Tafsir Ibn Uthaymeen — الشعراء 26:165 – الشعراء 26:200
المحتويات
- الشعراء 26:165
- الشعراء 26:166
- الشعراء 26:167
- الشعراء 26:168
- الشعراء 26:169
- الشعراء 26:170
- الشعراء 26:171
- الشعراء 26:172
- الشعراء 26:173
- الشعراء 26:174
- الشعراء 26:175
- الشعراء 26:176
- الشعراء 26:177
- الشعراء 26:178
- الشعراء 26:179
- الشعراء 26:180
- الشعراء 26:181
- الشعراء 26:182
- الشعراء 26:183
- الشعراء 26:184
- الشعراء 26:185
- الشعراء 26:186
- الشعراء 26:187
- الشعراء 26:188
- الشعراء 26:189
- الشعراء 26:190
- الشعراء 26:191
- الشعراء 26:192
- الشعراء 26:193
- الشعراء 26:194
- الشعراء 26:195
- الشعراء 26:196
- الشعراء 26:197
- الشعراء 26:198
- الشعراء 26:199
- الشعراء 26:200
الشعراء 26:165
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦٠، ١٦١].
قوم لوط هؤلاء في قرية يقال لها: سدوم من أرض فلسطين، ولوط كما هو يقول المؤرخون: ابن أخي إبراهيم، فيكون إبراهيم عمه، أرسله الله تعالى إلى أهل هذه القرية، وكانوا مع كفرهم بالله سبحانه وتعالى يعملون عملًا فاحشًا يعتبر من أخبث الأعمال والعياذ بالله، وقد سماه الله تعالى خبيثًا في قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء ٧٤] فهو (...)؛ لأنه قبيح عقلًا وفطرة وشرعًا، هذا العمل الذي يعملونه هو أنهم يأتون الذكران والعياذ بالله كما يأتون النسوة.
وهنا يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦١ - ١٦٤]، هذه كلها سبق الكلام عليها.
وكل الرسول يُرسَلون أولًا بتحقيق التوحيد ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل ٣٦].
هذا الأصل كل الرسل يُرسلون به، لكن هناك أنواع معينة من المعاصي يرتكبها بعض الأمم، يُركِّز عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام ففيما سبق بل فيما ذُكِر الآن في قوم لوط كان جرمهم الخاص هو هذه الفاحشة؛ ولهذا قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، الاستفهام هذا للتوبيخ والإنكار.
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ أي: الذكور، جمع (ذَكَر).
﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ بيان للذُّكْران؛ أي: من (الناس) سواء كانوا من قبيلتكم، أو من غير قبيلتكم؛ ولهذا لم يقل: أتأتون الذكران منكم بل قال: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلى أنهم -والعياذ بالله- لا يتحاشون عن أحد فهم مثل الكلاب، ثم مع ذلك زيادة على خبثهم أنهم تركوا النعمة التي خلقها الله لهم ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾.
فلو كنتم تأتون الذكران من العالمين؛ لأنكم مضطرون لذلك وليس لكم من الحلال ما يغنيكم لكان الأمر أهون، لكن لكم من الحلال من يُغنيكم فكيف تأتون الخبائث وتذرون الطيبات؟ ولهذا قال: ﴿وَتَذَرُونَ﴾ هي داخلة في مضمون الاستفهام؛ يعني وأتذرون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ (تَذَرُونَ) بمعنى: تتركون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾؛ أي: (أقبالهن) تفسير لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾؛ يعني تأتون الذي خُلِق لكم من الأزواج وهو القُبُل، هذا ما ذهب إليه المؤلف، والصواب خلاف هذا؛ الصواب أن ﴿مِنْ﴾ بيان لـ﴿مَا﴾؛ أي: ما خلق لكم ربكم من الأزواج؛ يعني: وتذرون الأزواج، هذا المعنى، ما هو بأقبالهن، تذرون الأزواج أي: ما خلق الله لكم من الأزواج.
وفرق بين ما ذكرت وبين ما ذهب إليه المؤلف؛ يعني كأنه يقول: تذرون فروج النساء، ولكن لو قال: أتأتون أدبار الذكور لكان نعم، وتذرون فروج النساء ولَّا لا؟ لكن لما قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ يكون المناسب: وتدعون النساء لكن قال: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ دون قوله: أزواجكم؛ إشارة إلى أن الله تعالى هيأ هذه الزوجة للذَّكَر يتمتع بها كما يشاء إلا فيما حرم الله من الدبر مثلًا؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٥، ٦]، وهذا يدل إباحة الاستمتاع للرجل بامرأته إباحة مطلقة بلا حدود، ما عدا أمرين؛ الدبر والفرْج في الحيض، وما سوى ذلك فكل شيء مُباح، هذا يزيد الأمر قبحًا إلى قُبحه حيث يدعون الطَّيِّب ويأتون الخبيث.
وفي قوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ﴾ الفائدة المعنوية اللي أشرنا إليها وهي زيادة القبح، والثانية: اللفظية ما هي؟ الطباق لِذِكْر الأمر ومقابله، المعنى ومقابله (تأتون وتذرون).
وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ اللام للإباحة أو للتعليل؛ أي: خلق لأجلكم ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ أباح لكم.
وقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى هو المتصرف فيه، الذي (...).
* الطالب: المعية، معناها..
* الشيخ: اللام في ﴿لَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ﴿بَلْ﴾ للإضراب ولكن ما هو الإضراب الذي حصل؟ يعني ما هو الْمُضْرَب عنه؟ كأنه قال: لا تأتون الذكران فطرةً ولا عملًا عاديًّا محبوبًا إلى الفِطَر، ولكن الذي حملكم على هذا هو العدوان المجرد والعياذ بالله، متجاوزين الحلال إلى الحرام، بيَّن لهم لوط عليه السلام أن ما فعلوه أمر مستنكر عقلًا، ومستنكر شرعًا وعرفًا؛ لأن العدوان لا شك أن كل أحد ينكره، وهؤلاء معتدون.
ومن الغريب أن الفاعل منهم اليوم قد كان مفعولًا به بالأمس، والمفعول به اليوم يكون فاعلًا في المستقبل، وهذا غاية ما يكون من العدوان، وسبحان الله كيف أن هؤلاء الجماعة -نسأل الله السلامة- يرى الإنسان ولده أو أخاه الصغير تُفعل فيه الفاحشة ولا يبالي بهذا؟! والظاهر أنهم يفعلونها جهرًا؛ لقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت ٢٩]، فهم لا يبالون والعياذ بالله أن يركب بعضهم بعضًا جهارًا؛ فهذا غاية ما يكون من السخط.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، وما هي من الظالمين ببعيد، بعدئذٍ الجواب على: (﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ﴾ عن إنكارك علينا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ من بلادنا).
هذا الجواب القبيح ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن أيش؟ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ أبلغ من قوله: لنخرجنك؛ كأنهم يهددونه بما هو أعظم ترويعًا له؛ يعني أننا أخرجنا غيرك، وستكون أنت من جملة المخرَجِين؛ لأن لنا القدرة وسلطة على إخراجك.
وفي قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ تأكيد بالقسم واللام ونون التوكيد ﴿لَئِنْ﴾؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم.
﴿لَتَكُونَنَّ﴾ اللام واقعة في جواب القسم، والجواب الموجود هنا للقسم ولَّا للشرط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الآن السؤال هل هو للقسم ولَّا للشرط؟
* طلبة: للقسم.
* الشيخ: للقسم.
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــــوَابَ مــا أخَّــــــرْتَ فَهْــــوَمُلْـــتَزَمْ
(﴿قَالَ﴾ لهم لوط عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ المبغضين)، هذا فيه نوع من التحدي لهم؛ يعني إن أخرجتموني فأنا راضٍ بذلك، ولا يهمني إخراجي، لماذ؟ لأني لعملكم من القالين، والإنسان المبغض لعمل قوم هل يحب أن يبقى معهم؟ لا يحب أن يبقى معهم، فكأنه يقول: أنا لا يهمني إذا خرجت؛ لأنني لا أرغب في المقام معكم وأنتم على هذا العمل الخبيث الذي أبغضه، والإنسان أشد ما يكون عليه أن يبقى مع قوم يكرههم، يقول المتنبي:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى ∗∗∗ عَـــــــــــــدُوًّا لَهُ مَــا مِنْصَــــــدَاقَتِهِ بُـــدُّ
وهذا صحيح؛ أن تبقى مع قوم تكره أفعالهم هذا صعب على النفوس، فكأنه يقول: أنا أرغب هذا، ومستعد له، ولا أبالي بإخراجكم، وفي هذا دليل..
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...).
* وفيه دليل: على أنه يجب على كل مؤمن أن يبغض عملهم؛ عمل هؤلاء القوم؛ لأن الرسل يقلونه يبغضونه، وهذه هو فائدة الجمع، ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾؛ أي: المبغضين له، وإن كان هو ما فيه إلا قليل من الذين آمنوا معه ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]؛ يعني أنه ما آمن معه أحد إلا أهل بيته، ولا هم كلهم بعد، امرأته كانت من الكافرين.
﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ يقوله المؤلف: (من عذابه)، ولا شك أن هذا التأويل قاصر؛ لأن ﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من فعله، ومن عذابه أيضًا، ولا يمتنع أن يسأل الله تعالى أن ينجيه من هذا العمل، لا يمتنع ذلك أبدًا وإن كان الرسل لا يمكن أن يعملوه؛ لأن الصواب المقطوع به أنهم معصومون مما يُخِل بالشرف والكرامة، وعمل قوم لوط، هذا يخل بالشرف، لكنه هو دعا لنفسه وأهله ﴿نَجِّنِي وَأَهْلِي﴾ وأهله معصومون من ذلك؟ ليسوا معصومين، الصواب أنه سأل الله أن ينجيه من عملهم ومن عذابهم.
قال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾، الفاء للتفريع؛ يعني فتفريعًا على دعوته أجيب: نجيناه وأهله أجمعين.
(﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ امرأته ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين أهلكنا)؟
* طالب: (أهلكناها).
* الشيخ: (أهلكناها) اللي عندي أحسن، كأنه يريد إن (أهلكنا) مُسَلَّط على قوله: ﴿عَجُوزًا﴾ إلا عجوزًا أهلكنا؛ يعني إلا أن أهلكنا عجوزًا، واللي عندكم أيضًا لها معنى أوضح؛ لأنه إذا قال: الباقين أهلكنا قد يظن الظان أن المراد أهلك الباقين.
على كل حال استجاب الله دعوته فنجاه وأهله. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على أن الأهل كانوا عددًا كثيرًا، والصحيح أننا لا ندري كم عددهم، إنما أهله ولكن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على الكثرة؛ لأن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ هذه جمع، أدنى ما يُقال فيه ثلاثة، مع أن هذه الكلمة ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تدل على جماعة؛ جماعة مستكثرة.
وقوله: ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ شوف -والعياذ بالله- هذه المرأة عجوز كبيرة في السن، وكان الذي ينبغي لكبير السن أن يكون منيبًا إلى الله عز وجل؛ لأنه قريب من الموت، هو أقرب إلى الموت من الشاب، ولكن -والعياذ بالله- كفانا الله شر العجز، والشابات هي صارت خبيثة والعياذ بالله، كافرة بالله لكنها كاتمة لذلك؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة التحريم أيش؟ قال: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] ليست خيانة شهوة وزِنى، ولكن خيانة كفر؛ ولهذا قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] لم تشعراهما بكفر، فما علم بكفرهما.
* طالب: هي كانت مؤيدة لفعل القوم؟
* الشيخ: إي، هذا إقرار بالكفر، هي كافرة ومؤيدة أيضًا زيادة.
والإقرار (﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين)، الغابر يُطلَق على معانٍ، منها الباقي، ومنها الماضي أيضًا، فيكون فيه ما يُسمَّى بالأضداد؛ لأن اللغة فيها كلمات تصلح للشيء ولضده؛ تسمى الأضداد.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ بعد أن انتهينا لوطًا وأهله. ﴿دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾؛ لأنه بعد أن أمر أن يسير بأهله ليلًا ويخرج من البلدة إلا امرأته، دمر الله هذه البلدة؛ يعني فخرج، ثم دُمِّرت.
﴿الْآخَرِينَ﴾ المراد به مَنْ؟ قومه. قال المؤلف: (أهلكناهم).
(﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ حجارة. قال: من جملة الإهلاك)، من جملة الإهلاك أن الله سبحانه وتعالى أمطر عليهم مطرًا، والظاهر لي أن قوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ عطف تفسير على قوله: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا﴾؛ لأن هذا هو الذي دُمِّروا به، أن الله أمطر عليهم مطرًا، وما هو المطر؟ ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود ٨٢]: متتابع، مسومة عند الله.
يقول تعالى: (﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مطرهم) ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: مطر هؤلاء القوم وإنما قال: ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾؛ لبيان أنها قد قامت عليم الحجة ولم يمطروا بالعذاب إلا بعد أن أُعذِر منهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بهذه الحجارة؛ بالتدمير بالحجارة، وليس بالقلب، كذا؟
* طالب: في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بالحجارة.
* الشيخ: وليس بالقلْب، كما هو مشهور عند أهل العلم وكثير من المفسرين أن بلادهم حُمِلت إلى عنان السماء، ثم قُلِبَت، هذا ما في القرآن ما يدل عليه، ما في القرآن إلا: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤]، وجعل العالي هو السافل يكون بغير القلب، فإن هذه الحجارة إذا نزلت على المنازل وهدمتها صار العالي من المنازل صار سافلًا، ثم إنها إذا قُلِبت مثلًا وصار الناس في باطن الأرض فما قيمة الحجارة حينئذٍ؟ ما لها قيمة.
والمهم أنه ليس في الأمر عن النبي ﷺ ما يدل على أن أرضهم حُمِلت وقُلِبت، وما دام أنه ليس في الأمر ما يدل على ذلك فالأولى أن يقال: إنهم دُمِّروا بهذه الحجارة والإشكال الذي في قوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤] ينحل بقولنا: إنها إذا تهدمت البيوت صار العالي سافلًا، صار أعلاها سافلًا.
* ويستفاد من هذه القصة: أولًا: السعادة في توحيد الله، والأمر بتقواه إلى آخره، هذا سبق، والإخلاص في الدعوة لله سبحانه وتعالى، وأنه لا ينبغي للداعي أن يأخذ على دعوته أجرًا، كل هذا سبق، لكن يستفاد به أن من بني آدم من تُقلب طبيعته وفطرته حتى يستحسن الخبيث؛ لأن هؤلاء هذه حالهم.
* وفيه أيضًا: زيادة الإنكار فيما إذا كان للإنسان مندوحة عن الحرام؛ لقوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾.
* وفي الآية دليل: على جواز الاستمتاع بالزوجة استمتاعًا مطلقًا؛ لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ﴾.
* وفيه دليل: على أن من تجاوز الحلال إلى الحرام فهو عادٍ ظالم لنفسه ولغيره؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.
* وفيه دليل: على أن المعاندين للرسل إنما يلجؤون إلى قوتهم وسلطتهم لا إلى العقل والإقناع؛ لقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾، وقال ذلك قوم نوح: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء ١١٦]، لكن عذاب آخر، وكذلك أيضًا قاله فرعون، لمن؟ لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، وقاله آزر لابنه إبراهيم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم ٤٦]، كل هذا مما يدل على أن هؤلاء الذين يهددون بالسلطة لا بالإقناع والعقل، هؤلاء لا حُجَّة لهم.
* وفيه دليل: على أنه يجب على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله؛ لأن هذه طريقة الرسل؛ ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾.
* وفيه دليل: على أنه لا غنى لأحد عن دعاء الله ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾، وأما قول بعض العارفين الجاهلين: علمه بحالي يغني عن سؤالي، فهذا قول باطل، الله يعلم بحال كل أحد، ومع ذلك ما زالت الرسل وأتباعهم يدعون الله تبارك وتعالى.
* وفيه دليل: على وجود الرب سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿رَبِّ نَجِّنِي﴾ ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾، وهذا دليل حسي ظاهر.
* وفيه دليل: على إجابة الله للدعاء، وهذه الإجابة تتضمن عدة صفات؛ تتضمن العلم، والقدرة، والرحمة.
* وفيه دليل: على أن الله سبحانه وتعالى ينقد أهل الحق إهلاك الكافرين، ويهلك الكافرين ولو كانوا في أحضان أهل الحق؛ لأن الله أنجا لوطًا، وأهلك امرأته وهي في أحضانه، وهذا هو السر في قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] التعبير القرآني، المؤمنون نجوا ولَّا لا؟ لكن البيت المسلم ما نجا كله، المرأة التي كانت تتظاهر بالدِّين وهي مسلمة ظاهرًا، هذه ما نجت؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ﴾ منين؟ ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فالبيت هذا أهله مسلمون، لكن ليس كلهم مؤمنين، كان فيهم هذه المرأة العجوز، كانت كافرة، وليس في الآيه دليل كما يقول بعض الناس، ليس فيها دليل على أن الإيمان هو الإسلام؛ لأن فرق بين هذا وهذا.
* وفي الآية أيضًا دليل: على أن القرب من الأنبياء والأولياء لا يغني الإنسان شيئًا، منين نأخذه؟ من أن هذه زوجة نبي ومع ذلك هلكت مع من هلك، فكون الإنسان قريبًا من إنسان ولي لله لا يفيده شيئًا، أبو لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك ما نزل من القرآن في أحد معين من الكفار سوى أبي لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام، وما نزل القرآن في تسمية شخص بعينه من المسلمين إلا في زيد بن الحارث مولى من الموالي من أبعد ما يكون عن الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وبهذا يتبين أن القرب قرب النسب، وقرب المصاهرة وغيره لا يغني عن الإنسان شيئًا، وتأمل آية سورة التحريم، نزلت فيها قصة: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم ١٠] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ لأن عائشة وحفصة اللتين تظاهرا على النبي ﷺ قد يغترا بقربهما من الرسول ﷺ فيعملا ما عملاه، فبين الله سبحانه وتعالى أنه لا تنفعهما صلتهما بالنبي ﷺ.
* وفي هذا دليل: على أن عقوبة الله سبحانه وتعالى تتنوع حسب العمل؛ لأن هنا أُمطِروا مطرًا حتى هُدِّمت منازلهم وصار عاليها سافلها، ثم خُصف بها فيما بعد؛ ولذلك الآن هي بُحيرة اسمها الآن بحيرة لوط، معروفة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكنه بحر ميت؛ لأنه غير متصل بالبحار.
* طالب: (...) البحر الميت.
* الشيخ: ويكون أيضًا ماء يعيش فيه السمك والحوت في مثل ما يعيش فيه غيره، وفيه لكن مو مثل غيره؛ لأنهم (...) بحار عميقة، فلا يكون في ذلك شيء صغير وكبير.
* طالب: (...) عاد مثلًا؟
* الشيخ: إي، عاد ممكن على أساس أنه خصف به.
وفي هذا استدل بعض العلماء أخذًا من هذه القصة أن اللوطي يُقتل بأن يُرمى بالحجارة حتى يموت قياسًا على رمي الله تعالى على هؤلاء بالحجارة، والمسألة كما أشرنا إليه سابقًا فيها خلاف؛ من العلماء من قال: أن اللوطي لا يُتعرَّض له، ولا يقال له شيء؛ هذا قول. والقول الثاني: أنه يُعزَّر بالضرب والحبس وما أشبه ذلك.
والقول الثالث: أنه كالزاني، إن كان محصنًا رُجِم، وإن كان غير محصن جُلِد وغُرِّب.
والقول الرابع: أنه يقتل بكل حال سواء كان محصن أم غير محصن ولكن كيف يقتل؟ قيل: بالرجم، وقيل: بالسيف، وقيل: بالتحريق، وقيل: بإلقائه من شاهق وإتباعه الحجارة، وهذا الأخير القول الخامس، أظن أربعة، القول الرابع هو الذي اتفق عليه الصحابة أنه يُقتل.
أولًا: لا يتعرض له، أنه يُعزَّر، أن حده كحد الزاني، الرابع: أنه يقتل بكل حال، ثم اختلفوا في صفة القتل، وهذا القول هو الصحيح المتعيِّن؛ أنه يُقتل بكل حال فاعلًا كان أم مفعولًا به، إذا كان بالغًا عاقلًا؛ لأن هذا ليس كالزنى أشد وأعظم؛ ولأنه أمر لا يُمكن التحرز منه بخلاف الزنى، الزنى يمكن التحرز منه، لكن هذا لا يمكن فإنه لو أن خبيثًا أمسك بيد أمرد ما أحد يقوله، أيش الأمر هذا؟ وليش تمسك إيده، وما أشبه ذلك؟ فهو أمر لا يتحرز منه، يأتي في نوادي الرجال وغيرها، فهذا هو الصواب المقطوع به.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، أن الصحابة أجمعوا على قتله، أما من قال: إنه لا يتعرض له أيش حجته؟ قال: لأن هذا مما تنفر عنه الطباع، وما تنفر عنه الطباع يُكتفى بالرادع الطبيعي، كما قلنا: إن شارب البول لا يتعرض له، وشارب الخمر يُجلد؛ لأن الخمر تدعو النفس إليه، وهذا لا تدعو النفس إليه.
هذا قول باطل لا الأصل ولا الفرع، فإن قوله: (إنها لا تدعو النفوس إليه)، نقول: صحيح، النفوس السليمة لا شك لا تدعو إليه، وتستهجنه، وتستقبحه، لكن ألا يوجد هناك نفوس خبيثة؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: شهواه أكثر من النساء، شهواه -والعياذ بالله- أكثر من النساء، يهجرون نساءهم في فروجهن، ويذهبون إلى هذه الفعلة الفاحشة.
ثانيًا: قوله: إن البول لا يُعزَّر على شربه ويُكتفى بالرادع الطبيعي، هذا باطل أيضًا، بل يجب أن يُعزَّر على فعله، ومن رأيناه يشرب بولًا يجب أن نعزره؛ لأنه فعل محرمًا، والتعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ فالصواب أنه يُقتل بكل حال والله المستعان.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لا يعذب بالنار إلا الله سبحانه وتعالى[[أخرجه البخاري (٢٩٥٤) من حديث أبي هريرة.]]، لكن كأنهم رأوا لعِظَم هذا الفعل، وأن المقصود بالتعذيب بالنار في الأمور التي دون هذا وإلا فقد وقع ذلك في أبي بكر رضي الله عنه، ومن عبد الملك بن مروان؛ ثلاثة من الخلفاء كلهم اتفقوا عليه.
* طالب: الراجح؟
* الشيخ: الراجح الرجم.
* الطالب: قوله: (...).
* الشيخ: لا، ما فيه إلا كلام المؤرخين.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: حد لوطي؛ يعني الْمُحصَن يُرجم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، إحنا قلنا: إن حده القتل بكل حال؛ يعني لو يتلوَّط من له سبع عشرة سنة كمن له ست عشرة سنة قُتِلا جميعًا، وإن كان ما لهم زوجان لو ما تزوجوا.
* الطالب: رواية المذهب هذه.
* الشيخ: المذهب ضعيف في هذه المسألة.
* الطالب: (...) الرواية الثانية.
* الشيخ: وين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فيه قول ثانٍ اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ما أدري فيه رواية عن أحمد ولَّا قول..، يعني ما فيه وجه قوي للأصحاب هذا، وممن قال به شيخ الإسلام، لكن كونه رواية ما أدري.
* طالب: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [الحجر ٧١].
* الشيخ: إي، يعني أزوجكم إياهن.
* الطالب: (...).
* الشيخ: بعض المفسرين قال: بناتي؛ يعني بذلك بنات الأمة؛ لأن الرسول أب لقومه، فيكون لهم بمنزلة الأب.
* الطالب: وجيه هذا؟
* الشيخ: ما هو بوجيه لكن اللي دعاهم إلى هذا قالوا: إن بناته مسلمات مؤمنات، وهؤلاء كفار، والكافر لا يتزوج بالمؤمنة فيقال: الجواب على هذا إما أن شريعتهم تبيح ذلك، أو أن معنى ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ يعني فأسلموا وتزوجوهن ويكون المعنى مفهومًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: كم هم اللي جايين؟ ما يخالف، كم اللي جايين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يقينه جاي الناس.
* الطالب: جاي الناس.
* الشيخ: لأنهم ذهبوا يبشر بعضهم بعضًا بهؤلاء القوم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، المهم..
* الطالب: جاء أهل المدينة (...).
* الشيخ: إي نعم، ما يخالف لكن ما هو بالمعنى أنه بيقسم بناته على كل المدينة قطعًا، لكن المعنى أني أزوجكم بناتي وإن لم يتزوج منكم عدد يقابل بناتي فالباقي يخدوا من النساء (...).
ثم إن هذا بالحقيقة كأنه يقول: أنا أحافظ على ضيوفي أكثر مما أحافظ على أي شيء آخر؛ يعني فإني أبغي أحميهم حتى إني أتنازل عن بناتي أزوجهن من أجل المحافظة على هؤلاء الضيوف؟
* طالب: دليل من قال بإلقاء (...)؟
* الشيخ: بناءً على أن القرى هذه يعني رُفِعت، ثم قُلِبَت.
الشعراء 26:166
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦٠، ١٦١].
قوم لوط هؤلاء في قرية يقال لها: سدوم من أرض فلسطين، ولوط كما هو يقول المؤرخون: ابن أخي إبراهيم، فيكون إبراهيم عمه، أرسله الله تعالى إلى أهل هذه القرية، وكانوا مع كفرهم بالله سبحانه وتعالى يعملون عملًا فاحشًا يعتبر من أخبث الأعمال والعياذ بالله، وقد سماه الله تعالى خبيثًا في قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء ٧٤] فهو (...)؛ لأنه قبيح عقلًا وفطرة وشرعًا، هذا العمل الذي يعملونه هو أنهم يأتون الذكران والعياذ بالله كما يأتون النسوة.
وهنا يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦١ - ١٦٤]، هذه كلها سبق الكلام عليها.
وكل الرسول يُرسَلون أولًا بتحقيق التوحيد ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل ٣٦].
هذا الأصل كل الرسل يُرسلون به، لكن هناك أنواع معينة من المعاصي يرتكبها بعض الأمم، يُركِّز عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام ففيما سبق بل فيما ذُكِر الآن في قوم لوط كان جرمهم الخاص هو هذه الفاحشة؛ ولهذا قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، الاستفهام هذا للتوبيخ والإنكار.
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ أي: الذكور، جمع (ذَكَر).
﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ بيان للذُّكْران؛ أي: من (الناس) سواء كانوا من قبيلتكم، أو من غير قبيلتكم؛ ولهذا لم يقل: أتأتون الذكران منكم بل قال: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلى أنهم -والعياذ بالله- لا يتحاشون عن أحد فهم مثل الكلاب، ثم مع ذلك زيادة على خبثهم أنهم تركوا النعمة التي خلقها الله لهم ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾.
فلو كنتم تأتون الذكران من العالمين؛ لأنكم مضطرون لذلك وليس لكم من الحلال ما يغنيكم لكان الأمر أهون، لكن لكم من الحلال من يُغنيكم فكيف تأتون الخبائث وتذرون الطيبات؟ ولهذا قال: ﴿وَتَذَرُونَ﴾ هي داخلة في مضمون الاستفهام؛ يعني وأتذرون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ (تَذَرُونَ) بمعنى: تتركون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾؛ أي: (أقبالهن) تفسير لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾؛ يعني تأتون الذي خُلِق لكم من الأزواج وهو القُبُل، هذا ما ذهب إليه المؤلف، والصواب خلاف هذا؛ الصواب أن ﴿مِنْ﴾ بيان لـ﴿مَا﴾؛ أي: ما خلق لكم ربكم من الأزواج؛ يعني: وتذرون الأزواج، هذا المعنى، ما هو بأقبالهن، تذرون الأزواج أي: ما خلق الله لكم من الأزواج.
وفرق بين ما ذكرت وبين ما ذهب إليه المؤلف؛ يعني كأنه يقول: تذرون فروج النساء، ولكن لو قال: أتأتون أدبار الذكور لكان نعم، وتذرون فروج النساء ولَّا لا؟ لكن لما قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ يكون المناسب: وتدعون النساء لكن قال: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ دون قوله: أزواجكم؛ إشارة إلى أن الله تعالى هيأ هذه الزوجة للذَّكَر يتمتع بها كما يشاء إلا فيما حرم الله من الدبر مثلًا؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٥، ٦]، وهذا يدل إباحة الاستمتاع للرجل بامرأته إباحة مطلقة بلا حدود، ما عدا أمرين؛ الدبر والفرْج في الحيض، وما سوى ذلك فكل شيء مُباح، هذا يزيد الأمر قبحًا إلى قُبحه حيث يدعون الطَّيِّب ويأتون الخبيث.
وفي قوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ﴾ الفائدة المعنوية اللي أشرنا إليها وهي زيادة القبح، والثانية: اللفظية ما هي؟ الطباق لِذِكْر الأمر ومقابله، المعنى ومقابله (تأتون وتذرون).
وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ اللام للإباحة أو للتعليل؛ أي: خلق لأجلكم ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ أباح لكم.
وقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى هو المتصرف فيه، الذي (...).
* الطالب: المعية، معناها..
* الشيخ: اللام في ﴿لَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ﴿بَلْ﴾ للإضراب ولكن ما هو الإضراب الذي حصل؟ يعني ما هو الْمُضْرَب عنه؟ كأنه قال: لا تأتون الذكران فطرةً ولا عملًا عاديًّا محبوبًا إلى الفِطَر، ولكن الذي حملكم على هذا هو العدوان المجرد والعياذ بالله، متجاوزين الحلال إلى الحرام، بيَّن لهم لوط عليه السلام أن ما فعلوه أمر مستنكر عقلًا، ومستنكر شرعًا وعرفًا؛ لأن العدوان لا شك أن كل أحد ينكره، وهؤلاء معتدون.
ومن الغريب أن الفاعل منهم اليوم قد كان مفعولًا به بالأمس، والمفعول به اليوم يكون فاعلًا في المستقبل، وهذا غاية ما يكون من العدوان، وسبحان الله كيف أن هؤلاء الجماعة -نسأل الله السلامة- يرى الإنسان ولده أو أخاه الصغير تُفعل فيه الفاحشة ولا يبالي بهذا؟! والظاهر أنهم يفعلونها جهرًا؛ لقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت ٢٩]، فهم لا يبالون والعياذ بالله أن يركب بعضهم بعضًا جهارًا؛ فهذا غاية ما يكون من السخط.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، وما هي من الظالمين ببعيد، بعدئذٍ الجواب على: (﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ﴾ عن إنكارك علينا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ من بلادنا).
هذا الجواب القبيح ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن أيش؟ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ أبلغ من قوله: لنخرجنك؛ كأنهم يهددونه بما هو أعظم ترويعًا له؛ يعني أننا أخرجنا غيرك، وستكون أنت من جملة المخرَجِين؛ لأن لنا القدرة وسلطة على إخراجك.
وفي قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ تأكيد بالقسم واللام ونون التوكيد ﴿لَئِنْ﴾؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم.
﴿لَتَكُونَنَّ﴾ اللام واقعة في جواب القسم، والجواب الموجود هنا للقسم ولَّا للشرط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الآن السؤال هل هو للقسم ولَّا للشرط؟
* طلبة: للقسم.
* الشيخ: للقسم.
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــــوَابَ مــا أخَّــــــرْتَ فَهْــــوَمُلْـــتَزَمْ
(﴿قَالَ﴾ لهم لوط عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ المبغضين)، هذا فيه نوع من التحدي لهم؛ يعني إن أخرجتموني فأنا راضٍ بذلك، ولا يهمني إخراجي، لماذ؟ لأني لعملكم من القالين، والإنسان المبغض لعمل قوم هل يحب أن يبقى معهم؟ لا يحب أن يبقى معهم، فكأنه يقول: أنا لا يهمني إذا خرجت؛ لأنني لا أرغب في المقام معكم وأنتم على هذا العمل الخبيث الذي أبغضه، والإنسان أشد ما يكون عليه أن يبقى مع قوم يكرههم، يقول المتنبي:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى ∗∗∗ عَـــــــــــــدُوًّا لَهُ مَــا مِنْصَــــــدَاقَتِهِ بُـــدُّ
وهذا صحيح؛ أن تبقى مع قوم تكره أفعالهم هذا صعب على النفوس، فكأنه يقول: أنا أرغب هذا، ومستعد له، ولا أبالي بإخراجكم، وفي هذا دليل..
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...).
* وفيه دليل: على أنه يجب على كل مؤمن أن يبغض عملهم؛ عمل هؤلاء القوم؛ لأن الرسل يقلونه يبغضونه، وهذه هو فائدة الجمع، ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾؛ أي: المبغضين له، وإن كان هو ما فيه إلا قليل من الذين آمنوا معه ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]؛ يعني أنه ما آمن معه أحد إلا أهل بيته، ولا هم كلهم بعد، امرأته كانت من الكافرين.
﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ يقوله المؤلف: (من عذابه)، ولا شك أن هذا التأويل قاصر؛ لأن ﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من فعله، ومن عذابه أيضًا، ولا يمتنع أن يسأل الله تعالى أن ينجيه من هذا العمل، لا يمتنع ذلك أبدًا وإن كان الرسل لا يمكن أن يعملوه؛ لأن الصواب المقطوع به أنهم معصومون مما يُخِل بالشرف والكرامة، وعمل قوم لوط، هذا يخل بالشرف، لكنه هو دعا لنفسه وأهله ﴿نَجِّنِي وَأَهْلِي﴾ وأهله معصومون من ذلك؟ ليسوا معصومين، الصواب أنه سأل الله أن ينجيه من عملهم ومن عذابهم.
قال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾، الفاء للتفريع؛ يعني فتفريعًا على دعوته أجيب: نجيناه وأهله أجمعين.
(﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ امرأته ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين أهلكنا)؟
* طالب: (أهلكناها).
* الشيخ: (أهلكناها) اللي عندي أحسن، كأنه يريد إن (أهلكنا) مُسَلَّط على قوله: ﴿عَجُوزًا﴾ إلا عجوزًا أهلكنا؛ يعني إلا أن أهلكنا عجوزًا، واللي عندكم أيضًا لها معنى أوضح؛ لأنه إذا قال: الباقين أهلكنا قد يظن الظان أن المراد أهلك الباقين.
على كل حال استجاب الله دعوته فنجاه وأهله. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على أن الأهل كانوا عددًا كثيرًا، والصحيح أننا لا ندري كم عددهم، إنما أهله ولكن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على الكثرة؛ لأن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ هذه جمع، أدنى ما يُقال فيه ثلاثة، مع أن هذه الكلمة ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تدل على جماعة؛ جماعة مستكثرة.
وقوله: ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ شوف -والعياذ بالله- هذه المرأة عجوز كبيرة في السن، وكان الذي ينبغي لكبير السن أن يكون منيبًا إلى الله عز وجل؛ لأنه قريب من الموت، هو أقرب إلى الموت من الشاب، ولكن -والعياذ بالله- كفانا الله شر العجز، والشابات هي صارت خبيثة والعياذ بالله، كافرة بالله لكنها كاتمة لذلك؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة التحريم أيش؟ قال: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] ليست خيانة شهوة وزِنى، ولكن خيانة كفر؛ ولهذا قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] لم تشعراهما بكفر، فما علم بكفرهما.
* طالب: هي كانت مؤيدة لفعل القوم؟
* الشيخ: إي، هذا إقرار بالكفر، هي كافرة ومؤيدة أيضًا زيادة.
والإقرار (﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين)، الغابر يُطلَق على معانٍ، منها الباقي، ومنها الماضي أيضًا، فيكون فيه ما يُسمَّى بالأضداد؛ لأن اللغة فيها كلمات تصلح للشيء ولضده؛ تسمى الأضداد.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ بعد أن انتهينا لوطًا وأهله. ﴿دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾؛ لأنه بعد أن أمر أن يسير بأهله ليلًا ويخرج من البلدة إلا امرأته، دمر الله هذه البلدة؛ يعني فخرج، ثم دُمِّرت.
﴿الْآخَرِينَ﴾ المراد به مَنْ؟ قومه. قال المؤلف: (أهلكناهم).
(﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ حجارة. قال: من جملة الإهلاك)، من جملة الإهلاك أن الله سبحانه وتعالى أمطر عليهم مطرًا، والظاهر لي أن قوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ عطف تفسير على قوله: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا﴾؛ لأن هذا هو الذي دُمِّروا به، أن الله أمطر عليهم مطرًا، وما هو المطر؟ ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود ٨٢]: متتابع، مسومة عند الله.
يقول تعالى: (﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مطرهم) ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: مطر هؤلاء القوم وإنما قال: ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾؛ لبيان أنها قد قامت عليم الحجة ولم يمطروا بالعذاب إلا بعد أن أُعذِر منهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بهذه الحجارة؛ بالتدمير بالحجارة، وليس بالقلب، كذا؟
* طالب: في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بالحجارة.
* الشيخ: وليس بالقلْب، كما هو مشهور عند أهل العلم وكثير من المفسرين أن بلادهم حُمِلت إلى عنان السماء، ثم قُلِبَت، هذا ما في القرآن ما يدل عليه، ما في القرآن إلا: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤]، وجعل العالي هو السافل يكون بغير القلب، فإن هذه الحجارة إذا نزلت على المنازل وهدمتها صار العالي من المنازل صار سافلًا، ثم إنها إذا قُلِبت مثلًا وصار الناس في باطن الأرض فما قيمة الحجارة حينئذٍ؟ ما لها قيمة.
والمهم أنه ليس في الأمر عن النبي ﷺ ما يدل على أن أرضهم حُمِلت وقُلِبت، وما دام أنه ليس في الأمر ما يدل على ذلك فالأولى أن يقال: إنهم دُمِّروا بهذه الحجارة والإشكال الذي في قوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤] ينحل بقولنا: إنها إذا تهدمت البيوت صار العالي سافلًا، صار أعلاها سافلًا.
* ويستفاد من هذه القصة: أولًا: السعادة في توحيد الله، والأمر بتقواه إلى آخره، هذا سبق، والإخلاص في الدعوة لله سبحانه وتعالى، وأنه لا ينبغي للداعي أن يأخذ على دعوته أجرًا، كل هذا سبق، لكن يستفاد به أن من بني آدم من تُقلب طبيعته وفطرته حتى يستحسن الخبيث؛ لأن هؤلاء هذه حالهم.
* وفيه أيضًا: زيادة الإنكار فيما إذا كان للإنسان مندوحة عن الحرام؛ لقوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾.
* وفي الآية دليل: على جواز الاستمتاع بالزوجة استمتاعًا مطلقًا؛ لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ﴾.
* وفيه دليل: على أن من تجاوز الحلال إلى الحرام فهو عادٍ ظالم لنفسه ولغيره؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.
* وفيه دليل: على أن المعاندين للرسل إنما يلجؤون إلى قوتهم وسلطتهم لا إلى العقل والإقناع؛ لقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾، وقال ذلك قوم نوح: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء ١١٦]، لكن عذاب آخر، وكذلك أيضًا قاله فرعون، لمن؟ لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، وقاله آزر لابنه إبراهيم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم ٤٦]، كل هذا مما يدل على أن هؤلاء الذين يهددون بالسلطة لا بالإقناع والعقل، هؤلاء لا حُجَّة لهم.
* وفيه دليل: على أنه يجب على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله؛ لأن هذه طريقة الرسل؛ ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾.
* وفيه دليل: على أنه لا غنى لأحد عن دعاء الله ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾، وأما قول بعض العارفين الجاهلين: علمه بحالي يغني عن سؤالي، فهذا قول باطل، الله يعلم بحال كل أحد، ومع ذلك ما زالت الرسل وأتباعهم يدعون الله تبارك وتعالى.
* وفيه دليل: على وجود الرب سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿رَبِّ نَجِّنِي﴾ ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾، وهذا دليل حسي ظاهر.
* وفيه دليل: على إجابة الله للدعاء، وهذه الإجابة تتضمن عدة صفات؛ تتضمن العلم، والقدرة، والرحمة.
* وفيه دليل: على أن الله سبحانه وتعالى ينقد أهل الحق إهلاك الكافرين، ويهلك الكافرين ولو كانوا في أحضان أهل الحق؛ لأن الله أنجا لوطًا، وأهلك امرأته وهي في أحضانه، وهذا هو السر في قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] التعبير القرآني، المؤمنون نجوا ولَّا لا؟ لكن البيت المسلم ما نجا كله، المرأة التي كانت تتظاهر بالدِّين وهي مسلمة ظاهرًا، هذه ما نجت؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ﴾ منين؟ ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فالبيت هذا أهله مسلمون، لكن ليس كلهم مؤمنين، كان فيهم هذه المرأة العجوز، كانت كافرة، وليس في الآيه دليل كما يقول بعض الناس، ليس فيها دليل على أن الإيمان هو الإسلام؛ لأن فرق بين هذا وهذا.
* وفي الآية أيضًا دليل: على أن القرب من الأنبياء والأولياء لا يغني الإنسان شيئًا، منين نأخذه؟ من أن هذه زوجة نبي ومع ذلك هلكت مع من هلك، فكون الإنسان قريبًا من إنسان ولي لله لا يفيده شيئًا، أبو لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك ما نزل من القرآن في أحد معين من الكفار سوى أبي لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام، وما نزل القرآن في تسمية شخص بعينه من المسلمين إلا في زيد بن الحارث مولى من الموالي من أبعد ما يكون عن الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وبهذا يتبين أن القرب قرب النسب، وقرب المصاهرة وغيره لا يغني عن الإنسان شيئًا، وتأمل آية سورة التحريم، نزلت فيها قصة: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم ١٠] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ لأن عائشة وحفصة اللتين تظاهرا على النبي ﷺ قد يغترا بقربهما من الرسول ﷺ فيعملا ما عملاه، فبين الله سبحانه وتعالى أنه لا تنفعهما صلتهما بالنبي ﷺ.
* وفي هذا دليل: على أن عقوبة الله سبحانه وتعالى تتنوع حسب العمل؛ لأن هنا أُمطِروا مطرًا حتى هُدِّمت منازلهم وصار عاليها سافلها، ثم خُصف بها فيما بعد؛ ولذلك الآن هي بُحيرة اسمها الآن بحيرة لوط، معروفة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكنه بحر ميت؛ لأنه غير متصل بالبحار.
* طالب: (...) البحر الميت.
* الشيخ: ويكون أيضًا ماء يعيش فيه السمك والحوت في مثل ما يعيش فيه غيره، وفيه لكن مو مثل غيره؛ لأنهم (...) بحار عميقة، فلا يكون في ذلك شيء صغير وكبير.
* طالب: (...) عاد مثلًا؟
* الشيخ: إي، عاد ممكن على أساس أنه خصف به.
وفي هذا استدل بعض العلماء أخذًا من هذه القصة أن اللوطي يُقتل بأن يُرمى بالحجارة حتى يموت قياسًا على رمي الله تعالى على هؤلاء بالحجارة، والمسألة كما أشرنا إليه سابقًا فيها خلاف؛ من العلماء من قال: أن اللوطي لا يُتعرَّض له، ولا يقال له شيء؛ هذا قول. والقول الثاني: أنه يُعزَّر بالضرب والحبس وما أشبه ذلك.
والقول الثالث: أنه كالزاني، إن كان محصنًا رُجِم، وإن كان غير محصن جُلِد وغُرِّب.
والقول الرابع: أنه يقتل بكل حال سواء كان محصن أم غير محصن ولكن كيف يقتل؟ قيل: بالرجم، وقيل: بالسيف، وقيل: بالتحريق، وقيل: بإلقائه من شاهق وإتباعه الحجارة، وهذا الأخير القول الخامس، أظن أربعة، القول الرابع هو الذي اتفق عليه الصحابة أنه يُقتل.
أولًا: لا يتعرض له، أنه يُعزَّر، أن حده كحد الزاني، الرابع: أنه يقتل بكل حال، ثم اختلفوا في صفة القتل، وهذا القول هو الصحيح المتعيِّن؛ أنه يُقتل بكل حال فاعلًا كان أم مفعولًا به، إذا كان بالغًا عاقلًا؛ لأن هذا ليس كالزنى أشد وأعظم؛ ولأنه أمر لا يُمكن التحرز منه بخلاف الزنى، الزنى يمكن التحرز منه، لكن هذا لا يمكن فإنه لو أن خبيثًا أمسك بيد أمرد ما أحد يقوله، أيش الأمر هذا؟ وليش تمسك إيده، وما أشبه ذلك؟ فهو أمر لا يتحرز منه، يأتي في نوادي الرجال وغيرها، فهذا هو الصواب المقطوع به.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، أن الصحابة أجمعوا على قتله، أما من قال: إنه لا يتعرض له أيش حجته؟ قال: لأن هذا مما تنفر عنه الطباع، وما تنفر عنه الطباع يُكتفى بالرادع الطبيعي، كما قلنا: إن شارب البول لا يتعرض له، وشارب الخمر يُجلد؛ لأن الخمر تدعو النفس إليه، وهذا لا تدعو النفس إليه.
هذا قول باطل لا الأصل ولا الفرع، فإن قوله: (إنها لا تدعو النفوس إليه)، نقول: صحيح، النفوس السليمة لا شك لا تدعو إليه، وتستهجنه، وتستقبحه، لكن ألا يوجد هناك نفوس خبيثة؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: شهواه أكثر من النساء، شهواه -والعياذ بالله- أكثر من النساء، يهجرون نساءهم في فروجهن، ويذهبون إلى هذه الفعلة الفاحشة.
ثانيًا: قوله: إن البول لا يُعزَّر على شربه ويُكتفى بالرادع الطبيعي، هذا باطل أيضًا، بل يجب أن يُعزَّر على فعله، ومن رأيناه يشرب بولًا يجب أن نعزره؛ لأنه فعل محرمًا، والتعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ فالصواب أنه يُقتل بكل حال والله المستعان.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لا يعذب بالنار إلا الله سبحانه وتعالى[[أخرجه البخاري (٢٩٥٤) من حديث أبي هريرة.]]، لكن كأنهم رأوا لعِظَم هذا الفعل، وأن المقصود بالتعذيب بالنار في الأمور التي دون هذا وإلا فقد وقع ذلك في أبي بكر رضي الله عنه، ومن عبد الملك بن مروان؛ ثلاثة من الخلفاء كلهم اتفقوا عليه.
* طالب: الراجح؟
* الشيخ: الراجح الرجم.
* الطالب: قوله: (...).
* الشيخ: لا، ما فيه إلا كلام المؤرخين.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: حد لوطي؛ يعني الْمُحصَن يُرجم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، إحنا قلنا: إن حده القتل بكل حال؛ يعني لو يتلوَّط من له سبع عشرة سنة كمن له ست عشرة سنة قُتِلا جميعًا، وإن كان ما لهم زوجان لو ما تزوجوا.
* الطالب: رواية المذهب هذه.
* الشيخ: المذهب ضعيف في هذه المسألة.
* الطالب: (...) الرواية الثانية.
* الشيخ: وين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فيه قول ثانٍ اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ما أدري فيه رواية عن أحمد ولَّا قول..، يعني ما فيه وجه قوي للأصحاب هذا، وممن قال به شيخ الإسلام، لكن كونه رواية ما أدري.
* طالب: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [الحجر ٧١].
* الشيخ: إي، يعني أزوجكم إياهن.
* الطالب: (...).
* الشيخ: بعض المفسرين قال: بناتي؛ يعني بذلك بنات الأمة؛ لأن الرسول أب لقومه، فيكون لهم بمنزلة الأب.
* الطالب: وجيه هذا؟
* الشيخ: ما هو بوجيه لكن اللي دعاهم إلى هذا قالوا: إن بناته مسلمات مؤمنات، وهؤلاء كفار، والكافر لا يتزوج بالمؤمنة فيقال: الجواب على هذا إما أن شريعتهم تبيح ذلك، أو أن معنى ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ يعني فأسلموا وتزوجوهن ويكون المعنى مفهومًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: كم هم اللي جايين؟ ما يخالف، كم اللي جايين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يقينه جاي الناس.
* الطالب: جاي الناس.
* الشيخ: لأنهم ذهبوا يبشر بعضهم بعضًا بهؤلاء القوم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، المهم..
* الطالب: جاء أهل المدينة (...).
* الشيخ: إي نعم، ما يخالف لكن ما هو بالمعنى أنه بيقسم بناته على كل المدينة قطعًا، لكن المعنى أني أزوجكم بناتي وإن لم يتزوج منكم عدد يقابل بناتي فالباقي يخدوا من النساء (...).
ثم إن هذا بالحقيقة كأنه يقول: أنا أحافظ على ضيوفي أكثر مما أحافظ على أي شيء آخر؛ يعني فإني أبغي أحميهم حتى إني أتنازل عن بناتي أزوجهن من أجل المحافظة على هؤلاء الضيوف؟
* طالب: دليل من قال بإلقاء (...)؟
* الشيخ: بناءً على أن القرى هذه يعني رُفِعت، ثم قُلِبَت.
الشعراء 26:167
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦٠، ١٦١].
قوم لوط هؤلاء في قرية يقال لها: سدوم من أرض فلسطين، ولوط كما هو يقول المؤرخون: ابن أخي إبراهيم، فيكون إبراهيم عمه، أرسله الله تعالى إلى أهل هذه القرية، وكانوا مع كفرهم بالله سبحانه وتعالى يعملون عملًا فاحشًا يعتبر من أخبث الأعمال والعياذ بالله، وقد سماه الله تعالى خبيثًا في قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء ٧٤] فهو (...)؛ لأنه قبيح عقلًا وفطرة وشرعًا، هذا العمل الذي يعملونه هو أنهم يأتون الذكران والعياذ بالله كما يأتون النسوة.
وهنا يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦١ - ١٦٤]، هذه كلها سبق الكلام عليها.
وكل الرسول يُرسَلون أولًا بتحقيق التوحيد ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل ٣٦].
هذا الأصل كل الرسل يُرسلون به، لكن هناك أنواع معينة من المعاصي يرتكبها بعض الأمم، يُركِّز عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام ففيما سبق بل فيما ذُكِر الآن في قوم لوط كان جرمهم الخاص هو هذه الفاحشة؛ ولهذا قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، الاستفهام هذا للتوبيخ والإنكار.
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ أي: الذكور، جمع (ذَكَر).
﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ بيان للذُّكْران؛ أي: من (الناس) سواء كانوا من قبيلتكم، أو من غير قبيلتكم؛ ولهذا لم يقل: أتأتون الذكران منكم بل قال: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلى أنهم -والعياذ بالله- لا يتحاشون عن أحد فهم مثل الكلاب، ثم مع ذلك زيادة على خبثهم أنهم تركوا النعمة التي خلقها الله لهم ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾.
فلو كنتم تأتون الذكران من العالمين؛ لأنكم مضطرون لذلك وليس لكم من الحلال ما يغنيكم لكان الأمر أهون، لكن لكم من الحلال من يُغنيكم فكيف تأتون الخبائث وتذرون الطيبات؟ ولهذا قال: ﴿وَتَذَرُونَ﴾ هي داخلة في مضمون الاستفهام؛ يعني وأتذرون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ (تَذَرُونَ) بمعنى: تتركون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾؛ أي: (أقبالهن) تفسير لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾؛ يعني تأتون الذي خُلِق لكم من الأزواج وهو القُبُل، هذا ما ذهب إليه المؤلف، والصواب خلاف هذا؛ الصواب أن ﴿مِنْ﴾ بيان لـ﴿مَا﴾؛ أي: ما خلق لكم ربكم من الأزواج؛ يعني: وتذرون الأزواج، هذا المعنى، ما هو بأقبالهن، تذرون الأزواج أي: ما خلق الله لكم من الأزواج.
وفرق بين ما ذكرت وبين ما ذهب إليه المؤلف؛ يعني كأنه يقول: تذرون فروج النساء، ولكن لو قال: أتأتون أدبار الذكور لكان نعم، وتذرون فروج النساء ولَّا لا؟ لكن لما قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ يكون المناسب: وتدعون النساء لكن قال: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ دون قوله: أزواجكم؛ إشارة إلى أن الله تعالى هيأ هذه الزوجة للذَّكَر يتمتع بها كما يشاء إلا فيما حرم الله من الدبر مثلًا؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٥، ٦]، وهذا يدل إباحة الاستمتاع للرجل بامرأته إباحة مطلقة بلا حدود، ما عدا أمرين؛ الدبر والفرْج في الحيض، وما سوى ذلك فكل شيء مُباح، هذا يزيد الأمر قبحًا إلى قُبحه حيث يدعون الطَّيِّب ويأتون الخبيث.
وفي قوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ﴾ الفائدة المعنوية اللي أشرنا إليها وهي زيادة القبح، والثانية: اللفظية ما هي؟ الطباق لِذِكْر الأمر ومقابله، المعنى ومقابله (تأتون وتذرون).
وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ اللام للإباحة أو للتعليل؛ أي: خلق لأجلكم ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ أباح لكم.
وقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى هو المتصرف فيه، الذي (...).
* الطالب: المعية، معناها..
* الشيخ: اللام في ﴿لَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ﴿بَلْ﴾ للإضراب ولكن ما هو الإضراب الذي حصل؟ يعني ما هو الْمُضْرَب عنه؟ كأنه قال: لا تأتون الذكران فطرةً ولا عملًا عاديًّا محبوبًا إلى الفِطَر، ولكن الذي حملكم على هذا هو العدوان المجرد والعياذ بالله، متجاوزين الحلال إلى الحرام، بيَّن لهم لوط عليه السلام أن ما فعلوه أمر مستنكر عقلًا، ومستنكر شرعًا وعرفًا؛ لأن العدوان لا شك أن كل أحد ينكره، وهؤلاء معتدون.
ومن الغريب أن الفاعل منهم اليوم قد كان مفعولًا به بالأمس، والمفعول به اليوم يكون فاعلًا في المستقبل، وهذا غاية ما يكون من العدوان، وسبحان الله كيف أن هؤلاء الجماعة -نسأل الله السلامة- يرى الإنسان ولده أو أخاه الصغير تُفعل فيه الفاحشة ولا يبالي بهذا؟! والظاهر أنهم يفعلونها جهرًا؛ لقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت ٢٩]، فهم لا يبالون والعياذ بالله أن يركب بعضهم بعضًا جهارًا؛ فهذا غاية ما يكون من السخط.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، وما هي من الظالمين ببعيد، بعدئذٍ الجواب على: (﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ﴾ عن إنكارك علينا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ من بلادنا).
هذا الجواب القبيح ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن أيش؟ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ أبلغ من قوله: لنخرجنك؛ كأنهم يهددونه بما هو أعظم ترويعًا له؛ يعني أننا أخرجنا غيرك، وستكون أنت من جملة المخرَجِين؛ لأن لنا القدرة وسلطة على إخراجك.
وفي قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ تأكيد بالقسم واللام ونون التوكيد ﴿لَئِنْ﴾؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم.
﴿لَتَكُونَنَّ﴾ اللام واقعة في جواب القسم، والجواب الموجود هنا للقسم ولَّا للشرط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الآن السؤال هل هو للقسم ولَّا للشرط؟
* طلبة: للقسم.
* الشيخ: للقسم.
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــــوَابَ مــا أخَّــــــرْتَ فَهْــــوَمُلْـــتَزَمْ
(﴿قَالَ﴾ لهم لوط عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ المبغضين)، هذا فيه نوع من التحدي لهم؛ يعني إن أخرجتموني فأنا راضٍ بذلك، ولا يهمني إخراجي، لماذ؟ لأني لعملكم من القالين، والإنسان المبغض لعمل قوم هل يحب أن يبقى معهم؟ لا يحب أن يبقى معهم، فكأنه يقول: أنا لا يهمني إذا خرجت؛ لأنني لا أرغب في المقام معكم وأنتم على هذا العمل الخبيث الذي أبغضه، والإنسان أشد ما يكون عليه أن يبقى مع قوم يكرههم، يقول المتنبي:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى ∗∗∗ عَـــــــــــــدُوًّا لَهُ مَــا مِنْصَــــــدَاقَتِهِ بُـــدُّ
وهذا صحيح؛ أن تبقى مع قوم تكره أفعالهم هذا صعب على النفوس، فكأنه يقول: أنا أرغب هذا، ومستعد له، ولا أبالي بإخراجكم، وفي هذا دليل..
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...).
* وفيه دليل: على أنه يجب على كل مؤمن أن يبغض عملهم؛ عمل هؤلاء القوم؛ لأن الرسل يقلونه يبغضونه، وهذه هو فائدة الجمع، ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾؛ أي: المبغضين له، وإن كان هو ما فيه إلا قليل من الذين آمنوا معه ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]؛ يعني أنه ما آمن معه أحد إلا أهل بيته، ولا هم كلهم بعد، امرأته كانت من الكافرين.
﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ يقوله المؤلف: (من عذابه)، ولا شك أن هذا التأويل قاصر؛ لأن ﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من فعله، ومن عذابه أيضًا، ولا يمتنع أن يسأل الله تعالى أن ينجيه من هذا العمل، لا يمتنع ذلك أبدًا وإن كان الرسل لا يمكن أن يعملوه؛ لأن الصواب المقطوع به أنهم معصومون مما يُخِل بالشرف والكرامة، وعمل قوم لوط، هذا يخل بالشرف، لكنه هو دعا لنفسه وأهله ﴿نَجِّنِي وَأَهْلِي﴾ وأهله معصومون من ذلك؟ ليسوا معصومين، الصواب أنه سأل الله أن ينجيه من عملهم ومن عذابهم.
قال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾، الفاء للتفريع؛ يعني فتفريعًا على دعوته أجيب: نجيناه وأهله أجمعين.
(﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ امرأته ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين أهلكنا)؟
* طالب: (أهلكناها).
* الشيخ: (أهلكناها) اللي عندي أحسن، كأنه يريد إن (أهلكنا) مُسَلَّط على قوله: ﴿عَجُوزًا﴾ إلا عجوزًا أهلكنا؛ يعني إلا أن أهلكنا عجوزًا، واللي عندكم أيضًا لها معنى أوضح؛ لأنه إذا قال: الباقين أهلكنا قد يظن الظان أن المراد أهلك الباقين.
على كل حال استجاب الله دعوته فنجاه وأهله. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على أن الأهل كانوا عددًا كثيرًا، والصحيح أننا لا ندري كم عددهم، إنما أهله ولكن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على الكثرة؛ لأن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ هذه جمع، أدنى ما يُقال فيه ثلاثة، مع أن هذه الكلمة ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تدل على جماعة؛ جماعة مستكثرة.
وقوله: ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ شوف -والعياذ بالله- هذه المرأة عجوز كبيرة في السن، وكان الذي ينبغي لكبير السن أن يكون منيبًا إلى الله عز وجل؛ لأنه قريب من الموت، هو أقرب إلى الموت من الشاب، ولكن -والعياذ بالله- كفانا الله شر العجز، والشابات هي صارت خبيثة والعياذ بالله، كافرة بالله لكنها كاتمة لذلك؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة التحريم أيش؟ قال: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] ليست خيانة شهوة وزِنى، ولكن خيانة كفر؛ ولهذا قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] لم تشعراهما بكفر، فما علم بكفرهما.
* طالب: هي كانت مؤيدة لفعل القوم؟
* الشيخ: إي، هذا إقرار بالكفر، هي كافرة ومؤيدة أيضًا زيادة.
والإقرار (﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين)، الغابر يُطلَق على معانٍ، منها الباقي، ومنها الماضي أيضًا، فيكون فيه ما يُسمَّى بالأضداد؛ لأن اللغة فيها كلمات تصلح للشيء ولضده؛ تسمى الأضداد.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ بعد أن انتهينا لوطًا وأهله. ﴿دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾؛ لأنه بعد أن أمر أن يسير بأهله ليلًا ويخرج من البلدة إلا امرأته، دمر الله هذه البلدة؛ يعني فخرج، ثم دُمِّرت.
﴿الْآخَرِينَ﴾ المراد به مَنْ؟ قومه. قال المؤلف: (أهلكناهم).
(﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ حجارة. قال: من جملة الإهلاك)، من جملة الإهلاك أن الله سبحانه وتعالى أمطر عليهم مطرًا، والظاهر لي أن قوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ عطف تفسير على قوله: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا﴾؛ لأن هذا هو الذي دُمِّروا به، أن الله أمطر عليهم مطرًا، وما هو المطر؟ ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود ٨٢]: متتابع، مسومة عند الله.
يقول تعالى: (﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مطرهم) ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: مطر هؤلاء القوم وإنما قال: ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾؛ لبيان أنها قد قامت عليم الحجة ولم يمطروا بالعذاب إلا بعد أن أُعذِر منهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بهذه الحجارة؛ بالتدمير بالحجارة، وليس بالقلب، كذا؟
* طالب: في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بالحجارة.
* الشيخ: وليس بالقلْب، كما هو مشهور عند أهل العلم وكثير من المفسرين أن بلادهم حُمِلت إلى عنان السماء، ثم قُلِبَت، هذا ما في القرآن ما يدل عليه، ما في القرآن إلا: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤]، وجعل العالي هو السافل يكون بغير القلب، فإن هذه الحجارة إذا نزلت على المنازل وهدمتها صار العالي من المنازل صار سافلًا، ثم إنها إذا قُلِبت مثلًا وصار الناس في باطن الأرض فما قيمة الحجارة حينئذٍ؟ ما لها قيمة.
والمهم أنه ليس في الأمر عن النبي ﷺ ما يدل على أن أرضهم حُمِلت وقُلِبت، وما دام أنه ليس في الأمر ما يدل على ذلك فالأولى أن يقال: إنهم دُمِّروا بهذه الحجارة والإشكال الذي في قوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤] ينحل بقولنا: إنها إذا تهدمت البيوت صار العالي سافلًا، صار أعلاها سافلًا.
* ويستفاد من هذه القصة: أولًا: السعادة في توحيد الله، والأمر بتقواه إلى آخره، هذا سبق، والإخلاص في الدعوة لله سبحانه وتعالى، وأنه لا ينبغي للداعي أن يأخذ على دعوته أجرًا، كل هذا سبق، لكن يستفاد به أن من بني آدم من تُقلب طبيعته وفطرته حتى يستحسن الخبيث؛ لأن هؤلاء هذه حالهم.
* وفيه أيضًا: زيادة الإنكار فيما إذا كان للإنسان مندوحة عن الحرام؛ لقوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾.
* وفي الآية دليل: على جواز الاستمتاع بالزوجة استمتاعًا مطلقًا؛ لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ﴾.
* وفيه دليل: على أن من تجاوز الحلال إلى الحرام فهو عادٍ ظالم لنفسه ولغيره؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.
* وفيه دليل: على أن المعاندين للرسل إنما يلجؤون إلى قوتهم وسلطتهم لا إلى العقل والإقناع؛ لقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾، وقال ذلك قوم نوح: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء ١١٦]، لكن عذاب آخر، وكذلك أيضًا قاله فرعون، لمن؟ لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، وقاله آزر لابنه إبراهيم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم ٤٦]، كل هذا مما يدل على أن هؤلاء الذين يهددون بالسلطة لا بالإقناع والعقل، هؤلاء لا حُجَّة لهم.
* وفيه دليل: على أنه يجب على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله؛ لأن هذه طريقة الرسل؛ ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾.
* وفيه دليل: على أنه لا غنى لأحد عن دعاء الله ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾، وأما قول بعض العارفين الجاهلين: علمه بحالي يغني عن سؤالي، فهذا قول باطل، الله يعلم بحال كل أحد، ومع ذلك ما زالت الرسل وأتباعهم يدعون الله تبارك وتعالى.
* وفيه دليل: على وجود الرب سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿رَبِّ نَجِّنِي﴾ ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾، وهذا دليل حسي ظاهر.
* وفيه دليل: على إجابة الله للدعاء، وهذه الإجابة تتضمن عدة صفات؛ تتضمن العلم، والقدرة، والرحمة.
* وفيه دليل: على أن الله سبحانه وتعالى ينقد أهل الحق إهلاك الكافرين، ويهلك الكافرين ولو كانوا في أحضان أهل الحق؛ لأن الله أنجا لوطًا، وأهلك امرأته وهي في أحضانه، وهذا هو السر في قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] التعبير القرآني، المؤمنون نجوا ولَّا لا؟ لكن البيت المسلم ما نجا كله، المرأة التي كانت تتظاهر بالدِّين وهي مسلمة ظاهرًا، هذه ما نجت؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ﴾ منين؟ ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فالبيت هذا أهله مسلمون، لكن ليس كلهم مؤمنين، كان فيهم هذه المرأة العجوز، كانت كافرة، وليس في الآيه دليل كما يقول بعض الناس، ليس فيها دليل على أن الإيمان هو الإسلام؛ لأن فرق بين هذا وهذا.
* وفي الآية أيضًا دليل: على أن القرب من الأنبياء والأولياء لا يغني الإنسان شيئًا، منين نأخذه؟ من أن هذه زوجة نبي ومع ذلك هلكت مع من هلك، فكون الإنسان قريبًا من إنسان ولي لله لا يفيده شيئًا، أبو لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك ما نزل من القرآن في أحد معين من الكفار سوى أبي لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام، وما نزل القرآن في تسمية شخص بعينه من المسلمين إلا في زيد بن الحارث مولى من الموالي من أبعد ما يكون عن الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وبهذا يتبين أن القرب قرب النسب، وقرب المصاهرة وغيره لا يغني عن الإنسان شيئًا، وتأمل آية سورة التحريم، نزلت فيها قصة: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم ١٠] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ لأن عائشة وحفصة اللتين تظاهرا على النبي ﷺ قد يغترا بقربهما من الرسول ﷺ فيعملا ما عملاه، فبين الله سبحانه وتعالى أنه لا تنفعهما صلتهما بالنبي ﷺ.
* وفي هذا دليل: على أن عقوبة الله سبحانه وتعالى تتنوع حسب العمل؛ لأن هنا أُمطِروا مطرًا حتى هُدِّمت منازلهم وصار عاليها سافلها، ثم خُصف بها فيما بعد؛ ولذلك الآن هي بُحيرة اسمها الآن بحيرة لوط، معروفة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكنه بحر ميت؛ لأنه غير متصل بالبحار.
* طالب: (...) البحر الميت.
* الشيخ: ويكون أيضًا ماء يعيش فيه السمك والحوت في مثل ما يعيش فيه غيره، وفيه لكن مو مثل غيره؛ لأنهم (...) بحار عميقة، فلا يكون في ذلك شيء صغير وكبير.
* طالب: (...) عاد مثلًا؟
* الشيخ: إي، عاد ممكن على أساس أنه خصف به.
وفي هذا استدل بعض العلماء أخذًا من هذه القصة أن اللوطي يُقتل بأن يُرمى بالحجارة حتى يموت قياسًا على رمي الله تعالى على هؤلاء بالحجارة، والمسألة كما أشرنا إليه سابقًا فيها خلاف؛ من العلماء من قال: أن اللوطي لا يُتعرَّض له، ولا يقال له شيء؛ هذا قول. والقول الثاني: أنه يُعزَّر بالضرب والحبس وما أشبه ذلك.
والقول الثالث: أنه كالزاني، إن كان محصنًا رُجِم، وإن كان غير محصن جُلِد وغُرِّب.
والقول الرابع: أنه يقتل بكل حال سواء كان محصن أم غير محصن ولكن كيف يقتل؟ قيل: بالرجم، وقيل: بالسيف، وقيل: بالتحريق، وقيل: بإلقائه من شاهق وإتباعه الحجارة، وهذا الأخير القول الخامس، أظن أربعة، القول الرابع هو الذي اتفق عليه الصحابة أنه يُقتل.
أولًا: لا يتعرض له، أنه يُعزَّر، أن حده كحد الزاني، الرابع: أنه يقتل بكل حال، ثم اختلفوا في صفة القتل، وهذا القول هو الصحيح المتعيِّن؛ أنه يُقتل بكل حال فاعلًا كان أم مفعولًا به، إذا كان بالغًا عاقلًا؛ لأن هذا ليس كالزنى أشد وأعظم؛ ولأنه أمر لا يُمكن التحرز منه بخلاف الزنى، الزنى يمكن التحرز منه، لكن هذا لا يمكن فإنه لو أن خبيثًا أمسك بيد أمرد ما أحد يقوله، أيش الأمر هذا؟ وليش تمسك إيده، وما أشبه ذلك؟ فهو أمر لا يتحرز منه، يأتي في نوادي الرجال وغيرها، فهذا هو الصواب المقطوع به.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، أن الصحابة أجمعوا على قتله، أما من قال: إنه لا يتعرض له أيش حجته؟ قال: لأن هذا مما تنفر عنه الطباع، وما تنفر عنه الطباع يُكتفى بالرادع الطبيعي، كما قلنا: إن شارب البول لا يتعرض له، وشارب الخمر يُجلد؛ لأن الخمر تدعو النفس إليه، وهذا لا تدعو النفس إليه.
هذا قول باطل لا الأصل ولا الفرع، فإن قوله: (إنها لا تدعو النفوس إليه)، نقول: صحيح، النفوس السليمة لا شك لا تدعو إليه، وتستهجنه، وتستقبحه، لكن ألا يوجد هناك نفوس خبيثة؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: شهواه أكثر من النساء، شهواه -والعياذ بالله- أكثر من النساء، يهجرون نساءهم في فروجهن، ويذهبون إلى هذه الفعلة الفاحشة.
ثانيًا: قوله: إن البول لا يُعزَّر على شربه ويُكتفى بالرادع الطبيعي، هذا باطل أيضًا، بل يجب أن يُعزَّر على فعله، ومن رأيناه يشرب بولًا يجب أن نعزره؛ لأنه فعل محرمًا، والتعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ فالصواب أنه يُقتل بكل حال والله المستعان.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لا يعذب بالنار إلا الله سبحانه وتعالى[[أخرجه البخاري (٢٩٥٤) من حديث أبي هريرة.]]، لكن كأنهم رأوا لعِظَم هذا الفعل، وأن المقصود بالتعذيب بالنار في الأمور التي دون هذا وإلا فقد وقع ذلك في أبي بكر رضي الله عنه، ومن عبد الملك بن مروان؛ ثلاثة من الخلفاء كلهم اتفقوا عليه.
* طالب: الراجح؟
* الشيخ: الراجح الرجم.
* الطالب: قوله: (...).
* الشيخ: لا، ما فيه إلا كلام المؤرخين.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: حد لوطي؛ يعني الْمُحصَن يُرجم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، إحنا قلنا: إن حده القتل بكل حال؛ يعني لو يتلوَّط من له سبع عشرة سنة كمن له ست عشرة سنة قُتِلا جميعًا، وإن كان ما لهم زوجان لو ما تزوجوا.
* الطالب: رواية المذهب هذه.
* الشيخ: المذهب ضعيف في هذه المسألة.
* الطالب: (...) الرواية الثانية.
* الشيخ: وين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فيه قول ثانٍ اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ما أدري فيه رواية عن أحمد ولَّا قول..، يعني ما فيه وجه قوي للأصحاب هذا، وممن قال به شيخ الإسلام، لكن كونه رواية ما أدري.
* طالب: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [الحجر ٧١].
* الشيخ: إي، يعني أزوجكم إياهن.
* الطالب: (...).
* الشيخ: بعض المفسرين قال: بناتي؛ يعني بذلك بنات الأمة؛ لأن الرسول أب لقومه، فيكون لهم بمنزلة الأب.
* الطالب: وجيه هذا؟
* الشيخ: ما هو بوجيه لكن اللي دعاهم إلى هذا قالوا: إن بناته مسلمات مؤمنات، وهؤلاء كفار، والكافر لا يتزوج بالمؤمنة فيقال: الجواب على هذا إما أن شريعتهم تبيح ذلك، أو أن معنى ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ يعني فأسلموا وتزوجوهن ويكون المعنى مفهومًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: كم هم اللي جايين؟ ما يخالف، كم اللي جايين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يقينه جاي الناس.
* الطالب: جاي الناس.
* الشيخ: لأنهم ذهبوا يبشر بعضهم بعضًا بهؤلاء القوم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، المهم..
* الطالب: جاء أهل المدينة (...).
* الشيخ: إي نعم، ما يخالف لكن ما هو بالمعنى أنه بيقسم بناته على كل المدينة قطعًا، لكن المعنى أني أزوجكم بناتي وإن لم يتزوج منكم عدد يقابل بناتي فالباقي يخدوا من النساء (...).
ثم إن هذا بالحقيقة كأنه يقول: أنا أحافظ على ضيوفي أكثر مما أحافظ على أي شيء آخر؛ يعني فإني أبغي أحميهم حتى إني أتنازل عن بناتي أزوجهن من أجل المحافظة على هؤلاء الضيوف؟
* طالب: دليل من قال بإلقاء (...)؟
* الشيخ: بناءً على أن القرى هذه يعني رُفِعت، ثم قُلِبَت.
الشعراء 26:168
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦٠، ١٦١].
قوم لوط هؤلاء في قرية يقال لها: سدوم من أرض فلسطين، ولوط كما هو يقول المؤرخون: ابن أخي إبراهيم، فيكون إبراهيم عمه، أرسله الله تعالى إلى أهل هذه القرية، وكانوا مع كفرهم بالله سبحانه وتعالى يعملون عملًا فاحشًا يعتبر من أخبث الأعمال والعياذ بالله، وقد سماه الله تعالى خبيثًا في قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء ٧٤] فهو (...)؛ لأنه قبيح عقلًا وفطرة وشرعًا، هذا العمل الذي يعملونه هو أنهم يأتون الذكران والعياذ بالله كما يأتون النسوة.
وهنا يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦١ - ١٦٤]، هذه كلها سبق الكلام عليها.
وكل الرسول يُرسَلون أولًا بتحقيق التوحيد ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل ٣٦].
هذا الأصل كل الرسل يُرسلون به، لكن هناك أنواع معينة من المعاصي يرتكبها بعض الأمم، يُركِّز عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام ففيما سبق بل فيما ذُكِر الآن في قوم لوط كان جرمهم الخاص هو هذه الفاحشة؛ ولهذا قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، الاستفهام هذا للتوبيخ والإنكار.
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ أي: الذكور، جمع (ذَكَر).
﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ بيان للذُّكْران؛ أي: من (الناس) سواء كانوا من قبيلتكم، أو من غير قبيلتكم؛ ولهذا لم يقل: أتأتون الذكران منكم بل قال: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلى أنهم -والعياذ بالله- لا يتحاشون عن أحد فهم مثل الكلاب، ثم مع ذلك زيادة على خبثهم أنهم تركوا النعمة التي خلقها الله لهم ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾.
فلو كنتم تأتون الذكران من العالمين؛ لأنكم مضطرون لذلك وليس لكم من الحلال ما يغنيكم لكان الأمر أهون، لكن لكم من الحلال من يُغنيكم فكيف تأتون الخبائث وتذرون الطيبات؟ ولهذا قال: ﴿وَتَذَرُونَ﴾ هي داخلة في مضمون الاستفهام؛ يعني وأتذرون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ (تَذَرُونَ) بمعنى: تتركون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾؛ أي: (أقبالهن) تفسير لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾؛ يعني تأتون الذي خُلِق لكم من الأزواج وهو القُبُل، هذا ما ذهب إليه المؤلف، والصواب خلاف هذا؛ الصواب أن ﴿مِنْ﴾ بيان لـ﴿مَا﴾؛ أي: ما خلق لكم ربكم من الأزواج؛ يعني: وتذرون الأزواج، هذا المعنى، ما هو بأقبالهن، تذرون الأزواج أي: ما خلق الله لكم من الأزواج.
وفرق بين ما ذكرت وبين ما ذهب إليه المؤلف؛ يعني كأنه يقول: تذرون فروج النساء، ولكن لو قال: أتأتون أدبار الذكور لكان نعم، وتذرون فروج النساء ولَّا لا؟ لكن لما قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ يكون المناسب: وتدعون النساء لكن قال: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ دون قوله: أزواجكم؛ إشارة إلى أن الله تعالى هيأ هذه الزوجة للذَّكَر يتمتع بها كما يشاء إلا فيما حرم الله من الدبر مثلًا؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٥، ٦]، وهذا يدل إباحة الاستمتاع للرجل بامرأته إباحة مطلقة بلا حدود، ما عدا أمرين؛ الدبر والفرْج في الحيض، وما سوى ذلك فكل شيء مُباح، هذا يزيد الأمر قبحًا إلى قُبحه حيث يدعون الطَّيِّب ويأتون الخبيث.
وفي قوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ﴾ الفائدة المعنوية اللي أشرنا إليها وهي زيادة القبح، والثانية: اللفظية ما هي؟ الطباق لِذِكْر الأمر ومقابله، المعنى ومقابله (تأتون وتذرون).
وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ اللام للإباحة أو للتعليل؛ أي: خلق لأجلكم ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ أباح لكم.
وقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى هو المتصرف فيه، الذي (...).
* الطالب: المعية، معناها..
* الشيخ: اللام في ﴿لَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ﴿بَلْ﴾ للإضراب ولكن ما هو الإضراب الذي حصل؟ يعني ما هو الْمُضْرَب عنه؟ كأنه قال: لا تأتون الذكران فطرةً ولا عملًا عاديًّا محبوبًا إلى الفِطَر، ولكن الذي حملكم على هذا هو العدوان المجرد والعياذ بالله، متجاوزين الحلال إلى الحرام، بيَّن لهم لوط عليه السلام أن ما فعلوه أمر مستنكر عقلًا، ومستنكر شرعًا وعرفًا؛ لأن العدوان لا شك أن كل أحد ينكره، وهؤلاء معتدون.
ومن الغريب أن الفاعل منهم اليوم قد كان مفعولًا به بالأمس، والمفعول به اليوم يكون فاعلًا في المستقبل، وهذا غاية ما يكون من العدوان، وسبحان الله كيف أن هؤلاء الجماعة -نسأل الله السلامة- يرى الإنسان ولده أو أخاه الصغير تُفعل فيه الفاحشة ولا يبالي بهذا؟! والظاهر أنهم يفعلونها جهرًا؛ لقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت ٢٩]، فهم لا يبالون والعياذ بالله أن يركب بعضهم بعضًا جهارًا؛ فهذا غاية ما يكون من السخط.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، وما هي من الظالمين ببعيد، بعدئذٍ الجواب على: (﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ﴾ عن إنكارك علينا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ من بلادنا).
هذا الجواب القبيح ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن أيش؟ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ أبلغ من قوله: لنخرجنك؛ كأنهم يهددونه بما هو أعظم ترويعًا له؛ يعني أننا أخرجنا غيرك، وستكون أنت من جملة المخرَجِين؛ لأن لنا القدرة وسلطة على إخراجك.
وفي قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ تأكيد بالقسم واللام ونون التوكيد ﴿لَئِنْ﴾؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم.
﴿لَتَكُونَنَّ﴾ اللام واقعة في جواب القسم، والجواب الموجود هنا للقسم ولَّا للشرط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الآن السؤال هل هو للقسم ولَّا للشرط؟
* طلبة: للقسم.
* الشيخ: للقسم.
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــــوَابَ مــا أخَّــــــرْتَ فَهْــــوَمُلْـــتَزَمْ
(﴿قَالَ﴾ لهم لوط عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ المبغضين)، هذا فيه نوع من التحدي لهم؛ يعني إن أخرجتموني فأنا راضٍ بذلك، ولا يهمني إخراجي، لماذ؟ لأني لعملكم من القالين، والإنسان المبغض لعمل قوم هل يحب أن يبقى معهم؟ لا يحب أن يبقى معهم، فكأنه يقول: أنا لا يهمني إذا خرجت؛ لأنني لا أرغب في المقام معكم وأنتم على هذا العمل الخبيث الذي أبغضه، والإنسان أشد ما يكون عليه أن يبقى مع قوم يكرههم، يقول المتنبي:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى ∗∗∗ عَـــــــــــــدُوًّا لَهُ مَــا مِنْصَــــــدَاقَتِهِ بُـــدُّ
وهذا صحيح؛ أن تبقى مع قوم تكره أفعالهم هذا صعب على النفوس، فكأنه يقول: أنا أرغب هذا، ومستعد له، ولا أبالي بإخراجكم، وفي هذا دليل..
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...).
* وفيه دليل: على أنه يجب على كل مؤمن أن يبغض عملهم؛ عمل هؤلاء القوم؛ لأن الرسل يقلونه يبغضونه، وهذه هو فائدة الجمع، ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾؛ أي: المبغضين له، وإن كان هو ما فيه إلا قليل من الذين آمنوا معه ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]؛ يعني أنه ما آمن معه أحد إلا أهل بيته، ولا هم كلهم بعد، امرأته كانت من الكافرين.
﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ يقوله المؤلف: (من عذابه)، ولا شك أن هذا التأويل قاصر؛ لأن ﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من فعله، ومن عذابه أيضًا، ولا يمتنع أن يسأل الله تعالى أن ينجيه من هذا العمل، لا يمتنع ذلك أبدًا وإن كان الرسل لا يمكن أن يعملوه؛ لأن الصواب المقطوع به أنهم معصومون مما يُخِل بالشرف والكرامة، وعمل قوم لوط، هذا يخل بالشرف، لكنه هو دعا لنفسه وأهله ﴿نَجِّنِي وَأَهْلِي﴾ وأهله معصومون من ذلك؟ ليسوا معصومين، الصواب أنه سأل الله أن ينجيه من عملهم ومن عذابهم.
قال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾، الفاء للتفريع؛ يعني فتفريعًا على دعوته أجيب: نجيناه وأهله أجمعين.
(﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ امرأته ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين أهلكنا)؟
* طالب: (أهلكناها).
* الشيخ: (أهلكناها) اللي عندي أحسن، كأنه يريد إن (أهلكنا) مُسَلَّط على قوله: ﴿عَجُوزًا﴾ إلا عجوزًا أهلكنا؛ يعني إلا أن أهلكنا عجوزًا، واللي عندكم أيضًا لها معنى أوضح؛ لأنه إذا قال: الباقين أهلكنا قد يظن الظان أن المراد أهلك الباقين.
على كل حال استجاب الله دعوته فنجاه وأهله. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على أن الأهل كانوا عددًا كثيرًا، والصحيح أننا لا ندري كم عددهم، إنما أهله ولكن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على الكثرة؛ لأن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ هذه جمع، أدنى ما يُقال فيه ثلاثة، مع أن هذه الكلمة ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تدل على جماعة؛ جماعة مستكثرة.
وقوله: ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ شوف -والعياذ بالله- هذه المرأة عجوز كبيرة في السن، وكان الذي ينبغي لكبير السن أن يكون منيبًا إلى الله عز وجل؛ لأنه قريب من الموت، هو أقرب إلى الموت من الشاب، ولكن -والعياذ بالله- كفانا الله شر العجز، والشابات هي صارت خبيثة والعياذ بالله، كافرة بالله لكنها كاتمة لذلك؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة التحريم أيش؟ قال: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] ليست خيانة شهوة وزِنى، ولكن خيانة كفر؛ ولهذا قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] لم تشعراهما بكفر، فما علم بكفرهما.
* طالب: هي كانت مؤيدة لفعل القوم؟
* الشيخ: إي، هذا إقرار بالكفر، هي كافرة ومؤيدة أيضًا زيادة.
والإقرار (﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين)، الغابر يُطلَق على معانٍ، منها الباقي، ومنها الماضي أيضًا، فيكون فيه ما يُسمَّى بالأضداد؛ لأن اللغة فيها كلمات تصلح للشيء ولضده؛ تسمى الأضداد.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ بعد أن انتهينا لوطًا وأهله. ﴿دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾؛ لأنه بعد أن أمر أن يسير بأهله ليلًا ويخرج من البلدة إلا امرأته، دمر الله هذه البلدة؛ يعني فخرج، ثم دُمِّرت.
﴿الْآخَرِينَ﴾ المراد به مَنْ؟ قومه. قال المؤلف: (أهلكناهم).
(﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ حجارة. قال: من جملة الإهلاك)، من جملة الإهلاك أن الله سبحانه وتعالى أمطر عليهم مطرًا، والظاهر لي أن قوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ عطف تفسير على قوله: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا﴾؛ لأن هذا هو الذي دُمِّروا به، أن الله أمطر عليهم مطرًا، وما هو المطر؟ ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود ٨٢]: متتابع، مسومة عند الله.
يقول تعالى: (﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مطرهم) ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: مطر هؤلاء القوم وإنما قال: ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾؛ لبيان أنها قد قامت عليم الحجة ولم يمطروا بالعذاب إلا بعد أن أُعذِر منهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بهذه الحجارة؛ بالتدمير بالحجارة، وليس بالقلب، كذا؟
* طالب: في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بالحجارة.
* الشيخ: وليس بالقلْب، كما هو مشهور عند أهل العلم وكثير من المفسرين أن بلادهم حُمِلت إلى عنان السماء، ثم قُلِبَت، هذا ما في القرآن ما يدل عليه، ما في القرآن إلا: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤]، وجعل العالي هو السافل يكون بغير القلب، فإن هذه الحجارة إذا نزلت على المنازل وهدمتها صار العالي من المنازل صار سافلًا، ثم إنها إذا قُلِبت مثلًا وصار الناس في باطن الأرض فما قيمة الحجارة حينئذٍ؟ ما لها قيمة.
والمهم أنه ليس في الأمر عن النبي ﷺ ما يدل على أن أرضهم حُمِلت وقُلِبت، وما دام أنه ليس في الأمر ما يدل على ذلك فالأولى أن يقال: إنهم دُمِّروا بهذه الحجارة والإشكال الذي في قوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤] ينحل بقولنا: إنها إذا تهدمت البيوت صار العالي سافلًا، صار أعلاها سافلًا.
* ويستفاد من هذه القصة: أولًا: السعادة في توحيد الله، والأمر بتقواه إلى آخره، هذا سبق، والإخلاص في الدعوة لله سبحانه وتعالى، وأنه لا ينبغي للداعي أن يأخذ على دعوته أجرًا، كل هذا سبق، لكن يستفاد به أن من بني آدم من تُقلب طبيعته وفطرته حتى يستحسن الخبيث؛ لأن هؤلاء هذه حالهم.
* وفيه أيضًا: زيادة الإنكار فيما إذا كان للإنسان مندوحة عن الحرام؛ لقوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾.
* وفي الآية دليل: على جواز الاستمتاع بالزوجة استمتاعًا مطلقًا؛ لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ﴾.
* وفيه دليل: على أن من تجاوز الحلال إلى الحرام فهو عادٍ ظالم لنفسه ولغيره؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.
* وفيه دليل: على أن المعاندين للرسل إنما يلجؤون إلى قوتهم وسلطتهم لا إلى العقل والإقناع؛ لقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾، وقال ذلك قوم نوح: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء ١١٦]، لكن عذاب آخر، وكذلك أيضًا قاله فرعون، لمن؟ لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، وقاله آزر لابنه إبراهيم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم ٤٦]، كل هذا مما يدل على أن هؤلاء الذين يهددون بالسلطة لا بالإقناع والعقل، هؤلاء لا حُجَّة لهم.
* وفيه دليل: على أنه يجب على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله؛ لأن هذه طريقة الرسل؛ ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾.
* وفيه دليل: على أنه لا غنى لأحد عن دعاء الله ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾، وأما قول بعض العارفين الجاهلين: علمه بحالي يغني عن سؤالي، فهذا قول باطل، الله يعلم بحال كل أحد، ومع ذلك ما زالت الرسل وأتباعهم يدعون الله تبارك وتعالى.
* وفيه دليل: على وجود الرب سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿رَبِّ نَجِّنِي﴾ ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾، وهذا دليل حسي ظاهر.
* وفيه دليل: على إجابة الله للدعاء، وهذه الإجابة تتضمن عدة صفات؛ تتضمن العلم، والقدرة، والرحمة.
* وفيه دليل: على أن الله سبحانه وتعالى ينقد أهل الحق إهلاك الكافرين، ويهلك الكافرين ولو كانوا في أحضان أهل الحق؛ لأن الله أنجا لوطًا، وأهلك امرأته وهي في أحضانه، وهذا هو السر في قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] التعبير القرآني، المؤمنون نجوا ولَّا لا؟ لكن البيت المسلم ما نجا كله، المرأة التي كانت تتظاهر بالدِّين وهي مسلمة ظاهرًا، هذه ما نجت؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ﴾ منين؟ ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فالبيت هذا أهله مسلمون، لكن ليس كلهم مؤمنين، كان فيهم هذه المرأة العجوز، كانت كافرة، وليس في الآيه دليل كما يقول بعض الناس، ليس فيها دليل على أن الإيمان هو الإسلام؛ لأن فرق بين هذا وهذا.
* وفي الآية أيضًا دليل: على أن القرب من الأنبياء والأولياء لا يغني الإنسان شيئًا، منين نأخذه؟ من أن هذه زوجة نبي ومع ذلك هلكت مع من هلك، فكون الإنسان قريبًا من إنسان ولي لله لا يفيده شيئًا، أبو لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك ما نزل من القرآن في أحد معين من الكفار سوى أبي لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام، وما نزل القرآن في تسمية شخص بعينه من المسلمين إلا في زيد بن الحارث مولى من الموالي من أبعد ما يكون عن الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وبهذا يتبين أن القرب قرب النسب، وقرب المصاهرة وغيره لا يغني عن الإنسان شيئًا، وتأمل آية سورة التحريم، نزلت فيها قصة: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم ١٠] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ لأن عائشة وحفصة اللتين تظاهرا على النبي ﷺ قد يغترا بقربهما من الرسول ﷺ فيعملا ما عملاه، فبين الله سبحانه وتعالى أنه لا تنفعهما صلتهما بالنبي ﷺ.
* وفي هذا دليل: على أن عقوبة الله سبحانه وتعالى تتنوع حسب العمل؛ لأن هنا أُمطِروا مطرًا حتى هُدِّمت منازلهم وصار عاليها سافلها، ثم خُصف بها فيما بعد؛ ولذلك الآن هي بُحيرة اسمها الآن بحيرة لوط، معروفة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكنه بحر ميت؛ لأنه غير متصل بالبحار.
* طالب: (...) البحر الميت.
* الشيخ: ويكون أيضًا ماء يعيش فيه السمك والحوت في مثل ما يعيش فيه غيره، وفيه لكن مو مثل غيره؛ لأنهم (...) بحار عميقة، فلا يكون في ذلك شيء صغير وكبير.
* طالب: (...) عاد مثلًا؟
* الشيخ: إي، عاد ممكن على أساس أنه خصف به.
وفي هذا استدل بعض العلماء أخذًا من هذه القصة أن اللوطي يُقتل بأن يُرمى بالحجارة حتى يموت قياسًا على رمي الله تعالى على هؤلاء بالحجارة، والمسألة كما أشرنا إليه سابقًا فيها خلاف؛ من العلماء من قال: أن اللوطي لا يُتعرَّض له، ولا يقال له شيء؛ هذا قول. والقول الثاني: أنه يُعزَّر بالضرب والحبس وما أشبه ذلك.
والقول الثالث: أنه كالزاني، إن كان محصنًا رُجِم، وإن كان غير محصن جُلِد وغُرِّب.
والقول الرابع: أنه يقتل بكل حال سواء كان محصن أم غير محصن ولكن كيف يقتل؟ قيل: بالرجم، وقيل: بالسيف، وقيل: بالتحريق، وقيل: بإلقائه من شاهق وإتباعه الحجارة، وهذا الأخير القول الخامس، أظن أربعة، القول الرابع هو الذي اتفق عليه الصحابة أنه يُقتل.
أولًا: لا يتعرض له، أنه يُعزَّر، أن حده كحد الزاني، الرابع: أنه يقتل بكل حال، ثم اختلفوا في صفة القتل، وهذا القول هو الصحيح المتعيِّن؛ أنه يُقتل بكل حال فاعلًا كان أم مفعولًا به، إذا كان بالغًا عاقلًا؛ لأن هذا ليس كالزنى أشد وأعظم؛ ولأنه أمر لا يُمكن التحرز منه بخلاف الزنى، الزنى يمكن التحرز منه، لكن هذا لا يمكن فإنه لو أن خبيثًا أمسك بيد أمرد ما أحد يقوله، أيش الأمر هذا؟ وليش تمسك إيده، وما أشبه ذلك؟ فهو أمر لا يتحرز منه، يأتي في نوادي الرجال وغيرها، فهذا هو الصواب المقطوع به.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، أن الصحابة أجمعوا على قتله، أما من قال: إنه لا يتعرض له أيش حجته؟ قال: لأن هذا مما تنفر عنه الطباع، وما تنفر عنه الطباع يُكتفى بالرادع الطبيعي، كما قلنا: إن شارب البول لا يتعرض له، وشارب الخمر يُجلد؛ لأن الخمر تدعو النفس إليه، وهذا لا تدعو النفس إليه.
هذا قول باطل لا الأصل ولا الفرع، فإن قوله: (إنها لا تدعو النفوس إليه)، نقول: صحيح، النفوس السليمة لا شك لا تدعو إليه، وتستهجنه، وتستقبحه، لكن ألا يوجد هناك نفوس خبيثة؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: شهواه أكثر من النساء، شهواه -والعياذ بالله- أكثر من النساء، يهجرون نساءهم في فروجهن، ويذهبون إلى هذه الفعلة الفاحشة.
ثانيًا: قوله: إن البول لا يُعزَّر على شربه ويُكتفى بالرادع الطبيعي، هذا باطل أيضًا، بل يجب أن يُعزَّر على فعله، ومن رأيناه يشرب بولًا يجب أن نعزره؛ لأنه فعل محرمًا، والتعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ فالصواب أنه يُقتل بكل حال والله المستعان.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لا يعذب بالنار إلا الله سبحانه وتعالى[[أخرجه البخاري (٢٩٥٤) من حديث أبي هريرة.]]، لكن كأنهم رأوا لعِظَم هذا الفعل، وأن المقصود بالتعذيب بالنار في الأمور التي دون هذا وإلا فقد وقع ذلك في أبي بكر رضي الله عنه، ومن عبد الملك بن مروان؛ ثلاثة من الخلفاء كلهم اتفقوا عليه.
* طالب: الراجح؟
* الشيخ: الراجح الرجم.
* الطالب: قوله: (...).
* الشيخ: لا، ما فيه إلا كلام المؤرخين.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: حد لوطي؛ يعني الْمُحصَن يُرجم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، إحنا قلنا: إن حده القتل بكل حال؛ يعني لو يتلوَّط من له سبع عشرة سنة كمن له ست عشرة سنة قُتِلا جميعًا، وإن كان ما لهم زوجان لو ما تزوجوا.
* الطالب: رواية المذهب هذه.
* الشيخ: المذهب ضعيف في هذه المسألة.
* الطالب: (...) الرواية الثانية.
* الشيخ: وين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فيه قول ثانٍ اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ما أدري فيه رواية عن أحمد ولَّا قول..، يعني ما فيه وجه قوي للأصحاب هذا، وممن قال به شيخ الإسلام، لكن كونه رواية ما أدري.
* طالب: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [الحجر ٧١].
* الشيخ: إي، يعني أزوجكم إياهن.
* الطالب: (...).
* الشيخ: بعض المفسرين قال: بناتي؛ يعني بذلك بنات الأمة؛ لأن الرسول أب لقومه، فيكون لهم بمنزلة الأب.
* الطالب: وجيه هذا؟
* الشيخ: ما هو بوجيه لكن اللي دعاهم إلى هذا قالوا: إن بناته مسلمات مؤمنات، وهؤلاء كفار، والكافر لا يتزوج بالمؤمنة فيقال: الجواب على هذا إما أن شريعتهم تبيح ذلك، أو أن معنى ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ يعني فأسلموا وتزوجوهن ويكون المعنى مفهومًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: كم هم اللي جايين؟ ما يخالف، كم اللي جايين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يقينه جاي الناس.
* الطالب: جاي الناس.
* الشيخ: لأنهم ذهبوا يبشر بعضهم بعضًا بهؤلاء القوم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، المهم..
* الطالب: جاء أهل المدينة (...).
* الشيخ: إي نعم، ما يخالف لكن ما هو بالمعنى أنه بيقسم بناته على كل المدينة قطعًا، لكن المعنى أني أزوجكم بناتي وإن لم يتزوج منكم عدد يقابل بناتي فالباقي يخدوا من النساء (...).
ثم إن هذا بالحقيقة كأنه يقول: أنا أحافظ على ضيوفي أكثر مما أحافظ على أي شيء آخر؛ يعني فإني أبغي أحميهم حتى إني أتنازل عن بناتي أزوجهن من أجل المحافظة على هؤلاء الضيوف؟
* طالب: دليل من قال بإلقاء (...)؟
* الشيخ: بناءً على أن القرى هذه يعني رُفِعت، ثم قُلِبَت.
الشعراء 26:169
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦٠، ١٦١].
قوم لوط هؤلاء في قرية يقال لها: سدوم من أرض فلسطين، ولوط كما هو يقول المؤرخون: ابن أخي إبراهيم، فيكون إبراهيم عمه، أرسله الله تعالى إلى أهل هذه القرية، وكانوا مع كفرهم بالله سبحانه وتعالى يعملون عملًا فاحشًا يعتبر من أخبث الأعمال والعياذ بالله، وقد سماه الله تعالى خبيثًا في قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء ٧٤] فهو (...)؛ لأنه قبيح عقلًا وفطرة وشرعًا، هذا العمل الذي يعملونه هو أنهم يأتون الذكران والعياذ بالله كما يأتون النسوة.
وهنا يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦١ - ١٦٤]، هذه كلها سبق الكلام عليها.
وكل الرسول يُرسَلون أولًا بتحقيق التوحيد ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل ٣٦].
هذا الأصل كل الرسل يُرسلون به، لكن هناك أنواع معينة من المعاصي يرتكبها بعض الأمم، يُركِّز عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام ففيما سبق بل فيما ذُكِر الآن في قوم لوط كان جرمهم الخاص هو هذه الفاحشة؛ ولهذا قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، الاستفهام هذا للتوبيخ والإنكار.
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ أي: الذكور، جمع (ذَكَر).
﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ بيان للذُّكْران؛ أي: من (الناس) سواء كانوا من قبيلتكم، أو من غير قبيلتكم؛ ولهذا لم يقل: أتأتون الذكران منكم بل قال: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلى أنهم -والعياذ بالله- لا يتحاشون عن أحد فهم مثل الكلاب، ثم مع ذلك زيادة على خبثهم أنهم تركوا النعمة التي خلقها الله لهم ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾.
فلو كنتم تأتون الذكران من العالمين؛ لأنكم مضطرون لذلك وليس لكم من الحلال ما يغنيكم لكان الأمر أهون، لكن لكم من الحلال من يُغنيكم فكيف تأتون الخبائث وتذرون الطيبات؟ ولهذا قال: ﴿وَتَذَرُونَ﴾ هي داخلة في مضمون الاستفهام؛ يعني وأتذرون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ (تَذَرُونَ) بمعنى: تتركون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾؛ أي: (أقبالهن) تفسير لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾؛ يعني تأتون الذي خُلِق لكم من الأزواج وهو القُبُل، هذا ما ذهب إليه المؤلف، والصواب خلاف هذا؛ الصواب أن ﴿مِنْ﴾ بيان لـ﴿مَا﴾؛ أي: ما خلق لكم ربكم من الأزواج؛ يعني: وتذرون الأزواج، هذا المعنى، ما هو بأقبالهن، تذرون الأزواج أي: ما خلق الله لكم من الأزواج.
وفرق بين ما ذكرت وبين ما ذهب إليه المؤلف؛ يعني كأنه يقول: تذرون فروج النساء، ولكن لو قال: أتأتون أدبار الذكور لكان نعم، وتذرون فروج النساء ولَّا لا؟ لكن لما قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ يكون المناسب: وتدعون النساء لكن قال: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ دون قوله: أزواجكم؛ إشارة إلى أن الله تعالى هيأ هذه الزوجة للذَّكَر يتمتع بها كما يشاء إلا فيما حرم الله من الدبر مثلًا؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٥، ٦]، وهذا يدل إباحة الاستمتاع للرجل بامرأته إباحة مطلقة بلا حدود، ما عدا أمرين؛ الدبر والفرْج في الحيض، وما سوى ذلك فكل شيء مُباح، هذا يزيد الأمر قبحًا إلى قُبحه حيث يدعون الطَّيِّب ويأتون الخبيث.
وفي قوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ﴾ الفائدة المعنوية اللي أشرنا إليها وهي زيادة القبح، والثانية: اللفظية ما هي؟ الطباق لِذِكْر الأمر ومقابله، المعنى ومقابله (تأتون وتذرون).
وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ اللام للإباحة أو للتعليل؛ أي: خلق لأجلكم ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ أباح لكم.
وقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى هو المتصرف فيه، الذي (...).
* الطالب: المعية، معناها..
* الشيخ: اللام في ﴿لَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ﴿بَلْ﴾ للإضراب ولكن ما هو الإضراب الذي حصل؟ يعني ما هو الْمُضْرَب عنه؟ كأنه قال: لا تأتون الذكران فطرةً ولا عملًا عاديًّا محبوبًا إلى الفِطَر، ولكن الذي حملكم على هذا هو العدوان المجرد والعياذ بالله، متجاوزين الحلال إلى الحرام، بيَّن لهم لوط عليه السلام أن ما فعلوه أمر مستنكر عقلًا، ومستنكر شرعًا وعرفًا؛ لأن العدوان لا شك أن كل أحد ينكره، وهؤلاء معتدون.
ومن الغريب أن الفاعل منهم اليوم قد كان مفعولًا به بالأمس، والمفعول به اليوم يكون فاعلًا في المستقبل، وهذا غاية ما يكون من العدوان، وسبحان الله كيف أن هؤلاء الجماعة -نسأل الله السلامة- يرى الإنسان ولده أو أخاه الصغير تُفعل فيه الفاحشة ولا يبالي بهذا؟! والظاهر أنهم يفعلونها جهرًا؛ لقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت ٢٩]، فهم لا يبالون والعياذ بالله أن يركب بعضهم بعضًا جهارًا؛ فهذا غاية ما يكون من السخط.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، وما هي من الظالمين ببعيد، بعدئذٍ الجواب على: (﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ﴾ عن إنكارك علينا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ من بلادنا).
هذا الجواب القبيح ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن أيش؟ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ أبلغ من قوله: لنخرجنك؛ كأنهم يهددونه بما هو أعظم ترويعًا له؛ يعني أننا أخرجنا غيرك، وستكون أنت من جملة المخرَجِين؛ لأن لنا القدرة وسلطة على إخراجك.
وفي قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ تأكيد بالقسم واللام ونون التوكيد ﴿لَئِنْ﴾؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم.
﴿لَتَكُونَنَّ﴾ اللام واقعة في جواب القسم، والجواب الموجود هنا للقسم ولَّا للشرط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الآن السؤال هل هو للقسم ولَّا للشرط؟
* طلبة: للقسم.
* الشيخ: للقسم.
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــــوَابَ مــا أخَّــــــرْتَ فَهْــــوَمُلْـــتَزَمْ
(﴿قَالَ﴾ لهم لوط عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ المبغضين)، هذا فيه نوع من التحدي لهم؛ يعني إن أخرجتموني فأنا راضٍ بذلك، ولا يهمني إخراجي، لماذ؟ لأني لعملكم من القالين، والإنسان المبغض لعمل قوم هل يحب أن يبقى معهم؟ لا يحب أن يبقى معهم، فكأنه يقول: أنا لا يهمني إذا خرجت؛ لأنني لا أرغب في المقام معكم وأنتم على هذا العمل الخبيث الذي أبغضه، والإنسان أشد ما يكون عليه أن يبقى مع قوم يكرههم، يقول المتنبي:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى ∗∗∗ عَـــــــــــــدُوًّا لَهُ مَــا مِنْصَــــــدَاقَتِهِ بُـــدُّ
وهذا صحيح؛ أن تبقى مع قوم تكره أفعالهم هذا صعب على النفوس، فكأنه يقول: أنا أرغب هذا، ومستعد له، ولا أبالي بإخراجكم، وفي هذا دليل..
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...).
* وفيه دليل: على أنه يجب على كل مؤمن أن يبغض عملهم؛ عمل هؤلاء القوم؛ لأن الرسل يقلونه يبغضونه، وهذه هو فائدة الجمع، ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾؛ أي: المبغضين له، وإن كان هو ما فيه إلا قليل من الذين آمنوا معه ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]؛ يعني أنه ما آمن معه أحد إلا أهل بيته، ولا هم كلهم بعد، امرأته كانت من الكافرين.
﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ يقوله المؤلف: (من عذابه)، ولا شك أن هذا التأويل قاصر؛ لأن ﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من فعله، ومن عذابه أيضًا، ولا يمتنع أن يسأل الله تعالى أن ينجيه من هذا العمل، لا يمتنع ذلك أبدًا وإن كان الرسل لا يمكن أن يعملوه؛ لأن الصواب المقطوع به أنهم معصومون مما يُخِل بالشرف والكرامة، وعمل قوم لوط، هذا يخل بالشرف، لكنه هو دعا لنفسه وأهله ﴿نَجِّنِي وَأَهْلِي﴾ وأهله معصومون من ذلك؟ ليسوا معصومين، الصواب أنه سأل الله أن ينجيه من عملهم ومن عذابهم.
قال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾، الفاء للتفريع؛ يعني فتفريعًا على دعوته أجيب: نجيناه وأهله أجمعين.
(﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ امرأته ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين أهلكنا)؟
* طالب: (أهلكناها).
* الشيخ: (أهلكناها) اللي عندي أحسن، كأنه يريد إن (أهلكنا) مُسَلَّط على قوله: ﴿عَجُوزًا﴾ إلا عجوزًا أهلكنا؛ يعني إلا أن أهلكنا عجوزًا، واللي عندكم أيضًا لها معنى أوضح؛ لأنه إذا قال: الباقين أهلكنا قد يظن الظان أن المراد أهلك الباقين.
على كل حال استجاب الله دعوته فنجاه وأهله. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على أن الأهل كانوا عددًا كثيرًا، والصحيح أننا لا ندري كم عددهم، إنما أهله ولكن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على الكثرة؛ لأن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ هذه جمع، أدنى ما يُقال فيه ثلاثة، مع أن هذه الكلمة ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تدل على جماعة؛ جماعة مستكثرة.
وقوله: ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ شوف -والعياذ بالله- هذه المرأة عجوز كبيرة في السن، وكان الذي ينبغي لكبير السن أن يكون منيبًا إلى الله عز وجل؛ لأنه قريب من الموت، هو أقرب إلى الموت من الشاب، ولكن -والعياذ بالله- كفانا الله شر العجز، والشابات هي صارت خبيثة والعياذ بالله، كافرة بالله لكنها كاتمة لذلك؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة التحريم أيش؟ قال: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] ليست خيانة شهوة وزِنى، ولكن خيانة كفر؛ ولهذا قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] لم تشعراهما بكفر، فما علم بكفرهما.
* طالب: هي كانت مؤيدة لفعل القوم؟
* الشيخ: إي، هذا إقرار بالكفر، هي كافرة ومؤيدة أيضًا زيادة.
والإقرار (﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين)، الغابر يُطلَق على معانٍ، منها الباقي، ومنها الماضي أيضًا، فيكون فيه ما يُسمَّى بالأضداد؛ لأن اللغة فيها كلمات تصلح للشيء ولضده؛ تسمى الأضداد.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ بعد أن انتهينا لوطًا وأهله. ﴿دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾؛ لأنه بعد أن أمر أن يسير بأهله ليلًا ويخرج من البلدة إلا امرأته، دمر الله هذه البلدة؛ يعني فخرج، ثم دُمِّرت.
﴿الْآخَرِينَ﴾ المراد به مَنْ؟ قومه. قال المؤلف: (أهلكناهم).
(﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ حجارة. قال: من جملة الإهلاك)، من جملة الإهلاك أن الله سبحانه وتعالى أمطر عليهم مطرًا، والظاهر لي أن قوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ عطف تفسير على قوله: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا﴾؛ لأن هذا هو الذي دُمِّروا به، أن الله أمطر عليهم مطرًا، وما هو المطر؟ ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود ٨٢]: متتابع، مسومة عند الله.
يقول تعالى: (﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مطرهم) ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: مطر هؤلاء القوم وإنما قال: ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾؛ لبيان أنها قد قامت عليم الحجة ولم يمطروا بالعذاب إلا بعد أن أُعذِر منهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بهذه الحجارة؛ بالتدمير بالحجارة، وليس بالقلب، كذا؟
* طالب: في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بالحجارة.
* الشيخ: وليس بالقلْب، كما هو مشهور عند أهل العلم وكثير من المفسرين أن بلادهم حُمِلت إلى عنان السماء، ثم قُلِبَت، هذا ما في القرآن ما يدل عليه، ما في القرآن إلا: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤]، وجعل العالي هو السافل يكون بغير القلب، فإن هذه الحجارة إذا نزلت على المنازل وهدمتها صار العالي من المنازل صار سافلًا، ثم إنها إذا قُلِبت مثلًا وصار الناس في باطن الأرض فما قيمة الحجارة حينئذٍ؟ ما لها قيمة.
والمهم أنه ليس في الأمر عن النبي ﷺ ما يدل على أن أرضهم حُمِلت وقُلِبت، وما دام أنه ليس في الأمر ما يدل على ذلك فالأولى أن يقال: إنهم دُمِّروا بهذه الحجارة والإشكال الذي في قوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤] ينحل بقولنا: إنها إذا تهدمت البيوت صار العالي سافلًا، صار أعلاها سافلًا.
* ويستفاد من هذه القصة: أولًا: السعادة في توحيد الله، والأمر بتقواه إلى آخره، هذا سبق، والإخلاص في الدعوة لله سبحانه وتعالى، وأنه لا ينبغي للداعي أن يأخذ على دعوته أجرًا، كل هذا سبق، لكن يستفاد به أن من بني آدم من تُقلب طبيعته وفطرته حتى يستحسن الخبيث؛ لأن هؤلاء هذه حالهم.
* وفيه أيضًا: زيادة الإنكار فيما إذا كان للإنسان مندوحة عن الحرام؛ لقوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾.
* وفي الآية دليل: على جواز الاستمتاع بالزوجة استمتاعًا مطلقًا؛ لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ﴾.
* وفيه دليل: على أن من تجاوز الحلال إلى الحرام فهو عادٍ ظالم لنفسه ولغيره؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.
* وفيه دليل: على أن المعاندين للرسل إنما يلجؤون إلى قوتهم وسلطتهم لا إلى العقل والإقناع؛ لقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾، وقال ذلك قوم نوح: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء ١١٦]، لكن عذاب آخر، وكذلك أيضًا قاله فرعون، لمن؟ لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، وقاله آزر لابنه إبراهيم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم ٤٦]، كل هذا مما يدل على أن هؤلاء الذين يهددون بالسلطة لا بالإقناع والعقل، هؤلاء لا حُجَّة لهم.
* وفيه دليل: على أنه يجب على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله؛ لأن هذه طريقة الرسل؛ ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾.
* وفيه دليل: على أنه لا غنى لأحد عن دعاء الله ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾، وأما قول بعض العارفين الجاهلين: علمه بحالي يغني عن سؤالي، فهذا قول باطل، الله يعلم بحال كل أحد، ومع ذلك ما زالت الرسل وأتباعهم يدعون الله تبارك وتعالى.
* وفيه دليل: على وجود الرب سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿رَبِّ نَجِّنِي﴾ ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾، وهذا دليل حسي ظاهر.
* وفيه دليل: على إجابة الله للدعاء، وهذه الإجابة تتضمن عدة صفات؛ تتضمن العلم، والقدرة، والرحمة.
* وفيه دليل: على أن الله سبحانه وتعالى ينقد أهل الحق إهلاك الكافرين، ويهلك الكافرين ولو كانوا في أحضان أهل الحق؛ لأن الله أنجا لوطًا، وأهلك امرأته وهي في أحضانه، وهذا هو السر في قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] التعبير القرآني، المؤمنون نجوا ولَّا لا؟ لكن البيت المسلم ما نجا كله، المرأة التي كانت تتظاهر بالدِّين وهي مسلمة ظاهرًا، هذه ما نجت؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ﴾ منين؟ ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فالبيت هذا أهله مسلمون، لكن ليس كلهم مؤمنين، كان فيهم هذه المرأة العجوز، كانت كافرة، وليس في الآيه دليل كما يقول بعض الناس، ليس فيها دليل على أن الإيمان هو الإسلام؛ لأن فرق بين هذا وهذا.
* وفي الآية أيضًا دليل: على أن القرب من الأنبياء والأولياء لا يغني الإنسان شيئًا، منين نأخذه؟ من أن هذه زوجة نبي ومع ذلك هلكت مع من هلك، فكون الإنسان قريبًا من إنسان ولي لله لا يفيده شيئًا، أبو لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك ما نزل من القرآن في أحد معين من الكفار سوى أبي لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام، وما نزل القرآن في تسمية شخص بعينه من المسلمين إلا في زيد بن الحارث مولى من الموالي من أبعد ما يكون عن الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وبهذا يتبين أن القرب قرب النسب، وقرب المصاهرة وغيره لا يغني عن الإنسان شيئًا، وتأمل آية سورة التحريم، نزلت فيها قصة: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم ١٠] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ لأن عائشة وحفصة اللتين تظاهرا على النبي ﷺ قد يغترا بقربهما من الرسول ﷺ فيعملا ما عملاه، فبين الله سبحانه وتعالى أنه لا تنفعهما صلتهما بالنبي ﷺ.
* وفي هذا دليل: على أن عقوبة الله سبحانه وتعالى تتنوع حسب العمل؛ لأن هنا أُمطِروا مطرًا حتى هُدِّمت منازلهم وصار عاليها سافلها، ثم خُصف بها فيما بعد؛ ولذلك الآن هي بُحيرة اسمها الآن بحيرة لوط، معروفة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكنه بحر ميت؛ لأنه غير متصل بالبحار.
* طالب: (...) البحر الميت.
* الشيخ: ويكون أيضًا ماء يعيش فيه السمك والحوت في مثل ما يعيش فيه غيره، وفيه لكن مو مثل غيره؛ لأنهم (...) بحار عميقة، فلا يكون في ذلك شيء صغير وكبير.
* طالب: (...) عاد مثلًا؟
* الشيخ: إي، عاد ممكن على أساس أنه خصف به.
وفي هذا استدل بعض العلماء أخذًا من هذه القصة أن اللوطي يُقتل بأن يُرمى بالحجارة حتى يموت قياسًا على رمي الله تعالى على هؤلاء بالحجارة، والمسألة كما أشرنا إليه سابقًا فيها خلاف؛ من العلماء من قال: أن اللوطي لا يُتعرَّض له، ولا يقال له شيء؛ هذا قول. والقول الثاني: أنه يُعزَّر بالضرب والحبس وما أشبه ذلك.
والقول الثالث: أنه كالزاني، إن كان محصنًا رُجِم، وإن كان غير محصن جُلِد وغُرِّب.
والقول الرابع: أنه يقتل بكل حال سواء كان محصن أم غير محصن ولكن كيف يقتل؟ قيل: بالرجم، وقيل: بالسيف، وقيل: بالتحريق، وقيل: بإلقائه من شاهق وإتباعه الحجارة، وهذا الأخير القول الخامس، أظن أربعة، القول الرابع هو الذي اتفق عليه الصحابة أنه يُقتل.
أولًا: لا يتعرض له، أنه يُعزَّر، أن حده كحد الزاني، الرابع: أنه يقتل بكل حال، ثم اختلفوا في صفة القتل، وهذا القول هو الصحيح المتعيِّن؛ أنه يُقتل بكل حال فاعلًا كان أم مفعولًا به، إذا كان بالغًا عاقلًا؛ لأن هذا ليس كالزنى أشد وأعظم؛ ولأنه أمر لا يُمكن التحرز منه بخلاف الزنى، الزنى يمكن التحرز منه، لكن هذا لا يمكن فإنه لو أن خبيثًا أمسك بيد أمرد ما أحد يقوله، أيش الأمر هذا؟ وليش تمسك إيده، وما أشبه ذلك؟ فهو أمر لا يتحرز منه، يأتي في نوادي الرجال وغيرها، فهذا هو الصواب المقطوع به.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، أن الصحابة أجمعوا على قتله، أما من قال: إنه لا يتعرض له أيش حجته؟ قال: لأن هذا مما تنفر عنه الطباع، وما تنفر عنه الطباع يُكتفى بالرادع الطبيعي، كما قلنا: إن شارب البول لا يتعرض له، وشارب الخمر يُجلد؛ لأن الخمر تدعو النفس إليه، وهذا لا تدعو النفس إليه.
هذا قول باطل لا الأصل ولا الفرع، فإن قوله: (إنها لا تدعو النفوس إليه)، نقول: صحيح، النفوس السليمة لا شك لا تدعو إليه، وتستهجنه، وتستقبحه، لكن ألا يوجد هناك نفوس خبيثة؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: شهواه أكثر من النساء، شهواه -والعياذ بالله- أكثر من النساء، يهجرون نساءهم في فروجهن، ويذهبون إلى هذه الفعلة الفاحشة.
ثانيًا: قوله: إن البول لا يُعزَّر على شربه ويُكتفى بالرادع الطبيعي، هذا باطل أيضًا، بل يجب أن يُعزَّر على فعله، ومن رأيناه يشرب بولًا يجب أن نعزره؛ لأنه فعل محرمًا، والتعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ فالصواب أنه يُقتل بكل حال والله المستعان.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لا يعذب بالنار إلا الله سبحانه وتعالى[[أخرجه البخاري (٢٩٥٤) من حديث أبي هريرة.]]، لكن كأنهم رأوا لعِظَم هذا الفعل، وأن المقصود بالتعذيب بالنار في الأمور التي دون هذا وإلا فقد وقع ذلك في أبي بكر رضي الله عنه، ومن عبد الملك بن مروان؛ ثلاثة من الخلفاء كلهم اتفقوا عليه.
* طالب: الراجح؟
* الشيخ: الراجح الرجم.
* الطالب: قوله: (...).
* الشيخ: لا، ما فيه إلا كلام المؤرخين.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: حد لوطي؛ يعني الْمُحصَن يُرجم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، إحنا قلنا: إن حده القتل بكل حال؛ يعني لو يتلوَّط من له سبع عشرة سنة كمن له ست عشرة سنة قُتِلا جميعًا، وإن كان ما لهم زوجان لو ما تزوجوا.
* الطالب: رواية المذهب هذه.
* الشيخ: المذهب ضعيف في هذه المسألة.
* الطالب: (...) الرواية الثانية.
* الشيخ: وين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فيه قول ثانٍ اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ما أدري فيه رواية عن أحمد ولَّا قول..، يعني ما فيه وجه قوي للأصحاب هذا، وممن قال به شيخ الإسلام، لكن كونه رواية ما أدري.
* طالب: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [الحجر ٧١].
* الشيخ: إي، يعني أزوجكم إياهن.
* الطالب: (...).
* الشيخ: بعض المفسرين قال: بناتي؛ يعني بذلك بنات الأمة؛ لأن الرسول أب لقومه، فيكون لهم بمنزلة الأب.
* الطالب: وجيه هذا؟
* الشيخ: ما هو بوجيه لكن اللي دعاهم إلى هذا قالوا: إن بناته مسلمات مؤمنات، وهؤلاء كفار، والكافر لا يتزوج بالمؤمنة فيقال: الجواب على هذا إما أن شريعتهم تبيح ذلك، أو أن معنى ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ يعني فأسلموا وتزوجوهن ويكون المعنى مفهومًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: كم هم اللي جايين؟ ما يخالف، كم اللي جايين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يقينه جاي الناس.
* الطالب: جاي الناس.
* الشيخ: لأنهم ذهبوا يبشر بعضهم بعضًا بهؤلاء القوم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، المهم..
* الطالب: جاء أهل المدينة (...).
* الشيخ: إي نعم، ما يخالف لكن ما هو بالمعنى أنه بيقسم بناته على كل المدينة قطعًا، لكن المعنى أني أزوجكم بناتي وإن لم يتزوج منكم عدد يقابل بناتي فالباقي يخدوا من النساء (...).
ثم إن هذا بالحقيقة كأنه يقول: أنا أحافظ على ضيوفي أكثر مما أحافظ على أي شيء آخر؛ يعني فإني أبغي أحميهم حتى إني أتنازل عن بناتي أزوجهن من أجل المحافظة على هؤلاء الضيوف؟
* طالب: دليل من قال بإلقاء (...)؟
* الشيخ: بناءً على أن القرى هذه يعني رُفِعت، ثم قُلِبَت.
الشعراء 26:170
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦٠، ١٦١].
قوم لوط هؤلاء في قرية يقال لها: سدوم من أرض فلسطين، ولوط كما هو يقول المؤرخون: ابن أخي إبراهيم، فيكون إبراهيم عمه، أرسله الله تعالى إلى أهل هذه القرية، وكانوا مع كفرهم بالله سبحانه وتعالى يعملون عملًا فاحشًا يعتبر من أخبث الأعمال والعياذ بالله، وقد سماه الله تعالى خبيثًا في قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء ٧٤] فهو (...)؛ لأنه قبيح عقلًا وفطرة وشرعًا، هذا العمل الذي يعملونه هو أنهم يأتون الذكران والعياذ بالله كما يأتون النسوة.
وهنا يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦١ - ١٦٤]، هذه كلها سبق الكلام عليها.
وكل الرسول يُرسَلون أولًا بتحقيق التوحيد ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل ٣٦].
هذا الأصل كل الرسل يُرسلون به، لكن هناك أنواع معينة من المعاصي يرتكبها بعض الأمم، يُركِّز عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام ففيما سبق بل فيما ذُكِر الآن في قوم لوط كان جرمهم الخاص هو هذه الفاحشة؛ ولهذا قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، الاستفهام هذا للتوبيخ والإنكار.
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ أي: الذكور، جمع (ذَكَر).
﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ بيان للذُّكْران؛ أي: من (الناس) سواء كانوا من قبيلتكم، أو من غير قبيلتكم؛ ولهذا لم يقل: أتأتون الذكران منكم بل قال: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلى أنهم -والعياذ بالله- لا يتحاشون عن أحد فهم مثل الكلاب، ثم مع ذلك زيادة على خبثهم أنهم تركوا النعمة التي خلقها الله لهم ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾.
فلو كنتم تأتون الذكران من العالمين؛ لأنكم مضطرون لذلك وليس لكم من الحلال ما يغنيكم لكان الأمر أهون، لكن لكم من الحلال من يُغنيكم فكيف تأتون الخبائث وتذرون الطيبات؟ ولهذا قال: ﴿وَتَذَرُونَ﴾ هي داخلة في مضمون الاستفهام؛ يعني وأتذرون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ (تَذَرُونَ) بمعنى: تتركون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾؛ أي: (أقبالهن) تفسير لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾؛ يعني تأتون الذي خُلِق لكم من الأزواج وهو القُبُل، هذا ما ذهب إليه المؤلف، والصواب خلاف هذا؛ الصواب أن ﴿مِنْ﴾ بيان لـ﴿مَا﴾؛ أي: ما خلق لكم ربكم من الأزواج؛ يعني: وتذرون الأزواج، هذا المعنى، ما هو بأقبالهن، تذرون الأزواج أي: ما خلق الله لكم من الأزواج.
وفرق بين ما ذكرت وبين ما ذهب إليه المؤلف؛ يعني كأنه يقول: تذرون فروج النساء، ولكن لو قال: أتأتون أدبار الذكور لكان نعم، وتذرون فروج النساء ولَّا لا؟ لكن لما قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ يكون المناسب: وتدعون النساء لكن قال: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ دون قوله: أزواجكم؛ إشارة إلى أن الله تعالى هيأ هذه الزوجة للذَّكَر يتمتع بها كما يشاء إلا فيما حرم الله من الدبر مثلًا؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٥، ٦]، وهذا يدل إباحة الاستمتاع للرجل بامرأته إباحة مطلقة بلا حدود، ما عدا أمرين؛ الدبر والفرْج في الحيض، وما سوى ذلك فكل شيء مُباح، هذا يزيد الأمر قبحًا إلى قُبحه حيث يدعون الطَّيِّب ويأتون الخبيث.
وفي قوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ﴾ الفائدة المعنوية اللي أشرنا إليها وهي زيادة القبح، والثانية: اللفظية ما هي؟ الطباق لِذِكْر الأمر ومقابله، المعنى ومقابله (تأتون وتذرون).
وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ اللام للإباحة أو للتعليل؛ أي: خلق لأجلكم ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ أباح لكم.
وقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى هو المتصرف فيه، الذي (...).
* الطالب: المعية، معناها..
* الشيخ: اللام في ﴿لَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ﴿بَلْ﴾ للإضراب ولكن ما هو الإضراب الذي حصل؟ يعني ما هو الْمُضْرَب عنه؟ كأنه قال: لا تأتون الذكران فطرةً ولا عملًا عاديًّا محبوبًا إلى الفِطَر، ولكن الذي حملكم على هذا هو العدوان المجرد والعياذ بالله، متجاوزين الحلال إلى الحرام، بيَّن لهم لوط عليه السلام أن ما فعلوه أمر مستنكر عقلًا، ومستنكر شرعًا وعرفًا؛ لأن العدوان لا شك أن كل أحد ينكره، وهؤلاء معتدون.
ومن الغريب أن الفاعل منهم اليوم قد كان مفعولًا به بالأمس، والمفعول به اليوم يكون فاعلًا في المستقبل، وهذا غاية ما يكون من العدوان، وسبحان الله كيف أن هؤلاء الجماعة -نسأل الله السلامة- يرى الإنسان ولده أو أخاه الصغير تُفعل فيه الفاحشة ولا يبالي بهذا؟! والظاهر أنهم يفعلونها جهرًا؛ لقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت ٢٩]، فهم لا يبالون والعياذ بالله أن يركب بعضهم بعضًا جهارًا؛ فهذا غاية ما يكون من السخط.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، وما هي من الظالمين ببعيد، بعدئذٍ الجواب على: (﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ﴾ عن إنكارك علينا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ من بلادنا).
هذا الجواب القبيح ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن أيش؟ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ أبلغ من قوله: لنخرجنك؛ كأنهم يهددونه بما هو أعظم ترويعًا له؛ يعني أننا أخرجنا غيرك، وستكون أنت من جملة المخرَجِين؛ لأن لنا القدرة وسلطة على إخراجك.
وفي قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ تأكيد بالقسم واللام ونون التوكيد ﴿لَئِنْ﴾؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم.
﴿لَتَكُونَنَّ﴾ اللام واقعة في جواب القسم، والجواب الموجود هنا للقسم ولَّا للشرط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الآن السؤال هل هو للقسم ولَّا للشرط؟
* طلبة: للقسم.
* الشيخ: للقسم.
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــــوَابَ مــا أخَّــــــرْتَ فَهْــــوَمُلْـــتَزَمْ
(﴿قَالَ﴾ لهم لوط عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ المبغضين)، هذا فيه نوع من التحدي لهم؛ يعني إن أخرجتموني فأنا راضٍ بذلك، ولا يهمني إخراجي، لماذ؟ لأني لعملكم من القالين، والإنسان المبغض لعمل قوم هل يحب أن يبقى معهم؟ لا يحب أن يبقى معهم، فكأنه يقول: أنا لا يهمني إذا خرجت؛ لأنني لا أرغب في المقام معكم وأنتم على هذا العمل الخبيث الذي أبغضه، والإنسان أشد ما يكون عليه أن يبقى مع قوم يكرههم، يقول المتنبي:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى ∗∗∗ عَـــــــــــــدُوًّا لَهُ مَــا مِنْصَــــــدَاقَتِهِ بُـــدُّ
وهذا صحيح؛ أن تبقى مع قوم تكره أفعالهم هذا صعب على النفوس، فكأنه يقول: أنا أرغب هذا، ومستعد له، ولا أبالي بإخراجكم، وفي هذا دليل..
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...).
* وفيه دليل: على أنه يجب على كل مؤمن أن يبغض عملهم؛ عمل هؤلاء القوم؛ لأن الرسل يقلونه يبغضونه، وهذه هو فائدة الجمع، ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾؛ أي: المبغضين له، وإن كان هو ما فيه إلا قليل من الذين آمنوا معه ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]؛ يعني أنه ما آمن معه أحد إلا أهل بيته، ولا هم كلهم بعد، امرأته كانت من الكافرين.
﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ يقوله المؤلف: (من عذابه)، ولا شك أن هذا التأويل قاصر؛ لأن ﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من فعله، ومن عذابه أيضًا، ولا يمتنع أن يسأل الله تعالى أن ينجيه من هذا العمل، لا يمتنع ذلك أبدًا وإن كان الرسل لا يمكن أن يعملوه؛ لأن الصواب المقطوع به أنهم معصومون مما يُخِل بالشرف والكرامة، وعمل قوم لوط، هذا يخل بالشرف، لكنه هو دعا لنفسه وأهله ﴿نَجِّنِي وَأَهْلِي﴾ وأهله معصومون من ذلك؟ ليسوا معصومين، الصواب أنه سأل الله أن ينجيه من عملهم ومن عذابهم.
قال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾، الفاء للتفريع؛ يعني فتفريعًا على دعوته أجيب: نجيناه وأهله أجمعين.
(﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ امرأته ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين أهلكنا)؟
* طالب: (أهلكناها).
* الشيخ: (أهلكناها) اللي عندي أحسن، كأنه يريد إن (أهلكنا) مُسَلَّط على قوله: ﴿عَجُوزًا﴾ إلا عجوزًا أهلكنا؛ يعني إلا أن أهلكنا عجوزًا، واللي عندكم أيضًا لها معنى أوضح؛ لأنه إذا قال: الباقين أهلكنا قد يظن الظان أن المراد أهلك الباقين.
على كل حال استجاب الله دعوته فنجاه وأهله. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على أن الأهل كانوا عددًا كثيرًا، والصحيح أننا لا ندري كم عددهم، إنما أهله ولكن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على الكثرة؛ لأن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ هذه جمع، أدنى ما يُقال فيه ثلاثة، مع أن هذه الكلمة ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تدل على جماعة؛ جماعة مستكثرة.
وقوله: ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ شوف -والعياذ بالله- هذه المرأة عجوز كبيرة في السن، وكان الذي ينبغي لكبير السن أن يكون منيبًا إلى الله عز وجل؛ لأنه قريب من الموت، هو أقرب إلى الموت من الشاب، ولكن -والعياذ بالله- كفانا الله شر العجز، والشابات هي صارت خبيثة والعياذ بالله، كافرة بالله لكنها كاتمة لذلك؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة التحريم أيش؟ قال: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] ليست خيانة شهوة وزِنى، ولكن خيانة كفر؛ ولهذا قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] لم تشعراهما بكفر، فما علم بكفرهما.
* طالب: هي كانت مؤيدة لفعل القوم؟
* الشيخ: إي، هذا إقرار بالكفر، هي كافرة ومؤيدة أيضًا زيادة.
والإقرار (﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين)، الغابر يُطلَق على معانٍ، منها الباقي، ومنها الماضي أيضًا، فيكون فيه ما يُسمَّى بالأضداد؛ لأن اللغة فيها كلمات تصلح للشيء ولضده؛ تسمى الأضداد.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ بعد أن انتهينا لوطًا وأهله. ﴿دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾؛ لأنه بعد أن أمر أن يسير بأهله ليلًا ويخرج من البلدة إلا امرأته، دمر الله هذه البلدة؛ يعني فخرج، ثم دُمِّرت.
﴿الْآخَرِينَ﴾ المراد به مَنْ؟ قومه. قال المؤلف: (أهلكناهم).
(﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ حجارة. قال: من جملة الإهلاك)، من جملة الإهلاك أن الله سبحانه وتعالى أمطر عليهم مطرًا، والظاهر لي أن قوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ عطف تفسير على قوله: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا﴾؛ لأن هذا هو الذي دُمِّروا به، أن الله أمطر عليهم مطرًا، وما هو المطر؟ ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود ٨٢]: متتابع، مسومة عند الله.
يقول تعالى: (﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مطرهم) ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: مطر هؤلاء القوم وإنما قال: ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾؛ لبيان أنها قد قامت عليم الحجة ولم يمطروا بالعذاب إلا بعد أن أُعذِر منهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بهذه الحجارة؛ بالتدمير بالحجارة، وليس بالقلب، كذا؟
* طالب: في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بالحجارة.
* الشيخ: وليس بالقلْب، كما هو مشهور عند أهل العلم وكثير من المفسرين أن بلادهم حُمِلت إلى عنان السماء، ثم قُلِبَت، هذا ما في القرآن ما يدل عليه، ما في القرآن إلا: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤]، وجعل العالي هو السافل يكون بغير القلب، فإن هذه الحجارة إذا نزلت على المنازل وهدمتها صار العالي من المنازل صار سافلًا، ثم إنها إذا قُلِبت مثلًا وصار الناس في باطن الأرض فما قيمة الحجارة حينئذٍ؟ ما لها قيمة.
والمهم أنه ليس في الأمر عن النبي ﷺ ما يدل على أن أرضهم حُمِلت وقُلِبت، وما دام أنه ليس في الأمر ما يدل على ذلك فالأولى أن يقال: إنهم دُمِّروا بهذه الحجارة والإشكال الذي في قوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤] ينحل بقولنا: إنها إذا تهدمت البيوت صار العالي سافلًا، صار أعلاها سافلًا.
* ويستفاد من هذه القصة: أولًا: السعادة في توحيد الله، والأمر بتقواه إلى آخره، هذا سبق، والإخلاص في الدعوة لله سبحانه وتعالى، وأنه لا ينبغي للداعي أن يأخذ على دعوته أجرًا، كل هذا سبق، لكن يستفاد به أن من بني آدم من تُقلب طبيعته وفطرته حتى يستحسن الخبيث؛ لأن هؤلاء هذه حالهم.
* وفيه أيضًا: زيادة الإنكار فيما إذا كان للإنسان مندوحة عن الحرام؛ لقوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾.
* وفي الآية دليل: على جواز الاستمتاع بالزوجة استمتاعًا مطلقًا؛ لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ﴾.
* وفيه دليل: على أن من تجاوز الحلال إلى الحرام فهو عادٍ ظالم لنفسه ولغيره؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.
* وفيه دليل: على أن المعاندين للرسل إنما يلجؤون إلى قوتهم وسلطتهم لا إلى العقل والإقناع؛ لقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾، وقال ذلك قوم نوح: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء ١١٦]، لكن عذاب آخر، وكذلك أيضًا قاله فرعون، لمن؟ لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، وقاله آزر لابنه إبراهيم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم ٤٦]، كل هذا مما يدل على أن هؤلاء الذين يهددون بالسلطة لا بالإقناع والعقل، هؤلاء لا حُجَّة لهم.
* وفيه دليل: على أنه يجب على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله؛ لأن هذه طريقة الرسل؛ ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾.
* وفيه دليل: على أنه لا غنى لأحد عن دعاء الله ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾، وأما قول بعض العارفين الجاهلين: علمه بحالي يغني عن سؤالي، فهذا قول باطل، الله يعلم بحال كل أحد، ومع ذلك ما زالت الرسل وأتباعهم يدعون الله تبارك وتعالى.
* وفيه دليل: على وجود الرب سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿رَبِّ نَجِّنِي﴾ ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾، وهذا دليل حسي ظاهر.
* وفيه دليل: على إجابة الله للدعاء، وهذه الإجابة تتضمن عدة صفات؛ تتضمن العلم، والقدرة، والرحمة.
* وفيه دليل: على أن الله سبحانه وتعالى ينقد أهل الحق إهلاك الكافرين، ويهلك الكافرين ولو كانوا في أحضان أهل الحق؛ لأن الله أنجا لوطًا، وأهلك امرأته وهي في أحضانه، وهذا هو السر في قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] التعبير القرآني، المؤمنون نجوا ولَّا لا؟ لكن البيت المسلم ما نجا كله، المرأة التي كانت تتظاهر بالدِّين وهي مسلمة ظاهرًا، هذه ما نجت؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ﴾ منين؟ ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فالبيت هذا أهله مسلمون، لكن ليس كلهم مؤمنين، كان فيهم هذه المرأة العجوز، كانت كافرة، وليس في الآيه دليل كما يقول بعض الناس، ليس فيها دليل على أن الإيمان هو الإسلام؛ لأن فرق بين هذا وهذا.
* وفي الآية أيضًا دليل: على أن القرب من الأنبياء والأولياء لا يغني الإنسان شيئًا، منين نأخذه؟ من أن هذه زوجة نبي ومع ذلك هلكت مع من هلك، فكون الإنسان قريبًا من إنسان ولي لله لا يفيده شيئًا، أبو لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك ما نزل من القرآن في أحد معين من الكفار سوى أبي لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام، وما نزل القرآن في تسمية شخص بعينه من المسلمين إلا في زيد بن الحارث مولى من الموالي من أبعد ما يكون عن الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وبهذا يتبين أن القرب قرب النسب، وقرب المصاهرة وغيره لا يغني عن الإنسان شيئًا، وتأمل آية سورة التحريم، نزلت فيها قصة: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم ١٠] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ لأن عائشة وحفصة اللتين تظاهرا على النبي ﷺ قد يغترا بقربهما من الرسول ﷺ فيعملا ما عملاه، فبين الله سبحانه وتعالى أنه لا تنفعهما صلتهما بالنبي ﷺ.
* وفي هذا دليل: على أن عقوبة الله سبحانه وتعالى تتنوع حسب العمل؛ لأن هنا أُمطِروا مطرًا حتى هُدِّمت منازلهم وصار عاليها سافلها، ثم خُصف بها فيما بعد؛ ولذلك الآن هي بُحيرة اسمها الآن بحيرة لوط، معروفة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكنه بحر ميت؛ لأنه غير متصل بالبحار.
* طالب: (...) البحر الميت.
* الشيخ: ويكون أيضًا ماء يعيش فيه السمك والحوت في مثل ما يعيش فيه غيره، وفيه لكن مو مثل غيره؛ لأنهم (...) بحار عميقة، فلا يكون في ذلك شيء صغير وكبير.
* طالب: (...) عاد مثلًا؟
* الشيخ: إي، عاد ممكن على أساس أنه خصف به.
وفي هذا استدل بعض العلماء أخذًا من هذه القصة أن اللوطي يُقتل بأن يُرمى بالحجارة حتى يموت قياسًا على رمي الله تعالى على هؤلاء بالحجارة، والمسألة كما أشرنا إليه سابقًا فيها خلاف؛ من العلماء من قال: أن اللوطي لا يُتعرَّض له، ولا يقال له شيء؛ هذا قول. والقول الثاني: أنه يُعزَّر بالضرب والحبس وما أشبه ذلك.
والقول الثالث: أنه كالزاني، إن كان محصنًا رُجِم، وإن كان غير محصن جُلِد وغُرِّب.
والقول الرابع: أنه يقتل بكل حال سواء كان محصن أم غير محصن ولكن كيف يقتل؟ قيل: بالرجم، وقيل: بالسيف، وقيل: بالتحريق، وقيل: بإلقائه من شاهق وإتباعه الحجارة، وهذا الأخير القول الخامس، أظن أربعة، القول الرابع هو الذي اتفق عليه الصحابة أنه يُقتل.
أولًا: لا يتعرض له، أنه يُعزَّر، أن حده كحد الزاني، الرابع: أنه يقتل بكل حال، ثم اختلفوا في صفة القتل، وهذا القول هو الصحيح المتعيِّن؛ أنه يُقتل بكل حال فاعلًا كان أم مفعولًا به، إذا كان بالغًا عاقلًا؛ لأن هذا ليس كالزنى أشد وأعظم؛ ولأنه أمر لا يُمكن التحرز منه بخلاف الزنى، الزنى يمكن التحرز منه، لكن هذا لا يمكن فإنه لو أن خبيثًا أمسك بيد أمرد ما أحد يقوله، أيش الأمر هذا؟ وليش تمسك إيده، وما أشبه ذلك؟ فهو أمر لا يتحرز منه، يأتي في نوادي الرجال وغيرها، فهذا هو الصواب المقطوع به.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، أن الصحابة أجمعوا على قتله، أما من قال: إنه لا يتعرض له أيش حجته؟ قال: لأن هذا مما تنفر عنه الطباع، وما تنفر عنه الطباع يُكتفى بالرادع الطبيعي، كما قلنا: إن شارب البول لا يتعرض له، وشارب الخمر يُجلد؛ لأن الخمر تدعو النفس إليه، وهذا لا تدعو النفس إليه.
هذا قول باطل لا الأصل ولا الفرع، فإن قوله: (إنها لا تدعو النفوس إليه)، نقول: صحيح، النفوس السليمة لا شك لا تدعو إليه، وتستهجنه، وتستقبحه، لكن ألا يوجد هناك نفوس خبيثة؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: شهواه أكثر من النساء، شهواه -والعياذ بالله- أكثر من النساء، يهجرون نساءهم في فروجهن، ويذهبون إلى هذه الفعلة الفاحشة.
ثانيًا: قوله: إن البول لا يُعزَّر على شربه ويُكتفى بالرادع الطبيعي، هذا باطل أيضًا، بل يجب أن يُعزَّر على فعله، ومن رأيناه يشرب بولًا يجب أن نعزره؛ لأنه فعل محرمًا، والتعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ فالصواب أنه يُقتل بكل حال والله المستعان.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لا يعذب بالنار إلا الله سبحانه وتعالى[[أخرجه البخاري (٢٩٥٤) من حديث أبي هريرة.]]، لكن كأنهم رأوا لعِظَم هذا الفعل، وأن المقصود بالتعذيب بالنار في الأمور التي دون هذا وإلا فقد وقع ذلك في أبي بكر رضي الله عنه، ومن عبد الملك بن مروان؛ ثلاثة من الخلفاء كلهم اتفقوا عليه.
* طالب: الراجح؟
* الشيخ: الراجح الرجم.
* الطالب: قوله: (...).
* الشيخ: لا، ما فيه إلا كلام المؤرخين.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: حد لوطي؛ يعني الْمُحصَن يُرجم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، إحنا قلنا: إن حده القتل بكل حال؛ يعني لو يتلوَّط من له سبع عشرة سنة كمن له ست عشرة سنة قُتِلا جميعًا، وإن كان ما لهم زوجان لو ما تزوجوا.
* الطالب: رواية المذهب هذه.
* الشيخ: المذهب ضعيف في هذه المسألة.
* الطالب: (...) الرواية الثانية.
* الشيخ: وين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فيه قول ثانٍ اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ما أدري فيه رواية عن أحمد ولَّا قول..، يعني ما فيه وجه قوي للأصحاب هذا، وممن قال به شيخ الإسلام، لكن كونه رواية ما أدري.
* طالب: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [الحجر ٧١].
* الشيخ: إي، يعني أزوجكم إياهن.
* الطالب: (...).
* الشيخ: بعض المفسرين قال: بناتي؛ يعني بذلك بنات الأمة؛ لأن الرسول أب لقومه، فيكون لهم بمنزلة الأب.
* الطالب: وجيه هذا؟
* الشيخ: ما هو بوجيه لكن اللي دعاهم إلى هذا قالوا: إن بناته مسلمات مؤمنات، وهؤلاء كفار، والكافر لا يتزوج بالمؤمنة فيقال: الجواب على هذا إما أن شريعتهم تبيح ذلك، أو أن معنى ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ يعني فأسلموا وتزوجوهن ويكون المعنى مفهومًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: كم هم اللي جايين؟ ما يخالف، كم اللي جايين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يقينه جاي الناس.
* الطالب: جاي الناس.
* الشيخ: لأنهم ذهبوا يبشر بعضهم بعضًا بهؤلاء القوم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، المهم..
* الطالب: جاء أهل المدينة (...).
* الشيخ: إي نعم، ما يخالف لكن ما هو بالمعنى أنه بيقسم بناته على كل المدينة قطعًا، لكن المعنى أني أزوجكم بناتي وإن لم يتزوج منكم عدد يقابل بناتي فالباقي يخدوا من النساء (...).
ثم إن هذا بالحقيقة كأنه يقول: أنا أحافظ على ضيوفي أكثر مما أحافظ على أي شيء آخر؛ يعني فإني أبغي أحميهم حتى إني أتنازل عن بناتي أزوجهن من أجل المحافظة على هؤلاء الضيوف؟
* طالب: دليل من قال بإلقاء (...)؟
* الشيخ: بناءً على أن القرى هذه يعني رُفِعت، ثم قُلِبَت.
الشعراء 26:171
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦٠، ١٦١].
قوم لوط هؤلاء في قرية يقال لها: سدوم من أرض فلسطين، ولوط كما هو يقول المؤرخون: ابن أخي إبراهيم، فيكون إبراهيم عمه، أرسله الله تعالى إلى أهل هذه القرية، وكانوا مع كفرهم بالله سبحانه وتعالى يعملون عملًا فاحشًا يعتبر من أخبث الأعمال والعياذ بالله، وقد سماه الله تعالى خبيثًا في قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء ٧٤] فهو (...)؛ لأنه قبيح عقلًا وفطرة وشرعًا، هذا العمل الذي يعملونه هو أنهم يأتون الذكران والعياذ بالله كما يأتون النسوة.
وهنا يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦١ - ١٦٤]، هذه كلها سبق الكلام عليها.
وكل الرسول يُرسَلون أولًا بتحقيق التوحيد ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل ٣٦].
هذا الأصل كل الرسل يُرسلون به، لكن هناك أنواع معينة من المعاصي يرتكبها بعض الأمم، يُركِّز عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام ففيما سبق بل فيما ذُكِر الآن في قوم لوط كان جرمهم الخاص هو هذه الفاحشة؛ ولهذا قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، الاستفهام هذا للتوبيخ والإنكار.
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ أي: الذكور، جمع (ذَكَر).
﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ بيان للذُّكْران؛ أي: من (الناس) سواء كانوا من قبيلتكم، أو من غير قبيلتكم؛ ولهذا لم يقل: أتأتون الذكران منكم بل قال: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلى أنهم -والعياذ بالله- لا يتحاشون عن أحد فهم مثل الكلاب، ثم مع ذلك زيادة على خبثهم أنهم تركوا النعمة التي خلقها الله لهم ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾.
فلو كنتم تأتون الذكران من العالمين؛ لأنكم مضطرون لذلك وليس لكم من الحلال ما يغنيكم لكان الأمر أهون، لكن لكم من الحلال من يُغنيكم فكيف تأتون الخبائث وتذرون الطيبات؟ ولهذا قال: ﴿وَتَذَرُونَ﴾ هي داخلة في مضمون الاستفهام؛ يعني وأتذرون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ (تَذَرُونَ) بمعنى: تتركون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾؛ أي: (أقبالهن) تفسير لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾؛ يعني تأتون الذي خُلِق لكم من الأزواج وهو القُبُل، هذا ما ذهب إليه المؤلف، والصواب خلاف هذا؛ الصواب أن ﴿مِنْ﴾ بيان لـ﴿مَا﴾؛ أي: ما خلق لكم ربكم من الأزواج؛ يعني: وتذرون الأزواج، هذا المعنى، ما هو بأقبالهن، تذرون الأزواج أي: ما خلق الله لكم من الأزواج.
وفرق بين ما ذكرت وبين ما ذهب إليه المؤلف؛ يعني كأنه يقول: تذرون فروج النساء، ولكن لو قال: أتأتون أدبار الذكور لكان نعم، وتذرون فروج النساء ولَّا لا؟ لكن لما قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ يكون المناسب: وتدعون النساء لكن قال: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ دون قوله: أزواجكم؛ إشارة إلى أن الله تعالى هيأ هذه الزوجة للذَّكَر يتمتع بها كما يشاء إلا فيما حرم الله من الدبر مثلًا؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٥، ٦]، وهذا يدل إباحة الاستمتاع للرجل بامرأته إباحة مطلقة بلا حدود، ما عدا أمرين؛ الدبر والفرْج في الحيض، وما سوى ذلك فكل شيء مُباح، هذا يزيد الأمر قبحًا إلى قُبحه حيث يدعون الطَّيِّب ويأتون الخبيث.
وفي قوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ﴾ الفائدة المعنوية اللي أشرنا إليها وهي زيادة القبح، والثانية: اللفظية ما هي؟ الطباق لِذِكْر الأمر ومقابله، المعنى ومقابله (تأتون وتذرون).
وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ اللام للإباحة أو للتعليل؛ أي: خلق لأجلكم ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ أباح لكم.
وقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى هو المتصرف فيه، الذي (...).
* الطالب: المعية، معناها..
* الشيخ: اللام في ﴿لَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ﴿بَلْ﴾ للإضراب ولكن ما هو الإضراب الذي حصل؟ يعني ما هو الْمُضْرَب عنه؟ كأنه قال: لا تأتون الذكران فطرةً ولا عملًا عاديًّا محبوبًا إلى الفِطَر، ولكن الذي حملكم على هذا هو العدوان المجرد والعياذ بالله، متجاوزين الحلال إلى الحرام، بيَّن لهم لوط عليه السلام أن ما فعلوه أمر مستنكر عقلًا، ومستنكر شرعًا وعرفًا؛ لأن العدوان لا شك أن كل أحد ينكره، وهؤلاء معتدون.
ومن الغريب أن الفاعل منهم اليوم قد كان مفعولًا به بالأمس، والمفعول به اليوم يكون فاعلًا في المستقبل، وهذا غاية ما يكون من العدوان، وسبحان الله كيف أن هؤلاء الجماعة -نسأل الله السلامة- يرى الإنسان ولده أو أخاه الصغير تُفعل فيه الفاحشة ولا يبالي بهذا؟! والظاهر أنهم يفعلونها جهرًا؛ لقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت ٢٩]، فهم لا يبالون والعياذ بالله أن يركب بعضهم بعضًا جهارًا؛ فهذا غاية ما يكون من السخط.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، وما هي من الظالمين ببعيد، بعدئذٍ الجواب على: (﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ﴾ عن إنكارك علينا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ من بلادنا).
هذا الجواب القبيح ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن أيش؟ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ أبلغ من قوله: لنخرجنك؛ كأنهم يهددونه بما هو أعظم ترويعًا له؛ يعني أننا أخرجنا غيرك، وستكون أنت من جملة المخرَجِين؛ لأن لنا القدرة وسلطة على إخراجك.
وفي قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ تأكيد بالقسم واللام ونون التوكيد ﴿لَئِنْ﴾؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم.
﴿لَتَكُونَنَّ﴾ اللام واقعة في جواب القسم، والجواب الموجود هنا للقسم ولَّا للشرط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الآن السؤال هل هو للقسم ولَّا للشرط؟
* طلبة: للقسم.
* الشيخ: للقسم.
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــــوَابَ مــا أخَّــــــرْتَ فَهْــــوَمُلْـــتَزَمْ
(﴿قَالَ﴾ لهم لوط عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ المبغضين)، هذا فيه نوع من التحدي لهم؛ يعني إن أخرجتموني فأنا راضٍ بذلك، ولا يهمني إخراجي، لماذ؟ لأني لعملكم من القالين، والإنسان المبغض لعمل قوم هل يحب أن يبقى معهم؟ لا يحب أن يبقى معهم، فكأنه يقول: أنا لا يهمني إذا خرجت؛ لأنني لا أرغب في المقام معكم وأنتم على هذا العمل الخبيث الذي أبغضه، والإنسان أشد ما يكون عليه أن يبقى مع قوم يكرههم، يقول المتنبي:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى ∗∗∗ عَـــــــــــــدُوًّا لَهُ مَــا مِنْصَــــــدَاقَتِهِ بُـــدُّ
وهذا صحيح؛ أن تبقى مع قوم تكره أفعالهم هذا صعب على النفوس، فكأنه يقول: أنا أرغب هذا، ومستعد له، ولا أبالي بإخراجكم، وفي هذا دليل..
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...).
* وفيه دليل: على أنه يجب على كل مؤمن أن يبغض عملهم؛ عمل هؤلاء القوم؛ لأن الرسل يقلونه يبغضونه، وهذه هو فائدة الجمع، ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾؛ أي: المبغضين له، وإن كان هو ما فيه إلا قليل من الذين آمنوا معه ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]؛ يعني أنه ما آمن معه أحد إلا أهل بيته، ولا هم كلهم بعد، امرأته كانت من الكافرين.
﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ يقوله المؤلف: (من عذابه)، ولا شك أن هذا التأويل قاصر؛ لأن ﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من فعله، ومن عذابه أيضًا، ولا يمتنع أن يسأل الله تعالى أن ينجيه من هذا العمل، لا يمتنع ذلك أبدًا وإن كان الرسل لا يمكن أن يعملوه؛ لأن الصواب المقطوع به أنهم معصومون مما يُخِل بالشرف والكرامة، وعمل قوم لوط، هذا يخل بالشرف، لكنه هو دعا لنفسه وأهله ﴿نَجِّنِي وَأَهْلِي﴾ وأهله معصومون من ذلك؟ ليسوا معصومين، الصواب أنه سأل الله أن ينجيه من عملهم ومن عذابهم.
قال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾، الفاء للتفريع؛ يعني فتفريعًا على دعوته أجيب: نجيناه وأهله أجمعين.
(﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ امرأته ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين أهلكنا)؟
* طالب: (أهلكناها).
* الشيخ: (أهلكناها) اللي عندي أحسن، كأنه يريد إن (أهلكنا) مُسَلَّط على قوله: ﴿عَجُوزًا﴾ إلا عجوزًا أهلكنا؛ يعني إلا أن أهلكنا عجوزًا، واللي عندكم أيضًا لها معنى أوضح؛ لأنه إذا قال: الباقين أهلكنا قد يظن الظان أن المراد أهلك الباقين.
على كل حال استجاب الله دعوته فنجاه وأهله. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على أن الأهل كانوا عددًا كثيرًا، والصحيح أننا لا ندري كم عددهم، إنما أهله ولكن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على الكثرة؛ لأن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ هذه جمع، أدنى ما يُقال فيه ثلاثة، مع أن هذه الكلمة ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تدل على جماعة؛ جماعة مستكثرة.
وقوله: ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ شوف -والعياذ بالله- هذه المرأة عجوز كبيرة في السن، وكان الذي ينبغي لكبير السن أن يكون منيبًا إلى الله عز وجل؛ لأنه قريب من الموت، هو أقرب إلى الموت من الشاب، ولكن -والعياذ بالله- كفانا الله شر العجز، والشابات هي صارت خبيثة والعياذ بالله، كافرة بالله لكنها كاتمة لذلك؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة التحريم أيش؟ قال: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] ليست خيانة شهوة وزِنى، ولكن خيانة كفر؛ ولهذا قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] لم تشعراهما بكفر، فما علم بكفرهما.
* طالب: هي كانت مؤيدة لفعل القوم؟
* الشيخ: إي، هذا إقرار بالكفر، هي كافرة ومؤيدة أيضًا زيادة.
والإقرار (﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين)، الغابر يُطلَق على معانٍ، منها الباقي، ومنها الماضي أيضًا، فيكون فيه ما يُسمَّى بالأضداد؛ لأن اللغة فيها كلمات تصلح للشيء ولضده؛ تسمى الأضداد.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ بعد أن انتهينا لوطًا وأهله. ﴿دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾؛ لأنه بعد أن أمر أن يسير بأهله ليلًا ويخرج من البلدة إلا امرأته، دمر الله هذه البلدة؛ يعني فخرج، ثم دُمِّرت.
﴿الْآخَرِينَ﴾ المراد به مَنْ؟ قومه. قال المؤلف: (أهلكناهم).
(﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ حجارة. قال: من جملة الإهلاك)، من جملة الإهلاك أن الله سبحانه وتعالى أمطر عليهم مطرًا، والظاهر لي أن قوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ عطف تفسير على قوله: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا﴾؛ لأن هذا هو الذي دُمِّروا به، أن الله أمطر عليهم مطرًا، وما هو المطر؟ ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود ٨٢]: متتابع، مسومة عند الله.
يقول تعالى: (﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مطرهم) ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: مطر هؤلاء القوم وإنما قال: ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾؛ لبيان أنها قد قامت عليم الحجة ولم يمطروا بالعذاب إلا بعد أن أُعذِر منهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بهذه الحجارة؛ بالتدمير بالحجارة، وليس بالقلب، كذا؟
* طالب: في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بالحجارة.
* الشيخ: وليس بالقلْب، كما هو مشهور عند أهل العلم وكثير من المفسرين أن بلادهم حُمِلت إلى عنان السماء، ثم قُلِبَت، هذا ما في القرآن ما يدل عليه، ما في القرآن إلا: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤]، وجعل العالي هو السافل يكون بغير القلب، فإن هذه الحجارة إذا نزلت على المنازل وهدمتها صار العالي من المنازل صار سافلًا، ثم إنها إذا قُلِبت مثلًا وصار الناس في باطن الأرض فما قيمة الحجارة حينئذٍ؟ ما لها قيمة.
والمهم أنه ليس في الأمر عن النبي ﷺ ما يدل على أن أرضهم حُمِلت وقُلِبت، وما دام أنه ليس في الأمر ما يدل على ذلك فالأولى أن يقال: إنهم دُمِّروا بهذه الحجارة والإشكال الذي في قوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤] ينحل بقولنا: إنها إذا تهدمت البيوت صار العالي سافلًا، صار أعلاها سافلًا.
* ويستفاد من هذه القصة: أولًا: السعادة في توحيد الله، والأمر بتقواه إلى آخره، هذا سبق، والإخلاص في الدعوة لله سبحانه وتعالى، وأنه لا ينبغي للداعي أن يأخذ على دعوته أجرًا، كل هذا سبق، لكن يستفاد به أن من بني آدم من تُقلب طبيعته وفطرته حتى يستحسن الخبيث؛ لأن هؤلاء هذه حالهم.
* وفيه أيضًا: زيادة الإنكار فيما إذا كان للإنسان مندوحة عن الحرام؛ لقوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾.
* وفي الآية دليل: على جواز الاستمتاع بالزوجة استمتاعًا مطلقًا؛ لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ﴾.
* وفيه دليل: على أن من تجاوز الحلال إلى الحرام فهو عادٍ ظالم لنفسه ولغيره؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.
* وفيه دليل: على أن المعاندين للرسل إنما يلجؤون إلى قوتهم وسلطتهم لا إلى العقل والإقناع؛ لقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾، وقال ذلك قوم نوح: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء ١١٦]، لكن عذاب آخر، وكذلك أيضًا قاله فرعون، لمن؟ لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، وقاله آزر لابنه إبراهيم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم ٤٦]، كل هذا مما يدل على أن هؤلاء الذين يهددون بالسلطة لا بالإقناع والعقل، هؤلاء لا حُجَّة لهم.
* وفيه دليل: على أنه يجب على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله؛ لأن هذه طريقة الرسل؛ ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾.
* وفيه دليل: على أنه لا غنى لأحد عن دعاء الله ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾، وأما قول بعض العارفين الجاهلين: علمه بحالي يغني عن سؤالي، فهذا قول باطل، الله يعلم بحال كل أحد، ومع ذلك ما زالت الرسل وأتباعهم يدعون الله تبارك وتعالى.
* وفيه دليل: على وجود الرب سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿رَبِّ نَجِّنِي﴾ ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾، وهذا دليل حسي ظاهر.
* وفيه دليل: على إجابة الله للدعاء، وهذه الإجابة تتضمن عدة صفات؛ تتضمن العلم، والقدرة، والرحمة.
* وفيه دليل: على أن الله سبحانه وتعالى ينقد أهل الحق إهلاك الكافرين، ويهلك الكافرين ولو كانوا في أحضان أهل الحق؛ لأن الله أنجا لوطًا، وأهلك امرأته وهي في أحضانه، وهذا هو السر في قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] التعبير القرآني، المؤمنون نجوا ولَّا لا؟ لكن البيت المسلم ما نجا كله، المرأة التي كانت تتظاهر بالدِّين وهي مسلمة ظاهرًا، هذه ما نجت؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ﴾ منين؟ ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فالبيت هذا أهله مسلمون، لكن ليس كلهم مؤمنين، كان فيهم هذه المرأة العجوز، كانت كافرة، وليس في الآيه دليل كما يقول بعض الناس، ليس فيها دليل على أن الإيمان هو الإسلام؛ لأن فرق بين هذا وهذا.
* وفي الآية أيضًا دليل: على أن القرب من الأنبياء والأولياء لا يغني الإنسان شيئًا، منين نأخذه؟ من أن هذه زوجة نبي ومع ذلك هلكت مع من هلك، فكون الإنسان قريبًا من إنسان ولي لله لا يفيده شيئًا، أبو لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك ما نزل من القرآن في أحد معين من الكفار سوى أبي لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام، وما نزل القرآن في تسمية شخص بعينه من المسلمين إلا في زيد بن الحارث مولى من الموالي من أبعد ما يكون عن الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وبهذا يتبين أن القرب قرب النسب، وقرب المصاهرة وغيره لا يغني عن الإنسان شيئًا، وتأمل آية سورة التحريم، نزلت فيها قصة: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم ١٠] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ لأن عائشة وحفصة اللتين تظاهرا على النبي ﷺ قد يغترا بقربهما من الرسول ﷺ فيعملا ما عملاه، فبين الله سبحانه وتعالى أنه لا تنفعهما صلتهما بالنبي ﷺ.
* وفي هذا دليل: على أن عقوبة الله سبحانه وتعالى تتنوع حسب العمل؛ لأن هنا أُمطِروا مطرًا حتى هُدِّمت منازلهم وصار عاليها سافلها، ثم خُصف بها فيما بعد؛ ولذلك الآن هي بُحيرة اسمها الآن بحيرة لوط، معروفة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكنه بحر ميت؛ لأنه غير متصل بالبحار.
* طالب: (...) البحر الميت.
* الشيخ: ويكون أيضًا ماء يعيش فيه السمك والحوت في مثل ما يعيش فيه غيره، وفيه لكن مو مثل غيره؛ لأنهم (...) بحار عميقة، فلا يكون في ذلك شيء صغير وكبير.
* طالب: (...) عاد مثلًا؟
* الشيخ: إي، عاد ممكن على أساس أنه خصف به.
وفي هذا استدل بعض العلماء أخذًا من هذه القصة أن اللوطي يُقتل بأن يُرمى بالحجارة حتى يموت قياسًا على رمي الله تعالى على هؤلاء بالحجارة، والمسألة كما أشرنا إليه سابقًا فيها خلاف؛ من العلماء من قال: أن اللوطي لا يُتعرَّض له، ولا يقال له شيء؛ هذا قول. والقول الثاني: أنه يُعزَّر بالضرب والحبس وما أشبه ذلك.
والقول الثالث: أنه كالزاني، إن كان محصنًا رُجِم، وإن كان غير محصن جُلِد وغُرِّب.
والقول الرابع: أنه يقتل بكل حال سواء كان محصن أم غير محصن ولكن كيف يقتل؟ قيل: بالرجم، وقيل: بالسيف، وقيل: بالتحريق، وقيل: بإلقائه من شاهق وإتباعه الحجارة، وهذا الأخير القول الخامس، أظن أربعة، القول الرابع هو الذي اتفق عليه الصحابة أنه يُقتل.
أولًا: لا يتعرض له، أنه يُعزَّر، أن حده كحد الزاني، الرابع: أنه يقتل بكل حال، ثم اختلفوا في صفة القتل، وهذا القول هو الصحيح المتعيِّن؛ أنه يُقتل بكل حال فاعلًا كان أم مفعولًا به، إذا كان بالغًا عاقلًا؛ لأن هذا ليس كالزنى أشد وأعظم؛ ولأنه أمر لا يُمكن التحرز منه بخلاف الزنى، الزنى يمكن التحرز منه، لكن هذا لا يمكن فإنه لو أن خبيثًا أمسك بيد أمرد ما أحد يقوله، أيش الأمر هذا؟ وليش تمسك إيده، وما أشبه ذلك؟ فهو أمر لا يتحرز منه، يأتي في نوادي الرجال وغيرها، فهذا هو الصواب المقطوع به.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، أن الصحابة أجمعوا على قتله، أما من قال: إنه لا يتعرض له أيش حجته؟ قال: لأن هذا مما تنفر عنه الطباع، وما تنفر عنه الطباع يُكتفى بالرادع الطبيعي، كما قلنا: إن شارب البول لا يتعرض له، وشارب الخمر يُجلد؛ لأن الخمر تدعو النفس إليه، وهذا لا تدعو النفس إليه.
هذا قول باطل لا الأصل ولا الفرع، فإن قوله: (إنها لا تدعو النفوس إليه)، نقول: صحيح، النفوس السليمة لا شك لا تدعو إليه، وتستهجنه، وتستقبحه، لكن ألا يوجد هناك نفوس خبيثة؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: شهواه أكثر من النساء، شهواه -والعياذ بالله- أكثر من النساء، يهجرون نساءهم في فروجهن، ويذهبون إلى هذه الفعلة الفاحشة.
ثانيًا: قوله: إن البول لا يُعزَّر على شربه ويُكتفى بالرادع الطبيعي، هذا باطل أيضًا، بل يجب أن يُعزَّر على فعله، ومن رأيناه يشرب بولًا يجب أن نعزره؛ لأنه فعل محرمًا، والتعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ فالصواب أنه يُقتل بكل حال والله المستعان.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لا يعذب بالنار إلا الله سبحانه وتعالى[[أخرجه البخاري (٢٩٥٤) من حديث أبي هريرة.]]، لكن كأنهم رأوا لعِظَم هذا الفعل، وأن المقصود بالتعذيب بالنار في الأمور التي دون هذا وإلا فقد وقع ذلك في أبي بكر رضي الله عنه، ومن عبد الملك بن مروان؛ ثلاثة من الخلفاء كلهم اتفقوا عليه.
* طالب: الراجح؟
* الشيخ: الراجح الرجم.
* الطالب: قوله: (...).
* الشيخ: لا، ما فيه إلا كلام المؤرخين.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: حد لوطي؛ يعني الْمُحصَن يُرجم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، إحنا قلنا: إن حده القتل بكل حال؛ يعني لو يتلوَّط من له سبع عشرة سنة كمن له ست عشرة سنة قُتِلا جميعًا، وإن كان ما لهم زوجان لو ما تزوجوا.
* الطالب: رواية المذهب هذه.
* الشيخ: المذهب ضعيف في هذه المسألة.
* الطالب: (...) الرواية الثانية.
* الشيخ: وين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فيه قول ثانٍ اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ما أدري فيه رواية عن أحمد ولَّا قول..، يعني ما فيه وجه قوي للأصحاب هذا، وممن قال به شيخ الإسلام، لكن كونه رواية ما أدري.
* طالب: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [الحجر ٧١].
* الشيخ: إي، يعني أزوجكم إياهن.
* الطالب: (...).
* الشيخ: بعض المفسرين قال: بناتي؛ يعني بذلك بنات الأمة؛ لأن الرسول أب لقومه، فيكون لهم بمنزلة الأب.
* الطالب: وجيه هذا؟
* الشيخ: ما هو بوجيه لكن اللي دعاهم إلى هذا قالوا: إن بناته مسلمات مؤمنات، وهؤلاء كفار، والكافر لا يتزوج بالمؤمنة فيقال: الجواب على هذا إما أن شريعتهم تبيح ذلك، أو أن معنى ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ يعني فأسلموا وتزوجوهن ويكون المعنى مفهومًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: كم هم اللي جايين؟ ما يخالف، كم اللي جايين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يقينه جاي الناس.
* الطالب: جاي الناس.
* الشيخ: لأنهم ذهبوا يبشر بعضهم بعضًا بهؤلاء القوم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، المهم..
* الطالب: جاء أهل المدينة (...).
* الشيخ: إي نعم، ما يخالف لكن ما هو بالمعنى أنه بيقسم بناته على كل المدينة قطعًا، لكن المعنى أني أزوجكم بناتي وإن لم يتزوج منكم عدد يقابل بناتي فالباقي يخدوا من النساء (...).
ثم إن هذا بالحقيقة كأنه يقول: أنا أحافظ على ضيوفي أكثر مما أحافظ على أي شيء آخر؛ يعني فإني أبغي أحميهم حتى إني أتنازل عن بناتي أزوجهن من أجل المحافظة على هؤلاء الضيوف؟
* طالب: دليل من قال بإلقاء (...)؟
* الشيخ: بناءً على أن القرى هذه يعني رُفِعت، ثم قُلِبَت.
الشعراء 26:172
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦٠، ١٦١].
قوم لوط هؤلاء في قرية يقال لها: سدوم من أرض فلسطين، ولوط كما هو يقول المؤرخون: ابن أخي إبراهيم، فيكون إبراهيم عمه، أرسله الله تعالى إلى أهل هذه القرية، وكانوا مع كفرهم بالله سبحانه وتعالى يعملون عملًا فاحشًا يعتبر من أخبث الأعمال والعياذ بالله، وقد سماه الله تعالى خبيثًا في قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء ٧٤] فهو (...)؛ لأنه قبيح عقلًا وفطرة وشرعًا، هذا العمل الذي يعملونه هو أنهم يأتون الذكران والعياذ بالله كما يأتون النسوة.
وهنا يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦١ - ١٦٤]، هذه كلها سبق الكلام عليها.
وكل الرسول يُرسَلون أولًا بتحقيق التوحيد ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل ٣٦].
هذا الأصل كل الرسل يُرسلون به، لكن هناك أنواع معينة من المعاصي يرتكبها بعض الأمم، يُركِّز عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام ففيما سبق بل فيما ذُكِر الآن في قوم لوط كان جرمهم الخاص هو هذه الفاحشة؛ ولهذا قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، الاستفهام هذا للتوبيخ والإنكار.
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ أي: الذكور، جمع (ذَكَر).
﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ بيان للذُّكْران؛ أي: من (الناس) سواء كانوا من قبيلتكم، أو من غير قبيلتكم؛ ولهذا لم يقل: أتأتون الذكران منكم بل قال: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلى أنهم -والعياذ بالله- لا يتحاشون عن أحد فهم مثل الكلاب، ثم مع ذلك زيادة على خبثهم أنهم تركوا النعمة التي خلقها الله لهم ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾.
فلو كنتم تأتون الذكران من العالمين؛ لأنكم مضطرون لذلك وليس لكم من الحلال ما يغنيكم لكان الأمر أهون، لكن لكم من الحلال من يُغنيكم فكيف تأتون الخبائث وتذرون الطيبات؟ ولهذا قال: ﴿وَتَذَرُونَ﴾ هي داخلة في مضمون الاستفهام؛ يعني وأتذرون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ (تَذَرُونَ) بمعنى: تتركون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾؛ أي: (أقبالهن) تفسير لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾؛ يعني تأتون الذي خُلِق لكم من الأزواج وهو القُبُل، هذا ما ذهب إليه المؤلف، والصواب خلاف هذا؛ الصواب أن ﴿مِنْ﴾ بيان لـ﴿مَا﴾؛ أي: ما خلق لكم ربكم من الأزواج؛ يعني: وتذرون الأزواج، هذا المعنى، ما هو بأقبالهن، تذرون الأزواج أي: ما خلق الله لكم من الأزواج.
وفرق بين ما ذكرت وبين ما ذهب إليه المؤلف؛ يعني كأنه يقول: تذرون فروج النساء، ولكن لو قال: أتأتون أدبار الذكور لكان نعم، وتذرون فروج النساء ولَّا لا؟ لكن لما قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ يكون المناسب: وتدعون النساء لكن قال: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ دون قوله: أزواجكم؛ إشارة إلى أن الله تعالى هيأ هذه الزوجة للذَّكَر يتمتع بها كما يشاء إلا فيما حرم الله من الدبر مثلًا؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٥، ٦]، وهذا يدل إباحة الاستمتاع للرجل بامرأته إباحة مطلقة بلا حدود، ما عدا أمرين؛ الدبر والفرْج في الحيض، وما سوى ذلك فكل شيء مُباح، هذا يزيد الأمر قبحًا إلى قُبحه حيث يدعون الطَّيِّب ويأتون الخبيث.
وفي قوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ﴾ الفائدة المعنوية اللي أشرنا إليها وهي زيادة القبح، والثانية: اللفظية ما هي؟ الطباق لِذِكْر الأمر ومقابله، المعنى ومقابله (تأتون وتذرون).
وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ اللام للإباحة أو للتعليل؛ أي: خلق لأجلكم ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ أباح لكم.
وقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى هو المتصرف فيه، الذي (...).
* الطالب: المعية، معناها..
* الشيخ: اللام في ﴿لَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ﴿بَلْ﴾ للإضراب ولكن ما هو الإضراب الذي حصل؟ يعني ما هو الْمُضْرَب عنه؟ كأنه قال: لا تأتون الذكران فطرةً ولا عملًا عاديًّا محبوبًا إلى الفِطَر، ولكن الذي حملكم على هذا هو العدوان المجرد والعياذ بالله، متجاوزين الحلال إلى الحرام، بيَّن لهم لوط عليه السلام أن ما فعلوه أمر مستنكر عقلًا، ومستنكر شرعًا وعرفًا؛ لأن العدوان لا شك أن كل أحد ينكره، وهؤلاء معتدون.
ومن الغريب أن الفاعل منهم اليوم قد كان مفعولًا به بالأمس، والمفعول به اليوم يكون فاعلًا في المستقبل، وهذا غاية ما يكون من العدوان، وسبحان الله كيف أن هؤلاء الجماعة -نسأل الله السلامة- يرى الإنسان ولده أو أخاه الصغير تُفعل فيه الفاحشة ولا يبالي بهذا؟! والظاهر أنهم يفعلونها جهرًا؛ لقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت ٢٩]، فهم لا يبالون والعياذ بالله أن يركب بعضهم بعضًا جهارًا؛ فهذا غاية ما يكون من السخط.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، وما هي من الظالمين ببعيد، بعدئذٍ الجواب على: (﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ﴾ عن إنكارك علينا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ من بلادنا).
هذا الجواب القبيح ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن أيش؟ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ أبلغ من قوله: لنخرجنك؛ كأنهم يهددونه بما هو أعظم ترويعًا له؛ يعني أننا أخرجنا غيرك، وستكون أنت من جملة المخرَجِين؛ لأن لنا القدرة وسلطة على إخراجك.
وفي قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ تأكيد بالقسم واللام ونون التوكيد ﴿لَئِنْ﴾؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم.
﴿لَتَكُونَنَّ﴾ اللام واقعة في جواب القسم، والجواب الموجود هنا للقسم ولَّا للشرط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الآن السؤال هل هو للقسم ولَّا للشرط؟
* طلبة: للقسم.
* الشيخ: للقسم.
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــــوَابَ مــا أخَّــــــرْتَ فَهْــــوَمُلْـــتَزَمْ
(﴿قَالَ﴾ لهم لوط عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ المبغضين)، هذا فيه نوع من التحدي لهم؛ يعني إن أخرجتموني فأنا راضٍ بذلك، ولا يهمني إخراجي، لماذ؟ لأني لعملكم من القالين، والإنسان المبغض لعمل قوم هل يحب أن يبقى معهم؟ لا يحب أن يبقى معهم، فكأنه يقول: أنا لا يهمني إذا خرجت؛ لأنني لا أرغب في المقام معكم وأنتم على هذا العمل الخبيث الذي أبغضه، والإنسان أشد ما يكون عليه أن يبقى مع قوم يكرههم، يقول المتنبي:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى ∗∗∗ عَـــــــــــــدُوًّا لَهُ مَــا مِنْصَــــــدَاقَتِهِ بُـــدُّ
وهذا صحيح؛ أن تبقى مع قوم تكره أفعالهم هذا صعب على النفوس، فكأنه يقول: أنا أرغب هذا، ومستعد له، ولا أبالي بإخراجكم، وفي هذا دليل..
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...).
* وفيه دليل: على أنه يجب على كل مؤمن أن يبغض عملهم؛ عمل هؤلاء القوم؛ لأن الرسل يقلونه يبغضونه، وهذه هو فائدة الجمع، ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾؛ أي: المبغضين له، وإن كان هو ما فيه إلا قليل من الذين آمنوا معه ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]؛ يعني أنه ما آمن معه أحد إلا أهل بيته، ولا هم كلهم بعد، امرأته كانت من الكافرين.
﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ يقوله المؤلف: (من عذابه)، ولا شك أن هذا التأويل قاصر؛ لأن ﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من فعله، ومن عذابه أيضًا، ولا يمتنع أن يسأل الله تعالى أن ينجيه من هذا العمل، لا يمتنع ذلك أبدًا وإن كان الرسل لا يمكن أن يعملوه؛ لأن الصواب المقطوع به أنهم معصومون مما يُخِل بالشرف والكرامة، وعمل قوم لوط، هذا يخل بالشرف، لكنه هو دعا لنفسه وأهله ﴿نَجِّنِي وَأَهْلِي﴾ وأهله معصومون من ذلك؟ ليسوا معصومين، الصواب أنه سأل الله أن ينجيه من عملهم ومن عذابهم.
قال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾، الفاء للتفريع؛ يعني فتفريعًا على دعوته أجيب: نجيناه وأهله أجمعين.
(﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ امرأته ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين أهلكنا)؟
* طالب: (أهلكناها).
* الشيخ: (أهلكناها) اللي عندي أحسن، كأنه يريد إن (أهلكنا) مُسَلَّط على قوله: ﴿عَجُوزًا﴾ إلا عجوزًا أهلكنا؛ يعني إلا أن أهلكنا عجوزًا، واللي عندكم أيضًا لها معنى أوضح؛ لأنه إذا قال: الباقين أهلكنا قد يظن الظان أن المراد أهلك الباقين.
على كل حال استجاب الله دعوته فنجاه وأهله. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على أن الأهل كانوا عددًا كثيرًا، والصحيح أننا لا ندري كم عددهم، إنما أهله ولكن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على الكثرة؛ لأن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ هذه جمع، أدنى ما يُقال فيه ثلاثة، مع أن هذه الكلمة ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تدل على جماعة؛ جماعة مستكثرة.
وقوله: ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ شوف -والعياذ بالله- هذه المرأة عجوز كبيرة في السن، وكان الذي ينبغي لكبير السن أن يكون منيبًا إلى الله عز وجل؛ لأنه قريب من الموت، هو أقرب إلى الموت من الشاب، ولكن -والعياذ بالله- كفانا الله شر العجز، والشابات هي صارت خبيثة والعياذ بالله، كافرة بالله لكنها كاتمة لذلك؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة التحريم أيش؟ قال: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] ليست خيانة شهوة وزِنى، ولكن خيانة كفر؛ ولهذا قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] لم تشعراهما بكفر، فما علم بكفرهما.
* طالب: هي كانت مؤيدة لفعل القوم؟
* الشيخ: إي، هذا إقرار بالكفر، هي كافرة ومؤيدة أيضًا زيادة.
والإقرار (﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين)، الغابر يُطلَق على معانٍ، منها الباقي، ومنها الماضي أيضًا، فيكون فيه ما يُسمَّى بالأضداد؛ لأن اللغة فيها كلمات تصلح للشيء ولضده؛ تسمى الأضداد.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ بعد أن انتهينا لوطًا وأهله. ﴿دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾؛ لأنه بعد أن أمر أن يسير بأهله ليلًا ويخرج من البلدة إلا امرأته، دمر الله هذه البلدة؛ يعني فخرج، ثم دُمِّرت.
﴿الْآخَرِينَ﴾ المراد به مَنْ؟ قومه. قال المؤلف: (أهلكناهم).
(﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ حجارة. قال: من جملة الإهلاك)، من جملة الإهلاك أن الله سبحانه وتعالى أمطر عليهم مطرًا، والظاهر لي أن قوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ عطف تفسير على قوله: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا﴾؛ لأن هذا هو الذي دُمِّروا به، أن الله أمطر عليهم مطرًا، وما هو المطر؟ ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود ٨٢]: متتابع، مسومة عند الله.
يقول تعالى: (﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مطرهم) ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: مطر هؤلاء القوم وإنما قال: ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾؛ لبيان أنها قد قامت عليم الحجة ولم يمطروا بالعذاب إلا بعد أن أُعذِر منهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بهذه الحجارة؛ بالتدمير بالحجارة، وليس بالقلب، كذا؟
* طالب: في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بالحجارة.
* الشيخ: وليس بالقلْب، كما هو مشهور عند أهل العلم وكثير من المفسرين أن بلادهم حُمِلت إلى عنان السماء، ثم قُلِبَت، هذا ما في القرآن ما يدل عليه، ما في القرآن إلا: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤]، وجعل العالي هو السافل يكون بغير القلب، فإن هذه الحجارة إذا نزلت على المنازل وهدمتها صار العالي من المنازل صار سافلًا، ثم إنها إذا قُلِبت مثلًا وصار الناس في باطن الأرض فما قيمة الحجارة حينئذٍ؟ ما لها قيمة.
والمهم أنه ليس في الأمر عن النبي ﷺ ما يدل على أن أرضهم حُمِلت وقُلِبت، وما دام أنه ليس في الأمر ما يدل على ذلك فالأولى أن يقال: إنهم دُمِّروا بهذه الحجارة والإشكال الذي في قوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤] ينحل بقولنا: إنها إذا تهدمت البيوت صار العالي سافلًا، صار أعلاها سافلًا.
* ويستفاد من هذه القصة: أولًا: السعادة في توحيد الله، والأمر بتقواه إلى آخره، هذا سبق، والإخلاص في الدعوة لله سبحانه وتعالى، وأنه لا ينبغي للداعي أن يأخذ على دعوته أجرًا، كل هذا سبق، لكن يستفاد به أن من بني آدم من تُقلب طبيعته وفطرته حتى يستحسن الخبيث؛ لأن هؤلاء هذه حالهم.
* وفيه أيضًا: زيادة الإنكار فيما إذا كان للإنسان مندوحة عن الحرام؛ لقوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾.
* وفي الآية دليل: على جواز الاستمتاع بالزوجة استمتاعًا مطلقًا؛ لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ﴾.
* وفيه دليل: على أن من تجاوز الحلال إلى الحرام فهو عادٍ ظالم لنفسه ولغيره؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.
* وفيه دليل: على أن المعاندين للرسل إنما يلجؤون إلى قوتهم وسلطتهم لا إلى العقل والإقناع؛ لقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾، وقال ذلك قوم نوح: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء ١١٦]، لكن عذاب آخر، وكذلك أيضًا قاله فرعون، لمن؟ لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، وقاله آزر لابنه إبراهيم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم ٤٦]، كل هذا مما يدل على أن هؤلاء الذين يهددون بالسلطة لا بالإقناع والعقل، هؤلاء لا حُجَّة لهم.
* وفيه دليل: على أنه يجب على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله؛ لأن هذه طريقة الرسل؛ ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾.
* وفيه دليل: على أنه لا غنى لأحد عن دعاء الله ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾، وأما قول بعض العارفين الجاهلين: علمه بحالي يغني عن سؤالي، فهذا قول باطل، الله يعلم بحال كل أحد، ومع ذلك ما زالت الرسل وأتباعهم يدعون الله تبارك وتعالى.
* وفيه دليل: على وجود الرب سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿رَبِّ نَجِّنِي﴾ ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾، وهذا دليل حسي ظاهر.
* وفيه دليل: على إجابة الله للدعاء، وهذه الإجابة تتضمن عدة صفات؛ تتضمن العلم، والقدرة، والرحمة.
* وفيه دليل: على أن الله سبحانه وتعالى ينقد أهل الحق إهلاك الكافرين، ويهلك الكافرين ولو كانوا في أحضان أهل الحق؛ لأن الله أنجا لوطًا، وأهلك امرأته وهي في أحضانه، وهذا هو السر في قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] التعبير القرآني، المؤمنون نجوا ولَّا لا؟ لكن البيت المسلم ما نجا كله، المرأة التي كانت تتظاهر بالدِّين وهي مسلمة ظاهرًا، هذه ما نجت؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ﴾ منين؟ ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فالبيت هذا أهله مسلمون، لكن ليس كلهم مؤمنين، كان فيهم هذه المرأة العجوز، كانت كافرة، وليس في الآيه دليل كما يقول بعض الناس، ليس فيها دليل على أن الإيمان هو الإسلام؛ لأن فرق بين هذا وهذا.
* وفي الآية أيضًا دليل: على أن القرب من الأنبياء والأولياء لا يغني الإنسان شيئًا، منين نأخذه؟ من أن هذه زوجة نبي ومع ذلك هلكت مع من هلك، فكون الإنسان قريبًا من إنسان ولي لله لا يفيده شيئًا، أبو لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك ما نزل من القرآن في أحد معين من الكفار سوى أبي لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام، وما نزل القرآن في تسمية شخص بعينه من المسلمين إلا في زيد بن الحارث مولى من الموالي من أبعد ما يكون عن الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وبهذا يتبين أن القرب قرب النسب، وقرب المصاهرة وغيره لا يغني عن الإنسان شيئًا، وتأمل آية سورة التحريم، نزلت فيها قصة: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم ١٠] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ لأن عائشة وحفصة اللتين تظاهرا على النبي ﷺ قد يغترا بقربهما من الرسول ﷺ فيعملا ما عملاه، فبين الله سبحانه وتعالى أنه لا تنفعهما صلتهما بالنبي ﷺ.
* وفي هذا دليل: على أن عقوبة الله سبحانه وتعالى تتنوع حسب العمل؛ لأن هنا أُمطِروا مطرًا حتى هُدِّمت منازلهم وصار عاليها سافلها، ثم خُصف بها فيما بعد؛ ولذلك الآن هي بُحيرة اسمها الآن بحيرة لوط، معروفة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكنه بحر ميت؛ لأنه غير متصل بالبحار.
* طالب: (...) البحر الميت.
* الشيخ: ويكون أيضًا ماء يعيش فيه السمك والحوت في مثل ما يعيش فيه غيره، وفيه لكن مو مثل غيره؛ لأنهم (...) بحار عميقة، فلا يكون في ذلك شيء صغير وكبير.
* طالب: (...) عاد مثلًا؟
* الشيخ: إي، عاد ممكن على أساس أنه خصف به.
وفي هذا استدل بعض العلماء أخذًا من هذه القصة أن اللوطي يُقتل بأن يُرمى بالحجارة حتى يموت قياسًا على رمي الله تعالى على هؤلاء بالحجارة، والمسألة كما أشرنا إليه سابقًا فيها خلاف؛ من العلماء من قال: أن اللوطي لا يُتعرَّض له، ولا يقال له شيء؛ هذا قول. والقول الثاني: أنه يُعزَّر بالضرب والحبس وما أشبه ذلك.
والقول الثالث: أنه كالزاني، إن كان محصنًا رُجِم، وإن كان غير محصن جُلِد وغُرِّب.
والقول الرابع: أنه يقتل بكل حال سواء كان محصن أم غير محصن ولكن كيف يقتل؟ قيل: بالرجم، وقيل: بالسيف، وقيل: بالتحريق، وقيل: بإلقائه من شاهق وإتباعه الحجارة، وهذا الأخير القول الخامس، أظن أربعة، القول الرابع هو الذي اتفق عليه الصحابة أنه يُقتل.
أولًا: لا يتعرض له، أنه يُعزَّر، أن حده كحد الزاني، الرابع: أنه يقتل بكل حال، ثم اختلفوا في صفة القتل، وهذا القول هو الصحيح المتعيِّن؛ أنه يُقتل بكل حال فاعلًا كان أم مفعولًا به، إذا كان بالغًا عاقلًا؛ لأن هذا ليس كالزنى أشد وأعظم؛ ولأنه أمر لا يُمكن التحرز منه بخلاف الزنى، الزنى يمكن التحرز منه، لكن هذا لا يمكن فإنه لو أن خبيثًا أمسك بيد أمرد ما أحد يقوله، أيش الأمر هذا؟ وليش تمسك إيده، وما أشبه ذلك؟ فهو أمر لا يتحرز منه، يأتي في نوادي الرجال وغيرها، فهذا هو الصواب المقطوع به.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، أن الصحابة أجمعوا على قتله، أما من قال: إنه لا يتعرض له أيش حجته؟ قال: لأن هذا مما تنفر عنه الطباع، وما تنفر عنه الطباع يُكتفى بالرادع الطبيعي، كما قلنا: إن شارب البول لا يتعرض له، وشارب الخمر يُجلد؛ لأن الخمر تدعو النفس إليه، وهذا لا تدعو النفس إليه.
هذا قول باطل لا الأصل ولا الفرع، فإن قوله: (إنها لا تدعو النفوس إليه)، نقول: صحيح، النفوس السليمة لا شك لا تدعو إليه، وتستهجنه، وتستقبحه، لكن ألا يوجد هناك نفوس خبيثة؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: شهواه أكثر من النساء، شهواه -والعياذ بالله- أكثر من النساء، يهجرون نساءهم في فروجهن، ويذهبون إلى هذه الفعلة الفاحشة.
ثانيًا: قوله: إن البول لا يُعزَّر على شربه ويُكتفى بالرادع الطبيعي، هذا باطل أيضًا، بل يجب أن يُعزَّر على فعله، ومن رأيناه يشرب بولًا يجب أن نعزره؛ لأنه فعل محرمًا، والتعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ فالصواب أنه يُقتل بكل حال والله المستعان.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لا يعذب بالنار إلا الله سبحانه وتعالى[[أخرجه البخاري (٢٩٥٤) من حديث أبي هريرة.]]، لكن كأنهم رأوا لعِظَم هذا الفعل، وأن المقصود بالتعذيب بالنار في الأمور التي دون هذا وإلا فقد وقع ذلك في أبي بكر رضي الله عنه، ومن عبد الملك بن مروان؛ ثلاثة من الخلفاء كلهم اتفقوا عليه.
* طالب: الراجح؟
* الشيخ: الراجح الرجم.
* الطالب: قوله: (...).
* الشيخ: لا، ما فيه إلا كلام المؤرخين.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: حد لوطي؛ يعني الْمُحصَن يُرجم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، إحنا قلنا: إن حده القتل بكل حال؛ يعني لو يتلوَّط من له سبع عشرة سنة كمن له ست عشرة سنة قُتِلا جميعًا، وإن كان ما لهم زوجان لو ما تزوجوا.
* الطالب: رواية المذهب هذه.
* الشيخ: المذهب ضعيف في هذه المسألة.
* الطالب: (...) الرواية الثانية.
* الشيخ: وين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فيه قول ثانٍ اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ما أدري فيه رواية عن أحمد ولَّا قول..، يعني ما فيه وجه قوي للأصحاب هذا، وممن قال به شيخ الإسلام، لكن كونه رواية ما أدري.
* طالب: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [الحجر ٧١].
* الشيخ: إي، يعني أزوجكم إياهن.
* الطالب: (...).
* الشيخ: بعض المفسرين قال: بناتي؛ يعني بذلك بنات الأمة؛ لأن الرسول أب لقومه، فيكون لهم بمنزلة الأب.
* الطالب: وجيه هذا؟
* الشيخ: ما هو بوجيه لكن اللي دعاهم إلى هذا قالوا: إن بناته مسلمات مؤمنات، وهؤلاء كفار، والكافر لا يتزوج بالمؤمنة فيقال: الجواب على هذا إما أن شريعتهم تبيح ذلك، أو أن معنى ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ يعني فأسلموا وتزوجوهن ويكون المعنى مفهومًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: كم هم اللي جايين؟ ما يخالف، كم اللي جايين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يقينه جاي الناس.
* الطالب: جاي الناس.
* الشيخ: لأنهم ذهبوا يبشر بعضهم بعضًا بهؤلاء القوم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، المهم..
* الطالب: جاء أهل المدينة (...).
* الشيخ: إي نعم، ما يخالف لكن ما هو بالمعنى أنه بيقسم بناته على كل المدينة قطعًا، لكن المعنى أني أزوجكم بناتي وإن لم يتزوج منكم عدد يقابل بناتي فالباقي يخدوا من النساء (...).
ثم إن هذا بالحقيقة كأنه يقول: أنا أحافظ على ضيوفي أكثر مما أحافظ على أي شيء آخر؛ يعني فإني أبغي أحميهم حتى إني أتنازل عن بناتي أزوجهن من أجل المحافظة على هؤلاء الضيوف؟
* طالب: دليل من قال بإلقاء (...)؟
* الشيخ: بناءً على أن القرى هذه يعني رُفِعت، ثم قُلِبَت.
الشعراء 26:173
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦٠، ١٦١].
قوم لوط هؤلاء في قرية يقال لها: سدوم من أرض فلسطين، ولوط كما هو يقول المؤرخون: ابن أخي إبراهيم، فيكون إبراهيم عمه، أرسله الله تعالى إلى أهل هذه القرية، وكانوا مع كفرهم بالله سبحانه وتعالى يعملون عملًا فاحشًا يعتبر من أخبث الأعمال والعياذ بالله، وقد سماه الله تعالى خبيثًا في قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء ٧٤] فهو (...)؛ لأنه قبيح عقلًا وفطرة وشرعًا، هذا العمل الذي يعملونه هو أنهم يأتون الذكران والعياذ بالله كما يأتون النسوة.
وهنا يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦١ - ١٦٤]، هذه كلها سبق الكلام عليها.
وكل الرسول يُرسَلون أولًا بتحقيق التوحيد ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل ٣٦].
هذا الأصل كل الرسل يُرسلون به، لكن هناك أنواع معينة من المعاصي يرتكبها بعض الأمم، يُركِّز عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام ففيما سبق بل فيما ذُكِر الآن في قوم لوط كان جرمهم الخاص هو هذه الفاحشة؛ ولهذا قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، الاستفهام هذا للتوبيخ والإنكار.
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ أي: الذكور، جمع (ذَكَر).
﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ بيان للذُّكْران؛ أي: من (الناس) سواء كانوا من قبيلتكم، أو من غير قبيلتكم؛ ولهذا لم يقل: أتأتون الذكران منكم بل قال: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلى أنهم -والعياذ بالله- لا يتحاشون عن أحد فهم مثل الكلاب، ثم مع ذلك زيادة على خبثهم أنهم تركوا النعمة التي خلقها الله لهم ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾.
فلو كنتم تأتون الذكران من العالمين؛ لأنكم مضطرون لذلك وليس لكم من الحلال ما يغنيكم لكان الأمر أهون، لكن لكم من الحلال من يُغنيكم فكيف تأتون الخبائث وتذرون الطيبات؟ ولهذا قال: ﴿وَتَذَرُونَ﴾ هي داخلة في مضمون الاستفهام؛ يعني وأتذرون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ (تَذَرُونَ) بمعنى: تتركون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾؛ أي: (أقبالهن) تفسير لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾؛ يعني تأتون الذي خُلِق لكم من الأزواج وهو القُبُل، هذا ما ذهب إليه المؤلف، والصواب خلاف هذا؛ الصواب أن ﴿مِنْ﴾ بيان لـ﴿مَا﴾؛ أي: ما خلق لكم ربكم من الأزواج؛ يعني: وتذرون الأزواج، هذا المعنى، ما هو بأقبالهن، تذرون الأزواج أي: ما خلق الله لكم من الأزواج.
وفرق بين ما ذكرت وبين ما ذهب إليه المؤلف؛ يعني كأنه يقول: تذرون فروج النساء، ولكن لو قال: أتأتون أدبار الذكور لكان نعم، وتذرون فروج النساء ولَّا لا؟ لكن لما قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ يكون المناسب: وتدعون النساء لكن قال: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ دون قوله: أزواجكم؛ إشارة إلى أن الله تعالى هيأ هذه الزوجة للذَّكَر يتمتع بها كما يشاء إلا فيما حرم الله من الدبر مثلًا؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٥، ٦]، وهذا يدل إباحة الاستمتاع للرجل بامرأته إباحة مطلقة بلا حدود، ما عدا أمرين؛ الدبر والفرْج في الحيض، وما سوى ذلك فكل شيء مُباح، هذا يزيد الأمر قبحًا إلى قُبحه حيث يدعون الطَّيِّب ويأتون الخبيث.
وفي قوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ﴾ الفائدة المعنوية اللي أشرنا إليها وهي زيادة القبح، والثانية: اللفظية ما هي؟ الطباق لِذِكْر الأمر ومقابله، المعنى ومقابله (تأتون وتذرون).
وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ اللام للإباحة أو للتعليل؛ أي: خلق لأجلكم ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ أباح لكم.
وقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى هو المتصرف فيه، الذي (...).
* الطالب: المعية، معناها..
* الشيخ: اللام في ﴿لَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ﴿بَلْ﴾ للإضراب ولكن ما هو الإضراب الذي حصل؟ يعني ما هو الْمُضْرَب عنه؟ كأنه قال: لا تأتون الذكران فطرةً ولا عملًا عاديًّا محبوبًا إلى الفِطَر، ولكن الذي حملكم على هذا هو العدوان المجرد والعياذ بالله، متجاوزين الحلال إلى الحرام، بيَّن لهم لوط عليه السلام أن ما فعلوه أمر مستنكر عقلًا، ومستنكر شرعًا وعرفًا؛ لأن العدوان لا شك أن كل أحد ينكره، وهؤلاء معتدون.
ومن الغريب أن الفاعل منهم اليوم قد كان مفعولًا به بالأمس، والمفعول به اليوم يكون فاعلًا في المستقبل، وهذا غاية ما يكون من العدوان، وسبحان الله كيف أن هؤلاء الجماعة -نسأل الله السلامة- يرى الإنسان ولده أو أخاه الصغير تُفعل فيه الفاحشة ولا يبالي بهذا؟! والظاهر أنهم يفعلونها جهرًا؛ لقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت ٢٩]، فهم لا يبالون والعياذ بالله أن يركب بعضهم بعضًا جهارًا؛ فهذا غاية ما يكون من السخط.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، وما هي من الظالمين ببعيد، بعدئذٍ الجواب على: (﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ﴾ عن إنكارك علينا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ من بلادنا).
هذا الجواب القبيح ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن أيش؟ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ أبلغ من قوله: لنخرجنك؛ كأنهم يهددونه بما هو أعظم ترويعًا له؛ يعني أننا أخرجنا غيرك، وستكون أنت من جملة المخرَجِين؛ لأن لنا القدرة وسلطة على إخراجك.
وفي قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ تأكيد بالقسم واللام ونون التوكيد ﴿لَئِنْ﴾؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم.
﴿لَتَكُونَنَّ﴾ اللام واقعة في جواب القسم، والجواب الموجود هنا للقسم ولَّا للشرط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الآن السؤال هل هو للقسم ولَّا للشرط؟
* طلبة: للقسم.
* الشيخ: للقسم.
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــــوَابَ مــا أخَّــــــرْتَ فَهْــــوَمُلْـــتَزَمْ
(﴿قَالَ﴾ لهم لوط عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ المبغضين)، هذا فيه نوع من التحدي لهم؛ يعني إن أخرجتموني فأنا راضٍ بذلك، ولا يهمني إخراجي، لماذ؟ لأني لعملكم من القالين، والإنسان المبغض لعمل قوم هل يحب أن يبقى معهم؟ لا يحب أن يبقى معهم، فكأنه يقول: أنا لا يهمني إذا خرجت؛ لأنني لا أرغب في المقام معكم وأنتم على هذا العمل الخبيث الذي أبغضه، والإنسان أشد ما يكون عليه أن يبقى مع قوم يكرههم، يقول المتنبي:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى ∗∗∗ عَـــــــــــــدُوًّا لَهُ مَــا مِنْصَــــــدَاقَتِهِ بُـــدُّ
وهذا صحيح؛ أن تبقى مع قوم تكره أفعالهم هذا صعب على النفوس، فكأنه يقول: أنا أرغب هذا، ومستعد له، ولا أبالي بإخراجكم، وفي هذا دليل..
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...).
* وفيه دليل: على أنه يجب على كل مؤمن أن يبغض عملهم؛ عمل هؤلاء القوم؛ لأن الرسل يقلونه يبغضونه، وهذه هو فائدة الجمع، ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾؛ أي: المبغضين له، وإن كان هو ما فيه إلا قليل من الذين آمنوا معه ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]؛ يعني أنه ما آمن معه أحد إلا أهل بيته، ولا هم كلهم بعد، امرأته كانت من الكافرين.
﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ يقوله المؤلف: (من عذابه)، ولا شك أن هذا التأويل قاصر؛ لأن ﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من فعله، ومن عذابه أيضًا، ولا يمتنع أن يسأل الله تعالى أن ينجيه من هذا العمل، لا يمتنع ذلك أبدًا وإن كان الرسل لا يمكن أن يعملوه؛ لأن الصواب المقطوع به أنهم معصومون مما يُخِل بالشرف والكرامة، وعمل قوم لوط، هذا يخل بالشرف، لكنه هو دعا لنفسه وأهله ﴿نَجِّنِي وَأَهْلِي﴾ وأهله معصومون من ذلك؟ ليسوا معصومين، الصواب أنه سأل الله أن ينجيه من عملهم ومن عذابهم.
قال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾، الفاء للتفريع؛ يعني فتفريعًا على دعوته أجيب: نجيناه وأهله أجمعين.
(﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ امرأته ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين أهلكنا)؟
* طالب: (أهلكناها).
* الشيخ: (أهلكناها) اللي عندي أحسن، كأنه يريد إن (أهلكنا) مُسَلَّط على قوله: ﴿عَجُوزًا﴾ إلا عجوزًا أهلكنا؛ يعني إلا أن أهلكنا عجوزًا، واللي عندكم أيضًا لها معنى أوضح؛ لأنه إذا قال: الباقين أهلكنا قد يظن الظان أن المراد أهلك الباقين.
على كل حال استجاب الله دعوته فنجاه وأهله. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على أن الأهل كانوا عددًا كثيرًا، والصحيح أننا لا ندري كم عددهم، إنما أهله ولكن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على الكثرة؛ لأن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ هذه جمع، أدنى ما يُقال فيه ثلاثة، مع أن هذه الكلمة ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تدل على جماعة؛ جماعة مستكثرة.
وقوله: ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ شوف -والعياذ بالله- هذه المرأة عجوز كبيرة في السن، وكان الذي ينبغي لكبير السن أن يكون منيبًا إلى الله عز وجل؛ لأنه قريب من الموت، هو أقرب إلى الموت من الشاب، ولكن -والعياذ بالله- كفانا الله شر العجز، والشابات هي صارت خبيثة والعياذ بالله، كافرة بالله لكنها كاتمة لذلك؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة التحريم أيش؟ قال: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] ليست خيانة شهوة وزِنى، ولكن خيانة كفر؛ ولهذا قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] لم تشعراهما بكفر، فما علم بكفرهما.
* طالب: هي كانت مؤيدة لفعل القوم؟
* الشيخ: إي، هذا إقرار بالكفر، هي كافرة ومؤيدة أيضًا زيادة.
والإقرار (﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين)، الغابر يُطلَق على معانٍ، منها الباقي، ومنها الماضي أيضًا، فيكون فيه ما يُسمَّى بالأضداد؛ لأن اللغة فيها كلمات تصلح للشيء ولضده؛ تسمى الأضداد.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ بعد أن انتهينا لوطًا وأهله. ﴿دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾؛ لأنه بعد أن أمر أن يسير بأهله ليلًا ويخرج من البلدة إلا امرأته، دمر الله هذه البلدة؛ يعني فخرج، ثم دُمِّرت.
﴿الْآخَرِينَ﴾ المراد به مَنْ؟ قومه. قال المؤلف: (أهلكناهم).
(﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ حجارة. قال: من جملة الإهلاك)، من جملة الإهلاك أن الله سبحانه وتعالى أمطر عليهم مطرًا، والظاهر لي أن قوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ عطف تفسير على قوله: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا﴾؛ لأن هذا هو الذي دُمِّروا به، أن الله أمطر عليهم مطرًا، وما هو المطر؟ ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود ٨٢]: متتابع، مسومة عند الله.
يقول تعالى: (﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مطرهم) ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: مطر هؤلاء القوم وإنما قال: ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾؛ لبيان أنها قد قامت عليم الحجة ولم يمطروا بالعذاب إلا بعد أن أُعذِر منهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بهذه الحجارة؛ بالتدمير بالحجارة، وليس بالقلب، كذا؟
* طالب: في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بالحجارة.
* الشيخ: وليس بالقلْب، كما هو مشهور عند أهل العلم وكثير من المفسرين أن بلادهم حُمِلت إلى عنان السماء، ثم قُلِبَت، هذا ما في القرآن ما يدل عليه، ما في القرآن إلا: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤]، وجعل العالي هو السافل يكون بغير القلب، فإن هذه الحجارة إذا نزلت على المنازل وهدمتها صار العالي من المنازل صار سافلًا، ثم إنها إذا قُلِبت مثلًا وصار الناس في باطن الأرض فما قيمة الحجارة حينئذٍ؟ ما لها قيمة.
والمهم أنه ليس في الأمر عن النبي ﷺ ما يدل على أن أرضهم حُمِلت وقُلِبت، وما دام أنه ليس في الأمر ما يدل على ذلك فالأولى أن يقال: إنهم دُمِّروا بهذه الحجارة والإشكال الذي في قوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤] ينحل بقولنا: إنها إذا تهدمت البيوت صار العالي سافلًا، صار أعلاها سافلًا.
* ويستفاد من هذه القصة: أولًا: السعادة في توحيد الله، والأمر بتقواه إلى آخره، هذا سبق، والإخلاص في الدعوة لله سبحانه وتعالى، وأنه لا ينبغي للداعي أن يأخذ على دعوته أجرًا، كل هذا سبق، لكن يستفاد به أن من بني آدم من تُقلب طبيعته وفطرته حتى يستحسن الخبيث؛ لأن هؤلاء هذه حالهم.
* وفيه أيضًا: زيادة الإنكار فيما إذا كان للإنسان مندوحة عن الحرام؛ لقوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾.
* وفي الآية دليل: على جواز الاستمتاع بالزوجة استمتاعًا مطلقًا؛ لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ﴾.
* وفيه دليل: على أن من تجاوز الحلال إلى الحرام فهو عادٍ ظالم لنفسه ولغيره؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.
* وفيه دليل: على أن المعاندين للرسل إنما يلجؤون إلى قوتهم وسلطتهم لا إلى العقل والإقناع؛ لقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾، وقال ذلك قوم نوح: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء ١١٦]، لكن عذاب آخر، وكذلك أيضًا قاله فرعون، لمن؟ لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، وقاله آزر لابنه إبراهيم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم ٤٦]، كل هذا مما يدل على أن هؤلاء الذين يهددون بالسلطة لا بالإقناع والعقل، هؤلاء لا حُجَّة لهم.
* وفيه دليل: على أنه يجب على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله؛ لأن هذه طريقة الرسل؛ ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾.
* وفيه دليل: على أنه لا غنى لأحد عن دعاء الله ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾، وأما قول بعض العارفين الجاهلين: علمه بحالي يغني عن سؤالي، فهذا قول باطل، الله يعلم بحال كل أحد، ومع ذلك ما زالت الرسل وأتباعهم يدعون الله تبارك وتعالى.
* وفيه دليل: على وجود الرب سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿رَبِّ نَجِّنِي﴾ ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾، وهذا دليل حسي ظاهر.
* وفيه دليل: على إجابة الله للدعاء، وهذه الإجابة تتضمن عدة صفات؛ تتضمن العلم، والقدرة، والرحمة.
* وفيه دليل: على أن الله سبحانه وتعالى ينقد أهل الحق إهلاك الكافرين، ويهلك الكافرين ولو كانوا في أحضان أهل الحق؛ لأن الله أنجا لوطًا، وأهلك امرأته وهي في أحضانه، وهذا هو السر في قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] التعبير القرآني، المؤمنون نجوا ولَّا لا؟ لكن البيت المسلم ما نجا كله، المرأة التي كانت تتظاهر بالدِّين وهي مسلمة ظاهرًا، هذه ما نجت؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ﴾ منين؟ ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فالبيت هذا أهله مسلمون، لكن ليس كلهم مؤمنين، كان فيهم هذه المرأة العجوز، كانت كافرة، وليس في الآيه دليل كما يقول بعض الناس، ليس فيها دليل على أن الإيمان هو الإسلام؛ لأن فرق بين هذا وهذا.
* وفي الآية أيضًا دليل: على أن القرب من الأنبياء والأولياء لا يغني الإنسان شيئًا، منين نأخذه؟ من أن هذه زوجة نبي ومع ذلك هلكت مع من هلك، فكون الإنسان قريبًا من إنسان ولي لله لا يفيده شيئًا، أبو لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك ما نزل من القرآن في أحد معين من الكفار سوى أبي لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام، وما نزل القرآن في تسمية شخص بعينه من المسلمين إلا في زيد بن الحارث مولى من الموالي من أبعد ما يكون عن الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وبهذا يتبين أن القرب قرب النسب، وقرب المصاهرة وغيره لا يغني عن الإنسان شيئًا، وتأمل آية سورة التحريم، نزلت فيها قصة: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم ١٠] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ لأن عائشة وحفصة اللتين تظاهرا على النبي ﷺ قد يغترا بقربهما من الرسول ﷺ فيعملا ما عملاه، فبين الله سبحانه وتعالى أنه لا تنفعهما صلتهما بالنبي ﷺ.
* وفي هذا دليل: على أن عقوبة الله سبحانه وتعالى تتنوع حسب العمل؛ لأن هنا أُمطِروا مطرًا حتى هُدِّمت منازلهم وصار عاليها سافلها، ثم خُصف بها فيما بعد؛ ولذلك الآن هي بُحيرة اسمها الآن بحيرة لوط، معروفة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكنه بحر ميت؛ لأنه غير متصل بالبحار.
* طالب: (...) البحر الميت.
* الشيخ: ويكون أيضًا ماء يعيش فيه السمك والحوت في مثل ما يعيش فيه غيره، وفيه لكن مو مثل غيره؛ لأنهم (...) بحار عميقة، فلا يكون في ذلك شيء صغير وكبير.
* طالب: (...) عاد مثلًا؟
* الشيخ: إي، عاد ممكن على أساس أنه خصف به.
وفي هذا استدل بعض العلماء أخذًا من هذه القصة أن اللوطي يُقتل بأن يُرمى بالحجارة حتى يموت قياسًا على رمي الله تعالى على هؤلاء بالحجارة، والمسألة كما أشرنا إليه سابقًا فيها خلاف؛ من العلماء من قال: أن اللوطي لا يُتعرَّض له، ولا يقال له شيء؛ هذا قول. والقول الثاني: أنه يُعزَّر بالضرب والحبس وما أشبه ذلك.
والقول الثالث: أنه كالزاني، إن كان محصنًا رُجِم، وإن كان غير محصن جُلِد وغُرِّب.
والقول الرابع: أنه يقتل بكل حال سواء كان محصن أم غير محصن ولكن كيف يقتل؟ قيل: بالرجم، وقيل: بالسيف، وقيل: بالتحريق، وقيل: بإلقائه من شاهق وإتباعه الحجارة، وهذا الأخير القول الخامس، أظن أربعة، القول الرابع هو الذي اتفق عليه الصحابة أنه يُقتل.
أولًا: لا يتعرض له، أنه يُعزَّر، أن حده كحد الزاني، الرابع: أنه يقتل بكل حال، ثم اختلفوا في صفة القتل، وهذا القول هو الصحيح المتعيِّن؛ أنه يُقتل بكل حال فاعلًا كان أم مفعولًا به، إذا كان بالغًا عاقلًا؛ لأن هذا ليس كالزنى أشد وأعظم؛ ولأنه أمر لا يُمكن التحرز منه بخلاف الزنى، الزنى يمكن التحرز منه، لكن هذا لا يمكن فإنه لو أن خبيثًا أمسك بيد أمرد ما أحد يقوله، أيش الأمر هذا؟ وليش تمسك إيده، وما أشبه ذلك؟ فهو أمر لا يتحرز منه، يأتي في نوادي الرجال وغيرها، فهذا هو الصواب المقطوع به.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، أن الصحابة أجمعوا على قتله، أما من قال: إنه لا يتعرض له أيش حجته؟ قال: لأن هذا مما تنفر عنه الطباع، وما تنفر عنه الطباع يُكتفى بالرادع الطبيعي، كما قلنا: إن شارب البول لا يتعرض له، وشارب الخمر يُجلد؛ لأن الخمر تدعو النفس إليه، وهذا لا تدعو النفس إليه.
هذا قول باطل لا الأصل ولا الفرع، فإن قوله: (إنها لا تدعو النفوس إليه)، نقول: صحيح، النفوس السليمة لا شك لا تدعو إليه، وتستهجنه، وتستقبحه، لكن ألا يوجد هناك نفوس خبيثة؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: شهواه أكثر من النساء، شهواه -والعياذ بالله- أكثر من النساء، يهجرون نساءهم في فروجهن، ويذهبون إلى هذه الفعلة الفاحشة.
ثانيًا: قوله: إن البول لا يُعزَّر على شربه ويُكتفى بالرادع الطبيعي، هذا باطل أيضًا، بل يجب أن يُعزَّر على فعله، ومن رأيناه يشرب بولًا يجب أن نعزره؛ لأنه فعل محرمًا، والتعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ فالصواب أنه يُقتل بكل حال والله المستعان.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لا يعذب بالنار إلا الله سبحانه وتعالى[[أخرجه البخاري (٢٩٥٤) من حديث أبي هريرة.]]، لكن كأنهم رأوا لعِظَم هذا الفعل، وأن المقصود بالتعذيب بالنار في الأمور التي دون هذا وإلا فقد وقع ذلك في أبي بكر رضي الله عنه، ومن عبد الملك بن مروان؛ ثلاثة من الخلفاء كلهم اتفقوا عليه.
* طالب: الراجح؟
* الشيخ: الراجح الرجم.
* الطالب: قوله: (...).
* الشيخ: لا، ما فيه إلا كلام المؤرخين.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: حد لوطي؛ يعني الْمُحصَن يُرجم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، إحنا قلنا: إن حده القتل بكل حال؛ يعني لو يتلوَّط من له سبع عشرة سنة كمن له ست عشرة سنة قُتِلا جميعًا، وإن كان ما لهم زوجان لو ما تزوجوا.
* الطالب: رواية المذهب هذه.
* الشيخ: المذهب ضعيف في هذه المسألة.
* الطالب: (...) الرواية الثانية.
* الشيخ: وين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فيه قول ثانٍ اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ما أدري فيه رواية عن أحمد ولَّا قول..، يعني ما فيه وجه قوي للأصحاب هذا، وممن قال به شيخ الإسلام، لكن كونه رواية ما أدري.
* طالب: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [الحجر ٧١].
* الشيخ: إي، يعني أزوجكم إياهن.
* الطالب: (...).
* الشيخ: بعض المفسرين قال: بناتي؛ يعني بذلك بنات الأمة؛ لأن الرسول أب لقومه، فيكون لهم بمنزلة الأب.
* الطالب: وجيه هذا؟
* الشيخ: ما هو بوجيه لكن اللي دعاهم إلى هذا قالوا: إن بناته مسلمات مؤمنات، وهؤلاء كفار، والكافر لا يتزوج بالمؤمنة فيقال: الجواب على هذا إما أن شريعتهم تبيح ذلك، أو أن معنى ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ يعني فأسلموا وتزوجوهن ويكون المعنى مفهومًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: كم هم اللي جايين؟ ما يخالف، كم اللي جايين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يقينه جاي الناس.
* الطالب: جاي الناس.
* الشيخ: لأنهم ذهبوا يبشر بعضهم بعضًا بهؤلاء القوم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، المهم..
* الطالب: جاء أهل المدينة (...).
* الشيخ: إي نعم، ما يخالف لكن ما هو بالمعنى أنه بيقسم بناته على كل المدينة قطعًا، لكن المعنى أني أزوجكم بناتي وإن لم يتزوج منكم عدد يقابل بناتي فالباقي يخدوا من النساء (...).
ثم إن هذا بالحقيقة كأنه يقول: أنا أحافظ على ضيوفي أكثر مما أحافظ على أي شيء آخر؛ يعني فإني أبغي أحميهم حتى إني أتنازل عن بناتي أزوجهن من أجل المحافظة على هؤلاء الضيوف؟
* طالب: دليل من قال بإلقاء (...)؟
* الشيخ: بناءً على أن القرى هذه يعني رُفِعت، ثم قُلِبَت.
الشعراء 26:174
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦٠، ١٦١].
قوم لوط هؤلاء في قرية يقال لها: سدوم من أرض فلسطين، ولوط كما هو يقول المؤرخون: ابن أخي إبراهيم، فيكون إبراهيم عمه، أرسله الله تعالى إلى أهل هذه القرية، وكانوا مع كفرهم بالله سبحانه وتعالى يعملون عملًا فاحشًا يعتبر من أخبث الأعمال والعياذ بالله، وقد سماه الله تعالى خبيثًا في قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء ٧٤] فهو (...)؛ لأنه قبيح عقلًا وفطرة وشرعًا، هذا العمل الذي يعملونه هو أنهم يأتون الذكران والعياذ بالله كما يأتون النسوة.
وهنا يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦١ - ١٦٤]، هذه كلها سبق الكلام عليها.
وكل الرسول يُرسَلون أولًا بتحقيق التوحيد ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل ٣٦].
هذا الأصل كل الرسل يُرسلون به، لكن هناك أنواع معينة من المعاصي يرتكبها بعض الأمم، يُركِّز عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام ففيما سبق بل فيما ذُكِر الآن في قوم لوط كان جرمهم الخاص هو هذه الفاحشة؛ ولهذا قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، الاستفهام هذا للتوبيخ والإنكار.
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ أي: الذكور، جمع (ذَكَر).
﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ بيان للذُّكْران؛ أي: من (الناس) سواء كانوا من قبيلتكم، أو من غير قبيلتكم؛ ولهذا لم يقل: أتأتون الذكران منكم بل قال: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلى أنهم -والعياذ بالله- لا يتحاشون عن أحد فهم مثل الكلاب، ثم مع ذلك زيادة على خبثهم أنهم تركوا النعمة التي خلقها الله لهم ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾.
فلو كنتم تأتون الذكران من العالمين؛ لأنكم مضطرون لذلك وليس لكم من الحلال ما يغنيكم لكان الأمر أهون، لكن لكم من الحلال من يُغنيكم فكيف تأتون الخبائث وتذرون الطيبات؟ ولهذا قال: ﴿وَتَذَرُونَ﴾ هي داخلة في مضمون الاستفهام؛ يعني وأتذرون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ (تَذَرُونَ) بمعنى: تتركون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾؛ أي: (أقبالهن) تفسير لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾؛ يعني تأتون الذي خُلِق لكم من الأزواج وهو القُبُل، هذا ما ذهب إليه المؤلف، والصواب خلاف هذا؛ الصواب أن ﴿مِنْ﴾ بيان لـ﴿مَا﴾؛ أي: ما خلق لكم ربكم من الأزواج؛ يعني: وتذرون الأزواج، هذا المعنى، ما هو بأقبالهن، تذرون الأزواج أي: ما خلق الله لكم من الأزواج.
وفرق بين ما ذكرت وبين ما ذهب إليه المؤلف؛ يعني كأنه يقول: تذرون فروج النساء، ولكن لو قال: أتأتون أدبار الذكور لكان نعم، وتذرون فروج النساء ولَّا لا؟ لكن لما قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ يكون المناسب: وتدعون النساء لكن قال: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ دون قوله: أزواجكم؛ إشارة إلى أن الله تعالى هيأ هذه الزوجة للذَّكَر يتمتع بها كما يشاء إلا فيما حرم الله من الدبر مثلًا؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٥، ٦]، وهذا يدل إباحة الاستمتاع للرجل بامرأته إباحة مطلقة بلا حدود، ما عدا أمرين؛ الدبر والفرْج في الحيض، وما سوى ذلك فكل شيء مُباح، هذا يزيد الأمر قبحًا إلى قُبحه حيث يدعون الطَّيِّب ويأتون الخبيث.
وفي قوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ﴾ الفائدة المعنوية اللي أشرنا إليها وهي زيادة القبح، والثانية: اللفظية ما هي؟ الطباق لِذِكْر الأمر ومقابله، المعنى ومقابله (تأتون وتذرون).
وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ اللام للإباحة أو للتعليل؛ أي: خلق لأجلكم ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ أباح لكم.
وقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى هو المتصرف فيه، الذي (...).
* الطالب: المعية، معناها..
* الشيخ: اللام في ﴿لَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ﴿بَلْ﴾ للإضراب ولكن ما هو الإضراب الذي حصل؟ يعني ما هو الْمُضْرَب عنه؟ كأنه قال: لا تأتون الذكران فطرةً ولا عملًا عاديًّا محبوبًا إلى الفِطَر، ولكن الذي حملكم على هذا هو العدوان المجرد والعياذ بالله، متجاوزين الحلال إلى الحرام، بيَّن لهم لوط عليه السلام أن ما فعلوه أمر مستنكر عقلًا، ومستنكر شرعًا وعرفًا؛ لأن العدوان لا شك أن كل أحد ينكره، وهؤلاء معتدون.
ومن الغريب أن الفاعل منهم اليوم قد كان مفعولًا به بالأمس، والمفعول به اليوم يكون فاعلًا في المستقبل، وهذا غاية ما يكون من العدوان، وسبحان الله كيف أن هؤلاء الجماعة -نسأل الله السلامة- يرى الإنسان ولده أو أخاه الصغير تُفعل فيه الفاحشة ولا يبالي بهذا؟! والظاهر أنهم يفعلونها جهرًا؛ لقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت ٢٩]، فهم لا يبالون والعياذ بالله أن يركب بعضهم بعضًا جهارًا؛ فهذا غاية ما يكون من السخط.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، وما هي من الظالمين ببعيد، بعدئذٍ الجواب على: (﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ﴾ عن إنكارك علينا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ من بلادنا).
هذا الجواب القبيح ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن أيش؟ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ أبلغ من قوله: لنخرجنك؛ كأنهم يهددونه بما هو أعظم ترويعًا له؛ يعني أننا أخرجنا غيرك، وستكون أنت من جملة المخرَجِين؛ لأن لنا القدرة وسلطة على إخراجك.
وفي قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ تأكيد بالقسم واللام ونون التوكيد ﴿لَئِنْ﴾؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم.
﴿لَتَكُونَنَّ﴾ اللام واقعة في جواب القسم، والجواب الموجود هنا للقسم ولَّا للشرط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الآن السؤال هل هو للقسم ولَّا للشرط؟
* طلبة: للقسم.
* الشيخ: للقسم.
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــــوَابَ مــا أخَّــــــرْتَ فَهْــــوَمُلْـــتَزَمْ
(﴿قَالَ﴾ لهم لوط عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ المبغضين)، هذا فيه نوع من التحدي لهم؛ يعني إن أخرجتموني فأنا راضٍ بذلك، ولا يهمني إخراجي، لماذ؟ لأني لعملكم من القالين، والإنسان المبغض لعمل قوم هل يحب أن يبقى معهم؟ لا يحب أن يبقى معهم، فكأنه يقول: أنا لا يهمني إذا خرجت؛ لأنني لا أرغب في المقام معكم وأنتم على هذا العمل الخبيث الذي أبغضه، والإنسان أشد ما يكون عليه أن يبقى مع قوم يكرههم، يقول المتنبي:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى ∗∗∗ عَـــــــــــــدُوًّا لَهُ مَــا مِنْصَــــــدَاقَتِهِ بُـــدُّ
وهذا صحيح؛ أن تبقى مع قوم تكره أفعالهم هذا صعب على النفوس، فكأنه يقول: أنا أرغب هذا، ومستعد له، ولا أبالي بإخراجكم، وفي هذا دليل..
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...).
* وفيه دليل: على أنه يجب على كل مؤمن أن يبغض عملهم؛ عمل هؤلاء القوم؛ لأن الرسل يقلونه يبغضونه، وهذه هو فائدة الجمع، ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾؛ أي: المبغضين له، وإن كان هو ما فيه إلا قليل من الذين آمنوا معه ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]؛ يعني أنه ما آمن معه أحد إلا أهل بيته، ولا هم كلهم بعد، امرأته كانت من الكافرين.
﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ يقوله المؤلف: (من عذابه)، ولا شك أن هذا التأويل قاصر؛ لأن ﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من فعله، ومن عذابه أيضًا، ولا يمتنع أن يسأل الله تعالى أن ينجيه من هذا العمل، لا يمتنع ذلك أبدًا وإن كان الرسل لا يمكن أن يعملوه؛ لأن الصواب المقطوع به أنهم معصومون مما يُخِل بالشرف والكرامة، وعمل قوم لوط، هذا يخل بالشرف، لكنه هو دعا لنفسه وأهله ﴿نَجِّنِي وَأَهْلِي﴾ وأهله معصومون من ذلك؟ ليسوا معصومين، الصواب أنه سأل الله أن ينجيه من عملهم ومن عذابهم.
قال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾، الفاء للتفريع؛ يعني فتفريعًا على دعوته أجيب: نجيناه وأهله أجمعين.
(﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ امرأته ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين أهلكنا)؟
* طالب: (أهلكناها).
* الشيخ: (أهلكناها) اللي عندي أحسن، كأنه يريد إن (أهلكنا) مُسَلَّط على قوله: ﴿عَجُوزًا﴾ إلا عجوزًا أهلكنا؛ يعني إلا أن أهلكنا عجوزًا، واللي عندكم أيضًا لها معنى أوضح؛ لأنه إذا قال: الباقين أهلكنا قد يظن الظان أن المراد أهلك الباقين.
على كل حال استجاب الله دعوته فنجاه وأهله. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على أن الأهل كانوا عددًا كثيرًا، والصحيح أننا لا ندري كم عددهم، إنما أهله ولكن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على الكثرة؛ لأن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ هذه جمع، أدنى ما يُقال فيه ثلاثة، مع أن هذه الكلمة ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تدل على جماعة؛ جماعة مستكثرة.
وقوله: ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ شوف -والعياذ بالله- هذه المرأة عجوز كبيرة في السن، وكان الذي ينبغي لكبير السن أن يكون منيبًا إلى الله عز وجل؛ لأنه قريب من الموت، هو أقرب إلى الموت من الشاب، ولكن -والعياذ بالله- كفانا الله شر العجز، والشابات هي صارت خبيثة والعياذ بالله، كافرة بالله لكنها كاتمة لذلك؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة التحريم أيش؟ قال: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] ليست خيانة شهوة وزِنى، ولكن خيانة كفر؛ ولهذا قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] لم تشعراهما بكفر، فما علم بكفرهما.
* طالب: هي كانت مؤيدة لفعل القوم؟
* الشيخ: إي، هذا إقرار بالكفر، هي كافرة ومؤيدة أيضًا زيادة.
والإقرار (﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين)، الغابر يُطلَق على معانٍ، منها الباقي، ومنها الماضي أيضًا، فيكون فيه ما يُسمَّى بالأضداد؛ لأن اللغة فيها كلمات تصلح للشيء ولضده؛ تسمى الأضداد.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ بعد أن انتهينا لوطًا وأهله. ﴿دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾؛ لأنه بعد أن أمر أن يسير بأهله ليلًا ويخرج من البلدة إلا امرأته، دمر الله هذه البلدة؛ يعني فخرج، ثم دُمِّرت.
﴿الْآخَرِينَ﴾ المراد به مَنْ؟ قومه. قال المؤلف: (أهلكناهم).
(﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ حجارة. قال: من جملة الإهلاك)، من جملة الإهلاك أن الله سبحانه وتعالى أمطر عليهم مطرًا، والظاهر لي أن قوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ عطف تفسير على قوله: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا﴾؛ لأن هذا هو الذي دُمِّروا به، أن الله أمطر عليهم مطرًا، وما هو المطر؟ ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود ٨٢]: متتابع، مسومة عند الله.
يقول تعالى: (﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مطرهم) ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: مطر هؤلاء القوم وإنما قال: ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾؛ لبيان أنها قد قامت عليم الحجة ولم يمطروا بالعذاب إلا بعد أن أُعذِر منهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بهذه الحجارة؛ بالتدمير بالحجارة، وليس بالقلب، كذا؟
* طالب: في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بالحجارة.
* الشيخ: وليس بالقلْب، كما هو مشهور عند أهل العلم وكثير من المفسرين أن بلادهم حُمِلت إلى عنان السماء، ثم قُلِبَت، هذا ما في القرآن ما يدل عليه، ما في القرآن إلا: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤]، وجعل العالي هو السافل يكون بغير القلب، فإن هذه الحجارة إذا نزلت على المنازل وهدمتها صار العالي من المنازل صار سافلًا، ثم إنها إذا قُلِبت مثلًا وصار الناس في باطن الأرض فما قيمة الحجارة حينئذٍ؟ ما لها قيمة.
والمهم أنه ليس في الأمر عن النبي ﷺ ما يدل على أن أرضهم حُمِلت وقُلِبت، وما دام أنه ليس في الأمر ما يدل على ذلك فالأولى أن يقال: إنهم دُمِّروا بهذه الحجارة والإشكال الذي في قوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤] ينحل بقولنا: إنها إذا تهدمت البيوت صار العالي سافلًا، صار أعلاها سافلًا.
* ويستفاد من هذه القصة: أولًا: السعادة في توحيد الله، والأمر بتقواه إلى آخره، هذا سبق، والإخلاص في الدعوة لله سبحانه وتعالى، وأنه لا ينبغي للداعي أن يأخذ على دعوته أجرًا، كل هذا سبق، لكن يستفاد به أن من بني آدم من تُقلب طبيعته وفطرته حتى يستحسن الخبيث؛ لأن هؤلاء هذه حالهم.
* وفيه أيضًا: زيادة الإنكار فيما إذا كان للإنسان مندوحة عن الحرام؛ لقوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾.
* وفي الآية دليل: على جواز الاستمتاع بالزوجة استمتاعًا مطلقًا؛ لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ﴾.
* وفيه دليل: على أن من تجاوز الحلال إلى الحرام فهو عادٍ ظالم لنفسه ولغيره؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.
* وفيه دليل: على أن المعاندين للرسل إنما يلجؤون إلى قوتهم وسلطتهم لا إلى العقل والإقناع؛ لقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾، وقال ذلك قوم نوح: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء ١١٦]، لكن عذاب آخر، وكذلك أيضًا قاله فرعون، لمن؟ لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، وقاله آزر لابنه إبراهيم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم ٤٦]، كل هذا مما يدل على أن هؤلاء الذين يهددون بالسلطة لا بالإقناع والعقل، هؤلاء لا حُجَّة لهم.
* وفيه دليل: على أنه يجب على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله؛ لأن هذه طريقة الرسل؛ ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾.
* وفيه دليل: على أنه لا غنى لأحد عن دعاء الله ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾، وأما قول بعض العارفين الجاهلين: علمه بحالي يغني عن سؤالي، فهذا قول باطل، الله يعلم بحال كل أحد، ومع ذلك ما زالت الرسل وأتباعهم يدعون الله تبارك وتعالى.
* وفيه دليل: على وجود الرب سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿رَبِّ نَجِّنِي﴾ ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾، وهذا دليل حسي ظاهر.
* وفيه دليل: على إجابة الله للدعاء، وهذه الإجابة تتضمن عدة صفات؛ تتضمن العلم، والقدرة، والرحمة.
* وفيه دليل: على أن الله سبحانه وتعالى ينقد أهل الحق إهلاك الكافرين، ويهلك الكافرين ولو كانوا في أحضان أهل الحق؛ لأن الله أنجا لوطًا، وأهلك امرأته وهي في أحضانه، وهذا هو السر في قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] التعبير القرآني، المؤمنون نجوا ولَّا لا؟ لكن البيت المسلم ما نجا كله، المرأة التي كانت تتظاهر بالدِّين وهي مسلمة ظاهرًا، هذه ما نجت؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ﴾ منين؟ ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فالبيت هذا أهله مسلمون، لكن ليس كلهم مؤمنين، كان فيهم هذه المرأة العجوز، كانت كافرة، وليس في الآيه دليل كما يقول بعض الناس، ليس فيها دليل على أن الإيمان هو الإسلام؛ لأن فرق بين هذا وهذا.
* وفي الآية أيضًا دليل: على أن القرب من الأنبياء والأولياء لا يغني الإنسان شيئًا، منين نأخذه؟ من أن هذه زوجة نبي ومع ذلك هلكت مع من هلك، فكون الإنسان قريبًا من إنسان ولي لله لا يفيده شيئًا، أبو لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك ما نزل من القرآن في أحد معين من الكفار سوى أبي لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام، وما نزل القرآن في تسمية شخص بعينه من المسلمين إلا في زيد بن الحارث مولى من الموالي من أبعد ما يكون عن الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وبهذا يتبين أن القرب قرب النسب، وقرب المصاهرة وغيره لا يغني عن الإنسان شيئًا، وتأمل آية سورة التحريم، نزلت فيها قصة: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم ١٠] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ لأن عائشة وحفصة اللتين تظاهرا على النبي ﷺ قد يغترا بقربهما من الرسول ﷺ فيعملا ما عملاه، فبين الله سبحانه وتعالى أنه لا تنفعهما صلتهما بالنبي ﷺ.
* وفي هذا دليل: على أن عقوبة الله سبحانه وتعالى تتنوع حسب العمل؛ لأن هنا أُمطِروا مطرًا حتى هُدِّمت منازلهم وصار عاليها سافلها، ثم خُصف بها فيما بعد؛ ولذلك الآن هي بُحيرة اسمها الآن بحيرة لوط، معروفة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكنه بحر ميت؛ لأنه غير متصل بالبحار.
* طالب: (...) البحر الميت.
* الشيخ: ويكون أيضًا ماء يعيش فيه السمك والحوت في مثل ما يعيش فيه غيره، وفيه لكن مو مثل غيره؛ لأنهم (...) بحار عميقة، فلا يكون في ذلك شيء صغير وكبير.
* طالب: (...) عاد مثلًا؟
* الشيخ: إي، عاد ممكن على أساس أنه خصف به.
وفي هذا استدل بعض العلماء أخذًا من هذه القصة أن اللوطي يُقتل بأن يُرمى بالحجارة حتى يموت قياسًا على رمي الله تعالى على هؤلاء بالحجارة، والمسألة كما أشرنا إليه سابقًا فيها خلاف؛ من العلماء من قال: أن اللوطي لا يُتعرَّض له، ولا يقال له شيء؛ هذا قول. والقول الثاني: أنه يُعزَّر بالضرب والحبس وما أشبه ذلك.
والقول الثالث: أنه كالزاني، إن كان محصنًا رُجِم، وإن كان غير محصن جُلِد وغُرِّب.
والقول الرابع: أنه يقتل بكل حال سواء كان محصن أم غير محصن ولكن كيف يقتل؟ قيل: بالرجم، وقيل: بالسيف، وقيل: بالتحريق، وقيل: بإلقائه من شاهق وإتباعه الحجارة، وهذا الأخير القول الخامس، أظن أربعة، القول الرابع هو الذي اتفق عليه الصحابة أنه يُقتل.
أولًا: لا يتعرض له، أنه يُعزَّر، أن حده كحد الزاني، الرابع: أنه يقتل بكل حال، ثم اختلفوا في صفة القتل، وهذا القول هو الصحيح المتعيِّن؛ أنه يُقتل بكل حال فاعلًا كان أم مفعولًا به، إذا كان بالغًا عاقلًا؛ لأن هذا ليس كالزنى أشد وأعظم؛ ولأنه أمر لا يُمكن التحرز منه بخلاف الزنى، الزنى يمكن التحرز منه، لكن هذا لا يمكن فإنه لو أن خبيثًا أمسك بيد أمرد ما أحد يقوله، أيش الأمر هذا؟ وليش تمسك إيده، وما أشبه ذلك؟ فهو أمر لا يتحرز منه، يأتي في نوادي الرجال وغيرها، فهذا هو الصواب المقطوع به.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، أن الصحابة أجمعوا على قتله، أما من قال: إنه لا يتعرض له أيش حجته؟ قال: لأن هذا مما تنفر عنه الطباع، وما تنفر عنه الطباع يُكتفى بالرادع الطبيعي، كما قلنا: إن شارب البول لا يتعرض له، وشارب الخمر يُجلد؛ لأن الخمر تدعو النفس إليه، وهذا لا تدعو النفس إليه.
هذا قول باطل لا الأصل ولا الفرع، فإن قوله: (إنها لا تدعو النفوس إليه)، نقول: صحيح، النفوس السليمة لا شك لا تدعو إليه، وتستهجنه، وتستقبحه، لكن ألا يوجد هناك نفوس خبيثة؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: شهواه أكثر من النساء، شهواه -والعياذ بالله- أكثر من النساء، يهجرون نساءهم في فروجهن، ويذهبون إلى هذه الفعلة الفاحشة.
ثانيًا: قوله: إن البول لا يُعزَّر على شربه ويُكتفى بالرادع الطبيعي، هذا باطل أيضًا، بل يجب أن يُعزَّر على فعله، ومن رأيناه يشرب بولًا يجب أن نعزره؛ لأنه فعل محرمًا، والتعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ فالصواب أنه يُقتل بكل حال والله المستعان.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لا يعذب بالنار إلا الله سبحانه وتعالى[[أخرجه البخاري (٢٩٥٤) من حديث أبي هريرة.]]، لكن كأنهم رأوا لعِظَم هذا الفعل، وأن المقصود بالتعذيب بالنار في الأمور التي دون هذا وإلا فقد وقع ذلك في أبي بكر رضي الله عنه، ومن عبد الملك بن مروان؛ ثلاثة من الخلفاء كلهم اتفقوا عليه.
* طالب: الراجح؟
* الشيخ: الراجح الرجم.
* الطالب: قوله: (...).
* الشيخ: لا، ما فيه إلا كلام المؤرخين.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: حد لوطي؛ يعني الْمُحصَن يُرجم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، إحنا قلنا: إن حده القتل بكل حال؛ يعني لو يتلوَّط من له سبع عشرة سنة كمن له ست عشرة سنة قُتِلا جميعًا، وإن كان ما لهم زوجان لو ما تزوجوا.
* الطالب: رواية المذهب هذه.
* الشيخ: المذهب ضعيف في هذه المسألة.
* الطالب: (...) الرواية الثانية.
* الشيخ: وين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فيه قول ثانٍ اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ما أدري فيه رواية عن أحمد ولَّا قول..، يعني ما فيه وجه قوي للأصحاب هذا، وممن قال به شيخ الإسلام، لكن كونه رواية ما أدري.
* طالب: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [الحجر ٧١].
* الشيخ: إي، يعني أزوجكم إياهن.
* الطالب: (...).
* الشيخ: بعض المفسرين قال: بناتي؛ يعني بذلك بنات الأمة؛ لأن الرسول أب لقومه، فيكون لهم بمنزلة الأب.
* الطالب: وجيه هذا؟
* الشيخ: ما هو بوجيه لكن اللي دعاهم إلى هذا قالوا: إن بناته مسلمات مؤمنات، وهؤلاء كفار، والكافر لا يتزوج بالمؤمنة فيقال: الجواب على هذا إما أن شريعتهم تبيح ذلك، أو أن معنى ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ يعني فأسلموا وتزوجوهن ويكون المعنى مفهومًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: كم هم اللي جايين؟ ما يخالف، كم اللي جايين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يقينه جاي الناس.
* الطالب: جاي الناس.
* الشيخ: لأنهم ذهبوا يبشر بعضهم بعضًا بهؤلاء القوم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، المهم..
* الطالب: جاء أهل المدينة (...).
* الشيخ: إي نعم، ما يخالف لكن ما هو بالمعنى أنه بيقسم بناته على كل المدينة قطعًا، لكن المعنى أني أزوجكم بناتي وإن لم يتزوج منكم عدد يقابل بناتي فالباقي يخدوا من النساء (...).
ثم إن هذا بالحقيقة كأنه يقول: أنا أحافظ على ضيوفي أكثر مما أحافظ على أي شيء آخر؛ يعني فإني أبغي أحميهم حتى إني أتنازل عن بناتي أزوجهن من أجل المحافظة على هؤلاء الضيوف؟
* طالب: دليل من قال بإلقاء (...)؟
* الشيخ: بناءً على أن القرى هذه يعني رُفِعت، ثم قُلِبَت.
الشعراء 26:175
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦٠، ١٦١].
قوم لوط هؤلاء في قرية يقال لها: سدوم من أرض فلسطين، ولوط كما هو يقول المؤرخون: ابن أخي إبراهيم، فيكون إبراهيم عمه، أرسله الله تعالى إلى أهل هذه القرية، وكانوا مع كفرهم بالله سبحانه وتعالى يعملون عملًا فاحشًا يعتبر من أخبث الأعمال والعياذ بالله، وقد سماه الله تعالى خبيثًا في قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء ٧٤] فهو (...)؛ لأنه قبيح عقلًا وفطرة وشرعًا، هذا العمل الذي يعملونه هو أنهم يأتون الذكران والعياذ بالله كما يأتون النسوة.
وهنا يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٦١ - ١٦٤]، هذه كلها سبق الكلام عليها.
وكل الرسول يُرسَلون أولًا بتحقيق التوحيد ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل ٣٦].
هذا الأصل كل الرسل يُرسلون به، لكن هناك أنواع معينة من المعاصي يرتكبها بعض الأمم، يُركِّز عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام ففيما سبق بل فيما ذُكِر الآن في قوم لوط كان جرمهم الخاص هو هذه الفاحشة؛ ولهذا قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، الاستفهام هذا للتوبيخ والإنكار.
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ أي: الذكور، جمع (ذَكَر).
﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ بيان للذُّكْران؛ أي: من (الناس) سواء كانوا من قبيلتكم، أو من غير قبيلتكم؛ ولهذا لم يقل: أتأتون الذكران منكم بل قال: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلى أنهم -والعياذ بالله- لا يتحاشون عن أحد فهم مثل الكلاب، ثم مع ذلك زيادة على خبثهم أنهم تركوا النعمة التي خلقها الله لهم ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾.
فلو كنتم تأتون الذكران من العالمين؛ لأنكم مضطرون لذلك وليس لكم من الحلال ما يغنيكم لكان الأمر أهون، لكن لكم من الحلال من يُغنيكم فكيف تأتون الخبائث وتذرون الطيبات؟ ولهذا قال: ﴿وَتَذَرُونَ﴾ هي داخلة في مضمون الاستفهام؛ يعني وأتذرون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ (تَذَرُونَ) بمعنى: تتركون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾؛ أي: (أقبالهن) تفسير لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾؛ يعني تأتون الذي خُلِق لكم من الأزواج وهو القُبُل، هذا ما ذهب إليه المؤلف، والصواب خلاف هذا؛ الصواب أن ﴿مِنْ﴾ بيان لـ﴿مَا﴾؛ أي: ما خلق لكم ربكم من الأزواج؛ يعني: وتذرون الأزواج، هذا المعنى، ما هو بأقبالهن، تذرون الأزواج أي: ما خلق الله لكم من الأزواج.
وفرق بين ما ذكرت وبين ما ذهب إليه المؤلف؛ يعني كأنه يقول: تذرون فروج النساء، ولكن لو قال: أتأتون أدبار الذكور لكان نعم، وتذرون فروج النساء ولَّا لا؟ لكن لما قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ يكون المناسب: وتدعون النساء لكن قال: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ دون قوله: أزواجكم؛ إشارة إلى أن الله تعالى هيأ هذه الزوجة للذَّكَر يتمتع بها كما يشاء إلا فيما حرم الله من الدبر مثلًا؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة ٢٢٣]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٥، ٦]، وهذا يدل إباحة الاستمتاع للرجل بامرأته إباحة مطلقة بلا حدود، ما عدا أمرين؛ الدبر والفرْج في الحيض، وما سوى ذلك فكل شيء مُباح، هذا يزيد الأمر قبحًا إلى قُبحه حيث يدعون الطَّيِّب ويأتون الخبيث.
وفي قوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ﴾ الفائدة المعنوية اللي أشرنا إليها وهي زيادة القبح، والثانية: اللفظية ما هي؟ الطباق لِذِكْر الأمر ومقابله، المعنى ومقابله (تأتون وتذرون).
وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ اللام للإباحة أو للتعليل؛ أي: خلق لأجلكم ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ أباح لكم.
وقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى هو المتصرف فيه، الذي (...).
* الطالب: المعية، معناها..
* الشيخ: اللام في ﴿لَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ﴿بَلْ﴾ للإضراب ولكن ما هو الإضراب الذي حصل؟ يعني ما هو الْمُضْرَب عنه؟ كأنه قال: لا تأتون الذكران فطرةً ولا عملًا عاديًّا محبوبًا إلى الفِطَر، ولكن الذي حملكم على هذا هو العدوان المجرد والعياذ بالله، متجاوزين الحلال إلى الحرام، بيَّن لهم لوط عليه السلام أن ما فعلوه أمر مستنكر عقلًا، ومستنكر شرعًا وعرفًا؛ لأن العدوان لا شك أن كل أحد ينكره، وهؤلاء معتدون.
ومن الغريب أن الفاعل منهم اليوم قد كان مفعولًا به بالأمس، والمفعول به اليوم يكون فاعلًا في المستقبل، وهذا غاية ما يكون من العدوان، وسبحان الله كيف أن هؤلاء الجماعة -نسأل الله السلامة- يرى الإنسان ولده أو أخاه الصغير تُفعل فيه الفاحشة ولا يبالي بهذا؟! والظاهر أنهم يفعلونها جهرًا؛ لقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت ٢٩]، فهم لا يبالون والعياذ بالله أن يركب بعضهم بعضًا جهارًا؛ فهذا غاية ما يكون من السخط.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، وما هي من الظالمين ببعيد، بعدئذٍ الجواب على: (﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ﴾ عن إنكارك علينا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ من بلادنا).
هذا الجواب القبيح ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن أيش؟ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ هذا معناه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ أبلغ من قوله: لنخرجنك؛ كأنهم يهددونه بما هو أعظم ترويعًا له؛ يعني أننا أخرجنا غيرك، وستكون أنت من جملة المخرَجِين؛ لأن لنا القدرة وسلطة على إخراجك.
وفي قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ تأكيد بالقسم واللام ونون التوكيد ﴿لَئِنْ﴾؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم.
﴿لَتَكُونَنَّ﴾ اللام واقعة في جواب القسم، والجواب الموجود هنا للقسم ولَّا للشرط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الآن السؤال هل هو للقسم ولَّا للشرط؟
* طلبة: للقسم.
* الشيخ: للقسم.
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــــوَابَ مــا أخَّــــــرْتَ فَهْــــوَمُلْـــتَزَمْ
(﴿قَالَ﴾ لهم لوط عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ المبغضين)، هذا فيه نوع من التحدي لهم؛ يعني إن أخرجتموني فأنا راضٍ بذلك، ولا يهمني إخراجي، لماذ؟ لأني لعملكم من القالين، والإنسان المبغض لعمل قوم هل يحب أن يبقى معهم؟ لا يحب أن يبقى معهم، فكأنه يقول: أنا لا يهمني إذا خرجت؛ لأنني لا أرغب في المقام معكم وأنتم على هذا العمل الخبيث الذي أبغضه، والإنسان أشد ما يكون عليه أن يبقى مع قوم يكرههم، يقول المتنبي:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى ∗∗∗ عَـــــــــــــدُوًّا لَهُ مَــا مِنْصَــــــدَاقَتِهِ بُـــدُّ
وهذا صحيح؛ أن تبقى مع قوم تكره أفعالهم هذا صعب على النفوس، فكأنه يقول: أنا أرغب هذا، ومستعد له، ولا أبالي بإخراجكم، وفي هذا دليل..
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...).
* وفيه دليل: على أنه يجب على كل مؤمن أن يبغض عملهم؛ عمل هؤلاء القوم؛ لأن الرسل يقلونه يبغضونه، وهذه هو فائدة الجمع، ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾؛ أي: المبغضين له، وإن كان هو ما فيه إلا قليل من الذين آمنوا معه ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]؛ يعني أنه ما آمن معه أحد إلا أهل بيته، ولا هم كلهم بعد، امرأته كانت من الكافرين.
﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ يقوله المؤلف: (من عذابه)، ولا شك أن هذا التأويل قاصر؛ لأن ﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من فعله، ومن عذابه أيضًا، ولا يمتنع أن يسأل الله تعالى أن ينجيه من هذا العمل، لا يمتنع ذلك أبدًا وإن كان الرسل لا يمكن أن يعملوه؛ لأن الصواب المقطوع به أنهم معصومون مما يُخِل بالشرف والكرامة، وعمل قوم لوط، هذا يخل بالشرف، لكنه هو دعا لنفسه وأهله ﴿نَجِّنِي وَأَهْلِي﴾ وأهله معصومون من ذلك؟ ليسوا معصومين، الصواب أنه سأل الله أن ينجيه من عملهم ومن عذابهم.
قال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾، الفاء للتفريع؛ يعني فتفريعًا على دعوته أجيب: نجيناه وأهله أجمعين.
(﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ امرأته ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين أهلكنا)؟
* طالب: (أهلكناها).
* الشيخ: (أهلكناها) اللي عندي أحسن، كأنه يريد إن (أهلكنا) مُسَلَّط على قوله: ﴿عَجُوزًا﴾ إلا عجوزًا أهلكنا؛ يعني إلا أن أهلكنا عجوزًا، واللي عندكم أيضًا لها معنى أوضح؛ لأنه إذا قال: الباقين أهلكنا قد يظن الظان أن المراد أهلك الباقين.
على كل حال استجاب الله دعوته فنجاه وأهله. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على أن الأهل كانوا عددًا كثيرًا، والصحيح أننا لا ندري كم عددهم، إنما أهله ولكن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدل على الكثرة؛ لأن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ هذه جمع، أدنى ما يُقال فيه ثلاثة، مع أن هذه الكلمة ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تدل على جماعة؛ جماعة مستكثرة.
وقوله: ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ شوف -والعياذ بالله- هذه المرأة عجوز كبيرة في السن، وكان الذي ينبغي لكبير السن أن يكون منيبًا إلى الله عز وجل؛ لأنه قريب من الموت، هو أقرب إلى الموت من الشاب، ولكن -والعياذ بالله- كفانا الله شر العجز، والشابات هي صارت خبيثة والعياذ بالله، كافرة بالله لكنها كاتمة لذلك؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة التحريم أيش؟ قال: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] ليست خيانة شهوة وزِنى، ولكن خيانة كفر؛ ولهذا قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] لم تشعراهما بكفر، فما علم بكفرهما.
* طالب: هي كانت مؤيدة لفعل القوم؟
* الشيخ: إي، هذا إقرار بالكفر، هي كافرة ومؤيدة أيضًا زيادة.
والإقرار (﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين)، الغابر يُطلَق على معانٍ، منها الباقي، ومنها الماضي أيضًا، فيكون فيه ما يُسمَّى بالأضداد؛ لأن اللغة فيها كلمات تصلح للشيء ولضده؛ تسمى الأضداد.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ بعد أن انتهينا لوطًا وأهله. ﴿دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾؛ لأنه بعد أن أمر أن يسير بأهله ليلًا ويخرج من البلدة إلا امرأته، دمر الله هذه البلدة؛ يعني فخرج، ثم دُمِّرت.
﴿الْآخَرِينَ﴾ المراد به مَنْ؟ قومه. قال المؤلف: (أهلكناهم).
(﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ حجارة. قال: من جملة الإهلاك)، من جملة الإهلاك أن الله سبحانه وتعالى أمطر عليهم مطرًا، والظاهر لي أن قوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ عطف تفسير على قوله: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا﴾؛ لأن هذا هو الذي دُمِّروا به، أن الله أمطر عليهم مطرًا، وما هو المطر؟ ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود ٨٢]: متتابع، مسومة عند الله.
يقول تعالى: (﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مطرهم) ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: مطر هؤلاء القوم وإنما قال: ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾؛ لبيان أنها قد قامت عليم الحجة ولم يمطروا بالعذاب إلا بعد أن أُعذِر منهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بهذه الحجارة؛ بالتدمير بالحجارة، وليس بالقلب، كذا؟
* طالب: في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بالحجارة.
* الشيخ: وليس بالقلْب، كما هو مشهور عند أهل العلم وكثير من المفسرين أن بلادهم حُمِلت إلى عنان السماء، ثم قُلِبَت، هذا ما في القرآن ما يدل عليه، ما في القرآن إلا: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤]، وجعل العالي هو السافل يكون بغير القلب، فإن هذه الحجارة إذا نزلت على المنازل وهدمتها صار العالي من المنازل صار سافلًا، ثم إنها إذا قُلِبت مثلًا وصار الناس في باطن الأرض فما قيمة الحجارة حينئذٍ؟ ما لها قيمة.
والمهم أنه ليس في الأمر عن النبي ﷺ ما يدل على أن أرضهم حُمِلت وقُلِبت، وما دام أنه ليس في الأمر ما يدل على ذلك فالأولى أن يقال: إنهم دُمِّروا بهذه الحجارة والإشكال الذي في قوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر ٧٤] ينحل بقولنا: إنها إذا تهدمت البيوت صار العالي سافلًا، صار أعلاها سافلًا.
* ويستفاد من هذه القصة: أولًا: السعادة في توحيد الله، والأمر بتقواه إلى آخره، هذا سبق، والإخلاص في الدعوة لله سبحانه وتعالى، وأنه لا ينبغي للداعي أن يأخذ على دعوته أجرًا، كل هذا سبق، لكن يستفاد به أن من بني آدم من تُقلب طبيعته وفطرته حتى يستحسن الخبيث؛ لأن هؤلاء هذه حالهم.
* وفيه أيضًا: زيادة الإنكار فيما إذا كان للإنسان مندوحة عن الحرام؛ لقوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾.
* وفي الآية دليل: على جواز الاستمتاع بالزوجة استمتاعًا مطلقًا؛ لقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ﴾.
* وفيه دليل: على أن من تجاوز الحلال إلى الحرام فهو عادٍ ظالم لنفسه ولغيره؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.
* وفيه دليل: على أن المعاندين للرسل إنما يلجؤون إلى قوتهم وسلطتهم لا إلى العقل والإقناع؛ لقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾، وقال ذلك قوم نوح: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء ١١٦]، لكن عذاب آخر، وكذلك أيضًا قاله فرعون، لمن؟ لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، وقاله آزر لابنه إبراهيم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم ٤٦]، كل هذا مما يدل على أن هؤلاء الذين يهددون بالسلطة لا بالإقناع والعقل، هؤلاء لا حُجَّة لهم.
* وفيه دليل: على أنه يجب على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله؛ لأن هذه طريقة الرسل؛ ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾.
* وفيه دليل: على أنه لا غنى لأحد عن دعاء الله ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾، وأما قول بعض العارفين الجاهلين: علمه بحالي يغني عن سؤالي، فهذا قول باطل، الله يعلم بحال كل أحد، ومع ذلك ما زالت الرسل وأتباعهم يدعون الله تبارك وتعالى.
* وفيه دليل: على وجود الرب سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿رَبِّ نَجِّنِي﴾ ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾، وهذا دليل حسي ظاهر.
* وفيه دليل: على إجابة الله للدعاء، وهذه الإجابة تتضمن عدة صفات؛ تتضمن العلم، والقدرة، والرحمة.
* وفيه دليل: على أن الله سبحانه وتعالى ينقد أهل الحق إهلاك الكافرين، ويهلك الكافرين ولو كانوا في أحضان أهل الحق؛ لأن الله أنجا لوطًا، وأهلك امرأته وهي في أحضانه، وهذا هو السر في قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] التعبير القرآني، المؤمنون نجوا ولَّا لا؟ لكن البيت المسلم ما نجا كله، المرأة التي كانت تتظاهر بالدِّين وهي مسلمة ظاهرًا، هذه ما نجت؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ﴾ منين؟ ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فالبيت هذا أهله مسلمون، لكن ليس كلهم مؤمنين، كان فيهم هذه المرأة العجوز، كانت كافرة، وليس في الآيه دليل كما يقول بعض الناس، ليس فيها دليل على أن الإيمان هو الإسلام؛ لأن فرق بين هذا وهذا.
* وفي الآية أيضًا دليل: على أن القرب من الأنبياء والأولياء لا يغني الإنسان شيئًا، منين نأخذه؟ من أن هذه زوجة نبي ومع ذلك هلكت مع من هلك، فكون الإنسان قريبًا من إنسان ولي لله لا يفيده شيئًا، أبو لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك ما نزل من القرآن في أحد معين من الكفار سوى أبي لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام، وما نزل القرآن في تسمية شخص بعينه من المسلمين إلا في زيد بن الحارث مولى من الموالي من أبعد ما يكون عن الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وبهذا يتبين أن القرب قرب النسب، وقرب المصاهرة وغيره لا يغني عن الإنسان شيئًا، وتأمل آية سورة التحريم، نزلت فيها قصة: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم ١٠] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ لأن عائشة وحفصة اللتين تظاهرا على النبي ﷺ قد يغترا بقربهما من الرسول ﷺ فيعملا ما عملاه، فبين الله سبحانه وتعالى أنه لا تنفعهما صلتهما بالنبي ﷺ.
* وفي هذا دليل: على أن عقوبة الله سبحانه وتعالى تتنوع حسب العمل؛ لأن هنا أُمطِروا مطرًا حتى هُدِّمت منازلهم وصار عاليها سافلها، ثم خُصف بها فيما بعد؛ ولذلك الآن هي بُحيرة اسمها الآن بحيرة لوط، معروفة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكنه بحر ميت؛ لأنه غير متصل بالبحار.
* طالب: (...) البحر الميت.
* الشيخ: ويكون أيضًا ماء يعيش فيه السمك والحوت في مثل ما يعيش فيه غيره، وفيه لكن مو مثل غيره؛ لأنهم (...) بحار عميقة، فلا يكون في ذلك شيء صغير وكبير.
* طالب: (...) عاد مثلًا؟
* الشيخ: إي، عاد ممكن على أساس أنه خصف به.
وفي هذا استدل بعض العلماء أخذًا من هذه القصة أن اللوطي يُقتل بأن يُرمى بالحجارة حتى يموت قياسًا على رمي الله تعالى على هؤلاء بالحجارة، والمسألة كما أشرنا إليه سابقًا فيها خلاف؛ من العلماء من قال: أن اللوطي لا يُتعرَّض له، ولا يقال له شيء؛ هذا قول. والقول الثاني: أنه يُعزَّر بالضرب والحبس وما أشبه ذلك.
والقول الثالث: أنه كالزاني، إن كان محصنًا رُجِم، وإن كان غير محصن جُلِد وغُرِّب.
والقول الرابع: أنه يقتل بكل حال سواء كان محصن أم غير محصن ولكن كيف يقتل؟ قيل: بالرجم، وقيل: بالسيف، وقيل: بالتحريق، وقيل: بإلقائه من شاهق وإتباعه الحجارة، وهذا الأخير القول الخامس، أظن أربعة، القول الرابع هو الذي اتفق عليه الصحابة أنه يُقتل.
أولًا: لا يتعرض له، أنه يُعزَّر، أن حده كحد الزاني، الرابع: أنه يقتل بكل حال، ثم اختلفوا في صفة القتل، وهذا القول هو الصحيح المتعيِّن؛ أنه يُقتل بكل حال فاعلًا كان أم مفعولًا به، إذا كان بالغًا عاقلًا؛ لأن هذا ليس كالزنى أشد وأعظم؛ ولأنه أمر لا يُمكن التحرز منه بخلاف الزنى، الزنى يمكن التحرز منه، لكن هذا لا يمكن فإنه لو أن خبيثًا أمسك بيد أمرد ما أحد يقوله، أيش الأمر هذا؟ وليش تمسك إيده، وما أشبه ذلك؟ فهو أمر لا يتحرز منه، يأتي في نوادي الرجال وغيرها، فهذا هو الصواب المقطوع به.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، أن الصحابة أجمعوا على قتله، أما من قال: إنه لا يتعرض له أيش حجته؟ قال: لأن هذا مما تنفر عنه الطباع، وما تنفر عنه الطباع يُكتفى بالرادع الطبيعي، كما قلنا: إن شارب البول لا يتعرض له، وشارب الخمر يُجلد؛ لأن الخمر تدعو النفس إليه، وهذا لا تدعو النفس إليه.
هذا قول باطل لا الأصل ولا الفرع، فإن قوله: (إنها لا تدعو النفوس إليه)، نقول: صحيح، النفوس السليمة لا شك لا تدعو إليه، وتستهجنه، وتستقبحه، لكن ألا يوجد هناك نفوس خبيثة؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: شهواه أكثر من النساء، شهواه -والعياذ بالله- أكثر من النساء، يهجرون نساءهم في فروجهن، ويذهبون إلى هذه الفعلة الفاحشة.
ثانيًا: قوله: إن البول لا يُعزَّر على شربه ويُكتفى بالرادع الطبيعي، هذا باطل أيضًا، بل يجب أن يُعزَّر على فعله، ومن رأيناه يشرب بولًا يجب أن نعزره؛ لأنه فعل محرمًا، والتعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ فالصواب أنه يُقتل بكل حال والله المستعان.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لا يعذب بالنار إلا الله سبحانه وتعالى[[أخرجه البخاري (٢٩٥٤) من حديث أبي هريرة.]]، لكن كأنهم رأوا لعِظَم هذا الفعل، وأن المقصود بالتعذيب بالنار في الأمور التي دون هذا وإلا فقد وقع ذلك في أبي بكر رضي الله عنه، ومن عبد الملك بن مروان؛ ثلاثة من الخلفاء كلهم اتفقوا عليه.
* طالب: الراجح؟
* الشيخ: الراجح الرجم.
* الطالب: قوله: (...).
* الشيخ: لا، ما فيه إلا كلام المؤرخين.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: حد لوطي؛ يعني الْمُحصَن يُرجم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، إحنا قلنا: إن حده القتل بكل حال؛ يعني لو يتلوَّط من له سبع عشرة سنة كمن له ست عشرة سنة قُتِلا جميعًا، وإن كان ما لهم زوجان لو ما تزوجوا.
* الطالب: رواية المذهب هذه.
* الشيخ: المذهب ضعيف في هذه المسألة.
* الطالب: (...) الرواية الثانية.
* الشيخ: وين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فيه قول ثانٍ اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ما أدري فيه رواية عن أحمد ولَّا قول..، يعني ما فيه وجه قوي للأصحاب هذا، وممن قال به شيخ الإسلام، لكن كونه رواية ما أدري.
* طالب: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [الحجر ٧١].
* الشيخ: إي، يعني أزوجكم إياهن.
* الطالب: (...).
* الشيخ: بعض المفسرين قال: بناتي؛ يعني بذلك بنات الأمة؛ لأن الرسول أب لقومه، فيكون لهم بمنزلة الأب.
* الطالب: وجيه هذا؟
* الشيخ: ما هو بوجيه لكن اللي دعاهم إلى هذا قالوا: إن بناته مسلمات مؤمنات، وهؤلاء كفار، والكافر لا يتزوج بالمؤمنة فيقال: الجواب على هذا إما أن شريعتهم تبيح ذلك، أو أن معنى ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ يعني فأسلموا وتزوجوهن ويكون المعنى مفهومًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: كم هم اللي جايين؟ ما يخالف، كم اللي جايين؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يقينه جاي الناس.
* الطالب: جاي الناس.
* الشيخ: لأنهم ذهبوا يبشر بعضهم بعضًا بهؤلاء القوم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، المهم..
* الطالب: جاء أهل المدينة (...).
* الشيخ: إي نعم، ما يخالف لكن ما هو بالمعنى أنه بيقسم بناته على كل المدينة قطعًا، لكن المعنى أني أزوجكم بناتي وإن لم يتزوج منكم عدد يقابل بناتي فالباقي يخدوا من النساء (...).
ثم إن هذا بالحقيقة كأنه يقول: أنا أحافظ على ضيوفي أكثر مما أحافظ على أي شيء آخر؛ يعني فإني أبغي أحميهم حتى إني أتنازل عن بناتي أزوجهن من أجل المحافظة على هؤلاء الضيوف؟
* طالب: دليل من قال بإلقاء (...)؟
* الشيخ: بناءً على أن القرى هذه يعني رُفِعت، ثم قُلِبَت.
الشعراء 26:176
ثم قال الله تعالى: (﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ وفي قراءة بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وفتح الهاء وهي غيضة) إلى آخره.
نشوف القراءة المعروفة: (﴿الْأَيْكَةِ﴾ وفي قراءة بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام) ﴿﴿اليْكَةَ﴾ ﴾ (وَفَتْح الْهَاء) وينه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) ﴿﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ اليْكَةَ﴾ ﴾ هذه القراءة الثانية.
وعلى القراءة هذه إنما كسرت لأجل (أل) التعريف؛ لأجل (أل) المعرفة.
على القراءة الثانية اللي أشار إليها في التفسير ﴿﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ اليْكَةَ﴾ ﴾ الهمزة راحت، و(أل) الْمُعرِّفة كلها راحت، وعلى هذا تكون ممنوعة من الصرف؛ لأنه لم يوجد فيها (أل) التي تحول غير المصروف إلى الانصراف.
لكن ما هي ﴿الْأَيْكَةِ﴾ يقول: هي (غيضة شجرة قُرْب مدين)، غيضة الشجرة يعني: أرض مملوءة بالشجر، والغالب أن يكون الأشجار الملتفة بعضها على بعض، يقول: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٧٦].
* طالب: مدين (...).
* الشيخ: مدين، يعرف على أنه في فلسطين من قصة موسى.. أصحاب مدين المرسلين.
الشعراء 26:177
(﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ لم يقل: أخوهم؛ لأنه لم يكن منهم) وفيما مضى من القصص يقال لهم: أخوهم ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف ٨٥]، فتبين بهذا أن أصحاب الأيكة ليسوا أهل مدين؛ ولهذا المؤلف يقول: (قُرْب مدين) وليسوا من القرية التي بُعِث فيها شعيب؛ لأن أهل القرية التي بعث فيها وهي مدين من قبيلته؛ ولهذا لما ذكر مدين قال: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، وأما هذا فقال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧]، ولم يقل: أخوهم، ومما يدل على أنهم ليسوا أصحاب مدين أن العذاب الذي أُخِذوا به غير العذاب الذي أخذ به أصحاب مدين، أصحاب مدين أخذوا بالصيحة، وهؤلاء أُخِذوا بعذاب الظلة، كما سيأتي إن شاء الله.
* طالب: على هذا يكون مرسلًا مرتين؟
* الشيخ: لا، مرسل مرة واحدة لكن إلى قومين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إلى هؤلاء وهؤلاء، ويجوز أن يكون هذا من باب التبع، أن هذه القرية هذه الصغيرة مثلًا، وكانت تابعة لبلدته التي هو منها، ويدلك على هذا أن عملهم واحد، عمل هؤلاء وعمل أهل مدين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هذه عامة لكل الرسل كما عرفتم.
الذنب الخاص بهؤلاء (﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتموه ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ الناقصين) هؤلاء القوم الذين بُعث إليهم شعيب سواء كانوا قومه أم أهل القرية هذه كانوا يبخسون المكيال والميزان والعياذ بالله، إذا وزنوا للناس نقصوه، وإذا اتزنوا منهم استوفوا، هذا الظاهر: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١ - ٣].
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ هذا مقابل لقوله: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ لأجل ألا يقال: إن من أوفى في أكثر الأعمال يكون مُوفيًا؛ يعني مثل الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فأوفوا الكيل؛ يعني في كل فرد من أفراد معاملاتكم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي: من المتصفين بالإخسار، والإخسار بمعنى النقص.
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ هذا الوزن، والفرق بين الوزن وبين الكيل أن ما قُدِّر بالحجم فهو كيل، وما قُدِّر بالثِّقل فهو ثقل، اللي يُقدَّر بالحجم؛ لأن المكيال تضع فيه الشيء يكون حجمه هكذا، وأما هذا فيُقدَّر بالثِّقل فيُسمَّى وزنًا.
وقوله: ﴿بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ يقول المؤلف: (الميزان السوي)، فعلى هذا القِسطاس بمعنى الميزان، والمستقيم بمعنى السوي.
* طالب: أعجمي؟
* الشيخ: لا مُعرَّب.
(﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تنقصوهم من حقهم شيئًا)، هذا عام حتى فيما يُزرع وفيما يُعَدُّ، مثل هؤلاء القوم، ذنبهم الخاص الذي بُعِث هذا الرسول لإصلاحه مع عبادة الله هو بخس الناس في الكيل والميزان وغيره؛ ولهذا عمَّم ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الشعراء ١٨٣] لا تنقصوهم حقوقهم.
(﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره).
قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل، لم نعرف أن هؤلاء القوم –أي: قوم شعيب- كانوا يقتلون الناس بل المعروف من ذنبهم أنهم كانوا يبخسون الناس أشياءهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: يمكن بالقتل أو غيره ما ندري، إنما الإيعاد سواء بالحبس أو بالضرب أو بغيره هو من الفساد، ومن الفساد أيضًا نقص الناس أشياءهم؛ ولهذا «مَا بَخَسَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]. ومنع القطر من السماء فساد في الأرض بلا شك.
وقول الله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء ١٨٣] هذه الحال يسميها أهل النحو: حالًا مؤكدة؛ لأن العتو هو الفساد مثل لو قلت: لا تقم قائمًا. فإن (قائمًا) حال، وهي مؤكدة لقوله: لا تقم.
* طالب: يجوز؟
* الشيخ: إي، يجوز.
* طالب: الظاهر لا تقم قائمًا؛ أي: لا تقوم قائمًا (...).
* الشيخ: لا، لا تقوم قائمًا؛ يعني لا تستمر قائمًا زَمانًا.
وقوله: (﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره من عَثِيَ بكسر المثلثة أفسد و﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكِّدة لمعنى عاملها).
(﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ﴾ الخليقة ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ ) حذرهم الرسول عليه الصلاة والسلام بالذي خلقهم وخَلَقَ الخلق الأول أيضًا؛ إشارة إلى أنكم ستزولون كما زال مَنْ قبلكم، فأنتم مخلوقون من العدم وستؤولون إلى العدم.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ مثل جواب من؟ قوم صالح.
(﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ﴾ -مثلهم تمامًا- ﴿﴿وَإِنْ﴾ ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي إنه أي الشأن ﴿نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ).
ويش الدليل على (إن) مخففة هنا من الثقيلة؟ ويش الدليل؟
* طالب: وجود اللام.
* الشيخ: ويش بعد؟ وجود اللام هذا دليل لفظي.
* الطالب: قرينة الحال (...).
* الشيخ: إذن فإن هنا الدليل على أنها مخففة من الثقيلة أمران:
لفظي: وهو اللام؛ لأن اللام لا تقترن إلا في خبر (إن) المخففة.
والثاني: المعنى، لو كان في الآية ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يعني وقال قائل: إن (إن) نافية. قلنا: ليس كذلك؛ لأنهم لو قالوا: ما نظنك من الكاذبين لكانوا مُصَدِّقين به، والأمر ليس كذلك، إذن هم يقولون: إن نظنك من الكاذبين، وهذا الظن حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالِمِين وكاتمين مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ بِسكون السِّين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) أعوذ بالله، هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتِنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما توعدنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ كقول قريش للرسول عيه الصلاة والسلام حين قالوا..
حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالمين وكاتمين؛ مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الشعراء ١٨٧] بسكون السين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما تُوعِدُنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، كقول قريش للرسول عليه الصلاة والسلام حين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢]، وهذا من سفاهتهم، وكان واجبًا أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ووفقنا.
* طالب: في سورة العنكبوت (...).
* الشيخ: (...) ويش قالوا؟
* الطالب: قالوا (...).
* الشيخ: على كل حال هذا ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ يعني تشابهت القلوب والأفعال [الأنعام: ١٤٨].
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (إن) هذه شرطية، والغرض منها التحدي، (﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء ١٨٨] فيجازيكم به)؛ يعني: أنتم فعلتم كل قبيح وقابلتموني بكل إثم صريح، ولكن الذي يعلم ذلك هو الله، وهو يهددهم بلازم العلم، ولهذا قال المؤلف: (فيجازيكم به ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء ١٨٩]، وهي سحابة أظلتهم بعد حرٍّ شديد أصابهم، فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ) أعوذ بالله! هم -والعياذ بالله- أصيبوا بحرٍّ شديد حر عظيم جدًّا، ما أطاقوه، فأنشأ الله تعالى سحابة تظلهم، فخرجوا من بلادهم عن بكرة أبيهم إلى هذا الظل، ولكن –والعياذ بالله- لما وصلوا وإذا هي نارٌ -والعياذ بالله- أحرقتهم عن آخرهم، وهذا من أشد ما يكون -والعياذ بالله- من العذاب؛ لأنهم جاؤوا هاربين من عذاب، فوقعوا في أشد منه والعياذ بالله، كانوا حينما أقبلوا ويش يظنون؟ أنهم نَجَوا من الحر بهذه الظلال، ولكنه -والعياذ بالله- صار حتفهم.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ولهذا وصفه الله ﴿إِنَّهُ﴾ أي: هذا العذاب ﴿كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وصدق الله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٩٠، ١٩١].
هذه القصص عبرٌ في الحقيقة يعتبر بها الإنسان من عدة نواحٍ؛ أولًا: يعلم بها صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام وجلدهم وإخلاصهم لله، وأنهم لا يُبالون بما نالهم في ذات الله. هذا واحد.
ثانيًا: يعتبر بها بالتسلي بما أصاب الرسل؛ لأن الإنسان يتسلَّى بما أصاب غيره.
(...) بالصبر بأن يصبر هو على الدعوة إلى الله، ولا يمل ولا يكل؛ لأن العاقبة تكون لمن؟ للصابرين والداعين إلى الله، كل العواقب الآن اللي رأينا بالقصص كلها للرسل عليهم الصلاة والسلام.
والرابع: أن فيها عبرة تُحذِّر المخالفين للرسل؛ فإن كل المخالفين للرسل -كما رأيتم- كلهم عوقبوا وأخذهم العذاب.
وفيها أيضًا من العبر: بيان قدرة الله عز وجل؛ حيث ينزل العذاب، فينجو منه من ينجو، ويهلك به من هلك، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١].
وفيه من العبر: أن الإنسان يتعجب كيف يصل بنو آدم إلى هذا العتو والعناد والاستكبار! يعني تحدٍّ لله عز وجل بما يخاطبون به رسله، تعجب كيف يصل الأمر؟!
وفيها أيضًا من العبر، وهي السابعة: أنك تقيس حاضرك بغائبك.
ألا يوجد الآن أمثال هؤلاء؟ يوجد الآن أمثال هؤلاء؛ لأن طبيعة البشر واحدة من آدم إلى اليوم، فيوجد من هؤلاء وإن اختلف الأسلوب، الأسلوب قد يختلف لكن المعنى واحد، العتو والاستكبار يوجد الآن من بني آدم من يقول: إن الدين خرافة، يوجد من بني آدم من يقول: إن الله تعالى يجب أن يوضع في قفص الاتهام. ليش هذا يشبع وهذا يجوع، وهذا يأمن وهذا يخاف، وهذا يصح وهذا يمرض؟ والعياذ بالله، فهذه الأشياء يجب أن تعتبر بها وأنه ما سبق قبل زمانك وجد منه مثله في زمانك.
والعبر من هذا كثيرة ولو أن الإنسان كتب هذه العبر عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]؛ لأنك كلما استنتجتَ عبرة ازددت عقلًا؛ لأن الله جعل العِبَرَ لمن؟ لأولي الألباب، فكلما كان اللب أقوى كانت العبرة اللي تؤخذ من هذا أكثر.
مثل هذا لو تيسر أنه يُكْتَب عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، تكتب العبر، وفي سورة هود فصل كثير لقصص الأنبياء، وفيها أيضًا لما ذكر الله في آخرها ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود ١٢٠].
* طالب: (...).
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الأولى بيان ما قابل الرسل من صبرهم وجلدهم وتحملهم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: لعل يشترط (...)؟
* الشيخ: من؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا هو ظاهر الآية ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦١]، وأما من قال: إنه ليس منهم في النسب لكنه مصاهرٌ لهم، وأولاده منهم، والولد بعض من أبيه، فقال الله: ﴿أَخُوهُمْ﴾؛ فهذا خلاف الظاهر.
* طالب: (...) يشترط؟
* الشيخ: لا، ما هو بشرط.
* طالب: إنما هي من باب التغليب.
* الشيخ: إي، من باب التغليب.
* طالب: أن شعيب عليه السلام خطيب الأنبياء من قراءتي لقصته بليغة جدًّا.
* الشيخ: إي، ما نجزم نقول: إنه خطيب الأنبياء، يمكن في الأنبياء من هو أخطب منه.
* الطالب: كان أعمى؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: ولوط كان أعمى.
* الشيخ: من يقول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الغالب أن الرسل عليهم الصلاة والسلام كاملون، ولهذا الفقهاء رحمهم الله قالوا: يُشْتَرط في القاضي أن يكون بصيرًا، نفس الفقهاء وهو المذهب؛ المذهب أن يكون بصيرًا، أنا ما أعتقد ولا أظن أن الله سبحانه وتعالى يبعث أحدًا أعمى.
* طالب: لم يعيروه (...).
* الشيخ: إلا، عيروه ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢].
* الطالب: (...).
* الشيخ: المهم أنهم عيروه حتى إنهم عيروه بما ليس فيه قالوا: إنه آدر، فبرأه الله مما قالوا.
* طالب: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦].
* الشيخ: المهم أنهم مثلما قال، لو كان هذه العاهة البدنية فيه لكان يعيرونه بها، ثم ويش هو الأصل؟ الأصل السلامة، وأن الله لا يبعث إلا من هو سليم في كل الحواس.
* طالب: وأين الدليل؟
* الشيخ: هذا الحقيقة اللي ادعوه يجب منهم يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا اعتقد أنه نوع من الذنب؛ لأن هذا اتهام لله عز وجل أنه يرسل ذا عاهة؛ لأنه لا شك أن اللي ما هو مبصر لا شك أنه ناقص؛ فإن الإدراكات تكون بالسمع وبالبصر من أقوى ما يكون، ودائما يحتج الله على الإنسان بسمعه وبصره.
* طالب: هل تزوج (...) بابنة شعيب أو..؟
* الشيخ: لا، ما هو ظاهر (...)، الصحيح أن صاحب مدين اللي في قصة موسى متأخر عن شعيب كثيرًا وله..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، إي نعم. لكن لما قال: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص ٢٢] ظنوا أنه هو شعيب، ولا في القرآن ولا في السنة أنه شعيب، حتى ولا أن اسمه شعيب، حتى لو ثبت أن اسمه شعيب لكان لهم شبهة، لكننا نقول: إنهم يتسمون بأسماء أنبيائهم؛ مثل: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨] مريم هي أخت لهارونَ؟ بينهم أزمان طويلة.
* طالب: وجه تنوع العذاب يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، يقول الله عز وجل: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] كل إنسان يُؤْخَذ بذنبه؛ بالمشابهة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثل أيش؟
* الطالب: مثلًا فرعون ما وجه مشابهة الإغراق (...)؟
* الشيخ: لأنه كان يفتخر بالماء هو، ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١]، فعُذِّب بمثل ما كان يفتخر به؛ أُخْرِج من مصر وأُغرِقَ بالماء.
* طالب: هذه الآية (...) ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني: كل الرسل كل القصص (...).
* الشيخ: إي، لكن الكلام على ﴿بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني بالعقوبة التي تطابق ذنبه، لكن لا يلزم أننا نعرف كل شيء، قد يخفى علينا بعض الشيء.
* طالب: الفرق بين الوزن والكيل؟
* الشيخ: ويش الفرق بينهم؟ سبحان الله! الفرق بين الكيلو والوزن.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف.
* طالب: الكيل يقيس الحجم، والوزن يقيس الثقل.
* الشيخ: ما كان يقاس به الحجم فهو مكيال، وما قيس به الثقل فهو ميزان، فيه عند الناس مشهور أن الإنسان اللي يزن روحه يُزكِّي على نفسه، ولهذا دائما السؤال عنه؛ يسألون أولا: هل يجوز ولا ما يجوز؟ ويسألون بعد ذلك: هل عليه زكاة إذا منه وزن روحه ولَّا لا؟
الشعراء 26:178
(﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ لم يقل: أخوهم؛ لأنه لم يكن منهم) وفيما مضى من القصص يقال لهم: أخوهم ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف ٨٥]، فتبين بهذا أن أصحاب الأيكة ليسوا أهل مدين؛ ولهذا المؤلف يقول: (قُرْب مدين) وليسوا من القرية التي بُعِث فيها شعيب؛ لأن أهل القرية التي بعث فيها وهي مدين من قبيلته؛ ولهذا لما ذكر مدين قال: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، وأما هذا فقال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧]، ولم يقل: أخوهم، ومما يدل على أنهم ليسوا أصحاب مدين أن العذاب الذي أُخِذوا به غير العذاب الذي أخذ به أصحاب مدين، أصحاب مدين أخذوا بالصيحة، وهؤلاء أُخِذوا بعذاب الظلة، كما سيأتي إن شاء الله.
* طالب: على هذا يكون مرسلًا مرتين؟
* الشيخ: لا، مرسل مرة واحدة لكن إلى قومين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إلى هؤلاء وهؤلاء، ويجوز أن يكون هذا من باب التبع، أن هذه القرية هذه الصغيرة مثلًا، وكانت تابعة لبلدته التي هو منها، ويدلك على هذا أن عملهم واحد، عمل هؤلاء وعمل أهل مدين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هذه عامة لكل الرسل كما عرفتم.
الذنب الخاص بهؤلاء (﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتموه ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ الناقصين) هؤلاء القوم الذين بُعث إليهم شعيب سواء كانوا قومه أم أهل القرية هذه كانوا يبخسون المكيال والميزان والعياذ بالله، إذا وزنوا للناس نقصوه، وإذا اتزنوا منهم استوفوا، هذا الظاهر: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١ - ٣].
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ هذا مقابل لقوله: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ لأجل ألا يقال: إن من أوفى في أكثر الأعمال يكون مُوفيًا؛ يعني مثل الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فأوفوا الكيل؛ يعني في كل فرد من أفراد معاملاتكم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي: من المتصفين بالإخسار، والإخسار بمعنى النقص.
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ هذا الوزن، والفرق بين الوزن وبين الكيل أن ما قُدِّر بالحجم فهو كيل، وما قُدِّر بالثِّقل فهو ثقل، اللي يُقدَّر بالحجم؛ لأن المكيال تضع فيه الشيء يكون حجمه هكذا، وأما هذا فيُقدَّر بالثِّقل فيُسمَّى وزنًا.
وقوله: ﴿بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ يقول المؤلف: (الميزان السوي)، فعلى هذا القِسطاس بمعنى الميزان، والمستقيم بمعنى السوي.
* طالب: أعجمي؟
* الشيخ: لا مُعرَّب.
(﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تنقصوهم من حقهم شيئًا)، هذا عام حتى فيما يُزرع وفيما يُعَدُّ، مثل هؤلاء القوم، ذنبهم الخاص الذي بُعِث هذا الرسول لإصلاحه مع عبادة الله هو بخس الناس في الكيل والميزان وغيره؛ ولهذا عمَّم ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الشعراء ١٨٣] لا تنقصوهم حقوقهم.
(﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره).
قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل، لم نعرف أن هؤلاء القوم –أي: قوم شعيب- كانوا يقتلون الناس بل المعروف من ذنبهم أنهم كانوا يبخسون الناس أشياءهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: يمكن بالقتل أو غيره ما ندري، إنما الإيعاد سواء بالحبس أو بالضرب أو بغيره هو من الفساد، ومن الفساد أيضًا نقص الناس أشياءهم؛ ولهذا «مَا بَخَسَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]. ومنع القطر من السماء فساد في الأرض بلا شك.
وقول الله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء ١٨٣] هذه الحال يسميها أهل النحو: حالًا مؤكدة؛ لأن العتو هو الفساد مثل لو قلت: لا تقم قائمًا. فإن (قائمًا) حال، وهي مؤكدة لقوله: لا تقم.
* طالب: يجوز؟
* الشيخ: إي، يجوز.
* طالب: الظاهر لا تقم قائمًا؛ أي: لا تقوم قائمًا (...).
* الشيخ: لا، لا تقوم قائمًا؛ يعني لا تستمر قائمًا زَمانًا.
وقوله: (﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره من عَثِيَ بكسر المثلثة أفسد و﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكِّدة لمعنى عاملها).
(﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ﴾ الخليقة ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ ) حذرهم الرسول عليه الصلاة والسلام بالذي خلقهم وخَلَقَ الخلق الأول أيضًا؛ إشارة إلى أنكم ستزولون كما زال مَنْ قبلكم، فأنتم مخلوقون من العدم وستؤولون إلى العدم.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ مثل جواب من؟ قوم صالح.
(﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ﴾ -مثلهم تمامًا- ﴿﴿وَإِنْ﴾ ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي إنه أي الشأن ﴿نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ).
ويش الدليل على (إن) مخففة هنا من الثقيلة؟ ويش الدليل؟
* طالب: وجود اللام.
* الشيخ: ويش بعد؟ وجود اللام هذا دليل لفظي.
* الطالب: قرينة الحال (...).
* الشيخ: إذن فإن هنا الدليل على أنها مخففة من الثقيلة أمران:
لفظي: وهو اللام؛ لأن اللام لا تقترن إلا في خبر (إن) المخففة.
والثاني: المعنى، لو كان في الآية ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يعني وقال قائل: إن (إن) نافية. قلنا: ليس كذلك؛ لأنهم لو قالوا: ما نظنك من الكاذبين لكانوا مُصَدِّقين به، والأمر ليس كذلك، إذن هم يقولون: إن نظنك من الكاذبين، وهذا الظن حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالِمِين وكاتمين مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ بِسكون السِّين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) أعوذ بالله، هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتِنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما توعدنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ كقول قريش للرسول عيه الصلاة والسلام حين قالوا..
حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالمين وكاتمين؛ مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الشعراء ١٨٧] بسكون السين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما تُوعِدُنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، كقول قريش للرسول عليه الصلاة والسلام حين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢]، وهذا من سفاهتهم، وكان واجبًا أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ووفقنا.
* طالب: في سورة العنكبوت (...).
* الشيخ: (...) ويش قالوا؟
* الطالب: قالوا (...).
* الشيخ: على كل حال هذا ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ يعني تشابهت القلوب والأفعال [الأنعام: ١٤٨].
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (إن) هذه شرطية، والغرض منها التحدي، (﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء ١٨٨] فيجازيكم به)؛ يعني: أنتم فعلتم كل قبيح وقابلتموني بكل إثم صريح، ولكن الذي يعلم ذلك هو الله، وهو يهددهم بلازم العلم، ولهذا قال المؤلف: (فيجازيكم به ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء ١٨٩]، وهي سحابة أظلتهم بعد حرٍّ شديد أصابهم، فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ) أعوذ بالله! هم -والعياذ بالله- أصيبوا بحرٍّ شديد حر عظيم جدًّا، ما أطاقوه، فأنشأ الله تعالى سحابة تظلهم، فخرجوا من بلادهم عن بكرة أبيهم إلى هذا الظل، ولكن –والعياذ بالله- لما وصلوا وإذا هي نارٌ -والعياذ بالله- أحرقتهم عن آخرهم، وهذا من أشد ما يكون -والعياذ بالله- من العذاب؛ لأنهم جاؤوا هاربين من عذاب، فوقعوا في أشد منه والعياذ بالله، كانوا حينما أقبلوا ويش يظنون؟ أنهم نَجَوا من الحر بهذه الظلال، ولكنه -والعياذ بالله- صار حتفهم.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ولهذا وصفه الله ﴿إِنَّهُ﴾ أي: هذا العذاب ﴿كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وصدق الله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٩٠، ١٩١].
هذه القصص عبرٌ في الحقيقة يعتبر بها الإنسان من عدة نواحٍ؛ أولًا: يعلم بها صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام وجلدهم وإخلاصهم لله، وأنهم لا يُبالون بما نالهم في ذات الله. هذا واحد.
ثانيًا: يعتبر بها بالتسلي بما أصاب الرسل؛ لأن الإنسان يتسلَّى بما أصاب غيره.
(...) بالصبر بأن يصبر هو على الدعوة إلى الله، ولا يمل ولا يكل؛ لأن العاقبة تكون لمن؟ للصابرين والداعين إلى الله، كل العواقب الآن اللي رأينا بالقصص كلها للرسل عليهم الصلاة والسلام.
والرابع: أن فيها عبرة تُحذِّر المخالفين للرسل؛ فإن كل المخالفين للرسل -كما رأيتم- كلهم عوقبوا وأخذهم العذاب.
وفيها أيضًا من العبر: بيان قدرة الله عز وجل؛ حيث ينزل العذاب، فينجو منه من ينجو، ويهلك به من هلك، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١].
وفيه من العبر: أن الإنسان يتعجب كيف يصل بنو آدم إلى هذا العتو والعناد والاستكبار! يعني تحدٍّ لله عز وجل بما يخاطبون به رسله، تعجب كيف يصل الأمر؟!
وفيها أيضًا من العبر، وهي السابعة: أنك تقيس حاضرك بغائبك.
ألا يوجد الآن أمثال هؤلاء؟ يوجد الآن أمثال هؤلاء؛ لأن طبيعة البشر واحدة من آدم إلى اليوم، فيوجد من هؤلاء وإن اختلف الأسلوب، الأسلوب قد يختلف لكن المعنى واحد، العتو والاستكبار يوجد الآن من بني آدم من يقول: إن الدين خرافة، يوجد من بني آدم من يقول: إن الله تعالى يجب أن يوضع في قفص الاتهام. ليش هذا يشبع وهذا يجوع، وهذا يأمن وهذا يخاف، وهذا يصح وهذا يمرض؟ والعياذ بالله، فهذه الأشياء يجب أن تعتبر بها وأنه ما سبق قبل زمانك وجد منه مثله في زمانك.
والعبر من هذا كثيرة ولو أن الإنسان كتب هذه العبر عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]؛ لأنك كلما استنتجتَ عبرة ازددت عقلًا؛ لأن الله جعل العِبَرَ لمن؟ لأولي الألباب، فكلما كان اللب أقوى كانت العبرة اللي تؤخذ من هذا أكثر.
مثل هذا لو تيسر أنه يُكْتَب عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، تكتب العبر، وفي سورة هود فصل كثير لقصص الأنبياء، وفيها أيضًا لما ذكر الله في آخرها ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود ١٢٠].
* طالب: (...).
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الأولى بيان ما قابل الرسل من صبرهم وجلدهم وتحملهم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: لعل يشترط (...)؟
* الشيخ: من؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا هو ظاهر الآية ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦١]، وأما من قال: إنه ليس منهم في النسب لكنه مصاهرٌ لهم، وأولاده منهم، والولد بعض من أبيه، فقال الله: ﴿أَخُوهُمْ﴾؛ فهذا خلاف الظاهر.
* طالب: (...) يشترط؟
* الشيخ: لا، ما هو بشرط.
* طالب: إنما هي من باب التغليب.
* الشيخ: إي، من باب التغليب.
* طالب: أن شعيب عليه السلام خطيب الأنبياء من قراءتي لقصته بليغة جدًّا.
* الشيخ: إي، ما نجزم نقول: إنه خطيب الأنبياء، يمكن في الأنبياء من هو أخطب منه.
* الطالب: كان أعمى؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: ولوط كان أعمى.
* الشيخ: من يقول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الغالب أن الرسل عليهم الصلاة والسلام كاملون، ولهذا الفقهاء رحمهم الله قالوا: يُشْتَرط في القاضي أن يكون بصيرًا، نفس الفقهاء وهو المذهب؛ المذهب أن يكون بصيرًا، أنا ما أعتقد ولا أظن أن الله سبحانه وتعالى يبعث أحدًا أعمى.
* طالب: لم يعيروه (...).
* الشيخ: إلا، عيروه ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢].
* الطالب: (...).
* الشيخ: المهم أنهم عيروه حتى إنهم عيروه بما ليس فيه قالوا: إنه آدر، فبرأه الله مما قالوا.
* طالب: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦].
* الشيخ: المهم أنهم مثلما قال، لو كان هذه العاهة البدنية فيه لكان يعيرونه بها، ثم ويش هو الأصل؟ الأصل السلامة، وأن الله لا يبعث إلا من هو سليم في كل الحواس.
* طالب: وأين الدليل؟
* الشيخ: هذا الحقيقة اللي ادعوه يجب منهم يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا اعتقد أنه نوع من الذنب؛ لأن هذا اتهام لله عز وجل أنه يرسل ذا عاهة؛ لأنه لا شك أن اللي ما هو مبصر لا شك أنه ناقص؛ فإن الإدراكات تكون بالسمع وبالبصر من أقوى ما يكون، ودائما يحتج الله على الإنسان بسمعه وبصره.
* طالب: هل تزوج (...) بابنة شعيب أو..؟
* الشيخ: لا، ما هو ظاهر (...)، الصحيح أن صاحب مدين اللي في قصة موسى متأخر عن شعيب كثيرًا وله..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، إي نعم. لكن لما قال: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص ٢٢] ظنوا أنه هو شعيب، ولا في القرآن ولا في السنة أنه شعيب، حتى ولا أن اسمه شعيب، حتى لو ثبت أن اسمه شعيب لكان لهم شبهة، لكننا نقول: إنهم يتسمون بأسماء أنبيائهم؛ مثل: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨] مريم هي أخت لهارونَ؟ بينهم أزمان طويلة.
* طالب: وجه تنوع العذاب يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، يقول الله عز وجل: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] كل إنسان يُؤْخَذ بذنبه؛ بالمشابهة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثل أيش؟
* الطالب: مثلًا فرعون ما وجه مشابهة الإغراق (...)؟
* الشيخ: لأنه كان يفتخر بالماء هو، ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١]، فعُذِّب بمثل ما كان يفتخر به؛ أُخْرِج من مصر وأُغرِقَ بالماء.
* طالب: هذه الآية (...) ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني: كل الرسل كل القصص (...).
* الشيخ: إي، لكن الكلام على ﴿بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني بالعقوبة التي تطابق ذنبه، لكن لا يلزم أننا نعرف كل شيء، قد يخفى علينا بعض الشيء.
* طالب: الفرق بين الوزن والكيل؟
* الشيخ: ويش الفرق بينهم؟ سبحان الله! الفرق بين الكيلو والوزن.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف.
* طالب: الكيل يقيس الحجم، والوزن يقيس الثقل.
* الشيخ: ما كان يقاس به الحجم فهو مكيال، وما قيس به الثقل فهو ميزان، فيه عند الناس مشهور أن الإنسان اللي يزن روحه يُزكِّي على نفسه، ولهذا دائما السؤال عنه؛ يسألون أولا: هل يجوز ولا ما يجوز؟ ويسألون بعد ذلك: هل عليه زكاة إذا منه وزن روحه ولَّا لا؟
الشعراء 26:179
(﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ لم يقل: أخوهم؛ لأنه لم يكن منهم) وفيما مضى من القصص يقال لهم: أخوهم ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف ٨٥]، فتبين بهذا أن أصحاب الأيكة ليسوا أهل مدين؛ ولهذا المؤلف يقول: (قُرْب مدين) وليسوا من القرية التي بُعِث فيها شعيب؛ لأن أهل القرية التي بعث فيها وهي مدين من قبيلته؛ ولهذا لما ذكر مدين قال: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، وأما هذا فقال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧]، ولم يقل: أخوهم، ومما يدل على أنهم ليسوا أصحاب مدين أن العذاب الذي أُخِذوا به غير العذاب الذي أخذ به أصحاب مدين، أصحاب مدين أخذوا بالصيحة، وهؤلاء أُخِذوا بعذاب الظلة، كما سيأتي إن شاء الله.
* طالب: على هذا يكون مرسلًا مرتين؟
* الشيخ: لا، مرسل مرة واحدة لكن إلى قومين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إلى هؤلاء وهؤلاء، ويجوز أن يكون هذا من باب التبع، أن هذه القرية هذه الصغيرة مثلًا، وكانت تابعة لبلدته التي هو منها، ويدلك على هذا أن عملهم واحد، عمل هؤلاء وعمل أهل مدين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هذه عامة لكل الرسل كما عرفتم.
الذنب الخاص بهؤلاء (﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتموه ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ الناقصين) هؤلاء القوم الذين بُعث إليهم شعيب سواء كانوا قومه أم أهل القرية هذه كانوا يبخسون المكيال والميزان والعياذ بالله، إذا وزنوا للناس نقصوه، وإذا اتزنوا منهم استوفوا، هذا الظاهر: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١ - ٣].
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ هذا مقابل لقوله: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ لأجل ألا يقال: إن من أوفى في أكثر الأعمال يكون مُوفيًا؛ يعني مثل الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فأوفوا الكيل؛ يعني في كل فرد من أفراد معاملاتكم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي: من المتصفين بالإخسار، والإخسار بمعنى النقص.
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ هذا الوزن، والفرق بين الوزن وبين الكيل أن ما قُدِّر بالحجم فهو كيل، وما قُدِّر بالثِّقل فهو ثقل، اللي يُقدَّر بالحجم؛ لأن المكيال تضع فيه الشيء يكون حجمه هكذا، وأما هذا فيُقدَّر بالثِّقل فيُسمَّى وزنًا.
وقوله: ﴿بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ يقول المؤلف: (الميزان السوي)، فعلى هذا القِسطاس بمعنى الميزان، والمستقيم بمعنى السوي.
* طالب: أعجمي؟
* الشيخ: لا مُعرَّب.
(﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تنقصوهم من حقهم شيئًا)، هذا عام حتى فيما يُزرع وفيما يُعَدُّ، مثل هؤلاء القوم، ذنبهم الخاص الذي بُعِث هذا الرسول لإصلاحه مع عبادة الله هو بخس الناس في الكيل والميزان وغيره؛ ولهذا عمَّم ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الشعراء ١٨٣] لا تنقصوهم حقوقهم.
(﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره).
قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل، لم نعرف أن هؤلاء القوم –أي: قوم شعيب- كانوا يقتلون الناس بل المعروف من ذنبهم أنهم كانوا يبخسون الناس أشياءهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: يمكن بالقتل أو غيره ما ندري، إنما الإيعاد سواء بالحبس أو بالضرب أو بغيره هو من الفساد، ومن الفساد أيضًا نقص الناس أشياءهم؛ ولهذا «مَا بَخَسَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]. ومنع القطر من السماء فساد في الأرض بلا شك.
وقول الله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء ١٨٣] هذه الحال يسميها أهل النحو: حالًا مؤكدة؛ لأن العتو هو الفساد مثل لو قلت: لا تقم قائمًا. فإن (قائمًا) حال، وهي مؤكدة لقوله: لا تقم.
* طالب: يجوز؟
* الشيخ: إي، يجوز.
* طالب: الظاهر لا تقم قائمًا؛ أي: لا تقوم قائمًا (...).
* الشيخ: لا، لا تقوم قائمًا؛ يعني لا تستمر قائمًا زَمانًا.
وقوله: (﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره من عَثِيَ بكسر المثلثة أفسد و﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكِّدة لمعنى عاملها).
(﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ﴾ الخليقة ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ ) حذرهم الرسول عليه الصلاة والسلام بالذي خلقهم وخَلَقَ الخلق الأول أيضًا؛ إشارة إلى أنكم ستزولون كما زال مَنْ قبلكم، فأنتم مخلوقون من العدم وستؤولون إلى العدم.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ مثل جواب من؟ قوم صالح.
(﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ﴾ -مثلهم تمامًا- ﴿﴿وَإِنْ﴾ ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي إنه أي الشأن ﴿نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ).
ويش الدليل على (إن) مخففة هنا من الثقيلة؟ ويش الدليل؟
* طالب: وجود اللام.
* الشيخ: ويش بعد؟ وجود اللام هذا دليل لفظي.
* الطالب: قرينة الحال (...).
* الشيخ: إذن فإن هنا الدليل على أنها مخففة من الثقيلة أمران:
لفظي: وهو اللام؛ لأن اللام لا تقترن إلا في خبر (إن) المخففة.
والثاني: المعنى، لو كان في الآية ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يعني وقال قائل: إن (إن) نافية. قلنا: ليس كذلك؛ لأنهم لو قالوا: ما نظنك من الكاذبين لكانوا مُصَدِّقين به، والأمر ليس كذلك، إذن هم يقولون: إن نظنك من الكاذبين، وهذا الظن حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالِمِين وكاتمين مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ بِسكون السِّين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) أعوذ بالله، هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتِنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما توعدنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ كقول قريش للرسول عيه الصلاة والسلام حين قالوا..
حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالمين وكاتمين؛ مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الشعراء ١٨٧] بسكون السين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما تُوعِدُنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، كقول قريش للرسول عليه الصلاة والسلام حين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢]، وهذا من سفاهتهم، وكان واجبًا أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ووفقنا.
* طالب: في سورة العنكبوت (...).
* الشيخ: (...) ويش قالوا؟
* الطالب: قالوا (...).
* الشيخ: على كل حال هذا ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ يعني تشابهت القلوب والأفعال [الأنعام: ١٤٨].
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (إن) هذه شرطية، والغرض منها التحدي، (﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء ١٨٨] فيجازيكم به)؛ يعني: أنتم فعلتم كل قبيح وقابلتموني بكل إثم صريح، ولكن الذي يعلم ذلك هو الله، وهو يهددهم بلازم العلم، ولهذا قال المؤلف: (فيجازيكم به ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء ١٨٩]، وهي سحابة أظلتهم بعد حرٍّ شديد أصابهم، فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ) أعوذ بالله! هم -والعياذ بالله- أصيبوا بحرٍّ شديد حر عظيم جدًّا، ما أطاقوه، فأنشأ الله تعالى سحابة تظلهم، فخرجوا من بلادهم عن بكرة أبيهم إلى هذا الظل، ولكن –والعياذ بالله- لما وصلوا وإذا هي نارٌ -والعياذ بالله- أحرقتهم عن آخرهم، وهذا من أشد ما يكون -والعياذ بالله- من العذاب؛ لأنهم جاؤوا هاربين من عذاب، فوقعوا في أشد منه والعياذ بالله، كانوا حينما أقبلوا ويش يظنون؟ أنهم نَجَوا من الحر بهذه الظلال، ولكنه -والعياذ بالله- صار حتفهم.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ولهذا وصفه الله ﴿إِنَّهُ﴾ أي: هذا العذاب ﴿كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وصدق الله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٩٠، ١٩١].
هذه القصص عبرٌ في الحقيقة يعتبر بها الإنسان من عدة نواحٍ؛ أولًا: يعلم بها صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام وجلدهم وإخلاصهم لله، وأنهم لا يُبالون بما نالهم في ذات الله. هذا واحد.
ثانيًا: يعتبر بها بالتسلي بما أصاب الرسل؛ لأن الإنسان يتسلَّى بما أصاب غيره.
(...) بالصبر بأن يصبر هو على الدعوة إلى الله، ولا يمل ولا يكل؛ لأن العاقبة تكون لمن؟ للصابرين والداعين إلى الله، كل العواقب الآن اللي رأينا بالقصص كلها للرسل عليهم الصلاة والسلام.
والرابع: أن فيها عبرة تُحذِّر المخالفين للرسل؛ فإن كل المخالفين للرسل -كما رأيتم- كلهم عوقبوا وأخذهم العذاب.
وفيها أيضًا من العبر: بيان قدرة الله عز وجل؛ حيث ينزل العذاب، فينجو منه من ينجو، ويهلك به من هلك، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١].
وفيه من العبر: أن الإنسان يتعجب كيف يصل بنو آدم إلى هذا العتو والعناد والاستكبار! يعني تحدٍّ لله عز وجل بما يخاطبون به رسله، تعجب كيف يصل الأمر؟!
وفيها أيضًا من العبر، وهي السابعة: أنك تقيس حاضرك بغائبك.
ألا يوجد الآن أمثال هؤلاء؟ يوجد الآن أمثال هؤلاء؛ لأن طبيعة البشر واحدة من آدم إلى اليوم، فيوجد من هؤلاء وإن اختلف الأسلوب، الأسلوب قد يختلف لكن المعنى واحد، العتو والاستكبار يوجد الآن من بني آدم من يقول: إن الدين خرافة، يوجد من بني آدم من يقول: إن الله تعالى يجب أن يوضع في قفص الاتهام. ليش هذا يشبع وهذا يجوع، وهذا يأمن وهذا يخاف، وهذا يصح وهذا يمرض؟ والعياذ بالله، فهذه الأشياء يجب أن تعتبر بها وأنه ما سبق قبل زمانك وجد منه مثله في زمانك.
والعبر من هذا كثيرة ولو أن الإنسان كتب هذه العبر عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]؛ لأنك كلما استنتجتَ عبرة ازددت عقلًا؛ لأن الله جعل العِبَرَ لمن؟ لأولي الألباب، فكلما كان اللب أقوى كانت العبرة اللي تؤخذ من هذا أكثر.
مثل هذا لو تيسر أنه يُكْتَب عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، تكتب العبر، وفي سورة هود فصل كثير لقصص الأنبياء، وفيها أيضًا لما ذكر الله في آخرها ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود ١٢٠].
* طالب: (...).
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الأولى بيان ما قابل الرسل من صبرهم وجلدهم وتحملهم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: لعل يشترط (...)؟
* الشيخ: من؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا هو ظاهر الآية ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦١]، وأما من قال: إنه ليس منهم في النسب لكنه مصاهرٌ لهم، وأولاده منهم، والولد بعض من أبيه، فقال الله: ﴿أَخُوهُمْ﴾؛ فهذا خلاف الظاهر.
* طالب: (...) يشترط؟
* الشيخ: لا، ما هو بشرط.
* طالب: إنما هي من باب التغليب.
* الشيخ: إي، من باب التغليب.
* طالب: أن شعيب عليه السلام خطيب الأنبياء من قراءتي لقصته بليغة جدًّا.
* الشيخ: إي، ما نجزم نقول: إنه خطيب الأنبياء، يمكن في الأنبياء من هو أخطب منه.
* الطالب: كان أعمى؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: ولوط كان أعمى.
* الشيخ: من يقول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الغالب أن الرسل عليهم الصلاة والسلام كاملون، ولهذا الفقهاء رحمهم الله قالوا: يُشْتَرط في القاضي أن يكون بصيرًا، نفس الفقهاء وهو المذهب؛ المذهب أن يكون بصيرًا، أنا ما أعتقد ولا أظن أن الله سبحانه وتعالى يبعث أحدًا أعمى.
* طالب: لم يعيروه (...).
* الشيخ: إلا، عيروه ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢].
* الطالب: (...).
* الشيخ: المهم أنهم عيروه حتى إنهم عيروه بما ليس فيه قالوا: إنه آدر، فبرأه الله مما قالوا.
* طالب: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦].
* الشيخ: المهم أنهم مثلما قال، لو كان هذه العاهة البدنية فيه لكان يعيرونه بها، ثم ويش هو الأصل؟ الأصل السلامة، وأن الله لا يبعث إلا من هو سليم في كل الحواس.
* طالب: وأين الدليل؟
* الشيخ: هذا الحقيقة اللي ادعوه يجب منهم يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا اعتقد أنه نوع من الذنب؛ لأن هذا اتهام لله عز وجل أنه يرسل ذا عاهة؛ لأنه لا شك أن اللي ما هو مبصر لا شك أنه ناقص؛ فإن الإدراكات تكون بالسمع وبالبصر من أقوى ما يكون، ودائما يحتج الله على الإنسان بسمعه وبصره.
* طالب: هل تزوج (...) بابنة شعيب أو..؟
* الشيخ: لا، ما هو ظاهر (...)، الصحيح أن صاحب مدين اللي في قصة موسى متأخر عن شعيب كثيرًا وله..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، إي نعم. لكن لما قال: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص ٢٢] ظنوا أنه هو شعيب، ولا في القرآن ولا في السنة أنه شعيب، حتى ولا أن اسمه شعيب، حتى لو ثبت أن اسمه شعيب لكان لهم شبهة، لكننا نقول: إنهم يتسمون بأسماء أنبيائهم؛ مثل: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨] مريم هي أخت لهارونَ؟ بينهم أزمان طويلة.
* طالب: وجه تنوع العذاب يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، يقول الله عز وجل: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] كل إنسان يُؤْخَذ بذنبه؛ بالمشابهة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثل أيش؟
* الطالب: مثلًا فرعون ما وجه مشابهة الإغراق (...)؟
* الشيخ: لأنه كان يفتخر بالماء هو، ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١]، فعُذِّب بمثل ما كان يفتخر به؛ أُخْرِج من مصر وأُغرِقَ بالماء.
* طالب: هذه الآية (...) ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني: كل الرسل كل القصص (...).
* الشيخ: إي، لكن الكلام على ﴿بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني بالعقوبة التي تطابق ذنبه، لكن لا يلزم أننا نعرف كل شيء، قد يخفى علينا بعض الشيء.
* طالب: الفرق بين الوزن والكيل؟
* الشيخ: ويش الفرق بينهم؟ سبحان الله! الفرق بين الكيلو والوزن.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف.
* طالب: الكيل يقيس الحجم، والوزن يقيس الثقل.
* الشيخ: ما كان يقاس به الحجم فهو مكيال، وما قيس به الثقل فهو ميزان، فيه عند الناس مشهور أن الإنسان اللي يزن روحه يُزكِّي على نفسه، ولهذا دائما السؤال عنه؛ يسألون أولا: هل يجوز ولا ما يجوز؟ ويسألون بعد ذلك: هل عليه زكاة إذا منه وزن روحه ولَّا لا؟
الشعراء 26:180
(﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ لم يقل: أخوهم؛ لأنه لم يكن منهم) وفيما مضى من القصص يقال لهم: أخوهم ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف ٨٥]، فتبين بهذا أن أصحاب الأيكة ليسوا أهل مدين؛ ولهذا المؤلف يقول: (قُرْب مدين) وليسوا من القرية التي بُعِث فيها شعيب؛ لأن أهل القرية التي بعث فيها وهي مدين من قبيلته؛ ولهذا لما ذكر مدين قال: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، وأما هذا فقال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧]، ولم يقل: أخوهم، ومما يدل على أنهم ليسوا أصحاب مدين أن العذاب الذي أُخِذوا به غير العذاب الذي أخذ به أصحاب مدين، أصحاب مدين أخذوا بالصيحة، وهؤلاء أُخِذوا بعذاب الظلة، كما سيأتي إن شاء الله.
* طالب: على هذا يكون مرسلًا مرتين؟
* الشيخ: لا، مرسل مرة واحدة لكن إلى قومين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إلى هؤلاء وهؤلاء، ويجوز أن يكون هذا من باب التبع، أن هذه القرية هذه الصغيرة مثلًا، وكانت تابعة لبلدته التي هو منها، ويدلك على هذا أن عملهم واحد، عمل هؤلاء وعمل أهل مدين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هذه عامة لكل الرسل كما عرفتم.
الذنب الخاص بهؤلاء (﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتموه ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ الناقصين) هؤلاء القوم الذين بُعث إليهم شعيب سواء كانوا قومه أم أهل القرية هذه كانوا يبخسون المكيال والميزان والعياذ بالله، إذا وزنوا للناس نقصوه، وإذا اتزنوا منهم استوفوا، هذا الظاهر: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١ - ٣].
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ هذا مقابل لقوله: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ لأجل ألا يقال: إن من أوفى في أكثر الأعمال يكون مُوفيًا؛ يعني مثل الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فأوفوا الكيل؛ يعني في كل فرد من أفراد معاملاتكم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي: من المتصفين بالإخسار، والإخسار بمعنى النقص.
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ هذا الوزن، والفرق بين الوزن وبين الكيل أن ما قُدِّر بالحجم فهو كيل، وما قُدِّر بالثِّقل فهو ثقل، اللي يُقدَّر بالحجم؛ لأن المكيال تضع فيه الشيء يكون حجمه هكذا، وأما هذا فيُقدَّر بالثِّقل فيُسمَّى وزنًا.
وقوله: ﴿بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ يقول المؤلف: (الميزان السوي)، فعلى هذا القِسطاس بمعنى الميزان، والمستقيم بمعنى السوي.
* طالب: أعجمي؟
* الشيخ: لا مُعرَّب.
(﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تنقصوهم من حقهم شيئًا)، هذا عام حتى فيما يُزرع وفيما يُعَدُّ، مثل هؤلاء القوم، ذنبهم الخاص الذي بُعِث هذا الرسول لإصلاحه مع عبادة الله هو بخس الناس في الكيل والميزان وغيره؛ ولهذا عمَّم ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الشعراء ١٨٣] لا تنقصوهم حقوقهم.
(﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره).
قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل، لم نعرف أن هؤلاء القوم –أي: قوم شعيب- كانوا يقتلون الناس بل المعروف من ذنبهم أنهم كانوا يبخسون الناس أشياءهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: يمكن بالقتل أو غيره ما ندري، إنما الإيعاد سواء بالحبس أو بالضرب أو بغيره هو من الفساد، ومن الفساد أيضًا نقص الناس أشياءهم؛ ولهذا «مَا بَخَسَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]. ومنع القطر من السماء فساد في الأرض بلا شك.
وقول الله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء ١٨٣] هذه الحال يسميها أهل النحو: حالًا مؤكدة؛ لأن العتو هو الفساد مثل لو قلت: لا تقم قائمًا. فإن (قائمًا) حال، وهي مؤكدة لقوله: لا تقم.
* طالب: يجوز؟
* الشيخ: إي، يجوز.
* طالب: الظاهر لا تقم قائمًا؛ أي: لا تقوم قائمًا (...).
* الشيخ: لا، لا تقوم قائمًا؛ يعني لا تستمر قائمًا زَمانًا.
وقوله: (﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره من عَثِيَ بكسر المثلثة أفسد و﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكِّدة لمعنى عاملها).
(﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ﴾ الخليقة ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ ) حذرهم الرسول عليه الصلاة والسلام بالذي خلقهم وخَلَقَ الخلق الأول أيضًا؛ إشارة إلى أنكم ستزولون كما زال مَنْ قبلكم، فأنتم مخلوقون من العدم وستؤولون إلى العدم.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ مثل جواب من؟ قوم صالح.
(﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ﴾ -مثلهم تمامًا- ﴿﴿وَإِنْ﴾ ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي إنه أي الشأن ﴿نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ).
ويش الدليل على (إن) مخففة هنا من الثقيلة؟ ويش الدليل؟
* طالب: وجود اللام.
* الشيخ: ويش بعد؟ وجود اللام هذا دليل لفظي.
* الطالب: قرينة الحال (...).
* الشيخ: إذن فإن هنا الدليل على أنها مخففة من الثقيلة أمران:
لفظي: وهو اللام؛ لأن اللام لا تقترن إلا في خبر (إن) المخففة.
والثاني: المعنى، لو كان في الآية ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يعني وقال قائل: إن (إن) نافية. قلنا: ليس كذلك؛ لأنهم لو قالوا: ما نظنك من الكاذبين لكانوا مُصَدِّقين به، والأمر ليس كذلك، إذن هم يقولون: إن نظنك من الكاذبين، وهذا الظن حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالِمِين وكاتمين مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ بِسكون السِّين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) أعوذ بالله، هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتِنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما توعدنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ كقول قريش للرسول عيه الصلاة والسلام حين قالوا..
حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالمين وكاتمين؛ مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الشعراء ١٨٧] بسكون السين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما تُوعِدُنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، كقول قريش للرسول عليه الصلاة والسلام حين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢]، وهذا من سفاهتهم، وكان واجبًا أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ووفقنا.
* طالب: في سورة العنكبوت (...).
* الشيخ: (...) ويش قالوا؟
* الطالب: قالوا (...).
* الشيخ: على كل حال هذا ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ يعني تشابهت القلوب والأفعال [الأنعام: ١٤٨].
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (إن) هذه شرطية، والغرض منها التحدي، (﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء ١٨٨] فيجازيكم به)؛ يعني: أنتم فعلتم كل قبيح وقابلتموني بكل إثم صريح، ولكن الذي يعلم ذلك هو الله، وهو يهددهم بلازم العلم، ولهذا قال المؤلف: (فيجازيكم به ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء ١٨٩]، وهي سحابة أظلتهم بعد حرٍّ شديد أصابهم، فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ) أعوذ بالله! هم -والعياذ بالله- أصيبوا بحرٍّ شديد حر عظيم جدًّا، ما أطاقوه، فأنشأ الله تعالى سحابة تظلهم، فخرجوا من بلادهم عن بكرة أبيهم إلى هذا الظل، ولكن –والعياذ بالله- لما وصلوا وإذا هي نارٌ -والعياذ بالله- أحرقتهم عن آخرهم، وهذا من أشد ما يكون -والعياذ بالله- من العذاب؛ لأنهم جاؤوا هاربين من عذاب، فوقعوا في أشد منه والعياذ بالله، كانوا حينما أقبلوا ويش يظنون؟ أنهم نَجَوا من الحر بهذه الظلال، ولكنه -والعياذ بالله- صار حتفهم.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ولهذا وصفه الله ﴿إِنَّهُ﴾ أي: هذا العذاب ﴿كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وصدق الله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٩٠، ١٩١].
هذه القصص عبرٌ في الحقيقة يعتبر بها الإنسان من عدة نواحٍ؛ أولًا: يعلم بها صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام وجلدهم وإخلاصهم لله، وأنهم لا يُبالون بما نالهم في ذات الله. هذا واحد.
ثانيًا: يعتبر بها بالتسلي بما أصاب الرسل؛ لأن الإنسان يتسلَّى بما أصاب غيره.
(...) بالصبر بأن يصبر هو على الدعوة إلى الله، ولا يمل ولا يكل؛ لأن العاقبة تكون لمن؟ للصابرين والداعين إلى الله، كل العواقب الآن اللي رأينا بالقصص كلها للرسل عليهم الصلاة والسلام.
والرابع: أن فيها عبرة تُحذِّر المخالفين للرسل؛ فإن كل المخالفين للرسل -كما رأيتم- كلهم عوقبوا وأخذهم العذاب.
وفيها أيضًا من العبر: بيان قدرة الله عز وجل؛ حيث ينزل العذاب، فينجو منه من ينجو، ويهلك به من هلك، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١].
وفيه من العبر: أن الإنسان يتعجب كيف يصل بنو آدم إلى هذا العتو والعناد والاستكبار! يعني تحدٍّ لله عز وجل بما يخاطبون به رسله، تعجب كيف يصل الأمر؟!
وفيها أيضًا من العبر، وهي السابعة: أنك تقيس حاضرك بغائبك.
ألا يوجد الآن أمثال هؤلاء؟ يوجد الآن أمثال هؤلاء؛ لأن طبيعة البشر واحدة من آدم إلى اليوم، فيوجد من هؤلاء وإن اختلف الأسلوب، الأسلوب قد يختلف لكن المعنى واحد، العتو والاستكبار يوجد الآن من بني آدم من يقول: إن الدين خرافة، يوجد من بني آدم من يقول: إن الله تعالى يجب أن يوضع في قفص الاتهام. ليش هذا يشبع وهذا يجوع، وهذا يأمن وهذا يخاف، وهذا يصح وهذا يمرض؟ والعياذ بالله، فهذه الأشياء يجب أن تعتبر بها وأنه ما سبق قبل زمانك وجد منه مثله في زمانك.
والعبر من هذا كثيرة ولو أن الإنسان كتب هذه العبر عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]؛ لأنك كلما استنتجتَ عبرة ازددت عقلًا؛ لأن الله جعل العِبَرَ لمن؟ لأولي الألباب، فكلما كان اللب أقوى كانت العبرة اللي تؤخذ من هذا أكثر.
مثل هذا لو تيسر أنه يُكْتَب عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، تكتب العبر، وفي سورة هود فصل كثير لقصص الأنبياء، وفيها أيضًا لما ذكر الله في آخرها ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود ١٢٠].
* طالب: (...).
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الأولى بيان ما قابل الرسل من صبرهم وجلدهم وتحملهم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: لعل يشترط (...)؟
* الشيخ: من؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا هو ظاهر الآية ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦١]، وأما من قال: إنه ليس منهم في النسب لكنه مصاهرٌ لهم، وأولاده منهم، والولد بعض من أبيه، فقال الله: ﴿أَخُوهُمْ﴾؛ فهذا خلاف الظاهر.
* طالب: (...) يشترط؟
* الشيخ: لا، ما هو بشرط.
* طالب: إنما هي من باب التغليب.
* الشيخ: إي، من باب التغليب.
* طالب: أن شعيب عليه السلام خطيب الأنبياء من قراءتي لقصته بليغة جدًّا.
* الشيخ: إي، ما نجزم نقول: إنه خطيب الأنبياء، يمكن في الأنبياء من هو أخطب منه.
* الطالب: كان أعمى؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: ولوط كان أعمى.
* الشيخ: من يقول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الغالب أن الرسل عليهم الصلاة والسلام كاملون، ولهذا الفقهاء رحمهم الله قالوا: يُشْتَرط في القاضي أن يكون بصيرًا، نفس الفقهاء وهو المذهب؛ المذهب أن يكون بصيرًا، أنا ما أعتقد ولا أظن أن الله سبحانه وتعالى يبعث أحدًا أعمى.
* طالب: لم يعيروه (...).
* الشيخ: إلا، عيروه ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢].
* الطالب: (...).
* الشيخ: المهم أنهم عيروه حتى إنهم عيروه بما ليس فيه قالوا: إنه آدر، فبرأه الله مما قالوا.
* طالب: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦].
* الشيخ: المهم أنهم مثلما قال، لو كان هذه العاهة البدنية فيه لكان يعيرونه بها، ثم ويش هو الأصل؟ الأصل السلامة، وأن الله لا يبعث إلا من هو سليم في كل الحواس.
* طالب: وأين الدليل؟
* الشيخ: هذا الحقيقة اللي ادعوه يجب منهم يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا اعتقد أنه نوع من الذنب؛ لأن هذا اتهام لله عز وجل أنه يرسل ذا عاهة؛ لأنه لا شك أن اللي ما هو مبصر لا شك أنه ناقص؛ فإن الإدراكات تكون بالسمع وبالبصر من أقوى ما يكون، ودائما يحتج الله على الإنسان بسمعه وبصره.
* طالب: هل تزوج (...) بابنة شعيب أو..؟
* الشيخ: لا، ما هو ظاهر (...)، الصحيح أن صاحب مدين اللي في قصة موسى متأخر عن شعيب كثيرًا وله..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، إي نعم. لكن لما قال: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص ٢٢] ظنوا أنه هو شعيب، ولا في القرآن ولا في السنة أنه شعيب، حتى ولا أن اسمه شعيب، حتى لو ثبت أن اسمه شعيب لكان لهم شبهة، لكننا نقول: إنهم يتسمون بأسماء أنبيائهم؛ مثل: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨] مريم هي أخت لهارونَ؟ بينهم أزمان طويلة.
* طالب: وجه تنوع العذاب يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، يقول الله عز وجل: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] كل إنسان يُؤْخَذ بذنبه؛ بالمشابهة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثل أيش؟
* الطالب: مثلًا فرعون ما وجه مشابهة الإغراق (...)؟
* الشيخ: لأنه كان يفتخر بالماء هو، ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١]، فعُذِّب بمثل ما كان يفتخر به؛ أُخْرِج من مصر وأُغرِقَ بالماء.
* طالب: هذه الآية (...) ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني: كل الرسل كل القصص (...).
* الشيخ: إي، لكن الكلام على ﴿بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني بالعقوبة التي تطابق ذنبه، لكن لا يلزم أننا نعرف كل شيء، قد يخفى علينا بعض الشيء.
* طالب: الفرق بين الوزن والكيل؟
* الشيخ: ويش الفرق بينهم؟ سبحان الله! الفرق بين الكيلو والوزن.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف.
* طالب: الكيل يقيس الحجم، والوزن يقيس الثقل.
* الشيخ: ما كان يقاس به الحجم فهو مكيال، وما قيس به الثقل فهو ميزان، فيه عند الناس مشهور أن الإنسان اللي يزن روحه يُزكِّي على نفسه، ولهذا دائما السؤال عنه؛ يسألون أولا: هل يجوز ولا ما يجوز؟ ويسألون بعد ذلك: هل عليه زكاة إذا منه وزن روحه ولَّا لا؟
الشعراء 26:181
(﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ لم يقل: أخوهم؛ لأنه لم يكن منهم) وفيما مضى من القصص يقال لهم: أخوهم ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف ٨٥]، فتبين بهذا أن أصحاب الأيكة ليسوا أهل مدين؛ ولهذا المؤلف يقول: (قُرْب مدين) وليسوا من القرية التي بُعِث فيها شعيب؛ لأن أهل القرية التي بعث فيها وهي مدين من قبيلته؛ ولهذا لما ذكر مدين قال: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، وأما هذا فقال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧]، ولم يقل: أخوهم، ومما يدل على أنهم ليسوا أصحاب مدين أن العذاب الذي أُخِذوا به غير العذاب الذي أخذ به أصحاب مدين، أصحاب مدين أخذوا بالصيحة، وهؤلاء أُخِذوا بعذاب الظلة، كما سيأتي إن شاء الله.
* طالب: على هذا يكون مرسلًا مرتين؟
* الشيخ: لا، مرسل مرة واحدة لكن إلى قومين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إلى هؤلاء وهؤلاء، ويجوز أن يكون هذا من باب التبع، أن هذه القرية هذه الصغيرة مثلًا، وكانت تابعة لبلدته التي هو منها، ويدلك على هذا أن عملهم واحد، عمل هؤلاء وعمل أهل مدين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هذه عامة لكل الرسل كما عرفتم.
الذنب الخاص بهؤلاء (﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتموه ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ الناقصين) هؤلاء القوم الذين بُعث إليهم شعيب سواء كانوا قومه أم أهل القرية هذه كانوا يبخسون المكيال والميزان والعياذ بالله، إذا وزنوا للناس نقصوه، وإذا اتزنوا منهم استوفوا، هذا الظاهر: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١ - ٣].
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ هذا مقابل لقوله: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ لأجل ألا يقال: إن من أوفى في أكثر الأعمال يكون مُوفيًا؛ يعني مثل الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فأوفوا الكيل؛ يعني في كل فرد من أفراد معاملاتكم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي: من المتصفين بالإخسار، والإخسار بمعنى النقص.
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ هذا الوزن، والفرق بين الوزن وبين الكيل أن ما قُدِّر بالحجم فهو كيل، وما قُدِّر بالثِّقل فهو ثقل، اللي يُقدَّر بالحجم؛ لأن المكيال تضع فيه الشيء يكون حجمه هكذا، وأما هذا فيُقدَّر بالثِّقل فيُسمَّى وزنًا.
وقوله: ﴿بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ يقول المؤلف: (الميزان السوي)، فعلى هذا القِسطاس بمعنى الميزان، والمستقيم بمعنى السوي.
* طالب: أعجمي؟
* الشيخ: لا مُعرَّب.
(﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تنقصوهم من حقهم شيئًا)، هذا عام حتى فيما يُزرع وفيما يُعَدُّ، مثل هؤلاء القوم، ذنبهم الخاص الذي بُعِث هذا الرسول لإصلاحه مع عبادة الله هو بخس الناس في الكيل والميزان وغيره؛ ولهذا عمَّم ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الشعراء ١٨٣] لا تنقصوهم حقوقهم.
(﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره).
قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل، لم نعرف أن هؤلاء القوم –أي: قوم شعيب- كانوا يقتلون الناس بل المعروف من ذنبهم أنهم كانوا يبخسون الناس أشياءهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: يمكن بالقتل أو غيره ما ندري، إنما الإيعاد سواء بالحبس أو بالضرب أو بغيره هو من الفساد، ومن الفساد أيضًا نقص الناس أشياءهم؛ ولهذا «مَا بَخَسَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]. ومنع القطر من السماء فساد في الأرض بلا شك.
وقول الله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء ١٨٣] هذه الحال يسميها أهل النحو: حالًا مؤكدة؛ لأن العتو هو الفساد مثل لو قلت: لا تقم قائمًا. فإن (قائمًا) حال، وهي مؤكدة لقوله: لا تقم.
* طالب: يجوز؟
* الشيخ: إي، يجوز.
* طالب: الظاهر لا تقم قائمًا؛ أي: لا تقوم قائمًا (...).
* الشيخ: لا، لا تقوم قائمًا؛ يعني لا تستمر قائمًا زَمانًا.
وقوله: (﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره من عَثِيَ بكسر المثلثة أفسد و﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكِّدة لمعنى عاملها).
(﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ﴾ الخليقة ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ ) حذرهم الرسول عليه الصلاة والسلام بالذي خلقهم وخَلَقَ الخلق الأول أيضًا؛ إشارة إلى أنكم ستزولون كما زال مَنْ قبلكم، فأنتم مخلوقون من العدم وستؤولون إلى العدم.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ مثل جواب من؟ قوم صالح.
(﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ﴾ -مثلهم تمامًا- ﴿﴿وَإِنْ﴾ ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي إنه أي الشأن ﴿نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ).
ويش الدليل على (إن) مخففة هنا من الثقيلة؟ ويش الدليل؟
* طالب: وجود اللام.
* الشيخ: ويش بعد؟ وجود اللام هذا دليل لفظي.
* الطالب: قرينة الحال (...).
* الشيخ: إذن فإن هنا الدليل على أنها مخففة من الثقيلة أمران:
لفظي: وهو اللام؛ لأن اللام لا تقترن إلا في خبر (إن) المخففة.
والثاني: المعنى، لو كان في الآية ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يعني وقال قائل: إن (إن) نافية. قلنا: ليس كذلك؛ لأنهم لو قالوا: ما نظنك من الكاذبين لكانوا مُصَدِّقين به، والأمر ليس كذلك، إذن هم يقولون: إن نظنك من الكاذبين، وهذا الظن حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالِمِين وكاتمين مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ بِسكون السِّين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) أعوذ بالله، هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتِنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما توعدنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ كقول قريش للرسول عيه الصلاة والسلام حين قالوا..
حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالمين وكاتمين؛ مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الشعراء ١٨٧] بسكون السين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما تُوعِدُنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، كقول قريش للرسول عليه الصلاة والسلام حين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢]، وهذا من سفاهتهم، وكان واجبًا أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ووفقنا.
* طالب: في سورة العنكبوت (...).
* الشيخ: (...) ويش قالوا؟
* الطالب: قالوا (...).
* الشيخ: على كل حال هذا ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ يعني تشابهت القلوب والأفعال [الأنعام: ١٤٨].
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (إن) هذه شرطية، والغرض منها التحدي، (﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء ١٨٨] فيجازيكم به)؛ يعني: أنتم فعلتم كل قبيح وقابلتموني بكل إثم صريح، ولكن الذي يعلم ذلك هو الله، وهو يهددهم بلازم العلم، ولهذا قال المؤلف: (فيجازيكم به ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء ١٨٩]، وهي سحابة أظلتهم بعد حرٍّ شديد أصابهم، فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ) أعوذ بالله! هم -والعياذ بالله- أصيبوا بحرٍّ شديد حر عظيم جدًّا، ما أطاقوه، فأنشأ الله تعالى سحابة تظلهم، فخرجوا من بلادهم عن بكرة أبيهم إلى هذا الظل، ولكن –والعياذ بالله- لما وصلوا وإذا هي نارٌ -والعياذ بالله- أحرقتهم عن آخرهم، وهذا من أشد ما يكون -والعياذ بالله- من العذاب؛ لأنهم جاؤوا هاربين من عذاب، فوقعوا في أشد منه والعياذ بالله، كانوا حينما أقبلوا ويش يظنون؟ أنهم نَجَوا من الحر بهذه الظلال، ولكنه -والعياذ بالله- صار حتفهم.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ولهذا وصفه الله ﴿إِنَّهُ﴾ أي: هذا العذاب ﴿كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وصدق الله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٩٠، ١٩١].
هذه القصص عبرٌ في الحقيقة يعتبر بها الإنسان من عدة نواحٍ؛ أولًا: يعلم بها صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام وجلدهم وإخلاصهم لله، وأنهم لا يُبالون بما نالهم في ذات الله. هذا واحد.
ثانيًا: يعتبر بها بالتسلي بما أصاب الرسل؛ لأن الإنسان يتسلَّى بما أصاب غيره.
(...) بالصبر بأن يصبر هو على الدعوة إلى الله، ولا يمل ولا يكل؛ لأن العاقبة تكون لمن؟ للصابرين والداعين إلى الله، كل العواقب الآن اللي رأينا بالقصص كلها للرسل عليهم الصلاة والسلام.
والرابع: أن فيها عبرة تُحذِّر المخالفين للرسل؛ فإن كل المخالفين للرسل -كما رأيتم- كلهم عوقبوا وأخذهم العذاب.
وفيها أيضًا من العبر: بيان قدرة الله عز وجل؛ حيث ينزل العذاب، فينجو منه من ينجو، ويهلك به من هلك، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١].
وفيه من العبر: أن الإنسان يتعجب كيف يصل بنو آدم إلى هذا العتو والعناد والاستكبار! يعني تحدٍّ لله عز وجل بما يخاطبون به رسله، تعجب كيف يصل الأمر؟!
وفيها أيضًا من العبر، وهي السابعة: أنك تقيس حاضرك بغائبك.
ألا يوجد الآن أمثال هؤلاء؟ يوجد الآن أمثال هؤلاء؛ لأن طبيعة البشر واحدة من آدم إلى اليوم، فيوجد من هؤلاء وإن اختلف الأسلوب، الأسلوب قد يختلف لكن المعنى واحد، العتو والاستكبار يوجد الآن من بني آدم من يقول: إن الدين خرافة، يوجد من بني آدم من يقول: إن الله تعالى يجب أن يوضع في قفص الاتهام. ليش هذا يشبع وهذا يجوع، وهذا يأمن وهذا يخاف، وهذا يصح وهذا يمرض؟ والعياذ بالله، فهذه الأشياء يجب أن تعتبر بها وأنه ما سبق قبل زمانك وجد منه مثله في زمانك.
والعبر من هذا كثيرة ولو أن الإنسان كتب هذه العبر عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]؛ لأنك كلما استنتجتَ عبرة ازددت عقلًا؛ لأن الله جعل العِبَرَ لمن؟ لأولي الألباب، فكلما كان اللب أقوى كانت العبرة اللي تؤخذ من هذا أكثر.
مثل هذا لو تيسر أنه يُكْتَب عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، تكتب العبر، وفي سورة هود فصل كثير لقصص الأنبياء، وفيها أيضًا لما ذكر الله في آخرها ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود ١٢٠].
* طالب: (...).
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الأولى بيان ما قابل الرسل من صبرهم وجلدهم وتحملهم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: لعل يشترط (...)؟
* الشيخ: من؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا هو ظاهر الآية ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦١]، وأما من قال: إنه ليس منهم في النسب لكنه مصاهرٌ لهم، وأولاده منهم، والولد بعض من أبيه، فقال الله: ﴿أَخُوهُمْ﴾؛ فهذا خلاف الظاهر.
* طالب: (...) يشترط؟
* الشيخ: لا، ما هو بشرط.
* طالب: إنما هي من باب التغليب.
* الشيخ: إي، من باب التغليب.
* طالب: أن شعيب عليه السلام خطيب الأنبياء من قراءتي لقصته بليغة جدًّا.
* الشيخ: إي، ما نجزم نقول: إنه خطيب الأنبياء، يمكن في الأنبياء من هو أخطب منه.
* الطالب: كان أعمى؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: ولوط كان أعمى.
* الشيخ: من يقول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الغالب أن الرسل عليهم الصلاة والسلام كاملون، ولهذا الفقهاء رحمهم الله قالوا: يُشْتَرط في القاضي أن يكون بصيرًا، نفس الفقهاء وهو المذهب؛ المذهب أن يكون بصيرًا، أنا ما أعتقد ولا أظن أن الله سبحانه وتعالى يبعث أحدًا أعمى.
* طالب: لم يعيروه (...).
* الشيخ: إلا، عيروه ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢].
* الطالب: (...).
* الشيخ: المهم أنهم عيروه حتى إنهم عيروه بما ليس فيه قالوا: إنه آدر، فبرأه الله مما قالوا.
* طالب: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦].
* الشيخ: المهم أنهم مثلما قال، لو كان هذه العاهة البدنية فيه لكان يعيرونه بها، ثم ويش هو الأصل؟ الأصل السلامة، وأن الله لا يبعث إلا من هو سليم في كل الحواس.
* طالب: وأين الدليل؟
* الشيخ: هذا الحقيقة اللي ادعوه يجب منهم يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا اعتقد أنه نوع من الذنب؛ لأن هذا اتهام لله عز وجل أنه يرسل ذا عاهة؛ لأنه لا شك أن اللي ما هو مبصر لا شك أنه ناقص؛ فإن الإدراكات تكون بالسمع وبالبصر من أقوى ما يكون، ودائما يحتج الله على الإنسان بسمعه وبصره.
* طالب: هل تزوج (...) بابنة شعيب أو..؟
* الشيخ: لا، ما هو ظاهر (...)، الصحيح أن صاحب مدين اللي في قصة موسى متأخر عن شعيب كثيرًا وله..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، إي نعم. لكن لما قال: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص ٢٢] ظنوا أنه هو شعيب، ولا في القرآن ولا في السنة أنه شعيب، حتى ولا أن اسمه شعيب، حتى لو ثبت أن اسمه شعيب لكان لهم شبهة، لكننا نقول: إنهم يتسمون بأسماء أنبيائهم؛ مثل: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨] مريم هي أخت لهارونَ؟ بينهم أزمان طويلة.
* طالب: وجه تنوع العذاب يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، يقول الله عز وجل: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] كل إنسان يُؤْخَذ بذنبه؛ بالمشابهة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثل أيش؟
* الطالب: مثلًا فرعون ما وجه مشابهة الإغراق (...)؟
* الشيخ: لأنه كان يفتخر بالماء هو، ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١]، فعُذِّب بمثل ما كان يفتخر به؛ أُخْرِج من مصر وأُغرِقَ بالماء.
* طالب: هذه الآية (...) ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني: كل الرسل كل القصص (...).
* الشيخ: إي، لكن الكلام على ﴿بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني بالعقوبة التي تطابق ذنبه، لكن لا يلزم أننا نعرف كل شيء، قد يخفى علينا بعض الشيء.
* طالب: الفرق بين الوزن والكيل؟
* الشيخ: ويش الفرق بينهم؟ سبحان الله! الفرق بين الكيلو والوزن.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف.
* طالب: الكيل يقيس الحجم، والوزن يقيس الثقل.
* الشيخ: ما كان يقاس به الحجم فهو مكيال، وما قيس به الثقل فهو ميزان، فيه عند الناس مشهور أن الإنسان اللي يزن روحه يُزكِّي على نفسه، ولهذا دائما السؤال عنه؛ يسألون أولا: هل يجوز ولا ما يجوز؟ ويسألون بعد ذلك: هل عليه زكاة إذا منه وزن روحه ولَّا لا؟
الشعراء 26:182
(﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ لم يقل: أخوهم؛ لأنه لم يكن منهم) وفيما مضى من القصص يقال لهم: أخوهم ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف ٨٥]، فتبين بهذا أن أصحاب الأيكة ليسوا أهل مدين؛ ولهذا المؤلف يقول: (قُرْب مدين) وليسوا من القرية التي بُعِث فيها شعيب؛ لأن أهل القرية التي بعث فيها وهي مدين من قبيلته؛ ولهذا لما ذكر مدين قال: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، وأما هذا فقال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧]، ولم يقل: أخوهم، ومما يدل على أنهم ليسوا أصحاب مدين أن العذاب الذي أُخِذوا به غير العذاب الذي أخذ به أصحاب مدين، أصحاب مدين أخذوا بالصيحة، وهؤلاء أُخِذوا بعذاب الظلة، كما سيأتي إن شاء الله.
* طالب: على هذا يكون مرسلًا مرتين؟
* الشيخ: لا، مرسل مرة واحدة لكن إلى قومين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إلى هؤلاء وهؤلاء، ويجوز أن يكون هذا من باب التبع، أن هذه القرية هذه الصغيرة مثلًا، وكانت تابعة لبلدته التي هو منها، ويدلك على هذا أن عملهم واحد، عمل هؤلاء وعمل أهل مدين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هذه عامة لكل الرسل كما عرفتم.
الذنب الخاص بهؤلاء (﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتموه ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ الناقصين) هؤلاء القوم الذين بُعث إليهم شعيب سواء كانوا قومه أم أهل القرية هذه كانوا يبخسون المكيال والميزان والعياذ بالله، إذا وزنوا للناس نقصوه، وإذا اتزنوا منهم استوفوا، هذا الظاهر: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١ - ٣].
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ هذا مقابل لقوله: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ لأجل ألا يقال: إن من أوفى في أكثر الأعمال يكون مُوفيًا؛ يعني مثل الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فأوفوا الكيل؛ يعني في كل فرد من أفراد معاملاتكم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي: من المتصفين بالإخسار، والإخسار بمعنى النقص.
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ هذا الوزن، والفرق بين الوزن وبين الكيل أن ما قُدِّر بالحجم فهو كيل، وما قُدِّر بالثِّقل فهو ثقل، اللي يُقدَّر بالحجم؛ لأن المكيال تضع فيه الشيء يكون حجمه هكذا، وأما هذا فيُقدَّر بالثِّقل فيُسمَّى وزنًا.
وقوله: ﴿بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ يقول المؤلف: (الميزان السوي)، فعلى هذا القِسطاس بمعنى الميزان، والمستقيم بمعنى السوي.
* طالب: أعجمي؟
* الشيخ: لا مُعرَّب.
(﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تنقصوهم من حقهم شيئًا)، هذا عام حتى فيما يُزرع وفيما يُعَدُّ، مثل هؤلاء القوم، ذنبهم الخاص الذي بُعِث هذا الرسول لإصلاحه مع عبادة الله هو بخس الناس في الكيل والميزان وغيره؛ ولهذا عمَّم ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الشعراء ١٨٣] لا تنقصوهم حقوقهم.
(﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره).
قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل، لم نعرف أن هؤلاء القوم –أي: قوم شعيب- كانوا يقتلون الناس بل المعروف من ذنبهم أنهم كانوا يبخسون الناس أشياءهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: يمكن بالقتل أو غيره ما ندري، إنما الإيعاد سواء بالحبس أو بالضرب أو بغيره هو من الفساد، ومن الفساد أيضًا نقص الناس أشياءهم؛ ولهذا «مَا بَخَسَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]. ومنع القطر من السماء فساد في الأرض بلا شك.
وقول الله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء ١٨٣] هذه الحال يسميها أهل النحو: حالًا مؤكدة؛ لأن العتو هو الفساد مثل لو قلت: لا تقم قائمًا. فإن (قائمًا) حال، وهي مؤكدة لقوله: لا تقم.
* طالب: يجوز؟
* الشيخ: إي، يجوز.
* طالب: الظاهر لا تقم قائمًا؛ أي: لا تقوم قائمًا (...).
* الشيخ: لا، لا تقوم قائمًا؛ يعني لا تستمر قائمًا زَمانًا.
وقوله: (﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره من عَثِيَ بكسر المثلثة أفسد و﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكِّدة لمعنى عاملها).
(﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ﴾ الخليقة ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ ) حذرهم الرسول عليه الصلاة والسلام بالذي خلقهم وخَلَقَ الخلق الأول أيضًا؛ إشارة إلى أنكم ستزولون كما زال مَنْ قبلكم، فأنتم مخلوقون من العدم وستؤولون إلى العدم.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ مثل جواب من؟ قوم صالح.
(﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ﴾ -مثلهم تمامًا- ﴿﴿وَإِنْ﴾ ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي إنه أي الشأن ﴿نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ).
ويش الدليل على (إن) مخففة هنا من الثقيلة؟ ويش الدليل؟
* طالب: وجود اللام.
* الشيخ: ويش بعد؟ وجود اللام هذا دليل لفظي.
* الطالب: قرينة الحال (...).
* الشيخ: إذن فإن هنا الدليل على أنها مخففة من الثقيلة أمران:
لفظي: وهو اللام؛ لأن اللام لا تقترن إلا في خبر (إن) المخففة.
والثاني: المعنى، لو كان في الآية ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يعني وقال قائل: إن (إن) نافية. قلنا: ليس كذلك؛ لأنهم لو قالوا: ما نظنك من الكاذبين لكانوا مُصَدِّقين به، والأمر ليس كذلك، إذن هم يقولون: إن نظنك من الكاذبين، وهذا الظن حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالِمِين وكاتمين مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ بِسكون السِّين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) أعوذ بالله، هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتِنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما توعدنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ كقول قريش للرسول عيه الصلاة والسلام حين قالوا..
حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالمين وكاتمين؛ مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الشعراء ١٨٧] بسكون السين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما تُوعِدُنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، كقول قريش للرسول عليه الصلاة والسلام حين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢]، وهذا من سفاهتهم، وكان واجبًا أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ووفقنا.
* طالب: في سورة العنكبوت (...).
* الشيخ: (...) ويش قالوا؟
* الطالب: قالوا (...).
* الشيخ: على كل حال هذا ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ يعني تشابهت القلوب والأفعال [الأنعام: ١٤٨].
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (إن) هذه شرطية، والغرض منها التحدي، (﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء ١٨٨] فيجازيكم به)؛ يعني: أنتم فعلتم كل قبيح وقابلتموني بكل إثم صريح، ولكن الذي يعلم ذلك هو الله، وهو يهددهم بلازم العلم، ولهذا قال المؤلف: (فيجازيكم به ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء ١٨٩]، وهي سحابة أظلتهم بعد حرٍّ شديد أصابهم، فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ) أعوذ بالله! هم -والعياذ بالله- أصيبوا بحرٍّ شديد حر عظيم جدًّا، ما أطاقوه، فأنشأ الله تعالى سحابة تظلهم، فخرجوا من بلادهم عن بكرة أبيهم إلى هذا الظل، ولكن –والعياذ بالله- لما وصلوا وإذا هي نارٌ -والعياذ بالله- أحرقتهم عن آخرهم، وهذا من أشد ما يكون -والعياذ بالله- من العذاب؛ لأنهم جاؤوا هاربين من عذاب، فوقعوا في أشد منه والعياذ بالله، كانوا حينما أقبلوا ويش يظنون؟ أنهم نَجَوا من الحر بهذه الظلال، ولكنه -والعياذ بالله- صار حتفهم.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ولهذا وصفه الله ﴿إِنَّهُ﴾ أي: هذا العذاب ﴿كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وصدق الله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٩٠، ١٩١].
هذه القصص عبرٌ في الحقيقة يعتبر بها الإنسان من عدة نواحٍ؛ أولًا: يعلم بها صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام وجلدهم وإخلاصهم لله، وأنهم لا يُبالون بما نالهم في ذات الله. هذا واحد.
ثانيًا: يعتبر بها بالتسلي بما أصاب الرسل؛ لأن الإنسان يتسلَّى بما أصاب غيره.
(...) بالصبر بأن يصبر هو على الدعوة إلى الله، ولا يمل ولا يكل؛ لأن العاقبة تكون لمن؟ للصابرين والداعين إلى الله، كل العواقب الآن اللي رأينا بالقصص كلها للرسل عليهم الصلاة والسلام.
والرابع: أن فيها عبرة تُحذِّر المخالفين للرسل؛ فإن كل المخالفين للرسل -كما رأيتم- كلهم عوقبوا وأخذهم العذاب.
وفيها أيضًا من العبر: بيان قدرة الله عز وجل؛ حيث ينزل العذاب، فينجو منه من ينجو، ويهلك به من هلك، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١].
وفيه من العبر: أن الإنسان يتعجب كيف يصل بنو آدم إلى هذا العتو والعناد والاستكبار! يعني تحدٍّ لله عز وجل بما يخاطبون به رسله، تعجب كيف يصل الأمر؟!
وفيها أيضًا من العبر، وهي السابعة: أنك تقيس حاضرك بغائبك.
ألا يوجد الآن أمثال هؤلاء؟ يوجد الآن أمثال هؤلاء؛ لأن طبيعة البشر واحدة من آدم إلى اليوم، فيوجد من هؤلاء وإن اختلف الأسلوب، الأسلوب قد يختلف لكن المعنى واحد، العتو والاستكبار يوجد الآن من بني آدم من يقول: إن الدين خرافة، يوجد من بني آدم من يقول: إن الله تعالى يجب أن يوضع في قفص الاتهام. ليش هذا يشبع وهذا يجوع، وهذا يأمن وهذا يخاف، وهذا يصح وهذا يمرض؟ والعياذ بالله، فهذه الأشياء يجب أن تعتبر بها وأنه ما سبق قبل زمانك وجد منه مثله في زمانك.
والعبر من هذا كثيرة ولو أن الإنسان كتب هذه العبر عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]؛ لأنك كلما استنتجتَ عبرة ازددت عقلًا؛ لأن الله جعل العِبَرَ لمن؟ لأولي الألباب، فكلما كان اللب أقوى كانت العبرة اللي تؤخذ من هذا أكثر.
مثل هذا لو تيسر أنه يُكْتَب عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، تكتب العبر، وفي سورة هود فصل كثير لقصص الأنبياء، وفيها أيضًا لما ذكر الله في آخرها ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود ١٢٠].
* طالب: (...).
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الأولى بيان ما قابل الرسل من صبرهم وجلدهم وتحملهم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: لعل يشترط (...)؟
* الشيخ: من؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا هو ظاهر الآية ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦١]، وأما من قال: إنه ليس منهم في النسب لكنه مصاهرٌ لهم، وأولاده منهم، والولد بعض من أبيه، فقال الله: ﴿أَخُوهُمْ﴾؛ فهذا خلاف الظاهر.
* طالب: (...) يشترط؟
* الشيخ: لا، ما هو بشرط.
* طالب: إنما هي من باب التغليب.
* الشيخ: إي، من باب التغليب.
* طالب: أن شعيب عليه السلام خطيب الأنبياء من قراءتي لقصته بليغة جدًّا.
* الشيخ: إي، ما نجزم نقول: إنه خطيب الأنبياء، يمكن في الأنبياء من هو أخطب منه.
* الطالب: كان أعمى؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: ولوط كان أعمى.
* الشيخ: من يقول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الغالب أن الرسل عليهم الصلاة والسلام كاملون، ولهذا الفقهاء رحمهم الله قالوا: يُشْتَرط في القاضي أن يكون بصيرًا، نفس الفقهاء وهو المذهب؛ المذهب أن يكون بصيرًا، أنا ما أعتقد ولا أظن أن الله سبحانه وتعالى يبعث أحدًا أعمى.
* طالب: لم يعيروه (...).
* الشيخ: إلا، عيروه ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢].
* الطالب: (...).
* الشيخ: المهم أنهم عيروه حتى إنهم عيروه بما ليس فيه قالوا: إنه آدر، فبرأه الله مما قالوا.
* طالب: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦].
* الشيخ: المهم أنهم مثلما قال، لو كان هذه العاهة البدنية فيه لكان يعيرونه بها، ثم ويش هو الأصل؟ الأصل السلامة، وأن الله لا يبعث إلا من هو سليم في كل الحواس.
* طالب: وأين الدليل؟
* الشيخ: هذا الحقيقة اللي ادعوه يجب منهم يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا اعتقد أنه نوع من الذنب؛ لأن هذا اتهام لله عز وجل أنه يرسل ذا عاهة؛ لأنه لا شك أن اللي ما هو مبصر لا شك أنه ناقص؛ فإن الإدراكات تكون بالسمع وبالبصر من أقوى ما يكون، ودائما يحتج الله على الإنسان بسمعه وبصره.
* طالب: هل تزوج (...) بابنة شعيب أو..؟
* الشيخ: لا، ما هو ظاهر (...)، الصحيح أن صاحب مدين اللي في قصة موسى متأخر عن شعيب كثيرًا وله..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، إي نعم. لكن لما قال: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص ٢٢] ظنوا أنه هو شعيب، ولا في القرآن ولا في السنة أنه شعيب، حتى ولا أن اسمه شعيب، حتى لو ثبت أن اسمه شعيب لكان لهم شبهة، لكننا نقول: إنهم يتسمون بأسماء أنبيائهم؛ مثل: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨] مريم هي أخت لهارونَ؟ بينهم أزمان طويلة.
* طالب: وجه تنوع العذاب يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، يقول الله عز وجل: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] كل إنسان يُؤْخَذ بذنبه؛ بالمشابهة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثل أيش؟
* الطالب: مثلًا فرعون ما وجه مشابهة الإغراق (...)؟
* الشيخ: لأنه كان يفتخر بالماء هو، ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١]، فعُذِّب بمثل ما كان يفتخر به؛ أُخْرِج من مصر وأُغرِقَ بالماء.
* طالب: هذه الآية (...) ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني: كل الرسل كل القصص (...).
* الشيخ: إي، لكن الكلام على ﴿بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني بالعقوبة التي تطابق ذنبه، لكن لا يلزم أننا نعرف كل شيء، قد يخفى علينا بعض الشيء.
* طالب: الفرق بين الوزن والكيل؟
* الشيخ: ويش الفرق بينهم؟ سبحان الله! الفرق بين الكيلو والوزن.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف.
* طالب: الكيل يقيس الحجم، والوزن يقيس الثقل.
* الشيخ: ما كان يقاس به الحجم فهو مكيال، وما قيس به الثقل فهو ميزان، فيه عند الناس مشهور أن الإنسان اللي يزن روحه يُزكِّي على نفسه، ولهذا دائما السؤال عنه؛ يسألون أولا: هل يجوز ولا ما يجوز؟ ويسألون بعد ذلك: هل عليه زكاة إذا منه وزن روحه ولَّا لا؟
الشعراء 26:183
(﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ لم يقل: أخوهم؛ لأنه لم يكن منهم) وفيما مضى من القصص يقال لهم: أخوهم ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف ٨٥]، فتبين بهذا أن أصحاب الأيكة ليسوا أهل مدين؛ ولهذا المؤلف يقول: (قُرْب مدين) وليسوا من القرية التي بُعِث فيها شعيب؛ لأن أهل القرية التي بعث فيها وهي مدين من قبيلته؛ ولهذا لما ذكر مدين قال: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، وأما هذا فقال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧]، ولم يقل: أخوهم، ومما يدل على أنهم ليسوا أصحاب مدين أن العذاب الذي أُخِذوا به غير العذاب الذي أخذ به أصحاب مدين، أصحاب مدين أخذوا بالصيحة، وهؤلاء أُخِذوا بعذاب الظلة، كما سيأتي إن شاء الله.
* طالب: على هذا يكون مرسلًا مرتين؟
* الشيخ: لا، مرسل مرة واحدة لكن إلى قومين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إلى هؤلاء وهؤلاء، ويجوز أن يكون هذا من باب التبع، أن هذه القرية هذه الصغيرة مثلًا، وكانت تابعة لبلدته التي هو منها، ويدلك على هذا أن عملهم واحد، عمل هؤلاء وعمل أهل مدين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هذه عامة لكل الرسل كما عرفتم.
الذنب الخاص بهؤلاء (﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتموه ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ الناقصين) هؤلاء القوم الذين بُعث إليهم شعيب سواء كانوا قومه أم أهل القرية هذه كانوا يبخسون المكيال والميزان والعياذ بالله، إذا وزنوا للناس نقصوه، وإذا اتزنوا منهم استوفوا، هذا الظاهر: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١ - ٣].
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ هذا مقابل لقوله: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ لأجل ألا يقال: إن من أوفى في أكثر الأعمال يكون مُوفيًا؛ يعني مثل الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فأوفوا الكيل؛ يعني في كل فرد من أفراد معاملاتكم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي: من المتصفين بالإخسار، والإخسار بمعنى النقص.
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ هذا الوزن، والفرق بين الوزن وبين الكيل أن ما قُدِّر بالحجم فهو كيل، وما قُدِّر بالثِّقل فهو ثقل، اللي يُقدَّر بالحجم؛ لأن المكيال تضع فيه الشيء يكون حجمه هكذا، وأما هذا فيُقدَّر بالثِّقل فيُسمَّى وزنًا.
وقوله: ﴿بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ يقول المؤلف: (الميزان السوي)، فعلى هذا القِسطاس بمعنى الميزان، والمستقيم بمعنى السوي.
* طالب: أعجمي؟
* الشيخ: لا مُعرَّب.
(﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تنقصوهم من حقهم شيئًا)، هذا عام حتى فيما يُزرع وفيما يُعَدُّ، مثل هؤلاء القوم، ذنبهم الخاص الذي بُعِث هذا الرسول لإصلاحه مع عبادة الله هو بخس الناس في الكيل والميزان وغيره؛ ولهذا عمَّم ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الشعراء ١٨٣] لا تنقصوهم حقوقهم.
(﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره).
قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل، لم نعرف أن هؤلاء القوم –أي: قوم شعيب- كانوا يقتلون الناس بل المعروف من ذنبهم أنهم كانوا يبخسون الناس أشياءهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: يمكن بالقتل أو غيره ما ندري، إنما الإيعاد سواء بالحبس أو بالضرب أو بغيره هو من الفساد، ومن الفساد أيضًا نقص الناس أشياءهم؛ ولهذا «مَا بَخَسَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]. ومنع القطر من السماء فساد في الأرض بلا شك.
وقول الله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء ١٨٣] هذه الحال يسميها أهل النحو: حالًا مؤكدة؛ لأن العتو هو الفساد مثل لو قلت: لا تقم قائمًا. فإن (قائمًا) حال، وهي مؤكدة لقوله: لا تقم.
* طالب: يجوز؟
* الشيخ: إي، يجوز.
* طالب: الظاهر لا تقم قائمًا؛ أي: لا تقوم قائمًا (...).
* الشيخ: لا، لا تقوم قائمًا؛ يعني لا تستمر قائمًا زَمانًا.
وقوله: (﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره من عَثِيَ بكسر المثلثة أفسد و﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكِّدة لمعنى عاملها).
(﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ﴾ الخليقة ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ ) حذرهم الرسول عليه الصلاة والسلام بالذي خلقهم وخَلَقَ الخلق الأول أيضًا؛ إشارة إلى أنكم ستزولون كما زال مَنْ قبلكم، فأنتم مخلوقون من العدم وستؤولون إلى العدم.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ مثل جواب من؟ قوم صالح.
(﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ﴾ -مثلهم تمامًا- ﴿﴿وَإِنْ﴾ ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي إنه أي الشأن ﴿نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ).
ويش الدليل على (إن) مخففة هنا من الثقيلة؟ ويش الدليل؟
* طالب: وجود اللام.
* الشيخ: ويش بعد؟ وجود اللام هذا دليل لفظي.
* الطالب: قرينة الحال (...).
* الشيخ: إذن فإن هنا الدليل على أنها مخففة من الثقيلة أمران:
لفظي: وهو اللام؛ لأن اللام لا تقترن إلا في خبر (إن) المخففة.
والثاني: المعنى، لو كان في الآية ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يعني وقال قائل: إن (إن) نافية. قلنا: ليس كذلك؛ لأنهم لو قالوا: ما نظنك من الكاذبين لكانوا مُصَدِّقين به، والأمر ليس كذلك، إذن هم يقولون: إن نظنك من الكاذبين، وهذا الظن حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالِمِين وكاتمين مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ بِسكون السِّين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) أعوذ بالله، هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتِنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما توعدنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ كقول قريش للرسول عيه الصلاة والسلام حين قالوا..
حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالمين وكاتمين؛ مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الشعراء ١٨٧] بسكون السين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما تُوعِدُنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، كقول قريش للرسول عليه الصلاة والسلام حين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢]، وهذا من سفاهتهم، وكان واجبًا أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ووفقنا.
* طالب: في سورة العنكبوت (...).
* الشيخ: (...) ويش قالوا؟
* الطالب: قالوا (...).
* الشيخ: على كل حال هذا ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ يعني تشابهت القلوب والأفعال [الأنعام: ١٤٨].
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (إن) هذه شرطية، والغرض منها التحدي، (﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء ١٨٨] فيجازيكم به)؛ يعني: أنتم فعلتم كل قبيح وقابلتموني بكل إثم صريح، ولكن الذي يعلم ذلك هو الله، وهو يهددهم بلازم العلم، ولهذا قال المؤلف: (فيجازيكم به ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء ١٨٩]، وهي سحابة أظلتهم بعد حرٍّ شديد أصابهم، فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ) أعوذ بالله! هم -والعياذ بالله- أصيبوا بحرٍّ شديد حر عظيم جدًّا، ما أطاقوه، فأنشأ الله تعالى سحابة تظلهم، فخرجوا من بلادهم عن بكرة أبيهم إلى هذا الظل، ولكن –والعياذ بالله- لما وصلوا وإذا هي نارٌ -والعياذ بالله- أحرقتهم عن آخرهم، وهذا من أشد ما يكون -والعياذ بالله- من العذاب؛ لأنهم جاؤوا هاربين من عذاب، فوقعوا في أشد منه والعياذ بالله، كانوا حينما أقبلوا ويش يظنون؟ أنهم نَجَوا من الحر بهذه الظلال، ولكنه -والعياذ بالله- صار حتفهم.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ولهذا وصفه الله ﴿إِنَّهُ﴾ أي: هذا العذاب ﴿كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وصدق الله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٩٠، ١٩١].
هذه القصص عبرٌ في الحقيقة يعتبر بها الإنسان من عدة نواحٍ؛ أولًا: يعلم بها صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام وجلدهم وإخلاصهم لله، وأنهم لا يُبالون بما نالهم في ذات الله. هذا واحد.
ثانيًا: يعتبر بها بالتسلي بما أصاب الرسل؛ لأن الإنسان يتسلَّى بما أصاب غيره.
(...) بالصبر بأن يصبر هو على الدعوة إلى الله، ولا يمل ولا يكل؛ لأن العاقبة تكون لمن؟ للصابرين والداعين إلى الله، كل العواقب الآن اللي رأينا بالقصص كلها للرسل عليهم الصلاة والسلام.
والرابع: أن فيها عبرة تُحذِّر المخالفين للرسل؛ فإن كل المخالفين للرسل -كما رأيتم- كلهم عوقبوا وأخذهم العذاب.
وفيها أيضًا من العبر: بيان قدرة الله عز وجل؛ حيث ينزل العذاب، فينجو منه من ينجو، ويهلك به من هلك، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١].
وفيه من العبر: أن الإنسان يتعجب كيف يصل بنو آدم إلى هذا العتو والعناد والاستكبار! يعني تحدٍّ لله عز وجل بما يخاطبون به رسله، تعجب كيف يصل الأمر؟!
وفيها أيضًا من العبر، وهي السابعة: أنك تقيس حاضرك بغائبك.
ألا يوجد الآن أمثال هؤلاء؟ يوجد الآن أمثال هؤلاء؛ لأن طبيعة البشر واحدة من آدم إلى اليوم، فيوجد من هؤلاء وإن اختلف الأسلوب، الأسلوب قد يختلف لكن المعنى واحد، العتو والاستكبار يوجد الآن من بني آدم من يقول: إن الدين خرافة، يوجد من بني آدم من يقول: إن الله تعالى يجب أن يوضع في قفص الاتهام. ليش هذا يشبع وهذا يجوع، وهذا يأمن وهذا يخاف، وهذا يصح وهذا يمرض؟ والعياذ بالله، فهذه الأشياء يجب أن تعتبر بها وأنه ما سبق قبل زمانك وجد منه مثله في زمانك.
والعبر من هذا كثيرة ولو أن الإنسان كتب هذه العبر عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]؛ لأنك كلما استنتجتَ عبرة ازددت عقلًا؛ لأن الله جعل العِبَرَ لمن؟ لأولي الألباب، فكلما كان اللب أقوى كانت العبرة اللي تؤخذ من هذا أكثر.
مثل هذا لو تيسر أنه يُكْتَب عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، تكتب العبر، وفي سورة هود فصل كثير لقصص الأنبياء، وفيها أيضًا لما ذكر الله في آخرها ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود ١٢٠].
* طالب: (...).
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الأولى بيان ما قابل الرسل من صبرهم وجلدهم وتحملهم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: لعل يشترط (...)؟
* الشيخ: من؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا هو ظاهر الآية ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦١]، وأما من قال: إنه ليس منهم في النسب لكنه مصاهرٌ لهم، وأولاده منهم، والولد بعض من أبيه، فقال الله: ﴿أَخُوهُمْ﴾؛ فهذا خلاف الظاهر.
* طالب: (...) يشترط؟
* الشيخ: لا، ما هو بشرط.
* طالب: إنما هي من باب التغليب.
* الشيخ: إي، من باب التغليب.
* طالب: أن شعيب عليه السلام خطيب الأنبياء من قراءتي لقصته بليغة جدًّا.
* الشيخ: إي، ما نجزم نقول: إنه خطيب الأنبياء، يمكن في الأنبياء من هو أخطب منه.
* الطالب: كان أعمى؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: ولوط كان أعمى.
* الشيخ: من يقول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الغالب أن الرسل عليهم الصلاة والسلام كاملون، ولهذا الفقهاء رحمهم الله قالوا: يُشْتَرط في القاضي أن يكون بصيرًا، نفس الفقهاء وهو المذهب؛ المذهب أن يكون بصيرًا، أنا ما أعتقد ولا أظن أن الله سبحانه وتعالى يبعث أحدًا أعمى.
* طالب: لم يعيروه (...).
* الشيخ: إلا، عيروه ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢].
* الطالب: (...).
* الشيخ: المهم أنهم عيروه حتى إنهم عيروه بما ليس فيه قالوا: إنه آدر، فبرأه الله مما قالوا.
* طالب: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦].
* الشيخ: المهم أنهم مثلما قال، لو كان هذه العاهة البدنية فيه لكان يعيرونه بها، ثم ويش هو الأصل؟ الأصل السلامة، وأن الله لا يبعث إلا من هو سليم في كل الحواس.
* طالب: وأين الدليل؟
* الشيخ: هذا الحقيقة اللي ادعوه يجب منهم يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا اعتقد أنه نوع من الذنب؛ لأن هذا اتهام لله عز وجل أنه يرسل ذا عاهة؛ لأنه لا شك أن اللي ما هو مبصر لا شك أنه ناقص؛ فإن الإدراكات تكون بالسمع وبالبصر من أقوى ما يكون، ودائما يحتج الله على الإنسان بسمعه وبصره.
* طالب: هل تزوج (...) بابنة شعيب أو..؟
* الشيخ: لا، ما هو ظاهر (...)، الصحيح أن صاحب مدين اللي في قصة موسى متأخر عن شعيب كثيرًا وله..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، إي نعم. لكن لما قال: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص ٢٢] ظنوا أنه هو شعيب، ولا في القرآن ولا في السنة أنه شعيب، حتى ولا أن اسمه شعيب، حتى لو ثبت أن اسمه شعيب لكان لهم شبهة، لكننا نقول: إنهم يتسمون بأسماء أنبيائهم؛ مثل: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨] مريم هي أخت لهارونَ؟ بينهم أزمان طويلة.
* طالب: وجه تنوع العذاب يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، يقول الله عز وجل: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] كل إنسان يُؤْخَذ بذنبه؛ بالمشابهة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثل أيش؟
* الطالب: مثلًا فرعون ما وجه مشابهة الإغراق (...)؟
* الشيخ: لأنه كان يفتخر بالماء هو، ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١]، فعُذِّب بمثل ما كان يفتخر به؛ أُخْرِج من مصر وأُغرِقَ بالماء.
* طالب: هذه الآية (...) ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني: كل الرسل كل القصص (...).
* الشيخ: إي، لكن الكلام على ﴿بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني بالعقوبة التي تطابق ذنبه، لكن لا يلزم أننا نعرف كل شيء، قد يخفى علينا بعض الشيء.
* طالب: الفرق بين الوزن والكيل؟
* الشيخ: ويش الفرق بينهم؟ سبحان الله! الفرق بين الكيلو والوزن.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف.
* طالب: الكيل يقيس الحجم، والوزن يقيس الثقل.
* الشيخ: ما كان يقاس به الحجم فهو مكيال، وما قيس به الثقل فهو ميزان، فيه عند الناس مشهور أن الإنسان اللي يزن روحه يُزكِّي على نفسه، ولهذا دائما السؤال عنه؛ يسألون أولا: هل يجوز ولا ما يجوز؟ ويسألون بعد ذلك: هل عليه زكاة إذا منه وزن روحه ولَّا لا؟
الشعراء 26:184
(﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ لم يقل: أخوهم؛ لأنه لم يكن منهم) وفيما مضى من القصص يقال لهم: أخوهم ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف ٨٥]، فتبين بهذا أن أصحاب الأيكة ليسوا أهل مدين؛ ولهذا المؤلف يقول: (قُرْب مدين) وليسوا من القرية التي بُعِث فيها شعيب؛ لأن أهل القرية التي بعث فيها وهي مدين من قبيلته؛ ولهذا لما ذكر مدين قال: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، وأما هذا فقال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧]، ولم يقل: أخوهم، ومما يدل على أنهم ليسوا أصحاب مدين أن العذاب الذي أُخِذوا به غير العذاب الذي أخذ به أصحاب مدين، أصحاب مدين أخذوا بالصيحة، وهؤلاء أُخِذوا بعذاب الظلة، كما سيأتي إن شاء الله.
* طالب: على هذا يكون مرسلًا مرتين؟
* الشيخ: لا، مرسل مرة واحدة لكن إلى قومين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إلى هؤلاء وهؤلاء، ويجوز أن يكون هذا من باب التبع، أن هذه القرية هذه الصغيرة مثلًا، وكانت تابعة لبلدته التي هو منها، ويدلك على هذا أن عملهم واحد، عمل هؤلاء وعمل أهل مدين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هذه عامة لكل الرسل كما عرفتم.
الذنب الخاص بهؤلاء (﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتموه ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ الناقصين) هؤلاء القوم الذين بُعث إليهم شعيب سواء كانوا قومه أم أهل القرية هذه كانوا يبخسون المكيال والميزان والعياذ بالله، إذا وزنوا للناس نقصوه، وإذا اتزنوا منهم استوفوا، هذا الظاهر: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١ - ٣].
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ هذا مقابل لقوله: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ لأجل ألا يقال: إن من أوفى في أكثر الأعمال يكون مُوفيًا؛ يعني مثل الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فأوفوا الكيل؛ يعني في كل فرد من أفراد معاملاتكم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي: من المتصفين بالإخسار، والإخسار بمعنى النقص.
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ هذا الوزن، والفرق بين الوزن وبين الكيل أن ما قُدِّر بالحجم فهو كيل، وما قُدِّر بالثِّقل فهو ثقل، اللي يُقدَّر بالحجم؛ لأن المكيال تضع فيه الشيء يكون حجمه هكذا، وأما هذا فيُقدَّر بالثِّقل فيُسمَّى وزنًا.
وقوله: ﴿بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ يقول المؤلف: (الميزان السوي)، فعلى هذا القِسطاس بمعنى الميزان، والمستقيم بمعنى السوي.
* طالب: أعجمي؟
* الشيخ: لا مُعرَّب.
(﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تنقصوهم من حقهم شيئًا)، هذا عام حتى فيما يُزرع وفيما يُعَدُّ، مثل هؤلاء القوم، ذنبهم الخاص الذي بُعِث هذا الرسول لإصلاحه مع عبادة الله هو بخس الناس في الكيل والميزان وغيره؛ ولهذا عمَّم ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الشعراء ١٨٣] لا تنقصوهم حقوقهم.
(﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره).
قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل، لم نعرف أن هؤلاء القوم –أي: قوم شعيب- كانوا يقتلون الناس بل المعروف من ذنبهم أنهم كانوا يبخسون الناس أشياءهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: يمكن بالقتل أو غيره ما ندري، إنما الإيعاد سواء بالحبس أو بالضرب أو بغيره هو من الفساد، ومن الفساد أيضًا نقص الناس أشياءهم؛ ولهذا «مَا بَخَسَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]. ومنع القطر من السماء فساد في الأرض بلا شك.
وقول الله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء ١٨٣] هذه الحال يسميها أهل النحو: حالًا مؤكدة؛ لأن العتو هو الفساد مثل لو قلت: لا تقم قائمًا. فإن (قائمًا) حال، وهي مؤكدة لقوله: لا تقم.
* طالب: يجوز؟
* الشيخ: إي، يجوز.
* طالب: الظاهر لا تقم قائمًا؛ أي: لا تقوم قائمًا (...).
* الشيخ: لا، لا تقوم قائمًا؛ يعني لا تستمر قائمًا زَمانًا.
وقوله: (﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره من عَثِيَ بكسر المثلثة أفسد و﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكِّدة لمعنى عاملها).
(﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ﴾ الخليقة ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ ) حذرهم الرسول عليه الصلاة والسلام بالذي خلقهم وخَلَقَ الخلق الأول أيضًا؛ إشارة إلى أنكم ستزولون كما زال مَنْ قبلكم، فأنتم مخلوقون من العدم وستؤولون إلى العدم.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ مثل جواب من؟ قوم صالح.
(﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ﴾ -مثلهم تمامًا- ﴿﴿وَإِنْ﴾ ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي إنه أي الشأن ﴿نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ).
ويش الدليل على (إن) مخففة هنا من الثقيلة؟ ويش الدليل؟
* طالب: وجود اللام.
* الشيخ: ويش بعد؟ وجود اللام هذا دليل لفظي.
* الطالب: قرينة الحال (...).
* الشيخ: إذن فإن هنا الدليل على أنها مخففة من الثقيلة أمران:
لفظي: وهو اللام؛ لأن اللام لا تقترن إلا في خبر (إن) المخففة.
والثاني: المعنى، لو كان في الآية ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يعني وقال قائل: إن (إن) نافية. قلنا: ليس كذلك؛ لأنهم لو قالوا: ما نظنك من الكاذبين لكانوا مُصَدِّقين به، والأمر ليس كذلك، إذن هم يقولون: إن نظنك من الكاذبين، وهذا الظن حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالِمِين وكاتمين مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ بِسكون السِّين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) أعوذ بالله، هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتِنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما توعدنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ كقول قريش للرسول عيه الصلاة والسلام حين قالوا..
حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالمين وكاتمين؛ مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الشعراء ١٨٧] بسكون السين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما تُوعِدُنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، كقول قريش للرسول عليه الصلاة والسلام حين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢]، وهذا من سفاهتهم، وكان واجبًا أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ووفقنا.
* طالب: في سورة العنكبوت (...).
* الشيخ: (...) ويش قالوا؟
* الطالب: قالوا (...).
* الشيخ: على كل حال هذا ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ يعني تشابهت القلوب والأفعال [الأنعام: ١٤٨].
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (إن) هذه شرطية، والغرض منها التحدي، (﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء ١٨٨] فيجازيكم به)؛ يعني: أنتم فعلتم كل قبيح وقابلتموني بكل إثم صريح، ولكن الذي يعلم ذلك هو الله، وهو يهددهم بلازم العلم، ولهذا قال المؤلف: (فيجازيكم به ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء ١٨٩]، وهي سحابة أظلتهم بعد حرٍّ شديد أصابهم، فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ) أعوذ بالله! هم -والعياذ بالله- أصيبوا بحرٍّ شديد حر عظيم جدًّا، ما أطاقوه، فأنشأ الله تعالى سحابة تظلهم، فخرجوا من بلادهم عن بكرة أبيهم إلى هذا الظل، ولكن –والعياذ بالله- لما وصلوا وإذا هي نارٌ -والعياذ بالله- أحرقتهم عن آخرهم، وهذا من أشد ما يكون -والعياذ بالله- من العذاب؛ لأنهم جاؤوا هاربين من عذاب، فوقعوا في أشد منه والعياذ بالله، كانوا حينما أقبلوا ويش يظنون؟ أنهم نَجَوا من الحر بهذه الظلال، ولكنه -والعياذ بالله- صار حتفهم.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ولهذا وصفه الله ﴿إِنَّهُ﴾ أي: هذا العذاب ﴿كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وصدق الله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٩٠، ١٩١].
هذه القصص عبرٌ في الحقيقة يعتبر بها الإنسان من عدة نواحٍ؛ أولًا: يعلم بها صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام وجلدهم وإخلاصهم لله، وأنهم لا يُبالون بما نالهم في ذات الله. هذا واحد.
ثانيًا: يعتبر بها بالتسلي بما أصاب الرسل؛ لأن الإنسان يتسلَّى بما أصاب غيره.
(...) بالصبر بأن يصبر هو على الدعوة إلى الله، ولا يمل ولا يكل؛ لأن العاقبة تكون لمن؟ للصابرين والداعين إلى الله، كل العواقب الآن اللي رأينا بالقصص كلها للرسل عليهم الصلاة والسلام.
والرابع: أن فيها عبرة تُحذِّر المخالفين للرسل؛ فإن كل المخالفين للرسل -كما رأيتم- كلهم عوقبوا وأخذهم العذاب.
وفيها أيضًا من العبر: بيان قدرة الله عز وجل؛ حيث ينزل العذاب، فينجو منه من ينجو، ويهلك به من هلك، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١].
وفيه من العبر: أن الإنسان يتعجب كيف يصل بنو آدم إلى هذا العتو والعناد والاستكبار! يعني تحدٍّ لله عز وجل بما يخاطبون به رسله، تعجب كيف يصل الأمر؟!
وفيها أيضًا من العبر، وهي السابعة: أنك تقيس حاضرك بغائبك.
ألا يوجد الآن أمثال هؤلاء؟ يوجد الآن أمثال هؤلاء؛ لأن طبيعة البشر واحدة من آدم إلى اليوم، فيوجد من هؤلاء وإن اختلف الأسلوب، الأسلوب قد يختلف لكن المعنى واحد، العتو والاستكبار يوجد الآن من بني آدم من يقول: إن الدين خرافة، يوجد من بني آدم من يقول: إن الله تعالى يجب أن يوضع في قفص الاتهام. ليش هذا يشبع وهذا يجوع، وهذا يأمن وهذا يخاف، وهذا يصح وهذا يمرض؟ والعياذ بالله، فهذه الأشياء يجب أن تعتبر بها وأنه ما سبق قبل زمانك وجد منه مثله في زمانك.
والعبر من هذا كثيرة ولو أن الإنسان كتب هذه العبر عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]؛ لأنك كلما استنتجتَ عبرة ازددت عقلًا؛ لأن الله جعل العِبَرَ لمن؟ لأولي الألباب، فكلما كان اللب أقوى كانت العبرة اللي تؤخذ من هذا أكثر.
مثل هذا لو تيسر أنه يُكْتَب عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، تكتب العبر، وفي سورة هود فصل كثير لقصص الأنبياء، وفيها أيضًا لما ذكر الله في آخرها ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود ١٢٠].
* طالب: (...).
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الأولى بيان ما قابل الرسل من صبرهم وجلدهم وتحملهم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: لعل يشترط (...)؟
* الشيخ: من؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا هو ظاهر الآية ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦١]، وأما من قال: إنه ليس منهم في النسب لكنه مصاهرٌ لهم، وأولاده منهم، والولد بعض من أبيه، فقال الله: ﴿أَخُوهُمْ﴾؛ فهذا خلاف الظاهر.
* طالب: (...) يشترط؟
* الشيخ: لا، ما هو بشرط.
* طالب: إنما هي من باب التغليب.
* الشيخ: إي، من باب التغليب.
* طالب: أن شعيب عليه السلام خطيب الأنبياء من قراءتي لقصته بليغة جدًّا.
* الشيخ: إي، ما نجزم نقول: إنه خطيب الأنبياء، يمكن في الأنبياء من هو أخطب منه.
* الطالب: كان أعمى؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: ولوط كان أعمى.
* الشيخ: من يقول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الغالب أن الرسل عليهم الصلاة والسلام كاملون، ولهذا الفقهاء رحمهم الله قالوا: يُشْتَرط في القاضي أن يكون بصيرًا، نفس الفقهاء وهو المذهب؛ المذهب أن يكون بصيرًا، أنا ما أعتقد ولا أظن أن الله سبحانه وتعالى يبعث أحدًا أعمى.
* طالب: لم يعيروه (...).
* الشيخ: إلا، عيروه ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢].
* الطالب: (...).
* الشيخ: المهم أنهم عيروه حتى إنهم عيروه بما ليس فيه قالوا: إنه آدر، فبرأه الله مما قالوا.
* طالب: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦].
* الشيخ: المهم أنهم مثلما قال، لو كان هذه العاهة البدنية فيه لكان يعيرونه بها، ثم ويش هو الأصل؟ الأصل السلامة، وأن الله لا يبعث إلا من هو سليم في كل الحواس.
* طالب: وأين الدليل؟
* الشيخ: هذا الحقيقة اللي ادعوه يجب منهم يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا اعتقد أنه نوع من الذنب؛ لأن هذا اتهام لله عز وجل أنه يرسل ذا عاهة؛ لأنه لا شك أن اللي ما هو مبصر لا شك أنه ناقص؛ فإن الإدراكات تكون بالسمع وبالبصر من أقوى ما يكون، ودائما يحتج الله على الإنسان بسمعه وبصره.
* طالب: هل تزوج (...) بابنة شعيب أو..؟
* الشيخ: لا، ما هو ظاهر (...)، الصحيح أن صاحب مدين اللي في قصة موسى متأخر عن شعيب كثيرًا وله..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، إي نعم. لكن لما قال: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص ٢٢] ظنوا أنه هو شعيب، ولا في القرآن ولا في السنة أنه شعيب، حتى ولا أن اسمه شعيب، حتى لو ثبت أن اسمه شعيب لكان لهم شبهة، لكننا نقول: إنهم يتسمون بأسماء أنبيائهم؛ مثل: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨] مريم هي أخت لهارونَ؟ بينهم أزمان طويلة.
* طالب: وجه تنوع العذاب يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، يقول الله عز وجل: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] كل إنسان يُؤْخَذ بذنبه؛ بالمشابهة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثل أيش؟
* الطالب: مثلًا فرعون ما وجه مشابهة الإغراق (...)؟
* الشيخ: لأنه كان يفتخر بالماء هو، ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١]، فعُذِّب بمثل ما كان يفتخر به؛ أُخْرِج من مصر وأُغرِقَ بالماء.
* طالب: هذه الآية (...) ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني: كل الرسل كل القصص (...).
* الشيخ: إي، لكن الكلام على ﴿بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني بالعقوبة التي تطابق ذنبه، لكن لا يلزم أننا نعرف كل شيء، قد يخفى علينا بعض الشيء.
* طالب: الفرق بين الوزن والكيل؟
* الشيخ: ويش الفرق بينهم؟ سبحان الله! الفرق بين الكيلو والوزن.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف.
* طالب: الكيل يقيس الحجم، والوزن يقيس الثقل.
* الشيخ: ما كان يقاس به الحجم فهو مكيال، وما قيس به الثقل فهو ميزان، فيه عند الناس مشهور أن الإنسان اللي يزن روحه يُزكِّي على نفسه، ولهذا دائما السؤال عنه؛ يسألون أولا: هل يجوز ولا ما يجوز؟ ويسألون بعد ذلك: هل عليه زكاة إذا منه وزن روحه ولَّا لا؟
الشعراء 26:185
(﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ لم يقل: أخوهم؛ لأنه لم يكن منهم) وفيما مضى من القصص يقال لهم: أخوهم ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف ٨٥]، فتبين بهذا أن أصحاب الأيكة ليسوا أهل مدين؛ ولهذا المؤلف يقول: (قُرْب مدين) وليسوا من القرية التي بُعِث فيها شعيب؛ لأن أهل القرية التي بعث فيها وهي مدين من قبيلته؛ ولهذا لما ذكر مدين قال: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، وأما هذا فقال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧]، ولم يقل: أخوهم، ومما يدل على أنهم ليسوا أصحاب مدين أن العذاب الذي أُخِذوا به غير العذاب الذي أخذ به أصحاب مدين، أصحاب مدين أخذوا بالصيحة، وهؤلاء أُخِذوا بعذاب الظلة، كما سيأتي إن شاء الله.
* طالب: على هذا يكون مرسلًا مرتين؟
* الشيخ: لا، مرسل مرة واحدة لكن إلى قومين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إلى هؤلاء وهؤلاء، ويجوز أن يكون هذا من باب التبع، أن هذه القرية هذه الصغيرة مثلًا، وكانت تابعة لبلدته التي هو منها، ويدلك على هذا أن عملهم واحد، عمل هؤلاء وعمل أهل مدين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هذه عامة لكل الرسل كما عرفتم.
الذنب الخاص بهؤلاء (﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتموه ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ الناقصين) هؤلاء القوم الذين بُعث إليهم شعيب سواء كانوا قومه أم أهل القرية هذه كانوا يبخسون المكيال والميزان والعياذ بالله، إذا وزنوا للناس نقصوه، وإذا اتزنوا منهم استوفوا، هذا الظاهر: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١ - ٣].
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ هذا مقابل لقوله: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ لأجل ألا يقال: إن من أوفى في أكثر الأعمال يكون مُوفيًا؛ يعني مثل الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فأوفوا الكيل؛ يعني في كل فرد من أفراد معاملاتكم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي: من المتصفين بالإخسار، والإخسار بمعنى النقص.
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ هذا الوزن، والفرق بين الوزن وبين الكيل أن ما قُدِّر بالحجم فهو كيل، وما قُدِّر بالثِّقل فهو ثقل، اللي يُقدَّر بالحجم؛ لأن المكيال تضع فيه الشيء يكون حجمه هكذا، وأما هذا فيُقدَّر بالثِّقل فيُسمَّى وزنًا.
وقوله: ﴿بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ يقول المؤلف: (الميزان السوي)، فعلى هذا القِسطاس بمعنى الميزان، والمستقيم بمعنى السوي.
* طالب: أعجمي؟
* الشيخ: لا مُعرَّب.
(﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تنقصوهم من حقهم شيئًا)، هذا عام حتى فيما يُزرع وفيما يُعَدُّ، مثل هؤلاء القوم، ذنبهم الخاص الذي بُعِث هذا الرسول لإصلاحه مع عبادة الله هو بخس الناس في الكيل والميزان وغيره؛ ولهذا عمَّم ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الشعراء ١٨٣] لا تنقصوهم حقوقهم.
(﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره).
قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل، لم نعرف أن هؤلاء القوم –أي: قوم شعيب- كانوا يقتلون الناس بل المعروف من ذنبهم أنهم كانوا يبخسون الناس أشياءهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: يمكن بالقتل أو غيره ما ندري، إنما الإيعاد سواء بالحبس أو بالضرب أو بغيره هو من الفساد، ومن الفساد أيضًا نقص الناس أشياءهم؛ ولهذا «مَا بَخَسَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]. ومنع القطر من السماء فساد في الأرض بلا شك.
وقول الله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء ١٨٣] هذه الحال يسميها أهل النحو: حالًا مؤكدة؛ لأن العتو هو الفساد مثل لو قلت: لا تقم قائمًا. فإن (قائمًا) حال، وهي مؤكدة لقوله: لا تقم.
* طالب: يجوز؟
* الشيخ: إي، يجوز.
* طالب: الظاهر لا تقم قائمًا؛ أي: لا تقوم قائمًا (...).
* الشيخ: لا، لا تقوم قائمًا؛ يعني لا تستمر قائمًا زَمانًا.
وقوله: (﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره من عَثِيَ بكسر المثلثة أفسد و﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكِّدة لمعنى عاملها).
(﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ﴾ الخليقة ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ ) حذرهم الرسول عليه الصلاة والسلام بالذي خلقهم وخَلَقَ الخلق الأول أيضًا؛ إشارة إلى أنكم ستزولون كما زال مَنْ قبلكم، فأنتم مخلوقون من العدم وستؤولون إلى العدم.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ مثل جواب من؟ قوم صالح.
(﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ﴾ -مثلهم تمامًا- ﴿﴿وَإِنْ﴾ ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي إنه أي الشأن ﴿نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ).
ويش الدليل على (إن) مخففة هنا من الثقيلة؟ ويش الدليل؟
* طالب: وجود اللام.
* الشيخ: ويش بعد؟ وجود اللام هذا دليل لفظي.
* الطالب: قرينة الحال (...).
* الشيخ: إذن فإن هنا الدليل على أنها مخففة من الثقيلة أمران:
لفظي: وهو اللام؛ لأن اللام لا تقترن إلا في خبر (إن) المخففة.
والثاني: المعنى، لو كان في الآية ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يعني وقال قائل: إن (إن) نافية. قلنا: ليس كذلك؛ لأنهم لو قالوا: ما نظنك من الكاذبين لكانوا مُصَدِّقين به، والأمر ليس كذلك، إذن هم يقولون: إن نظنك من الكاذبين، وهذا الظن حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالِمِين وكاتمين مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ بِسكون السِّين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) أعوذ بالله، هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتِنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما توعدنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ كقول قريش للرسول عيه الصلاة والسلام حين قالوا..
حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالمين وكاتمين؛ مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الشعراء ١٨٧] بسكون السين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما تُوعِدُنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، كقول قريش للرسول عليه الصلاة والسلام حين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢]، وهذا من سفاهتهم، وكان واجبًا أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ووفقنا.
* طالب: في سورة العنكبوت (...).
* الشيخ: (...) ويش قالوا؟
* الطالب: قالوا (...).
* الشيخ: على كل حال هذا ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ يعني تشابهت القلوب والأفعال [الأنعام: ١٤٨].
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (إن) هذه شرطية، والغرض منها التحدي، (﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء ١٨٨] فيجازيكم به)؛ يعني: أنتم فعلتم كل قبيح وقابلتموني بكل إثم صريح، ولكن الذي يعلم ذلك هو الله، وهو يهددهم بلازم العلم، ولهذا قال المؤلف: (فيجازيكم به ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء ١٨٩]، وهي سحابة أظلتهم بعد حرٍّ شديد أصابهم، فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ) أعوذ بالله! هم -والعياذ بالله- أصيبوا بحرٍّ شديد حر عظيم جدًّا، ما أطاقوه، فأنشأ الله تعالى سحابة تظلهم، فخرجوا من بلادهم عن بكرة أبيهم إلى هذا الظل، ولكن –والعياذ بالله- لما وصلوا وإذا هي نارٌ -والعياذ بالله- أحرقتهم عن آخرهم، وهذا من أشد ما يكون -والعياذ بالله- من العذاب؛ لأنهم جاؤوا هاربين من عذاب، فوقعوا في أشد منه والعياذ بالله، كانوا حينما أقبلوا ويش يظنون؟ أنهم نَجَوا من الحر بهذه الظلال، ولكنه -والعياذ بالله- صار حتفهم.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ولهذا وصفه الله ﴿إِنَّهُ﴾ أي: هذا العذاب ﴿كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وصدق الله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٩٠، ١٩١].
هذه القصص عبرٌ في الحقيقة يعتبر بها الإنسان من عدة نواحٍ؛ أولًا: يعلم بها صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام وجلدهم وإخلاصهم لله، وأنهم لا يُبالون بما نالهم في ذات الله. هذا واحد.
ثانيًا: يعتبر بها بالتسلي بما أصاب الرسل؛ لأن الإنسان يتسلَّى بما أصاب غيره.
(...) بالصبر بأن يصبر هو على الدعوة إلى الله، ولا يمل ولا يكل؛ لأن العاقبة تكون لمن؟ للصابرين والداعين إلى الله، كل العواقب الآن اللي رأينا بالقصص كلها للرسل عليهم الصلاة والسلام.
والرابع: أن فيها عبرة تُحذِّر المخالفين للرسل؛ فإن كل المخالفين للرسل -كما رأيتم- كلهم عوقبوا وأخذهم العذاب.
وفيها أيضًا من العبر: بيان قدرة الله عز وجل؛ حيث ينزل العذاب، فينجو منه من ينجو، ويهلك به من هلك، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١].
وفيه من العبر: أن الإنسان يتعجب كيف يصل بنو آدم إلى هذا العتو والعناد والاستكبار! يعني تحدٍّ لله عز وجل بما يخاطبون به رسله، تعجب كيف يصل الأمر؟!
وفيها أيضًا من العبر، وهي السابعة: أنك تقيس حاضرك بغائبك.
ألا يوجد الآن أمثال هؤلاء؟ يوجد الآن أمثال هؤلاء؛ لأن طبيعة البشر واحدة من آدم إلى اليوم، فيوجد من هؤلاء وإن اختلف الأسلوب، الأسلوب قد يختلف لكن المعنى واحد، العتو والاستكبار يوجد الآن من بني آدم من يقول: إن الدين خرافة، يوجد من بني آدم من يقول: إن الله تعالى يجب أن يوضع في قفص الاتهام. ليش هذا يشبع وهذا يجوع، وهذا يأمن وهذا يخاف، وهذا يصح وهذا يمرض؟ والعياذ بالله، فهذه الأشياء يجب أن تعتبر بها وأنه ما سبق قبل زمانك وجد منه مثله في زمانك.
والعبر من هذا كثيرة ولو أن الإنسان كتب هذه العبر عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]؛ لأنك كلما استنتجتَ عبرة ازددت عقلًا؛ لأن الله جعل العِبَرَ لمن؟ لأولي الألباب، فكلما كان اللب أقوى كانت العبرة اللي تؤخذ من هذا أكثر.
مثل هذا لو تيسر أنه يُكْتَب عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، تكتب العبر، وفي سورة هود فصل كثير لقصص الأنبياء، وفيها أيضًا لما ذكر الله في آخرها ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود ١٢٠].
* طالب: (...).
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الأولى بيان ما قابل الرسل من صبرهم وجلدهم وتحملهم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: لعل يشترط (...)؟
* الشيخ: من؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا هو ظاهر الآية ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦١]، وأما من قال: إنه ليس منهم في النسب لكنه مصاهرٌ لهم، وأولاده منهم، والولد بعض من أبيه، فقال الله: ﴿أَخُوهُمْ﴾؛ فهذا خلاف الظاهر.
* طالب: (...) يشترط؟
* الشيخ: لا، ما هو بشرط.
* طالب: إنما هي من باب التغليب.
* الشيخ: إي، من باب التغليب.
* طالب: أن شعيب عليه السلام خطيب الأنبياء من قراءتي لقصته بليغة جدًّا.
* الشيخ: إي، ما نجزم نقول: إنه خطيب الأنبياء، يمكن في الأنبياء من هو أخطب منه.
* الطالب: كان أعمى؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: ولوط كان أعمى.
* الشيخ: من يقول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الغالب أن الرسل عليهم الصلاة والسلام كاملون، ولهذا الفقهاء رحمهم الله قالوا: يُشْتَرط في القاضي أن يكون بصيرًا، نفس الفقهاء وهو المذهب؛ المذهب أن يكون بصيرًا، أنا ما أعتقد ولا أظن أن الله سبحانه وتعالى يبعث أحدًا أعمى.
* طالب: لم يعيروه (...).
* الشيخ: إلا، عيروه ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢].
* الطالب: (...).
* الشيخ: المهم أنهم عيروه حتى إنهم عيروه بما ليس فيه قالوا: إنه آدر، فبرأه الله مما قالوا.
* طالب: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦].
* الشيخ: المهم أنهم مثلما قال، لو كان هذه العاهة البدنية فيه لكان يعيرونه بها، ثم ويش هو الأصل؟ الأصل السلامة، وأن الله لا يبعث إلا من هو سليم في كل الحواس.
* طالب: وأين الدليل؟
* الشيخ: هذا الحقيقة اللي ادعوه يجب منهم يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا اعتقد أنه نوع من الذنب؛ لأن هذا اتهام لله عز وجل أنه يرسل ذا عاهة؛ لأنه لا شك أن اللي ما هو مبصر لا شك أنه ناقص؛ فإن الإدراكات تكون بالسمع وبالبصر من أقوى ما يكون، ودائما يحتج الله على الإنسان بسمعه وبصره.
* طالب: هل تزوج (...) بابنة شعيب أو..؟
* الشيخ: لا، ما هو ظاهر (...)، الصحيح أن صاحب مدين اللي في قصة موسى متأخر عن شعيب كثيرًا وله..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، إي نعم. لكن لما قال: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص ٢٢] ظنوا أنه هو شعيب، ولا في القرآن ولا في السنة أنه شعيب، حتى ولا أن اسمه شعيب، حتى لو ثبت أن اسمه شعيب لكان لهم شبهة، لكننا نقول: إنهم يتسمون بأسماء أنبيائهم؛ مثل: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨] مريم هي أخت لهارونَ؟ بينهم أزمان طويلة.
* طالب: وجه تنوع العذاب يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، يقول الله عز وجل: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] كل إنسان يُؤْخَذ بذنبه؛ بالمشابهة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثل أيش؟
* الطالب: مثلًا فرعون ما وجه مشابهة الإغراق (...)؟
* الشيخ: لأنه كان يفتخر بالماء هو، ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١]، فعُذِّب بمثل ما كان يفتخر به؛ أُخْرِج من مصر وأُغرِقَ بالماء.
* طالب: هذه الآية (...) ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني: كل الرسل كل القصص (...).
* الشيخ: إي، لكن الكلام على ﴿بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني بالعقوبة التي تطابق ذنبه، لكن لا يلزم أننا نعرف كل شيء، قد يخفى علينا بعض الشيء.
* طالب: الفرق بين الوزن والكيل؟
* الشيخ: ويش الفرق بينهم؟ سبحان الله! الفرق بين الكيلو والوزن.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف.
* طالب: الكيل يقيس الحجم، والوزن يقيس الثقل.
* الشيخ: ما كان يقاس به الحجم فهو مكيال، وما قيس به الثقل فهو ميزان، فيه عند الناس مشهور أن الإنسان اللي يزن روحه يُزكِّي على نفسه، ولهذا دائما السؤال عنه؛ يسألون أولا: هل يجوز ولا ما يجوز؟ ويسألون بعد ذلك: هل عليه زكاة إذا منه وزن روحه ولَّا لا؟
الشعراء 26:186
(﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ لم يقل: أخوهم؛ لأنه لم يكن منهم) وفيما مضى من القصص يقال لهم: أخوهم ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف ٨٥]، فتبين بهذا أن أصحاب الأيكة ليسوا أهل مدين؛ ولهذا المؤلف يقول: (قُرْب مدين) وليسوا من القرية التي بُعِث فيها شعيب؛ لأن أهل القرية التي بعث فيها وهي مدين من قبيلته؛ ولهذا لما ذكر مدين قال: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، وأما هذا فقال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧]، ولم يقل: أخوهم، ومما يدل على أنهم ليسوا أصحاب مدين أن العذاب الذي أُخِذوا به غير العذاب الذي أخذ به أصحاب مدين، أصحاب مدين أخذوا بالصيحة، وهؤلاء أُخِذوا بعذاب الظلة، كما سيأتي إن شاء الله.
* طالب: على هذا يكون مرسلًا مرتين؟
* الشيخ: لا، مرسل مرة واحدة لكن إلى قومين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إلى هؤلاء وهؤلاء، ويجوز أن يكون هذا من باب التبع، أن هذه القرية هذه الصغيرة مثلًا، وكانت تابعة لبلدته التي هو منها، ويدلك على هذا أن عملهم واحد، عمل هؤلاء وعمل أهل مدين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هذه عامة لكل الرسل كما عرفتم.
الذنب الخاص بهؤلاء (﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتموه ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ الناقصين) هؤلاء القوم الذين بُعث إليهم شعيب سواء كانوا قومه أم أهل القرية هذه كانوا يبخسون المكيال والميزان والعياذ بالله، إذا وزنوا للناس نقصوه، وإذا اتزنوا منهم استوفوا، هذا الظاهر: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١ - ٣].
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ هذا مقابل لقوله: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ لأجل ألا يقال: إن من أوفى في أكثر الأعمال يكون مُوفيًا؛ يعني مثل الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فأوفوا الكيل؛ يعني في كل فرد من أفراد معاملاتكم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي: من المتصفين بالإخسار، والإخسار بمعنى النقص.
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ هذا الوزن، والفرق بين الوزن وبين الكيل أن ما قُدِّر بالحجم فهو كيل، وما قُدِّر بالثِّقل فهو ثقل، اللي يُقدَّر بالحجم؛ لأن المكيال تضع فيه الشيء يكون حجمه هكذا، وأما هذا فيُقدَّر بالثِّقل فيُسمَّى وزنًا.
وقوله: ﴿بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ يقول المؤلف: (الميزان السوي)، فعلى هذا القِسطاس بمعنى الميزان، والمستقيم بمعنى السوي.
* طالب: أعجمي؟
* الشيخ: لا مُعرَّب.
(﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تنقصوهم من حقهم شيئًا)، هذا عام حتى فيما يُزرع وفيما يُعَدُّ، مثل هؤلاء القوم، ذنبهم الخاص الذي بُعِث هذا الرسول لإصلاحه مع عبادة الله هو بخس الناس في الكيل والميزان وغيره؛ ولهذا عمَّم ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الشعراء ١٨٣] لا تنقصوهم حقوقهم.
(﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره).
قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل، لم نعرف أن هؤلاء القوم –أي: قوم شعيب- كانوا يقتلون الناس بل المعروف من ذنبهم أنهم كانوا يبخسون الناس أشياءهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: يمكن بالقتل أو غيره ما ندري، إنما الإيعاد سواء بالحبس أو بالضرب أو بغيره هو من الفساد، ومن الفساد أيضًا نقص الناس أشياءهم؛ ولهذا «مَا بَخَسَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]. ومنع القطر من السماء فساد في الأرض بلا شك.
وقول الله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء ١٨٣] هذه الحال يسميها أهل النحو: حالًا مؤكدة؛ لأن العتو هو الفساد مثل لو قلت: لا تقم قائمًا. فإن (قائمًا) حال، وهي مؤكدة لقوله: لا تقم.
* طالب: يجوز؟
* الشيخ: إي، يجوز.
* طالب: الظاهر لا تقم قائمًا؛ أي: لا تقوم قائمًا (...).
* الشيخ: لا، لا تقوم قائمًا؛ يعني لا تستمر قائمًا زَمانًا.
وقوله: (﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره من عَثِيَ بكسر المثلثة أفسد و﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكِّدة لمعنى عاملها).
(﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ﴾ الخليقة ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ ) حذرهم الرسول عليه الصلاة والسلام بالذي خلقهم وخَلَقَ الخلق الأول أيضًا؛ إشارة إلى أنكم ستزولون كما زال مَنْ قبلكم، فأنتم مخلوقون من العدم وستؤولون إلى العدم.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ مثل جواب من؟ قوم صالح.
(﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ﴾ -مثلهم تمامًا- ﴿﴿وَإِنْ﴾ ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي إنه أي الشأن ﴿نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ).
ويش الدليل على (إن) مخففة هنا من الثقيلة؟ ويش الدليل؟
* طالب: وجود اللام.
* الشيخ: ويش بعد؟ وجود اللام هذا دليل لفظي.
* الطالب: قرينة الحال (...).
* الشيخ: إذن فإن هنا الدليل على أنها مخففة من الثقيلة أمران:
لفظي: وهو اللام؛ لأن اللام لا تقترن إلا في خبر (إن) المخففة.
والثاني: المعنى، لو كان في الآية ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يعني وقال قائل: إن (إن) نافية. قلنا: ليس كذلك؛ لأنهم لو قالوا: ما نظنك من الكاذبين لكانوا مُصَدِّقين به، والأمر ليس كذلك، إذن هم يقولون: إن نظنك من الكاذبين، وهذا الظن حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالِمِين وكاتمين مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ بِسكون السِّين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) أعوذ بالله، هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتِنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما توعدنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ كقول قريش للرسول عيه الصلاة والسلام حين قالوا..
حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالمين وكاتمين؛ مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الشعراء ١٨٧] بسكون السين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما تُوعِدُنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، كقول قريش للرسول عليه الصلاة والسلام حين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢]، وهذا من سفاهتهم، وكان واجبًا أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ووفقنا.
* طالب: في سورة العنكبوت (...).
* الشيخ: (...) ويش قالوا؟
* الطالب: قالوا (...).
* الشيخ: على كل حال هذا ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ يعني تشابهت القلوب والأفعال [الأنعام: ١٤٨].
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (إن) هذه شرطية، والغرض منها التحدي، (﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء ١٨٨] فيجازيكم به)؛ يعني: أنتم فعلتم كل قبيح وقابلتموني بكل إثم صريح، ولكن الذي يعلم ذلك هو الله، وهو يهددهم بلازم العلم، ولهذا قال المؤلف: (فيجازيكم به ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء ١٨٩]، وهي سحابة أظلتهم بعد حرٍّ شديد أصابهم، فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ) أعوذ بالله! هم -والعياذ بالله- أصيبوا بحرٍّ شديد حر عظيم جدًّا، ما أطاقوه، فأنشأ الله تعالى سحابة تظلهم، فخرجوا من بلادهم عن بكرة أبيهم إلى هذا الظل، ولكن –والعياذ بالله- لما وصلوا وإذا هي نارٌ -والعياذ بالله- أحرقتهم عن آخرهم، وهذا من أشد ما يكون -والعياذ بالله- من العذاب؛ لأنهم جاؤوا هاربين من عذاب، فوقعوا في أشد منه والعياذ بالله، كانوا حينما أقبلوا ويش يظنون؟ أنهم نَجَوا من الحر بهذه الظلال، ولكنه -والعياذ بالله- صار حتفهم.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ولهذا وصفه الله ﴿إِنَّهُ﴾ أي: هذا العذاب ﴿كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وصدق الله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٩٠، ١٩١].
هذه القصص عبرٌ في الحقيقة يعتبر بها الإنسان من عدة نواحٍ؛ أولًا: يعلم بها صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام وجلدهم وإخلاصهم لله، وأنهم لا يُبالون بما نالهم في ذات الله. هذا واحد.
ثانيًا: يعتبر بها بالتسلي بما أصاب الرسل؛ لأن الإنسان يتسلَّى بما أصاب غيره.
(...) بالصبر بأن يصبر هو على الدعوة إلى الله، ولا يمل ولا يكل؛ لأن العاقبة تكون لمن؟ للصابرين والداعين إلى الله، كل العواقب الآن اللي رأينا بالقصص كلها للرسل عليهم الصلاة والسلام.
والرابع: أن فيها عبرة تُحذِّر المخالفين للرسل؛ فإن كل المخالفين للرسل -كما رأيتم- كلهم عوقبوا وأخذهم العذاب.
وفيها أيضًا من العبر: بيان قدرة الله عز وجل؛ حيث ينزل العذاب، فينجو منه من ينجو، ويهلك به من هلك، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١].
وفيه من العبر: أن الإنسان يتعجب كيف يصل بنو آدم إلى هذا العتو والعناد والاستكبار! يعني تحدٍّ لله عز وجل بما يخاطبون به رسله، تعجب كيف يصل الأمر؟!
وفيها أيضًا من العبر، وهي السابعة: أنك تقيس حاضرك بغائبك.
ألا يوجد الآن أمثال هؤلاء؟ يوجد الآن أمثال هؤلاء؛ لأن طبيعة البشر واحدة من آدم إلى اليوم، فيوجد من هؤلاء وإن اختلف الأسلوب، الأسلوب قد يختلف لكن المعنى واحد، العتو والاستكبار يوجد الآن من بني آدم من يقول: إن الدين خرافة، يوجد من بني آدم من يقول: إن الله تعالى يجب أن يوضع في قفص الاتهام. ليش هذا يشبع وهذا يجوع، وهذا يأمن وهذا يخاف، وهذا يصح وهذا يمرض؟ والعياذ بالله، فهذه الأشياء يجب أن تعتبر بها وأنه ما سبق قبل زمانك وجد منه مثله في زمانك.
والعبر من هذا كثيرة ولو أن الإنسان كتب هذه العبر عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]؛ لأنك كلما استنتجتَ عبرة ازددت عقلًا؛ لأن الله جعل العِبَرَ لمن؟ لأولي الألباب، فكلما كان اللب أقوى كانت العبرة اللي تؤخذ من هذا أكثر.
مثل هذا لو تيسر أنه يُكْتَب عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، تكتب العبر، وفي سورة هود فصل كثير لقصص الأنبياء، وفيها أيضًا لما ذكر الله في آخرها ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود ١٢٠].
* طالب: (...).
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الأولى بيان ما قابل الرسل من صبرهم وجلدهم وتحملهم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: لعل يشترط (...)؟
* الشيخ: من؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا هو ظاهر الآية ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦١]، وأما من قال: إنه ليس منهم في النسب لكنه مصاهرٌ لهم، وأولاده منهم، والولد بعض من أبيه، فقال الله: ﴿أَخُوهُمْ﴾؛ فهذا خلاف الظاهر.
* طالب: (...) يشترط؟
* الشيخ: لا، ما هو بشرط.
* طالب: إنما هي من باب التغليب.
* الشيخ: إي، من باب التغليب.
* طالب: أن شعيب عليه السلام خطيب الأنبياء من قراءتي لقصته بليغة جدًّا.
* الشيخ: إي، ما نجزم نقول: إنه خطيب الأنبياء، يمكن في الأنبياء من هو أخطب منه.
* الطالب: كان أعمى؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: ولوط كان أعمى.
* الشيخ: من يقول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الغالب أن الرسل عليهم الصلاة والسلام كاملون، ولهذا الفقهاء رحمهم الله قالوا: يُشْتَرط في القاضي أن يكون بصيرًا، نفس الفقهاء وهو المذهب؛ المذهب أن يكون بصيرًا، أنا ما أعتقد ولا أظن أن الله سبحانه وتعالى يبعث أحدًا أعمى.
* طالب: لم يعيروه (...).
* الشيخ: إلا، عيروه ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢].
* الطالب: (...).
* الشيخ: المهم أنهم عيروه حتى إنهم عيروه بما ليس فيه قالوا: إنه آدر، فبرأه الله مما قالوا.
* طالب: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦].
* الشيخ: المهم أنهم مثلما قال، لو كان هذه العاهة البدنية فيه لكان يعيرونه بها، ثم ويش هو الأصل؟ الأصل السلامة، وأن الله لا يبعث إلا من هو سليم في كل الحواس.
* طالب: وأين الدليل؟
* الشيخ: هذا الحقيقة اللي ادعوه يجب منهم يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا اعتقد أنه نوع من الذنب؛ لأن هذا اتهام لله عز وجل أنه يرسل ذا عاهة؛ لأنه لا شك أن اللي ما هو مبصر لا شك أنه ناقص؛ فإن الإدراكات تكون بالسمع وبالبصر من أقوى ما يكون، ودائما يحتج الله على الإنسان بسمعه وبصره.
* طالب: هل تزوج (...) بابنة شعيب أو..؟
* الشيخ: لا، ما هو ظاهر (...)، الصحيح أن صاحب مدين اللي في قصة موسى متأخر عن شعيب كثيرًا وله..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، إي نعم. لكن لما قال: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص ٢٢] ظنوا أنه هو شعيب، ولا في القرآن ولا في السنة أنه شعيب، حتى ولا أن اسمه شعيب، حتى لو ثبت أن اسمه شعيب لكان لهم شبهة، لكننا نقول: إنهم يتسمون بأسماء أنبيائهم؛ مثل: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨] مريم هي أخت لهارونَ؟ بينهم أزمان طويلة.
* طالب: وجه تنوع العذاب يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، يقول الله عز وجل: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] كل إنسان يُؤْخَذ بذنبه؛ بالمشابهة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثل أيش؟
* الطالب: مثلًا فرعون ما وجه مشابهة الإغراق (...)؟
* الشيخ: لأنه كان يفتخر بالماء هو، ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١]، فعُذِّب بمثل ما كان يفتخر به؛ أُخْرِج من مصر وأُغرِقَ بالماء.
* طالب: هذه الآية (...) ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني: كل الرسل كل القصص (...).
* الشيخ: إي، لكن الكلام على ﴿بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني بالعقوبة التي تطابق ذنبه، لكن لا يلزم أننا نعرف كل شيء، قد يخفى علينا بعض الشيء.
* طالب: الفرق بين الوزن والكيل؟
* الشيخ: ويش الفرق بينهم؟ سبحان الله! الفرق بين الكيلو والوزن.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف.
* طالب: الكيل يقيس الحجم، والوزن يقيس الثقل.
* الشيخ: ما كان يقاس به الحجم فهو مكيال، وما قيس به الثقل فهو ميزان، فيه عند الناس مشهور أن الإنسان اللي يزن روحه يُزكِّي على نفسه، ولهذا دائما السؤال عنه؛ يسألون أولا: هل يجوز ولا ما يجوز؟ ويسألون بعد ذلك: هل عليه زكاة إذا منه وزن روحه ولَّا لا؟
الشعراء 26:187
(﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ لم يقل: أخوهم؛ لأنه لم يكن منهم) وفيما مضى من القصص يقال لهم: أخوهم ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف ٨٥]، فتبين بهذا أن أصحاب الأيكة ليسوا أهل مدين؛ ولهذا المؤلف يقول: (قُرْب مدين) وليسوا من القرية التي بُعِث فيها شعيب؛ لأن أهل القرية التي بعث فيها وهي مدين من قبيلته؛ ولهذا لما ذكر مدين قال: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، وأما هذا فقال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧]، ولم يقل: أخوهم، ومما يدل على أنهم ليسوا أصحاب مدين أن العذاب الذي أُخِذوا به غير العذاب الذي أخذ به أصحاب مدين، أصحاب مدين أخذوا بالصيحة، وهؤلاء أُخِذوا بعذاب الظلة، كما سيأتي إن شاء الله.
* طالب: على هذا يكون مرسلًا مرتين؟
* الشيخ: لا، مرسل مرة واحدة لكن إلى قومين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إلى هؤلاء وهؤلاء، ويجوز أن يكون هذا من باب التبع، أن هذه القرية هذه الصغيرة مثلًا، وكانت تابعة لبلدته التي هو منها، ويدلك على هذا أن عملهم واحد، عمل هؤلاء وعمل أهل مدين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هذه عامة لكل الرسل كما عرفتم.
الذنب الخاص بهؤلاء (﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتموه ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ الناقصين) هؤلاء القوم الذين بُعث إليهم شعيب سواء كانوا قومه أم أهل القرية هذه كانوا يبخسون المكيال والميزان والعياذ بالله، إذا وزنوا للناس نقصوه، وإذا اتزنوا منهم استوفوا، هذا الظاهر: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١ - ٣].
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ هذا مقابل لقوله: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ لأجل ألا يقال: إن من أوفى في أكثر الأعمال يكون مُوفيًا؛ يعني مثل الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فأوفوا الكيل؛ يعني في كل فرد من أفراد معاملاتكم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي: من المتصفين بالإخسار، والإخسار بمعنى النقص.
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ هذا الوزن، والفرق بين الوزن وبين الكيل أن ما قُدِّر بالحجم فهو كيل، وما قُدِّر بالثِّقل فهو ثقل، اللي يُقدَّر بالحجم؛ لأن المكيال تضع فيه الشيء يكون حجمه هكذا، وأما هذا فيُقدَّر بالثِّقل فيُسمَّى وزنًا.
وقوله: ﴿بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ يقول المؤلف: (الميزان السوي)، فعلى هذا القِسطاس بمعنى الميزان، والمستقيم بمعنى السوي.
* طالب: أعجمي؟
* الشيخ: لا مُعرَّب.
(﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تنقصوهم من حقهم شيئًا)، هذا عام حتى فيما يُزرع وفيما يُعَدُّ، مثل هؤلاء القوم، ذنبهم الخاص الذي بُعِث هذا الرسول لإصلاحه مع عبادة الله هو بخس الناس في الكيل والميزان وغيره؛ ولهذا عمَّم ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الشعراء ١٨٣] لا تنقصوهم حقوقهم.
(﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره).
قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل، لم نعرف أن هؤلاء القوم –أي: قوم شعيب- كانوا يقتلون الناس بل المعروف من ذنبهم أنهم كانوا يبخسون الناس أشياءهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: يمكن بالقتل أو غيره ما ندري، إنما الإيعاد سواء بالحبس أو بالضرب أو بغيره هو من الفساد، ومن الفساد أيضًا نقص الناس أشياءهم؛ ولهذا «مَا بَخَسَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]. ومنع القطر من السماء فساد في الأرض بلا شك.
وقول الله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء ١٨٣] هذه الحال يسميها أهل النحو: حالًا مؤكدة؛ لأن العتو هو الفساد مثل لو قلت: لا تقم قائمًا. فإن (قائمًا) حال، وهي مؤكدة لقوله: لا تقم.
* طالب: يجوز؟
* الشيخ: إي، يجوز.
* طالب: الظاهر لا تقم قائمًا؛ أي: لا تقوم قائمًا (...).
* الشيخ: لا، لا تقوم قائمًا؛ يعني لا تستمر قائمًا زَمانًا.
وقوله: (﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره من عَثِيَ بكسر المثلثة أفسد و﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكِّدة لمعنى عاملها).
(﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ﴾ الخليقة ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ ) حذرهم الرسول عليه الصلاة والسلام بالذي خلقهم وخَلَقَ الخلق الأول أيضًا؛ إشارة إلى أنكم ستزولون كما زال مَنْ قبلكم، فأنتم مخلوقون من العدم وستؤولون إلى العدم.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ مثل جواب من؟ قوم صالح.
(﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ﴾ -مثلهم تمامًا- ﴿﴿وَإِنْ﴾ ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي إنه أي الشأن ﴿نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ).
ويش الدليل على (إن) مخففة هنا من الثقيلة؟ ويش الدليل؟
* طالب: وجود اللام.
* الشيخ: ويش بعد؟ وجود اللام هذا دليل لفظي.
* الطالب: قرينة الحال (...).
* الشيخ: إذن فإن هنا الدليل على أنها مخففة من الثقيلة أمران:
لفظي: وهو اللام؛ لأن اللام لا تقترن إلا في خبر (إن) المخففة.
والثاني: المعنى، لو كان في الآية ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يعني وقال قائل: إن (إن) نافية. قلنا: ليس كذلك؛ لأنهم لو قالوا: ما نظنك من الكاذبين لكانوا مُصَدِّقين به، والأمر ليس كذلك، إذن هم يقولون: إن نظنك من الكاذبين، وهذا الظن حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالِمِين وكاتمين مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ بِسكون السِّين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) أعوذ بالله، هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتِنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما توعدنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ كقول قريش للرسول عيه الصلاة والسلام حين قالوا..
حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالمين وكاتمين؛ مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الشعراء ١٨٧] بسكون السين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما تُوعِدُنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، كقول قريش للرسول عليه الصلاة والسلام حين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢]، وهذا من سفاهتهم، وكان واجبًا أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ووفقنا.
* طالب: في سورة العنكبوت (...).
* الشيخ: (...) ويش قالوا؟
* الطالب: قالوا (...).
* الشيخ: على كل حال هذا ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ يعني تشابهت القلوب والأفعال [الأنعام: ١٤٨].
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (إن) هذه شرطية، والغرض منها التحدي، (﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء ١٨٨] فيجازيكم به)؛ يعني: أنتم فعلتم كل قبيح وقابلتموني بكل إثم صريح، ولكن الذي يعلم ذلك هو الله، وهو يهددهم بلازم العلم، ولهذا قال المؤلف: (فيجازيكم به ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء ١٨٩]، وهي سحابة أظلتهم بعد حرٍّ شديد أصابهم، فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ) أعوذ بالله! هم -والعياذ بالله- أصيبوا بحرٍّ شديد حر عظيم جدًّا، ما أطاقوه، فأنشأ الله تعالى سحابة تظلهم، فخرجوا من بلادهم عن بكرة أبيهم إلى هذا الظل، ولكن –والعياذ بالله- لما وصلوا وإذا هي نارٌ -والعياذ بالله- أحرقتهم عن آخرهم، وهذا من أشد ما يكون -والعياذ بالله- من العذاب؛ لأنهم جاؤوا هاربين من عذاب، فوقعوا في أشد منه والعياذ بالله، كانوا حينما أقبلوا ويش يظنون؟ أنهم نَجَوا من الحر بهذه الظلال، ولكنه -والعياذ بالله- صار حتفهم.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ولهذا وصفه الله ﴿إِنَّهُ﴾ أي: هذا العذاب ﴿كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وصدق الله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٩٠، ١٩١].
هذه القصص عبرٌ في الحقيقة يعتبر بها الإنسان من عدة نواحٍ؛ أولًا: يعلم بها صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام وجلدهم وإخلاصهم لله، وأنهم لا يُبالون بما نالهم في ذات الله. هذا واحد.
ثانيًا: يعتبر بها بالتسلي بما أصاب الرسل؛ لأن الإنسان يتسلَّى بما أصاب غيره.
(...) بالصبر بأن يصبر هو على الدعوة إلى الله، ولا يمل ولا يكل؛ لأن العاقبة تكون لمن؟ للصابرين والداعين إلى الله، كل العواقب الآن اللي رأينا بالقصص كلها للرسل عليهم الصلاة والسلام.
والرابع: أن فيها عبرة تُحذِّر المخالفين للرسل؛ فإن كل المخالفين للرسل -كما رأيتم- كلهم عوقبوا وأخذهم العذاب.
وفيها أيضًا من العبر: بيان قدرة الله عز وجل؛ حيث ينزل العذاب، فينجو منه من ينجو، ويهلك به من هلك، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١].
وفيه من العبر: أن الإنسان يتعجب كيف يصل بنو آدم إلى هذا العتو والعناد والاستكبار! يعني تحدٍّ لله عز وجل بما يخاطبون به رسله، تعجب كيف يصل الأمر؟!
وفيها أيضًا من العبر، وهي السابعة: أنك تقيس حاضرك بغائبك.
ألا يوجد الآن أمثال هؤلاء؟ يوجد الآن أمثال هؤلاء؛ لأن طبيعة البشر واحدة من آدم إلى اليوم، فيوجد من هؤلاء وإن اختلف الأسلوب، الأسلوب قد يختلف لكن المعنى واحد، العتو والاستكبار يوجد الآن من بني آدم من يقول: إن الدين خرافة، يوجد من بني آدم من يقول: إن الله تعالى يجب أن يوضع في قفص الاتهام. ليش هذا يشبع وهذا يجوع، وهذا يأمن وهذا يخاف، وهذا يصح وهذا يمرض؟ والعياذ بالله، فهذه الأشياء يجب أن تعتبر بها وأنه ما سبق قبل زمانك وجد منه مثله في زمانك.
والعبر من هذا كثيرة ولو أن الإنسان كتب هذه العبر عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]؛ لأنك كلما استنتجتَ عبرة ازددت عقلًا؛ لأن الله جعل العِبَرَ لمن؟ لأولي الألباب، فكلما كان اللب أقوى كانت العبرة اللي تؤخذ من هذا أكثر.
مثل هذا لو تيسر أنه يُكْتَب عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، تكتب العبر، وفي سورة هود فصل كثير لقصص الأنبياء، وفيها أيضًا لما ذكر الله في آخرها ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود ١٢٠].
* طالب: (...).
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الأولى بيان ما قابل الرسل من صبرهم وجلدهم وتحملهم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: لعل يشترط (...)؟
* الشيخ: من؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا هو ظاهر الآية ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦١]، وأما من قال: إنه ليس منهم في النسب لكنه مصاهرٌ لهم، وأولاده منهم، والولد بعض من أبيه، فقال الله: ﴿أَخُوهُمْ﴾؛ فهذا خلاف الظاهر.
* طالب: (...) يشترط؟
* الشيخ: لا، ما هو بشرط.
* طالب: إنما هي من باب التغليب.
* الشيخ: إي، من باب التغليب.
* طالب: أن شعيب عليه السلام خطيب الأنبياء من قراءتي لقصته بليغة جدًّا.
* الشيخ: إي، ما نجزم نقول: إنه خطيب الأنبياء، يمكن في الأنبياء من هو أخطب منه.
* الطالب: كان أعمى؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: ولوط كان أعمى.
* الشيخ: من يقول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الغالب أن الرسل عليهم الصلاة والسلام كاملون، ولهذا الفقهاء رحمهم الله قالوا: يُشْتَرط في القاضي أن يكون بصيرًا، نفس الفقهاء وهو المذهب؛ المذهب أن يكون بصيرًا، أنا ما أعتقد ولا أظن أن الله سبحانه وتعالى يبعث أحدًا أعمى.
* طالب: لم يعيروه (...).
* الشيخ: إلا، عيروه ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢].
* الطالب: (...).
* الشيخ: المهم أنهم عيروه حتى إنهم عيروه بما ليس فيه قالوا: إنه آدر، فبرأه الله مما قالوا.
* طالب: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦].
* الشيخ: المهم أنهم مثلما قال، لو كان هذه العاهة البدنية فيه لكان يعيرونه بها، ثم ويش هو الأصل؟ الأصل السلامة، وأن الله لا يبعث إلا من هو سليم في كل الحواس.
* طالب: وأين الدليل؟
* الشيخ: هذا الحقيقة اللي ادعوه يجب منهم يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا اعتقد أنه نوع من الذنب؛ لأن هذا اتهام لله عز وجل أنه يرسل ذا عاهة؛ لأنه لا شك أن اللي ما هو مبصر لا شك أنه ناقص؛ فإن الإدراكات تكون بالسمع وبالبصر من أقوى ما يكون، ودائما يحتج الله على الإنسان بسمعه وبصره.
* طالب: هل تزوج (...) بابنة شعيب أو..؟
* الشيخ: لا، ما هو ظاهر (...)، الصحيح أن صاحب مدين اللي في قصة موسى متأخر عن شعيب كثيرًا وله..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، إي نعم. لكن لما قال: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص ٢٢] ظنوا أنه هو شعيب، ولا في القرآن ولا في السنة أنه شعيب، حتى ولا أن اسمه شعيب، حتى لو ثبت أن اسمه شعيب لكان لهم شبهة، لكننا نقول: إنهم يتسمون بأسماء أنبيائهم؛ مثل: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨] مريم هي أخت لهارونَ؟ بينهم أزمان طويلة.
* طالب: وجه تنوع العذاب يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، يقول الله عز وجل: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] كل إنسان يُؤْخَذ بذنبه؛ بالمشابهة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثل أيش؟
* الطالب: مثلًا فرعون ما وجه مشابهة الإغراق (...)؟
* الشيخ: لأنه كان يفتخر بالماء هو، ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١]، فعُذِّب بمثل ما كان يفتخر به؛ أُخْرِج من مصر وأُغرِقَ بالماء.
* طالب: هذه الآية (...) ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني: كل الرسل كل القصص (...).
* الشيخ: إي، لكن الكلام على ﴿بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني بالعقوبة التي تطابق ذنبه، لكن لا يلزم أننا نعرف كل شيء، قد يخفى علينا بعض الشيء.
* طالب: الفرق بين الوزن والكيل؟
* الشيخ: ويش الفرق بينهم؟ سبحان الله! الفرق بين الكيلو والوزن.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف.
* طالب: الكيل يقيس الحجم، والوزن يقيس الثقل.
* الشيخ: ما كان يقاس به الحجم فهو مكيال، وما قيس به الثقل فهو ميزان، فيه عند الناس مشهور أن الإنسان اللي يزن روحه يُزكِّي على نفسه، ولهذا دائما السؤال عنه؛ يسألون أولا: هل يجوز ولا ما يجوز؟ ويسألون بعد ذلك: هل عليه زكاة إذا منه وزن روحه ولَّا لا؟
الشعراء 26:188
(﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ لم يقل: أخوهم؛ لأنه لم يكن منهم) وفيما مضى من القصص يقال لهم: أخوهم ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف ٨٥]، فتبين بهذا أن أصحاب الأيكة ليسوا أهل مدين؛ ولهذا المؤلف يقول: (قُرْب مدين) وليسوا من القرية التي بُعِث فيها شعيب؛ لأن أهل القرية التي بعث فيها وهي مدين من قبيلته؛ ولهذا لما ذكر مدين قال: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، وأما هذا فقال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧]، ولم يقل: أخوهم، ومما يدل على أنهم ليسوا أصحاب مدين أن العذاب الذي أُخِذوا به غير العذاب الذي أخذ به أصحاب مدين، أصحاب مدين أخذوا بالصيحة، وهؤلاء أُخِذوا بعذاب الظلة، كما سيأتي إن شاء الله.
* طالب: على هذا يكون مرسلًا مرتين؟
* الشيخ: لا، مرسل مرة واحدة لكن إلى قومين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إلى هؤلاء وهؤلاء، ويجوز أن يكون هذا من باب التبع، أن هذه القرية هذه الصغيرة مثلًا، وكانت تابعة لبلدته التي هو منها، ويدلك على هذا أن عملهم واحد، عمل هؤلاء وعمل أهل مدين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هذه عامة لكل الرسل كما عرفتم.
الذنب الخاص بهؤلاء (﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتموه ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ الناقصين) هؤلاء القوم الذين بُعث إليهم شعيب سواء كانوا قومه أم أهل القرية هذه كانوا يبخسون المكيال والميزان والعياذ بالله، إذا وزنوا للناس نقصوه، وإذا اتزنوا منهم استوفوا، هذا الظاهر: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١ - ٣].
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ هذا مقابل لقوله: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ لأجل ألا يقال: إن من أوفى في أكثر الأعمال يكون مُوفيًا؛ يعني مثل الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فأوفوا الكيل؛ يعني في كل فرد من أفراد معاملاتكم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي: من المتصفين بالإخسار، والإخسار بمعنى النقص.
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ هذا الوزن، والفرق بين الوزن وبين الكيل أن ما قُدِّر بالحجم فهو كيل، وما قُدِّر بالثِّقل فهو ثقل، اللي يُقدَّر بالحجم؛ لأن المكيال تضع فيه الشيء يكون حجمه هكذا، وأما هذا فيُقدَّر بالثِّقل فيُسمَّى وزنًا.
وقوله: ﴿بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ يقول المؤلف: (الميزان السوي)، فعلى هذا القِسطاس بمعنى الميزان، والمستقيم بمعنى السوي.
* طالب: أعجمي؟
* الشيخ: لا مُعرَّب.
(﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تنقصوهم من حقهم شيئًا)، هذا عام حتى فيما يُزرع وفيما يُعَدُّ، مثل هؤلاء القوم، ذنبهم الخاص الذي بُعِث هذا الرسول لإصلاحه مع عبادة الله هو بخس الناس في الكيل والميزان وغيره؛ ولهذا عمَّم ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الشعراء ١٨٣] لا تنقصوهم حقوقهم.
(﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره).
قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل، لم نعرف أن هؤلاء القوم –أي: قوم شعيب- كانوا يقتلون الناس بل المعروف من ذنبهم أنهم كانوا يبخسون الناس أشياءهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: يمكن بالقتل أو غيره ما ندري، إنما الإيعاد سواء بالحبس أو بالضرب أو بغيره هو من الفساد، ومن الفساد أيضًا نقص الناس أشياءهم؛ ولهذا «مَا بَخَسَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]. ومنع القطر من السماء فساد في الأرض بلا شك.
وقول الله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء ١٨٣] هذه الحال يسميها أهل النحو: حالًا مؤكدة؛ لأن العتو هو الفساد مثل لو قلت: لا تقم قائمًا. فإن (قائمًا) حال، وهي مؤكدة لقوله: لا تقم.
* طالب: يجوز؟
* الشيخ: إي، يجوز.
* طالب: الظاهر لا تقم قائمًا؛ أي: لا تقوم قائمًا (...).
* الشيخ: لا، لا تقوم قائمًا؛ يعني لا تستمر قائمًا زَمانًا.
وقوله: (﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره من عَثِيَ بكسر المثلثة أفسد و﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكِّدة لمعنى عاملها).
(﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ﴾ الخليقة ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ ) حذرهم الرسول عليه الصلاة والسلام بالذي خلقهم وخَلَقَ الخلق الأول أيضًا؛ إشارة إلى أنكم ستزولون كما زال مَنْ قبلكم، فأنتم مخلوقون من العدم وستؤولون إلى العدم.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ مثل جواب من؟ قوم صالح.
(﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ﴾ -مثلهم تمامًا- ﴿﴿وَإِنْ﴾ ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي إنه أي الشأن ﴿نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ).
ويش الدليل على (إن) مخففة هنا من الثقيلة؟ ويش الدليل؟
* طالب: وجود اللام.
* الشيخ: ويش بعد؟ وجود اللام هذا دليل لفظي.
* الطالب: قرينة الحال (...).
* الشيخ: إذن فإن هنا الدليل على أنها مخففة من الثقيلة أمران:
لفظي: وهو اللام؛ لأن اللام لا تقترن إلا في خبر (إن) المخففة.
والثاني: المعنى، لو كان في الآية ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يعني وقال قائل: إن (إن) نافية. قلنا: ليس كذلك؛ لأنهم لو قالوا: ما نظنك من الكاذبين لكانوا مُصَدِّقين به، والأمر ليس كذلك، إذن هم يقولون: إن نظنك من الكاذبين، وهذا الظن حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالِمِين وكاتمين مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ بِسكون السِّين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) أعوذ بالله، هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتِنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما توعدنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ كقول قريش للرسول عيه الصلاة والسلام حين قالوا..
حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالمين وكاتمين؛ مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الشعراء ١٨٧] بسكون السين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما تُوعِدُنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، كقول قريش للرسول عليه الصلاة والسلام حين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢]، وهذا من سفاهتهم، وكان واجبًا أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ووفقنا.
* طالب: في سورة العنكبوت (...).
* الشيخ: (...) ويش قالوا؟
* الطالب: قالوا (...).
* الشيخ: على كل حال هذا ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ يعني تشابهت القلوب والأفعال [الأنعام: ١٤٨].
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (إن) هذه شرطية، والغرض منها التحدي، (﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء ١٨٨] فيجازيكم به)؛ يعني: أنتم فعلتم كل قبيح وقابلتموني بكل إثم صريح، ولكن الذي يعلم ذلك هو الله، وهو يهددهم بلازم العلم، ولهذا قال المؤلف: (فيجازيكم به ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء ١٨٩]، وهي سحابة أظلتهم بعد حرٍّ شديد أصابهم، فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ) أعوذ بالله! هم -والعياذ بالله- أصيبوا بحرٍّ شديد حر عظيم جدًّا، ما أطاقوه، فأنشأ الله تعالى سحابة تظلهم، فخرجوا من بلادهم عن بكرة أبيهم إلى هذا الظل، ولكن –والعياذ بالله- لما وصلوا وإذا هي نارٌ -والعياذ بالله- أحرقتهم عن آخرهم، وهذا من أشد ما يكون -والعياذ بالله- من العذاب؛ لأنهم جاؤوا هاربين من عذاب، فوقعوا في أشد منه والعياذ بالله، كانوا حينما أقبلوا ويش يظنون؟ أنهم نَجَوا من الحر بهذه الظلال، ولكنه -والعياذ بالله- صار حتفهم.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ولهذا وصفه الله ﴿إِنَّهُ﴾ أي: هذا العذاب ﴿كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وصدق الله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٩٠، ١٩١].
هذه القصص عبرٌ في الحقيقة يعتبر بها الإنسان من عدة نواحٍ؛ أولًا: يعلم بها صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام وجلدهم وإخلاصهم لله، وأنهم لا يُبالون بما نالهم في ذات الله. هذا واحد.
ثانيًا: يعتبر بها بالتسلي بما أصاب الرسل؛ لأن الإنسان يتسلَّى بما أصاب غيره.
(...) بالصبر بأن يصبر هو على الدعوة إلى الله، ولا يمل ولا يكل؛ لأن العاقبة تكون لمن؟ للصابرين والداعين إلى الله، كل العواقب الآن اللي رأينا بالقصص كلها للرسل عليهم الصلاة والسلام.
والرابع: أن فيها عبرة تُحذِّر المخالفين للرسل؛ فإن كل المخالفين للرسل -كما رأيتم- كلهم عوقبوا وأخذهم العذاب.
وفيها أيضًا من العبر: بيان قدرة الله عز وجل؛ حيث ينزل العذاب، فينجو منه من ينجو، ويهلك به من هلك، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١].
وفيه من العبر: أن الإنسان يتعجب كيف يصل بنو آدم إلى هذا العتو والعناد والاستكبار! يعني تحدٍّ لله عز وجل بما يخاطبون به رسله، تعجب كيف يصل الأمر؟!
وفيها أيضًا من العبر، وهي السابعة: أنك تقيس حاضرك بغائبك.
ألا يوجد الآن أمثال هؤلاء؟ يوجد الآن أمثال هؤلاء؛ لأن طبيعة البشر واحدة من آدم إلى اليوم، فيوجد من هؤلاء وإن اختلف الأسلوب، الأسلوب قد يختلف لكن المعنى واحد، العتو والاستكبار يوجد الآن من بني آدم من يقول: إن الدين خرافة، يوجد من بني آدم من يقول: إن الله تعالى يجب أن يوضع في قفص الاتهام. ليش هذا يشبع وهذا يجوع، وهذا يأمن وهذا يخاف، وهذا يصح وهذا يمرض؟ والعياذ بالله، فهذه الأشياء يجب أن تعتبر بها وأنه ما سبق قبل زمانك وجد منه مثله في زمانك.
والعبر من هذا كثيرة ولو أن الإنسان كتب هذه العبر عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]؛ لأنك كلما استنتجتَ عبرة ازددت عقلًا؛ لأن الله جعل العِبَرَ لمن؟ لأولي الألباب، فكلما كان اللب أقوى كانت العبرة اللي تؤخذ من هذا أكثر.
مثل هذا لو تيسر أنه يُكْتَب عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، تكتب العبر، وفي سورة هود فصل كثير لقصص الأنبياء، وفيها أيضًا لما ذكر الله في آخرها ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود ١٢٠].
* طالب: (...).
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الأولى بيان ما قابل الرسل من صبرهم وجلدهم وتحملهم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: لعل يشترط (...)؟
* الشيخ: من؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا هو ظاهر الآية ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦١]، وأما من قال: إنه ليس منهم في النسب لكنه مصاهرٌ لهم، وأولاده منهم، والولد بعض من أبيه، فقال الله: ﴿أَخُوهُمْ﴾؛ فهذا خلاف الظاهر.
* طالب: (...) يشترط؟
* الشيخ: لا، ما هو بشرط.
* طالب: إنما هي من باب التغليب.
* الشيخ: إي، من باب التغليب.
* طالب: أن شعيب عليه السلام خطيب الأنبياء من قراءتي لقصته بليغة جدًّا.
* الشيخ: إي، ما نجزم نقول: إنه خطيب الأنبياء، يمكن في الأنبياء من هو أخطب منه.
* الطالب: كان أعمى؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: ولوط كان أعمى.
* الشيخ: من يقول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الغالب أن الرسل عليهم الصلاة والسلام كاملون، ولهذا الفقهاء رحمهم الله قالوا: يُشْتَرط في القاضي أن يكون بصيرًا، نفس الفقهاء وهو المذهب؛ المذهب أن يكون بصيرًا، أنا ما أعتقد ولا أظن أن الله سبحانه وتعالى يبعث أحدًا أعمى.
* طالب: لم يعيروه (...).
* الشيخ: إلا، عيروه ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢].
* الطالب: (...).
* الشيخ: المهم أنهم عيروه حتى إنهم عيروه بما ليس فيه قالوا: إنه آدر، فبرأه الله مما قالوا.
* طالب: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦].
* الشيخ: المهم أنهم مثلما قال، لو كان هذه العاهة البدنية فيه لكان يعيرونه بها، ثم ويش هو الأصل؟ الأصل السلامة، وأن الله لا يبعث إلا من هو سليم في كل الحواس.
* طالب: وأين الدليل؟
* الشيخ: هذا الحقيقة اللي ادعوه يجب منهم يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا اعتقد أنه نوع من الذنب؛ لأن هذا اتهام لله عز وجل أنه يرسل ذا عاهة؛ لأنه لا شك أن اللي ما هو مبصر لا شك أنه ناقص؛ فإن الإدراكات تكون بالسمع وبالبصر من أقوى ما يكون، ودائما يحتج الله على الإنسان بسمعه وبصره.
* طالب: هل تزوج (...) بابنة شعيب أو..؟
* الشيخ: لا، ما هو ظاهر (...)، الصحيح أن صاحب مدين اللي في قصة موسى متأخر عن شعيب كثيرًا وله..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، إي نعم. لكن لما قال: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص ٢٢] ظنوا أنه هو شعيب، ولا في القرآن ولا في السنة أنه شعيب، حتى ولا أن اسمه شعيب، حتى لو ثبت أن اسمه شعيب لكان لهم شبهة، لكننا نقول: إنهم يتسمون بأسماء أنبيائهم؛ مثل: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨] مريم هي أخت لهارونَ؟ بينهم أزمان طويلة.
* طالب: وجه تنوع العذاب يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، يقول الله عز وجل: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] كل إنسان يُؤْخَذ بذنبه؛ بالمشابهة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثل أيش؟
* الطالب: مثلًا فرعون ما وجه مشابهة الإغراق (...)؟
* الشيخ: لأنه كان يفتخر بالماء هو، ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١]، فعُذِّب بمثل ما كان يفتخر به؛ أُخْرِج من مصر وأُغرِقَ بالماء.
* طالب: هذه الآية (...) ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني: كل الرسل كل القصص (...).
* الشيخ: إي، لكن الكلام على ﴿بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني بالعقوبة التي تطابق ذنبه، لكن لا يلزم أننا نعرف كل شيء، قد يخفى علينا بعض الشيء.
* طالب: الفرق بين الوزن والكيل؟
* الشيخ: ويش الفرق بينهم؟ سبحان الله! الفرق بين الكيلو والوزن.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف.
* طالب: الكيل يقيس الحجم، والوزن يقيس الثقل.
* الشيخ: ما كان يقاس به الحجم فهو مكيال، وما قيس به الثقل فهو ميزان، فيه عند الناس مشهور أن الإنسان اللي يزن روحه يُزكِّي على نفسه، ولهذا دائما السؤال عنه؛ يسألون أولا: هل يجوز ولا ما يجوز؟ ويسألون بعد ذلك: هل عليه زكاة إذا منه وزن روحه ولَّا لا؟
الشعراء 26:189
(﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ لم يقل: أخوهم؛ لأنه لم يكن منهم) وفيما مضى من القصص يقال لهم: أخوهم ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف ٨٥]، فتبين بهذا أن أصحاب الأيكة ليسوا أهل مدين؛ ولهذا المؤلف يقول: (قُرْب مدين) وليسوا من القرية التي بُعِث فيها شعيب؛ لأن أهل القرية التي بعث فيها وهي مدين من قبيلته؛ ولهذا لما ذكر مدين قال: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، وأما هذا فقال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧]، ولم يقل: أخوهم، ومما يدل على أنهم ليسوا أصحاب مدين أن العذاب الذي أُخِذوا به غير العذاب الذي أخذ به أصحاب مدين، أصحاب مدين أخذوا بالصيحة، وهؤلاء أُخِذوا بعذاب الظلة، كما سيأتي إن شاء الله.
* طالب: على هذا يكون مرسلًا مرتين؟
* الشيخ: لا، مرسل مرة واحدة لكن إلى قومين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إلى هؤلاء وهؤلاء، ويجوز أن يكون هذا من باب التبع، أن هذه القرية هذه الصغيرة مثلًا، وكانت تابعة لبلدته التي هو منها، ويدلك على هذا أن عملهم واحد، عمل هؤلاء وعمل أهل مدين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هذه عامة لكل الرسل كما عرفتم.
الذنب الخاص بهؤلاء (﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتموه ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ الناقصين) هؤلاء القوم الذين بُعث إليهم شعيب سواء كانوا قومه أم أهل القرية هذه كانوا يبخسون المكيال والميزان والعياذ بالله، إذا وزنوا للناس نقصوه، وإذا اتزنوا منهم استوفوا، هذا الظاهر: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١ - ٣].
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ هذا مقابل لقوله: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ لأجل ألا يقال: إن من أوفى في أكثر الأعمال يكون مُوفيًا؛ يعني مثل الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فأوفوا الكيل؛ يعني في كل فرد من أفراد معاملاتكم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي: من المتصفين بالإخسار، والإخسار بمعنى النقص.
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ هذا الوزن، والفرق بين الوزن وبين الكيل أن ما قُدِّر بالحجم فهو كيل، وما قُدِّر بالثِّقل فهو ثقل، اللي يُقدَّر بالحجم؛ لأن المكيال تضع فيه الشيء يكون حجمه هكذا، وأما هذا فيُقدَّر بالثِّقل فيُسمَّى وزنًا.
وقوله: ﴿بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ يقول المؤلف: (الميزان السوي)، فعلى هذا القِسطاس بمعنى الميزان، والمستقيم بمعنى السوي.
* طالب: أعجمي؟
* الشيخ: لا مُعرَّب.
(﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تنقصوهم من حقهم شيئًا)، هذا عام حتى فيما يُزرع وفيما يُعَدُّ، مثل هؤلاء القوم، ذنبهم الخاص الذي بُعِث هذا الرسول لإصلاحه مع عبادة الله هو بخس الناس في الكيل والميزان وغيره؛ ولهذا عمَّم ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الشعراء ١٨٣] لا تنقصوهم حقوقهم.
(﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره).
قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل، لم نعرف أن هؤلاء القوم –أي: قوم شعيب- كانوا يقتلون الناس بل المعروف من ذنبهم أنهم كانوا يبخسون الناس أشياءهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: يمكن بالقتل أو غيره ما ندري، إنما الإيعاد سواء بالحبس أو بالضرب أو بغيره هو من الفساد، ومن الفساد أيضًا نقص الناس أشياءهم؛ ولهذا «مَا بَخَسَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]. ومنع القطر من السماء فساد في الأرض بلا شك.
وقول الله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء ١٨٣] هذه الحال يسميها أهل النحو: حالًا مؤكدة؛ لأن العتو هو الفساد مثل لو قلت: لا تقم قائمًا. فإن (قائمًا) حال، وهي مؤكدة لقوله: لا تقم.
* طالب: يجوز؟
* الشيخ: إي، يجوز.
* طالب: الظاهر لا تقم قائمًا؛ أي: لا تقوم قائمًا (...).
* الشيخ: لا، لا تقوم قائمًا؛ يعني لا تستمر قائمًا زَمانًا.
وقوله: (﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره من عَثِيَ بكسر المثلثة أفسد و﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكِّدة لمعنى عاملها).
(﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ﴾ الخليقة ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ ) حذرهم الرسول عليه الصلاة والسلام بالذي خلقهم وخَلَقَ الخلق الأول أيضًا؛ إشارة إلى أنكم ستزولون كما زال مَنْ قبلكم، فأنتم مخلوقون من العدم وستؤولون إلى العدم.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ مثل جواب من؟ قوم صالح.
(﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ﴾ -مثلهم تمامًا- ﴿﴿وَإِنْ﴾ ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي إنه أي الشأن ﴿نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ).
ويش الدليل على (إن) مخففة هنا من الثقيلة؟ ويش الدليل؟
* طالب: وجود اللام.
* الشيخ: ويش بعد؟ وجود اللام هذا دليل لفظي.
* الطالب: قرينة الحال (...).
* الشيخ: إذن فإن هنا الدليل على أنها مخففة من الثقيلة أمران:
لفظي: وهو اللام؛ لأن اللام لا تقترن إلا في خبر (إن) المخففة.
والثاني: المعنى، لو كان في الآية ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يعني وقال قائل: إن (إن) نافية. قلنا: ليس كذلك؛ لأنهم لو قالوا: ما نظنك من الكاذبين لكانوا مُصَدِّقين به، والأمر ليس كذلك، إذن هم يقولون: إن نظنك من الكاذبين، وهذا الظن حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالِمِين وكاتمين مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ بِسكون السِّين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) أعوذ بالله، هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتِنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما توعدنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ كقول قريش للرسول عيه الصلاة والسلام حين قالوا..
حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالمين وكاتمين؛ مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الشعراء ١٨٧] بسكون السين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما تُوعِدُنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، كقول قريش للرسول عليه الصلاة والسلام حين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢]، وهذا من سفاهتهم، وكان واجبًا أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ووفقنا.
* طالب: في سورة العنكبوت (...).
* الشيخ: (...) ويش قالوا؟
* الطالب: قالوا (...).
* الشيخ: على كل حال هذا ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ يعني تشابهت القلوب والأفعال [الأنعام: ١٤٨].
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (إن) هذه شرطية، والغرض منها التحدي، (﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء ١٨٨] فيجازيكم به)؛ يعني: أنتم فعلتم كل قبيح وقابلتموني بكل إثم صريح، ولكن الذي يعلم ذلك هو الله، وهو يهددهم بلازم العلم، ولهذا قال المؤلف: (فيجازيكم به ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء ١٨٩]، وهي سحابة أظلتهم بعد حرٍّ شديد أصابهم، فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ) أعوذ بالله! هم -والعياذ بالله- أصيبوا بحرٍّ شديد حر عظيم جدًّا، ما أطاقوه، فأنشأ الله تعالى سحابة تظلهم، فخرجوا من بلادهم عن بكرة أبيهم إلى هذا الظل، ولكن –والعياذ بالله- لما وصلوا وإذا هي نارٌ -والعياذ بالله- أحرقتهم عن آخرهم، وهذا من أشد ما يكون -والعياذ بالله- من العذاب؛ لأنهم جاؤوا هاربين من عذاب، فوقعوا في أشد منه والعياذ بالله، كانوا حينما أقبلوا ويش يظنون؟ أنهم نَجَوا من الحر بهذه الظلال، ولكنه -والعياذ بالله- صار حتفهم.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ولهذا وصفه الله ﴿إِنَّهُ﴾ أي: هذا العذاب ﴿كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وصدق الله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٩٠، ١٩١].
هذه القصص عبرٌ في الحقيقة يعتبر بها الإنسان من عدة نواحٍ؛ أولًا: يعلم بها صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام وجلدهم وإخلاصهم لله، وأنهم لا يُبالون بما نالهم في ذات الله. هذا واحد.
ثانيًا: يعتبر بها بالتسلي بما أصاب الرسل؛ لأن الإنسان يتسلَّى بما أصاب غيره.
(...) بالصبر بأن يصبر هو على الدعوة إلى الله، ولا يمل ولا يكل؛ لأن العاقبة تكون لمن؟ للصابرين والداعين إلى الله، كل العواقب الآن اللي رأينا بالقصص كلها للرسل عليهم الصلاة والسلام.
والرابع: أن فيها عبرة تُحذِّر المخالفين للرسل؛ فإن كل المخالفين للرسل -كما رأيتم- كلهم عوقبوا وأخذهم العذاب.
وفيها أيضًا من العبر: بيان قدرة الله عز وجل؛ حيث ينزل العذاب، فينجو منه من ينجو، ويهلك به من هلك، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١].
وفيه من العبر: أن الإنسان يتعجب كيف يصل بنو آدم إلى هذا العتو والعناد والاستكبار! يعني تحدٍّ لله عز وجل بما يخاطبون به رسله، تعجب كيف يصل الأمر؟!
وفيها أيضًا من العبر، وهي السابعة: أنك تقيس حاضرك بغائبك.
ألا يوجد الآن أمثال هؤلاء؟ يوجد الآن أمثال هؤلاء؛ لأن طبيعة البشر واحدة من آدم إلى اليوم، فيوجد من هؤلاء وإن اختلف الأسلوب، الأسلوب قد يختلف لكن المعنى واحد، العتو والاستكبار يوجد الآن من بني آدم من يقول: إن الدين خرافة، يوجد من بني آدم من يقول: إن الله تعالى يجب أن يوضع في قفص الاتهام. ليش هذا يشبع وهذا يجوع، وهذا يأمن وهذا يخاف، وهذا يصح وهذا يمرض؟ والعياذ بالله، فهذه الأشياء يجب أن تعتبر بها وأنه ما سبق قبل زمانك وجد منه مثله في زمانك.
والعبر من هذا كثيرة ولو أن الإنسان كتب هذه العبر عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]؛ لأنك كلما استنتجتَ عبرة ازددت عقلًا؛ لأن الله جعل العِبَرَ لمن؟ لأولي الألباب، فكلما كان اللب أقوى كانت العبرة اللي تؤخذ من هذا أكثر.
مثل هذا لو تيسر أنه يُكْتَب عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، تكتب العبر، وفي سورة هود فصل كثير لقصص الأنبياء، وفيها أيضًا لما ذكر الله في آخرها ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود ١٢٠].
* طالب: (...).
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الأولى بيان ما قابل الرسل من صبرهم وجلدهم وتحملهم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: لعل يشترط (...)؟
* الشيخ: من؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا هو ظاهر الآية ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦١]، وأما من قال: إنه ليس منهم في النسب لكنه مصاهرٌ لهم، وأولاده منهم، والولد بعض من أبيه، فقال الله: ﴿أَخُوهُمْ﴾؛ فهذا خلاف الظاهر.
* طالب: (...) يشترط؟
* الشيخ: لا، ما هو بشرط.
* طالب: إنما هي من باب التغليب.
* الشيخ: إي، من باب التغليب.
* طالب: أن شعيب عليه السلام خطيب الأنبياء من قراءتي لقصته بليغة جدًّا.
* الشيخ: إي، ما نجزم نقول: إنه خطيب الأنبياء، يمكن في الأنبياء من هو أخطب منه.
* الطالب: كان أعمى؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: ولوط كان أعمى.
* الشيخ: من يقول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الغالب أن الرسل عليهم الصلاة والسلام كاملون، ولهذا الفقهاء رحمهم الله قالوا: يُشْتَرط في القاضي أن يكون بصيرًا، نفس الفقهاء وهو المذهب؛ المذهب أن يكون بصيرًا، أنا ما أعتقد ولا أظن أن الله سبحانه وتعالى يبعث أحدًا أعمى.
* طالب: لم يعيروه (...).
* الشيخ: إلا، عيروه ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢].
* الطالب: (...).
* الشيخ: المهم أنهم عيروه حتى إنهم عيروه بما ليس فيه قالوا: إنه آدر، فبرأه الله مما قالوا.
* طالب: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦].
* الشيخ: المهم أنهم مثلما قال، لو كان هذه العاهة البدنية فيه لكان يعيرونه بها، ثم ويش هو الأصل؟ الأصل السلامة، وأن الله لا يبعث إلا من هو سليم في كل الحواس.
* طالب: وأين الدليل؟
* الشيخ: هذا الحقيقة اللي ادعوه يجب منهم يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا اعتقد أنه نوع من الذنب؛ لأن هذا اتهام لله عز وجل أنه يرسل ذا عاهة؛ لأنه لا شك أن اللي ما هو مبصر لا شك أنه ناقص؛ فإن الإدراكات تكون بالسمع وبالبصر من أقوى ما يكون، ودائما يحتج الله على الإنسان بسمعه وبصره.
* طالب: هل تزوج (...) بابنة شعيب أو..؟
* الشيخ: لا، ما هو ظاهر (...)، الصحيح أن صاحب مدين اللي في قصة موسى متأخر عن شعيب كثيرًا وله..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، إي نعم. لكن لما قال: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص ٢٢] ظنوا أنه هو شعيب، ولا في القرآن ولا في السنة أنه شعيب، حتى ولا أن اسمه شعيب، حتى لو ثبت أن اسمه شعيب لكان لهم شبهة، لكننا نقول: إنهم يتسمون بأسماء أنبيائهم؛ مثل: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨] مريم هي أخت لهارونَ؟ بينهم أزمان طويلة.
* طالب: وجه تنوع العذاب يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، يقول الله عز وجل: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] كل إنسان يُؤْخَذ بذنبه؛ بالمشابهة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثل أيش؟
* الطالب: مثلًا فرعون ما وجه مشابهة الإغراق (...)؟
* الشيخ: لأنه كان يفتخر بالماء هو، ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١]، فعُذِّب بمثل ما كان يفتخر به؛ أُخْرِج من مصر وأُغرِقَ بالماء.
* طالب: هذه الآية (...) ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني: كل الرسل كل القصص (...).
* الشيخ: إي، لكن الكلام على ﴿بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني بالعقوبة التي تطابق ذنبه، لكن لا يلزم أننا نعرف كل شيء، قد يخفى علينا بعض الشيء.
* طالب: الفرق بين الوزن والكيل؟
* الشيخ: ويش الفرق بينهم؟ سبحان الله! الفرق بين الكيلو والوزن.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف.
* طالب: الكيل يقيس الحجم، والوزن يقيس الثقل.
* الشيخ: ما كان يقاس به الحجم فهو مكيال، وما قيس به الثقل فهو ميزان، فيه عند الناس مشهور أن الإنسان اللي يزن روحه يُزكِّي على نفسه، ولهذا دائما السؤال عنه؛ يسألون أولا: هل يجوز ولا ما يجوز؟ ويسألون بعد ذلك: هل عليه زكاة إذا منه وزن روحه ولَّا لا؟
الشعراء 26:190
(﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ لم يقل: أخوهم؛ لأنه لم يكن منهم) وفيما مضى من القصص يقال لهم: أخوهم ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف ٨٥]، فتبين بهذا أن أصحاب الأيكة ليسوا أهل مدين؛ ولهذا المؤلف يقول: (قُرْب مدين) وليسوا من القرية التي بُعِث فيها شعيب؛ لأن أهل القرية التي بعث فيها وهي مدين من قبيلته؛ ولهذا لما ذكر مدين قال: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، وأما هذا فقال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧]، ولم يقل: أخوهم، ومما يدل على أنهم ليسوا أصحاب مدين أن العذاب الذي أُخِذوا به غير العذاب الذي أخذ به أصحاب مدين، أصحاب مدين أخذوا بالصيحة، وهؤلاء أُخِذوا بعذاب الظلة، كما سيأتي إن شاء الله.
* طالب: على هذا يكون مرسلًا مرتين؟
* الشيخ: لا، مرسل مرة واحدة لكن إلى قومين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إلى هؤلاء وهؤلاء، ويجوز أن يكون هذا من باب التبع، أن هذه القرية هذه الصغيرة مثلًا، وكانت تابعة لبلدته التي هو منها، ويدلك على هذا أن عملهم واحد، عمل هؤلاء وعمل أهل مدين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هذه عامة لكل الرسل كما عرفتم.
الذنب الخاص بهؤلاء (﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتموه ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ الناقصين) هؤلاء القوم الذين بُعث إليهم شعيب سواء كانوا قومه أم أهل القرية هذه كانوا يبخسون المكيال والميزان والعياذ بالله، إذا وزنوا للناس نقصوه، وإذا اتزنوا منهم استوفوا، هذا الظاهر: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١ - ٣].
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ هذا مقابل لقوله: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ لأجل ألا يقال: إن من أوفى في أكثر الأعمال يكون مُوفيًا؛ يعني مثل الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فأوفوا الكيل؛ يعني في كل فرد من أفراد معاملاتكم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي: من المتصفين بالإخسار، والإخسار بمعنى النقص.
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ هذا الوزن، والفرق بين الوزن وبين الكيل أن ما قُدِّر بالحجم فهو كيل، وما قُدِّر بالثِّقل فهو ثقل، اللي يُقدَّر بالحجم؛ لأن المكيال تضع فيه الشيء يكون حجمه هكذا، وأما هذا فيُقدَّر بالثِّقل فيُسمَّى وزنًا.
وقوله: ﴿بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ يقول المؤلف: (الميزان السوي)، فعلى هذا القِسطاس بمعنى الميزان، والمستقيم بمعنى السوي.
* طالب: أعجمي؟
* الشيخ: لا مُعرَّب.
(﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تنقصوهم من حقهم شيئًا)، هذا عام حتى فيما يُزرع وفيما يُعَدُّ، مثل هؤلاء القوم، ذنبهم الخاص الذي بُعِث هذا الرسول لإصلاحه مع عبادة الله هو بخس الناس في الكيل والميزان وغيره؛ ولهذا عمَّم ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الشعراء ١٨٣] لا تنقصوهم حقوقهم.
(﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره).
قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل، لم نعرف أن هؤلاء القوم –أي: قوم شعيب- كانوا يقتلون الناس بل المعروف من ذنبهم أنهم كانوا يبخسون الناس أشياءهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: يمكن بالقتل أو غيره ما ندري، إنما الإيعاد سواء بالحبس أو بالضرب أو بغيره هو من الفساد، ومن الفساد أيضًا نقص الناس أشياءهم؛ ولهذا «مَا بَخَسَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]. ومنع القطر من السماء فساد في الأرض بلا شك.
وقول الله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء ١٨٣] هذه الحال يسميها أهل النحو: حالًا مؤكدة؛ لأن العتو هو الفساد مثل لو قلت: لا تقم قائمًا. فإن (قائمًا) حال، وهي مؤكدة لقوله: لا تقم.
* طالب: يجوز؟
* الشيخ: إي، يجوز.
* طالب: الظاهر لا تقم قائمًا؛ أي: لا تقوم قائمًا (...).
* الشيخ: لا، لا تقوم قائمًا؛ يعني لا تستمر قائمًا زَمانًا.
وقوله: (﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره من عَثِيَ بكسر المثلثة أفسد و﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكِّدة لمعنى عاملها).
(﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ﴾ الخليقة ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ ) حذرهم الرسول عليه الصلاة والسلام بالذي خلقهم وخَلَقَ الخلق الأول أيضًا؛ إشارة إلى أنكم ستزولون كما زال مَنْ قبلكم، فأنتم مخلوقون من العدم وستؤولون إلى العدم.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ مثل جواب من؟ قوم صالح.
(﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ﴾ -مثلهم تمامًا- ﴿﴿وَإِنْ﴾ ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي إنه أي الشأن ﴿نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ).
ويش الدليل على (إن) مخففة هنا من الثقيلة؟ ويش الدليل؟
* طالب: وجود اللام.
* الشيخ: ويش بعد؟ وجود اللام هذا دليل لفظي.
* الطالب: قرينة الحال (...).
* الشيخ: إذن فإن هنا الدليل على أنها مخففة من الثقيلة أمران:
لفظي: وهو اللام؛ لأن اللام لا تقترن إلا في خبر (إن) المخففة.
والثاني: المعنى، لو كان في الآية ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يعني وقال قائل: إن (إن) نافية. قلنا: ليس كذلك؛ لأنهم لو قالوا: ما نظنك من الكاذبين لكانوا مُصَدِّقين به، والأمر ليس كذلك، إذن هم يقولون: إن نظنك من الكاذبين، وهذا الظن حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالِمِين وكاتمين مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ بِسكون السِّين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) أعوذ بالله، هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتِنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما توعدنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ كقول قريش للرسول عيه الصلاة والسلام حين قالوا..
حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالمين وكاتمين؛ مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الشعراء ١٨٧] بسكون السين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما تُوعِدُنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، كقول قريش للرسول عليه الصلاة والسلام حين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢]، وهذا من سفاهتهم، وكان واجبًا أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ووفقنا.
* طالب: في سورة العنكبوت (...).
* الشيخ: (...) ويش قالوا؟
* الطالب: قالوا (...).
* الشيخ: على كل حال هذا ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ يعني تشابهت القلوب والأفعال [الأنعام: ١٤٨].
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (إن) هذه شرطية، والغرض منها التحدي، (﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء ١٨٨] فيجازيكم به)؛ يعني: أنتم فعلتم كل قبيح وقابلتموني بكل إثم صريح، ولكن الذي يعلم ذلك هو الله، وهو يهددهم بلازم العلم، ولهذا قال المؤلف: (فيجازيكم به ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء ١٨٩]، وهي سحابة أظلتهم بعد حرٍّ شديد أصابهم، فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ) أعوذ بالله! هم -والعياذ بالله- أصيبوا بحرٍّ شديد حر عظيم جدًّا، ما أطاقوه، فأنشأ الله تعالى سحابة تظلهم، فخرجوا من بلادهم عن بكرة أبيهم إلى هذا الظل، ولكن –والعياذ بالله- لما وصلوا وإذا هي نارٌ -والعياذ بالله- أحرقتهم عن آخرهم، وهذا من أشد ما يكون -والعياذ بالله- من العذاب؛ لأنهم جاؤوا هاربين من عذاب، فوقعوا في أشد منه والعياذ بالله، كانوا حينما أقبلوا ويش يظنون؟ أنهم نَجَوا من الحر بهذه الظلال، ولكنه -والعياذ بالله- صار حتفهم.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ولهذا وصفه الله ﴿إِنَّهُ﴾ أي: هذا العذاب ﴿كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وصدق الله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٩٠، ١٩١].
هذه القصص عبرٌ في الحقيقة يعتبر بها الإنسان من عدة نواحٍ؛ أولًا: يعلم بها صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام وجلدهم وإخلاصهم لله، وأنهم لا يُبالون بما نالهم في ذات الله. هذا واحد.
ثانيًا: يعتبر بها بالتسلي بما أصاب الرسل؛ لأن الإنسان يتسلَّى بما أصاب غيره.
(...) بالصبر بأن يصبر هو على الدعوة إلى الله، ولا يمل ولا يكل؛ لأن العاقبة تكون لمن؟ للصابرين والداعين إلى الله، كل العواقب الآن اللي رأينا بالقصص كلها للرسل عليهم الصلاة والسلام.
والرابع: أن فيها عبرة تُحذِّر المخالفين للرسل؛ فإن كل المخالفين للرسل -كما رأيتم- كلهم عوقبوا وأخذهم العذاب.
وفيها أيضًا من العبر: بيان قدرة الله عز وجل؛ حيث ينزل العذاب، فينجو منه من ينجو، ويهلك به من هلك، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١].
وفيه من العبر: أن الإنسان يتعجب كيف يصل بنو آدم إلى هذا العتو والعناد والاستكبار! يعني تحدٍّ لله عز وجل بما يخاطبون به رسله، تعجب كيف يصل الأمر؟!
وفيها أيضًا من العبر، وهي السابعة: أنك تقيس حاضرك بغائبك.
ألا يوجد الآن أمثال هؤلاء؟ يوجد الآن أمثال هؤلاء؛ لأن طبيعة البشر واحدة من آدم إلى اليوم، فيوجد من هؤلاء وإن اختلف الأسلوب، الأسلوب قد يختلف لكن المعنى واحد، العتو والاستكبار يوجد الآن من بني آدم من يقول: إن الدين خرافة، يوجد من بني آدم من يقول: إن الله تعالى يجب أن يوضع في قفص الاتهام. ليش هذا يشبع وهذا يجوع، وهذا يأمن وهذا يخاف، وهذا يصح وهذا يمرض؟ والعياذ بالله، فهذه الأشياء يجب أن تعتبر بها وأنه ما سبق قبل زمانك وجد منه مثله في زمانك.
والعبر من هذا كثيرة ولو أن الإنسان كتب هذه العبر عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]؛ لأنك كلما استنتجتَ عبرة ازددت عقلًا؛ لأن الله جعل العِبَرَ لمن؟ لأولي الألباب، فكلما كان اللب أقوى كانت العبرة اللي تؤخذ من هذا أكثر.
مثل هذا لو تيسر أنه يُكْتَب عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، تكتب العبر، وفي سورة هود فصل كثير لقصص الأنبياء، وفيها أيضًا لما ذكر الله في آخرها ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود ١٢٠].
* طالب: (...).
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الأولى بيان ما قابل الرسل من صبرهم وجلدهم وتحملهم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: لعل يشترط (...)؟
* الشيخ: من؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا هو ظاهر الآية ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦١]، وأما من قال: إنه ليس منهم في النسب لكنه مصاهرٌ لهم، وأولاده منهم، والولد بعض من أبيه، فقال الله: ﴿أَخُوهُمْ﴾؛ فهذا خلاف الظاهر.
* طالب: (...) يشترط؟
* الشيخ: لا، ما هو بشرط.
* طالب: إنما هي من باب التغليب.
* الشيخ: إي، من باب التغليب.
* طالب: أن شعيب عليه السلام خطيب الأنبياء من قراءتي لقصته بليغة جدًّا.
* الشيخ: إي، ما نجزم نقول: إنه خطيب الأنبياء، يمكن في الأنبياء من هو أخطب منه.
* الطالب: كان أعمى؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: ولوط كان أعمى.
* الشيخ: من يقول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الغالب أن الرسل عليهم الصلاة والسلام كاملون، ولهذا الفقهاء رحمهم الله قالوا: يُشْتَرط في القاضي أن يكون بصيرًا، نفس الفقهاء وهو المذهب؛ المذهب أن يكون بصيرًا، أنا ما أعتقد ولا أظن أن الله سبحانه وتعالى يبعث أحدًا أعمى.
* طالب: لم يعيروه (...).
* الشيخ: إلا، عيروه ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢].
* الطالب: (...).
* الشيخ: المهم أنهم عيروه حتى إنهم عيروه بما ليس فيه قالوا: إنه آدر، فبرأه الله مما قالوا.
* طالب: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦].
* الشيخ: المهم أنهم مثلما قال، لو كان هذه العاهة البدنية فيه لكان يعيرونه بها، ثم ويش هو الأصل؟ الأصل السلامة، وأن الله لا يبعث إلا من هو سليم في كل الحواس.
* طالب: وأين الدليل؟
* الشيخ: هذا الحقيقة اللي ادعوه يجب منهم يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا اعتقد أنه نوع من الذنب؛ لأن هذا اتهام لله عز وجل أنه يرسل ذا عاهة؛ لأنه لا شك أن اللي ما هو مبصر لا شك أنه ناقص؛ فإن الإدراكات تكون بالسمع وبالبصر من أقوى ما يكون، ودائما يحتج الله على الإنسان بسمعه وبصره.
* طالب: هل تزوج (...) بابنة شعيب أو..؟
* الشيخ: لا، ما هو ظاهر (...)، الصحيح أن صاحب مدين اللي في قصة موسى متأخر عن شعيب كثيرًا وله..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، إي نعم. لكن لما قال: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص ٢٢] ظنوا أنه هو شعيب، ولا في القرآن ولا في السنة أنه شعيب، حتى ولا أن اسمه شعيب، حتى لو ثبت أن اسمه شعيب لكان لهم شبهة، لكننا نقول: إنهم يتسمون بأسماء أنبيائهم؛ مثل: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨] مريم هي أخت لهارونَ؟ بينهم أزمان طويلة.
* طالب: وجه تنوع العذاب يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، يقول الله عز وجل: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] كل إنسان يُؤْخَذ بذنبه؛ بالمشابهة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثل أيش؟
* الطالب: مثلًا فرعون ما وجه مشابهة الإغراق (...)؟
* الشيخ: لأنه كان يفتخر بالماء هو، ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١]، فعُذِّب بمثل ما كان يفتخر به؛ أُخْرِج من مصر وأُغرِقَ بالماء.
* طالب: هذه الآية (...) ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني: كل الرسل كل القصص (...).
* الشيخ: إي، لكن الكلام على ﴿بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني بالعقوبة التي تطابق ذنبه، لكن لا يلزم أننا نعرف كل شيء، قد يخفى علينا بعض الشيء.
* طالب: الفرق بين الوزن والكيل؟
* الشيخ: ويش الفرق بينهم؟ سبحان الله! الفرق بين الكيلو والوزن.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف.
* طالب: الكيل يقيس الحجم، والوزن يقيس الثقل.
* الشيخ: ما كان يقاس به الحجم فهو مكيال، وما قيس به الثقل فهو ميزان، فيه عند الناس مشهور أن الإنسان اللي يزن روحه يُزكِّي على نفسه، ولهذا دائما السؤال عنه؛ يسألون أولا: هل يجوز ولا ما يجوز؟ ويسألون بعد ذلك: هل عليه زكاة إذا منه وزن روحه ولَّا لا؟
الشعراء 26:191
(﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ لم يقل: أخوهم؛ لأنه لم يكن منهم) وفيما مضى من القصص يقال لهم: أخوهم ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف ٨٥]، فتبين بهذا أن أصحاب الأيكة ليسوا أهل مدين؛ ولهذا المؤلف يقول: (قُرْب مدين) وليسوا من القرية التي بُعِث فيها شعيب؛ لأن أهل القرية التي بعث فيها وهي مدين من قبيلته؛ ولهذا لما ذكر مدين قال: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، وأما هذا فقال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧]، ولم يقل: أخوهم، ومما يدل على أنهم ليسوا أصحاب مدين أن العذاب الذي أُخِذوا به غير العذاب الذي أخذ به أصحاب مدين، أصحاب مدين أخذوا بالصيحة، وهؤلاء أُخِذوا بعذاب الظلة، كما سيأتي إن شاء الله.
* طالب: على هذا يكون مرسلًا مرتين؟
* الشيخ: لا، مرسل مرة واحدة لكن إلى قومين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إلى هؤلاء وهؤلاء، ويجوز أن يكون هذا من باب التبع، أن هذه القرية هذه الصغيرة مثلًا، وكانت تابعة لبلدته التي هو منها، ويدلك على هذا أن عملهم واحد، عمل هؤلاء وعمل أهل مدين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هذه عامة لكل الرسل كما عرفتم.
الذنب الخاص بهؤلاء (﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتموه ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ الناقصين) هؤلاء القوم الذين بُعث إليهم شعيب سواء كانوا قومه أم أهل القرية هذه كانوا يبخسون المكيال والميزان والعياذ بالله، إذا وزنوا للناس نقصوه، وإذا اتزنوا منهم استوفوا، هذا الظاهر: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١ - ٣].
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ هذا مقابل لقوله: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ لأجل ألا يقال: إن من أوفى في أكثر الأعمال يكون مُوفيًا؛ يعني مثل الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فأوفوا الكيل؛ يعني في كل فرد من أفراد معاملاتكم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي: من المتصفين بالإخسار، والإخسار بمعنى النقص.
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ هذا الوزن، والفرق بين الوزن وبين الكيل أن ما قُدِّر بالحجم فهو كيل، وما قُدِّر بالثِّقل فهو ثقل، اللي يُقدَّر بالحجم؛ لأن المكيال تضع فيه الشيء يكون حجمه هكذا، وأما هذا فيُقدَّر بالثِّقل فيُسمَّى وزنًا.
وقوله: ﴿بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ يقول المؤلف: (الميزان السوي)، فعلى هذا القِسطاس بمعنى الميزان، والمستقيم بمعنى السوي.
* طالب: أعجمي؟
* الشيخ: لا مُعرَّب.
(﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تنقصوهم من حقهم شيئًا)، هذا عام حتى فيما يُزرع وفيما يُعَدُّ، مثل هؤلاء القوم، ذنبهم الخاص الذي بُعِث هذا الرسول لإصلاحه مع عبادة الله هو بخس الناس في الكيل والميزان وغيره؛ ولهذا عمَّم ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الشعراء ١٨٣] لا تنقصوهم حقوقهم.
(﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره).
قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل، لم نعرف أن هؤلاء القوم –أي: قوم شعيب- كانوا يقتلون الناس بل المعروف من ذنبهم أنهم كانوا يبخسون الناس أشياءهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: يمكن بالقتل أو غيره ما ندري، إنما الإيعاد سواء بالحبس أو بالضرب أو بغيره هو من الفساد، ومن الفساد أيضًا نقص الناس أشياءهم؛ ولهذا «مَا بَخَسَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]. ومنع القطر من السماء فساد في الأرض بلا شك.
وقول الله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء ١٨٣] هذه الحال يسميها أهل النحو: حالًا مؤكدة؛ لأن العتو هو الفساد مثل لو قلت: لا تقم قائمًا. فإن (قائمًا) حال، وهي مؤكدة لقوله: لا تقم.
* طالب: يجوز؟
* الشيخ: إي، يجوز.
* طالب: الظاهر لا تقم قائمًا؛ أي: لا تقوم قائمًا (...).
* الشيخ: لا، لا تقوم قائمًا؛ يعني لا تستمر قائمًا زَمانًا.
وقوله: (﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ في القتل وغيره من عَثِيَ بكسر المثلثة أفسد و﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكِّدة لمعنى عاملها).
(﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ﴾ الخليقة ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ ) حذرهم الرسول عليه الصلاة والسلام بالذي خلقهم وخَلَقَ الخلق الأول أيضًا؛ إشارة إلى أنكم ستزولون كما زال مَنْ قبلكم، فأنتم مخلوقون من العدم وستؤولون إلى العدم.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ مثل جواب من؟ قوم صالح.
(﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ ﴾ -مثلهم تمامًا- ﴿﴿وَإِنْ﴾ ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي إنه أي الشأن ﴿نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ).
ويش الدليل على (إن) مخففة هنا من الثقيلة؟ ويش الدليل؟
* طالب: وجود اللام.
* الشيخ: ويش بعد؟ وجود اللام هذا دليل لفظي.
* الطالب: قرينة الحال (...).
* الشيخ: إذن فإن هنا الدليل على أنها مخففة من الثقيلة أمران:
لفظي: وهو اللام؛ لأن اللام لا تقترن إلا في خبر (إن) المخففة.
والثاني: المعنى، لو كان في الآية ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يعني وقال قائل: إن (إن) نافية. قلنا: ليس كذلك؛ لأنهم لو قالوا: ما نظنك من الكاذبين لكانوا مُصَدِّقين به، والأمر ليس كذلك، إذن هم يقولون: إن نظنك من الكاذبين، وهذا الظن حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالِمِين وكاتمين مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ بِسكون السِّين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) أعوذ بالله، هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتِنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما توعدنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ كقول قريش للرسول عيه الصلاة والسلام حين قالوا..
حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالمين وكاتمين؛ مثل قول فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧] وهو يعلم أنه صادق.
(﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الشعراء ١٨٧] بسكون السين وفتحها قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك) هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما تُوعِدُنا به فأتِ بالعذاب ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، كقول قريش للرسول عليه الصلاة والسلام حين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢]، وهذا من سفاهتهم، وكان واجبًا أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ووفقنا.
* طالب: في سورة العنكبوت (...).
* الشيخ: (...) ويش قالوا؟
* الطالب: قالوا (...).
* الشيخ: على كل حال هذا ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ يعني تشابهت القلوب والأفعال [الأنعام: ١٤٨].
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (إن) هذه شرطية، والغرض منها التحدي، (﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء ١٨٨] فيجازيكم به)؛ يعني: أنتم فعلتم كل قبيح وقابلتموني بكل إثم صريح، ولكن الذي يعلم ذلك هو الله، وهو يهددهم بلازم العلم، ولهذا قال المؤلف: (فيجازيكم به ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء ١٨٩]، وهي سحابة أظلتهم بعد حرٍّ شديد أصابهم، فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ) أعوذ بالله! هم -والعياذ بالله- أصيبوا بحرٍّ شديد حر عظيم جدًّا، ما أطاقوه، فأنشأ الله تعالى سحابة تظلهم، فخرجوا من بلادهم عن بكرة أبيهم إلى هذا الظل، ولكن –والعياذ بالله- لما وصلوا وإذا هي نارٌ -والعياذ بالله- أحرقتهم عن آخرهم، وهذا من أشد ما يكون -والعياذ بالله- من العذاب؛ لأنهم جاؤوا هاربين من عذاب، فوقعوا في أشد منه والعياذ بالله، كانوا حينما أقبلوا ويش يظنون؟ أنهم نَجَوا من الحر بهذه الظلال، ولكنه -والعياذ بالله- صار حتفهم.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ولهذا وصفه الله ﴿إِنَّهُ﴾ أي: هذا العذاب ﴿كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وصدق الله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء ١٩٠، ١٩١].
هذه القصص عبرٌ في الحقيقة يعتبر بها الإنسان من عدة نواحٍ؛ أولًا: يعلم بها صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام وجلدهم وإخلاصهم لله، وأنهم لا يُبالون بما نالهم في ذات الله. هذا واحد.
ثانيًا: يعتبر بها بالتسلي بما أصاب الرسل؛ لأن الإنسان يتسلَّى بما أصاب غيره.
(...) بالصبر بأن يصبر هو على الدعوة إلى الله، ولا يمل ولا يكل؛ لأن العاقبة تكون لمن؟ للصابرين والداعين إلى الله، كل العواقب الآن اللي رأينا بالقصص كلها للرسل عليهم الصلاة والسلام.
والرابع: أن فيها عبرة تُحذِّر المخالفين للرسل؛ فإن كل المخالفين للرسل -كما رأيتم- كلهم عوقبوا وأخذهم العذاب.
وفيها أيضًا من العبر: بيان قدرة الله عز وجل؛ حيث ينزل العذاب، فينجو منه من ينجو، ويهلك به من هلك، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١].
وفيه من العبر: أن الإنسان يتعجب كيف يصل بنو آدم إلى هذا العتو والعناد والاستكبار! يعني تحدٍّ لله عز وجل بما يخاطبون به رسله، تعجب كيف يصل الأمر؟!
وفيها أيضًا من العبر، وهي السابعة: أنك تقيس حاضرك بغائبك.
ألا يوجد الآن أمثال هؤلاء؟ يوجد الآن أمثال هؤلاء؛ لأن طبيعة البشر واحدة من آدم إلى اليوم، فيوجد من هؤلاء وإن اختلف الأسلوب، الأسلوب قد يختلف لكن المعنى واحد، العتو والاستكبار يوجد الآن من بني آدم من يقول: إن الدين خرافة، يوجد من بني آدم من يقول: إن الله تعالى يجب أن يوضع في قفص الاتهام. ليش هذا يشبع وهذا يجوع، وهذا يأمن وهذا يخاف، وهذا يصح وهذا يمرض؟ والعياذ بالله، فهذه الأشياء يجب أن تعتبر بها وأنه ما سبق قبل زمانك وجد منه مثله في زمانك.
والعبر من هذا كثيرة ولو أن الإنسان كتب هذه العبر عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]؛ لأنك كلما استنتجتَ عبرة ازددت عقلًا؛ لأن الله جعل العِبَرَ لمن؟ لأولي الألباب، فكلما كان اللب أقوى كانت العبرة اللي تؤخذ من هذا أكثر.
مثل هذا لو تيسر أنه يُكْتَب عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، تكتب العبر، وفي سورة هود فصل كثير لقصص الأنبياء، وفيها أيضًا لما ذكر الله في آخرها ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود ١٢٠].
* طالب: (...).
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الأولى بيان ما قابل الرسل من صبرهم وجلدهم وتحملهم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: لعل يشترط (...)؟
* الشيخ: من؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا هو ظاهر الآية ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء ١٦١]، وأما من قال: إنه ليس منهم في النسب لكنه مصاهرٌ لهم، وأولاده منهم، والولد بعض من أبيه، فقال الله: ﴿أَخُوهُمْ﴾؛ فهذا خلاف الظاهر.
* طالب: (...) يشترط؟
* الشيخ: لا، ما هو بشرط.
* طالب: إنما هي من باب التغليب.
* الشيخ: إي، من باب التغليب.
* طالب: أن شعيب عليه السلام خطيب الأنبياء من قراءتي لقصته بليغة جدًّا.
* الشيخ: إي، ما نجزم نقول: إنه خطيب الأنبياء، يمكن في الأنبياء من هو أخطب منه.
* الطالب: كان أعمى؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: ولوط كان أعمى.
* الشيخ: من يقول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الغالب أن الرسل عليهم الصلاة والسلام كاملون، ولهذا الفقهاء رحمهم الله قالوا: يُشْتَرط في القاضي أن يكون بصيرًا، نفس الفقهاء وهو المذهب؛ المذهب أن يكون بصيرًا، أنا ما أعتقد ولا أظن أن الله سبحانه وتعالى يبعث أحدًا أعمى.
* طالب: لم يعيروه (...).
* الشيخ: إلا، عيروه ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢].
* الطالب: (...).
* الشيخ: المهم أنهم عيروه حتى إنهم عيروه بما ليس فيه قالوا: إنه آدر، فبرأه الله مما قالوا.
* طالب: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦].
* الشيخ: المهم أنهم مثلما قال، لو كان هذه العاهة البدنية فيه لكان يعيرونه بها، ثم ويش هو الأصل؟ الأصل السلامة، وأن الله لا يبعث إلا من هو سليم في كل الحواس.
* طالب: وأين الدليل؟
* الشيخ: هذا الحقيقة اللي ادعوه يجب منهم يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا اعتقد أنه نوع من الذنب؛ لأن هذا اتهام لله عز وجل أنه يرسل ذا عاهة؛ لأنه لا شك أن اللي ما هو مبصر لا شك أنه ناقص؛ فإن الإدراكات تكون بالسمع وبالبصر من أقوى ما يكون، ودائما يحتج الله على الإنسان بسمعه وبصره.
* طالب: هل تزوج (...) بابنة شعيب أو..؟
* الشيخ: لا، ما هو ظاهر (...)، الصحيح أن صاحب مدين اللي في قصة موسى متأخر عن شعيب كثيرًا وله..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، إي نعم. لكن لما قال: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص ٢٢] ظنوا أنه هو شعيب، ولا في القرآن ولا في السنة أنه شعيب، حتى ولا أن اسمه شعيب، حتى لو ثبت أن اسمه شعيب لكان لهم شبهة، لكننا نقول: إنهم يتسمون بأسماء أنبيائهم؛ مثل: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨] مريم هي أخت لهارونَ؟ بينهم أزمان طويلة.
* طالب: وجه تنوع العذاب يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، يقول الله عز وجل: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] كل إنسان يُؤْخَذ بذنبه؛ بالمشابهة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثل أيش؟
* الطالب: مثلًا فرعون ما وجه مشابهة الإغراق (...)؟
* الشيخ: لأنه كان يفتخر بالماء هو، ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١]، فعُذِّب بمثل ما كان يفتخر به؛ أُخْرِج من مصر وأُغرِقَ بالماء.
* طالب: هذه الآية (...) ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني: كل الرسل كل القصص (...).
* الشيخ: إي، لكن الكلام على ﴿بِذَنْبِهِ﴾؛ يعني بالعقوبة التي تطابق ذنبه، لكن لا يلزم أننا نعرف كل شيء، قد يخفى علينا بعض الشيء.
* طالب: الفرق بين الوزن والكيل؟
* الشيخ: ويش الفرق بينهم؟ سبحان الله! الفرق بين الكيلو والوزن.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف.
* طالب: الكيل يقيس الحجم، والوزن يقيس الثقل.
* الشيخ: ما كان يقاس به الحجم فهو مكيال، وما قيس به الثقل فهو ميزان، فيه عند الناس مشهور أن الإنسان اللي يزن روحه يُزكِّي على نفسه، ولهذا دائما السؤال عنه؛ يسألون أولا: هل يجوز ولا ما يجوز؟ ويسألون بعد ذلك: هل عليه زكاة إذا منه وزن روحه ولَّا لا؟
الشعراء 26:192
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤]، الضمير في قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ يعود إلى القرآن -كما قال المؤلف- وإن لم يسبِقْ له ذكرٌ لكنه يُعيِّنه السياق، ومرجع الضمير -كما هو معروف- قد يكون مذكورًا، وقد يكون معلومًا، والمذكور قد يتقدم، وقد يتأخر، إلا أنه من القواعد المقَرَّرة أنه لا يعود الضمير على متأخر لفظًا ورُتبةً إلا في مسائل مُعيَّنة.
قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٩٢] اللام للتوكيد، فيكون هذا الخبر مؤكَّدًا باثنين؛ وهما: إن، واللام.
وقوله: ﴿تَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿تَنْزِيلُ﴾ مصدرٌ لكنه بمعنى اسم المفعول؛ أي: لمنزَّلٌ؛ لأن القرآن نفسه ليس تنزيلًا بل التنزيل فعلُ الله، والقرآن عبارة عن شيء منزَّل، كما قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ [الفرقان ١].
وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذه الربوبية العامة، إشارةً إلى أنه من مقتضى ربوبيته أن يكون مُنزِّلًا لعباده هذا الكتاب المفيد لهم، وفي قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أيضًا ما يشير إلى عموم شريعة هذا الكتاب؛ كما عمَّت رُبوبية منزِّله فهو أيضًا عام في (...).
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ هو جبريل عليه السلام، وُصِفَ بالروح لأنه ينزل بما فيه الحياة، وهو الوحي الذي به حياة القلوب، ووُصِفَ بالأمانة لأن المقام يقتضيه، وأمانة جبريل عليه الصلاة والسلام من عدة أوجه بالنسبة للقرآن:
أولًا: أمين بحيث لا ينزل به إلا على من أُمِرَ به، وعلى هذا فيكون قول الرافضة -قبَّحهم الله-: إن جبريل أُمِرَ أن ينزل بالقرآن على عليٍّ، ولكنه خان فنزل به على محمد ﷺ، هذا ينافي وصف جبريل بالأمانة.
ثانيًا: مقتضى الأمانة أن ينزل به كما سمعه من الله؛ لا يزيد فيه ولا ينقص، ولا يقدم ولا يؤخر.
ثالثًا: أن ينزل به بالوقت الذي أمر بإنزاله فيه، فلا يتأخر إذا أُوحِيَ إليه به إلا بإذن الله.
فهذه الأوصاف الثلاثة من مقتضى أمانة جبريل عليه الصلاة والسلام.
وقوله: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ خَصَّ القلب لأنه محل الوعي، وفيه دليل على عناية الله سبحانه وتعالى بالقرآن، وعلى كمال حفظ الرسول له ﷺ؛ لأن ما نزل على القلب يثبت ويرسخ، بخلاف ما سمعته الأذن؛ فإن الإذن قد توصل إلى القلب وقد لا توصل، قد يكون القلب غافلًا، ولكن هنا كان على القلب.
وقوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء ١٩٤]، اللام للتعليل أو للعاقبة؟
* طالب: للجميع.
* الشيخ: هما متلازمان؛ فإذا قلنا: (للتعليل) صار مكلفا بذلك، وإذا كانت (للعاقبة) كانت عاقبته أن يكون مُنذِرًا وإن لم يكن هناك تكليف، ولكن الصحيح أنها شاملة الأمرين.
وقوله: ﴿مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾؛ أي: الرسل، كما قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء ١٦٥]. وقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥]، ﴿بِلِسَانٍ﴾: بلغةٍ، وأُطْلِق اللسان على اللغة؛ لأنه محل الكلام الذي هو عنوان اللغة، قال: ﴿عَرَبِيٍّ﴾ نسبة إلى العرب؛ وذلك لأن النبي ﷺ كان عربيًّا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤].
وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي أن تكون اللغة العربية لغةَ جميعِ الخلق؛ لأن الشرع الذي نزل بها شرع جميع الخلق، فكان ينبغي أن تكون اللغة العربية لغةَ جميعِ الخلق، خلافًا لمن يريدون أن يُذيبوها في عصرنا الحاضر بأن يطالبوا بجعل اللغة العامية مكان اللغة العربية في المكاتبات والمراسلات وغيرها، وأقبح من ذلك من يحاولون أن يتكلموا باللغة الأعجمية؛ كما يوجد من بعض الناس الذين يفخرون بلغة الانكليز وغيرهم، فتجدهم يتشدقون بالكلام بها.
ثم إن قوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ متعلِّق بقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ﴾، وقوله: (﴿مُبِينٍ﴾ بَيِّنٍ، وفيه قراءة بالتشديد ﴿﴿نَزَّلَ﴾ ﴾، ونصب الروح، والفاعل الله) ﴿﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَّلَ بِهِ الرُّوحَ الْأَمِينَ﴾ ﴾، وفي اختلاف القراءتين فائدة؛ وهي أن الذي أمره بالنزول هو الله فنزل، فيكون جمعت بين فعل جبريل الصادر عن أمر الله وبين الدلالة على أمر الله له بذلك نزل به.
(﴿وَإِنَّهُ﴾ [الشعراء ١٩٦]؛ أي: ذكر القرآن المنزَّل على محمد ﷺ، ﴿لَفِي زُبُرِ﴾ كتب، ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ كالتوراة والإنجيل)، ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ المؤلف جعل الضمير يعود على القرآن؛ يعني أن ذكر القرآن موجود في زبر الأولين كتبهم، والمراد وصف القرآن؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام وُصِفَ في التوراة والإنجيل بصفاته وصفات الكتاب الذي نزل به.
وقوله: ﴿لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ ظاهر الآية الكريمة العموم، وأن كل الكتب السابقة ذُكِرَ فيها القرآن وأُشِيرَ إليه، ومنها التوراة والإنجيل، فيكون الكاف هنا للتشبيه.
* وفي هذا دليل واضح على عناية الله تعالى بهذا القرآن وتشريفه وتعظيمه؛ حيث ذُكِرَ في كل كتاب سبق.
* وفيه أيضًا دليل على أنه لو جاء هذا الكتاب لوجب على جميع من يعتنقون الكتب السابقة أن يؤمنوا به.
الشعراء 26:193
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤]، الضمير في قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ يعود إلى القرآن -كما قال المؤلف- وإن لم يسبِقْ له ذكرٌ لكنه يُعيِّنه السياق، ومرجع الضمير -كما هو معروف- قد يكون مذكورًا، وقد يكون معلومًا، والمذكور قد يتقدم، وقد يتأخر، إلا أنه من القواعد المقَرَّرة أنه لا يعود الضمير على متأخر لفظًا ورُتبةً إلا في مسائل مُعيَّنة.
قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٩٢] اللام للتوكيد، فيكون هذا الخبر مؤكَّدًا باثنين؛ وهما: إن، واللام.
وقوله: ﴿تَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿تَنْزِيلُ﴾ مصدرٌ لكنه بمعنى اسم المفعول؛ أي: لمنزَّلٌ؛ لأن القرآن نفسه ليس تنزيلًا بل التنزيل فعلُ الله، والقرآن عبارة عن شيء منزَّل، كما قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ [الفرقان ١].
وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذه الربوبية العامة، إشارةً إلى أنه من مقتضى ربوبيته أن يكون مُنزِّلًا لعباده هذا الكتاب المفيد لهم، وفي قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أيضًا ما يشير إلى عموم شريعة هذا الكتاب؛ كما عمَّت رُبوبية منزِّله فهو أيضًا عام في (...).
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ هو جبريل عليه السلام، وُصِفَ بالروح لأنه ينزل بما فيه الحياة، وهو الوحي الذي به حياة القلوب، ووُصِفَ بالأمانة لأن المقام يقتضيه، وأمانة جبريل عليه الصلاة والسلام من عدة أوجه بالنسبة للقرآن:
أولًا: أمين بحيث لا ينزل به إلا على من أُمِرَ به، وعلى هذا فيكون قول الرافضة -قبَّحهم الله-: إن جبريل أُمِرَ أن ينزل بالقرآن على عليٍّ، ولكنه خان فنزل به على محمد ﷺ، هذا ينافي وصف جبريل بالأمانة.
ثانيًا: مقتضى الأمانة أن ينزل به كما سمعه من الله؛ لا يزيد فيه ولا ينقص، ولا يقدم ولا يؤخر.
ثالثًا: أن ينزل به بالوقت الذي أمر بإنزاله فيه، فلا يتأخر إذا أُوحِيَ إليه به إلا بإذن الله.
فهذه الأوصاف الثلاثة من مقتضى أمانة جبريل عليه الصلاة والسلام.
وقوله: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ خَصَّ القلب لأنه محل الوعي، وفيه دليل على عناية الله سبحانه وتعالى بالقرآن، وعلى كمال حفظ الرسول له ﷺ؛ لأن ما نزل على القلب يثبت ويرسخ، بخلاف ما سمعته الأذن؛ فإن الإذن قد توصل إلى القلب وقد لا توصل، قد يكون القلب غافلًا، ولكن هنا كان على القلب.
وقوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء ١٩٤]، اللام للتعليل أو للعاقبة؟
* طالب: للجميع.
* الشيخ: هما متلازمان؛ فإذا قلنا: (للتعليل) صار مكلفا بذلك، وإذا كانت (للعاقبة) كانت عاقبته أن يكون مُنذِرًا وإن لم يكن هناك تكليف، ولكن الصحيح أنها شاملة الأمرين.
وقوله: ﴿مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾؛ أي: الرسل، كما قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء ١٦٥]. وقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥]، ﴿بِلِسَانٍ﴾: بلغةٍ، وأُطْلِق اللسان على اللغة؛ لأنه محل الكلام الذي هو عنوان اللغة، قال: ﴿عَرَبِيٍّ﴾ نسبة إلى العرب؛ وذلك لأن النبي ﷺ كان عربيًّا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤].
وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي أن تكون اللغة العربية لغةَ جميعِ الخلق؛ لأن الشرع الذي نزل بها شرع جميع الخلق، فكان ينبغي أن تكون اللغة العربية لغةَ جميعِ الخلق، خلافًا لمن يريدون أن يُذيبوها في عصرنا الحاضر بأن يطالبوا بجعل اللغة العامية مكان اللغة العربية في المكاتبات والمراسلات وغيرها، وأقبح من ذلك من يحاولون أن يتكلموا باللغة الأعجمية؛ كما يوجد من بعض الناس الذين يفخرون بلغة الانكليز وغيرهم، فتجدهم يتشدقون بالكلام بها.
ثم إن قوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ متعلِّق بقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ﴾، وقوله: (﴿مُبِينٍ﴾ بَيِّنٍ، وفيه قراءة بالتشديد ﴿﴿نَزَّلَ﴾ ﴾، ونصب الروح، والفاعل الله) ﴿﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَّلَ بِهِ الرُّوحَ الْأَمِينَ﴾ ﴾، وفي اختلاف القراءتين فائدة؛ وهي أن الذي أمره بالنزول هو الله فنزل، فيكون جمعت بين فعل جبريل الصادر عن أمر الله وبين الدلالة على أمر الله له بذلك نزل به.
(﴿وَإِنَّهُ﴾ [الشعراء ١٩٦]؛ أي: ذكر القرآن المنزَّل على محمد ﷺ، ﴿لَفِي زُبُرِ﴾ كتب، ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ كالتوراة والإنجيل)، ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ المؤلف جعل الضمير يعود على القرآن؛ يعني أن ذكر القرآن موجود في زبر الأولين كتبهم، والمراد وصف القرآن؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام وُصِفَ في التوراة والإنجيل بصفاته وصفات الكتاب الذي نزل به.
وقوله: ﴿لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ ظاهر الآية الكريمة العموم، وأن كل الكتب السابقة ذُكِرَ فيها القرآن وأُشِيرَ إليه، ومنها التوراة والإنجيل، فيكون الكاف هنا للتشبيه.
* وفي هذا دليل واضح على عناية الله تعالى بهذا القرآن وتشريفه وتعظيمه؛ حيث ذُكِرَ في كل كتاب سبق.
* وفيه أيضًا دليل على أنه لو جاء هذا الكتاب لوجب على جميع من يعتنقون الكتب السابقة أن يؤمنوا به.
الشعراء 26:194
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤]، الضمير في قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ يعود إلى القرآن -كما قال المؤلف- وإن لم يسبِقْ له ذكرٌ لكنه يُعيِّنه السياق، ومرجع الضمير -كما هو معروف- قد يكون مذكورًا، وقد يكون معلومًا، والمذكور قد يتقدم، وقد يتأخر، إلا أنه من القواعد المقَرَّرة أنه لا يعود الضمير على متأخر لفظًا ورُتبةً إلا في مسائل مُعيَّنة.
قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٩٢] اللام للتوكيد، فيكون هذا الخبر مؤكَّدًا باثنين؛ وهما: إن، واللام.
وقوله: ﴿تَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿تَنْزِيلُ﴾ مصدرٌ لكنه بمعنى اسم المفعول؛ أي: لمنزَّلٌ؛ لأن القرآن نفسه ليس تنزيلًا بل التنزيل فعلُ الله، والقرآن عبارة عن شيء منزَّل، كما قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ [الفرقان ١].
وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذه الربوبية العامة، إشارةً إلى أنه من مقتضى ربوبيته أن يكون مُنزِّلًا لعباده هذا الكتاب المفيد لهم، وفي قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أيضًا ما يشير إلى عموم شريعة هذا الكتاب؛ كما عمَّت رُبوبية منزِّله فهو أيضًا عام في (...).
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ هو جبريل عليه السلام، وُصِفَ بالروح لأنه ينزل بما فيه الحياة، وهو الوحي الذي به حياة القلوب، ووُصِفَ بالأمانة لأن المقام يقتضيه، وأمانة جبريل عليه الصلاة والسلام من عدة أوجه بالنسبة للقرآن:
أولًا: أمين بحيث لا ينزل به إلا على من أُمِرَ به، وعلى هذا فيكون قول الرافضة -قبَّحهم الله-: إن جبريل أُمِرَ أن ينزل بالقرآن على عليٍّ، ولكنه خان فنزل به على محمد ﷺ، هذا ينافي وصف جبريل بالأمانة.
ثانيًا: مقتضى الأمانة أن ينزل به كما سمعه من الله؛ لا يزيد فيه ولا ينقص، ولا يقدم ولا يؤخر.
ثالثًا: أن ينزل به بالوقت الذي أمر بإنزاله فيه، فلا يتأخر إذا أُوحِيَ إليه به إلا بإذن الله.
فهذه الأوصاف الثلاثة من مقتضى أمانة جبريل عليه الصلاة والسلام.
وقوله: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ خَصَّ القلب لأنه محل الوعي، وفيه دليل على عناية الله سبحانه وتعالى بالقرآن، وعلى كمال حفظ الرسول له ﷺ؛ لأن ما نزل على القلب يثبت ويرسخ، بخلاف ما سمعته الأذن؛ فإن الإذن قد توصل إلى القلب وقد لا توصل، قد يكون القلب غافلًا، ولكن هنا كان على القلب.
وقوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء ١٩٤]، اللام للتعليل أو للعاقبة؟
* طالب: للجميع.
* الشيخ: هما متلازمان؛ فإذا قلنا: (للتعليل) صار مكلفا بذلك، وإذا كانت (للعاقبة) كانت عاقبته أن يكون مُنذِرًا وإن لم يكن هناك تكليف، ولكن الصحيح أنها شاملة الأمرين.
وقوله: ﴿مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾؛ أي: الرسل، كما قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء ١٦٥]. وقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥]، ﴿بِلِسَانٍ﴾: بلغةٍ، وأُطْلِق اللسان على اللغة؛ لأنه محل الكلام الذي هو عنوان اللغة، قال: ﴿عَرَبِيٍّ﴾ نسبة إلى العرب؛ وذلك لأن النبي ﷺ كان عربيًّا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤].
وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي أن تكون اللغة العربية لغةَ جميعِ الخلق؛ لأن الشرع الذي نزل بها شرع جميع الخلق، فكان ينبغي أن تكون اللغة العربية لغةَ جميعِ الخلق، خلافًا لمن يريدون أن يُذيبوها في عصرنا الحاضر بأن يطالبوا بجعل اللغة العامية مكان اللغة العربية في المكاتبات والمراسلات وغيرها، وأقبح من ذلك من يحاولون أن يتكلموا باللغة الأعجمية؛ كما يوجد من بعض الناس الذين يفخرون بلغة الانكليز وغيرهم، فتجدهم يتشدقون بالكلام بها.
ثم إن قوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ متعلِّق بقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ﴾، وقوله: (﴿مُبِينٍ﴾ بَيِّنٍ، وفيه قراءة بالتشديد ﴿﴿نَزَّلَ﴾ ﴾، ونصب الروح، والفاعل الله) ﴿﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَّلَ بِهِ الرُّوحَ الْأَمِينَ﴾ ﴾، وفي اختلاف القراءتين فائدة؛ وهي أن الذي أمره بالنزول هو الله فنزل، فيكون جمعت بين فعل جبريل الصادر عن أمر الله وبين الدلالة على أمر الله له بذلك نزل به.
(﴿وَإِنَّهُ﴾ [الشعراء ١٩٦]؛ أي: ذكر القرآن المنزَّل على محمد ﷺ، ﴿لَفِي زُبُرِ﴾ كتب، ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ كالتوراة والإنجيل)، ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ المؤلف جعل الضمير يعود على القرآن؛ يعني أن ذكر القرآن موجود في زبر الأولين كتبهم، والمراد وصف القرآن؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام وُصِفَ في التوراة والإنجيل بصفاته وصفات الكتاب الذي نزل به.
وقوله: ﴿لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ ظاهر الآية الكريمة العموم، وأن كل الكتب السابقة ذُكِرَ فيها القرآن وأُشِيرَ إليه، ومنها التوراة والإنجيل، فيكون الكاف هنا للتشبيه.
* وفي هذا دليل واضح على عناية الله تعالى بهذا القرآن وتشريفه وتعظيمه؛ حيث ذُكِرَ في كل كتاب سبق.
* وفيه أيضًا دليل على أنه لو جاء هذا الكتاب لوجب على جميع من يعتنقون الكتب السابقة أن يؤمنوا به.
الشعراء 26:195
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤]، الضمير في قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ يعود إلى القرآن -كما قال المؤلف- وإن لم يسبِقْ له ذكرٌ لكنه يُعيِّنه السياق، ومرجع الضمير -كما هو معروف- قد يكون مذكورًا، وقد يكون معلومًا، والمذكور قد يتقدم، وقد يتأخر، إلا أنه من القواعد المقَرَّرة أنه لا يعود الضمير على متأخر لفظًا ورُتبةً إلا في مسائل مُعيَّنة.
قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٩٢] اللام للتوكيد، فيكون هذا الخبر مؤكَّدًا باثنين؛ وهما: إن، واللام.
وقوله: ﴿تَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿تَنْزِيلُ﴾ مصدرٌ لكنه بمعنى اسم المفعول؛ أي: لمنزَّلٌ؛ لأن القرآن نفسه ليس تنزيلًا بل التنزيل فعلُ الله، والقرآن عبارة عن شيء منزَّل، كما قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ [الفرقان ١].
وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذه الربوبية العامة، إشارةً إلى أنه من مقتضى ربوبيته أن يكون مُنزِّلًا لعباده هذا الكتاب المفيد لهم، وفي قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أيضًا ما يشير إلى عموم شريعة هذا الكتاب؛ كما عمَّت رُبوبية منزِّله فهو أيضًا عام في (...).
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ هو جبريل عليه السلام، وُصِفَ بالروح لأنه ينزل بما فيه الحياة، وهو الوحي الذي به حياة القلوب، ووُصِفَ بالأمانة لأن المقام يقتضيه، وأمانة جبريل عليه الصلاة والسلام من عدة أوجه بالنسبة للقرآن:
أولًا: أمين بحيث لا ينزل به إلا على من أُمِرَ به، وعلى هذا فيكون قول الرافضة -قبَّحهم الله-: إن جبريل أُمِرَ أن ينزل بالقرآن على عليٍّ، ولكنه خان فنزل به على محمد ﷺ، هذا ينافي وصف جبريل بالأمانة.
ثانيًا: مقتضى الأمانة أن ينزل به كما سمعه من الله؛ لا يزيد فيه ولا ينقص، ولا يقدم ولا يؤخر.
ثالثًا: أن ينزل به بالوقت الذي أمر بإنزاله فيه، فلا يتأخر إذا أُوحِيَ إليه به إلا بإذن الله.
فهذه الأوصاف الثلاثة من مقتضى أمانة جبريل عليه الصلاة والسلام.
وقوله: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ خَصَّ القلب لأنه محل الوعي، وفيه دليل على عناية الله سبحانه وتعالى بالقرآن، وعلى كمال حفظ الرسول له ﷺ؛ لأن ما نزل على القلب يثبت ويرسخ، بخلاف ما سمعته الأذن؛ فإن الإذن قد توصل إلى القلب وقد لا توصل، قد يكون القلب غافلًا، ولكن هنا كان على القلب.
وقوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء ١٩٤]، اللام للتعليل أو للعاقبة؟
* طالب: للجميع.
* الشيخ: هما متلازمان؛ فإذا قلنا: (للتعليل) صار مكلفا بذلك، وإذا كانت (للعاقبة) كانت عاقبته أن يكون مُنذِرًا وإن لم يكن هناك تكليف، ولكن الصحيح أنها شاملة الأمرين.
وقوله: ﴿مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾؛ أي: الرسل، كما قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء ١٦٥]. وقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥]، ﴿بِلِسَانٍ﴾: بلغةٍ، وأُطْلِق اللسان على اللغة؛ لأنه محل الكلام الذي هو عنوان اللغة، قال: ﴿عَرَبِيٍّ﴾ نسبة إلى العرب؛ وذلك لأن النبي ﷺ كان عربيًّا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤].
وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي أن تكون اللغة العربية لغةَ جميعِ الخلق؛ لأن الشرع الذي نزل بها شرع جميع الخلق، فكان ينبغي أن تكون اللغة العربية لغةَ جميعِ الخلق، خلافًا لمن يريدون أن يُذيبوها في عصرنا الحاضر بأن يطالبوا بجعل اللغة العامية مكان اللغة العربية في المكاتبات والمراسلات وغيرها، وأقبح من ذلك من يحاولون أن يتكلموا باللغة الأعجمية؛ كما يوجد من بعض الناس الذين يفخرون بلغة الانكليز وغيرهم، فتجدهم يتشدقون بالكلام بها.
ثم إن قوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ متعلِّق بقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ﴾، وقوله: (﴿مُبِينٍ﴾ بَيِّنٍ، وفيه قراءة بالتشديد ﴿﴿نَزَّلَ﴾ ﴾، ونصب الروح، والفاعل الله) ﴿﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَّلَ بِهِ الرُّوحَ الْأَمِينَ﴾ ﴾، وفي اختلاف القراءتين فائدة؛ وهي أن الذي أمره بالنزول هو الله فنزل، فيكون جمعت بين فعل جبريل الصادر عن أمر الله وبين الدلالة على أمر الله له بذلك نزل به.
(﴿وَإِنَّهُ﴾ [الشعراء ١٩٦]؛ أي: ذكر القرآن المنزَّل على محمد ﷺ، ﴿لَفِي زُبُرِ﴾ كتب، ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ كالتوراة والإنجيل)، ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ المؤلف جعل الضمير يعود على القرآن؛ يعني أن ذكر القرآن موجود في زبر الأولين كتبهم، والمراد وصف القرآن؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام وُصِفَ في التوراة والإنجيل بصفاته وصفات الكتاب الذي نزل به.
وقوله: ﴿لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ ظاهر الآية الكريمة العموم، وأن كل الكتب السابقة ذُكِرَ فيها القرآن وأُشِيرَ إليه، ومنها التوراة والإنجيل، فيكون الكاف هنا للتشبيه.
* وفي هذا دليل واضح على عناية الله تعالى بهذا القرآن وتشريفه وتعظيمه؛ حيث ذُكِرَ في كل كتاب سبق.
* وفيه أيضًا دليل على أنه لو جاء هذا الكتاب لوجب على جميع من يعتنقون الكتب السابقة أن يؤمنوا به.
الشعراء 26:196
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤]، الضمير في قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ يعود إلى القرآن -كما قال المؤلف- وإن لم يسبِقْ له ذكرٌ لكنه يُعيِّنه السياق، ومرجع الضمير -كما هو معروف- قد يكون مذكورًا، وقد يكون معلومًا، والمذكور قد يتقدم، وقد يتأخر، إلا أنه من القواعد المقَرَّرة أنه لا يعود الضمير على متأخر لفظًا ورُتبةً إلا في مسائل مُعيَّنة.
قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٩٢] اللام للتوكيد، فيكون هذا الخبر مؤكَّدًا باثنين؛ وهما: إن، واللام.
وقوله: ﴿تَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿تَنْزِيلُ﴾ مصدرٌ لكنه بمعنى اسم المفعول؛ أي: لمنزَّلٌ؛ لأن القرآن نفسه ليس تنزيلًا بل التنزيل فعلُ الله، والقرآن عبارة عن شيء منزَّل، كما قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ [الفرقان ١].
وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذه الربوبية العامة، إشارةً إلى أنه من مقتضى ربوبيته أن يكون مُنزِّلًا لعباده هذا الكتاب المفيد لهم، وفي قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أيضًا ما يشير إلى عموم شريعة هذا الكتاب؛ كما عمَّت رُبوبية منزِّله فهو أيضًا عام في (...).
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ هو جبريل عليه السلام، وُصِفَ بالروح لأنه ينزل بما فيه الحياة، وهو الوحي الذي به حياة القلوب، ووُصِفَ بالأمانة لأن المقام يقتضيه، وأمانة جبريل عليه الصلاة والسلام من عدة أوجه بالنسبة للقرآن:
أولًا: أمين بحيث لا ينزل به إلا على من أُمِرَ به، وعلى هذا فيكون قول الرافضة -قبَّحهم الله-: إن جبريل أُمِرَ أن ينزل بالقرآن على عليٍّ، ولكنه خان فنزل به على محمد ﷺ، هذا ينافي وصف جبريل بالأمانة.
ثانيًا: مقتضى الأمانة أن ينزل به كما سمعه من الله؛ لا يزيد فيه ولا ينقص، ولا يقدم ولا يؤخر.
ثالثًا: أن ينزل به بالوقت الذي أمر بإنزاله فيه، فلا يتأخر إذا أُوحِيَ إليه به إلا بإذن الله.
فهذه الأوصاف الثلاثة من مقتضى أمانة جبريل عليه الصلاة والسلام.
وقوله: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ خَصَّ القلب لأنه محل الوعي، وفيه دليل على عناية الله سبحانه وتعالى بالقرآن، وعلى كمال حفظ الرسول له ﷺ؛ لأن ما نزل على القلب يثبت ويرسخ، بخلاف ما سمعته الأذن؛ فإن الإذن قد توصل إلى القلب وقد لا توصل، قد يكون القلب غافلًا، ولكن هنا كان على القلب.
وقوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء ١٩٤]، اللام للتعليل أو للعاقبة؟
* طالب: للجميع.
* الشيخ: هما متلازمان؛ فإذا قلنا: (للتعليل) صار مكلفا بذلك، وإذا كانت (للعاقبة) كانت عاقبته أن يكون مُنذِرًا وإن لم يكن هناك تكليف، ولكن الصحيح أنها شاملة الأمرين.
وقوله: ﴿مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾؛ أي: الرسل، كما قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء ١٦٥]. وقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥]، ﴿بِلِسَانٍ﴾: بلغةٍ، وأُطْلِق اللسان على اللغة؛ لأنه محل الكلام الذي هو عنوان اللغة، قال: ﴿عَرَبِيٍّ﴾ نسبة إلى العرب؛ وذلك لأن النبي ﷺ كان عربيًّا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤].
وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي أن تكون اللغة العربية لغةَ جميعِ الخلق؛ لأن الشرع الذي نزل بها شرع جميع الخلق، فكان ينبغي أن تكون اللغة العربية لغةَ جميعِ الخلق، خلافًا لمن يريدون أن يُذيبوها في عصرنا الحاضر بأن يطالبوا بجعل اللغة العامية مكان اللغة العربية في المكاتبات والمراسلات وغيرها، وأقبح من ذلك من يحاولون أن يتكلموا باللغة الأعجمية؛ كما يوجد من بعض الناس الذين يفخرون بلغة الانكليز وغيرهم، فتجدهم يتشدقون بالكلام بها.
ثم إن قوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ متعلِّق بقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ﴾، وقوله: (﴿مُبِينٍ﴾ بَيِّنٍ، وفيه قراءة بالتشديد ﴿﴿نَزَّلَ﴾ ﴾، ونصب الروح، والفاعل الله) ﴿﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَّلَ بِهِ الرُّوحَ الْأَمِينَ﴾ ﴾، وفي اختلاف القراءتين فائدة؛ وهي أن الذي أمره بالنزول هو الله فنزل، فيكون جمعت بين فعل جبريل الصادر عن أمر الله وبين الدلالة على أمر الله له بذلك نزل به.
(﴿وَإِنَّهُ﴾ [الشعراء ١٩٦]؛ أي: ذكر القرآن المنزَّل على محمد ﷺ، ﴿لَفِي زُبُرِ﴾ كتب، ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ كالتوراة والإنجيل)، ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ المؤلف جعل الضمير يعود على القرآن؛ يعني أن ذكر القرآن موجود في زبر الأولين كتبهم، والمراد وصف القرآن؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام وُصِفَ في التوراة والإنجيل بصفاته وصفات الكتاب الذي نزل به.
وقوله: ﴿لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ ظاهر الآية الكريمة العموم، وأن كل الكتب السابقة ذُكِرَ فيها القرآن وأُشِيرَ إليه، ومنها التوراة والإنجيل، فيكون الكاف هنا للتشبيه.
* وفي هذا دليل واضح على عناية الله تعالى بهذا القرآن وتشريفه وتعظيمه؛ حيث ذُكِرَ في كل كتاب سبق.
* وفيه أيضًا دليل على أنه لو جاء هذا الكتاب لوجب على جميع من يعتنقون الكتب السابقة أن يؤمنوا به.
الشعراء 26:197
(﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ﴾ لكفار مكة، ﴿آيَةً﴾ على ذلك؛ يعني علامة على أنه حق ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٩٧]) ﴿آيَةً﴾ هذه خبر ﴿يَكُنْ﴾ مقدمًا، و﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ اسمها مؤخر؛ يعني: أو لم يكن لهم آيةً علمُه، ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾؛ أي: علمُه مِن عُلماءِ بني إسرائيل، وبنو إسرائيل هم بنو يعقوب بن إسحاق الذين تفرعوا منه.
وهذا من الآيات البيِّنة على أنه مذكور في الكتب السابقة؛ أن علماء بني إسرائيل يعلمونه؛ لأنه لو لم يكن مذكورًا في كتبهم ما علموه، وإنما يعلمونه لأنه مذكور في كتبهم.
* وفي هذه الآية دليل على أن المرجع في مثل هذه الأمور إلى العلماء أهل العلم.
وقوله: (كعبد الله بن سلام وأصحابه ممن آمنوا؛ فإنهم يخبرون بذلك) هذا ما هو بلازم؛ لأن كونهم يعلمون به هم عالمون، سواء أَخْبروا أمْ لم يخبروا، ولذلك القرآن ما قال: أو لم يكن لهم آية أن يُخْبِرَ به، بل قال: ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾، فمجرد علم هؤلاء به هو آية وإن لم يخبروا به.
ونقول: إن عبد الله بن سلام رضي الله عنه ومن آمن هم من علماء بني إسرائيل، فعلموا وأخبروا، وغيرهم من العلماء الذين لم يؤمنوا علموا لكن لم يخبروا.
و(﴿يَكُنْ﴾ بالتحتانية ونصب ﴿آيَةً﴾، وبالفوقانية ورفع ﴿﴿آيَةٌ﴾ ﴾).
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿﴿أَوَ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ آيَةٌ﴾ ﴾، فعليه يكون ﴿﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ ﴾ خبر ﴿﴿تَكُنْ﴾ ﴾، وعلى الأول ﴿يَكُنْ﴾ تكون ﴿آيَةً﴾ منصوبة على أنها خبر مقدم، و﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ اسم مؤخر.
* طالب: ورفع ﴿﴿آيَةٌ﴾ ﴾ ما تكون كان..
* الشيخ: لا؛ لأن ما تم الكلام ﴿﴿أَوَ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ آيَةٌ﴾ ﴾ ما تم الكلام، ﴿﴿أَوَ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ آيَةٌ﴾ ﴾ هل تم الكلام؟ ما تم، إذن فهي ناقصة ﴿﴿أَوَ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ آيَةٌ أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ ﴾ إنما الفرق بين القراءتين: أن ﴿﴿آيَةٌ﴾ ﴾ بالرفع اسم ﴿﴿تَكُنْ﴾ ﴾، وخبرها ﴿﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ ﴾.
الشعراء 26:198
قال: (﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ﴾؛ أي القرآن، ﴿عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ [الشعراء ١٩٨] جمع أعجم، ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: كفار مكة، ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٩٩] أنفة من اتباعه).
﴿لَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ هذا اللسان العربي، سواء بلسان العرب أو بغيره، ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾ ما آمنوا به، فالمعنى أنهم لن يؤمنوا، سواء جاء به محمد ﷺ، وهو من صميم العرب ويعرفونه، أو جاء من رجل أعجمي ذلك؛ لأنهم معاندون، والمعاند -والعياذ بالله- لو جيء بكل آية ما آمن؛ لأنه فرق بين الإنسان الذي يتحرى الحق والإنسان الذي يعاند الحق؛ فالمعاند مكابر يصعب عليه أن يرجع عن الحق، والمعنى: أنه لو نزَّل الله هذا القرآن على بعض الأعجمين، إن كان بلغتهم فإنهم لن يؤمنوا به؛ لأنهم لم يفهموه بلغة العجم، وإن كان باللغة العربية ما آمنوا أيضًا أنفة من أن يتبعوا رجلًا أعجميًّا.
(﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل إدخالنا التكذيب به بقراءة الأعجمي، ﴿سَلَكْنَاهُ﴾ أدخلنا التكذيب به، ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء ٢٠٠]؛ أي: كفار مكة في قراءة النبي) لا يؤمنون به، ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي مثل ذلك الإسلاك أو السلك، والمراد بالسلك الإدخال.
و﴿كَذَلِكَ﴾ مفعول مطلق لـ﴿سَلَكْنَاهُ﴾؛ يعني مثل ذلك، وهي دائمًا تأتي في القرآن: كذلك فعلنا، كذلك كذب، وما أشبهه، فيقولون: إن الكاف اسم بمعنى (مثل)، وهي مضافة إلى اسم الإشارة العائد على المصدر المفهوم من الفعل، وعليه فيكون إعراب الكاف اسم بمعنى (مثل) مفعولًا مطلقًا، عاملها الفعل الذي بعدها؛ يعني أن الله جل وعلا أدخل التكذيب في قلوب المجرمين، والمراد بـ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ ما هو أعم من كفار مكة، خلافًا لما قال المؤلف؛ فالمجرم الكافر سواء كان من أهل مكة أو من غيرها.
ولما دخل التكذيب في قلوبهم والاستكبار ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ إلى آخره [الشعراء: ٢٠١]، ليس في هذه الآية حجة لأهل الكفر والمعصية الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام ١٤٨]؛ لأن الله سبحانه وتعالى بيَّن في آية أخرى أن سبب كفرهم وشركهم هم أنهم كانوا لا يريدون الحق، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، ولو كانوا يريدون الحق لشرح الله صدورهم له، لكنهم عندهم -والعياذ بالله- أنفة وكبرياء وغطرسة، ولذلك حُرِمُوا من الوصول إلى الصواب.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء ٢٠١، ٢٠٢]، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ أي بالقرآن، وإذا قلنا: إن ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ عام، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ أي: بما نزل من عند الله.
وقوله: ﴿حَتَّى يَرَوُا﴾ للغاية ولَّا للتعليل؟
* طالب: للغاية.
* الشيخ: للغاية، المعنى أنهم إذا رأوا العذاب الأليم فقد يؤمنون، ولكن يقول الله عز وجل: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥].
وقوله: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ هذا هو الغالب على المكذبين المعاندين؛ أن الله يُمْلي لهم، فيُوغِلوا -والعياذ بالله- في الكفر وفي الفسق وفي المعصية، حتى إذا جاءهم العذاب أتاهم بغتة؛ على غرة، كما قال الرسول ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»[[متفق عليه؛ البخاري واللفظ له (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣ / ٦١) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ]]، لأن هؤلاء لو أن الله سبحانه وتعالى أذاقهم البأس شيئًا فشيئًا لربما آمنوا ورجعوا، ولكنه -والعياذ بالله- يمهلهم حتى إذا وصلوا إلى قمة الكفر والفسق أُخِذوا. وهذا شيء مشاهد حتى في عصرنا الحاضر، الآن نرى أن بعض البلاد لما أوغلت في الكفر ووصلت إلى غايته أُخِذت والعياذ بالله.
قال: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٣] (لنؤمن، فيقال لهم: لا، قالوا: متى هذا العذاب؟ قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴾ إلى آخره [الشعراء: ٢٠٤])، يعني: أنه إذا أتاهم العذاب بغتة يقولوا: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾، هذا الاستفهام للتمني؛ يعني: ليتنا ننظر، هذا هو الظاهر، والمؤلف حمله على ظاهره على أنه للاستفهام الاستخباري، ولهذا يقال قال: (فيقال لهم: لا)؛ يعني: لن تنظروا، ولكن إذا جعلناه للتمني؛ أنهم يتمنون أن ينظروا ما احتاج إلى جواب.
قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾، سبق أن الهمزة في مثل هذا التركيب إما أنها داخلة على جملة مقدرة بحسب السياق، أو أنها داخلة على الجملة الموجودة، وأصل العطف الذي بعدها حرف العطف الذي بعدها قبلها ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾، وهذا من باب التوبيخ والإنكار عليهم؛ يعني أيستعجلون بعذاب الله؟! وهو سبحانه وتعالى قريب الأخذ، فهو ينكر عليهم هؤلاء الذين يستعجلون بعذاب الله كيفية استعجالهم بالعذاب هل هو بالفعل ولَّا بالقول؟
* طالب: بالقول والفعل.
* الشيخ: نقول: بالقول وبالفعل؛ أما القول فإنهم ﴿يَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس ٤٨]، وأما الفعل؛ فإن إيغالهم في الكفر والمعاصي موجب لأن يعاجلوا بالعقوبة، فصار هذا الإنكار عليهم سواء كانوا يستعجلون قولًا كما قال المؤلف: (قالوا متى هذا العذاب)، أو كانوا يستعجلون فعلًا؛ بأن يوغلوا ويتعمقوا في الكفر والمعاصي، فإن ذلك من استعجال عقوبة الله.
قال الله تعالى: (...).
يقول الله تعالى: أخبرني أيها المخاطب إن متعنا هؤلاء سنين، وأمهلناهم ولم نعاجلهم بالعقوبة حتى بلغوا غاية المتعة في هذه الدنيا، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون، ماذا ينفعهم هذا التمتيع؟! في الحقيقة لا يزيدهم إلا حسرة والعياذ بالله، وإلا زيادة في العقوبة في النار؛ لأنه كلما كثرت معاصي الإنسان ازداد، هذا مثلًا في الحقيقة يُطبق على كل من قال لنا في شخص: إن هؤلاء الكفرة قد أنعم الله عليهم، وفتح عليهم الدنيا؛ الأمطار تأتيهم كل وقت، والأرض مخصبة، وهكذا، نقول له: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٥ - ٢٠٧]، ونقول: إن هذا أشد في وقع العذاب في قلوبهم؛ لأن الإنسان اللي يؤخذ على رغد من العيش وهناء وطمأنينة أشد من الذي يؤخذ على بأس، يمكن اللي في بأساء والضراء يمكن يرى أن الموت أريح له، لكن المأخوذ -والعياذ بالله- على شدة النعمة وقوتها أشد.
وقد ذكرنا لكم أنه بينما كان ابن حجر رحمه الله وهو قاضي القضاة في مصر صاحب فتح الباري يمشي على العربة، وعلى يمينه ويساره الناس والحشم والخدم، مَرَّ برجل زيات يهودي كله وسخ من الزيت، فأوقفه اليهودي قال له: يا سيدنا -أظن أو كلمة نحوها- إن نبيكم يقول: «إِنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٥٦ / ١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، والآن أنت مؤمن وأنت في هذا النعيم، وهو يهودي كافر وهو في هذا الجحيم والعذاب؟ قال له: نعم صحيح، لكن ما مُتِّعْتُ به من النعمة هو بالنسبة إلى نعيم الآخرة سجنٌ، وما أنت فيه من البأساء هو بالنسبة إلى عذاب الآخرة نعيم وجنةٌ، ففتح الله على هذا اليهودي فأسلم، عرف أن هذا صحيح وخاف من هذا؛ لأن اليهود يعرفون ويُصدِّقون بالكتب السماوية لكنهم يستكبرون عن الانقياد لها، فيقال: إنه أسلم.
فالحاصل أن هؤلاء إذا مُتِّعُوا طويلًا في الدنيا ونعيمها ثم جاءهم العذاب، فماذا يغني عنهم هذا المتاع؟ لا يُغْني شيئًا.
فقولُه: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾ ﴿مَا﴾ لك أن تقول: إنها نافية، ولك أن تقول: إنها استفهامية لكنها بمعنى النفي. وأيهما أبلغ؟ أن تكون استفهامية بمعنى النفي؛ لأن الاستفهام الذي بمعنى النفي يتضمن النفي وزيادة؛ إذ إنه مُشرب معنى التحدي، ما أنت صانع بي؛ يعني: أتحداك أنك تصنع بي شيئًا، ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٧]؛ يعني يتحداهم أن يغني عنهم شيئًا، فإذا كانت (ما) صالحة للنفي والاستفهام حملت على الاستفهام أولى وأبلغ؛ لأنه مثلما قلنا: تدل مع النفي على؟
* طالب: على زيادة المعنى.
* الشيخ: زيادة المعنى والتحدي.
الشعراء 26:199
قال: (﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ﴾؛ أي القرآن، ﴿عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ [الشعراء ١٩٨] جمع أعجم، ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: كفار مكة، ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٩٩] أنفة من اتباعه).
﴿لَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ هذا اللسان العربي، سواء بلسان العرب أو بغيره، ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾ ما آمنوا به، فالمعنى أنهم لن يؤمنوا، سواء جاء به محمد ﷺ، وهو من صميم العرب ويعرفونه، أو جاء من رجل أعجمي ذلك؛ لأنهم معاندون، والمعاند -والعياذ بالله- لو جيء بكل آية ما آمن؛ لأنه فرق بين الإنسان الذي يتحرى الحق والإنسان الذي يعاند الحق؛ فالمعاند مكابر يصعب عليه أن يرجع عن الحق، والمعنى: أنه لو نزَّل الله هذا القرآن على بعض الأعجمين، إن كان بلغتهم فإنهم لن يؤمنوا به؛ لأنهم لم يفهموه بلغة العجم، وإن كان باللغة العربية ما آمنوا أيضًا أنفة من أن يتبعوا رجلًا أعجميًّا.
(﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل إدخالنا التكذيب به بقراءة الأعجمي، ﴿سَلَكْنَاهُ﴾ أدخلنا التكذيب به، ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء ٢٠٠]؛ أي: كفار مكة في قراءة النبي) لا يؤمنون به، ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي مثل ذلك الإسلاك أو السلك، والمراد بالسلك الإدخال.
و﴿كَذَلِكَ﴾ مفعول مطلق لـ﴿سَلَكْنَاهُ﴾؛ يعني مثل ذلك، وهي دائمًا تأتي في القرآن: كذلك فعلنا، كذلك كذب، وما أشبهه، فيقولون: إن الكاف اسم بمعنى (مثل)، وهي مضافة إلى اسم الإشارة العائد على المصدر المفهوم من الفعل، وعليه فيكون إعراب الكاف اسم بمعنى (مثل) مفعولًا مطلقًا، عاملها الفعل الذي بعدها؛ يعني أن الله جل وعلا أدخل التكذيب في قلوب المجرمين، والمراد بـ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ ما هو أعم من كفار مكة، خلافًا لما قال المؤلف؛ فالمجرم الكافر سواء كان من أهل مكة أو من غيرها.
ولما دخل التكذيب في قلوبهم والاستكبار ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ إلى آخره [الشعراء: ٢٠١]، ليس في هذه الآية حجة لأهل الكفر والمعصية الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام ١٤٨]؛ لأن الله سبحانه وتعالى بيَّن في آية أخرى أن سبب كفرهم وشركهم هم أنهم كانوا لا يريدون الحق، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، ولو كانوا يريدون الحق لشرح الله صدورهم له، لكنهم عندهم -والعياذ بالله- أنفة وكبرياء وغطرسة، ولذلك حُرِمُوا من الوصول إلى الصواب.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء ٢٠١، ٢٠٢]، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ أي بالقرآن، وإذا قلنا: إن ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ عام، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ أي: بما نزل من عند الله.
وقوله: ﴿حَتَّى يَرَوُا﴾ للغاية ولَّا للتعليل؟
* طالب: للغاية.
* الشيخ: للغاية، المعنى أنهم إذا رأوا العذاب الأليم فقد يؤمنون، ولكن يقول الله عز وجل: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥].
وقوله: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ هذا هو الغالب على المكذبين المعاندين؛ أن الله يُمْلي لهم، فيُوغِلوا -والعياذ بالله- في الكفر وفي الفسق وفي المعصية، حتى إذا جاءهم العذاب أتاهم بغتة؛ على غرة، كما قال الرسول ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»[[متفق عليه؛ البخاري واللفظ له (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣ / ٦١) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ]]، لأن هؤلاء لو أن الله سبحانه وتعالى أذاقهم البأس شيئًا فشيئًا لربما آمنوا ورجعوا، ولكنه -والعياذ بالله- يمهلهم حتى إذا وصلوا إلى قمة الكفر والفسق أُخِذوا. وهذا شيء مشاهد حتى في عصرنا الحاضر، الآن نرى أن بعض البلاد لما أوغلت في الكفر ووصلت إلى غايته أُخِذت والعياذ بالله.
قال: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٣] (لنؤمن، فيقال لهم: لا، قالوا: متى هذا العذاب؟ قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴾ إلى آخره [الشعراء: ٢٠٤])، يعني: أنه إذا أتاهم العذاب بغتة يقولوا: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾، هذا الاستفهام للتمني؛ يعني: ليتنا ننظر، هذا هو الظاهر، والمؤلف حمله على ظاهره على أنه للاستفهام الاستخباري، ولهذا يقال قال: (فيقال لهم: لا)؛ يعني: لن تنظروا، ولكن إذا جعلناه للتمني؛ أنهم يتمنون أن ينظروا ما احتاج إلى جواب.
قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾، سبق أن الهمزة في مثل هذا التركيب إما أنها داخلة على جملة مقدرة بحسب السياق، أو أنها داخلة على الجملة الموجودة، وأصل العطف الذي بعدها حرف العطف الذي بعدها قبلها ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾، وهذا من باب التوبيخ والإنكار عليهم؛ يعني أيستعجلون بعذاب الله؟! وهو سبحانه وتعالى قريب الأخذ، فهو ينكر عليهم هؤلاء الذين يستعجلون بعذاب الله كيفية استعجالهم بالعذاب هل هو بالفعل ولَّا بالقول؟
* طالب: بالقول والفعل.
* الشيخ: نقول: بالقول وبالفعل؛ أما القول فإنهم ﴿يَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس ٤٨]، وأما الفعل؛ فإن إيغالهم في الكفر والمعاصي موجب لأن يعاجلوا بالعقوبة، فصار هذا الإنكار عليهم سواء كانوا يستعجلون قولًا كما قال المؤلف: (قالوا متى هذا العذاب)، أو كانوا يستعجلون فعلًا؛ بأن يوغلوا ويتعمقوا في الكفر والمعاصي، فإن ذلك من استعجال عقوبة الله.
قال الله تعالى: (...).
يقول الله تعالى: أخبرني أيها المخاطب إن متعنا هؤلاء سنين، وأمهلناهم ولم نعاجلهم بالعقوبة حتى بلغوا غاية المتعة في هذه الدنيا، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون، ماذا ينفعهم هذا التمتيع؟! في الحقيقة لا يزيدهم إلا حسرة والعياذ بالله، وإلا زيادة في العقوبة في النار؛ لأنه كلما كثرت معاصي الإنسان ازداد، هذا مثلًا في الحقيقة يُطبق على كل من قال لنا في شخص: إن هؤلاء الكفرة قد أنعم الله عليهم، وفتح عليهم الدنيا؛ الأمطار تأتيهم كل وقت، والأرض مخصبة، وهكذا، نقول له: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٥ - ٢٠٧]، ونقول: إن هذا أشد في وقع العذاب في قلوبهم؛ لأن الإنسان اللي يؤخذ على رغد من العيش وهناء وطمأنينة أشد من الذي يؤخذ على بأس، يمكن اللي في بأساء والضراء يمكن يرى أن الموت أريح له، لكن المأخوذ -والعياذ بالله- على شدة النعمة وقوتها أشد.
وقد ذكرنا لكم أنه بينما كان ابن حجر رحمه الله وهو قاضي القضاة في مصر صاحب فتح الباري يمشي على العربة، وعلى يمينه ويساره الناس والحشم والخدم، مَرَّ برجل زيات يهودي كله وسخ من الزيت، فأوقفه اليهودي قال له: يا سيدنا -أظن أو كلمة نحوها- إن نبيكم يقول: «إِنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٥٦ / ١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، والآن أنت مؤمن وأنت في هذا النعيم، وهو يهودي كافر وهو في هذا الجحيم والعذاب؟ قال له: نعم صحيح، لكن ما مُتِّعْتُ به من النعمة هو بالنسبة إلى نعيم الآخرة سجنٌ، وما أنت فيه من البأساء هو بالنسبة إلى عذاب الآخرة نعيم وجنةٌ، ففتح الله على هذا اليهودي فأسلم، عرف أن هذا صحيح وخاف من هذا؛ لأن اليهود يعرفون ويُصدِّقون بالكتب السماوية لكنهم يستكبرون عن الانقياد لها، فيقال: إنه أسلم.
فالحاصل أن هؤلاء إذا مُتِّعُوا طويلًا في الدنيا ونعيمها ثم جاءهم العذاب، فماذا يغني عنهم هذا المتاع؟ لا يُغْني شيئًا.
فقولُه: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾ ﴿مَا﴾ لك أن تقول: إنها نافية، ولك أن تقول: إنها استفهامية لكنها بمعنى النفي. وأيهما أبلغ؟ أن تكون استفهامية بمعنى النفي؛ لأن الاستفهام الذي بمعنى النفي يتضمن النفي وزيادة؛ إذ إنه مُشرب معنى التحدي، ما أنت صانع بي؛ يعني: أتحداك أنك تصنع بي شيئًا، ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٧]؛ يعني يتحداهم أن يغني عنهم شيئًا، فإذا كانت (ما) صالحة للنفي والاستفهام حملت على الاستفهام أولى وأبلغ؛ لأنه مثلما قلنا: تدل مع النفي على؟
* طالب: على زيادة المعنى.
* الشيخ: زيادة المعنى والتحدي.
الشعراء 26:200
قال: (﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ﴾؛ أي القرآن، ﴿عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ [الشعراء ١٩٨] جمع أعجم، ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: كفار مكة، ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٩٩] أنفة من اتباعه).
﴿لَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ هذا اللسان العربي، سواء بلسان العرب أو بغيره، ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾ ما آمنوا به، فالمعنى أنهم لن يؤمنوا، سواء جاء به محمد ﷺ، وهو من صميم العرب ويعرفونه، أو جاء من رجل أعجمي ذلك؛ لأنهم معاندون، والمعاند -والعياذ بالله- لو جيء بكل آية ما آمن؛ لأنه فرق بين الإنسان الذي يتحرى الحق والإنسان الذي يعاند الحق؛ فالمعاند مكابر يصعب عليه أن يرجع عن الحق، والمعنى: أنه لو نزَّل الله هذا القرآن على بعض الأعجمين، إن كان بلغتهم فإنهم لن يؤمنوا به؛ لأنهم لم يفهموه بلغة العجم، وإن كان باللغة العربية ما آمنوا أيضًا أنفة من أن يتبعوا رجلًا أعجميًّا.
(﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل إدخالنا التكذيب به بقراءة الأعجمي، ﴿سَلَكْنَاهُ﴾ أدخلنا التكذيب به، ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء ٢٠٠]؛ أي: كفار مكة في قراءة النبي) لا يؤمنون به، ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي مثل ذلك الإسلاك أو السلك، والمراد بالسلك الإدخال.
و﴿كَذَلِكَ﴾ مفعول مطلق لـ﴿سَلَكْنَاهُ﴾؛ يعني مثل ذلك، وهي دائمًا تأتي في القرآن: كذلك فعلنا، كذلك كذب، وما أشبهه، فيقولون: إن الكاف اسم بمعنى (مثل)، وهي مضافة إلى اسم الإشارة العائد على المصدر المفهوم من الفعل، وعليه فيكون إعراب الكاف اسم بمعنى (مثل) مفعولًا مطلقًا، عاملها الفعل الذي بعدها؛ يعني أن الله جل وعلا أدخل التكذيب في قلوب المجرمين، والمراد بـ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ ما هو أعم من كفار مكة، خلافًا لما قال المؤلف؛ فالمجرم الكافر سواء كان من أهل مكة أو من غيرها.
ولما دخل التكذيب في قلوبهم والاستكبار ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ إلى آخره [الشعراء: ٢٠١]، ليس في هذه الآية حجة لأهل الكفر والمعصية الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام ١٤٨]؛ لأن الله سبحانه وتعالى بيَّن في آية أخرى أن سبب كفرهم وشركهم هم أنهم كانوا لا يريدون الحق، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، ولو كانوا يريدون الحق لشرح الله صدورهم له، لكنهم عندهم -والعياذ بالله- أنفة وكبرياء وغطرسة، ولذلك حُرِمُوا من الوصول إلى الصواب.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء ٢٠١، ٢٠٢]، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ أي بالقرآن، وإذا قلنا: إن ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ عام، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ أي: بما نزل من عند الله.
وقوله: ﴿حَتَّى يَرَوُا﴾ للغاية ولَّا للتعليل؟
* طالب: للغاية.
* الشيخ: للغاية، المعنى أنهم إذا رأوا العذاب الأليم فقد يؤمنون، ولكن يقول الله عز وجل: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥].
وقوله: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ هذا هو الغالب على المكذبين المعاندين؛ أن الله يُمْلي لهم، فيُوغِلوا -والعياذ بالله- في الكفر وفي الفسق وفي المعصية، حتى إذا جاءهم العذاب أتاهم بغتة؛ على غرة، كما قال الرسول ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»[[متفق عليه؛ البخاري واللفظ له (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣ / ٦١) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ]]، لأن هؤلاء لو أن الله سبحانه وتعالى أذاقهم البأس شيئًا فشيئًا لربما آمنوا ورجعوا، ولكنه -والعياذ بالله- يمهلهم حتى إذا وصلوا إلى قمة الكفر والفسق أُخِذوا. وهذا شيء مشاهد حتى في عصرنا الحاضر، الآن نرى أن بعض البلاد لما أوغلت في الكفر ووصلت إلى غايته أُخِذت والعياذ بالله.
قال: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٣] (لنؤمن، فيقال لهم: لا، قالوا: متى هذا العذاب؟ قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴾ إلى آخره [الشعراء: ٢٠٤])، يعني: أنه إذا أتاهم العذاب بغتة يقولوا: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾، هذا الاستفهام للتمني؛ يعني: ليتنا ننظر، هذا هو الظاهر، والمؤلف حمله على ظاهره على أنه للاستفهام الاستخباري، ولهذا يقال قال: (فيقال لهم: لا)؛ يعني: لن تنظروا، ولكن إذا جعلناه للتمني؛ أنهم يتمنون أن ينظروا ما احتاج إلى جواب.
قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾، سبق أن الهمزة في مثل هذا التركيب إما أنها داخلة على جملة مقدرة بحسب السياق، أو أنها داخلة على الجملة الموجودة، وأصل العطف الذي بعدها حرف العطف الذي بعدها قبلها ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾، وهذا من باب التوبيخ والإنكار عليهم؛ يعني أيستعجلون بعذاب الله؟! وهو سبحانه وتعالى قريب الأخذ، فهو ينكر عليهم هؤلاء الذين يستعجلون بعذاب الله كيفية استعجالهم بالعذاب هل هو بالفعل ولَّا بالقول؟
* طالب: بالقول والفعل.
* الشيخ: نقول: بالقول وبالفعل؛ أما القول فإنهم ﴿يَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس ٤٨]، وأما الفعل؛ فإن إيغالهم في الكفر والمعاصي موجب لأن يعاجلوا بالعقوبة، فصار هذا الإنكار عليهم سواء كانوا يستعجلون قولًا كما قال المؤلف: (قالوا متى هذا العذاب)، أو كانوا يستعجلون فعلًا؛ بأن يوغلوا ويتعمقوا في الكفر والمعاصي، فإن ذلك من استعجال عقوبة الله.
قال الله تعالى: (...).
يقول الله تعالى: أخبرني أيها المخاطب إن متعنا هؤلاء سنين، وأمهلناهم ولم نعاجلهم بالعقوبة حتى بلغوا غاية المتعة في هذه الدنيا، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون، ماذا ينفعهم هذا التمتيع؟! في الحقيقة لا يزيدهم إلا حسرة والعياذ بالله، وإلا زيادة في العقوبة في النار؛ لأنه كلما كثرت معاصي الإنسان ازداد، هذا مثلًا في الحقيقة يُطبق على كل من قال لنا في شخص: إن هؤلاء الكفرة قد أنعم الله عليهم، وفتح عليهم الدنيا؛ الأمطار تأتيهم كل وقت، والأرض مخصبة، وهكذا، نقول له: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٥ - ٢٠٧]، ونقول: إن هذا أشد في وقع العذاب في قلوبهم؛ لأن الإنسان اللي يؤخذ على رغد من العيش وهناء وطمأنينة أشد من الذي يؤخذ على بأس، يمكن اللي في بأساء والضراء يمكن يرى أن الموت أريح له، لكن المأخوذ -والعياذ بالله- على شدة النعمة وقوتها أشد.
وقد ذكرنا لكم أنه بينما كان ابن حجر رحمه الله وهو قاضي القضاة في مصر صاحب فتح الباري يمشي على العربة، وعلى يمينه ويساره الناس والحشم والخدم، مَرَّ برجل زيات يهودي كله وسخ من الزيت، فأوقفه اليهودي قال له: يا سيدنا -أظن أو كلمة نحوها- إن نبيكم يقول: «إِنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٥٦ / ١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، والآن أنت مؤمن وأنت في هذا النعيم، وهو يهودي كافر وهو في هذا الجحيم والعذاب؟ قال له: نعم صحيح، لكن ما مُتِّعْتُ به من النعمة هو بالنسبة إلى نعيم الآخرة سجنٌ، وما أنت فيه من البأساء هو بالنسبة إلى عذاب الآخرة نعيم وجنةٌ، ففتح الله على هذا اليهودي فأسلم، عرف أن هذا صحيح وخاف من هذا؛ لأن اليهود يعرفون ويُصدِّقون بالكتب السماوية لكنهم يستكبرون عن الانقياد لها، فيقال: إنه أسلم.
فالحاصل أن هؤلاء إذا مُتِّعُوا طويلًا في الدنيا ونعيمها ثم جاءهم العذاب، فماذا يغني عنهم هذا المتاع؟ لا يُغْني شيئًا.
فقولُه: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾ ﴿مَا﴾ لك أن تقول: إنها نافية، ولك أن تقول: إنها استفهامية لكنها بمعنى النفي. وأيهما أبلغ؟ أن تكون استفهامية بمعنى النفي؛ لأن الاستفهام الذي بمعنى النفي يتضمن النفي وزيادة؛ إذ إنه مُشرب معنى التحدي، ما أنت صانع بي؛ يعني: أتحداك أنك تصنع بي شيئًا، ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٧]؛ يعني يتحداهم أن يغني عنهم شيئًا، فإذا كانت (ما) صالحة للنفي والاستفهام حملت على الاستفهام أولى وأبلغ؛ لأنه مثلما قلنا: تدل مع النفي على؟
* طالب: على زيادة المعنى.
* الشيخ: زيادة المعنى والتحدي.