم نوح كلهم هناك، مثلًا ناس من هنا وهنا من قبائل.
* الشيخ: معرف أن قوم نوح لما هلكوا ما بقي إلا ذرية (...) هؤلاء منهم.
* طالب: يعني منهم؛ لأنهم كلهم..
* الشيخ: لا، ما هو كلهم، الظاهر أنهم تنامى الناس بسرعة والله أعلم، وطبعًا تعرف أن هؤلاء نجوا بإيمانهم، فهم سيبقون دهرًا طويلًا على الحق؛ لأنهم ما كثروا ولا تفرقت بهم الأهواء، فسيبقون دهرًا طويلًا على الحق، ثم إنه بعد ذلك حصل هذا التطور وكثر الناس، وصار كل قوم يحتاجون إلى رسول، فبعث الله رسولًا.
* طالب: (...) ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٢٣]، (...) لفظهم كذبوا الرسل الأولون ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ أو ﴿خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* الشيخ: إي، هو يؤيد أن المراد خلق الأولين عادة الأولين من الرسل (...)، هم أيضًا بيردون على كلامه، ما هم بيبرروا موقفهم، بيذكرون كلامه بأنه مختلق أو أنه شيء قلَّد غيره وليس له أصل.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص ٧].
* الشيخ: ﴿اخْتِلَاقٌ﴾؛ يعني: كذب، (...) الخَلْقُ بمعنى الكذب، وبمعنى الإيجاد.
* طالب: الحكمة في كون بعض الرسل أو بعض الأمم تكرَّر ذكرها في القرآن، وبعض الرسل لم يأت له ذكر قط؟
* الشيخ: هو الله سبحانه وتعالى ما ذكر إلا الرسل المحيطين بالعرب اللي كانوا يعرفون أنباءهم لكن هذا أقوى، أما اللي -مثلًا- في أمريكا وفي أقصى آسيا ما ذكر منهم، لكن نعلم أن الله بعث إليهم رسلًا ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، لكن ما ذكر الله سبحانه وتعالى من الرسل إلا ما كان حول الجزيرة.
* طالب: أفلا يدل هذا على أن الذي ذكروا في القرآن أفضل من غيرهم؟
* الشيخ: لا؛ لأن اللي غيرهم ما ذكروا لا ما نعرف عنهم شيئًا، إنما أولو العزم الخمسة هؤلاء لا شك أنهم أفضل من غيرهم.
* طالب: (...) ما تكتشفوه إلا حديثًا.
* الشيخ: ما اللي لم نكتشفه إلا حديثًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: المهم اللي في القارات هذه ما اكتشفوها إلا قريبًا، لكن هي موجودة من قبل هي موجودة من زمان.
* طالب: (...) قريبًا.
* الشيخ: إي، المهم أنها -سلمك الله- موجودة بلا شك، وموجود فيها ناس، ويُذْكَرُ أن شيخ الإسلام تكلم عن هذا، وقال: لا بد أن هناك أحدًا في المقابل لوجه الكرة الأرضية (...)، ما يمكن تسبح في الأرض بدون عمارة.
* * *
* الطالب: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٥١ - ١٥٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
فيما بقي من قصة هود عليه الصلاة والسلام * يستفاد منه: أن الداعية ينبغي له أن يذكِّرَ المدعُوَّ بنعمِ الله عليه. من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، ما هي الحكمة من تذكيره بالنعم؟
* طالب: لأن النعم تستوجب الشكر وطاعة المنعم.
* الشيخ: نعم، وأيضًا عقلًا تتضمن ذلك؛ لأن من أحسن إليك فإن من المستحسن عقلًا أن تطيعه فيما يأمرك به.
* وفي هذا من فوائد ما ذكر: أن هذه النعم التي يمد الله بها العبد تستوجب أن يقوم بتقوى الله؛ لأن قوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾، فالتعليل للأمر بالتقوى، فتكون النعم مستوجِبةً لتقوى العبد لربه تبارك وتعالى، لا للأشر والبطر والبُعد عن الله؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾، حيث عدَلَ عن قوله: (واتقوا الله) إلى ما ذُكِرَ إشارةً إلى أن هذا سببٌ كبير لوجوب التقوى.
* وفي الآية من الفوائد أيضًا: بيان أنه ينبغي للداعية مع القرن بذكر النعم أن يقرن الدعوة (...). من أين تؤخذ؟
* طالب: من قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* وفيه أيضًا: أنه ينبغي إذا كان المقام أنسب أن يكون غير مصرح بذلك؛ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾، ما قال: إنكم ستصابون بيوم عظيم، بل قال: ﴿أَخَافُ﴾ كالمتوقِّع له غير الجازم به؛ لأن المقام يقتضي ذلك، ولكل مقام مقال.
* وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى قد يطبع على قلب العبد فلا يستفيد بالموعظة؛ لقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، هذا إذا لم يكن هذا القول منه كذبًا، فإن كان كذبًا فلا شاهد فيه لذلك؛ يعني إن كان الأمر حقًّا كما يقولون: إنهم سواء وُعِظُوا أم لم يُوعَظُوا فإنه يدل على أن العبد -والعياذ بالله- إذا ران على قلبه ما يعمل لم يستفِدْ بموعظة، أما إن كان كذبًا فإنه يدل على عُتُوِّ هؤلاء القوم وشدة استكبارهم عن الحق.
* وفي هذا دليل في التعبير بقوله: ﴿أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ على بلاغة القرآن. تؤخذ من أين (...)؟
* طالب: (...) ثم الجملة الثانية ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ يعني..
* الشيخ: أمْ أنت المقابل لها.
* طالب: أم أنت..
* الشيخ: من ذوي الوعظ.
* طالب: من ذوي الوعظ، أو لست منهم..
* الشيخ: (لست منهم) موجودة ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.
* الطالب: إي نعم، جمع بين الجملتين في آية واحدة.
* الشيخ: يعني بين المعنيين في كلمتين؛ لأن الحقيقة أنها أربعة معانٍ: وعظت أم لم تعِظْ، كنت من الواعظين أمْ لم تكن، في كلمتين؛ لأنه حذف من كل كلمة ما يقابلها لدلالة الأخرى عليها.
* وفي الآية دليل على أنه لا حُجَّة للمعاندين للرسل سوى التمسك بما كان عليه أسلافهم. من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ على قراءة ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ على حسب ما مشى عليه المؤلف، أما على القراءة الثانية ﴿﴿إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾ فإنه * يستفاد منه: أن هؤلاء لم يقتصروا على تكذيب نبيهم، بل تعدَّوا إلى تكذيب غيره أيضًا، مع أنهم لم تطالبهم الرسل السابقون بذلك، إلا أنهم -لعنادهم واستكبارهم- كذَّبوا حتى السابقين، ولأجل أن يقولوا: إن هذا ليس بالأمر البدعي، وإنما ذلك دأب من كان من قبل.
يقول الله عز وجل: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ * ففي هذا دليل على أن التكذيب سبب للإهلاك، فينبغي للمؤمن الذي يعتبِرُ بقصص الأنبياء السابقين أن يحذر من هذا؛ أي: من التكذيب؛ لأنه إن فعل أُهْلِكَ.
ثم في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ ما سبق.
الشعراء 26:140
ثم قال لهم: (﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ أنعم عليكم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ )، ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي﴾ هنا أتى بالوصف لأن ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ الاسمُ الموصول وصلتُه بمنزلة الاسم المشتق؛ يعني: واتقوا المادَّ لكم، والاسم المشتق أو اسم الفاعل وصف ظاهر، فهنا انتقل من وصف الألوهية إلى وصف الربوبية الخاص الذي نالهم منه، وهو ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾؛ لأن إمداد الله تعالى بالنعم من مقتضى الربوبية.
وقوله: ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أتى بهذا الوصف أيضًا إقامة للحجة عليهم؛ لأن من أمدَّك بهذه النعم كان أولى أن تتَّقيه، وقوله: ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ مبهمٌ؛ لأن (ما) اسم موصول، والاسم الموصول مبهم وعام، ثم فصله بقوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ [الشعراء ١٣٣]، وقد ذكرنا أن من فوائد التفصيل بعد الإجمال أو البيان بعد الإبهام أن منه فوائد، من فوائده كذا؟
* طالب: تنبيه المخاطب (...).
* الشيخ: كيف تنبيهه؟
* الطالب: فإذا كان مثلًا يقرأ ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ يشعر براحة، ثم بتنبيه إذا كان غافلًا؛ لأن السياق تغيَّر، فمن المبهم إلى المبين، فمن الواضح أن فيه تنبيهًا.
ثانيًا: أيضًا فيه تشويقٌ؛ لأن الإنسان يحب الاستطلاع، فإذا أبهم إليه الأمر ووضح اشتاق إليه ورسخ في ذهنه.
* الشيخ: (...) ترسيخ الشيء في الذهن؛ لأنه إذا جاء مبهمًا تشوف له الذهن، فإذا بُيِّن له بعد ذلك رسخ فيه، طيب بعده.
* طالب: (...) الحكم عليه.
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا في الإظهار في مقام الإضمار.
* طالب: ما هو بتأكيد هذا المعنى.
* الشيخ: كيف تأكد تأكيدًا؟
* طالب: لأن خطه في (...) أظهره ثم أكده.
* الشيخ: يعني العناية به؟
* طالب: العناية به.
* الشيخ: العناية به نعم، هذا من فوائده العناية؛ لأن كونه يبهمه ثم يبينه، أو يجمله، ثم يفصله لأجل أن الإنسان يتشوف إليه (...) إليه معناه أنه أمر يُعْتَنى به، كما أن فيه أيضًا تأكيدًا؛ لأنه ذكر مرتين؛ مرة مبهمًا، ومرة مُفصَّلًا أو مبينًا، فإذن الثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: هو تشويق السامع أو المخاطب لفهم هذا المعنى.
والشيء الثاني: ترسيخ المعنى في هذا الذهن.
والشيء الثالث: بيان العناية به أي في الأربع.
والشيء الرابع: تأكيده بذكره مرتين؛ مرة مُجْمَلًا ومرَّة مُفصَّلًا، أو مبهمًا ثم مُبينًا.
قوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أيضًا ما قال: أمدكم بأنعام وبنينَ، من أول الأمر بالنسبة لهذه الآية بالذات بين لهم أن الله أمدهم بأمر لا يمكنهم إنكاره؛ لأنهم يعلمونه، فقدَّم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ على ذكر المنعم به لإقامة الحجة عليهم؛ حيث إن هذه نِعمٌ مفهومةٌ لهم ولَّا لا؟ مفهومة ومعلومة، فلا يمكنهم إنكارها أولًا: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء ١٣٣، ١٣٤]، (أنعام) جمع (نِعَم)، أو جمع (نَعَم)؛ يعني الإبل، وإذا قلت: إن (نِعمة) جمعها (نِعَم)، وجمع نِعَمٍ أنعامٌ، صار المراد بالأنعام ما هو أعم من الإبل؛ يعني كأنه يقول: بنِعَمٍ كثيرة.
وقوله: ﴿وَبَنِينَ﴾..
* طالب: (...) البقر الأنعام.
* الشيخ: المعروف أنها للإبل فقط، لكن إذا قيل: بهيمة الأنعام تشمل الثلاثة «خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٤٢)، ومسلم (٢٤٠٦ / ٣٤) من حديث سهل بن سعد.]].
قال: ﴿وَبَنِينَ﴾ الذكور من الأولاد، وخَصَّ البنين؛ لأنهم أبلغ في شرف الإنسان، ولأن أولادهم يكونون قبيلة، لكن أولاد البنات من غيرهم قبيلة ولا (...) أسرة.
وقوله: ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ بساتين، ﴿وَعُيُونٍ﴾ أنهار، وهذا مما يدل على أن هذا (...) من الماء إن كان فيه بساتين وكان فيه أنهار، ولعل هذا يوحي به أيضًا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا»[[أخرجه مسلم (١٥٧ / ٦٠) من حديث أبي هريرة.]]، فإن قوله: «حَتَّى تَعُودَ» العَودُ بعدَ البدْءِ، هذه الجنات بساتين ليست مجرد بستان فقط؛ لأنه لا يُسمَّى جنَّة إلا إذا كان كثير الأشجار والزروع، حيث يَجُنُّ مَن فيه ويسترُه.
والعيون جمع عين، وقول المؤلف: إنها أنهار باعتبار جريانها، وإلا فالعيون هي التي تنبُعُ من الأرض، والأنهار كما هو معروف ما هو بينبع من الأرض وإنما يأتي من الأمطار والثلوج وغيرها.
(﴿إنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ في الدنيا والآخرة إن عصيتموني)؛ يعني: إن استمررتم على ما أنتم عليه من الكفر بهذه النعم العظيمة، فأخاف عليكم عذاب هذا اليوم، وقوله: ﴿عَظِيم﴾ صفةٌ لليومِ، لكن يقول: (في الدنيا والآخرة) وصف هذا العذاب بالعظم في الدنيا باعتبار ما عداه، وأما وصفه بالعِظَم في الآخرة فظاهر؛ لأنه عظيم أعظم ما يكون في الآخرة، ﴿قَالُوا﴾ في الجواب بعد هذا التذكير بالنعم وبعد هذا الوعد، الجواب: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، أعوذ بالله! كبرياء عظيم، ﴿سَوَاءٌ﴾ بمعنى (مَستَوٍ)، وهي خبر مُقدَّم، و﴿أَوَعَظْتَ﴾ الجملة الاستفهامية هذه في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر؛ يعني وَعْظُك وعدمه سواء، وهذا من المواضع التي تكون مؤولة بالمصدر بدون حرف مصدري؛ لأن هنا مؤول بمصدر مع أن اللي داخل عليها أداة الاستفهام لكنها بعد (سواء) هكذا تُعامَلُ؛ تُؤَوَّل وما بعدها بمصدر، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦]؛ أي: استغفارك وعدمه، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦]؛ أي: إنذارك وعدمه.
طيب يقولون: (﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ أصلًا أَيْ لَا نرعوي لوعظِك)، شوف كيف الجبروت! أوعظت بالفعل أمْ لم تكن من الواعظين لم يكن وصفُك الوعظ، سواء تركت الوعظ أمْ لم تتركه؛ لأن هنا قالوا: سواء علينا أوعظت أمْ لم تعظ ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، ولهذا الشارح قال: (أصلًا) المفسِّرُ؛ يعني لم تكن صفتك الوعظ لا يهمنا أن تكون واعظًا أو غير واعظٍ، ولا أن تعظنا بالفعل أو لا تعظنا، كل الأمر عندنا سواء.
وإنما قالوا ذلك لأن الإنسان قد لا يكترث بالواعظ لكونه غير أهل، وقد لا يكترث به عنادًا، وهؤلاء لما قالوا ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، دَلَّ ذلك على أنهم يقولون: إنهم معاندون حتى وإن كنت مِن غير أهل الوعظ، أو وعظت وأنت من أهل الوعظ، وفي هذا من بلاغة القرآن ما هو ظاهر؛ لأنهم قالوا: سواء علينا أوعظت أمْ لم تعِظْ، لكن ربما يقولون: إنه قد يعِظُ وليس أهلًا للوعظ، ولكن لما قالوا: ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾؛ يعني: لم تكن ممن يستحقون أن يوصفوا بهذا الوصف يصير في الجملتين شبه اكتفاء؛ أوعظت أمْ لم تعِظْ، أكنت من الواعظين أمْ لم تكُنْ من الواعظين؛ يعني كونه قابَلَ ﴿أَوَعَظْتَ﴾ اللي تدل على الفعل؛ على وقوع الوعظ بأن لم تكن من الواعظين التي تدل على الوصف بكونه واعظًا.
يُؤخَذُ من هذا أنه حذف من كل واحدة ما يقابلها اختصارًا للوضوح. أيش يصير التقدير على هذا؟ أوعظت أمْ لم تعِظْ، أكنت واعظًا تستحق أن ينصرف الناس لك ويأخذوا منك، أمْ لم تكُنْ واعظًا، وهذا غاية ما يكون من بلاغة القرآن، وبالنسبة لهم غاية ما يكون من الاستكبار وعدم الاكتراث بوعظهم، فهمتم الآن الحكمة؟ بأنه قال ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ ولم يقل: (أمْ لم تعظْ) لأجل أن يُؤْخَذ من كل جملة أو من كل كلمة ما يقابلها ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.
(﴿إِنْ﴾ مَا) يعني نافية، (﴿هَذَا﴾ الذي خوَّفتنا به، ﴿إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي اختلاقهم وكذبهم)، يعني أنك أنت يا هودُ ما جئتنا إلا بأمر اختلقه من قبلك، فكذبوه هو ومن قبله أيضًا، وقالوا: هذا خلق الأولين، خُلُقُهم بمعنى اختلاقهم وافتراؤهم وكَذِبهم، كما قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت ١٧]؛ يعني تختلقونه.
﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾، وفي قراءة بضم الخاء واللام ﴿خُلُقُ﴾، والقراءة هذه سبعية بناء على قاعدة المؤلف إذا قال: (قُرِئَ) للشاذ، (وفي قراءة) للسبعية.
(أي ما هذا الذي نحن عليه من أنْ لا بعث إلا خلق الأولين؛ أي طبيعتهم وعادتهم)، المؤلف على القراءة الثانية يرى أن اسم الإشارة يعود لا إلى قول هود ولكن إلى ما كانوا عليه، وعلى قراءة ﴿خُلُقُ﴾ يرى أنه عائد على قول هود، وسياق الآية يدل على أنه راجع إلى قول هود، سواء بضم الخاء أو بفتحها؛ أما فتحها فظاهر ﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾، وأما ضمها فهو أيضًا ظاهر؛ كأنهم يقولون: إن ما جئت به هو خلق الأولين من قبلك؛ يعني دأبهم الذي كانوا عليه؛ يعني الأنبياء السابقين، فعلى هذا يكون مرجع الإشارة واحدًا، أما على رأي المؤلف: ﴿﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾ يريد أن يحتجُّوا به هم، كأنهم يقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة وهذا ما عليه آباؤنا، فسنبقى عليه، والآية محتملة لكنها في الأول أظهر؛ أولًا: لأن القراءتين يفسِّر بعضهما بعضًا، والثاني: أنهم يريدون أن يردُّوا على قوله هو لا أن يبرروا فعلهم، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧، ١٣٨]، هذا إنكارٌ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، كأنهم يقولون: ما تخوَّفت ليس له أصلٌ، فما نحن بمعذَّبين.
وتأمَّل هذا التعبير الذي أتى مُؤكَّدًا بالباء في قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، لم يقولوا: وما نحن معذَّبين، ثم أتوا بالوصف ﴿بِمُعَذَّبِينَ﴾ بالجملة الاسمية للدلالة على انتفاءِ هذا أبدًا؛ لأن الجملة الاسمية تدل على الثبوت؛ ثبوت مدلولها، فعليه يكونون قد أنكروا أن يُعذَّبوا وادعوا أنهم لن يعذبوا أبدًا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، ولكن هذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَّنَى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس.]]، هؤلاء -والعياذ بالله- أتبعوا أنفسهم أهواءهم وتمنوا على الله الأماني إن كانوا مُصدِّقين بالبعث ما ندري، ربما يكونون مكذِّبين به وأنه لا بعث ولا جزاء ولا عذاب.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [الشعراء ١٣٩]؛ يعني فبهذا القول الذي صدَرَ منهم يصدق عليهم هذا الوصف؛ أنهم كذبوا هودًا، فيكونون مستحقين للعذاب، ولهذا أتى بالفاء (﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ في الدنيا بالريح ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ) أهلكهم الله تعالى بالريح.
ومن العجائب أن الله -سبحانه وبحمده- أهلكهم على حين تشوق منهم للرحمة؛ لأنهم أصيبوا بالجدب والقحط وبقوا مدة وصاروا ينتظرون الفرج بالمطر، فلما أرسل الله هذه الريح و﴿رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف ٢٤]، فاستفرحوا بذلك وظنوا أن الفرج قريب، ولكنه كان فرجًا لهودٍ ونقمةً عليهم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٤، ٢٥]، وهذه الريح التي بعثها الله سبحانه وتعالى على عادٍ فيها من آيات الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء القوم الأشداء الأقوياء الفخورين بقوتهم على غيرهم أُهْلِكوا بألطف الأشياء وهو الريح، ثم أُهْلِكوا في حال الرجاء أيضًا؛ لأنهم لاحظوا أن النقمة إذا أتت والإنسان يتوقع النعمة، ويش تكون؟ تكون أشد، وكذلك إذا أتت النقمة والإنسان في نعمة تكون أيضًا أشد وأنكى والعياذ بالله.
وفي قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ إلى آخره موعظة لنا بما نسمعه أحيانًا من هذه الأعاصير المدمرة التي تقلع الأشجار وتخرب الديار وتهلك الثمار وتهلك الأعمار أيضًا، ولكن مع الأسف أن الكثير منَّا يصدق عليهم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤]، هذا أمر طبيعي، ما هو شيء، الناس الآن يسمعون بالزلازل ويسمعون بهذه الأعاصير ويسمعون بالفيضانات العظيمة، ولكنهم لا يعزونها إلى أنها غضب من الله عز وجل، يعزونها إلى أنها أمر طبيعي، ولهذا ما يتأثر الإنسان بها إطلاقًا ولا كأنها بشيء، بينما ونحن صغار إذا سمعنا أن الأرض زلزلت بأحد، نرتجف نحن ونحن في بيوتنا آمنين؛ لأنه ما كان أحد يقول لنا: هذا أمر طبيعي، وهذا أمر ما يهم، وهذا أمر كائن لا محالة، مثلما أن الكسوف تمامًا؛ كان الناس بالأول إذا كسف القمر -أنا أذكره- يحصل منهم رهبة عظيمة، ويحصل منهم خوف، ويحضرون بأعداد كبيرة إلى المساجد من رجال ونساء وتحت صلاة وبكاء وخوف، الآن لا، ما كأنه بشيء، تجد هذا يشاهد التلفزيون في الأغنية، وهذا يسمع الأغنية من الراديو، إلا أنه -والحمد لله- آخر مرة انكسف القمر هذا العام اعتدلت إذاعتنا بعض الشيء وسائل الإعلام؛ فإنهم نقلوا صلاة الكسوف في التلفزيون وشاهدها الناس، واستفادوا من ذلك فائدة عظيمة؛ لأن أكثر اللي في المملكة من الأجانب ما يعرفون عن الكسوف شيئًا أبدًا؛ لأنهم عندهم هناك ما هم بيصلون، بل نسمع أنهم يطلعون (...) يغنون (...).
* طالب: إي، يغنون (...).
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: قولهم: ما استفدنا من الآية أنهم قد كذَّبوا رسالة هود، هذه الآية فيها العناد في آيات أخرى ثبت أنهم لم يصدقوا بهود أيضًا ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود ٥٩]..
* الشيخ: وهم لم يصدقوا عنادًا.
* طالب: قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء ١٣٥]، ألَا يدل هذا أنه يوم القيامة خاص لأني أخاف عليكم عذابًا عظيمًا.
* الشيخ: لا، حتى اليوم الذي يقع فيه العذاب في الدنيا (...).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما هو بلازم.
* طالب: (...) ما فيه التخفيف.
* الشيخ: (...) لأن ﴿يَوْمَ﴾ هذا ما عيَّنه، لو قال: عذاب اليوم حتى لو قال: (اليوم) يمكن يكون للجنس.
* طالب: على هذا كأنهم بلغتهم الرسالة يقولون: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧].
* الشيخ: إي نعم، (...) في قوم نوح (...) في سورة الأعراف صرَّح: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف ٦٩].
* طالب: لكن هو ترك إليهم -مثلًا- الخلافة في الأرض قوم نوح كلهم هناك، مثلًا ناس من هنا وهنا من قبائل.
* الشيخ: معرف أن قوم نوح لما هلكوا ما بقي إلا ذرية (...) هؤلاء منهم.
* طالب: يعني منهم؛ لأنهم كلهم..
* الشيخ: لا، ما هو كلهم، الظاهر أنهم تنامى الناس بسرعة والله أعلم، وطبعًا تعرف أن هؤلاء نجوا بإيمانهم، فهم سيبقون دهرًا طويلًا على الحق؛ لأنهم ما كثروا ولا تفرقت بهم الأهواء، فسيبقون دهرًا طويلًا على الحق، ثم إنه بعد ذلك حصل هذا التطور وكثر الناس، وصار كل قوم يحتاجون إلى رسول، فبعث الله رسولًا.
* طالب: (...) ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٢٣]، (...) لفظهم كذبوا الرسل الأولون ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ أو ﴿خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* الشيخ: إي، هو يؤيد أن المراد خلق الأولين عادة الأولين من الرسل (...)، هم أيضًا بيردون على كلامه، ما هم بيبرروا موقفهم، بيذكرون كلامه بأنه مختلق أو أنه شيء قلَّد غيره وليس له أصل.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص ٧].
* الشيخ: ﴿اخْتِلَاقٌ﴾؛ يعني: كذب، (...) الخَلْقُ بمعنى الكذب، وبمعنى الإيجاد.
* طالب: الحكمة في كون بعض الرسل أو بعض الأمم تكرَّر ذكرها في القرآن، وبعض الرسل لم يأت له ذكر قط؟
* الشيخ: هو الله سبحانه وتعالى ما ذكر إلا الرسل المحيطين بالعرب اللي كانوا يعرفون أنباءهم لكن هذا أقوى، أما اللي -مثلًا- في أمريكا وفي أقصى آسيا ما ذكر منهم، لكن نعلم أن الله بعث إليهم رسلًا ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، لكن ما ذكر الله سبحانه وتعالى من الرسل إلا ما كان حول الجزيرة.
* طالب: أفلا يدل هذا على أن الذي ذكروا في القرآن أفضل من غيرهم؟
* الشيخ: لا؛ لأن اللي غيرهم ما ذكروا لا ما نعرف عنهم شيئًا، إنما أولو العزم الخمسة هؤلاء لا شك أنهم أفضل من غيرهم.
* طالب: (...) ما تكتشفوه إلا حديثًا.
* الشيخ: ما اللي لم نكتشفه إلا حديثًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: المهم اللي في القارات هذه ما اكتشفوها إلا قريبًا، لكن هي موجودة من قبل هي موجودة من زمان.
* طالب: (...) قريبًا.
* الشيخ: إي، المهم أنها -سلمك الله- موجودة بلا شك، وموجود فيها ناس، ويُذْكَرُ أن شيخ الإسلام تكلم عن هذا، وقال: لا بد أن هناك أحدًا في المقابل لوجه الكرة الأرضية (...)، ما يمكن تسبح في الأرض بدون عمارة.
* * *
* الطالب: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٥١ - ١٥٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
فيما بقي من قصة هود عليه الصلاة والسلام * يستفاد منه: أن الداعية ينبغي له أن يذكِّرَ المدعُوَّ بنعمِ الله عليه. من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، ما هي الحكمة من تذكيره بالنعم؟
* طالب: لأن النعم تستوجب الشكر وطاعة المنعم.
* الشيخ: نعم، وأيضًا عقلًا تتضمن ذلك؛ لأن من أحسن إليك فإن من المستحسن عقلًا أن تطيعه فيما يأمرك به.
* وفي هذا من فوائد ما ذكر: أن هذه النعم التي يمد الله بها العبد تستوجب أن يقوم بتقوى الله؛ لأن قوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾، فالتعليل للأمر بالتقوى، فتكون النعم مستوجِبةً لتقوى العبد لربه تبارك وتعالى، لا للأشر والبطر والبُعد عن الله؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾، حيث عدَلَ عن قوله: (واتقوا الله) إلى ما ذُكِرَ إشارةً إلى أن هذا سببٌ كبير لوجوب التقوى.
* وفي الآية من الفوائد أيضًا: بيان أنه ينبغي للداعية مع القرن بذكر النعم أن يقرن الدعوة (...). من أين تؤخذ؟
* طالب: من قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
* وفيه أيضًا: أنه ينبغي إذا كان المقام أنسب أن يكون غير مصرح بذلك؛ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾، ما قال: إنكم ستصابون بيوم عظيم، بل قال: ﴿أَخَافُ﴾ كالمتوقِّع له غير الجازم به؛ لأن المقام يقتضي ذلك، ولكل مقام مقال.
* وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى قد يطبع على قلب العبد فلا يستفيد بالموعظة؛ لقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، هذا إذا لم يكن هذا القول منه كذبًا، فإن كان كذبًا فلا شاهد فيه لذلك؛ يعني إن كان الأمر حقًّا كما يقولون: إنهم سواء وُعِظُوا أم لم يُوعَظُوا فإنه يدل على أن العبد -والعياذ بالله- إذا ران على قلبه ما يعمل لم يستفِدْ بموعظة، أما إن كان كذبًا فإنه يدل على عُتُوِّ هؤلاء القوم وشدة استكبارهم عن الحق.
* وفي هذا دليل في التعبير بقوله: ﴿أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ على بلاغة القرآن. تؤخذ من أين (...)؟
* طالب: (...) ثم الجملة الثانية ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ يعني..
* الشيخ: أمْ أنت المقابل لها.
* طالب: أم أنت..
* الشيخ: من ذوي الوعظ.
* طالب: من ذوي الوعظ، أو لست منهم..
* الشيخ: (لست منهم) موجودة ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.
* الطالب: إي نعم، جمع بين الجملتين في آية واحدة.
* الشيخ: يعني بين المعنيين في كلمتين؛ لأن الحقيقة أنها أربعة معانٍ: وعظت أم لم تعِظْ، كنت من الواعظين أمْ لم تكن، في كلمتين؛ لأنه حذف من كل كلمة ما يقابلها لدلالة الأخرى عليها.
* وفي الآية دليل على أنه لا حُجَّة للمعاندين للرسل سوى التمسك بما كان عليه أسلافهم. من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ على قراءة ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ على حسب ما مشى عليه المؤلف، أما على القراءة الثانية ﴿﴿إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴾ فإنه * يستفاد منه: أن هؤلاء لم يقتصروا على تكذيب نبيهم، بل تعدَّوا إلى تكذيب غيره أيضًا، مع أنهم لم تطالبهم الرسل السابقون بذلك، إلا أنهم -لعنادهم واستكبارهم- كذَّبوا حتى السابقين، ولأجل أن يقولوا: إن هذا ليس بالأمر البدعي، وإنما ذلك دأب من كان من قبل.
يقول الله عز وجل: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ * ففي هذا دليل على أن التكذيب سبب للإهلاك، فينبغي للمؤمن الذي يعتبِرُ بقصص الأنبياء السابقين أن يحذر من هذا؛ أي: من التكذيب؛ لأنه إن فعل أُهْلِكَ.
ثم في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ ما سبق.
الشعراء 26:141
قال الله عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾، وهذه هي القصة الثالثة التي يذكرها الله تبارك وتعالى دائمًا عند ذكر قصص الأنبياء، فهم يكونون في الترتيب بعد قوم هودٍ؛ يكون هود قبل صالح، وصالح بعد هود، فقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾، وثمود هي القبيلة المعروفة مساكنهم في شمال المملكة العربية السعودية، وتُسمَّى الآن مدائن صالح، وهي تُسمَّى في الأصل الحِجْر، هؤلاء القوم أعطاهم الله تبارك وتعالى قوة وقدرة وإبداعًا في الصنعة، ولهذا أوتوا بآية تُناسب حالهم، وهي الناقة كما سيُذْكَر إن شاء الله.
قال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾، وهم إنما كذبوا رسولًا واحدًا، لكن سبق أن قلنا: إن المرسلين جاؤوا بدعوة واحدة، فتكذيب الواحد منهم تكذيب للجنس عمومًا؛ لأن هؤلاء الذين يكذبون رسولًا لم يكذبوه لعَيْنه وشخصه ولكن كذبوه لدعوته، وهذه الدعوة التي جاء بها هذا الرسول المعيَّن هي دعوةٌ لجميع الرسل، فكأنهم كذَّبوا جنسَ هذه الرسالة، فصدق عليهم أنهم مكذِّبون لجميع الرسل.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ﴾ (إذ) هذه إما للتعليل، أو ظرف للتكذيب؛ يعني أن التكذيب حصل بهذه القصة، ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾، وسماه أخًا لهم مع بُعْدِ ما بين المؤمن والكافر لأخوَّةِ النسب لا لأخوة الدين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ كل هذه الجمل سبق الكلام عليها، وذكر الإيرادات على قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ والجواب عنه. (﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ﴾ ما ﴿أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ) وهذا أيضًا كله سبق.
الشعراء 26:142
قال الله عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾، وهذه هي القصة الثالثة التي يذكرها الله تبارك وتعالى دائمًا عند ذكر قصص الأنبياء، فهم يكونون في الترتيب بعد قوم هودٍ؛ يكون هود قبل صالح، وصالح بعد هود، فقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾، وثمود هي القبيلة المعروفة مساكنهم في شمال المملكة العربية السعودية، وتُسمَّى الآن مدائن صالح، وهي تُسمَّى في الأصل الحِجْر، هؤلاء القوم أعطاهم الله تبارك وتعالى قوة وقدرة وإبداعًا في الصنعة، ولهذا أوتوا بآية تُناسب حالهم، وهي الناقة كما سيُذْكَر إن شاء الله.
قال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾، وهم إنما كذبوا رسولًا واحدًا، لكن سبق أن قلنا: إن المرسلين جاؤوا بدعوة واحدة، فتكذيب الواحد منهم تكذيب للجنس عمومًا؛ لأن هؤلاء الذين يكذبون رسولًا لم يكذبوه لعَيْنه وشخصه ولكن كذبوه لدعوته، وهذه الدعوة التي جاء بها هذا الرسول المعيَّن هي دعوةٌ لجميع الرسل، فكأنهم كذَّبوا جنسَ هذه الرسالة، فصدق عليهم أنهم مكذِّبون لجميع الرسل.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ﴾ (إذ) هذه إما للتعليل، أو ظرف للتكذيب؛ يعني أن التكذيب حصل بهذه القصة، ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾، وسماه أخًا لهم مع بُعْدِ ما بين المؤمن والكافر لأخوَّةِ النسب لا لأخوة الدين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ كل هذه الجمل سبق الكلام عليها، وذكر الإيرادات على قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ والجواب عنه. (﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ﴾ ما ﴿أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ) وهذا أيضًا كله سبق.
الشعراء 26:143
قال الله عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾، وهذه هي القصة الثالثة التي يذكرها الله تبارك وتعالى دائمًا عند ذكر قصص الأنبياء، فهم يكونون في الترتيب بعد قوم هودٍ؛ يكون هود قبل صالح، وصالح بعد هود، فقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾، وثمود هي القبيلة المعروفة مساكنهم في شمال المملكة العربية السعودية، وتُسمَّى الآن مدائن صالح، وهي تُسمَّى في الأصل الحِجْر، هؤلاء القوم أعطاهم الله تبارك وتعالى قوة وقدرة وإبداعًا في الصنعة، ولهذا أوتوا بآية تُناسب حالهم، وهي الناقة كما سيُذْكَر إن شاء الله.
قال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾، وهم إنما كذبوا رسولًا واحدًا، لكن سبق أن قلنا: إن المرسلين جاؤوا بدعوة واحدة، فتكذيب الواحد منهم تكذيب للجنس عمومًا؛ لأن هؤلاء الذين يكذبون رسولًا لم يكذبوه لعَيْنه وشخصه ولكن كذبوه لدعوته، وهذه الدعوة التي جاء بها هذا الرسول المعيَّن هي دعوةٌ لجميع الرسل، فكأنهم كذَّبوا جنسَ هذه الرسالة، فصدق عليهم أنهم مكذِّبون لجميع الرسل.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ﴾ (إذ) هذه إما للتعليل، أو ظرف للتكذيب؛ يعني أن التكذيب حصل بهذه القصة، ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾، وسماه أخًا لهم مع بُعْدِ ما بين المؤمن والكافر لأخوَّةِ النسب لا لأخوة الدين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ كل هذه الجمل سبق الكلام عليها، وذكر الإيرادات على قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ والجواب عنه. (﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ﴾ ما ﴿أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ) وهذا أيضًا كله سبق.
الشعراء 26:144
قال الله عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾، وهذه هي القصة الثالثة التي يذكرها الله تبارك وتعالى دائمًا عند ذكر قصص الأنبياء، فهم يكونون في الترتيب بعد قوم هودٍ؛ يكون هود قبل صالح، وصالح بعد هود، فقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾، وثمود هي القبيلة المعروفة مساكنهم في شمال المملكة العربية السعودية، وتُسمَّى الآن مدائن صالح، وهي تُسمَّى في الأصل الحِجْر، هؤلاء القوم أعطاهم الله تبارك وتعالى قوة وقدرة وإبداعًا في الصنعة، ولهذا أوتوا بآية تُناسب حالهم، وهي الناقة كما سيُذْكَر إن شاء الله.
قال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾، وهم إنما كذبوا رسولًا واحدًا، لكن سبق أن قلنا: إن المرسلين جاؤوا بدعوة واحدة، فتكذيب الواحد منهم تكذيب للجنس عمومًا؛ لأن هؤلاء الذين يكذبون رسولًا لم يكذبوه لعَيْنه وشخصه ولكن كذبوه لدعوته، وهذه الدعوة التي جاء بها هذا الرسول المعيَّن هي دعوةٌ لجميع الرسل، فكأنهم كذَّبوا جنسَ هذه الرسالة، فصدق عليهم أنهم مكذِّبون لجميع الرسل.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ﴾ (إذ) هذه إما للتعليل، أو ظرف للتكذيب؛ يعني أن التكذيب حصل بهذه القصة، ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾، وسماه أخًا لهم مع بُعْدِ ما بين المؤمن والكافر لأخوَّةِ النسب لا لأخوة الدين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ كل هذه الجمل سبق الكلام عليها، وذكر الإيرادات على قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ والجواب عنه. (﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ﴾ ما ﴿أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ) وهذا أيضًا كله سبق.
الشعراء 26:145
قال الله عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾، وهذه هي القصة الثالثة التي يذكرها الله تبارك وتعالى دائمًا عند ذكر قصص الأنبياء، فهم يكونون في الترتيب بعد قوم هودٍ؛ يكون هود قبل صالح، وصالح بعد هود، فقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾، وثمود هي القبيلة المعروفة مساكنهم في شمال المملكة العربية السعودية، وتُسمَّى الآن مدائن صالح، وهي تُسمَّى في الأصل الحِجْر، هؤلاء القوم أعطاهم الله تبارك وتعالى قوة وقدرة وإبداعًا في الصنعة، ولهذا أوتوا بآية تُناسب حالهم، وهي الناقة كما سيُذْكَر إن شاء الله.
قال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾، وهم إنما كذبوا رسولًا واحدًا، لكن سبق أن قلنا: إن المرسلين جاؤوا بدعوة واحدة، فتكذيب الواحد منهم تكذيب للجنس عمومًا؛ لأن هؤلاء الذين يكذبون رسولًا لم يكذبوه لعَيْنه وشخصه ولكن كذبوه لدعوته، وهذه الدعوة التي جاء بها هذا الرسول المعيَّن هي دعوةٌ لجميع الرسل، فكأنهم كذَّبوا جنسَ هذه الرسالة، فصدق عليهم أنهم مكذِّبون لجميع الرسل.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ﴾ (إذ) هذه إما للتعليل، أو ظرف للتكذيب؛ يعني أن التكذيب حصل بهذه القصة، ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾، وسماه أخًا لهم مع بُعْدِ ما بين المؤمن والكافر لأخوَّةِ النسب لا لأخوة الدين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ كل هذه الجمل سبق الكلام عليها، وذكر الإيرادات على قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ والجواب عنه. (﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ﴾ ما ﴿أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ) وهذا أيضًا كله سبق.
الشعراء 26:146
قال: (﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا﴾ من الخير ﴿آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء ١٤٦ - ١٤٨] لطيفٌ لَيِّنٌ)، ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا﴾ ﴿فِي مَا﴾؛ أي: في الذي، ﴿هَاهُنَا﴾ الإشارة إلى مكانهم؛ لأن مكانهم كما وصفه صالح عليه الصلاة والسلام: ﴿جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. والاستفهام في قوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ للتحذير؛ يعني: أتظنون أن تُتْرَكوا؟ لا، فلن تتركوا، فهو للنفي المتضمن للتحذير.
وقوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ مبني للمجهول للعلم بالفاعل. من هو الفاعل؟ الله سبحانه وتعالى؛ يعني أيتركم الله في ما هاهنا؟
وقوله: ﴿فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ إلى آخره تذكير بنعمة الله سبحانه وتعالى عليهم، وأنهم لا يمكن أن يُتْركوا في هذه الحال بدون أمرٍ ولا نهيٍ، وهو كقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة ٣٦]، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥]، قال: ﴿فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ حال من الواو في ﴿تُتْرَكُونَ﴾؛ يعني حال كونكم آمنين، والآمن هو الذي أمِنَ من الخوف.
* وفيه دليل على استقرارهم في أوطانهم وأمنهم، والأمن مع الرزق الواسع هما غاية النعمة في هذه الحياة.
قال: ﴿آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، (الجنات) جمع جنة، وهي البساتين كثيرة الأشجار؛ لأنها تَستُرُ من فيها، وقوله: ﴿وَعُيُونٍ﴾ جمع (عين)، وهي المياه الجارية بدون دوالٍ ولا نواضح، ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، عطف ما ذكر على الجنات من باب عطف الخاص على العام للعناية به، وإلا فهو داخل في الجنات؛ لأن الزروع منها والنخيل كذلك ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ (طلع) يعني: ما تطلعه، وقوله: ﴿هَضِيمٌ﴾ يقولس: (لطيفٌ لينٌ)، والأمر كذلك؛ فإن طلع النخيل من ألين ما يكون؛ من ألينه وألطفه. وقيل: إن الهضيم بمعنى النضيد، كما قال الله تعالى: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق ١٠، ١١]؛ يعني أنه منضود ليس متفرقًا لأجل أن يسهل أخذه وجنيه.
وقوله: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ هذه الجملة في قوله: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ ويش محلها من الإعراب؟
* طالب: صفة للنخل في محل جر.
* الشيخ: نعم، في محل جر ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، وإنما نَصَّ على الطلع دون غيره من الفوائد مع كثرة فوائد النخيل؛ لأنه غاية ما ينتفع به منها، وإلا ففيها منافع كثيرة، وبهذا شبه النبي ﷺ المؤمن بها لكثرة خيراته وفوائده. هذا من حيث الزروع والتنمية.
أما من حيث البناء والمساكن فقال: (﴿﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ﴾ ﴾ بطرين، وفي قراءة ﴿فَارِهِينَ﴾ حاذقين)، ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ المراد بنحتها من الجبال أنهم يجعلون البيت من الجبل، وليس المعنى أنهم ينحتون الحصى ثم يبنونها، لا، ولكنهم يجعلون البيت نفسه من الجبل، فيكيفون الجبل كما يريدون، وهو دليل على مقدرتهم وعلى كمال معرفتهم بالهندسة؛ لأن شيئًا ليس أمامك بل هو في باطن الحصى، والجبال والصخور تحتاج إلى تفكير قوي، كيف يصنعه، وكيف يجعل، (...)، وكيف يجعل (...)، إلى آخره، فهو دليل على قوتهم وعلى حذقهم في الهندسة.
كلمة ﴿﴿فَرِهِينَ﴾ ﴾؛ يعني بطرين، فهي صفة مشبهة، و﴿فَارِهِينَ﴾ بالمدِّ اسم فاعل، والمراد به الحذق، واختلاف القراءتين يكون فيه فائدة؛ وهي اجتماع المعنيين من هذه الكلمة، فيكونون متَّفقين بالأمرين في البطر، بناء على قراءة القصر، وبالحذق بناء على قراءة المد، وهذه من فوائد تنوع القراءة؛ لأن تنوع القراءة له فوائد كثيرة، منها هذه المسألة؛ أن تكون الكلمة جامعة لمعنيين.
﴿فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، هذه الجملة مثلما قلنا في قصة عاد: إما أن تكون مبنية على ما ذكر، وإما أن تكون مكررة لما سبق؛ فعلى الأول تكون تأسيسًا، وعلى الثاني تكون توكيدًا، والمقام مهم جدًّا يحتاج إلى أن تكرر فيه هذه الكلمة، وهي تقوى الله وطاعة الرسول ﷺ.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، هذا أمرٌ ونهي؛ أمر بتقوى الله وطاعته، ولكنه نهي عن طاعة أمر المسرفين، أمر واحد الأمور ولَّا واحد الأوامر؟
* طلبة: الأوامر.
* الشيخ: واحد الأوامر؛ يعني لا تطيعوا أمرهم. لماذا لم يقل: لا تطيعوهم وهو قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، ما قال: وأطيعوا أمري، وهنا قال: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، ما يخالف ألا يمكن أن يقول: ولا تطيعوا المسرفين في إفسادهم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ينهاهم عن طاعتهم.
* طالب: نعم، طاعة أمر المسرفين (...).
* الشيخ: طيب (...).
* طالب: يعني كبار القوم والوجهاء، وأنه يأمرهم لكي يكون أبلغ من لو قال: ولا تطيعوهم.
* الشيخ: طيب، قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر ٢٨]، ولم يقل: أتقتلون موسى، ليش؟
* طالب: لأنه يُعرِّض؛ لأنه يكتم إيمانه، فلا يريد أن يعرفون موسى (...) ﴿أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾..
* الشيخ: يعرفون موسى..
* طالب: يعرفون موسى، بس يبعد قرب صلته بموسى (...) عني ولا أعرفه (...).
* الشيخ: لو ذكره باسمه العلم لقيل: هذه صلة شخصية بينه وبينه، فجعله منكرًا كأنه لا يعرفه ﴿رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، هذه مثلها قريبة منها، لو قال: لا تطيعوا المسرفين أنفسهم، ربما يقال: إن هذه بعداوة بينه وبينهم، فهو لا يريد أن يطاعوا وأمر بطاعة نفسه، لكن إذا قال: أمر المسرفين، كأنه يقول: أنا لا يهمني أن يكون هذا من فلان أو فلان، ولكن الكلام على أنه أمر من مسرف، هذا ما ظهر لي؛ لأجل أن يبعد اتهامه بأنه لا يريد المسرفين أنفسهم، حيث وجه النهي عن طاعتهم لأنفسهم، فجعل النهي عن طاعة أمرهم الذي هو أمر إسراف وفساد.
وقوله: ﴿الْمُسْرِفِينَ﴾؛ يعني المتجاوزين للحد، المسرف المجاوز الحد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف ٣١] لا تجاوزوا الحد كمية ولا كيفية.
ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ وهذه الصفة كاشفة وليست قيدًا؛ لأن كل مسرف مفسد في الأرض فالصفة كاشفة، وقوله: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يكونون سببًا في فسادها، أو أن المعاصي نفسها فساد؛ يعني إما أن تكون هي فساد، فيفسدون من باب إضافة الشيء إلى سببه، إما أن تكون المعاصي سببًا للفساد، أو أنها هي نفسها فساد.
(﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ بطاعة الله) ولا بغيرها أيضًا، وفي قوله: ﴿يُفْسِدُونَ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ دليل على (...) فسادهم، وأنه ليس فيها صلاح، فالنفي هنا يُقْصَدُ به النفي للإصلاح مع إثبات كمال ضده وهو الفساد ﴿يُفْسِدُونَ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.
وقوله: (بطاعة الله) الطاعة نفسها إصلاح بلا شك، وهي أيضًا سبب للإصلاح؛ فإن طاعة الله تعالى سبب لصلاح كل شيء ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧]. ماذا كان الجواب؟ ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾، اتهموه بأنه مسحور، (مُسَحَّر) أبلغ من مسحورٍ، أيضًا وقولهم: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ حصرٌ لأعم الأحوال؛ يعني ما حالك أبدًا تخرج عن هذا الوصف ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾.
وقال المؤلف: (الذين سَحَرُوا كثيرًا حتى غلب على عقلهم) هذا -والعياذ بالله- جوابهم مثلما أجاب به كثير من الناس، بل إن كل الأنبياء يقال لهم مثل هذا ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢]؛ وذلك لأنه لا حجة لهم، وكل إنسان ما عنده حجة إنما يذهب إلى السب والشتم، يظن أنه بذلك ينفر عمن خصمه وعجز عن مقابلته، وأما الإنسان الذي عنده حجة فإنه لا يلجأ إلى الشتم وإلى السب، ولهذا يعاب على بعض العلماء دأبه السب والشتم مع خصومه مثلما يفعل من؟ ابن حزم رحمه الله وعفا عنه؛ يعني لو كان يناقش بهدوء لكان أحسن له، وأما السب والشتم في قوم هم مثله أرادوا أن يصلوا إلى الحق، فهذا لا ينبغي ولا يليق بهم، ولا يليق بالإنسان العامي فضلًا عن العالم، فالمقصود ليس هو التهجم على الشخص، المقصود المقالة أن يرد عليها (...).
لكن أعداء الرسل ليس عندهم ما يقاومون به ما جاءت به الرسل، فلهذا يلجؤون دائمًا إلى السب والشتم (﴿مَا أَنْتَ﴾ أيضًا ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ )؛ أما الأول فكذب ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ بلا شك، بل هو من أعقل الناس عليه الصلاة والسلام، ولولا أنه أعقل قومه ما جعل الله الرسالة فيه ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، فهو أعقلهم وأكثرهم أمنًا وأقواهم صبرًا.
لكن ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ هذا صحيح ولَّا لا؟ هذا صحيح، ما هو إلا بشر مثلنا، لكن هذه العلة (...) من أن يكون رسولًا، ولهذا قالت الرسل لقومهم الذين احتجوا عليهم بهذه الحجة: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم ١١]، هذا جواب هذه الشبهة، هي شبهة فجعلوها حجة، فيقال: وإذا كان بشرًا مثلكم، فما المانع من أن الله يمُنُّ عليه بالرسالة؟ لا مانع في الواقع، وأيضًا لا يمكن أن الله يرسل أحدًا إلى البشر إلا من البشر، حتى لو جعل ملكًا كما اقترح لجعل في صورة الرجل، ثم عاد الأمر على هؤلاء ملتبسًا مشتبهًا، فلم يستفيدوا من ذلك شيئًا.
الشعراء 26:147
قال: (﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا﴾ من الخير ﴿آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء ١٤٦ - ١٤٨] لطيفٌ لَيِّنٌ)، ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا﴾ ﴿فِي مَا﴾؛ أي: في الذي، ﴿هَاهُنَا﴾ الإشارة إلى مكانهم؛ لأن مكانهم كما وصفه صالح عليه الصلاة والسلام: ﴿جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. والاستفهام في قوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ للتحذير؛ يعني: أتظنون أن تُتْرَكوا؟ لا، فلن تتركوا، فهو للنفي المتضمن للتحذير.
وقوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ مبني للمجهول للعلم بالفاعل. من هو الفاعل؟ الله سبحانه وتعالى؛ يعني أيتركم الله في ما هاهنا؟
وقوله: ﴿فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ إلى آخره تذكير بنعمة الله سبحانه وتعالى عليهم، وأنهم لا يمكن أن يُتْركوا في هذه الحال بدون أمرٍ ولا نهيٍ، وهو كقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة ٣٦]، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥]، قال: ﴿فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ حال من الواو في ﴿تُتْرَكُونَ﴾؛ يعني حال كونكم آمنين، والآمن هو الذي أمِنَ من الخوف.
* وفيه دليل على استقرارهم في أوطانهم وأمنهم، والأمن مع الرزق الواسع هما غاية النعمة في هذه الحياة.
قال: ﴿آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، (الجنات) جمع جنة، وهي البساتين كثيرة الأشجار؛ لأنها تَستُرُ من فيها، وقوله: ﴿وَعُيُونٍ﴾ جمع (عين)، وهي المياه الجارية بدون دوالٍ ولا نواضح، ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، عطف ما ذكر على الجنات من باب عطف الخاص على العام للعناية به، وإلا فهو داخل في الجنات؛ لأن الزروع منها والنخيل كذلك ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ (طلع) يعني: ما تطلعه، وقوله: ﴿هَضِيمٌ﴾ يقولس: (لطيفٌ لينٌ)، والأمر كذلك؛ فإن طلع النخيل من ألين ما يكون؛ من ألينه وألطفه. وقيل: إن الهضيم بمعنى النضيد، كما قال الله تعالى: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق ١٠، ١١]؛ يعني أنه منضود ليس متفرقًا لأجل أن يسهل أخذه وجنيه.
وقوله: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ هذه الجملة في قوله: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ ويش محلها من الإعراب؟
* طالب: صفة للنخل في محل جر.
* الشيخ: نعم، في محل جر ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، وإنما نَصَّ على الطلع دون غيره من الفوائد مع كثرة فوائد النخيل؛ لأنه غاية ما ينتفع به منها، وإلا ففيها منافع كثيرة، وبهذا شبه النبي ﷺ المؤمن بها لكثرة خيراته وفوائده. هذا من حيث الزروع والتنمية.
أما من حيث البناء والمساكن فقال: (﴿﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ﴾ ﴾ بطرين، وفي قراءة ﴿فَارِهِينَ﴾ حاذقين)، ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ المراد بنحتها من الجبال أنهم يجعلون البيت من الجبل، وليس المعنى أنهم ينحتون الحصى ثم يبنونها، لا، ولكنهم يجعلون البيت نفسه من الجبل، فيكيفون الجبل كما يريدون، وهو دليل على مقدرتهم وعلى كمال معرفتهم بالهندسة؛ لأن شيئًا ليس أمامك بل هو في باطن الحصى، والجبال والصخور تحتاج إلى تفكير قوي، كيف يصنعه، وكيف يجعل، (...)، وكيف يجعل (...)، إلى آخره، فهو دليل على قوتهم وعلى حذقهم في الهندسة.
كلمة ﴿﴿فَرِهِينَ﴾ ﴾؛ يعني بطرين، فهي صفة مشبهة، و﴿فَارِهِينَ﴾ بالمدِّ اسم فاعل، والمراد به الحذق، واختلاف القراءتين يكون فيه فائدة؛ وهي اجتماع المعنيين من هذه الكلمة، فيكونون متَّفقين بالأمرين في البطر، بناء على قراءة القصر، وبالحذق بناء على قراءة المد، وهذه من فوائد تنوع القراءة؛ لأن تنوع القراءة له فوائد كثيرة، منها هذه المسألة؛ أن تكون الكلمة جامعة لمعنيين.
﴿فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، هذه الجملة مثلما قلنا في قصة عاد: إما أن تكون مبنية على ما ذكر، وإما أن تكون مكررة لما سبق؛ فعلى الأول تكون تأسيسًا، وعلى الثاني تكون توكيدًا، والمقام مهم جدًّا يحتاج إلى أن تكرر فيه هذه الكلمة، وهي تقوى الله وطاعة الرسول ﷺ.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، هذا أمرٌ ونهي؛ أمر بتقوى الله وطاعته، ولكنه نهي عن طاعة أمر المسرفين، أمر واحد الأمور ولَّا واحد الأوامر؟
* طلبة: الأوامر.
* الشيخ: واحد الأوامر؛ يعني لا تطيعوا أمرهم. لماذا لم يقل: لا تطيعوهم وهو قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، ما قال: وأطيعوا أمري، وهنا قال: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، ما يخالف ألا يمكن أن يقول: ولا تطيعوا المسرفين في إفسادهم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ينهاهم عن طاعتهم.
* طالب: نعم، طاعة أمر المسرفين (...).
* الشيخ: طيب (...).
* طالب: يعني كبار القوم والوجهاء، وأنه يأمرهم لكي يكون أبلغ من لو قال: ولا تطيعوهم.
* الشيخ: طيب، قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر ٢٨]، ولم يقل: أتقتلون موسى، ليش؟
* طالب: لأنه يُعرِّض؛ لأنه يكتم إيمانه، فلا يريد أن يعرفون موسى (...) ﴿أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾..
* الشيخ: يعرفون موسى..
* طالب: يعرفون موسى، بس يبعد قرب صلته بموسى (...) عني ولا أعرفه (...).
* الشيخ: لو ذكره باسمه العلم لقيل: هذه صلة شخصية بينه وبينه، فجعله منكرًا كأنه لا يعرفه ﴿رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، هذه مثلها قريبة منها، لو قال: لا تطيعوا المسرفين أنفسهم، ربما يقال: إن هذه بعداوة بينه وبينهم، فهو لا يريد أن يطاعوا وأمر بطاعة نفسه، لكن إذا قال: أمر المسرفين، كأنه يقول: أنا لا يهمني أن يكون هذا من فلان أو فلان، ولكن الكلام على أنه أمر من مسرف، هذا ما ظهر لي؛ لأجل أن يبعد اتهامه بأنه لا يريد المسرفين أنفسهم، حيث وجه النهي عن طاعتهم لأنفسهم، فجعل النهي عن طاعة أمرهم الذي هو أمر إسراف وفساد.
وقوله: ﴿الْمُسْرِفِينَ﴾؛ يعني المتجاوزين للحد، المسرف المجاوز الحد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف ٣١] لا تجاوزوا الحد كمية ولا كيفية.
ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ وهذه الصفة كاشفة وليست قيدًا؛ لأن كل مسرف مفسد في الأرض فالصفة كاشفة، وقوله: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يكونون سببًا في فسادها، أو أن المعاصي نفسها فساد؛ يعني إما أن تكون هي فساد، فيفسدون من باب إضافة الشيء إلى سببه، إما أن تكون المعاصي سببًا للفساد، أو أنها هي نفسها فساد.
(﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ بطاعة الله) ولا بغيرها أيضًا، وفي قوله: ﴿يُفْسِدُونَ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ دليل على (...) فسادهم، وأنه ليس فيها صلاح، فالنفي هنا يُقْصَدُ به النفي للإصلاح مع إثبات كمال ضده وهو الفساد ﴿يُفْسِدُونَ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.
وقوله: (بطاعة الله) الطاعة نفسها إصلاح بلا شك، وهي أيضًا سبب للإصلاح؛ فإن طاعة الله تعالى سبب لصلاح كل شيء ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧]. ماذا كان الجواب؟ ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾، اتهموه بأنه مسحور، (مُسَحَّر) أبلغ من مسحورٍ، أيضًا وقولهم: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ حصرٌ لأعم الأحوال؛ يعني ما حالك أبدًا تخرج عن هذا الوصف ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾.
وقال المؤلف: (الذين سَحَرُوا كثيرًا حتى غلب على عقلهم) هذا -والعياذ بالله- جوابهم مثلما أجاب به كثير من الناس، بل إن كل الأنبياء يقال لهم مثل هذا ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢]؛ وذلك لأنه لا حجة لهم، وكل إنسان ما عنده حجة إنما يذهب إلى السب والشتم، يظن أنه بذلك ينفر عمن خصمه وعجز عن مقابلته، وأما الإنسان الذي عنده حجة فإنه لا يلجأ إلى الشتم وإلى السب، ولهذا يعاب على بعض العلماء دأبه السب والشتم مع خصومه مثلما يفعل من؟ ابن حزم رحمه الله وعفا عنه؛ يعني لو كان يناقش بهدوء لكان أحسن له، وأما السب والشتم في قوم هم مثله أرادوا أن يصلوا إلى الحق، فهذا لا ينبغي ولا يليق بهم، ولا يليق بالإنسان العامي فضلًا عن العالم، فالمقصود ليس هو التهجم على الشخص، المقصود المقالة أن يرد عليها (...).
لكن أعداء الرسل ليس عندهم ما يقاومون به ما جاءت به الرسل، فلهذا يلجؤون دائمًا إلى السب والشتم (﴿مَا أَنْتَ﴾ أيضًا ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ )؛ أما الأول فكذب ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ بلا شك، بل هو من أعقل الناس عليه الصلاة والسلام، ولولا أنه أعقل قومه ما جعل الله الرسالة فيه ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، فهو أعقلهم وأكثرهم أمنًا وأقواهم صبرًا.
لكن ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ هذا صحيح ولَّا لا؟ هذا صحيح، ما هو إلا بشر مثلنا، لكن هذه العلة (...) من أن يكون رسولًا، ولهذا قالت الرسل لقومهم الذين احتجوا عليهم بهذه الحجة: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم ١١]، هذا جواب هذه الشبهة، هي شبهة فجعلوها حجة، فيقال: وإذا كان بشرًا مثلكم، فما المانع من أن الله يمُنُّ عليه بالرسالة؟ لا مانع في الواقع، وأيضًا لا يمكن أن الله يرسل أحدًا إلى البشر إلا من البشر، حتى لو جعل ملكًا كما اقترح لجعل في صورة الرجل، ثم عاد الأمر على هؤلاء ملتبسًا مشتبهًا، فلم يستفيدوا من ذلك شيئًا.
الشعراء 26:148
قال: (﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا﴾ من الخير ﴿آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء ١٤٦ - ١٤٨] لطيفٌ لَيِّنٌ)، ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا﴾ ﴿فِي مَا﴾؛ أي: في الذي، ﴿هَاهُنَا﴾ الإشارة إلى مكانهم؛ لأن مكانهم كما وصفه صالح عليه الصلاة والسلام: ﴿جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. والاستفهام في قوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ للتحذير؛ يعني: أتظنون أن تُتْرَكوا؟ لا، فلن تتركوا، فهو للنفي المتضمن للتحذير.
وقوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ مبني للمجهول للعلم بالفاعل. من هو الفاعل؟ الله سبحانه وتعالى؛ يعني أيتركم الله في ما هاهنا؟
وقوله: ﴿فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ إلى آخره تذكير بنعمة الله سبحانه وتعالى عليهم، وأنهم لا يمكن أن يُتْركوا في هذه الحال بدون أمرٍ ولا نهيٍ، وهو كقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة ٣٦]، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥]، قال: ﴿فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ حال من الواو في ﴿تُتْرَكُونَ﴾؛ يعني حال كونكم آمنين، والآمن هو الذي أمِنَ من الخوف.
* وفيه دليل على استقرارهم في أوطانهم وأمنهم، والأمن مع الرزق الواسع هما غاية النعمة في هذه الحياة.
قال: ﴿آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، (الجنات) جمع جنة، وهي البساتين كثيرة الأشجار؛ لأنها تَستُرُ من فيها، وقوله: ﴿وَعُيُونٍ﴾ جمع (عين)، وهي المياه الجارية بدون دوالٍ ولا نواضح، ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، عطف ما ذكر على الجنات من باب عطف الخاص على العام للعناية به، وإلا فهو داخل في الجنات؛ لأن الزروع منها والنخيل كذلك ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ (طلع) يعني: ما تطلعه، وقوله: ﴿هَضِيمٌ﴾ يقولس: (لطيفٌ لينٌ)، والأمر كذلك؛ فإن طلع النخيل من ألين ما يكون؛ من ألينه وألطفه. وقيل: إن الهضيم بمعنى النضيد، كما قال الله تعالى: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق ١٠، ١١]؛ يعني أنه منضود ليس متفرقًا لأجل أن يسهل أخذه وجنيه.
وقوله: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ هذه الجملة في قوله: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ ويش محلها من الإعراب؟
* طالب: صفة للنخل في محل جر.
* الشيخ: نعم، في محل جر ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، وإنما نَصَّ على الطلع دون غيره من الفوائد مع كثرة فوائد النخيل؛ لأنه غاية ما ينتفع به منها، وإلا ففيها منافع كثيرة، وبهذا شبه النبي ﷺ المؤمن بها لكثرة خيراته وفوائده. هذا من حيث الزروع والتنمية.
أما من حيث البناء والمساكن فقال: (﴿﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ﴾ ﴾ بطرين، وفي قراءة ﴿فَارِهِينَ﴾ حاذقين)، ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ المراد بنحتها من الجبال أنهم يجعلون البيت من الجبل، وليس المعنى أنهم ينحتون الحصى ثم يبنونها، لا، ولكنهم يجعلون البيت نفسه من الجبل، فيكيفون الجبل كما يريدون، وهو دليل على مقدرتهم وعلى كمال معرفتهم بالهندسة؛ لأن شيئًا ليس أمامك بل هو في باطن الحصى، والجبال والصخور تحتاج إلى تفكير قوي، كيف يصنعه، وكيف يجعل، (...)، وكيف يجعل (...)، إلى آخره، فهو دليل على قوتهم وعلى حذقهم في الهندسة.
كلمة ﴿﴿فَرِهِينَ﴾ ﴾؛ يعني بطرين، فهي صفة مشبهة، و﴿فَارِهِينَ﴾ بالمدِّ اسم فاعل، والمراد به الحذق، واختلاف القراءتين يكون فيه فائدة؛ وهي اجتماع المعنيين من هذه الكلمة، فيكونون متَّفقين بالأمرين في البطر، بناء على قراءة القصر، وبالحذق بناء على قراءة المد، وهذه من فوائد تنوع القراءة؛ لأن تنوع القراءة له فوائد كثيرة، منها هذه المسألة؛ أن تكون الكلمة جامعة لمعنيين.
﴿فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، هذه الجملة مثلما قلنا في قصة عاد: إما أن تكون مبنية على ما ذكر، وإما أن تكون مكررة لما سبق؛ فعلى الأول تكون تأسيسًا، وعلى الثاني تكون توكيدًا، والمقام مهم جدًّا يحتاج إلى أن تكرر فيه هذه الكلمة، وهي تقوى الله وطاعة الرسول ﷺ.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، هذا أمرٌ ونهي؛ أمر بتقوى الله وطاعته، ولكنه نهي عن طاعة أمر المسرفين، أمر واحد الأمور ولَّا واحد الأوامر؟
* طلبة: الأوامر.
* الشيخ: واحد الأوامر؛ يعني لا تطيعوا أمرهم. لماذا لم يقل: لا تطيعوهم وهو قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، ما قال: وأطيعوا أمري، وهنا قال: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، ما يخالف ألا يمكن أن يقول: ولا تطيعوا المسرفين في إفسادهم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ينهاهم عن طاعتهم.
* طالب: نعم، طاعة أمر المسرفين (...).
* الشيخ: طيب (...).
* طالب: يعني كبار القوم والوجهاء، وأنه يأمرهم لكي يكون أبلغ من لو قال: ولا تطيعوهم.
* الشيخ: طيب، قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر ٢٨]، ولم يقل: أتقتلون موسى، ليش؟
* طالب: لأنه يُعرِّض؛ لأنه يكتم إيمانه، فلا يريد أن يعرفون موسى (...) ﴿أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾..
* الشيخ: يعرفون موسى..
* طالب: يعرفون موسى، بس يبعد قرب صلته بموسى (...) عني ولا أعرفه (...).
* الشيخ: لو ذكره باسمه العلم لقيل: هذه صلة شخصية بينه وبينه، فجعله منكرًا كأنه لا يعرفه ﴿رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، هذه مثلها قريبة منها، لو قال: لا تطيعوا المسرفين أنفسهم، ربما يقال: إن هذه بعداوة بينه وبينهم، فهو لا يريد أن يطاعوا وأمر بطاعة نفسه، لكن إذا قال: أمر المسرفين، كأنه يقول: أنا لا يهمني أن يكون هذا من فلان أو فلان، ولكن الكلام على أنه أمر من مسرف، هذا ما ظهر لي؛ لأجل أن يبعد اتهامه بأنه لا يريد المسرفين أنفسهم، حيث وجه النهي عن طاعتهم لأنفسهم، فجعل النهي عن طاعة أمرهم الذي هو أمر إسراف وفساد.
وقوله: ﴿الْمُسْرِفِينَ﴾؛ يعني المتجاوزين للحد، المسرف المجاوز الحد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف ٣١] لا تجاوزوا الحد كمية ولا كيفية.
ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ وهذه الصفة كاشفة وليست قيدًا؛ لأن كل مسرف مفسد في الأرض فالصفة كاشفة، وقوله: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يكونون سببًا في فسادها، أو أن المعاصي نفسها فساد؛ يعني إما أن تكون هي فساد، فيفسدون من باب إضافة الشيء إلى سببه، إما أن تكون المعاصي سببًا للفساد، أو أنها هي نفسها فساد.
(﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ بطاعة الله) ولا بغيرها أيضًا، وفي قوله: ﴿يُفْسِدُونَ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ دليل على (...) فسادهم، وأنه ليس فيها صلاح، فالنفي هنا يُقْصَدُ به النفي للإصلاح مع إثبات كمال ضده وهو الفساد ﴿يُفْسِدُونَ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.
وقوله: (بطاعة الله) الطاعة نفسها إصلاح بلا شك، وهي أيضًا سبب للإصلاح؛ فإن طاعة الله تعالى سبب لصلاح كل شيء ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧]. ماذا كان الجواب؟ ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾، اتهموه بأنه مسحور، (مُسَحَّر) أبلغ من مسحورٍ، أيضًا وقولهم: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ حصرٌ لأعم الأحوال؛ يعني ما حالك أبدًا تخرج عن هذا الوصف ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾.
وقال المؤلف: (الذين سَحَرُوا كثيرًا حتى غلب على عقلهم) هذا -والعياذ بالله- جوابهم مثلما أجاب به كثير من الناس، بل إن كل الأنبياء يقال لهم مثل هذا ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢]؛ وذلك لأنه لا حجة لهم، وكل إنسان ما عنده حجة إنما يذهب إلى السب والشتم، يظن أنه بذلك ينفر عمن خصمه وعجز عن مقابلته، وأما الإنسان الذي عنده حجة فإنه لا يلجأ إلى الشتم وإلى السب، ولهذا يعاب على بعض العلماء دأبه السب والشتم مع خصومه مثلما يفعل من؟ ابن حزم رحمه الله وعفا عنه؛ يعني لو كان يناقش بهدوء لكان أحسن له، وأما السب والشتم في قوم هم مثله أرادوا أن يصلوا إلى الحق، فهذا لا ينبغي ولا يليق بهم، ولا يليق بالإنسان العامي فضلًا عن العالم، فالمقصود ليس هو التهجم على الشخص، المقصود المقالة أن يرد عليها (...).
لكن أعداء الرسل ليس عندهم ما يقاومون به ما جاءت به الرسل، فلهذا يلجؤون دائمًا إلى السب والشتم (﴿مَا أَنْتَ﴾ أيضًا ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ )؛ أما الأول فكذب ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ بلا شك، بل هو من أعقل الناس عليه الصلاة والسلام، ولولا أنه أعقل قومه ما جعل الله الرسالة فيه ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، فهو أعقلهم وأكثرهم أمنًا وأقواهم صبرًا.
لكن ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ هذا صحيح ولَّا لا؟ هذا صحيح، ما هو إلا بشر مثلنا، لكن هذه العلة (...) من أن يكون رسولًا، ولهذا قالت الرسل لقومهم الذين احتجوا عليهم بهذه الحجة: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم ١١]، هذا جواب هذه الشبهة، هي شبهة فجعلوها حجة، فيقال: وإذا كان بشرًا مثلكم، فما المانع من أن الله يمُنُّ عليه بالرسالة؟ لا مانع في الواقع، وأيضًا لا يمكن أن الله يرسل أحدًا إلى البشر إلا من البشر، حتى لو جعل ملكًا كما اقترح لجعل في صورة الرجل، ثم عاد الأمر على هؤلاء ملتبسًا مشتبهًا، فلم يستفيدوا من ذلك شيئًا.
الشعراء 26:149
قال: (﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا﴾ من الخير ﴿آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء ١٤٦ - ١٤٨] لطيفٌ لَيِّنٌ)، ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا﴾ ﴿فِي مَا﴾؛ أي: في الذي، ﴿هَاهُنَا﴾ الإشارة إلى مكانهم؛ لأن مكانهم كما وصفه صالح عليه الصلاة والسلام: ﴿جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. والاستفهام في قوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ للتحذير؛ يعني: أتظنون أن تُتْرَكوا؟ لا، فلن تتركوا، فهو للنفي المتضمن للتحذير.
وقوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ مبني للمجهول للعلم بالفاعل. من هو الفاعل؟ الله سبحانه وتعالى؛ يعني أيتركم الله في ما هاهنا؟
وقوله: ﴿فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ إلى آخره تذكير بنعمة الله سبحانه وتعالى عليهم، وأنهم لا يمكن أن يُتْركوا في هذه الحال بدون أمرٍ ولا نهيٍ، وهو كقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة ٣٦]، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥]، قال: ﴿فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ حال من الواو في ﴿تُتْرَكُونَ﴾؛ يعني حال كونكم آمنين، والآمن هو الذي أمِنَ من الخوف.
* وفيه دليل على استقرارهم في أوطانهم وأمنهم، والأمن مع الرزق الواسع هما غاية النعمة في هذه الحياة.
قال: ﴿آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، (الجنات) جمع جنة، وهي البساتين كثيرة الأشجار؛ لأنها تَستُرُ من فيها، وقوله: ﴿وَعُيُونٍ﴾ جمع (عين)، وهي المياه الجارية بدون دوالٍ ولا نواضح، ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، عطف ما ذكر على الجنات من باب عطف الخاص على العام للعناية به، وإلا فهو داخل في الجنات؛ لأن الزروع منها والنخيل كذلك ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ (طلع) يعني: ما تطلعه، وقوله: ﴿هَضِيمٌ﴾ يقولس: (لطيفٌ لينٌ)، والأمر كذلك؛ فإن طلع النخيل من ألين ما يكون؛ من ألينه وألطفه. وقيل: إن الهضيم بمعنى النضيد، كما قال الله تعالى: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق ١٠، ١١]؛ يعني أنه منضود ليس متفرقًا لأجل أن يسهل أخذه وجنيه.
وقوله: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ هذه الجملة في قوله: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ ويش محلها من الإعراب؟
* طالب: صفة للنخل في محل جر.
* الشيخ: نعم، في محل جر ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، وإنما نَصَّ على الطلع دون غيره من الفوائد مع كثرة فوائد النخيل؛ لأنه غاية ما ينتفع به منها، وإلا ففيها منافع كثيرة، وبهذا شبه النبي ﷺ المؤمن بها لكثرة خيراته وفوائده. هذا من حيث الزروع والتنمية.
أما من حيث البناء والمساكن فقال: (﴿﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ﴾ ﴾ بطرين، وفي قراءة ﴿فَارِهِينَ﴾ حاذقين)، ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ المراد بنحتها من الجبال أنهم يجعلون البيت من الجبل، وليس المعنى أنهم ينحتون الحصى ثم يبنونها، لا، ولكنهم يجعلون البيت نفسه من الجبل، فيكيفون الجبل كما يريدون، وهو دليل على مقدرتهم وعلى كمال معرفتهم بالهندسة؛ لأن شيئًا ليس أمامك بل هو في باطن الحصى، والجبال والصخور تحتاج إلى تفكير قوي، كيف يصنعه، وكيف يجعل، (...)، وكيف يجعل (...)، إلى آخره، فهو دليل على قوتهم وعلى حذقهم في الهندسة.
كلمة ﴿﴿فَرِهِينَ﴾ ﴾؛ يعني بطرين، فهي صفة مشبهة، و﴿فَارِهِينَ﴾ بالمدِّ اسم فاعل، والمراد به الحذق، واختلاف القراءتين يكون فيه فائدة؛ وهي اجتماع المعنيين من هذه الكلمة، فيكونون متَّفقين بالأمرين في البطر، بناء على قراءة القصر، وبالحذق بناء على قراءة المد، وهذه من فوائد تنوع القراءة؛ لأن تنوع القراءة له فوائد كثيرة، منها هذه المسألة؛ أن تكون الكلمة جامعة لمعنيين.
﴿فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، هذه الجملة مثلما قلنا في قصة عاد: إما أن تكون مبنية على ما ذكر، وإما أن تكون مكررة لما سبق؛ فعلى الأول تكون تأسيسًا، وعلى الثاني تكون توكيدًا، والمقام مهم جدًّا يحتاج إلى أن تكرر فيه هذه الكلمة، وهي تقوى الله وطاعة الرسول ﷺ.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، هذا أمرٌ ونهي؛ أمر بتقوى الله وطاعته، ولكنه نهي عن طاعة أمر المسرفين، أمر واحد الأمور ولَّا واحد الأوامر؟
* طلبة: الأوامر.
* الشيخ: واحد الأوامر؛ يعني لا تطيعوا أمرهم. لماذا لم يقل: لا تطيعوهم وهو قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، ما قال: وأطيعوا أمري، وهنا قال: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، ما يخالف ألا يمكن أن يقول: ولا تطيعوا المسرفين في إفسادهم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ينهاهم عن طاعتهم.
* طالب: نعم، طاعة أمر المسرفين (...).
* الشيخ: طيب (...).
* طالب: يعني كبار القوم والوجهاء، وأنه يأمرهم لكي يكون أبلغ من لو قال: ولا تطيعوهم.
* الشيخ: طيب، قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر ٢٨]، ولم يقل: أتقتلون موسى، ليش؟
* طالب: لأنه يُعرِّض؛ لأنه يكتم إيمانه، فلا يريد أن يعرفون موسى (...) ﴿أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾..
* الشيخ: يعرفون موسى..
* طالب: يعرفون موسى، بس يبعد قرب صلته بموسى (...) عني ولا أعرفه (...).
* الشيخ: لو ذكره باسمه العلم لقيل: هذه صلة شخصية بينه وبينه، فجعله منكرًا كأنه لا يعرفه ﴿رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، هذه مثلها قريبة منها، لو قال: لا تطيعوا المسرفين أنفسهم، ربما يقال: إن هذه بعداوة بينه وبينهم، فهو لا يريد أن يطاعوا وأمر بطاعة نفسه، لكن إذا قال: أمر المسرفين، كأنه يقول: أنا لا يهمني أن يكون هذا من فلان أو فلان، ولكن الكلام على أنه أمر من مسرف، هذا ما ظهر لي؛ لأجل أن يبعد اتهامه بأنه لا يريد المسرفين أنفسهم، حيث وجه النهي عن طاعتهم لأنفسهم، فجعل النهي عن طاعة أمرهم الذي هو أمر إسراف وفساد.
وقوله: ﴿الْمُسْرِفِينَ﴾؛ يعني المتجاوزين للحد، المسرف المجاوز الحد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف ٣١] لا تجاوزوا الحد كمية ولا كيفية.
ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ وهذه الصفة كاشفة وليست قيدًا؛ لأن كل مسرف مفسد في الأرض فالصفة كاشفة، وقوله: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يكونون سببًا في فسادها، أو أن المعاصي نفسها فساد؛ يعني إما أن تكون هي فساد، فيفسدون من باب إضافة الشيء إلى سببه، إما أن تكون المعاصي سببًا للفساد، أو أنها هي نفسها فساد.
(﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ بطاعة الله) ولا بغيرها أيضًا، وفي قوله: ﴿يُفْسِدُونَ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ دليل على (...) فسادهم، وأنه ليس فيها صلاح، فالنفي هنا يُقْصَدُ به النفي للإصلاح مع إثبات كمال ضده وهو الفساد ﴿يُفْسِدُونَ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.
وقوله: (بطاعة الله) الطاعة نفسها إصلاح بلا شك، وهي أيضًا سبب للإصلاح؛ فإن طاعة الله تعالى سبب لصلاح كل شيء ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧]. ماذا كان الجواب؟ ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾، اتهموه بأنه مسحور، (مُسَحَّر) أبلغ من مسحورٍ، أيضًا وقولهم: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ حصرٌ لأعم الأحوال؛ يعني ما حالك أبدًا تخرج عن هذا الوصف ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾.
وقال المؤلف: (الذين سَحَرُوا كثيرًا حتى غلب على عقلهم) هذا -والعياذ بالله- جوابهم مثلما أجاب به كثير من الناس، بل إن كل الأنبياء يقال لهم مثل هذا ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢]؛ وذلك لأنه لا حجة لهم، وكل إنسان ما عنده حجة إنما يذهب إلى السب والشتم، يظن أنه بذلك ينفر عمن خصمه وعجز عن مقابلته، وأما الإنسان الذي عنده حجة فإنه لا يلجأ إلى الشتم وإلى السب، ولهذا يعاب على بعض العلماء دأبه السب والشتم مع خصومه مثلما يفعل من؟ ابن حزم رحمه الله وعفا عنه؛ يعني لو كان يناقش بهدوء لكان أحسن له، وأما السب والشتم في قوم هم مثله أرادوا أن يصلوا إلى الحق، فهذا لا ينبغي ولا يليق بهم، ولا يليق بالإنسان العامي فضلًا عن العالم، فالمقصود ليس هو التهجم على الشخص، المقصود المقالة أن يرد عليها (...).
لكن أعداء الرسل ليس عندهم ما يقاومون به ما جاءت به الرسل، فلهذا يلجؤون دائمًا إلى السب والشتم (﴿مَا أَنْتَ﴾ أيضًا ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ )؛ أما الأول فكذب ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ بلا شك، بل هو من أعقل الناس عليه الصلاة والسلام، ولولا أنه أعقل قومه ما جعل الله الرسالة فيه ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، فهو أعقلهم وأكثرهم أمنًا وأقواهم صبرًا.
لكن ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ هذا صحيح ولَّا لا؟ هذا صحيح، ما هو إلا بشر مثلنا، لكن هذه العلة (...) من أن يكون رسولًا، ولهذا قالت الرسل لقومهم الذين احتجوا عليهم بهذه الحجة: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم ١١]، هذا جواب هذه الشبهة، هي شبهة فجعلوها حجة، فيقال: وإذا كان بشرًا مثلكم، فما المانع من أن الله يمُنُّ عليه بالرسالة؟ لا مانع في الواقع، وأيضًا لا يمكن أن الله يرسل أحدًا إلى البشر إلا من البشر، حتى لو جعل ملكًا كما اقترح لجعل في صورة الرجل، ثم عاد الأمر على هؤلاء ملتبسًا مشتبهًا، فلم يستفيدوا من ذلك شيئًا.
الشعراء 26:150
قال: (﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا﴾ من الخير ﴿آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء ١٤٦ - ١٤٨] لطيفٌ لَيِّنٌ)، ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا﴾ ﴿فِي مَا﴾؛ أي: في الذي، ﴿هَاهُنَا﴾ الإشارة إلى مكانهم؛ لأن مكانهم كما وصفه صالح عليه الصلاة والسلام: ﴿جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. والاستفهام في قوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ للتحذير؛ يعني: أتظنون أن تُتْرَكوا؟ لا، فلن تتركوا، فهو للنفي المتضمن للتحذير.
وقوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ مبني للمجهول للعلم بالفاعل. من هو الفاعل؟ الله سبحانه وتعالى؛ يعني أيتركم الله في ما هاهنا؟
وقوله: ﴿فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ إلى آخره تذكير بنعمة الله سبحانه وتعالى عليهم، وأنهم لا يمكن أن يُتْركوا في هذه الحال بدون أمرٍ ولا نهيٍ، وهو كقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة ٣٦]، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥]، قال: ﴿فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ حال من الواو في ﴿تُتْرَكُونَ﴾؛ يعني حال كونكم آمنين، والآمن هو الذي أمِنَ من الخوف.
* وفيه دليل على استقرارهم في أوطانهم وأمنهم، والأمن مع الرزق الواسع هما غاية النعمة في هذه الحياة.
قال: ﴿آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، (الجنات) جمع جنة، وهي البساتين كثيرة الأشجار؛ لأنها تَستُرُ من فيها، وقوله: ﴿وَعُيُونٍ﴾ جمع (عين)، وهي المياه الجارية بدون دوالٍ ولا نواضح، ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، عطف ما ذكر على الجنات من باب عطف الخاص على العام للعناية به، وإلا فهو داخل في الجنات؛ لأن الزروع منها والنخيل كذلك ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ (طلع) يعني: ما تطلعه، وقوله: ﴿هَضِيمٌ﴾ يقولس: (لطيفٌ لينٌ)، والأمر كذلك؛ فإن طلع النخيل من ألين ما يكون؛ من ألينه وألطفه. وقيل: إن الهضيم بمعنى النضيد، كما قال الله تعالى: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق ١٠، ١١]؛ يعني أنه منضود ليس متفرقًا لأجل أن يسهل أخذه وجنيه.
وقوله: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ هذه الجملة في قوله: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ ويش محلها من الإعراب؟
* طالب: صفة للنخل في محل جر.
* الشيخ: نعم، في محل جر ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، وإنما نَصَّ على الطلع دون غيره من الفوائد مع كثرة فوائد النخيل؛ لأنه غاية ما ينتفع به منها، وإلا ففيها منافع كثيرة، وبهذا شبه النبي ﷺ المؤمن بها لكثرة خيراته وفوائده. هذا من حيث الزروع والتنمية.
أما من حيث البناء والمساكن فقال: (﴿﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ﴾ ﴾ بطرين، وفي قراءة ﴿فَارِهِينَ﴾ حاذقين)، ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ المراد بنحتها من الجبال أنهم يجعلون البيت من الجبل، وليس المعنى أنهم ينحتون الحصى ثم يبنونها، لا، ولكنهم يجعلون البيت نفسه من الجبل، فيكيفون الجبل كما يريدون، وهو دليل على مقدرتهم وعلى كمال معرفتهم بالهندسة؛ لأن شيئًا ليس أمامك بل هو في باطن الحصى، والجبال والصخور تحتاج إلى تفكير قوي، كيف يصنعه، وكيف يجعل، (...)، وكيف يجعل (...)، إلى آخره، فهو دليل على قوتهم وعلى حذقهم في الهندسة.
كلمة ﴿﴿فَرِهِينَ﴾ ﴾؛ يعني بطرين، فهي صفة مشبهة، و﴿فَارِهِينَ﴾ بالمدِّ اسم فاعل، والمراد به الحذق، واختلاف القراءتين يكون فيه فائدة؛ وهي اجتماع المعنيين من هذه الكلمة، فيكونون متَّفقين بالأمرين في البطر، بناء على قراءة القصر، وبالحذق بناء على قراءة المد، وهذه من فوائد تنوع القراءة؛ لأن تنوع القراءة له فوائد كثيرة، منها هذه المسألة؛ أن تكون الكلمة جامعة لمعنيين.
﴿فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، هذه الجملة مثلما قلنا في قصة عاد: إما أن تكون مبنية على ما ذكر، وإما أن تكون مكررة لما سبق؛ فعلى الأول تكون تأسيسًا، وعلى الثاني تكون توكيدًا، والمقام مهم جدًّا يحتاج إلى أن تكرر فيه هذه الكلمة، وهي تقوى الله وطاعة الرسول ﷺ.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، هذا أمرٌ ونهي؛ أمر بتقوى الله وطاعته، ولكنه نهي عن طاعة أمر المسرفين، أمر واحد الأمور ولَّا واحد الأوامر؟
* طلبة: الأوامر.
* الشيخ: واحد الأوامر؛ يعني لا تطيعوا أمرهم. لماذا لم يقل: لا تطيعوهم وهو قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، ما قال: وأطيعوا أمري، وهنا قال: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، ما يخالف ألا يمكن أن يقول: ولا تطيعوا المسرفين في إفسادهم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ينهاهم عن طاعتهم.
* طالب: نعم، طاعة أمر المسرفين (...).
* الشيخ: طيب (...).
* طالب: يعني كبار القوم والوجهاء، وأنه يأمرهم لكي يكون أبلغ من لو قال: ولا تطيعوهم.
* الشيخ: طيب، قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر ٢٨]، ولم يقل: أتقتلون موسى، ليش؟
* طالب: لأنه يُعرِّض؛ لأنه يكتم إيمانه، فلا يريد أن يعرفون موسى (...) ﴿أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾..
* الشيخ: يعرفون موسى..
* طالب: يعرفون موسى، بس يبعد قرب صلته بموسى (...) عني ولا أعرفه (...).
* الشيخ: لو ذكره باسمه العلم لقيل: هذه صلة شخصية بينه وبينه، فجعله منكرًا كأنه لا يعرفه ﴿رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، هذه مثلها قريبة منها، لو قال: لا تطيعوا المسرفين أنفسهم، ربما يقال: إن هذه بعداوة بينه وبينهم، فهو لا يريد أن يطاعوا وأمر بطاعة نفسه، لكن إذا قال: أمر المسرفين، كأنه يقول: أنا لا يهمني أن يكون هذا من فلان أو فلان، ولكن الكلام على أنه أمر من مسرف، هذا ما ظهر لي؛ لأجل أن يبعد اتهامه بأنه لا يريد المسرفين أنفسهم، حيث وجه النهي عن طاعتهم لأنفسهم، فجعل النهي عن طاعة أمرهم الذي هو أمر إسراف وفساد.
وقوله: ﴿الْمُسْرِفِينَ﴾؛ يعني المتجاوزين للحد، المسرف المجاوز الحد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف ٣١] لا تجاوزوا الحد كمية ولا كيفية.
ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ وهذه الصفة كاشفة وليست قيدًا؛ لأن كل مسرف مفسد في الأرض فالصفة كاشفة، وقوله: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يكونون سببًا في فسادها، أو أن المعاصي نفسها فساد؛ يعني إما أن تكون هي فساد، فيفسدون من باب إضافة الشيء إلى سببه، إما أن تكون المعاصي سببًا للفساد، أو أنها هي نفسها فساد.
(﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ بطاعة الله) ولا بغيرها أيضًا، وفي قوله: ﴿يُفْسِدُونَ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ دليل على (...) فسادهم، وأنه ليس فيها صلاح، فالنفي هنا يُقْصَدُ به النفي للإصلاح مع إثبات كمال ضده وهو الفساد ﴿يُفْسِدُونَ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.
وقوله: (بطاعة الله) الطاعة نفسها إصلاح بلا شك، وهي أيضًا سبب للإصلاح؛ فإن طاعة الله تعالى سبب لصلاح كل شيء ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧]. ماذا كان الجواب؟ ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾، اتهموه بأنه مسحور، (مُسَحَّر) أبلغ من مسحورٍ، أيضًا وقولهم: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ حصرٌ لأعم الأحوال؛ يعني ما حالك أبدًا تخرج عن هذا الوصف ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾.
وقال المؤلف: (الذين سَحَرُوا كثيرًا حتى غلب على عقلهم) هذا -والعياذ بالله- جوابهم مثلما أجاب به كثير من الناس، بل إن كل الأنبياء يقال لهم مثل هذا ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢]؛ وذلك لأنه لا حجة لهم، وكل إنسان ما عنده حجة إنما يذهب إلى السب والشتم، يظن أنه بذلك ينفر عمن خصمه وعجز عن مقابلته، وأما الإنسان الذي عنده حجة فإنه لا يلجأ إلى الشتم وإلى السب، ولهذا يعاب على بعض العلماء دأبه السب والشتم مع خصومه مثلما يفعل من؟ ابن حزم رحمه الله وعفا عنه؛ يعني لو كان يناقش بهدوء لكان أحسن له، وأما السب والشتم في قوم هم مثله أرادوا أن يصلوا إلى الحق، فهذا لا ينبغي ولا يليق بهم، ولا يليق بالإنسان العامي فضلًا عن العالم، فالمقصود ليس هو التهجم على الشخص، المقصود المقالة أن يرد عليها (...).
لكن أعداء الرسل ليس عندهم ما يقاومون به ما جاءت به الرسل، فلهذا يلجؤون دائمًا إلى السب والشتم (﴿مَا أَنْتَ﴾ أيضًا ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ )؛ أما الأول فكذب ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ بلا شك، بل هو من أعقل الناس عليه الصلاة والسلام، ولولا أنه أعقل قومه ما جعل الله الرسالة فيه ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، فهو أعقلهم وأكثرهم أمنًا وأقواهم صبرًا.
لكن ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ هذا صحيح ولَّا لا؟ هذا صحيح، ما هو إلا بشر مثلنا، لكن هذه العلة (...) من أن يكون رسولًا، ولهذا قالت الرسل لقومهم الذين احتجوا عليهم بهذه الحجة: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم ١١]، هذا جواب هذه الشبهة، هي شبهة فجعلوها حجة، فيقال: وإذا كان بشرًا مثلكم، فما المانع من أن الله يمُنُّ عليه بالرسالة؟ لا مانع في الواقع، وأيضًا لا يمكن أن الله يرسل أحدًا إلى البشر إلا من البشر، حتى لو جعل ملكًا كما اقترح لجعل في صورة الرجل، ثم عاد الأمر على هؤلاء ملتبسًا مشتبهًا، فلم يستفيدوا من ذلك شيئًا.
الشعراء 26:151
قال: (﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا﴾ من الخير ﴿آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء ١٤٦ - ١٤٨] لطيفٌ لَيِّنٌ)، ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا﴾ ﴿فِي مَا﴾؛ أي: في الذي، ﴿هَاهُنَا﴾ الإشارة إلى مكانهم؛ لأن مكانهم كما وصفه صالح عليه الصلاة والسلام: ﴿جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. والاستفهام في قوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ للتحذير؛ يعني: أتظنون أن تُتْرَكوا؟ لا، فلن تتركوا، فهو للنفي المتضمن للتحذير.
وقوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ مبني للمجهول للعلم بالفاعل. من هو الفاعل؟ الله سبحانه وتعالى؛ يعني أيتركم الله في ما هاهنا؟
وقوله: ﴿فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ إلى آخره تذكير بنعمة الله سبحانه وتعالى عليهم، وأنهم لا يمكن أن يُتْركوا في هذه الحال بدون أمرٍ ولا نهيٍ، وهو كقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة ٣٦]، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥]، قال: ﴿فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ حال من الواو في ﴿تُتْرَكُونَ﴾؛ يعني حال كونكم آمنين، والآمن هو الذي أمِنَ من الخوف.
* وفيه دليل على استقرارهم في أوطانهم وأمنهم، والأمن مع الرزق الواسع هما غاية النعمة في هذه الحياة.
قال: ﴿آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، (الجنات) جمع جنة، وهي البساتين كثيرة الأشجار؛ لأنها تَستُرُ من فيها، وقوله: ﴿وَعُيُونٍ﴾ جمع (عين)، وهي المياه الجارية بدون دوالٍ ولا نواضح، ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، عطف ما ذكر على الجنات من باب عطف الخاص على العام للعناية به، وإلا فهو داخل في الجنات؛ لأن الزروع منها والنخيل كذلك ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ (طلع) يعني: ما تطلعه، وقوله: ﴿هَضِيمٌ﴾ يقولس: (لطيفٌ لينٌ)، والأمر كذلك؛ فإن طلع النخيل من ألين ما يكون؛ من ألينه وألطفه. وقيل: إن الهضيم بمعنى النضيد، كما قال الله تعالى: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق ١٠، ١١]؛ يعني أنه منضود ليس متفرقًا لأجل أن يسهل أخذه وجنيه.
وقوله: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ هذه الجملة في قوله: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ ويش محلها من الإعراب؟
* طالب: صفة للنخل في محل جر.
* الشيخ: نعم، في محل جر ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، وإنما نَصَّ على الطلع دون غيره من الفوائد مع كثرة فوائد النخيل؛ لأنه غاية ما ينتفع به منها، وإلا ففيها منافع كثيرة، وبهذا شبه النبي ﷺ المؤمن بها لكثرة خيراته وفوائده. هذا من حيث الزروع والتنمية.
أما من حيث البناء والمساكن فقال: (﴿﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ﴾ ﴾ بطرين، وفي قراءة ﴿فَارِهِينَ﴾ حاذقين)، ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ المراد بنحتها من الجبال أنهم يجعلون البيت من الجبل، وليس المعنى أنهم ينحتون الحصى ثم يبنونها، لا، ولكنهم يجعلون البيت نفسه من الجبل، فيكيفون الجبل كما يريدون، وهو دليل على مقدرتهم وعلى كمال معرفتهم بالهندسة؛ لأن شيئًا ليس أمامك بل هو في باطن الحصى، والجبال والصخور تحتاج إلى تفكير قوي، كيف يصنعه، وكيف يجعل، (...)، وكيف يجعل (...)، إلى آخره، فهو دليل على قوتهم وعلى حذقهم في الهندسة.
كلمة ﴿﴿فَرِهِينَ﴾ ﴾؛ يعني بطرين، فهي صفة مشبهة، و﴿فَارِهِينَ﴾ بالمدِّ اسم فاعل، والمراد به الحذق، واختلاف القراءتين يكون فيه فائدة؛ وهي اجتماع المعنيين من هذه الكلمة، فيكونون متَّفقين بالأمرين في البطر، بناء على قراءة القصر، وبالحذق بناء على قراءة المد، وهذه من فوائد تنوع القراءة؛ لأن تنوع القراءة له فوائد كثيرة، منها هذه المسألة؛ أن تكون الكلمة جامعة لمعنيين.
﴿فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، هذه الجملة مثلما قلنا في قصة عاد: إما أن تكون مبنية على ما ذكر، وإما أن تكون مكررة لما سبق؛ فعلى الأول تكون تأسيسًا، وعلى الثاني تكون توكيدًا، والمقام مهم جدًّا يحتاج إلى أن تكرر فيه هذه الكلمة، وهي تقوى الله وطاعة الرسول ﷺ.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، هذا أمرٌ ونهي؛ أمر بتقوى الله وطاعته، ولكنه نهي عن طاعة أمر المسرفين، أمر واحد الأمور ولَّا واحد الأوامر؟
* طلبة: الأوامر.
* الشيخ: واحد الأوامر؛ يعني لا تطيعوا أمرهم. لماذا لم يقل: لا تطيعوهم وهو قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، ما قال: وأطيعوا أمري، وهنا قال: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، ما يخالف ألا يمكن أن يقول: ولا تطيعوا المسرفين في إفسادهم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ينهاهم عن طاعتهم.
* طالب: نعم، طاعة أمر المسرفين (...).
* الشيخ: طيب (...).
* طالب: يعني كبار القوم والوجهاء، وأنه يأمرهم لكي يكون أبلغ من لو قال: ولا تطيعوهم.
* الشيخ: طيب، قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر ٢٨]، ولم يقل: أتقتلون موسى، ليش؟
* طالب: لأنه يُعرِّض؛ لأنه يكتم إيمانه، فلا يريد أن يعرفون موسى (...) ﴿أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾..
* الشيخ: يعرفون موسى..
* طالب: يعرفون موسى، بس يبعد قرب صلته بموسى (...) عني ولا أعرفه (...).
* الشيخ: لو ذكره باسمه العلم لقيل: هذه صلة شخصية بينه وبينه، فجعله منكرًا كأنه لا يعرفه ﴿رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، هذه مثلها قريبة منها، لو قال: لا تطيعوا المسرفين أنفسهم، ربما يقال: إن هذه بعداوة بينه وبينهم، فهو لا يريد أن يطاعوا وأمر بطاعة نفسه، لكن إذا قال: أمر المسرفين، كأنه يقول: أنا لا يهمني أن يكون هذا من فلان أو فلان، ولكن الكلام على أنه أمر من مسرف، هذا ما ظهر لي؛ لأجل أن يبعد اتهامه بأنه لا يريد المسرفين أنفسهم، حيث وجه النهي عن طاعتهم لأنفسهم، فجعل النهي عن طاعة أمرهم الذي هو أمر إسراف وفساد.
وقوله: ﴿الْمُسْرِفِينَ﴾؛ يعني المتجاوزين للحد، المسرف المجاوز الحد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف ٣١] لا تجاوزوا الحد كمية ولا كيفية.
ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ وهذه الصفة كاشفة وليست قيدًا؛ لأن كل مسرف مفسد في الأرض فالصفة كاشفة، وقوله: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يكونون سببًا في فسادها، أو أن المعاصي نفسها فساد؛ يعني إما أن تكون هي فساد، فيفسدون من باب إضافة الشيء إلى سببه، إما أن تكون المعاصي سببًا للفساد، أو أنها هي نفسها فساد.
(﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ بطاعة الله) ولا بغيرها أيضًا، وفي قوله: ﴿يُفْسِدُونَ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ دليل على (...) فسادهم، وأنه ليس فيها صلاح، فالنفي هنا يُقْصَدُ به النفي للإصلاح مع إثبات كمال ضده وهو الفساد ﴿يُفْسِدُونَ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.
وقوله: (بطاعة الله) الطاعة نفسها إصلاح بلا شك، وهي أيضًا سبب للإصلاح؛ فإن طاعة الله تعالى سبب لصلاح كل شيء ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧]. ماذا كان الجواب؟ ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾، اتهموه بأنه مسحور، (مُسَحَّر) أبلغ من مسحورٍ، أيضًا وقولهم: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ حصرٌ لأعم الأحوال؛ يعني ما حالك أبدًا تخرج عن هذا الوصف ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾.
وقال المؤلف: (الذين سَحَرُوا كثيرًا حتى غلب على عقلهم) هذا -والعياذ بالله- جوابهم مثلما أجاب به كثير من الناس، بل إن كل الأنبياء يقال لهم مثل هذا ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢]؛ وذلك لأنه لا حجة لهم، وكل إنسان ما عنده حجة إنما يذهب إلى السب والشتم، يظن أنه بذلك ينفر عمن خصمه وعجز عن مقابلته، وأما الإنسان الذي عنده حجة فإنه لا يلجأ إلى الشتم وإلى السب، ولهذا يعاب على بعض العلماء دأبه السب والشتم مع خصومه مثلما يفعل من؟ ابن حزم رحمه الله وعفا عنه؛ يعني لو كان يناقش بهدوء لكان أحسن له، وأما السب والشتم في قوم هم مثله أرادوا أن يصلوا إلى الحق، فهذا لا ينبغي ولا يليق بهم، ولا يليق بالإنسان العامي فضلًا عن العالم، فالمقصود ليس هو التهجم على الشخص، المقصود المقالة أن يرد عليها (...).
لكن أعداء الرسل ليس عندهم ما يقاومون به ما جاءت به الرسل، فلهذا يلجؤون دائمًا إلى السب والشتم (﴿مَا أَنْتَ﴾ أيضًا ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ )؛ أما الأول فكذب ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ بلا شك، بل هو من أعقل الناس عليه الصلاة والسلام، ولولا أنه أعقل قومه ما جعل الله الرسالة فيه ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، فهو أعقلهم وأكثرهم أمنًا وأقواهم صبرًا.
لكن ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ هذا صحيح ولَّا لا؟ هذا صحيح، ما هو إلا بشر مثلنا، لكن هذه العلة (...) من أن يكون رسولًا، ولهذا قالت الرسل لقومهم الذين احتجوا عليهم بهذه الحجة: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم ١١]، هذا جواب هذه الشبهة، هي شبهة فجعلوها حجة، فيقال: وإذا كان بشرًا مثلكم، فما المانع من أن الله يمُنُّ عليه بالرسالة؟ لا مانع في الواقع، وأيضًا لا يمكن أن الله يرسل أحدًا إلى البشر إلا من البشر، حتى لو جعل ملكًا كما اقترح لجعل في صورة الرجل، ثم عاد الأمر على هؤلاء ملتبسًا مشتبهًا، فلم يستفيدوا من ذلك شيئًا.
الشعراء 26:152
قال: (﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا﴾ من الخير ﴿آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء ١٤٦ - ١٤٨] لطيفٌ لَيِّنٌ)، ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا﴾ ﴿فِي مَا﴾؛ أي: في الذي، ﴿هَاهُنَا﴾ الإشارة إلى مكانهم؛ لأن مكانهم كما وصفه صالح عليه الصلاة والسلام: ﴿جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. والاستفهام في قوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ للتحذير؛ يعني: أتظنون أن تُتْرَكوا؟ لا، فلن تتركوا، فهو للنفي المتضمن للتحذير.
وقوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ مبني للمجهول للعلم بالفاعل. من هو الفاعل؟ الله سبحانه وتعالى؛ يعني أيتركم الله في ما هاهنا؟
وقوله: ﴿فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ إلى آخره تذكير بنعمة الله سبحانه وتعالى عليهم، وأنهم لا يمكن أن يُتْركوا في هذه الحال بدون أمرٍ ولا نهيٍ، وهو كقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة ٣٦]، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥]، قال: ﴿فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ حال من الواو في ﴿تُتْرَكُونَ﴾؛ يعني حال كونكم آمنين، والآمن هو الذي أمِنَ من الخوف.
* وفيه دليل على استقرارهم في أوطانهم وأمنهم، والأمن مع الرزق الواسع هما غاية النعمة في هذه الحياة.
قال: ﴿آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، (الجنات) جمع جنة، وهي البساتين كثيرة الأشجار؛ لأنها تَستُرُ من فيها، وقوله: ﴿وَعُيُونٍ﴾ جمع (عين)، وهي المياه الجارية بدون دوالٍ ولا نواضح، ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، عطف ما ذكر على الجنات من باب عطف الخاص على العام للعناية به، وإلا فهو داخل في الجنات؛ لأن الزروع منها والنخيل كذلك ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ (طلع) يعني: ما تطلعه، وقوله: ﴿هَضِيمٌ﴾ يقولس: (لطيفٌ لينٌ)، والأمر كذلك؛ فإن طلع النخيل من ألين ما يكون؛ من ألينه وألطفه. وقيل: إن الهضيم بمعنى النضيد، كما قال الله تعالى: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق ١٠، ١١]؛ يعني أنه منضود ليس متفرقًا لأجل أن يسهل أخذه وجنيه.
وقوله: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ هذه الجملة في قوله: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ ويش محلها من الإعراب؟
* طالب: صفة للنخل في محل جر.
* الشيخ: نعم، في محل جر ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، وإنما نَصَّ على الطلع دون غيره من الفوائد مع كثرة فوائد النخيل؛ لأنه غاية ما ينتفع به منها، وإلا ففيها منافع كثيرة، وبهذا شبه النبي ﷺ المؤمن بها لكثرة خيراته وفوائده. هذا من حيث الزروع والتنمية.
أما من حيث البناء والمساكن فقال: (﴿﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ﴾ ﴾ بطرين، وفي قراءة ﴿فَارِهِينَ﴾ حاذقين)، ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ المراد بنحتها من الجبال أنهم يجعلون البيت من الجبل، وليس المعنى أنهم ينحتون الحصى ثم يبنونها، لا، ولكنهم يجعلون البيت نفسه من الجبل، فيكيفون الجبل كما يريدون، وهو دليل على مقدرتهم وعلى كمال معرفتهم بالهندسة؛ لأن شيئًا ليس أمامك بل هو في باطن الحصى، والجبال والصخور تحتاج إلى تفكير قوي، كيف يصنعه، وكيف يجعل، (...)، وكيف يجعل (...)، إلى آخره، فهو دليل على قوتهم وعلى حذقهم في الهندسة.
كلمة ﴿﴿فَرِهِينَ﴾ ﴾؛ يعني بطرين، فهي صفة مشبهة، و﴿فَارِهِينَ﴾ بالمدِّ اسم فاعل، والمراد به الحذق، واختلاف القراءتين يكون فيه فائدة؛ وهي اجتماع المعنيين من هذه الكلمة، فيكونون متَّفقين بالأمرين في البطر، بناء على قراءة القصر، وبالحذق بناء على قراءة المد، وهذه من فوائد تنوع القراءة؛ لأن تنوع القراءة له فوائد كثيرة، منها هذه المسألة؛ أن تكون الكلمة جامعة لمعنيين.
﴿فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، هذه الجملة مثلما قلنا في قصة عاد: إما أن تكون مبنية على ما ذكر، وإما أن تكون مكررة لما سبق؛ فعلى الأول تكون تأسيسًا، وعلى الثاني تكون توكيدًا، والمقام مهم جدًّا يحتاج إلى أن تكرر فيه هذه الكلمة، وهي تقوى الله وطاعة الرسول ﷺ.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، هذا أمرٌ ونهي؛ أمر بتقوى الله وطاعته، ولكنه نهي عن طاعة أمر المسرفين، أمر واحد الأمور ولَّا واحد الأوامر؟
* طلبة: الأوامر.
* الشيخ: واحد الأوامر؛ يعني لا تطيعوا أمرهم. لماذا لم يقل: لا تطيعوهم وهو قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، ما قال: وأطيعوا أمري، وهنا قال: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، ما يخالف ألا يمكن أن يقول: ولا تطيعوا المسرفين في إفسادهم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ينهاهم عن طاعتهم.
* طالب: نعم، طاعة أمر المسرفين (...).
* الشيخ: طيب (...).
* طالب: يعني كبار القوم والوجهاء، وأنه يأمرهم لكي يكون أبلغ من لو قال: ولا تطيعوهم.
* الشيخ: طيب، قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر ٢٨]، ولم يقل: أتقتلون موسى، ليش؟
* طالب: لأنه يُعرِّض؛ لأنه يكتم إيمانه، فلا يريد أن يعرفون موسى (...) ﴿أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾..
* الشيخ: يعرفون موسى..
* طالب: يعرفون موسى، بس يبعد قرب صلته بموسى (...) عني ولا أعرفه (...).
* الشيخ: لو ذكره باسمه العلم لقيل: هذه صلة شخصية بينه وبينه، فجعله منكرًا كأنه لا يعرفه ﴿رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، هذه مثلها قريبة منها، لو قال: لا تطيعوا المسرفين أنفسهم، ربما يقال: إن هذه بعداوة بينه وبينهم، فهو لا يريد أن يطاعوا وأمر بطاعة نفسه، لكن إذا قال: أمر المسرفين، كأنه يقول: أنا لا يهمني أن يكون هذا من فلان أو فلان، ولكن الكلام على أنه أمر من مسرف، هذا ما ظهر لي؛ لأجل أن يبعد اتهامه بأنه لا يريد المسرفين أنفسهم، حيث وجه النهي عن طاعتهم لأنفسهم، فجعل النهي عن طاعة أمرهم الذي هو أمر إسراف وفساد.
وقوله: ﴿الْمُسْرِفِينَ﴾؛ يعني المتجاوزين للحد، المسرف المجاوز الحد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف ٣١] لا تجاوزوا الحد كمية ولا كيفية.
ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ وهذه الصفة كاشفة وليست قيدًا؛ لأن كل مسرف مفسد في الأرض فالصفة كاشفة، وقوله: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يكونون سببًا في فسادها، أو أن المعاصي نفسها فساد؛ يعني إما أن تكون هي فساد، فيفسدون من باب إضافة الشيء إلى سببه، إما أن تكون المعاصي سببًا للفساد، أو أنها هي نفسها فساد.
(﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ بطاعة الله) ولا بغيرها أيضًا، وفي قوله: ﴿يُفْسِدُونَ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ دليل على (...) فسادهم، وأنه ليس فيها صلاح، فالنفي هنا يُقْصَدُ به النفي للإصلاح مع إثبات كمال ضده وهو الفساد ﴿يُفْسِدُونَ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.
وقوله: (بطاعة الله) الطاعة نفسها إصلاح بلا شك، وهي أيضًا سبب للإصلاح؛ فإن طاعة الله تعالى سبب لصلاح كل شيء ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧]. ماذا كان الجواب؟ ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾، اتهموه بأنه مسحور، (مُسَحَّر) أبلغ من مسحورٍ، أيضًا وقولهم: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ حصرٌ لأعم الأحوال؛ يعني ما حالك أبدًا تخرج عن هذا الوصف ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾.
وقال المؤلف: (الذين سَحَرُوا كثيرًا حتى غلب على عقلهم) هذا -والعياذ بالله- جوابهم مثلما أجاب به كثير من الناس، بل إن كل الأنبياء يقال لهم مثل هذا ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢]؛ وذلك لأنه لا حجة لهم، وكل إنسان ما عنده حجة إنما يذهب إلى السب والشتم، يظن أنه بذلك ينفر عمن خصمه وعجز عن مقابلته، وأما الإنسان الذي عنده حجة فإنه لا يلجأ إلى الشتم وإلى السب، ولهذا يعاب على بعض العلماء دأبه السب والشتم مع خصومه مثلما يفعل من؟ ابن حزم رحمه الله وعفا عنه؛ يعني لو كان يناقش بهدوء لكان أحسن له، وأما السب والشتم في قوم هم مثله أرادوا أن يصلوا إلى الحق، فهذا لا ينبغي ولا يليق بهم، ولا يليق بالإنسان العامي فضلًا عن العالم، فالمقصود ليس هو التهجم على الشخص، المقصود المقالة أن يرد عليها (...).
لكن أعداء الرسل ليس عندهم ما يقاومون به ما جاءت به الرسل، فلهذا يلجؤون دائمًا إلى السب والشتم (﴿مَا أَنْتَ﴾ أيضًا ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ )؛ أما الأول فكذب ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ بلا شك، بل هو من أعقل الناس عليه الصلاة والسلام، ولولا أنه أعقل قومه ما جعل الله الرسالة فيه ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، فهو أعقلهم وأكثرهم أمنًا وأقواهم صبرًا.
لكن ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ هذا صحيح ولَّا لا؟ هذا صحيح، ما هو إلا بشر مثلنا، لكن هذه العلة (...) من أن يكون رسولًا، ولهذا قالت الرسل لقومهم الذين احتجوا عليهم بهذه الحجة: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم ١١]، هذا جواب هذه الشبهة، هي شبهة فجعلوها حجة، فيقال: وإذا كان بشرًا مثلكم، فما المانع من أن الله يمُنُّ عليه بالرسالة؟ لا مانع في الواقع، وأيضًا لا يمكن أن الله يرسل أحدًا إلى البشر إلا من البشر، حتى لو جعل ملكًا كما اقترح لجعل في صورة الرجل، ثم عاد الأمر على هؤلاء ملتبسًا مشتبهًا، فلم يستفيدوا من ذلك شيئًا.
الشعراء 26:153
قال: (﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا﴾ من الخير ﴿آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء ١٤٦ - ١٤٨] لطيفٌ لَيِّنٌ)، ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا﴾ ﴿فِي مَا﴾؛ أي: في الذي، ﴿هَاهُنَا﴾ الإشارة إلى مكانهم؛ لأن مكانهم كما وصفه صالح عليه الصلاة والسلام: ﴿جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. والاستفهام في قوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ للتحذير؛ يعني: أتظنون أن تُتْرَكوا؟ لا، فلن تتركوا، فهو للنفي المتضمن للتحذير.
وقوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ مبني للمجهول للعلم بالفاعل. من هو الفاعل؟ الله سبحانه وتعالى؛ يعني أيتركم الله في ما هاهنا؟
وقوله: ﴿فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ إلى آخره تذكير بنعمة الله سبحانه وتعالى عليهم، وأنهم لا يمكن أن يُتْركوا في هذه الحال بدون أمرٍ ولا نهيٍ، وهو كقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة ٣٦]، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥]، قال: ﴿فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ حال من الواو في ﴿تُتْرَكُونَ﴾؛ يعني حال كونكم آمنين، والآمن هو الذي أمِنَ من الخوف.
* وفيه دليل على استقرارهم في أوطانهم وأمنهم، والأمن مع الرزق الواسع هما غاية النعمة في هذه الحياة.
قال: ﴿آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، (الجنات) جمع جنة، وهي البساتين كثيرة الأشجار؛ لأنها تَستُرُ من فيها، وقوله: ﴿وَعُيُونٍ﴾ جمع (عين)، وهي المياه الجارية بدون دوالٍ ولا نواضح، ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، عطف ما ذكر على الجنات من باب عطف الخاص على العام للعناية به، وإلا فهو داخل في الجنات؛ لأن الزروع منها والنخيل كذلك ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ (طلع) يعني: ما تطلعه، وقوله: ﴿هَضِيمٌ﴾ يقولس: (لطيفٌ لينٌ)، والأمر كذلك؛ فإن طلع النخيل من ألين ما يكون؛ من ألينه وألطفه. وقيل: إن الهضيم بمعنى النضيد، كما قال الله تعالى: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق ١٠، ١١]؛ يعني أنه منضود ليس متفرقًا لأجل أن يسهل أخذه وجنيه.
وقوله: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ هذه الجملة في قوله: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ ويش محلها من الإعراب؟
* طالب: صفة للنخل في محل جر.
* الشيخ: نعم، في محل جر ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، وإنما نَصَّ على الطلع دون غيره من الفوائد مع كثرة فوائد النخيل؛ لأنه غاية ما ينتفع به منها، وإلا ففيها منافع كثيرة، وبهذا شبه النبي ﷺ المؤمن بها لكثرة خيراته وفوائده. هذا من حيث الزروع والتنمية.
أما من حيث البناء والمساكن فقال: (﴿﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ﴾ ﴾ بطرين، وفي قراءة ﴿فَارِهِينَ﴾ حاذقين)، ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ المراد بنحتها من الجبال أنهم يجعلون البيت من الجبل، وليس المعنى أنهم ينحتون الحصى ثم يبنونها، لا، ولكنهم يجعلون البيت نفسه من الجبل، فيكيفون الجبل كما يريدون، وهو دليل على مقدرتهم وعلى كمال معرفتهم بالهندسة؛ لأن شيئًا ليس أمامك بل هو في باطن الحصى، والجبال والصخور تحتاج إلى تفكير قوي، كيف يصنعه، وكيف يجعل، (...)، وكيف يجعل (...)، إلى آخره، فهو دليل على قوتهم وعلى حذقهم في الهندسة.
كلمة ﴿﴿فَرِهِينَ﴾ ﴾؛ يعني بطرين، فهي صفة مشبهة، و﴿فَارِهِينَ﴾ بالمدِّ اسم فاعل، والمراد به الحذق، واختلاف القراءتين يكون فيه فائدة؛ وهي اجتماع المعنيين من هذه الكلمة، فيكونون متَّفقين بالأمرين في البطر، بناء على قراءة القصر، وبالحذق بناء على قراءة المد، وهذه من فوائد تنوع القراءة؛ لأن تنوع القراءة له فوائد كثيرة، منها هذه المسألة؛ أن تكون الكلمة جامعة لمعنيين.
﴿فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، هذه الجملة مثلما قلنا في قصة عاد: إما أن تكون مبنية على ما ذكر، وإما أن تكون مكررة لما سبق؛ فعلى الأول تكون تأسيسًا، وعلى الثاني تكون توكيدًا، والمقام مهم جدًّا يحتاج إلى أن تكرر فيه هذه الكلمة، وهي تقوى الله وطاعة الرسول ﷺ.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، هذا أمرٌ ونهي؛ أمر بتقوى الله وطاعته، ولكنه نهي عن طاعة أمر المسرفين، أمر واحد الأمور ولَّا واحد الأوامر؟
* طلبة: الأوامر.
* الشيخ: واحد الأوامر؛ يعني لا تطيعوا أمرهم. لماذا لم يقل: لا تطيعوهم وهو قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، ما قال: وأطيعوا أمري، وهنا قال: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، ما يخالف ألا يمكن أن يقول: ولا تطيعوا المسرفين في إفسادهم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ينهاهم عن طاعتهم.
* طالب: نعم، طاعة أمر المسرفين (...).
* الشيخ: طيب (...).
* طالب: يعني كبار القوم والوجهاء، وأنه يأمرهم لكي يكون أبلغ من لو قال: ولا تطيعوهم.
* الشيخ: طيب، قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر ٢٨]، ولم يقل: أتقتلون موسى، ليش؟
* طالب: لأنه يُعرِّض؛ لأنه يكتم إيمانه، فلا يريد أن يعرفون موسى (...) ﴿أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾..
* الشيخ: يعرفون موسى..
* طالب: يعرفون موسى، بس يبعد قرب صلته بموسى (...) عني ولا أعرفه (...).
* الشيخ: لو ذكره باسمه العلم لقيل: هذه صلة شخصية بينه وبينه، فجعله منكرًا كأنه لا يعرفه ﴿رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، هذه مثلها قريبة منها، لو قال: لا تطيعوا المسرفين أنفسهم، ربما يقال: إن هذه بعداوة بينه وبينهم، فهو لا يريد أن يطاعوا وأمر بطاعة نفسه، لكن إذا قال: أمر المسرفين، كأنه يقول: أنا لا يهمني أن يكون هذا من فلان أو فلان، ولكن الكلام على أنه أمر من مسرف، هذا ما ظهر لي؛ لأجل أن يبعد اتهامه بأنه لا يريد المسرفين أنفسهم، حيث وجه النهي عن طاعتهم لأنفسهم، فجعل النهي عن طاعة أمرهم الذي هو أمر إسراف وفساد.
وقوله: ﴿الْمُسْرِفِينَ﴾؛ يعني المتجاوزين للحد، المسرف المجاوز الحد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف ٣١] لا تجاوزوا الحد كمية ولا كيفية.
ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ وهذه الصفة كاشفة وليست قيدًا؛ لأن كل مسرف مفسد في الأرض فالصفة كاشفة، وقوله: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يكونون سببًا في فسادها، أو أن المعاصي نفسها فساد؛ يعني إما أن تكون هي فساد، فيفسدون من باب إضافة الشيء إلى سببه، إما أن تكون المعاصي سببًا للفساد، أو أنها هي نفسها فساد.
(﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ بطاعة الله) ولا بغيرها أيضًا، وفي قوله: ﴿يُفْسِدُونَ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ دليل على (...) فسادهم، وأنه ليس فيها صلاح، فالنفي هنا يُقْصَدُ به النفي للإصلاح مع إثبات كمال ضده وهو الفساد ﴿يُفْسِدُونَ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.
وقوله: (بطاعة الله) الطاعة نفسها إصلاح بلا شك، وهي أيضًا سبب للإصلاح؛ فإن طاعة الله تعالى سبب لصلاح كل شيء ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧]. ماذا كان الجواب؟ ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾، اتهموه بأنه مسحور، (مُسَحَّر) أبلغ من مسحورٍ، أيضًا وقولهم: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ حصرٌ لأعم الأحوال؛ يعني ما حالك أبدًا تخرج عن هذا الوصف ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾.
وقال المؤلف: (الذين سَحَرُوا كثيرًا حتى غلب على عقلهم) هذا -والعياذ بالله- جوابهم مثلما أجاب به كثير من الناس، بل إن كل الأنبياء يقال لهم مثل هذا ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢]؛ وذلك لأنه لا حجة لهم، وكل إنسان ما عنده حجة إنما يذهب إلى السب والشتم، يظن أنه بذلك ينفر عمن خصمه وعجز عن مقابلته، وأما الإنسان الذي عنده حجة فإنه لا يلجأ إلى الشتم وإلى السب، ولهذا يعاب على بعض العلماء دأبه السب والشتم مع خصومه مثلما يفعل من؟ ابن حزم رحمه الله وعفا عنه؛ يعني لو كان يناقش بهدوء لكان أحسن له، وأما السب والشتم في قوم هم مثله أرادوا أن يصلوا إلى الحق، فهذا لا ينبغي ولا يليق بهم، ولا يليق بالإنسان العامي فضلًا عن العالم، فالمقصود ليس هو التهجم على الشخص، المقصود المقالة أن يرد عليها (...).
لكن أعداء الرسل ليس عندهم ما يقاومون به ما جاءت به الرسل، فلهذا يلجؤون دائمًا إلى السب والشتم (﴿مَا أَنْتَ﴾ أيضًا ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ )؛ أما الأول فكذب ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ بلا شك، بل هو من أعقل الناس عليه الصلاة والسلام، ولولا أنه أعقل قومه ما جعل الله الرسالة فيه ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، فهو أعقلهم وأكثرهم أمنًا وأقواهم صبرًا.
لكن ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ هذا صحيح ولَّا لا؟ هذا صحيح، ما هو إلا بشر مثلنا، لكن هذه العلة (...) من أن يكون رسولًا، ولهذا قالت الرسل لقومهم الذين احتجوا عليهم بهذه الحجة: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم ١١]، هذا جواب هذه الشبهة، هي شبهة فجعلوها حجة، فيقال: وإذا كان بشرًا مثلكم، فما المانع من أن الله يمُنُّ عليه بالرسالة؟ لا مانع في الواقع، وأيضًا لا يمكن أن الله يرسل أحدًا إلى البشر إلا من البشر، حتى لو جعل ملكًا كما اقترح لجعل في صورة الرجل، ثم عاد الأمر على هؤلاء ملتبسًا مشتبهًا، فلم يستفيدوا من ذلك شيئًا.
الشعراء 26:154
قال الله تعالى: (﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك)؛ يعني لو اقتصروا على الجملة الثانية ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ لكان هذا كلامًا سليمًا؛ لأن كل إنسان يأتيه بشر مثله ويقول: إنني رسول رب العالمين، سيقول: هات آية ودليلًا، وإلا لأمكن كل كذاب أن يدعي النبوة، وأن يستحل دماء غيره وأموالهم بهذه الدعوى الكاذبة، فقوله: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ صريح، لكن المراد بالأمر هنا هل المراد به التحدي أو الاسترشاد؟ يظهر من حالهم أن المراد به التحدي؛ يعني أنه لا يمكن أن يأتي بآية على حدِّ قولهم: إنه مسحر، ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك، وكلمة ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ تدل على استبعادهم أن يكون كذلك، وعلى أنهم يريدون بهذا التحدي له، أجابهم بقوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ﴾ هذه الآية وهذه الناقة أعظم من ما يصنعونه من الحجارة، وما يزرعونه من الزروع، ويغرسونه من الأشجار؛ لأنها خرجت عن النوق الأخرى، لم تكن مثل النوق المعروفة المألوفة.
وما وجه كونها آية؟ ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ هذا وجه الآية في هذه الناقة، وأما ما جاء في الإسرائيليات من أنها خرجت من صخرة، فهذا لا أصل له، ولو كانت كذلك لذكرت في القرآن؛ لأن خروجها من صخرة وهي من الحيوان أشد وأظهر وأجلى في الآية من كونها لها شرب ولهؤلاء شرب، فالصواب أن يقال: إن هذه الناقة ناقة، ولدت من نوق، ولكن لها مزية على غيرها، وهي هذه المزية العظيمة ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾. كيف لها شرب ولكم شرب؟ يعني أنها هي تشرب من هذا البئر تأتي وتشرب، واليوم الثاني تذهب وترعى..
الصواب أن يقال: إن هذه الناقة ناقة وُلدت من نُوق، ولكن لها مزية على غيرها، وهي هذه المزية العظيمة ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء ١٥٥]، كيف لها شِرْب ولكم شِرْب؟ يعني أنها هي تشرب من هذه البئر، تأتي وتشرب، واليوم الثاني تذهب وترعى، لكن في اليوم الذي هي تشرب قال أهل العلم: إن كل من أعطاها دلوًا من الماء أعطته دلوًا من اللبن، فصاروا هم يشربون يومًا لبنًا ويومًا ماءً، هذا اللبن يأخذونه من هذه البعير، من هذه الناقة، وهذا بلا شك من آيات الله؛ إذ لا يوجد ناقة في هذه المثابة.
وقوله: ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ كأن هذا الشِّرْب موقَّت بوقت جعلوه لأنفسهم، بحيث لا يلتبس على من ليس في البلد، حتى لو كان الإنسان في خارج البلد يعرف أن اليوم يوم الناقة، أو أن اليوم يوم الناس، فيأتي ويرد هذه البئر ويشرب منها، أو يرد في يوم الناقة فيشرب من لبنها، وهذا هو الفائدة من قوله: ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾.
﴿ ﴾
الشعراء 26:155
قال الله تعالى: (﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك)؛ يعني لو اقتصروا على الجملة الثانية ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ لكان هذا كلامًا سليمًا؛ لأن كل إنسان يأتيه بشر مثله ويقول: إنني رسول رب العالمين، سيقول: هات آية ودليلًا، وإلا لأمكن كل كذاب أن يدعي النبوة، وأن يستحل دماء غيره وأموالهم بهذه الدعوى الكاذبة، فقوله: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ صريح، لكن المراد بالأمر هنا هل المراد به التحدي أو الاسترشاد؟ يظهر من حالهم أن المراد به التحدي؛ يعني أنه لا يمكن أن يأتي بآية على حدِّ قولهم: إنه مسحر، ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك، وكلمة ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ تدل على استبعادهم أن يكون كذلك، وعلى أنهم يريدون بهذا التحدي له، أجابهم بقوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ﴾ هذه الآية وهذه الناقة أعظم من ما يصنعونه من الحجارة، وما يزرعونه من الزروع، ويغرسونه من الأشجار؛ لأنها خرجت عن النوق الأخرى، لم تكن مثل النوق المعروفة المألوفة.
وما وجه كونها آية؟ ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ هذا وجه الآية في هذه الناقة، وأما ما جاء في الإسرائيليات من أنها خرجت من صخرة، فهذا لا أصل له، ولو كانت كذلك لذكرت في القرآن؛ لأن خروجها من صخرة وهي من الحيوان أشد وأظهر وأجلى في الآية من كونها لها شرب ولهؤلاء شرب، فالصواب أن يقال: إن هذه الناقة ناقة، ولدت من نوق، ولكن لها مزية على غيرها، وهي هذه المزية العظيمة ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾. كيف لها شرب ولكم شرب؟ يعني أنها هي تشرب من هذا البئر تأتي وتشرب، واليوم الثاني تذهب وترعى..
الصواب أن يقال: إن هذه الناقة ناقة وُلدت من نُوق، ولكن لها مزية على غيرها، وهي هذه المزية العظيمة ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء ١٥٥]، كيف لها شِرْب ولكم شِرْب؟ يعني أنها هي تشرب من هذه البئر، تأتي وتشرب، واليوم الثاني تذهب وترعى، لكن في اليوم الذي هي تشرب قال أهل العلم: إن كل من أعطاها دلوًا من الماء أعطته دلوًا من اللبن، فصاروا هم يشربون يومًا لبنًا ويومًا ماءً، هذا اللبن يأخذونه من هذه البعير، من هذه الناقة، وهذا بلا شك من آيات الله؛ إذ لا يوجد ناقة في هذه المثابة.
وقوله: ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ كأن هذا الشِّرْب موقَّت بوقت جعلوه لأنفسهم، بحيث لا يلتبس على من ليس في البلد، حتى لو كان الإنسان في خارج البلد يعرف أن اليوم يوم الناقة، أو أن اليوم يوم الناس، فيأتي ويرد هذه البئر ويشرب منها، أو يرد في يوم الناقة فيشرب من لبنها، وهذا هو الفائدة من قوله: ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾.
﴿ ﴾
الشعراء 26:156
﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] يقول المؤلف: إنه عظيم (بعظم العذاب)؛ يعني: وليس اليوم نفسه هو العظيم، ولكن لوقوع العذاب فيه صار عظيمًا.
والعظيم وصف لليوم، وهل العظيم وصف مدْح أو وصف ذم؟
* طالب: على حسب السياق، وصف ذم.
* الشيخ: إي، لكن هو في الحقيقة وصْف مدح، ودليل على القوة فيما وُصف به، حتى إن كان عذابًا فهو دليل على قوة العذاب؛ إن كان خيرًا فهو دليل على قوة هذا الخير، المهم أن العظمة من حيث هي معنى من المعاني تدل على الكمال والمدح، سواء كان هذا في عذاب أو في نعمة.
وقوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ كثير من الناس يتحاشون أن يصفوا المخلوق بالعظيم، ولكن الحقيقة لا وجه لهذا؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل ٢٣]، ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ ١، ٢]، ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة ٧٦]، فوصف الله تعالى بالعِظَم نفسه وكلامه ووحيه، ووصف به أيضًا بعض مخلوقاته؛ مما يدل على أنه لا بأس به.
وقد كان ناس يتحاشون أيضًا من قول: المعظَّم، وهذا أيضًا لا يُتحاشَى منه؛ والسبب أن الْمُعظَّم ليس عظيمًا، الْمُعظَّم قد لا يكون عظيمًا. قد يُعظَّم من ليس بعظيم، وهو أقل رتبةً من العظيم، فإذا كان العظيم جائزًا إطلاقه فالمعظَّم من باب أولى.
الشعراء 26:157
ثم قال الله تعالى: (﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أي: عقرها بعضهم برضاهم ﴿فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾ [الشعراء ١٥٧] على عقرها ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [الشعراء ١٥٨] الموعود به، فهلكوا).
هو قال: لا تمسوها بسوء، ولكنهم مَسُّوها بأسوأ السوء والعياذ بالله، عقروا الناقة. وما معنى العَقْر؟ الظاهر أن المراد به القتل، وليس قطع الأرجل فقط، بل إنهم أهلكوها فعُوقبوا بمثل ما جنوا. أصبحوا نادمين، هل هم نادمون على ما فعلوا من ذنب، أو أنهم نادمون على ما فاتهم من مصلحتها؟
* طالب: على الأمرين، فاتهم المصلحة وأتاهم العذاب.
* الشيخ: ما بعد أتاهم العذاب إلى الآن. الظاهر أنهم ندموا على ما فاتهم من المصلحة الدنيوية؛ لأنهم لو ندموا على الذنب لكانوا تائبين، ولم يُهلَكوا، لكن ندموا، ترى أمس نشرب اللبن واليوم فاتنا اللبن، فالظاهر أن ندمهم هذا إنما كان من أجل فوات المقصود الدنيوي، وكم بقوا بعد ذلك؟
* طالب: ثلاثة أيام.
* الشيخ: نعم، ثلاثة أيام. والحكمة من هذه الأيام الثلاثة -والله أعلم- لعلهم يتوبون، ولكنهم لم يتوبوا. وقد أُخِذ من هذا استتابة المرتد كم؟ ثلاثة أيام، إن تاب وإلا أُجري عليه الحد. على خلاف بين أهل العلم في هذه المسألة، المهم أن هؤلاء لم يندموا على فعل المعصية، ولو ندموا لكان توبة، ولكنهم ندموا على ما فاتهم من حظ الدنيا فقط، فأخذهم العذاب الموعود به فهلكوا، إلا أن الله تعالى أنجى صالحًا ومن معه.
وقوله: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾، ومعلوم أنهم لم يكونوا كلهم عقروها، ولكن لما كان برضا الجميع، ومن زعمائهم؛ نُسِب إليهم جميعًا، وأنتم تعرفون أن فعل الطائفة من الأمة يُعتبَر فعلًا للجميع إذا لم يُنكروه، إذا سكتوا فلم ينكروه فهو للجميع؛ ولهذا يُذكِّر الله تعالى اليهود في عهد الرسول ﷺ بما فعل أسلافهم، ويخاطبهم به مخاطبة الفاعل؛ لأنها أمة واحدة، فإذا لم تُنكر ما كان عليه أسلافها نُسب للجميع.
(﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ الموعود به)، وما هو العذاب الذي أخذهم؟
* طلبة: صيحة.
* الشيخ: ورجفة، صيحة ورجفة جميعًا؛ يعني رجف الله بهم الأرض، وصاحَ بهم جبريل، فماتوا، أصبحوا في ديارهم جاثمين والعياذ بالله، صرعى كنفس واحدة. وفي هذا دليل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى، وأن الله تعالى على كل شيء قدير ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤].
ولو أننا عقلنا -نحن المسلمين- وآمنَّا حقيقة الإيمان ما كنا بهذه الحال التي نحن عليها؛ يعني ما كنا نخاف الناس أكثر مما نخاف الله. الآن زعماء المسلمين -مع الأسف- يخافون الناس أكثر مما يخافون الله، ولهذا يداهنون الناس في أحكام الله عز وجل، ولو أنهم اعتزوا بعزة دينهم لخافهم الناس.
ولهذا يقولون: الإنسان لا بد أن يخاف ويرجف، لكن إما أن يخاف الله أو يخاف غيره، فإن خاف الله خافه الناس، وإن خاف غير الله استولى عليه هذا الخوف. وهذا صحيح، هذا حق، يكون مَنْ خاف الله خافه كل شيء، ومن اتقى الله اتقاه كل شيء، وبالعكس يكون الأمر بالعكس.
فعلينا جميعًا أن نكون واثقين بوعد الله عز وجل، غير ناظرين إلى الأسباب الحاضرة، صحيح لو نظرنا نظرةً مادية محضة لكنا لا يمكن أن نتكلم مع هؤلاء، أو أن نتحداهم في تنفيذ الشريعة ومحاربتهم، لكن يجب ألا ننظر إلى هذه الأسباب الحاضرة، يجب أن ننظر إلى أسباب أخرى فوق المادة، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: ولهذا من نظر إلى هذه الأسباب المشاهَدة الطبيعية ما يستقيم له أمر. الصحابة رضي الله عنهم عندما جاهدوا الفُرس والروم هل نظروا لهذه الأسباب؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: أبدًا، كانوا يحاصرون المدينة العظيمة لمدة، ثم يخرجون في الصباح فيُكَبِّرون الله، فإذا كبَّروا تصدعت الأسوار، وهذه شيء متواتر في التاريخ عنهم؛ أنهم يحاصرون المدينة مدة، ثم إذا كبَّروا الله سبحانه وتعالى كأنها مدافع وقنابل تُصدِّع هذه الجدران، ولكنه تكبير يخرج من القلب.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٥٨، ١٥٩].
* طالب: قوم صالح، هل آمنوا، يعني بغض النظر عن عقر الناقة هل آمنوا بالله واتبعوه..؟
* الشيخ: لا، قليل منهم.
* الطالب: إذن كيف (...)؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، يعني إمهال الله لهم ثلاثة أيام، معناها أننا نمهل نحن الكفار ثلاثة أيام، لكنَّ الكفار الأصليين في الشريعة الإسلامية لهم أحكام خاصة؛ كإقرارهم بالجزية مثلًا، وغيرهم ممن لا يُقَرُّ على دينه -وهو المرتد- يُنظر ثلاثة أيام، فالمسألة خلافية. ثم إن أيضًا الردة تختلف، من الردة ما يمكِن أن يُمهَل، ومنها ما لا يمكن أن يمهل.
* طالب: فلنذكر من ذلك قوم صالح، يعني هل إنهم (...) يعني ذهبوا، يعني ماتت وهي في محلها يعني؟
* الشيخ: إي، (...) الظاهر أن كل إنسان مات في بيته.
* الطالب: في بيته؟
* الشيخ: هذا الظاهر إي.
* طالب: واللي أدركه الموت عند (...)؟
* الشيخ: (...).
* طالب: فأما القبيلة جميعها يشربون من بئر واحدة، المعروف أن عندهم بساتين وزروع، ما لهم أنهار أيضًا؟
* الشيخ: لا؛ لأن البئر هذه هي الصالحة للشرب.
* الطالب: وغيرها؟
* الشيخ: وغيرها ما يصلح للشرب.
* طالب: خص الشرب في هذه البئر.
* الشيخ: في هذه البئر؛ ولهذا قسم ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾، ولا مانع أيضًا من أن يكون هذه البئر يسقي كل ما عندهم، ما يمتنع، لكن الأقرب والله أعلم أن البساتين منتشرة فيها العيون، وأن هذه البئر هي التي يأخذون منها ماء الشرب.
* طالب: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة ٥]، قيل: الرجفة أو ما شابه؟
* الشيخ: الظاهر أنه اسم للجميع؛ يعني بما طغى عليهم.
* الطالب: بما طغى عليهم، يعني غلبهم؟
* الشيخ: إي، غلبهم.
* الطالب: شيخ، سبب منع الرسول ﷺ (...)؟
* الشيخ: وجهه (...)؛ لأن استعمال هذا الماء يؤدي إلى النزول فيه والطمأنينة، والرسول عليه الصلاة والسلام لما مر بها مر مُقنعًا رأسه وأسرع، وقال: «إِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ؛ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠/٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولفظه: «لَا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذَّبِين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم؛ أن يصيبكم مثل ما أصابهم».]]. فالمسألة ما هي بهينة، والعجيب أن كثيرًا من الناس اليوم -الله يهدينا وإياهم- يذهبون إليها مذهب الفرجة والنزهة، هذا حرام ما يجوز، ولا يعارِض هذا قول الله عز وجل: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم ٤٥]، السبب أنه لا يعارض، ليش؟
* طالب: الكافرين (...).
* الشيخ: يعني معناه أن فعلهم لا يدل على الجواز؛ يعني كونه مسكونًا، أو يقال: إن شريعتنا وردت بخلاف ذلك بالتحريم. وأما قول بعض الناس: الأرض كلها ما تخلو من أمم مُكَذِّبة، فنقول: نعم، الأرض ما تخلو من أمم مكذبة، لكن من قال: إن هذا المكان المعين مكان أمة مكذبة؟ الأحقاف الآن هل يجوز نزولها ولَّا ما يجوز؟
* طالب: لا يجوز (...).
* الشيخ: يجوز؛ لأنه ما تُعْلَم مساكنهم بعينها، لكن ثمود المساكن موجودة بعينها الآن، إذا دخلها الإنسان كأنه داخلها في ذلك الوقت؛ ولهذا الرسول منع من الدخول إلا والإنسان باكٍ، قال: «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠/٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]. لكن عندنا اليوم يقولون: يدخلون ومعهم آلات التصوير.
* طالب: يشدون الرحل أيضًا لمكان محذور.
* الشيخ: لا، شد الرحل من أجل التعبد ما فيه مانع.
* الطالب: من أجل التعبد.
* الشيخ: إي، شد الرحل من أجل التعبد، فيه ناس يشدون الرحال للتجارة ولغير التجارة لكن شدها للنزهة هذا حرام..
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، هذا ما يجوز؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ويش عليه اللي يروح لهذا؟ اللي يروح لهذا لا بأس، يمكن يقال: إن هذا لا بأس به، على أن المسألة فيها نظر، قد يُقال: إن الاعتبار بما في القرآن أبلغ من الاعتبار بما في دنياه، فالمسألة فيها نظر لكنه أهون من الذي يروح للنزهة والفُرْجة، القلوب قست..
* الطالب: أليس بشد الرحل إذا كان قصد هذا التعبد يعني؟
* الشيخ: لا؛ لأنه ما قصد البقعة بعينها، أصلها أن الإنسان يقصد بقعة معينة يشد الرحل إليها (...)؛ يعني مثلما بيقول: أنا بروح أشد الرحل إلى مسجد الرياض؛ لأنه مسجد قديم وتوالت فيه الملوك، (...) بروح أشد الرحل إليه، هذا حرام ما يجوز، أو أشد الرحل إلى مسجد بني أمية في الشام؛ لأنه مسجد الخلفاء، نقول: ما يجوز، حرام.
* طالب: للعبرة والموعظة (...).
* الشيخ: لا، هذه قد تكون مثلما قلنا في الأول: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ [إبراهيم ٤٥] إنما ما تدل على.. لكن ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ [النمل ٦٩] هذه قد تكون إذا قلنا: إن السير حسي يشمل (...).
* طالب: لكن بشرط البكاء؟
* الشيخ: بشرط البكاء، نعم، بشرط أنه يعتبر الإنسان.
* طالب: خصص ديار ثمود من جميع بقاع الأرض..
* الشيخ: أصل ما عندنا بقعة معينة تدل على أن هذه ديار القوم إلا مثل قرية لوط؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨] لكن الله أنكر على الذين يمرون ولا يعتبرون.
* طالب: الشرب من (...) ثمود العلة هو الافتقار، فلو أوتي الإنسان بـ(...)؟
* الشيخ: بدون (...).
* الطالب: يشرب منه.
* الشيخ: إي معلوم.
* الطالب: لو أوتي بماء من (...)؟
* الشيخ: إي يجوز، حتى بئر الناقة نقول: إنه يجوز؛ لأن المسلمين كانوا يشربون منها بدون نكير، بئر الناقة..
* الطالب: معروف؟
* الشيخ: معروف في الزمن السابق، الآن ما أدري والله إلى الآن معروف ولَّا لا؟ ولا كان في الأول حسب كلام الفقهاء أنه معروف كان بئر كبيرة يردها الحُجَّاج اللي يأتون من الشام.
* طالب: عندهم آلات (...) قوتهم الجسدية..
* الشيخ: ما فيه شك أن عندهم قوة، ولكن أنتم تذكرون الناس عندنا من الأول يصنعون شيئًا ما يصنع بالوقت الحاضر.
* الطالب: (...).
* الشيخ: يصنعون (...) يسمونها الندية، يشكلون الهندسة من أحسن شيء.
* الطالب: (...) الجس.
* الشيخ: جس، الجس ليِّن.
* الطالب: نحت.
* الشيخ: لكن هذا نحت (...).
* الطالب: ينقشونها..
* الشيخ: إي ينقشوها ويزينونها، ويجعلون لها طارًا من فوق كذلك أيضًا اللي يسمونها جراوة، تقول: جرو، وتسمية صحيحة عربية، الجرو الآن تجده (...)، ومع ذلك كبير بحيث يسع ماءً كثيرًا.
* الطالب: ولا ينكسر.
* الشيخ: ولا ينكسر حين نحته، وبعضه أيضًا يحطون (...) عليه فوق..
* طالب: وحفر الآبار؟
* الشيخ: وحفر الآبار أيضًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: الله أعلم.
* طالب: كيف ترتب العذاب على عقر الناقة مع (...) متقدمة على عقر الناقة؟
* الشيخ: إي؛ لأن هذه آية، لكونها آية لهم وبرهانًا على صدقه (...) معناه أن عقره عدوان على الرسالة؛ يعني هي ما بناقة عادية هي.
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا من الكفر هذا؛ يعني كأنهم إذا تجرؤوا هذه الجرأة العظيمة على آية الرسول، معناه بلغوا الغاية أو جعل هذا علامة وشرطًا على هلاكهم فقط بالإضافة إلى الكفر.
* طالب: ألا (...) ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء ٥٩] أنها ليست مولودة من ناقة؟
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: لآتيناهم: أعطيناهم.
* الشيخ: ﴿مُبْصِرَةً﴾ يعني آية مبصرة تبين الحق.
* الطالب: بس (...).
* الشيخ: (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا (...).
* * *
* الطالب: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥) كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٦١ - ١٩١].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فيما سبق قصة ثمود الذين أُرسِل إليهم صالح، وفيها في أولها إذا قوله: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٤٥] ما سبق في قصة عاد ونوح.
وفي قوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٤٦] دليل على؟
* طالب: على عدم بقائهم في (...).
* الشيخ: يعني أنهم ما يمكن أن (...) بدون رُسُل وشكر للنعمة.
ما المراد بالاستفهام؟
* الطالب: الاستفهام للاستبعاد والاستنكار.
* الشيخ: يعني لا يمكن أن يُتركوا، يكون للنفي والتوبيخ.
* طالب: التحذير.
* الشيخ: لا، التوبيخ متضمن للتحذير؛ لأنهم إذا وبخوا فهم مُحذَّرون.
وفي قوله: ﴿آمِنِينَ﴾ دليل على؟
* الطالب: دلالة على عِظَم شأن نِعْمة الأمن، وأنها مما يستوجب الشكر العظيم لله سبحانه وتعالى، وأنه هو معطي الأمان (...).
* الشيخ: يدل على عِظم نعمة الأمن، وهذا صحيح، فإن نعمة الأمن قد تُقابِل نعمة الشِّبَع والشرب والري.
ماذا يستفاد من قوله: ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء ١٤٨]؟
* طالب: ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ أن النخل من أطيب أنواع الفواكه؛ فهي لينة وسهلة الهضم.
* الشيخ: أيش وجه؟
* الطالب: أي وجه؟ أن يكون..
* الشيخ: إي، ويش وجه أنها مُفضَّلة على غيرها.
* الطالب: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ أنها..
* الشيخ: غيرها؟
* الطالب: أنها تؤتي أكلها كل حين.
* الشيخ: لكن من السياق ما يُؤخذ شيء؟
* الطالب: (...) طلع هضيم في اللين والـ..
* الشيخ: لا، مين اللي يعرف؟
* الطالب: لله الْمِنَّة امتنَّ..
* طالب آخر: التخصيص بعد التعميم.
* الشيخ: التخصيص بعد التعميم يدل على مزيد فضل وعناية.
ويستفاد من قوله: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ﴾ [الشعراء ١٤٩] ما يستفاد منها؟
* الطالب: بين قوتهم (...).
* الشيخ: القوة.
* الطالب: نعم، القوة، (...) كانت بيوتهم تنحت في الجبال.
* الشيخ: إي، طيب قوة، ويش بعد؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف، القوة، والعظمة، والنشاط إلى آخره، ولكن بمعنى آخر غير القوة الجسمية.
* الطالب: من ناحية الحذق في الهندسة.
* الشيخ: زين، الحذق في الهندسة؛ لأن هذا يتطلب حذقًا؛ إذ إنه أمر مُغَيَّب، ما هو بشيء أمامك (...) على ما تريد.
ماذا يستفاد من قوله: ﴿فَارِهِينَ﴾ [الشعراء ١٤٩] على القراءتين؟
* طالب: على قراءة ﴿﴿فرهِينَ﴾ ﴾ أي: بَطِرِينَ، والقراءة الأخرى: ﴿فَارِهِينَ﴾ بمعنى حَاذِقِينَ.
* الشيخ: نعم، بمعنى حاذقين.
* الطالب: الاستفادة جمع الأمرين، يعني بَطِرِينَ وحَاذِقِينَ.
* الشيخ: إي نعم، حرص في العمل، وبَطَر في النعمة، وهذا فائدة اختلاف القراءتين.
قال: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء ١٥٢] في هذا فائدتان؛ لفظية ومعنوية، يفسدون ولا يصلحون ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إذن الفائدة المعنوية من هنا أنه لا يشارك فسادهم صلاح، فيكون في هذا النفي إثبات لكمال الفساد، هذه فائدة معنوية.
فائدة لفظية: أظن ما قلتها لكم ولكن ما يخالف، تراها في علم البديع.
* طالب: في المقابَلة.
* الشيخ: لا، الطباق؛ فيها الطباق؛ لأن يفسدون ولا يصلحون مثل: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا﴾ [الروم ٧] ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ١٨٧] ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا﴾. وهذا لا شك أنه من الأسلوب اللفظي الحسن مع ما فيه من النِّعم.
قوله: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ﴾ هل هي صفة كاشفة ولا صفة مؤسِّسة مقيدة؟
* طالب: لا، صفة كاشفة.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: بمعنى أي مسلم (...).
* الشيخ: (...) هذا؟
* الطالب: هذا ليس تقييدًا؛ بمعنى أن هناك فيه من لا يفسدون، وإنما هو كشف وتوضيح لحالهم.
* الشيخ: تمام، هذا الإفساد في الأرض هل فِعْله فساد أو سبب له؟
* الطالب: فعلهم نفسه فساد.
* الشيخ: فعلهم فساد نفسه.
* الطالب: ويكون أيضًا سببًا.
* الشيخ: ويكون سببًا، ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١].
جواب هؤلاء لصالح عليه الصلاة والسلام تضمن ثلاثة أشياء، ما هي؟
* طالب: أيضًا أنه من المسحرين الذين قد كثر.. سحروهم (...) كثيرًا حتى غلب على أمره السحر.
* الشيخ: لا، (...)، بس أعطني إياه في القرآن.
* الطالب: وأيضًا أنه بشر مثلهم، وأنهم ألزموه بأن يأتي بآية إن كان من الصادقين.
* الشيخ: هذه الأجوبة ثلاثة هي صحيحة ولَّا لا؟
* الطالب: فيها التفصيل؛ جواب ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ كذب محض.
* الشيخ: صحيح، هذا كذب محض.
* الطالب: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ صحيح. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في تفصيل؛ إن كانوا يريدون طلب الحق فهو طلب صحيح، وإن كانوا يردون التعجيز والتحدي فليس بصحيح.
* الشيخ: زين، ما هو الجواب عن الأول، جوابهم عن الشُّبهة الأولى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾؟
* طالب: نقول: هذه دائمًا حجة كل من لا يجد؛ يعني من لا يرتكز في (...) على شيء حقيقي، وإنما غاية ما هنالك الإنكار.
* الشيخ: السب والشتم والعيب، فهي دعوة غير مقبولة، ويدل على هذا أنه إنما يدعوهم إلى أمر معقول، والمسحَّر مَسحورًا مُخَبَّلًا، هذا ما يمكن يدعوهم بمثل هذا.
﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ويش الجواب على هذه الشُّبْهة؟
* طالب: لو اقتصروا على هذه لقلنا بأنهم فعلًا أرادوا الحق..
* الشيخ: ما يخالف، بس ويش الجواب عليها، ويش الجواب على قولهم: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾؟ إحنا نقول: صحيح، هو ما هو إلا بشر مثلكم، لكن ويش الجواب على هذا؟ ما هم جعلوها شبهة لرد قوله؟
* الطالب: نعم، نقول: إذا كان بشرًا مثلكم هذا يعني (...) أن تطيعوه، ولم يأتِ من غير جنسكم، حتى تقولوا: لو أتانا من جنسنا لأطعنا.
* الشيخ: لا، غير هذا، الجواب الذي أجابت به الرسل.
* طالب: قوله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم ١١].
* الشيخ: زين، نقول: ما يخالف، هو بشر مثلكم ولكن الله مَنَّ عليه بالرسالة ما فيه مانع.
الشبهة الثالثة ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾؟
* الطالب: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ طلبوا منه هذه الآية، فيكون إن أرادوا التعجيز فنقول: هذه كالأولى؛ لأنهم قوم مكذبون معاندون، وأما إن طلبوا دلالة على ما أتى به فهم مصيبون.
* الشيخ: مصيبون؛ ولذلك أعطاهم آية: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ صالح عليه الصلاة والسلام أعطاهم الآية سواء كانوا متحدين، أو طالبين للحق، قال: هذه ناقة.
ما وجه كون هذه الناقة آية؟
* طالب: أن لها شربًا ولهم شرب، يشربون، إنهم يشربون يومًا من لبنها وتشرب يومًا من الماء.
* الشيخ: ما هو كونها آية، لو كان عندي بعير يومًا أحلبه ويوم أسقيه ماء تصير آية؟
* الطالب: لا؛ لأنها على خلاف العادة.
* الشيخ: إي، على خلاف العادة؛ لأن شربها من هذه البئر على خلاف العادة؛ لأنها تشرب وتحلب، ما دامت تشرب فهي تحلب، وهذا شيء لا يكون في مثلها عادةً.
* الطالب: في نفس اليوم؟
* الشيخ: في نفس اليوم الذي تشرب تحلب.
* الطالب: (...).
* الشيخ: بعضهم يقول: إذا أعطاها دلوًا من الماء أعطته دلوًا من اللبن، وبعضهم يقول: لا، أنها تقف تشرب وما دامت تشرب فهم يحلبون، أي واحد (...) الشرب يحلب، كأن هذا الماء بإذن الله في الحال يتحول إلى لبن.
* طالب: ما المقصود يا شيخ من يوم تشرب ويوم تحلب؟
* الشيخ: لا، اليوم الثاني تذهب وترعى؛ ولذلك هم باليوم الثاني يشربون من الماء يُروُّون منه.
ماذا كانت النتيجة لهذه الآية؟
* طالب: كانت النتيجة عقروها، أصبحوا نادمين.
* الشيخ: عقروها.
أصبحوا نادمين على أي شيء؟
* طالب: قيل: نادمين؛ يعني لأنهم عصوا النبي (...). وقيل: وهو الأرجح أنهم نادمون بسبب ما فوتوا على أنفسهم (...).
* الشيخ: هذه الناقة.
* الطالب: في شِرب اللبن.
* الشيخ: والذي يرجحه؟
* الطالب: الذي يرجحه أنهم لم (...).
* الشيخ: لو ندموا على ما فعلوا؟
* الطالب: لتابوا.
* الشيخ: لتابوا.
يستفاد من هذا؛ من فعلهم هذا الفعل القبيح، ماذا يستفاد؟
* الطالب: يستفاد أن العقوبة ترتبت على الغاية..
* الشيخ: لا، كونهم متى يأتيهم بالآية هم يذهبون إلى إبطال الآية بعقرها..
* الطالب: العتو والجبروت.
* الشيخ: نعم، يستفاد منه العتو الجبروت؛ ففيه تسلية لكل داعية إذا دعا إلى حق لو أُصِيب بمثل هذا، لو كنت مثلًا تدعو افرض أنك تدعو إلى القرآن، وتقول: يا جماعة، هذا كتب الله بين أيدينا، ثم يجي واحد خبيث ويخده منك ويمزقه، تمزيق هذا القرآن شبيه بعقر هذه الناقة، ولكن الواجب عليك أن تصبر وأن تقول: جرى للأنبياء وهم أشرف عند الله مني ما هو أعظم.
وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ ما نوعه؟
* الطالب: العذاب الصيحة، رجفة مع صيحة.
* الشيخ: رجفة مع صيحة، ويش دليل هذا؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ [الأعراف ٩١، ٩٢].
* الشيخ: لا، بس ﴿فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ وبس.. طيب والصيحة؟
* الطالب: الصيحة: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر ٨٣، ٨٤].
* الشيخ: لا.
* الطالب: يقول في سورة القمر: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر ٢٧ - ٣١].
* الشيخ: أحسنت، تمام.
الشعراء 26:158
ثم قال الله تعالى: (﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أي: عقرها بعضهم برضاهم ﴿فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾ [الشعراء ١٥٧] على عقرها ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [الشعراء ١٥٨] الموعود به، فهلكوا).
هو قال: لا تمسوها بسوء، ولكنهم مَسُّوها بأسوأ السوء والعياذ بالله، عقروا الناقة. وما معنى العَقْر؟ الظاهر أن المراد به القتل، وليس قطع الأرجل فقط، بل إنهم أهلكوها فعُوقبوا بمثل ما جنوا. أصبحوا نادمين، هل هم نادمون على ما فعلوا من ذنب، أو أنهم نادمون على ما فاتهم من مصلحتها؟
* طالب: على الأمرين، فاتهم المصلحة وأتاهم العذاب.
* الشيخ: ما بعد أتاهم العذاب إلى الآن. الظاهر أنهم ندموا على ما فاتهم من المصلحة الدنيوية؛ لأنهم لو ندموا على الذنب لكانوا تائبين، ولم يُهلَكوا، لكن ندموا، ترى أمس نشرب اللبن واليوم فاتنا اللبن، فالظاهر أن ندمهم هذا إنما كان من أجل فوات المقصود الدنيوي، وكم بقوا بعد ذلك؟
* طالب: ثلاثة أيام.
* الشيخ: نعم، ثلاثة أيام. والحكمة من هذه الأيام الثلاثة -والله أعلم- لعلهم يتوبون، ولكنهم لم يتوبوا. وقد أُخِذ من هذا استتابة المرتد كم؟ ثلاثة أيام، إن تاب وإلا أُجري عليه الحد. على خلاف بين أهل العلم في هذه المسألة، المهم أن هؤلاء لم يندموا على فعل المعصية، ولو ندموا لكان توبة، ولكنهم ندموا على ما فاتهم من حظ الدنيا فقط، فأخذهم العذاب الموعود به فهلكوا، إلا أن الله تعالى أنجى صالحًا ومن معه.
وقوله: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾، ومعلوم أنهم لم يكونوا كلهم عقروها، ولكن لما كان برضا الجميع، ومن زعمائهم؛ نُسِب إليهم جميعًا، وأنتم تعرفون أن فعل الطائفة من الأمة يُعتبَر فعلًا للجميع إذا لم يُنكروه، إذا سكتوا فلم ينكروه فهو للجميع؛ ولهذا يُذكِّر الله تعالى اليهود في عهد الرسول ﷺ بما فعل أسلافهم، ويخاطبهم به مخاطبة الفاعل؛ لأنها أمة واحدة، فإذا لم تُنكر ما كان عليه أسلافها نُسب للجميع.
(﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ الموعود به)، وما هو العذاب الذي أخذهم؟
* طلبة: صيحة.
* الشيخ: ورجفة، صيحة ورجفة جميعًا؛ يعني رجف الله بهم الأرض، وصاحَ بهم جبريل، فماتوا، أصبحوا في ديارهم جاثمين والعياذ بالله، صرعى كنفس واحدة. وفي هذا دليل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى، وأن الله تعالى على كل شيء قدير ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤].
ولو أننا عقلنا -نحن المسلمين- وآمنَّا حقيقة الإيمان ما كنا بهذه الحال التي نحن عليها؛ يعني ما كنا نخاف الناس أكثر مما نخاف الله. الآن زعماء المسلمين -مع الأسف- يخافون الناس أكثر مما يخافون الله، ولهذا يداهنون الناس في أحكام الله عز وجل، ولو أنهم اعتزوا بعزة دينهم لخافهم الناس.
ولهذا يقولون: الإنسان لا بد أن يخاف ويرجف، لكن إما أن يخاف الله أو يخاف غيره، فإن خاف الله خافه الناس، وإن خاف غير الله استولى عليه هذا الخوف. وهذا صحيح، هذا حق، يكون مَنْ خاف الله خافه كل شيء، ومن اتقى الله اتقاه كل شيء، وبالعكس يكون الأمر بالعكس.
فعلينا جميعًا أن نكون واثقين بوعد الله عز وجل، غير ناظرين إلى الأسباب الحاضرة، صحيح لو نظرنا نظرةً مادية محضة لكنا لا يمكن أن نتكلم مع هؤلاء، أو أن نتحداهم في تنفيذ الشريعة ومحاربتهم، لكن يجب ألا ننظر إلى هذه الأسباب الحاضرة، يجب أن ننظر إلى أسباب أخرى فوق المادة، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: ولهذا من نظر إلى هذه الأسباب المشاهَدة الطبيعية ما يستقيم له أمر. الصحابة رضي الله عنهم عندما جاهدوا الفُرس والروم هل نظروا لهذه الأسباب؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: أبدًا، كانوا يحاصرون المدينة العظيمة لمدة، ثم يخرجون في الصباح فيُكَبِّرون الله، فإذا كبَّروا تصدعت الأسوار، وهذه شيء متواتر في التاريخ عنهم؛ أنهم يحاصرون المدينة مدة، ثم إذا كبَّروا الله سبحانه وتعالى كأنها مدافع وقنابل تُصدِّع هذه الجدران، ولكنه تكبير يخرج من القلب.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٥٨، ١٥٩].
* طالب: قوم صالح، هل آمنوا، يعني بغض النظر عن عقر الناقة هل آمنوا بالله واتبعوه..؟
* الشيخ: لا، قليل منهم.
* الطالب: إذن كيف (...)؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، يعني إمهال الله لهم ثلاثة أيام، معناها أننا نمهل نحن الكفار ثلاثة أيام، لكنَّ الكفار الأصليين في الشريعة الإسلامية لهم أحكام خاصة؛ كإقرارهم بالجزية مثلًا، وغيرهم ممن لا يُقَرُّ على دينه -وهو المرتد- يُنظر ثلاثة أيام، فالمسألة خلافية. ثم إن أيضًا الردة تختلف، من الردة ما يمكِن أن يُمهَل، ومنها ما لا يمكن أن يمهل.
* طالب: فلنذكر من ذلك قوم صالح، يعني هل إنهم (...) يعني ذهبوا، يعني ماتت وهي في محلها يعني؟
* الشيخ: إي، (...) الظاهر أن كل إنسان مات في بيته.
* الطالب: في بيته؟
* الشيخ: هذا الظاهر إي.
* طالب: واللي أدركه الموت عند (...)؟
* الشيخ: (...).
* طالب: فأما القبيلة جميعها يشربون من بئر واحدة، المعروف أن عندهم بساتين وزروع، ما لهم أنهار أيضًا؟
* الشيخ: لا؛ لأن البئر هذه هي الصالحة للشرب.
* الطالب: وغيرها؟
* الشيخ: وغيرها ما يصلح للشرب.
* طالب: خص الشرب في هذه البئر.
* الشيخ: في هذه البئر؛ ولهذا قسم ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾، ولا مانع أيضًا من أن يكون هذه البئر يسقي كل ما عندهم، ما يمتنع، لكن الأقرب والله أعلم أن البساتين منتشرة فيها العيون، وأن هذه البئر هي التي يأخذون منها ماء الشرب.
* طالب: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة ٥]، قيل: الرجفة أو ما شابه؟
* الشيخ: الظاهر أنه اسم للجميع؛ يعني بما طغى عليهم.
* الطالب: بما طغى عليهم، يعني غلبهم؟
* الشيخ: إي، غلبهم.
* الطالب: شيخ، سبب منع الرسول ﷺ (...)؟
* الشيخ: وجهه (...)؛ لأن استعمال هذا الماء يؤدي إلى النزول فيه والطمأنينة، والرسول عليه الصلاة والسلام لما مر بها مر مُقنعًا رأسه وأسرع، وقال: «إِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ؛ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠/٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولفظه: «لَا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذَّبِين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم؛ أن يصيبكم مثل ما أصابهم».]]. فالمسألة ما هي بهينة، والعجيب أن كثيرًا من الناس اليوم -الله يهدينا وإياهم- يذهبون إليها مذهب الفرجة والنزهة، هذا حرام ما يجوز، ولا يعارِض هذا قول الله عز وجل: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم ٤٥]، السبب أنه لا يعارض، ليش؟
* طالب: الكافرين (...).
* الشيخ: يعني معناه أن فعلهم لا يدل على الجواز؛ يعني كونه مسكونًا، أو يقال: إن شريعتنا وردت بخلاف ذلك بالتحريم. وأما قول بعض الناس: الأرض كلها ما تخلو من أمم مُكَذِّبة، فنقول: نعم، الأرض ما تخلو من أمم مكذبة، لكن من قال: إن هذا المكان المعين مكان أمة مكذبة؟ الأحقاف الآن هل يجوز نزولها ولَّا ما يجوز؟
* طالب: لا يجوز (...).
* الشيخ: يجوز؛ لأنه ما تُعْلَم مساكنهم بعينها، لكن ثمود المساكن موجودة بعينها الآن، إذا دخلها الإنسان كأنه داخلها في ذلك الوقت؛ ولهذا الرسول منع من الدخول إلا والإنسان باكٍ، قال: «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠/٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]. لكن عندنا اليوم يقولون: يدخلون ومعهم آلات التصوير.
* طالب: يشدون الرحل أيضًا لمكان محذور.
* الشيخ: لا، شد الرحل من أجل التعبد ما فيه مانع.
* الطالب: من أجل التعبد.
* الشيخ: إي، شد الرحل من أجل التعبد، فيه ناس يشدون الرحال للتجارة ولغير التجارة لكن شدها للنزهة هذا حرام..
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، هذا ما يجوز؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ويش عليه اللي يروح لهذا؟ اللي يروح لهذا لا بأس، يمكن يقال: إن هذا لا بأس به، على أن المسألة فيها نظر، قد يُقال: إن الاعتبار بما في القرآن أبلغ من الاعتبار بما في دنياه، فالمسألة فيها نظر لكنه أهون من الذي يروح للنزهة والفُرْجة، القلوب قست..
* الطالب: أليس بشد الرحل إذا كان قصد هذا التعبد يعني؟
* الشيخ: لا؛ لأنه ما قصد البقعة بعينها، أصلها أن الإنسان يقصد بقعة معينة يشد الرحل إليها (...)؛ يعني مثلما بيقول: أنا بروح أشد الرحل إلى مسجد الرياض؛ لأنه مسجد قديم وتوالت فيه الملوك، (...) بروح أشد الرحل إليه، هذا حرام ما يجوز، أو أشد الرحل إلى مسجد بني أمية في الشام؛ لأنه مسجد الخلفاء، نقول: ما يجوز، حرام.
* طالب: للعبرة والموعظة (...).
* الشيخ: لا، هذه قد تكون مثلما قلنا في الأول: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ [إبراهيم ٤٥] إنما ما تدل على.. لكن ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ [النمل ٦٩] هذه قد تكون إذا قلنا: إن السير حسي يشمل (...).
* طالب: لكن بشرط البكاء؟
* الشيخ: بشرط البكاء، نعم، بشرط أنه يعتبر الإنسان.
* طالب: خصص ديار ثمود من جميع بقاع الأرض..
* الشيخ: أصل ما عندنا بقعة معينة تدل على أن هذه ديار القوم إلا مثل قرية لوط؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨] لكن الله أنكر على الذين يمرون ولا يعتبرون.
* طالب: الشرب من (...) ثمود العلة هو الافتقار، فلو أوتي الإنسان بـ(...)؟
* الشيخ: بدون (...).
* الطالب: يشرب منه.
* الشيخ: إي معلوم.
* الطالب: لو أوتي بماء من (...)؟
* الشيخ: إي يجوز، حتى بئر الناقة نقول: إنه يجوز؛ لأن المسلمين كانوا يشربون منها بدون نكير، بئر الناقة..
* الطالب: معروف؟
* الشيخ: معروف في الزمن السابق، الآن ما أدري والله إلى الآن معروف ولَّا لا؟ ولا كان في الأول حسب كلام الفقهاء أنه معروف كان بئر كبيرة يردها الحُجَّاج اللي يأتون من الشام.
* طالب: عندهم آلات (...) قوتهم الجسدية..
* الشيخ: ما فيه شك أن عندهم قوة، ولكن أنتم تذكرون الناس عندنا من الأول يصنعون شيئًا ما يصنع بالوقت الحاضر.
* الطالب: (...).
* الشيخ: يصنعون (...) يسمونها الندية، يشكلون الهندسة من أحسن شيء.
* الطالب: (...) الجس.
* الشيخ: جس، الجس ليِّن.
* الطالب: نحت.
* الشيخ: لكن هذا نحت (...).
* الطالب: ينقشونها..
* الشيخ: إي ينقشوها ويزينونها، ويجعلون لها طارًا من فوق كذلك أيضًا اللي يسمونها جراوة، تقول: جرو، وتسمية صحيحة عربية، الجرو الآن تجده (...)، ومع ذلك كبير بحيث يسع ماءً كثيرًا.
* الطالب: ولا ينكسر.
* الشيخ: ولا ينكسر حين نحته، وبعضه أيضًا يحطون (...) عليه فوق..
* طالب: وحفر الآبار؟
* الشيخ: وحفر الآبار أيضًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: الله أعلم.
* طالب: كيف ترتب العذاب على عقر الناقة مع (...) متقدمة على عقر الناقة؟
* الشيخ: إي؛ لأن هذه آية، لكونها آية لهم وبرهانًا على صدقه (...) معناه أن عقره عدوان على الرسالة؛ يعني هي ما بناقة عادية هي.
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا من الكفر هذا؛ يعني كأنهم إذا تجرؤوا هذه الجرأة العظيمة على آية الرسول، معناه بلغوا الغاية أو جعل هذا علامة وشرطًا على هلاكهم فقط بالإضافة إلى الكفر.
* طالب: ألا (...) ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء ٥٩] أنها ليست مولودة من ناقة؟
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: لآتيناهم: أعطيناهم.
* الشيخ: ﴿مُبْصِرَةً﴾ يعني آية مبصرة تبين الحق.
* الطالب: بس (...).
* الشيخ: (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا (...).
* * *
* الطالب: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥) كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٦١ - ١٩١].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فيما سبق قصة ثمود الذين أُرسِل إليهم صالح، وفيها في أولها إذا قوله: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٤٥] ما سبق في قصة عاد ونوح.
وفي قوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٤٦] دليل على؟
* طالب: على عدم بقائهم في (...).
* الشيخ: يعني أنهم ما يمكن أن (...) بدون رُسُل وشكر للنعمة.
ما المراد بالاستفهام؟
* الطالب: الاستفهام للاستبعاد والاستنكار.
* الشيخ: يعني لا يمكن أن يُتركوا، يكون للنفي والتوبيخ.
* طالب: التحذير.
* الشيخ: لا، التوبيخ متضمن للتحذير؛ لأنهم إذا وبخوا فهم مُحذَّرون.
وفي قوله: ﴿آمِنِينَ﴾ دليل على؟
* الطالب: دلالة على عِظَم شأن نِعْمة الأمن، وأنها مما يستوجب الشكر العظيم لله سبحانه وتعالى، وأنه هو معطي الأمان (...).
* الشيخ: يدل على عِظم نعمة الأمن، وهذا صحيح، فإن نعمة الأمن قد تُقابِل نعمة الشِّبَع والشرب والري.
ماذا يستفاد من قوله: ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء ١٤٨]؟
* طالب: ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ أن النخل من أطيب أنواع الفواكه؛ فهي لينة وسهلة الهضم.
* الشيخ: أيش وجه؟
* الطالب: أي وجه؟ أن يكون..
* الشيخ: إي، ويش وجه أنها مُفضَّلة على غيرها.
* الطالب: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ أنها..
* الشيخ: غيرها؟
* الطالب: أنها تؤتي أكلها كل حين.
* الشيخ: لكن من السياق ما يُؤخذ شيء؟
* الطالب: (...) طلع هضيم في اللين والـ..
* الشيخ: لا، مين اللي يعرف؟
* الطالب: لله الْمِنَّة امتنَّ..
* طالب آخر: التخصيص بعد التعميم.
* الشيخ: التخصيص بعد التعميم يدل على مزيد فضل وعناية.
ويستفاد من قوله: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ﴾ [الشعراء ١٤٩] ما يستفاد منها؟
* الطالب: بين قوتهم (...).
* الشيخ: القوة.
* الطالب: نعم، القوة، (...) كانت بيوتهم تنحت في الجبال.
* الشيخ: إي، طيب قوة، ويش بعد؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف، القوة، والعظمة، والنشاط إلى آخره، ولكن بمعنى آخر غير القوة الجسمية.
* الطالب: من ناحية الحذق في الهندسة.
* الشيخ: زين، الحذق في الهندسة؛ لأن هذا يتطلب حذقًا؛ إذ إنه أمر مُغَيَّب، ما هو بشيء أمامك (...) على ما تريد.
ماذا يستفاد من قوله: ﴿فَارِهِينَ﴾ [الشعراء ١٤٩] على القراءتين؟
* طالب: على قراءة ﴿﴿فرهِينَ﴾ ﴾ أي: بَطِرِينَ، والقراءة الأخرى: ﴿فَارِهِينَ﴾ بمعنى حَاذِقِينَ.
* الشيخ: نعم، بمعنى حاذقين.
* الطالب: الاستفادة جمع الأمرين، يعني بَطِرِينَ وحَاذِقِينَ.
* الشيخ: إي نعم، حرص في العمل، وبَطَر في النعمة، وهذا فائدة اختلاف القراءتين.
قال: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء ١٥٢] في هذا فائدتان؛ لفظية ومعنوية، يفسدون ولا يصلحون ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إذن الفائدة المعنوية من هنا أنه لا يشارك فسادهم صلاح، فيكون في هذا النفي إثبات لكمال الفساد، هذه فائدة معنوية.
فائدة لفظية: أظن ما قلتها لكم ولكن ما يخالف، تراها في علم البديع.
* طالب: في المقابَلة.
* الشيخ: لا، الطباق؛ فيها الطباق؛ لأن يفسدون ولا يصلحون مثل: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا﴾ [الروم ٧] ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ١٨٧] ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا﴾. وهذا لا شك أنه من الأسلوب اللفظي الحسن مع ما فيه من النِّعم.
قوله: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ﴾ هل هي صفة كاشفة ولا صفة مؤسِّسة مقيدة؟
* طالب: لا، صفة كاشفة.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: بمعنى أي مسلم (...).
* الشيخ: (...) هذا؟
* الطالب: هذا ليس تقييدًا؛ بمعنى أن هناك فيه من لا يفسدون، وإنما هو كشف وتوضيح لحالهم.
* الشيخ: تمام، هذا الإفساد في الأرض هل فِعْله فساد أو سبب له؟
* الطالب: فعلهم نفسه فساد.
* الشيخ: فعلهم فساد نفسه.
* الطالب: ويكون أيضًا سببًا.
* الشيخ: ويكون سببًا، ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١].
جواب هؤلاء لصالح عليه الصلاة والسلام تضمن ثلاثة أشياء، ما هي؟
* طالب: أيضًا أنه من المسحرين الذين قد كثر.. سحروهم (...) كثيرًا حتى غلب على أمره السحر.
* الشيخ: لا، (...)، بس أعطني إياه في القرآن.
* الطالب: وأيضًا أنه بشر مثلهم، وأنهم ألزموه بأن يأتي بآية إن كان من الصادقين.
* الشيخ: هذه الأجوبة ثلاثة هي صحيحة ولَّا لا؟
* الطالب: فيها التفصيل؛ جواب ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ كذب محض.
* الشيخ: صحيح، هذا كذب محض.
* الطالب: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ صحيح. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في تفصيل؛ إن كانوا يريدون طلب الحق فهو طلب صحيح، وإن كانوا يردون التعجيز والتحدي فليس بصحيح.
* الشيخ: زين، ما هو الجواب عن الأول، جوابهم عن الشُّبهة الأولى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾؟
* طالب: نقول: هذه دائمًا حجة كل من لا يجد؛ يعني من لا يرتكز في (...) على شيء حقيقي، وإنما غاية ما هنالك الإنكار.
* الشيخ: السب والشتم والعيب، فهي دعوة غير مقبولة، ويدل على هذا أنه إنما يدعوهم إلى أمر معقول، والمسحَّر مَسحورًا مُخَبَّلًا، هذا ما يمكن يدعوهم بمثل هذا.
﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ويش الجواب على هذه الشُّبْهة؟
* طالب: لو اقتصروا على هذه لقلنا بأنهم فعلًا أرادوا الحق..
* الشيخ: ما يخالف، بس ويش الجواب عليها، ويش الجواب على قولهم: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾؟ إحنا نقول: صحيح، هو ما هو إلا بشر مثلكم، لكن ويش الجواب على هذا؟ ما هم جعلوها شبهة لرد قوله؟
* الطالب: نعم، نقول: إذا كان بشرًا مثلكم هذا يعني (...) أن تطيعوه، ولم يأتِ من غير جنسكم، حتى تقولوا: لو أتانا من جنسنا لأطعنا.
* الشيخ: لا، غير هذا، الجواب الذي أجابت به الرسل.
* طالب: قوله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم ١١].
* الشيخ: زين، نقول: ما يخالف، هو بشر مثلكم ولكن الله مَنَّ عليه بالرسالة ما فيه مانع.
الشبهة الثالثة ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾؟
* الطالب: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ طلبوا منه هذه الآية، فيكون إن أرادوا التعجيز فنقول: هذه كالأولى؛ لأنهم قوم مكذبون معاندون، وأما إن طلبوا دلالة على ما أتى به فهم مصيبون.
* الشيخ: مصيبون؛ ولذلك أعطاهم آية: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ صالح عليه الصلاة والسلام أعطاهم الآية سواء كانوا متحدين، أو طالبين للحق، قال: هذه ناقة.
ما وجه كون هذه الناقة آية؟
* طالب: أن لها شربًا ولهم شرب، يشربون، إنهم يشربون يومًا من لبنها وتشرب يومًا من الماء.
* الشيخ: ما هو كونها آية، لو كان عندي بعير يومًا أحلبه ويوم أسقيه ماء تصير آية؟
* الطالب: لا؛ لأنها على خلاف العادة.
* الشيخ: إي، على خلاف العادة؛ لأن شربها من هذه البئر على خلاف العادة؛ لأنها تشرب وتحلب، ما دامت تشرب فهي تحلب، وهذا شيء لا يكون في مثلها عادةً.
* الطالب: في نفس اليوم؟
* الشيخ: في نفس اليوم الذي تشرب تحلب.
* الطالب: (...).
* الشيخ: بعضهم يقول: إذا أعطاها دلوًا من الماء أعطته دلوًا من اللبن، وبعضهم يقول: لا، أنها تقف تشرب وما دامت تشرب فهم يحلبون، أي واحد (...) الشرب يحلب، كأن هذا الماء بإذن الله في الحال يتحول إلى لبن.
* طالب: ما المقصود يا شيخ من يوم تشرب ويوم تحلب؟
* الشيخ: لا، اليوم الثاني تذهب وترعى؛ ولذلك هم باليوم الثاني يشربون من الماء يُروُّون منه.
ماذا كانت النتيجة لهذه الآية؟
* طالب: كانت النتيجة عقروها، أصبحوا نادمين.
* الشيخ: عقروها.
أصبحوا نادمين على أي شيء؟
* طالب: قيل: نادمين؛ يعني لأنهم عصوا النبي (...). وقيل: وهو الأرجح أنهم نادمون بسبب ما فوتوا على أنفسهم (...).
* الشيخ: هذه الناقة.
* الطالب: في شِرب اللبن.
* الشيخ: والذي يرجحه؟
* الطالب: الذي يرجحه أنهم لم (...).
* الشيخ: لو ندموا على ما فعلوا؟
* الطالب: لتابوا.
* الشيخ: لتابوا.
يستفاد من هذا؛ من فعلهم هذا الفعل القبيح، ماذا يستفاد؟
* الطالب: يستفاد أن العقوبة ترتبت على الغاية..
* الشيخ: لا، كونهم متى يأتيهم بالآية هم يذهبون إلى إبطال الآية بعقرها..
* الطالب: العتو والجبروت.
* الشيخ: نعم، يستفاد منه العتو الجبروت؛ ففيه تسلية لكل داعية إذا دعا إلى حق لو أُصِيب بمثل هذا، لو كنت مثلًا تدعو افرض أنك تدعو إلى القرآن، وتقول: يا جماعة، هذا كتب الله بين أيدينا، ثم يجي واحد خبيث ويخده منك ويمزقه، تمزيق هذا القرآن شبيه بعقر هذه الناقة، ولكن الواجب عليك أن تصبر وأن تقول: جرى للأنبياء وهم أشرف عند الله مني ما هو أعظم.
وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ ما نوعه؟
* الطالب: العذاب الصيحة، رجفة مع صيحة.
* الشيخ: رجفة مع صيحة، ويش دليل هذا؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ [الأعراف ٩١، ٩٢].
* الشيخ: لا، بس ﴿فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ وبس.. طيب والصيحة؟
* الطالب: الصيحة: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر ٨٣، ٨٤].
* الشيخ: لا.
* الطالب: يقول في سورة القمر: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر ٢٧ - ٣١].
* الشيخ: أحسنت، تمام.
الشعراء 26:159
ثم قال الله تعالى: (﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أي: عقرها بعضهم برضاهم ﴿فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾ [الشعراء ١٥٧] على عقرها ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [الشعراء ١٥٨] الموعود به، فهلكوا).
هو قال: لا تمسوها بسوء، ولكنهم مَسُّوها بأسوأ السوء والعياذ بالله، عقروا الناقة. وما معنى العَقْر؟ الظاهر أن المراد به القتل، وليس قطع الأرجل فقط، بل إنهم أهلكوها فعُوقبوا بمثل ما جنوا. أصبحوا نادمين، هل هم نادمون على ما فعلوا من ذنب، أو أنهم نادمون على ما فاتهم من مصلحتها؟
* طالب: على الأمرين، فاتهم المصلحة وأتاهم العذاب.
* الشيخ: ما بعد أتاهم العذاب إلى الآن. الظاهر أنهم ندموا على ما فاتهم من المصلحة الدنيوية؛ لأنهم لو ندموا على الذنب لكانوا تائبين، ولم يُهلَكوا، لكن ندموا، ترى أمس نشرب اللبن واليوم فاتنا اللبن، فالظاهر أن ندمهم هذا إنما كان من أجل فوات المقصود الدنيوي، وكم بقوا بعد ذلك؟
* طالب: ثلاثة أيام.
* الشيخ: نعم، ثلاثة أيام. والحكمة من هذه الأيام الثلاثة -والله أعلم- لعلهم يتوبون، ولكنهم لم يتوبوا. وقد أُخِذ من هذا استتابة المرتد كم؟ ثلاثة أيام، إن تاب وإلا أُجري عليه الحد. على خلاف بين أهل العلم في هذه المسألة، المهم أن هؤلاء لم يندموا على فعل المعصية، ولو ندموا لكان توبة، ولكنهم ندموا على ما فاتهم من حظ الدنيا فقط، فأخذهم العذاب الموعود به فهلكوا، إلا أن الله تعالى أنجى صالحًا ومن معه.
وقوله: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾، ومعلوم أنهم لم يكونوا كلهم عقروها، ولكن لما كان برضا الجميع، ومن زعمائهم؛ نُسِب إليهم جميعًا، وأنتم تعرفون أن فعل الطائفة من الأمة يُعتبَر فعلًا للجميع إذا لم يُنكروه، إذا سكتوا فلم ينكروه فهو للجميع؛ ولهذا يُذكِّر الله تعالى اليهود في عهد الرسول ﷺ بما فعل أسلافهم، ويخاطبهم به مخاطبة الفاعل؛ لأنها أمة واحدة، فإذا لم تُنكر ما كان عليه أسلافها نُسب للجميع.
(﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ الموعود به)، وما هو العذاب الذي أخذهم؟
* طلبة: صيحة.
* الشيخ: ورجفة، صيحة ورجفة جميعًا؛ يعني رجف الله بهم الأرض، وصاحَ بهم جبريل، فماتوا، أصبحوا في ديارهم جاثمين والعياذ بالله، صرعى كنفس واحدة. وفي هذا دليل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى، وأن الله تعالى على كل شيء قدير ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤].
ولو أننا عقلنا -نحن المسلمين- وآمنَّا حقيقة الإيمان ما كنا بهذه الحال التي نحن عليها؛ يعني ما كنا نخاف الناس أكثر مما نخاف الله. الآن زعماء المسلمين -مع الأسف- يخافون الناس أكثر مما يخافون الله، ولهذا يداهنون الناس في أحكام الله عز وجل، ولو أنهم اعتزوا بعزة دينهم لخافهم الناس.
ولهذا يقولون: الإنسان لا بد أن يخاف ويرجف، لكن إما أن يخاف الله أو يخاف غيره، فإن خاف الله خافه الناس، وإن خاف غير الله استولى عليه هذا الخوف. وهذا صحيح، هذا حق، يكون مَنْ خاف الله خافه كل شيء، ومن اتقى الله اتقاه كل شيء، وبالعكس يكون الأمر بالعكس.
فعلينا جميعًا أن نكون واثقين بوعد الله عز وجل، غير ناظرين إلى الأسباب الحاضرة، صحيح لو نظرنا نظرةً مادية محضة لكنا لا يمكن أن نتكلم مع هؤلاء، أو أن نتحداهم في تنفيذ الشريعة ومحاربتهم، لكن يجب ألا ننظر إلى هذه الأسباب الحاضرة، يجب أن ننظر إلى أسباب أخرى فوق المادة، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: ولهذا من نظر إلى هذه الأسباب المشاهَدة الطبيعية ما يستقيم له أمر. الصحابة رضي الله عنهم عندما جاهدوا الفُرس والروم هل نظروا لهذه الأسباب؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: أبدًا، كانوا يحاصرون المدينة العظيمة لمدة، ثم يخرجون في الصباح فيُكَبِّرون الله، فإذا كبَّروا تصدعت الأسوار، وهذه شيء متواتر في التاريخ عنهم؛ أنهم يحاصرون المدينة مدة، ثم إذا كبَّروا الله سبحانه وتعالى كأنها مدافع وقنابل تُصدِّع هذه الجدران، ولكنه تكبير يخرج من القلب.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٥٨، ١٥٩].
* طالب: قوم صالح، هل آمنوا، يعني بغض النظر عن عقر الناقة هل آمنوا بالله واتبعوه..؟
* الشيخ: لا، قليل منهم.
* الطالب: إذن كيف (...)؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، يعني إمهال الله لهم ثلاثة أيام، معناها أننا نمهل نحن الكفار ثلاثة أيام، لكنَّ الكفار الأصليين في الشريعة الإسلامية لهم أحكام خاصة؛ كإقرارهم بالجزية مثلًا، وغيرهم ممن لا يُقَرُّ على دينه -وهو المرتد- يُنظر ثلاثة أيام، فالمسألة خلافية. ثم إن أيضًا الردة تختلف، من الردة ما يمكِن أن يُمهَل، ومنها ما لا يمكن أن يمهل.
* طالب: فلنذكر من ذلك قوم صالح، يعني هل إنهم (...) يعني ذهبوا، يعني ماتت وهي في محلها يعني؟
* الشيخ: إي، (...) الظاهر أن كل إنسان مات في بيته.
* الطالب: في بيته؟
* الشيخ: هذا الظاهر إي.
* طالب: واللي أدركه الموت عند (...)؟
* الشيخ: (...).
* طالب: فأما القبيلة جميعها يشربون من بئر واحدة، المعروف أن عندهم بساتين وزروع، ما لهم أنهار أيضًا؟
* الشيخ: لا؛ لأن البئر هذه هي الصالحة للشرب.
* الطالب: وغيرها؟
* الشيخ: وغيرها ما يصلح للشرب.
* طالب: خص الشرب في هذه البئر.
* الشيخ: في هذه البئر؛ ولهذا قسم ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾، ولا مانع أيضًا من أن يكون هذه البئر يسقي كل ما عندهم، ما يمتنع، لكن الأقرب والله أعلم أن البساتين منتشرة فيها العيون، وأن هذه البئر هي التي يأخذون منها ماء الشرب.
* طالب: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة ٥]، قيل: الرجفة أو ما شابه؟
* الشيخ: الظاهر أنه اسم للجميع؛ يعني بما طغى عليهم.
* الطالب: بما طغى عليهم، يعني غلبهم؟
* الشيخ: إي، غلبهم.
* الطالب: شيخ، سبب منع الرسول ﷺ (...)؟
* الشيخ: وجهه (...)؛ لأن استعمال هذا الماء يؤدي إلى النزول فيه والطمأنينة، والرسول عليه الصلاة والسلام لما مر بها مر مُقنعًا رأسه وأسرع، وقال: «إِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ؛ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠/٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولفظه: «لَا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذَّبِين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم؛ أن يصيبكم مثل ما أصابهم».]]. فالمسألة ما هي بهينة، والعجيب أن كثيرًا من الناس اليوم -الله يهدينا وإياهم- يذهبون إليها مذهب الفرجة والنزهة، هذا حرام ما يجوز، ولا يعارِض هذا قول الله عز وجل: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم ٤٥]، السبب أنه لا يعارض، ليش؟
* طالب: الكافرين (...).
* الشيخ: يعني معناه أن فعلهم لا يدل على الجواز؛ يعني كونه مسكونًا، أو يقال: إن شريعتنا وردت بخلاف ذلك بالتحريم. وأما قول بعض الناس: الأرض كلها ما تخلو من أمم مُكَذِّبة، فنقول: نعم، الأرض ما تخلو من أمم مكذبة، لكن من قال: إن هذا المكان المعين مكان أمة مكذبة؟ الأحقاف الآن هل يجوز نزولها ولَّا ما يجوز؟
* طالب: لا يجوز (...).
* الشيخ: يجوز؛ لأنه ما تُعْلَم مساكنهم بعينها، لكن ثمود المساكن موجودة بعينها الآن، إذا دخلها الإنسان كأنه داخلها في ذلك الوقت؛ ولهذا الرسول منع من الدخول إلا والإنسان باكٍ، قال: «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠/٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]. لكن عندنا اليوم يقولون: يدخلون ومعهم آلات التصوير.
* طالب: يشدون الرحل أيضًا لمكان محذور.
* الشيخ: لا، شد الرحل من أجل التعبد ما فيه مانع.
* الطالب: من أجل التعبد.
* الشيخ: إي، شد الرحل من أجل التعبد، فيه ناس يشدون الرحال للتجارة ولغير التجارة لكن شدها للنزهة هذا حرام..
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، هذا ما يجوز؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ويش عليه اللي يروح لهذا؟ اللي يروح لهذا لا بأس، يمكن يقال: إن هذا لا بأس به، على أن المسألة فيها نظر، قد يُقال: إن الاعتبار بما في القرآن أبلغ من الاعتبار بما في دنياه، فالمسألة فيها نظر لكنه أهون من الذي يروح للنزهة والفُرْجة، القلوب قست..
* الطالب: أليس بشد الرحل إذا كان قصد هذا التعبد يعني؟
* الشيخ: لا؛ لأنه ما قصد البقعة بعينها، أصلها أن الإنسان يقصد بقعة معينة يشد الرحل إليها (...)؛ يعني مثلما بيقول: أنا بروح أشد الرحل إلى مسجد الرياض؛ لأنه مسجد قديم وتوالت فيه الملوك، (...) بروح أشد الرحل إليه، هذا حرام ما يجوز، أو أشد الرحل إلى مسجد بني أمية في الشام؛ لأنه مسجد الخلفاء، نقول: ما يجوز، حرام.
* طالب: للعبرة والموعظة (...).
* الشيخ: لا، هذه قد تكون مثلما قلنا في الأول: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ [إبراهيم ٤٥] إنما ما تدل على.. لكن ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ [النمل ٦٩] هذه قد تكون إذا قلنا: إن السير حسي يشمل (...).
* طالب: لكن بشرط البكاء؟
* الشيخ: بشرط البكاء، نعم، بشرط أنه يعتبر الإنسان.
* طالب: خصص ديار ثمود من جميع بقاع الأرض..
* الشيخ: أصل ما عندنا بقعة معينة تدل على أن هذه ديار القوم إلا مثل قرية لوط؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨] لكن الله أنكر على الذين يمرون ولا يعتبرون.
* طالب: الشرب من (...) ثمود العلة هو الافتقار، فلو أوتي الإنسان بـ(...)؟
* الشيخ: بدون (...).
* الطالب: يشرب منه.
* الشيخ: إي معلوم.
* الطالب: لو أوتي بماء من (...)؟
* الشيخ: إي يجوز، حتى بئر الناقة نقول: إنه يجوز؛ لأن المسلمين كانوا يشربون منها بدون نكير، بئر الناقة..
* الطالب: معروف؟
* الشيخ: معروف في الزمن السابق، الآن ما أدري والله إلى الآن معروف ولَّا لا؟ ولا كان في الأول حسب كلام الفقهاء أنه معروف كان بئر كبيرة يردها الحُجَّاج اللي يأتون من الشام.
* طالب: عندهم آلات (...) قوتهم الجسدية..
* الشيخ: ما فيه شك أن عندهم قوة، ولكن أنتم تذكرون الناس عندنا من الأول يصنعون شيئًا ما يصنع بالوقت الحاضر.
* الطالب: (...).
* الشيخ: يصنعون (...) يسمونها الندية، يشكلون الهندسة من أحسن شيء.
* الطالب: (...) الجس.
* الشيخ: جس، الجس ليِّن.
* الطالب: نحت.
* الشيخ: لكن هذا نحت (...).
* الطالب: ينقشونها..
* الشيخ: إي ينقشوها ويزينونها، ويجعلون لها طارًا من فوق كذلك أيضًا اللي يسمونها جراوة، تقول: جرو، وتسمية صحيحة عربية، الجرو الآن تجده (...)، ومع ذلك كبير بحيث يسع ماءً كثيرًا.
* الطالب: ولا ينكسر.
* الشيخ: ولا ينكسر حين نحته، وبعضه أيضًا يحطون (...) عليه فوق..
* طالب: وحفر الآبار؟
* الشيخ: وحفر الآبار أيضًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: الله أعلم.
* طالب: كيف ترتب العذاب على عقر الناقة مع (...) متقدمة على عقر الناقة؟
* الشيخ: إي؛ لأن هذه آية، لكونها آية لهم وبرهانًا على صدقه (...) معناه أن عقره عدوان على الرسالة؛ يعني هي ما بناقة عادية هي.
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا من الكفر هذا؛ يعني كأنهم إذا تجرؤوا هذه الجرأة العظيمة على آية الرسول، معناه بلغوا الغاية أو جعل هذا علامة وشرطًا على هلاكهم فقط بالإضافة إلى الكفر.
* طالب: ألا (...) ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء ٥٩] أنها ليست مولودة من ناقة؟
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: لآتيناهم: أعطيناهم.
* الشيخ: ﴿مُبْصِرَةً﴾ يعني آية مبصرة تبين الحق.
* الطالب: بس (...).
* الشيخ: (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا (...).
* * *
* الطالب: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥) كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٦١ - ١٩١].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فيما سبق قصة ثمود الذين أُرسِل إليهم صالح، وفيها في أولها إذا قوله: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٤٥] ما سبق في قصة عاد ونوح.
وفي قوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٤٦] دليل على؟
* طالب: على عدم بقائهم في (...).
* الشيخ: يعني أنهم ما يمكن أن (...) بدون رُسُل وشكر للنعمة.
ما المراد بالاستفهام؟
* الطالب: الاستفهام للاستبعاد والاستنكار.
* الشيخ: يعني لا يمكن أن يُتركوا، يكون للنفي والتوبيخ.
* طالب: التحذير.
* الشيخ: لا، التوبيخ متضمن للتحذير؛ لأنهم إذا وبخوا فهم مُحذَّرون.
وفي قوله: ﴿آمِنِينَ﴾ دليل على؟
* الطالب: دلالة على عِظَم شأن نِعْمة الأمن، وأنها مما يستوجب الشكر العظيم لله سبحانه وتعالى، وأنه هو معطي الأمان (...).
* الشيخ: يدل على عِظم نعمة الأمن، وهذا صحيح، فإن نعمة الأمن قد تُقابِل نعمة الشِّبَع والشرب والري.
ماذا يستفاد من قوله: ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء ١٤٨]؟
* طالب: ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ أن النخل من أطيب أنواع الفواكه؛ فهي لينة وسهلة الهضم.
* الشيخ: أيش وجه؟
* الطالب: أي وجه؟ أن يكون..
* الشيخ: إي، ويش وجه أنها مُفضَّلة على غيرها.
* الطالب: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ أنها..
* الشيخ: غيرها؟
* الطالب: أنها تؤتي أكلها كل حين.
* الشيخ: لكن من السياق ما يُؤخذ شيء؟
* الطالب: (...) طلع هضيم في اللين والـ..
* الشيخ: لا، مين اللي يعرف؟
* الطالب: لله الْمِنَّة امتنَّ..
* طالب آخر: التخصيص بعد التعميم.
* الشيخ: التخصيص بعد التعميم يدل على مزيد فضل وعناية.
ويستفاد من قوله: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ﴾ [الشعراء ١٤٩] ما يستفاد منها؟
* الطالب: بين قوتهم (...).
* الشيخ: القوة.
* الطالب: نعم، القوة، (...) كانت بيوتهم تنحت في الجبال.
* الشيخ: إي، طيب قوة، ويش بعد؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف، القوة، والعظمة، والنشاط إلى آخره، ولكن بمعنى آخر غير القوة الجسمية.
* الطالب: من ناحية الحذق في الهندسة.
* الشيخ: زين، الحذق في الهندسة؛ لأن هذا يتطلب حذقًا؛ إذ إنه أمر مُغَيَّب، ما هو بشيء أمامك (...) على ما تريد.
ماذا يستفاد من قوله: ﴿فَارِهِينَ﴾ [الشعراء ١٤٩] على القراءتين؟
* طالب: على قراءة ﴿﴿فرهِينَ﴾ ﴾ أي: بَطِرِينَ، والقراءة الأخرى: ﴿فَارِهِينَ﴾ بمعنى حَاذِقِينَ.
* الشيخ: نعم، بمعنى حاذقين.
* الطالب: الاستفادة جمع الأمرين، يعني بَطِرِينَ وحَاذِقِينَ.
* الشيخ: إي نعم، حرص في العمل، وبَطَر في النعمة، وهذا فائدة اختلاف القراءتين.
قال: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء ١٥٢] في هذا فائدتان؛ لفظية ومعنوية، يفسدون ولا يصلحون ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إذن الفائدة المعنوية من هنا أنه لا يشارك فسادهم صلاح، فيكون في هذا النفي إثبات لكمال الفساد، هذه فائدة معنوية.
فائدة لفظية: أظن ما قلتها لكم ولكن ما يخالف، تراها في علم البديع.
* طالب: في المقابَلة.
* الشيخ: لا، الطباق؛ فيها الطباق؛ لأن يفسدون ولا يصلحون مثل: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا﴾ [الروم ٧] ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ١٨٧] ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا﴾. وهذا لا شك أنه من الأسلوب اللفظي الحسن مع ما فيه من النِّعم.
قوله: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ﴾ هل هي صفة كاشفة ولا صفة مؤسِّسة مقيدة؟
* طالب: لا، صفة كاشفة.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: بمعنى أي مسلم (...).
* الشيخ: (...) هذا؟
* الطالب: هذا ليس تقييدًا؛ بمعنى أن هناك فيه من لا يفسدون، وإنما هو كشف وتوضيح لحالهم.
* الشيخ: تمام، هذا الإفساد في الأرض هل فِعْله فساد أو سبب له؟
* الطالب: فعلهم نفسه فساد.
* الشيخ: فعلهم فساد نفسه.
* الطالب: ويكون أيضًا سببًا.
* الشيخ: ويكون سببًا، ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١].
جواب هؤلاء لصالح عليه الصلاة والسلام تضمن ثلاثة أشياء، ما هي؟
* طالب: أيضًا أنه من المسحرين الذين قد كثر.. سحروهم (...) كثيرًا حتى غلب على أمره السحر.
* الشيخ: لا، (...)، بس أعطني إياه في القرآن.
* الطالب: وأيضًا أنه بشر مثلهم، وأنهم ألزموه بأن يأتي بآية إن كان من الصادقين.
* الشيخ: هذه الأجوبة ثلاثة هي صحيحة ولَّا لا؟
* الطالب: فيها التفصيل؛ جواب ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ كذب محض.
* الشيخ: صحيح، هذا كذب محض.
* الطالب: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ صحيح. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في تفصيل؛ إن كانوا يريدون طلب الحق فهو طلب صحيح، وإن كانوا يردون التعجيز والتحدي فليس بصحيح.
* الشيخ: زين، ما هو الجواب عن الأول، جوابهم عن الشُّبهة الأولى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾؟
* طالب: نقول: هذه دائمًا حجة كل من لا يجد؛ يعني من لا يرتكز في (...) على شيء حقيقي، وإنما غاية ما هنالك الإنكار.
* الشيخ: السب والشتم والعيب، فهي دعوة غير مقبولة، ويدل على هذا أنه إنما يدعوهم إلى أمر معقول، والمسحَّر مَسحورًا مُخَبَّلًا، هذا ما يمكن يدعوهم بمثل هذا.
﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ويش الجواب على هذه الشُّبْهة؟
* طالب: لو اقتصروا على هذه لقلنا بأنهم فعلًا أرادوا الحق..
* الشيخ: ما يخالف، بس ويش الجواب عليها، ويش الجواب على قولهم: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾؟ إحنا نقول: صحيح، هو ما هو إلا بشر مثلكم، لكن ويش الجواب على هذا؟ ما هم جعلوها شبهة لرد قوله؟
* الطالب: نعم، نقول: إذا كان بشرًا مثلكم هذا يعني (...) أن تطيعوه، ولم يأتِ من غير جنسكم، حتى تقولوا: لو أتانا من جنسنا لأطعنا.
* الشيخ: لا، غير هذا، الجواب الذي أجابت به الرسل.
* طالب: قوله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم ١١].
* الشيخ: زين، نقول: ما يخالف، هو بشر مثلكم ولكن الله مَنَّ عليه بالرسالة ما فيه مانع.
الشبهة الثالثة ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾؟
* الطالب: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ طلبوا منه هذه الآية، فيكون إن أرادوا التعجيز فنقول: هذه كالأولى؛ لأنهم قوم مكذبون معاندون، وأما إن طلبوا دلالة على ما أتى به فهم مصيبون.
* الشيخ: مصيبون؛ ولذلك أعطاهم آية: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ صالح عليه الصلاة والسلام أعطاهم الآية سواء كانوا متحدين، أو طالبين للحق، قال: هذه ناقة.
ما وجه كون هذه الناقة آية؟
* طالب: أن لها شربًا ولهم شرب، يشربون، إنهم يشربون يومًا من لبنها وتشرب يومًا من الماء.
* الشيخ: ما هو كونها آية، لو كان عندي بعير يومًا أحلبه ويوم أسقيه ماء تصير آية؟
* الطالب: لا؛ لأنها على خلاف العادة.
* الشيخ: إي، على خلاف العادة؛ لأن شربها من هذه البئر على خلاف العادة؛ لأنها تشرب وتحلب، ما دامت تشرب فهي تحلب، وهذا شيء لا يكون في مثلها عادةً.
* الطالب: في نفس اليوم؟
* الشيخ: في نفس اليوم الذي تشرب تحلب.
* الطالب: (...).
* الشيخ: بعضهم يقول: إذا أعطاها دلوًا من الماء أعطته دلوًا من اللبن، وبعضهم يقول: لا، أنها تقف تشرب وما دامت تشرب فهم يحلبون، أي واحد (...) الشرب يحلب، كأن هذا الماء بإذن الله في الحال يتحول إلى لبن.
* طالب: ما المقصود يا شيخ من يوم تشرب ويوم تحلب؟
* الشيخ: لا، اليوم الثاني تذهب وترعى؛ ولذلك هم باليوم الثاني يشربون من الماء يُروُّون منه.
ماذا كانت النتيجة لهذه الآية؟
* طالب: كانت النتيجة عقروها، أصبحوا نادمين.
* الشيخ: عقروها.
أصبحوا نادمين على أي شيء؟
* طالب: قيل: نادمين؛ يعني لأنهم عصوا النبي (...). وقيل: وهو الأرجح أنهم نادمون بسبب ما فوتوا على أنفسهم (...).
* الشيخ: هذه الناقة.
* الطالب: في شِرب اللبن.
* الشيخ: والذي يرجحه؟
* الطالب: الذي يرجحه أنهم لم (...).
* الشيخ: لو ندموا على ما فعلوا؟
* الطالب: لتابوا.
* الشيخ: لتابوا.
يستفاد من هذا؛ من فعلهم هذا الفعل القبيح، ماذا يستفاد؟
* الطالب: يستفاد أن العقوبة ترتبت على الغاية..
* الشيخ: لا، كونهم متى يأتيهم بالآية هم يذهبون إلى إبطال الآية بعقرها..
* الطالب: العتو والجبروت.
* الشيخ: نعم، يستفاد منه العتو الجبروت؛ ففيه تسلية لكل داعية إذا دعا إلى حق لو أُصِيب بمثل هذا، لو كنت مثلًا تدعو افرض أنك تدعو إلى القرآن، وتقول: يا جماعة، هذا كتب الله بين أيدينا، ثم يجي واحد خبيث ويخده منك ويمزقه، تمزيق هذا القرآن شبيه بعقر هذه الناقة، ولكن الواجب عليك أن تصبر وأن تقول: جرى للأنبياء وهم أشرف عند الله مني ما هو أعظم.
وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ ما نوعه؟
* الطالب: العذاب الصيحة، رجفة مع صيحة.
* الشيخ: رجفة مع صيحة، ويش دليل هذا؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ [الأعراف ٩١، ٩٢].
* الشيخ: لا، بس ﴿فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ وبس.. طيب والصيحة؟
* الطالب: الصيحة: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر ٨٣، ٨٤].
* الشيخ: لا.
* الطالب: يقول في سورة القمر: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر ٢٧ - ٣١].
* الشيخ: أحسنت، تمام.
الشعراء 26:160
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦٠، ١٦١].
قوم لوط هؤلاء في قرية يقال لها: سدوم من أرض فلسطين، ولوط كما هو يقول المؤرخون: ابن أخي إبراهيم، فيكون إبراهيم عمه، أرسله الله تعالى إلى أهل هذه القرية، وكانوا مع كفرهم بالله سبحانه وتعالى يعملون عملًا فاحشًا يعتبر من أخبث الأعمال والعياذ بالله، وقد سماه الله تعالى خبيثًا في قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء ٧٤] فهو (...)؛ لأنه قبيح عقلًا وفطرة وشرعًا، هذا العمل الذي يعملونه هو أنهم يأتون الذكران والعياذ بالله كما يأتون النسوة.
وهنا يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦١ - ١٦٤]، هذه كلها سبق الكلام عليها.
وكل الرسول يُرسَلون أولًا بتحقيق التوحيد ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل ٣٦].
هذا الأصل كل الرسل يُرسلون به، لكن هناك أنواع معينة من المعاصي يرتكبها بعض الأمم، يُركِّز عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام ففيما سبق بل فيما ذُكِر الآن في قوم لوط كان جرمهم الخاص هو هذه الفاحشة؛ ولهذا قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، الاستفهام هذا للتوبيخ والإنكار.
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ أي: الذكور، جمع (ذَكَر).
﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ بيان للذُّكْران؛ أي: من (الناس) سواء كانوا من قبيلتكم، أو من غير قبيلتكم؛ ولهذا لم يقل: أتأتون الذكران منكم بل قال: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلى أنهم -والعياذ بالله- لا يتحاشون عن أحد فهم مثل الكلاب، ثم مع ذلك زيادة على خبثهم أنهم تركوا النعمة التي خلقها الله لهم ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾.
فلو كنتم تأتون الذكران من العالمين؛ لأنكم مضطرون لذلك وليس لكم من الحلال ما يغنيكم لكان الأمر أهون، لكن لكم من الحلال من يُغنيكم فكيف تأتون الخبائث وتذرون الطيبات؟ ولهذا قال: ﴿وَتَذَرُونَ﴾ هي داخلة في مضمون الاستفهام؛ يعني وأتذرون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ (تَذَرُونَ) بمعنى: تتركون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾؛ أي: (أقبالهن) تفسير لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾؛ يعني تأتون الذي خُلِق لكم من الأزواج وهو القُبُل، هذا ما ذهب إليه المؤلف، والصواب خلاف هذا؛ الصواب أن ﴿مِنْ﴾ بيان لـ﴿مَا﴾؛ أي: ما خلق لكم ربكم من الأزواج؛ يعني: وتذرون الأزواج، هذا المعنى، ما هو بأقبالهن، تذرون الأزواج أي: ما خلق الله لكم من الأزواج.
وفرق بين ما ذكرت وبين ما ذهب إليه المؤلف؛ يعني كأنه يقول: تذرون فروج النساء، ولكن لو قال: أتأتون أدبار الذكور لكان نعم، وتذرون فروج النساء ولَّا لا؟ لكن لما قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ يكون المناسب: وتدعون النساء لكن قال: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ دون قوله: أزواجكم؛ إشارة إلى أن الله تعالى هيأ هذه الزوجة للذَّكَر يتمتع بها كما يشاء إلا فيما حرم الله من الدبر مثلًا؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٥، ٦]، وهذا يدل إباحة الاستمتاع للرجل بامرأته إباحة مطلقة بلا حدود، ما عدا أمرين؛ الدبر والفرْج في الحيض، وما سوى ذلك فكل شيء مُباح، هذا يزيد الأمر قبحًا إلى قُبحه حيث يدعون الطَّيِّب ويأتون الخبيث.
وفي قوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ﴾ الفائدة المعنوية اللي أشرنا إليها وهي زيادة القبح، والثانية: اللفظية ما هي؟ الطباق لِذِكْر الأمر ومقابله، المعنى ومقابله (تأتون وتذرون).
وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ اللام للإباحة أو للتعليل؛ أي: خلق لأجلكم ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ أباح لكم.
وقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى هو المتصرف فيه، الذي (...).
* الطالب: المعية، معناها..
* الشيخ: اللام في ﴿لَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ﴿بَلْ﴾ للإضراب ولكن ما هو الإضراب الذي حصل؟ يعني ما هو الْمُضْرَب عنه؟ كأنه قال: لا تأتون الذكران فطرةً ولا عملًا عاديًّا محبوبًا إلى الفِطَر، ولكن الذي حملكم على هذا هو العدوان المجرد والعياذ بالله، متجاوزين الحلال إلى الحرام، بيَّن لهم لوط عليه السلام أن ما فعلوه أمر مستنكر عقلًا، ومستنكر شرعًا وعرفًا؛ لأن العدوان لا شك أن كل أحد ينكره، وهؤلاء معتدون.
ومن الغريب أن الفاعل منهم اليوم قد كان مفعولًا به بالأمس، والمفعول به اليوم يكون فاعلًا في المستقبل، وهذا غاية ما يكون من العدوان، وسبحان الله كيف أن هؤلاء الجماعة -نسأل الله السلامة- يرى الإنسان ولده أو أخاه الصغير تُفعل فيه الفاحشة ولا يبالي بهذا؟! والظاهر أنهم يفعلونها جهرًا؛ لقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت ٢٩]، فهم لا يبالون والعياذ بالله أن يركب بعضهم بعضًا جهارًا؛ فهذا غاية ما يكون من السخط.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، وما هي من الظالمين ببعيد، بعدئذٍ الجواب على: (﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ﴾ عن إنكارك علينا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ من بلادنا).
هذا الجواب القبيح ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن أيش؟ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ أبلغ من قوله: لنخرجنك؛ كأنهم يهددونه بما هو أعظم ترويعًا له؛ يعني أننا أخرجنا غيرك، وستكون أنت من جملة المخرَجِين؛ لأن لنا القدرة وسلطة على إخراجك.
وفي قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ تأكيد بالقسم واللام ونون التوكيد ﴿لَئِنْ﴾؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم.
﴿لَتَكُونَنَّ﴾ اللام واقعة في جواب القسم، والجواب الموجود هنا للقسم ولَّا للشرط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الآن السؤال هل هو للقسم ولَّا للشرط؟
* طلبة: للقسم.
* الشيخ: للقسم.
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــــوَابَ مــا أخَّــــــرْتَ فَهْــــوَمُلْـــتَزَمْ
(﴿قَالَ﴾ لهم لوط عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ المبغضين)، هذا فيه نوع من التحدي لهم؛ يعني إن أخرجتموني فأنا راضٍ بذلك، ولا يهمني إخراجي، لماذ؟ لأني لعملكم من القالين، والإنسان المبغض لعمل قوم هل يحب أن يبقى معهم؟ لا يحب أن يبقى معهم، فكأنه يقول: أنا لا يهمني إذا خرجت؛ لأنني لا أرغب في المقام معكم وأنتم على هذا العمل الخبيث الذي أبغضه، والإنسان أشد ما يكون عليه أن يبقى مع قوم يكرههم، يقول المتنبي:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى ∗∗∗ عَـــــــــــــدُوًّا لَهُ مَــا مِنْصَــــــدَاقَتِهِ بُـــدُّ
وهذا صحيح؛ أن تبقى مع قوم تكره أفعالهم هذا صعب على النفوس، فكأنه يقول: أنا أرغب هذا، ومستعد له، ولا أبالي بإخراجكم، وفي هذا دليل..
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...).
* وفيه دليل: على أنه يجب على كل مؤمن أن يبغض عملهم؛ عمل هؤلاء القوم؛ لأن الرسل يقلونه يبغضونه، وهذه هو فائدة الجمع، ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾؛ أي: المبغضين له، وإن كان هو ما فيه إلا قليل من الذين آمنوا معه ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]؛ يعني أنه ما آمن معه أحد إلا أهل بيته، ولا هم كلهم بعد، امرأته كانت من الكافرين.
﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ يقوله المؤلف: (من عذابه)، ولا شك أن هذا التأويل قاصر؛ لأن ﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من فعله، ومن عذابه أيضًا، ولا يمتنع أن يسأل الله تعالى أن ينجيه من هذا العمل، لا يمتنع ذلك أبدًا وإن كان الرسل لا يمكن أن يعملوه؛ لأن الصواب المقطوع به أنهم معصومون مما يُخِل بالشرف والكرامة، وعمل قوم لوط، هذا يخل بالشرف، لكنه هو دعا لنفسه وأهله ﴿نَجِّنِي وَأَهْلِي﴾ وأهله معصومون من ذلك؟ ليسوا معصومين، الصواب أنه سأل الله أن ينجيه من عملهم ومن عذابهم.
قال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾، الفاء للتفريع؛ يعني فتفريعًا على دعوته أجيب: نجيناه وأهله أجمعين.
(﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ امرأته ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين أهلكنا)؟
* طالب: (أهلكناها).
* الشيخ: (أهلكناها) اللي عندي أحسن، كأنه يريد إن (أهلكنا) مُسَلَّط على قوله: ﴿عَجُوزًا﴾ إلا عجوزًا أهلكنا؛ يعني إلا أن أهلكنا عجوزًا، واللي عندكم أيضًا لها معنى أوضح؛ لأنه إذا قال: الباقين أهلكنا قد يظن الظان أن المراد أهلك الباقين.
على كل حال استجاب الله دعوته فنجاه وأهله. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على أن الأهل كانوا عددًا كثيرًا، والصحيح أننا لا ندري كم عددهم، إنما أهله ولكن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على الكثرة؛ لأن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ هذه جمع، أدنى ما يُقال فيه ثلاثة، مع أن هذه الكلمة ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تدل على جماعة؛ جماعة مستكثرة.
وقوله: ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ شوف -والعياذ بالله- هذه المرأة عجوز كبيرة في السن، وكان الذي ينبغي لكبير السن أن يكون منيبًا إلى الله عز وجل؛ لأنه قريب من الموت، هو أقرب إلى الموت من الشاب، ولكن -والعياذ بالله- كفانا الله شر العجز، والشابات هي صارت خبيثة والعياذ بالله، كافرة بالله لكنها كاتمة لذلك؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة التحريم أيش؟ قال: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] ليست خيانة شهوة وزِنى، ولكن خيانة كفر؛ ولهذا قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] لم تشعراهما بكفر، فما علم بكفرهما.
* طالب: هي كانت مؤيدة لفعل القوم؟
* الشيخ: إي، هذا إقرار بالكفر، هي كافرة ومؤيدة أيضًا زيادة.
والإقرار (﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين)، الغابر يُطلَق على معانٍ، منها الباقي، ومنها الماضي أيضًا، فيكون فيه ما يُسمَّى بالأضداد؛ لأن اللغة فيها كلمات تصلح للشيء ولضده؛ تسمى الأضداد.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ بعد أن انتهينا لوطًا وأهله. ﴿دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾؛ لأنه بعد أن أمر أن يسير بأهله ليلًا ويخرج من البلدة إلا امرأته، دمر الله هذه البلدة؛ يعني فخرج، ثم دُمِّرت.
﴿الْآخَرِينَ﴾ المراد به مَنْ؟ قومه. قال المؤلف: (أهلكناهم).
(﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ حجارة. قال: من جملة الإهلاك)، من جملة الإهلاك أن الله سبحانه وتعالى أمطر عليهم مطرًا، والظاهر لي أن قوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ عطف تفسير على قوله: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا﴾؛ لأن هذا هو الذي دُمِّروا به، أن الله أمطر عليهم مطرًا، وما هو المطر؟ ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود ٨٢]: متتابع، مسومة عند الله.
يقول تعالى: (﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مطرهم) ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: مطر هؤلاء القوم وإنما قال: ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾؛ لبيان أنها قد قامت عليم الحجة ولم يمطروا بالعذاب إلا بعد أن أُعذِر منهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بهذه الحجارة؛ بالتدمير بالحجارة، وليس بالقلب، كذا؟
* طالب: في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بالحجارة.
* الشيخ: وليس بالقلْب، كما هو مشهور عند أهل العلم وكثير من المفسرين أن بلادهم حُمِلت إلى عنان السماء، ثم قُلِبَت، هذا ما في القرآن ما يدل عليه، ما في القرآن إلا: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤]، وجعل العالي هو السافل يكون بغير القلب، فإن هذه الحجارة إذا نزلت على المنازل وهدمتها صار العالي من المنازل صار سافلًا، ثم إنها إذا قُلِبت مثلًا وصار الناس في باطن الأرض فما قيمة الحجارة حينئذٍ؟ ما لها قيمة.
والمهم أنه ليس في الأمر عن النبي ﷺ ما يدل على أن أرضهم حُمِلت وقُلِبت، وما دام أنه ليس في الأمر ما يدل على ذلك فالأولى أن يقال: إنهم دُمِّروا بهذه الحجارة والإشكال الذي في قوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤] ينحل بقولنا: إنها إذا تهدمت البيوت صار العالي سافلًا، صار أعلاها سافلًا.
* ويستفاد من هذه القصة: أولًا: السعادة في توحيد الله، والأمر بتقواه إلى آخره، هذا سبق، والإخلاص في الدعوة لله سبحانه وتعالى، وأنه لا ينبغي للداعي أن يأخذ على دعوته أجرًا، كل هذا سبق، لكن يستفاد به أن من بني آدم من تُقلب طبيعته وفطرته حتى يستحسن الخبيث؛ لأن هؤلاء هذه حالهم.
* وفيه أيضًا: زيادة الإنكار فيما إذا كان للإنسان مندوحة عن الحرام؛ لقوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾.
* وفي الآية دليل: على جواز الاستمتاع بالزوجة استمتاعًا مطلقًا؛ لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ﴾.
* وفيه دليل: على أن من تجاوز الحلال إلى الحرام فهو عادٍ ظالم لنفسه ولغيره؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.
* وفيه دليل: على أن المعاندين للرسل إنما يلجؤون إلى قوتهم وسلطتهم لا إلى العقل والإقناع؛ لقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾، وقال ذلك قوم نوح: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء ١١٦]، لكن عذاب آخر، وكذلك أيضًا قاله فرعون، لمن؟ لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، وقاله آزر لابنه إبراهيم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم ٤٦]، كل هذا مما يدل على أن هؤلاء الذين يهددون بالسلطة لا بالإقناع والعقل، هؤلاء لا حُجَّة لهم.
* وفيه دليل: على أنه يجب على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله؛ لأن هذه طريقة الرسل؛ ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾.
* وفيه دليل: على أنه لا غنى لأحد عن دعاء الله ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾، وأما قول بعض العارفين الجاهلين: علمه بحالي يغني عن سؤالي، فهذا قول باطل، الله يعلم بحال كل أحد، ومع ذلك ما زالت الرسل وأتباعهم يدعون الله تبارك وتعالى.
* وفيه دليل: على وجود الرب سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿رَبِّ نَجِّنِي﴾ ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾، وهذا دليل حسي ظاهر.
* وفيه دليل: على إجابة الله للدعاء، وهذه الإجابة تتضمن عدة صفات؛ تتضمن العلم، والقدرة، والرحمة.
* وفيه دليل: على أن الله سبحانه وتعالى ينقد أهل الحق إهلاك الكافرين، ويهلك الكافرين ولو كانوا في أحضان أهل الحق؛ لأن الله أنجا لوطًا، وأهلك امرأته وهي في أحضانه، وهذا هو السر في قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] التعبير القرآني، المؤمنون نجوا ولَّا لا؟ لكن البيت المسلم ما نجا كله، المرأة التي كانت تتظاهر بالدِّين وهي مسلمة ظاهرًا، هذه ما نجت؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ﴾ منين؟ ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فالبيت هذا أهله مسلمون، لكن ليس كلهم مؤمنين، كان فيهم هذه المرأة العجوز، كانت كافرة، وليس في الآيه دليل كما يقول بعض الناس، ليس فيها دليل على أن الإيمان هو الإسلام؛ لأن فرق بين هذا وهذا.
* وفي الآية أيضًا دليل: على أن القرب من الأنبياء والأولياء لا يغني الإنسان شيئًا، منين نأخذه؟ من أن هذه زوجة نبي ومع ذلك هلكت مع من هلك، فكون الإنسان قريبًا من إنسان ولي لله لا يفيده شيئًا، أبو لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك ما نزل من القرآن في أحد معين من الكفار سوى أبي لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام، وما نزل القرآن في تسمية شخص بعينه من المسلمين إلا في زيد بن الحارث مولى من الموالي من أبعد ما يكون عن الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وبهذا يتبين أن القرب قرب النسب، وقرب المصاهرة وغيره لا يغني عن الإنسان شيئًا، وتأمل آية سورة التحريم، نزلت فيها قصة: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم ١٠] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ لأن عائشة وحفصة اللتين تظاهرا على النبي ﷺ قد يغترا بقربهما من الرسول ﷺ فيعملا ما عملاه، فبين الله سبحانه وتعالى أنه لا تنفعهما صلتهما بالنبي ﷺ.
* وفي هذا دليل: على أن عقوبة الله سبحانه وتعالى تتنوع حسب العمل؛ لأن هنا أُمطِروا مطرًا حتى هُدِّمت منازلهم وصار عاليها سافلها، ثم خُصف بها فيما بعد؛ ولذلك الآن هي بُحيرة اسمها الآن بحيرة لوط، معروفة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكنه بحر ميت؛ لأنه غير متصل بالبحار.
* طالب: (...) البحر الميت.
* الشيخ: ويكون أيضًا ماء يعيش فيه السمك والحوت في مثل ما يعيش فيه غيره، وفيه لكن مو مثل غيره؛ لأنهم (...) بحار عميقة، فلا يكون في ذلك شيء صغير وكبير.
* طالب: (...) عاد مثلًا؟
* الشيخ: إي، عاد ممكن على أساس أنه خصف به.
وفي هذا استدل بعض العلماء أخذًا من هذه القصة أن اللوطي يُقتل بأن يُرمى بالحجارة حتى يموت قياسًا على رمي الله تعالى على هؤلاء بالحجارة، والمسألة كما أشرنا إليه سابقًا فيها خلاف؛ من العلماء من قال: أن اللوطي لا يُتعرَّض له، ولا يقال له شيء؛ هذا قول. والقول الثاني: أنه يُعزَّر بالضرب والحبس وما أشبه ذلك.
والقول الثالث: أنه كالزاني، إن كان محصنًا رُجِم، وإن كان غير محصن جُلِد وغُرِّب.
والقول الرابع: أنه يقتل بكل حال سواء كان محصن أم غير محصن ولكن كيف يقتل؟ قيل: بالرجم، وقيل: بالسيف، وقيل: بالتحريق، وقيل: بإلقائه من شاهق وإتباعه الحجارة، وهذا الأخير القول الخامس، أظن أربعة، القول الرابع هو الذي اتفق عليه الصحابة أنه يُقتل.
أولًا: لا يتعرض له، أنه يُعزَّر، أن حده كحد الزاني، الرابع: أنه يقتل بكل حال، ثم اختلفوا في صفة القتل، وهذا القول هو الصحيح المتعيِّن؛ أنه يُقتل بكل حال فاعلًا كان أم مفعولًا به، إذا كان بالغًا عاقلًا؛ لأن هذا ليس كالزنى أشد وأعظم؛ ولأنه أمر لا يُمكن التحرز منه بخلاف الزنى، الزنى يمكن التحرز منه، لكن هذا لا يمكن فإنه لو أن خبيثًا أمسك بيد أمرد ما أحد يقوله، أيش الأمر هذا؟ وليش تمسك إيده، وما أشبه ذلك؟ فهو أمر لا يتحرز منه، يأتي في نوادي الرجال وغيرها، فهذا هو الصواب المقطوع به.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، أن الصحابة أجمعوا على قتله، أما من قال: إنه لا يتعرض له أيش حجته؟ قال: لأن هذا مما تنفر عنه الطباع، وما تنفر عنه الطباع يُكتفى بالرادع الطبيعي، كما قلنا: إن شارب البول لا يتعرض له، وشارب الخمر يُجلد؛ لأن الخمر تدعو النفس إليه، وهذا لا تدعو النفس إليه.
هذا قول باطل لا الأصل ولا الفرع، فإن قوله: (إنها لا تدعو النفوس إليه)، نقول: صحيح، النفوس السليمة لا شك لا تدعو إليه، وتستهجنه، وتستقبحه، لكن ألا يوجد هناك نفوس خبيثة؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: شهواه أكثر من النساء، شهواه -والعياذ بالله- أكثر من النساء، يهجرون نساءهم في فروجهن، ويذهبون إلى هذه الفعلة الفاحشة.
ثانيًا: قوله: إن البول لا يُعزَّر على شربه ويُكتفى بالرادع الطبيعي، هذا باطل أيضًا، بل يجب أن يُعزَّر على فعله، ومن رأيناه يشرب بولًا يجب أن نعزره؛ لأنه فعل محرمًا، والتعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ فالصواب أنه يُقتل بكل حال والله المستعان.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لا يعذب بالنار إلا الله سبحانه وتعالى[[أخرجه البخاري (٢٩٥٤) من حديث أبي هريرة.]]، لكن كأنهم رأوا لعِظَم هذا الفعل، وأن المقصود بالتعذيب بالنار في الأمور التي دون هذا وإلا فقد وقع ذلك في أبي بكر رضي الله عنه، ومن عبد الملك بن مروان؛ ثلاثة من الخلفاء كلهم اتفقوا عليه.
* طالب: الراجح؟
* الشيخ: الراجح الرجم.
* الطالب: قوله: (...).
* الشيخ: لا، ما فيه إلا كلام المؤرخين.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: حد لوطي؛ يعني الْمُحصَن يُرجم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، إحنا قلنا: إن حده القتل بكل حال؛ يعني لو يتلوَّط من له سبع عشرة سنة كمن له ست عشرة سنة قُتِلا جميعًا، وإن كان ما لهم زوجان لو ما تزوجوا.
* الطالب: رواية المذهب هذه.
* الشيخ: المذهب ضعيف في هذه المسألة.
* الطالب: (...) الرواية الثانية.
* الشيخ: وين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فيه قول ثانٍ اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ما أدري فيه رواية عن أحمد ولَّا قول..، يعني ما فيه وجه قوي للأصحاب هذا، وممن قال به شيخ الإسلام، لكن كونه رواية ما أدري.
* طالب: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [الحجر ٧١].
* الشيخ: إي، يعني أزوجكم إياهن.
* الطالب: (...).
* الشيخ: بعض المفسرين قال: بناتي؛ يعني بذلك بنات الأمة؛ لأن الرسول أب لقومه، فيكون لهم بمنزلة الأب.
* الطالب: وجيه هذا؟
* الشيخ: ما هو بوجيه لكن اللي دعاهم إلى هذا قالوا: إن بناته مسلمات مؤمنات، وهؤلاء كفار، والكافر لا يتزوج بالمؤمنة فيقال: الجواب على هذا إما أن شريعتهم تبيح ذلك، أو أن معنى ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ يعني فأسلموا وتزوجوهن ويكون المعنى مفهومًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: كم هم اللي جايين؟ ما يخالف، كم اللي جايين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يقينه جاي الناس.
* الطالب: جاي الناس.
* الشيخ: لأنهم ذهبوا يبشر بعضهم بعضًا بهؤلاء القوم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، المهم..
* الطالب: جاء أهل المدينة (...).
* الشيخ: إي نعم، ما يخالف لكن ما هو بالمعنى أنه بيقسم بناته على كل المدينة قطعًا، لكن المعنى أني أزوجكم بناتي وإن لم يتزوج منكم عدد يقابل بناتي فالباقي يخدوا من النساء (...).
ثم إن هذا بالحقيقة كأنه يقول: أنا أحافظ على ضيوفي أكثر مما أحافظ على أي شيء آخر؛ يعني فإني أبغي أحميهم حتى إني أتنازل عن بناتي أزوجهن من أجل المحافظة على هؤلاء الضيوف؟
* طالب: دليل من قال بإلقاء (...)؟
* الشيخ: بناءً على أن القرى هذه يعني رُفِعت، ثم قُلِبَت.
الشعراء 26:161
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦٠، ١٦١].
قوم لوط هؤلاء في قرية يقال لها: سدوم من أرض فلسطين، ولوط كما هو يقول المؤرخون: ابن أخي إبراهيم، فيكون إبراهيم عمه، أرسله الله تعالى إلى أهل هذه القرية، وكانوا مع كفرهم بالله سبحانه وتعالى يعملون عملًا فاحشًا يعتبر من أخبث الأعمال والعياذ بالله، وقد سماه الله تعالى خبيثًا في قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء ٧٤] فهو (...)؛ لأنه قبيح عقلًا وفطرة وشرعًا، هذا العمل الذي يعملونه هو أنهم يأتون الذكران والعياذ بالله كما يأتون النسوة.
وهنا يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦١ - ١٦٤]، هذه كلها سبق الكلام عليها.
وكل الرسول يُرسَلون أولًا بتحقيق التوحيد ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل ٣٦].
هذا الأصل كل الرسل يُرسلون به، لكن هناك أنواع معينة من المعاصي يرتكبها بعض الأمم، يُركِّز عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام ففيما سبق بل فيما ذُكِر الآن في قوم لوط كان جرمهم الخاص هو هذه الفاحشة؛ ولهذا قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، الاستفهام هذا للتوبيخ والإنكار.
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ أي: الذكور، جمع (ذَكَر).
﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ بيان للذُّكْران؛ أي: من (الناس) سواء كانوا من قبيلتكم، أو من غير قبيلتكم؛ ولهذا لم يقل: أتأتون الذكران منكم بل قال: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلى أنهم -والعياذ بالله- لا يتحاشون عن أحد فهم مثل الكلاب، ثم مع ذلك زيادة على خبثهم أنهم تركوا النعمة التي خلقها الله لهم ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾.
فلو كنتم تأتون الذكران من العالمين؛ لأنكم مضطرون لذلك وليس لكم من الحلال ما يغنيكم لكان الأمر أهون، لكن لكم من الحلال من يُغنيكم فكيف تأتون الخبائث وتذرون الطيبات؟ ولهذا قال: ﴿وَتَذَرُونَ﴾ هي داخلة في مضمون الاستفهام؛ يعني وأتذرون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ (تَذَرُونَ) بمعنى: تتركون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾؛ أي: (أقبالهن) تفسير لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾؛ يعني تأتون الذي خُلِق لكم من الأزواج وهو القُبُل، هذا ما ذهب إليه المؤلف، والصواب خلاف هذا؛ الصواب أن ﴿مِنْ﴾ بيان لـ﴿مَا﴾؛ أي: ما خلق لكم ربكم من الأزواج؛ يعني: وتذرون الأزواج، هذا المعنى، ما هو بأقبالهن، تذرون الأزواج أي: ما خلق الله لكم من الأزواج.
وفرق بين ما ذكرت وبين ما ذهب إليه المؤلف؛ يعني كأنه يقول: تذرون فروج النساء، ولكن لو قال: أتأتون أدبار الذكور لكان نعم، وتذرون فروج النساء ولَّا لا؟ لكن لما قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ يكون المناسب: وتدعون النساء لكن قال: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ دون قوله: أزواجكم؛ إشارة إلى أن الله تعالى هيأ هذه الزوجة للذَّكَر يتمتع بها كما يشاء إلا فيما حرم الله من الدبر مثلًا؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٥، ٦]، وهذا يدل إباحة الاستمتاع للرجل بامرأته إباحة مطلقة بلا حدود، ما عدا أمرين؛ الدبر والفرْج في الحيض، وما سوى ذلك فكل شيء مُباح، هذا يزيد الأمر قبحًا إلى قُبحه حيث يدعون الطَّيِّب ويأتون الخبيث.
وفي قوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ﴾ الفائدة المعنوية اللي أشرنا إليها وهي زيادة القبح، والثانية: اللفظية ما هي؟ الطباق لِذِكْر الأمر ومقابله، المعنى ومقابله (تأتون وتذرون).
وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ اللام للإباحة أو للتعليل؛ أي: خلق لأجلكم ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ أباح لكم.
وقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى هو المتصرف فيه، الذي (...).
* الطالب: المعية، معناها..
* الشيخ: اللام في ﴿لَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ﴿بَلْ﴾ للإضراب ولكن ما هو الإضراب الذي حصل؟ يعني ما هو الْمُضْرَب عنه؟ كأنه قال: لا تأتون الذكران فطرةً ولا عملًا عاديًّا محبوبًا إلى الفِطَر، ولكن الذي حملكم على هذا هو العدوان المجرد والعياذ بالله، متجاوزين الحلال إلى الحرام، بيَّن لهم لوط عليه السلام أن ما فعلوه أمر مستنكر عقلًا، ومستنكر شرعًا وعرفًا؛ لأن العدوان لا شك أن كل أحد ينكره، وهؤلاء معتدون.
ومن الغريب أن الفاعل منهم اليوم قد كان مفعولًا به بالأمس، والمفعول به اليوم يكون فاعلًا في المستقبل، وهذا غاية ما يكون من العدوان، وسبحان الله كيف أن هؤلاء الجماعة -نسأل الله السلامة- يرى الإنسان ولده أو أخاه الصغير تُفعل فيه الفاحشة ولا يبالي بهذا؟! والظاهر أنهم يفعلونها جهرًا؛ لقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت ٢٩]، فهم لا يبالون والعياذ بالله أن يركب بعضهم بعضًا جهارًا؛ فهذا غاية ما يكون من السخط.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، وما هي من الظالمين ببعيد، بعدئذٍ الجواب على: (﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ﴾ عن إنكارك علينا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ من بلادنا).
هذا الجواب القبيح ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن أيش؟ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ أبلغ من قوله: لنخرجنك؛ كأنهم يهددونه بما هو أعظم ترويعًا له؛ يعني أننا أخرجنا غيرك، وستكون أنت من جملة المخرَجِين؛ لأن لنا القدرة وسلطة على إخراجك.
وفي قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ تأكيد بالقسم واللام ونون التوكيد ﴿لَئِنْ﴾؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم.
﴿لَتَكُونَنَّ﴾ اللام واقعة في جواب القسم، والجواب الموجود هنا للقسم ولَّا للشرط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الآن السؤال هل هو للقسم ولَّا للشرط؟
* طلبة: للقسم.
* الشيخ: للقسم.
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــــوَابَ مــا أخَّــــــرْتَ فَهْــــوَمُلْـــتَزَمْ
(﴿قَالَ﴾ لهم لوط عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ المبغضين)، هذا فيه نوع من التحدي لهم؛ يعني إن أخرجتموني فأنا راضٍ بذلك، ولا يهمني إخراجي، لماذ؟ لأني لعملكم من القالين، والإنسان المبغض لعمل قوم هل يحب أن يبقى معهم؟ لا يحب أن يبقى معهم، فكأنه يقول: أنا لا يهمني إذا خرجت؛ لأنني لا أرغب في المقام معكم وأنتم على هذا العمل الخبيث الذي أبغضه، والإنسان أشد ما يكون عليه أن يبقى مع قوم يكرههم، يقول المتنبي:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى ∗∗∗ عَـــــــــــــدُوًّا لَهُ مَــا مِنْصَــــــدَاقَتِهِ بُـــدُّ
وهذا صحيح؛ أن تبقى مع قوم تكره أفعالهم هذا صعب على النفوس، فكأنه يقول: أنا أرغب هذا، ومستعد له، ولا أبالي بإخراجكم، وفي هذا دليل..
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...).
* وفيه دليل: على أنه يجب على كل مؤمن أن يبغض عملهم؛ عمل هؤلاء القوم؛ لأن الرسل يقلونه يبغضونه، وهذه هو فائدة الجمع، ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾؛ أي: المبغضين له، وإن كان هو ما فيه إلا قليل من الذين آمنوا معه ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]؛ يعني أنه ما آمن معه أحد إلا أهل بيته، ولا هم كلهم بعد، امرأته كانت من الكافرين.
﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ يقوله المؤلف: (من عذابه)، ولا شك أن هذا التأويل قاصر؛ لأن ﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من فعله، ومن عذابه أيضًا، ولا يمتنع أن يسأل الله تعالى أن ينجيه من هذا العمل، لا يمتنع ذلك أبدًا وإن كان الرسل لا يمكن أن يعملوه؛ لأن الصواب المقطوع به أنهم معصومون مما يُخِل بالشرف والكرامة، وعمل قوم لوط، هذا يخل بالشرف، لكنه هو دعا لنفسه وأهله ﴿نَجِّنِي وَأَهْلِي﴾ وأهله معصومون من ذلك؟ ليسوا معصومين، الصواب أنه سأل الله أن ينجيه من عملهم ومن عذابهم.
قال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾، الفاء للتفريع؛ يعني فتفريعًا على دعوته أجيب: نجيناه وأهله أجمعين.
(﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ امرأته ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين أهلكنا)؟
* طالب: (أهلكناها).
* الشيخ: (أهلكناها) اللي عندي أحسن، كأنه يريد إن (أهلكنا) مُسَلَّط على قوله: ﴿عَجُوزًا﴾ إلا عجوزًا أهلكنا؛ يعني إلا أن أهلكنا عجوزًا، واللي عندكم أيضًا لها معنى أوضح؛ لأنه إذا قال: الباقين أهلكنا قد يظن الظان أن المراد أهلك الباقين.
على كل حال استجاب الله دعوته فنجاه وأهله. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على أن الأهل كانوا عددًا كثيرًا، والصحيح أننا لا ندري كم عددهم، إنما أهله ولكن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على الكثرة؛ لأن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ هذه جمع، أدنى ما يُقال فيه ثلاثة، مع أن هذه الكلمة ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تدل على جماعة؛ جماعة مستكثرة.
وقوله: ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ شوف -والعياذ بالله- هذه المرأة عجوز كبيرة في السن، وكان الذي ينبغي لكبير السن أن يكون منيبًا إلى الله عز وجل؛ لأنه قريب من الموت، هو أقرب إلى الموت من الشاب، ولكن -والعياذ بالله- كفانا الله شر العجز، والشابات هي صارت خبيثة والعياذ بالله، كافرة بالله لكنها كاتمة لذلك؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة التحريم أيش؟ قال: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] ليست خيانة شهوة وزِنى، ولكن خيانة كفر؛ ولهذا قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] لم تشعراهما بكفر، فما علم بكفرهما.
* طالب: هي كانت مؤيدة لفعل القوم؟
* الشيخ: إي، هذا إقرار بالكفر، هي كافرة ومؤيدة أيضًا زيادة.
والإقرار (﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين)، الغابر يُطلَق على معانٍ، منها الباقي، ومنها الماضي أيضًا، فيكون فيه ما يُسمَّى بالأضداد؛ لأن اللغة فيها كلمات تصلح للشيء ولضده؛ تسمى الأضداد.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ بعد أن انتهينا لوطًا وأهله. ﴿دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾؛ لأنه بعد أن أمر أن يسير بأهله ليلًا ويخرج من البلدة إلا امرأته، دمر الله هذه البلدة؛ يعني فخرج، ثم دُمِّرت.
﴿الْآخَرِينَ﴾ المراد به مَنْ؟ قومه. قال المؤلف: (أهلكناهم).
(﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ حجارة. قال: من جملة الإهلاك)، من جملة الإهلاك أن الله سبحانه وتعالى أمطر عليهم مطرًا، والظاهر لي أن قوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ عطف تفسير على قوله: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا﴾؛ لأن هذا هو الذي دُمِّروا به، أن الله أمطر عليهم مطرًا، وما هو المطر؟ ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود ٨٢]: متتابع، مسومة عند الله.
يقول تعالى: (﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مطرهم) ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: مطر هؤلاء القوم وإنما قال: ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾؛ لبيان أنها قد قامت عليم الحجة ولم يمطروا بالعذاب إلا بعد أن أُعذِر منهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بهذه الحجارة؛ بالتدمير بالحجارة، وليس بالقلب، كذا؟
* طالب: في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بالحجارة.
* الشيخ: وليس بالقلْب، كما هو مشهور عند أهل العلم وكثير من المفسرين أن بلادهم حُمِلت إلى عنان السماء، ثم قُلِبَت، هذا ما في القرآن ما يدل عليه، ما في القرآن إلا: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤]، وجعل العالي هو السافل يكون بغير القلب، فإن هذه الحجارة إذا نزلت على المنازل وهدمتها صار العالي من المنازل صار سافلًا، ثم إنها إذا قُلِبت مثلًا وصار الناس في باطن الأرض فما قيمة الحجارة حينئذٍ؟ ما لها قيمة.
والمهم أنه ليس في الأمر عن النبي ﷺ ما يدل على أن أرضهم حُمِلت وقُلِبت، وما دام أنه ليس في الأمر ما يدل على ذلك فالأولى أن يقال: إنهم دُمِّروا بهذه الحجارة والإشكال الذي في قوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤] ينحل بقولنا: إنها إذا تهدمت البيوت صار العالي سافلًا، صار أعلاها سافلًا.
* ويستفاد من هذه القصة: أولًا: السعادة في توحيد الله، والأمر بتقواه إلى آخره، هذا سبق، والإخلاص في الدعوة لله سبحانه وتعالى، وأنه لا ينبغي للداعي أن يأخذ على دعوته أجرًا، كل هذا سبق، لكن يستفاد به أن من بني آدم من تُقلب طبيعته وفطرته حتى يستحسن الخبيث؛ لأن هؤلاء هذه حالهم.
* وفيه أيضًا: زيادة الإنكار فيما إذا كان للإنسان مندوحة عن الحرام؛ لقوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾.
* وفي الآية دليل: على جواز الاستمتاع بالزوجة استمتاعًا مطلقًا؛ لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ﴾.
* وفيه دليل: على أن من تجاوز الحلال إلى الحرام فهو عادٍ ظالم لنفسه ولغيره؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.
* وفيه دليل: على أن المعاندين للرسل إنما يلجؤون إلى قوتهم وسلطتهم لا إلى العقل والإقناع؛ لقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾، وقال ذلك قوم نوح: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء ١١٦]، لكن عذاب آخر، وكذلك أيضًا قاله فرعون، لمن؟ لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، وقاله آزر لابنه إبراهيم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم ٤٦]، كل هذا مما يدل على أن هؤلاء الذين يهددون بالسلطة لا بالإقناع والعقل، هؤلاء لا حُجَّة لهم.
* وفيه دليل: على أنه يجب على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله؛ لأن هذه طريقة الرسل؛ ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾.
* وفيه دليل: على أنه لا غنى لأحد عن دعاء الله ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾، وأما قول بعض العارفين الجاهلين: علمه بحالي يغني عن سؤالي، فهذا قول باطل، الله يعلم بحال كل أحد، ومع ذلك ما زالت الرسل وأتباعهم يدعون الله تبارك وتعالى.
* وفيه دليل: على وجود الرب سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿رَبِّ نَجِّنِي﴾ ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾، وهذا دليل حسي ظاهر.
* وفيه دليل: على إجابة الله للدعاء، وهذه الإجابة تتضمن عدة صفات؛ تتضمن العلم، والقدرة، والرحمة.
* وفيه دليل: على أن الله سبحانه وتعالى ينقد أهل الحق إهلاك الكافرين، ويهلك الكافرين ولو كانوا في أحضان أهل الحق؛ لأن الله أنجا لوطًا، وأهلك امرأته وهي في أحضانه، وهذا هو السر في قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] التعبير القرآني، المؤمنون نجوا ولَّا لا؟ لكن البيت المسلم ما نجا كله، المرأة التي كانت تتظاهر بالدِّين وهي مسلمة ظاهرًا، هذه ما نجت؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ﴾ منين؟ ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فالبيت هذا أهله مسلمون، لكن ليس كلهم مؤمنين، كان فيهم هذه المرأة العجوز، كانت كافرة، وليس في الآيه دليل كما يقول بعض الناس، ليس فيها دليل على أن الإيمان هو الإسلام؛ لأن فرق بين هذا وهذا.
* وفي الآية أيضًا دليل: على أن القرب من الأنبياء والأولياء لا يغني الإنسان شيئًا، منين نأخذه؟ من أن هذه زوجة نبي ومع ذلك هلكت مع من هلك، فكون الإنسان قريبًا من إنسان ولي لله لا يفيده شيئًا، أبو لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك ما نزل من القرآن في أحد معين من الكفار سوى أبي لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام، وما نزل القرآن في تسمية شخص بعينه من المسلمين إلا في زيد بن الحارث مولى من الموالي من أبعد ما يكون عن الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وبهذا يتبين أن القرب قرب النسب، وقرب المصاهرة وغيره لا يغني عن الإنسان شيئًا، وتأمل آية سورة التحريم، نزلت فيها قصة: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم ١٠] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ لأن عائشة وحفصة اللتين تظاهرا على النبي ﷺ قد يغترا بقربهما من الرسول ﷺ فيعملا ما عملاه، فبين الله سبحانه وتعالى أنه لا تنفعهما صلتهما بالنبي ﷺ.
* وفي هذا دليل: على أن عقوبة الله سبحانه وتعالى تتنوع حسب العمل؛ لأن هنا أُمطِروا مطرًا حتى هُدِّمت منازلهم وصار عاليها سافلها، ثم خُصف بها فيما بعد؛ ولذلك الآن هي بُحيرة اسمها الآن بحيرة لوط، معروفة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكنه بحر ميت؛ لأنه غير متصل بالبحار.
* طالب: (...) البحر الميت.
* الشيخ: ويكون أيضًا ماء يعيش فيه السمك والحوت في مثل ما يعيش فيه غيره، وفيه لكن مو مثل غيره؛ لأنهم (...) بحار عميقة، فلا يكون في ذلك شيء صغير وكبير.
* طالب: (...) عاد مثلًا؟
* الشيخ: إي، عاد ممكن على أساس أنه خصف به.
وفي هذا استدل بعض العلماء أخذًا من هذه القصة أن اللوطي يُقتل بأن يُرمى بالحجارة حتى يموت قياسًا على رمي الله تعالى على هؤلاء بالحجارة، والمسألة كما أشرنا إليه سابقًا فيها خلاف؛ من العلماء من قال: أن اللوطي لا يُتعرَّض له، ولا يقال له شيء؛ هذا قول. والقول الثاني: أنه يُعزَّر بالضرب والحبس وما أشبه ذلك.
والقول الثالث: أنه كالزاني، إن كان محصنًا رُجِم، وإن كان غير محصن جُلِد وغُرِّب.
والقول الرابع: أنه يقتل بكل حال سواء كان محصن أم غير محصن ولكن كيف يقتل؟ قيل: بالرجم، وقيل: بالسيف، وقيل: بالتحريق، وقيل: بإلقائه من شاهق وإتباعه الحجارة، وهذا الأخير القول الخامس، أظن أربعة، القول الرابع هو الذي اتفق عليه الصحابة أنه يُقتل.
أولًا: لا يتعرض له، أنه يُعزَّر، أن حده كحد الزاني، الرابع: أنه يقتل بكل حال، ثم اختلفوا في صفة القتل، وهذا القول هو الصحيح المتعيِّن؛ أنه يُقتل بكل حال فاعلًا كان أم مفعولًا به، إذا كان بالغًا عاقلًا؛ لأن هذا ليس كالزنى أشد وأعظم؛ ولأنه أمر لا يُمكن التحرز منه بخلاف الزنى، الزنى يمكن التحرز منه، لكن هذا لا يمكن فإنه لو أن خبيثًا أمسك بيد أمرد ما أحد يقوله، أيش الأمر هذا؟ وليش تمسك إيده، وما أشبه ذلك؟ فهو أمر لا يتحرز منه، يأتي في نوادي الرجال وغيرها، فهذا هو الصواب المقطوع به.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، أن الصحابة أجمعوا على قتله، أما من قال: إنه لا يتعرض له أيش حجته؟ قال: لأن هذا مما تنفر عنه الطباع، وما تنفر عنه الطباع يُكتفى بالرادع الطبيعي، كما قلنا: إن شارب البول لا يتعرض له، وشارب الخمر يُجلد؛ لأن الخمر تدعو النفس إليه، وهذا لا تدعو النفس إليه.
هذا قول باطل لا الأصل ولا الفرع، فإن قوله: (إنها لا تدعو النفوس إليه)، نقول: صحيح، النفوس السليمة لا شك لا تدعو إليه، وتستهجنه، وتستقبحه، لكن ألا يوجد هناك نفوس خبيثة؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: شهواه أكثر من النساء، شهواه -والعياذ بالله- أكثر من النساء، يهجرون نساءهم في فروجهن، ويذهبون إلى هذه الفعلة الفاحشة.
ثانيًا: قوله: إن البول لا يُعزَّر على شربه ويُكتفى بالرادع الطبيعي، هذا باطل أيضًا، بل يجب أن يُعزَّر على فعله، ومن رأيناه يشرب بولًا يجب أن نعزره؛ لأنه فعل محرمًا، والتعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ فالصواب أنه يُقتل بكل حال والله المستعان.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لا يعذب بالنار إلا الله سبحانه وتعالى[[أخرجه البخاري (٢٩٥٤) من حديث أبي هريرة.]]، لكن كأنهم رأوا لعِظَم هذا الفعل، وأن المقصود بالتعذيب بالنار في الأمور التي دون هذا وإلا فقد وقع ذلك في أبي بكر رضي الله عنه، ومن عبد الملك بن مروان؛ ثلاثة من الخلفاء كلهم اتفقوا عليه.
* طالب: الراجح؟
* الشيخ: الراجح الرجم.
* الطالب: قوله: (...).
* الشيخ: لا، ما فيه إلا كلام المؤرخين.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: حد لوطي؛ يعني الْمُحصَن يُرجم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، إحنا قلنا: إن حده القتل بكل حال؛ يعني لو يتلوَّط من له سبع عشرة سنة كمن له ست عشرة سنة قُتِلا جميعًا، وإن كان ما لهم زوجان لو ما تزوجوا.
* الطالب: رواية المذهب هذه.
* الشيخ: المذهب ضعيف في هذه المسألة.
* الطالب: (...) الرواية الثانية.
* الشيخ: وين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فيه قول ثانٍ اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ما أدري فيه رواية عن أحمد ولَّا قول..، يعني ما فيه وجه قوي للأصحاب هذا، وممن قال به شيخ الإسلام، لكن كونه رواية ما أدري.
* طالب: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [الحجر ٧١].
* الشيخ: إي، يعني أزوجكم إياهن.
* الطالب: (...).
* الشيخ: بعض المفسرين قال: بناتي؛ يعني بذلك بنات الأمة؛ لأن الرسول أب لقومه، فيكون لهم بمنزلة الأب.
* الطالب: وجيه هذا؟
* الشيخ: ما هو بوجيه لكن اللي دعاهم إلى هذا قالوا: إن بناته مسلمات مؤمنات، وهؤلاء كفار، والكافر لا يتزوج بالمؤمنة فيقال: الجواب على هذا إما أن شريعتهم تبيح ذلك، أو أن معنى ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ يعني فأسلموا وتزوجوهن ويكون المعنى مفهومًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: كم هم اللي جايين؟ ما يخالف، كم اللي جايين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يقينه جاي الناس.
* الطالب: جاي الناس.
* الشيخ: لأنهم ذهبوا يبشر بعضهم بعضًا بهؤلاء القوم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، المهم..
* الطالب: جاء أهل المدينة (...).
* الشيخ: إي نعم، ما يخالف لكن ما هو بالمعنى أنه بيقسم بناته على كل المدينة قطعًا، لكن المعنى أني أزوجكم بناتي وإن لم يتزوج منكم عدد يقابل بناتي فالباقي يخدوا من النساء (...).
ثم إن هذا بالحقيقة كأنه يقول: أنا أحافظ على ضيوفي أكثر مما أحافظ على أي شيء آخر؛ يعني فإني أبغي أحميهم حتى إني أتنازل عن بناتي أزوجهن من أجل المحافظة على هؤلاء الضيوف؟
* طالب: دليل من قال بإلقاء (...)؟
* الشيخ: بناءً على أن القرى هذه يعني رُفِعت، ثم قُلِبَت.
الشعراء 26:162
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦٠، ١٦١].
قوم لوط هؤلاء في قرية يقال لها: سدوم من أرض فلسطين، ولوط كما هو يقول المؤرخون: ابن أخي إبراهيم، فيكون إبراهيم عمه، أرسله الله تعالى إلى أهل هذه القرية، وكانوا مع كفرهم بالله سبحانه وتعالى يعملون عملًا فاحشًا يعتبر من أخبث الأعمال والعياذ بالله، وقد سماه الله تعالى خبيثًا في قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء ٧٤] فهو (...)؛ لأنه قبيح عقلًا وفطرة وشرعًا، هذا العمل الذي يعملونه هو أنهم يأتون الذكران والعياذ بالله كما يأتون النسوة.
وهنا يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦١ - ١٦٤]، هذه كلها سبق الكلام عليها.
وكل الرسول يُرسَلون أولًا بتحقيق التوحيد ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل ٣٦].
هذا الأصل كل الرسل يُرسلون به، لكن هناك أنواع معينة من المعاصي يرتكبها بعض الأمم، يُركِّز عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام ففيما سبق بل فيما ذُكِر الآن في قوم لوط كان جرمهم الخاص هو هذه الفاحشة؛ ولهذا قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، الاستفهام هذا للتوبيخ والإنكار.
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ أي: الذكور، جمع (ذَكَر).
﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ بيان للذُّكْران؛ أي: من (الناس) سواء كانوا من قبيلتكم، أو من غير قبيلتكم؛ ولهذا لم يقل: أتأتون الذكران منكم بل قال: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلى أنهم -والعياذ بالله- لا يتحاشون عن أحد فهم مثل الكلاب، ثم مع ذلك زيادة على خبثهم أنهم تركوا النعمة التي خلقها الله لهم ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾.
فلو كنتم تأتون الذكران من العالمين؛ لأنكم مضطرون لذلك وليس لكم من الحلال ما يغنيكم لكان الأمر أهون، لكن لكم من الحلال من يُغنيكم فكيف تأتون الخبائث وتذرون الطيبات؟ ولهذا قال: ﴿وَتَذَرُونَ﴾ هي داخلة في مضمون الاستفهام؛ يعني وأتذرون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ (تَذَرُونَ) بمعنى: تتركون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾؛ أي: (أقبالهن) تفسير لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾؛ يعني تأتون الذي خُلِق لكم من الأزواج وهو القُبُل، هذا ما ذهب إليه المؤلف، والصواب خلاف هذا؛ الصواب أن ﴿مِنْ﴾ بيان لـ﴿مَا﴾؛ أي: ما خلق لكم ربكم من الأزواج؛ يعني: وتذرون الأزواج، هذا المعنى، ما هو بأقبالهن، تذرون الأزواج أي: ما خلق الله لكم من الأزواج.
وفرق بين ما ذكرت وبين ما ذهب إليه المؤلف؛ يعني كأنه يقول: تذرون فروج النساء، ولكن لو قال: أتأتون أدبار الذكور لكان نعم، وتذرون فروج النساء ولَّا لا؟ لكن لما قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ يكون المناسب: وتدعون النساء لكن قال: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ دون قوله: أزواجكم؛ إشارة إلى أن الله تعالى هيأ هذه الزوجة للذَّكَر يتمتع بها كما يشاء إلا فيما حرم الله من الدبر مثلًا؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٥، ٦]، وهذا يدل إباحة الاستمتاع للرجل بامرأته إباحة مطلقة بلا حدود، ما عدا أمرين؛ الدبر والفرْج في الحيض، وما سوى ذلك فكل شيء مُباح، هذا يزيد الأمر قبحًا إلى قُبحه حيث يدعون الطَّيِّب ويأتون الخبيث.
وفي قوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ﴾ الفائدة المعنوية اللي أشرنا إليها وهي زيادة القبح، والثانية: اللفظية ما هي؟ الطباق لِذِكْر الأمر ومقابله، المعنى ومقابله (تأتون وتذرون).
وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ اللام للإباحة أو للتعليل؛ أي: خلق لأجلكم ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ أباح لكم.
وقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى هو المتصرف فيه، الذي (...).
* الطالب: المعية، معناها..
* الشيخ: اللام في ﴿لَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ﴿بَلْ﴾ للإضراب ولكن ما هو الإضراب الذي حصل؟ يعني ما هو الْمُضْرَب عنه؟ كأنه قال: لا تأتون الذكران فطرةً ولا عملًا عاديًّا محبوبًا إلى الفِطَر، ولكن الذي حملكم على هذا هو العدوان المجرد والعياذ بالله، متجاوزين الحلال إلى الحرام، بيَّن لهم لوط عليه السلام أن ما فعلوه أمر مستنكر عقلًا، ومستنكر شرعًا وعرفًا؛ لأن العدوان لا شك أن كل أحد ينكره، وهؤلاء معتدون.
ومن الغريب أن الفاعل منهم اليوم قد كان مفعولًا به بالأمس، والمفعول به اليوم يكون فاعلًا في المستقبل، وهذا غاية ما يكون من العدوان، وسبحان الله كيف أن هؤلاء الجماعة -نسأل الله السلامة- يرى الإنسان ولده أو أخاه الصغير تُفعل فيه الفاحشة ولا يبالي بهذا؟! والظاهر أنهم يفعلونها جهرًا؛ لقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت ٢٩]، فهم لا يبالون والعياذ بالله أن يركب بعضهم بعضًا جهارًا؛ فهذا غاية ما يكون من السخط.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، وما هي من الظالمين ببعيد، بعدئذٍ الجواب على: (﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ﴾ عن إنكارك علينا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ من بلادنا).
هذا الجواب القبيح ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن أيش؟ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ أبلغ من قوله: لنخرجنك؛ كأنهم يهددونه بما هو أعظم ترويعًا له؛ يعني أننا أخرجنا غيرك، وستكون أنت من جملة المخرَجِين؛ لأن لنا القدرة وسلطة على إخراجك.
وفي قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ تأكيد بالقسم واللام ونون التوكيد ﴿لَئِنْ﴾؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم.
﴿لَتَكُونَنَّ﴾ اللام واقعة في جواب القسم، والجواب الموجود هنا للقسم ولَّا للشرط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الآن السؤال هل هو للقسم ولَّا للشرط؟
* طلبة: للقسم.
* الشيخ: للقسم.
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــــوَابَ مــا أخَّــــــرْتَ فَهْــــوَمُلْـــتَزَمْ
(﴿قَالَ﴾ لهم لوط عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ المبغضين)، هذا فيه نوع من التحدي لهم؛ يعني إن أخرجتموني فأنا راضٍ بذلك، ولا يهمني إخراجي، لماذ؟ لأني لعملكم من القالين، والإنسان المبغض لعمل قوم هل يحب أن يبقى معهم؟ لا يحب أن يبقى معهم، فكأنه يقول: أنا لا يهمني إذا خرجت؛ لأنني لا أرغب في المقام معكم وأنتم على هذا العمل الخبيث الذي أبغضه، والإنسان أشد ما يكون عليه أن يبقى مع قوم يكرههم، يقول المتنبي:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى ∗∗∗ عَـــــــــــــدُوًّا لَهُ مَــا مِنْصَــــــدَاقَتِهِ بُـــدُّ
وهذا صحيح؛ أن تبقى مع قوم تكره أفعالهم هذا صعب على النفوس، فكأنه يقول: أنا أرغب هذا، ومستعد له، ولا أبالي بإخراجكم، وفي هذا دليل..
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...).
* وفيه دليل: على أنه يجب على كل مؤمن أن يبغض عملهم؛ عمل هؤلاء القوم؛ لأن الرسل يقلونه يبغضونه، وهذه هو فائدة الجمع، ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾؛ أي: المبغضين له، وإن كان هو ما فيه إلا قليل من الذين آمنوا معه ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]؛ يعني أنه ما آمن معه أحد إلا أهل بيته، ولا هم كلهم بعد، امرأته كانت من الكافرين.
﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ يقوله المؤلف: (من عذابه)، ولا شك أن هذا التأويل قاصر؛ لأن ﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من فعله، ومن عذابه أيضًا، ولا يمتنع أن يسأل الله تعالى أن ينجيه من هذا العمل، لا يمتنع ذلك أبدًا وإن كان الرسل لا يمكن أن يعملوه؛ لأن الصواب المقطوع به أنهم معصومون مما يُخِل بالشرف والكرامة، وعمل قوم لوط، هذا يخل بالشرف، لكنه هو دعا لنفسه وأهله ﴿نَجِّنِي وَأَهْلِي﴾ وأهله معصومون من ذلك؟ ليسوا معصومين، الصواب أنه سأل الله أن ينجيه من عملهم ومن عذابهم.
قال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾، الفاء للتفريع؛ يعني فتفريعًا على دعوته أجيب: نجيناه وأهله أجمعين.
(﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ امرأته ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين أهلكنا)؟
* طالب: (أهلكناها).
* الشيخ: (أهلكناها) اللي عندي أحسن، كأنه يريد إن (أهلكنا) مُسَلَّط على قوله: ﴿عَجُوزًا﴾ إلا عجوزًا أهلكنا؛ يعني إلا أن أهلكنا عجوزًا، واللي عندكم أيضًا لها معنى أوضح؛ لأنه إذا قال: الباقين أهلكنا قد يظن الظان أن المراد أهلك الباقين.
على كل حال استجاب الله دعوته فنجاه وأهله. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على أن الأهل كانوا عددًا كثيرًا، والصحيح أننا لا ندري كم عددهم، إنما أهله ولكن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على الكثرة؛ لأن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ هذه جمع، أدنى ما يُقال فيه ثلاثة، مع أن هذه الكلمة ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تدل على جماعة؛ جماعة مستكثرة.
وقوله: ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ شوف -والعياذ بالله- هذه المرأة عجوز كبيرة في السن، وكان الذي ينبغي لكبير السن أن يكون منيبًا إلى الله عز وجل؛ لأنه قريب من الموت، هو أقرب إلى الموت من الشاب، ولكن -والعياذ بالله- كفانا الله شر العجز، والشابات هي صارت خبيثة والعياذ بالله، كافرة بالله لكنها كاتمة لذلك؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة التحريم أيش؟ قال: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] ليست خيانة شهوة وزِنى، ولكن خيانة كفر؛ ولهذا قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] لم تشعراهما بكفر، فما علم بكفرهما.
* طالب: هي كانت مؤيدة لفعل القوم؟
* الشيخ: إي، هذا إقرار بالكفر، هي كافرة ومؤيدة أيضًا زيادة.
والإقرار (﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين)، الغابر يُطلَق على معانٍ، منها الباقي، ومنها الماضي أيضًا، فيكون فيه ما يُسمَّى بالأضداد؛ لأن اللغة فيها كلمات تصلح للشيء ولضده؛ تسمى الأضداد.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ بعد أن انتهينا لوطًا وأهله. ﴿دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾؛ لأنه بعد أن أمر أن يسير بأهله ليلًا ويخرج من البلدة إلا امرأته، دمر الله هذه البلدة؛ يعني فخرج، ثم دُمِّرت.
﴿الْآخَرِينَ﴾ المراد به مَنْ؟ قومه. قال المؤلف: (أهلكناهم).
(﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ حجارة. قال: من جملة الإهلاك)، من جملة الإهلاك أن الله سبحانه وتعالى أمطر عليهم مطرًا، والظاهر لي أن قوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ عطف تفسير على قوله: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا﴾؛ لأن هذا هو الذي دُمِّروا به، أن الله أمطر عليهم مطرًا، وما هو المطر؟ ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود ٨٢]: متتابع، مسومة عند الله.
يقول تعالى: (﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مطرهم) ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: مطر هؤلاء القوم وإنما قال: ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾؛ لبيان أنها قد قامت عليم الحجة ولم يمطروا بالعذاب إلا بعد أن أُعذِر منهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بهذه الحجارة؛ بالتدمير بالحجارة، وليس بالقلب، كذا؟
* طالب: في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بالحجارة.
* الشيخ: وليس بالقلْب، كما هو مشهور عند أهل العلم وكثير من المفسرين أن بلادهم حُمِلت إلى عنان السماء، ثم قُلِبَت، هذا ما في القرآن ما يدل عليه، ما في القرآن إلا: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤]، وجعل العالي هو السافل يكون بغير القلب، فإن هذه الحجارة إذا نزلت على المنازل وهدمتها صار العالي من المنازل صار سافلًا، ثم إنها إذا قُلِبت مثلًا وصار الناس في باطن الأرض فما قيمة الحجارة حينئذٍ؟ ما لها قيمة.
والمهم أنه ليس في الأمر عن النبي ﷺ ما يدل على أن أرضهم حُمِلت وقُلِبت، وما دام أنه ليس في الأمر ما يدل على ذلك فالأولى أن يقال: إنهم دُمِّروا بهذه الحجارة والإشكال الذي في قوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤] ينحل بقولنا: إنها إذا تهدمت البيوت صار العالي سافلًا، صار أعلاها سافلًا.
* ويستفاد من هذه القصة: أولًا: السعادة في توحيد الله، والأمر بتقواه إلى آخره، هذا سبق، والإخلاص في الدعوة لله سبحانه وتعالى، وأنه لا ينبغي للداعي أن يأخذ على دعوته أجرًا، كل هذا سبق، لكن يستفاد به أن من بني آدم من تُقلب طبيعته وفطرته حتى يستحسن الخبيث؛ لأن هؤلاء هذه حالهم.
* وفيه أيضًا: زيادة الإنكار فيما إذا كان للإنسان مندوحة عن الحرام؛ لقوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾.
* وفي الآية دليل: على جواز الاستمتاع بالزوجة استمتاعًا مطلقًا؛ لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ﴾.
* وفيه دليل: على أن من تجاوز الحلال إلى الحرام فهو عادٍ ظالم لنفسه ولغيره؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.
* وفيه دليل: على أن المعاندين للرسل إنما يلجؤون إلى قوتهم وسلطتهم لا إلى العقل والإقناع؛ لقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾، وقال ذلك قوم نوح: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء ١١٦]، لكن عذاب آخر، وكذلك أيضًا قاله فرعون، لمن؟ لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، وقاله آزر لابنه إبراهيم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم ٤٦]، كل هذا مما يدل على أن هؤلاء الذين يهددون بالسلطة لا بالإقناع والعقل، هؤلاء لا حُجَّة لهم.
* وفيه دليل: على أنه يجب على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله؛ لأن هذه طريقة الرسل؛ ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾.
* وفيه دليل: على أنه لا غنى لأحد عن دعاء الله ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾، وأما قول بعض العارفين الجاهلين: علمه بحالي يغني عن سؤالي، فهذا قول باطل، الله يعلم بحال كل أحد، ومع ذلك ما زالت الرسل وأتباعهم يدعون الله تبارك وتعالى.
* وفيه دليل: على وجود الرب سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿رَبِّ نَجِّنِي﴾ ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾، وهذا دليل حسي ظاهر.
* وفيه دليل: على إجابة الله للدعاء، وهذه الإجابة تتضمن عدة صفات؛ تتضمن العلم، والقدرة، والرحمة.
* وفيه دليل: على أن الله سبحانه وتعالى ينقد أهل الحق إهلاك الكافرين، ويهلك الكافرين ولو كانوا في أحضان أهل الحق؛ لأن الله أنجا لوطًا، وأهلك امرأته وهي في أحضانه، وهذا هو السر في قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] التعبير القرآني، المؤمنون نجوا ولَّا لا؟ لكن البيت المسلم ما نجا كله، المرأة التي كانت تتظاهر بالدِّين وهي مسلمة ظاهرًا، هذه ما نجت؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ﴾ منين؟ ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فالبيت هذا أهله مسلمون، لكن ليس كلهم مؤمنين، كان فيهم هذه المرأة العجوز، كانت كافرة، وليس في الآيه دليل كما يقول بعض الناس، ليس فيها دليل على أن الإيمان هو الإسلام؛ لأن فرق بين هذا وهذا.
* وفي الآية أيضًا دليل: على أن القرب من الأنبياء والأولياء لا يغني الإنسان شيئًا، منين نأخذه؟ من أن هذه زوجة نبي ومع ذلك هلكت مع من هلك، فكون الإنسان قريبًا من إنسان ولي لله لا يفيده شيئًا، أبو لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك ما نزل من القرآن في أحد معين من الكفار سوى أبي لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام، وما نزل القرآن في تسمية شخص بعينه من المسلمين إلا في زيد بن الحارث مولى من الموالي من أبعد ما يكون عن الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وبهذا يتبين أن القرب قرب النسب، وقرب المصاهرة وغيره لا يغني عن الإنسان شيئًا، وتأمل آية سورة التحريم، نزلت فيها قصة: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم ١٠] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ لأن عائشة وحفصة اللتين تظاهرا على النبي ﷺ قد يغترا بقربهما من الرسول ﷺ فيعملا ما عملاه، فبين الله سبحانه وتعالى أنه لا تنفعهما صلتهما بالنبي ﷺ.
* وفي هذا دليل: على أن عقوبة الله سبحانه وتعالى تتنوع حسب العمل؛ لأن هنا أُمطِروا مطرًا حتى هُدِّمت منازلهم وصار عاليها سافلها، ثم خُصف بها فيما بعد؛ ولذلك الآن هي بُحيرة اسمها الآن بحيرة لوط، معروفة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكنه بحر ميت؛ لأنه غير متصل بالبحار.
* طالب: (...) البحر الميت.
* الشيخ: ويكون أيضًا ماء يعيش فيه السمك والحوت في مثل ما يعيش فيه غيره، وفيه لكن مو مثل غيره؛ لأنهم (...) بحار عميقة، فلا يكون في ذلك شيء صغير وكبير.
* طالب: (...) عاد مثلًا؟
* الشيخ: إي، عاد ممكن على أساس أنه خصف به.
وفي هذا استدل بعض العلماء أخذًا من هذه القصة أن اللوطي يُقتل بأن يُرمى بالحجارة حتى يموت قياسًا على رمي الله تعالى على هؤلاء بالحجارة، والمسألة كما أشرنا إليه سابقًا فيها خلاف؛ من العلماء من قال: أن اللوطي لا يُتعرَّض له، ولا يقال له شيء؛ هذا قول. والقول الثاني: أنه يُعزَّر بالضرب والحبس وما أشبه ذلك.
والقول الثالث: أنه كالزاني، إن كان محصنًا رُجِم، وإن كان غير محصن جُلِد وغُرِّب.
والقول الرابع: أنه يقتل بكل حال سواء كان محصن أم غير محصن ولكن كيف يقتل؟ قيل: بالرجم، وقيل: بالسيف، وقيل: بالتحريق، وقيل: بإلقائه من شاهق وإتباعه الحجارة، وهذا الأخير القول الخامس، أظن أربعة، القول الرابع هو الذي اتفق عليه الصحابة أنه يُقتل.
أولًا: لا يتعرض له، أنه يُعزَّر، أن حده كحد الزاني، الرابع: أنه يقتل بكل حال، ثم اختلفوا في صفة القتل، وهذا القول هو الصحيح المتعيِّن؛ أنه يُقتل بكل حال فاعلًا كان أم مفعولًا به، إذا كان بالغًا عاقلًا؛ لأن هذا ليس كالزنى أشد وأعظم؛ ولأنه أمر لا يُمكن التحرز منه بخلاف الزنى، الزنى يمكن التحرز منه، لكن هذا لا يمكن فإنه لو أن خبيثًا أمسك بيد أمرد ما أحد يقوله، أيش الأمر هذا؟ وليش تمسك إيده، وما أشبه ذلك؟ فهو أمر لا يتحرز منه، يأتي في نوادي الرجال وغيرها، فهذا هو الصواب المقطوع به.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، أن الصحابة أجمعوا على قتله، أما من قال: إنه لا يتعرض له أيش حجته؟ قال: لأن هذا مما تنفر عنه الطباع، وما تنفر عنه الطباع يُكتفى بالرادع الطبيعي، كما قلنا: إن شارب البول لا يتعرض له، وشارب الخمر يُجلد؛ لأن الخمر تدعو النفس إليه، وهذا لا تدعو النفس إليه.
هذا قول باطل لا الأصل ولا الفرع، فإن قوله: (إنها لا تدعو النفوس إليه)، نقول: صحيح، النفوس السليمة لا شك لا تدعو إليه، وتستهجنه، وتستقبحه، لكن ألا يوجد هناك نفوس خبيثة؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: شهواه أكثر من النساء، شهواه -والعياذ بالله- أكثر من النساء، يهجرون نساءهم في فروجهن، ويذهبون إلى هذه الفعلة الفاحشة.
ثانيًا: قوله: إن البول لا يُعزَّر على شربه ويُكتفى بالرادع الطبيعي، هذا باطل أيضًا، بل يجب أن يُعزَّر على فعله، ومن رأيناه يشرب بولًا يجب أن نعزره؛ لأنه فعل محرمًا، والتعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ فالصواب أنه يُقتل بكل حال والله المستعان.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لا يعذب بالنار إلا الله سبحانه وتعالى[[أخرجه البخاري (٢٩٥٤) من حديث أبي هريرة.]]، لكن كأنهم رأوا لعِظَم هذا الفعل، وأن المقصود بالتعذيب بالنار في الأمور التي دون هذا وإلا فقد وقع ذلك في أبي بكر رضي الله عنه، ومن عبد الملك بن مروان؛ ثلاثة من الخلفاء كلهم اتفقوا عليه.
* طالب: الراجح؟
* الشيخ: الراجح الرجم.
* الطالب: قوله: (...).
* الشيخ: لا، ما فيه إلا كلام المؤرخين.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: حد لوطي؛ يعني الْمُحصَن يُرجم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، إحنا قلنا: إن حده القتل بكل حال؛ يعني لو يتلوَّط من له سبع عشرة سنة كمن له ست عشرة سنة قُتِلا جميعًا، وإن كان ما لهم زوجان لو ما تزوجوا.
* الطالب: رواية المذهب هذه.
* الشيخ: المذهب ضعيف في هذه المسألة.
* الطالب: (...) الرواية الثانية.
* الشيخ: وين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فيه قول ثانٍ اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ما أدري فيه رواية عن أحمد ولَّا قول..، يعني ما فيه وجه قوي للأصحاب هذا، وممن قال به شيخ الإسلام، لكن كونه رواية ما أدري.
* طالب: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [الحجر ٧١].
* الشيخ: إي، يعني أزوجكم إياهن.
* الطالب: (...).
* الشيخ: بعض المفسرين قال: بناتي؛ يعني بذلك بنات الأمة؛ لأن الرسول أب لقومه، فيكون لهم بمنزلة الأب.
* الطالب: وجيه هذا؟
* الشيخ: ما هو بوجيه لكن اللي دعاهم إلى هذا قالوا: إن بناته مسلمات مؤمنات، وهؤلاء كفار، والكافر لا يتزوج بالمؤمنة فيقال: الجواب على هذا إما أن شريعتهم تبيح ذلك، أو أن معنى ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ يعني فأسلموا وتزوجوهن ويكون المعنى مفهومًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: كم هم اللي جايين؟ ما يخالف، كم اللي جايين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يقينه جاي الناس.
* الطالب: جاي الناس.
* الشيخ: لأنهم ذهبوا يبشر بعضهم بعضًا بهؤلاء القوم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، المهم..
* الطالب: جاء أهل المدينة (...).
* الشيخ: إي نعم، ما يخالف لكن ما هو بالمعنى أنه بيقسم بناته على كل المدينة قطعًا، لكن المعنى أني أزوجكم بناتي وإن لم يتزوج منكم عدد يقابل بناتي فالباقي يخدوا من النساء (...).
ثم إن هذا بالحقيقة كأنه يقول: أنا أحافظ على ضيوفي أكثر مما أحافظ على أي شيء آخر؛ يعني فإني أبغي أحميهم حتى إني أتنازل عن بناتي أزوجهن من أجل المحافظة على هؤلاء الضيوف؟
* طالب: دليل من قال بإلقاء (...)؟
* الشيخ: بناءً على أن القرى هذه يعني رُفِعت، ثم قُلِبَت.
الشعراء 26:163
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦٠، ١٦١].
قوم لوط هؤلاء في قرية يقال لها: سدوم من أرض فلسطين، ولوط كما هو يقول المؤرخون: ابن أخي إبراهيم، فيكون إبراهيم عمه، أرسله الله تعالى إلى أهل هذه القرية، وكانوا مع كفرهم بالله سبحانه وتعالى يعملون عملًا فاحشًا يعتبر من أخبث الأعمال والعياذ بالله، وقد سماه الله تعالى خبيثًا في قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء ٧٤] فهو (...)؛ لأنه قبيح عقلًا وفطرة وشرعًا، هذا العمل الذي يعملونه هو أنهم يأتون الذكران والعياذ بالله كما يأتون النسوة.
وهنا يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦١ - ١٦٤]، هذه كلها سبق الكلام عليها.
وكل الرسول يُرسَلون أولًا بتحقيق التوحيد ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل ٣٦].
هذا الأصل كل الرسل يُرسلون به، لكن هناك أنواع معينة من المعاصي يرتكبها بعض الأمم، يُركِّز عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام ففيما سبق بل فيما ذُكِر الآن في قوم لوط كان جرمهم الخاص هو هذه الفاحشة؛ ولهذا قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، الاستفهام هذا للتوبيخ والإنكار.
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ أي: الذكور، جمع (ذَكَر).
﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ بيان للذُّكْران؛ أي: من (الناس) سواء كانوا من قبيلتكم، أو من غير قبيلتكم؛ ولهذا لم يقل: أتأتون الذكران منكم بل قال: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلى أنهم -والعياذ بالله- لا يتحاشون عن أحد فهم مثل الكلاب، ثم مع ذلك زيادة على خبثهم أنهم تركوا النعمة التي خلقها الله لهم ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾.
فلو كنتم تأتون الذكران من العالمين؛ لأنكم مضطرون لذلك وليس لكم من الحلال ما يغنيكم لكان الأمر أهون، لكن لكم من الحلال من يُغنيكم فكيف تأتون الخبائث وتذرون الطيبات؟ ولهذا قال: ﴿وَتَذَرُونَ﴾ هي داخلة في مضمون الاستفهام؛ يعني وأتذرون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ (تَذَرُونَ) بمعنى: تتركون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾؛ أي: (أقبالهن) تفسير لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾؛ يعني تأتون الذي خُلِق لكم من الأزواج وهو القُبُل، هذا ما ذهب إليه المؤلف، والصواب خلاف هذا؛ الصواب أن ﴿مِنْ﴾ بيان لـ﴿مَا﴾؛ أي: ما خلق لكم ربكم من الأزواج؛ يعني: وتذرون الأزواج، هذا المعنى، ما هو بأقبالهن، تذرون الأزواج أي: ما خلق الله لكم من الأزواج.
وفرق بين ما ذكرت وبين ما ذهب إليه المؤلف؛ يعني كأنه يقول: تذرون فروج النساء، ولكن لو قال: أتأتون أدبار الذكور لكان نعم، وتذرون فروج النساء ولَّا لا؟ لكن لما قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ يكون المناسب: وتدعون النساء لكن قال: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ دون قوله: أزواجكم؛ إشارة إلى أن الله تعالى هيأ هذه الزوجة للذَّكَر يتمتع بها كما يشاء إلا فيما حرم الله من الدبر مثلًا؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٥، ٦]، وهذا يدل إباحة الاستمتاع للرجل بامرأته إباحة مطلقة بلا حدود، ما عدا أمرين؛ الدبر والفرْج في الحيض، وما سوى ذلك فكل شيء مُباح، هذا يزيد الأمر قبحًا إلى قُبحه حيث يدعون الطَّيِّب ويأتون الخبيث.
وفي قوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ﴾ الفائدة المعنوية اللي أشرنا إليها وهي زيادة القبح، والثانية: اللفظية ما هي؟ الطباق لِذِكْر الأمر ومقابله، المعنى ومقابله (تأتون وتذرون).
وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ اللام للإباحة أو للتعليل؛ أي: خلق لأجلكم ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ أباح لكم.
وقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى هو المتصرف فيه، الذي (...).
* الطالب: المعية، معناها..
* الشيخ: اللام في ﴿لَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ﴿بَلْ﴾ للإضراب ولكن ما هو الإضراب الذي حصل؟ يعني ما هو الْمُضْرَب عنه؟ كأنه قال: لا تأتون الذكران فطرةً ولا عملًا عاديًّا محبوبًا إلى الفِطَر، ولكن الذي حملكم على هذا هو العدوان المجرد والعياذ بالله، متجاوزين الحلال إلى الحرام، بيَّن لهم لوط عليه السلام أن ما فعلوه أمر مستنكر عقلًا، ومستنكر شرعًا وعرفًا؛ لأن العدوان لا شك أن كل أحد ينكره، وهؤلاء معتدون.
ومن الغريب أن الفاعل منهم اليوم قد كان مفعولًا به بالأمس، والمفعول به اليوم يكون فاعلًا في المستقبل، وهذا غاية ما يكون من العدوان، وسبحان الله كيف أن هؤلاء الجماعة -نسأل الله السلامة- يرى الإنسان ولده أو أخاه الصغير تُفعل فيه الفاحشة ولا يبالي بهذا؟! والظاهر أنهم يفعلونها جهرًا؛ لقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت ٢٩]، فهم لا يبالون والعياذ بالله أن يركب بعضهم بعضًا جهارًا؛ فهذا غاية ما يكون من السخط.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، وما هي من الظالمين ببعيد، بعدئذٍ الجواب على: (﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ﴾ عن إنكارك علينا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ من بلادنا).
هذا الجواب القبيح ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن أيش؟ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ أبلغ من قوله: لنخرجنك؛ كأنهم يهددونه بما هو أعظم ترويعًا له؛ يعني أننا أخرجنا غيرك، وستكون أنت من جملة المخرَجِين؛ لأن لنا القدرة وسلطة على إخراجك.
وفي قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ تأكيد بالقسم واللام ونون التوكيد ﴿لَئِنْ﴾؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم.
﴿لَتَكُونَنَّ﴾ اللام واقعة في جواب القسم، والجواب الموجود هنا للقسم ولَّا للشرط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الآن السؤال هل هو للقسم ولَّا للشرط؟
* طلبة: للقسم.
* الشيخ: للقسم.
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــــوَابَ مــا أخَّــــــرْتَ فَهْــــوَمُلْـــتَزَمْ
(﴿قَالَ﴾ لهم لوط عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ المبغضين)، هذا فيه نوع من التحدي لهم؛ يعني إن أخرجتموني فأنا راضٍ بذلك، ولا يهمني إخراجي، لماذ؟ لأني لعملكم من القالين، والإنسان المبغض لعمل قوم هل يحب أن يبقى معهم؟ لا يحب أن يبقى معهم، فكأنه يقول: أنا لا يهمني إذا خرجت؛ لأنني لا أرغب في المقام معكم وأنتم على هذا العمل الخبيث الذي أبغضه، والإنسان أشد ما يكون عليه أن يبقى مع قوم يكرههم، يقول المتنبي:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى ∗∗∗ عَـــــــــــــدُوًّا لَهُ مَــا مِنْصَــــــدَاقَتِهِ بُـــدُّ
وهذا صحيح؛ أن تبقى مع قوم تكره أفعالهم هذا صعب على النفوس، فكأنه يقول: أنا أرغب هذا، ومستعد له، ولا أبالي بإخراجكم، وفي هذا دليل..
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...).
* وفيه دليل: على أنه يجب على كل مؤمن أن يبغض عملهم؛ عمل هؤلاء القوم؛ لأن الرسل يقلونه يبغضونه، وهذه هو فائدة الجمع، ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾؛ أي: المبغضين له، وإن كان هو ما فيه إلا قليل من الذين آمنوا معه ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]؛ يعني أنه ما آمن معه أحد إلا أهل بيته، ولا هم كلهم بعد، امرأته كانت من الكافرين.
﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ يقوله المؤلف: (من عذابه)، ولا شك أن هذا التأويل قاصر؛ لأن ﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من فعله، ومن عذابه أيضًا، ولا يمتنع أن يسأل الله تعالى أن ينجيه من هذا العمل، لا يمتنع ذلك أبدًا وإن كان الرسل لا يمكن أن يعملوه؛ لأن الصواب المقطوع به أنهم معصومون مما يُخِل بالشرف والكرامة، وعمل قوم لوط، هذا يخل بالشرف، لكنه هو دعا لنفسه وأهله ﴿نَجِّنِي وَأَهْلِي﴾ وأهله معصومون من ذلك؟ ليسوا معصومين، الصواب أنه سأل الله أن ينجيه من عملهم ومن عذابهم.
قال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾، الفاء للتفريع؛ يعني فتفريعًا على دعوته أجيب: نجيناه وأهله أجمعين.
(﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ امرأته ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين أهلكنا)؟
* طالب: (أهلكناها).
* الشيخ: (أهلكناها) اللي عندي أحسن، كأنه يريد إن (أهلكنا) مُسَلَّط على قوله: ﴿عَجُوزًا﴾ إلا عجوزًا أهلكنا؛ يعني إلا أن أهلكنا عجوزًا، واللي عندكم أيضًا لها معنى أوضح؛ لأنه إذا قال: الباقين أهلكنا قد يظن الظان أن المراد أهلك الباقين.
على كل حال استجاب الله دعوته فنجاه وأهله. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على أن الأهل كانوا عددًا كثيرًا، والصحيح أننا لا ندري كم عددهم، إنما أهله ولكن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على الكثرة؛ لأن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ هذه جمع، أدنى ما يُقال فيه ثلاثة، مع أن هذه الكلمة ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تدل على جماعة؛ جماعة مستكثرة.
وقوله: ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ شوف -والعياذ بالله- هذه المرأة عجوز كبيرة في السن، وكان الذي ينبغي لكبير السن أن يكون منيبًا إلى الله عز وجل؛ لأنه قريب من الموت، هو أقرب إلى الموت من الشاب، ولكن -والعياذ بالله- كفانا الله شر العجز، والشابات هي صارت خبيثة والعياذ بالله، كافرة بالله لكنها كاتمة لذلك؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة التحريم أيش؟ قال: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] ليست خيانة شهوة وزِنى، ولكن خيانة كفر؛ ولهذا قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] لم تشعراهما بكفر، فما علم بكفرهما.
* طالب: هي كانت مؤيدة لفعل القوم؟
* الشيخ: إي، هذا إقرار بالكفر، هي كافرة ومؤيدة أيضًا زيادة.
والإقرار (﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين)، الغابر يُطلَق على معانٍ، منها الباقي، ومنها الماضي أيضًا، فيكون فيه ما يُسمَّى بالأضداد؛ لأن اللغة فيها كلمات تصلح للشيء ولضده؛ تسمى الأضداد.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ بعد أن انتهينا لوطًا وأهله. ﴿دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾؛ لأنه بعد أن أمر أن يسير بأهله ليلًا ويخرج من البلدة إلا امرأته، دمر الله هذه البلدة؛ يعني فخرج، ثم دُمِّرت.
﴿الْآخَرِينَ﴾ المراد به مَنْ؟ قومه. قال المؤلف: (أهلكناهم).
(﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ حجارة. قال: من جملة الإهلاك)، من جملة الإهلاك أن الله سبحانه وتعالى أمطر عليهم مطرًا، والظاهر لي أن قوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ عطف تفسير على قوله: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا﴾؛ لأن هذا هو الذي دُمِّروا به، أن الله أمطر عليهم مطرًا، وما هو المطر؟ ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود ٨٢]: متتابع، مسومة عند الله.
يقول تعالى: (﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مطرهم) ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: مطر هؤلاء القوم وإنما قال: ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾؛ لبيان أنها قد قامت عليم الحجة ولم يمطروا بالعذاب إلا بعد أن أُعذِر منهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بهذه الحجارة؛ بالتدمير بالحجارة، وليس بالقلب، كذا؟
* طالب: في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بالحجارة.
* الشيخ: وليس بالقلْب، كما هو مشهور عند أهل العلم وكثير من المفسرين أن بلادهم حُمِلت إلى عنان السماء، ثم قُلِبَت، هذا ما في القرآن ما يدل عليه، ما في القرآن إلا: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤]، وجعل العالي هو السافل يكون بغير القلب، فإن هذه الحجارة إذا نزلت على المنازل وهدمتها صار العالي من المنازل صار سافلًا، ثم إنها إذا قُلِبت مثلًا وصار الناس في باطن الأرض فما قيمة الحجارة حينئذٍ؟ ما لها قيمة.
والمهم أنه ليس في الأمر عن النبي ﷺ ما يدل على أن أرضهم حُمِلت وقُلِبت، وما دام أنه ليس في الأمر ما يدل على ذلك فالأولى أن يقال: إنهم دُمِّروا بهذه الحجارة والإشكال الذي في قوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤] ينحل بقولنا: إنها إذا تهدمت البيوت صار العالي سافلًا، صار أعلاها سافلًا.
* ويستفاد من هذه القصة: أولًا: السعادة في توحيد الله، والأمر بتقواه إلى آخره، هذا سبق، والإخلاص في الدعوة لله سبحانه وتعالى، وأنه لا ينبغي للداعي أن يأخذ على دعوته أجرًا، كل هذا سبق، لكن يستفاد به أن من بني آدم من تُقلب طبيعته وفطرته حتى يستحسن الخبيث؛ لأن هؤلاء هذه حالهم.
* وفيه أيضًا: زيادة الإنكار فيما إذا كان للإنسان مندوحة عن الحرام؛ لقوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾.
* وفي الآية دليل: على جواز الاستمتاع بالزوجة استمتاعًا مطلقًا؛ لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ﴾.
* وفيه دليل: على أن من تجاوز الحلال إلى الحرام فهو عادٍ ظالم لنفسه ولغيره؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.
* وفيه دليل: على أن المعاندين للرسل إنما يلجؤون إلى قوتهم وسلطتهم لا إلى العقل والإقناع؛ لقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾، وقال ذلك قوم نوح: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء ١١٦]، لكن عذاب آخر، وكذلك أيضًا قاله فرعون، لمن؟ لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، وقاله آزر لابنه إبراهيم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم ٤٦]، كل هذا مما يدل على أن هؤلاء الذين يهددون بالسلطة لا بالإقناع والعقل، هؤلاء لا حُجَّة لهم.
* وفيه دليل: على أنه يجب على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله؛ لأن هذه طريقة الرسل؛ ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾.
* وفيه دليل: على أنه لا غنى لأحد عن دعاء الله ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾، وأما قول بعض العارفين الجاهلين: علمه بحالي يغني عن سؤالي، فهذا قول باطل، الله يعلم بحال كل أحد، ومع ذلك ما زالت الرسل وأتباعهم يدعون الله تبارك وتعالى.
* وفيه دليل: على وجود الرب سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿رَبِّ نَجِّنِي﴾ ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾، وهذا دليل حسي ظاهر.
* وفيه دليل: على إجابة الله للدعاء، وهذه الإجابة تتضمن عدة صفات؛ تتضمن العلم، والقدرة، والرحمة.
* وفيه دليل: على أن الله سبحانه وتعالى ينقد أهل الحق إهلاك الكافرين، ويهلك الكافرين ولو كانوا في أحضان أهل الحق؛ لأن الله أنجا لوطًا، وأهلك امرأته وهي في أحضانه، وهذا هو السر في قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] التعبير القرآني، المؤمنون نجوا ولَّا لا؟ لكن البيت المسلم ما نجا كله، المرأة التي كانت تتظاهر بالدِّين وهي مسلمة ظاهرًا، هذه ما نجت؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ﴾ منين؟ ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فالبيت هذا أهله مسلمون، لكن ليس كلهم مؤمنين، كان فيهم هذه المرأة العجوز، كانت كافرة، وليس في الآيه دليل كما يقول بعض الناس، ليس فيها دليل على أن الإيمان هو الإسلام؛ لأن فرق بين هذا وهذا.
* وفي الآية أيضًا دليل: على أن القرب من الأنبياء والأولياء لا يغني الإنسان شيئًا، منين نأخذه؟ من أن هذه زوجة نبي ومع ذلك هلكت مع من هلك، فكون الإنسان قريبًا من إنسان ولي لله لا يفيده شيئًا، أبو لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك ما نزل من القرآن في أحد معين من الكفار سوى أبي لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام، وما نزل القرآن في تسمية شخص بعينه من المسلمين إلا في زيد بن الحارث مولى من الموالي من أبعد ما يكون عن الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وبهذا يتبين أن القرب قرب النسب، وقرب المصاهرة وغيره لا يغني عن الإنسان شيئًا، وتأمل آية سورة التحريم، نزلت فيها قصة: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم ١٠] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ لأن عائشة وحفصة اللتين تظاهرا على النبي ﷺ قد يغترا بقربهما من الرسول ﷺ فيعملا ما عملاه، فبين الله سبحانه وتعالى أنه لا تنفعهما صلتهما بالنبي ﷺ.
* وفي هذا دليل: على أن عقوبة الله سبحانه وتعالى تتنوع حسب العمل؛ لأن هنا أُمطِروا مطرًا حتى هُدِّمت منازلهم وصار عاليها سافلها، ثم خُصف بها فيما بعد؛ ولذلك الآن هي بُحيرة اسمها الآن بحيرة لوط، معروفة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكنه بحر ميت؛ لأنه غير متصل بالبحار.
* طالب: (...) البحر الميت.
* الشيخ: ويكون أيضًا ماء يعيش فيه السمك والحوت في مثل ما يعيش فيه غيره، وفيه لكن مو مثل غيره؛ لأنهم (...) بحار عميقة، فلا يكون في ذلك شيء صغير وكبير.
* طالب: (...) عاد مثلًا؟
* الشيخ: إي، عاد ممكن على أساس أنه خصف به.
وفي هذا استدل بعض العلماء أخذًا من هذه القصة أن اللوطي يُقتل بأن يُرمى بالحجارة حتى يموت قياسًا على رمي الله تعالى على هؤلاء بالحجارة، والمسألة كما أشرنا إليه سابقًا فيها خلاف؛ من العلماء من قال: أن اللوطي لا يُتعرَّض له، ولا يقال له شيء؛ هذا قول. والقول الثاني: أنه يُعزَّر بالضرب والحبس وما أشبه ذلك.
والقول الثالث: أنه كالزاني، إن كان محصنًا رُجِم، وإن كان غير محصن جُلِد وغُرِّب.
والقول الرابع: أنه يقتل بكل حال سواء كان محصن أم غير محصن ولكن كيف يقتل؟ قيل: بالرجم، وقيل: بالسيف، وقيل: بالتحريق، وقيل: بإلقائه من شاهق وإتباعه الحجارة، وهذا الأخير القول الخامس، أظن أربعة، القول الرابع هو الذي اتفق عليه الصحابة أنه يُقتل.
أولًا: لا يتعرض له، أنه يُعزَّر، أن حده كحد الزاني، الرابع: أنه يقتل بكل حال، ثم اختلفوا في صفة القتل، وهذا القول هو الصحيح المتعيِّن؛ أنه يُقتل بكل حال فاعلًا كان أم مفعولًا به، إذا كان بالغًا عاقلًا؛ لأن هذا ليس كالزنى أشد وأعظم؛ ولأنه أمر لا يُمكن التحرز منه بخلاف الزنى، الزنى يمكن التحرز منه، لكن هذا لا يمكن فإنه لو أن خبيثًا أمسك بيد أمرد ما أحد يقوله، أيش الأمر هذا؟ وليش تمسك إيده، وما أشبه ذلك؟ فهو أمر لا يتحرز منه، يأتي في نوادي الرجال وغيرها، فهذا هو الصواب المقطوع به.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، أن الصحابة أجمعوا على قتله، أما من قال: إنه لا يتعرض له أيش حجته؟ قال: لأن هذا مما تنفر عنه الطباع، وما تنفر عنه الطباع يُكتفى بالرادع الطبيعي، كما قلنا: إن شارب البول لا يتعرض له، وشارب الخمر يُجلد؛ لأن الخمر تدعو النفس إليه، وهذا لا تدعو النفس إليه.
هذا قول باطل لا الأصل ولا الفرع، فإن قوله: (إنها لا تدعو النفوس إليه)، نقول: صحيح، النفوس السليمة لا شك لا تدعو إليه، وتستهجنه، وتستقبحه، لكن ألا يوجد هناك نفوس خبيثة؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: شهواه أكثر من النساء، شهواه -والعياذ بالله- أكثر من النساء، يهجرون نساءهم في فروجهن، ويذهبون إلى هذه الفعلة الفاحشة.
ثانيًا: قوله: إن البول لا يُعزَّر على شربه ويُكتفى بالرادع الطبيعي، هذا باطل أيضًا، بل يجب أن يُعزَّر على فعله، ومن رأيناه يشرب بولًا يجب أن نعزره؛ لأنه فعل محرمًا، والتعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ فالصواب أنه يُقتل بكل حال والله المستعان.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لا يعذب بالنار إلا الله سبحانه وتعالى[[أخرجه البخاري (٢٩٥٤) من حديث أبي هريرة.]]، لكن كأنهم رأوا لعِظَم هذا الفعل، وأن المقصود بالتعذيب بالنار في الأمور التي دون هذا وإلا فقد وقع ذلك في أبي بكر رضي الله عنه، ومن عبد الملك بن مروان؛ ثلاثة من الخلفاء كلهم اتفقوا عليه.
* طالب: الراجح؟
* الشيخ: الراجح الرجم.
* الطالب: قوله: (...).
* الشيخ: لا، ما فيه إلا كلام المؤرخين.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: حد لوطي؛ يعني الْمُحصَن يُرجم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، إحنا قلنا: إن حده القتل بكل حال؛ يعني لو يتلوَّط من له سبع عشرة سنة كمن له ست عشرة سنة قُتِلا جميعًا، وإن كان ما لهم زوجان لو ما تزوجوا.
* الطالب: رواية المذهب هذه.
* الشيخ: المذهب ضعيف في هذه المسألة.
* الطالب: (...) الرواية الثانية.
* الشيخ: وين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فيه قول ثانٍ اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ما أدري فيه رواية عن أحمد ولَّا قول..، يعني ما فيه وجه قوي للأصحاب هذا، وممن قال به شيخ الإسلام، لكن كونه رواية ما أدري.
* طالب: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [الحجر ٧١].
* الشيخ: إي، يعني أزوجكم إياهن.
* الطالب: (...).
* الشيخ: بعض المفسرين قال: بناتي؛ يعني بذلك بنات الأمة؛ لأن الرسول أب لقومه، فيكون لهم بمنزلة الأب.
* الطالب: وجيه هذا؟
* الشيخ: ما هو بوجيه لكن اللي دعاهم إلى هذا قالوا: إن بناته مسلمات مؤمنات، وهؤلاء كفار، والكافر لا يتزوج بالمؤمنة فيقال: الجواب على هذا إما أن شريعتهم تبيح ذلك، أو أن معنى ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ يعني فأسلموا وتزوجوهن ويكون المعنى مفهومًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: كم هم اللي جايين؟ ما يخالف، كم اللي جايين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يقينه جاي الناس.
* الطالب: جاي الناس.
* الشيخ: لأنهم ذهبوا يبشر بعضهم بعضًا بهؤلاء القوم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، المهم..
* الطالب: جاء أهل المدينة (...).
* الشيخ: إي نعم، ما يخالف لكن ما هو بالمعنى أنه بيقسم بناته على كل المدينة قطعًا، لكن المعنى أني أزوجكم بناتي وإن لم يتزوج منكم عدد يقابل بناتي فالباقي يخدوا من النساء (...).
ثم إن هذا بالحقيقة كأنه يقول: أنا أحافظ على ضيوفي أكثر مما أحافظ على أي شيء آخر؛ يعني فإني أبغي أحميهم حتى إني أتنازل عن بناتي أزوجهن من أجل المحافظة على هؤلاء الضيوف؟
* طالب: دليل من قال بإلقاء (...)؟
* الشيخ: بناءً على أن القرى هذه يعني رُفِعت، ثم قُلِبَت.
الشعراء 26:164
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦٠، ١٦١].
قوم لوط هؤلاء في قرية يقال لها: سدوم من أرض فلسطين، ولوط كما هو يقول المؤرخون: ابن أخي إبراهيم، فيكون إبراهيم عمه، أرسله الله تعالى إلى أهل هذه القرية، وكانوا مع كفرهم بالله سبحانه وتعالى يعملون عملًا فاحشًا يعتبر من أخبث الأعمال والعياذ بالله، وقد سماه الله تعالى خبيثًا في قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء ٧٤] فهو (...)؛ لأنه قبيح عقلًا وفطرة وشرعًا، هذا العمل الذي يعملونه هو أنهم يأتون الذكران والعياذ بالله كما يأتون النسوة.
وهنا يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦١ - ١٦٤]، هذه كلها سبق الكلام عليها.
وكل الرسول يُرسَلون أولًا بتحقيق التوحيد ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل ٣٦].
هذا الأصل كل الرسل يُرسلون به، لكن هناك أنواع معينة من المعاصي يرتكبها بعض الأمم، يُركِّز عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام ففيما سبق بل فيما ذُكِر الآن في قوم لوط كان جرمهم الخاص هو هذه الفاحشة؛ ولهذا قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، الاستفهام هذا للتوبيخ والإنكار.
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ أي: الذكور، جمع (ذَكَر).
﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ بيان للذُّكْران؛ أي: من (الناس) سواء كانوا من قبيلتكم، أو من غير قبيلتكم؛ ولهذا لم يقل: أتأتون الذكران منكم بل قال: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلى أنهم -والعياذ بالله- لا يتحاشون عن أحد فهم مثل الكلاب، ثم مع ذلك زيادة على خبثهم أنهم تركوا النعمة التي خلقها الله لهم ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾.
فلو كنتم تأتون الذكران من العالمين؛ لأنكم مضطرون لذلك وليس لكم من الحلال ما يغنيكم لكان الأمر أهون، لكن لكم من الحلال من يُغنيكم فكيف تأتون الخبائث وتذرون الطيبات؟ ولهذا قال: ﴿وَتَذَرُونَ﴾ هي داخلة في مضمون الاستفهام؛ يعني وأتذرون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ (تَذَرُونَ) بمعنى: تتركون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾؛ أي: (أقبالهن) تفسير لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾؛ يعني تأتون الذي خُلِق لكم من الأزواج وهو القُبُل، هذا ما ذهب إليه المؤلف، والصواب خلاف هذا؛ الصواب أن ﴿مِنْ﴾ بيان لـ﴿مَا﴾؛ أي: ما خلق لكم ربكم من الأزواج؛ يعني: وتذرون الأزواج، هذا المعنى، ما هو بأقبالهن، تذرون الأزواج أي: ما خلق الله لكم من الأزواج.
وفرق بين ما ذكرت وبين ما ذهب إليه المؤلف؛ يعني كأنه يقول: تذرون فروج النساء، ولكن لو قال: أتأتون أدبار الذكور لكان نعم، وتذرون فروج النساء ولَّا لا؟ لكن لما قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ يكون المناسب: وتدعون النساء لكن قال: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ دون قوله: أزواجكم؛ إشارة إلى أن الله تعالى هيأ هذه الزوجة للذَّكَر يتمتع بها كما يشاء إلا فيما حرم الله من الدبر مثلًا؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٥، ٦]، وهذا يدل إباحة الاستمتاع للرجل بامرأته إباحة مطلقة بلا حدود، ما عدا أمرين؛ الدبر والفرْج في الحيض، وما سوى ذلك فكل شيء مُباح، هذا يزيد الأمر قبحًا إلى قُبحه حيث يدعون الطَّيِّب ويأتون الخبيث.
وفي قوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ﴾ الفائدة المعنوية اللي أشرنا إليها وهي زيادة القبح، والثانية: اللفظية ما هي؟ الطباق لِذِكْر الأمر ومقابله، المعنى ومقابله (تأتون وتذرون).
وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ اللام للإباحة أو للتعليل؛ أي: خلق لأجلكم ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ أباح لكم.
وقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى هو المتصرف فيه، الذي (...).
* الطالب: المعية، معناها..
* الشيخ: اللام في ﴿لَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ﴿بَلْ﴾ للإضراب ولكن ما هو الإضراب الذي حصل؟ يعني ما هو الْمُضْرَب عنه؟ كأنه قال: لا تأتون الذكران فطرةً ولا عملًا عاديًّا محبوبًا إلى الفِطَر، ولكن الذي حملكم على هذا هو العدوان المجرد والعياذ بالله، متجاوزين الحلال إلى الحرام، بيَّن لهم لوط عليه السلام أن ما فعلوه أمر مستنكر عقلًا، ومستنكر شرعًا وعرفًا؛ لأن العدوان لا شك أن كل أحد ينكره، وهؤلاء معتدون.
ومن الغريب أن الفاعل منهم اليوم قد كان مفعولًا به بالأمس، والمفعول به اليوم يكون فاعلًا في المستقبل، وهذا غاية ما يكون من العدوان، وسبحان الله كيف أن هؤلاء الجماعة -نسأل الله السلامة- يرى الإنسان ولده أو أخاه الصغير تُفعل فيه الفاحشة ولا يبالي بهذا؟! والظاهر أنهم يفعلونها جهرًا؛ لقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت ٢٩]، فهم لا يبالون والعياذ بالله أن يركب بعضهم بعضًا جهارًا؛ فهذا غاية ما يكون من السخط.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، وما هي من الظالمين ببعيد، بعدئذٍ الجواب على: (﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ﴾ عن إنكارك علينا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ من بلادنا).
هذا الجواب القبيح ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن أيش؟ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ أبلغ من قوله: لنخرجنك؛ كأنهم يهددونه بما هو أعظم ترويعًا له؛ يعني أننا أخرجنا غيرك، وستكون أنت من جملة المخرَجِين؛ لأن لنا القدرة وسلطة على إخراجك.
وفي قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ تأكيد بالقسم واللام ونون التوكيد ﴿لَئِنْ﴾؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم.
﴿لَتَكُونَنَّ﴾ اللام واقعة في جواب القسم، والجواب الموجود هنا للقسم ولَّا للشرط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الآن السؤال هل هو للقسم ولَّا للشرط؟
* طلبة: للقسم.
* الشيخ: للقسم.
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــــوَابَ مــا أخَّــــــرْتَ فَهْــــوَمُلْـــتَزَمْ
(﴿قَالَ﴾ لهم لوط عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ المبغضين)، هذا فيه نوع من التحدي لهم؛ يعني إن أخرجتموني فأنا راضٍ بذلك، ولا يهمني إخراجي، لماذ؟ لأني لعملكم من القالين، والإنسان المبغض لعمل قوم هل يحب أن يبقى معهم؟ لا يحب أن يبقى معهم، فكأنه يقول: أنا لا يهمني إذا خرجت؛ لأنني لا أرغب في المقام معكم وأنتم على هذا العمل الخبيث الذي أبغضه، والإنسان أشد ما يكون عليه أن يبقى مع قوم يكرههم، يقول المتنبي:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى ∗∗∗ عَـــــــــــــدُوًّا لَهُ مَــا مِنْصَــــــدَاقَتِهِ بُـــدُّ
وهذا صحيح؛ أن تبقى مع قوم تكره أفعالهم هذا صعب على النفوس، فكأنه يقول: أنا أرغب هذا، ومستعد له، ولا أبالي بإخراجكم، وفي هذا دليل..
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...).
* وفيه دليل: على أنه يجب على كل مؤمن أن يبغض عملهم؛ عمل هؤلاء القوم؛ لأن الرسل يقلونه يبغضونه، وهذه هو فائدة الجمع، ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾؛ أي: المبغضين له، وإن كان هو ما فيه إلا قليل من الذين آمنوا معه ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]؛ يعني أنه ما آمن معه أحد إلا أهل بيته، ولا هم كلهم بعد، امرأته كانت من الكافرين.
﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ يقوله المؤلف: (من عذابه)، ولا شك أن هذا التأويل قاصر؛ لأن ﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من فعله، ومن عذابه أيضًا، ولا يمتنع أن يسأل الله تعالى أن ينجيه من هذا العمل، لا يمتنع ذلك أبدًا وإن كان الرسل لا يمكن أن يعملوه؛ لأن الصواب المقطوع به أنهم معصومون مما يُخِل بالشرف والكرامة، وعمل قوم لوط، هذا يخل بالشرف، لكنه هو دعا لنفسه وأهله ﴿نَجِّنِي وَأَهْلِي﴾ وأهله معصومون من ذلك؟ ليسوا معصومين، الصواب أنه سأل الله أن ينجيه من عملهم ومن عذابهم.
قال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾، الفاء للتفريع؛ يعني فتفريعًا على دعوته أجيب: نجيناه وأهله أجمعين.
(﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ امرأته ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين أهلكنا)؟
* طالب: (أهلكناها).
* الشيخ: (أهلكناها) اللي عندي أحسن، كأنه يريد إن (أهلكنا) مُسَلَّط على قوله: ﴿عَجُوزًا﴾ إلا عجوزًا أهلكنا؛ يعني إلا أن أهلكنا عجوزًا، واللي عندكم أيضًا لها معنى أوضح؛ لأنه إذا قال: الباقين أهلكنا قد يظن الظان أن المراد أهلك الباقين.
على كل حال استجاب الله دعوته فنجاه وأهله. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على أن الأهل كانوا عددًا كثيرًا، والصحيح أننا لا ندري كم عددهم، إنما أهله ولكن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على الكثرة؛ لأن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ هذه جمع، أدنى ما يُقال فيه ثلاثة، مع أن هذه الكلمة ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تدل على جماعة؛ جماعة مستكثرة.
وقوله: ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ شوف -والعياذ بالله- هذه المرأة عجوز كبيرة في السن، وكان الذي ينبغي لكبير السن أن يكون منيبًا إلى الله عز وجل؛ لأنه قريب من الموت، هو أقرب إلى الموت من الشاب، ولكن -والعياذ بالله- كفانا الله شر العجز، والشابات هي صارت خبيثة والعياذ بالله، كافرة بالله لكنها كاتمة لذلك؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة التحريم أيش؟ قال: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] ليست خيانة شهوة وزِنى، ولكن خيانة كفر؛ ولهذا قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] لم تشعراهما بكفر، فما علم بكفرهما.
* طالب: هي كانت مؤيدة لفعل القوم؟
* الشيخ: إي، هذا إقرار بالكفر، هي كافرة ومؤيدة أيضًا زيادة.
والإقرار (﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين)، الغابر يُطلَق على معانٍ، منها الباقي، ومنها الماضي أيضًا، فيكون فيه ما يُسمَّى بالأضداد؛ لأن اللغة فيها كلمات تصلح للشيء ولضده؛ تسمى الأضداد.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ بعد أن انتهينا لوطًا وأهله. ﴿دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾؛ لأنه بعد أن أمر أن يسير بأهله ليلًا ويخرج من البلدة إلا امرأته، دمر الله هذه البلدة؛ يعني فخرج، ثم دُمِّرت.
﴿الْآخَرِينَ﴾ المراد به مَنْ؟ قومه. قال المؤلف: (أهلكناهم).
(﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ حجارة. قال: من جملة الإهلاك)، من جملة الإهلاك أن الله سبحانه وتعالى أمطر عليهم مطرًا، والظاهر لي أن قوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ عطف تفسير على قوله: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا﴾؛ لأن هذا هو الذي دُمِّروا به، أن الله أمطر عليهم مطرًا، وما هو المطر؟ ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود ٨٢]: متتابع، مسومة عند الله.
يقول تعالى: (﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مطرهم) ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: مطر هؤلاء القوم وإنما قال: ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾؛ لبيان أنها قد قامت عليم الحجة ولم يمطروا بالعذاب إلا بعد أن أُعذِر منهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بهذه الحجارة؛ بالتدمير بالحجارة، وليس بالقلب، كذا؟
* طالب: في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بالحجارة.
* الشيخ: وليس بالقلْب، كما هو مشهور عند أهل العلم وكثير من المفسرين أن بلادهم حُمِلت إلى عنان السماء، ثم قُلِبَت، هذا ما في القرآن ما يدل عليه، ما في القرآن إلا: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤]، وجعل العالي هو السافل يكون بغير القلب، فإن هذه الحجارة إذا نزلت على المنازل وهدمتها صار العالي من المنازل صار سافلًا، ثم إنها إذا قُلِبت مثلًا وصار الناس في باطن الأرض فما قيمة الحجارة حينئذٍ؟ ما لها قيمة.
والمهم أنه ليس في الأمر عن النبي ﷺ ما يدل على أن أرضهم حُمِلت وقُلِبت، وما دام أنه ليس في الأمر ما يدل على ذلك فالأولى أن يقال: إنهم دُمِّروا بهذه الحجارة والإشكال الذي في قوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤] ينحل بقولنا: إنها إذا تهدمت البيوت صار العالي سافلًا، صار أعلاها سافلًا.
* ويستفاد من هذه القصة: أولًا: السعادة في توحيد الله، والأمر بتقواه إلى آخره، هذا سبق، والإخلاص في الدعوة لله سبحانه وتعالى، وأنه لا ينبغي للداعي أن يأخذ على دعوته أجرًا، كل هذا سبق، لكن يستفاد به أن من بني آدم من تُقلب طبيعته وفطرته حتى يستحسن الخبيث؛ لأن هؤلاء هذه حالهم.
* وفيه أيضًا: زيادة الإنكار فيما إذا كان للإنسان مندوحة عن الحرام؛ لقوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾.
* وفي الآية دليل: على جواز الاستمتاع بالزوجة استمتاعًا مطلقًا؛ لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ﴾.
* وفيه دليل: على أن من تجاوز الحلال إلى الحرام فهو عادٍ ظالم لنفسه ولغيره؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.
* وفيه دليل: على أن المعاندين للرسل إنما يلجؤون إلى قوتهم وسلطتهم لا إلى العقل والإقناع؛ لقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾، وقال ذلك قوم نوح: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء ١١٦]، لكن عذاب آخر، وكذلك أيضًا قاله فرعون، لمن؟ لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، وقاله آزر لابنه إبراهيم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم ٤٦]، كل هذا مما يدل على أن هؤلاء الذين يهددون بالسلطة لا بالإقناع والعقل، هؤلاء لا حُجَّة لهم.
* وفيه دليل: على أنه يجب على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله؛ لأن هذه طريقة الرسل؛ ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾.
* وفيه دليل: على أنه لا غنى لأحد عن دعاء الله ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾، وأما قول بعض العارفين الجاهلين: علمه بحالي يغني عن سؤالي، فهذا قول باطل، الله يعلم بحال كل أحد، ومع ذلك ما زالت الرسل وأتباعهم يدعون الله تبارك وتعالى.
* وفيه دليل: على وجود الرب سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿رَبِّ نَجِّنِي﴾ ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾، وهذا دليل حسي ظاهر.
* وفيه دليل: على إجابة الله للدعاء، وهذه الإجابة تتضمن عدة صفات؛ تتضمن العلم، والقدرة، والرحمة.
* وفيه دليل: على أن الله سبحانه وتعالى ينقد أهل الحق إهلاك الكافرين، ويهلك الكافرين ولو كانوا في أحضان أهل الحق؛ لأن الله أنجا لوطًا، وأهلك امرأته وهي في أحضانه، وهذا هو السر في قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] التعبير القرآني، المؤمنون نجوا ولَّا لا؟ لكن البيت المسلم ما نجا كله، المرأة التي كانت تتظاهر بالدِّين وهي مسلمة ظاهرًا، هذه ما نجت؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ﴾ منين؟ ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فالبيت هذا أهله مسلمون، لكن ليس كلهم مؤمنين، كان فيهم هذه المرأة العجوز، كانت كافرة، وليس في الآيه دليل كما يقول بعض الناس، ليس فيها دليل على أن الإيمان هو الإسلام؛ لأن فرق بين هذا وهذا.
* وفي الآية أيضًا دليل: على أن القرب من الأنبياء والأولياء لا يغني الإنسان شيئًا، منين نأخذه؟ من أن هذه زوجة نبي ومع ذلك هلكت مع من هلك، فكون الإنسان قريبًا من إنسان ولي لله لا يفيده شيئًا، أبو لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك ما نزل من القرآن في أحد معين من الكفار سوى أبي لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام، وما نزل القرآن في تسمية شخص بعينه من المسلمين إلا في زيد بن الحارث مولى من الموالي من أبعد ما يكون عن الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وبهذا يتبين أن القرب قرب النسب، وقرب المصاهرة وغيره لا يغني عن الإنسان شيئًا، وتأمل آية سورة التحريم، نزلت فيها قصة: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم ١٠] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ لأن عائشة وحفصة اللتين تظاهرا على النبي ﷺ قد يغترا بقربهما من الرسول ﷺ فيعملا ما عملاه، فبين الله سبحانه وتعالى أنه لا تنفعهما صلتهما بالنبي ﷺ.
* وفي هذا دليل: على أن عقوبة الله سبحانه وتعالى تتنوع حسب العمل؛ لأن هنا أُمطِروا مطرًا حتى هُدِّمت منازلهم وصار عاليها سافلها، ثم خُصف بها فيما بعد؛ ولذلك الآن هي بُحيرة اسمها الآن بحيرة لوط، معروفة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكنه بحر ميت؛ لأنه غير متصل بالبحار.
* طالب: (...) البحر الميت.
* الشيخ: ويكون أيضًا ماء يعيش فيه السمك والحوت في مثل ما يعيش فيه غيره، وفيه لكن مو مثل غيره؛ لأنهم (...) بحار عميقة، فلا يكون في ذلك شيء صغير وكبير.
* طالب: (...) عاد مثلًا؟
* الشيخ: إي، عاد ممكن على أساس أنه خصف به.
وفي هذا استدل بعض العلماء أخذًا من هذه القصة أن اللوطي يُقتل بأن يُرمى بالحجارة حتى يموت قياسًا على رمي الله تعالى على هؤلاء بالحجارة، والمسألة كما أشرنا إليه سابقًا فيها خلاف؛ من العلماء من قال: أن اللوطي لا يُتعرَّض له، ولا يقال له شيء؛ هذا قول. والقول الثاني: أنه يُعزَّر بالضرب والحبس وما أشبه ذلك.
والقول الثالث: أنه كالزاني، إن كان محصنًا رُجِم، وإن كان غير محصن جُلِد وغُرِّب.
والقول الرابع: أنه يقتل بكل حال سواء كان محصن أم غير محصن ولكن كيف يقتل؟ قيل: بالرجم، وقيل: بالسيف، وقيل: بالتحريق، وقيل: بإلقائه من شاهق وإتباعه الحجارة، وهذا الأخير القول الخامس، أظن أربعة، القول الرابع هو الذي اتفق عليه الصحابة أنه يُقتل.
أولًا: لا يتعرض له، أنه يُعزَّر، أن حده كحد الزاني، الرابع: أنه يقتل بكل حال، ثم اختلفوا في صفة القتل، وهذا القول هو الصحيح المتعيِّن؛ أنه يُقتل بكل حال فاعلًا كان أم مفعولًا به، إذا كان بالغًا عاقلًا؛ لأن هذا ليس كالزنى أشد وأعظم؛ ولأنه أمر لا يُمكن التحرز منه بخلاف الزنى، الزنى يمكن التحرز منه، لكن هذا لا يمكن فإنه لو أن خبيثًا أمسك بيد أمرد ما أحد يقوله، أيش الأمر هذا؟ وليش تمسك إيده، وما أشبه ذلك؟ فهو أمر لا يتحرز منه، يأتي في نوادي الرجال وغيرها، فهذا هو الصواب المقطوع به.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، أن الصحابة أجمعوا على قتله، أما من قال: إنه لا يتعرض له أيش حجته؟ قال: لأن هذا مما تنفر عنه الطباع، وما تنفر عنه الطباع يُكتفى بالرادع الطبيعي، كما قلنا: إن شارب البول لا يتعرض له، وشارب الخمر يُجلد؛ لأن الخمر تدعو النفس إليه، وهذا لا تدعو النفس إليه.
هذا قول باطل لا الأصل ولا الفرع، فإن قوله: (إنها لا تدعو النفوس إليه)، نقول: صحيح، النفوس السليمة لا شك لا تدعو إليه، وتستهجنه، وتستقبحه، لكن ألا يوجد هناك نفوس خبيثة؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: شهواه أكثر من النساء، شهواه -والعياذ بالله- أكثر من النساء، يهجرون نساءهم في فروجهن، ويذهبون إلى هذه الفعلة الفاحشة.
ثانيًا: قوله: إن البول لا يُعزَّر على شربه ويُكتفى بالرادع الطبيعي، هذا باطل أيضًا، بل يجب أن يُعزَّر على فعله، ومن رأيناه يشرب بولًا يجب أن نعزره؛ لأنه فعل محرمًا، والتعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ فالصواب أنه يُقتل بكل حال والله المستعان.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لا يعذب بالنار إلا الله سبحانه وتعالى[[أخرجه البخاري (٢٩٥٤) من حديث أبي هريرة.]]، لكن كأنهم رأوا لعِظَم هذا الفعل، وأن المقصود بالتعذيب بالنار في الأمور التي دون هذا وإلا فقد وقع ذلك في أبي بكر رضي الله عنه، ومن عبد الملك بن مروان؛ ثلاثة من الخلفاء كلهم اتفقوا عليه.
* طالب: الراجح؟
* الشيخ: الراجح الرجم.
* الطالب: قوله: (...).
* الشيخ: لا، ما فيه إلا كلام المؤرخين.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: حد لوطي؛ يعني الْمُحصَن يُرجم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، إحنا قلنا: إن حده القتل بكل حال؛ يعني لو يتلوَّط من له سبع عشرة سنة كمن له ست عشرة سنة قُتِلا جميعًا، وإن كان ما لهم زوجان لو ما تزوجوا.
* الطالب: رواية المذهب هذه.
* الشيخ: المذهب ضعيف في هذه المسألة.
* الطالب: (...) الرواية الثانية.
* الشيخ: وين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فيه قول ثانٍ اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ما أدري فيه رواية عن أحمد ولَّا قول..، يعني ما فيه وجه قوي للأصحاب هذا، وممن قال به شيخ الإسلام، لكن كونه رواية ما أدري.
* طالب: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [الحجر ٧١].
* الشيخ: إي، يعني أزوجكم إياهن.
* الطالب: (...).
* الشيخ: بعض المفسرين قال: بناتي؛ يعني بذلك بنات الأمة؛ لأن الرسول أب لقومه، فيكون لهم بمنزلة الأب.
* الطالب: وجيه هذا؟
* الشيخ: ما هو بوجيه لكن اللي دعاهم إلى هذا قالوا: إن بناته مسلمات مؤمنات، وهؤلاء كفار، والكافر لا يتزوج بالمؤمنة فيقال: الجواب على هذا إما أن شريعتهم تبيح ذلك، أو أن معنى ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ يعني فأسلموا وتزوجوهن ويكون المعنى مفهومًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: كم هم اللي جايين؟ ما يخالف، كم اللي جايين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يقينه جاي الناس.
* الطالب: جاي الناس.
* الشيخ: لأنهم ذهبوا يبشر بعضهم بعضًا بهؤلاء القوم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، المهم..
* الطالب: جاء أهل المدينة (...).
* الشيخ: إي نعم، ما يخالف لكن ما هو بالمعنى أنه بيقسم بناته على كل المدينة قطعًا، لكن المعنى أني أزوجكم بناتي وإن لم يتزوج منكم عدد يقابل بناتي فالباقي يخدوا من النساء (...).
ثم إن هذا بالحقيقة كأنه يقول: أنا أحافظ على ضيوفي أكثر مما أحافظ على أي شيء آخر؛ يعني فإني أبغي أحميهم حتى إني أتنازل عن بناتي أزوجهن من أجل المحافظة على هؤلاء الضيوف؟
* طالب: دليل من قال بإلقاء (...)؟
* الشيخ: بناءً على أن القرى هذه يعني رُفِعت، ثم قُلِبَت.