Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — النمل 27:44 – النمل 27:56

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. النمل 27:44
  2. النمل 27:45
  3. النمل 27:46
  4. النمل 27:47
  5. النمل 27:48
  6. النمل 27:49
  7. النمل 27:50
  8. النمل 27:51
  9. النمل 27:52
  10. النمل 27:53
  11. النمل 27:54
  12. النمل 27:55
  13. النمل 27:56

النمل 27:44

﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ﴾ لها ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ أي: أمثل هذا عرشك؟ ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ أي: فعرفته. ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ﴾ يعني: إلى سليمان، ونظرت إلى العرش قيل لها: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾، والقائل إما سليمان أو أحد جنوده، ولم يبيَّن؛ لأن المقصود معنى هذا القول دون قائله. وقوله: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُك﴾ الاستفهام هنا على حقيقته، والمراد به: الاستخبار، و (الهاء) للتنبيه، و (الكاف) حرف جر حالت بين هاء التنبيه واسم الإشارة، مع أن هاء التنبيه تقترن باسم الإشارة، لكن الكاف تحول بينها وبين اسم الإشارة لمباشرة حرف الجر للمجرور ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾، ولكن أيضًا هو خاصٌّ بالكاف، لو أنك أتيت بحرف جر سوى الكاف ما جاز أن تفصل بينه وبين اسم الإشارة؛ لو قلت مثلًا: ألهذا حضرت؟ ما يصح تقول: أهلذا حضرت، ما يصلح، يعني: ما يفصل بين اسم الإشارة وبين هاء التنبيه بأي حرف من حروف الجر إلا بالكاف فقط. إذن نقول: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم، و﴿عَرْشُكِ﴾: مبتدأ مؤخر، وتقديم الخبر هنا جائز ولّا واجب؟ واجب لأجل الاستفهام؛ لأن له الصدارة. وهنا ما قالوا: أهذا عرشك، بل قالوا: أهكذا عرشكِ؟ يعني: هل عرشكِ مثل هذا؟ هي أجابت بمثل ما سئلت عنه، فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ و(كأن) للتشبيه، ولم تقل: إنه هو، ولم تنف؛ السبب أنه مشابه لعرشها من حيث الأصل ومخالف له من حيث الصفة لأنه غُيِّر، وهذا أيضًا من ذكائها أنها لما وقع في نفسها أنه عرشها لكن تغيرت صفته قالت: كأنه هو، والجواب مطابق للسؤال. والمؤلف سلك في هذا مسلكًا غريبًا، قال: (أي: فعرفته وشبهت عليهم كما شبهوا عليها؛ إذ لم يقل: أهذا عرشكِ، ولو قيل هذا قالت: نعم). ما ندري هل تقول: نعم أو تقول كأنه هو، إنما جوابها مطابق للسؤال ومطابق لمقتضى الحال؛ أما مطابقته للسؤال فلأنه قيل لها: أهكذا؟ يعني: أهو مثل هذا، فكان الجواب: كأنه هو، وأما مطابقته لمقتضى الحال فلأن المرأة رأت أن العرش قد غُيِّر، فلم تجزم بنفيه ولم تجزم بإثباته، إن نُظِر إلى أصل الكرسي أو العرش فهو هو، وإن نُظِر إلى صفته فليس إياه، لذلك كان جوابها جيدًا جدًّا وليس فيه تشبيه كما قال المؤلف، هذا ما فيه تشبيه. ولو قالوا: أهذا عرشك؟ ما ندري هل تقول: نعم أو تقول: كأنه هو، وجزم المؤلف بأنها تقول: نعم ليس بصحيح، لأن المرأة ذكية جدًّا، والإنسان إذا حصل له مثل هذه الحال هل يجزم بأن ما شاهده هو ما كان يعرفه من قبل؟ ما يجزم، بل إن مقتضى الحزم والتحرز أن يقول؟ ويش كان يقول؟ * طالب: كأنه. * الشيخ: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾، هذا مقتضى الحزم، لا سيما مع القرائن التي تبعد أن يكون إياه كما في هذه القصة، فإنه عرش محوط محروس من مكان بعيد، فيبعُد أن يمثل أمامها في هذه الحال. المهم يا جماعة الآن أننا نأخذ من جوابها هذا نأخذ منه ذكاءها من وجهين: أولًا: أنها أجابت بجواب مطابق للسؤال، هذا واحد. وثانيًا: أنها أجابت بجواب مطابق لمقتضى الحال؛ إذ الجزم بهذا تسرُّع، ونفيه تباطؤ أيضًا، واحتمال أن يكون إياه. ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ كأن للتشبيه. * طالب: ليس في كلامها تشبيه؟ * الشيخ: لا، هو يقول: شبَّهت عليهم؛ يعني: لبست عليهم، ما قال: شبهته. ثم قال: (قال سليمان لما رأى لها معرفة وعلمًا: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ ). وجه ارتباط هذا الجملة بما سبق أنه أراد أن يتحدث سليمان بما أنعم الله به عليهم من العلم، العلم يشمل العلم الشرعي، ويشمل العلم بقواعد الملك ومثبتاته، وما أشبه ذلك؛ يعني: كأنهم أو كأن الملأ من قومه لما رأوا ما رأوا من ذكائها ومعرفتها وتحرزها وتثبُّتها رأوا أمرًا عظيمًا، فأراد سليمان ﷺ أن يذكِّرهم بما هو أعظم من ذلك، وهو ما آتاهم الله تعالى من العلم السابق والإسلام: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾. ويرى بعض المفسرين أن قوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ من قول المرأة، يعني: كأنه هو وأوتينا العلم، وأن المسألة متصلة، يصير ﴿مِنْ قَبْلِهَا﴾ أي: مِن قبل هذه القضية، أي: أننا عندنا علمًا من قبل هذه القضية فلا تعجب من علمنا بهذا فإن لنا علمًا سابقًا، ولكن هذا الاحتمال -وإن ذُكر- ضعيف، والصواب: أن هذا من قول سليمان عليه الصلاة والسلام؛ يتحدث فيه بنعمة الله سبحانه وتعالى عليه وعلى قومه السابق لمعرفة هذه المرأة. * طالب: لا بد (...) فعل القول (...). * الشيخ: وين؟ * الطالب: من ﴿قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾؟ * الشيخ: (...) لا، ما يتعين، من قوله: ﴿وَأُوتِينَا﴾ لأنه قد يقولها أحد جنوده، ثم هو يتكلم بعد ذلك بعدما تحصل المشاهدة هذه يقول: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يجوز (...) عليها (...). قال: ﴿وَصَدَّهَا﴾ عن عبادة الله ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إذن ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إعرابها أنها فاعل، يعني: صدها الذي كانت تعبد من دون الله، ويحتمل أن تكون (ما) مصدرية، أي: وصدها كونها تعبد من دون الله، لكنه وإن كان سائغًا لغة لكنه ليس له محل هنا، فـ (ما) هذه اسم موصول. وقوله: ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾ ما هو الذي تعبد من دون الله؟ * طالب: الشمس. * الشيخ: الشمس، والعائد على (ما) الموصولة محذوف، التقدير: ما كانت تعبده من دون الله. و(صد): بمعنى صرف، ومناسبة هذا لما سبق، أنه يقال: إذا كانت هذه المرأة بهذا الذكاء وهذه المعرفة فلماذا لم تعبد الله مع ظهور أن العبادة لله وحده؟ بيَّن أن الذي صدَّها عن عبادة الله أنها اشتغلت من أول أمرها بعبادة غير الله، لأنها كانت من قوم كافرين، فنشأت في بيئة كافرة واشتغلت بعبادة المخلوق عن عبادة الخالق، فكأن هذه المرأة مع كونها ذكية وفاهمة وعندها احتراز وتحفظ كأنها مع ذلك إنما عدلت عن عبادة الله مع ظهورها ووضوحها بسبب انشغالها بالباطل، والنفس لا بد أن تكون مشغولة إما بالحق وإما بالباطل، ولا بد أن تكون كاسبة: إما كاسبة حرامًا أو حلالًا؛ إن أخذت ما لا حق لها فيه فهي كاسبة حرامًا، وإن أخذت ما لها حق فيه فهي كاسبة حلالًا. فهنا نقول: مناسبة قولها لقوله: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أنه كالجواب عن سؤال مقدَّر، وأيش السؤال المقدر؟ لماذا لم تعبد الله؟ فقال: إنه صدها عن عبادة الله ما كانت تعبد من دون الله وكانت من قوم كافرين، فقد نشأت من أول أمرها في بيئة كافرة، وقد أخبر النبي ﷺ أن «كُلّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٢) من حديث أبي هريرة.]]. ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وقيل: إن (صدها) الفاعل يعود على سليمان؛ أي: أن سليمان منعها ما كانت تعبد من دون الله، أي: منعها عما كانت تعبد من دون الله بسبب ما رأت من الملك العظيم الذي لسليمان عليه الصلاة والسلام، ولكن الأول أولى بالسياق: أن ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾ فاعل، لكن هنا لا بأس أن نذكر الاحتمال؛ لأنه ربما يكون عند التأمل يظهر أن هذا الاحتمال صحيح. قال الله تعالى: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ يعني: بيئتها منذ نشأت وهم كافرون بالله سبحانه وتعالى يعبدون الشمس، فلهذا اشتغلت بعبادة غير الله عن عبادة الله. وسيأتي إن شاء الله ما في هذه الجملة من الفوائد. (﴿قِيلَ لَهَا﴾ أيضًا، ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ ) والقائل -كما قلنا- مبهم؛ إما سليمان أو غيره. وهذا الصرح يقول المؤلف: (هو سطح من زجاج أبيض شفاف تحته ماء عذب جار، فيه سمك اصطنعه سليمان لما قيل له: إن ساقيها وقدميها كقدمي الحمار). أما قوله: إنه (سطح من زجاج أبيض) هذا صحيح، سطح من زجاج أبيض، والأصل في الصرح أنه البناء العالي، كما قال فرعون لهامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر ٣٦] لكنه يُطلَق على السطح وإن لم يكن عاليًا، وهذا عبارة عن سطح من زجاج وتحته ماء. يقول المؤلف: (إنه جارٍ)، وأخذ كونه جاريًا من قوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾؛ لأن اللُّجَّة هي أمواج البحر المترددة، لأن كل شيء متردد يُسمى لَجَّة، ومنه اللَّجَّة تردد الأصوات وارتفاعها، فالظاهر أن المؤلف أخذ الجريان -وإلا ما في الآية ما يدل على أنه جريان- أخذه من قوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾. وقوله: (فيه سمك) هذا ما هو بشرط، ليس فيه شرط أن يكون فيه سمك؛ لأن اللجة قد تكون فيها سمك وقد لا تكون، وقد يكون فيها سمك بعيد لا يُرى. وكذلك أيضا قوله: (إنه ماء عذب) ما في دليل على أنه عذب ولا أنه ملح، فلا ندري، المهم أنه ماء، بدليل ما يأتي. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، لأن العذب قد يبقى فيه السمك ما شاء الله. * طالب: (...)؟ * الشيخ: صحيح. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ويبقى فيه حتى هذا، بس أنه ما يعيش العيشة الكاملة، اللهم إلا كان فيه مثلما قال الإخوان: فيه أسماك خاصة في الملح، ما يكفي. المهم على كل حال، كل هذا لا داعي له، حتى لو قال قائل: إنه ليس تحته ماء. لو قال قائل: وأن الزجاج هذا يعطي كأنه ماء، بسبب مثلًا أضلاع فيه ولّا شيء، لو قيل بهذا لم يكن بعيدًا، لأنه ما يتعين أن يكون تحته ماء، ما هو متعين، على كل حال، ما هو متعين، لكن نحن إن تنازلنا وقلنا: إن قوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ خله زجاج شفاف وتظنه بحرًا. وأما قوله: (لما قيل له: إن ساقيها وقدميها كقدمي الحمار) يقولون: إن الجن لما أنَّ سليمان أعجبته هذه المرأة هَمَّ أن يتزوجها فحسدوها على ذلك، فقالوا له: إن قدميها وساقيها قدما دابة وساقا دابة، وحطوها بعد حمار؛ لأنه أقبح وهذا ليس بصحيح. وإنما المقصود من هذا الصرح اختبار المرأة أيضًا، لأنه لما قيل: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ هي في الحقيقة إذا كانت تحسبه لُجَّة، إذا كانت جبانة تدخل ولّا ما تدخل؟ ما تدخل أصلًا، وإذا كانت مغفلة دخلت وثيابها نازلة، وإذا كانت حازمة وشجاعة دخلت ورفعت عن ساقيها، دخلت هذا ورفعت عن ساقيها. ثم هي أيضًا من ذكائها: أنها تعلم أنها ما أُكرمت وقيل لها: ادخلي الصرح وهي ستُدخل في بحر لُجِّيٍّ يغرقها، فعلمت أن هذا البحر أن غاية ما فيه أن يصل إلى ركبتها أو نحو ذلك، وأنه لا يمكن أن يكون بحرًا لجيًا عميقًا، لماذا؟ لأنها قيل لها على سبيل الإكرام: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾. فالمهم أن هذا أيضًا اختبار ثان لذكائها وحزمها وشجاعتها، وأما أن رجلها رجل حمار فهذا كذب بلا شك، والأصل فيها أنها امرأة مثل بنات آدم ليس فيها شيء من هذا. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ما ندري عن شريعة مَنْ سبق (...). قال: (﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ من الماء ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ ) وهذا لا شك أنه يدل على حزمها وقوتها وشجاعتها، لأن الإنسان الغريب إذا حصل له مثل هذا الأمر قد يقول: ما أدري، يمكن يخدعونني ربما أطب في هذا وأموت، لكنها قويَّةً وحازمة أيضًا، أقدمت على الدخول لكن مع الاحتراز عن الأذِيَّة؛ حيث رفعت عن ساقيها. والرفع عن الساقين (إبراهيم) يقول: يؤخذ منه جواز إظهار المرأة للساقين، ونحن نقول: أولًا: لا يؤخذ منه ذلك، لأنه هنا فعلته للحاجة، وكشف المرأة ساقيها للحاجة لا بأس به حتى في شريعتنا، إذا احتاجت المرأة إلى كشف ساقيها في مثل هذه الحال فلا حرج فيه، لأن ما حُرِّم تحريم الوسائل تبيحه الحاجات كما هو مقرر في علم الأصول، المحرم تحريم وسائل تبيحه الحاجات؛ ولهذا يجوز النظر إلى العورة لأدنى حاجة، حتى إنهم قالوا: يجوز أن يحلق عانةَ مَنْ لا يُحْسِن حلْقَ عانته، وهذا بالضرورة سوف يكشف العانة لتُحْلق. فالحاصل أننا نقول: إن كانت شريعة سليمان تبيح مثل ذلك فلا دلالة فيه، وإذا كانت لا تبيحه فإنه أيضًا لا يخالف شريعتنا، لأن الحاجة هنا تدعو إليه. (﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ لتخوضه، وكان سليمان على سريره في صدر الصرح فرأى ساقيها وقدميها حسانًا) اطمأن الآن الرجل، اطمأن، ولكنها ليست كما قال المؤلف، ما هو الغرض من هذا أن يَتَبَيَّن لسليمان هل رجلها رجل حمار ولّا رجل آدمية؟ لا، الغرض أن يعرف بهذا ذكاءها وفطنتها وشجاعتها، وكل ما تدل عليه هذه الصورة من معنىً يعود إلى المرأة فإنه يريده سليمان عليه الصلاة والسلام. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: بيجي أكيد. (﴿قَالَ﴾ لها ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ مملس ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ أي: زجاج). هذه الجملة أيضًا تفيد أنه قُصِد به مع اختبارها وامتحانها إظهار عظمة ملك سليمان مثلما قُصِدَ بإحضار العرش هذا المقصد. ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ فتبين بذلك أمران؛ أحدهما: عظمة ملك سليمان؛ حيث إن الزجاج يصنع له حتى يكون كالبحر اللجي، وثانيًا: الإشارة إلى أن هذه المرأة وإن كانت ذكية وعاقلة وحازمة فإنها يَخْفَى عليها الأمر، ولّا لا؟ لأنها حسبت أن هذا الزجاج لُجَّة من الماء مع أنه ليس كذلك، ففيه نوع من إظهار ضعفها أيضًا؛ حيث إنه ظَنَّت الأمر على خلاف ما هو عليه. وسيأتي إن شاء الله تعالى في هذا من فوائد الآيات ما.. * الطالب: (...) صرح ممرد من قوارير أنه ليس به ماء؟ * الشيخ: (...) ما يستبعد؛ لأن وجود الماء تحتها مثل ما قلتُ ما هو بلازم. ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ حينئذٍ عرفت مكانها وعرفت مكانة سليمان. وقوله: (ودعاها إلى الإسلام) ليس في الآية ما يدل عليه، بل إن الظاهر ألجأها ما شاهدته إلى أن تُسْلِم؛ لأنها شاهدت أمورًا؛ منها إتيان عرشها، ومنها: هذا الصرح العظيم الممرد من القوارير. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هي ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾. ومنها أيضًا: أن سليمان عليه الصلاة والسلام أخبرها بعظمته وقوته؛ حيث إن هذا صرح ممرد من القوارير وليس ماءً، حينئذٍ اعترفت (فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بعبادة غيرك). وعبادة غير الله من أعظم الظلم، قال الله تعالى عن لقمان لما قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]؛ لأن أعظم الظلم أن تتسلط على من حقه أبين وأوضح، ولا أبين وأوضح من حق الله على العباد؛ لهذا كان الشرك أظلم الظلم. عندما تخاصم إنسانًا وأنت تعرف أن الحق له لا لك تُعَدُّ ظالمًا، عندما يشتبه عليك الأمر بحيث ترجح ثمانين في المئة أنه له وعشرين في المئة أنه لك، يكون هذا الظلم أخف من الأول، عندما يكون خمسين في المئة لك وخمسين في المئة له يكون أخف من الثاني، عندما ترجح ثلاثين في المئة له وسبعون لك يكون أخف، وهكذا. فالمهم أن الظلم يكون أقبح وأشنع بحسب ظهور الحق وبيانه، وأظهر الحقوق وأبينها: عبادة الله سبحانه وتعالى، فيكون أظلم الظلم الإشراك مع الله، أن تشرك مع الله أحدًا؛ ولهذا تقول: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾. إذن: النفس عندك أمانة يجب عليك أن تسعى لها بما فيه خيرها، فأنت يجب أن تسعى لنفسك بما هو خير لها؛ فإن تجرأت على ما ليس لك فقد ظلمت نفسك، أو فرطت فيما يجب عليك فقد ظلمت نفسك، وإذا كنت لا تستطيع أن تتصرف في بدنك بما تريد فكيف تستطيع أن تتصرف في فعلك بما تريد؟! لو أن إنسانًا قال لشخص: أنا بأعطيك إصبعي، اقطع إصبعي وحطه (...) اللي ناقص باصبعك بيجوز؟ * طالب: ما يجوز. * الشيخ: ما يجوز، لو قال: بقلع عيني لك وحطها بعينك اللي ما تشوف يجوز؟ * الطالب: لا يجوز. * الشيخ: لا يجوز، إذا كان هذا لا يمكن في جسم مآله إلى الفناء فكيف يكون ذلك في الأفعال التي عليها مدار سعادة العبد؟ فلا يجوز أن تتصرف في أفعالك فيما يعود على نفسك بالضرر، فإن فعلت فأنت ظالم. قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (﴿أَسْلَمْتُ﴾ كائنةً ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ ). أفاد المؤلف بتقدير كائنة أن الظرف في قوله: ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ في موضع الحال، يعني: أسلمت حالة كوني مع سليمان، لمن؟ لله رب العالمين، هنا تعتبر مسلمة ولّا لا؟ * طالب: نعم (...). * الشيخ: إي، إذا قال الرجل: أسلمت، لو ما قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فقد أسلم، ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤] فإذا عَبَّر الإنسان عن العمل بما يدل عليه من فعل؛ حُكِم عليه به، ولهذا لو قال قائل لإنسان: حلفت عليك أن تفعل كذا صار يمينًا، لو ما قال: والله، أو حلفت لا أفعل كذا، صار يمينًا وإن لم يقل بالله، لأن هذا هو الفعل. إذا قال: أسلمت صار إسلامًا، وإن لم يقل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. * طالب: (...). * الشيخ: يستعمل كثيرًا، إذن نقول: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فيها أنها أسلمت إسلامًا كاملًا؛ حيث أقرت بألوهية الله في قولها: ﴿لِلَّهِ﴾، وبربوبية العامة في قولها: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال المؤلف: (وأراد تزوجها فكره شعر ساقيها، فعملت له الشياطين النُّورَة فأزالته) والله الحقيقة أنها مشكلة هذه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: (...) عملت له الشياطين النورة، والنورة تزيل الشعر، ويقال: إن أول من عملت له النُّورَة ساق بلقيس بأمر سليمان حيث إن الشياطين عملتها له، وكل هذا كذب. ويجب أن يُنَزَّه كلام الله عن مثل هذه الأشياء، وموقفنا مع مثل هؤلاء العلماء أن نسأل الله لهم العفو، وأن الله يسامحهم؛ لأن كونهم يضعون في كلام الله مثل هذه الأمور هذا من الأشياء التي يتنقص بها الإنسان كلام الله عز وجل، وأكثر ما وردت هذه كما قال ابن كثير في هذا الموضع عن رجلين وهما: كعب الأحبار ووهب بن منبه، فإنهما أدخلا كثيرًا من الإسرائيليات في كلام الله وغيره مما ينقلون نسأل الله أن يعفو عنهم. قال: (فأزالته فتزوجها وأحبَّها وأقرَّها على ملكها، وكان يزورها في كل شهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام) إقامة المتزوج بالثيب (...). ذكرنا في قوله: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ فائدة الاختبار؛ اختبار الشخص لمعرفته وذكائه مثل هذا اللي حصل. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾. * يستفاد منه: التورية في الكلام، وهو أن يُظْهِر الإنسان شيئًا غير ما يريد، فإن قولهم: ﴿أَهَكَذَا﴾ تورية؛ لأن حقيقة الأمر أن العرش الذي بين أيديهم هو عرشها، فكان مقتضى الاستفهام أن يقولوا: أهذا عرشك؟ لكن أتوا بصيغة التورية لإبعاد الأمر؛ لأن كونها عرشها قد تتسرع وتقول: لا؛ لأنها تستبعد أن يكون حضر في هذه المدة وعليه الحرس وعليه المغاليق، فقيل لها: أهكذا عرشكِ؟ وقولها: ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ فيه دليل على: أن الجواب ينبغي أن يكون مطابقًا للسؤال، لأنها قالت: ﴿كَأَنَّهُ﴾ بالتشبيه، ولم تقل: هو. * وفيه دليل على: ذكاء هذه المرأة واحترازها مما يخشى أن يكون خطأً؛ لأنها لو قالت: لا، فقد يكون هو، ولو قالت: نعم، فقد يكون غيره؛ فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ فاختارت هذا للسببين اللذين ذكرناهما في وقت التفسير. * وفي هذا دليل على: أنه ينبغي للإنسان أن يتحدث بنعمة الله تبارك وتعالى عليه؛ لقوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾؛ لأن الصحيح أن هذه الجملة من كلام مَن؟ من كلام سليمان، وإن كان بعضهم يطرح احتمال أنه من كلامها، لكن الصحيح أنه من كلام سليمان. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الله ما يصف نفسه بأنه مسلم، ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ ما قال: آتينا. ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾. * يستفاد من هذه الجملة: أن الإنسان لا بد أن يُشْغِل نفسه، أو لا؟ فلا بد أن تكون النفس مشغولة إما بحق وإما بباطل، فهذه المرأة اشتغلت بالباطل عن الحق، وقد قيل من الحِكَم: إن لم تشغل نفسك بالحق شغلتك بالباطل. وقيل أيضًا: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وهذا صحيح، وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «كُلُّكُمْ حَارِثٌ، وَكُلُّكُمْ هَمَّامٌ»[[قال صاحب تمييز الطيب من الخبيث ص ١١٧: ليس بحديث، ويقرب منه: «أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ».]] فلا بد للإنسان أن يهمَّ ويعملَ، لكن إما بخير أو بغيره. ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. * وفي هذا دليل على: أن البيئة لها تأثير؛ لقوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ فهؤلاء القوم أَثَّروا عليها فصارت كافرة تعبد مع الله غيره. * وفيه: التحذير من مصاحبة الأشرار؛ لقوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ حتى لو كانوا من أقاربك فلا ينبغي أن تصاحبهم، وإذا كان لهم حق عليك بالقرابة فأعطهم حقهم الذي لهم، ولكن لا تكن مخالطًا لهم ومصاحبًا لهم؛ لأن النبي ﷺ قال فيما يروى عنه: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ» وهو حديث حسن «فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ»[[أخرجه أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨)، وأحمد (٨٠٢٨) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]، «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» وهذا شيء واقع يشهد له التاريخ السابق والحديث. * الطالب: البيئة عذر للإنسان؟ * الشيخ: ما تعتبر عذرًا، الواجب على الإنسان أن يفارق هذه البيئة؛ ولهذا وجبت الهجرة على من استطاع أن يهاجر، ولكن الرسول لما يقول: «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» يُخْبِر، والخبر لا يلزم منه الجواز، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩ / ٦) من حديث أبي سعيد.]] وهذا خَبَر، هل معناه أنه يجوز أن نفعل؟ وأخبر قال: «وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى تَقُومَ الظَّعِينَةُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ»[[أخرجه البخاري (٣٥٩٥) من حديث عدي بن حاتم بنحوه.]] فهل معنى ذلك أنه يجوز للمرأة أن تسافر بدون محرم؟ لا، فما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام مما يقع لا يلزم منه الجواز. ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ إلى آخره. * فيه دليل على: عظمة ملك سليمان وتسخير الله له، ففي ذلك الوقت حسب علمنا ليس هناك أفران تَصْهَر الزجاج ويفعل بها الإنسان كما يشاء، ولكن لا شك أن الزجاج موجود، قد يكون مستخرجًا من البحر تستخرجه الشياطين، وقد يكون هناك أيضًا مصاهر وأفران حسب حالهم، ولهذا قال الله عن الشياطين: إنهم ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ ١٣] ﴿جِفَانٍ﴾ جمع جفنة وهي الصحفة. ﴿كَالْجَوَابِ﴾ ﴿الْجَوَاب﴾ ما هي؟ * طالب: الجابية. * الشيخ: جمع جابية وهي البِركة، يعني كبيرة. ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ يعني: ما تُنْقَل لكبرها وعِظمها. فالحاصل أنا نقول: إن هذا فيه دليل على عظمة ملك سليمان؛ حيث سُخِّر له الجن والإنس يعملون له ما يشاء. * وفيه دليل على: جواز اختبار المرء كما سبق. وهذه القصة فيها عدة اختبارات؛ لقوله: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ ليرى هل تهاب فلا تدخل، أو تغامر فتدخل بدون تحرُّز، أم ماذا تصنع؟ فالمرأة لذكائها دخلت ولكن مع التحفظ والاحتراز كشفت عن ساقيها، أي: رفعت ثوبها حتى بان الساقان. * وفي هذا دليل على: أن المرأة من قديم الزمان زينتها التَّسَتُّر؛ لأن قوله: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ دليل على أن الأصل أنها مستورة، وهو كذلك، بخلاف الرجل، فإن «إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ فَوْقَ نِصْفِ سَاقِهِ» أو قال: «نِصْفُ سَاقِهِ»[[أخرجه النسائي في الكبرى (٩٦٢٦) من حديث أبي هريرة بنحوه.]]، نسيت اللفظ، الآن أصبح الأمر بالعكس عند كثير من المسلمين مع الأسف، فأصبح الرجال ثيابهم مسبلة، والنساء ثيابهن قصيرة، وهذا خلاف الفطرة التي فطر الله عليها الخلق. * وفي هذا دليل على: أن الرؤية قد تكذب، وأن ما يدرك بالحواس ليس على الأمر الواقع مئة بالمئة، لقوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ فإن هذا كما هو الواقع صرح ممرد من قوارير وتنظر إليه نظر العين ومع ذلك تحسبه لجة، فدل هذا على أن ما يُدرك بالحواس قد يقع فيه الخطأ، أليس كذلك؟ قد يرى الإنسان الشيء المتحرك ساكنًا والساكن متحركًا، والأبيض أسود، والرجل امرأة، بل قد يتخيل له في بصره شيء وليس له حقيقة، وكذلك بالنسبة للسمع، وبهذا نعلم أن الشهادات وروايات الأخبار وغيرها كلها يمكن أن يقع فيها الخطأ وليست معصومة مئة بالمئة، ولكن لا شك أنه كلما تواردت الأخبار وتكاثرت فإنه يدل على أن الأمر متأكد، ولكن نفي احتمال الخطأ مهما بلغ الرائي أو السامع من القوة والأمانة، فإن الخطأ عرضة فيما رأى أو فيما سمع، بل في الملمس الآن، قد تلمس الشيء فتظنه ليِّنًا أو أملس وبالعكس، الرجل الفلاح يلمس الشيء الخشن فيظنه أملس، والناعم يلمس الخشن البسيط جدًّا فيجده كالشوك. فالحاصل أن المسألة حتى في الأمور الحسيَّة الخطأ يمكن أن يقع، فما بالك بالأمور العقلية؟ من باب أولى وأعظم، وبه نعرف ضعف الإنسان، وأنه بحاجة ماسَّة إلى علم الشرع والوحي، مهما بلغ فإنه بحاجة إلى هذا الأمر. * طالب: (...) الحواس من القطعيات؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: (...) يصبح خطأ؟ * الشيخ: لا، ما هو به، هذا شك، هو من القطعيات، لكنها باعتبار الفكر واعتبار العقل صحيح في مثل هذا إنما الوهم قد يقع فيها. * وفيه أيضًا في قوله: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾: دليل على أنه ينبغي تأكيد الكلام في موضعه، ما قال: هذا صرح، قال: إنه صرح، و(إِنَّ) للتوكيد، والتوكيد هنا في محله؛ لأنها هي وإن لم تكن منكرة لكن حالها حال المنكر؛ حيث ظنته لُجَّة وكشفت عن ساقيها. * وفي هذا دليل؛ في قوله: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ دليل على أن الله تبارك وتعالى قد يَهَب المرء ما يوجب له أن يسلم، بل قد يُيَسِّر له الأسباب التي توجب إسلامه بكل سهولة، هذه المرأة حسب القصة ما وجدنا أنها دُعِيت وأُكِّد عليها وبُيِّن لها الخطأ إلا في قوله في أول القصة: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ لكن لما شاهدت ما شاهدت من عظمة ملك سليمان وقوته عرفت أنه لا بد أن تسلم، فهكذا إذا يسَّر الله تعالى للعبد ما به الهداية فإنه يكون الأمر عليه يسيرًا، وإذا لم تُيَسَّر له أصبح كل مانع يمنعه من الاهتداء، وإن لم يكن مانعًا قويًا. * وفي هذا دليل على: أن المرأة آمنت بسليمان، لم تُسْلِم إسلامًا مطلقًا؛ لأنه قال: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ فدل هذا على أنها آمنت به، لأن (مع) للمصاحبة، فكانت من أصحابه المؤمنين به. * طالب: (...)؟ * الشيخ: الأخير هذ ا؟ (...)لم تؤمن إيمانًا مطلقًا؛ يعني ما قالت: إني أسلمت لله فقط، بل صرَّحت بأنها تابعة لسليمان. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: أقول هذا؛ لقولها: ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ يعني مثلًا ما آمنت بنبيٍّ آخر أو بشريعة أخرى، آمنت بشريعة سليمان فكانت من قومه مع أنها كانت في سبأ في اليمن وسليمان في الشام. وفي هذا دليل في قوله: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ دليل على أن المعاصي ظلم للنفس، وسبق وجه ذلك، وأن الإنسان مؤتمن على نفسه من حيث السلوك والسير، مؤتمن على نفسه من حيث التصرف في ماله، مؤتمن على نفسه من حيث التصرف في بدنه؛ ولهذا نُهي عن إضاعة المال، ونهي عن قتل النفس: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩]، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥]، وأُمِر بالدواء: «تَدَاوَوْا، وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ»[[أخرجه أبو داود (٣٨٧٤) من حديث أبي الدرداء.]]، وأُمِر بالأكل وبالشرب وباللباس وبالوقاية من الحر والوقاية من البرد، كل هذا من أجل حفظ النفس التي هي أمانة عنده، فالإنسان ليس حرًّا يتصرف كما يشاء في بدنه أو كما يشاء في سلوكه أو كما يشاء في ماله، لا، هو مقيَّد. * الطالب: (...) هي الأمارة؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: وهنا نُسب الفاعل. * الشيخ: إي نعم؛ لأن الإنسان فيه نفسان، وقيل: ثلاثة أنفس: أمارة، ومطمئنة، ولوَّامة، والصواب: أن اللوامة من صفات الثنتين، ولكن فيه أمارة وهي التي تأمر بالشر وتنهى عن الخير، وفيه مطمئنة وهي التي تأمر بالخير، إذا ظلمت نفسي التي يقوله المطمئن. * وفي هذه الآية: إثبات عموم ربوبية الله؛ لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولا أحد له الربوبية العامة الشاملة سوى الله عز وجل، الإنسان قد يكون ربًّا لبيته، وقد يكون ربًّا لدابته، وقد يكون ربًّا لمملوكه، كما في الحديث الصحيح: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]. وتقدم لنا في التفسير أن ما ذكره المؤلف من هذه الإسرائيليات أنه لا يجب التصديق به، بل ما كان منها مخالفًا للقرآن أو لا يليق بحال النبي فإنه يجب تكذيبه، وما كان منها ليس مخالفًا ولا منافيًا لما يليق بالنبي فإنه لا يصدَّق ولا يكذَّب. * الطالب: ولا يُكْتَب؟ * الشيخ: نعم؟ ولا يُكْتَب، ولا ينبغي أن يكتب في التفسير؛ لأنه إذا حسب في التفسير معناه أنه صُدِّق حيث جُعِلَ تفسيرًا لكلام الله. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [النمل ٤٥]. * طالب: بالنسبة لبلقيس كيف أسلمت بهذه السرعة عندما رأت ماله؟ * الشيخ: رأت عظمة سليمان وجنوده؛ وهي تذكر كتابه الذي قال: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِين﴾ تذكر أن هذا الرجل لا بد إما أن تسلم وإما أن يقضي عليك. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ولكنها أسلمت. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: نرى هذا مشهورًا، لكن ما نختاره، الظاهر أنه من الأشياء التي لا تُصدَّق ولا تُكذَّب، لكنه لا بأس، لاشتهارها ما في مانع.

النمل 27:45

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ تقدم أن مثل هذا التعبير هذه الجملة فيها ثلاثة مؤكدات: القسم واللام وقد. ﴿أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ ﴿أَخَاهُمْ﴾: مفعول ﴿أَرْسَلْنَا﴾، و﴿صَالِحًا﴾: عطف بيان له، عطف بيان وليس بدلًا؛ لأن كونه عطف بيان أوضح؛ إذ إنه يبين المبهم في قوله: ﴿أَخَاهُمْ﴾. يقول المؤلف: يقول الله تعالى: ﴿إِلَى ثَمُودَ﴾ ثمود هذه قبيلة موجودة في مكان يُسَمَّى الآن.. * طالب: مدائن. * الشيخ: مدائن صالح، ويُسَمَّى الحِجْر، ويُسمَّى ديار ثمود، هذه القبيلة يسَّر الله تبارك وتعالى لها من أسباب العمران في السهل والجبل ما برزت به على غيرها، كما قال لهم نبيهم مذكِّرًا لهم: ﴿تَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء ١٤٩] أرسل الله إليهم صالحًا، وآتاهم بآية عجيبة وهي ناقة لها شِرْب وللقوم شِرْب، يعني: أن هذه البئر التي تشرب منها الناقة وهي أوسع الآبار وأغزرها ماء أُذِن لهم بأن يشربوا منها يومًا، وأُمِروا بأن يدعوها يومًا للناقة تشرب منه وتذهب في اليوم الثاني للرعي، وفي اليوم الذي تشرب منه قيل: إنهم يأتون إليها، ومن سقاها دلوًا أعطته دلوًا من اللبن، هذا من الأمور الإسرائيلية اللي ما تصدق ولا تكذب، لكنه مع هذه النعمة العظيمة في هذه الناقة كفروها والعياذ بالله ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر ٢٩] وعقروا هذه الناقة وكفروا بهذه النعمة العظيمة. يقول: ﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ (﴿أَخَاهُمْ﴾ من القبيلة)، ليش قال: (من القبيلة)؟ احتراز من الدِّين؛ لأنه ليس أخًا لهم إلا نفرًا يسيرًا آمنوا معه. ﴿صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ (أي: بأن اعبدوا الله) أفادنا المؤلف أن (أن) هنا مصدرية، ولكن يجوز فيها وجه آخر: أن تكون تفسيرية؛ لأن أرسلنا يتضمن أوحينا، والوحي فيه معنى القول دون حروفه، وهذا هو دلالة (أن) التفسيرية أن يسبقها فعل فيه معنى القول دون حروفه. إذا قلنا: إنها تفسيرية ما صح أن نقدر الباء، أي: بأن، بل نقدر أن بمعنى: أي، (أي اعبدوا الله)، يعني: أوحينا إليه أي اعبدوا الله. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ قال: (وحدوه)، وهذا مأخوذ من تفسير ابن عباس -فيما أظن- لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦] قال: ليوحدون، فجعل العبادة هي التوحيد، ولكن الصحيح أن العبادة: التذلل لله سبحانه وتعالى بالطاعة؛ لأن هذه المادة العين والباء والدال تدل على الذُلّ، ومنه قولهم: طريق معبَّد أي: مذلَّل لسالكيه، فعبادة الله معناها: الذلُّ له بالطاعة؛ ومنه، بل من أعظم ذلك توحيده. فالصواب أن المراد بالعبادة: التذلل لله سبحانه وتعالى بالطاعة ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي، هو الغالب أن التزلف على هذا، التعظيم بلا شك والمحبة معه. قال: ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ (الفاء) حرف عطف، و (إذا) فجائية، يعني: فما الذي حصل بعد إرساله؟ إذا هم، المفاجأة بالتفرق. (﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ في الدين، فريق مؤمنون من حين إرساله إليهم، وفريق كافرون). * الطالب: (...)؟ * الشيخ: (من حين) يكون أحسن؛ لأن (إذا) فجائية. انقسم قومه إلى قسمين؛ قسم آمنوا به، وقسم آخر كفروا به. مَنِ الذين آمنوا به؟ المستضعفون، كما قال الله تعالى في سورة الأعراف.. * الطالب:(...)؟ * الشيخ: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الأعراف ٧٥] شوف ما قال: أتؤمنون به، أتعلمون. فماذا قال هؤلاء؟ ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ يعني: لسنا نعلم فقط، بل نعلم ونؤمن، ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف ٧٦] ما قالوا: إنا به كافرون، ﴿بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ﴾ بإظهار المضادة لهم والمعاندة، يعني: ما دام آمنتم أنتم فأنتم الضعفاء (...) ضدكم على طول ﴿إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، وهذا أبلغ ما يكون -والعياذ بالله- من المضادة والمحادة والاستكبار أيضًا، كأنهم يقولون: أنتم الذين تؤمنون به هذا نكفر به، هؤلاء الفريق آمنوا وفريق كفروا. ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ يعني: يجري بينهم خصام، وهذا الخصام الذي جرى بين قوم صالح جرى أيضًا في قوم الرسول ﷺ، وكل الناس قومه ولا بد: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١] لا بد من هذا، ولا يمكن أن يتمحص الحق إلا بظهور العدو؛ لأن العدو يورد والوحي يجيب حتى يتمحص الحق بيِّنًا ظاهرًا، حتى في الأمور الواقعية، حتى في الانتصار وفي الخذلان يحصل هذا أيضًا. فالله تبارك وتعالى ذكر من فوائد الخذلان في أحد: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤١] فلا يتبيَّن الحق تمامًا إلا بظهور عدوٍّ له يناقضه ويعاديه حتى يظهر الحق على الباطل. ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾. (﴿قَالَ﴾ للمكذبين ﴿يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ أي: بالعذاب قبل الرحمة؛ حيث قلتم: إن كان ما أتيتنا به حقًّا فأتنا بالعذاب). ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ الاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ والتعدد؛ يعني: أنه يوبخهم وينكر عليهم هذا الأمر ويتعجَّب من حالهم؛ لأن حال العاقل أن يستعجل بالحسنة قبل السيئة، لا أن يستعجل بالسيئة قبل الحسنة، لكن السفيه –والعياذ بالله- سفيه، مثلما قالت قريش: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢] ما قالوا: (إن كان هذا هو الحق فاهدنا إليه)، ﴿أَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ [الأنفال ٣٢]، وهذا -نسأل الله العافية- في غاية ما يكون من الاستكبار والاستفساق. هؤلاء يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة ويقولون: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت ٢٩]. وهذا التحدي من أعداء الرسل للرسل يدل على تماديهم في العناد، وأنهم غير مؤمنين، ولكن هذا الأمر لا يجابون إليه، وإن كان في ذلك نصر للرسول لكنهم لا يجابون إلى ذلك؛ لأنه إذا أجيبوا إليه صار معناه: أنهم يجابون على اقتراحاتهم، مثلما قالوا لما قيل لهم عن البعث قالوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥] فيقال لهم: الرسل ما قالوا لكم إنكم تبعثون الآن، تبعثون متى؟ يوم القيامة، لو قالوا تبعثون الآن كان يقول: نعم، جيبوا آباءنا، لكن هم قالوا: تبعثون يوم القيامة، وانتظروا يوم القيامة وستجدون آباءكم. نقول: يقول الله عز وجل حكاية عن صالح: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ (من الشرك) (لولا) بمعنى: هلَّا، وهذا من معاني لولا؛ أن تكون للتحضيض، ولها معانٍ أخرى أيضًا ويش هي؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، ويقال فيها: حرف؟ * الطالب: امتناع. * الشيخ: حرف امتناع لوجود، ﴿لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ [الحج ٤٠] أيش اللي امتنع؟ * الطالب: تهديم الصوامع. * الشيخ: تهديم الصوامع لدفع الله سبحانه وتعالى الناس بعضهم لبعض، ما الذي يُعَيِّن هذا المعنى من هذا المعنى؟ * الطلبة: السياق. * الشيخ: يُعَيِّنُه السياق، وبهذا وبكثير من أمثاله يتبين أن الكلمات ليس لها معنىً ذاتيّ بمعنى أنها خلقت له، وإنما هي قوالب وثياب للمعنى الذي يدل عليه السياق، فأي ثوب يركبه لمعنى يدل عليه السياق فهو فهو، وبهذا التقرير أيضًا يَتَبَيَّن أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أنه لا مجاز في اللغة العربية أنه أمر صحيح، وأن كل كلمة استُعملت في مقامها فهي حقيقة فيه، وكل مثلًا ما تُعرف في هذا اللفظ إلا لذاك المعنى الذي لم تُسْتَعمل فيه ما يدل على أن ذاك هو معناها الذاتي؛ لأننا نقول: ليس للكلمات معنىً ذاتي، والله أعلم. * * * ذكر الله سبحانه وتعالى أنه أرسل إلى ثمود أخاهم صالحًا وأكد هذا الخبر. * فيستفاد منه: أنه ينبغي أو يجب أحيانًا تأكيد الأخبار المهمة ليكون المخاطب على يقين منها، ولا تقل: أنا لست ملزومًا ولا يهمني صَدَّق أم كذَّب، بل إن مقتضى النصح أن تؤكد ما ينبغي تأكيده للمخاطَب. * والفائدة الثانية: دليل على أن الرسل السابقين رسالتهم خاصة، ليست عامة؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ﴾ ما قال: إلى الناس جميعًا، ﴿إِلَى ثَمُودَ﴾، وهذا ثبت به الحديث عن النبي ﷺ في قوله: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]. * الفائدة الثالثة: أنه يصح إطلاق الأُخُوَّة النَّسَبِيَّة بين المسلم والكافر، فلا يقال: إذا انتفت الأخوة الإيمانية انتفت الأخوة النسبية، بل كلٌّ منهما إذا انتفى يبقى الآخر، لقوله.. * طالب: ﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾. * الشيخ: ﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾. * وفي الآية أيضًا الفائدة الرابعة: أن الذي أُرسِلَت به الرسل هو ما خُلِقَ له البشر، بل الجن والإنس: وهو عبادة الله؛ لقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، والعبادة سبق معناها. * طالب: (...). * الشيخ: أي: هي عبادة الله، أن الذي أُرسل به الرسل هو ما خُلِق له الخلق وهو عبادة الله. * الفائدة الخامسة: انقسام الناس إلى فريقين في مقابلة الرسل أو في مواجهة الرسل: مؤمن وكافر، وهذا لتحقيق الحكمة الابتدائية، والغائية في خلق الله، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢] لو كانوا كلهم مؤمنين ما صار منهم كافر ومؤمن هذه حكمة ابتدائية بالخلق منذ خُلِق. أيضًا: لتتم الحكمة الغائية، الحكمة الغائية: هو أن الله تعالى خلق جنة ونارًا، وخلق لكلٍ منهما أهلًا، فلو كان الناس كلُّهم مؤمنين لم يكن لخلق النار فائدة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود ١١٨، ١١٩] هذا ابتداء. ثانيًا: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩] هذا الغاية، إذ لو لم يكن مؤمن وكافر هل تتم كلمة الله في ملء جهنم؟ ما تتم. * إذن فالفائدة الخامسة: انقسام الناس في مجابهة الرسل إلى قسمين: مؤمن، وكافر، والحكمة من ذلك: هو تمام حكمة الله تبارك وتعالى ابتداء وغاية، ابتداء حيث خلق الناس منهم مؤمن ومنهم كافر، وغاية، عليكم هذا؟ * الطالب: (...) وخلق (...). * الشيخ: نعم، ولولا ذلك لم يكن لخلق النار فائدة، ولما تمت كلمة الله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]. * الفائدة السادسة: وقوع الخصام بين المؤمنين والكافرين، وأنه أمر لا بد له، حتى أنه ربما يصل إلى الصدام المسلح، وهذا واضح ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾، وقال تعالى في هذه الأمة: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج ١٩] الخصام لا بد منه مع آباء الرسل وأولياء الرسل وربما يصل ذلك إلى الصدام المسلح والقتال وهذا أمر مشاهد نستفيد من هذه الفائدة السادسة. * الفائدة السابعة: وهو أن كل متصدٍّ للدعوة إلى الله فلا بد أن يجد خصومًا، كل متصدٍّ للدعوة إلى الله لا بد أن يجد خصومًا؛ لأنه إذا كانت الدعوة في ابتدائها مع من جاء بها وهو الرسول تلاقي ذلك فما بالك بانتهائها. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١] قد نتوسع في معناها ونقول: لكل نبيٍّ لا لشخص النبي ولكن لدعوة النبي؛ بدليل أن النبي قبل أن يُبعَث هل له عدو؟ لا، الرسول ﷺ كان يُسمَّى الأمين عند قريش قبل أن يُبعَث وكانوا يقدِّرونه ويعظِّمونه ويُحِبُّونه، وبعد أن بعث وصار نبيًّا قامت الحرب بينهم وبينه. إذن ممكن أن نقول: إن قول الله سبحانه وتعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ [الفرقان ٣١] أي: من حيث الدعوة، وعلى هذا فما بقيت هذه الدعوة سوف يكون لها عدوٌّ من المجرمين. نأخذ أيضًا من الفائدة التي استشهدنا بها: أعظم مؤيِّد للداعي إلى الله نأخذ منها أعظم تأييد للداعي إلى الله حيث وصف الله خصومه بالإجرام. إذن ما دام الداعي معتقدًا وواثقًا من نفسه أنه على بصيرة فليبشر بالتأييد ولو بالعاقبة؛ لأن خصومه وصفهم الله تعالى بالإجرام، والله تبارك وتعالى لا يصلح عمل المجرمين. ثم قال: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. * يستفاد من هذه الآية: الإنكار على من استعجل بالسيئة قبل الحسنة ولّا لا؟ والاستعجال على نوعين؛ أحدهما: استعجال بالقول، بأن يقولوا: ﴿أْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف ٧٠]، ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال ٣٢]. واستعجال بالفعل والحال: بأن يسلكوا مسلكًا يكون به العذاب، وذلك بالمعاصي، فإن المعصية استعجال بالعذاب بلا شك، الذين يعصون الله سبحانه وتعالى معناه أنهم استعجلوا عذابه؛ حيث إنه سبحانه وتعالى أخبر بأن المعاصي سبب للعقوبة والعذاب فإذا صار الإنسان يمارس هذه المعاصي فإنه يقول بلسان حاله أين العذاب؟ وعلى هذا فإذا رأيت الأُمَّة على معصية الله، وإن لم تقل: أين عذاب الله؟ وأين ما وعدتم به؟ فإنها في الحقيقة تستعجل عذاب الله سبحانه وتعالى. إذن يؤخذ منه الإنكار على من استعجل عذاب الله والاستعجال يكون بالقول وبالفعل اللي هو الحال يعني بقول الإنسان وحاله. أما القول فأن يقول: أين عذاب الله؟ ائتنا بعذاب الله وما أشبه ذلك. وأما الحال فإن المعصية استعجال بالعذاب؛ لأن الله تعالى رتَّب العذاب عليها ففاعلها يقول: هات؛ لأن فاعل السبب أيش يريد؟ يريد وقوع المسبب. وفي هذا يستفاد منه فائدة تاسعة أظن؛ * يستفاد من ذلك: نصح الرسل لأممهم؛ لأن إنكار صالح على قومه ماذا يريد منهم؟ يريد منهم أن يستقيموا على أمر الله؛ ولهذا قال: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾. * وفي هذا دليل على: أن الاستغفار سبب لرفع العقوبة (...)؛ لقوله: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾. وهو كذلك فإن الاستغفار سبب لرفع العقوبة. * وفيه دليل على: أن الاستغفار سبب لجلب الرحمة، وهو أمر فوق دفع العقوبة؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وقد قال نوح لقومه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح ١٠ - ١٢] وهذه رحمة من الله عز وجل نتيجة الاستغفار؛ إذن فالاستغفار سبب لاندفاع النِّقَم وجلب النِّعَم، وما هو الاستغفار؟ * طالب: الاستغفار طلب التوبة. * الشيخ: لا. * طالب: الاستغفار مأخوذة من المغفر. * الشيخ: لا مش معناه. * الطالب: معناه.. * الشيخ: طلب أيش؟ * الطالب: معناه ستر الذنب مع التجاوز. * الشيخ: لكن ويش طلب؟ طلب المغفرة. * الطالب: طلب المغفرة. * الشيخ: يعني أخطأ بقوله: طلب التوبة، طلب المغفرة، والمغفرة ستر الذنب مع التجاوز عنه وطبعًا يستلزم طالب المغفرة يستلزم طلبه للمغفرة إذا كان حقيقة أن يقلع عن الذنب لأنه كيف يقول: أستغفر الله من الربا، وهو يقع في الربا، ما يصلح هذا، فطالب الشيء لا بد أن يسعى بأسبابه. إذا قلت: اللهم ارزقني ولدًا صالحًا، قال: ما أنا متزوج، إن شاء الله يقدِّر لي ولدًا صالحًا، بييجي؟ يصلح؟ تستغفر الله وأنت لم تفعل أسباب المغفرة؟ ما ينفع، فلا بد من فعل أسباب المغفرة بالاقلاع عن المعصية، ثم طلب أن يغفر الله لك. وإذا كان الاستغفار سببًا لجلب الرحمة فإنه من أسباب الفتح على المرء فتح العلم؛ أن الله يفتح عليه علمًا لم يكن يعلمه من قبل، يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٥، ١٠٦]. وكان بعض أهل العلم إذا سئل عن مسألة قدَّم بين يدي إجابته الاستغفار فقال: استغفر الله استغفر الله حتى يفتح له وهذا ظاهر؛ لأن الذنوب تحول بين المرء وبين العلم وبين المرء وبين الفهم فإذا غُفِرَت زال هذا الحجاب؛ قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣] الأول باختيارهم وهو التحريف، والثاني بغير اختيارهم وهو النسيان؛ فالمعاصي سبب للحرمان من العلم والفهم، والاستغفار رفع للمعاصي وآثارها، فيقتضي العلم والفهم، ومناسبته من الآية التي سقناها من آية النساء واضحة ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٥، ١٠٦] فتعقيب الحكم بين الاستغفار دليل على أنه من أدوات الحكم بالحق الاستغفار، وكان رسول الله ﷺ يكثر الاستغفار «حتى إنه ليستغفر الله ويتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة»[[أخرجه البخاري (٦٣٠٧) من حديث أبي هريرة بلفظ: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ...».]]. ويُحْصَى له في المجلس الواحد أكثر من مئة مرة: «أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ»[[أخرجه أبو داود (١٥١٦)، والترمذي (٣٤٣٤) من حديث ابن عمر بنحوه.]]؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكانت أسباب المغفرة في حقِّه أكثر من غيره. ومن أسباب المغفرة أن يستغفر بلسانه وهو عليه الصلاة والسلام يعلم أن الأشياء بأسبابها علم أن الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فجعل يكثر من أسباب مغفرته هذه بالاستغفار بلسانه، وكذلك أيضًا بفعل أسباب المغفرة بأفعاله، وهكذا ينبغي للإنسان إذا مَنَّ الله عليه بشيء أن يحقق ذلك الشيء بفعل الأسباب ولا يتكل، لولا تتقون الله. وفي هذا الآية من الفوائد أيضًا: إثبات الحكمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ الرحمة لها سبب، وكون الله تبارك وتعالى يُقْرِن أفعاله بأسبابها يدل على كمال الحكمة؛ لأن من يفعل أفعالًا عنجهية ليس لها أسباب.. ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ [النمل ٤٦]. * وفي هذا؛ أي في الآية من الفوائد أيضًا: إثبات الحكمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، الرحمة لها سبب، وكون الله تبارك وتعالى يقرن أفعاله بأسبابها يدل على كمال الحكمة؛ لأن من يفعل أفعالًا عنجهية ليس لها أسباب هذا سفيه، لكن من يربط الأفعال بأسبابها (...). * طالب: (...). * الشيخ: عشرة؟ لا. * طالب: أربعة عشر.

النمل 27:46

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ تقدم أن مثل هذا التعبير هذه الجملة فيها ثلاثة مؤكدات: القسم واللام وقد. ﴿أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ ﴿أَخَاهُمْ﴾: مفعول ﴿أَرْسَلْنَا﴾، و﴿صَالِحًا﴾: عطف بيان له، عطف بيان وليس بدلًا؛ لأن كونه عطف بيان أوضح؛ إذ إنه يبين المبهم في قوله: ﴿أَخَاهُمْ﴾. يقول المؤلف: يقول الله تعالى: ﴿إِلَى ثَمُودَ﴾ ثمود هذه قبيلة موجودة في مكان يُسَمَّى الآن.. * طالب: مدائن. * الشيخ: مدائن صالح، ويُسَمَّى الحِجْر، ويُسمَّى ديار ثمود، هذه القبيلة يسَّر الله تبارك وتعالى لها من أسباب العمران في السهل والجبل ما برزت به على غيرها، كما قال لهم نبيهم مذكِّرًا لهم: ﴿تَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء ١٤٩] أرسل الله إليهم صالحًا، وآتاهم بآية عجيبة وهي ناقة لها شِرْب وللقوم شِرْب، يعني: أن هذه البئر التي تشرب منها الناقة وهي أوسع الآبار وأغزرها ماء أُذِن لهم بأن يشربوا منها يومًا، وأُمِروا بأن يدعوها يومًا للناقة تشرب منه وتذهب في اليوم الثاني للرعي، وفي اليوم الذي تشرب منه قيل: إنهم يأتون إليها، ومن سقاها دلوًا أعطته دلوًا من اللبن، هذا من الأمور الإسرائيلية اللي ما تصدق ولا تكذب، لكنه مع هذه النعمة العظيمة في هذه الناقة كفروها والعياذ بالله ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر ٢٩] وعقروا هذه الناقة وكفروا بهذه النعمة العظيمة. يقول: ﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ (﴿أَخَاهُمْ﴾ من القبيلة)، ليش قال: (من القبيلة)؟ احتراز من الدِّين؛ لأنه ليس أخًا لهم إلا نفرًا يسيرًا آمنوا معه. ﴿صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ (أي: بأن اعبدوا الله) أفادنا المؤلف أن (أن) هنا مصدرية، ولكن يجوز فيها وجه آخر: أن تكون تفسيرية؛ لأن أرسلنا يتضمن أوحينا، والوحي فيه معنى القول دون حروفه، وهذا هو دلالة (أن) التفسيرية أن يسبقها فعل فيه معنى القول دون حروفه. إذا قلنا: إنها تفسيرية ما صح أن نقدر الباء، أي: بأن، بل نقدر أن بمعنى: أي، (أي اعبدوا الله)، يعني: أوحينا إليه أي اعبدوا الله. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ قال: (وحدوه)، وهذا مأخوذ من تفسير ابن عباس -فيما أظن- لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦] قال: ليوحدون، فجعل العبادة هي التوحيد، ولكن الصحيح أن العبادة: التذلل لله سبحانه وتعالى بالطاعة؛ لأن هذه المادة العين والباء والدال تدل على الذُلّ، ومنه قولهم: طريق معبَّد أي: مذلَّل لسالكيه، فعبادة الله معناها: الذلُّ له بالطاعة؛ ومنه، بل من أعظم ذلك توحيده. فالصواب أن المراد بالعبادة: التذلل لله سبحانه وتعالى بالطاعة ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي، هو الغالب أن التزلف على هذا، التعظيم بلا شك والمحبة معه. قال: ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ (الفاء) حرف عطف، و (إذا) فجائية، يعني: فما الذي حصل بعد إرساله؟ إذا هم، المفاجأة بالتفرق. (﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ في الدين، فريق مؤمنون من حين إرساله إليهم، وفريق كافرون). * الطالب: (...)؟ * الشيخ: (من حين) يكون أحسن؛ لأن (إذا) فجائية. انقسم قومه إلى قسمين؛ قسم آمنوا به، وقسم آخر كفروا به. مَنِ الذين آمنوا به؟ المستضعفون، كما قال الله تعالى في سورة الأعراف.. * الطالب:(...)؟ * الشيخ: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الأعراف ٧٥] شوف ما قال: أتؤمنون به، أتعلمون. فماذا قال هؤلاء؟ ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ يعني: لسنا نعلم فقط، بل نعلم ونؤمن، ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف ٧٦] ما قالوا: إنا به كافرون، ﴿بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ﴾ بإظهار المضادة لهم والمعاندة، يعني: ما دام آمنتم أنتم فأنتم الضعفاء (...) ضدكم على طول ﴿إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، وهذا أبلغ ما يكون -والعياذ بالله- من المضادة والمحادة والاستكبار أيضًا، كأنهم يقولون: أنتم الذين تؤمنون به هذا نكفر به، هؤلاء الفريق آمنوا وفريق كفروا. ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ يعني: يجري بينهم خصام، وهذا الخصام الذي جرى بين قوم صالح جرى أيضًا في قوم الرسول ﷺ، وكل الناس قومه ولا بد: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١] لا بد من هذا، ولا يمكن أن يتمحص الحق إلا بظهور العدو؛ لأن العدو يورد والوحي يجيب حتى يتمحص الحق بيِّنًا ظاهرًا، حتى في الأمور الواقعية، حتى في الانتصار وفي الخذلان يحصل هذا أيضًا. فالله تبارك وتعالى ذكر من فوائد الخذلان في أحد: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤١] فلا يتبيَّن الحق تمامًا إلا بظهور عدوٍّ له يناقضه ويعاديه حتى يظهر الحق على الباطل. ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾. (﴿قَالَ﴾ للمكذبين ﴿يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ أي: بالعذاب قبل الرحمة؛ حيث قلتم: إن كان ما أتيتنا به حقًّا فأتنا بالعذاب). ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ الاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ والتعدد؛ يعني: أنه يوبخهم وينكر عليهم هذا الأمر ويتعجَّب من حالهم؛ لأن حال العاقل أن يستعجل بالحسنة قبل السيئة، لا أن يستعجل بالسيئة قبل الحسنة، لكن السفيه –والعياذ بالله- سفيه، مثلما قالت قريش: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢] ما قالوا: (إن كان هذا هو الحق فاهدنا إليه)، ﴿أَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ [الأنفال ٣٢]، وهذا -نسأل الله العافية- في غاية ما يكون من الاستكبار والاستفساق. هؤلاء يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة ويقولون: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت ٢٩]. وهذا التحدي من أعداء الرسل للرسل يدل على تماديهم في العناد، وأنهم غير مؤمنين، ولكن هذا الأمر لا يجابون إليه، وإن كان في ذلك نصر للرسول لكنهم لا يجابون إلى ذلك؛ لأنه إذا أجيبوا إليه صار معناه: أنهم يجابون على اقتراحاتهم، مثلما قالوا لما قيل لهم عن البعث قالوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥] فيقال لهم: الرسل ما قالوا لكم إنكم تبعثون الآن، تبعثون متى؟ يوم القيامة، لو قالوا تبعثون الآن كان يقول: نعم، جيبوا آباءنا، لكن هم قالوا: تبعثون يوم القيامة، وانتظروا يوم القيامة وستجدون آباءكم. نقول: يقول الله عز وجل حكاية عن صالح: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ (من الشرك) (لولا) بمعنى: هلَّا، وهذا من معاني لولا؛ أن تكون للتحضيض، ولها معانٍ أخرى أيضًا ويش هي؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، ويقال فيها: حرف؟ * الطالب: امتناع. * الشيخ: حرف امتناع لوجود، ﴿لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ [الحج ٤٠] أيش اللي امتنع؟ * الطالب: تهديم الصوامع. * الشيخ: تهديم الصوامع لدفع الله سبحانه وتعالى الناس بعضهم لبعض، ما الذي يُعَيِّن هذا المعنى من هذا المعنى؟ * الطلبة: السياق. * الشيخ: يُعَيِّنُه السياق، وبهذا وبكثير من أمثاله يتبين أن الكلمات ليس لها معنىً ذاتيّ بمعنى أنها خلقت له، وإنما هي قوالب وثياب للمعنى الذي يدل عليه السياق، فأي ثوب يركبه لمعنى يدل عليه السياق فهو فهو، وبهذا التقرير أيضًا يَتَبَيَّن أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أنه لا مجاز في اللغة العربية أنه أمر صحيح، وأن كل كلمة استُعملت في مقامها فهي حقيقة فيه، وكل مثلًا ما تُعرف في هذا اللفظ إلا لذاك المعنى الذي لم تُسْتَعمل فيه ما يدل على أن ذاك هو معناها الذاتي؛ لأننا نقول: ليس للكلمات معنىً ذاتي، والله أعلم. * * * ذكر الله سبحانه وتعالى أنه أرسل إلى ثمود أخاهم صالحًا وأكد هذا الخبر. * فيستفاد منه: أنه ينبغي أو يجب أحيانًا تأكيد الأخبار المهمة ليكون المخاطب على يقين منها، ولا تقل: أنا لست ملزومًا ولا يهمني صَدَّق أم كذَّب، بل إن مقتضى النصح أن تؤكد ما ينبغي تأكيده للمخاطَب. * والفائدة الثانية: دليل على أن الرسل السابقين رسالتهم خاصة، ليست عامة؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ﴾ ما قال: إلى الناس جميعًا، ﴿إِلَى ثَمُودَ﴾، وهذا ثبت به الحديث عن النبي ﷺ في قوله: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]. * الفائدة الثالثة: أنه يصح إطلاق الأُخُوَّة النَّسَبِيَّة بين المسلم والكافر، فلا يقال: إذا انتفت الأخوة الإيمانية انتفت الأخوة النسبية، بل كلٌّ منهما إذا انتفى يبقى الآخر، لقوله.. * طالب: ﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾. * الشيخ: ﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾. * وفي الآية أيضًا الفائدة الرابعة: أن الذي أُرسِلَت به الرسل هو ما خُلِقَ له البشر، بل الجن والإنس: وهو عبادة الله؛ لقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، والعبادة سبق معناها. * طالب: (...). * الشيخ: أي: هي عبادة الله، أن الذي أُرسل به الرسل هو ما خُلِق له الخلق وهو عبادة الله. * الفائدة الخامسة: انقسام الناس إلى فريقين في مقابلة الرسل أو في مواجهة الرسل: مؤمن وكافر، وهذا لتحقيق الحكمة الابتدائية، والغائية في خلق الله، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢] لو كانوا كلهم مؤمنين ما صار منهم كافر ومؤمن هذه حكمة ابتدائية بالخلق منذ خُلِق. أيضًا: لتتم الحكمة الغائية، الحكمة الغائية: هو أن الله تعالى خلق جنة ونارًا، وخلق لكلٍ منهما أهلًا، فلو كان الناس كلُّهم مؤمنين لم يكن لخلق النار فائدة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود ١١٨، ١١٩] هذا ابتداء. ثانيًا: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩] هذا الغاية، إذ لو لم يكن مؤمن وكافر هل تتم كلمة الله في ملء جهنم؟ ما تتم. * إذن فالفائدة الخامسة: انقسام الناس في مجابهة الرسل إلى قسمين: مؤمن، وكافر، والحكمة من ذلك: هو تمام حكمة الله تبارك وتعالى ابتداء وغاية، ابتداء حيث خلق الناس منهم مؤمن ومنهم كافر، وغاية، عليكم هذا؟ * الطالب: (...) وخلق (...). * الشيخ: نعم، ولولا ذلك لم يكن لخلق النار فائدة، ولما تمت كلمة الله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]. * الفائدة السادسة: وقوع الخصام بين المؤمنين والكافرين، وأنه أمر لا بد له، حتى أنه ربما يصل إلى الصدام المسلح، وهذا واضح ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾، وقال تعالى في هذه الأمة: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج ١٩] الخصام لا بد منه مع آباء الرسل وأولياء الرسل وربما يصل ذلك إلى الصدام المسلح والقتال وهذا أمر مشاهد نستفيد من هذه الفائدة السادسة. * الفائدة السابعة: وهو أن كل متصدٍّ للدعوة إلى الله فلا بد أن يجد خصومًا، كل متصدٍّ للدعوة إلى الله لا بد أن يجد خصومًا؛ لأنه إذا كانت الدعوة في ابتدائها مع من جاء بها وهو الرسول تلاقي ذلك فما بالك بانتهائها. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١] قد نتوسع في معناها ونقول: لكل نبيٍّ لا لشخص النبي ولكن لدعوة النبي؛ بدليل أن النبي قبل أن يُبعَث هل له عدو؟ لا، الرسول ﷺ كان يُسمَّى الأمين عند قريش قبل أن يُبعَث وكانوا يقدِّرونه ويعظِّمونه ويُحِبُّونه، وبعد أن بعث وصار نبيًّا قامت الحرب بينهم وبينه. إذن ممكن أن نقول: إن قول الله سبحانه وتعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ [الفرقان ٣١] أي: من حيث الدعوة، وعلى هذا فما بقيت هذه الدعوة سوف يكون لها عدوٌّ من المجرمين. نأخذ أيضًا من الفائدة التي استشهدنا بها: أعظم مؤيِّد للداعي إلى الله نأخذ منها أعظم تأييد للداعي إلى الله حيث وصف الله خصومه بالإجرام. إذن ما دام الداعي معتقدًا وواثقًا من نفسه أنه على بصيرة فليبشر بالتأييد ولو بالعاقبة؛ لأن خصومه وصفهم الله تعالى بالإجرام، والله تبارك وتعالى لا يصلح عمل المجرمين. ثم قال: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. * يستفاد من هذه الآية: الإنكار على من استعجل بالسيئة قبل الحسنة ولّا لا؟ والاستعجال على نوعين؛ أحدهما: استعجال بالقول، بأن يقولوا: ﴿أْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف ٧٠]، ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال ٣٢]. واستعجال بالفعل والحال: بأن يسلكوا مسلكًا يكون به العذاب، وذلك بالمعاصي، فإن المعصية استعجال بالعذاب بلا شك، الذين يعصون الله سبحانه وتعالى معناه أنهم استعجلوا عذابه؛ حيث إنه سبحانه وتعالى أخبر بأن المعاصي سبب للعقوبة والعذاب فإذا صار الإنسان يمارس هذه المعاصي فإنه يقول بلسان حاله أين العذاب؟ وعلى هذا فإذا رأيت الأُمَّة على معصية الله، وإن لم تقل: أين عذاب الله؟ وأين ما وعدتم به؟ فإنها في الحقيقة تستعجل عذاب الله سبحانه وتعالى. إذن يؤخذ منه الإنكار على من استعجل عذاب الله والاستعجال يكون بالقول وبالفعل اللي هو الحال يعني بقول الإنسان وحاله. أما القول فأن يقول: أين عذاب الله؟ ائتنا بعذاب الله وما أشبه ذلك. وأما الحال فإن المعصية استعجال بالعذاب؛ لأن الله تعالى رتَّب العذاب عليها ففاعلها يقول: هات؛ لأن فاعل السبب أيش يريد؟ يريد وقوع المسبب. وفي هذا يستفاد منه فائدة تاسعة أظن؛ * يستفاد من ذلك: نصح الرسل لأممهم؛ لأن إنكار صالح على قومه ماذا يريد منهم؟ يريد منهم أن يستقيموا على أمر الله؛ ولهذا قال: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾. * وفي هذا دليل على: أن الاستغفار سبب لرفع العقوبة (...)؛ لقوله: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾. وهو كذلك فإن الاستغفار سبب لرفع العقوبة. * وفيه دليل على: أن الاستغفار سبب لجلب الرحمة، وهو أمر فوق دفع العقوبة؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وقد قال نوح لقومه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح ١٠ - ١٢] وهذه رحمة من الله عز وجل نتيجة الاستغفار؛ إذن فالاستغفار سبب لاندفاع النِّقَم وجلب النِّعَم، وما هو الاستغفار؟ * طالب: الاستغفار طلب التوبة. * الشيخ: لا. * طالب: الاستغفار مأخوذة من المغفر. * الشيخ: لا مش معناه. * الطالب: معناه.. * الشيخ: طلب أيش؟ * الطالب: معناه ستر الذنب مع التجاوز. * الشيخ: لكن ويش طلب؟ طلب المغفرة. * الطالب: طلب المغفرة. * الشيخ: يعني أخطأ بقوله: طلب التوبة، طلب المغفرة، والمغفرة ستر الذنب مع التجاوز عنه وطبعًا يستلزم طالب المغفرة يستلزم طلبه للمغفرة إذا كان حقيقة أن يقلع عن الذنب لأنه كيف يقول: أستغفر الله من الربا، وهو يقع في الربا، ما يصلح هذا، فطالب الشيء لا بد أن يسعى بأسبابه. إذا قلت: اللهم ارزقني ولدًا صالحًا، قال: ما أنا متزوج، إن شاء الله يقدِّر لي ولدًا صالحًا، بييجي؟ يصلح؟ تستغفر الله وأنت لم تفعل أسباب المغفرة؟ ما ينفع، فلا بد من فعل أسباب المغفرة بالاقلاع عن المعصية، ثم طلب أن يغفر الله لك. وإذا كان الاستغفار سببًا لجلب الرحمة فإنه من أسباب الفتح على المرء فتح العلم؛ أن الله يفتح عليه علمًا لم يكن يعلمه من قبل، يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٥، ١٠٦]. وكان بعض أهل العلم إذا سئل عن مسألة قدَّم بين يدي إجابته الاستغفار فقال: استغفر الله استغفر الله حتى يفتح له وهذا ظاهر؛ لأن الذنوب تحول بين المرء وبين العلم وبين المرء وبين الفهم فإذا غُفِرَت زال هذا الحجاب؛ قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣] الأول باختيارهم وهو التحريف، والثاني بغير اختيارهم وهو النسيان؛ فالمعاصي سبب للحرمان من العلم والفهم، والاستغفار رفع للمعاصي وآثارها، فيقتضي العلم والفهم، ومناسبته من الآية التي سقناها من آية النساء واضحة ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٥، ١٠٦] فتعقيب الحكم بين الاستغفار دليل على أنه من أدوات الحكم بالحق الاستغفار، وكان رسول الله ﷺ يكثر الاستغفار «حتى إنه ليستغفر الله ويتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة»[[أخرجه البخاري (٦٣٠٧) من حديث أبي هريرة بلفظ: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ...».]]. ويُحْصَى له في المجلس الواحد أكثر من مئة مرة: «أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ»[[أخرجه أبو داود (١٥١٦)، والترمذي (٣٤٣٤) من حديث ابن عمر بنحوه.]]؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكانت أسباب المغفرة في حقِّه أكثر من غيره. ومن أسباب المغفرة أن يستغفر بلسانه وهو عليه الصلاة والسلام يعلم أن الأشياء بأسبابها علم أن الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فجعل يكثر من أسباب مغفرته هذه بالاستغفار بلسانه، وكذلك أيضًا بفعل أسباب المغفرة بأفعاله، وهكذا ينبغي للإنسان إذا مَنَّ الله عليه بشيء أن يحقق ذلك الشيء بفعل الأسباب ولا يتكل، لولا تتقون الله. وفي هذا الآية من الفوائد أيضًا: إثبات الحكمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ الرحمة لها سبب، وكون الله تبارك وتعالى يُقْرِن أفعاله بأسبابها يدل على كمال الحكمة؛ لأن من يفعل أفعالًا عنجهية ليس لها أسباب.. ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ [النمل ٤٦]. * وفي هذا؛ أي في الآية من الفوائد أيضًا: إثبات الحكمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، الرحمة لها سبب، وكون الله تبارك وتعالى يقرن أفعاله بأسبابها يدل على كمال الحكمة؛ لأن من يفعل أفعالًا عنجهية ليس لها أسباب هذا سفيه، لكن من يربط الأفعال بأسبابها (...). * طالب: (...). * الشيخ: عشرة؟ لا. * طالب: أربعة عشر.

النمل 27:47

الشيخ: الجواب: لما حثهم على الاستغفار وبيَّن لهم نتائجه الطيبة كان جوابهم: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ [النمل ٤٧] أعوذ بالله، هذا الجواب؛ يعني: أنت ما أتيت لنا بفائدة، بل صرت شؤمًا علينا أنت وأتباعك، وهذا حال الذين يتطيرون بأهل الخير، والله تبارك وتعالى قد يفتن الناس؛ فقد يقع مثلًا في مجيء الخير أو معه قد يقع بعض الآفات أو بعض الأشياء المكروهة لدى الناس؛ ليكون ذلك فتنة وابتلاء. ربما مثلًا يحل رجل من أهل العلم والعبادة في بيت ثم يحترق هذا البيت؛ ابتلاء من الله سبحانه وتعالى وامتحانًا، أهل الشر يفرحون ويفرهون، يقولون: يا الله! شوفوا أسباب الطوع، احترق البيت لما جاء هذا الرجل، والله تعالى قد يفتن الناس، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]. هؤلاء يقولون: إنه بمجيء صالح ومعصية قومه عاقبهم الله تبارك وتعالى بالقحط والجدب وغور المياه، فقالوا: أنت يا صالح ومن معك ما جئتمونا بخير، ما جئتمونا إلا بالقحط والجدب وغور المياه، فتطيروا به. و﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ أصله: تطيَّرنا؛ أُدغمت التاء في الطاء، وهذا الإدغام على خلاف القاعدة؛ إذ إن الإدغام بين ساكن ومتحرك وهذا بين متحركين، فأدغمت التاء في الطاء، ولما أدغمت التاء في الطاء صار الحرف الأول منهما ساكنًا، ولاحظوا أنه أيضًا بعد الإدغام قُلِبَت التاء طاءً، والساكن ما يمكن الابتداء به، فاجتُلِبَت الهمزة لتسهيل النطق به؛ ولهذا قال المؤلف: (وَاجْتُلِبَتْ همزة الوصل) من أجل؟ لتسهيل النطق بالساكن. ومعنى ﴿اطَّيَّرْنَا﴾ أي: تشاءمنا؛ من الشؤم، والشؤم معناه: توقع الشر من مشاهَدٍ أو مسموع أو زمن أو حال؛ ولهذا قالوا: إن التطيُّر مأخوذ من الطير. وكانوا في الجاهلية يتشاءمون بالطيور؛ يبعثونها، وعندهم قواعد لهذا التشاؤم: إذا ذهبت يمينًا يتفاءلون، أو يسارًا يتشاءمون، أو أمامًا يعيدون، أظن الباعث مرة ثانية، وخلفًا يتشاءمون أكثر، فعندهم لهذا قواعد؛ فلذلك سُمِّي هذا التشاؤم تطيرًا، مأخوذ منين؟ من الطير؛ لأن غالب تشاؤم العرب بها. فهم يقولون: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ أي: تشاءمنا، وكان مجيئك شؤمًا علينا أنت وأتباعك. إذن ما هو التطير؟ هو التشاؤم بمرئي أو مسموع أو زمان أو مكان أو حال، هذا التطير، التطير هو: التشاؤم شنو؟ * طلبة: بمرئي. * الشيخ: بمرئيٍ أو مسموع أو زمان أو مكان أو حال، هذا هو التشاؤم. بمرئي؛ يرى الإنسان شيئًا فيتشاءم، افرض أنه مثلًا أراد أن يسافر فقابله إنسان يكرهه، هو يكره هذا الرجل قال: خلاص رجعنا، هذا ويش لونه؟ * طالب: بمرئي. * الشيخ: بمرئي. أو همَّ أن يسافر، فلما خرج سمع رجلًا يقول: مات فلان بن فلان، قال: خلاص رجعنا، هذا تشاؤم؟ * طلبة: بمسموع. * الشيخ: بمسموع. أو زمان؛ يتشاءم بيوم من الأيام، يوم الأربعاء، يوم الخميس، أو شهر من الشهور، كشهر شوال، العرب يتشاءمون بشهر شوال في الزواجات، يقولون: من يتزوج في شهر شوال ما يوفّق. (...) هذا الزواجات في شهر شوال كثيرة، لكن عائشة أبطلت ذلك بالواقع، قالت: «إن الرسول عليه الصلاة والسلام تزوجها في شوال، وبنى بها في شوال، فأيُّكن كان أحظى عند رسول الله ﷺ»[[أخرجه مسلم (١٤٢٣ / ٧٣) من حديث عائشة. ]]، إذن ينبغي أن نتدارك إن أردنا أن نعمل التشاؤم والتفاؤل، فإننا؟ * طالب: نتفاءل. * الشيخ: نتفاءل بشهر شوال، ولكن مع ذلك لا نتفاءل بالزمان ولا نتطير به، الخير والشر بيد الله سبحانه وتعالى. ومنهم من يتشاءم بالمكان، تجده مثلًا يجيء يجلس في هذا المكان (...)، يقول: خلاص، قمنا، هذا ما يمكن نجلس فيه. أو يتشاءم بالحال؛ حال الشخص مثلًا، التشاؤم بالحال أيضًا هذا تطير ما يجوز، قد مثلًا يعمل إنسان عملًا ويعاكسه في أول أمره، أو مثلًا يهم أن يفعل شيئًا غدًا ولا صار غد وله معه بعض التعب والعجز، فيتشاءم ويعدل بسبب هذه الأحوال التي تعرض له، فنقول: كل هذا لا يجوز، أنت إذا عزمت فتوكل على الله، «اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ»[[أخرجه أحمد (٧٠٤٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٣٨) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. الإنسان مثل ما قال القرطبي وكذلك غيره من أهل العلم: اللي يعلِّق تصرفاته بمثل هذه الأمور، فهو من أجهل الناس، ثم إنه ما يمكن ينصلح حاله إذا ينظر إلى هذه الأشياء. ولكن لاحظوا أن الفأل الذي يعين على فعل الخير لا يدخل في هذا الأمر، الفأل «كان الرسول عليه الصلاة والسلام يعجبه الفأل ولكنه يكره الطِّيَرَة»[[أخرجه ابن ماجه (٣٥٣٦) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن الطِّيَرَة فيها تعلُّق الإنسان بغير الله سبحانه وتعالى بمثل هذه الأمور، وفيها أيضًا منع للإنسان عما يريده من الخير. لكن التفاؤل فيه التشجيع على الخير، لما جاء سهيل بن عمرو في صلح الحديبية قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هَذَا سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَإِنَّهُ قَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ»[[أخرجه البخاري مرسلًا (٢٧٣٢) من حديث عكرمة.]]، إذا صحت هذه الكلمة في الحديث، فالحاصل أن التفاؤل غير التشاؤم. واعلم أن التشاؤم غير الشُّؤم؛ فإن الشؤم قد يكون في بعض الأشياء، مثل ما «أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه يكون في المرأة، ويكون في الدار، ويكون في الدابة»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٣)، ومسلم (٢٢٢٥ / ١١٦) من حديث عبد الله بن عمر.]]، وهذا شيء مشاهد؛ أن الإنسان قد ينزل بعض الدور وما يتشاءم، لكن يكون فيها شؤم، تكون دائمًا خراب مثلًا، ودائمًا تحتاج إلى أعمال متتابعة، فإذا ارتحل عنها ارتاح ووجد ما يريد. كذلك بعض السيارات، ما عندنا دواب الآن في غالب الناس، بعض الأحيان هذه السيارة يشتريها الإنسان ويحبها وتتعبه، كل يوم يخرب منها شيء، ثم يبيعها ويشتري ثانية ويرتاح لها. ومثلها أيضًا بعض الأحيان يشتري الإنسان قلمًا -حتى في الأشياء الصغيرة- يبدأ كل يوم يتعبه؛ يجف المداد، وتلقى الريشة أيضًا ما تستقيم معه، ومرة يضيع منه ويتعبه، ويشتري قلمًا آخر ويبقى عنده مدة ما (...)، لكن هذا ليس تشاؤمًا ولكنه شؤم. كذلك بعض النساء؛ يتزوج الإنسان امرأة وتتعبه ليلًا ونهارًا، في حياته العامة والخاصة، ومع أهله وأقاربه، ويتزوج أخرى فتكون راحة لنفسيته وقرة عينه. فالحاصل: أن هذه الأشياء أمرها واقع، ولكن الرسول ما قال: التشاؤم، قال: «الشُّؤْم»، وفرق بين هذا وبين هذا؛ يعني معنى ذلك: أن هذه الأشياء يجد الناس فيها أحيانًا بركة وراحة، وأحيانًا يجدون فيها قلقًا وتعبًا. * طالب: التشاؤم (...)؟ * الشيخ: لا، (...). * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، إذا كان هذا يتعلق بشيء، بعامل مثلًا ولا شيء، وأما بس مجرد أنه يشوف واحد بالسوق اسمه يزيد ولَّا اسمه صالح ولَّا اسمه راشد، لا، مو هذا، لكن الشيء اللي بما معه معاملة فأنا قد أتفاءل. سهيل بن عمرو له معاملة مع الرسول عليه الصلاة والسلام، فتفاءل، وهذا يكون من باب فتح الأمور باليسر. * طالب: ثم يكون بغير هذا الشيء؛ يعني يتفاءل إنسان (...)؟ * الشيخ: ما يخالف، ولكن الإنسان أول الأمر ما يتفاءل، كما هو عادة الناس الآن، أكثر العوام ما يدرون عن المسائل هذه، ويصير فيه خير في معاملة الشخص (...) الشخص الآخر لو أنه يزيد أو صالح مثل شؤم البلد. * طالب: حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: «الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٣)، ومسلم (٢٢٢٥ / ١١٦) من حديث عبد الله بن عمر.]] (...)؟ * الشيخ: لا، يدل على أن مثلها إنما كان (...). * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، يعني معناه: ذاك الشؤم في زمان أو في مكان أو ما أشبه ذلك يتشاءم، وأنا أيضًا ذكرت لكم الفرق بين الشؤم والتشاؤم: التشاؤم من فعله، والشؤم من فعل غيره، وهذا واضح أنه قد يكون يجعل الله في هذا الشيء خيرًا وبركة للإنسان، وفي هذا الشيء شؤمًا وبلاء. * طالب: قال النبي ﷺ: «الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ» ثم ذكرها، وقال: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٥٢)، ومسلم (١٨٧٣ / ٩٨) من حديث عروة بن الجعد.]]، ألا تتعارض «مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ»؟ * الشيخ: إي، لكن هل معقود بنواصيها الخير مطلقًا أو في حال الجهاد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا؛ لأنه ذكر بعدها مثال الذي يربطها للجهاد في سبيل الله، «أنها مَا تَسْتَنُّ، وَلَا تَعْلُو شَرَفًا، وَلَا تَأْتِي رَوْضَةً، وَلَا تَشْرَبُ مَاءً، إِلَّا كَانَتْ لَهُ أَجْرًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣٧١)، ومسلم (٩٨٧ / ٢٤) من حديث أبي هريرة.]]. * طالب: إي، لكن بخصوص السبب ما (...). * الشيخ: لا، نرى أن الحديث هنا وإن كان.. لكن السبب يقتضي ذلك، وإلا الصحيح العبرة بعموم اللفظ، لكنه ما دام أن السبب صالح لإحالة الحكم عليه، فيجب أن يقيد به، مثل ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥ / ٩٢) من حديث جابر بن عبد الله.]]، وهذا اللفظ عام مع أنه هو نفسه يصوم، إذن يخصص بالسبب الذي ورد فيه وهو أنه إذا كان الصيام يؤدي إلى مثل هذه الحال فليس من البر. * طالب: ذكر في الحديث أنها قد تكون شؤمًا للإنسان يربطها خيلاء؟ * الشيخ: إي نعم، تكون وزرًا. * طالب: والحديث (...)؟ * الشيخ: ما أدري، ما أعرف هذا الحديث، ولكن الظاهر لي -والله أعلم- أن الرسول وجد قرينة غير الاسم؛ ولهذا استدعى أن يسأل عن اسمه، كأنه واجد في حال هذا الرجل مثلًا، مع أنه ما أدري. * طالب: ذكره ابن القيم في أحكام المولود. * الشيخ: إي، ما أعرف. * الطالب: الاسم لأول مرة، الثاني اسم شهاب، والثالث اللي (...). * الشيخ: ما أعرف عن هذا الحديث، قد ينظر في سنده. * طالب: العلماء يقولون: يحب الفأل على العموم، كما في عدة أحاديث. * الشيخ: إي، لكن هذا فيه تشاؤم، التفاؤل لا بأس، لو كانت مثلًا (...) ما فيها إشكال؛ ولهذا قال: «سَهُلَ مِنْ أَمْرِكُمْ»[[أخرجه البخاري مرسلًا (٢٧٣٢) من حديث عكرمة.]] إن صحت الكلمة هذه، لكن المشكلة الأول، ما لها تأثير، إلا إذا كان ذلك من طريق الوحي مثلًا، أما التأثير فلا يخاف؛ ولهذا الواقع يشهد بأنه لا حقيقة لذلك، تجد هذا اسمه عبد الله وهو عبد للشيطان، وتجد هذا اسمه شرورة وتجده من أخير الناس، ماله تأثير، إلا على الشيء يكون مثلًا بطريق الوحي، هذا شيء ممكن، مثل ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام لما ابن أبي طلحة سماه عبد الله، ولما دعا له بالبركة، بارك الله له، فكان من أولاده عشرة يحفظون القرآن[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٠١)، ومسلم (٢١٤٤ / ٢٣) من حديث أنس بن مالك.]]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ينبغي أن يقارن في الأسماء ما أرشد إليه الرسول عليه الصلاة والسلام، أن يراعى ما أرشد إليه، «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ: عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه مسلم (٢١٣٢ / ٢) من حديث عبد الله بن عمر.]]، يعني: عبد الله وعبد الرحمن أفضل من صالح ومن راشد. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما أدري، كون الإنسان يسمي اسمًا ليتفاءل به ما أدري، الرسول قال: «لَا تُسَمِّ غُلَامَكَ يَسَارًا وَلَا نَجَاحًا»[[أخرجه مسلم (٢١٣٧ / ١٢)، والجعديات (٢٧٠٠) واللفظ له، من حديث سمرة بن جندب.]]. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذه أبعد وأبعد، كونك إذا سميت بأسماء رجال من الصالحين يكون مثلهم، هذه أبعد، إلا إذا كان إنسان على سبيل المحبة لهم، ممكن يكون على سبيل المحبة، مثل ما يفعلون الآن، بعض الناس يسمون بأسماء الزعماء اللي يحبون، ولا يصيرون مثلهم بعد. ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ هذا جواب الرسل، وهذا الجواب تجدونه أيضًا أجاب به بنو إسرائيل لمن؟ لموسى، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف ١٣١]، وكذلك أصحاب القرية الثلاثة تطيَّروا بالرسل الذين أُرسلوا إليهم. على كل حال هذا جواب أهل الشر؛ أنهم يجعلون الأسباب التي هي من أفعالهم ونتيجة لأفعالهم بأسباب هؤلاء المصلحين، والحقيقة أنها وقعت جزاء على أفعال الكفار. ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ (أي: تشاءمنا، ﴿وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ أي: المؤمنين حيث قُحِطوا المطر وجاعوا)، قُحِطوا بمعنى: مُنِعوا المطر. (﴿قَالَ طَائِرُكُمْ﴾ شؤمكم، ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أتاكم به، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ) ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يعني: وليس منا، وطائركم بمعنى: شؤمكم، والمراد: ما أصابكم مما تشاءمتم به -وهو القحط والجوع- عند من؟ عند الله، وليس منِّي أنا، وإذا كان عند الله سبحانه وتعالى -هذا من أبلغ الجواب- فإن الله تعالى حكيم، ما يُنزِّل هذا الشيء إلا في منزلته، وبأسبابه التي يُستحق بها، فكأنه يقول: ما دام عند الله فالله تعالى حكيم، ما أنزله إلا في موطنه وموضعه هذا الشؤم. ثم قال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ هذا الاستطراد ليس لإبطال الأول، ولكنه للانتقال؛ إضراب انتقالي، وتعرفون أن الإضراب يكون على نوعين: إضرابا إبطاليًّا يكون الحكم لما بعد (بل) ويبطل ما قبلها. والثاني: إضراب انتقالي، مثل هذه الآية، ومثل قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] انتقال من شيء إلى شيء، هنا الإضراب إبطالي ولَّا انتقالي؟ * طالب: انتقالي. * الشيخ: انتقالي؛ لأنه عند الله يفتنهم سبحانه وتعالى بما حصل، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ووجه الفتنة؛ أولًا: أنهم نسبوا هذا إلى صالح ومن معه، وهذه فتنة عظيمة، فتنة ضلَّ بها هؤلاء. ثانيًا -من وجه الفتنة-: أنه أصابهم مع مجيء صالح إليهم، فظنوا أو ادعوا أن أسباب ذلك صالح ومن معه، ففُتِنوا بذلك فابتعدوا عن الحق. ومثل ما قلت لكم أنا قبل قليل بالتمثيل: أن يحدث مكروه عند وجود رجل صالح، فيُنْسَب هذا المكروه إلى هذا الرجل الصالح ومجيء هذا الرجل الصالح، فيكون في هذا حكمة. والله سبحانه وتعالى حكيم جل وعلا يفتن الإنسان ويختبره بأنواع المفاتن؛ تارة بالمصائب، وتارة بالنِّعم، وتارة بالأمور التي توجب الاشتباه ليمتحنه بذلك؛ ولهذا الدنيا كلها محنة، ما دام الإنسان دائرًا بين أمرين: إما شر، وإما خير، ولَّا لا؟ كل حياتك هكذا؛ شر ولَّا خير، وكلاهما يقول الله فيه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]. إذن معناه: انتبه يا إنسان، انتبه، الفضل؛ ليبلوني أأشكر أم أكفر؟ المصائب؛ ليبلوني أأصبر أم أجزع؟ الشبهات العلمية التي ترد على قلب الإنسان؛ ليبلوه هل يثبت أو يزيغ؟ فالمسائل كلها في الحقيقة فتنة واختبار من الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا يجب على العاقل أن يكون حذرًا دائمًا. ولست أدعوكم في قولي هذا إلى سوء الظن بالله عز وجل، ولكني أدعوكم إلى النظر في الأمور؛ ليكون تصرُّفكم على وجه سليم. ولكن مع ذلك أقول: إنه إذا تجاوز الإنسان هذه الفتنة حصل له الثبات والاستقرار؛ لأنه يطمئن قلبه، ويرسخ في هذه الأمور، ولا يزيغ -بإذن الله- بعد ذلك، لكن قد يُفتن المرء فلينظر؛ ولهذا قال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ تفتنون بأي شيء يكون؟ * طالب: بالخير الذي جاءه. * الشيخ: بالخير والشر، ووجه الفتنة في هؤلاء: أن البلاء الذي أصابهم بسبب دعوة صالح إلى عبادة الله، فكفروا فعُوقِبوا، فهذه من الفتن؛ لأنهم قالوا: أنت أسبابها، وفي الحقيقة أن أسبابها هم أنفسهم، ففُتِنوا بذلك، قال: (يختبرون بالخير والشر). (﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ مدينة ثمود، ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أي: رجال). المؤلف قال: (أي: رجال) والرهط -صحيح- هم الرجال، لكنهم قالوا: إن الرهط ما بين الثلاثة إلى العشرة، وبعضهم قال: ما بين السبعة إلى العشرة. فعلى هذا: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ يصير تسعةُ تسعة؟ لا؛ ولهذا فسر المؤلف الرهط بالرجال لا بمعناه الخاص؛ لأجل أن تستقيم الإضافة؛ إذ الشيء لا يُضاف إلى نفسه إلا على تأويل. وقال بعضهم: إنه لا حاجة إلى هذا التأويل؛ لأن الإضافة هنا بيانية؛ أي: أن (رهط) تفسير لـ(تسعة)، كأنه قال: تسعةٌ رهطٌ. والمعنى على كل حال هو أن هذه المدينة -مدينة صالح أو مدينة ثمود- كان فيها رجال تسعة، وكانت التسعة هذه مجالًا للتفاؤل والتشاؤم؛ أحد يتشاءم من العدد تسعة، يقول: لأن تسعة جاءت بالإفساد في الأرض، ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، وأحد يتفاءل بها، الرافضة يتشاءمون بالعشرة ويتفاءلون بالتسعة، العشرة مَن؟ المبشرون بالجنة، لكن هم يخرجون علي بن أبي طالب منهم ولا أدري من يحطون بداله، لكنهم يتشاءمون بالعشرة، عدوُّهم من العدد: العشرة، وصديقهم: التسعة؛ لأنهم يقولون: هم آل البيت الذين وضع عليهم الرسول الكساء، فقال لهم شيخ الإسلام: يجب إذا كنتم تتفاءلون أو تتشاءمون بالعدد أنكم تتشاءمون؟ * طالب: بالعشرة. * الشيخ: لا، تتشاءمون بالتسع؛ لأن هو اللي قال: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل ٤٨]، أما العشرة فإن الغالب أنها خير. * طالب: (...)؟ * الشيخ: عشر ذي الحجة، وعشر رمضان، والعشرة المبشرون بالجنة، وأمثلة كثيرة ما تحضرني الآن، وأنا أقول: إن كلام شيخ الإسلام هذا للتنزُّل مع الخصم، وإلا هو رحمه الله ما يتفاءل لا بهذا ولا بهذا، العدد عدد، ما فيه أثر لشيء. ﴿كَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بأي شيء؟ بالمعاصي، يفسدون في الأرض بالمعاصي، وكلما ذكر الله تبارك وتعالى الفساد في الأرض فالمراد به المعصية؛ الشرك فما دونه، لماذا؟ لأنه لا شك أن عمل المعاصي نفسه فساد، أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: ثم هو سبب للفساد؛ ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف ١٣٠]، وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١]، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠]. فالمعاصي هي نفسها فساد، وهي سبب للفساد أيضًا؛ فلذلك كل ما ذكر الله سبحانه وتعالى الفساد في الأرض فالمراد به المعاصي، يفسدون في الأرض بالمعاصي، منها: قرضهم الدنانير والدراهم، كيف قرضهم؟ يقطعونها، يخربونها، يقصُّون من الدراهم والدنانير، ولكن هذا إسرائيلي. * طالب: أين الدليل؟ * الشيخ: إسرائيلي، ما في دليل، ولا هو أيضًا أكبر المعاصي، هذا صحيح أنه غش لكن ما هو أكبر المعاصي. على كل حال أهم شيء أنهم أنكروا الرسالة وكفروا بالخالق، هذه من أعظم المعاصي التي يفسدون بها في الأرض. وقال: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ يفسدون ولا يصلحون؛ يعني معناه: أن فسادهم هذا -والعياذ بالله- شامل، ما فيه صلاح أبدًا، وهذا هو الحكمة من قوله: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾. وفيه فائدة عظيمة: وهو أنه قد يجتمع الفلاح والفساد في آنٍ واحد، كما أن الإنسان يكون مؤمنًا ويكون فاسقًا، يكون فيه إيمان وفيه كفر، فيه فسوق وطاعة، فيه فساد وصلاح، ولّا لا؟ فالأمور؛ إما خير محض وصلاح محض، وإما شر محض وفساد محض، وإما خليط من الأمرين. هؤلاء القوم يفسدون ولا يصلحون -والعياذ بالله- ما يصلحون بالطاعة أبدًا، وهذا دليل على أنهم ليس فيهم خير محض، ليس فيهم خير أبدًا لا قليل ولا كثير، لكن فيهم أناس خيُّرون، من؟ الذين آمنوا بصالح واتبعوه، لكن هؤلاء الرهط التسعة يفسدون ولا يصلحون، دائمًا ما همّهم إلا الفساد في الأرض بالمعاصي، وإلقاء الفتن بين الناس، ومحاولة قتل المصلحين؛ ولهذا: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ إلى آخره. * طالب: التشاؤم هو يعتبر شركًا أصغر ولّا أكبر؟ * الشيخ: لا، أصغر، ما لم يعتقد أنه مؤثر بنفسه فيكون أكبر، وأظن ذكرنا هذه القاعدة مرات: كل من أثبت سببًا؟ * الطالب: غير شرعي. * الشيخ: غير شرعي. * الطالب: أو قدري. * الشيخ: أو قدري؛ يعني ما يقتضيه الشرع ولا القدر فهو مشرك، لكنه شرك أصغر ما يؤدي إلى الأكبر، فأما ما اقتضاه الشرع أو اقتضاه القدر، ما اقتضاه الشرع بأن يُعلم من طريق الشرع أن هذا سبب لهذا، كقراءة الفاتحة على مريض سبب للشفاء، شرعًا ولّا قدرًا؟ * الطالب: شرعًا. * الشيخ: شرعًا؛ يعني: جاء بها الشرع، التجارب التي تجرى على بعض النباتات وبعض الأدوية فيُعرف تأثيرها، هذا سبب؟ * الطالب: قدري. * الشيخ: قدري، جاء به القدر. الأشياء اللي ما دل عليها الشرع ولا القدر هذه ما يجوز أنك تقول: إنها أسباب، مثل إنسان علَّق خيط برقبته وقال: هذا لدفع العين، اللي يعلق الخيط خلاص ما عاد تجيه العين، هذا ما هو سبب، ليس بصحيح، أين الشرع الذي دل عليه؟ وأين القدر الذي دل عليه؟ وكم من إنسان يُصاب بالعين وعليه هذا الخيط. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يصير. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، لا، يعتقد أنه سبب للنفع، أن النافع الله لكن هذا من أسباب النفع، إي، لكن لو اعتقد أنه ينفع بنفسه وليس سببًا محضًا صار متخذًا مع الله إلهًا. * طالب: يا شيخ (...) أكبر ولا أصغر؟ * الشيخ: لا، هذا ما هو داخل في مسألة الأسباب هذه. * طالب: (...). * الشيخ: لا، هذا من جهة أخرى غير.. نحن الآن نتكلم عن الأسباب، من جعل سببًا من المسبَّبات المعيَّنة بدون شرع ولا قدر فهو مشرك، وأما مسألة التشريع فالتشريع حكم بغير ما أنزل الله، أي إنسان يشرِّع ما لم يشرعه الله ويعتقد أنه ما شرعه الله وأنه أصلح مما شرع الله، فهو كافر كفرًا مخرجًا من الملة، سواءً حكم به أم لم يحكم، أم خلا الناس يحكمون به. ولهذا يجب أن نفرِّق بين من لم يحكم بما أنزل الله تشريعًا، وبين من لم يحكم بما أنزل الله فعلًا، اللي يحكم بغير ما أنزل الله فعلًا لا تشريعًا هذا قد يكفر وقد يفسق وقد يظلم، والذي يحكم بغير ما أنزل الله تشريعًا، بمعنى: أن يجعله هو الشرع شرع مبدَّل بدل شرع منزَّل، هو يرى أن هذا الشرع المبدَّل أصلح للعالم من الشرع المنزَّل، فهذا كافر، ولا ينقسم فعله إلى ظلم وفسق وكفر، بل هو كفر محض، فهمتم؟ فالحكَّام الآن الذين يقنِّنون للناس قوانين يقولون: يجب تمشون عليها؛ لأنها أصلح لكم مما سبق، هؤلاء كفار حتى وإن لم تنزل بهم نازلة واحدة من هذه القوانين فيحكمون بها فهم كفار، أو ما فهمتم؟ يعني: إنسان مثلًا رئيس دولة شرع نظامًا يعرف أن هذا النظام مخالف للشرع لكن يعتقد أنه أفضل من الشرع وأصلح للخلق، هو ما حكم به ولكن سنَّه وخلا للناس يحكمون به، نقول: هذا كافر كفرًا مخرجًا عن الملة. * طالب: يحل الخروج عليه. * الشيخ: يجب الخروج عليه، إلا إذا كان قد يكون متأولً بعد، قد يقول: لا، هذا ما يخالف الشرع؛ لأن مثلًا عندنا بعض العلماء -الله يهدينا وإياهم- يفتحون للحكَّام أبوابًا، حتى إنه مما يموهون عليهم يقولون: مسائل الدنيا ما للشرع فيها دخل؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٣٦٣ / ١٤١) من حديث عائشة وأنس بن مالك.]] في مسألة التلقيح، فيموهون على الحكَّام، يقولون مثلًا: تجوز البنوك؛ لأن هذه من النظام الاقتصادي الحديث، ما للشرع فيه دخل، تجوز صناديق هذه التأمينات ولا فيها شيء؛ لأن هذه من الأمور الاقتصادية التي يرجع فيها إلى ما يقتضيه العصر، ما للشرع فيها (...). غالب الحكَّام قد يجهلون هذا الأمر، فيظنون أن هذا صحيح فيلتبس عليهم، لكن إذا علمنا وفهَّمناهم وبيَّنا لهم الحق وقلنا: «أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ» فيما يتعلق بالعمل والصناعة، الصنعة يعرف كيف يصنع القدر لكن قد لا يعرفه الرسول ﷺ، الحرَّاث يعرف كيف يبذر ولكن الرسول قد لا يعلم ذلك، لكن أحكام شؤون دنيانا من الأعلم بها؟ * طالب: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إي، الشرع، ففرق بين الأفعال وبين الأحكام، أنا الآن مثلًا أعرف أن هذا الشيء محرَّم من الصناعة أو من الزراعة أو ما أشبه ذلك، لكن هل أعرف كيف أصنعه؟ أعرف أن صناعة السيارات أنها من الأمور الطيبة المطلوبة لما فيها من المصلحة، لكن هل أعرف كيف أصنع سيارة؟ أقول للكافر المشرك الملحد الشيوعي الخبيث: أنت أعلم بشؤون دنياك، صحيح ولَّا لا؟ لكن ما هو بأعلم مني بحكم هذا الشيء، واضح؟ فقول الرسول: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ»؛ يعني: أنتم أعلم هل هذا التقليح ينفع أو لا ينفع؛ لأنكم مجرِّبون وفاهمون، لكن أنا أعطيكم حكمًا شرعيًّا بأن كل ما كان صالحًا للخلق وفيه مصلحة للخلق فهو من الأمور المطلوبة شرعًا؛ لأن أصل الشرائع ما نزلت إلا لإصلاح الخلق. * طالب: ما ورد عن النبي ﷺ في مسائل الطب، ويش (...)؛ لأنا لو قلنا: النبي ﷺ ليس طبيبًا؟ * الشيخ: لا، قلنا: لا، لكنه بالوحي يدرك هذا الشيء؛ لأنه هو إما أن يكون أدركه بالتجارب، فإذا أدركه بالتجارب وأخبر به علم، وإن لم يكن أدركه بالوحي، فمثلًا: ذكر أن الشفاء في ثلاث؛ العسل معروف بالوحي: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل ٦٩]، الكي والحجامة يحتمل عندي أنا، وعند غيري أيضًا يحتمل أنه تلقى ذلك من الوحي، ونحن لا نعلم بهذا، يحتمل أنه علمه من التجارب وثبت عنده. ومع ذلك أيضًا نقول: ما دام الرسول ﷺ أثبته، فإنا نثبته؛ لأنه ثبت بقول الرسول، وكذلك التجارب تشهد له. * طالب: إذن الأصل أن نتلقى عنه ولا نقول: إن هذا ما هو من جانب (...) إلا ما ثبت في مثل التلقيح. * الشيخ: لا، مثل التلقيح وغيره، (...) مثلًا صناعة الأبواب والبنايات والأشياء هذه لا يعلمها الرسول عليه الصلاة والسلام، إن كان قد مارسها؛ ولهذا الرسول عليه الصلاة والسلام لو كان عنده في مكة نخل ومارس هذا الشيء أو مارسه (...) به، ما يدري عنه الرسول. * الطالب: (...). * الشيخ: ما يدري عنه؛ لأنه أتى إلى المدينة أول ما أتى قال: والله ما أظن هذا التلقيح ينفع شيئًا، حتى ما قال: لا تلقِّحون، لكن الصحابة لتعبهم من التلقيح لما قال الرسول عليه الصلاة والسلام فرحوا وقالوا: إذن ما نلقِّح، اتركوا ها التلقيح. * طالب: (...) التلقيح هذا هل فيه مثال آخر (...)؟ * الشيخ: ما نعرف، ولكن نحن نعرف الآن أن قول الرسول: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ» في الأمور التي تحصل بالممارسة والرسول ما علم عنها. * الطالب: طيب، (...) يحصل بالممارسة؟ * الشيخ: يحصل بالممارسة، والرسول أخبر بأشياء تلقاها من الوحي، وأشياء يحتمل من الوحي أو من التجارب وأخبر بها. * الطالب: إذن الأشياء التي تثبت في الطب بالممارسة ما كان (...) عنها؟ * الشيخ: (...)؟ * الطالب: يعني قد يكون النبي ﷺ.. * الشيخ: قد لا يكون علم بها وهي الآن نافعة. عندنا مثلًا إبر البنسلين ما كان الرسول يعرفها. * الطالب: لا، أنا أقصد (...) ذكرت، الأمور الطبية التي (...)، يمكن بعضها بالممارسة مثل ما ذكرت. * الشيخ: ما أخبر به الرسول قد يكون بالممارسة، وقد يكون بغير الممارسة، مثلًا: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٨)، ومسلم (٢٠٤٩ / ١٥٧) من حديث سعيد بن زيد.]]، هل هذا وحي أو لا؟ * الطالب: الأصل أنه وحي. * الشيخ: هذه بالذات قد تكون وحيًا؛ لأنها خفية، لكن مسألة الحجامة ومسألة الكي هذا أمر معلوم معروف عند الناس، فقد يغلِّب الإنسان أن الرسول علم ذلك بالتجارب، وقد يقول الإنسان: هذا وحي من الله عز وجل أوحاه إليه. * طالب: المعلوم بالتجارب قطعي النفع؟ * الشيخ: إذا حكم به الرسول، مع أن الرسول -لاحظ- يقول: «إِنْ كَانَ الشِّفَاءُ فِي شَيْءٍ فَفِي ثَلَاثٍ»[[أخرجه البخاري (٥٦٨٠) بلفظ: «الشفاء في ثلاثة»، وذكر الحديث من حديث ابن عباس.]]، ما جزم؛ لأنه قد لا يشفى الإنسان بهذه الثلاث. * طالب: إذن كلامه الأول ما هو عن تجارب (...)؟ * الشيخ: ولهذا أخلف الأمر؛ لأن ما عنده وحي ولا تجارب عليه الصلاة والسلام. * الطالب: إذن بس قاله رأي. * الشيخ: هذا رأي منه، هو قال: «أُرَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُ شَيْئًا»، لكن مثل ما قلت لك: أن الصحابة لما سمعوا هذا الكلام فرحوا به، قالوا: إذن كُفِينا المؤونة، ما دام هذا ظن النبي ﷺ وتركوه، وفسد النخل. * طالب: إي بس قد يشكل على بعض الناس، يقول: كما أنه ليس مؤبرًا فليس أيضًا طبيبًا (...) الأخبار التي وردت؟ * الشيخ: لا، ما هو بصحيح، الرسول ما جزم، ما قال: ليس فيه شيء، أو جزم ما يفيد، ثم هذا أمر -الحمد لله- معلوم لكل مؤمن ويستطيع أن يدافع لمن أراد شبهة في هذا الأمر، فيقول: إن الرسول ما جزم. والشيء الثاني: لو جزم النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الأمر، فإنما جزم به على سبيل الظن، والإنسان قد يجزم بالشيء على سبيل الظن، وقد أقر النبي عليه الصلاة والسلام من جزم، بل من أقسم على سبيل الظن. * طالب: يا شيخ (...) الأطباء العصريين يعملون على (...) مثلًا يقولون: هل يرد الحديث بسبب ما ظهر من أنواع (...)؟ * الشيخ: نقول: هذا ما هو بصحيح؛ أولًا: أنهم هم الآن يؤمنون (...)، لكن تختلف الوسيلة الآن، (...) والكي بالكهرباء وما أشبه ذلك، هذه معروفة الآن ومستعملة ويؤمنون بها، وكما قال الرسول: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»[[أخرجه مسلم (١٩١٧ / ١٦٧) من حديث عقبة بن عامر.]]، ما هو بالرمي بالقوة الآن، الرمي بالآلات الموجودة، والكي أيضًا بالآلات الموجودة، ليس بلازم أن يكون، وهم أيضًا الآن في بعض الأشياء يلجؤون إلى الطب العربي، أنا أذكر أن (...) دائمًا يقول بأن المريض يروح يتطبب طبًا عربيًّا، ويُشفى بإذن الله. * الطالب: يعني ما تأثر بالمسلمين لكن لو جاء مريضًا (...) يعني..؟ * الشيخ: في الحقيقة قد ينكرون الوسيلة أو الآلة التي حصل بها الكي أو فعل بعض الذين يكوون بالحديد. أنا أذكر مثلًا بعض النساء يُؤتى بالطفل إليها (...) في رأسه ثم (...) كية، وتجعل في ظهره كل خرزة من الظهر عليها خمسة. * طالب: واحدة واحدة. * الشيخ: إي، فهم الأطباء يعني يدرون بهذا الشيء وينكرونه؛ لئلا يحصل مثل هذه الحالات (...)، ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام لما ذكر هذه الأشياء ما هو بيقول: حتمًا لا بد منها، قد يكون يقوم مقامها ما هو أولى منها. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، بس ما هو معنى (...) صحيح؛ لأن هو نفسه فعل كوى سعد بن معاذ رضي الله عنه[[أخرجه مسلم (٢٢٠٨ / ٧٥) من جديث جابر.]]. * طالب: (...). * الشيخ: يقدمون (...) يوم الأحد. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، يُقرأ (...). إذا كان لغير عذر يُعاقب الإنسان. * الطالب: (...). * الشيخ: محمد إسماعيل عنده حديث (...). * الطالب: شفتها (...)، بس ما لقيت كلام (...). * الشيخ: (...) هذا، أنت (...). * الطالب: ما يخالف، أجيبه. * الشيخ: (...). * الطالب: بس، يعني (...). * الشيخ: إي، إذا ما لقيت ويش (...)، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. * الطالب: لقيت ابن حبان والحاكم، الأسانيد. * الشيخ: إي. * الطالب: بس، فتشت على كلام العلماء حوله ما لقيت إلا موافقة الذهبي للحاكم. * الشيخ: المهم بارك الله فيك، اكتب (...) ما نبغي أكثر من هذا. إذا أدرك الإمام بعد قراءة الفاتحة فهل تجب عليه (...)؟ * طالب: (...). * الشيخ: كلام شيخ الإسلام؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) المهذَّب شرح المهذَّب؛ لأن الشافعية يرون وجوب القراءة مطلقًا. * الطالب: بحثت. * الشيخ: شرح المهذَّب بحثت؟ * الطالب: لا، بحثت في كتب الشافعية. * الشيخ: لا، هو الكتاب الجامع لهم مثل المغني عندنا شرح المهذب. * * * قال: ﴿كَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قَالُوا﴾ أي: هؤلاء التسعة بعضهم لبعض، ﴿تَقَاسَمُوا﴾ أي: احلفوا ﴿بِاللَّهِ﴾ يعني: طلب بعضهم من بعض أن يتعاهدوا على هذا الأمر؛ يتحالفوا على أن يبيّتوا صالحًا وأهله، ومعنى البيات: إنزال العقوبة بهم ليلًا. فهنا حلفوا -والعياذ بالله- هذا الحلف الفاجر على أن يبيّتوا صالحًا وأهله؛ ولهذا قال: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل ٤٩]، اللام في قوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ واقعة في جواب القسم، والنون للتوكيد، فهم أكدوا هذا الفعل باليمين واللام والنون. يقول المؤلف: (بالنون والتاء وضم التاء الثانية)، كذا عندكم؟ بالنون (...) ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾، وبالتاء الثانية إذا جعلناها بالتاء لزم ضم التاء الثانية ﴿لَتُبَيِّتُنَّهُ﴾ ، وأما ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ فإنها تبقى مفتوحة. ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: من آمن به؛ أي: نقتلهم ليلًا، هذا تفسير البيات، والمراد بالأهل: أتباعه، كما قال المؤلف، ولكن قد ينازع في هذا، ويقال: إن المراد به أهله الخاصون؛ يعني: أهل بيته؛ لأنهم هم الذين يسكنون في الغالب معه في البيت، فإن الغالب أن الإنسان في الليل لا يكون معه في بيته إلا أهله الخاصون به. ثم بعد ذلك أن يبيّته، ﴿لَنَقُولَنَّ﴾ (بالنون والتاء وضم اللام الثانية)، ضم اللام الثانية متى؟ إذا صارت (...) ﴿لَتَقُولُنَّ﴾ ، أما بالنون فهي بفتح اللام ﴿لَنَقُولَنَّ﴾؛ يعني: ثم بعد أن نبيّته ونقتله إذا قام وليه للأخذ بثأره نقول له. (﴿لِوَلِيِّهِ﴾ أي: ولي دمه) ومن ولي الدم؟ ولي الدم عندنا في الخلافة الإسلامية هم الورثة بفرضٍ أو تعصيب، وقول البعض: بل العصبة هم أولياء الدم؛ لأنهم الذين يؤدون العقل عنه، وأما ذوي الفرض فليس من أولياء الدم، والصواب: العموم؛ أن أولياء الدم هم الورثة بفرضٍ أو تعصيب، حتى الزوجة والأم هن من أوليائه. (﴿مَا شَهِدْنَا﴾ حضرنا، ﴿مُهْلَكَ أَهْلِهِ﴾ بضم الميم وفتحها) ﴿مُهْلَكَ﴾ و﴿مَهْلَكَ﴾ ، ولم يتعرض المؤلف للقراءة الثالثة وهي: ﴿مَهْلِكَ﴾، فالقراءات فيها ثلاث: فتح الميم وكسر اللام، فتح الميم واللام ﴿مَهْلَكَ﴾ ، ضم الميم وفتح اللام، وهاتان الأخيرتان هما اللتان ذكرهما المؤلف: ﴿مُهْلَكَ أَهْلِهِ﴾ ، ﴿مَهْلَكَ أَهْلِهِ﴾ يقول: (أي: إهلاكهم أو هلاكهم) على القراءتين. ﴿مُهْلَكَ﴾ أي: إهلاك؛ لأن ﴿مُهْلَكَ﴾ من (أَهْلَكَ) الرباعي، و﴿مَهْلَكَ﴾ من (هَلَكَ) الثلاثي؛ فلذلك نقول: إذا كان الفعل ثلاثيًّا فإن المصدر الميمي منه على وزن (مَفْعَل)؛ (هَلَكَ مَهْلَك)، (قَامَ مَقَام). وإذا كان رباعيًّا فإن المصدر الميمي منه على وزن اسم المفعول، فتقول: (مُهْلَك) من (أَهْلَك)، وتقول: (مُقَام) من (أَقَام). قام فينا مقام فلان، مثل ما قال أبو حيان في ابن تيمية: قَامَ ابْنُ تَيْمِيَّةٍ فِي نَصْرِ شِِرْعَتِنَا ∗∗∗ مَقَــامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إِذْ عَصَــتْمُضَـــرُ قام مَقَام، لكن عندما تقول: أقام في هذا المكان مُقام فلان، بضم الميم، ما تقول: مَقام، مفهوم؟ وهذه قاعدة معروفة في النحو: أنه المصدر الميمي إذا كان من رباعي فهو على وزن اسم المفعول، وإذا كان من ثلاثي فهو على وزن (مَفْعَل) أو (مَفْعِل) مثل ﴿مَهْلِكَ﴾. ﴿مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ (فلا ندري من قتلهم)، وهذا الإنكار صحيح ولَّا كذب؟ * طلبة: كذب. * الشيخ: ما داموا هم الذين قتلوه، فقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ هذا كذب، لكن فيه تورية؛ لأنهم يقولون: ما شهدنا بل فعلنا، والشاهد لم يفعل؛ ولهذا قالوا: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾. وجملة ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ هل هي من جملة قولهم الذين يدافعون به عن أنفسهم أو هو تقرير لقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ يعني: وأنهم لم يقولوه للدفاع عن أنفسهم؟ يحتمل الأمرين. ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ هل ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ من جملة ما يقولونه للولي؛ ليؤكدوا النفي؟ ما شهدنا وإننا لم نكذب عليكم، إننا لصادقون أنا ما شهدنا، هذا وجه. أو أن المعنى: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ واطمئنوا أيها الإخوة، فإننا -يقول بعضهم لبعض- فإننا لصادقون بأننا لم نشهد؟ يحتمل هذا وهذا، إنما المفسّرون ذكروا احتمالين: أحدهما: أن يقولوه في جملة دفاعهم عن أنفسهم لولي صالح، وعلى هذا فتكون الجملة ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ تقريرًا لقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ (...)، ﴿مَا شَهِدْنَا﴾، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فلم نخبركم بالكذب. أو أن المعنى: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ ونحن إذا قلنا هذا فإننا صادقون؛ لأننا ما شهدنا مهلك، ولكننا أهلكنا بأنفسنا، لسنا شهودًا بل فاعلون. * طالب: (...)؟ * الشيخ: بلى، لكن الحقيقة أن الفاعل غير الشاهد، وأنه (...) تورية (...) مثلًا، تورية ولَّا معلوم أن من فعل فقد شهد، بل أبلغ. * طالب: ومن قتل النبي فالذين آمنوا (...) يكفي عليهم أنهم (...) لما هو أعظم؟ * الشيخ: لا، هم يهونون أمرهم بعضهم على بعض حتى لا يكون في أنفسهم شيء، ولّا هو معلوم أن الذي يقتل يشهد، لكن لتهوين الأمر على بعضهم يوطّن بعضهم بعضًا. والحاصل: أن هؤلاء -العياذ بالله- أرادوا هذا الفعل المنكر، وهو مكر؛ لأنه إتيان لصالح وأهله من حيث لا يشعرون، فإن الليل موضع السكون والهدوء، فإذا أحد اعتدى على أحد صار ذلك غدرًا ومكرًا. ولهذا حتى في حرب الكفار اختلف العلماء: هل يجوز تبييت الكفار أو لا يجوز؟ فمن العلماء من منع التبييت قال: ما يمكن أن يقتل الكفار وهم غارون نائمون، ومنهم من أجاز ذلك، والمسألة تحتاج إلى تحرير بحث في هذا الشيء. والحاصل أنا نقول: إن هذا من الغدر والمكر؛ أن يأتي هؤلاء إلى صالحٍ وأهله في الليل فيبيتوهم؛ ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ [النمل ٥٠] ومكروا في ذلك مكرًا، ﴿مَكْرًا﴾ منكّر، وأحيانًا يكون من فائدة التنكير: التعظيم؛ أي: مكروا مكرًا عظيمًا. والمكر فسّره بعضهم بأنه التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالخصم، فيحصل بأسباب خفية إلى الإيقاع بخصمه؛ لأن الأسباب الظاهرة ما تسمى مكرًا، وإنما هي أسباب خفية. قال الله عز وجل في مقابلة ذلك: ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ أي: أعظم من مكرهم، مكرًا أعظم من مكرهم. قال المؤلف: (أي: جازيناهم بتعجيل عقوبتهم) ففسّر المكر بالمجازاة، والصحيح: أن المكر أشد من المجازاة؛ لأنها مجازاة من حيث مأمن المجازي، لكن أراد المؤلف -رحمه الله- أن يدفع بذلك صفة المكر عن الله سبحانه وتعالى ففسّره بالمجازاة. والصواب عند أهل السنة والجماعة: أن المكر لا يجوز أن يحرّف إلى معنى المجازاة مطلقًا، وأنه لا يمتنع وصف الله تبارك وتعالى به في محله، فالمكر في محله يعتبر مدحًا ولَّا لا؟ يعتبر مدحًا، وفي غير محله يعتبر ذمًا، فالمكر بهؤلاء الماكرين مدح، يعتبر مدحًا عظيمًا. ولهذا الصحيح في هذه المسألة الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن الله تعالى يوصف بالمكر لا على الإطلاق، فلا يقال: إن الله ماكر؛ لأنه على الإطلاق يتضمن صفة الذم، وإنما يقال: ماكرٌ بمن يمكر به أو بمن يستحق المكر، وحينئذٍ يكون صفة مدح. والصفات تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: صفاتٌ حسنى بكل حال، فهذه ثابتةٌ لله على وجه الإطلاق، كالسمع، والبصر، والعلم، والحياة، والقدرة، وما أشبه ذلك. والثاني: صفات نقصٍ على كل حال أو صفات سوءٍ على كل حال، فهذه يُنزّه الله عنها على كل حال، مثل: الظلم، واللغوب، والجهل، والعمى، والموت، والمرض، والجوع، والعطش، وما أشبه ذلك، هذه ينزّه الله عنها على كل حال، والولادة، والوزير، والشريك، وما إلى ذلك، هذه ينزّه الله عنها في كل حال. والثالث: صفاتٌ ذات وجهين؛ تكون مدحًا في حال، وتكون ذمًا في حال، فهذه لا يوصف الله بها بإطلاق، ولا تنفى عنه على الإطلاق، مثل: المكر، والخداع، والاستهزاء، والسخرية، وأمثالها، هذه لا يوصف الله بها على كل حال، ولا تنفى عنه في كل حال، بل يوصف بها حيث تكون كمالًا، وتنفى عنه حيث تكون نقصًا. قال الله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة ٧٩]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ﴾ [البقرة ١٥]، وقال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال ٣٠]. ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني: هم لا يشعرون بعاقبة مكرهم، وهل يتم لهم ما أرادوا أم لا؟ ولا يشعرون كيف يمكر الله بهم، فهم لا يشعرون لا بهذا ولا بهذا لا بنتيجة مكرهم ولا بمكر الله بهم؛ لأنهم -والعياذ بالله- متمادون في الضلالة، والغالب أن الذي يتمادى في الضلالة يعمى ولا يبصر ويسمى ضلالة؛ فلهذا قال: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، والجملة في قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أيش محلها من الإعراب؟ * طالب: حال. * الشيخ: حال منين؟ * الطالب: من الواو. * الشيخ: من الواو في (مكروا)، أو من الضمير المحذوف في قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ يعني: بهم وهم لا يشعرون؟ * الطالب: (...) تدل على مكر مضاد (...) الخفي في الليل؟ * الشيخ: لا، هو بالأسباب الخفية، وقد يشعر به. قال: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ ﴿فَانْظُرْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ أولًا، أو لمن يصح خطابه؛ يعني: فانظر أيها المخاطب، أو فانظر يا محمد، وهو رأس هذه الأمة وقائدها وإمامها، فيكون خطابه خطابًا للأمة أيضًا. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ (كيف) هذه اسم استفهام معلِّقةٌ لـ﴿انْظُرْ﴾ عن العمل؛ ولهذا نقول: إن محلها النصب خبر (كان) مقدمًا، وجملة (كان) واسمها وخبرها في محل نصبٍ مفعول لـ﴿انْظُرْ﴾. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ العاقبة: ما يعقب الشيء؛ يعني: انظر ماذا يعقب مكرهم من الأمر. ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ أهلكناهم، عندكم بفتح الهمزة ولَّا بالكسر؟ فيها قراءتان: بفتح الهمزة: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾، وكسرها: ﴿إنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ . أما كسرها فهي كقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [القمر ٣٠، ٣١]، فعلى قراءة الكسر تكون مستأنفة لبيان هذه العاقبة، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾. فأما الذهن الآن يتشوف إلى هذه العاقبة، وجيء بالجملة الاستئنافية بيانًا لها: إنا دمرناهم وقومهم أجمعين. أما على قراءة الفتح فهي بيان للعاقبة؛ بدلٌ منه، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ أننا ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾ يعني: هي أو أنها على خبر مبتدأ محذوف التقدير: هي ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾ يقول المؤلف: (أهلكناهم) من التدمير وهو أبلغ من الإهلاك؛ لأن التدمير يوحي بغلظ هذا الإهلاك وعظمته، وهو كذلك؛ فإن قوم صالح أخذوا -والعياذ بالله- بأمرين: بصيحة، ورجفة، صيح بهم وارتجفت بهم الأرض حتى انهدم عليهم بناؤهم، وتقطعت قلوبهم في أجوافهم -نسأل الله العافية- قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر ٣١] مثل الهشيم (...)، والعياذ بالله. فهذه (...) العظيم نتيجة لهذا العصيان والتمرد والمكر الذي أرادوه بالنبي ﷺ. وقوله: ﴿دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ﴾ مع أن القوم لم يشاركوا في هذه الجريمة، ولكن هذا شؤم المعاصي: أن الله سبحانه وتعالى إذا عاقب بها أحدًا شمل الجميع، مع أن قومهم مستحقون للعقوبة؛ لأنهم كانوا كفارًا مكذّبين، لكن تعجيل العقوبة مقرونًا بهذا السبب، وهو مكر هؤلاء بصالح، هذا قد لا يكون قومهم مستحقين له، ولكنهم شملهم -والعياذ بالله- عقوبة هؤلاء، وقد ذكر الله تبارك وتعالى في آيات أخرى مفصّلة أن نبيهم صالحًا قال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود ٦٥]، فتمتعوا وبقوا ثلاثة أيام، ثم بعد ذلك أخذهم الله تعالى بهذه الصيحة والرجفة. وقوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ أيش محله من الإعراب؟ * طالب: توكيد. * الشيخ: توكيد للضمير لقوله: ﴿وَقَوْمَهُمْ﴾، لا، ما هو للضمير، لقوله: ﴿وَقَوْمَهُمْ﴾ للقوم؛ يعني: ما بقي منهم أحد إلا من كان مؤمنًا بصالحٍ عليه الصلاة والسلام. وقول المؤلف: (بصيحة جبريل أو برمي الملائكة بحجارة يرونها ولا يرونهم) أما قوله: (بصيحة جبريل) فهذا قد يكون مقبولًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [القمر ٣١]، وهذه الصيحة؛ إما من الله، أو من جبريل، أو من غيره من الملائكة، المهم أنهم أهلكوا بصيحة. وأما قوله: (أو برمي الملائكة بحجارة) فهذا لا أعلم له وجهًا، ولكنه قيل: إنهم لما جاؤوا إلى صالح أمر الله تعالى الملائكة أن تحرسه، فلما جاؤوا فإذا الملائكة تحرسه، فجعلت الملائكة ترميهم بالحجارة، وهذا لا أصل له، إذا لم يكن هذا عن معصوم فإنه غير مقبول، وهو أيضًا غير لائق أن تكون الملائكة يرمون بالحجارة كأنهم من البشر. ولكنا نقول: الذي دمّر الله به هؤلاء وقومهم هو الصيحة والرجفة، كما جاء ذلك في القرآن، ولا نتعدى القرآن في هذا الأمر؛ لأن الله تعالى يقول في سورة إبراهيم: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، فما دام هذه الأمور من معلومات الله سبحانه وتعالى فإننا لا نتجاوز ما قال الله فيها إلا ما ورد عن النبي ﷺ بسند مقبول. * طالب: وصلوا إلى بيته؟ * الشيخ: على رأي المؤلف وصلوا إلى بيته. * الطالب: فانطبق عليهم الغار. * الشيخ: ذكر بعض العلماء: أنهم لما خرجوا أصيبوا بمطر، وأنهم قالوا: لنلجئ إلى غار عن هذا المطر، فلما لجؤوا إليه انطبق عليهم هذا الغار وهلكوا، وأما قومهم جعلوا يطلبونهم ويدورون عليهم فلم يجدوهم، ثم رجعوا إلى بيوتهم، فخرج عليهم صالح فقال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود ٦٥]، وقالوا: إن هذا هو الذي (...)؛ لأن هؤلاء القوم دخلوا إلى الغار يريدون الأمن، ولكن كان في هذا الغار حتفهم. وهذه القصة أيضًا على هذا الوجه ما رأيتها ثابتة بسند عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا الأولى أن يقال: إن الله تعالى مكر بهم فدمّرهم وقومهم، وليس من المهم أن نعرف كيف دُمّروا، المهم أن نعرف أنهم دُمِّروا عن آخرهم بسبب ما أرادوه بالنبي ﷺ وبسبب كفرهم. * طالب: أظن هذا معناه أنهم ما تواعدوا قوم صالح: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ (...) مثلًا بيوتهم والعذاب (...)؟ * الشيخ: ما يلزم؛ لأن الله ما ذكر أنه سبحانه وتعالى دمّرهم في تلك الليلة. * الطالب: (...). * الشيخ: أن يحال بينهم وبين هذا، ثم أنهم هم قُذف في قلوبهم الرعب، هذا أيضًا ما ندري، أو أنهم جاؤوا فلم يتوصلوا إلى بيته؛ لأنه مغلق محكم، المهم هذه (...)، ما حصل أنهم نفذوا ما أرادوا، ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال الله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل ٥٢] أي: خالية، ونصبه على الحال، والعامل فيها معنى الإشارة. ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ﴾ المشار إليه معلوم ولّا لا؟ معلوم محدود؛ لأن بيوت ثمود موجودة الآن مشاهدة، لكنها كما قال الله تعالى: ﴿خَاوِيَةً﴾ بمعنى: أنها خالية، على رأي المؤلف، وقيل: خاوية متهدمة، كما قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة ٢٥٩] أي: متهدمة. وهذا المعنى أبلغ؛ لأن تفسير الخاوي بالمتهدم الذي ليس بقائم أولى وأشد، وأما البيوت قد تخلو مع العمار، ولكن إذا خويت بمعنى دمرت وانهدمت فهي خالية، فإذن يلزم من دمارها خلوها، ولا يلزم من خلوها دمارها، والواقع أنها دمرت؛ لأن هذه الرجفة العظيمة لا بد أن تدمرها. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي، لكن ما بقيت على صفتها بالأول، بل هي مدمرة. ثم إن المؤلف قال: نصبه على الحال نصب الخاوية على الحال، منين؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، حال من البيوت؛ بيوتهم حال كونها خاوية، لكن أين العامل في الحال؛ لأن العامل لا بد أن يكون إما فعلًا أو اسمًا بمعنى الفعل؟ قال المؤلف: (العامل فيها معنى الإشارة)؛ لأن (تلك) بمعنى أشير، فاسم الإشارة متضمنٌ لحرف معنوي وفعل؛ أي: أشير إلى بيوتهم خاويةً. قال: (﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ بظلمهم) الباء للسببية، و(ما) مصدرية، والمؤلف رحمه الله حوّل الفعل إلى مصدر، إشارة إلى أن (ما) مصدرية؛ أي: تحوّل ما بعدها إلى مصدر، أي: بسبب ظلمهم لا أننا ظالمون لهم، بل هم الذين ظلموا أنفسهم. ثم فسّر المؤلف هذا الظلم بالكفر فقال: (أي كفرهم)؛ لأن كل كفرٍ ظلم، وليس كل ظلمٍ كفرًا؛ ولهذا قال العلماء: إننا نحمد الله سبحانه وتعالى أن قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] ولم يقل: والظالمون هم الكافرون، لو قال: والظالمون هم الكافرون كان كل ظالمٍ فهو كافر، ولكن قال: الكافرون هم الظالمون؛ فإن كل كافر فهو ظالم، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]. وتفسير المؤلف الظلم هنا بالكفر هل عليه دليل ولَّا لا؟ نعم، عليه دليل؛ لأن فعلهم وتكذيبهم لرسولهم كفرٌ، فهنا تفسير الظلم بما هو أخص له دليل. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل ٥٢] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المشار إليه كل القصة على الصحيح، وليس المشار إليه مجردٌ للذات، بل إنه كل القصة. (﴿لَآيَةً﴾ لعبرة، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ قدرتنا فيتعظون). ﴿يَعْلَمُونَ﴾ تخصيص هذا بالقدرة غير مسلَّم؛ إذ المراد ما هو أعم من علم قدرة الله سبحانه وتعالى، بل يعلمون قدرة الله وحكمته، وما جرى للأمم كل هذا داخل؛ لأنه لا يدري بماذا يعتبر؟ لكن الذي يدري هو الذي يعتبر. وفي هذا من الحث على معرفة أخبار الأمم والعلم بها ما هو ظاهر؛ لأن بها يتعظ المرء. وكذلك أيضًا الأخبار الواقعة في زمن الإنسان ينبغي أن يتخذ من حوادثها عظة وعبرة، وسيأتي إن شاء الله ذكر ما في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ من الفوائد. * طالب: قال: (...) المراد بقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (...) يعلمون وجوه دلالة الدلائل؟ * الشيخ: ما فيها فائدة، لكن قد يحصل هذا، لكن ما هو محصور (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا؛ لأن يعلمون الدلائل (...)، على كل حال هذا من جملة العلم. (﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بصالح وهم أربعة آلاف، ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ الشرك). ﴿أَنْجَيْنَا﴾ أي: عصمنا، الإنجاء بمعنى العصمة، أنجيناهم من أين؟ من هذا التدمير الذي ذكر الله والعقوبة، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قول المؤلف: (بصالح) فيه نظر، الصواب: آمنوا بالله؛ لأجل أن يشمل صالحًا ومن معه، كما قال الله تعالى في سورة هود: ﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ [هود ٦٦]، فالصواب: أن الإيمان بالله، بل نقول: إن صالحًا عليه الصلاة والسلام يجب عليه أن يؤمن بنفسه أنه رسول؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يؤمن ويشهد لنفسه بالرسالة يقول في صلاته: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٠٢)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]] وهو يعني نفسه، وأحيانًا إذا وقع الأمر على وفق ما قال يقول: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ»[[أخرجه البخاري (٢٤٨٤) من حديث سلمة بن الأكوع.]]. فالمهم أن الرسول نفسه ملزمٌ بأن يشهد لنفسه بالرسالة بأنه رسول الله، يؤمن بما أوحي إليه، وكذلك غيره من باب أولى. وقول المؤلف: (إنهم أربعة آلاف)، لكن أين الديوان الذي حصرهم؟ لا دليل عليه، والغالب أن المؤمنين أقل من ذلك في هذا، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، إِذْ رُفِعَ لَهُ سَوَادٌ فَظَنَّ أَنَّهَا أُمَّتَهُ، فَقَالُوا: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس.]]، المهم أن تقديرهم بأربعة آلاف، أو بأربعين نفرًا، أو بأربعة ملايين، أو بأقل وأكثر، هذا يحتاج إلى دليل. وهو أيضًا من فضول العلم الذي لا ينبغي للإنسان يُتعب نفسه في ذلك؛ لأنه ما فيه فائدة، اللي فيه فائدة لا بد أن يقصّه الله علينا. ونظير هذا البحث مثلًا: كلب أصحاب الكهف أيش لونه؟ وأيش اسمه؟ وأيش كبره؟ ما فيه فوائد، الغار اللي هم فيه أين هو؟ وفي أي مكان؟ كل هذه مسائل جانبية. كذلك أيضًا ما يقع في الحديث في السنة: قال رجل للنبي ﷺ، تجد بعض الشرّاح -يعنى عناية كاملة-: من الذي قال هذا؟ هذا في الحقيقة ما له داعٍ، وإن كنا قد نستفيد أنه إذا كانت صفة منقبة؛ أن يكون في ذلك منقبة لهذا الرجل إذا عُرفت، لكن هل هذا ملزومٌ للحكم أو للدلالة؟ لا، ولكنه من فضول العلم. هذه أيضًا مثله: كم الذين مع صالح؟ أربعة آلاف أو أربعة ملايين، ما يهم، المهم أن كل من اتصف بالإيمان فإن الله تعالى أنجاهم من هذا العذاب العام. ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يقول المؤلف: (يتقون الشرك)، ولو أنه قال: يتقون المعاصي أو يتقون الله بس لكان هذا أولى؛ لأن الإيمان والتقوى بمعنى الإيمان والعمل الصالح؛ لأن العمل الصالح عند الإطلاق من التقوى، بخلاف ما إذا قُرنت التقوى البر وما أشبه ذلك، فتكون التقوى للمعاصي، والبر للطاعات. ثم قال الله تعالى: ﴿وَلُوطًا﴾ قال المؤلف: (منصوب باذكر مقدرًا قبله) يعني: واذكر يا محمد لوطًا. وإنما ذُكر بعد صالح -وهو دائمًا يُذكر بعد صالح- لأنه؛ أي: مدائن صالح وقرى قوم لوط ليس بعيدًا بعضها من بعض، وليست مجهولة للناس في عهد النبي ﷺ. ثم قال: (﴿وَلُوطًا﴾ منصوب بـ(اذكر) مقدرًا قبله، ويبدل منه ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ). إذا أعربنا ﴿إِذْ قَالَ﴾ بدلًا من (لوط)، صار كأن التقدير: واذكر إذا قال لوط لقومه. (﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: اللواط) الهمزة هنا لاستفهام أيش؟ * طالب: الاستعلام. * الشيخ: الاستعلام ولَّا لا؟ لأنه يعلم، لكن التوبيخ والإنكار، وإن كنت أزيد على ذلك: التعجب أو التعجيب؛ يعني: كيف أنكم تأتون الفاحشة؟! فهي للتوبيخ والإنكار والتعجب. وقوله: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ (أل) لاستغراق الجنس من حيث المعنى لا من حيث الأفراد، لكن المعنى: أن هذه أعظم فاحشة من نوعها هي هذه، وهي أعظم من الزنا؛ لأن الله قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢] فاحشة من الفواحش، وهنا قال: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾. وهي أيضًا أعظم من نكاح ذوات المحارم؛ لأن الله قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء ٢٢]، ونساء ذوات المحارم أعظم من الزنا؛ لأن الله وصفهم بثلاثة أوصاف: فاحشة، ومقت، سوء السبيل، والزنا وصفه بوصفين: فاحشة، وسوء السبيل؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء ٣٢]؛ ولهذا الصحيح: أن من زنى بمحارمه يُقتل وإن لم يكن مختارًا؛ لأن هذه أعظم -والعياذ بالله- من الزنا. كذلك أيضًا اللواط، الصحيح: أن فاعله يُقتل ما دام بالغًا عاقلًا وإن لم يكن محصنًا. (﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: اللواط، ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أي: يبصر بعضكم بعضًا انهماكًا في المعصية)، والعياذ بالله. يعني: أخبث من الحمير يرى بعضهم بعضًا يفعل واحد في الثاني؛ ولهذا قال: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت ٢٩] إذا اجتمعوا -والعياذ بالله- صار يركب بعضهم بعضًا كالحمير، نسأل الله السلامة. * طالب: (...) عراة؟ * الشيخ: لكنهم يفعلونه؟ * الطالب: يفعلون هذا (...) في بريطانيا (...). * الشيخ: سفاهة. * الطالب: وهو قانون. * الشيخ: وهو قانون. قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ إذن من البصر والإبصار بالعين، وقيل: من الإبصار بالقلب؛ يعني: وأنتم تبصرون خبثها وتعقلونه، وكل إنسان له فطرة سليمة يكره هذا الصنف؛ لأنه كيف يركب مثله نفس هذا المركوب؟ (...). ثم إن المكان هذا أيضًا ليس محلًّا لهذه الشهوة؛ لأنه مكانٌ متلوث بالأنجاس وليس محلَ اللهوِ، فهو خبيث بالفطرة وفي الحسِّ أيضًا. ولكنا نقول: لو أننا فسّرنا الإبصار هنا بالإبصار الحسي بالعين والإبصار المعنوي بالقلب لكان ذلك جائزًا. في الحقيقة أن بشاعة هذا الشيء في القلب أمر معلوم بالفطرة، وكونهم يفعلونه وهم يشاهد بعضهم بعضًا هذا أشد وأعظم. (﴿أَئِنَّكُمْ﴾ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين) فالقراءة أيضًا تكون أربعة. ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾ هذا تفسير لقوله: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾. وهنا لاحظ أن الاستفهام هنا للتقرير، لكنه أُكّدت الجملة التي قرئت بالاستفهام أكدت بشنو؟ بـ(إن) واللام؛ ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ﴾، وهذا كقول إخوة يوسف ليوسف: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يوسف ٩٠] أي: أتقرر أنك يوسف وتؤكد ذلك؟ فقال: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾، وفي جوابه لهم إهانة لهم؛ لأنهم هم طلبوا منه أن يؤكد لهم أنه يوسف ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾، ما قال: إني لأنا يوسف، قال: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾، فحذف التأكيدات استهانة بهم. فالحاصل أقول -المرة الثانية-: إن الاستفهام إذا تلاه التأكيد لا يسقطه عن معنى الاستفهام، بل كأن المستفهم يطلب من المستفهم منه تأكيد الجملة؛ ولهذا قال لهم -لكن في هذه المسألة الاستفهام للتقرير، نقرر مع التأكيد-: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [النمل ٥٥] ﴿شَهْوَةً﴾ يحتمل أن تكون مصدرًا في موضع الحال، ويحتمل أن تكون مفعولًا لأجله؛ أي: لأجل الشهوة. وعلى كل حال ففيها إنكار من جهة أنهم يأتون الرجال شهوة وليسوا أهلًا لها، ومن جهة أخرى أنهم يدعون؛ ولهذا قال: ﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ وهن محل الشهوة، فيكونون قد أساؤوا فيما فعلوا وفيما تركوا؛ ولهذا قال لهم في آية أخرى: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٦]، وهذا أبلغ، يعني: لو أن المسألة ضيقة ما بقي إلا هذا الطريق. لكان أفضل، لكن هنا طرق محلَّلة مباحة موافقة للفطرة تدَعونها وتذهبون إلى هذا؛ كالذي يدع المذكاة ويأكل الميتة، وكالذي يدع البيع الصحيح ويذهب إلى الربا، ويقول: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [الربا ٢٧٥]، فالحاصل أن (...) تزداد قبحًا إذا كان لها بدائل من الحسنات، إذا كان لها بدائل من الحسنات ازدادت قبحًا، ولهذا قال لهم: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾، لو أنه اقتصر على هذا ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل ٥٥] حصل التوبيخ واللوم. ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ [النمل ٤٧] الفوائد؟ * طالب: آخر ما أخذنا إي نعم ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ آخر ما قلنا: إثبات الحكمة والعلة (...). * الشيخ: كذا؟ ذكرنا هذا؟ ذكرنا أن الاستعجال بالسيئة يكون بطلبها أو بالأفعال التي تسببها، ذكرنا هذه؟ * طالب : بداية الشرح اللي عندنا ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل ٤٧]. * يؤخذ من هذه الآية: بيان مسلك المكذبين للرسل أنهم يسلكون مسالك التشبيه والتمويه؛ لقولهم حين أصيبوا بالجدب والقحط: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾، مع أن هذا الأمر من الله سبحانه وتعالى وليس بأسباب النبي، وهكذا أهل الباطل يشبهون ويلبسون على الناس بمثل هذه الأمور. * وفي هذا دليل على أن المصائب التي تصيب الإنسان إنما هي من الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ولا ينافي هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى ٣٠]، ولا قوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم ٤١]؛ لأن نسبة هذه الأمور إلى الله نسبة خلقٍ وإيجاد، ونسبتها إلى المخلوق نسبة تسبب، فهي تضاف إلى الناس إضافة الشيء إلى سببه، وتضاف إلى الله سبحانه وتعالى إضافة المخلوق إلى خالقه. وعلى هذا يزول إشكال كثير من الآيات التي ظاهرها التعارض في هذا الباب. * وفي هذا دليل على أنه من الحكمة أن يُرد الباطل بالحق بدون سكوت؛ لقوله في جوابهم: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أنه لا يُسكت على الباطل بل يُرد عليه ويفضح، هذه الفائدة. * وفيها الفائدة الرابعة: أنه ينبغي أن يكون الرد من جنس الإيراد، فهنا تطيروا بصالح ومن معه، فبيّن أن طيرتهم وشؤمهم بسبب أعمالهم، لكنه قال: ﴿طَائِرُكُمْ﴾ يعني اللفظ مثل اللفظ، فينبغي أن يكون الجواب مثل الإيراد، ويتحرى المجيب حتى اللفظ. * خامسًا: أنه ينبغي لمن رد على غيره أو أبطل قوله أن يأتي بأمرٍ لا جدال فيه؛ لأن هذا صالحًا عليه الصلاة والسلام لو قال: هذا الجدب ليس مني وأنا ما أتيت بسببه وما أشبه ذلك، لكان هذا فيه مجال للأخذ والرد، ولكن ينبغي أن يختار المجيب الجواب الذي لا كلام بعده. نظير هذا محاجة إبراهيم للذي حاجّه في الله: ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨] ما قال: لا، أنت ما أنت تحيي وتميت، ولكنك تقتل من لا يستحق القتل، وترفع القتل عمن استحقه، وهذا ليس بإحياءٍ ولا إماتة، مع أن هذا هو الحقيقة، لكن هذا يكون فيه جدل، إنما أتى بأمرٍ لا جدال فيه ولا يمكنه أن يجادل، ولهذا بُهت الذي كفر. وهكذا ينبغي للإنسان في محاجة من حاجّه أن يختار الأجوبة اللي ما تؤدي إلى النزاع والجدال؛ لأنه إذا أدّت إلى النزاع والجدال فقد يتغلب الباطل على الحق؛ بسبب طول الجدال واللف والدوران، لكن يؤتى بشيءٍ لا جدال فيه، وهذه من آداب المناظرة حتى عند الذين يتكلمون بهذه الأمور يرون أن من آداب المناظرة الأخذ بما لا يمكن الجدل فيه. * الفائدة السادسة: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ دليل على أن الله تعالى قد يحدث من الأمور ما يكون سببًا لافتتان بعض الناس. أو لا؟ لما جاء صالح وجاء الجدب في الحقيقة أنه فتنة لبعض الناس؛ إذ يقول بعض الناس مثلًا: إن هذا من أسباب هذه الرسالة، فيكون سببًا للفتنة لولا عصمة الله تبارك وتعالى، وهذا دائمًا يكون في أفعال الله تعالى القدرية والشرعية. في الشرعية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة ٩٤] حرّم الله الصيد على المحرمين، فبعث الله على الصحابة رضي الله عنهم صيدًا تناله أيديهم ورماحهم، يمسكه بيده ما بتعب، وإلا برمحه ما يحتاج ولو إلى قوس. ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ فخافوه بالغيب، وافتتن الله تعالى قوم موسى بالحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعًا مع تحريم الصيد عليهم، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، ولكنهم لم يشكروا وخادعوا فتحيلوا، وصاروا يضعون الشباك للحيتان في يوم الجمعة، فتأتي الحيتان فتقع فيه يوم السبت، فإذا كان يوم الأحد جاءوا وأخذوه، قالوا: إحنا ما صدنا يوم السبت، فقلبهم الله تعالى قردة: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥]. فالحاصل أقول: إن الله تعالى قد يفتن الإنسان بالفتن الشرعية والقدرية؛ لأجل أن يعلم من يخافه بالغيب، ومن يصبر ومن لا يصبر. أحيانًا أيضًا يبتلى المرء بالمصائب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج ١١] ومن الناس من يعبد الله تعالى على أساس، ما هو على حرف، إن أصابه خيرٌ اطمأن به وشكر عليه، وإن أصابته فتنة صبر حتى يجتازها، واضح؟ ويدل عليه هنا قوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾. * طالب: هناك يا شيخ (...) قسيمة الآيات التي (...) لأن الأنبياء يؤتون آيات تدل على (...) ، فإذا جاءت هذه الفتن من القحط أو (...) تكون قسيمًا لها؟ * الشيخ: لا، ما تكون مضادة لها، هذه فتنة؛ لأنه هو عليه الصلاة والسلام بيّن أن السبب منهم الرسالة، وهو ما جاء بها لتشهد على رسالتهم، أصيبوا بها لأنهم كذّبوا، مثلما أصيبت قريش بدعاء النبي ﷺ عليهم (...) وما قال: آيتي أن الله يبتليكم بالقحط، وحتى لو قال: إن آيتي أن يبتليكم الله بالقحط وحصل صارت آية. * وفيها أيضًا قوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل ٤٨] فيه مبدأ العصابات، ولا يزال موجودًا إلى الآن، فإن هؤلاء التسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وما زال الأمر إلى يومنا هذا وإلى ما بعد، والله أعلم أنه سيبقى؛ لأن أهل الشر لهم طرق يتفننون بها في فرض شرهم على غيرهم. * وفيه أيضًا دليل على أنه يمكن أن يجتمع الفساد والصلاح؛ لقوله: ﴿يُفْسِدُونَ﴾ ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾، ولولا أنه يمكن اجتماعهما لم يكن لقوله: ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾ فائدة؛ لأنه يكون عدم الصلاح مفهومًا من إثبات الفساد لو لم يمكن اجتماعهما، هذه فائدتين. * ففيها: إثبات أن الفساد والصلاح قد يجتمعان في شخص. * ومنه نأخذ أيضًا: أن الكفر والإيمان قد يجتمع في شخص؛ لأن الإيمان صلاح والكفر فساد، وكذلك أيضًا الفسوق والطاعة ممكن تجتمع، وخالف في ذلك طائفتان من الناس: * طالب: (...). * الشيخ: والمرجئة. المرجئة قالوا: ما يمكن، الإنسان إذا كان مؤمنًا كل أحواله صالحة، ولا يعذّب بذنب ولا يلام عليه. والخوارج والمعتزلة بالعكس، قالوا: ما يمكن يجتمع كفر وإيمان، وفسوق وطاعة، بل من أتى ما يوجب الفسق صار كافرًا، ومن أتى ما يوجب الكفر صار كافرًا، على رأي الخوارج، أو خارجًا من الإيمان بين منزلة الإيمان والكفر على رأي المعتزلة. ولا شك أن النفوس والواقع والعقل يدل على خلاف ما قالوا؛ لأن اجتماع هذا وهذا أمرٌ موجود معلوم. * طالب: يعني (...) الرجل بالأغلبية، يعني: يجتمع (...) في قلب رجل، ويكون الرجل بالأغلبية، أن يكون مؤمن (...) الإيمان. * الشيخ: لا، نقول: مؤمن ناقص الإيمان، ما نطلق عليه الإيمان المطلق، حتى لو كان فيه مثلًا عشرة في المائة، لا بد أن يكون ناقص الإيمان، من لم يؤمن بإيمانه فاسقٌ بكبيرته، مثلًا: لو اغتاب الإنسان رجلًا من الناس هذه كبيرة من الكبائر تنقص الإيمان، وهو يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويتطوع بسائر التطوعات، ما نعطي هذا وصف الإيمان المطلق، بل نقول: مؤمن بإيمانه فاسقٌ بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان. * طالب: شيخ، قوله: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ (...) مثل قول الصحابي فأمرنا بالسكوت (...) الكلام، بمعنى أنه يتحقق الوصف بواحد منهم والثاني .. * الشيخ: لا، وبارك الله فيك؛ لأن السكوت والكلام متناقضان، أما الصلاح والفساد فمتضادان، يمكن أن يجتمعا فيكون في الشيء مصلحة ومفسدة: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ٢١٩] أما هذا فهو السكوت ولا كلام متناقض، يعني ما يمكن يوجد أحدهما إلا بفقد الآخر. * الفائدة الثالثة: أن المعاصي من أسباب الفساد في الأرض؛ لقوله: ﴿يُفْسِدُونَ﴾، وهؤلاء الجماعة ليسوا يهدمون البيوت، ولا يغرقون الزروع، ولا يحرقون المتاجر، لكنهم يفعلون ما يكون سببًا للفساد، الفساد المعنوي: وهو فساد الأخلاق والسلوك، والفساد الحسّي؛ لأن الفساد الحسي يتبع الفساد المعنوي. ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل ٤٩]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة أولًا: أنه من الحزم -والحزم قد يكون في الخير وفي الشر- أن تتعاقد الطائفة وتتعاهد على منهاجها الذي تسير عليه؛ لئلا تتفرق وتختلف، منين تؤخذ؟ ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ ما ذهب كل واحد مذهبًا، اجتمعوا أولًا على تدبير الخطة ثم على تنفيذها. فيؤخذ منه: أن من الحزم أن تجتمع الطائفة وتتفق على عهد يربط بعضها ببعض؛ ليكون التنفيذ واحدًا. وهذا المسلك لا زال يُسلك حتى الآن، وتعرفون أن الصحيفة التي اجتمعت قريش فيها على مقاطعة بني هاشم، هل نقضت برجلٍ واحد؟ لا، بل ذهب هذا الرجل الذي أراد نقضها إلى فلان وفلان، وصار يجمّع الناس حوله حتى اجتمعوا على نقضها وغلبوا في تنفيذ فكرتهم. فالحاصل أن ها المسائل دي ينبغي للإنسان إذا أراد أن يهم بأمر ويمشي على منهاج أنه يجعل معه أقوامًا يساعدونه ويتعاقد معهم ويتعاهد، عاد إن كان في خيرًا فخير وإن كان في شر فالله يتولاهم. هنا: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ على خير ولّا على شر؟ * طلبة: على شر. * الشيخ: إي نعم، على شر من أعظم الشرور. * وفيه دليل على مبدأ الاغتيالات؛ لقوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ لأن التبييت اغتيال؛ إذ إن الاغتيال معناه هو القتل على غرّة، ولهذا كان الصحيح من أقوال أهل العلم أن الغيلة ليس فيها خيار لأولياء الدم وأنه يجب قتل المغتال بكل حال حتى لو عفوا، وهذا مذهب مالك واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، وهو فسادٌ في الأرض، ولا يعارض هذا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم ( ١٣٥٥/ ٤٤٧) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن قوله: «مَنْ قُتِلَ لَهُ» هذا من الحقوق الخاصة، وأما مسألة الاغتيال فإنها من الحقوق العامة، يجيء للإنسان في مأمن ويقتله. * طالب: (...). * الشيخ: لا، فعل القاتل أنه إذا بغى يقتل (...) لكن المهم من ذاك يمكن أن يتحرز منه، أن المقتول يمكن أن يتحرز بالفرار، أو يتحرز بالمدافعة، أو ما أشبه ذلك (...). أما يجيه وهو نائم مثلًا أو يأتيه في بيته وهو غافل، فهذا ما يمكن التحرز منه، فساد؛ لأنه لو جاه وهو يعلم به يمكنه يتحرز بالفرار، يتحرز بالمدافعة، يتحرز بالصياح لمن حوله وما أشبه ذلك. وليس قولنا: إنه على (...)؛ لأنه مثلما قلت: الغالب أنه ما يقتل (...)، لكن الكلام على غرّة من المقتول، هذا هو قتل الغيلة، فهؤلاء الجماعة تقاسموا على هذه الفعلة القبيحة المشينة، ولكنهم لم ينفذوا ما أرادوا، وهم لم ينفذوه، لم يحصل لهم تنفيذ ما أرادوا؛ لأنهم مكروا ومكر الله والله خير الماكرين. * طالب: (...) يدل على (...) مبدأ الاغتيالات (...) الله سبحانه وتعالى ذكر (...) وهو على حرمة الاغتيال. * الشيخ: لا، بمعنى أن الاغتيال موجود حتى في الزمن السابق، هذا قصدي، وليس معنى هذا أنه المبدأ المباح (...) إن هذا موجود ولا يزال موجودًا، يعني في غالب الأمور تجد أصلها موجودًا، غالب الأمور من خير أو شر تجد له أصلًا في الأمم السابقين. * طالب: المسلمون لا يجوز لهم أن يسلكوه مع الأعداء. * الشيخ: إن كانوا يسلكونه بنا سلكناه بهم، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل ١٢٦]. * وفيه دليل في قوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ دليل على الإنكار، إنكار المدّعي، وهذا الشيء واضح، أن الفاعل للسيئة لا يهمه أن ينكر فعله، يعني: من قتل يهون عليه أن ينكر القتل، ولّا لا؟ من قتل هان عليه أن ينكر القتل؛ لأن القتل أعظم من إنكاره، فلهذا قالوا: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾. * وفيها فائدة رابعة: أن البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر، لماذا؟ لأنه لولا أن هذا القول يبرئهم ما صح أن يتفقوا على اتخاذه حجة، أما فهمتم؟ يقتلونه ويقولون: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾. اتفقوا على هذا. دل هذا على أن الإنكار يدرأ به المدعى عليه، وجهه: أنه لولا أن ذلك يبرئهم لم ينفعهم الاتفاق عليه؛ لأنه لو قالوا: ما شهدنا مهلكه لقال: أنتم القاتلون، فهذا أيضًا دليل على أن البينة على المدّعي واليمين على من أنكر. فإذا ادعى شخص أن هذا الرجل قتل والده، نقول له: هات بيّنة، فإذا لم يأت ببينة فإنه لا يثبت له الحق، ما يثبت له الحق؛ لأن البيّنة على المدَّعي واليمين على من أنكر. ولكن هل هذا على إطلاقه؟ المشهور من المذهب أنه على إطلاقه، وأنه لو كان المدعَى عليه القتل من أفجر الناس والمقتول من أطيب الناس وكذلك المدّعي، فإنه لا يؤخذ بقوله؛ لعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»[[أخرجه الدارقطني (٣١٩١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، والشطر الثاني من الحديث متفق عليه؛ البخاري (٢٥١٤)، ومسلم (١٧١١) من حديث ابن عباس ولفظه: أن النبي ﷺ قضى أن اليمين على المدعى عليه.]]. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذا يؤخذ بقوله، ولكن تجرى فيه القسامة إذا كان هذا الرجل معروفًا بالفسوق، والمقتول معروفًا بالصدق والاستقامة. وكذلك أولياؤه، قال: فإن هذا قرينة تغلّب على الظن صدق المدعي، وعلى هذا فتجرى فيه القسامة. وما قاله الشيخ فليس ببعيد. كذلك الأمر الثاني بالعكس، لو أن شخصًا قتل إنسانًا وقال: نعم أنا قتلت، ولكن الرجل صال عليَّ ولم يندفع إلا بالقتل، فماذا أصنع؟ المذهب لا يُقبل قوله ويُقتل، أما فهمتم؟ إنسان ادُّعي عليه أنه قاتل، قال: نعم أنا القاتل، لكنني قتلته دفاعًا عن نفسي؛ لأن الرجل يبغى أن يقتلني، نقول له: هات بيّنة أنه صال عليك وإلا قتلناك. قال: ما يمكن يكون بيّنة؛ لأنه ما بيصال علي أمام الناس، لو يدري أن حوله أحدًا ما صال. نقول: إذن نقتلك ويوم القيامة تختصمون عند الله، هذا هو المذهب، واختار الشيخ هنا أنه يُقبل قول المعروف بالصدق، فإذا كان هذا الرجل مستقيمًا -هذا القاتل اللي يقول: أنا قتلته دفاعًا- مستقيمًا، والمقتول معروفًا بالفجور والاعتداء على الخلق، فإنه يُقبل قوله، ولكن يحلف تأكيدًا لقوله. وما قاله الشيخ هو الصحيح، ولا يمكن العمل إلا به، ولا يمكن العمل بخلافه، أما كون يقول: نقتلك وتلقى حسابك عند الله، هذا فيه نظر. طيب، حتى لو وجد قرينة تدل على صدق الرجل غير مسألة الحال هذا والحال هذا، يعني مثلًا لو وجد في بيته، لو وجد المقتول في بيته، أي في بيت القاتل، زلمة دخل علي البيت بيقتلني، أو بينتهك حرمة أهلي، فوجدت ألا يندفع إلا بالقتل، يقول: نعم ولو كان؛ لأنه يمكن أنه عزمه لأجل يقتله. * طالب: فيه شبهة تدرأ (...) * الشيخ: ويش هي؟ * الطالب: أنه في بيته. * الشيخ: إي نعم، هم يقولون نعم في بيته. * الطالب: ادرءوا الحدود بالشبهات. * الشيخ: لكن هو يقول: أنا الآن قتلت عمدًا، ما فيه شبهة (...) أنه صائل، يقول: إن كونه في بيته ما يدل على ما قال؛ لأنه يجوز أنه (...) يقول: تفضل عندنا، تفضل عندنا نوريك ويدخل على أن (...)، مشكلة هذه ما يستقيم الحال إلا على ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. طيب، الكلام على قوله: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ يدل على أن المنكِر مقبول القول ما لم يأت المدعي ببيّنة. * وفي هذه الآية: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل ٥٠] دليل على عظمة الله سبحانه وتعالى، وأنه أعظم مكرًا ممن يمكرون به وبرسله. فهؤلاء أرادوا المكر برسوله ولكن الله تعالى مكر بهم بما هو أعظم. * وفيه دليلٌ على وصف الله تعالى بالمكر، لكنه ليس على سبيل الإطلاق، بل على سبيل التقييد، فيقال مثلًا: هو ماكرٌ بأعدائه أو بمن يستحق المكر، أو ما أشبه ذلك مما يجعل المكر صفة كمال؛ لأن المكر ليس بصفة كمال على الإطلاق، ولا بصفة نقصٍ على الإطلاق. * وفي هذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى قد يمكر بالعبد فلا يشعر بمكره. ومن ذلك -من مكر الله بالعبد وهو لا يشعر- استدراجه إيّاه بالنعم؛ حيث يسدي إليه النعم وهو يبارز الله تعالى بالعصيان. ومن مكره به تلبيسه عليه بالحكم، يلبس عليه الحكم حتى يظن الباطل حقًّا، فيتمادى فيه، ولهذا من الدعاء المأثور: اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه[[ذكره ابن كثير في التفسير (١ / ٥٧١).]]. فالإنسان قد يكون لديه شبهة أو شهوة، شبهة ما يعرف الحق، أو شهوة لا يريد الحق، يريد غيره. وفي قوله: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل ٥١]. * في الآية فوائد: أولًا: الحث على الاعتبار؛ لقوله: ﴿فَانظُرْ﴾ والنظر يكون بالقلب، ويسمى نظر البصيرة، ويكون بالعين ويسمى نظر البصر، وكلاهما أمرٌ مطلوب إذا أدى إلى مطلوب، وأما إذا لم يؤد إلى مطلوب، بل أدى إلى العكس، مثل أن يعتبر ويتبصّر ثم يتخذ من هذا النظر يتخذه وسيلة إلى الطعن في حكمة الله سبحانه وتعالى، أو إلى وصف الله تعالى بالظلم أو ما أشبه ذلك مما يقع من بعض الملحدين، فإن هذا ضرره كبير والعياذ بالله، لكن من نظر ليعتبر، من نظر بعين العقل والعدل، بل لا بد من الأمرين: عقلٌ وعدل، فبانتفاء العقل ما يعرف الإنسان، وبانتفاء العدل يظلم. فعلى كل حال، في هذه الآية دليل على أنه ينبغي للإنسان أن ينظر ويتأمل في الأمور، لا سيما في أمور المكذبين. * وفيه دليل على أنه ينبغي في مقام التحذير استعمال أغلظ الألفاظ وأشدها تأثيرًا؛ لقوله: ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾ ولم يقل: أهلكناهم، فإن التدمير أعظم وقعًا في النفس، والنفس تنفر منه أكثر، ولهذا قال: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾. * في الآية دليل أيضًا على أن العقوبات إنما تأتي بأسباب المرء؛ حيث جعل هذا التدمير عاقبة مكرهم، وهذا يدل عليه أيضًا قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]. وقال تعالى في خصوص أهل الكتاب: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة ٦٥، ٦٦] ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ من الثمار الطويلة، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ من الزروع التي تحت الأرض. في قوله أيضًا: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. * في هذا دليل على أن العقوبة تعم، ولكن كما قال رسول الله ﷺ: «يُبْعَثُ النَّاسُ عَلَى أَعْمَالِهِمْ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٢٢٩) من حديث أبي هريرة بلفظ: «إنما يُبعث الناس على نياتهم».]] العقوبة قد تعم، ولكن يُبعث الناس على أعمالهم، وهذا مشاهَد، سواء كانت العقوبة من الله، يعني: من فعل الله، أو من فعل العباد، يسلّط الله تعالى بعض عباده على بعض، فيدمر هذا المتسلط على الصالح والطالح، ولكن يُبعث الناس يوم القيامة على أعمالهم ونياتهم، أو ينزل الله تعالى كارثة من عنده؛ كالفيضانات والرياح وغيرها، فتدمر الصالح والطالح، ويوم القيامة يُبعثون على نياتهم. وإنما كان كذلك -والحكمة عند الله سبحانه وتعالى- لأجل أن يستقيم الناس على أمر الله؛ لأني أنا إذا علمت أن المصيبة ستعم سأسعى في إزالة السيئة الموجبة للعقوبة ولّا لا؟ لكن لو أننا نعلم أن العقوبة تخص العامل ما استقام الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر. أليس هكذا؟ ولذلك يجب أن يكون خوف الإنسان من معاصي غيره كخوفه من معاصي نفسه؛ لأن العقوبة واحدة، إذا نزلت عمّت، بل إن المعاصي سبحان الله كالدخان، يصرع من شمّه وإن لم يكن في بيته. ولذلك معاصي الناس اليوم أثّرت حتى على أهل الخير البعيدين منهم. يعني أهل الخير لو سألتهم وقلت: هل تجدون في قلوبكم ما كنتم تجدونه قبل سنوات من الإنابة إلى الله، والخشوع، والخضوع، ومحبة الخير؟ لوسألتهم لأجابوا: لا. دعنا من الناس اللي ماتوا قبل ثلاثين سنة أو أكثر، هذا معلوم أنهم سلموا من هذه الفتنة، لكن حتى الموجود الآن قلوبهم قبل نحو ثلاثين سنة أصلح بكثير من اليوم، مع أن حالهم هي هي، تجد الإنسان مثلًا في مسجده إمام ولم يلتفت للدنيا ولم يشتغل بها، تجد إنسانًا مثلًا في أهله ما يلتفت إلى أحدٍ غيرهم، ومع ذلك تأثرت القلوب؛ لأن المعاصي مفاسد مهما كانت. ولكن مع هذا قد يأتي الله تعالى ببركانٍ عظيم يبدد هذه الأشياء، يقيض الله تعالى للأمة الإسلامية طائفة منصورة ظاهرة فتبدل كل هذا الأمر، ولهذا لا بد من عمل، الركود ما ينفع، الركود ما فيه سلامة أبدًا، لا بد من العمل ولكن على هدى مستقيم وبحكمة بالغة؛ لأن اللي يضر الدعاة إلى الله الآن واحد من أمرين: إما جهلٌ أو سفه، يعني: إما أنه ما عندهم علم بيّن راسخ، فتجدهم يحرمون ما أحل الله، ويوجبون ما لم يوجبه الله، واضح؟ مثلما يوجد من بعض الإخوان الذين يتشددون في أمور، يحرمون ما أحل الله، أو يوجبون ما لم يوجبه الله، وهذه مفسدة عظيمة، أو يكون عندهم سفه، يعني: ما عندهم حكمة في الدعوة إلى الله، فيكون عندهم تسرع وعنف، أو تباطؤٌ في غير موضعه؛ ففي الأول يحصل رد فعلٍ عنيف من المدعوين، وفي الثاني يحصل تمادٍ من المدعوين يفوّت الفرصة على الداعين، فلا بد من العلم والحكمة ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥].

النمل 27:48

الشيخ: الجواب: لما حثهم على الاستغفار وبيَّن لهم نتائجه الطيبة كان جوابهم: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ [النمل ٤٧] أعوذ بالله، هذا الجواب؛ يعني: أنت ما أتيت لنا بفائدة، بل صرت شؤمًا علينا أنت وأتباعك، وهذا حال الذين يتطيرون بأهل الخير، والله تبارك وتعالى قد يفتن الناس؛ فقد يقع مثلًا في مجيء الخير أو معه قد يقع بعض الآفات أو بعض الأشياء المكروهة لدى الناس؛ ليكون ذلك فتنة وابتلاء. ربما مثلًا يحل رجل من أهل العلم والعبادة في بيت ثم يحترق هذا البيت؛ ابتلاء من الله سبحانه وتعالى وامتحانًا، أهل الشر يفرحون ويفرهون، يقولون: يا الله! شوفوا أسباب الطوع، احترق البيت لما جاء هذا الرجل، والله تعالى قد يفتن الناس، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]. هؤلاء يقولون: إنه بمجيء صالح ومعصية قومه عاقبهم الله تبارك وتعالى بالقحط والجدب وغور المياه، فقالوا: أنت يا صالح ومن معك ما جئتمونا بخير، ما جئتمونا إلا بالقحط والجدب وغور المياه، فتطيروا به. و﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ أصله: تطيَّرنا؛ أُدغمت التاء في الطاء، وهذا الإدغام على خلاف القاعدة؛ إذ إن الإدغام بين ساكن ومتحرك وهذا بين متحركين، فأدغمت التاء في الطاء، ولما أدغمت التاء في الطاء صار الحرف الأول منهما ساكنًا، ولاحظوا أنه أيضًا بعد الإدغام قُلِبَت التاء طاءً، والساكن ما يمكن الابتداء به، فاجتُلِبَت الهمزة لتسهيل النطق به؛ ولهذا قال المؤلف: (وَاجْتُلِبَتْ همزة الوصل) من أجل؟ لتسهيل النطق بالساكن. ومعنى ﴿اطَّيَّرْنَا﴾ أي: تشاءمنا؛ من الشؤم، والشؤم معناه: توقع الشر من مشاهَدٍ أو مسموع أو زمن أو حال؛ ولهذا قالوا: إن التطيُّر مأخوذ من الطير. وكانوا في الجاهلية يتشاءمون بالطيور؛ يبعثونها، وعندهم قواعد لهذا التشاؤم: إذا ذهبت يمينًا يتفاءلون، أو يسارًا يتشاءمون، أو أمامًا يعيدون، أظن الباعث مرة ثانية، وخلفًا يتشاءمون أكثر، فعندهم لهذا قواعد؛ فلذلك سُمِّي هذا التشاؤم تطيرًا، مأخوذ منين؟ من الطير؛ لأن غالب تشاؤم العرب بها. فهم يقولون: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ أي: تشاءمنا، وكان مجيئك شؤمًا علينا أنت وأتباعك. إذن ما هو التطير؟ هو التشاؤم بمرئي أو مسموع أو زمان أو مكان أو حال، هذا التطير، التطير هو: التشاؤم شنو؟ * طلبة: بمرئي. * الشيخ: بمرئيٍ أو مسموع أو زمان أو مكان أو حال، هذا هو التشاؤم. بمرئي؛ يرى الإنسان شيئًا فيتشاءم، افرض أنه مثلًا أراد أن يسافر فقابله إنسان يكرهه، هو يكره هذا الرجل قال: خلاص رجعنا، هذا ويش لونه؟ * طالب: بمرئي. * الشيخ: بمرئي. أو همَّ أن يسافر، فلما خرج سمع رجلًا يقول: مات فلان بن فلان، قال: خلاص رجعنا، هذا تشاؤم؟ * طلبة: بمسموع. * الشيخ: بمسموع. أو زمان؛ يتشاءم بيوم من الأيام، يوم الأربعاء، يوم الخميس، أو شهر من الشهور، كشهر شوال، العرب يتشاءمون بشهر شوال في الزواجات، يقولون: من يتزوج في شهر شوال ما يوفّق. (...) هذا الزواجات في شهر شوال كثيرة، لكن عائشة أبطلت ذلك بالواقع، قالت: «إن الرسول عليه الصلاة والسلام تزوجها في شوال، وبنى بها في شوال، فأيُّكن كان أحظى عند رسول الله ﷺ»[[أخرجه مسلم (١٤٢٣ / ٧٣) من حديث عائشة. ]]، إذن ينبغي أن نتدارك إن أردنا أن نعمل التشاؤم والتفاؤل، فإننا؟ * طالب: نتفاءل. * الشيخ: نتفاءل بشهر شوال، ولكن مع ذلك لا نتفاءل بالزمان ولا نتطير به، الخير والشر بيد الله سبحانه وتعالى. ومنهم من يتشاءم بالمكان، تجده مثلًا يجيء يجلس في هذا المكان (...)، يقول: خلاص، قمنا، هذا ما يمكن نجلس فيه. أو يتشاءم بالحال؛ حال الشخص مثلًا، التشاؤم بالحال أيضًا هذا تطير ما يجوز، قد مثلًا يعمل إنسان عملًا ويعاكسه في أول أمره، أو مثلًا يهم أن يفعل شيئًا غدًا ولا صار غد وله معه بعض التعب والعجز، فيتشاءم ويعدل بسبب هذه الأحوال التي تعرض له، فنقول: كل هذا لا يجوز، أنت إذا عزمت فتوكل على الله، «اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ»[[أخرجه أحمد (٧٠٤٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٣٨) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. الإنسان مثل ما قال القرطبي وكذلك غيره من أهل العلم: اللي يعلِّق تصرفاته بمثل هذه الأمور، فهو من أجهل الناس، ثم إنه ما يمكن ينصلح حاله إذا ينظر إلى هذه الأشياء. ولكن لاحظوا أن الفأل الذي يعين على فعل الخير لا يدخل في هذا الأمر، الفأل «كان الرسول عليه الصلاة والسلام يعجبه الفأل ولكنه يكره الطِّيَرَة»[[أخرجه ابن ماجه (٣٥٣٦) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن الطِّيَرَة فيها تعلُّق الإنسان بغير الله سبحانه وتعالى بمثل هذه الأمور، وفيها أيضًا منع للإنسان عما يريده من الخير. لكن التفاؤل فيه التشجيع على الخير، لما جاء سهيل بن عمرو في صلح الحديبية قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هَذَا سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَإِنَّهُ قَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ»[[أخرجه البخاري مرسلًا (٢٧٣٢) من حديث عكرمة.]]، إذا صحت هذه الكلمة في الحديث، فالحاصل أن التفاؤل غير التشاؤم. واعلم أن التشاؤم غير الشُّؤم؛ فإن الشؤم قد يكون في بعض الأشياء، مثل ما «أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه يكون في المرأة، ويكون في الدار، ويكون في الدابة»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٣)، ومسلم (٢٢٢٥ / ١١٦) من حديث عبد الله بن عمر.]]، وهذا شيء مشاهد؛ أن الإنسان قد ينزل بعض الدور وما يتشاءم، لكن يكون فيها شؤم، تكون دائمًا خراب مثلًا، ودائمًا تحتاج إلى أعمال متتابعة، فإذا ارتحل عنها ارتاح ووجد ما يريد. كذلك بعض السيارات، ما عندنا دواب الآن في غالب الناس، بعض الأحيان هذه السيارة يشتريها الإنسان ويحبها وتتعبه، كل يوم يخرب منها شيء، ثم يبيعها ويشتري ثانية ويرتاح لها. ومثلها أيضًا بعض الأحيان يشتري الإنسان قلمًا -حتى في الأشياء الصغيرة- يبدأ كل يوم يتعبه؛ يجف المداد، وتلقى الريشة أيضًا ما تستقيم معه، ومرة يضيع منه ويتعبه، ويشتري قلمًا آخر ويبقى عنده مدة ما (...)، لكن هذا ليس تشاؤمًا ولكنه شؤم. كذلك بعض النساء؛ يتزوج الإنسان امرأة وتتعبه ليلًا ونهارًا، في حياته العامة والخاصة، ومع أهله وأقاربه، ويتزوج أخرى فتكون راحة لنفسيته وقرة عينه. فالحاصل: أن هذه الأشياء أمرها واقع، ولكن الرسول ما قال: التشاؤم، قال: «الشُّؤْم»، وفرق بين هذا وبين هذا؛ يعني معنى ذلك: أن هذه الأشياء يجد الناس فيها أحيانًا بركة وراحة، وأحيانًا يجدون فيها قلقًا وتعبًا. * طالب: التشاؤم (...)؟ * الشيخ: لا، (...). * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، إذا كان هذا يتعلق بشيء، بعامل مثلًا ولا شيء، وأما بس مجرد أنه يشوف واحد بالسوق اسمه يزيد ولَّا اسمه صالح ولَّا اسمه راشد، لا، مو هذا، لكن الشيء اللي بما معه معاملة فأنا قد أتفاءل. سهيل بن عمرو له معاملة مع الرسول عليه الصلاة والسلام، فتفاءل، وهذا يكون من باب فتح الأمور باليسر. * طالب: ثم يكون بغير هذا الشيء؛ يعني يتفاءل إنسان (...)؟ * الشيخ: ما يخالف، ولكن الإنسان أول الأمر ما يتفاءل، كما هو عادة الناس الآن، أكثر العوام ما يدرون عن المسائل هذه، ويصير فيه خير في معاملة الشخص (...) الشخص الآخر لو أنه يزيد أو صالح مثل شؤم البلد. * طالب: حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: «الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٣)، ومسلم (٢٢٢٥ / ١١٦) من حديث عبد الله بن عمر.]] (...)؟ * الشيخ: لا، يدل على أن مثلها إنما كان (...). * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، يعني معناه: ذاك الشؤم في زمان أو في مكان أو ما أشبه ذلك يتشاءم، وأنا أيضًا ذكرت لكم الفرق بين الشؤم والتشاؤم: التشاؤم من فعله، والشؤم من فعل غيره، وهذا واضح أنه قد يكون يجعل الله في هذا الشيء خيرًا وبركة للإنسان، وفي هذا الشيء شؤمًا وبلاء. * طالب: قال النبي ﷺ: «الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ» ثم ذكرها، وقال: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٥٢)، ومسلم (١٨٧٣ / ٩٨) من حديث عروة بن الجعد.]]، ألا تتعارض «مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ»؟ * الشيخ: إي، لكن هل معقود بنواصيها الخير مطلقًا أو في حال الجهاد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا؛ لأنه ذكر بعدها مثال الذي يربطها للجهاد في سبيل الله، «أنها مَا تَسْتَنُّ، وَلَا تَعْلُو شَرَفًا، وَلَا تَأْتِي رَوْضَةً، وَلَا تَشْرَبُ مَاءً، إِلَّا كَانَتْ لَهُ أَجْرًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣٧١)، ومسلم (٩٨٧ / ٢٤) من حديث أبي هريرة.]]. * طالب: إي، لكن بخصوص السبب ما (...). * الشيخ: لا، نرى أن الحديث هنا وإن كان.. لكن السبب يقتضي ذلك، وإلا الصحيح العبرة بعموم اللفظ، لكنه ما دام أن السبب صالح لإحالة الحكم عليه، فيجب أن يقيد به، مثل ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥ / ٩٢) من حديث جابر بن عبد الله.]]، وهذا اللفظ عام مع أنه هو نفسه يصوم، إذن يخصص بالسبب الذي ورد فيه وهو أنه إذا كان الصيام يؤدي إلى مثل هذه الحال فليس من البر. * طالب: ذكر في الحديث أنها قد تكون شؤمًا للإنسان يربطها خيلاء؟ * الشيخ: إي نعم، تكون وزرًا. * طالب: والحديث (...)؟ * الشيخ: ما أدري، ما أعرف هذا الحديث، ولكن الظاهر لي -والله أعلم- أن الرسول وجد قرينة غير الاسم؛ ولهذا استدعى أن يسأل عن اسمه، كأنه واجد في حال هذا الرجل مثلًا، مع أنه ما أدري. * طالب: ذكره ابن القيم في أحكام المولود. * الشيخ: إي، ما أعرف. * الطالب: الاسم لأول مرة، الثاني اسم شهاب، والثالث اللي (...). * الشيخ: ما أعرف عن هذا الحديث، قد ينظر في سنده. * طالب: العلماء يقولون: يحب الفأل على العموم، كما في عدة أحاديث. * الشيخ: إي، لكن هذا فيه تشاؤم، التفاؤل لا بأس، لو كانت مثلًا (...) ما فيها إشكال؛ ولهذا قال: «سَهُلَ مِنْ أَمْرِكُمْ»[[أخرجه البخاري مرسلًا (٢٧٣٢) من حديث عكرمة.]] إن صحت الكلمة هذه، لكن المشكلة الأول، ما لها تأثير، إلا إذا كان ذلك من طريق الوحي مثلًا، أما التأثير فلا يخاف؛ ولهذا الواقع يشهد بأنه لا حقيقة لذلك، تجد هذا اسمه عبد الله وهو عبد للشيطان، وتجد هذا اسمه شرورة وتجده من أخير الناس، ماله تأثير، إلا على الشيء يكون مثلًا بطريق الوحي، هذا شيء ممكن، مثل ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام لما ابن أبي طلحة سماه عبد الله، ولما دعا له بالبركة، بارك الله له، فكان من أولاده عشرة يحفظون القرآن[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٠١)، ومسلم (٢١٤٤ / ٢٣) من حديث أنس بن مالك.]]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ينبغي أن يقارن في الأسماء ما أرشد إليه الرسول عليه الصلاة والسلام، أن يراعى ما أرشد إليه، «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ: عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه مسلم (٢١٣٢ / ٢) من حديث عبد الله بن عمر.]]، يعني: عبد الله وعبد الرحمن أفضل من صالح ومن راشد. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما أدري، كون الإنسان يسمي اسمًا ليتفاءل به ما أدري، الرسول قال: «لَا تُسَمِّ غُلَامَكَ يَسَارًا وَلَا نَجَاحًا»[[أخرجه مسلم (٢١٣٧ / ١٢)، والجعديات (٢٧٠٠) واللفظ له، من حديث سمرة بن جندب.]]. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذه أبعد وأبعد، كونك إذا سميت بأسماء رجال من الصالحين يكون مثلهم، هذه أبعد، إلا إذا كان إنسان على سبيل المحبة لهم، ممكن يكون على سبيل المحبة، مثل ما يفعلون الآن، بعض الناس يسمون بأسماء الزعماء اللي يحبون، ولا يصيرون مثلهم بعد. ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ هذا جواب الرسل، وهذا الجواب تجدونه أيضًا أجاب به بنو إسرائيل لمن؟ لموسى، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف ١٣١]، وكذلك أصحاب القرية الثلاثة تطيَّروا بالرسل الذين أُرسلوا إليهم. على كل حال هذا جواب أهل الشر؛ أنهم يجعلون الأسباب التي هي من أفعالهم ونتيجة لأفعالهم بأسباب هؤلاء المصلحين، والحقيقة أنها وقعت جزاء على أفعال الكفار. ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ (أي: تشاءمنا، ﴿وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ أي: المؤمنين حيث قُحِطوا المطر وجاعوا)، قُحِطوا بمعنى: مُنِعوا المطر. (﴿قَالَ طَائِرُكُمْ﴾ شؤمكم، ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أتاكم به، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ) ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يعني: وليس منا، وطائركم بمعنى: شؤمكم، والمراد: ما أصابكم مما تشاءمتم به -وهو القحط والجوع- عند من؟ عند الله، وليس منِّي أنا، وإذا كان عند الله سبحانه وتعالى -هذا من أبلغ الجواب- فإن الله تعالى حكيم، ما يُنزِّل هذا الشيء إلا في منزلته، وبأسبابه التي يُستحق بها، فكأنه يقول: ما دام عند الله فالله تعالى حكيم، ما أنزله إلا في موطنه وموضعه هذا الشؤم. ثم قال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ هذا الاستطراد ليس لإبطال الأول، ولكنه للانتقال؛ إضراب انتقالي، وتعرفون أن الإضراب يكون على نوعين: إضرابا إبطاليًّا يكون الحكم لما بعد (بل) ويبطل ما قبلها. والثاني: إضراب انتقالي، مثل هذه الآية، ومثل قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] انتقال من شيء إلى شيء، هنا الإضراب إبطالي ولَّا انتقالي؟ * طالب: انتقالي. * الشيخ: انتقالي؛ لأنه عند الله يفتنهم سبحانه وتعالى بما حصل، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ووجه الفتنة؛ أولًا: أنهم نسبوا هذا إلى صالح ومن معه، وهذه فتنة عظيمة، فتنة ضلَّ بها هؤلاء. ثانيًا -من وجه الفتنة-: أنه أصابهم مع مجيء صالح إليهم، فظنوا أو ادعوا أن أسباب ذلك صالح ومن معه، ففُتِنوا بذلك فابتعدوا عن الحق. ومثل ما قلت لكم أنا قبل قليل بالتمثيل: أن يحدث مكروه عند وجود رجل صالح، فيُنْسَب هذا المكروه إلى هذا الرجل الصالح ومجيء هذا الرجل الصالح، فيكون في هذا حكمة. والله سبحانه وتعالى حكيم جل وعلا يفتن الإنسان ويختبره بأنواع المفاتن؛ تارة بالمصائب، وتارة بالنِّعم، وتارة بالأمور التي توجب الاشتباه ليمتحنه بذلك؛ ولهذا الدنيا كلها محنة، ما دام الإنسان دائرًا بين أمرين: إما شر، وإما خير، ولَّا لا؟ كل حياتك هكذا؛ شر ولَّا خير، وكلاهما يقول الله فيه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]. إذن معناه: انتبه يا إنسان، انتبه، الفضل؛ ليبلوني أأشكر أم أكفر؟ المصائب؛ ليبلوني أأصبر أم أجزع؟ الشبهات العلمية التي ترد على قلب الإنسان؛ ليبلوه هل يثبت أو يزيغ؟ فالمسائل كلها في الحقيقة فتنة واختبار من الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا يجب على العاقل أن يكون حذرًا دائمًا. ولست أدعوكم في قولي هذا إلى سوء الظن بالله عز وجل، ولكني أدعوكم إلى النظر في الأمور؛ ليكون تصرُّفكم على وجه سليم. ولكن مع ذلك أقول: إنه إذا تجاوز الإنسان هذه الفتنة حصل له الثبات والاستقرار؛ لأنه يطمئن قلبه، ويرسخ في هذه الأمور، ولا يزيغ -بإذن الله- بعد ذلك، لكن قد يُفتن المرء فلينظر؛ ولهذا قال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ تفتنون بأي شيء يكون؟ * طالب: بالخير الذي جاءه. * الشيخ: بالخير والشر، ووجه الفتنة في هؤلاء: أن البلاء الذي أصابهم بسبب دعوة صالح إلى عبادة الله، فكفروا فعُوقِبوا، فهذه من الفتن؛ لأنهم قالوا: أنت أسبابها، وفي الحقيقة أن أسبابها هم أنفسهم، ففُتِنوا بذلك، قال: (يختبرون بالخير والشر). (﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ مدينة ثمود، ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أي: رجال). المؤلف قال: (أي: رجال) والرهط -صحيح- هم الرجال، لكنهم قالوا: إن الرهط ما بين الثلاثة إلى العشرة، وبعضهم قال: ما بين السبعة إلى العشرة. فعلى هذا: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ يصير تسعةُ تسعة؟ لا؛ ولهذا فسر المؤلف الرهط بالرجال لا بمعناه الخاص؛ لأجل أن تستقيم الإضافة؛ إذ الشيء لا يُضاف إلى نفسه إلا على تأويل. وقال بعضهم: إنه لا حاجة إلى هذا التأويل؛ لأن الإضافة هنا بيانية؛ أي: أن (رهط) تفسير لـ(تسعة)، كأنه قال: تسعةٌ رهطٌ. والمعنى على كل حال هو أن هذه المدينة -مدينة صالح أو مدينة ثمود- كان فيها رجال تسعة، وكانت التسعة هذه مجالًا للتفاؤل والتشاؤم؛ أحد يتشاءم من العدد تسعة، يقول: لأن تسعة جاءت بالإفساد في الأرض، ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، وأحد يتفاءل بها، الرافضة يتشاءمون بالعشرة ويتفاءلون بالتسعة، العشرة مَن؟ المبشرون بالجنة، لكن هم يخرجون علي بن أبي طالب منهم ولا أدري من يحطون بداله، لكنهم يتشاءمون بالعشرة، عدوُّهم من العدد: العشرة، وصديقهم: التسعة؛ لأنهم يقولون: هم آل البيت الذين وضع عليهم الرسول الكساء، فقال لهم شيخ الإسلام: يجب إذا كنتم تتفاءلون أو تتشاءمون بالعدد أنكم تتشاءمون؟ * طالب: بالعشرة. * الشيخ: لا، تتشاءمون بالتسع؛ لأن هو اللي قال: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل ٤٨]، أما العشرة فإن الغالب أنها خير. * طالب: (...)؟ * الشيخ: عشر ذي الحجة، وعشر رمضان، والعشرة المبشرون بالجنة، وأمثلة كثيرة ما تحضرني الآن، وأنا أقول: إن كلام شيخ الإسلام هذا للتنزُّل مع الخصم، وإلا هو رحمه الله ما يتفاءل لا بهذا ولا بهذا، العدد عدد، ما فيه أثر لشيء. ﴿كَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بأي شيء؟ بالمعاصي، يفسدون في الأرض بالمعاصي، وكلما ذكر الله تبارك وتعالى الفساد في الأرض فالمراد به المعصية؛ الشرك فما دونه، لماذا؟ لأنه لا شك أن عمل المعاصي نفسه فساد، أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: ثم هو سبب للفساد؛ ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف ١٣٠]، وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١]، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠]. فالمعاصي هي نفسها فساد، وهي سبب للفساد أيضًا؛ فلذلك كل ما ذكر الله سبحانه وتعالى الفساد في الأرض فالمراد به المعاصي، يفسدون في الأرض بالمعاصي، منها: قرضهم الدنانير والدراهم، كيف قرضهم؟ يقطعونها، يخربونها، يقصُّون من الدراهم والدنانير، ولكن هذا إسرائيلي. * طالب: أين الدليل؟ * الشيخ: إسرائيلي، ما في دليل، ولا هو أيضًا أكبر المعاصي، هذا صحيح أنه غش لكن ما هو أكبر المعاصي. على كل حال أهم شيء أنهم أنكروا الرسالة وكفروا بالخالق، هذه من أعظم المعاصي التي يفسدون بها في الأرض. وقال: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ يفسدون ولا يصلحون؛ يعني معناه: أن فسادهم هذا -والعياذ بالله- شامل، ما فيه صلاح أبدًا، وهذا هو الحكمة من قوله: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾. وفيه فائدة عظيمة: وهو أنه قد يجتمع الفلاح والفساد في آنٍ واحد، كما أن الإنسان يكون مؤمنًا ويكون فاسقًا، يكون فيه إيمان وفيه كفر، فيه فسوق وطاعة، فيه فساد وصلاح، ولّا لا؟ فالأمور؛ إما خير محض وصلاح محض، وإما شر محض وفساد محض، وإما خليط من الأمرين. هؤلاء القوم يفسدون ولا يصلحون -والعياذ بالله- ما يصلحون بالطاعة أبدًا، وهذا دليل على أنهم ليس فيهم خير محض، ليس فيهم خير أبدًا لا قليل ولا كثير، لكن فيهم أناس خيُّرون، من؟ الذين آمنوا بصالح واتبعوه، لكن هؤلاء الرهط التسعة يفسدون ولا يصلحون، دائمًا ما همّهم إلا الفساد في الأرض بالمعاصي، وإلقاء الفتن بين الناس، ومحاولة قتل المصلحين؛ ولهذا: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ إلى آخره. * طالب: التشاؤم هو يعتبر شركًا أصغر ولّا أكبر؟ * الشيخ: لا، أصغر، ما لم يعتقد أنه مؤثر بنفسه فيكون أكبر، وأظن ذكرنا هذه القاعدة مرات: كل من أثبت سببًا؟ * الطالب: غير شرعي. * الشيخ: غير شرعي. * الطالب: أو قدري. * الشيخ: أو قدري؛ يعني ما يقتضيه الشرع ولا القدر فهو مشرك، لكنه شرك أصغر ما يؤدي إلى الأكبر، فأما ما اقتضاه الشرع أو اقتضاه القدر، ما اقتضاه الشرع بأن يُعلم من طريق الشرع أن هذا سبب لهذا، كقراءة الفاتحة على مريض سبب للشفاء، شرعًا ولّا قدرًا؟ * الطالب: شرعًا. * الشيخ: شرعًا؛ يعني: جاء بها الشرع، التجارب التي تجرى على بعض النباتات وبعض الأدوية فيُعرف تأثيرها، هذا سبب؟ * الطالب: قدري. * الشيخ: قدري، جاء به القدر. الأشياء اللي ما دل عليها الشرع ولا القدر هذه ما يجوز أنك تقول: إنها أسباب، مثل إنسان علَّق خيط برقبته وقال: هذا لدفع العين، اللي يعلق الخيط خلاص ما عاد تجيه العين، هذا ما هو سبب، ليس بصحيح، أين الشرع الذي دل عليه؟ وأين القدر الذي دل عليه؟ وكم من إنسان يُصاب بالعين وعليه هذا الخيط. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يصير. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، لا، يعتقد أنه سبب للنفع، أن النافع الله لكن هذا من أسباب النفع، إي، لكن لو اعتقد أنه ينفع بنفسه وليس سببًا محضًا صار متخذًا مع الله إلهًا. * طالب: يا شيخ (...) أكبر ولا أصغر؟ * الشيخ: لا، هذا ما هو داخل في مسألة الأسباب هذه. * طالب: (...). * الشيخ: لا، هذا من جهة أخرى غير.. نحن الآن نتكلم عن الأسباب، من جعل سببًا من المسبَّبات المعيَّنة بدون شرع ولا قدر فهو مشرك، وأما مسألة التشريع فالتشريع حكم بغير ما أنزل الله، أي إنسان يشرِّع ما لم يشرعه الله ويعتقد أنه ما شرعه الله وأنه أصلح مما شرع الله، فهو كافر كفرًا مخرجًا من الملة، سواءً حكم به أم لم يحكم، أم خلا الناس يحكمون به. ولهذا يجب أن نفرِّق بين من لم يحكم بما أنزل الله تشريعًا، وبين من لم يحكم بما أنزل الله فعلًا، اللي يحكم بغير ما أنزل الله فعلًا لا تشريعًا هذا قد يكفر وقد يفسق وقد يظلم، والذي يحكم بغير ما أنزل الله تشريعًا، بمعنى: أن يجعله هو الشرع شرع مبدَّل بدل شرع منزَّل، هو يرى أن هذا الشرع المبدَّل أصلح للعالم من الشرع المنزَّل، فهذا كافر، ولا ينقسم فعله إلى ظلم وفسق وكفر، بل هو كفر محض، فهمتم؟ فالحكَّام الآن الذين يقنِّنون للناس قوانين يقولون: يجب تمشون عليها؛ لأنها أصلح لكم مما سبق، هؤلاء كفار حتى وإن لم تنزل بهم نازلة واحدة من هذه القوانين فيحكمون بها فهم كفار، أو ما فهمتم؟ يعني: إنسان مثلًا رئيس دولة شرع نظامًا يعرف أن هذا النظام مخالف للشرع لكن يعتقد أنه أفضل من الشرع وأصلح للخلق، هو ما حكم به ولكن سنَّه وخلا للناس يحكمون به، نقول: هذا كافر كفرًا مخرجًا عن الملة. * طالب: يحل الخروج عليه. * الشيخ: يجب الخروج عليه، إلا إذا كان قد يكون متأولً بعد، قد يقول: لا، هذا ما يخالف الشرع؛ لأن مثلًا عندنا بعض العلماء -الله يهدينا وإياهم- يفتحون للحكَّام أبوابًا، حتى إنه مما يموهون عليهم يقولون: مسائل الدنيا ما للشرع فيها دخل؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٣٦٣ / ١٤١) من حديث عائشة وأنس بن مالك.]] في مسألة التلقيح، فيموهون على الحكَّام، يقولون مثلًا: تجوز البنوك؛ لأن هذه من النظام الاقتصادي الحديث، ما للشرع فيه دخل، تجوز صناديق هذه التأمينات ولا فيها شيء؛ لأن هذه من الأمور الاقتصادية التي يرجع فيها إلى ما يقتضيه العصر، ما للشرع فيها (...). غالب الحكَّام قد يجهلون هذا الأمر، فيظنون أن هذا صحيح فيلتبس عليهم، لكن إذا علمنا وفهَّمناهم وبيَّنا لهم الحق وقلنا: «أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ» فيما يتعلق بالعمل والصناعة، الصنعة يعرف كيف يصنع القدر لكن قد لا يعرفه الرسول ﷺ، الحرَّاث يعرف كيف يبذر ولكن الرسول قد لا يعلم ذلك، لكن أحكام شؤون دنيانا من الأعلم بها؟ * طالب: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إي، الشرع، ففرق بين الأفعال وبين الأحكام، أنا الآن مثلًا أعرف أن هذا الشيء محرَّم من الصناعة أو من الزراعة أو ما أشبه ذلك، لكن هل أعرف كيف أصنعه؟ أعرف أن صناعة السيارات أنها من الأمور الطيبة المطلوبة لما فيها من المصلحة، لكن هل أعرف كيف أصنع سيارة؟ أقول للكافر المشرك الملحد الشيوعي الخبيث: أنت أعلم بشؤون دنياك، صحيح ولَّا لا؟ لكن ما هو بأعلم مني بحكم هذا الشيء، واضح؟ فقول الرسول: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ»؛ يعني: أنتم أعلم هل هذا التقليح ينفع أو لا ينفع؛ لأنكم مجرِّبون وفاهمون، لكن أنا أعطيكم حكمًا شرعيًّا بأن كل ما كان صالحًا للخلق وفيه مصلحة للخلق فهو من الأمور المطلوبة شرعًا؛ لأن أصل الشرائع ما نزلت إلا لإصلاح الخلق. * طالب: ما ورد عن النبي ﷺ في مسائل الطب، ويش (...)؛ لأنا لو قلنا: النبي ﷺ ليس طبيبًا؟ * الشيخ: لا، قلنا: لا، لكنه بالوحي يدرك هذا الشيء؛ لأنه هو إما أن يكون أدركه بالتجارب، فإذا أدركه بالتجارب وأخبر به علم، وإن لم يكن أدركه بالوحي، فمثلًا: ذكر أن الشفاء في ثلاث؛ العسل معروف بالوحي: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل ٦٩]، الكي والحجامة يحتمل عندي أنا، وعند غيري أيضًا يحتمل أنه تلقى ذلك من الوحي، ونحن لا نعلم بهذا، يحتمل أنه علمه من التجارب وثبت عنده. ومع ذلك أيضًا نقول: ما دام الرسول ﷺ أثبته، فإنا نثبته؛ لأنه ثبت بقول الرسول، وكذلك التجارب تشهد له. * طالب: إذن الأصل أن نتلقى عنه ولا نقول: إن هذا ما هو من جانب (...) إلا ما ثبت في مثل التلقيح. * الشيخ: لا، مثل التلقيح وغيره، (...) مثلًا صناعة الأبواب والبنايات والأشياء هذه لا يعلمها الرسول عليه الصلاة والسلام، إن كان قد مارسها؛ ولهذا الرسول عليه الصلاة والسلام لو كان عنده في مكة نخل ومارس هذا الشيء أو مارسه (...) به، ما يدري عنه الرسول. * الطالب: (...). * الشيخ: ما يدري عنه؛ لأنه أتى إلى المدينة أول ما أتى قال: والله ما أظن هذا التلقيح ينفع شيئًا، حتى ما قال: لا تلقِّحون، لكن الصحابة لتعبهم من التلقيح لما قال الرسول عليه الصلاة والسلام فرحوا وقالوا: إذن ما نلقِّح، اتركوا ها التلقيح. * طالب: (...) التلقيح هذا هل فيه مثال آخر (...)؟ * الشيخ: ما نعرف، ولكن نحن نعرف الآن أن قول الرسول: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ» في الأمور التي تحصل بالممارسة والرسول ما علم عنها. * الطالب: طيب، (...) يحصل بالممارسة؟ * الشيخ: يحصل بالممارسة، والرسول أخبر بأشياء تلقاها من الوحي، وأشياء يحتمل من الوحي أو من التجارب وأخبر بها. * الطالب: إذن الأشياء التي تثبت في الطب بالممارسة ما كان (...) عنها؟ * الشيخ: (...)؟ * الطالب: يعني قد يكون النبي ﷺ.. * الشيخ: قد لا يكون علم بها وهي الآن نافعة. عندنا مثلًا إبر البنسلين ما كان الرسول يعرفها. * الطالب: لا، أنا أقصد (...) ذكرت، الأمور الطبية التي (...)، يمكن بعضها بالممارسة مثل ما ذكرت. * الشيخ: ما أخبر به الرسول قد يكون بالممارسة، وقد يكون بغير الممارسة، مثلًا: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٨)، ومسلم (٢٠٤٩ / ١٥٧) من حديث سعيد بن زيد.]]، هل هذا وحي أو لا؟ * الطالب: الأصل أنه وحي. * الشيخ: هذه بالذات قد تكون وحيًا؛ لأنها خفية، لكن مسألة الحجامة ومسألة الكي هذا أمر معلوم معروف عند الناس، فقد يغلِّب الإنسان أن الرسول علم ذلك بالتجارب، وقد يقول الإنسان: هذا وحي من الله عز وجل أوحاه إليه. * طالب: المعلوم بالتجارب قطعي النفع؟ * الشيخ: إذا حكم به الرسول، مع أن الرسول -لاحظ- يقول: «إِنْ كَانَ الشِّفَاءُ فِي شَيْءٍ فَفِي ثَلَاثٍ»[[أخرجه البخاري (٥٦٨٠) بلفظ: «الشفاء في ثلاثة»، وذكر الحديث من حديث ابن عباس.]]، ما جزم؛ لأنه قد لا يشفى الإنسان بهذه الثلاث. * طالب: إذن كلامه الأول ما هو عن تجارب (...)؟ * الشيخ: ولهذا أخلف الأمر؛ لأن ما عنده وحي ولا تجارب عليه الصلاة والسلام. * الطالب: إذن بس قاله رأي. * الشيخ: هذا رأي منه، هو قال: «أُرَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُ شَيْئًا»، لكن مثل ما قلت لك: أن الصحابة لما سمعوا هذا الكلام فرحوا به، قالوا: إذن كُفِينا المؤونة، ما دام هذا ظن النبي ﷺ وتركوه، وفسد النخل. * طالب: إي بس قد يشكل على بعض الناس، يقول: كما أنه ليس مؤبرًا فليس أيضًا طبيبًا (...) الأخبار التي وردت؟ * الشيخ: لا، ما هو بصحيح، الرسول ما جزم، ما قال: ليس فيه شيء، أو جزم ما يفيد، ثم هذا أمر -الحمد لله- معلوم لكل مؤمن ويستطيع أن يدافع لمن أراد شبهة في هذا الأمر، فيقول: إن الرسول ما جزم. والشيء الثاني: لو جزم النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الأمر، فإنما جزم به على سبيل الظن، والإنسان قد يجزم بالشيء على سبيل الظن، وقد أقر النبي عليه الصلاة والسلام من جزم، بل من أقسم على سبيل الظن. * طالب: يا شيخ (...) الأطباء العصريين يعملون على (...) مثلًا يقولون: هل يرد الحديث بسبب ما ظهر من أنواع (...)؟ * الشيخ: نقول: هذا ما هو بصحيح؛ أولًا: أنهم هم الآن يؤمنون (...)، لكن تختلف الوسيلة الآن، (...) والكي بالكهرباء وما أشبه ذلك، هذه معروفة الآن ومستعملة ويؤمنون بها، وكما قال الرسول: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»[[أخرجه مسلم (١٩١٧ / ١٦٧) من حديث عقبة بن عامر.]]، ما هو بالرمي بالقوة الآن، الرمي بالآلات الموجودة، والكي أيضًا بالآلات الموجودة، ليس بلازم أن يكون، وهم أيضًا الآن في بعض الأشياء يلجؤون إلى الطب العربي، أنا أذكر أن (...) دائمًا يقول بأن المريض يروح يتطبب طبًا عربيًّا، ويُشفى بإذن الله. * الطالب: يعني ما تأثر بالمسلمين لكن لو جاء مريضًا (...) يعني..؟ * الشيخ: في الحقيقة قد ينكرون الوسيلة أو الآلة التي حصل بها الكي أو فعل بعض الذين يكوون بالحديد. أنا أذكر مثلًا بعض النساء يُؤتى بالطفل إليها (...) في رأسه ثم (...) كية، وتجعل في ظهره كل خرزة من الظهر عليها خمسة. * طالب: واحدة واحدة. * الشيخ: إي، فهم الأطباء يعني يدرون بهذا الشيء وينكرونه؛ لئلا يحصل مثل هذه الحالات (...)، ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام لما ذكر هذه الأشياء ما هو بيقول: حتمًا لا بد منها، قد يكون يقوم مقامها ما هو أولى منها. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، بس ما هو معنى (...) صحيح؛ لأن هو نفسه فعل كوى سعد بن معاذ رضي الله عنه[[أخرجه مسلم (٢٢٠٨ / ٧٥) من جديث جابر.]]. * طالب: (...). * الشيخ: يقدمون (...) يوم الأحد. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، يُقرأ (...). إذا كان لغير عذر يُعاقب الإنسان. * الطالب: (...). * الشيخ: محمد إسماعيل عنده حديث (...). * الطالب: شفتها (...)، بس ما لقيت كلام (...). * الشيخ: (...) هذا، أنت (...). * الطالب: ما يخالف، أجيبه. * الشيخ: (...). * الطالب: بس، يعني (...). * الشيخ: إي، إذا ما لقيت ويش (...)، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. * الطالب: لقيت ابن حبان والحاكم، الأسانيد. * الشيخ: إي. * الطالب: بس، فتشت على كلام العلماء حوله ما لقيت إلا موافقة الذهبي للحاكم. * الشيخ: المهم بارك الله فيك، اكتب (...) ما نبغي أكثر من هذا. إذا أدرك الإمام بعد قراءة الفاتحة فهل تجب عليه (...)؟ * طالب: (...). * الشيخ: كلام شيخ الإسلام؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) المهذَّب شرح المهذَّب؛ لأن الشافعية يرون وجوب القراءة مطلقًا. * الطالب: بحثت. * الشيخ: شرح المهذَّب بحثت؟ * الطالب: لا، بحثت في كتب الشافعية. * الشيخ: لا، هو الكتاب الجامع لهم مثل المغني عندنا شرح المهذب. * * * قال: ﴿كَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قَالُوا﴾ أي: هؤلاء التسعة بعضهم لبعض، ﴿تَقَاسَمُوا﴾ أي: احلفوا ﴿بِاللَّهِ﴾ يعني: طلب بعضهم من بعض أن يتعاهدوا على هذا الأمر؛ يتحالفوا على أن يبيّتوا صالحًا وأهله، ومعنى البيات: إنزال العقوبة بهم ليلًا. فهنا حلفوا -والعياذ بالله- هذا الحلف الفاجر على أن يبيّتوا صالحًا وأهله؛ ولهذا قال: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل ٤٩]، اللام في قوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ واقعة في جواب القسم، والنون للتوكيد، فهم أكدوا هذا الفعل باليمين واللام والنون. يقول المؤلف: (بالنون والتاء وضم التاء الثانية)، كذا عندكم؟ بالنون (...) ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾، وبالتاء الثانية إذا جعلناها بالتاء لزم ضم التاء الثانية ﴿لَتُبَيِّتُنَّهُ﴾ ، وأما ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ فإنها تبقى مفتوحة. ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: من آمن به؛ أي: نقتلهم ليلًا، هذا تفسير البيات، والمراد بالأهل: أتباعه، كما قال المؤلف، ولكن قد ينازع في هذا، ويقال: إن المراد به أهله الخاصون؛ يعني: أهل بيته؛ لأنهم هم الذين يسكنون في الغالب معه في البيت، فإن الغالب أن الإنسان في الليل لا يكون معه في بيته إلا أهله الخاصون به. ثم بعد ذلك أن يبيّته، ﴿لَنَقُولَنَّ﴾ (بالنون والتاء وضم اللام الثانية)، ضم اللام الثانية متى؟ إذا صارت (...) ﴿لَتَقُولُنَّ﴾ ، أما بالنون فهي بفتح اللام ﴿لَنَقُولَنَّ﴾؛ يعني: ثم بعد أن نبيّته ونقتله إذا قام وليه للأخذ بثأره نقول له. (﴿لِوَلِيِّهِ﴾ أي: ولي دمه) ومن ولي الدم؟ ولي الدم عندنا في الخلافة الإسلامية هم الورثة بفرضٍ أو تعصيب، وقول البعض: بل العصبة هم أولياء الدم؛ لأنهم الذين يؤدون العقل عنه، وأما ذوي الفرض فليس من أولياء الدم، والصواب: العموم؛ أن أولياء الدم هم الورثة بفرضٍ أو تعصيب، حتى الزوجة والأم هن من أوليائه. (﴿مَا شَهِدْنَا﴾ حضرنا، ﴿مُهْلَكَ أَهْلِهِ﴾ بضم الميم وفتحها) ﴿مُهْلَكَ﴾ و﴿مَهْلَكَ﴾ ، ولم يتعرض المؤلف للقراءة الثالثة وهي: ﴿مَهْلِكَ﴾، فالقراءات فيها ثلاث: فتح الميم وكسر اللام، فتح الميم واللام ﴿مَهْلَكَ﴾ ، ضم الميم وفتح اللام، وهاتان الأخيرتان هما اللتان ذكرهما المؤلف: ﴿مُهْلَكَ أَهْلِهِ﴾ ، ﴿مَهْلَكَ أَهْلِهِ﴾ يقول: (أي: إهلاكهم أو هلاكهم) على القراءتين. ﴿مُهْلَكَ﴾ أي: إهلاك؛ لأن ﴿مُهْلَكَ﴾ من (أَهْلَكَ) الرباعي، و﴿مَهْلَكَ﴾ من (هَلَكَ) الثلاثي؛ فلذلك نقول: إذا كان الفعل ثلاثيًّا فإن المصدر الميمي منه على وزن (مَفْعَل)؛ (هَلَكَ مَهْلَك)، (قَامَ مَقَام). وإذا كان رباعيًّا فإن المصدر الميمي منه على وزن اسم المفعول، فتقول: (مُهْلَك) من (أَهْلَك)، وتقول: (مُقَام) من (أَقَام). قام فينا مقام فلان، مثل ما قال أبو حيان في ابن تيمية: قَامَ ابْنُ تَيْمِيَّةٍ فِي نَصْرِ شِِرْعَتِنَا ∗∗∗ مَقَــامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إِذْ عَصَــتْمُضَـــرُ قام مَقَام، لكن عندما تقول: أقام في هذا المكان مُقام فلان، بضم الميم، ما تقول: مَقام، مفهوم؟ وهذه قاعدة معروفة في النحو: أنه المصدر الميمي إذا كان من رباعي فهو على وزن اسم المفعول، وإذا كان من ثلاثي فهو على وزن (مَفْعَل) أو (مَفْعِل) مثل ﴿مَهْلِكَ﴾. ﴿مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ (فلا ندري من قتلهم)، وهذا الإنكار صحيح ولَّا كذب؟ * طلبة: كذب. * الشيخ: ما داموا هم الذين قتلوه، فقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ هذا كذب، لكن فيه تورية؛ لأنهم يقولون: ما شهدنا بل فعلنا، والشاهد لم يفعل؛ ولهذا قالوا: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾. وجملة ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ هل هي من جملة قولهم الذين يدافعون به عن أنفسهم أو هو تقرير لقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ يعني: وأنهم لم يقولوه للدفاع عن أنفسهم؟ يحتمل الأمرين. ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ هل ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ من جملة ما يقولونه للولي؛ ليؤكدوا النفي؟ ما شهدنا وإننا لم نكذب عليكم، إننا لصادقون أنا ما شهدنا، هذا وجه. أو أن المعنى: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ واطمئنوا أيها الإخوة، فإننا -يقول بعضهم لبعض- فإننا لصادقون بأننا لم نشهد؟ يحتمل هذا وهذا، إنما المفسّرون ذكروا احتمالين: أحدهما: أن يقولوه في جملة دفاعهم عن أنفسهم لولي صالح، وعلى هذا فتكون الجملة ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ تقريرًا لقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ (...)، ﴿مَا شَهِدْنَا﴾، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فلم نخبركم بالكذب. أو أن المعنى: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ ونحن إذا قلنا هذا فإننا صادقون؛ لأننا ما شهدنا مهلك، ولكننا أهلكنا بأنفسنا، لسنا شهودًا بل فاعلون. * طالب: (...)؟ * الشيخ: بلى، لكن الحقيقة أن الفاعل غير الشاهد، وأنه (...) تورية (...) مثلًا، تورية ولَّا معلوم أن من فعل فقد شهد، بل أبلغ. * طالب: ومن قتل النبي فالذين آمنوا (...) يكفي عليهم أنهم (...) لما هو أعظم؟ * الشيخ: لا، هم يهونون أمرهم بعضهم على بعض حتى لا يكون في أنفسهم شيء، ولّا هو معلوم أن الذي يقتل يشهد، لكن لتهوين الأمر على بعضهم يوطّن بعضهم بعضًا. والحاصل: أن هؤلاء -العياذ بالله- أرادوا هذا الفعل المنكر، وهو مكر؛ لأنه إتيان لصالح وأهله من حيث لا يشعرون، فإن الليل موضع السكون والهدوء، فإذا أحد اعتدى على أحد صار ذلك غدرًا ومكرًا. ولهذا حتى في حرب الكفار اختلف العلماء: هل يجوز تبييت الكفار أو لا يجوز؟ فمن العلماء من منع التبييت قال: ما يمكن أن يقتل الكفار وهم غارون نائمون، ومنهم من أجاز ذلك، والمسألة تحتاج إلى تحرير بحث في هذا الشيء. والحاصل أنا نقول: إن هذا من الغدر والمكر؛ أن يأتي هؤلاء إلى صالحٍ وأهله في الليل فيبيتوهم؛ ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ [النمل ٥٠] ومكروا في ذلك مكرًا، ﴿مَكْرًا﴾ منكّر، وأحيانًا يكون من فائدة التنكير: التعظيم؛ أي: مكروا مكرًا عظيمًا. والمكر فسّره بعضهم بأنه التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالخصم، فيحصل بأسباب خفية إلى الإيقاع بخصمه؛ لأن الأسباب الظاهرة ما تسمى مكرًا، وإنما هي أسباب خفية. قال الله عز وجل في مقابلة ذلك: ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ أي: أعظم من مكرهم، مكرًا أعظم من مكرهم. قال المؤلف: (أي: جازيناهم بتعجيل عقوبتهم) ففسّر المكر بالمجازاة، والصحيح: أن المكر أشد من المجازاة؛ لأنها مجازاة من حيث مأمن المجازي، لكن أراد المؤلف -رحمه الله- أن يدفع بذلك صفة المكر عن الله سبحانه وتعالى ففسّره بالمجازاة. والصواب عند أهل السنة والجماعة: أن المكر لا يجوز أن يحرّف إلى معنى المجازاة مطلقًا، وأنه لا يمتنع وصف الله تبارك وتعالى به في محله، فالمكر في محله يعتبر مدحًا ولَّا لا؟ يعتبر مدحًا، وفي غير محله يعتبر ذمًا، فالمكر بهؤلاء الماكرين مدح، يعتبر مدحًا عظيمًا. ولهذا الصحيح في هذه المسألة الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن الله تعالى يوصف بالمكر لا على الإطلاق، فلا يقال: إن الله ماكر؛ لأنه على الإطلاق يتضمن صفة الذم، وإنما يقال: ماكرٌ بمن يمكر به أو بمن يستحق المكر، وحينئذٍ يكون صفة مدح. والصفات تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: صفاتٌ حسنى بكل حال، فهذه ثابتةٌ لله على وجه الإطلاق، كالسمع، والبصر، والعلم، والحياة، والقدرة، وما أشبه ذلك. والثاني: صفات نقصٍ على كل حال أو صفات سوءٍ على كل حال، فهذه يُنزّه الله عنها على كل حال، مثل: الظلم، واللغوب، والجهل، والعمى، والموت، والمرض، والجوع، والعطش، وما أشبه ذلك، هذه ينزّه الله عنها على كل حال، والولادة، والوزير، والشريك، وما إلى ذلك، هذه ينزّه الله عنها في كل حال. والثالث: صفاتٌ ذات وجهين؛ تكون مدحًا في حال، وتكون ذمًا في حال، فهذه لا يوصف الله بها بإطلاق، ولا تنفى عنه على الإطلاق، مثل: المكر، والخداع، والاستهزاء، والسخرية، وأمثالها، هذه لا يوصف الله بها على كل حال، ولا تنفى عنه في كل حال، بل يوصف بها حيث تكون كمالًا، وتنفى عنه حيث تكون نقصًا. قال الله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة ٧٩]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ﴾ [البقرة ١٥]، وقال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال ٣٠]. ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني: هم لا يشعرون بعاقبة مكرهم، وهل يتم لهم ما أرادوا أم لا؟ ولا يشعرون كيف يمكر الله بهم، فهم لا يشعرون لا بهذا ولا بهذا لا بنتيجة مكرهم ولا بمكر الله بهم؛ لأنهم -والعياذ بالله- متمادون في الضلالة، والغالب أن الذي يتمادى في الضلالة يعمى ولا يبصر ويسمى ضلالة؛ فلهذا قال: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، والجملة في قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أيش محلها من الإعراب؟ * طالب: حال. * الشيخ: حال منين؟ * الطالب: من الواو. * الشيخ: من الواو في (مكروا)، أو من الضمير المحذوف في قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ يعني: بهم وهم لا يشعرون؟ * الطالب: (...) تدل على مكر مضاد (...) الخفي في الليل؟ * الشيخ: لا، هو بالأسباب الخفية، وقد يشعر به. قال: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ ﴿فَانْظُرْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ أولًا، أو لمن يصح خطابه؛ يعني: فانظر أيها المخاطب، أو فانظر يا محمد، وهو رأس هذه الأمة وقائدها وإمامها، فيكون خطابه خطابًا للأمة أيضًا. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ (كيف) هذه اسم استفهام معلِّقةٌ لـ﴿انْظُرْ﴾ عن العمل؛ ولهذا نقول: إن محلها النصب خبر (كان) مقدمًا، وجملة (كان) واسمها وخبرها في محل نصبٍ مفعول لـ﴿انْظُرْ﴾. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ العاقبة: ما يعقب الشيء؛ يعني: انظر ماذا يعقب مكرهم من الأمر. ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ أهلكناهم، عندكم بفتح الهمزة ولَّا بالكسر؟ فيها قراءتان: بفتح الهمزة: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾، وكسرها: ﴿إنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ . أما كسرها فهي كقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [القمر ٣٠، ٣١]، فعلى قراءة الكسر تكون مستأنفة لبيان هذه العاقبة، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾. فأما الذهن الآن يتشوف إلى هذه العاقبة، وجيء بالجملة الاستئنافية بيانًا لها: إنا دمرناهم وقومهم أجمعين. أما على قراءة الفتح فهي بيان للعاقبة؛ بدلٌ منه، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ أننا ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾ يعني: هي أو أنها على خبر مبتدأ محذوف التقدير: هي ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾ يقول المؤلف: (أهلكناهم) من التدمير وهو أبلغ من الإهلاك؛ لأن التدمير يوحي بغلظ هذا الإهلاك وعظمته، وهو كذلك؛ فإن قوم صالح أخذوا -والعياذ بالله- بأمرين: بصيحة، ورجفة، صيح بهم وارتجفت بهم الأرض حتى انهدم عليهم بناؤهم، وتقطعت قلوبهم في أجوافهم -نسأل الله العافية- قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر ٣١] مثل الهشيم (...)، والعياذ بالله. فهذه (...) العظيم نتيجة لهذا العصيان والتمرد والمكر الذي أرادوه بالنبي ﷺ. وقوله: ﴿دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ﴾ مع أن القوم لم يشاركوا في هذه الجريمة، ولكن هذا شؤم المعاصي: أن الله سبحانه وتعالى إذا عاقب بها أحدًا شمل الجميع، مع أن قومهم مستحقون للعقوبة؛ لأنهم كانوا كفارًا مكذّبين، لكن تعجيل العقوبة مقرونًا بهذا السبب، وهو مكر هؤلاء بصالح، هذا قد لا يكون قومهم مستحقين له، ولكنهم شملهم -والعياذ بالله- عقوبة هؤلاء، وقد ذكر الله تبارك وتعالى في آيات أخرى مفصّلة أن نبيهم صالحًا قال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود ٦٥]، فتمتعوا وبقوا ثلاثة أيام، ثم بعد ذلك أخذهم الله تعالى بهذه الصيحة والرجفة. وقوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ أيش محله من الإعراب؟ * طالب: توكيد. * الشيخ: توكيد للضمير لقوله: ﴿وَقَوْمَهُمْ﴾، لا، ما هو للضمير، لقوله: ﴿وَقَوْمَهُمْ﴾ للقوم؛ يعني: ما بقي منهم أحد إلا من كان مؤمنًا بصالحٍ عليه الصلاة والسلام. وقول المؤلف: (بصيحة جبريل أو برمي الملائكة بحجارة يرونها ولا يرونهم) أما قوله: (بصيحة جبريل) فهذا قد يكون مقبولًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [القمر ٣١]، وهذه الصيحة؛ إما من الله، أو من جبريل، أو من غيره من الملائكة، المهم أنهم أهلكوا بصيحة. وأما قوله: (أو برمي الملائكة بحجارة) فهذا لا أعلم له وجهًا، ولكنه قيل: إنهم لما جاؤوا إلى صالح أمر الله تعالى الملائكة أن تحرسه، فلما جاؤوا فإذا الملائكة تحرسه، فجعلت الملائكة ترميهم بالحجارة، وهذا لا أصل له، إذا لم يكن هذا عن معصوم فإنه غير مقبول، وهو أيضًا غير لائق أن تكون الملائكة يرمون بالحجارة كأنهم من البشر. ولكنا نقول: الذي دمّر الله به هؤلاء وقومهم هو الصيحة والرجفة، كما جاء ذلك في القرآن، ولا نتعدى القرآن في هذا الأمر؛ لأن الله تعالى يقول في سورة إبراهيم: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، فما دام هذه الأمور من معلومات الله سبحانه وتعالى فإننا لا نتجاوز ما قال الله فيها إلا ما ورد عن النبي ﷺ بسند مقبول. * طالب: وصلوا إلى بيته؟ * الشيخ: على رأي المؤلف وصلوا إلى بيته. * الطالب: فانطبق عليهم الغار. * الشيخ: ذكر بعض العلماء: أنهم لما خرجوا أصيبوا بمطر، وأنهم قالوا: لنلجئ إلى غار عن هذا المطر، فلما لجؤوا إليه انطبق عليهم هذا الغار وهلكوا، وأما قومهم جعلوا يطلبونهم ويدورون عليهم فلم يجدوهم، ثم رجعوا إلى بيوتهم، فخرج عليهم صالح فقال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود ٦٥]، وقالوا: إن هذا هو الذي (...)؛ لأن هؤلاء القوم دخلوا إلى الغار يريدون الأمن، ولكن كان في هذا الغار حتفهم. وهذه القصة أيضًا على هذا الوجه ما رأيتها ثابتة بسند عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا الأولى أن يقال: إن الله تعالى مكر بهم فدمّرهم وقومهم، وليس من المهم أن نعرف كيف دُمّروا، المهم أن نعرف أنهم دُمِّروا عن آخرهم بسبب ما أرادوه بالنبي ﷺ وبسبب كفرهم. * طالب: أظن هذا معناه أنهم ما تواعدوا قوم صالح: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ (...) مثلًا بيوتهم والعذاب (...)؟ * الشيخ: ما يلزم؛ لأن الله ما ذكر أنه سبحانه وتعالى دمّرهم في تلك الليلة. * الطالب: (...). * الشيخ: أن يحال بينهم وبين هذا، ثم أنهم هم قُذف في قلوبهم الرعب، هذا أيضًا ما ندري، أو أنهم جاؤوا فلم يتوصلوا إلى بيته؛ لأنه مغلق محكم، المهم هذه (...)، ما حصل أنهم نفذوا ما أرادوا، ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال الله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل ٥٢] أي: خالية، ونصبه على الحال، والعامل فيها معنى الإشارة. ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ﴾ المشار إليه معلوم ولّا لا؟ معلوم محدود؛ لأن بيوت ثمود موجودة الآن مشاهدة، لكنها كما قال الله تعالى: ﴿خَاوِيَةً﴾ بمعنى: أنها خالية، على رأي المؤلف، وقيل: خاوية متهدمة، كما قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة ٢٥٩] أي: متهدمة. وهذا المعنى أبلغ؛ لأن تفسير الخاوي بالمتهدم الذي ليس بقائم أولى وأشد، وأما البيوت قد تخلو مع العمار، ولكن إذا خويت بمعنى دمرت وانهدمت فهي خالية، فإذن يلزم من دمارها خلوها، ولا يلزم من خلوها دمارها، والواقع أنها دمرت؛ لأن هذه الرجفة العظيمة لا بد أن تدمرها. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي، لكن ما بقيت على صفتها بالأول، بل هي مدمرة. ثم إن المؤلف قال: نصبه على الحال نصب الخاوية على الحال، منين؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، حال من البيوت؛ بيوتهم حال كونها خاوية، لكن أين العامل في الحال؛ لأن العامل لا بد أن يكون إما فعلًا أو اسمًا بمعنى الفعل؟ قال المؤلف: (العامل فيها معنى الإشارة)؛ لأن (تلك) بمعنى أشير، فاسم الإشارة متضمنٌ لحرف معنوي وفعل؛ أي: أشير إلى بيوتهم خاويةً. قال: (﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ بظلمهم) الباء للسببية، و(ما) مصدرية، والمؤلف رحمه الله حوّل الفعل إلى مصدر، إشارة إلى أن (ما) مصدرية؛ أي: تحوّل ما بعدها إلى مصدر، أي: بسبب ظلمهم لا أننا ظالمون لهم، بل هم الذين ظلموا أنفسهم. ثم فسّر المؤلف هذا الظلم بالكفر فقال: (أي كفرهم)؛ لأن كل كفرٍ ظلم، وليس كل ظلمٍ كفرًا؛ ولهذا قال العلماء: إننا نحمد الله سبحانه وتعالى أن قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] ولم يقل: والظالمون هم الكافرون، لو قال: والظالمون هم الكافرون كان كل ظالمٍ فهو كافر، ولكن قال: الكافرون هم الظالمون؛ فإن كل كافر فهو ظالم، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]. وتفسير المؤلف الظلم هنا بالكفر هل عليه دليل ولَّا لا؟ نعم، عليه دليل؛ لأن فعلهم وتكذيبهم لرسولهم كفرٌ، فهنا تفسير الظلم بما هو أخص له دليل. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل ٥٢] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المشار إليه كل القصة على الصحيح، وليس المشار إليه مجردٌ للذات، بل إنه كل القصة. (﴿لَآيَةً﴾ لعبرة، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ قدرتنا فيتعظون). ﴿يَعْلَمُونَ﴾ تخصيص هذا بالقدرة غير مسلَّم؛ إذ المراد ما هو أعم من علم قدرة الله سبحانه وتعالى، بل يعلمون قدرة الله وحكمته، وما جرى للأمم كل هذا داخل؛ لأنه لا يدري بماذا يعتبر؟ لكن الذي يدري هو الذي يعتبر. وفي هذا من الحث على معرفة أخبار الأمم والعلم بها ما هو ظاهر؛ لأن بها يتعظ المرء. وكذلك أيضًا الأخبار الواقعة في زمن الإنسان ينبغي أن يتخذ من حوادثها عظة وعبرة، وسيأتي إن شاء الله ذكر ما في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ من الفوائد. * طالب: قال: (...) المراد بقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (...) يعلمون وجوه دلالة الدلائل؟ * الشيخ: ما فيها فائدة، لكن قد يحصل هذا، لكن ما هو محصور (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا؛ لأن يعلمون الدلائل (...)، على كل حال هذا من جملة العلم. (﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بصالح وهم أربعة آلاف، ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ الشرك). ﴿أَنْجَيْنَا﴾ أي: عصمنا، الإنجاء بمعنى العصمة، أنجيناهم من أين؟ من هذا التدمير الذي ذكر الله والعقوبة، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قول المؤلف: (بصالح) فيه نظر، الصواب: آمنوا بالله؛ لأجل أن يشمل صالحًا ومن معه، كما قال الله تعالى في سورة هود: ﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ [هود ٦٦]، فالصواب: أن الإيمان بالله، بل نقول: إن صالحًا عليه الصلاة والسلام يجب عليه أن يؤمن بنفسه أنه رسول؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يؤمن ويشهد لنفسه بالرسالة يقول في صلاته: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٠٢)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]] وهو يعني نفسه، وأحيانًا إذا وقع الأمر على وفق ما قال يقول: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ»[[أخرجه البخاري (٢٤٨٤) من حديث سلمة بن الأكوع.]]. فالمهم أن الرسول نفسه ملزمٌ بأن يشهد لنفسه بالرسالة بأنه رسول الله، يؤمن بما أوحي إليه، وكذلك غيره من باب أولى. وقول المؤلف: (إنهم أربعة آلاف)، لكن أين الديوان الذي حصرهم؟ لا دليل عليه، والغالب أن المؤمنين أقل من ذلك في هذا، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، إِذْ رُفِعَ لَهُ سَوَادٌ فَظَنَّ أَنَّهَا أُمَّتَهُ، فَقَالُوا: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس.]]، المهم أن تقديرهم بأربعة آلاف، أو بأربعين نفرًا، أو بأربعة ملايين، أو بأقل وأكثر، هذا يحتاج إلى دليل. وهو أيضًا من فضول العلم الذي لا ينبغي للإنسان يُتعب نفسه في ذلك؛ لأنه ما فيه فائدة، اللي فيه فائدة لا بد أن يقصّه الله علينا. ونظير هذا البحث مثلًا: كلب أصحاب الكهف أيش لونه؟ وأيش اسمه؟ وأيش كبره؟ ما فيه فوائد، الغار اللي هم فيه أين هو؟ وفي أي مكان؟ كل هذه مسائل جانبية. كذلك أيضًا ما يقع في الحديث في السنة: قال رجل للنبي ﷺ، تجد بعض الشرّاح -يعنى عناية كاملة-: من الذي قال هذا؟ هذا في الحقيقة ما له داعٍ، وإن كنا قد نستفيد أنه إذا كانت صفة منقبة؛ أن يكون في ذلك منقبة لهذا الرجل إذا عُرفت، لكن هل هذا ملزومٌ للحكم أو للدلالة؟ لا، ولكنه من فضول العلم. هذه أيضًا مثله: كم الذين مع صالح؟ أربعة آلاف أو أربعة ملايين، ما يهم، المهم أن كل من اتصف بالإيمان فإن الله تعالى أنجاهم من هذا العذاب العام. ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يقول المؤلف: (يتقون الشرك)، ولو أنه قال: يتقون المعاصي أو يتقون الله بس لكان هذا أولى؛ لأن الإيمان والتقوى بمعنى الإيمان والعمل الصالح؛ لأن العمل الصالح عند الإطلاق من التقوى، بخلاف ما إذا قُرنت التقوى البر وما أشبه ذلك، فتكون التقوى للمعاصي، والبر للطاعات. ثم قال الله تعالى: ﴿وَلُوطًا﴾ قال المؤلف: (منصوب باذكر مقدرًا قبله) يعني: واذكر يا محمد لوطًا. وإنما ذُكر بعد صالح -وهو دائمًا يُذكر بعد صالح- لأنه؛ أي: مدائن صالح وقرى قوم لوط ليس بعيدًا بعضها من بعض، وليست مجهولة للناس في عهد النبي ﷺ. ثم قال: (﴿وَلُوطًا﴾ منصوب بـ(اذكر) مقدرًا قبله، ويبدل منه ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ). إذا أعربنا ﴿إِذْ قَالَ﴾ بدلًا من (لوط)، صار كأن التقدير: واذكر إذا قال لوط لقومه. (﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: اللواط) الهمزة هنا لاستفهام أيش؟ * طالب: الاستعلام. * الشيخ: الاستعلام ولَّا لا؟ لأنه يعلم، لكن التوبيخ والإنكار، وإن كنت أزيد على ذلك: التعجب أو التعجيب؛ يعني: كيف أنكم تأتون الفاحشة؟! فهي للتوبيخ والإنكار والتعجب. وقوله: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ (أل) لاستغراق الجنس من حيث المعنى لا من حيث الأفراد، لكن المعنى: أن هذه أعظم فاحشة من نوعها هي هذه، وهي أعظم من الزنا؛ لأن الله قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢] فاحشة من الفواحش، وهنا قال: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾. وهي أيضًا أعظم من نكاح ذوات المحارم؛ لأن الله قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء ٢٢]، ونساء ذوات المحارم أعظم من الزنا؛ لأن الله وصفهم بثلاثة أوصاف: فاحشة، ومقت، سوء السبيل، والزنا وصفه بوصفين: فاحشة، وسوء السبيل؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء ٣٢]؛ ولهذا الصحيح: أن من زنى بمحارمه يُقتل وإن لم يكن مختارًا؛ لأن هذه أعظم -والعياذ بالله- من الزنا. كذلك أيضًا اللواط، الصحيح: أن فاعله يُقتل ما دام بالغًا عاقلًا وإن لم يكن محصنًا. (﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: اللواط، ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أي: يبصر بعضكم بعضًا انهماكًا في المعصية)، والعياذ بالله. يعني: أخبث من الحمير يرى بعضهم بعضًا يفعل واحد في الثاني؛ ولهذا قال: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت ٢٩] إذا اجتمعوا -والعياذ بالله- صار يركب بعضهم بعضًا كالحمير، نسأل الله السلامة. * طالب: (...) عراة؟ * الشيخ: لكنهم يفعلونه؟ * الطالب: يفعلون هذا (...) في بريطانيا (...). * الشيخ: سفاهة. * الطالب: وهو قانون. * الشيخ: وهو قانون. قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ إذن من البصر والإبصار بالعين، وقيل: من الإبصار بالقلب؛ يعني: وأنتم تبصرون خبثها وتعقلونه، وكل إنسان له فطرة سليمة يكره هذا الصنف؛ لأنه كيف يركب مثله نفس هذا المركوب؟ (...). ثم إن المكان هذا أيضًا ليس محلًّا لهذه الشهوة؛ لأنه مكانٌ متلوث بالأنجاس وليس محلَ اللهوِ، فهو خبيث بالفطرة وفي الحسِّ أيضًا. ولكنا نقول: لو أننا فسّرنا الإبصار هنا بالإبصار الحسي بالعين والإبصار المعنوي بالقلب لكان ذلك جائزًا. في الحقيقة أن بشاعة هذا الشيء في القلب أمر معلوم بالفطرة، وكونهم يفعلونه وهم يشاهد بعضهم بعضًا هذا أشد وأعظم. (﴿أَئِنَّكُمْ﴾ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين) فالقراءة أيضًا تكون أربعة. ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾ هذا تفسير لقوله: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾. وهنا لاحظ أن الاستفهام هنا للتقرير، لكنه أُكّدت الجملة التي قرئت بالاستفهام أكدت بشنو؟ بـ(إن) واللام؛ ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ﴾، وهذا كقول إخوة يوسف ليوسف: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يوسف ٩٠] أي: أتقرر أنك يوسف وتؤكد ذلك؟ فقال: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾، وفي جوابه لهم إهانة لهم؛ لأنهم هم طلبوا منه أن يؤكد لهم أنه يوسف ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾، ما قال: إني لأنا يوسف، قال: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾، فحذف التأكيدات استهانة بهم. فالحاصل أقول -المرة الثانية-: إن الاستفهام إذا تلاه التأكيد لا يسقطه عن معنى الاستفهام، بل كأن المستفهم يطلب من المستفهم منه تأكيد الجملة؛ ولهذا قال لهم -لكن في هذه المسألة الاستفهام للتقرير، نقرر مع التأكيد-: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [النمل ٥٥] ﴿شَهْوَةً﴾ يحتمل أن تكون مصدرًا في موضع الحال، ويحتمل أن تكون مفعولًا لأجله؛ أي: لأجل الشهوة. وعلى كل حال ففيها إنكار من جهة أنهم يأتون الرجال شهوة وليسوا أهلًا لها، ومن جهة أخرى أنهم يدعون؛ ولهذا قال: ﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ وهن محل الشهوة، فيكونون قد أساؤوا فيما فعلوا وفيما تركوا؛ ولهذا قال لهم في آية أخرى: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٦]، وهذا أبلغ، يعني: لو أن المسألة ضيقة ما بقي إلا هذا الطريق. لكان أفضل، لكن هنا طرق محلَّلة مباحة موافقة للفطرة تدَعونها وتذهبون إلى هذا؛ كالذي يدع المذكاة ويأكل الميتة، وكالذي يدع البيع الصحيح ويذهب إلى الربا، ويقول: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [الربا ٢٧٥]، فالحاصل أن (...) تزداد قبحًا إذا كان لها بدائل من الحسنات، إذا كان لها بدائل من الحسنات ازدادت قبحًا، ولهذا قال لهم: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾، لو أنه اقتصر على هذا ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل ٥٥] حصل التوبيخ واللوم. ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ [النمل ٤٧] الفوائد؟ * طالب: آخر ما أخذنا إي نعم ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ آخر ما قلنا: إثبات الحكمة والعلة (...). * الشيخ: كذا؟ ذكرنا هذا؟ ذكرنا أن الاستعجال بالسيئة يكون بطلبها أو بالأفعال التي تسببها، ذكرنا هذه؟ * طالب : بداية الشرح اللي عندنا ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل ٤٧]. * يؤخذ من هذه الآية: بيان مسلك المكذبين للرسل أنهم يسلكون مسالك التشبيه والتمويه؛ لقولهم حين أصيبوا بالجدب والقحط: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾، مع أن هذا الأمر من الله سبحانه وتعالى وليس بأسباب النبي، وهكذا أهل الباطل يشبهون ويلبسون على الناس بمثل هذه الأمور. * وفي هذا دليل على أن المصائب التي تصيب الإنسان إنما هي من الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ولا ينافي هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى ٣٠]، ولا قوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم ٤١]؛ لأن نسبة هذه الأمور إلى الله نسبة خلقٍ وإيجاد، ونسبتها إلى المخلوق نسبة تسبب، فهي تضاف إلى الناس إضافة الشيء إلى سببه، وتضاف إلى الله سبحانه وتعالى إضافة المخلوق إلى خالقه. وعلى هذا يزول إشكال كثير من الآيات التي ظاهرها التعارض في هذا الباب. * وفي هذا دليل على أنه من الحكمة أن يُرد الباطل بالحق بدون سكوت؛ لقوله في جوابهم: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أنه لا يُسكت على الباطل بل يُرد عليه ويفضح، هذه الفائدة. * وفيها الفائدة الرابعة: أنه ينبغي أن يكون الرد من جنس الإيراد، فهنا تطيروا بصالح ومن معه، فبيّن أن طيرتهم وشؤمهم بسبب أعمالهم، لكنه قال: ﴿طَائِرُكُمْ﴾ يعني اللفظ مثل اللفظ، فينبغي أن يكون الجواب مثل الإيراد، ويتحرى المجيب حتى اللفظ. * خامسًا: أنه ينبغي لمن رد على غيره أو أبطل قوله أن يأتي بأمرٍ لا جدال فيه؛ لأن هذا صالحًا عليه الصلاة والسلام لو قال: هذا الجدب ليس مني وأنا ما أتيت بسببه وما أشبه ذلك، لكان هذا فيه مجال للأخذ والرد، ولكن ينبغي أن يختار المجيب الجواب الذي لا كلام بعده. نظير هذا محاجة إبراهيم للذي حاجّه في الله: ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨] ما قال: لا، أنت ما أنت تحيي وتميت، ولكنك تقتل من لا يستحق القتل، وترفع القتل عمن استحقه، وهذا ليس بإحياءٍ ولا إماتة، مع أن هذا هو الحقيقة، لكن هذا يكون فيه جدل، إنما أتى بأمرٍ لا جدال فيه ولا يمكنه أن يجادل، ولهذا بُهت الذي كفر. وهكذا ينبغي للإنسان في محاجة من حاجّه أن يختار الأجوبة اللي ما تؤدي إلى النزاع والجدال؛ لأنه إذا أدّت إلى النزاع والجدال فقد يتغلب الباطل على الحق؛ بسبب طول الجدال واللف والدوران، لكن يؤتى بشيءٍ لا جدال فيه، وهذه من آداب المناظرة حتى عند الذين يتكلمون بهذه الأمور يرون أن من آداب المناظرة الأخذ بما لا يمكن الجدل فيه. * الفائدة السادسة: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ دليل على أن الله تعالى قد يحدث من الأمور ما يكون سببًا لافتتان بعض الناس. أو لا؟ لما جاء صالح وجاء الجدب في الحقيقة أنه فتنة لبعض الناس؛ إذ يقول بعض الناس مثلًا: إن هذا من أسباب هذه الرسالة، فيكون سببًا للفتنة لولا عصمة الله تبارك وتعالى، وهذا دائمًا يكون في أفعال الله تعالى القدرية والشرعية. في الشرعية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة ٩٤] حرّم الله الصيد على المحرمين، فبعث الله على الصحابة رضي الله عنهم صيدًا تناله أيديهم ورماحهم، يمسكه بيده ما بتعب، وإلا برمحه ما يحتاج ولو إلى قوس. ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ فخافوه بالغيب، وافتتن الله تعالى قوم موسى بالحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعًا مع تحريم الصيد عليهم، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، ولكنهم لم يشكروا وخادعوا فتحيلوا، وصاروا يضعون الشباك للحيتان في يوم الجمعة، فتأتي الحيتان فتقع فيه يوم السبت، فإذا كان يوم الأحد جاءوا وأخذوه، قالوا: إحنا ما صدنا يوم السبت، فقلبهم الله تعالى قردة: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥]. فالحاصل أقول: إن الله تعالى قد يفتن الإنسان بالفتن الشرعية والقدرية؛ لأجل أن يعلم من يخافه بالغيب، ومن يصبر ومن لا يصبر. أحيانًا أيضًا يبتلى المرء بالمصائب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج ١١] ومن الناس من يعبد الله تعالى على أساس، ما هو على حرف، إن أصابه خيرٌ اطمأن به وشكر عليه، وإن أصابته فتنة صبر حتى يجتازها، واضح؟ ويدل عليه هنا قوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾. * طالب: هناك يا شيخ (...) قسيمة الآيات التي (...) لأن الأنبياء يؤتون آيات تدل على (...) ، فإذا جاءت هذه الفتن من القحط أو (...) تكون قسيمًا لها؟ * الشيخ: لا، ما تكون مضادة لها، هذه فتنة؛ لأنه هو عليه الصلاة والسلام بيّن أن السبب منهم الرسالة، وهو ما جاء بها لتشهد على رسالتهم، أصيبوا بها لأنهم كذّبوا، مثلما أصيبت قريش بدعاء النبي ﷺ عليهم (...) وما قال: آيتي أن الله يبتليكم بالقحط، وحتى لو قال: إن آيتي أن يبتليكم الله بالقحط وحصل صارت آية. * وفيها أيضًا قوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل ٤٨] فيه مبدأ العصابات، ولا يزال موجودًا إلى الآن، فإن هؤلاء التسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وما زال الأمر إلى يومنا هذا وإلى ما بعد، والله أعلم أنه سيبقى؛ لأن أهل الشر لهم طرق يتفننون بها في فرض شرهم على غيرهم. * وفيه أيضًا دليل على أنه يمكن أن يجتمع الفساد والصلاح؛ لقوله: ﴿يُفْسِدُونَ﴾ ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾، ولولا أنه يمكن اجتماعهما لم يكن لقوله: ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾ فائدة؛ لأنه يكون عدم الصلاح مفهومًا من إثبات الفساد لو لم يمكن اجتماعهما، هذه فائدتين. * ففيها: إثبات أن الفساد والصلاح قد يجتمعان في شخص. * ومنه نأخذ أيضًا: أن الكفر والإيمان قد يجتمع في شخص؛ لأن الإيمان صلاح والكفر فساد، وكذلك أيضًا الفسوق والطاعة ممكن تجتمع، وخالف في ذلك طائفتان من الناس: * طالب: (...). * الشيخ: والمرجئة. المرجئة قالوا: ما يمكن، الإنسان إذا كان مؤمنًا كل أحواله صالحة، ولا يعذّب بذنب ولا يلام عليه. والخوارج والمعتزلة بالعكس، قالوا: ما يمكن يجتمع كفر وإيمان، وفسوق وطاعة، بل من أتى ما يوجب الفسق صار كافرًا، ومن أتى ما يوجب الكفر صار كافرًا، على رأي الخوارج، أو خارجًا من الإيمان بين منزلة الإيمان والكفر على رأي المعتزلة. ولا شك أن النفوس والواقع والعقل يدل على خلاف ما قالوا؛ لأن اجتماع هذا وهذا أمرٌ موجود معلوم. * طالب: يعني (...) الرجل بالأغلبية، يعني: يجتمع (...) في قلب رجل، ويكون الرجل بالأغلبية، أن يكون مؤمن (...) الإيمان. * الشيخ: لا، نقول: مؤمن ناقص الإيمان، ما نطلق عليه الإيمان المطلق، حتى لو كان فيه مثلًا عشرة في المائة، لا بد أن يكون ناقص الإيمان، من لم يؤمن بإيمانه فاسقٌ بكبيرته، مثلًا: لو اغتاب الإنسان رجلًا من الناس هذه كبيرة من الكبائر تنقص الإيمان، وهو يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويتطوع بسائر التطوعات، ما نعطي هذا وصف الإيمان المطلق، بل نقول: مؤمن بإيمانه فاسقٌ بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان. * طالب: شيخ، قوله: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ (...) مثل قول الصحابي فأمرنا بالسكوت (...) الكلام، بمعنى أنه يتحقق الوصف بواحد منهم والثاني .. * الشيخ: لا، وبارك الله فيك؛ لأن السكوت والكلام متناقضان، أما الصلاح والفساد فمتضادان، يمكن أن يجتمعا فيكون في الشيء مصلحة ومفسدة: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ٢١٩] أما هذا فهو السكوت ولا كلام متناقض، يعني ما يمكن يوجد أحدهما إلا بفقد الآخر. * الفائدة الثالثة: أن المعاصي من أسباب الفساد في الأرض؛ لقوله: ﴿يُفْسِدُونَ﴾، وهؤلاء الجماعة ليسوا يهدمون البيوت، ولا يغرقون الزروع، ولا يحرقون المتاجر، لكنهم يفعلون ما يكون سببًا للفساد، الفساد المعنوي: وهو فساد الأخلاق والسلوك، والفساد الحسّي؛ لأن الفساد الحسي يتبع الفساد المعنوي. ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل ٤٩]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة أولًا: أنه من الحزم -والحزم قد يكون في الخير وفي الشر- أن تتعاقد الطائفة وتتعاهد على منهاجها الذي تسير عليه؛ لئلا تتفرق وتختلف، منين تؤخذ؟ ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ ما ذهب كل واحد مذهبًا، اجتمعوا أولًا على تدبير الخطة ثم على تنفيذها. فيؤخذ منه: أن من الحزم أن تجتمع الطائفة وتتفق على عهد يربط بعضها ببعض؛ ليكون التنفيذ واحدًا. وهذا المسلك لا زال يُسلك حتى الآن، وتعرفون أن الصحيفة التي اجتمعت قريش فيها على مقاطعة بني هاشم، هل نقضت برجلٍ واحد؟ لا، بل ذهب هذا الرجل الذي أراد نقضها إلى فلان وفلان، وصار يجمّع الناس حوله حتى اجتمعوا على نقضها وغلبوا في تنفيذ فكرتهم. فالحاصل أن ها المسائل دي ينبغي للإنسان إذا أراد أن يهم بأمر ويمشي على منهاج أنه يجعل معه أقوامًا يساعدونه ويتعاقد معهم ويتعاهد، عاد إن كان في خيرًا فخير وإن كان في شر فالله يتولاهم. هنا: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ على خير ولّا على شر؟ * طلبة: على شر. * الشيخ: إي نعم، على شر من أعظم الشرور. * وفيه دليل على مبدأ الاغتيالات؛ لقوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ لأن التبييت اغتيال؛ إذ إن الاغتيال معناه هو القتل على غرّة، ولهذا كان الصحيح من أقوال أهل العلم أن الغيلة ليس فيها خيار لأولياء الدم وأنه يجب قتل المغتال بكل حال حتى لو عفوا، وهذا مذهب مالك واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، وهو فسادٌ في الأرض، ولا يعارض هذا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم ( ١٣٥٥/ ٤٤٧) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن قوله: «مَنْ قُتِلَ لَهُ» هذا من الحقوق الخاصة، وأما مسألة الاغتيال فإنها من الحقوق العامة، يجيء للإنسان في مأمن ويقتله. * طالب: (...). * الشيخ: لا، فعل القاتل أنه إذا بغى يقتل (...) لكن المهم من ذاك يمكن أن يتحرز منه، أن المقتول يمكن أن يتحرز بالفرار، أو يتحرز بالمدافعة، أو ما أشبه ذلك (...). أما يجيه وهو نائم مثلًا أو يأتيه في بيته وهو غافل، فهذا ما يمكن التحرز منه، فساد؛ لأنه لو جاه وهو يعلم به يمكنه يتحرز بالفرار، يتحرز بالمدافعة، يتحرز بالصياح لمن حوله وما أشبه ذلك. وليس قولنا: إنه على (...)؛ لأنه مثلما قلت: الغالب أنه ما يقتل (...)، لكن الكلام على غرّة من المقتول، هذا هو قتل الغيلة، فهؤلاء الجماعة تقاسموا على هذه الفعلة القبيحة المشينة، ولكنهم لم ينفذوا ما أرادوا، وهم لم ينفذوه، لم يحصل لهم تنفيذ ما أرادوا؛ لأنهم مكروا ومكر الله والله خير الماكرين. * طالب: (...) يدل على (...) مبدأ الاغتيالات (...) الله سبحانه وتعالى ذكر (...) وهو على حرمة الاغتيال. * الشيخ: لا، بمعنى أن الاغتيال موجود حتى في الزمن السابق، هذا قصدي، وليس معنى هذا أنه المبدأ المباح (...) إن هذا موجود ولا يزال موجودًا، يعني في غالب الأمور تجد أصلها موجودًا، غالب الأمور من خير أو شر تجد له أصلًا في الأمم السابقين. * طالب: المسلمون لا يجوز لهم أن يسلكوه مع الأعداء. * الشيخ: إن كانوا يسلكونه بنا سلكناه بهم، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل ١٢٦]. * وفيه دليل في قوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ دليل على الإنكار، إنكار المدّعي، وهذا الشيء واضح، أن الفاعل للسيئة لا يهمه أن ينكر فعله، يعني: من قتل يهون عليه أن ينكر القتل، ولّا لا؟ من قتل هان عليه أن ينكر القتل؛ لأن القتل أعظم من إنكاره، فلهذا قالوا: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾. * وفيها فائدة رابعة: أن البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر، لماذا؟ لأنه لولا أن هذا القول يبرئهم ما صح أن يتفقوا على اتخاذه حجة، أما فهمتم؟ يقتلونه ويقولون: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾. اتفقوا على هذا. دل هذا على أن الإنكار يدرأ به المدعى عليه، وجهه: أنه لولا أن ذلك يبرئهم لم ينفعهم الاتفاق عليه؛ لأنه لو قالوا: ما شهدنا مهلكه لقال: أنتم القاتلون، فهذا أيضًا دليل على أن البينة على المدّعي واليمين على من أنكر. فإذا ادعى شخص أن هذا الرجل قتل والده، نقول له: هات بيّنة، فإذا لم يأت ببينة فإنه لا يثبت له الحق، ما يثبت له الحق؛ لأن البيّنة على المدَّعي واليمين على من أنكر. ولكن هل هذا على إطلاقه؟ المشهور من المذهب أنه على إطلاقه، وأنه لو كان المدعَى عليه القتل من أفجر الناس والمقتول من أطيب الناس وكذلك المدّعي، فإنه لا يؤخذ بقوله؛ لعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»[[أخرجه الدارقطني (٣١٩١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، والشطر الثاني من الحديث متفق عليه؛ البخاري (٢٥١٤)، ومسلم (١٧١١) من حديث ابن عباس ولفظه: أن النبي ﷺ قضى أن اليمين على المدعى عليه.]]. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذا يؤخذ بقوله، ولكن تجرى فيه القسامة إذا كان هذا الرجل معروفًا بالفسوق، والمقتول معروفًا بالصدق والاستقامة. وكذلك أولياؤه، قال: فإن هذا قرينة تغلّب على الظن صدق المدعي، وعلى هذا فتجرى فيه القسامة. وما قاله الشيخ فليس ببعيد. كذلك الأمر الثاني بالعكس، لو أن شخصًا قتل إنسانًا وقال: نعم أنا قتلت، ولكن الرجل صال عليَّ ولم يندفع إلا بالقتل، فماذا أصنع؟ المذهب لا يُقبل قوله ويُقتل، أما فهمتم؟ إنسان ادُّعي عليه أنه قاتل، قال: نعم أنا القاتل، لكنني قتلته دفاعًا عن نفسي؛ لأن الرجل يبغى أن يقتلني، نقول له: هات بيّنة أنه صال عليك وإلا قتلناك. قال: ما يمكن يكون بيّنة؛ لأنه ما بيصال علي أمام الناس، لو يدري أن حوله أحدًا ما صال. نقول: إذن نقتلك ويوم القيامة تختصمون عند الله، هذا هو المذهب، واختار الشيخ هنا أنه يُقبل قول المعروف بالصدق، فإذا كان هذا الرجل مستقيمًا -هذا القاتل اللي يقول: أنا قتلته دفاعًا- مستقيمًا، والمقتول معروفًا بالفجور والاعتداء على الخلق، فإنه يُقبل قوله، ولكن يحلف تأكيدًا لقوله. وما قاله الشيخ هو الصحيح، ولا يمكن العمل إلا به، ولا يمكن العمل بخلافه، أما كون يقول: نقتلك وتلقى حسابك عند الله، هذا فيه نظر. طيب، حتى لو وجد قرينة تدل على صدق الرجل غير مسألة الحال هذا والحال هذا، يعني مثلًا لو وجد في بيته، لو وجد المقتول في بيته، أي في بيت القاتل، زلمة دخل علي البيت بيقتلني، أو بينتهك حرمة أهلي، فوجدت ألا يندفع إلا بالقتل، يقول: نعم ولو كان؛ لأنه يمكن أنه عزمه لأجل يقتله. * طالب: فيه شبهة تدرأ (...) * الشيخ: ويش هي؟ * الطالب: أنه في بيته. * الشيخ: إي نعم، هم يقولون نعم في بيته. * الطالب: ادرءوا الحدود بالشبهات. * الشيخ: لكن هو يقول: أنا الآن قتلت عمدًا، ما فيه شبهة (...) أنه صائل، يقول: إن كونه في بيته ما يدل على ما قال؛ لأنه يجوز أنه (...) يقول: تفضل عندنا، تفضل عندنا نوريك ويدخل على أن (...)، مشكلة هذه ما يستقيم الحال إلا على ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. طيب، الكلام على قوله: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ يدل على أن المنكِر مقبول القول ما لم يأت المدعي ببيّنة. * وفي هذه الآية: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل ٥٠] دليل على عظمة الله سبحانه وتعالى، وأنه أعظم مكرًا ممن يمكرون به وبرسله. فهؤلاء أرادوا المكر برسوله ولكن الله تعالى مكر بهم بما هو أعظم. * وفيه دليلٌ على وصف الله تعالى بالمكر، لكنه ليس على سبيل الإطلاق، بل على سبيل التقييد، فيقال مثلًا: هو ماكرٌ بأعدائه أو بمن يستحق المكر، أو ما أشبه ذلك مما يجعل المكر صفة كمال؛ لأن المكر ليس بصفة كمال على الإطلاق، ولا بصفة نقصٍ على الإطلاق. * وفي هذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى قد يمكر بالعبد فلا يشعر بمكره. ومن ذلك -من مكر الله بالعبد وهو لا يشعر- استدراجه إيّاه بالنعم؛ حيث يسدي إليه النعم وهو يبارز الله تعالى بالعصيان. ومن مكره به تلبيسه عليه بالحكم، يلبس عليه الحكم حتى يظن الباطل حقًّا، فيتمادى فيه، ولهذا من الدعاء المأثور: اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه[[ذكره ابن كثير في التفسير (١ / ٥٧١).]]. فالإنسان قد يكون لديه شبهة أو شهوة، شبهة ما يعرف الحق، أو شهوة لا يريد الحق، يريد غيره. وفي قوله: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل ٥١]. * في الآية فوائد: أولًا: الحث على الاعتبار؛ لقوله: ﴿فَانظُرْ﴾ والنظر يكون بالقلب، ويسمى نظر البصيرة، ويكون بالعين ويسمى نظر البصر، وكلاهما أمرٌ مطلوب إذا أدى إلى مطلوب، وأما إذا لم يؤد إلى مطلوب، بل أدى إلى العكس، مثل أن يعتبر ويتبصّر ثم يتخذ من هذا النظر يتخذه وسيلة إلى الطعن في حكمة الله سبحانه وتعالى، أو إلى وصف الله تعالى بالظلم أو ما أشبه ذلك مما يقع من بعض الملحدين، فإن هذا ضرره كبير والعياذ بالله، لكن من نظر ليعتبر، من نظر بعين العقل والعدل، بل لا بد من الأمرين: عقلٌ وعدل، فبانتفاء العقل ما يعرف الإنسان، وبانتفاء العدل يظلم. فعلى كل حال، في هذه الآية دليل على أنه ينبغي للإنسان أن ينظر ويتأمل في الأمور، لا سيما في أمور المكذبين. * وفيه دليل على أنه ينبغي في مقام التحذير استعمال أغلظ الألفاظ وأشدها تأثيرًا؛ لقوله: ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾ ولم يقل: أهلكناهم، فإن التدمير أعظم وقعًا في النفس، والنفس تنفر منه أكثر، ولهذا قال: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾. * في الآية دليل أيضًا على أن العقوبات إنما تأتي بأسباب المرء؛ حيث جعل هذا التدمير عاقبة مكرهم، وهذا يدل عليه أيضًا قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]. وقال تعالى في خصوص أهل الكتاب: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة ٦٥، ٦٦] ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ من الثمار الطويلة، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ من الزروع التي تحت الأرض. في قوله أيضًا: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. * في هذا دليل على أن العقوبة تعم، ولكن كما قال رسول الله ﷺ: «يُبْعَثُ النَّاسُ عَلَى أَعْمَالِهِمْ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٢٢٩) من حديث أبي هريرة بلفظ: «إنما يُبعث الناس على نياتهم».]] العقوبة قد تعم، ولكن يُبعث الناس على أعمالهم، وهذا مشاهَد، سواء كانت العقوبة من الله، يعني: من فعل الله، أو من فعل العباد، يسلّط الله تعالى بعض عباده على بعض، فيدمر هذا المتسلط على الصالح والطالح، ولكن يُبعث الناس يوم القيامة على أعمالهم ونياتهم، أو ينزل الله تعالى كارثة من عنده؛ كالفيضانات والرياح وغيرها، فتدمر الصالح والطالح، ويوم القيامة يُبعثون على نياتهم. وإنما كان كذلك -والحكمة عند الله سبحانه وتعالى- لأجل أن يستقيم الناس على أمر الله؛ لأني أنا إذا علمت أن المصيبة ستعم سأسعى في إزالة السيئة الموجبة للعقوبة ولّا لا؟ لكن لو أننا نعلم أن العقوبة تخص العامل ما استقام الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر. أليس هكذا؟ ولذلك يجب أن يكون خوف الإنسان من معاصي غيره كخوفه من معاصي نفسه؛ لأن العقوبة واحدة، إذا نزلت عمّت، بل إن المعاصي سبحان الله كالدخان، يصرع من شمّه وإن لم يكن في بيته. ولذلك معاصي الناس اليوم أثّرت حتى على أهل الخير البعيدين منهم. يعني أهل الخير لو سألتهم وقلت: هل تجدون في قلوبكم ما كنتم تجدونه قبل سنوات من الإنابة إلى الله، والخشوع، والخضوع، ومحبة الخير؟ لوسألتهم لأجابوا: لا. دعنا من الناس اللي ماتوا قبل ثلاثين سنة أو أكثر، هذا معلوم أنهم سلموا من هذه الفتنة، لكن حتى الموجود الآن قلوبهم قبل نحو ثلاثين سنة أصلح بكثير من اليوم، مع أن حالهم هي هي، تجد الإنسان مثلًا في مسجده إمام ولم يلتفت للدنيا ولم يشتغل بها، تجد إنسانًا مثلًا في أهله ما يلتفت إلى أحدٍ غيرهم، ومع ذلك تأثرت القلوب؛ لأن المعاصي مفاسد مهما كانت. ولكن مع هذا قد يأتي الله تعالى ببركانٍ عظيم يبدد هذه الأشياء، يقيض الله تعالى للأمة الإسلامية طائفة منصورة ظاهرة فتبدل كل هذا الأمر، ولهذا لا بد من عمل، الركود ما ينفع، الركود ما فيه سلامة أبدًا، لا بد من العمل ولكن على هدى مستقيم وبحكمة بالغة؛ لأن اللي يضر الدعاة إلى الله الآن واحد من أمرين: إما جهلٌ أو سفه، يعني: إما أنه ما عندهم علم بيّن راسخ، فتجدهم يحرمون ما أحل الله، ويوجبون ما لم يوجبه الله، واضح؟ مثلما يوجد من بعض الإخوان الذين يتشددون في أمور، يحرمون ما أحل الله، أو يوجبون ما لم يوجبه الله، وهذه مفسدة عظيمة، أو يكون عندهم سفه، يعني: ما عندهم حكمة في الدعوة إلى الله، فيكون عندهم تسرع وعنف، أو تباطؤٌ في غير موضعه؛ ففي الأول يحصل رد فعلٍ عنيف من المدعوين، وفي الثاني يحصل تمادٍ من المدعوين يفوّت الفرصة على الداعين، فلا بد من العلم والحكمة ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥].

النمل 27:49

الشيخ: الجواب: لما حثهم على الاستغفار وبيَّن لهم نتائجه الطيبة كان جوابهم: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ [النمل ٤٧] أعوذ بالله، هذا الجواب؛ يعني: أنت ما أتيت لنا بفائدة، بل صرت شؤمًا علينا أنت وأتباعك، وهذا حال الذين يتطيرون بأهل الخير، والله تبارك وتعالى قد يفتن الناس؛ فقد يقع مثلًا في مجيء الخير أو معه قد يقع بعض الآفات أو بعض الأشياء المكروهة لدى الناس؛ ليكون ذلك فتنة وابتلاء. ربما مثلًا يحل رجل من أهل العلم والعبادة في بيت ثم يحترق هذا البيت؛ ابتلاء من الله سبحانه وتعالى وامتحانًا، أهل الشر يفرحون ويفرهون، يقولون: يا الله! شوفوا أسباب الطوع، احترق البيت لما جاء هذا الرجل، والله تعالى قد يفتن الناس، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]. هؤلاء يقولون: إنه بمجيء صالح ومعصية قومه عاقبهم الله تبارك وتعالى بالقحط والجدب وغور المياه، فقالوا: أنت يا صالح ومن معك ما جئتمونا بخير، ما جئتمونا إلا بالقحط والجدب وغور المياه، فتطيروا به. و﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ أصله: تطيَّرنا؛ أُدغمت التاء في الطاء، وهذا الإدغام على خلاف القاعدة؛ إذ إن الإدغام بين ساكن ومتحرك وهذا بين متحركين، فأدغمت التاء في الطاء، ولما أدغمت التاء في الطاء صار الحرف الأول منهما ساكنًا، ولاحظوا أنه أيضًا بعد الإدغام قُلِبَت التاء طاءً، والساكن ما يمكن الابتداء به، فاجتُلِبَت الهمزة لتسهيل النطق به؛ ولهذا قال المؤلف: (وَاجْتُلِبَتْ همزة الوصل) من أجل؟ لتسهيل النطق بالساكن. ومعنى ﴿اطَّيَّرْنَا﴾ أي: تشاءمنا؛ من الشؤم، والشؤم معناه: توقع الشر من مشاهَدٍ أو مسموع أو زمن أو حال؛ ولهذا قالوا: إن التطيُّر مأخوذ من الطير. وكانوا في الجاهلية يتشاءمون بالطيور؛ يبعثونها، وعندهم قواعد لهذا التشاؤم: إذا ذهبت يمينًا يتفاءلون، أو يسارًا يتشاءمون، أو أمامًا يعيدون، أظن الباعث مرة ثانية، وخلفًا يتشاءمون أكثر، فعندهم لهذا قواعد؛ فلذلك سُمِّي هذا التشاؤم تطيرًا، مأخوذ منين؟ من الطير؛ لأن غالب تشاؤم العرب بها. فهم يقولون: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ أي: تشاءمنا، وكان مجيئك شؤمًا علينا أنت وأتباعك. إذن ما هو التطير؟ هو التشاؤم بمرئي أو مسموع أو زمان أو مكان أو حال، هذا التطير، التطير هو: التشاؤم شنو؟ * طلبة: بمرئي. * الشيخ: بمرئيٍ أو مسموع أو زمان أو مكان أو حال، هذا هو التشاؤم. بمرئي؛ يرى الإنسان شيئًا فيتشاءم، افرض أنه مثلًا أراد أن يسافر فقابله إنسان يكرهه، هو يكره هذا الرجل قال: خلاص رجعنا، هذا ويش لونه؟ * طالب: بمرئي. * الشيخ: بمرئي. أو همَّ أن يسافر، فلما خرج سمع رجلًا يقول: مات فلان بن فلان، قال: خلاص رجعنا، هذا تشاؤم؟ * طلبة: بمسموع. * الشيخ: بمسموع. أو زمان؛ يتشاءم بيوم من الأيام، يوم الأربعاء، يوم الخميس، أو شهر من الشهور، كشهر شوال، العرب يتشاءمون بشهر شوال في الزواجات، يقولون: من يتزوج في شهر شوال ما يوفّق. (...) هذا الزواجات في شهر شوال كثيرة، لكن عائشة أبطلت ذلك بالواقع، قالت: «إن الرسول عليه الصلاة والسلام تزوجها في شوال، وبنى بها في شوال، فأيُّكن كان أحظى عند رسول الله ﷺ»[[أخرجه مسلم (١٤٢٣ / ٧٣) من حديث عائشة. ]]، إذن ينبغي أن نتدارك إن أردنا أن نعمل التشاؤم والتفاؤل، فإننا؟ * طالب: نتفاءل. * الشيخ: نتفاءل بشهر شوال، ولكن مع ذلك لا نتفاءل بالزمان ولا نتطير به، الخير والشر بيد الله سبحانه وتعالى. ومنهم من يتشاءم بالمكان، تجده مثلًا يجيء يجلس في هذا المكان (...)، يقول: خلاص، قمنا، هذا ما يمكن نجلس فيه. أو يتشاءم بالحال؛ حال الشخص مثلًا، التشاؤم بالحال أيضًا هذا تطير ما يجوز، قد مثلًا يعمل إنسان عملًا ويعاكسه في أول أمره، أو مثلًا يهم أن يفعل شيئًا غدًا ولا صار غد وله معه بعض التعب والعجز، فيتشاءم ويعدل بسبب هذه الأحوال التي تعرض له، فنقول: كل هذا لا يجوز، أنت إذا عزمت فتوكل على الله، «اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ»[[أخرجه أحمد (٧٠٤٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٣٨) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. الإنسان مثل ما قال القرطبي وكذلك غيره من أهل العلم: اللي يعلِّق تصرفاته بمثل هذه الأمور، فهو من أجهل الناس، ثم إنه ما يمكن ينصلح حاله إذا ينظر إلى هذه الأشياء. ولكن لاحظوا أن الفأل الذي يعين على فعل الخير لا يدخل في هذا الأمر، الفأل «كان الرسول عليه الصلاة والسلام يعجبه الفأل ولكنه يكره الطِّيَرَة»[[أخرجه ابن ماجه (٣٥٣٦) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن الطِّيَرَة فيها تعلُّق الإنسان بغير الله سبحانه وتعالى بمثل هذه الأمور، وفيها أيضًا منع للإنسان عما يريده من الخير. لكن التفاؤل فيه التشجيع على الخير، لما جاء سهيل بن عمرو في صلح الحديبية قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هَذَا سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَإِنَّهُ قَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ»[[أخرجه البخاري مرسلًا (٢٧٣٢) من حديث عكرمة.]]، إذا صحت هذه الكلمة في الحديث، فالحاصل أن التفاؤل غير التشاؤم. واعلم أن التشاؤم غير الشُّؤم؛ فإن الشؤم قد يكون في بعض الأشياء، مثل ما «أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه يكون في المرأة، ويكون في الدار، ويكون في الدابة»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٣)، ومسلم (٢٢٢٥ / ١١٦) من حديث عبد الله بن عمر.]]، وهذا شيء مشاهد؛ أن الإنسان قد ينزل بعض الدور وما يتشاءم، لكن يكون فيها شؤم، تكون دائمًا خراب مثلًا، ودائمًا تحتاج إلى أعمال متتابعة، فإذا ارتحل عنها ارتاح ووجد ما يريد. كذلك بعض السيارات، ما عندنا دواب الآن في غالب الناس، بعض الأحيان هذه السيارة يشتريها الإنسان ويحبها وتتعبه، كل يوم يخرب منها شيء، ثم يبيعها ويشتري ثانية ويرتاح لها. ومثلها أيضًا بعض الأحيان يشتري الإنسان قلمًا -حتى في الأشياء الصغيرة- يبدأ كل يوم يتعبه؛ يجف المداد، وتلقى الريشة أيضًا ما تستقيم معه، ومرة يضيع منه ويتعبه، ويشتري قلمًا آخر ويبقى عنده مدة ما (...)، لكن هذا ليس تشاؤمًا ولكنه شؤم. كذلك بعض النساء؛ يتزوج الإنسان امرأة وتتعبه ليلًا ونهارًا، في حياته العامة والخاصة، ومع أهله وأقاربه، ويتزوج أخرى فتكون راحة لنفسيته وقرة عينه. فالحاصل: أن هذه الأشياء أمرها واقع، ولكن الرسول ما قال: التشاؤم، قال: «الشُّؤْم»، وفرق بين هذا وبين هذا؛ يعني معنى ذلك: أن هذه الأشياء يجد الناس فيها أحيانًا بركة وراحة، وأحيانًا يجدون فيها قلقًا وتعبًا. * طالب: التشاؤم (...)؟ * الشيخ: لا، (...). * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، إذا كان هذا يتعلق بشيء، بعامل مثلًا ولا شيء، وأما بس مجرد أنه يشوف واحد بالسوق اسمه يزيد ولَّا اسمه صالح ولَّا اسمه راشد، لا، مو هذا، لكن الشيء اللي بما معه معاملة فأنا قد أتفاءل. سهيل بن عمرو له معاملة مع الرسول عليه الصلاة والسلام، فتفاءل، وهذا يكون من باب فتح الأمور باليسر. * طالب: ثم يكون بغير هذا الشيء؛ يعني يتفاءل إنسان (...)؟ * الشيخ: ما يخالف، ولكن الإنسان أول الأمر ما يتفاءل، كما هو عادة الناس الآن، أكثر العوام ما يدرون عن المسائل هذه، ويصير فيه خير في معاملة الشخص (...) الشخص الآخر لو أنه يزيد أو صالح مثل شؤم البلد. * طالب: حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: «الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٣)، ومسلم (٢٢٢٥ / ١١٦) من حديث عبد الله بن عمر.]] (...)؟ * الشيخ: لا، يدل على أن مثلها إنما كان (...). * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، يعني معناه: ذاك الشؤم في زمان أو في مكان أو ما أشبه ذلك يتشاءم، وأنا أيضًا ذكرت لكم الفرق بين الشؤم والتشاؤم: التشاؤم من فعله، والشؤم من فعل غيره، وهذا واضح أنه قد يكون يجعل الله في هذا الشيء خيرًا وبركة للإنسان، وفي هذا الشيء شؤمًا وبلاء. * طالب: قال النبي ﷺ: «الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ» ثم ذكرها، وقال: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٥٢)، ومسلم (١٨٧٣ / ٩٨) من حديث عروة بن الجعد.]]، ألا تتعارض «مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ»؟ * الشيخ: إي، لكن هل معقود بنواصيها الخير مطلقًا أو في حال الجهاد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا؛ لأنه ذكر بعدها مثال الذي يربطها للجهاد في سبيل الله، «أنها مَا تَسْتَنُّ، وَلَا تَعْلُو شَرَفًا، وَلَا تَأْتِي رَوْضَةً، وَلَا تَشْرَبُ مَاءً، إِلَّا كَانَتْ لَهُ أَجْرًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣٧١)، ومسلم (٩٨٧ / ٢٤) من حديث أبي هريرة.]]. * طالب: إي، لكن بخصوص السبب ما (...). * الشيخ: لا، نرى أن الحديث هنا وإن كان.. لكن السبب يقتضي ذلك، وإلا الصحيح العبرة بعموم اللفظ، لكنه ما دام أن السبب صالح لإحالة الحكم عليه، فيجب أن يقيد به، مثل ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥ / ٩٢) من حديث جابر بن عبد الله.]]، وهذا اللفظ عام مع أنه هو نفسه يصوم، إذن يخصص بالسبب الذي ورد فيه وهو أنه إذا كان الصيام يؤدي إلى مثل هذه الحال فليس من البر. * طالب: ذكر في الحديث أنها قد تكون شؤمًا للإنسان يربطها خيلاء؟ * الشيخ: إي نعم، تكون وزرًا. * طالب: والحديث (...)؟ * الشيخ: ما أدري، ما أعرف هذا الحديث، ولكن الظاهر لي -والله أعلم- أن الرسول وجد قرينة غير الاسم؛ ولهذا استدعى أن يسأل عن اسمه، كأنه واجد في حال هذا الرجل مثلًا، مع أنه ما أدري. * طالب: ذكره ابن القيم في أحكام المولود. * الشيخ: إي، ما أعرف. * الطالب: الاسم لأول مرة، الثاني اسم شهاب، والثالث اللي (...). * الشيخ: ما أعرف عن هذا الحديث، قد ينظر في سنده. * طالب: العلماء يقولون: يحب الفأل على العموم، كما في عدة أحاديث. * الشيخ: إي، لكن هذا فيه تشاؤم، التفاؤل لا بأس، لو كانت مثلًا (...) ما فيها إشكال؛ ولهذا قال: «سَهُلَ مِنْ أَمْرِكُمْ»[[أخرجه البخاري مرسلًا (٢٧٣٢) من حديث عكرمة.]] إن صحت الكلمة هذه، لكن المشكلة الأول، ما لها تأثير، إلا إذا كان ذلك من طريق الوحي مثلًا، أما التأثير فلا يخاف؛ ولهذا الواقع يشهد بأنه لا حقيقة لذلك، تجد هذا اسمه عبد الله وهو عبد للشيطان، وتجد هذا اسمه شرورة وتجده من أخير الناس، ماله تأثير، إلا على الشيء يكون مثلًا بطريق الوحي، هذا شيء ممكن، مثل ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام لما ابن أبي طلحة سماه عبد الله، ولما دعا له بالبركة، بارك الله له، فكان من أولاده عشرة يحفظون القرآن[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٠١)، ومسلم (٢١٤٤ / ٢٣) من حديث أنس بن مالك.]]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ينبغي أن يقارن في الأسماء ما أرشد إليه الرسول عليه الصلاة والسلام، أن يراعى ما أرشد إليه، «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ: عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه مسلم (٢١٣٢ / ٢) من حديث عبد الله بن عمر.]]، يعني: عبد الله وعبد الرحمن أفضل من صالح ومن راشد. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما أدري، كون الإنسان يسمي اسمًا ليتفاءل به ما أدري، الرسول قال: «لَا تُسَمِّ غُلَامَكَ يَسَارًا وَلَا نَجَاحًا»[[أخرجه مسلم (٢١٣٧ / ١٢)، والجعديات (٢٧٠٠) واللفظ له، من حديث سمرة بن جندب.]]. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذه أبعد وأبعد، كونك إذا سميت بأسماء رجال من الصالحين يكون مثلهم، هذه أبعد، إلا إذا كان إنسان على سبيل المحبة لهم، ممكن يكون على سبيل المحبة، مثل ما يفعلون الآن، بعض الناس يسمون بأسماء الزعماء اللي يحبون، ولا يصيرون مثلهم بعد. ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ هذا جواب الرسل، وهذا الجواب تجدونه أيضًا أجاب به بنو إسرائيل لمن؟ لموسى، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف ١٣١]، وكذلك أصحاب القرية الثلاثة تطيَّروا بالرسل الذين أُرسلوا إليهم. على كل حال هذا جواب أهل الشر؛ أنهم يجعلون الأسباب التي هي من أفعالهم ونتيجة لأفعالهم بأسباب هؤلاء المصلحين، والحقيقة أنها وقعت جزاء على أفعال الكفار. ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ (أي: تشاءمنا، ﴿وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ أي: المؤمنين حيث قُحِطوا المطر وجاعوا)، قُحِطوا بمعنى: مُنِعوا المطر. (﴿قَالَ طَائِرُكُمْ﴾ شؤمكم، ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أتاكم به، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ) ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يعني: وليس منا، وطائركم بمعنى: شؤمكم، والمراد: ما أصابكم مما تشاءمتم به -وهو القحط والجوع- عند من؟ عند الله، وليس منِّي أنا، وإذا كان عند الله سبحانه وتعالى -هذا من أبلغ الجواب- فإن الله تعالى حكيم، ما يُنزِّل هذا الشيء إلا في منزلته، وبأسبابه التي يُستحق بها، فكأنه يقول: ما دام عند الله فالله تعالى حكيم، ما أنزله إلا في موطنه وموضعه هذا الشؤم. ثم قال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ هذا الاستطراد ليس لإبطال الأول، ولكنه للانتقال؛ إضراب انتقالي، وتعرفون أن الإضراب يكون على نوعين: إضرابا إبطاليًّا يكون الحكم لما بعد (بل) ويبطل ما قبلها. والثاني: إضراب انتقالي، مثل هذه الآية، ومثل قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] انتقال من شيء إلى شيء، هنا الإضراب إبطالي ولَّا انتقالي؟ * طالب: انتقالي. * الشيخ: انتقالي؛ لأنه عند الله يفتنهم سبحانه وتعالى بما حصل، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ووجه الفتنة؛ أولًا: أنهم نسبوا هذا إلى صالح ومن معه، وهذه فتنة عظيمة، فتنة ضلَّ بها هؤلاء. ثانيًا -من وجه الفتنة-: أنه أصابهم مع مجيء صالح إليهم، فظنوا أو ادعوا أن أسباب ذلك صالح ومن معه، ففُتِنوا بذلك فابتعدوا عن الحق. ومثل ما قلت لكم أنا قبل قليل بالتمثيل: أن يحدث مكروه عند وجود رجل صالح، فيُنْسَب هذا المكروه إلى هذا الرجل الصالح ومجيء هذا الرجل الصالح، فيكون في هذا حكمة. والله سبحانه وتعالى حكيم جل وعلا يفتن الإنسان ويختبره بأنواع المفاتن؛ تارة بالمصائب، وتارة بالنِّعم، وتارة بالأمور التي توجب الاشتباه ليمتحنه بذلك؛ ولهذا الدنيا كلها محنة، ما دام الإنسان دائرًا بين أمرين: إما شر، وإما خير، ولَّا لا؟ كل حياتك هكذا؛ شر ولَّا خير، وكلاهما يقول الله فيه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]. إذن معناه: انتبه يا إنسان، انتبه، الفضل؛ ليبلوني أأشكر أم أكفر؟ المصائب؛ ليبلوني أأصبر أم أجزع؟ الشبهات العلمية التي ترد على قلب الإنسان؛ ليبلوه هل يثبت أو يزيغ؟ فالمسائل كلها في الحقيقة فتنة واختبار من الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا يجب على العاقل أن يكون حذرًا دائمًا. ولست أدعوكم في قولي هذا إلى سوء الظن بالله عز وجل، ولكني أدعوكم إلى النظر في الأمور؛ ليكون تصرُّفكم على وجه سليم. ولكن مع ذلك أقول: إنه إذا تجاوز الإنسان هذه الفتنة حصل له الثبات والاستقرار؛ لأنه يطمئن قلبه، ويرسخ في هذه الأمور، ولا يزيغ -بإذن الله- بعد ذلك، لكن قد يُفتن المرء فلينظر؛ ولهذا قال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ تفتنون بأي شيء يكون؟ * طالب: بالخير الذي جاءه. * الشيخ: بالخير والشر، ووجه الفتنة في هؤلاء: أن البلاء الذي أصابهم بسبب دعوة صالح إلى عبادة الله، فكفروا فعُوقِبوا، فهذه من الفتن؛ لأنهم قالوا: أنت أسبابها، وفي الحقيقة أن أسبابها هم أنفسهم، ففُتِنوا بذلك، قال: (يختبرون بالخير والشر). (﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ مدينة ثمود، ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أي: رجال). المؤلف قال: (أي: رجال) والرهط -صحيح- هم الرجال، لكنهم قالوا: إن الرهط ما بين الثلاثة إلى العشرة، وبعضهم قال: ما بين السبعة إلى العشرة. فعلى هذا: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ يصير تسعةُ تسعة؟ لا؛ ولهذا فسر المؤلف الرهط بالرجال لا بمعناه الخاص؛ لأجل أن تستقيم الإضافة؛ إذ الشيء لا يُضاف إلى نفسه إلا على تأويل. وقال بعضهم: إنه لا حاجة إلى هذا التأويل؛ لأن الإضافة هنا بيانية؛ أي: أن (رهط) تفسير لـ(تسعة)، كأنه قال: تسعةٌ رهطٌ. والمعنى على كل حال هو أن هذه المدينة -مدينة صالح أو مدينة ثمود- كان فيها رجال تسعة، وكانت التسعة هذه مجالًا للتفاؤل والتشاؤم؛ أحد يتشاءم من العدد تسعة، يقول: لأن تسعة جاءت بالإفساد في الأرض، ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، وأحد يتفاءل بها، الرافضة يتشاءمون بالعشرة ويتفاءلون بالتسعة، العشرة مَن؟ المبشرون بالجنة، لكن هم يخرجون علي بن أبي طالب منهم ولا أدري من يحطون بداله، لكنهم يتشاءمون بالعشرة، عدوُّهم من العدد: العشرة، وصديقهم: التسعة؛ لأنهم يقولون: هم آل البيت الذين وضع عليهم الرسول الكساء، فقال لهم شيخ الإسلام: يجب إذا كنتم تتفاءلون أو تتشاءمون بالعدد أنكم تتشاءمون؟ * طالب: بالعشرة. * الشيخ: لا، تتشاءمون بالتسع؛ لأن هو اللي قال: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل ٤٨]، أما العشرة فإن الغالب أنها خير. * طالب: (...)؟ * الشيخ: عشر ذي الحجة، وعشر رمضان، والعشرة المبشرون بالجنة، وأمثلة كثيرة ما تحضرني الآن، وأنا أقول: إن كلام شيخ الإسلام هذا للتنزُّل مع الخصم، وإلا هو رحمه الله ما يتفاءل لا بهذا ولا بهذا، العدد عدد، ما فيه أثر لشيء. ﴿كَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بأي شيء؟ بالمعاصي، يفسدون في الأرض بالمعاصي، وكلما ذكر الله تبارك وتعالى الفساد في الأرض فالمراد به المعصية؛ الشرك فما دونه، لماذا؟ لأنه لا شك أن عمل المعاصي نفسه فساد، أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: ثم هو سبب للفساد؛ ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف ١٣٠]، وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١]، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠]. فالمعاصي هي نفسها فساد، وهي سبب للفساد أيضًا؛ فلذلك كل ما ذكر الله سبحانه وتعالى الفساد في الأرض فالمراد به المعاصي، يفسدون في الأرض بالمعاصي، منها: قرضهم الدنانير والدراهم، كيف قرضهم؟ يقطعونها، يخربونها، يقصُّون من الدراهم والدنانير، ولكن هذا إسرائيلي. * طالب: أين الدليل؟ * الشيخ: إسرائيلي، ما في دليل، ولا هو أيضًا أكبر المعاصي، هذا صحيح أنه غش لكن ما هو أكبر المعاصي. على كل حال أهم شيء أنهم أنكروا الرسالة وكفروا بالخالق، هذه من أعظم المعاصي التي يفسدون بها في الأرض. وقال: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ يفسدون ولا يصلحون؛ يعني معناه: أن فسادهم هذا -والعياذ بالله- شامل، ما فيه صلاح أبدًا، وهذا هو الحكمة من قوله: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾. وفيه فائدة عظيمة: وهو أنه قد يجتمع الفلاح والفساد في آنٍ واحد، كما أن الإنسان يكون مؤمنًا ويكون فاسقًا، يكون فيه إيمان وفيه كفر، فيه فسوق وطاعة، فيه فساد وصلاح، ولّا لا؟ فالأمور؛ إما خير محض وصلاح محض، وإما شر محض وفساد محض، وإما خليط من الأمرين. هؤلاء القوم يفسدون ولا يصلحون -والعياذ بالله- ما يصلحون بالطاعة أبدًا، وهذا دليل على أنهم ليس فيهم خير محض، ليس فيهم خير أبدًا لا قليل ولا كثير، لكن فيهم أناس خيُّرون، من؟ الذين آمنوا بصالح واتبعوه، لكن هؤلاء الرهط التسعة يفسدون ولا يصلحون، دائمًا ما همّهم إلا الفساد في الأرض بالمعاصي، وإلقاء الفتن بين الناس، ومحاولة قتل المصلحين؛ ولهذا: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ إلى آخره. * طالب: التشاؤم هو يعتبر شركًا أصغر ولّا أكبر؟ * الشيخ: لا، أصغر، ما لم يعتقد أنه مؤثر بنفسه فيكون أكبر، وأظن ذكرنا هذه القاعدة مرات: كل من أثبت سببًا؟ * الطالب: غير شرعي. * الشيخ: غير شرعي. * الطالب: أو قدري. * الشيخ: أو قدري؛ يعني ما يقتضيه الشرع ولا القدر فهو مشرك، لكنه شرك أصغر ما يؤدي إلى الأكبر، فأما ما اقتضاه الشرع أو اقتضاه القدر، ما اقتضاه الشرع بأن يُعلم من طريق الشرع أن هذا سبب لهذا، كقراءة الفاتحة على مريض سبب للشفاء، شرعًا ولّا قدرًا؟ * الطالب: شرعًا. * الشيخ: شرعًا؛ يعني: جاء بها الشرع، التجارب التي تجرى على بعض النباتات وبعض الأدوية فيُعرف تأثيرها، هذا سبب؟ * الطالب: قدري. * الشيخ: قدري، جاء به القدر. الأشياء اللي ما دل عليها الشرع ولا القدر هذه ما يجوز أنك تقول: إنها أسباب، مثل إنسان علَّق خيط برقبته وقال: هذا لدفع العين، اللي يعلق الخيط خلاص ما عاد تجيه العين، هذا ما هو سبب، ليس بصحيح، أين الشرع الذي دل عليه؟ وأين القدر الذي دل عليه؟ وكم من إنسان يُصاب بالعين وعليه هذا الخيط. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يصير. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، لا، يعتقد أنه سبب للنفع، أن النافع الله لكن هذا من أسباب النفع، إي، لكن لو اعتقد أنه ينفع بنفسه وليس سببًا محضًا صار متخذًا مع الله إلهًا. * طالب: يا شيخ (...) أكبر ولا أصغر؟ * الشيخ: لا، هذا ما هو داخل في مسألة الأسباب هذه. * طالب: (...). * الشيخ: لا، هذا من جهة أخرى غير.. نحن الآن نتكلم عن الأسباب، من جعل سببًا من المسبَّبات المعيَّنة بدون شرع ولا قدر فهو مشرك، وأما مسألة التشريع فالتشريع حكم بغير ما أنزل الله، أي إنسان يشرِّع ما لم يشرعه الله ويعتقد أنه ما شرعه الله وأنه أصلح مما شرع الله، فهو كافر كفرًا مخرجًا من الملة، سواءً حكم به أم لم يحكم، أم خلا الناس يحكمون به. ولهذا يجب أن نفرِّق بين من لم يحكم بما أنزل الله تشريعًا، وبين من لم يحكم بما أنزل الله فعلًا، اللي يحكم بغير ما أنزل الله فعلًا لا تشريعًا هذا قد يكفر وقد يفسق وقد يظلم، والذي يحكم بغير ما أنزل الله تشريعًا، بمعنى: أن يجعله هو الشرع شرع مبدَّل بدل شرع منزَّل، هو يرى أن هذا الشرع المبدَّل أصلح للعالم من الشرع المنزَّل، فهذا كافر، ولا ينقسم فعله إلى ظلم وفسق وكفر، بل هو كفر محض، فهمتم؟ فالحكَّام الآن الذين يقنِّنون للناس قوانين يقولون: يجب تمشون عليها؛ لأنها أصلح لكم مما سبق، هؤلاء كفار حتى وإن لم تنزل بهم نازلة واحدة من هذه القوانين فيحكمون بها فهم كفار، أو ما فهمتم؟ يعني: إنسان مثلًا رئيس دولة شرع نظامًا يعرف أن هذا النظام مخالف للشرع لكن يعتقد أنه أفضل من الشرع وأصلح للخلق، هو ما حكم به ولكن سنَّه وخلا للناس يحكمون به، نقول: هذا كافر كفرًا مخرجًا عن الملة. * طالب: يحل الخروج عليه. * الشيخ: يجب الخروج عليه، إلا إذا كان قد يكون متأولً بعد، قد يقول: لا، هذا ما يخالف الشرع؛ لأن مثلًا عندنا بعض العلماء -الله يهدينا وإياهم- يفتحون للحكَّام أبوابًا، حتى إنه مما يموهون عليهم يقولون: مسائل الدنيا ما للشرع فيها دخل؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٣٦٣ / ١٤١) من حديث عائشة وأنس بن مالك.]] في مسألة التلقيح، فيموهون على الحكَّام، يقولون مثلًا: تجوز البنوك؛ لأن هذه من النظام الاقتصادي الحديث، ما للشرع فيه دخل، تجوز صناديق هذه التأمينات ولا فيها شيء؛ لأن هذه من الأمور الاقتصادية التي يرجع فيها إلى ما يقتضيه العصر، ما للشرع فيها (...). غالب الحكَّام قد يجهلون هذا الأمر، فيظنون أن هذا صحيح فيلتبس عليهم، لكن إذا علمنا وفهَّمناهم وبيَّنا لهم الحق وقلنا: «أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ» فيما يتعلق بالعمل والصناعة، الصنعة يعرف كيف يصنع القدر لكن قد لا يعرفه الرسول ﷺ، الحرَّاث يعرف كيف يبذر ولكن الرسول قد لا يعلم ذلك، لكن أحكام شؤون دنيانا من الأعلم بها؟ * طالب: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إي، الشرع، ففرق بين الأفعال وبين الأحكام، أنا الآن مثلًا أعرف أن هذا الشيء محرَّم من الصناعة أو من الزراعة أو ما أشبه ذلك، لكن هل أعرف كيف أصنعه؟ أعرف أن صناعة السيارات أنها من الأمور الطيبة المطلوبة لما فيها من المصلحة، لكن هل أعرف كيف أصنع سيارة؟ أقول للكافر المشرك الملحد الشيوعي الخبيث: أنت أعلم بشؤون دنياك، صحيح ولَّا لا؟ لكن ما هو بأعلم مني بحكم هذا الشيء، واضح؟ فقول الرسول: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ»؛ يعني: أنتم أعلم هل هذا التقليح ينفع أو لا ينفع؛ لأنكم مجرِّبون وفاهمون، لكن أنا أعطيكم حكمًا شرعيًّا بأن كل ما كان صالحًا للخلق وفيه مصلحة للخلق فهو من الأمور المطلوبة شرعًا؛ لأن أصل الشرائع ما نزلت إلا لإصلاح الخلق. * طالب: ما ورد عن النبي ﷺ في مسائل الطب، ويش (...)؛ لأنا لو قلنا: النبي ﷺ ليس طبيبًا؟ * الشيخ: لا، قلنا: لا، لكنه بالوحي يدرك هذا الشيء؛ لأنه هو إما أن يكون أدركه بالتجارب، فإذا أدركه بالتجارب وأخبر به علم، وإن لم يكن أدركه بالوحي، فمثلًا: ذكر أن الشفاء في ثلاث؛ العسل معروف بالوحي: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل ٦٩]، الكي والحجامة يحتمل عندي أنا، وعند غيري أيضًا يحتمل أنه تلقى ذلك من الوحي، ونحن لا نعلم بهذا، يحتمل أنه علمه من التجارب وثبت عنده. ومع ذلك أيضًا نقول: ما دام الرسول ﷺ أثبته، فإنا نثبته؛ لأنه ثبت بقول الرسول، وكذلك التجارب تشهد له. * طالب: إذن الأصل أن نتلقى عنه ولا نقول: إن هذا ما هو من جانب (...) إلا ما ثبت في مثل التلقيح. * الشيخ: لا، مثل التلقيح وغيره، (...) مثلًا صناعة الأبواب والبنايات والأشياء هذه لا يعلمها الرسول عليه الصلاة والسلام، إن كان قد مارسها؛ ولهذا الرسول عليه الصلاة والسلام لو كان عنده في مكة نخل ومارس هذا الشيء أو مارسه (...) به، ما يدري عنه الرسول. * الطالب: (...). * الشيخ: ما يدري عنه؛ لأنه أتى إلى المدينة أول ما أتى قال: والله ما أظن هذا التلقيح ينفع شيئًا، حتى ما قال: لا تلقِّحون، لكن الصحابة لتعبهم من التلقيح لما قال الرسول عليه الصلاة والسلام فرحوا وقالوا: إذن ما نلقِّح، اتركوا ها التلقيح. * طالب: (...) التلقيح هذا هل فيه مثال آخر (...)؟ * الشيخ: ما نعرف، ولكن نحن نعرف الآن أن قول الرسول: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ» في الأمور التي تحصل بالممارسة والرسول ما علم عنها. * الطالب: طيب، (...) يحصل بالممارسة؟ * الشيخ: يحصل بالممارسة، والرسول أخبر بأشياء تلقاها من الوحي، وأشياء يحتمل من الوحي أو من التجارب وأخبر بها. * الطالب: إذن الأشياء التي تثبت في الطب بالممارسة ما كان (...) عنها؟ * الشيخ: (...)؟ * الطالب: يعني قد يكون النبي ﷺ.. * الشيخ: قد لا يكون علم بها وهي الآن نافعة. عندنا مثلًا إبر البنسلين ما كان الرسول يعرفها. * الطالب: لا، أنا أقصد (...) ذكرت، الأمور الطبية التي (...)، يمكن بعضها بالممارسة مثل ما ذكرت. * الشيخ: ما أخبر به الرسول قد يكون بالممارسة، وقد يكون بغير الممارسة، مثلًا: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٨)، ومسلم (٢٠٤٩ / ١٥٧) من حديث سعيد بن زيد.]]، هل هذا وحي أو لا؟ * الطالب: الأصل أنه وحي. * الشيخ: هذه بالذات قد تكون وحيًا؛ لأنها خفية، لكن مسألة الحجامة ومسألة الكي هذا أمر معلوم معروف عند الناس، فقد يغلِّب الإنسان أن الرسول علم ذلك بالتجارب، وقد يقول الإنسان: هذا وحي من الله عز وجل أوحاه إليه. * طالب: المعلوم بالتجارب قطعي النفع؟ * الشيخ: إذا حكم به الرسول، مع أن الرسول -لاحظ- يقول: «إِنْ كَانَ الشِّفَاءُ فِي شَيْءٍ فَفِي ثَلَاثٍ»[[أخرجه البخاري (٥٦٨٠) بلفظ: «الشفاء في ثلاثة»، وذكر الحديث من حديث ابن عباس.]]، ما جزم؛ لأنه قد لا يشفى الإنسان بهذه الثلاث. * طالب: إذن كلامه الأول ما هو عن تجارب (...)؟ * الشيخ: ولهذا أخلف الأمر؛ لأن ما عنده وحي ولا تجارب عليه الصلاة والسلام. * الطالب: إذن بس قاله رأي. * الشيخ: هذا رأي منه، هو قال: «أُرَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُ شَيْئًا»، لكن مثل ما قلت لك: أن الصحابة لما سمعوا هذا الكلام فرحوا به، قالوا: إذن كُفِينا المؤونة، ما دام هذا ظن النبي ﷺ وتركوه، وفسد النخل. * طالب: إي بس قد يشكل على بعض الناس، يقول: كما أنه ليس مؤبرًا فليس أيضًا طبيبًا (...) الأخبار التي وردت؟ * الشيخ: لا، ما هو بصحيح، الرسول ما جزم، ما قال: ليس فيه شيء، أو جزم ما يفيد، ثم هذا أمر -الحمد لله- معلوم لكل مؤمن ويستطيع أن يدافع لمن أراد شبهة في هذا الأمر، فيقول: إن الرسول ما جزم. والشيء الثاني: لو جزم النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الأمر، فإنما جزم به على سبيل الظن، والإنسان قد يجزم بالشيء على سبيل الظن، وقد أقر النبي عليه الصلاة والسلام من جزم، بل من أقسم على سبيل الظن. * طالب: يا شيخ (...) الأطباء العصريين يعملون على (...) مثلًا يقولون: هل يرد الحديث بسبب ما ظهر من أنواع (...)؟ * الشيخ: نقول: هذا ما هو بصحيح؛ أولًا: أنهم هم الآن يؤمنون (...)، لكن تختلف الوسيلة الآن، (...) والكي بالكهرباء وما أشبه ذلك، هذه معروفة الآن ومستعملة ويؤمنون بها، وكما قال الرسول: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»[[أخرجه مسلم (١٩١٧ / ١٦٧) من حديث عقبة بن عامر.]]، ما هو بالرمي بالقوة الآن، الرمي بالآلات الموجودة، والكي أيضًا بالآلات الموجودة، ليس بلازم أن يكون، وهم أيضًا الآن في بعض الأشياء يلجؤون إلى الطب العربي، أنا أذكر أن (...) دائمًا يقول بأن المريض يروح يتطبب طبًا عربيًّا، ويُشفى بإذن الله. * الطالب: يعني ما تأثر بالمسلمين لكن لو جاء مريضًا (...) يعني..؟ * الشيخ: في الحقيقة قد ينكرون الوسيلة أو الآلة التي حصل بها الكي أو فعل بعض الذين يكوون بالحديد. أنا أذكر مثلًا بعض النساء يُؤتى بالطفل إليها (...) في رأسه ثم (...) كية، وتجعل في ظهره كل خرزة من الظهر عليها خمسة. * طالب: واحدة واحدة. * الشيخ: إي، فهم الأطباء يعني يدرون بهذا الشيء وينكرونه؛ لئلا يحصل مثل هذه الحالات (...)، ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام لما ذكر هذه الأشياء ما هو بيقول: حتمًا لا بد منها، قد يكون يقوم مقامها ما هو أولى منها. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، بس ما هو معنى (...) صحيح؛ لأن هو نفسه فعل كوى سعد بن معاذ رضي الله عنه[[أخرجه مسلم (٢٢٠٨ / ٧٥) من جديث جابر.]]. * طالب: (...). * الشيخ: يقدمون (...) يوم الأحد. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، يُقرأ (...). إذا كان لغير عذر يُعاقب الإنسان. * الطالب: (...). * الشيخ: محمد إسماعيل عنده حديث (...). * الطالب: شفتها (...)، بس ما لقيت كلام (...). * الشيخ: (...) هذا، أنت (...). * الطالب: ما يخالف، أجيبه. * الشيخ: (...). * الطالب: بس، يعني (...). * الشيخ: إي، إذا ما لقيت ويش (...)، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. * الطالب: لقيت ابن حبان والحاكم، الأسانيد. * الشيخ: إي. * الطالب: بس، فتشت على كلام العلماء حوله ما لقيت إلا موافقة الذهبي للحاكم. * الشيخ: المهم بارك الله فيك، اكتب (...) ما نبغي أكثر من هذا. إذا أدرك الإمام بعد قراءة الفاتحة فهل تجب عليه (...)؟ * طالب: (...). * الشيخ: كلام شيخ الإسلام؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) المهذَّب شرح المهذَّب؛ لأن الشافعية يرون وجوب القراءة مطلقًا. * الطالب: بحثت. * الشيخ: شرح المهذَّب بحثت؟ * الطالب: لا، بحثت في كتب الشافعية. * الشيخ: لا، هو الكتاب الجامع لهم مثل المغني عندنا شرح المهذب. * * * قال: ﴿كَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قَالُوا﴾ أي: هؤلاء التسعة بعضهم لبعض، ﴿تَقَاسَمُوا﴾ أي: احلفوا ﴿بِاللَّهِ﴾ يعني: طلب بعضهم من بعض أن يتعاهدوا على هذا الأمر؛ يتحالفوا على أن يبيّتوا صالحًا وأهله، ومعنى البيات: إنزال العقوبة بهم ليلًا. فهنا حلفوا -والعياذ بالله- هذا الحلف الفاجر على أن يبيّتوا صالحًا وأهله؛ ولهذا قال: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل ٤٩]، اللام في قوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ واقعة في جواب القسم، والنون للتوكيد، فهم أكدوا هذا الفعل باليمين واللام والنون. يقول المؤلف: (بالنون والتاء وضم التاء الثانية)، كذا عندكم؟ بالنون (...) ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾، وبالتاء الثانية إذا جعلناها بالتاء لزم ضم التاء الثانية ﴿لَتُبَيِّتُنَّهُ﴾ ، وأما ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ فإنها تبقى مفتوحة. ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: من آمن به؛ أي: نقتلهم ليلًا، هذا تفسير البيات، والمراد بالأهل: أتباعه، كما قال المؤلف، ولكن قد ينازع في هذا، ويقال: إن المراد به أهله الخاصون؛ يعني: أهل بيته؛ لأنهم هم الذين يسكنون في الغالب معه في البيت، فإن الغالب أن الإنسان في الليل لا يكون معه في بيته إلا أهله الخاصون به. ثم بعد ذلك أن يبيّته، ﴿لَنَقُولَنَّ﴾ (بالنون والتاء وضم اللام الثانية)، ضم اللام الثانية متى؟ إذا صارت (...) ﴿لَتَقُولُنَّ﴾ ، أما بالنون فهي بفتح اللام ﴿لَنَقُولَنَّ﴾؛ يعني: ثم بعد أن نبيّته ونقتله إذا قام وليه للأخذ بثأره نقول له. (﴿لِوَلِيِّهِ﴾ أي: ولي دمه) ومن ولي الدم؟ ولي الدم عندنا في الخلافة الإسلامية هم الورثة بفرضٍ أو تعصيب، وقول البعض: بل العصبة هم أولياء الدم؛ لأنهم الذين يؤدون العقل عنه، وأما ذوي الفرض فليس من أولياء الدم، والصواب: العموم؛ أن أولياء الدم هم الورثة بفرضٍ أو تعصيب، حتى الزوجة والأم هن من أوليائه. (﴿مَا شَهِدْنَا﴾ حضرنا، ﴿مُهْلَكَ أَهْلِهِ﴾ بضم الميم وفتحها) ﴿مُهْلَكَ﴾ و﴿مَهْلَكَ﴾ ، ولم يتعرض المؤلف للقراءة الثالثة وهي: ﴿مَهْلِكَ﴾، فالقراءات فيها ثلاث: فتح الميم وكسر اللام، فتح الميم واللام ﴿مَهْلَكَ﴾ ، ضم الميم وفتح اللام، وهاتان الأخيرتان هما اللتان ذكرهما المؤلف: ﴿مُهْلَكَ أَهْلِهِ﴾ ، ﴿مَهْلَكَ أَهْلِهِ﴾ يقول: (أي: إهلاكهم أو هلاكهم) على القراءتين. ﴿مُهْلَكَ﴾ أي: إهلاك؛ لأن ﴿مُهْلَكَ﴾ من (أَهْلَكَ) الرباعي، و﴿مَهْلَكَ﴾ من (هَلَكَ) الثلاثي؛ فلذلك نقول: إذا كان الفعل ثلاثيًّا فإن المصدر الميمي منه على وزن (مَفْعَل)؛ (هَلَكَ مَهْلَك)، (قَامَ مَقَام). وإذا كان رباعيًّا فإن المصدر الميمي منه على وزن اسم المفعول، فتقول: (مُهْلَك) من (أَهْلَك)، وتقول: (مُقَام) من (أَقَام). قام فينا مقام فلان، مثل ما قال أبو حيان في ابن تيمية: قَامَ ابْنُ تَيْمِيَّةٍ فِي نَصْرِ شِِرْعَتِنَا ∗∗∗ مَقَــامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إِذْ عَصَــتْمُضَـــرُ قام مَقَام، لكن عندما تقول: أقام في هذا المكان مُقام فلان، بضم الميم، ما تقول: مَقام، مفهوم؟ وهذه قاعدة معروفة في النحو: أنه المصدر الميمي إذا كان من رباعي فهو على وزن اسم المفعول، وإذا كان من ثلاثي فهو على وزن (مَفْعَل) أو (مَفْعِل) مثل ﴿مَهْلِكَ﴾. ﴿مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ (فلا ندري من قتلهم)، وهذا الإنكار صحيح ولَّا كذب؟ * طلبة: كذب. * الشيخ: ما داموا هم الذين قتلوه، فقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ هذا كذب، لكن فيه تورية؛ لأنهم يقولون: ما شهدنا بل فعلنا، والشاهد لم يفعل؛ ولهذا قالوا: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾. وجملة ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ هل هي من جملة قولهم الذين يدافعون به عن أنفسهم أو هو تقرير لقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ يعني: وأنهم لم يقولوه للدفاع عن أنفسهم؟ يحتمل الأمرين. ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ هل ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ من جملة ما يقولونه للولي؛ ليؤكدوا النفي؟ ما شهدنا وإننا لم نكذب عليكم، إننا لصادقون أنا ما شهدنا، هذا وجه. أو أن المعنى: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ واطمئنوا أيها الإخوة، فإننا -يقول بعضهم لبعض- فإننا لصادقون بأننا لم نشهد؟ يحتمل هذا وهذا، إنما المفسّرون ذكروا احتمالين: أحدهما: أن يقولوه في جملة دفاعهم عن أنفسهم لولي صالح، وعلى هذا فتكون الجملة ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ تقريرًا لقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ (...)، ﴿مَا شَهِدْنَا﴾، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فلم نخبركم بالكذب. أو أن المعنى: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ ونحن إذا قلنا هذا فإننا صادقون؛ لأننا ما شهدنا مهلك، ولكننا أهلكنا بأنفسنا، لسنا شهودًا بل فاعلون. * طالب: (...)؟ * الشيخ: بلى، لكن الحقيقة أن الفاعل غير الشاهد، وأنه (...) تورية (...) مثلًا، تورية ولَّا معلوم أن من فعل فقد شهد، بل أبلغ. * طالب: ومن قتل النبي فالذين آمنوا (...) يكفي عليهم أنهم (...) لما هو أعظم؟ * الشيخ: لا، هم يهونون أمرهم بعضهم على بعض حتى لا يكون في أنفسهم شيء، ولّا هو معلوم أن الذي يقتل يشهد، لكن لتهوين الأمر على بعضهم يوطّن بعضهم بعضًا. والحاصل: أن هؤلاء -العياذ بالله- أرادوا هذا الفعل المنكر، وهو مكر؛ لأنه إتيان لصالح وأهله من حيث لا يشعرون، فإن الليل موضع السكون والهدوء، فإذا أحد اعتدى على أحد صار ذلك غدرًا ومكرًا. ولهذا حتى في حرب الكفار اختلف العلماء: هل يجوز تبييت الكفار أو لا يجوز؟ فمن العلماء من منع التبييت قال: ما يمكن أن يقتل الكفار وهم غارون نائمون، ومنهم من أجاز ذلك، والمسألة تحتاج إلى تحرير بحث في هذا الشيء. والحاصل أنا نقول: إن هذا من الغدر والمكر؛ أن يأتي هؤلاء إلى صالحٍ وأهله في الليل فيبيتوهم؛ ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ [النمل ٥٠] ومكروا في ذلك مكرًا، ﴿مَكْرًا﴾ منكّر، وأحيانًا يكون من فائدة التنكير: التعظيم؛ أي: مكروا مكرًا عظيمًا. والمكر فسّره بعضهم بأنه التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالخصم، فيحصل بأسباب خفية إلى الإيقاع بخصمه؛ لأن الأسباب الظاهرة ما تسمى مكرًا، وإنما هي أسباب خفية. قال الله عز وجل في مقابلة ذلك: ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ أي: أعظم من مكرهم، مكرًا أعظم من مكرهم. قال المؤلف: (أي: جازيناهم بتعجيل عقوبتهم) ففسّر المكر بالمجازاة، والصحيح: أن المكر أشد من المجازاة؛ لأنها مجازاة من حيث مأمن المجازي، لكن أراد المؤلف -رحمه الله- أن يدفع بذلك صفة المكر عن الله سبحانه وتعالى ففسّره بالمجازاة. والصواب عند أهل السنة والجماعة: أن المكر لا يجوز أن يحرّف إلى معنى المجازاة مطلقًا، وأنه لا يمتنع وصف الله تبارك وتعالى به في محله، فالمكر في محله يعتبر مدحًا ولَّا لا؟ يعتبر مدحًا، وفي غير محله يعتبر ذمًا، فالمكر بهؤلاء الماكرين مدح، يعتبر مدحًا عظيمًا. ولهذا الصحيح في هذه المسألة الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن الله تعالى يوصف بالمكر لا على الإطلاق، فلا يقال: إن الله ماكر؛ لأنه على الإطلاق يتضمن صفة الذم، وإنما يقال: ماكرٌ بمن يمكر به أو بمن يستحق المكر، وحينئذٍ يكون صفة مدح. والصفات تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: صفاتٌ حسنى بكل حال، فهذه ثابتةٌ لله على وجه الإطلاق، كالسمع، والبصر، والعلم، والحياة، والقدرة، وما أشبه ذلك. والثاني: صفات نقصٍ على كل حال أو صفات سوءٍ على كل حال، فهذه يُنزّه الله عنها على كل حال، مثل: الظلم، واللغوب، والجهل، والعمى، والموت، والمرض، والجوع، والعطش، وما أشبه ذلك، هذه ينزّه الله عنها على كل حال، والولادة، والوزير، والشريك، وما إلى ذلك، هذه ينزّه الله عنها في كل حال. والثالث: صفاتٌ ذات وجهين؛ تكون مدحًا في حال، وتكون ذمًا في حال، فهذه لا يوصف الله بها بإطلاق، ولا تنفى عنه على الإطلاق، مثل: المكر، والخداع، والاستهزاء، والسخرية، وأمثالها، هذه لا يوصف الله بها على كل حال، ولا تنفى عنه في كل حال، بل يوصف بها حيث تكون كمالًا، وتنفى عنه حيث تكون نقصًا. قال الله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة ٧٩]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ﴾ [البقرة ١٥]، وقال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال ٣٠]. ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني: هم لا يشعرون بعاقبة مكرهم، وهل يتم لهم ما أرادوا أم لا؟ ولا يشعرون كيف يمكر الله بهم، فهم لا يشعرون لا بهذا ولا بهذا لا بنتيجة مكرهم ولا بمكر الله بهم؛ لأنهم -والعياذ بالله- متمادون في الضلالة، والغالب أن الذي يتمادى في الضلالة يعمى ولا يبصر ويسمى ضلالة؛ فلهذا قال: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، والجملة في قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أيش محلها من الإعراب؟ * طالب: حال. * الشيخ: حال منين؟ * الطالب: من الواو. * الشيخ: من الواو في (مكروا)، أو من الضمير المحذوف في قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ يعني: بهم وهم لا يشعرون؟ * الطالب: (...) تدل على مكر مضاد (...) الخفي في الليل؟ * الشيخ: لا، هو بالأسباب الخفية، وقد يشعر به. قال: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ ﴿فَانْظُرْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ أولًا، أو لمن يصح خطابه؛ يعني: فانظر أيها المخاطب، أو فانظر يا محمد، وهو رأس هذه الأمة وقائدها وإمامها، فيكون خطابه خطابًا للأمة أيضًا. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ (كيف) هذه اسم استفهام معلِّقةٌ لـ﴿انْظُرْ﴾ عن العمل؛ ولهذا نقول: إن محلها النصب خبر (كان) مقدمًا، وجملة (كان) واسمها وخبرها في محل نصبٍ مفعول لـ﴿انْظُرْ﴾. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ العاقبة: ما يعقب الشيء؛ يعني: انظر ماذا يعقب مكرهم من الأمر. ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ أهلكناهم، عندكم بفتح الهمزة ولَّا بالكسر؟ فيها قراءتان: بفتح الهمزة: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾، وكسرها: ﴿إنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ . أما كسرها فهي كقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [القمر ٣٠، ٣١]، فعلى قراءة الكسر تكون مستأنفة لبيان هذه العاقبة، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾. فأما الذهن الآن يتشوف إلى هذه العاقبة، وجيء بالجملة الاستئنافية بيانًا لها: إنا دمرناهم وقومهم أجمعين. أما على قراءة الفتح فهي بيان للعاقبة؛ بدلٌ منه، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ أننا ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾ يعني: هي أو أنها على خبر مبتدأ محذوف التقدير: هي ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾ يقول المؤلف: (أهلكناهم) من التدمير وهو أبلغ من الإهلاك؛ لأن التدمير يوحي بغلظ هذا الإهلاك وعظمته، وهو كذلك؛ فإن قوم صالح أخذوا -والعياذ بالله- بأمرين: بصيحة، ورجفة، صيح بهم وارتجفت بهم الأرض حتى انهدم عليهم بناؤهم، وتقطعت قلوبهم في أجوافهم -نسأل الله العافية- قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر ٣١] مثل الهشيم (...)، والعياذ بالله. فهذه (...) العظيم نتيجة لهذا العصيان والتمرد والمكر الذي أرادوه بالنبي ﷺ. وقوله: ﴿دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ﴾ مع أن القوم لم يشاركوا في هذه الجريمة، ولكن هذا شؤم المعاصي: أن الله سبحانه وتعالى إذا عاقب بها أحدًا شمل الجميع، مع أن قومهم مستحقون للعقوبة؛ لأنهم كانوا كفارًا مكذّبين، لكن تعجيل العقوبة مقرونًا بهذا السبب، وهو مكر هؤلاء بصالح، هذا قد لا يكون قومهم مستحقين له، ولكنهم شملهم -والعياذ بالله- عقوبة هؤلاء، وقد ذكر الله تبارك وتعالى في آيات أخرى مفصّلة أن نبيهم صالحًا قال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود ٦٥]، فتمتعوا وبقوا ثلاثة أيام، ثم بعد ذلك أخذهم الله تعالى بهذه الصيحة والرجفة. وقوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ أيش محله من الإعراب؟ * طالب: توكيد. * الشيخ: توكيد للضمير لقوله: ﴿وَقَوْمَهُمْ﴾، لا، ما هو للضمير، لقوله: ﴿وَقَوْمَهُمْ﴾ للقوم؛ يعني: ما بقي منهم أحد إلا من كان مؤمنًا بصالحٍ عليه الصلاة والسلام. وقول المؤلف: (بصيحة جبريل أو برمي الملائكة بحجارة يرونها ولا يرونهم) أما قوله: (بصيحة جبريل) فهذا قد يكون مقبولًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [القمر ٣١]، وهذه الصيحة؛ إما من الله، أو من جبريل، أو من غيره من الملائكة، المهم أنهم أهلكوا بصيحة. وأما قوله: (أو برمي الملائكة بحجارة) فهذا لا أعلم له وجهًا، ولكنه قيل: إنهم لما جاؤوا إلى صالح أمر الله تعالى الملائكة أن تحرسه، فلما جاؤوا فإذا الملائكة تحرسه، فجعلت الملائكة ترميهم بالحجارة، وهذا لا أصل له، إذا لم يكن هذا عن معصوم فإنه غير مقبول، وهو أيضًا غير لائق أن تكون الملائكة يرمون بالحجارة كأنهم من البشر. ولكنا نقول: الذي دمّر الله به هؤلاء وقومهم هو الصيحة والرجفة، كما جاء ذلك في القرآن، ولا نتعدى القرآن في هذا الأمر؛ لأن الله تعالى يقول في سورة إبراهيم: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، فما دام هذه الأمور من معلومات الله سبحانه وتعالى فإننا لا نتجاوز ما قال الله فيها إلا ما ورد عن النبي ﷺ بسند مقبول. * طالب: وصلوا إلى بيته؟ * الشيخ: على رأي المؤلف وصلوا إلى بيته. * الطالب: فانطبق عليهم الغار. * الشيخ: ذكر بعض العلماء: أنهم لما خرجوا أصيبوا بمطر، وأنهم قالوا: لنلجئ إلى غار عن هذا المطر، فلما لجؤوا إليه انطبق عليهم هذا الغار وهلكوا، وأما قومهم جعلوا يطلبونهم ويدورون عليهم فلم يجدوهم، ثم رجعوا إلى بيوتهم، فخرج عليهم صالح فقال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود ٦٥]، وقالوا: إن هذا هو الذي (...)؛ لأن هؤلاء القوم دخلوا إلى الغار يريدون الأمن، ولكن كان في هذا الغار حتفهم. وهذه القصة أيضًا على هذا الوجه ما رأيتها ثابتة بسند عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا الأولى أن يقال: إن الله تعالى مكر بهم فدمّرهم وقومهم، وليس من المهم أن نعرف كيف دُمّروا، المهم أن نعرف أنهم دُمِّروا عن آخرهم بسبب ما أرادوه بالنبي ﷺ وبسبب كفرهم. * طالب: أظن هذا معناه أنهم ما تواعدوا قوم صالح: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ (...) مثلًا بيوتهم والعذاب (...)؟ * الشيخ: ما يلزم؛ لأن الله ما ذكر أنه سبحانه وتعالى دمّرهم في تلك الليلة. * الطالب: (...). * الشيخ: أن يحال بينهم وبين هذا، ثم أنهم هم قُذف في قلوبهم الرعب، هذا أيضًا ما ندري، أو أنهم جاؤوا فلم يتوصلوا إلى بيته؛ لأنه مغلق محكم، المهم هذه (...)، ما حصل أنهم نفذوا ما أرادوا، ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال الله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل ٥٢] أي: خالية، ونصبه على الحال، والعامل فيها معنى الإشارة. ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ﴾ المشار إليه معلوم ولّا لا؟ معلوم محدود؛ لأن بيوت ثمود موجودة الآن مشاهدة، لكنها كما قال الله تعالى: ﴿خَاوِيَةً﴾ بمعنى: أنها خالية، على رأي المؤلف، وقيل: خاوية متهدمة، كما قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة ٢٥٩] أي: متهدمة. وهذا المعنى أبلغ؛ لأن تفسير الخاوي بالمتهدم الذي ليس بقائم أولى وأشد، وأما البيوت قد تخلو مع العمار، ولكن إذا خويت بمعنى دمرت وانهدمت فهي خالية، فإذن يلزم من دمارها خلوها، ولا يلزم من خلوها دمارها، والواقع أنها دمرت؛ لأن هذه الرجفة العظيمة لا بد أن تدمرها. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي، لكن ما بقيت على صفتها بالأول، بل هي مدمرة. ثم إن المؤلف قال: نصبه على الحال نصب الخاوية على الحال، منين؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، حال من البيوت؛ بيوتهم حال كونها خاوية، لكن أين العامل في الحال؛ لأن العامل لا بد أن يكون إما فعلًا أو اسمًا بمعنى الفعل؟ قال المؤلف: (العامل فيها معنى الإشارة)؛ لأن (تلك) بمعنى أشير، فاسم الإشارة متضمنٌ لحرف معنوي وفعل؛ أي: أشير إلى بيوتهم خاويةً. قال: (﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ بظلمهم) الباء للسببية، و(ما) مصدرية، والمؤلف رحمه الله حوّل الفعل إلى مصدر، إشارة إلى أن (ما) مصدرية؛ أي: تحوّل ما بعدها إلى مصدر، أي: بسبب ظلمهم لا أننا ظالمون لهم، بل هم الذين ظلموا أنفسهم. ثم فسّر المؤلف هذا الظلم بالكفر فقال: (أي كفرهم)؛ لأن كل كفرٍ ظلم، وليس كل ظلمٍ كفرًا؛ ولهذا قال العلماء: إننا نحمد الله سبحانه وتعالى أن قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] ولم يقل: والظالمون هم الكافرون، لو قال: والظالمون هم الكافرون كان كل ظالمٍ فهو كافر، ولكن قال: الكافرون هم الظالمون؛ فإن كل كافر فهو ظالم، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]. وتفسير المؤلف الظلم هنا بالكفر هل عليه دليل ولَّا لا؟ نعم، عليه دليل؛ لأن فعلهم وتكذيبهم لرسولهم كفرٌ، فهنا تفسير الظلم بما هو أخص له دليل. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل ٥٢] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المشار إليه كل القصة على الصحيح، وليس المشار إليه مجردٌ للذات، بل إنه كل القصة. (﴿لَآيَةً﴾ لعبرة، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ قدرتنا فيتعظون). ﴿يَعْلَمُونَ﴾ تخصيص هذا بالقدرة غير مسلَّم؛ إذ المراد ما هو أعم من علم قدرة الله سبحانه وتعالى، بل يعلمون قدرة الله وحكمته، وما جرى للأمم كل هذا داخل؛ لأنه لا يدري بماذا يعتبر؟ لكن الذي يدري هو الذي يعتبر. وفي هذا من الحث على معرفة أخبار الأمم والعلم بها ما هو ظاهر؛ لأن بها يتعظ المرء. وكذلك أيضًا الأخبار الواقعة في زمن الإنسان ينبغي أن يتخذ من حوادثها عظة وعبرة، وسيأتي إن شاء الله ذكر ما في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ من الفوائد. * طالب: قال: (...) المراد بقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (...) يعلمون وجوه دلالة الدلائل؟ * الشيخ: ما فيها فائدة، لكن قد يحصل هذا، لكن ما هو محصور (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا؛ لأن يعلمون الدلائل (...)، على كل حال هذا من جملة العلم. (﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بصالح وهم أربعة آلاف، ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ الشرك). ﴿أَنْجَيْنَا﴾ أي: عصمنا، الإنجاء بمعنى العصمة، أنجيناهم من أين؟ من هذا التدمير الذي ذكر الله والعقوبة، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قول المؤلف: (بصالح) فيه نظر، الصواب: آمنوا بالله؛ لأجل أن يشمل صالحًا ومن معه، كما قال الله تعالى في سورة هود: ﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ [هود ٦٦]، فالصواب: أن الإيمان بالله، بل نقول: إن صالحًا عليه الصلاة والسلام يجب عليه أن يؤمن بنفسه أنه رسول؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يؤمن ويشهد لنفسه بالرسالة يقول في صلاته: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٠٢)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]] وهو يعني نفسه، وأحيانًا إذا وقع الأمر على وفق ما قال يقول: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ»[[أخرجه البخاري (٢٤٨٤) من حديث سلمة بن الأكوع.]]. فالمهم أن الرسول نفسه ملزمٌ بأن يشهد لنفسه بالرسالة بأنه رسول الله، يؤمن بما أوحي إليه، وكذلك غيره من باب أولى. وقول المؤلف: (إنهم أربعة آلاف)، لكن أين الديوان الذي حصرهم؟ لا دليل عليه، والغالب أن المؤمنين أقل من ذلك في هذا، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، إِذْ رُفِعَ لَهُ سَوَادٌ فَظَنَّ أَنَّهَا أُمَّتَهُ، فَقَالُوا: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس.]]، المهم أن تقديرهم بأربعة آلاف، أو بأربعين نفرًا، أو بأربعة ملايين، أو بأقل وأكثر، هذا يحتاج إلى دليل. وهو أيضًا من فضول العلم الذي لا ينبغي للإنسان يُتعب نفسه في ذلك؛ لأنه ما فيه فائدة، اللي فيه فائدة لا بد أن يقصّه الله علينا. ونظير هذا البحث مثلًا: كلب أصحاب الكهف أيش لونه؟ وأيش اسمه؟ وأيش كبره؟ ما فيه فوائد، الغار اللي هم فيه أين هو؟ وفي أي مكان؟ كل هذه مسائل جانبية. كذلك أيضًا ما يقع في الحديث في السنة: قال رجل للنبي ﷺ، تجد بعض الشرّاح -يعنى عناية كاملة-: من الذي قال هذا؟ هذا في الحقيقة ما له داعٍ، وإن كنا قد نستفيد أنه إذا كانت صفة منقبة؛ أن يكون في ذلك منقبة لهذا الرجل إذا عُرفت، لكن هل هذا ملزومٌ للحكم أو للدلالة؟ لا، ولكنه من فضول العلم. هذه أيضًا مثله: كم الذين مع صالح؟ أربعة آلاف أو أربعة ملايين، ما يهم، المهم أن كل من اتصف بالإيمان فإن الله تعالى أنجاهم من هذا العذاب العام. ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يقول المؤلف: (يتقون الشرك)، ولو أنه قال: يتقون المعاصي أو يتقون الله بس لكان هذا أولى؛ لأن الإيمان والتقوى بمعنى الإيمان والعمل الصالح؛ لأن العمل الصالح عند الإطلاق من التقوى، بخلاف ما إذا قُرنت التقوى البر وما أشبه ذلك، فتكون التقوى للمعاصي، والبر للطاعات. ثم قال الله تعالى: ﴿وَلُوطًا﴾ قال المؤلف: (منصوب باذكر مقدرًا قبله) يعني: واذكر يا محمد لوطًا. وإنما ذُكر بعد صالح -وهو دائمًا يُذكر بعد صالح- لأنه؛ أي: مدائن صالح وقرى قوم لوط ليس بعيدًا بعضها من بعض، وليست مجهولة للناس في عهد النبي ﷺ. ثم قال: (﴿وَلُوطًا﴾ منصوب بـ(اذكر) مقدرًا قبله، ويبدل منه ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ). إذا أعربنا ﴿إِذْ قَالَ﴾ بدلًا من (لوط)، صار كأن التقدير: واذكر إذا قال لوط لقومه. (﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: اللواط) الهمزة هنا لاستفهام أيش؟ * طالب: الاستعلام. * الشيخ: الاستعلام ولَّا لا؟ لأنه يعلم، لكن التوبيخ والإنكار، وإن كنت أزيد على ذلك: التعجب أو التعجيب؛ يعني: كيف أنكم تأتون الفاحشة؟! فهي للتوبيخ والإنكار والتعجب. وقوله: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ (أل) لاستغراق الجنس من حيث المعنى لا من حيث الأفراد، لكن المعنى: أن هذه أعظم فاحشة من نوعها هي هذه، وهي أعظم من الزنا؛ لأن الله قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢] فاحشة من الفواحش، وهنا قال: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾. وهي أيضًا أعظم من نكاح ذوات المحارم؛ لأن الله قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء ٢٢]، ونساء ذوات المحارم أعظم من الزنا؛ لأن الله وصفهم بثلاثة أوصاف: فاحشة، ومقت، سوء السبيل، والزنا وصفه بوصفين: فاحشة، وسوء السبيل؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء ٣٢]؛ ولهذا الصحيح: أن من زنى بمحارمه يُقتل وإن لم يكن مختارًا؛ لأن هذه أعظم -والعياذ بالله- من الزنا. كذلك أيضًا اللواط، الصحيح: أن فاعله يُقتل ما دام بالغًا عاقلًا وإن لم يكن محصنًا. (﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: اللواط، ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أي: يبصر بعضكم بعضًا انهماكًا في المعصية)، والعياذ بالله. يعني: أخبث من الحمير يرى بعضهم بعضًا يفعل واحد في الثاني؛ ولهذا قال: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت ٢٩] إذا اجتمعوا -والعياذ بالله- صار يركب بعضهم بعضًا كالحمير، نسأل الله السلامة. * طالب: (...) عراة؟ * الشيخ: لكنهم يفعلونه؟ * الطالب: يفعلون هذا (...) في بريطانيا (...). * الشيخ: سفاهة. * الطالب: وهو قانون. * الشيخ: وهو قانون. قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ إذن من البصر والإبصار بالعين، وقيل: من الإبصار بالقلب؛ يعني: وأنتم تبصرون خبثها وتعقلونه، وكل إنسان له فطرة سليمة يكره هذا الصنف؛ لأنه كيف يركب مثله نفس هذا المركوب؟ (...). ثم إن المكان هذا أيضًا ليس محلًّا لهذه الشهوة؛ لأنه مكانٌ متلوث بالأنجاس وليس محلَ اللهوِ، فهو خبيث بالفطرة وفي الحسِّ أيضًا. ولكنا نقول: لو أننا فسّرنا الإبصار هنا بالإبصار الحسي بالعين والإبصار المعنوي بالقلب لكان ذلك جائزًا. في الحقيقة أن بشاعة هذا الشيء في القلب أمر معلوم بالفطرة، وكونهم يفعلونه وهم يشاهد بعضهم بعضًا هذا أشد وأعظم. (﴿أَئِنَّكُمْ﴾ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين) فالقراءة أيضًا تكون أربعة. ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾ هذا تفسير لقوله: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾. وهنا لاحظ أن الاستفهام هنا للتقرير، لكنه أُكّدت الجملة التي قرئت بالاستفهام أكدت بشنو؟ بـ(إن) واللام؛ ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ﴾، وهذا كقول إخوة يوسف ليوسف: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يوسف ٩٠] أي: أتقرر أنك يوسف وتؤكد ذلك؟ فقال: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾، وفي جوابه لهم إهانة لهم؛ لأنهم هم طلبوا منه أن يؤكد لهم أنه يوسف ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾، ما قال: إني لأنا يوسف، قال: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾، فحذف التأكيدات استهانة بهم. فالحاصل أقول -المرة الثانية-: إن الاستفهام إذا تلاه التأكيد لا يسقطه عن معنى الاستفهام، بل كأن المستفهم يطلب من المستفهم منه تأكيد الجملة؛ ولهذا قال لهم -لكن في هذه المسألة الاستفهام للتقرير، نقرر مع التأكيد-: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [النمل ٥٥] ﴿شَهْوَةً﴾ يحتمل أن تكون مصدرًا في موضع الحال، ويحتمل أن تكون مفعولًا لأجله؛ أي: لأجل الشهوة. وعلى كل حال ففيها إنكار من جهة أنهم يأتون الرجال شهوة وليسوا أهلًا لها، ومن جهة أخرى أنهم يدعون؛ ولهذا قال: ﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ وهن محل الشهوة، فيكونون قد أساؤوا فيما فعلوا وفيما تركوا؛ ولهذا قال لهم في آية أخرى: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٦]، وهذا أبلغ، يعني: لو أن المسألة ضيقة ما بقي إلا هذا الطريق. لكان أفضل، لكن هنا طرق محلَّلة مباحة موافقة للفطرة تدَعونها وتذهبون إلى هذا؛ كالذي يدع المذكاة ويأكل الميتة، وكالذي يدع البيع الصحيح ويذهب إلى الربا، ويقول: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [الربا ٢٧٥]، فالحاصل أن (...) تزداد قبحًا إذا كان لها بدائل من الحسنات، إذا كان لها بدائل من الحسنات ازدادت قبحًا، ولهذا قال لهم: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾، لو أنه اقتصر على هذا ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل ٥٥] حصل التوبيخ واللوم. ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ [النمل ٤٧] الفوائد؟ * طالب: آخر ما أخذنا إي نعم ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ آخر ما قلنا: إثبات الحكمة والعلة (...). * الشيخ: كذا؟ ذكرنا هذا؟ ذكرنا أن الاستعجال بالسيئة يكون بطلبها أو بالأفعال التي تسببها، ذكرنا هذه؟ * طالب : بداية الشرح اللي عندنا ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل ٤٧]. * يؤخذ من هذه الآية: بيان مسلك المكذبين للرسل أنهم يسلكون مسالك التشبيه والتمويه؛ لقولهم حين أصيبوا بالجدب والقحط: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾، مع أن هذا الأمر من الله سبحانه وتعالى وليس بأسباب النبي، وهكذا أهل الباطل يشبهون ويلبسون على الناس بمثل هذه الأمور. * وفي هذا دليل على أن المصائب التي تصيب الإنسان إنما هي من الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ولا ينافي هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى ٣٠]، ولا قوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم ٤١]؛ لأن نسبة هذه الأمور إلى الله نسبة خلقٍ وإيجاد، ونسبتها إلى المخلوق نسبة تسبب، فهي تضاف إلى الناس إضافة الشيء إلى سببه، وتضاف إلى الله سبحانه وتعالى إضافة المخلوق إلى خالقه. وعلى هذا يزول إشكال كثير من الآيات التي ظاهرها التعارض في هذا الباب. * وفي هذا دليل على أنه من الحكمة أن يُرد الباطل بالحق بدون سكوت؛ لقوله في جوابهم: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أنه لا يُسكت على الباطل بل يُرد عليه ويفضح، هذه الفائدة. * وفيها الفائدة الرابعة: أنه ينبغي أن يكون الرد من جنس الإيراد، فهنا تطيروا بصالح ومن معه، فبيّن أن طيرتهم وشؤمهم بسبب أعمالهم، لكنه قال: ﴿طَائِرُكُمْ﴾ يعني اللفظ مثل اللفظ، فينبغي أن يكون الجواب مثل الإيراد، ويتحرى المجيب حتى اللفظ. * خامسًا: أنه ينبغي لمن رد على غيره أو أبطل قوله أن يأتي بأمرٍ لا جدال فيه؛ لأن هذا صالحًا عليه الصلاة والسلام لو قال: هذا الجدب ليس مني وأنا ما أتيت بسببه وما أشبه ذلك، لكان هذا فيه مجال للأخذ والرد، ولكن ينبغي أن يختار المجيب الجواب الذي لا كلام بعده. نظير هذا محاجة إبراهيم للذي حاجّه في الله: ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨] ما قال: لا، أنت ما أنت تحيي وتميت، ولكنك تقتل من لا يستحق القتل، وترفع القتل عمن استحقه، وهذا ليس بإحياءٍ ولا إماتة، مع أن هذا هو الحقيقة، لكن هذا يكون فيه جدل، إنما أتى بأمرٍ لا جدال فيه ولا يمكنه أن يجادل، ولهذا بُهت الذي كفر. وهكذا ينبغي للإنسان في محاجة من حاجّه أن يختار الأجوبة اللي ما تؤدي إلى النزاع والجدال؛ لأنه إذا أدّت إلى النزاع والجدال فقد يتغلب الباطل على الحق؛ بسبب طول الجدال واللف والدوران، لكن يؤتى بشيءٍ لا جدال فيه، وهذه من آداب المناظرة حتى عند الذين يتكلمون بهذه الأمور يرون أن من آداب المناظرة الأخذ بما لا يمكن الجدل فيه. * الفائدة السادسة: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ دليل على أن الله تعالى قد يحدث من الأمور ما يكون سببًا لافتتان بعض الناس. أو لا؟ لما جاء صالح وجاء الجدب في الحقيقة أنه فتنة لبعض الناس؛ إذ يقول بعض الناس مثلًا: إن هذا من أسباب هذه الرسالة، فيكون سببًا للفتنة لولا عصمة الله تبارك وتعالى، وهذا دائمًا يكون في أفعال الله تعالى القدرية والشرعية. في الشرعية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة ٩٤] حرّم الله الصيد على المحرمين، فبعث الله على الصحابة رضي الله عنهم صيدًا تناله أيديهم ورماحهم، يمسكه بيده ما بتعب، وإلا برمحه ما يحتاج ولو إلى قوس. ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ فخافوه بالغيب، وافتتن الله تعالى قوم موسى بالحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعًا مع تحريم الصيد عليهم، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، ولكنهم لم يشكروا وخادعوا فتحيلوا، وصاروا يضعون الشباك للحيتان في يوم الجمعة، فتأتي الحيتان فتقع فيه يوم السبت، فإذا كان يوم الأحد جاءوا وأخذوه، قالوا: إحنا ما صدنا يوم السبت، فقلبهم الله تعالى قردة: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥]. فالحاصل أقول: إن الله تعالى قد يفتن الإنسان بالفتن الشرعية والقدرية؛ لأجل أن يعلم من يخافه بالغيب، ومن يصبر ومن لا يصبر. أحيانًا أيضًا يبتلى المرء بالمصائب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج ١١] ومن الناس من يعبد الله تعالى على أساس، ما هو على حرف، إن أصابه خيرٌ اطمأن به وشكر عليه، وإن أصابته فتنة صبر حتى يجتازها، واضح؟ ويدل عليه هنا قوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾. * طالب: هناك يا شيخ (...) قسيمة الآيات التي (...) لأن الأنبياء يؤتون آيات تدل على (...) ، فإذا جاءت هذه الفتن من القحط أو (...) تكون قسيمًا لها؟ * الشيخ: لا، ما تكون مضادة لها، هذه فتنة؛ لأنه هو عليه الصلاة والسلام بيّن أن السبب منهم الرسالة، وهو ما جاء بها لتشهد على رسالتهم، أصيبوا بها لأنهم كذّبوا، مثلما أصيبت قريش بدعاء النبي ﷺ عليهم (...) وما قال: آيتي أن الله يبتليكم بالقحط، وحتى لو قال: إن آيتي أن يبتليكم الله بالقحط وحصل صارت آية. * وفيها أيضًا قوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل ٤٨] فيه مبدأ العصابات، ولا يزال موجودًا إلى الآن، فإن هؤلاء التسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وما زال الأمر إلى يومنا هذا وإلى ما بعد، والله أعلم أنه سيبقى؛ لأن أهل الشر لهم طرق يتفننون بها في فرض شرهم على غيرهم. * وفيه أيضًا دليل على أنه يمكن أن يجتمع الفساد والصلاح؛ لقوله: ﴿يُفْسِدُونَ﴾ ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾، ولولا أنه يمكن اجتماعهما لم يكن لقوله: ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾ فائدة؛ لأنه يكون عدم الصلاح مفهومًا من إثبات الفساد لو لم يمكن اجتماعهما، هذه فائدتين. * ففيها: إثبات أن الفساد والصلاح قد يجتمعان في شخص. * ومنه نأخذ أيضًا: أن الكفر والإيمان قد يجتمع في شخص؛ لأن الإيمان صلاح والكفر فساد، وكذلك أيضًا الفسوق والطاعة ممكن تجتمع، وخالف في ذلك طائفتان من الناس: * طالب: (...). * الشيخ: والمرجئة. المرجئة قالوا: ما يمكن، الإنسان إذا كان مؤمنًا كل أحواله صالحة، ولا يعذّب بذنب ولا يلام عليه. والخوارج والمعتزلة بالعكس، قالوا: ما يمكن يجتمع كفر وإيمان، وفسوق وطاعة، بل من أتى ما يوجب الفسق صار كافرًا، ومن أتى ما يوجب الكفر صار كافرًا، على رأي الخوارج، أو خارجًا من الإيمان بين منزلة الإيمان والكفر على رأي المعتزلة. ولا شك أن النفوس والواقع والعقل يدل على خلاف ما قالوا؛ لأن اجتماع هذا وهذا أمرٌ موجود معلوم. * طالب: يعني (...) الرجل بالأغلبية، يعني: يجتمع (...) في قلب رجل، ويكون الرجل بالأغلبية، أن يكون مؤمن (...) الإيمان. * الشيخ: لا، نقول: مؤمن ناقص الإيمان، ما نطلق عليه الإيمان المطلق، حتى لو كان فيه مثلًا عشرة في المائة، لا بد أن يكون ناقص الإيمان، من لم يؤمن بإيمانه فاسقٌ بكبيرته، مثلًا: لو اغتاب الإنسان رجلًا من الناس هذه كبيرة من الكبائر تنقص الإيمان، وهو يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويتطوع بسائر التطوعات، ما نعطي هذا وصف الإيمان المطلق، بل نقول: مؤمن بإيمانه فاسقٌ بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان. * طالب: شيخ، قوله: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ (...) مثل قول الصحابي فأمرنا بالسكوت (...) الكلام، بمعنى أنه يتحقق الوصف بواحد منهم والثاني .. * الشيخ: لا، وبارك الله فيك؛ لأن السكوت والكلام متناقضان، أما الصلاح والفساد فمتضادان، يمكن أن يجتمعا فيكون في الشيء مصلحة ومفسدة: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ٢١٩] أما هذا فهو السكوت ولا كلام متناقض، يعني ما يمكن يوجد أحدهما إلا بفقد الآخر. * الفائدة الثالثة: أن المعاصي من أسباب الفساد في الأرض؛ لقوله: ﴿يُفْسِدُونَ﴾، وهؤلاء الجماعة ليسوا يهدمون البيوت، ولا يغرقون الزروع، ولا يحرقون المتاجر، لكنهم يفعلون ما يكون سببًا للفساد، الفساد المعنوي: وهو فساد الأخلاق والسلوك، والفساد الحسّي؛ لأن الفساد الحسي يتبع الفساد المعنوي. ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل ٤٩]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة أولًا: أنه من الحزم -والحزم قد يكون في الخير وفي الشر- أن تتعاقد الطائفة وتتعاهد على منهاجها الذي تسير عليه؛ لئلا تتفرق وتختلف، منين تؤخذ؟ ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ ما ذهب كل واحد مذهبًا، اجتمعوا أولًا على تدبير الخطة ثم على تنفيذها. فيؤخذ منه: أن من الحزم أن تجتمع الطائفة وتتفق على عهد يربط بعضها ببعض؛ ليكون التنفيذ واحدًا. وهذا المسلك لا زال يُسلك حتى الآن، وتعرفون أن الصحيفة التي اجتمعت قريش فيها على مقاطعة بني هاشم، هل نقضت برجلٍ واحد؟ لا، بل ذهب هذا الرجل الذي أراد نقضها إلى فلان وفلان، وصار يجمّع الناس حوله حتى اجتمعوا على نقضها وغلبوا في تنفيذ فكرتهم. فالحاصل أن ها المسائل دي ينبغي للإنسان إذا أراد أن يهم بأمر ويمشي على منهاج أنه يجعل معه أقوامًا يساعدونه ويتعاقد معهم ويتعاهد، عاد إن كان في خيرًا فخير وإن كان في شر فالله يتولاهم. هنا: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ على خير ولّا على شر؟ * طلبة: على شر. * الشيخ: إي نعم، على شر من أعظم الشرور. * وفيه دليل على مبدأ الاغتيالات؛ لقوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ لأن التبييت اغتيال؛ إذ إن الاغتيال معناه هو القتل على غرّة، ولهذا كان الصحيح من أقوال أهل العلم أن الغيلة ليس فيها خيار لأولياء الدم وأنه يجب قتل المغتال بكل حال حتى لو عفوا، وهذا مذهب مالك واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، وهو فسادٌ في الأرض، ولا يعارض هذا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم ( ١٣٥٥/ ٤٤٧) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن قوله: «مَنْ قُتِلَ لَهُ» هذا من الحقوق الخاصة، وأما مسألة الاغتيال فإنها من الحقوق العامة، يجيء للإنسان في مأمن ويقتله. * طالب: (...). * الشيخ: لا، فعل القاتل أنه إذا بغى يقتل (...) لكن المهم من ذاك يمكن أن يتحرز منه، أن المقتول يمكن أن يتحرز بالفرار، أو يتحرز بالمدافعة، أو ما أشبه ذلك (...). أما يجيه وهو نائم مثلًا أو يأتيه في بيته وهو غافل، فهذا ما يمكن التحرز منه، فساد؛ لأنه لو جاه وهو يعلم به يمكنه يتحرز بالفرار، يتحرز بالمدافعة، يتحرز بالصياح لمن حوله وما أشبه ذلك. وليس قولنا: إنه على (...)؛ لأنه مثلما قلت: الغالب أنه ما يقتل (...)، لكن الكلام على غرّة من المقتول، هذا هو قتل الغيلة، فهؤلاء الجماعة تقاسموا على هذه الفعلة القبيحة المشينة، ولكنهم لم ينفذوا ما أرادوا، وهم لم ينفذوه، لم يحصل لهم تنفيذ ما أرادوا؛ لأنهم مكروا ومكر الله والله خير الماكرين. * طالب: (...) يدل على (...) مبدأ الاغتيالات (...) الله سبحانه وتعالى ذكر (...) وهو على حرمة الاغتيال. * الشيخ: لا، بمعنى أن الاغتيال موجود حتى في الزمن السابق، هذا قصدي، وليس معنى هذا أنه المبدأ المباح (...) إن هذا موجود ولا يزال موجودًا، يعني في غالب الأمور تجد أصلها موجودًا، غالب الأمور من خير أو شر تجد له أصلًا في الأمم السابقين. * طالب: المسلمون لا يجوز لهم أن يسلكوه مع الأعداء. * الشيخ: إن كانوا يسلكونه بنا سلكناه بهم، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل ١٢٦]. * وفيه دليل في قوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ دليل على الإنكار، إنكار المدّعي، وهذا الشيء واضح، أن الفاعل للسيئة لا يهمه أن ينكر فعله، يعني: من قتل يهون عليه أن ينكر القتل، ولّا لا؟ من قتل هان عليه أن ينكر القتل؛ لأن القتل أعظم من إنكاره، فلهذا قالوا: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾. * وفيها فائدة رابعة: أن البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر، لماذا؟ لأنه لولا أن هذا القول يبرئهم ما صح أن يتفقوا على اتخاذه حجة، أما فهمتم؟ يقتلونه ويقولون: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾. اتفقوا على هذا. دل هذا على أن الإنكار يدرأ به المدعى عليه، وجهه: أنه لولا أن ذلك يبرئهم لم ينفعهم الاتفاق عليه؛ لأنه لو قالوا: ما شهدنا مهلكه لقال: أنتم القاتلون، فهذا أيضًا دليل على أن البينة على المدّعي واليمين على من أنكر. فإذا ادعى شخص أن هذا الرجل قتل والده، نقول له: هات بيّنة، فإذا لم يأت ببينة فإنه لا يثبت له الحق، ما يثبت له الحق؛ لأن البيّنة على المدَّعي واليمين على من أنكر. ولكن هل هذا على إطلاقه؟ المشهور من المذهب أنه على إطلاقه، وأنه لو كان المدعَى عليه القتل من أفجر الناس والمقتول من أطيب الناس وكذلك المدّعي، فإنه لا يؤخذ بقوله؛ لعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»[[أخرجه الدارقطني (٣١٩١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، والشطر الثاني من الحديث متفق عليه؛ البخاري (٢٥١٤)، ومسلم (١٧١١) من حديث ابن عباس ولفظه: أن النبي ﷺ قضى أن اليمين على المدعى عليه.]]. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذا يؤخذ بقوله، ولكن تجرى فيه القسامة إذا كان هذا الرجل معروفًا بالفسوق، والمقتول معروفًا بالصدق والاستقامة. وكذلك أولياؤه، قال: فإن هذا قرينة تغلّب على الظن صدق المدعي، وعلى هذا فتجرى فيه القسامة. وما قاله الشيخ فليس ببعيد. كذلك الأمر الثاني بالعكس، لو أن شخصًا قتل إنسانًا وقال: نعم أنا قتلت، ولكن الرجل صال عليَّ ولم يندفع إلا بالقتل، فماذا أصنع؟ المذهب لا يُقبل قوله ويُقتل، أما فهمتم؟ إنسان ادُّعي عليه أنه قاتل، قال: نعم أنا القاتل، لكنني قتلته دفاعًا عن نفسي؛ لأن الرجل يبغى أن يقتلني، نقول له: هات بيّنة أنه صال عليك وإلا قتلناك. قال: ما يمكن يكون بيّنة؛ لأنه ما بيصال علي أمام الناس، لو يدري أن حوله أحدًا ما صال. نقول: إذن نقتلك ويوم القيامة تختصمون عند الله، هذا هو المذهب، واختار الشيخ هنا أنه يُقبل قول المعروف بالصدق، فإذا كان هذا الرجل مستقيمًا -هذا القاتل اللي يقول: أنا قتلته دفاعًا- مستقيمًا، والمقتول معروفًا بالفجور والاعتداء على الخلق، فإنه يُقبل قوله، ولكن يحلف تأكيدًا لقوله. وما قاله الشيخ هو الصحيح، ولا يمكن العمل إلا به، ولا يمكن العمل بخلافه، أما كون يقول: نقتلك وتلقى حسابك عند الله، هذا فيه نظر. طيب، حتى لو وجد قرينة تدل على صدق الرجل غير مسألة الحال هذا والحال هذا، يعني مثلًا لو وجد في بيته، لو وجد المقتول في بيته، أي في بيت القاتل، زلمة دخل علي البيت بيقتلني، أو بينتهك حرمة أهلي، فوجدت ألا يندفع إلا بالقتل، يقول: نعم ولو كان؛ لأنه يمكن أنه عزمه لأجل يقتله. * طالب: فيه شبهة تدرأ (...) * الشيخ: ويش هي؟ * الطالب: أنه في بيته. * الشيخ: إي نعم، هم يقولون نعم في بيته. * الطالب: ادرءوا الحدود بالشبهات. * الشيخ: لكن هو يقول: أنا الآن قتلت عمدًا، ما فيه شبهة (...) أنه صائل، يقول: إن كونه في بيته ما يدل على ما قال؛ لأنه يجوز أنه (...) يقول: تفضل عندنا، تفضل عندنا نوريك ويدخل على أن (...)، مشكلة هذه ما يستقيم الحال إلا على ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. طيب، الكلام على قوله: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ يدل على أن المنكِر مقبول القول ما لم يأت المدعي ببيّنة. * وفي هذه الآية: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل ٥٠] دليل على عظمة الله سبحانه وتعالى، وأنه أعظم مكرًا ممن يمكرون به وبرسله. فهؤلاء أرادوا المكر برسوله ولكن الله تعالى مكر بهم بما هو أعظم. * وفيه دليلٌ على وصف الله تعالى بالمكر، لكنه ليس على سبيل الإطلاق، بل على سبيل التقييد، فيقال مثلًا: هو ماكرٌ بأعدائه أو بمن يستحق المكر، أو ما أشبه ذلك مما يجعل المكر صفة كمال؛ لأن المكر ليس بصفة كمال على الإطلاق، ولا بصفة نقصٍ على الإطلاق. * وفي هذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى قد يمكر بالعبد فلا يشعر بمكره. ومن ذلك -من مكر الله بالعبد وهو لا يشعر- استدراجه إيّاه بالنعم؛ حيث يسدي إليه النعم وهو يبارز الله تعالى بالعصيان. ومن مكره به تلبيسه عليه بالحكم، يلبس عليه الحكم حتى يظن الباطل حقًّا، فيتمادى فيه، ولهذا من الدعاء المأثور: اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه[[ذكره ابن كثير في التفسير (١ / ٥٧١).]]. فالإنسان قد يكون لديه شبهة أو شهوة، شبهة ما يعرف الحق، أو شهوة لا يريد الحق، يريد غيره. وفي قوله: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل ٥١]. * في الآية فوائد: أولًا: الحث على الاعتبار؛ لقوله: ﴿فَانظُرْ﴾ والنظر يكون بالقلب، ويسمى نظر البصيرة، ويكون بالعين ويسمى نظر البصر، وكلاهما أمرٌ مطلوب إذا أدى إلى مطلوب، وأما إذا لم يؤد إلى مطلوب، بل أدى إلى العكس، مثل أن يعتبر ويتبصّر ثم يتخذ من هذا النظر يتخذه وسيلة إلى الطعن في حكمة الله سبحانه وتعالى، أو إلى وصف الله تعالى بالظلم أو ما أشبه ذلك مما يقع من بعض الملحدين، فإن هذا ضرره كبير والعياذ بالله، لكن من نظر ليعتبر، من نظر بعين العقل والعدل، بل لا بد من الأمرين: عقلٌ وعدل، فبانتفاء العقل ما يعرف الإنسان، وبانتفاء العدل يظلم. فعلى كل حال، في هذه الآية دليل على أنه ينبغي للإنسان أن ينظر ويتأمل في الأمور، لا سيما في أمور المكذبين. * وفيه دليل على أنه ينبغي في مقام التحذير استعمال أغلظ الألفاظ وأشدها تأثيرًا؛ لقوله: ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾ ولم يقل: أهلكناهم، فإن التدمير أعظم وقعًا في النفس، والنفس تنفر منه أكثر، ولهذا قال: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾. * في الآية دليل أيضًا على أن العقوبات إنما تأتي بأسباب المرء؛ حيث جعل هذا التدمير عاقبة مكرهم، وهذا يدل عليه أيضًا قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]. وقال تعالى في خصوص أهل الكتاب: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة ٦٥، ٦٦] ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ من الثمار الطويلة، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ من الزروع التي تحت الأرض. في قوله أيضًا: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. * في هذا دليل على أن العقوبة تعم، ولكن كما قال رسول الله ﷺ: «يُبْعَثُ النَّاسُ عَلَى أَعْمَالِهِمْ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٢٢٩) من حديث أبي هريرة بلفظ: «إنما يُبعث الناس على نياتهم».]] العقوبة قد تعم، ولكن يُبعث الناس على أعمالهم، وهذا مشاهَد، سواء كانت العقوبة من الله، يعني: من فعل الله، أو من فعل العباد، يسلّط الله تعالى بعض عباده على بعض، فيدمر هذا المتسلط على الصالح والطالح، ولكن يُبعث الناس يوم القيامة على أعمالهم ونياتهم، أو ينزل الله تعالى كارثة من عنده؛ كالفيضانات والرياح وغيرها، فتدمر الصالح والطالح، ويوم القيامة يُبعثون على نياتهم. وإنما كان كذلك -والحكمة عند الله سبحانه وتعالى- لأجل أن يستقيم الناس على أمر الله؛ لأني أنا إذا علمت أن المصيبة ستعم سأسعى في إزالة السيئة الموجبة للعقوبة ولّا لا؟ لكن لو أننا نعلم أن العقوبة تخص العامل ما استقام الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر. أليس هكذا؟ ولذلك يجب أن يكون خوف الإنسان من معاصي غيره كخوفه من معاصي نفسه؛ لأن العقوبة واحدة، إذا نزلت عمّت، بل إن المعاصي سبحان الله كالدخان، يصرع من شمّه وإن لم يكن في بيته. ولذلك معاصي الناس اليوم أثّرت حتى على أهل الخير البعيدين منهم. يعني أهل الخير لو سألتهم وقلت: هل تجدون في قلوبكم ما كنتم تجدونه قبل سنوات من الإنابة إلى الله، والخشوع، والخضوع، ومحبة الخير؟ لوسألتهم لأجابوا: لا. دعنا من الناس اللي ماتوا قبل ثلاثين سنة أو أكثر، هذا معلوم أنهم سلموا من هذه الفتنة، لكن حتى الموجود الآن قلوبهم قبل نحو ثلاثين سنة أصلح بكثير من اليوم، مع أن حالهم هي هي، تجد الإنسان مثلًا في مسجده إمام ولم يلتفت للدنيا ولم يشتغل بها، تجد إنسانًا مثلًا في أهله ما يلتفت إلى أحدٍ غيرهم، ومع ذلك تأثرت القلوب؛ لأن المعاصي مفاسد مهما كانت. ولكن مع هذا قد يأتي الله تعالى ببركانٍ عظيم يبدد هذه الأشياء، يقيض الله تعالى للأمة الإسلامية طائفة منصورة ظاهرة فتبدل كل هذا الأمر، ولهذا لا بد من عمل، الركود ما ينفع، الركود ما فيه سلامة أبدًا، لا بد من العمل ولكن على هدى مستقيم وبحكمة بالغة؛ لأن اللي يضر الدعاة إلى الله الآن واحد من أمرين: إما جهلٌ أو سفه، يعني: إما أنه ما عندهم علم بيّن راسخ، فتجدهم يحرمون ما أحل الله، ويوجبون ما لم يوجبه الله، واضح؟ مثلما يوجد من بعض الإخوان الذين يتشددون في أمور، يحرمون ما أحل الله، أو يوجبون ما لم يوجبه الله، وهذه مفسدة عظيمة، أو يكون عندهم سفه، يعني: ما عندهم حكمة في الدعوة إلى الله، فيكون عندهم تسرع وعنف، أو تباطؤٌ في غير موضعه؛ ففي الأول يحصل رد فعلٍ عنيف من المدعوين، وفي الثاني يحصل تمادٍ من المدعوين يفوّت الفرصة على الداعين، فلا بد من العلم والحكمة ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥].

النمل 27:50

الشيخ: الجواب: لما حثهم على الاستغفار وبيَّن لهم نتائجه الطيبة كان جوابهم: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ [النمل ٤٧] أعوذ بالله، هذا الجواب؛ يعني: أنت ما أتيت لنا بفائدة، بل صرت شؤمًا علينا أنت وأتباعك، وهذا حال الذين يتطيرون بأهل الخير، والله تبارك وتعالى قد يفتن الناس؛ فقد يقع مثلًا في مجيء الخير أو معه قد يقع بعض الآفات أو بعض الأشياء المكروهة لدى الناس؛ ليكون ذلك فتنة وابتلاء. ربما مثلًا يحل رجل من أهل العلم والعبادة في بيت ثم يحترق هذا البيت؛ ابتلاء من الله سبحانه وتعالى وامتحانًا، أهل الشر يفرحون ويفرهون، يقولون: يا الله! شوفوا أسباب الطوع، احترق البيت لما جاء هذا الرجل، والله تعالى قد يفتن الناس، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]. هؤلاء يقولون: إنه بمجيء صالح ومعصية قومه عاقبهم الله تبارك وتعالى بالقحط والجدب وغور المياه، فقالوا: أنت يا صالح ومن معك ما جئتمونا بخير، ما جئتمونا إلا بالقحط والجدب وغور المياه، فتطيروا به. و﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ أصله: تطيَّرنا؛ أُدغمت التاء في الطاء، وهذا الإدغام على خلاف القاعدة؛ إذ إن الإدغام بين ساكن ومتحرك وهذا بين متحركين، فأدغمت التاء في الطاء، ولما أدغمت التاء في الطاء صار الحرف الأول منهما ساكنًا، ولاحظوا أنه أيضًا بعد الإدغام قُلِبَت التاء طاءً، والساكن ما يمكن الابتداء به، فاجتُلِبَت الهمزة لتسهيل النطق به؛ ولهذا قال المؤلف: (وَاجْتُلِبَتْ همزة الوصل) من أجل؟ لتسهيل النطق بالساكن. ومعنى ﴿اطَّيَّرْنَا﴾ أي: تشاءمنا؛ من الشؤم، والشؤم معناه: توقع الشر من مشاهَدٍ أو مسموع أو زمن أو حال؛ ولهذا قالوا: إن التطيُّر مأخوذ من الطير. وكانوا في الجاهلية يتشاءمون بالطيور؛ يبعثونها، وعندهم قواعد لهذا التشاؤم: إذا ذهبت يمينًا يتفاءلون، أو يسارًا يتشاءمون، أو أمامًا يعيدون، أظن الباعث مرة ثانية، وخلفًا يتشاءمون أكثر، فعندهم لهذا قواعد؛ فلذلك سُمِّي هذا التشاؤم تطيرًا، مأخوذ منين؟ من الطير؛ لأن غالب تشاؤم العرب بها. فهم يقولون: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ أي: تشاءمنا، وكان مجيئك شؤمًا علينا أنت وأتباعك. إذن ما هو التطير؟ هو التشاؤم بمرئي أو مسموع أو زمان أو مكان أو حال، هذا التطير، التطير هو: التشاؤم شنو؟ * طلبة: بمرئي. * الشيخ: بمرئيٍ أو مسموع أو زمان أو مكان أو حال، هذا هو التشاؤم. بمرئي؛ يرى الإنسان شيئًا فيتشاءم، افرض أنه مثلًا أراد أن يسافر فقابله إنسان يكرهه، هو يكره هذا الرجل قال: خلاص رجعنا، هذا ويش لونه؟ * طالب: بمرئي. * الشيخ: بمرئي. أو همَّ أن يسافر، فلما خرج سمع رجلًا يقول: مات فلان بن فلان، قال: خلاص رجعنا، هذا تشاؤم؟ * طلبة: بمسموع. * الشيخ: بمسموع. أو زمان؛ يتشاءم بيوم من الأيام، يوم الأربعاء، يوم الخميس، أو شهر من الشهور، كشهر شوال، العرب يتشاءمون بشهر شوال في الزواجات، يقولون: من يتزوج في شهر شوال ما يوفّق. (...) هذا الزواجات في شهر شوال كثيرة، لكن عائشة أبطلت ذلك بالواقع، قالت: «إن الرسول عليه الصلاة والسلام تزوجها في شوال، وبنى بها في شوال، فأيُّكن كان أحظى عند رسول الله ﷺ»[[أخرجه مسلم (١٤٢٣ / ٧٣) من حديث عائشة. ]]، إذن ينبغي أن نتدارك إن أردنا أن نعمل التشاؤم والتفاؤل، فإننا؟ * طالب: نتفاءل. * الشيخ: نتفاءل بشهر شوال، ولكن مع ذلك لا نتفاءل بالزمان ولا نتطير به، الخير والشر بيد الله سبحانه وتعالى. ومنهم من يتشاءم بالمكان، تجده مثلًا يجيء يجلس في هذا المكان (...)، يقول: خلاص، قمنا، هذا ما يمكن نجلس فيه. أو يتشاءم بالحال؛ حال الشخص مثلًا، التشاؤم بالحال أيضًا هذا تطير ما يجوز، قد مثلًا يعمل إنسان عملًا ويعاكسه في أول أمره، أو مثلًا يهم أن يفعل شيئًا غدًا ولا صار غد وله معه بعض التعب والعجز، فيتشاءم ويعدل بسبب هذه الأحوال التي تعرض له، فنقول: كل هذا لا يجوز، أنت إذا عزمت فتوكل على الله، «اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ»[[أخرجه أحمد (٧٠٤٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٣٨) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. الإنسان مثل ما قال القرطبي وكذلك غيره من أهل العلم: اللي يعلِّق تصرفاته بمثل هذه الأمور، فهو من أجهل الناس، ثم إنه ما يمكن ينصلح حاله إذا ينظر إلى هذه الأشياء. ولكن لاحظوا أن الفأل الذي يعين على فعل الخير لا يدخل في هذا الأمر، الفأل «كان الرسول عليه الصلاة والسلام يعجبه الفأل ولكنه يكره الطِّيَرَة»[[أخرجه ابن ماجه (٣٥٣٦) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن الطِّيَرَة فيها تعلُّق الإنسان بغير الله سبحانه وتعالى بمثل هذه الأمور، وفيها أيضًا منع للإنسان عما يريده من الخير. لكن التفاؤل فيه التشجيع على الخير، لما جاء سهيل بن عمرو في صلح الحديبية قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هَذَا سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَإِنَّهُ قَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ»[[أخرجه البخاري مرسلًا (٢٧٣٢) من حديث عكرمة.]]، إذا صحت هذه الكلمة في الحديث، فالحاصل أن التفاؤل غير التشاؤم. واعلم أن التشاؤم غير الشُّؤم؛ فإن الشؤم قد يكون في بعض الأشياء، مثل ما «أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه يكون في المرأة، ويكون في الدار، ويكون في الدابة»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٣)، ومسلم (٢٢٢٥ / ١١٦) من حديث عبد الله بن عمر.]]، وهذا شيء مشاهد؛ أن الإنسان قد ينزل بعض الدور وما يتشاءم، لكن يكون فيها شؤم، تكون دائمًا خراب مثلًا، ودائمًا تحتاج إلى أعمال متتابعة، فإذا ارتحل عنها ارتاح ووجد ما يريد. كذلك بعض السيارات، ما عندنا دواب الآن في غالب الناس، بعض الأحيان هذه السيارة يشتريها الإنسان ويحبها وتتعبه، كل يوم يخرب منها شيء، ثم يبيعها ويشتري ثانية ويرتاح لها. ومثلها أيضًا بعض الأحيان يشتري الإنسان قلمًا -حتى في الأشياء الصغيرة- يبدأ كل يوم يتعبه؛ يجف المداد، وتلقى الريشة أيضًا ما تستقيم معه، ومرة يضيع منه ويتعبه، ويشتري قلمًا آخر ويبقى عنده مدة ما (...)، لكن هذا ليس تشاؤمًا ولكنه شؤم. كذلك بعض النساء؛ يتزوج الإنسان امرأة وتتعبه ليلًا ونهارًا، في حياته العامة والخاصة، ومع أهله وأقاربه، ويتزوج أخرى فتكون راحة لنفسيته وقرة عينه. فالحاصل: أن هذه الأشياء أمرها واقع، ولكن الرسول ما قال: التشاؤم، قال: «الشُّؤْم»، وفرق بين هذا وبين هذا؛ يعني معنى ذلك: أن هذه الأشياء يجد الناس فيها أحيانًا بركة وراحة، وأحيانًا يجدون فيها قلقًا وتعبًا. * طالب: التشاؤم (...)؟ * الشيخ: لا، (...). * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، إذا كان هذا يتعلق بشيء، بعامل مثلًا ولا شيء، وأما بس مجرد أنه يشوف واحد بالسوق اسمه يزيد ولَّا اسمه صالح ولَّا اسمه راشد، لا، مو هذا، لكن الشيء اللي بما معه معاملة فأنا قد أتفاءل. سهيل بن عمرو له معاملة مع الرسول عليه الصلاة والسلام، فتفاءل، وهذا يكون من باب فتح الأمور باليسر. * طالب: ثم يكون بغير هذا الشيء؛ يعني يتفاءل إنسان (...)؟ * الشيخ: ما يخالف، ولكن الإنسان أول الأمر ما يتفاءل، كما هو عادة الناس الآن، أكثر العوام ما يدرون عن المسائل هذه، ويصير فيه خير في معاملة الشخص (...) الشخص الآخر لو أنه يزيد أو صالح مثل شؤم البلد. * طالب: حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: «الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٣)، ومسلم (٢٢٢٥ / ١١٦) من حديث عبد الله بن عمر.]] (...)؟ * الشيخ: لا، يدل على أن مثلها إنما كان (...). * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، يعني معناه: ذاك الشؤم في زمان أو في مكان أو ما أشبه ذلك يتشاءم، وأنا أيضًا ذكرت لكم الفرق بين الشؤم والتشاؤم: التشاؤم من فعله، والشؤم من فعل غيره، وهذا واضح أنه قد يكون يجعل الله في هذا الشيء خيرًا وبركة للإنسان، وفي هذا الشيء شؤمًا وبلاء. * طالب: قال النبي ﷺ: «الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ» ثم ذكرها، وقال: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٥٢)، ومسلم (١٨٧٣ / ٩٨) من حديث عروة بن الجعد.]]، ألا تتعارض «مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ»؟ * الشيخ: إي، لكن هل معقود بنواصيها الخير مطلقًا أو في حال الجهاد؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا؛ لأنه ذكر بعدها مثال الذي يربطها للجهاد في سبيل الله، «أنها مَا تَسْتَنُّ، وَلَا تَعْلُو شَرَفًا، وَلَا تَأْتِي رَوْضَةً، وَلَا تَشْرَبُ مَاءً، إِلَّا كَانَتْ لَهُ أَجْرًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣٧١)، ومسلم (٩٨٧ / ٢٤) من حديث أبي هريرة.]]. * طالب: إي، لكن بخصوص السبب ما (...). * الشيخ: لا، نرى أن الحديث هنا وإن كان.. لكن السبب يقتضي ذلك، وإلا الصحيح العبرة بعموم اللفظ، لكنه ما دام أن السبب صالح لإحالة الحكم عليه، فيجب أن يقيد به، مثل ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥ / ٩٢) من حديث جابر بن عبد الله.]]، وهذا اللفظ عام مع أنه هو نفسه يصوم، إذن يخصص بالسبب الذي ورد فيه وهو أنه إذا كان الصيام يؤدي إلى مثل هذه الحال فليس من البر. * طالب: ذكر في الحديث أنها قد تكون شؤمًا للإنسان يربطها خيلاء؟ * الشيخ: إي نعم، تكون وزرًا. * طالب: والحديث (...)؟ * الشيخ: ما أدري، ما أعرف هذا الحديث، ولكن الظاهر لي -والله أعلم- أن الرسول وجد قرينة غير الاسم؛ ولهذا استدعى أن يسأل عن اسمه، كأنه واجد في حال هذا الرجل مثلًا، مع أنه ما أدري. * طالب: ذكره ابن القيم في أحكام المولود. * الشيخ: إي، ما أعرف. * الطالب: الاسم لأول مرة، الثاني اسم شهاب، والثالث اللي (...). * الشيخ: ما أعرف عن هذا الحديث، قد ينظر في سنده. * طالب: العلماء يقولون: يحب الفأل على العموم، كما في عدة أحاديث. * الشيخ: إي، لكن هذا فيه تشاؤم، التفاؤل لا بأس، لو كانت مثلًا (...) ما فيها إشكال؛ ولهذا قال: «سَهُلَ مِنْ أَمْرِكُمْ»[[أخرجه البخاري مرسلًا (٢٧٣٢) من حديث عكرمة.]] إن صحت الكلمة هذه، لكن المشكلة الأول، ما لها تأثير، إلا إذا كان ذلك من طريق الوحي مثلًا، أما التأثير فلا يخاف؛ ولهذا الواقع يشهد بأنه لا حقيقة لذلك، تجد هذا اسمه عبد الله وهو عبد للشيطان، وتجد هذا اسمه شرورة وتجده من أخير الناس، ماله تأثير، إلا على الشيء يكون مثلًا بطريق الوحي، هذا شيء ممكن، مثل ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام لما ابن أبي طلحة سماه عبد الله، ولما دعا له بالبركة، بارك الله له، فكان من أولاده عشرة يحفظون القرآن[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٠١)، ومسلم (٢١٤٤ / ٢٣) من حديث أنس بن مالك.]]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ينبغي أن يقارن في الأسماء ما أرشد إليه الرسول عليه الصلاة والسلام، أن يراعى ما أرشد إليه، «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ: عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه مسلم (٢١٣٢ / ٢) من حديث عبد الله بن عمر.]]، يعني: عبد الله وعبد الرحمن أفضل من صالح ومن راشد. * طالب: (...)؟ * الشيخ: ما أدري، كون الإنسان يسمي اسمًا ليتفاءل به ما أدري، الرسول قال: «لَا تُسَمِّ غُلَامَكَ يَسَارًا وَلَا نَجَاحًا»[[أخرجه مسلم (٢١٣٧ / ١٢)، والجعديات (٢٧٠٠) واللفظ له، من حديث سمرة بن جندب.]]. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذه أبعد وأبعد، كونك إذا سميت بأسماء رجال من الصالحين يكون مثلهم، هذه أبعد، إلا إذا كان إنسان على سبيل المحبة لهم، ممكن يكون على سبيل المحبة، مثل ما يفعلون الآن، بعض الناس يسمون بأسماء الزعماء اللي يحبون، ولا يصيرون مثلهم بعد. ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ هذا جواب الرسل، وهذا الجواب تجدونه أيضًا أجاب به بنو إسرائيل لمن؟ لموسى، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف ١٣١]، وكذلك أصحاب القرية الثلاثة تطيَّروا بالرسل الذين أُرسلوا إليهم. على كل حال هذا جواب أهل الشر؛ أنهم يجعلون الأسباب التي هي من أفعالهم ونتيجة لأفعالهم بأسباب هؤلاء المصلحين، والحقيقة أنها وقعت جزاء على أفعال الكفار. ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ (أي: تشاءمنا، ﴿وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ أي: المؤمنين حيث قُحِطوا المطر وجاعوا)، قُحِطوا بمعنى: مُنِعوا المطر. (﴿قَالَ طَائِرُكُمْ﴾ شؤمكم، ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أتاكم به، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ) ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يعني: وليس منا، وطائركم بمعنى: شؤمكم، والمراد: ما أصابكم مما تشاءمتم به -وهو القحط والجوع- عند من؟ عند الله، وليس منِّي أنا، وإذا كان عند الله سبحانه وتعالى -هذا من أبلغ الجواب- فإن الله تعالى حكيم، ما يُنزِّل هذا الشيء إلا في منزلته، وبأسبابه التي يُستحق بها، فكأنه يقول: ما دام عند الله فالله تعالى حكيم، ما أنزله إلا في موطنه وموضعه هذا الشؤم. ثم قال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ هذا الاستطراد ليس لإبطال الأول، ولكنه للانتقال؛ إضراب انتقالي، وتعرفون أن الإضراب يكون على نوعين: إضرابا إبطاليًّا يكون الحكم لما بعد (بل) ويبطل ما قبلها. والثاني: إضراب انتقالي، مثل هذه الآية، ومثل قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] انتقال من شيء إلى شيء، هنا الإضراب إبطالي ولَّا انتقالي؟ * طالب: انتقالي. * الشيخ: انتقالي؛ لأنه عند الله يفتنهم سبحانه وتعالى بما حصل، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ووجه الفتنة؛ أولًا: أنهم نسبوا هذا إلى صالح ومن معه، وهذه فتنة عظيمة، فتنة ضلَّ بها هؤلاء. ثانيًا -من وجه الفتنة-: أنه أصابهم مع مجيء صالح إليهم، فظنوا أو ادعوا أن أسباب ذلك صالح ومن معه، ففُتِنوا بذلك فابتعدوا عن الحق. ومثل ما قلت لكم أنا قبل قليل بالتمثيل: أن يحدث مكروه عند وجود رجل صالح، فيُنْسَب هذا المكروه إلى هذا الرجل الصالح ومجيء هذا الرجل الصالح، فيكون في هذا حكمة. والله سبحانه وتعالى حكيم جل وعلا يفتن الإنسان ويختبره بأنواع المفاتن؛ تارة بالمصائب، وتارة بالنِّعم، وتارة بالأمور التي توجب الاشتباه ليمتحنه بذلك؛ ولهذا الدنيا كلها محنة، ما دام الإنسان دائرًا بين أمرين: إما شر، وإما خير، ولَّا لا؟ كل حياتك هكذا؛ شر ولَّا خير، وكلاهما يقول الله فيه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]. إذن معناه: انتبه يا إنسان، انتبه، الفضل؛ ليبلوني أأشكر أم أكفر؟ المصائب؛ ليبلوني أأصبر أم أجزع؟ الشبهات العلمية التي ترد على قلب الإنسان؛ ليبلوه هل يثبت أو يزيغ؟ فالمسائل كلها في الحقيقة فتنة واختبار من الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا يجب على العاقل أن يكون حذرًا دائمًا. ولست أدعوكم في قولي هذا إلى سوء الظن بالله عز وجل، ولكني أدعوكم إلى النظر في الأمور؛ ليكون تصرُّفكم على وجه سليم. ولكن مع ذلك أقول: إنه إذا تجاوز الإنسان هذه الفتنة حصل له الثبات والاستقرار؛ لأنه يطمئن قلبه، ويرسخ في هذه الأمور، ولا يزيغ -بإذن الله- بعد ذلك، لكن قد يُفتن المرء فلينظر؛ ولهذا قال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ تفتنون بأي شيء يكون؟ * طالب: بالخير الذي جاءه. * الشيخ: بالخير والشر، ووجه الفتنة في هؤلاء: أن البلاء الذي أصابهم بسبب دعوة صالح إلى عبادة الله، فكفروا فعُوقِبوا، فهذه من الفتن؛ لأنهم قالوا: أنت أسبابها، وفي الحقيقة أن أسبابها هم أنفسهم، ففُتِنوا بذلك، قال: (يختبرون بالخير والشر). (﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ مدينة ثمود، ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أي: رجال). المؤلف قال: (أي: رجال) والرهط -صحيح- هم الرجال، لكنهم قالوا: إن الرهط ما بين الثلاثة إلى العشرة، وبعضهم قال: ما بين السبعة إلى العشرة. فعلى هذا: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ يصير تسعةُ تسعة؟ لا؛ ولهذا فسر المؤلف الرهط بالرجال لا بمعناه الخاص؛ لأجل أن تستقيم الإضافة؛ إذ الشيء لا يُضاف إلى نفسه إلا على تأويل. وقال بعضهم: إنه لا حاجة إلى هذا التأويل؛ لأن الإضافة هنا بيانية؛ أي: أن (رهط) تفسير لـ(تسعة)، كأنه قال: تسعةٌ رهطٌ. والمعنى على كل حال هو أن هذه المدينة -مدينة صالح أو مدينة ثمود- كان فيها رجال تسعة، وكانت التسعة هذه مجالًا للتفاؤل والتشاؤم؛ أحد يتشاءم من العدد تسعة، يقول: لأن تسعة جاءت بالإفساد في الأرض، ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، وأحد يتفاءل بها، الرافضة يتشاءمون بالعشرة ويتفاءلون بالتسعة، العشرة مَن؟ المبشرون بالجنة، لكن هم يخرجون علي بن أبي طالب منهم ولا أدري من يحطون بداله، لكنهم يتشاءمون بالعشرة، عدوُّهم من العدد: العشرة، وصديقهم: التسعة؛ لأنهم يقولون: هم آل البيت الذين وضع عليهم الرسول الكساء، فقال لهم شيخ الإسلام: يجب إذا كنتم تتفاءلون أو تتشاءمون بالعدد أنكم تتشاءمون؟ * طالب: بالعشرة. * الشيخ: لا، تتشاءمون بالتسع؛ لأن هو اللي قال: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل ٤٨]، أما العشرة فإن الغالب أنها خير. * طالب: (...)؟ * الشيخ: عشر ذي الحجة، وعشر رمضان، والعشرة المبشرون بالجنة، وأمثلة كثيرة ما تحضرني الآن، وأنا أقول: إن كلام شيخ الإسلام هذا للتنزُّل مع الخصم، وإلا هو رحمه الله ما يتفاءل لا بهذا ولا بهذا، العدد عدد، ما فيه أثر لشيء. ﴿كَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بأي شيء؟ بالمعاصي، يفسدون في الأرض بالمعاصي، وكلما ذكر الله تبارك وتعالى الفساد في الأرض فالمراد به المعصية؛ الشرك فما دونه، لماذا؟ لأنه لا شك أن عمل المعاصي نفسه فساد، أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: ثم هو سبب للفساد؛ ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف ١٣٠]، وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١]، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠]. فالمعاصي هي نفسها فساد، وهي سبب للفساد أيضًا؛ فلذلك كل ما ذكر الله سبحانه وتعالى الفساد في الأرض فالمراد به المعاصي، يفسدون في الأرض بالمعاصي، منها: قرضهم الدنانير والدراهم، كيف قرضهم؟ يقطعونها، يخربونها، يقصُّون من الدراهم والدنانير، ولكن هذا إسرائيلي. * طالب: أين الدليل؟ * الشيخ: إسرائيلي، ما في دليل، ولا هو أيضًا أكبر المعاصي، هذا صحيح أنه غش لكن ما هو أكبر المعاصي. على كل حال أهم شيء أنهم أنكروا الرسالة وكفروا بالخالق، هذه من أعظم المعاصي التي يفسدون بها في الأرض. وقال: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ يفسدون ولا يصلحون؛ يعني معناه: أن فسادهم هذا -والعياذ بالله- شامل، ما فيه صلاح أبدًا، وهذا هو الحكمة من قوله: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾. وفيه فائدة عظيمة: وهو أنه قد يجتمع الفلاح والفساد في آنٍ واحد، كما أن الإنسان يكون مؤمنًا ويكون فاسقًا، يكون فيه إيمان وفيه كفر، فيه فسوق وطاعة، فيه فساد وصلاح، ولّا لا؟ فالأمور؛ إما خير محض وصلاح محض، وإما شر محض وفساد محض، وإما خليط من الأمرين. هؤلاء القوم يفسدون ولا يصلحون -والعياذ بالله- ما يصلحون بالطاعة أبدًا، وهذا دليل على أنهم ليس فيهم خير محض، ليس فيهم خير أبدًا لا قليل ولا كثير، لكن فيهم أناس خيُّرون، من؟ الذين آمنوا بصالح واتبعوه، لكن هؤلاء الرهط التسعة يفسدون ولا يصلحون، دائمًا ما همّهم إلا الفساد في الأرض بالمعاصي، وإلقاء الفتن بين الناس، ومحاولة قتل المصلحين؛ ولهذا: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ إلى آخره. * طالب: التشاؤم هو يعتبر شركًا أصغر ولّا أكبر؟ * الشيخ: لا، أصغر، ما لم يعتقد أنه مؤثر بنفسه فيكون أكبر، وأظن ذكرنا هذه القاعدة مرات: كل من أثبت سببًا؟ * الطالب: غير شرعي. * الشيخ: غير شرعي. * الطالب: أو قدري. * الشيخ: أو قدري؛ يعني ما يقتضيه الشرع ولا القدر فهو مشرك، لكنه شرك أصغر ما يؤدي إلى الأكبر، فأما ما اقتضاه الشرع أو اقتضاه القدر، ما اقتضاه الشرع بأن يُعلم من طريق الشرع أن هذا سبب لهذا، كقراءة الفاتحة على مريض سبب للشفاء، شرعًا ولّا قدرًا؟ * الطالب: شرعًا. * الشيخ: شرعًا؛ يعني: جاء بها الشرع، التجارب التي تجرى على بعض النباتات وبعض الأدوية فيُعرف تأثيرها، هذا سبب؟ * الطالب: قدري. * الشيخ: قدري، جاء به القدر. الأشياء اللي ما دل عليها الشرع ولا القدر هذه ما يجوز أنك تقول: إنها أسباب، مثل إنسان علَّق خيط برقبته وقال: هذا لدفع العين، اللي يعلق الخيط خلاص ما عاد تجيه العين، هذا ما هو سبب، ليس بصحيح، أين الشرع الذي دل عليه؟ وأين القدر الذي دل عليه؟ وكم من إنسان يُصاب بالعين وعليه هذا الخيط. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يصير. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، لا، يعتقد أنه سبب للنفع، أن النافع الله لكن هذا من أسباب النفع، إي، لكن لو اعتقد أنه ينفع بنفسه وليس سببًا محضًا صار متخذًا مع الله إلهًا. * طالب: يا شيخ (...) أكبر ولا أصغر؟ * الشيخ: لا، هذا ما هو داخل في مسألة الأسباب هذه. * طالب: (...). * الشيخ: لا، هذا من جهة أخرى غير.. نحن الآن نتكلم عن الأسباب، من جعل سببًا من المسبَّبات المعيَّنة بدون شرع ولا قدر فهو مشرك، وأما مسألة التشريع فالتشريع حكم بغير ما أنزل الله، أي إنسان يشرِّع ما لم يشرعه الله ويعتقد أنه ما شرعه الله وأنه أصلح مما شرع الله، فهو كافر كفرًا مخرجًا من الملة، سواءً حكم به أم لم يحكم، أم خلا الناس يحكمون به. ولهذا يجب أن نفرِّق بين من لم يحكم بما أنزل الله تشريعًا، وبين من لم يحكم بما أنزل الله فعلًا، اللي يحكم بغير ما أنزل الله فعلًا لا تشريعًا هذا قد يكفر وقد يفسق وقد يظلم، والذي يحكم بغير ما أنزل الله تشريعًا، بمعنى: أن يجعله هو الشرع شرع مبدَّل بدل شرع منزَّل، هو يرى أن هذا الشرع المبدَّل أصلح للعالم من الشرع المنزَّل، فهذا كافر، ولا ينقسم فعله إلى ظلم وفسق وكفر، بل هو كفر محض، فهمتم؟ فالحكَّام الآن الذين يقنِّنون للناس قوانين يقولون: يجب تمشون عليها؛ لأنها أصلح لكم مما سبق، هؤلاء كفار حتى وإن لم تنزل بهم نازلة واحدة من هذه القوانين فيحكمون بها فهم كفار، أو ما فهمتم؟ يعني: إنسان مثلًا رئيس دولة شرع نظامًا يعرف أن هذا النظام مخالف للشرع لكن يعتقد أنه أفضل من الشرع وأصلح للخلق، هو ما حكم به ولكن سنَّه وخلا للناس يحكمون به، نقول: هذا كافر كفرًا مخرجًا عن الملة. * طالب: يحل الخروج عليه. * الشيخ: يجب الخروج عليه، إلا إذا كان قد يكون متأولً بعد، قد يقول: لا، هذا ما يخالف الشرع؛ لأن مثلًا عندنا بعض العلماء -الله يهدينا وإياهم- يفتحون للحكَّام أبوابًا، حتى إنه مما يموهون عليهم يقولون: مسائل الدنيا ما للشرع فيها دخل؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٣٦٣ / ١٤١) من حديث عائشة وأنس بن مالك.]] في مسألة التلقيح، فيموهون على الحكَّام، يقولون مثلًا: تجوز البنوك؛ لأن هذه من النظام الاقتصادي الحديث، ما للشرع فيه دخل، تجوز صناديق هذه التأمينات ولا فيها شيء؛ لأن هذه من الأمور الاقتصادية التي يرجع فيها إلى ما يقتضيه العصر، ما للشرع فيها (...). غالب الحكَّام قد يجهلون هذا الأمر، فيظنون أن هذا صحيح فيلتبس عليهم، لكن إذا علمنا وفهَّمناهم وبيَّنا لهم الحق وقلنا: «أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ» فيما يتعلق بالعمل والصناعة، الصنعة يعرف كيف يصنع القدر لكن قد لا يعرفه الرسول ﷺ، الحرَّاث يعرف كيف يبذر ولكن الرسول قد لا يعلم ذلك، لكن أحكام شؤون دنيانا من الأعلم بها؟ * طالب: الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: إي، الشرع، ففرق بين الأفعال وبين الأحكام، أنا الآن مثلًا أعرف أن هذا الشيء محرَّم من الصناعة أو من الزراعة أو ما أشبه ذلك، لكن هل أعرف كيف أصنعه؟ أعرف أن صناعة السيارات أنها من الأمور الطيبة المطلوبة لما فيها من المصلحة، لكن هل أعرف كيف أصنع سيارة؟ أقول للكافر المشرك الملحد الشيوعي الخبيث: أنت أعلم بشؤون دنياك، صحيح ولَّا لا؟ لكن ما هو بأعلم مني بحكم هذا الشيء، واضح؟ فقول الرسول: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ»؛ يعني: أنتم أعلم هل هذا التقليح ينفع أو لا ينفع؛ لأنكم مجرِّبون وفاهمون، لكن أنا أعطيكم حكمًا شرعيًّا بأن كل ما كان صالحًا للخلق وفيه مصلحة للخلق فهو من الأمور المطلوبة شرعًا؛ لأن أصل الشرائع ما نزلت إلا لإصلاح الخلق. * طالب: ما ورد عن النبي ﷺ في مسائل الطب، ويش (...)؛ لأنا لو قلنا: النبي ﷺ ليس طبيبًا؟ * الشيخ: لا، قلنا: لا، لكنه بالوحي يدرك هذا الشيء؛ لأنه هو إما أن يكون أدركه بالتجارب، فإذا أدركه بالتجارب وأخبر به علم، وإن لم يكن أدركه بالوحي، فمثلًا: ذكر أن الشفاء في ثلاث؛ العسل معروف بالوحي: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل ٦٩]، الكي والحجامة يحتمل عندي أنا، وعند غيري أيضًا يحتمل أنه تلقى ذلك من الوحي، ونحن لا نعلم بهذا، يحتمل أنه علمه من التجارب وثبت عنده. ومع ذلك أيضًا نقول: ما دام الرسول ﷺ أثبته، فإنا نثبته؛ لأنه ثبت بقول الرسول، وكذلك التجارب تشهد له. * طالب: إذن الأصل أن نتلقى عنه ولا نقول: إن هذا ما هو من جانب (...) إلا ما ثبت في مثل التلقيح. * الشيخ: لا، مثل التلقيح وغيره، (...) مثلًا صناعة الأبواب والبنايات والأشياء هذه لا يعلمها الرسول عليه الصلاة والسلام، إن كان قد مارسها؛ ولهذا الرسول عليه الصلاة والسلام لو كان عنده في مكة نخل ومارس هذا الشيء أو مارسه (...) به، ما يدري عنه الرسول. * الطالب: (...). * الشيخ: ما يدري عنه؛ لأنه أتى إلى المدينة أول ما أتى قال: والله ما أظن هذا التلقيح ينفع شيئًا، حتى ما قال: لا تلقِّحون، لكن الصحابة لتعبهم من التلقيح لما قال الرسول عليه الصلاة والسلام فرحوا وقالوا: إذن ما نلقِّح، اتركوا ها التلقيح. * طالب: (...) التلقيح هذا هل فيه مثال آخر (...)؟ * الشيخ: ما نعرف، ولكن نحن نعرف الآن أن قول الرسول: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ» في الأمور التي تحصل بالممارسة والرسول ما علم عنها. * الطالب: طيب، (...) يحصل بالممارسة؟ * الشيخ: يحصل بالممارسة، والرسول أخبر بأشياء تلقاها من الوحي، وأشياء يحتمل من الوحي أو من التجارب وأخبر بها. * الطالب: إذن الأشياء التي تثبت في الطب بالممارسة ما كان (...) عنها؟ * الشيخ: (...)؟ * الطالب: يعني قد يكون النبي ﷺ.. * الشيخ: قد لا يكون علم بها وهي الآن نافعة. عندنا مثلًا إبر البنسلين ما كان الرسول يعرفها. * الطالب: لا، أنا أقصد (...) ذكرت، الأمور الطبية التي (...)، يمكن بعضها بالممارسة مثل ما ذكرت. * الشيخ: ما أخبر به الرسول قد يكون بالممارسة، وقد يكون بغير الممارسة، مثلًا: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٨)، ومسلم (٢٠٤٩ / ١٥٧) من حديث سعيد بن زيد.]]، هل هذا وحي أو لا؟ * الطالب: الأصل أنه وحي. * الشيخ: هذه بالذات قد تكون وحيًا؛ لأنها خفية، لكن مسألة الحجامة ومسألة الكي هذا أمر معلوم معروف عند الناس، فقد يغلِّب الإنسان أن الرسول علم ذلك بالتجارب، وقد يقول الإنسان: هذا وحي من الله عز وجل أوحاه إليه. * طالب: المعلوم بالتجارب قطعي النفع؟ * الشيخ: إذا حكم به الرسول، مع أن الرسول -لاحظ- يقول: «إِنْ كَانَ الشِّفَاءُ فِي شَيْءٍ فَفِي ثَلَاثٍ»[[أخرجه البخاري (٥٦٨٠) بلفظ: «الشفاء في ثلاثة»، وذكر الحديث من حديث ابن عباس.]]، ما جزم؛ لأنه قد لا يشفى الإنسان بهذه الثلاث. * طالب: إذن كلامه الأول ما هو عن تجارب (...)؟ * الشيخ: ولهذا أخلف الأمر؛ لأن ما عنده وحي ولا تجارب عليه الصلاة والسلام. * الطالب: إذن بس قاله رأي. * الشيخ: هذا رأي منه، هو قال: «أُرَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُ شَيْئًا»، لكن مثل ما قلت لك: أن الصحابة لما سمعوا هذا الكلام فرحوا به، قالوا: إذن كُفِينا المؤونة، ما دام هذا ظن النبي ﷺ وتركوه، وفسد النخل. * طالب: إي بس قد يشكل على بعض الناس، يقول: كما أنه ليس مؤبرًا فليس أيضًا طبيبًا (...) الأخبار التي وردت؟ * الشيخ: لا، ما هو بصحيح، الرسول ما جزم، ما قال: ليس فيه شيء، أو جزم ما يفيد، ثم هذا أمر -الحمد لله- معلوم لكل مؤمن ويستطيع أن يدافع لمن أراد شبهة في هذا الأمر، فيقول: إن الرسول ما جزم. والشيء الثاني: لو جزم النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الأمر، فإنما جزم به على سبيل الظن، والإنسان قد يجزم بالشيء على سبيل الظن، وقد أقر النبي عليه الصلاة والسلام من جزم، بل من أقسم على سبيل الظن. * طالب: يا شيخ (...) الأطباء العصريين يعملون على (...) مثلًا يقولون: هل يرد الحديث بسبب ما ظهر من أنواع (...)؟ * الشيخ: نقول: هذا ما هو بصحيح؛ أولًا: أنهم هم الآن يؤمنون (...)، لكن تختلف الوسيلة الآن، (...) والكي بالكهرباء وما أشبه ذلك، هذه معروفة الآن ومستعملة ويؤمنون بها، وكما قال الرسول: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»[[أخرجه مسلم (١٩١٧ / ١٦٧) من حديث عقبة بن عامر.]]، ما هو بالرمي بالقوة الآن، الرمي بالآلات الموجودة، والكي أيضًا بالآلات الموجودة، ليس بلازم أن يكون، وهم أيضًا الآن في بعض الأشياء يلجؤون إلى الطب العربي، أنا أذكر أن (...) دائمًا يقول بأن المريض يروح يتطبب طبًا عربيًّا، ويُشفى بإذن الله. * الطالب: يعني ما تأثر بالمسلمين لكن لو جاء مريضًا (...) يعني..؟ * الشيخ: في الحقيقة قد ينكرون الوسيلة أو الآلة التي حصل بها الكي أو فعل بعض الذين يكوون بالحديد. أنا أذكر مثلًا بعض النساء يُؤتى بالطفل إليها (...) في رأسه ثم (...) كية، وتجعل في ظهره كل خرزة من الظهر عليها خمسة. * طالب: واحدة واحدة. * الشيخ: إي، فهم الأطباء يعني يدرون بهذا الشيء وينكرونه؛ لئلا يحصل مثل هذه الحالات (...)، ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام لما ذكر هذه الأشياء ما هو بيقول: حتمًا لا بد منها، قد يكون يقوم مقامها ما هو أولى منها. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، بس ما هو معنى (...) صحيح؛ لأن هو نفسه فعل كوى سعد بن معاذ رضي الله عنه[[أخرجه مسلم (٢٢٠٨ / ٧٥) من جديث جابر.]]. * طالب: (...). * الشيخ: يقدمون (...) يوم الأحد. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، يُقرأ (...). إذا كان لغير عذر يُعاقب الإنسان. * الطالب: (...). * الشيخ: محمد إسماعيل عنده حديث (...). * الطالب: شفتها (...)، بس ما لقيت كلام (...). * الشيخ: (...) هذا، أنت (...). * الطالب: ما يخالف، أجيبه. * الشيخ: (...). * الطالب: بس، يعني (...). * الشيخ: إي، إذا ما لقيت ويش (...)، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. * الطالب: لقيت ابن حبان والحاكم، الأسانيد. * الشيخ: إي. * الطالب: بس، فتشت على كلام العلماء حوله ما لقيت إلا موافقة الذهبي للحاكم. * الشيخ: المهم بارك الله فيك، اكتب (...) ما نبغي أكثر من هذا. إذا أدرك الإمام بعد قراءة الفاتحة فهل تجب عليه (...)؟ * طالب: (...). * الشيخ: كلام شيخ الإسلام؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) المهذَّب شرح المهذَّب؛ لأن الشافعية يرون وجوب القراءة مطلقًا. * الطالب: بحثت. * الشيخ: شرح المهذَّب بحثت؟ * الطالب: لا، بحثت في كتب الشافعية. * الشيخ: لا، هو الكتاب الجامع لهم مثل المغني عندنا شرح المهذب. * * * قال: ﴿كَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قَالُوا﴾ أي: هؤلاء التسعة بعضهم لبعض، ﴿تَقَاسَمُوا﴾ أي: احلفوا ﴿بِاللَّهِ﴾ يعني: طلب بعضهم من بعض أن يتعاهدوا على هذا الأمر؛ يتحالفوا على أن يبيّتوا صالحًا وأهله، ومعنى البيات: إنزال العقوبة بهم ليلًا. فهنا حلفوا -والعياذ بالله- هذا الحلف الفاجر على أن يبيّتوا صالحًا وأهله؛ ولهذا قال: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل ٤٩]، اللام في قوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ واقعة في جواب القسم، والنون للتوكيد، فهم أكدوا هذا الفعل باليمين واللام والنون. يقول المؤلف: (بالنون والتاء وضم التاء الثانية)، كذا عندكم؟ بالنون (...) ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾، وبالتاء الثانية إذا جعلناها بالتاء لزم ضم التاء الثانية ﴿لَتُبَيِّتُنَّهُ﴾ ، وأما ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ فإنها تبقى مفتوحة. ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: من آمن به؛ أي: نقتلهم ليلًا، هذا تفسير البيات، والمراد بالأهل: أتباعه، كما قال المؤلف، ولكن قد ينازع في هذا، ويقال: إن المراد به أهله الخاصون؛ يعني: أهل بيته؛ لأنهم هم الذين يسكنون في الغالب معه في البيت، فإن الغالب أن الإنسان في الليل لا يكون معه في بيته إلا أهله الخاصون به. ثم بعد ذلك أن يبيّته، ﴿لَنَقُولَنَّ﴾ (بالنون والتاء وضم اللام الثانية)، ضم اللام الثانية متى؟ إذا صارت (...) ﴿لَتَقُولُنَّ﴾ ، أما بالنون فهي بفتح اللام ﴿لَنَقُولَنَّ﴾؛ يعني: ثم بعد أن نبيّته ونقتله إذا قام وليه للأخذ بثأره نقول له. (﴿لِوَلِيِّهِ﴾ أي: ولي دمه) ومن ولي الدم؟ ولي الدم عندنا في الخلافة الإسلامية هم الورثة بفرضٍ أو تعصيب، وقول البعض: بل العصبة هم أولياء الدم؛ لأنهم الذين يؤدون العقل عنه، وأما ذوي الفرض فليس من أولياء الدم، والصواب: العموم؛ أن أولياء الدم هم الورثة بفرضٍ أو تعصيب، حتى الزوجة والأم هن من أوليائه. (﴿مَا شَهِدْنَا﴾ حضرنا، ﴿مُهْلَكَ أَهْلِهِ﴾ بضم الميم وفتحها) ﴿مُهْلَكَ﴾ و﴿مَهْلَكَ﴾ ، ولم يتعرض المؤلف للقراءة الثالثة وهي: ﴿مَهْلِكَ﴾، فالقراءات فيها ثلاث: فتح الميم وكسر اللام، فتح الميم واللام ﴿مَهْلَكَ﴾ ، ضم الميم وفتح اللام، وهاتان الأخيرتان هما اللتان ذكرهما المؤلف: ﴿مُهْلَكَ أَهْلِهِ﴾ ، ﴿مَهْلَكَ أَهْلِهِ﴾ يقول: (أي: إهلاكهم أو هلاكهم) على القراءتين. ﴿مُهْلَكَ﴾ أي: إهلاك؛ لأن ﴿مُهْلَكَ﴾ من (أَهْلَكَ) الرباعي، و﴿مَهْلَكَ﴾ من (هَلَكَ) الثلاثي؛ فلذلك نقول: إذا كان الفعل ثلاثيًّا فإن المصدر الميمي منه على وزن (مَفْعَل)؛ (هَلَكَ مَهْلَك)، (قَامَ مَقَام). وإذا كان رباعيًّا فإن المصدر الميمي منه على وزن اسم المفعول، فتقول: (مُهْلَك) من (أَهْلَك)، وتقول: (مُقَام) من (أَقَام). قام فينا مقام فلان، مثل ما قال أبو حيان في ابن تيمية: قَامَ ابْنُ تَيْمِيَّةٍ فِي نَصْرِ شِِرْعَتِنَا ∗∗∗ مَقَــامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إِذْ عَصَــتْمُضَـــرُ قام مَقَام، لكن عندما تقول: أقام في هذا المكان مُقام فلان، بضم الميم، ما تقول: مَقام، مفهوم؟ وهذه قاعدة معروفة في النحو: أنه المصدر الميمي إذا كان من رباعي فهو على وزن اسم المفعول، وإذا كان من ثلاثي فهو على وزن (مَفْعَل) أو (مَفْعِل) مثل ﴿مَهْلِكَ﴾. ﴿مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ (فلا ندري من قتلهم)، وهذا الإنكار صحيح ولَّا كذب؟ * طلبة: كذب. * الشيخ: ما داموا هم الذين قتلوه، فقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ هذا كذب، لكن فيه تورية؛ لأنهم يقولون: ما شهدنا بل فعلنا، والشاهد لم يفعل؛ ولهذا قالوا: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾. وجملة ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ هل هي من جملة قولهم الذين يدافعون به عن أنفسهم أو هو تقرير لقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ يعني: وأنهم لم يقولوه للدفاع عن أنفسهم؟ يحتمل الأمرين. ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ هل ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ من جملة ما يقولونه للولي؛ ليؤكدوا النفي؟ ما شهدنا وإننا لم نكذب عليكم، إننا لصادقون أنا ما شهدنا، هذا وجه. أو أن المعنى: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ واطمئنوا أيها الإخوة، فإننا -يقول بعضهم لبعض- فإننا لصادقون بأننا لم نشهد؟ يحتمل هذا وهذا، إنما المفسّرون ذكروا احتمالين: أحدهما: أن يقولوه في جملة دفاعهم عن أنفسهم لولي صالح، وعلى هذا فتكون الجملة ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ تقريرًا لقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ (...)، ﴿مَا شَهِدْنَا﴾، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فلم نخبركم بالكذب. أو أن المعنى: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ ونحن إذا قلنا هذا فإننا صادقون؛ لأننا ما شهدنا مهلك، ولكننا أهلكنا بأنفسنا، لسنا شهودًا بل فاعلون. * طالب: (...)؟ * الشيخ: بلى، لكن الحقيقة أن الفاعل غير الشاهد، وأنه (...) تورية (...) مثلًا، تورية ولَّا معلوم أن من فعل فقد شهد، بل أبلغ. * طالب: ومن قتل النبي فالذين آمنوا (...) يكفي عليهم أنهم (...) لما هو أعظم؟ * الشيخ: لا، هم يهونون أمرهم بعضهم على بعض حتى لا يكون في أنفسهم شيء، ولّا هو معلوم أن الذي يقتل يشهد، لكن لتهوين الأمر على بعضهم يوطّن بعضهم بعضًا. والحاصل: أن هؤلاء -العياذ بالله- أرادوا هذا الفعل المنكر، وهو مكر؛ لأنه إتيان لصالح وأهله من حيث لا يشعرون، فإن الليل موضع السكون والهدوء، فإذا أحد اعتدى على أحد صار ذلك غدرًا ومكرًا. ولهذا حتى في حرب الكفار اختلف العلماء: هل يجوز تبييت الكفار أو لا يجوز؟ فمن العلماء من منع التبييت قال: ما يمكن أن يقتل الكفار وهم غارون نائمون، ومنهم من أجاز ذلك، والمسألة تحتاج إلى تحرير بحث في هذا الشيء. والحاصل أنا نقول: إن هذا من الغدر والمكر؛ أن يأتي هؤلاء إلى صالحٍ وأهله في الليل فيبيتوهم؛ ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ [النمل ٥٠] ومكروا في ذلك مكرًا، ﴿مَكْرًا﴾ منكّر، وأحيانًا يكون من فائدة التنكير: التعظيم؛ أي: مكروا مكرًا عظيمًا. والمكر فسّره بعضهم بأنه التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالخصم، فيحصل بأسباب خفية إلى الإيقاع بخصمه؛ لأن الأسباب الظاهرة ما تسمى مكرًا، وإنما هي أسباب خفية. قال الله عز وجل في مقابلة ذلك: ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ أي: أعظم من مكرهم، مكرًا أعظم من مكرهم. قال المؤلف: (أي: جازيناهم بتعجيل عقوبتهم) ففسّر المكر بالمجازاة، والصحيح: أن المكر أشد من المجازاة؛ لأنها مجازاة من حيث مأمن المجازي، لكن أراد المؤلف -رحمه الله- أن يدفع بذلك صفة المكر عن الله سبحانه وتعالى ففسّره بالمجازاة. والصواب عند أهل السنة والجماعة: أن المكر لا يجوز أن يحرّف إلى معنى المجازاة مطلقًا، وأنه لا يمتنع وصف الله تبارك وتعالى به في محله، فالمكر في محله يعتبر مدحًا ولَّا لا؟ يعتبر مدحًا، وفي غير محله يعتبر ذمًا، فالمكر بهؤلاء الماكرين مدح، يعتبر مدحًا عظيمًا. ولهذا الصحيح في هذه المسألة الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن الله تعالى يوصف بالمكر لا على الإطلاق، فلا يقال: إن الله ماكر؛ لأنه على الإطلاق يتضمن صفة الذم، وإنما يقال: ماكرٌ بمن يمكر به أو بمن يستحق المكر، وحينئذٍ يكون صفة مدح. والصفات تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: صفاتٌ حسنى بكل حال، فهذه ثابتةٌ لله على وجه الإطلاق، كالسمع، والبصر، والعلم، والحياة، والقدرة، وما أشبه ذلك. والثاني: صفات نقصٍ على كل حال أو صفات سوءٍ على كل حال، فهذه يُنزّه الله عنها على كل حال، مثل: الظلم، واللغوب، والجهل، والعمى، والموت، والمرض، والجوع، والعطش، وما أشبه ذلك، هذه ينزّه الله عنها على كل حال، والولادة، والوزير، والشريك، وما إلى ذلك، هذه ينزّه الله عنها في كل حال. والثالث: صفاتٌ ذات وجهين؛ تكون مدحًا في حال، وتكون ذمًا في حال، فهذه لا يوصف الله بها بإطلاق، ولا تنفى عنه على الإطلاق، مثل: المكر، والخداع، والاستهزاء، والسخرية، وأمثالها، هذه لا يوصف الله بها على كل حال، ولا تنفى عنه في كل حال، بل يوصف بها حيث تكون كمالًا، وتنفى عنه حيث تكون نقصًا. قال الله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة ٧٩]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ﴾ [البقرة ١٥]، وقال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال ٣٠]. ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني: هم لا يشعرون بعاقبة مكرهم، وهل يتم لهم ما أرادوا أم لا؟ ولا يشعرون كيف يمكر الله بهم، فهم لا يشعرون لا بهذا ولا بهذا لا بنتيجة مكرهم ولا بمكر الله بهم؛ لأنهم -والعياذ بالله- متمادون في الضلالة، والغالب أن الذي يتمادى في الضلالة يعمى ولا يبصر ويسمى ضلالة؛ فلهذا قال: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، والجملة في قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أيش محلها من الإعراب؟ * طالب: حال. * الشيخ: حال منين؟ * الطالب: من الواو. * الشيخ: من الواو في (مكروا)، أو من الضمير المحذوف في قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ يعني: بهم وهم لا يشعرون؟ * الطالب: (...) تدل على مكر مضاد (...) الخفي في الليل؟ * الشيخ: لا، هو بالأسباب الخفية، وقد يشعر به. قال: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ ﴿فَانْظُرْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ أولًا، أو لمن يصح خطابه؛ يعني: فانظر أيها المخاطب، أو فانظر يا محمد، وهو رأس هذه الأمة وقائدها وإمامها، فيكون خطابه خطابًا للأمة أيضًا. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ (كيف) هذه اسم استفهام معلِّقةٌ لـ﴿انْظُرْ﴾ عن العمل؛ ولهذا نقول: إن محلها النصب خبر (كان) مقدمًا، وجملة (كان) واسمها وخبرها في محل نصبٍ مفعول لـ﴿انْظُرْ﴾. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ العاقبة: ما يعقب الشيء؛ يعني: انظر ماذا يعقب مكرهم من الأمر. ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ أهلكناهم، عندكم بفتح الهمزة ولَّا بالكسر؟ فيها قراءتان: بفتح الهمزة: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾، وكسرها: ﴿إنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ . أما كسرها فهي كقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [القمر ٣٠، ٣١]، فعلى قراءة الكسر تكون مستأنفة لبيان هذه العاقبة، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾. فأما الذهن الآن يتشوف إلى هذه العاقبة، وجيء بالجملة الاستئنافية بيانًا لها: إنا دمرناهم وقومهم أجمعين. أما على قراءة الفتح فهي بيان للعاقبة؛ بدلٌ منه، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ أننا ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾ يعني: هي أو أنها على خبر مبتدأ محذوف التقدير: هي ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾ يقول المؤلف: (أهلكناهم) من التدمير وهو أبلغ من الإهلاك؛ لأن التدمير يوحي بغلظ هذا الإهلاك وعظمته، وهو كذلك؛ فإن قوم صالح أخذوا -والعياذ بالله- بأمرين: بصيحة، ورجفة، صيح بهم وارتجفت بهم الأرض حتى انهدم عليهم بناؤهم، وتقطعت قلوبهم في أجوافهم -نسأل الله العافية- قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر ٣١] مثل الهشيم (...)، والعياذ بالله. فهذه (...) العظيم نتيجة لهذا العصيان والتمرد والمكر الذي أرادوه بالنبي ﷺ. وقوله: ﴿دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ﴾ مع أن القوم لم يشاركوا في هذه الجريمة، ولكن هذا شؤم المعاصي: أن الله سبحانه وتعالى إذا عاقب بها أحدًا شمل الجميع، مع أن قومهم مستحقون للعقوبة؛ لأنهم كانوا كفارًا مكذّبين، لكن تعجيل العقوبة مقرونًا بهذا السبب، وهو مكر هؤلاء بصالح، هذا قد لا يكون قومهم مستحقين له، ولكنهم شملهم -والعياذ بالله- عقوبة هؤلاء، وقد ذكر الله تبارك وتعالى في آيات أخرى مفصّلة أن نبيهم صالحًا قال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود ٦٥]، فتمتعوا وبقوا ثلاثة أيام، ثم بعد ذلك أخذهم الله تعالى بهذه الصيحة والرجفة. وقوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ أيش محله من الإعراب؟ * طالب: توكيد. * الشيخ: توكيد للضمير لقوله: ﴿وَقَوْمَهُمْ﴾، لا، ما هو للضمير، لقوله: ﴿وَقَوْمَهُمْ﴾ للقوم؛ يعني: ما بقي منهم أحد إلا من كان مؤمنًا بصالحٍ عليه الصلاة والسلام. وقول المؤلف: (بصيحة جبريل أو برمي الملائكة بحجارة يرونها ولا يرونهم) أما قوله: (بصيحة جبريل) فهذا قد يكون مقبولًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [القمر ٣١]، وهذه الصيحة؛ إما من الله، أو من جبريل، أو من غيره من الملائكة، المهم أنهم أهلكوا بصيحة. وأما قوله: (أو برمي الملائكة بحجارة) فهذا لا أعلم له وجهًا، ولكنه قيل: إنهم لما جاؤوا إلى صالح أمر الله تعالى الملائكة أن تحرسه، فلما جاؤوا فإذا الملائكة تحرسه، فجعلت الملائكة ترميهم بالحجارة، وهذا لا أصل له، إذا لم يكن هذا عن معصوم فإنه غير مقبول، وهو أيضًا غير لائق أن تكون الملائكة يرمون بالحجارة كأنهم من البشر. ولكنا نقول: الذي دمّر الله به هؤلاء وقومهم هو الصيحة والرجفة، كما جاء ذلك في القرآن، ولا نتعدى القرآن في هذا الأمر؛ لأن الله تعالى يقول في سورة إبراهيم: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، فما دام هذه الأمور من معلومات الله سبحانه وتعالى فإننا لا نتجاوز ما قال الله فيها إلا ما ورد عن النبي ﷺ بسند مقبول. * طالب: وصلوا إلى بيته؟ * الشيخ: على رأي المؤلف وصلوا إلى بيته. * الطالب: فانطبق عليهم الغار. * الشيخ: ذكر بعض العلماء: أنهم لما خرجوا أصيبوا بمطر، وأنهم قالوا: لنلجئ إلى غار عن هذا المطر، فلما لجؤوا إليه انطبق عليهم هذا الغار وهلكوا، وأما قومهم جعلوا يطلبونهم ويدورون عليهم فلم يجدوهم، ثم رجعوا إلى بيوتهم، فخرج عليهم صالح فقال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود ٦٥]، وقالوا: إن هذا هو الذي (...)؛ لأن هؤلاء القوم دخلوا إلى الغار يريدون الأمن، ولكن كان في هذا الغار حتفهم. وهذه القصة أيضًا على هذا الوجه ما رأيتها ثابتة بسند عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا الأولى أن يقال: إن الله تعالى مكر بهم فدمّرهم وقومهم، وليس من المهم أن نعرف كيف دُمّروا، المهم أن نعرف أنهم دُمِّروا عن آخرهم بسبب ما أرادوه بالنبي ﷺ وبسبب كفرهم. * طالب: أظن هذا معناه أنهم ما تواعدوا قوم صالح: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ (...) مثلًا بيوتهم والعذاب (...)؟ * الشيخ: ما يلزم؛ لأن الله ما ذكر أنه سبحانه وتعالى دمّرهم في تلك الليلة. * الطالب: (...). * الشيخ: أن يحال بينهم وبين هذا، ثم أنهم هم قُذف في قلوبهم الرعب، هذا أيضًا ما ندري، أو أنهم جاؤوا فلم يتوصلوا إلى بيته؛ لأنه مغلق محكم، المهم هذه (...)، ما حصل أنهم نفذوا ما أرادوا، ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال الله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل ٥٢] أي: خالية، ونصبه على الحال، والعامل فيها معنى الإشارة. ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ﴾ المشار إليه معلوم ولّا لا؟ معلوم محدود؛ لأن بيوت ثمود موجودة الآن مشاهدة، لكنها كما قال الله تعالى: ﴿خَاوِيَةً﴾ بمعنى: أنها خالية، على رأي المؤلف، وقيل: خاوية متهدمة، كما قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة ٢٥٩] أي: متهدمة. وهذا المعنى أبلغ؛ لأن تفسير الخاوي بالمتهدم الذي ليس بقائم أولى وأشد، وأما البيوت قد تخلو مع العمار، ولكن إذا خويت بمعنى دمرت وانهدمت فهي خالية، فإذن يلزم من دمارها خلوها، ولا يلزم من خلوها دمارها، والواقع أنها دمرت؛ لأن هذه الرجفة العظيمة لا بد أن تدمرها. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي، لكن ما بقيت على صفتها بالأول، بل هي مدمرة. ثم إن المؤلف قال: نصبه على الحال نصب الخاوية على الحال، منين؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، حال من البيوت؛ بيوتهم حال كونها خاوية، لكن أين العامل في الحال؛ لأن العامل لا بد أن يكون إما فعلًا أو اسمًا بمعنى الفعل؟ قال المؤلف: (العامل فيها معنى الإشارة)؛ لأن (تلك) بمعنى أشير، فاسم الإشارة متضمنٌ لحرف معنوي وفعل؛ أي: أشير إلى بيوتهم خاويةً. قال: (﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ بظلمهم) الباء للسببية، و(ما) مصدرية، والمؤلف رحمه الله حوّل الفعل إلى مصدر، إشارة إلى أن (ما) مصدرية؛ أي: تحوّل ما بعدها إلى مصدر، أي: بسبب ظلمهم لا أننا ظالمون لهم، بل هم الذين ظلموا أنفسهم. ثم فسّر المؤلف هذا الظلم بالكفر فقال: (أي كفرهم)؛ لأن كل كفرٍ ظلم، وليس كل ظلمٍ كفرًا؛ ولهذا قال العلماء: إننا نحمد الله سبحانه وتعالى أن قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] ولم يقل: والظالمون هم الكافرون، لو قال: والظالمون هم الكافرون كان كل ظالمٍ فهو كافر، ولكن قال: الكافرون هم الظالمون؛ فإن كل كافر فهو ظالم، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]. وتفسير المؤلف الظلم هنا بالكفر هل عليه دليل ولَّا لا؟ نعم، عليه دليل؛ لأن فعلهم وتكذيبهم لرسولهم كفرٌ، فهنا تفسير الظلم بما هو أخص له دليل. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل ٥٢] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المشار إليه كل القصة على الصحيح، وليس المشار إليه مجردٌ للذات، بل إنه كل القصة. (﴿لَآيَةً﴾ لعبرة، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ قدرتنا فيتعظون). ﴿يَعْلَمُونَ﴾ تخصيص هذا بالقدرة غير مسلَّم؛ إذ المراد ما هو أعم من علم قدرة الله سبحانه وتعالى، بل يعلمون قدرة الله وحكمته، وما جرى للأمم كل هذا داخل؛ لأنه لا يدري بماذا يعتبر؟ لكن الذي يدري هو الذي يعتبر. وفي هذا من الحث على معرفة أخبار الأمم والعلم بها ما هو ظاهر؛ لأن بها يتعظ المرء. وكذلك أيضًا الأخبار الواقعة في زمن الإنسان ينبغي أن يتخذ من حوادثها عظة وعبرة، وسيأتي إن شاء الله ذكر ما في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ من الفوائد. * طالب: قال: (...) المراد بقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (...) يعلمون وجوه دلالة الدلائل؟ * الشيخ: ما فيها فائدة، لكن قد يحصل هذا، لكن ما هو محصور (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا؛ لأن يعلمون الدلائل (...)، على كل حال هذا من جملة العلم. (﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بصالح وهم أربعة آلاف، ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ الشرك). ﴿أَنْجَيْنَا﴾ أي: عصمنا، الإنجاء بمعنى العصمة، أنجيناهم من أين؟ من هذا التدمير الذي ذكر الله والعقوبة، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قول المؤلف: (بصالح) فيه نظر، الصواب: آمنوا بالله؛ لأجل أن يشمل صالحًا ومن معه، كما قال الله تعالى في سورة هود: ﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ [هود ٦٦]، فالصواب: أن الإيمان بالله، بل نقول: إن صالحًا عليه الصلاة والسلام يجب عليه أن يؤمن بنفسه أنه رسول؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يؤمن ويشهد لنفسه بالرسالة يقول في صلاته: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٠٢)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]] وهو يعني نفسه، وأحيانًا إذا وقع الأمر على وفق ما قال يقول: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ»[[أخرجه البخاري (٢٤٨٤) من حديث سلمة بن الأكوع.]]. فالمهم أن الرسول نفسه ملزمٌ بأن يشهد لنفسه بالرسالة بأنه رسول الله، يؤمن بما أوحي إليه، وكذلك غيره من باب أولى. وقول المؤلف: (إنهم أربعة آلاف)، لكن أين الديوان الذي حصرهم؟ لا دليل عليه، والغالب أن المؤمنين أقل من ذلك في هذا، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، إِذْ رُفِعَ لَهُ سَوَادٌ فَظَنَّ أَنَّهَا أُمَّتَهُ، فَقَالُوا: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس.]]، المهم أن تقديرهم بأربعة آلاف، أو بأربعين نفرًا، أو بأربعة ملايين، أو بأقل وأكثر، هذا يحتاج إلى دليل. وهو أيضًا من فضول العلم الذي لا ينبغي للإنسان يُتعب نفسه في ذلك؛ لأنه ما فيه فائدة، اللي فيه فائدة لا بد أن يقصّه الله علينا. ونظير هذا البحث مثلًا: كلب أصحاب الكهف أيش لونه؟ وأيش اسمه؟ وأيش كبره؟ ما فيه فوائد، الغار اللي هم فيه أين هو؟ وفي أي مكان؟ كل هذه مسائل جانبية. كذلك أيضًا ما يقع في الحديث في السنة: قال رجل للنبي ﷺ، تجد بعض الشرّاح -يعنى عناية كاملة-: من الذي قال هذا؟ هذا في الحقيقة ما له داعٍ، وإن كنا قد نستفيد أنه إذا كانت صفة منقبة؛ أن يكون في ذلك منقبة لهذا الرجل إذا عُرفت، لكن هل هذا ملزومٌ للحكم أو للدلالة؟ لا، ولكنه من فضول العلم. هذه أيضًا مثله: كم الذين مع صالح؟ أربعة آلاف أو أربعة ملايين، ما يهم، المهم أن كل من اتصف بالإيمان فإن الله تعالى أنجاهم من هذا العذاب العام. ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يقول المؤلف: (يتقون الشرك)، ولو أنه قال: يتقون المعاصي أو يتقون الله بس لكان هذا أولى؛ لأن الإيمان والتقوى بمعنى الإيمان والعمل الصالح؛ لأن العمل الصالح عند الإطلاق من التقوى، بخلاف ما إذا قُرنت التقوى البر وما أشبه ذلك، فتكون التقوى للمعاصي، والبر للطاعات. ثم قال الله تعالى: ﴿وَلُوطًا﴾ قال المؤلف: (منصوب باذكر مقدرًا قبله) يعني: واذكر يا محمد لوطًا. وإنما ذُكر بعد صالح -وهو دائمًا يُذكر بعد صالح- لأنه؛ أي: مدائن صالح وقرى قوم لوط ليس بعيدًا بعضها من بعض، وليست مجهولة للناس في عهد النبي ﷺ. ثم قال: (﴿وَلُوطًا﴾ منصوب بـ(اذكر) مقدرًا قبله، ويبدل منه ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ). إذا أعربنا ﴿إِذْ قَالَ﴾ بدلًا من (لوط)، صار كأن التقدير: واذكر إذا قال لوط لقومه. (﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: اللواط) الهمزة هنا لاستفهام أيش؟ * طالب: الاستعلام. * الشيخ: الاستعلام ولَّا لا؟ لأنه يعلم، لكن التوبيخ والإنكار، وإن كنت أزيد على ذلك: التعجب أو التعجيب؛ يعني: كيف أنكم تأتون الفاحشة؟! فهي للتوبيخ والإنكار والتعجب. وقوله: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ (أل) لاستغراق الجنس من حيث المعنى لا من حيث الأفراد، لكن المعنى: أن هذه أعظم فاحشة من نوعها هي هذه، وهي أعظم من الزنا؛ لأن الله قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢] فاحشة من الفواحش، وهنا قال: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾. وهي أيضًا أعظم من نكاح ذوات المحارم؛ لأن الله قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء ٢٢]، ونساء ذوات المحارم أعظم من الزنا؛ لأن الله وصفهم بثلاثة أوصاف: فاحشة، ومقت، سوء السبيل، والزنا وصفه بوصفين: فاحشة، وسوء السبيل؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء ٣٢]؛ ولهذا الصحيح: أن من زنى بمحارمه يُقتل وإن لم يكن مختارًا؛ لأن هذه أعظم -والعياذ بالله- من الزنا. كذلك أيضًا اللواط، الصحيح: أن فاعله يُقتل ما دام بالغًا عاقلًا وإن لم يكن محصنًا. (﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: اللواط، ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أي: يبصر بعضكم بعضًا انهماكًا في المعصية)، والعياذ بالله. يعني: أخبث من الحمير يرى بعضهم بعضًا يفعل واحد في الثاني؛ ولهذا قال: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت ٢٩] إذا اجتمعوا -والعياذ بالله- صار يركب بعضهم بعضًا كالحمير، نسأل الله السلامة. * طالب: (...) عراة؟ * الشيخ: لكنهم يفعلونه؟ * الطالب: يفعلون هذا (...) في بريطانيا (...). * الشيخ: سفاهة. * الطالب: وهو قانون. * الشيخ: وهو قانون. قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ إذن من البصر والإبصار بالعين، وقيل: من الإبصار بالقلب؛ يعني: وأنتم تبصرون خبثها وتعقلونه، وكل إنسان له فطرة سليمة يكره هذا الصنف؛ لأنه كيف يركب مثله نفس هذا المركوب؟ (...). ثم إن المكان هذا أيضًا ليس محلًّا لهذه الشهوة؛ لأنه مكانٌ متلوث بالأنجاس وليس محلَ اللهوِ، فهو خبيث بالفطرة وفي الحسِّ أيضًا. ولكنا نقول: لو أننا فسّرنا الإبصار هنا بالإبصار الحسي بالعين والإبصار المعنوي بالقلب لكان ذلك جائزًا. في الحقيقة أن بشاعة هذا الشيء في القلب أمر معلوم بالفطرة، وكونهم يفعلونه وهم يشاهد بعضهم بعضًا هذا أشد وأعظم. (﴿أَئِنَّكُمْ﴾ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين) فالقراءة أيضًا تكون أربعة. ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾ هذا تفسير لقوله: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾. وهنا لاحظ أن الاستفهام هنا للتقرير، لكنه أُكّدت الجملة التي قرئت بالاستفهام أكدت بشنو؟ بـ(إن) واللام؛ ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ﴾، وهذا كقول إخوة يوسف ليوسف: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يوسف ٩٠] أي: أتقرر أنك يوسف وتؤكد ذلك؟ فقال: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾، وفي جوابه لهم إهانة لهم؛ لأنهم هم طلبوا منه أن يؤكد لهم أنه يوسف ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾، ما قال: إني لأنا يوسف، قال: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾، فحذف التأكيدات استهانة بهم. فالحاصل أقول -المرة الثانية-: إن الاستفهام إذا تلاه التأكيد لا يسقطه عن معنى الاستفهام، بل كأن المستفهم يطلب من المستفهم منه تأكيد الجملة؛ ولهذا قال لهم -لكن في هذه المسألة الاستفهام للتقرير، نقرر مع التأكيد-: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [النمل ٥٥] ﴿شَهْوَةً﴾ يحتمل أن تكون مصدرًا في موضع الحال، ويحتمل أن تكون مفعولًا لأجله؛ أي: لأجل الشهوة. وعلى كل حال ففيها إنكار من جهة أنهم يأتون الرجال شهوة وليسوا أهلًا لها، ومن جهة أخرى أنهم يدعون؛ ولهذا قال: ﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ وهن محل الشهوة، فيكونون قد أساؤوا فيما فعلوا وفيما تركوا؛ ولهذا قال لهم في آية أخرى: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٦]، وهذا أبلغ، يعني: لو أن المسألة ضيقة ما بقي إلا هذا الطريق. لكان أفضل، لكن هنا طرق محلَّلة مباحة موافقة للفطرة تدَعونها وتذهبون إلى هذا؛ كالذي يدع المذكاة ويأكل الميتة، وكالذي يدع البيع الصحيح ويذهب إلى الربا، ويقول: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [الربا ٢٧٥]، فالحاصل أن (...) تزداد قبحًا إذا كان لها بدائل من الحسنات، إذا كان لها بدائل من الحسنات ازدادت قبحًا، ولهذا قال لهم: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾، لو أنه اقتصر على هذا ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل ٥٥] حصل التوبيخ واللوم. ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ [النمل ٤٧] الفوائد؟ * طالب: آخر ما أخذنا إي نعم ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ آخر ما قلنا: إثبات الحكمة والعلة (...). * الشيخ: كذا؟ ذكرنا هذا؟ ذكرنا أن الاستعجال بالسيئة يكون بطلبها أو بالأفعال التي تسببها، ذكرنا هذه؟ * طالب : بداية الشرح اللي عندنا ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل ٤٧]. * يؤخذ من هذه الآية: بيان مسلك المكذبين للرسل أنهم يسلكون مسالك التشبيه والتمويه؛ لقولهم حين أصيبوا بالجدب والقحط: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾، مع أن هذا الأمر من الله سبحانه وتعالى وليس بأسباب النبي، وهكذا أهل الباطل يشبهون ويلبسون على الناس بمثل هذه الأمور. * وفي هذا دليل على أن المصائب التي تصيب الإنسان إنما هي من الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ولا ينافي هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى ٣٠]، ولا قوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم ٤١]؛ لأن نسبة هذه الأمور إلى الله نسبة خلقٍ وإيجاد، ونسبتها إلى المخلوق نسبة تسبب، فهي تضاف إلى الناس إضافة الشيء إلى سببه، وتضاف إلى الله سبحانه وتعالى إضافة المخلوق إلى خالقه. وعلى هذا يزول إشكال كثير من الآيات التي ظاهرها التعارض في هذا الباب. * وفي هذا دليل على أنه من الحكمة أن يُرد الباطل بالحق بدون سكوت؛ لقوله في جوابهم: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أنه لا يُسكت على الباطل بل يُرد عليه ويفضح، هذه الفائدة. * وفيها الفائدة الرابعة: أنه ينبغي أن يكون الرد من جنس الإيراد، فهنا تطيروا بصالح ومن معه، فبيّن أن طيرتهم وشؤمهم بسبب أعمالهم، لكنه قال: ﴿طَائِرُكُمْ﴾ يعني اللفظ مثل اللفظ، فينبغي أن يكون الجواب مثل الإيراد، ويتحرى المجيب حتى اللفظ. * خامسًا: أنه ينبغي لمن رد على غيره أو أبطل قوله أن يأتي بأمرٍ لا جدال فيه؛ لأن هذا صالحًا عليه الصلاة والسلام لو قال: هذا الجدب ليس مني وأنا ما أتيت بسببه وما أشبه ذلك، لكان هذا فيه مجال للأخذ والرد، ولكن ينبغي أن يختار المجيب الجواب الذي لا كلام بعده. نظير هذا محاجة إبراهيم للذي حاجّه في الله: ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨] ما قال: لا، أنت ما أنت تحيي وتميت، ولكنك تقتل من لا يستحق القتل، وترفع القتل عمن استحقه، وهذا ليس بإحياءٍ ولا إماتة، مع أن هذا هو الحقيقة، لكن هذا يكون فيه جدل، إنما أتى بأمرٍ لا جدال فيه ولا يمكنه أن يجادل، ولهذا بُهت الذي كفر. وهكذا ينبغي للإنسان في محاجة من حاجّه أن يختار الأجوبة اللي ما تؤدي إلى النزاع والجدال؛ لأنه إذا أدّت إلى النزاع والجدال فقد يتغلب الباطل على الحق؛ بسبب طول الجدال واللف والدوران، لكن يؤتى بشيءٍ لا جدال فيه، وهذه من آداب المناظرة حتى عند الذين يتكلمون بهذه الأمور يرون أن من آداب المناظرة الأخذ بما لا يمكن الجدل فيه. * الفائدة السادسة: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ دليل على أن الله تعالى قد يحدث من الأمور ما يكون سببًا لافتتان بعض الناس. أو لا؟ لما جاء صالح وجاء الجدب في الحقيقة أنه فتنة لبعض الناس؛ إذ يقول بعض الناس مثلًا: إن هذا من أسباب هذه الرسالة، فيكون سببًا للفتنة لولا عصمة الله تبارك وتعالى، وهذا دائمًا يكون في أفعال الله تعالى القدرية والشرعية. في الشرعية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة ٩٤] حرّم الله الصيد على المحرمين، فبعث الله على الصحابة رضي الله عنهم صيدًا تناله أيديهم ورماحهم، يمسكه بيده ما بتعب، وإلا برمحه ما يحتاج ولو إلى قوس. ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ فخافوه بالغيب، وافتتن الله تعالى قوم موسى بالحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعًا مع تحريم الصيد عليهم، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، ولكنهم لم يشكروا وخادعوا فتحيلوا، وصاروا يضعون الشباك للحيتان في يوم الجمعة، فتأتي الحيتان فتقع فيه يوم السبت، فإذا كان يوم الأحد جاءوا وأخذوه، قالوا: إحنا ما صدنا يوم السبت، فقلبهم الله تعالى قردة: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥]. فالحاصل أقول: إن الله تعالى قد يفتن الإنسان بالفتن الشرعية والقدرية؛ لأجل أن يعلم من يخافه بالغيب، ومن يصبر ومن لا يصبر. أحيانًا أيضًا يبتلى المرء بالمصائب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج ١١] ومن الناس من يعبد الله تعالى على أساس، ما هو على حرف، إن أصابه خيرٌ اطمأن به وشكر عليه، وإن أصابته فتنة صبر حتى يجتازها، واضح؟ ويدل عليه هنا قوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾. * طالب: هناك يا شيخ (...) قسيمة الآيات التي (...) لأن الأنبياء يؤتون آيات تدل على (...) ، فإذا جاءت هذه الفتن من القحط أو (...) تكون قسيمًا لها؟ * الشيخ: لا، ما تكون مضادة لها، هذه فتنة؛ لأنه هو عليه الصلاة والسلام بيّن أن السبب منهم الرسالة، وهو ما جاء بها لتشهد على رسالتهم، أصيبوا بها لأنهم كذّبوا، مثلما أصيبت قريش بدعاء النبي ﷺ عليهم (...) وما قال: آيتي أن الله يبتليكم بالقحط، وحتى لو قال: إن آيتي أن يبتليكم الله بالقحط وحصل صارت آية. * وفيها أيضًا قوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل ٤٨] فيه مبدأ العصابات، ولا يزال موجودًا إلى الآن، فإن هؤلاء التسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وما زال الأمر إلى يومنا هذا وإلى ما بعد، والله أعلم أنه سيبقى؛ لأن أهل الشر لهم طرق يتفننون بها في فرض شرهم على غيرهم. * وفيه أيضًا دليل على أنه يمكن أن يجتمع الفساد والصلاح؛ لقوله: ﴿يُفْسِدُونَ﴾ ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾، ولولا أنه يمكن اجتماعهما لم يكن لقوله: ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾ فائدة؛ لأنه يكون عدم الصلاح مفهومًا من إثبات الفساد لو لم يمكن اجتماعهما، هذه فائدتين. * ففيها: إثبات أن الفساد والصلاح قد يجتمعان في شخص. * ومنه نأخذ أيضًا: أن الكفر والإيمان قد يجتمع في شخص؛ لأن الإيمان صلاح والكفر فساد، وكذلك أيضًا الفسوق والطاعة ممكن تجتمع، وخالف في ذلك طائفتان من الناس: * طالب: (...). * الشيخ: والمرجئة. المرجئة قالوا: ما يمكن، الإنسان إذا كان مؤمنًا كل أحواله صالحة، ولا يعذّب بذنب ولا يلام عليه. والخوارج والمعتزلة بالعكس، قالوا: ما يمكن يجتمع كفر وإيمان، وفسوق وطاعة، بل من أتى ما يوجب الفسق صار كافرًا، ومن أتى ما يوجب الكفر صار كافرًا، على رأي الخوارج، أو خارجًا من الإيمان بين منزلة الإيمان والكفر على رأي المعتزلة. ولا شك أن النفوس والواقع والعقل يدل على خلاف ما قالوا؛ لأن اجتماع هذا وهذا أمرٌ موجود معلوم. * طالب: يعني (...) الرجل بالأغلبية، يعني: يجتمع (...) في قلب رجل، ويكون الرجل بالأغلبية، أن يكون مؤمن (...) الإيمان. * الشيخ: لا، نقول: مؤمن ناقص الإيمان، ما نطلق عليه الإيمان المطلق، حتى لو كان فيه مثلًا عشرة في المائة، لا بد أن يكون ناقص الإيمان، من لم يؤمن بإيمانه فاسقٌ بكبيرته، مثلًا: لو اغتاب الإنسان رجلًا من الناس هذه كبيرة من الكبائر تنقص الإيمان، وهو يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويتطوع بسائر التطوعات، ما نعطي هذا وصف الإيمان المطلق، بل نقول: مؤمن بإيمانه فاسقٌ بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان. * طالب: شيخ، قوله: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ (...) مثل قول الصحابي فأمرنا بالسكوت (...) الكلام، بمعنى أنه يتحقق الوصف بواحد منهم والثاني .. * الشيخ: لا، وبارك الله فيك؛ لأن السكوت والكلام متناقضان، أما الصلاح والفساد فمتضادان، يمكن أن يجتمعا فيكون في الشيء مصلحة ومفسدة: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ٢١٩] أما هذا فهو السكوت ولا كلام متناقض، يعني ما يمكن يوجد أحدهما إلا بفقد الآخر. * الفائدة الثالثة: أن المعاصي من أسباب الفساد في الأرض؛ لقوله: ﴿يُفْسِدُونَ﴾، وهؤلاء الجماعة ليسوا يهدمون البيوت، ولا يغرقون الزروع، ولا يحرقون المتاجر، لكنهم يفعلون ما يكون سببًا للفساد، الفساد المعنوي: وهو فساد الأخلاق والسلوك، والفساد الحسّي؛ لأن الفساد الحسي يتبع الفساد المعنوي. ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل ٤٩]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة أولًا: أنه من الحزم -والحزم قد يكون في الخير وفي الشر- أن تتعاقد الطائفة وتتعاهد على منهاجها الذي تسير عليه؛ لئلا تتفرق وتختلف، منين تؤخذ؟ ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ ما ذهب كل واحد مذهبًا، اجتمعوا أولًا على تدبير الخطة ثم على تنفيذها. فيؤخذ منه: أن من الحزم أن تجتمع الطائفة وتتفق على عهد يربط بعضها ببعض؛ ليكون التنفيذ واحدًا. وهذا المسلك لا زال يُسلك حتى الآن، وتعرفون أن الصحيفة التي اجتمعت قريش فيها على مقاطعة بني هاشم، هل نقضت برجلٍ واحد؟ لا، بل ذهب هذا الرجل الذي أراد نقضها إلى فلان وفلان، وصار يجمّع الناس حوله حتى اجتمعوا على نقضها وغلبوا في تنفيذ فكرتهم. فالحاصل أن ها المسائل دي ينبغي للإنسان إذا أراد أن يهم بأمر ويمشي على منهاج أنه يجعل معه أقوامًا يساعدونه ويتعاقد معهم ويتعاهد، عاد إن كان في خيرًا فخير وإن كان في شر فالله يتولاهم. هنا: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ على خير ولّا على شر؟ * طلبة: على شر. * الشيخ: إي نعم، على شر من أعظم الشرور. * وفيه دليل على مبدأ الاغتيالات؛ لقوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ لأن التبييت اغتيال؛ إذ إن الاغتيال معناه هو القتل على غرّة، ولهذا كان الصحيح من أقوال أهل العلم أن الغيلة ليس فيها خيار لأولياء الدم وأنه يجب قتل المغتال بكل حال حتى لو عفوا، وهذا مذهب مالك واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، وهو فسادٌ في الأرض، ولا يعارض هذا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم ( ١٣٥٥/ ٤٤٧) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن قوله: «مَنْ قُتِلَ لَهُ» هذا من الحقوق الخاصة، وأما مسألة الاغتيال فإنها من الحقوق العامة، يجيء للإنسان في مأمن ويقتله. * طالب: (...). * الشيخ: لا، فعل القاتل أنه إذا بغى يقتل (...) لكن المهم من ذاك يمكن أن يتحرز منه، أن المقتول يمكن أن يتحرز بالفرار، أو يتحرز بالمدافعة، أو ما أشبه ذلك (...). أما يجيه وهو نائم مثلًا أو يأتيه في بيته وهو غافل، فهذا ما يمكن التحرز منه، فساد؛ لأنه لو جاه وهو يعلم به يمكنه يتحرز بالفرار، يتحرز بالمدافعة، يتحرز بالصياح لمن حوله وما أشبه ذلك. وليس قولنا: إنه على (...)؛ لأنه مثلما قلت: الغالب أنه ما يقتل (...)، لكن الكلام على غرّة من المقتول، هذا هو قتل الغيلة، فهؤلاء الجماعة تقاسموا على هذه الفعلة القبيحة المشينة، ولكنهم لم ينفذوا ما أرادوا، وهم لم ينفذوه، لم يحصل لهم تنفيذ ما أرادوا؛ لأنهم مكروا ومكر الله والله خير الماكرين. * طالب: (...) يدل على (...) مبدأ الاغتيالات (...) الله سبحانه وتعالى ذكر (...) وهو على حرمة الاغتيال. * الشيخ: لا، بمعنى أن الاغتيال موجود حتى في الزمن السابق، هذا قصدي، وليس معنى هذا أنه المبدأ المباح (...) إن هذا موجود ولا يزال موجودًا، يعني في غالب الأمور تجد أصلها موجودًا، غالب الأمور من خير أو شر تجد له أصلًا في الأمم السابقين. * طالب: المسلمون لا يجوز لهم أن يسلكوه مع الأعداء. * الشيخ: إن كانوا يسلكونه بنا سلكناه بهم، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل ١٢٦]. * وفيه دليل في قوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ دليل على الإنكار، إنكار المدّعي، وهذا الشيء واضح، أن الفاعل للسيئة لا يهمه أن ينكر فعله، يعني: من قتل يهون عليه أن ينكر القتل، ولّا لا؟ من قتل هان عليه أن ينكر القتل؛ لأن القتل أعظم من إنكاره، فلهذا قالوا: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾. * وفيها فائدة رابعة: أن البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر، لماذا؟ لأنه لولا أن هذا القول يبرئهم ما صح أن يتفقوا على اتخاذه حجة، أما فهمتم؟ يقتلونه ويقولون: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾. اتفقوا على هذا. دل هذا على أن الإنكار يدرأ به المدعى عليه، وجهه: أنه لولا أن ذلك يبرئهم لم ينفعهم الاتفاق عليه؛ لأنه لو قالوا: ما شهدنا مهلكه لقال: أنتم القاتلون، فهذا أيضًا دليل على أن البينة على المدّعي واليمين على من أنكر. فإذا ادعى شخص أن هذا الرجل قتل والده، نقول له: هات بيّنة، فإذا لم يأت ببينة فإنه لا يثبت له الحق، ما يثبت له الحق؛ لأن البيّنة على المدَّعي واليمين على من أنكر. ولكن هل هذا على إطلاقه؟ المشهور من المذهب أنه على إطلاقه، وأنه لو كان المدعَى عليه القتل من أفجر الناس والمقتول من أطيب الناس وكذلك المدّعي، فإنه لا يؤخذ بقوله؛ لعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»[[أخرجه الدارقطني (٣١٩١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، والشطر الثاني من الحديث متفق عليه؛ البخاري (٢٥١٤)، ومسلم (١٧١١) من حديث ابن عباس ولفظه: أن النبي ﷺ قضى أن اليمين على المدعى عليه.]]. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذا يؤخذ بقوله، ولكن تجرى فيه القسامة إذا كان هذا الرجل معروفًا بالفسوق، والمقتول معروفًا بالصدق والاستقامة. وكذلك أولياؤه، قال: فإن هذا قرينة تغلّب على الظن صدق المدعي، وعلى هذا فتجرى فيه القسامة. وما قاله الشيخ فليس ببعيد. كذلك الأمر الثاني بالعكس، لو أن شخصًا قتل إنسانًا وقال: نعم أنا قتلت، ولكن الرجل صال عليَّ ولم يندفع إلا بالقتل، فماذا أصنع؟ المذهب لا يُقبل قوله ويُقتل، أما فهمتم؟ إنسان ادُّعي عليه أنه قاتل، قال: نعم أنا القاتل، لكنني قتلته دفاعًا عن نفسي؛ لأن الرجل يبغى أن يقتلني، نقول له: هات بيّنة أنه صال عليك وإلا قتلناك. قال: ما يمكن يكون بيّنة؛ لأنه ما بيصال علي أمام الناس، لو يدري أن حوله أحدًا ما صال. نقول: إذن نقتلك ويوم القيامة تختصمون عند الله، هذا هو المذهب، واختار الشيخ هنا أنه يُقبل قول المعروف بالصدق، فإذا كان هذا الرجل مستقيمًا -هذا القاتل اللي يقول: أنا قتلته دفاعًا- مستقيمًا، والمقتول معروفًا بالفجور والاعتداء على الخلق، فإنه يُقبل قوله، ولكن يحلف تأكيدًا لقوله. وما قاله الشيخ هو الصحيح، ولا يمكن العمل إلا به، ولا يمكن العمل بخلافه، أما كون يقول: نقتلك وتلقى حسابك عند الله، هذا فيه نظر. طيب، حتى لو وجد قرينة تدل على صدق الرجل غير مسألة الحال هذا والحال هذا، يعني مثلًا لو وجد في بيته، لو وجد المقتول في بيته، أي في بيت القاتل، زلمة دخل علي البيت بيقتلني، أو بينتهك حرمة أهلي، فوجدت ألا يندفع إلا بالقتل، يقول: نعم ولو كان؛ لأنه يمكن أنه عزمه لأجل يقتله. * طالب: فيه شبهة تدرأ (...) * الشيخ: ويش هي؟ * الطالب: أنه في بيته. * الشيخ: إي نعم، هم يقولون نعم في بيته. * الطالب: ادرءوا الحدود بالشبهات. * الشيخ: لكن هو يقول: أنا الآن قتلت عمدًا، ما فيه شبهة (...) أنه صائل، يقول: إن كونه في بيته ما يدل على ما قال؛ لأنه يجوز أنه (...) يقول: تفضل عندنا، تفضل عندنا نوريك ويدخل على أن (...)، مشكلة هذه ما يستقيم الحال إلا على ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. طيب، الكلام على قوله: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ يدل على أن المنكِر مقبول القول ما لم يأت المدعي ببيّنة. * وفي هذه الآية: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل ٥٠] دليل على عظمة الله سبحانه وتعالى، وأنه أعظم مكرًا ممن يمكرون به وبرسله. فهؤلاء أرادوا المكر برسوله ولكن الله تعالى مكر بهم بما هو أعظم. * وفيه دليلٌ على وصف الله تعالى بالمكر، لكنه ليس على سبيل الإطلاق، بل على سبيل التقييد، فيقال مثلًا: هو ماكرٌ بأعدائه أو بمن يستحق المكر، أو ما أشبه ذلك مما يجعل المكر صفة كمال؛ لأن المكر ليس بصفة كمال على الإطلاق، ولا بصفة نقصٍ على الإطلاق. * وفي هذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى قد يمكر بالعبد فلا يشعر بمكره. ومن ذلك -من مكر الله بالعبد وهو لا يشعر- استدراجه إيّاه بالنعم؛ حيث يسدي إليه النعم وهو يبارز الله تعالى بالعصيان. ومن مكره به تلبيسه عليه بالحكم، يلبس عليه الحكم حتى يظن الباطل حقًّا، فيتمادى فيه، ولهذا من الدعاء المأثور: اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه[[ذكره ابن كثير في التفسير (١ / ٥٧١).]]. فالإنسان قد يكون لديه شبهة أو شهوة، شبهة ما يعرف الحق، أو شهوة لا يريد الحق، يريد غيره. وفي قوله: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل ٥١]. * في الآية فوائد: أولًا: الحث على الاعتبار؛ لقوله: ﴿فَانظُرْ﴾ والنظر يكون بالقلب، ويسمى نظر البصيرة، ويكون بالعين ويسمى نظر البصر، وكلاهما أمرٌ مطلوب إذا أدى إلى مطلوب، وأما إذا لم يؤد إلى مطلوب، بل أدى إلى العكس، مثل أن يعتبر ويتبصّر ثم يتخذ من هذا النظر يتخذه وسيلة إلى الطعن في حكمة الله سبحانه وتعالى، أو إلى وصف الله تعالى بالظلم أو ما أشبه ذلك مما يقع من بعض الملحدين، فإن هذا ضرره كبير والعياذ بالله، لكن من نظر ليعتبر، من نظر بعين العقل والعدل، بل لا بد من الأمرين: عقلٌ وعدل، فبانتفاء العقل ما يعرف الإنسان، وبانتفاء العدل يظلم. فعلى كل حال، في هذه الآية دليل على أنه ينبغي للإنسان أن ينظر ويتأمل في الأمور، لا سيما في أمور المكذبين. * وفيه دليل على أنه ينبغي في مقام التحذير استعمال أغلظ الألفاظ وأشدها تأثيرًا؛ لقوله: ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾ ولم يقل: أهلكناهم، فإن التدمير أعظم وقعًا في النفس، والنفس تنفر منه أكثر، ولهذا قال: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾. * في الآية دليل أيضًا على أن العقوبات إنما تأتي بأسباب المرء؛ حيث جعل هذا التدمير عاقبة مكرهم، وهذا يدل عليه أيضًا قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]. وقال تعالى في خصوص أهل الكتاب: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة ٦٥، ٦٦] ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ من الثمار الطويلة، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ من الزروع التي تحت الأرض. في قوله أيضًا: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. * في هذا دليل على أن العقوبة تعم، ولكن كما قال رسول الله ﷺ: «يُبْعَثُ النَّاسُ عَلَى أَعْمَالِهِمْ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٢٢٩) من حديث أبي هريرة بلفظ: «إنما يُبعث الناس على نياتهم».]] العقوبة قد تعم، ولكن يُبعث الناس على أعمالهم، وهذا مشاهَد، سواء كانت العقوبة من الله، يعني: من فعل الله، أو من فعل العباد، يسلّط الله تعالى بعض عباده على بعض، فيدمر هذا المتسلط على الصالح والطالح، ولكن يُبعث الناس يوم القيامة على أعمالهم ونياتهم، أو ينزل الله تعالى كارثة من عنده؛ كالفيضانات والرياح وغيرها، فتدمر الصالح والطالح، ويوم القيامة يُبعثون على نياتهم. وإنما كان كذلك -والحكمة عند الله سبحانه وتعالى- لأجل أن يستقيم الناس على أمر الله؛ لأني أنا إذا علمت أن المصيبة ستعم سأسعى في إزالة السيئة الموجبة للعقوبة ولّا لا؟ لكن لو أننا نعلم أن العقوبة تخص العامل ما استقام الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر. أليس هكذا؟ ولذلك يجب أن يكون خوف الإنسان من معاصي غيره كخوفه من معاصي نفسه؛ لأن العقوبة واحدة، إذا نزلت عمّت، بل إن المعاصي سبحان الله كالدخان، يصرع من شمّه وإن لم يكن في بيته. ولذلك معاصي الناس اليوم أثّرت حتى على أهل الخير البعيدين منهم. يعني أهل الخير لو سألتهم وقلت: هل تجدون في قلوبكم ما كنتم تجدونه قبل سنوات من الإنابة إلى الله، والخشوع، والخضوع، ومحبة الخير؟ لوسألتهم لأجابوا: لا. دعنا من الناس اللي ماتوا قبل ثلاثين سنة أو أكثر، هذا معلوم أنهم سلموا من هذه الفتنة، لكن حتى الموجود الآن قلوبهم قبل نحو ثلاثين سنة أصلح بكثير من اليوم، مع أن حالهم هي هي، تجد الإنسان مثلًا في مسجده إمام ولم يلتفت للدنيا ولم يشتغل بها، تجد إنسانًا مثلًا في أهله ما يلتفت إلى أحدٍ غيرهم، ومع ذلك تأثرت القلوب؛ لأن المعاصي مفاسد مهما كانت. ولكن مع هذا قد يأتي الله تعالى ببركانٍ عظيم يبدد هذه الأشياء، يقيض الله تعالى للأمة الإسلامية طائفة منصورة ظاهرة فتبدل كل هذا الأمر، ولهذا لا بد من عمل، الركود ما ينفع، الركود ما فيه سلامة أبدًا، لا بد من العمل ولكن على هدى مستقيم وبحكمة بالغة؛ لأن اللي يضر الدعاة إلى الله الآن واحد من أمرين: إما جهلٌ أو سفه، يعني: إما أنه ما عندهم علم بيّن راسخ، فتجدهم يحرمون ما أحل الله، ويوجبون ما لم يوجبه الله، واضح؟ مثلما يوجد من بعض الإخوان الذين يتشددون في أمور، يحرمون ما أحل الله، أو يوجبون ما لم يوجبه الله، وهذه مفسدة عظيمة، أو يكون عندهم سفه، يعني: ما عندهم حكمة في الدعوة إلى الله، فيكون عندهم تسرع وعنف، أو تباطؤٌ في غير موضعه؛ ففي الأول يحصل رد فعلٍ عنيف من المدعوين، وفي الثاني يحصل تمادٍ من المدعوين يفوّت الفرصة على الداعين، فلا بد من العلم والحكمة ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥].

النمل 27:51

يقول: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل ٥١، ٥٢] ﴿تِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾، لما قال: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ هذا عام مبهم، نص على شيء معيّن (...) * طالب: هو أن بيوتهم. * الشيخ: أن بيوتهم خاوية الآن، ويش معنى خاوية؟ * طالب: فيها قولان: إما خالية، وإما متهدمة. * الشيخ: مدمّرة، ﴿خَاوِيَةً﴾ وهذا قد نقول: إن فيه فائدة، وهي: التبيين بعد الإجمال؛ لأن التبيين بعد الإجمال أوقع في النفس، فالشيء إذا جاء مجملًا تتشوف النفس إلى بيانه ومعرفته، فإذا جاء إليها مبيَّنًا بعد الإبهام صادف أرضًا يابسة تشرب الماء، لكن إذا بُيِّن من الأول مر مر الكرام، وهذا دائمًا تجدونه في القرآن: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْر﴾ ويش هو ذلك الأمر؟ ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر ٦٦]. عندما تقف: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْر﴾ تجد نفسك هذا الأمر بـ(أل)، أيش الأمر هذا؟ وأن تجيء: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ يتبين لك وقع هذا البيان بعد الإبهام. * وفي هذا دليل على أن التدمير والإتلاف من أسباب الظلم؛ لقوله: ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾؛ لأن الباء هنا للسببية. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يصلح هذا وهذا؛ لأن (من) للسببية. * وفيه دليل على أن الجزاء من جنس العمل. * وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى ليس بظالم، ما دام لا يعاقب إلا بسبب فعل العبد، فمعنى ذلك أنه منتفٍ عنه الظلم سبحانه وتعالى. * وفيه دليلٌ على التحذير من الظلم؛ لأننا إذا تبينا أن التدمير من أسباب الظلم معناه أننا ننفر منه ونهرب منه، وفيه التحذير من ممارسة الظلم سواء كان متعديًا أو لازمًا، أو سواء كنت تظلم نفسك وحدها بالتقصير بواجب الله أو بالظلم لغيرك أيضًا. * وفيه دليل على أن هذه الحوادث التي يحدثها الله عز وجل آيات من آياته، تدل على كمال قدرته وسلطانه وعلى كمال عدله أيضًا، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾؛ أي: علامة على قدرة الله وسلطانه، وعلى حكمته، وأنه سبحانه وتعالى لا يفعل إلا بمقتضٍ للفعل. * وفيه رد على من ينكرون الحكمة، مثل من؟ الجهمية؛ فإن الجهمية يقولون: إنه لا حكمة لله سبحانه وتعالى في أفعاله، وخالفتهم المعتزلة تمامًا وقالت: أفعاله مقرونة بالحكمة، والحكمة موجبة، ولهذا قالوا: يجب عليه فعل الصلاح، وبعضهم قالوا: يجب عليه فعل الأصلح. وأما الجهمية فبالعكس، وهذا من المواضع التي اختلفت فيه الجهمية والمعتزلة، وإن كانوا يشتركون في كثير من الأشياء، لكنهم يختلفون أيضًا في أشياء أخرى منها هذه المسألة: هل فعل الله لحكمة أو لمجرد مشيئة؟ الجهمية يقولون: لمجرد مشيئة، والمعتزلة يقولون: لحكمة، لكن غلوا في إثبات الحكمة؛ حيث أوجبوا على الله سبحانه وتعالى فعل الأصلح. وقد مر علينا هذا في العقيدة وبيّنّا أن الصواب أنه يجب على الله فعل الأصلح، لكن لا بإيجابنا نحن، ولكن بمقتضى حكمته؛ لأن الحكمة تقتضي هكذا. * طالب: والأشاعرة (...)؟ * الشيخ: الأشاعرة مثل الجهمية. * وفي هذا دليل على أنه لا ينتفع بالآيات إلا أولو العلم؛ لقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، أما من ليس من ذوي العلم فإنه يفوتهم شيء كثير لا يعتبرون به ولا يتعظون به، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت ٤٣]، والأمثال تشمل الأمثال المعقولة والأمثال المحسوسة المشاهدة، فالله تعالى يضرب الأمثال المعقولة ويضرب الأمثال المحسوسة: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ١٣] إلى آخره، هذا ما يسمى المشهود المحسوس. مثلًا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ هذا من الأمثال المعقولة. والحاصل: أن أهل العلم هم الذين يعقلون هذه الآيات ويعتبرون بها، وينتفعون بها. * وفيه دليل على فضيلة العلم. * وفيه دليل أيضًا على الحث على العلم؛ لأنه إذا ثبت فضله فمعنى ذلك أن الله ذكره لنا لنتعلم. ولا شك أن العلم من أفضل ما أنعم الله به على العبد، يعني: ما بعد الإسلام نعمة مثل العلم، هي أفضل من نعمة المال، وأفضل من نعمة قوة البدن، وأفضل من نعمة البنين، ما يعادلها إلا نعمة الإسلام فقط. ولذلك تجد أن العلماء، ولكن الذين مثّلوا العلم، بأن كانوا دعاة إلى الله، وكانوا علماء ملة، لا علماء دولة؛ لأن العلماء منهم علماء ملّة يدعون إلى الملة والشريعة ويهدون بأمر الله، ومنهم علماء دولة يدعون إلى ما تريده الدولة. وتعرفون أول ما ظهرت بدعة الاشتراكية أو أول ما ظهر فسق الاشتراكية؛ لأنها من زمان، صار أناس من أهل العلم -في البلاد التي ظهرت فيها هذه البدعة- صاروا يدعون إليها ويزعمون أن القرآن والسنة دلّا عليه، ويجيبون آيات تدل على هذا، مثل: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم ٢٨]. * طالب: هذا (...) الإنكار يؤخذ منه. * الشيخ: إي ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ خلاص، أنتم سواءٌ في الرزق، و«النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ»[[ أخرجه أبو داود (3477) من حديث رجل من المهاجرين ، وابن ماجه (2472) من حديث عبد الله بن عباس.]]، وهكذا، وبدؤوا يحرفون الكتاب والسنة، لماذا؟ لأنهم علماء دولة لا علماء ملة، وهذا كثير أيضًا. وفيه أيضًا محدِّثون دولة، مر علينا الذي قال للمهدي -ابراهيم بن غياث أو غياث بن إبراهيم- قال: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ جَنَاحٍ»[[أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (١ / ٤٢)، والحديث أخرجه أبو داود (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٣٥٨٥) من حديث أبي هريرة بدون لفظة: أو جناح. ]]. الحاصل أن هذه دلالة في القصد، لكن المراد بالعلم الممدوح هو العلم المؤثر للعمل والدعوة. والحقيقة أن مقام طلبة العلم ما هو مقام علم فقط ويكون العلم قابعًا في صدورهم، إذا لم يكن هناك دعوة، أنت الآن وارث للأنبياء ولّا لا؟ «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)من حديث أبي الدرداء.]]، ادع إلى الله، ادع مثلما دعا الأنبياء إلى الله سبحانه وتعالى، اعلم ثم ادع، ما نقول: ادع بجهل؛ الدعاء بجهل ضرر عليك وعلى الإسلام أيضًا، لكن اعلم وادع ولا تبالِ. واعلم أنك ما قلت كلمة تبتغي بها وجه الله إلا كان لها تأثير لا بد، ونحن نضرب دائمًا لكم مثلًا بقول موسى أمام السحرة وأمام فرعون وجنوده وعامة أتباعه، قال للسحرة: ﴿وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه ٦١] كلمة أيش عملتْ؟ * طالب: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ [طه ٦٢]. * الشيخ: ولا قنبلة ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ راحت معنويتهم واجتماعهم، وأخيرًا آمنوا بالله، أعلنوا إعلان كامل بتصميم وعزم، سبحان الذي أعطاهم إياه بها اللحظة: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] فوعدهم: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [الأعراف ١٢٤]، ويش قالوا؟ ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه ٧٢] (...) ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه ٧٢] الله أكبر. * * * قال الله تبارك وتعالي: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل ٥٢، ٥٣]. * في هذا دليل على أن الإيمان والتقوى من أسباب النجاة؛ لأن قوله: ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حكمٌ معلّقٌ بوصف، والحكم إذا عُلِّق بوصف دل ذلك على علِّيَّة هذا الوصف وتأثيره في الحكم، فيكون فيه دليلٌ على أن الإيمان والتقوى -وهي متضمنة للعمل الصالح- من أسباب النجاة. * الفائدة الثانية: الحث على الإيمان والتقوى؛ لأن كل إنسان عاقل ينبغي له أن يسلك أسباب النجاة، فيكون في الإخبار عن نجاتهم الحث على السبب الذي به نجوا. * الفائدة الثالثة: بيان عدل الله سبحانه وتعالى حيث أهلك من يستحق الإهلاك، وأنجى من يستحق الإنجاء: ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. * الفائدة الرابعة: أن صالحًا ومن معه كانوا مؤمنين متصفين بهذا الوصف بالإيمان والتقوى؛ لأنهم هم الذين أُنجوا من هذه العقوبة. * * * ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ [النمل ٥٤، ٥٥]. * في هذا من الفوائد على أنه ينبغي إدراك الغرض الذي من أجله أُرسل الرسول؛ لأن الرسل كلهم كافة أُرسلوا لتوحيد الله، لكن بعضهم يبيّن مع الأمر بعبادة الله أنه أُرسل لهذا الغرض، ولوط هنا بيّن الله تعالى أنه أرسله لغرض انتشال قومه من هذه الفاحشة العظيمة: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾، مع أنه لا بد أنه قال لهم: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، لكن لما كانت هذه الفاحشة ظاهرةً فيهم بيّنها الله تبارك وتعالى. * طالب: لماذا يعني الرسل سواء لوط أو غيره لماذا لم (...) حتى يؤمنوا، بحيث لا يطالبونه بهذا الشيء حتى (...)؟ * الشيخ: هم مؤمنون، طالبوهم أولًا بالإيمان ثم بهذا، الكلام هنا فيما قصّ الله. * الطالب: لكن في الآيات كثيرًا يقرنونها سواء قرن .. * الشيخ: قرن بالواو ما تقتضي أنها الفورية ولكن التعقيب. * الطالب: لأن النبي ﷺ خالف كثيرًا من هذا الشيء؟ * الشيخ: لا، حتى (...) ما تدل على المخالفة، وهو إما أن يكونوا مثلًا أخطؤوا في هذه العملية مع تحقيق العبادة، ويكون الأمر بعبادة الله من باب الأمر بالاستمرار عليها، أو أنهم يأمرونهم ثم بعد ذلك إذا استقر الإيمان في نفوسهم نهوهم عما هم عليه. * الفائدة الثانية: أن الرسل يرسَلون إلى قومهم؛ لقوله: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ولم يُبعث أحدٌ إلى عموم الناس إلا رسول الله ﷺ. * الفائدة الثالثة: بيان عظم اللواط وقبحه، وأنه في قمم الفواحش؛ لقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾. * رابعًا: بيان وجوب الإنكار على من أتى هذه الفاحشة؛ لقوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾؛ لأن الهمزة هنا للاستفهام والتوبيخ. ولا شك أنه يُنكر عليه، لكن بماذا يُعاقب؟ في شريعتنا يُعاقب بالقتل مطلقًا، سواء كان محصنًا أم غير محصن، وهذا هو ما دل عليه الحديث الذي في السنن[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦) من حديث عبد الله بن عباس .]] وصححه الحاكم[[المستدرك (٨٢٤٥).]] وغيره من قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ َوَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ». وهو الذي أجمع عليه الصحابة كما حكاه عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. لكنهم اختلفوا كيف يُقتل: هل يُقتل بالرجم، أو بإلقائه من شاهق وإتباعه بالحجارة، أو يُقتل بالسيف، أو يُقتل بالإحراق بالنار؟ اختلفوا في هذا، المهم أنهم اتفقوا على قتله، وتكون الكيفية هنا راجعة إلى الإمام، إذا رأى أقوى كيفية تردع عن هذا العمل الخبيث فإنه يسلكه. * وفيه دليل على أن الفواحش تقبُح بحسب ما يقترن بها؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فإن هذه الفاحشة منكرة، ولكنها إذا كانت علنًا وجهرًا يبصر الناس بعضهم بعضًا فيها صارت أقبح وأعظم، ولهذا أتى بالجملة الحالية في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. * طالب: إجمالا (...)؟ * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: على هذه الفعلة. * الشيخ: لا، يجب قتله، ما لها حد في كيفية قتله. * الطالب: الكيفية، يعني ما يُحد، وإنما بحسب الردع. * الشيخ: بحسب ما يكون رادع، نعم. * الطالب: الإحراق (...)؟ * الشيخ: فعله أبو بكر رضي الله عنه، وفعله أيضًا هشام بن عبد الملك، وفعله عبد الله بن الزبير (...). * طالب: ولا أنكر عليهم الصحابة ذلك؟ * الشيخ: ما أنكروا عليهم. فهذه خمس فوائد. * * * ثم قال: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل ٥٥]. * في هذه الآية من الفوائد: أولًا: قبح فعل هؤلاء، وهذا مع الوجه الأول ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ يكون قبُح من وجهٍ آخر: وهو أنهم يأتون الرجال الذين ليس لهم حق في إتيانهم، ويدعون النساء اللاتي خلقهن الله لذلك: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾. * الفائدة الثانية: أن هذه الشهوة إنما تصدر عن جهل، لا بمقتضى الطبيعة، وإنما هي عن سفهٍ في الإنسان؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. كأنه قال: إتيانكم إياهم شهوة ليس له محل، ولكن الذي أوجد ذلك لكم أنكم قوم ذووا جهل، أي: سفه ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. * الفائدة الثالثة: بيان ما عليه هؤلاء القوم من المظهر الاجتماعي الفاسد؛ لأنهم إذا كانوا يأتون الرجال ما بقي منهم رجل في الحقيقة، صاروا كلهم بمنزلة النساء، إلا أنه إذا كبر الإنسان ارتفع عن أن يُفعل به وصار فاعلًا. فهم في حال الشباب مفعولٌ بهم، وفي حال الكبر فاعلون، ولهذا يُعتبر هذا الانحطاط الاجتماعي في البشر من أحط الانحطاطات. * ورابعًا: أن هذه الفعلة من السفه العظيم؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. فأتى بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار. * طالب: إذا قلنا (...) عن شهوة (...). * الشيخ: عن شهوة بمقتضى الطبيعة. * الطالب: ما يشكل على هذا ما روي من تحاذر بعض الأئمة (...) مقاربة بعض الصبيان خوفًا من هذا الفعل أو خوفًا من أن يقع (...). * الشيخ: إي، كما أن الزنا قبيح بالفعل، ومع ذلك قد تدعو النفس إليه، فلا يمنع أن النفس الأمّارة بالسوء تدعو إلى ما يخالف مقتضى الطبيعة، ولهذا قال بعض العلماء: إنه ليس فيه حد ولا عقوبة؛ لأن النفس تنفر عنه بمقتضى الطبيعة، فهو كشرب البول، وأكل الغائط، ولكن هذا ليس بصحيح، صحيح أن بعض النفوس السافلة قد تدعو إليه. * طالب: يعني الزنا في مقتضى الطبيعة مرغوب يعني. * الشيخ: إي نعم. يعني الزنا محرّم بوصف الشريعة لا بمقتضى الطبيعة لأنه زنا، ولهذا لو تزوجها حلّ له ذلك، أما هذا فهو محرم بمقتضى الشريعة والطبيعة، حتى النفس تنفر منه إلا نفسًا مقلوبًا على أمرها. ولهذا قال لهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. ليس هذا شهوة طبيعية تمليها الطبيعة، وهو حقيقة، كيف الإنسان يروح مثلًا يستعمل هذا المحل اللي هو محل الخبث والأنتان والأقذار، وربما يعلق به شيء من ذلك، ويدع المحل الطاهر الذي أباحه الله له؟!

النمل 27:52

يقول: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل ٥١، ٥٢] ﴿تِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾، لما قال: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ هذا عام مبهم، نص على شيء معيّن (...) * طالب: هو أن بيوتهم. * الشيخ: أن بيوتهم خاوية الآن، ويش معنى خاوية؟ * طالب: فيها قولان: إما خالية، وإما متهدمة. * الشيخ: مدمّرة، ﴿خَاوِيَةً﴾ وهذا قد نقول: إن فيه فائدة، وهي: التبيين بعد الإجمال؛ لأن التبيين بعد الإجمال أوقع في النفس، فالشيء إذا جاء مجملًا تتشوف النفس إلى بيانه ومعرفته، فإذا جاء إليها مبيَّنًا بعد الإبهام صادف أرضًا يابسة تشرب الماء، لكن إذا بُيِّن من الأول مر مر الكرام، وهذا دائمًا تجدونه في القرآن: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْر﴾ ويش هو ذلك الأمر؟ ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر ٦٦]. عندما تقف: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْر﴾ تجد نفسك هذا الأمر بـ(أل)، أيش الأمر هذا؟ وأن تجيء: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ يتبين لك وقع هذا البيان بعد الإبهام. * وفي هذا دليل على أن التدمير والإتلاف من أسباب الظلم؛ لقوله: ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾؛ لأن الباء هنا للسببية. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يصلح هذا وهذا؛ لأن (من) للسببية. * وفيه دليل على أن الجزاء من جنس العمل. * وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى ليس بظالم، ما دام لا يعاقب إلا بسبب فعل العبد، فمعنى ذلك أنه منتفٍ عنه الظلم سبحانه وتعالى. * وفيه دليلٌ على التحذير من الظلم؛ لأننا إذا تبينا أن التدمير من أسباب الظلم معناه أننا ننفر منه ونهرب منه، وفيه التحذير من ممارسة الظلم سواء كان متعديًا أو لازمًا، أو سواء كنت تظلم نفسك وحدها بالتقصير بواجب الله أو بالظلم لغيرك أيضًا. * وفيه دليل على أن هذه الحوادث التي يحدثها الله عز وجل آيات من آياته، تدل على كمال قدرته وسلطانه وعلى كمال عدله أيضًا، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾؛ أي: علامة على قدرة الله وسلطانه، وعلى حكمته، وأنه سبحانه وتعالى لا يفعل إلا بمقتضٍ للفعل. * وفيه رد على من ينكرون الحكمة، مثل من؟ الجهمية؛ فإن الجهمية يقولون: إنه لا حكمة لله سبحانه وتعالى في أفعاله، وخالفتهم المعتزلة تمامًا وقالت: أفعاله مقرونة بالحكمة، والحكمة موجبة، ولهذا قالوا: يجب عليه فعل الصلاح، وبعضهم قالوا: يجب عليه فعل الأصلح. وأما الجهمية فبالعكس، وهذا من المواضع التي اختلفت فيه الجهمية والمعتزلة، وإن كانوا يشتركون في كثير من الأشياء، لكنهم يختلفون أيضًا في أشياء أخرى منها هذه المسألة: هل فعل الله لحكمة أو لمجرد مشيئة؟ الجهمية يقولون: لمجرد مشيئة، والمعتزلة يقولون: لحكمة، لكن غلوا في إثبات الحكمة؛ حيث أوجبوا على الله سبحانه وتعالى فعل الأصلح. وقد مر علينا هذا في العقيدة وبيّنّا أن الصواب أنه يجب على الله فعل الأصلح، لكن لا بإيجابنا نحن، ولكن بمقتضى حكمته؛ لأن الحكمة تقتضي هكذا. * طالب: والأشاعرة (...)؟ * الشيخ: الأشاعرة مثل الجهمية. * وفي هذا دليل على أنه لا ينتفع بالآيات إلا أولو العلم؛ لقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، أما من ليس من ذوي العلم فإنه يفوتهم شيء كثير لا يعتبرون به ولا يتعظون به، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت ٤٣]، والأمثال تشمل الأمثال المعقولة والأمثال المحسوسة المشاهدة، فالله تعالى يضرب الأمثال المعقولة ويضرب الأمثال المحسوسة: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ١٣] إلى آخره، هذا ما يسمى المشهود المحسوس. مثلًا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ هذا من الأمثال المعقولة. والحاصل: أن أهل العلم هم الذين يعقلون هذه الآيات ويعتبرون بها، وينتفعون بها. * وفيه دليل على فضيلة العلم. * وفيه دليل أيضًا على الحث على العلم؛ لأنه إذا ثبت فضله فمعنى ذلك أن الله ذكره لنا لنتعلم. ولا شك أن العلم من أفضل ما أنعم الله به على العبد، يعني: ما بعد الإسلام نعمة مثل العلم، هي أفضل من نعمة المال، وأفضل من نعمة قوة البدن، وأفضل من نعمة البنين، ما يعادلها إلا نعمة الإسلام فقط. ولذلك تجد أن العلماء، ولكن الذين مثّلوا العلم، بأن كانوا دعاة إلى الله، وكانوا علماء ملة، لا علماء دولة؛ لأن العلماء منهم علماء ملّة يدعون إلى الملة والشريعة ويهدون بأمر الله، ومنهم علماء دولة يدعون إلى ما تريده الدولة. وتعرفون أول ما ظهرت بدعة الاشتراكية أو أول ما ظهر فسق الاشتراكية؛ لأنها من زمان، صار أناس من أهل العلم -في البلاد التي ظهرت فيها هذه البدعة- صاروا يدعون إليها ويزعمون أن القرآن والسنة دلّا عليه، ويجيبون آيات تدل على هذا، مثل: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم ٢٨]. * طالب: هذا (...) الإنكار يؤخذ منه. * الشيخ: إي ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ خلاص، أنتم سواءٌ في الرزق، و«النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ»[[ أخرجه أبو داود (3477) من حديث رجل من المهاجرين ، وابن ماجه (2472) من حديث عبد الله بن عباس.]]، وهكذا، وبدؤوا يحرفون الكتاب والسنة، لماذا؟ لأنهم علماء دولة لا علماء ملة، وهذا كثير أيضًا. وفيه أيضًا محدِّثون دولة، مر علينا الذي قال للمهدي -ابراهيم بن غياث أو غياث بن إبراهيم- قال: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ جَنَاحٍ»[[أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (١ / ٤٢)، والحديث أخرجه أبو داود (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٣٥٨٥) من حديث أبي هريرة بدون لفظة: أو جناح. ]]. الحاصل أن هذه دلالة في القصد، لكن المراد بالعلم الممدوح هو العلم المؤثر للعمل والدعوة. والحقيقة أن مقام طلبة العلم ما هو مقام علم فقط ويكون العلم قابعًا في صدورهم، إذا لم يكن هناك دعوة، أنت الآن وارث للأنبياء ولّا لا؟ «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)من حديث أبي الدرداء.]]، ادع إلى الله، ادع مثلما دعا الأنبياء إلى الله سبحانه وتعالى، اعلم ثم ادع، ما نقول: ادع بجهل؛ الدعاء بجهل ضرر عليك وعلى الإسلام أيضًا، لكن اعلم وادع ولا تبالِ. واعلم أنك ما قلت كلمة تبتغي بها وجه الله إلا كان لها تأثير لا بد، ونحن نضرب دائمًا لكم مثلًا بقول موسى أمام السحرة وأمام فرعون وجنوده وعامة أتباعه، قال للسحرة: ﴿وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه ٦١] كلمة أيش عملتْ؟ * طالب: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ [طه ٦٢]. * الشيخ: ولا قنبلة ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ راحت معنويتهم واجتماعهم، وأخيرًا آمنوا بالله، أعلنوا إعلان كامل بتصميم وعزم، سبحان الذي أعطاهم إياه بها اللحظة: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] فوعدهم: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [الأعراف ١٢٤]، ويش قالوا؟ ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه ٧٢] (...) ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه ٧٢] الله أكبر. * * * قال الله تبارك وتعالي: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل ٥٢، ٥٣]. * في هذا دليل على أن الإيمان والتقوى من أسباب النجاة؛ لأن قوله: ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حكمٌ معلّقٌ بوصف، والحكم إذا عُلِّق بوصف دل ذلك على علِّيَّة هذا الوصف وتأثيره في الحكم، فيكون فيه دليلٌ على أن الإيمان والتقوى -وهي متضمنة للعمل الصالح- من أسباب النجاة. * الفائدة الثانية: الحث على الإيمان والتقوى؛ لأن كل إنسان عاقل ينبغي له أن يسلك أسباب النجاة، فيكون في الإخبار عن نجاتهم الحث على السبب الذي به نجوا. * الفائدة الثالثة: بيان عدل الله سبحانه وتعالى حيث أهلك من يستحق الإهلاك، وأنجى من يستحق الإنجاء: ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. * الفائدة الرابعة: أن صالحًا ومن معه كانوا مؤمنين متصفين بهذا الوصف بالإيمان والتقوى؛ لأنهم هم الذين أُنجوا من هذه العقوبة. * * * ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ [النمل ٥٤، ٥٥]. * في هذا من الفوائد على أنه ينبغي إدراك الغرض الذي من أجله أُرسل الرسول؛ لأن الرسل كلهم كافة أُرسلوا لتوحيد الله، لكن بعضهم يبيّن مع الأمر بعبادة الله أنه أُرسل لهذا الغرض، ولوط هنا بيّن الله تعالى أنه أرسله لغرض انتشال قومه من هذه الفاحشة العظيمة: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾، مع أنه لا بد أنه قال لهم: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، لكن لما كانت هذه الفاحشة ظاهرةً فيهم بيّنها الله تبارك وتعالى. * طالب: لماذا يعني الرسل سواء لوط أو غيره لماذا لم (...) حتى يؤمنوا، بحيث لا يطالبونه بهذا الشيء حتى (...)؟ * الشيخ: هم مؤمنون، طالبوهم أولًا بالإيمان ثم بهذا، الكلام هنا فيما قصّ الله. * الطالب: لكن في الآيات كثيرًا يقرنونها سواء قرن .. * الشيخ: قرن بالواو ما تقتضي أنها الفورية ولكن التعقيب. * الطالب: لأن النبي ﷺ خالف كثيرًا من هذا الشيء؟ * الشيخ: لا، حتى (...) ما تدل على المخالفة، وهو إما أن يكونوا مثلًا أخطؤوا في هذه العملية مع تحقيق العبادة، ويكون الأمر بعبادة الله من باب الأمر بالاستمرار عليها، أو أنهم يأمرونهم ثم بعد ذلك إذا استقر الإيمان في نفوسهم نهوهم عما هم عليه. * الفائدة الثانية: أن الرسل يرسَلون إلى قومهم؛ لقوله: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ولم يُبعث أحدٌ إلى عموم الناس إلا رسول الله ﷺ. * الفائدة الثالثة: بيان عظم اللواط وقبحه، وأنه في قمم الفواحش؛ لقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾. * رابعًا: بيان وجوب الإنكار على من أتى هذه الفاحشة؛ لقوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾؛ لأن الهمزة هنا للاستفهام والتوبيخ. ولا شك أنه يُنكر عليه، لكن بماذا يُعاقب؟ في شريعتنا يُعاقب بالقتل مطلقًا، سواء كان محصنًا أم غير محصن، وهذا هو ما دل عليه الحديث الذي في السنن[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦) من حديث عبد الله بن عباس .]] وصححه الحاكم[[المستدرك (٨٢٤٥).]] وغيره من قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ َوَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ». وهو الذي أجمع عليه الصحابة كما حكاه عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. لكنهم اختلفوا كيف يُقتل: هل يُقتل بالرجم، أو بإلقائه من شاهق وإتباعه بالحجارة، أو يُقتل بالسيف، أو يُقتل بالإحراق بالنار؟ اختلفوا في هذا، المهم أنهم اتفقوا على قتله، وتكون الكيفية هنا راجعة إلى الإمام، إذا رأى أقوى كيفية تردع عن هذا العمل الخبيث فإنه يسلكه. * وفيه دليل على أن الفواحش تقبُح بحسب ما يقترن بها؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فإن هذه الفاحشة منكرة، ولكنها إذا كانت علنًا وجهرًا يبصر الناس بعضهم بعضًا فيها صارت أقبح وأعظم، ولهذا أتى بالجملة الحالية في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. * طالب: إجمالا (...)؟ * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: على هذه الفعلة. * الشيخ: لا، يجب قتله، ما لها حد في كيفية قتله. * الطالب: الكيفية، يعني ما يُحد، وإنما بحسب الردع. * الشيخ: بحسب ما يكون رادع، نعم. * الطالب: الإحراق (...)؟ * الشيخ: فعله أبو بكر رضي الله عنه، وفعله أيضًا هشام بن عبد الملك، وفعله عبد الله بن الزبير (...). * طالب: ولا أنكر عليهم الصحابة ذلك؟ * الشيخ: ما أنكروا عليهم. فهذه خمس فوائد. * * * ثم قال: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل ٥٥]. * في هذه الآية من الفوائد: أولًا: قبح فعل هؤلاء، وهذا مع الوجه الأول ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ يكون قبُح من وجهٍ آخر: وهو أنهم يأتون الرجال الذين ليس لهم حق في إتيانهم، ويدعون النساء اللاتي خلقهن الله لذلك: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾. * الفائدة الثانية: أن هذه الشهوة إنما تصدر عن جهل، لا بمقتضى الطبيعة، وإنما هي عن سفهٍ في الإنسان؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. كأنه قال: إتيانكم إياهم شهوة ليس له محل، ولكن الذي أوجد ذلك لكم أنكم قوم ذووا جهل، أي: سفه ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. * الفائدة الثالثة: بيان ما عليه هؤلاء القوم من المظهر الاجتماعي الفاسد؛ لأنهم إذا كانوا يأتون الرجال ما بقي منهم رجل في الحقيقة، صاروا كلهم بمنزلة النساء، إلا أنه إذا كبر الإنسان ارتفع عن أن يُفعل به وصار فاعلًا. فهم في حال الشباب مفعولٌ بهم، وفي حال الكبر فاعلون، ولهذا يُعتبر هذا الانحطاط الاجتماعي في البشر من أحط الانحطاطات. * ورابعًا: أن هذه الفعلة من السفه العظيم؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. فأتى بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار. * طالب: إذا قلنا (...) عن شهوة (...). * الشيخ: عن شهوة بمقتضى الطبيعة. * الطالب: ما يشكل على هذا ما روي من تحاذر بعض الأئمة (...) مقاربة بعض الصبيان خوفًا من هذا الفعل أو خوفًا من أن يقع (...). * الشيخ: إي، كما أن الزنا قبيح بالفعل، ومع ذلك قد تدعو النفس إليه، فلا يمنع أن النفس الأمّارة بالسوء تدعو إلى ما يخالف مقتضى الطبيعة، ولهذا قال بعض العلماء: إنه ليس فيه حد ولا عقوبة؛ لأن النفس تنفر عنه بمقتضى الطبيعة، فهو كشرب البول، وأكل الغائط، ولكن هذا ليس بصحيح، صحيح أن بعض النفوس السافلة قد تدعو إليه. * طالب: يعني الزنا في مقتضى الطبيعة مرغوب يعني. * الشيخ: إي نعم. يعني الزنا محرّم بوصف الشريعة لا بمقتضى الطبيعة لأنه زنا، ولهذا لو تزوجها حلّ له ذلك، أما هذا فهو محرم بمقتضى الشريعة والطبيعة، حتى النفس تنفر منه إلا نفسًا مقلوبًا على أمرها. ولهذا قال لهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. ليس هذا شهوة طبيعية تمليها الطبيعة، وهو حقيقة، كيف الإنسان يروح مثلًا يستعمل هذا المحل اللي هو محل الخبث والأنتان والأقذار، وربما يعلق به شيء من ذلك، ويدع المحل الطاهر الذي أباحه الله له؟!

النمل 27:53

يقول: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل ٥١، ٥٢] ﴿تِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾، لما قال: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ هذا عام مبهم، نص على شيء معيّن (...) * طالب: هو أن بيوتهم. * الشيخ: أن بيوتهم خاوية الآن، ويش معنى خاوية؟ * طالب: فيها قولان: إما خالية، وإما متهدمة. * الشيخ: مدمّرة، ﴿خَاوِيَةً﴾ وهذا قد نقول: إن فيه فائدة، وهي: التبيين بعد الإجمال؛ لأن التبيين بعد الإجمال أوقع في النفس، فالشيء إذا جاء مجملًا تتشوف النفس إلى بيانه ومعرفته، فإذا جاء إليها مبيَّنًا بعد الإبهام صادف أرضًا يابسة تشرب الماء، لكن إذا بُيِّن من الأول مر مر الكرام، وهذا دائمًا تجدونه في القرآن: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْر﴾ ويش هو ذلك الأمر؟ ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر ٦٦]. عندما تقف: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْر﴾ تجد نفسك هذا الأمر بـ(أل)، أيش الأمر هذا؟ وأن تجيء: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ يتبين لك وقع هذا البيان بعد الإبهام. * وفي هذا دليل على أن التدمير والإتلاف من أسباب الظلم؛ لقوله: ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾؛ لأن الباء هنا للسببية. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يصلح هذا وهذا؛ لأن (من) للسببية. * وفيه دليل على أن الجزاء من جنس العمل. * وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى ليس بظالم، ما دام لا يعاقب إلا بسبب فعل العبد، فمعنى ذلك أنه منتفٍ عنه الظلم سبحانه وتعالى. * وفيه دليلٌ على التحذير من الظلم؛ لأننا إذا تبينا أن التدمير من أسباب الظلم معناه أننا ننفر منه ونهرب منه، وفيه التحذير من ممارسة الظلم سواء كان متعديًا أو لازمًا، أو سواء كنت تظلم نفسك وحدها بالتقصير بواجب الله أو بالظلم لغيرك أيضًا. * وفيه دليل على أن هذه الحوادث التي يحدثها الله عز وجل آيات من آياته، تدل على كمال قدرته وسلطانه وعلى كمال عدله أيضًا، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾؛ أي: علامة على قدرة الله وسلطانه، وعلى حكمته، وأنه سبحانه وتعالى لا يفعل إلا بمقتضٍ للفعل. * وفيه رد على من ينكرون الحكمة، مثل من؟ الجهمية؛ فإن الجهمية يقولون: إنه لا حكمة لله سبحانه وتعالى في أفعاله، وخالفتهم المعتزلة تمامًا وقالت: أفعاله مقرونة بالحكمة، والحكمة موجبة، ولهذا قالوا: يجب عليه فعل الصلاح، وبعضهم قالوا: يجب عليه فعل الأصلح. وأما الجهمية فبالعكس، وهذا من المواضع التي اختلفت فيه الجهمية والمعتزلة، وإن كانوا يشتركون في كثير من الأشياء، لكنهم يختلفون أيضًا في أشياء أخرى منها هذه المسألة: هل فعل الله لحكمة أو لمجرد مشيئة؟ الجهمية يقولون: لمجرد مشيئة، والمعتزلة يقولون: لحكمة، لكن غلوا في إثبات الحكمة؛ حيث أوجبوا على الله سبحانه وتعالى فعل الأصلح. وقد مر علينا هذا في العقيدة وبيّنّا أن الصواب أنه يجب على الله فعل الأصلح، لكن لا بإيجابنا نحن، ولكن بمقتضى حكمته؛ لأن الحكمة تقتضي هكذا. * طالب: والأشاعرة (...)؟ * الشيخ: الأشاعرة مثل الجهمية. * وفي هذا دليل على أنه لا ينتفع بالآيات إلا أولو العلم؛ لقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، أما من ليس من ذوي العلم فإنه يفوتهم شيء كثير لا يعتبرون به ولا يتعظون به، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت ٤٣]، والأمثال تشمل الأمثال المعقولة والأمثال المحسوسة المشاهدة، فالله تعالى يضرب الأمثال المعقولة ويضرب الأمثال المحسوسة: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ١٣] إلى آخره، هذا ما يسمى المشهود المحسوس. مثلًا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ هذا من الأمثال المعقولة. والحاصل: أن أهل العلم هم الذين يعقلون هذه الآيات ويعتبرون بها، وينتفعون بها. * وفيه دليل على فضيلة العلم. * وفيه دليل أيضًا على الحث على العلم؛ لأنه إذا ثبت فضله فمعنى ذلك أن الله ذكره لنا لنتعلم. ولا شك أن العلم من أفضل ما أنعم الله به على العبد، يعني: ما بعد الإسلام نعمة مثل العلم، هي أفضل من نعمة المال، وأفضل من نعمة قوة البدن، وأفضل من نعمة البنين، ما يعادلها إلا نعمة الإسلام فقط. ولذلك تجد أن العلماء، ولكن الذين مثّلوا العلم، بأن كانوا دعاة إلى الله، وكانوا علماء ملة، لا علماء دولة؛ لأن العلماء منهم علماء ملّة يدعون إلى الملة والشريعة ويهدون بأمر الله، ومنهم علماء دولة يدعون إلى ما تريده الدولة. وتعرفون أول ما ظهرت بدعة الاشتراكية أو أول ما ظهر فسق الاشتراكية؛ لأنها من زمان، صار أناس من أهل العلم -في البلاد التي ظهرت فيها هذه البدعة- صاروا يدعون إليها ويزعمون أن القرآن والسنة دلّا عليه، ويجيبون آيات تدل على هذا، مثل: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم ٢٨]. * طالب: هذا (...) الإنكار يؤخذ منه. * الشيخ: إي ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ خلاص، أنتم سواءٌ في الرزق، و«النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ»[[ أخرجه أبو داود (3477) من حديث رجل من المهاجرين ، وابن ماجه (2472) من حديث عبد الله بن عباس.]]، وهكذا، وبدؤوا يحرفون الكتاب والسنة، لماذا؟ لأنهم علماء دولة لا علماء ملة، وهذا كثير أيضًا. وفيه أيضًا محدِّثون دولة، مر علينا الذي قال للمهدي -ابراهيم بن غياث أو غياث بن إبراهيم- قال: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ جَنَاحٍ»[[أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (١ / ٤٢)، والحديث أخرجه أبو داود (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٣٥٨٥) من حديث أبي هريرة بدون لفظة: أو جناح. ]]. الحاصل أن هذه دلالة في القصد، لكن المراد بالعلم الممدوح هو العلم المؤثر للعمل والدعوة. والحقيقة أن مقام طلبة العلم ما هو مقام علم فقط ويكون العلم قابعًا في صدورهم، إذا لم يكن هناك دعوة، أنت الآن وارث للأنبياء ولّا لا؟ «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)من حديث أبي الدرداء.]]، ادع إلى الله، ادع مثلما دعا الأنبياء إلى الله سبحانه وتعالى، اعلم ثم ادع، ما نقول: ادع بجهل؛ الدعاء بجهل ضرر عليك وعلى الإسلام أيضًا، لكن اعلم وادع ولا تبالِ. واعلم أنك ما قلت كلمة تبتغي بها وجه الله إلا كان لها تأثير لا بد، ونحن نضرب دائمًا لكم مثلًا بقول موسى أمام السحرة وأمام فرعون وجنوده وعامة أتباعه، قال للسحرة: ﴿وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه ٦١] كلمة أيش عملتْ؟ * طالب: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ [طه ٦٢]. * الشيخ: ولا قنبلة ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ راحت معنويتهم واجتماعهم، وأخيرًا آمنوا بالله، أعلنوا إعلان كامل بتصميم وعزم، سبحان الذي أعطاهم إياه بها اللحظة: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] فوعدهم: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [الأعراف ١٢٤]، ويش قالوا؟ ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه ٧٢] (...) ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه ٧٢] الله أكبر. * * * قال الله تبارك وتعالي: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل ٥٢، ٥٣]. * في هذا دليل على أن الإيمان والتقوى من أسباب النجاة؛ لأن قوله: ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حكمٌ معلّقٌ بوصف، والحكم إذا عُلِّق بوصف دل ذلك على علِّيَّة هذا الوصف وتأثيره في الحكم، فيكون فيه دليلٌ على أن الإيمان والتقوى -وهي متضمنة للعمل الصالح- من أسباب النجاة. * الفائدة الثانية: الحث على الإيمان والتقوى؛ لأن كل إنسان عاقل ينبغي له أن يسلك أسباب النجاة، فيكون في الإخبار عن نجاتهم الحث على السبب الذي به نجوا. * الفائدة الثالثة: بيان عدل الله سبحانه وتعالى حيث أهلك من يستحق الإهلاك، وأنجى من يستحق الإنجاء: ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. * الفائدة الرابعة: أن صالحًا ومن معه كانوا مؤمنين متصفين بهذا الوصف بالإيمان والتقوى؛ لأنهم هم الذين أُنجوا من هذه العقوبة. * * * ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ [النمل ٥٤، ٥٥]. * في هذا من الفوائد على أنه ينبغي إدراك الغرض الذي من أجله أُرسل الرسول؛ لأن الرسل كلهم كافة أُرسلوا لتوحيد الله، لكن بعضهم يبيّن مع الأمر بعبادة الله أنه أُرسل لهذا الغرض، ولوط هنا بيّن الله تعالى أنه أرسله لغرض انتشال قومه من هذه الفاحشة العظيمة: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾، مع أنه لا بد أنه قال لهم: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، لكن لما كانت هذه الفاحشة ظاهرةً فيهم بيّنها الله تبارك وتعالى. * طالب: لماذا يعني الرسل سواء لوط أو غيره لماذا لم (...) حتى يؤمنوا، بحيث لا يطالبونه بهذا الشيء حتى (...)؟ * الشيخ: هم مؤمنون، طالبوهم أولًا بالإيمان ثم بهذا، الكلام هنا فيما قصّ الله. * الطالب: لكن في الآيات كثيرًا يقرنونها سواء قرن .. * الشيخ: قرن بالواو ما تقتضي أنها الفورية ولكن التعقيب. * الطالب: لأن النبي ﷺ خالف كثيرًا من هذا الشيء؟ * الشيخ: لا، حتى (...) ما تدل على المخالفة، وهو إما أن يكونوا مثلًا أخطؤوا في هذه العملية مع تحقيق العبادة، ويكون الأمر بعبادة الله من باب الأمر بالاستمرار عليها، أو أنهم يأمرونهم ثم بعد ذلك إذا استقر الإيمان في نفوسهم نهوهم عما هم عليه. * الفائدة الثانية: أن الرسل يرسَلون إلى قومهم؛ لقوله: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ولم يُبعث أحدٌ إلى عموم الناس إلا رسول الله ﷺ. * الفائدة الثالثة: بيان عظم اللواط وقبحه، وأنه في قمم الفواحش؛ لقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾. * رابعًا: بيان وجوب الإنكار على من أتى هذه الفاحشة؛ لقوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾؛ لأن الهمزة هنا للاستفهام والتوبيخ. ولا شك أنه يُنكر عليه، لكن بماذا يُعاقب؟ في شريعتنا يُعاقب بالقتل مطلقًا، سواء كان محصنًا أم غير محصن، وهذا هو ما دل عليه الحديث الذي في السنن[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦) من حديث عبد الله بن عباس .]] وصححه الحاكم[[المستدرك (٨٢٤٥).]] وغيره من قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ َوَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ». وهو الذي أجمع عليه الصحابة كما حكاه عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. لكنهم اختلفوا كيف يُقتل: هل يُقتل بالرجم، أو بإلقائه من شاهق وإتباعه بالحجارة، أو يُقتل بالسيف، أو يُقتل بالإحراق بالنار؟ اختلفوا في هذا، المهم أنهم اتفقوا على قتله، وتكون الكيفية هنا راجعة إلى الإمام، إذا رأى أقوى كيفية تردع عن هذا العمل الخبيث فإنه يسلكه. * وفيه دليل على أن الفواحش تقبُح بحسب ما يقترن بها؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فإن هذه الفاحشة منكرة، ولكنها إذا كانت علنًا وجهرًا يبصر الناس بعضهم بعضًا فيها صارت أقبح وأعظم، ولهذا أتى بالجملة الحالية في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. * طالب: إجمالا (...)؟ * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: على هذه الفعلة. * الشيخ: لا، يجب قتله، ما لها حد في كيفية قتله. * الطالب: الكيفية، يعني ما يُحد، وإنما بحسب الردع. * الشيخ: بحسب ما يكون رادع، نعم. * الطالب: الإحراق (...)؟ * الشيخ: فعله أبو بكر رضي الله عنه، وفعله أيضًا هشام بن عبد الملك، وفعله عبد الله بن الزبير (...). * طالب: ولا أنكر عليهم الصحابة ذلك؟ * الشيخ: ما أنكروا عليهم. فهذه خمس فوائد. * * * ثم قال: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل ٥٥]. * في هذه الآية من الفوائد: أولًا: قبح فعل هؤلاء، وهذا مع الوجه الأول ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ يكون قبُح من وجهٍ آخر: وهو أنهم يأتون الرجال الذين ليس لهم حق في إتيانهم، ويدعون النساء اللاتي خلقهن الله لذلك: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾. * الفائدة الثانية: أن هذه الشهوة إنما تصدر عن جهل، لا بمقتضى الطبيعة، وإنما هي عن سفهٍ في الإنسان؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. كأنه قال: إتيانكم إياهم شهوة ليس له محل، ولكن الذي أوجد ذلك لكم أنكم قوم ذووا جهل، أي: سفه ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. * الفائدة الثالثة: بيان ما عليه هؤلاء القوم من المظهر الاجتماعي الفاسد؛ لأنهم إذا كانوا يأتون الرجال ما بقي منهم رجل في الحقيقة، صاروا كلهم بمنزلة النساء، إلا أنه إذا كبر الإنسان ارتفع عن أن يُفعل به وصار فاعلًا. فهم في حال الشباب مفعولٌ بهم، وفي حال الكبر فاعلون، ولهذا يُعتبر هذا الانحطاط الاجتماعي في البشر من أحط الانحطاطات. * ورابعًا: أن هذه الفعلة من السفه العظيم؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. فأتى بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار. * طالب: إذا قلنا (...) عن شهوة (...). * الشيخ: عن شهوة بمقتضى الطبيعة. * الطالب: ما يشكل على هذا ما روي من تحاذر بعض الأئمة (...) مقاربة بعض الصبيان خوفًا من هذا الفعل أو خوفًا من أن يقع (...). * الشيخ: إي، كما أن الزنا قبيح بالفعل، ومع ذلك قد تدعو النفس إليه، فلا يمنع أن النفس الأمّارة بالسوء تدعو إلى ما يخالف مقتضى الطبيعة، ولهذا قال بعض العلماء: إنه ليس فيه حد ولا عقوبة؛ لأن النفس تنفر عنه بمقتضى الطبيعة، فهو كشرب البول، وأكل الغائط، ولكن هذا ليس بصحيح، صحيح أن بعض النفوس السافلة قد تدعو إليه. * طالب: يعني الزنا في مقتضى الطبيعة مرغوب يعني. * الشيخ: إي نعم. يعني الزنا محرّم بوصف الشريعة لا بمقتضى الطبيعة لأنه زنا، ولهذا لو تزوجها حلّ له ذلك، أما هذا فهو محرم بمقتضى الشريعة والطبيعة، حتى النفس تنفر منه إلا نفسًا مقلوبًا على أمرها. ولهذا قال لهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. ليس هذا شهوة طبيعية تمليها الطبيعة، وهو حقيقة، كيف الإنسان يروح مثلًا يستعمل هذا المحل اللي هو محل الخبث والأنتان والأقذار، وربما يعلق به شيء من ذلك، ويدع المحل الطاهر الذي أباحه الله له؟!

النمل 27:54

يقول: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل ٥١، ٥٢] ﴿تِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾، لما قال: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ هذا عام مبهم، نص على شيء معيّن (...) * طالب: هو أن بيوتهم. * الشيخ: أن بيوتهم خاوية الآن، ويش معنى خاوية؟ * طالب: فيها قولان: إما خالية، وإما متهدمة. * الشيخ: مدمّرة، ﴿خَاوِيَةً﴾ وهذا قد نقول: إن فيه فائدة، وهي: التبيين بعد الإجمال؛ لأن التبيين بعد الإجمال أوقع في النفس، فالشيء إذا جاء مجملًا تتشوف النفس إلى بيانه ومعرفته، فإذا جاء إليها مبيَّنًا بعد الإبهام صادف أرضًا يابسة تشرب الماء، لكن إذا بُيِّن من الأول مر مر الكرام، وهذا دائمًا تجدونه في القرآن: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْر﴾ ويش هو ذلك الأمر؟ ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر ٦٦]. عندما تقف: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْر﴾ تجد نفسك هذا الأمر بـ(أل)، أيش الأمر هذا؟ وأن تجيء: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ يتبين لك وقع هذا البيان بعد الإبهام. * وفي هذا دليل على أن التدمير والإتلاف من أسباب الظلم؛ لقوله: ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾؛ لأن الباء هنا للسببية. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يصلح هذا وهذا؛ لأن (من) للسببية. * وفيه دليل على أن الجزاء من جنس العمل. * وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى ليس بظالم، ما دام لا يعاقب إلا بسبب فعل العبد، فمعنى ذلك أنه منتفٍ عنه الظلم سبحانه وتعالى. * وفيه دليلٌ على التحذير من الظلم؛ لأننا إذا تبينا أن التدمير من أسباب الظلم معناه أننا ننفر منه ونهرب منه، وفيه التحذير من ممارسة الظلم سواء كان متعديًا أو لازمًا، أو سواء كنت تظلم نفسك وحدها بالتقصير بواجب الله أو بالظلم لغيرك أيضًا. * وفيه دليل على أن هذه الحوادث التي يحدثها الله عز وجل آيات من آياته، تدل على كمال قدرته وسلطانه وعلى كمال عدله أيضًا، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾؛ أي: علامة على قدرة الله وسلطانه، وعلى حكمته، وأنه سبحانه وتعالى لا يفعل إلا بمقتضٍ للفعل. * وفيه رد على من ينكرون الحكمة، مثل من؟ الجهمية؛ فإن الجهمية يقولون: إنه لا حكمة لله سبحانه وتعالى في أفعاله، وخالفتهم المعتزلة تمامًا وقالت: أفعاله مقرونة بالحكمة، والحكمة موجبة، ولهذا قالوا: يجب عليه فعل الصلاح، وبعضهم قالوا: يجب عليه فعل الأصلح. وأما الجهمية فبالعكس، وهذا من المواضع التي اختلفت فيه الجهمية والمعتزلة، وإن كانوا يشتركون في كثير من الأشياء، لكنهم يختلفون أيضًا في أشياء أخرى منها هذه المسألة: هل فعل الله لحكمة أو لمجرد مشيئة؟ الجهمية يقولون: لمجرد مشيئة، والمعتزلة يقولون: لحكمة، لكن غلوا في إثبات الحكمة؛ حيث أوجبوا على الله سبحانه وتعالى فعل الأصلح. وقد مر علينا هذا في العقيدة وبيّنّا أن الصواب أنه يجب على الله فعل الأصلح، لكن لا بإيجابنا نحن، ولكن بمقتضى حكمته؛ لأن الحكمة تقتضي هكذا. * طالب: والأشاعرة (...)؟ * الشيخ: الأشاعرة مثل الجهمية. * وفي هذا دليل على أنه لا ينتفع بالآيات إلا أولو العلم؛ لقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، أما من ليس من ذوي العلم فإنه يفوتهم شيء كثير لا يعتبرون به ولا يتعظون به، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت ٤٣]، والأمثال تشمل الأمثال المعقولة والأمثال المحسوسة المشاهدة، فالله تعالى يضرب الأمثال المعقولة ويضرب الأمثال المحسوسة: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ١٣] إلى آخره، هذا ما يسمى المشهود المحسوس. مثلًا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ هذا من الأمثال المعقولة. والحاصل: أن أهل العلم هم الذين يعقلون هذه الآيات ويعتبرون بها، وينتفعون بها. * وفيه دليل على فضيلة العلم. * وفيه دليل أيضًا على الحث على العلم؛ لأنه إذا ثبت فضله فمعنى ذلك أن الله ذكره لنا لنتعلم. ولا شك أن العلم من أفضل ما أنعم الله به على العبد، يعني: ما بعد الإسلام نعمة مثل العلم، هي أفضل من نعمة المال، وأفضل من نعمة قوة البدن، وأفضل من نعمة البنين، ما يعادلها إلا نعمة الإسلام فقط. ولذلك تجد أن العلماء، ولكن الذين مثّلوا العلم، بأن كانوا دعاة إلى الله، وكانوا علماء ملة، لا علماء دولة؛ لأن العلماء منهم علماء ملّة يدعون إلى الملة والشريعة ويهدون بأمر الله، ومنهم علماء دولة يدعون إلى ما تريده الدولة. وتعرفون أول ما ظهرت بدعة الاشتراكية أو أول ما ظهر فسق الاشتراكية؛ لأنها من زمان، صار أناس من أهل العلم -في البلاد التي ظهرت فيها هذه البدعة- صاروا يدعون إليها ويزعمون أن القرآن والسنة دلّا عليه، ويجيبون آيات تدل على هذا، مثل: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم ٢٨]. * طالب: هذا (...) الإنكار يؤخذ منه. * الشيخ: إي ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ خلاص، أنتم سواءٌ في الرزق، و«النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ»[[ أخرجه أبو داود (3477) من حديث رجل من المهاجرين ، وابن ماجه (2472) من حديث عبد الله بن عباس.]]، وهكذا، وبدؤوا يحرفون الكتاب والسنة، لماذا؟ لأنهم علماء دولة لا علماء ملة، وهذا كثير أيضًا. وفيه أيضًا محدِّثون دولة، مر علينا الذي قال للمهدي -ابراهيم بن غياث أو غياث بن إبراهيم- قال: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ جَنَاحٍ»[[أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (١ / ٤٢)، والحديث أخرجه أبو داود (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٣٥٨٥) من حديث أبي هريرة بدون لفظة: أو جناح. ]]. الحاصل أن هذه دلالة في القصد، لكن المراد بالعلم الممدوح هو العلم المؤثر للعمل والدعوة. والحقيقة أن مقام طلبة العلم ما هو مقام علم فقط ويكون العلم قابعًا في صدورهم، إذا لم يكن هناك دعوة، أنت الآن وارث للأنبياء ولّا لا؟ «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)من حديث أبي الدرداء.]]، ادع إلى الله، ادع مثلما دعا الأنبياء إلى الله سبحانه وتعالى، اعلم ثم ادع، ما نقول: ادع بجهل؛ الدعاء بجهل ضرر عليك وعلى الإسلام أيضًا، لكن اعلم وادع ولا تبالِ. واعلم أنك ما قلت كلمة تبتغي بها وجه الله إلا كان لها تأثير لا بد، ونحن نضرب دائمًا لكم مثلًا بقول موسى أمام السحرة وأمام فرعون وجنوده وعامة أتباعه، قال للسحرة: ﴿وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه ٦١] كلمة أيش عملتْ؟ * طالب: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ [طه ٦٢]. * الشيخ: ولا قنبلة ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ راحت معنويتهم واجتماعهم، وأخيرًا آمنوا بالله، أعلنوا إعلان كامل بتصميم وعزم، سبحان الذي أعطاهم إياه بها اللحظة: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] فوعدهم: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [الأعراف ١٢٤]، ويش قالوا؟ ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه ٧٢] (...) ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه ٧٢] الله أكبر. * * * قال الله تبارك وتعالي: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل ٥٢، ٥٣]. * في هذا دليل على أن الإيمان والتقوى من أسباب النجاة؛ لأن قوله: ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حكمٌ معلّقٌ بوصف، والحكم إذا عُلِّق بوصف دل ذلك على علِّيَّة هذا الوصف وتأثيره في الحكم، فيكون فيه دليلٌ على أن الإيمان والتقوى -وهي متضمنة للعمل الصالح- من أسباب النجاة. * الفائدة الثانية: الحث على الإيمان والتقوى؛ لأن كل إنسان عاقل ينبغي له أن يسلك أسباب النجاة، فيكون في الإخبار عن نجاتهم الحث على السبب الذي به نجوا. * الفائدة الثالثة: بيان عدل الله سبحانه وتعالى حيث أهلك من يستحق الإهلاك، وأنجى من يستحق الإنجاء: ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. * الفائدة الرابعة: أن صالحًا ومن معه كانوا مؤمنين متصفين بهذا الوصف بالإيمان والتقوى؛ لأنهم هم الذين أُنجوا من هذه العقوبة. * * * ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ [النمل ٥٤، ٥٥]. * في هذا من الفوائد على أنه ينبغي إدراك الغرض الذي من أجله أُرسل الرسول؛ لأن الرسل كلهم كافة أُرسلوا لتوحيد الله، لكن بعضهم يبيّن مع الأمر بعبادة الله أنه أُرسل لهذا الغرض، ولوط هنا بيّن الله تعالى أنه أرسله لغرض انتشال قومه من هذه الفاحشة العظيمة: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾، مع أنه لا بد أنه قال لهم: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، لكن لما كانت هذه الفاحشة ظاهرةً فيهم بيّنها الله تبارك وتعالى. * طالب: لماذا يعني الرسل سواء لوط أو غيره لماذا لم (...) حتى يؤمنوا، بحيث لا يطالبونه بهذا الشيء حتى (...)؟ * الشيخ: هم مؤمنون، طالبوهم أولًا بالإيمان ثم بهذا، الكلام هنا فيما قصّ الله. * الطالب: لكن في الآيات كثيرًا يقرنونها سواء قرن .. * الشيخ: قرن بالواو ما تقتضي أنها الفورية ولكن التعقيب. * الطالب: لأن النبي ﷺ خالف كثيرًا من هذا الشيء؟ * الشيخ: لا، حتى (...) ما تدل على المخالفة، وهو إما أن يكونوا مثلًا أخطؤوا في هذه العملية مع تحقيق العبادة، ويكون الأمر بعبادة الله من باب الأمر بالاستمرار عليها، أو أنهم يأمرونهم ثم بعد ذلك إذا استقر الإيمان في نفوسهم نهوهم عما هم عليه. * الفائدة الثانية: أن الرسل يرسَلون إلى قومهم؛ لقوله: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ولم يُبعث أحدٌ إلى عموم الناس إلا رسول الله ﷺ. * الفائدة الثالثة: بيان عظم اللواط وقبحه، وأنه في قمم الفواحش؛ لقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾. * رابعًا: بيان وجوب الإنكار على من أتى هذه الفاحشة؛ لقوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾؛ لأن الهمزة هنا للاستفهام والتوبيخ. ولا شك أنه يُنكر عليه، لكن بماذا يُعاقب؟ في شريعتنا يُعاقب بالقتل مطلقًا، سواء كان محصنًا أم غير محصن، وهذا هو ما دل عليه الحديث الذي في السنن[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦) من حديث عبد الله بن عباس .]] وصححه الحاكم[[المستدرك (٨٢٤٥).]] وغيره من قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ َوَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ». وهو الذي أجمع عليه الصحابة كما حكاه عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. لكنهم اختلفوا كيف يُقتل: هل يُقتل بالرجم، أو بإلقائه من شاهق وإتباعه بالحجارة، أو يُقتل بالسيف، أو يُقتل بالإحراق بالنار؟ اختلفوا في هذا، المهم أنهم اتفقوا على قتله، وتكون الكيفية هنا راجعة إلى الإمام، إذا رأى أقوى كيفية تردع عن هذا العمل الخبيث فإنه يسلكه. * وفيه دليل على أن الفواحش تقبُح بحسب ما يقترن بها؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فإن هذه الفاحشة منكرة، ولكنها إذا كانت علنًا وجهرًا يبصر الناس بعضهم بعضًا فيها صارت أقبح وأعظم، ولهذا أتى بالجملة الحالية في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. * طالب: إجمالا (...)؟ * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: على هذه الفعلة. * الشيخ: لا، يجب قتله، ما لها حد في كيفية قتله. * الطالب: الكيفية، يعني ما يُحد، وإنما بحسب الردع. * الشيخ: بحسب ما يكون رادع، نعم. * الطالب: الإحراق (...)؟ * الشيخ: فعله أبو بكر رضي الله عنه، وفعله أيضًا هشام بن عبد الملك، وفعله عبد الله بن الزبير (...). * طالب: ولا أنكر عليهم الصحابة ذلك؟ * الشيخ: ما أنكروا عليهم. فهذه خمس فوائد. * * * ثم قال: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل ٥٥]. * في هذه الآية من الفوائد: أولًا: قبح فعل هؤلاء، وهذا مع الوجه الأول ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ يكون قبُح من وجهٍ آخر: وهو أنهم يأتون الرجال الذين ليس لهم حق في إتيانهم، ويدعون النساء اللاتي خلقهن الله لذلك: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾. * الفائدة الثانية: أن هذه الشهوة إنما تصدر عن جهل، لا بمقتضى الطبيعة، وإنما هي عن سفهٍ في الإنسان؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. كأنه قال: إتيانكم إياهم شهوة ليس له محل، ولكن الذي أوجد ذلك لكم أنكم قوم ذووا جهل، أي: سفه ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. * الفائدة الثالثة: بيان ما عليه هؤلاء القوم من المظهر الاجتماعي الفاسد؛ لأنهم إذا كانوا يأتون الرجال ما بقي منهم رجل في الحقيقة، صاروا كلهم بمنزلة النساء، إلا أنه إذا كبر الإنسان ارتفع عن أن يُفعل به وصار فاعلًا. فهم في حال الشباب مفعولٌ بهم، وفي حال الكبر فاعلون، ولهذا يُعتبر هذا الانحطاط الاجتماعي في البشر من أحط الانحطاطات. * ورابعًا: أن هذه الفعلة من السفه العظيم؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. فأتى بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار. * طالب: إذا قلنا (...) عن شهوة (...). * الشيخ: عن شهوة بمقتضى الطبيعة. * الطالب: ما يشكل على هذا ما روي من تحاذر بعض الأئمة (...) مقاربة بعض الصبيان خوفًا من هذا الفعل أو خوفًا من أن يقع (...). * الشيخ: إي، كما أن الزنا قبيح بالفعل، ومع ذلك قد تدعو النفس إليه، فلا يمنع أن النفس الأمّارة بالسوء تدعو إلى ما يخالف مقتضى الطبيعة، ولهذا قال بعض العلماء: إنه ليس فيه حد ولا عقوبة؛ لأن النفس تنفر عنه بمقتضى الطبيعة، فهو كشرب البول، وأكل الغائط، ولكن هذا ليس بصحيح، صحيح أن بعض النفوس السافلة قد تدعو إليه. * طالب: يعني الزنا في مقتضى الطبيعة مرغوب يعني. * الشيخ: إي نعم. يعني الزنا محرّم بوصف الشريعة لا بمقتضى الطبيعة لأنه زنا، ولهذا لو تزوجها حلّ له ذلك، أما هذا فهو محرم بمقتضى الشريعة والطبيعة، حتى النفس تنفر منه إلا نفسًا مقلوبًا على أمرها. ولهذا قال لهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. ليس هذا شهوة طبيعية تمليها الطبيعة، وهو حقيقة، كيف الإنسان يروح مثلًا يستعمل هذا المحل اللي هو محل الخبث والأنتان والأقذار، وربما يعلق به شيء من ذلك، ويدع المحل الطاهر الذي أباحه الله له؟!

النمل 27:55

يقول: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل ٥١، ٥٢] ﴿تِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾، لما قال: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ هذا عام مبهم، نص على شيء معيّن (...) * طالب: هو أن بيوتهم. * الشيخ: أن بيوتهم خاوية الآن، ويش معنى خاوية؟ * طالب: فيها قولان: إما خالية، وإما متهدمة. * الشيخ: مدمّرة، ﴿خَاوِيَةً﴾ وهذا قد نقول: إن فيه فائدة، وهي: التبيين بعد الإجمال؛ لأن التبيين بعد الإجمال أوقع في النفس، فالشيء إذا جاء مجملًا تتشوف النفس إلى بيانه ومعرفته، فإذا جاء إليها مبيَّنًا بعد الإبهام صادف أرضًا يابسة تشرب الماء، لكن إذا بُيِّن من الأول مر مر الكرام، وهذا دائمًا تجدونه في القرآن: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْر﴾ ويش هو ذلك الأمر؟ ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر ٦٦]. عندما تقف: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْر﴾ تجد نفسك هذا الأمر بـ(أل)، أيش الأمر هذا؟ وأن تجيء: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ يتبين لك وقع هذا البيان بعد الإبهام. * وفي هذا دليل على أن التدمير والإتلاف من أسباب الظلم؛ لقوله: ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾؛ لأن الباء هنا للسببية. * طالب: (...)؟ * الشيخ: يصلح هذا وهذا؛ لأن (من) للسببية. * وفيه دليل على أن الجزاء من جنس العمل. * وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى ليس بظالم، ما دام لا يعاقب إلا بسبب فعل العبد، فمعنى ذلك أنه منتفٍ عنه الظلم سبحانه وتعالى. * وفيه دليلٌ على التحذير من الظلم؛ لأننا إذا تبينا أن التدمير من أسباب الظلم معناه أننا ننفر منه ونهرب منه، وفيه التحذير من ممارسة الظلم سواء كان متعديًا أو لازمًا، أو سواء كنت تظلم نفسك وحدها بالتقصير بواجب الله أو بالظلم لغيرك أيضًا. * وفيه دليل على أن هذه الحوادث التي يحدثها الله عز وجل آيات من آياته، تدل على كمال قدرته وسلطانه وعلى كمال عدله أيضًا، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾؛ أي: علامة على قدرة الله وسلطانه، وعلى حكمته، وأنه سبحانه وتعالى لا يفعل إلا بمقتضٍ للفعل. * وفيه رد على من ينكرون الحكمة، مثل من؟ الجهمية؛ فإن الجهمية يقولون: إنه لا حكمة لله سبحانه وتعالى في أفعاله، وخالفتهم المعتزلة تمامًا وقالت: أفعاله مقرونة بالحكمة، والحكمة موجبة، ولهذا قالوا: يجب عليه فعل الصلاح، وبعضهم قالوا: يجب عليه فعل الأصلح. وأما الجهمية فبالعكس، وهذا من المواضع التي اختلفت فيه الجهمية والمعتزلة، وإن كانوا يشتركون في كثير من الأشياء، لكنهم يختلفون أيضًا في أشياء أخرى منها هذه المسألة: هل فعل الله لحكمة أو لمجرد مشيئة؟ الجهمية يقولون: لمجرد مشيئة، والمعتزلة يقولون: لحكمة، لكن غلوا في إثبات الحكمة؛ حيث أوجبوا على الله سبحانه وتعالى فعل الأصلح. وقد مر علينا هذا في العقيدة وبيّنّا أن الصواب أنه يجب على الله فعل الأصلح، لكن لا بإيجابنا نحن، ولكن بمقتضى حكمته؛ لأن الحكمة تقتضي هكذا. * طالب: والأشاعرة (...)؟ * الشيخ: الأشاعرة مثل الجهمية. * وفي هذا دليل على أنه لا ينتفع بالآيات إلا أولو العلم؛ لقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، أما من ليس من ذوي العلم فإنه يفوتهم شيء كثير لا يعتبرون به ولا يتعظون به، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت ٤٣]، والأمثال تشمل الأمثال المعقولة والأمثال المحسوسة المشاهدة، فالله تعالى يضرب الأمثال المعقولة ويضرب الأمثال المحسوسة: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ١٣] إلى آخره، هذا ما يسمى المشهود المحسوس. مثلًا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ هذا من الأمثال المعقولة. والحاصل: أن أهل العلم هم الذين يعقلون هذه الآيات ويعتبرون بها، وينتفعون بها. * وفيه دليل على فضيلة العلم. * وفيه دليل أيضًا على الحث على العلم؛ لأنه إذا ثبت فضله فمعنى ذلك أن الله ذكره لنا لنتعلم. ولا شك أن العلم من أفضل ما أنعم الله به على العبد، يعني: ما بعد الإسلام نعمة مثل العلم، هي أفضل من نعمة المال، وأفضل من نعمة قوة البدن، وأفضل من نعمة البنين، ما يعادلها إلا نعمة الإسلام فقط. ولذلك تجد أن العلماء، ولكن الذين مثّلوا العلم، بأن كانوا دعاة إلى الله، وكانوا علماء ملة، لا علماء دولة؛ لأن العلماء منهم علماء ملّة يدعون إلى الملة والشريعة ويهدون بأمر الله، ومنهم علماء دولة يدعون إلى ما تريده الدولة. وتعرفون أول ما ظهرت بدعة الاشتراكية أو أول ما ظهر فسق الاشتراكية؛ لأنها من زمان، صار أناس من أهل العلم -في البلاد التي ظهرت فيها هذه البدعة- صاروا يدعون إليها ويزعمون أن القرآن والسنة دلّا عليه، ويجيبون آيات تدل على هذا، مثل: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم ٢٨]. * طالب: هذا (...) الإنكار يؤخذ منه. * الشيخ: إي ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ خلاص، أنتم سواءٌ في الرزق، و«النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ»[[ أخرجه أبو داود (3477) من حديث رجل من المهاجرين ، وابن ماجه (2472) من حديث عبد الله بن عباس.]]، وهكذا، وبدؤوا يحرفون الكتاب والسنة، لماذا؟ لأنهم علماء دولة لا علماء ملة، وهذا كثير أيضًا. وفيه أيضًا محدِّثون دولة، مر علينا الذي قال للمهدي -ابراهيم بن غياث أو غياث بن إبراهيم- قال: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ جَنَاحٍ»[[أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (١ / ٤٢)، والحديث أخرجه أبو داود (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٣٥٨٥) من حديث أبي هريرة بدون لفظة: أو جناح. ]]. الحاصل أن هذه دلالة في القصد، لكن المراد بالعلم الممدوح هو العلم المؤثر للعمل والدعوة. والحقيقة أن مقام طلبة العلم ما هو مقام علم فقط ويكون العلم قابعًا في صدورهم، إذا لم يكن هناك دعوة، أنت الآن وارث للأنبياء ولّا لا؟ «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)من حديث أبي الدرداء.]]، ادع إلى الله، ادع مثلما دعا الأنبياء إلى الله سبحانه وتعالى، اعلم ثم ادع، ما نقول: ادع بجهل؛ الدعاء بجهل ضرر عليك وعلى الإسلام أيضًا، لكن اعلم وادع ولا تبالِ. واعلم أنك ما قلت كلمة تبتغي بها وجه الله إلا كان لها تأثير لا بد، ونحن نضرب دائمًا لكم مثلًا بقول موسى أمام السحرة وأمام فرعون وجنوده وعامة أتباعه، قال للسحرة: ﴿وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه ٦١] كلمة أيش عملتْ؟ * طالب: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ [طه ٦٢]. * الشيخ: ولا قنبلة ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ راحت معنويتهم واجتماعهم، وأخيرًا آمنوا بالله، أعلنوا إعلان كامل بتصميم وعزم، سبحان الذي أعطاهم إياه بها اللحظة: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] فوعدهم: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [الأعراف ١٢٤]، ويش قالوا؟ ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه ٧٢] (...) ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه ٧٢] الله أكبر. * * * قال الله تبارك وتعالي: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل ٥٢، ٥٣]. * في هذا دليل على أن الإيمان والتقوى من أسباب النجاة؛ لأن قوله: ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حكمٌ معلّقٌ بوصف، والحكم إذا عُلِّق بوصف دل ذلك على علِّيَّة هذا الوصف وتأثيره في الحكم، فيكون فيه دليلٌ على أن الإيمان والتقوى -وهي متضمنة للعمل الصالح- من أسباب النجاة. * الفائدة الثانية: الحث على الإيمان والتقوى؛ لأن كل إنسان عاقل ينبغي له أن يسلك أسباب النجاة، فيكون في الإخبار عن نجاتهم الحث على السبب الذي به نجوا. * الفائدة الثالثة: بيان عدل الله سبحانه وتعالى حيث أهلك من يستحق الإهلاك، وأنجى من يستحق الإنجاء: ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. * الفائدة الرابعة: أن صالحًا ومن معه كانوا مؤمنين متصفين بهذا الوصف بالإيمان والتقوى؛ لأنهم هم الذين أُنجوا من هذه العقوبة. * * * ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ [النمل ٥٤، ٥٥]. * في هذا من الفوائد على أنه ينبغي إدراك الغرض الذي من أجله أُرسل الرسول؛ لأن الرسل كلهم كافة أُرسلوا لتوحيد الله، لكن بعضهم يبيّن مع الأمر بعبادة الله أنه أُرسل لهذا الغرض، ولوط هنا بيّن الله تعالى أنه أرسله لغرض انتشال قومه من هذه الفاحشة العظيمة: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾، مع أنه لا بد أنه قال لهم: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، لكن لما كانت هذه الفاحشة ظاهرةً فيهم بيّنها الله تبارك وتعالى. * طالب: لماذا يعني الرسل سواء لوط أو غيره لماذا لم (...) حتى يؤمنوا، بحيث لا يطالبونه بهذا الشيء حتى (...)؟ * الشيخ: هم مؤمنون، طالبوهم أولًا بالإيمان ثم بهذا، الكلام هنا فيما قصّ الله. * الطالب: لكن في الآيات كثيرًا يقرنونها سواء قرن .. * الشيخ: قرن بالواو ما تقتضي أنها الفورية ولكن التعقيب. * الطالب: لأن النبي ﷺ خالف كثيرًا من هذا الشيء؟ * الشيخ: لا، حتى (...) ما تدل على المخالفة، وهو إما أن يكونوا مثلًا أخطؤوا في هذه العملية مع تحقيق العبادة، ويكون الأمر بعبادة الله من باب الأمر بالاستمرار عليها، أو أنهم يأمرونهم ثم بعد ذلك إذا استقر الإيمان في نفوسهم نهوهم عما هم عليه. * الفائدة الثانية: أن الرسل يرسَلون إلى قومهم؛ لقوله: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ولم يُبعث أحدٌ إلى عموم الناس إلا رسول الله ﷺ. * الفائدة الثالثة: بيان عظم اللواط وقبحه، وأنه في قمم الفواحش؛ لقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾. * رابعًا: بيان وجوب الإنكار على من أتى هذه الفاحشة؛ لقوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾؛ لأن الهمزة هنا للاستفهام والتوبيخ. ولا شك أنه يُنكر عليه، لكن بماذا يُعاقب؟ في شريعتنا يُعاقب بالقتل مطلقًا، سواء كان محصنًا أم غير محصن، وهذا هو ما دل عليه الحديث الذي في السنن[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦) من حديث عبد الله بن عباس .]] وصححه الحاكم[[المستدرك (٨٢٤٥).]] وغيره من قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ َوَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ». وهو الذي أجمع عليه الصحابة كما حكاه عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. لكنهم اختلفوا كيف يُقتل: هل يُقتل بالرجم، أو بإلقائه من شاهق وإتباعه بالحجارة، أو يُقتل بالسيف، أو يُقتل بالإحراق بالنار؟ اختلفوا في هذا، المهم أنهم اتفقوا على قتله، وتكون الكيفية هنا راجعة إلى الإمام، إذا رأى أقوى كيفية تردع عن هذا العمل الخبيث فإنه يسلكه. * وفيه دليل على أن الفواحش تقبُح بحسب ما يقترن بها؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فإن هذه الفاحشة منكرة، ولكنها إذا كانت علنًا وجهرًا يبصر الناس بعضهم بعضًا فيها صارت أقبح وأعظم، ولهذا أتى بالجملة الحالية في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. * طالب: إجمالا (...)؟ * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: على هذه الفعلة. * الشيخ: لا، يجب قتله، ما لها حد في كيفية قتله. * الطالب: الكيفية، يعني ما يُحد، وإنما بحسب الردع. * الشيخ: بحسب ما يكون رادع، نعم. * الطالب: الإحراق (...)؟ * الشيخ: فعله أبو بكر رضي الله عنه، وفعله أيضًا هشام بن عبد الملك، وفعله عبد الله بن الزبير (...). * طالب: ولا أنكر عليهم الصحابة ذلك؟ * الشيخ: ما أنكروا عليهم. فهذه خمس فوائد. * * * ثم قال: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل ٥٥]. * في هذه الآية من الفوائد: أولًا: قبح فعل هؤلاء، وهذا مع الوجه الأول ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ يكون قبُح من وجهٍ آخر: وهو أنهم يأتون الرجال الذين ليس لهم حق في إتيانهم، ويدعون النساء اللاتي خلقهن الله لذلك: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾. * الفائدة الثانية: أن هذه الشهوة إنما تصدر عن جهل، لا بمقتضى الطبيعة، وإنما هي عن سفهٍ في الإنسان؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. كأنه قال: إتيانكم إياهم شهوة ليس له محل، ولكن الذي أوجد ذلك لكم أنكم قوم ذووا جهل، أي: سفه ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. * الفائدة الثالثة: بيان ما عليه هؤلاء القوم من المظهر الاجتماعي الفاسد؛ لأنهم إذا كانوا يأتون الرجال ما بقي منهم رجل في الحقيقة، صاروا كلهم بمنزلة النساء، إلا أنه إذا كبر الإنسان ارتفع عن أن يُفعل به وصار فاعلًا. فهم في حال الشباب مفعولٌ بهم، وفي حال الكبر فاعلون، ولهذا يُعتبر هذا الانحطاط الاجتماعي في البشر من أحط الانحطاطات. * ورابعًا: أن هذه الفعلة من السفه العظيم؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. فأتى بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار. * طالب: إذا قلنا (...) عن شهوة (...). * الشيخ: عن شهوة بمقتضى الطبيعة. * الطالب: ما يشكل على هذا ما روي من تحاذر بعض الأئمة (...) مقاربة بعض الصبيان خوفًا من هذا الفعل أو خوفًا من أن يقع (...). * الشيخ: إي، كما أن الزنا قبيح بالفعل، ومع ذلك قد تدعو النفس إليه، فلا يمنع أن النفس الأمّارة بالسوء تدعو إلى ما يخالف مقتضى الطبيعة، ولهذا قال بعض العلماء: إنه ليس فيه حد ولا عقوبة؛ لأن النفس تنفر عنه بمقتضى الطبيعة، فهو كشرب البول، وأكل الغائط، ولكن هذا ليس بصحيح، صحيح أن بعض النفوس السافلة قد تدعو إليه. * طالب: يعني الزنا في مقتضى الطبيعة مرغوب يعني. * الشيخ: إي نعم. يعني الزنا محرّم بوصف الشريعة لا بمقتضى الطبيعة لأنه زنا، ولهذا لو تزوجها حلّ له ذلك، أما هذا فهو محرم بمقتضى الشريعة والطبيعة، حتى النفس تنفر منه إلا نفسًا مقلوبًا على أمرها. ولهذا قال لهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. ليس هذا شهوة طبيعية تمليها الطبيعة، وهو حقيقة، كيف الإنسان يروح مثلًا يستعمل هذا المحل اللي هو محل الخبث والأنتان والأقذار، وربما يعلق به شيء من ذلك، ويدع المحل الطاهر الذي أباحه الله له؟!

النمل 27:56

﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦]. ﴿جَوَابَ﴾ خبر (كان) مقدَّم و﴿أَنْ قَالُوا﴾ اسمها مؤخر. وهذه الجملة للحصر، يعني: ما كان جواب قومه أن ينقادوا ولا أن يقفوا موقفًا سلبيًّا من دعوته، بحيث يتوقفون عن القبول وعن المعارضة، بل كان جواب قومه والعياذ بالله: اللجوء إلى القوة وإلى العنف ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾: ﴿أَخْرِجُوا﴾ الفاعل يعود إلى أهل الحل والعقد في القرية. وقوله: ﴿آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ أتوا بهذا التعبير إشارة إلى أن لوطًا ليس منكم، وإنما هو جرثومة طارئة حادثة على محل، فيجب أن ينزّه منهم؛ لأن لوطًا كما هو معروف أُرسل إلى أهل سدوم وليس منهم، ولهذا قال: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ يعني: الذين جاءوا ووفدوا إليكم وليسوا منكم ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ لم يقولوا: من القرية، بل قالوا: ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ للإغراء بإخراجه. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ إغراءً بإخراجه، يعني كأنهم يقولون: هذه قريتكم، وهذا الرجل جاء جديدًا عليها، ويريد أن يناقضكم وأن يقف ضدكم أخرجوه، القرية لكم ما هي له. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ وسيأتي إن شاء الله بيان الفائدة في هذا؛ لأن بعض الناس إذا ضاق ذرعًا بالدعاة المصلحين يقولون: اطلعوا، هذه ما هي (...)، أو لا تتكلم في هذا المسجد، ما هو مسجدك أو ما أشبه ذلك. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ الجملة تعليلٌ لما سبقها من حكم، وهو الأمر بالإخراج، أخرجوهم، لماذا؟ لأنهم أناسٌ يتطهرون (من أدبار الرجال)، فجعلوا علّة العقوبة ما هو من أسباب رفع العقوبة، فإن تطهرهم هذا حسن يقتضي المدح والثناء، أي الجميل على من تطهر منه، وهؤلاء جعلوه بالعكس؛ لأنهم والعياذ بالله إما زائغون يعرفون الحق ولم يعملوا به، وإما ضالّون يضلوا عن الحق وعمي عليهم، نسأل الله العافية. والغالب أنهم زائغون؛ لأن هذا معروفٌ لدى البشر أن الطبيعة تنفر منه ولا أحد يقبله. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ هل هم أرادوا الحقيقة وأن هذا الفعل خبيث وهؤلاء يريدون التطهر منه، أو أراد يتطهرون بزعمهم وأن هذا الفعل ليس نجسًا لكن هؤلاء يريدون أن يتطهروا منه؟ الأقرب الأخير؛ لأنه هو مقتضى حالهم، مقتضى حالهم أنهم رأوا هذا المنكر معروفًا، وهذه الفاحشة يسيرة فتمسكوا بها. وقولهم: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (أناس) نكرة، والمنكر غير معروف، وكل هذا لقصد التباعد منه والإغراء بإخراجهم. قال الله عز وجل: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ لما عزموا على إخراجه أمره الله تعالى أن يخرج بأمر الله، فإن الملائكة أتت إليه وأمرته أن يسري بأهله إلا امرأته كانت من الغابرين، فسرى بأمر الله، ولما بعُد عن القرية أهلك الله تعالى أهل القرية صباحًا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود ٨١،] فأرسل الله عليهم حجارة من سجّيل فجعل عاليها سافلها، ولهذا قال: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [النمل ٥٧] الاستفهام متصل ولّا منقطع؟ * طالب: منقطع. * الشيخ: ليش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) أيش لون (...). * الطالب: (...) من غير جنسه. * الشيخ: وهنا؟ * الطالب: لا، من جنسه. * الشيخ: إذن متصل ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾. وفي هذا دليل على أن المرأة من الأهل؛ لأن الإنسان يأهلها ويأوي إليها، وكذلك هي بالنسبة إليه، فالزوجة من أهل الإنسان كما أن أقاربه من أولاده وآبائه هم أيضًا من الأهل: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: كتبنا عليها وقدّرنا عليها، ولهذا قال: (جعلناها بتقديرنا ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب) الغابر بمعنى الباقي، فالمعنى أنها هي بقيت ولم يسر بها، فكانت والعياذ بالله من الهالكين. ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] فإن هذه الخيانة ليست خيانة فرج وعرض، وإنما هي خيانة كفر؛ لأنهما أظهرتا أنهما مؤمنتان وهما ليستا كذلك، فبهذا صارتا خائنتين. * * * قال: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ وهو حجارة السجّيل أهلكتهم ﴿فَسَاءَ﴾ بئس ﴿مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [النمل ٥٨] بالعذاب مطرُهم). ﴿أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ في هذا دليل على أن المطر ليس خاصًّا بالماء، بل كل ما حصب به الإنسان من فوق يسمى مطرًا، ولهذا قال: ﴿أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ والمطر الذي أصابهم ما قاله المؤلف: (حجارة السجّيل) كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [هود ٨٢] وفي آية ثانية: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر ٧٤]. هذه الحجارة أهلكتهم، وجعلت عالي القرية سافلها، بمعنى أنها تهدمت عليهم حتى صار عاليها سافلها؛ يعني إذا انهدم البناء صار أعلاه أسفله، هذا هو الظاهر. وأما ما روي من أن جبريل حملهم من تخوم الأرض السفلى وأنه صعد بهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ونهيق حميرهم، ثم قلبها؛ فإن هذا لا دليل عليه لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ، فالأقرب أن هذه الحجارة لما أصابت قريتهم صار عاليها سافلها، انهدم البناء فصار أعلاه أسفله. (﴿فَسَاءَ﴾ بئس) إذن (ساء) فعل ماضٍ مجرد عن الزمن، وإنما هو لإنشاء الذم، مثل (حسُن) في بعض الأحيان ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء ٦٩] هذا فعل لإنشاء المدح، ﴿سَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ هذا أيضًا فعل لإنشاء الذم. قال: (﴿مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ بالعذاب مطرهم) ليش قال: (مطرهم)؟ لأن ساء مثل بئس، تبغي فاعلًا وتبغي مبتدأ، المخصوص بالذم هو المبتدأ المحذوف. فإذن نقول في إعرابها: (ساء) فعل ماضٍ، و(مطر) فاعل، وهو مضاف إلى (المنذرين)، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: مطرهم، ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ مطرهم. وهذا المخصوص أحيانًا يتقدم وأحيانًا يأتي بدله اسم منصوب يجعل تمييزًا يكون بدل هذا المخصوص. * طالب: الجمع بين قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر ٧٣]، وقوله في سورة هود: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود ٨١] معنى الصبح يعني طلوع الفجر كما ذكر ابن القيم، والإشراق بعد طلوع الشمس؟ * الشيخ: لا، الصبح يشمل أول النهار من طلوع الفجر (...) إلى الزوال، يسمى ضحى ويسمى صبحًا، فلا ينافي. * الطالب: (...) ياشيخ في الجواب الكافي ما بين نجاة لوط وأهله وهلاكهم إلا من السحر إلى طلوع الفجر. * الشيخ: ما أدري، منين جابه؟ * الطالب: كأنه يعني أخذًا من ﴿مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾. * الشيخ: ما يخالف، موعدهم الصبح، الصبح قلنا يشمل أول النهار أيضًا (...). * الطالب: يعني ما له وجهان قوله هذا؟ * الشيخ: خل نقرأ الآن في اللي جبته الأخيرة: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾. * الطالب: ﴿مُشْرِقِينَ﴾. * الشيخ: أو مصبحين. * الطالب: لا، مشرقين. * الشيخ: طيب ما يخالف. * طالب: قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ [الحجر ٦٥]. * الشيخ: (...) عامة مصبحين أي في زمن الإصباح، (...) العذاب استمر بهم إلى الإشراق. * * * ثم قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل ٥٩]. (﴿قُلِ﴾ يا محمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على هلاك الكفار من الأمم الخالية). ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الأمر للنبي ﷺ أو لكل من يمكن أن يوجه إليه من العقلاء. وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أطلق هنا ما يُحمد عليه، فهو أعم مما قاله المؤلف، وإن كان السياق يقتضي ما قاله المؤلف لكنه يجب أن يؤخذ بالعموم، ويكون من جملة ما يُحمد عليه إهلاك الكفار؛ لأنه دال على عدله بأخذ هؤلاء، وعلى فضله بالأنبياء والمؤمنين؛ حيث أخذ أعداءهم. ولكننا نقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هذا عام يُحمد على كامل أوصافه، وعلى أحاسن أفعاله، فأفعاله كلها حسنى، وصفاته كلها كاملة، فيُحمد على هذا وعلى هذا، ويكون إهلاك كفار الأمم من جملة ما يُحمد عليه، وهذا هو السر في أن الله تعالى لم يقل: قل الحمد لله على هذا، بل قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ليكون الله تبارك وتعالى محمودًا على كل حال. ومن جملة ما يُحمد عليه: إهلاك المكذبين للرسل. (﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هم) هذا المفعول قدّره المؤلف. ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هل هو داخل في ضمن المقول، يعني: قل الحمد لله، وقل: سلامٌ على عباده الذين اصطفى، فيكون الإنسان مأمورًا بحمد الله وبالدعاء على عباد الله الذين اصطفاهم، بالدعاء لهم لقوله: ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾. أو هي جملة مستقلة خبر من الله سبحانه وتعالى بأنه كلّم من اصطفاه وأنجاه؟ فيه احتمال للأمرين، لكن أيهما أقرب إلى السياق؟ * طالب: يقال: إنه حمد الله وسلامه جميعًا، في مقابل الكفار: الحمد لله على هلاك الكفار (...). * الشيخ: والله فيها احتمال، ما يترجح عندي أحد الاحتمالين؛ لأن لكل منهما وجهًا، فالإنسان مأمورٌ أن يحمد الله ومأمورٌ بأن يسلّم على عباد الله. وكذلك أيضًا الله تبارك وتعالى محمود على كمال صفاته، ثم إخباره بأنه سلّم هؤلاء، هذا أيضًا مما يُحمد عليه؛ لأن زوال النقم كجلب النعم. * ويكون في هذا فائدة: وهي أن العباد الذين اصطفاهم الله قد أحل عليهم السلام، فلا ينالهم ما نال هؤلاء الكفار، ويكون الله تعالى محمودًا على الأمرين: على إهلاك الكفار، وعلى تسليم عباده الذين اصطفى. وقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ بمعنى: اختار. ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ أي اختارهم، والله تبارك وتعالى يخلق ما يشاء ويختار ما يخلق ويصطفيه، فمن جملة ما اختار من بني آدم: اختار الأنبياء، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ [ص ٤٧]، واختار أيضًا المؤمنين؛ فإن المؤمنين بالنسبة للكفار مصطفَون، والأنبياء صفوة التقوى. والاصطفاء كغيره من الصفات التي تكون متفاوتة بحسب ما قام به العبد من أسباب الاصطفاء، فكلما كان الإنسان أقوم بعبادة الله وأشد تعظيمًا لله سبحانه وتعالى كان أشد اصطفاءً. (﴿آللَّهُ﴾ بتحقيق الهمزتين) ﴿أألله﴾ (وإبدال الثانية ألفًا) ﴿آلله﴾ (وتسهيلها) ﴿أالله﴾ (وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه). * طالب: (...). * الشيخ: تحقيق همزتين، إبدال الثانية ألفًا، هذه الثنتين واضحة. * طالب: ويش الأول؟ * الشيخ: تحقيق الهمزتين ﴿أألله﴾ ، إبدال الثانية ألفًا هي قراءتنا المعروفة ﴿آللَّهُ﴾. التسهيل فيه صفتان: يُدخَل بينهما ألف -بين الهمزة والمسهَّلة- ويترك، فتكون القراءات الآن أربعًا. * طالب: يعني الأولى تحقيق الهمزتين، القراءة الرابعة تسهيل الهمزتين بدون مد. * الشيخ: القراءة الثالثة تسهيل الهمزة الثانية لكن فيها ألف أو بدون ألف. فصارت القراءات أربعًا الآن، واضح؟ ثم قال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ (﴿خَيْرٌ﴾ لمن يعبده ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بالتاء والياء أي: أهل مكة به الآلهة خير لعابديها). قوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ خصّه المؤلف بخيريته لمن يعبده، والصواب أنها خيرية مطلقة لمن يعبده، وهذا يقتضي الإحسان، ولكماله، وهذا يقتضي الجلال والعظمة. فهنا ما نقول: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ لمن يعبده فقط، بل ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ في كل صفاته وفي إحسانه وعطائه؛ لأن الآية مطلقة، فيجب إطلاقها. وإطلاقها أكمل من تقييدها؛ لأنه مثلًا قد يكون هذا خيرًا لمن يتعامل معه، لكنه ليس فيه خيرية مطلقة. نقول: هذا الرجل يتعامل مع شخص، وإذا عامله أعطاه فوق ما يستحق، لكنه في صفاته الأخرى رديء، ويجيء آخر جيد وخيّر في صفاته الأخرى لكن إذا تعامل معه هذا الرجل ربما لا يعطيه ما يستحق، فيكون الأول خيرًا له من الثاني، ومع ذلك فهو ناقص. فقول المؤلف: (خيرٌ لمن يعبده) هذا فيه نظر؛ أولًا: أنه تقييد للمطلق بلا دليل. الثاني: أن هذا التقييد لا يقتضي الأفضلية، ولذلك يجب أن يقال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ في كل شيء في صفاته وفي ثوابه وجزائه لمن يعبده. ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يعني: أم الذي يشركونه مع الله من الأصنام وغيرها؟ والجواب: بل الله خيرٌ، ولهذا ينبغي لك إذا قرأت مثل هذا أن تقول: بل الله. وهذه المعادلة لا تقتضي المقاربة أو المماثلة، فإنه قد يفاضَل بين الشيئين مع خلو الطرف الثاني منهما، قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، مع أنه ليس في مستقر النار خير وليس فيها حسن مقيل، بل إنهم يفضّلون بين أمرين متعاكسين، فيقال مثلًا: الشتاء أشد من القيظ، أو يقولون أبلغ من هذا: الشتاء أبرد من القيظ، مع أن القيظ ليس فيه برودة. فالحاصل أن هذا ما يقتضي المماثلة أو المساواة، ولكن هل يقتضي النقص؟ نقول: نعم، يقتضي النقص؛ لأنه يوهم المشاركة إلا في مقام التنزُّل، فلا يقتضي النقص. يقول الشاعر: أَلَمْ تَــــــرَ أَنَّ السَّيْـــــفَ يَنْقُــــــصُقَــــــدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا لكن عند التنزُّل لا يدل على النقص، فهذه الأصنام التي يُشرك بها مع الله يريد منها عابدوها أن تنفعهم في جلب النفع أو دفع الضرر. فنقول لهم: أيما أصنامكم خير أم الله؟ من باب التنزُّل مع الخصم؛ لأن هؤلاء يدّعون أن فيها خيرًا في آلهتهم، فيقال لهم: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يعني على زعمكم، وإن كان ليس فيها خيرٌ إطلاقًا. وقوله: ﴿أَمَّا يُشْر كُونَ﴾ (أم) هذه متصلة ولّا منقطعة؟ * طالب: متصلة. * طالب آخر: مصدرية لاسم موصول. * الشيخ: لا، ما اسم موصول، أم الذي يشركون، يعني المعادلة بين ذاتين لا بين معنى. * طالب: متصلة. * الشيخ: متصلة، ويش الفرق بين المتصلة والمنقطعة علشان أحكم عليها؟ * طالب: المنقطع (...). * الشيخ: وغير؟ * طالب: (...). * الشيخ: المتصلة معناه: أن تكون بين متعادلين، وأما المنقطعة فتكون بين متباينين. هذا الفرق. يعني الثاني منقطع عن الأول وهذاك متصلٌ به، فإذا صارت بين المتعادلين فإنها تسمى متصلة. وأيضًا فرق آخر لفظي: أن المتصلة يسبقها همزة الاستفهام: أزيد قائم أم عمرو؟ فيُذكر فيها المعادل وتسبقها الهمزة تحقيقًا أو تقديرًا. وأما التي المنقطعة فلا تُذكر بين متعادلين ولا يلزم منها، بل ولا يكون قبلها همزة. هذه الآن قبلها الهمزة ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾، وهي أيضًا بين متعادلين ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. (بالتاء والياء) يعني: ﴿أَمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أو ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، قال المؤلف: (بالتاء والياء، أي أهل مكة به) ويش بعد؟ * طالب: (الآلهة خيرٌ لعابديها) (...). * الشيخ: (آلآلهة خيرٌ لعابديها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ﴾ ). يعني قدر المؤلف بعد، قدّرها مرة ثانية. ويش عندكم؟ * طالب: الآلهة. * الشيخ: لا، ممدودة: آلآلهة. * طالب: وافق تحقيق (...). * الشيخ: (آلآلهة خيرٌ لعابديها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلم ﴿بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ حسن ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ لعدم قدرتكم عليه ﴿أَأِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ) إلى آخره. قول المؤلف: آلآلهة خيرٌ أم الله واضح، وعلى هذا فتكون (أم) أيضًا متصلة ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾. و(خلق) بمعنى أوجد بتقدير؛ لأن الخلق لا بد أن يسبقه تقدير، والإيجاد أعم منه، قد يوجد الإنسان الشيء بلا تقدير، ولكن الخلق لا بد فيه من تقدير. ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ بعضهم يقول: السماوات ليست مفعولًا بها، وإنما يقال: مفعول مطلق وليست مفعولًا بها؛ لأن المفعول به يقتضي أن يكون ما وقع عليه الفعل سابقًا على الفعل. وهنا السماوات ليست سابقة على خلقه، وعلى هذا فقل: إنها مفعول ولا تقل: به، لكن هذا بالحقيقة من الفلسفة التي ليس لها معنى؛ لأنه خلق: أوجد السماوات، فالمفعول به أو الفعل واقعٌ على الإيجاد، وإن كانت السماوات قبل الإيجاد ليست موجودة، هم يقولون: المفعول به أنه لا بد يكون سابقًا على الفعل. (ضربت زيدًا) زيد سابق على الضرب، (أكلت الطعام) الطعام سابق على الأكل، (صنعت الطعام) حوّلته من حال إلى حال، أيضًا سابق على الطعام. لكن خلق السماوات (...) سابق على الخلق؟ لا. إذن لا تقول: مفعول به؛ لأنه ما وقع عليها فعل الفاعل؛ إذ هي لم توجد إلا بفعل الفاعل، ويش أقول؟ أول مفعول وبس، لا به ولا فيه ولا معه ولا له؛ لأن المفاعيل خمسة كما هو معروف لكم: مفعول غير معدى بحرف، ومفعول معدى بحرف بالباء، أو بـ(في)، أو باللام، أو بـ(مع). هذه المفاعيل. ولكننا نقول: الحقيقة هذا تمحل؛ لأن (خلق) معناها يدل على الإيجاد، والإيجاد سابق على الموجود؛ لأن به يحصل الوجود فلا حاجة إلى هذا التمحل، (...) السماوات مفعول به (...) ما نحذفها. * طالب: إن كان المفعول (...). * الشيخ: المفعول المطلق مثل: ضربت ضربًا، هذا يسمونه مفعولًا مطلقًا، ما يُعدى بالباء ولا (...). * طالب: (...) تكون مثل هذا. * الشيخ: تكون مثل هذا، وإن كان ما هي موافقة للفعل، يعني المفعول المطلق يكون بمعنى الفعل. قال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ والسماوات تُذكر بلفظ الإفراد والجمع كثيرًا في القرآن، والأرض ما ذُكرت إلا بلفظ الإفراد، إلا أن الله قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] وإلا فبقية الآيات، حتى في هذه الآية ما ذُكرت إلا مفردة ولم يقل: ومن الأرضين مثلهن، لكنها وردت في السنة مجموعة ومبيّن أنها سبع. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: (ماء) هذه مفعول ولّا مفعول به؟ * طالب: على قاعدة النحويين.. * طالب آخر: مفعول. * الشيخ: لا، مفعول به. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ﴾ اللام للتعليل أو للإباحة، ولكنها للتعليل أبلغ؛ لأنها إذا كانت التعليل شملت الإباحة وشملت ما يكون به النفع من هذا الماء وإن لم نلامسه. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المراد بالسماء هنا العلو، والدليل على ذلك: أن الماء هذا ينزل من السحاب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة ١٦٤] فدل هذا على أن المراد بالسماء هنا العلو. وقوله: (﴿مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلّم) وين الغيبة؟ ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾، ﴿وَأَنزَلَ﴾، وهنا قال: ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾. والالتفات فيه فوائد، هات واحدة منها؟ * طالب: تنبيه (...). * الشيخ: (...). * الطالب: أن الكلام إذا سار على وتيرة واحدة فإن المخاطب يمل ويسأم و ربما يعني .. * الشيخ: وينساب معه ويغفل عنه. * الطالب: فإذا تغير مجرى الخطاب ينتبه. * الشيخ: ينتبه نعم، هذه واحدة. الفائدة الثانية؟ * الطالب: تنويع الكلام. * الشيخ: تنويع الكلام؟ * الطالب: لأنه مثلًا تارة يكون على هذه الوتيرة، وتارة يكون على الوتيرة الثانية، فيكون أروع (...). * الشيخ: يعني محسنات بديعية لفظية فقط. طيب، الفائدة الثالثة وإن صار معه يغفل عنه. * طالب: إذا تغير مجرى الخطاب ينتبهوا. * الشيخ: ينتبهوا، هذه واحدة، الفائدة الثانية؟ * الطالب: تنويع الكلام. * الشيخ: تنويع الكلام؟ * الطالب: بأنه مثلاً تارة يكون على هذه الوتيرة، وتارة يكون على الوتيرة الثانية، فيكون يعني أروع. * الشيخ: يعني محسنات بديعية لفظية بس؟ * الطالب: إي. * الشيخ: الفائدة الثالثة؟ هاه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، فيها. * طالب: (...). * * * بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ إلى آخره [النمل: ١]. يقول: هذه (سورة النمل)، وسُمِّيَت به لذكر النمل فيها، وتسمية السور يكون بأدنى مناسبة، ولهذا البقرة سُميت سورة البقرة بذكر البقرة فيها، ولا يَمتنع أن تُسَمَّى سورة بعدة أسماء لعدة مناسبات. وقوله: إنها (مكيّة)، الصواب في المكي والمدني أن الفرق بينهما ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني. وقيل: المكي ما نزل بمكة، والمدني ما نزل بالمدينة، وقيل: المكي ما فيه ذكر الأصول -أصول الإسلام أو الإيمان- والمدني ما فيه ذكر الفروع. فعلى الأول يكون المعتبَر الزمن، وعلى الثاني المعتبَر المكان، وعلى الثالث المعتبَر الموضوع. ولكن الذي عليه المحقِّقون أن ما كان بعد الهجرة فهو مدني، وما قبلها فهو مكي، وقد ذكروا في أصول التفسير لذلك ضوابط يُرجَع إليها. أما البسملة فقد تقدم الكلام عليها عدة مرات، وبيَّنَّا أن أحسن ما تُقَدَّر به أن يكون فعلًا مناسبًا متأخِّرًا. أن يكون فعلًا؛ لأنه الأصل في العوامل، متأخرًا؛ لفائدتين، هما: التبُّرك بتقديم اسم الله، والثاني: إفادة الحصر، يعني: باسم الله لا باسم غيره. ومناسبًا؛ لأنه أخص من العام. وفعلًا، قلنا: لأنه الأصل في العوامل، وهو أيضًا أدل على الحدوث. بسم الله الرحمن الرحيم، التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، ويجوز أن تُقَدِّر: أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ويجوز أن تُقَدِّر: قراءتي بسم الله الرحمن الرحيم، أو: بسم الله الرحمن الرحيم قراءتي. لكن ما ذكرنا أولًا هو الأرجح، وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى رجحانه في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٨٥)، ومسلم (١٩٦٠ / ١) عن جندب بن سفيان.]]، فذكرها فعلًا، ولم يقل: فليكن ذبحه، قال: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ». لما قال: قال الله تعالى: (﴿طس﴾ الله أعلم بمراده بذلك). هذا ما سلكه المؤلف وجماعة من أهل العلم؛ بأن هذه الحروف الهجائية الموجودة في أوائل بعض السور موقفنا منها أن نقول: الله أعلم بمراده بذلك. وقد سبق في درس التفسير في الليل أن الراجح من ذلك أن هذه الحروف هجائية، وأنه بمقتضى كون القرآن بلسان عربي يقتضي أنه لا معنى لها، وذكرنا أن هذا قد رُوِيَ عن مجاهد، وأنها حروف هجائية ابتدأ الله بها، ليس لها معنى، وعلى هذا نجزم بأنه لا معنى لها؛ لأنه لا معنى لها، ولكن لها مغزى وهو أن هذا القرآن الذي أعجز هؤلاء الفصحاء البلغاء إنما هو من هذه الحروف الهجائية التي يكون منها كلامهم، يعني: ما أتى بحروف جديدة، مثلًا يقولون: والله هذه حروف ما نعرفها! أتى بنفس الحروف التي هم يتكلمون بها. ويؤيد ذلك أنه ما من حروف هجائية إلا ويأتي بعدها ذكر القرآن، اللهم إلا في سورتين أو شبهها، على أن هاتين السورتين مثل: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت ١، ٢]، ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم ١، ٢] فيها ما يدل على القرآن، كالأخبار في قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم ٢، ٣]، وهذا من خصائص الوحي. و﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ [العنكبوت ٢] فيها أيضًا إخبار عمن مضى؛ ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٣]. وأما ما زعمه المتأخرون الخالِفون من أن هذه الحروف تدل على إعجاز من نوع العدد والحسبان، حيث زعموا أن هذه الحروف الهجائية يوجَد نظيرها في السورة المفتَتَحة بها، ويكون مجموع هذا منقسمًا على تسعة عشر، ويزعمون أن هذا أكبر آية بأن القرآن كلام الله، ويحتجون لذلك بأن أول آية نزلت -على زعمهم- هي بسم الله الرحمن الرحيم، وأنها مكوَّنة من تسعة عشر حرفًا، وأن هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر ٣٠]، وأن هذا -تسعة عشر- هي هذه الحروف، كل هذا -والعياذ بالله- كذب ولا ينضبط، وهو متناقض أيضًا وغير مُطَّرِد، لكن هم فرحوا بهذا الكمبيوتر الذي أخرج لهم عدد الحروف، وأنها بمجموعها تنقسم. ونحن نقول: لا يمتنع أن الله سبحانه وتعالى أراد هذا، لا يمتنع، ولكننا نقول: لا نجزم بأن الله أراد هذا، فهنا فرق بين الجزم بأن هذه آية في القرآن، وبين أن نقول: لا نقول هذا. أولًا: لأنه ليس في ذلك إعجاز، والبشر قد يسمعون خطبة مثلًا أو كلامًا تتكون الحروف الموجودة فيه، وتنقسم على هذا العدد، أو على أي عدد شاء، وليس بمعجِز. ثم إن البسملة ليست أول ما نزل من القرآن، أول ما نزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق ١]، ثم إن البسملة أيضًا حروفها ليست كما قالوا أنها تسعة عشر؛ لأن القرآن إنما نزل مقروءًا ولَّا مكتوبًا؟ * طلبة: مقروءًا. * الشيخ: مقروءًا، وهي بحروفها باعتبار القراءة ليست كذلك، والكتابة كما تعلمون هي صناعة، ربما لو فرض أن الكتابة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وعهد الخلفاء ليست على هذا الشكل، يمكن ولَّا ما يمكن؟ يمكن، الآن فيه بعض الكتابات في بعض اللغات يجعلون الحركة حرفًا، ويجعلون الحرف حرفين، أو يختصرون؛ يجعلون الحرفين حرفًا واحدًا، فالحاصل أن القرآن ما نزل مكتوبًا، وإنما نزل مقروءًا، ولا حجة في ذلك. إذن: نقول: (الله أعلم بمراده بذلك) هذا أحد الأقوال في المسألة. والقول الثاني: أنها رموز لأشياء معيَّنة، مثلما ذهب إليه المتأخِّرون، أو مثلما يذكر بعضهم أنها إشارة إلى حروب وملاحم تكون في آخر الزمان وما أشبهها. والثالث: أن يقال: إنه ليس لها معنى، وإذا أورد علينا كيف نجزم بذلك؟ فالجواب: أن هذا القرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب لا تجعل لهذه الحروف معنى، لكنها إذا قلنا بأنه ليس لها معنى فإنما لها مغزًى يظهر -والله أعلم- أن الله أراد بها ذلك. قال: (﴿طس تِلْكَ﴾ أي: هذه الآيات، ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾: آيات منه، ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾: مُظْهِر للحق من الباطل، عطف بزيادة صفة هو ﴿هُدًى﴾ أي: هاد من الضلالة). ﴿تلك آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ المشار إليه سابق أو لاحق؟ * طالب: لاحق. * الشيخ: المشار إليه لاحق وليس بسابق، وهذا مما تعود فيه الإشارة على متأخِّرٍ لفظًا ورتبة، وهو جائز إذا دل الدليل عليه. وقوله: ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يقول: (آيات منه)، وإنما لجأ المؤلف إلى قوله: (آيات منه)؛ لأننا لو أخذنا بظاهر الآية ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، لكان في ذلك حصر للقرآن في هذه الآيات، أليس كذلك؟ ﴿تلك آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، يعني: هذا الذي يشير إليه، ومعلوم أن هذا ليس آيات القرآن كلها، ولكنه بعض منها. ويجوز مثلًا أن نجعل الآية على ظاهرها، ولا حاجة إلى التأويل، ونقول: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يُشَار إلى بعض الجنس بإشارة الجنس كله، كما تقول مثلًا: هذا البشر، وتشير إلى رجل واحد، أو هذا الإنسان، وتشير إلى رجل واحد. فالمعنى أن الإشارة إلى بعض الجنس بالجنس كله هذا سائغ، ولا يحتاج إلى تأويل كما قال المؤلف. وقوله: ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾، يقول: (عطف بزيادة صفة هو ﴿هُدًى﴾ )، عطف ويش على إيه، ﴿وَكِتَابٍ﴾. * طالب: على ﴿آيَاتُ﴾. * الشيخ: على ﴿آيَاتُ﴾، كذا؟ يصح ولَّا ما يصح هذا القول؟ * طالب: يصح، آيات مو مكتوبة. * طالب آخر: ﴿آيَاتُ﴾ مرفوعة، ﴿كِتَابٍ﴾ مجرور.. * الشيخ: إي، ﴿كِتَابٍ﴾ مجرور، إذن على ﴿الْقُرْآنِ﴾ ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، وتلك آيات كتاب. وإنما وصف هذا القرآن بالقرآن والكتاب؛ لأنه مقروء ومكتوب، فهو مكتوب في اللوح المحفوظ، وهو مقروء بالألسن، وهو مكتوب في المصاحف أيضًا، فكتابته سابقة ولاحقة، وقراءته لاحقة ولَّا سابقة؟ * طلبة: لاحقة. * الشيخ: لاحقة؛ لأنها بعد أن تكلم الله به ونزل به جبريل، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٧، ١٨]، والقرآن مشتق ولَّا مصدر؟ * طالب: مشتق. * طالب آخر: مصدر. * الشيخ: مصدر؛ لأنه مثل الغُفْران والشُّكْران، فهو مصدر (قرأ، يقرأ) بمعنى: تَلَا. وقيل: إنه بمعنى جمع؛ لأن القاف والراء تدل على الجمع، ومنه القرية؛ لأنها مجتمع الناس. وفي الحقيقة أن القرآن جامع للوصفين؛ فهو مَتْلُوٌّ، وهو مجموع أيضًا. وأما قوله: ﴿كِتَابٍ﴾ فهي (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)، أي: مكتوب، و(فِعَال) بمعنى (مفعول) تأتي كثيرًا في اللغة العربية مثل بِنَاء بمعنى مَبْنِيّ، وغِرَاس بمعنى مَغْرُوس، وفِرَاش بمعنى مَفْرُوش، وأمثلتها كثيرة. وسُمِّيَ كتابًا؛ لما أشرنا إليه قبل. وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ أي: مُظْهِر للحق من الباطل، كلمة (مُبِين) فعلها؟ * طالب: أَبَانَ. * الشيخ: أَبَانَ، و(أبان) يأتي لازمًا، ويأتي متعديًا، أي: يأتي بمعنى أَظْهَر، ويأتي بمعنى بَانَ. ولهذا تجد المفسِّر أحيانًا يفسِّر (مُبِين) بمعنى (بَيِّن)، وعلى هذا التفسير تكون من اللازم ولَّا المتعدي؟ * طالب: من اللازم. * الشيخ: من اللازم، ويفسِّرها أحيانًا بمعنى (مُظْهِر)، فتكون من المتعدي، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] أيش معنى مُبِين؟ * طالب: بَيِّن. * الشيخ: أي: بَيِّن، لفي ضلال بَيِّن، فهي من (أَبَان) اللازم. وأما مثل هذه الآية؛ أن القرآن مُبِين فهو بمعنى مُظْهِر، وهل يستلزم كونه مُظْهِرًا أن يكون هو بَيِّنًا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، يستلزم، أو نقول: إنه من باب استعمال المشترَك في معنيين، والصحيح جوازه، وقد مر علينا هذا، هل يجوز استعمال المشترَك في معنيين؟ والمشترَك أيضًا فاهمينه من قبل، وهو ما اتَّحد لفظه وتعدد معناه، هذا المشترَك، وسُمِّي بذلك؛ لأن المعاني مشتركة في لفظ واحد. المشترَك الصحيح أنه يجوز استعماله في معنيين، بشرط أو بشرطين ذكرناهما قبل ليلتين، وأيش هي؟ أن لا يقع بينهما تعارض، وأن يكون محتمِلًا لهما، فإن كان لا يحتملهما ما يمكن يُحْمَل عليه، أو وقع بينهما تعارض ما يمكن، لا بد أن يكون أحدهم هو المقصود. هنا مثلًا إذا قلنا: إن (مُبِين) من (أَبَان) اللازم، ومن (أبان) المتعدي، يجوز ولَّا ما يجوز؟ يجوز، وإن كان هذا مشترَكًا، لكنه إذا استُعْمِل في المعنيين فإنه مُسْتَعْمَل على وجه لا تعارض فيه، فالقرآن بَيِّن، والقرآن أيضًا مُظْهِر، وعلى هذا التقدير تكون دلالة (مُبِين) على أن القرآن بَيِّن دلالة مطابَقَة ولَّا دلالة التزام؟ * طالب: دلالة مطابَقَة. * الشيخ: دلالة مطابَقَة، إذا جعلنا (مُبِين) مستَعْمَلة في المعنيين فالدلالة المطابَقَة، لكن لو قلنا: إن (مُبِين) بمعنى (مُظْهِر) فدلالته على كونه بَيِّنًا من باب دلالة الالتزام. ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ بَيِّنٌ مُظْهِر للحق من الباطل، هل هو على عمومه، ولَّا خاص بما نزل به القرآن؟ يقول الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، وهو عام في كل شيء، لكن البيان قد يكون بيانًا للشيء على وجه التفصيل، وقد يكون بيانًا لأسبابه وطرقه وأنت امشِ فيها. فالقرآن في الحقيقة تبيانٌ لكل شيء، حتى في غير الأمور الشرعية يُبَيِّنها، لكن ما يُبَيِّن تفصيلها؛ لأن هذه غير الأمور الشرعية، خاضعة للزمن، والمكان، وأفهام الناس، وقُوَّتِهم، لكنه يذكر الأسباب والطرق، وأنت تستعملها في نفسك. ولهذا إذا قال قائل: كيف يصح هذا القول منكم ونحن لا نرى في القرآن عدد ركعات الصلاة، ولا نرى فيها أنها خمس صلوات، ولا نرى أنصبة الزكاة، ولا مقادير (...) فيها، فما هو الجواب؟ * طالب: نقول: القرآن، يقول الله سبحانه وتعالى، كما قال ابن مسعود: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧]، فالآية تشمل ما بَيَّنَه الرسول، ثم أيضًا قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النحل ٨٩]، ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ٧]، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤] يعني.. * الشيخ: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. إذن يكون القرآن دالًّا على هذا ببيان سببه وطريقه، فعندنا الآن طريق العلم بهذا الشيء هو ما فَسَّرَه الرسول عليه الصلاة والسلام في السُّنَّة، وهذا بَيَّنَه القرآن، ولا يلزم أن يكون هذا القرآن لا بد أن يكتب كل التفاصيل، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]. وابن مسعود الذي أشار إليه الأخ في قصة لَعْن النامصة والْمُتَنَمِّصة، حيث جاءت إليه امرأة فقالت: إنَّا لا نجد هذا في كتاب الله، فقال: بلى، هو في كتاب الله، ثم تلا عليها هذه الآية[[أخرجه أحمد في المسند (٣٩٤٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٩٤٦٦) عن ابن مسعود.]]. الحاصل أن القرآن مُبَيِّن لكل شيء، لكن البيان قد يكون تفصيليًّا، وهذا في بعض الأمور موجود، كما في المواريث مثلًا، في الْمُطَلَّقَات، هذا تجده ما يَشِذّ عن هذا إلا مسائل قليلة جدًّا، ومع ذلك بيانها موجود عند التأمل، ولَّا لا؟ يعني تفصيل الفرائض تفصيلٌ ما شذ عنه شيء، ما شَذَّ إلا كان مسألة واحدة وهي الْجَدَّة، هذه ما هي مذكورة في القرآن، لكنها جاءت بها السنة، وأما ما عدا ذلك، حتى المسائل الخلافية كالْمُشَرَّكة مثلًا وكالعُمَرِيَّتَيْن نجد أنها موجودة في القرآن، وكالجد والإخوة نجد أنه موجود بيانها في القرآن، لكنه يحتاج إلى تأمل. قال الله تعالى: (﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ مُظْهِر للحق من الباطل، عطف بزيادة صفةٍ هو ﴿هُدًى﴾ ). بزيادة صفة، وين الصفة؟ * طالب: ﴿مُبِينٍ﴾. * الشيخ: ﴿مُبِينٍ﴾. ثم قال: (هو ﴿هُدًى﴾ )، قَدَّر المؤلِّف (هو)؛ ليبين لنا إعراب (هدى)، فعلى تقديره يكون (هدى) خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو (﴿هُدًى﴾ أي: هاد من الضلالة). ومعلوم أن (هدى) مصدر، وأن (هادٍ) اسم فاعل، فيكون المؤلف هنا فَسَّر المصدر باسم الفاعل، وفي تفسيره نظر؛ لأن الأَوْلى أن يُجْعَل المصدر على بابه؛ لسببين: السبب الأول: أن تحويل اسم الفاعل إلى المصدر أبلغ، فإنك إذا قلت: فلان عدْل، وفلان عادِل، أيهم أبلغ؟ * الطلبة: عَدْل. * الشيخ: عَدْل أبلغ، يعني كأنه مصدر العَدْل، لكن (عادل) مُتَّصِف بالعدل الموجود في غيره، لا شك أن المصدر أبلغ. السبب الثاني في هذه الآية: أنَّ جَعْله هُدًى، معناه أن القرآن نفسه هدى يهتدي به الإنسان، فهو كالعلم الذي يسير الإنسان وراءه حتى يصل إلى غايته، مثلما سَمَّاهُ الله تعالى نورًا، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]. فنحن نقول: إن (هدى) يجب أن تبقى على ما هي عليه، أي أنها مصدر، وهو أبلغ من تحويلها إلى اسم الفاعل، والثاني أنها مصدر؛ لأن القرآن نفسه هدى، ليس هاديًا، بل هو هدى يُهْتَدى به، مثلما قال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾. * * * وقوله تعالى: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ٢] (بشرى) أيضًا بمعنى بشارة، لكن لمن؟ (﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الْمُصَدِّقِين به بالجنة). قوله: (بالجنة) نذكر هذا بعد. قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الْمُصَدِّقِين به، ما يكفي هنا الإيمان مجرد التصديق، بل الإيمان الموجود في القرآن لا بد فيه من قبول وإذعان مع التصديق، أما مجرد التصديق ما يكفي، والدليل على أن مجرد التصديق لا يكفي أن أبا طالب كان مصدِّقًا لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ويقول: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ؎وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِيــــنَ مُحَمَّــــــدٍ ∗∗∗ مِــــنْ خــيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّـــــــةِدِينَــا؎لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّـــــــةٍ ∗∗∗ لَــرَأَيْتَنِي سَمْـــحًا بِـــــذَاكَمُبِينَـــــــــا فإذن هو ما قَبِل ولا أذعن، وليس بمؤمن، فالإيمان كلما وجدت الإيمان في كتاب الله فالمراد به التصديق المستَلْزِم للقبول والإذعان، فليس مجرد تصديق. فإذن للمؤمنين المصدِّقين به القابلين له المذْعِنين لأحكامه، لا بد من هذا. وقوله: ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾ لهؤلاء ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، يُسْتَفَاد من ذلك أنه كلما كمُل الإيمان في العبد كمُل اهتداؤه بالقرآن، ولَّا لا؟ لأن الشيء إذا عُلِّق بوصف زاد بزيادة ذلك الوصف، ونقص بنقصه، الحكم إذا عُلِّق بوصف فإن هذا الوصف يزيد الحكم بزيادته، وينقص بنقصانه، وهذا معلوم حتى في المحسوس، تجد أن الشيء المعلَّق بشيء يزيد بزيادته، وينقص بنقصانه. فنقول: كلما ازداد الإنسان إيمانًا ازداد اهتداء بالقرآن، ويدلك على هذا قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤]. ويدل أيضًا على هذا قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣]. وأيضًا ﴿بُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، البشارة هي الإخبار بما يَسُرّ، وقد تُطلَق على الإخبار بما يسوء، لكن بقرينة. وهنا يقول: بشرى بالجنة. ولكن الصحيح أنها بشرى بما هو أعم؛ بالجنة، وبالعزة، والكرامة، وبالنصر، قال الله تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف ١٣] بعدما ذكر الجنة في المؤمنين، ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني: بَشِّرْهم بما لهم في الجنة، وبَشِّرْهم بما لهم في الدنيا من النصر. وكل إنسان بطبيعته البشرية يحب أن ينتصر على عدوه، أليس كذلك؟ ويحب أن يكون له العز والكرامة، هذا لا يمكن أن يكون إلا بالإيمان، وكلما ازددنا إيمانًا ازددنا انتصارًا على عدونا، وكلما تخاذلنا في الإيمان خُذِلْنَا، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد ١١]، وإذا أردتم دليلًا على هذا فانظروا إلى الذين يُطَنْطِنُون بالقومية العربية، من متى يُطَنْطِنُون بها؟ * طالب: من أول القرن. * الشيخ: إي، أظن من أول القرن، يعني من زمان، وتبلغ هذه الدعوة أوجها في التدجيل، ومع ذلك لا يزدادون إلا تأخرًا وضعفًا؛ لأنها ما على إيمان، لكن لما ظهرت بادرة الدعوة إلى الإسلام والتضامن الإسلامي، ماذا حصل؟ حاولوا بكل ما يستطيعون أن يقضوا على هذا، ليس من الدول الكافرة، بل حتى من الدول التي تزعم أنها مسلمة، وهي عربية، وصاروا يقولون: هذه دعوة رجعية، إلى آخره، وأخيرًا قُضِيَ على من قام بها وبالدعوة إليها، فالحاصل: إنا الآن إذا أردنا أن نرجع إلى العزة والكرامة والنصر فلا يكون ذلك إلا بالإيمان. وقد يقول قائل: كيف ننتصر بالإيمان على القنابل الذرية والهيدروجينية؟ * طالب: معنا قوة الله سبحانه وتعالى، ونستعد بالقوة كما أمرنا الله. * الشيخ: نعم، نقول: نحن إذا أخذنا بالقوة المعنوية فإن توفرت لنا القوة المادية وإلا جاءت القوة الإلهية، فنحن مثلًا من جملة الإيمان أن نستعد، لكن إذا عجزنا عن الاستعداد جاء دور النصر الإلهي، فيُبْطِل ما عليه هؤلاء الأعداء من القوة، والله تبارك وتعالى على كل شيء قدير، التغيرات الجوية تؤثر في أسلحتهم هذه ولَّا لا؟ الصواعق تدمرها، الخسف يذهب بها وبأهلها، وكل هذا بيد الله عز وجل. وقد حدثني إنسان في العام الماضي ذهب إلى أفغانستان للقتال معهم وهو شاب متخرِّج من أمريكا، لكنه أصرَّ -وأظن قد قصصت عليكم قصته- أصرَّ إلا أن يجاهد، وقال: ما يمكن أموت بدون جهاد، ولزَّم على أمه وأبيه، وجعلوا الحكم إلى الله سبحانه وتعالى، ثم إليّ أحكم بينهم، هم يقولون: لا تروح، وهو يقول: لا، أبغي أروح، يقولون: لا تروح، ما حجيت، ما أديت الفريضة، وهو يقول: لا، أبغي أروح وألتزم لكم أني أرجع في ذي الحجة وأحج. المهم بعدما أفطر رمضان العام الماضي راح، وشاهد شاهد عيان يقول: مع قلَّة العُدَّة التي عندهم، حتى يقول: الأدوية، ما عندهم أدوية إلا أدوية قديمة فاسدة، تبيع عليهم الشركات وتغشّهم، لكن يقول: شاهدت بعيني، هم بانين -يقول- مسجد للجمعة يجتمعون فيه، يقول: الروس يحرصون يوم الجمعة على أنهم يأتون إلى هذا المسجد ليدَمِّروه، هم يقول: يجعلون على المناطق ناسًا يحرسون المسجد وما حوله. فجاءت –يقول- القنابل وضربت على المسجد، يريدون المسجد، لكن يقول: كلها ما تضرب المسجد، وتضرب اللي حوله ولا تطوله، سبحان الله العظيم! يقول: ما طارت إلا واحدة فقط طارت على أحد الجنود وقتلته، والباقي يقول: أبدًا، يعني يخرجون ما كأن شيئًا أبدًا، وهذه من آيات الله سبحانه وتعالى. فالحاصل إننا نقول: إن النصر –يعني- يجب أن نعرف أنه لا يُعْتَمَد على القوة المادية فقط، هناك وراءها شيء. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَر﴾ [الحج ٤٠، ٤١] أربع صفات. قد يقول قائل: وما لنا وللنصر مع هذه الصفات عند القنابل وغيرها، لكن ختم الآية بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج ٤١]، ما هي بالأمور الحسية، العاقبة لله عز وجل، فهو سبحانه وتعالى يُدِيل الأيام على من عصى وخالف. * طالب: أو يؤمن أحد الرؤساء ويمنح المسلمين قوة؟ * الشيخ: نعم صحيح، ربما يكون هذا، على كل حال لا تستبعد، لكن نحن نستبعد النصر بسبب أعمالنا في الحقيقة، ما عندنا رصيد يخوِّل لنا أن ننتصر. إذن: ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بالجنة، كما قال المؤلف، أو بما هو أعم؟ * طلبة: بما هو أعم. * الشيخ: ويش الدليل؟ * طالب: لقوله تعالى في سورة الصف. * الشيخ: في سورة الصف: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ﴾ [الصف ١١، ١٢]. ثم قال: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف ١٣]. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [النمل ٣] يأتون بها على وجهها، أقام الشيء: أتى به مستقيمًا، ولا تكون الصلاة مستقيمة إلا إذا أتى بها على وجهها. وإقامة الصلاة كما تعرفون نوعان: نوع لا بد منه؛ وهو الإتيان بالأركان والواجبات والشروط، ونوع يكون على وجه الكمال، وهو الإتيان بالمكَمِّلات من السنن وغيرها. (﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾: يأتون بها على وجهها، ﴿وَيُؤْتُونَ﴾: يعطون، ﴿الزَّكَاةَ﴾ ) إلى آخره. قوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾، هل المراد الفريضة ولَّا النافلة؟ * طالب: الفريضة. * طالب آخر: عامٌّ. * الشيخ: نعم، عامٌّ؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يأتي بالسُّنَّة مثلًا على وجه ينافي الكمال الواجب، لو قال واحد: أنا بتسَنَّن تَطَوُّع، لكن ما أنا بقارئ الفاتحة، سُنَّة، يجوز ولَّا لا؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما يجوز، نقول: الآن يجب عليك أن تقرأ الفاتحة، لو قال: ما أنا براكع، ما أنا بساجد، ما يمكن هذا. فإذن الآية الصلاة عامة، إقامتها في الواجب وفي التطوع. وقوله: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ما بَيَّنَ المفعول الثاني لـ﴿يُؤْتُونَ﴾، لكنه معلوم، ويش التقدير؟ يؤتون الزكاة مُسْتَحِقَّها، وقد بَيَّنَ الله تبارك وتعالى مُسْتَحِقّ الزكاة في سورة (براءة) ببيان واضح مُفَصَّل. وقوله: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الزكاة ما حاجة إلى تعريفها عندكم؛ لأنكم تعرفونها، وسُمِّيَت زكاة لأنها تُزَكِّي الإنسان، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة ١٠٣]. قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ هذا ثناء على الْمُؤْتِين للزكاة، والسورة كما رأينا مَكِّيَّة، فهل معنى ذلك أن الزكاة فُرِضَت في مكة أو في المدينة؟ المعروف عند أهل العلم أنها فُرِضَت في المدينة، ولكن الصحيح أنها فُرِضَت في مكة، ولكن تقدير أنصبائها وبيان الأموال على وجه التفصيل كان ذلك في المدينة، هذا هو الصحيح، وهو الذي به تجتمع الأدلة. وقوله: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. * طالب: التقدير الصلاة بَيَّنَها وبَيَّن الزكاة بعدها، ما يكون من باب تأخير بيان الأحكام؟ * الشيخ: لا. هذا من باب التطوع. * الطالب: يُبَيِّن الزكاة؟ * الشيخ: يُبَيِّن الزكاة، وخَلَّاها موكولة للإنسان يُخْرِج ما شاء لأجل النفوس تتعود، ثم بعد ذلك يُفْرَض عليها الشيء الذي أراده الله سبحانه وتعالى. * الطالب: يعني كان الإنسان يختاره. * الشيخ: إي، يختار ما يُخرج، إي نعم، هذا مثل غيره من الأشياء التي تطورت، الصلاة فُرِضَت ركعتين، ثم أُقِرَّت صلاة السفر، وزِيد في صلاة الحضر، الزكاة هكذا فُرِضَت أولًا على اختيار الإنسان، ثم حُدِّدت، الصيام فُرِض على سبيل التخيير ثم عُيِّن، الحج هو الذي ما أعلم فيه إلا أنه فُرِض مرة واحدة، ولكن السبب في ذلك أنه أتى في السنة التاسعة أو العاشرة بعد أن استقر الإيمان في القلوب، فلا حاجة إلى أن تُدَرَّج النفوس من مرحلة إلى مرحلة. * طالب: قول ابن عباس: أَوَّلُ ما فُرِضَت الصلاة أربعًا[[أخرجه مسلم (٦٨٥ / ٥) من حديث مجاهد عن ابن عباس.]]؟ * الشيخ: ما هو بصحيح، لو كان هذا قوله فحديث عائشة صريح بأن أول ما فُرِضَت الصلاة ركعتين. * الطالب: حديث صحيح. * الشيخ: لكن هذا أصح منه، وأنا ما علمت اللي تقول هذا عن ابن عباس، حتى لو قاله ابن عباس فحديث عائشة أصح. * الطالب: هناك من العلماء مثل ابن حجر جمع بين الحديثين بأن عائشة ذَكَرت أول (...)، وابن عباس ذكر ما استقر عليه الناس، كأنها أول ما فُرِضَت أربعة، ثم فُرِضَت ركعتين، وزيد في .. * الشيخ: يعني فُرضت مرتين يعني؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إن حديث عائشة صريح صحيح: «أول ما فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٩٠)، ومسلم (٦٨٥ / ٣).]]، فعلى هذا الجمع معناه أنها أولًا فُرِضَت أربعًا، ثم فُرِضَت ركعتين، ثم قُسِّم إلى حضر وسفر؟ * طالب: هل يجوز التدريج بالأحكام لمن يُسْلِم؟ * الشيخ: الظاهر لي أنه يجوز، وأن يأمره بالأهم فالأهم، مثلما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل، مع أن الأحكام مستقرة، قال: «أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ إِقَامُ الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ»[[أخرجه مسلم (١٩ / ٢٩) من حديث معاذ بن جبل.]]، مع أن كل هذه كانت مفروضة، وحتى الصوم والحج أيضًا مفروض. * * * قال: (﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ يعلمونها بالاستدلال، وأُعِيدَ (هم) لِمَا فُصِلَ بينه وبين الخبر). وقوله: ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ، و﴿يُوقِنُونَ﴾ خبره، و﴿بِالآخِرَةِ﴾ متعلق بـ(يوقنون). ولكن كلمة (هم) أعيدت مرة ثانية، هل هذا من باب التوكيد، ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، يعني: وهم هم الذين يوقنون دون غيرهم، أو أنه كما قال المؤلف: للفصل بينه وبين الخبر، والفاصل قوله: ﴿بِالآخِرَةِ﴾؟ يحتمل هذا وهذا، وقد يجوز أن يكون المراد الجميع، فبَيَّن الله سبحانه وتعالى أنهم هم أهل الإيقان، حيث كرر الضمير مرتين، وكُرِّرَ أيضًا مرتين ليطول الفصل بين الخبر وبين المبتدأ بالفصل. ولكن الإيقان يقول المؤلف: (يعلمونها بالاستدلال)، إنما قال: (بالاستدلال)؛ لأن اليقين أخص من العلم؛ إذ إن اليقين معناه العلم الذي لا يتطرق إليه الاحتمال، فهو أعلى درجات العلم، وهذا إنما يكون بالاستدلال، يعني: بالأدلة المبيِّنَة الْمُقْنِعة، فلهذا فَسَّر المؤلف اليقين بأنه العلم بالأشياء عن طريق الاستدلال. وقوله: ﴿بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ المراد بالآخرة أنه يُبْعَث الناس فقط؟ لا، كل ما أخبر الله تعالى به مما يكون في هذا اليوم، أو أخبر به رسوله، فإنه داخل بالآخرة. بل إن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إنه يدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. فعلى هذا يكون الآخرة المراد بها ما بعد الدنيا، يشمل عذاب القبر، ونعيم القبر، ويشمل كذلك الموازين في يوم القيامة، والحوض المورود للرسول عليه الصلاة والسلام، وما ذُكِر. هل بقي شيء من الإيمان؟ لأنه ذَكَر إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيقان بالآخرة. * طالب: الإيمان بالله. * طالب آخر: الإيمان بالرسل. * الشيخ: لا، نحن ذكرنا أن الإيمان بالله يتضمن الإيمان بالرسل، ويتضمن الإيمان بالكتب، بل ويتضمن الإيمان باليوم الآخر أيضًا، والإيمان بالملائكة. * طالب: بالقدر. * الشيخ: الإيمان بالقدر من الإيمان بالله؛ لأن القدر قدر الله سبحانه وتعالى، لكن بقي عندنا الصيام والحج، وهو من أركان الإسلام. والجواب على ذلك: أن السورة مكيَّة، والصيام والحج لم يُفْرَض بمكة بالاتفاق، فالصيام فُرِض في السنة الثانية، والحج فُرِض في السنة التاسعة، أو العاشرة، على القول الراجح، وعلى هذا ما في الآية إشكال. * ويستفاد منها: أن الإنسان إذا آمن بالشرائع الْمُنَزَّلة فهو كامل الإيمان وإن لم يدرك الفرائض المتأخِّرة، فالذين ماتوا من الصحابة قبل فرض الصيام إسلامهم كامل، بل إن الرجل يمكن أن يؤمن ويموت قبل أن يصلي صلاة واحدة، ويكون بذلك كامل الإيمان، يعني إيمانه هو كامل، وإن كان غيره اللي أدرك أكمل منه، لكن هو بالنسبة إليه ما يقال: إيمانه ناقص، أي أنه ناقص نقصًا يُخِلّ به. * * * (﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النور ٤] القبيحة بتركيب الشهوة حتى رأوها حسنة، ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾: يتحيرون فيها؛ لقبحها عندنا). ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أي: لا يُصَدِّقون بها، كذا نقول؟ * طالب: لا يصدقون المستلزِم.. * الشيخ: هم إذا لم يُصدِّقوا معلوم ما هم بقابلين ولا مُذْعِنين؛ لأن مَن لم يُصَدِّق لا يمكن أن يقبل أو يُذْعِن، طيب إذا صَدَّقوا بها ولم يقبلوا ولم يُذْعِنوا؟ نفس الشيء. إذن: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ يشمل نفي التصديق، ونفي القبول، ونفي الإذعان، وأظنكم تعرفون الفرق بين القبول والإذعان؟ أقبل مثلًا أن هذا الشيء فرض وأعتقده فرضًا، لكن ما أفعله، ويش اللي تخلَّص؟ * الطلبة: الإذعان. * الشيخ: الإذعان، وأما عدم القبول يرفض هذا، وهذا ما هو بواجب، ولا نعترف بأنه فرض، وأما (...) فهو الإنكار المطلَق. ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالهمْ﴾. * طالب: الفرق بينهم. * الشيخ: التصديق والقبول، التصديق: أنه يُصدِّق بأن هذا حق لكنه ما يقبله، يقول: نعم، هذا الرجل جاء بالحق لكن أنا ما أقبله، والقبول: في الغالب يكون في المعتَقَدات، والإذعان في الأعمال الظاهرة كأعمال الجوارح. ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ﴾ هذه الجملة ﴿زَيَّنَّا﴾ خبر (إن)، وتفيد أن العِلَّة في التزيين عدم الإيمان بالآخرة، وأن الله تعالى لم يُزَيِّن لهم هذه الأعمال إلا بسبب عدم إيمانهم، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (...). [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]