Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — النمل 27:35 – النمل 27:43

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. النمل 27:35
  2. النمل 27:36
  3. النمل 27:37
  4. النمل 27:38
  5. النمل 27:39
  6. النمل 27:40
  7. النمل 27:41
  8. النمل 27:42
  9. النمل 27:43

النمل 27:35

قال: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ [النمل ٢٠] ﴿الطَّيْرَ﴾ (أل) هذه للعهد أو لعموم الجنس؟ أقول: إنها للعهد؛ لأنها تعود على الطير المذكور. ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ [النمل ١٧]، وعلى هذا فيكون تفقّده للطير في نفس هذه المسيرة. ﴿تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ يقول: (تفقد الطير ليرى الهدهد الذي يرى الماء تحت الأرض، ويدل عليه بنقره فيها لتستخرجه الشياطين لاحتياج سليمان إليه للصلاة فلم يره)، هذا من كيس المؤلف. يقول: ﴿تَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ لأجل يدور الهدهد، الهدهد (...)؟ يرى الماء تحت الأرض، ولو رأى الأنهار تجري تحت الأرض نقر بمنقاره، يعني قال: احرثوا هنا، ثم يأمر الشياطين فتحفر. * طالب: ما الدليل؟ * الشيخ: الدليل أنها (...)، هذا من يقول هذا؟ بل إن تفقده للطير لأنه -كما سلف- كان عليه الصلاة والسلام منظمًا لجنوده، وتفقد أين ذهب؟ ولهذا ما قال: تفقد الهدهد أو الهداهد، بل قال: تفقد الطير كله؛ لأنكم تعرفون أن الطيور تسبح في الهواء، فقد يشذ منها شيء، فهو عليه الصلاة والسلام تفقدها لأجل تكميل التنظيم. ثم إن قولهم أو دعواهم أن الهدهد يرى اللي تحت الأرض، هذا ما هو بصحيح، ادفن حب أنه خلى الهداهد تيجي هنا، تراها ولَّا ما تراها؟ ما تراها بالتأكيد، وهذا شيء إذا لم ترَ الحب القريب كيف ترى المياه البعيدة؟ المهم أن الهدهد مثل غيره ينحجب نور عينيه بالكثافة، ولا يرى شيئًا. ثم إن سليمان عليه الصلاة والسلام ليس بحاجة إلى هذا، بل إن سليمان من هذه الناحية كغيره من البشر، إن وجد ماءً انتفع به، وإن لم يجد فإن الله تعالى ييسر له الماء بأي وسيلة. قال: ﴿تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ ﴿مَا﴾: اسم استفهام، وهل الغرض منه الاستخبار أو الاستنكار؟ * طالب: الاستخبار. * الشيخ: قيل: الغرض الاستخبار أنه يسأل سؤالًا حقيقيًّا، يقول: أين الهدهد؟ وقيل: إنه استنكار، والظاهر أنه لا وجه له؛ لأن الأصل في الاستفهام الاستخبار. قال بعضهم: وفي الآية قلب، وأن التقدير: ما للهدهد لا أراه، ولكن هذا ليس بصحيح، بل الآية على ترتيبها، فهو يسأل، يقول: ليش أني ما أشوف الهدهد؟ هل هناك مانع منعني من رؤيته أو أنه كان غير موجود؟ ولذلك أضرب عن الأول وقال: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾، و(أم) هذه منقطعة، و(أم) المنقطعة -كما مر علينا عدة مرات- تكون بمعنى: (بل)، والهمزة يعني: بل أكان من الغائبين؟ وحينئذٍ أضرب عن الكلام الأول، وعرف أنه لا علة في بصره، وإنما العلة غيبة هذا الهدهد. ثم قال عليه الصلاة والسلام: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ فلم أره لغيبته، فلما تحققها قال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا﴾ [النمل ٢١] تعذيبًا شديدًا. ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ الجملة هذه مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي: اللام الموطئة للقسم، والقسم قبلها مُقدّر. هذان اثنان، والثالث: النون، ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾. ويقول: ﴿عَذَابًا﴾ قال المؤلف: (تعذيبًا)، إشارة إلى أن عذابًا اسم مصدر؛ لأن عذَّب مصدرها (تعذيبًا)، واسم المصدر منها (عذابًا)، نظيرها: كلَّم مصدرها (تكليمًا)، واسم المصدر منها (كلامًا). سلَّم (تسليمًا)، واسم المصدر (سلامًا). لأعذبنه تعذيبًا شديدًا، ما هو الشديد على رأي المؤلف؟ بنتف ريشه وذنَبه ورميه في الشمس فلا يمتنع من الهوام، هذا شيء عجيب، تقدير هذا التعذيب بهذا الشيء على أي دليل؟ ولهذا بعضهم قال: إن هذا التعذيب الشديد اللي قاله المؤلف، هذا النتف، ويخلى بالشمس مسكين ما عنده ريش ولا شيء. بعضهم يقول: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أحبسه مع شيء ليس من جنسه، أحط الهدهد مع العصافير، يقولون: من أشد العذاب على الحيوان أن يحشر في غير جنسه، لو يُحطّ الآدمي مع الجن يتعذب، أو الجن مع الآدمي يتعذّبون، ولكن هذا أيضًا ما هو بصحيح؛ لأننا نشاهد الآن أن أشياء تُجعل مع أجناسها ولا تتعذَّب، واحد عنده مواشي بقر وغنم وإبل والغنم ضأن ومعز، مين بيسوي ذلك بحوش واحد ولا تتعذب؟ فالصواب: أن هذا التعذيب الذي قاله سليمان غير معلوم لنا، إنما هو عذاب شديد، والله تبارك وتعالى لم يبيّنه، ولكن يكفي أن نعرف أنه شديد، هذا واحد. ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ لأذبحن هذه للتنويع؛ يعني إما هذا أو هذا. وقوله: ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ يقول: بقطع حلقومه، هذا صحيح، يعني (...) للذبح إما بقطع الحلقوم والمريء؛ يعني من عند الرقبة. الثالث: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾ بنون مشددة مكسورة، أو مفتوحة يليها نون مكسورة، ﴿لَيَأْتِيَنِّي﴾ هذه واحدة. ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِي﴾ ، شوف بنون مشددة مكسورة: (يَأْتِيَنِّي)، أو مفتوحة ويش المفتوحة؟ * طالب: بنون أن يأتي. * الشيخ: بنون، لا، نون مشددة مكسورة، أو مفتوحة يليها نون مكسورة. * طالب: والياء. * الشيخ: إي، (يَأْتِيَنَّنِي)، هذه القراءة الثانية. ﴿لَيَأْتِيَنِّي﴾، ﴿لَيَأْتِيَنَّنِي﴾ . ويش الفرق بينهما؟ * طالب: الإتمام. * الشيخ: إي، فيها نون وقاية، إما تُحذف أو توجد، وإلا نون التوكيد موجودة، نون التوكيد هي مشددة، لكنها إن حُذفت للوقاية كُسِرت نون التوكيد (يأتينِّي)، وإن لم تُحذف: (يأتينَّني)، فإنها تبقى مفتوحة. هذا أمر ثالث، فتوعده سليمان بواحد من أمرين إلا إذا أتى بشيء، ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ببرهان بيِّن ظاهر على عذره. (سلطان) كلمة سلطان ترد كثيرًا في القرآن، ومعناها العام: هي السلطة التي يتمكن بها الإنسان من الوصول إلى غرضه، هذا معناها العام، السلطة التي يتمكن بها الإنسان من الوصول إلى غرضه، هذا السلطان، فتارة يكون المراد به الدليل، ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات ١٥٦]، وتارة يُراد به القدرة: ﴿لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣]، وتارة يُراد به البينة مثل هذا. قوله: ﴿لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ يعني ببينة على عذره، والمعنى العام للسلطان ويش قلنا؟ السلطة التي يتمكن بها الإنسان أو صاحبها من الوصول إلى غرضه، سواء كان ذلك دفاعًا عن نفسه أو إثباتًا لأمر. وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ فسّرها المؤلف ببيّن، ولا تصلح بمعنى (مُظهِر)، يعني ما تصلح متعدية؛ لأن المؤلف الآن فسرها بأنها لازمة، تصلح أيضًا متعدية، يعني بسلطان مُظهِر لعذره، ونحن إذا فسّرناها بهذا نكون أخذنا بالتفسير الذي فسر به المؤلف وزيادة. ﴿فَمَكَثَ﴾ بضم الكاف وفتحها؛ مكَث ومكُث، والفاعل مَنْ؟ الهدهد، ويحتمل أن يكون الفاعل سليمان؛ يعني: بقي غير بعيد؛ أي: يسيرًا من الزمان وحضر لسليمان. قوله: (وحضر لسليمان) ويش الدليل عليه؟ * طالب: بحضرته. * الشيخ: لأنه قال: إنه غائب في الأول: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾، والغائب ما يُخاطب إلا إذا حضر، ولكن قول المؤلف: متواضعًا برفع رأسه وإرخاء ذنبه وجناحيه، هذا من الأمور اللي ما ندري عنها. * طالب: الظاهر المؤلف كان معه! * الشيخ: إي، كأنه معه؛ يعني الهدهد جاء ووقف، ورفع رأسه، ونزَّل ذنبه وجناحيه. * طالب: لا، هذا استنباط من الطيور المشاهدة. * طالب آخر: فيها تقدير يا شيخ في المعنى. * الشيخ: بس ما يمكن أن نقول هذا أبدًا، ما يمكن نصف كيف جاء، إنما يكفينا أن نقول ما قال الله تعالى في القرآن، ونحن ذكرنا قبل قاعدة: كل ما سبق فإنه لا طريق لنا إلا العلم به إلا من طريق الوحي: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩] ما من طريق إلا الوحي؛ إما في القرآن أو في السنة الصحيحة. ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل ٢٢]. ﴿أَحَطْتُ﴾ يعني: يتكلم عن نفسه. ﴿أحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ يخاطب من؟ * طالب: سليمان. * الشيخ: سليمان، وفي الحقيقة أن هذا الهدهد قوي له ضلوع قوية جدًّا كما يقولون، كيف يخاطب سليمان وله هذا الملك العظيم ويقول: ﴿أحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾، ما قال: بما لم تحيطوا به، ما جاء بصيغة التعظيم، ونحن الآن بشر ونخاطب بعض الأحيان المدير ولَّا من فوقه، ونقول مثلًا: أنتم، سيادتكم، ولَّا سعادتكم، ولَّا حضرتكم، (...) أكبر من اللازم، من أنه مثلًا بشر، وكل هذه في الحقيقة كل هذه من الأمور الشكلية التي لا تنبئ عن شيء ولا تنبغي أيضًا، الصحابة يخاطبون الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الخطاب، وهو أشرف عندهم من كل بشر، وكذلك الخلفاء الراشدون ما كانوا يُخاطبون بمثل هذا. ومن عجب الأمة أن بعض هؤلاء الذين يخاطبون بمثل هذه الألقاب تجد قلوبهم تغلي على هؤلاء المخاطَبين، فيكون هذا الخطاب كأنه تهكُّم بهم، ولو أن الناس تخاطبوا فيما بينهم على خطاب عادي، هذا الهدهد ويش مقامه مع سليمان؟ جند من جنده الأضعفين، ومع ذلك يقول بهذه الصراحة: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾، وهذا أول ما كلّمه بعد، على طول، لكن في الحقيقة إنه فيه نوع من الأدب، ما قال مثلًا: أنت جاهل ولا تعرف، وأنا عرفت ودورت ولقيت شيئًا ما تدري عنه، بل قال: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ يعني لأجل أن يعرف سليمان قدره، وأنه ليس محيطًا بكل شيء، فهذا الهدهد صار أشد إحاطة منه، والإنسان البشر ضعيف في كل شيء، حتى ما أحد علمنا كيف نقبر موتانا إلا؟ * طالب: الغراب. * الشيخ: إلا الغراب مما يدل على أننا لسنا بشيء في الواقع. ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ يشبهها قول إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم ٤٣] ما قال: يا أبتِ إنك جاهل، وهذا من اللطافة في الأسلوب، هنا قال: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ والكلمة شديدة؛ أي: اطلعت على ما لم تطلع عليه. ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل ٢٢، ٢٣] إلى أن قال: ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل ٢٧] سليمان قابله بعد (...)، وأكّد الخبر، ﴿جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾، ومع ذلك قال له: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. هذا بعد صدمة على الهدهد؛ لأن الهدهد كان متيقنًا، ومع ذلك قيل له: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، ليش قال سليمان هذا مع أنه يقول له: بنبأ يقين؟ لأن حقيقة الأمر أن كلام الهدهد في مقام الدفاع عن نفسه، مدافع؛ لأنه متوعَّد بالعذاب الشديد أو بالذبح، أو بخبر بسلطان مبين، فهو لما كان في مقام الدفاع احتاج أن يتثبت هذا ببينة، وقد وقع مثل ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، استأذن عليه أبو موسى ثلاث مرات ثم انصرف، فلما (...) في ذلك قال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ، قال: ائت ببينة على ما تقول مع أن أبا موسى صحابي ثقة، ما يمكن يتقوَّل على الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن المقام يقتضي؛ ويش يقتضي؟ زيادة التثبت؛ لأن الإنسان قد يفهم من النص ما ليس مرادًا، فلذلك طلب عمر من أبي موسى أن يأتي بشاهد. هنا هذا الهدهد، سليمان عليه الصلاة والسلام مع أنه قد تيقن له الخبر؛ يقول: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، ثم أعطاه آية وقرينة: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [النمل ٢٨]. والقصة في الحقيقة عظيمة جدًّا فيها فوائد كثيرة. ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ﴾ يقول: ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ بالصرف وتركه بالصرف ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾، وتركه: (من سبأَ) كذا؟ * طالب: لا، عكس. * الشيخ: عكس؟! * الطالب: (مِنْ سَبَأَ) هذا ممنوع من الصرف. * الشيخ: إي، هذا عدم الصرف، صح، و﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ هذا الصرف، (مِن سَبَأَ) جُرَّ بالفتحة؛ لأنه اسم لا ينصرف و﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ جُرَّ بالكسرة؛ لأنه اسم ينصرف، على أي اعتبار جعلناه إما مصروفًا أو عدمه؟ قال: قبيلة باليمن سميت باسم جد لهم باعتباره صُرف (...). * * * معناه لأن يعلم أهل الكتاب، فزيدت اللام توكيدًا؛ فالمؤلف يرى أن هذه الآية مثل الآية التي ذكرها شاهدًا لها وهي زيادة (لا)، ويرى آخرون من المفسرين خلاف ما رآه المؤلف، ويقولون: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ انتهت الجملة، وأن قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [النمل ٢٥] بمعنى: هلَّا يسجدوا، وأنها للتقدير، ولكن هذا التقدير فيه إشكال أيضًا، وهي حذف النون من الأفعال الخمسة بدون ناصب ولا جازم؛ لأن (ألا) لا تنصب ولا تجزم. وإذا قلنا: إن يسجدوا أن (ألا) للتحضيض، وهي لا تنصب ولا تجزم، ونظرنا إلى ﴿يَسْجُدُوا﴾ وجدنا أن فيها حذف النون نصبًا أو جزمًا، وهنا ليس فيه ناصب ولا جازم، فهو محل إشكال، ولكن الجواب عن هذا قد يكون سهلًا؛ لأن حذف نون الأفعال الخمسة لغير ناصب ولا جازم جائز، ووارد في اللغة العربية، ومنه قول النبي ﷺ: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا»[[أخرجه مسلم (٥٤ / ٩٣)، وأحمد في المسند (١٠٦٥٠) من حديث أبي هريرة واللفظ لأحمد.]]. «لَا تَدْخُلُوا» (لا) نافية ما تنصب ولا تجزم، ومع ذلك حُذفت النون، ولم يقل: لا تدخلون الجنة. فالجواب على هذا أن يقال: إن نون الأفعال الخمسة قد تُحذف بدون ناصب ولا جازم لا سيما في مثل هذا التعبير: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ الدال على التحضيض، فإن حذف النون هنا يسهّله وجود هذا الحرف السابق للفعل. وعلى كل حال، إذا كانت على تقدير المؤلف؛ فإن هذه الجملة بالنسبة لما قبلها كالمؤكدة، لما قال: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل ٢٤] هذا يقتضي ألَّا يهتدوا إلى الحق وإلى أن يسجدوا لله سبحانه وتعالى. وأما على القول الثاني: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ أن ﴿أَلَّا﴾ للتحضيض؛ بمعنى: هلّا، فإنه يدل على أن الهدهد انتقدهم بهذا الفعل، وبين أن الأولى بل الأوجب أن يكون السجود لله سبحانه وتعالى، وتكون الجملة منفصلة عما قبلها. وقوله: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ مصدر بمعنى المخبوء من المطر والنبات. ﴿فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ويعلم ما يخفون في قلوبهم وما يعلنون بألسنتهم. ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ ﴿الْخَبْءَ﴾ بمعنى (المخبوء) كما قال المؤلف، فهو مصدر بمعنى اسم المفعول، والمصدر بمعنى اسم المفعول وارد في اللغة العربية كثيرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق ٦] أي: محمول؛ لأن الحمل فعل المرأة، وأما المحمول فهو الجنين، وكذلك قوله: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]، ومنه قول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة، واللفظ لمسلم. ]]؛ أي: مردود. ومنه أيضًا قول الله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان ١١]. ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ أي: مخلوقه وليس فعله، فالخبء هنا بمعنى المفعول، قال: من المطر، هذا باعتبار المخبوء في السماء، والنبات؟ * طالب: المخبوء في الأرض. * الشيخ: هذا المخبوء في الأرض، فالله تبارك وتعالى هو الذي يخرج ما في هذا وما في هذا، في السماوات والأرض ويعلم ما يخفون في قلوبهم وما يعلنون بألسنتهم، ولم يُشر للمؤلف إلى القراءة الثانية، وهي سبعية في قوله: ﴿يُخْفُونَ وَيُعْلِنُونَ﴾ ، فإن الذي في المصحف قراءة عاصم ما هي؟ * طالب: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾. * الشيخ: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ يخاطب بذلك سليمان. وقوله: (ما تخفون في قلوبكم وما تعلنونه بألسنتكم) فيه نظر تقييده بالألسنة، لو قال: بألسنتكم وجوارحكم؛ لأن ما يُفعل بالجوارح معلن، كما أن ما ينطق به في اللسان مُعلن أيضًا. ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾، وهذان الوصفان إخراج الخبء والعلم بما يخفي العبد وما يعلنه لا يكون لأحد من المخلوقين، لا للشمس ولا لغير الشمس، وإنما ذلك خاص بالله تبارك وتعالى، ولهذا جعله الهدهد جعله من الأسباب التي تستلزم أن تكون العبادة لله وحده؛ لأنه العالم بها، ولا يمكن يؤتى بوصف يستلزم العبادة إلا إذا كان خاصًّا بالله؛ لأنه يؤتى بهذا الوصف استدلالًا على بطلان عبادة ما سواه، ولو كان من ما يمكن أن يكون لله لم يكن ذلك دليلًا على اتصاف الله تعالى بالعبودية؛ إذ قد يقول العابد للشيء: وهذا وصف أيضًا موجود في معبودي فأنا أعبده. فالمهم أنه لا يمكن أن تُقام الحجة إلا بدليل خاص في المحتج له؛ يعني بمعنى أنه ما يمكن أن تقوم الحجة بأن العبادة لله وحده إلا بوصف أيش؟ * طالب: خاص. * الشيخ: خاص بالله، لأنك لو احتججت بوصف يكون لله ولغيره لكان العابد لغير الله يقول: وهذا وصف أيضًا ممكن بمعبودي، فلا يدل على أنه مما يختص به الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل ٢٦] استئناف جملة ثناء مشتمل على عرش الرحمن في مقابلة عرش بلقيس، وبينهما بون عظيم. يقول هذا الهدهد: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وهذه كلمة التوحيد، والمؤلف يقول: (إنها جملة استئنافية للثناء على الله تبارك وتعالى بما لا يكون لغيره)، فالأول ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿وَيَعْلَمُ﴾، هذا يتعلق بتوحيد الربوبية. والثاني: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ بتوحيد الألوهية؛ أي: لا معبود سواه، لكن لا معبود بحق، إذ هناك معبودات سوى الله سبحانه وتعالى بغير حق، فإذن: أثنى على الله سبحانه وتعالى بصفة الربوبية وبصفة الألوهية، وربما نقول أيضًا: وبصفة الأسماء والصفات؛ لأن توحيد الربوبية مستلزم للأسماء والصفات؛ إذ إن التصرف في الخلق والتدبير والعلم كل هذا من الصفات. قال: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ﴿رَبُّ﴾ بمعنى صاحب ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾؛ أي: صاحبه، كما تقول: رب الدابة؛ أي: صاحب الدابة. وقوله: ﴿الْعَرْشِ﴾ هذه (أل) للعهد الذهني؛ أي: العرش المعهود في أذهان الخلق العظيم، بخلاف عرش بلقيس، ولهذا قال: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ وهنا قال: ﴿الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ بـ(أل)، والتعبير ظاهر جدًّا في الفرق بينهما؛ لأن عرش نكرة، والعرش معرفة، فدل ذلك على أن هذا العرش عرش عظيم معلوم مفهوم في الأذهان، بخلاف الأول. ويقول المؤلف: (إنه قاله في مقابلة عرش بلقيس) نعم، هذا صحيح، يعني واضح أنه قال لأجل أن يبين أن صاحب العرش العظيم هو المستحق؛ لأن يكون مالكًا، وأما هذه الملكة فإن لها عرشًا وليس لها العرش، فقال: ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ يقوله سليمان، والسين -كما مر علينا- تدل على؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، تدل على التحقيق مع التراخي، لكنها تدل على التحقيق. ﴿سَنَنظُرُ﴾ أي: معناه أن نظرَنا هذا محقق، لكنه سيكون له مقدمات، فهي تدل على التأكيد. ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ ولم يقبل كلامه من أول الأمر، لماذا؟ خشي أن يكون أتى بذلك دفاعًا عن نفسه، ونظير هذا ما سلكه عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أبي موسى الأشعري حين استأذن ثلاثًا وانصرف، ثم حدثه أن النبي ﷺ أمر بذلك، فطلب منهم أن يشهدوا له. فهنا يعني التُّهم أو عدم الثقة في القول لها أسباب؛ من جملتها: أن يكون المخبر على هذا الوصف يتضمن إخباره دفاعًا عن نفسه، فهنا مهما كان من الثقة تجد أنك تتردد في قبول هذا الخبر. * طالب: سؤالي يا شيخ هو قوله: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ مع قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ ما يقتضي مما قدم (...) كونهم لا (...)؟ * الشيخ: لا؛ لأن معنى قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ يجب أن يفرد الله تعالى بالسجود (...) فيكون مناط الذنب كونهم يُخصِّصون الشمس بالسجود، وكذلك أيضًا لو أشركوا بها مع الله، (...) لهذا ولهذا؛ لأنه ما يمكن يزول الذنب إلا إذا خُصِّص السجود لله وحده. * طالب: يا شيخ، قراءة: ﴿أَلَا يَا اسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ (...). * الشيخ: قراءة قد تكون (ألا) أيضًا افتتاحية؛ لأن (يا) حرف نداء، والمنادى محذوف؛ يعني: ألا يا قوم اسجدوا لله، أو تكون (يا) للتنبيه، نظيرها قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس ٢٦]، ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ﴾ [النساء ٧٣] فإن (يا) هذه إما أن تكون للتنبيه؛ لأنها لا تدخل على الأفعال ولا على الحروف، وإما أن تكون للنداء والمنادى محذوف. * طالب: سبعية؟ * الشيخ: ما أعرف ولَّا من الشواذ؟ قال: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ فيما أخبرتنا به، ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾؛ أي: من هذا النوع، فهو أبلغ من أن كذَبْت فيه. ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِين﴾ صريح؛ الأول أنه فعل، وهنا قال: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾؛ أي: من هذا النوع، فهو أبلغ من أن كذبت؛ لأنه يدل على الوصف الدائم؛ من الكاذبين، فهو أبلغ من قوله: أم كذبت؛ لأن أم كذبت فعل، والفعل قد يكون مرة، لكن ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هذا وصف يدل على استمرار الكذب فيه، هذا ما قرره المؤلف، وعندي أن فيه لباقة في تعبير سليمان للهدهد؛ لأن مصارحته ومقابلته بقوله: أم كذبت أشد وقعًا من قوله: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، أشد؛ يعني معناه: أم كنت من الكاذبين أهون مما لو قال: أم كذبت، فهي في الحقيقة من جهة أشد في النظر إلى أن قوله: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ وصف لازم، ومن جهة المخاطبة أهون من قوله: أم كذبت، فهذا وجه الاختلاف بين قوله: ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِين﴾. يقول: ثم دلَّهم على الماء فاستُخرج وارتووا وتوضؤوا وصلوا، ثم كتب سليمان كتابًا صورته: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ، بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا عليَّ وأتوني مسلمين، ثم طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه، ثم قال للهدهد: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا﴾. كل هذه من (...) التي لا دليل عليها في القرآن، كونه دلّهم على الماء فاستخرجوه وارتووا، وتوضؤوا، وصلّوا أيضًا ما فيه.. * طالب: عودًا على بدء. * الشيخ: وين؟ * الطالب: لأن (...) قرر في أول الأمر أنهم طلبوا (...). * الشيخ: إي، تفقده لذلك، لا، بل لأنه يعلم محل الماء، ولكننا نقول: هذا لا دليل عليه، ولا يجوز لنا أن نعتقده، ولا أن نكذّبه، هذا إذا صح عن بني إسرائيل من بعد أيضًا؛ لأن فيه آفة، (...) بيننا وبين بني إسرائيل، من رواه عن بني إسرائيل؟ فإذا صح عن بني إسرائيل، وأنه مما حدثوا به هذه الأمة نقول فيه: إنه لا يُصدق ولا يُكذب؛ لأن ما فيه شيء يعارض كتابنا، ولا في كتابنا ما يؤيده، وإلا لو كان في كتابنا ما يؤيده قبلناه، ولو كان في كتابنا ما يعارضه رددناه. * طالب: يا شيخ، قوله: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، هل يحق لسليمان أن يصفه بمجرد الفعل هذا وصفًا مطلقًا؟ * الشيخ: لا، هو من الكاذبين الذين من دأبهم الكذب، ما وصفه، فكون هذا من الكاذبين إما أنه من دأبه الكذب، أو في جملتهم، وقد يكذب مرة واحدة، وهو أيضًا ما وصفه، هو ما وصفه؛ لأن قوله: ﴿أَصَدَقْتَ﴾ مقابل لقوله: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، فلا يُعلم هل يكون متصفًا بقوله: أصدقت، أو بقوله: أم كنت من الكاذبين، ما وصفه، متردد ينظر. * طالب: لا، لو ثبت، هل يحق أن يوصف؟ * الشيخ: لا، ما يحق أن يُوصف بأنه من الكاذبين المتصفين بها دائمًا، ولكنه -كما قلنا- هذا من باب التلطّف في الخطاب. * طالب: إذن هذا يكون الأرجح؟ * الشيخ: هو أرجح، وكل واحد له وجه، يعني أصلًا ما بينهم تعارض حتى نقول بالترجيح، ما بينهم تعارض، فكونه من الكاذبين، هذا أشد إذا كان وصفه الكذب، وكونه لم يخاطبه قال: أم كذبت، يكون أهون، مثل قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام للضيوف: ﴿سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾ [الذاريات ٢٥] ما قال: أُنكركم، لا أعرفكم، بل قال: ﴿سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾، فهذا من باب التلطّف في التعبير. قال: ثم قال للهدهد: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل ٢٨]. إذا قال قائل: قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾ يقتضي أنه صدقه، فهل هذا صحيح، أو هذا اختبار له؟ لأن قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ﴾ ويش يدل عليه؟ على أنه صدَّقَه في ذلك، ولهذا كتب لهم، أو يقال: هذا من جملة الاختبار؟ يعني أنه إذا كان كاذبًا فسيقول: ما فيه أحد، ما وجدت أحدًا مثلًا، فيكون هذا من جملة وسيلة الاختبار العائدة على قوله: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾. وقد يقال: إن قوله: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ أن في الآية تقديرًا، فنظر وتحقق صدقه فأعطاه الكتاب، هو الآن الله أعلم بما جرى، فإما أن يكون هذا الكتاب من جملة اختباره، مثل ما لو أخبرك إنسان بخبر تقول مثلًا: روح جب لي منه ذكرًا، لو قال مثلًا: تباع السلعة الفلانية الآن في السوق، قلت: يا الله! ها جاء (...) خذ روح جب لي مثلًا منها شيئًا، ويش (...). * طالب: أتحقق. * الشيخ: أختبر هل هو صحيح ولَّا لا؟ وإن كان ظاهرًا فعلي لما أعطيته الفلوس ليشتري ظاهر فعلي أنني؟ * طالب: صدقته. * الشيخ: صدقته، لكن قد يكون هذا من وسائل الاختبار. فالحاصل إذا كان سليمان عليه الصلاة والسلام تحقق هذا الأمر، ثم أرسل بالكتاب فالأمر ظاهر، ولكن ليس في القرآن ما يدل على ذلك، فنقول: إن إعطاءه الكتاب من جملة الوسائل التي تبين صِدْقه. وقوله: (﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾ أشار إليه للتعيين؛ لأن سليمان يكتب لهم ولغيرهم، ولكنه عين الكتاب الذي كتبه لهم. ﴿فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ﴾ أي: بلقيس وقومها. ﴿ثُمَّ تَوَلَّ﴾ انصرف عنهم وقف قريبًا. ﴿فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ يردون من الجواب، فأخذه وأتاها وحولها جندها، وألقاه في حجرها، فلما رأته ارتعدت وخضعت خوفًا، ثم وقفت على ما فيه، ثم قالت لأشراف قومها: يا أيها الملأ). ذهب به الهدهد فألقاه إليهم؛ أي: طرحه بين أيديهم، وتولى عنهم كما أرشده سليمان، ولكن هذا التولّي ليس بعيدًا بدليل قوله: ﴿فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾، فإن قوله: ﴿فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ يدل على أن هذا التولي يكون قريبًا منها، وفيه من الفوائد ما يأتي إن شاء الله. ثم ﴿فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ أخذت الكتاب وقرأته، ثم قالت لأشراف قومها: ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ﴾ [النمل ٢٩]، والملأ كما بين المؤلف: هم الأشراف، وهنا نادتهم: يا أيها الملأ، إشارة إلى علوّ مرتبتهم في دولتها؛ لأن ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ما تكون إلا للبعيد، ما قالت: يا ملأ، بل قالت: ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي﴾ بتحقيق الهمزتين الملأ إني، وتسهيل الثانية بقلبها واوًا، ﴿المَلَأُ وِنِّي﴾ بقلبها واوًا مكسورة؛ لأنه إذا جاءت الهمزة بعد الضم جاز أن تقلب واوًا، قاعدة في اللغة العربية، ومنه قول كثير من المؤذنين: (الله وكبر)؛ لأنه يجوز: الله أكبر، ويجوز: (الله وكبر)، فالهمزة إذا وقعت بعد ضم يجوز أن تُسهل إلى واو، وعلى حسب الحال: إن كان يقتضي الكسرة كُسرت، أو يقتضي الضم ضُمت أو الفتح. قال: (بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بقلبها واوًا مكسورة، ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] مختوم). يعني: فسّر الكريم بالمختوم؛ يعني لأن ختمه دليل على أهميته، فالكتب والرسائل المختومة يعتنى بها، وحتى الآن إذا كان الشيء مهمًّا تجده يُختم بالشمع وما أشبه ذلك لئلا يُزوّر، ولكن تفسير الكريم بالمختوم ما هو بصحيح؛ لأن الختم دليل على كرمه، وليس هو معنى كرمه، فالكريم معناه المتضمن للمعاني العظيمة المؤثِّرة. وفي قولها: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ﴾ ما قالت: ألقى الهدهد؛ لأن الظاهر أنه مر هكذا، ثم حذفه عليها، وليس معناه: أنه جاء ووقف بين يديها وأعطاها الكتاب، وهذا ربما يكون أبلغ في الهيبة أنه يعطيها وهو ماضٍ، بخلاف ما لو وقع بين يديها فإنه لا يكون هيبة، على أنه لو وقع بين يديها فمقتضى كونه هدهدًا أن تُمسكه، ولكنه ألقاه إلقاءً. ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الكتاب. ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ ولم تنسبه إلى أبيه؛ لأنه كان معروفًا ومعلومًا عندهم؛ أنه عليه الصلاة والسلام رسول أعطاه الله تعالى من الملك ما لم يعطه غيره. ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: مضمونه. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣٠، ٣١]، ولا فيه السلام على من اتبع الهدى ولا أما بعد، كما قال المؤلف. * طالب: ويش (...)؟ * الشيخ: يمكن أنه من أخبار بني إسرائيل أو على العادة في الكتب، إنما سليمان أتى بأدنى ما يمكن فهمه والمقصود منه. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ لكن قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هل إن سليمان قال: من سليمان إلى بلقيس ولَّا لا؟ * طالب: هو أخر.. * الشيخ: لا، ما قال ذلك، ولكنه لعلها فهمته إما بتوقيع أو بكتابة على الظرف إن كان هناك ظرف، وإلا صُلب الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين. هذا صلبه، وهذا هو الظاهر؛ لأنه لا يمكن أن يبدأ سليمان عليه الصلاة والسلام بقوله: من سليمان بسم الله الرحمن الرحيم، بل سيبدأ بأيش؟ * طالب: بالبسملة. * الشيخ: بالبسملة قبل، فلما لم يذكر الله إلا البسملة دل هذا على أنه لم يأتِ بقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾، ولكنه لا بد أن يكون في الكتاب ما يشير إلى ذلك، وإلا لما فهمته. وقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ المقصود: الخضوع لي؛ يعني: معناه ذُلُّوا لي؛ لأنهم هم ما كانوا يعلون عليه حتى يقول: ألا تعلوا علي، وإنما أراد أن يأتوا إليه أذلة مسلمين، لله ولّا له؟ المراد: مسلمين لله، ولَّا مسلمين له أي مستسلمين؟ * طالب: مسلمين له. * الشيخ: فيه احتمال أنهم مسلمون لله، أو مستسلمون لي، ولكن هل يلزم من إتيانهم مستسلمين له أن يكونوا مسلمين لله؟ * طالب: ما يلزم. * الشيخ: ما يلزم، لكن يلزم من كونهم مسلمين لله أن يستسلموا له، وأن يأتوا مطيعين غير مخالفين، ثم قالت: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ إلى آخره [النمل: ٣٢]. (...) الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة؛ أولًا: سرعة رجوع الهدهد إلى سليمان، مما يدل على أن جنود سليمان يهتمون بشؤونهم، ولا يتأخرون عن أعمالهم؛ لقوله: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾. * ويستفاد منها أيضًا: أن سليمان وإن كان قد أعطي ملكًا عظيمًا لم يعطه أحد؛ فإنه لا يحيط بكل شيء، فهو على سعة ملكه وقوته لا يحيط بكل شيء، فغيره من باب أولى. * فيستفاد منه -الفائدة الثالثة-: وهي ضعف إدراك المرء -الإنسان- مهما بلغ من الملك ومن القوة، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، فإن هذا يبيِّن الإنسان ضعف الإنسان، ضعيف.. في كل شيء، في القوى العقلية والقوى الجسمية وكل ما يمكن أن يوصف بالقوة والضعف فإن حال الإنسان فيه الضعف. * ومن فوائد الآية: أنه يجوز أن يخاطب الرئيس بمثل هذا الخطاب، فيقال مثلًا: علمت ما لم تعلم، أو فعلت ما لم تفعل، ومثله قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه: ﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم ٤٣]. * ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي للمتكلم أن يؤكد الخبر للمخاطب عند الحاجة إليه؛ لقوله: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. فإذا قال قائل: ما فائدة تأكيده له وهو مصدر الخبر؛ لأن التأكيد إنما يفيد إذا جاء من طرف آخر يكون شاهدًا للمخبِر، فأما نفس المخبِر فكيف يقال: إن في تأكيده للخبر فائدة؟ فالجواب: أن المقصود من ذلك: زيادة طمأنينة المخبَر؛ لأنه أيضًا يدل على أن له فائدة: أنك إذا أخبرك المخبِر بخبر قد تقول له: هل أنت متأكد؟ فيقول: نعم أو لا، فإذن: تأكيد المخبِر لخبره لا يقال: إنه لا فائدة منه؛ لأنه هو مصدر الخبر، بل نقول: فيه فائدة، وهي رفع توهّم المخبِر في خبره، فيرفع هذا التوهم ويطمئن المخاطب، ولهذا قيل: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. * وفيه أيضًا؛ من فوائد الآية: أن استعمال ضمير الجمع للمخاطب المعظَّم ليس بلازم، وليس من شأن أيضًا خطاب الأنبياء والسلف، أنه مثلًا عندما يكون الإنسان معظَّمًا يقول: أتيتكم، جئتكم، وما أشبه ذلك كما هو المعتاد الآن عندنا، عندنا إذا كان المخاطب معظَّمًا، يقال: كما تريدون مثلًا سعادتكم أو سيادتكم أو سماحتكم أو فضيلتكم أو ما أشبه ذلك، لا، هذا ليس معتادًا فيما سبق، وإنما يخاطب الإنسان بما تقتضيه الحال، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام يرد السلام على المسلِّم بقوله: «عَلَيْكَ السَّلَامُ»[[أخرجه البخاري (٦٢٥١) من حديث أبي هريرة.]]، إذا سلَّم عليه أحد يقول: «عَلَيْكَ السَّلَامُ»، وإذا كانوا جماعة يقال: عليكم السلام. * الفائدة هذه الأخيرة: أنه من عادة السلف أنهم يخاطبون أو يتكلمون مع المخاطب بما تقتضيه الحال. ﴿إِنِّي وَجَدْتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ امرأة تملكهم، الضمير جمع، والعائد عليه الضمير جمع ولَّا مفرد؟ * طالب: لا، مفرد. * الشيخ: وين؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ (هم) ضمير جمع، والعائد على الضمير مفرد ولَّا جمع؟ * طالب: جمع. * الشيخ: وين؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، جمع، لكن مرجع الضمير هو مفرد ولَّا جمع؟ * طالب: مفرد. * الشيخ: وين؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن لما كان المراد به القبيلة صح أن يعود الضمير إليه جمعًا، وهذا سبق لنا الشرح، وقلنا فيها: (سَبَإٍ)، و(سَبَأَ) باعتبار القبيلة والجد. * فيستفاد من هذه الآية: ﴿وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ أن المرأة لا تصلح للملك؛ لأنه ما قال: ملكة، بل قال: ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾، والشارح المفسر تقدم أنه يقول: أي هي ملكة لهم، وأن الغرض من تفسير ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾ بملكة خوفًا من أن يقال: إنها تملكهم ملك استرقاق لا ملك تصرف، والمرأة هل يصح أن تكون ملكة؟ لا، ففي شرعنا لا يجوز أن تُولَّى المرأة على الرجال، فلا يمكن أن تكون ملكة، ولا يمكن أن تكون أميرًا، ولا يمكن أن تكون وزيرة، ولا يمكن أن تكون قاضية، كل هذا لا يجوز؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٥) من حديث أبي بكرة.]]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا اسم فقط، اسم ما هو أميرة اسم، يعني: أنها من الأمراء، من عائلة الأمراء فقط. * طالب: وسيدة؟ * الشيخ: وسيدة مثل الآن السيدة رقيقة، كل الحي يسمونها سيدة؛ كل الناس يسمونها سيدة، وهذه قد نبهنا عليها في ما سبق وقلنا: إن هذه متلقاة من الغرب الذين يقدّسون المرأة، وأن هذا ما ينبغي، ولهذا حتى بعض الكتَّاب تجدهم يقولون: السيدة عائشة، السيدة خديجة، هذا ما ينبغي، بل يقال: المرأة والأنثى، وأما السيدة فلا يصح هذا الإطلاق، لا سيما وأنه متلقى من غير (...). * وفي هذا: دليل على سعة ملك هذه المرأة، بل عظمة ملك هذه المرأة؛ لقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾، والمراد ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من مقومات الملك كما قال المؤلف المفسر. * وفيها أيضًا دليل على أنها ذات أبهة؛ لقوله: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾، وأما وصف العرش بما ذكره المفسر فلا دليل عليه. ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾. * يستفاد من هذه الآية: أن هؤلاء القوم مشركون بالله؛ لقوله: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾. * وفيه دليل على أن الشمس معبودة من قديم الزمان؛ لأن هؤلاء في زمن سليمان، وما زال إلى الآن يوجد من يعبد الشمس، ومن يعبد النار، ومن يعبد القمر، بل ومن يعبد البقر. * وفيه دليل على أن الخلق مفطورون على إنكار الشرك؛ لأن الهدهد أنكر عليهم شركهم، مع أن الهدهد ليس من العقلاء، لكن جميع الحيوانات بل والمخلوقات غير الحيوانات مفطورة على توحيد الله عز وجل ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء ٤٤]. * فيستفاد من هذه فائدة: أن المشركين شر البرية كما قال الله عز وجل، يعني: إذا كانت البهائم والجمادات تسبح الله وتعرف حقه وبنو آدم هؤلاء يشركون به؛ صاروا شر الخليقة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٦]. * وفيه دليل على أن الإنسان يُذمّ على فعله أو يُمدح على فعله؛ لأن الهدهد ساق ذلك على سبيل الذم، والغرض من ذكر هذه الفائدة: الوصول إلى أن فعل الإنسان باختياره؛ إذ لو كان مجبرًا عليه لم يصح أن يكون محلًّا للذم أو للمدح؛ لأن الذي يُجبر على العمل ما يُمدح عليه إن كان خيرًا، ولا يُذمّ عليه إن كان سوءًا، ولكنه هو فعله، فهو إذن. * وفيه دليل على إبطال قول من؟ الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله؛ لأنه إذا كان مجبرًا لم يكن أهلًا للثناء بالخير أو بالشر. * وفي هذا دليل على أن الأعمال السيئة من تزيين الشيطان؛ لقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾، فكيف يُجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل ٤] فأضاف الله التزيين إليه، وهنا أضافه إلى الشيطان، وفي آية ثالثة: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ [التوبة ٣٧] مبني للمجهول، لكن هذه ما تعارض الآيات الأخرى. * طالب: التزيين المباشر من الشيطان، لكنه بتقدير الله عز وجل. * الشيخ: يضاف إلى الله تقديرًا وإلى الشيطان مباشرة. إذا قال قائل: إن الأعمال السيئة تُزين للناس في رمضان وقد ثبت في الحديث أن الشياطين تُصفّد فيه وتُغل، ومع ذلك نرى أن كثيرًا من الخلق يزين لهم سوء الأعمال في رمضان.. على أن سبيل الله سبحانه وتعالى واحد؛ لقوله: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل ٢٤]، وسبيل الشر، بل سبل الشر متعددة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣]. ولهذا قال العلماء: الإسلام مِلّة، والكفر مِلَل: يهودية، نصرانية، وثنية، مجوسية، إلى آخره، ملل؛ يعني سبلًا متعددة، وأما الحق فسبيله واحد. فإذا قال قائل: كيف تقولون ذلك؟ وقد قال الله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦]، كيف الجمع؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، ولهذا أُضيفت إلى السلام ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ ما قال السبل: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ﴾ إذا قُيِّدت فهي على حسب ما قُيِّدت به؛ يعني يصلح أن تقول: سبل الخير، ويكون المراد بذلك الفروع الموصلة إلى الخير، فالإسلام كما أنه كله سبيل واحدة، فهو كذلك أيضًا ذو شُعب، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٩)، ومسلم (٣٥ / ٥٨) واللفظ له، من حديث أبي هريرة.]]، فهو ذو شُعب، فهذا معنى قوله: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾، ثم إنه مما يزيل الإشكال أنه أضيفت إلى السلام، فعُلم أن المراد بذلك فروع الخير. * وفيه دليل على أن من صُدّ عن السبيل -والعياذ بالله- فإنه لا يهتدي إذا زُيّن للإنسان سوء عمله فصد بذلك عن السبيل، فإنه يقل أن يهتدي؛ لقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾؛ أي: لا يسجدون لله، وهذا هو البلاء أن الإنسان يرى القبيح حسنًا، فهذا لا يكاد يقلع، لكن من كان يرى القبيح قبيحًا فإنه يمكنه أن يُقلع، ولذلك تجدون الآن مثل هؤلاء الذين يتعاملون بالحيل؛ الحيل الربوية وغير الربوية من المحرمات ما يكاد أن يقلعوا عنها؛ لأنهم يرون أنهم على حق؛ ولذلك لا يقلعون، لكن من فعل القبيح وهو يعتقده قبيحًا فإنه يوشك أن يُقلع عنه، ولهذا قال: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل ٢٤]. ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ [النمل ٢٥] على تفسير المؤلف يجب أن يوصل قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ بقوله: ﴿لَا يَهْتَدُونَ﴾؛ لأنها متعلّقة بالجهة مفعول؛ لأن التقدير: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا. * وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى هو المستحق للعبادة وحده؛ لقوله: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [النمل ٢٥]؛ إذ لا أحد يستطيع ذلك إلا الله، ما أحد يستطيع أن يخرج المخبوء في السماوات وفي الأرض إلا الله سبحانه وتعالى، فإذا كان كذلك فيجب أن تكون العبادة له وحده؛ لأنه الرب وحده فيكون المعبود وحده كذلك. * وبالآية دليل: - ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ - دليل على سعة علم الله؛ لقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾. واستدل به الشافعي على ثبوت القدر، ثبوت العلم لله بأفعال العبد دليل على تقديره لها، ولهذا قال الشافعي في القدرية: ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروه كفروا. وهذا صحيح؛ لأننا نقول: إذا كنتم تقرون بأن الله عالم بأفعال الخلق فهل وقعت هذه الأفعال على حسب علمه أو على خلاف علمه؟ على حسب علمه؛ لأنكم تقرون أنه يعلمه. إذن فقد وقعت على حسب علمه، فإذا كانت وقعت على حسب علمه لزم أن تكون بتقديره، وإلا لكان يمكن أن تقع على خلاف علمه إذا كانت من تقدير العبد واستقلال العبد فإنه لا يلزم أن تقع على حسب علمه، وأما إذا أنكروا العلم فإنهم يكفرون؛ لأن إنكار علم الله سبحانه وتعالى كفر. وعندنا أيضًا حتى إنكار تقدير الله سبحانه وتعالى كفر؛ لأن الآيات والأحاديث صريحة بأن الله تبارك وتعالى مقدّر لأفعال العبد فإنكارها تكذيب للقرآن والسنة، وهذا هو الكفر. ولكنه رحمه الله -الشافعيَّ- أراد أن يلزمهم بأمر متفق عليه، وهو أن إنكار علم الله كفر. فقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾. * نستفيد بها -بناء على تقدير الشافعي رحمه الله- على إثبات تقدير الله سبحانه وتعالى لأفعال العبد. * وفي هذه الآية: تحذير العبد من المخالفة علنًا أو سرًّا، كيف ذلك؟ لأنك إذا علمت بهذا الأمر؛ بأن الله يعلم ما تخفي وما تعلن، ويش يلزم من ذلك؟ ألَّا تخالفه، لا تقل: أبغي أفعل هذا المحرم لأن الله ما يدري، أو أترك هذا الواجب لأن الله لا يدري، بل الله سبحانه وتعالى يعلم. والإنسان لو علم أن المعظم عنده يعلم بأفعاله لترك ما لا يرضيه، لو علمت مثلًا أن أباك أو الرجل الذي تحترمه يعلم بما تفعل، هل تفعل ما يخالف رضاه؟ ما تفعل، لا سيما إذا كان محبوبًا لديك ومعظّمًا، فإذا كان كذلك فالرب سبحانه وتعالى من باب أولى، ولهذا ينبغي لك كلما دعتك نفسك إلى معصية، بل إلى مخالفة لترك أمر أو فعل نهي يجب عليك أن تتذكر هذا الأمر أن الله سبحانه وتعالى يعلم مخالفتك. فيلزم من هذا أن ترتدع، ولهذا جاء في الحديث وإن كان فيه نظر: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٧٩٦)، وفي مسند الشاميين (٥٣٥، ١٤١٦) من حديث عبادة بن الصامت.]]؛ لأنك إذا علمت هذا العلم أوجب لك الاستقامة والثبات على الأمر. ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا﴾ فيها قراءتان: ﴿مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ و﴿مَا يُخْفُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ . أما على قراءة: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ على حسب تفسير المؤلف فالمناسب: ﴿مَا يُخْفُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ . وأما على القراءة الثانية قراءة الكسائي: ﴿أَلَا يَسْجُدُوا﴾ -وهي سبعية- تناسب ﴿مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾؛ لأن (اسجدوا) فعل أمر، وفعل الأمر للمخاطب، فيقتضي أن الحالة التي بعده تكون للمخاطب أيضًا، يعني ألا يا قومي اسجدوا، وهو هنا لا يخاطب سليمان؛ لأن سليمان يسجد لله، لكنه لقوة استحقارهم ما كانت عليه ملكة سبأ خاطبهم بقوله: ﴿أَلَا يَسْجُدُوا﴾ . * وفي هذا دليل على إثبات عرش الله؛ لقوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل ٢٦]. والعرش: هو أعلى المخلوقات، وهو غير الكرسي، وليس هو الْمُلك كما قاله منكرو العلو الذين يقولون: إن المراد بالعرش الملك، فيقولون: استوى على العرش؛ أي: استولى على الْملك، هذا لا شك أنه ليس بصحيح، والعرش معروف عند العرب وفي اللغة العربية بأنه سرير الملك الخاص به. * وفيه: إثبات انفراد الله سبحانه وتعالى بالألوهية؛ لقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فإذا قال قائل: هذا النفي أو الحصر حقيقي، ولا إضافي؟ * طالب: إضافي بالنسبة.. * الشيخ: إذا قلنا: حقيقي، فهذا يلزم أن يكون (إله) ليس بمعنى بمعبود، والمعروف أن (إله) بمعنى معبود، إذا كان بمعنى معبود لزم أن يكون الحصر إضافيًّا، إذ هناك معبود سوى الله وهي الأصنام. مثل معنى لا إله إلا الله؛ أي: لا معبود بحق إلا الله، وحينئذٍ يكون الحصر إضافيًّا، وإن جعلناه حقيقيًّا فإننا يمكن أن نقول: إن لا إله إلا الله: أن المراد بالإله: الإله المستحق؛ يعني لا إله مستحق إلا الله، ولكن هذا التقدير يعود على الأول. واعلم أن الله سبحانه وتعالى سمّى الأصنام آلهة، سماها آلهة في قوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١]، فأثبت أنها آلهة، وفي آية أخرى نفى أن تكون آلهة فقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف ٤٠]، والجمع بينهما ظاهر؛ أن إثبات كونها آلهة باعتبار هؤلاء العابدين لأنهم يعتقدونها آلهة، ونفي أن تكون آلهة وإن هي أسماء باعتبار حقيقة الأمر فإنها ليست بآلهة تستحق أن تعبد، ولهذا نفى أن تكون آلهة؛ لأنها ليس لها حق في أن تعبد. * طالب: وضّح يا شيخ معنى (لا إله إلا الله) في (...) الحصر الإضافي؟ * الشيخ: الحصر الحقيقي والإضافي إذا قلنا: إنه لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله صار حصرًا إضافيًا؛ يعني باعتبار أن يكون بحق فلا إله إلا الله، أما بحق وباطل فيوجد آلهة سوى الله، وحينئذٍ يكون الحصر إضافيًّا؛ يعني بالإضافة للإله الحق، وإذا قلنا: حقيقي؛ فهو باعتبار الواقع أنه لا يوجد إله إلا الله، وأن هذه الآلهة مجرد أسماء يكون الحصر حقيقيًّا باعتبار الحقيقة والواقع. * الطالب: (...). * الشيخ: مؤداهم واحد، ولهذا أثبت الله الآلهة مرة، ونفاها مرة أخرى. قال: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل ٢٦]. * فيه: إثبات الربوبية لقوله: ﴿رَبُّ﴾ ورب بمعنى خالق ولَّا بمعنى صاحب؟ * طلبة: خالق؟ * الشيخ: بمعنى خالق، وهو أيضًا مختص به؛ إذ إن العرش لله سبحانه وتعالى وحده. قال سليمان للهدهد: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل ٢٧]. * يستفاد من هذه الآية: أنه ينبغي التثبت بالخبر لا سيما عند قيام الشبهة، ولا لَّا؟ ما هي الشبهة القائمة هنا؟ * الطلبة: المدافعة يا شيخ. * الشيخ: أن الهدهد قال ذلك مدافعة وإن كان بعيدًا؛ لأنه قال: ﴿جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل ٢٢]، لكن لما كان هذا مقام دفاع فإنه ينبغي أن يتثبت الإنسان أكثر، ولهذا قال: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل ٢٧]، ما هو قال: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾، وقلنا: إن هذا نظير ما وقع لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب مع أبي موسى الأشعري «حيث استأذن عليه ثلاثًا وانصرف، فلما عاتبه بعد ذلك قال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ فقال: هات من يشهد لك». فشهد له مَنْ؟ محمد بن مسلمة[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٦٢)، ومسلم (٢١٥٣ / ٣٦) من حديث أبي موسى الأشعري، ولم نقف فيه على شهادة محمد بن مسلمة، وإنما هو أبو سعيد الخدري. ]]. فمثل هذه الحال وإن كان خبرًا متيقنًا، لكن لا مانع من أن الإنسان يتثبت في ذلك. * وفي هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يكون لبقًا في تعبيره حتى لغير الآدمي؛ لقوله: ﴿أَصَدَقْتَ﴾ فصارحه هنا بلفظ: الصدق؛ لأن الصدق صفة محبوبة محمودة، وفي الكذب ما قال: أم كذبت، قال: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، فتحاشى أن يصارحه بوصف الكذب. مع ما في ذلك بالنسبة للقرآن الكريم من مراعاة الفواصل ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فإن هذه فيها مراعاة للفواصل. وقول المؤلف: (إن هذا أبلغ من أم كذبت) هذا له وجه؛ لأن قوله: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾؛ أي: من المتصفين بالكذب دائمًا؛ يعني ممن وصفه الكذب، وليس من كذب مرة واحدة كمن كان الكذب وصفًا له، فيكون العدول هنا عن أن كذبت له ناحيتان: الناحية الأولى: أنه ألطف من التصريح بالمخاطبة بالكذب أو لا؟ واحد يكلمني أقول: هل صدقت أم كذبت؟ هذه أشد وطأة عليه من أن أقول: صدقت أم كنت من الكاذبين. ومن جهة أخرى هي أشد حيث إنها تدل على اتصاف المخاطب بالكذب لا أنه وقع منه مرة واحدة، فالمؤلف راعى وجهًا، وترك وجهًا آخر؛ الوجه الثاني، والصواب: أنه في كلا الوجهين، مراعًى فيه الوجهان جميعًا. ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ في هذا دليل جواز تعظيم الإنسان نفسه إذا كان أهلًا لذلك على أنه يحتمل أن يكون سليمان أراد أنه ينظر ذلك لمن يستعين به من جنوده، لا أنه يريد أن يباشر هو بنفسه ذلك. ﴿سَنَنْظُرُ﴾ هذه لا شك أنه للجماعة، فهل هي جماعة حقيقة أم من باب التعظيم؟ لأن المعظّم نفسه معناه أنه نزل نفسه منزلة الجماعة، نقول: هذا فيه احتمال، فإن كان سليمان عليه الصلاة والسلام أراد تعظيم نفسه فهو أهلٌ لذلك؛ لأنه ملك ورسول، وإلا فإنه يريد ﴿سَنَنْظُرُ﴾ بجنودنا وأعواننا ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وإن كان لا يريد أن يباشره بنفسه. فالملك والوزير والأمير ومن أشبههم إذا قالوا: سنفعل كذا، فإما أن يكون بأنفسهم فيكون ذلك تعظيمًا لأنفسهم أو بواسطة الجنود والأعوان فيكون هذا مراعاة للجمع. وقال: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل ٢٨]. * في هذه الآية دليل على أن الحيوانات تعقل ما يوجّه إليها من الأمر والنهي والاختبار والفحص؛ لقوله: ﴿اذْهَبْ﴾ ﴿فَأَلْقِهْ﴾، ثم ﴿انْظُرْ﴾ و﴿تَوَلَّ﴾ كل هذه أوامر للهدهد مما يدل على أن الحيوانات هذه تعقل، ولكن ليس معنى قولنا: أنها تعقل أن تكون عاقلة من كل أحد، صحيحٌ أنها تعقل عقلًا محدودًا بالنسبة لعامة الناس، ولهذا تزجر البهيمة؟ * طالب: فتنزجر. * الشيخ: فتنزجر، وتدعوها فتُقبِل، ولكنه ليس هذا كمثل تسخيرها لسليمان عليه الصلاة والسلام، فإن تسخيرها لسليمان أنها تنزل منه منزلة الإنسان العاقل الفاهم من كل وجه. قال: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾. * وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي تحسس الأخبار عند الحاجة لذلك، وهذا ما يسمى بالمتابعة؛ لقوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ فإنه إذا تولى، وجعل ينظر لا بد أن تبين له الأخبار؛ لأنه لو أنه ما تولّى عنهم لو ألقاه، وبقي يمكن ما يتكلمون بالأشياء التي يتكلمون بها إذا كان غير حاضر لديه، لكن إذا تولى عنهم حينئذٍ وجدوا لأنفسهم مكانًا في الكلام على ما يريدون، هذا من السياسة؛ لأنك عندما تعمل عملًا فإنك تتحسس الأخبار، فلا تباشر هذا؛ لأنه ما يأتي على المطلوب، ولا تعرض عنه إعراضًا كاملًا؛ لأن معنى ذلك أنك ما تابعت ولا اهتممت بالأمر، فالإنسان ينبغي له كلما عمل عملًا أن يكون متابعًا له وأن يتحسس. مثلًا افرض أنك أمرت أهلك بأمر أنت راعٍ عليهم أمرتهم بأمر هل أنت تترك هذا الأمر ولا تلاحظه؟ تلاحظه، ولكن لا تلاحظه وأنت حاضر عن مباشرة؛ لأنه في هذه الحال سوف ينفذوه، لكن تلاحظه وأنت بعيد حتى يتبين لك هل نفذوه أم لم ينفذوه، وهذه من السياسة التي ينبغي سلوكها لأجل أن يعرف الإنسان مدى تقبّل الموجه إليه الأمر من عدمه، ولهذا قال: ﴿أَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾، وهذا هو الذي حصل. * طلبة: (...). * * * * الشيخ: (...) في قصة ملكة سبأ لما جاءها الكتاب من سليمان عليه الصلاة والسلام قالت لقومها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ [النمل ٣٢]، الملأ: بمعنى الأشراف، وذلك أن الملوك والرؤساء يكون جلساؤهم غالبًا أشراف الناس فوجهت إليهم الخطاب، وقالت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾. وسبق ذكر الفائدة في قولها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ دون قولها: يا ملأ، إظهارًا لعلوّ شأنهم حيث نودوا بمناداة البعيد. (﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾ بتحقيق الهمزتين) ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾ هذا تحقيق الهمز. (وتسهيل الثانية) بأي شيء؟ بـ(قلبها واوًا) ﴿الْمَلَأُ وفْتُونِي﴾ ، وهذا مبني على؟ * طالب: القاعدة. * الشيخ: القاعدة اللغوية: أنه إذا ضم ما قبل الهمزة فإنه يجوز قلبها واوًا. وقلنا: من فائدة هذه اللغة تصحيح أذان كثير من الناس الذين يقولون في أذانهم؟ * طلبة: (الله وكبر). * الشيخ: (الله وكبر)، بل حتى الصلوات بعض الناس حتى في تكبيرة الإحرام يقول: (الله وكبر). (﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾ أي: أشيروا عليّ ﴿فِي أَمْرِي﴾ ) واحد الأمور، وليس واحد الأوامر؛ لأن المراد بالأمر هنا الشأن ﴿فِي أَمْرِي﴾. (﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ قاضيته ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ تحضرون)، وهذا من كمال ذكائها أنها أشارت الملأ حتى إذا نتج عن تصرفها شيء لا يُرضى يكون اللوم على من؟ على هؤلاء الملأ الذين أشاروا، ولا يجعلون اللوم عليها، ولهذا قالت: ما تقطع أمرًا حتى تشهدونها أو حتى يشهدوها. وقولها: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾؛ أي: قاضية له. ﴿أَمْرًا﴾ هذه نكرة في سياق أيش؟ * طلبة: النفي. * الشيخ: النفي، فتكون للعموم، لكن المراد بذلك الأمر المتعلق بالدولة بلا شك، وأما الأمر الخاص فإن لكل إنسان التصرف فيه. وكذلك قول الله تعالى للنبي ﷺ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران ١٥٩]، هذا الأمر إنما هو في الأمور العامة التي للجميع، وليس الرسول عليه الصلاة والسلام ولا غيره مأمورًا أن يشاور الناس في كل أموره حتى لو أراد أن يتغدى أو يتعشى ذهب يقول للناس: أيش تقولون؟ لا، الأمور العامة التي يشترك فيها الناس هي التي يُؤمر فيها بالتشاور. وقولها: ﴿قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ هذا أبلغ مما فسره به المفسر بالقضاء؛ لأن القطع يدل على الإمرة والعزيمة والفعل، بخلاف القضاء فقد يراد به الحكم فقط بدون أن يُفعل. وقولها: ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ فيها إشكال لغوي، وهو ثبوت النون مع أن (حتى) ناصبة، فما هو الجواب؟ * طالب: الظاهر أن (حتى) لها شروطها في النصب. * الشيخ: الشروط تامة. * الطالب: تامة الشروط؟ * الشيخ: إي، تامة الشروط. * الطالب: (...) حتى الصبح. * طالب آخر: ما يخالف يجوز ثبوت (...). * الشيخ: لا (...). * طالب: ما بعدها ناصب يا شيخ. * الشيخ: لا، النون هذه للوقاية، ولذلك تجدونها مكسورة، أو لا؟ ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ لو كانت نون الرفع لقال: (تشهدونها)، فالنون هذه للوقاية، وما كنت أظن أنها تشكل عليكم، وأنا قلت: فيها إشكال لغوي، وأنا (...)؛ لأني ما أرى أنها تُشكِل؛ لأنها مكسورة. ومثل هذا قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات ٥٩]، ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ إذا وقفت عليها فتسكن النون، فيظن السامع أن النون هنا ثبتت مع وجود النهي ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾، وهي مع النهي تحذف، ولكن النون هنا للوقاية؛ ولذلك إذا وصلت تقول: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات ٥٩، ٦٠]. * طالب: (...). * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: (...). * الشيخ: صرف آيات؛ يعني قصدك استنباط الفوائد. * الطالب: (...). * * * * الشيخ: يقول الله عز وجل: (﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [النمل: ٣٣] أي أصحاب شدة في الحرب) (أولو) بمعنى أصحاب، وهي -كما مر علينا في النحو- ملحقة بجمع المذكر السالم وهي الآن مرفوعة بالواو نيابة من الضمة؛ أي: أصحاب قوة وبأس، والبأس بمعنى: الشدة والصبر. (﴿بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾؛ أي: أصحاب شدة في الحرب)، فكأنهم يعرِّضون بالمشورة عليها بالقتال بأن تقاتل سليمان ويقولون: نحن مستعدون للقتال؛ لأننا أصحاب قوة وأصحاب بأس شديد. القوة هنا هل مراد القوة الجسمية أو القوة المادية؟ * طالب: كلاهما. * الشيخ: كلاهما؛ يعني فعندنا من قوة الجسم، وعندنا من قوة العدة ما نستطيع أن (...). وهذا من التأدب معها مع أنها هي التي طلبت منهم المشورة مع ذلك ردوا الأمر إليها، ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ وهذا يدل على أنها كانت أهلًا؛ لأن يسند إليها الأمر وعلى أنهم كانوا يعظمونها تعظيمًا بالغًا. (﴿فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ نا نطعك)، هل المراد بالنظر هنا الانتظار أو المراد التفكير في الأمر؟ المراد التفكير في الأمر؛ يعني فكّري في أمركِ ماذا تأمرين فتكون (ما) هنا استفهامية معلّقة عن عمل الفعل؛ لأنه إذا كانت الجملة استفهامية، فإن الفعل وإن كان ينصب مفعولًا أو مفعولين يكون معلقًا عن العمل، وتكون الجملة في محل نصب. أجابت: (﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ بالتخريب ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ -يعني بالأثر- ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أي: مرسلو الكتاب). كأنها لا تريد القتال، تقول: لو قاتلناهم فإن الغلبة عليهم بعيدة، ستكون الغلبة لهم، وحينئذٍ يدخلون قُرانا، والملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها؛ لأن عندهم من العلو والغلبة والاستكبار ما يوجب أن يخسفوا بأهل البلد التي يدخلونها. وليس المراد هنا بالإفساد الإفساد المعنوي؛ يعني بإفساد الأخلاق مثلًا، المراد ما أشار إليه المؤلف: الإفساد (بالتخريب). وجاء دور الجمهوريين، فإذا أشد وأعظم؛ لأنهم أقل حياءً من الملوك، لا لهم أصل تجد الإنسان ينتخب وهو من الشارع ليس من الملأ ولا من أشراف الناس، فيأتي وغالبهم ليس عنده دين ولا مروءة فيفسدون أكثر مما يفسد هؤلاء كما هو مشاهد في تخريب الروس وغيرهم في البلاد التي يدخلونها. يقول: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ بأي شيء بالأسر يأسرونهم ويسترقونهم أو يستخدمونهم بدون أسر، ولا استرقاق، وهذا من أبلغ ما يكون من الذلّة. وقولها: ﴿أَعِزَّةَ أَهْلِهَا﴾ سواء كانت هذه العزة تعود إلى الملك أو تعود إلى الجاه والشرف أو إلى العلم أحيانًا فإنهم يسلطون على الأعزة؛ لأن لهم الكلمة فيما سبق، فهم الذين دبّروا هذه الحروب، ثم هزموا فتكون رحى الحرب عليهم. قال: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ هل هذا من كلام الله سبحانه وتعالى تصديقًا لقولها أو هو من كلامها تقريرًا له؟ وتكون بالأول ذكرت قاعدة عامة، ثم أشارت إلى ما تتوقعه من سليمان فقالت: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أي: كذلك يفعل هؤلاء الذين أرسلوا بالكتاب. * طلبة: إيه العلاقة بأنه كلامها؟ * الشيخ: المؤلف يرى أنه من كلامها، ويكون ذلك تقريرًا للقاعدة التي ذكرتها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾؛ لأن هذا عام. ثم قالت: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ تقريرًا لهذه القاعدة وتطبيقًا لها على حال سليمان وجنوده، أما إذا قلنا بأنه من كلام الله عز وجل، فتكون الجملة مستأنفة؛ أي: أن الله يقرر ما قالته بأن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة. وقولها: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ كيف جاءت بصيغة الجمع مع أن الكتاب ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾؟ لأنها عرفت أن سليمان ملك، والملك لا بد له من أتباع وجنود وأعوان؛ فلهذا قالت: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. وإعراب ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وما أكثر ما تأتي في القرآن ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. وما أشبه يعني يأتي في القرآن كثيرًا ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد ١٧]. يقولون: إن الكاف هنا: بمعنى (مثل)، وأنها تقع في محل نصب مفعولًا مطلقًا مضافًا إلى اسم الإشارة؛ أي: ومثل ذلك الفعل يفعلون، في هذا تقدير الآية اللي عندنا مثل ذلك الفعل يفعلون. ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: ومثل ذلك الضرب يضرب الله الأمثال، فصارت الكاف هنا اسم بمعنى (مثل) في محل نصب على أنها مفعول إيش؟ مطلق مضافًا إلى اسم الإشارة؛ أي: ومثل ذلك الفعل الذي ذكرت يفعلون، ومعلوم إذا قلنا: إنه مفعول مطلق، فإن المشار إليه يكون مصدرًا مناسبًا لسياق الآية. ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات ٣٤]، نقول: أي: مثل ذلك الفعل نفعل بالمجرمين. ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ أي: مثل ذلك الضرب يضرب الله الأمثال، وعلى هذا فقيسوا، ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل ٣٥]، هذه المرأة ذكية لما جاءها الكتاب قالت: أبغي أمتحن الرجل، أبغي أرسل إليه هدية، فإن كان رجلًا يريد الدنيا كفته الهدية، وترك الحروب والقتال، وإن كان رجلًا يريد أمرًا آخر فإنه سيرد الهدية، وهذا بلا شك من الاختبار الذكي. قالت: ﴿إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾، وطبعًا هي كما قلنا: قبل قليل هي ما رضيت ما أشار به الملأ؛ لأن الملأ أشاروا عليها بالحرب والقتال، وذلك بإبداء ما عندهم من القوة والبأس الشديد، ولكنها لم ترد، هذا فأرادت أن تمتحن سليمان. ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ﴾ ولم تقل إليه؛ لأنه -كما قلنا- ملك له جنود وأعوان وحواشي. ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (ناظرة) ليست من الانتظار، وإن كانت محتملة أن تكون من الانتظار؛ أي: فمنتظرة، ولكنها من النظر، يعني أنظر بعد إرسال هدية بما يرجع المرسلون، من هم المرسلون؟ رسولها بالهدية، وفي هذا إشارة إلى أن هذه الهدية كبيرة وعظيمة؛ لأنها لم ترسل بها واحدًا، وإنما أرسلت بها جماعة وأقل الجمع؟ * طلبة: ثلاثة. * الشيخ: أقل الجمع ثلاثة. ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: بأي شيء يرجعون به. و﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ متعلقة بـ(ناظرة)، ولَّا متعلقة بـ(يرجع)؟ * طالب: بناظرة. * الشيخ: بناظرة، وما رأيكم أنتم موافقون له؟ (ما) هنا ما هي استفهامية. ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ (ما) استفهامية ولَّا موصولة؟ * طلبة: موصولة. * الشيخ: موصولة؟ لا، استفهامية؛ لأن الموصولة تبقى ألفه مع حرف الجر، والاستفهامية تحذف ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ ١]. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ عشان ما فيها ألف، كذا؟ لكن لو تقول: هو مسؤول عما قال، تكون ألف ولا ما تكون؟ * طالب: تكون. * الشيخ: تكون. ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة ١٠٥]، شوف ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ تبقى الألف ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ تحذف الألف. فـ(ما) الاستفهامية إذا سبقها حرف جر تُحذف ألفها. * طالب: فيها لغتان؟ * الشيخ: على ما يرجع، لا ما فيها لغتان، ولهذا نقول: ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ الجار والمجرور متعلّق بـ﴿يَرْجِعُ﴾، ولا يصح أن يكون متعلقًا بـ﴿نَاظِرَةٌ﴾ بناءً على القاعدة المشهورة عند النحويين: وهي أن اسم الاستفهام له الصدارة، بل الاستفهام كله سواء كان اسمًا أو حرفًا له الصدارة، وإذا كان له الصدارة لم يعمل ما قبله فيه؛ لأنه لو عمل ما قبله فيه ما كان له الصدارة، لكانت الصدارة لأي شيء؟ * طلبة: (...). * الشيخ: للعامل الذي قبله، وعليه فنقول: ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ الجار والمجرور متعلّق بـ﴿يَرْجِعُ﴾، وتكون الجملة إذن معلّقة عن العمل عن عمل. ﴿نَاظِرَةٌ﴾ معلقة لها عن العمل فهي في محل نصب. (﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ من قبول الهدية أو ردها إن كان ملكًا قبلها أو نبيًّا لم يقبلها). كون المؤلف يحيل قبول الهدية وعدمها على أنه إن كان مَلِكًا قَبِل وإن كان نبيًّا لم يَقْبل، هذا لا دليل عليه، ولكن نقول: إنه إذا كان يريد القتال فإنه؟ * طالب: لن يقبل. * الشيخ: لا، إذا كان يريد القتال فهو يقبل الهدية؛ يعني إذا كان هذا الرجل عنده طمع مادي فقط فإنه يقبل الهدية؛ لأن القتال ما يعلم هل تكون العاقبة له أم لا، والهدية غنيمة حاضرة فيقبلها ويدع المشكوك فيه، وإذا كان لا يريد الدنيا، وإنما يريد أمرًا آخر، وهو الدعوة للإسلام وكونهم مسلمين كما قال في الأول: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، فإنه حينئذٍ لن يقبل الهدية؛ لأن الذي يدعو إلى الله وإلى الإسلام لا يمكن أن يقبل هدية على حساب ما دعا إليه أبدًا، وأما مسألة النبوة وعدمها فالله أعلم بهذا، ما نجزم بما قال المؤلف، بل نقول: إنها تريد أن تختبره إذا كان يريد دنيا؛ فالهدية تمنعه من قتالها، وإذا كان لا يريد دنيا وإنما يريد أن يسلموا فالهدية ما تمنعه. (فأرسلت خدمًا ذكورًا وإناثًا) الآن يبين المؤلف الهدية (خدمًا ذكورًا وإناثًا ألفًا بالسوية، وخمس مئة لبنة من الذهب، وتاجًا مكللًا بالجواهر، ومسكًا وعنبرًا، وغير ذلك مع رسولٍ بكتاب) التعيين هذا لا دليل عليه، ولهذا نقول: إنها هدية كبيرة بلا شك، ويدل على كبرها أن الذين أرسلوا بها جماعة، أما تعيينها بهذا الأمر فهذا لا نجزم به، فإن كان واردًا عن بني إسرائيل فإنه من الأخبار التي لا تُصَدَّق ولا تُكَذَّب. (فأسرع الهدهد إلى سليمان يخبره الخبر)؛ لأن سليمان قال له: ﴿أَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾، أو لا؟ والظاهر أن الهدهد بقي حتى استقر أمرهم على شيء وقد استقر على إرسال الهدية. يقول: (فأسرع الهدهد إلى سليمان يخبره الخبر فأمر -أي سليمان- أن تضرب لبنات الذهب والفضة، وأن تبسط من موضعه إلى تسعة فراسخ ميدانًا، وأن يبنوا حوله حائطًا مشرفًا من الذهب والفضة، وأن يؤتى بأحسن دواب البر والبحر مع أولاد الجن عن يمين الميدان وشماله). * طلبة: هذا أشد من الأول. * الشيخ: إي نعم، كل هذه ما عليها دليل، كل هذه الأشياء التي ذكر المؤلف ما عليها دليل؛ فهي من الغرائب يعني أن تطوف على المؤلف ويأتي بها. * طالب: صعب. * الشيخ: مع أنه مختصر، مع العلم بأنه ما في الآية دليل لهذه المسألة أبدًا أنهم يجعلون الذهب والفضة تبسط من مكانه إلى تسعة فراسخ، كم سَعَة تسعة فراسخ بالميل؟ ثلاثة في تسعة؟ * طلبة: سبعة وعشرون. * الشيخ: سبعة وعشرون ميلًا. * طالب: والميل: كيلو ونصف. * الشيخ: والميل: كيلو ونصف. * * * (﴿فَلَمَّا جَاءَ﴾ الرسول بالهدية ومعه أتباعه ﴿سُلَيْمَانَ﴾ ) بالنصب، وجاء بمعنى أتى. ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾. المؤلف قال: (ومعه أتباعه)، والمرأة تقول: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾، وسليمان يقول: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ (أتمدون) جمع فهو يخاطب جمعًا، والآتي واحد، والمرأة تقول: ترسل جماعة، فكيف نجمع بين هذه الأشياء؟ كلام المرأة يدل على أنها أرسلت جماعة. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ يدل على أن الجائي واحد، وقول سليمان: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ يدل على أن المخاطب جماعة، والجمع بين هذا بسيط جدًّا، يكون هؤلاء الجماعة لهم رأي، والذي خاطب سليمان وقدّم هديةً هو الرئيس ومعه جماعته، فصار الذي تقدم إلى سليمان بالهدية واحدًا مع جماعته، ولهذا يقول المؤلف: (ومعه أتباعه). * طالب: يا شيخ، لو جاء المرسل إليه؟ * الشيخ: لا؛ لأن ما ذكر الفاعل. * الطالب: ما ذكر الفاعل دليل. * الشيخ: إذا لم يذكر الفاعل فهو مستتر، ومعلوم أن (جاء) مفرد، لو كان المراد الجماعة لقال: فلما جاؤوا سليمان. * طالب: ذكر الفاعل بما قبله. * الشيخ: ما يصح هذه، (جاء) للمفرد الواحد، (جاء) للواحد ما فيها إشكال. * طالب: لو الرسول؛ مثل ما يقول: لو جاء خالد جاء الرسول يجوز (...)؟ * الشيخ: لا، هو الأصل أنه واحد. ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ الياء هنا حُذفت لأيِّ شيء؟ حذفت للتخفيف، كما حذفت أيضًا للتخفيف في قوله تعالى فيما سبق: ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾. والاستفهام في قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ للإنكار والتعجيب، يعني كيف تمدونني بمال وأنا عندي من المال ما ليس عندكم. ولهذا قال: (﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ من النبوة والملك ﴿خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ من الدنيا)، وكذلك من المال؛ لأن عند سليمان من المال ما ليس عند هذه المرأة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أعطاه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده. فالاستفهام في قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ للتوبيخ والتعجيب، يعني: كيف تمدونني بمال! -وهو هذه الهدايا- ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ من المال والملك والنبوة وغير ذلك مِن كل ما آتاه اللهُ ﴿خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾. ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ يعني أنني لا أفرح بالهدية، ولا تهمني الهدية، ولكنكم أنتم الذين تفرحون بها وتفخرون بها. هل المعنى تفرحون إذا أهدي إليكم أو تفرحون إذا أهديتم، وترون لكم فضلًا على المهدى إليه؟ * طالب: كل محتمل. * الشيخ: نعم، كل محتمل، لكن الظاهر -والله أعلم- أنه يريد الأول؛ بمعنى أنه أنتم الذين تفرحون بالهدية، وتقع منكم موقعًا، تكثر عزيمتكم، وتوجب أن تعدلوا عما أنتم عليه، أما أنا فلا تهمني الهدية. * طالب: ما قال: بهديَّتنا، بل: ﴿بِهَدِيَّتِكُمْ﴾. * الشيخ: أي: إذا جاء إليكم؛ لأن (هدية) مصدر يجوز أن يضاف إلى الفاعل، ويجوز أن يضاف إلى المفعول ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾، والاحتمال الثاني: أن يكون بإهدائكم إلينا. ﴿تَفْرَحُونَ﴾ تفخرون؛ يعني أنكم تفخرون بها، ولكن المعنى الأول أليق بالسياق. (﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ بما أتيت من الهدية) الخطاب الآن للرسول، وهذا من تعبير الأساليب بفائدة؛ لأن الذين حملوا الهدية هم الجماعة جميعًا فناسب أن يخاطبهم جميعًا بأنهم حملوا هذه الهدية، وهنا لما أراد أن يحملهم الإبلاغ، فإن تحميل الإبلاغ للجماعة تضيع فيه المسؤولية، حمَّل الإبلاغ من؟ رئيسهم فقط؛ لأنك إذا وصيت جماعة مثلًا لشخص من الناس ضاعت المسؤولية، وصار كل واحد منهم يتكئ على الآخر، فلا يحصل الإبلاغ، لكن إذا حملتها واحدًا حينئذٍ يتحمل ويؤدي، ولهذا حمَّل الرئيس فقال: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾؛ يعني إلى جماعتك الذين أرسلوك بما أتيت من الهدية. (﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ﴾ لا طاقة ﴿لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا﴾ من بلدهم سبأ سميت باسم أبي قبيلتهم ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي: إن لم يأتوني مسلمين). هكذا القوة؛ لأنه لا يريد المال، ولا يريد الدنيا وإلا لخضع وقنع لهذه الهدية الكبيرة التي أُرسل بها جماعة، لكنه لا يريد ذلك فخاطبهم بهذه العبارات القوية ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ﴾ واللام؟ * طالب: للقسم. * الشيخ: موطِّئة للقسم، والنون ﴿نَأْتِيَنَّهُمْ﴾ النون للتوكيد، فعلى هذا فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ القسم، واللام، والنون، ثم فيها من التعظيم. ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ﴾ ولم يقل (فلآتينهم)؛ لأن هذا أبلغ في الهيبة سواء أراد تعظيم نفسه أو أراد بذلك آتيهم بجنود. وقوله: ﴿لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ فيه استصغار هؤلاء الجماعة الذين أرسلوا بهذه الهدية، فهُم استصغرهم في الناحية المالية في قوله: ﴿مَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾. ومن الناحية العسكرية في قوله: ﴿لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ لا طاقة لهم بها؛ لأن عنده من الجنود الجن والإنس بل والطير أيضًا، ما لهم طاقة بهذا الشيء، أيضًا: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً﴾ نحتل بلادهم ونخرجهم منها أذلة. ﴿وَهُمْ صَاغِرُون﴾ الفرق بين الأذلة والصغار؛ الذل: في النفس، والصغار: في البدن، يعني يكون مستسلمًا ظاهرًا وباطنًا، مستسلمًا ظاهرًا بالصغار، ومستسلمًا باطنًا بالذل. قال الله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى ٤٥]، الخشوع بمعنى الصغار، والذل هو ذل النفس، والعياذ بالله. وهذا دليل على أن سليمان عليه الصلاة والسلام عنده من قوة العزيمة وقوة السلطان ما استطاع أن يعبر بهذا التعبير لهؤلاء الذين أهدوا له هذه الهدية. فإذا قال قائل: كيف يليق بسليمان عليه الصلاة والسلام أن يقابل جماعة أهدوا له هدية بهذا الأسلوب العنيف؟ الجواب: ظاهر في هذا، لأنه؟ * طالب: (...). * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، ما يخالف، ما قبل الهدية، لكن لماذا لم يجب بأسلوب لطيف ليس بعنيف؟ * طالب: إذا قاتلوه فهو لا يريد قتالًا، إنما يريد دخولهم في الإسلام فقط، إذا أجابهم بعنف خافوا ودخلوا دين الله تبارك وتعالى. * الشيخ: إي نعم، نقول: الجواب على هذا أنه عليه الصلاة والسلام أراد أن يظهر لهم قوته، وأنه لا يهتم بشأنهم، ثم إن اختبارهم له مع أنه قال: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ اختبارهم له يدل على شك في دعوته، هو دعاهم إلى الإسلام، وهم شكوا في ذلك بإرسال الهدية، وظنوا أنه يريد دنيا، فيكونون هم الذين بدؤوا بالإساءة إليه حيث أرسلوا له هدية يختبرونه بها فكان رده هذا مناسبًا. (فلما رجع إليها الرسول بالهدية جعلت سريرها داخل سبعة أبواب داخل قصرها وقصرها داخل سبعة قصور)؟ * طالب: لم يرد دليل. * الشيخ: إي، عظيم. (وأغلقت الأبواب وجعلت عليها حرسًا، وتجهزت للمسير إلى سليمان لتنظر ما يأمرها به، فارتحلت في اثني عشر ألف فيل مع كل فيل ألوف كثيرة إلى أن قربت منه على فرسخ شعر بها قال: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ ). غريب ما أدري منين يجيب المؤلف (...) هذه؟! * طالب: عندنا يا شيخ: (اثني عشر ألف قيل، مع كل قيل). * الشيخ: لا، اثني عشر ألف فيل. * الطالب: يعني: قيل (...). * الشيخ: حتى عندنا أنا عندي قيل، لكن ما هو بصحيح، (اثني عشر ألف فيل) الأفيال يمكن كثيرة في اليمن، ولهذا صاحب الفيل اللي أراد يهدم الكعبة جاء بفيل. يقول: (مع كل فيل ألوف كثيرة) من الناس اثنا عشر ألفًا، ومع كل فيل ألوف كثيرة يعني عالم. (إلى أن قربت منه على فرسخ شعر بها قال: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ ) إلى آخره. الاقتصار على القصص التي في القرآن هو اللائق بالمصحف إلا ما صح عن النبي ﷺ، وذلك لأن الله يقول: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، فعلم هذه الأمم إلى الله سبحانه وتعالى، فاللائق بنا ألا نتجاوز ما جاء به القرآن. على أن كرم كل شيء بحسبه، فالكرم بالمال معناه: بذله بسخاء، والكرم أيضًا بالمال يطلق على الجيد منه، كما قال النبي ﷺ: «وَاتَّقِ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» أو «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩/ ٣١) من حديث ابن عباس.]]، وكذلك أيضًا يُوصَف ما يتضمن الشيء المهم؛ يوصف بالكرم لما في هذا الوصف في كتاب سليمان عليه الصلاة والسلام. * وفيه دليل على أن الأولى أن يبدأ الكاتب باسمه فيقول: من فلان، قبل أن يبدأ باسم المرسَل إليه أو المكتوب إليه. وهل هذا من باب التعبد أو من باب العادة؟ * طالب: من باب العادة. * الشيخ: الظاهر أنه من باب العادة، ولكن مع ذلك العادة التي كان عليها السلف أولى من العادة التي اعتادها الناس اليوم، اعتاد الناس اليوم أنهم يبدءون بالمكتوب إليه: إلى فلان بن فلان، ولكن العادة الأُولى أَولى؛ لأن الإنسان إذا قرأ كتابًا يقرؤه من أوله، فإذا قرأ: من فلان، عرف الآن ما هذا وما قيمة الكتاب، قبل أن يقرأه كله. ثم إن الترتيب الطبيعي يقتضي هذا؛ لأن الكتاب واردٌ من إلى، ولّا لا؟ فيقتضي أن يبدأ بالوارد منه قبل الوارد إليه. فإذن نقول: الأولى أن يبدأ الإنسان باسمه إذا أرسل كتابًا إلى أحد؛ لأن هذه السنة المتّبَعة. هل يؤخذ من هذا الكتاب أنه لا يحتاج إلى ذكر المكتوب إليه؛ لأنه قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل ٣٠]، ولا قال: إلى ملكة سبأ؟ * طالب: قد يكون ذكر. * الشيخ: لكن اللي أمامنا الآن. * طالب: (...). * الشيخ: يحتمل هذا، أو نقول: إنه إذا دل الدليل على المكتوب إليه فلا حاجة إلى ذكره، مثلًا إذا أرسلت هذا الكتاب إلى شخص، ولا سيما في مثل قصة سليمان، أنه جاء به هذا الطائر إلى صاحبه، فهنا احتمال أن يصل الكتاب إلى غير المكتوب إليه ضعيف. والمقصود ببيان المكتوب إليه المقصود به؟ أن يتعين ويصل إليه، وهنا إذا جاء الكتاب على هذا الوجه، فإنه يحصل به أكبر تعيين، فنقول: إنه لا حاجة إلى ذكره إذا كان الأمر يحصل بدونه، ولكن مع هذا ذكره أولى، لا سيما إذا كان يترتب عليه شيءٌ في المستقبل، فإنه إذا فرضنا أن صاحبه الذي أُرسل إليه عُلم وأخذه، لكن في المستقبل ما ندري لمن وجّه له هذا الخطاب، فذكره بلا شك أولى. * وفي هذا دليل على استحباب البداءة ببسم الله الرحمن الرحيم في أول الرسائل؛ لقوله: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. * وفيه دليلٌ على استعمال الإيجاز إذا لم يكن فيه تقصير؛ لأن هذا الكتاب الذي كتبه سليمان في غاية ما يكون من الإيجاز؛ جملتان فقط ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣١] ولكن بشرط ألا يكون الإيجاز مخلًّا بالمقصود، فإن كان مخلًّا بالمقصود صار تقصيرًا. * وفيه دليلٌ على أن سليمان عليه الصلاة والسلام دعاهم إلى الله سبحانه وتعالى، ولا يريد التملك والسيطرة، وإنما يريد بذلك الدخول في الإسلام؛ لأن الهدهد لما أخبره أنها وقومها يسجدون للشمس من دون الله، فهذا كفر، فلا بد أن يخرجوا منه إلى الإسلام؛ لقوله: ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. * وفيه أيضًا دليل على قوة سليمان عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لم يقل: وأسلموا، بل قال: ائتوني مسلمين. فطلب منهم أن يأتوا إليه وهم على إسلام. وهل المراد أن يأتوا جميعًا؟ لا، المراد أعيانهم وأشرافهم؛ لأن الأعيان والأشراف يقومون مقام العامة. * وفيه دليلٌ على استحباب المشاورة في الأمور العامة؛ لقولها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ [النمل ٣٢]، فهي مع أنها ملكة ولها تمام السلطة، مع ذلك لم تستغن عن المشاورة ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾. * وفيه دليل على حزم هذه المرأة، وأنها تريد أن تكون سياستها مبنية على المسؤولية على الجميع؛ لقولها: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾، وحينئذ لو حصل خلاف المقصود لم يكن عليها لوم، ما دامت تُشهد هؤلاء وتبين لهم. * وفيه أيضًا دليل على أنه يجوز للمستشير أن يخالف المستشار إذا لم يرَ أنه مصيب في مشورته؛ لأنهم لما ذكروا ما يدل على أنهم يريدون قتاله وهي لا تراه خالفته، ولّا لا؟ فإنها قالت: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل ٣٤] إلى آخره. * وفيه دليل على مكانة هذه المرأة من قومها؛ لأنها بعد أن استشارتهم وأبدوا رأيهم تأدبوا معها وقالوا: ﴿الْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل ٣٣]، فهل يؤخذ من ذلك أيضًا أنه إذا قدّم المستشار مشورته لإنسان كبير أكبر منه قدرًا، أو فهمًا، أو علمًا، أن له أن يقول مثل هذا؟ نعم. يقول مثل هذا تأدبًا، وصاحبه بالخيار؛ إن شاء أخذ بمشورته، وإن شاء لم يأخذ. * وفيه دليل على حزم هذه المرأة أيضًا من جهة أنها نظرت في العواقب ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾. وهكذا ينبغي للعاقل ألا يحكم على الأمور ببوادرها وظواهرها، وإنما يحكم على الأمور بعواقبها؛ فإن الشيء قد تكون بوادره وظواهره مفيدة في نظر الإنسان، ولكنه عند التأمل يكون الأمر بالعكس، لكن هل الأولى المبادرة أو التأني؟ في الأصل التأني أولى؛ لأن الإنسان إذا تأنى ما يندم ما فعل شيئًا، لكن إذا تسرّع فهو الذي يكون عرضة للندم، وكم من كلمة قال الإنسان: ليتني لم أقلها، وكم من فعل قال: ليتني لم أفعله. ولكن مع هذا ينبغي استعمال الحزم في الأمور، لا يتأنى تأنيًا يطيل المقصود، ولا يتسرع تسرعًا يحصل به الندم، وأظن أني أنشدتكم بيتين في هذا المعنى، تحفظونهما؟ * طالب: في الحزم؟ * الشيخ: لا، في أنه قد يكون التسرع أولى وقد يكون التأني أولى. * طالب: (...) * الشيخ: قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ ∗∗∗ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ؎وَرُبَّمَا فَـــاتَ قَوْمًا جُــلُّأَمْرِهِـــــــــــمُ ∗∗∗ مَعَ التَّأَنِّي وَكَانَ الرَّأْيَ لَوْعَجِلُـوا نعم وهذا صحيحٌ وواقعٌ، الأوَّل: قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ ∗∗∗ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِالزَّلَلُ المهم أننا نقول: إذا دار الأمر بين الإسراع والتأني، ولم يترجح الإسراع عليه فالأولى التأني؛ لأن الإنسان يكون الأمر بيده ما دام لم يحدث شيئًا، لكن إذا أحدث شيئًا فاته الأمر ولم يتمكن من التخلص منه. * طالب: يؤخذ من الآية؟ * الشيخ: إي نعم. * طالب: كيف؟ * الشيخ: يؤخذ من الآية؛ لأنها ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل ٣٤] فهي نظرت في العواقب، والنظر في العواقب يستدعي إما التسرع وإما التأني، قد يكون مثلًا يرى الإنسان الرائي أنه إذا لم يُسرع فات المقصود، فيسرع أو إذا أسرع حصل الخلل فيتأنى، فهو مأخوذٌ من قولها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل ٣٤]. * وفيها أيضًا: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل ٣٥]. * يستفاد من هذه الآية أولًا: ذكاء هذه المرأة وحنكتها. * ثانيًا، يستفاد من ذلك: جواز الاختبار والامتحان، وأن ذلك لا يُعد خديعة، إذا أراد الإنسان أن يمتحن غيره بشيء من الأشياء ما يُعد هذا خديعة؛ لأنه يريد أن يستظهر به حاله، وهذا لا مانع منه. * وفي الآية أيضًا الفائدة الثالثة وهي: العمل بالقرائن؛ لأنها أرادت أن ترسل هذه الهدية لتختبر مراد سليمان، هل يريد المال فقط، هل تكفيه هذه الهدية، أو يريد أنهم يسلمون فلا تنفع فيه هذه الهدية، ولا يكف عن طلبه الأول وهو ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣١]. ففيها إذن ثلاث فوائد، وهل ورد مثل ذلك؟ نعم. في قصة سليمان في المرأتين اللتين احتكمتا إليه في ابن إحداهما، خرجت امرأتان إلى خارج البلد ومع كل واحدة لهما ابن، فأكل الذئب ابن الكبرى، فاحتكمتا إلى داود عليه الصلاة والسلام، فقضى بالابن الموجود لمن؟ للكبرى؛ بناءً على أن الصغرى يمكنها أن تلد فيما بعد، ولكنه لما تحاكمتا إلى سليمان عليه الصلاة والسلام قال: ليس هذا الحكم، الحكم أنا نأتي بالسكين ونشق الولد نصفين ويكون للكبيرة نصف وللصغيرة نصف، الكبيرة وافقت على أن يشق نصفين، ليش؟ ليس ولدًا لها، وتقول: مثلما تلف ابني يتلف ابنها، وأما الصغيرة فقالت: لا يا نبي الله، الولد.. فعلم بذلك أن الولد للصغرى، فحكم به لها[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٢٧)، ومسلم (١٧٢٠/٢٠) من حديث أبي هريرة.]]، فهذا من باب الاستظهار للحق بالقرائن، ولا مانع من ذلك، وقد كان القضاة يفعلونه. فهذه المسألة -إرسال الهدية إلى سليمان عليه الصلاة والسلام- من هذا النوع؛ ليستظهر به حاله فيُعمل بالقرينة. * طالب: (...) يؤخذ من فعلها. * الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا ما فيه مانع. * طالب: ولو كانت كافرة؟ * الشيخ: ولو كانت كافرة؛ لأن الشيء إذا حكاه الله سبحانه وتعالى فقد قال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١] فإذا حكى الله تعالى عن كافر شيئًا ولم يرد إبطاله، فإنه على الأصل. * الفائدة الرابعة من الآية: أن الهدية كانت كبيرة، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل ٣٥] * الشيخ: ولا يُرسل جماعة بهدية إلا وهي كبيرة، وأيضًا ربما نقول مع كبرها: ثمينة؛ لأجل أن يدافع هؤلاء المرسلون عنها لو حاول أحدٌ أن يعتدي عليها، فيستفاد إذن عظم هذه الهدية كمية وكيفية، ولذلك احتاجت إلى أن ترسل بها جماعة. وفي قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل ٣٦ - ٣٧]. * يستفاد من قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ أن من المستحسن أن يتقدم الرئيس -رئيس الوفد أو القوم- بالكلام أو بالفعل إذا كان مكلفًا بالفعل، المهم أن يكون المتقدم الرئيس؛ لأن تقدم الجميع دفعة واحدة غير لائق؛ لضياع المسؤولية، فلا بد أن يتقدم أحد، يتقدم واحدٌ، وكلما حُصر الأمر كان أقرب إلى الفهم وإلى حصول المقصود. * وفيه أيضًا دليلٌ على توجيه الخطاب للجماعة، وإن كان المتقدم رئيسهم؛ لقوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ [النمل ٣٦]. * وفيه دليل على جواز الغلظة في القول إذا كانت المصلحة فيه؛ لأن هذا الأسلوب من سليمان عليه الصلاة والسلام أسلوب قوي؛ إذ إننا قلنا: إن الاستفهام في قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ للتوبيخ والتعجيب، يعني أنه يوبخهم على فعلهم ويتعجب من فعلهم، كيف يمدونه بمال وهو ملك ومعروف ومشهور؟! * وفيه دليل على جواز التحدث بنعمة الله. * الفائدة الرابعة: أنه يجوز للإنسان أن يتحدث بنعمة الله؛ لقوله ﷺ: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾، ولكن هل يتحدث بهذه النعمة على سبيل الافتخار، وإلا على سبيل الافتقار والاستصغار؟ على حسب الحال، نرى أنه على حسب الحال. فمع العدو يجوز أن يتحدث بها افتخارًا، ولذلك تجوز الخيلاء في الحرب، مع أن الخيلاء محرّمة ولّا لا؟ محرمة، من الكبائر، لكن في الحرب لإغارة العدو لا بأس بها، فسليمان عليه الصلاة والسلام تحدث هنا بنعمة الله افتخارًا فيما يظهر لي، افتخارًا على هؤلاء القوم، وهذا لا بأس به إذا كان أمام العدو، فأما إذا كان لإظهار النعمة فإنه لا يجوز إلا على سبيل الاستصغار والافتقار إلى الله سبحانه وتعالى، لا على سبيل الافتخار والعلو على الخلق. * الفائدة الخامسة: أنه يجوز للإنسان أن يصف غيره بما يبدو من حاله؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾؛ إذ إن الفرح كما تعرفون أمر باطني، تظهر علاماته على ظاهر البدن، ولكنه في الأصل أمر باطني؛ لأن اللي يفرح ما يُسمع لفرحه صوت ولا يُرى له حركة، ولكن تظهر علاماته. فلا بأس أن الإنسان يحكم على غيره بالقرائن لما يظهر من حاله، وقد مر عليكم كثيرًا مثل هذا الأمر، فقد قال الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان: «وَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنِّي»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٣٦)، ومسلم (١١١١/ ٨١) من حديث أبي هريرة.]]. ومع هذا فإن هذا الرجل لم يطف بأبيات أهل المدينة ويفتشها حتى يعرف أن ما فيه أحد أفقر منه. * وفيه أيضا دليل، الفائدة السادسة: دليلٌ على إظهار القوة للأعداء؛ لقوله: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ [النمل ٣٧]، وهذا داخلٌ في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠] فإن (من قوة) نكرة تشمل كل ما يُمكن من القوى، سواءٌ كانت القوة قولية، أو مادية، أو معنوية، المهم أن جميع القوى في معاملة الأعداء ينبغي للمرء أن يستعملها، حتى إنه جاء في الحديث «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٢٩)، ومسلم (١٧٤٠/ ١٨) من حديث أبي هريرة.]]. لكن الخيانة هل تجوز ولّا ما تجوز؟ * طالب: لا تجوز. * الشيخ: خيانة العدو ما تجوز، لا يجوز للإنسان أن يخون عدوه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال ٥٨] ولا تخنهم، وكذلك إذا خانوا يكونون نقضوا العهد، وقد مر علينا أن هذه المسألة لها ثلاث حالات، المعاهدون لهم ثلاث حالات: إما أن يستقيموا لنا ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة ٧]. وإما أن ينكثوا العهد، وحينئذ لا عهد ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْر﴾ ِ [التوبة: ١٢]. وإما ألا ينقضوا العهد وظاهرهم الاستقامة، لكن نخاف منهم الخيانة، فهنا ننبذ العهد إليهم، ونخبرهم بأننا قد أبطلنا العهد، حتى لو قالوا: سنبقى على العهد نقول: لا، نحن الآن كل منا حر. هنا فيه قوة في الكلام ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ هذا التهديد والوعيد لا شك أنه مظهر قوة، فيكون داخلًا في قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠]. * طالب: كيف نجمع بين جواز خدع العدو وبين عدم جواز الخيانة؟ * الشيخ: إي نعم. الخيانة معناها: أنك تخدعه في مقام الأمانة، والخديعة تخدعه في غير مقام الأمانة، الحرب قائمة، وتحط كمينًا لهم مثلًا وما أشبه ذلك، تظهر مثلًا أن عندك كثرة عدد تخلي الناس مثلًا يترددون كما فعل القعقاع بن عمرو في حروبه مع الفرس وغير ذلك، فأنت الآن ما خنتهم؛ لأن ما بينك وبينهم عهد. * طالب: بعض الصحابة (...) يخبره بأنه فلان يؤمّنه، ثم يقتله. * الشيخ: ما يعتبر خيانة؛ لأن ذاك محارب، ما بينه وبينه عهد، ولهذا قال الرسول في قصة كعب بن الأشرف: «مَنْ لِي بِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَقَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٥١٠)، ومسلم (١٨٠١/ ١١٩) من حديث جابر بن عبد الله. ]]. * طالب: شيخ، النبي ﷺ فسّر القوة قال: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»[[أخرجه مسلم (١٩١٧/ ١٦٧) من حديث عقبة بن عامر.]] فهنا يكون القوة خاصة بالرمي؟ * الشيخ: إي نعم. الرسول عليه الصلاة والسلام وكذلك أيضًا ما يرد عن الصحابة في تفسير بعض الآيات يذكرون الشيء أحيانًا على سبيل التمثيل، والقوة في ذلك الوقت هي الرمي ولا تزال أيضًا، فإن الرمي الآن من أشد ما يكون من القوة، يعني هو أعلى أنواع القوة. وسواء كان رمي الناس بالقوس فيما سبق، أو في البندقية أو في الصواريخ المهم أن الرمي في كل وقت تجد أنه هو ذروة القوة. * طالب: (...). * الشيخ: ما يكون هذا حصرًا، ولكن الرسول أراد أن يبيّن غاية القوة، فالقوة هذه هي الغاية في كل وقت. * وفيه أيضًا دليل في قوله عليه الصلاة والسلام: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ على كثرة جنود سليمان؛ لأن هذه الملكة التي لها العقل العظيم، وعندها القوم المطيعون الذليلون لأوامرها يقول: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾، ولم يبيّن هذه الجنود، لكنه مر في أول القصة أن جنوده ثلاثة أصناف: الجن، والإنس، والطير. هذه كلها يمكن أن يسلطها عليهم، إذا سلّط الجن ما لهم قبل بها، ولئن سلّط الطيور تنقب عيونهم أيضًا لا قبل لهم بها. فالحاصل أن الجنود التي لسليمان لا يمكن لهؤلاء أن يقابلوها، لا كمية ولا كيفية. فيه شيء بعد؟ * طالب: شيخ (...) إرسال الرسالة ينبغي (...) المرسل، طيب كيف كان (...) كان العمال يرسلون إلى أمير المؤمنين من عامل (...). * الشيخ: وهذا يكون من باب التعجب والمبالغة، وإلا بلا شك أن الأول أولى، لكن مثلما قلت الآن، أنهم صارو يقولون: إلى فلان من فلان، ثم صاروا يقولون: إلى فلان ويأتون بالاسم في الآخر. يكون هذا من باب التعجب والإكرام مع الغير. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما أعرف هل هي (...) ولا أن الناس يقرؤونها تعبدًا، ولكن هذه من الأمور العادية مثلما قلنا غير عبادة. * طالب: قبل التسمية أو بعدها، مع هذا، مع سليمان قبل التسمية؟ * الشيخ: لا، هي أخبرت ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل ٣٠] فهل كان سليمان كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من سليمان ألا تعلوا عليَّ وائتوني مسلمين؟ لأن هذا خبرٌ منها، ما هي تقرأ عليهم الخط الآن، يعني: ليست كالراوي كتاب حتى نقول: من سليمان بسم الله الرحمن الرحيم، ولهذا قالت: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ [النمل ٣٠ - ٣١]. حتى إننا أيضًا في أثناء التفسير (...) من أنها فهمت أنه من سليمان بغير هذا وإن لم يكتب. * طالب: (...)؟ * الشيخ: صحيح، الكافر ليس له حق في أرض الله ولا في مال الله، حتى المال ما له حق فيه. * طالب: (...) * الشيخ: إي نعم، وجه ذلك أنه لو لم يكن هكذا لكان تهديده بهذا الأمر محرمًا؛ إذ لا يجوز له أن يفعل هذا، لو كان لهم حق ما أجاز له أن يفعل ويخرجهم من أرضهم. * طالب: شيخ، (...) قال: الصغار (...) فرق بين الذلة والصغار. * الشيخ: لا ما يصير، (...) الذلة في النفس، والصغار في البدن. * طالب: ﴿فلنأتينهم﴾ (...) على الجبرية. * الشيخ: (...) يمكن يستدل بها، على أن الإنسان يفعل باختياره؛ لقوله: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ﴾ [النمل ٣٧].

النمل 27:36

قال: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ [النمل ٢٠] ﴿الطَّيْرَ﴾ (أل) هذه للعهد أو لعموم الجنس؟ أقول: إنها للعهد؛ لأنها تعود على الطير المذكور. ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ [النمل ١٧]، وعلى هذا فيكون تفقّده للطير في نفس هذه المسيرة. ﴿تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ يقول: (تفقد الطير ليرى الهدهد الذي يرى الماء تحت الأرض، ويدل عليه بنقره فيها لتستخرجه الشياطين لاحتياج سليمان إليه للصلاة فلم يره)، هذا من كيس المؤلف. يقول: ﴿تَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ لأجل يدور الهدهد، الهدهد (...)؟ يرى الماء تحت الأرض، ولو رأى الأنهار تجري تحت الأرض نقر بمنقاره، يعني قال: احرثوا هنا، ثم يأمر الشياطين فتحفر. * طالب: ما الدليل؟ * الشيخ: الدليل أنها (...)، هذا من يقول هذا؟ بل إن تفقده للطير لأنه -كما سلف- كان عليه الصلاة والسلام منظمًا لجنوده، وتفقد أين ذهب؟ ولهذا ما قال: تفقد الهدهد أو الهداهد، بل قال: تفقد الطير كله؛ لأنكم تعرفون أن الطيور تسبح في الهواء، فقد يشذ منها شيء، فهو عليه الصلاة والسلام تفقدها لأجل تكميل التنظيم. ثم إن قولهم أو دعواهم أن الهدهد يرى اللي تحت الأرض، هذا ما هو بصحيح، ادفن حب أنه خلى الهداهد تيجي هنا، تراها ولَّا ما تراها؟ ما تراها بالتأكيد، وهذا شيء إذا لم ترَ الحب القريب كيف ترى المياه البعيدة؟ المهم أن الهدهد مثل غيره ينحجب نور عينيه بالكثافة، ولا يرى شيئًا. ثم إن سليمان عليه الصلاة والسلام ليس بحاجة إلى هذا، بل إن سليمان من هذه الناحية كغيره من البشر، إن وجد ماءً انتفع به، وإن لم يجد فإن الله تعالى ييسر له الماء بأي وسيلة. قال: ﴿تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ ﴿مَا﴾: اسم استفهام، وهل الغرض منه الاستخبار أو الاستنكار؟ * طالب: الاستخبار. * الشيخ: قيل: الغرض الاستخبار أنه يسأل سؤالًا حقيقيًّا، يقول: أين الهدهد؟ وقيل: إنه استنكار، والظاهر أنه لا وجه له؛ لأن الأصل في الاستفهام الاستخبار. قال بعضهم: وفي الآية قلب، وأن التقدير: ما للهدهد لا أراه، ولكن هذا ليس بصحيح، بل الآية على ترتيبها، فهو يسأل، يقول: ليش أني ما أشوف الهدهد؟ هل هناك مانع منعني من رؤيته أو أنه كان غير موجود؟ ولذلك أضرب عن الأول وقال: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾، و(أم) هذه منقطعة، و(أم) المنقطعة -كما مر علينا عدة مرات- تكون بمعنى: (بل)، والهمزة يعني: بل أكان من الغائبين؟ وحينئذٍ أضرب عن الكلام الأول، وعرف أنه لا علة في بصره، وإنما العلة غيبة هذا الهدهد. ثم قال عليه الصلاة والسلام: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ فلم أره لغيبته، فلما تحققها قال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا﴾ [النمل ٢١] تعذيبًا شديدًا. ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ الجملة هذه مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي: اللام الموطئة للقسم، والقسم قبلها مُقدّر. هذان اثنان، والثالث: النون، ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾. ويقول: ﴿عَذَابًا﴾ قال المؤلف: (تعذيبًا)، إشارة إلى أن عذابًا اسم مصدر؛ لأن عذَّب مصدرها (تعذيبًا)، واسم المصدر منها (عذابًا)، نظيرها: كلَّم مصدرها (تكليمًا)، واسم المصدر منها (كلامًا). سلَّم (تسليمًا)، واسم المصدر (سلامًا). لأعذبنه تعذيبًا شديدًا، ما هو الشديد على رأي المؤلف؟ بنتف ريشه وذنَبه ورميه في الشمس فلا يمتنع من الهوام، هذا شيء عجيب، تقدير هذا التعذيب بهذا الشيء على أي دليل؟ ولهذا بعضهم قال: إن هذا التعذيب الشديد اللي قاله المؤلف، هذا النتف، ويخلى بالشمس مسكين ما عنده ريش ولا شيء. بعضهم يقول: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أحبسه مع شيء ليس من جنسه، أحط الهدهد مع العصافير، يقولون: من أشد العذاب على الحيوان أن يحشر في غير جنسه، لو يُحطّ الآدمي مع الجن يتعذب، أو الجن مع الآدمي يتعذّبون، ولكن هذا أيضًا ما هو بصحيح؛ لأننا نشاهد الآن أن أشياء تُجعل مع أجناسها ولا تتعذَّب، واحد عنده مواشي بقر وغنم وإبل والغنم ضأن ومعز، مين بيسوي ذلك بحوش واحد ولا تتعذب؟ فالصواب: أن هذا التعذيب الذي قاله سليمان غير معلوم لنا، إنما هو عذاب شديد، والله تبارك وتعالى لم يبيّنه، ولكن يكفي أن نعرف أنه شديد، هذا واحد. ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ لأذبحن هذه للتنويع؛ يعني إما هذا أو هذا. وقوله: ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ يقول: بقطع حلقومه، هذا صحيح، يعني (...) للذبح إما بقطع الحلقوم والمريء؛ يعني من عند الرقبة. الثالث: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾ بنون مشددة مكسورة، أو مفتوحة يليها نون مكسورة، ﴿لَيَأْتِيَنِّي﴾ هذه واحدة. ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِي﴾ ، شوف بنون مشددة مكسورة: (يَأْتِيَنِّي)، أو مفتوحة ويش المفتوحة؟ * طالب: بنون أن يأتي. * الشيخ: بنون، لا، نون مشددة مكسورة، أو مفتوحة يليها نون مكسورة. * طالب: والياء. * الشيخ: إي، (يَأْتِيَنَّنِي)، هذه القراءة الثانية. ﴿لَيَأْتِيَنِّي﴾، ﴿لَيَأْتِيَنَّنِي﴾ . ويش الفرق بينهما؟ * طالب: الإتمام. * الشيخ: إي، فيها نون وقاية، إما تُحذف أو توجد، وإلا نون التوكيد موجودة، نون التوكيد هي مشددة، لكنها إن حُذفت للوقاية كُسِرت نون التوكيد (يأتينِّي)، وإن لم تُحذف: (يأتينَّني)، فإنها تبقى مفتوحة. هذا أمر ثالث، فتوعده سليمان بواحد من أمرين إلا إذا أتى بشيء، ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ببرهان بيِّن ظاهر على عذره. (سلطان) كلمة سلطان ترد كثيرًا في القرآن، ومعناها العام: هي السلطة التي يتمكن بها الإنسان من الوصول إلى غرضه، هذا معناها العام، السلطة التي يتمكن بها الإنسان من الوصول إلى غرضه، هذا السلطان، فتارة يكون المراد به الدليل، ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات ١٥٦]، وتارة يُراد به القدرة: ﴿لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣]، وتارة يُراد به البينة مثل هذا. قوله: ﴿لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ يعني ببينة على عذره، والمعنى العام للسلطان ويش قلنا؟ السلطة التي يتمكن بها الإنسان أو صاحبها من الوصول إلى غرضه، سواء كان ذلك دفاعًا عن نفسه أو إثباتًا لأمر. وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ فسّرها المؤلف ببيّن، ولا تصلح بمعنى (مُظهِر)، يعني ما تصلح متعدية؛ لأن المؤلف الآن فسرها بأنها لازمة، تصلح أيضًا متعدية، يعني بسلطان مُظهِر لعذره، ونحن إذا فسّرناها بهذا نكون أخذنا بالتفسير الذي فسر به المؤلف وزيادة. ﴿فَمَكَثَ﴾ بضم الكاف وفتحها؛ مكَث ومكُث، والفاعل مَنْ؟ الهدهد، ويحتمل أن يكون الفاعل سليمان؛ يعني: بقي غير بعيد؛ أي: يسيرًا من الزمان وحضر لسليمان. قوله: (وحضر لسليمان) ويش الدليل عليه؟ * طالب: بحضرته. * الشيخ: لأنه قال: إنه غائب في الأول: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾، والغائب ما يُخاطب إلا إذا حضر، ولكن قول المؤلف: متواضعًا برفع رأسه وإرخاء ذنبه وجناحيه، هذا من الأمور اللي ما ندري عنها. * طالب: الظاهر المؤلف كان معه! * الشيخ: إي، كأنه معه؛ يعني الهدهد جاء ووقف، ورفع رأسه، ونزَّل ذنبه وجناحيه. * طالب: لا، هذا استنباط من الطيور المشاهدة. * طالب آخر: فيها تقدير يا شيخ في المعنى. * الشيخ: بس ما يمكن أن نقول هذا أبدًا، ما يمكن نصف كيف جاء، إنما يكفينا أن نقول ما قال الله تعالى في القرآن، ونحن ذكرنا قبل قاعدة: كل ما سبق فإنه لا طريق لنا إلا العلم به إلا من طريق الوحي: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩] ما من طريق إلا الوحي؛ إما في القرآن أو في السنة الصحيحة. ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل ٢٢]. ﴿أَحَطْتُ﴾ يعني: يتكلم عن نفسه. ﴿أحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ يخاطب من؟ * طالب: سليمان. * الشيخ: سليمان، وفي الحقيقة أن هذا الهدهد قوي له ضلوع قوية جدًّا كما يقولون، كيف يخاطب سليمان وله هذا الملك العظيم ويقول: ﴿أحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾، ما قال: بما لم تحيطوا به، ما جاء بصيغة التعظيم، ونحن الآن بشر ونخاطب بعض الأحيان المدير ولَّا من فوقه، ونقول مثلًا: أنتم، سيادتكم، ولَّا سعادتكم، ولَّا حضرتكم، (...) أكبر من اللازم، من أنه مثلًا بشر، وكل هذه في الحقيقة كل هذه من الأمور الشكلية التي لا تنبئ عن شيء ولا تنبغي أيضًا، الصحابة يخاطبون الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الخطاب، وهو أشرف عندهم من كل بشر، وكذلك الخلفاء الراشدون ما كانوا يُخاطبون بمثل هذا. ومن عجب الأمة أن بعض هؤلاء الذين يخاطبون بمثل هذه الألقاب تجد قلوبهم تغلي على هؤلاء المخاطَبين، فيكون هذا الخطاب كأنه تهكُّم بهم، ولو أن الناس تخاطبوا فيما بينهم على خطاب عادي، هذا الهدهد ويش مقامه مع سليمان؟ جند من جنده الأضعفين، ومع ذلك يقول بهذه الصراحة: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾، وهذا أول ما كلّمه بعد، على طول، لكن في الحقيقة إنه فيه نوع من الأدب، ما قال مثلًا: أنت جاهل ولا تعرف، وأنا عرفت ودورت ولقيت شيئًا ما تدري عنه، بل قال: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ يعني لأجل أن يعرف سليمان قدره، وأنه ليس محيطًا بكل شيء، فهذا الهدهد صار أشد إحاطة منه، والإنسان البشر ضعيف في كل شيء، حتى ما أحد علمنا كيف نقبر موتانا إلا؟ * طالب: الغراب. * الشيخ: إلا الغراب مما يدل على أننا لسنا بشيء في الواقع. ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ يشبهها قول إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم ٤٣] ما قال: يا أبتِ إنك جاهل، وهذا من اللطافة في الأسلوب، هنا قال: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ والكلمة شديدة؛ أي: اطلعت على ما لم تطلع عليه. ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل ٢٢، ٢٣] إلى أن قال: ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل ٢٧] سليمان قابله بعد (...)، وأكّد الخبر، ﴿جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾، ومع ذلك قال له: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. هذا بعد صدمة على الهدهد؛ لأن الهدهد كان متيقنًا، ومع ذلك قيل له: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، ليش قال سليمان هذا مع أنه يقول له: بنبأ يقين؟ لأن حقيقة الأمر أن كلام الهدهد في مقام الدفاع عن نفسه، مدافع؛ لأنه متوعَّد بالعذاب الشديد أو بالذبح، أو بخبر بسلطان مبين، فهو لما كان في مقام الدفاع احتاج أن يتثبت هذا ببينة، وقد وقع مثل ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، استأذن عليه أبو موسى ثلاث مرات ثم انصرف، فلما (...) في ذلك قال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ، قال: ائت ببينة على ما تقول مع أن أبا موسى صحابي ثقة، ما يمكن يتقوَّل على الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن المقام يقتضي؛ ويش يقتضي؟ زيادة التثبت؛ لأن الإنسان قد يفهم من النص ما ليس مرادًا، فلذلك طلب عمر من أبي موسى أن يأتي بشاهد. هنا هذا الهدهد، سليمان عليه الصلاة والسلام مع أنه قد تيقن له الخبر؛ يقول: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، ثم أعطاه آية وقرينة: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [النمل ٢٨]. والقصة في الحقيقة عظيمة جدًّا فيها فوائد كثيرة. ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ﴾ يقول: ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ بالصرف وتركه بالصرف ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾، وتركه: (من سبأَ) كذا؟ * طالب: لا، عكس. * الشيخ: عكس؟! * الطالب: (مِنْ سَبَأَ) هذا ممنوع من الصرف. * الشيخ: إي، هذا عدم الصرف، صح، و﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ هذا الصرف، (مِن سَبَأَ) جُرَّ بالفتحة؛ لأنه اسم لا ينصرف و﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ جُرَّ بالكسرة؛ لأنه اسم ينصرف، على أي اعتبار جعلناه إما مصروفًا أو عدمه؟ قال: قبيلة باليمن سميت باسم جد لهم باعتباره صُرف (...). * * * معناه لأن يعلم أهل الكتاب، فزيدت اللام توكيدًا؛ فالمؤلف يرى أن هذه الآية مثل الآية التي ذكرها شاهدًا لها وهي زيادة (لا)، ويرى آخرون من المفسرين خلاف ما رآه المؤلف، ويقولون: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ انتهت الجملة، وأن قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [النمل ٢٥] بمعنى: هلَّا يسجدوا، وأنها للتقدير، ولكن هذا التقدير فيه إشكال أيضًا، وهي حذف النون من الأفعال الخمسة بدون ناصب ولا جازم؛ لأن (ألا) لا تنصب ولا تجزم. وإذا قلنا: إن يسجدوا أن (ألا) للتحضيض، وهي لا تنصب ولا تجزم، ونظرنا إلى ﴿يَسْجُدُوا﴾ وجدنا أن فيها حذف النون نصبًا أو جزمًا، وهنا ليس فيه ناصب ولا جازم، فهو محل إشكال، ولكن الجواب عن هذا قد يكون سهلًا؛ لأن حذف نون الأفعال الخمسة لغير ناصب ولا جازم جائز، ووارد في اللغة العربية، ومنه قول النبي ﷺ: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا»[[أخرجه مسلم (٥٤ / ٩٣)، وأحمد في المسند (١٠٦٥٠) من حديث أبي هريرة واللفظ لأحمد.]]. «لَا تَدْخُلُوا» (لا) نافية ما تنصب ولا تجزم، ومع ذلك حُذفت النون، ولم يقل: لا تدخلون الجنة. فالجواب على هذا أن يقال: إن نون الأفعال الخمسة قد تُحذف بدون ناصب ولا جازم لا سيما في مثل هذا التعبير: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ الدال على التحضيض، فإن حذف النون هنا يسهّله وجود هذا الحرف السابق للفعل. وعلى كل حال، إذا كانت على تقدير المؤلف؛ فإن هذه الجملة بالنسبة لما قبلها كالمؤكدة، لما قال: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل ٢٤] هذا يقتضي ألَّا يهتدوا إلى الحق وإلى أن يسجدوا لله سبحانه وتعالى. وأما على القول الثاني: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ أن ﴿أَلَّا﴾ للتحضيض؛ بمعنى: هلّا، فإنه يدل على أن الهدهد انتقدهم بهذا الفعل، وبين أن الأولى بل الأوجب أن يكون السجود لله سبحانه وتعالى، وتكون الجملة منفصلة عما قبلها. وقوله: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ مصدر بمعنى المخبوء من المطر والنبات. ﴿فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ويعلم ما يخفون في قلوبهم وما يعلنون بألسنتهم. ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ ﴿الْخَبْءَ﴾ بمعنى (المخبوء) كما قال المؤلف، فهو مصدر بمعنى اسم المفعول، والمصدر بمعنى اسم المفعول وارد في اللغة العربية كثيرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق ٦] أي: محمول؛ لأن الحمل فعل المرأة، وأما المحمول فهو الجنين، وكذلك قوله: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]، ومنه قول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة، واللفظ لمسلم. ]]؛ أي: مردود. ومنه أيضًا قول الله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان ١١]. ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ أي: مخلوقه وليس فعله، فالخبء هنا بمعنى المفعول، قال: من المطر، هذا باعتبار المخبوء في السماء، والنبات؟ * طالب: المخبوء في الأرض. * الشيخ: هذا المخبوء في الأرض، فالله تبارك وتعالى هو الذي يخرج ما في هذا وما في هذا، في السماوات والأرض ويعلم ما يخفون في قلوبهم وما يعلنون بألسنتهم، ولم يُشر للمؤلف إلى القراءة الثانية، وهي سبعية في قوله: ﴿يُخْفُونَ وَيُعْلِنُونَ﴾ ، فإن الذي في المصحف قراءة عاصم ما هي؟ * طالب: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾. * الشيخ: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ يخاطب بذلك سليمان. وقوله: (ما تخفون في قلوبكم وما تعلنونه بألسنتكم) فيه نظر تقييده بالألسنة، لو قال: بألسنتكم وجوارحكم؛ لأن ما يُفعل بالجوارح معلن، كما أن ما ينطق به في اللسان مُعلن أيضًا. ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾، وهذان الوصفان إخراج الخبء والعلم بما يخفي العبد وما يعلنه لا يكون لأحد من المخلوقين، لا للشمس ولا لغير الشمس، وإنما ذلك خاص بالله تبارك وتعالى، ولهذا جعله الهدهد جعله من الأسباب التي تستلزم أن تكون العبادة لله وحده؛ لأنه العالم بها، ولا يمكن يؤتى بوصف يستلزم العبادة إلا إذا كان خاصًّا بالله؛ لأنه يؤتى بهذا الوصف استدلالًا على بطلان عبادة ما سواه، ولو كان من ما يمكن أن يكون لله لم يكن ذلك دليلًا على اتصاف الله تعالى بالعبودية؛ إذ قد يقول العابد للشيء: وهذا وصف أيضًا موجود في معبودي فأنا أعبده. فالمهم أنه لا يمكن أن تُقام الحجة إلا بدليل خاص في المحتج له؛ يعني بمعنى أنه ما يمكن أن تقوم الحجة بأن العبادة لله وحده إلا بوصف أيش؟ * طالب: خاص. * الشيخ: خاص بالله، لأنك لو احتججت بوصف يكون لله ولغيره لكان العابد لغير الله يقول: وهذا وصف أيضًا ممكن بمعبودي، فلا يدل على أنه مما يختص به الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل ٢٦] استئناف جملة ثناء مشتمل على عرش الرحمن في مقابلة عرش بلقيس، وبينهما بون عظيم. يقول هذا الهدهد: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وهذه كلمة التوحيد، والمؤلف يقول: (إنها جملة استئنافية للثناء على الله تبارك وتعالى بما لا يكون لغيره)، فالأول ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿وَيَعْلَمُ﴾، هذا يتعلق بتوحيد الربوبية. والثاني: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ بتوحيد الألوهية؛ أي: لا معبود سواه، لكن لا معبود بحق، إذ هناك معبودات سوى الله سبحانه وتعالى بغير حق، فإذن: أثنى على الله سبحانه وتعالى بصفة الربوبية وبصفة الألوهية، وربما نقول أيضًا: وبصفة الأسماء والصفات؛ لأن توحيد الربوبية مستلزم للأسماء والصفات؛ إذ إن التصرف في الخلق والتدبير والعلم كل هذا من الصفات. قال: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ﴿رَبُّ﴾ بمعنى صاحب ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾؛ أي: صاحبه، كما تقول: رب الدابة؛ أي: صاحب الدابة. وقوله: ﴿الْعَرْشِ﴾ هذه (أل) للعهد الذهني؛ أي: العرش المعهود في أذهان الخلق العظيم، بخلاف عرش بلقيس، ولهذا قال: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ وهنا قال: ﴿الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ بـ(أل)، والتعبير ظاهر جدًّا في الفرق بينهما؛ لأن عرش نكرة، والعرش معرفة، فدل ذلك على أن هذا العرش عرش عظيم معلوم مفهوم في الأذهان، بخلاف الأول. ويقول المؤلف: (إنه قاله في مقابلة عرش بلقيس) نعم، هذا صحيح، يعني واضح أنه قال لأجل أن يبين أن صاحب العرش العظيم هو المستحق؛ لأن يكون مالكًا، وأما هذه الملكة فإن لها عرشًا وليس لها العرش، فقال: ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ يقوله سليمان، والسين -كما مر علينا- تدل على؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، تدل على التحقيق مع التراخي، لكنها تدل على التحقيق. ﴿سَنَنظُرُ﴾ أي: معناه أن نظرَنا هذا محقق، لكنه سيكون له مقدمات، فهي تدل على التأكيد. ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ ولم يقبل كلامه من أول الأمر، لماذا؟ خشي أن يكون أتى بذلك دفاعًا عن نفسه، ونظير هذا ما سلكه عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أبي موسى الأشعري حين استأذن ثلاثًا وانصرف، ثم حدثه أن النبي ﷺ أمر بذلك، فطلب منهم أن يشهدوا له. فهنا يعني التُّهم أو عدم الثقة في القول لها أسباب؛ من جملتها: أن يكون المخبر على هذا الوصف يتضمن إخباره دفاعًا عن نفسه، فهنا مهما كان من الثقة تجد أنك تتردد في قبول هذا الخبر. * طالب: سؤالي يا شيخ هو قوله: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ مع قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ ما يقتضي مما قدم (...) كونهم لا (...)؟ * الشيخ: لا؛ لأن معنى قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ يجب أن يفرد الله تعالى بالسجود (...) فيكون مناط الذنب كونهم يُخصِّصون الشمس بالسجود، وكذلك أيضًا لو أشركوا بها مع الله، (...) لهذا ولهذا؛ لأنه ما يمكن يزول الذنب إلا إذا خُصِّص السجود لله وحده. * طالب: يا شيخ، قراءة: ﴿أَلَا يَا اسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ (...). * الشيخ: قراءة قد تكون (ألا) أيضًا افتتاحية؛ لأن (يا) حرف نداء، والمنادى محذوف؛ يعني: ألا يا قوم اسجدوا لله، أو تكون (يا) للتنبيه، نظيرها قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس ٢٦]، ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ﴾ [النساء ٧٣] فإن (يا) هذه إما أن تكون للتنبيه؛ لأنها لا تدخل على الأفعال ولا على الحروف، وإما أن تكون للنداء والمنادى محذوف. * طالب: سبعية؟ * الشيخ: ما أعرف ولَّا من الشواذ؟ قال: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ فيما أخبرتنا به، ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾؛ أي: من هذا النوع، فهو أبلغ من أن كذَبْت فيه. ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِين﴾ صريح؛ الأول أنه فعل، وهنا قال: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾؛ أي: من هذا النوع، فهو أبلغ من أن كذبت؛ لأنه يدل على الوصف الدائم؛ من الكاذبين، فهو أبلغ من قوله: أم كذبت؛ لأن أم كذبت فعل، والفعل قد يكون مرة، لكن ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هذا وصف يدل على استمرار الكذب فيه، هذا ما قرره المؤلف، وعندي أن فيه لباقة في تعبير سليمان للهدهد؛ لأن مصارحته ومقابلته بقوله: أم كذبت أشد وقعًا من قوله: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، أشد؛ يعني معناه: أم كنت من الكاذبين أهون مما لو قال: أم كذبت، فهي في الحقيقة من جهة أشد في النظر إلى أن قوله: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ وصف لازم، ومن جهة المخاطبة أهون من قوله: أم كذبت، فهذا وجه الاختلاف بين قوله: ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِين﴾. يقول: ثم دلَّهم على الماء فاستُخرج وارتووا وتوضؤوا وصلوا، ثم كتب سليمان كتابًا صورته: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ، بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا عليَّ وأتوني مسلمين، ثم طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه، ثم قال للهدهد: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا﴾. كل هذه من (...) التي لا دليل عليها في القرآن، كونه دلّهم على الماء فاستخرجوه وارتووا، وتوضؤوا، وصلّوا أيضًا ما فيه.. * طالب: عودًا على بدء. * الشيخ: وين؟ * الطالب: لأن (...) قرر في أول الأمر أنهم طلبوا (...). * الشيخ: إي، تفقده لذلك، لا، بل لأنه يعلم محل الماء، ولكننا نقول: هذا لا دليل عليه، ولا يجوز لنا أن نعتقده، ولا أن نكذّبه، هذا إذا صح عن بني إسرائيل من بعد أيضًا؛ لأن فيه آفة، (...) بيننا وبين بني إسرائيل، من رواه عن بني إسرائيل؟ فإذا صح عن بني إسرائيل، وأنه مما حدثوا به هذه الأمة نقول فيه: إنه لا يُصدق ولا يُكذب؛ لأن ما فيه شيء يعارض كتابنا، ولا في كتابنا ما يؤيده، وإلا لو كان في كتابنا ما يؤيده قبلناه، ولو كان في كتابنا ما يعارضه رددناه. * طالب: يا شيخ، قوله: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، هل يحق لسليمان أن يصفه بمجرد الفعل هذا وصفًا مطلقًا؟ * الشيخ: لا، هو من الكاذبين الذين من دأبهم الكذب، ما وصفه، فكون هذا من الكاذبين إما أنه من دأبه الكذب، أو في جملتهم، وقد يكذب مرة واحدة، وهو أيضًا ما وصفه، هو ما وصفه؛ لأن قوله: ﴿أَصَدَقْتَ﴾ مقابل لقوله: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، فلا يُعلم هل يكون متصفًا بقوله: أصدقت، أو بقوله: أم كنت من الكاذبين، ما وصفه، متردد ينظر. * طالب: لا، لو ثبت، هل يحق أن يوصف؟ * الشيخ: لا، ما يحق أن يُوصف بأنه من الكاذبين المتصفين بها دائمًا، ولكنه -كما قلنا- هذا من باب التلطّف في الخطاب. * طالب: إذن هذا يكون الأرجح؟ * الشيخ: هو أرجح، وكل واحد له وجه، يعني أصلًا ما بينهم تعارض حتى نقول بالترجيح، ما بينهم تعارض، فكونه من الكاذبين، هذا أشد إذا كان وصفه الكذب، وكونه لم يخاطبه قال: أم كذبت، يكون أهون، مثل قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام للضيوف: ﴿سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾ [الذاريات ٢٥] ما قال: أُنكركم، لا أعرفكم، بل قال: ﴿سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾، فهذا من باب التلطّف في التعبير. قال: ثم قال للهدهد: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل ٢٨]. إذا قال قائل: قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾ يقتضي أنه صدقه، فهل هذا صحيح، أو هذا اختبار له؟ لأن قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ﴾ ويش يدل عليه؟ على أنه صدَّقَه في ذلك، ولهذا كتب لهم، أو يقال: هذا من جملة الاختبار؟ يعني أنه إذا كان كاذبًا فسيقول: ما فيه أحد، ما وجدت أحدًا مثلًا، فيكون هذا من جملة وسيلة الاختبار العائدة على قوله: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾. وقد يقال: إن قوله: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ أن في الآية تقديرًا، فنظر وتحقق صدقه فأعطاه الكتاب، هو الآن الله أعلم بما جرى، فإما أن يكون هذا الكتاب من جملة اختباره، مثل ما لو أخبرك إنسان بخبر تقول مثلًا: روح جب لي منه ذكرًا، لو قال مثلًا: تباع السلعة الفلانية الآن في السوق، قلت: يا الله! ها جاء (...) خذ روح جب لي مثلًا منها شيئًا، ويش (...). * طالب: أتحقق. * الشيخ: أختبر هل هو صحيح ولَّا لا؟ وإن كان ظاهرًا فعلي لما أعطيته الفلوس ليشتري ظاهر فعلي أنني؟ * طالب: صدقته. * الشيخ: صدقته، لكن قد يكون هذا من وسائل الاختبار. فالحاصل إذا كان سليمان عليه الصلاة والسلام تحقق هذا الأمر، ثم أرسل بالكتاب فالأمر ظاهر، ولكن ليس في القرآن ما يدل على ذلك، فنقول: إن إعطاءه الكتاب من جملة الوسائل التي تبين صِدْقه. وقوله: (﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾ أشار إليه للتعيين؛ لأن سليمان يكتب لهم ولغيرهم، ولكنه عين الكتاب الذي كتبه لهم. ﴿فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ﴾ أي: بلقيس وقومها. ﴿ثُمَّ تَوَلَّ﴾ انصرف عنهم وقف قريبًا. ﴿فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ يردون من الجواب، فأخذه وأتاها وحولها جندها، وألقاه في حجرها، فلما رأته ارتعدت وخضعت خوفًا، ثم وقفت على ما فيه، ثم قالت لأشراف قومها: يا أيها الملأ). ذهب به الهدهد فألقاه إليهم؛ أي: طرحه بين أيديهم، وتولى عنهم كما أرشده سليمان، ولكن هذا التولّي ليس بعيدًا بدليل قوله: ﴿فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾، فإن قوله: ﴿فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ يدل على أن هذا التولي يكون قريبًا منها، وفيه من الفوائد ما يأتي إن شاء الله. ثم ﴿فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ أخذت الكتاب وقرأته، ثم قالت لأشراف قومها: ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ﴾ [النمل ٢٩]، والملأ كما بين المؤلف: هم الأشراف، وهنا نادتهم: يا أيها الملأ، إشارة إلى علوّ مرتبتهم في دولتها؛ لأن ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ما تكون إلا للبعيد، ما قالت: يا ملأ، بل قالت: ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي﴾ بتحقيق الهمزتين الملأ إني، وتسهيل الثانية بقلبها واوًا، ﴿المَلَأُ وِنِّي﴾ بقلبها واوًا مكسورة؛ لأنه إذا جاءت الهمزة بعد الضم جاز أن تقلب واوًا، قاعدة في اللغة العربية، ومنه قول كثير من المؤذنين: (الله وكبر)؛ لأنه يجوز: الله أكبر، ويجوز: (الله وكبر)، فالهمزة إذا وقعت بعد ضم يجوز أن تُسهل إلى واو، وعلى حسب الحال: إن كان يقتضي الكسرة كُسرت، أو يقتضي الضم ضُمت أو الفتح. قال: (بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بقلبها واوًا مكسورة، ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] مختوم). يعني: فسّر الكريم بالمختوم؛ يعني لأن ختمه دليل على أهميته، فالكتب والرسائل المختومة يعتنى بها، وحتى الآن إذا كان الشيء مهمًّا تجده يُختم بالشمع وما أشبه ذلك لئلا يُزوّر، ولكن تفسير الكريم بالمختوم ما هو بصحيح؛ لأن الختم دليل على كرمه، وليس هو معنى كرمه، فالكريم معناه المتضمن للمعاني العظيمة المؤثِّرة. وفي قولها: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ﴾ ما قالت: ألقى الهدهد؛ لأن الظاهر أنه مر هكذا، ثم حذفه عليها، وليس معناه: أنه جاء ووقف بين يديها وأعطاها الكتاب، وهذا ربما يكون أبلغ في الهيبة أنه يعطيها وهو ماضٍ، بخلاف ما لو وقع بين يديها فإنه لا يكون هيبة، على أنه لو وقع بين يديها فمقتضى كونه هدهدًا أن تُمسكه، ولكنه ألقاه إلقاءً. ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الكتاب. ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ ولم تنسبه إلى أبيه؛ لأنه كان معروفًا ومعلومًا عندهم؛ أنه عليه الصلاة والسلام رسول أعطاه الله تعالى من الملك ما لم يعطه غيره. ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: مضمونه. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣٠، ٣١]، ولا فيه السلام على من اتبع الهدى ولا أما بعد، كما قال المؤلف. * طالب: ويش (...)؟ * الشيخ: يمكن أنه من أخبار بني إسرائيل أو على العادة في الكتب، إنما سليمان أتى بأدنى ما يمكن فهمه والمقصود منه. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ لكن قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هل إن سليمان قال: من سليمان إلى بلقيس ولَّا لا؟ * طالب: هو أخر.. * الشيخ: لا، ما قال ذلك، ولكنه لعلها فهمته إما بتوقيع أو بكتابة على الظرف إن كان هناك ظرف، وإلا صُلب الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين. هذا صلبه، وهذا هو الظاهر؛ لأنه لا يمكن أن يبدأ سليمان عليه الصلاة والسلام بقوله: من سليمان بسم الله الرحمن الرحيم، بل سيبدأ بأيش؟ * طالب: بالبسملة. * الشيخ: بالبسملة قبل، فلما لم يذكر الله إلا البسملة دل هذا على أنه لم يأتِ بقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾، ولكنه لا بد أن يكون في الكتاب ما يشير إلى ذلك، وإلا لما فهمته. وقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ المقصود: الخضوع لي؛ يعني: معناه ذُلُّوا لي؛ لأنهم هم ما كانوا يعلون عليه حتى يقول: ألا تعلوا علي، وإنما أراد أن يأتوا إليه أذلة مسلمين، لله ولّا له؟ المراد: مسلمين لله، ولَّا مسلمين له أي مستسلمين؟ * طالب: مسلمين له. * الشيخ: فيه احتمال أنهم مسلمون لله، أو مستسلمون لي، ولكن هل يلزم من إتيانهم مستسلمين له أن يكونوا مسلمين لله؟ * طالب: ما يلزم. * الشيخ: ما يلزم، لكن يلزم من كونهم مسلمين لله أن يستسلموا له، وأن يأتوا مطيعين غير مخالفين، ثم قالت: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ إلى آخره [النمل: ٣٢]. (...) الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة؛ أولًا: سرعة رجوع الهدهد إلى سليمان، مما يدل على أن جنود سليمان يهتمون بشؤونهم، ولا يتأخرون عن أعمالهم؛ لقوله: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾. * ويستفاد منها أيضًا: أن سليمان وإن كان قد أعطي ملكًا عظيمًا لم يعطه أحد؛ فإنه لا يحيط بكل شيء، فهو على سعة ملكه وقوته لا يحيط بكل شيء، فغيره من باب أولى. * فيستفاد منه -الفائدة الثالثة-: وهي ضعف إدراك المرء -الإنسان- مهما بلغ من الملك ومن القوة، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، فإن هذا يبيِّن الإنسان ضعف الإنسان، ضعيف.. في كل شيء، في القوى العقلية والقوى الجسمية وكل ما يمكن أن يوصف بالقوة والضعف فإن حال الإنسان فيه الضعف. * ومن فوائد الآية: أنه يجوز أن يخاطب الرئيس بمثل هذا الخطاب، فيقال مثلًا: علمت ما لم تعلم، أو فعلت ما لم تفعل، ومثله قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه: ﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم ٤٣]. * ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي للمتكلم أن يؤكد الخبر للمخاطب عند الحاجة إليه؛ لقوله: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. فإذا قال قائل: ما فائدة تأكيده له وهو مصدر الخبر؛ لأن التأكيد إنما يفيد إذا جاء من طرف آخر يكون شاهدًا للمخبِر، فأما نفس المخبِر فكيف يقال: إن في تأكيده للخبر فائدة؟ فالجواب: أن المقصود من ذلك: زيادة طمأنينة المخبَر؛ لأنه أيضًا يدل على أن له فائدة: أنك إذا أخبرك المخبِر بخبر قد تقول له: هل أنت متأكد؟ فيقول: نعم أو لا، فإذن: تأكيد المخبِر لخبره لا يقال: إنه لا فائدة منه؛ لأنه هو مصدر الخبر، بل نقول: فيه فائدة، وهي رفع توهّم المخبِر في خبره، فيرفع هذا التوهم ويطمئن المخاطب، ولهذا قيل: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. * وفيه أيضًا؛ من فوائد الآية: أن استعمال ضمير الجمع للمخاطب المعظَّم ليس بلازم، وليس من شأن أيضًا خطاب الأنبياء والسلف، أنه مثلًا عندما يكون الإنسان معظَّمًا يقول: أتيتكم، جئتكم، وما أشبه ذلك كما هو المعتاد الآن عندنا، عندنا إذا كان المخاطب معظَّمًا، يقال: كما تريدون مثلًا سعادتكم أو سيادتكم أو سماحتكم أو فضيلتكم أو ما أشبه ذلك، لا، هذا ليس معتادًا فيما سبق، وإنما يخاطب الإنسان بما تقتضيه الحال، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام يرد السلام على المسلِّم بقوله: «عَلَيْكَ السَّلَامُ»[[أخرجه البخاري (٦٢٥١) من حديث أبي هريرة.]]، إذا سلَّم عليه أحد يقول: «عَلَيْكَ السَّلَامُ»، وإذا كانوا جماعة يقال: عليكم السلام. * الفائدة هذه الأخيرة: أنه من عادة السلف أنهم يخاطبون أو يتكلمون مع المخاطب بما تقتضيه الحال. ﴿إِنِّي وَجَدْتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ امرأة تملكهم، الضمير جمع، والعائد عليه الضمير جمع ولَّا مفرد؟ * طالب: لا، مفرد. * الشيخ: وين؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ (هم) ضمير جمع، والعائد على الضمير مفرد ولَّا جمع؟ * طالب: جمع. * الشيخ: وين؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، جمع، لكن مرجع الضمير هو مفرد ولَّا جمع؟ * طالب: مفرد. * الشيخ: وين؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن لما كان المراد به القبيلة صح أن يعود الضمير إليه جمعًا، وهذا سبق لنا الشرح، وقلنا فيها: (سَبَإٍ)، و(سَبَأَ) باعتبار القبيلة والجد. * فيستفاد من هذه الآية: ﴿وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ أن المرأة لا تصلح للملك؛ لأنه ما قال: ملكة، بل قال: ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾، والشارح المفسر تقدم أنه يقول: أي هي ملكة لهم، وأن الغرض من تفسير ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾ بملكة خوفًا من أن يقال: إنها تملكهم ملك استرقاق لا ملك تصرف، والمرأة هل يصح أن تكون ملكة؟ لا، ففي شرعنا لا يجوز أن تُولَّى المرأة على الرجال، فلا يمكن أن تكون ملكة، ولا يمكن أن تكون أميرًا، ولا يمكن أن تكون وزيرة، ولا يمكن أن تكون قاضية، كل هذا لا يجوز؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٥) من حديث أبي بكرة.]]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا اسم فقط، اسم ما هو أميرة اسم، يعني: أنها من الأمراء، من عائلة الأمراء فقط. * طالب: وسيدة؟ * الشيخ: وسيدة مثل الآن السيدة رقيقة، كل الحي يسمونها سيدة؛ كل الناس يسمونها سيدة، وهذه قد نبهنا عليها في ما سبق وقلنا: إن هذه متلقاة من الغرب الذين يقدّسون المرأة، وأن هذا ما ينبغي، ولهذا حتى بعض الكتَّاب تجدهم يقولون: السيدة عائشة، السيدة خديجة، هذا ما ينبغي، بل يقال: المرأة والأنثى، وأما السيدة فلا يصح هذا الإطلاق، لا سيما وأنه متلقى من غير (...). * وفي هذا: دليل على سعة ملك هذه المرأة، بل عظمة ملك هذه المرأة؛ لقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾، والمراد ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من مقومات الملك كما قال المؤلف المفسر. * وفيها أيضًا دليل على أنها ذات أبهة؛ لقوله: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾، وأما وصف العرش بما ذكره المفسر فلا دليل عليه. ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾. * يستفاد من هذه الآية: أن هؤلاء القوم مشركون بالله؛ لقوله: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾. * وفيه دليل على أن الشمس معبودة من قديم الزمان؛ لأن هؤلاء في زمن سليمان، وما زال إلى الآن يوجد من يعبد الشمس، ومن يعبد النار، ومن يعبد القمر، بل ومن يعبد البقر. * وفيه دليل على أن الخلق مفطورون على إنكار الشرك؛ لأن الهدهد أنكر عليهم شركهم، مع أن الهدهد ليس من العقلاء، لكن جميع الحيوانات بل والمخلوقات غير الحيوانات مفطورة على توحيد الله عز وجل ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء ٤٤]. * فيستفاد من هذه فائدة: أن المشركين شر البرية كما قال الله عز وجل، يعني: إذا كانت البهائم والجمادات تسبح الله وتعرف حقه وبنو آدم هؤلاء يشركون به؛ صاروا شر الخليقة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٦]. * وفيه دليل على أن الإنسان يُذمّ على فعله أو يُمدح على فعله؛ لأن الهدهد ساق ذلك على سبيل الذم، والغرض من ذكر هذه الفائدة: الوصول إلى أن فعل الإنسان باختياره؛ إذ لو كان مجبرًا عليه لم يصح أن يكون محلًّا للذم أو للمدح؛ لأن الذي يُجبر على العمل ما يُمدح عليه إن كان خيرًا، ولا يُذمّ عليه إن كان سوءًا، ولكنه هو فعله، فهو إذن. * وفيه دليل على إبطال قول من؟ الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله؛ لأنه إذا كان مجبرًا لم يكن أهلًا للثناء بالخير أو بالشر. * وفي هذا دليل على أن الأعمال السيئة من تزيين الشيطان؛ لقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾، فكيف يُجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل ٤] فأضاف الله التزيين إليه، وهنا أضافه إلى الشيطان، وفي آية ثالثة: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ [التوبة ٣٧] مبني للمجهول، لكن هذه ما تعارض الآيات الأخرى. * طالب: التزيين المباشر من الشيطان، لكنه بتقدير الله عز وجل. * الشيخ: يضاف إلى الله تقديرًا وإلى الشيطان مباشرة. إذا قال قائل: إن الأعمال السيئة تُزين للناس في رمضان وقد ثبت في الحديث أن الشياطين تُصفّد فيه وتُغل، ومع ذلك نرى أن كثيرًا من الخلق يزين لهم سوء الأعمال في رمضان.. على أن سبيل الله سبحانه وتعالى واحد؛ لقوله: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل ٢٤]، وسبيل الشر، بل سبل الشر متعددة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣]. ولهذا قال العلماء: الإسلام مِلّة، والكفر مِلَل: يهودية، نصرانية، وثنية، مجوسية، إلى آخره، ملل؛ يعني سبلًا متعددة، وأما الحق فسبيله واحد. فإذا قال قائل: كيف تقولون ذلك؟ وقد قال الله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦]، كيف الجمع؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، ولهذا أُضيفت إلى السلام ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ ما قال السبل: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ﴾ إذا قُيِّدت فهي على حسب ما قُيِّدت به؛ يعني يصلح أن تقول: سبل الخير، ويكون المراد بذلك الفروع الموصلة إلى الخير، فالإسلام كما أنه كله سبيل واحدة، فهو كذلك أيضًا ذو شُعب، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٩)، ومسلم (٣٥ / ٥٨) واللفظ له، من حديث أبي هريرة.]]، فهو ذو شُعب، فهذا معنى قوله: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾، ثم إنه مما يزيل الإشكال أنه أضيفت إلى السلام، فعُلم أن المراد بذلك فروع الخير. * وفيه دليل على أن من صُدّ عن السبيل -والعياذ بالله- فإنه لا يهتدي إذا زُيّن للإنسان سوء عمله فصد بذلك عن السبيل، فإنه يقل أن يهتدي؛ لقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾؛ أي: لا يسجدون لله، وهذا هو البلاء أن الإنسان يرى القبيح حسنًا، فهذا لا يكاد يقلع، لكن من كان يرى القبيح قبيحًا فإنه يمكنه أن يُقلع، ولذلك تجدون الآن مثل هؤلاء الذين يتعاملون بالحيل؛ الحيل الربوية وغير الربوية من المحرمات ما يكاد أن يقلعوا عنها؛ لأنهم يرون أنهم على حق؛ ولذلك لا يقلعون، لكن من فعل القبيح وهو يعتقده قبيحًا فإنه يوشك أن يُقلع عنه، ولهذا قال: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل ٢٤]. ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ [النمل ٢٥] على تفسير المؤلف يجب أن يوصل قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ بقوله: ﴿لَا يَهْتَدُونَ﴾؛ لأنها متعلّقة بالجهة مفعول؛ لأن التقدير: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا. * وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى هو المستحق للعبادة وحده؛ لقوله: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [النمل ٢٥]؛ إذ لا أحد يستطيع ذلك إلا الله، ما أحد يستطيع أن يخرج المخبوء في السماوات وفي الأرض إلا الله سبحانه وتعالى، فإذا كان كذلك فيجب أن تكون العبادة له وحده؛ لأنه الرب وحده فيكون المعبود وحده كذلك. * وبالآية دليل: - ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ - دليل على سعة علم الله؛ لقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾. واستدل به الشافعي على ثبوت القدر، ثبوت العلم لله بأفعال العبد دليل على تقديره لها، ولهذا قال الشافعي في القدرية: ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروه كفروا. وهذا صحيح؛ لأننا نقول: إذا كنتم تقرون بأن الله عالم بأفعال الخلق فهل وقعت هذه الأفعال على حسب علمه أو على خلاف علمه؟ على حسب علمه؛ لأنكم تقرون أنه يعلمه. إذن فقد وقعت على حسب علمه، فإذا كانت وقعت على حسب علمه لزم أن تكون بتقديره، وإلا لكان يمكن أن تقع على خلاف علمه إذا كانت من تقدير العبد واستقلال العبد فإنه لا يلزم أن تقع على حسب علمه، وأما إذا أنكروا العلم فإنهم يكفرون؛ لأن إنكار علم الله سبحانه وتعالى كفر. وعندنا أيضًا حتى إنكار تقدير الله سبحانه وتعالى كفر؛ لأن الآيات والأحاديث صريحة بأن الله تبارك وتعالى مقدّر لأفعال العبد فإنكارها تكذيب للقرآن والسنة، وهذا هو الكفر. ولكنه رحمه الله -الشافعيَّ- أراد أن يلزمهم بأمر متفق عليه، وهو أن إنكار علم الله كفر. فقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾. * نستفيد بها -بناء على تقدير الشافعي رحمه الله- على إثبات تقدير الله سبحانه وتعالى لأفعال العبد. * وفي هذه الآية: تحذير العبد من المخالفة علنًا أو سرًّا، كيف ذلك؟ لأنك إذا علمت بهذا الأمر؛ بأن الله يعلم ما تخفي وما تعلن، ويش يلزم من ذلك؟ ألَّا تخالفه، لا تقل: أبغي أفعل هذا المحرم لأن الله ما يدري، أو أترك هذا الواجب لأن الله لا يدري، بل الله سبحانه وتعالى يعلم. والإنسان لو علم أن المعظم عنده يعلم بأفعاله لترك ما لا يرضيه، لو علمت مثلًا أن أباك أو الرجل الذي تحترمه يعلم بما تفعل، هل تفعل ما يخالف رضاه؟ ما تفعل، لا سيما إذا كان محبوبًا لديك ومعظّمًا، فإذا كان كذلك فالرب سبحانه وتعالى من باب أولى، ولهذا ينبغي لك كلما دعتك نفسك إلى معصية، بل إلى مخالفة لترك أمر أو فعل نهي يجب عليك أن تتذكر هذا الأمر أن الله سبحانه وتعالى يعلم مخالفتك. فيلزم من هذا أن ترتدع، ولهذا جاء في الحديث وإن كان فيه نظر: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٧٩٦)، وفي مسند الشاميين (٥٣٥، ١٤١٦) من حديث عبادة بن الصامت.]]؛ لأنك إذا علمت هذا العلم أوجب لك الاستقامة والثبات على الأمر. ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا﴾ فيها قراءتان: ﴿مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ و﴿مَا يُخْفُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ . أما على قراءة: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ على حسب تفسير المؤلف فالمناسب: ﴿مَا يُخْفُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ . وأما على القراءة الثانية قراءة الكسائي: ﴿أَلَا يَسْجُدُوا﴾ -وهي سبعية- تناسب ﴿مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾؛ لأن (اسجدوا) فعل أمر، وفعل الأمر للمخاطب، فيقتضي أن الحالة التي بعده تكون للمخاطب أيضًا، يعني ألا يا قومي اسجدوا، وهو هنا لا يخاطب سليمان؛ لأن سليمان يسجد لله، لكنه لقوة استحقارهم ما كانت عليه ملكة سبأ خاطبهم بقوله: ﴿أَلَا يَسْجُدُوا﴾ . * وفي هذا دليل على إثبات عرش الله؛ لقوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل ٢٦]. والعرش: هو أعلى المخلوقات، وهو غير الكرسي، وليس هو الْمُلك كما قاله منكرو العلو الذين يقولون: إن المراد بالعرش الملك، فيقولون: استوى على العرش؛ أي: استولى على الْملك، هذا لا شك أنه ليس بصحيح، والعرش معروف عند العرب وفي اللغة العربية بأنه سرير الملك الخاص به. * وفيه: إثبات انفراد الله سبحانه وتعالى بالألوهية؛ لقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فإذا قال قائل: هذا النفي أو الحصر حقيقي، ولا إضافي؟ * طالب: إضافي بالنسبة.. * الشيخ: إذا قلنا: حقيقي، فهذا يلزم أن يكون (إله) ليس بمعنى بمعبود، والمعروف أن (إله) بمعنى معبود، إذا كان بمعنى معبود لزم أن يكون الحصر إضافيًّا، إذ هناك معبود سوى الله وهي الأصنام. مثل معنى لا إله إلا الله؛ أي: لا معبود بحق إلا الله، وحينئذٍ يكون الحصر إضافيًّا، وإن جعلناه حقيقيًّا فإننا يمكن أن نقول: إن لا إله إلا الله: أن المراد بالإله: الإله المستحق؛ يعني لا إله مستحق إلا الله، ولكن هذا التقدير يعود على الأول. واعلم أن الله سبحانه وتعالى سمّى الأصنام آلهة، سماها آلهة في قوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١]، فأثبت أنها آلهة، وفي آية أخرى نفى أن تكون آلهة فقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف ٤٠]، والجمع بينهما ظاهر؛ أن إثبات كونها آلهة باعتبار هؤلاء العابدين لأنهم يعتقدونها آلهة، ونفي أن تكون آلهة وإن هي أسماء باعتبار حقيقة الأمر فإنها ليست بآلهة تستحق أن تعبد، ولهذا نفى أن تكون آلهة؛ لأنها ليس لها حق في أن تعبد. * طالب: وضّح يا شيخ معنى (لا إله إلا الله) في (...) الحصر الإضافي؟ * الشيخ: الحصر الحقيقي والإضافي إذا قلنا: إنه لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله صار حصرًا إضافيًا؛ يعني باعتبار أن يكون بحق فلا إله إلا الله، أما بحق وباطل فيوجد آلهة سوى الله، وحينئذٍ يكون الحصر إضافيًّا؛ يعني بالإضافة للإله الحق، وإذا قلنا: حقيقي؛ فهو باعتبار الواقع أنه لا يوجد إله إلا الله، وأن هذه الآلهة مجرد أسماء يكون الحصر حقيقيًّا باعتبار الحقيقة والواقع. * الطالب: (...). * الشيخ: مؤداهم واحد، ولهذا أثبت الله الآلهة مرة، ونفاها مرة أخرى. قال: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل ٢٦]. * فيه: إثبات الربوبية لقوله: ﴿رَبُّ﴾ ورب بمعنى خالق ولَّا بمعنى صاحب؟ * طلبة: خالق؟ * الشيخ: بمعنى خالق، وهو أيضًا مختص به؛ إذ إن العرش لله سبحانه وتعالى وحده. قال سليمان للهدهد: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل ٢٧]. * يستفاد من هذه الآية: أنه ينبغي التثبت بالخبر لا سيما عند قيام الشبهة، ولا لَّا؟ ما هي الشبهة القائمة هنا؟ * الطلبة: المدافعة يا شيخ. * الشيخ: أن الهدهد قال ذلك مدافعة وإن كان بعيدًا؛ لأنه قال: ﴿جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل ٢٢]، لكن لما كان هذا مقام دفاع فإنه ينبغي أن يتثبت الإنسان أكثر، ولهذا قال: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل ٢٧]، ما هو قال: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾، وقلنا: إن هذا نظير ما وقع لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب مع أبي موسى الأشعري «حيث استأذن عليه ثلاثًا وانصرف، فلما عاتبه بعد ذلك قال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ فقال: هات من يشهد لك». فشهد له مَنْ؟ محمد بن مسلمة[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٦٢)، ومسلم (٢١٥٣ / ٣٦) من حديث أبي موسى الأشعري، ولم نقف فيه على شهادة محمد بن مسلمة، وإنما هو أبو سعيد الخدري. ]]. فمثل هذه الحال وإن كان خبرًا متيقنًا، لكن لا مانع من أن الإنسان يتثبت في ذلك. * وفي هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يكون لبقًا في تعبيره حتى لغير الآدمي؛ لقوله: ﴿أَصَدَقْتَ﴾ فصارحه هنا بلفظ: الصدق؛ لأن الصدق صفة محبوبة محمودة، وفي الكذب ما قال: أم كذبت، قال: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، فتحاشى أن يصارحه بوصف الكذب. مع ما في ذلك بالنسبة للقرآن الكريم من مراعاة الفواصل ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فإن هذه فيها مراعاة للفواصل. وقول المؤلف: (إن هذا أبلغ من أم كذبت) هذا له وجه؛ لأن قوله: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾؛ أي: من المتصفين بالكذب دائمًا؛ يعني ممن وصفه الكذب، وليس من كذب مرة واحدة كمن كان الكذب وصفًا له، فيكون العدول هنا عن أن كذبت له ناحيتان: الناحية الأولى: أنه ألطف من التصريح بالمخاطبة بالكذب أو لا؟ واحد يكلمني أقول: هل صدقت أم كذبت؟ هذه أشد وطأة عليه من أن أقول: صدقت أم كنت من الكاذبين. ومن جهة أخرى هي أشد حيث إنها تدل على اتصاف المخاطب بالكذب لا أنه وقع منه مرة واحدة، فالمؤلف راعى وجهًا، وترك وجهًا آخر؛ الوجه الثاني، والصواب: أنه في كلا الوجهين، مراعًى فيه الوجهان جميعًا. ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ في هذا دليل جواز تعظيم الإنسان نفسه إذا كان أهلًا لذلك على أنه يحتمل أن يكون سليمان أراد أنه ينظر ذلك لمن يستعين به من جنوده، لا أنه يريد أن يباشر هو بنفسه ذلك. ﴿سَنَنْظُرُ﴾ هذه لا شك أنه للجماعة، فهل هي جماعة حقيقة أم من باب التعظيم؟ لأن المعظّم نفسه معناه أنه نزل نفسه منزلة الجماعة، نقول: هذا فيه احتمال، فإن كان سليمان عليه الصلاة والسلام أراد تعظيم نفسه فهو أهلٌ لذلك؛ لأنه ملك ورسول، وإلا فإنه يريد ﴿سَنَنْظُرُ﴾ بجنودنا وأعواننا ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وإن كان لا يريد أن يباشره بنفسه. فالملك والوزير والأمير ومن أشبههم إذا قالوا: سنفعل كذا، فإما أن يكون بأنفسهم فيكون ذلك تعظيمًا لأنفسهم أو بواسطة الجنود والأعوان فيكون هذا مراعاة للجمع. وقال: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل ٢٨]. * في هذه الآية دليل على أن الحيوانات تعقل ما يوجّه إليها من الأمر والنهي والاختبار والفحص؛ لقوله: ﴿اذْهَبْ﴾ ﴿فَأَلْقِهْ﴾، ثم ﴿انْظُرْ﴾ و﴿تَوَلَّ﴾ كل هذه أوامر للهدهد مما يدل على أن الحيوانات هذه تعقل، ولكن ليس معنى قولنا: أنها تعقل أن تكون عاقلة من كل أحد، صحيحٌ أنها تعقل عقلًا محدودًا بالنسبة لعامة الناس، ولهذا تزجر البهيمة؟ * طالب: فتنزجر. * الشيخ: فتنزجر، وتدعوها فتُقبِل، ولكنه ليس هذا كمثل تسخيرها لسليمان عليه الصلاة والسلام، فإن تسخيرها لسليمان أنها تنزل منه منزلة الإنسان العاقل الفاهم من كل وجه. قال: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾. * وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي تحسس الأخبار عند الحاجة لذلك، وهذا ما يسمى بالمتابعة؛ لقوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ فإنه إذا تولى، وجعل ينظر لا بد أن تبين له الأخبار؛ لأنه لو أنه ما تولّى عنهم لو ألقاه، وبقي يمكن ما يتكلمون بالأشياء التي يتكلمون بها إذا كان غير حاضر لديه، لكن إذا تولى عنهم حينئذٍ وجدوا لأنفسهم مكانًا في الكلام على ما يريدون، هذا من السياسة؛ لأنك عندما تعمل عملًا فإنك تتحسس الأخبار، فلا تباشر هذا؛ لأنه ما يأتي على المطلوب، ولا تعرض عنه إعراضًا كاملًا؛ لأن معنى ذلك أنك ما تابعت ولا اهتممت بالأمر، فالإنسان ينبغي له كلما عمل عملًا أن يكون متابعًا له وأن يتحسس. مثلًا افرض أنك أمرت أهلك بأمر أنت راعٍ عليهم أمرتهم بأمر هل أنت تترك هذا الأمر ولا تلاحظه؟ تلاحظه، ولكن لا تلاحظه وأنت حاضر عن مباشرة؛ لأنه في هذه الحال سوف ينفذوه، لكن تلاحظه وأنت بعيد حتى يتبين لك هل نفذوه أم لم ينفذوه، وهذه من السياسة التي ينبغي سلوكها لأجل أن يعرف الإنسان مدى تقبّل الموجه إليه الأمر من عدمه، ولهذا قال: ﴿أَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾، وهذا هو الذي حصل. * طلبة: (...). * * * * الشيخ: (...) في قصة ملكة سبأ لما جاءها الكتاب من سليمان عليه الصلاة والسلام قالت لقومها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ [النمل ٣٢]، الملأ: بمعنى الأشراف، وذلك أن الملوك والرؤساء يكون جلساؤهم غالبًا أشراف الناس فوجهت إليهم الخطاب، وقالت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾. وسبق ذكر الفائدة في قولها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ دون قولها: يا ملأ، إظهارًا لعلوّ شأنهم حيث نودوا بمناداة البعيد. (﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾ بتحقيق الهمزتين) ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾ هذا تحقيق الهمز. (وتسهيل الثانية) بأي شيء؟ بـ(قلبها واوًا) ﴿الْمَلَأُ وفْتُونِي﴾ ، وهذا مبني على؟ * طالب: القاعدة. * الشيخ: القاعدة اللغوية: أنه إذا ضم ما قبل الهمزة فإنه يجوز قلبها واوًا. وقلنا: من فائدة هذه اللغة تصحيح أذان كثير من الناس الذين يقولون في أذانهم؟ * طلبة: (الله وكبر). * الشيخ: (الله وكبر)، بل حتى الصلوات بعض الناس حتى في تكبيرة الإحرام يقول: (الله وكبر). (﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾ أي: أشيروا عليّ ﴿فِي أَمْرِي﴾ ) واحد الأمور، وليس واحد الأوامر؛ لأن المراد بالأمر هنا الشأن ﴿فِي أَمْرِي﴾. (﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ قاضيته ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ تحضرون)، وهذا من كمال ذكائها أنها أشارت الملأ حتى إذا نتج عن تصرفها شيء لا يُرضى يكون اللوم على من؟ على هؤلاء الملأ الذين أشاروا، ولا يجعلون اللوم عليها، ولهذا قالت: ما تقطع أمرًا حتى تشهدونها أو حتى يشهدوها. وقولها: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾؛ أي: قاضية له. ﴿أَمْرًا﴾ هذه نكرة في سياق أيش؟ * طلبة: النفي. * الشيخ: النفي، فتكون للعموم، لكن المراد بذلك الأمر المتعلق بالدولة بلا شك، وأما الأمر الخاص فإن لكل إنسان التصرف فيه. وكذلك قول الله تعالى للنبي ﷺ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران ١٥٩]، هذا الأمر إنما هو في الأمور العامة التي للجميع، وليس الرسول عليه الصلاة والسلام ولا غيره مأمورًا أن يشاور الناس في كل أموره حتى لو أراد أن يتغدى أو يتعشى ذهب يقول للناس: أيش تقولون؟ لا، الأمور العامة التي يشترك فيها الناس هي التي يُؤمر فيها بالتشاور. وقولها: ﴿قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ هذا أبلغ مما فسره به المفسر بالقضاء؛ لأن القطع يدل على الإمرة والعزيمة والفعل، بخلاف القضاء فقد يراد به الحكم فقط بدون أن يُفعل. وقولها: ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ فيها إشكال لغوي، وهو ثبوت النون مع أن (حتى) ناصبة، فما هو الجواب؟ * طالب: الظاهر أن (حتى) لها شروطها في النصب. * الشيخ: الشروط تامة. * الطالب: تامة الشروط؟ * الشيخ: إي، تامة الشروط. * الطالب: (...) حتى الصبح. * طالب آخر: ما يخالف يجوز ثبوت (...). * الشيخ: لا (...). * طالب: ما بعدها ناصب يا شيخ. * الشيخ: لا، النون هذه للوقاية، ولذلك تجدونها مكسورة، أو لا؟ ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ لو كانت نون الرفع لقال: (تشهدونها)، فالنون هذه للوقاية، وما كنت أظن أنها تشكل عليكم، وأنا قلت: فيها إشكال لغوي، وأنا (...)؛ لأني ما أرى أنها تُشكِل؛ لأنها مكسورة. ومثل هذا قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات ٥٩]، ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ إذا وقفت عليها فتسكن النون، فيظن السامع أن النون هنا ثبتت مع وجود النهي ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾، وهي مع النهي تحذف، ولكن النون هنا للوقاية؛ ولذلك إذا وصلت تقول: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات ٥٩، ٦٠]. * طالب: (...). * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: (...). * الشيخ: صرف آيات؛ يعني قصدك استنباط الفوائد. * الطالب: (...). * * * * الشيخ: يقول الله عز وجل: (﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [النمل: ٣٣] أي أصحاب شدة في الحرب) (أولو) بمعنى أصحاب، وهي -كما مر علينا في النحو- ملحقة بجمع المذكر السالم وهي الآن مرفوعة بالواو نيابة من الضمة؛ أي: أصحاب قوة وبأس، والبأس بمعنى: الشدة والصبر. (﴿بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾؛ أي: أصحاب شدة في الحرب)، فكأنهم يعرِّضون بالمشورة عليها بالقتال بأن تقاتل سليمان ويقولون: نحن مستعدون للقتال؛ لأننا أصحاب قوة وأصحاب بأس شديد. القوة هنا هل مراد القوة الجسمية أو القوة المادية؟ * طالب: كلاهما. * الشيخ: كلاهما؛ يعني فعندنا من قوة الجسم، وعندنا من قوة العدة ما نستطيع أن (...). وهذا من التأدب معها مع أنها هي التي طلبت منهم المشورة مع ذلك ردوا الأمر إليها، ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ وهذا يدل على أنها كانت أهلًا؛ لأن يسند إليها الأمر وعلى أنهم كانوا يعظمونها تعظيمًا بالغًا. (﴿فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ نا نطعك)، هل المراد بالنظر هنا الانتظار أو المراد التفكير في الأمر؟ المراد التفكير في الأمر؛ يعني فكّري في أمركِ ماذا تأمرين فتكون (ما) هنا استفهامية معلّقة عن عمل الفعل؛ لأنه إذا كانت الجملة استفهامية، فإن الفعل وإن كان ينصب مفعولًا أو مفعولين يكون معلقًا عن العمل، وتكون الجملة في محل نصب. أجابت: (﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ بالتخريب ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ -يعني بالأثر- ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أي: مرسلو الكتاب). كأنها لا تريد القتال، تقول: لو قاتلناهم فإن الغلبة عليهم بعيدة، ستكون الغلبة لهم، وحينئذٍ يدخلون قُرانا، والملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها؛ لأن عندهم من العلو والغلبة والاستكبار ما يوجب أن يخسفوا بأهل البلد التي يدخلونها. وليس المراد هنا بالإفساد الإفساد المعنوي؛ يعني بإفساد الأخلاق مثلًا، المراد ما أشار إليه المؤلف: الإفساد (بالتخريب). وجاء دور الجمهوريين، فإذا أشد وأعظم؛ لأنهم أقل حياءً من الملوك، لا لهم أصل تجد الإنسان ينتخب وهو من الشارع ليس من الملأ ولا من أشراف الناس، فيأتي وغالبهم ليس عنده دين ولا مروءة فيفسدون أكثر مما يفسد هؤلاء كما هو مشاهد في تخريب الروس وغيرهم في البلاد التي يدخلونها. يقول: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ بأي شيء بالأسر يأسرونهم ويسترقونهم أو يستخدمونهم بدون أسر، ولا استرقاق، وهذا من أبلغ ما يكون من الذلّة. وقولها: ﴿أَعِزَّةَ أَهْلِهَا﴾ سواء كانت هذه العزة تعود إلى الملك أو تعود إلى الجاه والشرف أو إلى العلم أحيانًا فإنهم يسلطون على الأعزة؛ لأن لهم الكلمة فيما سبق، فهم الذين دبّروا هذه الحروب، ثم هزموا فتكون رحى الحرب عليهم. قال: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ هل هذا من كلام الله سبحانه وتعالى تصديقًا لقولها أو هو من كلامها تقريرًا له؟ وتكون بالأول ذكرت قاعدة عامة، ثم أشارت إلى ما تتوقعه من سليمان فقالت: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أي: كذلك يفعل هؤلاء الذين أرسلوا بالكتاب. * طلبة: إيه العلاقة بأنه كلامها؟ * الشيخ: المؤلف يرى أنه من كلامها، ويكون ذلك تقريرًا للقاعدة التي ذكرتها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾؛ لأن هذا عام. ثم قالت: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ تقريرًا لهذه القاعدة وتطبيقًا لها على حال سليمان وجنوده، أما إذا قلنا بأنه من كلام الله عز وجل، فتكون الجملة مستأنفة؛ أي: أن الله يقرر ما قالته بأن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة. وقولها: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ كيف جاءت بصيغة الجمع مع أن الكتاب ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾؟ لأنها عرفت أن سليمان ملك، والملك لا بد له من أتباع وجنود وأعوان؛ فلهذا قالت: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. وإعراب ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وما أكثر ما تأتي في القرآن ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. وما أشبه يعني يأتي في القرآن كثيرًا ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد ١٧]. يقولون: إن الكاف هنا: بمعنى (مثل)، وأنها تقع في محل نصب مفعولًا مطلقًا مضافًا إلى اسم الإشارة؛ أي: ومثل ذلك الفعل يفعلون، في هذا تقدير الآية اللي عندنا مثل ذلك الفعل يفعلون. ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: ومثل ذلك الضرب يضرب الله الأمثال، فصارت الكاف هنا اسم بمعنى (مثل) في محل نصب على أنها مفعول إيش؟ مطلق مضافًا إلى اسم الإشارة؛ أي: ومثل ذلك الفعل الذي ذكرت يفعلون، ومعلوم إذا قلنا: إنه مفعول مطلق، فإن المشار إليه يكون مصدرًا مناسبًا لسياق الآية. ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات ٣٤]، نقول: أي: مثل ذلك الفعل نفعل بالمجرمين. ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ أي: مثل ذلك الضرب يضرب الله الأمثال، وعلى هذا فقيسوا، ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل ٣٥]، هذه المرأة ذكية لما جاءها الكتاب قالت: أبغي أمتحن الرجل، أبغي أرسل إليه هدية، فإن كان رجلًا يريد الدنيا كفته الهدية، وترك الحروب والقتال، وإن كان رجلًا يريد أمرًا آخر فإنه سيرد الهدية، وهذا بلا شك من الاختبار الذكي. قالت: ﴿إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾، وطبعًا هي كما قلنا: قبل قليل هي ما رضيت ما أشار به الملأ؛ لأن الملأ أشاروا عليها بالحرب والقتال، وذلك بإبداء ما عندهم من القوة والبأس الشديد، ولكنها لم ترد، هذا فأرادت أن تمتحن سليمان. ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ﴾ ولم تقل إليه؛ لأنه -كما قلنا- ملك له جنود وأعوان وحواشي. ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (ناظرة) ليست من الانتظار، وإن كانت محتملة أن تكون من الانتظار؛ أي: فمنتظرة، ولكنها من النظر، يعني أنظر بعد إرسال هدية بما يرجع المرسلون، من هم المرسلون؟ رسولها بالهدية، وفي هذا إشارة إلى أن هذه الهدية كبيرة وعظيمة؛ لأنها لم ترسل بها واحدًا، وإنما أرسلت بها جماعة وأقل الجمع؟ * طلبة: ثلاثة. * الشيخ: أقل الجمع ثلاثة. ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: بأي شيء يرجعون به. و﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ متعلقة بـ(ناظرة)، ولَّا متعلقة بـ(يرجع)؟ * طالب: بناظرة. * الشيخ: بناظرة، وما رأيكم أنتم موافقون له؟ (ما) هنا ما هي استفهامية. ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ (ما) استفهامية ولَّا موصولة؟ * طلبة: موصولة. * الشيخ: موصولة؟ لا، استفهامية؛ لأن الموصولة تبقى ألفه مع حرف الجر، والاستفهامية تحذف ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ ١]. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ عشان ما فيها ألف، كذا؟ لكن لو تقول: هو مسؤول عما قال، تكون ألف ولا ما تكون؟ * طالب: تكون. * الشيخ: تكون. ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة ١٠٥]، شوف ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ تبقى الألف ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ تحذف الألف. فـ(ما) الاستفهامية إذا سبقها حرف جر تُحذف ألفها. * طالب: فيها لغتان؟ * الشيخ: على ما يرجع، لا ما فيها لغتان، ولهذا نقول: ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ الجار والمجرور متعلّق بـ﴿يَرْجِعُ﴾، ولا يصح أن يكون متعلقًا بـ﴿نَاظِرَةٌ﴾ بناءً على القاعدة المشهورة عند النحويين: وهي أن اسم الاستفهام له الصدارة، بل الاستفهام كله سواء كان اسمًا أو حرفًا له الصدارة، وإذا كان له الصدارة لم يعمل ما قبله فيه؛ لأنه لو عمل ما قبله فيه ما كان له الصدارة، لكانت الصدارة لأي شيء؟ * طلبة: (...). * الشيخ: للعامل الذي قبله، وعليه فنقول: ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ الجار والمجرور متعلّق بـ﴿يَرْجِعُ﴾، وتكون الجملة إذن معلّقة عن العمل عن عمل. ﴿نَاظِرَةٌ﴾ معلقة لها عن العمل فهي في محل نصب. (﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ من قبول الهدية أو ردها إن كان ملكًا قبلها أو نبيًّا لم يقبلها). كون المؤلف يحيل قبول الهدية وعدمها على أنه إن كان مَلِكًا قَبِل وإن كان نبيًّا لم يَقْبل، هذا لا دليل عليه، ولكن نقول: إنه إذا كان يريد القتال فإنه؟ * طالب: لن يقبل. * الشيخ: لا، إذا كان يريد القتال فهو يقبل الهدية؛ يعني إذا كان هذا الرجل عنده طمع مادي فقط فإنه يقبل الهدية؛ لأن القتال ما يعلم هل تكون العاقبة له أم لا، والهدية غنيمة حاضرة فيقبلها ويدع المشكوك فيه، وإذا كان لا يريد الدنيا، وإنما يريد أمرًا آخر، وهو الدعوة للإسلام وكونهم مسلمين كما قال في الأول: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، فإنه حينئذٍ لن يقبل الهدية؛ لأن الذي يدعو إلى الله وإلى الإسلام لا يمكن أن يقبل هدية على حساب ما دعا إليه أبدًا، وأما مسألة النبوة وعدمها فالله أعلم بهذا، ما نجزم بما قال المؤلف، بل نقول: إنها تريد أن تختبره إذا كان يريد دنيا؛ فالهدية تمنعه من قتالها، وإذا كان لا يريد دنيا وإنما يريد أن يسلموا فالهدية ما تمنعه. (فأرسلت خدمًا ذكورًا وإناثًا) الآن يبين المؤلف الهدية (خدمًا ذكورًا وإناثًا ألفًا بالسوية، وخمس مئة لبنة من الذهب، وتاجًا مكللًا بالجواهر، ومسكًا وعنبرًا، وغير ذلك مع رسولٍ بكتاب) التعيين هذا لا دليل عليه، ولهذا نقول: إنها هدية كبيرة بلا شك، ويدل على كبرها أن الذين أرسلوا بها جماعة، أما تعيينها بهذا الأمر فهذا لا نجزم به، فإن كان واردًا عن بني إسرائيل فإنه من الأخبار التي لا تُصَدَّق ولا تُكَذَّب. (فأسرع الهدهد إلى سليمان يخبره الخبر)؛ لأن سليمان قال له: ﴿أَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾، أو لا؟ والظاهر أن الهدهد بقي حتى استقر أمرهم على شيء وقد استقر على إرسال الهدية. يقول: (فأسرع الهدهد إلى سليمان يخبره الخبر فأمر -أي سليمان- أن تضرب لبنات الذهب والفضة، وأن تبسط من موضعه إلى تسعة فراسخ ميدانًا، وأن يبنوا حوله حائطًا مشرفًا من الذهب والفضة، وأن يؤتى بأحسن دواب البر والبحر مع أولاد الجن عن يمين الميدان وشماله). * طلبة: هذا أشد من الأول. * الشيخ: إي نعم، كل هذه ما عليها دليل، كل هذه الأشياء التي ذكر المؤلف ما عليها دليل؛ فهي من الغرائب يعني أن تطوف على المؤلف ويأتي بها. * طالب: صعب. * الشيخ: مع أنه مختصر، مع العلم بأنه ما في الآية دليل لهذه المسألة أبدًا أنهم يجعلون الذهب والفضة تبسط من مكانه إلى تسعة فراسخ، كم سَعَة تسعة فراسخ بالميل؟ ثلاثة في تسعة؟ * طلبة: سبعة وعشرون. * الشيخ: سبعة وعشرون ميلًا. * طالب: والميل: كيلو ونصف. * الشيخ: والميل: كيلو ونصف. * * * (﴿فَلَمَّا جَاءَ﴾ الرسول بالهدية ومعه أتباعه ﴿سُلَيْمَانَ﴾ ) بالنصب، وجاء بمعنى أتى. ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾. المؤلف قال: (ومعه أتباعه)، والمرأة تقول: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾، وسليمان يقول: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ (أتمدون) جمع فهو يخاطب جمعًا، والآتي واحد، والمرأة تقول: ترسل جماعة، فكيف نجمع بين هذه الأشياء؟ كلام المرأة يدل على أنها أرسلت جماعة. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ يدل على أن الجائي واحد، وقول سليمان: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ يدل على أن المخاطب جماعة، والجمع بين هذا بسيط جدًّا، يكون هؤلاء الجماعة لهم رأي، والذي خاطب سليمان وقدّم هديةً هو الرئيس ومعه جماعته، فصار الذي تقدم إلى سليمان بالهدية واحدًا مع جماعته، ولهذا يقول المؤلف: (ومعه أتباعه). * طالب: يا شيخ، لو جاء المرسل إليه؟ * الشيخ: لا؛ لأن ما ذكر الفاعل. * الطالب: ما ذكر الفاعل دليل. * الشيخ: إذا لم يذكر الفاعل فهو مستتر، ومعلوم أن (جاء) مفرد، لو كان المراد الجماعة لقال: فلما جاؤوا سليمان. * طالب: ذكر الفاعل بما قبله. * الشيخ: ما يصح هذه، (جاء) للمفرد الواحد، (جاء) للواحد ما فيها إشكال. * طالب: لو الرسول؛ مثل ما يقول: لو جاء خالد جاء الرسول يجوز (...)؟ * الشيخ: لا، هو الأصل أنه واحد. ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ الياء هنا حُذفت لأيِّ شيء؟ حذفت للتخفيف، كما حذفت أيضًا للتخفيف في قوله تعالى فيما سبق: ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾. والاستفهام في قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ للإنكار والتعجيب، يعني كيف تمدونني بمال وأنا عندي من المال ما ليس عندكم. ولهذا قال: (﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ من النبوة والملك ﴿خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ من الدنيا)، وكذلك من المال؛ لأن عند سليمان من المال ما ليس عند هذه المرأة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أعطاه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده. فالاستفهام في قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ للتوبيخ والتعجيب، يعني: كيف تمدونني بمال! -وهو هذه الهدايا- ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ من المال والملك والنبوة وغير ذلك مِن كل ما آتاه اللهُ ﴿خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾. ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ يعني أنني لا أفرح بالهدية، ولا تهمني الهدية، ولكنكم أنتم الذين تفرحون بها وتفخرون بها. هل المعنى تفرحون إذا أهدي إليكم أو تفرحون إذا أهديتم، وترون لكم فضلًا على المهدى إليه؟ * طالب: كل محتمل. * الشيخ: نعم، كل محتمل، لكن الظاهر -والله أعلم- أنه يريد الأول؛ بمعنى أنه أنتم الذين تفرحون بالهدية، وتقع منكم موقعًا، تكثر عزيمتكم، وتوجب أن تعدلوا عما أنتم عليه، أما أنا فلا تهمني الهدية. * طالب: ما قال: بهديَّتنا، بل: ﴿بِهَدِيَّتِكُمْ﴾. * الشيخ: أي: إذا جاء إليكم؛ لأن (هدية) مصدر يجوز أن يضاف إلى الفاعل، ويجوز أن يضاف إلى المفعول ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾، والاحتمال الثاني: أن يكون بإهدائكم إلينا. ﴿تَفْرَحُونَ﴾ تفخرون؛ يعني أنكم تفخرون بها، ولكن المعنى الأول أليق بالسياق. (﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ بما أتيت من الهدية) الخطاب الآن للرسول، وهذا من تعبير الأساليب بفائدة؛ لأن الذين حملوا الهدية هم الجماعة جميعًا فناسب أن يخاطبهم جميعًا بأنهم حملوا هذه الهدية، وهنا لما أراد أن يحملهم الإبلاغ، فإن تحميل الإبلاغ للجماعة تضيع فيه المسؤولية، حمَّل الإبلاغ من؟ رئيسهم فقط؛ لأنك إذا وصيت جماعة مثلًا لشخص من الناس ضاعت المسؤولية، وصار كل واحد منهم يتكئ على الآخر، فلا يحصل الإبلاغ، لكن إذا حملتها واحدًا حينئذٍ يتحمل ويؤدي، ولهذا حمَّل الرئيس فقال: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾؛ يعني إلى جماعتك الذين أرسلوك بما أتيت من الهدية. (﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ﴾ لا طاقة ﴿لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا﴾ من بلدهم سبأ سميت باسم أبي قبيلتهم ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي: إن لم يأتوني مسلمين). هكذا القوة؛ لأنه لا يريد المال، ولا يريد الدنيا وإلا لخضع وقنع لهذه الهدية الكبيرة التي أُرسل بها جماعة، لكنه لا يريد ذلك فخاطبهم بهذه العبارات القوية ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ﴾ واللام؟ * طالب: للقسم. * الشيخ: موطِّئة للقسم، والنون ﴿نَأْتِيَنَّهُمْ﴾ النون للتوكيد، فعلى هذا فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ القسم، واللام، والنون، ثم فيها من التعظيم. ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ﴾ ولم يقل (فلآتينهم)؛ لأن هذا أبلغ في الهيبة سواء أراد تعظيم نفسه أو أراد بذلك آتيهم بجنود. وقوله: ﴿لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ فيه استصغار هؤلاء الجماعة الذين أرسلوا بهذه الهدية، فهُم استصغرهم في الناحية المالية في قوله: ﴿مَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾. ومن الناحية العسكرية في قوله: ﴿لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ لا طاقة لهم بها؛ لأن عنده من الجنود الجن والإنس بل والطير أيضًا، ما لهم طاقة بهذا الشيء، أيضًا: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً﴾ نحتل بلادهم ونخرجهم منها أذلة. ﴿وَهُمْ صَاغِرُون﴾ الفرق بين الأذلة والصغار؛ الذل: في النفس، والصغار: في البدن، يعني يكون مستسلمًا ظاهرًا وباطنًا، مستسلمًا ظاهرًا بالصغار، ومستسلمًا باطنًا بالذل. قال الله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى ٤٥]، الخشوع بمعنى الصغار، والذل هو ذل النفس، والعياذ بالله. وهذا دليل على أن سليمان عليه الصلاة والسلام عنده من قوة العزيمة وقوة السلطان ما استطاع أن يعبر بهذا التعبير لهؤلاء الذين أهدوا له هذه الهدية. فإذا قال قائل: كيف يليق بسليمان عليه الصلاة والسلام أن يقابل جماعة أهدوا له هدية بهذا الأسلوب العنيف؟ الجواب: ظاهر في هذا، لأنه؟ * طالب: (...). * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، ما يخالف، ما قبل الهدية، لكن لماذا لم يجب بأسلوب لطيف ليس بعنيف؟ * طالب: إذا قاتلوه فهو لا يريد قتالًا، إنما يريد دخولهم في الإسلام فقط، إذا أجابهم بعنف خافوا ودخلوا دين الله تبارك وتعالى. * الشيخ: إي نعم، نقول: الجواب على هذا أنه عليه الصلاة والسلام أراد أن يظهر لهم قوته، وأنه لا يهتم بشأنهم، ثم إن اختبارهم له مع أنه قال: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ اختبارهم له يدل على شك في دعوته، هو دعاهم إلى الإسلام، وهم شكوا في ذلك بإرسال الهدية، وظنوا أنه يريد دنيا، فيكونون هم الذين بدؤوا بالإساءة إليه حيث أرسلوا له هدية يختبرونه بها فكان رده هذا مناسبًا. (فلما رجع إليها الرسول بالهدية جعلت سريرها داخل سبعة أبواب داخل قصرها وقصرها داخل سبعة قصور)؟ * طالب: لم يرد دليل. * الشيخ: إي، عظيم. (وأغلقت الأبواب وجعلت عليها حرسًا، وتجهزت للمسير إلى سليمان لتنظر ما يأمرها به، فارتحلت في اثني عشر ألف فيل مع كل فيل ألوف كثيرة إلى أن قربت منه على فرسخ شعر بها قال: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ ). غريب ما أدري منين يجيب المؤلف (...) هذه؟! * طالب: عندنا يا شيخ: (اثني عشر ألف قيل، مع كل قيل). * الشيخ: لا، اثني عشر ألف فيل. * الطالب: يعني: قيل (...). * الشيخ: حتى عندنا أنا عندي قيل، لكن ما هو بصحيح، (اثني عشر ألف فيل) الأفيال يمكن كثيرة في اليمن، ولهذا صاحب الفيل اللي أراد يهدم الكعبة جاء بفيل. يقول: (مع كل فيل ألوف كثيرة) من الناس اثنا عشر ألفًا، ومع كل فيل ألوف كثيرة يعني عالم. (إلى أن قربت منه على فرسخ شعر بها قال: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ ) إلى آخره. الاقتصار على القصص التي في القرآن هو اللائق بالمصحف إلا ما صح عن النبي ﷺ، وذلك لأن الله يقول: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، فعلم هذه الأمم إلى الله سبحانه وتعالى، فاللائق بنا ألا نتجاوز ما جاء به القرآن. على أن كرم كل شيء بحسبه، فالكرم بالمال معناه: بذله بسخاء، والكرم أيضًا بالمال يطلق على الجيد منه، كما قال النبي ﷺ: «وَاتَّقِ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» أو «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩/ ٣١) من حديث ابن عباس.]]، وكذلك أيضًا يُوصَف ما يتضمن الشيء المهم؛ يوصف بالكرم لما في هذا الوصف في كتاب سليمان عليه الصلاة والسلام. * وفيه دليل على أن الأولى أن يبدأ الكاتب باسمه فيقول: من فلان، قبل أن يبدأ باسم المرسَل إليه أو المكتوب إليه. وهل هذا من باب التعبد أو من باب العادة؟ * طالب: من باب العادة. * الشيخ: الظاهر أنه من باب العادة، ولكن مع ذلك العادة التي كان عليها السلف أولى من العادة التي اعتادها الناس اليوم، اعتاد الناس اليوم أنهم يبدءون بالمكتوب إليه: إلى فلان بن فلان، ولكن العادة الأُولى أَولى؛ لأن الإنسان إذا قرأ كتابًا يقرؤه من أوله، فإذا قرأ: من فلان، عرف الآن ما هذا وما قيمة الكتاب، قبل أن يقرأه كله. ثم إن الترتيب الطبيعي يقتضي هذا؛ لأن الكتاب واردٌ من إلى، ولّا لا؟ فيقتضي أن يبدأ بالوارد منه قبل الوارد إليه. فإذن نقول: الأولى أن يبدأ الإنسان باسمه إذا أرسل كتابًا إلى أحد؛ لأن هذه السنة المتّبَعة. هل يؤخذ من هذا الكتاب أنه لا يحتاج إلى ذكر المكتوب إليه؛ لأنه قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل ٣٠]، ولا قال: إلى ملكة سبأ؟ * طالب: قد يكون ذكر. * الشيخ: لكن اللي أمامنا الآن. * طالب: (...). * الشيخ: يحتمل هذا، أو نقول: إنه إذا دل الدليل على المكتوب إليه فلا حاجة إلى ذكره، مثلًا إذا أرسلت هذا الكتاب إلى شخص، ولا سيما في مثل قصة سليمان، أنه جاء به هذا الطائر إلى صاحبه، فهنا احتمال أن يصل الكتاب إلى غير المكتوب إليه ضعيف. والمقصود ببيان المكتوب إليه المقصود به؟ أن يتعين ويصل إليه، وهنا إذا جاء الكتاب على هذا الوجه، فإنه يحصل به أكبر تعيين، فنقول: إنه لا حاجة إلى ذكره إذا كان الأمر يحصل بدونه، ولكن مع هذا ذكره أولى، لا سيما إذا كان يترتب عليه شيءٌ في المستقبل، فإنه إذا فرضنا أن صاحبه الذي أُرسل إليه عُلم وأخذه، لكن في المستقبل ما ندري لمن وجّه له هذا الخطاب، فذكره بلا شك أولى. * وفي هذا دليل على استحباب البداءة ببسم الله الرحمن الرحيم في أول الرسائل؛ لقوله: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. * وفيه دليلٌ على استعمال الإيجاز إذا لم يكن فيه تقصير؛ لأن هذا الكتاب الذي كتبه سليمان في غاية ما يكون من الإيجاز؛ جملتان فقط ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣١] ولكن بشرط ألا يكون الإيجاز مخلًّا بالمقصود، فإن كان مخلًّا بالمقصود صار تقصيرًا. * وفيه دليلٌ على أن سليمان عليه الصلاة والسلام دعاهم إلى الله سبحانه وتعالى، ولا يريد التملك والسيطرة، وإنما يريد بذلك الدخول في الإسلام؛ لأن الهدهد لما أخبره أنها وقومها يسجدون للشمس من دون الله، فهذا كفر، فلا بد أن يخرجوا منه إلى الإسلام؛ لقوله: ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. * وفيه أيضًا دليل على قوة سليمان عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لم يقل: وأسلموا، بل قال: ائتوني مسلمين. فطلب منهم أن يأتوا إليه وهم على إسلام. وهل المراد أن يأتوا جميعًا؟ لا، المراد أعيانهم وأشرافهم؛ لأن الأعيان والأشراف يقومون مقام العامة. * وفيه دليلٌ على استحباب المشاورة في الأمور العامة؛ لقولها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ [النمل ٣٢]، فهي مع أنها ملكة ولها تمام السلطة، مع ذلك لم تستغن عن المشاورة ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾. * وفيه دليل على حزم هذه المرأة، وأنها تريد أن تكون سياستها مبنية على المسؤولية على الجميع؛ لقولها: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾، وحينئذ لو حصل خلاف المقصود لم يكن عليها لوم، ما دامت تُشهد هؤلاء وتبين لهم. * وفيه أيضًا دليل على أنه يجوز للمستشير أن يخالف المستشار إذا لم يرَ أنه مصيب في مشورته؛ لأنهم لما ذكروا ما يدل على أنهم يريدون قتاله وهي لا تراه خالفته، ولّا لا؟ فإنها قالت: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل ٣٤] إلى آخره. * وفيه دليل على مكانة هذه المرأة من قومها؛ لأنها بعد أن استشارتهم وأبدوا رأيهم تأدبوا معها وقالوا: ﴿الْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل ٣٣]، فهل يؤخذ من ذلك أيضًا أنه إذا قدّم المستشار مشورته لإنسان كبير أكبر منه قدرًا، أو فهمًا، أو علمًا، أن له أن يقول مثل هذا؟ نعم. يقول مثل هذا تأدبًا، وصاحبه بالخيار؛ إن شاء أخذ بمشورته، وإن شاء لم يأخذ. * وفيه دليل على حزم هذه المرأة أيضًا من جهة أنها نظرت في العواقب ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾. وهكذا ينبغي للعاقل ألا يحكم على الأمور ببوادرها وظواهرها، وإنما يحكم على الأمور بعواقبها؛ فإن الشيء قد تكون بوادره وظواهره مفيدة في نظر الإنسان، ولكنه عند التأمل يكون الأمر بالعكس، لكن هل الأولى المبادرة أو التأني؟ في الأصل التأني أولى؛ لأن الإنسان إذا تأنى ما يندم ما فعل شيئًا، لكن إذا تسرّع فهو الذي يكون عرضة للندم، وكم من كلمة قال الإنسان: ليتني لم أقلها، وكم من فعل قال: ليتني لم أفعله. ولكن مع هذا ينبغي استعمال الحزم في الأمور، لا يتأنى تأنيًا يطيل المقصود، ولا يتسرع تسرعًا يحصل به الندم، وأظن أني أنشدتكم بيتين في هذا المعنى، تحفظونهما؟ * طالب: في الحزم؟ * الشيخ: لا، في أنه قد يكون التسرع أولى وقد يكون التأني أولى. * طالب: (...) * الشيخ: قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ ∗∗∗ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ؎وَرُبَّمَا فَـــاتَ قَوْمًا جُــلُّأَمْرِهِـــــــــــمُ ∗∗∗ مَعَ التَّأَنِّي وَكَانَ الرَّأْيَ لَوْعَجِلُـوا نعم وهذا صحيحٌ وواقعٌ، الأوَّل: قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ ∗∗∗ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِالزَّلَلُ المهم أننا نقول: إذا دار الأمر بين الإسراع والتأني، ولم يترجح الإسراع عليه فالأولى التأني؛ لأن الإنسان يكون الأمر بيده ما دام لم يحدث شيئًا، لكن إذا أحدث شيئًا فاته الأمر ولم يتمكن من التخلص منه. * طالب: يؤخذ من الآية؟ * الشيخ: إي نعم. * طالب: كيف؟ * الشيخ: يؤخذ من الآية؛ لأنها ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل ٣٤] فهي نظرت في العواقب، والنظر في العواقب يستدعي إما التسرع وإما التأني، قد يكون مثلًا يرى الإنسان الرائي أنه إذا لم يُسرع فات المقصود، فيسرع أو إذا أسرع حصل الخلل فيتأنى، فهو مأخوذٌ من قولها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل ٣٤]. * وفيها أيضًا: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل ٣٥]. * يستفاد من هذه الآية أولًا: ذكاء هذه المرأة وحنكتها. * ثانيًا، يستفاد من ذلك: جواز الاختبار والامتحان، وأن ذلك لا يُعد خديعة، إذا أراد الإنسان أن يمتحن غيره بشيء من الأشياء ما يُعد هذا خديعة؛ لأنه يريد أن يستظهر به حاله، وهذا لا مانع منه. * وفي الآية أيضًا الفائدة الثالثة وهي: العمل بالقرائن؛ لأنها أرادت أن ترسل هذه الهدية لتختبر مراد سليمان، هل يريد المال فقط، هل تكفيه هذه الهدية، أو يريد أنهم يسلمون فلا تنفع فيه هذه الهدية، ولا يكف عن طلبه الأول وهو ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣١]. ففيها إذن ثلاث فوائد، وهل ورد مثل ذلك؟ نعم. في قصة سليمان في المرأتين اللتين احتكمتا إليه في ابن إحداهما، خرجت امرأتان إلى خارج البلد ومع كل واحدة لهما ابن، فأكل الذئب ابن الكبرى، فاحتكمتا إلى داود عليه الصلاة والسلام، فقضى بالابن الموجود لمن؟ للكبرى؛ بناءً على أن الصغرى يمكنها أن تلد فيما بعد، ولكنه لما تحاكمتا إلى سليمان عليه الصلاة والسلام قال: ليس هذا الحكم، الحكم أنا نأتي بالسكين ونشق الولد نصفين ويكون للكبيرة نصف وللصغيرة نصف، الكبيرة وافقت على أن يشق نصفين، ليش؟ ليس ولدًا لها، وتقول: مثلما تلف ابني يتلف ابنها، وأما الصغيرة فقالت: لا يا نبي الله، الولد.. فعلم بذلك أن الولد للصغرى، فحكم به لها[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٢٧)، ومسلم (١٧٢٠/٢٠) من حديث أبي هريرة.]]، فهذا من باب الاستظهار للحق بالقرائن، ولا مانع من ذلك، وقد كان القضاة يفعلونه. فهذه المسألة -إرسال الهدية إلى سليمان عليه الصلاة والسلام- من هذا النوع؛ ليستظهر به حاله فيُعمل بالقرينة. * طالب: (...) يؤخذ من فعلها. * الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا ما فيه مانع. * طالب: ولو كانت كافرة؟ * الشيخ: ولو كانت كافرة؛ لأن الشيء إذا حكاه الله سبحانه وتعالى فقد قال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١] فإذا حكى الله تعالى عن كافر شيئًا ولم يرد إبطاله، فإنه على الأصل. * الفائدة الرابعة من الآية: أن الهدية كانت كبيرة، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل ٣٥] * الشيخ: ولا يُرسل جماعة بهدية إلا وهي كبيرة، وأيضًا ربما نقول مع كبرها: ثمينة؛ لأجل أن يدافع هؤلاء المرسلون عنها لو حاول أحدٌ أن يعتدي عليها، فيستفاد إذن عظم هذه الهدية كمية وكيفية، ولذلك احتاجت إلى أن ترسل بها جماعة. وفي قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل ٣٦ - ٣٧]. * يستفاد من قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ أن من المستحسن أن يتقدم الرئيس -رئيس الوفد أو القوم- بالكلام أو بالفعل إذا كان مكلفًا بالفعل، المهم أن يكون المتقدم الرئيس؛ لأن تقدم الجميع دفعة واحدة غير لائق؛ لضياع المسؤولية، فلا بد أن يتقدم أحد، يتقدم واحدٌ، وكلما حُصر الأمر كان أقرب إلى الفهم وإلى حصول المقصود. * وفيه أيضًا دليلٌ على توجيه الخطاب للجماعة، وإن كان المتقدم رئيسهم؛ لقوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ [النمل ٣٦]. * وفيه دليل على جواز الغلظة في القول إذا كانت المصلحة فيه؛ لأن هذا الأسلوب من سليمان عليه الصلاة والسلام أسلوب قوي؛ إذ إننا قلنا: إن الاستفهام في قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ للتوبيخ والتعجيب، يعني أنه يوبخهم على فعلهم ويتعجب من فعلهم، كيف يمدونه بمال وهو ملك ومعروف ومشهور؟! * وفيه دليل على جواز التحدث بنعمة الله. * الفائدة الرابعة: أنه يجوز للإنسان أن يتحدث بنعمة الله؛ لقوله ﷺ: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾، ولكن هل يتحدث بهذه النعمة على سبيل الافتخار، وإلا على سبيل الافتقار والاستصغار؟ على حسب الحال، نرى أنه على حسب الحال. فمع العدو يجوز أن يتحدث بها افتخارًا، ولذلك تجوز الخيلاء في الحرب، مع أن الخيلاء محرّمة ولّا لا؟ محرمة، من الكبائر، لكن في الحرب لإغارة العدو لا بأس بها، فسليمان عليه الصلاة والسلام تحدث هنا بنعمة الله افتخارًا فيما يظهر لي، افتخارًا على هؤلاء القوم، وهذا لا بأس به إذا كان أمام العدو، فأما إذا كان لإظهار النعمة فإنه لا يجوز إلا على سبيل الاستصغار والافتقار إلى الله سبحانه وتعالى، لا على سبيل الافتخار والعلو على الخلق. * الفائدة الخامسة: أنه يجوز للإنسان أن يصف غيره بما يبدو من حاله؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾؛ إذ إن الفرح كما تعرفون أمر باطني، تظهر علاماته على ظاهر البدن، ولكنه في الأصل أمر باطني؛ لأن اللي يفرح ما يُسمع لفرحه صوت ولا يُرى له حركة، ولكن تظهر علاماته. فلا بأس أن الإنسان يحكم على غيره بالقرائن لما يظهر من حاله، وقد مر عليكم كثيرًا مثل هذا الأمر، فقد قال الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان: «وَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنِّي»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٣٦)، ومسلم (١١١١/ ٨١) من حديث أبي هريرة.]]. ومع هذا فإن هذا الرجل لم يطف بأبيات أهل المدينة ويفتشها حتى يعرف أن ما فيه أحد أفقر منه. * وفيه أيضا دليل، الفائدة السادسة: دليلٌ على إظهار القوة للأعداء؛ لقوله: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ [النمل ٣٧]، وهذا داخلٌ في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠] فإن (من قوة) نكرة تشمل كل ما يُمكن من القوى، سواءٌ كانت القوة قولية، أو مادية، أو معنوية، المهم أن جميع القوى في معاملة الأعداء ينبغي للمرء أن يستعملها، حتى إنه جاء في الحديث «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٢٩)، ومسلم (١٧٤٠/ ١٨) من حديث أبي هريرة.]]. لكن الخيانة هل تجوز ولّا ما تجوز؟ * طالب: لا تجوز. * الشيخ: خيانة العدو ما تجوز، لا يجوز للإنسان أن يخون عدوه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال ٥٨] ولا تخنهم، وكذلك إذا خانوا يكونون نقضوا العهد، وقد مر علينا أن هذه المسألة لها ثلاث حالات، المعاهدون لهم ثلاث حالات: إما أن يستقيموا لنا ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة ٧]. وإما أن ينكثوا العهد، وحينئذ لا عهد ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْر﴾ ِ [التوبة: ١٢]. وإما ألا ينقضوا العهد وظاهرهم الاستقامة، لكن نخاف منهم الخيانة، فهنا ننبذ العهد إليهم، ونخبرهم بأننا قد أبطلنا العهد، حتى لو قالوا: سنبقى على العهد نقول: لا، نحن الآن كل منا حر. هنا فيه قوة في الكلام ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ هذا التهديد والوعيد لا شك أنه مظهر قوة، فيكون داخلًا في قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠]. * طالب: كيف نجمع بين جواز خدع العدو وبين عدم جواز الخيانة؟ * الشيخ: إي نعم. الخيانة معناها: أنك تخدعه في مقام الأمانة، والخديعة تخدعه في غير مقام الأمانة، الحرب قائمة، وتحط كمينًا لهم مثلًا وما أشبه ذلك، تظهر مثلًا أن عندك كثرة عدد تخلي الناس مثلًا يترددون كما فعل القعقاع بن عمرو في حروبه مع الفرس وغير ذلك، فأنت الآن ما خنتهم؛ لأن ما بينك وبينهم عهد. * طالب: بعض الصحابة (...) يخبره بأنه فلان يؤمّنه، ثم يقتله. * الشيخ: ما يعتبر خيانة؛ لأن ذاك محارب، ما بينه وبينه عهد، ولهذا قال الرسول في قصة كعب بن الأشرف: «مَنْ لِي بِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَقَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٥١٠)، ومسلم (١٨٠١/ ١١٩) من حديث جابر بن عبد الله. ]]. * طالب: شيخ، النبي ﷺ فسّر القوة قال: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»[[أخرجه مسلم (١٩١٧/ ١٦٧) من حديث عقبة بن عامر.]] فهنا يكون القوة خاصة بالرمي؟ * الشيخ: إي نعم. الرسول عليه الصلاة والسلام وكذلك أيضًا ما يرد عن الصحابة في تفسير بعض الآيات يذكرون الشيء أحيانًا على سبيل التمثيل، والقوة في ذلك الوقت هي الرمي ولا تزال أيضًا، فإن الرمي الآن من أشد ما يكون من القوة، يعني هو أعلى أنواع القوة. وسواء كان رمي الناس بالقوس فيما سبق، أو في البندقية أو في الصواريخ المهم أن الرمي في كل وقت تجد أنه هو ذروة القوة. * طالب: (...). * الشيخ: ما يكون هذا حصرًا، ولكن الرسول أراد أن يبيّن غاية القوة، فالقوة هذه هي الغاية في كل وقت. * وفيه أيضًا دليل في قوله عليه الصلاة والسلام: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ على كثرة جنود سليمان؛ لأن هذه الملكة التي لها العقل العظيم، وعندها القوم المطيعون الذليلون لأوامرها يقول: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾، ولم يبيّن هذه الجنود، لكنه مر في أول القصة أن جنوده ثلاثة أصناف: الجن، والإنس، والطير. هذه كلها يمكن أن يسلطها عليهم، إذا سلّط الجن ما لهم قبل بها، ولئن سلّط الطيور تنقب عيونهم أيضًا لا قبل لهم بها. فالحاصل أن الجنود التي لسليمان لا يمكن لهؤلاء أن يقابلوها، لا كمية ولا كيفية. فيه شيء بعد؟ * طالب: شيخ (...) إرسال الرسالة ينبغي (...) المرسل، طيب كيف كان (...) كان العمال يرسلون إلى أمير المؤمنين من عامل (...). * الشيخ: وهذا يكون من باب التعجب والمبالغة، وإلا بلا شك أن الأول أولى، لكن مثلما قلت الآن، أنهم صارو يقولون: إلى فلان من فلان، ثم صاروا يقولون: إلى فلان ويأتون بالاسم في الآخر. يكون هذا من باب التعجب والإكرام مع الغير. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما أعرف هل هي (...) ولا أن الناس يقرؤونها تعبدًا، ولكن هذه من الأمور العادية مثلما قلنا غير عبادة. * طالب: قبل التسمية أو بعدها، مع هذا، مع سليمان قبل التسمية؟ * الشيخ: لا، هي أخبرت ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل ٣٠] فهل كان سليمان كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من سليمان ألا تعلوا عليَّ وائتوني مسلمين؟ لأن هذا خبرٌ منها، ما هي تقرأ عليهم الخط الآن، يعني: ليست كالراوي كتاب حتى نقول: من سليمان بسم الله الرحمن الرحيم، ولهذا قالت: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ [النمل ٣٠ - ٣١]. حتى إننا أيضًا في أثناء التفسير (...) من أنها فهمت أنه من سليمان بغير هذا وإن لم يكتب. * طالب: (...)؟ * الشيخ: صحيح، الكافر ليس له حق في أرض الله ولا في مال الله، حتى المال ما له حق فيه. * طالب: (...) * الشيخ: إي نعم، وجه ذلك أنه لو لم يكن هكذا لكان تهديده بهذا الأمر محرمًا؛ إذ لا يجوز له أن يفعل هذا، لو كان لهم حق ما أجاز له أن يفعل ويخرجهم من أرضهم. * طالب: شيخ، (...) قال: الصغار (...) فرق بين الذلة والصغار. * الشيخ: لا ما يصير، (...) الذلة في النفس، والصغار في البدن. * طالب: ﴿فلنأتينهم﴾ (...) على الجبرية. * الشيخ: (...) يمكن يستدل بها، على أن الإنسان يفعل باختياره؛ لقوله: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ﴾ [النمل ٣٧].

النمل 27:37

قال: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ [النمل ٢٠] ﴿الطَّيْرَ﴾ (أل) هذه للعهد أو لعموم الجنس؟ أقول: إنها للعهد؛ لأنها تعود على الطير المذكور. ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ [النمل ١٧]، وعلى هذا فيكون تفقّده للطير في نفس هذه المسيرة. ﴿تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ يقول: (تفقد الطير ليرى الهدهد الذي يرى الماء تحت الأرض، ويدل عليه بنقره فيها لتستخرجه الشياطين لاحتياج سليمان إليه للصلاة فلم يره)، هذا من كيس المؤلف. يقول: ﴿تَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ لأجل يدور الهدهد، الهدهد (...)؟ يرى الماء تحت الأرض، ولو رأى الأنهار تجري تحت الأرض نقر بمنقاره، يعني قال: احرثوا هنا، ثم يأمر الشياطين فتحفر. * طالب: ما الدليل؟ * الشيخ: الدليل أنها (...)، هذا من يقول هذا؟ بل إن تفقده للطير لأنه -كما سلف- كان عليه الصلاة والسلام منظمًا لجنوده، وتفقد أين ذهب؟ ولهذا ما قال: تفقد الهدهد أو الهداهد، بل قال: تفقد الطير كله؛ لأنكم تعرفون أن الطيور تسبح في الهواء، فقد يشذ منها شيء، فهو عليه الصلاة والسلام تفقدها لأجل تكميل التنظيم. ثم إن قولهم أو دعواهم أن الهدهد يرى اللي تحت الأرض، هذا ما هو بصحيح، ادفن حب أنه خلى الهداهد تيجي هنا، تراها ولَّا ما تراها؟ ما تراها بالتأكيد، وهذا شيء إذا لم ترَ الحب القريب كيف ترى المياه البعيدة؟ المهم أن الهدهد مثل غيره ينحجب نور عينيه بالكثافة، ولا يرى شيئًا. ثم إن سليمان عليه الصلاة والسلام ليس بحاجة إلى هذا، بل إن سليمان من هذه الناحية كغيره من البشر، إن وجد ماءً انتفع به، وإن لم يجد فإن الله تعالى ييسر له الماء بأي وسيلة. قال: ﴿تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ ﴿مَا﴾: اسم استفهام، وهل الغرض منه الاستخبار أو الاستنكار؟ * طالب: الاستخبار. * الشيخ: قيل: الغرض الاستخبار أنه يسأل سؤالًا حقيقيًّا، يقول: أين الهدهد؟ وقيل: إنه استنكار، والظاهر أنه لا وجه له؛ لأن الأصل في الاستفهام الاستخبار. قال بعضهم: وفي الآية قلب، وأن التقدير: ما للهدهد لا أراه، ولكن هذا ليس بصحيح، بل الآية على ترتيبها، فهو يسأل، يقول: ليش أني ما أشوف الهدهد؟ هل هناك مانع منعني من رؤيته أو أنه كان غير موجود؟ ولذلك أضرب عن الأول وقال: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾، و(أم) هذه منقطعة، و(أم) المنقطعة -كما مر علينا عدة مرات- تكون بمعنى: (بل)، والهمزة يعني: بل أكان من الغائبين؟ وحينئذٍ أضرب عن الكلام الأول، وعرف أنه لا علة في بصره، وإنما العلة غيبة هذا الهدهد. ثم قال عليه الصلاة والسلام: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ فلم أره لغيبته، فلما تحققها قال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا﴾ [النمل ٢١] تعذيبًا شديدًا. ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ الجملة هذه مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي: اللام الموطئة للقسم، والقسم قبلها مُقدّر. هذان اثنان، والثالث: النون، ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾. ويقول: ﴿عَذَابًا﴾ قال المؤلف: (تعذيبًا)، إشارة إلى أن عذابًا اسم مصدر؛ لأن عذَّب مصدرها (تعذيبًا)، واسم المصدر منها (عذابًا)، نظيرها: كلَّم مصدرها (تكليمًا)، واسم المصدر منها (كلامًا). سلَّم (تسليمًا)، واسم المصدر (سلامًا). لأعذبنه تعذيبًا شديدًا، ما هو الشديد على رأي المؤلف؟ بنتف ريشه وذنَبه ورميه في الشمس فلا يمتنع من الهوام، هذا شيء عجيب، تقدير هذا التعذيب بهذا الشيء على أي دليل؟ ولهذا بعضهم قال: إن هذا التعذيب الشديد اللي قاله المؤلف، هذا النتف، ويخلى بالشمس مسكين ما عنده ريش ولا شيء. بعضهم يقول: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أحبسه مع شيء ليس من جنسه، أحط الهدهد مع العصافير، يقولون: من أشد العذاب على الحيوان أن يحشر في غير جنسه، لو يُحطّ الآدمي مع الجن يتعذب، أو الجن مع الآدمي يتعذّبون، ولكن هذا أيضًا ما هو بصحيح؛ لأننا نشاهد الآن أن أشياء تُجعل مع أجناسها ولا تتعذَّب، واحد عنده مواشي بقر وغنم وإبل والغنم ضأن ومعز، مين بيسوي ذلك بحوش واحد ولا تتعذب؟ فالصواب: أن هذا التعذيب الذي قاله سليمان غير معلوم لنا، إنما هو عذاب شديد، والله تبارك وتعالى لم يبيّنه، ولكن يكفي أن نعرف أنه شديد، هذا واحد. ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ لأذبحن هذه للتنويع؛ يعني إما هذا أو هذا. وقوله: ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ يقول: بقطع حلقومه، هذا صحيح، يعني (...) للذبح إما بقطع الحلقوم والمريء؛ يعني من عند الرقبة. الثالث: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾ بنون مشددة مكسورة، أو مفتوحة يليها نون مكسورة، ﴿لَيَأْتِيَنِّي﴾ هذه واحدة. ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِي﴾ ، شوف بنون مشددة مكسورة: (يَأْتِيَنِّي)، أو مفتوحة ويش المفتوحة؟ * طالب: بنون أن يأتي. * الشيخ: بنون، لا، نون مشددة مكسورة، أو مفتوحة يليها نون مكسورة. * طالب: والياء. * الشيخ: إي، (يَأْتِيَنَّنِي)، هذه القراءة الثانية. ﴿لَيَأْتِيَنِّي﴾، ﴿لَيَأْتِيَنَّنِي﴾ . ويش الفرق بينهما؟ * طالب: الإتمام. * الشيخ: إي، فيها نون وقاية، إما تُحذف أو توجد، وإلا نون التوكيد موجودة، نون التوكيد هي مشددة، لكنها إن حُذفت للوقاية كُسِرت نون التوكيد (يأتينِّي)، وإن لم تُحذف: (يأتينَّني)، فإنها تبقى مفتوحة. هذا أمر ثالث، فتوعده سليمان بواحد من أمرين إلا إذا أتى بشيء، ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ببرهان بيِّن ظاهر على عذره. (سلطان) كلمة سلطان ترد كثيرًا في القرآن، ومعناها العام: هي السلطة التي يتمكن بها الإنسان من الوصول إلى غرضه، هذا معناها العام، السلطة التي يتمكن بها الإنسان من الوصول إلى غرضه، هذا السلطان، فتارة يكون المراد به الدليل، ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات ١٥٦]، وتارة يُراد به القدرة: ﴿لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣]، وتارة يُراد به البينة مثل هذا. قوله: ﴿لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ يعني ببينة على عذره، والمعنى العام للسلطان ويش قلنا؟ السلطة التي يتمكن بها الإنسان أو صاحبها من الوصول إلى غرضه، سواء كان ذلك دفاعًا عن نفسه أو إثباتًا لأمر. وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ فسّرها المؤلف ببيّن، ولا تصلح بمعنى (مُظهِر)، يعني ما تصلح متعدية؛ لأن المؤلف الآن فسرها بأنها لازمة، تصلح أيضًا متعدية، يعني بسلطان مُظهِر لعذره، ونحن إذا فسّرناها بهذا نكون أخذنا بالتفسير الذي فسر به المؤلف وزيادة. ﴿فَمَكَثَ﴾ بضم الكاف وفتحها؛ مكَث ومكُث، والفاعل مَنْ؟ الهدهد، ويحتمل أن يكون الفاعل سليمان؛ يعني: بقي غير بعيد؛ أي: يسيرًا من الزمان وحضر لسليمان. قوله: (وحضر لسليمان) ويش الدليل عليه؟ * طالب: بحضرته. * الشيخ: لأنه قال: إنه غائب في الأول: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾، والغائب ما يُخاطب إلا إذا حضر، ولكن قول المؤلف: متواضعًا برفع رأسه وإرخاء ذنبه وجناحيه، هذا من الأمور اللي ما ندري عنها. * طالب: الظاهر المؤلف كان معه! * الشيخ: إي، كأنه معه؛ يعني الهدهد جاء ووقف، ورفع رأسه، ونزَّل ذنبه وجناحيه. * طالب: لا، هذا استنباط من الطيور المشاهدة. * طالب آخر: فيها تقدير يا شيخ في المعنى. * الشيخ: بس ما يمكن أن نقول هذا أبدًا، ما يمكن نصف كيف جاء، إنما يكفينا أن نقول ما قال الله تعالى في القرآن، ونحن ذكرنا قبل قاعدة: كل ما سبق فإنه لا طريق لنا إلا العلم به إلا من طريق الوحي: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩] ما من طريق إلا الوحي؛ إما في القرآن أو في السنة الصحيحة. ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل ٢٢]. ﴿أَحَطْتُ﴾ يعني: يتكلم عن نفسه. ﴿أحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ يخاطب من؟ * طالب: سليمان. * الشيخ: سليمان، وفي الحقيقة أن هذا الهدهد قوي له ضلوع قوية جدًّا كما يقولون، كيف يخاطب سليمان وله هذا الملك العظيم ويقول: ﴿أحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾، ما قال: بما لم تحيطوا به، ما جاء بصيغة التعظيم، ونحن الآن بشر ونخاطب بعض الأحيان المدير ولَّا من فوقه، ونقول مثلًا: أنتم، سيادتكم، ولَّا سعادتكم، ولَّا حضرتكم، (...) أكبر من اللازم، من أنه مثلًا بشر، وكل هذه في الحقيقة كل هذه من الأمور الشكلية التي لا تنبئ عن شيء ولا تنبغي أيضًا، الصحابة يخاطبون الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الخطاب، وهو أشرف عندهم من كل بشر، وكذلك الخلفاء الراشدون ما كانوا يُخاطبون بمثل هذا. ومن عجب الأمة أن بعض هؤلاء الذين يخاطبون بمثل هذه الألقاب تجد قلوبهم تغلي على هؤلاء المخاطَبين، فيكون هذا الخطاب كأنه تهكُّم بهم، ولو أن الناس تخاطبوا فيما بينهم على خطاب عادي، هذا الهدهد ويش مقامه مع سليمان؟ جند من جنده الأضعفين، ومع ذلك يقول بهذه الصراحة: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾، وهذا أول ما كلّمه بعد، على طول، لكن في الحقيقة إنه فيه نوع من الأدب، ما قال مثلًا: أنت جاهل ولا تعرف، وأنا عرفت ودورت ولقيت شيئًا ما تدري عنه، بل قال: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ يعني لأجل أن يعرف سليمان قدره، وأنه ليس محيطًا بكل شيء، فهذا الهدهد صار أشد إحاطة منه، والإنسان البشر ضعيف في كل شيء، حتى ما أحد علمنا كيف نقبر موتانا إلا؟ * طالب: الغراب. * الشيخ: إلا الغراب مما يدل على أننا لسنا بشيء في الواقع. ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ يشبهها قول إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم ٤٣] ما قال: يا أبتِ إنك جاهل، وهذا من اللطافة في الأسلوب، هنا قال: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ والكلمة شديدة؛ أي: اطلعت على ما لم تطلع عليه. ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل ٢٢، ٢٣] إلى أن قال: ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل ٢٧] سليمان قابله بعد (...)، وأكّد الخبر، ﴿جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾، ومع ذلك قال له: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. هذا بعد صدمة على الهدهد؛ لأن الهدهد كان متيقنًا، ومع ذلك قيل له: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، ليش قال سليمان هذا مع أنه يقول له: بنبأ يقين؟ لأن حقيقة الأمر أن كلام الهدهد في مقام الدفاع عن نفسه، مدافع؛ لأنه متوعَّد بالعذاب الشديد أو بالذبح، أو بخبر بسلطان مبين، فهو لما كان في مقام الدفاع احتاج أن يتثبت هذا ببينة، وقد وقع مثل ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، استأذن عليه أبو موسى ثلاث مرات ثم انصرف، فلما (...) في ذلك قال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ، قال: ائت ببينة على ما تقول مع أن أبا موسى صحابي ثقة، ما يمكن يتقوَّل على الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن المقام يقتضي؛ ويش يقتضي؟ زيادة التثبت؛ لأن الإنسان قد يفهم من النص ما ليس مرادًا، فلذلك طلب عمر من أبي موسى أن يأتي بشاهد. هنا هذا الهدهد، سليمان عليه الصلاة والسلام مع أنه قد تيقن له الخبر؛ يقول: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، ثم أعطاه آية وقرينة: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [النمل ٢٨]. والقصة في الحقيقة عظيمة جدًّا فيها فوائد كثيرة. ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ﴾ يقول: ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ بالصرف وتركه بالصرف ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾، وتركه: (من سبأَ) كذا؟ * طالب: لا، عكس. * الشيخ: عكس؟! * الطالب: (مِنْ سَبَأَ) هذا ممنوع من الصرف. * الشيخ: إي، هذا عدم الصرف، صح، و﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ هذا الصرف، (مِن سَبَأَ) جُرَّ بالفتحة؛ لأنه اسم لا ينصرف و﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ جُرَّ بالكسرة؛ لأنه اسم ينصرف، على أي اعتبار جعلناه إما مصروفًا أو عدمه؟ قال: قبيلة باليمن سميت باسم جد لهم باعتباره صُرف (...). * * * معناه لأن يعلم أهل الكتاب، فزيدت اللام توكيدًا؛ فالمؤلف يرى أن هذه الآية مثل الآية التي ذكرها شاهدًا لها وهي زيادة (لا)، ويرى آخرون من المفسرين خلاف ما رآه المؤلف، ويقولون: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ انتهت الجملة، وأن قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [النمل ٢٥] بمعنى: هلَّا يسجدوا، وأنها للتقدير، ولكن هذا التقدير فيه إشكال أيضًا، وهي حذف النون من الأفعال الخمسة بدون ناصب ولا جازم؛ لأن (ألا) لا تنصب ولا تجزم. وإذا قلنا: إن يسجدوا أن (ألا) للتحضيض، وهي لا تنصب ولا تجزم، ونظرنا إلى ﴿يَسْجُدُوا﴾ وجدنا أن فيها حذف النون نصبًا أو جزمًا، وهنا ليس فيه ناصب ولا جازم، فهو محل إشكال، ولكن الجواب عن هذا قد يكون سهلًا؛ لأن حذف نون الأفعال الخمسة لغير ناصب ولا جازم جائز، ووارد في اللغة العربية، ومنه قول النبي ﷺ: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا»[[أخرجه مسلم (٥٤ / ٩٣)، وأحمد في المسند (١٠٦٥٠) من حديث أبي هريرة واللفظ لأحمد.]]. «لَا تَدْخُلُوا» (لا) نافية ما تنصب ولا تجزم، ومع ذلك حُذفت النون، ولم يقل: لا تدخلون الجنة. فالجواب على هذا أن يقال: إن نون الأفعال الخمسة قد تُحذف بدون ناصب ولا جازم لا سيما في مثل هذا التعبير: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ الدال على التحضيض، فإن حذف النون هنا يسهّله وجود هذا الحرف السابق للفعل. وعلى كل حال، إذا كانت على تقدير المؤلف؛ فإن هذه الجملة بالنسبة لما قبلها كالمؤكدة، لما قال: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل ٢٤] هذا يقتضي ألَّا يهتدوا إلى الحق وإلى أن يسجدوا لله سبحانه وتعالى. وأما على القول الثاني: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ أن ﴿أَلَّا﴾ للتحضيض؛ بمعنى: هلّا، فإنه يدل على أن الهدهد انتقدهم بهذا الفعل، وبين أن الأولى بل الأوجب أن يكون السجود لله سبحانه وتعالى، وتكون الجملة منفصلة عما قبلها. وقوله: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ مصدر بمعنى المخبوء من المطر والنبات. ﴿فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ويعلم ما يخفون في قلوبهم وما يعلنون بألسنتهم. ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ ﴿الْخَبْءَ﴾ بمعنى (المخبوء) كما قال المؤلف، فهو مصدر بمعنى اسم المفعول، والمصدر بمعنى اسم المفعول وارد في اللغة العربية كثيرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق ٦] أي: محمول؛ لأن الحمل فعل المرأة، وأما المحمول فهو الجنين، وكذلك قوله: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]، ومنه قول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة، واللفظ لمسلم. ]]؛ أي: مردود. ومنه أيضًا قول الله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان ١١]. ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ أي: مخلوقه وليس فعله، فالخبء هنا بمعنى المفعول، قال: من المطر، هذا باعتبار المخبوء في السماء، والنبات؟ * طالب: المخبوء في الأرض. * الشيخ: هذا المخبوء في الأرض، فالله تبارك وتعالى هو الذي يخرج ما في هذا وما في هذا، في السماوات والأرض ويعلم ما يخفون في قلوبهم وما يعلنون بألسنتهم، ولم يُشر للمؤلف إلى القراءة الثانية، وهي سبعية في قوله: ﴿يُخْفُونَ وَيُعْلِنُونَ﴾ ، فإن الذي في المصحف قراءة عاصم ما هي؟ * طالب: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾. * الشيخ: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ يخاطب بذلك سليمان. وقوله: (ما تخفون في قلوبكم وما تعلنونه بألسنتكم) فيه نظر تقييده بالألسنة، لو قال: بألسنتكم وجوارحكم؛ لأن ما يُفعل بالجوارح معلن، كما أن ما ينطق به في اللسان مُعلن أيضًا. ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾، وهذان الوصفان إخراج الخبء والعلم بما يخفي العبد وما يعلنه لا يكون لأحد من المخلوقين، لا للشمس ولا لغير الشمس، وإنما ذلك خاص بالله تبارك وتعالى، ولهذا جعله الهدهد جعله من الأسباب التي تستلزم أن تكون العبادة لله وحده؛ لأنه العالم بها، ولا يمكن يؤتى بوصف يستلزم العبادة إلا إذا كان خاصًّا بالله؛ لأنه يؤتى بهذا الوصف استدلالًا على بطلان عبادة ما سواه، ولو كان من ما يمكن أن يكون لله لم يكن ذلك دليلًا على اتصاف الله تعالى بالعبودية؛ إذ قد يقول العابد للشيء: وهذا وصف أيضًا موجود في معبودي فأنا أعبده. فالمهم أنه لا يمكن أن تُقام الحجة إلا بدليل خاص في المحتج له؛ يعني بمعنى أنه ما يمكن أن تقوم الحجة بأن العبادة لله وحده إلا بوصف أيش؟ * طالب: خاص. * الشيخ: خاص بالله، لأنك لو احتججت بوصف يكون لله ولغيره لكان العابد لغير الله يقول: وهذا وصف أيضًا ممكن بمعبودي، فلا يدل على أنه مما يختص به الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل ٢٦] استئناف جملة ثناء مشتمل على عرش الرحمن في مقابلة عرش بلقيس، وبينهما بون عظيم. يقول هذا الهدهد: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وهذه كلمة التوحيد، والمؤلف يقول: (إنها جملة استئنافية للثناء على الله تبارك وتعالى بما لا يكون لغيره)، فالأول ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿وَيَعْلَمُ﴾، هذا يتعلق بتوحيد الربوبية. والثاني: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ بتوحيد الألوهية؛ أي: لا معبود سواه، لكن لا معبود بحق، إذ هناك معبودات سوى الله سبحانه وتعالى بغير حق، فإذن: أثنى على الله سبحانه وتعالى بصفة الربوبية وبصفة الألوهية، وربما نقول أيضًا: وبصفة الأسماء والصفات؛ لأن توحيد الربوبية مستلزم للأسماء والصفات؛ إذ إن التصرف في الخلق والتدبير والعلم كل هذا من الصفات. قال: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ﴿رَبُّ﴾ بمعنى صاحب ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾؛ أي: صاحبه، كما تقول: رب الدابة؛ أي: صاحب الدابة. وقوله: ﴿الْعَرْشِ﴾ هذه (أل) للعهد الذهني؛ أي: العرش المعهود في أذهان الخلق العظيم، بخلاف عرش بلقيس، ولهذا قال: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ وهنا قال: ﴿الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ بـ(أل)، والتعبير ظاهر جدًّا في الفرق بينهما؛ لأن عرش نكرة، والعرش معرفة، فدل ذلك على أن هذا العرش عرش عظيم معلوم مفهوم في الأذهان، بخلاف الأول. ويقول المؤلف: (إنه قاله في مقابلة عرش بلقيس) نعم، هذا صحيح، يعني واضح أنه قال لأجل أن يبين أن صاحب العرش العظيم هو المستحق؛ لأن يكون مالكًا، وأما هذه الملكة فإن لها عرشًا وليس لها العرش، فقال: ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ يقوله سليمان، والسين -كما مر علينا- تدل على؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، تدل على التحقيق مع التراخي، لكنها تدل على التحقيق. ﴿سَنَنظُرُ﴾ أي: معناه أن نظرَنا هذا محقق، لكنه سيكون له مقدمات، فهي تدل على التأكيد. ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ ولم يقبل كلامه من أول الأمر، لماذا؟ خشي أن يكون أتى بذلك دفاعًا عن نفسه، ونظير هذا ما سلكه عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أبي موسى الأشعري حين استأذن ثلاثًا وانصرف، ثم حدثه أن النبي ﷺ أمر بذلك، فطلب منهم أن يشهدوا له. فهنا يعني التُّهم أو عدم الثقة في القول لها أسباب؛ من جملتها: أن يكون المخبر على هذا الوصف يتضمن إخباره دفاعًا عن نفسه، فهنا مهما كان من الثقة تجد أنك تتردد في قبول هذا الخبر. * طالب: سؤالي يا شيخ هو قوله: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ مع قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ ما يقتضي مما قدم (...) كونهم لا (...)؟ * الشيخ: لا؛ لأن معنى قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ يجب أن يفرد الله تعالى بالسجود (...) فيكون مناط الذنب كونهم يُخصِّصون الشمس بالسجود، وكذلك أيضًا لو أشركوا بها مع الله، (...) لهذا ولهذا؛ لأنه ما يمكن يزول الذنب إلا إذا خُصِّص السجود لله وحده. * طالب: يا شيخ، قراءة: ﴿أَلَا يَا اسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ (...). * الشيخ: قراءة قد تكون (ألا) أيضًا افتتاحية؛ لأن (يا) حرف نداء، والمنادى محذوف؛ يعني: ألا يا قوم اسجدوا لله، أو تكون (يا) للتنبيه، نظيرها قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس ٢٦]، ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ﴾ [النساء ٧٣] فإن (يا) هذه إما أن تكون للتنبيه؛ لأنها لا تدخل على الأفعال ولا على الحروف، وإما أن تكون للنداء والمنادى محذوف. * طالب: سبعية؟ * الشيخ: ما أعرف ولَّا من الشواذ؟ قال: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ فيما أخبرتنا به، ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾؛ أي: من هذا النوع، فهو أبلغ من أن كذَبْت فيه. ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِين﴾ صريح؛ الأول أنه فعل، وهنا قال: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾؛ أي: من هذا النوع، فهو أبلغ من أن كذبت؛ لأنه يدل على الوصف الدائم؛ من الكاذبين، فهو أبلغ من قوله: أم كذبت؛ لأن أم كذبت فعل، والفعل قد يكون مرة، لكن ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هذا وصف يدل على استمرار الكذب فيه، هذا ما قرره المؤلف، وعندي أن فيه لباقة في تعبير سليمان للهدهد؛ لأن مصارحته ومقابلته بقوله: أم كذبت أشد وقعًا من قوله: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، أشد؛ يعني معناه: أم كنت من الكاذبين أهون مما لو قال: أم كذبت، فهي في الحقيقة من جهة أشد في النظر إلى أن قوله: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ وصف لازم، ومن جهة المخاطبة أهون من قوله: أم كذبت، فهذا وجه الاختلاف بين قوله: ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِين﴾. يقول: ثم دلَّهم على الماء فاستُخرج وارتووا وتوضؤوا وصلوا، ثم كتب سليمان كتابًا صورته: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ، بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا عليَّ وأتوني مسلمين، ثم طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه، ثم قال للهدهد: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا﴾. كل هذه من (...) التي لا دليل عليها في القرآن، كونه دلّهم على الماء فاستخرجوه وارتووا، وتوضؤوا، وصلّوا أيضًا ما فيه.. * طالب: عودًا على بدء. * الشيخ: وين؟ * الطالب: لأن (...) قرر في أول الأمر أنهم طلبوا (...). * الشيخ: إي، تفقده لذلك، لا، بل لأنه يعلم محل الماء، ولكننا نقول: هذا لا دليل عليه، ولا يجوز لنا أن نعتقده، ولا أن نكذّبه، هذا إذا صح عن بني إسرائيل من بعد أيضًا؛ لأن فيه آفة، (...) بيننا وبين بني إسرائيل، من رواه عن بني إسرائيل؟ فإذا صح عن بني إسرائيل، وأنه مما حدثوا به هذه الأمة نقول فيه: إنه لا يُصدق ولا يُكذب؛ لأن ما فيه شيء يعارض كتابنا، ولا في كتابنا ما يؤيده، وإلا لو كان في كتابنا ما يؤيده قبلناه، ولو كان في كتابنا ما يعارضه رددناه. * طالب: يا شيخ، قوله: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، هل يحق لسليمان أن يصفه بمجرد الفعل هذا وصفًا مطلقًا؟ * الشيخ: لا، هو من الكاذبين الذين من دأبهم الكذب، ما وصفه، فكون هذا من الكاذبين إما أنه من دأبه الكذب، أو في جملتهم، وقد يكذب مرة واحدة، وهو أيضًا ما وصفه، هو ما وصفه؛ لأن قوله: ﴿أَصَدَقْتَ﴾ مقابل لقوله: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، فلا يُعلم هل يكون متصفًا بقوله: أصدقت، أو بقوله: أم كنت من الكاذبين، ما وصفه، متردد ينظر. * طالب: لا، لو ثبت، هل يحق أن يوصف؟ * الشيخ: لا، ما يحق أن يُوصف بأنه من الكاذبين المتصفين بها دائمًا، ولكنه -كما قلنا- هذا من باب التلطّف في الخطاب. * طالب: إذن هذا يكون الأرجح؟ * الشيخ: هو أرجح، وكل واحد له وجه، يعني أصلًا ما بينهم تعارض حتى نقول بالترجيح، ما بينهم تعارض، فكونه من الكاذبين، هذا أشد إذا كان وصفه الكذب، وكونه لم يخاطبه قال: أم كذبت، يكون أهون، مثل قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام للضيوف: ﴿سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾ [الذاريات ٢٥] ما قال: أُنكركم، لا أعرفكم، بل قال: ﴿سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾، فهذا من باب التلطّف في التعبير. قال: ثم قال للهدهد: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل ٢٨]. إذا قال قائل: قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾ يقتضي أنه صدقه، فهل هذا صحيح، أو هذا اختبار له؟ لأن قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ﴾ ويش يدل عليه؟ على أنه صدَّقَه في ذلك، ولهذا كتب لهم، أو يقال: هذا من جملة الاختبار؟ يعني أنه إذا كان كاذبًا فسيقول: ما فيه أحد، ما وجدت أحدًا مثلًا، فيكون هذا من جملة وسيلة الاختبار العائدة على قوله: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾. وقد يقال: إن قوله: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ أن في الآية تقديرًا، فنظر وتحقق صدقه فأعطاه الكتاب، هو الآن الله أعلم بما جرى، فإما أن يكون هذا الكتاب من جملة اختباره، مثل ما لو أخبرك إنسان بخبر تقول مثلًا: روح جب لي منه ذكرًا، لو قال مثلًا: تباع السلعة الفلانية الآن في السوق، قلت: يا الله! ها جاء (...) خذ روح جب لي مثلًا منها شيئًا، ويش (...). * طالب: أتحقق. * الشيخ: أختبر هل هو صحيح ولَّا لا؟ وإن كان ظاهرًا فعلي لما أعطيته الفلوس ليشتري ظاهر فعلي أنني؟ * طالب: صدقته. * الشيخ: صدقته، لكن قد يكون هذا من وسائل الاختبار. فالحاصل إذا كان سليمان عليه الصلاة والسلام تحقق هذا الأمر، ثم أرسل بالكتاب فالأمر ظاهر، ولكن ليس في القرآن ما يدل على ذلك، فنقول: إن إعطاءه الكتاب من جملة الوسائل التي تبين صِدْقه. وقوله: (﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾ أشار إليه للتعيين؛ لأن سليمان يكتب لهم ولغيرهم، ولكنه عين الكتاب الذي كتبه لهم. ﴿فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ﴾ أي: بلقيس وقومها. ﴿ثُمَّ تَوَلَّ﴾ انصرف عنهم وقف قريبًا. ﴿فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ يردون من الجواب، فأخذه وأتاها وحولها جندها، وألقاه في حجرها، فلما رأته ارتعدت وخضعت خوفًا، ثم وقفت على ما فيه، ثم قالت لأشراف قومها: يا أيها الملأ). ذهب به الهدهد فألقاه إليهم؛ أي: طرحه بين أيديهم، وتولى عنهم كما أرشده سليمان، ولكن هذا التولّي ليس بعيدًا بدليل قوله: ﴿فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾، فإن قوله: ﴿فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ يدل على أن هذا التولي يكون قريبًا منها، وفيه من الفوائد ما يأتي إن شاء الله. ثم ﴿فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ أخذت الكتاب وقرأته، ثم قالت لأشراف قومها: ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ﴾ [النمل ٢٩]، والملأ كما بين المؤلف: هم الأشراف، وهنا نادتهم: يا أيها الملأ، إشارة إلى علوّ مرتبتهم في دولتها؛ لأن ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ما تكون إلا للبعيد، ما قالت: يا ملأ، بل قالت: ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي﴾ بتحقيق الهمزتين الملأ إني، وتسهيل الثانية بقلبها واوًا، ﴿المَلَأُ وِنِّي﴾ بقلبها واوًا مكسورة؛ لأنه إذا جاءت الهمزة بعد الضم جاز أن تقلب واوًا، قاعدة في اللغة العربية، ومنه قول كثير من المؤذنين: (الله وكبر)؛ لأنه يجوز: الله أكبر، ويجوز: (الله وكبر)، فالهمزة إذا وقعت بعد ضم يجوز أن تُسهل إلى واو، وعلى حسب الحال: إن كان يقتضي الكسرة كُسرت، أو يقتضي الضم ضُمت أو الفتح. قال: (بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بقلبها واوًا مكسورة، ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] مختوم). يعني: فسّر الكريم بالمختوم؛ يعني لأن ختمه دليل على أهميته، فالكتب والرسائل المختومة يعتنى بها، وحتى الآن إذا كان الشيء مهمًّا تجده يُختم بالشمع وما أشبه ذلك لئلا يُزوّر، ولكن تفسير الكريم بالمختوم ما هو بصحيح؛ لأن الختم دليل على كرمه، وليس هو معنى كرمه، فالكريم معناه المتضمن للمعاني العظيمة المؤثِّرة. وفي قولها: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ﴾ ما قالت: ألقى الهدهد؛ لأن الظاهر أنه مر هكذا، ثم حذفه عليها، وليس معناه: أنه جاء ووقف بين يديها وأعطاها الكتاب، وهذا ربما يكون أبلغ في الهيبة أنه يعطيها وهو ماضٍ، بخلاف ما لو وقع بين يديها فإنه لا يكون هيبة، على أنه لو وقع بين يديها فمقتضى كونه هدهدًا أن تُمسكه، ولكنه ألقاه إلقاءً. ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الكتاب. ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ ولم تنسبه إلى أبيه؛ لأنه كان معروفًا ومعلومًا عندهم؛ أنه عليه الصلاة والسلام رسول أعطاه الله تعالى من الملك ما لم يعطه غيره. ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: مضمونه. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣٠، ٣١]، ولا فيه السلام على من اتبع الهدى ولا أما بعد، كما قال المؤلف. * طالب: ويش (...)؟ * الشيخ: يمكن أنه من أخبار بني إسرائيل أو على العادة في الكتب، إنما سليمان أتى بأدنى ما يمكن فهمه والمقصود منه. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ لكن قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هل إن سليمان قال: من سليمان إلى بلقيس ولَّا لا؟ * طالب: هو أخر.. * الشيخ: لا، ما قال ذلك، ولكنه لعلها فهمته إما بتوقيع أو بكتابة على الظرف إن كان هناك ظرف، وإلا صُلب الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين. هذا صلبه، وهذا هو الظاهر؛ لأنه لا يمكن أن يبدأ سليمان عليه الصلاة والسلام بقوله: من سليمان بسم الله الرحمن الرحيم، بل سيبدأ بأيش؟ * طالب: بالبسملة. * الشيخ: بالبسملة قبل، فلما لم يذكر الله إلا البسملة دل هذا على أنه لم يأتِ بقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾، ولكنه لا بد أن يكون في الكتاب ما يشير إلى ذلك، وإلا لما فهمته. وقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ المقصود: الخضوع لي؛ يعني: معناه ذُلُّوا لي؛ لأنهم هم ما كانوا يعلون عليه حتى يقول: ألا تعلوا علي، وإنما أراد أن يأتوا إليه أذلة مسلمين، لله ولّا له؟ المراد: مسلمين لله، ولَّا مسلمين له أي مستسلمين؟ * طالب: مسلمين له. * الشيخ: فيه احتمال أنهم مسلمون لله، أو مستسلمون لي، ولكن هل يلزم من إتيانهم مستسلمين له أن يكونوا مسلمين لله؟ * طالب: ما يلزم. * الشيخ: ما يلزم، لكن يلزم من كونهم مسلمين لله أن يستسلموا له، وأن يأتوا مطيعين غير مخالفين، ثم قالت: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ إلى آخره [النمل: ٣٢]. (...) الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة؛ أولًا: سرعة رجوع الهدهد إلى سليمان، مما يدل على أن جنود سليمان يهتمون بشؤونهم، ولا يتأخرون عن أعمالهم؛ لقوله: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾. * ويستفاد منها أيضًا: أن سليمان وإن كان قد أعطي ملكًا عظيمًا لم يعطه أحد؛ فإنه لا يحيط بكل شيء، فهو على سعة ملكه وقوته لا يحيط بكل شيء، فغيره من باب أولى. * فيستفاد منه -الفائدة الثالثة-: وهي ضعف إدراك المرء -الإنسان- مهما بلغ من الملك ومن القوة، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، فإن هذا يبيِّن الإنسان ضعف الإنسان، ضعيف.. في كل شيء، في القوى العقلية والقوى الجسمية وكل ما يمكن أن يوصف بالقوة والضعف فإن حال الإنسان فيه الضعف. * ومن فوائد الآية: أنه يجوز أن يخاطب الرئيس بمثل هذا الخطاب، فيقال مثلًا: علمت ما لم تعلم، أو فعلت ما لم تفعل، ومثله قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه: ﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم ٤٣]. * ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي للمتكلم أن يؤكد الخبر للمخاطب عند الحاجة إليه؛ لقوله: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. فإذا قال قائل: ما فائدة تأكيده له وهو مصدر الخبر؛ لأن التأكيد إنما يفيد إذا جاء من طرف آخر يكون شاهدًا للمخبِر، فأما نفس المخبِر فكيف يقال: إن في تأكيده للخبر فائدة؟ فالجواب: أن المقصود من ذلك: زيادة طمأنينة المخبَر؛ لأنه أيضًا يدل على أن له فائدة: أنك إذا أخبرك المخبِر بخبر قد تقول له: هل أنت متأكد؟ فيقول: نعم أو لا، فإذن: تأكيد المخبِر لخبره لا يقال: إنه لا فائدة منه؛ لأنه هو مصدر الخبر، بل نقول: فيه فائدة، وهي رفع توهّم المخبِر في خبره، فيرفع هذا التوهم ويطمئن المخاطب، ولهذا قيل: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. * وفيه أيضًا؛ من فوائد الآية: أن استعمال ضمير الجمع للمخاطب المعظَّم ليس بلازم، وليس من شأن أيضًا خطاب الأنبياء والسلف، أنه مثلًا عندما يكون الإنسان معظَّمًا يقول: أتيتكم، جئتكم، وما أشبه ذلك كما هو المعتاد الآن عندنا، عندنا إذا كان المخاطب معظَّمًا، يقال: كما تريدون مثلًا سعادتكم أو سيادتكم أو سماحتكم أو فضيلتكم أو ما أشبه ذلك، لا، هذا ليس معتادًا فيما سبق، وإنما يخاطب الإنسان بما تقتضيه الحال، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام يرد السلام على المسلِّم بقوله: «عَلَيْكَ السَّلَامُ»[[أخرجه البخاري (٦٢٥١) من حديث أبي هريرة.]]، إذا سلَّم عليه أحد يقول: «عَلَيْكَ السَّلَامُ»، وإذا كانوا جماعة يقال: عليكم السلام. * الفائدة هذه الأخيرة: أنه من عادة السلف أنهم يخاطبون أو يتكلمون مع المخاطب بما تقتضيه الحال. ﴿إِنِّي وَجَدْتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ امرأة تملكهم، الضمير جمع، والعائد عليه الضمير جمع ولَّا مفرد؟ * طالب: لا، مفرد. * الشيخ: وين؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ (هم) ضمير جمع، والعائد على الضمير مفرد ولَّا جمع؟ * طالب: جمع. * الشيخ: وين؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، جمع، لكن مرجع الضمير هو مفرد ولَّا جمع؟ * طالب: مفرد. * الشيخ: وين؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن لما كان المراد به القبيلة صح أن يعود الضمير إليه جمعًا، وهذا سبق لنا الشرح، وقلنا فيها: (سَبَإٍ)، و(سَبَأَ) باعتبار القبيلة والجد. * فيستفاد من هذه الآية: ﴿وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ أن المرأة لا تصلح للملك؛ لأنه ما قال: ملكة، بل قال: ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾، والشارح المفسر تقدم أنه يقول: أي هي ملكة لهم، وأن الغرض من تفسير ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾ بملكة خوفًا من أن يقال: إنها تملكهم ملك استرقاق لا ملك تصرف، والمرأة هل يصح أن تكون ملكة؟ لا، ففي شرعنا لا يجوز أن تُولَّى المرأة على الرجال، فلا يمكن أن تكون ملكة، ولا يمكن أن تكون أميرًا، ولا يمكن أن تكون وزيرة، ولا يمكن أن تكون قاضية، كل هذا لا يجوز؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٥) من حديث أبي بكرة.]]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا اسم فقط، اسم ما هو أميرة اسم، يعني: أنها من الأمراء، من عائلة الأمراء فقط. * طالب: وسيدة؟ * الشيخ: وسيدة مثل الآن السيدة رقيقة، كل الحي يسمونها سيدة؛ كل الناس يسمونها سيدة، وهذه قد نبهنا عليها في ما سبق وقلنا: إن هذه متلقاة من الغرب الذين يقدّسون المرأة، وأن هذا ما ينبغي، ولهذا حتى بعض الكتَّاب تجدهم يقولون: السيدة عائشة، السيدة خديجة، هذا ما ينبغي، بل يقال: المرأة والأنثى، وأما السيدة فلا يصح هذا الإطلاق، لا سيما وأنه متلقى من غير (...). * وفي هذا: دليل على سعة ملك هذه المرأة، بل عظمة ملك هذه المرأة؛ لقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾، والمراد ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من مقومات الملك كما قال المؤلف المفسر. * وفيها أيضًا دليل على أنها ذات أبهة؛ لقوله: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾، وأما وصف العرش بما ذكره المفسر فلا دليل عليه. ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾. * يستفاد من هذه الآية: أن هؤلاء القوم مشركون بالله؛ لقوله: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾. * وفيه دليل على أن الشمس معبودة من قديم الزمان؛ لأن هؤلاء في زمن سليمان، وما زال إلى الآن يوجد من يعبد الشمس، ومن يعبد النار، ومن يعبد القمر، بل ومن يعبد البقر. * وفيه دليل على أن الخلق مفطورون على إنكار الشرك؛ لأن الهدهد أنكر عليهم شركهم، مع أن الهدهد ليس من العقلاء، لكن جميع الحيوانات بل والمخلوقات غير الحيوانات مفطورة على توحيد الله عز وجل ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء ٤٤]. * فيستفاد من هذه فائدة: أن المشركين شر البرية كما قال الله عز وجل، يعني: إذا كانت البهائم والجمادات تسبح الله وتعرف حقه وبنو آدم هؤلاء يشركون به؛ صاروا شر الخليقة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٦]. * وفيه دليل على أن الإنسان يُذمّ على فعله أو يُمدح على فعله؛ لأن الهدهد ساق ذلك على سبيل الذم، والغرض من ذكر هذه الفائدة: الوصول إلى أن فعل الإنسان باختياره؛ إذ لو كان مجبرًا عليه لم يصح أن يكون محلًّا للذم أو للمدح؛ لأن الذي يُجبر على العمل ما يُمدح عليه إن كان خيرًا، ولا يُذمّ عليه إن كان سوءًا، ولكنه هو فعله، فهو إذن. * وفيه دليل على إبطال قول من؟ الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله؛ لأنه إذا كان مجبرًا لم يكن أهلًا للثناء بالخير أو بالشر. * وفي هذا دليل على أن الأعمال السيئة من تزيين الشيطان؛ لقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾، فكيف يُجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل ٤] فأضاف الله التزيين إليه، وهنا أضافه إلى الشيطان، وفي آية ثالثة: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ [التوبة ٣٧] مبني للمجهول، لكن هذه ما تعارض الآيات الأخرى. * طالب: التزيين المباشر من الشيطان، لكنه بتقدير الله عز وجل. * الشيخ: يضاف إلى الله تقديرًا وإلى الشيطان مباشرة. إذا قال قائل: إن الأعمال السيئة تُزين للناس في رمضان وقد ثبت في الحديث أن الشياطين تُصفّد فيه وتُغل، ومع ذلك نرى أن كثيرًا من الخلق يزين لهم سوء الأعمال في رمضان.. على أن سبيل الله سبحانه وتعالى واحد؛ لقوله: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل ٢٤]، وسبيل الشر، بل سبل الشر متعددة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣]. ولهذا قال العلماء: الإسلام مِلّة، والكفر مِلَل: يهودية، نصرانية، وثنية، مجوسية، إلى آخره، ملل؛ يعني سبلًا متعددة، وأما الحق فسبيله واحد. فإذا قال قائل: كيف تقولون ذلك؟ وقد قال الله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦]، كيف الجمع؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، ولهذا أُضيفت إلى السلام ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ ما قال السبل: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ﴾ إذا قُيِّدت فهي على حسب ما قُيِّدت به؛ يعني يصلح أن تقول: سبل الخير، ويكون المراد بذلك الفروع الموصلة إلى الخير، فالإسلام كما أنه كله سبيل واحدة، فهو كذلك أيضًا ذو شُعب، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٩)، ومسلم (٣٥ / ٥٨) واللفظ له، من حديث أبي هريرة.]]، فهو ذو شُعب، فهذا معنى قوله: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾، ثم إنه مما يزيل الإشكال أنه أضيفت إلى السلام، فعُلم أن المراد بذلك فروع الخير. * وفيه دليل على أن من صُدّ عن السبيل -والعياذ بالله- فإنه لا يهتدي إذا زُيّن للإنسان سوء عمله فصد بذلك عن السبيل، فإنه يقل أن يهتدي؛ لقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾؛ أي: لا يسجدون لله، وهذا هو البلاء أن الإنسان يرى القبيح حسنًا، فهذا لا يكاد يقلع، لكن من كان يرى القبيح قبيحًا فإنه يمكنه أن يُقلع، ولذلك تجدون الآن مثل هؤلاء الذين يتعاملون بالحيل؛ الحيل الربوية وغير الربوية من المحرمات ما يكاد أن يقلعوا عنها؛ لأنهم يرون أنهم على حق؛ ولذلك لا يقلعون، لكن من فعل القبيح وهو يعتقده قبيحًا فإنه يوشك أن يُقلع عنه، ولهذا قال: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل ٢٤]. ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ [النمل ٢٥] على تفسير المؤلف يجب أن يوصل قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ بقوله: ﴿لَا يَهْتَدُونَ﴾؛ لأنها متعلّقة بالجهة مفعول؛ لأن التقدير: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا. * وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى هو المستحق للعبادة وحده؛ لقوله: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [النمل ٢٥]؛ إذ لا أحد يستطيع ذلك إلا الله، ما أحد يستطيع أن يخرج المخبوء في السماوات وفي الأرض إلا الله سبحانه وتعالى، فإذا كان كذلك فيجب أن تكون العبادة له وحده؛ لأنه الرب وحده فيكون المعبود وحده كذلك. * وبالآية دليل: - ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ - دليل على سعة علم الله؛ لقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾. واستدل به الشافعي على ثبوت القدر، ثبوت العلم لله بأفعال العبد دليل على تقديره لها، ولهذا قال الشافعي في القدرية: ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروه كفروا. وهذا صحيح؛ لأننا نقول: إذا كنتم تقرون بأن الله عالم بأفعال الخلق فهل وقعت هذه الأفعال على حسب علمه أو على خلاف علمه؟ على حسب علمه؛ لأنكم تقرون أنه يعلمه. إذن فقد وقعت على حسب علمه، فإذا كانت وقعت على حسب علمه لزم أن تكون بتقديره، وإلا لكان يمكن أن تقع على خلاف علمه إذا كانت من تقدير العبد واستقلال العبد فإنه لا يلزم أن تقع على حسب علمه، وأما إذا أنكروا العلم فإنهم يكفرون؛ لأن إنكار علم الله سبحانه وتعالى كفر. وعندنا أيضًا حتى إنكار تقدير الله سبحانه وتعالى كفر؛ لأن الآيات والأحاديث صريحة بأن الله تبارك وتعالى مقدّر لأفعال العبد فإنكارها تكذيب للقرآن والسنة، وهذا هو الكفر. ولكنه رحمه الله -الشافعيَّ- أراد أن يلزمهم بأمر متفق عليه، وهو أن إنكار علم الله كفر. فقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾. * نستفيد بها -بناء على تقدير الشافعي رحمه الله- على إثبات تقدير الله سبحانه وتعالى لأفعال العبد. * وفي هذه الآية: تحذير العبد من المخالفة علنًا أو سرًّا، كيف ذلك؟ لأنك إذا علمت بهذا الأمر؛ بأن الله يعلم ما تخفي وما تعلن، ويش يلزم من ذلك؟ ألَّا تخالفه، لا تقل: أبغي أفعل هذا المحرم لأن الله ما يدري، أو أترك هذا الواجب لأن الله لا يدري، بل الله سبحانه وتعالى يعلم. والإنسان لو علم أن المعظم عنده يعلم بأفعاله لترك ما لا يرضيه، لو علمت مثلًا أن أباك أو الرجل الذي تحترمه يعلم بما تفعل، هل تفعل ما يخالف رضاه؟ ما تفعل، لا سيما إذا كان محبوبًا لديك ومعظّمًا، فإذا كان كذلك فالرب سبحانه وتعالى من باب أولى، ولهذا ينبغي لك كلما دعتك نفسك إلى معصية، بل إلى مخالفة لترك أمر أو فعل نهي يجب عليك أن تتذكر هذا الأمر أن الله سبحانه وتعالى يعلم مخالفتك. فيلزم من هذا أن ترتدع، ولهذا جاء في الحديث وإن كان فيه نظر: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٧٩٦)، وفي مسند الشاميين (٥٣٥، ١٤١٦) من حديث عبادة بن الصامت.]]؛ لأنك إذا علمت هذا العلم أوجب لك الاستقامة والثبات على الأمر. ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا﴾ فيها قراءتان: ﴿مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ و﴿مَا يُخْفُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ . أما على قراءة: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ على حسب تفسير المؤلف فالمناسب: ﴿مَا يُخْفُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ . وأما على القراءة الثانية قراءة الكسائي: ﴿أَلَا يَسْجُدُوا﴾ -وهي سبعية- تناسب ﴿مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾؛ لأن (اسجدوا) فعل أمر، وفعل الأمر للمخاطب، فيقتضي أن الحالة التي بعده تكون للمخاطب أيضًا، يعني ألا يا قومي اسجدوا، وهو هنا لا يخاطب سليمان؛ لأن سليمان يسجد لله، لكنه لقوة استحقارهم ما كانت عليه ملكة سبأ خاطبهم بقوله: ﴿أَلَا يَسْجُدُوا﴾ . * وفي هذا دليل على إثبات عرش الله؛ لقوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل ٢٦]. والعرش: هو أعلى المخلوقات، وهو غير الكرسي، وليس هو الْمُلك كما قاله منكرو العلو الذين يقولون: إن المراد بالعرش الملك، فيقولون: استوى على العرش؛ أي: استولى على الْملك، هذا لا شك أنه ليس بصحيح، والعرش معروف عند العرب وفي اللغة العربية بأنه سرير الملك الخاص به. * وفيه: إثبات انفراد الله سبحانه وتعالى بالألوهية؛ لقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فإذا قال قائل: هذا النفي أو الحصر حقيقي، ولا إضافي؟ * طالب: إضافي بالنسبة.. * الشيخ: إذا قلنا: حقيقي، فهذا يلزم أن يكون (إله) ليس بمعنى بمعبود، والمعروف أن (إله) بمعنى معبود، إذا كان بمعنى معبود لزم أن يكون الحصر إضافيًّا، إذ هناك معبود سوى الله وهي الأصنام. مثل معنى لا إله إلا الله؛ أي: لا معبود بحق إلا الله، وحينئذٍ يكون الحصر إضافيًّا، وإن جعلناه حقيقيًّا فإننا يمكن أن نقول: إن لا إله إلا الله: أن المراد بالإله: الإله المستحق؛ يعني لا إله مستحق إلا الله، ولكن هذا التقدير يعود على الأول. واعلم أن الله سبحانه وتعالى سمّى الأصنام آلهة، سماها آلهة في قوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١]، فأثبت أنها آلهة، وفي آية أخرى نفى أن تكون آلهة فقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف ٤٠]، والجمع بينهما ظاهر؛ أن إثبات كونها آلهة باعتبار هؤلاء العابدين لأنهم يعتقدونها آلهة، ونفي أن تكون آلهة وإن هي أسماء باعتبار حقيقة الأمر فإنها ليست بآلهة تستحق أن تعبد، ولهذا نفى أن تكون آلهة؛ لأنها ليس لها حق في أن تعبد. * طالب: وضّح يا شيخ معنى (لا إله إلا الله) في (...) الحصر الإضافي؟ * الشيخ: الحصر الحقيقي والإضافي إذا قلنا: إنه لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله صار حصرًا إضافيًا؛ يعني باعتبار أن يكون بحق فلا إله إلا الله، أما بحق وباطل فيوجد آلهة سوى الله، وحينئذٍ يكون الحصر إضافيًّا؛ يعني بالإضافة للإله الحق، وإذا قلنا: حقيقي؛ فهو باعتبار الواقع أنه لا يوجد إله إلا الله، وأن هذه الآلهة مجرد أسماء يكون الحصر حقيقيًّا باعتبار الحقيقة والواقع. * الطالب: (...). * الشيخ: مؤداهم واحد، ولهذا أثبت الله الآلهة مرة، ونفاها مرة أخرى. قال: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل ٢٦]. * فيه: إثبات الربوبية لقوله: ﴿رَبُّ﴾ ورب بمعنى خالق ولَّا بمعنى صاحب؟ * طلبة: خالق؟ * الشيخ: بمعنى خالق، وهو أيضًا مختص به؛ إذ إن العرش لله سبحانه وتعالى وحده. قال سليمان للهدهد: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل ٢٧]. * يستفاد من هذه الآية: أنه ينبغي التثبت بالخبر لا سيما عند قيام الشبهة، ولا لَّا؟ ما هي الشبهة القائمة هنا؟ * الطلبة: المدافعة يا شيخ. * الشيخ: أن الهدهد قال ذلك مدافعة وإن كان بعيدًا؛ لأنه قال: ﴿جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل ٢٢]، لكن لما كان هذا مقام دفاع فإنه ينبغي أن يتثبت الإنسان أكثر، ولهذا قال: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل ٢٧]، ما هو قال: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾، وقلنا: إن هذا نظير ما وقع لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب مع أبي موسى الأشعري «حيث استأذن عليه ثلاثًا وانصرف، فلما عاتبه بعد ذلك قال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ فقال: هات من يشهد لك». فشهد له مَنْ؟ محمد بن مسلمة[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٦٢)، ومسلم (٢١٥٣ / ٣٦) من حديث أبي موسى الأشعري، ولم نقف فيه على شهادة محمد بن مسلمة، وإنما هو أبو سعيد الخدري. ]]. فمثل هذه الحال وإن كان خبرًا متيقنًا، لكن لا مانع من أن الإنسان يتثبت في ذلك. * وفي هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يكون لبقًا في تعبيره حتى لغير الآدمي؛ لقوله: ﴿أَصَدَقْتَ﴾ فصارحه هنا بلفظ: الصدق؛ لأن الصدق صفة محبوبة محمودة، وفي الكذب ما قال: أم كذبت، قال: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، فتحاشى أن يصارحه بوصف الكذب. مع ما في ذلك بالنسبة للقرآن الكريم من مراعاة الفواصل ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فإن هذه فيها مراعاة للفواصل. وقول المؤلف: (إن هذا أبلغ من أم كذبت) هذا له وجه؛ لأن قوله: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾؛ أي: من المتصفين بالكذب دائمًا؛ يعني ممن وصفه الكذب، وليس من كذب مرة واحدة كمن كان الكذب وصفًا له، فيكون العدول هنا عن أن كذبت له ناحيتان: الناحية الأولى: أنه ألطف من التصريح بالمخاطبة بالكذب أو لا؟ واحد يكلمني أقول: هل صدقت أم كذبت؟ هذه أشد وطأة عليه من أن أقول: صدقت أم كنت من الكاذبين. ومن جهة أخرى هي أشد حيث إنها تدل على اتصاف المخاطب بالكذب لا أنه وقع منه مرة واحدة، فالمؤلف راعى وجهًا، وترك وجهًا آخر؛ الوجه الثاني، والصواب: أنه في كلا الوجهين، مراعًى فيه الوجهان جميعًا. ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ في هذا دليل جواز تعظيم الإنسان نفسه إذا كان أهلًا لذلك على أنه يحتمل أن يكون سليمان أراد أنه ينظر ذلك لمن يستعين به من جنوده، لا أنه يريد أن يباشر هو بنفسه ذلك. ﴿سَنَنْظُرُ﴾ هذه لا شك أنه للجماعة، فهل هي جماعة حقيقة أم من باب التعظيم؟ لأن المعظّم نفسه معناه أنه نزل نفسه منزلة الجماعة، نقول: هذا فيه احتمال، فإن كان سليمان عليه الصلاة والسلام أراد تعظيم نفسه فهو أهلٌ لذلك؛ لأنه ملك ورسول، وإلا فإنه يريد ﴿سَنَنْظُرُ﴾ بجنودنا وأعواننا ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وإن كان لا يريد أن يباشره بنفسه. فالملك والوزير والأمير ومن أشبههم إذا قالوا: سنفعل كذا، فإما أن يكون بأنفسهم فيكون ذلك تعظيمًا لأنفسهم أو بواسطة الجنود والأعوان فيكون هذا مراعاة للجمع. وقال: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل ٢٨]. * في هذه الآية دليل على أن الحيوانات تعقل ما يوجّه إليها من الأمر والنهي والاختبار والفحص؛ لقوله: ﴿اذْهَبْ﴾ ﴿فَأَلْقِهْ﴾، ثم ﴿انْظُرْ﴾ و﴿تَوَلَّ﴾ كل هذه أوامر للهدهد مما يدل على أن الحيوانات هذه تعقل، ولكن ليس معنى قولنا: أنها تعقل أن تكون عاقلة من كل أحد، صحيحٌ أنها تعقل عقلًا محدودًا بالنسبة لعامة الناس، ولهذا تزجر البهيمة؟ * طالب: فتنزجر. * الشيخ: فتنزجر، وتدعوها فتُقبِل، ولكنه ليس هذا كمثل تسخيرها لسليمان عليه الصلاة والسلام، فإن تسخيرها لسليمان أنها تنزل منه منزلة الإنسان العاقل الفاهم من كل وجه. قال: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾. * وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي تحسس الأخبار عند الحاجة لذلك، وهذا ما يسمى بالمتابعة؛ لقوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ فإنه إذا تولى، وجعل ينظر لا بد أن تبين له الأخبار؛ لأنه لو أنه ما تولّى عنهم لو ألقاه، وبقي يمكن ما يتكلمون بالأشياء التي يتكلمون بها إذا كان غير حاضر لديه، لكن إذا تولى عنهم حينئذٍ وجدوا لأنفسهم مكانًا في الكلام على ما يريدون، هذا من السياسة؛ لأنك عندما تعمل عملًا فإنك تتحسس الأخبار، فلا تباشر هذا؛ لأنه ما يأتي على المطلوب، ولا تعرض عنه إعراضًا كاملًا؛ لأن معنى ذلك أنك ما تابعت ولا اهتممت بالأمر، فالإنسان ينبغي له كلما عمل عملًا أن يكون متابعًا له وأن يتحسس. مثلًا افرض أنك أمرت أهلك بأمر أنت راعٍ عليهم أمرتهم بأمر هل أنت تترك هذا الأمر ولا تلاحظه؟ تلاحظه، ولكن لا تلاحظه وأنت حاضر عن مباشرة؛ لأنه في هذه الحال سوف ينفذوه، لكن تلاحظه وأنت بعيد حتى يتبين لك هل نفذوه أم لم ينفذوه، وهذه من السياسة التي ينبغي سلوكها لأجل أن يعرف الإنسان مدى تقبّل الموجه إليه الأمر من عدمه، ولهذا قال: ﴿أَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾، وهذا هو الذي حصل. * طلبة: (...). * * * * الشيخ: (...) في قصة ملكة سبأ لما جاءها الكتاب من سليمان عليه الصلاة والسلام قالت لقومها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ [النمل ٣٢]، الملأ: بمعنى الأشراف، وذلك أن الملوك والرؤساء يكون جلساؤهم غالبًا أشراف الناس فوجهت إليهم الخطاب، وقالت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾. وسبق ذكر الفائدة في قولها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ دون قولها: يا ملأ، إظهارًا لعلوّ شأنهم حيث نودوا بمناداة البعيد. (﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾ بتحقيق الهمزتين) ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾ هذا تحقيق الهمز. (وتسهيل الثانية) بأي شيء؟ بـ(قلبها واوًا) ﴿الْمَلَأُ وفْتُونِي﴾ ، وهذا مبني على؟ * طالب: القاعدة. * الشيخ: القاعدة اللغوية: أنه إذا ضم ما قبل الهمزة فإنه يجوز قلبها واوًا. وقلنا: من فائدة هذه اللغة تصحيح أذان كثير من الناس الذين يقولون في أذانهم؟ * طلبة: (الله وكبر). * الشيخ: (الله وكبر)، بل حتى الصلوات بعض الناس حتى في تكبيرة الإحرام يقول: (الله وكبر). (﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾ أي: أشيروا عليّ ﴿فِي أَمْرِي﴾ ) واحد الأمور، وليس واحد الأوامر؛ لأن المراد بالأمر هنا الشأن ﴿فِي أَمْرِي﴾. (﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ قاضيته ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ تحضرون)، وهذا من كمال ذكائها أنها أشارت الملأ حتى إذا نتج عن تصرفها شيء لا يُرضى يكون اللوم على من؟ على هؤلاء الملأ الذين أشاروا، ولا يجعلون اللوم عليها، ولهذا قالت: ما تقطع أمرًا حتى تشهدونها أو حتى يشهدوها. وقولها: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾؛ أي: قاضية له. ﴿أَمْرًا﴾ هذه نكرة في سياق أيش؟ * طلبة: النفي. * الشيخ: النفي، فتكون للعموم، لكن المراد بذلك الأمر المتعلق بالدولة بلا شك، وأما الأمر الخاص فإن لكل إنسان التصرف فيه. وكذلك قول الله تعالى للنبي ﷺ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران ١٥٩]، هذا الأمر إنما هو في الأمور العامة التي للجميع، وليس الرسول عليه الصلاة والسلام ولا غيره مأمورًا أن يشاور الناس في كل أموره حتى لو أراد أن يتغدى أو يتعشى ذهب يقول للناس: أيش تقولون؟ لا، الأمور العامة التي يشترك فيها الناس هي التي يُؤمر فيها بالتشاور. وقولها: ﴿قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ هذا أبلغ مما فسره به المفسر بالقضاء؛ لأن القطع يدل على الإمرة والعزيمة والفعل، بخلاف القضاء فقد يراد به الحكم فقط بدون أن يُفعل. وقولها: ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ فيها إشكال لغوي، وهو ثبوت النون مع أن (حتى) ناصبة، فما هو الجواب؟ * طالب: الظاهر أن (حتى) لها شروطها في النصب. * الشيخ: الشروط تامة. * الطالب: تامة الشروط؟ * الشيخ: إي، تامة الشروط. * الطالب: (...) حتى الصبح. * طالب آخر: ما يخالف يجوز ثبوت (...). * الشيخ: لا (...). * طالب: ما بعدها ناصب يا شيخ. * الشيخ: لا، النون هذه للوقاية، ولذلك تجدونها مكسورة، أو لا؟ ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ لو كانت نون الرفع لقال: (تشهدونها)، فالنون هذه للوقاية، وما كنت أظن أنها تشكل عليكم، وأنا قلت: فيها إشكال لغوي، وأنا (...)؛ لأني ما أرى أنها تُشكِل؛ لأنها مكسورة. ومثل هذا قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات ٥٩]، ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ إذا وقفت عليها فتسكن النون، فيظن السامع أن النون هنا ثبتت مع وجود النهي ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾، وهي مع النهي تحذف، ولكن النون هنا للوقاية؛ ولذلك إذا وصلت تقول: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات ٥٩، ٦٠]. * طالب: (...). * الشيخ: أيش لون؟ * الطالب: (...). * الشيخ: صرف آيات؛ يعني قصدك استنباط الفوائد. * الطالب: (...). * * * * الشيخ: يقول الله عز وجل: (﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [النمل: ٣٣] أي أصحاب شدة في الحرب) (أولو) بمعنى أصحاب، وهي -كما مر علينا في النحو- ملحقة بجمع المذكر السالم وهي الآن مرفوعة بالواو نيابة من الضمة؛ أي: أصحاب قوة وبأس، والبأس بمعنى: الشدة والصبر. (﴿بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾؛ أي: أصحاب شدة في الحرب)، فكأنهم يعرِّضون بالمشورة عليها بالقتال بأن تقاتل سليمان ويقولون: نحن مستعدون للقتال؛ لأننا أصحاب قوة وأصحاب بأس شديد. القوة هنا هل مراد القوة الجسمية أو القوة المادية؟ * طالب: كلاهما. * الشيخ: كلاهما؛ يعني فعندنا من قوة الجسم، وعندنا من قوة العدة ما نستطيع أن (...). وهذا من التأدب معها مع أنها هي التي طلبت منهم المشورة مع ذلك ردوا الأمر إليها، ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ وهذا يدل على أنها كانت أهلًا؛ لأن يسند إليها الأمر وعلى أنهم كانوا يعظمونها تعظيمًا بالغًا. (﴿فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ نا نطعك)، هل المراد بالنظر هنا الانتظار أو المراد التفكير في الأمر؟ المراد التفكير في الأمر؛ يعني فكّري في أمركِ ماذا تأمرين فتكون (ما) هنا استفهامية معلّقة عن عمل الفعل؛ لأنه إذا كانت الجملة استفهامية، فإن الفعل وإن كان ينصب مفعولًا أو مفعولين يكون معلقًا عن العمل، وتكون الجملة في محل نصب. أجابت: (﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ بالتخريب ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ -يعني بالأثر- ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أي: مرسلو الكتاب). كأنها لا تريد القتال، تقول: لو قاتلناهم فإن الغلبة عليهم بعيدة، ستكون الغلبة لهم، وحينئذٍ يدخلون قُرانا، والملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها؛ لأن عندهم من العلو والغلبة والاستكبار ما يوجب أن يخسفوا بأهل البلد التي يدخلونها. وليس المراد هنا بالإفساد الإفساد المعنوي؛ يعني بإفساد الأخلاق مثلًا، المراد ما أشار إليه المؤلف: الإفساد (بالتخريب). وجاء دور الجمهوريين، فإذا أشد وأعظم؛ لأنهم أقل حياءً من الملوك، لا لهم أصل تجد الإنسان ينتخب وهو من الشارع ليس من الملأ ولا من أشراف الناس، فيأتي وغالبهم ليس عنده دين ولا مروءة فيفسدون أكثر مما يفسد هؤلاء كما هو مشاهد في تخريب الروس وغيرهم في البلاد التي يدخلونها. يقول: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ بأي شيء بالأسر يأسرونهم ويسترقونهم أو يستخدمونهم بدون أسر، ولا استرقاق، وهذا من أبلغ ما يكون من الذلّة. وقولها: ﴿أَعِزَّةَ أَهْلِهَا﴾ سواء كانت هذه العزة تعود إلى الملك أو تعود إلى الجاه والشرف أو إلى العلم أحيانًا فإنهم يسلطون على الأعزة؛ لأن لهم الكلمة فيما سبق، فهم الذين دبّروا هذه الحروب، ثم هزموا فتكون رحى الحرب عليهم. قال: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ هل هذا من كلام الله سبحانه وتعالى تصديقًا لقولها أو هو من كلامها تقريرًا له؟ وتكون بالأول ذكرت قاعدة عامة، ثم أشارت إلى ما تتوقعه من سليمان فقالت: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أي: كذلك يفعل هؤلاء الذين أرسلوا بالكتاب. * طلبة: إيه العلاقة بأنه كلامها؟ * الشيخ: المؤلف يرى أنه من كلامها، ويكون ذلك تقريرًا للقاعدة التي ذكرتها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾؛ لأن هذا عام. ثم قالت: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ تقريرًا لهذه القاعدة وتطبيقًا لها على حال سليمان وجنوده، أما إذا قلنا بأنه من كلام الله عز وجل، فتكون الجملة مستأنفة؛ أي: أن الله يقرر ما قالته بأن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة. وقولها: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ كيف جاءت بصيغة الجمع مع أن الكتاب ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾؟ لأنها عرفت أن سليمان ملك، والملك لا بد له من أتباع وجنود وأعوان؛ فلهذا قالت: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. وإعراب ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وما أكثر ما تأتي في القرآن ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. وما أشبه يعني يأتي في القرآن كثيرًا ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد ١٧]. يقولون: إن الكاف هنا: بمعنى (مثل)، وأنها تقع في محل نصب مفعولًا مطلقًا مضافًا إلى اسم الإشارة؛ أي: ومثل ذلك الفعل يفعلون، في هذا تقدير الآية اللي عندنا مثل ذلك الفعل يفعلون. ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: ومثل ذلك الضرب يضرب الله الأمثال، فصارت الكاف هنا اسم بمعنى (مثل) في محل نصب على أنها مفعول إيش؟ مطلق مضافًا إلى اسم الإشارة؛ أي: ومثل ذلك الفعل الذي ذكرت يفعلون، ومعلوم إذا قلنا: إنه مفعول مطلق، فإن المشار إليه يكون مصدرًا مناسبًا لسياق الآية. ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات ٣٤]، نقول: أي: مثل ذلك الفعل نفعل بالمجرمين. ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ أي: مثل ذلك الضرب يضرب الله الأمثال، وعلى هذا فقيسوا، ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل ٣٥]، هذه المرأة ذكية لما جاءها الكتاب قالت: أبغي أمتحن الرجل، أبغي أرسل إليه هدية، فإن كان رجلًا يريد الدنيا كفته الهدية، وترك الحروب والقتال، وإن كان رجلًا يريد أمرًا آخر فإنه سيرد الهدية، وهذا بلا شك من الاختبار الذكي. قالت: ﴿إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾، وطبعًا هي كما قلنا: قبل قليل هي ما رضيت ما أشار به الملأ؛ لأن الملأ أشاروا عليها بالحرب والقتال، وذلك بإبداء ما عندهم من القوة والبأس الشديد، ولكنها لم ترد، هذا فأرادت أن تمتحن سليمان. ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ﴾ ولم تقل إليه؛ لأنه -كما قلنا- ملك له جنود وأعوان وحواشي. ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (ناظرة) ليست من الانتظار، وإن كانت محتملة أن تكون من الانتظار؛ أي: فمنتظرة، ولكنها من النظر، يعني أنظر بعد إرسال هدية بما يرجع المرسلون، من هم المرسلون؟ رسولها بالهدية، وفي هذا إشارة إلى أن هذه الهدية كبيرة وعظيمة؛ لأنها لم ترسل بها واحدًا، وإنما أرسلت بها جماعة وأقل الجمع؟ * طلبة: ثلاثة. * الشيخ: أقل الجمع ثلاثة. ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: بأي شيء يرجعون به. و﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ متعلقة بـ(ناظرة)، ولَّا متعلقة بـ(يرجع)؟ * طالب: بناظرة. * الشيخ: بناظرة، وما رأيكم أنتم موافقون له؟ (ما) هنا ما هي استفهامية. ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ (ما) استفهامية ولَّا موصولة؟ * طلبة: موصولة. * الشيخ: موصولة؟ لا، استفهامية؛ لأن الموصولة تبقى ألفه مع حرف الجر، والاستفهامية تحذف ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ ١]. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ عشان ما فيها ألف، كذا؟ لكن لو تقول: هو مسؤول عما قال، تكون ألف ولا ما تكون؟ * طالب: تكون. * الشيخ: تكون. ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة ١٠٥]، شوف ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ تبقى الألف ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ تحذف الألف. فـ(ما) الاستفهامية إذا سبقها حرف جر تُحذف ألفها. * طالب: فيها لغتان؟ * الشيخ: على ما يرجع، لا ما فيها لغتان، ولهذا نقول: ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ الجار والمجرور متعلّق بـ﴿يَرْجِعُ﴾، ولا يصح أن يكون متعلقًا بـ﴿نَاظِرَةٌ﴾ بناءً على القاعدة المشهورة عند النحويين: وهي أن اسم الاستفهام له الصدارة، بل الاستفهام كله سواء كان اسمًا أو حرفًا له الصدارة، وإذا كان له الصدارة لم يعمل ما قبله فيه؛ لأنه لو عمل ما قبله فيه ما كان له الصدارة، لكانت الصدارة لأي شيء؟ * طلبة: (...). * الشيخ: للعامل الذي قبله، وعليه فنقول: ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ الجار والمجرور متعلّق بـ﴿يَرْجِعُ﴾، وتكون الجملة إذن معلّقة عن العمل عن عمل. ﴿نَاظِرَةٌ﴾ معلقة لها عن العمل فهي في محل نصب. (﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ من قبول الهدية أو ردها إن كان ملكًا قبلها أو نبيًّا لم يقبلها). كون المؤلف يحيل قبول الهدية وعدمها على أنه إن كان مَلِكًا قَبِل وإن كان نبيًّا لم يَقْبل، هذا لا دليل عليه، ولكن نقول: إنه إذا كان يريد القتال فإنه؟ * طالب: لن يقبل. * الشيخ: لا، إذا كان يريد القتال فهو يقبل الهدية؛ يعني إذا كان هذا الرجل عنده طمع مادي فقط فإنه يقبل الهدية؛ لأن القتال ما يعلم هل تكون العاقبة له أم لا، والهدية غنيمة حاضرة فيقبلها ويدع المشكوك فيه، وإذا كان لا يريد الدنيا، وإنما يريد أمرًا آخر، وهو الدعوة للإسلام وكونهم مسلمين كما قال في الأول: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، فإنه حينئذٍ لن يقبل الهدية؛ لأن الذي يدعو إلى الله وإلى الإسلام لا يمكن أن يقبل هدية على حساب ما دعا إليه أبدًا، وأما مسألة النبوة وعدمها فالله أعلم بهذا، ما نجزم بما قال المؤلف، بل نقول: إنها تريد أن تختبره إذا كان يريد دنيا؛ فالهدية تمنعه من قتالها، وإذا كان لا يريد دنيا وإنما يريد أن يسلموا فالهدية ما تمنعه. (فأرسلت خدمًا ذكورًا وإناثًا) الآن يبين المؤلف الهدية (خدمًا ذكورًا وإناثًا ألفًا بالسوية، وخمس مئة لبنة من الذهب، وتاجًا مكللًا بالجواهر، ومسكًا وعنبرًا، وغير ذلك مع رسولٍ بكتاب) التعيين هذا لا دليل عليه، ولهذا نقول: إنها هدية كبيرة بلا شك، ويدل على كبرها أن الذين أرسلوا بها جماعة، أما تعيينها بهذا الأمر فهذا لا نجزم به، فإن كان واردًا عن بني إسرائيل فإنه من الأخبار التي لا تُصَدَّق ولا تُكَذَّب. (فأسرع الهدهد إلى سليمان يخبره الخبر)؛ لأن سليمان قال له: ﴿أَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾، أو لا؟ والظاهر أن الهدهد بقي حتى استقر أمرهم على شيء وقد استقر على إرسال الهدية. يقول: (فأسرع الهدهد إلى سليمان يخبره الخبر فأمر -أي سليمان- أن تضرب لبنات الذهب والفضة، وأن تبسط من موضعه إلى تسعة فراسخ ميدانًا، وأن يبنوا حوله حائطًا مشرفًا من الذهب والفضة، وأن يؤتى بأحسن دواب البر والبحر مع أولاد الجن عن يمين الميدان وشماله). * طلبة: هذا أشد من الأول. * الشيخ: إي نعم، كل هذه ما عليها دليل، كل هذه الأشياء التي ذكر المؤلف ما عليها دليل؛ فهي من الغرائب يعني أن تطوف على المؤلف ويأتي بها. * طالب: صعب. * الشيخ: مع أنه مختصر، مع العلم بأنه ما في الآية دليل لهذه المسألة أبدًا أنهم يجعلون الذهب والفضة تبسط من مكانه إلى تسعة فراسخ، كم سَعَة تسعة فراسخ بالميل؟ ثلاثة في تسعة؟ * طلبة: سبعة وعشرون. * الشيخ: سبعة وعشرون ميلًا. * طالب: والميل: كيلو ونصف. * الشيخ: والميل: كيلو ونصف. * * * (﴿فَلَمَّا جَاءَ﴾ الرسول بالهدية ومعه أتباعه ﴿سُلَيْمَانَ﴾ ) بالنصب، وجاء بمعنى أتى. ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾. المؤلف قال: (ومعه أتباعه)، والمرأة تقول: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾، وسليمان يقول: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ (أتمدون) جمع فهو يخاطب جمعًا، والآتي واحد، والمرأة تقول: ترسل جماعة، فكيف نجمع بين هذه الأشياء؟ كلام المرأة يدل على أنها أرسلت جماعة. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ يدل على أن الجائي واحد، وقول سليمان: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ يدل على أن المخاطب جماعة، والجمع بين هذا بسيط جدًّا، يكون هؤلاء الجماعة لهم رأي، والذي خاطب سليمان وقدّم هديةً هو الرئيس ومعه جماعته، فصار الذي تقدم إلى سليمان بالهدية واحدًا مع جماعته، ولهذا يقول المؤلف: (ومعه أتباعه). * طالب: يا شيخ، لو جاء المرسل إليه؟ * الشيخ: لا؛ لأن ما ذكر الفاعل. * الطالب: ما ذكر الفاعل دليل. * الشيخ: إذا لم يذكر الفاعل فهو مستتر، ومعلوم أن (جاء) مفرد، لو كان المراد الجماعة لقال: فلما جاؤوا سليمان. * طالب: ذكر الفاعل بما قبله. * الشيخ: ما يصح هذه، (جاء) للمفرد الواحد، (جاء) للواحد ما فيها إشكال. * طالب: لو الرسول؛ مثل ما يقول: لو جاء خالد جاء الرسول يجوز (...)؟ * الشيخ: لا، هو الأصل أنه واحد. ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ الياء هنا حُذفت لأيِّ شيء؟ حذفت للتخفيف، كما حذفت أيضًا للتخفيف في قوله تعالى فيما سبق: ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾. والاستفهام في قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ للإنكار والتعجيب، يعني كيف تمدونني بمال وأنا عندي من المال ما ليس عندكم. ولهذا قال: (﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ من النبوة والملك ﴿خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ من الدنيا)، وكذلك من المال؛ لأن عند سليمان من المال ما ليس عند هذه المرأة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أعطاه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده. فالاستفهام في قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ للتوبيخ والتعجيب، يعني: كيف تمدونني بمال! -وهو هذه الهدايا- ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ من المال والملك والنبوة وغير ذلك مِن كل ما آتاه اللهُ ﴿خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾. ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ يعني أنني لا أفرح بالهدية، ولا تهمني الهدية، ولكنكم أنتم الذين تفرحون بها وتفخرون بها. هل المعنى تفرحون إذا أهدي إليكم أو تفرحون إذا أهديتم، وترون لكم فضلًا على المهدى إليه؟ * طالب: كل محتمل. * الشيخ: نعم، كل محتمل، لكن الظاهر -والله أعلم- أنه يريد الأول؛ بمعنى أنه أنتم الذين تفرحون بالهدية، وتقع منكم موقعًا، تكثر عزيمتكم، وتوجب أن تعدلوا عما أنتم عليه، أما أنا فلا تهمني الهدية. * طالب: ما قال: بهديَّتنا، بل: ﴿بِهَدِيَّتِكُمْ﴾. * الشيخ: أي: إذا جاء إليكم؛ لأن (هدية) مصدر يجوز أن يضاف إلى الفاعل، ويجوز أن يضاف إلى المفعول ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾، والاحتمال الثاني: أن يكون بإهدائكم إلينا. ﴿تَفْرَحُونَ﴾ تفخرون؛ يعني أنكم تفخرون بها، ولكن المعنى الأول أليق بالسياق. (﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ بما أتيت من الهدية) الخطاب الآن للرسول، وهذا من تعبير الأساليب بفائدة؛ لأن الذين حملوا الهدية هم الجماعة جميعًا فناسب أن يخاطبهم جميعًا بأنهم حملوا هذه الهدية، وهنا لما أراد أن يحملهم الإبلاغ، فإن تحميل الإبلاغ للجماعة تضيع فيه المسؤولية، حمَّل الإبلاغ من؟ رئيسهم فقط؛ لأنك إذا وصيت جماعة مثلًا لشخص من الناس ضاعت المسؤولية، وصار كل واحد منهم يتكئ على الآخر، فلا يحصل الإبلاغ، لكن إذا حملتها واحدًا حينئذٍ يتحمل ويؤدي، ولهذا حمَّل الرئيس فقال: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾؛ يعني إلى جماعتك الذين أرسلوك بما أتيت من الهدية. (﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ﴾ لا طاقة ﴿لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا﴾ من بلدهم سبأ سميت باسم أبي قبيلتهم ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي: إن لم يأتوني مسلمين). هكذا القوة؛ لأنه لا يريد المال، ولا يريد الدنيا وإلا لخضع وقنع لهذه الهدية الكبيرة التي أُرسل بها جماعة، لكنه لا يريد ذلك فخاطبهم بهذه العبارات القوية ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ﴾ واللام؟ * طالب: للقسم. * الشيخ: موطِّئة للقسم، والنون ﴿نَأْتِيَنَّهُمْ﴾ النون للتوكيد، فعلى هذا فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ القسم، واللام، والنون، ثم فيها من التعظيم. ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ﴾ ولم يقل (فلآتينهم)؛ لأن هذا أبلغ في الهيبة سواء أراد تعظيم نفسه أو أراد بذلك آتيهم بجنود. وقوله: ﴿لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ فيه استصغار هؤلاء الجماعة الذين أرسلوا بهذه الهدية، فهُم استصغرهم في الناحية المالية في قوله: ﴿مَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾. ومن الناحية العسكرية في قوله: ﴿لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ لا طاقة لهم بها؛ لأن عنده من الجنود الجن والإنس بل والطير أيضًا، ما لهم طاقة بهذا الشيء، أيضًا: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً﴾ نحتل بلادهم ونخرجهم منها أذلة. ﴿وَهُمْ صَاغِرُون﴾ الفرق بين الأذلة والصغار؛ الذل: في النفس، والصغار: في البدن، يعني يكون مستسلمًا ظاهرًا وباطنًا، مستسلمًا ظاهرًا بالصغار، ومستسلمًا باطنًا بالذل. قال الله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى ٤٥]، الخشوع بمعنى الصغار، والذل هو ذل النفس، والعياذ بالله. وهذا دليل على أن سليمان عليه الصلاة والسلام عنده من قوة العزيمة وقوة السلطان ما استطاع أن يعبر بهذا التعبير لهؤلاء الذين أهدوا له هذه الهدية. فإذا قال قائل: كيف يليق بسليمان عليه الصلاة والسلام أن يقابل جماعة أهدوا له هدية بهذا الأسلوب العنيف؟ الجواب: ظاهر في هذا، لأنه؟ * طالب: (...). * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، ما يخالف، ما قبل الهدية، لكن لماذا لم يجب بأسلوب لطيف ليس بعنيف؟ * طالب: إذا قاتلوه فهو لا يريد قتالًا، إنما يريد دخولهم في الإسلام فقط، إذا أجابهم بعنف خافوا ودخلوا دين الله تبارك وتعالى. * الشيخ: إي نعم، نقول: الجواب على هذا أنه عليه الصلاة والسلام أراد أن يظهر لهم قوته، وأنه لا يهتم بشأنهم، ثم إن اختبارهم له مع أنه قال: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ اختبارهم له يدل على شك في دعوته، هو دعاهم إلى الإسلام، وهم شكوا في ذلك بإرسال الهدية، وظنوا أنه يريد دنيا، فيكونون هم الذين بدؤوا بالإساءة إليه حيث أرسلوا له هدية يختبرونه بها فكان رده هذا مناسبًا. (فلما رجع إليها الرسول بالهدية جعلت سريرها داخل سبعة أبواب داخل قصرها وقصرها داخل سبعة قصور)؟ * طالب: لم يرد دليل. * الشيخ: إي، عظيم. (وأغلقت الأبواب وجعلت عليها حرسًا، وتجهزت للمسير إلى سليمان لتنظر ما يأمرها به، فارتحلت في اثني عشر ألف فيل مع كل فيل ألوف كثيرة إلى أن قربت منه على فرسخ شعر بها قال: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ ). غريب ما أدري منين يجيب المؤلف (...) هذه؟! * طالب: عندنا يا شيخ: (اثني عشر ألف قيل، مع كل قيل). * الشيخ: لا، اثني عشر ألف فيل. * الطالب: يعني: قيل (...). * الشيخ: حتى عندنا أنا عندي قيل، لكن ما هو بصحيح، (اثني عشر ألف فيل) الأفيال يمكن كثيرة في اليمن، ولهذا صاحب الفيل اللي أراد يهدم الكعبة جاء بفيل. يقول: (مع كل فيل ألوف كثيرة) من الناس اثنا عشر ألفًا، ومع كل فيل ألوف كثيرة يعني عالم. (إلى أن قربت منه على فرسخ شعر بها قال: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ ) إلى آخره. الاقتصار على القصص التي في القرآن هو اللائق بالمصحف إلا ما صح عن النبي ﷺ، وذلك لأن الله يقول: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، فعلم هذه الأمم إلى الله سبحانه وتعالى، فاللائق بنا ألا نتجاوز ما جاء به القرآن. على أن كرم كل شيء بحسبه، فالكرم بالمال معناه: بذله بسخاء، والكرم أيضًا بالمال يطلق على الجيد منه، كما قال النبي ﷺ: «وَاتَّقِ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» أو «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩/ ٣١) من حديث ابن عباس.]]، وكذلك أيضًا يُوصَف ما يتضمن الشيء المهم؛ يوصف بالكرم لما في هذا الوصف في كتاب سليمان عليه الصلاة والسلام. * وفيه دليل على أن الأولى أن يبدأ الكاتب باسمه فيقول: من فلان، قبل أن يبدأ باسم المرسَل إليه أو المكتوب إليه. وهل هذا من باب التعبد أو من باب العادة؟ * طالب: من باب العادة. * الشيخ: الظاهر أنه من باب العادة، ولكن مع ذلك العادة التي كان عليها السلف أولى من العادة التي اعتادها الناس اليوم، اعتاد الناس اليوم أنهم يبدءون بالمكتوب إليه: إلى فلان بن فلان، ولكن العادة الأُولى أَولى؛ لأن الإنسان إذا قرأ كتابًا يقرؤه من أوله، فإذا قرأ: من فلان، عرف الآن ما هذا وما قيمة الكتاب، قبل أن يقرأه كله. ثم إن الترتيب الطبيعي يقتضي هذا؛ لأن الكتاب واردٌ من إلى، ولّا لا؟ فيقتضي أن يبدأ بالوارد منه قبل الوارد إليه. فإذن نقول: الأولى أن يبدأ الإنسان باسمه إذا أرسل كتابًا إلى أحد؛ لأن هذه السنة المتّبَعة. هل يؤخذ من هذا الكتاب أنه لا يحتاج إلى ذكر المكتوب إليه؛ لأنه قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل ٣٠]، ولا قال: إلى ملكة سبأ؟ * طالب: قد يكون ذكر. * الشيخ: لكن اللي أمامنا الآن. * طالب: (...). * الشيخ: يحتمل هذا، أو نقول: إنه إذا دل الدليل على المكتوب إليه فلا حاجة إلى ذكره، مثلًا إذا أرسلت هذا الكتاب إلى شخص، ولا سيما في مثل قصة سليمان، أنه جاء به هذا الطائر إلى صاحبه، فهنا احتمال أن يصل الكتاب إلى غير المكتوب إليه ضعيف. والمقصود ببيان المكتوب إليه المقصود به؟ أن يتعين ويصل إليه، وهنا إذا جاء الكتاب على هذا الوجه، فإنه يحصل به أكبر تعيين، فنقول: إنه لا حاجة إلى ذكره إذا كان الأمر يحصل بدونه، ولكن مع هذا ذكره أولى، لا سيما إذا كان يترتب عليه شيءٌ في المستقبل، فإنه إذا فرضنا أن صاحبه الذي أُرسل إليه عُلم وأخذه، لكن في المستقبل ما ندري لمن وجّه له هذا الخطاب، فذكره بلا شك أولى. * وفي هذا دليل على استحباب البداءة ببسم الله الرحمن الرحيم في أول الرسائل؛ لقوله: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. * وفيه دليلٌ على استعمال الإيجاز إذا لم يكن فيه تقصير؛ لأن هذا الكتاب الذي كتبه سليمان في غاية ما يكون من الإيجاز؛ جملتان فقط ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣١] ولكن بشرط ألا يكون الإيجاز مخلًّا بالمقصود، فإن كان مخلًّا بالمقصود صار تقصيرًا. * وفيه دليلٌ على أن سليمان عليه الصلاة والسلام دعاهم إلى الله سبحانه وتعالى، ولا يريد التملك والسيطرة، وإنما يريد بذلك الدخول في الإسلام؛ لأن الهدهد لما أخبره أنها وقومها يسجدون للشمس من دون الله، فهذا كفر، فلا بد أن يخرجوا منه إلى الإسلام؛ لقوله: ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. * وفيه أيضًا دليل على قوة سليمان عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لم يقل: وأسلموا، بل قال: ائتوني مسلمين. فطلب منهم أن يأتوا إليه وهم على إسلام. وهل المراد أن يأتوا جميعًا؟ لا، المراد أعيانهم وأشرافهم؛ لأن الأعيان والأشراف يقومون مقام العامة. * وفيه دليلٌ على استحباب المشاورة في الأمور العامة؛ لقولها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ [النمل ٣٢]، فهي مع أنها ملكة ولها تمام السلطة، مع ذلك لم تستغن عن المشاورة ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾. * وفيه دليل على حزم هذه المرأة، وأنها تريد أن تكون سياستها مبنية على المسؤولية على الجميع؛ لقولها: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾، وحينئذ لو حصل خلاف المقصود لم يكن عليها لوم، ما دامت تُشهد هؤلاء وتبين لهم. * وفيه أيضًا دليل على أنه يجوز للمستشير أن يخالف المستشار إذا لم يرَ أنه مصيب في مشورته؛ لأنهم لما ذكروا ما يدل على أنهم يريدون قتاله وهي لا تراه خالفته، ولّا لا؟ فإنها قالت: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل ٣٤] إلى آخره. * وفيه دليل على مكانة هذه المرأة من قومها؛ لأنها بعد أن استشارتهم وأبدوا رأيهم تأدبوا معها وقالوا: ﴿الْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل ٣٣]، فهل يؤخذ من ذلك أيضًا أنه إذا قدّم المستشار مشورته لإنسان كبير أكبر منه قدرًا، أو فهمًا، أو علمًا، أن له أن يقول مثل هذا؟ نعم. يقول مثل هذا تأدبًا، وصاحبه بالخيار؛ إن شاء أخذ بمشورته، وإن شاء لم يأخذ. * وفيه دليل على حزم هذه المرأة أيضًا من جهة أنها نظرت في العواقب ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾. وهكذا ينبغي للعاقل ألا يحكم على الأمور ببوادرها وظواهرها، وإنما يحكم على الأمور بعواقبها؛ فإن الشيء قد تكون بوادره وظواهره مفيدة في نظر الإنسان، ولكنه عند التأمل يكون الأمر بالعكس، لكن هل الأولى المبادرة أو التأني؟ في الأصل التأني أولى؛ لأن الإنسان إذا تأنى ما يندم ما فعل شيئًا، لكن إذا تسرّع فهو الذي يكون عرضة للندم، وكم من كلمة قال الإنسان: ليتني لم أقلها، وكم من فعل قال: ليتني لم أفعله. ولكن مع هذا ينبغي استعمال الحزم في الأمور، لا يتأنى تأنيًا يطيل المقصود، ولا يتسرع تسرعًا يحصل به الندم، وأظن أني أنشدتكم بيتين في هذا المعنى، تحفظونهما؟ * طالب: في الحزم؟ * الشيخ: لا، في أنه قد يكون التسرع أولى وقد يكون التأني أولى. * طالب: (...) * الشيخ: قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ ∗∗∗ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ؎وَرُبَّمَا فَـــاتَ قَوْمًا جُــلُّأَمْرِهِـــــــــــمُ ∗∗∗ مَعَ التَّأَنِّي وَكَانَ الرَّأْيَ لَوْعَجِلُـوا نعم وهذا صحيحٌ وواقعٌ، الأوَّل: قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ ∗∗∗ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِالزَّلَلُ المهم أننا نقول: إذا دار الأمر بين الإسراع والتأني، ولم يترجح الإسراع عليه فالأولى التأني؛ لأن الإنسان يكون الأمر بيده ما دام لم يحدث شيئًا، لكن إذا أحدث شيئًا فاته الأمر ولم يتمكن من التخلص منه. * طالب: يؤخذ من الآية؟ * الشيخ: إي نعم. * طالب: كيف؟ * الشيخ: يؤخذ من الآية؛ لأنها ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل ٣٤] فهي نظرت في العواقب، والنظر في العواقب يستدعي إما التسرع وإما التأني، قد يكون مثلًا يرى الإنسان الرائي أنه إذا لم يُسرع فات المقصود، فيسرع أو إذا أسرع حصل الخلل فيتأنى، فهو مأخوذٌ من قولها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل ٣٤]. * وفيها أيضًا: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل ٣٥]. * يستفاد من هذه الآية أولًا: ذكاء هذه المرأة وحنكتها. * ثانيًا، يستفاد من ذلك: جواز الاختبار والامتحان، وأن ذلك لا يُعد خديعة، إذا أراد الإنسان أن يمتحن غيره بشيء من الأشياء ما يُعد هذا خديعة؛ لأنه يريد أن يستظهر به حاله، وهذا لا مانع منه. * وفي الآية أيضًا الفائدة الثالثة وهي: العمل بالقرائن؛ لأنها أرادت أن ترسل هذه الهدية لتختبر مراد سليمان، هل يريد المال فقط، هل تكفيه هذه الهدية، أو يريد أنهم يسلمون فلا تنفع فيه هذه الهدية، ولا يكف عن طلبه الأول وهو ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣١]. ففيها إذن ثلاث فوائد، وهل ورد مثل ذلك؟ نعم. في قصة سليمان في المرأتين اللتين احتكمتا إليه في ابن إحداهما، خرجت امرأتان إلى خارج البلد ومع كل واحدة لهما ابن، فأكل الذئب ابن الكبرى، فاحتكمتا إلى داود عليه الصلاة والسلام، فقضى بالابن الموجود لمن؟ للكبرى؛ بناءً على أن الصغرى يمكنها أن تلد فيما بعد، ولكنه لما تحاكمتا إلى سليمان عليه الصلاة والسلام قال: ليس هذا الحكم، الحكم أنا نأتي بالسكين ونشق الولد نصفين ويكون للكبيرة نصف وللصغيرة نصف، الكبيرة وافقت على أن يشق نصفين، ليش؟ ليس ولدًا لها، وتقول: مثلما تلف ابني يتلف ابنها، وأما الصغيرة فقالت: لا يا نبي الله، الولد.. فعلم بذلك أن الولد للصغرى، فحكم به لها[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٢٧)، ومسلم (١٧٢٠/٢٠) من حديث أبي هريرة.]]، فهذا من باب الاستظهار للحق بالقرائن، ولا مانع من ذلك، وقد كان القضاة يفعلونه. فهذه المسألة -إرسال الهدية إلى سليمان عليه الصلاة والسلام- من هذا النوع؛ ليستظهر به حاله فيُعمل بالقرينة. * طالب: (...) يؤخذ من فعلها. * الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا ما فيه مانع. * طالب: ولو كانت كافرة؟ * الشيخ: ولو كانت كافرة؛ لأن الشيء إذا حكاه الله سبحانه وتعالى فقد قال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١] فإذا حكى الله تعالى عن كافر شيئًا ولم يرد إبطاله، فإنه على الأصل. * الفائدة الرابعة من الآية: أن الهدية كانت كبيرة، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل ٣٥] * الشيخ: ولا يُرسل جماعة بهدية إلا وهي كبيرة، وأيضًا ربما نقول مع كبرها: ثمينة؛ لأجل أن يدافع هؤلاء المرسلون عنها لو حاول أحدٌ أن يعتدي عليها، فيستفاد إذن عظم هذه الهدية كمية وكيفية، ولذلك احتاجت إلى أن ترسل بها جماعة. وفي قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل ٣٦ - ٣٧]. * يستفاد من قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ أن من المستحسن أن يتقدم الرئيس -رئيس الوفد أو القوم- بالكلام أو بالفعل إذا كان مكلفًا بالفعل، المهم أن يكون المتقدم الرئيس؛ لأن تقدم الجميع دفعة واحدة غير لائق؛ لضياع المسؤولية، فلا بد أن يتقدم أحد، يتقدم واحدٌ، وكلما حُصر الأمر كان أقرب إلى الفهم وإلى حصول المقصود. * وفيه أيضًا دليلٌ على توجيه الخطاب للجماعة، وإن كان المتقدم رئيسهم؛ لقوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ [النمل ٣٦]. * وفيه دليل على جواز الغلظة في القول إذا كانت المصلحة فيه؛ لأن هذا الأسلوب من سليمان عليه الصلاة والسلام أسلوب قوي؛ إذ إننا قلنا: إن الاستفهام في قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ للتوبيخ والتعجيب، يعني أنه يوبخهم على فعلهم ويتعجب من فعلهم، كيف يمدونه بمال وهو ملك ومعروف ومشهور؟! * وفيه دليل على جواز التحدث بنعمة الله. * الفائدة الرابعة: أنه يجوز للإنسان أن يتحدث بنعمة الله؛ لقوله ﷺ: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾، ولكن هل يتحدث بهذه النعمة على سبيل الافتخار، وإلا على سبيل الافتقار والاستصغار؟ على حسب الحال، نرى أنه على حسب الحال. فمع العدو يجوز أن يتحدث بها افتخارًا، ولذلك تجوز الخيلاء في الحرب، مع أن الخيلاء محرّمة ولّا لا؟ محرمة، من الكبائر، لكن في الحرب لإغارة العدو لا بأس بها، فسليمان عليه الصلاة والسلام تحدث هنا بنعمة الله افتخارًا فيما يظهر لي، افتخارًا على هؤلاء القوم، وهذا لا بأس به إذا كان أمام العدو، فأما إذا كان لإظهار النعمة فإنه لا يجوز إلا على سبيل الاستصغار والافتقار إلى الله سبحانه وتعالى، لا على سبيل الافتخار والعلو على الخلق. * الفائدة الخامسة: أنه يجوز للإنسان أن يصف غيره بما يبدو من حاله؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾؛ إذ إن الفرح كما تعرفون أمر باطني، تظهر علاماته على ظاهر البدن، ولكنه في الأصل أمر باطني؛ لأن اللي يفرح ما يُسمع لفرحه صوت ولا يُرى له حركة، ولكن تظهر علاماته. فلا بأس أن الإنسان يحكم على غيره بالقرائن لما يظهر من حاله، وقد مر عليكم كثيرًا مثل هذا الأمر، فقد قال الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان: «وَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنِّي»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٣٦)، ومسلم (١١١١/ ٨١) من حديث أبي هريرة.]]. ومع هذا فإن هذا الرجل لم يطف بأبيات أهل المدينة ويفتشها حتى يعرف أن ما فيه أحد أفقر منه. * وفيه أيضا دليل، الفائدة السادسة: دليلٌ على إظهار القوة للأعداء؛ لقوله: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ [النمل ٣٧]، وهذا داخلٌ في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠] فإن (من قوة) نكرة تشمل كل ما يُمكن من القوى، سواءٌ كانت القوة قولية، أو مادية، أو معنوية، المهم أن جميع القوى في معاملة الأعداء ينبغي للمرء أن يستعملها، حتى إنه جاء في الحديث «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٢٩)، ومسلم (١٧٤٠/ ١٨) من حديث أبي هريرة.]]. لكن الخيانة هل تجوز ولّا ما تجوز؟ * طالب: لا تجوز. * الشيخ: خيانة العدو ما تجوز، لا يجوز للإنسان أن يخون عدوه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال ٥٨] ولا تخنهم، وكذلك إذا خانوا يكونون نقضوا العهد، وقد مر علينا أن هذه المسألة لها ثلاث حالات، المعاهدون لهم ثلاث حالات: إما أن يستقيموا لنا ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة ٧]. وإما أن ينكثوا العهد، وحينئذ لا عهد ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْر﴾ ِ [التوبة: ١٢]. وإما ألا ينقضوا العهد وظاهرهم الاستقامة، لكن نخاف منهم الخيانة، فهنا ننبذ العهد إليهم، ونخبرهم بأننا قد أبطلنا العهد، حتى لو قالوا: سنبقى على العهد نقول: لا، نحن الآن كل منا حر. هنا فيه قوة في الكلام ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ هذا التهديد والوعيد لا شك أنه مظهر قوة، فيكون داخلًا في قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠]. * طالب: كيف نجمع بين جواز خدع العدو وبين عدم جواز الخيانة؟ * الشيخ: إي نعم. الخيانة معناها: أنك تخدعه في مقام الأمانة، والخديعة تخدعه في غير مقام الأمانة، الحرب قائمة، وتحط كمينًا لهم مثلًا وما أشبه ذلك، تظهر مثلًا أن عندك كثرة عدد تخلي الناس مثلًا يترددون كما فعل القعقاع بن عمرو في حروبه مع الفرس وغير ذلك، فأنت الآن ما خنتهم؛ لأن ما بينك وبينهم عهد. * طالب: بعض الصحابة (...) يخبره بأنه فلان يؤمّنه، ثم يقتله. * الشيخ: ما يعتبر خيانة؛ لأن ذاك محارب، ما بينه وبينه عهد، ولهذا قال الرسول في قصة كعب بن الأشرف: «مَنْ لِي بِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَقَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٥١٠)، ومسلم (١٨٠١/ ١١٩) من حديث جابر بن عبد الله. ]]. * طالب: شيخ، النبي ﷺ فسّر القوة قال: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»[[أخرجه مسلم (١٩١٧/ ١٦٧) من حديث عقبة بن عامر.]] فهنا يكون القوة خاصة بالرمي؟ * الشيخ: إي نعم. الرسول عليه الصلاة والسلام وكذلك أيضًا ما يرد عن الصحابة في تفسير بعض الآيات يذكرون الشيء أحيانًا على سبيل التمثيل، والقوة في ذلك الوقت هي الرمي ولا تزال أيضًا، فإن الرمي الآن من أشد ما يكون من القوة، يعني هو أعلى أنواع القوة. وسواء كان رمي الناس بالقوس فيما سبق، أو في البندقية أو في الصواريخ المهم أن الرمي في كل وقت تجد أنه هو ذروة القوة. * طالب: (...). * الشيخ: ما يكون هذا حصرًا، ولكن الرسول أراد أن يبيّن غاية القوة، فالقوة هذه هي الغاية في كل وقت. * وفيه أيضًا دليل في قوله عليه الصلاة والسلام: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ على كثرة جنود سليمان؛ لأن هذه الملكة التي لها العقل العظيم، وعندها القوم المطيعون الذليلون لأوامرها يقول: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾، ولم يبيّن هذه الجنود، لكنه مر في أول القصة أن جنوده ثلاثة أصناف: الجن، والإنس، والطير. هذه كلها يمكن أن يسلطها عليهم، إذا سلّط الجن ما لهم قبل بها، ولئن سلّط الطيور تنقب عيونهم أيضًا لا قبل لهم بها. فالحاصل أن الجنود التي لسليمان لا يمكن لهؤلاء أن يقابلوها، لا كمية ولا كيفية. فيه شيء بعد؟ * طالب: شيخ (...) إرسال الرسالة ينبغي (...) المرسل، طيب كيف كان (...) كان العمال يرسلون إلى أمير المؤمنين من عامل (...). * الشيخ: وهذا يكون من باب التعجب والمبالغة، وإلا بلا شك أن الأول أولى، لكن مثلما قلت الآن، أنهم صارو يقولون: إلى فلان من فلان، ثم صاروا يقولون: إلى فلان ويأتون بالاسم في الآخر. يكون هذا من باب التعجب والإكرام مع الغير. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما أعرف هل هي (...) ولا أن الناس يقرؤونها تعبدًا، ولكن هذه من الأمور العادية مثلما قلنا غير عبادة. * طالب: قبل التسمية أو بعدها، مع هذا، مع سليمان قبل التسمية؟ * الشيخ: لا، هي أخبرت ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل ٣٠] فهل كان سليمان كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من سليمان ألا تعلوا عليَّ وائتوني مسلمين؟ لأن هذا خبرٌ منها، ما هي تقرأ عليهم الخط الآن، يعني: ليست كالراوي كتاب حتى نقول: من سليمان بسم الله الرحمن الرحيم، ولهذا قالت: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ [النمل ٣٠ - ٣١]. حتى إننا أيضًا في أثناء التفسير (...) من أنها فهمت أنه من سليمان بغير هذا وإن لم يكتب. * طالب: (...)؟ * الشيخ: صحيح، الكافر ليس له حق في أرض الله ولا في مال الله، حتى المال ما له حق فيه. * طالب: (...) * الشيخ: إي نعم، وجه ذلك أنه لو لم يكن هكذا لكان تهديده بهذا الأمر محرمًا؛ إذ لا يجوز له أن يفعل هذا، لو كان لهم حق ما أجاز له أن يفعل ويخرجهم من أرضهم. * طالب: شيخ، (...) قال: الصغار (...) فرق بين الذلة والصغار. * الشيخ: لا ما يصير، (...) الذلة في النفس، والصغار في البدن. * طالب: ﴿فلنأتينهم﴾ (...) على الجبرية. * الشيخ: (...) يمكن يستدل بها، على أن الإنسان يفعل باختياره؛ لقوله: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ﴾ [النمل ٣٧].

النمل 27:38

ثم قال الله تعالى: (﴿قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ في الهمزتين ما تقدم) ﴿المَلَأُ أَيُّكُمْ﴾، ويش اللي تقدم؟ تحقيقهما، تحقيق الهمزتين ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ﴾ [النمل ٣٨]. وتسهيل الثانية بقلبها واوًا ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ وَيُّكُمْ﴾ . (﴿يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ منقادين طائعين، فلي أخذه قبل ذلك لا بعده). قال: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ من أين عرف أنهم سيأتون مسلمين إليه؟ عرف ذلك من أنهم إذا سمعوا بما قال الرسول الذي قال له: ارجع إليهم، فإنه لا بد أن يستسلموا وينقادوا، فهو أيضًا حكم بالقرائن، ويجوز أن الله سبحانه وتعالى أوحى إليه بذلك لأنه نبي، فالمسألة دائرة بين أن يكون حكم بكونهم يأتون مسلمين بناءً على القرينة، ويحتمل أن يكون ذلك بوحي من الله سبحانه وتعالى. ولكن قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ نبّه المفسّر على أنه إذا كان العرش أُخذ قبل أن يأتوا مسلمين إليه، فهو جائز، وإذا كان بعد ذلك فليس بجائز. وفي هذا نظر؛ لأنها هي بمجرد ما تفارقه مسلمة تكون قد أحرزت مالها، ولّا لا؟ وقد حمته، فمالها محترم قبل أن تصل إلى سليمان بمجرد إسلامها، وهي إذا غادرت ستأتي بلا شك مستسلمة، فإنه قال لهم بالأول: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣١] وليس غرضه -والله أعلم- أنه إذا كان قبل إسلامهم جاز له أخذه، وإذا كان بعده لم يجز. ثم إن الظاهر أيضًا أن سليمان لا يريد تملك هذا العرش، وإنما يريد إظهار قوته أمامها، وأنه استطاع أن يأتي بعرشها قبل أن يصلوا إليه، ولا يريد أن يتملكه حتى يرد ما قاله المؤلِّف. لما قال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ هو القوي الشديد). العفريت: القوي الشديد، ولا زال هذا المعنى إلى الآن موجودًا، إذا قلنا: فلان عفريت يعني: قوي شديد أو نقول بعد أبلغ من هذا. ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾. آتي هي اسم فاعل ولّا فعل؟ * طالب: فعل. * الشيخ: ويش تقولون أنتم؟ * طالب: نعم فعل. * الشيخ: طيب ما يخالف، ويش الفاعل من (أتى)؟ * طالب: آت. * الشيخ: آت، (كل آتٍ قريب)، وهنا؟ * الطالب: أصلها أأتي (...). * الشيخ: يعني ما يصلح أن أقول: أنا آتٍ إليك به، أن التقدير: أنا آتٍ إليك به قبل أن تقوم من مقامك؟ * الطالب: يصح. * الشيخ: يصح، لكن الظاهر أنها فعل؛ لأن هذا العمل من الأفعال. * طالب: (...). * الشيخ: لا، حتى هذه: أنا آتٍ به. ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾، ولكن الأقرب أنه فعل، يقربه أن الأصل في العمل الأفعال، والكاف معمول، ضمير مفعولٌ به، فهذا هو الأصل ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: لا، عندنا همزة ممدودة. * طالب: (...). * الشيخ: (...) لا ما وضح، كأنه خطأ، هذا عندك الصاوي ؟ حاشية ويش هو؟ غير الجلالين؟ * طالب: إي غير الجلالين. قال: (﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ الذي تجلس فيه للقضاء، وهو من الغداة إلى نصف النهار). هذا لا دليل عليه، هذا من الأمور التي لا دليل عليها، ولكن قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ المراد أنا آتيك به بسرعة، وهذا أسلوبٌ معروف، أنا أجيبه قبل أن تقوم، لا زال إلى الآن موجودًا هذا الأسلوب، فالمعنى: أنا آتيك به بسرعة. ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ﴾ أي: على هذا العرش (﴿لَقَوِيٌّ﴾ أي: على حمله ﴿أَمِينٌ﴾ أي: على ما فيه من الجواهر وغيرها). لما قال: آتيك به، هذا إخبار، ولكن يحتاج إلى تأكيد لهذا الأمر أن يحضره قبل أن يقوم من مقامه، فقال: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ﴾ ولست بضعيف، بل سوف أحضره بهذه السرعة. وأيضًا ﴿أَمِينٌ﴾ أي: لا أخون فيه بشيء، لا على نفس العرش ولا على نفس ما فيه من الجواهر وغيرها. وهذان الوصفان يحتاج إليهما كل عامل، كما قال الله تبارك وتعالى عن بنت صاحب مدين: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص ٢٦]، وهذان الوصفان مطلوبان في كل عمل؛ لأنه إذا فاتت القوة لم يحصل العمل من أجل العجز، وإذا وجدت القوة ولكن فاتت الأمانة فإنه أيضًا يتخلف العمل بسبب الخيانة. (قال سليمان: أريد أسرع من ذلك) من الذي قالها؟ * طالب: سليمان. * الشيخ: لا دليل عليه، ولكن (﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ المنزل، وهو آصف بن برخيا، كان صدِّيقًا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعا به أجاب) عندي: (دعا به) ولكن المعروف أنه (إذا دُعِيَ به). هو المعروف اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب لكن يحتمل أنه إذا دعا به هذا الرجل الذي عنده علم من الكتاب، يعني: أن هذا الرجل قد جرّب وقد عرف أنه إذا دعا الله تعالى بهذا الاسم أجابه، فيكون هنا أنسب أن يقال: (إذا دعا به أجاب)؛ لأن هذا الرجل اللي عنده علم من الكتاب يعلم أو قد جرّب إذا دعا بهذا الاسم أجاب. وهذا أيضًا ليس بلازم أن يكون هذا الإنسان الذي عنده علم من الكتاب يريد أن يدعو الله تبارك وتعالى باسمه الأعظم، وإنما نقول: هذا الرجل أعطاه الله تعالى علمًا من الكتاب المنزّل. ولا شك أن الإنسان العالم يعرف الأدوات والصيغ التي تكون أقرب إلى الإجابة، سواء باسم الله الأعظم أم بغيره. يقول: (﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ إذا نظرت به إلى شيء) الله أكبر! أيهما أسرع؟ * طلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني، هذا كلمح البصر. ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ﴾ أي: يرجع ﴿إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ أي: نظرك. فأنت مثلًا إذا نظرت هكذا أمامك، انظر هكذا بسرعة فائقة، وتأمل سبحان الله العظيم اللي بيأتي من اليمن إلى الشام بهذه السرعة العظيمة؛ لأنه يأتي بأمر الله سبحانه وتعالى، والله تعالى ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُْ﴾ [يس ٨٢]، ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠]. فالله تبارك وتعالى إذا أجاب الداعي ما يحتاج إلى مدة ولا إلى مهلة، ولكن مع ذلك يقدّر الله تبارك وتعالى الأمور بأسبابها، قد يدعو الإنسان لمريض أن يشفيه الله سبحانه وتعالى، لكن هل يُشفى كلمحٍ بالبصر؟ لا، له أسباب تقدَّر، لكن الأسباب تنعقد فورًا إذا أراد الله تبارك وتعالى أن يجيب، مع أن الله قادر على أن يبرئ هذا المريض بلحظة، مثلما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يؤتى أحيانًا بالمريض فيدعو له فيشفى بلحظة، جيء إليه بعلي بن أبي طالب في خيبر وهو يشتكي عينه، فبصق فيها ودعا فبرئت كأن لم يكن بها وجع في الحال. والله تبارك وتعالى على كل شيء قدير، ولكن تأخر الشيء لا يدل على أن الله سبحانه وتعالى ليس بقادر على إبرائه حالًا، ولكنه يدل على أن الله حكيم يقدّر الأمور بأسبابها، حتى خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ذكرنا فيما سبق أنه لفائدتين: أولًا: ما اشتهر عند أهل العلم من أن الله تعالى جعلها في ستة أيام ليعلم العباد التأني في الأمور، وأن المهم إحكام الأمر لا التعجيل فيه. وشيءٌ آخر: أن خلق هذه الأشياء يحتاج إلى أسباب ومكونات تتفاعل وتنتهي إلى الكمال، فلهذا صارت في ستة أيام. هنا قال: (﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ فقال له: انظر إلى السماء، فنظر إليها، ثم رد بطرفه فوجده موضوعًا بين يديه، ففي نظره إلى السماء دعا آصف بالاسم الأعظم أن يأتي الله به، فحصل بأن جرى تحت الأرض حتى نبع تحت كرسي سليمان) الله اكبر! يعني غرائب القصص! أولًا: هل أن هذا هو الذي عنده علم الكتاب قال لسليمان: انظر إلى السماء؟ طالب: لا دليل. الشيخ: ما فيه دليل، ولا حاجة يقول: انظر إلى السماء ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل ٤٠] في أي نظرٍ أدرت طرفك إليه. ثانيًا: لو نقول: إنه جاء من الأرض ونبع من تحت الكرسي! يجوز أنه جاء من الأرض، يجوز جاء من فوق الأرض، أو جاء من محل عالٍ جدًّا ونزل، كل هذا لا ينبغي الجزم به، بل يقال: إن الله على كل شيء قدير، المهم أن العرش حضر بلحظة قبلما يرتد إليه طرفه. وفي قوله: (﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ أي: ساكنًا) هذه أشكلت على النحويين لأنهم يقولون من قواعدهم: إذا كان الظرف أو الجار والمجرور متعلقه عامًّا فإنه يجب حذفه. مثلًا تقول: زيدٌ في البيت، ما يجوز تقول: زيدٌ كائنٌ في البيت، بل يجب حذف كائن لأنه عام، أما إذا كان خاصًّا، مثل: زيدٌ محبوسٌ في البيت فيجب ذكره؛ لأن (محبوس) لو حذفت ما يدل عليها دليل، بخلاف (زيدٌ في البيت) فإنه بمجرد النطق به يبتبين إياه، يعني يتبين للمخاطب أن المعنى كائنٌ فيه أو موجود فيه. فهم يقولون: إذا كان الجار والمجرور متعلقًا أو الظرف متعلقه عامًّا وجب حذفه. وهنا مستقر عام ولا خاص؟ * طلبة: عام، هذا يقول: فعل خاص. * الشيخ: خلينا نشوف كلمة مستقر عام، إذا قلت: زيدٌ في البيت أي مستقر في البيت يعني: كائنٌ فيه، وابن مالك يقول: وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أَوْ بِحَرف جَرْ ∗∗∗ نَاوِينَ مَعْنَى كَائِنٍ أَوِ اسْتَقَرْ لكن قالوا: إن الاستقرار هنا ليس الاستقرار العام، حتى يجب حذفه، بل هو استقرار خاص غير مطلق الوجود، فلما كان استقرارًا خاصًّا غير مطلق الوجود صار كالمعنى الخاص، ولذلك ذُكر ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا﴾ لاحظوا لو قال: فلما رآه عنده ما تدل على المعنى في كلمة مستقر، صحيح لما رآه عنده كائنًا عنده، لكن ما تدل على أن هذه الكينونة كانت باستقرارٍ وثبات. وأيضًا ربما يفهم من قوله: ﴿مُسْتَقِرًّا﴾ ما أشار إليه العفريت في الأول وهو القوّة والأمانة؛ لأنه بالقوة والأمانة يأتي العرش على ما هو عليه، ما يتكسّر، الإنسان الضعيف مثلًا ربما عند حمله وهو ضعيف يسقط من يده أو ما أشبه ذلك فيتكسّر، أو إذا لم يكن أمينًا ما يهمه أن يضربه جبل أو شجر أو ما أشبه ذلك، أو هو نفسه يتسلط عليه. فالحاصل: أن هذا الاستقرار له معنى خاص غير الاستقرار العام، فلذلك ذُكر. ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا﴾ أي: الإتيان لي به ﴿مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ إلى آخره. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ [النمل ٤٣، ٤٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣٨]. في هذا دليل على جواز الخطاب إلى المبهم، إذا كان يتعين بعد ذلك بقوله: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ نعم ما قال: ائتني يا فلان. وهذا النوع من الخطاب يترتب عليه فوائد كثيرة حكمية وخبرية: فمنها مثلًا: أنه يجوز أن يقول: زوجتك إحدى ابنتي هاتين، ثم يختار إحداهما، مثلما فعل صاحب مدين مع موسى. ومنها: أنه يجوز أن يقول: بعتك إحدى هاتين السلعتين بكذا، فيختار إحداهما. ومنها: بعتك هذا بعشرة نقدًا أو بعشرين نسيئة، فيختار أحد الثمنين. وليست هذه المسألة الأخيرة من باب بيعتين في بيعة، خلافًا لمن زعم ذلك، فإن هذه بيعة واحدة؛ لأنهما لم يتفرقا إلا على إحدى البيعتين. وأيضًا بيعتان في بيعة سبق لنا أنه جاء فيها نص صحيح صريح في سنن أبي داود، ويش يقتضي؟ أن بيعتين في بيعة هي مسألة العينة؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا»[[أخرجه أبو داود (٣٤٦١) عن أبي هريرة.]]. وهذا صريح في أن ذلك مسألة العينة. * الشيخ: مسألة العينة أن يبيع الشيء عليه بثمن مؤجل ثم أشتريه منه بأقل منه نقدًا، هذه مسألة العينة. * طالب: نفس البائع يشتريه؟ * الشيخ: إي نفس البائع يشتريه بأقل. فصار الآن أنه يجوز الخطاب حكمًا وخبرًا المبهم، لكن بشرط أن يتعين قبل تمام الحكم. طيب هنا: ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي﴾ وفي هذا دليلٌ على أنه يجوز للإنسان أمام عدوه أن يظهر العظمة؛ لأن سليمان أراد بإحضار هذا العرش، ويش أراد به؟ * طلبة: إظهار عظمته. * الشيخ: إظهار عظمته وقدرته، وأنه استطاع أن يأتي بعرشها المحصّن بلا شك؛ لأنه كما جرت العادة قصور الملوك لا بد أن تكون محصّنة وعليها حرس، لا سيما مثل العرش. وأما زعم المؤلِّف أنه إنما أتى به ليتملكه فهذا لا دليل في الآية عليه، لا دليل في الآية على ذلك. * طالب: ما يرد عن هذا اشتراط تعيين بالنسبة للإنسان؟ * الشيخ: أصلًا ما ينفع العقد إلا بالتعيين، فهو يصح إنه كيف قال: قبلت نكاح فلانة، حصل التعيين، ما يصح يقول: قبلت إحداهما. كما أن البيع أيضًا بعتك بعشرة نقدًا أو عشرين نسيئة بيقول: قبلت بعشرين نسيئة، قبلت بعشرة نقدًا. لا بد من هذا؛ لأن اللي جاء القبول يعيّن، المهم الكلام على الإيجاب. وفيها دليل: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ وفيها دليل على أن سليمان عليه الصلاة والسلام إما أنه تفرّس أو أوحي إليه بأن هؤلاء القوم سوف يأتونه، يعني لما رد الرسول بالهدية وقال: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل ٣٧] ما جاءه الجواب، فطلب أن يُحضر عرشها، مما يدل على أنه علم بأنها ستأتي وقومها، ولكن من أين علم ذلك؟ إما من وحي، وإما من فراسة؛ لأن مثل هذه العبارات التي تُرسل ﴿لَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ بهذه القوة يقتضي أن العدو يخنع ويخضع. إن كان بفراسة فهو دليلٌ على جواز الحكم بالفراسة، وقد ذكرنا عدة مرات أنه يجوز الحكم على الشيء بمقتضى غلبة الظن، بل يجوز أن يحلف عليه بمقتضى غلبة الظن. والفراسة تؤدي إلى غلبة الظن، ولكن ليس مجرد الوهم يجوز أن تحكم بالظن، بل لا بد للفراسة من قرائن تدل عليه، إما قرائن سابقة، وإما قرائن مقارنة. وأما أن تحكم بشيء ما فيه قرينة فهذا حكم بالظن. ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾. أولًا: في هذه الآية دليل على تسخير الجن لسليمان؛ لقوله: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ هو أول من تكلم. ثانيًا: دليلٌ على قوة الجن؛ لأنه سوف يأتي بهذا العرش العظيم، يحمله من سبأ؛ من اليمن إلى الشام. ثالثًا: دليل على سرعتهم، وهو من أوصاف القوة؛ لقوله: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ وهذه سرعة فائقة، سرعة عظيمة، ومعلومٌ أنهم عندهم سرعة عظيمة، بدليل أنهم يسترقون السمع من السماء، ولا يصل إلى السماء إلا من عنده سرعة هائلة عظيمة. وفيه دليل على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بما اتصف به من صفات الكمال ترغيبًا أو ترهيبًا، من أين يؤخذ؟ ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ هذا ترغيبًا، ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ ترهيبًا، فيجوز هذا وهذا، لكن شرط أن يكون متصفًا به حقيقة، أما دعوى فلا، فهذا مثلما جاء في الحديث: «مَنْ تَشَبَّعَ بِمَا لَمْ يُعْطَ فَهُوَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ»[[متفق عليه البخاري (٥٢١٩)، ومسلم (٢١٣٠/ ١٢٧) من حديث أسماء بنت أبي بكر.]]، فالإنسان اللي يمدح نفسه بما ليس فيها هذا لا شك أنه مزوِّر بالخبر، ومزوّر بالصفة؛ هوأخبر عن نفسه بما ليس فيها، فالخبر كذب، وثبوت الوصف هذا للنفس مثلًا كذب، فلذلك قال: «كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ». * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم مثله، مثلًا العلماء أيضًا يتكلمون بمثل هذا، قول ابن مسعود: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا تَنَالُهُ الْإِبِلُ أَعْلَمُ مِنِّي بِكِتَابِ اللهِ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٠٢)، ومسلم (٢٤٦٣/ ١١٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]] أو كما قال. وفيه دليل على أن مدار العمل على هذين الوصفين وهما: القوة والأمانة؛ لقوله: ﴿لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ لأن من ليس بقوي لا يتقن العمل، لماذا؟ لضعفه، ومن ليس بأمين لا يتقن العمل أيضًا، ليش؟ لخيانته. فقد يكون الإنسان قويًّا، ويستطيع أن يعمل هذا العمل بكل سهولة، لكنه ليس بأمين، فلا يثق الإنسان به، ثم إن العمل لو أنه أتقنه يبقى الإنسان شابًّا، يقول: يمكن يقدر على أحسن من هذا، لكن ما فعل لأنه خائن. وكذلك أيضًا لو كان الإنسان أمينًا لكنه عاجز، فإنه لن يتقن العمل لعجزه، أيهما أشد لومًا؟ * طالب: الخائن أشد؛ لأن.. * الشيخ: الخائن أشد، وهذا أيضًا عنده نوع خيانة؛ لأن كونه يدخل في العمل وهو ليس بقادر عليه أو ليس بقوي عليه، هذه لا شك أنه أيضًا خطأ وخيانة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي ذر: «إِنَّكَ رَجُلٌ ضَعِيفٌ، فَلَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلَا تَتَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ»[[أخرجه مسلم (١٨٢٦/ ١٧) عن أبي ذر.]]. فالإنسان الضعيف ما يجوز أنه يتدخل في شيء يعرف أنه ما يستطيع إتقانه، لا سيما إذا كان يوجد في الناس من يحسنه، فهذه تعتبر خيانة لنفسه ولغيره، خيانة لنفسه لأنه في الحقيقة جشمها مرقى صعبًا، يريد يظهر ضعفه أمام الناس، وخيانة لغيره حيث تقبّل أعمالهم وهو لا يحسنها ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص ٢٦]. إذا قال قائل: إذا اجتمع عندنا أربعة أشخاص: أحدهم قوي أمين، والثاني قوي غير أمين، والثالث أمين غير قوي، والرابع ضعيف خائن. القوي الأمين مقدّم ما فيه إشكال، والخائن الضعيف مؤخر بلا شك. هذان طرفان معلومان. بقينا: قويٌ خائن، وضعيف أمين. * طالب: الضعيف الأمين أولى أن يقدّم. * طالب آخر: الضعيف الأمين يقدّم؛ على حسب المهنة، إذا كانت من شأنها تتطلب القوة أشد شيء فإنه يقدّم، وإذا كانت الأمور التي تحتاج إلى اتخاذ وحفظ فيقدم على الخائن هذا. * الشيخ: هذا هو الصحيح: يعني يجب أن نشوف أيهما أولى مراعاة: إذا كان في عملٍ القوة فيه أظهر، فهنا يقدم القوي؛ لأن القوي وإن كان عنده خيانة، ربما تحمله قوته على إتقان العمل لأجل أن يشتهر بهذه القوة، مثلًا ما وجد إلا هو. أما إذا كانت المسألة ما تحتاج إلى عمل وقوة، لكنها تتطلب الأمانة، فهنا يقدَّم الأمين. طيب. هذا واضح إذا كان في عملين أحدهما يظهر فيه قصد الأمانة، والثاني يظهر فيه قصد القوة، كالأمير مثلًا. الأمير ويش يظهر فيه؟ * طلبة: قصد القوة. * الشيخ: قصد القوة، يعني: قوة الأمير وإن كان غير أمين أنفع للمجتمع من أمير ضعيف أمين، والقاضي بالعكس، القاضي الأمانة في حقه أظهر؛ لأنه إذا كان أمينًا وإن كان ضعيفًا، اللي بينفذ ما هو هو، المفروض أن عندنا في عصرنا الآن التنفيذ لمن؟ لجهة الإمارة. القاضي يحكم، فإذا كان أمينًا فهنا قصد الأمانة في القضاء أظهر من قصد القوة. وعلى هذا فقس. ولكن إذا كان العمل يتعارض فيه القوة والأمانة، فهذا محل نظر، ولا يمكن أن نحكم بحكم عام، بل إننا ننظر في القضية المعينة ونشوف، يعني: إذا تشاح اثنان في عمل يتطلب القوة والأمانة معًا، ولا يظهر فيه فضل أحدهما على الآخر، حينئذ ما أستطيع أن أحكم هنا حكمًا عامًّا، بل إنما يُنظر في كل مسألة بخصوصها، ويُنظر للقرائن ويُنظر أيضًا للأشخاص ومن تظهر فيه القوة أكثر من ظهور الأمانة في الثاني، أو الأمانة في هذا أكثر من ظهور القوة في الثاني. على كل حال هذه المسألة ما نحكم فيها بحكم عام، بل نحكم فيها بأيش؟ بالقضية المعينة، ونقول: يقدَّم هذا على هذا، عندما تحصل القضية المعيّنة. فالحاصل إذن أقسام الناس باعتبار القيام بالعمل أربعة: قوي أمين، وقوي خائن، وضعيف أمين، وضعيف خائن. هذه أربعة أقسام. ومعلوم أن الأول يقدّم على كل حال، والثاني يؤخر على كل حال، والثالث والرابع بينهما تزاحم، فيُنظر إلى ما كان يستدعي القوة أكثر يقدَّم فيه القوي، وما كان يستدعي الأمانة أكثر يقدّم فيه الأمين، وما احتمل الأمرين يُنظر فيه إلى القضية المعينة حتى نستطيع أن نقدم هذا على هذا إلى آخره. وفيه دليل قلنا: إنه يجوز أن يصف الإنسان نفسه بما يتصف به، لكن بشرط أن يكون ذلك حقيقة. وقوله.. * طالب: (...). * الشيخ: إحنا نقول: مباح، وتعرف أن المباح تعتريه الأحكام الخمسة، قد يكون واجبًا أحيانًا، وقد يكون محرمًا، إنما هو على سبيل الإباحة، ولا يمكن نقول: المطلوب بكل حال؛ لأنه قد يكون الغرض سيئًا، ولا إنه منهي بكل حال؛ لأنه قد يكون لغرض حسن. فهو على سبيل الجواز.. * طالب: ما يقدر أيضًا يجد ما يصلح نفسه إلا إذا اقتضت الحال. * الشيخ: إحنا نقول والله: مباح، هذا الأصل. لكن إذا اقتضى الحال البيان يكون مطلوبًا، إما وجوبًا أو استحبابًا. * الطالب: ما يكون من باب التزكية للإنسان نفسه؟ * الشيخ: لا فرق، يعني الناس يختلفون، أنا ما قصدي منها التزكية، إذا كان قصدي التزكية من باب المنهي عنه، قد يكون: للتحدث بنعمة الله فيكون مطلوبًا، وقد يكون لأجل أن يمنع من ليس بأهلٍ من مباشرة هذا العمل، فيكون هنا قد يجب أن يبين نفسه. فيه: يمكن نأخذ من قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ نأخذ منها فائدة: وهي أن سليمان عليه الصلاة والسلام قد رتّب شئون حياتهم، وأن له مجلسًا خاصًّا معروفًا معيَّنًا؛ لأن قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ لا شك أنه مقدّر بمدة معلومة، وإلا لم يكن لذلك فائدة؛ لأن قيامه من مقامه إذا لم يكن معلومًا فهل يُدرى مثلًا ذلك قد يبقى يومًا كاملًا في مكانه، وقد لا يبقى إلا دقيقة واحدة، فلولا أنه عليه الصلاة والسلام قد رتّب أوقاته حتى أصبحت معلومة للناس، ما قال مثل هذا الكلام، وأما عن تقرير ما قاله المفسِّر: (من الغداة إلى نصف النهار) فهذا ما ندري الله أعلم. على كل حال يؤخذ منه: أن سليمان عليه الصلاة والسلام كان قد رتّب أوقاته حتى صارت معلومة، وهذا لا سيما بالنسبة للإنسان المراد الذي يريده الناس أمرٌ من أهم الأمور أنه يرتّب أموره، حتى إن الإنسان الذي يريده في حاجة يعلم أنه في هذه الساعة يجده، وفي الساعة الأخرى لا يجده فيستريح. مثلًا: يرتب لنفسه جلسة مثلًا في بيته أو في مكان مناسب على سبيل العموم؛ إما بين العشاءين أو بعد العصر أو الضحى المهم شيء يعرفه الناس، يرتب لنفسه مثلًا عملًا معيّنًا يعرفه الناس، حتى من أراده في هذا العمل يأتي إليه. المهم أنه ينبغي للإنسان أن يستفاد من ذلك: أن سليمان قد رتّب عمله في وقته، والثاني: أنه ينبغي للإنسان، خصوصًا المراد من أميرٍ وقاضٍ وعالمٍ ووجيه وغيره، أنه يجعل له وقتًا معيَّنًا تكون أوقاته محددة، حتى إن الناس يشعرون بأن هذا الرجل رجل منظّم، ويشعرون بأن الإنسان الفوضوي إن شاء جلس وإن شاء قام أنه ليس بمنظّم، فلا يعتبرونه شيئًا. ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل ٤٠]. في هذا دليل على أن جنود الله سبحانه وتعالى وهم الملائكة أقوى من الجن أو لا؟ لأن ذاك قال: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾، وهذا قال: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ أيهما أسرع؟ الأخير بلا شك ولا سواء. * طالب: (...). * الشيخ: لأن الذي عنده علم الكتاب عابد ولا صلة له إلا بالدعاء. * طالب: ما يقال (...) أن يبين للناس العلم الذي عنده. * الشيخ: لا ما هو بالظاهر؛ لأنه كونه يقول: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ مفصولة عن قوله: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ والأصل أن الكلام مع الإنس، فالظاهر أنه رجل ليس من الجن. * طالب: يقال: إنه جبريل هو الذي قال هذا؟ * الشيخ: لا، ما هو صحيح؛ لأن كل إنسان أو كل قائل ليس من البشر لا بد أن ينوه عنه؛ لأن الأصل أن البشر هم الذين يتخاطبون وهم الذين يتفاهمون، فإذا كان من غيرهم نوه عنه. * طالب: مثلما نوّه عن الجن. * الشيخ: مثلما نوّه عن الجن طيب وفي هذا دليل على كمال قدرة الله عز وجل؛ لأن كون هذا العرش العظيم يأتي من اليمن إلى الشام بلحظة، لا شك أنه من كمال قدرة الله التي لا يتصور الإنسان كيف تكون. الآن هل يمكن أن نتصور كيف جاء هذا من اليمن إلى الشام قبل أن يرتد إلى الإنسان طرفه؟ لو يطير طيرانًا أشد من الدخان ما تصورنا أنه يأتي بهذه السرعة، ولا نتصور أن الأرض كشطت كشطًا حتى التقى هذا بهذا أيضًا. فقدرة الله سبحانه وتعالى ما يمكن للإنسان أن يتصورها، تأتي فوق التصور، وهكذا جميع صفات الله ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣ - ١٤] كن. فجميع الخلائق كلهم على ظهر الأرض، مين يتصور هذا؟ تستطيع تصور هذا؟ ما تستطيع تصوره. يعني: لو كان من الأرض فتشقق تتفتح (...). المهم أن هذه نموذج من صفات الله سبحانه وتعالى في عجز العقل مهما بلغ عن إدراك كنه قدرة الله، وكذلك بقية صفاته، فأنت الإنسان علمك محدود وطاقتك محدودة، ولا يمكن أن تتجاوز أكثر مما تشاهد أو ما أطلعك الله عليه. وفي هذا دليل على فضل الله سبحانه وتعالى على سليمان، حيث سخّر له أهل العلم والجن، الجن بالأول، وصاحب العلم بالثاني. وهل قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ مبالغة ولّا حقيقة؟ حقيقة، وإلا لقلنا: إنه يجوز المبالغة في الأمور، ولكن على كل حال المبالغة في الأمور قد وردت في غير هذا النص، أن الإنسان يبالغ وإن كان ليس مقصودًا على سبيل الحقيقة، وقد جاء ذلك في القرآن وفي السنة أيضًا؛ المبالغة في الأمور. وفي هذا (﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا﴾ أي: ساكنًا ﴿عِنْدَهُ قَالَ هَذَا﴾ أي: الإتيان لي به ﴿مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ ). ﴿فَلَمَّا رَآهُ﴾ أي: سليمان، رأى العرش ﴿مُسْتَقِرًّا﴾. والاستقرار هنا أمرٌ زائد على مجرد الكينونة، ولو كان المراد بالاستقرار هنا مجرد الكينونة لكان ذكره غير بليغ، ولهذا فسّر المؤلِّف الاستقرار هنا بالسكون، يعني كأن له أزمانًا وهو في هذا المكان، فإن الذي ساب مثلًا أي شيء تسيبه، وتحطه في مكان تيجي تراقبه مثلًا، تعدله وتزينه، لا سيما مثل العرش الذي له قوائم في العادة، وهذا ثابت كأن له سنين، وهذا من كمال القدرة أيضًا. ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ﴾ (مِن) هذه لبيان الجنس ولّا للتبعيض؟ * طلبة: للتبعيض.. * الشيخ: يجوز هذا وهذا؛ لأنه إذا قصدنا بالفضل الجنس فهي لبيان الجنس، وإذا قصدنا بالفضل هذا الشيء المعيّن فهي للتبعيض على كل حال، هي صالحة لهذا وهذا. وقوله: ﴿فَضْلِ رَبِّي﴾ الفضل هو العطاء الزائد، وفضل الله تبارك وتعالى على العبد لا يُعد ولا يحصى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤]، ومن فضله على عبده أن يُحسن إليه، ثم يعد إحسانه إحسانًا؛ من فضل الله على العبد أن يحسن إليه ثم يعد إحسان العبد إحسانًا، فاهمين ذا؟ ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]. تقول: ما جزاء المحسنين الذين أحسنوا عملهم إلا أن يحسن إليهم، وإحسانهم عملهم إحسانٌ من الله، ولكن هذا من باب تمام الفضل من الله على عباده أن يعد إحسان عمله وهو منه إحسانًا منهم، كأنهم ما هم مستقلون به ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ اللهم لك الحمد. وقوله: ﴿رَبِّي﴾ الربوبية هنا خاصة، ولهذا أضافها إلى نفسه فقال: ﴿رَبِّي﴾. وقد مر علينا أن الربوبية عامة وخاصة، وأن العبودية كذلك عامة وخاصة، وأن الخاصة فيها ما هو أخص. وقوله: (﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ ليختبرني) واللام هنا للتعليل ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] فإن الربوبية لموسى وهارون غير ربوبية عباد الله الصالحين الآخرين. (﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ ليختبرني) واللام للتعليل (﴿أَأَشْكُرُ﴾ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفًا وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه) (...). (بتحقيق الهمزتين): ﴿أَأَشْكُرُ﴾. (إبدال الثانية ألفًا): ﴿آشكر﴾ هذه إبدالها ألفًا، (تسهيلها): ﴿أاشكر﴾ خليها همزة مسهلة بين الألف وبين الهمزة. (إدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه): يعني معناه إذا قرأت بالتسهيل فلها صورتان: إدخال ألف: ﴿آاشكر﴾ اللي بعد الألف همزة مسهلة، أو (...) بدون ألف يعني أن التسهيل يجوز فيه المد قبل التسهيل وعدم المد. (﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ للنعمة) فبماذا يكون الشكر؟ يكون الشكر بالثناء على الله تبارك وتعالى على هذه النعمة في ذاتها، وكذلك الاعتراف بالقلب بأنها محض فضلٍ من الله، وأنه ليس لك بها منة على ربك. والثالث: القيام بما تقتضيه هذه النعمة من واجب، وهذا الشكر الخاص ما هو الشكر العام؛ لأن الشكر يكون عامًّا بحيث يوصف الإنسان بأنه من الشاكرين على الإطلاق، ويكون خاصًّا بحيث يوصف بأنه من الشاكرين على هذه النعمة فقط. مثال ذلك: رجل آتاه الله مالًا، فالشكر خاص على هذا المال أن يتحدث بهذا المال على أنه من فضل الله ونعمته، وأن يعترف بقلبه أنه فضل من الله، ما يقول: ﴿أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]. والثالث: أن يقوم بواجب هذا المال من دفع زكاته، وما يترتب عليه من نفقات بسبب هذا المال، لكن قد يكون الإنسان مثلًا من جهة أخرى يعصي الله، يفرّط في الصلاة، مفرّط في الصيام، هذا نقول له: هل نصفه بأنه شاكرٌ على الإطلاق؟ * طالب: لا. * الشيخ: لكنه قائمٌ بشكر النعمة المعيَّنة. أفهمتم؟ إذن الشكر نوعان: شكر مطلَق وشكر خاص. فالشكر الخاص: أن يقوم بشكر النعمة المعيّنة بما تقتضيه، والشكر العام: أن يكون قائمًا بطاعة المنعم مطلقًا في جميع الأحوال. وأنت لو تأملت هذا وجدته موجودًا في عامة الأوصاف المحمودة والمذمومة أيضًا، فالتوبة قد يوصف الإنسان بأنه تائب توبة خاصة مقيّدة من ذنبٍ معيّن، وقد يوصف بأنه من التائبين على سبيل الإطلاق. قول سليمان ﷺ: ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ على أي وجه نحمله؟ * طالب: هو أشار إليه هذا، الظاهر أنه خاص. * الشيخ: إذا قلنا: إنه على العموم معناه أننا رمينا سليمان بأنه ليس بشاكرٍ لنعمة الله في غير هذا، وإذا قلنا: إنه على الخصوص، يعني: على هذه النعمة المعيّنة، فهو أولى، ولهذا قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي﴾ به ليختبرني به أأشكر الله عليه أم أكفر. فالظاهر أنها هنا على سبيل الخصوص، يعني: على هذه النعمة، أما النعمة الأخرى فنحن نؤمن بأن سليمان قد قام بشكرها؛ لأنه ﷺ كما مر علينا في قصة النملة قال مثل هذا الكلام ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ [النمل ١٩]. * طالب: نقول: هذه فعلًا قد تكون (...) في تأثيرها على ما أنزل الله به عليه من نعم أخرى.. * الشيخ: لا ما نقوله؛ لأن اللي نعتقد -وهو أقرب من حال سليمان- أنه قد شكر الله على النعم الأخرى. * طالب: قد تكون في الزيادة؟ * الشيخ: لا تحاول، أبدًا، هي على هذه النعمة، ﴿أَأَشْكُرُ﴾ ما قال: أأتم الشكر، لو قال: أأتم الشكر. أشكر: فعل مطلق. فالحاصل أن الذي يظهر لنا أنها على هذه النعمة، هل أشكرها أم أكفرها؛ لأن كل نعمة تحتاج إلى شكر خاص، والشكر العام معروف، الإنسان يقول: أشكر الله ويؤمن بقلبه أنه شاكرٌ لله على جميع النعم، لكن عند نعمة معيّنة تحتاج هي أيضًا إلى شكرٍ خاص، فالشكر على المال ليس كالشكر على الولد. مثلًا: إنسان عنده قوة وقدرة على الرمي والجهاد، ويش شكر ها النعمة ذه، أن يستعملها في الجهاد يجاهد، عنده قدرة على بيان الحق بما أعطاه الله تعالى من العلم والفهم، شكر الله على هذه النعمة أن يبيّن هذا الأمر. فتجد أن الشكر يختلف إذا اعتبرنا أيش؟ كل نعمة بحسبها؛ لأنه يختلف، نقول: شكر هذا غير شكر هذا، لكن الشكر المطلق أن نعتقد بأن جميع الفضائل والإنعامات كلها من الله سبحانه وتعالى، هذه يشترك فيها جميع الناس. ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ إذا قال قائل: كيف يقول سليمان: أم أكفر؟ والكفر كلمة نابية تنفر منه النفس، فلماذا لم يقل: أأشكر أم لا أشكر؟ مع أن المعنى واحد لكن هذه أهون. نقول: لأجل ردع نفسه عن المخالفة وعدم الشكر، حتى يبيّن لنفسه أنه إذا لم يشكر فمعناه هو الكفر، فلكل مقام مقال. قد تخاطب إنسانًا ترى أنه لم يشكر نعمة الله عليه، فتخشى إذا قلت: أنت كافرٌ بالنعمة أن ينفر منك ويزداد نفورًا حتى من النعمة، وإذا قلت: أنت لم تشكر تمام الشكر أو حق الشكر أو ما أشبه ذلك، وجدت أنه أهون، والأساليب تؤثر. يقال: إن ملكًا من الملوك رأى رؤيا فأفزعته، فقال: عليَّ بالمعبّرين أو بالعابرين، فأحضروا له العابرين وقال لهم: إني رأيت أن أسناني قد سقطت، فما ترون؟ فقام كبيرهم فقال: أرى أن أهلك سيموتون. انزعج الملك فقال: أوجعوه ضربًا. فأوجعوه ضربًا، وقال: اصرفوه، ها دول ما فيهم خير. ثم دعا بمعبّرين آخرين وقال لهم: إني رأيت أن أسناني قد سقطت، فقام كبيرهم وقال: الملك أطول أهله عمرًا، هذا فرح وقال: يلا ها دول هدهدوهم، مع أن المعنى واحد؛ لأنهم لو ماتوا لصار أطولهم عمرًا. الحاصل أن التعبير له دخل في قبول الحق والنفور منه، وقد مر علينا قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث قال لأبيه: ﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم ٤٣] ما قال: أنت جاهل ولا تدري ولا تعرف. ﴿قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم ٤٣] وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، بعض الناس يهبه الله سبحانه وتعالى قدرة على التعبير حتى إن العبارات تكون بيده كالعجينة، يلان له القول في كل ما يريد، فتجده يستطيع حتى لو أراد أن يخرج من لسانه كلمة لا يريدها على طول يجد بدلها، وبعض الناس ما يستطيع، فالله سبحانه وتعالى يهب فضله من يشاء. إذن: ﴿مَنْ كَفَر﴾ نقول: عبّر بهذا التعبير لأجل أن يردع نفسه عن المخالفة وعدم القيام بالشكر. (﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عن شكره ﴿كَرِيمٌ﴾ بالإفضال على من يكفرها ). يعني: من كفر فإن ربي غني عن شكره، أو غني مطلقًا، ومن جملة ما هو غني عنه شكر هذا الإنسان على نعمة الله، فإن الله تعالى ما أنعم على العباد لحاجته إلى أن يشكروه، بل لفضله عليهم وظهور آثار أوصافه. ظهور آثار صفاته العظيمة ما يكون إلا بأفعاله التي من جملتها النعم، أو النقم أيضًا ليظهر بذلك صفات الانتقام والغضب. وقوله: ﴿كَرِيمٌ﴾ أي: أنه سبحانه وتعالى قد يبقي النعمة على من كفرها تكرمًا منه أحيانًا، وأحيانًا استدراجًا، والله تبارك وتعالى حكيم يهب فضله من يشاء، قد يبقي الله النعمة على الكافر بها استدراجًا؛ ولّا لا؟ لقوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران ١٧٨]، ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ [الأعراف ١٨٢، ١٨٣]. وقد يبقي الله تعالى النعم مع الكفر تربيةً، بحيث أن الإنسان يفتح الله عليه في التأمل فيخجل من الله عز وجل أن يكون هو يبادر الله تعالى بالمعاصي والله تبارك وتعالى يدر عليه النعم، فيرتدع. وهذا هو ظاهر قوله: ﴿كَرِيمٌ﴾؛ لأن الكرم في مقابل الكفر ما يكون إلا حيث يكون ذلك الكرم من مصلحة من؟ الكافر بها، وإلا ما ظهر آثار الكرم بل ظهر آثار الحكمة، لو قال: حكيم صار هذا يشمل من تدرج الله به حتى أهلكه، لكن (كريم) ما يتم الكرم للكافر بالنعمة إلا حيث كان إبقاء النعمة عليه مصلحة له، لأجل أن يعود. ثم قال سليمان: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل ٤١] نكروه (أي: غيروه إلى حال تنكره إذا رأته). والتنكير يحصل بتغيير أدنى صفة من صفاته ولّا لا؟ أدنى صفة من صفاته يحصل بها التنكير، إذا كان مثلًا قوائمه طويلة يمكن يقصّر القوائم فيكون تنكيرًا، إذا كان لون إحدى عواضده مثلًا أحمر ممكن يخليها أخضر، يعني سواء هذا التنكير بالأجزاء أو باللون أو بالفرش بغير فُرُش، الظاهر أن هذا داخل في التنكير. ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾، ﴿نَنظُرْ﴾ ويش اللي جابها (...)؟ * طالب: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل ٤١] (نكروا) هذا طلب. * الشيخ: (نكّروا) فعل أمر، و(ننظر) مجذوم على أنه جواب الأمر، نعم هذا صحيح. نكّروا ننظر، شوف العظمة كلمة نكّروا ولم يوجه الخطاب إلى شخص معيّن يدل على أن كل جنوده في طاعته ولَّا لا؟ لأنه لو كان يخشى أن أحدًا من الجنود يتمرد لكان يوجه الخطاب إلى شخصٍ معيّن لأجل أن يحرجه فلا يستطيع أن يقول: لا، وهكذا عظمة السلطان تكون بمثل هذا، عندما يقول السلطان مثلًا أو الأمير: قهوة يا ولد. كل الحاضرين يفزعون، قهوة قهوة وتجيه بسرعة. ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ نقول: هذه أيضًا خطاب عظمة، ولهذا قال: ﴿نَنظُرْ أَتَهْتَدِي﴾؛ إما أنه يقصد نفسه ويكون تعظيمًا، أو مع جنوده وحاشيته ينظرون جميعًا ﴿أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل ٤١]. وهذا كله أيضًا من أساليب الاختبار الذي يختبر به سليمان هذه المرأة كما اختبرها أيضًا فيما يأتي في مسألة الصرح، وأما عن قول المؤلّف وغيره أن رجلها رجل حمار، فهذه من الإسرائيليات المكذوبة، فقدمها كقدم غيرها. * طالب: خشي أن فيها برصًا فيريد أن يتزوجها. * الشيخ: كل هذه ما هي صحيحة، وبيجينا إن شاء الله تعالى. * الطالب: تزوجها يا شيخ؟ * الشيخ: على كل حال هي جديرة بأن تزوج لأنها أسلمت وكانت ذكية. * طالب: ما فيه دليل على تصرف الإنسان في ملك غيره، فيتصرف بالعقل؟ * الشيخ: إن كان هو بالآيات السابقة نحن نقبل منك الفائدة هذه، وإن كان هو بالآيات اللاحقة درس اليوم ما نقبله. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * طالب: في قوله: (...). لا يدل بأن مقام النبوة أعظم كثيرًا من الملك (...) ما يقدمونه العوام (...) علم. * الشيخ: لا. حتى الإنسان العادي يقول كذا؛ لأن (...) هذه، صارت هذه خاصة في مثل مقام سليمان، وليس كذلك، حتى الإنسان (...) نفسه، يقول: أنا الله ما أعطاني هذه إلا ليبلوني أأشكر أم أكفر. * طالب: وأيش كفر نعمة في الواقع؟ ماهو كفر مطلق، وإنما كفر نعمة؟ * الشيخ: احنا قلنا قبل قليل: الشكر، والتوبة، والكفر، والإيمان كل هذه تتبعض وتكمل، مطلق شيء وشيء مطلق. * طالب: لا أقصد هذه يعني.. * الشيخ: لا. هنا المراد به كفر النعمة. * طالب: كفر نعمة واحدة، يعني ما بيحذف من واحد. * الشيخ: محذوفين لكن ما يناسب.. الطالب: (...) العلم. * الشيخ: لا، ما حاجة هذه؛ حتى الإنسان العادي يقول كذا؛ لأنك إذا قلت هذه، صارت هذه خاصة بمثل مقام سليمان وليس كذلك، حتى الإنسان اللي (...) نفسه، يقول: إن الله ما أعطاني هذه إلا ليبلوني أأشكر أم أكفر. * طالب: كفر نعمة الله، ما هو كفر مطلق، وإنما..؟ * الشيخ: قلناها قبل قليل، الشكر والتوبة والكفر والإيمان كل هذه تتبعض وتكمُل، مطلق شيء وشيء مطلق. * الطالب: لا أقصد، هل هي..؟ * الشيخ: لا، هنا المراد بها كفر النعمة. * الطالب: كفر النعمة واحد، ما فيه قسم واحد. * الشيخ: معلوم، فيه قسمان (...). * طالب: شيخ، من فضل الله جل وعلا على عباده إنما هو لأجل فطوره (...) طيب قول بعض السجع: فهو الخالق وإن لم يوجد المخلوق؟! * الشيخ: كان الله خالقًا؛ بمعنى هذه الصفة صفة له قبل أن يوجد المخلوق. * الطالب: وإن لم يوجد المخلوق. * الشيخ: قصدهم قبل أن يخلق، كما أنه سبحانه متصف بالكلام مع أنه يتكلم بمشيئته، فهو متصف بالخلق مع أنه يخلق بمشيئته (...). ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل ٤٠]. * أولًا، في هذه الآية من الفوائد: التحدث بنعمة الله سبحانه وتعالى بإضافة النعمة إليه؛ لقوله: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾، وهذا هو الواجب شرعًا والمقتضى عقلًا؛ لأن إضافة النعم إنما تكون إلى مُسْدِيها ومُولِيهَا، وفي هذا دليل على إثبات التعليل لأحكام الله سبحانه وتعالى الكونية كما ثبت ذلك في الأحكام الشرعية، من أين يؤخذ؟ * طالب: ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾. * الشيخ: نعم، منين؟ * طالب: من اللام، للتعليل. * الشيخ: من اللام، للتعليل. * وفيه: دليل على تعليل أحكام الله الكونية، كما أن أحكامه الشرعية كذلك معللة؛ ففيه ردٌّ على الجهمية الذين يقولون: إن فعل الله سبحانه وتعالى ليس معلَّلًا، إنما يفعل لمجرد المشيئة، إذا شاء فعل لحكمة ولغير حكمة. * وفيه: دليل على اختبار المرء فيما يُظْهِر حقيقةَ أمره؛ لقوله: ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾. * وفيه أيضًا، ننظر ها الفائدة الآتية: إنه يجوز اختباره، وإن كان المختبِر يعلم مآله، هل يمكن أن يؤخذ هذا؟ أو نقول: إن هذا خاصٌّ فيما يتعلق بالله، أنك تختبر إنسانًا لو إنك تعلم مآله، وأما بالنسبة لله فهذا أمر واقع، لكن بالنسبة للإنسان تختبر الإنسان وأنت تعرف مآله، هذا يُنْظَر فيه إلى المصلحة، قد يكون محرَّمًا، كما لو أردت أن تُظْهِر ضعفه أمام الناس وتُخَجِّلُه، وقد يكون واجبًا كما لو كان إنسانًا داعية إلى ضلالة وأردت أن تختبره ليتبين أمره للناس، وأنت تعرف أن ما عنده جواب لما اختبرتَه به، لكن تريد أن تظهر للناس أمره، فهو بالنسبة لله سبحانه وتعالى ممدوح كله؛ لأن الله يعلم المآل، لكن بالنسبة للإنسان، فاختباره عما يعلم مآله على حسب المصلحة والفائدة. وفيه إشكال؛ حيث قد يقال: أليس الله تعالى يعلم فيما يؤول إليه الأمر؟ فالجواب: بلى، إذن ما فائدة الاختبار، وهو يعلم؟ * الطالب: ابتلاء الخلق بهذا العاصي، مثل ما فعل في إبراهيم؛ لما أمره بذبح ابنه، هو يعلم أنه لن يحصل هذا وهو أنه سيذبحه، لكن أمره ليبتليه. * الشيخ: ليترتب الجزاء على ظاهر الحال؛ لأن الله لو جازى الإنسان على ما يعلم من حاله قبل أن يبلوه لكان ذلك ظلمًا في ظاهر الحال، فإذا ابتلاه فأطاع أو عصى تبيَّن الأمر، فيكون هنا الفائدة عظيمة وهي ظهور أثر هذا الشيء للناس، وأنه ليس بظلم من الله سبحانه وتعالى للعباد، (...) وظهور أيضًا نعمة الله على العبد العامل إذا أطاع حيث يشكر الله سعيه. فالحاصل: أن الابتلاء في مثل هذه الأمور فائدته أن يجري الجزاء على ظاهر الحال لا على علم الله. وهل يؤخذ منه أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه؛ لأنه إذا كان الله سبحانه وتعالى وهو أحكم الحاكمين لا يحكم بمجرد العلم حتى تظهر الآثار، فالقاضي من باب أولى؟ ولهذا ذكر أهل العلم أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه، لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣ / ٤) من حديث أم سلمة.]]. هذه قد يقال: إنها تؤخذ، وقد يقال: إن هذا توسُّع في الاستدلال وأنها لا تؤخذ من هذه الآية، وفي هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يخاطب نفسه بما تقتضيه الحال؛ لقوله: ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾؛ فإننا ذكرنا أن قوله: ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ هذه العبارة شديدة من أجل أن يَرْدَع نفسه عن ممارسة كفر النعمة. * وفي هذا دليل على: أن الإنسان الذي يشكر الله ليس يُسْدِي إلى الله سبحانه وتعالى نفعًا أو يدفع عنه ضررًا، وإنما هو إذا شكر فإنما يشكر لنفسه، المصلحة لنفسه، ليست لله. * وفيها أيضًا دليل على: أن الشاكر يثاب؛ لقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾، ولم يقل: عن نفسه، بل قال: لنفسه، فدل ذلك على أن للشاكر ثوابًا يُجازى به، وهو كذلك. * وفي هذا دليل -في قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ - دليل على أن العامل عملُه له وليس لغيره، إلَّا أنه قد يؤخذ منه مقاصَّة كما جاء في الحديث الصحيح في المفلس «الذي يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، وقد ظلم هذا وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته»[[أخرجه مسلم (٢٥٨١ / ٥٩) من حديث أبي هريرة.]]، وإلَّا فثوابك لك، ما يمكن أحد يعتدي عليه أبدًا أو يأخذه، فهو مدخَّر عند الله سبحانه وتعالى. * طالب: الصدقة عن الميت؟ * الشيخ: الصدقة عن الميت من عملك؛ لأنك أنت الذي اخترت أن يتحوَّل إلى هذا إنما ما يؤخذ منك، وأما إذا أنت أردته فهذا من عملك؛ لأن عملك قد يكون تريده لك أو لغيرك، وهذا أيضًا مقيَّد بما جاءت به السنة. وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ ما قال: ومن كفر فإنما يكفر على نفسه كما قال: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ لأن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، وإلا فالحقيقة أن من كفر فعلى نفسه، مثلما قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت ٤٦] لكن أحيانًا يكون السياق يقتضي خلاف ذلك، فهنا يقول: من كفر فإنه لا يضرُّ الله شيئًا؛ لأن الله تعالى غنيٌّ عنه وعن شكره، وهو مع ذلك كريم، قد يجود على الكافر في الإمهال لعله يشكر؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾. قال الله تعالى.. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ إضافة الفعل إلى العبد. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هو على الجَبْري واضح، لأنه أضاف الشكر إلى نفسه. * الطالب: ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ (...)؟ * الشيخ: ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ هذا من فعل الله. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي، لكن هو الآن العطاء من فضل الله سبحانه وتعالى، وما هو بيتحدث عن عمله، ما قال: إن عملي من الله، قال: هذا العطاء الذي تفضل الله به هو من الله سبحانه وتعالى. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: على الجبري، نعم، اللهم إلا في قوله: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ مع أن الذي قال: أنا آتيك به، هو الذي عنده علم من الكتاب، لكن حتى ما يستقيم؛ لأن الذي عنده علم من الكتاب ما جاء به بنفسه. ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل ٤١]. * يستفاد من هذا أيضًا: امتحان الغير بما يُعْرف به ذكاؤه وفطنته؛ لقوله: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ وقد سبق أن المراد بتنكيره تغييره؛ والعلة في ذلك قوله: ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿أَتَهْتَدِي﴾ أتعرف أم تكون من الذين لا يعرفون، وكيف تعرف أو لا تعرف؟ لأنه لو بقي العرش على ما هو عليه لعرفته، ولو غُيِّر نهائيًا لكان لها العذر في أن لا تعرفه، ولكنه إذا غُيِّرت صفته وبقي أصله حينئذٍ يعرف به ذكاؤها هل تعرفه، والمقام في الحقيقة هنا مقام مدهش، ليس مقامًا عاديًّا طبيعيًّا؛ لأنها هي سوف تستبعد أن يُؤْتَى بعرشها وهو محفوظ في مكانه ومحروس ثم يؤتى به إلى سليمان. ثم أيضًا لعلها حسب الطبيعة والعادة تستبعد جدًّا أن يسبقها العرش، مع أن الظاهر أنها أتت إلى سليمان بأسرع ما يمكن من السير. فعلى كل حال، هذا التنكير سوف يدل على دهائها وعقلها، والأمر سيأتي بيانه إن شاء الله قريبًا. وقوله: ﴿أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ مثل قوله للهدهد: ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ما قال: أم لا تهتدي، بل قال: ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾. وفيه أيضًا: في هذا الامتحان إشارة إلى أنها إذا كانت تعرف عرشها مع تغييره فكيف لا تعرف أن الذي يستحق العبادة هو الله؟ لأنها هي وقومها يسجدون للشمس من دون الله، كما مر، فإذا كانت هي تعرف عرشها مع تنكيره فإنه لا شك أن معرفتها بأن الله تعالى هو المستحق للعبادة من باب أولى، فهذا وجه من أوجه الاختبار في هذه القصة. ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾. * طالب: سليمان قال: إذا عرفت عرشها..؟ * الشيخ: فهي أولى أن تعرف أنه مستحق للعبادة. * الطالب: تمهيد لها بأن تعرف. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هنا ما في؟ لأنه ما في مخاطبة الله، لكن تغيير ها العبارة مثل الأول، وإلَّا ما هو يخاطب، يخاطب قومه، يخاطب الملأ من قومه. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ﴾ أظن ما قرأنا كلام المفسِّر؟ * الطالب: حتى الآية: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾. * الشيخ: (﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾ إلى معرفته ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ إلى معرفة ما يُغَيِّر عليهم، قصد بذلك اختبار عقلها). * طالب: (...). * الشيخ: للمصلحة، يجوز للمصلحة، لمصلحة الغير؛ لأن هذا لمصلحتها هي، وقد يقال: إن سليمان عليه الصلاة والسلام تصرف فيه بناء على أنها لم تظهر إسلامها بعد، وأنها إلى الآن وهي في حرب، ما بعد استقر الأمر. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إلى الآن ما علم ولا تحقق، وإن كان هو يقول: قبل أن يأتوني مسلمين، لكن قد يكونوا مسلمين لله أو مستسلمين له. وعلى كل حال إلى الآن ما بعد ما يُحكَم عليها حتى الآن إلا بعد أن تظهر إسلامها. (قيل له: إن فيه شيئًا فغيروه بزيادة أو نقص أو غير ذلك).

النمل 27:39

ثم قال الله تعالى: (﴿قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ في الهمزتين ما تقدم) ﴿المَلَأُ أَيُّكُمْ﴾، ويش اللي تقدم؟ تحقيقهما، تحقيق الهمزتين ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ﴾ [النمل ٣٨]. وتسهيل الثانية بقلبها واوًا ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ وَيُّكُمْ﴾ . (﴿يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ منقادين طائعين، فلي أخذه قبل ذلك لا بعده). قال: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ من أين عرف أنهم سيأتون مسلمين إليه؟ عرف ذلك من أنهم إذا سمعوا بما قال الرسول الذي قال له: ارجع إليهم، فإنه لا بد أن يستسلموا وينقادوا، فهو أيضًا حكم بالقرائن، ويجوز أن الله سبحانه وتعالى أوحى إليه بذلك لأنه نبي، فالمسألة دائرة بين أن يكون حكم بكونهم يأتون مسلمين بناءً على القرينة، ويحتمل أن يكون ذلك بوحي من الله سبحانه وتعالى. ولكن قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ نبّه المفسّر على أنه إذا كان العرش أُخذ قبل أن يأتوا مسلمين إليه، فهو جائز، وإذا كان بعد ذلك فليس بجائز. وفي هذا نظر؛ لأنها هي بمجرد ما تفارقه مسلمة تكون قد أحرزت مالها، ولّا لا؟ وقد حمته، فمالها محترم قبل أن تصل إلى سليمان بمجرد إسلامها، وهي إذا غادرت ستأتي بلا شك مستسلمة، فإنه قال لهم بالأول: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣١] وليس غرضه -والله أعلم- أنه إذا كان قبل إسلامهم جاز له أخذه، وإذا كان بعده لم يجز. ثم إن الظاهر أيضًا أن سليمان لا يريد تملك هذا العرش، وإنما يريد إظهار قوته أمامها، وأنه استطاع أن يأتي بعرشها قبل أن يصلوا إليه، ولا يريد أن يتملكه حتى يرد ما قاله المؤلِّف. لما قال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ هو القوي الشديد). العفريت: القوي الشديد، ولا زال هذا المعنى إلى الآن موجودًا، إذا قلنا: فلان عفريت يعني: قوي شديد أو نقول بعد أبلغ من هذا. ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾. آتي هي اسم فاعل ولّا فعل؟ * طالب: فعل. * الشيخ: ويش تقولون أنتم؟ * طالب: نعم فعل. * الشيخ: طيب ما يخالف، ويش الفاعل من (أتى)؟ * طالب: آت. * الشيخ: آت، (كل آتٍ قريب)، وهنا؟ * الطالب: أصلها أأتي (...). * الشيخ: يعني ما يصلح أن أقول: أنا آتٍ إليك به، أن التقدير: أنا آتٍ إليك به قبل أن تقوم من مقامك؟ * الطالب: يصح. * الشيخ: يصح، لكن الظاهر أنها فعل؛ لأن هذا العمل من الأفعال. * طالب: (...). * الشيخ: لا، حتى هذه: أنا آتٍ به. ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾، ولكن الأقرب أنه فعل، يقربه أن الأصل في العمل الأفعال، والكاف معمول، ضمير مفعولٌ به، فهذا هو الأصل ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: لا، عندنا همزة ممدودة. * طالب: (...). * الشيخ: (...) لا ما وضح، كأنه خطأ، هذا عندك الصاوي ؟ حاشية ويش هو؟ غير الجلالين؟ * طالب: إي غير الجلالين. قال: (﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ الذي تجلس فيه للقضاء، وهو من الغداة إلى نصف النهار). هذا لا دليل عليه، هذا من الأمور التي لا دليل عليها، ولكن قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ المراد أنا آتيك به بسرعة، وهذا أسلوبٌ معروف، أنا أجيبه قبل أن تقوم، لا زال إلى الآن موجودًا هذا الأسلوب، فالمعنى: أنا آتيك به بسرعة. ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ﴾ أي: على هذا العرش (﴿لَقَوِيٌّ﴾ أي: على حمله ﴿أَمِينٌ﴾ أي: على ما فيه من الجواهر وغيرها). لما قال: آتيك به، هذا إخبار، ولكن يحتاج إلى تأكيد لهذا الأمر أن يحضره قبل أن يقوم من مقامه، فقال: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ﴾ ولست بضعيف، بل سوف أحضره بهذه السرعة. وأيضًا ﴿أَمِينٌ﴾ أي: لا أخون فيه بشيء، لا على نفس العرش ولا على نفس ما فيه من الجواهر وغيرها. وهذان الوصفان يحتاج إليهما كل عامل، كما قال الله تبارك وتعالى عن بنت صاحب مدين: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص ٢٦]، وهذان الوصفان مطلوبان في كل عمل؛ لأنه إذا فاتت القوة لم يحصل العمل من أجل العجز، وإذا وجدت القوة ولكن فاتت الأمانة فإنه أيضًا يتخلف العمل بسبب الخيانة. (قال سليمان: أريد أسرع من ذلك) من الذي قالها؟ * طالب: سليمان. * الشيخ: لا دليل عليه، ولكن (﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ المنزل، وهو آصف بن برخيا، كان صدِّيقًا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعا به أجاب) عندي: (دعا به) ولكن المعروف أنه (إذا دُعِيَ به). هو المعروف اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب لكن يحتمل أنه إذا دعا به هذا الرجل الذي عنده علم من الكتاب، يعني: أن هذا الرجل قد جرّب وقد عرف أنه إذا دعا الله تعالى بهذا الاسم أجابه، فيكون هنا أنسب أن يقال: (إذا دعا به أجاب)؛ لأن هذا الرجل اللي عنده علم من الكتاب يعلم أو قد جرّب إذا دعا بهذا الاسم أجاب. وهذا أيضًا ليس بلازم أن يكون هذا الإنسان الذي عنده علم من الكتاب يريد أن يدعو الله تبارك وتعالى باسمه الأعظم، وإنما نقول: هذا الرجل أعطاه الله تعالى علمًا من الكتاب المنزّل. ولا شك أن الإنسان العالم يعرف الأدوات والصيغ التي تكون أقرب إلى الإجابة، سواء باسم الله الأعظم أم بغيره. يقول: (﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ إذا نظرت به إلى شيء) الله أكبر! أيهما أسرع؟ * طلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني، هذا كلمح البصر. ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ﴾ أي: يرجع ﴿إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ أي: نظرك. فأنت مثلًا إذا نظرت هكذا أمامك، انظر هكذا بسرعة فائقة، وتأمل سبحان الله العظيم اللي بيأتي من اليمن إلى الشام بهذه السرعة العظيمة؛ لأنه يأتي بأمر الله سبحانه وتعالى، والله تعالى ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُْ﴾ [يس ٨٢]، ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠]. فالله تبارك وتعالى إذا أجاب الداعي ما يحتاج إلى مدة ولا إلى مهلة، ولكن مع ذلك يقدّر الله تبارك وتعالى الأمور بأسبابها، قد يدعو الإنسان لمريض أن يشفيه الله سبحانه وتعالى، لكن هل يُشفى كلمحٍ بالبصر؟ لا، له أسباب تقدَّر، لكن الأسباب تنعقد فورًا إذا أراد الله تبارك وتعالى أن يجيب، مع أن الله قادر على أن يبرئ هذا المريض بلحظة، مثلما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يؤتى أحيانًا بالمريض فيدعو له فيشفى بلحظة، جيء إليه بعلي بن أبي طالب في خيبر وهو يشتكي عينه، فبصق فيها ودعا فبرئت كأن لم يكن بها وجع في الحال. والله تبارك وتعالى على كل شيء قدير، ولكن تأخر الشيء لا يدل على أن الله سبحانه وتعالى ليس بقادر على إبرائه حالًا، ولكنه يدل على أن الله حكيم يقدّر الأمور بأسبابها، حتى خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ذكرنا فيما سبق أنه لفائدتين: أولًا: ما اشتهر عند أهل العلم من أن الله تعالى جعلها في ستة أيام ليعلم العباد التأني في الأمور، وأن المهم إحكام الأمر لا التعجيل فيه. وشيءٌ آخر: أن خلق هذه الأشياء يحتاج إلى أسباب ومكونات تتفاعل وتنتهي إلى الكمال، فلهذا صارت في ستة أيام. هنا قال: (﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ فقال له: انظر إلى السماء، فنظر إليها، ثم رد بطرفه فوجده موضوعًا بين يديه، ففي نظره إلى السماء دعا آصف بالاسم الأعظم أن يأتي الله به، فحصل بأن جرى تحت الأرض حتى نبع تحت كرسي سليمان) الله اكبر! يعني غرائب القصص! أولًا: هل أن هذا هو الذي عنده علم الكتاب قال لسليمان: انظر إلى السماء؟ طالب: لا دليل. الشيخ: ما فيه دليل، ولا حاجة يقول: انظر إلى السماء ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل ٤٠] في أي نظرٍ أدرت طرفك إليه. ثانيًا: لو نقول: إنه جاء من الأرض ونبع من تحت الكرسي! يجوز أنه جاء من الأرض، يجوز جاء من فوق الأرض، أو جاء من محل عالٍ جدًّا ونزل، كل هذا لا ينبغي الجزم به، بل يقال: إن الله على كل شيء قدير، المهم أن العرش حضر بلحظة قبلما يرتد إليه طرفه. وفي قوله: (﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ أي: ساكنًا) هذه أشكلت على النحويين لأنهم يقولون من قواعدهم: إذا كان الظرف أو الجار والمجرور متعلقه عامًّا فإنه يجب حذفه. مثلًا تقول: زيدٌ في البيت، ما يجوز تقول: زيدٌ كائنٌ في البيت، بل يجب حذف كائن لأنه عام، أما إذا كان خاصًّا، مثل: زيدٌ محبوسٌ في البيت فيجب ذكره؛ لأن (محبوس) لو حذفت ما يدل عليها دليل، بخلاف (زيدٌ في البيت) فإنه بمجرد النطق به يبتبين إياه، يعني يتبين للمخاطب أن المعنى كائنٌ فيه أو موجود فيه. فهم يقولون: إذا كان الجار والمجرور متعلقًا أو الظرف متعلقه عامًّا وجب حذفه. وهنا مستقر عام ولا خاص؟ * طلبة: عام، هذا يقول: فعل خاص. * الشيخ: خلينا نشوف كلمة مستقر عام، إذا قلت: زيدٌ في البيت أي مستقر في البيت يعني: كائنٌ فيه، وابن مالك يقول: وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أَوْ بِحَرف جَرْ ∗∗∗ نَاوِينَ مَعْنَى كَائِنٍ أَوِ اسْتَقَرْ لكن قالوا: إن الاستقرار هنا ليس الاستقرار العام، حتى يجب حذفه، بل هو استقرار خاص غير مطلق الوجود، فلما كان استقرارًا خاصًّا غير مطلق الوجود صار كالمعنى الخاص، ولذلك ذُكر ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا﴾ لاحظوا لو قال: فلما رآه عنده ما تدل على المعنى في كلمة مستقر، صحيح لما رآه عنده كائنًا عنده، لكن ما تدل على أن هذه الكينونة كانت باستقرارٍ وثبات. وأيضًا ربما يفهم من قوله: ﴿مُسْتَقِرًّا﴾ ما أشار إليه العفريت في الأول وهو القوّة والأمانة؛ لأنه بالقوة والأمانة يأتي العرش على ما هو عليه، ما يتكسّر، الإنسان الضعيف مثلًا ربما عند حمله وهو ضعيف يسقط من يده أو ما أشبه ذلك فيتكسّر، أو إذا لم يكن أمينًا ما يهمه أن يضربه جبل أو شجر أو ما أشبه ذلك، أو هو نفسه يتسلط عليه. فالحاصل: أن هذا الاستقرار له معنى خاص غير الاستقرار العام، فلذلك ذُكر. ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا﴾ أي: الإتيان لي به ﴿مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ إلى آخره. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ [النمل ٤٣، ٤٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣٨]. في هذا دليل على جواز الخطاب إلى المبهم، إذا كان يتعين بعد ذلك بقوله: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ نعم ما قال: ائتني يا فلان. وهذا النوع من الخطاب يترتب عليه فوائد كثيرة حكمية وخبرية: فمنها مثلًا: أنه يجوز أن يقول: زوجتك إحدى ابنتي هاتين، ثم يختار إحداهما، مثلما فعل صاحب مدين مع موسى. ومنها: أنه يجوز أن يقول: بعتك إحدى هاتين السلعتين بكذا، فيختار إحداهما. ومنها: بعتك هذا بعشرة نقدًا أو بعشرين نسيئة، فيختار أحد الثمنين. وليست هذه المسألة الأخيرة من باب بيعتين في بيعة، خلافًا لمن زعم ذلك، فإن هذه بيعة واحدة؛ لأنهما لم يتفرقا إلا على إحدى البيعتين. وأيضًا بيعتان في بيعة سبق لنا أنه جاء فيها نص صحيح صريح في سنن أبي داود، ويش يقتضي؟ أن بيعتين في بيعة هي مسألة العينة؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا»[[أخرجه أبو داود (٣٤٦١) عن أبي هريرة.]]. وهذا صريح في أن ذلك مسألة العينة. * الشيخ: مسألة العينة أن يبيع الشيء عليه بثمن مؤجل ثم أشتريه منه بأقل منه نقدًا، هذه مسألة العينة. * طالب: نفس البائع يشتريه؟ * الشيخ: إي نفس البائع يشتريه بأقل. فصار الآن أنه يجوز الخطاب حكمًا وخبرًا المبهم، لكن بشرط أن يتعين قبل تمام الحكم. طيب هنا: ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي﴾ وفي هذا دليلٌ على أنه يجوز للإنسان أمام عدوه أن يظهر العظمة؛ لأن سليمان أراد بإحضار هذا العرش، ويش أراد به؟ * طلبة: إظهار عظمته. * الشيخ: إظهار عظمته وقدرته، وأنه استطاع أن يأتي بعرشها المحصّن بلا شك؛ لأنه كما جرت العادة قصور الملوك لا بد أن تكون محصّنة وعليها حرس، لا سيما مثل العرش. وأما زعم المؤلِّف أنه إنما أتى به ليتملكه فهذا لا دليل في الآية عليه، لا دليل في الآية على ذلك. * طالب: ما يرد عن هذا اشتراط تعيين بالنسبة للإنسان؟ * الشيخ: أصلًا ما ينفع العقد إلا بالتعيين، فهو يصح إنه كيف قال: قبلت نكاح فلانة، حصل التعيين، ما يصح يقول: قبلت إحداهما. كما أن البيع أيضًا بعتك بعشرة نقدًا أو عشرين نسيئة بيقول: قبلت بعشرين نسيئة، قبلت بعشرة نقدًا. لا بد من هذا؛ لأن اللي جاء القبول يعيّن، المهم الكلام على الإيجاب. وفيها دليل: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ وفيها دليل على أن سليمان عليه الصلاة والسلام إما أنه تفرّس أو أوحي إليه بأن هؤلاء القوم سوف يأتونه، يعني لما رد الرسول بالهدية وقال: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل ٣٧] ما جاءه الجواب، فطلب أن يُحضر عرشها، مما يدل على أنه علم بأنها ستأتي وقومها، ولكن من أين علم ذلك؟ إما من وحي، وإما من فراسة؛ لأن مثل هذه العبارات التي تُرسل ﴿لَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ بهذه القوة يقتضي أن العدو يخنع ويخضع. إن كان بفراسة فهو دليلٌ على جواز الحكم بالفراسة، وقد ذكرنا عدة مرات أنه يجوز الحكم على الشيء بمقتضى غلبة الظن، بل يجوز أن يحلف عليه بمقتضى غلبة الظن. والفراسة تؤدي إلى غلبة الظن، ولكن ليس مجرد الوهم يجوز أن تحكم بالظن، بل لا بد للفراسة من قرائن تدل عليه، إما قرائن سابقة، وإما قرائن مقارنة. وأما أن تحكم بشيء ما فيه قرينة فهذا حكم بالظن. ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾. أولًا: في هذه الآية دليل على تسخير الجن لسليمان؛ لقوله: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ هو أول من تكلم. ثانيًا: دليلٌ على قوة الجن؛ لأنه سوف يأتي بهذا العرش العظيم، يحمله من سبأ؛ من اليمن إلى الشام. ثالثًا: دليل على سرعتهم، وهو من أوصاف القوة؛ لقوله: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ وهذه سرعة فائقة، سرعة عظيمة، ومعلومٌ أنهم عندهم سرعة عظيمة، بدليل أنهم يسترقون السمع من السماء، ولا يصل إلى السماء إلا من عنده سرعة هائلة عظيمة. وفيه دليل على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بما اتصف به من صفات الكمال ترغيبًا أو ترهيبًا، من أين يؤخذ؟ ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ هذا ترغيبًا، ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ ترهيبًا، فيجوز هذا وهذا، لكن شرط أن يكون متصفًا به حقيقة، أما دعوى فلا، فهذا مثلما جاء في الحديث: «مَنْ تَشَبَّعَ بِمَا لَمْ يُعْطَ فَهُوَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ»[[متفق عليه البخاري (٥٢١٩)، ومسلم (٢١٣٠/ ١٢٧) من حديث أسماء بنت أبي بكر.]]، فالإنسان اللي يمدح نفسه بما ليس فيها هذا لا شك أنه مزوِّر بالخبر، ومزوّر بالصفة؛ هوأخبر عن نفسه بما ليس فيها، فالخبر كذب، وثبوت الوصف هذا للنفس مثلًا كذب، فلذلك قال: «كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ». * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم مثله، مثلًا العلماء أيضًا يتكلمون بمثل هذا، قول ابن مسعود: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا تَنَالُهُ الْإِبِلُ أَعْلَمُ مِنِّي بِكِتَابِ اللهِ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٠٢)، ومسلم (٢٤٦٣/ ١١٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]] أو كما قال. وفيه دليل على أن مدار العمل على هذين الوصفين وهما: القوة والأمانة؛ لقوله: ﴿لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ لأن من ليس بقوي لا يتقن العمل، لماذا؟ لضعفه، ومن ليس بأمين لا يتقن العمل أيضًا، ليش؟ لخيانته. فقد يكون الإنسان قويًّا، ويستطيع أن يعمل هذا العمل بكل سهولة، لكنه ليس بأمين، فلا يثق الإنسان به، ثم إن العمل لو أنه أتقنه يبقى الإنسان شابًّا، يقول: يمكن يقدر على أحسن من هذا، لكن ما فعل لأنه خائن. وكذلك أيضًا لو كان الإنسان أمينًا لكنه عاجز، فإنه لن يتقن العمل لعجزه، أيهما أشد لومًا؟ * طالب: الخائن أشد؛ لأن.. * الشيخ: الخائن أشد، وهذا أيضًا عنده نوع خيانة؛ لأن كونه يدخل في العمل وهو ليس بقادر عليه أو ليس بقوي عليه، هذه لا شك أنه أيضًا خطأ وخيانة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي ذر: «إِنَّكَ رَجُلٌ ضَعِيفٌ، فَلَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلَا تَتَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ»[[أخرجه مسلم (١٨٢٦/ ١٧) عن أبي ذر.]]. فالإنسان الضعيف ما يجوز أنه يتدخل في شيء يعرف أنه ما يستطيع إتقانه، لا سيما إذا كان يوجد في الناس من يحسنه، فهذه تعتبر خيانة لنفسه ولغيره، خيانة لنفسه لأنه في الحقيقة جشمها مرقى صعبًا، يريد يظهر ضعفه أمام الناس، وخيانة لغيره حيث تقبّل أعمالهم وهو لا يحسنها ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص ٢٦]. إذا قال قائل: إذا اجتمع عندنا أربعة أشخاص: أحدهم قوي أمين، والثاني قوي غير أمين، والثالث أمين غير قوي، والرابع ضعيف خائن. القوي الأمين مقدّم ما فيه إشكال، والخائن الضعيف مؤخر بلا شك. هذان طرفان معلومان. بقينا: قويٌ خائن، وضعيف أمين. * طالب: الضعيف الأمين أولى أن يقدّم. * طالب آخر: الضعيف الأمين يقدّم؛ على حسب المهنة، إذا كانت من شأنها تتطلب القوة أشد شيء فإنه يقدّم، وإذا كانت الأمور التي تحتاج إلى اتخاذ وحفظ فيقدم على الخائن هذا. * الشيخ: هذا هو الصحيح: يعني يجب أن نشوف أيهما أولى مراعاة: إذا كان في عملٍ القوة فيه أظهر، فهنا يقدم القوي؛ لأن القوي وإن كان عنده خيانة، ربما تحمله قوته على إتقان العمل لأجل أن يشتهر بهذه القوة، مثلًا ما وجد إلا هو. أما إذا كانت المسألة ما تحتاج إلى عمل وقوة، لكنها تتطلب الأمانة، فهنا يقدَّم الأمين. طيب. هذا واضح إذا كان في عملين أحدهما يظهر فيه قصد الأمانة، والثاني يظهر فيه قصد القوة، كالأمير مثلًا. الأمير ويش يظهر فيه؟ * طلبة: قصد القوة. * الشيخ: قصد القوة، يعني: قوة الأمير وإن كان غير أمين أنفع للمجتمع من أمير ضعيف أمين، والقاضي بالعكس، القاضي الأمانة في حقه أظهر؛ لأنه إذا كان أمينًا وإن كان ضعيفًا، اللي بينفذ ما هو هو، المفروض أن عندنا في عصرنا الآن التنفيذ لمن؟ لجهة الإمارة. القاضي يحكم، فإذا كان أمينًا فهنا قصد الأمانة في القضاء أظهر من قصد القوة. وعلى هذا فقس. ولكن إذا كان العمل يتعارض فيه القوة والأمانة، فهذا محل نظر، ولا يمكن أن نحكم بحكم عام، بل إننا ننظر في القضية المعينة ونشوف، يعني: إذا تشاح اثنان في عمل يتطلب القوة والأمانة معًا، ولا يظهر فيه فضل أحدهما على الآخر، حينئذ ما أستطيع أن أحكم هنا حكمًا عامًّا، بل إنما يُنظر في كل مسألة بخصوصها، ويُنظر للقرائن ويُنظر أيضًا للأشخاص ومن تظهر فيه القوة أكثر من ظهور الأمانة في الثاني، أو الأمانة في هذا أكثر من ظهور القوة في الثاني. على كل حال هذه المسألة ما نحكم فيها بحكم عام، بل نحكم فيها بأيش؟ بالقضية المعينة، ونقول: يقدَّم هذا على هذا، عندما تحصل القضية المعيّنة. فالحاصل إذن أقسام الناس باعتبار القيام بالعمل أربعة: قوي أمين، وقوي خائن، وضعيف أمين، وضعيف خائن. هذه أربعة أقسام. ومعلوم أن الأول يقدّم على كل حال، والثاني يؤخر على كل حال، والثالث والرابع بينهما تزاحم، فيُنظر إلى ما كان يستدعي القوة أكثر يقدَّم فيه القوي، وما كان يستدعي الأمانة أكثر يقدّم فيه الأمين، وما احتمل الأمرين يُنظر فيه إلى القضية المعينة حتى نستطيع أن نقدم هذا على هذا إلى آخره. وفيه دليل قلنا: إنه يجوز أن يصف الإنسان نفسه بما يتصف به، لكن بشرط أن يكون ذلك حقيقة. وقوله.. * طالب: (...). * الشيخ: إحنا نقول: مباح، وتعرف أن المباح تعتريه الأحكام الخمسة، قد يكون واجبًا أحيانًا، وقد يكون محرمًا، إنما هو على سبيل الإباحة، ولا يمكن نقول: المطلوب بكل حال؛ لأنه قد يكون الغرض سيئًا، ولا إنه منهي بكل حال؛ لأنه قد يكون لغرض حسن. فهو على سبيل الجواز.. * طالب: ما يقدر أيضًا يجد ما يصلح نفسه إلا إذا اقتضت الحال. * الشيخ: إحنا نقول والله: مباح، هذا الأصل. لكن إذا اقتضى الحال البيان يكون مطلوبًا، إما وجوبًا أو استحبابًا. * الطالب: ما يكون من باب التزكية للإنسان نفسه؟ * الشيخ: لا فرق، يعني الناس يختلفون، أنا ما قصدي منها التزكية، إذا كان قصدي التزكية من باب المنهي عنه، قد يكون: للتحدث بنعمة الله فيكون مطلوبًا، وقد يكون لأجل أن يمنع من ليس بأهلٍ من مباشرة هذا العمل، فيكون هنا قد يجب أن يبين نفسه. فيه: يمكن نأخذ من قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ نأخذ منها فائدة: وهي أن سليمان عليه الصلاة والسلام قد رتّب شئون حياتهم، وأن له مجلسًا خاصًّا معروفًا معيَّنًا؛ لأن قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ لا شك أنه مقدّر بمدة معلومة، وإلا لم يكن لذلك فائدة؛ لأن قيامه من مقامه إذا لم يكن معلومًا فهل يُدرى مثلًا ذلك قد يبقى يومًا كاملًا في مكانه، وقد لا يبقى إلا دقيقة واحدة، فلولا أنه عليه الصلاة والسلام قد رتّب أوقاته حتى أصبحت معلومة للناس، ما قال مثل هذا الكلام، وأما عن تقرير ما قاله المفسِّر: (من الغداة إلى نصف النهار) فهذا ما ندري الله أعلم. على كل حال يؤخذ منه: أن سليمان عليه الصلاة والسلام كان قد رتّب أوقاته حتى صارت معلومة، وهذا لا سيما بالنسبة للإنسان المراد الذي يريده الناس أمرٌ من أهم الأمور أنه يرتّب أموره، حتى إن الإنسان الذي يريده في حاجة يعلم أنه في هذه الساعة يجده، وفي الساعة الأخرى لا يجده فيستريح. مثلًا: يرتب لنفسه جلسة مثلًا في بيته أو في مكان مناسب على سبيل العموم؛ إما بين العشاءين أو بعد العصر أو الضحى المهم شيء يعرفه الناس، يرتب لنفسه مثلًا عملًا معيّنًا يعرفه الناس، حتى من أراده في هذا العمل يأتي إليه. المهم أنه ينبغي للإنسان أن يستفاد من ذلك: أن سليمان قد رتّب عمله في وقته، والثاني: أنه ينبغي للإنسان، خصوصًا المراد من أميرٍ وقاضٍ وعالمٍ ووجيه وغيره، أنه يجعل له وقتًا معيَّنًا تكون أوقاته محددة، حتى إن الناس يشعرون بأن هذا الرجل رجل منظّم، ويشعرون بأن الإنسان الفوضوي إن شاء جلس وإن شاء قام أنه ليس بمنظّم، فلا يعتبرونه شيئًا. ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل ٤٠]. في هذا دليل على أن جنود الله سبحانه وتعالى وهم الملائكة أقوى من الجن أو لا؟ لأن ذاك قال: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾، وهذا قال: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ أيهما أسرع؟ الأخير بلا شك ولا سواء. * طالب: (...). * الشيخ: لأن الذي عنده علم الكتاب عابد ولا صلة له إلا بالدعاء. * طالب: ما يقال (...) أن يبين للناس العلم الذي عنده. * الشيخ: لا ما هو بالظاهر؛ لأنه كونه يقول: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ مفصولة عن قوله: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ والأصل أن الكلام مع الإنس، فالظاهر أنه رجل ليس من الجن. * طالب: يقال: إنه جبريل هو الذي قال هذا؟ * الشيخ: لا، ما هو صحيح؛ لأن كل إنسان أو كل قائل ليس من البشر لا بد أن ينوه عنه؛ لأن الأصل أن البشر هم الذين يتخاطبون وهم الذين يتفاهمون، فإذا كان من غيرهم نوه عنه. * طالب: مثلما نوّه عن الجن. * الشيخ: مثلما نوّه عن الجن طيب وفي هذا دليل على كمال قدرة الله عز وجل؛ لأن كون هذا العرش العظيم يأتي من اليمن إلى الشام بلحظة، لا شك أنه من كمال قدرة الله التي لا يتصور الإنسان كيف تكون. الآن هل يمكن أن نتصور كيف جاء هذا من اليمن إلى الشام قبل أن يرتد إلى الإنسان طرفه؟ لو يطير طيرانًا أشد من الدخان ما تصورنا أنه يأتي بهذه السرعة، ولا نتصور أن الأرض كشطت كشطًا حتى التقى هذا بهذا أيضًا. فقدرة الله سبحانه وتعالى ما يمكن للإنسان أن يتصورها، تأتي فوق التصور، وهكذا جميع صفات الله ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣ - ١٤] كن. فجميع الخلائق كلهم على ظهر الأرض، مين يتصور هذا؟ تستطيع تصور هذا؟ ما تستطيع تصوره. يعني: لو كان من الأرض فتشقق تتفتح (...). المهم أن هذه نموذج من صفات الله سبحانه وتعالى في عجز العقل مهما بلغ عن إدراك كنه قدرة الله، وكذلك بقية صفاته، فأنت الإنسان علمك محدود وطاقتك محدودة، ولا يمكن أن تتجاوز أكثر مما تشاهد أو ما أطلعك الله عليه. وفي هذا دليل على فضل الله سبحانه وتعالى على سليمان، حيث سخّر له أهل العلم والجن، الجن بالأول، وصاحب العلم بالثاني. وهل قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ مبالغة ولّا حقيقة؟ حقيقة، وإلا لقلنا: إنه يجوز المبالغة في الأمور، ولكن على كل حال المبالغة في الأمور قد وردت في غير هذا النص، أن الإنسان يبالغ وإن كان ليس مقصودًا على سبيل الحقيقة، وقد جاء ذلك في القرآن وفي السنة أيضًا؛ المبالغة في الأمور. وفي هذا (﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا﴾ أي: ساكنًا ﴿عِنْدَهُ قَالَ هَذَا﴾ أي: الإتيان لي به ﴿مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ ). ﴿فَلَمَّا رَآهُ﴾ أي: سليمان، رأى العرش ﴿مُسْتَقِرًّا﴾. والاستقرار هنا أمرٌ زائد على مجرد الكينونة، ولو كان المراد بالاستقرار هنا مجرد الكينونة لكان ذكره غير بليغ، ولهذا فسّر المؤلِّف الاستقرار هنا بالسكون، يعني كأن له أزمانًا وهو في هذا المكان، فإن الذي ساب مثلًا أي شيء تسيبه، وتحطه في مكان تيجي تراقبه مثلًا، تعدله وتزينه، لا سيما مثل العرش الذي له قوائم في العادة، وهذا ثابت كأن له سنين، وهذا من كمال القدرة أيضًا. ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ﴾ (مِن) هذه لبيان الجنس ولّا للتبعيض؟ * طلبة: للتبعيض.. * الشيخ: يجوز هذا وهذا؛ لأنه إذا قصدنا بالفضل الجنس فهي لبيان الجنس، وإذا قصدنا بالفضل هذا الشيء المعيّن فهي للتبعيض على كل حال، هي صالحة لهذا وهذا. وقوله: ﴿فَضْلِ رَبِّي﴾ الفضل هو العطاء الزائد، وفضل الله تبارك وتعالى على العبد لا يُعد ولا يحصى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤]، ومن فضله على عبده أن يُحسن إليه، ثم يعد إحسانه إحسانًا؛ من فضل الله على العبد أن يحسن إليه ثم يعد إحسان العبد إحسانًا، فاهمين ذا؟ ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]. تقول: ما جزاء المحسنين الذين أحسنوا عملهم إلا أن يحسن إليهم، وإحسانهم عملهم إحسانٌ من الله، ولكن هذا من باب تمام الفضل من الله على عباده أن يعد إحسان عمله وهو منه إحسانًا منهم، كأنهم ما هم مستقلون به ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ اللهم لك الحمد. وقوله: ﴿رَبِّي﴾ الربوبية هنا خاصة، ولهذا أضافها إلى نفسه فقال: ﴿رَبِّي﴾. وقد مر علينا أن الربوبية عامة وخاصة، وأن العبودية كذلك عامة وخاصة، وأن الخاصة فيها ما هو أخص. وقوله: (﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ ليختبرني) واللام هنا للتعليل ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] فإن الربوبية لموسى وهارون غير ربوبية عباد الله الصالحين الآخرين. (﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ ليختبرني) واللام للتعليل (﴿أَأَشْكُرُ﴾ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفًا وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه) (...). (بتحقيق الهمزتين): ﴿أَأَشْكُرُ﴾. (إبدال الثانية ألفًا): ﴿آشكر﴾ هذه إبدالها ألفًا، (تسهيلها): ﴿أاشكر﴾ خليها همزة مسهلة بين الألف وبين الهمزة. (إدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه): يعني معناه إذا قرأت بالتسهيل فلها صورتان: إدخال ألف: ﴿آاشكر﴾ اللي بعد الألف همزة مسهلة، أو (...) بدون ألف يعني أن التسهيل يجوز فيه المد قبل التسهيل وعدم المد. (﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ للنعمة) فبماذا يكون الشكر؟ يكون الشكر بالثناء على الله تبارك وتعالى على هذه النعمة في ذاتها، وكذلك الاعتراف بالقلب بأنها محض فضلٍ من الله، وأنه ليس لك بها منة على ربك. والثالث: القيام بما تقتضيه هذه النعمة من واجب، وهذا الشكر الخاص ما هو الشكر العام؛ لأن الشكر يكون عامًّا بحيث يوصف الإنسان بأنه من الشاكرين على الإطلاق، ويكون خاصًّا بحيث يوصف بأنه من الشاكرين على هذه النعمة فقط. مثال ذلك: رجل آتاه الله مالًا، فالشكر خاص على هذا المال أن يتحدث بهذا المال على أنه من فضل الله ونعمته، وأن يعترف بقلبه أنه فضل من الله، ما يقول: ﴿أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]. والثالث: أن يقوم بواجب هذا المال من دفع زكاته، وما يترتب عليه من نفقات بسبب هذا المال، لكن قد يكون الإنسان مثلًا من جهة أخرى يعصي الله، يفرّط في الصلاة، مفرّط في الصيام، هذا نقول له: هل نصفه بأنه شاكرٌ على الإطلاق؟ * طالب: لا. * الشيخ: لكنه قائمٌ بشكر النعمة المعيَّنة. أفهمتم؟ إذن الشكر نوعان: شكر مطلَق وشكر خاص. فالشكر الخاص: أن يقوم بشكر النعمة المعيّنة بما تقتضيه، والشكر العام: أن يكون قائمًا بطاعة المنعم مطلقًا في جميع الأحوال. وأنت لو تأملت هذا وجدته موجودًا في عامة الأوصاف المحمودة والمذمومة أيضًا، فالتوبة قد يوصف الإنسان بأنه تائب توبة خاصة مقيّدة من ذنبٍ معيّن، وقد يوصف بأنه من التائبين على سبيل الإطلاق. قول سليمان ﷺ: ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ على أي وجه نحمله؟ * طالب: هو أشار إليه هذا، الظاهر أنه خاص. * الشيخ: إذا قلنا: إنه على العموم معناه أننا رمينا سليمان بأنه ليس بشاكرٍ لنعمة الله في غير هذا، وإذا قلنا: إنه على الخصوص، يعني: على هذه النعمة المعيّنة، فهو أولى، ولهذا قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي﴾ به ليختبرني به أأشكر الله عليه أم أكفر. فالظاهر أنها هنا على سبيل الخصوص، يعني: على هذه النعمة، أما النعمة الأخرى فنحن نؤمن بأن سليمان قد قام بشكرها؛ لأنه ﷺ كما مر علينا في قصة النملة قال مثل هذا الكلام ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ [النمل ١٩]. * طالب: نقول: هذه فعلًا قد تكون (...) في تأثيرها على ما أنزل الله به عليه من نعم أخرى.. * الشيخ: لا ما نقوله؛ لأن اللي نعتقد -وهو أقرب من حال سليمان- أنه قد شكر الله على النعم الأخرى. * طالب: قد تكون في الزيادة؟ * الشيخ: لا تحاول، أبدًا، هي على هذه النعمة، ﴿أَأَشْكُرُ﴾ ما قال: أأتم الشكر، لو قال: أأتم الشكر. أشكر: فعل مطلق. فالحاصل أن الذي يظهر لنا أنها على هذه النعمة، هل أشكرها أم أكفرها؛ لأن كل نعمة تحتاج إلى شكر خاص، والشكر العام معروف، الإنسان يقول: أشكر الله ويؤمن بقلبه أنه شاكرٌ لله على جميع النعم، لكن عند نعمة معيّنة تحتاج هي أيضًا إلى شكرٍ خاص، فالشكر على المال ليس كالشكر على الولد. مثلًا: إنسان عنده قوة وقدرة على الرمي والجهاد، ويش شكر ها النعمة ذه، أن يستعملها في الجهاد يجاهد، عنده قدرة على بيان الحق بما أعطاه الله تعالى من العلم والفهم، شكر الله على هذه النعمة أن يبيّن هذا الأمر. فتجد أن الشكر يختلف إذا اعتبرنا أيش؟ كل نعمة بحسبها؛ لأنه يختلف، نقول: شكر هذا غير شكر هذا، لكن الشكر المطلق أن نعتقد بأن جميع الفضائل والإنعامات كلها من الله سبحانه وتعالى، هذه يشترك فيها جميع الناس. ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ إذا قال قائل: كيف يقول سليمان: أم أكفر؟ والكفر كلمة نابية تنفر منه النفس، فلماذا لم يقل: أأشكر أم لا أشكر؟ مع أن المعنى واحد لكن هذه أهون. نقول: لأجل ردع نفسه عن المخالفة وعدم الشكر، حتى يبيّن لنفسه أنه إذا لم يشكر فمعناه هو الكفر، فلكل مقام مقال. قد تخاطب إنسانًا ترى أنه لم يشكر نعمة الله عليه، فتخشى إذا قلت: أنت كافرٌ بالنعمة أن ينفر منك ويزداد نفورًا حتى من النعمة، وإذا قلت: أنت لم تشكر تمام الشكر أو حق الشكر أو ما أشبه ذلك، وجدت أنه أهون، والأساليب تؤثر. يقال: إن ملكًا من الملوك رأى رؤيا فأفزعته، فقال: عليَّ بالمعبّرين أو بالعابرين، فأحضروا له العابرين وقال لهم: إني رأيت أن أسناني قد سقطت، فما ترون؟ فقام كبيرهم فقال: أرى أن أهلك سيموتون. انزعج الملك فقال: أوجعوه ضربًا. فأوجعوه ضربًا، وقال: اصرفوه، ها دول ما فيهم خير. ثم دعا بمعبّرين آخرين وقال لهم: إني رأيت أن أسناني قد سقطت، فقام كبيرهم وقال: الملك أطول أهله عمرًا، هذا فرح وقال: يلا ها دول هدهدوهم، مع أن المعنى واحد؛ لأنهم لو ماتوا لصار أطولهم عمرًا. الحاصل أن التعبير له دخل في قبول الحق والنفور منه، وقد مر علينا قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث قال لأبيه: ﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم ٤٣] ما قال: أنت جاهل ولا تدري ولا تعرف. ﴿قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم ٤٣] وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، بعض الناس يهبه الله سبحانه وتعالى قدرة على التعبير حتى إن العبارات تكون بيده كالعجينة، يلان له القول في كل ما يريد، فتجده يستطيع حتى لو أراد أن يخرج من لسانه كلمة لا يريدها على طول يجد بدلها، وبعض الناس ما يستطيع، فالله سبحانه وتعالى يهب فضله من يشاء. إذن: ﴿مَنْ كَفَر﴾ نقول: عبّر بهذا التعبير لأجل أن يردع نفسه عن المخالفة وعدم القيام بالشكر. (﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عن شكره ﴿كَرِيمٌ﴾ بالإفضال على من يكفرها ). يعني: من كفر فإن ربي غني عن شكره، أو غني مطلقًا، ومن جملة ما هو غني عنه شكر هذا الإنسان على نعمة الله، فإن الله تعالى ما أنعم على العباد لحاجته إلى أن يشكروه، بل لفضله عليهم وظهور آثار أوصافه. ظهور آثار صفاته العظيمة ما يكون إلا بأفعاله التي من جملتها النعم، أو النقم أيضًا ليظهر بذلك صفات الانتقام والغضب. وقوله: ﴿كَرِيمٌ﴾ أي: أنه سبحانه وتعالى قد يبقي النعمة على من كفرها تكرمًا منه أحيانًا، وأحيانًا استدراجًا، والله تبارك وتعالى حكيم يهب فضله من يشاء، قد يبقي الله النعمة على الكافر بها استدراجًا؛ ولّا لا؟ لقوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران ١٧٨]، ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ [الأعراف ١٨٢، ١٨٣]. وقد يبقي الله تعالى النعم مع الكفر تربيةً، بحيث أن الإنسان يفتح الله عليه في التأمل فيخجل من الله عز وجل أن يكون هو يبادر الله تعالى بالمعاصي والله تبارك وتعالى يدر عليه النعم، فيرتدع. وهذا هو ظاهر قوله: ﴿كَرِيمٌ﴾؛ لأن الكرم في مقابل الكفر ما يكون إلا حيث يكون ذلك الكرم من مصلحة من؟ الكافر بها، وإلا ما ظهر آثار الكرم بل ظهر آثار الحكمة، لو قال: حكيم صار هذا يشمل من تدرج الله به حتى أهلكه، لكن (كريم) ما يتم الكرم للكافر بالنعمة إلا حيث كان إبقاء النعمة عليه مصلحة له، لأجل أن يعود. ثم قال سليمان: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل ٤١] نكروه (أي: غيروه إلى حال تنكره إذا رأته). والتنكير يحصل بتغيير أدنى صفة من صفاته ولّا لا؟ أدنى صفة من صفاته يحصل بها التنكير، إذا كان مثلًا قوائمه طويلة يمكن يقصّر القوائم فيكون تنكيرًا، إذا كان لون إحدى عواضده مثلًا أحمر ممكن يخليها أخضر، يعني سواء هذا التنكير بالأجزاء أو باللون أو بالفرش بغير فُرُش، الظاهر أن هذا داخل في التنكير. ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾، ﴿نَنظُرْ﴾ ويش اللي جابها (...)؟ * طالب: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل ٤١] (نكروا) هذا طلب. * الشيخ: (نكّروا) فعل أمر، و(ننظر) مجذوم على أنه جواب الأمر، نعم هذا صحيح. نكّروا ننظر، شوف العظمة كلمة نكّروا ولم يوجه الخطاب إلى شخص معيّن يدل على أن كل جنوده في طاعته ولَّا لا؟ لأنه لو كان يخشى أن أحدًا من الجنود يتمرد لكان يوجه الخطاب إلى شخصٍ معيّن لأجل أن يحرجه فلا يستطيع أن يقول: لا، وهكذا عظمة السلطان تكون بمثل هذا، عندما يقول السلطان مثلًا أو الأمير: قهوة يا ولد. كل الحاضرين يفزعون، قهوة قهوة وتجيه بسرعة. ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ نقول: هذه أيضًا خطاب عظمة، ولهذا قال: ﴿نَنظُرْ أَتَهْتَدِي﴾؛ إما أنه يقصد نفسه ويكون تعظيمًا، أو مع جنوده وحاشيته ينظرون جميعًا ﴿أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل ٤١]. وهذا كله أيضًا من أساليب الاختبار الذي يختبر به سليمان هذه المرأة كما اختبرها أيضًا فيما يأتي في مسألة الصرح، وأما عن قول المؤلّف وغيره أن رجلها رجل حمار، فهذه من الإسرائيليات المكذوبة، فقدمها كقدم غيرها. * طالب: خشي أن فيها برصًا فيريد أن يتزوجها. * الشيخ: كل هذه ما هي صحيحة، وبيجينا إن شاء الله تعالى. * الطالب: تزوجها يا شيخ؟ * الشيخ: على كل حال هي جديرة بأن تزوج لأنها أسلمت وكانت ذكية. * طالب: ما فيه دليل على تصرف الإنسان في ملك غيره، فيتصرف بالعقل؟ * الشيخ: إن كان هو بالآيات السابقة نحن نقبل منك الفائدة هذه، وإن كان هو بالآيات اللاحقة درس اليوم ما نقبله. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * طالب: في قوله: (...). لا يدل بأن مقام النبوة أعظم كثيرًا من الملك (...) ما يقدمونه العوام (...) علم. * الشيخ: لا. حتى الإنسان العادي يقول كذا؛ لأن (...) هذه، صارت هذه خاصة في مثل مقام سليمان، وليس كذلك، حتى الإنسان (...) نفسه، يقول: أنا الله ما أعطاني هذه إلا ليبلوني أأشكر أم أكفر. * طالب: وأيش كفر نعمة في الواقع؟ ماهو كفر مطلق، وإنما كفر نعمة؟ * الشيخ: احنا قلنا قبل قليل: الشكر، والتوبة، والكفر، والإيمان كل هذه تتبعض وتكمل، مطلق شيء وشيء مطلق. * طالب: لا أقصد هذه يعني.. * الشيخ: لا. هنا المراد به كفر النعمة. * طالب: كفر نعمة واحدة، يعني ما بيحذف من واحد. * الشيخ: محذوفين لكن ما يناسب.. الطالب: (...) العلم. * الشيخ: لا، ما حاجة هذه؛ حتى الإنسان العادي يقول كذا؛ لأنك إذا قلت هذه، صارت هذه خاصة بمثل مقام سليمان وليس كذلك، حتى الإنسان اللي (...) نفسه، يقول: إن الله ما أعطاني هذه إلا ليبلوني أأشكر أم أكفر. * طالب: كفر نعمة الله، ما هو كفر مطلق، وإنما..؟ * الشيخ: قلناها قبل قليل، الشكر والتوبة والكفر والإيمان كل هذه تتبعض وتكمُل، مطلق شيء وشيء مطلق. * الطالب: لا أقصد، هل هي..؟ * الشيخ: لا، هنا المراد بها كفر النعمة. * الطالب: كفر النعمة واحد، ما فيه قسم واحد. * الشيخ: معلوم، فيه قسمان (...). * طالب: شيخ، من فضل الله جل وعلا على عباده إنما هو لأجل فطوره (...) طيب قول بعض السجع: فهو الخالق وإن لم يوجد المخلوق؟! * الشيخ: كان الله خالقًا؛ بمعنى هذه الصفة صفة له قبل أن يوجد المخلوق. * الطالب: وإن لم يوجد المخلوق. * الشيخ: قصدهم قبل أن يخلق، كما أنه سبحانه متصف بالكلام مع أنه يتكلم بمشيئته، فهو متصف بالخلق مع أنه يخلق بمشيئته (...). ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل ٤٠]. * أولًا، في هذه الآية من الفوائد: التحدث بنعمة الله سبحانه وتعالى بإضافة النعمة إليه؛ لقوله: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾، وهذا هو الواجب شرعًا والمقتضى عقلًا؛ لأن إضافة النعم إنما تكون إلى مُسْدِيها ومُولِيهَا، وفي هذا دليل على إثبات التعليل لأحكام الله سبحانه وتعالى الكونية كما ثبت ذلك في الأحكام الشرعية، من أين يؤخذ؟ * طالب: ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾. * الشيخ: نعم، منين؟ * طالب: من اللام، للتعليل. * الشيخ: من اللام، للتعليل. * وفيه: دليل على تعليل أحكام الله الكونية، كما أن أحكامه الشرعية كذلك معللة؛ ففيه ردٌّ على الجهمية الذين يقولون: إن فعل الله سبحانه وتعالى ليس معلَّلًا، إنما يفعل لمجرد المشيئة، إذا شاء فعل لحكمة ولغير حكمة. * وفيه: دليل على اختبار المرء فيما يُظْهِر حقيقةَ أمره؛ لقوله: ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾. * وفيه أيضًا، ننظر ها الفائدة الآتية: إنه يجوز اختباره، وإن كان المختبِر يعلم مآله، هل يمكن أن يؤخذ هذا؟ أو نقول: إن هذا خاصٌّ فيما يتعلق بالله، أنك تختبر إنسانًا لو إنك تعلم مآله، وأما بالنسبة لله فهذا أمر واقع، لكن بالنسبة للإنسان تختبر الإنسان وأنت تعرف مآله، هذا يُنْظَر فيه إلى المصلحة، قد يكون محرَّمًا، كما لو أردت أن تُظْهِر ضعفه أمام الناس وتُخَجِّلُه، وقد يكون واجبًا كما لو كان إنسانًا داعية إلى ضلالة وأردت أن تختبره ليتبين أمره للناس، وأنت تعرف أن ما عنده جواب لما اختبرتَه به، لكن تريد أن تظهر للناس أمره، فهو بالنسبة لله سبحانه وتعالى ممدوح كله؛ لأن الله يعلم المآل، لكن بالنسبة للإنسان، فاختباره عما يعلم مآله على حسب المصلحة والفائدة. وفيه إشكال؛ حيث قد يقال: أليس الله تعالى يعلم فيما يؤول إليه الأمر؟ فالجواب: بلى، إذن ما فائدة الاختبار، وهو يعلم؟ * الطالب: ابتلاء الخلق بهذا العاصي، مثل ما فعل في إبراهيم؛ لما أمره بذبح ابنه، هو يعلم أنه لن يحصل هذا وهو أنه سيذبحه، لكن أمره ليبتليه. * الشيخ: ليترتب الجزاء على ظاهر الحال؛ لأن الله لو جازى الإنسان على ما يعلم من حاله قبل أن يبلوه لكان ذلك ظلمًا في ظاهر الحال، فإذا ابتلاه فأطاع أو عصى تبيَّن الأمر، فيكون هنا الفائدة عظيمة وهي ظهور أثر هذا الشيء للناس، وأنه ليس بظلم من الله سبحانه وتعالى للعباد، (...) وظهور أيضًا نعمة الله على العبد العامل إذا أطاع حيث يشكر الله سعيه. فالحاصل: أن الابتلاء في مثل هذه الأمور فائدته أن يجري الجزاء على ظاهر الحال لا على علم الله. وهل يؤخذ منه أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه؛ لأنه إذا كان الله سبحانه وتعالى وهو أحكم الحاكمين لا يحكم بمجرد العلم حتى تظهر الآثار، فالقاضي من باب أولى؟ ولهذا ذكر أهل العلم أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه، لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣ / ٤) من حديث أم سلمة.]]. هذه قد يقال: إنها تؤخذ، وقد يقال: إن هذا توسُّع في الاستدلال وأنها لا تؤخذ من هذه الآية، وفي هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يخاطب نفسه بما تقتضيه الحال؛ لقوله: ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾؛ فإننا ذكرنا أن قوله: ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ هذه العبارة شديدة من أجل أن يَرْدَع نفسه عن ممارسة كفر النعمة. * وفي هذا دليل على: أن الإنسان الذي يشكر الله ليس يُسْدِي إلى الله سبحانه وتعالى نفعًا أو يدفع عنه ضررًا، وإنما هو إذا شكر فإنما يشكر لنفسه، المصلحة لنفسه، ليست لله. * وفيها أيضًا دليل على: أن الشاكر يثاب؛ لقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾، ولم يقل: عن نفسه، بل قال: لنفسه، فدل ذلك على أن للشاكر ثوابًا يُجازى به، وهو كذلك. * وفي هذا دليل -في قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ - دليل على أن العامل عملُه له وليس لغيره، إلَّا أنه قد يؤخذ منه مقاصَّة كما جاء في الحديث الصحيح في المفلس «الذي يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، وقد ظلم هذا وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته»[[أخرجه مسلم (٢٥٨١ / ٥٩) من حديث أبي هريرة.]]، وإلَّا فثوابك لك، ما يمكن أحد يعتدي عليه أبدًا أو يأخذه، فهو مدخَّر عند الله سبحانه وتعالى. * طالب: الصدقة عن الميت؟ * الشيخ: الصدقة عن الميت من عملك؛ لأنك أنت الذي اخترت أن يتحوَّل إلى هذا إنما ما يؤخذ منك، وأما إذا أنت أردته فهذا من عملك؛ لأن عملك قد يكون تريده لك أو لغيرك، وهذا أيضًا مقيَّد بما جاءت به السنة. وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ ما قال: ومن كفر فإنما يكفر على نفسه كما قال: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ لأن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، وإلا فالحقيقة أن من كفر فعلى نفسه، مثلما قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت ٤٦] لكن أحيانًا يكون السياق يقتضي خلاف ذلك، فهنا يقول: من كفر فإنه لا يضرُّ الله شيئًا؛ لأن الله تعالى غنيٌّ عنه وعن شكره، وهو مع ذلك كريم، قد يجود على الكافر في الإمهال لعله يشكر؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾. قال الله تعالى.. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ إضافة الفعل إلى العبد. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هو على الجَبْري واضح، لأنه أضاف الشكر إلى نفسه. * الطالب: ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ (...)؟ * الشيخ: ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ هذا من فعل الله. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي، لكن هو الآن العطاء من فضل الله سبحانه وتعالى، وما هو بيتحدث عن عمله، ما قال: إن عملي من الله، قال: هذا العطاء الذي تفضل الله به هو من الله سبحانه وتعالى. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: على الجبري، نعم، اللهم إلا في قوله: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ مع أن الذي قال: أنا آتيك به، هو الذي عنده علم من الكتاب، لكن حتى ما يستقيم؛ لأن الذي عنده علم من الكتاب ما جاء به بنفسه. ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل ٤١]. * يستفاد من هذا أيضًا: امتحان الغير بما يُعْرف به ذكاؤه وفطنته؛ لقوله: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ وقد سبق أن المراد بتنكيره تغييره؛ والعلة في ذلك قوله: ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿أَتَهْتَدِي﴾ أتعرف أم تكون من الذين لا يعرفون، وكيف تعرف أو لا تعرف؟ لأنه لو بقي العرش على ما هو عليه لعرفته، ولو غُيِّر نهائيًا لكان لها العذر في أن لا تعرفه، ولكنه إذا غُيِّرت صفته وبقي أصله حينئذٍ يعرف به ذكاؤها هل تعرفه، والمقام في الحقيقة هنا مقام مدهش، ليس مقامًا عاديًّا طبيعيًّا؛ لأنها هي سوف تستبعد أن يُؤْتَى بعرشها وهو محفوظ في مكانه ومحروس ثم يؤتى به إلى سليمان. ثم أيضًا لعلها حسب الطبيعة والعادة تستبعد جدًّا أن يسبقها العرش، مع أن الظاهر أنها أتت إلى سليمان بأسرع ما يمكن من السير. فعلى كل حال، هذا التنكير سوف يدل على دهائها وعقلها، والأمر سيأتي بيانه إن شاء الله قريبًا. وقوله: ﴿أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ مثل قوله للهدهد: ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ما قال: أم لا تهتدي، بل قال: ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾. وفيه أيضًا: في هذا الامتحان إشارة إلى أنها إذا كانت تعرف عرشها مع تغييره فكيف لا تعرف أن الذي يستحق العبادة هو الله؟ لأنها هي وقومها يسجدون للشمس من دون الله، كما مر، فإذا كانت هي تعرف عرشها مع تنكيره فإنه لا شك أن معرفتها بأن الله تعالى هو المستحق للعبادة من باب أولى، فهذا وجه من أوجه الاختبار في هذه القصة. ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾. * طالب: سليمان قال: إذا عرفت عرشها..؟ * الشيخ: فهي أولى أن تعرف أنه مستحق للعبادة. * الطالب: تمهيد لها بأن تعرف. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هنا ما في؟ لأنه ما في مخاطبة الله، لكن تغيير ها العبارة مثل الأول، وإلَّا ما هو يخاطب، يخاطب قومه، يخاطب الملأ من قومه. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ﴾ أظن ما قرأنا كلام المفسِّر؟ * الطالب: حتى الآية: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾. * الشيخ: (﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾ إلى معرفته ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ إلى معرفة ما يُغَيِّر عليهم، قصد بذلك اختبار عقلها). * طالب: (...). * الشيخ: للمصلحة، يجوز للمصلحة، لمصلحة الغير؛ لأن هذا لمصلحتها هي، وقد يقال: إن سليمان عليه الصلاة والسلام تصرف فيه بناء على أنها لم تظهر إسلامها بعد، وأنها إلى الآن وهي في حرب، ما بعد استقر الأمر. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إلى الآن ما علم ولا تحقق، وإن كان هو يقول: قبل أن يأتوني مسلمين، لكن قد يكونوا مسلمين لله أو مستسلمين له. وعلى كل حال إلى الآن ما بعد ما يُحكَم عليها حتى الآن إلا بعد أن تظهر إسلامها. (قيل له: إن فيه شيئًا فغيروه بزيادة أو نقص أو غير ذلك).

النمل 27:40

ثم قال الله تعالى: (﴿قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ في الهمزتين ما تقدم) ﴿المَلَأُ أَيُّكُمْ﴾، ويش اللي تقدم؟ تحقيقهما، تحقيق الهمزتين ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ﴾ [النمل ٣٨]. وتسهيل الثانية بقلبها واوًا ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ وَيُّكُمْ﴾ . (﴿يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ منقادين طائعين، فلي أخذه قبل ذلك لا بعده). قال: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ من أين عرف أنهم سيأتون مسلمين إليه؟ عرف ذلك من أنهم إذا سمعوا بما قال الرسول الذي قال له: ارجع إليهم، فإنه لا بد أن يستسلموا وينقادوا، فهو أيضًا حكم بالقرائن، ويجوز أن الله سبحانه وتعالى أوحى إليه بذلك لأنه نبي، فالمسألة دائرة بين أن يكون حكم بكونهم يأتون مسلمين بناءً على القرينة، ويحتمل أن يكون ذلك بوحي من الله سبحانه وتعالى. ولكن قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ نبّه المفسّر على أنه إذا كان العرش أُخذ قبل أن يأتوا مسلمين إليه، فهو جائز، وإذا كان بعد ذلك فليس بجائز. وفي هذا نظر؛ لأنها هي بمجرد ما تفارقه مسلمة تكون قد أحرزت مالها، ولّا لا؟ وقد حمته، فمالها محترم قبل أن تصل إلى سليمان بمجرد إسلامها، وهي إذا غادرت ستأتي بلا شك مستسلمة، فإنه قال لهم بالأول: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣١] وليس غرضه -والله أعلم- أنه إذا كان قبل إسلامهم جاز له أخذه، وإذا كان بعده لم يجز. ثم إن الظاهر أيضًا أن سليمان لا يريد تملك هذا العرش، وإنما يريد إظهار قوته أمامها، وأنه استطاع أن يأتي بعرشها قبل أن يصلوا إليه، ولا يريد أن يتملكه حتى يرد ما قاله المؤلِّف. لما قال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ هو القوي الشديد). العفريت: القوي الشديد، ولا زال هذا المعنى إلى الآن موجودًا، إذا قلنا: فلان عفريت يعني: قوي شديد أو نقول بعد أبلغ من هذا. ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾. آتي هي اسم فاعل ولّا فعل؟ * طالب: فعل. * الشيخ: ويش تقولون أنتم؟ * طالب: نعم فعل. * الشيخ: طيب ما يخالف، ويش الفاعل من (أتى)؟ * طالب: آت. * الشيخ: آت، (كل آتٍ قريب)، وهنا؟ * الطالب: أصلها أأتي (...). * الشيخ: يعني ما يصلح أن أقول: أنا آتٍ إليك به، أن التقدير: أنا آتٍ إليك به قبل أن تقوم من مقامك؟ * الطالب: يصح. * الشيخ: يصح، لكن الظاهر أنها فعل؛ لأن هذا العمل من الأفعال. * طالب: (...). * الشيخ: لا، حتى هذه: أنا آتٍ به. ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾، ولكن الأقرب أنه فعل، يقربه أن الأصل في العمل الأفعال، والكاف معمول، ضمير مفعولٌ به، فهذا هو الأصل ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: لا، عندنا همزة ممدودة. * طالب: (...). * الشيخ: (...) لا ما وضح، كأنه خطأ، هذا عندك الصاوي ؟ حاشية ويش هو؟ غير الجلالين؟ * طالب: إي غير الجلالين. قال: (﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ الذي تجلس فيه للقضاء، وهو من الغداة إلى نصف النهار). هذا لا دليل عليه، هذا من الأمور التي لا دليل عليها، ولكن قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ المراد أنا آتيك به بسرعة، وهذا أسلوبٌ معروف، أنا أجيبه قبل أن تقوم، لا زال إلى الآن موجودًا هذا الأسلوب، فالمعنى: أنا آتيك به بسرعة. ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ﴾ أي: على هذا العرش (﴿لَقَوِيٌّ﴾ أي: على حمله ﴿أَمِينٌ﴾ أي: على ما فيه من الجواهر وغيرها). لما قال: آتيك به، هذا إخبار، ولكن يحتاج إلى تأكيد لهذا الأمر أن يحضره قبل أن يقوم من مقامه، فقال: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ﴾ ولست بضعيف، بل سوف أحضره بهذه السرعة. وأيضًا ﴿أَمِينٌ﴾ أي: لا أخون فيه بشيء، لا على نفس العرش ولا على نفس ما فيه من الجواهر وغيرها. وهذان الوصفان يحتاج إليهما كل عامل، كما قال الله تبارك وتعالى عن بنت صاحب مدين: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص ٢٦]، وهذان الوصفان مطلوبان في كل عمل؛ لأنه إذا فاتت القوة لم يحصل العمل من أجل العجز، وإذا وجدت القوة ولكن فاتت الأمانة فإنه أيضًا يتخلف العمل بسبب الخيانة. (قال سليمان: أريد أسرع من ذلك) من الذي قالها؟ * طالب: سليمان. * الشيخ: لا دليل عليه، ولكن (﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ المنزل، وهو آصف بن برخيا، كان صدِّيقًا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعا به أجاب) عندي: (دعا به) ولكن المعروف أنه (إذا دُعِيَ به). هو المعروف اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب لكن يحتمل أنه إذا دعا به هذا الرجل الذي عنده علم من الكتاب، يعني: أن هذا الرجل قد جرّب وقد عرف أنه إذا دعا الله تعالى بهذا الاسم أجابه، فيكون هنا أنسب أن يقال: (إذا دعا به أجاب)؛ لأن هذا الرجل اللي عنده علم من الكتاب يعلم أو قد جرّب إذا دعا بهذا الاسم أجاب. وهذا أيضًا ليس بلازم أن يكون هذا الإنسان الذي عنده علم من الكتاب يريد أن يدعو الله تبارك وتعالى باسمه الأعظم، وإنما نقول: هذا الرجل أعطاه الله تعالى علمًا من الكتاب المنزّل. ولا شك أن الإنسان العالم يعرف الأدوات والصيغ التي تكون أقرب إلى الإجابة، سواء باسم الله الأعظم أم بغيره. يقول: (﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ إذا نظرت به إلى شيء) الله أكبر! أيهما أسرع؟ * طلبة: الثاني. * الشيخ: الثاني، هذا كلمح البصر. ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ﴾ أي: يرجع ﴿إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ أي: نظرك. فأنت مثلًا إذا نظرت هكذا أمامك، انظر هكذا بسرعة فائقة، وتأمل سبحان الله العظيم اللي بيأتي من اليمن إلى الشام بهذه السرعة العظيمة؛ لأنه يأتي بأمر الله سبحانه وتعالى، والله تعالى ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُْ﴾ [يس ٨٢]، ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠]. فالله تبارك وتعالى إذا أجاب الداعي ما يحتاج إلى مدة ولا إلى مهلة، ولكن مع ذلك يقدّر الله تبارك وتعالى الأمور بأسبابها، قد يدعو الإنسان لمريض أن يشفيه الله سبحانه وتعالى، لكن هل يُشفى كلمحٍ بالبصر؟ لا، له أسباب تقدَّر، لكن الأسباب تنعقد فورًا إذا أراد الله تبارك وتعالى أن يجيب، مع أن الله قادر على أن يبرئ هذا المريض بلحظة، مثلما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يؤتى أحيانًا بالمريض فيدعو له فيشفى بلحظة، جيء إليه بعلي بن أبي طالب في خيبر وهو يشتكي عينه، فبصق فيها ودعا فبرئت كأن لم يكن بها وجع في الحال. والله تبارك وتعالى على كل شيء قدير، ولكن تأخر الشيء لا يدل على أن الله سبحانه وتعالى ليس بقادر على إبرائه حالًا، ولكنه يدل على أن الله حكيم يقدّر الأمور بأسبابها، حتى خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ذكرنا فيما سبق أنه لفائدتين: أولًا: ما اشتهر عند أهل العلم من أن الله تعالى جعلها في ستة أيام ليعلم العباد التأني في الأمور، وأن المهم إحكام الأمر لا التعجيل فيه. وشيءٌ آخر: أن خلق هذه الأشياء يحتاج إلى أسباب ومكونات تتفاعل وتنتهي إلى الكمال، فلهذا صارت في ستة أيام. هنا قال: (﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ فقال له: انظر إلى السماء، فنظر إليها، ثم رد بطرفه فوجده موضوعًا بين يديه، ففي نظره إلى السماء دعا آصف بالاسم الأعظم أن يأتي الله به، فحصل بأن جرى تحت الأرض حتى نبع تحت كرسي سليمان) الله اكبر! يعني غرائب القصص! أولًا: هل أن هذا هو الذي عنده علم الكتاب قال لسليمان: انظر إلى السماء؟ طالب: لا دليل. الشيخ: ما فيه دليل، ولا حاجة يقول: انظر إلى السماء ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل ٤٠] في أي نظرٍ أدرت طرفك إليه. ثانيًا: لو نقول: إنه جاء من الأرض ونبع من تحت الكرسي! يجوز أنه جاء من الأرض، يجوز جاء من فوق الأرض، أو جاء من محل عالٍ جدًّا ونزل، كل هذا لا ينبغي الجزم به، بل يقال: إن الله على كل شيء قدير، المهم أن العرش حضر بلحظة قبلما يرتد إليه طرفه. وفي قوله: (﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ أي: ساكنًا) هذه أشكلت على النحويين لأنهم يقولون من قواعدهم: إذا كان الظرف أو الجار والمجرور متعلقه عامًّا فإنه يجب حذفه. مثلًا تقول: زيدٌ في البيت، ما يجوز تقول: زيدٌ كائنٌ في البيت، بل يجب حذف كائن لأنه عام، أما إذا كان خاصًّا، مثل: زيدٌ محبوسٌ في البيت فيجب ذكره؛ لأن (محبوس) لو حذفت ما يدل عليها دليل، بخلاف (زيدٌ في البيت) فإنه بمجرد النطق به يبتبين إياه، يعني يتبين للمخاطب أن المعنى كائنٌ فيه أو موجود فيه. فهم يقولون: إذا كان الجار والمجرور متعلقًا أو الظرف متعلقه عامًّا وجب حذفه. وهنا مستقر عام ولا خاص؟ * طلبة: عام، هذا يقول: فعل خاص. * الشيخ: خلينا نشوف كلمة مستقر عام، إذا قلت: زيدٌ في البيت أي مستقر في البيت يعني: كائنٌ فيه، وابن مالك يقول: وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أَوْ بِحَرف جَرْ ∗∗∗ نَاوِينَ مَعْنَى كَائِنٍ أَوِ اسْتَقَرْ لكن قالوا: إن الاستقرار هنا ليس الاستقرار العام، حتى يجب حذفه، بل هو استقرار خاص غير مطلق الوجود، فلما كان استقرارًا خاصًّا غير مطلق الوجود صار كالمعنى الخاص، ولذلك ذُكر ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا﴾ لاحظوا لو قال: فلما رآه عنده ما تدل على المعنى في كلمة مستقر، صحيح لما رآه عنده كائنًا عنده، لكن ما تدل على أن هذه الكينونة كانت باستقرارٍ وثبات. وأيضًا ربما يفهم من قوله: ﴿مُسْتَقِرًّا﴾ ما أشار إليه العفريت في الأول وهو القوّة والأمانة؛ لأنه بالقوة والأمانة يأتي العرش على ما هو عليه، ما يتكسّر، الإنسان الضعيف مثلًا ربما عند حمله وهو ضعيف يسقط من يده أو ما أشبه ذلك فيتكسّر، أو إذا لم يكن أمينًا ما يهمه أن يضربه جبل أو شجر أو ما أشبه ذلك، أو هو نفسه يتسلط عليه. فالحاصل: أن هذا الاستقرار له معنى خاص غير الاستقرار العام، فلذلك ذُكر. ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا﴾ أي: الإتيان لي به ﴿مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ إلى آخره. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ [النمل ٤٣، ٤٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣٨]. في هذا دليل على جواز الخطاب إلى المبهم، إذا كان يتعين بعد ذلك بقوله: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ نعم ما قال: ائتني يا فلان. وهذا النوع من الخطاب يترتب عليه فوائد كثيرة حكمية وخبرية: فمنها مثلًا: أنه يجوز أن يقول: زوجتك إحدى ابنتي هاتين، ثم يختار إحداهما، مثلما فعل صاحب مدين مع موسى. ومنها: أنه يجوز أن يقول: بعتك إحدى هاتين السلعتين بكذا، فيختار إحداهما. ومنها: بعتك هذا بعشرة نقدًا أو بعشرين نسيئة، فيختار أحد الثمنين. وليست هذه المسألة الأخيرة من باب بيعتين في بيعة، خلافًا لمن زعم ذلك، فإن هذه بيعة واحدة؛ لأنهما لم يتفرقا إلا على إحدى البيعتين. وأيضًا بيعتان في بيعة سبق لنا أنه جاء فيها نص صحيح صريح في سنن أبي داود، ويش يقتضي؟ أن بيعتين في بيعة هي مسألة العينة؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا»[[أخرجه أبو داود (٣٤٦١) عن أبي هريرة.]]. وهذا صريح في أن ذلك مسألة العينة. * الشيخ: مسألة العينة أن يبيع الشيء عليه بثمن مؤجل ثم أشتريه منه بأقل منه نقدًا، هذه مسألة العينة. * طالب: نفس البائع يشتريه؟ * الشيخ: إي نفس البائع يشتريه بأقل. فصار الآن أنه يجوز الخطاب حكمًا وخبرًا المبهم، لكن بشرط أن يتعين قبل تمام الحكم. طيب هنا: ﴿يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي﴾ وفي هذا دليلٌ على أنه يجوز للإنسان أمام عدوه أن يظهر العظمة؛ لأن سليمان أراد بإحضار هذا العرش، ويش أراد به؟ * طلبة: إظهار عظمته. * الشيخ: إظهار عظمته وقدرته، وأنه استطاع أن يأتي بعرشها المحصّن بلا شك؛ لأنه كما جرت العادة قصور الملوك لا بد أن تكون محصّنة وعليها حرس، لا سيما مثل العرش. وأما زعم المؤلِّف أنه إنما أتى به ليتملكه فهذا لا دليل في الآية عليه، لا دليل في الآية على ذلك. * طالب: ما يرد عن هذا اشتراط تعيين بالنسبة للإنسان؟ * الشيخ: أصلًا ما ينفع العقد إلا بالتعيين، فهو يصح إنه كيف قال: قبلت نكاح فلانة، حصل التعيين، ما يصح يقول: قبلت إحداهما. كما أن البيع أيضًا بعتك بعشرة نقدًا أو عشرين نسيئة بيقول: قبلت بعشرين نسيئة، قبلت بعشرة نقدًا. لا بد من هذا؛ لأن اللي جاء القبول يعيّن، المهم الكلام على الإيجاب. وفيها دليل: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ وفيها دليل على أن سليمان عليه الصلاة والسلام إما أنه تفرّس أو أوحي إليه بأن هؤلاء القوم سوف يأتونه، يعني لما رد الرسول بالهدية وقال: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل ٣٧] ما جاءه الجواب، فطلب أن يُحضر عرشها، مما يدل على أنه علم بأنها ستأتي وقومها، ولكن من أين علم ذلك؟ إما من وحي، وإما من فراسة؛ لأن مثل هذه العبارات التي تُرسل ﴿لَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ بهذه القوة يقتضي أن العدو يخنع ويخضع. إن كان بفراسة فهو دليلٌ على جواز الحكم بالفراسة، وقد ذكرنا عدة مرات أنه يجوز الحكم على الشيء بمقتضى غلبة الظن، بل يجوز أن يحلف عليه بمقتضى غلبة الظن. والفراسة تؤدي إلى غلبة الظن، ولكن ليس مجرد الوهم يجوز أن تحكم بالظن، بل لا بد للفراسة من قرائن تدل عليه، إما قرائن سابقة، وإما قرائن مقارنة. وأما أن تحكم بشيء ما فيه قرينة فهذا حكم بالظن. ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾. أولًا: في هذه الآية دليل على تسخير الجن لسليمان؛ لقوله: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ هو أول من تكلم. ثانيًا: دليلٌ على قوة الجن؛ لأنه سوف يأتي بهذا العرش العظيم، يحمله من سبأ؛ من اليمن إلى الشام. ثالثًا: دليل على سرعتهم، وهو من أوصاف القوة؛ لقوله: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ وهذه سرعة فائقة، سرعة عظيمة، ومعلومٌ أنهم عندهم سرعة عظيمة، بدليل أنهم يسترقون السمع من السماء، ولا يصل إلى السماء إلا من عنده سرعة هائلة عظيمة. وفيه دليل على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بما اتصف به من صفات الكمال ترغيبًا أو ترهيبًا، من أين يؤخذ؟ ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ هذا ترغيبًا، ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ ترهيبًا، فيجوز هذا وهذا، لكن شرط أن يكون متصفًا به حقيقة، أما دعوى فلا، فهذا مثلما جاء في الحديث: «مَنْ تَشَبَّعَ بِمَا لَمْ يُعْطَ فَهُوَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ»[[متفق عليه البخاري (٥٢١٩)، ومسلم (٢١٣٠/ ١٢٧) من حديث أسماء بنت أبي بكر.]]، فالإنسان اللي يمدح نفسه بما ليس فيها هذا لا شك أنه مزوِّر بالخبر، ومزوّر بالصفة؛ هوأخبر عن نفسه بما ليس فيها، فالخبر كذب، وثبوت الوصف هذا للنفس مثلًا كذب، فلذلك قال: «كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ». * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم مثله، مثلًا العلماء أيضًا يتكلمون بمثل هذا، قول ابن مسعود: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا تَنَالُهُ الْإِبِلُ أَعْلَمُ مِنِّي بِكِتَابِ اللهِ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٠٢)، ومسلم (٢٤٦٣/ ١١٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]] أو كما قال. وفيه دليل على أن مدار العمل على هذين الوصفين وهما: القوة والأمانة؛ لقوله: ﴿لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ لأن من ليس بقوي لا يتقن العمل، لماذا؟ لضعفه، ومن ليس بأمين لا يتقن العمل أيضًا، ليش؟ لخيانته. فقد يكون الإنسان قويًّا، ويستطيع أن يعمل هذا العمل بكل سهولة، لكنه ليس بأمين، فلا يثق الإنسان به، ثم إن العمل لو أنه أتقنه يبقى الإنسان شابًّا، يقول: يمكن يقدر على أحسن من هذا، لكن ما فعل لأنه خائن. وكذلك أيضًا لو كان الإنسان أمينًا لكنه عاجز، فإنه لن يتقن العمل لعجزه، أيهما أشد لومًا؟ * طالب: الخائن أشد؛ لأن.. * الشيخ: الخائن أشد، وهذا أيضًا عنده نوع خيانة؛ لأن كونه يدخل في العمل وهو ليس بقادر عليه أو ليس بقوي عليه، هذه لا شك أنه أيضًا خطأ وخيانة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي ذر: «إِنَّكَ رَجُلٌ ضَعِيفٌ، فَلَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلَا تَتَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ»[[أخرجه مسلم (١٨٢٦/ ١٧) عن أبي ذر.]]. فالإنسان الضعيف ما يجوز أنه يتدخل في شيء يعرف أنه ما يستطيع إتقانه، لا سيما إذا كان يوجد في الناس من يحسنه، فهذه تعتبر خيانة لنفسه ولغيره، خيانة لنفسه لأنه في الحقيقة جشمها مرقى صعبًا، يريد يظهر ضعفه أمام الناس، وخيانة لغيره حيث تقبّل أعمالهم وهو لا يحسنها ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص ٢٦]. إذا قال قائل: إذا اجتمع عندنا أربعة أشخاص: أحدهم قوي أمين، والثاني قوي غير أمين، والثالث أمين غير قوي، والرابع ضعيف خائن. القوي الأمين مقدّم ما فيه إشكال، والخائن الضعيف مؤخر بلا شك. هذان طرفان معلومان. بقينا: قويٌ خائن، وضعيف أمين. * طالب: الضعيف الأمين أولى أن يقدّم. * طالب آخر: الضعيف الأمين يقدّم؛ على حسب المهنة، إذا كانت من شأنها تتطلب القوة أشد شيء فإنه يقدّم، وإذا كانت الأمور التي تحتاج إلى اتخاذ وحفظ فيقدم على الخائن هذا. * الشيخ: هذا هو الصحيح: يعني يجب أن نشوف أيهما أولى مراعاة: إذا كان في عملٍ القوة فيه أظهر، فهنا يقدم القوي؛ لأن القوي وإن كان عنده خيانة، ربما تحمله قوته على إتقان العمل لأجل أن يشتهر بهذه القوة، مثلًا ما وجد إلا هو. أما إذا كانت المسألة ما تحتاج إلى عمل وقوة، لكنها تتطلب الأمانة، فهنا يقدَّم الأمين. طيب. هذا واضح إذا كان في عملين أحدهما يظهر فيه قصد الأمانة، والثاني يظهر فيه قصد القوة، كالأمير مثلًا. الأمير ويش يظهر فيه؟ * طلبة: قصد القوة. * الشيخ: قصد القوة، يعني: قوة الأمير وإن كان غير أمين أنفع للمجتمع من أمير ضعيف أمين، والقاضي بالعكس، القاضي الأمانة في حقه أظهر؛ لأنه إذا كان أمينًا وإن كان ضعيفًا، اللي بينفذ ما هو هو، المفروض أن عندنا في عصرنا الآن التنفيذ لمن؟ لجهة الإمارة. القاضي يحكم، فإذا كان أمينًا فهنا قصد الأمانة في القضاء أظهر من قصد القوة. وعلى هذا فقس. ولكن إذا كان العمل يتعارض فيه القوة والأمانة، فهذا محل نظر، ولا يمكن أن نحكم بحكم عام، بل إننا ننظر في القضية المعينة ونشوف، يعني: إذا تشاح اثنان في عمل يتطلب القوة والأمانة معًا، ولا يظهر فيه فضل أحدهما على الآخر، حينئذ ما أستطيع أن أحكم هنا حكمًا عامًّا، بل إنما يُنظر في كل مسألة بخصوصها، ويُنظر للقرائن ويُنظر أيضًا للأشخاص ومن تظهر فيه القوة أكثر من ظهور الأمانة في الثاني، أو الأمانة في هذا أكثر من ظهور القوة في الثاني. على كل حال هذه المسألة ما نحكم فيها بحكم عام، بل نحكم فيها بأيش؟ بالقضية المعينة، ونقول: يقدَّم هذا على هذا، عندما تحصل القضية المعيّنة. فالحاصل إذن أقسام الناس باعتبار القيام بالعمل أربعة: قوي أمين، وقوي خائن، وضعيف أمين، وضعيف خائن. هذه أربعة أقسام. ومعلوم أن الأول يقدّم على كل حال، والثاني يؤخر على كل حال، والثالث والرابع بينهما تزاحم، فيُنظر إلى ما كان يستدعي القوة أكثر يقدَّم فيه القوي، وما كان يستدعي الأمانة أكثر يقدّم فيه الأمين، وما احتمل الأمرين يُنظر فيه إلى القضية المعينة حتى نستطيع أن نقدم هذا على هذا إلى آخره. وفيه دليل قلنا: إنه يجوز أن يصف الإنسان نفسه بما يتصف به، لكن بشرط أن يكون ذلك حقيقة. وقوله.. * طالب: (...). * الشيخ: إحنا نقول: مباح، وتعرف أن المباح تعتريه الأحكام الخمسة، قد يكون واجبًا أحيانًا، وقد يكون محرمًا، إنما هو على سبيل الإباحة، ولا يمكن نقول: المطلوب بكل حال؛ لأنه قد يكون الغرض سيئًا، ولا إنه منهي بكل حال؛ لأنه قد يكون لغرض حسن. فهو على سبيل الجواز.. * طالب: ما يقدر أيضًا يجد ما يصلح نفسه إلا إذا اقتضت الحال. * الشيخ: إحنا نقول والله: مباح، هذا الأصل. لكن إذا اقتضى الحال البيان يكون مطلوبًا، إما وجوبًا أو استحبابًا. * الطالب: ما يكون من باب التزكية للإنسان نفسه؟ * الشيخ: لا فرق، يعني الناس يختلفون، أنا ما قصدي منها التزكية، إذا كان قصدي التزكية من باب المنهي عنه، قد يكون: للتحدث بنعمة الله فيكون مطلوبًا، وقد يكون لأجل أن يمنع من ليس بأهلٍ من مباشرة هذا العمل، فيكون هنا قد يجب أن يبين نفسه. فيه: يمكن نأخذ من قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ نأخذ منها فائدة: وهي أن سليمان عليه الصلاة والسلام قد رتّب شئون حياتهم، وأن له مجلسًا خاصًّا معروفًا معيَّنًا؛ لأن قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ لا شك أنه مقدّر بمدة معلومة، وإلا لم يكن لذلك فائدة؛ لأن قيامه من مقامه إذا لم يكن معلومًا فهل يُدرى مثلًا ذلك قد يبقى يومًا كاملًا في مكانه، وقد لا يبقى إلا دقيقة واحدة، فلولا أنه عليه الصلاة والسلام قد رتّب أوقاته حتى أصبحت معلومة للناس، ما قال مثل هذا الكلام، وأما عن تقرير ما قاله المفسِّر: (من الغداة إلى نصف النهار) فهذا ما ندري الله أعلم. على كل حال يؤخذ منه: أن سليمان عليه الصلاة والسلام كان قد رتّب أوقاته حتى صارت معلومة، وهذا لا سيما بالنسبة للإنسان المراد الذي يريده الناس أمرٌ من أهم الأمور أنه يرتّب أموره، حتى إن الإنسان الذي يريده في حاجة يعلم أنه في هذه الساعة يجده، وفي الساعة الأخرى لا يجده فيستريح. مثلًا: يرتب لنفسه جلسة مثلًا في بيته أو في مكان مناسب على سبيل العموم؛ إما بين العشاءين أو بعد العصر أو الضحى المهم شيء يعرفه الناس، يرتب لنفسه مثلًا عملًا معيّنًا يعرفه الناس، حتى من أراده في هذا العمل يأتي إليه. المهم أنه ينبغي للإنسان أن يستفاد من ذلك: أن سليمان قد رتّب عمله في وقته، والثاني: أنه ينبغي للإنسان، خصوصًا المراد من أميرٍ وقاضٍ وعالمٍ ووجيه وغيره، أنه يجعل له وقتًا معيَّنًا تكون أوقاته محددة، حتى إن الناس يشعرون بأن هذا الرجل رجل منظّم، ويشعرون بأن الإنسان الفوضوي إن شاء جلس وإن شاء قام أنه ليس بمنظّم، فلا يعتبرونه شيئًا. ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل ٤٠]. في هذا دليل على أن جنود الله سبحانه وتعالى وهم الملائكة أقوى من الجن أو لا؟ لأن ذاك قال: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾، وهذا قال: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ أيهما أسرع؟ الأخير بلا شك ولا سواء. * طالب: (...). * الشيخ: لأن الذي عنده علم الكتاب عابد ولا صلة له إلا بالدعاء. * طالب: ما يقال (...) أن يبين للناس العلم الذي عنده. * الشيخ: لا ما هو بالظاهر؛ لأنه كونه يقول: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ مفصولة عن قوله: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ والأصل أن الكلام مع الإنس، فالظاهر أنه رجل ليس من الجن. * طالب: يقال: إنه جبريل هو الذي قال هذا؟ * الشيخ: لا، ما هو صحيح؛ لأن كل إنسان أو كل قائل ليس من البشر لا بد أن ينوه عنه؛ لأن الأصل أن البشر هم الذين يتخاطبون وهم الذين يتفاهمون، فإذا كان من غيرهم نوه عنه. * طالب: مثلما نوّه عن الجن. * الشيخ: مثلما نوّه عن الجن طيب وفي هذا دليل على كمال قدرة الله عز وجل؛ لأن كون هذا العرش العظيم يأتي من اليمن إلى الشام بلحظة، لا شك أنه من كمال قدرة الله التي لا يتصور الإنسان كيف تكون. الآن هل يمكن أن نتصور كيف جاء هذا من اليمن إلى الشام قبل أن يرتد إلى الإنسان طرفه؟ لو يطير طيرانًا أشد من الدخان ما تصورنا أنه يأتي بهذه السرعة، ولا نتصور أن الأرض كشطت كشطًا حتى التقى هذا بهذا أيضًا. فقدرة الله سبحانه وتعالى ما يمكن للإنسان أن يتصورها، تأتي فوق التصور، وهكذا جميع صفات الله ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣ - ١٤] كن. فجميع الخلائق كلهم على ظهر الأرض، مين يتصور هذا؟ تستطيع تصور هذا؟ ما تستطيع تصوره. يعني: لو كان من الأرض فتشقق تتفتح (...). المهم أن هذه نموذج من صفات الله سبحانه وتعالى في عجز العقل مهما بلغ عن إدراك كنه قدرة الله، وكذلك بقية صفاته، فأنت الإنسان علمك محدود وطاقتك محدودة، ولا يمكن أن تتجاوز أكثر مما تشاهد أو ما أطلعك الله عليه. وفي هذا دليل على فضل الله سبحانه وتعالى على سليمان، حيث سخّر له أهل العلم والجن، الجن بالأول، وصاحب العلم بالثاني. وهل قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ مبالغة ولّا حقيقة؟ حقيقة، وإلا لقلنا: إنه يجوز المبالغة في الأمور، ولكن على كل حال المبالغة في الأمور قد وردت في غير هذا النص، أن الإنسان يبالغ وإن كان ليس مقصودًا على سبيل الحقيقة، وقد جاء ذلك في القرآن وفي السنة أيضًا؛ المبالغة في الأمور. وفي هذا (﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا﴾ أي: ساكنًا ﴿عِنْدَهُ قَالَ هَذَا﴾ أي: الإتيان لي به ﴿مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ ). ﴿فَلَمَّا رَآهُ﴾ أي: سليمان، رأى العرش ﴿مُسْتَقِرًّا﴾. والاستقرار هنا أمرٌ زائد على مجرد الكينونة، ولو كان المراد بالاستقرار هنا مجرد الكينونة لكان ذكره غير بليغ، ولهذا فسّر المؤلِّف الاستقرار هنا بالسكون، يعني كأن له أزمانًا وهو في هذا المكان، فإن الذي ساب مثلًا أي شيء تسيبه، وتحطه في مكان تيجي تراقبه مثلًا، تعدله وتزينه، لا سيما مثل العرش الذي له قوائم في العادة، وهذا ثابت كأن له سنين، وهذا من كمال القدرة أيضًا. ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ﴾ (مِن) هذه لبيان الجنس ولّا للتبعيض؟ * طلبة: للتبعيض.. * الشيخ: يجوز هذا وهذا؛ لأنه إذا قصدنا بالفضل الجنس فهي لبيان الجنس، وإذا قصدنا بالفضل هذا الشيء المعيّن فهي للتبعيض على كل حال، هي صالحة لهذا وهذا. وقوله: ﴿فَضْلِ رَبِّي﴾ الفضل هو العطاء الزائد، وفضل الله تبارك وتعالى على العبد لا يُعد ولا يحصى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤]، ومن فضله على عبده أن يُحسن إليه، ثم يعد إحسانه إحسانًا؛ من فضل الله على العبد أن يحسن إليه ثم يعد إحسان العبد إحسانًا، فاهمين ذا؟ ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]. تقول: ما جزاء المحسنين الذين أحسنوا عملهم إلا أن يحسن إليهم، وإحسانهم عملهم إحسانٌ من الله، ولكن هذا من باب تمام الفضل من الله على عباده أن يعد إحسان عمله وهو منه إحسانًا منهم، كأنهم ما هم مستقلون به ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ اللهم لك الحمد. وقوله: ﴿رَبِّي﴾ الربوبية هنا خاصة، ولهذا أضافها إلى نفسه فقال: ﴿رَبِّي﴾. وقد مر علينا أن الربوبية عامة وخاصة، وأن العبودية كذلك عامة وخاصة، وأن الخاصة فيها ما هو أخص. وقوله: (﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ ليختبرني) واللام هنا للتعليل ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] فإن الربوبية لموسى وهارون غير ربوبية عباد الله الصالحين الآخرين. (﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ ليختبرني) واللام للتعليل (﴿أَأَشْكُرُ﴾ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفًا وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه) (...). (بتحقيق الهمزتين): ﴿أَأَشْكُرُ﴾. (إبدال الثانية ألفًا): ﴿آشكر﴾ هذه إبدالها ألفًا، (تسهيلها): ﴿أاشكر﴾ خليها همزة مسهلة بين الألف وبين الهمزة. (إدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه): يعني معناه إذا قرأت بالتسهيل فلها صورتان: إدخال ألف: ﴿آاشكر﴾ اللي بعد الألف همزة مسهلة، أو (...) بدون ألف يعني أن التسهيل يجوز فيه المد قبل التسهيل وعدم المد. (﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ للنعمة) فبماذا يكون الشكر؟ يكون الشكر بالثناء على الله تبارك وتعالى على هذه النعمة في ذاتها، وكذلك الاعتراف بالقلب بأنها محض فضلٍ من الله، وأنه ليس لك بها منة على ربك. والثالث: القيام بما تقتضيه هذه النعمة من واجب، وهذا الشكر الخاص ما هو الشكر العام؛ لأن الشكر يكون عامًّا بحيث يوصف الإنسان بأنه من الشاكرين على الإطلاق، ويكون خاصًّا بحيث يوصف بأنه من الشاكرين على هذه النعمة فقط. مثال ذلك: رجل آتاه الله مالًا، فالشكر خاص على هذا المال أن يتحدث بهذا المال على أنه من فضل الله ونعمته، وأن يعترف بقلبه أنه فضل من الله، ما يقول: ﴿أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]. والثالث: أن يقوم بواجب هذا المال من دفع زكاته، وما يترتب عليه من نفقات بسبب هذا المال، لكن قد يكون الإنسان مثلًا من جهة أخرى يعصي الله، يفرّط في الصلاة، مفرّط في الصيام، هذا نقول له: هل نصفه بأنه شاكرٌ على الإطلاق؟ * طالب: لا. * الشيخ: لكنه قائمٌ بشكر النعمة المعيَّنة. أفهمتم؟ إذن الشكر نوعان: شكر مطلَق وشكر خاص. فالشكر الخاص: أن يقوم بشكر النعمة المعيّنة بما تقتضيه، والشكر العام: أن يكون قائمًا بطاعة المنعم مطلقًا في جميع الأحوال. وأنت لو تأملت هذا وجدته موجودًا في عامة الأوصاف المحمودة والمذمومة أيضًا، فالتوبة قد يوصف الإنسان بأنه تائب توبة خاصة مقيّدة من ذنبٍ معيّن، وقد يوصف بأنه من التائبين على سبيل الإطلاق. قول سليمان ﷺ: ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ على أي وجه نحمله؟ * طالب: هو أشار إليه هذا، الظاهر أنه خاص. * الشيخ: إذا قلنا: إنه على العموم معناه أننا رمينا سليمان بأنه ليس بشاكرٍ لنعمة الله في غير هذا، وإذا قلنا: إنه على الخصوص، يعني: على هذه النعمة المعيّنة، فهو أولى، ولهذا قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي﴾ به ليختبرني به أأشكر الله عليه أم أكفر. فالظاهر أنها هنا على سبيل الخصوص، يعني: على هذه النعمة، أما النعمة الأخرى فنحن نؤمن بأن سليمان قد قام بشكرها؛ لأنه ﷺ كما مر علينا في قصة النملة قال مثل هذا الكلام ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ [النمل ١٩]. * طالب: نقول: هذه فعلًا قد تكون (...) في تأثيرها على ما أنزل الله به عليه من نعم أخرى.. * الشيخ: لا ما نقوله؛ لأن اللي نعتقد -وهو أقرب من حال سليمان- أنه قد شكر الله على النعم الأخرى. * طالب: قد تكون في الزيادة؟ * الشيخ: لا تحاول، أبدًا، هي على هذه النعمة، ﴿أَأَشْكُرُ﴾ ما قال: أأتم الشكر، لو قال: أأتم الشكر. أشكر: فعل مطلق. فالحاصل أن الذي يظهر لنا أنها على هذه النعمة، هل أشكرها أم أكفرها؛ لأن كل نعمة تحتاج إلى شكر خاص، والشكر العام معروف، الإنسان يقول: أشكر الله ويؤمن بقلبه أنه شاكرٌ لله على جميع النعم، لكن عند نعمة معيّنة تحتاج هي أيضًا إلى شكرٍ خاص، فالشكر على المال ليس كالشكر على الولد. مثلًا: إنسان عنده قوة وقدرة على الرمي والجهاد، ويش شكر ها النعمة ذه، أن يستعملها في الجهاد يجاهد، عنده قدرة على بيان الحق بما أعطاه الله تعالى من العلم والفهم، شكر الله على هذه النعمة أن يبيّن هذا الأمر. فتجد أن الشكر يختلف إذا اعتبرنا أيش؟ كل نعمة بحسبها؛ لأنه يختلف، نقول: شكر هذا غير شكر هذا، لكن الشكر المطلق أن نعتقد بأن جميع الفضائل والإنعامات كلها من الله سبحانه وتعالى، هذه يشترك فيها جميع الناس. ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ إذا قال قائل: كيف يقول سليمان: أم أكفر؟ والكفر كلمة نابية تنفر منه النفس، فلماذا لم يقل: أأشكر أم لا أشكر؟ مع أن المعنى واحد لكن هذه أهون. نقول: لأجل ردع نفسه عن المخالفة وعدم الشكر، حتى يبيّن لنفسه أنه إذا لم يشكر فمعناه هو الكفر، فلكل مقام مقال. قد تخاطب إنسانًا ترى أنه لم يشكر نعمة الله عليه، فتخشى إذا قلت: أنت كافرٌ بالنعمة أن ينفر منك ويزداد نفورًا حتى من النعمة، وإذا قلت: أنت لم تشكر تمام الشكر أو حق الشكر أو ما أشبه ذلك، وجدت أنه أهون، والأساليب تؤثر. يقال: إن ملكًا من الملوك رأى رؤيا فأفزعته، فقال: عليَّ بالمعبّرين أو بالعابرين، فأحضروا له العابرين وقال لهم: إني رأيت أن أسناني قد سقطت، فما ترون؟ فقام كبيرهم فقال: أرى أن أهلك سيموتون. انزعج الملك فقال: أوجعوه ضربًا. فأوجعوه ضربًا، وقال: اصرفوه، ها دول ما فيهم خير. ثم دعا بمعبّرين آخرين وقال لهم: إني رأيت أن أسناني قد سقطت، فقام كبيرهم وقال: الملك أطول أهله عمرًا، هذا فرح وقال: يلا ها دول هدهدوهم، مع أن المعنى واحد؛ لأنهم لو ماتوا لصار أطولهم عمرًا. الحاصل أن التعبير له دخل في قبول الحق والنفور منه، وقد مر علينا قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث قال لأبيه: ﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم ٤٣] ما قال: أنت جاهل ولا تدري ولا تعرف. ﴿قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم ٤٣] وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، بعض الناس يهبه الله سبحانه وتعالى قدرة على التعبير حتى إن العبارات تكون بيده كالعجينة، يلان له القول في كل ما يريد، فتجده يستطيع حتى لو أراد أن يخرج من لسانه كلمة لا يريدها على طول يجد بدلها، وبعض الناس ما يستطيع، فالله سبحانه وتعالى يهب فضله من يشاء. إذن: ﴿مَنْ كَفَر﴾ نقول: عبّر بهذا التعبير لأجل أن يردع نفسه عن المخالفة وعدم القيام بالشكر. (﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عن شكره ﴿كَرِيمٌ﴾ بالإفضال على من يكفرها ). يعني: من كفر فإن ربي غني عن شكره، أو غني مطلقًا، ومن جملة ما هو غني عنه شكر هذا الإنسان على نعمة الله، فإن الله تعالى ما أنعم على العباد لحاجته إلى أن يشكروه، بل لفضله عليهم وظهور آثار أوصافه. ظهور آثار صفاته العظيمة ما يكون إلا بأفعاله التي من جملتها النعم، أو النقم أيضًا ليظهر بذلك صفات الانتقام والغضب. وقوله: ﴿كَرِيمٌ﴾ أي: أنه سبحانه وتعالى قد يبقي النعمة على من كفرها تكرمًا منه أحيانًا، وأحيانًا استدراجًا، والله تبارك وتعالى حكيم يهب فضله من يشاء، قد يبقي الله النعمة على الكافر بها استدراجًا؛ ولّا لا؟ لقوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران ١٧٨]، ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ [الأعراف ١٨٢، ١٨٣]. وقد يبقي الله تعالى النعم مع الكفر تربيةً، بحيث أن الإنسان يفتح الله عليه في التأمل فيخجل من الله عز وجل أن يكون هو يبادر الله تعالى بالمعاصي والله تبارك وتعالى يدر عليه النعم، فيرتدع. وهذا هو ظاهر قوله: ﴿كَرِيمٌ﴾؛ لأن الكرم في مقابل الكفر ما يكون إلا حيث يكون ذلك الكرم من مصلحة من؟ الكافر بها، وإلا ما ظهر آثار الكرم بل ظهر آثار الحكمة، لو قال: حكيم صار هذا يشمل من تدرج الله به حتى أهلكه، لكن (كريم) ما يتم الكرم للكافر بالنعمة إلا حيث كان إبقاء النعمة عليه مصلحة له، لأجل أن يعود. ثم قال سليمان: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل ٤١] نكروه (أي: غيروه إلى حال تنكره إذا رأته). والتنكير يحصل بتغيير أدنى صفة من صفاته ولّا لا؟ أدنى صفة من صفاته يحصل بها التنكير، إذا كان مثلًا قوائمه طويلة يمكن يقصّر القوائم فيكون تنكيرًا، إذا كان لون إحدى عواضده مثلًا أحمر ممكن يخليها أخضر، يعني سواء هذا التنكير بالأجزاء أو باللون أو بالفرش بغير فُرُش، الظاهر أن هذا داخل في التنكير. ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾، ﴿نَنظُرْ﴾ ويش اللي جابها (...)؟ * طالب: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل ٤١] (نكروا) هذا طلب. * الشيخ: (نكّروا) فعل أمر، و(ننظر) مجذوم على أنه جواب الأمر، نعم هذا صحيح. نكّروا ننظر، شوف العظمة كلمة نكّروا ولم يوجه الخطاب إلى شخص معيّن يدل على أن كل جنوده في طاعته ولَّا لا؟ لأنه لو كان يخشى أن أحدًا من الجنود يتمرد لكان يوجه الخطاب إلى شخصٍ معيّن لأجل أن يحرجه فلا يستطيع أن يقول: لا، وهكذا عظمة السلطان تكون بمثل هذا، عندما يقول السلطان مثلًا أو الأمير: قهوة يا ولد. كل الحاضرين يفزعون، قهوة قهوة وتجيه بسرعة. ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ نقول: هذه أيضًا خطاب عظمة، ولهذا قال: ﴿نَنظُرْ أَتَهْتَدِي﴾؛ إما أنه يقصد نفسه ويكون تعظيمًا، أو مع جنوده وحاشيته ينظرون جميعًا ﴿أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل ٤١]. وهذا كله أيضًا من أساليب الاختبار الذي يختبر به سليمان هذه المرأة كما اختبرها أيضًا فيما يأتي في مسألة الصرح، وأما عن قول المؤلّف وغيره أن رجلها رجل حمار، فهذه من الإسرائيليات المكذوبة، فقدمها كقدم غيرها. * طالب: خشي أن فيها برصًا فيريد أن يتزوجها. * الشيخ: كل هذه ما هي صحيحة، وبيجينا إن شاء الله تعالى. * الطالب: تزوجها يا شيخ؟ * الشيخ: على كل حال هي جديرة بأن تزوج لأنها أسلمت وكانت ذكية. * طالب: ما فيه دليل على تصرف الإنسان في ملك غيره، فيتصرف بالعقل؟ * الشيخ: إن كان هو بالآيات السابقة نحن نقبل منك الفائدة هذه، وإن كان هو بالآيات اللاحقة درس اليوم ما نقبله. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * طالب: في قوله: (...). لا يدل بأن مقام النبوة أعظم كثيرًا من الملك (...) ما يقدمونه العوام (...) علم. * الشيخ: لا. حتى الإنسان العادي يقول كذا؛ لأن (...) هذه، صارت هذه خاصة في مثل مقام سليمان، وليس كذلك، حتى الإنسان (...) نفسه، يقول: أنا الله ما أعطاني هذه إلا ليبلوني أأشكر أم أكفر. * طالب: وأيش كفر نعمة في الواقع؟ ماهو كفر مطلق، وإنما كفر نعمة؟ * الشيخ: احنا قلنا قبل قليل: الشكر، والتوبة، والكفر، والإيمان كل هذه تتبعض وتكمل، مطلق شيء وشيء مطلق. * طالب: لا أقصد هذه يعني.. * الشيخ: لا. هنا المراد به كفر النعمة. * طالب: كفر نعمة واحدة، يعني ما بيحذف من واحد. * الشيخ: محذوفين لكن ما يناسب.. الطالب: (...) العلم. * الشيخ: لا، ما حاجة هذه؛ حتى الإنسان العادي يقول كذا؛ لأنك إذا قلت هذه، صارت هذه خاصة بمثل مقام سليمان وليس كذلك، حتى الإنسان اللي (...) نفسه، يقول: إن الله ما أعطاني هذه إلا ليبلوني أأشكر أم أكفر. * طالب: كفر نعمة الله، ما هو كفر مطلق، وإنما..؟ * الشيخ: قلناها قبل قليل، الشكر والتوبة والكفر والإيمان كل هذه تتبعض وتكمُل، مطلق شيء وشيء مطلق. * الطالب: لا أقصد، هل هي..؟ * الشيخ: لا، هنا المراد بها كفر النعمة. * الطالب: كفر النعمة واحد، ما فيه قسم واحد. * الشيخ: معلوم، فيه قسمان (...). * طالب: شيخ، من فضل الله جل وعلا على عباده إنما هو لأجل فطوره (...) طيب قول بعض السجع: فهو الخالق وإن لم يوجد المخلوق؟! * الشيخ: كان الله خالقًا؛ بمعنى هذه الصفة صفة له قبل أن يوجد المخلوق. * الطالب: وإن لم يوجد المخلوق. * الشيخ: قصدهم قبل أن يخلق، كما أنه سبحانه متصف بالكلام مع أنه يتكلم بمشيئته، فهو متصف بالخلق مع أنه يخلق بمشيئته (...). ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل ٤٠]. * أولًا، في هذه الآية من الفوائد: التحدث بنعمة الله سبحانه وتعالى بإضافة النعمة إليه؛ لقوله: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾، وهذا هو الواجب شرعًا والمقتضى عقلًا؛ لأن إضافة النعم إنما تكون إلى مُسْدِيها ومُولِيهَا، وفي هذا دليل على إثبات التعليل لأحكام الله سبحانه وتعالى الكونية كما ثبت ذلك في الأحكام الشرعية، من أين يؤخذ؟ * طالب: ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾. * الشيخ: نعم، منين؟ * طالب: من اللام، للتعليل. * الشيخ: من اللام، للتعليل. * وفيه: دليل على تعليل أحكام الله الكونية، كما أن أحكامه الشرعية كذلك معللة؛ ففيه ردٌّ على الجهمية الذين يقولون: إن فعل الله سبحانه وتعالى ليس معلَّلًا، إنما يفعل لمجرد المشيئة، إذا شاء فعل لحكمة ولغير حكمة. * وفيه: دليل على اختبار المرء فيما يُظْهِر حقيقةَ أمره؛ لقوله: ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾. * وفيه أيضًا، ننظر ها الفائدة الآتية: إنه يجوز اختباره، وإن كان المختبِر يعلم مآله، هل يمكن أن يؤخذ هذا؟ أو نقول: إن هذا خاصٌّ فيما يتعلق بالله، أنك تختبر إنسانًا لو إنك تعلم مآله، وأما بالنسبة لله فهذا أمر واقع، لكن بالنسبة للإنسان تختبر الإنسان وأنت تعرف مآله، هذا يُنْظَر فيه إلى المصلحة، قد يكون محرَّمًا، كما لو أردت أن تُظْهِر ضعفه أمام الناس وتُخَجِّلُه، وقد يكون واجبًا كما لو كان إنسانًا داعية إلى ضلالة وأردت أن تختبره ليتبين أمره للناس، وأنت تعرف أن ما عنده جواب لما اختبرتَه به، لكن تريد أن تظهر للناس أمره، فهو بالنسبة لله سبحانه وتعالى ممدوح كله؛ لأن الله يعلم المآل، لكن بالنسبة للإنسان، فاختباره عما يعلم مآله على حسب المصلحة والفائدة. وفيه إشكال؛ حيث قد يقال: أليس الله تعالى يعلم فيما يؤول إليه الأمر؟ فالجواب: بلى، إذن ما فائدة الاختبار، وهو يعلم؟ * الطالب: ابتلاء الخلق بهذا العاصي، مثل ما فعل في إبراهيم؛ لما أمره بذبح ابنه، هو يعلم أنه لن يحصل هذا وهو أنه سيذبحه، لكن أمره ليبتليه. * الشيخ: ليترتب الجزاء على ظاهر الحال؛ لأن الله لو جازى الإنسان على ما يعلم من حاله قبل أن يبلوه لكان ذلك ظلمًا في ظاهر الحال، فإذا ابتلاه فأطاع أو عصى تبيَّن الأمر، فيكون هنا الفائدة عظيمة وهي ظهور أثر هذا الشيء للناس، وأنه ليس بظلم من الله سبحانه وتعالى للعباد، (...) وظهور أيضًا نعمة الله على العبد العامل إذا أطاع حيث يشكر الله سعيه. فالحاصل: أن الابتلاء في مثل هذه الأمور فائدته أن يجري الجزاء على ظاهر الحال لا على علم الله. وهل يؤخذ منه أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه؛ لأنه إذا كان الله سبحانه وتعالى وهو أحكم الحاكمين لا يحكم بمجرد العلم حتى تظهر الآثار، فالقاضي من باب أولى؟ ولهذا ذكر أهل العلم أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه، لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣ / ٤) من حديث أم سلمة.]]. هذه قد يقال: إنها تؤخذ، وقد يقال: إن هذا توسُّع في الاستدلال وأنها لا تؤخذ من هذه الآية، وفي هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يخاطب نفسه بما تقتضيه الحال؛ لقوله: ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾؛ فإننا ذكرنا أن قوله: ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ هذه العبارة شديدة من أجل أن يَرْدَع نفسه عن ممارسة كفر النعمة. * وفي هذا دليل على: أن الإنسان الذي يشكر الله ليس يُسْدِي إلى الله سبحانه وتعالى نفعًا أو يدفع عنه ضررًا، وإنما هو إذا شكر فإنما يشكر لنفسه، المصلحة لنفسه، ليست لله. * وفيها أيضًا دليل على: أن الشاكر يثاب؛ لقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾، ولم يقل: عن نفسه، بل قال: لنفسه، فدل ذلك على أن للشاكر ثوابًا يُجازى به، وهو كذلك. * وفي هذا دليل -في قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ - دليل على أن العامل عملُه له وليس لغيره، إلَّا أنه قد يؤخذ منه مقاصَّة كما جاء في الحديث الصحيح في المفلس «الذي يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، وقد ظلم هذا وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته»[[أخرجه مسلم (٢٥٨١ / ٥٩) من حديث أبي هريرة.]]، وإلَّا فثوابك لك، ما يمكن أحد يعتدي عليه أبدًا أو يأخذه، فهو مدخَّر عند الله سبحانه وتعالى. * طالب: الصدقة عن الميت؟ * الشيخ: الصدقة عن الميت من عملك؛ لأنك أنت الذي اخترت أن يتحوَّل إلى هذا إنما ما يؤخذ منك، وأما إذا أنت أردته فهذا من عملك؛ لأن عملك قد يكون تريده لك أو لغيرك، وهذا أيضًا مقيَّد بما جاءت به السنة. وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ ما قال: ومن كفر فإنما يكفر على نفسه كما قال: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ لأن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، وإلا فالحقيقة أن من كفر فعلى نفسه، مثلما قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت ٤٦] لكن أحيانًا يكون السياق يقتضي خلاف ذلك، فهنا يقول: من كفر فإنه لا يضرُّ الله شيئًا؛ لأن الله تعالى غنيٌّ عنه وعن شكره، وهو مع ذلك كريم، قد يجود على الكافر في الإمهال لعله يشكر؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾. قال الله تعالى.. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ إضافة الفعل إلى العبد. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: على أيش؟ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هو على الجَبْري واضح، لأنه أضاف الشكر إلى نفسه. * الطالب: ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ (...)؟ * الشيخ: ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ هذا من فعل الله. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي، لكن هو الآن العطاء من فضل الله سبحانه وتعالى، وما هو بيتحدث عن عمله، ما قال: إن عملي من الله، قال: هذا العطاء الذي تفضل الله به هو من الله سبحانه وتعالى. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: على الجبري، نعم، اللهم إلا في قوله: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ مع أن الذي قال: أنا آتيك به، هو الذي عنده علم من الكتاب، لكن حتى ما يستقيم؛ لأن الذي عنده علم من الكتاب ما جاء به بنفسه. ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل ٤١]. * يستفاد من هذا أيضًا: امتحان الغير بما يُعْرف به ذكاؤه وفطنته؛ لقوله: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ وقد سبق أن المراد بتنكيره تغييره؛ والعلة في ذلك قوله: ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿أَتَهْتَدِي﴾ أتعرف أم تكون من الذين لا يعرفون، وكيف تعرف أو لا تعرف؟ لأنه لو بقي العرش على ما هو عليه لعرفته، ولو غُيِّر نهائيًا لكان لها العذر في أن لا تعرفه، ولكنه إذا غُيِّرت صفته وبقي أصله حينئذٍ يعرف به ذكاؤها هل تعرفه، والمقام في الحقيقة هنا مقام مدهش، ليس مقامًا عاديًّا طبيعيًّا؛ لأنها هي سوف تستبعد أن يُؤْتَى بعرشها وهو محفوظ في مكانه ومحروس ثم يؤتى به إلى سليمان. ثم أيضًا لعلها حسب الطبيعة والعادة تستبعد جدًّا أن يسبقها العرش، مع أن الظاهر أنها أتت إلى سليمان بأسرع ما يمكن من السير. فعلى كل حال، هذا التنكير سوف يدل على دهائها وعقلها، والأمر سيأتي بيانه إن شاء الله قريبًا. وقوله: ﴿أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ مثل قوله للهدهد: ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ما قال: أم لا تهتدي، بل قال: ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾. وفيه أيضًا: في هذا الامتحان إشارة إلى أنها إذا كانت تعرف عرشها مع تغييره فكيف لا تعرف أن الذي يستحق العبادة هو الله؟ لأنها هي وقومها يسجدون للشمس من دون الله، كما مر، فإذا كانت هي تعرف عرشها مع تنكيره فإنه لا شك أن معرفتها بأن الله تعالى هو المستحق للعبادة من باب أولى، فهذا وجه من أوجه الاختبار في هذه القصة. ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾. * طالب: سليمان قال: إذا عرفت عرشها..؟ * الشيخ: فهي أولى أن تعرف أنه مستحق للعبادة. * الطالب: تمهيد لها بأن تعرف. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هنا ما في؟ لأنه ما في مخاطبة الله، لكن تغيير ها العبارة مثل الأول، وإلَّا ما هو يخاطب، يخاطب قومه، يخاطب الملأ من قومه. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ﴾ أظن ما قرأنا كلام المفسِّر؟ * الطالب: حتى الآية: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾. * الشيخ: (﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾ إلى معرفته ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ إلى معرفة ما يُغَيِّر عليهم، قصد بذلك اختبار عقلها). * طالب: (...). * الشيخ: للمصلحة، يجوز للمصلحة، لمصلحة الغير؛ لأن هذا لمصلحتها هي، وقد يقال: إن سليمان عليه الصلاة والسلام تصرف فيه بناء على أنها لم تظهر إسلامها بعد، وأنها إلى الآن وهي في حرب، ما بعد استقر الأمر. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إلى الآن ما علم ولا تحقق، وإن كان هو يقول: قبل أن يأتوني مسلمين، لكن قد يكونوا مسلمين لله أو مستسلمين له. وعلى كل حال إلى الآن ما بعد ما يُحكَم عليها حتى الآن إلا بعد أن تظهر إسلامها. (قيل له: إن فيه شيئًا فغيروه بزيادة أو نقص أو غير ذلك).

النمل 27:41

﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ﴾ لها ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ أي: أمثل هذا عرشك؟ ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ أي: فعرفته. ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ﴾ يعني: إلى سليمان، ونظرت إلى العرش قيل لها: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾، والقائل إما سليمان أو أحد جنوده، ولم يبيَّن؛ لأن المقصود معنى هذا القول دون قائله. وقوله: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُك﴾ الاستفهام هنا على حقيقته، والمراد به: الاستخبار، و (الهاء) للتنبيه، و (الكاف) حرف جر حالت بين هاء التنبيه واسم الإشارة، مع أن هاء التنبيه تقترن باسم الإشارة، لكن الكاف تحول بينها وبين اسم الإشارة لمباشرة حرف الجر للمجرور ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾، ولكن أيضًا هو خاصٌّ بالكاف، لو أنك أتيت بحرف جر سوى الكاف ما جاز أن تفصل بينه وبين اسم الإشارة؛ لو قلت مثلًا: ألهذا حضرت؟ ما يصح تقول: أهلذا حضرت، ما يصلح، يعني: ما يفصل بين اسم الإشارة وبين هاء التنبيه بأي حرف من حروف الجر إلا بالكاف فقط. إذن نقول: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم، و﴿عَرْشُكِ﴾: مبتدأ مؤخر، وتقديم الخبر هنا جائز ولّا واجب؟ واجب لأجل الاستفهام؛ لأن له الصدارة. وهنا ما قالوا: أهذا عرشك، بل قالوا: أهكذا عرشكِ؟ يعني: هل عرشكِ مثل هذا؟ هي أجابت بمثل ما سئلت عنه، فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ و(كأن) للتشبيه، ولم تقل: إنه هو، ولم تنف؛ السبب أنه مشابه لعرشها من حيث الأصل ومخالف له من حيث الصفة لأنه غُيِّر، وهذا أيضًا من ذكائها أنها لما وقع في نفسها أنه عرشها لكن تغيرت صفته قالت: كأنه هو، والجواب مطابق للسؤال. والمؤلف سلك في هذا مسلكًا غريبًا، قال: (أي: فعرفته وشبهت عليهم كما شبهوا عليها؛ إذ لم يقل: أهذا عرشكِ، ولو قيل هذا قالت: نعم). ما ندري هل تقول: نعم أو تقول كأنه هو، إنما جوابها مطابق للسؤال ومطابق لمقتضى الحال؛ أما مطابقته للسؤال فلأنه قيل لها: أهكذا؟ يعني: أهو مثل هذا، فكان الجواب: كأنه هو، وأما مطابقته لمقتضى الحال فلأن المرأة رأت أن العرش قد غُيِّر، فلم تجزم بنفيه ولم تجزم بإثباته، إن نُظِر إلى أصل الكرسي أو العرش فهو هو، وإن نُظِر إلى صفته فليس إياه، لذلك كان جوابها جيدًا جدًّا وليس فيه تشبيه كما قال المؤلف، هذا ما فيه تشبيه. ولو قالوا: أهذا عرشك؟ ما ندري هل تقول: نعم أو تقول: كأنه هو، وجزم المؤلف بأنها تقول: نعم ليس بصحيح، لأن المرأة ذكية جدًّا، والإنسان إذا حصل له مثل هذه الحال هل يجزم بأن ما شاهده هو ما كان يعرفه من قبل؟ ما يجزم، بل إن مقتضى الحزم والتحرز أن يقول؟ ويش كان يقول؟ * طالب: كأنه. * الشيخ: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾، هذا مقتضى الحزم، لا سيما مع القرائن التي تبعد أن يكون إياه كما في هذه القصة، فإنه عرش محوط محروس من مكان بعيد، فيبعُد أن يمثل أمامها في هذه الحال. المهم يا جماعة الآن أننا نأخذ من جوابها هذا نأخذ منه ذكاءها من وجهين: أولًا: أنها أجابت بجواب مطابق للسؤال، هذا واحد. وثانيًا: أنها أجابت بجواب مطابق لمقتضى الحال؛ إذ الجزم بهذا تسرُّع، ونفيه تباطؤ أيضًا، واحتمال أن يكون إياه. ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ كأن للتشبيه. * طالب: ليس في كلامها تشبيه؟ * الشيخ: لا، هو يقول: شبَّهت عليهم؛ يعني: لبست عليهم، ما قال: شبهته. ثم قال: (قال سليمان لما رأى لها معرفة وعلمًا: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ ). وجه ارتباط هذا الجملة بما سبق أنه أراد أن يتحدث سليمان بما أنعم الله به عليهم من العلم، العلم يشمل العلم الشرعي، ويشمل العلم بقواعد الملك ومثبتاته، وما أشبه ذلك؛ يعني: كأنهم أو كأن الملأ من قومه لما رأوا ما رأوا من ذكائها ومعرفتها وتحرزها وتثبُّتها رأوا أمرًا عظيمًا، فأراد سليمان ﷺ أن يذكِّرهم بما هو أعظم من ذلك، وهو ما آتاهم الله تعالى من العلم السابق والإسلام: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾. ويرى بعض المفسرين أن قوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ من قول المرأة، يعني: كأنه هو وأوتينا العلم، وأن المسألة متصلة، يصير ﴿مِنْ قَبْلِهَا﴾ أي: مِن قبل هذه القضية، أي: أننا عندنا علمًا من قبل هذه القضية فلا تعجب من علمنا بهذا فإن لنا علمًا سابقًا، ولكن هذا الاحتمال -وإن ذُكر- ضعيف، والصواب: أن هذا من قول سليمان عليه الصلاة والسلام؛ يتحدث فيه بنعمة الله سبحانه وتعالى عليه وعلى قومه السابق لمعرفة هذه المرأة. * طالب: لا بد (...) فعل القول (...). * الشيخ: وين؟ * الطالب: من ﴿قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾؟ * الشيخ: (...) لا، ما يتعين، من قوله: ﴿وَأُوتِينَا﴾ لأنه قد يقولها أحد جنوده، ثم هو يتكلم بعد ذلك بعدما تحصل المشاهدة هذه يقول: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يجوز (...) عليها (...). قال: ﴿وَصَدَّهَا﴾ عن عبادة الله ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إذن ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إعرابها أنها فاعل، يعني: صدها الذي كانت تعبد من دون الله، ويحتمل أن تكون (ما) مصدرية، أي: وصدها كونها تعبد من دون الله، لكنه وإن كان سائغًا لغة لكنه ليس له محل هنا، فـ (ما) هذه اسم موصول. وقوله: ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾ ما هو الذي تعبد من دون الله؟ * طالب: الشمس. * الشيخ: الشمس، والعائد على (ما) الموصولة محذوف، التقدير: ما كانت تعبده من دون الله. و(صد): بمعنى صرف، ومناسبة هذا لما سبق، أنه يقال: إذا كانت هذه المرأة بهذا الذكاء وهذه المعرفة فلماذا لم تعبد الله مع ظهور أن العبادة لله وحده؟ بيَّن أن الذي صدَّها عن عبادة الله أنها اشتغلت من أول أمرها بعبادة غير الله، لأنها كانت من قوم كافرين، فنشأت في بيئة كافرة واشتغلت بعبادة المخلوق عن عبادة الخالق، فكأن هذه المرأة مع كونها ذكية وفاهمة وعندها احتراز وتحفظ كأنها مع ذلك إنما عدلت عن عبادة الله مع ظهورها ووضوحها بسبب انشغالها بالباطل، والنفس لا بد أن تكون مشغولة إما بالحق وإما بالباطل، ولا بد أن تكون كاسبة: إما كاسبة حرامًا أو حلالًا؛ إن أخذت ما لا حق لها فيه فهي كاسبة حرامًا، وإن أخذت ما لها حق فيه فهي كاسبة حلالًا. فهنا نقول: مناسبة قولها لقوله: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أنه كالجواب عن سؤال مقدَّر، وأيش السؤال المقدر؟ لماذا لم تعبد الله؟ فقال: إنه صدها عن عبادة الله ما كانت تعبد من دون الله وكانت من قوم كافرين، فقد نشأت من أول أمرها في بيئة كافرة، وقد أخبر النبي ﷺ أن «كُلّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٢) من حديث أبي هريرة.]]. ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وقيل: إن (صدها) الفاعل يعود على سليمان؛ أي: أن سليمان منعها ما كانت تعبد من دون الله، أي: منعها عما كانت تعبد من دون الله بسبب ما رأت من الملك العظيم الذي لسليمان عليه الصلاة والسلام، ولكن الأول أولى بالسياق: أن ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾ فاعل، لكن هنا لا بأس أن نذكر الاحتمال؛ لأنه ربما يكون عند التأمل يظهر أن هذا الاحتمال صحيح. قال الله تعالى: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ يعني: بيئتها منذ نشأت وهم كافرون بالله سبحانه وتعالى يعبدون الشمس، فلهذا اشتغلت بعبادة غير الله عن عبادة الله. وسيأتي إن شاء الله ما في هذه الجملة من الفوائد. (﴿قِيلَ لَهَا﴾ أيضًا، ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ ) والقائل -كما قلنا- مبهم؛ إما سليمان أو غيره. وهذا الصرح يقول المؤلف: (هو سطح من زجاج أبيض شفاف تحته ماء عذب جار، فيه سمك اصطنعه سليمان لما قيل له: إن ساقيها وقدميها كقدمي الحمار). أما قوله: إنه (سطح من زجاج أبيض) هذا صحيح، سطح من زجاج أبيض، والأصل في الصرح أنه البناء العالي، كما قال فرعون لهامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر ٣٦] لكنه يُطلَق على السطح وإن لم يكن عاليًا، وهذا عبارة عن سطح من زجاج وتحته ماء. يقول المؤلف: (إنه جارٍ)، وأخذ كونه جاريًا من قوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾؛ لأن اللُّجَّة هي أمواج البحر المترددة، لأن كل شيء متردد يُسمى لَجَّة، ومنه اللَّجَّة تردد الأصوات وارتفاعها، فالظاهر أن المؤلف أخذ الجريان -وإلا ما في الآية ما يدل على أنه جريان- أخذه من قوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾. وقوله: (فيه سمك) هذا ما هو بشرط، ليس فيه شرط أن يكون فيه سمك؛ لأن اللجة قد تكون فيها سمك وقد لا تكون، وقد يكون فيها سمك بعيد لا يُرى. وكذلك أيضا قوله: (إنه ماء عذب) ما في دليل على أنه عذب ولا أنه ملح، فلا ندري، المهم أنه ماء، بدليل ما يأتي. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، لأن العذب قد يبقى فيه السمك ما شاء الله. * طالب: (...)؟ * الشيخ: صحيح. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ويبقى فيه حتى هذا، بس أنه ما يعيش العيشة الكاملة، اللهم إلا كان فيه مثلما قال الإخوان: فيه أسماك خاصة في الملح، ما يكفي. المهم على كل حال، كل هذا لا داعي له، حتى لو قال قائل: إنه ليس تحته ماء. لو قال قائل: وأن الزجاج هذا يعطي كأنه ماء، بسبب مثلًا أضلاع فيه ولّا شيء، لو قيل بهذا لم يكن بعيدًا، لأنه ما يتعين أن يكون تحته ماء، ما هو متعين، على كل حال، ما هو متعين، لكن نحن إن تنازلنا وقلنا: إن قوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ خله زجاج شفاف وتظنه بحرًا. وأما قوله: (لما قيل له: إن ساقيها وقدميها كقدمي الحمار) يقولون: إن الجن لما أنَّ سليمان أعجبته هذه المرأة هَمَّ أن يتزوجها فحسدوها على ذلك، فقالوا له: إن قدميها وساقيها قدما دابة وساقا دابة، وحطوها بعد حمار؛ لأنه أقبح وهذا ليس بصحيح. وإنما المقصود من هذا الصرح اختبار المرأة أيضًا، لأنه لما قيل: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ هي في الحقيقة إذا كانت تحسبه لُجَّة، إذا كانت جبانة تدخل ولّا ما تدخل؟ ما تدخل أصلًا، وإذا كانت مغفلة دخلت وثيابها نازلة، وإذا كانت حازمة وشجاعة دخلت ورفعت عن ساقيها، دخلت هذا ورفعت عن ساقيها. ثم هي أيضًا من ذكائها: أنها تعلم أنها ما أُكرمت وقيل لها: ادخلي الصرح وهي ستُدخل في بحر لُجِّيٍّ يغرقها، فعلمت أن هذا البحر أن غاية ما فيه أن يصل إلى ركبتها أو نحو ذلك، وأنه لا يمكن أن يكون بحرًا لجيًا عميقًا، لماذا؟ لأنها قيل لها على سبيل الإكرام: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾. فالمهم أن هذا أيضًا اختبار ثان لذكائها وحزمها وشجاعتها، وأما أن رجلها رجل حمار فهذا كذب بلا شك، والأصل فيها أنها امرأة مثل بنات آدم ليس فيها شيء من هذا. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ما ندري عن شريعة مَنْ سبق (...). قال: (﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ من الماء ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ ) وهذا لا شك أنه يدل على حزمها وقوتها وشجاعتها، لأن الإنسان الغريب إذا حصل له مثل هذا الأمر قد يقول: ما أدري، يمكن يخدعونني ربما أطب في هذا وأموت، لكنها قويَّةً وحازمة أيضًا، أقدمت على الدخول لكن مع الاحتراز عن الأذِيَّة؛ حيث رفعت عن ساقيها. والرفع عن الساقين (إبراهيم) يقول: يؤخذ منه جواز إظهار المرأة للساقين، ونحن نقول: أولًا: لا يؤخذ منه ذلك، لأنه هنا فعلته للحاجة، وكشف المرأة ساقيها للحاجة لا بأس به حتى في شريعتنا، إذا احتاجت المرأة إلى كشف ساقيها في مثل هذه الحال فلا حرج فيه، لأن ما حُرِّم تحريم الوسائل تبيحه الحاجات كما هو مقرر في علم الأصول، المحرم تحريم وسائل تبيحه الحاجات؛ ولهذا يجوز النظر إلى العورة لأدنى حاجة، حتى إنهم قالوا: يجوز أن يحلق عانةَ مَنْ لا يُحْسِن حلْقَ عانته، وهذا بالضرورة سوف يكشف العانة لتُحْلق. فالحاصل أننا نقول: إن كانت شريعة سليمان تبيح مثل ذلك فلا دلالة فيه، وإذا كانت لا تبيحه فإنه أيضًا لا يخالف شريعتنا، لأن الحاجة هنا تدعو إليه. (﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ لتخوضه، وكان سليمان على سريره في صدر الصرح فرأى ساقيها وقدميها حسانًا) اطمأن الآن الرجل، اطمأن، ولكنها ليست كما قال المؤلف، ما هو الغرض من هذا أن يَتَبَيَّن لسليمان هل رجلها رجل حمار ولّا رجل آدمية؟ لا، الغرض أن يعرف بهذا ذكاءها وفطنتها وشجاعتها، وكل ما تدل عليه هذه الصورة من معنىً يعود إلى المرأة فإنه يريده سليمان عليه الصلاة والسلام. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: بيجي أكيد. (﴿قَالَ﴾ لها ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ مملس ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ أي: زجاج). هذه الجملة أيضًا تفيد أنه قُصِد به مع اختبارها وامتحانها إظهار عظمة ملك سليمان مثلما قُصِدَ بإحضار العرش هذا المقصد. ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ فتبين بذلك أمران؛ أحدهما: عظمة ملك سليمان؛ حيث إن الزجاج يصنع له حتى يكون كالبحر اللجي، وثانيًا: الإشارة إلى أن هذه المرأة وإن كانت ذكية وعاقلة وحازمة فإنها يَخْفَى عليها الأمر، ولّا لا؟ لأنها حسبت أن هذا الزجاج لُجَّة من الماء مع أنه ليس كذلك، ففيه نوع من إظهار ضعفها أيضًا؛ حيث إنه ظَنَّت الأمر على خلاف ما هو عليه. وسيأتي إن شاء الله تعالى في هذا من فوائد الآيات ما.. * الطالب: (...) صرح ممرد من قوارير أنه ليس به ماء؟ * الشيخ: (...) ما يستبعد؛ لأن وجود الماء تحتها مثل ما قلتُ ما هو بلازم. ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ حينئذٍ عرفت مكانها وعرفت مكانة سليمان. وقوله: (ودعاها إلى الإسلام) ليس في الآية ما يدل عليه، بل إن الظاهر ألجأها ما شاهدته إلى أن تُسْلِم؛ لأنها شاهدت أمورًا؛ منها إتيان عرشها، ومنها: هذا الصرح العظيم الممرد من القوارير. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هي ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾. ومنها أيضًا: أن سليمان عليه الصلاة والسلام أخبرها بعظمته وقوته؛ حيث إن هذا صرح ممرد من القوارير وليس ماءً، حينئذٍ اعترفت (فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بعبادة غيرك). وعبادة غير الله من أعظم الظلم، قال الله تعالى عن لقمان لما قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]؛ لأن أعظم الظلم أن تتسلط على من حقه أبين وأوضح، ولا أبين وأوضح من حق الله على العباد؛ لهذا كان الشرك أظلم الظلم. عندما تخاصم إنسانًا وأنت تعرف أن الحق له لا لك تُعَدُّ ظالمًا، عندما يشتبه عليك الأمر بحيث ترجح ثمانين في المئة أنه له وعشرين في المئة أنه لك، يكون هذا الظلم أخف من الأول، عندما يكون خمسين في المئة لك وخمسين في المئة له يكون أخف من الثاني، عندما ترجح ثلاثين في المئة له وسبعون لك يكون أخف، وهكذا. فالمهم أن الظلم يكون أقبح وأشنع بحسب ظهور الحق وبيانه، وأظهر الحقوق وأبينها: عبادة الله سبحانه وتعالى، فيكون أظلم الظلم الإشراك مع الله، أن تشرك مع الله أحدًا؛ ولهذا تقول: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾. إذن: النفس عندك أمانة يجب عليك أن تسعى لها بما فيه خيرها، فأنت يجب أن تسعى لنفسك بما هو خير لها؛ فإن تجرأت على ما ليس لك فقد ظلمت نفسك، أو فرطت فيما يجب عليك فقد ظلمت نفسك، وإذا كنت لا تستطيع أن تتصرف في بدنك بما تريد فكيف تستطيع أن تتصرف في فعلك بما تريد؟! لو أن إنسانًا قال لشخص: أنا بأعطيك إصبعي، اقطع إصبعي وحطه (...) اللي ناقص باصبعك بيجوز؟ * طالب: ما يجوز. * الشيخ: ما يجوز، لو قال: بقلع عيني لك وحطها بعينك اللي ما تشوف يجوز؟ * الطالب: لا يجوز. * الشيخ: لا يجوز، إذا كان هذا لا يمكن في جسم مآله إلى الفناء فكيف يكون ذلك في الأفعال التي عليها مدار سعادة العبد؟ فلا يجوز أن تتصرف في أفعالك فيما يعود على نفسك بالضرر، فإن فعلت فأنت ظالم. قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (﴿أَسْلَمْتُ﴾ كائنةً ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ ). أفاد المؤلف بتقدير كائنة أن الظرف في قوله: ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ في موضع الحال، يعني: أسلمت حالة كوني مع سليمان، لمن؟ لله رب العالمين، هنا تعتبر مسلمة ولّا لا؟ * طالب: نعم (...). * الشيخ: إي، إذا قال الرجل: أسلمت، لو ما قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فقد أسلم، ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤] فإذا عَبَّر الإنسان عن العمل بما يدل عليه من فعل؛ حُكِم عليه به، ولهذا لو قال قائل لإنسان: حلفت عليك أن تفعل كذا صار يمينًا، لو ما قال: والله، أو حلفت لا أفعل كذا، صار يمينًا وإن لم يقل بالله، لأن هذا هو الفعل. إذا قال: أسلمت صار إسلامًا، وإن لم يقل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. * طالب: (...). * الشيخ: يستعمل كثيرًا، إذن نقول: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فيها أنها أسلمت إسلامًا كاملًا؛ حيث أقرت بألوهية الله في قولها: ﴿لِلَّهِ﴾، وبربوبية العامة في قولها: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال المؤلف: (وأراد تزوجها فكره شعر ساقيها، فعملت له الشياطين النُّورَة فأزالته) والله الحقيقة أنها مشكلة هذه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: (...) عملت له الشياطين النورة، والنورة تزيل الشعر، ويقال: إن أول من عملت له النُّورَة ساق بلقيس بأمر سليمان حيث إن الشياطين عملتها له، وكل هذا كذب. ويجب أن يُنَزَّه كلام الله عن مثل هذه الأشياء، وموقفنا مع مثل هؤلاء العلماء أن نسأل الله لهم العفو، وأن الله يسامحهم؛ لأن كونهم يضعون في كلام الله مثل هذه الأمور هذا من الأشياء التي يتنقص بها الإنسان كلام الله عز وجل، وأكثر ما وردت هذه كما قال ابن كثير في هذا الموضع عن رجلين وهما: كعب الأحبار ووهب بن منبه، فإنهما أدخلا كثيرًا من الإسرائيليات في كلام الله وغيره مما ينقلون نسأل الله أن يعفو عنهم. قال: (فأزالته فتزوجها وأحبَّها وأقرَّها على ملكها، وكان يزورها في كل شهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام) إقامة المتزوج بالثيب (...). ذكرنا في قوله: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ فائدة الاختبار؛ اختبار الشخص لمعرفته وذكائه مثل هذا اللي حصل. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾. * يستفاد منه: التورية في الكلام، وهو أن يُظْهِر الإنسان شيئًا غير ما يريد، فإن قولهم: ﴿أَهَكَذَا﴾ تورية؛ لأن حقيقة الأمر أن العرش الذي بين أيديهم هو عرشها، فكان مقتضى الاستفهام أن يقولوا: أهذا عرشك؟ لكن أتوا بصيغة التورية لإبعاد الأمر؛ لأن كونها عرشها قد تتسرع وتقول: لا؛ لأنها تستبعد أن يكون حضر في هذه المدة وعليه الحرس وعليه المغاليق، فقيل لها: أهكذا عرشكِ؟ وقولها: ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ فيه دليل على: أن الجواب ينبغي أن يكون مطابقًا للسؤال، لأنها قالت: ﴿كَأَنَّهُ﴾ بالتشبيه، ولم تقل: هو. * وفيه دليل على: ذكاء هذه المرأة واحترازها مما يخشى أن يكون خطأً؛ لأنها لو قالت: لا، فقد يكون هو، ولو قالت: نعم، فقد يكون غيره؛ فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ فاختارت هذا للسببين اللذين ذكرناهما في وقت التفسير. * وفي هذا دليل على: أنه ينبغي للإنسان أن يتحدث بنعمة الله تبارك وتعالى عليه؛ لقوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾؛ لأن الصحيح أن هذه الجملة من كلام مَن؟ من كلام سليمان، وإن كان بعضهم يطرح احتمال أنه من كلامها، لكن الصحيح أنه من كلام سليمان. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الله ما يصف نفسه بأنه مسلم، ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ ما قال: آتينا. ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾. * يستفاد من هذه الجملة: أن الإنسان لا بد أن يُشْغِل نفسه، أو لا؟ فلا بد أن تكون النفس مشغولة إما بحق وإما بباطل، فهذه المرأة اشتغلت بالباطل عن الحق، وقد قيل من الحِكَم: إن لم تشغل نفسك بالحق شغلتك بالباطل. وقيل أيضًا: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وهذا صحيح، وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «كُلُّكُمْ حَارِثٌ، وَكُلُّكُمْ هَمَّامٌ»[[قال صاحب تمييز الطيب من الخبيث ص ١١٧: ليس بحديث، ويقرب منه: «أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ».]] فلا بد للإنسان أن يهمَّ ويعملَ، لكن إما بخير أو بغيره. ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. * وفي هذا دليل على: أن البيئة لها تأثير؛ لقوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ فهؤلاء القوم أَثَّروا عليها فصارت كافرة تعبد مع الله غيره. * وفيه: التحذير من مصاحبة الأشرار؛ لقوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ حتى لو كانوا من أقاربك فلا ينبغي أن تصاحبهم، وإذا كان لهم حق عليك بالقرابة فأعطهم حقهم الذي لهم، ولكن لا تكن مخالطًا لهم ومصاحبًا لهم؛ لأن النبي ﷺ قال فيما يروى عنه: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ» وهو حديث حسن «فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ»[[أخرجه أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨)، وأحمد (٨٠٢٨) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]، «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» وهذا شيء واقع يشهد له التاريخ السابق والحديث. * الطالب: البيئة عذر للإنسان؟ * الشيخ: ما تعتبر عذرًا، الواجب على الإنسان أن يفارق هذه البيئة؛ ولهذا وجبت الهجرة على من استطاع أن يهاجر، ولكن الرسول لما يقول: «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» يُخْبِر، والخبر لا يلزم منه الجواز، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩ / ٦) من حديث أبي سعيد.]] وهذا خَبَر، هل معناه أنه يجوز أن نفعل؟ وأخبر قال: «وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى تَقُومَ الظَّعِينَةُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ»[[أخرجه البخاري (٣٥٩٥) من حديث عدي بن حاتم بنحوه.]] فهل معنى ذلك أنه يجوز للمرأة أن تسافر بدون محرم؟ لا، فما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام مما يقع لا يلزم منه الجواز. ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ إلى آخره. * فيه دليل على: عظمة ملك سليمان وتسخير الله له، ففي ذلك الوقت حسب علمنا ليس هناك أفران تَصْهَر الزجاج ويفعل بها الإنسان كما يشاء، ولكن لا شك أن الزجاج موجود، قد يكون مستخرجًا من البحر تستخرجه الشياطين، وقد يكون هناك أيضًا مصاهر وأفران حسب حالهم، ولهذا قال الله عن الشياطين: إنهم ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ ١٣] ﴿جِفَانٍ﴾ جمع جفنة وهي الصحفة. ﴿كَالْجَوَابِ﴾ ﴿الْجَوَاب﴾ ما هي؟ * طالب: الجابية. * الشيخ: جمع جابية وهي البِركة، يعني كبيرة. ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ يعني: ما تُنْقَل لكبرها وعِظمها. فالحاصل أنا نقول: إن هذا فيه دليل على عظمة ملك سليمان؛ حيث سُخِّر له الجن والإنس يعملون له ما يشاء. * وفيه دليل على: جواز اختبار المرء كما سبق. وهذه القصة فيها عدة اختبارات؛ لقوله: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ ليرى هل تهاب فلا تدخل، أو تغامر فتدخل بدون تحرُّز، أم ماذا تصنع؟ فالمرأة لذكائها دخلت ولكن مع التحفظ والاحتراز كشفت عن ساقيها، أي: رفعت ثوبها حتى بان الساقان. * وفي هذا دليل على: أن المرأة من قديم الزمان زينتها التَّسَتُّر؛ لأن قوله: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ دليل على أن الأصل أنها مستورة، وهو كذلك، بخلاف الرجل، فإن «إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ فَوْقَ نِصْفِ سَاقِهِ» أو قال: «نِصْفُ سَاقِهِ»[[أخرجه النسائي في الكبرى (٩٦٢٦) من حديث أبي هريرة بنحوه.]]، نسيت اللفظ، الآن أصبح الأمر بالعكس عند كثير من المسلمين مع الأسف، فأصبح الرجال ثيابهم مسبلة، والنساء ثيابهن قصيرة، وهذا خلاف الفطرة التي فطر الله عليها الخلق. * وفي هذا دليل على: أن الرؤية قد تكذب، وأن ما يدرك بالحواس ليس على الأمر الواقع مئة بالمئة، لقوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ فإن هذا كما هو الواقع صرح ممرد من قوارير وتنظر إليه نظر العين ومع ذلك تحسبه لجة، فدل هذا على أن ما يُدرك بالحواس قد يقع فيه الخطأ، أليس كذلك؟ قد يرى الإنسان الشيء المتحرك ساكنًا والساكن متحركًا، والأبيض أسود، والرجل امرأة، بل قد يتخيل له في بصره شيء وليس له حقيقة، وكذلك بالنسبة للسمع، وبهذا نعلم أن الشهادات وروايات الأخبار وغيرها كلها يمكن أن يقع فيها الخطأ وليست معصومة مئة بالمئة، ولكن لا شك أنه كلما تواردت الأخبار وتكاثرت فإنه يدل على أن الأمر متأكد، ولكن نفي احتمال الخطأ مهما بلغ الرائي أو السامع من القوة والأمانة، فإن الخطأ عرضة فيما رأى أو فيما سمع، بل في الملمس الآن، قد تلمس الشيء فتظنه ليِّنًا أو أملس وبالعكس، الرجل الفلاح يلمس الشيء الخشن فيظنه أملس، والناعم يلمس الخشن البسيط جدًّا فيجده كالشوك. فالحاصل أن المسألة حتى في الأمور الحسيَّة الخطأ يمكن أن يقع، فما بالك بالأمور العقلية؟ من باب أولى وأعظم، وبه نعرف ضعف الإنسان، وأنه بحاجة ماسَّة إلى علم الشرع والوحي، مهما بلغ فإنه بحاجة إلى هذا الأمر. * طالب: (...) الحواس من القطعيات؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: (...) يصبح خطأ؟ * الشيخ: لا، ما هو به، هذا شك، هو من القطعيات، لكنها باعتبار الفكر واعتبار العقل صحيح في مثل هذا إنما الوهم قد يقع فيها. * وفيه أيضًا في قوله: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾: دليل على أنه ينبغي تأكيد الكلام في موضعه، ما قال: هذا صرح، قال: إنه صرح، و(إِنَّ) للتوكيد، والتوكيد هنا في محله؛ لأنها هي وإن لم تكن منكرة لكن حالها حال المنكر؛ حيث ظنته لُجَّة وكشفت عن ساقيها. * وفي هذا دليل؛ في قوله: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ دليل على أن الله تبارك وتعالى قد يَهَب المرء ما يوجب له أن يسلم، بل قد يُيَسِّر له الأسباب التي توجب إسلامه بكل سهولة، هذه المرأة حسب القصة ما وجدنا أنها دُعِيت وأُكِّد عليها وبُيِّن لها الخطأ إلا في قوله في أول القصة: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ لكن لما شاهدت ما شاهدت من عظمة ملك سليمان وقوته عرفت أنه لا بد أن تسلم، فهكذا إذا يسَّر الله تعالى للعبد ما به الهداية فإنه يكون الأمر عليه يسيرًا، وإذا لم تُيَسَّر له أصبح كل مانع يمنعه من الاهتداء، وإن لم يكن مانعًا قويًا. * وفي هذا دليل على: أن المرأة آمنت بسليمان، لم تُسْلِم إسلامًا مطلقًا؛ لأنه قال: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ فدل هذا على أنها آمنت به، لأن (مع) للمصاحبة، فكانت من أصحابه المؤمنين به. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الأخير هذ ا؟ (...)لم تؤمن إيمانًا مطلقًا؛ يعني ما قالت: إني أسلمت لله فقط، بل صرَّحت بأنها تابعة لسليمان. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: أقول هذا؛ لقولها: ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ يعني مثلًا ما آمنت بنبيٍّ آخر أو بشريعة أخرى، آمنت بشريعة سليمان فكانت من قومه مع أنها كانت في سبأ في اليمن وسليمان في الشام. وفي هذا دليل في قوله: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ دليل على أن المعاصي ظلم للنفس، وسبق وجه ذلك، وأن الإنسان مؤتمن على نفسه من حيث السلوك والسير، مؤتمن على نفسه من حيث التصرف في ماله، مؤتمن على نفسه من حيث التصرف في بدنه؛ ولهذا نُهي عن إضاعة المال، ونهي عن قتل النفس: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩]، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥]، وأُمِر بالدواء: «تَدَاوَوْا، وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ»[[أخرجه أبو داود (٣٨٧٤) من حديث أبي الدرداء.]]، وأُمِر بالأكل وبالشرب وباللباس وبالوقاية من الحر والوقاية من البرد، كل هذا من أجل حفظ النفس التي هي أمانة عنده، فالإنسان ليس حرًّا يتصرف كما يشاء في بدنه أو كما يشاء في سلوكه أو كما يشاء في ماله، لا، هو مقيَّد. * الطالب: (...) هي الأمارة؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: وهنا نُسب الفاعل. * الشيخ: إي نعم؛ لأن الإنسان فيه نفسان، وقيل: ثلاثة أنفس: أمارة، ومطمئنة، ولوَّامة، والصواب: أن اللوامة من صفات الثنتين، ولكن فيه أمارة وهي التي تأمر بالشر وتنهى عن الخير، وفيه مطمئنة وهي التي تأمر بالخير، إذا ظلمت نفسي التي يقوله المطمئن. * وفي هذه الآية: إثبات عموم ربوبية الله؛ لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولا أحد له الربوبية العامة الشاملة سوى الله عز وجل، الإنسان قد يكون ربًّا لبيته، وقد يكون ربًّا لدابته، وقد يكون ربًّا لمملوكه، كما في الحديث الصحيح: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]. وتقدم لنا في التفسير أن ما ذكره المؤلف من هذه الإسرائيليات أنه لا يجب التصديق به، بل ما كان منها مخالفًا للقرآن أو لا يليق بحال النبي فإنه يجب تكذيبه، وما كان منها ليس مخالفًا ولا منافيًا لما يليق بالنبي فإنه لا يصدَّق ولا يكذَّب. * الطالب: ولا يُكْتَب؟ * الشيخ: نعم؟ ولا يُكْتَب، ولا ينبغي أن يكتب في التفسير؛ لأنه إذا حسب في التفسير معناه أنه صُدِّق حيث جُعِلَ تفسيرًا لكلام الله. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [النمل ٤٥]. * طالب: بالنسبة لبلقيس كيف أسلمت بهذه السرعة عندما رأت ماله؟ * الشيخ: رأت عظمة سليمان وجنوده؛ وهي تذكر كتابه الذي قال: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِين﴾ تذكر أن هذا الرجل لا بد إما أن تسلم وإما أن يقضي عليك. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ولكنها أسلمت. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: نرى هذا مشهورًا، لكن ما نختاره، الظاهر أنه من الأشياء التي لا تُصدَّق ولا تُكذَّب، لكنه لا بأس، لاشتهارها ما في مانع.

النمل 27:42

﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ﴾ لها ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ أي: أمثل هذا عرشك؟ ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ أي: فعرفته. ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ﴾ يعني: إلى سليمان، ونظرت إلى العرش قيل لها: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾، والقائل إما سليمان أو أحد جنوده، ولم يبيَّن؛ لأن المقصود معنى هذا القول دون قائله. وقوله: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُك﴾ الاستفهام هنا على حقيقته، والمراد به: الاستخبار، و (الهاء) للتنبيه، و (الكاف) حرف جر حالت بين هاء التنبيه واسم الإشارة، مع أن هاء التنبيه تقترن باسم الإشارة، لكن الكاف تحول بينها وبين اسم الإشارة لمباشرة حرف الجر للمجرور ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾، ولكن أيضًا هو خاصٌّ بالكاف، لو أنك أتيت بحرف جر سوى الكاف ما جاز أن تفصل بينه وبين اسم الإشارة؛ لو قلت مثلًا: ألهذا حضرت؟ ما يصح تقول: أهلذا حضرت، ما يصلح، يعني: ما يفصل بين اسم الإشارة وبين هاء التنبيه بأي حرف من حروف الجر إلا بالكاف فقط. إذن نقول: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم، و﴿عَرْشُكِ﴾: مبتدأ مؤخر، وتقديم الخبر هنا جائز ولّا واجب؟ واجب لأجل الاستفهام؛ لأن له الصدارة. وهنا ما قالوا: أهذا عرشك، بل قالوا: أهكذا عرشكِ؟ يعني: هل عرشكِ مثل هذا؟ هي أجابت بمثل ما سئلت عنه، فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ و(كأن) للتشبيه، ولم تقل: إنه هو، ولم تنف؛ السبب أنه مشابه لعرشها من حيث الأصل ومخالف له من حيث الصفة لأنه غُيِّر، وهذا أيضًا من ذكائها أنها لما وقع في نفسها أنه عرشها لكن تغيرت صفته قالت: كأنه هو، والجواب مطابق للسؤال. والمؤلف سلك في هذا مسلكًا غريبًا، قال: (أي: فعرفته وشبهت عليهم كما شبهوا عليها؛ إذ لم يقل: أهذا عرشكِ، ولو قيل هذا قالت: نعم). ما ندري هل تقول: نعم أو تقول كأنه هو، إنما جوابها مطابق للسؤال ومطابق لمقتضى الحال؛ أما مطابقته للسؤال فلأنه قيل لها: أهكذا؟ يعني: أهو مثل هذا، فكان الجواب: كأنه هو، وأما مطابقته لمقتضى الحال فلأن المرأة رأت أن العرش قد غُيِّر، فلم تجزم بنفيه ولم تجزم بإثباته، إن نُظِر إلى أصل الكرسي أو العرش فهو هو، وإن نُظِر إلى صفته فليس إياه، لذلك كان جوابها جيدًا جدًّا وليس فيه تشبيه كما قال المؤلف، هذا ما فيه تشبيه. ولو قالوا: أهذا عرشك؟ ما ندري هل تقول: نعم أو تقول: كأنه هو، وجزم المؤلف بأنها تقول: نعم ليس بصحيح، لأن المرأة ذكية جدًّا، والإنسان إذا حصل له مثل هذه الحال هل يجزم بأن ما شاهده هو ما كان يعرفه من قبل؟ ما يجزم، بل إن مقتضى الحزم والتحرز أن يقول؟ ويش كان يقول؟ * طالب: كأنه. * الشيخ: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾، هذا مقتضى الحزم، لا سيما مع القرائن التي تبعد أن يكون إياه كما في هذه القصة، فإنه عرش محوط محروس من مكان بعيد، فيبعُد أن يمثل أمامها في هذه الحال. المهم يا جماعة الآن أننا نأخذ من جوابها هذا نأخذ منه ذكاءها من وجهين: أولًا: أنها أجابت بجواب مطابق للسؤال، هذا واحد. وثانيًا: أنها أجابت بجواب مطابق لمقتضى الحال؛ إذ الجزم بهذا تسرُّع، ونفيه تباطؤ أيضًا، واحتمال أن يكون إياه. ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ كأن للتشبيه. * طالب: ليس في كلامها تشبيه؟ * الشيخ: لا، هو يقول: شبَّهت عليهم؛ يعني: لبست عليهم، ما قال: شبهته. ثم قال: (قال سليمان لما رأى لها معرفة وعلمًا: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ ). وجه ارتباط هذا الجملة بما سبق أنه أراد أن يتحدث سليمان بما أنعم الله به عليهم من العلم، العلم يشمل العلم الشرعي، ويشمل العلم بقواعد الملك ومثبتاته، وما أشبه ذلك؛ يعني: كأنهم أو كأن الملأ من قومه لما رأوا ما رأوا من ذكائها ومعرفتها وتحرزها وتثبُّتها رأوا أمرًا عظيمًا، فأراد سليمان ﷺ أن يذكِّرهم بما هو أعظم من ذلك، وهو ما آتاهم الله تعالى من العلم السابق والإسلام: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾. ويرى بعض المفسرين أن قوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ من قول المرأة، يعني: كأنه هو وأوتينا العلم، وأن المسألة متصلة، يصير ﴿مِنْ قَبْلِهَا﴾ أي: مِن قبل هذه القضية، أي: أننا عندنا علمًا من قبل هذه القضية فلا تعجب من علمنا بهذا فإن لنا علمًا سابقًا، ولكن هذا الاحتمال -وإن ذُكر- ضعيف، والصواب: أن هذا من قول سليمان عليه الصلاة والسلام؛ يتحدث فيه بنعمة الله سبحانه وتعالى عليه وعلى قومه السابق لمعرفة هذه المرأة. * طالب: لا بد (...) فعل القول (...). * الشيخ: وين؟ * الطالب: من ﴿قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾؟ * الشيخ: (...) لا، ما يتعين، من قوله: ﴿وَأُوتِينَا﴾ لأنه قد يقولها أحد جنوده، ثم هو يتكلم بعد ذلك بعدما تحصل المشاهدة هذه يقول: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يجوز (...) عليها (...). قال: ﴿وَصَدَّهَا﴾ عن عبادة الله ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إذن ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إعرابها أنها فاعل، يعني: صدها الذي كانت تعبد من دون الله، ويحتمل أن تكون (ما) مصدرية، أي: وصدها كونها تعبد من دون الله، لكنه وإن كان سائغًا لغة لكنه ليس له محل هنا، فـ (ما) هذه اسم موصول. وقوله: ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾ ما هو الذي تعبد من دون الله؟ * طالب: الشمس. * الشيخ: الشمس، والعائد على (ما) الموصولة محذوف، التقدير: ما كانت تعبده من دون الله. و(صد): بمعنى صرف، ومناسبة هذا لما سبق، أنه يقال: إذا كانت هذه المرأة بهذا الذكاء وهذه المعرفة فلماذا لم تعبد الله مع ظهور أن العبادة لله وحده؟ بيَّن أن الذي صدَّها عن عبادة الله أنها اشتغلت من أول أمرها بعبادة غير الله، لأنها كانت من قوم كافرين، فنشأت في بيئة كافرة واشتغلت بعبادة المخلوق عن عبادة الخالق، فكأن هذه المرأة مع كونها ذكية وفاهمة وعندها احتراز وتحفظ كأنها مع ذلك إنما عدلت عن عبادة الله مع ظهورها ووضوحها بسبب انشغالها بالباطل، والنفس لا بد أن تكون مشغولة إما بالحق وإما بالباطل، ولا بد أن تكون كاسبة: إما كاسبة حرامًا أو حلالًا؛ إن أخذت ما لا حق لها فيه فهي كاسبة حرامًا، وإن أخذت ما لها حق فيه فهي كاسبة حلالًا. فهنا نقول: مناسبة قولها لقوله: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أنه كالجواب عن سؤال مقدَّر، وأيش السؤال المقدر؟ لماذا لم تعبد الله؟ فقال: إنه صدها عن عبادة الله ما كانت تعبد من دون الله وكانت من قوم كافرين، فقد نشأت من أول أمرها في بيئة كافرة، وقد أخبر النبي ﷺ أن «كُلّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٢) من حديث أبي هريرة.]]. ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وقيل: إن (صدها) الفاعل يعود على سليمان؛ أي: أن سليمان منعها ما كانت تعبد من دون الله، أي: منعها عما كانت تعبد من دون الله بسبب ما رأت من الملك العظيم الذي لسليمان عليه الصلاة والسلام، ولكن الأول أولى بالسياق: أن ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾ فاعل، لكن هنا لا بأس أن نذكر الاحتمال؛ لأنه ربما يكون عند التأمل يظهر أن هذا الاحتمال صحيح. قال الله تعالى: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ يعني: بيئتها منذ نشأت وهم كافرون بالله سبحانه وتعالى يعبدون الشمس، فلهذا اشتغلت بعبادة غير الله عن عبادة الله. وسيأتي إن شاء الله ما في هذه الجملة من الفوائد. (﴿قِيلَ لَهَا﴾ أيضًا، ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ ) والقائل -كما قلنا- مبهم؛ إما سليمان أو غيره. وهذا الصرح يقول المؤلف: (هو سطح من زجاج أبيض شفاف تحته ماء عذب جار، فيه سمك اصطنعه سليمان لما قيل له: إن ساقيها وقدميها كقدمي الحمار). أما قوله: إنه (سطح من زجاج أبيض) هذا صحيح، سطح من زجاج أبيض، والأصل في الصرح أنه البناء العالي، كما قال فرعون لهامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر ٣٦] لكنه يُطلَق على السطح وإن لم يكن عاليًا، وهذا عبارة عن سطح من زجاج وتحته ماء. يقول المؤلف: (إنه جارٍ)، وأخذ كونه جاريًا من قوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾؛ لأن اللُّجَّة هي أمواج البحر المترددة، لأن كل شيء متردد يُسمى لَجَّة، ومنه اللَّجَّة تردد الأصوات وارتفاعها، فالظاهر أن المؤلف أخذ الجريان -وإلا ما في الآية ما يدل على أنه جريان- أخذه من قوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾. وقوله: (فيه سمك) هذا ما هو بشرط، ليس فيه شرط أن يكون فيه سمك؛ لأن اللجة قد تكون فيها سمك وقد لا تكون، وقد يكون فيها سمك بعيد لا يُرى. وكذلك أيضا قوله: (إنه ماء عذب) ما في دليل على أنه عذب ولا أنه ملح، فلا ندري، المهم أنه ماء، بدليل ما يأتي. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، لأن العذب قد يبقى فيه السمك ما شاء الله. * طالب: (...)؟ * الشيخ: صحيح. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ويبقى فيه حتى هذا، بس أنه ما يعيش العيشة الكاملة، اللهم إلا كان فيه مثلما قال الإخوان: فيه أسماك خاصة في الملح، ما يكفي. المهم على كل حال، كل هذا لا داعي له، حتى لو قال قائل: إنه ليس تحته ماء. لو قال قائل: وأن الزجاج هذا يعطي كأنه ماء، بسبب مثلًا أضلاع فيه ولّا شيء، لو قيل بهذا لم يكن بعيدًا، لأنه ما يتعين أن يكون تحته ماء، ما هو متعين، على كل حال، ما هو متعين، لكن نحن إن تنازلنا وقلنا: إن قوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ خله زجاج شفاف وتظنه بحرًا. وأما قوله: (لما قيل له: إن ساقيها وقدميها كقدمي الحمار) يقولون: إن الجن لما أنَّ سليمان أعجبته هذه المرأة هَمَّ أن يتزوجها فحسدوها على ذلك، فقالوا له: إن قدميها وساقيها قدما دابة وساقا دابة، وحطوها بعد حمار؛ لأنه أقبح وهذا ليس بصحيح. وإنما المقصود من هذا الصرح اختبار المرأة أيضًا، لأنه لما قيل: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ هي في الحقيقة إذا كانت تحسبه لُجَّة، إذا كانت جبانة تدخل ولّا ما تدخل؟ ما تدخل أصلًا، وإذا كانت مغفلة دخلت وثيابها نازلة، وإذا كانت حازمة وشجاعة دخلت ورفعت عن ساقيها، دخلت هذا ورفعت عن ساقيها. ثم هي أيضًا من ذكائها: أنها تعلم أنها ما أُكرمت وقيل لها: ادخلي الصرح وهي ستُدخل في بحر لُجِّيٍّ يغرقها، فعلمت أن هذا البحر أن غاية ما فيه أن يصل إلى ركبتها أو نحو ذلك، وأنه لا يمكن أن يكون بحرًا لجيًا عميقًا، لماذا؟ لأنها قيل لها على سبيل الإكرام: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾. فالمهم أن هذا أيضًا اختبار ثان لذكائها وحزمها وشجاعتها، وأما أن رجلها رجل حمار فهذا كذب بلا شك، والأصل فيها أنها امرأة مثل بنات آدم ليس فيها شيء من هذا. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ما ندري عن شريعة مَنْ سبق (...). قال: (﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ من الماء ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ ) وهذا لا شك أنه يدل على حزمها وقوتها وشجاعتها، لأن الإنسان الغريب إذا حصل له مثل هذا الأمر قد يقول: ما أدري، يمكن يخدعونني ربما أطب في هذا وأموت، لكنها قويَّةً وحازمة أيضًا، أقدمت على الدخول لكن مع الاحتراز عن الأذِيَّة؛ حيث رفعت عن ساقيها. والرفع عن الساقين (إبراهيم) يقول: يؤخذ منه جواز إظهار المرأة للساقين، ونحن نقول: أولًا: لا يؤخذ منه ذلك، لأنه هنا فعلته للحاجة، وكشف المرأة ساقيها للحاجة لا بأس به حتى في شريعتنا، إذا احتاجت المرأة إلى كشف ساقيها في مثل هذه الحال فلا حرج فيه، لأن ما حُرِّم تحريم الوسائل تبيحه الحاجات كما هو مقرر في علم الأصول، المحرم تحريم وسائل تبيحه الحاجات؛ ولهذا يجوز النظر إلى العورة لأدنى حاجة، حتى إنهم قالوا: يجوز أن يحلق عانةَ مَنْ لا يُحْسِن حلْقَ عانته، وهذا بالضرورة سوف يكشف العانة لتُحْلق. فالحاصل أننا نقول: إن كانت شريعة سليمان تبيح مثل ذلك فلا دلالة فيه، وإذا كانت لا تبيحه فإنه أيضًا لا يخالف شريعتنا، لأن الحاجة هنا تدعو إليه. (﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ لتخوضه، وكان سليمان على سريره في صدر الصرح فرأى ساقيها وقدميها حسانًا) اطمأن الآن الرجل، اطمأن، ولكنها ليست كما قال المؤلف، ما هو الغرض من هذا أن يَتَبَيَّن لسليمان هل رجلها رجل حمار ولّا رجل آدمية؟ لا، الغرض أن يعرف بهذا ذكاءها وفطنتها وشجاعتها، وكل ما تدل عليه هذه الصورة من معنىً يعود إلى المرأة فإنه يريده سليمان عليه الصلاة والسلام. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: بيجي أكيد. (﴿قَالَ﴾ لها ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ مملس ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ أي: زجاج). هذه الجملة أيضًا تفيد أنه قُصِد به مع اختبارها وامتحانها إظهار عظمة ملك سليمان مثلما قُصِدَ بإحضار العرش هذا المقصد. ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ فتبين بذلك أمران؛ أحدهما: عظمة ملك سليمان؛ حيث إن الزجاج يصنع له حتى يكون كالبحر اللجي، وثانيًا: الإشارة إلى أن هذه المرأة وإن كانت ذكية وعاقلة وحازمة فإنها يَخْفَى عليها الأمر، ولّا لا؟ لأنها حسبت أن هذا الزجاج لُجَّة من الماء مع أنه ليس كذلك، ففيه نوع من إظهار ضعفها أيضًا؛ حيث إنه ظَنَّت الأمر على خلاف ما هو عليه. وسيأتي إن شاء الله تعالى في هذا من فوائد الآيات ما.. * الطالب: (...) صرح ممرد من قوارير أنه ليس به ماء؟ * الشيخ: (...) ما يستبعد؛ لأن وجود الماء تحتها مثل ما قلتُ ما هو بلازم. ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ حينئذٍ عرفت مكانها وعرفت مكانة سليمان. وقوله: (ودعاها إلى الإسلام) ليس في الآية ما يدل عليه، بل إن الظاهر ألجأها ما شاهدته إلى أن تُسْلِم؛ لأنها شاهدت أمورًا؛ منها إتيان عرشها، ومنها: هذا الصرح العظيم الممرد من القوارير. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هي ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾. ومنها أيضًا: أن سليمان عليه الصلاة والسلام أخبرها بعظمته وقوته؛ حيث إن هذا صرح ممرد من القوارير وليس ماءً، حينئذٍ اعترفت (فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بعبادة غيرك). وعبادة غير الله من أعظم الظلم، قال الله تعالى عن لقمان لما قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]؛ لأن أعظم الظلم أن تتسلط على من حقه أبين وأوضح، ولا أبين وأوضح من حق الله على العباد؛ لهذا كان الشرك أظلم الظلم. عندما تخاصم إنسانًا وأنت تعرف أن الحق له لا لك تُعَدُّ ظالمًا، عندما يشتبه عليك الأمر بحيث ترجح ثمانين في المئة أنه له وعشرين في المئة أنه لك، يكون هذا الظلم أخف من الأول، عندما يكون خمسين في المئة لك وخمسين في المئة له يكون أخف من الثاني، عندما ترجح ثلاثين في المئة له وسبعون لك يكون أخف، وهكذا. فالمهم أن الظلم يكون أقبح وأشنع بحسب ظهور الحق وبيانه، وأظهر الحقوق وأبينها: عبادة الله سبحانه وتعالى، فيكون أظلم الظلم الإشراك مع الله، أن تشرك مع الله أحدًا؛ ولهذا تقول: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾. إذن: النفس عندك أمانة يجب عليك أن تسعى لها بما فيه خيرها، فأنت يجب أن تسعى لنفسك بما هو خير لها؛ فإن تجرأت على ما ليس لك فقد ظلمت نفسك، أو فرطت فيما يجب عليك فقد ظلمت نفسك، وإذا كنت لا تستطيع أن تتصرف في بدنك بما تريد فكيف تستطيع أن تتصرف في فعلك بما تريد؟! لو أن إنسانًا قال لشخص: أنا بأعطيك إصبعي، اقطع إصبعي وحطه (...) اللي ناقص باصبعك بيجوز؟ * طالب: ما يجوز. * الشيخ: ما يجوز، لو قال: بقلع عيني لك وحطها بعينك اللي ما تشوف يجوز؟ * الطالب: لا يجوز. * الشيخ: لا يجوز، إذا كان هذا لا يمكن في جسم مآله إلى الفناء فكيف يكون ذلك في الأفعال التي عليها مدار سعادة العبد؟ فلا يجوز أن تتصرف في أفعالك فيما يعود على نفسك بالضرر، فإن فعلت فأنت ظالم. قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (﴿أَسْلَمْتُ﴾ كائنةً ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ ). أفاد المؤلف بتقدير كائنة أن الظرف في قوله: ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ في موضع الحال، يعني: أسلمت حالة كوني مع سليمان، لمن؟ لله رب العالمين، هنا تعتبر مسلمة ولّا لا؟ * طالب: نعم (...). * الشيخ: إي، إذا قال الرجل: أسلمت، لو ما قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فقد أسلم، ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤] فإذا عَبَّر الإنسان عن العمل بما يدل عليه من فعل؛ حُكِم عليه به، ولهذا لو قال قائل لإنسان: حلفت عليك أن تفعل كذا صار يمينًا، لو ما قال: والله، أو حلفت لا أفعل كذا، صار يمينًا وإن لم يقل بالله، لأن هذا هو الفعل. إذا قال: أسلمت صار إسلامًا، وإن لم يقل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. * طالب: (...). * الشيخ: يستعمل كثيرًا، إذن نقول: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فيها أنها أسلمت إسلامًا كاملًا؛ حيث أقرت بألوهية الله في قولها: ﴿لِلَّهِ﴾، وبربوبية العامة في قولها: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال المؤلف: (وأراد تزوجها فكره شعر ساقيها، فعملت له الشياطين النُّورَة فأزالته) والله الحقيقة أنها مشكلة هذه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: (...) عملت له الشياطين النورة، والنورة تزيل الشعر، ويقال: إن أول من عملت له النُّورَة ساق بلقيس بأمر سليمان حيث إن الشياطين عملتها له، وكل هذا كذب. ويجب أن يُنَزَّه كلام الله عن مثل هذه الأشياء، وموقفنا مع مثل هؤلاء العلماء أن نسأل الله لهم العفو، وأن الله يسامحهم؛ لأن كونهم يضعون في كلام الله مثل هذه الأمور هذا من الأشياء التي يتنقص بها الإنسان كلام الله عز وجل، وأكثر ما وردت هذه كما قال ابن كثير في هذا الموضع عن رجلين وهما: كعب الأحبار ووهب بن منبه، فإنهما أدخلا كثيرًا من الإسرائيليات في كلام الله وغيره مما ينقلون نسأل الله أن يعفو عنهم. قال: (فأزالته فتزوجها وأحبَّها وأقرَّها على ملكها، وكان يزورها في كل شهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام) إقامة المتزوج بالثيب (...). ذكرنا في قوله: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ فائدة الاختبار؛ اختبار الشخص لمعرفته وذكائه مثل هذا اللي حصل. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾. * يستفاد منه: التورية في الكلام، وهو أن يُظْهِر الإنسان شيئًا غير ما يريد، فإن قولهم: ﴿أَهَكَذَا﴾ تورية؛ لأن حقيقة الأمر أن العرش الذي بين أيديهم هو عرشها، فكان مقتضى الاستفهام أن يقولوا: أهذا عرشك؟ لكن أتوا بصيغة التورية لإبعاد الأمر؛ لأن كونها عرشها قد تتسرع وتقول: لا؛ لأنها تستبعد أن يكون حضر في هذه المدة وعليه الحرس وعليه المغاليق، فقيل لها: أهكذا عرشكِ؟ وقولها: ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ فيه دليل على: أن الجواب ينبغي أن يكون مطابقًا للسؤال، لأنها قالت: ﴿كَأَنَّهُ﴾ بالتشبيه، ولم تقل: هو. * وفيه دليل على: ذكاء هذه المرأة واحترازها مما يخشى أن يكون خطأً؛ لأنها لو قالت: لا، فقد يكون هو، ولو قالت: نعم، فقد يكون غيره؛ فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ فاختارت هذا للسببين اللذين ذكرناهما في وقت التفسير. * وفي هذا دليل على: أنه ينبغي للإنسان أن يتحدث بنعمة الله تبارك وتعالى عليه؛ لقوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾؛ لأن الصحيح أن هذه الجملة من كلام مَن؟ من كلام سليمان، وإن كان بعضهم يطرح احتمال أنه من كلامها، لكن الصحيح أنه من كلام سليمان. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الله ما يصف نفسه بأنه مسلم، ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ ما قال: آتينا. ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾. * يستفاد من هذه الجملة: أن الإنسان لا بد أن يُشْغِل نفسه، أو لا؟ فلا بد أن تكون النفس مشغولة إما بحق وإما بباطل، فهذه المرأة اشتغلت بالباطل عن الحق، وقد قيل من الحِكَم: إن لم تشغل نفسك بالحق شغلتك بالباطل. وقيل أيضًا: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وهذا صحيح، وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «كُلُّكُمْ حَارِثٌ، وَكُلُّكُمْ هَمَّامٌ»[[قال صاحب تمييز الطيب من الخبيث ص ١١٧: ليس بحديث، ويقرب منه: «أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ».]] فلا بد للإنسان أن يهمَّ ويعملَ، لكن إما بخير أو بغيره. ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. * وفي هذا دليل على: أن البيئة لها تأثير؛ لقوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ فهؤلاء القوم أَثَّروا عليها فصارت كافرة تعبد مع الله غيره. * وفيه: التحذير من مصاحبة الأشرار؛ لقوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ حتى لو كانوا من أقاربك فلا ينبغي أن تصاحبهم، وإذا كان لهم حق عليك بالقرابة فأعطهم حقهم الذي لهم، ولكن لا تكن مخالطًا لهم ومصاحبًا لهم؛ لأن النبي ﷺ قال فيما يروى عنه: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ» وهو حديث حسن «فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ»[[أخرجه أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨)، وأحمد (٨٠٢٨) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]، «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» وهذا شيء واقع يشهد له التاريخ السابق والحديث. * الطالب: البيئة عذر للإنسان؟ * الشيخ: ما تعتبر عذرًا، الواجب على الإنسان أن يفارق هذه البيئة؛ ولهذا وجبت الهجرة على من استطاع أن يهاجر، ولكن الرسول لما يقول: «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» يُخْبِر، والخبر لا يلزم منه الجواز، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩ / ٦) من حديث أبي سعيد.]] وهذا خَبَر، هل معناه أنه يجوز أن نفعل؟ وأخبر قال: «وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى تَقُومَ الظَّعِينَةُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ»[[أخرجه البخاري (٣٥٩٥) من حديث عدي بن حاتم بنحوه.]] فهل معنى ذلك أنه يجوز للمرأة أن تسافر بدون محرم؟ لا، فما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام مما يقع لا يلزم منه الجواز. ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ إلى آخره. * فيه دليل على: عظمة ملك سليمان وتسخير الله له، ففي ذلك الوقت حسب علمنا ليس هناك أفران تَصْهَر الزجاج ويفعل بها الإنسان كما يشاء، ولكن لا شك أن الزجاج موجود، قد يكون مستخرجًا من البحر تستخرجه الشياطين، وقد يكون هناك أيضًا مصاهر وأفران حسب حالهم، ولهذا قال الله عن الشياطين: إنهم ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ ١٣] ﴿جِفَانٍ﴾ جمع جفنة وهي الصحفة. ﴿كَالْجَوَابِ﴾ ﴿الْجَوَاب﴾ ما هي؟ * طالب: الجابية. * الشيخ: جمع جابية وهي البِركة، يعني كبيرة. ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ يعني: ما تُنْقَل لكبرها وعِظمها. فالحاصل أنا نقول: إن هذا فيه دليل على عظمة ملك سليمان؛ حيث سُخِّر له الجن والإنس يعملون له ما يشاء. * وفيه دليل على: جواز اختبار المرء كما سبق. وهذه القصة فيها عدة اختبارات؛ لقوله: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ ليرى هل تهاب فلا تدخل، أو تغامر فتدخل بدون تحرُّز، أم ماذا تصنع؟ فالمرأة لذكائها دخلت ولكن مع التحفظ والاحتراز كشفت عن ساقيها، أي: رفعت ثوبها حتى بان الساقان. * وفي هذا دليل على: أن المرأة من قديم الزمان زينتها التَّسَتُّر؛ لأن قوله: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ دليل على أن الأصل أنها مستورة، وهو كذلك، بخلاف الرجل، فإن «إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ فَوْقَ نِصْفِ سَاقِهِ» أو قال: «نِصْفُ سَاقِهِ»[[أخرجه النسائي في الكبرى (٩٦٢٦) من حديث أبي هريرة بنحوه.]]، نسيت اللفظ، الآن أصبح الأمر بالعكس عند كثير من المسلمين مع الأسف، فأصبح الرجال ثيابهم مسبلة، والنساء ثيابهن قصيرة، وهذا خلاف الفطرة التي فطر الله عليها الخلق. * وفي هذا دليل على: أن الرؤية قد تكذب، وأن ما يدرك بالحواس ليس على الأمر الواقع مئة بالمئة، لقوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ فإن هذا كما هو الواقع صرح ممرد من قوارير وتنظر إليه نظر العين ومع ذلك تحسبه لجة، فدل هذا على أن ما يُدرك بالحواس قد يقع فيه الخطأ، أليس كذلك؟ قد يرى الإنسان الشيء المتحرك ساكنًا والساكن متحركًا، والأبيض أسود، والرجل امرأة، بل قد يتخيل له في بصره شيء وليس له حقيقة، وكذلك بالنسبة للسمع، وبهذا نعلم أن الشهادات وروايات الأخبار وغيرها كلها يمكن أن يقع فيها الخطأ وليست معصومة مئة بالمئة، ولكن لا شك أنه كلما تواردت الأخبار وتكاثرت فإنه يدل على أن الأمر متأكد، ولكن نفي احتمال الخطأ مهما بلغ الرائي أو السامع من القوة والأمانة، فإن الخطأ عرضة فيما رأى أو فيما سمع، بل في الملمس الآن، قد تلمس الشيء فتظنه ليِّنًا أو أملس وبالعكس، الرجل الفلاح يلمس الشيء الخشن فيظنه أملس، والناعم يلمس الخشن البسيط جدًّا فيجده كالشوك. فالحاصل أن المسألة حتى في الأمور الحسيَّة الخطأ يمكن أن يقع، فما بالك بالأمور العقلية؟ من باب أولى وأعظم، وبه نعرف ضعف الإنسان، وأنه بحاجة ماسَّة إلى علم الشرع والوحي، مهما بلغ فإنه بحاجة إلى هذا الأمر. * طالب: (...) الحواس من القطعيات؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: (...) يصبح خطأ؟ * الشيخ: لا، ما هو به، هذا شك، هو من القطعيات، لكنها باعتبار الفكر واعتبار العقل صحيح في مثل هذا إنما الوهم قد يقع فيها. * وفيه أيضًا في قوله: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾: دليل على أنه ينبغي تأكيد الكلام في موضعه، ما قال: هذا صرح، قال: إنه صرح، و(إِنَّ) للتوكيد، والتوكيد هنا في محله؛ لأنها هي وإن لم تكن منكرة لكن حالها حال المنكر؛ حيث ظنته لُجَّة وكشفت عن ساقيها. * وفي هذا دليل؛ في قوله: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ دليل على أن الله تبارك وتعالى قد يَهَب المرء ما يوجب له أن يسلم، بل قد يُيَسِّر له الأسباب التي توجب إسلامه بكل سهولة، هذه المرأة حسب القصة ما وجدنا أنها دُعِيت وأُكِّد عليها وبُيِّن لها الخطأ إلا في قوله في أول القصة: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ لكن لما شاهدت ما شاهدت من عظمة ملك سليمان وقوته عرفت أنه لا بد أن تسلم، فهكذا إذا يسَّر الله تعالى للعبد ما به الهداية فإنه يكون الأمر عليه يسيرًا، وإذا لم تُيَسَّر له أصبح كل مانع يمنعه من الاهتداء، وإن لم يكن مانعًا قويًا. * وفي هذا دليل على: أن المرأة آمنت بسليمان، لم تُسْلِم إسلامًا مطلقًا؛ لأنه قال: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ فدل هذا على أنها آمنت به، لأن (مع) للمصاحبة، فكانت من أصحابه المؤمنين به. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الأخير هذ ا؟ (...)لم تؤمن إيمانًا مطلقًا؛ يعني ما قالت: إني أسلمت لله فقط، بل صرَّحت بأنها تابعة لسليمان. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: أقول هذا؛ لقولها: ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ يعني مثلًا ما آمنت بنبيٍّ آخر أو بشريعة أخرى، آمنت بشريعة سليمان فكانت من قومه مع أنها كانت في سبأ في اليمن وسليمان في الشام. وفي هذا دليل في قوله: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ دليل على أن المعاصي ظلم للنفس، وسبق وجه ذلك، وأن الإنسان مؤتمن على نفسه من حيث السلوك والسير، مؤتمن على نفسه من حيث التصرف في ماله، مؤتمن على نفسه من حيث التصرف في بدنه؛ ولهذا نُهي عن إضاعة المال، ونهي عن قتل النفس: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩]، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥]، وأُمِر بالدواء: «تَدَاوَوْا، وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ»[[أخرجه أبو داود (٣٨٧٤) من حديث أبي الدرداء.]]، وأُمِر بالأكل وبالشرب وباللباس وبالوقاية من الحر والوقاية من البرد، كل هذا من أجل حفظ النفس التي هي أمانة عنده، فالإنسان ليس حرًّا يتصرف كما يشاء في بدنه أو كما يشاء في سلوكه أو كما يشاء في ماله، لا، هو مقيَّد. * الطالب: (...) هي الأمارة؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: وهنا نُسب الفاعل. * الشيخ: إي نعم؛ لأن الإنسان فيه نفسان، وقيل: ثلاثة أنفس: أمارة، ومطمئنة، ولوَّامة، والصواب: أن اللوامة من صفات الثنتين، ولكن فيه أمارة وهي التي تأمر بالشر وتنهى عن الخير، وفيه مطمئنة وهي التي تأمر بالخير، إذا ظلمت نفسي التي يقوله المطمئن. * وفي هذه الآية: إثبات عموم ربوبية الله؛ لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولا أحد له الربوبية العامة الشاملة سوى الله عز وجل، الإنسان قد يكون ربًّا لبيته، وقد يكون ربًّا لدابته، وقد يكون ربًّا لمملوكه، كما في الحديث الصحيح: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]. وتقدم لنا في التفسير أن ما ذكره المؤلف من هذه الإسرائيليات أنه لا يجب التصديق به، بل ما كان منها مخالفًا للقرآن أو لا يليق بحال النبي فإنه يجب تكذيبه، وما كان منها ليس مخالفًا ولا منافيًا لما يليق بالنبي فإنه لا يصدَّق ولا يكذَّب. * الطالب: ولا يُكْتَب؟ * الشيخ: نعم؟ ولا يُكْتَب، ولا ينبغي أن يكتب في التفسير؛ لأنه إذا حسب في التفسير معناه أنه صُدِّق حيث جُعِلَ تفسيرًا لكلام الله. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [النمل ٤٥]. * طالب: بالنسبة لبلقيس كيف أسلمت بهذه السرعة عندما رأت ماله؟ * الشيخ: رأت عظمة سليمان وجنوده؛ وهي تذكر كتابه الذي قال: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِين﴾ تذكر أن هذا الرجل لا بد إما أن تسلم وإما أن يقضي عليك. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ولكنها أسلمت. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: نرى هذا مشهورًا، لكن ما نختاره، الظاهر أنه من الأشياء التي لا تُصدَّق ولا تُكذَّب، لكنه لا بأس، لاشتهارها ما في مانع.

النمل 27:43

﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ﴾ لها ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ أي: أمثل هذا عرشك؟ ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ أي: فعرفته. ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ﴾ يعني: إلى سليمان، ونظرت إلى العرش قيل لها: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾، والقائل إما سليمان أو أحد جنوده، ولم يبيَّن؛ لأن المقصود معنى هذا القول دون قائله. وقوله: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُك﴾ الاستفهام هنا على حقيقته، والمراد به: الاستخبار، و (الهاء) للتنبيه، و (الكاف) حرف جر حالت بين هاء التنبيه واسم الإشارة، مع أن هاء التنبيه تقترن باسم الإشارة، لكن الكاف تحول بينها وبين اسم الإشارة لمباشرة حرف الجر للمجرور ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾، ولكن أيضًا هو خاصٌّ بالكاف، لو أنك أتيت بحرف جر سوى الكاف ما جاز أن تفصل بينه وبين اسم الإشارة؛ لو قلت مثلًا: ألهذا حضرت؟ ما يصح تقول: أهلذا حضرت، ما يصلح، يعني: ما يفصل بين اسم الإشارة وبين هاء التنبيه بأي حرف من حروف الجر إلا بالكاف فقط. إذن نقول: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم، و﴿عَرْشُكِ﴾: مبتدأ مؤخر، وتقديم الخبر هنا جائز ولّا واجب؟ واجب لأجل الاستفهام؛ لأن له الصدارة. وهنا ما قالوا: أهذا عرشك، بل قالوا: أهكذا عرشكِ؟ يعني: هل عرشكِ مثل هذا؟ هي أجابت بمثل ما سئلت عنه، فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ و(كأن) للتشبيه، ولم تقل: إنه هو، ولم تنف؛ السبب أنه مشابه لعرشها من حيث الأصل ومخالف له من حيث الصفة لأنه غُيِّر، وهذا أيضًا من ذكائها أنها لما وقع في نفسها أنه عرشها لكن تغيرت صفته قالت: كأنه هو، والجواب مطابق للسؤال. والمؤلف سلك في هذا مسلكًا غريبًا، قال: (أي: فعرفته وشبهت عليهم كما شبهوا عليها؛ إذ لم يقل: أهذا عرشكِ، ولو قيل هذا قالت: نعم). ما ندري هل تقول: نعم أو تقول كأنه هو، إنما جوابها مطابق للسؤال ومطابق لمقتضى الحال؛ أما مطابقته للسؤال فلأنه قيل لها: أهكذا؟ يعني: أهو مثل هذا، فكان الجواب: كأنه هو، وأما مطابقته لمقتضى الحال فلأن المرأة رأت أن العرش قد غُيِّر، فلم تجزم بنفيه ولم تجزم بإثباته، إن نُظِر إلى أصل الكرسي أو العرش فهو هو، وإن نُظِر إلى صفته فليس إياه، لذلك كان جوابها جيدًا جدًّا وليس فيه تشبيه كما قال المؤلف، هذا ما فيه تشبيه. ولو قالوا: أهذا عرشك؟ ما ندري هل تقول: نعم أو تقول: كأنه هو، وجزم المؤلف بأنها تقول: نعم ليس بصحيح، لأن المرأة ذكية جدًّا، والإنسان إذا حصل له مثل هذه الحال هل يجزم بأن ما شاهده هو ما كان يعرفه من قبل؟ ما يجزم، بل إن مقتضى الحزم والتحرز أن يقول؟ ويش كان يقول؟ * طالب: كأنه. * الشيخ: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾، هذا مقتضى الحزم، لا سيما مع القرائن التي تبعد أن يكون إياه كما في هذه القصة، فإنه عرش محوط محروس من مكان بعيد، فيبعُد أن يمثل أمامها في هذه الحال. المهم يا جماعة الآن أننا نأخذ من جوابها هذا نأخذ منه ذكاءها من وجهين: أولًا: أنها أجابت بجواب مطابق للسؤال، هذا واحد. وثانيًا: أنها أجابت بجواب مطابق لمقتضى الحال؛ إذ الجزم بهذا تسرُّع، ونفيه تباطؤ أيضًا، واحتمال أن يكون إياه. ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ كأن للتشبيه. * طالب: ليس في كلامها تشبيه؟ * الشيخ: لا، هو يقول: شبَّهت عليهم؛ يعني: لبست عليهم، ما قال: شبهته. ثم قال: (قال سليمان لما رأى لها معرفة وعلمًا: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ ). وجه ارتباط هذا الجملة بما سبق أنه أراد أن يتحدث سليمان بما أنعم الله به عليهم من العلم، العلم يشمل العلم الشرعي، ويشمل العلم بقواعد الملك ومثبتاته، وما أشبه ذلك؛ يعني: كأنهم أو كأن الملأ من قومه لما رأوا ما رأوا من ذكائها ومعرفتها وتحرزها وتثبُّتها رأوا أمرًا عظيمًا، فأراد سليمان ﷺ أن يذكِّرهم بما هو أعظم من ذلك، وهو ما آتاهم الله تعالى من العلم السابق والإسلام: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾. ويرى بعض المفسرين أن قوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ من قول المرأة، يعني: كأنه هو وأوتينا العلم، وأن المسألة متصلة، يصير ﴿مِنْ قَبْلِهَا﴾ أي: مِن قبل هذه القضية، أي: أننا عندنا علمًا من قبل هذه القضية فلا تعجب من علمنا بهذا فإن لنا علمًا سابقًا، ولكن هذا الاحتمال -وإن ذُكر- ضعيف، والصواب: أن هذا من قول سليمان عليه الصلاة والسلام؛ يتحدث فيه بنعمة الله سبحانه وتعالى عليه وعلى قومه السابق لمعرفة هذه المرأة. * طالب: لا بد (...) فعل القول (...). * الشيخ: وين؟ * الطالب: من ﴿قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾؟ * الشيخ: (...) لا، ما يتعين، من قوله: ﴿وَأُوتِينَا﴾ لأنه قد يقولها أحد جنوده، ثم هو يتكلم بعد ذلك بعدما تحصل المشاهدة هذه يقول: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يجوز (...) عليها (...). قال: ﴿وَصَدَّهَا﴾ عن عبادة الله ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إذن ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إعرابها أنها فاعل، يعني: صدها الذي كانت تعبد من دون الله، ويحتمل أن تكون (ما) مصدرية، أي: وصدها كونها تعبد من دون الله، لكنه وإن كان سائغًا لغة لكنه ليس له محل هنا، فـ (ما) هذه اسم موصول. وقوله: ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾ ما هو الذي تعبد من دون الله؟ * طالب: الشمس. * الشيخ: الشمس، والعائد على (ما) الموصولة محذوف، التقدير: ما كانت تعبده من دون الله. و(صد): بمعنى صرف، ومناسبة هذا لما سبق، أنه يقال: إذا كانت هذه المرأة بهذا الذكاء وهذه المعرفة فلماذا لم تعبد الله مع ظهور أن العبادة لله وحده؟ بيَّن أن الذي صدَّها عن عبادة الله أنها اشتغلت من أول أمرها بعبادة غير الله، لأنها كانت من قوم كافرين، فنشأت في بيئة كافرة واشتغلت بعبادة المخلوق عن عبادة الخالق، فكأن هذه المرأة مع كونها ذكية وفاهمة وعندها احتراز وتحفظ كأنها مع ذلك إنما عدلت عن عبادة الله مع ظهورها ووضوحها بسبب انشغالها بالباطل، والنفس لا بد أن تكون مشغولة إما بالحق وإما بالباطل، ولا بد أن تكون كاسبة: إما كاسبة حرامًا أو حلالًا؛ إن أخذت ما لا حق لها فيه فهي كاسبة حرامًا، وإن أخذت ما لها حق فيه فهي كاسبة حلالًا. فهنا نقول: مناسبة قولها لقوله: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أنه كالجواب عن سؤال مقدَّر، وأيش السؤال المقدر؟ لماذا لم تعبد الله؟ فقال: إنه صدها عن عبادة الله ما كانت تعبد من دون الله وكانت من قوم كافرين، فقد نشأت من أول أمرها في بيئة كافرة، وقد أخبر النبي ﷺ أن «كُلّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٢) من حديث أبي هريرة.]]. ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وقيل: إن (صدها) الفاعل يعود على سليمان؛ أي: أن سليمان منعها ما كانت تعبد من دون الله، أي: منعها عما كانت تعبد من دون الله بسبب ما رأت من الملك العظيم الذي لسليمان عليه الصلاة والسلام، ولكن الأول أولى بالسياق: أن ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾ فاعل، لكن هنا لا بأس أن نذكر الاحتمال؛ لأنه ربما يكون عند التأمل يظهر أن هذا الاحتمال صحيح. قال الله تعالى: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ يعني: بيئتها منذ نشأت وهم كافرون بالله سبحانه وتعالى يعبدون الشمس، فلهذا اشتغلت بعبادة غير الله عن عبادة الله. وسيأتي إن شاء الله ما في هذه الجملة من الفوائد. (﴿قِيلَ لَهَا﴾ أيضًا، ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ ) والقائل -كما قلنا- مبهم؛ إما سليمان أو غيره. وهذا الصرح يقول المؤلف: (هو سطح من زجاج أبيض شفاف تحته ماء عذب جار، فيه سمك اصطنعه سليمان لما قيل له: إن ساقيها وقدميها كقدمي الحمار). أما قوله: إنه (سطح من زجاج أبيض) هذا صحيح، سطح من زجاج أبيض، والأصل في الصرح أنه البناء العالي، كما قال فرعون لهامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر ٣٦] لكنه يُطلَق على السطح وإن لم يكن عاليًا، وهذا عبارة عن سطح من زجاج وتحته ماء. يقول المؤلف: (إنه جارٍ)، وأخذ كونه جاريًا من قوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾؛ لأن اللُّجَّة هي أمواج البحر المترددة، لأن كل شيء متردد يُسمى لَجَّة، ومنه اللَّجَّة تردد الأصوات وارتفاعها، فالظاهر أن المؤلف أخذ الجريان -وإلا ما في الآية ما يدل على أنه جريان- أخذه من قوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾. وقوله: (فيه سمك) هذا ما هو بشرط، ليس فيه شرط أن يكون فيه سمك؛ لأن اللجة قد تكون فيها سمك وقد لا تكون، وقد يكون فيها سمك بعيد لا يُرى. وكذلك أيضا قوله: (إنه ماء عذب) ما في دليل على أنه عذب ولا أنه ملح، فلا ندري، المهم أنه ماء، بدليل ما يأتي. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، لأن العذب قد يبقى فيه السمك ما شاء الله. * طالب: (...)؟ * الشيخ: صحيح. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ويبقى فيه حتى هذا، بس أنه ما يعيش العيشة الكاملة، اللهم إلا كان فيه مثلما قال الإخوان: فيه أسماك خاصة في الملح، ما يكفي. المهم على كل حال، كل هذا لا داعي له، حتى لو قال قائل: إنه ليس تحته ماء. لو قال قائل: وأن الزجاج هذا يعطي كأنه ماء، بسبب مثلًا أضلاع فيه ولّا شيء، لو قيل بهذا لم يكن بعيدًا، لأنه ما يتعين أن يكون تحته ماء، ما هو متعين، على كل حال، ما هو متعين، لكن نحن إن تنازلنا وقلنا: إن قوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ خله زجاج شفاف وتظنه بحرًا. وأما قوله: (لما قيل له: إن ساقيها وقدميها كقدمي الحمار) يقولون: إن الجن لما أنَّ سليمان أعجبته هذه المرأة هَمَّ أن يتزوجها فحسدوها على ذلك، فقالوا له: إن قدميها وساقيها قدما دابة وساقا دابة، وحطوها بعد حمار؛ لأنه أقبح وهذا ليس بصحيح. وإنما المقصود من هذا الصرح اختبار المرأة أيضًا، لأنه لما قيل: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ هي في الحقيقة إذا كانت تحسبه لُجَّة، إذا كانت جبانة تدخل ولّا ما تدخل؟ ما تدخل أصلًا، وإذا كانت مغفلة دخلت وثيابها نازلة، وإذا كانت حازمة وشجاعة دخلت ورفعت عن ساقيها، دخلت هذا ورفعت عن ساقيها. ثم هي أيضًا من ذكائها: أنها تعلم أنها ما أُكرمت وقيل لها: ادخلي الصرح وهي ستُدخل في بحر لُجِّيٍّ يغرقها، فعلمت أن هذا البحر أن غاية ما فيه أن يصل إلى ركبتها أو نحو ذلك، وأنه لا يمكن أن يكون بحرًا لجيًا عميقًا، لماذا؟ لأنها قيل لها على سبيل الإكرام: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾. فالمهم أن هذا أيضًا اختبار ثان لذكائها وحزمها وشجاعتها، وأما أن رجلها رجل حمار فهذا كذب بلا شك، والأصل فيها أنها امرأة مثل بنات آدم ليس فيها شيء من هذا. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ما ندري عن شريعة مَنْ سبق (...). قال: (﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ من الماء ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ ) وهذا لا شك أنه يدل على حزمها وقوتها وشجاعتها، لأن الإنسان الغريب إذا حصل له مثل هذا الأمر قد يقول: ما أدري، يمكن يخدعونني ربما أطب في هذا وأموت، لكنها قويَّةً وحازمة أيضًا، أقدمت على الدخول لكن مع الاحتراز عن الأذِيَّة؛ حيث رفعت عن ساقيها. والرفع عن الساقين (إبراهيم) يقول: يؤخذ منه جواز إظهار المرأة للساقين، ونحن نقول: أولًا: لا يؤخذ منه ذلك، لأنه هنا فعلته للحاجة، وكشف المرأة ساقيها للحاجة لا بأس به حتى في شريعتنا، إذا احتاجت المرأة إلى كشف ساقيها في مثل هذه الحال فلا حرج فيه، لأن ما حُرِّم تحريم الوسائل تبيحه الحاجات كما هو مقرر في علم الأصول، المحرم تحريم وسائل تبيحه الحاجات؛ ولهذا يجوز النظر إلى العورة لأدنى حاجة، حتى إنهم قالوا: يجوز أن يحلق عانةَ مَنْ لا يُحْسِن حلْقَ عانته، وهذا بالضرورة سوف يكشف العانة لتُحْلق. فالحاصل أننا نقول: إن كانت شريعة سليمان تبيح مثل ذلك فلا دلالة فيه، وإذا كانت لا تبيحه فإنه أيضًا لا يخالف شريعتنا، لأن الحاجة هنا تدعو إليه. (﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ لتخوضه، وكان سليمان على سريره في صدر الصرح فرأى ساقيها وقدميها حسانًا) اطمأن الآن الرجل، اطمأن، ولكنها ليست كما قال المؤلف، ما هو الغرض من هذا أن يَتَبَيَّن لسليمان هل رجلها رجل حمار ولّا رجل آدمية؟ لا، الغرض أن يعرف بهذا ذكاءها وفطنتها وشجاعتها، وكل ما تدل عليه هذه الصورة من معنىً يعود إلى المرأة فإنه يريده سليمان عليه الصلاة والسلام. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: بيجي أكيد. (﴿قَالَ﴾ لها ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ مملس ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ أي: زجاج). هذه الجملة أيضًا تفيد أنه قُصِد به مع اختبارها وامتحانها إظهار عظمة ملك سليمان مثلما قُصِدَ بإحضار العرش هذا المقصد. ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ فتبين بذلك أمران؛ أحدهما: عظمة ملك سليمان؛ حيث إن الزجاج يصنع له حتى يكون كالبحر اللجي، وثانيًا: الإشارة إلى أن هذه المرأة وإن كانت ذكية وعاقلة وحازمة فإنها يَخْفَى عليها الأمر، ولّا لا؟ لأنها حسبت أن هذا الزجاج لُجَّة من الماء مع أنه ليس كذلك، ففيه نوع من إظهار ضعفها أيضًا؛ حيث إنه ظَنَّت الأمر على خلاف ما هو عليه. وسيأتي إن شاء الله تعالى في هذا من فوائد الآيات ما.. * الطالب: (...) صرح ممرد من قوارير أنه ليس به ماء؟ * الشيخ: (...) ما يستبعد؛ لأن وجود الماء تحتها مثل ما قلتُ ما هو بلازم. ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ حينئذٍ عرفت مكانها وعرفت مكانة سليمان. وقوله: (ودعاها إلى الإسلام) ليس في الآية ما يدل عليه، بل إن الظاهر ألجأها ما شاهدته إلى أن تُسْلِم؛ لأنها شاهدت أمورًا؛ منها إتيان عرشها، ومنها: هذا الصرح العظيم الممرد من القوارير. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هي ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾. ومنها أيضًا: أن سليمان عليه الصلاة والسلام أخبرها بعظمته وقوته؛ حيث إن هذا صرح ممرد من القوارير وليس ماءً، حينئذٍ اعترفت (فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بعبادة غيرك). وعبادة غير الله من أعظم الظلم، قال الله تعالى عن لقمان لما قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]؛ لأن أعظم الظلم أن تتسلط على من حقه أبين وأوضح، ولا أبين وأوضح من حق الله على العباد؛ لهذا كان الشرك أظلم الظلم. عندما تخاصم إنسانًا وأنت تعرف أن الحق له لا لك تُعَدُّ ظالمًا، عندما يشتبه عليك الأمر بحيث ترجح ثمانين في المئة أنه له وعشرين في المئة أنه لك، يكون هذا الظلم أخف من الأول، عندما يكون خمسين في المئة لك وخمسين في المئة له يكون أخف من الثاني، عندما ترجح ثلاثين في المئة له وسبعون لك يكون أخف، وهكذا. فالمهم أن الظلم يكون أقبح وأشنع بحسب ظهور الحق وبيانه، وأظهر الحقوق وأبينها: عبادة الله سبحانه وتعالى، فيكون أظلم الظلم الإشراك مع الله، أن تشرك مع الله أحدًا؛ ولهذا تقول: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾. إذن: النفس عندك أمانة يجب عليك أن تسعى لها بما فيه خيرها، فأنت يجب أن تسعى لنفسك بما هو خير لها؛ فإن تجرأت على ما ليس لك فقد ظلمت نفسك، أو فرطت فيما يجب عليك فقد ظلمت نفسك، وإذا كنت لا تستطيع أن تتصرف في بدنك بما تريد فكيف تستطيع أن تتصرف في فعلك بما تريد؟! لو أن إنسانًا قال لشخص: أنا بأعطيك إصبعي، اقطع إصبعي وحطه (...) اللي ناقص باصبعك بيجوز؟ * طالب: ما يجوز. * الشيخ: ما يجوز، لو قال: بقلع عيني لك وحطها بعينك اللي ما تشوف يجوز؟ * الطالب: لا يجوز. * الشيخ: لا يجوز، إذا كان هذا لا يمكن في جسم مآله إلى الفناء فكيف يكون ذلك في الأفعال التي عليها مدار سعادة العبد؟ فلا يجوز أن تتصرف في أفعالك فيما يعود على نفسك بالضرر، فإن فعلت فأنت ظالم. قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (﴿أَسْلَمْتُ﴾ كائنةً ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ ). أفاد المؤلف بتقدير كائنة أن الظرف في قوله: ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ في موضع الحال، يعني: أسلمت حالة كوني مع سليمان، لمن؟ لله رب العالمين، هنا تعتبر مسلمة ولّا لا؟ * طالب: نعم (...). * الشيخ: إي، إذا قال الرجل: أسلمت، لو ما قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فقد أسلم، ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤] فإذا عَبَّر الإنسان عن العمل بما يدل عليه من فعل؛ حُكِم عليه به، ولهذا لو قال قائل لإنسان: حلفت عليك أن تفعل كذا صار يمينًا، لو ما قال: والله، أو حلفت لا أفعل كذا، صار يمينًا وإن لم يقل بالله، لأن هذا هو الفعل. إذا قال: أسلمت صار إسلامًا، وإن لم يقل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. * طالب: (...). * الشيخ: يستعمل كثيرًا، إذن نقول: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فيها أنها أسلمت إسلامًا كاملًا؛ حيث أقرت بألوهية الله في قولها: ﴿لِلَّهِ﴾، وبربوبية العامة في قولها: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال المؤلف: (وأراد تزوجها فكره شعر ساقيها، فعملت له الشياطين النُّورَة فأزالته) والله الحقيقة أنها مشكلة هذه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: (...) عملت له الشياطين النورة، والنورة تزيل الشعر، ويقال: إن أول من عملت له النُّورَة ساق بلقيس بأمر سليمان حيث إن الشياطين عملتها له، وكل هذا كذب. ويجب أن يُنَزَّه كلام الله عن مثل هذه الأشياء، وموقفنا مع مثل هؤلاء العلماء أن نسأل الله لهم العفو، وأن الله يسامحهم؛ لأن كونهم يضعون في كلام الله مثل هذه الأمور هذا من الأشياء التي يتنقص بها الإنسان كلام الله عز وجل، وأكثر ما وردت هذه كما قال ابن كثير في هذا الموضع عن رجلين وهما: كعب الأحبار ووهب بن منبه، فإنهما أدخلا كثيرًا من الإسرائيليات في كلام الله وغيره مما ينقلون نسأل الله أن يعفو عنهم. قال: (فأزالته فتزوجها وأحبَّها وأقرَّها على ملكها، وكان يزورها في كل شهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام) إقامة المتزوج بالثيب (...). ذكرنا في قوله: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ فائدة الاختبار؛ اختبار الشخص لمعرفته وذكائه مثل هذا اللي حصل. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾. * يستفاد منه: التورية في الكلام، وهو أن يُظْهِر الإنسان شيئًا غير ما يريد، فإن قولهم: ﴿أَهَكَذَا﴾ تورية؛ لأن حقيقة الأمر أن العرش الذي بين أيديهم هو عرشها، فكان مقتضى الاستفهام أن يقولوا: أهذا عرشك؟ لكن أتوا بصيغة التورية لإبعاد الأمر؛ لأن كونها عرشها قد تتسرع وتقول: لا؛ لأنها تستبعد أن يكون حضر في هذه المدة وعليه الحرس وعليه المغاليق، فقيل لها: أهكذا عرشكِ؟ وقولها: ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ فيه دليل على: أن الجواب ينبغي أن يكون مطابقًا للسؤال، لأنها قالت: ﴿كَأَنَّهُ﴾ بالتشبيه، ولم تقل: هو. * وفيه دليل على: ذكاء هذه المرأة واحترازها مما يخشى أن يكون خطأً؛ لأنها لو قالت: لا، فقد يكون هو، ولو قالت: نعم، فقد يكون غيره؛ فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ فاختارت هذا للسببين اللذين ذكرناهما في وقت التفسير. * وفي هذا دليل على: أنه ينبغي للإنسان أن يتحدث بنعمة الله تبارك وتعالى عليه؛ لقوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾؛ لأن الصحيح أن هذه الجملة من كلام مَن؟ من كلام سليمان، وإن كان بعضهم يطرح احتمال أنه من كلامها، لكن الصحيح أنه من كلام سليمان. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الله ما يصف نفسه بأنه مسلم، ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ ما قال: آتينا. ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾. * يستفاد من هذه الجملة: أن الإنسان لا بد أن يُشْغِل نفسه، أو لا؟ فلا بد أن تكون النفس مشغولة إما بحق وإما بباطل، فهذه المرأة اشتغلت بالباطل عن الحق، وقد قيل من الحِكَم: إن لم تشغل نفسك بالحق شغلتك بالباطل. وقيل أيضًا: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وهذا صحيح، وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «كُلُّكُمْ حَارِثٌ، وَكُلُّكُمْ هَمَّامٌ»[[قال صاحب تمييز الطيب من الخبيث ص ١١٧: ليس بحديث، ويقرب منه: «أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ».]] فلا بد للإنسان أن يهمَّ ويعملَ، لكن إما بخير أو بغيره. ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. * وفي هذا دليل على: أن البيئة لها تأثير؛ لقوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ فهؤلاء القوم أَثَّروا عليها فصارت كافرة تعبد مع الله غيره. * وفيه: التحذير من مصاحبة الأشرار؛ لقوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ حتى لو كانوا من أقاربك فلا ينبغي أن تصاحبهم، وإذا كان لهم حق عليك بالقرابة فأعطهم حقهم الذي لهم، ولكن لا تكن مخالطًا لهم ومصاحبًا لهم؛ لأن النبي ﷺ قال فيما يروى عنه: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ» وهو حديث حسن «فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ»[[أخرجه أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨)، وأحمد (٨٠٢٨) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]، «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» وهذا شيء واقع يشهد له التاريخ السابق والحديث. * الطالب: البيئة عذر للإنسان؟ * الشيخ: ما تعتبر عذرًا، الواجب على الإنسان أن يفارق هذه البيئة؛ ولهذا وجبت الهجرة على من استطاع أن يهاجر، ولكن الرسول لما يقول: «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» يُخْبِر، والخبر لا يلزم منه الجواز، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩ / ٦) من حديث أبي سعيد.]] وهذا خَبَر، هل معناه أنه يجوز أن نفعل؟ وأخبر قال: «وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى تَقُومَ الظَّعِينَةُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ»[[أخرجه البخاري (٣٥٩٥) من حديث عدي بن حاتم بنحوه.]] فهل معنى ذلك أنه يجوز للمرأة أن تسافر بدون محرم؟ لا، فما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام مما يقع لا يلزم منه الجواز. ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ إلى آخره. * فيه دليل على: عظمة ملك سليمان وتسخير الله له، ففي ذلك الوقت حسب علمنا ليس هناك أفران تَصْهَر الزجاج ويفعل بها الإنسان كما يشاء، ولكن لا شك أن الزجاج موجود، قد يكون مستخرجًا من البحر تستخرجه الشياطين، وقد يكون هناك أيضًا مصاهر وأفران حسب حالهم، ولهذا قال الله عن الشياطين: إنهم ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ ١٣] ﴿جِفَانٍ﴾ جمع جفنة وهي الصحفة. ﴿كَالْجَوَابِ﴾ ﴿الْجَوَاب﴾ ما هي؟ * طالب: الجابية. * الشيخ: جمع جابية وهي البِركة، يعني كبيرة. ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ يعني: ما تُنْقَل لكبرها وعِظمها. فالحاصل أنا نقول: إن هذا فيه دليل على عظمة ملك سليمان؛ حيث سُخِّر له الجن والإنس يعملون له ما يشاء. * وفيه دليل على: جواز اختبار المرء كما سبق. وهذه القصة فيها عدة اختبارات؛ لقوله: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ ليرى هل تهاب فلا تدخل، أو تغامر فتدخل بدون تحرُّز، أم ماذا تصنع؟ فالمرأة لذكائها دخلت ولكن مع التحفظ والاحتراز كشفت عن ساقيها، أي: رفعت ثوبها حتى بان الساقان. * وفي هذا دليل على: أن المرأة من قديم الزمان زينتها التَّسَتُّر؛ لأن قوله: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ دليل على أن الأصل أنها مستورة، وهو كذلك، بخلاف الرجل، فإن «إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ فَوْقَ نِصْفِ سَاقِهِ» أو قال: «نِصْفُ سَاقِهِ»[[أخرجه النسائي في الكبرى (٩٦٢٦) من حديث أبي هريرة بنحوه.]]، نسيت اللفظ، الآن أصبح الأمر بالعكس عند كثير من المسلمين مع الأسف، فأصبح الرجال ثيابهم مسبلة، والنساء ثيابهن قصيرة، وهذا خلاف الفطرة التي فطر الله عليها الخلق. * وفي هذا دليل على: أن الرؤية قد تكذب، وأن ما يدرك بالحواس ليس على الأمر الواقع مئة بالمئة، لقوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ فإن هذا كما هو الواقع صرح ممرد من قوارير وتنظر إليه نظر العين ومع ذلك تحسبه لجة، فدل هذا على أن ما يُدرك بالحواس قد يقع فيه الخطأ، أليس كذلك؟ قد يرى الإنسان الشيء المتحرك ساكنًا والساكن متحركًا، والأبيض أسود، والرجل امرأة، بل قد يتخيل له في بصره شيء وليس له حقيقة، وكذلك بالنسبة للسمع، وبهذا نعلم أن الشهادات وروايات الأخبار وغيرها كلها يمكن أن يقع فيها الخطأ وليست معصومة مئة بالمئة، ولكن لا شك أنه كلما تواردت الأخبار وتكاثرت فإنه يدل على أن الأمر متأكد، ولكن نفي احتمال الخطأ مهما بلغ الرائي أو السامع من القوة والأمانة، فإن الخطأ عرضة فيما رأى أو فيما سمع، بل في الملمس الآن، قد تلمس الشيء فتظنه ليِّنًا أو أملس وبالعكس، الرجل الفلاح يلمس الشيء الخشن فيظنه أملس، والناعم يلمس الخشن البسيط جدًّا فيجده كالشوك. فالحاصل أن المسألة حتى في الأمور الحسيَّة الخطأ يمكن أن يقع، فما بالك بالأمور العقلية؟ من باب أولى وأعظم، وبه نعرف ضعف الإنسان، وأنه بحاجة ماسَّة إلى علم الشرع والوحي، مهما بلغ فإنه بحاجة إلى هذا الأمر. * طالب: (...) الحواس من القطعيات؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: (...) يصبح خطأ؟ * الشيخ: لا، ما هو به، هذا شك، هو من القطعيات، لكنها باعتبار الفكر واعتبار العقل صحيح في مثل هذا إنما الوهم قد يقع فيها. * وفيه أيضًا في قوله: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾: دليل على أنه ينبغي تأكيد الكلام في موضعه، ما قال: هذا صرح، قال: إنه صرح، و(إِنَّ) للتوكيد، والتوكيد هنا في محله؛ لأنها هي وإن لم تكن منكرة لكن حالها حال المنكر؛ حيث ظنته لُجَّة وكشفت عن ساقيها. * وفي هذا دليل؛ في قوله: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ دليل على أن الله تبارك وتعالى قد يَهَب المرء ما يوجب له أن يسلم، بل قد يُيَسِّر له الأسباب التي توجب إسلامه بكل سهولة، هذه المرأة حسب القصة ما وجدنا أنها دُعِيت وأُكِّد عليها وبُيِّن لها الخطأ إلا في قوله في أول القصة: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ لكن لما شاهدت ما شاهدت من عظمة ملك سليمان وقوته عرفت أنه لا بد أن تسلم، فهكذا إذا يسَّر الله تعالى للعبد ما به الهداية فإنه يكون الأمر عليه يسيرًا، وإذا لم تُيَسَّر له أصبح كل مانع يمنعه من الاهتداء، وإن لم يكن مانعًا قويًا. * وفي هذا دليل على: أن المرأة آمنت بسليمان، لم تُسْلِم إسلامًا مطلقًا؛ لأنه قال: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ فدل هذا على أنها آمنت به، لأن (مع) للمصاحبة، فكانت من أصحابه المؤمنين به. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الأخير هذ ا؟ (...)لم تؤمن إيمانًا مطلقًا؛ يعني ما قالت: إني أسلمت لله فقط، بل صرَّحت بأنها تابعة لسليمان. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: أقول هذا؛ لقولها: ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ يعني مثلًا ما آمنت بنبيٍّ آخر أو بشريعة أخرى، آمنت بشريعة سليمان فكانت من قومه مع أنها كانت في سبأ في اليمن وسليمان في الشام. وفي هذا دليل في قوله: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ دليل على أن المعاصي ظلم للنفس، وسبق وجه ذلك، وأن الإنسان مؤتمن على نفسه من حيث السلوك والسير، مؤتمن على نفسه من حيث التصرف في ماله، مؤتمن على نفسه من حيث التصرف في بدنه؛ ولهذا نُهي عن إضاعة المال، ونهي عن قتل النفس: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩]، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥]، وأُمِر بالدواء: «تَدَاوَوْا، وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ»[[أخرجه أبو داود (٣٨٧٤) من حديث أبي الدرداء.]]، وأُمِر بالأكل وبالشرب وباللباس وبالوقاية من الحر والوقاية من البرد، كل هذا من أجل حفظ النفس التي هي أمانة عنده، فالإنسان ليس حرًّا يتصرف كما يشاء في بدنه أو كما يشاء في سلوكه أو كما يشاء في ماله، لا، هو مقيَّد. * الطالب: (...) هي الأمارة؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: وهنا نُسب الفاعل. * الشيخ: إي نعم؛ لأن الإنسان فيه نفسان، وقيل: ثلاثة أنفس: أمارة، ومطمئنة، ولوَّامة، والصواب: أن اللوامة من صفات الثنتين، ولكن فيه أمارة وهي التي تأمر بالشر وتنهى عن الخير، وفيه مطمئنة وهي التي تأمر بالخير، إذا ظلمت نفسي التي يقوله المطمئن. * وفي هذه الآية: إثبات عموم ربوبية الله؛ لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولا أحد له الربوبية العامة الشاملة سوى الله عز وجل، الإنسان قد يكون ربًّا لبيته، وقد يكون ربًّا لدابته، وقد يكون ربًّا لمملوكه، كما في الحديث الصحيح: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]. وتقدم لنا في التفسير أن ما ذكره المؤلف من هذه الإسرائيليات أنه لا يجب التصديق به، بل ما كان منها مخالفًا للقرآن أو لا يليق بحال النبي فإنه يجب تكذيبه، وما كان منها ليس مخالفًا ولا منافيًا لما يليق بالنبي فإنه لا يصدَّق ولا يكذَّب. * الطالب: ولا يُكْتَب؟ * الشيخ: نعم؟ ولا يُكْتَب، ولا ينبغي أن يكتب في التفسير؛ لأنه إذا حسب في التفسير معناه أنه صُدِّق حيث جُعِلَ تفسيرًا لكلام الله. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [النمل ٤٥]. * طالب: بالنسبة لبلقيس كيف أسلمت بهذه السرعة عندما رأت ماله؟ * الشيخ: رأت عظمة سليمان وجنوده؛ وهي تذكر كتابه الذي قال: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِين﴾ تذكر أن هذا الرجل لا بد إما أن تسلم وإما أن يقضي عليك. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ولكنها أسلمت. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: نرى هذا مشهورًا، لكن ما نختاره، الظاهر أنه من الأشياء التي لا تُصدَّق ولا تُكذَّب، لكنه لا بأس، لاشتهارها ما في مانع.