Tafsir Ibn Uthaymeen — القصص 28:1 – القصص 28:23
المحتويات
القصص 28:1
.. تتلى عليهم هذا القصص لأجل يؤمنون.
إذا كانت للذين آمنوا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: التثبيت على الإيمان، وزيادة، تمام.
قول الله تعالى: ﴿وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص ٤] ما معناها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني: يستبقي حياتهم.
* الطالب: يستبقي حياتهم.
* الشيخ: أو يجدد فيهم الحياة؟
* الطالب: المعنى الأول، الأصل أنهم أحياء.
* الشيخ: إي، أصلًا أحياء، وأيضًا ما أحد يقدر على تجديد الحياة إلا؟
* الطالب: إلا الله.
* الشيخ: إلا الله سبحانه وتعالى.
إذن ﴿يَسْتَحْيِي﴾ يعني: يستبقي حياتهم وليس يجدد.
طيب، جملة ﴿يُذَبِّحُ﴾ ﴿وَيَسْتَحْيِي﴾، أيش تقول؟ ما تقول في الجملة؛ محلها من الإعراب؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال من أيش؟
* الطالب: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾، (...).
* الشيخ: اقرؤوا الآية، يعني: نحن ما نوافق على (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني مِن الفاعل ولَّا مِن ﴿عَلَى﴾؟
* الطالب: (...) مِن الفاعل.
* الشيخ: من الفاعل صح؛ لأن الفعل ما يأتي منه حال؟
* طالب: مِن ﴿عَلَى﴾ و﴿جَعَلَ﴾.
* الشيخ: (...).
قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٥]. الإرادة هنا كونية ولّا شرعية؟
* طالب: إرادة كونية.
* الشيخ: الإرادة كونية؟ ويش الدليل؟ كيف تحكم بما لا تعلم من كتاب الله؟
* طالب: نقول: إن الإرادة شرعية، والمراد بها المحبة.
* الشيخ: إي.
* الطالب: وهنا..
* الشيخ: الإرادة مرادفة..
* الطالب: للمشيئة.
* الشيخ: للمشيئة، زين. وأيضًا متعلَّق الإرادة الكونية ما هو؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الحكم الشرعي ولَّا الحكم القدري؟
* الطالب: الحكم القدري.
* الشيخ: وهذه متعلقة بالحكم القدري. ﴿نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ﴾، مفهوم يا جماعة؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: طيب، إذن الفرق من ناحيتين: الناحية الأولى من ناحية المعنى، والثانية من ناحية المتعلق؛ فالإرادة الكونية مرادفة للمشيئة بمعنى: شاء، والإرادة الشرعية مرادفة لأيش؟
* طالب: للمحبة.
* الشيخ: للمحبة.
والثاني من جهة المتعلَّق؛ الإرادة الكونية تتعلق بالأمور الكونية، والإرادة الشرعية تتعلق بالأمور الشرعية، فالله يريد منا أن نصليَ مع الجماعة شرعًا ولَّا كونًا؟
* طالب: شرعًا.
* الشيخ: شرعًا، واضح؟
قوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ [القصص ٥]؟
* طالب: ﴿أَئِمَّةً﴾ تحتمل أن (...)، الإمام يمكن أن يكون في الخير والشرِّ؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء ٧٣].
* الشيخ: وهنا المراد أئمة؟
* الطالب: هنا أئمة في الخير.
* الشيخ: أئمة في الخير؛ لأن الإمام كل من يُقتدى به.
قوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص ٥] الوارثين لمَن؟
* طالب: لفرعون وجنوده.
* الشيخ: لفرعون وجنوده، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩].
طيب، نرجع الآن إلى الفوائد.
* طالب: (...).
* الشيخ: من بني إسرائيل؟
* الطالب: من بني إسرائيل.
* الشيخ: إي.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما في ذاك الوقت ما علمنا أحدًا (...).
* طالب: (...) كل الذين استضعفهم فرعون فَيَمُنُّ عليهم.
* طالب: كل الذين استضعفهم فرعون فَيَمُنُّ عليهم.
* الشيخ: يعني ويش (يمن)؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نمن عليهم بالهداية؛ ولهذا جاء بالفعل المضارع ﴿نُرِيدُ﴾؛ يعني: في المستقبل، نريد أن نمن عليهم في المستقبل ونجعلهم أئمة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، هذا هو، إي نعم، يمن عليهم بالإيمان والإمامة وإرث هؤلاء.
* في هذه الآيات الكريمة:
* أولًا: بيان عظم القرآن وعُلُوِّه، وذلك عن طريق؟
* طالب: الإشارة.
* الشيخ: الإشارة إليه بالبعد؛ ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ [القصص ٢].
* ثانيًا: أن هذا القرآن مكتوب؛ لقوله: ﴿الْكِتَابِ﴾، والذي نعلم من كتابته ثلاثة أمور، ويش هي؟ في اللوح المحفوظ، والمصاحف، والصحف التي في أيدي الملائكة.
* ومن الفوائد أيضًا: أن هذا القرآن مظهر مبين للأمور؛ لقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾، فهو مظهر ومبين للأمور.
هل حذف المتعلَّق ﴿الْمُبِينِ﴾ يُستفاد منه عموم إبانة القرآن لكل شيء ولّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: حَذفُ المتعلق هذه من القواعد التفسيرية؛ أن حذف المتعلَّق يفيد العموم ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى ٨]، ما قال: فأغناك؛ لأن الله أغناه وأغنى به. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى ٧]، ما قال: هداك، ليش؟ لأن الله هداه وهدى به.
طيب، إذن حذف المتعلق في قوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ يدل على أنه مبين لكل شيء، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، واضح؟
إذن أي مشكلة علينا في الدين منين نأخذها؟
* طالب: من القرآن أو السنة.
* الشيخ: من القرآن، والقرآن يرشدنا إلى الأخذ بالسنة ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر ٧]، وحينئذ لا يبقى في الدنيا مشكلة إلا وُجِد حلها في الكتاب وفي السنة، لكن القصور عن فهمها يكون له سبب: إما هوى متَّبع وإما جهل، إما الإنسان ما أراد الحق يريد هوى، ويبحث في الكتاب والسنة لعله يجد ما يبرر ما ذهب إليه؛ مثلًا: إنسان يريد أن يبرر الاشتراكية، راح يدور بالقرآن والسنة ما يؤيد هذا الرأي، ما قصدُه الحق، ويدل لذلك أنه لو وجد في القرآن والسنة ما يخالفه تركه وطلب غيره. واضح؟
وهكذا أيضًا كل هؤلاء الذين يريدون أن يُشَرِّعُوا قوانين أو أمورًا فقيهة أو شيئًا، إذا كانوا إنما يرجعون إلى الكتاب والسنة من أجل أن يُبَرِّروا مواقفهم فإذا رأوا ما يخالفها أغمضوا أعينهم، وإن رأوا ما يشير إليها ولو لإبطالها فتحوا أعينهم إلى رؤوسهم، هؤلاء الغالب أنهم ما يوفقون.
لكن كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بالعقيدة الواسطية، قال كلمة مرت علينا من قبل، كلمة عظيمة، وهي: (من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق) كلمة هذه بالحقيقة وزنها ثقيل: (من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه) أمران: تدبر وطلب الهدى، تدبر الفعل وطلب الهدى النية الصالحة، (طالبًا الهدى منه تبين له طريقُ الحق) هذا جواب الشرط، والشيخ رحمه الله جزم به؛ لأنه في القرآن لا شك في ذلك.
إذن القرآن مُبَيِّن لكل الأمور؛ إما من القرآن نفسه أو مما يرشد إليه وذلك بالتحويل على أيش؟ السنة.
أحيانًا يعترضنا مسائل نبحث عنها في كتب الفقهاء، فقهاء الحنابلة وفقهاء الشافعية وغيرهم ما نجدها، نرجع إلى القرآن والسنة نجدها موجودة تتبين لنا، واضح؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: والكتاب والسنة الرجوع إليهما يفيد الإنسان في الحقيقة فائدتين عظيمتين؛ أولًا: الطمأنينة والاستقرار؛ لأن اتباع كلام أهل العلم وإن كان الإنسان قد يطمئن له بعض الشيء، لكن ما يكون طمأنينته إليه كطمأنينته إذا ما دلَّ عليه الكتاب والسنة.
الشيء الثاني: أنه يستطيع أن يُقنع غيره ويُطَمئن غيره، صح ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأنك لو قال لك إنسان: طيب، (...) لِمَ نقول: هذا حرام؟ حرام؛ لأن الله يقول: حرام، أو لأن الرسول ﷺ يقول: حرام، حينئذ يطمئن، لكن لو تقول له: لأنه في الكتاب الفلاني حرام، الكتاب الفلاني هل صدر عن وحي؟ لا.
إذن الفائدة هذه: الطمأنينة وإقناع الغير؛ الرجوع للكتاب والسنة؛ ولهذا أنا أحب أن يكون دائمًا رجوعنا إلى الكتاب والسنة، وليس معنى ذلك أنني أقول: اطرحوا كلام أهل العلم، لا، كلام أهل العلم مفاتيح لهذه الخزائن، وكم من إنسان ما يهتدي بالكتاب والسنة إلا حيث يدخل ما دخله هؤلاء العلماء.
ففرق بين مَنْ يقول: اتبع الكتاب والسنة واقتدِ بكلام أهل العلم بالنسبة لفتح هذه الخزائن من الكتاب والسنة ومن يقول: اقتد بالكتاب والسنة واطرَح كلام أهل العلم ولا تلتفت له ولا تعدَّه شيئًا. هذا ما هو بصحيح هذا؛ لأن بعض الناس الآن ما يرى كلام أهل العلم شيئًا إطلاقًا، ولا يرجع إليه أبدًا، فهذا ما هو بصحيح. فدائمًا الحق يكون بين طرفين متطرفين، إي نعم.
إذن القرآن سبيل لكل شيء.
* فيه أيضًا: دليل على أن القَصص يسمى تلاوة، قَص الإنسان للقصة، يقال: تلاها عليهم، من قوله تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ﴾ [القصص ٣].
* ومن الفوائد أيضًا: أهمية قصة موسى مع فرعون؛ ولهذا تكفَّل الله تعالى بتلاوتها على نبيه ﷺ لأهميتها وبيان فوائدها وكثرتها، وليس أن عندكم وقتًا حتى نقول: اجمعوا القصة من جميع أطرافها، واستنبطوا ما فيها من الفوائد، وهذه الطريقة سلكناها مع طلبة معهد ثانوي؛ كنا نُدَرِّس في الثانوي في معهد، وكان من المقرر عليهم سورة غافر، سورة غافر فيها قصة موسى، وطلبنا منهم استنباط الفوائد منها، لكن لما كان الطلبة نشيطين، ما هم مثل الوقت الحاضر يعني، هذا يمكن قبل حوالي عشرين سنة.
إنما على كل حال هذه القصة -قصة موسى وفرعون- من أهم القصص، ولهذا يكررها الله تعالى في القرآن بأساليب مختلفة، وهنا يقول: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى﴾.
* وفيه أيضًا: دليل على -الفائدة الثانية- أن ما أخبر الله به فهو حق، جميع ما أخبر الله به عن هذه القصص فهو حق، وقد سبق أن قلنا: إن الحق إذا وُصف به الخبر فهو بمعنى الصدق، وإذا وُصف به الحكم فهو بمعنى العدل.
* من فوائدها؛ ومن الفوائد: أن هذه القصص سبب للإيمان.
* ومن فوائدها أيضًا: أنها زيادة في الإيمان، سبب لمن لم يؤمن أن يؤمن، ولمن آمن أن يزداد إيمانه ثباتًا وكَمِّيةً، ويش الدليل أنه ينتفع بها غير المؤمن؟ قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]، كل إنسان ذو لب وعقل لا بد أن يعتبر وينتفع، إي نعم.
* ومن فوائد الآية: بيان ما كان عليه فرعون من العلو والجبروت: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٤].
* ومن فوائدها: أن مَن علا في الأرض وطلب العلو على الخلق فهو شبيه بفرعون، ورِث هذه من فرعون، وبئس الرجل يكون إمامُه فرعون.
* ومن فوائدها: أن تفريق الأمة سبب لفشلها وذُلها. من أين يؤخذ؟
* طالب: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص ٤].
* الشيخ: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن حكمة الإنجليز المشهورة: (فرِّقْ تَسُد) فرعونية ولّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: فرعونية؛ لأنه هو الذي جعل (...) ليسود به.
* ومنها، من فوائد الآية: أن بني إسرائيل من أهل مصر مع أنهم في الأصل من أهل الشام، فيتفرع على هذه الفائدة: أن من سكن أرضًا وأقام فيها وإن لم يكن من أهلها في الأصل نُسِب إليها وصار من أهلها.
ومنها: بيان شدة استضعاف فرعون لبني إسرائيل؛ حيث كان يذبح أبناءهم ويستحيي نسائهم، لماذا؟ قيل: لأنه أُخبِر بأنه سيولد من بني إسرائيل ولد يكون هلاكك على يديه.
وقيل: لأن ذلك هو الطريق لإذلال الأمة؛ لأنه إذا ذهب الرجال وبقي النساء صرن إماءً للمستعبِد بلا شك، ما عندهن قَيِّم ولا مدافع.
* ومن الفوائد في الآية: أن هذا العمل -العلو في الأرض، والعتو على الخلق، والسعي بينهم بالتفريق- أنه من الإفساد. منين نأخذها؟
* طالب: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص ٤].
* الشيخ: من قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
عكس ذلك إذن الذي يتواضع للحق وللخلق ويجمع الأمة ويَقصُر عدوانه يكون من المصلحين؛ لأن بضدها تتبين الأشياء، فإذا كانت هذه الأمور من الفساد فضدها من الصلاح.
* من فوائد الآية: إثبات إرادة الله في قوله: ﴿وَنُرِيدُ﴾، ووجه إثبات الإرادة من قوله: ﴿وَنُرِيدُ﴾ مع أن (نريد) فعل وليس اسمًا، نقول: لأن الفعل يدل على الحدث وزمانِه، فـ(نريد) مشتق منين؟
* طالب: من الإرادة.
* الشيخ: من الإرادة، (نريد) مشتق من الإرادة؛ وعليه فنقول: إنه يدل على إثبات الإرادة لله، أثبتها المعتزلة؛ الإرادة؟
* طالب: نفوها.
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: نفوها. الأشاعرة أثبتوا الإرادة، قالوا: إن الله تعالى له إرادة؛ لأن التخصيص بكون الليل ليلًا والنهار نهارًا والحر حرًّا والبرد بردًا، يدل على إثبات الإرادة؛ إذ ما يقع هذا التخصيص إلا بإرادة، فهمتم؟
وهم -كما عرفنا من قبل- إنما يستدلون على إثبات الصفات بالعقل، وما خالف عقولهم وجب تأويله وصرفُه إلى ما يوافق العقل.
وقد مضى لنا هذا، ولكن لا بأس من إعادته؛ مضى أن هذه طريقة فاسدة، مخالفة للقرآن: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون ٧١]، قال الإمام مالك رحمه الله: ليت شعري بأي شيء يوزن الكتاب والسنة، أفكلما جاءنا رجل أجدل من رجل اتبعناه وتركنا قول الآخر؟! يستقيم هذا ولّا لا؟
* طالب: ما يستقيم.
* الشيخ: ما يستقيم.
إذن نقول: إثبات صفات الله بالطرق العقلية ونفي ما لم يدل عليه العقل فهذا في الحقيقة عدوان وطريق فاسد. على أننا نقول: إنه يمكننا أن نُثبِت ما نفيتم بطريق العقل كما أثبتم أنتم ما أثبتم بطريق العقل، بل أفلح وأبلغ.
ظهور صفة الرحمة في المخلوقات أبلغ من ظهور صفة الإرادة.
* طالب: الإحسان.
* الشيخ: نعم، الإحسان إلى الخلق بالرزق والإمداد والإعداد وبجميع ما يتمتعون به، هذا ظاهر لكل أحد ولَّا لا؟ لكن كون هذا حَرًّا وهذا بردًا يدل على الإرادة، دلالة هذا على الإرادة أخفى من دلالة النعم على الرحمة بلا شك ولَّا لا؟
أيضًا نصره للطائعين وخذلانه للعاصين يدل على الحب والبغض ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لولا أنه يحب هؤلاء ما نصرهم، ولولا أنه يبغض هؤلاء لنصرهم، وهذا معروف، حتى الإنسان إذا صار يبغض واحدًا ما ينصره، وإذا صار يحبه ينصره. إذن نصرُه لهؤلاء وإذلاله لهؤلاء دلَّ على إثبات المحبة والبغض، وهم ينكرون ذلك ويقولون: العقل ما يدل عليه.
فإذن -الحمد لله- الحق واضح، ما من شيء يزعم هؤلاء أن العقل ينكره أو لا يثبته إلا وجدنا أن العقل يثبته كما أثبته الشرع.
* فيه أيضًا دليل.. يستفاد من فوائد الآية: تمام قدرة الله عز وجل، تمام القدرة؛ وجهُه أن هؤلاء المستضعفين جعلهم أئمة ووارثين لهؤلاء الطغاة، ولَّا لا؟ طيب، جعلهم وارثين بقدرتهم ولّا بقدرة الله فقط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: في الحقيقة (...)؛ يعني: المسلمون من هذه الأمة ورثوا ديار الروم وديار الفرس بفعلهم وجهادهم، لكن إرث بني إسرائيل لديار فرعون بلا سبب منهم، بل هو من الله عز وجل محض، ولهذا قال: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، فهو بفعل الله سبحانه وتعالى المحض.
* يستفاد منه -كما قلت قبل قليل- تمام قدرة الله عز وجل، وأن الله ييسر لعباده من النصر ما لم يكن في مقدورهم ولا في حسبانهم.
* فيه أيضًا من فوائد الآية: أن من استُضعف لقيامه بالحق فلا بد أن تكون العاقبة له، كل من استُضعف لقيامه بالحق فلا بد أن تكون العاقبة له؛ لأن قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وإن كان في سياق بني إسرائيل فغيرهم داخل في العموم؛ العموم اللفظي إذا قلنا: ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ في أي مكان وزمان، أو العموم المعنوي وذلك بقياس غيرهم عليهم؛ لأن الدلالات -دلالات العموم- إما لفظية أو معنوية، فالقياس الصحيح دلالة اللفظ على المقيس دلالة معنوية، فحينئذٍ نقول: ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إذا جعلناهم هم بني إسرائيل فقط، فالمستضعفون بقيامهم في الحق من غيرهم مثلهم ولَّا لا؟
* طالب: مثلهم.
* الشيخ: مثلهم؛ لأن الله يقول: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ بعدها؟ ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح ٢٣]، سنة الله في الخلق واحدة؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس بينه وبين أحد نسب حتى يراعيه، أو حسب حتى يراعيه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ مَن؟ ﴿أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣].
فإذن نقول: في هذه الآية دليل على أن من استُضعِف في طريق الحق -يعني لقيامه بالحق- فإن العاقبة له.
هنا قد توردون عليَّ أن أناسًا استضعفوا في الحق وقُتلوا أو طُرِدوا أو ما أشبه ذلك، فأين العاقبة التي تلزمهم؟
نقول: إن العاقبة لا تكون للشخص الجسدي فقط، بل للشخص المعنوي. مقالة هذا لا بد أن تُنْصَر. وانظروا الآن من سبقنا من أهل العلم، كل عالِم أُوذِيَ في الحق -سواء قُتل أو ما قُتل- فإنك تجد مقالاته تبقى وتنتشر أكثر من غيره، أكثر بكثير من غيره، وهذا واضح لمن تأمله.
إذن فالنصر للقائل في حياته أو لمقالته بعد وفاته، والإنسان المجاهد لله هو لا يريد أن يبقى بنفسه، ويش همه؟ أن يبقى هذا الحق الذي قام به، ما يهمه أنه يبقى هو أو ما يبقى إذا كان يدعو إلى الله، أما من يدعو إلى نفسه -ونسأل الله أن يعيذنا من ذلك جميعًا- فهذا نعم هو الذي يقول إذا قُتل أو أوذي: إنه ما انتصر، لكن من يدعو لله ما يهمه إلا أن تنتصر هذه الدعوة،؛ ولهذا هو يقاتل لها ومن أجلها.
* طالب: (...)، كيف لعدوه بالمقابل يقرأ هذه القصة ويقول: لا بد من نصر الله؟
* الشيخ: إي، لكن لا بد من نصر الحق بأسبابه، إذا أعيتك الأمور جاء النصر من عند الله بدون سبب، لكن ما دام أنه أنت مأمور بطريق معينة قد لا تُنصر لمخالفتك إياه، قد لا تُنْصَر من أجل مخالفتك إياه وتقصيرك؛ لأن الإنسان ليس معناه كل من حسنت نيته حسن فعله ونُصِر، لا، قد يختلف الأمر، ولذلك مسائل هذه الأمور من أدق المسائل، ونحن قد تكلمنا عنها كثيرًا؛ لأن هذه المسائل دقيقة جدًّا، والإنسان يمشي كأنه كُرة في يَمٍّ، نعم، تقلبها الرياح، أحيانًا يجيئها ريح عاصف تبعدها أميالًا، لذلك الإنسان يجب أن يكون متزنًا، ما يكون متهورًا، إذا تهوَّر ثم خالفه النصر، فالبلاء من عند نفسه.
* فيه أيضًا، من فوائد الآية: فضائل بني إسرائيل، مناقب بني إسرائيل؛ لقوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾، وهنا قد يُشْكِل على الإنسان أن الله تعالى يقول هنا: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾، وفي آيات كثيرة يَذُمُّ بني إسرائيل؟
نقول: الله سبحانه وتعالى بيَّن السبب في جعل هؤلاء أئمة، فقال تعالى في سورة (آلم تنزيل) السجدة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤]، فهم حين كانوا متصفين بهذين الوصفين الصبر واليقين كانوا أئمةً، وقد أخذ شيخ الإسلام من هذه الآية جملة، فقال: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، لكن لما تخلف الصبر وتخلف اليقين منهم ويش صاروا؟
* طالب: قردة.
* الشيخ: صاروا على العكس، نعم، صاروا قردة خاسئين، وجاءت الآيات بذمهم، فالآيات لا يكذب بعضها بعضًا، ولكن هناك أشياء توجب تقلُّب أحكام بعض الآيات؛ لتخلف السبب.
* ومن فوائد الآية: أن المسلمين إذا استولَوا على بلاد الكفار ملكوها، منين نأخذها؟
* طالب: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، والوارث يملك ما ورث، ولَّا لا؟ الوارث يملك ما ورث، فهم يجعلهم الله وارثين كاملًا؛ ولهذا قال أهل العلم: إن الأراضي تُملك.
* ومن فوائد الآية: أن الأراضي ليست من الغنائم المحضة، فهنا قال: ﴿نَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ مع أن الرسول ﷺ يقول: «أُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]، شوفوا هذا الآن هذا التقرير اللي أقرر، شوفوا هل هو صحيح ولَّا ما هو بصحيح؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أعتقد أنه ما هو بصحيح؛ لأن الله تعالى ورَّث بني إسرائيل أرضهم وأموالهم، أرض بني فرعون وأموالهم، قال الله تعالى في سورة الشعراء..
* طالب: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩].
* الشيخ: لا، قبلها: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٧ - ٥٩]، فالكنوز ما فيه شك أنها مغانم، وهو يقول: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فكيف نجيب عن الحديث؟
الجواب أن نقول: إن هؤلاء لم يرثوها بالقتال، والغنيمة معروفة أنها ما أخذت عن طريق قتال الأعداء، هؤلاء ما ورثوها بالقتال، بقوة الله عز وجل التي ليس لهم إليها سبيل؛ وعلى هذا فلا تُخالف قول الرسول ﷺ: «أُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي».
* طالب: المساكن والأراضي التي (...)؟
* الشيخ: المساكن والأراضي كنوز أيضًا.
* الطالب: يعني: تدخل على أنها (...)؟
* الشيخ: لا، أنا قلت: التقرير، ما قررت هل هو صحيح ولَّا غير صحيح؟
* الطالب: على (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، الأراضي قيمة نعم، الأراضي قيمة، إي نعم.
* طالب: تدخل في الغنائم؟
* الشيخ: نحن قلنا: إن الغنائم الشيء المنقول، ثم إننا أبطلنا هذا وقلنا: إن بني إسرائيل أُورثوا الأراضي وأُورثوا الكنوز، والكنوز شيء منقول، ولَّا لا؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وأوردنا على هذا الإشكال في قول الرسول ﷺ: «أُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي».
وهب أنك قلت: إن الأراضي ما هي من الغنائم لكن الكنوز من الغنائم. أجبنا على هذا؛ فقلنا: إن ملك بني إسرائيل لأرض آل فرعون وكنوزهم بغير قتال، والغنائم التي تُملَك هي التي تكون بطريق القتال، هذا الذي قاله الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا لَمْ تُحَلَّ لِأَحِدٍ قَبْلِي».
* طالب: كان فيه غنائم يا شيخ؟
* الشيخ: فيما سبق؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: فيه غنائم، لكنها ما تحل للمقاتلين.
* الطالب: وما شأنها؟
* الشيخ: شأنها أنها تُجمع ثم تَنزل عليها نار من السماء فتحرقها، ثم إنه إذا كان فيها شيء من الغلول ما تَنْزِل النار، سبحان الله العظيم! ما تنزل، حتى لا يُفقد شيء، إذا فُقد شيء نزلت النار وأحرقتها.
* طالب: حكمة إحراق الغنائم (...)؟
* الشيخ: الحكمة منها لأجل قطع التعلق بها نهائيًّا؛ لأنها هي لو تبقى تداولها الناس بالبيع والشراء والانتفاع وصار ملكوها.
* الطالب: وهذه الأمة آخر الأمم.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فلو مثلًا مُنعت من الغنائم لكان أولى؛ لأنها أقوى إيمانًا.
* الشيخ: لا، ما هو صحيح هذا، ما هو علشان هذا، لكن هذه الأمة اللهُ سبحانه وتعالى أمدَّها بأشياء لتستعين بها، ولا مانع أن الإنسان اللي يكون أفضل أنه يُمَدَّ بأشياء ليصل إلى الفضيلة، أليس النبي عليه الصلاة والسلام قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ ومع ذلك هو يستغفر الله سبحانه وتعالى، ونحن أيضًا مأمورون بأن نصلي عليه مع أن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٦]، إي نعم، فلا يلزم من الوصول إلى الكمال ألا يسعى الإنسان بأسبابه.
* طالب: النبي علل يا شيخ رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا.
* الشيخ: إي، هذه هي، وحتى الرسول قال: «جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي»[[أخرجه أحمد (٥١١٤) من حديث ابن عمر.]] لأجل يعيننا على هذا.
* طالب: (...) قصة اللي وجد الغلول؟
* الشيخ: بس المشكلة إبراهيم يقول: كيف أنها تُحَلُّ لنا ونحن أفضل الأمم؟ لماذا لا يوكل الأمر إلى مناقبنا وفضائلنا؟
نحن نقول: هذا من نعمة الله، من تمام نعمة الله أن نصل إلى درجة الكمال، وتحل هذه المغانم لأجل أن نستعين بها على (...).
* من فوائد الآية الكريمة: أن التمكين في الأرض -تمكين الإنسان في الأرض- من نعمة الله علينا؛ لقوله: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٦]، ولَّا لا؟ لأن هذا من جملة ما أنعم الله على بني إسرائيل أنْ مكنهم في الأرض، فكون الإنسان يُمكَّن له في الأرض سواء كان هذا التمكين عن طريق السلطة، سلطة السلطان، أو عن طريق سلطة القرآن.
لاحظوا يا جماعة أن التمكين في الأرض ما هو معناه أن الإنسان يحكم الناس ليكون سلطانًا عليهم، لا، بل من التمكين في الأرض أن الله يمكِّن له حتى يكون لقوله سلطان على المؤمنين.
فمثلًا شيخ الإسلام ابن تيمية مُكِّن له في الأرض ولّا لا؟ مُكِّن له في الأرض أعظم من تمكين الولاة في وقته، تمكين الولاة في وقته انقضى بموتهم، لكن تمكين الله لهذا الرجل حتى كان قوله معتبرًا بين الناس باقٍ إلى الآن؛ فإذن التمكين في الأرض وإن كان يتبادر إلى الذهن أنه تمكين السلطان، فينبغي أن نقول: وتمكين أيش؟ القرآن، بمعنى: أن من قام بالحق فإنه يكون لقوله سلطان وقوة، وهذا أيضًا جاء بالحديث شاهدًا له «بأن الله تعالى إذا أحب عبدًا وضع له القبول في الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٩)، ومسلم (٢٦٣٧ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة.]]، بمعنى أنه يكون له قبول ولقوله نفاذ، فهذه من تمكين الله تعالى في الأرض.
* ومن فوائد الآية أيضًا: كان موقفها ذذكرناه، لكن قوله: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص ٦]، هذا من جملة الأمثلة على قدرة الله عز وجل.
* من فوائدها: أن فرعون وقومه كانوا يَحذرون من بني إسرائيل، فأراهم الله تعالى ما كانوا يَحذرون. وهنا إشكال: كيف أراهم الله تعالى ما كانوا يحذرون مع أنهم هَلكوا؟
* طالب: أراه عندما أدركه الغرق قال: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠].
* الشيخ: قصده ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ﴾؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ﴿وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ [القصص ٦].
* الطالب: جنودهم معهم، اللي غرقوا كلهم (...).
* الشيخ: إي، لكن أقول: مَنْ غرق ما عرف (...).
* الطالب: عرف، لما غرقوا كل (...)، كل واحد وكل شخص عرف بأن بني إسرائيل قد (...).
* الشيخ: يعني عند خروج روحه مثلًا؟
* الطالب: في آخر لحظة.
* الشيخ: طيب، في آخر لحظة عرف.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، كذا؟ هذا هو الأصل، وبعضهم قال: إن ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾، ما هو المراد الهلاك، المراد بـ﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ منازعة آل فرعون؛ فإن بني إسرائيل لما بُعِث موسى استقووا، وقصة السحرة واضحة فيها، لما اجتمعوا واجتمع الناس في يوم عيدهم وفي الضحى في رابعة النهار وصارت الهزيمة على مَن؟ على آل فرعون، الهزيمة على آل فرعون، هُزِمُوا حسًّا ومعنًى، ولَّا لا؟ هُزموا حسًّا بأن عصا موسى ﷺ جعلت تَلْقَف ما يأفكون، وهُزموا معنًى بأن السحرة أنفسهم آمنوا وصرحوا للملأ بأن فرعون هو الذي أكرههم على السحر، وبَيَّنوا أن الرب الحقيقي هو رب موسى وهارون سبحانه وتعالى. هذه هزيمة معنوية، بالإضافة إلى الهزيمة الحسية، أليست هذه تغيظ آل فرعون؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: تغيظ فرعون وهامان وجنودهما غيظًا عظيمًا.
إذن يمكن أن نجيب عن هذا بجوابين:
أحدهما: ما ذكرتم؛ أن كل واحد في آخر لحظة في حياته يتبين له أنه خاسر وأن بني إسرائيل هم الغالبون.
والثاني: أن نقول: إن الله تعالى أراهم منازعة بني إسرائيل لهم وظهورَ بني إسرائيل عليهم في ذلك الْمَجْمَع العظيم: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾، ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ هو يوم العيد يتزين الناس به، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾ يجمعون، ﴿ضُحًى﴾ [طه ٥٩] في رابعة النهار.
هذا الموعد الذي من موسى وهو الذي اقترحه، موسى هو الذي اقترحه؛ لأنه واثق عليه الصلاة والسلام بأن الله سينصره، حصل هذا الاجتماع في هذا اليوم، وصار في الحقيقة يوم عيد لبني إسرائيل ويوم شر وسوء لفرعون، نظير ما قال أبو جهل: إننا ما نرجع حتى نصل إلى بدر ننحر الجزور ونسقي الخمور وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدًا[[دلائل النبوة للبيهقي (٩٤٨) من حديث عروة بن الزبير.]]. صحيح (...)، سمعت العرب والعجم أيضًا بهذه الغزوة، لكن كانوا تغنِّي لهم القيان ولَّا يُغنى عليهم؟ لهم ولّا عليهم؟
* طالب: عليهم.
* الشيخ: عليهم في الحقيقة، سمعوا ما به ظهور عوَرِهم وظهور -والعياذ بالله- جبروتِهم، حتى أعز الله تعالى الإسلام والمسلمين في (...).
* طالب: (...) ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء ٥٦].
* الشيخ: نعم.
* الطالب: حصل خوف في ما كانوا يحذرون.
* الشيخ: إي، هذا يؤيد الوجه الثاني.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ترى ما فيه مانع أننا (...) نمشي شوي، المهم الفائدة نعم.
* طالب: الفائدة (...) أنه جعل كل معركة (...) لجعلهم أئمة؟
* الشيخ: إي نعم، إي الجعل له معان في الحقيقة متعددة، الجعل هو كل معانيه تعود إلى التصيير في الحقيقة، كل معانيه بالنسبة لله عز وجل تعود إلى التصيير، لكن التصيير تصيير المعدوم موجودًا.
القصص 28:2
.. تتلى عليهم هذا القصص لأجل يؤمنون.
إذا كانت للذين آمنوا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: التثبيت على الإيمان، وزيادة، تمام.
قول الله تعالى: ﴿وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص ٤] ما معناها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني: يستبقي حياتهم.
* الطالب: يستبقي حياتهم.
* الشيخ: أو يجدد فيهم الحياة؟
* الطالب: المعنى الأول، الأصل أنهم أحياء.
* الشيخ: إي، أصلًا أحياء، وأيضًا ما أحد يقدر على تجديد الحياة إلا؟
* الطالب: إلا الله.
* الشيخ: إلا الله سبحانه وتعالى.
إذن ﴿يَسْتَحْيِي﴾ يعني: يستبقي حياتهم وليس يجدد.
طيب، جملة ﴿يُذَبِّحُ﴾ ﴿وَيَسْتَحْيِي﴾، أيش تقول؟ ما تقول في الجملة؛ محلها من الإعراب؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال من أيش؟
* الطالب: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾، (...).
* الشيخ: اقرؤوا الآية، يعني: نحن ما نوافق على (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني مِن الفاعل ولَّا مِن ﴿عَلَى﴾؟
* الطالب: (...) مِن الفاعل.
* الشيخ: من الفاعل صح؛ لأن الفعل ما يأتي منه حال؟
* طالب: مِن ﴿عَلَى﴾ و﴿جَعَلَ﴾.
* الشيخ: (...).
قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٥]. الإرادة هنا كونية ولّا شرعية؟
* طالب: إرادة كونية.
* الشيخ: الإرادة كونية؟ ويش الدليل؟ كيف تحكم بما لا تعلم من كتاب الله؟
* طالب: نقول: إن الإرادة شرعية، والمراد بها المحبة.
* الشيخ: إي.
* الطالب: وهنا..
* الشيخ: الإرادة مرادفة..
* الطالب: للمشيئة.
* الشيخ: للمشيئة، زين. وأيضًا متعلَّق الإرادة الكونية ما هو؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الحكم الشرعي ولَّا الحكم القدري؟
* الطالب: الحكم القدري.
* الشيخ: وهذه متعلقة بالحكم القدري. ﴿نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ﴾، مفهوم يا جماعة؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: طيب، إذن الفرق من ناحيتين: الناحية الأولى من ناحية المعنى، والثانية من ناحية المتعلق؛ فالإرادة الكونية مرادفة للمشيئة بمعنى: شاء، والإرادة الشرعية مرادفة لأيش؟
* طالب: للمحبة.
* الشيخ: للمحبة.
والثاني من جهة المتعلَّق؛ الإرادة الكونية تتعلق بالأمور الكونية، والإرادة الشرعية تتعلق بالأمور الشرعية، فالله يريد منا أن نصليَ مع الجماعة شرعًا ولَّا كونًا؟
* طالب: شرعًا.
* الشيخ: شرعًا، واضح؟
قوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ [القصص ٥]؟
* طالب: ﴿أَئِمَّةً﴾ تحتمل أن (...)، الإمام يمكن أن يكون في الخير والشرِّ؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء ٧٣].
* الشيخ: وهنا المراد أئمة؟
* الطالب: هنا أئمة في الخير.
* الشيخ: أئمة في الخير؛ لأن الإمام كل من يُقتدى به.
قوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص ٥] الوارثين لمَن؟
* طالب: لفرعون وجنوده.
* الشيخ: لفرعون وجنوده، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩].
طيب، نرجع الآن إلى الفوائد.
* طالب: (...).
* الشيخ: من بني إسرائيل؟
* الطالب: من بني إسرائيل.
* الشيخ: إي.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما في ذاك الوقت ما علمنا أحدًا (...).
* طالب: (...) كل الذين استضعفهم فرعون فَيَمُنُّ عليهم.
* طالب: كل الذين استضعفهم فرعون فَيَمُنُّ عليهم.
* الشيخ: يعني ويش (يمن)؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نمن عليهم بالهداية؛ ولهذا جاء بالفعل المضارع ﴿نُرِيدُ﴾؛ يعني: في المستقبل، نريد أن نمن عليهم في المستقبل ونجعلهم أئمة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، هذا هو، إي نعم، يمن عليهم بالإيمان والإمامة وإرث هؤلاء.
* في هذه الآيات الكريمة:
* أولًا: بيان عظم القرآن وعُلُوِّه، وذلك عن طريق؟
* طالب: الإشارة.
* الشيخ: الإشارة إليه بالبعد؛ ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ [القصص ٢].
* ثانيًا: أن هذا القرآن مكتوب؛ لقوله: ﴿الْكِتَابِ﴾، والذي نعلم من كتابته ثلاثة أمور، ويش هي؟ في اللوح المحفوظ، والمصاحف، والصحف التي في أيدي الملائكة.
* ومن الفوائد أيضًا: أن هذا القرآن مظهر مبين للأمور؛ لقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾، فهو مظهر ومبين للأمور.
هل حذف المتعلَّق ﴿الْمُبِينِ﴾ يُستفاد منه عموم إبانة القرآن لكل شيء ولّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: حَذفُ المتعلق هذه من القواعد التفسيرية؛ أن حذف المتعلَّق يفيد العموم ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى ٨]، ما قال: فأغناك؛ لأن الله أغناه وأغنى به. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى ٧]، ما قال: هداك، ليش؟ لأن الله هداه وهدى به.
طيب، إذن حذف المتعلق في قوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ يدل على أنه مبين لكل شيء، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، واضح؟
إذن أي مشكلة علينا في الدين منين نأخذها؟
* طالب: من القرآن أو السنة.
* الشيخ: من القرآن، والقرآن يرشدنا إلى الأخذ بالسنة ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر ٧]، وحينئذ لا يبقى في الدنيا مشكلة إلا وُجِد حلها في الكتاب وفي السنة، لكن القصور عن فهمها يكون له سبب: إما هوى متَّبع وإما جهل، إما الإنسان ما أراد الحق يريد هوى، ويبحث في الكتاب والسنة لعله يجد ما يبرر ما ذهب إليه؛ مثلًا: إنسان يريد أن يبرر الاشتراكية، راح يدور بالقرآن والسنة ما يؤيد هذا الرأي، ما قصدُه الحق، ويدل لذلك أنه لو وجد في القرآن والسنة ما يخالفه تركه وطلب غيره. واضح؟
وهكذا أيضًا كل هؤلاء الذين يريدون أن يُشَرِّعُوا قوانين أو أمورًا فقيهة أو شيئًا، إذا كانوا إنما يرجعون إلى الكتاب والسنة من أجل أن يُبَرِّروا مواقفهم فإذا رأوا ما يخالفها أغمضوا أعينهم، وإن رأوا ما يشير إليها ولو لإبطالها فتحوا أعينهم إلى رؤوسهم، هؤلاء الغالب أنهم ما يوفقون.
لكن كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بالعقيدة الواسطية، قال كلمة مرت علينا من قبل، كلمة عظيمة، وهي: (من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق) كلمة هذه بالحقيقة وزنها ثقيل: (من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه) أمران: تدبر وطلب الهدى، تدبر الفعل وطلب الهدى النية الصالحة، (طالبًا الهدى منه تبين له طريقُ الحق) هذا جواب الشرط، والشيخ رحمه الله جزم به؛ لأنه في القرآن لا شك في ذلك.
إذن القرآن مُبَيِّن لكل الأمور؛ إما من القرآن نفسه أو مما يرشد إليه وذلك بالتحويل على أيش؟ السنة.
أحيانًا يعترضنا مسائل نبحث عنها في كتب الفقهاء، فقهاء الحنابلة وفقهاء الشافعية وغيرهم ما نجدها، نرجع إلى القرآن والسنة نجدها موجودة تتبين لنا، واضح؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: والكتاب والسنة الرجوع إليهما يفيد الإنسان في الحقيقة فائدتين عظيمتين؛ أولًا: الطمأنينة والاستقرار؛ لأن اتباع كلام أهل العلم وإن كان الإنسان قد يطمئن له بعض الشيء، لكن ما يكون طمأنينته إليه كطمأنينته إذا ما دلَّ عليه الكتاب والسنة.
الشيء الثاني: أنه يستطيع أن يُقنع غيره ويُطَمئن غيره، صح ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأنك لو قال لك إنسان: طيب، (...) لِمَ نقول: هذا حرام؟ حرام؛ لأن الله يقول: حرام، أو لأن الرسول ﷺ يقول: حرام، حينئذ يطمئن، لكن لو تقول له: لأنه في الكتاب الفلاني حرام، الكتاب الفلاني هل صدر عن وحي؟ لا.
إذن الفائدة هذه: الطمأنينة وإقناع الغير؛ الرجوع للكتاب والسنة؛ ولهذا أنا أحب أن يكون دائمًا رجوعنا إلى الكتاب والسنة، وليس معنى ذلك أنني أقول: اطرحوا كلام أهل العلم، لا، كلام أهل العلم مفاتيح لهذه الخزائن، وكم من إنسان ما يهتدي بالكتاب والسنة إلا حيث يدخل ما دخله هؤلاء العلماء.
ففرق بين مَنْ يقول: اتبع الكتاب والسنة واقتدِ بكلام أهل العلم بالنسبة لفتح هذه الخزائن من الكتاب والسنة ومن يقول: اقتد بالكتاب والسنة واطرَح كلام أهل العلم ولا تلتفت له ولا تعدَّه شيئًا. هذا ما هو بصحيح هذا؛ لأن بعض الناس الآن ما يرى كلام أهل العلم شيئًا إطلاقًا، ولا يرجع إليه أبدًا، فهذا ما هو بصحيح. فدائمًا الحق يكون بين طرفين متطرفين، إي نعم.
إذن القرآن سبيل لكل شيء.
* فيه أيضًا: دليل على أن القَصص يسمى تلاوة، قَص الإنسان للقصة، يقال: تلاها عليهم، من قوله تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ﴾ [القصص ٣].
* ومن الفوائد أيضًا: أهمية قصة موسى مع فرعون؛ ولهذا تكفَّل الله تعالى بتلاوتها على نبيه ﷺ لأهميتها وبيان فوائدها وكثرتها، وليس أن عندكم وقتًا حتى نقول: اجمعوا القصة من جميع أطرافها، واستنبطوا ما فيها من الفوائد، وهذه الطريقة سلكناها مع طلبة معهد ثانوي؛ كنا نُدَرِّس في الثانوي في معهد، وكان من المقرر عليهم سورة غافر، سورة غافر فيها قصة موسى، وطلبنا منهم استنباط الفوائد منها، لكن لما كان الطلبة نشيطين، ما هم مثل الوقت الحاضر يعني، هذا يمكن قبل حوالي عشرين سنة.
إنما على كل حال هذه القصة -قصة موسى وفرعون- من أهم القصص، ولهذا يكررها الله تعالى في القرآن بأساليب مختلفة، وهنا يقول: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى﴾.
* وفيه أيضًا: دليل على -الفائدة الثانية- أن ما أخبر الله به فهو حق، جميع ما أخبر الله به عن هذه القصص فهو حق، وقد سبق أن قلنا: إن الحق إذا وُصف به الخبر فهو بمعنى الصدق، وإذا وُصف به الحكم فهو بمعنى العدل.
* من فوائدها؛ ومن الفوائد: أن هذه القصص سبب للإيمان.
* ومن فوائدها أيضًا: أنها زيادة في الإيمان، سبب لمن لم يؤمن أن يؤمن، ولمن آمن أن يزداد إيمانه ثباتًا وكَمِّيةً، ويش الدليل أنه ينتفع بها غير المؤمن؟ قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]، كل إنسان ذو لب وعقل لا بد أن يعتبر وينتفع، إي نعم.
* ومن فوائد الآية: بيان ما كان عليه فرعون من العلو والجبروت: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٤].
* ومن فوائدها: أن مَن علا في الأرض وطلب العلو على الخلق فهو شبيه بفرعون، ورِث هذه من فرعون، وبئس الرجل يكون إمامُه فرعون.
* ومن فوائدها: أن تفريق الأمة سبب لفشلها وذُلها. من أين يؤخذ؟
* طالب: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص ٤].
* الشيخ: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن حكمة الإنجليز المشهورة: (فرِّقْ تَسُد) فرعونية ولّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: فرعونية؛ لأنه هو الذي جعل (...) ليسود به.
* ومنها، من فوائد الآية: أن بني إسرائيل من أهل مصر مع أنهم في الأصل من أهل الشام، فيتفرع على هذه الفائدة: أن من سكن أرضًا وأقام فيها وإن لم يكن من أهلها في الأصل نُسِب إليها وصار من أهلها.
ومنها: بيان شدة استضعاف فرعون لبني إسرائيل؛ حيث كان يذبح أبناءهم ويستحيي نسائهم، لماذا؟ قيل: لأنه أُخبِر بأنه سيولد من بني إسرائيل ولد يكون هلاكك على يديه.
وقيل: لأن ذلك هو الطريق لإذلال الأمة؛ لأنه إذا ذهب الرجال وبقي النساء صرن إماءً للمستعبِد بلا شك، ما عندهن قَيِّم ولا مدافع.
* ومن الفوائد في الآية: أن هذا العمل -العلو في الأرض، والعتو على الخلق، والسعي بينهم بالتفريق- أنه من الإفساد. منين نأخذها؟
* طالب: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص ٤].
* الشيخ: من قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
عكس ذلك إذن الذي يتواضع للحق وللخلق ويجمع الأمة ويَقصُر عدوانه يكون من المصلحين؛ لأن بضدها تتبين الأشياء، فإذا كانت هذه الأمور من الفساد فضدها من الصلاح.
* من فوائد الآية: إثبات إرادة الله في قوله: ﴿وَنُرِيدُ﴾، ووجه إثبات الإرادة من قوله: ﴿وَنُرِيدُ﴾ مع أن (نريد) فعل وليس اسمًا، نقول: لأن الفعل يدل على الحدث وزمانِه، فـ(نريد) مشتق منين؟
* طالب: من الإرادة.
* الشيخ: من الإرادة، (نريد) مشتق من الإرادة؛ وعليه فنقول: إنه يدل على إثبات الإرادة لله، أثبتها المعتزلة؛ الإرادة؟
* طالب: نفوها.
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: نفوها. الأشاعرة أثبتوا الإرادة، قالوا: إن الله تعالى له إرادة؛ لأن التخصيص بكون الليل ليلًا والنهار نهارًا والحر حرًّا والبرد بردًا، يدل على إثبات الإرادة؛ إذ ما يقع هذا التخصيص إلا بإرادة، فهمتم؟
وهم -كما عرفنا من قبل- إنما يستدلون على إثبات الصفات بالعقل، وما خالف عقولهم وجب تأويله وصرفُه إلى ما يوافق العقل.
وقد مضى لنا هذا، ولكن لا بأس من إعادته؛ مضى أن هذه طريقة فاسدة، مخالفة للقرآن: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون ٧١]، قال الإمام مالك رحمه الله: ليت شعري بأي شيء يوزن الكتاب والسنة، أفكلما جاءنا رجل أجدل من رجل اتبعناه وتركنا قول الآخر؟! يستقيم هذا ولّا لا؟
* طالب: ما يستقيم.
* الشيخ: ما يستقيم.
إذن نقول: إثبات صفات الله بالطرق العقلية ونفي ما لم يدل عليه العقل فهذا في الحقيقة عدوان وطريق فاسد. على أننا نقول: إنه يمكننا أن نُثبِت ما نفيتم بطريق العقل كما أثبتم أنتم ما أثبتم بطريق العقل، بل أفلح وأبلغ.
ظهور صفة الرحمة في المخلوقات أبلغ من ظهور صفة الإرادة.
* طالب: الإحسان.
* الشيخ: نعم، الإحسان إلى الخلق بالرزق والإمداد والإعداد وبجميع ما يتمتعون به، هذا ظاهر لكل أحد ولَّا لا؟ لكن كون هذا حَرًّا وهذا بردًا يدل على الإرادة، دلالة هذا على الإرادة أخفى من دلالة النعم على الرحمة بلا شك ولَّا لا؟
أيضًا نصره للطائعين وخذلانه للعاصين يدل على الحب والبغض ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لولا أنه يحب هؤلاء ما نصرهم، ولولا أنه يبغض هؤلاء لنصرهم، وهذا معروف، حتى الإنسان إذا صار يبغض واحدًا ما ينصره، وإذا صار يحبه ينصره. إذن نصرُه لهؤلاء وإذلاله لهؤلاء دلَّ على إثبات المحبة والبغض، وهم ينكرون ذلك ويقولون: العقل ما يدل عليه.
فإذن -الحمد لله- الحق واضح، ما من شيء يزعم هؤلاء أن العقل ينكره أو لا يثبته إلا وجدنا أن العقل يثبته كما أثبته الشرع.
* فيه أيضًا دليل.. يستفاد من فوائد الآية: تمام قدرة الله عز وجل، تمام القدرة؛ وجهُه أن هؤلاء المستضعفين جعلهم أئمة ووارثين لهؤلاء الطغاة، ولَّا لا؟ طيب، جعلهم وارثين بقدرتهم ولّا بقدرة الله فقط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: في الحقيقة (...)؛ يعني: المسلمون من هذه الأمة ورثوا ديار الروم وديار الفرس بفعلهم وجهادهم، لكن إرث بني إسرائيل لديار فرعون بلا سبب منهم، بل هو من الله عز وجل محض، ولهذا قال: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، فهو بفعل الله سبحانه وتعالى المحض.
* يستفاد منه -كما قلت قبل قليل- تمام قدرة الله عز وجل، وأن الله ييسر لعباده من النصر ما لم يكن في مقدورهم ولا في حسبانهم.
* فيه أيضًا من فوائد الآية: أن من استُضعف لقيامه بالحق فلا بد أن تكون العاقبة له، كل من استُضعف لقيامه بالحق فلا بد أن تكون العاقبة له؛ لأن قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وإن كان في سياق بني إسرائيل فغيرهم داخل في العموم؛ العموم اللفظي إذا قلنا: ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ في أي مكان وزمان، أو العموم المعنوي وذلك بقياس غيرهم عليهم؛ لأن الدلالات -دلالات العموم- إما لفظية أو معنوية، فالقياس الصحيح دلالة اللفظ على المقيس دلالة معنوية، فحينئذٍ نقول: ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إذا جعلناهم هم بني إسرائيل فقط، فالمستضعفون بقيامهم في الحق من غيرهم مثلهم ولَّا لا؟
* طالب: مثلهم.
* الشيخ: مثلهم؛ لأن الله يقول: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ بعدها؟ ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح ٢٣]، سنة الله في الخلق واحدة؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس بينه وبين أحد نسب حتى يراعيه، أو حسب حتى يراعيه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ مَن؟ ﴿أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣].
فإذن نقول: في هذه الآية دليل على أن من استُضعِف في طريق الحق -يعني لقيامه بالحق- فإن العاقبة له.
هنا قد توردون عليَّ أن أناسًا استضعفوا في الحق وقُتلوا أو طُرِدوا أو ما أشبه ذلك، فأين العاقبة التي تلزمهم؟
نقول: إن العاقبة لا تكون للشخص الجسدي فقط، بل للشخص المعنوي. مقالة هذا لا بد أن تُنْصَر. وانظروا الآن من سبقنا من أهل العلم، كل عالِم أُوذِيَ في الحق -سواء قُتل أو ما قُتل- فإنك تجد مقالاته تبقى وتنتشر أكثر من غيره، أكثر بكثير من غيره، وهذا واضح لمن تأمله.
إذن فالنصر للقائل في حياته أو لمقالته بعد وفاته، والإنسان المجاهد لله هو لا يريد أن يبقى بنفسه، ويش همه؟ أن يبقى هذا الحق الذي قام به، ما يهمه أنه يبقى هو أو ما يبقى إذا كان يدعو إلى الله، أما من يدعو إلى نفسه -ونسأل الله أن يعيذنا من ذلك جميعًا- فهذا نعم هو الذي يقول إذا قُتل أو أوذي: إنه ما انتصر، لكن من يدعو لله ما يهمه إلا أن تنتصر هذه الدعوة،؛ ولهذا هو يقاتل لها ومن أجلها.
* طالب: (...)، كيف لعدوه بالمقابل يقرأ هذه القصة ويقول: لا بد من نصر الله؟
* الشيخ: إي، لكن لا بد من نصر الحق بأسبابه، إذا أعيتك الأمور جاء النصر من عند الله بدون سبب، لكن ما دام أنه أنت مأمور بطريق معينة قد لا تُنصر لمخالفتك إياه، قد لا تُنْصَر من أجل مخالفتك إياه وتقصيرك؛ لأن الإنسان ليس معناه كل من حسنت نيته حسن فعله ونُصِر، لا، قد يختلف الأمر، ولذلك مسائل هذه الأمور من أدق المسائل، ونحن قد تكلمنا عنها كثيرًا؛ لأن هذه المسائل دقيقة جدًّا، والإنسان يمشي كأنه كُرة في يَمٍّ، نعم، تقلبها الرياح، أحيانًا يجيئها ريح عاصف تبعدها أميالًا، لذلك الإنسان يجب أن يكون متزنًا، ما يكون متهورًا، إذا تهوَّر ثم خالفه النصر، فالبلاء من عند نفسه.
* فيه أيضًا، من فوائد الآية: فضائل بني إسرائيل، مناقب بني إسرائيل؛ لقوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾، وهنا قد يُشْكِل على الإنسان أن الله تعالى يقول هنا: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾، وفي آيات كثيرة يَذُمُّ بني إسرائيل؟
نقول: الله سبحانه وتعالى بيَّن السبب في جعل هؤلاء أئمة، فقال تعالى في سورة (آلم تنزيل) السجدة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤]، فهم حين كانوا متصفين بهذين الوصفين الصبر واليقين كانوا أئمةً، وقد أخذ شيخ الإسلام من هذه الآية جملة، فقال: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، لكن لما تخلف الصبر وتخلف اليقين منهم ويش صاروا؟
* طالب: قردة.
* الشيخ: صاروا على العكس، نعم، صاروا قردة خاسئين، وجاءت الآيات بذمهم، فالآيات لا يكذب بعضها بعضًا، ولكن هناك أشياء توجب تقلُّب أحكام بعض الآيات؛ لتخلف السبب.
* ومن فوائد الآية: أن المسلمين إذا استولَوا على بلاد الكفار ملكوها، منين نأخذها؟
* طالب: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، والوارث يملك ما ورث، ولَّا لا؟ الوارث يملك ما ورث، فهم يجعلهم الله وارثين كاملًا؛ ولهذا قال أهل العلم: إن الأراضي تُملك.
* ومن فوائد الآية: أن الأراضي ليست من الغنائم المحضة، فهنا قال: ﴿نَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ مع أن الرسول ﷺ يقول: «أُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]، شوفوا هذا الآن هذا التقرير اللي أقرر، شوفوا هل هو صحيح ولَّا ما هو بصحيح؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أعتقد أنه ما هو بصحيح؛ لأن الله تعالى ورَّث بني إسرائيل أرضهم وأموالهم، أرض بني فرعون وأموالهم، قال الله تعالى في سورة الشعراء..
* طالب: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩].
* الشيخ: لا، قبلها: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٧ - ٥٩]، فالكنوز ما فيه شك أنها مغانم، وهو يقول: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فكيف نجيب عن الحديث؟
الجواب أن نقول: إن هؤلاء لم يرثوها بالقتال، والغنيمة معروفة أنها ما أخذت عن طريق قتال الأعداء، هؤلاء ما ورثوها بالقتال، بقوة الله عز وجل التي ليس لهم إليها سبيل؛ وعلى هذا فلا تُخالف قول الرسول ﷺ: «أُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي».
* طالب: المساكن والأراضي التي (...)؟
* الشيخ: المساكن والأراضي كنوز أيضًا.
* الطالب: يعني: تدخل على أنها (...)؟
* الشيخ: لا، أنا قلت: التقرير، ما قررت هل هو صحيح ولَّا غير صحيح؟
* الطالب: على (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، الأراضي قيمة نعم، الأراضي قيمة، إي نعم.
* طالب: تدخل في الغنائم؟
* الشيخ: نحن قلنا: إن الغنائم الشيء المنقول، ثم إننا أبطلنا هذا وقلنا: إن بني إسرائيل أُورثوا الأراضي وأُورثوا الكنوز، والكنوز شيء منقول، ولَّا لا؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وأوردنا على هذا الإشكال في قول الرسول ﷺ: «أُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي».
وهب أنك قلت: إن الأراضي ما هي من الغنائم لكن الكنوز من الغنائم. أجبنا على هذا؛ فقلنا: إن ملك بني إسرائيل لأرض آل فرعون وكنوزهم بغير قتال، والغنائم التي تُملَك هي التي تكون بطريق القتال، هذا الذي قاله الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا لَمْ تُحَلَّ لِأَحِدٍ قَبْلِي».
* طالب: كان فيه غنائم يا شيخ؟
* الشيخ: فيما سبق؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: فيه غنائم، لكنها ما تحل للمقاتلين.
* الطالب: وما شأنها؟
* الشيخ: شأنها أنها تُجمع ثم تَنزل عليها نار من السماء فتحرقها، ثم إنه إذا كان فيها شيء من الغلول ما تَنْزِل النار، سبحان الله العظيم! ما تنزل، حتى لا يُفقد شيء، إذا فُقد شيء نزلت النار وأحرقتها.
* طالب: حكمة إحراق الغنائم (...)؟
* الشيخ: الحكمة منها لأجل قطع التعلق بها نهائيًّا؛ لأنها هي لو تبقى تداولها الناس بالبيع والشراء والانتفاع وصار ملكوها.
* الطالب: وهذه الأمة آخر الأمم.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فلو مثلًا مُنعت من الغنائم لكان أولى؛ لأنها أقوى إيمانًا.
* الشيخ: لا، ما هو صحيح هذا، ما هو علشان هذا، لكن هذه الأمة اللهُ سبحانه وتعالى أمدَّها بأشياء لتستعين بها، ولا مانع أن الإنسان اللي يكون أفضل أنه يُمَدَّ بأشياء ليصل إلى الفضيلة، أليس النبي عليه الصلاة والسلام قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ ومع ذلك هو يستغفر الله سبحانه وتعالى، ونحن أيضًا مأمورون بأن نصلي عليه مع أن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٦]، إي نعم، فلا يلزم من الوصول إلى الكمال ألا يسعى الإنسان بأسبابه.
* طالب: النبي علل يا شيخ رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا.
* الشيخ: إي، هذه هي، وحتى الرسول قال: «جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي»[[أخرجه أحمد (٥١١٤) من حديث ابن عمر.]] لأجل يعيننا على هذا.
* طالب: (...) قصة اللي وجد الغلول؟
* الشيخ: بس المشكلة إبراهيم يقول: كيف أنها تُحَلُّ لنا ونحن أفضل الأمم؟ لماذا لا يوكل الأمر إلى مناقبنا وفضائلنا؟
نحن نقول: هذا من نعمة الله، من تمام نعمة الله أن نصل إلى درجة الكمال، وتحل هذه المغانم لأجل أن نستعين بها على (...).
* من فوائد الآية الكريمة: أن التمكين في الأرض -تمكين الإنسان في الأرض- من نعمة الله علينا؛ لقوله: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٦]، ولَّا لا؟ لأن هذا من جملة ما أنعم الله على بني إسرائيل أنْ مكنهم في الأرض، فكون الإنسان يُمكَّن له في الأرض سواء كان هذا التمكين عن طريق السلطة، سلطة السلطان، أو عن طريق سلطة القرآن.
لاحظوا يا جماعة أن التمكين في الأرض ما هو معناه أن الإنسان يحكم الناس ليكون سلطانًا عليهم، لا، بل من التمكين في الأرض أن الله يمكِّن له حتى يكون لقوله سلطان على المؤمنين.
فمثلًا شيخ الإسلام ابن تيمية مُكِّن له في الأرض ولّا لا؟ مُكِّن له في الأرض أعظم من تمكين الولاة في وقته، تمكين الولاة في وقته انقضى بموتهم، لكن تمكين الله لهذا الرجل حتى كان قوله معتبرًا بين الناس باقٍ إلى الآن؛ فإذن التمكين في الأرض وإن كان يتبادر إلى الذهن أنه تمكين السلطان، فينبغي أن نقول: وتمكين أيش؟ القرآن، بمعنى: أن من قام بالحق فإنه يكون لقوله سلطان وقوة، وهذا أيضًا جاء بالحديث شاهدًا له «بأن الله تعالى إذا أحب عبدًا وضع له القبول في الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٩)، ومسلم (٢٦٣٧ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة.]]، بمعنى أنه يكون له قبول ولقوله نفاذ، فهذه من تمكين الله تعالى في الأرض.
* ومن فوائد الآية أيضًا: كان موقفها ذذكرناه، لكن قوله: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص ٦]، هذا من جملة الأمثلة على قدرة الله عز وجل.
* من فوائدها: أن فرعون وقومه كانوا يَحذرون من بني إسرائيل، فأراهم الله تعالى ما كانوا يَحذرون. وهنا إشكال: كيف أراهم الله تعالى ما كانوا يحذرون مع أنهم هَلكوا؟
* طالب: أراه عندما أدركه الغرق قال: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠].
* الشيخ: قصده ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ﴾؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ﴿وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ [القصص ٦].
* الطالب: جنودهم معهم، اللي غرقوا كلهم (...).
* الشيخ: إي، لكن أقول: مَنْ غرق ما عرف (...).
* الطالب: عرف، لما غرقوا كل (...)، كل واحد وكل شخص عرف بأن بني إسرائيل قد (...).
* الشيخ: يعني عند خروج روحه مثلًا؟
* الطالب: في آخر لحظة.
* الشيخ: طيب، في آخر لحظة عرف.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، كذا؟ هذا هو الأصل، وبعضهم قال: إن ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾، ما هو المراد الهلاك، المراد بـ﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ منازعة آل فرعون؛ فإن بني إسرائيل لما بُعِث موسى استقووا، وقصة السحرة واضحة فيها، لما اجتمعوا واجتمع الناس في يوم عيدهم وفي الضحى في رابعة النهار وصارت الهزيمة على مَن؟ على آل فرعون، الهزيمة على آل فرعون، هُزِمُوا حسًّا ومعنًى، ولَّا لا؟ هُزموا حسًّا بأن عصا موسى ﷺ جعلت تَلْقَف ما يأفكون، وهُزموا معنًى بأن السحرة أنفسهم آمنوا وصرحوا للملأ بأن فرعون هو الذي أكرههم على السحر، وبَيَّنوا أن الرب الحقيقي هو رب موسى وهارون سبحانه وتعالى. هذه هزيمة معنوية، بالإضافة إلى الهزيمة الحسية، أليست هذه تغيظ آل فرعون؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: تغيظ فرعون وهامان وجنودهما غيظًا عظيمًا.
إذن يمكن أن نجيب عن هذا بجوابين:
أحدهما: ما ذكرتم؛ أن كل واحد في آخر لحظة في حياته يتبين له أنه خاسر وأن بني إسرائيل هم الغالبون.
والثاني: أن نقول: إن الله تعالى أراهم منازعة بني إسرائيل لهم وظهورَ بني إسرائيل عليهم في ذلك الْمَجْمَع العظيم: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾، ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ هو يوم العيد يتزين الناس به، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾ يجمعون، ﴿ضُحًى﴾ [طه ٥٩] في رابعة النهار.
هذا الموعد الذي من موسى وهو الذي اقترحه، موسى هو الذي اقترحه؛ لأنه واثق عليه الصلاة والسلام بأن الله سينصره، حصل هذا الاجتماع في هذا اليوم، وصار في الحقيقة يوم عيد لبني إسرائيل ويوم شر وسوء لفرعون، نظير ما قال أبو جهل: إننا ما نرجع حتى نصل إلى بدر ننحر الجزور ونسقي الخمور وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدًا[[دلائل النبوة للبيهقي (٩٤٨) من حديث عروة بن الزبير.]]. صحيح (...)، سمعت العرب والعجم أيضًا بهذه الغزوة، لكن كانوا تغنِّي لهم القيان ولَّا يُغنى عليهم؟ لهم ولّا عليهم؟
* طالب: عليهم.
* الشيخ: عليهم في الحقيقة، سمعوا ما به ظهور عوَرِهم وظهور -والعياذ بالله- جبروتِهم، حتى أعز الله تعالى الإسلام والمسلمين في (...).
* طالب: (...) ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء ٥٦].
* الشيخ: نعم.
* الطالب: حصل خوف في ما كانوا يحذرون.
* الشيخ: إي، هذا يؤيد الوجه الثاني.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ترى ما فيه مانع أننا (...) نمشي شوي، المهم الفائدة نعم.
* طالب: الفائدة (...) أنه جعل كل معركة (...) لجعلهم أئمة؟
* الشيخ: إي نعم، إي الجعل له معان في الحقيقة متعددة، الجعل هو كل معانيه تعود إلى التصيير في الحقيقة، كل معانيه بالنسبة لله عز وجل تعود إلى التصيير، لكن التصيير تصيير المعدوم موجودًا.
القصص 28:3
.. تتلى عليهم هذا القصص لأجل يؤمنون.
إذا كانت للذين آمنوا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: التثبيت على الإيمان، وزيادة، تمام.
قول الله تعالى: ﴿وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص ٤] ما معناها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني: يستبقي حياتهم.
* الطالب: يستبقي حياتهم.
* الشيخ: أو يجدد فيهم الحياة؟
* الطالب: المعنى الأول، الأصل أنهم أحياء.
* الشيخ: إي، أصلًا أحياء، وأيضًا ما أحد يقدر على تجديد الحياة إلا؟
* الطالب: إلا الله.
* الشيخ: إلا الله سبحانه وتعالى.
إذن ﴿يَسْتَحْيِي﴾ يعني: يستبقي حياتهم وليس يجدد.
طيب، جملة ﴿يُذَبِّحُ﴾ ﴿وَيَسْتَحْيِي﴾، أيش تقول؟ ما تقول في الجملة؛ محلها من الإعراب؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال من أيش؟
* الطالب: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾، (...).
* الشيخ: اقرؤوا الآية، يعني: نحن ما نوافق على (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني مِن الفاعل ولَّا مِن ﴿عَلَى﴾؟
* الطالب: (...) مِن الفاعل.
* الشيخ: من الفاعل صح؛ لأن الفعل ما يأتي منه حال؟
* طالب: مِن ﴿عَلَى﴾ و﴿جَعَلَ﴾.
* الشيخ: (...).
قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٥]. الإرادة هنا كونية ولّا شرعية؟
* طالب: إرادة كونية.
* الشيخ: الإرادة كونية؟ ويش الدليل؟ كيف تحكم بما لا تعلم من كتاب الله؟
* طالب: نقول: إن الإرادة شرعية، والمراد بها المحبة.
* الشيخ: إي.
* الطالب: وهنا..
* الشيخ: الإرادة مرادفة..
* الطالب: للمشيئة.
* الشيخ: للمشيئة، زين. وأيضًا متعلَّق الإرادة الكونية ما هو؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الحكم الشرعي ولَّا الحكم القدري؟
* الطالب: الحكم القدري.
* الشيخ: وهذه متعلقة بالحكم القدري. ﴿نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ﴾، مفهوم يا جماعة؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: طيب، إذن الفرق من ناحيتين: الناحية الأولى من ناحية المعنى، والثانية من ناحية المتعلق؛ فالإرادة الكونية مرادفة للمشيئة بمعنى: شاء، والإرادة الشرعية مرادفة لأيش؟
* طالب: للمحبة.
* الشيخ: للمحبة.
والثاني من جهة المتعلَّق؛ الإرادة الكونية تتعلق بالأمور الكونية، والإرادة الشرعية تتعلق بالأمور الشرعية، فالله يريد منا أن نصليَ مع الجماعة شرعًا ولَّا كونًا؟
* طالب: شرعًا.
* الشيخ: شرعًا، واضح؟
قوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ [القصص ٥]؟
* طالب: ﴿أَئِمَّةً﴾ تحتمل أن (...)، الإمام يمكن أن يكون في الخير والشرِّ؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء ٧٣].
* الشيخ: وهنا المراد أئمة؟
* الطالب: هنا أئمة في الخير.
* الشيخ: أئمة في الخير؛ لأن الإمام كل من يُقتدى به.
قوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص ٥] الوارثين لمَن؟
* طالب: لفرعون وجنوده.
* الشيخ: لفرعون وجنوده، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩].
طيب، نرجع الآن إلى الفوائد.
* طالب: (...).
* الشيخ: من بني إسرائيل؟
* الطالب: من بني إسرائيل.
* الشيخ: إي.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما في ذاك الوقت ما علمنا أحدًا (...).
* طالب: (...) كل الذين استضعفهم فرعون فَيَمُنُّ عليهم.
* طالب: كل الذين استضعفهم فرعون فَيَمُنُّ عليهم.
* الشيخ: يعني ويش (يمن)؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نمن عليهم بالهداية؛ ولهذا جاء بالفعل المضارع ﴿نُرِيدُ﴾؛ يعني: في المستقبل، نريد أن نمن عليهم في المستقبل ونجعلهم أئمة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، هذا هو، إي نعم، يمن عليهم بالإيمان والإمامة وإرث هؤلاء.
* في هذه الآيات الكريمة:
* أولًا: بيان عظم القرآن وعُلُوِّه، وذلك عن طريق؟
* طالب: الإشارة.
* الشيخ: الإشارة إليه بالبعد؛ ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ [القصص ٢].
* ثانيًا: أن هذا القرآن مكتوب؛ لقوله: ﴿الْكِتَابِ﴾، والذي نعلم من كتابته ثلاثة أمور، ويش هي؟ في اللوح المحفوظ، والمصاحف، والصحف التي في أيدي الملائكة.
* ومن الفوائد أيضًا: أن هذا القرآن مظهر مبين للأمور؛ لقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾، فهو مظهر ومبين للأمور.
هل حذف المتعلَّق ﴿الْمُبِينِ﴾ يُستفاد منه عموم إبانة القرآن لكل شيء ولّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: حَذفُ المتعلق هذه من القواعد التفسيرية؛ أن حذف المتعلَّق يفيد العموم ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى ٨]، ما قال: فأغناك؛ لأن الله أغناه وأغنى به. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى ٧]، ما قال: هداك، ليش؟ لأن الله هداه وهدى به.
طيب، إذن حذف المتعلق في قوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ يدل على أنه مبين لكل شيء، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، واضح؟
إذن أي مشكلة علينا في الدين منين نأخذها؟
* طالب: من القرآن أو السنة.
* الشيخ: من القرآن، والقرآن يرشدنا إلى الأخذ بالسنة ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر ٧]، وحينئذ لا يبقى في الدنيا مشكلة إلا وُجِد حلها في الكتاب وفي السنة، لكن القصور عن فهمها يكون له سبب: إما هوى متَّبع وإما جهل، إما الإنسان ما أراد الحق يريد هوى، ويبحث في الكتاب والسنة لعله يجد ما يبرر ما ذهب إليه؛ مثلًا: إنسان يريد أن يبرر الاشتراكية، راح يدور بالقرآن والسنة ما يؤيد هذا الرأي، ما قصدُه الحق، ويدل لذلك أنه لو وجد في القرآن والسنة ما يخالفه تركه وطلب غيره. واضح؟
وهكذا أيضًا كل هؤلاء الذين يريدون أن يُشَرِّعُوا قوانين أو أمورًا فقيهة أو شيئًا، إذا كانوا إنما يرجعون إلى الكتاب والسنة من أجل أن يُبَرِّروا مواقفهم فإذا رأوا ما يخالفها أغمضوا أعينهم، وإن رأوا ما يشير إليها ولو لإبطالها فتحوا أعينهم إلى رؤوسهم، هؤلاء الغالب أنهم ما يوفقون.
لكن كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بالعقيدة الواسطية، قال كلمة مرت علينا من قبل، كلمة عظيمة، وهي: (من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق) كلمة هذه بالحقيقة وزنها ثقيل: (من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه) أمران: تدبر وطلب الهدى، تدبر الفعل وطلب الهدى النية الصالحة، (طالبًا الهدى منه تبين له طريقُ الحق) هذا جواب الشرط، والشيخ رحمه الله جزم به؛ لأنه في القرآن لا شك في ذلك.
إذن القرآن مُبَيِّن لكل الأمور؛ إما من القرآن نفسه أو مما يرشد إليه وذلك بالتحويل على أيش؟ السنة.
أحيانًا يعترضنا مسائل نبحث عنها في كتب الفقهاء، فقهاء الحنابلة وفقهاء الشافعية وغيرهم ما نجدها، نرجع إلى القرآن والسنة نجدها موجودة تتبين لنا، واضح؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: والكتاب والسنة الرجوع إليهما يفيد الإنسان في الحقيقة فائدتين عظيمتين؛ أولًا: الطمأنينة والاستقرار؛ لأن اتباع كلام أهل العلم وإن كان الإنسان قد يطمئن له بعض الشيء، لكن ما يكون طمأنينته إليه كطمأنينته إذا ما دلَّ عليه الكتاب والسنة.
الشيء الثاني: أنه يستطيع أن يُقنع غيره ويُطَمئن غيره، صح ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأنك لو قال لك إنسان: طيب، (...) لِمَ نقول: هذا حرام؟ حرام؛ لأن الله يقول: حرام، أو لأن الرسول ﷺ يقول: حرام، حينئذ يطمئن، لكن لو تقول له: لأنه في الكتاب الفلاني حرام، الكتاب الفلاني هل صدر عن وحي؟ لا.
إذن الفائدة هذه: الطمأنينة وإقناع الغير؛ الرجوع للكتاب والسنة؛ ولهذا أنا أحب أن يكون دائمًا رجوعنا إلى الكتاب والسنة، وليس معنى ذلك أنني أقول: اطرحوا كلام أهل العلم، لا، كلام أهل العلم مفاتيح لهذه الخزائن، وكم من إنسان ما يهتدي بالكتاب والسنة إلا حيث يدخل ما دخله هؤلاء العلماء.
ففرق بين مَنْ يقول: اتبع الكتاب والسنة واقتدِ بكلام أهل العلم بالنسبة لفتح هذه الخزائن من الكتاب والسنة ومن يقول: اقتد بالكتاب والسنة واطرَح كلام أهل العلم ولا تلتفت له ولا تعدَّه شيئًا. هذا ما هو بصحيح هذا؛ لأن بعض الناس الآن ما يرى كلام أهل العلم شيئًا إطلاقًا، ولا يرجع إليه أبدًا، فهذا ما هو بصحيح. فدائمًا الحق يكون بين طرفين متطرفين، إي نعم.
إذن القرآن سبيل لكل شيء.
* فيه أيضًا: دليل على أن القَصص يسمى تلاوة، قَص الإنسان للقصة، يقال: تلاها عليهم، من قوله تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ﴾ [القصص ٣].
* ومن الفوائد أيضًا: أهمية قصة موسى مع فرعون؛ ولهذا تكفَّل الله تعالى بتلاوتها على نبيه ﷺ لأهميتها وبيان فوائدها وكثرتها، وليس أن عندكم وقتًا حتى نقول: اجمعوا القصة من جميع أطرافها، واستنبطوا ما فيها من الفوائد، وهذه الطريقة سلكناها مع طلبة معهد ثانوي؛ كنا نُدَرِّس في الثانوي في معهد، وكان من المقرر عليهم سورة غافر، سورة غافر فيها قصة موسى، وطلبنا منهم استنباط الفوائد منها، لكن لما كان الطلبة نشيطين، ما هم مثل الوقت الحاضر يعني، هذا يمكن قبل حوالي عشرين سنة.
إنما على كل حال هذه القصة -قصة موسى وفرعون- من أهم القصص، ولهذا يكررها الله تعالى في القرآن بأساليب مختلفة، وهنا يقول: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى﴾.
* وفيه أيضًا: دليل على -الفائدة الثانية- أن ما أخبر الله به فهو حق، جميع ما أخبر الله به عن هذه القصص فهو حق، وقد سبق أن قلنا: إن الحق إذا وُصف به الخبر فهو بمعنى الصدق، وإذا وُصف به الحكم فهو بمعنى العدل.
* من فوائدها؛ ومن الفوائد: أن هذه القصص سبب للإيمان.
* ومن فوائدها أيضًا: أنها زيادة في الإيمان، سبب لمن لم يؤمن أن يؤمن، ولمن آمن أن يزداد إيمانه ثباتًا وكَمِّيةً، ويش الدليل أنه ينتفع بها غير المؤمن؟ قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]، كل إنسان ذو لب وعقل لا بد أن يعتبر وينتفع، إي نعم.
* ومن فوائد الآية: بيان ما كان عليه فرعون من العلو والجبروت: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٤].
* ومن فوائدها: أن مَن علا في الأرض وطلب العلو على الخلق فهو شبيه بفرعون، ورِث هذه من فرعون، وبئس الرجل يكون إمامُه فرعون.
* ومن فوائدها: أن تفريق الأمة سبب لفشلها وذُلها. من أين يؤخذ؟
* طالب: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص ٤].
* الشيخ: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن حكمة الإنجليز المشهورة: (فرِّقْ تَسُد) فرعونية ولّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: فرعونية؛ لأنه هو الذي جعل (...) ليسود به.
* ومنها، من فوائد الآية: أن بني إسرائيل من أهل مصر مع أنهم في الأصل من أهل الشام، فيتفرع على هذه الفائدة: أن من سكن أرضًا وأقام فيها وإن لم يكن من أهلها في الأصل نُسِب إليها وصار من أهلها.
ومنها: بيان شدة استضعاف فرعون لبني إسرائيل؛ حيث كان يذبح أبناءهم ويستحيي نسائهم، لماذا؟ قيل: لأنه أُخبِر بأنه سيولد من بني إسرائيل ولد يكون هلاكك على يديه.
وقيل: لأن ذلك هو الطريق لإذلال الأمة؛ لأنه إذا ذهب الرجال وبقي النساء صرن إماءً للمستعبِد بلا شك، ما عندهن قَيِّم ولا مدافع.
* ومن الفوائد في الآية: أن هذا العمل -العلو في الأرض، والعتو على الخلق، والسعي بينهم بالتفريق- أنه من الإفساد. منين نأخذها؟
* طالب: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص ٤].
* الشيخ: من قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
عكس ذلك إذن الذي يتواضع للحق وللخلق ويجمع الأمة ويَقصُر عدوانه يكون من المصلحين؛ لأن بضدها تتبين الأشياء، فإذا كانت هذه الأمور من الفساد فضدها من الصلاح.
* من فوائد الآية: إثبات إرادة الله في قوله: ﴿وَنُرِيدُ﴾، ووجه إثبات الإرادة من قوله: ﴿وَنُرِيدُ﴾ مع أن (نريد) فعل وليس اسمًا، نقول: لأن الفعل يدل على الحدث وزمانِه، فـ(نريد) مشتق منين؟
* طالب: من الإرادة.
* الشيخ: من الإرادة، (نريد) مشتق من الإرادة؛ وعليه فنقول: إنه يدل على إثبات الإرادة لله، أثبتها المعتزلة؛ الإرادة؟
* طالب: نفوها.
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: نفوها. الأشاعرة أثبتوا الإرادة، قالوا: إن الله تعالى له إرادة؛ لأن التخصيص بكون الليل ليلًا والنهار نهارًا والحر حرًّا والبرد بردًا، يدل على إثبات الإرادة؛ إذ ما يقع هذا التخصيص إلا بإرادة، فهمتم؟
وهم -كما عرفنا من قبل- إنما يستدلون على إثبات الصفات بالعقل، وما خالف عقولهم وجب تأويله وصرفُه إلى ما يوافق العقل.
وقد مضى لنا هذا، ولكن لا بأس من إعادته؛ مضى أن هذه طريقة فاسدة، مخالفة للقرآن: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون ٧١]، قال الإمام مالك رحمه الله: ليت شعري بأي شيء يوزن الكتاب والسنة، أفكلما جاءنا رجل أجدل من رجل اتبعناه وتركنا قول الآخر؟! يستقيم هذا ولّا لا؟
* طالب: ما يستقيم.
* الشيخ: ما يستقيم.
إذن نقول: إثبات صفات الله بالطرق العقلية ونفي ما لم يدل عليه العقل فهذا في الحقيقة عدوان وطريق فاسد. على أننا نقول: إنه يمكننا أن نُثبِت ما نفيتم بطريق العقل كما أثبتم أنتم ما أثبتم بطريق العقل، بل أفلح وأبلغ.
ظهور صفة الرحمة في المخلوقات أبلغ من ظهور صفة الإرادة.
* طالب: الإحسان.
* الشيخ: نعم، الإحسان إلى الخلق بالرزق والإمداد والإعداد وبجميع ما يتمتعون به، هذا ظاهر لكل أحد ولَّا لا؟ لكن كون هذا حَرًّا وهذا بردًا يدل على الإرادة، دلالة هذا على الإرادة أخفى من دلالة النعم على الرحمة بلا شك ولَّا لا؟
أيضًا نصره للطائعين وخذلانه للعاصين يدل على الحب والبغض ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لولا أنه يحب هؤلاء ما نصرهم، ولولا أنه يبغض هؤلاء لنصرهم، وهذا معروف، حتى الإنسان إذا صار يبغض واحدًا ما ينصره، وإذا صار يحبه ينصره. إذن نصرُه لهؤلاء وإذلاله لهؤلاء دلَّ على إثبات المحبة والبغض، وهم ينكرون ذلك ويقولون: العقل ما يدل عليه.
فإذن -الحمد لله- الحق واضح، ما من شيء يزعم هؤلاء أن العقل ينكره أو لا يثبته إلا وجدنا أن العقل يثبته كما أثبته الشرع.
* فيه أيضًا دليل.. يستفاد من فوائد الآية: تمام قدرة الله عز وجل، تمام القدرة؛ وجهُه أن هؤلاء المستضعفين جعلهم أئمة ووارثين لهؤلاء الطغاة، ولَّا لا؟ طيب، جعلهم وارثين بقدرتهم ولّا بقدرة الله فقط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: في الحقيقة (...)؛ يعني: المسلمون من هذه الأمة ورثوا ديار الروم وديار الفرس بفعلهم وجهادهم، لكن إرث بني إسرائيل لديار فرعون بلا سبب منهم، بل هو من الله عز وجل محض، ولهذا قال: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، فهو بفعل الله سبحانه وتعالى المحض.
* يستفاد منه -كما قلت قبل قليل- تمام قدرة الله عز وجل، وأن الله ييسر لعباده من النصر ما لم يكن في مقدورهم ولا في حسبانهم.
* فيه أيضًا من فوائد الآية: أن من استُضعف لقيامه بالحق فلا بد أن تكون العاقبة له، كل من استُضعف لقيامه بالحق فلا بد أن تكون العاقبة له؛ لأن قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وإن كان في سياق بني إسرائيل فغيرهم داخل في العموم؛ العموم اللفظي إذا قلنا: ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ في أي مكان وزمان، أو العموم المعنوي وذلك بقياس غيرهم عليهم؛ لأن الدلالات -دلالات العموم- إما لفظية أو معنوية، فالقياس الصحيح دلالة اللفظ على المقيس دلالة معنوية، فحينئذٍ نقول: ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إذا جعلناهم هم بني إسرائيل فقط، فالمستضعفون بقيامهم في الحق من غيرهم مثلهم ولَّا لا؟
* طالب: مثلهم.
* الشيخ: مثلهم؛ لأن الله يقول: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ بعدها؟ ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح ٢٣]، سنة الله في الخلق واحدة؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس بينه وبين أحد نسب حتى يراعيه، أو حسب حتى يراعيه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ مَن؟ ﴿أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣].
فإذن نقول: في هذه الآية دليل على أن من استُضعِف في طريق الحق -يعني لقيامه بالحق- فإن العاقبة له.
هنا قد توردون عليَّ أن أناسًا استضعفوا في الحق وقُتلوا أو طُرِدوا أو ما أشبه ذلك، فأين العاقبة التي تلزمهم؟
نقول: إن العاقبة لا تكون للشخص الجسدي فقط، بل للشخص المعنوي. مقالة هذا لا بد أن تُنْصَر. وانظروا الآن من سبقنا من أهل العلم، كل عالِم أُوذِيَ في الحق -سواء قُتل أو ما قُتل- فإنك تجد مقالاته تبقى وتنتشر أكثر من غيره، أكثر بكثير من غيره، وهذا واضح لمن تأمله.
إذن فالنصر للقائل في حياته أو لمقالته بعد وفاته، والإنسان المجاهد لله هو لا يريد أن يبقى بنفسه، ويش همه؟ أن يبقى هذا الحق الذي قام به، ما يهمه أنه يبقى هو أو ما يبقى إذا كان يدعو إلى الله، أما من يدعو إلى نفسه -ونسأل الله أن يعيذنا من ذلك جميعًا- فهذا نعم هو الذي يقول إذا قُتل أو أوذي: إنه ما انتصر، لكن من يدعو لله ما يهمه إلا أن تنتصر هذه الدعوة،؛ ولهذا هو يقاتل لها ومن أجلها.
* طالب: (...)، كيف لعدوه بالمقابل يقرأ هذه القصة ويقول: لا بد من نصر الله؟
* الشيخ: إي، لكن لا بد من نصر الحق بأسبابه، إذا أعيتك الأمور جاء النصر من عند الله بدون سبب، لكن ما دام أنه أنت مأمور بطريق معينة قد لا تُنصر لمخالفتك إياه، قد لا تُنْصَر من أجل مخالفتك إياه وتقصيرك؛ لأن الإنسان ليس معناه كل من حسنت نيته حسن فعله ونُصِر، لا، قد يختلف الأمر، ولذلك مسائل هذه الأمور من أدق المسائل، ونحن قد تكلمنا عنها كثيرًا؛ لأن هذه المسائل دقيقة جدًّا، والإنسان يمشي كأنه كُرة في يَمٍّ، نعم، تقلبها الرياح، أحيانًا يجيئها ريح عاصف تبعدها أميالًا، لذلك الإنسان يجب أن يكون متزنًا، ما يكون متهورًا، إذا تهوَّر ثم خالفه النصر، فالبلاء من عند نفسه.
* فيه أيضًا، من فوائد الآية: فضائل بني إسرائيل، مناقب بني إسرائيل؛ لقوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾، وهنا قد يُشْكِل على الإنسان أن الله تعالى يقول هنا: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾، وفي آيات كثيرة يَذُمُّ بني إسرائيل؟
نقول: الله سبحانه وتعالى بيَّن السبب في جعل هؤلاء أئمة، فقال تعالى في سورة (آلم تنزيل) السجدة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤]، فهم حين كانوا متصفين بهذين الوصفين الصبر واليقين كانوا أئمةً، وقد أخذ شيخ الإسلام من هذه الآية جملة، فقال: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، لكن لما تخلف الصبر وتخلف اليقين منهم ويش صاروا؟
* طالب: قردة.
* الشيخ: صاروا على العكس، نعم، صاروا قردة خاسئين، وجاءت الآيات بذمهم، فالآيات لا يكذب بعضها بعضًا، ولكن هناك أشياء توجب تقلُّب أحكام بعض الآيات؛ لتخلف السبب.
* ومن فوائد الآية: أن المسلمين إذا استولَوا على بلاد الكفار ملكوها، منين نأخذها؟
* طالب: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، والوارث يملك ما ورث، ولَّا لا؟ الوارث يملك ما ورث، فهم يجعلهم الله وارثين كاملًا؛ ولهذا قال أهل العلم: إن الأراضي تُملك.
* ومن فوائد الآية: أن الأراضي ليست من الغنائم المحضة، فهنا قال: ﴿نَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ مع أن الرسول ﷺ يقول: «أُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]، شوفوا هذا الآن هذا التقرير اللي أقرر، شوفوا هل هو صحيح ولَّا ما هو بصحيح؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أعتقد أنه ما هو بصحيح؛ لأن الله تعالى ورَّث بني إسرائيل أرضهم وأموالهم، أرض بني فرعون وأموالهم، قال الله تعالى في سورة الشعراء..
* طالب: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩].
* الشيخ: لا، قبلها: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٧ - ٥٩]، فالكنوز ما فيه شك أنها مغانم، وهو يقول: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فكيف نجيب عن الحديث؟
الجواب أن نقول: إن هؤلاء لم يرثوها بالقتال، والغنيمة معروفة أنها ما أخذت عن طريق قتال الأعداء، هؤلاء ما ورثوها بالقتال، بقوة الله عز وجل التي ليس لهم إليها سبيل؛ وعلى هذا فلا تُخالف قول الرسول ﷺ: «أُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي».
* طالب: المساكن والأراضي التي (...)؟
* الشيخ: المساكن والأراضي كنوز أيضًا.
* الطالب: يعني: تدخل على أنها (...)؟
* الشيخ: لا، أنا قلت: التقرير، ما قررت هل هو صحيح ولَّا غير صحيح؟
* الطالب: على (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، الأراضي قيمة نعم، الأراضي قيمة، إي نعم.
* طالب: تدخل في الغنائم؟
* الشيخ: نحن قلنا: إن الغنائم الشيء المنقول، ثم إننا أبطلنا هذا وقلنا: إن بني إسرائيل أُورثوا الأراضي وأُورثوا الكنوز، والكنوز شيء منقول، ولَّا لا؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وأوردنا على هذا الإشكال في قول الرسول ﷺ: «أُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي».
وهب أنك قلت: إن الأراضي ما هي من الغنائم لكن الكنوز من الغنائم. أجبنا على هذا؛ فقلنا: إن ملك بني إسرائيل لأرض آل فرعون وكنوزهم بغير قتال، والغنائم التي تُملَك هي التي تكون بطريق القتال، هذا الذي قاله الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا لَمْ تُحَلَّ لِأَحِدٍ قَبْلِي».
* طالب: كان فيه غنائم يا شيخ؟
* الشيخ: فيما سبق؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: فيه غنائم، لكنها ما تحل للمقاتلين.
* الطالب: وما شأنها؟
* الشيخ: شأنها أنها تُجمع ثم تَنزل عليها نار من السماء فتحرقها، ثم إنه إذا كان فيها شيء من الغلول ما تَنْزِل النار، سبحان الله العظيم! ما تنزل، حتى لا يُفقد شيء، إذا فُقد شيء نزلت النار وأحرقتها.
* طالب: حكمة إحراق الغنائم (...)؟
* الشيخ: الحكمة منها لأجل قطع التعلق بها نهائيًّا؛ لأنها هي لو تبقى تداولها الناس بالبيع والشراء والانتفاع وصار ملكوها.
* الطالب: وهذه الأمة آخر الأمم.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فلو مثلًا مُنعت من الغنائم لكان أولى؛ لأنها أقوى إيمانًا.
* الشيخ: لا، ما هو صحيح هذا، ما هو علشان هذا، لكن هذه الأمة اللهُ سبحانه وتعالى أمدَّها بأشياء لتستعين بها، ولا مانع أن الإنسان اللي يكون أفضل أنه يُمَدَّ بأشياء ليصل إلى الفضيلة، أليس النبي عليه الصلاة والسلام قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ ومع ذلك هو يستغفر الله سبحانه وتعالى، ونحن أيضًا مأمورون بأن نصلي عليه مع أن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٦]، إي نعم، فلا يلزم من الوصول إلى الكمال ألا يسعى الإنسان بأسبابه.
* طالب: النبي علل يا شيخ رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا.
* الشيخ: إي، هذه هي، وحتى الرسول قال: «جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي»[[أخرجه أحمد (٥١١٤) من حديث ابن عمر.]] لأجل يعيننا على هذا.
* طالب: (...) قصة اللي وجد الغلول؟
* الشيخ: بس المشكلة إبراهيم يقول: كيف أنها تُحَلُّ لنا ونحن أفضل الأمم؟ لماذا لا يوكل الأمر إلى مناقبنا وفضائلنا؟
نحن نقول: هذا من نعمة الله، من تمام نعمة الله أن نصل إلى درجة الكمال، وتحل هذه المغانم لأجل أن نستعين بها على (...).
* من فوائد الآية الكريمة: أن التمكين في الأرض -تمكين الإنسان في الأرض- من نعمة الله علينا؛ لقوله: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٦]، ولَّا لا؟ لأن هذا من جملة ما أنعم الله على بني إسرائيل أنْ مكنهم في الأرض، فكون الإنسان يُمكَّن له في الأرض سواء كان هذا التمكين عن طريق السلطة، سلطة السلطان، أو عن طريق سلطة القرآن.
لاحظوا يا جماعة أن التمكين في الأرض ما هو معناه أن الإنسان يحكم الناس ليكون سلطانًا عليهم، لا، بل من التمكين في الأرض أن الله يمكِّن له حتى يكون لقوله سلطان على المؤمنين.
فمثلًا شيخ الإسلام ابن تيمية مُكِّن له في الأرض ولّا لا؟ مُكِّن له في الأرض أعظم من تمكين الولاة في وقته، تمكين الولاة في وقته انقضى بموتهم، لكن تمكين الله لهذا الرجل حتى كان قوله معتبرًا بين الناس باقٍ إلى الآن؛ فإذن التمكين في الأرض وإن كان يتبادر إلى الذهن أنه تمكين السلطان، فينبغي أن نقول: وتمكين أيش؟ القرآن، بمعنى: أن من قام بالحق فإنه يكون لقوله سلطان وقوة، وهذا أيضًا جاء بالحديث شاهدًا له «بأن الله تعالى إذا أحب عبدًا وضع له القبول في الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٩)، ومسلم (٢٦٣٧ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة.]]، بمعنى أنه يكون له قبول ولقوله نفاذ، فهذه من تمكين الله تعالى في الأرض.
* ومن فوائد الآية أيضًا: كان موقفها ذذكرناه، لكن قوله: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص ٦]، هذا من جملة الأمثلة على قدرة الله عز وجل.
* من فوائدها: أن فرعون وقومه كانوا يَحذرون من بني إسرائيل، فأراهم الله تعالى ما كانوا يَحذرون. وهنا إشكال: كيف أراهم الله تعالى ما كانوا يحذرون مع أنهم هَلكوا؟
* طالب: أراه عندما أدركه الغرق قال: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠].
* الشيخ: قصده ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ﴾؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ﴿وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ [القصص ٦].
* الطالب: جنودهم معهم، اللي غرقوا كلهم (...).
* الشيخ: إي، لكن أقول: مَنْ غرق ما عرف (...).
* الطالب: عرف، لما غرقوا كل (...)، كل واحد وكل شخص عرف بأن بني إسرائيل قد (...).
* الشيخ: يعني عند خروج روحه مثلًا؟
* الطالب: في آخر لحظة.
* الشيخ: طيب، في آخر لحظة عرف.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، كذا؟ هذا هو الأصل، وبعضهم قال: إن ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾، ما هو المراد الهلاك، المراد بـ﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ منازعة آل فرعون؛ فإن بني إسرائيل لما بُعِث موسى استقووا، وقصة السحرة واضحة فيها، لما اجتمعوا واجتمع الناس في يوم عيدهم وفي الضحى في رابعة النهار وصارت الهزيمة على مَن؟ على آل فرعون، الهزيمة على آل فرعون، هُزِمُوا حسًّا ومعنًى، ولَّا لا؟ هُزموا حسًّا بأن عصا موسى ﷺ جعلت تَلْقَف ما يأفكون، وهُزموا معنًى بأن السحرة أنفسهم آمنوا وصرحوا للملأ بأن فرعون هو الذي أكرههم على السحر، وبَيَّنوا أن الرب الحقيقي هو رب موسى وهارون سبحانه وتعالى. هذه هزيمة معنوية، بالإضافة إلى الهزيمة الحسية، أليست هذه تغيظ آل فرعون؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: تغيظ فرعون وهامان وجنودهما غيظًا عظيمًا.
إذن يمكن أن نجيب عن هذا بجوابين:
أحدهما: ما ذكرتم؛ أن كل واحد في آخر لحظة في حياته يتبين له أنه خاسر وأن بني إسرائيل هم الغالبون.
والثاني: أن نقول: إن الله تعالى أراهم منازعة بني إسرائيل لهم وظهورَ بني إسرائيل عليهم في ذلك الْمَجْمَع العظيم: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾، ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ هو يوم العيد يتزين الناس به، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾ يجمعون، ﴿ضُحًى﴾ [طه ٥٩] في رابعة النهار.
هذا الموعد الذي من موسى وهو الذي اقترحه، موسى هو الذي اقترحه؛ لأنه واثق عليه الصلاة والسلام بأن الله سينصره، حصل هذا الاجتماع في هذا اليوم، وصار في الحقيقة يوم عيد لبني إسرائيل ويوم شر وسوء لفرعون، نظير ما قال أبو جهل: إننا ما نرجع حتى نصل إلى بدر ننحر الجزور ونسقي الخمور وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدًا[[دلائل النبوة للبيهقي (٩٤٨) من حديث عروة بن الزبير.]]. صحيح (...)، سمعت العرب والعجم أيضًا بهذه الغزوة، لكن كانوا تغنِّي لهم القيان ولَّا يُغنى عليهم؟ لهم ولّا عليهم؟
* طالب: عليهم.
* الشيخ: عليهم في الحقيقة، سمعوا ما به ظهور عوَرِهم وظهور -والعياذ بالله- جبروتِهم، حتى أعز الله تعالى الإسلام والمسلمين في (...).
* طالب: (...) ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء ٥٦].
* الشيخ: نعم.
* الطالب: حصل خوف في ما كانوا يحذرون.
* الشيخ: إي، هذا يؤيد الوجه الثاني.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ترى ما فيه مانع أننا (...) نمشي شوي، المهم الفائدة نعم.
* طالب: الفائدة (...) أنه جعل كل معركة (...) لجعلهم أئمة؟
* الشيخ: إي نعم، إي الجعل له معان في الحقيقة متعددة، الجعل هو كل معانيه تعود إلى التصيير في الحقيقة، كل معانيه بالنسبة لله عز وجل تعود إلى التصيير، لكن التصيير تصيير المعدوم موجودًا.
القصص 28:4
.. تتلى عليهم هذا القصص لأجل يؤمنون.
إذا كانت للذين آمنوا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: التثبيت على الإيمان، وزيادة، تمام.
قول الله تعالى: ﴿وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص ٤] ما معناها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني: يستبقي حياتهم.
* الطالب: يستبقي حياتهم.
* الشيخ: أو يجدد فيهم الحياة؟
* الطالب: المعنى الأول، الأصل أنهم أحياء.
* الشيخ: إي، أصلًا أحياء، وأيضًا ما أحد يقدر على تجديد الحياة إلا؟
* الطالب: إلا الله.
* الشيخ: إلا الله سبحانه وتعالى.
إذن ﴿يَسْتَحْيِي﴾ يعني: يستبقي حياتهم وليس يجدد.
طيب، جملة ﴿يُذَبِّحُ﴾ ﴿وَيَسْتَحْيِي﴾، أيش تقول؟ ما تقول في الجملة؛ محلها من الإعراب؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال من أيش؟
* الطالب: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾، (...).
* الشيخ: اقرؤوا الآية، يعني: نحن ما نوافق على (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني مِن الفاعل ولَّا مِن ﴿عَلَى﴾؟
* الطالب: (...) مِن الفاعل.
* الشيخ: من الفاعل صح؛ لأن الفعل ما يأتي منه حال؟
* طالب: مِن ﴿عَلَى﴾ و﴿جَعَلَ﴾.
* الشيخ: (...).
قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٥]. الإرادة هنا كونية ولّا شرعية؟
* طالب: إرادة كونية.
* الشيخ: الإرادة كونية؟ ويش الدليل؟ كيف تحكم بما لا تعلم من كتاب الله؟
* طالب: نقول: إن الإرادة شرعية، والمراد بها المحبة.
* الشيخ: إي.
* الطالب: وهنا..
* الشيخ: الإرادة مرادفة..
* الطالب: للمشيئة.
* الشيخ: للمشيئة، زين. وأيضًا متعلَّق الإرادة الكونية ما هو؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الحكم الشرعي ولَّا الحكم القدري؟
* الطالب: الحكم القدري.
* الشيخ: وهذه متعلقة بالحكم القدري. ﴿نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ﴾، مفهوم يا جماعة؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: طيب، إذن الفرق من ناحيتين: الناحية الأولى من ناحية المعنى، والثانية من ناحية المتعلق؛ فالإرادة الكونية مرادفة للمشيئة بمعنى: شاء، والإرادة الشرعية مرادفة لأيش؟
* طالب: للمحبة.
* الشيخ: للمحبة.
والثاني من جهة المتعلَّق؛ الإرادة الكونية تتعلق بالأمور الكونية، والإرادة الشرعية تتعلق بالأمور الشرعية، فالله يريد منا أن نصليَ مع الجماعة شرعًا ولَّا كونًا؟
* طالب: شرعًا.
* الشيخ: شرعًا، واضح؟
قوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ [القصص ٥]؟
* طالب: ﴿أَئِمَّةً﴾ تحتمل أن (...)، الإمام يمكن أن يكون في الخير والشرِّ؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء ٧٣].
* الشيخ: وهنا المراد أئمة؟
* الطالب: هنا أئمة في الخير.
* الشيخ: أئمة في الخير؛ لأن الإمام كل من يُقتدى به.
قوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص ٥] الوارثين لمَن؟
* طالب: لفرعون وجنوده.
* الشيخ: لفرعون وجنوده، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩].
طيب، نرجع الآن إلى الفوائد.
* طالب: (...).
* الشيخ: من بني إسرائيل؟
* الطالب: من بني إسرائيل.
* الشيخ: إي.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما في ذاك الوقت ما علمنا أحدًا (...).
* طالب: (...) كل الذين استضعفهم فرعون فَيَمُنُّ عليهم.
* طالب: كل الذين استضعفهم فرعون فَيَمُنُّ عليهم.
* الشيخ: يعني ويش (يمن)؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نمن عليهم بالهداية؛ ولهذا جاء بالفعل المضارع ﴿نُرِيدُ﴾؛ يعني: في المستقبل، نريد أن نمن عليهم في المستقبل ونجعلهم أئمة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، هذا هو، إي نعم، يمن عليهم بالإيمان والإمامة وإرث هؤلاء.
* في هذه الآيات الكريمة:
* أولًا: بيان عظم القرآن وعُلُوِّه، وذلك عن طريق؟
* طالب: الإشارة.
* الشيخ: الإشارة إليه بالبعد؛ ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ [القصص ٢].
* ثانيًا: أن هذا القرآن مكتوب؛ لقوله: ﴿الْكِتَابِ﴾، والذي نعلم من كتابته ثلاثة أمور، ويش هي؟ في اللوح المحفوظ، والمصاحف، والصحف التي في أيدي الملائكة.
* ومن الفوائد أيضًا: أن هذا القرآن مظهر مبين للأمور؛ لقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾، فهو مظهر ومبين للأمور.
هل حذف المتعلَّق ﴿الْمُبِينِ﴾ يُستفاد منه عموم إبانة القرآن لكل شيء ولّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: حَذفُ المتعلق هذه من القواعد التفسيرية؛ أن حذف المتعلَّق يفيد العموم ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى ٨]، ما قال: فأغناك؛ لأن الله أغناه وأغنى به. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى ٧]، ما قال: هداك، ليش؟ لأن الله هداه وهدى به.
طيب، إذن حذف المتعلق في قوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ يدل على أنه مبين لكل شيء، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، واضح؟
إذن أي مشكلة علينا في الدين منين نأخذها؟
* طالب: من القرآن أو السنة.
* الشيخ: من القرآن، والقرآن يرشدنا إلى الأخذ بالسنة ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر ٧]، وحينئذ لا يبقى في الدنيا مشكلة إلا وُجِد حلها في الكتاب وفي السنة، لكن القصور عن فهمها يكون له سبب: إما هوى متَّبع وإما جهل، إما الإنسان ما أراد الحق يريد هوى، ويبحث في الكتاب والسنة لعله يجد ما يبرر ما ذهب إليه؛ مثلًا: إنسان يريد أن يبرر الاشتراكية، راح يدور بالقرآن والسنة ما يؤيد هذا الرأي، ما قصدُه الحق، ويدل لذلك أنه لو وجد في القرآن والسنة ما يخالفه تركه وطلب غيره. واضح؟
وهكذا أيضًا كل هؤلاء الذين يريدون أن يُشَرِّعُوا قوانين أو أمورًا فقيهة أو شيئًا، إذا كانوا إنما يرجعون إلى الكتاب والسنة من أجل أن يُبَرِّروا مواقفهم فإذا رأوا ما يخالفها أغمضوا أعينهم، وإن رأوا ما يشير إليها ولو لإبطالها فتحوا أعينهم إلى رؤوسهم، هؤلاء الغالب أنهم ما يوفقون.
لكن كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بالعقيدة الواسطية، قال كلمة مرت علينا من قبل، كلمة عظيمة، وهي: (من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق) كلمة هذه بالحقيقة وزنها ثقيل: (من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه) أمران: تدبر وطلب الهدى، تدبر الفعل وطلب الهدى النية الصالحة، (طالبًا الهدى منه تبين له طريقُ الحق) هذا جواب الشرط، والشيخ رحمه الله جزم به؛ لأنه في القرآن لا شك في ذلك.
إذن القرآن مُبَيِّن لكل الأمور؛ إما من القرآن نفسه أو مما يرشد إليه وذلك بالتحويل على أيش؟ السنة.
أحيانًا يعترضنا مسائل نبحث عنها في كتب الفقهاء، فقهاء الحنابلة وفقهاء الشافعية وغيرهم ما نجدها، نرجع إلى القرآن والسنة نجدها موجودة تتبين لنا، واضح؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: والكتاب والسنة الرجوع إليهما يفيد الإنسان في الحقيقة فائدتين عظيمتين؛ أولًا: الطمأنينة والاستقرار؛ لأن اتباع كلام أهل العلم وإن كان الإنسان قد يطمئن له بعض الشيء، لكن ما يكون طمأنينته إليه كطمأنينته إذا ما دلَّ عليه الكتاب والسنة.
الشيء الثاني: أنه يستطيع أن يُقنع غيره ويُطَمئن غيره، صح ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأنك لو قال لك إنسان: طيب، (...) لِمَ نقول: هذا حرام؟ حرام؛ لأن الله يقول: حرام، أو لأن الرسول ﷺ يقول: حرام، حينئذ يطمئن، لكن لو تقول له: لأنه في الكتاب الفلاني حرام، الكتاب الفلاني هل صدر عن وحي؟ لا.
إذن الفائدة هذه: الطمأنينة وإقناع الغير؛ الرجوع للكتاب والسنة؛ ولهذا أنا أحب أن يكون دائمًا رجوعنا إلى الكتاب والسنة، وليس معنى ذلك أنني أقول: اطرحوا كلام أهل العلم، لا، كلام أهل العلم مفاتيح لهذه الخزائن، وكم من إنسان ما يهتدي بالكتاب والسنة إلا حيث يدخل ما دخله هؤلاء العلماء.
ففرق بين مَنْ يقول: اتبع الكتاب والسنة واقتدِ بكلام أهل العلم بالنسبة لفتح هذه الخزائن من الكتاب والسنة ومن يقول: اقتد بالكتاب والسنة واطرَح كلام أهل العلم ولا تلتفت له ولا تعدَّه شيئًا. هذا ما هو بصحيح هذا؛ لأن بعض الناس الآن ما يرى كلام أهل العلم شيئًا إطلاقًا، ولا يرجع إليه أبدًا، فهذا ما هو بصحيح. فدائمًا الحق يكون بين طرفين متطرفين، إي نعم.
إذن القرآن سبيل لكل شيء.
* فيه أيضًا: دليل على أن القَصص يسمى تلاوة، قَص الإنسان للقصة، يقال: تلاها عليهم، من قوله تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ﴾ [القصص ٣].
* ومن الفوائد أيضًا: أهمية قصة موسى مع فرعون؛ ولهذا تكفَّل الله تعالى بتلاوتها على نبيه ﷺ لأهميتها وبيان فوائدها وكثرتها، وليس أن عندكم وقتًا حتى نقول: اجمعوا القصة من جميع أطرافها، واستنبطوا ما فيها من الفوائد، وهذه الطريقة سلكناها مع طلبة معهد ثانوي؛ كنا نُدَرِّس في الثانوي في معهد، وكان من المقرر عليهم سورة غافر، سورة غافر فيها قصة موسى، وطلبنا منهم استنباط الفوائد منها، لكن لما كان الطلبة نشيطين، ما هم مثل الوقت الحاضر يعني، هذا يمكن قبل حوالي عشرين سنة.
إنما على كل حال هذه القصة -قصة موسى وفرعون- من أهم القصص، ولهذا يكررها الله تعالى في القرآن بأساليب مختلفة، وهنا يقول: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى﴾.
* وفيه أيضًا: دليل على -الفائدة الثانية- أن ما أخبر الله به فهو حق، جميع ما أخبر الله به عن هذه القصص فهو حق، وقد سبق أن قلنا: إن الحق إذا وُصف به الخبر فهو بمعنى الصدق، وإذا وُصف به الحكم فهو بمعنى العدل.
* من فوائدها؛ ومن الفوائد: أن هذه القصص سبب للإيمان.
* ومن فوائدها أيضًا: أنها زيادة في الإيمان، سبب لمن لم يؤمن أن يؤمن، ولمن آمن أن يزداد إيمانه ثباتًا وكَمِّيةً، ويش الدليل أنه ينتفع بها غير المؤمن؟ قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]، كل إنسان ذو لب وعقل لا بد أن يعتبر وينتفع، إي نعم.
* ومن فوائد الآية: بيان ما كان عليه فرعون من العلو والجبروت: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٤].
* ومن فوائدها: أن مَن علا في الأرض وطلب العلو على الخلق فهو شبيه بفرعون، ورِث هذه من فرعون، وبئس الرجل يكون إمامُه فرعون.
* ومن فوائدها: أن تفريق الأمة سبب لفشلها وذُلها. من أين يؤخذ؟
* طالب: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص ٤].
* الشيخ: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن حكمة الإنجليز المشهورة: (فرِّقْ تَسُد) فرعونية ولّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: فرعونية؛ لأنه هو الذي جعل (...) ليسود به.
* ومنها، من فوائد الآية: أن بني إسرائيل من أهل مصر مع أنهم في الأصل من أهل الشام، فيتفرع على هذه الفائدة: أن من سكن أرضًا وأقام فيها وإن لم يكن من أهلها في الأصل نُسِب إليها وصار من أهلها.
ومنها: بيان شدة استضعاف فرعون لبني إسرائيل؛ حيث كان يذبح أبناءهم ويستحيي نسائهم، لماذا؟ قيل: لأنه أُخبِر بأنه سيولد من بني إسرائيل ولد يكون هلاكك على يديه.
وقيل: لأن ذلك هو الطريق لإذلال الأمة؛ لأنه إذا ذهب الرجال وبقي النساء صرن إماءً للمستعبِد بلا شك، ما عندهن قَيِّم ولا مدافع.
* ومن الفوائد في الآية: أن هذا العمل -العلو في الأرض، والعتو على الخلق، والسعي بينهم بالتفريق- أنه من الإفساد. منين نأخذها؟
* طالب: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص ٤].
* الشيخ: من قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
عكس ذلك إذن الذي يتواضع للحق وللخلق ويجمع الأمة ويَقصُر عدوانه يكون من المصلحين؛ لأن بضدها تتبين الأشياء، فإذا كانت هذه الأمور من الفساد فضدها من الصلاح.
* من فوائد الآية: إثبات إرادة الله في قوله: ﴿وَنُرِيدُ﴾، ووجه إثبات الإرادة من قوله: ﴿وَنُرِيدُ﴾ مع أن (نريد) فعل وليس اسمًا، نقول: لأن الفعل يدل على الحدث وزمانِه، فـ(نريد) مشتق منين؟
* طالب: من الإرادة.
* الشيخ: من الإرادة، (نريد) مشتق من الإرادة؛ وعليه فنقول: إنه يدل على إثبات الإرادة لله، أثبتها المعتزلة؛ الإرادة؟
* طالب: نفوها.
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: نفوها. الأشاعرة أثبتوا الإرادة، قالوا: إن الله تعالى له إرادة؛ لأن التخصيص بكون الليل ليلًا والنهار نهارًا والحر حرًّا والبرد بردًا، يدل على إثبات الإرادة؛ إذ ما يقع هذا التخصيص إلا بإرادة، فهمتم؟
وهم -كما عرفنا من قبل- إنما يستدلون على إثبات الصفات بالعقل، وما خالف عقولهم وجب تأويله وصرفُه إلى ما يوافق العقل.
وقد مضى لنا هذا، ولكن لا بأس من إعادته؛ مضى أن هذه طريقة فاسدة، مخالفة للقرآن: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون ٧١]، قال الإمام مالك رحمه الله: ليت شعري بأي شيء يوزن الكتاب والسنة، أفكلما جاءنا رجل أجدل من رجل اتبعناه وتركنا قول الآخر؟! يستقيم هذا ولّا لا؟
* طالب: ما يستقيم.
* الشيخ: ما يستقيم.
إذن نقول: إثبات صفات الله بالطرق العقلية ونفي ما لم يدل عليه العقل فهذا في الحقيقة عدوان وطريق فاسد. على أننا نقول: إنه يمكننا أن نُثبِت ما نفيتم بطريق العقل كما أثبتم أنتم ما أثبتم بطريق العقل، بل أفلح وأبلغ.
ظهور صفة الرحمة في المخلوقات أبلغ من ظهور صفة الإرادة.
* طالب: الإحسان.
* الشيخ: نعم، الإحسان إلى الخلق بالرزق والإمداد والإعداد وبجميع ما يتمتعون به، هذا ظاهر لكل أحد ولَّا لا؟ لكن كون هذا حَرًّا وهذا بردًا يدل على الإرادة، دلالة هذا على الإرادة أخفى من دلالة النعم على الرحمة بلا شك ولَّا لا؟
أيضًا نصره للطائعين وخذلانه للعاصين يدل على الحب والبغض ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لولا أنه يحب هؤلاء ما نصرهم، ولولا أنه يبغض هؤلاء لنصرهم، وهذا معروف، حتى الإنسان إذا صار يبغض واحدًا ما ينصره، وإذا صار يحبه ينصره. إذن نصرُه لهؤلاء وإذلاله لهؤلاء دلَّ على إثبات المحبة والبغض، وهم ينكرون ذلك ويقولون: العقل ما يدل عليه.
فإذن -الحمد لله- الحق واضح، ما من شيء يزعم هؤلاء أن العقل ينكره أو لا يثبته إلا وجدنا أن العقل يثبته كما أثبته الشرع.
* فيه أيضًا دليل.. يستفاد من فوائد الآية: تمام قدرة الله عز وجل، تمام القدرة؛ وجهُه أن هؤلاء المستضعفين جعلهم أئمة ووارثين لهؤلاء الطغاة، ولَّا لا؟ طيب، جعلهم وارثين بقدرتهم ولّا بقدرة الله فقط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: في الحقيقة (...)؛ يعني: المسلمون من هذه الأمة ورثوا ديار الروم وديار الفرس بفعلهم وجهادهم، لكن إرث بني إسرائيل لديار فرعون بلا سبب منهم، بل هو من الله عز وجل محض، ولهذا قال: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، فهو بفعل الله سبحانه وتعالى المحض.
* يستفاد منه -كما قلت قبل قليل- تمام قدرة الله عز وجل، وأن الله ييسر لعباده من النصر ما لم يكن في مقدورهم ولا في حسبانهم.
* فيه أيضًا من فوائد الآية: أن من استُضعف لقيامه بالحق فلا بد أن تكون العاقبة له، كل من استُضعف لقيامه بالحق فلا بد أن تكون العاقبة له؛ لأن قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وإن كان في سياق بني إسرائيل فغيرهم داخل في العموم؛ العموم اللفظي إذا قلنا: ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ في أي مكان وزمان، أو العموم المعنوي وذلك بقياس غيرهم عليهم؛ لأن الدلالات -دلالات العموم- إما لفظية أو معنوية، فالقياس الصحيح دلالة اللفظ على المقيس دلالة معنوية، فحينئذٍ نقول: ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إذا جعلناهم هم بني إسرائيل فقط، فالمستضعفون بقيامهم في الحق من غيرهم مثلهم ولَّا لا؟
* طالب: مثلهم.
* الشيخ: مثلهم؛ لأن الله يقول: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ بعدها؟ ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح ٢٣]، سنة الله في الخلق واحدة؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس بينه وبين أحد نسب حتى يراعيه، أو حسب حتى يراعيه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ مَن؟ ﴿أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣].
فإذن نقول: في هذه الآية دليل على أن من استُضعِف في طريق الحق -يعني لقيامه بالحق- فإن العاقبة له.
هنا قد توردون عليَّ أن أناسًا استضعفوا في الحق وقُتلوا أو طُرِدوا أو ما أشبه ذلك، فأين العاقبة التي تلزمهم؟
نقول: إن العاقبة لا تكون للشخص الجسدي فقط، بل للشخص المعنوي. مقالة هذا لا بد أن تُنْصَر. وانظروا الآن من سبقنا من أهل العلم، كل عالِم أُوذِيَ في الحق -سواء قُتل أو ما قُتل- فإنك تجد مقالاته تبقى وتنتشر أكثر من غيره، أكثر بكثير من غيره، وهذا واضح لمن تأمله.
إذن فالنصر للقائل في حياته أو لمقالته بعد وفاته، والإنسان المجاهد لله هو لا يريد أن يبقى بنفسه، ويش همه؟ أن يبقى هذا الحق الذي قام به، ما يهمه أنه يبقى هو أو ما يبقى إذا كان يدعو إلى الله، أما من يدعو إلى نفسه -ونسأل الله أن يعيذنا من ذلك جميعًا- فهذا نعم هو الذي يقول إذا قُتل أو أوذي: إنه ما انتصر، لكن من يدعو لله ما يهمه إلا أن تنتصر هذه الدعوة،؛ ولهذا هو يقاتل لها ومن أجلها.
* طالب: (...)، كيف لعدوه بالمقابل يقرأ هذه القصة ويقول: لا بد من نصر الله؟
* الشيخ: إي، لكن لا بد من نصر الحق بأسبابه، إذا أعيتك الأمور جاء النصر من عند الله بدون سبب، لكن ما دام أنه أنت مأمور بطريق معينة قد لا تُنصر لمخالفتك إياه، قد لا تُنْصَر من أجل مخالفتك إياه وتقصيرك؛ لأن الإنسان ليس معناه كل من حسنت نيته حسن فعله ونُصِر، لا، قد يختلف الأمر، ولذلك مسائل هذه الأمور من أدق المسائل، ونحن قد تكلمنا عنها كثيرًا؛ لأن هذه المسائل دقيقة جدًّا، والإنسان يمشي كأنه كُرة في يَمٍّ، نعم، تقلبها الرياح، أحيانًا يجيئها ريح عاصف تبعدها أميالًا، لذلك الإنسان يجب أن يكون متزنًا، ما يكون متهورًا، إذا تهوَّر ثم خالفه النصر، فالبلاء من عند نفسه.
* فيه أيضًا، من فوائد الآية: فضائل بني إسرائيل، مناقب بني إسرائيل؛ لقوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾، وهنا قد يُشْكِل على الإنسان أن الله تعالى يقول هنا: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾، وفي آيات كثيرة يَذُمُّ بني إسرائيل؟
نقول: الله سبحانه وتعالى بيَّن السبب في جعل هؤلاء أئمة، فقال تعالى في سورة (آلم تنزيل) السجدة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤]، فهم حين كانوا متصفين بهذين الوصفين الصبر واليقين كانوا أئمةً، وقد أخذ شيخ الإسلام من هذه الآية جملة، فقال: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، لكن لما تخلف الصبر وتخلف اليقين منهم ويش صاروا؟
* طالب: قردة.
* الشيخ: صاروا على العكس، نعم، صاروا قردة خاسئين، وجاءت الآيات بذمهم، فالآيات لا يكذب بعضها بعضًا، ولكن هناك أشياء توجب تقلُّب أحكام بعض الآيات؛ لتخلف السبب.
* ومن فوائد الآية: أن المسلمين إذا استولَوا على بلاد الكفار ملكوها، منين نأخذها؟
* طالب: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، والوارث يملك ما ورث، ولَّا لا؟ الوارث يملك ما ورث، فهم يجعلهم الله وارثين كاملًا؛ ولهذا قال أهل العلم: إن الأراضي تُملك.
* ومن فوائد الآية: أن الأراضي ليست من الغنائم المحضة، فهنا قال: ﴿نَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ مع أن الرسول ﷺ يقول: «أُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]، شوفوا هذا الآن هذا التقرير اللي أقرر، شوفوا هل هو صحيح ولَّا ما هو بصحيح؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أعتقد أنه ما هو بصحيح؛ لأن الله تعالى ورَّث بني إسرائيل أرضهم وأموالهم، أرض بني فرعون وأموالهم، قال الله تعالى في سورة الشعراء..
* طالب: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩].
* الشيخ: لا، قبلها: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٧ - ٥٩]، فالكنوز ما فيه شك أنها مغانم، وهو يقول: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فكيف نجيب عن الحديث؟
الجواب أن نقول: إن هؤلاء لم يرثوها بالقتال، والغنيمة معروفة أنها ما أخذت عن طريق قتال الأعداء، هؤلاء ما ورثوها بالقتال، بقوة الله عز وجل التي ليس لهم إليها سبيل؛ وعلى هذا فلا تُخالف قول الرسول ﷺ: «أُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي».
* طالب: المساكن والأراضي التي (...)؟
* الشيخ: المساكن والأراضي كنوز أيضًا.
* الطالب: يعني: تدخل على أنها (...)؟
* الشيخ: لا، أنا قلت: التقرير، ما قررت هل هو صحيح ولَّا غير صحيح؟
* الطالب: على (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، الأراضي قيمة نعم، الأراضي قيمة، إي نعم.
* طالب: تدخل في الغنائم؟
* الشيخ: نحن قلنا: إن الغنائم الشيء المنقول، ثم إننا أبطلنا هذا وقلنا: إن بني إسرائيل أُورثوا الأراضي وأُورثوا الكنوز، والكنوز شيء منقول، ولَّا لا؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وأوردنا على هذا الإشكال في قول الرسول ﷺ: «أُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي».
وهب أنك قلت: إن الأراضي ما هي من الغنائم لكن الكنوز من الغنائم. أجبنا على هذا؛ فقلنا: إن ملك بني إسرائيل لأرض آل فرعون وكنوزهم بغير قتال، والغنائم التي تُملَك هي التي تكون بطريق القتال، هذا الذي قاله الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا لَمْ تُحَلَّ لِأَحِدٍ قَبْلِي».
* طالب: كان فيه غنائم يا شيخ؟
* الشيخ: فيما سبق؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: فيه غنائم، لكنها ما تحل للمقاتلين.
* الطالب: وما شأنها؟
* الشيخ: شأنها أنها تُجمع ثم تَنزل عليها نار من السماء فتحرقها، ثم إنه إذا كان فيها شيء من الغلول ما تَنْزِل النار، سبحان الله العظيم! ما تنزل، حتى لا يُفقد شيء، إذا فُقد شيء نزلت النار وأحرقتها.
* طالب: حكمة إحراق الغنائم (...)؟
* الشيخ: الحكمة منها لأجل قطع التعلق بها نهائيًّا؛ لأنها هي لو تبقى تداولها الناس بالبيع والشراء والانتفاع وصار ملكوها.
* الطالب: وهذه الأمة آخر الأمم.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فلو مثلًا مُنعت من الغنائم لكان أولى؛ لأنها أقوى إيمانًا.
* الشيخ: لا، ما هو صحيح هذا، ما هو علشان هذا، لكن هذه الأمة اللهُ سبحانه وتعالى أمدَّها بأشياء لتستعين بها، ولا مانع أن الإنسان اللي يكون أفضل أنه يُمَدَّ بأشياء ليصل إلى الفضيلة، أليس النبي عليه الصلاة والسلام قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ ومع ذلك هو يستغفر الله سبحانه وتعالى، ونحن أيضًا مأمورون بأن نصلي عليه مع أن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٦]، إي نعم، فلا يلزم من الوصول إلى الكمال ألا يسعى الإنسان بأسبابه.
* طالب: النبي علل يا شيخ رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا.
* الشيخ: إي، هذه هي، وحتى الرسول قال: «جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي»[[أخرجه أحمد (٥١١٤) من حديث ابن عمر.]] لأجل يعيننا على هذا.
* طالب: (...) قصة اللي وجد الغلول؟
* الشيخ: بس المشكلة إبراهيم يقول: كيف أنها تُحَلُّ لنا ونحن أفضل الأمم؟ لماذا لا يوكل الأمر إلى مناقبنا وفضائلنا؟
نحن نقول: هذا من نعمة الله، من تمام نعمة الله أن نصل إلى درجة الكمال، وتحل هذه المغانم لأجل أن نستعين بها على (...).
* من فوائد الآية الكريمة: أن التمكين في الأرض -تمكين الإنسان في الأرض- من نعمة الله علينا؛ لقوله: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٦]، ولَّا لا؟ لأن هذا من جملة ما أنعم الله على بني إسرائيل أنْ مكنهم في الأرض، فكون الإنسان يُمكَّن له في الأرض سواء كان هذا التمكين عن طريق السلطة، سلطة السلطان، أو عن طريق سلطة القرآن.
لاحظوا يا جماعة أن التمكين في الأرض ما هو معناه أن الإنسان يحكم الناس ليكون سلطانًا عليهم، لا، بل من التمكين في الأرض أن الله يمكِّن له حتى يكون لقوله سلطان على المؤمنين.
فمثلًا شيخ الإسلام ابن تيمية مُكِّن له في الأرض ولّا لا؟ مُكِّن له في الأرض أعظم من تمكين الولاة في وقته، تمكين الولاة في وقته انقضى بموتهم، لكن تمكين الله لهذا الرجل حتى كان قوله معتبرًا بين الناس باقٍ إلى الآن؛ فإذن التمكين في الأرض وإن كان يتبادر إلى الذهن أنه تمكين السلطان، فينبغي أن نقول: وتمكين أيش؟ القرآن، بمعنى: أن من قام بالحق فإنه يكون لقوله سلطان وقوة، وهذا أيضًا جاء بالحديث شاهدًا له «بأن الله تعالى إذا أحب عبدًا وضع له القبول في الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٩)، ومسلم (٢٦٣٧ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة.]]، بمعنى أنه يكون له قبول ولقوله نفاذ، فهذه من تمكين الله تعالى في الأرض.
* ومن فوائد الآية أيضًا: كان موقفها ذذكرناه، لكن قوله: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص ٦]، هذا من جملة الأمثلة على قدرة الله عز وجل.
* من فوائدها: أن فرعون وقومه كانوا يَحذرون من بني إسرائيل، فأراهم الله تعالى ما كانوا يَحذرون. وهنا إشكال: كيف أراهم الله تعالى ما كانوا يحذرون مع أنهم هَلكوا؟
* طالب: أراه عندما أدركه الغرق قال: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠].
* الشيخ: قصده ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ﴾؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ﴿وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ [القصص ٦].
* الطالب: جنودهم معهم، اللي غرقوا كلهم (...).
* الشيخ: إي، لكن أقول: مَنْ غرق ما عرف (...).
* الطالب: عرف، لما غرقوا كل (...)، كل واحد وكل شخص عرف بأن بني إسرائيل قد (...).
* الشيخ: يعني عند خروج روحه مثلًا؟
* الطالب: في آخر لحظة.
* الشيخ: طيب، في آخر لحظة عرف.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، كذا؟ هذا هو الأصل، وبعضهم قال: إن ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾، ما هو المراد الهلاك، المراد بـ﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ منازعة آل فرعون؛ فإن بني إسرائيل لما بُعِث موسى استقووا، وقصة السحرة واضحة فيها، لما اجتمعوا واجتمع الناس في يوم عيدهم وفي الضحى في رابعة النهار وصارت الهزيمة على مَن؟ على آل فرعون، الهزيمة على آل فرعون، هُزِمُوا حسًّا ومعنًى، ولَّا لا؟ هُزموا حسًّا بأن عصا موسى ﷺ جعلت تَلْقَف ما يأفكون، وهُزموا معنًى بأن السحرة أنفسهم آمنوا وصرحوا للملأ بأن فرعون هو الذي أكرههم على السحر، وبَيَّنوا أن الرب الحقيقي هو رب موسى وهارون سبحانه وتعالى. هذه هزيمة معنوية، بالإضافة إلى الهزيمة الحسية، أليست هذه تغيظ آل فرعون؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: تغيظ فرعون وهامان وجنودهما غيظًا عظيمًا.
إذن يمكن أن نجيب عن هذا بجوابين:
أحدهما: ما ذكرتم؛ أن كل واحد في آخر لحظة في حياته يتبين له أنه خاسر وأن بني إسرائيل هم الغالبون.
والثاني: أن نقول: إن الله تعالى أراهم منازعة بني إسرائيل لهم وظهورَ بني إسرائيل عليهم في ذلك الْمَجْمَع العظيم: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾، ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ هو يوم العيد يتزين الناس به، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾ يجمعون، ﴿ضُحًى﴾ [طه ٥٩] في رابعة النهار.
هذا الموعد الذي من موسى وهو الذي اقترحه، موسى هو الذي اقترحه؛ لأنه واثق عليه الصلاة والسلام بأن الله سينصره، حصل هذا الاجتماع في هذا اليوم، وصار في الحقيقة يوم عيد لبني إسرائيل ويوم شر وسوء لفرعون، نظير ما قال أبو جهل: إننا ما نرجع حتى نصل إلى بدر ننحر الجزور ونسقي الخمور وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدًا[[دلائل النبوة للبيهقي (٩٤٨) من حديث عروة بن الزبير.]]. صحيح (...)، سمعت العرب والعجم أيضًا بهذه الغزوة، لكن كانوا تغنِّي لهم القيان ولَّا يُغنى عليهم؟ لهم ولّا عليهم؟
* طالب: عليهم.
* الشيخ: عليهم في الحقيقة، سمعوا ما به ظهور عوَرِهم وظهور -والعياذ بالله- جبروتِهم، حتى أعز الله تعالى الإسلام والمسلمين في (...).
* طالب: (...) ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء ٥٦].
* الشيخ: نعم.
* الطالب: حصل خوف في ما كانوا يحذرون.
* الشيخ: إي، هذا يؤيد الوجه الثاني.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ترى ما فيه مانع أننا (...) نمشي شوي، المهم الفائدة نعم.
* طالب: الفائدة (...) أنه جعل كل معركة (...) لجعلهم أئمة؟
* الشيخ: إي نعم، إي الجعل له معان في الحقيقة متعددة، الجعل هو كل معانيه تعود إلى التصيير في الحقيقة، كل معانيه بالنسبة لله عز وجل تعود إلى التصيير، لكن التصيير تصيير المعدوم موجودًا.
القصص 28:5
.. تتلى عليهم هذا القصص لأجل يؤمنون.
إذا كانت للذين آمنوا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: التثبيت على الإيمان، وزيادة، تمام.
قول الله تعالى: ﴿وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص ٤] ما معناها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني: يستبقي حياتهم.
* الطالب: يستبقي حياتهم.
* الشيخ: أو يجدد فيهم الحياة؟
* الطالب: المعنى الأول، الأصل أنهم أحياء.
* الشيخ: إي، أصلًا أحياء، وأيضًا ما أحد يقدر على تجديد الحياة إلا؟
* الطالب: إلا الله.
* الشيخ: إلا الله سبحانه وتعالى.
إذن ﴿يَسْتَحْيِي﴾ يعني: يستبقي حياتهم وليس يجدد.
طيب، جملة ﴿يُذَبِّحُ﴾ ﴿وَيَسْتَحْيِي﴾، أيش تقول؟ ما تقول في الجملة؛ محلها من الإعراب؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال من أيش؟
* الطالب: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾، (...).
* الشيخ: اقرؤوا الآية، يعني: نحن ما نوافق على (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني مِن الفاعل ولَّا مِن ﴿عَلَى﴾؟
* الطالب: (...) مِن الفاعل.
* الشيخ: من الفاعل صح؛ لأن الفعل ما يأتي منه حال؟
* طالب: مِن ﴿عَلَى﴾ و﴿جَعَلَ﴾.
* الشيخ: (...).
قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٥]. الإرادة هنا كونية ولّا شرعية؟
* طالب: إرادة كونية.
* الشيخ: الإرادة كونية؟ ويش الدليل؟ كيف تحكم بما لا تعلم من كتاب الله؟
* طالب: نقول: إن الإرادة شرعية، والمراد بها المحبة.
* الشيخ: إي.
* الطالب: وهنا..
* الشيخ: الإرادة مرادفة..
* الطالب: للمشيئة.
* الشيخ: للمشيئة، زين. وأيضًا متعلَّق الإرادة الكونية ما هو؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الحكم الشرعي ولَّا الحكم القدري؟
* الطالب: الحكم القدري.
* الشيخ: وهذه متعلقة بالحكم القدري. ﴿نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ﴾، مفهوم يا جماعة؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: طيب، إذن الفرق من ناحيتين: الناحية الأولى من ناحية المعنى، والثانية من ناحية المتعلق؛ فالإرادة الكونية مرادفة للمشيئة بمعنى: شاء، والإرادة الشرعية مرادفة لأيش؟
* طالب: للمحبة.
* الشيخ: للمحبة.
والثاني من جهة المتعلَّق؛ الإرادة الكونية تتعلق بالأمور الكونية، والإرادة الشرعية تتعلق بالأمور الشرعية، فالله يريد منا أن نصليَ مع الجماعة شرعًا ولَّا كونًا؟
* طالب: شرعًا.
* الشيخ: شرعًا، واضح؟
قوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ [القصص ٥]؟
* طالب: ﴿أَئِمَّةً﴾ تحتمل أن (...)، الإمام يمكن أن يكون في الخير والشرِّ؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء ٧٣].
* الشيخ: وهنا المراد أئمة؟
* الطالب: هنا أئمة في الخير.
* الشيخ: أئمة في الخير؛ لأن الإمام كل من يُقتدى به.
قوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص ٥] الوارثين لمَن؟
* طالب: لفرعون وجنوده.
* الشيخ: لفرعون وجنوده، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩].
طيب، نرجع الآن إلى الفوائد.
* طالب: (...).
* الشيخ: من بني إسرائيل؟
* الطالب: من بني إسرائيل.
* الشيخ: إي.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما في ذاك الوقت ما علمنا أحدًا (...).
* طالب: (...) كل الذين استضعفهم فرعون فَيَمُنُّ عليهم.
* طالب: كل الذين استضعفهم فرعون فَيَمُنُّ عليهم.
* الشيخ: يعني ويش (يمن)؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نمن عليهم بالهداية؛ ولهذا جاء بالفعل المضارع ﴿نُرِيدُ﴾؛ يعني: في المستقبل، نريد أن نمن عليهم في المستقبل ونجعلهم أئمة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، هذا هو، إي نعم، يمن عليهم بالإيمان والإمامة وإرث هؤلاء.
* في هذه الآيات الكريمة:
* أولًا: بيان عظم القرآن وعُلُوِّه، وذلك عن طريق؟
* طالب: الإشارة.
* الشيخ: الإشارة إليه بالبعد؛ ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ [القصص ٢].
* ثانيًا: أن هذا القرآن مكتوب؛ لقوله: ﴿الْكِتَابِ﴾، والذي نعلم من كتابته ثلاثة أمور، ويش هي؟ في اللوح المحفوظ، والمصاحف، والصحف التي في أيدي الملائكة.
* ومن الفوائد أيضًا: أن هذا القرآن مظهر مبين للأمور؛ لقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾، فهو مظهر ومبين للأمور.
هل حذف المتعلَّق ﴿الْمُبِينِ﴾ يُستفاد منه عموم إبانة القرآن لكل شيء ولّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: حَذفُ المتعلق هذه من القواعد التفسيرية؛ أن حذف المتعلَّق يفيد العموم ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى ٨]، ما قال: فأغناك؛ لأن الله أغناه وأغنى به. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى ٧]، ما قال: هداك، ليش؟ لأن الله هداه وهدى به.
طيب، إذن حذف المتعلق في قوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ يدل على أنه مبين لكل شيء، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، واضح؟
إذن أي مشكلة علينا في الدين منين نأخذها؟
* طالب: من القرآن أو السنة.
* الشيخ: من القرآن، والقرآن يرشدنا إلى الأخذ بالسنة ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر ٧]، وحينئذ لا يبقى في الدنيا مشكلة إلا وُجِد حلها في الكتاب وفي السنة، لكن القصور عن فهمها يكون له سبب: إما هوى متَّبع وإما جهل، إما الإنسان ما أراد الحق يريد هوى، ويبحث في الكتاب والسنة لعله يجد ما يبرر ما ذهب إليه؛ مثلًا: إنسان يريد أن يبرر الاشتراكية، راح يدور بالقرآن والسنة ما يؤيد هذا الرأي، ما قصدُه الحق، ويدل لذلك أنه لو وجد في القرآن والسنة ما يخالفه تركه وطلب غيره. واضح؟
وهكذا أيضًا كل هؤلاء الذين يريدون أن يُشَرِّعُوا قوانين أو أمورًا فقيهة أو شيئًا، إذا كانوا إنما يرجعون إلى الكتاب والسنة من أجل أن يُبَرِّروا مواقفهم فإذا رأوا ما يخالفها أغمضوا أعينهم، وإن رأوا ما يشير إليها ولو لإبطالها فتحوا أعينهم إلى رؤوسهم، هؤلاء الغالب أنهم ما يوفقون.
لكن كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بالعقيدة الواسطية، قال كلمة مرت علينا من قبل، كلمة عظيمة، وهي: (من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق) كلمة هذه بالحقيقة وزنها ثقيل: (من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه) أمران: تدبر وطلب الهدى، تدبر الفعل وطلب الهدى النية الصالحة، (طالبًا الهدى منه تبين له طريقُ الحق) هذا جواب الشرط، والشيخ رحمه الله جزم به؛ لأنه في القرآن لا شك في ذلك.
إذن القرآن مُبَيِّن لكل الأمور؛ إما من القرآن نفسه أو مما يرشد إليه وذلك بالتحويل على أيش؟ السنة.
أحيانًا يعترضنا مسائل نبحث عنها في كتب الفقهاء، فقهاء الحنابلة وفقهاء الشافعية وغيرهم ما نجدها، نرجع إلى القرآن والسنة نجدها موجودة تتبين لنا، واضح؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: والكتاب والسنة الرجوع إليهما يفيد الإنسان في الحقيقة فائدتين عظيمتين؛ أولًا: الطمأنينة والاستقرار؛ لأن اتباع كلام أهل العلم وإن كان الإنسان قد يطمئن له بعض الشيء، لكن ما يكون طمأنينته إليه كطمأنينته إذا ما دلَّ عليه الكتاب والسنة.
الشيء الثاني: أنه يستطيع أن يُقنع غيره ويُطَمئن غيره، صح ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأنك لو قال لك إنسان: طيب، (...) لِمَ نقول: هذا حرام؟ حرام؛ لأن الله يقول: حرام، أو لأن الرسول ﷺ يقول: حرام، حينئذ يطمئن، لكن لو تقول له: لأنه في الكتاب الفلاني حرام، الكتاب الفلاني هل صدر عن وحي؟ لا.
إذن الفائدة هذه: الطمأنينة وإقناع الغير؛ الرجوع للكتاب والسنة؛ ولهذا أنا أحب أن يكون دائمًا رجوعنا إلى الكتاب والسنة، وليس معنى ذلك أنني أقول: اطرحوا كلام أهل العلم، لا، كلام أهل العلم مفاتيح لهذه الخزائن، وكم من إنسان ما يهتدي بالكتاب والسنة إلا حيث يدخل ما دخله هؤلاء العلماء.
ففرق بين مَنْ يقول: اتبع الكتاب والسنة واقتدِ بكلام أهل العلم بالنسبة لفتح هذه الخزائن من الكتاب والسنة ومن يقول: اقتد بالكتاب والسنة واطرَح كلام أهل العلم ولا تلتفت له ولا تعدَّه شيئًا. هذا ما هو بصحيح هذا؛ لأن بعض الناس الآن ما يرى كلام أهل العلم شيئًا إطلاقًا، ولا يرجع إليه أبدًا، فهذا ما هو بصحيح. فدائمًا الحق يكون بين طرفين متطرفين، إي نعم.
إذن القرآن سبيل لكل شيء.
* فيه أيضًا: دليل على أن القَصص يسمى تلاوة، قَص الإنسان للقصة، يقال: تلاها عليهم، من قوله تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ﴾ [القصص ٣].
* ومن الفوائد أيضًا: أهمية قصة موسى مع فرعون؛ ولهذا تكفَّل الله تعالى بتلاوتها على نبيه ﷺ لأهميتها وبيان فوائدها وكثرتها، وليس أن عندكم وقتًا حتى نقول: اجمعوا القصة من جميع أطرافها، واستنبطوا ما فيها من الفوائد، وهذه الطريقة سلكناها مع طلبة معهد ثانوي؛ كنا نُدَرِّس في الثانوي في معهد، وكان من المقرر عليهم سورة غافر، سورة غافر فيها قصة موسى، وطلبنا منهم استنباط الفوائد منها، لكن لما كان الطلبة نشيطين، ما هم مثل الوقت الحاضر يعني، هذا يمكن قبل حوالي عشرين سنة.
إنما على كل حال هذه القصة -قصة موسى وفرعون- من أهم القصص، ولهذا يكررها الله تعالى في القرآن بأساليب مختلفة، وهنا يقول: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى﴾.
* وفيه أيضًا: دليل على -الفائدة الثانية- أن ما أخبر الله به فهو حق، جميع ما أخبر الله به عن هذه القصص فهو حق، وقد سبق أن قلنا: إن الحق إذا وُصف به الخبر فهو بمعنى الصدق، وإذا وُصف به الحكم فهو بمعنى العدل.
* من فوائدها؛ ومن الفوائد: أن هذه القصص سبب للإيمان.
* ومن فوائدها أيضًا: أنها زيادة في الإيمان، سبب لمن لم يؤمن أن يؤمن، ولمن آمن أن يزداد إيمانه ثباتًا وكَمِّيةً، ويش الدليل أنه ينتفع بها غير المؤمن؟ قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]، كل إنسان ذو لب وعقل لا بد أن يعتبر وينتفع، إي نعم.
* ومن فوائد الآية: بيان ما كان عليه فرعون من العلو والجبروت: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٤].
* ومن فوائدها: أن مَن علا في الأرض وطلب العلو على الخلق فهو شبيه بفرعون، ورِث هذه من فرعون، وبئس الرجل يكون إمامُه فرعون.
* ومن فوائدها: أن تفريق الأمة سبب لفشلها وذُلها. من أين يؤخذ؟
* طالب: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص ٤].
* الشيخ: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن حكمة الإنجليز المشهورة: (فرِّقْ تَسُد) فرعونية ولّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: فرعونية؛ لأنه هو الذي جعل (...) ليسود به.
* ومنها، من فوائد الآية: أن بني إسرائيل من أهل مصر مع أنهم في الأصل من أهل الشام، فيتفرع على هذه الفائدة: أن من سكن أرضًا وأقام فيها وإن لم يكن من أهلها في الأصل نُسِب إليها وصار من أهلها.
ومنها: بيان شدة استضعاف فرعون لبني إسرائيل؛ حيث كان يذبح أبناءهم ويستحيي نسائهم، لماذا؟ قيل: لأنه أُخبِر بأنه سيولد من بني إسرائيل ولد يكون هلاكك على يديه.
وقيل: لأن ذلك هو الطريق لإذلال الأمة؛ لأنه إذا ذهب الرجال وبقي النساء صرن إماءً للمستعبِد بلا شك، ما عندهن قَيِّم ولا مدافع.
* ومن الفوائد في الآية: أن هذا العمل -العلو في الأرض، والعتو على الخلق، والسعي بينهم بالتفريق- أنه من الإفساد. منين نأخذها؟
* طالب: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص ٤].
* الشيخ: من قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
عكس ذلك إذن الذي يتواضع للحق وللخلق ويجمع الأمة ويَقصُر عدوانه يكون من المصلحين؛ لأن بضدها تتبين الأشياء، فإذا كانت هذه الأمور من الفساد فضدها من الصلاح.
* من فوائد الآية: إثبات إرادة الله في قوله: ﴿وَنُرِيدُ﴾، ووجه إثبات الإرادة من قوله: ﴿وَنُرِيدُ﴾ مع أن (نريد) فعل وليس اسمًا، نقول: لأن الفعل يدل على الحدث وزمانِه، فـ(نريد) مشتق منين؟
* طالب: من الإرادة.
* الشيخ: من الإرادة، (نريد) مشتق من الإرادة؛ وعليه فنقول: إنه يدل على إثبات الإرادة لله، أثبتها المعتزلة؛ الإرادة؟
* طالب: نفوها.
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: نفوها. الأشاعرة أثبتوا الإرادة، قالوا: إن الله تعالى له إرادة؛ لأن التخصيص بكون الليل ليلًا والنهار نهارًا والحر حرًّا والبرد بردًا، يدل على إثبات الإرادة؛ إذ ما يقع هذا التخصيص إلا بإرادة، فهمتم؟
وهم -كما عرفنا من قبل- إنما يستدلون على إثبات الصفات بالعقل، وما خالف عقولهم وجب تأويله وصرفُه إلى ما يوافق العقل.
وقد مضى لنا هذا، ولكن لا بأس من إعادته؛ مضى أن هذه طريقة فاسدة، مخالفة للقرآن: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون ٧١]، قال الإمام مالك رحمه الله: ليت شعري بأي شيء يوزن الكتاب والسنة، أفكلما جاءنا رجل أجدل من رجل اتبعناه وتركنا قول الآخر؟! يستقيم هذا ولّا لا؟
* طالب: ما يستقيم.
* الشيخ: ما يستقيم.
إذن نقول: إثبات صفات الله بالطرق العقلية ونفي ما لم يدل عليه العقل فهذا في الحقيقة عدوان وطريق فاسد. على أننا نقول: إنه يمكننا أن نُثبِت ما نفيتم بطريق العقل كما أثبتم أنتم ما أثبتم بطريق العقل، بل أفلح وأبلغ.
ظهور صفة الرحمة في المخلوقات أبلغ من ظهور صفة الإرادة.
* طالب: الإحسان.
* الشيخ: نعم، الإحسان إلى الخلق بالرزق والإمداد والإعداد وبجميع ما يتمتعون به، هذا ظاهر لكل أحد ولَّا لا؟ لكن كون هذا حَرًّا وهذا بردًا يدل على الإرادة، دلالة هذا على الإرادة أخفى من دلالة النعم على الرحمة بلا شك ولَّا لا؟
أيضًا نصره للطائعين وخذلانه للعاصين يدل على الحب والبغض ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لولا أنه يحب هؤلاء ما نصرهم، ولولا أنه يبغض هؤلاء لنصرهم، وهذا معروف، حتى الإنسان إذا صار يبغض واحدًا ما ينصره، وإذا صار يحبه ينصره. إذن نصرُه لهؤلاء وإذلاله لهؤلاء دلَّ على إثبات المحبة والبغض، وهم ينكرون ذلك ويقولون: العقل ما يدل عليه.
فإذن -الحمد لله- الحق واضح، ما من شيء يزعم هؤلاء أن العقل ينكره أو لا يثبته إلا وجدنا أن العقل يثبته كما أثبته الشرع.
* فيه أيضًا دليل.. يستفاد من فوائد الآية: تمام قدرة الله عز وجل، تمام القدرة؛ وجهُه أن هؤلاء المستضعفين جعلهم أئمة ووارثين لهؤلاء الطغاة، ولَّا لا؟ طيب، جعلهم وارثين بقدرتهم ولّا بقدرة الله فقط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: في الحقيقة (...)؛ يعني: المسلمون من هذه الأمة ورثوا ديار الروم وديار الفرس بفعلهم وجهادهم، لكن إرث بني إسرائيل لديار فرعون بلا سبب منهم، بل هو من الله عز وجل محض، ولهذا قال: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، فهو بفعل الله سبحانه وتعالى المحض.
* يستفاد منه -كما قلت قبل قليل- تمام قدرة الله عز وجل، وأن الله ييسر لعباده من النصر ما لم يكن في مقدورهم ولا في حسبانهم.
* فيه أيضًا من فوائد الآية: أن من استُضعف لقيامه بالحق فلا بد أن تكون العاقبة له، كل من استُضعف لقيامه بالحق فلا بد أن تكون العاقبة له؛ لأن قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وإن كان في سياق بني إسرائيل فغيرهم داخل في العموم؛ العموم اللفظي إذا قلنا: ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ في أي مكان وزمان، أو العموم المعنوي وذلك بقياس غيرهم عليهم؛ لأن الدلالات -دلالات العموم- إما لفظية أو معنوية، فالقياس الصحيح دلالة اللفظ على المقيس دلالة معنوية، فحينئذٍ نقول: ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إذا جعلناهم هم بني إسرائيل فقط، فالمستضعفون بقيامهم في الحق من غيرهم مثلهم ولَّا لا؟
* طالب: مثلهم.
* الشيخ: مثلهم؛ لأن الله يقول: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ بعدها؟ ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح ٢٣]، سنة الله في الخلق واحدة؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس بينه وبين أحد نسب حتى يراعيه، أو حسب حتى يراعيه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ مَن؟ ﴿أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣].
فإذن نقول: في هذه الآية دليل على أن من استُضعِف في طريق الحق -يعني لقيامه بالحق- فإن العاقبة له.
هنا قد توردون عليَّ أن أناسًا استضعفوا في الحق وقُتلوا أو طُرِدوا أو ما أشبه ذلك، فأين العاقبة التي تلزمهم؟
نقول: إن العاقبة لا تكون للشخص الجسدي فقط، بل للشخص المعنوي. مقالة هذا لا بد أن تُنْصَر. وانظروا الآن من سبقنا من أهل العلم، كل عالِم أُوذِيَ في الحق -سواء قُتل أو ما قُتل- فإنك تجد مقالاته تبقى وتنتشر أكثر من غيره، أكثر بكثير من غيره، وهذا واضح لمن تأمله.
إذن فالنصر للقائل في حياته أو لمقالته بعد وفاته، والإنسان المجاهد لله هو لا يريد أن يبقى بنفسه، ويش همه؟ أن يبقى هذا الحق الذي قام به، ما يهمه أنه يبقى هو أو ما يبقى إذا كان يدعو إلى الله، أما من يدعو إلى نفسه -ونسأل الله أن يعيذنا من ذلك جميعًا- فهذا نعم هو الذي يقول إذا قُتل أو أوذي: إنه ما انتصر، لكن من يدعو لله ما يهمه إلا أن تنتصر هذه الدعوة،؛ ولهذا هو يقاتل لها ومن أجلها.
* طالب: (...)، كيف لعدوه بالمقابل يقرأ هذه القصة ويقول: لا بد من نصر الله؟
* الشيخ: إي، لكن لا بد من نصر الحق بأسبابه، إذا أعيتك الأمور جاء النصر من عند الله بدون سبب، لكن ما دام أنه أنت مأمور بطريق معينة قد لا تُنصر لمخالفتك إياه، قد لا تُنْصَر من أجل مخالفتك إياه وتقصيرك؛ لأن الإنسان ليس معناه كل من حسنت نيته حسن فعله ونُصِر، لا، قد يختلف الأمر، ولذلك مسائل هذه الأمور من أدق المسائل، ونحن قد تكلمنا عنها كثيرًا؛ لأن هذه المسائل دقيقة جدًّا، والإنسان يمشي كأنه كُرة في يَمٍّ، نعم، تقلبها الرياح، أحيانًا يجيئها ريح عاصف تبعدها أميالًا، لذلك الإنسان يجب أن يكون متزنًا، ما يكون متهورًا، إذا تهوَّر ثم خالفه النصر، فالبلاء من عند نفسه.
* فيه أيضًا، من فوائد الآية: فضائل بني إسرائيل، مناقب بني إسرائيل؛ لقوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾، وهنا قد يُشْكِل على الإنسان أن الله تعالى يقول هنا: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾، وفي آيات كثيرة يَذُمُّ بني إسرائيل؟
نقول: الله سبحانه وتعالى بيَّن السبب في جعل هؤلاء أئمة، فقال تعالى في سورة (آلم تنزيل) السجدة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤]، فهم حين كانوا متصفين بهذين الوصفين الصبر واليقين كانوا أئمةً، وقد أخذ شيخ الإسلام من هذه الآية جملة، فقال: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، لكن لما تخلف الصبر وتخلف اليقين منهم ويش صاروا؟
* طالب: قردة.
* الشيخ: صاروا على العكس، نعم، صاروا قردة خاسئين، وجاءت الآيات بذمهم، فالآيات لا يكذب بعضها بعضًا، ولكن هناك أشياء توجب تقلُّب أحكام بعض الآيات؛ لتخلف السبب.
* ومن فوائد الآية: أن المسلمين إذا استولَوا على بلاد الكفار ملكوها، منين نأخذها؟
* طالب: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، والوارث يملك ما ورث، ولَّا لا؟ الوارث يملك ما ورث، فهم يجعلهم الله وارثين كاملًا؛ ولهذا قال أهل العلم: إن الأراضي تُملك.
* ومن فوائد الآية: أن الأراضي ليست من الغنائم المحضة، فهنا قال: ﴿نَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ مع أن الرسول ﷺ يقول: «أُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]، شوفوا هذا الآن هذا التقرير اللي أقرر، شوفوا هل هو صحيح ولَّا ما هو بصحيح؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أعتقد أنه ما هو بصحيح؛ لأن الله تعالى ورَّث بني إسرائيل أرضهم وأموالهم، أرض بني فرعون وأموالهم، قال الله تعالى في سورة الشعراء..
* طالب: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩].
* الشيخ: لا، قبلها: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٧ - ٥٩]، فالكنوز ما فيه شك أنها مغانم، وهو يقول: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فكيف نجيب عن الحديث؟
الجواب أن نقول: إن هؤلاء لم يرثوها بالقتال، والغنيمة معروفة أنها ما أخذت عن طريق قتال الأعداء، هؤلاء ما ورثوها بالقتال، بقوة الله عز وجل التي ليس لهم إليها سبيل؛ وعلى هذا فلا تُخالف قول الرسول ﷺ: «أُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي».
* طالب: المساكن والأراضي التي (...)؟
* الشيخ: المساكن والأراضي كنوز أيضًا.
* الطالب: يعني: تدخل على أنها (...)؟
* الشيخ: لا، أنا قلت: التقرير، ما قررت هل هو صحيح ولَّا غير صحيح؟
* الطالب: على (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، الأراضي قيمة نعم، الأراضي قيمة، إي نعم.
* طالب: تدخل في الغنائم؟
* الشيخ: نحن قلنا: إن الغنائم الشيء المنقول، ثم إننا أبطلنا هذا وقلنا: إن بني إسرائيل أُورثوا الأراضي وأُورثوا الكنوز، والكنوز شيء منقول، ولَّا لا؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وأوردنا على هذا الإشكال في قول الرسول ﷺ: «أُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي».
وهب أنك قلت: إن الأراضي ما هي من الغنائم لكن الكنوز من الغنائم. أجبنا على هذا؛ فقلنا: إن ملك بني إسرائيل لأرض آل فرعون وكنوزهم بغير قتال، والغنائم التي تُملَك هي التي تكون بطريق القتال، هذا الذي قاله الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا لَمْ تُحَلَّ لِأَحِدٍ قَبْلِي».
* طالب: كان فيه غنائم يا شيخ؟
* الشيخ: فيما سبق؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: فيه غنائم، لكنها ما تحل للمقاتلين.
* الطالب: وما شأنها؟
* الشيخ: شأنها أنها تُجمع ثم تَنزل عليها نار من السماء فتحرقها، ثم إنه إذا كان فيها شيء من الغلول ما تَنْزِل النار، سبحان الله العظيم! ما تنزل، حتى لا يُفقد شيء، إذا فُقد شيء نزلت النار وأحرقتها.
* طالب: حكمة إحراق الغنائم (...)؟
* الشيخ: الحكمة منها لأجل قطع التعلق بها نهائيًّا؛ لأنها هي لو تبقى تداولها الناس بالبيع والشراء والانتفاع وصار ملكوها.
* الطالب: وهذه الأمة آخر الأمم.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فلو مثلًا مُنعت من الغنائم لكان أولى؛ لأنها أقوى إيمانًا.
* الشيخ: لا، ما هو صحيح هذا، ما هو علشان هذا، لكن هذه الأمة اللهُ سبحانه وتعالى أمدَّها بأشياء لتستعين بها، ولا مانع أن الإنسان اللي يكون أفضل أنه يُمَدَّ بأشياء ليصل إلى الفضيلة، أليس النبي عليه الصلاة والسلام قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ ومع ذلك هو يستغفر الله سبحانه وتعالى، ونحن أيضًا مأمورون بأن نصلي عليه مع أن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٦]، إي نعم، فلا يلزم من الوصول إلى الكمال ألا يسعى الإنسان بأسبابه.
* طالب: النبي علل يا شيخ رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا.
* الشيخ: إي، هذه هي، وحتى الرسول قال: «جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي»[[أخرجه أحمد (٥١١٤) من حديث ابن عمر.]] لأجل يعيننا على هذا.
* طالب: (...) قصة اللي وجد الغلول؟
* الشيخ: بس المشكلة إبراهيم يقول: كيف أنها تُحَلُّ لنا ونحن أفضل الأمم؟ لماذا لا يوكل الأمر إلى مناقبنا وفضائلنا؟
نحن نقول: هذا من نعمة الله، من تمام نعمة الله أن نصل إلى درجة الكمال، وتحل هذه المغانم لأجل أن نستعين بها على (...).
* من فوائد الآية الكريمة: أن التمكين في الأرض -تمكين الإنسان في الأرض- من نعمة الله علينا؛ لقوله: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٦]، ولَّا لا؟ لأن هذا من جملة ما أنعم الله على بني إسرائيل أنْ مكنهم في الأرض، فكون الإنسان يُمكَّن له في الأرض سواء كان هذا التمكين عن طريق السلطة، سلطة السلطان، أو عن طريق سلطة القرآن.
لاحظوا يا جماعة أن التمكين في الأرض ما هو معناه أن الإنسان يحكم الناس ليكون سلطانًا عليهم، لا، بل من التمكين في الأرض أن الله يمكِّن له حتى يكون لقوله سلطان على المؤمنين.
فمثلًا شيخ الإسلام ابن تيمية مُكِّن له في الأرض ولّا لا؟ مُكِّن له في الأرض أعظم من تمكين الولاة في وقته، تمكين الولاة في وقته انقضى بموتهم، لكن تمكين الله لهذا الرجل حتى كان قوله معتبرًا بين الناس باقٍ إلى الآن؛ فإذن التمكين في الأرض وإن كان يتبادر إلى الذهن أنه تمكين السلطان، فينبغي أن نقول: وتمكين أيش؟ القرآن، بمعنى: أن من قام بالحق فإنه يكون لقوله سلطان وقوة، وهذا أيضًا جاء بالحديث شاهدًا له «بأن الله تعالى إذا أحب عبدًا وضع له القبول في الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٩)، ومسلم (٢٦٣٧ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة.]]، بمعنى أنه يكون له قبول ولقوله نفاذ، فهذه من تمكين الله تعالى في الأرض.
* ومن فوائد الآية أيضًا: كان موقفها ذذكرناه، لكن قوله: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص ٦]، هذا من جملة الأمثلة على قدرة الله عز وجل.
* من فوائدها: أن فرعون وقومه كانوا يَحذرون من بني إسرائيل، فأراهم الله تعالى ما كانوا يَحذرون. وهنا إشكال: كيف أراهم الله تعالى ما كانوا يحذرون مع أنهم هَلكوا؟
* طالب: أراه عندما أدركه الغرق قال: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠].
* الشيخ: قصده ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ﴾؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ﴿وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ [القصص ٦].
* الطالب: جنودهم معهم، اللي غرقوا كلهم (...).
* الشيخ: إي، لكن أقول: مَنْ غرق ما عرف (...).
* الطالب: عرف، لما غرقوا كل (...)، كل واحد وكل شخص عرف بأن بني إسرائيل قد (...).
* الشيخ: يعني عند خروج روحه مثلًا؟
* الطالب: في آخر لحظة.
* الشيخ: طيب، في آخر لحظة عرف.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، كذا؟ هذا هو الأصل، وبعضهم قال: إن ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾، ما هو المراد الهلاك، المراد بـ﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ منازعة آل فرعون؛ فإن بني إسرائيل لما بُعِث موسى استقووا، وقصة السحرة واضحة فيها، لما اجتمعوا واجتمع الناس في يوم عيدهم وفي الضحى في رابعة النهار وصارت الهزيمة على مَن؟ على آل فرعون، الهزيمة على آل فرعون، هُزِمُوا حسًّا ومعنًى، ولَّا لا؟ هُزموا حسًّا بأن عصا موسى ﷺ جعلت تَلْقَف ما يأفكون، وهُزموا معنًى بأن السحرة أنفسهم آمنوا وصرحوا للملأ بأن فرعون هو الذي أكرههم على السحر، وبَيَّنوا أن الرب الحقيقي هو رب موسى وهارون سبحانه وتعالى. هذه هزيمة معنوية، بالإضافة إلى الهزيمة الحسية، أليست هذه تغيظ آل فرعون؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: تغيظ فرعون وهامان وجنودهما غيظًا عظيمًا.
إذن يمكن أن نجيب عن هذا بجوابين:
أحدهما: ما ذكرتم؛ أن كل واحد في آخر لحظة في حياته يتبين له أنه خاسر وأن بني إسرائيل هم الغالبون.
والثاني: أن نقول: إن الله تعالى أراهم منازعة بني إسرائيل لهم وظهورَ بني إسرائيل عليهم في ذلك الْمَجْمَع العظيم: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾، ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ هو يوم العيد يتزين الناس به، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾ يجمعون، ﴿ضُحًى﴾ [طه ٥٩] في رابعة النهار.
هذا الموعد الذي من موسى وهو الذي اقترحه، موسى هو الذي اقترحه؛ لأنه واثق عليه الصلاة والسلام بأن الله سينصره، حصل هذا الاجتماع في هذا اليوم، وصار في الحقيقة يوم عيد لبني إسرائيل ويوم شر وسوء لفرعون، نظير ما قال أبو جهل: إننا ما نرجع حتى نصل إلى بدر ننحر الجزور ونسقي الخمور وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدًا[[دلائل النبوة للبيهقي (٩٤٨) من حديث عروة بن الزبير.]]. صحيح (...)، سمعت العرب والعجم أيضًا بهذه الغزوة، لكن كانوا تغنِّي لهم القيان ولَّا يُغنى عليهم؟ لهم ولّا عليهم؟
* طالب: عليهم.
* الشيخ: عليهم في الحقيقة، سمعوا ما به ظهور عوَرِهم وظهور -والعياذ بالله- جبروتِهم، حتى أعز الله تعالى الإسلام والمسلمين في (...).
* طالب: (...) ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء ٥٦].
* الشيخ: نعم.
* الطالب: حصل خوف في ما كانوا يحذرون.
* الشيخ: إي، هذا يؤيد الوجه الثاني.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ترى ما فيه مانع أننا (...) نمشي شوي، المهم الفائدة نعم.
* طالب: الفائدة (...) أنه جعل كل معركة (...) لجعلهم أئمة؟
* الشيخ: إي نعم، إي الجعل له معان في الحقيقة متعددة، الجعل هو كل معانيه تعود إلى التصيير في الحقيقة، كل معانيه بالنسبة لله عز وجل تعود إلى التصيير، لكن التصيير تصيير المعدوم موجودًا.
القصص 28:6
.. تتلى عليهم هذا القصص لأجل يؤمنون.
إذا كانت للذين آمنوا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: التثبيت على الإيمان، وزيادة، تمام.
قول الله تعالى: ﴿وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص ٤] ما معناها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني: يستبقي حياتهم.
* الطالب: يستبقي حياتهم.
* الشيخ: أو يجدد فيهم الحياة؟
* الطالب: المعنى الأول، الأصل أنهم أحياء.
* الشيخ: إي، أصلًا أحياء، وأيضًا ما أحد يقدر على تجديد الحياة إلا؟
* الطالب: إلا الله.
* الشيخ: إلا الله سبحانه وتعالى.
إذن ﴿يَسْتَحْيِي﴾ يعني: يستبقي حياتهم وليس يجدد.
طيب، جملة ﴿يُذَبِّحُ﴾ ﴿وَيَسْتَحْيِي﴾، أيش تقول؟ ما تقول في الجملة؛ محلها من الإعراب؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال من أيش؟
* الطالب: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾، (...).
* الشيخ: اقرؤوا الآية، يعني: نحن ما نوافق على (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني مِن الفاعل ولَّا مِن ﴿عَلَى﴾؟
* الطالب: (...) مِن الفاعل.
* الشيخ: من الفاعل صح؛ لأن الفعل ما يأتي منه حال؟
* طالب: مِن ﴿عَلَى﴾ و﴿جَعَلَ﴾.
* الشيخ: (...).
قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٥]. الإرادة هنا كونية ولّا شرعية؟
* طالب: إرادة كونية.
* الشيخ: الإرادة كونية؟ ويش الدليل؟ كيف تحكم بما لا تعلم من كتاب الله؟
* طالب: نقول: إن الإرادة شرعية، والمراد بها المحبة.
* الشيخ: إي.
* الطالب: وهنا..
* الشيخ: الإرادة مرادفة..
* الطالب: للمشيئة.
* الشيخ: للمشيئة، زين. وأيضًا متعلَّق الإرادة الكونية ما هو؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الحكم الشرعي ولَّا الحكم القدري؟
* الطالب: الحكم القدري.
* الشيخ: وهذه متعلقة بالحكم القدري. ﴿نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ﴾، مفهوم يا جماعة؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: طيب، إذن الفرق من ناحيتين: الناحية الأولى من ناحية المعنى، والثانية من ناحية المتعلق؛ فالإرادة الكونية مرادفة للمشيئة بمعنى: شاء، والإرادة الشرعية مرادفة لأيش؟
* طالب: للمحبة.
* الشيخ: للمحبة.
والثاني من جهة المتعلَّق؛ الإرادة الكونية تتعلق بالأمور الكونية، والإرادة الشرعية تتعلق بالأمور الشرعية، فالله يريد منا أن نصليَ مع الجماعة شرعًا ولَّا كونًا؟
* طالب: شرعًا.
* الشيخ: شرعًا، واضح؟
قوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ [القصص ٥]؟
* طالب: ﴿أَئِمَّةً﴾ تحتمل أن (...)، الإمام يمكن أن يكون في الخير والشرِّ؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء ٧٣].
* الشيخ: وهنا المراد أئمة؟
* الطالب: هنا أئمة في الخير.
* الشيخ: أئمة في الخير؛ لأن الإمام كل من يُقتدى به.
قوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص ٥] الوارثين لمَن؟
* طالب: لفرعون وجنوده.
* الشيخ: لفرعون وجنوده، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩].
طيب، نرجع الآن إلى الفوائد.
* طالب: (...).
* الشيخ: من بني إسرائيل؟
* الطالب: من بني إسرائيل.
* الشيخ: إي.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما في ذاك الوقت ما علمنا أحدًا (...).
* طالب: (...) كل الذين استضعفهم فرعون فَيَمُنُّ عليهم.
* طالب: كل الذين استضعفهم فرعون فَيَمُنُّ عليهم.
* الشيخ: يعني ويش (يمن)؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نمن عليهم بالهداية؛ ولهذا جاء بالفعل المضارع ﴿نُرِيدُ﴾؛ يعني: في المستقبل، نريد أن نمن عليهم في المستقبل ونجعلهم أئمة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، هذا هو، إي نعم، يمن عليهم بالإيمان والإمامة وإرث هؤلاء.
* في هذه الآيات الكريمة:
* أولًا: بيان عظم القرآن وعُلُوِّه، وذلك عن طريق؟
* طالب: الإشارة.
* الشيخ: الإشارة إليه بالبعد؛ ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ [القصص ٢].
* ثانيًا: أن هذا القرآن مكتوب؛ لقوله: ﴿الْكِتَابِ﴾، والذي نعلم من كتابته ثلاثة أمور، ويش هي؟ في اللوح المحفوظ، والمصاحف، والصحف التي في أيدي الملائكة.
* ومن الفوائد أيضًا: أن هذا القرآن مظهر مبين للأمور؛ لقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾، فهو مظهر ومبين للأمور.
هل حذف المتعلَّق ﴿الْمُبِينِ﴾ يُستفاد منه عموم إبانة القرآن لكل شيء ولّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: حَذفُ المتعلق هذه من القواعد التفسيرية؛ أن حذف المتعلَّق يفيد العموم ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى ٨]، ما قال: فأغناك؛ لأن الله أغناه وأغنى به. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى ٧]، ما قال: هداك، ليش؟ لأن الله هداه وهدى به.
طيب، إذن حذف المتعلق في قوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ يدل على أنه مبين لكل شيء، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، واضح؟
إذن أي مشكلة علينا في الدين منين نأخذها؟
* طالب: من القرآن أو السنة.
* الشيخ: من القرآن، والقرآن يرشدنا إلى الأخذ بالسنة ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر ٧]، وحينئذ لا يبقى في الدنيا مشكلة إلا وُجِد حلها في الكتاب وفي السنة، لكن القصور عن فهمها يكون له سبب: إما هوى متَّبع وإما جهل، إما الإنسان ما أراد الحق يريد هوى، ويبحث في الكتاب والسنة لعله يجد ما يبرر ما ذهب إليه؛ مثلًا: إنسان يريد أن يبرر الاشتراكية، راح يدور بالقرآن والسنة ما يؤيد هذا الرأي، ما قصدُه الحق، ويدل لذلك أنه لو وجد في القرآن والسنة ما يخالفه تركه وطلب غيره. واضح؟
وهكذا أيضًا كل هؤلاء الذين يريدون أن يُشَرِّعُوا قوانين أو أمورًا فقيهة أو شيئًا، إذا كانوا إنما يرجعون إلى الكتاب والسنة من أجل أن يُبَرِّروا مواقفهم فإذا رأوا ما يخالفها أغمضوا أعينهم، وإن رأوا ما يشير إليها ولو لإبطالها فتحوا أعينهم إلى رؤوسهم، هؤلاء الغالب أنهم ما يوفقون.
لكن كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بالعقيدة الواسطية، قال كلمة مرت علينا من قبل، كلمة عظيمة، وهي: (من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق) كلمة هذه بالحقيقة وزنها ثقيل: (من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه) أمران: تدبر وطلب الهدى، تدبر الفعل وطلب الهدى النية الصالحة، (طالبًا الهدى منه تبين له طريقُ الحق) هذا جواب الشرط، والشيخ رحمه الله جزم به؛ لأنه في القرآن لا شك في ذلك.
إذن القرآن مُبَيِّن لكل الأمور؛ إما من القرآن نفسه أو مما يرشد إليه وذلك بالتحويل على أيش؟ السنة.
أحيانًا يعترضنا مسائل نبحث عنها في كتب الفقهاء، فقهاء الحنابلة وفقهاء الشافعية وغيرهم ما نجدها، نرجع إلى القرآن والسنة نجدها موجودة تتبين لنا، واضح؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: والكتاب والسنة الرجوع إليهما يفيد الإنسان في الحقيقة فائدتين عظيمتين؛ أولًا: الطمأنينة والاستقرار؛ لأن اتباع كلام أهل العلم وإن كان الإنسان قد يطمئن له بعض الشيء، لكن ما يكون طمأنينته إليه كطمأنينته إذا ما دلَّ عليه الكتاب والسنة.
الشيء الثاني: أنه يستطيع أن يُقنع غيره ويُطَمئن غيره، صح ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأنك لو قال لك إنسان: طيب، (...) لِمَ نقول: هذا حرام؟ حرام؛ لأن الله يقول: حرام، أو لأن الرسول ﷺ يقول: حرام، حينئذ يطمئن، لكن لو تقول له: لأنه في الكتاب الفلاني حرام، الكتاب الفلاني هل صدر عن وحي؟ لا.
إذن الفائدة هذه: الطمأنينة وإقناع الغير؛ الرجوع للكتاب والسنة؛ ولهذا أنا أحب أن يكون دائمًا رجوعنا إلى الكتاب والسنة، وليس معنى ذلك أنني أقول: اطرحوا كلام أهل العلم، لا، كلام أهل العلم مفاتيح لهذه الخزائن، وكم من إنسان ما يهتدي بالكتاب والسنة إلا حيث يدخل ما دخله هؤلاء العلماء.
ففرق بين مَنْ يقول: اتبع الكتاب والسنة واقتدِ بكلام أهل العلم بالنسبة لفتح هذه الخزائن من الكتاب والسنة ومن يقول: اقتد بالكتاب والسنة واطرَح كلام أهل العلم ولا تلتفت له ولا تعدَّه شيئًا. هذا ما هو بصحيح هذا؛ لأن بعض الناس الآن ما يرى كلام أهل العلم شيئًا إطلاقًا، ولا يرجع إليه أبدًا، فهذا ما هو بصحيح. فدائمًا الحق يكون بين طرفين متطرفين، إي نعم.
إذن القرآن سبيل لكل شيء.
* فيه أيضًا: دليل على أن القَصص يسمى تلاوة، قَص الإنسان للقصة، يقال: تلاها عليهم، من قوله تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ﴾ [القصص ٣].
* ومن الفوائد أيضًا: أهمية قصة موسى مع فرعون؛ ولهذا تكفَّل الله تعالى بتلاوتها على نبيه ﷺ لأهميتها وبيان فوائدها وكثرتها، وليس أن عندكم وقتًا حتى نقول: اجمعوا القصة من جميع أطرافها، واستنبطوا ما فيها من الفوائد، وهذه الطريقة سلكناها مع طلبة معهد ثانوي؛ كنا نُدَرِّس في الثانوي في معهد، وكان من المقرر عليهم سورة غافر، سورة غافر فيها قصة موسى، وطلبنا منهم استنباط الفوائد منها، لكن لما كان الطلبة نشيطين، ما هم مثل الوقت الحاضر يعني، هذا يمكن قبل حوالي عشرين سنة.
إنما على كل حال هذه القصة -قصة موسى وفرعون- من أهم القصص، ولهذا يكررها الله تعالى في القرآن بأساليب مختلفة، وهنا يقول: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى﴾.
* وفيه أيضًا: دليل على -الفائدة الثانية- أن ما أخبر الله به فهو حق، جميع ما أخبر الله به عن هذه القصص فهو حق، وقد سبق أن قلنا: إن الحق إذا وُصف به الخبر فهو بمعنى الصدق، وإذا وُصف به الحكم فهو بمعنى العدل.
* من فوائدها؛ ومن الفوائد: أن هذه القصص سبب للإيمان.
* ومن فوائدها أيضًا: أنها زيادة في الإيمان، سبب لمن لم يؤمن أن يؤمن، ولمن آمن أن يزداد إيمانه ثباتًا وكَمِّيةً، ويش الدليل أنه ينتفع بها غير المؤمن؟ قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]، كل إنسان ذو لب وعقل لا بد أن يعتبر وينتفع، إي نعم.
* ومن فوائد الآية: بيان ما كان عليه فرعون من العلو والجبروت: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٤].
* ومن فوائدها: أن مَن علا في الأرض وطلب العلو على الخلق فهو شبيه بفرعون، ورِث هذه من فرعون، وبئس الرجل يكون إمامُه فرعون.
* ومن فوائدها: أن تفريق الأمة سبب لفشلها وذُلها. من أين يؤخذ؟
* طالب: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص ٤].
* الشيخ: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن حكمة الإنجليز المشهورة: (فرِّقْ تَسُد) فرعونية ولّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: فرعونية؛ لأنه هو الذي جعل (...) ليسود به.
* ومنها، من فوائد الآية: أن بني إسرائيل من أهل مصر مع أنهم في الأصل من أهل الشام، فيتفرع على هذه الفائدة: أن من سكن أرضًا وأقام فيها وإن لم يكن من أهلها في الأصل نُسِب إليها وصار من أهلها.
ومنها: بيان شدة استضعاف فرعون لبني إسرائيل؛ حيث كان يذبح أبناءهم ويستحيي نسائهم، لماذا؟ قيل: لأنه أُخبِر بأنه سيولد من بني إسرائيل ولد يكون هلاكك على يديه.
وقيل: لأن ذلك هو الطريق لإذلال الأمة؛ لأنه إذا ذهب الرجال وبقي النساء صرن إماءً للمستعبِد بلا شك، ما عندهن قَيِّم ولا مدافع.
* ومن الفوائد في الآية: أن هذا العمل -العلو في الأرض، والعتو على الخلق، والسعي بينهم بالتفريق- أنه من الإفساد. منين نأخذها؟
* طالب: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص ٤].
* الشيخ: من قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
عكس ذلك إذن الذي يتواضع للحق وللخلق ويجمع الأمة ويَقصُر عدوانه يكون من المصلحين؛ لأن بضدها تتبين الأشياء، فإذا كانت هذه الأمور من الفساد فضدها من الصلاح.
* من فوائد الآية: إثبات إرادة الله في قوله: ﴿وَنُرِيدُ﴾، ووجه إثبات الإرادة من قوله: ﴿وَنُرِيدُ﴾ مع أن (نريد) فعل وليس اسمًا، نقول: لأن الفعل يدل على الحدث وزمانِه، فـ(نريد) مشتق منين؟
* طالب: من الإرادة.
* الشيخ: من الإرادة، (نريد) مشتق من الإرادة؛ وعليه فنقول: إنه يدل على إثبات الإرادة لله، أثبتها المعتزلة؛ الإرادة؟
* طالب: نفوها.
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: نفوها. الأشاعرة أثبتوا الإرادة، قالوا: إن الله تعالى له إرادة؛ لأن التخصيص بكون الليل ليلًا والنهار نهارًا والحر حرًّا والبرد بردًا، يدل على إثبات الإرادة؛ إذ ما يقع هذا التخصيص إلا بإرادة، فهمتم؟
وهم -كما عرفنا من قبل- إنما يستدلون على إثبات الصفات بالعقل، وما خالف عقولهم وجب تأويله وصرفُه إلى ما يوافق العقل.
وقد مضى لنا هذا، ولكن لا بأس من إعادته؛ مضى أن هذه طريقة فاسدة، مخالفة للقرآن: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون ٧١]، قال الإمام مالك رحمه الله: ليت شعري بأي شيء يوزن الكتاب والسنة، أفكلما جاءنا رجل أجدل من رجل اتبعناه وتركنا قول الآخر؟! يستقيم هذا ولّا لا؟
* طالب: ما يستقيم.
* الشيخ: ما يستقيم.
إذن نقول: إثبات صفات الله بالطرق العقلية ونفي ما لم يدل عليه العقل فهذا في الحقيقة عدوان وطريق فاسد. على أننا نقول: إنه يمكننا أن نُثبِت ما نفيتم بطريق العقل كما أثبتم أنتم ما أثبتم بطريق العقل، بل أفلح وأبلغ.
ظهور صفة الرحمة في المخلوقات أبلغ من ظهور صفة الإرادة.
* طالب: الإحسان.
* الشيخ: نعم، الإحسان إلى الخلق بالرزق والإمداد والإعداد وبجميع ما يتمتعون به، هذا ظاهر لكل أحد ولَّا لا؟ لكن كون هذا حَرًّا وهذا بردًا يدل على الإرادة، دلالة هذا على الإرادة أخفى من دلالة النعم على الرحمة بلا شك ولَّا لا؟
أيضًا نصره للطائعين وخذلانه للعاصين يدل على الحب والبغض ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لولا أنه يحب هؤلاء ما نصرهم، ولولا أنه يبغض هؤلاء لنصرهم، وهذا معروف، حتى الإنسان إذا صار يبغض واحدًا ما ينصره، وإذا صار يحبه ينصره. إذن نصرُه لهؤلاء وإذلاله لهؤلاء دلَّ على إثبات المحبة والبغض، وهم ينكرون ذلك ويقولون: العقل ما يدل عليه.
فإذن -الحمد لله- الحق واضح، ما من شيء يزعم هؤلاء أن العقل ينكره أو لا يثبته إلا وجدنا أن العقل يثبته كما أثبته الشرع.
* فيه أيضًا دليل.. يستفاد من فوائد الآية: تمام قدرة الله عز وجل، تمام القدرة؛ وجهُه أن هؤلاء المستضعفين جعلهم أئمة ووارثين لهؤلاء الطغاة، ولَّا لا؟ طيب، جعلهم وارثين بقدرتهم ولّا بقدرة الله فقط؟
* طالب: (...).
* الشيخ: في الحقيقة (...)؛ يعني: المسلمون من هذه الأمة ورثوا ديار الروم وديار الفرس بفعلهم وجهادهم، لكن إرث بني إسرائيل لديار فرعون بلا سبب منهم، بل هو من الله عز وجل محض، ولهذا قال: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، فهو بفعل الله سبحانه وتعالى المحض.
* يستفاد منه -كما قلت قبل قليل- تمام قدرة الله عز وجل، وأن الله ييسر لعباده من النصر ما لم يكن في مقدورهم ولا في حسبانهم.
* فيه أيضًا من فوائد الآية: أن من استُضعف لقيامه بالحق فلا بد أن تكون العاقبة له، كل من استُضعف لقيامه بالحق فلا بد أن تكون العاقبة له؛ لأن قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وإن كان في سياق بني إسرائيل فغيرهم داخل في العموم؛ العموم اللفظي إذا قلنا: ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ في أي مكان وزمان، أو العموم المعنوي وذلك بقياس غيرهم عليهم؛ لأن الدلالات -دلالات العموم- إما لفظية أو معنوية، فالقياس الصحيح دلالة اللفظ على المقيس دلالة معنوية، فحينئذٍ نقول: ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إذا جعلناهم هم بني إسرائيل فقط، فالمستضعفون بقيامهم في الحق من غيرهم مثلهم ولَّا لا؟
* طالب: مثلهم.
* الشيخ: مثلهم؛ لأن الله يقول: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ بعدها؟ ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح ٢٣]، سنة الله في الخلق واحدة؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس بينه وبين أحد نسب حتى يراعيه، أو حسب حتى يراعيه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ مَن؟ ﴿أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣].
فإذن نقول: في هذه الآية دليل على أن من استُضعِف في طريق الحق -يعني لقيامه بالحق- فإن العاقبة له.
هنا قد توردون عليَّ أن أناسًا استضعفوا في الحق وقُتلوا أو طُرِدوا أو ما أشبه ذلك، فأين العاقبة التي تلزمهم؟
نقول: إن العاقبة لا تكون للشخص الجسدي فقط، بل للشخص المعنوي. مقالة هذا لا بد أن تُنْصَر. وانظروا الآن من سبقنا من أهل العلم، كل عالِم أُوذِيَ في الحق -سواء قُتل أو ما قُتل- فإنك تجد مقالاته تبقى وتنتشر أكثر من غيره، أكثر بكثير من غيره، وهذا واضح لمن تأمله.
إذن فالنصر للقائل في حياته أو لمقالته بعد وفاته، والإنسان المجاهد لله هو لا يريد أن يبقى بنفسه، ويش همه؟ أن يبقى هذا الحق الذي قام به، ما يهمه أنه يبقى هو أو ما يبقى إذا كان يدعو إلى الله، أما من يدعو إلى نفسه -ونسأل الله أن يعيذنا من ذلك جميعًا- فهذا نعم هو الذي يقول إذا قُتل أو أوذي: إنه ما انتصر، لكن من يدعو لله ما يهمه إلا أن تنتصر هذه الدعوة،؛ ولهذا هو يقاتل لها ومن أجلها.
* طالب: (...)، كيف لعدوه بالمقابل يقرأ هذه القصة ويقول: لا بد من نصر الله؟
* الشيخ: إي، لكن لا بد من نصر الحق بأسبابه، إذا أعيتك الأمور جاء النصر من عند الله بدون سبب، لكن ما دام أنه أنت مأمور بطريق معينة قد لا تُنصر لمخالفتك إياه، قد لا تُنْصَر من أجل مخالفتك إياه وتقصيرك؛ لأن الإنسان ليس معناه كل من حسنت نيته حسن فعله ونُصِر، لا، قد يختلف الأمر، ولذلك مسائل هذه الأمور من أدق المسائل، ونحن قد تكلمنا عنها كثيرًا؛ لأن هذه المسائل دقيقة جدًّا، والإنسان يمشي كأنه كُرة في يَمٍّ، نعم، تقلبها الرياح، أحيانًا يجيئها ريح عاصف تبعدها أميالًا، لذلك الإنسان يجب أن يكون متزنًا، ما يكون متهورًا، إذا تهوَّر ثم خالفه النصر، فالبلاء من عند نفسه.
* فيه أيضًا، من فوائد الآية: فضائل بني إسرائيل، مناقب بني إسرائيل؛ لقوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾، وهنا قد يُشْكِل على الإنسان أن الله تعالى يقول هنا: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾، وفي آيات كثيرة يَذُمُّ بني إسرائيل؟
نقول: الله سبحانه وتعالى بيَّن السبب في جعل هؤلاء أئمة، فقال تعالى في سورة (آلم تنزيل) السجدة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤]، فهم حين كانوا متصفين بهذين الوصفين الصبر واليقين كانوا أئمةً، وقد أخذ شيخ الإسلام من هذه الآية جملة، فقال: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، لكن لما تخلف الصبر وتخلف اليقين منهم ويش صاروا؟
* طالب: قردة.
* الشيخ: صاروا على العكس، نعم، صاروا قردة خاسئين، وجاءت الآيات بذمهم، فالآيات لا يكذب بعضها بعضًا، ولكن هناك أشياء توجب تقلُّب أحكام بعض الآيات؛ لتخلف السبب.
* ومن فوائد الآية: أن المسلمين إذا استولَوا على بلاد الكفار ملكوها، منين نأخذها؟
* طالب: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، والوارث يملك ما ورث، ولَّا لا؟ الوارث يملك ما ورث، فهم يجعلهم الله وارثين كاملًا؛ ولهذا قال أهل العلم: إن الأراضي تُملك.
* ومن فوائد الآية: أن الأراضي ليست من الغنائم المحضة، فهنا قال: ﴿نَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ مع أن الرسول ﷺ يقول: «أُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]، شوفوا هذا الآن هذا التقرير اللي أقرر، شوفوا هل هو صحيح ولَّا ما هو بصحيح؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أعتقد أنه ما هو بصحيح؛ لأن الله تعالى ورَّث بني إسرائيل أرضهم وأموالهم، أرض بني فرعون وأموالهم، قال الله تعالى في سورة الشعراء..
* طالب: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩].
* الشيخ: لا، قبلها: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٧ - ٥٩]، فالكنوز ما فيه شك أنها مغانم، وهو يقول: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فكيف نجيب عن الحديث؟
الجواب أن نقول: إن هؤلاء لم يرثوها بالقتال، والغنيمة معروفة أنها ما أخذت عن طريق قتال الأعداء، هؤلاء ما ورثوها بالقتال، بقوة الله عز وجل التي ليس لهم إليها سبيل؛ وعلى هذا فلا تُخالف قول الرسول ﷺ: «أُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي».
* طالب: المساكن والأراضي التي (...)؟
* الشيخ: المساكن والأراضي كنوز أيضًا.
* الطالب: يعني: تدخل على أنها (...)؟
* الشيخ: لا، أنا قلت: التقرير، ما قررت هل هو صحيح ولَّا غير صحيح؟
* الطالب: على (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، الأراضي قيمة نعم، الأراضي قيمة، إي نعم.
* طالب: تدخل في الغنائم؟
* الشيخ: نحن قلنا: إن الغنائم الشيء المنقول، ثم إننا أبطلنا هذا وقلنا: إن بني إسرائيل أُورثوا الأراضي وأُورثوا الكنوز، والكنوز شيء منقول، ولَّا لا؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وأوردنا على هذا الإشكال في قول الرسول ﷺ: «أُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي».
وهب أنك قلت: إن الأراضي ما هي من الغنائم لكن الكنوز من الغنائم. أجبنا على هذا؛ فقلنا: إن ملك بني إسرائيل لأرض آل فرعون وكنوزهم بغير قتال، والغنائم التي تُملَك هي التي تكون بطريق القتال، هذا الذي قاله الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا لَمْ تُحَلَّ لِأَحِدٍ قَبْلِي».
* طالب: كان فيه غنائم يا شيخ؟
* الشيخ: فيما سبق؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: فيه غنائم، لكنها ما تحل للمقاتلين.
* الطالب: وما شأنها؟
* الشيخ: شأنها أنها تُجمع ثم تَنزل عليها نار من السماء فتحرقها، ثم إنه إذا كان فيها شيء من الغلول ما تَنْزِل النار، سبحان الله العظيم! ما تنزل، حتى لا يُفقد شيء، إذا فُقد شيء نزلت النار وأحرقتها.
* طالب: حكمة إحراق الغنائم (...)؟
* الشيخ: الحكمة منها لأجل قطع التعلق بها نهائيًّا؛ لأنها هي لو تبقى تداولها الناس بالبيع والشراء والانتفاع وصار ملكوها.
* الطالب: وهذه الأمة آخر الأمم.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فلو مثلًا مُنعت من الغنائم لكان أولى؛ لأنها أقوى إيمانًا.
* الشيخ: لا، ما هو صحيح هذا، ما هو علشان هذا، لكن هذه الأمة اللهُ سبحانه وتعالى أمدَّها بأشياء لتستعين بها، ولا مانع أن الإنسان اللي يكون أفضل أنه يُمَدَّ بأشياء ليصل إلى الفضيلة، أليس النبي عليه الصلاة والسلام قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ ومع ذلك هو يستغفر الله سبحانه وتعالى، ونحن أيضًا مأمورون بأن نصلي عليه مع أن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٦]، إي نعم، فلا يلزم من الوصول إلى الكمال ألا يسعى الإنسان بأسبابه.
* طالب: النبي علل يا شيخ رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا.
* الشيخ: إي، هذه هي، وحتى الرسول قال: «جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي»[[أخرجه أحمد (٥١١٤) من حديث ابن عمر.]] لأجل يعيننا على هذا.
* طالب: (...) قصة اللي وجد الغلول؟
* الشيخ: بس المشكلة إبراهيم يقول: كيف أنها تُحَلُّ لنا ونحن أفضل الأمم؟ لماذا لا يوكل الأمر إلى مناقبنا وفضائلنا؟
نحن نقول: هذا من نعمة الله، من تمام نعمة الله أن نصل إلى درجة الكمال، وتحل هذه المغانم لأجل أن نستعين بها على (...).
* من فوائد الآية الكريمة: أن التمكين في الأرض -تمكين الإنسان في الأرض- من نعمة الله علينا؛ لقوله: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٦]، ولَّا لا؟ لأن هذا من جملة ما أنعم الله على بني إسرائيل أنْ مكنهم في الأرض، فكون الإنسان يُمكَّن له في الأرض سواء كان هذا التمكين عن طريق السلطة، سلطة السلطان، أو عن طريق سلطة القرآن.
لاحظوا يا جماعة أن التمكين في الأرض ما هو معناه أن الإنسان يحكم الناس ليكون سلطانًا عليهم، لا، بل من التمكين في الأرض أن الله يمكِّن له حتى يكون لقوله سلطان على المؤمنين.
فمثلًا شيخ الإسلام ابن تيمية مُكِّن له في الأرض ولّا لا؟ مُكِّن له في الأرض أعظم من تمكين الولاة في وقته، تمكين الولاة في وقته انقضى بموتهم، لكن تمكين الله لهذا الرجل حتى كان قوله معتبرًا بين الناس باقٍ إلى الآن؛ فإذن التمكين في الأرض وإن كان يتبادر إلى الذهن أنه تمكين السلطان، فينبغي أن نقول: وتمكين أيش؟ القرآن، بمعنى: أن من قام بالحق فإنه يكون لقوله سلطان وقوة، وهذا أيضًا جاء بالحديث شاهدًا له «بأن الله تعالى إذا أحب عبدًا وضع له القبول في الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٩)، ومسلم (٢٦٣٧ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة.]]، بمعنى أنه يكون له قبول ولقوله نفاذ، فهذه من تمكين الله تعالى في الأرض.
* ومن فوائد الآية أيضًا: كان موقفها ذذكرناه، لكن قوله: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص ٦]، هذا من جملة الأمثلة على قدرة الله عز وجل.
* من فوائدها: أن فرعون وقومه كانوا يَحذرون من بني إسرائيل، فأراهم الله تعالى ما كانوا يَحذرون. وهنا إشكال: كيف أراهم الله تعالى ما كانوا يحذرون مع أنهم هَلكوا؟
* طالب: أراه عندما أدركه الغرق قال: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠].
* الشيخ: قصده ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ﴾؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ﴿وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ [القصص ٦].
* الطالب: جنودهم معهم، اللي غرقوا كلهم (...).
* الشيخ: إي، لكن أقول: مَنْ غرق ما عرف (...).
* الطالب: عرف، لما غرقوا كل (...)، كل واحد وكل شخص عرف بأن بني إسرائيل قد (...).
* الشيخ: يعني عند خروج روحه مثلًا؟
* الطالب: في آخر لحظة.
* الشيخ: طيب، في آخر لحظة عرف.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، كذا؟ هذا هو الأصل، وبعضهم قال: إن ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾، ما هو المراد الهلاك، المراد بـ﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ منازعة آل فرعون؛ فإن بني إسرائيل لما بُعِث موسى استقووا، وقصة السحرة واضحة فيها، لما اجتمعوا واجتمع الناس في يوم عيدهم وفي الضحى في رابعة النهار وصارت الهزيمة على مَن؟ على آل فرعون، الهزيمة على آل فرعون، هُزِمُوا حسًّا ومعنًى، ولَّا لا؟ هُزموا حسًّا بأن عصا موسى ﷺ جعلت تَلْقَف ما يأفكون، وهُزموا معنًى بأن السحرة أنفسهم آمنوا وصرحوا للملأ بأن فرعون هو الذي أكرههم على السحر، وبَيَّنوا أن الرب الحقيقي هو رب موسى وهارون سبحانه وتعالى. هذه هزيمة معنوية، بالإضافة إلى الهزيمة الحسية، أليست هذه تغيظ آل فرعون؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: تغيظ فرعون وهامان وجنودهما غيظًا عظيمًا.
إذن يمكن أن نجيب عن هذا بجوابين:
أحدهما: ما ذكرتم؛ أن كل واحد في آخر لحظة في حياته يتبين له أنه خاسر وأن بني إسرائيل هم الغالبون.
والثاني: أن نقول: إن الله تعالى أراهم منازعة بني إسرائيل لهم وظهورَ بني إسرائيل عليهم في ذلك الْمَجْمَع العظيم: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾، ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ هو يوم العيد يتزين الناس به، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾ يجمعون، ﴿ضُحًى﴾ [طه ٥٩] في رابعة النهار.
هذا الموعد الذي من موسى وهو الذي اقترحه، موسى هو الذي اقترحه؛ لأنه واثق عليه الصلاة والسلام بأن الله سينصره، حصل هذا الاجتماع في هذا اليوم، وصار في الحقيقة يوم عيد لبني إسرائيل ويوم شر وسوء لفرعون، نظير ما قال أبو جهل: إننا ما نرجع حتى نصل إلى بدر ننحر الجزور ونسقي الخمور وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدًا[[دلائل النبوة للبيهقي (٩٤٨) من حديث عروة بن الزبير.]]. صحيح (...)، سمعت العرب والعجم أيضًا بهذه الغزوة، لكن كانوا تغنِّي لهم القيان ولَّا يُغنى عليهم؟ لهم ولّا عليهم؟
* طالب: عليهم.
* الشيخ: عليهم في الحقيقة، سمعوا ما به ظهور عوَرِهم وظهور -والعياذ بالله- جبروتِهم، حتى أعز الله تعالى الإسلام والمسلمين في (...).
* طالب: (...) ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء ٥٦].
* الشيخ: نعم.
* الطالب: حصل خوف في ما كانوا يحذرون.
* الشيخ: إي، هذا يؤيد الوجه الثاني.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ترى ما فيه مانع أننا (...) نمشي شوي، المهم الفائدة نعم.
* طالب: الفائدة (...) أنه جعل كل معركة (...) لجعلهم أئمة؟
* الشيخ: إي نعم، إي الجعل له معان في الحقيقة متعددة، الجعل هو كل معانيه تعود إلى التصيير في الحقيقة، كل معانيه بالنسبة لله عز وجل تعود إلى التصيير، لكن التصيير تصيير المعدوم موجودًا.
القصص 28:7
(...) ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ الوحي في اللغة: الإعلام بسرعة وخفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ١١] ويطلق على معانٍ متعددة؛ منها:
الوحي الشرعي وهو وحي النبوة أو الرسالة، ووحي الإلهام وهو: ما يلقيه الله تبارك وتعالى في نفس الموحى إليه، ووحي النوم؛ فإن النوم الرؤيا الصالحة فيه جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩٨٣)، ومسلم (٢٢٦٣ / ٦) من حديث أنس بن مالك.]].
ننظر إلى هذه الآية: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾، فإذا وحي النبوة أو الرسالة خير منه؛ لأن الذي أُوحِيَ إليها ليس بشرع، ترضعه.. إلى آخره.
ثم إن الصحيح أنه لم يُبعث أحد من النساء نبيًّا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف ١٠٩].
إذن يكون الوحي هنا إما إلهامًا وإما منامًا؛ فالإلهام ليس بالشيء الغريب، أن تلهَم امرأة ما يكون في مصلحتها، فالله تبارك وتعالى ألهم النحل، وهو (...) بني آدم ما فيه مصلحتها: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ إلى آخره [النحل: ٦٨].
ولهذا قال المؤلف: (﴿﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ ﴾ وحي إلهام أو منام).
(أو) هنا للتنويع؛ تنويع الخلاف في هذه المسألة، فإن بعض العلماء يقول: إن الوحي وحي إلهام، وبعضهم يقول: إن الوحي وحي منام. والمهم أنه ليس وحي رسالة أو نبوة.
وقوله: ﴿إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾؛ يعني التي ولدته، وهذا هو الأصل في الأم: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة ٢]، وأما الأم من الرضاعة فلا تذكر مطلقةً، وإنما تُذكَر مُقَيَّدة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء ٢٣]، ثم قال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء ٢٣]، فالأم من الرضاعة لا تدخل في مطلَق الأم، بل لا بد أن تكون مقيدة.
أنت معنا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: وأيش قلنا؟
* الطالب: قلنا: إن الأم من الرضاعة (...).
* الشيخ: عند الإطلاق.
* الطالب: عند الإطلاق (...).
* الشيخ: طيب. وإنما قَرَّرْتُ هذا ليتبين أن قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء ٢٣]، المراد بها الأم التي وَلدت دون أم الرضعات.
قال: (﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ وهو المولود المذكور ولم يشعُر بولادته غيرُ أخته).
(...) المولود المذكور؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) وهو المولود المذكور؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أو المذكور في الآية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب، وهو المولود المذكور؛ لأنه ما من أم إلا ولها ولد.
وقوله: (ولم يشعُر بولادته غيرُ أخته)، هذا من الأقوال الإسرائيلية التي لا تُصدَّق ولا تُكذَّب؛ لأنه ما الذي أدرانا أنه لم يشعر به إلا أخته؟ ما عندنا أحد يدلنا على هذا.
وقوله: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ﴿أَنْ﴾ هذه تفسيرية، وضابط التفسيرية: التي تقع بعد ما فيه معنى القول دون حروفه، كل (أن) إذا وقعت بعد ما فيه معنى القول دون حروفه فهي تفسيرية ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ومثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧] وأمثالها كثير.
﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ وهذا دليل أن هناك خوفًا من آل فرعون، وأنهم يلتقطون الأولاد، ولهذا قال: ﴿إِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ فسَّره بقوله: (البحر)، ثم فسَّر (البحر) بقوله: (أي: النيل). فاليم هو البحر كما قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص ٤٠]؛ يعني: البحر، والمراد بالبحر هنا النيل، وسُمِّيَ بحرًا وإن كان نهرًا لكثرته واتساعه.
﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي﴾ قوله: ﴿فَإِذَا خِفْتِ﴾ هذا فعل الشرط، وجواب الشرط ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾، وهو من الغرائب أن من يُخاف عليه يُلقَى فيما فيه هلاكه؛ لأن إلقاءه في البحر ويش معناه؟ استعجال الهلاك له؛ لأن المعروف أنه يموت إذا ألقي في البحر، وهذا من آيات الله عز وجل أن يكون موسى يُلْقَى في مكان الخوف فلا يموت، ثم يعيش بين أحضان فرعون الذي كان يتتبع أولاد بني إسرائيل فيَقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم. هذه من الآيات الدالة على كمال قدرة الله عز وجل، وأن الله إذا حفظ أحدًا فإن الأسباب المؤدية إلى الهلاك لا تؤثر ولا يكون لها تأثير، وأن قدرة الله فوق الأسباب؛ ولهذا النار مُحرِقة بلا شك وصارت على إبراهيم بردًا وسلامًا.
﴿إِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي﴾ أيش ﴿تَخَافِي﴾؟ قال المؤلف: (غرقَه)، فمفعول ﴿تَخَافِي﴾ محذوف، قدَّره بقوله: (غرقَه) وهو واضح.
(﴿﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ ﴾ لفراقه)، قال: (لفراقه)؛ لأن الحزن يكون في الماضي، والخوف في المستقبل، فما أَهَمَّ الإنسانَ فإن كان مستقبلًا فهو خوف، وإن كان ماضيًا فهو حزن. هنا قال الله لها: ﴿لَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾، فإن الأمر سيكون على خلاف ما تتوقعين، ولهذا قال: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿إِنَّا رَادُّوهُ﴾، ما قال: نَردُّه؛ لتكون الجملة اسميةً، والجملة الاسمية تدل على الثبوت والاستقرار.
وقوله: ﴿إِنَّا﴾ (...) بضمير الجمع للتعظيم.
وقوله: ﴿رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ أي: مُرجِعوه، ولم يبين الله تبارك وتعالى المدة التي تَفقِده فيها، ولكن الظاهر أنها ليست ببعيدة كما سيأتي في آخر القصة.
وقوله: ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ هذه بَشارة فوق البشارة الأولى، وهو أن يكون هذا المولود من المرسلين، أي ممن أرسلهم الله تبارك وتعالى وأكرمهم بالرسالة.
هذه الآية فيها أمر وفيها نهي، أين هي؟ فيها أمران ونهيان وبَشارتان، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: أمران ونهيان وبشارتان؛ الأمران قوله: ﴿أَرْضِعِيهِ﴾ و﴿أَلْقِيهِ﴾، والنهيان: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾، والبشارتان: ﴿رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
(فأرضعته ثلاثة أشهر لا يبكي، وخافت عليه فوضعته في تابوت مُطلى بالقار من داخل، مُمَهَّدٍ له فيه وَأغلقَتْه وألقَتْه في بحر النيل ليلًا).
قوله: (أرضعته ثلاثة أشهر) ما في الآية ما يدل عليه، إنما لا شك أنها امتثلت أمر الله، أرضعته، ولما خافت عليه ألقته.
وقول المؤلف: إنها (وضعته في تابوت) منين أخذها؟
من آية أخرى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه ٣٩]، وهذا من إرشاد الله تبارك وتعالى لها؛ لأنه ما أمرها (...) تلقيه (...) في البحر، وإنما أمرها أن تلقيه في تابوت ليكون حفظًا له، والتابوت يكون من الخشب، والخشب عادة يطفو على الماء، ما يمكن (...)، فإذا جُعِلَ فيه القار فإنه أيضًا يمنع من دخول الماء إليه؛ لأنه ربما إذا دخل الماء إليه وتسلل في الخشب يَثْقَل ثم يغيض.
وأما قوله: (وألقَتْهُ فِي بحر النيل ليلًا)، منين أخذ قوله: (ليلًا)؟ ربما يؤخذ من قوله فيما بعد: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص ١٠] أنها ألقته في الليل ثم جعلت توسوس فيه وتهتم له حتى كانت لا تفكر في غيره كما سيأتي.
ثم إنه أيضًا مما يؤيد ذلك: أن المرأة قد خافت عليه، وإذا خافت عليه فإنه من المستبعد عادة أن تخرج به نهارًا وتلقيه أمام الناس، فلا بد أن يكون ليلًا، فيكون هذا الحكم بأنه (ليلًا) مأخوذ من الآية ومن العادة، أن هذا لا يكون إلا في الليل.
قال: (﴿﴿فَالْتَقَطَهُ﴾ ﴾ بِالتابوت صَبيحَة الليل ﴿﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ ﴾).
﴿فَالْتَقَطَهُ﴾، ولم يقل: أخذه؛ لأنه أصبح في حكم اللقيط المنبوذ، وأهل العلم يقولون: إن اللقيط هو الطفل المنبوذ الذي طُرِحَ، يُسمَّى لقيطًا؛ ولهذا قال: ﴿فَالْتَقَطَهُ﴾، ولم يقل: أخذه؛ لماذا؟ لأن اللقيط هو الطفل المنبوذ، هؤلاء أخذوا هذا التابوت.
وقوله: ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ قال المؤلف: (أعوانه)؛ آله أي: أعوانه، ويَحتمل أن آله أي: قرابته.
على كل حال المهم أنه أخذه من ينتسب إلى فرعون وهو الملك.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، حتى الالتقاط يكون بقصد؛ لأن الملتقِط الذي يلتقط اللقيط المنبوذ مثلًا في الشارع أو المنبوذ في المسجد يريد أخذه، لكن هنا قد يُشْعِر بأنه شيء ظفر به، لكن إنما العلماء يقولون: إن الالتقاط يكون في الأصل في الطفل المنبوذ.
قال: (﴿﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ ﴾ فَوَضَعُوهُ بَيْن يَدَيْهِ) (وضعوه بين يديه)، أي: بين يدي فرعون، وكانوا لا يشعرون بالذي فيه، وربما يظنون أن الذي فيه مالٌ من الأموال.
(وَفُتِحَ وأُخْرِجَ موسى منه وهو يمُصُّ من إبهامه لبنًا)، هذا (...)، كونه يمص من إبهامه لبنًا معناه يرضع نفسه من نفسه، (...) فالعادة بأن الشيء المغلق الإنسان لا بد أن يفتحه وينظر ما فيه.
وأما كونه يمص من إبهامه لبنًا، فهذا من الأمور الإسرائيلية التي لا تُصَدَّق ولا تكذب، (...) بأنها تكذَّب، وأن هذا بعيد من العادة.
وقوله: (﴿﴿لِيَكُونَ لَهُمْ﴾ ﴾ فِي عَاقِبَة الْأَمْر) ﴿لِيَكُونَ﴾ الضمير يعود على مَن؟ على موسى، و﴿لَهُمْ﴾ الضمير يعود على ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾، ويدخل في ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ فرعونُ نفسه.
وقوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ قال المؤلف: (في عاقبة الأمر) إشارة أن اللام هنا للعاقبة وليست للتعليل؛ لأنهم لو شَعَروا بأنه يكون لهم عدوًّا وحزنًا قتلوه، ولكن العاقبة أنه كان كذلك. وما ذهب إليه ابن كثير رحمه الله من أن اللام هنا للتعليل باعتبار علم الله له وجه؛ يعني: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ في علم الله، وليست تعليلًا للالتقاط، هذا له وجه، لكن الأقرب ما ذهب إليه المؤلف وغيرُه من أن اللام هنا للعاقبة وليست للتعليل.
اللام التي تدخل على الفعل المضارع تنقسم إلى قسمين: زائدة، وغير زائدة. وغير زائدة تكون للتعليل وتكون للعاقبة وتكون لتأكيد النفي، هذه غير الزائدة. الزائدة: هي التي تقع في الغالب بعد فعل الإرادة؛ مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب ٣٣]، فإن اللام هنا زائدة؛ لأنك لو حذفتها وقدَّرت (أن) ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ﴾، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ أن يذهب، تم الكلام ولَّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: تَمَّ، يتم الكلام.
واللام غير الزائدة تكون للتعليل مثل: حضرت لأتعلمَ، أي: من أجل أن أتعلم. وتكون لتأكيد النفي مثل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٣٧]؛ ولهذا يسميها النحويون يسمونها لام الجحود، لام النفي، فهي لتأكيد النفي.
والثالثة تكون للعاقبة مثل هذه الآية: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
* طالب: بعد كان؟
* الشيخ: بعد (كان) مضارعة كانت أو فعلًا ماضيًا.
وقوله: (﴿﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ ﴾ يقتل رجالهم ﴿﴿وَحَزَنًا﴾ ﴾ يستعبد نساءهم) هذا فيه نظر، بل الظاهر أنه عدوٌّ لِمَا يحصل على يديه من الأضرار البالغة لآل فرعون.
﴿وَحَزَنًا﴾؛ لأنه سوف يُحزنه لما يظهر له من الانتصارات العظيمة، وأبلغُها متى؟ حين انتصر يوم الزينة؛ لأنه انتصر عليه انتصارًا بالغًا باهرًا، وحصل لهم بهذا من الحزن ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. ولم نعلم أن موسى ﷺ قَتل رجال آل فرعون، ولا أنه استعبد نساءهم، وإنما المعروف أن الله سبحانه وتعالى أغرقهم بفعله.
(وفي قراءة بضم الحاء وسكون الزاي لغتان في المصدر، وهو هنا بمعنى اسم الفاعل من حَزَنَه كَأَحْزَنَه). (...).
طيب، ﴿حَزَنًا﴾ يقول: (وفي قراءة) سبعية ولَّا شاذة؟
* طالب: سبعية.
* الشيخ: سبعية؛ لأنك تعرف المؤلف أنه إذا قال: (في قراءة) يعني سبعية، وإذا قال: (قُرِئ)؛ في الشاذ.
قال: (بضم الحاء وسكون الزاي)، ﴿﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحُزْنًا﴾ ﴾ [القصص: ٨]، ﴿﴿حُزْنًا﴾ ﴾ و﴿حَزَنًا﴾ معناهما واحد، وهما لغتان في المصدر.
منين مأخوذ؟ يقول: من (حزن كأحزن)، (حزنه كأحزنه).
أيش لون (حزنه كأحزنه)؟
يعني أن (حزن) الذي ليس مزيدًا بالهمزة مثل: (أحزنه) المزيد بالهمزة من حيث التعدي.
وقوله: (وهو هنا بمعنى اسم الفاعل)، ويش معنى (بمعنى اسم الفاعل)؟
* طالب: حازن.
* الشيخ: يعني بمعنى (حازِن) أي: (مُحزِن).
لماذا أوَّله المؤلف إلى هذا؟ لأن الحَزَن شعور في النفس، وموسى ﷺ هل يكون شعورًا في أنفسهم؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، لكنه مُدْخِلٌ لهذا الشعور -وهو الحُزْن- في أنفسهم، وعلى هذا فيكون ﴿وَحَزَنًا﴾ بمعنى: حازِنًا.
ويأتي المصدر دائمًا بمعنى اسم الفاعل ودائمًا بمعنى اسم المفعول، فيقال: فلان عَدْل رضا، ويقال أيضًا: فلان ثقة، و(عدْل) و(رضا) و(ثقة) مصادر بمعنى اسم الفاعل عادل، ورضا بمعنى مرضي، و(ثقة) بمعنى موثوق، بمعنى اسم الفاعل واسم المفعول.
وقوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ له، من حديث عائشة.]]، هذا مصدر بمعنى اسم المفعول.
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
ما هو العدو؟ العدو عند الفقهاء حَدّوه بتعريف هو حكم في الواقع، فقالوا: إن العدو من سرَّه مَساءة شخص أو غمَّه فَرَحُه؛ فهو عدوه، كل إنسان يَسُره أن تُساء ويُحزنه أن تُسرَّ فهو عدو، وكل إنسان يَسره أن تُسر ويُحزنه أن تَحزن فهو وَلِيٌّ؛ لأن العدو ضده الولي.
قال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾.
الجملة هذه تعليل لقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ كأنه قيل: لماذا يكون لهم عدوًّا وحزنًا؟ فبيَّن أن السبب في ذلك هو خطأ هؤلاء: فرعون الملك، هامان وزيره، جنودهما أتباعهما الذين يمتثلون بأمرهما، وأصل الجنود جمع جُنْد، والجند: هم أنصار الإنسان.
ويقول: (﴿﴿كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ ﴾ من الخطيئة أي: عاصين فعوقبوا على يديه).
الخاطئ والمخطئ ما الفرق بينهما؟ ويش الفرق بين الخاطئ والمخطئ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، يعني: مَنْ أتى الخطأ متعمدًا فهو خاطئ، ومن أتاه غير متعمد فهو مخطئ، ولذلك الخاطئ معذَّر، والمخطئ غير معذَّر، قال الله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق ١٦] كذا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: والمخطئ ليس عليه إثم ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦]. وفعل خاطئ.. الفعل من خاطئ خَطِئ، ومن أخطأ مُخطئ، هذا هو الفرق.
إذن قوله سبحانه وتعالى: ﴿خَاطِئِينَ﴾ أي واقعين في الخطأ عن عمد وقصد؛ ولهذا قال المؤلف: (أي عاصين فعوقبوا على يديه).
(﴿﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ ﴾ وقد هَمَّ مع أعوانه بقتله) أي: بقتل موسى (هو ﴿﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ ﴾).
عندي مكتوبة ﴿قُرَّتُ﴾ بالتاء المفتوحة، والقاعدة بالمربوطة، وهي كذلك فيما بقي من الآيات بالمربوطة: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان ٧٤] مربوطة، ولم تأت مفتوحة إلا في هذا في القرآن، وذُكرت في القرآن في موضعين سوى هذا، وكلها بالمربوطة، وإذا قيل: ما الفرق؟ نقول: إن هذا يُتبع فيه الرسم العثماني، هكذا رسمه الصحابة رضي الله عنهم.
وقوله: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ أولًا: ﴿قَالَتِ﴾ توجِّه الخطاب إلى مَن؟ إلى فرعون، و﴿قُرَّتُ﴾ قَدَّر المؤلف (هو)؛ ليبين أنه خبر مبتدأ محذوف.
وقوله: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ مأخوذ من القَرِّ أو من القَرَار؛ يعني: قصدي من هذا أو من هذا، ويصحُّ منهما جميعًا، من القَرِّ وهو البرد؛ لأن العين إذا بردت فإنها تكون علامة على السرور، ولهذا يقال: دمع السرور بارد، ودمع الحزن حار، ويقال: يبكي عليه بدمع حار؛ يعني: من الحزن.
إذن نقول: قرة العين كناية عن برودتها، وبرودة العين دليل على السرور.
وقيل: إنها من قَرَّ بالمكان، وهو القرار وعدم الاضطراب؛ لأن الإنسان إذا كان خائفًا بدأت عينُه تجول من هنا ومن هنا، تَشخَص وتجول وتَلَفَّت، لكن هذا دليل على أنها قارَّة، لكن قرارها دليل على أنها لم تخف.
﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾.
قولها: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ يدل على أنهم هَمُّوا بقتله، وإلا لما كان لقولها ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ فائدة.
وقولها: ﴿لِي وَلَكَ﴾ وقع كما توقعَت؟
* طالب: لا.
* الشيخ: بالنسبة لها نعم، لا شك أنه وقع الأمر كما توقعت، وصار هذا الولد قرة عين لها ورفعة لها في الدنيا والآخرة، وأما لفرعون فلا، ما صار قرة عين له، بل كان له عدوًّا وحزنًا. ومن غرائب التفسير أن بعضهم قال: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي﴾ وتقف، ﴿وَلَكَ لَا﴾ وتقف أيضًا!! و﴿تَقْتُلُوهُ﴾ جملة مستأنفة!! وهذا في الحقيقة من التلاعب بالقرآن؛ لأنه لو كان كما يقولون لقال الله تعالى: (تقتلونه)؛ إذ إن حذف النون هنا لا نعلم له سببًا سوى النهي، فكيف يُفسَّر كلام الله بمثل هذه التفاسير الباردة؟! ولكنه ذكرناه لأنه قد قيل به، وإلا فإنه -حتى إنه روي عن ابن عباس رضي الله عنهما[[انظر تفسير السمرقندي بحر العلوم (٢ / ٥٩٩).]] - ولكن هذا من أبعد ما يكون عن ابن عباس؛ لما فيه من تفكيك الكلام وتناثره وعدم التئام بعضه ببعض، ولأن النون في الفعل ﴿تَقْتُلُوهُ﴾ محذوفة مما يدل على أن ﴿لَا﴾ مسلَّطة عليها.
ولكنها هي رضي الله عنها -امرأة فرعون- إما أنها قالت ذلك من باب التهدئة له ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾؛ لتُهَدِّئه وتُفرِّحه، وإما أنها قالت ذلك معتقدةً له، ولكن ليس من اعتقد شيئًا يكون الأمر على وفاق ما اعتَقد، بل قد يُخلف الله سبحانه وتعالى اعتقاد الإنسان لحكمة يريدها، وهذا لا مانع منه أن تقول ذلك معتقدةً أنه سيكون قرة عين له ولها أيضًا.
ويدل لهذا قولها: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾.
﴿عَسَى﴾ للترجي، وقوله: ﴿يَنْفَعَنَا﴾ في الخدمة. ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ نتبناه. وقد قيل: إنه ليس لفرعون من امرأته ولد، فقالت: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. ومعلوم أن بين الأمرين فرقًا؛ فإن انتفاعهم به لا يجعلهم يحنُّون عليه كما يحنون على الولد، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: فالخادم عند الإنسان يأمره وينهاه، ولا يكون في قلبه له من الرحمة والرأفة والعطف ما يكون للولد، ولهذا قالت: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، وهذا انتقال من الأدنى إلى الأعلى.
إذن نحن لسنا محرومين من هذا الولد، فإما أن نتخذه خادمًا ننتفع به، وإما أن نتخذه ولدًا نفخر به ويكون لنا بمنزلة الولد.
هناك احتمال ثالث؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، فيه احتمال ثالث، أنه لا ينفعهم ولا يتخذونه، ولكنه لا يمكن أن يقال في هذا السياق؛ لأنها هي تريد ترغيبهم في إبقائه، والترغيب في الإبقاء لا يُذكر فيه إلا الصفات المرغوبة، وهي أنه ينفع أو يُتَخذ ولدًا.
قال: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
نعم، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ هذه جملة من كلام الله ولَّا من كلامها هي؟
الظاهر أنها من كلام الله، يعني ﴿وَهُمْ﴾ أي آل فرعون ومنهم المرأة ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ بعاقبة أمر هذا الولد؛ لأنهم لو شعروا بعاقبة أمره قبلوا منها مشورتها ولّا لا؟ ما قبلوا، ولكن الله سبحانه وتعالى أعمى ذلك عنهم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: دلَّ على أنها..؟
* الطالب: عاقر.
* الشيخ: عاقر؟ أقول: قيل ذلك، قيل: إنه ليس له ولد منها.
* الطالب: يعني لو كان لها ولد (...).
* الشيخ: ما هو بلازم في الحقيقة؛ لأنه قد يتبنى الإنسان شخصًا زيادة، فهو ما دام ما فيه شيء بيّن ما نجزم به، نقول: ربما يكون هذا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، بعضهم يقول: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ آل فرعون، آل فرعون لا يشعرون بما تريده المرأةُ، وكأن المرأة ألهمها الله عز وجل مآل هذا الرجل، وأما هم فلا يشعرون، لكن الأقرب أنه من كلام الله سبحانه وتعالى.
* طالب: كلام امرأة فرعون هذا بعد ما أسلمت ولَّا قبل أن تسلم؟
* الشيخ: لا، قبل أن تسلم، (...).
* الطالب: يعني كانت قبل ذلك على عقيدة فرعون؟
* الشيخ: (...) على عقيدة فرعون، أي أنها ما أعادت على..، لكن الظاهر أنها على عقيدته؛ لأنها زوجته ولا بد أن تكون مطيعة له.
قال: (﴿﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ ﴾ بِعَاقِبَةِ أَمْرهمْ مَعَهُ)، وهذا واضح.
ثم قال الله تعالى: (﴿﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى﴾ ﴾ لَمَّا عَلِمَتْ بِالْتِقَاطِهِ ﴿﴿فَارِغًا﴾ ﴾ مِمَّا سِوَاهُ)، الله أكبر!
﴿وَأَصْبَحَ﴾ هذا بناء على أنها ألقته ليلًا، وتأتي كلمة (أصبح) بمعنى صار، بقطع النظر عن الزمن، في اللغة العربية تأتي (أصبح) بمعنى صار، وتأتي (أصبح) بمعنى صار في الإصباح، يقال مثلًا: صار الماء ثلجًا، أصبح الماء ثلجًا بمعنى: صار. في اللغة العامية الآن دائمًا يعبرون الناس يقولون: أصبح كذا وأصبح كذا، ويريدون بذلك أنه انتقل إلى هذا، كما أن الإصباح انتقال من الليل إلى النهار.
لكن هنا ليس ببعيد أنه في صباح تلك الليلة استولى عليها الوساوس والهواجس حتى صار قلبها فارغًا من كل شيء، ما تُفكِّر بأي شيء إلا بهذا الولد، وهذا -أعني أن المراد بالإصباح هنا الدخول في الصباح- أولى من أن نجعله بمعنى صار؛ لأنكم كما تعلمون الشيء يُحْزَن عليه عند فقده، لكن إذا طال الزمن فإنه قد يُنسى، الحوادث تنسيه، فالظاهر أن (أصبح) أي: في تلك الليلة.
﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ﴾ ما هو الفؤاد؟
* طالب: القلب.
* الشيخ: القلب.
﴿أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾، يقول: (مما سواه).
أما قول المؤلف: (لما علمت بالتقاطه) فهذا لا يتعين أنها علمت؛ لأنه بمجرد أن ألقته سوف توسوس به.
(﴿﴿إِنْ﴾ ﴾ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف؛ أي: إنها ﴿﴿كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ ﴾ أي: بأنه ابنها ﴿﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ ﴾) إلى آخره.
يقول: ﴿إِنْ كَادَتْ﴾ المؤلف أعرب ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة، ابن مالك يقول:
وَخُفِّفَتْ (إِنَّ) فَقَـــلَّ الْعَــــــــمَلُ ∗∗∗ وَتَـلْـــــــزَمُ الَّــــــــــلاَمُ إِذَا مَـــــاتُهْمَلُ؎وَرُبَّمَــــــــا اسْتُغْنِيَ عَنْــــــهَا إِنْبَدَا ∗∗∗ مَــــــــا نَاطِـــــــــــقٌ أَرَادَهُمُــعْتَـمِــــــــــدًا؎وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا فَلاَ ∗∗∗ تُلْفِيهِ غَالِبًا بِـ(إِنْ) ذِي مُوصِلَا
فالآية إذن جارية على اللغة الفصحى: لأن (كاد) ناسخ ولَّا غير ناسخ؟
* طالب: ناسخ.
* الشيخ: ناسخ، (كاد) ناسخ، نعم.
وهنا اللام ﴿لَتُبْدِي بِهِ﴾ لازمة ولَّا جائزة؟
* طالب: لازمة.
* الشيخ: رأي الجمهور لازمة؟ طيب، لو حذفناها وقلنا: ﴿إِنْ كَادَتْ﴾ تبدي به؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يمكن تكون بمعنى (ما)؟ يعني: ما كادت تبدي به؟
* طالب: قالوا: (...).
* الشيخ: إي أصل ها اللام.
....................... ∗∗∗ وَتَلْــــزَمُ الَّلاَمُ إِذَا مَــا تُهْمَــــلُ؎وَرُبَّمَـــا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا ∗∗∗ ........................
اللام تجب إذا كان حذفها يوقع في الإشكال؛ لأنك إذا حذفتها التبست بـ(إنْ) النافية، وإذا أوجبتها فإنها لا يكون الاشتباه؛ لأن لام التوكيد ما تأتي مع النفي، فما رأيكم في هذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن يختلف المعنى؛ لأنه ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ معناها أنها قرب إبداؤها لذلك، لكن (ما كانت لتبدي به) معناها مستحيل.
* طالب: (...).
* الشيخ: هي جائزة لأن السياق يدل على المعنى وهو قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾؛ لأن هذه الجملة لا تناسب أن تكون (إنْ) نافية، يعني: ما كادت تبدي به لولا أن ربطنا على قلبها؛ لأن الربط على القلب يقتضي الكتمان ولَّا البيان؟
* طالب: الكتمان.
* الشيخ: يقتضي الكتمان، ولا يصلح أن نقول: ما كادت تظهره ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا﴾؛ لأن ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا﴾ يستلزم ألا تظهره، فعلى هذا تكون اللام هنا جائزة. وهذا جائز من حيث الصناعة النحوية، أما من حيث التلاوة القرآنية فهو غير جائز حذفها، والسبب؟ لأن كلام الله لا يمكن (...) لا بالنقص ولا بالزيادة.
﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ تبدي أي: تُظهر، ﴿بِهِ﴾ أي: بموسى.
وأما قول المؤلف: (أَي: بأنه ابْنها) فهو بناء منه على أنها وصلت إلى آل فرعون، ولولا أن الله ربط على قلبها لقالت: هذا ابني، ولا شك أن هذا بعيد من القصة وبعيد من المعنى.
ولكنه ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي: لتظهر بما فعلته به، يعني: هي تحدث الناس وتقول: والله أنا فعلت كذا وفعلت كذا وألقيت ابني في اليم. إلى آخره، ولّا لا؟
وإنما قال: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ إذ إن المعروف أن الإنسان إذا حزِن بشيء فإنه يخفف من آلام الحزن على نفسه أن يتحدث به إلى أحد من الناس ممن يتصل به؛ ولذلك تجد الإنسان يضيق صدره بالشيء حتى يحدِّث به ولّا لا؟ هذا شيء معلوم، فهي لولا أن الله ربط على قلبها لأبدت ذلك الأمر، ما أبدت وقالت: إن هذا ابني، أبدت الأمر الذي وقع منها، وهو أنها ألقته في تابوت وألقته في اليم، لو فعلت هذا لكان كما يقول الناس: يطير الخبر؛ لأن الخبر مكتوم ما لم يَظهر، فإذا ظهر لواحد (...) يتشعب، فلو أبدته ولو لأقرب الناس إليها لظهر أمر الطفل ورُمي به، ولكن الله سبحانه وتعالى ربَط على قلبها.
ولهذا قال: (﴿﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ ﴾ بِالصَّبْرِ أي: سَكَّنَّاهُ).
الربط على الشيء معناه شد الرباط عليه، شوف ﴿رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أبلغ من أسكنا قلبَها؛ لأن الربط عليه معناه لا يمكن أن يتحرك، فهذا أبلغ. والله تعالى ربط على قلبها بحيث إنها صبرت ولم تحدِّث أحدًا بما جرى.
ولكن الذي وقع: ﴿قَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ وقد سبق أن المؤلف يقول: (ما اطلع على ولادته سوى أخته).
(﴿﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴾ المصدِّقينَ بوعد الله وجواب (لولا) دلَّ عليه ما قبلها).
قوله: ﴿رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أي: شددناه بالربط، والمراد به التسكين.
وقوله: ﴿لِتَكُونَ﴾ اللام للتعليل، أين المعلَّل؟
* طالب: رَبْط القلب.
* الشيخ: رَبْط القلب، يعني: رَبَط اللهُ على قلبها لهذه الغاية ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ليس المراد الإيمان الجديد؛ لأنها هي مؤمنة بلا شك، وأدَلُّ دليل على أنها مؤمنة أنها امرأة ألقت ابنها في اليم ثقةً بأيش؟
* طالب: بالوعد.
* الشيخ: بوعد الله عز وجل، ولكن المراد هنا بالإيمان الإيمان الزائد على أصله، الإيمان الزائد يعني: التثبيت واليقين ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذا هو الذي وقع.
وفي القصة فوائد عظيمة ومناقب لأم موسى.
..الآية أن الوحي ينقسم أو يطلق على ثلاثة إطلاقات.
* طالب: إما بشرع، شرعًا (...).
* الشيخ: وحيٌ بشرع.
* الطالب: والثاني: إمَّا وحي إلهام.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: يعني لو صار الوحي ينزل على..
* الشيخ: أولًا: وحي بشرع. ثانيًا؟
* الطالب: ثانيًا: (...) إما وحي..
* الشيخ: وحي منام.
* الطالب: وإما أن يكون وحي .. يعني شخص (...).
* الشيخ: نعم، أو وحي إلهام.
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني: أو وحي إلهام، كذا؟
طيب، مثال الأول: الوحي بالشرع؟
* طالب: الوحي للأنبياء.
* الشيخ: كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا﴾، من يقرأ الآية؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [النساء ١٦٣].
* الشيخ: زين، إلى آخره، هذا وحي بالشرع.
القسم الثاني: وحي الإلهام، مثاله؟
* طالب: (...).
* طالب آخر: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل ٦٨]، وهذه الآية أيضًا.
* الشيخ: وهذه الآية: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص ٧]، طيب، نعم الآية هذه فيها احتمال ثانٍ. ووحي منام.
* طالب: منام كقوله تعالى: (...).
* الشيخ: نعم.
* الطالب: وقوله تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات ١٠٥].
* الشيخ: نعم.
* الطالب: وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ».
* الشيخ: «جُزْءٌ».
* الطالب: «مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩٨٩)، ومسلم (١٧٧٤ / ٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]].
* الشيخ: إي، وهذه الآية على قول؛ ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ بعضهم يقول: وحي منام.
في هذه الآية: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ فيها أمران ونهيان وخبران؟
* طالب: أمران: ﴿لَا تَخَافِي﴾.
* الشيخ: لا، ﴿وَلَا تَخَافِي﴾ هذا أمر ولَّا نهي؟!
* الطالب: أمران: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾.
* الشيخ: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾، نعم.
* الطالب: ﴿أَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾.
* الشيخ: ﴿أَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾.
* الطالب: والنهيان: ﴿لَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: والبشارتان: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٧].
* الشيخ: نعم، صح، تمام؟
في هذه الآية يقول: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ﴾، جماعة، والله واحد، شنو؟
* طالب: يعني أن الله واحد.
* الشيخ: هو يقول: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ﴾ جماعة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لكن كيف الله واحد سبحانه وتعالى ويقول: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ﴾؟
* الطالب: يعني الله (...).
* طالب آخر: هذا الجمع للتعظيم؛ تعظيم الله.
* الشيخ: هذا الجمع للتعظيم، الله تبارك وتعالى يخبر عن نفسه بصيغة التعظيم.
قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص ٨]، ﴿الْتَقَطَهُ﴾، ولم يقل: أخذه؟
* طالب: يا شيخ ما فهمت السؤال.
* الشيخ: السؤال: التعبير بـ﴿الْتَقَطَهُ﴾ دون أخذه؟
* الطالب: (...).
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: نحن قلنا: إن الالتقاط يختص بِمَن؟ بالآدميِّين، ﴿الْتَقَطَهُ﴾، مثلما يقول العلماء؛ يسمُّونه: اللقيط، فاللقيط خاصٌّ بالآدمي، فاللقيط هو عبارة عن الطفل المنبوذ أو الطفل الضائع، هذا هو التعبير، وقد يقال مثل ما قال الإخوان أنه (التقطوه) بمعنى أخذوه؛ يعني: بدون أي عوض وعلى سبيل الانتهاب، كأنه غنيمة أخذوها.
اللام في قوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾؟
* طالب: اللام للعاقبة.
* الشيخ: اللام للعاقبة. لماذا لا تكون للتعليل؟
* الطالب: لأنه لم يلتقطوه لكي يكون عدوًّا لهم، ولكن العاقبة كانت كذلك.
* الشيخ: ولكن العاقبة كانت كذلك، معلوم، لو أنهم علموا بكونه عدوًّا وحزنًا كان قتلوه، إي نعم.
هل أحدٌ من أهل العلم قال بخلاف ذلك؟
* الطالب: (...) في علم الله.
* الشيخ: إي، في علم الله، ولكن الصحيح؟
* الطالب: للعاقبة.
* الشيخ: أنه للعاقبة، لا أنه تعليل للفعل (...) ﴿الْتَقَطَهُ﴾.
قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ هذا التعليل، الجملة هذه تعليلية، أين المعلَّل؟ ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص ٨].
* طالب: جملة تعليلية؟
* الشيخ: إي.
* الطالب: المعلَّل؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨].
* الشيخ: نعم، هذا التعليل تعليلٌ لما قبله، ما أبغي الالتقاط، يعني: يكون عدوًّا وحزنًا لأنهم خاطئون.
طيب، قوله تعالى: ﴿أَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص ١٠]، من أيٍّ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا (...)، أنا ما أقول: لماذا كان فارغًا؟ أقول: فارغ من أيٍّ؟
* الطالب: من الحزن.
* طالب آخر: من كل شيء سوى موسى.
* الشيخ: إي، نعم، فارغًا من ذِكْر كل شيء، ما في قلبها إلا موسى، واضح؟
طيب، قوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص ١٠]، ﴿إِنْ﴾ هذه، ويش هي ﴿إِنْ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿إِنْ﴾ نافية!
* الطالب: (...).
* الشيخ: ويش (...)؟ (...)، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف ٣١] يعني: ما هذا إلا ملكٌ كريم.
* طالب: قاربت لتبدي به (...).
* الشيخ: يعني: ما قاربت لتبدي به! لما جبنا دليلًا رأينا فيه احتمالًا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا (...) نعم.
* طالب: (...) مخفَّفة من الثقيلة.
* الشيخ: ولا يجوز أن تكون نافية؟
* الطالب: لا يجوز أن تكون نافية.
* الشيخ: ويش المانع؟
* الطالب: وجود اللام، اللام (...) الفارقة.
* الشيخ: نعم، ويش بعد؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، يعني فيها مانعان: أحدهما لفظي وهو اللام اللي أنت قلت.
* الطالب: والثاني معنوي: أنها كادت لتبدي به، وليس (...)، فقاربت أن تبدي به لولا أن الله سبحانه وتعالى ربط على قلبها.
* الشيخ: إي، هذا المعنى، أين الدليل المعنوي؟
* الطالب: الدليل المعنوي لأن الله سبحانه وتعالى يريد أنها كادت تبدي به، (...) تبدي به.
* الشيخ: ما في الموضع دليل معنوي، يعني من سياق الآية؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، طيب.
* طالب: قوله في آخر الآية: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا﴾ [القصص ١٠].
* الشيخ: إي، زين، والربط يقتضي أنه (...)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: زين.
* * *
نأخذ الفوائد الآن، * يُستفاد من هذه الآيات:
* أولًا: من الآية الأولى؛ قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص ٧]، وفيها دليل على كرامة الله سبحانه وتعالى لأمِّ موسى بهذا الإلهام.
* ومن فوائدها أيضًا: عناية الله تعالى بموسى، نعم.
* وفيها أيضًا: دليل على أن الأنبياء كغيرهم من البشر يحتاجون إلى الغذاء؛ لقوله؟
* طالب: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾.
* الشيخ: لقوله: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾.
* وقد يستفاد منها: وجوب الإرضاع، إذا جعلْنا الأمرَ للوجوب لا للإرشاد، ولكن القواعد الشرعية ويش تقتضي؟ تقتضي وجوب الإرضاع وإنقاذ المعصوم.
* ومن فوائد الآية: قوة إيمان أمِّ موسى، ويكون هذا من مناقبها، كيف ذلك؟ بإلقائها إيَّاه في اليم، مع أنه ابنها، وهذا شيءٌ لا يقع إلا من مؤمنٍ حقًّا.
* ومن فوائد الآية: ذَكَرنا إكرامَ الله لأمِّ موسى، يُؤخذ من عدَّة أوجهٍ في الحقيقة، من هذا الوحي والإلهام، ومن تطمينها في قوله: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾، ومن بشارتها بأنه سيُردُّ إليها ويجعله من المرسلين.
* ومن فوائد الآية: بيان قدرة الله عز وجل؛ أن هذا الولد الذي أُلقِيَ في اليم، واليم مَهْلكة، ولَّا لا؟ حَفِظه الله عز وجل، وبقي وصار آخر أمرِهِ من الرسل.
* ومن فوائد الآية: أنه ينبغي تطمين المحزون ببشارته بمستقبله؛ لأنه يقول: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
* فيها: إثبات الرسالة أيضًا لموسى، ولَّا لا؟ إثبات الرسالة لموسى؛ لقوله: ﴿جَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
ثم قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ إلى آخره [القصص: ٨].
* من فوائد هذه الآية أولًا: أن أتباع الرجل وحاشيته من آله؛ لقوله: ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾، وقد علمتم أن المؤلف فسرها بقوله: (أعوان فرعون).
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان مهما بلغ في العُتُوِّ والاستكبار فإنه لا يعلم المستقبل، من أين تؤخذ؟ من أن آل فرعون ما علموا أن هذا الطفل سيكون عدوًّا لهم وحَزَنًا.
* ومن فوائدها: أن المؤمنين أعداءٌ للكفار؛ لقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾، وأنهم أيضًا حَزَنٌ لهم، وهذا أمرٌ ظاهرٌ، فالمسلمون أعداءٌ للكفار وهم أيضًا حَزَنٌ لهم، لا شكَّ أنهم يُساؤون بما يَسُرُّهم، وبالعكس.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أن الإنسان قد يسعى بما فيه حَتْفُه؛ لأن هؤلاء سعَوْا بما فيه حَتْفُهم، التقطوا هذا الطفل الذي سيكون عدوًّا لهم وحَزَنًا.
* ومن فوائدها: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى بأن هذا الصبي أو الطفل الذي كانت بنو إسرائيل تُقتل أبناؤها، أين تربَّى؟ في حجر فرعون، في بيته، مع أن فرعون يدوِّر على الأولاد من بني إسرائيل ليقتلهم، فقال الله عز وجل -يعني بلسان الحال -: هذا الذي أنت تَقتل أبناءَ بني إسرائيل -وهذا من (...)- سوف يعيش في حجرك، وهذه من أكبر الأدلة على قدرة الله عز وجل، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يعتمد على الأسباب المادية؛ فإن الله تعالى يُخلِف.
* ومن فوائدها: بيان أن فرعون وهامان وجنودهما كانوا على باطل؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص ٨]، وفَرْقٌ بين الخاطئ والمخطئ؛ الخاطئ: الذي يرتكب المعصية عن عمد، والمخطئ: الذي يرتكبها عن غير عمد؛ عن جهل.
* وفي هذه الآية دليلٌ على أن لهامان -وهو وزير فرعون- سُلطة كبيرة في مملكة آل فرعون؛ لقوله: ﴿وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾، ففي عدة آيات يُضيف الله الجنودَ إلى فرعون وحده، وباعتبار أن فرعون هو المرجع لهؤلاء الجنود يُضاف إليه وحده، وباعتبار أن هامان له تأثيرٌ لأنه وزير، ما أدري وزير داخلية ولَّا خارجية.
* طالب: وزير خارجية.
* الشيخ: كلهم الظاهر، وزير في كل شؤونه، فهو وزير والوزير عادةً يتصرَّف فيما جُعِل وزيرًا فيه.
* من فوائد الآية التي بعدها:
* أولًا: بيان فضيلة امرأة فرعون؛ من قولها: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص ٩].
* وفيها أيضًا: دليلٌ على فِراستها؛ لأنها توقَّعت أن ينفعهم، ولكنه ما حصل ما توقَّعتْ من كل الوجوه؛ نَفَع مَن؟ نَفَعها هي، ولكنه ضَرَّ فرعون.
* وفيها أيضًا: دليلٌ على ما قيل: (إن البلاء مُوَكَّلٌ بالمنطق)، والتفاؤل كذلك؛ لأنه بالنسبة لامرأة فرعون قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ فتفاءلتْ به خيرًا، فحصل لها ذلك وصار قُرَّة عين.
* وفيها أيضًا: دليلٌ على أنه ينبغي أن يستعمل الأساليب التي تُحقِّق المقصود؛ لقوله: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾، فإن هذا القول منها سواءٌ كانت تتوقع ذلك أو لا تتوقعه لا بدَّ أن يكون سببًا في موافقة فرعون لِمَا طلبتْ.
* ومن فوائدها: أنها تدلُّ على أن فرعون هَمَّ بقتل موسى، من أين تؤخذ؟ من قولها: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾، فالظاهر أنه هَمَّ به، نعم.
* ومن فوائدها أيضًا: قصور علم الإنسان مهما بَلَغ في علوه واستكباره؛ لقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
* ويؤخذ منها جواز التبني؟ هل يؤخذ منها جواز التبني؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...)، نشوف هل يثبت هذا ولَّا لا من الآية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، أو يقال: إن معنى ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ يعني مِثْل الولد في البيت عندنا وفي الإكرام، وأن ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ [القصص ٩] مثل الخادم؟
على كل حال إنْ كان المقصود بالآية: ﴿نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ نتبنَّاه، فإن هذا العمل نُسِخ، كان في أول الإسلام ثم نُسخ، وإن كان المراد ﴿نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ أي: بمنزلة الولد في الإكرام بدون أن نستخدمه، فهذا ما يدل على التبني، وهو محتمل.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، بس أنا قصدي أنه معروفٌ التبني عندهم، هل هذا هو المقصود بالآية وأن التبني عندهم معروف ولَّا لا؟
ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص ١٠].
* من فوائد هذه الآية: أن الإنسان يكون له حالٌ عند نزول البلاء غَيْرُها قبل نزوله. أنتم فاهمون الفائدة هذه؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: أن الإنسان إذا نزل به البلاء قد تتغير حاله، منين؟
* طالب: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾.
* الشيخ: ﴿أَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ مع أنها كانت في الأول عندها طمأنينة، ولهذا جعلتْه في التابوت وألقتْه في اليمِّ، وهذا غاية ما يكون من الطمأنينة، لكن الآن صار قلبها فارغًا، قلقة، ما كأنَّ في الدنيا سوى ابنها، وهذا هو الواقع أنَّ الإنسان له حالٌ قبل نزول البلاء وله حالٌ بعد نزوله، ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يُعرِّض نفسَه للبلاء.
يُذكَر أن سحنونًا أحد أصحاب مالكٍ كان رحمه الله على غاية من الرضا بقضاء الله و(...) العبادة و... إلى آخره، وأنه قال يومًا من الأيام بيتًا لكن لا أحفظ إلا معناه، لا يحضرني إلا معناه، قال بيتًا معناه: إنني صابرٌ، فكيفما شئتَ فامتحنِّي. فأُصِيبَ بعُسر البول، صار ما يبول إلا بتعب شديد، فكان يمرُّ على الصبيان في الكُتَّاب في مدارسهم ويقول: ادعوا لعَمِّكم الكذاب. لأن الأطفال أطفالٌ يُرجَى إجابةُ دعوتهم. فالمهم أن الإنسان قبل البلاء له حال، وبعد البلاء تتغيَّر حاله.
وهكذا أيضًا في الأمور الشرعية؛ النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَأْتِي إِلَيْهِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ أَوْ يَرَى أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، ثُمَّ لَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يُهْلِكَهُ»[[أخرجه أبو داود (٤٣١٩) من حديث عمران بن حصين، ولفظه: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ مِمَّا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ»، أو «لِمَا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ». ]]، وهذا هو الواقع أن الإنسان يجب أن يتحرَّز من البلاء.
وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لَا يُهِنْ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ». قالوا: كيف يُهين نفسَه؟ قال: «يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠١٦) من حديث حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ». قالوا: وكيف يُذِلُّ نفسه؟ قال: «يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُهُ».]]. هذا معنى الحديث، فالحاصل أن الإنسان له حالٌ قبل وجود البلاء وله حال بعده.
* وفيه أيضًا: دليلٌ على أن الطبيعة البشرية لا يؤاخَذ بها المرء، ما تقتضيه الطبيعة البشرية ما يؤاخذ به المرء؛ وجهُ ذلك أنَّ فؤاد أمِّ موسى كان ينبغي ألَّا يكون فارغًا من ذِكر الله عز وجل ومن الدار الآخرة، لكنه أصبح فارغًا ما فيه شيء أبدًا لذِكْرٍ سوى ذِكْر موسى، وهذا مقتضى الطبيعة البشرية؛ لأن الأمور العظيمة التي تنزل بالمرء تُنسيه كلَّ شيء.
* وفيه أيضًا: دليلٌ على فضيلة أمِّ موسى رضي الله عنها لكونها لم تُبْدِ ما في قلبها لأحد؛ لقوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾.
* وفي الآية: دليلٌ على أن المرء مفتقِرٌ إلى الله سبحانه وتعالى في كلِّ أحواله، ولا سيَّما عند نزول الحوادث؛ لقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾، فالإنسان مفتقِر إلى الله سبحانه وتعالى، ولولا معونة الله ما فعل الإنسانُ شيئًا، لا صَبَرَ على بلاءٍ ولا شَكَرَ عند الرخاء.
* وفيه أيضًا: دليلٌ على إثبات العلل والأسباب؛ لقوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
مَن الذي يُنكر الأسباب والعلل؟
* طالب: الجهمية.
* الشيخ: الجهمية والأشاعرة أيضًا، حتى الأسباب الظاهرة الحسية يُنكرونها ويقولون: إن الشيء يحدث عنده لا به، حتى لو أخذت حجرًا وضربت به الزجاج وانكسر، ما يقولون: إن الزجاج انكسر بالحجر، لكن: انكسر عنده، نعم، مع أنك لو تحطُّ الحجر على الزجاج؛ فوقه، ما هو بعنده، فوقه، ينكسر ولَّا لا؟ ما ينكسر، لو تحطُّه فوقه ما ينكسر، لكن تضربه به ينكسر.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي إي، نعم، يقول: حصل الألم عند ضربك لا به، إنما (...).
* طالب: المثال الأوضح يا شيخنا لمشايخهم أن مَن تناولَ دواءً وكان مريضًا يدعو ويقول: اللهم اجعلْ شفائي عنده لا به.
* الشيخ: إي، إي نعم، بناء على إنكارهم للأسباب، نسأل الله العافية.
وفي قوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دليلٌ على أن الإيمان والكمال في الرجال أكثر؛ لأنه لم يقل: لتكون من المؤمنات. ثم يدلُّ على ذلك أيضًا قوله تعالى في مريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢]، ولهذا جاء في الحديث: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤١١)، ومسلم (٢٤٣١ / ٧٠)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]، ولا ريب أن الإيمان في الرجال أَكْثرُ وأثْبَتُ وأَزْيد؛ ففي الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِن إِحْدَاكُنَّ»[[أخرجه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]. وإنما قرَّرنا هذا من أجل أنه يجب على المرء مراعاةُ المرأة، يجب على الرجل مراعاةُ المرأة، وأنها محتاجةٌ إلى الرعاية، وأيضًا محتاجةٌ إلى ألَّا تُجاب على كل ما تطلب؛ لأنها ناقصة عقلٍ وناقصة دينٍ كما وَصَفها النبي عليه الصلاة والسلام بذلك.
* وفيها أيضًا؛ في الآية: دليلٌ على إثبات القضاء والقدر، منين نأخذه؟
* طالب: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾.
* الشيخ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾، فإن هذا من قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره.
طيب، هل يُشتق من هذا الفعل اسمٌ لله بحيث نسمِّي الله: الرَّابط؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، ما يشتق؛ لأن الأفعال، كل شيء في الكون فهو من فِعْل الله وتقديره، كل شيء في الكون فإنه من فعل الله وتقديره، فهل نشتق لكل شيء في الكون نشتق منه اسمًا لله؟ لا، ما يمكن، ولكن أفعال الله سبحانه وتعالى متنوعة وأنواعها كثيرة، والفعل غير الاسم، ولهذا ما نشتق مثلًا من ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال ٣٠]، ما نقول: إن الله يُسمَّى ماكرًا، ولا نشتق من قوله: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء ١٤٢] أن الله يُسمَّى خادعًا، ولا نشتق من ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة ١٥] أنه مستهزئ، يعني هذه كلها أفعال مقيَّدة في أنواعها؛ يصلح أن نقول: إن الله مستهزئٌ بالمنافقين، إن الله خادعٌ للمنافقين، إن الله ماكرٌ بالماكرين، وما أشبه ذلك. قال: (﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص ١٠] المصدِّقينَ بوعدِ الله).
وينبغي ألَّا نفسِّر الإيمان بالتصديق، بل نجعله أعمَّ من ذلك، يعني المصدقة الثابتة على ما طُلب منها.
(وجواب ﴿لَوْلَا﴾ دلَّ عليه ما قبلها) وين ﴿لَوْلَا﴾؟
* طالب: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا﴾.
* الشيخ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾، ويش تقديره؟ لأبدتْ به، ولهذا قال المؤلف: إنه (دَلَّ عليه ما قبلها)، ولم يقل: إنه ما قبلها، ولكن: دلَّ عليه، أخذتم بالكم يا جماعة؟
وقد سبق لنا أن مثل هذا التعبير هل يحتاج إلى جواب أو لا يحتاج، فذكرنا أن بعض العلماء يقول: لا يحتاج إلى جواب؛ لأنك لو أتيتَ بالجواب لكان الكلامُ ركيكًا، إذَنْ لا يحتاج إلى جواب.
(أكرِم الطالبَ إن كان مجتهدًا) إذَن هذا ما يحتاج إلى جواب، نعم؛ لأنك لو أجبت: (أَكْرِم الطالبَ إن كان مجتهدًا فأكرِمه) يكون هذا كلامًا ليس بسليم، هذا كلام ركيك، وهذا المعنى الذي ذكرناه أشار إليه ابن القيم في كتابه التبيان في أقسام القرآن.
القصص 28:8
(...) ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ الوحي في اللغة: الإعلام بسرعة وخفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ١١] ويطلق على معانٍ متعددة؛ منها:
الوحي الشرعي وهو وحي النبوة أو الرسالة، ووحي الإلهام وهو: ما يلقيه الله تبارك وتعالى في نفس الموحى إليه، ووحي النوم؛ فإن النوم الرؤيا الصالحة فيه جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩٨٣)، ومسلم (٢٢٦٣ / ٦) من حديث أنس بن مالك.]].
ننظر إلى هذه الآية: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾، فإذا وحي النبوة أو الرسالة خير منه؛ لأن الذي أُوحِيَ إليها ليس بشرع، ترضعه.. إلى آخره.
ثم إن الصحيح أنه لم يُبعث أحد من النساء نبيًّا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف ١٠٩].
إذن يكون الوحي هنا إما إلهامًا وإما منامًا؛ فالإلهام ليس بالشيء الغريب، أن تلهَم امرأة ما يكون في مصلحتها، فالله تبارك وتعالى ألهم النحل، وهو (...) بني آدم ما فيه مصلحتها: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ إلى آخره [النحل: ٦٨].
ولهذا قال المؤلف: (﴿﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ ﴾ وحي إلهام أو منام).
(أو) هنا للتنويع؛ تنويع الخلاف في هذه المسألة، فإن بعض العلماء يقول: إن الوحي وحي إلهام، وبعضهم يقول: إن الوحي وحي منام. والمهم أنه ليس وحي رسالة أو نبوة.
وقوله: ﴿إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾؛ يعني التي ولدته، وهذا هو الأصل في الأم: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة ٢]، وأما الأم من الرضاعة فلا تذكر مطلقةً، وإنما تُذكَر مُقَيَّدة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء ٢٣]، ثم قال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء ٢٣]، فالأم من الرضاعة لا تدخل في مطلَق الأم، بل لا بد أن تكون مقيدة.
أنت معنا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: وأيش قلنا؟
* الطالب: قلنا: إن الأم من الرضاعة (...).
* الشيخ: عند الإطلاق.
* الطالب: عند الإطلاق (...).
* الشيخ: طيب. وإنما قَرَّرْتُ هذا ليتبين أن قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء ٢٣]، المراد بها الأم التي وَلدت دون أم الرضعات.
قال: (﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ وهو المولود المذكور ولم يشعُر بولادته غيرُ أخته).
(...) المولود المذكور؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) وهو المولود المذكور؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أو المذكور في الآية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب، وهو المولود المذكور؛ لأنه ما من أم إلا ولها ولد.
وقوله: (ولم يشعُر بولادته غيرُ أخته)، هذا من الأقوال الإسرائيلية التي لا تُصدَّق ولا تُكذَّب؛ لأنه ما الذي أدرانا أنه لم يشعر به إلا أخته؟ ما عندنا أحد يدلنا على هذا.
وقوله: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ﴿أَنْ﴾ هذه تفسيرية، وضابط التفسيرية: التي تقع بعد ما فيه معنى القول دون حروفه، كل (أن) إذا وقعت بعد ما فيه معنى القول دون حروفه فهي تفسيرية ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ومثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧] وأمثالها كثير.
﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ وهذا دليل أن هناك خوفًا من آل فرعون، وأنهم يلتقطون الأولاد، ولهذا قال: ﴿إِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ فسَّره بقوله: (البحر)، ثم فسَّر (البحر) بقوله: (أي: النيل). فاليم هو البحر كما قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص ٤٠]؛ يعني: البحر، والمراد بالبحر هنا النيل، وسُمِّيَ بحرًا وإن كان نهرًا لكثرته واتساعه.
﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي﴾ قوله: ﴿فَإِذَا خِفْتِ﴾ هذا فعل الشرط، وجواب الشرط ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾، وهو من الغرائب أن من يُخاف عليه يُلقَى فيما فيه هلاكه؛ لأن إلقاءه في البحر ويش معناه؟ استعجال الهلاك له؛ لأن المعروف أنه يموت إذا ألقي في البحر، وهذا من آيات الله عز وجل أن يكون موسى يُلْقَى في مكان الخوف فلا يموت، ثم يعيش بين أحضان فرعون الذي كان يتتبع أولاد بني إسرائيل فيَقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم. هذه من الآيات الدالة على كمال قدرة الله عز وجل، وأن الله إذا حفظ أحدًا فإن الأسباب المؤدية إلى الهلاك لا تؤثر ولا يكون لها تأثير، وأن قدرة الله فوق الأسباب؛ ولهذا النار مُحرِقة بلا شك وصارت على إبراهيم بردًا وسلامًا.
﴿إِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي﴾ أيش ﴿تَخَافِي﴾؟ قال المؤلف: (غرقَه)، فمفعول ﴿تَخَافِي﴾ محذوف، قدَّره بقوله: (غرقَه) وهو واضح.
(﴿﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ ﴾ لفراقه)، قال: (لفراقه)؛ لأن الحزن يكون في الماضي، والخوف في المستقبل، فما أَهَمَّ الإنسانَ فإن كان مستقبلًا فهو خوف، وإن كان ماضيًا فهو حزن. هنا قال الله لها: ﴿لَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾، فإن الأمر سيكون على خلاف ما تتوقعين، ولهذا قال: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿إِنَّا رَادُّوهُ﴾، ما قال: نَردُّه؛ لتكون الجملة اسميةً، والجملة الاسمية تدل على الثبوت والاستقرار.
وقوله: ﴿إِنَّا﴾ (...) بضمير الجمع للتعظيم.
وقوله: ﴿رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ أي: مُرجِعوه، ولم يبين الله تبارك وتعالى المدة التي تَفقِده فيها، ولكن الظاهر أنها ليست ببعيدة كما سيأتي في آخر القصة.
وقوله: ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ هذه بَشارة فوق البشارة الأولى، وهو أن يكون هذا المولود من المرسلين، أي ممن أرسلهم الله تبارك وتعالى وأكرمهم بالرسالة.
هذه الآية فيها أمر وفيها نهي، أين هي؟ فيها أمران ونهيان وبَشارتان، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: أمران ونهيان وبشارتان؛ الأمران قوله: ﴿أَرْضِعِيهِ﴾ و﴿أَلْقِيهِ﴾، والنهيان: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾، والبشارتان: ﴿رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
(فأرضعته ثلاثة أشهر لا يبكي، وخافت عليه فوضعته في تابوت مُطلى بالقار من داخل، مُمَهَّدٍ له فيه وَأغلقَتْه وألقَتْه في بحر النيل ليلًا).
قوله: (أرضعته ثلاثة أشهر) ما في الآية ما يدل عليه، إنما لا شك أنها امتثلت أمر الله، أرضعته، ولما خافت عليه ألقته.
وقول المؤلف: إنها (وضعته في تابوت) منين أخذها؟
من آية أخرى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه ٣٩]، وهذا من إرشاد الله تبارك وتعالى لها؛ لأنه ما أمرها (...) تلقيه (...) في البحر، وإنما أمرها أن تلقيه في تابوت ليكون حفظًا له، والتابوت يكون من الخشب، والخشب عادة يطفو على الماء، ما يمكن (...)، فإذا جُعِلَ فيه القار فإنه أيضًا يمنع من دخول الماء إليه؛ لأنه ربما إذا دخل الماء إليه وتسلل في الخشب يَثْقَل ثم يغيض.
وأما قوله: (وألقَتْهُ فِي بحر النيل ليلًا)، منين أخذ قوله: (ليلًا)؟ ربما يؤخذ من قوله فيما بعد: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص ١٠] أنها ألقته في الليل ثم جعلت توسوس فيه وتهتم له حتى كانت لا تفكر في غيره كما سيأتي.
ثم إنه أيضًا مما يؤيد ذلك: أن المرأة قد خافت عليه، وإذا خافت عليه فإنه من المستبعد عادة أن تخرج به نهارًا وتلقيه أمام الناس، فلا بد أن يكون ليلًا، فيكون هذا الحكم بأنه (ليلًا) مأخوذ من الآية ومن العادة، أن هذا لا يكون إلا في الليل.
قال: (﴿﴿فَالْتَقَطَهُ﴾ ﴾ بِالتابوت صَبيحَة الليل ﴿﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ ﴾).
﴿فَالْتَقَطَهُ﴾، ولم يقل: أخذه؛ لأنه أصبح في حكم اللقيط المنبوذ، وأهل العلم يقولون: إن اللقيط هو الطفل المنبوذ الذي طُرِحَ، يُسمَّى لقيطًا؛ ولهذا قال: ﴿فَالْتَقَطَهُ﴾، ولم يقل: أخذه؛ لماذا؟ لأن اللقيط هو الطفل المنبوذ، هؤلاء أخذوا هذا التابوت.
وقوله: ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ قال المؤلف: (أعوانه)؛ آله أي: أعوانه، ويَحتمل أن آله أي: قرابته.
على كل حال المهم أنه أخذه من ينتسب إلى فرعون وهو الملك.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، حتى الالتقاط يكون بقصد؛ لأن الملتقِط الذي يلتقط اللقيط المنبوذ مثلًا في الشارع أو المنبوذ في المسجد يريد أخذه، لكن هنا قد يُشْعِر بأنه شيء ظفر به، لكن إنما العلماء يقولون: إن الالتقاط يكون في الأصل في الطفل المنبوذ.
قال: (﴿﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ ﴾ فَوَضَعُوهُ بَيْن يَدَيْهِ) (وضعوه بين يديه)، أي: بين يدي فرعون، وكانوا لا يشعرون بالذي فيه، وربما يظنون أن الذي فيه مالٌ من الأموال.
(وَفُتِحَ وأُخْرِجَ موسى منه وهو يمُصُّ من إبهامه لبنًا)، هذا (...)، كونه يمص من إبهامه لبنًا معناه يرضع نفسه من نفسه، (...) فالعادة بأن الشيء المغلق الإنسان لا بد أن يفتحه وينظر ما فيه.
وأما كونه يمص من إبهامه لبنًا، فهذا من الأمور الإسرائيلية التي لا تُصَدَّق ولا تكذب، (...) بأنها تكذَّب، وأن هذا بعيد من العادة.
وقوله: (﴿﴿لِيَكُونَ لَهُمْ﴾ ﴾ فِي عَاقِبَة الْأَمْر) ﴿لِيَكُونَ﴾ الضمير يعود على مَن؟ على موسى، و﴿لَهُمْ﴾ الضمير يعود على ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾، ويدخل في ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ فرعونُ نفسه.
وقوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ قال المؤلف: (في عاقبة الأمر) إشارة أن اللام هنا للعاقبة وليست للتعليل؛ لأنهم لو شَعَروا بأنه يكون لهم عدوًّا وحزنًا قتلوه، ولكن العاقبة أنه كان كذلك. وما ذهب إليه ابن كثير رحمه الله من أن اللام هنا للتعليل باعتبار علم الله له وجه؛ يعني: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ في علم الله، وليست تعليلًا للالتقاط، هذا له وجه، لكن الأقرب ما ذهب إليه المؤلف وغيرُه من أن اللام هنا للعاقبة وليست للتعليل.
اللام التي تدخل على الفعل المضارع تنقسم إلى قسمين: زائدة، وغير زائدة. وغير زائدة تكون للتعليل وتكون للعاقبة وتكون لتأكيد النفي، هذه غير الزائدة. الزائدة: هي التي تقع في الغالب بعد فعل الإرادة؛ مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب ٣٣]، فإن اللام هنا زائدة؛ لأنك لو حذفتها وقدَّرت (أن) ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ﴾، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ أن يذهب، تم الكلام ولَّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: تَمَّ، يتم الكلام.
واللام غير الزائدة تكون للتعليل مثل: حضرت لأتعلمَ، أي: من أجل أن أتعلم. وتكون لتأكيد النفي مثل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٣٧]؛ ولهذا يسميها النحويون يسمونها لام الجحود، لام النفي، فهي لتأكيد النفي.
والثالثة تكون للعاقبة مثل هذه الآية: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
* طالب: بعد كان؟
* الشيخ: بعد (كان) مضارعة كانت أو فعلًا ماضيًا.
وقوله: (﴿﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ ﴾ يقتل رجالهم ﴿﴿وَحَزَنًا﴾ ﴾ يستعبد نساءهم) هذا فيه نظر، بل الظاهر أنه عدوٌّ لِمَا يحصل على يديه من الأضرار البالغة لآل فرعون.
﴿وَحَزَنًا﴾؛ لأنه سوف يُحزنه لما يظهر له من الانتصارات العظيمة، وأبلغُها متى؟ حين انتصر يوم الزينة؛ لأنه انتصر عليه انتصارًا بالغًا باهرًا، وحصل لهم بهذا من الحزن ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. ولم نعلم أن موسى ﷺ قَتل رجال آل فرعون، ولا أنه استعبد نساءهم، وإنما المعروف أن الله سبحانه وتعالى أغرقهم بفعله.
(وفي قراءة بضم الحاء وسكون الزاي لغتان في المصدر، وهو هنا بمعنى اسم الفاعل من حَزَنَه كَأَحْزَنَه). (...).
طيب، ﴿حَزَنًا﴾ يقول: (وفي قراءة) سبعية ولَّا شاذة؟
* طالب: سبعية.
* الشيخ: سبعية؛ لأنك تعرف المؤلف أنه إذا قال: (في قراءة) يعني سبعية، وإذا قال: (قُرِئ)؛ في الشاذ.
قال: (بضم الحاء وسكون الزاي)، ﴿﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحُزْنًا﴾ ﴾ [القصص: ٨]، ﴿﴿حُزْنًا﴾ ﴾ و﴿حَزَنًا﴾ معناهما واحد، وهما لغتان في المصدر.
منين مأخوذ؟ يقول: من (حزن كأحزن)، (حزنه كأحزنه).
أيش لون (حزنه كأحزنه)؟
يعني أن (حزن) الذي ليس مزيدًا بالهمزة مثل: (أحزنه) المزيد بالهمزة من حيث التعدي.
وقوله: (وهو هنا بمعنى اسم الفاعل)، ويش معنى (بمعنى اسم الفاعل)؟
* طالب: حازن.
* الشيخ: يعني بمعنى (حازِن) أي: (مُحزِن).
لماذا أوَّله المؤلف إلى هذا؟ لأن الحَزَن شعور في النفس، وموسى ﷺ هل يكون شعورًا في أنفسهم؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، لكنه مُدْخِلٌ لهذا الشعور -وهو الحُزْن- في أنفسهم، وعلى هذا فيكون ﴿وَحَزَنًا﴾ بمعنى: حازِنًا.
ويأتي المصدر دائمًا بمعنى اسم الفاعل ودائمًا بمعنى اسم المفعول، فيقال: فلان عَدْل رضا، ويقال أيضًا: فلان ثقة، و(عدْل) و(رضا) و(ثقة) مصادر بمعنى اسم الفاعل عادل، ورضا بمعنى مرضي، و(ثقة) بمعنى موثوق، بمعنى اسم الفاعل واسم المفعول.
وقوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ له، من حديث عائشة.]]، هذا مصدر بمعنى اسم المفعول.
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
ما هو العدو؟ العدو عند الفقهاء حَدّوه بتعريف هو حكم في الواقع، فقالوا: إن العدو من سرَّه مَساءة شخص أو غمَّه فَرَحُه؛ فهو عدوه، كل إنسان يَسُره أن تُساء ويُحزنه أن تُسرَّ فهو عدو، وكل إنسان يَسره أن تُسر ويُحزنه أن تَحزن فهو وَلِيٌّ؛ لأن العدو ضده الولي.
قال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾.
الجملة هذه تعليل لقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ كأنه قيل: لماذا يكون لهم عدوًّا وحزنًا؟ فبيَّن أن السبب في ذلك هو خطأ هؤلاء: فرعون الملك، هامان وزيره، جنودهما أتباعهما الذين يمتثلون بأمرهما، وأصل الجنود جمع جُنْد، والجند: هم أنصار الإنسان.
ويقول: (﴿﴿كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ ﴾ من الخطيئة أي: عاصين فعوقبوا على يديه).
الخاطئ والمخطئ ما الفرق بينهما؟ ويش الفرق بين الخاطئ والمخطئ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، يعني: مَنْ أتى الخطأ متعمدًا فهو خاطئ، ومن أتاه غير متعمد فهو مخطئ، ولذلك الخاطئ معذَّر، والمخطئ غير معذَّر، قال الله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق ١٦] كذا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: والمخطئ ليس عليه إثم ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦]. وفعل خاطئ.. الفعل من خاطئ خَطِئ، ومن أخطأ مُخطئ، هذا هو الفرق.
إذن قوله سبحانه وتعالى: ﴿خَاطِئِينَ﴾ أي واقعين في الخطأ عن عمد وقصد؛ ولهذا قال المؤلف: (أي عاصين فعوقبوا على يديه).
(﴿﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ ﴾ وقد هَمَّ مع أعوانه بقتله) أي: بقتل موسى (هو ﴿﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ ﴾).
عندي مكتوبة ﴿قُرَّتُ﴾ بالتاء المفتوحة، والقاعدة بالمربوطة، وهي كذلك فيما بقي من الآيات بالمربوطة: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان ٧٤] مربوطة، ولم تأت مفتوحة إلا في هذا في القرآن، وذُكرت في القرآن في موضعين سوى هذا، وكلها بالمربوطة، وإذا قيل: ما الفرق؟ نقول: إن هذا يُتبع فيه الرسم العثماني، هكذا رسمه الصحابة رضي الله عنهم.
وقوله: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ أولًا: ﴿قَالَتِ﴾ توجِّه الخطاب إلى مَن؟ إلى فرعون، و﴿قُرَّتُ﴾ قَدَّر المؤلف (هو)؛ ليبين أنه خبر مبتدأ محذوف.
وقوله: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ مأخوذ من القَرِّ أو من القَرَار؛ يعني: قصدي من هذا أو من هذا، ويصحُّ منهما جميعًا، من القَرِّ وهو البرد؛ لأن العين إذا بردت فإنها تكون علامة على السرور، ولهذا يقال: دمع السرور بارد، ودمع الحزن حار، ويقال: يبكي عليه بدمع حار؛ يعني: من الحزن.
إذن نقول: قرة العين كناية عن برودتها، وبرودة العين دليل على السرور.
وقيل: إنها من قَرَّ بالمكان، وهو القرار وعدم الاضطراب؛ لأن الإنسان إذا كان خائفًا بدأت عينُه تجول من هنا ومن هنا، تَشخَص وتجول وتَلَفَّت، لكن هذا دليل على أنها قارَّة، لكن قرارها دليل على أنها لم تخف.
﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾.
قولها: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ يدل على أنهم هَمُّوا بقتله، وإلا لما كان لقولها ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ فائدة.
وقولها: ﴿لِي وَلَكَ﴾ وقع كما توقعَت؟
* طالب: لا.
* الشيخ: بالنسبة لها نعم، لا شك أنه وقع الأمر كما توقعت، وصار هذا الولد قرة عين لها ورفعة لها في الدنيا والآخرة، وأما لفرعون فلا، ما صار قرة عين له، بل كان له عدوًّا وحزنًا. ومن غرائب التفسير أن بعضهم قال: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي﴾ وتقف، ﴿وَلَكَ لَا﴾ وتقف أيضًا!! و﴿تَقْتُلُوهُ﴾ جملة مستأنفة!! وهذا في الحقيقة من التلاعب بالقرآن؛ لأنه لو كان كما يقولون لقال الله تعالى: (تقتلونه)؛ إذ إن حذف النون هنا لا نعلم له سببًا سوى النهي، فكيف يُفسَّر كلام الله بمثل هذه التفاسير الباردة؟! ولكنه ذكرناه لأنه قد قيل به، وإلا فإنه -حتى إنه روي عن ابن عباس رضي الله عنهما[[انظر تفسير السمرقندي بحر العلوم (٢ / ٥٩٩).]] - ولكن هذا من أبعد ما يكون عن ابن عباس؛ لما فيه من تفكيك الكلام وتناثره وعدم التئام بعضه ببعض، ولأن النون في الفعل ﴿تَقْتُلُوهُ﴾ محذوفة مما يدل على أن ﴿لَا﴾ مسلَّطة عليها.
ولكنها هي رضي الله عنها -امرأة فرعون- إما أنها قالت ذلك من باب التهدئة له ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾؛ لتُهَدِّئه وتُفرِّحه، وإما أنها قالت ذلك معتقدةً له، ولكن ليس من اعتقد شيئًا يكون الأمر على وفاق ما اعتَقد، بل قد يُخلف الله سبحانه وتعالى اعتقاد الإنسان لحكمة يريدها، وهذا لا مانع منه أن تقول ذلك معتقدةً أنه سيكون قرة عين له ولها أيضًا.
ويدل لهذا قولها: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾.
﴿عَسَى﴾ للترجي، وقوله: ﴿يَنْفَعَنَا﴾ في الخدمة. ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ نتبناه. وقد قيل: إنه ليس لفرعون من امرأته ولد، فقالت: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. ومعلوم أن بين الأمرين فرقًا؛ فإن انتفاعهم به لا يجعلهم يحنُّون عليه كما يحنون على الولد، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: فالخادم عند الإنسان يأمره وينهاه، ولا يكون في قلبه له من الرحمة والرأفة والعطف ما يكون للولد، ولهذا قالت: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، وهذا انتقال من الأدنى إلى الأعلى.
إذن نحن لسنا محرومين من هذا الولد، فإما أن نتخذه خادمًا ننتفع به، وإما أن نتخذه ولدًا نفخر به ويكون لنا بمنزلة الولد.
هناك احتمال ثالث؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، فيه احتمال ثالث، أنه لا ينفعهم ولا يتخذونه، ولكنه لا يمكن أن يقال في هذا السياق؛ لأنها هي تريد ترغيبهم في إبقائه، والترغيب في الإبقاء لا يُذكر فيه إلا الصفات المرغوبة، وهي أنه ينفع أو يُتَخذ ولدًا.
قال: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
نعم، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ هذه جملة من كلام الله ولَّا من كلامها هي؟
الظاهر أنها من كلام الله، يعني ﴿وَهُمْ﴾ أي آل فرعون ومنهم المرأة ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ بعاقبة أمر هذا الولد؛ لأنهم لو شعروا بعاقبة أمره قبلوا منها مشورتها ولّا لا؟ ما قبلوا، ولكن الله سبحانه وتعالى أعمى ذلك عنهم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: دلَّ على أنها..؟
* الطالب: عاقر.
* الشيخ: عاقر؟ أقول: قيل ذلك، قيل: إنه ليس له ولد منها.
* الطالب: يعني لو كان لها ولد (...).
* الشيخ: ما هو بلازم في الحقيقة؛ لأنه قد يتبنى الإنسان شخصًا زيادة، فهو ما دام ما فيه شيء بيّن ما نجزم به، نقول: ربما يكون هذا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، بعضهم يقول: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ آل فرعون، آل فرعون لا يشعرون بما تريده المرأةُ، وكأن المرأة ألهمها الله عز وجل مآل هذا الرجل، وأما هم فلا يشعرون، لكن الأقرب أنه من كلام الله سبحانه وتعالى.
* طالب: كلام امرأة فرعون هذا بعد ما أسلمت ولَّا قبل أن تسلم؟
* الشيخ: لا، قبل أن تسلم، (...).
* الطالب: يعني كانت قبل ذلك على عقيدة فرعون؟
* الشيخ: (...) على عقيدة فرعون، أي أنها ما أعادت على..، لكن الظاهر أنها على عقيدته؛ لأنها زوجته ولا بد أن تكون مطيعة له.
قال: (﴿﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ ﴾ بِعَاقِبَةِ أَمْرهمْ مَعَهُ)، وهذا واضح.
ثم قال الله تعالى: (﴿﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى﴾ ﴾ لَمَّا عَلِمَتْ بِالْتِقَاطِهِ ﴿﴿فَارِغًا﴾ ﴾ مِمَّا سِوَاهُ)، الله أكبر!
﴿وَأَصْبَحَ﴾ هذا بناء على أنها ألقته ليلًا، وتأتي كلمة (أصبح) بمعنى صار، بقطع النظر عن الزمن، في اللغة العربية تأتي (أصبح) بمعنى صار، وتأتي (أصبح) بمعنى صار في الإصباح، يقال مثلًا: صار الماء ثلجًا، أصبح الماء ثلجًا بمعنى: صار. في اللغة العامية الآن دائمًا يعبرون الناس يقولون: أصبح كذا وأصبح كذا، ويريدون بذلك أنه انتقل إلى هذا، كما أن الإصباح انتقال من الليل إلى النهار.
لكن هنا ليس ببعيد أنه في صباح تلك الليلة استولى عليها الوساوس والهواجس حتى صار قلبها فارغًا من كل شيء، ما تُفكِّر بأي شيء إلا بهذا الولد، وهذا -أعني أن المراد بالإصباح هنا الدخول في الصباح- أولى من أن نجعله بمعنى صار؛ لأنكم كما تعلمون الشيء يُحْزَن عليه عند فقده، لكن إذا طال الزمن فإنه قد يُنسى، الحوادث تنسيه، فالظاهر أن (أصبح) أي: في تلك الليلة.
﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ﴾ ما هو الفؤاد؟
* طالب: القلب.
* الشيخ: القلب.
﴿أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾، يقول: (مما سواه).
أما قول المؤلف: (لما علمت بالتقاطه) فهذا لا يتعين أنها علمت؛ لأنه بمجرد أن ألقته سوف توسوس به.
(﴿﴿إِنْ﴾ ﴾ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف؛ أي: إنها ﴿﴿كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ ﴾ أي: بأنه ابنها ﴿﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ ﴾) إلى آخره.
يقول: ﴿إِنْ كَادَتْ﴾ المؤلف أعرب ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة، ابن مالك يقول:
وَخُفِّفَتْ (إِنَّ) فَقَـــلَّ الْعَــــــــمَلُ ∗∗∗ وَتَـلْـــــــزَمُ الَّــــــــــلاَمُ إِذَا مَـــــاتُهْمَلُ؎وَرُبَّمَــــــــا اسْتُغْنِيَ عَنْــــــهَا إِنْبَدَا ∗∗∗ مَــــــــا نَاطِـــــــــــقٌ أَرَادَهُمُــعْتَـمِــــــــــدًا؎وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا فَلاَ ∗∗∗ تُلْفِيهِ غَالِبًا بِـ(إِنْ) ذِي مُوصِلَا
فالآية إذن جارية على اللغة الفصحى: لأن (كاد) ناسخ ولَّا غير ناسخ؟
* طالب: ناسخ.
* الشيخ: ناسخ، (كاد) ناسخ، نعم.
وهنا اللام ﴿لَتُبْدِي بِهِ﴾ لازمة ولَّا جائزة؟
* طالب: لازمة.
* الشيخ: رأي الجمهور لازمة؟ طيب، لو حذفناها وقلنا: ﴿إِنْ كَادَتْ﴾ تبدي به؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يمكن تكون بمعنى (ما)؟ يعني: ما كادت تبدي به؟
* طالب: قالوا: (...).
* الشيخ: إي أصل ها اللام.
....................... ∗∗∗ وَتَلْــــزَمُ الَّلاَمُ إِذَا مَــا تُهْمَــــلُ؎وَرُبَّمَـــا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا ∗∗∗ ........................
اللام تجب إذا كان حذفها يوقع في الإشكال؛ لأنك إذا حذفتها التبست بـ(إنْ) النافية، وإذا أوجبتها فإنها لا يكون الاشتباه؛ لأن لام التوكيد ما تأتي مع النفي، فما رأيكم في هذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن يختلف المعنى؛ لأنه ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ معناها أنها قرب إبداؤها لذلك، لكن (ما كانت لتبدي به) معناها مستحيل.
* طالب: (...).
* الشيخ: هي جائزة لأن السياق يدل على المعنى وهو قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾؛ لأن هذه الجملة لا تناسب أن تكون (إنْ) نافية، يعني: ما كادت تبدي به لولا أن ربطنا على قلبها؛ لأن الربط على القلب يقتضي الكتمان ولَّا البيان؟
* طالب: الكتمان.
* الشيخ: يقتضي الكتمان، ولا يصلح أن نقول: ما كادت تظهره ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا﴾؛ لأن ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا﴾ يستلزم ألا تظهره، فعلى هذا تكون اللام هنا جائزة. وهذا جائز من حيث الصناعة النحوية، أما من حيث التلاوة القرآنية فهو غير جائز حذفها، والسبب؟ لأن كلام الله لا يمكن (...) لا بالنقص ولا بالزيادة.
﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ تبدي أي: تُظهر، ﴿بِهِ﴾ أي: بموسى.
وأما قول المؤلف: (أَي: بأنه ابْنها) فهو بناء منه على أنها وصلت إلى آل فرعون، ولولا أن الله ربط على قلبها لقالت: هذا ابني، ولا شك أن هذا بعيد من القصة وبعيد من المعنى.
ولكنه ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي: لتظهر بما فعلته به، يعني: هي تحدث الناس وتقول: والله أنا فعلت كذا وفعلت كذا وألقيت ابني في اليم. إلى آخره، ولّا لا؟
وإنما قال: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ إذ إن المعروف أن الإنسان إذا حزِن بشيء فإنه يخفف من آلام الحزن على نفسه أن يتحدث به إلى أحد من الناس ممن يتصل به؛ ولذلك تجد الإنسان يضيق صدره بالشيء حتى يحدِّث به ولّا لا؟ هذا شيء معلوم، فهي لولا أن الله ربط على قلبها لأبدت ذلك الأمر، ما أبدت وقالت: إن هذا ابني، أبدت الأمر الذي وقع منها، وهو أنها ألقته في تابوت وألقته في اليم، لو فعلت هذا لكان كما يقول الناس: يطير الخبر؛ لأن الخبر مكتوم ما لم يَظهر، فإذا ظهر لواحد (...) يتشعب، فلو أبدته ولو لأقرب الناس إليها لظهر أمر الطفل ورُمي به، ولكن الله سبحانه وتعالى ربَط على قلبها.
ولهذا قال: (﴿﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ ﴾ بِالصَّبْرِ أي: سَكَّنَّاهُ).
الربط على الشيء معناه شد الرباط عليه، شوف ﴿رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أبلغ من أسكنا قلبَها؛ لأن الربط عليه معناه لا يمكن أن يتحرك، فهذا أبلغ. والله تعالى ربط على قلبها بحيث إنها صبرت ولم تحدِّث أحدًا بما جرى.
ولكن الذي وقع: ﴿قَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ وقد سبق أن المؤلف يقول: (ما اطلع على ولادته سوى أخته).
(﴿﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴾ المصدِّقينَ بوعد الله وجواب (لولا) دلَّ عليه ما قبلها).
قوله: ﴿رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أي: شددناه بالربط، والمراد به التسكين.
وقوله: ﴿لِتَكُونَ﴾ اللام للتعليل، أين المعلَّل؟
* طالب: رَبْط القلب.
* الشيخ: رَبْط القلب، يعني: رَبَط اللهُ على قلبها لهذه الغاية ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ليس المراد الإيمان الجديد؛ لأنها هي مؤمنة بلا شك، وأدَلُّ دليل على أنها مؤمنة أنها امرأة ألقت ابنها في اليم ثقةً بأيش؟
* طالب: بالوعد.
* الشيخ: بوعد الله عز وجل، ولكن المراد هنا بالإيمان الإيمان الزائد على أصله، الإيمان الزائد يعني: التثبيت واليقين ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذا هو الذي وقع.
وفي القصة فوائد عظيمة ومناقب لأم موسى.
..الآية أن الوحي ينقسم أو يطلق على ثلاثة إطلاقات.
* طالب: إما بشرع، شرعًا (...).
* الشيخ: وحيٌ بشرع.
* الطالب: والثاني: إمَّا وحي إلهام.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: يعني لو صار الوحي ينزل على..
* الشيخ: أولًا: وحي بشرع. ثانيًا؟
* الطالب: ثانيًا: (...) إما وحي..
* الشيخ: وحي منام.
* الطالب: وإما أن يكون وحي .. يعني شخص (...).
* الشيخ: نعم، أو وحي إلهام.
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني: أو وحي إلهام، كذا؟
طيب، مثال الأول: الوحي بالشرع؟
* طالب: الوحي للأنبياء.
* الشيخ: كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا﴾، من يقرأ الآية؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [النساء ١٦٣].
* الشيخ: زين، إلى آخره، هذا وحي بالشرع.
القسم الثاني: وحي الإلهام، مثاله؟
* طالب: (...).
* طالب آخر: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل ٦٨]، وهذه الآية أيضًا.
* الشيخ: وهذه الآية: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص ٧]، طيب، نعم الآية هذه فيها احتمال ثانٍ. ووحي منام.
* طالب: منام كقوله تعالى: (...).
* الشيخ: نعم.
* الطالب: وقوله تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات ١٠٥].
* الشيخ: نعم.
* الطالب: وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ».
* الشيخ: «جُزْءٌ».
* الطالب: «مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩٨٩)، ومسلم (١٧٧٤ / ٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]].
* الشيخ: إي، وهذه الآية على قول؛ ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ بعضهم يقول: وحي منام.
في هذه الآية: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ فيها أمران ونهيان وخبران؟
* طالب: أمران: ﴿لَا تَخَافِي﴾.
* الشيخ: لا، ﴿وَلَا تَخَافِي﴾ هذا أمر ولَّا نهي؟!
* الطالب: أمران: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾.
* الشيخ: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾، نعم.
* الطالب: ﴿أَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾.
* الشيخ: ﴿أَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾.
* الطالب: والنهيان: ﴿لَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: والبشارتان: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٧].
* الشيخ: نعم، صح، تمام؟
في هذه الآية يقول: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ﴾، جماعة، والله واحد، شنو؟
* طالب: يعني أن الله واحد.
* الشيخ: هو يقول: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ﴾ جماعة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لكن كيف الله واحد سبحانه وتعالى ويقول: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ﴾؟
* الطالب: يعني الله (...).
* طالب آخر: هذا الجمع للتعظيم؛ تعظيم الله.
* الشيخ: هذا الجمع للتعظيم، الله تبارك وتعالى يخبر عن نفسه بصيغة التعظيم.
قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص ٨]، ﴿الْتَقَطَهُ﴾، ولم يقل: أخذه؟
* طالب: يا شيخ ما فهمت السؤال.
* الشيخ: السؤال: التعبير بـ﴿الْتَقَطَهُ﴾ دون أخذه؟
* الطالب: (...).
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: نحن قلنا: إن الالتقاط يختص بِمَن؟ بالآدميِّين، ﴿الْتَقَطَهُ﴾، مثلما يقول العلماء؛ يسمُّونه: اللقيط، فاللقيط خاصٌّ بالآدمي، فاللقيط هو عبارة عن الطفل المنبوذ أو الطفل الضائع، هذا هو التعبير، وقد يقال مثل ما قال الإخوان أنه (التقطوه) بمعنى أخذوه؛ يعني: بدون أي عوض وعلى سبيل الانتهاب، كأنه غنيمة أخذوها.
اللام في قوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾؟
* طالب: اللام للعاقبة.
* الشيخ: اللام للعاقبة. لماذا لا تكون للتعليل؟
* الطالب: لأنه لم يلتقطوه لكي يكون عدوًّا لهم، ولكن العاقبة كانت كذلك.
* الشيخ: ولكن العاقبة كانت كذلك، معلوم، لو أنهم علموا بكونه عدوًّا وحزنًا كان قتلوه، إي نعم.
هل أحدٌ من أهل العلم قال بخلاف ذلك؟
* الطالب: (...) في علم الله.
* الشيخ: إي، في علم الله، ولكن الصحيح؟
* الطالب: للعاقبة.
* الشيخ: أنه للعاقبة، لا أنه تعليل للفعل (...) ﴿الْتَقَطَهُ﴾.
قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ هذا التعليل، الجملة هذه تعليلية، أين المعلَّل؟ ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص ٨].
* طالب: جملة تعليلية؟
* الشيخ: إي.
* الطالب: المعلَّل؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨].
* الشيخ: نعم، هذا التعليل تعليلٌ لما قبله، ما أبغي الالتقاط، يعني: يكون عدوًّا وحزنًا لأنهم خاطئون.
طيب، قوله تعالى: ﴿أَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص ١٠]، من أيٍّ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا (...)، أنا ما أقول: لماذا كان فارغًا؟ أقول: فارغ من أيٍّ؟
* الطالب: من الحزن.
* طالب آخر: من كل شيء سوى موسى.
* الشيخ: إي، نعم، فارغًا من ذِكْر كل شيء، ما في قلبها إلا موسى، واضح؟
طيب، قوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص ١٠]، ﴿إِنْ﴾ هذه، ويش هي ﴿إِنْ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿إِنْ﴾ نافية!
* الطالب: (...).
* الشيخ: ويش (...)؟ (...)، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف ٣١] يعني: ما هذا إلا ملكٌ كريم.
* طالب: قاربت لتبدي به (...).
* الشيخ: يعني: ما قاربت لتبدي به! لما جبنا دليلًا رأينا فيه احتمالًا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا (...) نعم.
* طالب: (...) مخفَّفة من الثقيلة.
* الشيخ: ولا يجوز أن تكون نافية؟
* الطالب: لا يجوز أن تكون نافية.
* الشيخ: ويش المانع؟
* الطالب: وجود اللام، اللام (...) الفارقة.
* الشيخ: نعم، ويش بعد؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، يعني فيها مانعان: أحدهما لفظي وهو اللام اللي أنت قلت.
* الطالب: والثاني معنوي: أنها كادت لتبدي به، وليس (...)، فقاربت أن تبدي به لولا أن الله سبحانه وتعالى ربط على قلبها.
* الشيخ: إي، هذا المعنى، أين الدليل المعنوي؟
* الطالب: الدليل المعنوي لأن الله سبحانه وتعالى يريد أنها كادت تبدي به، (...) تبدي به.
* الشيخ: ما في الموضع دليل معنوي، يعني من سياق الآية؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، طيب.
* طالب: قوله في آخر الآية: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا﴾ [القصص ١٠].
* الشيخ: إي، زين، والربط يقتضي أنه (...)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: زين.
* * *
نأخذ الفوائد الآن، * يُستفاد من هذه الآيات:
* أولًا: من الآية الأولى؛ قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص ٧]، وفيها دليل على كرامة الله سبحانه وتعالى لأمِّ موسى بهذا الإلهام.
* ومن فوائدها أيضًا: عناية الله تعالى بموسى، نعم.
* وفيها أيضًا: دليل على أن الأنبياء كغيرهم من البشر يحتاجون إلى الغذاء؛ لقوله؟
* طالب: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾.
* الشيخ: لقوله: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾.
* وقد يستفاد منها: وجوب الإرضاع، إذا جعلْنا الأمرَ للوجوب لا للإرشاد، ولكن القواعد الشرعية ويش تقتضي؟ تقتضي وجوب الإرضاع وإنقاذ المعصوم.
* ومن فوائد الآية: قوة إيمان أمِّ موسى، ويكون هذا من مناقبها، كيف ذلك؟ بإلقائها إيَّاه في اليم، مع أنه ابنها، وهذا شيءٌ لا يقع إلا من مؤمنٍ حقًّا.
* ومن فوائد الآية: ذَكَرنا إكرامَ الله لأمِّ موسى، يُؤخذ من عدَّة أوجهٍ في الحقيقة، من هذا الوحي والإلهام، ومن تطمينها في قوله: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾، ومن بشارتها بأنه سيُردُّ إليها ويجعله من المرسلين.
* ومن فوائد الآية: بيان قدرة الله عز وجل؛ أن هذا الولد الذي أُلقِيَ في اليم، واليم مَهْلكة، ولَّا لا؟ حَفِظه الله عز وجل، وبقي وصار آخر أمرِهِ من الرسل.
* ومن فوائد الآية: أنه ينبغي تطمين المحزون ببشارته بمستقبله؛ لأنه يقول: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
* فيها: إثبات الرسالة أيضًا لموسى، ولَّا لا؟ إثبات الرسالة لموسى؛ لقوله: ﴿جَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
ثم قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ إلى آخره [القصص: ٨].
* من فوائد هذه الآية أولًا: أن أتباع الرجل وحاشيته من آله؛ لقوله: ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾، وقد علمتم أن المؤلف فسرها بقوله: (أعوان فرعون).
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان مهما بلغ في العُتُوِّ والاستكبار فإنه لا يعلم المستقبل، من أين تؤخذ؟ من أن آل فرعون ما علموا أن هذا الطفل سيكون عدوًّا لهم وحَزَنًا.
* ومن فوائدها: أن المؤمنين أعداءٌ للكفار؛ لقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾، وأنهم أيضًا حَزَنٌ لهم، وهذا أمرٌ ظاهرٌ، فالمسلمون أعداءٌ للكفار وهم أيضًا حَزَنٌ لهم، لا شكَّ أنهم يُساؤون بما يَسُرُّهم، وبالعكس.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أن الإنسان قد يسعى بما فيه حَتْفُه؛ لأن هؤلاء سعَوْا بما فيه حَتْفُهم، التقطوا هذا الطفل الذي سيكون عدوًّا لهم وحَزَنًا.
* ومن فوائدها: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى بأن هذا الصبي أو الطفل الذي كانت بنو إسرائيل تُقتل أبناؤها، أين تربَّى؟ في حجر فرعون، في بيته، مع أن فرعون يدوِّر على الأولاد من بني إسرائيل ليقتلهم، فقال الله عز وجل -يعني بلسان الحال -: هذا الذي أنت تَقتل أبناءَ بني إسرائيل -وهذا من (...)- سوف يعيش في حجرك، وهذه من أكبر الأدلة على قدرة الله عز وجل، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يعتمد على الأسباب المادية؛ فإن الله تعالى يُخلِف.
* ومن فوائدها: بيان أن فرعون وهامان وجنودهما كانوا على باطل؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص ٨]، وفَرْقٌ بين الخاطئ والمخطئ؛ الخاطئ: الذي يرتكب المعصية عن عمد، والمخطئ: الذي يرتكبها عن غير عمد؛ عن جهل.
* وفي هذه الآية دليلٌ على أن لهامان -وهو وزير فرعون- سُلطة كبيرة في مملكة آل فرعون؛ لقوله: ﴿وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾، ففي عدة آيات يُضيف الله الجنودَ إلى فرعون وحده، وباعتبار أن فرعون هو المرجع لهؤلاء الجنود يُضاف إليه وحده، وباعتبار أن هامان له تأثيرٌ لأنه وزير، ما أدري وزير داخلية ولَّا خارجية.
* طالب: وزير خارجية.
* الشيخ: كلهم الظاهر، وزير في كل شؤونه، فهو وزير والوزير عادةً يتصرَّف فيما جُعِل وزيرًا فيه.
* من فوائد الآية التي بعدها:
* أولًا: بيان فضيلة امرأة فرعون؛ من قولها: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص ٩].
* وفيها أيضًا: دليلٌ على فِراستها؛ لأنها توقَّعت أن ينفعهم، ولكنه ما حصل ما توقَّعتْ من كل الوجوه؛ نَفَع مَن؟ نَفَعها هي، ولكنه ضَرَّ فرعون.
* وفيها أيضًا: دليلٌ على ما قيل: (إن البلاء مُوَكَّلٌ بالمنطق)، والتفاؤل كذلك؛ لأنه بالنسبة لامرأة فرعون قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ فتفاءلتْ به خيرًا، فحصل لها ذلك وصار قُرَّة عين.
* وفيها أيضًا: دليلٌ على أنه ينبغي أن يستعمل الأساليب التي تُحقِّق المقصود؛ لقوله: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾، فإن هذا القول منها سواءٌ كانت تتوقع ذلك أو لا تتوقعه لا بدَّ أن يكون سببًا في موافقة فرعون لِمَا طلبتْ.
* ومن فوائدها: أنها تدلُّ على أن فرعون هَمَّ بقتل موسى، من أين تؤخذ؟ من قولها: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾، فالظاهر أنه هَمَّ به، نعم.
* ومن فوائدها أيضًا: قصور علم الإنسان مهما بَلَغ في علوه واستكباره؛ لقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
* ويؤخذ منها جواز التبني؟ هل يؤخذ منها جواز التبني؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...)، نشوف هل يثبت هذا ولَّا لا من الآية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، أو يقال: إن معنى ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ يعني مِثْل الولد في البيت عندنا وفي الإكرام، وأن ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ [القصص ٩] مثل الخادم؟
على كل حال إنْ كان المقصود بالآية: ﴿نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ نتبنَّاه، فإن هذا العمل نُسِخ، كان في أول الإسلام ثم نُسخ، وإن كان المراد ﴿نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ أي: بمنزلة الولد في الإكرام بدون أن نستخدمه، فهذا ما يدل على التبني، وهو محتمل.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، بس أنا قصدي أنه معروفٌ التبني عندهم، هل هذا هو المقصود بالآية وأن التبني عندهم معروف ولَّا لا؟
ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص ١٠].
* من فوائد هذه الآية: أن الإنسان يكون له حالٌ عند نزول البلاء غَيْرُها قبل نزوله. أنتم فاهمون الفائدة هذه؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: أن الإنسان إذا نزل به البلاء قد تتغير حاله، منين؟
* طالب: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾.
* الشيخ: ﴿أَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ مع أنها كانت في الأول عندها طمأنينة، ولهذا جعلتْه في التابوت وألقتْه في اليمِّ، وهذا غاية ما يكون من الطمأنينة، لكن الآن صار قلبها فارغًا، قلقة، ما كأنَّ في الدنيا سوى ابنها، وهذا هو الواقع أنَّ الإنسان له حالٌ قبل نزول البلاء وله حالٌ بعد نزوله، ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يُعرِّض نفسَه للبلاء.
يُذكَر أن سحنونًا أحد أصحاب مالكٍ كان رحمه الله على غاية من الرضا بقضاء الله و(...) العبادة و... إلى آخره، وأنه قال يومًا من الأيام بيتًا لكن لا أحفظ إلا معناه، لا يحضرني إلا معناه، قال بيتًا معناه: إنني صابرٌ، فكيفما شئتَ فامتحنِّي. فأُصِيبَ بعُسر البول، صار ما يبول إلا بتعب شديد، فكان يمرُّ على الصبيان في الكُتَّاب في مدارسهم ويقول: ادعوا لعَمِّكم الكذاب. لأن الأطفال أطفالٌ يُرجَى إجابةُ دعوتهم. فالمهم أن الإنسان قبل البلاء له حال، وبعد البلاء تتغيَّر حاله.
وهكذا أيضًا في الأمور الشرعية؛ النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَأْتِي إِلَيْهِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ أَوْ يَرَى أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، ثُمَّ لَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يُهْلِكَهُ»[[أخرجه أبو داود (٤٣١٩) من حديث عمران بن حصين، ولفظه: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ مِمَّا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ»، أو «لِمَا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ». ]]، وهذا هو الواقع أن الإنسان يجب أن يتحرَّز من البلاء.
وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لَا يُهِنْ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ». قالوا: كيف يُهين نفسَه؟ قال: «يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠١٦) من حديث حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ». قالوا: وكيف يُذِلُّ نفسه؟ قال: «يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُهُ».]]. هذا معنى الحديث، فالحاصل أن الإنسان له حالٌ قبل وجود البلاء وله حال بعده.
* وفيه أيضًا: دليلٌ على أن الطبيعة البشرية لا يؤاخَذ بها المرء، ما تقتضيه الطبيعة البشرية ما يؤاخذ به المرء؛ وجهُ ذلك أنَّ فؤاد أمِّ موسى كان ينبغي ألَّا يكون فارغًا من ذِكر الله عز وجل ومن الدار الآخرة، لكنه أصبح فارغًا ما فيه شيء أبدًا لذِكْرٍ سوى ذِكْر موسى، وهذا مقتضى الطبيعة البشرية؛ لأن الأمور العظيمة التي تنزل بالمرء تُنسيه كلَّ شيء.
* وفيه أيضًا: دليلٌ على فضيلة أمِّ موسى رضي الله عنها لكونها لم تُبْدِ ما في قلبها لأحد؛ لقوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾.
* وفي الآية: دليلٌ على أن المرء مفتقِرٌ إلى الله سبحانه وتعالى في كلِّ أحواله، ولا سيَّما عند نزول الحوادث؛ لقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾، فالإنسان مفتقِر إلى الله سبحانه وتعالى، ولولا معونة الله ما فعل الإنسانُ شيئًا، لا صَبَرَ على بلاءٍ ولا شَكَرَ عند الرخاء.
* وفيه أيضًا: دليلٌ على إثبات العلل والأسباب؛ لقوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
مَن الذي يُنكر الأسباب والعلل؟
* طالب: الجهمية.
* الشيخ: الجهمية والأشاعرة أيضًا، حتى الأسباب الظاهرة الحسية يُنكرونها ويقولون: إن الشيء يحدث عنده لا به، حتى لو أخذت حجرًا وضربت به الزجاج وانكسر، ما يقولون: إن الزجاج انكسر بالحجر، لكن: انكسر عنده، نعم، مع أنك لو تحطُّ الحجر على الزجاج؛ فوقه، ما هو بعنده، فوقه، ينكسر ولَّا لا؟ ما ينكسر، لو تحطُّه فوقه ما ينكسر، لكن تضربه به ينكسر.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي إي، نعم، يقول: حصل الألم عند ضربك لا به، إنما (...).
* طالب: المثال الأوضح يا شيخنا لمشايخهم أن مَن تناولَ دواءً وكان مريضًا يدعو ويقول: اللهم اجعلْ شفائي عنده لا به.
* الشيخ: إي، إي نعم، بناء على إنكارهم للأسباب، نسأل الله العافية.
وفي قوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دليلٌ على أن الإيمان والكمال في الرجال أكثر؛ لأنه لم يقل: لتكون من المؤمنات. ثم يدلُّ على ذلك أيضًا قوله تعالى في مريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢]، ولهذا جاء في الحديث: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤١١)، ومسلم (٢٤٣١ / ٧٠)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]، ولا ريب أن الإيمان في الرجال أَكْثرُ وأثْبَتُ وأَزْيد؛ ففي الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِن إِحْدَاكُنَّ»[[أخرجه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]. وإنما قرَّرنا هذا من أجل أنه يجب على المرء مراعاةُ المرأة، يجب على الرجل مراعاةُ المرأة، وأنها محتاجةٌ إلى الرعاية، وأيضًا محتاجةٌ إلى ألَّا تُجاب على كل ما تطلب؛ لأنها ناقصة عقلٍ وناقصة دينٍ كما وَصَفها النبي عليه الصلاة والسلام بذلك.
* وفيها أيضًا؛ في الآية: دليلٌ على إثبات القضاء والقدر، منين نأخذه؟
* طالب: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾.
* الشيخ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾، فإن هذا من قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره.
طيب، هل يُشتق من هذا الفعل اسمٌ لله بحيث نسمِّي الله: الرَّابط؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، ما يشتق؛ لأن الأفعال، كل شيء في الكون فهو من فِعْل الله وتقديره، كل شيء في الكون فإنه من فعل الله وتقديره، فهل نشتق لكل شيء في الكون نشتق منه اسمًا لله؟ لا، ما يمكن، ولكن أفعال الله سبحانه وتعالى متنوعة وأنواعها كثيرة، والفعل غير الاسم، ولهذا ما نشتق مثلًا من ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال ٣٠]، ما نقول: إن الله يُسمَّى ماكرًا، ولا نشتق من قوله: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء ١٤٢] أن الله يُسمَّى خادعًا، ولا نشتق من ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة ١٥] أنه مستهزئ، يعني هذه كلها أفعال مقيَّدة في أنواعها؛ يصلح أن نقول: إن الله مستهزئٌ بالمنافقين، إن الله خادعٌ للمنافقين، إن الله ماكرٌ بالماكرين، وما أشبه ذلك. قال: (﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص ١٠] المصدِّقينَ بوعدِ الله).
وينبغي ألَّا نفسِّر الإيمان بالتصديق، بل نجعله أعمَّ من ذلك، يعني المصدقة الثابتة على ما طُلب منها.
(وجواب ﴿لَوْلَا﴾ دلَّ عليه ما قبلها) وين ﴿لَوْلَا﴾؟
* طالب: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا﴾.
* الشيخ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾، ويش تقديره؟ لأبدتْ به، ولهذا قال المؤلف: إنه (دَلَّ عليه ما قبلها)، ولم يقل: إنه ما قبلها، ولكن: دلَّ عليه، أخذتم بالكم يا جماعة؟
وقد سبق لنا أن مثل هذا التعبير هل يحتاج إلى جواب أو لا يحتاج، فذكرنا أن بعض العلماء يقول: لا يحتاج إلى جواب؛ لأنك لو أتيتَ بالجواب لكان الكلامُ ركيكًا، إذَنْ لا يحتاج إلى جواب.
(أكرِم الطالبَ إن كان مجتهدًا) إذَن هذا ما يحتاج إلى جواب، نعم؛ لأنك لو أجبت: (أَكْرِم الطالبَ إن كان مجتهدًا فأكرِمه) يكون هذا كلامًا ليس بسليم، هذا كلام ركيك، وهذا المعنى الذي ذكرناه أشار إليه ابن القيم في كتابه التبيان في أقسام القرآن.
القصص 28:9
(...) ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ الوحي في اللغة: الإعلام بسرعة وخفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ١١] ويطلق على معانٍ متعددة؛ منها:
الوحي الشرعي وهو وحي النبوة أو الرسالة، ووحي الإلهام وهو: ما يلقيه الله تبارك وتعالى في نفس الموحى إليه، ووحي النوم؛ فإن النوم الرؤيا الصالحة فيه جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩٨٣)، ومسلم (٢٢٦٣ / ٦) من حديث أنس بن مالك.]].
ننظر إلى هذه الآية: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾، فإذا وحي النبوة أو الرسالة خير منه؛ لأن الذي أُوحِيَ إليها ليس بشرع، ترضعه.. إلى آخره.
ثم إن الصحيح أنه لم يُبعث أحد من النساء نبيًّا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف ١٠٩].
إذن يكون الوحي هنا إما إلهامًا وإما منامًا؛ فالإلهام ليس بالشيء الغريب، أن تلهَم امرأة ما يكون في مصلحتها، فالله تبارك وتعالى ألهم النحل، وهو (...) بني آدم ما فيه مصلحتها: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ إلى آخره [النحل: ٦٨].
ولهذا قال المؤلف: (﴿﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ ﴾ وحي إلهام أو منام).
(أو) هنا للتنويع؛ تنويع الخلاف في هذه المسألة، فإن بعض العلماء يقول: إن الوحي وحي إلهام، وبعضهم يقول: إن الوحي وحي منام. والمهم أنه ليس وحي رسالة أو نبوة.
وقوله: ﴿إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾؛ يعني التي ولدته، وهذا هو الأصل في الأم: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة ٢]، وأما الأم من الرضاعة فلا تذكر مطلقةً، وإنما تُذكَر مُقَيَّدة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء ٢٣]، ثم قال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء ٢٣]، فالأم من الرضاعة لا تدخل في مطلَق الأم، بل لا بد أن تكون مقيدة.
أنت معنا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: وأيش قلنا؟
* الطالب: قلنا: إن الأم من الرضاعة (...).
* الشيخ: عند الإطلاق.
* الطالب: عند الإطلاق (...).
* الشيخ: طيب. وإنما قَرَّرْتُ هذا ليتبين أن قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء ٢٣]، المراد بها الأم التي وَلدت دون أم الرضعات.
قال: (﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ وهو المولود المذكور ولم يشعُر بولادته غيرُ أخته).
(...) المولود المذكور؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) وهو المولود المذكور؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أو المذكور في الآية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب، وهو المولود المذكور؛ لأنه ما من أم إلا ولها ولد.
وقوله: (ولم يشعُر بولادته غيرُ أخته)، هذا من الأقوال الإسرائيلية التي لا تُصدَّق ولا تُكذَّب؛ لأنه ما الذي أدرانا أنه لم يشعر به إلا أخته؟ ما عندنا أحد يدلنا على هذا.
وقوله: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ﴿أَنْ﴾ هذه تفسيرية، وضابط التفسيرية: التي تقع بعد ما فيه معنى القول دون حروفه، كل (أن) إذا وقعت بعد ما فيه معنى القول دون حروفه فهي تفسيرية ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ومثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧] وأمثالها كثير.
﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ وهذا دليل أن هناك خوفًا من آل فرعون، وأنهم يلتقطون الأولاد، ولهذا قال: ﴿إِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ فسَّره بقوله: (البحر)، ثم فسَّر (البحر) بقوله: (أي: النيل). فاليم هو البحر كما قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص ٤٠]؛ يعني: البحر، والمراد بالبحر هنا النيل، وسُمِّيَ بحرًا وإن كان نهرًا لكثرته واتساعه.
﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي﴾ قوله: ﴿فَإِذَا خِفْتِ﴾ هذا فعل الشرط، وجواب الشرط ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾، وهو من الغرائب أن من يُخاف عليه يُلقَى فيما فيه هلاكه؛ لأن إلقاءه في البحر ويش معناه؟ استعجال الهلاك له؛ لأن المعروف أنه يموت إذا ألقي في البحر، وهذا من آيات الله عز وجل أن يكون موسى يُلْقَى في مكان الخوف فلا يموت، ثم يعيش بين أحضان فرعون الذي كان يتتبع أولاد بني إسرائيل فيَقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم. هذه من الآيات الدالة على كمال قدرة الله عز وجل، وأن الله إذا حفظ أحدًا فإن الأسباب المؤدية إلى الهلاك لا تؤثر ولا يكون لها تأثير، وأن قدرة الله فوق الأسباب؛ ولهذا النار مُحرِقة بلا شك وصارت على إبراهيم بردًا وسلامًا.
﴿إِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي﴾ أيش ﴿تَخَافِي﴾؟ قال المؤلف: (غرقَه)، فمفعول ﴿تَخَافِي﴾ محذوف، قدَّره بقوله: (غرقَه) وهو واضح.
(﴿﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ ﴾ لفراقه)، قال: (لفراقه)؛ لأن الحزن يكون في الماضي، والخوف في المستقبل، فما أَهَمَّ الإنسانَ فإن كان مستقبلًا فهو خوف، وإن كان ماضيًا فهو حزن. هنا قال الله لها: ﴿لَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾، فإن الأمر سيكون على خلاف ما تتوقعين، ولهذا قال: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿إِنَّا رَادُّوهُ﴾، ما قال: نَردُّه؛ لتكون الجملة اسميةً، والجملة الاسمية تدل على الثبوت والاستقرار.
وقوله: ﴿إِنَّا﴾ (...) بضمير الجمع للتعظيم.
وقوله: ﴿رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ أي: مُرجِعوه، ولم يبين الله تبارك وتعالى المدة التي تَفقِده فيها، ولكن الظاهر أنها ليست ببعيدة كما سيأتي في آخر القصة.
وقوله: ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ هذه بَشارة فوق البشارة الأولى، وهو أن يكون هذا المولود من المرسلين، أي ممن أرسلهم الله تبارك وتعالى وأكرمهم بالرسالة.
هذه الآية فيها أمر وفيها نهي، أين هي؟ فيها أمران ونهيان وبَشارتان، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: أمران ونهيان وبشارتان؛ الأمران قوله: ﴿أَرْضِعِيهِ﴾ و﴿أَلْقِيهِ﴾، والنهيان: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾، والبشارتان: ﴿رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
(فأرضعته ثلاثة أشهر لا يبكي، وخافت عليه فوضعته في تابوت مُطلى بالقار من داخل، مُمَهَّدٍ له فيه وَأغلقَتْه وألقَتْه في بحر النيل ليلًا).
قوله: (أرضعته ثلاثة أشهر) ما في الآية ما يدل عليه، إنما لا شك أنها امتثلت أمر الله، أرضعته، ولما خافت عليه ألقته.
وقول المؤلف: إنها (وضعته في تابوت) منين أخذها؟
من آية أخرى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه ٣٩]، وهذا من إرشاد الله تبارك وتعالى لها؛ لأنه ما أمرها (...) تلقيه (...) في البحر، وإنما أمرها أن تلقيه في تابوت ليكون حفظًا له، والتابوت يكون من الخشب، والخشب عادة يطفو على الماء، ما يمكن (...)، فإذا جُعِلَ فيه القار فإنه أيضًا يمنع من دخول الماء إليه؛ لأنه ربما إذا دخل الماء إليه وتسلل في الخشب يَثْقَل ثم يغيض.
وأما قوله: (وألقَتْهُ فِي بحر النيل ليلًا)، منين أخذ قوله: (ليلًا)؟ ربما يؤخذ من قوله فيما بعد: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص ١٠] أنها ألقته في الليل ثم جعلت توسوس فيه وتهتم له حتى كانت لا تفكر في غيره كما سيأتي.
ثم إنه أيضًا مما يؤيد ذلك: أن المرأة قد خافت عليه، وإذا خافت عليه فإنه من المستبعد عادة أن تخرج به نهارًا وتلقيه أمام الناس، فلا بد أن يكون ليلًا، فيكون هذا الحكم بأنه (ليلًا) مأخوذ من الآية ومن العادة، أن هذا لا يكون إلا في الليل.
قال: (﴿﴿فَالْتَقَطَهُ﴾ ﴾ بِالتابوت صَبيحَة الليل ﴿﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ ﴾).
﴿فَالْتَقَطَهُ﴾، ولم يقل: أخذه؛ لأنه أصبح في حكم اللقيط المنبوذ، وأهل العلم يقولون: إن اللقيط هو الطفل المنبوذ الذي طُرِحَ، يُسمَّى لقيطًا؛ ولهذا قال: ﴿فَالْتَقَطَهُ﴾، ولم يقل: أخذه؛ لماذا؟ لأن اللقيط هو الطفل المنبوذ، هؤلاء أخذوا هذا التابوت.
وقوله: ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ قال المؤلف: (أعوانه)؛ آله أي: أعوانه، ويَحتمل أن آله أي: قرابته.
على كل حال المهم أنه أخذه من ينتسب إلى فرعون وهو الملك.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، حتى الالتقاط يكون بقصد؛ لأن الملتقِط الذي يلتقط اللقيط المنبوذ مثلًا في الشارع أو المنبوذ في المسجد يريد أخذه، لكن هنا قد يُشْعِر بأنه شيء ظفر به، لكن إنما العلماء يقولون: إن الالتقاط يكون في الأصل في الطفل المنبوذ.
قال: (﴿﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ ﴾ فَوَضَعُوهُ بَيْن يَدَيْهِ) (وضعوه بين يديه)، أي: بين يدي فرعون، وكانوا لا يشعرون بالذي فيه، وربما يظنون أن الذي فيه مالٌ من الأموال.
(وَفُتِحَ وأُخْرِجَ موسى منه وهو يمُصُّ من إبهامه لبنًا)، هذا (...)، كونه يمص من إبهامه لبنًا معناه يرضع نفسه من نفسه، (...) فالعادة بأن الشيء المغلق الإنسان لا بد أن يفتحه وينظر ما فيه.
وأما كونه يمص من إبهامه لبنًا، فهذا من الأمور الإسرائيلية التي لا تُصَدَّق ولا تكذب، (...) بأنها تكذَّب، وأن هذا بعيد من العادة.
وقوله: (﴿﴿لِيَكُونَ لَهُمْ﴾ ﴾ فِي عَاقِبَة الْأَمْر) ﴿لِيَكُونَ﴾ الضمير يعود على مَن؟ على موسى، و﴿لَهُمْ﴾ الضمير يعود على ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾، ويدخل في ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ فرعونُ نفسه.
وقوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ قال المؤلف: (في عاقبة الأمر) إشارة أن اللام هنا للعاقبة وليست للتعليل؛ لأنهم لو شَعَروا بأنه يكون لهم عدوًّا وحزنًا قتلوه، ولكن العاقبة أنه كان كذلك. وما ذهب إليه ابن كثير رحمه الله من أن اللام هنا للتعليل باعتبار علم الله له وجه؛ يعني: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ في علم الله، وليست تعليلًا للالتقاط، هذا له وجه، لكن الأقرب ما ذهب إليه المؤلف وغيرُه من أن اللام هنا للعاقبة وليست للتعليل.
اللام التي تدخل على الفعل المضارع تنقسم إلى قسمين: زائدة، وغير زائدة. وغير زائدة تكون للتعليل وتكون للعاقبة وتكون لتأكيد النفي، هذه غير الزائدة. الزائدة: هي التي تقع في الغالب بعد فعل الإرادة؛ مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب ٣٣]، فإن اللام هنا زائدة؛ لأنك لو حذفتها وقدَّرت (أن) ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ﴾، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ أن يذهب، تم الكلام ولَّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: تَمَّ، يتم الكلام.
واللام غير الزائدة تكون للتعليل مثل: حضرت لأتعلمَ، أي: من أجل أن أتعلم. وتكون لتأكيد النفي مثل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٣٧]؛ ولهذا يسميها النحويون يسمونها لام الجحود، لام النفي، فهي لتأكيد النفي.
والثالثة تكون للعاقبة مثل هذه الآية: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
* طالب: بعد كان؟
* الشيخ: بعد (كان) مضارعة كانت أو فعلًا ماضيًا.
وقوله: (﴿﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ ﴾ يقتل رجالهم ﴿﴿وَحَزَنًا﴾ ﴾ يستعبد نساءهم) هذا فيه نظر، بل الظاهر أنه عدوٌّ لِمَا يحصل على يديه من الأضرار البالغة لآل فرعون.
﴿وَحَزَنًا﴾؛ لأنه سوف يُحزنه لما يظهر له من الانتصارات العظيمة، وأبلغُها متى؟ حين انتصر يوم الزينة؛ لأنه انتصر عليه انتصارًا بالغًا باهرًا، وحصل لهم بهذا من الحزن ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. ولم نعلم أن موسى ﷺ قَتل رجال آل فرعون، ولا أنه استعبد نساءهم، وإنما المعروف أن الله سبحانه وتعالى أغرقهم بفعله.
(وفي قراءة بضم الحاء وسكون الزاي لغتان في المصدر، وهو هنا بمعنى اسم الفاعل من حَزَنَه كَأَحْزَنَه). (...).
طيب، ﴿حَزَنًا﴾ يقول: (وفي قراءة) سبعية ولَّا شاذة؟
* طالب: سبعية.
* الشيخ: سبعية؛ لأنك تعرف المؤلف أنه إذا قال: (في قراءة) يعني سبعية، وإذا قال: (قُرِئ)؛ في الشاذ.
قال: (بضم الحاء وسكون الزاي)، ﴿﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحُزْنًا﴾ ﴾ [القصص: ٨]، ﴿﴿حُزْنًا﴾ ﴾ و﴿حَزَنًا﴾ معناهما واحد، وهما لغتان في المصدر.
منين مأخوذ؟ يقول: من (حزن كأحزن)، (حزنه كأحزنه).
أيش لون (حزنه كأحزنه)؟
يعني أن (حزن) الذي ليس مزيدًا بالهمزة مثل: (أحزنه) المزيد بالهمزة من حيث التعدي.
وقوله: (وهو هنا بمعنى اسم الفاعل)، ويش معنى (بمعنى اسم الفاعل)؟
* طالب: حازن.
* الشيخ: يعني بمعنى (حازِن) أي: (مُحزِن).
لماذا أوَّله المؤلف إلى هذا؟ لأن الحَزَن شعور في النفس، وموسى ﷺ هل يكون شعورًا في أنفسهم؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، لكنه مُدْخِلٌ لهذا الشعور -وهو الحُزْن- في أنفسهم، وعلى هذا فيكون ﴿وَحَزَنًا﴾ بمعنى: حازِنًا.
ويأتي المصدر دائمًا بمعنى اسم الفاعل ودائمًا بمعنى اسم المفعول، فيقال: فلان عَدْل رضا، ويقال أيضًا: فلان ثقة، و(عدْل) و(رضا) و(ثقة) مصادر بمعنى اسم الفاعل عادل، ورضا بمعنى مرضي، و(ثقة) بمعنى موثوق، بمعنى اسم الفاعل واسم المفعول.
وقوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ له، من حديث عائشة.]]، هذا مصدر بمعنى اسم المفعول.
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
ما هو العدو؟ العدو عند الفقهاء حَدّوه بتعريف هو حكم في الواقع، فقالوا: إن العدو من سرَّه مَساءة شخص أو غمَّه فَرَحُه؛ فهو عدوه، كل إنسان يَسُره أن تُساء ويُحزنه أن تُسرَّ فهو عدو، وكل إنسان يَسره أن تُسر ويُحزنه أن تَحزن فهو وَلِيٌّ؛ لأن العدو ضده الولي.
قال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾.
الجملة هذه تعليل لقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ كأنه قيل: لماذا يكون لهم عدوًّا وحزنًا؟ فبيَّن أن السبب في ذلك هو خطأ هؤلاء: فرعون الملك، هامان وزيره، جنودهما أتباعهما الذين يمتثلون بأمرهما، وأصل الجنود جمع جُنْد، والجند: هم أنصار الإنسان.
ويقول: (﴿﴿كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ ﴾ من الخطيئة أي: عاصين فعوقبوا على يديه).
الخاطئ والمخطئ ما الفرق بينهما؟ ويش الفرق بين الخاطئ والمخطئ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، يعني: مَنْ أتى الخطأ متعمدًا فهو خاطئ، ومن أتاه غير متعمد فهو مخطئ، ولذلك الخاطئ معذَّر، والمخطئ غير معذَّر، قال الله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق ١٦] كذا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: والمخطئ ليس عليه إثم ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦]. وفعل خاطئ.. الفعل من خاطئ خَطِئ، ومن أخطأ مُخطئ، هذا هو الفرق.
إذن قوله سبحانه وتعالى: ﴿خَاطِئِينَ﴾ أي واقعين في الخطأ عن عمد وقصد؛ ولهذا قال المؤلف: (أي عاصين فعوقبوا على يديه).
(﴿﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ ﴾ وقد هَمَّ مع أعوانه بقتله) أي: بقتل موسى (هو ﴿﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ ﴾).
عندي مكتوبة ﴿قُرَّتُ﴾ بالتاء المفتوحة، والقاعدة بالمربوطة، وهي كذلك فيما بقي من الآيات بالمربوطة: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان ٧٤] مربوطة، ولم تأت مفتوحة إلا في هذا في القرآن، وذُكرت في القرآن في موضعين سوى هذا، وكلها بالمربوطة، وإذا قيل: ما الفرق؟ نقول: إن هذا يُتبع فيه الرسم العثماني، هكذا رسمه الصحابة رضي الله عنهم.
وقوله: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ أولًا: ﴿قَالَتِ﴾ توجِّه الخطاب إلى مَن؟ إلى فرعون، و﴿قُرَّتُ﴾ قَدَّر المؤلف (هو)؛ ليبين أنه خبر مبتدأ محذوف.
وقوله: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ مأخوذ من القَرِّ أو من القَرَار؛ يعني: قصدي من هذا أو من هذا، ويصحُّ منهما جميعًا، من القَرِّ وهو البرد؛ لأن العين إذا بردت فإنها تكون علامة على السرور، ولهذا يقال: دمع السرور بارد، ودمع الحزن حار، ويقال: يبكي عليه بدمع حار؛ يعني: من الحزن.
إذن نقول: قرة العين كناية عن برودتها، وبرودة العين دليل على السرور.
وقيل: إنها من قَرَّ بالمكان، وهو القرار وعدم الاضطراب؛ لأن الإنسان إذا كان خائفًا بدأت عينُه تجول من هنا ومن هنا، تَشخَص وتجول وتَلَفَّت، لكن هذا دليل على أنها قارَّة، لكن قرارها دليل على أنها لم تخف.
﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾.
قولها: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ يدل على أنهم هَمُّوا بقتله، وإلا لما كان لقولها ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ فائدة.
وقولها: ﴿لِي وَلَكَ﴾ وقع كما توقعَت؟
* طالب: لا.
* الشيخ: بالنسبة لها نعم، لا شك أنه وقع الأمر كما توقعت، وصار هذا الولد قرة عين لها ورفعة لها في الدنيا والآخرة، وأما لفرعون فلا، ما صار قرة عين له، بل كان له عدوًّا وحزنًا. ومن غرائب التفسير أن بعضهم قال: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي﴾ وتقف، ﴿وَلَكَ لَا﴾ وتقف أيضًا!! و﴿تَقْتُلُوهُ﴾ جملة مستأنفة!! وهذا في الحقيقة من التلاعب بالقرآن؛ لأنه لو كان كما يقولون لقال الله تعالى: (تقتلونه)؛ إذ إن حذف النون هنا لا نعلم له سببًا سوى النهي، فكيف يُفسَّر كلام الله بمثل هذه التفاسير الباردة؟! ولكنه ذكرناه لأنه قد قيل به، وإلا فإنه -حتى إنه روي عن ابن عباس رضي الله عنهما[[انظر تفسير السمرقندي بحر العلوم (٢ / ٥٩٩).]] - ولكن هذا من أبعد ما يكون عن ابن عباس؛ لما فيه من تفكيك الكلام وتناثره وعدم التئام بعضه ببعض، ولأن النون في الفعل ﴿تَقْتُلُوهُ﴾ محذوفة مما يدل على أن ﴿لَا﴾ مسلَّطة عليها.
ولكنها هي رضي الله عنها -امرأة فرعون- إما أنها قالت ذلك من باب التهدئة له ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾؛ لتُهَدِّئه وتُفرِّحه، وإما أنها قالت ذلك معتقدةً له، ولكن ليس من اعتقد شيئًا يكون الأمر على وفاق ما اعتَقد، بل قد يُخلف الله سبحانه وتعالى اعتقاد الإنسان لحكمة يريدها، وهذا لا مانع منه أن تقول ذلك معتقدةً أنه سيكون قرة عين له ولها أيضًا.
ويدل لهذا قولها: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾.
﴿عَسَى﴾ للترجي، وقوله: ﴿يَنْفَعَنَا﴾ في الخدمة. ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ نتبناه. وقد قيل: إنه ليس لفرعون من امرأته ولد، فقالت: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. ومعلوم أن بين الأمرين فرقًا؛ فإن انتفاعهم به لا يجعلهم يحنُّون عليه كما يحنون على الولد، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: فالخادم عند الإنسان يأمره وينهاه، ولا يكون في قلبه له من الرحمة والرأفة والعطف ما يكون للولد، ولهذا قالت: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، وهذا انتقال من الأدنى إلى الأعلى.
إذن نحن لسنا محرومين من هذا الولد، فإما أن نتخذه خادمًا ننتفع به، وإما أن نتخذه ولدًا نفخر به ويكون لنا بمنزلة الولد.
هناك احتمال ثالث؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، فيه احتمال ثالث، أنه لا ينفعهم ولا يتخذونه، ولكنه لا يمكن أن يقال في هذا السياق؛ لأنها هي تريد ترغيبهم في إبقائه، والترغيب في الإبقاء لا يُذكر فيه إلا الصفات المرغوبة، وهي أنه ينفع أو يُتَخذ ولدًا.
قال: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
نعم، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ هذه جملة من كلام الله ولَّا من كلامها هي؟
الظاهر أنها من كلام الله، يعني ﴿وَهُمْ﴾ أي آل فرعون ومنهم المرأة ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ بعاقبة أمر هذا الولد؛ لأنهم لو شعروا بعاقبة أمره قبلوا منها مشورتها ولّا لا؟ ما قبلوا، ولكن الله سبحانه وتعالى أعمى ذلك عنهم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: دلَّ على أنها..؟
* الطالب: عاقر.
* الشيخ: عاقر؟ أقول: قيل ذلك، قيل: إنه ليس له ولد منها.
* الطالب: يعني لو كان لها ولد (...).
* الشيخ: ما هو بلازم في الحقيقة؛ لأنه قد يتبنى الإنسان شخصًا زيادة، فهو ما دام ما فيه شيء بيّن ما نجزم به، نقول: ربما يكون هذا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، بعضهم يقول: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ آل فرعون، آل فرعون لا يشعرون بما تريده المرأةُ، وكأن المرأة ألهمها الله عز وجل مآل هذا الرجل، وأما هم فلا يشعرون، لكن الأقرب أنه من كلام الله سبحانه وتعالى.
* طالب: كلام امرأة فرعون هذا بعد ما أسلمت ولَّا قبل أن تسلم؟
* الشيخ: لا، قبل أن تسلم، (...).
* الطالب: يعني كانت قبل ذلك على عقيدة فرعون؟
* الشيخ: (...) على عقيدة فرعون، أي أنها ما أعادت على..، لكن الظاهر أنها على عقيدته؛ لأنها زوجته ولا بد أن تكون مطيعة له.
قال: (﴿﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ ﴾ بِعَاقِبَةِ أَمْرهمْ مَعَهُ)، وهذا واضح.
ثم قال الله تعالى: (﴿﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى﴾ ﴾ لَمَّا عَلِمَتْ بِالْتِقَاطِهِ ﴿﴿فَارِغًا﴾ ﴾ مِمَّا سِوَاهُ)، الله أكبر!
﴿وَأَصْبَحَ﴾ هذا بناء على أنها ألقته ليلًا، وتأتي كلمة (أصبح) بمعنى صار، بقطع النظر عن الزمن، في اللغة العربية تأتي (أصبح) بمعنى صار، وتأتي (أصبح) بمعنى صار في الإصباح، يقال مثلًا: صار الماء ثلجًا، أصبح الماء ثلجًا بمعنى: صار. في اللغة العامية الآن دائمًا يعبرون الناس يقولون: أصبح كذا وأصبح كذا، ويريدون بذلك أنه انتقل إلى هذا، كما أن الإصباح انتقال من الليل إلى النهار.
لكن هنا ليس ببعيد أنه في صباح تلك الليلة استولى عليها الوساوس والهواجس حتى صار قلبها فارغًا من كل شيء، ما تُفكِّر بأي شيء إلا بهذا الولد، وهذا -أعني أن المراد بالإصباح هنا الدخول في الصباح- أولى من أن نجعله بمعنى صار؛ لأنكم كما تعلمون الشيء يُحْزَن عليه عند فقده، لكن إذا طال الزمن فإنه قد يُنسى، الحوادث تنسيه، فالظاهر أن (أصبح) أي: في تلك الليلة.
﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ﴾ ما هو الفؤاد؟
* طالب: القلب.
* الشيخ: القلب.
﴿أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾، يقول: (مما سواه).
أما قول المؤلف: (لما علمت بالتقاطه) فهذا لا يتعين أنها علمت؛ لأنه بمجرد أن ألقته سوف توسوس به.
(﴿﴿إِنْ﴾ ﴾ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف؛ أي: إنها ﴿﴿كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ ﴾ أي: بأنه ابنها ﴿﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ ﴾) إلى آخره.
يقول: ﴿إِنْ كَادَتْ﴾ المؤلف أعرب ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة، ابن مالك يقول:
وَخُفِّفَتْ (إِنَّ) فَقَـــلَّ الْعَــــــــمَلُ ∗∗∗ وَتَـلْـــــــزَمُ الَّــــــــــلاَمُ إِذَا مَـــــاتُهْمَلُ؎وَرُبَّمَــــــــا اسْتُغْنِيَ عَنْــــــهَا إِنْبَدَا ∗∗∗ مَــــــــا نَاطِـــــــــــقٌ أَرَادَهُمُــعْتَـمِــــــــــدًا؎وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا فَلاَ ∗∗∗ تُلْفِيهِ غَالِبًا بِـ(إِنْ) ذِي مُوصِلَا
فالآية إذن جارية على اللغة الفصحى: لأن (كاد) ناسخ ولَّا غير ناسخ؟
* طالب: ناسخ.
* الشيخ: ناسخ، (كاد) ناسخ، نعم.
وهنا اللام ﴿لَتُبْدِي بِهِ﴾ لازمة ولَّا جائزة؟
* طالب: لازمة.
* الشيخ: رأي الجمهور لازمة؟ طيب، لو حذفناها وقلنا: ﴿إِنْ كَادَتْ﴾ تبدي به؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يمكن تكون بمعنى (ما)؟ يعني: ما كادت تبدي به؟
* طالب: قالوا: (...).
* الشيخ: إي أصل ها اللام.
....................... ∗∗∗ وَتَلْــــزَمُ الَّلاَمُ إِذَا مَــا تُهْمَــــلُ؎وَرُبَّمَـــا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا ∗∗∗ ........................
اللام تجب إذا كان حذفها يوقع في الإشكال؛ لأنك إذا حذفتها التبست بـ(إنْ) النافية، وإذا أوجبتها فإنها لا يكون الاشتباه؛ لأن لام التوكيد ما تأتي مع النفي، فما رأيكم في هذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن يختلف المعنى؛ لأنه ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ معناها أنها قرب إبداؤها لذلك، لكن (ما كانت لتبدي به) معناها مستحيل.
* طالب: (...).
* الشيخ: هي جائزة لأن السياق يدل على المعنى وهو قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾؛ لأن هذه الجملة لا تناسب أن تكون (إنْ) نافية، يعني: ما كادت تبدي به لولا أن ربطنا على قلبها؛ لأن الربط على القلب يقتضي الكتمان ولَّا البيان؟
* طالب: الكتمان.
* الشيخ: يقتضي الكتمان، ولا يصلح أن نقول: ما كادت تظهره ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا﴾؛ لأن ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا﴾ يستلزم ألا تظهره، فعلى هذا تكون اللام هنا جائزة. وهذا جائز من حيث الصناعة النحوية، أما من حيث التلاوة القرآنية فهو غير جائز حذفها، والسبب؟ لأن كلام الله لا يمكن (...) لا بالنقص ولا بالزيادة.
﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ تبدي أي: تُظهر، ﴿بِهِ﴾ أي: بموسى.
وأما قول المؤلف: (أَي: بأنه ابْنها) فهو بناء منه على أنها وصلت إلى آل فرعون، ولولا أن الله ربط على قلبها لقالت: هذا ابني، ولا شك أن هذا بعيد من القصة وبعيد من المعنى.
ولكنه ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي: لتظهر بما فعلته به، يعني: هي تحدث الناس وتقول: والله أنا فعلت كذا وفعلت كذا وألقيت ابني في اليم. إلى آخره، ولّا لا؟
وإنما قال: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ إذ إن المعروف أن الإنسان إذا حزِن بشيء فإنه يخفف من آلام الحزن على نفسه أن يتحدث به إلى أحد من الناس ممن يتصل به؛ ولذلك تجد الإنسان يضيق صدره بالشيء حتى يحدِّث به ولّا لا؟ هذا شيء معلوم، فهي لولا أن الله ربط على قلبها لأبدت ذلك الأمر، ما أبدت وقالت: إن هذا ابني، أبدت الأمر الذي وقع منها، وهو أنها ألقته في تابوت وألقته في اليم، لو فعلت هذا لكان كما يقول الناس: يطير الخبر؛ لأن الخبر مكتوم ما لم يَظهر، فإذا ظهر لواحد (...) يتشعب، فلو أبدته ولو لأقرب الناس إليها لظهر أمر الطفل ورُمي به، ولكن الله سبحانه وتعالى ربَط على قلبها.
ولهذا قال: (﴿﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ ﴾ بِالصَّبْرِ أي: سَكَّنَّاهُ).
الربط على الشيء معناه شد الرباط عليه، شوف ﴿رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أبلغ من أسكنا قلبَها؛ لأن الربط عليه معناه لا يمكن أن يتحرك، فهذا أبلغ. والله تعالى ربط على قلبها بحيث إنها صبرت ولم تحدِّث أحدًا بما جرى.
ولكن الذي وقع: ﴿قَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ وقد سبق أن المؤلف يقول: (ما اطلع على ولادته سوى أخته).
(﴿﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴾ المصدِّقينَ بوعد الله وجواب (لولا) دلَّ عليه ما قبلها).
قوله: ﴿رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أي: شددناه بالربط، والمراد به التسكين.
وقوله: ﴿لِتَكُونَ﴾ اللام للتعليل، أين المعلَّل؟
* طالب: رَبْط القلب.
* الشيخ: رَبْط القلب، يعني: رَبَط اللهُ على قلبها لهذه الغاية ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ليس المراد الإيمان الجديد؛ لأنها هي مؤمنة بلا شك، وأدَلُّ دليل على أنها مؤمنة أنها امرأة ألقت ابنها في اليم ثقةً بأيش؟
* طالب: بالوعد.
* الشيخ: بوعد الله عز وجل، ولكن المراد هنا بالإيمان الإيمان الزائد على أصله، الإيمان الزائد يعني: التثبيت واليقين ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذا هو الذي وقع.
وفي القصة فوائد عظيمة ومناقب لأم موسى.
..الآية أن الوحي ينقسم أو يطلق على ثلاثة إطلاقات.
* طالب: إما بشرع، شرعًا (...).
* الشيخ: وحيٌ بشرع.
* الطالب: والثاني: إمَّا وحي إلهام.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: يعني لو صار الوحي ينزل على..
* الشيخ: أولًا: وحي بشرع. ثانيًا؟
* الطالب: ثانيًا: (...) إما وحي..
* الشيخ: وحي منام.
* الطالب: وإما أن يكون وحي .. يعني شخص (...).
* الشيخ: نعم، أو وحي إلهام.
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني: أو وحي إلهام، كذا؟
طيب، مثال الأول: الوحي بالشرع؟
* طالب: الوحي للأنبياء.
* الشيخ: كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا﴾، من يقرأ الآية؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [النساء ١٦٣].
* الشيخ: زين، إلى آخره، هذا وحي بالشرع.
القسم الثاني: وحي الإلهام، مثاله؟
* طالب: (...).
* طالب آخر: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل ٦٨]، وهذه الآية أيضًا.
* الشيخ: وهذه الآية: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص ٧]، طيب، نعم الآية هذه فيها احتمال ثانٍ. ووحي منام.
* طالب: منام كقوله تعالى: (...).
* الشيخ: نعم.
* الطالب: وقوله تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات ١٠٥].
* الشيخ: نعم.
* الطالب: وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ».
* الشيخ: «جُزْءٌ».
* الطالب: «مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩٨٩)، ومسلم (١٧٧٤ / ٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]].
* الشيخ: إي، وهذه الآية على قول؛ ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ بعضهم يقول: وحي منام.
في هذه الآية: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ فيها أمران ونهيان وخبران؟
* طالب: أمران: ﴿لَا تَخَافِي﴾.
* الشيخ: لا، ﴿وَلَا تَخَافِي﴾ هذا أمر ولَّا نهي؟!
* الطالب: أمران: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾.
* الشيخ: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾، نعم.
* الطالب: ﴿أَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾.
* الشيخ: ﴿أَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾.
* الطالب: والنهيان: ﴿لَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: والبشارتان: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٧].
* الشيخ: نعم، صح، تمام؟
في هذه الآية يقول: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ﴾، جماعة، والله واحد، شنو؟
* طالب: يعني أن الله واحد.
* الشيخ: هو يقول: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ﴾ جماعة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لكن كيف الله واحد سبحانه وتعالى ويقول: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ﴾؟
* الطالب: يعني الله (...).
* طالب آخر: هذا الجمع للتعظيم؛ تعظيم الله.
* الشيخ: هذا الجمع للتعظيم، الله تبارك وتعالى يخبر عن نفسه بصيغة التعظيم.
قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص ٨]، ﴿الْتَقَطَهُ﴾، ولم يقل: أخذه؟
* طالب: يا شيخ ما فهمت السؤال.
* الشيخ: السؤال: التعبير بـ﴿الْتَقَطَهُ﴾ دون أخذه؟
* الطالب: (...).
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: نحن قلنا: إن الالتقاط يختص بِمَن؟ بالآدميِّين، ﴿الْتَقَطَهُ﴾، مثلما يقول العلماء؛ يسمُّونه: اللقيط، فاللقيط خاصٌّ بالآدمي، فاللقيط هو عبارة عن الطفل المنبوذ أو الطفل الضائع، هذا هو التعبير، وقد يقال مثل ما قال الإخوان أنه (التقطوه) بمعنى أخذوه؛ يعني: بدون أي عوض وعلى سبيل الانتهاب، كأنه غنيمة أخذوها.
اللام في قوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾؟
* طالب: اللام للعاقبة.
* الشيخ: اللام للعاقبة. لماذا لا تكون للتعليل؟
* الطالب: لأنه لم يلتقطوه لكي يكون عدوًّا لهم، ولكن العاقبة كانت كذلك.
* الشيخ: ولكن العاقبة كانت كذلك، معلوم، لو أنهم علموا بكونه عدوًّا وحزنًا كان قتلوه، إي نعم.
هل أحدٌ من أهل العلم قال بخلاف ذلك؟
* الطالب: (...) في علم الله.
* الشيخ: إي، في علم الله، ولكن الصحيح؟
* الطالب: للعاقبة.
* الشيخ: أنه للعاقبة، لا أنه تعليل للفعل (...) ﴿الْتَقَطَهُ﴾.
قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ هذا التعليل، الجملة هذه تعليلية، أين المعلَّل؟ ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص ٨].
* طالب: جملة تعليلية؟
* الشيخ: إي.
* الطالب: المعلَّل؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨].
* الشيخ: نعم، هذا التعليل تعليلٌ لما قبله، ما أبغي الالتقاط، يعني: يكون عدوًّا وحزنًا لأنهم خاطئون.
طيب، قوله تعالى: ﴿أَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص ١٠]، من أيٍّ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا (...)، أنا ما أقول: لماذا كان فارغًا؟ أقول: فارغ من أيٍّ؟
* الطالب: من الحزن.
* طالب آخر: من كل شيء سوى موسى.
* الشيخ: إي، نعم، فارغًا من ذِكْر كل شيء، ما في قلبها إلا موسى، واضح؟
طيب، قوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص ١٠]، ﴿إِنْ﴾ هذه، ويش هي ﴿إِنْ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿إِنْ﴾ نافية!
* الطالب: (...).
* الشيخ: ويش (...)؟ (...)، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف ٣١] يعني: ما هذا إلا ملكٌ كريم.
* طالب: قاربت لتبدي به (...).
* الشيخ: يعني: ما قاربت لتبدي به! لما جبنا دليلًا رأينا فيه احتمالًا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا (...) نعم.
* طالب: (...) مخفَّفة من الثقيلة.
* الشيخ: ولا يجوز أن تكون نافية؟
* الطالب: لا يجوز أن تكون نافية.
* الشيخ: ويش المانع؟
* الطالب: وجود اللام، اللام (...) الفارقة.
* الشيخ: نعم، ويش بعد؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، يعني فيها مانعان: أحدهما لفظي وهو اللام اللي أنت قلت.
* الطالب: والثاني معنوي: أنها كادت لتبدي به، وليس (...)، فقاربت أن تبدي به لولا أن الله سبحانه وتعالى ربط على قلبها.
* الشيخ: إي، هذا المعنى، أين الدليل المعنوي؟
* الطالب: الدليل المعنوي لأن الله سبحانه وتعالى يريد أنها كادت تبدي به، (...) تبدي به.
* الشيخ: ما في الموضع دليل معنوي، يعني من سياق الآية؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، طيب.
* طالب: قوله في آخر الآية: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا﴾ [القصص ١٠].
* الشيخ: إي، زين، والربط يقتضي أنه (...)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: زين.
* * *
نأخذ الفوائد الآن، * يُستفاد من هذه الآيات:
* أولًا: من الآية الأولى؛ قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص ٧]، وفيها دليل على كرامة الله سبحانه وتعالى لأمِّ موسى بهذا الإلهام.
* ومن فوائدها أيضًا: عناية الله تعالى بموسى، نعم.
* وفيها أيضًا: دليل على أن الأنبياء كغيرهم من البشر يحتاجون إلى الغذاء؛ لقوله؟
* طالب: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾.
* الشيخ: لقوله: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾.
* وقد يستفاد منها: وجوب الإرضاع، إذا جعلْنا الأمرَ للوجوب لا للإرشاد، ولكن القواعد الشرعية ويش تقتضي؟ تقتضي وجوب الإرضاع وإنقاذ المعصوم.
* ومن فوائد الآية: قوة إيمان أمِّ موسى، ويكون هذا من مناقبها، كيف ذلك؟ بإلقائها إيَّاه في اليم، مع أنه ابنها، وهذا شيءٌ لا يقع إلا من مؤمنٍ حقًّا.
* ومن فوائد الآية: ذَكَرنا إكرامَ الله لأمِّ موسى، يُؤخذ من عدَّة أوجهٍ في الحقيقة، من هذا الوحي والإلهام، ومن تطمينها في قوله: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾، ومن بشارتها بأنه سيُردُّ إليها ويجعله من المرسلين.
* ومن فوائد الآية: بيان قدرة الله عز وجل؛ أن هذا الولد الذي أُلقِيَ في اليم، واليم مَهْلكة، ولَّا لا؟ حَفِظه الله عز وجل، وبقي وصار آخر أمرِهِ من الرسل.
* ومن فوائد الآية: أنه ينبغي تطمين المحزون ببشارته بمستقبله؛ لأنه يقول: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
* فيها: إثبات الرسالة أيضًا لموسى، ولَّا لا؟ إثبات الرسالة لموسى؛ لقوله: ﴿جَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
ثم قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ إلى آخره [القصص: ٨].
* من فوائد هذه الآية أولًا: أن أتباع الرجل وحاشيته من آله؛ لقوله: ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾، وقد علمتم أن المؤلف فسرها بقوله: (أعوان فرعون).
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان مهما بلغ في العُتُوِّ والاستكبار فإنه لا يعلم المستقبل، من أين تؤخذ؟ من أن آل فرعون ما علموا أن هذا الطفل سيكون عدوًّا لهم وحَزَنًا.
* ومن فوائدها: أن المؤمنين أعداءٌ للكفار؛ لقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾، وأنهم أيضًا حَزَنٌ لهم، وهذا أمرٌ ظاهرٌ، فالمسلمون أعداءٌ للكفار وهم أيضًا حَزَنٌ لهم، لا شكَّ أنهم يُساؤون بما يَسُرُّهم، وبالعكس.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أن الإنسان قد يسعى بما فيه حَتْفُه؛ لأن هؤلاء سعَوْا بما فيه حَتْفُهم، التقطوا هذا الطفل الذي سيكون عدوًّا لهم وحَزَنًا.
* ومن فوائدها: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى بأن هذا الصبي أو الطفل الذي كانت بنو إسرائيل تُقتل أبناؤها، أين تربَّى؟ في حجر فرعون، في بيته، مع أن فرعون يدوِّر على الأولاد من بني إسرائيل ليقتلهم، فقال الله عز وجل -يعني بلسان الحال -: هذا الذي أنت تَقتل أبناءَ بني إسرائيل -وهذا من (...)- سوف يعيش في حجرك، وهذه من أكبر الأدلة على قدرة الله عز وجل، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يعتمد على الأسباب المادية؛ فإن الله تعالى يُخلِف.
* ومن فوائدها: بيان أن فرعون وهامان وجنودهما كانوا على باطل؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص ٨]، وفَرْقٌ بين الخاطئ والمخطئ؛ الخاطئ: الذي يرتكب المعصية عن عمد، والمخطئ: الذي يرتكبها عن غير عمد؛ عن جهل.
* وفي هذه الآية دليلٌ على أن لهامان -وهو وزير فرعون- سُلطة كبيرة في مملكة آل فرعون؛ لقوله: ﴿وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾، ففي عدة آيات يُضيف الله الجنودَ إلى فرعون وحده، وباعتبار أن فرعون هو المرجع لهؤلاء الجنود يُضاف إليه وحده، وباعتبار أن هامان له تأثيرٌ لأنه وزير، ما أدري وزير داخلية ولَّا خارجية.
* طالب: وزير خارجية.
* الشيخ: كلهم الظاهر، وزير في كل شؤونه، فهو وزير والوزير عادةً يتصرَّف فيما جُعِل وزيرًا فيه.
* من فوائد الآية التي بعدها:
* أولًا: بيان فضيلة امرأة فرعون؛ من قولها: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص ٩].
* وفيها أيضًا: دليلٌ على فِراستها؛ لأنها توقَّعت أن ينفعهم، ولكنه ما حصل ما توقَّعتْ من كل الوجوه؛ نَفَع مَن؟ نَفَعها هي، ولكنه ضَرَّ فرعون.
* وفيها أيضًا: دليلٌ على ما قيل: (إن البلاء مُوَكَّلٌ بالمنطق)، والتفاؤل كذلك؛ لأنه بالنسبة لامرأة فرعون قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ فتفاءلتْ به خيرًا، فحصل لها ذلك وصار قُرَّة عين.
* وفيها أيضًا: دليلٌ على أنه ينبغي أن يستعمل الأساليب التي تُحقِّق المقصود؛ لقوله: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾، فإن هذا القول منها سواءٌ كانت تتوقع ذلك أو لا تتوقعه لا بدَّ أن يكون سببًا في موافقة فرعون لِمَا طلبتْ.
* ومن فوائدها: أنها تدلُّ على أن فرعون هَمَّ بقتل موسى، من أين تؤخذ؟ من قولها: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾، فالظاهر أنه هَمَّ به، نعم.
* ومن فوائدها أيضًا: قصور علم الإنسان مهما بَلَغ في علوه واستكباره؛ لقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
* ويؤخذ منها جواز التبني؟ هل يؤخذ منها جواز التبني؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...)، نشوف هل يثبت هذا ولَّا لا من الآية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، أو يقال: إن معنى ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ يعني مِثْل الولد في البيت عندنا وفي الإكرام، وأن ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ [القصص ٩] مثل الخادم؟
على كل حال إنْ كان المقصود بالآية: ﴿نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ نتبنَّاه، فإن هذا العمل نُسِخ، كان في أول الإسلام ثم نُسخ، وإن كان المراد ﴿نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ أي: بمنزلة الولد في الإكرام بدون أن نستخدمه، فهذا ما يدل على التبني، وهو محتمل.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، بس أنا قصدي أنه معروفٌ التبني عندهم، هل هذا هو المقصود بالآية وأن التبني عندهم معروف ولَّا لا؟
ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص ١٠].
* من فوائد هذه الآية: أن الإنسان يكون له حالٌ عند نزول البلاء غَيْرُها قبل نزوله. أنتم فاهمون الفائدة هذه؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: أن الإنسان إذا نزل به البلاء قد تتغير حاله، منين؟
* طالب: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾.
* الشيخ: ﴿أَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ مع أنها كانت في الأول عندها طمأنينة، ولهذا جعلتْه في التابوت وألقتْه في اليمِّ، وهذا غاية ما يكون من الطمأنينة، لكن الآن صار قلبها فارغًا، قلقة، ما كأنَّ في الدنيا سوى ابنها، وهذا هو الواقع أنَّ الإنسان له حالٌ قبل نزول البلاء وله حالٌ بعد نزوله، ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يُعرِّض نفسَه للبلاء.
يُذكَر أن سحنونًا أحد أصحاب مالكٍ كان رحمه الله على غاية من الرضا بقضاء الله و(...) العبادة و... إلى آخره، وأنه قال يومًا من الأيام بيتًا لكن لا أحفظ إلا معناه، لا يحضرني إلا معناه، قال بيتًا معناه: إنني صابرٌ، فكيفما شئتَ فامتحنِّي. فأُصِيبَ بعُسر البول، صار ما يبول إلا بتعب شديد، فكان يمرُّ على الصبيان في الكُتَّاب في مدارسهم ويقول: ادعوا لعَمِّكم الكذاب. لأن الأطفال أطفالٌ يُرجَى إجابةُ دعوتهم. فالمهم أن الإنسان قبل البلاء له حال، وبعد البلاء تتغيَّر حاله.
وهكذا أيضًا في الأمور الشرعية؛ النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَأْتِي إِلَيْهِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ أَوْ يَرَى أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، ثُمَّ لَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يُهْلِكَهُ»[[أخرجه أبو داود (٤٣١٩) من حديث عمران بن حصين، ولفظه: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ مِمَّا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ»، أو «لِمَا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ». ]]، وهذا هو الواقع أن الإنسان يجب أن يتحرَّز من البلاء.
وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لَا يُهِنْ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ». قالوا: كيف يُهين نفسَه؟ قال: «يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠١٦) من حديث حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ». قالوا: وكيف يُذِلُّ نفسه؟ قال: «يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُهُ».]]. هذا معنى الحديث، فالحاصل أن الإنسان له حالٌ قبل وجود البلاء وله حال بعده.
* وفيه أيضًا: دليلٌ على أن الطبيعة البشرية لا يؤاخَذ بها المرء، ما تقتضيه الطبيعة البشرية ما يؤاخذ به المرء؛ وجهُ ذلك أنَّ فؤاد أمِّ موسى كان ينبغي ألَّا يكون فارغًا من ذِكر الله عز وجل ومن الدار الآخرة، لكنه أصبح فارغًا ما فيه شيء أبدًا لذِكْرٍ سوى ذِكْر موسى، وهذا مقتضى الطبيعة البشرية؛ لأن الأمور العظيمة التي تنزل بالمرء تُنسيه كلَّ شيء.
* وفيه أيضًا: دليلٌ على فضيلة أمِّ موسى رضي الله عنها لكونها لم تُبْدِ ما في قلبها لأحد؛ لقوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾.
* وفي الآية: دليلٌ على أن المرء مفتقِرٌ إلى الله سبحانه وتعالى في كلِّ أحواله، ولا سيَّما عند نزول الحوادث؛ لقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾، فالإنسان مفتقِر إلى الله سبحانه وتعالى، ولولا معونة الله ما فعل الإنسانُ شيئًا، لا صَبَرَ على بلاءٍ ولا شَكَرَ عند الرخاء.
* وفيه أيضًا: دليلٌ على إثبات العلل والأسباب؛ لقوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
مَن الذي يُنكر الأسباب والعلل؟
* طالب: الجهمية.
* الشيخ: الجهمية والأشاعرة أيضًا، حتى الأسباب الظاهرة الحسية يُنكرونها ويقولون: إن الشيء يحدث عنده لا به، حتى لو أخذت حجرًا وضربت به الزجاج وانكسر، ما يقولون: إن الزجاج انكسر بالحجر، لكن: انكسر عنده، نعم، مع أنك لو تحطُّ الحجر على الزجاج؛ فوقه، ما هو بعنده، فوقه، ينكسر ولَّا لا؟ ما ينكسر، لو تحطُّه فوقه ما ينكسر، لكن تضربه به ينكسر.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي إي، نعم، يقول: حصل الألم عند ضربك لا به، إنما (...).
* طالب: المثال الأوضح يا شيخنا لمشايخهم أن مَن تناولَ دواءً وكان مريضًا يدعو ويقول: اللهم اجعلْ شفائي عنده لا به.
* الشيخ: إي، إي نعم، بناء على إنكارهم للأسباب، نسأل الله العافية.
وفي قوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دليلٌ على أن الإيمان والكمال في الرجال أكثر؛ لأنه لم يقل: لتكون من المؤمنات. ثم يدلُّ على ذلك أيضًا قوله تعالى في مريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢]، ولهذا جاء في الحديث: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤١١)، ومسلم (٢٤٣١ / ٧٠)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]، ولا ريب أن الإيمان في الرجال أَكْثرُ وأثْبَتُ وأَزْيد؛ ففي الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِن إِحْدَاكُنَّ»[[أخرجه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]. وإنما قرَّرنا هذا من أجل أنه يجب على المرء مراعاةُ المرأة، يجب على الرجل مراعاةُ المرأة، وأنها محتاجةٌ إلى الرعاية، وأيضًا محتاجةٌ إلى ألَّا تُجاب على كل ما تطلب؛ لأنها ناقصة عقلٍ وناقصة دينٍ كما وَصَفها النبي عليه الصلاة والسلام بذلك.
* وفيها أيضًا؛ في الآية: دليلٌ على إثبات القضاء والقدر، منين نأخذه؟
* طالب: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾.
* الشيخ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾، فإن هذا من قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره.
طيب، هل يُشتق من هذا الفعل اسمٌ لله بحيث نسمِّي الله: الرَّابط؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، ما يشتق؛ لأن الأفعال، كل شيء في الكون فهو من فِعْل الله وتقديره، كل شيء في الكون فإنه من فعل الله وتقديره، فهل نشتق لكل شيء في الكون نشتق منه اسمًا لله؟ لا، ما يمكن، ولكن أفعال الله سبحانه وتعالى متنوعة وأنواعها كثيرة، والفعل غير الاسم، ولهذا ما نشتق مثلًا من ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال ٣٠]، ما نقول: إن الله يُسمَّى ماكرًا، ولا نشتق من قوله: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء ١٤٢] أن الله يُسمَّى خادعًا، ولا نشتق من ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة ١٥] أنه مستهزئ، يعني هذه كلها أفعال مقيَّدة في أنواعها؛ يصلح أن نقول: إن الله مستهزئٌ بالمنافقين، إن الله خادعٌ للمنافقين، إن الله ماكرٌ بالماكرين، وما أشبه ذلك. قال: (﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص ١٠] المصدِّقينَ بوعدِ الله).
وينبغي ألَّا نفسِّر الإيمان بالتصديق، بل نجعله أعمَّ من ذلك، يعني المصدقة الثابتة على ما طُلب منها.
(وجواب ﴿لَوْلَا﴾ دلَّ عليه ما قبلها) وين ﴿لَوْلَا﴾؟
* طالب: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا﴾.
* الشيخ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾، ويش تقديره؟ لأبدتْ به، ولهذا قال المؤلف: إنه (دَلَّ عليه ما قبلها)، ولم يقل: إنه ما قبلها، ولكن: دلَّ عليه، أخذتم بالكم يا جماعة؟
وقد سبق لنا أن مثل هذا التعبير هل يحتاج إلى جواب أو لا يحتاج، فذكرنا أن بعض العلماء يقول: لا يحتاج إلى جواب؛ لأنك لو أتيتَ بالجواب لكان الكلامُ ركيكًا، إذَنْ لا يحتاج إلى جواب.
(أكرِم الطالبَ إن كان مجتهدًا) إذَن هذا ما يحتاج إلى جواب، نعم؛ لأنك لو أجبت: (أَكْرِم الطالبَ إن كان مجتهدًا فأكرِمه) يكون هذا كلامًا ليس بسليم، هذا كلام ركيك، وهذا المعنى الذي ذكرناه أشار إليه ابن القيم في كتابه التبيان في أقسام القرآن.
القصص 28:10
(...) ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ الوحي في اللغة: الإعلام بسرعة وخفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ١١] ويطلق على معانٍ متعددة؛ منها:
الوحي الشرعي وهو وحي النبوة أو الرسالة، ووحي الإلهام وهو: ما يلقيه الله تبارك وتعالى في نفس الموحى إليه، ووحي النوم؛ فإن النوم الرؤيا الصالحة فيه جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩٨٣)، ومسلم (٢٢٦٣ / ٦) من حديث أنس بن مالك.]].
ننظر إلى هذه الآية: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾، فإذا وحي النبوة أو الرسالة خير منه؛ لأن الذي أُوحِيَ إليها ليس بشرع، ترضعه.. إلى آخره.
ثم إن الصحيح أنه لم يُبعث أحد من النساء نبيًّا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف ١٠٩].
إذن يكون الوحي هنا إما إلهامًا وإما منامًا؛ فالإلهام ليس بالشيء الغريب، أن تلهَم امرأة ما يكون في مصلحتها، فالله تبارك وتعالى ألهم النحل، وهو (...) بني آدم ما فيه مصلحتها: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ إلى آخره [النحل: ٦٨].
ولهذا قال المؤلف: (﴿﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ ﴾ وحي إلهام أو منام).
(أو) هنا للتنويع؛ تنويع الخلاف في هذه المسألة، فإن بعض العلماء يقول: إن الوحي وحي إلهام، وبعضهم يقول: إن الوحي وحي منام. والمهم أنه ليس وحي رسالة أو نبوة.
وقوله: ﴿إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾؛ يعني التي ولدته، وهذا هو الأصل في الأم: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة ٢]، وأما الأم من الرضاعة فلا تذكر مطلقةً، وإنما تُذكَر مُقَيَّدة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء ٢٣]، ثم قال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء ٢٣]، فالأم من الرضاعة لا تدخل في مطلَق الأم، بل لا بد أن تكون مقيدة.
أنت معنا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: وأيش قلنا؟
* الطالب: قلنا: إن الأم من الرضاعة (...).
* الشيخ: عند الإطلاق.
* الطالب: عند الإطلاق (...).
* الشيخ: طيب. وإنما قَرَّرْتُ هذا ليتبين أن قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء ٢٣]، المراد بها الأم التي وَلدت دون أم الرضعات.
قال: (﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ وهو المولود المذكور ولم يشعُر بولادته غيرُ أخته).
(...) المولود المذكور؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) وهو المولود المذكور؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أو المذكور في الآية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب، وهو المولود المذكور؛ لأنه ما من أم إلا ولها ولد.
وقوله: (ولم يشعُر بولادته غيرُ أخته)، هذا من الأقوال الإسرائيلية التي لا تُصدَّق ولا تُكذَّب؛ لأنه ما الذي أدرانا أنه لم يشعر به إلا أخته؟ ما عندنا أحد يدلنا على هذا.
وقوله: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ﴿أَنْ﴾ هذه تفسيرية، وضابط التفسيرية: التي تقع بعد ما فيه معنى القول دون حروفه، كل (أن) إذا وقعت بعد ما فيه معنى القول دون حروفه فهي تفسيرية ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ومثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧] وأمثالها كثير.
﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ وهذا دليل أن هناك خوفًا من آل فرعون، وأنهم يلتقطون الأولاد، ولهذا قال: ﴿إِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ فسَّره بقوله: (البحر)، ثم فسَّر (البحر) بقوله: (أي: النيل). فاليم هو البحر كما قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص ٤٠]؛ يعني: البحر، والمراد بالبحر هنا النيل، وسُمِّيَ بحرًا وإن كان نهرًا لكثرته واتساعه.
﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي﴾ قوله: ﴿فَإِذَا خِفْتِ﴾ هذا فعل الشرط، وجواب الشرط ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾، وهو من الغرائب أن من يُخاف عليه يُلقَى فيما فيه هلاكه؛ لأن إلقاءه في البحر ويش معناه؟ استعجال الهلاك له؛ لأن المعروف أنه يموت إذا ألقي في البحر، وهذا من آيات الله عز وجل أن يكون موسى يُلْقَى في مكان الخوف فلا يموت، ثم يعيش بين أحضان فرعون الذي كان يتتبع أولاد بني إسرائيل فيَقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم. هذه من الآيات الدالة على كمال قدرة الله عز وجل، وأن الله إذا حفظ أحدًا فإن الأسباب المؤدية إلى الهلاك لا تؤثر ولا يكون لها تأثير، وأن قدرة الله فوق الأسباب؛ ولهذا النار مُحرِقة بلا شك وصارت على إبراهيم بردًا وسلامًا.
﴿إِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي﴾ أيش ﴿تَخَافِي﴾؟ قال المؤلف: (غرقَه)، فمفعول ﴿تَخَافِي﴾ محذوف، قدَّره بقوله: (غرقَه) وهو واضح.
(﴿﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ ﴾ لفراقه)، قال: (لفراقه)؛ لأن الحزن يكون في الماضي، والخوف في المستقبل، فما أَهَمَّ الإنسانَ فإن كان مستقبلًا فهو خوف، وإن كان ماضيًا فهو حزن. هنا قال الله لها: ﴿لَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾، فإن الأمر سيكون على خلاف ما تتوقعين، ولهذا قال: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿إِنَّا رَادُّوهُ﴾، ما قال: نَردُّه؛ لتكون الجملة اسميةً، والجملة الاسمية تدل على الثبوت والاستقرار.
وقوله: ﴿إِنَّا﴾ (...) بضمير الجمع للتعظيم.
وقوله: ﴿رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ أي: مُرجِعوه، ولم يبين الله تبارك وتعالى المدة التي تَفقِده فيها، ولكن الظاهر أنها ليست ببعيدة كما سيأتي في آخر القصة.
وقوله: ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ هذه بَشارة فوق البشارة الأولى، وهو أن يكون هذا المولود من المرسلين، أي ممن أرسلهم الله تبارك وتعالى وأكرمهم بالرسالة.
هذه الآية فيها أمر وفيها نهي، أين هي؟ فيها أمران ونهيان وبَشارتان، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: أمران ونهيان وبشارتان؛ الأمران قوله: ﴿أَرْضِعِيهِ﴾ و﴿أَلْقِيهِ﴾، والنهيان: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾، والبشارتان: ﴿رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
(فأرضعته ثلاثة أشهر لا يبكي، وخافت عليه فوضعته في تابوت مُطلى بالقار من داخل، مُمَهَّدٍ له فيه وَأغلقَتْه وألقَتْه في بحر النيل ليلًا).
قوله: (أرضعته ثلاثة أشهر) ما في الآية ما يدل عليه، إنما لا شك أنها امتثلت أمر الله، أرضعته، ولما خافت عليه ألقته.
وقول المؤلف: إنها (وضعته في تابوت) منين أخذها؟
من آية أخرى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه ٣٩]، وهذا من إرشاد الله تبارك وتعالى لها؛ لأنه ما أمرها (...) تلقيه (...) في البحر، وإنما أمرها أن تلقيه في تابوت ليكون حفظًا له، والتابوت يكون من الخشب، والخشب عادة يطفو على الماء، ما يمكن (...)، فإذا جُعِلَ فيه القار فإنه أيضًا يمنع من دخول الماء إليه؛ لأنه ربما إذا دخل الماء إليه وتسلل في الخشب يَثْقَل ثم يغيض.
وأما قوله: (وألقَتْهُ فِي بحر النيل ليلًا)، منين أخذ قوله: (ليلًا)؟ ربما يؤخذ من قوله فيما بعد: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص ١٠] أنها ألقته في الليل ثم جعلت توسوس فيه وتهتم له حتى كانت لا تفكر في غيره كما سيأتي.
ثم إنه أيضًا مما يؤيد ذلك: أن المرأة قد خافت عليه، وإذا خافت عليه فإنه من المستبعد عادة أن تخرج به نهارًا وتلقيه أمام الناس، فلا بد أن يكون ليلًا، فيكون هذا الحكم بأنه (ليلًا) مأخوذ من الآية ومن العادة، أن هذا لا يكون إلا في الليل.
قال: (﴿﴿فَالْتَقَطَهُ﴾ ﴾ بِالتابوت صَبيحَة الليل ﴿﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ ﴾).
﴿فَالْتَقَطَهُ﴾، ولم يقل: أخذه؛ لأنه أصبح في حكم اللقيط المنبوذ، وأهل العلم يقولون: إن اللقيط هو الطفل المنبوذ الذي طُرِحَ، يُسمَّى لقيطًا؛ ولهذا قال: ﴿فَالْتَقَطَهُ﴾، ولم يقل: أخذه؛ لماذا؟ لأن اللقيط هو الطفل المنبوذ، هؤلاء أخذوا هذا التابوت.
وقوله: ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ قال المؤلف: (أعوانه)؛ آله أي: أعوانه، ويَحتمل أن آله أي: قرابته.
على كل حال المهم أنه أخذه من ينتسب إلى فرعون وهو الملك.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، حتى الالتقاط يكون بقصد؛ لأن الملتقِط الذي يلتقط اللقيط المنبوذ مثلًا في الشارع أو المنبوذ في المسجد يريد أخذه، لكن هنا قد يُشْعِر بأنه شيء ظفر به، لكن إنما العلماء يقولون: إن الالتقاط يكون في الأصل في الطفل المنبوذ.
قال: (﴿﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ ﴾ فَوَضَعُوهُ بَيْن يَدَيْهِ) (وضعوه بين يديه)، أي: بين يدي فرعون، وكانوا لا يشعرون بالذي فيه، وربما يظنون أن الذي فيه مالٌ من الأموال.
(وَفُتِحَ وأُخْرِجَ موسى منه وهو يمُصُّ من إبهامه لبنًا)، هذا (...)، كونه يمص من إبهامه لبنًا معناه يرضع نفسه من نفسه، (...) فالعادة بأن الشيء المغلق الإنسان لا بد أن يفتحه وينظر ما فيه.
وأما كونه يمص من إبهامه لبنًا، فهذا من الأمور الإسرائيلية التي لا تُصَدَّق ولا تكذب، (...) بأنها تكذَّب، وأن هذا بعيد من العادة.
وقوله: (﴿﴿لِيَكُونَ لَهُمْ﴾ ﴾ فِي عَاقِبَة الْأَمْر) ﴿لِيَكُونَ﴾ الضمير يعود على مَن؟ على موسى، و﴿لَهُمْ﴾ الضمير يعود على ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾، ويدخل في ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ فرعونُ نفسه.
وقوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ قال المؤلف: (في عاقبة الأمر) إشارة أن اللام هنا للعاقبة وليست للتعليل؛ لأنهم لو شَعَروا بأنه يكون لهم عدوًّا وحزنًا قتلوه، ولكن العاقبة أنه كان كذلك. وما ذهب إليه ابن كثير رحمه الله من أن اللام هنا للتعليل باعتبار علم الله له وجه؛ يعني: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ في علم الله، وليست تعليلًا للالتقاط، هذا له وجه، لكن الأقرب ما ذهب إليه المؤلف وغيرُه من أن اللام هنا للعاقبة وليست للتعليل.
اللام التي تدخل على الفعل المضارع تنقسم إلى قسمين: زائدة، وغير زائدة. وغير زائدة تكون للتعليل وتكون للعاقبة وتكون لتأكيد النفي، هذه غير الزائدة. الزائدة: هي التي تقع في الغالب بعد فعل الإرادة؛ مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب ٣٣]، فإن اللام هنا زائدة؛ لأنك لو حذفتها وقدَّرت (أن) ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ﴾، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ أن يذهب، تم الكلام ولَّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: تَمَّ، يتم الكلام.
واللام غير الزائدة تكون للتعليل مثل: حضرت لأتعلمَ، أي: من أجل أن أتعلم. وتكون لتأكيد النفي مثل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٣٧]؛ ولهذا يسميها النحويون يسمونها لام الجحود، لام النفي، فهي لتأكيد النفي.
والثالثة تكون للعاقبة مثل هذه الآية: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
* طالب: بعد كان؟
* الشيخ: بعد (كان) مضارعة كانت أو فعلًا ماضيًا.
وقوله: (﴿﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ ﴾ يقتل رجالهم ﴿﴿وَحَزَنًا﴾ ﴾ يستعبد نساءهم) هذا فيه نظر، بل الظاهر أنه عدوٌّ لِمَا يحصل على يديه من الأضرار البالغة لآل فرعون.
﴿وَحَزَنًا﴾؛ لأنه سوف يُحزنه لما يظهر له من الانتصارات العظيمة، وأبلغُها متى؟ حين انتصر يوم الزينة؛ لأنه انتصر عليه انتصارًا بالغًا باهرًا، وحصل لهم بهذا من الحزن ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. ولم نعلم أن موسى ﷺ قَتل رجال آل فرعون، ولا أنه استعبد نساءهم، وإنما المعروف أن الله سبحانه وتعالى أغرقهم بفعله.
(وفي قراءة بضم الحاء وسكون الزاي لغتان في المصدر، وهو هنا بمعنى اسم الفاعل من حَزَنَه كَأَحْزَنَه). (...).
طيب، ﴿حَزَنًا﴾ يقول: (وفي قراءة) سبعية ولَّا شاذة؟
* طالب: سبعية.
* الشيخ: سبعية؛ لأنك تعرف المؤلف أنه إذا قال: (في قراءة) يعني سبعية، وإذا قال: (قُرِئ)؛ في الشاذ.
قال: (بضم الحاء وسكون الزاي)، ﴿﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحُزْنًا﴾ ﴾ [القصص: ٨]، ﴿﴿حُزْنًا﴾ ﴾ و﴿حَزَنًا﴾ معناهما واحد، وهما لغتان في المصدر.
منين مأخوذ؟ يقول: من (حزن كأحزن)، (حزنه كأحزنه).
أيش لون (حزنه كأحزنه)؟
يعني أن (حزن) الذي ليس مزيدًا بالهمزة مثل: (أحزنه) المزيد بالهمزة من حيث التعدي.
وقوله: (وهو هنا بمعنى اسم الفاعل)، ويش معنى (بمعنى اسم الفاعل)؟
* طالب: حازن.
* الشيخ: يعني بمعنى (حازِن) أي: (مُحزِن).
لماذا أوَّله المؤلف إلى هذا؟ لأن الحَزَن شعور في النفس، وموسى ﷺ هل يكون شعورًا في أنفسهم؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، لكنه مُدْخِلٌ لهذا الشعور -وهو الحُزْن- في أنفسهم، وعلى هذا فيكون ﴿وَحَزَنًا﴾ بمعنى: حازِنًا.
ويأتي المصدر دائمًا بمعنى اسم الفاعل ودائمًا بمعنى اسم المفعول، فيقال: فلان عَدْل رضا، ويقال أيضًا: فلان ثقة، و(عدْل) و(رضا) و(ثقة) مصادر بمعنى اسم الفاعل عادل، ورضا بمعنى مرضي، و(ثقة) بمعنى موثوق، بمعنى اسم الفاعل واسم المفعول.
وقوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) واللفظ له، من حديث عائشة.]]، هذا مصدر بمعنى اسم المفعول.
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
ما هو العدو؟ العدو عند الفقهاء حَدّوه بتعريف هو حكم في الواقع، فقالوا: إن العدو من سرَّه مَساءة شخص أو غمَّه فَرَحُه؛ فهو عدوه، كل إنسان يَسُره أن تُساء ويُحزنه أن تُسرَّ فهو عدو، وكل إنسان يَسره أن تُسر ويُحزنه أن تَحزن فهو وَلِيٌّ؛ لأن العدو ضده الولي.
قال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾.
الجملة هذه تعليل لقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ كأنه قيل: لماذا يكون لهم عدوًّا وحزنًا؟ فبيَّن أن السبب في ذلك هو خطأ هؤلاء: فرعون الملك، هامان وزيره، جنودهما أتباعهما الذين يمتثلون بأمرهما، وأصل الجنود جمع جُنْد، والجند: هم أنصار الإنسان.
ويقول: (﴿﴿كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ ﴾ من الخطيئة أي: عاصين فعوقبوا على يديه).
الخاطئ والمخطئ ما الفرق بينهما؟ ويش الفرق بين الخاطئ والمخطئ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، يعني: مَنْ أتى الخطأ متعمدًا فهو خاطئ، ومن أتاه غير متعمد فهو مخطئ، ولذلك الخاطئ معذَّر، والمخطئ غير معذَّر، قال الله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق ١٦] كذا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: والمخطئ ليس عليه إثم ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦]. وفعل خاطئ.. الفعل من خاطئ خَطِئ، ومن أخطأ مُخطئ، هذا هو الفرق.
إذن قوله سبحانه وتعالى: ﴿خَاطِئِينَ﴾ أي واقعين في الخطأ عن عمد وقصد؛ ولهذا قال المؤلف: (أي عاصين فعوقبوا على يديه).
(﴿﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ ﴾ وقد هَمَّ مع أعوانه بقتله) أي: بقتل موسى (هو ﴿﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ ﴾).
عندي مكتوبة ﴿قُرَّتُ﴾ بالتاء المفتوحة، والقاعدة بالمربوطة، وهي كذلك فيما بقي من الآيات بالمربوطة: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان ٧٤] مربوطة، ولم تأت مفتوحة إلا في هذا في القرآن، وذُكرت في القرآن في موضعين سوى هذا، وكلها بالمربوطة، وإذا قيل: ما الفرق؟ نقول: إن هذا يُتبع فيه الرسم العثماني، هكذا رسمه الصحابة رضي الله عنهم.
وقوله: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ أولًا: ﴿قَالَتِ﴾ توجِّه الخطاب إلى مَن؟ إلى فرعون، و﴿قُرَّتُ﴾ قَدَّر المؤلف (هو)؛ ليبين أنه خبر مبتدأ محذوف.
وقوله: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ مأخوذ من القَرِّ أو من القَرَار؛ يعني: قصدي من هذا أو من هذا، ويصحُّ منهما جميعًا، من القَرِّ وهو البرد؛ لأن العين إذا بردت فإنها تكون علامة على السرور، ولهذا يقال: دمع السرور بارد، ودمع الحزن حار، ويقال: يبكي عليه بدمع حار؛ يعني: من الحزن.
إذن نقول: قرة العين كناية عن برودتها، وبرودة العين دليل على السرور.
وقيل: إنها من قَرَّ بالمكان، وهو القرار وعدم الاضطراب؛ لأن الإنسان إذا كان خائفًا بدأت عينُه تجول من هنا ومن هنا، تَشخَص وتجول وتَلَفَّت، لكن هذا دليل على أنها قارَّة، لكن قرارها دليل على أنها لم تخف.
﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾.
قولها: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ يدل على أنهم هَمُّوا بقتله، وإلا لما كان لقولها ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ فائدة.
وقولها: ﴿لِي وَلَكَ﴾ وقع كما توقعَت؟
* طالب: لا.
* الشيخ: بالنسبة لها نعم، لا شك أنه وقع الأمر كما توقعت، وصار هذا الولد قرة عين لها ورفعة لها في الدنيا والآخرة، وأما لفرعون فلا، ما صار قرة عين له، بل كان له عدوًّا وحزنًا. ومن غرائب التفسير أن بعضهم قال: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي﴾ وتقف، ﴿وَلَكَ لَا﴾ وتقف أيضًا!! و﴿تَقْتُلُوهُ﴾ جملة مستأنفة!! وهذا في الحقيقة من التلاعب بالقرآن؛ لأنه لو كان كما يقولون لقال الله تعالى: (تقتلونه)؛ إذ إن حذف النون هنا لا نعلم له سببًا سوى النهي، فكيف يُفسَّر كلام الله بمثل هذه التفاسير الباردة؟! ولكنه ذكرناه لأنه قد قيل به، وإلا فإنه -حتى إنه روي عن ابن عباس رضي الله عنهما[[انظر تفسير السمرقندي بحر العلوم (٢ / ٥٩٩).]] - ولكن هذا من أبعد ما يكون عن ابن عباس؛ لما فيه من تفكيك الكلام وتناثره وعدم التئام بعضه ببعض، ولأن النون في الفعل ﴿تَقْتُلُوهُ﴾ محذوفة مما يدل على أن ﴿لَا﴾ مسلَّطة عليها.
ولكنها هي رضي الله عنها -امرأة فرعون- إما أنها قالت ذلك من باب التهدئة له ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾؛ لتُهَدِّئه وتُفرِّحه، وإما أنها قالت ذلك معتقدةً له، ولكن ليس من اعتقد شيئًا يكون الأمر على وفاق ما اعتَقد، بل قد يُخلف الله سبحانه وتعالى اعتقاد الإنسان لحكمة يريدها، وهذا لا مانع منه أن تقول ذلك معتقدةً أنه سيكون قرة عين له ولها أيضًا.
ويدل لهذا قولها: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾.
﴿عَسَى﴾ للترجي، وقوله: ﴿يَنْفَعَنَا﴾ في الخدمة. ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ نتبناه. وقد قيل: إنه ليس لفرعون من امرأته ولد، فقالت: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. ومعلوم أن بين الأمرين فرقًا؛ فإن انتفاعهم به لا يجعلهم يحنُّون عليه كما يحنون على الولد، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: فالخادم عند الإنسان يأمره وينهاه، ولا يكون في قلبه له من الرحمة والرأفة والعطف ما يكون للولد، ولهذا قالت: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، وهذا انتقال من الأدنى إلى الأعلى.
إذن نحن لسنا محرومين من هذا الولد، فإما أن نتخذه خادمًا ننتفع به، وإما أن نتخذه ولدًا نفخر به ويكون لنا بمنزلة الولد.
هناك احتمال ثالث؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، فيه احتمال ثالث، أنه لا ينفعهم ولا يتخذونه، ولكنه لا يمكن أن يقال في هذا السياق؛ لأنها هي تريد ترغيبهم في إبقائه، والترغيب في الإبقاء لا يُذكر فيه إلا الصفات المرغوبة، وهي أنه ينفع أو يُتَخذ ولدًا.
قال: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
نعم، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ هذه جملة من كلام الله ولَّا من كلامها هي؟
الظاهر أنها من كلام الله، يعني ﴿وَهُمْ﴾ أي آل فرعون ومنهم المرأة ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ بعاقبة أمر هذا الولد؛ لأنهم لو شعروا بعاقبة أمره قبلوا منها مشورتها ولّا لا؟ ما قبلوا، ولكن الله سبحانه وتعالى أعمى ذلك عنهم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: دلَّ على أنها..؟
* الطالب: عاقر.
* الشيخ: عاقر؟ أقول: قيل ذلك، قيل: إنه ليس له ولد منها.
* الطالب: يعني لو كان لها ولد (...).
* الشيخ: ما هو بلازم في الحقيقة؛ لأنه قد يتبنى الإنسان شخصًا زيادة، فهو ما دام ما فيه شيء بيّن ما نجزم به، نقول: ربما يكون هذا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، بعضهم يقول: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ آل فرعون، آل فرعون لا يشعرون بما تريده المرأةُ، وكأن المرأة ألهمها الله عز وجل مآل هذا الرجل، وأما هم فلا يشعرون، لكن الأقرب أنه من كلام الله سبحانه وتعالى.
* طالب: كلام امرأة فرعون هذا بعد ما أسلمت ولَّا قبل أن تسلم؟
* الشيخ: لا، قبل أن تسلم، (...).
* الطالب: يعني كانت قبل ذلك على عقيدة فرعون؟
* الشيخ: (...) على عقيدة فرعون، أي أنها ما أعادت على..، لكن الظاهر أنها على عقيدته؛ لأنها زوجته ولا بد أن تكون مطيعة له.
قال: (﴿﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ ﴾ بِعَاقِبَةِ أَمْرهمْ مَعَهُ)، وهذا واضح.
ثم قال الله تعالى: (﴿﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى﴾ ﴾ لَمَّا عَلِمَتْ بِالْتِقَاطِهِ ﴿﴿فَارِغًا﴾ ﴾ مِمَّا سِوَاهُ)، الله أكبر!
﴿وَأَصْبَحَ﴾ هذا بناء على أنها ألقته ليلًا، وتأتي كلمة (أصبح) بمعنى صار، بقطع النظر عن الزمن، في اللغة العربية تأتي (أصبح) بمعنى صار، وتأتي (أصبح) بمعنى صار في الإصباح، يقال مثلًا: صار الماء ثلجًا، أصبح الماء ثلجًا بمعنى: صار. في اللغة العامية الآن دائمًا يعبرون الناس يقولون: أصبح كذا وأصبح كذا، ويريدون بذلك أنه انتقل إلى هذا، كما أن الإصباح انتقال من الليل إلى النهار.
لكن هنا ليس ببعيد أنه في صباح تلك الليلة استولى عليها الوساوس والهواجس حتى صار قلبها فارغًا من كل شيء، ما تُفكِّر بأي شيء إلا بهذا الولد، وهذا -أعني أن المراد بالإصباح هنا الدخول في الصباح- أولى من أن نجعله بمعنى صار؛ لأنكم كما تعلمون الشيء يُحْزَن عليه عند فقده، لكن إذا طال الزمن فإنه قد يُنسى، الحوادث تنسيه، فالظاهر أن (أصبح) أي: في تلك الليلة.
﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ﴾ ما هو الفؤاد؟
* طالب: القلب.
* الشيخ: القلب.
﴿أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾، يقول: (مما سواه).
أما قول المؤلف: (لما علمت بالتقاطه) فهذا لا يتعين أنها علمت؛ لأنه بمجرد أن ألقته سوف توسوس به.
(﴿﴿إِنْ﴾ ﴾ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف؛ أي: إنها ﴿﴿كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ ﴾ أي: بأنه ابنها ﴿﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ ﴾) إلى آخره.
يقول: ﴿إِنْ كَادَتْ﴾ المؤلف أعرب ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة، ابن مالك يقول:
وَخُفِّفَتْ (إِنَّ) فَقَـــلَّ الْعَــــــــمَلُ ∗∗∗ وَتَـلْـــــــزَمُ الَّــــــــــلاَمُ إِذَا مَـــــاتُهْمَلُ؎وَرُبَّمَــــــــا اسْتُغْنِيَ عَنْــــــهَا إِنْبَدَا ∗∗∗ مَــــــــا نَاطِـــــــــــقٌ أَرَادَهُمُــعْتَـمِــــــــــدًا؎وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا فَلاَ ∗∗∗ تُلْفِيهِ غَالِبًا بِـ(إِنْ) ذِي مُوصِلَا
فالآية إذن جارية على اللغة الفصحى: لأن (كاد) ناسخ ولَّا غير ناسخ؟
* طالب: ناسخ.
* الشيخ: ناسخ، (كاد) ناسخ، نعم.
وهنا اللام ﴿لَتُبْدِي بِهِ﴾ لازمة ولَّا جائزة؟
* طالب: لازمة.
* الشيخ: رأي الجمهور لازمة؟ طيب، لو حذفناها وقلنا: ﴿إِنْ كَادَتْ﴾ تبدي به؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يمكن تكون بمعنى (ما)؟ يعني: ما كادت تبدي به؟
* طالب: قالوا: (...).
* الشيخ: إي أصل ها اللام.
....................... ∗∗∗ وَتَلْــــزَمُ الَّلاَمُ إِذَا مَــا تُهْمَــــلُ؎وَرُبَّمَـــا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا ∗∗∗ ........................
اللام تجب إذا كان حذفها يوقع في الإشكال؛ لأنك إذا حذفتها التبست بـ(إنْ) النافية، وإذا أوجبتها فإنها لا يكون الاشتباه؛ لأن لام التوكيد ما تأتي مع النفي، فما رأيكم في هذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن يختلف المعنى؛ لأنه ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ معناها أنها قرب إبداؤها لذلك، لكن (ما كانت لتبدي به) معناها مستحيل.
* طالب: (...).
* الشيخ: هي جائزة لأن السياق يدل على المعنى وهو قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾؛ لأن هذه الجملة لا تناسب أن تكون (إنْ) نافية، يعني: ما كادت تبدي به لولا أن ربطنا على قلبها؛ لأن الربط على القلب يقتضي الكتمان ولَّا البيان؟
* طالب: الكتمان.
* الشيخ: يقتضي الكتمان، ولا يصلح أن نقول: ما كادت تظهره ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا﴾؛ لأن ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا﴾ يستلزم ألا تظهره، فعلى هذا تكون اللام هنا جائزة. وهذا جائز من حيث الصناعة النحوية، أما من حيث التلاوة القرآنية فهو غير جائز حذفها، والسبب؟ لأن كلام الله لا يمكن (...) لا بالنقص ولا بالزيادة.
﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ تبدي أي: تُظهر، ﴿بِهِ﴾ أي: بموسى.
وأما قول المؤلف: (أَي: بأنه ابْنها) فهو بناء منه على أنها وصلت إلى آل فرعون، ولولا أن الله ربط على قلبها لقالت: هذا ابني، ولا شك أن هذا بعيد من القصة وبعيد من المعنى.
ولكنه ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي: لتظهر بما فعلته به، يعني: هي تحدث الناس وتقول: والله أنا فعلت كذا وفعلت كذا وألقيت ابني في اليم. إلى آخره، ولّا لا؟
وإنما قال: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ إذ إن المعروف أن الإنسان إذا حزِن بشيء فإنه يخفف من آلام الحزن على نفسه أن يتحدث به إلى أحد من الناس ممن يتصل به؛ ولذلك تجد الإنسان يضيق صدره بالشيء حتى يحدِّث به ولّا لا؟ هذا شيء معلوم، فهي لولا أن الله ربط على قلبها لأبدت ذلك الأمر، ما أبدت وقالت: إن هذا ابني، أبدت الأمر الذي وقع منها، وهو أنها ألقته في تابوت وألقته في اليم، لو فعلت هذا لكان كما يقول الناس: يطير الخبر؛ لأن الخبر مكتوم ما لم يَظهر، فإذا ظهر لواحد (...) يتشعب، فلو أبدته ولو لأقرب الناس إليها لظهر أمر الطفل ورُمي به، ولكن الله سبحانه وتعالى ربَط على قلبها.
ولهذا قال: (﴿﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ ﴾ بِالصَّبْرِ أي: سَكَّنَّاهُ).
الربط على الشيء معناه شد الرباط عليه، شوف ﴿رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أبلغ من أسكنا قلبَها؛ لأن الربط عليه معناه لا يمكن أن يتحرك، فهذا أبلغ. والله تعالى ربط على قلبها بحيث إنها صبرت ولم تحدِّث أحدًا بما جرى.
ولكن الذي وقع: ﴿قَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ وقد سبق أن المؤلف يقول: (ما اطلع على ولادته سوى أخته).
(﴿﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴾ المصدِّقينَ بوعد الله وجواب (لولا) دلَّ عليه ما قبلها).
قوله: ﴿رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أي: شددناه بالربط، والمراد به التسكين.
وقوله: ﴿لِتَكُونَ﴾ اللام للتعليل، أين المعلَّل؟
* طالب: رَبْط القلب.
* الشيخ: رَبْط القلب، يعني: رَبَط اللهُ على قلبها لهذه الغاية ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ليس المراد الإيمان الجديد؛ لأنها هي مؤمنة بلا شك، وأدَلُّ دليل على أنها مؤمنة أنها امرأة ألقت ابنها في اليم ثقةً بأيش؟
* طالب: بالوعد.
* الشيخ: بوعد الله عز وجل، ولكن المراد هنا بالإيمان الإيمان الزائد على أصله، الإيمان الزائد يعني: التثبيت واليقين ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذا هو الذي وقع.
وفي القصة فوائد عظيمة ومناقب لأم موسى.
..الآية أن الوحي ينقسم أو يطلق على ثلاثة إطلاقات.
* طالب: إما بشرع، شرعًا (...).
* الشيخ: وحيٌ بشرع.
* الطالب: والثاني: إمَّا وحي إلهام.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: يعني لو صار الوحي ينزل على..
* الشيخ: أولًا: وحي بشرع. ثانيًا؟
* الطالب: ثانيًا: (...) إما وحي..
* الشيخ: وحي منام.
* الطالب: وإما أن يكون وحي .. يعني شخص (...).
* الشيخ: نعم، أو وحي إلهام.
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني: أو وحي إلهام، كذا؟
طيب، مثال الأول: الوحي بالشرع؟
* طالب: الوحي للأنبياء.
* الشيخ: كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا﴾، من يقرأ الآية؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [النساء ١٦٣].
* الشيخ: زين، إلى آخره، هذا وحي بالشرع.
القسم الثاني: وحي الإلهام، مثاله؟
* طالب: (...).
* طالب آخر: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل ٦٨]، وهذه الآية أيضًا.
* الشيخ: وهذه الآية: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص ٧]، طيب، نعم الآية هذه فيها احتمال ثانٍ. ووحي منام.
* طالب: منام كقوله تعالى: (...).
* الشيخ: نعم.
* الطالب: وقوله تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات ١٠٥].
* الشيخ: نعم.
* الطالب: وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ».
* الشيخ: «جُزْءٌ».
* الطالب: «مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩٨٩)، ومسلم (١٧٧٤ / ٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]].
* الشيخ: إي، وهذه الآية على قول؛ ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ بعضهم يقول: وحي منام.
في هذه الآية: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ فيها أمران ونهيان وخبران؟
* طالب: أمران: ﴿لَا تَخَافِي﴾.
* الشيخ: لا، ﴿وَلَا تَخَافِي﴾ هذا أمر ولَّا نهي؟!
* الطالب: أمران: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾.
* الشيخ: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾، نعم.
* الطالب: ﴿أَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾.
* الشيخ: ﴿أَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾.
* الطالب: والنهيان: ﴿لَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: والبشارتان: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٧].
* الشيخ: نعم، صح، تمام؟
في هذه الآية يقول: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ﴾، جماعة، والله واحد، شنو؟
* طالب: يعني أن الله واحد.
* الشيخ: هو يقول: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ﴾ جماعة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لكن كيف الله واحد سبحانه وتعالى ويقول: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ﴾؟
* الطالب: يعني الله (...).
* طالب آخر: هذا الجمع للتعظيم؛ تعظيم الله.
* الشيخ: هذا الجمع للتعظيم، الله تبارك وتعالى يخبر عن نفسه بصيغة التعظيم.
قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص ٨]، ﴿الْتَقَطَهُ﴾، ولم يقل: أخذه؟
* طالب: يا شيخ ما فهمت السؤال.
* الشيخ: السؤال: التعبير بـ﴿الْتَقَطَهُ﴾ دون أخذه؟
* الطالب: (...).
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: نحن قلنا: إن الالتقاط يختص بِمَن؟ بالآدميِّين، ﴿الْتَقَطَهُ﴾، مثلما يقول العلماء؛ يسمُّونه: اللقيط، فاللقيط خاصٌّ بالآدمي، فاللقيط هو عبارة عن الطفل المنبوذ أو الطفل الضائع، هذا هو التعبير، وقد يقال مثل ما قال الإخوان أنه (التقطوه) بمعنى أخذوه؛ يعني: بدون أي عوض وعلى سبيل الانتهاب، كأنه غنيمة أخذوها.
اللام في قوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾؟
* طالب: اللام للعاقبة.
* الشيخ: اللام للعاقبة. لماذا لا تكون للتعليل؟
* الطالب: لأنه لم يلتقطوه لكي يكون عدوًّا لهم، ولكن العاقبة كانت كذلك.
* الشيخ: ولكن العاقبة كانت كذلك، معلوم، لو أنهم علموا بكونه عدوًّا وحزنًا كان قتلوه، إي نعم.
هل أحدٌ من أهل العلم قال بخلاف ذلك؟
* الطالب: (...) في علم الله.
* الشيخ: إي، في علم الله، ولكن الصحيح؟
* الطالب: للعاقبة.
* الشيخ: أنه للعاقبة، لا أنه تعليل للفعل (...) ﴿الْتَقَطَهُ﴾.
قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ هذا التعليل، الجملة هذه تعليلية، أين المعلَّل؟ ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص ٨].
* طالب: جملة تعليلية؟
* الشيخ: إي.
* الطالب: المعلَّل؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨].
* الشيخ: نعم، هذا التعليل تعليلٌ لما قبله، ما أبغي الالتقاط، يعني: يكون عدوًّا وحزنًا لأنهم خاطئون.
طيب، قوله تعالى: ﴿أَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص ١٠]، من أيٍّ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا (...)، أنا ما أقول: لماذا كان فارغًا؟ أقول: فارغ من أيٍّ؟
* الطالب: من الحزن.
* طالب آخر: من كل شيء سوى موسى.
* الشيخ: إي، نعم، فارغًا من ذِكْر كل شيء، ما في قلبها إلا موسى، واضح؟
طيب، قوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص ١٠]، ﴿إِنْ﴾ هذه، ويش هي ﴿إِنْ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿إِنْ﴾ نافية!
* الطالب: (...).
* الشيخ: ويش (...)؟ (...)، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف ٣١] يعني: ما هذا إلا ملكٌ كريم.
* طالب: قاربت لتبدي به (...).
* الشيخ: يعني: ما قاربت لتبدي به! لما جبنا دليلًا رأينا فيه احتمالًا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا (...) نعم.
* طالب: (...) مخفَّفة من الثقيلة.
* الشيخ: ولا يجوز أن تكون نافية؟
* الطالب: لا يجوز أن تكون نافية.
* الشيخ: ويش المانع؟
* الطالب: وجود اللام، اللام (...) الفارقة.
* الشيخ: نعم، ويش بعد؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، يعني فيها مانعان: أحدهما لفظي وهو اللام اللي أنت قلت.
* الطالب: والثاني معنوي: أنها كادت لتبدي به، وليس (...)، فقاربت أن تبدي به لولا أن الله سبحانه وتعالى ربط على قلبها.
* الشيخ: إي، هذا المعنى، أين الدليل المعنوي؟
* الطالب: الدليل المعنوي لأن الله سبحانه وتعالى يريد أنها كادت تبدي به، (...) تبدي به.
* الشيخ: ما في الموضع دليل معنوي، يعني من سياق الآية؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، طيب.
* طالب: قوله في آخر الآية: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا﴾ [القصص ١٠].
* الشيخ: إي، زين، والربط يقتضي أنه (...)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: زين.
* * *
نأخذ الفوائد الآن، * يُستفاد من هذه الآيات:
* أولًا: من الآية الأولى؛ قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص ٧]، وفيها دليل على كرامة الله سبحانه وتعالى لأمِّ موسى بهذا الإلهام.
* ومن فوائدها أيضًا: عناية الله تعالى بموسى، نعم.
* وفيها أيضًا: دليل على أن الأنبياء كغيرهم من البشر يحتاجون إلى الغذاء؛ لقوله؟
* طالب: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾.
* الشيخ: لقوله: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾.
* وقد يستفاد منها: وجوب الإرضاع، إذا جعلْنا الأمرَ للوجوب لا للإرشاد، ولكن القواعد الشرعية ويش تقتضي؟ تقتضي وجوب الإرضاع وإنقاذ المعصوم.
* ومن فوائد الآية: قوة إيمان أمِّ موسى، ويكون هذا من مناقبها، كيف ذلك؟ بإلقائها إيَّاه في اليم، مع أنه ابنها، وهذا شيءٌ لا يقع إلا من مؤمنٍ حقًّا.
* ومن فوائد الآية: ذَكَرنا إكرامَ الله لأمِّ موسى، يُؤخذ من عدَّة أوجهٍ في الحقيقة، من هذا الوحي والإلهام، ومن تطمينها في قوله: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾، ومن بشارتها بأنه سيُردُّ إليها ويجعله من المرسلين.
* ومن فوائد الآية: بيان قدرة الله عز وجل؛ أن هذا الولد الذي أُلقِيَ في اليم، واليم مَهْلكة، ولَّا لا؟ حَفِظه الله عز وجل، وبقي وصار آخر أمرِهِ من الرسل.
* ومن فوائد الآية: أنه ينبغي تطمين المحزون ببشارته بمستقبله؛ لأنه يقول: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
* فيها: إثبات الرسالة أيضًا لموسى، ولَّا لا؟ إثبات الرسالة لموسى؛ لقوله: ﴿جَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
ثم قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ إلى آخره [القصص: ٨].
* من فوائد هذه الآية أولًا: أن أتباع الرجل وحاشيته من آله؛ لقوله: ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾، وقد علمتم أن المؤلف فسرها بقوله: (أعوان فرعون).
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان مهما بلغ في العُتُوِّ والاستكبار فإنه لا يعلم المستقبل، من أين تؤخذ؟ من أن آل فرعون ما علموا أن هذا الطفل سيكون عدوًّا لهم وحَزَنًا.
* ومن فوائدها: أن المؤمنين أعداءٌ للكفار؛ لقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾، وأنهم أيضًا حَزَنٌ لهم، وهذا أمرٌ ظاهرٌ، فالمسلمون أعداءٌ للكفار وهم أيضًا حَزَنٌ لهم، لا شكَّ أنهم يُساؤون بما يَسُرُّهم، وبالعكس.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أن الإنسان قد يسعى بما فيه حَتْفُه؛ لأن هؤلاء سعَوْا بما فيه حَتْفُهم، التقطوا هذا الطفل الذي سيكون عدوًّا لهم وحَزَنًا.
* ومن فوائدها: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى بأن هذا الصبي أو الطفل الذي كانت بنو إسرائيل تُقتل أبناؤها، أين تربَّى؟ في حجر فرعون، في بيته، مع أن فرعون يدوِّر على الأولاد من بني إسرائيل ليقتلهم، فقال الله عز وجل -يعني بلسان الحال -: هذا الذي أنت تَقتل أبناءَ بني إسرائيل -وهذا من (...)- سوف يعيش في حجرك، وهذه من أكبر الأدلة على قدرة الله عز وجل، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يعتمد على الأسباب المادية؛ فإن الله تعالى يُخلِف.
* ومن فوائدها: بيان أن فرعون وهامان وجنودهما كانوا على باطل؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص ٨]، وفَرْقٌ بين الخاطئ والمخطئ؛ الخاطئ: الذي يرتكب المعصية عن عمد، والمخطئ: الذي يرتكبها عن غير عمد؛ عن جهل.
* وفي هذه الآية دليلٌ على أن لهامان -وهو وزير فرعون- سُلطة كبيرة في مملكة آل فرعون؛ لقوله: ﴿وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾، ففي عدة آيات يُضيف الله الجنودَ إلى فرعون وحده، وباعتبار أن فرعون هو المرجع لهؤلاء الجنود يُضاف إليه وحده، وباعتبار أن هامان له تأثيرٌ لأنه وزير، ما أدري وزير داخلية ولَّا خارجية.
* طالب: وزير خارجية.
* الشيخ: كلهم الظاهر، وزير في كل شؤونه، فهو وزير والوزير عادةً يتصرَّف فيما جُعِل وزيرًا فيه.
* من فوائد الآية التي بعدها:
* أولًا: بيان فضيلة امرأة فرعون؛ من قولها: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص ٩].
* وفيها أيضًا: دليلٌ على فِراستها؛ لأنها توقَّعت أن ينفعهم، ولكنه ما حصل ما توقَّعتْ من كل الوجوه؛ نَفَع مَن؟ نَفَعها هي، ولكنه ضَرَّ فرعون.
* وفيها أيضًا: دليلٌ على ما قيل: (إن البلاء مُوَكَّلٌ بالمنطق)، والتفاؤل كذلك؛ لأنه بالنسبة لامرأة فرعون قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ فتفاءلتْ به خيرًا، فحصل لها ذلك وصار قُرَّة عين.
* وفيها أيضًا: دليلٌ على أنه ينبغي أن يستعمل الأساليب التي تُحقِّق المقصود؛ لقوله: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾، فإن هذا القول منها سواءٌ كانت تتوقع ذلك أو لا تتوقعه لا بدَّ أن يكون سببًا في موافقة فرعون لِمَا طلبتْ.
* ومن فوائدها: أنها تدلُّ على أن فرعون هَمَّ بقتل موسى، من أين تؤخذ؟ من قولها: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾، فالظاهر أنه هَمَّ به، نعم.
* ومن فوائدها أيضًا: قصور علم الإنسان مهما بَلَغ في علوه واستكباره؛ لقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
* ويؤخذ منها جواز التبني؟ هل يؤخذ منها جواز التبني؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...)، نشوف هل يثبت هذا ولَّا لا من الآية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، أو يقال: إن معنى ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ يعني مِثْل الولد في البيت عندنا وفي الإكرام، وأن ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ [القصص ٩] مثل الخادم؟
على كل حال إنْ كان المقصود بالآية: ﴿نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ نتبنَّاه، فإن هذا العمل نُسِخ، كان في أول الإسلام ثم نُسخ، وإن كان المراد ﴿نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ أي: بمنزلة الولد في الإكرام بدون أن نستخدمه، فهذا ما يدل على التبني، وهو محتمل.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، بس أنا قصدي أنه معروفٌ التبني عندهم، هل هذا هو المقصود بالآية وأن التبني عندهم معروف ولَّا لا؟
ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص ١٠].
* من فوائد هذه الآية: أن الإنسان يكون له حالٌ عند نزول البلاء غَيْرُها قبل نزوله. أنتم فاهمون الفائدة هذه؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: أن الإنسان إذا نزل به البلاء قد تتغير حاله، منين؟
* طالب: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾.
* الشيخ: ﴿أَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ مع أنها كانت في الأول عندها طمأنينة، ولهذا جعلتْه في التابوت وألقتْه في اليمِّ، وهذا غاية ما يكون من الطمأنينة، لكن الآن صار قلبها فارغًا، قلقة، ما كأنَّ في الدنيا سوى ابنها، وهذا هو الواقع أنَّ الإنسان له حالٌ قبل نزول البلاء وله حالٌ بعد نزوله، ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يُعرِّض نفسَه للبلاء.
يُذكَر أن سحنونًا أحد أصحاب مالكٍ كان رحمه الله على غاية من الرضا بقضاء الله و(...) العبادة و... إلى آخره، وأنه قال يومًا من الأيام بيتًا لكن لا أحفظ إلا معناه، لا يحضرني إلا معناه، قال بيتًا معناه: إنني صابرٌ، فكيفما شئتَ فامتحنِّي. فأُصِيبَ بعُسر البول، صار ما يبول إلا بتعب شديد، فكان يمرُّ على الصبيان في الكُتَّاب في مدارسهم ويقول: ادعوا لعَمِّكم الكذاب. لأن الأطفال أطفالٌ يُرجَى إجابةُ دعوتهم. فالمهم أن الإنسان قبل البلاء له حال، وبعد البلاء تتغيَّر حاله.
وهكذا أيضًا في الأمور الشرعية؛ النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَأْتِي إِلَيْهِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ أَوْ يَرَى أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، ثُمَّ لَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يُهْلِكَهُ»[[أخرجه أبو داود (٤٣١٩) من حديث عمران بن حصين، ولفظه: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ مِمَّا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ»، أو «لِمَا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ». ]]، وهذا هو الواقع أن الإنسان يجب أن يتحرَّز من البلاء.
وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لَا يُهِنْ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ». قالوا: كيف يُهين نفسَه؟ قال: «يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠١٦) من حديث حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ». قالوا: وكيف يُذِلُّ نفسه؟ قال: «يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُهُ».]]. هذا معنى الحديث، فالحاصل أن الإنسان له حالٌ قبل وجود البلاء وله حال بعده.
* وفيه أيضًا: دليلٌ على أن الطبيعة البشرية لا يؤاخَذ بها المرء، ما تقتضيه الطبيعة البشرية ما يؤاخذ به المرء؛ وجهُ ذلك أنَّ فؤاد أمِّ موسى كان ينبغي ألَّا يكون فارغًا من ذِكر الله عز وجل ومن الدار الآخرة، لكنه أصبح فارغًا ما فيه شيء أبدًا لذِكْرٍ سوى ذِكْر موسى، وهذا مقتضى الطبيعة البشرية؛ لأن الأمور العظيمة التي تنزل بالمرء تُنسيه كلَّ شيء.
* وفيه أيضًا: دليلٌ على فضيلة أمِّ موسى رضي الله عنها لكونها لم تُبْدِ ما في قلبها لأحد؛ لقوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾.
* وفي الآية: دليلٌ على أن المرء مفتقِرٌ إلى الله سبحانه وتعالى في كلِّ أحواله، ولا سيَّما عند نزول الحوادث؛ لقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾، فالإنسان مفتقِر إلى الله سبحانه وتعالى، ولولا معونة الله ما فعل الإنسانُ شيئًا، لا صَبَرَ على بلاءٍ ولا شَكَرَ عند الرخاء.
* وفيه أيضًا: دليلٌ على إثبات العلل والأسباب؛ لقوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
مَن الذي يُنكر الأسباب والعلل؟
* طالب: الجهمية.
* الشيخ: الجهمية والأشاعرة أيضًا، حتى الأسباب الظاهرة الحسية يُنكرونها ويقولون: إن الشيء يحدث عنده لا به، حتى لو أخذت حجرًا وضربت به الزجاج وانكسر، ما يقولون: إن الزجاج انكسر بالحجر، لكن: انكسر عنده، نعم، مع أنك لو تحطُّ الحجر على الزجاج؛ فوقه، ما هو بعنده، فوقه، ينكسر ولَّا لا؟ ما ينكسر، لو تحطُّه فوقه ما ينكسر، لكن تضربه به ينكسر.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي إي، نعم، يقول: حصل الألم عند ضربك لا به، إنما (...).
* طالب: المثال الأوضح يا شيخنا لمشايخهم أن مَن تناولَ دواءً وكان مريضًا يدعو ويقول: اللهم اجعلْ شفائي عنده لا به.
* الشيخ: إي، إي نعم، بناء على إنكارهم للأسباب، نسأل الله العافية.
وفي قوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دليلٌ على أن الإيمان والكمال في الرجال أكثر؛ لأنه لم يقل: لتكون من المؤمنات. ثم يدلُّ على ذلك أيضًا قوله تعالى في مريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢]، ولهذا جاء في الحديث: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤١١)، ومسلم (٢٤٣١ / ٧٠)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]، ولا ريب أن الإيمان في الرجال أَكْثرُ وأثْبَتُ وأَزْيد؛ ففي الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِن إِحْدَاكُنَّ»[[أخرجه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]. وإنما قرَّرنا هذا من أجل أنه يجب على المرء مراعاةُ المرأة، يجب على الرجل مراعاةُ المرأة، وأنها محتاجةٌ إلى الرعاية، وأيضًا محتاجةٌ إلى ألَّا تُجاب على كل ما تطلب؛ لأنها ناقصة عقلٍ وناقصة دينٍ كما وَصَفها النبي عليه الصلاة والسلام بذلك.
* وفيها أيضًا؛ في الآية: دليلٌ على إثبات القضاء والقدر، منين نأخذه؟
* طالب: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾.
* الشيخ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾، فإن هذا من قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره.
طيب، هل يُشتق من هذا الفعل اسمٌ لله بحيث نسمِّي الله: الرَّابط؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، ما يشتق؛ لأن الأفعال، كل شيء في الكون فهو من فِعْل الله وتقديره، كل شيء في الكون فإنه من فعل الله وتقديره، فهل نشتق لكل شيء في الكون نشتق منه اسمًا لله؟ لا، ما يمكن، ولكن أفعال الله سبحانه وتعالى متنوعة وأنواعها كثيرة، والفعل غير الاسم، ولهذا ما نشتق مثلًا من ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال ٣٠]، ما نقول: إن الله يُسمَّى ماكرًا، ولا نشتق من قوله: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء ١٤٢] أن الله يُسمَّى خادعًا، ولا نشتق من ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة ١٥] أنه مستهزئ، يعني هذه كلها أفعال مقيَّدة في أنواعها؛ يصلح أن نقول: إن الله مستهزئٌ بالمنافقين، إن الله خادعٌ للمنافقين، إن الله ماكرٌ بالماكرين، وما أشبه ذلك. قال: (﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص ١٠] المصدِّقينَ بوعدِ الله).
وينبغي ألَّا نفسِّر الإيمان بالتصديق، بل نجعله أعمَّ من ذلك، يعني المصدقة الثابتة على ما طُلب منها.
(وجواب ﴿لَوْلَا﴾ دلَّ عليه ما قبلها) وين ﴿لَوْلَا﴾؟
* طالب: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا﴾.
* الشيخ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾، ويش تقديره؟ لأبدتْ به، ولهذا قال المؤلف: إنه (دَلَّ عليه ما قبلها)، ولم يقل: إنه ما قبلها، ولكن: دلَّ عليه، أخذتم بالكم يا جماعة؟
وقد سبق لنا أن مثل هذا التعبير هل يحتاج إلى جواب أو لا يحتاج، فذكرنا أن بعض العلماء يقول: لا يحتاج إلى جواب؛ لأنك لو أتيتَ بالجواب لكان الكلامُ ركيكًا، إذَنْ لا يحتاج إلى جواب.
(أكرِم الطالبَ إن كان مجتهدًا) إذَن هذا ما يحتاج إلى جواب، نعم؛ لأنك لو أجبت: (أَكْرِم الطالبَ إن كان مجتهدًا فأكرِمه) يكون هذا كلامًا ليس بسليم، هذا كلام ركيك، وهذا المعنى الذي ذكرناه أشار إليه ابن القيم في كتابه التبيان في أقسام القرآن.
القصص 28:11
﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١].
﴿قَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ يقول المؤلف: (مريم). ومريم .. نقول للمؤلف: من أين لك أن اسمها مريم؟
* طالب: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨] (...).
* الشيخ: ما هي بهذه، هذه ما هي بمريم؛ لأن اللي ذكرتَ مريم أم عيسى، وبينه وبين موسى أزمانٌ طويلة.
على كل حال هذه من الأخبار الإسرائيلية، وتعيين اسمها لو كانت الفائدة تترتَّب عليه لكان الله تبارك وتعالى يُبيِّنه، لكن ما يهمنا تعيين الاسم، المهم نعرف صلة هذه المرأة بأم موسى وبموسى أيضًا، فهي أخت موسى وتكون بالنسبة لأم موسى؟
إذا صارت هذه أختًا لموسى، فما صِلتها بأم موسى؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، أنت ما فهمت كلامي؟ فهمت السؤال؟ ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ أخت مَن؟
* الطالب: أخت موسى.
* الشيخ: أخت موسى، إذا صارت هذه المرأة أختًا لموسى فما صلتها بأم موسى؟ ترى السؤال ما هو (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: ويش هي لأم موسى؟
* الطالب: يعني قرابة؟
* الشيخ: إي، قرابة لأم موسى.
* الطالب: قرابة لأم موسى.
* الشيخ: إي، ويش هي؟
* الطالب: (...) مرضعتها.
* الشيخ: ما هذا؟! طيب، ويش (...)؟
* طالب: (...) أمها (...).
* الشيخ: إذا صارت أختًا لموسى صلتها بأم موسى أيش؟
* الطالب: أنها أمها.
* الشيخ: أمها؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: يقينًا؟
* الطالب: نعم يقينًا.
* الشيخ: لا شك بعد؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إما أمها؟
* الطالب: أو خالتها.
* الشيخ: أو ..
* الطالب: ظاهر الآية: أمها.
* الشيخ: طيب، ويش الظاهر؟
* الطالب: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾.
* الشيخ: طيب، أخته.
* الطالب: أم موسى يعني قالت لأخت موسى.
* الشيخ: طيب، أخت موسى من أبيه، ما يمكن؟
* الطالب: ظاهر (...).
* الشيخ: (...) من الظاهر.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أيش وجه الظاهر؟
* الطالب: ما قال: (...) لأخته من أبيه.
* طالب: وجه (...).
* الشيخ: لا، الظاهر .. هو على كل حال قد يكون كلامكم صحيحًا، بمعنى أنه لو كانت من أبٍ أو كانت من أمٍّ أيضًا، لو كانت من أبيه أو من أمِّه لقُيِّدت، وعند الإطلاق تكون الأُخُوَّة مطلقة وهي من الأم والأب، مع أن فيه احتمالًا أن تكون من أمه أو من أبيه، لكن الظاهر كما قلتم أنه ما دام أُطلِقتْ فتُحمَل على الأكمل من الأُخُوَّة، وهي الشقيقة.
قالت: ﴿قُصِّيهِ﴾ أي: (اتَّبعي أَثَره حتَّى تعلمي خبره).
القَصُّ معناه: تتبُّع الأثر، يعني تتبَّعي أثره وابحثي عنه.
قال الله عز وجل: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أي: (أبصَرَتْهُ). ذهبت الأخت، وظاهر الآية الكريمة: ﴿فَبَصُرَتْ﴾، الفاء للترتيب والتعقيب، أنها ما ذهبتْ بعيدًا حتى رأتْه.
وقوله: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ (مِن مكانٍ بعيد). ﴿جُنُبٍ﴾ بمعنى بعيد، وعلى هذا فالموصوف محذوف والتقدير: عن مكانٍ بعيدٍ، بعيدٍ منها، لكنها عرفت أن هذا أخوها.
(اختلاسًا) يقول: (﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ مِن مكانٍ بعيدٍ اختلاسًا). أيش معنى الاختلاس؟ المسارَقة؛ يعني أنها ما جعلتْ تُحِدُّ النظر فيه؛ لأنه لو أنها جعلتْ تُحِدُّ النظر فيه وأقبلتْ إليه بسرعة وظهر منها علامات على أنه مقصودها لكانوا يُحسُّون بذلك، ولكنها ما جعلت تنظر إليه نظرًا يشعرون به، كانت تختلس النظر، تختلسه اختلاسًا، وهذا واضح، وإن كان ما في الآيات دليل عليه لكنه واضح أنه لا بد أن يكون؛ لأنه لو كانت (...) رأتْه ذهبتْ إليه وجعلتْ تنظر وما أشبه ذلك لكانوا يشكُّون في هذا الأمر ويمسكونها، ولكنها بصرت به عن جُنُبٍ تختلس النظر.
(﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنها أخته وأنها تَرْقُبُه). مَن هم اللي ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾، مَن؟ آل فرعون، ما علموا، لكن المرأة فيها ذكاء، جعلتْ تنظر من بعيد حتى وصلت إليه، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بأنها أخته أو تراقبه؛ لأنها لم تُبْدِ حركاتٍ تدل على ذلك.
وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، الجملة موضعها من الإعراب؟
* طلبة: حال.
* الشيخ: حال منين؟ من فاعل ﴿بَصُرَتْ﴾، يعني: والحال أنهم لا يشعرون (...)، والجملة الحالية ما يُشترط أن تكون وصفًا لصاحب الحال، ولهذا تقول: جاء زيدٌ والشمسُ طالعةٌ، فالجملة هذه حاليَّة مع أنها ليست من صفات زيد.
فهنا: بَصُرتْ به وهم لا يشعرون، لو قال قائل: كيف تجعلونها حالًا من فاعل (بصُرت) مع أنها ليست من صفاتها؟ قلنا: لكن الجملة الحالية يُكتفى فيها بأدنى ملابسة.
قال الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ١٢].
* طالب: (...).
* الشيخ: (...)، الطفل في الحقيقة صار يقلق ويبكي يريد الرَّضاع، ولعلهم خرجوا به يطلبون مُرضعةً، فصادف أن رأته أخته.
* الطالب: إي، هذا قبل أن يحصل طلب الرضاعة.
* الشيخ: يعني كيف ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾؟
* الطالب: قبل طلب الرضاعة، حينما طلب الرضاعة.
* الشيخ: ويش دليلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما فيه دليل.
* طالب: نقول: هذه الآية هي تدل على قول المؤلف: (﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى﴾ لَمَّا علمتْ بالتقاطه).
* الشيخ: يعني كان (...) أن تقصه؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: (...).
* طالب: أرسلتها إلى (...).
* الشيخ: لولا أرسلتها ما (...) في البلد.
* طالب: هي موقنة بالبشارة أمه (...).
* الشيخ: ما فيه شك أنها موقنة، وإلا لو ما موقنة ما ألقته في اليم، هي أمرتها أن تخرج تطلب أن ترضعه؛ لأنها عرفت أنه لا بد أن يرجع إليها.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لا، (...).
قال: (﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قَبْل رَدِّه إلى أُمِّه).
قوله: ﴿حَرَّمْنَا﴾ أي: منعْنا، والتحريم في اللغة: المنع، ومنه (...).
* * *
قوله: ﴿لِأُخْتِهِ﴾ عيَّنها المؤلف بأنها مريم، ما تقول في هذا التعيين؟
* طالب: (...) هو لا يصح.
* الشيخ: إي، والجهل به لا يضر.
ما معنى ﴿قُصِّيهِ﴾؟
* طالب: أي: اتبعي أثره.
* الشيخ: اتبعيه أو تتبَّعيه؟
* الطالب: يعني: تتبَّعي أثره.
* الشيخ: تتبَّعي أثره؛ يعني: اطلبيه واتبعيه.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: طيب، قوله: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾، أيش معنى ﴿بَصُرَتْ بِهِ﴾؟
* الطالب: يعني أبصرتْه.
* الشيخ: طيب، معنى ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾؟
* طالب: من مكان بعيد.
* الشيخ: مكان بعيد. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؟
* الطالب: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني: لم يعلموا بأنها تتتبَّعه وتترقَّبه.
* الشيخ: إي، وهو في محل نصب؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾، أيش معنى ﴿حَرَّمْنَا﴾؟
* طالب: قبل ردِّه، (...) منعناه أن يرضع من ثدي، وهذا تحريم قَدَري يا شيخ.
* الشيخ: تحريمٌ قدريٌّ.
التحريم ينقسم إلى قسمين؟
* طالب: تحريم شرعي، وتحريم كوني قَدَري.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: الشرعي ما كان من الشرع.
* الشيخ: متعلق الشرعي أيش؟
* الطالب: (...) الشرع.
* الشيخ: إي، ويش متعلقه؟ يعني ويش يتعلق به التحريم الشرعي؟
* الطالب: بالأحكام الشرعية.
* الشيخ: بالأحكام الشرعية، والقَدَري بالأحكام الكونية.
طيب، هل هناك (...)؟
* طالب: القدري (...).
* الشيخ: لا، غيرها، نحن ذكرنا غير هذه مثالين؟
* طالب: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء ٩٥].
* الشيخ: طيب، والمثال الثاني؟
* طالب: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [المائدة ٢٦].
* الشيخ: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، يعني تحريمًا قدريًّا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...).
* * *
﴿عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ﴾ [القصص ١٢]، ولم تقل: على أهله، طبعًا، لو قالت: على أهله اتَّضح الأمر وأمسكوها هي وهو وأهله، بل قالت: ﴿عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ﴾ مُنَكَّر، كأنهم لا يعرفونه، مع أنها أو أهل البيت أمُّه؛ أمُّ موسى.
﴿عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ (﴿أَهْلِ بَيْتٍ﴾ لَمَّا رأتْ حُنُوَّهم عليه). (لَمَّا رأتْ حُنُوَّهم) أي: حُنُوَّ آل فرعون على هذا الطفل وأنهم يحبون أن يجدوا مَن يقوم بكفالته وإرضاعه قالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ﴾.
(﴿يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ بالإرضاع وغيره)، والكَفْل معناه القيام بحضانة الطفل، القيام بحضانة الطفل يسمَّى كَفْلًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران ٣٧]، وفي قراءة ثانية: ﴿وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءُ﴾ ، المعنى: أنا بأدلكم على أهل بيتٍ يقومون بحضانته على أتمِّ قيام، بدليل قولها: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾، الفعل جاء بالفعل، والنية جاءت بالجملة الاسمية، ﴿يَكْفُلُونَهُ﴾ لأن الكفالة فعل، ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ النصيحة مبنية على النية في القلب.
ومعنى ﴿نَاصِحُونَ﴾ أي: مخلصون، وأصل النصح: إخلاص الشيء من الشوائب، ومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم ٨] أي: خالصةً من الشوائب، لله وحده.
إذَن ﴿نَاصِحُونَ﴾ ويش معنى النصح؟ الخلوص من الشوائب، أي: إنهم مخلصون له إخلاصًا كاملًا، وهي صادقة في قولها ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم، صادقة بلا شك.
وقوله: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾، الضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود إلى هذا الطفل، بلا ريب أنه يعود إلى هذه الطفل، وإذا كان يعود إلى هذا الطفل فإذا قال قائل: ما فائدة آل فرعون بنصح أهل هذا البيت له؟
نقول: فائدة آل فرعون بذلك لأنهم أحبُّوا هذا الطفل وودُّوا مَن يقوم بكفايته وبكفالته على الوجه الأتمِّ، ولهذا..
طيب، يقول المؤلف: (وفَسَّرتْ ضمير ﴿لَهُ﴾ بالملِكِ جوابًا لهم فأُجِيبتْ). هذا مبني على قصة إسرائيلية؛ أنها لما قالت: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ كأنهم استشكوا وقالوا: ما الذي أدراكِ أنهم ينصحون له؟ فقالت: أريد أنهم ينصحون للمَلِك. مَن الملِك؟ فرعون، يعني: وهم للمَلِك ناصحون. وهذه القصة لا شك أنها بعيدة من الصواب، بل ليست بصواب، وإنما المراد ﴿لَهُ﴾ للطفل، وليس هناك .. يعني ما فيه ما يمنع أن يكون الضمير عائدًا إليه، ولا حاجة أيضًا إلى تفسيره بالملِك؛ لأنهم هم يحبون – أي: آلُ فرعون- يحبون مَن ينصح له، فليسوا بسائلين عن هذا الشيء، نعم، فتقدير المؤلف هذا لا داعي له.
يقول: (فجاءتْ بأُمِّه فقَبِلَ ثديَها، وأجابتْهم عن قبوله بأنها طيِّبة الرِّيح طيِّبة اللبن، فأُذِن لها في إرضاعه في بيتها، فرجعتْ به كما قال تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ﴾ ).
هذا التقرير الذي ذكره المؤلف أيضًا لا دلالة في الآية عليه، ومن يقول: هي اللي جاءت، وقَبِل ثديها أمام الناس، واتُّهمتْ به، ودافعتْ عن التهمة بأن ثديها طيب الريح ولبنها طيب، كل هذا لا أصل له.
والصواب أنهم لما قالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ قالوا، ويش قالوا؟ قالوا: نعم دُلِّينا. فالقصة واضحة جدًّا؛ دُلِّينا، فدَلَّتْهم، فجاؤوا به إلى أمِّه، وهذا أبلغ في المعجزة والآية أنَّ أمَّه في بيتها أمرتْ أختَه أن تخرج في طلبه، فما رجعت أختُه إلا به إلى أمِّه، أمَّا أن الأم راحتْ، وأنها ألقمتْه الثديَ، وأنها اتُّهِمتْ به ودافعتْ بأنها طيبة الريح أو طيبة اللبن، فهذا ليس بصحيح، ومثل هذه الأمور ما يلزم أن يكون لها أسبابٌ حسيةٌ معلومةٌ؛ لأنها من خوارق أيش؟ من خوارق العادات، وخوارق العادات ما نحتاج أننا نوجه لها أشياء تناسب العادات، بل هي فوق العادة.
فعلى هذا نقول: المسألة سائرة على حسب ما جاء في القرآن الكريم، ولم تأتِ الأم، الله ما ذَكَر أن الأم هي التي أتتْ، بل قال: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾ [القصص ١٣].
﴿رَدَدْنَاهُ﴾ أي: موسى (﴿إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بلقائه).
﴿تَقَرَّ﴾ سبق أنها مأخوذة إمَّا من القَرِّ وهو البرودة، وإمَّا من القرار وهو السكون، ولعله يشمل المعنيين، مأخوذة من القرار تسكن العين وتبرد، نعم.
﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ و﴿كَيْ﴾ هنا حرف تعليل، وهي مصدرية تَنصِب الفعل المضارع، ولهذا ﴿تَقَرَّ﴾ منصوبة، وعلامة نصبه فتحة ظاهرة على القاف.
* طالب: على الراء.
* الشيخ: على آخره؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: والقاف (...).
* طالب: ألأصل.
* الشيخ: هذا الأصل، نعم؛ لأنها من: قَر يقَر، وليست من: قَر يقِر.
(﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بلقائه ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ حينئذٍ). يعني: لا تحزن على ما مضى، بل يزول عنها الحزن، تقر العين ويزول عنها الحزن.
(﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ برَدِّه إليها ﴿حَقٌّ﴾ ). هذا أيضًا.. ثلاث فوائد: ﴿تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾، ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾، والثالث: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.
أمَّا الأُوليان فظاهر أنها تقرُّ عينُها برجوعه وأنها لا تحزن، يزول عنها الحزن، لكن قوله: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ فإن هذه العلة قد سبقت؛ لأنها منذ أن ألقتْه في اليم قد علمتْ بأن وعد الله حقٌ، ولولا عِلمها ويقينها بأن وعد الله حق ما ألقتْه، فيكون هنا المراد بالعلم عِلم اليقين ولَّا عين اليقين؟
* الطلبة: عين اليقين.
* الشيخ: عين اليقين، أو حق اليقين إن شئتم؛ عِلمها بالأول علمٌ عن الشيء خبرًا، وعلمها الثاني علمٌ عن الشيء وقوعًا. وفرقٌ بين علم الإنسان بالشيء خبرًا وبين علمه به وقوعًا، ولهذا قال إبراهيم ﷺ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]، وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ»[[أخرجه أحمد (٢٤٤٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ]]، فالحاصل أن قوله: ﴿وَلِتَعْلَمَ﴾ يعني علمَ الشيءِ بعد وقوعه، وأمَّا علمها به خبرًا فقد تقدَّم، ولولا أنها واثقة بالأول ما فعلتْ.
وقوله: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ﴿وَعْدَ﴾ ذكروا أن الوَعْد هو الوَعْد بما يَسُرُّ، والوعيد بما يُحْزِن؛ يعني: الوعد بالخير، والوعيد بالشر. كذا؟ وأن الشرَّ من (أَوْعَدَ) والخير من (وَعَد) فقالوا: أوعده؛ أي: بالشر، ووعده بالخير.
* طالب: بالنسبة لقوله: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [القصص ١٣]، معروف أن الإنسان لو قرت عينُه ينسى الحزن ويُسَرُّ.
* الشيخ: إي، لكن ذاكر، نفي الحزن هنا لأجل أن يبيِّن أن القرَّ كامل؛ لأنه قد تقرُّ عينه مع شيء من الحزن.
طيب، الوعد معناه، ويش قلنا؟ الوعد يتعلَّق بما يَسُر، والوعيد بما يسوء، فهل الوعد والحق دون الوعيد أو كلاهما؟
* طالب: كلاهما.
* طالب آخر: لا، الوعيد قد يتخلَّف.
* طالب آخر: الوعيد (...).
* الشيخ: هو حق، الوعيد والوعد حق؛ لأننا لو قلنا: إن الوعيد ليس بحق، لزم أن يكون في خبر الله كذبٌ، وهذا غير ممكن، لكن الوعيد قد لا يُنفَّذ تفضُّلًا من الله عز وجل؛ لأنه حقُّه، الوعيد حق الله، والله تبارك وتعالى قد يتجاوز عنه، ولَّا لا؟ أما الوعد فإنه حقٌّ لمن؟ للموعود، ولهذا لا يمكن أن يتخلَّف، قال الشاعر:
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
لأن الوعد حقٌ للموعود، والوعيد حقٌ للمُوعِد.
أضرب لكم مثلًا: إذا قلت لهذا الرجل: إن فعلتَ كذا أعطيتُك مئة دينار، هذا ما هو؟
* طالب: وعد.
* الشيخ: وعد ولَّا وعيد؟
* طالب: وعد.
* الشيخ: لأنه؟
* طالب: لأنه في (...).
* الشيخ: لأنه في الخير، نعم. هذا فَعَل ما قلتُ، يجب عليَّ أن أوفيه؛ لأن الحق له. لكن قلتُ لولدي مثلًا: إن فعلتَ كذا حبستُك. ثم فَعَله، ولكني عفوتُ عنه، هذا جائز ولَّا ما هو بجائز؟
* طالب: جائز.
* الشيخ: هذا جائز ويكون فضلًا، لا سيَّما إذا عفا عنه مع القدرة؛ قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء ١٤٩]، أما العفو مع العجز فهذا ما هو مدح.
الحاصل: إن وعد الله ووعيده كلاهما حقٌّ، لكنَّ وعده لما كان حقًّا للموعود صار لا بدَّ من وقوعه، ووعيده لما كان حقًّا له إن شاء عفَا عنه تكرُّمًا وتفضُّلًا حسب ما تقتضيه حكمته سبحانه وتعالى.
* طالب: قوله جل وعلا: ﴿قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف ٤٤] هذا وعيد أُطلِق على الوعد.
* الشيخ: نعم، هذا صحيح، أُطلِق عليه وعْد، إمَّا لأنه في المقابلة؛ يعني مع (...) بهذا صار مشاكِلًا له، أو أنه يُطلق عليه أحيانًا.
قال: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، ﴿حَقٌّ﴾ هنا بمعنى: ثابت، وأظن أننا قلنا: إن الحق في كذا له معنًى، والحق في كذا له معنًى. هذا من أيِّ المعنيين؟
* طلبة: من الصدق.
* الشيخ: من الصدق، نعم؛ إن الحق إذا تعلَّق بالأخبار فمعناه الصدق، وفي الأحكام معناه العدل، وعلى هذا فيكون هنا بمعنى الصدق؛ ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: صِدْق، ولا يمكن أن يتخلَّف؛ لأن تخلُّف الوعد إمَّا أن يكون عن كَذِب الواعد أو عن عجزه عن تنفيذه، وكِلا الأمرين في حق الله مستحيلٌ، فلا كذبَ في قوله ولا عجزَ في فعله، ولهذا عبادُ الله سبحانه وتعالى يختمون الدعاء بقولهم: إنك لا تُخلِف الميعاد، نعم.
قال: (﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ أي: الناس ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ بهذا الوعد ولا بأنَّ هذه أخته).
المؤلف خصَّ الآية، والحقيقة أن الآية عامة، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون؛ أي: ليس عندهم علمٌ ينفعهم بوعد الله، فنفي العلم هنا إما لإثبات الجهل أو لنفي العلم النافع، أكثر الناس لا يعلمون بهذا، لا يعلمون بأن وعد الله حق.
* طالب: ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾.
* الشيخ: إي، ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ أي: الناس، أقول: أكثر الناس لا يعلمون أن وعد الله حقٌّ إما لجهلهم، وإما لعدم انتفاعهم بهذا العلم، ونفي الشيء لنفي الانتفاع به ثابتٌ في القرآن؛ ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، ودائمًا ينفي الله سبحانه وتعالى العقلَ عن الناس أو السمعَ عن الناس وما أشبه ذلك لعدم انتفاعهم بذلك، فأكثر الناس لا يعلمون، المؤلف خصَّ هذه بقصة موسى، والآية عامة، أكثر الناس لا يعلمون أن وعد الله حقٌّ، أقول: إما للجهل بذلك لكونهم لا يعرفون من أسماء الله وصفاته ما هو اللائق به، وإما لكونهم لا ينتفعون بهذا العلم، الذين لا يحرصون على فعل الخير أو على تجنُّب الشر في الحقيقة هم كالجاهلين بأن وعد الله حقٌّ؛ إذ إن الطبيعة البشرية والعقل يقتضيان أنك ما دُمتَ مؤمنًا بهذا الشيء سواء كان وعدًا أو وعيدًا فلا بدَّ أن تسعى له بمقتضى إيمانك، إذا كنتَ تعلم أن الإنسان سيموت، وأن المؤمن إذا مات سيجد الخير فيكون في الجنة وينجو من النار، هذا حق ولَّا لا؟
* طلبة: حق.
* الشيخ: حق، لكن الذي لا يسعى لهذه الجنة وينهمك بسعيه للدنيا الفانية، هل هذا في الحقيقة عالِمٌ بأن وعد الله حقٌّ أو منتفعٌ بعلمه؟
* طالب: لم ينتفع.
* الشيخ: ما انتفع به، ما انتفع بعلمه، ولو انتفع به ما فوَّت هذه الفرصة العظيمة.
طيب، إنسان يعرف أن المعصية سببٌ لدخول النار، يعرف هذا، ويعرف أن وعد الله حقٌّ، لكن مع ذلك يتجرَّأ على المعاصي، نقول: إن علمه هنا ناقصٌ؛ إذ لو آمن بذلك حقًّا لكان يتجنَّب هذا الشيء، فصدق معنى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
حلَّل المؤلف رحمه الله الآية هذه يقول: (﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ بهذا الوعد) يعني بما وعد الله أمَّه من ردِّه إليها (ولا بأنَّ هذه أخته)، وعلى هذا فيكون الضمير في ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ يعود على آل فرعون.
(وهذه أمُّه، فمكث عندها إلى أن فَطَمتْه، وأُجرِيَ عليها أُجرتُها لكلِّ يومٍ دينارٌ).
كان غاليًا الرضاعُ ذاك الوقت. أمَّا كونه بقي عندها إلى أن فطمتْه هذا واضح؛ لأنه ما دام أنه محتاج للرضاع فسوف يبقى عندها، وأمَّا (أُجرِيَ عليها أُجرتُها) فهذا أيضًا صحيح، فإنه جُعل لها أُجرة، وصاروا يرسلون إليها بالهدايا والتحف ويكرمونها؛ لأنها كافلة هذا الطفل الذي قالوا: إنه ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ و﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، ولهذا رُوي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال «في الذي يُحسن الصَّنعة ويتخذ عليها أجرًا: «إِنَّهُ كَأُمِّ مُوسَى؛ تُرْضِعُ وَلَدَهَا وَتَأْخُذُ عَلَيْهِ أَجْرًا»[[ أخرج أبو داود في المراسيل (٣٣٢) عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَثَلُ الَّذِينَ يَغْزُونَ مِنْ أُمَّتِي وَيَأْخُذُونَ الْجُعْلَ -يعني- يَتَقَوَّوْنَ عَلَى عَدُوِّهِمْ مَثَلُ أُمِّ مُوسَى؛ تُرْضِعُ وَلَدَهَا وَتَأْخُذُ أَجْرَهَا»، وأورده ابن كثير في تفسيره بلا إسناد عند تفسيره سورة طه الآية (٤٠) وسورة القصص (١٢-١٣) ولفظه: «مثَلُ الصانِعِ الَّذي يَعملُ ويَحتسبُ في صَنعتِهِ الخيرَ كمَثَلِ أمِّ مُوسَى تُرضِعُ ولدَها وتأْخُذُ أجْرَهَا».]]، وهذا من آيات الله، يجيئها ولدها وتُرضعه وتُكرَم عليه، ما ظنُّكم لو لم تفعل هكذا ولا تُلقيه في اليمِّ ولا يلتقطه آل فرعون؟ كانت تبقى خائفة وَجِلة ولا يحصل لها أُجرة ولا إكرام ولا إعزاز من هؤلاء الطغاة.
وأما قوله: (لكُلِّ يومٍ دينار) فهذا غير مُسَلَّم؛ لأن طريقنا في مثل هذه الأمور أن نقول: ما ثبت عن الرسول ﷺ فهو مقبول، وما لم يثبت من أخبار بني إسرائيل فإننا نتوقَّف فيه، ولا ينبغي أن نجزم به هذا الجزم، نعم، نُحدِّث به ولكننا ما نجزم به.
يقول: (لكلِّ يومٍ دينار)، شوف عاد بعده جاب إشكالًا: (وأخذتْها لأنَّها مال حربِيٍّ)، سبحان الله العليِّ العظيم! يعني ذهاب وَهْم بعض العلماء غريب؛ أخذتْها لأنها مال حربيٍّ أو أخذتْها لأنها أُجرة على إرضاعها؟
أُجرة، ما فيها إشكال، أمَّا كونها تأخذ أُجرة لأنه مال حربيٍّ فهذا لا وجه له، ليس له وجه؛ لا يقال مثلًا: إن أمَّ موسى لما لم يقبل ثدي غيرها كان إرضاعُها إياه فرضًا عليها، والفرض لا يجوز أخْذ العوض عليه، يصير أخْذ العوض هنا على أنه مال حربيٍّ.
نقول: حتى مال الحربي إذا جاء بصيغة عقد يجوز أخْذه ولَّا لا؟
* طالب: لا يجوز.
* الشيخ: لا، لا يجوز، إنما تأخذه بمقتضى العقد، والمعاقدة بينك وبين الحربيِّين مثل الاستئمان، بل هي استئمان في الواقع، فالصواب أنها أخذتْها لأنها أُوجرتْ عليها على كفالته وإرضاعه.
* طالب: الخدمة، (...).
* الشيخ: ما يخالف، هي لو لم تأخذ لكان في ذلك بلاء، لعُلِم أنها قريبةٌ له أو ما أشبه ذلك، فهي أخذتْ لأنهم هم يعتقدون أنها ليست أُمَّه، ويعتقدون أن هذا الطفل سوف يكون لهم.
* طالب: لا يجوز (...)، لو جاز ظاهرًا ما جاز الأخذ بالباطن.
* الشيخ: يجوز باطنًا لأجْل كفالتها بالنسبة لهم.
يقول المؤلف: (فأتتْ به فرعونَ فتربَّى عنده كما قال الله تعالى حكاية عنه في سورة الشعراء: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء ١٨]).
تربَّى عند فرعون في بيت الملِك، وكان يركب كمراكب الملوك، ويلبس لباس الملوك، فبَدَلًا من أنه لو كان عند أمِّه ما حصل له هذا الشيء بلا شك، أمَّا الآن فأصبح معزَّزًا مكرَّمًا، وذلك من تسخير الله سبحانه وتعالى له.
* طالب: (...) ما ورد أن موسى اتصل بأمِّه (...).
* الشيخ: اتصل بها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هو على كل حال يتردد عليها؛ لأنها أمه.
* الطالب: لأنه عندما انتهى من الفطام ترجع إلى..
* الشيخ: تربَّى عند فرعون ولكن يجيء إلى أمه؛ لأنه يقول: هذه أمي من الرضاع، ولا يستنكر (...) أمه، لا يُستنكر أنه ذهب إليها لأنها أمه من الرضاع.
* الطالب: هو ما يعلم الحقيقة؟
* الشيخ: ما يعلمون هم.
* الطالب: موسى؟
* الشيخ: لا، علم الحقيقة، لا بد أنه علم وأعلمتْه أمُّه أيضًا.
* الطالب: الدليل؟
* الشيخ: الدليل لأنها هي لما كفلتْه وكبِر فإنه سيكون في حضانتها دائمًا؛ يعني يأتي إليها، بالضرورة تكون تُعلمه.
* الطالب: لا، قد لا (...).
* الشيخ: أبدًا (...)؛ لأنه هو بيخاف على نفسه مثلما تخاف عليه هي، أبدًا، ما فيه خوف أبدًا، ما دام أن الرجل يخشى على نفسه ما يمكن (...).
* طالب: التسمية يا شيخ منها أو من آل فرعون؟
* الشيخ: التسمية (...) يحتمل أنها منها سمَّته بذلك، أو من آل فرعون، (...) آل فرعون ويش يدريهم أنها سمته؟
* الطالب: تسمية عبرية يعني.
* الشيخ: إي نعم، اللهم إلا أن يكون مثلًا هذا من إكرام الله له حيث سَمَّوه بما سمَّته به أمه، ما أدري والله.
يقول: (﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء ١٨]) فبقي الرجل عند الملِك مكرَّمًا معزَّزًا.
القصص 28:12
﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١].
﴿قَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ يقول المؤلف: (مريم). ومريم .. نقول للمؤلف: من أين لك أن اسمها مريم؟
* طالب: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨] (...).
* الشيخ: ما هي بهذه، هذه ما هي بمريم؛ لأن اللي ذكرتَ مريم أم عيسى، وبينه وبين موسى أزمانٌ طويلة.
على كل حال هذه من الأخبار الإسرائيلية، وتعيين اسمها لو كانت الفائدة تترتَّب عليه لكان الله تبارك وتعالى يُبيِّنه، لكن ما يهمنا تعيين الاسم، المهم نعرف صلة هذه المرأة بأم موسى وبموسى أيضًا، فهي أخت موسى وتكون بالنسبة لأم موسى؟
إذا صارت هذه أختًا لموسى، فما صِلتها بأم موسى؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، أنت ما فهمت كلامي؟ فهمت السؤال؟ ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ أخت مَن؟
* الطالب: أخت موسى.
* الشيخ: أخت موسى، إذا صارت هذه المرأة أختًا لموسى فما صلتها بأم موسى؟ ترى السؤال ما هو (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: ويش هي لأم موسى؟
* الطالب: يعني قرابة؟
* الشيخ: إي، قرابة لأم موسى.
* الطالب: قرابة لأم موسى.
* الشيخ: إي، ويش هي؟
* الطالب: (...) مرضعتها.
* الشيخ: ما هذا؟! طيب، ويش (...)؟
* طالب: (...) أمها (...).
* الشيخ: إذا صارت أختًا لموسى صلتها بأم موسى أيش؟
* الطالب: أنها أمها.
* الشيخ: أمها؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: يقينًا؟
* الطالب: نعم يقينًا.
* الشيخ: لا شك بعد؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إما أمها؟
* الطالب: أو خالتها.
* الشيخ: أو ..
* الطالب: ظاهر الآية: أمها.
* الشيخ: طيب، ويش الظاهر؟
* الطالب: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾.
* الشيخ: طيب، أخته.
* الطالب: أم موسى يعني قالت لأخت موسى.
* الشيخ: طيب، أخت موسى من أبيه، ما يمكن؟
* الطالب: ظاهر (...).
* الشيخ: (...) من الظاهر.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أيش وجه الظاهر؟
* الطالب: ما قال: (...) لأخته من أبيه.
* طالب: وجه (...).
* الشيخ: لا، الظاهر .. هو على كل حال قد يكون كلامكم صحيحًا، بمعنى أنه لو كانت من أبٍ أو كانت من أمٍّ أيضًا، لو كانت من أبيه أو من أمِّه لقُيِّدت، وعند الإطلاق تكون الأُخُوَّة مطلقة وهي من الأم والأب، مع أن فيه احتمالًا أن تكون من أمه أو من أبيه، لكن الظاهر كما قلتم أنه ما دام أُطلِقتْ فتُحمَل على الأكمل من الأُخُوَّة، وهي الشقيقة.
قالت: ﴿قُصِّيهِ﴾ أي: (اتَّبعي أَثَره حتَّى تعلمي خبره).
القَصُّ معناه: تتبُّع الأثر، يعني تتبَّعي أثره وابحثي عنه.
قال الله عز وجل: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أي: (أبصَرَتْهُ). ذهبت الأخت، وظاهر الآية الكريمة: ﴿فَبَصُرَتْ﴾، الفاء للترتيب والتعقيب، أنها ما ذهبتْ بعيدًا حتى رأتْه.
وقوله: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ (مِن مكانٍ بعيد). ﴿جُنُبٍ﴾ بمعنى بعيد، وعلى هذا فالموصوف محذوف والتقدير: عن مكانٍ بعيدٍ، بعيدٍ منها، لكنها عرفت أن هذا أخوها.
(اختلاسًا) يقول: (﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ مِن مكانٍ بعيدٍ اختلاسًا). أيش معنى الاختلاس؟ المسارَقة؛ يعني أنها ما جعلتْ تُحِدُّ النظر فيه؛ لأنه لو أنها جعلتْ تُحِدُّ النظر فيه وأقبلتْ إليه بسرعة وظهر منها علامات على أنه مقصودها لكانوا يُحسُّون بذلك، ولكنها ما جعلت تنظر إليه نظرًا يشعرون به، كانت تختلس النظر، تختلسه اختلاسًا، وهذا واضح، وإن كان ما في الآيات دليل عليه لكنه واضح أنه لا بد أن يكون؛ لأنه لو كانت (...) رأتْه ذهبتْ إليه وجعلتْ تنظر وما أشبه ذلك لكانوا يشكُّون في هذا الأمر ويمسكونها، ولكنها بصرت به عن جُنُبٍ تختلس النظر.
(﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنها أخته وأنها تَرْقُبُه). مَن هم اللي ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾، مَن؟ آل فرعون، ما علموا، لكن المرأة فيها ذكاء، جعلتْ تنظر من بعيد حتى وصلت إليه، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بأنها أخته أو تراقبه؛ لأنها لم تُبْدِ حركاتٍ تدل على ذلك.
وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، الجملة موضعها من الإعراب؟
* طلبة: حال.
* الشيخ: حال منين؟ من فاعل ﴿بَصُرَتْ﴾، يعني: والحال أنهم لا يشعرون (...)، والجملة الحالية ما يُشترط أن تكون وصفًا لصاحب الحال، ولهذا تقول: جاء زيدٌ والشمسُ طالعةٌ، فالجملة هذه حاليَّة مع أنها ليست من صفات زيد.
فهنا: بَصُرتْ به وهم لا يشعرون، لو قال قائل: كيف تجعلونها حالًا من فاعل (بصُرت) مع أنها ليست من صفاتها؟ قلنا: لكن الجملة الحالية يُكتفى فيها بأدنى ملابسة.
قال الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ١٢].
* طالب: (...).
* الشيخ: (...)، الطفل في الحقيقة صار يقلق ويبكي يريد الرَّضاع، ولعلهم خرجوا به يطلبون مُرضعةً، فصادف أن رأته أخته.
* الطالب: إي، هذا قبل أن يحصل طلب الرضاعة.
* الشيخ: يعني كيف ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾؟
* الطالب: قبل طلب الرضاعة، حينما طلب الرضاعة.
* الشيخ: ويش دليلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما فيه دليل.
* طالب: نقول: هذه الآية هي تدل على قول المؤلف: (﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى﴾ لَمَّا علمتْ بالتقاطه).
* الشيخ: يعني كان (...) أن تقصه؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: (...).
* طالب: أرسلتها إلى (...).
* الشيخ: لولا أرسلتها ما (...) في البلد.
* طالب: هي موقنة بالبشارة أمه (...).
* الشيخ: ما فيه شك أنها موقنة، وإلا لو ما موقنة ما ألقته في اليم، هي أمرتها أن تخرج تطلب أن ترضعه؛ لأنها عرفت أنه لا بد أن يرجع إليها.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لا، (...).
قال: (﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قَبْل رَدِّه إلى أُمِّه).
قوله: ﴿حَرَّمْنَا﴾ أي: منعْنا، والتحريم في اللغة: المنع، ومنه (...).
* * *
قوله: ﴿لِأُخْتِهِ﴾ عيَّنها المؤلف بأنها مريم، ما تقول في هذا التعيين؟
* طالب: (...) هو لا يصح.
* الشيخ: إي، والجهل به لا يضر.
ما معنى ﴿قُصِّيهِ﴾؟
* طالب: أي: اتبعي أثره.
* الشيخ: اتبعيه أو تتبَّعيه؟
* الطالب: يعني: تتبَّعي أثره.
* الشيخ: تتبَّعي أثره؛ يعني: اطلبيه واتبعيه.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: طيب، قوله: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾، أيش معنى ﴿بَصُرَتْ بِهِ﴾؟
* الطالب: يعني أبصرتْه.
* الشيخ: طيب، معنى ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾؟
* طالب: من مكان بعيد.
* الشيخ: مكان بعيد. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؟
* الطالب: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني: لم يعلموا بأنها تتتبَّعه وتترقَّبه.
* الشيخ: إي، وهو في محل نصب؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾، أيش معنى ﴿حَرَّمْنَا﴾؟
* طالب: قبل ردِّه، (...) منعناه أن يرضع من ثدي، وهذا تحريم قَدَري يا شيخ.
* الشيخ: تحريمٌ قدريٌّ.
التحريم ينقسم إلى قسمين؟
* طالب: تحريم شرعي، وتحريم كوني قَدَري.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: الشرعي ما كان من الشرع.
* الشيخ: متعلق الشرعي أيش؟
* الطالب: (...) الشرع.
* الشيخ: إي، ويش متعلقه؟ يعني ويش يتعلق به التحريم الشرعي؟
* الطالب: بالأحكام الشرعية.
* الشيخ: بالأحكام الشرعية، والقَدَري بالأحكام الكونية.
طيب، هل هناك (...)؟
* طالب: القدري (...).
* الشيخ: لا، غيرها، نحن ذكرنا غير هذه مثالين؟
* طالب: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء ٩٥].
* الشيخ: طيب، والمثال الثاني؟
* طالب: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [المائدة ٢٦].
* الشيخ: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، يعني تحريمًا قدريًّا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...).
* * *
﴿عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ﴾ [القصص ١٢]، ولم تقل: على أهله، طبعًا، لو قالت: على أهله اتَّضح الأمر وأمسكوها هي وهو وأهله، بل قالت: ﴿عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ﴾ مُنَكَّر، كأنهم لا يعرفونه، مع أنها أو أهل البيت أمُّه؛ أمُّ موسى.
﴿عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ (﴿أَهْلِ بَيْتٍ﴾ لَمَّا رأتْ حُنُوَّهم عليه). (لَمَّا رأتْ حُنُوَّهم) أي: حُنُوَّ آل فرعون على هذا الطفل وأنهم يحبون أن يجدوا مَن يقوم بكفالته وإرضاعه قالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ﴾.
(﴿يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ بالإرضاع وغيره)، والكَفْل معناه القيام بحضانة الطفل، القيام بحضانة الطفل يسمَّى كَفْلًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران ٣٧]، وفي قراءة ثانية: ﴿وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءُ﴾ ، المعنى: أنا بأدلكم على أهل بيتٍ يقومون بحضانته على أتمِّ قيام، بدليل قولها: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾، الفعل جاء بالفعل، والنية جاءت بالجملة الاسمية، ﴿يَكْفُلُونَهُ﴾ لأن الكفالة فعل، ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ النصيحة مبنية على النية في القلب.
ومعنى ﴿نَاصِحُونَ﴾ أي: مخلصون، وأصل النصح: إخلاص الشيء من الشوائب، ومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم ٨] أي: خالصةً من الشوائب، لله وحده.
إذَن ﴿نَاصِحُونَ﴾ ويش معنى النصح؟ الخلوص من الشوائب، أي: إنهم مخلصون له إخلاصًا كاملًا، وهي صادقة في قولها ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم، صادقة بلا شك.
وقوله: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾، الضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود إلى هذا الطفل، بلا ريب أنه يعود إلى هذه الطفل، وإذا كان يعود إلى هذا الطفل فإذا قال قائل: ما فائدة آل فرعون بنصح أهل هذا البيت له؟
نقول: فائدة آل فرعون بذلك لأنهم أحبُّوا هذا الطفل وودُّوا مَن يقوم بكفايته وبكفالته على الوجه الأتمِّ، ولهذا..
طيب، يقول المؤلف: (وفَسَّرتْ ضمير ﴿لَهُ﴾ بالملِكِ جوابًا لهم فأُجِيبتْ). هذا مبني على قصة إسرائيلية؛ أنها لما قالت: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ كأنهم استشكوا وقالوا: ما الذي أدراكِ أنهم ينصحون له؟ فقالت: أريد أنهم ينصحون للمَلِك. مَن الملِك؟ فرعون، يعني: وهم للمَلِك ناصحون. وهذه القصة لا شك أنها بعيدة من الصواب، بل ليست بصواب، وإنما المراد ﴿لَهُ﴾ للطفل، وليس هناك .. يعني ما فيه ما يمنع أن يكون الضمير عائدًا إليه، ولا حاجة أيضًا إلى تفسيره بالملِك؛ لأنهم هم يحبون – أي: آلُ فرعون- يحبون مَن ينصح له، فليسوا بسائلين عن هذا الشيء، نعم، فتقدير المؤلف هذا لا داعي له.
يقول: (فجاءتْ بأُمِّه فقَبِلَ ثديَها، وأجابتْهم عن قبوله بأنها طيِّبة الرِّيح طيِّبة اللبن، فأُذِن لها في إرضاعه في بيتها، فرجعتْ به كما قال تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ﴾ ).
هذا التقرير الذي ذكره المؤلف أيضًا لا دلالة في الآية عليه، ومن يقول: هي اللي جاءت، وقَبِل ثديها أمام الناس، واتُّهمتْ به، ودافعتْ عن التهمة بأن ثديها طيب الريح ولبنها طيب، كل هذا لا أصل له.
والصواب أنهم لما قالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ قالوا، ويش قالوا؟ قالوا: نعم دُلِّينا. فالقصة واضحة جدًّا؛ دُلِّينا، فدَلَّتْهم، فجاؤوا به إلى أمِّه، وهذا أبلغ في المعجزة والآية أنَّ أمَّه في بيتها أمرتْ أختَه أن تخرج في طلبه، فما رجعت أختُه إلا به إلى أمِّه، أمَّا أن الأم راحتْ، وأنها ألقمتْه الثديَ، وأنها اتُّهِمتْ به ودافعتْ بأنها طيبة الريح أو طيبة اللبن، فهذا ليس بصحيح، ومثل هذه الأمور ما يلزم أن يكون لها أسبابٌ حسيةٌ معلومةٌ؛ لأنها من خوارق أيش؟ من خوارق العادات، وخوارق العادات ما نحتاج أننا نوجه لها أشياء تناسب العادات، بل هي فوق العادة.
فعلى هذا نقول: المسألة سائرة على حسب ما جاء في القرآن الكريم، ولم تأتِ الأم، الله ما ذَكَر أن الأم هي التي أتتْ، بل قال: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾ [القصص ١٣].
﴿رَدَدْنَاهُ﴾ أي: موسى (﴿إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بلقائه).
﴿تَقَرَّ﴾ سبق أنها مأخوذة إمَّا من القَرِّ وهو البرودة، وإمَّا من القرار وهو السكون، ولعله يشمل المعنيين، مأخوذة من القرار تسكن العين وتبرد، نعم.
﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ و﴿كَيْ﴾ هنا حرف تعليل، وهي مصدرية تَنصِب الفعل المضارع، ولهذا ﴿تَقَرَّ﴾ منصوبة، وعلامة نصبه فتحة ظاهرة على القاف.
* طالب: على الراء.
* الشيخ: على آخره؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: والقاف (...).
* طالب: ألأصل.
* الشيخ: هذا الأصل، نعم؛ لأنها من: قَر يقَر، وليست من: قَر يقِر.
(﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بلقائه ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ حينئذٍ). يعني: لا تحزن على ما مضى، بل يزول عنها الحزن، تقر العين ويزول عنها الحزن.
(﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ برَدِّه إليها ﴿حَقٌّ﴾ ). هذا أيضًا.. ثلاث فوائد: ﴿تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾، ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾، والثالث: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.
أمَّا الأُوليان فظاهر أنها تقرُّ عينُها برجوعه وأنها لا تحزن، يزول عنها الحزن، لكن قوله: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ فإن هذه العلة قد سبقت؛ لأنها منذ أن ألقتْه في اليم قد علمتْ بأن وعد الله حقٌ، ولولا عِلمها ويقينها بأن وعد الله حق ما ألقتْه، فيكون هنا المراد بالعلم عِلم اليقين ولَّا عين اليقين؟
* الطلبة: عين اليقين.
* الشيخ: عين اليقين، أو حق اليقين إن شئتم؛ عِلمها بالأول علمٌ عن الشيء خبرًا، وعلمها الثاني علمٌ عن الشيء وقوعًا. وفرقٌ بين علم الإنسان بالشيء خبرًا وبين علمه به وقوعًا، ولهذا قال إبراهيم ﷺ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]، وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ»[[أخرجه أحمد (٢٤٤٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ]]، فالحاصل أن قوله: ﴿وَلِتَعْلَمَ﴾ يعني علمَ الشيءِ بعد وقوعه، وأمَّا علمها به خبرًا فقد تقدَّم، ولولا أنها واثقة بالأول ما فعلتْ.
وقوله: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ﴿وَعْدَ﴾ ذكروا أن الوَعْد هو الوَعْد بما يَسُرُّ، والوعيد بما يُحْزِن؛ يعني: الوعد بالخير، والوعيد بالشر. كذا؟ وأن الشرَّ من (أَوْعَدَ) والخير من (وَعَد) فقالوا: أوعده؛ أي: بالشر، ووعده بالخير.
* طالب: بالنسبة لقوله: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [القصص ١٣]، معروف أن الإنسان لو قرت عينُه ينسى الحزن ويُسَرُّ.
* الشيخ: إي، لكن ذاكر، نفي الحزن هنا لأجل أن يبيِّن أن القرَّ كامل؛ لأنه قد تقرُّ عينه مع شيء من الحزن.
طيب، الوعد معناه، ويش قلنا؟ الوعد يتعلَّق بما يَسُر، والوعيد بما يسوء، فهل الوعد والحق دون الوعيد أو كلاهما؟
* طالب: كلاهما.
* طالب آخر: لا، الوعيد قد يتخلَّف.
* طالب آخر: الوعيد (...).
* الشيخ: هو حق، الوعيد والوعد حق؛ لأننا لو قلنا: إن الوعيد ليس بحق، لزم أن يكون في خبر الله كذبٌ، وهذا غير ممكن، لكن الوعيد قد لا يُنفَّذ تفضُّلًا من الله عز وجل؛ لأنه حقُّه، الوعيد حق الله، والله تبارك وتعالى قد يتجاوز عنه، ولَّا لا؟ أما الوعد فإنه حقٌّ لمن؟ للموعود، ولهذا لا يمكن أن يتخلَّف، قال الشاعر:
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
لأن الوعد حقٌ للموعود، والوعيد حقٌ للمُوعِد.
أضرب لكم مثلًا: إذا قلت لهذا الرجل: إن فعلتَ كذا أعطيتُك مئة دينار، هذا ما هو؟
* طالب: وعد.
* الشيخ: وعد ولَّا وعيد؟
* طالب: وعد.
* الشيخ: لأنه؟
* طالب: لأنه في (...).
* الشيخ: لأنه في الخير، نعم. هذا فَعَل ما قلتُ، يجب عليَّ أن أوفيه؛ لأن الحق له. لكن قلتُ لولدي مثلًا: إن فعلتَ كذا حبستُك. ثم فَعَله، ولكني عفوتُ عنه، هذا جائز ولَّا ما هو بجائز؟
* طالب: جائز.
* الشيخ: هذا جائز ويكون فضلًا، لا سيَّما إذا عفا عنه مع القدرة؛ قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء ١٤٩]، أما العفو مع العجز فهذا ما هو مدح.
الحاصل: إن وعد الله ووعيده كلاهما حقٌّ، لكنَّ وعده لما كان حقًّا للموعود صار لا بدَّ من وقوعه، ووعيده لما كان حقًّا له إن شاء عفَا عنه تكرُّمًا وتفضُّلًا حسب ما تقتضيه حكمته سبحانه وتعالى.
* طالب: قوله جل وعلا: ﴿قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف ٤٤] هذا وعيد أُطلِق على الوعد.
* الشيخ: نعم، هذا صحيح، أُطلِق عليه وعْد، إمَّا لأنه في المقابلة؛ يعني مع (...) بهذا صار مشاكِلًا له، أو أنه يُطلق عليه أحيانًا.
قال: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، ﴿حَقٌّ﴾ هنا بمعنى: ثابت، وأظن أننا قلنا: إن الحق في كذا له معنًى، والحق في كذا له معنًى. هذا من أيِّ المعنيين؟
* طلبة: من الصدق.
* الشيخ: من الصدق، نعم؛ إن الحق إذا تعلَّق بالأخبار فمعناه الصدق، وفي الأحكام معناه العدل، وعلى هذا فيكون هنا بمعنى الصدق؛ ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: صِدْق، ولا يمكن أن يتخلَّف؛ لأن تخلُّف الوعد إمَّا أن يكون عن كَذِب الواعد أو عن عجزه عن تنفيذه، وكِلا الأمرين في حق الله مستحيلٌ، فلا كذبَ في قوله ولا عجزَ في فعله، ولهذا عبادُ الله سبحانه وتعالى يختمون الدعاء بقولهم: إنك لا تُخلِف الميعاد، نعم.
قال: (﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ أي: الناس ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ بهذا الوعد ولا بأنَّ هذه أخته).
المؤلف خصَّ الآية، والحقيقة أن الآية عامة، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون؛ أي: ليس عندهم علمٌ ينفعهم بوعد الله، فنفي العلم هنا إما لإثبات الجهل أو لنفي العلم النافع، أكثر الناس لا يعلمون بهذا، لا يعلمون بأن وعد الله حق.
* طالب: ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾.
* الشيخ: إي، ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ أي: الناس، أقول: أكثر الناس لا يعلمون أن وعد الله حقٌّ إما لجهلهم، وإما لعدم انتفاعهم بهذا العلم، ونفي الشيء لنفي الانتفاع به ثابتٌ في القرآن؛ ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، ودائمًا ينفي الله سبحانه وتعالى العقلَ عن الناس أو السمعَ عن الناس وما أشبه ذلك لعدم انتفاعهم بذلك، فأكثر الناس لا يعلمون، المؤلف خصَّ هذه بقصة موسى، والآية عامة، أكثر الناس لا يعلمون أن وعد الله حقٌّ، أقول: إما للجهل بذلك لكونهم لا يعرفون من أسماء الله وصفاته ما هو اللائق به، وإما لكونهم لا ينتفعون بهذا العلم، الذين لا يحرصون على فعل الخير أو على تجنُّب الشر في الحقيقة هم كالجاهلين بأن وعد الله حقٌّ؛ إذ إن الطبيعة البشرية والعقل يقتضيان أنك ما دُمتَ مؤمنًا بهذا الشيء سواء كان وعدًا أو وعيدًا فلا بدَّ أن تسعى له بمقتضى إيمانك، إذا كنتَ تعلم أن الإنسان سيموت، وأن المؤمن إذا مات سيجد الخير فيكون في الجنة وينجو من النار، هذا حق ولَّا لا؟
* طلبة: حق.
* الشيخ: حق، لكن الذي لا يسعى لهذه الجنة وينهمك بسعيه للدنيا الفانية، هل هذا في الحقيقة عالِمٌ بأن وعد الله حقٌّ أو منتفعٌ بعلمه؟
* طالب: لم ينتفع.
* الشيخ: ما انتفع به، ما انتفع بعلمه، ولو انتفع به ما فوَّت هذه الفرصة العظيمة.
طيب، إنسان يعرف أن المعصية سببٌ لدخول النار، يعرف هذا، ويعرف أن وعد الله حقٌّ، لكن مع ذلك يتجرَّأ على المعاصي، نقول: إن علمه هنا ناقصٌ؛ إذ لو آمن بذلك حقًّا لكان يتجنَّب هذا الشيء، فصدق معنى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
حلَّل المؤلف رحمه الله الآية هذه يقول: (﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ بهذا الوعد) يعني بما وعد الله أمَّه من ردِّه إليها (ولا بأنَّ هذه أخته)، وعلى هذا فيكون الضمير في ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ يعود على آل فرعون.
(وهذه أمُّه، فمكث عندها إلى أن فَطَمتْه، وأُجرِيَ عليها أُجرتُها لكلِّ يومٍ دينارٌ).
كان غاليًا الرضاعُ ذاك الوقت. أمَّا كونه بقي عندها إلى أن فطمتْه هذا واضح؛ لأنه ما دام أنه محتاج للرضاع فسوف يبقى عندها، وأمَّا (أُجرِيَ عليها أُجرتُها) فهذا أيضًا صحيح، فإنه جُعل لها أُجرة، وصاروا يرسلون إليها بالهدايا والتحف ويكرمونها؛ لأنها كافلة هذا الطفل الذي قالوا: إنه ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ و﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، ولهذا رُوي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال «في الذي يُحسن الصَّنعة ويتخذ عليها أجرًا: «إِنَّهُ كَأُمِّ مُوسَى؛ تُرْضِعُ وَلَدَهَا وَتَأْخُذُ عَلَيْهِ أَجْرًا»[[ أخرج أبو داود في المراسيل (٣٣٢) عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَثَلُ الَّذِينَ يَغْزُونَ مِنْ أُمَّتِي وَيَأْخُذُونَ الْجُعْلَ -يعني- يَتَقَوَّوْنَ عَلَى عَدُوِّهِمْ مَثَلُ أُمِّ مُوسَى؛ تُرْضِعُ وَلَدَهَا وَتَأْخُذُ أَجْرَهَا»، وأورده ابن كثير في تفسيره بلا إسناد عند تفسيره سورة طه الآية (٤٠) وسورة القصص (١٢-١٣) ولفظه: «مثَلُ الصانِعِ الَّذي يَعملُ ويَحتسبُ في صَنعتِهِ الخيرَ كمَثَلِ أمِّ مُوسَى تُرضِعُ ولدَها وتأْخُذُ أجْرَهَا».]]، وهذا من آيات الله، يجيئها ولدها وتُرضعه وتُكرَم عليه، ما ظنُّكم لو لم تفعل هكذا ولا تُلقيه في اليمِّ ولا يلتقطه آل فرعون؟ كانت تبقى خائفة وَجِلة ولا يحصل لها أُجرة ولا إكرام ولا إعزاز من هؤلاء الطغاة.
وأما قوله: (لكُلِّ يومٍ دينار) فهذا غير مُسَلَّم؛ لأن طريقنا في مثل هذه الأمور أن نقول: ما ثبت عن الرسول ﷺ فهو مقبول، وما لم يثبت من أخبار بني إسرائيل فإننا نتوقَّف فيه، ولا ينبغي أن نجزم به هذا الجزم، نعم، نُحدِّث به ولكننا ما نجزم به.
يقول: (لكلِّ يومٍ دينار)، شوف عاد بعده جاب إشكالًا: (وأخذتْها لأنَّها مال حربِيٍّ)، سبحان الله العليِّ العظيم! يعني ذهاب وَهْم بعض العلماء غريب؛ أخذتْها لأنها مال حربيٍّ أو أخذتْها لأنها أُجرة على إرضاعها؟
أُجرة، ما فيها إشكال، أمَّا كونها تأخذ أُجرة لأنه مال حربيٍّ فهذا لا وجه له، ليس له وجه؛ لا يقال مثلًا: إن أمَّ موسى لما لم يقبل ثدي غيرها كان إرضاعُها إياه فرضًا عليها، والفرض لا يجوز أخْذ العوض عليه، يصير أخْذ العوض هنا على أنه مال حربيٍّ.
نقول: حتى مال الحربي إذا جاء بصيغة عقد يجوز أخْذه ولَّا لا؟
* طالب: لا يجوز.
* الشيخ: لا، لا يجوز، إنما تأخذه بمقتضى العقد، والمعاقدة بينك وبين الحربيِّين مثل الاستئمان، بل هي استئمان في الواقع، فالصواب أنها أخذتْها لأنها أُوجرتْ عليها على كفالته وإرضاعه.
* طالب: الخدمة، (...).
* الشيخ: ما يخالف، هي لو لم تأخذ لكان في ذلك بلاء، لعُلِم أنها قريبةٌ له أو ما أشبه ذلك، فهي أخذتْ لأنهم هم يعتقدون أنها ليست أُمَّه، ويعتقدون أن هذا الطفل سوف يكون لهم.
* طالب: لا يجوز (...)، لو جاز ظاهرًا ما جاز الأخذ بالباطن.
* الشيخ: يجوز باطنًا لأجْل كفالتها بالنسبة لهم.
يقول المؤلف: (فأتتْ به فرعونَ فتربَّى عنده كما قال الله تعالى حكاية عنه في سورة الشعراء: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء ١٨]).
تربَّى عند فرعون في بيت الملِك، وكان يركب كمراكب الملوك، ويلبس لباس الملوك، فبَدَلًا من أنه لو كان عند أمِّه ما حصل له هذا الشيء بلا شك، أمَّا الآن فأصبح معزَّزًا مكرَّمًا، وذلك من تسخير الله سبحانه وتعالى له.
* طالب: (...) ما ورد أن موسى اتصل بأمِّه (...).
* الشيخ: اتصل بها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هو على كل حال يتردد عليها؛ لأنها أمه.
* الطالب: لأنه عندما انتهى من الفطام ترجع إلى..
* الشيخ: تربَّى عند فرعون ولكن يجيء إلى أمه؛ لأنه يقول: هذه أمي من الرضاع، ولا يستنكر (...) أمه، لا يُستنكر أنه ذهب إليها لأنها أمه من الرضاع.
* الطالب: هو ما يعلم الحقيقة؟
* الشيخ: ما يعلمون هم.
* الطالب: موسى؟
* الشيخ: لا، علم الحقيقة، لا بد أنه علم وأعلمتْه أمُّه أيضًا.
* الطالب: الدليل؟
* الشيخ: الدليل لأنها هي لما كفلتْه وكبِر فإنه سيكون في حضانتها دائمًا؛ يعني يأتي إليها، بالضرورة تكون تُعلمه.
* الطالب: لا، قد لا (...).
* الشيخ: أبدًا (...)؛ لأنه هو بيخاف على نفسه مثلما تخاف عليه هي، أبدًا، ما فيه خوف أبدًا، ما دام أن الرجل يخشى على نفسه ما يمكن (...).
* طالب: التسمية يا شيخ منها أو من آل فرعون؟
* الشيخ: التسمية (...) يحتمل أنها منها سمَّته بذلك، أو من آل فرعون، (...) آل فرعون ويش يدريهم أنها سمته؟
* الطالب: تسمية عبرية يعني.
* الشيخ: إي نعم، اللهم إلا أن يكون مثلًا هذا من إكرام الله له حيث سَمَّوه بما سمَّته به أمه، ما أدري والله.
يقول: (﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء ١٨]) فبقي الرجل عند الملِك مكرَّمًا معزَّزًا.
القصص 28:13
﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١].
﴿قَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ يقول المؤلف: (مريم). ومريم .. نقول للمؤلف: من أين لك أن اسمها مريم؟
* طالب: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨] (...).
* الشيخ: ما هي بهذه، هذه ما هي بمريم؛ لأن اللي ذكرتَ مريم أم عيسى، وبينه وبين موسى أزمانٌ طويلة.
على كل حال هذه من الأخبار الإسرائيلية، وتعيين اسمها لو كانت الفائدة تترتَّب عليه لكان الله تبارك وتعالى يُبيِّنه، لكن ما يهمنا تعيين الاسم، المهم نعرف صلة هذه المرأة بأم موسى وبموسى أيضًا، فهي أخت موسى وتكون بالنسبة لأم موسى؟
إذا صارت هذه أختًا لموسى، فما صِلتها بأم موسى؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، أنت ما فهمت كلامي؟ فهمت السؤال؟ ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ أخت مَن؟
* الطالب: أخت موسى.
* الشيخ: أخت موسى، إذا صارت هذه المرأة أختًا لموسى فما صلتها بأم موسى؟ ترى السؤال ما هو (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: ويش هي لأم موسى؟
* الطالب: يعني قرابة؟
* الشيخ: إي، قرابة لأم موسى.
* الطالب: قرابة لأم موسى.
* الشيخ: إي، ويش هي؟
* الطالب: (...) مرضعتها.
* الشيخ: ما هذا؟! طيب، ويش (...)؟
* طالب: (...) أمها (...).
* الشيخ: إذا صارت أختًا لموسى صلتها بأم موسى أيش؟
* الطالب: أنها أمها.
* الشيخ: أمها؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: يقينًا؟
* الطالب: نعم يقينًا.
* الشيخ: لا شك بعد؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إما أمها؟
* الطالب: أو خالتها.
* الشيخ: أو ..
* الطالب: ظاهر الآية: أمها.
* الشيخ: طيب، ويش الظاهر؟
* الطالب: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾.
* الشيخ: طيب، أخته.
* الطالب: أم موسى يعني قالت لأخت موسى.
* الشيخ: طيب، أخت موسى من أبيه، ما يمكن؟
* الطالب: ظاهر (...).
* الشيخ: (...) من الظاهر.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أيش وجه الظاهر؟
* الطالب: ما قال: (...) لأخته من أبيه.
* طالب: وجه (...).
* الشيخ: لا، الظاهر .. هو على كل حال قد يكون كلامكم صحيحًا، بمعنى أنه لو كانت من أبٍ أو كانت من أمٍّ أيضًا، لو كانت من أبيه أو من أمِّه لقُيِّدت، وعند الإطلاق تكون الأُخُوَّة مطلقة وهي من الأم والأب، مع أن فيه احتمالًا أن تكون من أمه أو من أبيه، لكن الظاهر كما قلتم أنه ما دام أُطلِقتْ فتُحمَل على الأكمل من الأُخُوَّة، وهي الشقيقة.
قالت: ﴿قُصِّيهِ﴾ أي: (اتَّبعي أَثَره حتَّى تعلمي خبره).
القَصُّ معناه: تتبُّع الأثر، يعني تتبَّعي أثره وابحثي عنه.
قال الله عز وجل: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أي: (أبصَرَتْهُ). ذهبت الأخت، وظاهر الآية الكريمة: ﴿فَبَصُرَتْ﴾، الفاء للترتيب والتعقيب، أنها ما ذهبتْ بعيدًا حتى رأتْه.
وقوله: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ (مِن مكانٍ بعيد). ﴿جُنُبٍ﴾ بمعنى بعيد، وعلى هذا فالموصوف محذوف والتقدير: عن مكانٍ بعيدٍ، بعيدٍ منها، لكنها عرفت أن هذا أخوها.
(اختلاسًا) يقول: (﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ مِن مكانٍ بعيدٍ اختلاسًا). أيش معنى الاختلاس؟ المسارَقة؛ يعني أنها ما جعلتْ تُحِدُّ النظر فيه؛ لأنه لو أنها جعلتْ تُحِدُّ النظر فيه وأقبلتْ إليه بسرعة وظهر منها علامات على أنه مقصودها لكانوا يُحسُّون بذلك، ولكنها ما جعلت تنظر إليه نظرًا يشعرون به، كانت تختلس النظر، تختلسه اختلاسًا، وهذا واضح، وإن كان ما في الآيات دليل عليه لكنه واضح أنه لا بد أن يكون؛ لأنه لو كانت (...) رأتْه ذهبتْ إليه وجعلتْ تنظر وما أشبه ذلك لكانوا يشكُّون في هذا الأمر ويمسكونها، ولكنها بصرت به عن جُنُبٍ تختلس النظر.
(﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنها أخته وأنها تَرْقُبُه). مَن هم اللي ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾، مَن؟ آل فرعون، ما علموا، لكن المرأة فيها ذكاء، جعلتْ تنظر من بعيد حتى وصلت إليه، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بأنها أخته أو تراقبه؛ لأنها لم تُبْدِ حركاتٍ تدل على ذلك.
وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، الجملة موضعها من الإعراب؟
* طلبة: حال.
* الشيخ: حال منين؟ من فاعل ﴿بَصُرَتْ﴾، يعني: والحال أنهم لا يشعرون (...)، والجملة الحالية ما يُشترط أن تكون وصفًا لصاحب الحال، ولهذا تقول: جاء زيدٌ والشمسُ طالعةٌ، فالجملة هذه حاليَّة مع أنها ليست من صفات زيد.
فهنا: بَصُرتْ به وهم لا يشعرون، لو قال قائل: كيف تجعلونها حالًا من فاعل (بصُرت) مع أنها ليست من صفاتها؟ قلنا: لكن الجملة الحالية يُكتفى فيها بأدنى ملابسة.
قال الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ١٢].
* طالب: (...).
* الشيخ: (...)، الطفل في الحقيقة صار يقلق ويبكي يريد الرَّضاع، ولعلهم خرجوا به يطلبون مُرضعةً، فصادف أن رأته أخته.
* الطالب: إي، هذا قبل أن يحصل طلب الرضاعة.
* الشيخ: يعني كيف ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾؟
* الطالب: قبل طلب الرضاعة، حينما طلب الرضاعة.
* الشيخ: ويش دليلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما فيه دليل.
* طالب: نقول: هذه الآية هي تدل على قول المؤلف: (﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى﴾ لَمَّا علمتْ بالتقاطه).
* الشيخ: يعني كان (...) أن تقصه؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: (...).
* طالب: أرسلتها إلى (...).
* الشيخ: لولا أرسلتها ما (...) في البلد.
* طالب: هي موقنة بالبشارة أمه (...).
* الشيخ: ما فيه شك أنها موقنة، وإلا لو ما موقنة ما ألقته في اليم، هي أمرتها أن تخرج تطلب أن ترضعه؛ لأنها عرفت أنه لا بد أن يرجع إليها.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لا، (...).
قال: (﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قَبْل رَدِّه إلى أُمِّه).
قوله: ﴿حَرَّمْنَا﴾ أي: منعْنا، والتحريم في اللغة: المنع، ومنه (...).
* * *
قوله: ﴿لِأُخْتِهِ﴾ عيَّنها المؤلف بأنها مريم، ما تقول في هذا التعيين؟
* طالب: (...) هو لا يصح.
* الشيخ: إي، والجهل به لا يضر.
ما معنى ﴿قُصِّيهِ﴾؟
* طالب: أي: اتبعي أثره.
* الشيخ: اتبعيه أو تتبَّعيه؟
* الطالب: يعني: تتبَّعي أثره.
* الشيخ: تتبَّعي أثره؛ يعني: اطلبيه واتبعيه.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: طيب، قوله: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾، أيش معنى ﴿بَصُرَتْ بِهِ﴾؟
* الطالب: يعني أبصرتْه.
* الشيخ: طيب، معنى ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾؟
* طالب: من مكان بعيد.
* الشيخ: مكان بعيد. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؟
* الطالب: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني: لم يعلموا بأنها تتتبَّعه وتترقَّبه.
* الشيخ: إي، وهو في محل نصب؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾، أيش معنى ﴿حَرَّمْنَا﴾؟
* طالب: قبل ردِّه، (...) منعناه أن يرضع من ثدي، وهذا تحريم قَدَري يا شيخ.
* الشيخ: تحريمٌ قدريٌّ.
التحريم ينقسم إلى قسمين؟
* طالب: تحريم شرعي، وتحريم كوني قَدَري.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: الشرعي ما كان من الشرع.
* الشيخ: متعلق الشرعي أيش؟
* الطالب: (...) الشرع.
* الشيخ: إي، ويش متعلقه؟ يعني ويش يتعلق به التحريم الشرعي؟
* الطالب: بالأحكام الشرعية.
* الشيخ: بالأحكام الشرعية، والقَدَري بالأحكام الكونية.
طيب، هل هناك (...)؟
* طالب: القدري (...).
* الشيخ: لا، غيرها، نحن ذكرنا غير هذه مثالين؟
* طالب: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء ٩٥].
* الشيخ: طيب، والمثال الثاني؟
* طالب: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [المائدة ٢٦].
* الشيخ: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، يعني تحريمًا قدريًّا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: (...).
* * *
﴿عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ﴾ [القصص ١٢]، ولم تقل: على أهله، طبعًا، لو قالت: على أهله اتَّضح الأمر وأمسكوها هي وهو وأهله، بل قالت: ﴿عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ﴾ مُنَكَّر، كأنهم لا يعرفونه، مع أنها أو أهل البيت أمُّه؛ أمُّ موسى.
﴿عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ (﴿أَهْلِ بَيْتٍ﴾ لَمَّا رأتْ حُنُوَّهم عليه). (لَمَّا رأتْ حُنُوَّهم) أي: حُنُوَّ آل فرعون على هذا الطفل وأنهم يحبون أن يجدوا مَن يقوم بكفالته وإرضاعه قالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ﴾.
(﴿يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ بالإرضاع وغيره)، والكَفْل معناه القيام بحضانة الطفل، القيام بحضانة الطفل يسمَّى كَفْلًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران ٣٧]، وفي قراءة ثانية: ﴿وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءُ﴾ ، المعنى: أنا بأدلكم على أهل بيتٍ يقومون بحضانته على أتمِّ قيام، بدليل قولها: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾، الفعل جاء بالفعل، والنية جاءت بالجملة الاسمية، ﴿يَكْفُلُونَهُ﴾ لأن الكفالة فعل، ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ النصيحة مبنية على النية في القلب.
ومعنى ﴿نَاصِحُونَ﴾ أي: مخلصون، وأصل النصح: إخلاص الشيء من الشوائب، ومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم ٨] أي: خالصةً من الشوائب، لله وحده.
إذَن ﴿نَاصِحُونَ﴾ ويش معنى النصح؟ الخلوص من الشوائب، أي: إنهم مخلصون له إخلاصًا كاملًا، وهي صادقة في قولها ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم، صادقة بلا شك.
وقوله: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾، الضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود إلى هذا الطفل، بلا ريب أنه يعود إلى هذه الطفل، وإذا كان يعود إلى هذا الطفل فإذا قال قائل: ما فائدة آل فرعون بنصح أهل هذا البيت له؟
نقول: فائدة آل فرعون بذلك لأنهم أحبُّوا هذا الطفل وودُّوا مَن يقوم بكفايته وبكفالته على الوجه الأتمِّ، ولهذا..
طيب، يقول المؤلف: (وفَسَّرتْ ضمير ﴿لَهُ﴾ بالملِكِ جوابًا لهم فأُجِيبتْ). هذا مبني على قصة إسرائيلية؛ أنها لما قالت: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ كأنهم استشكوا وقالوا: ما الذي أدراكِ أنهم ينصحون له؟ فقالت: أريد أنهم ينصحون للمَلِك. مَن الملِك؟ فرعون، يعني: وهم للمَلِك ناصحون. وهذه القصة لا شك أنها بعيدة من الصواب، بل ليست بصواب، وإنما المراد ﴿لَهُ﴾ للطفل، وليس هناك .. يعني ما فيه ما يمنع أن يكون الضمير عائدًا إليه، ولا حاجة أيضًا إلى تفسيره بالملِك؛ لأنهم هم يحبون – أي: آلُ فرعون- يحبون مَن ينصح له، فليسوا بسائلين عن هذا الشيء، نعم، فتقدير المؤلف هذا لا داعي له.
يقول: (فجاءتْ بأُمِّه فقَبِلَ ثديَها، وأجابتْهم عن قبوله بأنها طيِّبة الرِّيح طيِّبة اللبن، فأُذِن لها في إرضاعه في بيتها، فرجعتْ به كما قال تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ﴾ ).
هذا التقرير الذي ذكره المؤلف أيضًا لا دلالة في الآية عليه، ومن يقول: هي اللي جاءت، وقَبِل ثديها أمام الناس، واتُّهمتْ به، ودافعتْ عن التهمة بأن ثديها طيب الريح ولبنها طيب، كل هذا لا أصل له.
والصواب أنهم لما قالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ قالوا، ويش قالوا؟ قالوا: نعم دُلِّينا. فالقصة واضحة جدًّا؛ دُلِّينا، فدَلَّتْهم، فجاؤوا به إلى أمِّه، وهذا أبلغ في المعجزة والآية أنَّ أمَّه في بيتها أمرتْ أختَه أن تخرج في طلبه، فما رجعت أختُه إلا به إلى أمِّه، أمَّا أن الأم راحتْ، وأنها ألقمتْه الثديَ، وأنها اتُّهِمتْ به ودافعتْ بأنها طيبة الريح أو طيبة اللبن، فهذا ليس بصحيح، ومثل هذه الأمور ما يلزم أن يكون لها أسبابٌ حسيةٌ معلومةٌ؛ لأنها من خوارق أيش؟ من خوارق العادات، وخوارق العادات ما نحتاج أننا نوجه لها أشياء تناسب العادات، بل هي فوق العادة.
فعلى هذا نقول: المسألة سائرة على حسب ما جاء في القرآن الكريم، ولم تأتِ الأم، الله ما ذَكَر أن الأم هي التي أتتْ، بل قال: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾ [القصص ١٣].
﴿رَدَدْنَاهُ﴾ أي: موسى (﴿إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بلقائه).
﴿تَقَرَّ﴾ سبق أنها مأخوذة إمَّا من القَرِّ وهو البرودة، وإمَّا من القرار وهو السكون، ولعله يشمل المعنيين، مأخوذة من القرار تسكن العين وتبرد، نعم.
﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ و﴿كَيْ﴾ هنا حرف تعليل، وهي مصدرية تَنصِب الفعل المضارع، ولهذا ﴿تَقَرَّ﴾ منصوبة، وعلامة نصبه فتحة ظاهرة على القاف.
* طالب: على الراء.
* الشيخ: على آخره؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: والقاف (...).
* طالب: ألأصل.
* الشيخ: هذا الأصل، نعم؛ لأنها من: قَر يقَر، وليست من: قَر يقِر.
(﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بلقائه ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ حينئذٍ). يعني: لا تحزن على ما مضى، بل يزول عنها الحزن، تقر العين ويزول عنها الحزن.
(﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ برَدِّه إليها ﴿حَقٌّ﴾ ). هذا أيضًا.. ثلاث فوائد: ﴿تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾، ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾، والثالث: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.
أمَّا الأُوليان فظاهر أنها تقرُّ عينُها برجوعه وأنها لا تحزن، يزول عنها الحزن، لكن قوله: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ فإن هذه العلة قد سبقت؛ لأنها منذ أن ألقتْه في اليم قد علمتْ بأن وعد الله حقٌ، ولولا عِلمها ويقينها بأن وعد الله حق ما ألقتْه، فيكون هنا المراد بالعلم عِلم اليقين ولَّا عين اليقين؟
* الطلبة: عين اليقين.
* الشيخ: عين اليقين، أو حق اليقين إن شئتم؛ عِلمها بالأول علمٌ عن الشيء خبرًا، وعلمها الثاني علمٌ عن الشيء وقوعًا. وفرقٌ بين علم الإنسان بالشيء خبرًا وبين علمه به وقوعًا، ولهذا قال إبراهيم ﷺ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]، وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ»[[أخرجه أحمد (٢٤٤٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ]]، فالحاصل أن قوله: ﴿وَلِتَعْلَمَ﴾ يعني علمَ الشيءِ بعد وقوعه، وأمَّا علمها به خبرًا فقد تقدَّم، ولولا أنها واثقة بالأول ما فعلتْ.
وقوله: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ﴿وَعْدَ﴾ ذكروا أن الوَعْد هو الوَعْد بما يَسُرُّ، والوعيد بما يُحْزِن؛ يعني: الوعد بالخير، والوعيد بالشر. كذا؟ وأن الشرَّ من (أَوْعَدَ) والخير من (وَعَد) فقالوا: أوعده؛ أي: بالشر، ووعده بالخير.
* طالب: بالنسبة لقوله: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [القصص ١٣]، معروف أن الإنسان لو قرت عينُه ينسى الحزن ويُسَرُّ.
* الشيخ: إي، لكن ذاكر، نفي الحزن هنا لأجل أن يبيِّن أن القرَّ كامل؛ لأنه قد تقرُّ عينه مع شيء من الحزن.
طيب، الوعد معناه، ويش قلنا؟ الوعد يتعلَّق بما يَسُر، والوعيد بما يسوء، فهل الوعد والحق دون الوعيد أو كلاهما؟
* طالب: كلاهما.
* طالب آخر: لا، الوعيد قد يتخلَّف.
* طالب آخر: الوعيد (...).
* الشيخ: هو حق، الوعيد والوعد حق؛ لأننا لو قلنا: إن الوعيد ليس بحق، لزم أن يكون في خبر الله كذبٌ، وهذا غير ممكن، لكن الوعيد قد لا يُنفَّذ تفضُّلًا من الله عز وجل؛ لأنه حقُّه، الوعيد حق الله، والله تبارك وتعالى قد يتجاوز عنه، ولَّا لا؟ أما الوعد فإنه حقٌّ لمن؟ للموعود، ولهذا لا يمكن أن يتخلَّف، قال الشاعر:
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
لأن الوعد حقٌ للموعود، والوعيد حقٌ للمُوعِد.
أضرب لكم مثلًا: إذا قلت لهذا الرجل: إن فعلتَ كذا أعطيتُك مئة دينار، هذا ما هو؟
* طالب: وعد.
* الشيخ: وعد ولَّا وعيد؟
* طالب: وعد.
* الشيخ: لأنه؟
* طالب: لأنه في (...).
* الشيخ: لأنه في الخير، نعم. هذا فَعَل ما قلتُ، يجب عليَّ أن أوفيه؛ لأن الحق له. لكن قلتُ لولدي مثلًا: إن فعلتَ كذا حبستُك. ثم فَعَله، ولكني عفوتُ عنه، هذا جائز ولَّا ما هو بجائز؟
* طالب: جائز.
* الشيخ: هذا جائز ويكون فضلًا، لا سيَّما إذا عفا عنه مع القدرة؛ قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء ١٤٩]، أما العفو مع العجز فهذا ما هو مدح.
الحاصل: إن وعد الله ووعيده كلاهما حقٌّ، لكنَّ وعده لما كان حقًّا للموعود صار لا بدَّ من وقوعه، ووعيده لما كان حقًّا له إن شاء عفَا عنه تكرُّمًا وتفضُّلًا حسب ما تقتضيه حكمته سبحانه وتعالى.
* طالب: قوله جل وعلا: ﴿قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف ٤٤] هذا وعيد أُطلِق على الوعد.
* الشيخ: نعم، هذا صحيح، أُطلِق عليه وعْد، إمَّا لأنه في المقابلة؛ يعني مع (...) بهذا صار مشاكِلًا له، أو أنه يُطلق عليه أحيانًا.
قال: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، ﴿حَقٌّ﴾ هنا بمعنى: ثابت، وأظن أننا قلنا: إن الحق في كذا له معنًى، والحق في كذا له معنًى. هذا من أيِّ المعنيين؟
* طلبة: من الصدق.
* الشيخ: من الصدق، نعم؛ إن الحق إذا تعلَّق بالأخبار فمعناه الصدق، وفي الأحكام معناه العدل، وعلى هذا فيكون هنا بمعنى الصدق؛ ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: صِدْق، ولا يمكن أن يتخلَّف؛ لأن تخلُّف الوعد إمَّا أن يكون عن كَذِب الواعد أو عن عجزه عن تنفيذه، وكِلا الأمرين في حق الله مستحيلٌ، فلا كذبَ في قوله ولا عجزَ في فعله، ولهذا عبادُ الله سبحانه وتعالى يختمون الدعاء بقولهم: إنك لا تُخلِف الميعاد، نعم.
قال: (﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ أي: الناس ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ بهذا الوعد ولا بأنَّ هذه أخته).
المؤلف خصَّ الآية، والحقيقة أن الآية عامة، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون؛ أي: ليس عندهم علمٌ ينفعهم بوعد الله، فنفي العلم هنا إما لإثبات الجهل أو لنفي العلم النافع، أكثر الناس لا يعلمون بهذا، لا يعلمون بأن وعد الله حق.
* طالب: ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾.
* الشيخ: إي، ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ أي: الناس، أقول: أكثر الناس لا يعلمون أن وعد الله حقٌّ إما لجهلهم، وإما لعدم انتفاعهم بهذا العلم، ونفي الشيء لنفي الانتفاع به ثابتٌ في القرآن؛ ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، ودائمًا ينفي الله سبحانه وتعالى العقلَ عن الناس أو السمعَ عن الناس وما أشبه ذلك لعدم انتفاعهم بذلك، فأكثر الناس لا يعلمون، المؤلف خصَّ هذه بقصة موسى، والآية عامة، أكثر الناس لا يعلمون أن وعد الله حقٌّ، أقول: إما للجهل بذلك لكونهم لا يعرفون من أسماء الله وصفاته ما هو اللائق به، وإما لكونهم لا ينتفعون بهذا العلم، الذين لا يحرصون على فعل الخير أو على تجنُّب الشر في الحقيقة هم كالجاهلين بأن وعد الله حقٌّ؛ إذ إن الطبيعة البشرية والعقل يقتضيان أنك ما دُمتَ مؤمنًا بهذا الشيء سواء كان وعدًا أو وعيدًا فلا بدَّ أن تسعى له بمقتضى إيمانك، إذا كنتَ تعلم أن الإنسان سيموت، وأن المؤمن إذا مات سيجد الخير فيكون في الجنة وينجو من النار، هذا حق ولَّا لا؟
* طلبة: حق.
* الشيخ: حق، لكن الذي لا يسعى لهذه الجنة وينهمك بسعيه للدنيا الفانية، هل هذا في الحقيقة عالِمٌ بأن وعد الله حقٌّ أو منتفعٌ بعلمه؟
* طالب: لم ينتفع.
* الشيخ: ما انتفع به، ما انتفع بعلمه، ولو انتفع به ما فوَّت هذه الفرصة العظيمة.
طيب، إنسان يعرف أن المعصية سببٌ لدخول النار، يعرف هذا، ويعرف أن وعد الله حقٌّ، لكن مع ذلك يتجرَّأ على المعاصي، نقول: إن علمه هنا ناقصٌ؛ إذ لو آمن بذلك حقًّا لكان يتجنَّب هذا الشيء، فصدق معنى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
حلَّل المؤلف رحمه الله الآية هذه يقول: (﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ بهذا الوعد) يعني بما وعد الله أمَّه من ردِّه إليها (ولا بأنَّ هذه أخته)، وعلى هذا فيكون الضمير في ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ يعود على آل فرعون.
(وهذه أمُّه، فمكث عندها إلى أن فَطَمتْه، وأُجرِيَ عليها أُجرتُها لكلِّ يومٍ دينارٌ).
كان غاليًا الرضاعُ ذاك الوقت. أمَّا كونه بقي عندها إلى أن فطمتْه هذا واضح؛ لأنه ما دام أنه محتاج للرضاع فسوف يبقى عندها، وأمَّا (أُجرِيَ عليها أُجرتُها) فهذا أيضًا صحيح، فإنه جُعل لها أُجرة، وصاروا يرسلون إليها بالهدايا والتحف ويكرمونها؛ لأنها كافلة هذا الطفل الذي قالوا: إنه ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ و﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، ولهذا رُوي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال «في الذي يُحسن الصَّنعة ويتخذ عليها أجرًا: «إِنَّهُ كَأُمِّ مُوسَى؛ تُرْضِعُ وَلَدَهَا وَتَأْخُذُ عَلَيْهِ أَجْرًا»[[ أخرج أبو داود في المراسيل (٣٣٢) عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَثَلُ الَّذِينَ يَغْزُونَ مِنْ أُمَّتِي وَيَأْخُذُونَ الْجُعْلَ -يعني- يَتَقَوَّوْنَ عَلَى عَدُوِّهِمْ مَثَلُ أُمِّ مُوسَى؛ تُرْضِعُ وَلَدَهَا وَتَأْخُذُ أَجْرَهَا»، وأورده ابن كثير في تفسيره بلا إسناد عند تفسيره سورة طه الآية (٤٠) وسورة القصص (١٢-١٣) ولفظه: «مثَلُ الصانِعِ الَّذي يَعملُ ويَحتسبُ في صَنعتِهِ الخيرَ كمَثَلِ أمِّ مُوسَى تُرضِعُ ولدَها وتأْخُذُ أجْرَهَا».]]، وهذا من آيات الله، يجيئها ولدها وتُرضعه وتُكرَم عليه، ما ظنُّكم لو لم تفعل هكذا ولا تُلقيه في اليمِّ ولا يلتقطه آل فرعون؟ كانت تبقى خائفة وَجِلة ولا يحصل لها أُجرة ولا إكرام ولا إعزاز من هؤلاء الطغاة.
وأما قوله: (لكُلِّ يومٍ دينار) فهذا غير مُسَلَّم؛ لأن طريقنا في مثل هذه الأمور أن نقول: ما ثبت عن الرسول ﷺ فهو مقبول، وما لم يثبت من أخبار بني إسرائيل فإننا نتوقَّف فيه، ولا ينبغي أن نجزم به هذا الجزم، نعم، نُحدِّث به ولكننا ما نجزم به.
يقول: (لكلِّ يومٍ دينار)، شوف عاد بعده جاب إشكالًا: (وأخذتْها لأنَّها مال حربِيٍّ)، سبحان الله العليِّ العظيم! يعني ذهاب وَهْم بعض العلماء غريب؛ أخذتْها لأنها مال حربيٍّ أو أخذتْها لأنها أُجرة على إرضاعها؟
أُجرة، ما فيها إشكال، أمَّا كونها تأخذ أُجرة لأنه مال حربيٍّ فهذا لا وجه له، ليس له وجه؛ لا يقال مثلًا: إن أمَّ موسى لما لم يقبل ثدي غيرها كان إرضاعُها إياه فرضًا عليها، والفرض لا يجوز أخْذ العوض عليه، يصير أخْذ العوض هنا على أنه مال حربيٍّ.
نقول: حتى مال الحربي إذا جاء بصيغة عقد يجوز أخْذه ولَّا لا؟
* طالب: لا يجوز.
* الشيخ: لا، لا يجوز، إنما تأخذه بمقتضى العقد، والمعاقدة بينك وبين الحربيِّين مثل الاستئمان، بل هي استئمان في الواقع، فالصواب أنها أخذتْها لأنها أُوجرتْ عليها على كفالته وإرضاعه.
* طالب: الخدمة، (...).
* الشيخ: ما يخالف، هي لو لم تأخذ لكان في ذلك بلاء، لعُلِم أنها قريبةٌ له أو ما أشبه ذلك، فهي أخذتْ لأنهم هم يعتقدون أنها ليست أُمَّه، ويعتقدون أن هذا الطفل سوف يكون لهم.
* طالب: لا يجوز (...)، لو جاز ظاهرًا ما جاز الأخذ بالباطن.
* الشيخ: يجوز باطنًا لأجْل كفالتها بالنسبة لهم.
يقول المؤلف: (فأتتْ به فرعونَ فتربَّى عنده كما قال الله تعالى حكاية عنه في سورة الشعراء: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء ١٨]).
تربَّى عند فرعون في بيت الملِك، وكان يركب كمراكب الملوك، ويلبس لباس الملوك، فبَدَلًا من أنه لو كان عند أمِّه ما حصل له هذا الشيء بلا شك، أمَّا الآن فأصبح معزَّزًا مكرَّمًا، وذلك من تسخير الله سبحانه وتعالى له.
* طالب: (...) ما ورد أن موسى اتصل بأمِّه (...).
* الشيخ: اتصل بها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هو على كل حال يتردد عليها؛ لأنها أمه.
* الطالب: لأنه عندما انتهى من الفطام ترجع إلى..
* الشيخ: تربَّى عند فرعون ولكن يجيء إلى أمه؛ لأنه يقول: هذه أمي من الرضاع، ولا يستنكر (...) أمه، لا يُستنكر أنه ذهب إليها لأنها أمه من الرضاع.
* الطالب: هو ما يعلم الحقيقة؟
* الشيخ: ما يعلمون هم.
* الطالب: موسى؟
* الشيخ: لا، علم الحقيقة، لا بد أنه علم وأعلمتْه أمُّه أيضًا.
* الطالب: الدليل؟
* الشيخ: الدليل لأنها هي لما كفلتْه وكبِر فإنه سيكون في حضانتها دائمًا؛ يعني يأتي إليها، بالضرورة تكون تُعلمه.
* الطالب: لا، قد لا (...).
* الشيخ: أبدًا (...)؛ لأنه هو بيخاف على نفسه مثلما تخاف عليه هي، أبدًا، ما فيه خوف أبدًا، ما دام أن الرجل يخشى على نفسه ما يمكن (...).
* طالب: التسمية يا شيخ منها أو من آل فرعون؟
* الشيخ: التسمية (...) يحتمل أنها منها سمَّته بذلك، أو من آل فرعون، (...) آل فرعون ويش يدريهم أنها سمته؟
* الطالب: تسمية عبرية يعني.
* الشيخ: إي نعم، اللهم إلا أن يكون مثلًا هذا من إكرام الله له حيث سَمَّوه بما سمَّته به أمه، ما أدري والله.
يقول: (﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء ١٨]) فبقي الرجل عند الملِك مكرَّمًا معزَّزًا.
القصص 28:14
(﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ [القصص ١٤] وهو ثلاثون سنةً أو وثلاث)، هكذا عندكم؟
* طلبة: إي.
* الشيخ: الأَشُدُّ قيل: إنه ثلاث وثلاثون سنةً، وقيل: ثلاثون سنةً، وقيل: قريبٌ من أربعين؛ وذلك أن الله يقول: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف ١٥]، فدلَّ هذا على أن بلوغ الأشُدِّ غير الأربعين؛ لأنه قال: ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾، على أنه يحتمل أن بلوغ الأشُدِّ معناه كمال العقل، ولا ينافي أن يكون كمال العقل عند تمام الأربعين.
ويقول: (﴿وَاسْتَوَى﴾ أي: بلغَ أربعين سنة). لا، ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى كَمُل، والاستواء في اللغة العربية بمعنى الكمال، ومنه قولهم: استوت الثمرة؛ أي: كملت، وهو في كل موضعٍ بحسبه، ولكنه إذا عُدِّي بـ(إلى) فهو بمعنى القصد، وإذا عُدِّي بـ(على) فهو بمعنى العلو والاستقرار؛ لأن ذلك هو الكمال.
(﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ حكمةً ﴿وَعِلْمًا﴾ فقهًا في الدين قبل أن يُبعث نبيًّا).
﴿آتَيْنَاهُ﴾ بمعنى أعطيناه، وهذا الإيتاء كوني ولَّا شرعي؟
* طالب: كوني.
* طالب آخر: شرعي.
* طالب آخر: لا، كوني.
* طالب آخر: كوني؛ لأنه ما هو بوحي.
* طالب آخر: شرعي، لكن (...).
* الشيخ: الإيتاء يكون كونيًّا ويكون شرعيًّا؛ فإن كان متعلِّقًا بالقضاء والقدر فهو كوني، وإن كان متعلِّقًا بالشرع فهو شرعي؛ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة ٥٩] هذا الإيتاء شرعي؛ لأنه يتعلق بالشرع والقَسم، وهنا ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [القصص ١٤] هذا كوني؛ لأنه يتعلق بالقضاء والقدر.
﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور ٣٣]؟
* طالب: (...) شرعي.
* الشيخ: لا، ﴿آتُوهُمْ﴾ شرعًا، لكن ﴿الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قَدَرًا؛ الذي قدَّره لكم، فالإتيان إذَن يكون شرعيًّا ويكون كونيًّا بحسب متعلَّقه.
وقول المؤلف: (﴿حُكْمًا﴾ ) فسره بـ(حِكمة)، وقال: (﴿وَعِلْمًا﴾ أي: فقهًا).
لماذا فسر الحكْم بالحِكمة؟ لأن العلم هو علم الأحكام، فإذا فسَّرنا الحكم بأنه الحكم الذي هو مقتضى خطاب الشرع صار فيه نوعٌ من التَّكرار؛ لأنه العلم. ولكنه يجوز أن نقول: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ أي: علمًا بالأحكام الشرعية ﴿وَعِلْمًا﴾ بالأخبار والأسرار، وحينئذٍ ما يكون في الآية تكرار، ولا نلجأ إلى تفسير الحكم بالحكمة؛ لأنه معروف أن الحكم غير الحكمة، ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: فالحكم هو مقتضى خطاب الشرع المتعلِّق بأفعال المكلَّفين، والحكمة هي عِلَّة ذلك الحكم.
وقوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ... آتَيْنَاهُ﴾، ﴿وَلَمَّا﴾ ويش إعرابها؟
* طالب: شرطية.
* الشيخ: شرطية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: شرطية.
* الشيخ: شرطية هنا، بدليل أنه جاء لها.. في عِلَّة وجواب: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ﴾، فهي إذَن شرطية، وهي ترِدُ في اللغة العربية شرطية كما هنا، وترِدُ بمعنى (إلا)؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] أي: إلا عليها حافظ، وترد ظرفًا: جئتُك لَمَّا عرفتُ أنك مستيقظٌ، مثلًا؛ أي: حين عرفتُ، والذي يُعيِّن هذه المعاني هو؟
* طالب: السياق.
* الشيخ: السياق، نعم.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾.
قال المؤلف: (﴿وَكَذَلِكَ﴾ كما جزيناه ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ لأنفسهم).
قوله: (كما جزيناه) يفيد أن الإشارة هنا إلى هذا الإعطاء الذي أعطاه الله؛ يعني: ومثلَ ذلك. والكاف هنا -وهي كثيرة (...) في القرآن- نُعربها بأنها مفعولٌ مطلق بمعنى "مِثْل"؛ أي: مِثْلَ ذلك الجزاء نجزي المحسنين، إذا كانت مفعولًا مطلقًا بمعنى "مِثْل" فهي اسم؛ قال ابن مالك:
شَبِّهْ بِكَـــــــــــــــــافٍ وَبِهَاالتَّعْلِيــــــــــــــــلُ قَدْ ∗∗∗ يُعْـــــــــــــــــنَى وَزَائِدًالِتَـــــــــــــــــــــــوْكِيدٍ وَرَدْ؎وَاسْتُعْمِلَ اسْمًا وَكَذَا (عَنْ) وَ(عَلَى) ∗∗∗ مِنْ أَجْلِ ذَا عَلَيْهِمَا (مِنْ)دَخَلَا
فالكاف تأتي بمعنى "مِثْل"، وتُعرب على أنها اسمٌ لا حرف جر.
وقوله تعالى: ﴿نَجْزِي﴾ أي: نكافئ، وقوله: ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ يقول: (لأنفسهم)، كذا؟
* طالب: ما هو بصحيح.
* طالب آخر: ما يجوز.
* طالب آخر: ما هو بمقيَّد.
* الشيخ: إي نعم، ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ في الواقع يشمل الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى عباد الله، الدليل على هذا أن جبريل قال للنبي ﷺ: «أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ، فَقَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، هذا الإحسان، هذا إحسانٌ في أيش؟ في عبادة الله.
«تَعْبُدُ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» وهذه عبادة الطلب، «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٧٧)، ومسلم (٩ / ٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، وهذه عبادة الهرب والخوف، ولا شك أن العابد بالمعنى الأول أكمل من العابد بالمعنى الثاني؛ لأن العابد الأول مرتبته عُليا؛ يعبد الله كأنه يراه، فهو يقصد الله عز وجل وله شوقٌ كبيرٌ إلى ربه سبحانه وتعالى، أمَّا الثاني فإنه يعبد الله كأن الله يراه، فهو خائفٌ من ربه، فعبادته عبادة الهرب، والأول عبادة الطلب.
طيب، الإحسان بالنسبة إلى الخلْق ويش نفسِّره به؟
* طالب: إرادة الخير لهم.
* الشيخ: لا، ما يكفي، الإرادة ما تكفي.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لو أراد ما يكفي، بعضهم قال: إنها بَذْلُ الندى وكَفُّ الأذى، هذا الإحسان للناس، الندى بمعنى العطاء، وكفُّ الأذى واضح، فالإحسان إذَن له شِقَّان: بَذْل الندى سواء كان ذلك يتعلَّق بالمال أو بالجاه أو بالبدن، وكفُّ الأذى القولي والفعلي، وقد يتخلَّف أحدهما ويكون الإنسان محسنًا من وجهٍ غيرَ محسنٍ من وجه، ويكون مسيئًا إذا تخلَّف كفُّ الأذى.
* طالب: (...) بَذْل الندى؟
* الشيخ: إي، كالعطاء.
* الطالب: (...) المال.
* الشيخ: كيف؟! إحنا قلنا: يشمل المال والبدن والجاه، وتعليم العلم من إحسان البدن.
* طالب: والنصيحة؟
* الشيخ: تدخل؛ لأن اللي ينصحك باذلٌ لك أفضلَ ما يكون.
طيب، على كل حال إذَن الإحسان -أرى أن هذه العبارة من أحسن ما يكون- هو بَذْل الندى وكفُّ الأذى؛ أنك ما تؤذي الناس فتكون مسيئًا، ولا تحرمهم خيرك فلا يكون فيك إحسان، ما فيه إحسان إذا لم تبذل الندى.
طيب، قوله: ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ إذَن المحسنين في عبادة الله، أيش بعد؟ وإلى عباد الله، يشمل هذا وهذا، فأمَّا الإحسان في عبادة الله فقد فسَّره النبي ﷺ بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٧٧)، ومسلم (٩ / ٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، وأمَّا الإحسان إلى عباد الله فهو بَذْل الندى وكف الأذى.
القصص 28:15
طيب، ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ [القصص ١٥]، بعد بلوغ الأشُدِّ ولَّا لا؟
* طالب: بعده.
* الشيخ: إي، بعده، بعد بلوغ الأشُدِّ؛ لأن الأصل أن ما تقدَّم ذِكْرًا فهو متقدِّمٌ وقوعًا وعملًا؛ هذا الأصل: ما تقدَّم ذِكْرًا فهو متقدِّم وقوعًا إن كان في الأخبار، وعملًا إن كان في الأحكام، ولهذا «أقبل» « النبيُّ عليه الصلاة والسلام على الصفا فقال: «﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]، وقال العلماء: إن الفقراء أشدُّ حاجةً من المساكين؛ لأن الله بدأ بهم في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠]، فهنا نقول لما ذكر اللهُ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ﴿وَدَخَلَ﴾ علِمْنا أن دخوله المدينةَ بعد أن بلغ أشُدَّه.
وقوله: (﴿الْمَدِينَةَ﴾ مدينة فرعون، وهي مَنْف) أو (مُنْف) ما أدري بضم الميم، المهم بسكون النون (بعد أن غاب عنه مدة). تعيين المدينة بأنها مدينة فرعون في نفسي من هذا شيء؛ لأن الرجل قد تربَّى عند مَن؟
* الطلبة: عند فرعون.
* الشيخ: عند فرعون في نفس مدينته وفي نفس مكانه، اللهم إلا أن يُقال: إن فرعون كان في مصر، وإن (منف) هذه بلد خارجة عن القاعدة اللي هي قصبة البلد، وأنه خرج من يوم من الأيام فدخلها. والأحسن في هذا في مثل هذا المقام إذا لم تَرِدْ عن النبي عليه الصلاة والسلام، الأحسن أن نقول: مدينة من مُدُن مصر، ويسكنها أقباط وإسرائيليُّون، بدليل القصة.
﴿دَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ (﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ وقتَ القيلولة).
قوله: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ بعض العلماء يقول: المراد ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ زمنًا؛ يعني أنهم في زمنٍ يغفل الناس فيه. بعضهم يقول: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ أي: كلامًا، بمعنى أنهم نسوا موسى وقصته، وطال الزمن، فدخل على حين غفلةٍ من التحدُّث في هذا الأمر. ولكن المعنى الأول أظهرُ أنَّه دخلها في وقتٍ أهلُها غافلون.
هل يتعيَّن أن يكون وقت القيلولة؟ ما يتعيَّن؛ يكون وقت القيلولة، يكون مثلًا بالليل، يكون في المغرب، الله أعلم، إنما في وقتٍ أهل البلد غافلون.
(﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ أي: إسرائيليٌّ ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أي: قبطيٌّ).
﴿وَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ﴾ الاقتتال بمعنى المنازعة والمخاصمة والمضاربة أيضًا، وليس المراد فيما يبدو أنهما يريدان أن يقتل بعضهما بعضًا.
لكنْ ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ شيعةُ الرجل معناه: أتباعه؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات ٨٣]، وقيل: إن الشيعة مَن يُناصرك، كلُّ مَن يُناصرك فهو شيعةٌ لك سواء كان متَّبعًا لك أو غير متَّبع، وعلى كل حال فهُنا المراد بالشيعة يعني أنه من قبيلته، ولهذا قال المؤلف: (أي: إسرائيليٌّ).
﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ من عدوِّ موسى من آل فرعون، وهم الأقباط.
(أي: قبطيٌّ يُسَخِّر إسرائيليًّا ليحمل حطبًا إلى مطبخ فرعون) واللهِ عجائب! من يقول هذا؟!
على كل حال ﴿يَقْتَتِلَانِ﴾ كعادة الناس الأعداء، الأعداء يخاصم بعضهم بعضًا دائمًا ويُقاتل بعضهم بعضًا، وقد ذكر شيخنا عبد الرحمن السعدي رحمه الله في تفسيره بأن هذا يدلُّ على قوة شعب بني إسرائيل؛ بعد أن كانوا أذِلَّةً يُقَتَّل أبناؤهم ويُستحيَا نساؤهم أصبحوا الآن يجعلون أنفسهم أندادًا لمن؟ لآل فرعون الأقباط؛ لأنهم يعرفون أن موسى منهم، وأن موسى في منزلةٍ عظيمةٍ عند فرعون، فهم استقوتْ ظهورهم بهذا الشيء، وهذا واضح أنهم سوف يَقْوَون بهذا الشيء ويرون أنفسهم أندادًا لآل فرعون.
أمَّا أنه يريد أن يُسَخِّره ليحمل الحطب إلى المطبخ، فهذا ما هو بظاهر، ومحتاج إلى دليل بَيِّن، ولا دليل في المسألة، ثم شرح الموقف على قوله: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾.
* طالب: ﴿يَقْتَتِلَانِ﴾؟
* الشيخ: ﴿يَقْتَتِلَانِ﴾ يعني: يتخاصمانِ ويتنازعانِ، وربما يحصل بينهما ضَرْب.
أصل القصة دخول موسى للمدينة، ووجود الرجُلين، وقتْل النفس، كلُّ هذا كان سببًا لخروج موسى ثم نبوَّته.
* فيستفاد منه: أنَّ الله سبحانه وتعالى يُجري الأمور بأسبابها، إثباتُ الأسباب.
* ويُستفاد من هذا -من قوله: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ﴾ [القصص ١٥]-: جواز الاستغاثة بالمخلوق، لكنَّه مشروطٌ بما يُفيد فيه، أمَّا ما لا يُفيد فيه فلا يجوز؛ فعلى هذا إذا استغاث بميِّت فلا يجوز لأنه لا يفيده، وإذا استغاث بحيٍّ فيما لا يَقدر عليه فلا يجوز لأنه لا يفيده، وإذا استغاث بحيٍّ فيما يَقدر عليه فهو جائز. إذَن الاستغاثة بالمخلوق جائزة بشرط أن تكون فيما يفيد، وذلك في حيٍّ قادرٍ على دَفْع الشدة.
* وفيها أيضًا: إثبات العداوة والولاية؛ لقوله: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص ١٥]، وهو أصل في الدين، فإن ولاية المؤمنين من واجب المؤمن، والبراءة من الكفار من واجب المؤمن؛ ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة ٤]، وهذا أمرٌ لا بدَّ منه أنْ يتبرَّأ الإنسان من كلِّ كافر.
* وفي الآية: دليلٌ على قوَّة موسى؛ لقوله: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص ١٥].
* وفيها: إثبات غَيْرته وسرعة استجابته؛ لأنه ما تلكَّأ في الأمر، بل بادر به.
هل يستفاد منه جواز الدفْع - دفع الصائل - بما يصِل إلى القتل؟
* طلبة: لا، ما يستفاد.
* الشيخ: (...).
* طالب: ما أُقِرَّ عليه.
* الشيخ: إي، ما (...) على هذا ولا أُقِرَّ، لكنَّه بالشريعة الإسلامية معروفٌ أنَّ الإنسان إذا صال عليه أحدٌ ودفعه بالتي هي أحسن ولم يندفع فله أن يقتله.
* وفيها: أنَّ المعاصي من أوامر الشيطان وأعماله؛ لقوله: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص ١٥].
* وفيها أيضًا: إثباتُ السبب؛ لقوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾؛ لأن ﴿مِنْ﴾ للسببيَّة.
* وفيها أيضًا: ثبوتُ عداوة الشيطان لبني آدم؛ ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ﴾ [القصص ١٥]، وأُكِّد بـ(إنَّ) لشِدَّة التنفير منه؛ لأنَّ عداوته ليس فيها التباس.
﴿ ﴾
القصص 28:16
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦].
* في هذه الآية: إثباتُ أنَّ الرسل عليهم الصلاة والسلام قد يخطئون. شوف الفائدة هذه قد تُسَلَّم ولَّا لا؟
* طالب: لا، هذا قبل الرسالة.
* الشيخ: هذه لا تُسَلَّم لأنه قبل الرسالة، وقبل الرسالة ممكن أن يقع منهم هذا الشيء، لكن لا يقع منهم فسادُ الأخلاق وشربُ الخمور وما أشبه ذلك، أمَّا الغَيْرة والحميَّة فهذا قد يقع منهم.
* وفيها أيضًا: جواز التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بحال الداعي؛ يؤخذ منين؟ من قوله: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾، فالظالم لنفسه محتاجٌ إلى من يُنقذه، فهو توسلٌ إلى الله سبحانه وتعالى بحال الداعي، ومنه قوله تعالى عن موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص ٢٤].
والتوسل إلى الله سبحانه وتعالى يكون بحال الداعي، ويكون بالثناء على الله وأسمائه وصفاته، وكذلك بأفعاله التي يُنعِم بها، وقد اجتمع الجميع في تعليم النبي ﷺ لأبي بكر؛ قال: «علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، فقال: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٢٦)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨)، من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه.]].
* طالب: ذكرنا أمس أنه (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو بهذا، (...) الآية الأولى ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾.
* وفيه أيضًا: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله: (الغفور) و(الرحيم)، وإثباتُ الاسم -كما مرَّ علينا في أصول العقيدة- يتضمَّن ثلاثة أمور إذا كان الاسم متعدِّيًا، وأمرين إذا كان لازمًا: يتضمَّن إثباتَ هذا الاسم من أسماء الله، وإثباتَ ما دلَّ عليه من صفة، وإثباتَ الأثر وهو تَعَدِّيه إلى المخلوق مثلًا؛ فـ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تَضمَّن ثلاثة أشياء: إثباتَ (الغفور) (الرحيم) على أنهما من أسماء الله، وإثباتَ صفتَيِ المغفرة والرحمة لله سبحانه وتعالى، وإثباتَ الأثر المترتب على ذلك وأنه يغفر ويرحم.
* وفيه أيضًا -في قوله: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ - دليلٌ على إثبات الأسباب؛ منين يؤخذ؟ مِن أنَّ الفاء هنا للسببيَّة؛ يعني: فبسبب ظُلم نفسي فإنِّي أسألك أن تغفر لي.
* طالب: قوله: ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ ما يستفاد منه: استجابة الله منه؟
* الشيخ: إي نعم.
* يستفاد من قوله: ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ استجابة الله سبحانه وتعالى وما تتضمَّنه هذه الاستجابة من صفات؛ لأن الاستجابة تتضمَّن السمع والعِلم والقدرة والغِنى، هذا (...)، إذا استجاب الله لإنسان فهو معناه أنه كان قد سَمِعه وعَلِم بحاله وقدر على إعطائه سُؤْلَه، كل هذا يُستفاد منه.
* وفيه أيضًا: إثباتُ كرم الله؛ لقوله: ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾.
* وفيه أيضًا: إثباتُ أنَّ الدعاء سببٌ، خلافًا لمن أَنْكر سببيَّته وقال: إنَّ الشيء إنْ كان قد كُتِب لي لم يَحتجْ إلى دعاء، وإنْ كان لم يُكتَب لي فلا فائدة من الدعاء.
والجواب على ذلك أن يُقال: هو مكتوبٌ لك بالدعاء، مكتوبٌ لك بهذا الشرط؛ بالدعاء.
يقول مثلًا: أنا ما أدعو؛ لأن المكتوب لا بدَّ أن يحصل، وما لا يُكتَب لا يمكن أن يحصل. هذا صحيح؟
* طالب: لا، ليس بصحيح.
* الشيخ: نقول: ليس هذا بصحيح؛ لأنه مكتوبٌ لك بهذا السبب، كما لو قال قائل: أنا لن أتزوَّج، إنْ كان الله مُقدِّرًا لي ولدًا بيجيني ولد، وإن كان الله ما قدَّر لي ولدًا ما فيه فائدة من الزواج.
نقول: ولكنه مقدِّرٌ لك الولد بأيش؟ بالزواج. فهذه الأمور الغيبيَّة منافية للأمور المشاهَدة، كما أنَّ الأمور المشاهَدة لا تصلح إلا بفعل الأسباب التي توصل إليها فكذلك الأمور الغائبة ما تصلح، إذَن نقول: لا تعمل بعدُ، لا تعمل عملًا صالحًا؛ لأنك إنْ كنتَ من أهل الجنة فإنك ستكون من أهل الجنة، إنْ كنتَ من أهل النار فلن تكون إلا من أهل النار!
فيُقال: أنت تكون من أهل الجنة بعملك، ولهذا لَمَّا قال الرسول عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ إِمَّا فِي الْجَنَّةِ أَوْ فِي النَّارِ». قالوا: يا رسول الله، أفلا نَدَعُ العملَ ونتَّكل على الكتاب؟ قال: «لَا، اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ». أو: «فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل ٥ - ١٠][[أخرج البخاري (٤٩٤٩) -واللفظ له- ومسلم (٢٦٤٧ / ٧) من حديث عليٍّ رضي الله عنه قال: كان النبي ﷺ في جنازة، فأخذ شيئًا فجعل ينكت به الأرضَ فقال: «ما منكم من أحدٍ إلا وقد كُتِب مقعده من النار ومقعده من الجنة». قالوا: يا رسول الله، أفلا نتَّكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: «اعملوا، فكلٌّ ميسَّر لِمَا خُلِق له...».]].
المهمُّ أنَّ في هذه الآية وغيرها من الآيات الكثيرة دليلًا على تأثير الدعاء في حصول المطلوب، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: لأن مَن أنكر ذلك فهو في الحقيقة مكابرٌ أو جاهلٌ.
القصص 28:17
﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧].
هذه الآية -كما مرَّ علينا بالأمس- من العلماء مَن يقول: إنها دعاءٌ، ومنهم مَن يقول: إنها خبرٌ بمعنى الالتزام.
* إن قلنا: إنها دعاءٌ، فإنه يُستفاد من الآية: جواز التوسل بنِعَم الله عز وجل؛ لأن قوله: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ﴾ أي: بسبب إنعامك عليَّ.
وإن قلنا: إنها التزام، فإنَّها تدلُّ على شكر النعمة وأنَّ الإنسان إذا أنعم الله عليه فإنه يجب ألَّا يكون عونًا بهذه النعمة للمجرمين.
وقلنا: إنَّ المعنى الثاني أقرب وأرجح؛ لأنه ظاهر الآية، ولا ينبغي العدول عن ظاهرها
* وإن كانت تحتمل المعنى الثاني فيُستفاد منها إذَن: كمالُ موسى عليه الصلاة والسلام؛ حيث التزم لله تعالى شكرًا لنعمته ألَّا يكون ظهيرًا للمجرمين.
* وفيه: دليلٌ على أنَّ مظاهرة المجرم تُنافي الشكر، فهي محرَّمة. لماذا تكون مُظاهرة المجرم محرَّمة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مُظاهرة، ويش معنى مظاهرة المجرم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، معنى مظاهرته، يعني؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، لا يصح هذا الكلام، ويش معناها؟
* طالب: يعني عونه (...).
* الشيخ: عونه، مظاهرته يعني مساعدته، فمساعدة المجرمين محرَّمة؛ لأنها إجرامٌ في الحقيقة، المجرم مساعدته بمنْع إجرامه؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا». قالوا: يا رسول الله هذا المظلوم، فكيف ننصر الظالم؟ (...) قال: «تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ»[[أخرجه البخاري (٦٩٥٢) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.]]، هذا نصره.
القصص 28:18
﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨].
﴿أَصْبَحَ﴾ أي: موسى، ومعنى (أصبح) أي: دخل في الصباح؛ يعني: باتَ ليلتَه، ولكنَّه في صباحها أصبح خائفًا يترقَّب.
وقوله: ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾، (أل) هنا للعهد الذِّكري؛ لأنه سبق ذكرها.
وقوله: ﴿خَائِفًا﴾ هذا خبر (أصبح)، (أصبح) من أخوات كان، ترفع الاسم وتنصب الخبر، فـ﴿خَائِفًا﴾ خبرُ (أصبح).
وقوله: ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ هذا خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ من الضمير في ﴿خَائِفًا﴾؛ خائفًا حال كونه يترقَّب. أو: أصبح خائفًا أصبح يترقَّب. فعلى الإعراب الثاني -أنَّها خبر- يكون هذا من باب تعدُّد الخبر مع الاختلاف؛ لأنه يجوز تعدُّد الخبر سواءٌ تعدَّد بلفظ المفرد أو تعدَّد بلفظ الجملة أو تعدَّد بلفظ المفرد والجملة.
وقوله: ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ يقول المؤلف: (ينتظر ما يناله من جهة القتيل)؛ لأن هذا القتل إجرام، فكلُّ إنسان يَقتل شخصًا في بلدٍ، يُعتبر هؤلاء الشيعة -شيعة موسى عليه الصلاة والسلام- يُعتبرون مستضعفين، لا بدَّ أن يخاف. وهذا الخوف من طبيعة البشر، وليس خوفَ عبادة، فالخوف نوعان: خوف عبادةٍ يقتضي التقرُّبَ إلى الْمَخُوف والتزامَ طاعته وما أشبه ذلك، وخوفٌ طبيعيٌّ مما يُخاف منه. فالثاني لا بأس به لأنه من طبيعة البشر، لكنَّه يكون مذمومًا إذا أدَّى إلى تَرْك واجبٍ أو فِعْل محرَّم: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧٥].
قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ [القصص ١٨].
قوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي﴾ (إذا) فجائية، يعني: فاجأه في الصباح وهو خائِفٌ يترقَّب، فاجأه أنَّ صاحبه الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس، اليومَ يستصرخه. والاستصراخ معناه طلب الإنقاذ من الشِّدة (...).
فهنا عندنا (استغاث) و(استنصر) و(استصرخ)، أيُّها أبلغ؟ (...) الاستصراخ ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾.
و(الاستنصار) ظاهر الآية الكريمة أنَّه بمعنى الاستغاثة؛ لأنه قال: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ﴾، ثم قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ﴾، فظاهره أنَّ الاستغاثة والاستنصار بمعنًى واحد، ولكنها في الحقيقة (الاستنصار) أعمُّ؛ لأنك قد تستنصر الإنسان لينصرك وإن لم تكن في شِدَّة، والاستغاثة أخصُّ، إلا أن الآية الكريمة تدلُّ على أنَّ استغاثته من باب الاستنصار.
﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ قال: (يستغيث به على قبطيٍّ آخَر).
﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨]، ﴿قَالَ لَهُ﴾ لمن؟ للإسرائيلي الذي استنصره، وزعم بعض المفسرين أنَّ الضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود إلى القبطي، وأنَّ موسى عليه الصلاة والسلام عاقَب القبطيَّ وقال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. ولكن هذا بعيدٌ من السياق، والصواب أنَّ الضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود إلى الإسرائيلي الذي استنصره.
(﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّن الغواية؛ لِمَا فعلْتَه أمس واليوم). (غَوِيٌّ) على وزن (فَعِيل) بمعنى (فاعل)، أو على أنها صفة مشبَّهة، والغَوِيُّ ضدُّ المرشد، وهو الذي يتصرَّف على وجه الإساءة؛ قال الله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة ٢٥٦]، والرُّشد معناه معروف أنَّه إحسان التصرُّف، وعلى هذا فيكون الغيُّ سوء التصرُّف. فمعنى قوله: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ﴾ أي: ذو غواية، وهي سوء التصرُّف، وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ أي: بَيِّنُها، ووجْه ذلك -وجْه سوءِ تصرُّفك- أن أمس القريب كان يتخاصم مع قبطيٍّ، واليوم الثاني الذي يليه كان يتخاصم أيضًا مع قبطيٍّ آخَر.
* طالب: صاحب مشاكل.
* الشيخ: نعم، صاحب مشاكل، فلهذا قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، يمكن لو بقي لليوم الثالث والرابع كل يوم يجيب فتنة، يسوي مشكلة، فلهذا قال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾.
(﴿فَلَمَّا أَنْ﴾ [القصص ١٩] زائدة) يعني أنَّ كلمة ﴿أَنْ﴾ زائدة، وهي زيادةٌ لفظية إعرابية، وليست زيادةً معنوية؛ لأنها تفيد التوكيد، وجميع الحروف الزائدة في القرآن لفظًا هي أصليةٌ معنًى؛ لأنها تفيد معنى التوكيد.
وتَطَّرِد زيادة (أنْ) بعد (لَمَّا)، وكذلك قبل (لو)، كما في قول الشاعر:
وَأُقْسِمُ أَنْ لَوِ الْتَقَيْنَا وَأَنْتُمُ ∗∗∗ ......................
ومثل قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ﴾ [الجن ١٦]، على أنَّ ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾ تقدَّم أنها تكون مخفَّفة من الثقيلة؛ يعني: وأنَّهم لو استقاموا.
هنا يقول: (﴿فَلَمَّا أَنْ﴾ زائدة ﴿أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ لِموسى والمستغيثِ به ﴿قَالَ﴾ المستغيث).
﴿لَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ ... قَالَ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾، كيف عرف أنَّه يريد والإرادة عملٌ قلبيٌّ؟
تهيَّأ وأراد أن يفعل، وهو لا بدَّ أنه استند في هذا العلم، استند إلى أمرٍ ظاهر، وإلا فالإرادة محلُّها القلب.
وقوله: ﴿أَرَادَ﴾ أي: موسى. ﴿أَنْ يَبْطِشَ﴾ أيش معنى البطش؟ هو الأخذ بقوة. أراد أن يبطش به (﴿﴿قَالَ﴾ ﴾ المستغيث ظانًّا أنَّه يبطش به لما قال له ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ ﴾ [القصص: ١٩]).
قوله: (﴿قَالَ﴾ المستغيث)، جعل الفاعل في ﴿قَالَ﴾ المستغيث، وهذا يُبعده أمران: أمرٌ معنويٌّ، وأمرٌ لفظيٌّ.
أمَّا الأمر اللفظي؛ فإنَّ ﴿قَالَ﴾ ضميرها يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور ما هو؟ القبطي؛ ﴿بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾.
والثاني أنه ﴿قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾ والله يقول: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾، فنحن نفسر الإرادة الثانية بالإرادة الأولى؛ لأن القبطي هو الذي قال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾.
فإذا قال قائل: هذا يُبعده أنَّ القبطي لا علم له بذلك، من أين علِم؟
قلنا: إنه استنتج ذلك من قوله للإسرائيلي: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، وقصة القتل اشتهرت في المدينة وبانت، وصار الناس يتحدثون عنها، فهذا القبطي عرف أنَّ الإسرائيلي عدوٌّ له، أليس كذلك؟ وهذا لامَه -موسى- قال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، فاستنتج من ذلك أنَّ الذي قَتل القبطيَّ بالأمس هو موسى، فقال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾. وهذا القول هو الراجح من قولَيِ المفسرين، والمفسرون لهم في ذلك قولان:
أحدهما: أنَّ الذي قال ذلك الإسرائيليُّ، مع أنَّ موسى تهيَّأ للبطش بالقبطي، لكن هو ظنَّ أنه سيبطش به حين قال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾.
والقول الثاني الذي ذكرناه: أنَّ القائل هو القبطي، ويُرجِّح ذلك أنه لَمَّا قال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ وقد عُلِم أن الإسرائيليِّين أعداء للأقباط، عَلِم بأنَّ موسى عليه الصلاة والسلام هو الذي .. أو استنتج من هذه القصة أنه هو الذي قتل القبطيَّ بالأمس، فلهذا قال: أتريد أنْ تقتلني لأني قبطيٌّ مثلما قتلتَ نفسًا بالأمس.
* طالب: (...) ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: لما قال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ (...)؟
* الشيخ: إي، لكن ما قال: القبطي، قال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾ (...).
* الطالب: (...) ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فاستنتج القبطيُّ أنه قتل القبطيَّ الآخَر (...).
* الشيخ: نعم، هو بيستنتج هذا، لكن لما تهيأ موسى للقتل وهذا قد استصرخه، علِم أن اللي يقتله موسى، وأن هذا استصرخه بالأمس فحصل القتل.
* طالب: ما يحتمل أن الذي أخبره الإسرائيلي؟
* الشيخ: أخبر مَن؟
* الطالب: يمكن لَمَّا أخبر قبل ما يأتي، أو لَمَّا رأى موسى قال: إنه سيقتلك كما قتل نفسًا بالأمس بسببي.
* الشيخ: على كل حالٍ هذا ما هو موجود في القرآن أنَّ الإسرائيلي أخبر القبطي بأنَّ موسى سيقتله أو تهدَّده بذلك، هذا ما هو موجود، لكن الذي يمكن هو الاستنباط.
* الطالب: طيب، ما يلزم منه أنه قتل.
* الشيخ: لا، هو لما قال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ عَلِم أن هناك شيئًا سابقًا، اللي هو القبطي، عَلِم أن هناك شيئًا سابقًا لهذا الإسرائيلي، والقضية مشتهرة، والمعروف بالعداوة للأقباط هم الإسرائيليون، وكون هذا الإسرائيلي يستغيث بموسى وموسى يتهيَّأ للقتل، استنتج القبطي من ذلك أنَّ الذي قَتل الرجلَ القبطي بالأمس هو موسى، لأنَّ القضية مشابِهة لقضية اليوم.
* الطالب: شيخ، لا مناسبة بين قوله: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ وأنَّه تهيَّأ ليقتله؛ لأنَّ مقتضى ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ألَّا يُجيبه إلى الإغاثة واستغاثته.
* الشيخ: هو على كل حالٍ من شِيعته، فهو لامَه وإنْ كان يُعينه، كما يجري الآن؛ الآن لو تشوف أحدًا من أقاربك أو من أصحابك عمل مشكلة ثم عملها في اليوم الثاني تلومه ومع ذلك تنصره، يلومه إذَن وينصره، ما يمنع هذا، فيلومه وينصره، ولهذا جاء مَن يقول: هذا الولد أشقانا، أتعبَنَا. وهو يروح مثلًا للسلطات يشفع له، وهو يلومه أو يعيبه.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: ما هما؟
* الشيخ: الأمر الأول: أن الضمير يعود على أقرب مذكور. هذه قاعدة في اللغة العربية؛ ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ﴾، ﴿قَالَ﴾ مَن أُرِيدَ أن يُبطَش به: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾.
والأمر الثاني في قوله: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾ أنَّ الرجل قال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾، والله يقول: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾؛ ﴿أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾ هو قال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾، فإرادة القتل ما توجَّهت للإسرائيلي أصلًا، فالقرآن يدلُّ على أن إرادة القتل توجَّهت إلى مَن؟ إلى القبطي، فقال القبطي هذا الكلام: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾.
قال: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [القصص ١٩].
قال: (﴿إِنْ﴾ ما). ويش معنى (﴿إِنْ﴾ ما)؟ يعني أنَّ (إِنْ) بمعنى (ما)، فهي نافية.
وقوله: ﴿تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ الجبار معناه: المتعاظم المترفِّع على غيره، وهو من أسماء الله سبحانه وتعالى، ويُوصَف به غيره، ولكنَّه من أسماء الله له ثلاثة معانٍ، الجبار من أسماء الله سبحانه وتعالى له ثلاثة معانٍ:
أحدها: المتعاظم وذو القوة والبطش.
والثاني: بالعكس، الجبَّار الذي يَجبر الكسير ويرحمه ويعطف عليه.
والثالث: يقول ابن القيم في النونية:
وَلَهُ مُسَمًّى ثَالِثٌ وَهُوَ الْعُلُوُّ ∗∗∗ فَلَيْسَ يَدْنُو مِنْهُ مِنْ إِنْسَانِ
مِنْ قَوْلِهِمْ (جَبَّارَةٌ) لِلنَّخْلَةِ الْـ ∗∗∗ عُلْيَا....................
فـ(جَبَّار) بمعنى: ذو ارتفاع، ومنه قولهم: نخلةٌ جبَّارة؛ يعني طويلة مرتفعة.
لكن إذا جاءت في صفات غير الله فإنها للذَّمِّ؛ قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر ٣٥].
﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾. هذه التهمة ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾، من أين استند إليها؟
* طالب: مِن قَتْله بالأمس.
* الشيخ: مِن قَتْله بالأمس وإرادة قَتْله اليوم.
ثانيًا: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ أخذها أيضًا من قَتْله بالأمس وسيَقتُل اليوم. والمصلِح عادةً لا يعتدي على أحد المتخاصمَينِ، ماذا يصنع؟ يحاول الإصلاح بينهما، فهو يقول: إنَّك بإرادتك القتلَ وقد قتلتَ بالأمس معناه أنَّك تريد أن تكون جبارًا ولا تريد الإصلاح؛ إذْ إنَّ مَن يريد الإصلاح يسعى بالإصلاح بين الناس، ما هو بيسعى يستعدي على أحدهم دون الآخر.
وهذا الذي قاله هل ينطبق حقًّا على موسى؟ لا، ما ينطبق عليه؛ لأن موسى عليه الصلاة والسلام ما أراد إلا الإصلاح، ولكنَّه -هذا الرجل- ظنَّ أنه لا يريد إلا الجبروت والاعتداء على مَن كان من غير شيعته.
(﴿﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ ﴾ [القصص: ١٩] فسمع القبطيُّ ذلك فعَلِم أنَّ القاتل موسى فانطلق إلى فرعون فأخبره بذلك فأمر فرعون الذبَّاحين بقتل موسى فأخذوا في الطريق إليه).
هذا الذي فسره بناء على ما اختاره مِن أنَّ الذي قال: ﴿أَتُرِيدُ﴾ هو الإسرائيلي، أمَّا على القول الثاني فإنَّ القبطيَّ لَمَّا رأى أنَّ موسى يريد أن يقتله واستنتج أنه قاتلٌ بالأمس ذهبَ؛ ترك المخاصمةَ وذهب إلى آل فرعون وأخبرهم، وإذا أخبرهم فسوف ينتقمون لأنفسهم، أرسلوا من يطلب موسى .. أو لم يرسلوا ولكن جعلوا يتشاورون كما هو ظاهر كلام الرجل، وعليه فلا نجزم بأنهم أرسَلوا إلى موسى مَن يذبحه؛ لأن الرجل الذي جاء وهو ناصحٌ لم يقُل: إن الملأ أرسلوا مَن يذبحك، ولكن قال: إنَّهم ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص ٢٠]؛ يعني: يتشاورون فيما بينهم ماذا يصنعون.
وهنا يقول: (﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ هو مؤمن آل فرعون). وهذا التأويل الذي قاله المؤلف لا يُجزَم به؛ لأن الله تعالى نكَّره ولم يقل: إنه مؤمن، بينما هو في قصة مؤمن آل فرعون قال: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر ٢٨]، ولكنَّ هذا الرجل لا شك أنَّ عنده عطفٌ على موسى ورحمةً به، فلهذا جاء يخبره.
وقوله: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ [القصص ٢٠]، وفي سورة (يس) في قصة أخرى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٢٠]، فما هي الحكمة في أنه قُدِّم في هذه الآية ﴿رَجُلٌ﴾ [القصص ٢٠] وأُخِّر في قصة المرسلين؟
لأنَّ قصة المرسلين؛ الاهتمام بكون هذا الرجل بعيدًا عن الرُّسُل ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ ليؤكِّد صحَّة ما جاؤوا به أَبْلغ، أمَّا هنا فهو خبر، هذا الذي جاء به الرجل خبرٌ من الأخبار، فاعتماده على ﴿رَجُلٌ﴾ أبْلغ من كون الرجل جاء من الأقصى أو من الأدنى، فلهذا قُدِّم لفظ الرجولة على وصْف المكان فقال: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾.
وقوله (﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ آخِرها) يعني أبعدها، أبعدها منين؟ من مكان موسى.
قال: (﴿يَسْعَى﴾ يُسرع في مشيه من طريقٍ أقرب من طريقهم). هذا بناء على أنَّ الذبَّاحين خرجوا ليذبحوا موسى، ولكنْ ليس بلازم.
وقوله: ﴿يَسْعَى﴾ محلُّها من الإعراب؟
* طالب: صفة لـ﴿رَجُلٌ﴾.
* الشيخ: أو حال.
* طالب: ﴿رَجُلٌ﴾ نكرة.
* الشيخ: يجوز أن تكون صفةً ويجوز أن تكون حالًا؛ أمَّا جواز أن تكون صفةً فلأنَّ ﴿رَجُلٌ﴾ مُنَكَّر، وأمَّا جواز أن تكون حالًا فلأنَّ هذه النكرة وُصِفتْ بقوله: ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾.
ومعنى ﴿يَسْعَى﴾ أي: (يُسرع في مشيه) كما قال المؤلف، وهذا الإسراع هل هو كما زعم أنه جاء من طريقٍ قريبٍ لئلَّا يُدركوا موسى فيقتلوه، أو أنه خاف أنهم بهذا الائتمار يُنفِّذون ما ائتمروا عليه؟ هذا هو الأقرب.
(﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ﴾ من قوم فرعون ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يتشاورون فيك ﴿لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص ٢٠]).
﴿قَالَ يَا مُوسَى﴾ نداؤه بهذا يدلُّ على أنَّ هذا الرجل كان له معرفةٌ بموسى، ولهذا ناداه باسمه. في قصة مؤمن آل فرعون: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ [غافر ٢٨] ما قال: أتقتلون موسى؛ لأن المقام يقتضي ألَّا يُبين أن له اتِّصالًا به ومعرفة، لو قال: أتقتلون موسى، لَقالوا: هذا الرجل يعرف موسى، فأخذوه. ولكنَّه قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ كأنَّه لا يعرفه، ولكن يعرف ما جاء به من الدعوة الصحيحة السليمة.
أمَّا هنا فإنَّ الرجل يعرف موسى، ولهذا قال: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾، وأكَّد له الخبر في قوله: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ﴾ مع أن موسى كان خالي الذهن من ذلك لأن الأمر مهمٌّ، وقد ذكرنا فيما سبق أنَّ الأسباب التي تقتضي تأكيد الجملة الخبرية ليست هي حالَ المخاطَب فقط، ولكنَّها حال المخاطَب وحال الْمُخْبَر عنه؛ إذا كان مُهِمًّا فإنه يُؤكَّد.
قال: (﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ في الأمر بالخروج).
﴿فَاخْرُجْ﴾ منين؟ (من المدينة) مثلما قال المؤلف، وقوله: (﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ في الأمر بالخروج)، بل في الأمر بالخروج وفي مجيئه إليه أيضًا وإخباره بذلك، وأن الذي يأتمرون بشأنه ليس عامة الناس، بل الذين يأتمرون هم الملأ والكبراء الذين يُنفِّذون ما ائتمروا به؛ لأنه لو كان من عامَّة الناس يتشاورون في هذا ما كان له أهمية، ولكن الكبراء هم الذين يأتمرون.
القصص 28:19
﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨].
﴿أَصْبَحَ﴾ أي: موسى، ومعنى (أصبح) أي: دخل في الصباح؛ يعني: باتَ ليلتَه، ولكنَّه في صباحها أصبح خائفًا يترقَّب.
وقوله: ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾، (أل) هنا للعهد الذِّكري؛ لأنه سبق ذكرها.
وقوله: ﴿خَائِفًا﴾ هذا خبر (أصبح)، (أصبح) من أخوات كان، ترفع الاسم وتنصب الخبر، فـ﴿خَائِفًا﴾ خبرُ (أصبح).
وقوله: ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ هذا خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ من الضمير في ﴿خَائِفًا﴾؛ خائفًا حال كونه يترقَّب. أو: أصبح خائفًا أصبح يترقَّب. فعلى الإعراب الثاني -أنَّها خبر- يكون هذا من باب تعدُّد الخبر مع الاختلاف؛ لأنه يجوز تعدُّد الخبر سواءٌ تعدَّد بلفظ المفرد أو تعدَّد بلفظ الجملة أو تعدَّد بلفظ المفرد والجملة.
وقوله: ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ يقول المؤلف: (ينتظر ما يناله من جهة القتيل)؛ لأن هذا القتل إجرام، فكلُّ إنسان يَقتل شخصًا في بلدٍ، يُعتبر هؤلاء الشيعة -شيعة موسى عليه الصلاة والسلام- يُعتبرون مستضعفين، لا بدَّ أن يخاف. وهذا الخوف من طبيعة البشر، وليس خوفَ عبادة، فالخوف نوعان: خوف عبادةٍ يقتضي التقرُّبَ إلى الْمَخُوف والتزامَ طاعته وما أشبه ذلك، وخوفٌ طبيعيٌّ مما يُخاف منه. فالثاني لا بأس به لأنه من طبيعة البشر، لكنَّه يكون مذمومًا إذا أدَّى إلى تَرْك واجبٍ أو فِعْل محرَّم: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧٥].
قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ [القصص ١٨].
قوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي﴾ (إذا) فجائية، يعني: فاجأه في الصباح وهو خائِفٌ يترقَّب، فاجأه أنَّ صاحبه الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس، اليومَ يستصرخه. والاستصراخ معناه طلب الإنقاذ من الشِّدة (...).
فهنا عندنا (استغاث) و(استنصر) و(استصرخ)، أيُّها أبلغ؟ (...) الاستصراخ ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾.
و(الاستنصار) ظاهر الآية الكريمة أنَّه بمعنى الاستغاثة؛ لأنه قال: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ﴾، ثم قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ﴾، فظاهره أنَّ الاستغاثة والاستنصار بمعنًى واحد، ولكنها في الحقيقة (الاستنصار) أعمُّ؛ لأنك قد تستنصر الإنسان لينصرك وإن لم تكن في شِدَّة، والاستغاثة أخصُّ، إلا أن الآية الكريمة تدلُّ على أنَّ استغاثته من باب الاستنصار.
﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ قال: (يستغيث به على قبطيٍّ آخَر).
﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨]، ﴿قَالَ لَهُ﴾ لمن؟ للإسرائيلي الذي استنصره، وزعم بعض المفسرين أنَّ الضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود إلى القبطي، وأنَّ موسى عليه الصلاة والسلام عاقَب القبطيَّ وقال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. ولكن هذا بعيدٌ من السياق، والصواب أنَّ الضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود إلى الإسرائيلي الذي استنصره.
(﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّن الغواية؛ لِمَا فعلْتَه أمس واليوم). (غَوِيٌّ) على وزن (فَعِيل) بمعنى (فاعل)، أو على أنها صفة مشبَّهة، والغَوِيُّ ضدُّ المرشد، وهو الذي يتصرَّف على وجه الإساءة؛ قال الله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة ٢٥٦]، والرُّشد معناه معروف أنَّه إحسان التصرُّف، وعلى هذا فيكون الغيُّ سوء التصرُّف. فمعنى قوله: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ﴾ أي: ذو غواية، وهي سوء التصرُّف، وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ أي: بَيِّنُها، ووجْه ذلك -وجْه سوءِ تصرُّفك- أن أمس القريب كان يتخاصم مع قبطيٍّ، واليوم الثاني الذي يليه كان يتخاصم أيضًا مع قبطيٍّ آخَر.
* طالب: صاحب مشاكل.
* الشيخ: نعم، صاحب مشاكل، فلهذا قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، يمكن لو بقي لليوم الثالث والرابع كل يوم يجيب فتنة، يسوي مشكلة، فلهذا قال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾.
(﴿فَلَمَّا أَنْ﴾ [القصص ١٩] زائدة) يعني أنَّ كلمة ﴿أَنْ﴾ زائدة، وهي زيادةٌ لفظية إعرابية، وليست زيادةً معنوية؛ لأنها تفيد التوكيد، وجميع الحروف الزائدة في القرآن لفظًا هي أصليةٌ معنًى؛ لأنها تفيد معنى التوكيد.
وتَطَّرِد زيادة (أنْ) بعد (لَمَّا)، وكذلك قبل (لو)، كما في قول الشاعر:
وَأُقْسِمُ أَنْ لَوِ الْتَقَيْنَا وَأَنْتُمُ ∗∗∗ ......................
ومثل قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ﴾ [الجن ١٦]، على أنَّ ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾ تقدَّم أنها تكون مخفَّفة من الثقيلة؛ يعني: وأنَّهم لو استقاموا.
هنا يقول: (﴿فَلَمَّا أَنْ﴾ زائدة ﴿أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ لِموسى والمستغيثِ به ﴿قَالَ﴾ المستغيث).
﴿لَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ ... قَالَ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾، كيف عرف أنَّه يريد والإرادة عملٌ قلبيٌّ؟
تهيَّأ وأراد أن يفعل، وهو لا بدَّ أنه استند في هذا العلم، استند إلى أمرٍ ظاهر، وإلا فالإرادة محلُّها القلب.
وقوله: ﴿أَرَادَ﴾ أي: موسى. ﴿أَنْ يَبْطِشَ﴾ أيش معنى البطش؟ هو الأخذ بقوة. أراد أن يبطش به (﴿﴿قَالَ﴾ ﴾ المستغيث ظانًّا أنَّه يبطش به لما قال له ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ ﴾ [القصص: ١٩]).
قوله: (﴿قَالَ﴾ المستغيث)، جعل الفاعل في ﴿قَالَ﴾ المستغيث، وهذا يُبعده أمران: أمرٌ معنويٌّ، وأمرٌ لفظيٌّ.
أمَّا الأمر اللفظي؛ فإنَّ ﴿قَالَ﴾ ضميرها يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور ما هو؟ القبطي؛ ﴿بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾.
والثاني أنه ﴿قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾ والله يقول: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾، فنحن نفسر الإرادة الثانية بالإرادة الأولى؛ لأن القبطي هو الذي قال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾.
فإذا قال قائل: هذا يُبعده أنَّ القبطي لا علم له بذلك، من أين علِم؟
قلنا: إنه استنتج ذلك من قوله للإسرائيلي: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، وقصة القتل اشتهرت في المدينة وبانت، وصار الناس يتحدثون عنها، فهذا القبطي عرف أنَّ الإسرائيلي عدوٌّ له، أليس كذلك؟ وهذا لامَه -موسى- قال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، فاستنتج من ذلك أنَّ الذي قَتل القبطيَّ بالأمس هو موسى، فقال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾. وهذا القول هو الراجح من قولَيِ المفسرين، والمفسرون لهم في ذلك قولان:
أحدهما: أنَّ الذي قال ذلك الإسرائيليُّ، مع أنَّ موسى تهيَّأ للبطش بالقبطي، لكن هو ظنَّ أنه سيبطش به حين قال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾.
والقول الثاني الذي ذكرناه: أنَّ القائل هو القبطي، ويُرجِّح ذلك أنه لَمَّا قال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ وقد عُلِم أن الإسرائيليِّين أعداء للأقباط، عَلِم بأنَّ موسى عليه الصلاة والسلام هو الذي .. أو استنتج من هذه القصة أنه هو الذي قتل القبطيَّ بالأمس، فلهذا قال: أتريد أنْ تقتلني لأني قبطيٌّ مثلما قتلتَ نفسًا بالأمس.
* طالب: (...) ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: لما قال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ (...)؟
* الشيخ: إي، لكن ما قال: القبطي، قال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾ (...).
* الطالب: (...) ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فاستنتج القبطيُّ أنه قتل القبطيَّ الآخَر (...).
* الشيخ: نعم، هو بيستنتج هذا، لكن لما تهيأ موسى للقتل وهذا قد استصرخه، علِم أن اللي يقتله موسى، وأن هذا استصرخه بالأمس فحصل القتل.
* طالب: ما يحتمل أن الذي أخبره الإسرائيلي؟
* الشيخ: أخبر مَن؟
* الطالب: يمكن لَمَّا أخبر قبل ما يأتي، أو لَمَّا رأى موسى قال: إنه سيقتلك كما قتل نفسًا بالأمس بسببي.
* الشيخ: على كل حالٍ هذا ما هو موجود في القرآن أنَّ الإسرائيلي أخبر القبطي بأنَّ موسى سيقتله أو تهدَّده بذلك، هذا ما هو موجود، لكن الذي يمكن هو الاستنباط.
* الطالب: طيب، ما يلزم منه أنه قتل.
* الشيخ: لا، هو لما قال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ عَلِم أن هناك شيئًا سابقًا، اللي هو القبطي، عَلِم أن هناك شيئًا سابقًا لهذا الإسرائيلي، والقضية مشتهرة، والمعروف بالعداوة للأقباط هم الإسرائيليون، وكون هذا الإسرائيلي يستغيث بموسى وموسى يتهيَّأ للقتل، استنتج القبطي من ذلك أنَّ الذي قَتل الرجلَ القبطي بالأمس هو موسى، لأنَّ القضية مشابِهة لقضية اليوم.
* الطالب: شيخ، لا مناسبة بين قوله: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ وأنَّه تهيَّأ ليقتله؛ لأنَّ مقتضى ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ألَّا يُجيبه إلى الإغاثة واستغاثته.
* الشيخ: هو على كل حالٍ من شِيعته، فهو لامَه وإنْ كان يُعينه، كما يجري الآن؛ الآن لو تشوف أحدًا من أقاربك أو من أصحابك عمل مشكلة ثم عملها في اليوم الثاني تلومه ومع ذلك تنصره، يلومه إذَن وينصره، ما يمنع هذا، فيلومه وينصره، ولهذا جاء مَن يقول: هذا الولد أشقانا، أتعبَنَا. وهو يروح مثلًا للسلطات يشفع له، وهو يلومه أو يعيبه.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: ما هما؟
* الشيخ: الأمر الأول: أن الضمير يعود على أقرب مذكور. هذه قاعدة في اللغة العربية؛ ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ﴾، ﴿قَالَ﴾ مَن أُرِيدَ أن يُبطَش به: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾.
والأمر الثاني في قوله: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾ أنَّ الرجل قال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾، والله يقول: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾؛ ﴿أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾ هو قال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾، فإرادة القتل ما توجَّهت للإسرائيلي أصلًا، فالقرآن يدلُّ على أن إرادة القتل توجَّهت إلى مَن؟ إلى القبطي، فقال القبطي هذا الكلام: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾.
قال: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [القصص ١٩].
قال: (﴿إِنْ﴾ ما). ويش معنى (﴿إِنْ﴾ ما)؟ يعني أنَّ (إِنْ) بمعنى (ما)، فهي نافية.
وقوله: ﴿تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ الجبار معناه: المتعاظم المترفِّع على غيره، وهو من أسماء الله سبحانه وتعالى، ويُوصَف به غيره، ولكنَّه من أسماء الله له ثلاثة معانٍ، الجبار من أسماء الله سبحانه وتعالى له ثلاثة معانٍ:
أحدها: المتعاظم وذو القوة والبطش.
والثاني: بالعكس، الجبَّار الذي يَجبر الكسير ويرحمه ويعطف عليه.
والثالث: يقول ابن القيم في النونية:
وَلَهُ مُسَمًّى ثَالِثٌ وَهُوَ الْعُلُوُّ ∗∗∗ فَلَيْسَ يَدْنُو مِنْهُ مِنْ إِنْسَانِ
مِنْ قَوْلِهِمْ (جَبَّارَةٌ) لِلنَّخْلَةِ الْـ ∗∗∗ عُلْيَا....................
فـ(جَبَّار) بمعنى: ذو ارتفاع، ومنه قولهم: نخلةٌ جبَّارة؛ يعني طويلة مرتفعة.
لكن إذا جاءت في صفات غير الله فإنها للذَّمِّ؛ قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر ٣٥].
﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾. هذه التهمة ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾، من أين استند إليها؟
* طالب: مِن قَتْله بالأمس.
* الشيخ: مِن قَتْله بالأمس وإرادة قَتْله اليوم.
ثانيًا: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ أخذها أيضًا من قَتْله بالأمس وسيَقتُل اليوم. والمصلِح عادةً لا يعتدي على أحد المتخاصمَينِ، ماذا يصنع؟ يحاول الإصلاح بينهما، فهو يقول: إنَّك بإرادتك القتلَ وقد قتلتَ بالأمس معناه أنَّك تريد أن تكون جبارًا ولا تريد الإصلاح؛ إذْ إنَّ مَن يريد الإصلاح يسعى بالإصلاح بين الناس، ما هو بيسعى يستعدي على أحدهم دون الآخر.
وهذا الذي قاله هل ينطبق حقًّا على موسى؟ لا، ما ينطبق عليه؛ لأن موسى عليه الصلاة والسلام ما أراد إلا الإصلاح، ولكنَّه -هذا الرجل- ظنَّ أنه لا يريد إلا الجبروت والاعتداء على مَن كان من غير شيعته.
(﴿﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ ﴾ [القصص: ١٩] فسمع القبطيُّ ذلك فعَلِم أنَّ القاتل موسى فانطلق إلى فرعون فأخبره بذلك فأمر فرعون الذبَّاحين بقتل موسى فأخذوا في الطريق إليه).
هذا الذي فسره بناء على ما اختاره مِن أنَّ الذي قال: ﴿أَتُرِيدُ﴾ هو الإسرائيلي، أمَّا على القول الثاني فإنَّ القبطيَّ لَمَّا رأى أنَّ موسى يريد أن يقتله واستنتج أنه قاتلٌ بالأمس ذهبَ؛ ترك المخاصمةَ وذهب إلى آل فرعون وأخبرهم، وإذا أخبرهم فسوف ينتقمون لأنفسهم، أرسلوا من يطلب موسى .. أو لم يرسلوا ولكن جعلوا يتشاورون كما هو ظاهر كلام الرجل، وعليه فلا نجزم بأنهم أرسَلوا إلى موسى مَن يذبحه؛ لأن الرجل الذي جاء وهو ناصحٌ لم يقُل: إن الملأ أرسلوا مَن يذبحك، ولكن قال: إنَّهم ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص ٢٠]؛ يعني: يتشاورون فيما بينهم ماذا يصنعون.
وهنا يقول: (﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ هو مؤمن آل فرعون). وهذا التأويل الذي قاله المؤلف لا يُجزَم به؛ لأن الله تعالى نكَّره ولم يقل: إنه مؤمن، بينما هو في قصة مؤمن آل فرعون قال: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر ٢٨]، ولكنَّ هذا الرجل لا شك أنَّ عنده عطفٌ على موسى ورحمةً به، فلهذا جاء يخبره.
وقوله: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ [القصص ٢٠]، وفي سورة (يس) في قصة أخرى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٢٠]، فما هي الحكمة في أنه قُدِّم في هذه الآية ﴿رَجُلٌ﴾ [القصص ٢٠] وأُخِّر في قصة المرسلين؟
لأنَّ قصة المرسلين؛ الاهتمام بكون هذا الرجل بعيدًا عن الرُّسُل ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ ليؤكِّد صحَّة ما جاؤوا به أَبْلغ، أمَّا هنا فهو خبر، هذا الذي جاء به الرجل خبرٌ من الأخبار، فاعتماده على ﴿رَجُلٌ﴾ أبْلغ من كون الرجل جاء من الأقصى أو من الأدنى، فلهذا قُدِّم لفظ الرجولة على وصْف المكان فقال: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾.
وقوله (﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ آخِرها) يعني أبعدها، أبعدها منين؟ من مكان موسى.
قال: (﴿يَسْعَى﴾ يُسرع في مشيه من طريقٍ أقرب من طريقهم). هذا بناء على أنَّ الذبَّاحين خرجوا ليذبحوا موسى، ولكنْ ليس بلازم.
وقوله: ﴿يَسْعَى﴾ محلُّها من الإعراب؟
* طالب: صفة لـ﴿رَجُلٌ﴾.
* الشيخ: أو حال.
* طالب: ﴿رَجُلٌ﴾ نكرة.
* الشيخ: يجوز أن تكون صفةً ويجوز أن تكون حالًا؛ أمَّا جواز أن تكون صفةً فلأنَّ ﴿رَجُلٌ﴾ مُنَكَّر، وأمَّا جواز أن تكون حالًا فلأنَّ هذه النكرة وُصِفتْ بقوله: ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾.
ومعنى ﴿يَسْعَى﴾ أي: (يُسرع في مشيه) كما قال المؤلف، وهذا الإسراع هل هو كما زعم أنه جاء من طريقٍ قريبٍ لئلَّا يُدركوا موسى فيقتلوه، أو أنه خاف أنهم بهذا الائتمار يُنفِّذون ما ائتمروا عليه؟ هذا هو الأقرب.
(﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ﴾ من قوم فرعون ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يتشاورون فيك ﴿لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص ٢٠]).
﴿قَالَ يَا مُوسَى﴾ نداؤه بهذا يدلُّ على أنَّ هذا الرجل كان له معرفةٌ بموسى، ولهذا ناداه باسمه. في قصة مؤمن آل فرعون: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ [غافر ٢٨] ما قال: أتقتلون موسى؛ لأن المقام يقتضي ألَّا يُبين أن له اتِّصالًا به ومعرفة، لو قال: أتقتلون موسى، لَقالوا: هذا الرجل يعرف موسى، فأخذوه. ولكنَّه قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ كأنَّه لا يعرفه، ولكن يعرف ما جاء به من الدعوة الصحيحة السليمة.
أمَّا هنا فإنَّ الرجل يعرف موسى، ولهذا قال: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾، وأكَّد له الخبر في قوله: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ﴾ مع أن موسى كان خالي الذهن من ذلك لأن الأمر مهمٌّ، وقد ذكرنا فيما سبق أنَّ الأسباب التي تقتضي تأكيد الجملة الخبرية ليست هي حالَ المخاطَب فقط، ولكنَّها حال المخاطَب وحال الْمُخْبَر عنه؛ إذا كان مُهِمًّا فإنه يُؤكَّد.
قال: (﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ في الأمر بالخروج).
﴿فَاخْرُجْ﴾ منين؟ (من المدينة) مثلما قال المؤلف، وقوله: (﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ في الأمر بالخروج)، بل في الأمر بالخروج وفي مجيئه إليه أيضًا وإخباره بذلك، وأن الذي يأتمرون بشأنه ليس عامة الناس، بل الذين يأتمرون هم الملأ والكبراء الذين يُنفِّذون ما ائتمروا به؛ لأنه لو كان من عامَّة الناس يتشاورون في هذا ما كان له أهمية، ولكن الكبراء هم الذين يأتمرون.
القصص 28:20
﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨].
﴿أَصْبَحَ﴾ أي: موسى، ومعنى (أصبح) أي: دخل في الصباح؛ يعني: باتَ ليلتَه، ولكنَّه في صباحها أصبح خائفًا يترقَّب.
وقوله: ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾، (أل) هنا للعهد الذِّكري؛ لأنه سبق ذكرها.
وقوله: ﴿خَائِفًا﴾ هذا خبر (أصبح)، (أصبح) من أخوات كان، ترفع الاسم وتنصب الخبر، فـ﴿خَائِفًا﴾ خبرُ (أصبح).
وقوله: ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ هذا خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ من الضمير في ﴿خَائِفًا﴾؛ خائفًا حال كونه يترقَّب. أو: أصبح خائفًا أصبح يترقَّب. فعلى الإعراب الثاني -أنَّها خبر- يكون هذا من باب تعدُّد الخبر مع الاختلاف؛ لأنه يجوز تعدُّد الخبر سواءٌ تعدَّد بلفظ المفرد أو تعدَّد بلفظ الجملة أو تعدَّد بلفظ المفرد والجملة.
وقوله: ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ يقول المؤلف: (ينتظر ما يناله من جهة القتيل)؛ لأن هذا القتل إجرام، فكلُّ إنسان يَقتل شخصًا في بلدٍ، يُعتبر هؤلاء الشيعة -شيعة موسى عليه الصلاة والسلام- يُعتبرون مستضعفين، لا بدَّ أن يخاف. وهذا الخوف من طبيعة البشر، وليس خوفَ عبادة، فالخوف نوعان: خوف عبادةٍ يقتضي التقرُّبَ إلى الْمَخُوف والتزامَ طاعته وما أشبه ذلك، وخوفٌ طبيعيٌّ مما يُخاف منه. فالثاني لا بأس به لأنه من طبيعة البشر، لكنَّه يكون مذمومًا إذا أدَّى إلى تَرْك واجبٍ أو فِعْل محرَّم: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧٥].
قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ [القصص ١٨].
قوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي﴾ (إذا) فجائية، يعني: فاجأه في الصباح وهو خائِفٌ يترقَّب، فاجأه أنَّ صاحبه الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس، اليومَ يستصرخه. والاستصراخ معناه طلب الإنقاذ من الشِّدة (...).
فهنا عندنا (استغاث) و(استنصر) و(استصرخ)، أيُّها أبلغ؟ (...) الاستصراخ ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾.
و(الاستنصار) ظاهر الآية الكريمة أنَّه بمعنى الاستغاثة؛ لأنه قال: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ﴾، ثم قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ﴾، فظاهره أنَّ الاستغاثة والاستنصار بمعنًى واحد، ولكنها في الحقيقة (الاستنصار) أعمُّ؛ لأنك قد تستنصر الإنسان لينصرك وإن لم تكن في شِدَّة، والاستغاثة أخصُّ، إلا أن الآية الكريمة تدلُّ على أنَّ استغاثته من باب الاستنصار.
﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ قال: (يستغيث به على قبطيٍّ آخَر).
﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨]، ﴿قَالَ لَهُ﴾ لمن؟ للإسرائيلي الذي استنصره، وزعم بعض المفسرين أنَّ الضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود إلى القبطي، وأنَّ موسى عليه الصلاة والسلام عاقَب القبطيَّ وقال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. ولكن هذا بعيدٌ من السياق، والصواب أنَّ الضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود إلى الإسرائيلي الذي استنصره.
(﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّن الغواية؛ لِمَا فعلْتَه أمس واليوم). (غَوِيٌّ) على وزن (فَعِيل) بمعنى (فاعل)، أو على أنها صفة مشبَّهة، والغَوِيُّ ضدُّ المرشد، وهو الذي يتصرَّف على وجه الإساءة؛ قال الله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة ٢٥٦]، والرُّشد معناه معروف أنَّه إحسان التصرُّف، وعلى هذا فيكون الغيُّ سوء التصرُّف. فمعنى قوله: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ﴾ أي: ذو غواية، وهي سوء التصرُّف، وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ أي: بَيِّنُها، ووجْه ذلك -وجْه سوءِ تصرُّفك- أن أمس القريب كان يتخاصم مع قبطيٍّ، واليوم الثاني الذي يليه كان يتخاصم أيضًا مع قبطيٍّ آخَر.
* طالب: صاحب مشاكل.
* الشيخ: نعم، صاحب مشاكل، فلهذا قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، يمكن لو بقي لليوم الثالث والرابع كل يوم يجيب فتنة، يسوي مشكلة، فلهذا قال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾.
(﴿فَلَمَّا أَنْ﴾ [القصص ١٩] زائدة) يعني أنَّ كلمة ﴿أَنْ﴾ زائدة، وهي زيادةٌ لفظية إعرابية، وليست زيادةً معنوية؛ لأنها تفيد التوكيد، وجميع الحروف الزائدة في القرآن لفظًا هي أصليةٌ معنًى؛ لأنها تفيد معنى التوكيد.
وتَطَّرِد زيادة (أنْ) بعد (لَمَّا)، وكذلك قبل (لو)، كما في قول الشاعر:
وَأُقْسِمُ أَنْ لَوِ الْتَقَيْنَا وَأَنْتُمُ ∗∗∗ ......................
ومثل قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ﴾ [الجن ١٦]، على أنَّ ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾ تقدَّم أنها تكون مخفَّفة من الثقيلة؛ يعني: وأنَّهم لو استقاموا.
هنا يقول: (﴿فَلَمَّا أَنْ﴾ زائدة ﴿أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ لِموسى والمستغيثِ به ﴿قَالَ﴾ المستغيث).
﴿لَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ ... قَالَ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾، كيف عرف أنَّه يريد والإرادة عملٌ قلبيٌّ؟
تهيَّأ وأراد أن يفعل، وهو لا بدَّ أنه استند في هذا العلم، استند إلى أمرٍ ظاهر، وإلا فالإرادة محلُّها القلب.
وقوله: ﴿أَرَادَ﴾ أي: موسى. ﴿أَنْ يَبْطِشَ﴾ أيش معنى البطش؟ هو الأخذ بقوة. أراد أن يبطش به (﴿﴿قَالَ﴾ ﴾ المستغيث ظانًّا أنَّه يبطش به لما قال له ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ ﴾ [القصص: ١٩]).
قوله: (﴿قَالَ﴾ المستغيث)، جعل الفاعل في ﴿قَالَ﴾ المستغيث، وهذا يُبعده أمران: أمرٌ معنويٌّ، وأمرٌ لفظيٌّ.
أمَّا الأمر اللفظي؛ فإنَّ ﴿قَالَ﴾ ضميرها يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور ما هو؟ القبطي؛ ﴿بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾.
والثاني أنه ﴿قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾ والله يقول: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾، فنحن نفسر الإرادة الثانية بالإرادة الأولى؛ لأن القبطي هو الذي قال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾.
فإذا قال قائل: هذا يُبعده أنَّ القبطي لا علم له بذلك، من أين علِم؟
قلنا: إنه استنتج ذلك من قوله للإسرائيلي: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، وقصة القتل اشتهرت في المدينة وبانت، وصار الناس يتحدثون عنها، فهذا القبطي عرف أنَّ الإسرائيلي عدوٌّ له، أليس كذلك؟ وهذا لامَه -موسى- قال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، فاستنتج من ذلك أنَّ الذي قَتل القبطيَّ بالأمس هو موسى، فقال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾. وهذا القول هو الراجح من قولَيِ المفسرين، والمفسرون لهم في ذلك قولان:
أحدهما: أنَّ الذي قال ذلك الإسرائيليُّ، مع أنَّ موسى تهيَّأ للبطش بالقبطي، لكن هو ظنَّ أنه سيبطش به حين قال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾.
والقول الثاني الذي ذكرناه: أنَّ القائل هو القبطي، ويُرجِّح ذلك أنه لَمَّا قال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ وقد عُلِم أن الإسرائيليِّين أعداء للأقباط، عَلِم بأنَّ موسى عليه الصلاة والسلام هو الذي .. أو استنتج من هذه القصة أنه هو الذي قتل القبطيَّ بالأمس، فلهذا قال: أتريد أنْ تقتلني لأني قبطيٌّ مثلما قتلتَ نفسًا بالأمس.
* طالب: (...) ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: لما قال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ (...)؟
* الشيخ: إي، لكن ما قال: القبطي، قال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾ (...).
* الطالب: (...) ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فاستنتج القبطيُّ أنه قتل القبطيَّ الآخَر (...).
* الشيخ: نعم، هو بيستنتج هذا، لكن لما تهيأ موسى للقتل وهذا قد استصرخه، علِم أن اللي يقتله موسى، وأن هذا استصرخه بالأمس فحصل القتل.
* طالب: ما يحتمل أن الذي أخبره الإسرائيلي؟
* الشيخ: أخبر مَن؟
* الطالب: يمكن لَمَّا أخبر قبل ما يأتي، أو لَمَّا رأى موسى قال: إنه سيقتلك كما قتل نفسًا بالأمس بسببي.
* الشيخ: على كل حالٍ هذا ما هو موجود في القرآن أنَّ الإسرائيلي أخبر القبطي بأنَّ موسى سيقتله أو تهدَّده بذلك، هذا ما هو موجود، لكن الذي يمكن هو الاستنباط.
* الطالب: طيب، ما يلزم منه أنه قتل.
* الشيخ: لا، هو لما قال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ عَلِم أن هناك شيئًا سابقًا، اللي هو القبطي، عَلِم أن هناك شيئًا سابقًا لهذا الإسرائيلي، والقضية مشتهرة، والمعروف بالعداوة للأقباط هم الإسرائيليون، وكون هذا الإسرائيلي يستغيث بموسى وموسى يتهيَّأ للقتل، استنتج القبطي من ذلك أنَّ الذي قَتل الرجلَ القبطي بالأمس هو موسى، لأنَّ القضية مشابِهة لقضية اليوم.
* الطالب: شيخ، لا مناسبة بين قوله: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ وأنَّه تهيَّأ ليقتله؛ لأنَّ مقتضى ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ألَّا يُجيبه إلى الإغاثة واستغاثته.
* الشيخ: هو على كل حالٍ من شِيعته، فهو لامَه وإنْ كان يُعينه، كما يجري الآن؛ الآن لو تشوف أحدًا من أقاربك أو من أصحابك عمل مشكلة ثم عملها في اليوم الثاني تلومه ومع ذلك تنصره، يلومه إذَن وينصره، ما يمنع هذا، فيلومه وينصره، ولهذا جاء مَن يقول: هذا الولد أشقانا، أتعبَنَا. وهو يروح مثلًا للسلطات يشفع له، وهو يلومه أو يعيبه.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: ما هما؟
* الشيخ: الأمر الأول: أن الضمير يعود على أقرب مذكور. هذه قاعدة في اللغة العربية؛ ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ﴾، ﴿قَالَ﴾ مَن أُرِيدَ أن يُبطَش به: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾.
والأمر الثاني في قوله: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾ أنَّ الرجل قال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾، والله يقول: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾؛ ﴿أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾ هو قال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾، فإرادة القتل ما توجَّهت للإسرائيلي أصلًا، فالقرآن يدلُّ على أن إرادة القتل توجَّهت إلى مَن؟ إلى القبطي، فقال القبطي هذا الكلام: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾.
قال: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [القصص ١٩].
قال: (﴿إِنْ﴾ ما). ويش معنى (﴿إِنْ﴾ ما)؟ يعني أنَّ (إِنْ) بمعنى (ما)، فهي نافية.
وقوله: ﴿تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ الجبار معناه: المتعاظم المترفِّع على غيره، وهو من أسماء الله سبحانه وتعالى، ويُوصَف به غيره، ولكنَّه من أسماء الله له ثلاثة معانٍ، الجبار من أسماء الله سبحانه وتعالى له ثلاثة معانٍ:
أحدها: المتعاظم وذو القوة والبطش.
والثاني: بالعكس، الجبَّار الذي يَجبر الكسير ويرحمه ويعطف عليه.
والثالث: يقول ابن القيم في النونية:
وَلَهُ مُسَمًّى ثَالِثٌ وَهُوَ الْعُلُوُّ ∗∗∗ فَلَيْسَ يَدْنُو مِنْهُ مِنْ إِنْسَانِ
مِنْ قَوْلِهِمْ (جَبَّارَةٌ) لِلنَّخْلَةِ الْـ ∗∗∗ عُلْيَا....................
فـ(جَبَّار) بمعنى: ذو ارتفاع، ومنه قولهم: نخلةٌ جبَّارة؛ يعني طويلة مرتفعة.
لكن إذا جاءت في صفات غير الله فإنها للذَّمِّ؛ قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر ٣٥].
﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾. هذه التهمة ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾، من أين استند إليها؟
* طالب: مِن قَتْله بالأمس.
* الشيخ: مِن قَتْله بالأمس وإرادة قَتْله اليوم.
ثانيًا: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ أخذها أيضًا من قَتْله بالأمس وسيَقتُل اليوم. والمصلِح عادةً لا يعتدي على أحد المتخاصمَينِ، ماذا يصنع؟ يحاول الإصلاح بينهما، فهو يقول: إنَّك بإرادتك القتلَ وقد قتلتَ بالأمس معناه أنَّك تريد أن تكون جبارًا ولا تريد الإصلاح؛ إذْ إنَّ مَن يريد الإصلاح يسعى بالإصلاح بين الناس، ما هو بيسعى يستعدي على أحدهم دون الآخر.
وهذا الذي قاله هل ينطبق حقًّا على موسى؟ لا، ما ينطبق عليه؛ لأن موسى عليه الصلاة والسلام ما أراد إلا الإصلاح، ولكنَّه -هذا الرجل- ظنَّ أنه لا يريد إلا الجبروت والاعتداء على مَن كان من غير شيعته.
(﴿﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ ﴾ [القصص: ١٩] فسمع القبطيُّ ذلك فعَلِم أنَّ القاتل موسى فانطلق إلى فرعون فأخبره بذلك فأمر فرعون الذبَّاحين بقتل موسى فأخذوا في الطريق إليه).
هذا الذي فسره بناء على ما اختاره مِن أنَّ الذي قال: ﴿أَتُرِيدُ﴾ هو الإسرائيلي، أمَّا على القول الثاني فإنَّ القبطيَّ لَمَّا رأى أنَّ موسى يريد أن يقتله واستنتج أنه قاتلٌ بالأمس ذهبَ؛ ترك المخاصمةَ وذهب إلى آل فرعون وأخبرهم، وإذا أخبرهم فسوف ينتقمون لأنفسهم، أرسلوا من يطلب موسى .. أو لم يرسلوا ولكن جعلوا يتشاورون كما هو ظاهر كلام الرجل، وعليه فلا نجزم بأنهم أرسَلوا إلى موسى مَن يذبحه؛ لأن الرجل الذي جاء وهو ناصحٌ لم يقُل: إن الملأ أرسلوا مَن يذبحك، ولكن قال: إنَّهم ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص ٢٠]؛ يعني: يتشاورون فيما بينهم ماذا يصنعون.
وهنا يقول: (﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ هو مؤمن آل فرعون). وهذا التأويل الذي قاله المؤلف لا يُجزَم به؛ لأن الله تعالى نكَّره ولم يقل: إنه مؤمن، بينما هو في قصة مؤمن آل فرعون قال: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر ٢٨]، ولكنَّ هذا الرجل لا شك أنَّ عنده عطفٌ على موسى ورحمةً به، فلهذا جاء يخبره.
وقوله: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ [القصص ٢٠]، وفي سورة (يس) في قصة أخرى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٢٠]، فما هي الحكمة في أنه قُدِّم في هذه الآية ﴿رَجُلٌ﴾ [القصص ٢٠] وأُخِّر في قصة المرسلين؟
لأنَّ قصة المرسلين؛ الاهتمام بكون هذا الرجل بعيدًا عن الرُّسُل ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ ليؤكِّد صحَّة ما جاؤوا به أَبْلغ، أمَّا هنا فهو خبر، هذا الذي جاء به الرجل خبرٌ من الأخبار، فاعتماده على ﴿رَجُلٌ﴾ أبْلغ من كون الرجل جاء من الأقصى أو من الأدنى، فلهذا قُدِّم لفظ الرجولة على وصْف المكان فقال: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾.
وقوله (﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ آخِرها) يعني أبعدها، أبعدها منين؟ من مكان موسى.
قال: (﴿يَسْعَى﴾ يُسرع في مشيه من طريقٍ أقرب من طريقهم). هذا بناء على أنَّ الذبَّاحين خرجوا ليذبحوا موسى، ولكنْ ليس بلازم.
وقوله: ﴿يَسْعَى﴾ محلُّها من الإعراب؟
* طالب: صفة لـ﴿رَجُلٌ﴾.
* الشيخ: أو حال.
* طالب: ﴿رَجُلٌ﴾ نكرة.
* الشيخ: يجوز أن تكون صفةً ويجوز أن تكون حالًا؛ أمَّا جواز أن تكون صفةً فلأنَّ ﴿رَجُلٌ﴾ مُنَكَّر، وأمَّا جواز أن تكون حالًا فلأنَّ هذه النكرة وُصِفتْ بقوله: ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾.
ومعنى ﴿يَسْعَى﴾ أي: (يُسرع في مشيه) كما قال المؤلف، وهذا الإسراع هل هو كما زعم أنه جاء من طريقٍ قريبٍ لئلَّا يُدركوا موسى فيقتلوه، أو أنه خاف أنهم بهذا الائتمار يُنفِّذون ما ائتمروا عليه؟ هذا هو الأقرب.
(﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ﴾ من قوم فرعون ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يتشاورون فيك ﴿لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص ٢٠]).
﴿قَالَ يَا مُوسَى﴾ نداؤه بهذا يدلُّ على أنَّ هذا الرجل كان له معرفةٌ بموسى، ولهذا ناداه باسمه. في قصة مؤمن آل فرعون: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ [غافر ٢٨] ما قال: أتقتلون موسى؛ لأن المقام يقتضي ألَّا يُبين أن له اتِّصالًا به ومعرفة، لو قال: أتقتلون موسى، لَقالوا: هذا الرجل يعرف موسى، فأخذوه. ولكنَّه قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ كأنَّه لا يعرفه، ولكن يعرف ما جاء به من الدعوة الصحيحة السليمة.
أمَّا هنا فإنَّ الرجل يعرف موسى، ولهذا قال: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾، وأكَّد له الخبر في قوله: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ﴾ مع أن موسى كان خالي الذهن من ذلك لأن الأمر مهمٌّ، وقد ذكرنا فيما سبق أنَّ الأسباب التي تقتضي تأكيد الجملة الخبرية ليست هي حالَ المخاطَب فقط، ولكنَّها حال المخاطَب وحال الْمُخْبَر عنه؛ إذا كان مُهِمًّا فإنه يُؤكَّد.
قال: (﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ في الأمر بالخروج).
﴿فَاخْرُجْ﴾ منين؟ (من المدينة) مثلما قال المؤلف، وقوله: (﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ في الأمر بالخروج)، بل في الأمر بالخروج وفي مجيئه إليه أيضًا وإخباره بذلك، وأن الذي يأتمرون بشأنه ليس عامة الناس، بل الذين يأتمرون هم الملأ والكبراء الذين يُنفِّذون ما ائتمروا به؛ لأنه لو كان من عامَّة الناس يتشاورون في هذا ما كان له أهمية، ولكن الكبراء هم الذين يأتمرون.
القصص 28:23
(...) * ويستفاد منها أيضًا: أنه لا ينبغي أن يحكم على الأمور إلا بعد معرفة الأسباب، ما ينبغي للمرء أن يحكم على الأمور إلا بعد معرفة الأسباب. من أين نأخذها؟ أنَّه ما حَكَم على المرأتين بأيِّ حكْمٍ إلا بعد أن قال: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ [القصص ٢٣] يعني: تَذودان غَنَمكما عن السقي، ولم يحكم بأيِّ حكْمٍ على هذا الأمر، فسألهما.
* ويستفاد منه: (...).