Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — النمل 27:81 – النمل 27:93

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. النمل 27:81
  2. النمل 27:82
  3. النمل 27:83
  4. النمل 27:84
  5. النمل 27:85
  6. النمل 27:86
  7. النمل 27:88
  8. النمل 27:89
  9. النمل 27:90
  10. النمل 27:91
  11. النمل 27:92
  12. النمل 27:93

النمل 27:81

ثم قال الله تعالى: (﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الموجودين في زمن نبينا ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل ٧٦] أي: ببيان ما ذكر على وجهه الرافع للاختلاف بينهم لو أخذوا به وأسلموا). ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ﴾: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ يعني المنزّل على النبي ﷺ. و(قرآن) إما مصدر بمعنى اسم المفعول وإما اسم فاعل. المعنى الأول: قرآن: مصدر بمعنى المفعول؛ فلأنه مقروء، أي يقرأ، وهو أيضًا: مقروء من القرء بمعنى: الجمع. فهو مجموع وهو متلو؛ بمعنى الجمع والتلاوة. وأما على أنه مصدر: فإن فُعلان تأتي مصدرًا، مثل: الغُفران والشُّكران، فهو في الحقيقة مصدر بمعنى اسم المفعول، وإما مصدر مطلق، كالغفران والشكران. ما (...) اسم فاعل بمعنى أنه جامع لأحكام الكتب السابقة (...)، هذا وجه أيضًا ثالث: أن يكون قرآن بمعنى جامع، وقد ذكر الله تعالى أن القرآن مهيمن على الكتب السابقة. وقوله: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ القص بمعنى: التحدث بالشيء، التحدث بالشيء هو القص، فهذا القرآن ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الموجودين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، أيش يقص عليهم؟ ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وسيأتي إن شاء الله أمثلة لهذا. قال: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: الذكور منهم ولّا والإناث؟ * طلبة: (...). * الشيخ: نعم. لأن الابن إذا كان المراد به القبيلة فهو شامل للذكر والأنثى، وإذا لم يرد به القبيلة فهو خاص بالذكور، فإذا قال قائل مثلًا: هذا وقف على بني محمد، محمد شخص، هذا وقف على بني محمد، من يختص به؟ * طلبة: الذكور. * الشيخ: الذكور، فإذا كان القبيلة كلها تسمى بني محمد فهو للذكور والإناث، بنو تميم: إذا كان الإنسان موقفًا على بني تميم حين وجود تميم قبل أن يكونوا قبيلة، حين وجود الجد، اللي هو تميم؟ فهو خاص بالذكور، وبعد أن كانوا قبيلة يكون عامًّا للذكور وللإناث. إذن بنو إسرائيل هنا المراد بهم القبيلة ولّا لا؟ نعم القبيلة، فيعم الذكر والأنثى. وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فهم أبناء عم للعرب؛ لأن العرب أبوهم إسماعيل بن إبراهيم، وهؤلاء أبوهم يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، يعني جدهم إسحاق اللي هو أخو إسماعيل، هؤلاء القوم ينسبون إلى أبيهم، و وإسرائيل بمعنى عبد الله. بعض الناس اليوم يقولون: كيف نسمي الدولة اليهودية إسرائيل؟ كيف يكون باسم إسرائيل؟ ويش الجواب؟ الجواب أن هذا نسبة إلى أبيهم، ألسنا نسمي العرب قريشًا؟ نسبة إلى من؟ إلى جدهم قريش، ما نقول: بنو قريش، نقول: قريش. فهنا تسمى القبيلة باسم أبيها، وإن كان بلا شك أن الأنسب أن تسمى بما سماها الله به، وهم بنو إسرائيل، على أننا أيضًا نشك بأن هؤلاء اليهود الموجودين من بني إسرائيل، ما ندري، لعلهم من أوربا ومن غيرها من البلاد التي ليست من بني إسرائيل. لكن على كل حال، مثل ما أن العرب الآن يعتبرون العروبة بالعربية، ويقولون: من نطق بالعربية فهو عربي، وإن كان أصله أعجميًّا، أولئك أيضًا يقولون: من نطق بالعبرية فهو إسرائيلي، وإن لم يكن من بني إسرائيل، ولهذا نحن الآن نجزم أن الطائفة الآن التي تسمى اليهود ليست كلها من بني إسرائيل، بل إنما ينتمون إلى هؤلاء القوم باعتبار أن الجامع بينهم اللغة. ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي﴾: ما قال: كل الذي، قال: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، فما الذي يخرج من الأكثر؟ يخرج بالأكثر؟ * طالب: الأقل. * الشيخ: يخرج الأقل؛ وذلك أن القرآن إنما قص عليهم ما فيه مصلحة، أما ما لا مصلحة فيه فإنه لا يقصه؛ لأن القرآن كما تعلمون هدى، وكل ما فيه فإنه له معنى ومقصود. فالشيء الذي لا فائدة منه ما يقصه عليهم الذي اختلفوا فيه. مثلًا: اختلفوا في لون الكلب لأصحاب الكهف، هل فيه زيادة فائدة؟ ما فيه فائدة. كذلك اختلفوا في أشياء كثيرة من هذا النوع ما قصها القرآن، البقرة التي أمروا بذبحها اختلفوا من هي له، فقيل: إنها لإنسان بار بابنه، وقيل: إنها لشيخ كبير، وقيل أشياء كثيرة، لكن هذا هل منه فائدة؟ لا، لا فائدة منه، فـ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مما في ذكره فائدة يقصه هذا القرآن ليحكم بينهم. ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لأي شيء يقص ذلك؟ لأجل أن يصدقوا بالقرآن؛ لأنه إذا جاء هذا القرآن قاصًّا عليهم ما سبق مما فعلوه، والنبي ﷺ قد عُلم بأنه ما درس التوراة، ولا درس على اليهود، عُلم أن ما جاء به فهو حق، وهذه هي الحكمة من كونه يقول: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، مع أن هذا القصص لبني إسرائيل ولغيرهم، لكن بني إسرائيل عندهم من علم الكتاب ما ليس عند العرب، فلهذا بُين لهم لإقامة الحجة عليهم. * طالب: (...). * الشيخ: هو إقامة الحجة عليهم؛ لأنهم يعلمون ما لا يعلم العرب. * الطالب: (...). * الشيخ: إي؛ لأن عندهم كتابهم ويعلمون، فإذا نزل هذا القرآن حاكمًا بينهم، ويقص عليهم ما كانوا يختلفون فيه، دل هذا على أنه حق. * طالب: القَصص (...). * الشيخ: القَصص مصدر، وقَصصٌ مصدر، والقِصص: جمع قصة. * الطالب: (...). * الشيخ: (...) بمعنى جمع قصة. ويصلح فقط بمعنى قص، ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف ٣]. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام ٣]. * الطالب: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ (...). * الشيخ: (...). (...) ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. قال: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يعني: لا كله، والذي يقص عليهم ما كان فيه فائدة لهم ولغيرهم، ومن ذلك: ما قص عليهم في شأن عيسى؛ فإن عيسى كما تعرفون اختلف فيه بنو إسرائيل، فمنهم من كذبه وأنكره وزعم أن أمه بغي وقتله، ومنهم من غلا فيه وقال: إنه ابن الله، أو إنه إله، وكذلك أيضًا: خلافهم في السب وغير ذلك مما قص الله علينا في القرآن، فالقرآن قص أكثر الذي هم فيه يختلفون، وأما ما لا فائدة من قصه فتركه. * * * قال الله تعالى: (﴿وَإِنَّهُ﴾ -أي القرآن- ﴿لَهُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ٧٧] من العذاب). ﴿إِنَّهُ لَهُدًى﴾: هذه الجملة مؤكدة بـ(إن) واللام، ﴿إِنَّهُ لَهُدًى﴾، والهدى معناه الدلالة؛ فإن القرآن هدًى، يعني دلالة، ولكنه لا ينتفع به إلا المؤمنون، كما قيده به في قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾: أي سبب لها، سبب للرحمة؛ لأن الإنسان إذا اهتدى به نال رحمة الله سبحانه وتعالى، فيكون رحمة لكن للمؤمنين، والتقييد بالمؤمنين لأنهم المنتفعون به. وقد ذكر الله في القرآن أنه هدًى للعالمين، وأنه هدًى للمؤمنين وللمتقين، والجمع بينهما أنه في حالة العموم معناه: دال وموضع دلالة، وفي حالة التقييد: أنه ما انتفع به ووُفق للاهتداء به إلا من قُيد به، هذه الآية من المطلق ولّا من المقيد؟ * طالب: من المقيد. * طالب آخر: المقيد. * الشيخ: (...). * الطالب: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. * الشيخ: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إي نعم. إذن ﴿هُدًى﴾ هذا العلم، والرحمة: العمل والتوفيق؛ لأنه سبب الرحمة. * * * (﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ كغيرهم يوم القيامة ﴿بِحُكْمِهِ﴾ أي عدله ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب ﴿الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٨] بما يحكم به فلا يمكن أحدًا مخالفته، كما خالف الكفار في الدنيا أنبياءه). قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أي بين بني إسرائيل؛ لأن السياق فيهم، ولهذا قال: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والمختلفون يحتاجون إلى من يحكم بينهم أيهم على الصواب، فحكم الله بينهم في الدنيا، ويحكم بينهم يوم القيامة، بماذا حكم بينهم في الدينا؟ بما أنزله في القرآن المستفاد من قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ويحكم بينهم يوم القيامة بالحكم العدل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾. وقول المؤلف: (﴿يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ كغيرهم يوم القيامة): لا يتعين أن يكون هذا القضاء يوم القيامة، بل قد يكون في الدنيا أيضًا؛ فإن القضاء كما يكون يوم القيامة يكون أيضًا في الدنيا، وقد قضى بينهم في الدنيا بما أنزله في كتابه وبيّن الذين على حق والذين على باطل من بني إسرائيل، وهذا نوع من القضاء، ويوم القيامة يقضي بينهم قضاءً يترتب عليه الثواب؛ الثواب إما بالعقوبة وإما بالإحسان. فالحاصل أن قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ لا يتعين أن يكون يوم القيامة كما قيده به المؤلف؛ لأن القضاء كما يكون في الآخرة يكون في الدنيا. وقول المؤلف: (كغيرهم): يفيد أن القضاء يوم القيامة ليس بين بني إسرائيل فقط، بل بينهم وبين غيرهم، وهذا أمر لا شك فيه، ولا حاجة إلى تقديره؛ لأنه ما دام السياق في بني إسرائيل فإن (غيرهم) لا ينبغي أن تقحم في هذه الآية؛ لأنك إذا أقحمت (كغيرهم) يكون كالاعتراض على القرآن؛ لأن معناه أن المقام يقتضيه ولكنه لم يُبَيّن، فنقول هنا: لا حاجة إلى تقدير (كغيرهم)، بل هو يقضي بينهم، والآية هنا لم تتعرض للقضاء العام، وأما القضاء العام فمستفاد من آيات أخرى. ﴿بِحُكْمِهِ﴾ أي: بعدله، وهنا أضاف الحكم إلى الله سبحانه وتعالى لأمرين: الأمر الأول: أنه حكم متضمن للعدل، والأمر الثاني: أنه حكم لا يُعَقَّب، بخلاف حكم غيره فإنه عرضة للخلل من الناحيتين، من ناحية أنه قد يكون غير عادل، ومن ناحية أنه قد يكون غير منفذ، أما حكم الله فإنه متضمن للأمرين: للعدل، والثاني؟ * طلبة: أنه لا يعقب. * الشيخ: أنه لا يعقب، بل لا بد من أن ينفذ. ﴿إن ربك يقضي بحكمه﴾: (أي عدله)، وهذا طرف أو جزء مما يدل عليه قوله: ﴿بِحُكْمِهِ﴾؛ إذ إنه يدل على الأمرين اللذين ذكرنا. ﴿بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿الْعَزِيزُ﴾ يقول المؤلف: (الغالب). * طالب: (...). * الشيخ: هذا قد شايفها (...). * الطالب: (...). * الشيخ: لا (...). ﴿الْعَزِيزُ﴾: يقول: (الغالب)، وقد مر علينا في شرح الأسماء الحسنى أن (العزيز) له ثلاثة معانٍ، وهي؟ * طالب: عزة القهر وعزة.. * الشيخ: القدر. * طالب: القدر، وعزة الامتناع. * الشيخ: وعزة الامتناع، وأن (العزيز) معناه الممتنع عن كل نقص، الذي لا يلحقه نقص، وأنه غالب، وأنه ذو قدر عظيم، وغالبًا ما يفسر المؤلف وغيره العزيز بالغالب؛ لأنه أظهر معانيه، ولأنه يكون أحيانًا في سياق يقتضي أن يكون الغلبة أخص به من غيره. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (بما يحكم به). وهذان الأمران من شروط الحكم؛ لأن مَن حَكم بغير علم أصاب حكمه الخلل، ولّا لا؟ ومن حكم بغير عزة أصاب حكمه الخلل أيضًا. فالأول اللي هو فوات العلم: يحصل به خلل الحكم في إصابة الصواب؛ لأن من حكم بغير علم فإصابته للصواب من باب المصادفة. الثاني: الغلبة: إذا فاتت العزة حصل الخلل للحكم، لا من ناحية الصواب، ولكن من ناحية التنفيذ، فإنه إذا كان ليس له عزة وحكم بأمر فقد يُخالَف في هذا الأمر، فلهذا قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ليتبين الأمران. فإذا قال قائل: كيف يقدم ﴿الْعَزِيزُ﴾ على العلم، والعلم سابق من حيث الترتيب الحكمي؛ إذ إنه يعلم ثم يحكم ثم ينفذ. قلنا: لأن المقام هنا يقتضي بيان قوة حكم الله سبحانه وتعالى، وأن هذا الحكم لا بد أن ينفذ لكونه صادرًا عن عزيز، ويش قلنا في تقدير ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾؟ * طالب: أين؟ * الشيخ: يعني الحكمة في أنه ختم قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾؟ * طالب: باسم العليم (...) بدون علم، فإن (...) حكمه من قبيل المصادفة. * الشيخ: إصابته للصواب من قبيل.. * طالب: إصابته من قبيل المصادفة. * الشيخ: إي نعم. * طالب: وأما إذا كان عليمًا وبدون عزة فإن حكمه لا ينفذ (...).. * الشيخ: فيكون الخلل خللًا حكميًّا في فوات هذا وهذا (...) فصار الخلل الآن -الخلل في الحكم- يكون إما من فوات العلم، وإما من فوات العزة. ففي فوات العلم يحصل الخلل من جهة الإصابة؛ لأن الجاهل إذا حكم توفيقه للصواب من باب المصادفة. وفي فوات العزة أيش؟ خلل في التنفيذ؛ لأن الضعيف اللي ما عنده عزة لا ينفذ. ولهذا كان الحكم يفتقر إلى الوسطين جميعًا، وهما العزة والعلم. أوردنا إشكالًا وهو تقديم ﴿الْعَزِيزُ﴾ على ﴿الْعَلِيمُ﴾ مع أن العزة تتعلق بالتنفيذ والتنفيذ بعد الحكم، والعلم يتعلق بالحكم والحكم سابق على التنفيذ، فما هي الحكمة أنه يقدم العز هنا على العلم؟ قلنا: لأن المقام يقتضيه، مقام التنفيذ وقضاء، فكان من المناسب أن تقدم العزة على العلم. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ قال: (فلا يمكن أحدًا مخالفته كما خالف الكفار في الدنيا أنبياءه). الحكم في الدنيا كما قال المؤلف: يخالف. والمراد الحكم الشرعي يخالف، أما الحكم الكوني فلا يمكن أن يخالف لا في الدنيا ولا في الآخرة، ما أحد يقدر يخالف الله. والحكم الشرعي يمكن مخالفته في الدنيا كما هو كثير، بل أكثر الناس يخالفون الحكم الشرعي في الدنيا؛ لأن بني آدم منهم تسعمئة وتسعة وتسعون من الألف كلهم مخالفون للحكم الشرعي، وواحد في الألف موافق للحكم الشرعي. (...). * طالب: (...) في دليل عليه. * الشيخ: إي نعم، فيه الدليل، حديث آدم أن الله يناديه يوم القيامة فيقول: «يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَهَؤُلَاءِ فِي النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]] هذا نص. ابن القيم يقول في النونية: يَا سِـــــــلْعَةَ الـــــــرَّحْمَنِ لَــــــــيْسَيَنَالُهَـــــــــا ∗∗∗ فِي الْأَلْـــــــفِ إِلَّا وَاحِــــــــدٌ لَااثْنَــــــــانِ إي نعم، واضح؟ * * * قال: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النمل ٧٩]: (﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثق به ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ أي: الدين البين، فالعاقبة لك بالنصر على الكفار). ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: الخطاب للنبي ﷺ، والأمر هنا للوجوب، والتوكل نصف الدين، قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود ١٢٣]، وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥]، ولا استعانة إلا باعتماد، ولهذا يقولون: إن الدين عبادة وتوكل؛ عبادة: يفعل بها الإنسان، وتوكل: يعتمد به على الله، يعتمد به على الله سبحانه وتعالى. هنا قال المؤلف: (﴿تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثق به)، وفسره غيره بأن التوكل والاعتماد على الله مع الثقة، فلا بد من اعتماد وثقة، وبه يكون التوكل، إذا قد تعتمد على غير الله مثلًا، لكن لا تثق به، تعتمد على إنسان في أن يشتري لك شيئًا، ولكنك مع هذا لا تثق به، قد تثق بالإنسان في أمانته، ولكنك لا تعتمد عليه لضعفه، والأول: إما لضعفه أو خيانته. أما الله عز وجل فيجب عليك أن تعتمد عليه واثقًا به، ولا يمكن تحقيق التوكل إلا بهذا، إذن التوكل على الله: الاعتماد عليه مع الثقة به، فلا بد من الأمرين من اعتماد وثقة. والأمر بالتوكل لا ينافي فعل الأسباب؛ فعل الأسباب الصحيحة التي تؤثر في المسبَّبات، فإن الرسول ﷺ بلا شك كان سيد المتوكلين، ومع ذلك فكان يفعل الأسباب التي تحصل بها المنافع وتندفع بها المضار؛ كان يأكل ويشرب ويلبس، وكان أيضًا يتخذ ما يقي من الضرر، حتى إنه في أُحد ظاهر بين درعين[[أخرجه أبو داود (٢٥٩٠) من حديث السائب بن يزيد عن رجل، وابن ماجه (٢٨٠٦) من حديث السائب بن يزيد. ]]، يعني لبس درعين، كل ذلك تقوية للأسباب التي تندفع بها الأضرار. فإذن التوكل على الله لا يعني ألا تأخذ بأسباب النجاح، بل خذ بالأسباب، مع الاعتماد على الله سبحانه وتعالى والثقة به أن ينفع بهذا السبب. ولما حج قوم من أهل اليمن وليس معهم زاد قالوا: نحن نحج، ونحن المتوكلون. أيش قيل لهم؟ قيل لهم: أنتم المتواكلون. ففرق بين التواكل والتوكل؛ الإنسان الذي يريد أن تأتيه الأمور بدون فعل أسبابها هذا متواكل، وليس عنده ولا عقل، حتى العقل ما عنده عقل، البهائم والحشرات وغيرها هي تفعل الأسباب ولّا ما تفعل الأسباب؟ تفعل الأسباب، مع أن الذي قام برزقها وتكفل به هو الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود ٦] ومع ذلك تجدها تفعل الأسباب. بل قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»[[أخرجه الترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجه (٤١٦٤) من حديث عمر بن الخطاب.]]، ما قال: تبقى في أوكارها ويأتيها رزقها، قال: «تَغْدُو» : تذهب في الصباح في الغدو، «خِمَاصًا» يعني جائعة، «وَتَرُوحُ» في آخر النهار «بِطَانًا» ملآنة بطونها. فالإنسان المتوكل هو الذي يأخذ بالأسباب النافعة. أما عن الأسباب التي لا تنفع فإن الأخذ بها نوع من الشرك، كل من أخذ بسبب ليس بنافع، يعني ما دل على نفعه حس ولا الشرع فإنه مشرك، قد فعل نوعًا من الشرك، ولهذا التمائم والتعوذات والتِّولة وما أشبه ذلك من الأمور التي يزعمون أنها تفعل وهي لا تفعل، جعلها النبي ﷺ من الشرك[[أخرجه أبو داود (٣٨٨٣)، وابن ماجه (٣٥٣٠) من حديث عبد الله بن مسعود بلفظ: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك».]]؛ لأننا نقول في تقرير هذا: كل من اتخذ سببًا غير نافع -يعني لا يدل على نفعه شرع ولا حس، وإن شئت قل: شرع ولا قدر- فإنه مشرك. كيف يكون مشركًا، ما وجه كونه مشركًا؟ أثبت سببًا لم يجعله الله سببًا، فكان مشاركًا لله تعالى هنا في تقديره؛ لأن مقدر الأسباب وجاعل الأسباب سببًا هو الله، هذا إلى الله، فأنت إذا قلت: هذا سبب، وهو ليس بسبب فقد أشركت مع الله، جعلت نفسك شريكًا مع الله سبحانه وتعالى. * طالب: قوله تعالى (...) للوجوب هذا الأمر؟ * الشيخ: نعم، للوجوب أو الاستحباب، ما كان بقدر الكفاية فهو للوجوب، وما زاد فهو للاستحباب. * طالب: (...) يتخذ سببًا محرمًا. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: يعني يتخذ سببًا محرمًا (...) هل يعد من الشرك؟ * الشيخ: لا، هذا ما يعد من الشرك؛ لأن هذا السبب حسي، كونه سبب الرزق سبب حسي، لكن محرم شرعًا. الآن مثلًا: اللي يرابي، هل اتخذ وسيلة تحقق له الربح قدرًا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: أسألك، الإنسان المرابي اتخذ وسيلة تكون للربح قدرًا، معروف الواحد (...) ويأخذ اثني عشر، هذا سبب للربح ولّا لا؟ لكنه سبب شرعي ولا قدري؟ * طالب: (...). * الشيخ: قدري ولّا لا؟ أيش تقولون؟ * طلبة: (...). * الشيخ: قدري، الله ما أذن فيه شرعًا، لكن إذا وقع علمنا أنه أذن فيه قدرًا، هذا ما يكون نوعًا من الشرك، هذا ليس بشرك؛ لأنه سبب قدري، إنما هو محرَّم؛ لأنه منهي عنه شرعًا. * طالب: يا شيخ (...) في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ما يمكن لأحد مخالفته، ولكن الحكم الذي حكم به غير الذي يمكن لأحد مخالفته. * الشيخ: لا، قصده في كل أحكامه. * الطالب: شيخ، هنا الحكم مثلًا في الآخرة. * الشيخ: بما في الآخرة وفي الدنيا على الصحيح، الآية عامة، في الآخرة وفي الدنيا. * الطالب: (...) سياق الآية، هي في الآخرة وفي الدنيا (...) سياق الآية. * الشيخ: سياق الآية ويش سياق الآية؟ ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٧ - ٧٨] من جملة ما قص الله علينا في القرآن أن قضى بين بني إسرائيل، فبنو إسرائيل اختلفوا مثلًا في أشياء؛ كاختلافهم في المسيح عليه الصلاة والسلام وغيره، فحكم الله بينهم بالقرآن، والحكم الذي يترتب عليه الثواب والجزاء يكون يوم القيامة، فهنا الحكم بالدنيا ما يتبين به الحق من الباطل، وأما في الآخرة فهو ما يترتب عليه الثواب أو العقاب. * طالب: يا شيخ، يصح أن تقول: إن من الناس من أعتمد عليك في إنجاز هذا العمل؟ * الشيخ: إي ما فيه مانع؛ لأن الاعتماد على الأسباب الحقيقة جائز، لكن مع اعتقاد أنه سبب؛ لأنه مستقل. * طالب: يا شيخ (...) بني إسرائيل بعدما (...) كيف (...)؟ * الشيخ: لا، يحكم بينهم بأن هؤلاء مصيبون وهؤلاء مخطئون، وبين أن اليهود أخطؤوا، والنصارى أخطؤوا أيضًا، والمعتدلون من النصارى أصابوا. * طالب: قول العوام: وكل الله. * الشيخ: وكل الله. * طلبة: (...) وكل الله. * الشيخ: الظاهر أن معنى (وكل الله) عندهم معناه: اعتمد على الله، ما هو معناه أن اجعل الله وكيلًا لك، أو معناه: اجعل الله وكيلًا لك معناه يعني أن الله تعالى يكون شاهدًا عليك، ولّا مو بيقتضي أني أنا في قيامي بأمرك مثل قيام الله بأمرك. ما يقصد هذا بلا شك. * طالب: (...) توكل على الله.. * الشيخ: إي، إن قصده توكل على الله يعني معناه: اعتمد على الله، ووكله عليَّ شهيدًا، يعني الآن لو أردنا نشوف ظاهر اللفظ: إني أنا لك بمنزلة الله. العوام ما يريدون هذا، ما يريدون هذا أبدًا، يريدون وكل الله يعني معناه اجعله شهيدًا علي، إي نعم. أو معناه: وكل: بمعنى: اعتمد على الله. * طالب: (...). * الشيخ: (...) على الله ما فيها شيء، هذه صحيحة وطيبة، أيضًا (الله وكلك) ما فيها شيء. * طالب: (...). * الشيخ: و(اتكل عليه) ما فيها شيء. * طالب: ما تقتضيه الأخبار من (...). * الشيخ: لا؛ لأن الله وكله بلا شك، إذا وقع الأمر فهو بقضاء الله، الشيء اللي واقع ما يحتاج (...) قضاء الله، (الله وكلك) يعني جعلك وكيلًا لي، بالصيغة التي نطقت بها مثلًا. * طالب: (...). * الشيخ: ما فيها شيء، بشرط أنه يكون حقيقة مما يمكن أن يعتمد عليك فيه (...). إذن التوكل على الله ما هو؟ الاعتماد على الله مع الثقة به؛ ما هو مجرد الاعتماد، بل مع الثقة، ولا ثقة إلا برجاء، ثم إن التوكل قلنا: لا ينافي فعل الأسباب التي جعلها الله تعالى سببًا شرعًا أو قدرًا. ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ (أي: الدين البين). فسر المعلق ﴿الْحَقِّ﴾ بالدين، و﴿الْمُبِينِ﴾ بالبين. وليس هذا بجيد؛ لأن الدين منه حق وباطل أو لا؟ أليس كذلك؟ ولهذا قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣] وهذا هو الدين الباطل. دين الحق يظهر على الدين كله، أي: على الدين الباطل، فتفسير المؤلف الحقَّ بالدينِ قصورٌ بلا شك، بل الحق هنا: الثابت بصدق أخباره وعدل أحكامه. هذا معنى الحق أنه ثابت، وذلك بالصدق في أخباره والعدل في أحكامه. وأما قوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ ففسره بالبين، وعلى هذا جعل (أبان) من المتعدي ولّا اللازم؟ * طالب: المتعدي. * الشيخ: لا، من اللازم. جعله من اللازم؛ لأن (بان يبين فهو بين) و(أبان يُبين فهو مبين). هنا ما تصلح أن تكون بمعنى مُظهِر؟ الجواب: لا. بيّن هنا أنسب من مُظهر، فهذا الحق بيِّن ظاهر. وفي قوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ تثبيت للرسول ﷺ على أن يبقى على ما هو عليه معتمدًا على الله تبارك وتعالى؛ لأن الإنسان إذا علم أنه على حق فإنه يثبت وترسخ قدماه، وإذا كان شاكًّا أو مترددًا فإنه لا يثبت، فأمره أن يعتمد عليه، وبين له أن ما كان عليه من هذا الدين فهو حق بين ظاهر. إعراض هؤلاء عنه، إعراض المعرضين عنه، هل يقدح في كونه بينًا؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما يقدح؛ لأن البلاء ليس من القرآن، البلاء منهم، ولهذا أعقبه بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ إلى آخره [النمل: ٨٠]. فالحاصل الآن أمَر الله نبيه أن يعتمد على الله، وبيّن له الحالة التي كان عليها، وأن هذا الدين أيش؟ وأن هذا الدين حق بين ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾. ثم بين سبحانه وتعالى أن إعراض من أعرض عنه ليس لقصور في بيان هذا الدين وظهوره، ولكن لقصور في هؤلاء المعرضين؛ لأن الدين هنا بالنسبة إليهم لم يصادف محلًّا. وأنتم تعرفون أن الأمر إذا لم يصادف محلًّا لم يثبت، إذا لم يصادف محلًّا قابلًا فإنه لم يثبت، حتى إن الإنسان ليقرأ آية على مريض فيشفى، ويقرؤها على مريض آخر بنفس المرض فلا يشفى؛ لأن المريض الأول قابل مؤمن بتأثيرها، والثاني ليس مؤمنًا بتأثيرها فلا تنفعه، فلا بد في الأمور من قابلية، يعني محلًّا يقبل هذا الشيء، وإذا لم يقبل إذن فلا يمكن أن يلائمه، وهذا كما أنه في الأمور الشرعية، كذلك أيضًا في الأمور القدرية؛ لو أننا زرعنا قلبًا في إنسان ونفر منه الجسم هل يبقى؟ ما يبقى، يموت، أو زرعنا كلية في إنسان ونفر منها الجسم فإنها لا تبقى، تعفن ويموت، فكل شيء لا بد أن يكون المحل قابلًا له، فإن لم يقبله فلا مكان له، هؤلاء الذين أعرضوا عن القرآن ليس معناه النقص في القرآن؛ فالقرآن حق بين واضح، لكن البلاء منهم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ﴾ أي: (الدين البين، فالعاقبة لك بالنصر على الكفار، ثم ضرب أمثالًا لهم بالموتى وبالصم وبالعمي، فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ). * طالب: يستفاد من الآية أن الموتى لا يسمعون. * الشيخ: ما بعد وصلناها، ما وصلناها الآن، ولا وصلنا الفوائد. يقول: (ضرب لهم أمثالًا بالموتى وبالصم وبالعمي فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ) وهذا مثل كما قال المؤلف؛ لأن الرسول ﷺ ما خرج إلى المقابر يدعو أهل القبور حتى يقال له: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وإنما دعا الأحياء، دعاء الأحياء انقسم الناس في هذه الدعوة إلى قسمين: قسم قبِلها واطمأن إليها: فهو حي، ولهذا قال الله تعالى في القرآن: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ [يس ٧٠] على من؟ ولّا على الموتى؟ * طالب: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. * الشيخ: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، لا، ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ليتبين أن المراد بالحياة هنا حياة القلب، حياة الإيمان، لا الحياة الجسدية؛ لأن مقابلة الشيء بالشيء تفيد معناه، ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ حياة جسم؟ * طلبة: لا، القلب. * الشيخ: لا، لو كانت حياة جسم لقال: ويحق القول على الموتى، ولكن قال: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وبهذا عرفنا أن كل حياة في مثل هذا السياق فالمراد بها حياة القلب، لا حياة الجسم. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾: ﴿الْمَوْتَى﴾ جمع ميت، والمراد به هنا ميت القلب، أو نقول: إن المراد به ميت الجسد ويكون هنا تشبيهًا، أي أن هؤلاء الذين تدعوهم ولم يؤمنوا كالموتى، لو أتيت إلى ميت وقلت: يا فلان، اعبد الله، وآمن بالرسول عليه الصلاة والسلام، واتق الله، ينتفع؟ ما ينتفع، كالحجر لا ينتفع. ولا شك أن الرسول عليه الصلاة والسلام قرر الحق على الذين ألقوا في قليب بدر وقال لهم: «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» وقال: «لَسْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٤ / ٧٧) من حديث أنس بن مالك، والحديث متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة بمعناه.]] لكن هذا على سبيل التوبيخ، لا على سبيل الدعوة؛ لأن هؤلاء مهما كان لا يمكن أن يجيبوا في هذه الحال إجابة دعوة، ولهذا الكافر ما ينتفع انتفاع ثواب بما يسمع عند قبره من تلاوة أو ذكر ما ينتفع بها. به نعرف بدعة هؤلاء الذين ابتدعوا القراءة عند القبور أو على القبور، يظنون أن الميت ينتفع، فنقول: إنه انتفاع الثواب لا يمكن أن ينتفع انتفاع ثواب، أما انتفاع تخفيف عقاب فهذا ربما ينفع، لكن لما لم يرد صار من البدع، وإلا فهم يزعمون أن ذلك يخفف العذاب لأن الرسول قال في الجريدتين: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٨)، ومسلم (٢٩٢ / ١١١) من حديث عبد الله عباس.]]، وقالوا: إن العلة في ذلك أنها قبل اليبس تسبح الله، فيخفَّف عنه لكونه يُسبح عند قبره، ولكن هذا ليس بصحيح، إذن ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يحتمل أن يراد بالموتى هنا موتى القلوب، وحينئذ فالآية ليس فيها تشبيه، أو أنه موتى الأجسام، فيكون هؤلاء مشبهين بالموتى. * طالب: (...) قرأت القرآن (...) يتعذب به، إن كان عاملًا به (...)، وإن كان لم يعمل (...). * الشيخ: ما عرفت هذا، ما أظن (...). قال: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾. ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ ولّا (الصمُّ)؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: وين فاعل ﴿تُسْمِعُ﴾؟ * طالب: أنت. * طالب آخر: ضمير مستتر. * الشيخ: وجوبًا. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: وجوبًا. ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾: إذن ﴿الصُّمَّ﴾ مفعول أول، و﴿الدُّعَاءَ﴾ مفعول ثان. ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾: يعني ما تخلي الصم اللي ما يسمعون ما تخليهم يسمعون دعاءك، والمراد بالدعاء: الطلب، ما هو بدعاء الله، يعني لو دعوت أصم وقلت: يا فلان، يا فلان، هل يسمع ولّا ما يسمع؟ * طالب: لا يسمع. * الشيخ: ما يسمع، وبهذه المناسبة في (...) ﴿تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ هو دعاء الله، يعني أنك إذا دعوت ما يسمعون، أو الدعاء طلبهم، نعم طلبهم. المراد لو دعوتهم ما سمعوك، قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣]: يعني دعوتكم إياه ودعوته إياكم. يشمل الأمرين على القول الصحيح. المعنى أن هذا ﴿لَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾. أيضًا: إذا صاروا الصم، إذا كانوا صمًّا وولوا مدبرين، يكون هذا أبلغ؛ لأن الأصم إذا كان مقابلًا لك، ربما يفهم الخطاب بحركات الشفتين ولّا لا؟ لكن إذا ولى مدبرًا ما عاد أبدًا، لو ترمي المدافع خلفه ما يسمع، ولهذا قال: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ فهذا غاية ما يكون من البعد، من بعد السمع، والله تبارك وتعالى يبين هؤلاء، الحقيقة أن هؤلاء حالهم كحال هؤلاء الصم المدبرين أو لا؟ لأن هؤلاء معرضون عن الحق، غير قابلين له، فلذلك صار هذا التشبيه بهم من أبلغ ما يكون، فهم صم غير سامعين، ومع ذلك غير مقبلين؛ لأن الأصم إذا أقبل عليك كما قلت ربما يفهم منك بعض الشيء، ولّا لا؟ لكن إذا كان مدبرًا ما فيه رجاء ولا أمل. وقول المؤلف: ﴿الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا﴾ يقول: فيها قراءتان (بتحقيق الهمزتين) كيف أقرؤها؟ * طالب: ﴿الدُّعَاءَ إِذَا﴾. * الشيخ: ﴿الدُّعَاءَ إِذَا﴾. أو (تسهيل الثانية بينها وبين الياء)، يعني تسهل الهمزة الثانية حتى تكون بين الهمزة والياء مثل: ﴿الدُّعَاءَ اذَا﴾ : خلها لا هي بياء خالصة ولا همزة خالصة. ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وَلَّوْا﴾: والتولي هو الإدبار، وعلى هذا فتكون ﴿مُدْبِرِينَ﴾ حالًا مؤكِّدة للعامل ولّا لصاحب الحال؟ للعامل (...) ولى؛ لأن التولي نفس التولي إدبار. مثلها كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة ٦٠]، ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، المفسدين: حال من الواو، وهي مؤكدة لأيش؟ للعامل؛ لأن العثو هو الفساد، هنا: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ حال من الفاعل، لكن ليست مؤكدة للفاعل؛ لأن تأكيد الفاعل لو جاءت في سياق أجمعين فإن الواو دالة على الجمع، لو جاءت بلفظ أجمعين صارت مؤكدة، لكن جاءت بلفظ ﴿مُدْبِرِينَ﴾ فهي مؤكدة لأي شيء؟ للعامل ﴿وَلَّوْا﴾، فيكون هذا في حقيقة التأكيدين التولي والإدبار، أو لا؟ مع أن التولي هو الإدبار، لكن قد يكون من المتولي فيه رجاء وأمل، يتولى وهو يمسك الثقل ببيته، لكن إذا كان مدبرًا؟ (...) إدبار جسدي وقلبي، وهو أصم، يكون هنا فيه ثلاثة موانع للقبول أو للسماع، وهي الصمم، والتولي، والإدبار ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾. ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ [الروم ٥٣] نعم. * طالب: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ (...) ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (...). * الشيخ: لا، هذه نعم، هذا أقرب، ما لها التمثيل والتشبيه، يعني شبههم برجل أصم ولى مدبرًا. * طالب: (...). * الشيخ: (...). * طالب: إي نعم (...). * الشيخ: ﴿وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ على كل حال يصلح، لكن بس هنا، كونها تشبيهًا أقرب، ولّا هم يجوز أن نقول: إنهم صم، وإنه انتفى السماع عنهم لانتفاء فائدته. فيكون هنا نفي السمع عنهم لانتفاء فائدته، والشيء قد ينفَى لانتفاء فائدته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢٠، ٢١]. ثم قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾، ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ بالكسر؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم. هذه فيها إشكال من الناحية النحوية، قال: ﴿بِهَادِ الْعُمْيِ﴾، ما هي ﴿بِهَادِ﴾ اسم فاعل؟ * طالب: (...). * الشيخ: واسم الفاعل يعمل عمل الفعل، وهنا ما نصب العمي. * طالب: بالإضافة. * الشيخ: بالإضافة، إذن هو مضاف إلى مفعوله معنى، وليس كقوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة ٢٥١]؛ لأن ﴿دَفْعُ اللَّهِ﴾ مضافة إلى فاعلها، هنا مضافة إلى مفعولها. الإشكال الثاني: قوله: ﴿الْعُمْيِ﴾ بالكسر، وإحنا قلنا: إن الاسم إذا كان منقوصًا فإنه لا يظهر عليه إلا الفتح، (...) الفتح؟ وهنا ظهرت الكسرة على الياء؟ * طالب: جمع. * الشيخ: إي (...) الجمع؟ (...) جمع، لا فرق بين الجمع وبين غير الجمع، هذا مثل المنقوص؟ * طالب: (...) ﴿هَادِ الْعُمْيِ﴾ ساكنة. * الشيخ: إي نعم، إذن ليس منقوصًا، هذا ليس منقوصًا؛ لأن المنقوص كل اسم معرب آخره ياء لازمة أيش بعد؟ * طالب: (...). * الشيخ: مكسور ما قبلها، وهذه ساكن ما قبلها، واضح؟ إذن ليس منقوصًا. ﴿بِهَادِ الْعُمْيِ﴾: جمع أعمى. ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ قوله: ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾: هي متعلقة بالعمي ولّا ﴿بِهَادِ﴾؟ ﴿بِهَادِ﴾ بلا شك. وقال بعضهم: متعلقة بالعمي، وتكون ﴿عَنْ﴾ هذه للمجاوزة؛ كقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود ٥٣]، أي: أنهم عمي بسبب ضلالتهم، ولكنه ليس بصحيح. بل ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ متعلق ﴿بِهَادِ﴾، ويصير (هاد) بمعنى صارف؛ لأن الهداية تتضمن أمرين، الصرف عن الضلال أيش بعد؟ * طالب: والدلالة (...). * الشيخ: والدلالة على الحق، فيقول: ما أنت بصارف هؤلاء عن ضلالتهم إلى الحق، لماذا؟ (﴿إِنْ﴾ ما ﴿تُسْمِعُ﴾ سماع إفهام وقبول ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ القرآن ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مخلصون لله تعالى بتوحيده). قوله: ما ﴿تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾، ﴿إِنْ﴾ أي بمعنى: ما. وإحنا ذكرنا لكم قبل أن (إن) تأتي لعدة أمور. فتأتي؟ * طالب: للشرط. * الشيخ: تأتي شرطية، أيش بعد؟ * طالب: (...) نافية. * الشيخ: وتأتي نافية * الطالب: بعد (إلا). * الشيخ: إذا وقعت بعد (إلا) للتوكيد، وهي المخففة من الثقيلة، الرابع؟ * طالب: تكون زائدة. * الشيخ: تكون زائدة، فتكون زائدة. الزائدة كقوله: بَنِي غُدَانَـــــــــةَ مَـــــــا إِنْأَنْتُـــــــمُ ذهَـــــــــــــبٌ ∗∗∗ وَلَا صَـــرِيــفٌ وَلَكِــــــنْ أَنْتُــــــــــمُالْخَــــــــــــــزَفُ قوله: (ما إن أنتم) أي: ما أنتم. نعم، ولهذا قال ابن مالك: إِعْمَالُ لَيْسَ أُعْمِلَتْ (مَا) دُونَ (إِنْ) ∗∗∗ مَـــــــــــعَ بَقَــــــــا النَّــــــفْيِ،وَتَـــــــــــرْتِيبٍ زُكِـــــــــنْ إعمال (ما) دون (إن): يَقِصد بـ(إن) الزائدة، يُمثَّل لها بهذا البيت: بَنِي غُدَانَـــــــــةَ مَـــــــا إِنْأَنْتُـــــــمُ ذهَـــــــــــــبٌ ∗∗∗ وَلَا صَـــرِيــفٌ وَلَكِــــــنْ أَنْتُــــــــــمُالْخَــــــــــــــزَفُ * طالب: (...). * الشيخ: لا، هذه تخفيف كأن، هذه كأن مخففة (...) إلا، نعم، طيب. يقول: إن.. ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل ٨٢]. قبل أن نتكلم على هذا نستنبط من الفوائد ما شاء الله مما قبل من قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل ٧٦]. * أولًا: في هذه الآية من الفوائد: أن القرآن كلام؛ لقوله: ﴿يَقُصُّ﴾ والقصص قول، فالقرآن إذن قول، ومعلوم أن القرآن نزل من الله فيكون قولًا لله سبحانه وتعالى، كما يدل على ذلك سياق الآيات: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾ [النمل ٧٨]، في هذا القول الذي قص عليه. * الفائدة الثانية: أنه يجوز أن يُخصَّ طائفة ممن يُخاطبون من أجل إقامة الحجة عليهم، فإن القرآن يقص على بني إسرائيل وغيرهم، لكن بني إسرائيل اعتنى بهم هنا؛ لأن الموضوع فيما يتعلق بهم. * الفائدة الثالثة: أنه ينبغي أن يُعتنى بما هو أهم أو بما هو مهم، ويُترك ما لا فائدة منه؛ لقوله: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ولم يقص عليهم جميع ما يختلفون فيه،وأن مما اختلفوا فيه ما لا فائدة من ذكره أو ما لا داعي لذكره، وهذه المسألة ينبغي للإنسان أن يعتني بها، بأن يقتصر على المهم أو الأهم، وأن يدع ما لا فائدة منه؛ لأنه إضاعة للوقت وتطويل للكلام بلا فائدة، ومن ذلك ما يوجد في كثير من التفاسير يذكرون الاختلاف في أمور هي في الحقيقة واحد، تجده مثلًا يذكر الخلاف عن مجاهد ومقاتل وعلقمة وابن مسعود وابن عباس، والاختلاف بينهم إنما هو في التعبير فقط، فمثلًا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]، يقول: قال بعض العلماء: قضى بمعنى (وصّى)، وبعضهم يقول: بمعنى (عهد)، وبعضهم يقول: بمعنى (أوجب)، وبعضهم يقول: بمعنى (ألزم)، هذه لا داعي لها؛ لأن كل هذه الكلمات الأربع مثلًا تدل على معنى واحد. كذلك أيضًا يذكرون الخلاف بما لا طائل تحته، كما ذكروا الاختلاف في كلب أصحاب الكهف، هو أسود ولا أحمر ولا أبيض، وما أشبه ذلك. وكذلك أيضًا اختلافهم في عدة أصحاب الكهف فإن الله تعالى ذكر الخلاف، وأبطل قولين، وأقر الثالث، المهم أن الله يقول بعد هذا بعد ما ذكر القولين وأبطل الثالث: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف ٢٢]؛ يعني: لا تتعمق إذا جاء أحد يجادلك في هذا الأمر؛ لأنه لا فائدة منه، فالشيء الذي لا فائدة منه أو فائدته قليلة ويضيع عليك ما هو أهم ينبغي لك تجنبه، وهذا ليتنا نسير عليه في حياتنا كلها، لكنا نستوعب الوقت فيما فيه الفائدة، لكن ما أكثر الأوقات التي تضيع علينا، وما أكثر الأقوال التي تقال ونضيّع الوقت فيها، المهم أنه يؤخذ من هذه الآية أنه ينبغي الاعتناء بما هو أهم وترك ما لا فائدة منه؛ لقوله: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. * الفائدة الرابعة: الإشارة إلى الخلاف بين بني إسرائيل: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والاختلاف رحمة ولا شر؟ * طلبة: شر. * الشيخ: وأما «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ»[[ينظر تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (١/ ١٠٦)، وكنز العمال (١٠/ ١٣٦).]] فموضوع لا يصح؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، لكن لو صح هذا الحديث مثلًا، أو قاله بعض أهل العلم من قوله فالمعنى: أن هذا الاختلاف داخل في رحمة الله وفي سعته بالنسبة للمختلفين؛ أي: أنهم لا يُعذّبون، وليس المعنى: أن إيقاع الخلاف بينهم من رحمة الله، بل هو من حكمة الله، ولكن رحمة الله وسعت فلا يقال مثلًا: إنهم معذّبون بهذا الخلاف، أو إن الواحد المصيب منهم له أجر والباقون محرومون أو ما أشبه ذلك. * طالب: (...) الصحيح أنه لا يتكلم مرتاحون من هذا، فهم معذورون (...)؟ * الشيخ: لا، ما هو بصحيح؛ يعني بعض الناس تقول هكذا، ويتخذ من هذا المعنى وسيلة إلى جواز الترخُّص، ويقول: اختلافهم رحمة؛ بمعنى أن لي أن آخذ بأحد الأقوال التي تناسبني، ولكن ليس هكذا، فإذا صدر من قول أهل العلم فإنه لا يصح إلا على الوجه الذي قلت: إن المعنى: أن هذا الاختلاف تحت رحمة الله، فلا يُعذّب أحد عليه. * طالب: من الممكن أن يكون (...) ما ظاهره الاختلاف (...) العلماء إلى الآن، فظاهرة الاختلاف موجودة، هل من الممكن أن يكون وجودها على خلاف مصلحة أولى؟ * الشيخ: تمام، لكن الحكمة اقتضت لأن الصراع بين هذه الأقوال يتبين به الحق أكثر، ولذلك تجد الإنسان عندما يمر به قول لا خلاف فيه ما يتطلب الأدلة ولا يمرر نفسه عليه، فهذا الصراع بين المتخالفين فيه حكمة، وإلا لو كانوا على قول واحد لكانوا أصلح بلا شك، والآية صريحة في هذا، إذن يؤخذ من هذا أن الاختلاف ليس بمحمود. ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ٧٧]. * يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: بيان مرتبة القرآن وفضله، وأنه هدى ورحمة، (...) في الدلالة ورحمة بالعمل به. * الفائدة الثانية: أنه لا ينال هذا الهدى وتلك الرحمة إلا المؤمنون؛ لقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. * الفائدة الثالثة: أنه لا معارضة بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ في وصف القرآن ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة ١٨٥]. والجمع بينهما؛ أن الإثبات هنا والإثبات هناك مختلف الجهة، فهناك: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ بمعنى دليل لهم، فهو دليل لكل الناس، لكن هل من استدل به انتفع به؟ لا، قد يهتدي به وقد لا يهتدي، إنما هو نفسه صالح للهداية لجميع البشر. * الفائدة الرابعة: فائدة الإيمان، لو لم يكن من فوائد الإيمان إلا هذا لكفى، وهو أيش؟ الاهتداء بالقرآن ونيل الرحمة به. * الفائدة الخامسة: أنه كلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أقوى اهتداء بالقرآن، وهذا مأخوذ من قاعدة مرت علينا، وهو أن الحكم إذا عُلِّق بوصف قوي ذلك الحكم بقوة ذلك الوصف وضعف بضعف ذلك الوصف، واضح؟ فما دامت الهداية والرحمة معلّقة بوصف الإيمان، فكلما ازداد هذا الوصف ازداد الهدى وازدادت الرحمة، القاعدة: أن الحكم إذا عُلِّق بوصف فإنه يزيد بزيادته وينقص بنقصانه. * طالب: الفائدة؟ * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: فائدة الإيمان؟ * الطالب: كلما كان الإنسان أقوى؟ * الشيخ: أقوى إيمانًا كان أقوى اهتداء. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٨]. * يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: أن القضاء موكول إلى الله وحده؛ لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾. * ثانيًا: أن كل قضاء لا يستند إلى قضاء الله فهو باطل. * الفائدة الثالثة: إثبات العدل لله سبحانه وتعالى، منين تؤخذ؟ من قوله: ﴿بِحُكْمِهِ﴾ فإن إضافة الحكم إلى الله دليل على أنه مشتمل على العدل. * الفائدة الرابعة: وهي مستفادة من التفسير أيضًا؛ أن الحكم هذا يتضمن الحكم الشرعي والحكم الجزائي، فيقضي بينهم بحكمه شرعًا في الدنيا، وبجزائه عدلًا في الآخرة. ذكرنا في درس أمس للإضافة إلى حكم الله فائدتين من يعرفهما؟ الحكم إلى الله فيه فائدتين. * طالب: (...). * الشيخ: لا غير هذا، قلنا: إضافته إلى الله سبحانه وتعالى يقتضي أمرين؛ أحدهما: العدل، والثاني: الإصلاح. يعني ما دام حكمًا مضافًا إلى الله سبحانه وتعالى، وقد عُلم أنه سبحانه وتعالى حكيم، فإن هذا الحكم لا بد أن يكون مناسبًا وموافقًا لمحله، وكل حكم وافق محله فهو إصلاح، فإن هذا يتضمن العدل والإصلاح. * الفائدة الخامسة: وصف الله تعالى بالعزّة والعلم؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾. * الفائدة السادسة: قرن العزة مع العلم في هذا الموضع يستفاد منه فائدة مستقلة غير فائدة العزة على حدة والعلم على حدة؛ يعني: يستفاد من جمعهما فائدة مكونة منه، وهي: أن حكم الله سبحانه وتعالى لا بد أن ينفذ؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، ولا بد أن يكون مطابقًا وصحيحًا من قوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾ لأننا قلنا فيما سبق: إن من تمام الحكم العلم والعزة، العلم ليحكم بالصواب، والعزة لينفذ ما حكم. وأن خلل الحكم يأتي إما من الجهل وإما من الضعف، إما لجهل -أي: الحاكم- فيحكم بغير الصواب، وإما لضعفه فلا يستطيع أن ينفّذ، ولَّا لا؟ إذن يؤخذ من جمع هذين الوصفين لله سبحانه وتعالى عقب ذكر الحكم: تمام حكم الله؛ حيث كان مبنيًا على أي شيء؟ على العزة والعلم، فبالعزة يكون التنفيذ، وبالعلم يكون الصواب، فهمتم ولَّا لا؟ * الفائدة السابعة: تقديم الأخص من الأوصاف على الأعم، الأخص يعني معناه: الأنسب للقضية، فهنا قدم العزة على العلم مع أن العلم سابق عليها في الترتيب الحكمي، في الترتيب الحكمي، أيهما أسبق؟ * طالب: العلم الأسبق؛ لأن الإنسان يعلم، ثم يحكم. * الشيخ: يعلم، ثم يحكم، ثم ينفذ، ففي الترتيب الحكمي العلم مقدم، لكن هنا قدم العزة على العلم بالذكر، لماذا؟ لأن المقصود الأهم في الحكم هو تنفيذه، فكان من المناسب تقديم أيش؟ العزة على العلم نظير هذا قوله تعالى عن الملائكة لما قالت امرأة إبراهيم حينما ﴿صَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات ٢٩] ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات ٣٠]، فقدموا الحكمة على العلم، مع أن العلم سابق؛ إذ لا حكمة إلا بعلم، لكنه لما كان هذا أمرًا خارجًا عن العادة ومستغربًا قدّموا الحكمة ليتبين لها أنه ما خرج ذلك عن العادة إلا لحكمة، هذه فوائد سبع من قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٨]. قال الله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل ٧٩]. * يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: وجوب التوكل على الله؛ لقوله: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، والأصل في الأمر الوجوب، ومعنى التوكل سبق تفصيله. * الفائدة الثانية: أن بالتوكل على الله سبحانه وتعالى تتيسر الأمور؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يكابد من عناد بني إسرائيل وغيرهم، فأمره الله بالتوكل عليه؛ لأن الله ذكر فائدة التوكل في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، فبالاعتماد على الله تتيسر الأمور، وباعتماد الإنسان على نفسه يحصل الخذلان ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة ٢٥] مع أن الرسول معهم عليه الصلاة والسلام، ومع أنهم خير القرون، وأفضل أهل الأرض لما قالوا: لن نغلب اليوم من قلة حصل هذا الأمر، فيتبين بهذا أن من اعتمد على نفسه في حصول مقصوده أو دفع مضروره فإنه يُخذل، واضح؟ ولهذا أمر الله رسوله بالتوكل على الله في هذا المقام مقام النزاع، وبيان الحق لبني إسرائيل وهو يكابد النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك. * والفائدة الثالثة: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾. * الفائدة الرابعة: شهادة الله تعالى لما جاء به الرسول بأنه الحق؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾. * ومن هذه الفائدة نستفيد فائدة أخرى وهي: الترغيب في سلوك طريق النبي ﷺ، ما دام حقًّا؛ لأن كل إنسان عاقل يختار الحق على الباطل. * الفائدة الخامسة: فضيلة النبي ﷺ حيث كان مسلكه الحق المبين: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ فهذا فيه شهادة من الله وتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام وهو يتضمن فضيلة الرسول ﷺ؛ لأن الشهادة من الله أنه على الحق المبين. * الفائدة السادسة: أن كل ما خالف ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام فهو باطل؛ لأننا لو قلنا: إنه حق للزم الجمع بين النقيضين، يكون ما كان عليه الرسول حق، وهذا حق، ما يمكن وهو يخالفه؛ إذ هذا جمع بين النقيضين، إذ لا يمكن أن يكون الشيئان المتناقضان كل منهما حق، لا بد أن أحدهما هو الحق، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢]، ويقول: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ حدانا ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٢٤] واضح؟ وبهذا نعرف أن جميع ما خالف ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام فهو باطل، وهو في النار كما قال الرسول ﷺ: «كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً»[[أخرجه ابن ماجه (٣٩٩٣) من حديث أنس بن مالك.]]. فإن كانت المخالفة تامة فهو باطل كله، وإن كانت المخالفة جزئية كان فيه من الباطل بقدر ما خالف ما كان عليه الرسول ﷺ. * الفائدة السابعة: ظهور أحقية ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام، أنه حق ليس فيه خفاء؛ لقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾. * الفائدة الثامنة: أن بيان الحق لا يلزم منه أن يكون بينًا لكل أحد، فإن الخفافيش تعمى بضياء النهار، فلا يلزم من كون الرسول عليه الصلاة والسلام على الحق المبين ألا يعرض عنه أحد، ولهذا أعقبه بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل ٨٠]؛ يعني: لا تظن أن هؤلاء الذين أعرضوا، أعرضوا لأنك على باطل، بل لعدم قابلية المحل. وتعرفون أن الشيء وإن كان تامًّا إذا لم يجد محلًّا قابلًا لم يكن له تأثير، رجل معه سيف مُصْلَت وحادٌّ للغاية، وأمامه عمود من حديد صلب وهو ينتخي ويقول: أَنَا ابْنُ جَلَا وَطَلَّاعُ الثَّنَايَا ∗∗∗ ..................... ويضرب هذا الصلب الحديد بالسيف، يريد أن يقطعه، هل ينقطع هذا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا، لعدم قابلية المحل، الآن السبب موجود سيف صارم، ورجل شجاع، ورجل يعزز نفسه، ويتشجع ويصيح بهذا العمود من الحديد، وطبعًا إذا صار بهذه الحالة بيضرب بقوة ولَّا لا؟ ولَّا لا يضرب؟ * طالب: بقوة. * الشيخ: بقوة، ومع ذلك لم يؤثر؛ لأن المحل غير قابل، فما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام من الحق المبين هو حق مبين بلا شك بيّن ظاهر، وعدم سماع هؤلاء له ليس لخلل فيه، السبب كان، لكن الخلل في المحل، غير قابل لهذا الحق، ولهذا ما أحسن هذه العبارة أو هذه الآية بعد الآية التي قبلها ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فلا تظن أنك لست على حق، لكن هؤلاء موتى، هذه ثمان فوائد. ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل ٨٠، ٨١]. * في هذه من الفوائد؛ أولًا: أن الميت، والمراد بالميت هنا ميت القلب، أو الموتى موتى الأجسام على سبيل التمثيل لا يسمع، فإذا كان ميّت القلب فالأمر ظاهر أنه لا يسمع سماعا ينتفع به، وإلا فهو يسمع سماع إدراك، لكنه لا ينتفع به. * الفائدة الثانية: استدل بالآية هذه من قال: إن الموتى في قبورهم لا يسمعون. وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم: منهم من قال: إن الموتى يسمعون، ولكن لا يجيبون. ومنهم من قال: إنهم لا يسمعون، ويقبل ما وردت به السنة من سماعهم، لكنه يقصره على ذلك، ويقول فيما عدا ذلك لا يسمع الميت، فالسنة وردت بأن «الْمَيِّت إِذَا دُفِنَ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالَهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠ / ٧٠) من حديث أنس بن مالك.]]، السنة وردت فيما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه وقف على أصحاب قليب بدر من المشركين، وجعل يؤنّبهم: يا فلان ابن فلان، يا فلان ابن فلان، بأسمائهم وأسماء آبائهم «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؛ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» فيقال للرسول عليه الصلاة والسلام: ما تكلم من قوم قد جيفوا؟ فيقول: «لَسْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة الأنصاري.]]. فهذا الكلام الآن والمناداة؟ كانت عند الدفن أو عند إلقاء الميت أو تسليمه للآخرة، فلا يقتضي أن يسمع كل وقت، ومن العلماء من قال: إنه يسمع كل وقت كشيخ الإسلام ابن تيمية ويستدلون بالحديث الذي رواه ابن عبد البر، وصححه وهو: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرٍ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»[[الاستذكار (١ / ١٨٥) من حديث ابن عباس.]]، فيصححون هذا الحديث، وبعضهم يضعفه ويقول: إنه لا يصح. ولكن هذا الحديث لا ينبغي أن يكون هو ركيزة من يقول: إن الموتى يسمعون، بل إننا نقول: الموتى يسمعون قد نستدل بحديث أصح من هذا، وهو ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يزور المقبرة ويقول: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»[[أخرجه مسلم (٩٧٥ / ١٠٤) من حديث بريدة الأسلمي.]]. وتوجيه السلام إليهم في الخطاب يدل على أنهم يسمعون، وإلا لكان يقول: السلام على أهل الديار من المؤمنين، ولا يقول: عليكم. ولو قال قائل: إن هذا من باب قوة الاستحضار، قلنا: قوة الاستحضار لا تحتاج إلى الدنو، ولهذا نحن نقول: السلام عليك أيها النبي، وإن كنا بعيدين، ولا يسن أن نقول الآن هنا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، حتى نحضر إليهم، فدل هذا على أنهم يسمعون. يبقى عندنا: إذا كانوا يسمعون فما هو الجواب عن هذه الآية ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾؟ نقول: المراد السماع سماع القبول إذا كان المقصود بالموتى موتى القلوب، أو السماع الذي تحصل به الإجابة، وسماع الإدراك الدنيوي، هذا ما يمكن. يعني: ليس سماع الميت لما يتكلم به الإنسان كإدراك الحي، بل هو سماع ما نعرف عاد كيفيته إنما هو سماع لا يمكن أن يجيب، إلا إذا أراد الله تبارك وتعالى إحياؤه وتكلم ونطق، فهذا يمكن مثل صاحب البقرة؛ فإن صاحب البقرة ضربوه ببعضها فأحياه الله وتكلم ومات، ولكنه لم يتكلم، ولم يجب إلا بعد أن حي حياة دنيوية، ثم أماته الله. * طالب: حديث ابن عبد البر وجه الدلالة على السماع؟ * الشيخ: قوله: إلا رد الله عليه روحه فرد عليه السلام. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، لكنه كلما سلّم عليه رد عليه وعرفه، إذن هو يسمع. * طالب: ما هو بأخص بالدعوة. * الشيخ: لا، ما هو بأخص بالدعوة. * طالب: قد لا يسلّم هو يتكلم بكلام آخر. * الشيخ: طيب، ويش المانع؟ وهو على كل حال ما هم بيسمعون كل الكلام؛ يعني مثلًا: لو نمر أنا وإياك في قبر ونحن نتكلم، ما يلزم من هذا أنهم يسمعون، ما يسمعون إلا الخطاب الموجّه إليهم، وليس معنى ذلك أنهم يسمعون، وإن كان ظاهر كلام الفقهاء أنهم يسمعون حتى ما لا يخاطبون به. * طالب: ما يكون مانع أنهم يسمعون الكلام إليهم فقط، وإن كلّمناهم مرة أخرى لا يسمعون؟ * الشيخ: لا، يسمعون مطلقًا؛ لأنه إذا كان السبب في هذا السماع ما هو الخطاب خطابنا لهم. * الطالب: توقيفي يا شيخ يعني؟ * الشيخ: هو توقيفي، لكن ما دام الخطاب إذا سمعوه مرة يسمعوه مرة أخرى، ويش المانع؟ * طالب: ما يقال المفهوم بأنها تنزع الروح بعد السلام؛ لأنها إذا رُدّت لأجل السلام.. * الشيخ: نعم، هو الظاهر، هذا هو الظاهر، أنها إذا رُدَّت فإنها إذا انتهى السلام لم تسمع، نحن نقول: كلما خُوطبوا رد الله عليهم أرواحهم فسمعوا. بقي أن يقال: هل يسمعون بدون مخاطبة؟ ظاهر كلام الفقهاء أيضًا أنهم يسمعون، ولهذا قالوا: إن الميت يتأذى بفعل المنكر عنده من قول أو فعل، وعلى هذا على رأي الفقهاء، ولا أدري ما مستنده، يكونون يسمعون حتى ما لم يخاطبوا به، وعليه أيضًا: يكون للإنسان إذا شرّف القبر بالأحجار التي تلقى عليه أو بالكتابات أو بغير ذلك، فإن الميت يتأذى به؛ لأن هذا من المنكر، تشريف القبر وتمييزه على غيره من القبور هذا منكر ولا يجوز. فعلى كلام الفقهاء يكون الميت يتأذى بذلك، ويكون هذا الذي أراد تشريف ميّته هو في الحقيقة آذاه. * طالب: (...) سماعهم يوم الجمعة أو صلاة الجمعة.. * الشيخ: هذا ما بصحيح على كل حال. * الثالثة: أن من لم يقبل الحق فهو بمنزلة الأصم الذي لا يسمعه؛ لقوله: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾. * الفائدة الرابعة: أن الجوارح والحواس التي لا يُنتفع بها كالمعدومة، وجه ذلك: أن هؤلاء لهم آذان ولهم سمع، لكن لما لم ينتفعوا به صاروا صُمًّا. * الفائدة الخامسة: بيان شدة إعراض هؤلاء عن الحق؛ لأنهم صم مولون مدبرون، وهذا أبعد ما يكون عن السماع، فالأصم إذا كان مقبلًا إليك قد يفهم منك ما يفهمه من الإشارات والحركات، فينتفع بذلك ولو كان أصم، لكن إذا ولّى مع الإدبار ولّى ببدنه وأدبر بقلبه أو بالعكس، فإن ذلك يكون أشد استحالة في سماعه مما إذا كان أصم مع الإقبال. وأيضًا في هذا دليل على أن الإنسان -والعياذ بالله- إذا ولى مدبرًا عن الشرع، فإنه قد يعاقب بالصمم عن سماع الحق؛ بحيث أنه ما ينفع له موعظة ولا نصيحة، وهذا هو الغالب، الغالب أن الإنسان إذا كان ما عنده إقبال على الحق أن يُحرم الحق، حتى لو تكلم الناس وفعلوا وأقاموا الأدلة ما انتفع بذلك. ونضرب لكم مثلًا الآن: بالمرابين والمتحايلين على الربا، هم ما يسمعون المواعظ؟ يسمعونها لكنهم يولون، يرون أن ما هم عليه لا بد أن يفعلوه، ولذلك ما وفقوا للانتفاع بها، ما وفقوا بل بقوا على ضلالهم، والسبب في هذا أن ما عندهم أي إقبال من الإقبال الذي ينفعهم، فلهذا نقول: إن هذه الآية تدل على أن الإنسان إذا ولّى مدبرًا عن الحق فإنه لا يوفق لسماعه. * الفائدة السابعة: أن المعرض عن الحق بمنزلة الأعمى، فهنا قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾. * الفائدة الثامنة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يملك هداية الخلق؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾، ولا يعارض هذا قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢]؛ لأن الهداية المثبتة غير الهداية المنفية. ما هي الهداية المثبتة؟ * طلبة: هداية الدلالة. * الشيخ: هداية الدلالة والعلم والبيان؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام معلم مبيّن، ودال للخلق على الحق، وأما التوفيق لذلك فهو بيد الله، فالجمع بين الهداية المثبتة للرسول ﷺ والمنفية عنه أن نقول: ما أثبت للرسول فهو هداية العلم والبيان، وما نفي عنه فهو هداية التوفيق والعمل، ما يستطيع هذا أبدًا. * ويستفاد من هذه الآية: أن هؤلاء الجماعة الذين أعرضوا عن الحق قد أُقفلت عليهم طرق الخير، فهم موتى القلوب؛ لم ينتفعوا بقلوبهم، صم الآذان؛ لم ينتفعوا بآذانهم، عمي العيون؛ لم ينتفعوا بعيونهم. والآيات إما عقلية أو مسموعة أو مرئية: فالعقلية محلها القلب، وقد انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾. والمشهودة بالعين، وقد انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾. والمسموعة بالآذان، انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾، فجميع الطرق التي تحصل بها الهداية في هؤلاء كلها والعياذ بالله مسدودة مغلقة. * الفائدة التاسعة أو العاشرة: أن الذي ينتفع بالآيات التي جاء بها الرسول هم المؤمنون بها ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾. * والحادية عشرة: أنه كلما قوي إيمان الإنسان بآيات الله قوي انتفاعه بها؛ لأنه عُلِّق على وصف الإيمان به في هذه الآيات، فكلما قوي هذا الوصف قوي الانتفاع. * الفائدة الثانية عشرة: أن الإيمان يستلزم الإسلام؛ لقوله: ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وهل الإسلام يستلزم الإيمان؟ * طلبة: ما يستلزمه. * الشيخ: ما يستلزمه قد يكون الإنسان مسلمًا وليس بمؤمن، ولهذا قيل: عند الرسول عليه الصلاة والسلام عن رجل إنه مؤمن فقال: «أَوْ مُسْلِمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧)، ومسلم (١٥٠ / ٢٣٦)، واللفظ له من حديث سعد بن أبي وقاص.]]، فدل ذلك على الفرق بين الإيمان وبين الإسلام. كثير من الناس الآن، كثير من المسلمين مسلمون، ولكن ليسوا بمؤمنين، وكثير من المسلمين مستسلمون وليسوا بمسلمين، فالمسلمون اليوم إما مستسلم، أو مسلم، أو مؤمن، أقلهم المؤمن بلا شك. والمسلم المستسلم كثير في البلاد التي غير بلادنا، أكثرهم مسلم بمعنى مستسلِم هوية فقط، ولهذا يجي ناس من البلاد الأخرى يقولون: ما نعرف نتوضأ، ولا نعرف نصلي، ولا نعرف أوقات الصلاة، ومع ذلك مكتوب في الهوية مسلم. القسم الثالث: المسلم غير المؤمن، وهذا كثير في بلادنا، مسلمون لكن ليسوا بمؤمنين. الدليل على هذا: أن الأعمال أو الأخلاق التي عُلِّقت بالإيمان تجدها مفقودة في كثير من هؤلاء لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، موجود هذا بكثرة؟ * طالب: بندرة. * الشيخ: بقلة، «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنّا»[[أخرجه مسلم (١٠٢ / ١٦٤)، والترمذي (١٣١٥) من حديث أبي هريرة، واللفظ للترمذي.]]، انتفاء الغش موجود بكثرة؟ بقلّة، «لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٠١٦) من حديث أبي شريح.]]، بقلّة وامشِ على هذا، لا يدخل الجنة نمَّام، هذا موجود النميمة بكثرة، فالمهم أن الإيمان بالنسبة للمسلمين اليوم قليل، والإسلام كثير، والاستسلام أكثر. * طالب: لا يدخل الجنة (...). * الشيخ: إي نعم، يدخل الجنة؛ لأن المسلم شرعًا بس ما دخل الإيمان في قلبه، فمآله إلى الجنة لكنه ما يدخل.. له معاصٍ، إما عاد أن يعذب عليها، وإما أن يُعفى عنه. * الطالب: ما الفرق (...)؟ * الشيخ: الفرق بينهما أن المسلم عنده إيمان، وأما المنافق فليس فيه إيمان إطلاقًا، المنافق قلبه خالي من الإيمان، والعياذ بالله. * الطالب: هو أرفع درجة يا شيخ؟ * الشيخ: المستسلم أرفع من المنافق، إي نعم؛ لأن المستسلم عنده يعني تجاه الإسلام حقيقة، لكن ما عنده الشيء مثل ما عند المسلم الذي ينفّذ الشرائع، يكون غالبًا جاهلًا. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، إي بمعنى أنه (...) أسلم، يحقق الإسلام. * الفائدة الثالثة عشرة: قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ تفيد بأن الآيات كثيرة ليست واحدة، وهي تنقسم إلى أيش؟ قسمين: آيات كونية، وآيات شرعية، فما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب فهو آيات شرعية، وما دلت عليه الحوادث، أو ما كان من الحوادث فهو من الآيات الكونية قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧] هذه أيش هي؟ * طلبة: كونية. * الشيخ: كونية، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف ٧] هذه الآيات الشرعية. ما وجه كون الآيات آيات: لأنها دالة على الله، ما نقول: على خالقها ونريد بها الشرعية، دالة على الله. والآيات الكونية دالة على الخالق من حيث القدرة والحكمة والسلطان إلى غير ذلك من معاني الربوبية، والآيات الشرعية دالة على منزّلها من حيث العدل والإصلاح؛ لأن جميع الشرائع ما هو شريعة الإسلام فقط -الذي جاء بها محمد- كلها تحارب الفساد، وكلها تقرر الصلاح، لكن شريعتنا تمتاز على غيرها بأنها تراعي المصالح العامة (...).

النمل 27:82

﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢]. إذا وقع عليهم القول يقول المفسر: (حق العذاب أن ينزل بهم في جملة الكفار)، وهذا تفسير منه على أن الضمير في قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ يعود إلى كفار مكة، ولهذا احتاج أن يقول: (في جملة الكفار) لأجل التوطئة لما بعده ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾. ويجوز أن يكون الضمير عائدًا إلى جميع الناس؛ أي: إذا وقع القول على الناس، ولا يكون المراد بالقول هنا القول بالعذاب، بل يجوز أن يكون المراد به: القول بانتهاء الدنيا، وتحمل الآية على الدابة التي تخرج في آخر الزمان، وهي من أشراط الساعة. وقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾ نكرها؛ لأنها غير معروفة فكأنها دابة منفردة في نوعها. وقوله: ﴿دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾ هل هي متعلقة بـ(دابة) أو بـ(أخرجنا)؟ الظاهر أنها متعلقة بـ(دابة)؛ يعني: أخرجنا لهم دابة من الأرض لا من السماء. وقوله: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ يعني: تكلم الناس، والكلام هنا بمعنى الحديث قال: (أي: تكلم الموجودين حين خروجها بالعربية)، يجوز أن تكون بالعربية أو بغيرها، على كل حال أنها تكلم الناس بكلام يعرفونه، هذا هو المتبادر من الكلام. ويرى بعض المفسرين أن المراد بالكلام هنا الجرح، تكلمهم؛ يعني: تجرحهم، أي: تخمشهم بأظفارها. قالوا: لأن الكلم يأتي بمعنى الجرح كقوله ﷺ: «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَثْعَبُ دَمًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٠٣)، ومسلم (١٨٧٦ / ١٠٥) بنحوه، من حديث أبي هريرة.]]، ولكن هذا القول ليس بصحيح؛ لأن الأصل في الكلام هو النطق، ولا معنى لكونها تجرح الناس، لكن تكلمهم بماذا؟ قال: (من جملة كلامها عَنَّا ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾ ) إلى آخره. قوله: (من جملة كلامها عَنَّا) أي: أنها تقول على لسان الله؛ لأن قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ لا يستقيم أن يكون من كلام الدابة عن نفسها؛ إذ إنها -أي: الدابة- ليس لها آيات يجب الإيقان بها، وإنما الآيات التي يجب الإيقان بها لله، ولهذا يقول المؤلف هنا: (عَنَّا ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أي: كفار مكة، وعلى قراءة فتح همزة أن تقدر الباء بعد تكلمهم) أي: تكلمهم بهذا الكلام ﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾. استفدنا من كلام المؤلف (وعلى قراءة فتح): أن الأصل الذي فسره بالكسر (إن الناس)، تكلمهم إن الناس يكون هذا مبتدأ الكلام، وعلى قراءة الفتح يكون على تقدير حرف الجر؛ أي: بأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون. وقول المؤلف: (إن المراد بالناس كفار مكة) هذا فيه نظر ظاهر، بل إن المراد بالناس الموجودون في ذلك الوقت، الذين وقع عليهم القول فأخرجت لهم الدابة تنذرهم، وأما كونه يقال: إن كفار مكة لا يوقنون، فلا حاجة إلى إخبارها عنهم، إخبار القرآن عنهم، أوكد من إخبار هذه الدابة عنهم، فكلام المؤلف هنا فيه نظر ظاهر، وليس بصواب أبدًا بل هو خطأ، فهي تكلم من؟ الناس الذين وقع عليهم القول حين خروجها تحذرهم أن الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون، هذا ما مشى عليه المؤلف وأكثر المفسرين على أن كلام هذه الدابة: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ ولهذا احتاج إلى تقدير (أن). لكن ابن كثير استبعد هذا القول وقال: إنها تكلمهم تحدثهم بحديث مستقل ما بين في القرآن. ويكون قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ هذا تعليل لقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾، يعني: فليست الدابة هي التي تقول للناس: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾؛ لأن هذا القول لا يمكن أن تنطق به الدابة؛ إذ إنه لا يصح أن يكون إلا من الله؛ لهذا أنكر هذا القول، مع أن ابن جرير رحمه الله تعالى اختاره، لكنه هو على أنه مختصر لابن جرير أنكر هذا، وقال: إنها تكلمهم بكلام لم يُبيّن، وأن قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ ، بالفتح أو بالكسر الجملة تعليل؛ لقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ أيش معنى لا يوقنون؟ يقول: أي: (لا يؤمنون بالقرآن المشتمل على البعث والحساب والعقاب)، وتفسير الإيقان بالإيمان فيه قصور، لكنه تقريبي؛ لأن الإيقان أبلغ من الإيمان وأخص منه، فهو درجة عالية أعلى من الإيمان، ولهذا يقال: أيقنت بكذا، أبلغ من قولك: آمنت به. وهذه الدابة أولًا نبحث فيها: هل هي الدابة التي تخرج في آخر الزمان، والتي ذكرها النبي ﷺ من علامات الساعة، أو دابة أخرى؟ يرى بعض العلماء أنها هي الدابة التي تكون في آخر الزمان. ويرى آخرون: أنها دابة أخرى، ولهذا جاءت في الحديث معرّفة، وجاءت هنا منكّرة، فيقال: دابة والله أعلم بها، هل هي التي تكون من أشراط الساعة، أو أنها دابة مستقلة؟ لأننا لو نعلم أن الحديث بعد هذه الآية لقلنا: إن الدابة في الحديث للعهد الذهني؛ يعني: الدابة التي عرفتموها وتحدث الله عنها، وحينئذٍ تكون الدابة هنا هي الدابة هناك، ولكننا لا نعلم، ولهذا التوقف أوْلى هل هي هي أو غيرها؟ ثانيًا: هذه الدابة مبهمة من حيث المكان ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾، لكن من أي مكان تُخرج؟ وردت أحاديث، لكنها ضعيفة أنها تخرج من مكة من أجياد ولا من الصفا[[أخرجه الطبري في التفسير (١٨ / ١٢١)، ونعيم بن حماد في الفتن (١٨٦٦) من حديث ابن عمر موقوفًا.]] ولا من مكان آخر، المهم أنها تخرج من مكة، ولكنها أحاديث ضعيفة لا يعتمد عليها في العقيدة. ثم هل هي تُخرج حقيقة من الأرض، تنشق عنها الأرض تخرج سواء من مكة أو غيرها، أو أن المراد بالإخراج هنا: إبرازها وإظهارها، وأنها دابة يعني كغيرها من الدواب، ثم تتبين بما يحصل لها من النطق، ويكون هذا كقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ»[[أخرجه الترمذي (٢١٨١) من حديث أبي سعيد الخدري.]]؛ لأن السباع في آخر الزمان تكلم الإنس. هذه أيضًا محل توقف، ولذلك هذه الدابة نكرة لفظًا أيش بعد؟ ومعنى؛ يعني: نحن ما نعرفها تمامًا، وما وصفت بالقرآن أو بالسنة أوصافًا بحيث يجزم الإنسان بها. البحث الرابع: هذه الدابة هل هي من جنس الدواب، أو أنها دابة معينة على شكل معين؟ تكلموا فيها كلامًا طويلًا في هذا، وكل ما ذكروا إنما هو مأخوذ عن بني إسرائيل، ولا يمكن أن يصدق، غاية ما هنالك أنه يُذكر يحدّث به ولا يصدّق ولا يكذب، ولا يُعتمد عليه في العقيدة، ذكروا عن آذانها وذكروا عن عينها وعن رجلها، أشياء غريبة جدًّا. * طالب: مثل الدجال. * الشيخ: إي، المهم أننا نقول: نُبهم ما أبهمه الله، ولا نعين ما لم يُعينه الله ورسوله، وحسبنا أن نؤمن بأنه إذا وقع القول على الناس فسوف يُخرج الله لهم دابة من الأرض تحدّثهم، وتكون هذه الدابة آية على أن العذاب قد قرُب وقوعه منهم، هذا غاية ما يُستدل به من هذه الآية أو يُستدل عليه من هذه الآية. إذن: يكون قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ . ليس من قول الدابة على هذا التقدير، بل هو من قول الله تعليل لقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ يعني: يخرجها لأن الناس كانوا. وعليه فيكون مطابقة هذا التعليل للشرط في قوله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يكون مطابقته مطابقة السبب شو له؟ للمسبب، إذا كانوا لا يوقنون حينئذٍ وقع عليهم القول، وحينئذٍ أخرجت الدابة. * طالب: ذكرت قول المفسر أنه ذكر ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ من كلام الدابة، وقلتم إنه على لسان الله (...). * الشيخ: لا، يعني: عن الله، على لسان الدابة. * الطالب: طيب. هنا قوله: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ يختل المعنى إذا تعلق بالدابة (...). * الشيخ: إي، يختلف المعنى، إذا قال: أخرجنا لهم دابة من الأرض، يمكن أن يكون ملكًا ينزل ويخرج من الأرض، ينزل بالأرض ثم يخرج منها؛ لأنه ما عيّن من أين يكون هذه الدابة، وأما إذا قلنا: دابة من الأرض فتتعين أن تكون من دواب الأرض. * طالب: يمكن أن نقول مثلًا: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ يعني كيس، وأنها تكلمهم بمعنى تكلفهم، ويكون المعنى: أن تسليط هذا النوع من الدابة (...)؟ * الشيخ: هذا بعيد، ولا يمكن أن يقال.. * الطالب: يعني أن الناس.. * الشيخ: أقول: يمكن يقال: إنهم إذا لم يوقنوا بآيات الله أن الله يسلط عليهم السباع تأكلهم وتجرحهم، لكن هذا بعيد، ولا رأيت هذا من كلام السلف، بل هو من كلام المتأخرين. قال: ﴿تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾. قوله: ﴿بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾. المراد بالآيات هنا الكونية والشرعية، لكن الكونية، ألم يوقن بها الكفار؟ لكنه إيقان لم ينفعهم، والشيء الذي لا ينفع يصح أن يُنفى لعدم الانتفاع به. قال: (وبخروجها) بخروج الدابة (ينقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يؤمن كافر) لماذا؟ لأنه قد وقع عليهم القول، وإذا صح هذا التفسير، فإن معنى ذلك أن هذه الدابة من أشراط الساعة؛ لأنه لا يكون الأمر كذلك إلا في آخر الزمان بعد أن «يَنْزِل عِيسَى وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ سَبْعَ سِنيِنَ، لَا يَحْصُلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ وَلَا شَحْنَاءُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ فَتَقْبِضُ نَفْسَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٤٠ / ١١٦) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. فهذا إذا كان هذا الذي فهمه المؤلف من هذه الآية بهذا الأمر، فإن هذه الدابة يكون خروجها بعد عيسى بن مريم؛ لأنه بعد ذلك يقول المؤلف: (أنه لا يؤمن كافر، ولا يؤمر بمعروف، ولا ينهى عن المنكر). ولكن موقفي في هذا أن أقول: الله أعلم؛ يعني أن هذه المسألة من مسائل الغيب التي يتوقف الإنسان فيها إلا على ما يفيده ظاهر القرآن. فنقول: إيماننا بهذا أن نقول: إنه إذا وقع القول على الناس باستحقاق العذاب أخرج الله لهم هذه الدابة التي تكلمهم، ولا نزيد على هذا، ولا نقول: ينقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا نقول: إنه لا يؤمن كافر؛ لأن ذلك أمر يحتاج إلى توقيف. ثم قال: (كما أوحى الله إلى نوح عليه الصلاة والسلام ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، ﴿وَ﴾ اذكر ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ جماعة ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ وهم رؤساؤهم المتّبعون ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: 83]؛ أي: يجمعون برد آخرهم إلى أولهم ثم يساقون). قال: (واذكر يوم)، يستفاد من هذا التفسير أن يوم ظرف، وأن عامله محذوف، التقدير اذكر يوم، وهذا التركيب له نظائر في القرآن، ويكون تقديره على هذا كما قدر المؤلف هنا. وقوله: ﴿نَحْشُرُ﴾ بمعنى (نجمع). وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ الأمة: هي القبيلة أو الطائفة الكبيرة من الناس، والفوج أقل منهم، ولهذا يقول المؤلف: (وهم رؤساؤهم المتّبعون). وقوله: ﴿فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ﴾ (من) هذه لبيان الجنس؛ أي: فوجًا من المكذبين بآيات الله الكونية والشرعية أو إحداهما. (وهم) أي: الفوج (رؤساؤهم المتّبعون)، فهم يحشرون فيجمعون، ثم بعد ذلك يوزعون. والوزع: بمعنى (المنع)؛ أي: يُحبس أولهم حتى يجتمع به آخرهم، ولهذا قال: (برد آخرهم إلى أولهم) فيكونون زمرة واحدة (ثم يساقون) إلى الله تبارك وتعالى. فإذا (﴿جَاءُوا﴾ مكان الحساب ﴿قَالَ﴾ الله تعالى لهم: ﴿أَكَذَّبْتُمْ﴾ أنبيائي ﴿بِآيَاتِي﴾ ). * طالب: الوزع ما معناه؟ * الشيخ: الوزع بمعنى الجمع من باب الشيء إذا.. * الطالب: بمعنى (...). * الشيخ: يمكن يأتي بمعنى (...)، إلا هنا بمعنى الجمع؛ يعني يجمع الأول إلى الآخر. قال: (﴿أَكَذَّبْتُمْ﴾ أنبيائي ﴿بِآيَاتِي﴾ ) المؤلف قال: (أنبيائي)، يشير بذلك إلى أن مفعول كذبتم محذوف، وأن ﴿بِآيَاتِي﴾ حال من أنبيائي، ولكن هذا التقرير لا معنى له ولا داعي له؛ لأن التكذيب دائمًا يقع معموله مُعدّى بالباء، كذب بآيات الله، ما هو قال: كذب أنبياء الله بآيات الله؟ بل كذب بآياتي، والتكذيب هنا مضمّن معنى الجحد، فعليه نقول: لا حاجة إلى تقدير المؤلف أنبيائي، بل نقول: بآياتي جار ومجرور متعلق بكذبتم. ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ يعني: أنكرتموها وجحدتموها. (﴿وَلَمْ تُحِيطُوا﴾ مِن جهة تكذيبكم ﴿بِهَا عِلْمًا﴾ ) إلى آخره. ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا﴾ شوف المؤلف كيف حلها (مِن جهة تكذيبكم ﴿بِهَا عِلْمًا﴾ ) والإحاطة بالشيء بمعنى إدراكه من جميع الجوانب، وأصله مشتق من الحائط؛ لأنه يحيط بالمكان، فمعنى أحاط بالشيء: أدركه من جميع جوانبه. المؤلف فسر هنا الإدراك من جهة تكذيبهم؛ أي: أنكم كذبتم من غير أن يكون لديكم علم بالتكذيب؛ كذبتم بلا علم، ولكن يحتمل معنى آخر: أنكم كذبتم بالآيات قبل أن تدركوها، فيكون من البِدار بالشيء قبل أن يدركه. كما قال ابن القيم: إِنَّ الْبِدَارَ بِرَدِّ شَيْءٍ لَمْ تُحِطْ ∗∗∗ عِلْمًا بِهِ سَبَبٌ إِلَى الْحِرْمَانِ الآن لدينا تفسيران: أحدهما: أن قوله: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾؛ أي: من جهة تكذيبكم، والمعنى على هذا: أنكم كذبتم بدون علم، فهمتم هذا المعنى، وهو الذي مشى عليه المؤلف، قال: (﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا﴾ من جهة تكذيبكم)، الآن إذا أتاك رجل بخبر وقلت: كذبت؛ لأن فلانًا الذي أخبرت به هو موجود عندي في تلك الساعة، الآن كذبت بعلم ولّا بغير علم؟ * طلبة: بعلم. * الشيخ: بعلم؛ يعني مثلًا قال لك: إن فلانًا رأيته في بُريدة مثلًا أمس، فقلت له: كذبت، فلان أمس عندي، فهنا كذبت بعلم، مفهوم؟ فإذا قال: رأيت فلانًا في بريدة أمس فقلت له: كذبت وأنا ما أدري، فقد كذبت بلا علم. الآن المؤلف ويش يقول؟ يقول: (من جهة تكذيبكم بها)؛ يعني: أنكم كذبتم بغير علم. فيه رأي آخر يقول: لا ﴿لَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾؛ يعني أنكم كذبتم بها من غير روية ومن غير تأمل، هذا المعنى؛ يعني أنكم رددتموها من أول وهلة، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، الفرق بين المعنيين ظاهر الآن، الفرق بينهما ظاهر والأقرب المعنى الثاني؛ لأن قوله: كذّبتم بآياتي والحال أنكم لم تحيطوا بها علما أبلغ من كونهم كذّبوا بعد أن ترووا، ولكن لم يجدوا لتكذيبهم دليلًا، فهم كذبوا من غير تروٍ، بل إنهم في الحقيقة وخصوصًا الرؤساء منهم يعلمون أن ما جاءت به الرسل فهو الحق، ولكن كذّبوا بشيء مثل ما قال الله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس ٣٩]، كذّبوا بشيء لم يحيطوا بعلمه، بل من أول وهلة، وهذا أشد في اللوم عليهم، فعليه الاستفهام في قوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ [النمل ٨٤]، ويش هو له؟ للتوبيخ، الاستفهام للتوبيخ واللوم؛ لأن من كذب بالشيء بعد دراسته والإحاطة به، ثم يتبين له الكذب هذا ما يلام عليه، لكن من كذب لأول مرة بدون أن يحيط به علمًا، فهو دليل على أنه ليس بقابل إطلاقًا للحق. قال تعالى: ﴿أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقول: (﴿أَمَّا﴾ فيه إدغام ما الاستفهامية) وين هو الإدغام؟ في أم التي للإضراب، وأصله أم بمعنى بل، ثم أدغم إحداهما في الأخرى. (و﴿ذَا﴾ موصول أي: ما الذي ﴿كُنتُمْ﴾ )، ويجوز أن نجعل (ذا) مركبة مع (ما)، وتكون ماذا كلها اسم استفهام، ولكن ليس هذا في كل مكان يجوز هذا وهذا، إنما في مثل هذا التركيب يجوز أن نجعل (ماذا) اسم استفهام جميعًا، وأن نجعل (ما) اسم استفهام و(ذا) اسمًا موصولًا؛ أي: ما الذي كنتم تعملون؟ وعلى هذا التقدير الأخير: يجب أن نقدر ضميرًا في قوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾، ليكون عائدًا إلى اسم الموصول، وعلى الأول لا حاجة لذلك، ونجعل (ماذا) مفعولًا مقدمًا لـ (تعملون). * طالب: (...). * الشيخ: لا، أصل (أم) منقطعة عن هذا، يعني (أم) لحالها مكتوبة وحدها، لكن أدغمت فبنيت.. * الطالب: (...) تجمع أم ماذا هنا لا تجمع. * الشيخ: لا (...) هي لا بد أن (ما) اسم استفهام على كل حال، لكن هل تقدر (ما) اسم استفهام و(ذا) اسمًا موصولًا وتحتاج إلى عائد يعود على الموصول في تعملون، أو نقدر (ماذا) جميعًا على أنها اسم استفهام. * الطالب: إعراب (...)؟ * الشيخ: لا، نقول: (أم) هذه حرف عطف بمعنى (بل)، والهمزة للاستفهام، نظيرها في القرآن: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة ٢١٩] فيها قراءتان: ﴿قُلِ الْعَفْوُ﴾ ، و﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾. كيف نعرب (ماذا ينفقون) على قراءة الرفع ﴿مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُ﴾ ؟ * طالب: ينفق العفو. * الشيخ: إي، لكن كيف نعرب (ماذا) على قراءة الرفع؟ نعرب (ماذا): (ما) اسم استفهام، و(ذا) اسم موصول، لأجل إذا قلت: (ما) اسم استفهام، و(ذا) اسم موصول، صارت (ما) مبتدأ، و(الذي) خبره، والكل منهما مرفوع، ثم يأتي: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾؛ لأن الجواب مطابق للسؤال؛ أي: العفو الذي ينفقوه. أما على قراءة النصب ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ فيتعين أن تجعل (ماذا) كلها اسم استفهام، مفعول مقدم لـ(ينفقون)؛ لأجل أن تكون مطابقة للجواب؛ لأن الجواب منصوب فيكون السؤال كذلك منصوبًا، وهذا هو الذي يبيّن لك الفرق بين الإعرابين، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. نقول: على هذه القراءة يجب أن نُعرب (ماذا) اسم استفهام مفعولًا مقدَّمًا لـ(ينفقون)، ويش لأجل؟ لأننا نعرف أن الجواب يكون مطابقًا للسؤال، فإذا كان السؤال منصوبًا كان الجواب منصوبًا، على قراءة الرفع ﴿قُلِ الْعَفْوُ﴾، نجعل (ما) استفهام مبتدأ، و(ذا) اسم موصول خبرها؛ يعني: ما الذي ينفقون؟ فيكون التقدير: الذي ينفقونه العفوُ، وتكون مرفوعة. * طالب: (...). * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ماذا ينفقون. * الشيخ: محذوف الذي ينفقونه. * طالب: (...) الآية ما نحتاج إلى ضمير؟ * الشيخ: إذا جعلناها اسمًا موصولًا، التقدير: ماذا كنتم تعملونه. ﴿أَمَّاذَا كُنتُمْ﴾ ماذا كنتم تعملون؛ يعني في الدنيا. فيكون الله تعالى وبخهم على أمرين: أمر يتعلق بالعقيدة وهو قوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾. وأمر يتعلق بالعمل وهو قوله: ﴿مَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لأن ﴿مَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هذه استفهام لإنكار ما يعملونه، فيكون في هذا توبيخًا على العقيدة والعمل، وسيكون إن شاء الله فيه فائدة مهمة لمسألة اختلف فيها الأصوليون نبحثها غدًا إن شاء الله. (﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ﴾ حق العذاب ﴿عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾ أي: أشركوا ﴿فَهُمْ لا يَنطِقُونَ﴾ إذ لا حجة لهم). ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ﴾ يعني: قول الله بالعذاب، فإن الله تبارك وتعالى يأمر بتعذيبهم إذا لم يجيبوا، وهذا السؤال -كما عرفتم- ليس سؤال استخبار واستعلام، ولكنه سؤال توبيخ وتقريع، حينئذٍ يقع عليهم القول، وهذا القول الذي وقع عليهم لم يظلموا به، ولكن هم الذين ظلموا، ولهذا قال: ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾؛ أي: بسبب، و(ما) هنا مصدرية؛ يعني أن الفعل بعدها يحول إلى مصدر، فيكون التقدير: بظلمهم، وقع القول عليهم بظلمهم. وقول المؤلف: (أي: أشركوا) ينبغي أن يقول: أن نفسّر الظلم بما هو أعم من الشرك؛ لأن الله سبحانه وتعالى وبّخهم على التكذيب، وعلى العمل المنحرف، فيكون الظلم الذي حصل منهم التكذيب والجحد الذي يتضمن الإشراك، وكذلك الفسوق والعصيان الذي حصل منهم كإيذاء الرسل وغير ذلك، فالأصح أن نجعل ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾؛ أي: بسبب ظلمهم ومنه الشرك. ﴿فَهُمْ لا يَنطِقُونَ﴾ الفاء مفرّعة على قوله: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: بعد أن وقع عليهم القول استحقوا العذاب ما يستطيعون النطق، يقول المؤلف: (إذ لا حجة لهم). وهذا في آخر الأمر؛ لأنهم كانوا بالأول ينطقون ويدافعون، ولكنهم إذا رأوا أن جوارحهم شهدت عليهم حينئذٍ أمسكوا ما يستطيعون الآن، وإلا يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]، فهم يقولون: ما أشركنا، ويقولون أيضًا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٧، ٢٨] فهم يتكلمون ويدافعون عن أنفسهم، ولكن ذلك لا ينفعهم، ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢] فالمهم أنهم يتكلمون. فقوله هنا: ﴿فَهُمْ لا يَنطِقُونَ﴾ هذا يكون الجمع بينه وبين الآيات الدالة على نطقهم، أن للقيامة أحوالًا؛ لأن يوم القيامة كم مقداره؟ مقداره خمسون ألف سنة، فالأحوال تتغير يكون الناطق فيه ساكتًا، ويكون الساكت فيه ناطقًا، وتتقلب الأحوال ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور ٣٧] لما ترى، فهم في حال لا ينطقون، وفي حال ينطقون ويدافعون. ولكنهم مهما قالوا، ومهما فعلوا فإن لديهم شهودًا من أنفسهم ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور ٢٤] اللسان ينطق بما قال، واليد تنطق بما فعلت، والرجل تنطق بما فعلت. وأبلغ من ذلك الجلود تشهد بما لمست، فجميع الذي فيه الإدراك والحاسة يشهد على هؤلاء بما فعلوه، وحينئذٍ ما يستطيعون أن يدافعوا، ما دام أن هذه الأشياء تشهد عليهم، إذن من يشهد لهم؟ فهم لا ينطقون. * طالب: يقاس عليه العمل؟ * الشيخ: الأعمال؟ * الطالب: العمل.. * الشيخ: يقاس في أيش؟ * الطالب: فيه آيات تدل على أنه.. * الشيخ: يحشرون يوم القيامة على وجوههم عميًا وبكمًا وصمًا. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، تتغير الأحوال، المتكبرون يحشرون يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم، ولكنهم إذا دخلوا النار يصير ضرس الواحد منهم مثل أحد والعياذ بالله. قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [النمل ٨٦]. ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ الرؤية هنا بصرية ولا علمية؟ * طالب: علمية. * الشيخ: علمية وبصرية أيضًا، لكن كونها علمية أعم؛ لأن من أبصر الشيء علمه، وليس كل من علم الشيء أبصره، فالأعمى يرى الليل؛ يعني يعلمه، والمبصر يراه بعينه وبصيرته. والهمزة هنا ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ للتقرير، تقرير هذه الرؤية التي لا ينكرها أحد. ﴿أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ﴾ فسر المؤلف (الجعل) هنا بالخلق، فيكون متعديًا بمفعول واحد، ويجوز أن يكون الجعل هنا بمعنى التصيير؛ يعني: أنا جعلنا الليل مظلمًا ليسكنوا فيه. ويدل على هذا قوله تعالى الذي بعده: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ ليتصرفوا فيه، ويكون حذف من كل جملة ما دل عليه المذكور في الجملة الأخرى، ويسمى هذا في علم البديع بالاحتباك. الاحتباك: أن يُذكر في كل جملة ما حُذف من الأخرى مع التقابل. هنا نقول: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ﴾ مظلمًا ﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ حذف من هذا (مظلمًا)، ذكر مقابله (مبصرًا)، وحُذف من قوله: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ (ليتصرفوا فيه)، وذكر في مقابله (ليسكنوا فيه)، فيكون في الجملة احتباك. وهذا يكون استفدنا المعنى مع الاختصار، على هذا التقدير الذي ذكرنا يكون جعلنا ليست بمعنى (خلقنا)، بل بمعنى (صيّرنا) تنصب مفعولين؛ المفعول الأول (الليل)، والمفعول الثاني: محذوف تقديره (مظلمًا). ﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ اللام هنا للتعليل، والسكون معناه هو القرار وعدم الحركة، ولذلك كان الليل محل السكون للخلق، ولكنه بإذن الله محل عمل لخلق آخرين. الهوام والسباع ما تعمل إلا في الليل؛ لأنها تختفي في النهار إما خوفًا من الناس، وإما رحمة من الله عز وجل بالخلق؛ لأنه لو كانت هذه السباع وهذه الهوام تفترش بالنهار أتعبت الناس، ولكنها -والحمد لله- ما تظهر إلا بالليل، إذا سكن الناس بدأ عملها بالتناوب، وهذا من رحمة الله تبارك وتعالى بالخلق أن يكون هذا التبادل ليعيش الناس بسلام، حتى هي أيضًا أزين لها إذا كان ما تعيش إلا بالليل آمن لها، ما تعارض. فهنا المراد بالسكون؛ يعني الآدميين ومن أشبههم ممن سكونهم الليل، ولهذا كان الإنسان إذا أراد الصحة فليكن الليل سكنًا له، ولا سيما أول الليل، «فإن النبي ﷺ كَانَ يَكْرَهُ الْحَدِيثَ بَعْدَ الْعِشَاءِ»[[أخرجه ابن ماجه (٧٠٣)، وأحمد (٣٦٨٦) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]. وقد ذكروا أن نوم الليل الساعة منه تقابل ساعات من النهار، هذه الثروة السكونية التي أضعناها الآن بما لا نفع فيه، بل بما فيه ضرر الآن، الآن الناس يعكفون على مشاهدة التلفزيون إلى نصف الليل تقريبًا، بينما إنه في الدول الغربية مع الأسف الشديد الكافرة الملحدة لا يتجاوز الساعة التاسعة من الليل، الساعة التاسعة مغلق التلفزيون؛ لأنهم يعلمون (...) وعلى عمّالهم، وعلى مثقفيهم، فهم لا يريدون الضرر بالأمة، يقولون: إذا أبقيناه إلى ما بعد التاسعة سهر الناس عليه، وكان في ذلك إنهاك للعمال، وكان في ذلك إهمال للطلبة، فلذلك نحن نغلقه من الساعة التاسعة حتى ينام الناس، وحتى لا نكون نحن تسببنا الناس في إرهاقهم. وحدثني بذلك عدة أناس من الذين جاؤوا من أوروبا، يقولون: أبدًا، ما يمكن يتجاوز الساعة التاسعة، اللهم عاد (...) إلا في الأشياء النادرة، لكن هذا هو برنامجهم. نحن الآن مع الأسف الشديد يقولون: إنه يبقى إلى فوق الثانية عشرة؛ يعني الثانية عشرة نصف الليل..، هذا مع ما يتطلب من الناحية الاقتصادية، كم يستهلك الناس من الكهرباء في هذه الساعة؟ تلفزيوناتهم، وكذلك أيضًا في أنوارهم؛ لأن المكان لا بد له من نور، يستهلك نور، يستهلك كهرباء في التلفزيون، كم يكلّف العالم؟ وكم يرهق المعدات أيضًا؟ هذا بقطع النظر عن المفاسد الأخرى البدنية، ولكن العبرة بمن بصّره الله تبارك وتعالى، فمثل هذا المسؤول الآن راعي البيت، أنه إذا كانت مثلًا الساعة التاسعة يأمر أهله بالنوم ويغلقه. * طالب: أو يكسره. * الشيخ: لا، الكسر لا (...) والنبي عليه الصلاة والسلام «كَرِهَ الْحَدِيثَ بَعْدَ الْعِشَاءِ»، كنا نسهر إلى نصف الليل أحيانًا أو إلى أكثر، وليس ليلة طارئة؛ حتى نقول: العوارض عوارض، بل هي دائمًا في الغالب. هؤلاء الذين يسهرون إلى ما بعد نصف الليل: أولًا: ربما لا يقومون لصلاة الفجر، وإذا قاموا نصفهم نوم يؤدونها بكل كلافة ومشقة، أو ينامون يمكن في نفس المسجد أو في نفس الصلاة، ثم إذا رجعوا إلى بيوتهم ينامون إلى متى؟ * طلبة: الظهر. * الشيخ: إلى الظهر؛ يعني: أول النهار اللي هو محل البركة، ومحل العمل يضيّع، والليل اللي هو محل السكون يضيّع السكون فيه، وهذا من نقص الوعي في المسلمين، هذا بالحقيقة يعتبر نقص وعي للمسلمين. يقولون عن الكفار: حدثني واحد قبل أمس، يقول: إن هناك عندهم عطلة السبت والأحد، السبت لأجل اليهود والأحد لأجل النصارى، لكن يقول: (...) ليلة الاثنين من غروب الشمس، وكل في محله، ما يمكن لأجل منين يكون الصباح وإذا هو مباشر لعمله، ما يمكن يتأخرون، يقول: غريب؛ يعني العوائل يبتغون يتنزهون باليومين ها دول عاد إلى المنتزهات، لكن ما يمكن إذا غابت ليلة الاثنين، غابت الشمس ليلة الاثنين، وإذا كل إنسان في محله، يكون متهيئًا للعمل. إذا قارنت حال هؤلاء بحال المسلمين اليوم، مع أن أحوالهم هذه هي التي يجب أن تكون للمسلمين، وجدت هذا السبب اللي جعلنا نتأخر، وجعلنا في هذا الذل، وجعل كثير من شبابنا ما هم مقتنعين بأحوالنا؛ يعني بعض الشباب الآن المنحرف قد يكون له عذر، يقول: أنتم تقولون الإسلام والإسلام، وين الإسلام؟ ما شفنا شيئًا! ولكن نقول: الذنب ذنب من؟ ذنب من ينتسبون للإسلام ليس ذنب الإسلام، ذنب من يقولون: نحن أهل الإسلام، وفي أهل الإسلام من لا يعرف أركان الإسلام، صدقوني بعض الناس المسلمين الآن اللي يقولون هم مسلمون، مكتوب على هويتهم مسلم، ما يعرف يتوضأ ولا يصلي، هذا موجود، ما يعرف يتوضأ ولا يصلي. إذن البيئة ويش تكون معناه؟ معنى هذا أن البيئة ما تتوضأ ولا تصلي، فأين الإسلام من قوم لا يتوضؤون ولا يصلون؟! هذا هو الذي أخّرنا، ولذلك أنا والله أحب دائمًا أن يكون لدى أهل العلم تطور في الحركة والعمل..

النمل 27:83

﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢]. إذا وقع عليهم القول يقول المفسر: (حق العذاب أن ينزل بهم في جملة الكفار)، وهذا تفسير منه على أن الضمير في قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ يعود إلى كفار مكة، ولهذا احتاج أن يقول: (في جملة الكفار) لأجل التوطئة لما بعده ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾. ويجوز أن يكون الضمير عائدًا إلى جميع الناس؛ أي: إذا وقع القول على الناس، ولا يكون المراد بالقول هنا القول بالعذاب، بل يجوز أن يكون المراد به: القول بانتهاء الدنيا، وتحمل الآية على الدابة التي تخرج في آخر الزمان، وهي من أشراط الساعة. وقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾ نكرها؛ لأنها غير معروفة فكأنها دابة منفردة في نوعها. وقوله: ﴿دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾ هل هي متعلقة بـ(دابة) أو بـ(أخرجنا)؟ الظاهر أنها متعلقة بـ(دابة)؛ يعني: أخرجنا لهم دابة من الأرض لا من السماء. وقوله: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ يعني: تكلم الناس، والكلام هنا بمعنى الحديث قال: (أي: تكلم الموجودين حين خروجها بالعربية)، يجوز أن تكون بالعربية أو بغيرها، على كل حال أنها تكلم الناس بكلام يعرفونه، هذا هو المتبادر من الكلام. ويرى بعض المفسرين أن المراد بالكلام هنا الجرح، تكلمهم؛ يعني: تجرحهم، أي: تخمشهم بأظفارها. قالوا: لأن الكلم يأتي بمعنى الجرح كقوله ﷺ: «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَثْعَبُ دَمًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٠٣)، ومسلم (١٨٧٦ / ١٠٥) بنحوه، من حديث أبي هريرة.]]، ولكن هذا القول ليس بصحيح؛ لأن الأصل في الكلام هو النطق، ولا معنى لكونها تجرح الناس، لكن تكلمهم بماذا؟ قال: (من جملة كلامها عَنَّا ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾ ) إلى آخره. قوله: (من جملة كلامها عَنَّا) أي: أنها تقول على لسان الله؛ لأن قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ لا يستقيم أن يكون من كلام الدابة عن نفسها؛ إذ إنها -أي: الدابة- ليس لها آيات يجب الإيقان بها، وإنما الآيات التي يجب الإيقان بها لله، ولهذا يقول المؤلف هنا: (عَنَّا ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أي: كفار مكة، وعلى قراءة فتح همزة أن تقدر الباء بعد تكلمهم) أي: تكلمهم بهذا الكلام ﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾. استفدنا من كلام المؤلف (وعلى قراءة فتح): أن الأصل الذي فسره بالكسر (إن الناس)، تكلمهم إن الناس يكون هذا مبتدأ الكلام، وعلى قراءة الفتح يكون على تقدير حرف الجر؛ أي: بأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون. وقول المؤلف: (إن المراد بالناس كفار مكة) هذا فيه نظر ظاهر، بل إن المراد بالناس الموجودون في ذلك الوقت، الذين وقع عليهم القول فأخرجت لهم الدابة تنذرهم، وأما كونه يقال: إن كفار مكة لا يوقنون، فلا حاجة إلى إخبارها عنهم، إخبار القرآن عنهم، أوكد من إخبار هذه الدابة عنهم، فكلام المؤلف هنا فيه نظر ظاهر، وليس بصواب أبدًا بل هو خطأ، فهي تكلم من؟ الناس الذين وقع عليهم القول حين خروجها تحذرهم أن الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون، هذا ما مشى عليه المؤلف وأكثر المفسرين على أن كلام هذه الدابة: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ ولهذا احتاج إلى تقدير (أن). لكن ابن كثير استبعد هذا القول وقال: إنها تكلمهم تحدثهم بحديث مستقل ما بين في القرآن. ويكون قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ هذا تعليل لقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾، يعني: فليست الدابة هي التي تقول للناس: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾؛ لأن هذا القول لا يمكن أن تنطق به الدابة؛ إذ إنه لا يصح أن يكون إلا من الله؛ لهذا أنكر هذا القول، مع أن ابن جرير رحمه الله تعالى اختاره، لكنه هو على أنه مختصر لابن جرير أنكر هذا، وقال: إنها تكلمهم بكلام لم يُبيّن، وأن قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ ، بالفتح أو بالكسر الجملة تعليل؛ لقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ أيش معنى لا يوقنون؟ يقول: أي: (لا يؤمنون بالقرآن المشتمل على البعث والحساب والعقاب)، وتفسير الإيقان بالإيمان فيه قصور، لكنه تقريبي؛ لأن الإيقان أبلغ من الإيمان وأخص منه، فهو درجة عالية أعلى من الإيمان، ولهذا يقال: أيقنت بكذا، أبلغ من قولك: آمنت به. وهذه الدابة أولًا نبحث فيها: هل هي الدابة التي تخرج في آخر الزمان، والتي ذكرها النبي ﷺ من علامات الساعة، أو دابة أخرى؟ يرى بعض العلماء أنها هي الدابة التي تكون في آخر الزمان. ويرى آخرون: أنها دابة أخرى، ولهذا جاءت في الحديث معرّفة، وجاءت هنا منكّرة، فيقال: دابة والله أعلم بها، هل هي التي تكون من أشراط الساعة، أو أنها دابة مستقلة؟ لأننا لو نعلم أن الحديث بعد هذه الآية لقلنا: إن الدابة في الحديث للعهد الذهني؛ يعني: الدابة التي عرفتموها وتحدث الله عنها، وحينئذٍ تكون الدابة هنا هي الدابة هناك، ولكننا لا نعلم، ولهذا التوقف أوْلى هل هي هي أو غيرها؟ ثانيًا: هذه الدابة مبهمة من حيث المكان ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾، لكن من أي مكان تُخرج؟ وردت أحاديث، لكنها ضعيفة أنها تخرج من مكة من أجياد ولا من الصفا[[أخرجه الطبري في التفسير (١٨ / ١٢١)، ونعيم بن حماد في الفتن (١٨٦٦) من حديث ابن عمر موقوفًا.]] ولا من مكان آخر، المهم أنها تخرج من مكة، ولكنها أحاديث ضعيفة لا يعتمد عليها في العقيدة. ثم هل هي تُخرج حقيقة من الأرض، تنشق عنها الأرض تخرج سواء من مكة أو غيرها، أو أن المراد بالإخراج هنا: إبرازها وإظهارها، وأنها دابة يعني كغيرها من الدواب، ثم تتبين بما يحصل لها من النطق، ويكون هذا كقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ»[[أخرجه الترمذي (٢١٨١) من حديث أبي سعيد الخدري.]]؛ لأن السباع في آخر الزمان تكلم الإنس. هذه أيضًا محل توقف، ولذلك هذه الدابة نكرة لفظًا أيش بعد؟ ومعنى؛ يعني: نحن ما نعرفها تمامًا، وما وصفت بالقرآن أو بالسنة أوصافًا بحيث يجزم الإنسان بها. البحث الرابع: هذه الدابة هل هي من جنس الدواب، أو أنها دابة معينة على شكل معين؟ تكلموا فيها كلامًا طويلًا في هذا، وكل ما ذكروا إنما هو مأخوذ عن بني إسرائيل، ولا يمكن أن يصدق، غاية ما هنالك أنه يُذكر يحدّث به ولا يصدّق ولا يكذب، ولا يُعتمد عليه في العقيدة، ذكروا عن آذانها وذكروا عن عينها وعن رجلها، أشياء غريبة جدًّا. * طالب: مثل الدجال. * الشيخ: إي، المهم أننا نقول: نُبهم ما أبهمه الله، ولا نعين ما لم يُعينه الله ورسوله، وحسبنا أن نؤمن بأنه إذا وقع القول على الناس فسوف يُخرج الله لهم دابة من الأرض تحدّثهم، وتكون هذه الدابة آية على أن العذاب قد قرُب وقوعه منهم، هذا غاية ما يُستدل به من هذه الآية أو يُستدل عليه من هذه الآية. إذن: يكون قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ . ليس من قول الدابة على هذا التقدير، بل هو من قول الله تعليل لقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ يعني: يخرجها لأن الناس كانوا. وعليه فيكون مطابقة هذا التعليل للشرط في قوله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يكون مطابقته مطابقة السبب شو له؟ للمسبب، إذا كانوا لا يوقنون حينئذٍ وقع عليهم القول، وحينئذٍ أخرجت الدابة. * طالب: ذكرت قول المفسر أنه ذكر ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ من كلام الدابة، وقلتم إنه على لسان الله (...). * الشيخ: لا، يعني: عن الله، على لسان الدابة. * الطالب: طيب. هنا قوله: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ يختل المعنى إذا تعلق بالدابة (...). * الشيخ: إي، يختلف المعنى، إذا قال: أخرجنا لهم دابة من الأرض، يمكن أن يكون ملكًا ينزل ويخرج من الأرض، ينزل بالأرض ثم يخرج منها؛ لأنه ما عيّن من أين يكون هذه الدابة، وأما إذا قلنا: دابة من الأرض فتتعين أن تكون من دواب الأرض. * طالب: يمكن أن نقول مثلًا: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ يعني كيس، وأنها تكلمهم بمعنى تكلفهم، ويكون المعنى: أن تسليط هذا النوع من الدابة (...)؟ * الشيخ: هذا بعيد، ولا يمكن أن يقال.. * الطالب: يعني أن الناس.. * الشيخ: أقول: يمكن يقال: إنهم إذا لم يوقنوا بآيات الله أن الله يسلط عليهم السباع تأكلهم وتجرحهم، لكن هذا بعيد، ولا رأيت هذا من كلام السلف، بل هو من كلام المتأخرين. قال: ﴿تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾. قوله: ﴿بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾. المراد بالآيات هنا الكونية والشرعية، لكن الكونية، ألم يوقن بها الكفار؟ لكنه إيقان لم ينفعهم، والشيء الذي لا ينفع يصح أن يُنفى لعدم الانتفاع به. قال: (وبخروجها) بخروج الدابة (ينقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يؤمن كافر) لماذا؟ لأنه قد وقع عليهم القول، وإذا صح هذا التفسير، فإن معنى ذلك أن هذه الدابة من أشراط الساعة؛ لأنه لا يكون الأمر كذلك إلا في آخر الزمان بعد أن «يَنْزِل عِيسَى وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ سَبْعَ سِنيِنَ، لَا يَحْصُلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ وَلَا شَحْنَاءُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ فَتَقْبِضُ نَفْسَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٤٠ / ١١٦) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. فهذا إذا كان هذا الذي فهمه المؤلف من هذه الآية بهذا الأمر، فإن هذه الدابة يكون خروجها بعد عيسى بن مريم؛ لأنه بعد ذلك يقول المؤلف: (أنه لا يؤمن كافر، ولا يؤمر بمعروف، ولا ينهى عن المنكر). ولكن موقفي في هذا أن أقول: الله أعلم؛ يعني أن هذه المسألة من مسائل الغيب التي يتوقف الإنسان فيها إلا على ما يفيده ظاهر القرآن. فنقول: إيماننا بهذا أن نقول: إنه إذا وقع القول على الناس باستحقاق العذاب أخرج الله لهم هذه الدابة التي تكلمهم، ولا نزيد على هذا، ولا نقول: ينقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا نقول: إنه لا يؤمن كافر؛ لأن ذلك أمر يحتاج إلى توقيف. ثم قال: (كما أوحى الله إلى نوح عليه الصلاة والسلام ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، ﴿وَ﴾ اذكر ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ جماعة ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ وهم رؤساؤهم المتّبعون ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: 83]؛ أي: يجمعون برد آخرهم إلى أولهم ثم يساقون). قال: (واذكر يوم)، يستفاد من هذا التفسير أن يوم ظرف، وأن عامله محذوف، التقدير اذكر يوم، وهذا التركيب له نظائر في القرآن، ويكون تقديره على هذا كما قدر المؤلف هنا. وقوله: ﴿نَحْشُرُ﴾ بمعنى (نجمع). وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ الأمة: هي القبيلة أو الطائفة الكبيرة من الناس، والفوج أقل منهم، ولهذا يقول المؤلف: (وهم رؤساؤهم المتّبعون). وقوله: ﴿فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ﴾ (من) هذه لبيان الجنس؛ أي: فوجًا من المكذبين بآيات الله الكونية والشرعية أو إحداهما. (وهم) أي: الفوج (رؤساؤهم المتّبعون)، فهم يحشرون فيجمعون، ثم بعد ذلك يوزعون. والوزع: بمعنى (المنع)؛ أي: يُحبس أولهم حتى يجتمع به آخرهم، ولهذا قال: (برد آخرهم إلى أولهم) فيكونون زمرة واحدة (ثم يساقون) إلى الله تبارك وتعالى. فإذا (﴿جَاءُوا﴾ مكان الحساب ﴿قَالَ﴾ الله تعالى لهم: ﴿أَكَذَّبْتُمْ﴾ أنبيائي ﴿بِآيَاتِي﴾ ). * طالب: الوزع ما معناه؟ * الشيخ: الوزع بمعنى الجمع من باب الشيء إذا.. * الطالب: بمعنى (...). * الشيخ: يمكن يأتي بمعنى (...)، إلا هنا بمعنى الجمع؛ يعني يجمع الأول إلى الآخر. قال: (﴿أَكَذَّبْتُمْ﴾ أنبيائي ﴿بِآيَاتِي﴾ ) المؤلف قال: (أنبيائي)، يشير بذلك إلى أن مفعول كذبتم محذوف، وأن ﴿بِآيَاتِي﴾ حال من أنبيائي، ولكن هذا التقرير لا معنى له ولا داعي له؛ لأن التكذيب دائمًا يقع معموله مُعدّى بالباء، كذب بآيات الله، ما هو قال: كذب أنبياء الله بآيات الله؟ بل كذب بآياتي، والتكذيب هنا مضمّن معنى الجحد، فعليه نقول: لا حاجة إلى تقدير المؤلف أنبيائي، بل نقول: بآياتي جار ومجرور متعلق بكذبتم. ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ يعني: أنكرتموها وجحدتموها. (﴿وَلَمْ تُحِيطُوا﴾ مِن جهة تكذيبكم ﴿بِهَا عِلْمًا﴾ ) إلى آخره. ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا﴾ شوف المؤلف كيف حلها (مِن جهة تكذيبكم ﴿بِهَا عِلْمًا﴾ ) والإحاطة بالشيء بمعنى إدراكه من جميع الجوانب، وأصله مشتق من الحائط؛ لأنه يحيط بالمكان، فمعنى أحاط بالشيء: أدركه من جميع جوانبه. المؤلف فسر هنا الإدراك من جهة تكذيبهم؛ أي: أنكم كذبتم من غير أن يكون لديكم علم بالتكذيب؛ كذبتم بلا علم، ولكن يحتمل معنى آخر: أنكم كذبتم بالآيات قبل أن تدركوها، فيكون من البِدار بالشيء قبل أن يدركه. كما قال ابن القيم: إِنَّ الْبِدَارَ بِرَدِّ شَيْءٍ لَمْ تُحِطْ ∗∗∗ عِلْمًا بِهِ سَبَبٌ إِلَى الْحِرْمَانِ الآن لدينا تفسيران: أحدهما: أن قوله: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾؛ أي: من جهة تكذيبكم، والمعنى على هذا: أنكم كذبتم بدون علم، فهمتم هذا المعنى، وهو الذي مشى عليه المؤلف، قال: (﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا﴾ من جهة تكذيبكم)، الآن إذا أتاك رجل بخبر وقلت: كذبت؛ لأن فلانًا الذي أخبرت به هو موجود عندي في تلك الساعة، الآن كذبت بعلم ولّا بغير علم؟ * طلبة: بعلم. * الشيخ: بعلم؛ يعني مثلًا قال لك: إن فلانًا رأيته في بُريدة مثلًا أمس، فقلت له: كذبت، فلان أمس عندي، فهنا كذبت بعلم، مفهوم؟ فإذا قال: رأيت فلانًا في بريدة أمس فقلت له: كذبت وأنا ما أدري، فقد كذبت بلا علم. الآن المؤلف ويش يقول؟ يقول: (من جهة تكذيبكم بها)؛ يعني: أنكم كذبتم بغير علم. فيه رأي آخر يقول: لا ﴿لَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾؛ يعني أنكم كذبتم بها من غير روية ومن غير تأمل، هذا المعنى؛ يعني أنكم رددتموها من أول وهلة، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، الفرق بين المعنيين ظاهر الآن، الفرق بينهما ظاهر والأقرب المعنى الثاني؛ لأن قوله: كذّبتم بآياتي والحال أنكم لم تحيطوا بها علما أبلغ من كونهم كذّبوا بعد أن ترووا، ولكن لم يجدوا لتكذيبهم دليلًا، فهم كذبوا من غير تروٍ، بل إنهم في الحقيقة وخصوصًا الرؤساء منهم يعلمون أن ما جاءت به الرسل فهو الحق، ولكن كذّبوا بشيء مثل ما قال الله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس ٣٩]، كذّبوا بشيء لم يحيطوا بعلمه، بل من أول وهلة، وهذا أشد في اللوم عليهم، فعليه الاستفهام في قوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ [النمل ٨٤]، ويش هو له؟ للتوبيخ، الاستفهام للتوبيخ واللوم؛ لأن من كذب بالشيء بعد دراسته والإحاطة به، ثم يتبين له الكذب هذا ما يلام عليه، لكن من كذب لأول مرة بدون أن يحيط به علمًا، فهو دليل على أنه ليس بقابل إطلاقًا للحق. قال تعالى: ﴿أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقول: (﴿أَمَّا﴾ فيه إدغام ما الاستفهامية) وين هو الإدغام؟ في أم التي للإضراب، وأصله أم بمعنى بل، ثم أدغم إحداهما في الأخرى. (و﴿ذَا﴾ موصول أي: ما الذي ﴿كُنتُمْ﴾ )، ويجوز أن نجعل (ذا) مركبة مع (ما)، وتكون ماذا كلها اسم استفهام، ولكن ليس هذا في كل مكان يجوز هذا وهذا، إنما في مثل هذا التركيب يجوز أن نجعل (ماذا) اسم استفهام جميعًا، وأن نجعل (ما) اسم استفهام و(ذا) اسمًا موصولًا؛ أي: ما الذي كنتم تعملون؟ وعلى هذا التقدير الأخير: يجب أن نقدر ضميرًا في قوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾، ليكون عائدًا إلى اسم الموصول، وعلى الأول لا حاجة لذلك، ونجعل (ماذا) مفعولًا مقدمًا لـ (تعملون). * طالب: (...). * الشيخ: لا، أصل (أم) منقطعة عن هذا، يعني (أم) لحالها مكتوبة وحدها، لكن أدغمت فبنيت.. * الطالب: (...) تجمع أم ماذا هنا لا تجمع. * الشيخ: لا (...) هي لا بد أن (ما) اسم استفهام على كل حال، لكن هل تقدر (ما) اسم استفهام و(ذا) اسمًا موصولًا وتحتاج إلى عائد يعود على الموصول في تعملون، أو نقدر (ماذا) جميعًا على أنها اسم استفهام. * الطالب: إعراب (...)؟ * الشيخ: لا، نقول: (أم) هذه حرف عطف بمعنى (بل)، والهمزة للاستفهام، نظيرها في القرآن: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة ٢١٩] فيها قراءتان: ﴿قُلِ الْعَفْوُ﴾ ، و﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾. كيف نعرب (ماذا ينفقون) على قراءة الرفع ﴿مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُ﴾ ؟ * طالب: ينفق العفو. * الشيخ: إي، لكن كيف نعرب (ماذا) على قراءة الرفع؟ نعرب (ماذا): (ما) اسم استفهام، و(ذا) اسم موصول، لأجل إذا قلت: (ما) اسم استفهام، و(ذا) اسم موصول، صارت (ما) مبتدأ، و(الذي) خبره، والكل منهما مرفوع، ثم يأتي: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾؛ لأن الجواب مطابق للسؤال؛ أي: العفو الذي ينفقوه. أما على قراءة النصب ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ فيتعين أن تجعل (ماذا) كلها اسم استفهام، مفعول مقدم لـ(ينفقون)؛ لأجل أن تكون مطابقة للجواب؛ لأن الجواب منصوب فيكون السؤال كذلك منصوبًا، وهذا هو الذي يبيّن لك الفرق بين الإعرابين، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. نقول: على هذه القراءة يجب أن نُعرب (ماذا) اسم استفهام مفعولًا مقدَّمًا لـ(ينفقون)، ويش لأجل؟ لأننا نعرف أن الجواب يكون مطابقًا للسؤال، فإذا كان السؤال منصوبًا كان الجواب منصوبًا، على قراءة الرفع ﴿قُلِ الْعَفْوُ﴾، نجعل (ما) استفهام مبتدأ، و(ذا) اسم موصول خبرها؛ يعني: ما الذي ينفقون؟ فيكون التقدير: الذي ينفقونه العفوُ، وتكون مرفوعة. * طالب: (...). * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ماذا ينفقون. * الشيخ: محذوف الذي ينفقونه. * طالب: (...) الآية ما نحتاج إلى ضمير؟ * الشيخ: إذا جعلناها اسمًا موصولًا، التقدير: ماذا كنتم تعملونه. ﴿أَمَّاذَا كُنتُمْ﴾ ماذا كنتم تعملون؛ يعني في الدنيا. فيكون الله تعالى وبخهم على أمرين: أمر يتعلق بالعقيدة وهو قوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾. وأمر يتعلق بالعمل وهو قوله: ﴿مَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لأن ﴿مَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هذه استفهام لإنكار ما يعملونه، فيكون في هذا توبيخًا على العقيدة والعمل، وسيكون إن شاء الله فيه فائدة مهمة لمسألة اختلف فيها الأصوليون نبحثها غدًا إن شاء الله. (﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ﴾ حق العذاب ﴿عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾ أي: أشركوا ﴿فَهُمْ لا يَنطِقُونَ﴾ إذ لا حجة لهم). ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ﴾ يعني: قول الله بالعذاب، فإن الله تبارك وتعالى يأمر بتعذيبهم إذا لم يجيبوا، وهذا السؤال -كما عرفتم- ليس سؤال استخبار واستعلام، ولكنه سؤال توبيخ وتقريع، حينئذٍ يقع عليهم القول، وهذا القول الذي وقع عليهم لم يظلموا به، ولكن هم الذين ظلموا، ولهذا قال: ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾؛ أي: بسبب، و(ما) هنا مصدرية؛ يعني أن الفعل بعدها يحول إلى مصدر، فيكون التقدير: بظلمهم، وقع القول عليهم بظلمهم. وقول المؤلف: (أي: أشركوا) ينبغي أن يقول: أن نفسّر الظلم بما هو أعم من الشرك؛ لأن الله سبحانه وتعالى وبّخهم على التكذيب، وعلى العمل المنحرف، فيكون الظلم الذي حصل منهم التكذيب والجحد الذي يتضمن الإشراك، وكذلك الفسوق والعصيان الذي حصل منهم كإيذاء الرسل وغير ذلك، فالأصح أن نجعل ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾؛ أي: بسبب ظلمهم ومنه الشرك. ﴿فَهُمْ لا يَنطِقُونَ﴾ الفاء مفرّعة على قوله: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: بعد أن وقع عليهم القول استحقوا العذاب ما يستطيعون النطق، يقول المؤلف: (إذ لا حجة لهم). وهذا في آخر الأمر؛ لأنهم كانوا بالأول ينطقون ويدافعون، ولكنهم إذا رأوا أن جوارحهم شهدت عليهم حينئذٍ أمسكوا ما يستطيعون الآن، وإلا يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]، فهم يقولون: ما أشركنا، ويقولون أيضًا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٧، ٢٨] فهم يتكلمون ويدافعون عن أنفسهم، ولكن ذلك لا ينفعهم، ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢] فالمهم أنهم يتكلمون. فقوله هنا: ﴿فَهُمْ لا يَنطِقُونَ﴾ هذا يكون الجمع بينه وبين الآيات الدالة على نطقهم، أن للقيامة أحوالًا؛ لأن يوم القيامة كم مقداره؟ مقداره خمسون ألف سنة، فالأحوال تتغير يكون الناطق فيه ساكتًا، ويكون الساكت فيه ناطقًا، وتتقلب الأحوال ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور ٣٧] لما ترى، فهم في حال لا ينطقون، وفي حال ينطقون ويدافعون. ولكنهم مهما قالوا، ومهما فعلوا فإن لديهم شهودًا من أنفسهم ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور ٢٤] اللسان ينطق بما قال، واليد تنطق بما فعلت، والرجل تنطق بما فعلت. وأبلغ من ذلك الجلود تشهد بما لمست، فجميع الذي فيه الإدراك والحاسة يشهد على هؤلاء بما فعلوه، وحينئذٍ ما يستطيعون أن يدافعوا، ما دام أن هذه الأشياء تشهد عليهم، إذن من يشهد لهم؟ فهم لا ينطقون. * طالب: يقاس عليه العمل؟ * الشيخ: الأعمال؟ * الطالب: العمل.. * الشيخ: يقاس في أيش؟ * الطالب: فيه آيات تدل على أنه.. * الشيخ: يحشرون يوم القيامة على وجوههم عميًا وبكمًا وصمًا. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، تتغير الأحوال، المتكبرون يحشرون يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم، ولكنهم إذا دخلوا النار يصير ضرس الواحد منهم مثل أحد والعياذ بالله. قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [النمل ٨٦]. ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ الرؤية هنا بصرية ولا علمية؟ * طالب: علمية. * الشيخ: علمية وبصرية أيضًا، لكن كونها علمية أعم؛ لأن من أبصر الشيء علمه، وليس كل من علم الشيء أبصره، فالأعمى يرى الليل؛ يعني يعلمه، والمبصر يراه بعينه وبصيرته. والهمزة هنا ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ للتقرير، تقرير هذه الرؤية التي لا ينكرها أحد. ﴿أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ﴾ فسر المؤلف (الجعل) هنا بالخلق، فيكون متعديًا بمفعول واحد، ويجوز أن يكون الجعل هنا بمعنى التصيير؛ يعني: أنا جعلنا الليل مظلمًا ليسكنوا فيه. ويدل على هذا قوله تعالى الذي بعده: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ ليتصرفوا فيه، ويكون حذف من كل جملة ما دل عليه المذكور في الجملة الأخرى، ويسمى هذا في علم البديع بالاحتباك. الاحتباك: أن يُذكر في كل جملة ما حُذف من الأخرى مع التقابل. هنا نقول: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ﴾ مظلمًا ﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ حذف من هذا (مظلمًا)، ذكر مقابله (مبصرًا)، وحُذف من قوله: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ (ليتصرفوا فيه)، وذكر في مقابله (ليسكنوا فيه)، فيكون في الجملة احتباك. وهذا يكون استفدنا المعنى مع الاختصار، على هذا التقدير الذي ذكرنا يكون جعلنا ليست بمعنى (خلقنا)، بل بمعنى (صيّرنا) تنصب مفعولين؛ المفعول الأول (الليل)، والمفعول الثاني: محذوف تقديره (مظلمًا). ﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ اللام هنا للتعليل، والسكون معناه هو القرار وعدم الحركة، ولذلك كان الليل محل السكون للخلق، ولكنه بإذن الله محل عمل لخلق آخرين. الهوام والسباع ما تعمل إلا في الليل؛ لأنها تختفي في النهار إما خوفًا من الناس، وإما رحمة من الله عز وجل بالخلق؛ لأنه لو كانت هذه السباع وهذه الهوام تفترش بالنهار أتعبت الناس، ولكنها -والحمد لله- ما تظهر إلا بالليل، إذا سكن الناس بدأ عملها بالتناوب، وهذا من رحمة الله تبارك وتعالى بالخلق أن يكون هذا التبادل ليعيش الناس بسلام، حتى هي أيضًا أزين لها إذا كان ما تعيش إلا بالليل آمن لها، ما تعارض. فهنا المراد بالسكون؛ يعني الآدميين ومن أشبههم ممن سكونهم الليل، ولهذا كان الإنسان إذا أراد الصحة فليكن الليل سكنًا له، ولا سيما أول الليل، «فإن النبي ﷺ كَانَ يَكْرَهُ الْحَدِيثَ بَعْدَ الْعِشَاءِ»[[أخرجه ابن ماجه (٧٠٣)، وأحمد (٣٦٨٦) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]. وقد ذكروا أن نوم الليل الساعة منه تقابل ساعات من النهار، هذه الثروة السكونية التي أضعناها الآن بما لا نفع فيه، بل بما فيه ضرر الآن، الآن الناس يعكفون على مشاهدة التلفزيون إلى نصف الليل تقريبًا، بينما إنه في الدول الغربية مع الأسف الشديد الكافرة الملحدة لا يتجاوز الساعة التاسعة من الليل، الساعة التاسعة مغلق التلفزيون؛ لأنهم يعلمون (...) وعلى عمّالهم، وعلى مثقفيهم، فهم لا يريدون الضرر بالأمة، يقولون: إذا أبقيناه إلى ما بعد التاسعة سهر الناس عليه، وكان في ذلك إنهاك للعمال، وكان في ذلك إهمال للطلبة، فلذلك نحن نغلقه من الساعة التاسعة حتى ينام الناس، وحتى لا نكون نحن تسببنا الناس في إرهاقهم. وحدثني بذلك عدة أناس من الذين جاؤوا من أوروبا، يقولون: أبدًا، ما يمكن يتجاوز الساعة التاسعة، اللهم عاد (...) إلا في الأشياء النادرة، لكن هذا هو برنامجهم. نحن الآن مع الأسف الشديد يقولون: إنه يبقى إلى فوق الثانية عشرة؛ يعني الثانية عشرة نصف الليل..، هذا مع ما يتطلب من الناحية الاقتصادية، كم يستهلك الناس من الكهرباء في هذه الساعة؟ تلفزيوناتهم، وكذلك أيضًا في أنوارهم؛ لأن المكان لا بد له من نور، يستهلك نور، يستهلك كهرباء في التلفزيون، كم يكلّف العالم؟ وكم يرهق المعدات أيضًا؟ هذا بقطع النظر عن المفاسد الأخرى البدنية، ولكن العبرة بمن بصّره الله تبارك وتعالى، فمثل هذا المسؤول الآن راعي البيت، أنه إذا كانت مثلًا الساعة التاسعة يأمر أهله بالنوم ويغلقه. * طالب: أو يكسره. * الشيخ: لا، الكسر لا (...) والنبي عليه الصلاة والسلام «كَرِهَ الْحَدِيثَ بَعْدَ الْعِشَاءِ»، كنا نسهر إلى نصف الليل أحيانًا أو إلى أكثر، وليس ليلة طارئة؛ حتى نقول: العوارض عوارض، بل هي دائمًا في الغالب. هؤلاء الذين يسهرون إلى ما بعد نصف الليل: أولًا: ربما لا يقومون لصلاة الفجر، وإذا قاموا نصفهم نوم يؤدونها بكل كلافة ومشقة، أو ينامون يمكن في نفس المسجد أو في نفس الصلاة، ثم إذا رجعوا إلى بيوتهم ينامون إلى متى؟ * طلبة: الظهر. * الشيخ: إلى الظهر؛ يعني: أول النهار اللي هو محل البركة، ومحل العمل يضيّع، والليل اللي هو محل السكون يضيّع السكون فيه، وهذا من نقص الوعي في المسلمين، هذا بالحقيقة يعتبر نقص وعي للمسلمين. يقولون عن الكفار: حدثني واحد قبل أمس، يقول: إن هناك عندهم عطلة السبت والأحد، السبت لأجل اليهود والأحد لأجل النصارى، لكن يقول: (...) ليلة الاثنين من غروب الشمس، وكل في محله، ما يمكن لأجل منين يكون الصباح وإذا هو مباشر لعمله، ما يمكن يتأخرون، يقول: غريب؛ يعني العوائل يبتغون يتنزهون باليومين ها دول عاد إلى المنتزهات، لكن ما يمكن إذا غابت ليلة الاثنين، غابت الشمس ليلة الاثنين، وإذا كل إنسان في محله، يكون متهيئًا للعمل. إذا قارنت حال هؤلاء بحال المسلمين اليوم، مع أن أحوالهم هذه هي التي يجب أن تكون للمسلمين، وجدت هذا السبب اللي جعلنا نتأخر، وجعلنا في هذا الذل، وجعل كثير من شبابنا ما هم مقتنعين بأحوالنا؛ يعني بعض الشباب الآن المنحرف قد يكون له عذر، يقول: أنتم تقولون الإسلام والإسلام، وين الإسلام؟ ما شفنا شيئًا! ولكن نقول: الذنب ذنب من؟ ذنب من ينتسبون للإسلام ليس ذنب الإسلام، ذنب من يقولون: نحن أهل الإسلام، وفي أهل الإسلام من لا يعرف أركان الإسلام، صدقوني بعض الناس المسلمين الآن اللي يقولون هم مسلمون، مكتوب على هويتهم مسلم، ما يعرف يتوضأ ولا يصلي، هذا موجود، ما يعرف يتوضأ ولا يصلي. إذن البيئة ويش تكون معناه؟ معنى هذا أن البيئة ما تتوضأ ولا تصلي، فأين الإسلام من قوم لا يتوضؤون ولا يصلون؟! هذا هو الذي أخّرنا، ولذلك أنا والله أحب دائمًا أن يكون لدى أهل العلم تطور في الحركة والعمل..

النمل 27:84

﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢]. إذا وقع عليهم القول يقول المفسر: (حق العذاب أن ينزل بهم في جملة الكفار)، وهذا تفسير منه على أن الضمير في قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ يعود إلى كفار مكة، ولهذا احتاج أن يقول: (في جملة الكفار) لأجل التوطئة لما بعده ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾. ويجوز أن يكون الضمير عائدًا إلى جميع الناس؛ أي: إذا وقع القول على الناس، ولا يكون المراد بالقول هنا القول بالعذاب، بل يجوز أن يكون المراد به: القول بانتهاء الدنيا، وتحمل الآية على الدابة التي تخرج في آخر الزمان، وهي من أشراط الساعة. وقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾ نكرها؛ لأنها غير معروفة فكأنها دابة منفردة في نوعها. وقوله: ﴿دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾ هل هي متعلقة بـ(دابة) أو بـ(أخرجنا)؟ الظاهر أنها متعلقة بـ(دابة)؛ يعني: أخرجنا لهم دابة من الأرض لا من السماء. وقوله: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ يعني: تكلم الناس، والكلام هنا بمعنى الحديث قال: (أي: تكلم الموجودين حين خروجها بالعربية)، يجوز أن تكون بالعربية أو بغيرها، على كل حال أنها تكلم الناس بكلام يعرفونه، هذا هو المتبادر من الكلام. ويرى بعض المفسرين أن المراد بالكلام هنا الجرح، تكلمهم؛ يعني: تجرحهم، أي: تخمشهم بأظفارها. قالوا: لأن الكلم يأتي بمعنى الجرح كقوله ﷺ: «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَثْعَبُ دَمًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٠٣)، ومسلم (١٨٧٦ / ١٠٥) بنحوه، من حديث أبي هريرة.]]، ولكن هذا القول ليس بصحيح؛ لأن الأصل في الكلام هو النطق، ولا معنى لكونها تجرح الناس، لكن تكلمهم بماذا؟ قال: (من جملة كلامها عَنَّا ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾ ) إلى آخره. قوله: (من جملة كلامها عَنَّا) أي: أنها تقول على لسان الله؛ لأن قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ لا يستقيم أن يكون من كلام الدابة عن نفسها؛ إذ إنها -أي: الدابة- ليس لها آيات يجب الإيقان بها، وإنما الآيات التي يجب الإيقان بها لله، ولهذا يقول المؤلف هنا: (عَنَّا ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أي: كفار مكة، وعلى قراءة فتح همزة أن تقدر الباء بعد تكلمهم) أي: تكلمهم بهذا الكلام ﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾. استفدنا من كلام المؤلف (وعلى قراءة فتح): أن الأصل الذي فسره بالكسر (إن الناس)، تكلمهم إن الناس يكون هذا مبتدأ الكلام، وعلى قراءة الفتح يكون على تقدير حرف الجر؛ أي: بأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون. وقول المؤلف: (إن المراد بالناس كفار مكة) هذا فيه نظر ظاهر، بل إن المراد بالناس الموجودون في ذلك الوقت، الذين وقع عليهم القول فأخرجت لهم الدابة تنذرهم، وأما كونه يقال: إن كفار مكة لا يوقنون، فلا حاجة إلى إخبارها عنهم، إخبار القرآن عنهم، أوكد من إخبار هذه الدابة عنهم، فكلام المؤلف هنا فيه نظر ظاهر، وليس بصواب أبدًا بل هو خطأ، فهي تكلم من؟ الناس الذين وقع عليهم القول حين خروجها تحذرهم أن الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون، هذا ما مشى عليه المؤلف وأكثر المفسرين على أن كلام هذه الدابة: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ ولهذا احتاج إلى تقدير (أن). لكن ابن كثير استبعد هذا القول وقال: إنها تكلمهم تحدثهم بحديث مستقل ما بين في القرآن. ويكون قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ هذا تعليل لقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾، يعني: فليست الدابة هي التي تقول للناس: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾؛ لأن هذا القول لا يمكن أن تنطق به الدابة؛ إذ إنه لا يصح أن يكون إلا من الله؛ لهذا أنكر هذا القول، مع أن ابن جرير رحمه الله تعالى اختاره، لكنه هو على أنه مختصر لابن جرير أنكر هذا، وقال: إنها تكلمهم بكلام لم يُبيّن، وأن قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ ، بالفتح أو بالكسر الجملة تعليل؛ لقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ أيش معنى لا يوقنون؟ يقول: أي: (لا يؤمنون بالقرآن المشتمل على البعث والحساب والعقاب)، وتفسير الإيقان بالإيمان فيه قصور، لكنه تقريبي؛ لأن الإيقان أبلغ من الإيمان وأخص منه، فهو درجة عالية أعلى من الإيمان، ولهذا يقال: أيقنت بكذا، أبلغ من قولك: آمنت به. وهذه الدابة أولًا نبحث فيها: هل هي الدابة التي تخرج في آخر الزمان، والتي ذكرها النبي ﷺ من علامات الساعة، أو دابة أخرى؟ يرى بعض العلماء أنها هي الدابة التي تكون في آخر الزمان. ويرى آخرون: أنها دابة أخرى، ولهذا جاءت في الحديث معرّفة، وجاءت هنا منكّرة، فيقال: دابة والله أعلم بها، هل هي التي تكون من أشراط الساعة، أو أنها دابة مستقلة؟ لأننا لو نعلم أن الحديث بعد هذه الآية لقلنا: إن الدابة في الحديث للعهد الذهني؛ يعني: الدابة التي عرفتموها وتحدث الله عنها، وحينئذٍ تكون الدابة هنا هي الدابة هناك، ولكننا لا نعلم، ولهذا التوقف أوْلى هل هي هي أو غيرها؟ ثانيًا: هذه الدابة مبهمة من حيث المكان ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾، لكن من أي مكان تُخرج؟ وردت أحاديث، لكنها ضعيفة أنها تخرج من مكة من أجياد ولا من الصفا[[أخرجه الطبري في التفسير (١٨ / ١٢١)، ونعيم بن حماد في الفتن (١٨٦٦) من حديث ابن عمر موقوفًا.]] ولا من مكان آخر، المهم أنها تخرج من مكة، ولكنها أحاديث ضعيفة لا يعتمد عليها في العقيدة. ثم هل هي تُخرج حقيقة من الأرض، تنشق عنها الأرض تخرج سواء من مكة أو غيرها، أو أن المراد بالإخراج هنا: إبرازها وإظهارها، وأنها دابة يعني كغيرها من الدواب، ثم تتبين بما يحصل لها من النطق، ويكون هذا كقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ»[[أخرجه الترمذي (٢١٨١) من حديث أبي سعيد الخدري.]]؛ لأن السباع في آخر الزمان تكلم الإنس. هذه أيضًا محل توقف، ولذلك هذه الدابة نكرة لفظًا أيش بعد؟ ومعنى؛ يعني: نحن ما نعرفها تمامًا، وما وصفت بالقرآن أو بالسنة أوصافًا بحيث يجزم الإنسان بها. البحث الرابع: هذه الدابة هل هي من جنس الدواب، أو أنها دابة معينة على شكل معين؟ تكلموا فيها كلامًا طويلًا في هذا، وكل ما ذكروا إنما هو مأخوذ عن بني إسرائيل، ولا يمكن أن يصدق، غاية ما هنالك أنه يُذكر يحدّث به ولا يصدّق ولا يكذب، ولا يُعتمد عليه في العقيدة، ذكروا عن آذانها وذكروا عن عينها وعن رجلها، أشياء غريبة جدًّا. * طالب: مثل الدجال. * الشيخ: إي، المهم أننا نقول: نُبهم ما أبهمه الله، ولا نعين ما لم يُعينه الله ورسوله، وحسبنا أن نؤمن بأنه إذا وقع القول على الناس فسوف يُخرج الله لهم دابة من الأرض تحدّثهم، وتكون هذه الدابة آية على أن العذاب قد قرُب وقوعه منهم، هذا غاية ما يُستدل به من هذه الآية أو يُستدل عليه من هذه الآية. إذن: يكون قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ . ليس من قول الدابة على هذا التقدير، بل هو من قول الله تعليل لقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ يعني: يخرجها لأن الناس كانوا. وعليه فيكون مطابقة هذا التعليل للشرط في قوله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يكون مطابقته مطابقة السبب شو له؟ للمسبب، إذا كانوا لا يوقنون حينئذٍ وقع عليهم القول، وحينئذٍ أخرجت الدابة. * طالب: ذكرت قول المفسر أنه ذكر ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ من كلام الدابة، وقلتم إنه على لسان الله (...). * الشيخ: لا، يعني: عن الله، على لسان الدابة. * الطالب: طيب. هنا قوله: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ يختل المعنى إذا تعلق بالدابة (...). * الشيخ: إي، يختلف المعنى، إذا قال: أخرجنا لهم دابة من الأرض، يمكن أن يكون ملكًا ينزل ويخرج من الأرض، ينزل بالأرض ثم يخرج منها؛ لأنه ما عيّن من أين يكون هذه الدابة، وأما إذا قلنا: دابة من الأرض فتتعين أن تكون من دواب الأرض. * طالب: يمكن أن نقول مثلًا: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ يعني كيس، وأنها تكلمهم بمعنى تكلفهم، ويكون المعنى: أن تسليط هذا النوع من الدابة (...)؟ * الشيخ: هذا بعيد، ولا يمكن أن يقال.. * الطالب: يعني أن الناس.. * الشيخ: أقول: يمكن يقال: إنهم إذا لم يوقنوا بآيات الله أن الله يسلط عليهم السباع تأكلهم وتجرحهم، لكن هذا بعيد، ولا رأيت هذا من كلام السلف، بل هو من كلام المتأخرين. قال: ﴿تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾. قوله: ﴿بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾. المراد بالآيات هنا الكونية والشرعية، لكن الكونية، ألم يوقن بها الكفار؟ لكنه إيقان لم ينفعهم، والشيء الذي لا ينفع يصح أن يُنفى لعدم الانتفاع به. قال: (وبخروجها) بخروج الدابة (ينقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يؤمن كافر) لماذا؟ لأنه قد وقع عليهم القول، وإذا صح هذا التفسير، فإن معنى ذلك أن هذه الدابة من أشراط الساعة؛ لأنه لا يكون الأمر كذلك إلا في آخر الزمان بعد أن «يَنْزِل عِيسَى وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ سَبْعَ سِنيِنَ، لَا يَحْصُلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ وَلَا شَحْنَاءُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ فَتَقْبِضُ نَفْسَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٤٠ / ١١٦) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. فهذا إذا كان هذا الذي فهمه المؤلف من هذه الآية بهذا الأمر، فإن هذه الدابة يكون خروجها بعد عيسى بن مريم؛ لأنه بعد ذلك يقول المؤلف: (أنه لا يؤمن كافر، ولا يؤمر بمعروف، ولا ينهى عن المنكر). ولكن موقفي في هذا أن أقول: الله أعلم؛ يعني أن هذه المسألة من مسائل الغيب التي يتوقف الإنسان فيها إلا على ما يفيده ظاهر القرآن. فنقول: إيماننا بهذا أن نقول: إنه إذا وقع القول على الناس باستحقاق العذاب أخرج الله لهم هذه الدابة التي تكلمهم، ولا نزيد على هذا، ولا نقول: ينقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا نقول: إنه لا يؤمن كافر؛ لأن ذلك أمر يحتاج إلى توقيف. ثم قال: (كما أوحى الله إلى نوح عليه الصلاة والسلام ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، ﴿وَ﴾ اذكر ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ جماعة ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ وهم رؤساؤهم المتّبعون ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: 83]؛ أي: يجمعون برد آخرهم إلى أولهم ثم يساقون). قال: (واذكر يوم)، يستفاد من هذا التفسير أن يوم ظرف، وأن عامله محذوف، التقدير اذكر يوم، وهذا التركيب له نظائر في القرآن، ويكون تقديره على هذا كما قدر المؤلف هنا. وقوله: ﴿نَحْشُرُ﴾ بمعنى (نجمع). وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ الأمة: هي القبيلة أو الطائفة الكبيرة من الناس، والفوج أقل منهم، ولهذا يقول المؤلف: (وهم رؤساؤهم المتّبعون). وقوله: ﴿فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ﴾ (من) هذه لبيان الجنس؛ أي: فوجًا من المكذبين بآيات الله الكونية والشرعية أو إحداهما. (وهم) أي: الفوج (رؤساؤهم المتّبعون)، فهم يحشرون فيجمعون، ثم بعد ذلك يوزعون. والوزع: بمعنى (المنع)؛ أي: يُحبس أولهم حتى يجتمع به آخرهم، ولهذا قال: (برد آخرهم إلى أولهم) فيكونون زمرة واحدة (ثم يساقون) إلى الله تبارك وتعالى. فإذا (﴿جَاءُوا﴾ مكان الحساب ﴿قَالَ﴾ الله تعالى لهم: ﴿أَكَذَّبْتُمْ﴾ أنبيائي ﴿بِآيَاتِي﴾ ). * طالب: الوزع ما معناه؟ * الشيخ: الوزع بمعنى الجمع من باب الشيء إذا.. * الطالب: بمعنى (...). * الشيخ: يمكن يأتي بمعنى (...)، إلا هنا بمعنى الجمع؛ يعني يجمع الأول إلى الآخر. قال: (﴿أَكَذَّبْتُمْ﴾ أنبيائي ﴿بِآيَاتِي﴾ ) المؤلف قال: (أنبيائي)، يشير بذلك إلى أن مفعول كذبتم محذوف، وأن ﴿بِآيَاتِي﴾ حال من أنبيائي، ولكن هذا التقرير لا معنى له ولا داعي له؛ لأن التكذيب دائمًا يقع معموله مُعدّى بالباء، كذب بآيات الله، ما هو قال: كذب أنبياء الله بآيات الله؟ بل كذب بآياتي، والتكذيب هنا مضمّن معنى الجحد، فعليه نقول: لا حاجة إلى تقدير المؤلف أنبيائي، بل نقول: بآياتي جار ومجرور متعلق بكذبتم. ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ يعني: أنكرتموها وجحدتموها. (﴿وَلَمْ تُحِيطُوا﴾ مِن جهة تكذيبكم ﴿بِهَا عِلْمًا﴾ ) إلى آخره. ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا﴾ شوف المؤلف كيف حلها (مِن جهة تكذيبكم ﴿بِهَا عِلْمًا﴾ ) والإحاطة بالشيء بمعنى إدراكه من جميع الجوانب، وأصله مشتق من الحائط؛ لأنه يحيط بالمكان، فمعنى أحاط بالشيء: أدركه من جميع جوانبه. المؤلف فسر هنا الإدراك من جهة تكذيبهم؛ أي: أنكم كذبتم من غير أن يكون لديكم علم بالتكذيب؛ كذبتم بلا علم، ولكن يحتمل معنى آخر: أنكم كذبتم بالآيات قبل أن تدركوها، فيكون من البِدار بالشيء قبل أن يدركه. كما قال ابن القيم: إِنَّ الْبِدَارَ بِرَدِّ شَيْءٍ لَمْ تُحِطْ ∗∗∗ عِلْمًا بِهِ سَبَبٌ إِلَى الْحِرْمَانِ الآن لدينا تفسيران: أحدهما: أن قوله: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾؛ أي: من جهة تكذيبكم، والمعنى على هذا: أنكم كذبتم بدون علم، فهمتم هذا المعنى، وهو الذي مشى عليه المؤلف، قال: (﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا﴾ من جهة تكذيبكم)، الآن إذا أتاك رجل بخبر وقلت: كذبت؛ لأن فلانًا الذي أخبرت به هو موجود عندي في تلك الساعة، الآن كذبت بعلم ولّا بغير علم؟ * طلبة: بعلم. * الشيخ: بعلم؛ يعني مثلًا قال لك: إن فلانًا رأيته في بُريدة مثلًا أمس، فقلت له: كذبت، فلان أمس عندي، فهنا كذبت بعلم، مفهوم؟ فإذا قال: رأيت فلانًا في بريدة أمس فقلت له: كذبت وأنا ما أدري، فقد كذبت بلا علم. الآن المؤلف ويش يقول؟ يقول: (من جهة تكذيبكم بها)؛ يعني: أنكم كذبتم بغير علم. فيه رأي آخر يقول: لا ﴿لَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾؛ يعني أنكم كذبتم بها من غير روية ومن غير تأمل، هذا المعنى؛ يعني أنكم رددتموها من أول وهلة، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، الفرق بين المعنيين ظاهر الآن، الفرق بينهما ظاهر والأقرب المعنى الثاني؛ لأن قوله: كذّبتم بآياتي والحال أنكم لم تحيطوا بها علما أبلغ من كونهم كذّبوا بعد أن ترووا، ولكن لم يجدوا لتكذيبهم دليلًا، فهم كذبوا من غير تروٍ، بل إنهم في الحقيقة وخصوصًا الرؤساء منهم يعلمون أن ما جاءت به الرسل فهو الحق، ولكن كذّبوا بشيء مثل ما قال الله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس ٣٩]، كذّبوا بشيء لم يحيطوا بعلمه، بل من أول وهلة، وهذا أشد في اللوم عليهم، فعليه الاستفهام في قوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ [النمل ٨٤]، ويش هو له؟ للتوبيخ، الاستفهام للتوبيخ واللوم؛ لأن من كذب بالشيء بعد دراسته والإحاطة به، ثم يتبين له الكذب هذا ما يلام عليه، لكن من كذب لأول مرة بدون أن يحيط به علمًا، فهو دليل على أنه ليس بقابل إطلاقًا للحق. قال تعالى: ﴿أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقول: (﴿أَمَّا﴾ فيه إدغام ما الاستفهامية) وين هو الإدغام؟ في أم التي للإضراب، وأصله أم بمعنى بل، ثم أدغم إحداهما في الأخرى. (و﴿ذَا﴾ موصول أي: ما الذي ﴿كُنتُمْ﴾ )، ويجوز أن نجعل (ذا) مركبة مع (ما)، وتكون ماذا كلها اسم استفهام، ولكن ليس هذا في كل مكان يجوز هذا وهذا، إنما في مثل هذا التركيب يجوز أن نجعل (ماذا) اسم استفهام جميعًا، وأن نجعل (ما) اسم استفهام و(ذا) اسمًا موصولًا؛ أي: ما الذي كنتم تعملون؟ وعلى هذا التقدير الأخير: يجب أن نقدر ضميرًا في قوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾، ليكون عائدًا إلى اسم الموصول، وعلى الأول لا حاجة لذلك، ونجعل (ماذا) مفعولًا مقدمًا لـ (تعملون). * طالب: (...). * الشيخ: لا، أصل (أم) منقطعة عن هذا، يعني (أم) لحالها مكتوبة وحدها، لكن أدغمت فبنيت.. * الطالب: (...) تجمع أم ماذا هنا لا تجمع. * الشيخ: لا (...) هي لا بد أن (ما) اسم استفهام على كل حال، لكن هل تقدر (ما) اسم استفهام و(ذا) اسمًا موصولًا وتحتاج إلى عائد يعود على الموصول في تعملون، أو نقدر (ماذا) جميعًا على أنها اسم استفهام. * الطالب: إعراب (...)؟ * الشيخ: لا، نقول: (أم) هذه حرف عطف بمعنى (بل)، والهمزة للاستفهام، نظيرها في القرآن: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة ٢١٩] فيها قراءتان: ﴿قُلِ الْعَفْوُ﴾ ، و﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾. كيف نعرب (ماذا ينفقون) على قراءة الرفع ﴿مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُ﴾ ؟ * طالب: ينفق العفو. * الشيخ: إي، لكن كيف نعرب (ماذا) على قراءة الرفع؟ نعرب (ماذا): (ما) اسم استفهام، و(ذا) اسم موصول، لأجل إذا قلت: (ما) اسم استفهام، و(ذا) اسم موصول، صارت (ما) مبتدأ، و(الذي) خبره، والكل منهما مرفوع، ثم يأتي: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾؛ لأن الجواب مطابق للسؤال؛ أي: العفو الذي ينفقوه. أما على قراءة النصب ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ فيتعين أن تجعل (ماذا) كلها اسم استفهام، مفعول مقدم لـ(ينفقون)؛ لأجل أن تكون مطابقة للجواب؛ لأن الجواب منصوب فيكون السؤال كذلك منصوبًا، وهذا هو الذي يبيّن لك الفرق بين الإعرابين، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. نقول: على هذه القراءة يجب أن نُعرب (ماذا) اسم استفهام مفعولًا مقدَّمًا لـ(ينفقون)، ويش لأجل؟ لأننا نعرف أن الجواب يكون مطابقًا للسؤال، فإذا كان السؤال منصوبًا كان الجواب منصوبًا، على قراءة الرفع ﴿قُلِ الْعَفْوُ﴾، نجعل (ما) استفهام مبتدأ، و(ذا) اسم موصول خبرها؛ يعني: ما الذي ينفقون؟ فيكون التقدير: الذي ينفقونه العفوُ، وتكون مرفوعة. * طالب: (...). * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ماذا ينفقون. * الشيخ: محذوف الذي ينفقونه. * طالب: (...) الآية ما نحتاج إلى ضمير؟ * الشيخ: إذا جعلناها اسمًا موصولًا، التقدير: ماذا كنتم تعملونه. ﴿أَمَّاذَا كُنتُمْ﴾ ماذا كنتم تعملون؛ يعني في الدنيا. فيكون الله تعالى وبخهم على أمرين: أمر يتعلق بالعقيدة وهو قوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾. وأمر يتعلق بالعمل وهو قوله: ﴿مَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لأن ﴿مَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هذه استفهام لإنكار ما يعملونه، فيكون في هذا توبيخًا على العقيدة والعمل، وسيكون إن شاء الله فيه فائدة مهمة لمسألة اختلف فيها الأصوليون نبحثها غدًا إن شاء الله. (﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ﴾ حق العذاب ﴿عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾ أي: أشركوا ﴿فَهُمْ لا يَنطِقُونَ﴾ إذ لا حجة لهم). ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ﴾ يعني: قول الله بالعذاب، فإن الله تبارك وتعالى يأمر بتعذيبهم إذا لم يجيبوا، وهذا السؤال -كما عرفتم- ليس سؤال استخبار واستعلام، ولكنه سؤال توبيخ وتقريع، حينئذٍ يقع عليهم القول، وهذا القول الذي وقع عليهم لم يظلموا به، ولكن هم الذين ظلموا، ولهذا قال: ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾؛ أي: بسبب، و(ما) هنا مصدرية؛ يعني أن الفعل بعدها يحول إلى مصدر، فيكون التقدير: بظلمهم، وقع القول عليهم بظلمهم. وقول المؤلف: (أي: أشركوا) ينبغي أن يقول: أن نفسّر الظلم بما هو أعم من الشرك؛ لأن الله سبحانه وتعالى وبّخهم على التكذيب، وعلى العمل المنحرف، فيكون الظلم الذي حصل منهم التكذيب والجحد الذي يتضمن الإشراك، وكذلك الفسوق والعصيان الذي حصل منهم كإيذاء الرسل وغير ذلك، فالأصح أن نجعل ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾؛ أي: بسبب ظلمهم ومنه الشرك. ﴿فَهُمْ لا يَنطِقُونَ﴾ الفاء مفرّعة على قوله: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: بعد أن وقع عليهم القول استحقوا العذاب ما يستطيعون النطق، يقول المؤلف: (إذ لا حجة لهم). وهذا في آخر الأمر؛ لأنهم كانوا بالأول ينطقون ويدافعون، ولكنهم إذا رأوا أن جوارحهم شهدت عليهم حينئذٍ أمسكوا ما يستطيعون الآن، وإلا يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]، فهم يقولون: ما أشركنا، ويقولون أيضًا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٧، ٢٨] فهم يتكلمون ويدافعون عن أنفسهم، ولكن ذلك لا ينفعهم، ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢] فالمهم أنهم يتكلمون. فقوله هنا: ﴿فَهُمْ لا يَنطِقُونَ﴾ هذا يكون الجمع بينه وبين الآيات الدالة على نطقهم، أن للقيامة أحوالًا؛ لأن يوم القيامة كم مقداره؟ مقداره خمسون ألف سنة، فالأحوال تتغير يكون الناطق فيه ساكتًا، ويكون الساكت فيه ناطقًا، وتتقلب الأحوال ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور ٣٧] لما ترى، فهم في حال لا ينطقون، وفي حال ينطقون ويدافعون. ولكنهم مهما قالوا، ومهما فعلوا فإن لديهم شهودًا من أنفسهم ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور ٢٤] اللسان ينطق بما قال، واليد تنطق بما فعلت، والرجل تنطق بما فعلت. وأبلغ من ذلك الجلود تشهد بما لمست، فجميع الذي فيه الإدراك والحاسة يشهد على هؤلاء بما فعلوه، وحينئذٍ ما يستطيعون أن يدافعوا، ما دام أن هذه الأشياء تشهد عليهم، إذن من يشهد لهم؟ فهم لا ينطقون. * طالب: يقاس عليه العمل؟ * الشيخ: الأعمال؟ * الطالب: العمل.. * الشيخ: يقاس في أيش؟ * الطالب: فيه آيات تدل على أنه.. * الشيخ: يحشرون يوم القيامة على وجوههم عميًا وبكمًا وصمًا. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، تتغير الأحوال، المتكبرون يحشرون يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم، ولكنهم إذا دخلوا النار يصير ضرس الواحد منهم مثل أحد والعياذ بالله. قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [النمل ٨٦]. ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ الرؤية هنا بصرية ولا علمية؟ * طالب: علمية. * الشيخ: علمية وبصرية أيضًا، لكن كونها علمية أعم؛ لأن من أبصر الشيء علمه، وليس كل من علم الشيء أبصره، فالأعمى يرى الليل؛ يعني يعلمه، والمبصر يراه بعينه وبصيرته. والهمزة هنا ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ للتقرير، تقرير هذه الرؤية التي لا ينكرها أحد. ﴿أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ﴾ فسر المؤلف (الجعل) هنا بالخلق، فيكون متعديًا بمفعول واحد، ويجوز أن يكون الجعل هنا بمعنى التصيير؛ يعني: أنا جعلنا الليل مظلمًا ليسكنوا فيه. ويدل على هذا قوله تعالى الذي بعده: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ ليتصرفوا فيه، ويكون حذف من كل جملة ما دل عليه المذكور في الجملة الأخرى، ويسمى هذا في علم البديع بالاحتباك. الاحتباك: أن يُذكر في كل جملة ما حُذف من الأخرى مع التقابل. هنا نقول: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ﴾ مظلمًا ﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ حذف من هذا (مظلمًا)، ذكر مقابله (مبصرًا)، وحُذف من قوله: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ (ليتصرفوا فيه)، وذكر في مقابله (ليسكنوا فيه)، فيكون في الجملة احتباك. وهذا يكون استفدنا المعنى مع الاختصار، على هذا التقدير الذي ذكرنا يكون جعلنا ليست بمعنى (خلقنا)، بل بمعنى (صيّرنا) تنصب مفعولين؛ المفعول الأول (الليل)، والمفعول الثاني: محذوف تقديره (مظلمًا). ﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ اللام هنا للتعليل، والسكون معناه هو القرار وعدم الحركة، ولذلك كان الليل محل السكون للخلق، ولكنه بإذن الله محل عمل لخلق آخرين. الهوام والسباع ما تعمل إلا في الليل؛ لأنها تختفي في النهار إما خوفًا من الناس، وإما رحمة من الله عز وجل بالخلق؛ لأنه لو كانت هذه السباع وهذه الهوام تفترش بالنهار أتعبت الناس، ولكنها -والحمد لله- ما تظهر إلا بالليل، إذا سكن الناس بدأ عملها بالتناوب، وهذا من رحمة الله تبارك وتعالى بالخلق أن يكون هذا التبادل ليعيش الناس بسلام، حتى هي أيضًا أزين لها إذا كان ما تعيش إلا بالليل آمن لها، ما تعارض. فهنا المراد بالسكون؛ يعني الآدميين ومن أشبههم ممن سكونهم الليل، ولهذا كان الإنسان إذا أراد الصحة فليكن الليل سكنًا له، ولا سيما أول الليل، «فإن النبي ﷺ كَانَ يَكْرَهُ الْحَدِيثَ بَعْدَ الْعِشَاءِ»[[أخرجه ابن ماجه (٧٠٣)، وأحمد (٣٦٨٦) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]. وقد ذكروا أن نوم الليل الساعة منه تقابل ساعات من النهار، هذه الثروة السكونية التي أضعناها الآن بما لا نفع فيه، بل بما فيه ضرر الآن، الآن الناس يعكفون على مشاهدة التلفزيون إلى نصف الليل تقريبًا، بينما إنه في الدول الغربية مع الأسف الشديد الكافرة الملحدة لا يتجاوز الساعة التاسعة من الليل، الساعة التاسعة مغلق التلفزيون؛ لأنهم يعلمون (...) وعلى عمّالهم، وعلى مثقفيهم، فهم لا يريدون الضرر بالأمة، يقولون: إذا أبقيناه إلى ما بعد التاسعة سهر الناس عليه، وكان في ذلك إنهاك للعمال، وكان في ذلك إهمال للطلبة، فلذلك نحن نغلقه من الساعة التاسعة حتى ينام الناس، وحتى لا نكون نحن تسببنا الناس في إرهاقهم. وحدثني بذلك عدة أناس من الذين جاؤوا من أوروبا، يقولون: أبدًا، ما يمكن يتجاوز الساعة التاسعة، اللهم عاد (...) إلا في الأشياء النادرة، لكن هذا هو برنامجهم. نحن الآن مع الأسف الشديد يقولون: إنه يبقى إلى فوق الثانية عشرة؛ يعني الثانية عشرة نصف الليل..، هذا مع ما يتطلب من الناحية الاقتصادية، كم يستهلك الناس من الكهرباء في هذه الساعة؟ تلفزيوناتهم، وكذلك أيضًا في أنوارهم؛ لأن المكان لا بد له من نور، يستهلك نور، يستهلك كهرباء في التلفزيون، كم يكلّف العالم؟ وكم يرهق المعدات أيضًا؟ هذا بقطع النظر عن المفاسد الأخرى البدنية، ولكن العبرة بمن بصّره الله تبارك وتعالى، فمثل هذا المسؤول الآن راعي البيت، أنه إذا كانت مثلًا الساعة التاسعة يأمر أهله بالنوم ويغلقه. * طالب: أو يكسره. * الشيخ: لا، الكسر لا (...) والنبي عليه الصلاة والسلام «كَرِهَ الْحَدِيثَ بَعْدَ الْعِشَاءِ»، كنا نسهر إلى نصف الليل أحيانًا أو إلى أكثر، وليس ليلة طارئة؛ حتى نقول: العوارض عوارض، بل هي دائمًا في الغالب. هؤلاء الذين يسهرون إلى ما بعد نصف الليل: أولًا: ربما لا يقومون لصلاة الفجر، وإذا قاموا نصفهم نوم يؤدونها بكل كلافة ومشقة، أو ينامون يمكن في نفس المسجد أو في نفس الصلاة، ثم إذا رجعوا إلى بيوتهم ينامون إلى متى؟ * طلبة: الظهر. * الشيخ: إلى الظهر؛ يعني: أول النهار اللي هو محل البركة، ومحل العمل يضيّع، والليل اللي هو محل السكون يضيّع السكون فيه، وهذا من نقص الوعي في المسلمين، هذا بالحقيقة يعتبر نقص وعي للمسلمين. يقولون عن الكفار: حدثني واحد قبل أمس، يقول: إن هناك عندهم عطلة السبت والأحد، السبت لأجل اليهود والأحد لأجل النصارى، لكن يقول: (...) ليلة الاثنين من غروب الشمس، وكل في محله، ما يمكن لأجل منين يكون الصباح وإذا هو مباشر لعمله، ما يمكن يتأخرون، يقول: غريب؛ يعني العوائل يبتغون يتنزهون باليومين ها دول عاد إلى المنتزهات، لكن ما يمكن إذا غابت ليلة الاثنين، غابت الشمس ليلة الاثنين، وإذا كل إنسان في محله، يكون متهيئًا للعمل. إذا قارنت حال هؤلاء بحال المسلمين اليوم، مع أن أحوالهم هذه هي التي يجب أن تكون للمسلمين، وجدت هذا السبب اللي جعلنا نتأخر، وجعلنا في هذا الذل، وجعل كثير من شبابنا ما هم مقتنعين بأحوالنا؛ يعني بعض الشباب الآن المنحرف قد يكون له عذر، يقول: أنتم تقولون الإسلام والإسلام، وين الإسلام؟ ما شفنا شيئًا! ولكن نقول: الذنب ذنب من؟ ذنب من ينتسبون للإسلام ليس ذنب الإسلام، ذنب من يقولون: نحن أهل الإسلام، وفي أهل الإسلام من لا يعرف أركان الإسلام، صدقوني بعض الناس المسلمين الآن اللي يقولون هم مسلمون، مكتوب على هويتهم مسلم، ما يعرف يتوضأ ولا يصلي، هذا موجود، ما يعرف يتوضأ ولا يصلي. إذن البيئة ويش تكون معناه؟ معنى هذا أن البيئة ما تتوضأ ولا تصلي، فأين الإسلام من قوم لا يتوضؤون ولا يصلون؟! هذا هو الذي أخّرنا، ولذلك أنا والله أحب دائمًا أن يكون لدى أهل العلم تطور في الحركة والعمل..

النمل 27:85

﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢]. إذا وقع عليهم القول يقول المفسر: (حق العذاب أن ينزل بهم في جملة الكفار)، وهذا تفسير منه على أن الضمير في قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ يعود إلى كفار مكة، ولهذا احتاج أن يقول: (في جملة الكفار) لأجل التوطئة لما بعده ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾. ويجوز أن يكون الضمير عائدًا إلى جميع الناس؛ أي: إذا وقع القول على الناس، ولا يكون المراد بالقول هنا القول بالعذاب، بل يجوز أن يكون المراد به: القول بانتهاء الدنيا، وتحمل الآية على الدابة التي تخرج في آخر الزمان، وهي من أشراط الساعة. وقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾ نكرها؛ لأنها غير معروفة فكأنها دابة منفردة في نوعها. وقوله: ﴿دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾ هل هي متعلقة بـ(دابة) أو بـ(أخرجنا)؟ الظاهر أنها متعلقة بـ(دابة)؛ يعني: أخرجنا لهم دابة من الأرض لا من السماء. وقوله: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ يعني: تكلم الناس، والكلام هنا بمعنى الحديث قال: (أي: تكلم الموجودين حين خروجها بالعربية)، يجوز أن تكون بالعربية أو بغيرها، على كل حال أنها تكلم الناس بكلام يعرفونه، هذا هو المتبادر من الكلام. ويرى بعض المفسرين أن المراد بالكلام هنا الجرح، تكلمهم؛ يعني: تجرحهم، أي: تخمشهم بأظفارها. قالوا: لأن الكلم يأتي بمعنى الجرح كقوله ﷺ: «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَثْعَبُ دَمًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٠٣)، ومسلم (١٨٧٦ / ١٠٥) بنحوه، من حديث أبي هريرة.]]، ولكن هذا القول ليس بصحيح؛ لأن الأصل في الكلام هو النطق، ولا معنى لكونها تجرح الناس، لكن تكلمهم بماذا؟ قال: (من جملة كلامها عَنَّا ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾ ) إلى آخره. قوله: (من جملة كلامها عَنَّا) أي: أنها تقول على لسان الله؛ لأن قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ لا يستقيم أن يكون من كلام الدابة عن نفسها؛ إذ إنها -أي: الدابة- ليس لها آيات يجب الإيقان بها، وإنما الآيات التي يجب الإيقان بها لله، ولهذا يقول المؤلف هنا: (عَنَّا ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أي: كفار مكة، وعلى قراءة فتح همزة أن تقدر الباء بعد تكلمهم) أي: تكلمهم بهذا الكلام ﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾. استفدنا من كلام المؤلف (وعلى قراءة فتح): أن الأصل الذي فسره بالكسر (إن الناس)، تكلمهم إن الناس يكون هذا مبتدأ الكلام، وعلى قراءة الفتح يكون على تقدير حرف الجر؛ أي: بأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون. وقول المؤلف: (إن المراد بالناس كفار مكة) هذا فيه نظر ظاهر، بل إن المراد بالناس الموجودون في ذلك الوقت، الذين وقع عليهم القول فأخرجت لهم الدابة تنذرهم، وأما كونه يقال: إن كفار مكة لا يوقنون، فلا حاجة إلى إخبارها عنهم، إخبار القرآن عنهم، أوكد من إخبار هذه الدابة عنهم، فكلام المؤلف هنا فيه نظر ظاهر، وليس بصواب أبدًا بل هو خطأ، فهي تكلم من؟ الناس الذين وقع عليهم القول حين خروجها تحذرهم أن الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون، هذا ما مشى عليه المؤلف وأكثر المفسرين على أن كلام هذه الدابة: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ ولهذا احتاج إلى تقدير (أن). لكن ابن كثير استبعد هذا القول وقال: إنها تكلمهم تحدثهم بحديث مستقل ما بين في القرآن. ويكون قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ هذا تعليل لقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾، يعني: فليست الدابة هي التي تقول للناس: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾؛ لأن هذا القول لا يمكن أن تنطق به الدابة؛ إذ إنه لا يصح أن يكون إلا من الله؛ لهذا أنكر هذا القول، مع أن ابن جرير رحمه الله تعالى اختاره، لكنه هو على أنه مختصر لابن جرير أنكر هذا، وقال: إنها تكلمهم بكلام لم يُبيّن، وأن قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ ، بالفتح أو بالكسر الجملة تعليل؛ لقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ أيش معنى لا يوقنون؟ يقول: أي: (لا يؤمنون بالقرآن المشتمل على البعث والحساب والعقاب)، وتفسير الإيقان بالإيمان فيه قصور، لكنه تقريبي؛ لأن الإيقان أبلغ من الإيمان وأخص منه، فهو درجة عالية أعلى من الإيمان، ولهذا يقال: أيقنت بكذا، أبلغ من قولك: آمنت به. وهذه الدابة أولًا نبحث فيها: هل هي الدابة التي تخرج في آخر الزمان، والتي ذكرها النبي ﷺ من علامات الساعة، أو دابة أخرى؟ يرى بعض العلماء أنها هي الدابة التي تكون في آخر الزمان. ويرى آخرون: أنها دابة أخرى، ولهذا جاءت في الحديث معرّفة، وجاءت هنا منكّرة، فيقال: دابة والله أعلم بها، هل هي التي تكون من أشراط الساعة، أو أنها دابة مستقلة؟ لأننا لو نعلم أن الحديث بعد هذه الآية لقلنا: إن الدابة في الحديث للعهد الذهني؛ يعني: الدابة التي عرفتموها وتحدث الله عنها، وحينئذٍ تكون الدابة هنا هي الدابة هناك، ولكننا لا نعلم، ولهذا التوقف أوْلى هل هي هي أو غيرها؟ ثانيًا: هذه الدابة مبهمة من حيث المكان ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾، لكن من أي مكان تُخرج؟ وردت أحاديث، لكنها ضعيفة أنها تخرج من مكة من أجياد ولا من الصفا[[أخرجه الطبري في التفسير (١٨ / ١٢١)، ونعيم بن حماد في الفتن (١٨٦٦) من حديث ابن عمر موقوفًا.]] ولا من مكان آخر، المهم أنها تخرج من مكة، ولكنها أحاديث ضعيفة لا يعتمد عليها في العقيدة. ثم هل هي تُخرج حقيقة من الأرض، تنشق عنها الأرض تخرج سواء من مكة أو غيرها، أو أن المراد بالإخراج هنا: إبرازها وإظهارها، وأنها دابة يعني كغيرها من الدواب، ثم تتبين بما يحصل لها من النطق، ويكون هذا كقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ»[[أخرجه الترمذي (٢١٨١) من حديث أبي سعيد الخدري.]]؛ لأن السباع في آخر الزمان تكلم الإنس. هذه أيضًا محل توقف، ولذلك هذه الدابة نكرة لفظًا أيش بعد؟ ومعنى؛ يعني: نحن ما نعرفها تمامًا، وما وصفت بالقرآن أو بالسنة أوصافًا بحيث يجزم الإنسان بها. البحث الرابع: هذه الدابة هل هي من جنس الدواب، أو أنها دابة معينة على شكل معين؟ تكلموا فيها كلامًا طويلًا في هذا، وكل ما ذكروا إنما هو مأخوذ عن بني إسرائيل، ولا يمكن أن يصدق، غاية ما هنالك أنه يُذكر يحدّث به ولا يصدّق ولا يكذب، ولا يُعتمد عليه في العقيدة، ذكروا عن آذانها وذكروا عن عينها وعن رجلها، أشياء غريبة جدًّا. * طالب: مثل الدجال. * الشيخ: إي، المهم أننا نقول: نُبهم ما أبهمه الله، ولا نعين ما لم يُعينه الله ورسوله، وحسبنا أن نؤمن بأنه إذا وقع القول على الناس فسوف يُخرج الله لهم دابة من الأرض تحدّثهم، وتكون هذه الدابة آية على أن العذاب قد قرُب وقوعه منهم، هذا غاية ما يُستدل به من هذه الآية أو يُستدل عليه من هذه الآية. إذن: يكون قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ . ليس من قول الدابة على هذا التقدير، بل هو من قول الله تعليل لقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ يعني: يخرجها لأن الناس كانوا. وعليه فيكون مطابقة هذا التعليل للشرط في قوله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يكون مطابقته مطابقة السبب شو له؟ للمسبب، إذا كانوا لا يوقنون حينئذٍ وقع عليهم القول، وحينئذٍ أخرجت الدابة. * طالب: ذكرت قول المفسر أنه ذكر ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ من كلام الدابة، وقلتم إنه على لسان الله (...). * الشيخ: لا، يعني: عن الله، على لسان الدابة. * الطالب: طيب. هنا قوله: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ يختل المعنى إذا تعلق بالدابة (...). * الشيخ: إي، يختلف المعنى، إذا قال: أخرجنا لهم دابة من الأرض، يمكن أن يكون ملكًا ينزل ويخرج من الأرض، ينزل بالأرض ثم يخرج منها؛ لأنه ما عيّن من أين يكون هذه الدابة، وأما إذا قلنا: دابة من الأرض فتتعين أن تكون من دواب الأرض. * طالب: يمكن أن نقول مثلًا: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ يعني كيس، وأنها تكلمهم بمعنى تكلفهم، ويكون المعنى: أن تسليط هذا النوع من الدابة (...)؟ * الشيخ: هذا بعيد، ولا يمكن أن يقال.. * الطالب: يعني أن الناس.. * الشيخ: أقول: يمكن يقال: إنهم إذا لم يوقنوا بآيات الله أن الله يسلط عليهم السباع تأكلهم وتجرحهم، لكن هذا بعيد، ولا رأيت هذا من كلام السلف، بل هو من كلام المتأخرين. قال: ﴿تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾. قوله: ﴿بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾. المراد بالآيات هنا الكونية والشرعية، لكن الكونية، ألم يوقن بها الكفار؟ لكنه إيقان لم ينفعهم، والشيء الذي لا ينفع يصح أن يُنفى لعدم الانتفاع به. قال: (وبخروجها) بخروج الدابة (ينقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يؤمن كافر) لماذا؟ لأنه قد وقع عليهم القول، وإذا صح هذا التفسير، فإن معنى ذلك أن هذه الدابة من أشراط الساعة؛ لأنه لا يكون الأمر كذلك إلا في آخر الزمان بعد أن «يَنْزِل عِيسَى وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ سَبْعَ سِنيِنَ، لَا يَحْصُلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ وَلَا شَحْنَاءُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ فَتَقْبِضُ نَفْسَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٤٠ / ١١٦) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. فهذا إذا كان هذا الذي فهمه المؤلف من هذه الآية بهذا الأمر، فإن هذه الدابة يكون خروجها بعد عيسى بن مريم؛ لأنه بعد ذلك يقول المؤلف: (أنه لا يؤمن كافر، ولا يؤمر بمعروف، ولا ينهى عن المنكر). ولكن موقفي في هذا أن أقول: الله أعلم؛ يعني أن هذه المسألة من مسائل الغيب التي يتوقف الإنسان فيها إلا على ما يفيده ظاهر القرآن. فنقول: إيماننا بهذا أن نقول: إنه إذا وقع القول على الناس باستحقاق العذاب أخرج الله لهم هذه الدابة التي تكلمهم، ولا نزيد على هذا، ولا نقول: ينقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا نقول: إنه لا يؤمن كافر؛ لأن ذلك أمر يحتاج إلى توقيف. ثم قال: (كما أوحى الله إلى نوح عليه الصلاة والسلام ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، ﴿وَ﴾ اذكر ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ جماعة ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ وهم رؤساؤهم المتّبعون ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: 83]؛ أي: يجمعون برد آخرهم إلى أولهم ثم يساقون). قال: (واذكر يوم)، يستفاد من هذا التفسير أن يوم ظرف، وأن عامله محذوف، التقدير اذكر يوم، وهذا التركيب له نظائر في القرآن، ويكون تقديره على هذا كما قدر المؤلف هنا. وقوله: ﴿نَحْشُرُ﴾ بمعنى (نجمع). وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ الأمة: هي القبيلة أو الطائفة الكبيرة من الناس، والفوج أقل منهم، ولهذا يقول المؤلف: (وهم رؤساؤهم المتّبعون). وقوله: ﴿فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ﴾ (من) هذه لبيان الجنس؛ أي: فوجًا من المكذبين بآيات الله الكونية والشرعية أو إحداهما. (وهم) أي: الفوج (رؤساؤهم المتّبعون)، فهم يحشرون فيجمعون، ثم بعد ذلك يوزعون. والوزع: بمعنى (المنع)؛ أي: يُحبس أولهم حتى يجتمع به آخرهم، ولهذا قال: (برد آخرهم إلى أولهم) فيكونون زمرة واحدة (ثم يساقون) إلى الله تبارك وتعالى. فإذا (﴿جَاءُوا﴾ مكان الحساب ﴿قَالَ﴾ الله تعالى لهم: ﴿أَكَذَّبْتُمْ﴾ أنبيائي ﴿بِآيَاتِي﴾ ). * طالب: الوزع ما معناه؟ * الشيخ: الوزع بمعنى الجمع من باب الشيء إذا.. * الطالب: بمعنى (...). * الشيخ: يمكن يأتي بمعنى (...)، إلا هنا بمعنى الجمع؛ يعني يجمع الأول إلى الآخر. قال: (﴿أَكَذَّبْتُمْ﴾ أنبيائي ﴿بِآيَاتِي﴾ ) المؤلف قال: (أنبيائي)، يشير بذلك إلى أن مفعول كذبتم محذوف، وأن ﴿بِآيَاتِي﴾ حال من أنبيائي، ولكن هذا التقرير لا معنى له ولا داعي له؛ لأن التكذيب دائمًا يقع معموله مُعدّى بالباء، كذب بآيات الله، ما هو قال: كذب أنبياء الله بآيات الله؟ بل كذب بآياتي، والتكذيب هنا مضمّن معنى الجحد، فعليه نقول: لا حاجة إلى تقدير المؤلف أنبيائي، بل نقول: بآياتي جار ومجرور متعلق بكذبتم. ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ يعني: أنكرتموها وجحدتموها. (﴿وَلَمْ تُحِيطُوا﴾ مِن جهة تكذيبكم ﴿بِهَا عِلْمًا﴾ ) إلى آخره. ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا﴾ شوف المؤلف كيف حلها (مِن جهة تكذيبكم ﴿بِهَا عِلْمًا﴾ ) والإحاطة بالشيء بمعنى إدراكه من جميع الجوانب، وأصله مشتق من الحائط؛ لأنه يحيط بالمكان، فمعنى أحاط بالشيء: أدركه من جميع جوانبه. المؤلف فسر هنا الإدراك من جهة تكذيبهم؛ أي: أنكم كذبتم من غير أن يكون لديكم علم بالتكذيب؛ كذبتم بلا علم، ولكن يحتمل معنى آخر: أنكم كذبتم بالآيات قبل أن تدركوها، فيكون من البِدار بالشيء قبل أن يدركه. كما قال ابن القيم: إِنَّ الْبِدَارَ بِرَدِّ شَيْءٍ لَمْ تُحِطْ ∗∗∗ عِلْمًا بِهِ سَبَبٌ إِلَى الْحِرْمَانِ الآن لدينا تفسيران: أحدهما: أن قوله: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾؛ أي: من جهة تكذيبكم، والمعنى على هذا: أنكم كذبتم بدون علم، فهمتم هذا المعنى، وهو الذي مشى عليه المؤلف، قال: (﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا﴾ من جهة تكذيبكم)، الآن إذا أتاك رجل بخبر وقلت: كذبت؛ لأن فلانًا الذي أخبرت به هو موجود عندي في تلك الساعة، الآن كذبت بعلم ولّا بغير علم؟ * طلبة: بعلم. * الشيخ: بعلم؛ يعني مثلًا قال لك: إن فلانًا رأيته في بُريدة مثلًا أمس، فقلت له: كذبت، فلان أمس عندي، فهنا كذبت بعلم، مفهوم؟ فإذا قال: رأيت فلانًا في بريدة أمس فقلت له: كذبت وأنا ما أدري، فقد كذبت بلا علم. الآن المؤلف ويش يقول؟ يقول: (من جهة تكذيبكم بها)؛ يعني: أنكم كذبتم بغير علم. فيه رأي آخر يقول: لا ﴿لَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾؛ يعني أنكم كذبتم بها من غير روية ومن غير تأمل، هذا المعنى؛ يعني أنكم رددتموها من أول وهلة، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، الفرق بين المعنيين ظاهر الآن، الفرق بينهما ظاهر والأقرب المعنى الثاني؛ لأن قوله: كذّبتم بآياتي والحال أنكم لم تحيطوا بها علما أبلغ من كونهم كذّبوا بعد أن ترووا، ولكن لم يجدوا لتكذيبهم دليلًا، فهم كذبوا من غير تروٍ، بل إنهم في الحقيقة وخصوصًا الرؤساء منهم يعلمون أن ما جاءت به الرسل فهو الحق، ولكن كذّبوا بشيء مثل ما قال الله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس ٣٩]، كذّبوا بشيء لم يحيطوا بعلمه، بل من أول وهلة، وهذا أشد في اللوم عليهم، فعليه الاستفهام في قوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ [النمل ٨٤]، ويش هو له؟ للتوبيخ، الاستفهام للتوبيخ واللوم؛ لأن من كذب بالشيء بعد دراسته والإحاطة به، ثم يتبين له الكذب هذا ما يلام عليه، لكن من كذب لأول مرة بدون أن يحيط به علمًا، فهو دليل على أنه ليس بقابل إطلاقًا للحق. قال تعالى: ﴿أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقول: (﴿أَمَّا﴾ فيه إدغام ما الاستفهامية) وين هو الإدغام؟ في أم التي للإضراب، وأصله أم بمعنى بل، ثم أدغم إحداهما في الأخرى. (و﴿ذَا﴾ موصول أي: ما الذي ﴿كُنتُمْ﴾ )، ويجوز أن نجعل (ذا) مركبة مع (ما)، وتكون ماذا كلها اسم استفهام، ولكن ليس هذا في كل مكان يجوز هذا وهذا، إنما في مثل هذا التركيب يجوز أن نجعل (ماذا) اسم استفهام جميعًا، وأن نجعل (ما) اسم استفهام و(ذا) اسمًا موصولًا؛ أي: ما الذي كنتم تعملون؟ وعلى هذا التقدير الأخير: يجب أن نقدر ضميرًا في قوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾، ليكون عائدًا إلى اسم الموصول، وعلى الأول لا حاجة لذلك، ونجعل (ماذا) مفعولًا مقدمًا لـ (تعملون). * طالب: (...). * الشيخ: لا، أصل (أم) منقطعة عن هذا، يعني (أم) لحالها مكتوبة وحدها، لكن أدغمت فبنيت.. * الطالب: (...) تجمع أم ماذا هنا لا تجمع. * الشيخ: لا (...) هي لا بد أن (ما) اسم استفهام على كل حال، لكن هل تقدر (ما) اسم استفهام و(ذا) اسمًا موصولًا وتحتاج إلى عائد يعود على الموصول في تعملون، أو نقدر (ماذا) جميعًا على أنها اسم استفهام. * الطالب: إعراب (...)؟ * الشيخ: لا، نقول: (أم) هذه حرف عطف بمعنى (بل)، والهمزة للاستفهام، نظيرها في القرآن: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة ٢١٩] فيها قراءتان: ﴿قُلِ الْعَفْوُ﴾ ، و﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾. كيف نعرب (ماذا ينفقون) على قراءة الرفع ﴿مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُ﴾ ؟ * طالب: ينفق العفو. * الشيخ: إي، لكن كيف نعرب (ماذا) على قراءة الرفع؟ نعرب (ماذا): (ما) اسم استفهام، و(ذا) اسم موصول، لأجل إذا قلت: (ما) اسم استفهام، و(ذا) اسم موصول، صارت (ما) مبتدأ، و(الذي) خبره، والكل منهما مرفوع، ثم يأتي: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾؛ لأن الجواب مطابق للسؤال؛ أي: العفو الذي ينفقوه. أما على قراءة النصب ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ فيتعين أن تجعل (ماذا) كلها اسم استفهام، مفعول مقدم لـ(ينفقون)؛ لأجل أن تكون مطابقة للجواب؛ لأن الجواب منصوب فيكون السؤال كذلك منصوبًا، وهذا هو الذي يبيّن لك الفرق بين الإعرابين، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. نقول: على هذه القراءة يجب أن نُعرب (ماذا) اسم استفهام مفعولًا مقدَّمًا لـ(ينفقون)، ويش لأجل؟ لأننا نعرف أن الجواب يكون مطابقًا للسؤال، فإذا كان السؤال منصوبًا كان الجواب منصوبًا، على قراءة الرفع ﴿قُلِ الْعَفْوُ﴾، نجعل (ما) استفهام مبتدأ، و(ذا) اسم موصول خبرها؛ يعني: ما الذي ينفقون؟ فيكون التقدير: الذي ينفقونه العفوُ، وتكون مرفوعة. * طالب: (...). * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ماذا ينفقون. * الشيخ: محذوف الذي ينفقونه. * طالب: (...) الآية ما نحتاج إلى ضمير؟ * الشيخ: إذا جعلناها اسمًا موصولًا، التقدير: ماذا كنتم تعملونه. ﴿أَمَّاذَا كُنتُمْ﴾ ماذا كنتم تعملون؛ يعني في الدنيا. فيكون الله تعالى وبخهم على أمرين: أمر يتعلق بالعقيدة وهو قوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾. وأمر يتعلق بالعمل وهو قوله: ﴿مَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لأن ﴿مَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هذه استفهام لإنكار ما يعملونه، فيكون في هذا توبيخًا على العقيدة والعمل، وسيكون إن شاء الله فيه فائدة مهمة لمسألة اختلف فيها الأصوليون نبحثها غدًا إن شاء الله. (﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ﴾ حق العذاب ﴿عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾ أي: أشركوا ﴿فَهُمْ لا يَنطِقُونَ﴾ إذ لا حجة لهم). ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ﴾ يعني: قول الله بالعذاب، فإن الله تبارك وتعالى يأمر بتعذيبهم إذا لم يجيبوا، وهذا السؤال -كما عرفتم- ليس سؤال استخبار واستعلام، ولكنه سؤال توبيخ وتقريع، حينئذٍ يقع عليهم القول، وهذا القول الذي وقع عليهم لم يظلموا به، ولكن هم الذين ظلموا، ولهذا قال: ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾؛ أي: بسبب، و(ما) هنا مصدرية؛ يعني أن الفعل بعدها يحول إلى مصدر، فيكون التقدير: بظلمهم، وقع القول عليهم بظلمهم. وقول المؤلف: (أي: أشركوا) ينبغي أن يقول: أن نفسّر الظلم بما هو أعم من الشرك؛ لأن الله سبحانه وتعالى وبّخهم على التكذيب، وعلى العمل المنحرف، فيكون الظلم الذي حصل منهم التكذيب والجحد الذي يتضمن الإشراك، وكذلك الفسوق والعصيان الذي حصل منهم كإيذاء الرسل وغير ذلك، فالأصح أن نجعل ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾؛ أي: بسبب ظلمهم ومنه الشرك. ﴿فَهُمْ لا يَنطِقُونَ﴾ الفاء مفرّعة على قوله: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: بعد أن وقع عليهم القول استحقوا العذاب ما يستطيعون النطق، يقول المؤلف: (إذ لا حجة لهم). وهذا في آخر الأمر؛ لأنهم كانوا بالأول ينطقون ويدافعون، ولكنهم إذا رأوا أن جوارحهم شهدت عليهم حينئذٍ أمسكوا ما يستطيعون الآن، وإلا يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]، فهم يقولون: ما أشركنا، ويقولون أيضًا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٧، ٢٨] فهم يتكلمون ويدافعون عن أنفسهم، ولكن ذلك لا ينفعهم، ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢] فالمهم أنهم يتكلمون. فقوله هنا: ﴿فَهُمْ لا يَنطِقُونَ﴾ هذا يكون الجمع بينه وبين الآيات الدالة على نطقهم، أن للقيامة أحوالًا؛ لأن يوم القيامة كم مقداره؟ مقداره خمسون ألف سنة، فالأحوال تتغير يكون الناطق فيه ساكتًا، ويكون الساكت فيه ناطقًا، وتتقلب الأحوال ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور ٣٧] لما ترى، فهم في حال لا ينطقون، وفي حال ينطقون ويدافعون. ولكنهم مهما قالوا، ومهما فعلوا فإن لديهم شهودًا من أنفسهم ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور ٢٤] اللسان ينطق بما قال، واليد تنطق بما فعلت، والرجل تنطق بما فعلت. وأبلغ من ذلك الجلود تشهد بما لمست، فجميع الذي فيه الإدراك والحاسة يشهد على هؤلاء بما فعلوه، وحينئذٍ ما يستطيعون أن يدافعوا، ما دام أن هذه الأشياء تشهد عليهم، إذن من يشهد لهم؟ فهم لا ينطقون. * طالب: يقاس عليه العمل؟ * الشيخ: الأعمال؟ * الطالب: العمل.. * الشيخ: يقاس في أيش؟ * الطالب: فيه آيات تدل على أنه.. * الشيخ: يحشرون يوم القيامة على وجوههم عميًا وبكمًا وصمًا. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، تتغير الأحوال، المتكبرون يحشرون يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم، ولكنهم إذا دخلوا النار يصير ضرس الواحد منهم مثل أحد والعياذ بالله. قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [النمل ٨٦]. ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ الرؤية هنا بصرية ولا علمية؟ * طالب: علمية. * الشيخ: علمية وبصرية أيضًا، لكن كونها علمية أعم؛ لأن من أبصر الشيء علمه، وليس كل من علم الشيء أبصره، فالأعمى يرى الليل؛ يعني يعلمه، والمبصر يراه بعينه وبصيرته. والهمزة هنا ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ للتقرير، تقرير هذه الرؤية التي لا ينكرها أحد. ﴿أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ﴾ فسر المؤلف (الجعل) هنا بالخلق، فيكون متعديًا بمفعول واحد، ويجوز أن يكون الجعل هنا بمعنى التصيير؛ يعني: أنا جعلنا الليل مظلمًا ليسكنوا فيه. ويدل على هذا قوله تعالى الذي بعده: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ ليتصرفوا فيه، ويكون حذف من كل جملة ما دل عليه المذكور في الجملة الأخرى، ويسمى هذا في علم البديع بالاحتباك. الاحتباك: أن يُذكر في كل جملة ما حُذف من الأخرى مع التقابل. هنا نقول: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ﴾ مظلمًا ﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ حذف من هذا (مظلمًا)، ذكر مقابله (مبصرًا)، وحُذف من قوله: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ (ليتصرفوا فيه)، وذكر في مقابله (ليسكنوا فيه)، فيكون في الجملة احتباك. وهذا يكون استفدنا المعنى مع الاختصار، على هذا التقدير الذي ذكرنا يكون جعلنا ليست بمعنى (خلقنا)، بل بمعنى (صيّرنا) تنصب مفعولين؛ المفعول الأول (الليل)، والمفعول الثاني: محذوف تقديره (مظلمًا). ﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ اللام هنا للتعليل، والسكون معناه هو القرار وعدم الحركة، ولذلك كان الليل محل السكون للخلق، ولكنه بإذن الله محل عمل لخلق آخرين. الهوام والسباع ما تعمل إلا في الليل؛ لأنها تختفي في النهار إما خوفًا من الناس، وإما رحمة من الله عز وجل بالخلق؛ لأنه لو كانت هذه السباع وهذه الهوام تفترش بالنهار أتعبت الناس، ولكنها -والحمد لله- ما تظهر إلا بالليل، إذا سكن الناس بدأ عملها بالتناوب، وهذا من رحمة الله تبارك وتعالى بالخلق أن يكون هذا التبادل ليعيش الناس بسلام، حتى هي أيضًا أزين لها إذا كان ما تعيش إلا بالليل آمن لها، ما تعارض. فهنا المراد بالسكون؛ يعني الآدميين ومن أشبههم ممن سكونهم الليل، ولهذا كان الإنسان إذا أراد الصحة فليكن الليل سكنًا له، ولا سيما أول الليل، «فإن النبي ﷺ كَانَ يَكْرَهُ الْحَدِيثَ بَعْدَ الْعِشَاءِ»[[أخرجه ابن ماجه (٧٠٣)، وأحمد (٣٦٨٦) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]. وقد ذكروا أن نوم الليل الساعة منه تقابل ساعات من النهار، هذه الثروة السكونية التي أضعناها الآن بما لا نفع فيه، بل بما فيه ضرر الآن، الآن الناس يعكفون على مشاهدة التلفزيون إلى نصف الليل تقريبًا، بينما إنه في الدول الغربية مع الأسف الشديد الكافرة الملحدة لا يتجاوز الساعة التاسعة من الليل، الساعة التاسعة مغلق التلفزيون؛ لأنهم يعلمون (...) وعلى عمّالهم، وعلى مثقفيهم، فهم لا يريدون الضرر بالأمة، يقولون: إذا أبقيناه إلى ما بعد التاسعة سهر الناس عليه، وكان في ذلك إنهاك للعمال، وكان في ذلك إهمال للطلبة، فلذلك نحن نغلقه من الساعة التاسعة حتى ينام الناس، وحتى لا نكون نحن تسببنا الناس في إرهاقهم. وحدثني بذلك عدة أناس من الذين جاؤوا من أوروبا، يقولون: أبدًا، ما يمكن يتجاوز الساعة التاسعة، اللهم عاد (...) إلا في الأشياء النادرة، لكن هذا هو برنامجهم. نحن الآن مع الأسف الشديد يقولون: إنه يبقى إلى فوق الثانية عشرة؛ يعني الثانية عشرة نصف الليل..، هذا مع ما يتطلب من الناحية الاقتصادية، كم يستهلك الناس من الكهرباء في هذه الساعة؟ تلفزيوناتهم، وكذلك أيضًا في أنوارهم؛ لأن المكان لا بد له من نور، يستهلك نور، يستهلك كهرباء في التلفزيون، كم يكلّف العالم؟ وكم يرهق المعدات أيضًا؟ هذا بقطع النظر عن المفاسد الأخرى البدنية، ولكن العبرة بمن بصّره الله تبارك وتعالى، فمثل هذا المسؤول الآن راعي البيت، أنه إذا كانت مثلًا الساعة التاسعة يأمر أهله بالنوم ويغلقه. * طالب: أو يكسره. * الشيخ: لا، الكسر لا (...) والنبي عليه الصلاة والسلام «كَرِهَ الْحَدِيثَ بَعْدَ الْعِشَاءِ»، كنا نسهر إلى نصف الليل أحيانًا أو إلى أكثر، وليس ليلة طارئة؛ حتى نقول: العوارض عوارض، بل هي دائمًا في الغالب. هؤلاء الذين يسهرون إلى ما بعد نصف الليل: أولًا: ربما لا يقومون لصلاة الفجر، وإذا قاموا نصفهم نوم يؤدونها بكل كلافة ومشقة، أو ينامون يمكن في نفس المسجد أو في نفس الصلاة، ثم إذا رجعوا إلى بيوتهم ينامون إلى متى؟ * طلبة: الظهر. * الشيخ: إلى الظهر؛ يعني: أول النهار اللي هو محل البركة، ومحل العمل يضيّع، والليل اللي هو محل السكون يضيّع السكون فيه، وهذا من نقص الوعي في المسلمين، هذا بالحقيقة يعتبر نقص وعي للمسلمين. يقولون عن الكفار: حدثني واحد قبل أمس، يقول: إن هناك عندهم عطلة السبت والأحد، السبت لأجل اليهود والأحد لأجل النصارى، لكن يقول: (...) ليلة الاثنين من غروب الشمس، وكل في محله، ما يمكن لأجل منين يكون الصباح وإذا هو مباشر لعمله، ما يمكن يتأخرون، يقول: غريب؛ يعني العوائل يبتغون يتنزهون باليومين ها دول عاد إلى المنتزهات، لكن ما يمكن إذا غابت ليلة الاثنين، غابت الشمس ليلة الاثنين، وإذا كل إنسان في محله، يكون متهيئًا للعمل. إذا قارنت حال هؤلاء بحال المسلمين اليوم، مع أن أحوالهم هذه هي التي يجب أن تكون للمسلمين، وجدت هذا السبب اللي جعلنا نتأخر، وجعلنا في هذا الذل، وجعل كثير من شبابنا ما هم مقتنعين بأحوالنا؛ يعني بعض الشباب الآن المنحرف قد يكون له عذر، يقول: أنتم تقولون الإسلام والإسلام، وين الإسلام؟ ما شفنا شيئًا! ولكن نقول: الذنب ذنب من؟ ذنب من ينتسبون للإسلام ليس ذنب الإسلام، ذنب من يقولون: نحن أهل الإسلام، وفي أهل الإسلام من لا يعرف أركان الإسلام، صدقوني بعض الناس المسلمين الآن اللي يقولون هم مسلمون، مكتوب على هويتهم مسلم، ما يعرف يتوضأ ولا يصلي، هذا موجود، ما يعرف يتوضأ ولا يصلي. إذن البيئة ويش تكون معناه؟ معنى هذا أن البيئة ما تتوضأ ولا تصلي، فأين الإسلام من قوم لا يتوضؤون ولا يصلون؟! هذا هو الذي أخّرنا، ولذلك أنا والله أحب دائمًا أن يكون لدى أهل العلم تطور في الحركة والعمل..

النمل 27:86

﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢]. إذا وقع عليهم القول يقول المفسر: (حق العذاب أن ينزل بهم في جملة الكفار)، وهذا تفسير منه على أن الضمير في قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ يعود إلى كفار مكة، ولهذا احتاج أن يقول: (في جملة الكفار) لأجل التوطئة لما بعده ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾. ويجوز أن يكون الضمير عائدًا إلى جميع الناس؛ أي: إذا وقع القول على الناس، ولا يكون المراد بالقول هنا القول بالعذاب، بل يجوز أن يكون المراد به: القول بانتهاء الدنيا، وتحمل الآية على الدابة التي تخرج في آخر الزمان، وهي من أشراط الساعة. وقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾ نكرها؛ لأنها غير معروفة فكأنها دابة منفردة في نوعها. وقوله: ﴿دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾ هل هي متعلقة بـ(دابة) أو بـ(أخرجنا)؟ الظاهر أنها متعلقة بـ(دابة)؛ يعني: أخرجنا لهم دابة من الأرض لا من السماء. وقوله: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ يعني: تكلم الناس، والكلام هنا بمعنى الحديث قال: (أي: تكلم الموجودين حين خروجها بالعربية)، يجوز أن تكون بالعربية أو بغيرها، على كل حال أنها تكلم الناس بكلام يعرفونه، هذا هو المتبادر من الكلام. ويرى بعض المفسرين أن المراد بالكلام هنا الجرح، تكلمهم؛ يعني: تجرحهم، أي: تخمشهم بأظفارها. قالوا: لأن الكلم يأتي بمعنى الجرح كقوله ﷺ: «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَثْعَبُ دَمًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٠٣)، ومسلم (١٨٧٦ / ١٠٥) بنحوه، من حديث أبي هريرة.]]، ولكن هذا القول ليس بصحيح؛ لأن الأصل في الكلام هو النطق، ولا معنى لكونها تجرح الناس، لكن تكلمهم بماذا؟ قال: (من جملة كلامها عَنَّا ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾ ) إلى آخره. قوله: (من جملة كلامها عَنَّا) أي: أنها تقول على لسان الله؛ لأن قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ لا يستقيم أن يكون من كلام الدابة عن نفسها؛ إذ إنها -أي: الدابة- ليس لها آيات يجب الإيقان بها، وإنما الآيات التي يجب الإيقان بها لله، ولهذا يقول المؤلف هنا: (عَنَّا ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أي: كفار مكة، وعلى قراءة فتح همزة أن تقدر الباء بعد تكلمهم) أي: تكلمهم بهذا الكلام ﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾. استفدنا من كلام المؤلف (وعلى قراءة فتح): أن الأصل الذي فسره بالكسر (إن الناس)، تكلمهم إن الناس يكون هذا مبتدأ الكلام، وعلى قراءة الفتح يكون على تقدير حرف الجر؛ أي: بأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون. وقول المؤلف: (إن المراد بالناس كفار مكة) هذا فيه نظر ظاهر، بل إن المراد بالناس الموجودون في ذلك الوقت، الذين وقع عليهم القول فأخرجت لهم الدابة تنذرهم، وأما كونه يقال: إن كفار مكة لا يوقنون، فلا حاجة إلى إخبارها عنهم، إخبار القرآن عنهم، أوكد من إخبار هذه الدابة عنهم، فكلام المؤلف هنا فيه نظر ظاهر، وليس بصواب أبدًا بل هو خطأ، فهي تكلم من؟ الناس الذين وقع عليهم القول حين خروجها تحذرهم أن الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون، هذا ما مشى عليه المؤلف وأكثر المفسرين على أن كلام هذه الدابة: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ ولهذا احتاج إلى تقدير (أن). لكن ابن كثير استبعد هذا القول وقال: إنها تكلمهم تحدثهم بحديث مستقل ما بين في القرآن. ويكون قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ هذا تعليل لقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾، يعني: فليست الدابة هي التي تقول للناس: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾؛ لأن هذا القول لا يمكن أن تنطق به الدابة؛ إذ إنه لا يصح أن يكون إلا من الله؛ لهذا أنكر هذا القول، مع أن ابن جرير رحمه الله تعالى اختاره، لكنه هو على أنه مختصر لابن جرير أنكر هذا، وقال: إنها تكلمهم بكلام لم يُبيّن، وأن قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ ، بالفتح أو بالكسر الجملة تعليل؛ لقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ أيش معنى لا يوقنون؟ يقول: أي: (لا يؤمنون بالقرآن المشتمل على البعث والحساب والعقاب)، وتفسير الإيقان بالإيمان فيه قصور، لكنه تقريبي؛ لأن الإيقان أبلغ من الإيمان وأخص منه، فهو درجة عالية أعلى من الإيمان، ولهذا يقال: أيقنت بكذا، أبلغ من قولك: آمنت به. وهذه الدابة أولًا نبحث فيها: هل هي الدابة التي تخرج في آخر الزمان، والتي ذكرها النبي ﷺ من علامات الساعة، أو دابة أخرى؟ يرى بعض العلماء أنها هي الدابة التي تكون في آخر الزمان. ويرى آخرون: أنها دابة أخرى، ولهذا جاءت في الحديث معرّفة، وجاءت هنا منكّرة، فيقال: دابة والله أعلم بها، هل هي التي تكون من أشراط الساعة، أو أنها دابة مستقلة؟ لأننا لو نعلم أن الحديث بعد هذه الآية لقلنا: إن الدابة في الحديث للعهد الذهني؛ يعني: الدابة التي عرفتموها وتحدث الله عنها، وحينئذٍ تكون الدابة هنا هي الدابة هناك، ولكننا لا نعلم، ولهذا التوقف أوْلى هل هي هي أو غيرها؟ ثانيًا: هذه الدابة مبهمة من حيث المكان ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾، لكن من أي مكان تُخرج؟ وردت أحاديث، لكنها ضعيفة أنها تخرج من مكة من أجياد ولا من الصفا[[أخرجه الطبري في التفسير (١٨ / ١٢١)، ونعيم بن حماد في الفتن (١٨٦٦) من حديث ابن عمر موقوفًا.]] ولا من مكان آخر، المهم أنها تخرج من مكة، ولكنها أحاديث ضعيفة لا يعتمد عليها في العقيدة. ثم هل هي تُخرج حقيقة من الأرض، تنشق عنها الأرض تخرج سواء من مكة أو غيرها، أو أن المراد بالإخراج هنا: إبرازها وإظهارها، وأنها دابة يعني كغيرها من الدواب، ثم تتبين بما يحصل لها من النطق، ويكون هذا كقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ»[[أخرجه الترمذي (٢١٨١) من حديث أبي سعيد الخدري.]]؛ لأن السباع في آخر الزمان تكلم الإنس. هذه أيضًا محل توقف، ولذلك هذه الدابة نكرة لفظًا أيش بعد؟ ومعنى؛ يعني: نحن ما نعرفها تمامًا، وما وصفت بالقرآن أو بالسنة أوصافًا بحيث يجزم الإنسان بها. البحث الرابع: هذه الدابة هل هي من جنس الدواب، أو أنها دابة معينة على شكل معين؟ تكلموا فيها كلامًا طويلًا في هذا، وكل ما ذكروا إنما هو مأخوذ عن بني إسرائيل، ولا يمكن أن يصدق، غاية ما هنالك أنه يُذكر يحدّث به ولا يصدّق ولا يكذب، ولا يُعتمد عليه في العقيدة، ذكروا عن آذانها وذكروا عن عينها وعن رجلها، أشياء غريبة جدًّا. * طالب: مثل الدجال. * الشيخ: إي، المهم أننا نقول: نُبهم ما أبهمه الله، ولا نعين ما لم يُعينه الله ورسوله، وحسبنا أن نؤمن بأنه إذا وقع القول على الناس فسوف يُخرج الله لهم دابة من الأرض تحدّثهم، وتكون هذه الدابة آية على أن العذاب قد قرُب وقوعه منهم، هذا غاية ما يُستدل به من هذه الآية أو يُستدل عليه من هذه الآية. إذن: يكون قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ . ليس من قول الدابة على هذا التقدير، بل هو من قول الله تعليل لقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ يعني: يخرجها لأن الناس كانوا. وعليه فيكون مطابقة هذا التعليل للشرط في قوله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يكون مطابقته مطابقة السبب شو له؟ للمسبب، إذا كانوا لا يوقنون حينئذٍ وقع عليهم القول، وحينئذٍ أخرجت الدابة. * طالب: ذكرت قول المفسر أنه ذكر ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ من كلام الدابة، وقلتم إنه على لسان الله (...). * الشيخ: لا، يعني: عن الله، على لسان الدابة. * الطالب: طيب. هنا قوله: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ يختل المعنى إذا تعلق بالدابة (...). * الشيخ: إي، يختلف المعنى، إذا قال: أخرجنا لهم دابة من الأرض، يمكن أن يكون ملكًا ينزل ويخرج من الأرض، ينزل بالأرض ثم يخرج منها؛ لأنه ما عيّن من أين يكون هذه الدابة، وأما إذا قلنا: دابة من الأرض فتتعين أن تكون من دواب الأرض. * طالب: يمكن أن نقول مثلًا: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ يعني كيس، وأنها تكلمهم بمعنى تكلفهم، ويكون المعنى: أن تسليط هذا النوع من الدابة (...)؟ * الشيخ: هذا بعيد، ولا يمكن أن يقال.. * الطالب: يعني أن الناس.. * الشيخ: أقول: يمكن يقال: إنهم إذا لم يوقنوا بآيات الله أن الله يسلط عليهم السباع تأكلهم وتجرحهم، لكن هذا بعيد، ولا رأيت هذا من كلام السلف، بل هو من كلام المتأخرين. قال: ﴿تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾. قوله: ﴿بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾. المراد بالآيات هنا الكونية والشرعية، لكن الكونية، ألم يوقن بها الكفار؟ لكنه إيقان لم ينفعهم، والشيء الذي لا ينفع يصح أن يُنفى لعدم الانتفاع به. قال: (وبخروجها) بخروج الدابة (ينقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يؤمن كافر) لماذا؟ لأنه قد وقع عليهم القول، وإذا صح هذا التفسير، فإن معنى ذلك أن هذه الدابة من أشراط الساعة؛ لأنه لا يكون الأمر كذلك إلا في آخر الزمان بعد أن «يَنْزِل عِيسَى وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ سَبْعَ سِنيِنَ، لَا يَحْصُلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ وَلَا شَحْنَاءُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ فَتَقْبِضُ نَفْسَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٤٠ / ١١٦) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. فهذا إذا كان هذا الذي فهمه المؤلف من هذه الآية بهذا الأمر، فإن هذه الدابة يكون خروجها بعد عيسى بن مريم؛ لأنه بعد ذلك يقول المؤلف: (أنه لا يؤمن كافر، ولا يؤمر بمعروف، ولا ينهى عن المنكر). ولكن موقفي في هذا أن أقول: الله أعلم؛ يعني أن هذه المسألة من مسائل الغيب التي يتوقف الإنسان فيها إلا على ما يفيده ظاهر القرآن. فنقول: إيماننا بهذا أن نقول: إنه إذا وقع القول على الناس باستحقاق العذاب أخرج الله لهم هذه الدابة التي تكلمهم، ولا نزيد على هذا، ولا نقول: ينقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا نقول: إنه لا يؤمن كافر؛ لأن ذلك أمر يحتاج إلى توقيف. ثم قال: (كما أوحى الله إلى نوح عليه الصلاة والسلام ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، ﴿وَ﴾ اذكر ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ جماعة ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ وهم رؤساؤهم المتّبعون ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: 83]؛ أي: يجمعون برد آخرهم إلى أولهم ثم يساقون). قال: (واذكر يوم)، يستفاد من هذا التفسير أن يوم ظرف، وأن عامله محذوف، التقدير اذكر يوم، وهذا التركيب له نظائر في القرآن، ويكون تقديره على هذا كما قدر المؤلف هنا. وقوله: ﴿نَحْشُرُ﴾ بمعنى (نجمع). وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ الأمة: هي القبيلة أو الطائفة الكبيرة من الناس، والفوج أقل منهم، ولهذا يقول المؤلف: (وهم رؤساؤهم المتّبعون). وقوله: ﴿فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ﴾ (من) هذه لبيان الجنس؛ أي: فوجًا من المكذبين بآيات الله الكونية والشرعية أو إحداهما. (وهم) أي: الفوج (رؤساؤهم المتّبعون)، فهم يحشرون فيجمعون، ثم بعد ذلك يوزعون. والوزع: بمعنى (المنع)؛ أي: يُحبس أولهم حتى يجتمع به آخرهم، ولهذا قال: (برد آخرهم إلى أولهم) فيكونون زمرة واحدة (ثم يساقون) إلى الله تبارك وتعالى. فإذا (﴿جَاءُوا﴾ مكان الحساب ﴿قَالَ﴾ الله تعالى لهم: ﴿أَكَذَّبْتُمْ﴾ أنبيائي ﴿بِآيَاتِي﴾ ). * طالب: الوزع ما معناه؟ * الشيخ: الوزع بمعنى الجمع من باب الشيء إذا.. * الطالب: بمعنى (...). * الشيخ: يمكن يأتي بمعنى (...)، إلا هنا بمعنى الجمع؛ يعني يجمع الأول إلى الآخر. قال: (﴿أَكَذَّبْتُمْ﴾ أنبيائي ﴿بِآيَاتِي﴾ ) المؤلف قال: (أنبيائي)، يشير بذلك إلى أن مفعول كذبتم محذوف، وأن ﴿بِآيَاتِي﴾ حال من أنبيائي، ولكن هذا التقرير لا معنى له ولا داعي له؛ لأن التكذيب دائمًا يقع معموله مُعدّى بالباء، كذب بآيات الله، ما هو قال: كذب أنبياء الله بآيات الله؟ بل كذب بآياتي، والتكذيب هنا مضمّن معنى الجحد، فعليه نقول: لا حاجة إلى تقدير المؤلف أنبيائي، بل نقول: بآياتي جار ومجرور متعلق بكذبتم. ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ يعني: أنكرتموها وجحدتموها. (﴿وَلَمْ تُحِيطُوا﴾ مِن جهة تكذيبكم ﴿بِهَا عِلْمًا﴾ ) إلى آخره. ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا﴾ شوف المؤلف كيف حلها (مِن جهة تكذيبكم ﴿بِهَا عِلْمًا﴾ ) والإحاطة بالشيء بمعنى إدراكه من جميع الجوانب، وأصله مشتق من الحائط؛ لأنه يحيط بالمكان، فمعنى أحاط بالشيء: أدركه من جميع جوانبه. المؤلف فسر هنا الإدراك من جهة تكذيبهم؛ أي: أنكم كذبتم من غير أن يكون لديكم علم بالتكذيب؛ كذبتم بلا علم، ولكن يحتمل معنى آخر: أنكم كذبتم بالآيات قبل أن تدركوها، فيكون من البِدار بالشيء قبل أن يدركه. كما قال ابن القيم: إِنَّ الْبِدَارَ بِرَدِّ شَيْءٍ لَمْ تُحِطْ ∗∗∗ عِلْمًا بِهِ سَبَبٌ إِلَى الْحِرْمَانِ الآن لدينا تفسيران: أحدهما: أن قوله: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾؛ أي: من جهة تكذيبكم، والمعنى على هذا: أنكم كذبتم بدون علم، فهمتم هذا المعنى، وهو الذي مشى عليه المؤلف، قال: (﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا﴾ من جهة تكذيبكم)، الآن إذا أتاك رجل بخبر وقلت: كذبت؛ لأن فلانًا الذي أخبرت به هو موجود عندي في تلك الساعة، الآن كذبت بعلم ولّا بغير علم؟ * طلبة: بعلم. * الشيخ: بعلم؛ يعني مثلًا قال لك: إن فلانًا رأيته في بُريدة مثلًا أمس، فقلت له: كذبت، فلان أمس عندي، فهنا كذبت بعلم، مفهوم؟ فإذا قال: رأيت فلانًا في بريدة أمس فقلت له: كذبت وأنا ما أدري، فقد كذبت بلا علم. الآن المؤلف ويش يقول؟ يقول: (من جهة تكذيبكم بها)؛ يعني: أنكم كذبتم بغير علم. فيه رأي آخر يقول: لا ﴿لَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾؛ يعني أنكم كذبتم بها من غير روية ومن غير تأمل، هذا المعنى؛ يعني أنكم رددتموها من أول وهلة، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، الفرق بين المعنيين ظاهر الآن، الفرق بينهما ظاهر والأقرب المعنى الثاني؛ لأن قوله: كذّبتم بآياتي والحال أنكم لم تحيطوا بها علما أبلغ من كونهم كذّبوا بعد أن ترووا، ولكن لم يجدوا لتكذيبهم دليلًا، فهم كذبوا من غير تروٍ، بل إنهم في الحقيقة وخصوصًا الرؤساء منهم يعلمون أن ما جاءت به الرسل فهو الحق، ولكن كذّبوا بشيء مثل ما قال الله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس ٣٩]، كذّبوا بشيء لم يحيطوا بعلمه، بل من أول وهلة، وهذا أشد في اللوم عليهم، فعليه الاستفهام في قوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ [النمل ٨٤]، ويش هو له؟ للتوبيخ، الاستفهام للتوبيخ واللوم؛ لأن من كذب بالشيء بعد دراسته والإحاطة به، ثم يتبين له الكذب هذا ما يلام عليه، لكن من كذب لأول مرة بدون أن يحيط به علمًا، فهو دليل على أنه ليس بقابل إطلاقًا للحق. قال تعالى: ﴿أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقول: (﴿أَمَّا﴾ فيه إدغام ما الاستفهامية) وين هو الإدغام؟ في أم التي للإضراب، وأصله أم بمعنى بل، ثم أدغم إحداهما في الأخرى. (و﴿ذَا﴾ موصول أي: ما الذي ﴿كُنتُمْ﴾ )، ويجوز أن نجعل (ذا) مركبة مع (ما)، وتكون ماذا كلها اسم استفهام، ولكن ليس هذا في كل مكان يجوز هذا وهذا، إنما في مثل هذا التركيب يجوز أن نجعل (ماذا) اسم استفهام جميعًا، وأن نجعل (ما) اسم استفهام و(ذا) اسمًا موصولًا؛ أي: ما الذي كنتم تعملون؟ وعلى هذا التقدير الأخير: يجب أن نقدر ضميرًا في قوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾، ليكون عائدًا إلى اسم الموصول، وعلى الأول لا حاجة لذلك، ونجعل (ماذا) مفعولًا مقدمًا لـ (تعملون). * طالب: (...). * الشيخ: لا، أصل (أم) منقطعة عن هذا، يعني (أم) لحالها مكتوبة وحدها، لكن أدغمت فبنيت.. * الطالب: (...) تجمع أم ماذا هنا لا تجمع. * الشيخ: لا (...) هي لا بد أن (ما) اسم استفهام على كل حال، لكن هل تقدر (ما) اسم استفهام و(ذا) اسمًا موصولًا وتحتاج إلى عائد يعود على الموصول في تعملون، أو نقدر (ماذا) جميعًا على أنها اسم استفهام. * الطالب: إعراب (...)؟ * الشيخ: لا، نقول: (أم) هذه حرف عطف بمعنى (بل)، والهمزة للاستفهام، نظيرها في القرآن: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة ٢١٩] فيها قراءتان: ﴿قُلِ الْعَفْوُ﴾ ، و﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾. كيف نعرب (ماذا ينفقون) على قراءة الرفع ﴿مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُ﴾ ؟ * طالب: ينفق العفو. * الشيخ: إي، لكن كيف نعرب (ماذا) على قراءة الرفع؟ نعرب (ماذا): (ما) اسم استفهام، و(ذا) اسم موصول، لأجل إذا قلت: (ما) اسم استفهام، و(ذا) اسم موصول، صارت (ما) مبتدأ، و(الذي) خبره، والكل منهما مرفوع، ثم يأتي: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾؛ لأن الجواب مطابق للسؤال؛ أي: العفو الذي ينفقوه. أما على قراءة النصب ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ فيتعين أن تجعل (ماذا) كلها اسم استفهام، مفعول مقدم لـ(ينفقون)؛ لأجل أن تكون مطابقة للجواب؛ لأن الجواب منصوب فيكون السؤال كذلك منصوبًا، وهذا هو الذي يبيّن لك الفرق بين الإعرابين، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. نقول: على هذه القراءة يجب أن نُعرب (ماذا) اسم استفهام مفعولًا مقدَّمًا لـ(ينفقون)، ويش لأجل؟ لأننا نعرف أن الجواب يكون مطابقًا للسؤال، فإذا كان السؤال منصوبًا كان الجواب منصوبًا، على قراءة الرفع ﴿قُلِ الْعَفْوُ﴾، نجعل (ما) استفهام مبتدأ، و(ذا) اسم موصول خبرها؛ يعني: ما الذي ينفقون؟ فيكون التقدير: الذي ينفقونه العفوُ، وتكون مرفوعة. * طالب: (...). * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ماذا ينفقون. * الشيخ: محذوف الذي ينفقونه. * طالب: (...) الآية ما نحتاج إلى ضمير؟ * الشيخ: إذا جعلناها اسمًا موصولًا، التقدير: ماذا كنتم تعملونه. ﴿أَمَّاذَا كُنتُمْ﴾ ماذا كنتم تعملون؛ يعني في الدنيا. فيكون الله تعالى وبخهم على أمرين: أمر يتعلق بالعقيدة وهو قوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾. وأمر يتعلق بالعمل وهو قوله: ﴿مَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لأن ﴿مَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هذه استفهام لإنكار ما يعملونه، فيكون في هذا توبيخًا على العقيدة والعمل، وسيكون إن شاء الله فيه فائدة مهمة لمسألة اختلف فيها الأصوليون نبحثها غدًا إن شاء الله. (﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ﴾ حق العذاب ﴿عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾ أي: أشركوا ﴿فَهُمْ لا يَنطِقُونَ﴾ إذ لا حجة لهم). ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ﴾ يعني: قول الله بالعذاب، فإن الله تبارك وتعالى يأمر بتعذيبهم إذا لم يجيبوا، وهذا السؤال -كما عرفتم- ليس سؤال استخبار واستعلام، ولكنه سؤال توبيخ وتقريع، حينئذٍ يقع عليهم القول، وهذا القول الذي وقع عليهم لم يظلموا به، ولكن هم الذين ظلموا، ولهذا قال: ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾؛ أي: بسبب، و(ما) هنا مصدرية؛ يعني أن الفعل بعدها يحول إلى مصدر، فيكون التقدير: بظلمهم، وقع القول عليهم بظلمهم. وقول المؤلف: (أي: أشركوا) ينبغي أن يقول: أن نفسّر الظلم بما هو أعم من الشرك؛ لأن الله سبحانه وتعالى وبّخهم على التكذيب، وعلى العمل المنحرف، فيكون الظلم الذي حصل منهم التكذيب والجحد الذي يتضمن الإشراك، وكذلك الفسوق والعصيان الذي حصل منهم كإيذاء الرسل وغير ذلك، فالأصح أن نجعل ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾؛ أي: بسبب ظلمهم ومنه الشرك. ﴿فَهُمْ لا يَنطِقُونَ﴾ الفاء مفرّعة على قوله: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: بعد أن وقع عليهم القول استحقوا العذاب ما يستطيعون النطق، يقول المؤلف: (إذ لا حجة لهم). وهذا في آخر الأمر؛ لأنهم كانوا بالأول ينطقون ويدافعون، ولكنهم إذا رأوا أن جوارحهم شهدت عليهم حينئذٍ أمسكوا ما يستطيعون الآن، وإلا يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]، فهم يقولون: ما أشركنا، ويقولون أيضًا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٧، ٢٨] فهم يتكلمون ويدافعون عن أنفسهم، ولكن ذلك لا ينفعهم، ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢] فالمهم أنهم يتكلمون. فقوله هنا: ﴿فَهُمْ لا يَنطِقُونَ﴾ هذا يكون الجمع بينه وبين الآيات الدالة على نطقهم، أن للقيامة أحوالًا؛ لأن يوم القيامة كم مقداره؟ مقداره خمسون ألف سنة، فالأحوال تتغير يكون الناطق فيه ساكتًا، ويكون الساكت فيه ناطقًا، وتتقلب الأحوال ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور ٣٧] لما ترى، فهم في حال لا ينطقون، وفي حال ينطقون ويدافعون. ولكنهم مهما قالوا، ومهما فعلوا فإن لديهم شهودًا من أنفسهم ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور ٢٤] اللسان ينطق بما قال، واليد تنطق بما فعلت، والرجل تنطق بما فعلت. وأبلغ من ذلك الجلود تشهد بما لمست، فجميع الذي فيه الإدراك والحاسة يشهد على هؤلاء بما فعلوه، وحينئذٍ ما يستطيعون أن يدافعوا، ما دام أن هذه الأشياء تشهد عليهم، إذن من يشهد لهم؟ فهم لا ينطقون. * طالب: يقاس عليه العمل؟ * الشيخ: الأعمال؟ * الطالب: العمل.. * الشيخ: يقاس في أيش؟ * الطالب: فيه آيات تدل على أنه.. * الشيخ: يحشرون يوم القيامة على وجوههم عميًا وبكمًا وصمًا. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، تتغير الأحوال، المتكبرون يحشرون يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم، ولكنهم إذا دخلوا النار يصير ضرس الواحد منهم مثل أحد والعياذ بالله. قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [النمل ٨٦]. ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ الرؤية هنا بصرية ولا علمية؟ * طالب: علمية. * الشيخ: علمية وبصرية أيضًا، لكن كونها علمية أعم؛ لأن من أبصر الشيء علمه، وليس كل من علم الشيء أبصره، فالأعمى يرى الليل؛ يعني يعلمه، والمبصر يراه بعينه وبصيرته. والهمزة هنا ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ للتقرير، تقرير هذه الرؤية التي لا ينكرها أحد. ﴿أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ﴾ فسر المؤلف (الجعل) هنا بالخلق، فيكون متعديًا بمفعول واحد، ويجوز أن يكون الجعل هنا بمعنى التصيير؛ يعني: أنا جعلنا الليل مظلمًا ليسكنوا فيه. ويدل على هذا قوله تعالى الذي بعده: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ ليتصرفوا فيه، ويكون حذف من كل جملة ما دل عليه المذكور في الجملة الأخرى، ويسمى هذا في علم البديع بالاحتباك. الاحتباك: أن يُذكر في كل جملة ما حُذف من الأخرى مع التقابل. هنا نقول: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ﴾ مظلمًا ﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ حذف من هذا (مظلمًا)، ذكر مقابله (مبصرًا)، وحُذف من قوله: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ (ليتصرفوا فيه)، وذكر في مقابله (ليسكنوا فيه)، فيكون في الجملة احتباك. وهذا يكون استفدنا المعنى مع الاختصار، على هذا التقدير الذي ذكرنا يكون جعلنا ليست بمعنى (خلقنا)، بل بمعنى (صيّرنا) تنصب مفعولين؛ المفعول الأول (الليل)، والمفعول الثاني: محذوف تقديره (مظلمًا). ﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ اللام هنا للتعليل، والسكون معناه هو القرار وعدم الحركة، ولذلك كان الليل محل السكون للخلق، ولكنه بإذن الله محل عمل لخلق آخرين. الهوام والسباع ما تعمل إلا في الليل؛ لأنها تختفي في النهار إما خوفًا من الناس، وإما رحمة من الله عز وجل بالخلق؛ لأنه لو كانت هذه السباع وهذه الهوام تفترش بالنهار أتعبت الناس، ولكنها -والحمد لله- ما تظهر إلا بالليل، إذا سكن الناس بدأ عملها بالتناوب، وهذا من رحمة الله تبارك وتعالى بالخلق أن يكون هذا التبادل ليعيش الناس بسلام، حتى هي أيضًا أزين لها إذا كان ما تعيش إلا بالليل آمن لها، ما تعارض. فهنا المراد بالسكون؛ يعني الآدميين ومن أشبههم ممن سكونهم الليل، ولهذا كان الإنسان إذا أراد الصحة فليكن الليل سكنًا له، ولا سيما أول الليل، «فإن النبي ﷺ كَانَ يَكْرَهُ الْحَدِيثَ بَعْدَ الْعِشَاءِ»[[أخرجه ابن ماجه (٧٠٣)، وأحمد (٣٦٨٦) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]. وقد ذكروا أن نوم الليل الساعة منه تقابل ساعات من النهار، هذه الثروة السكونية التي أضعناها الآن بما لا نفع فيه، بل بما فيه ضرر الآن، الآن الناس يعكفون على مشاهدة التلفزيون إلى نصف الليل تقريبًا، بينما إنه في الدول الغربية مع الأسف الشديد الكافرة الملحدة لا يتجاوز الساعة التاسعة من الليل، الساعة التاسعة مغلق التلفزيون؛ لأنهم يعلمون (...) وعلى عمّالهم، وعلى مثقفيهم، فهم لا يريدون الضرر بالأمة، يقولون: إذا أبقيناه إلى ما بعد التاسعة سهر الناس عليه، وكان في ذلك إنهاك للعمال، وكان في ذلك إهمال للطلبة، فلذلك نحن نغلقه من الساعة التاسعة حتى ينام الناس، وحتى لا نكون نحن تسببنا الناس في إرهاقهم. وحدثني بذلك عدة أناس من الذين جاؤوا من أوروبا، يقولون: أبدًا، ما يمكن يتجاوز الساعة التاسعة، اللهم عاد (...) إلا في الأشياء النادرة، لكن هذا هو برنامجهم. نحن الآن مع الأسف الشديد يقولون: إنه يبقى إلى فوق الثانية عشرة؛ يعني الثانية عشرة نصف الليل..، هذا مع ما يتطلب من الناحية الاقتصادية، كم يستهلك الناس من الكهرباء في هذه الساعة؟ تلفزيوناتهم، وكذلك أيضًا في أنوارهم؛ لأن المكان لا بد له من نور، يستهلك نور، يستهلك كهرباء في التلفزيون، كم يكلّف العالم؟ وكم يرهق المعدات أيضًا؟ هذا بقطع النظر عن المفاسد الأخرى البدنية، ولكن العبرة بمن بصّره الله تبارك وتعالى، فمثل هذا المسؤول الآن راعي البيت، أنه إذا كانت مثلًا الساعة التاسعة يأمر أهله بالنوم ويغلقه. * طالب: أو يكسره. * الشيخ: لا، الكسر لا (...) والنبي عليه الصلاة والسلام «كَرِهَ الْحَدِيثَ بَعْدَ الْعِشَاءِ»، كنا نسهر إلى نصف الليل أحيانًا أو إلى أكثر، وليس ليلة طارئة؛ حتى نقول: العوارض عوارض، بل هي دائمًا في الغالب. هؤلاء الذين يسهرون إلى ما بعد نصف الليل: أولًا: ربما لا يقومون لصلاة الفجر، وإذا قاموا نصفهم نوم يؤدونها بكل كلافة ومشقة، أو ينامون يمكن في نفس المسجد أو في نفس الصلاة، ثم إذا رجعوا إلى بيوتهم ينامون إلى متى؟ * طلبة: الظهر. * الشيخ: إلى الظهر؛ يعني: أول النهار اللي هو محل البركة، ومحل العمل يضيّع، والليل اللي هو محل السكون يضيّع السكون فيه، وهذا من نقص الوعي في المسلمين، هذا بالحقيقة يعتبر نقص وعي للمسلمين. يقولون عن الكفار: حدثني واحد قبل أمس، يقول: إن هناك عندهم عطلة السبت والأحد، السبت لأجل اليهود والأحد لأجل النصارى، لكن يقول: (...) ليلة الاثنين من غروب الشمس، وكل في محله، ما يمكن لأجل منين يكون الصباح وإذا هو مباشر لعمله، ما يمكن يتأخرون، يقول: غريب؛ يعني العوائل يبتغون يتنزهون باليومين ها دول عاد إلى المنتزهات، لكن ما يمكن إذا غابت ليلة الاثنين، غابت الشمس ليلة الاثنين، وإذا كل إنسان في محله، يكون متهيئًا للعمل. إذا قارنت حال هؤلاء بحال المسلمين اليوم، مع أن أحوالهم هذه هي التي يجب أن تكون للمسلمين، وجدت هذا السبب اللي جعلنا نتأخر، وجعلنا في هذا الذل، وجعل كثير من شبابنا ما هم مقتنعين بأحوالنا؛ يعني بعض الشباب الآن المنحرف قد يكون له عذر، يقول: أنتم تقولون الإسلام والإسلام، وين الإسلام؟ ما شفنا شيئًا! ولكن نقول: الذنب ذنب من؟ ذنب من ينتسبون للإسلام ليس ذنب الإسلام، ذنب من يقولون: نحن أهل الإسلام، وفي أهل الإسلام من لا يعرف أركان الإسلام، صدقوني بعض الناس المسلمين الآن اللي يقولون هم مسلمون، مكتوب على هويتهم مسلم، ما يعرف يتوضأ ولا يصلي، هذا موجود، ما يعرف يتوضأ ولا يصلي. إذن البيئة ويش تكون معناه؟ معنى هذا أن البيئة ما تتوضأ ولا تصلي، فأين الإسلام من قوم لا يتوضؤون ولا يصلون؟! هذا هو الذي أخّرنا، ولذلك أنا والله أحب دائمًا أن يكون لدى أهل العلم تطور في الحركة والعمل..

النمل 27:88

تظنها واقفة؛ وهي ﴿تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل ٨٨] نقول: من أجل عِظم هذه الأهوال وارتفاعها، الشيء إذا كان مرتفعًا ولو كان يجري بسرعة فإنه يُظن أنه واقف. * الفائدة الثانية من هذه الآية؛ يُستفاد من ذلك: أن هذا الأمر الذي حصل لهذه الجبال هو من صنع الله عز وجل؛ لقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٨٨]، فالذي جعلها جامدة في الدنيا راسية عظيمة ثقيلة، كانت في الآخرة ﴿تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، وذلك صنع من صنع الله الذي لا يستطيع البشر أن يفعلوه. * الفائدة الثالثة: جواز إضافة الصنع إلى الله ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. ولكن هل يؤخذ منه إثبات اسم الصانع لله أو لا؟ لا يؤخذ منه، ولكنه يُخبر به عن الله، فيقال: إن الله تعالى صانع كل شيء، على سبيل الخبرية، وأما إثبات اسم الصانع فلا. على أنه يوجد في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وكلام ابن القيم رحمه الله دائمًا كلمة (الصانع)، والظاهر أنهم أرادوا بهذا مخاطَبة الكلام بمثلما يتكلمون به، ولذلك يقولون مثلًا: إثبات الصانع يدل عليه كذا وكذا. مع أننا نرى أن الأولى والأفضل ألا يثبت حتى بهذا اللفظ، بل يقال: إثبات الخالق دل عليه كذا وكذا، والخالق جاءت في القرآن، وهو أبلغ من الصانع. إنما على كل حال، الإخبار عن الله بأنه صانع مضافًا إلى التعميم مثل: صانع كل شيء، هذا جائز لا بأس به، والناس يقولون في عباراتهم العامية: (صانع كل مصنوع)، هذا خبر صحيح، أما أن تجعله اسمًا من أسماء الله، فلا؛ لأنه يُفرّق بين الاسم وبين الخبر. * طالب: صفة، يصفونه (...). * الشيخ: كيف يصفونه؟ * الطالب: قال.. * الشيخ: يعني يقال: صنعة الله عليه مثلًا؟ * الطالب: لا، يقال: هو صانع. * الشيخ: لا، هذا خبر. * طالب: أيش الفرق بين الخبر والاسم؟ * الشيخ: الخبر ضد الاسم؛ يعني: الشيء إما أن يخبر به عن الله، أو يسمى به الله. فالخبر عن الله يجوز أنك تخبر عن الله تعالى بكل ما ثبت له من فعل، مقيدًا إن كان مقيدًا، ومطلقًا إن كان مطلقًا، وأما الاسم فلا تسمِّ الله إلا بما سمى به نفسه؛ ولهذا يصح أن نقول عن الله سبحانه وتعالى: إنه مُدبّر الأمور، مُسخّر السماوات والأرض، مُذلِّل الإبل لراكبيها، وما أشبه ذلك، لكن كونك تسميه بهذا الاسم ما يصح. * طالب: الأسماء توقيفية، لكن الصفة بالنسبة للخبر؟ * الشيخ: الصفة نعم، الصفة التي يصح إضافتها إلى الله تخبر بها عن الله، لا مانع، ضرورة أن المشتق دال على صفته، كل مشتق هو دال على صفته، ولا يمكن أن تقول عن شيء إنه مشتق، ثم تنفي الصفة التي اشتق منها. * الفائدة الرابعة: أن هذا الأمر الذي يقع للجبال يوم القيامة أمر عظيم؛ وجه عظمته إضافته إلى الله حيث قال: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾، وما أضيف إلى العظيم فهو عظيم، كما أن ما أُضيف إلى الحقير فهو حقير. * الفائدة الخامسة: أن الله تعالى متقِن لكل شيء من الأفعال والأحكام؛ لقوله: ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، مما صنع ولَّا مما صنع وشرع؟ مما صنع وشرع، وأما تقييد المؤلف بقوله: (صنعه) ففيه نظر، ولا يقال: إن السياق في الكلام على الصنع؛ لأننا نقول: الكلام على الصنع، لكنه جاء بعد ذلك تعميم، ما قال: أتقن كل ما صنع، قال: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾، إذن فالله تعالى متقِن لكل ما صنع ولكل ما شرع. * يستنتج من هذه الفائدة: إثبات الحكمة لله عز وجل؛ لأنه لا إتقان إلا بحكمة، فلا يمكن أن يتقن الشيء إلا بعلم من المتقِن كيف يتقن، والثاني: بحكمة بحيث يُنزل كل شيء منزلته، وإلا لفاته الإتقان، كيف يتقن الشيء من لا يعلم كيف يتقنه؟ ممكن هذا ولَّا لا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: ليس بممكن، وكيف يتقنه وهو يعلم كيف يتقنه، لكنه سفيه لا يُحسن أن يتصرف. أيضًا لا يصل للإتقان، فلا إتقان إلا بعلم وحكمة، فمن إتقان الله نستنتج هذه الفائدة وهي إثبات الحكمة والعلم له سبحانه وتعالى ضرورة أنه لا إتقان إلا بعلم وحكمة. * الفائدة السادسة: قطع اعتراض كل معترض على ما يحدث في الكون من تدبيرات أو تشريعات، وجه ذلك أن الله أتقنه، والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم من عباده. فأنت متى علمت هذا الشيء انقطع عنك كل اعتراض، سواء سمعته من غيرك أو أوردته على نفسك، والإنسان يعرض له أحيانًا شبهات؟ تجد واحد (...) الشيطان في قلبه: كيف كان كذا؟ لمَ كان كذا؟ وما أشبه ذلك. نقول: متى آمنت بأن الله سبحانه وتعالى قد أتقن كل شيء، انقطع عنك هذا الاعتراض، وأمكنك أن تقطع به اعتراض غيرك أيضًا. لو فرضنا أن المطر جاء في غير وقته وأفسد الثمار، إذا علمنا أن الله أتقن كل شيء، وأن هذا المطر من فعله ومن صنعه لا يمكننا أن نعترض ولَّا لا؟ لأنا نعلم أنه نتيجة إتقان مبني على علم وحكمة، تتقاصر علومنا وحكماتنا عن قدراته، وهذا أمر يفيد الإنسان في أشياء كثيرة: في الشرع: أحيانًا تأتي أحكام يخفى على المرء وجه التفريق بينها، وهي ثابتة عن الشرع، ولكنك تقول: الله تعالى أتقن كل شيء. ومن ثم أحدث العلماء أو الفقهاء، أحدثوا مسائل: سموها بالتعبديات؛ يعني هم ما أحدثوها في الحقيقة؛ هي مسائل ثابتة، لكنهم وضعوا لها هذا الاسم التعبّدي. ومعنى التعبدي: ليس الذي ليس له حكمة؛ لأن ما من شيء إلا وله حكمة، ولكن معناه الذي تخفى حكمته علينا، وليس لنا فيه إلا التعبد؛ كعدد الركعات في الصلوات، وكونها خمسًا، وكذلك أشياء كثيرة في الطهارة، يخفى على المرء حكمتها، وكذلك في الحج، فالمهم أنا متى بنينا اعتقادنا على هذه المسألة؛ وهي أن الله أتقن كل شيء، زالت عنا شبهات كثيرة. * الفائدة السابعة: كمال علم الله سبحانه وتعالى، وذلك بالخبرة، التي هي أخص من مطلق العلم؛ لأن الخبرة -كما سبق لنا- هي العلم ببواطن الأمور، مأخوذة من (الخبير)، وهو المزارع الذي يدفن الحبّة في الأرض فتخفى، فالخبرة: العلم ببواطن الأمور. * الفائدة الثامنة: تحذير المرء أن يعمل ما يخالف حكم الله، منين يؤخذ؟ ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾. لو أن أباك قال لك: اذهب سوِّ ما تريد، أنا أعلم بما تفعل، ويش يقتضي هذا؟ يقتضي هذا التحذير، وأن تحذر من مخالفة أبيك، فكيف بالله عز وجل الذي هو خبير بكل ما نفعل؟ إذن فالجملة تفيد تحذير المرء من المخالفة، وأنك عندما تسوّل لك نفسك معصية لله عز وجل، فإنك تعرض عليها مثل هذه الآية، إن الله: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤]، وأشباه ذلك من الأشياء التي يجب على المرء إذا هَمَّ بسيئة أن يستعرض هذه الآيات حتى تمنعه. * الفائدة التاسعة: هو أن ما يتعلق بالهم المجرد فإنه لا يؤاخذ به العبد؛ لأن المقصود من قوله: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ التحذير من هذا الفعل المخالف، فإذا قُدّر أنه هم مجرد، فإنه ليس بفعل، فلا يؤاخذ عليه العبد، وهذه الفائدة بعيدة التصور، ولكنها دلّت عليها السنة، وأن مجرد الهم لا يؤاخذ به العبد حتى يفعل، إلا الهم بالحسنة فإنه يُكتب للمرء، ولكنه لا يدخل في الآية هنا؛ لأن الآية سِيقت للتحذير، والهم بالحسنة يُحذّر منه ولا يُرغب فيه؟ يرغب فيه؛ فالهم بالسيئة لا يُعاقب عليه العبد، والهم بالحسنة يُثاب عليه العبد، ما مقتضى العدل؟ مقتضى العدل أن يعاقب على السيئة، وأن يثاب على الحسنة، أو ألا يعاقب على السيئة، ولا يُثاب على الحسنة، ولكن رحمة الله تعالى اقتضت الفضل دون العدل، فصار الهم بالسيئة ليس فيه شيء، والهم بالحسنة فيه ثواب.

النمل 27:89

ثم قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل ٨٩]. * يستفاد من هذه الآية فوائد؛ أولًا: أن الحسنات يؤتى بها يوم القيامة؛ لقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. فإذا قال قائل: كيف يؤتى بالحسنات، وهي أعمال مضت، والأعمال معانٍ ليست أجسامًا؟ فيقال: إن الله تبارك وتعالى على كل شيء قدير، يقلب هذه المعاني إلى أجسام، مثلما قلب الموت وهو معنى إلى جسم؛ وهو الكبش، فالله تعالى على كل شيء قدير. قال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «مَنْ تَعُدُّونَ الْمُفْلِسَ فِيكُمْ؟». قالوا: من لا دِرْهَم عنده ولا مَتَاع، فقال: «الْمُفْلِسُ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨١ / ٥٩) من حديث أبي هريرة.]]، يأتي بحسنات أمثال الجبال، وأخبر ﷺ «أَنَّ الله تعالى يقبل الصدقة من الكَسْب الطَّيِّب بعدل التمرة» -أي: ما يعادلها- «فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي الْإِنسَانُ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤١٠)، ومسلم (١٠١٤ / ٦٣) من حديث أبي هريرة.]]. وهذا أيضًا عمل؛ فالمهم أنا نقول: إن المجيء بالأعمال يوم القيامة ليس بالممتنع؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير. * الفائدة الثانية: أن العبرة بالمجيء بالحسنة لا بعملها؛ لقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. وذلك لأن عامل الحسنة في الدنيا قد لا يأتي بها يوم القيامة، أيش هو يحصل له؟ يحصل ما يبطلها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة ٢٦٤]، فقد يعمل الإنسان الحسنة، لكن يأتي شيء يبطلها فلا يأتي بها يوم القيامة، والمدار على الإتيان بها يوم القيامة. * الفائدة الثالثة: أن الجزاء أفضل من العمل وأعظم؛ لقوله: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾، وكيفية المفاضلة فيه؟ * طالب: من قدم خيرًا ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾. * الشيخ: ويش كيفية المفاضلة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما أريد الدليل، كيف يكون خيرًا منه؟ بماذا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: بماذا يكون الخيرية؟ * الطالب: (...). * طالب آخر: تكون الخيرية بأن يُثاب ثوابًا من عند الله، أكبر مما عمل من العمل. * الشيخ: إي، لكن كيف؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، هذه الخيرية. * الفائدة الرابعة: إثبات الفزع في يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾. * ثانيًا: الفائدة التي بعدها، الخامسة: أمن مَن جاء بالحسنة من هذا الفزع. * والسادسة: أن من جاء بالسيئة فإنه لا يأمن منه، وهو مأخوذ من المفهوم، ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ﴾ يعني: وأما من جاء بالسيئة فإنه لا يأمن، ولهذا تكب وجوههم في النار. * ويستفاد من هذا أيضًا: أن يوم القيامة لا يُقاس بأمر الدنيا، هذه الأفزاع العظيمة لا تفزع المؤمنين الذين جاؤوا بالحسنات وإن كانت عظيمة في ذاتها؛ لأن الله سبحانه وتعالى في يوم القيامة يخلق أشياء يستبعدها العقل في الدنيا، فالشمس تدنو من الخلائق قدر ميل، ومن الناس من يكون في ظل منها، والعرق يصل من بعض الناس إلى كعبيه، وإلى ركبتيه، وإلى حقويه، ومنهم من يلجمه، وهم في مكان واحد، مما يتبين به قدرة الله سبحانه وتعالى، وأن في هذا المكان الواحد وفي الزمن الواحد يختلفون هذا الاختلاف المتباين، وفي إضافة الفزع إلى ذلك اليوم تلين على شدته: ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾.

النمل 27:90

قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل ٩٠]. ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾: أي: ما تجزون؛ يعني أن الاستفهام هنا أبلغ من النفي المجرد؛ لأنه يدل على النفي وزيادة؛ فهو مثلًا: ما تجزون إلا ما كنتم تعملون، يدل على أنهم لا يجزون إلا ما كانوا يعملون، لكن ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ يدل على تقرير هذا الأمر، وأنه لا يمكن للإنسان أن يجازى إلا بما كان يعمل، ويكون فيه تقرير وتقريع في نفس الوقت. قال المؤلف: (ويقال لهم تبكيتًا: ﴿هَلْ﴾ أي: ما ﴿تُجْزَوْنَ إِلَّا﴾ جزاء ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الشرك والمعاصي). قوله: (ما ﴿تُجْزَوْنَ﴾ ) تقدم الكلام عليه. وقوله: (﴿إِلَّا﴾ جزاء ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ) هل فيه صرف للفظ عن ظاهره؟ كيف ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، (...). * الطالب: (...). * الشيخ: جزاء ما كنتم، طيب ويش القصد؟ لأن قوله: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يقتضي أن يكون العمل هو الجزاء نفسه، يكون العمل هو الجزاء ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ﴾، ومن المعلوم أن العمل ليس الجزاء، بل الجزاء شيء والعمل شيء آخر، عندما تستأجر إنسانًا يعمل لك، ثم تعطيه الأجرة، فعمله غير أجرته، العامل لله سبحانه وتعالى عمله غير جزائه. فظاهر الآية: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ إن الإنسان يجزى بعمله أو لا؟ لذلك احتاج المؤلف أن يُقدّر هذا المحذوف، (﴿إِلَّا﴾ جزاء ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ) لكن ما في الآية أبلغ؛ لأنه من باب المبالغة في العدل، أن يُجعل الجزاء هو العمل، كأن الجزاء نفسه عملك، مبالغة في العدل، فأنت إذا كنت تريد ثوابًا كثيرًا فاعمل كثيرًا؛ لأن ثوابك عملك. وأما قوله: (﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا﴾ جزاء ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ )، ففيه أيضًا: ركاكة، ما تجزون إلا جزاء العمل؟ معلوم، كلمة ﴿تُجْزَوْنَ﴾ يستفاد منها الجزاء، فلا حاجة إلى تفصيل؛ فالصواب: إبقاء الآية على ما هي عليه، على ظاهرها. ويُفهم أن الذي يعطونه هو الجزاء من قوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾، والتعبير عن الجزاء بالعمل نفسه مبالغة في العدل، بحيث يكون جزاؤك عملك. وقوله: (من الشرك والمعاصي)، هذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وهو الصواب: أن الكافر يُعاقَب على أصل الكفر، وعلى المعاصي أيضًا التي عملها، فالمشرك إذا زنى وسرق وشرب الخمر يعاقب على ذلك، فيعاقب على الأصل والفرع، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر ٤٠ - ٤٦]. فالصلاة والصدقة ليست من الأصول، وإن كان الصواب: أن الصلاة من الأصول، وأن تاركها يكفر، لكن الصدقة ليست من الأصول، حتى الزكاة -على القول الصحيح- لا يكفر تاركها، ومع ذلك ذكروا أنها من أسباب دخولهم النار، ولولا أن لها تأثيرًا في الجزاء ما صارت من الأسباب، وهذا دليل على أنهم أيش؟ يعاقبون على فروع الإسلام كما يعاقبون على أصوله. وعلى هذا، فيعاقبون على معاصيهم التي دون الشرك، وهذا بلا شك كمال العدل؛ لأنه إذا كان المسلم يعاقب عليها فكيف بالكافر؟ هل تكون للمسلم نقمة، وتكون للكافر نعمة؟ لا، بل أبلغ من ذلك الكافر يعاقَب حتى على المباح للمؤمن، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف ٣٢]. يؤخذ من قوله: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أنها لغير المؤمنين ليست خالصة، وأنهم سيجازون عليها، وهذا أيضًا مقتضى النظر؛ إذ كيف يتنعّم الإنسان بنِعم الخالق وهو يعصي الخالق؟ لا بد أن يعاقبه؛ يقول: أنا أحسنت إليك، أطعمتك، سقيتك، كسوتك، أسكنتك، زوَّجتك، وما أشبه ذلك، فيعاقب على هذه النعمة؛ لأنها تحتاج إلى شكر. قال: (قل لهم ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩1]؛ أي: مكة ﴿الَّذِي﴾ ) ما قال: (التي) ليش؟ لأنها صفة لمذكر ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي﴾ ولهذا تُعرِب ﴿الَّذِي﴾ على أنها اسم موصول مبني على السكون في محل نصب، صفة لأي شيء لـ﴿رَبَّ﴾. (﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾؛ أي: جعلها حرمًا آمنًا) جعلها كونًا ولا شرعًا؟ * طالب: (...). * الشيخ: شرعًا، جعلها شرعًا (حرمًا آمنًا). وقوله: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ إضافته الربوبية إليها تفيد الفضل، وأن الله سبحانه وتعالى قد اعتنى بها وشرَّفها. قال: (لا يسفك فيها دم إنسان)، والحديث: «لَا يُسْفَكُ بِهَا دَمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي.]]. وأيهم أعم دم إنسان أو دم؟ دم أعم؛ ولهذا لا يسفك بها دم إنسان، ولا دم صيد، وأما المواشي من الإبل والبقر والغنم وما أشبهها فإن هذا دلت السنة على جوازه. وقوله: (ولا يظلم فيها أحد) هذا ليس خاصًّا بمكة، حتى غير مكة لا يجوز أن يظلم فيه أحد، ولذلك ما جاء في الحديث: (لا يُظلم فيها أحد)، بل قال الرسول: «لَا يُسْفَكُ بِهَا دَمٌ»، فليس من خصائص مكة ألا يظلم أحد، صحيح أن الظلم في مكة أعظم من غيره: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج ٢٥]، أما أن الظلم في غيره مباح فلا. كذلك: (لا يصاد صيدها). * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما تدل عليه؛ لأن هنا: ﴿مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ الباء تدل على أن الفعل مُضمَّن معنى العزيمة الصادقة. * طالب: (...). * الشيخ: ما تضاعف السيئة بمكان تضاعف بالكيفية فقط، لا الكمية، ما هو معناه أن السيئة تكون يجزى عليها سيئتان، وإنما المعنى أنها تكون أعظم، وأن تعرف الفرق بالكيفية، أن كيفية العقوبة تختلف، قد أضرب هذا الإنسان ضربة واحدة، وأضرب الآخر ضربة واحدة وتكون هذه الثانية مؤلمة والأولى غير مؤلمة. قال: (ولا يصاد صيدها) صح هذا ولَّا لا؟ صحيح، وغيرها يصاد. (ولا يختلى خلاها): صحيح، وغيرها يختلى. * طالب: المدينة؟ * الشيخ: المدينة يختلى خلاها إي نعم، يجوز، إنما يحرم الشيء اللي بدون حاجة في المدينة، وأما الذي بحاجة فيجوز، هذا الفرق بينها وبين مكة. (وذلك من النعم على قريش أهلها في رفع الله تعالى عن بلادهم العذاب والفتن الشائعة في جميع بلاد العرب). إذن قوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾: أي: جعلها حرمًا، وجعلها حرامًا، وما قلناه أعم مما قال المؤلف؛ لأن المؤلف يقول: (جعلها حرمًا آمنًا)، ثم ذكر أشياء، فهي حرم، وحرام أيضًا، حرم وحرام. حرم بمعنى أنها محترمة، وحرام بمعنى أنها محرَّمة؛ لهذا من قصدها فإنه يشرع له -بإجماع أهل العلم- ألا يدخلها إلا مسلمًا، وفي وجوبه خلاف معروف. أيضًا من جملة احترامها أن المشركين لا يقربونها، أو لا؟ لا يقربون المسجد الحرام، فيكون الحرم كله محرمًا عليهم؛ لأن دخولهم الحرم من قربان المسجد الحرام، فلهذا كان ذلك احترامًا لهذه البلدة. ومع ذلك يقول الله عز وجل: (﴿وَلَهُ﴾ تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾ فهو ربه وخالقه ومالكه). الجملة الأخيرة فيها فائدة عظيمة؛ لأنه لما قال: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾، قد يتوهم متوهم أنه سبحانه وتعالى تختص ربوبيته بهذه البلدة، فأتى بعد ذلك بالتعميم؛ قال: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. نظير هذا قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد ١٠]، قال بعدها: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، حتى لا يتوهّم متوهّم أن ذلك الفضل خاص بأولئك، فبين أن الجزاء للجميع، وهو الجنة، وإن كانوا لا يستوون. هنا: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾: ربوبية الله عامة لكل شيء، لكن ربوبيته لهذه البلدة أخص من ربوبيته العامة. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو بذكورية؛ يعني قصدنا بالذكورية لفظًا، إنما معناه لا، ما يجوز أن نقول: مذكر، نقول: اللفظ مذكر، إنما الله عز وجل ما يجوز وصفه لا بهذا ولا بهذا. قال: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. ﴿أُمِرْتُ﴾ من أمره؟ ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ﴾ ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. أليست العبادة هي الإسلام؟ الجواب: بلى، العبادة هي الإسلام. لكن هناك قال: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ والعبادة هي التذلل له بالطاعة. ثم قال: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: أن أُحقّق هذه العبادة بالاستسلام التام لأوامر الله تبارك وتعالى. فالإنسان قد يكون عابدًا؛ يعني في الأصل، لكن الانقياد التام بجميع مشروعات الإسلام يستفاد من قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: من المنقادين لله سبحانه وتعالى انقيادًا تامًّا، لا معارضة عندهم ولا استكبار. وفي قوله: ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ دليل على أنه يعني أن هناك مسلمين؛ اليهود والنصارى مسلمون؟ * طلبة: لا. * الشيخ: حين كانت شرائعهم قائمة، فهم مسلمون، ولَّا لا؟ لكن أما بعد أن نُسخت، فإنهم إذا لم يلتزموا بالشريعة الناسخة لم يكونوا مسلمين، فالإسلام هو الدين عند الله في كل زمان ومكان، وبعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام لا إسلام إلا باتباع شريعته، وإلَّا فأصل الإسلام -كما تعرفون- من الاستسلام وهو الانقياد، وهذا يشمل كل انقياد لله سبحانه وتعالى سواء في عصر هذه الأمة أو قبلها، نوح عليه الصلاة والسلام يقول: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل 91]، مثلما قيل للرسول عليه الصلاة والسلام، وقال عن يعقوب: وقال لبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة ١٣٢]، وقالت بلقيس: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل ٤٤]. (﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ عليكم تلاوة الدعوة إلى الإيمان ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾؛ أي: لأجلها؛ فإن ثواب اهتدائه له، ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن الإيمان وأخطأ طريق الهدى ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ). قوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ التلاوة تنقسم إلى قسمين: تلاوة لفظية، وتلاوة معنوية. فالتلاوة الأولى: قراءة القرآن، والتلاوة الثانية: العمل بما جاء به القرآن، مأخوذة من تلا الشيء يتلوه إذا تبعه وصار تلوًا له. فقول الرسول: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ يشمل هذا وهذا، أن أتلوه قراءة، وأن أتلوه اتباعًا، وهو مأمور بذلك؛ يعني فكأنه يقول: سأتلو القرآن عليكم تلاوة قراءة، وأيضًا: سأتلو القرآن تلاوة اتباع، ولا أبالي بمخالفتكم وإعراضكم، بل وهذا ليس للرسول عليه الصلاة والسلام فحسب، بل لكل من اتبع الرسول، يجب عليه أن يتلو القرآن تلاوة لفظية، وقد عُلم أن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة، التي هي من أركان الإسلام. ثانيًا: يجب على المسلم أن يتلو القرآن تلاوة اتباعية، ولا يُبالي بمن خالفه، ولو أننا راعينا شعور الناس، وراعينا عقول الناس، بقي الدين ليس دينًا، بل صار الدين عادة إن تقبّله الناس حسب عاداتهم صار دينًا، وإن لم يقبلوه لم يكن دينًا، والواجب أن يكون الدين بعيدًا عن عادات الناس؛ بمعنى أن يكون الحكم هو القرآن والسنة، لا ما يعتاده الناس فيما يفعلونه من عبادات أو غيرها، خلافًا لبعض الناس الآن الذين يريدون أن يخادعوا الناس فيما هم عليه ولو كان باطلًا، وهذا ليس بصحيح؛ لأننا لو مشينا على هذا الأمر، أو على هذا المنهاج، ما بقي حياة للإسلام؛ فالإسلام يبقى ميتًا، ويموت منه جزء في هذا العصر، ثم يأتي عصر آخر، فيموت منه جزء آخر، وهكذا حتى ينقضي، ولكننا إذا كنا نعمل بالإسلام ونجدّد حسب ما يقتضيه الكتاب والسنة، لا حسب آرائنا، صار ذلك هو القيادة. وأما أن نسكت وندس رؤوسنا في التراب، ونقول: هذه الناس ما يمكن نخالفهم، أو نتهيَّب قول بعض الناس: طلعتم علينا بدين جديد، هذا الدين ما عرفناه من قبل، وما أشبه ذلك، فإن هذا لا ينبغي أن يمنع الإنسان عن قول الحق. ولهذا قوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ تلاوة لفظٍ تقوم به الحجة عليكم، وتلاوة اتباعٍ لا أبالي بمعارضتكم ومخالفتكم، وهذا هو الواجب على كل مسلم في كل مكان. لكن مراعاة الناس؛ بمعنى تدريج الناس حتى يسلكوا الصراط الصحيح، هل يجوز ولَّا لا؟ * طلبة: يجوز. * الشيخ: إي نعم، مراعاة الحال بالتدريج لا بأس به، ولهذا الذي نرى أن الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى بالحكمة يتناول هذا الأمر، وهي نقل الناس إلى الإسلام مرحلة مرحلة. وإن كان بعض الناس يقولون: إن هذا في أول الدعوة، صحيح أن الإسلام تطور، جاءت الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج، حُرّم الخمر على عدة وجوه، الصيام وجب على عدة وجوه. لكن نقول: كما أن هذا في أصل الدعوة، أو في أول الدعوة، هو أيضًا في آخرها، بعْث معاذ متى كان؟ في سنة عشر من الهجرة، ومع ذلك يقول: «ادْعُهُمْ أَوَّلًا، ثُمَّ إِلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِلَى الزَّكَاةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث عبد الله بن عباس.]]، فالرسول رتّب هذا، ما قال: ادعهم إليها جميعًا. فمثلًا لو رأينا إنسانًا مُنهمكًا على فعل معصية، وعرفنا أننا لو قلنا له: أقلِع عنها نهائيًّا أنه ما يتمكن أو أن ينفر، فلا بأس أن ننقله عنها شيئًا فشيئًا بالتدريج؛ لأن هذا كمعالجة المرض، المرض ما يمكن أنك تعالجه مرة واحدة، لا بد من التنقل من شيء إلى شيء حتى يتم استئصال هذا المرض. فهذه المسألة تعود إلى حال الناس، وليس معناها الاستسلام لحال الناس؛ لأن معنى الاستسلام الذي أنكرته قبل هو أن الإنسان يَدَع الناس ولا يعارضهم في الحق، أما هذا ما يَدَعهم، لكنه يُنقّلهم من مرحلة إلى مرحلة حتى يستقيموا؛ فمثلًا: عندما نريد أن نعمل عملًا في الصلاة ليس من عادة الناس، فإن من الحكمة أن نمهّد له بالقول أولًا، ثم إذا علم به الناس واستقر في نفوسهم نقلناهم بعد ذلك إلى الفعل، وهكذا أيضًا غير هذه المسألة. المهم: أن تلاوة القرآن على الناس المعرضين مما أُمر به الرسول عليه الصلاة والسلام، وأُمرت به الأمة كلها أيضًا، ويكون التلاوة هنا لفظًا واتباعًا، ولكن الشأن كله في ألَّا نتخاذل أمام الأمر الواقع، بل يجب علينا أن نكون على وجه أقوى وأشد. * طالب: نقل الإنسان من معصية إلى معصية أخرى. * الشيخ: إلى معصية أخرى؟ * الطالب: أخف منها. * الشيخ: لا، ما يجوز. * الطالب: تدريج.. * الشيخ: كيف؟ مثال ذلك؟ إذا كانت من الجنس ربما نقول، مثلًا لو فرضنا أن إنسانًا مُبتلى بالزنا -والعياذ بالله- وقلنا له: يا أخي، ما لك! الشهوة التي عندك هذه تستطيع أن تعمل، أن تخفّفها بالاستمناء مثلًا، هذا من الجنس ما فيه بأس، لكن واحد يسرق نقول: يا أخي، اترك السرقة، اشرب الخمر أزين لك! هذا ما يمكن. * الطالب: أقصد من جنس الأذى. * الشيخ: إي، اللي من الجنس معناه التخفيف؛ لأنك لو نقلته إلى شيء آخر، فاتجاهه الأول ما يزول في الغالب. * طالب: (...). * الشيخ: والدنيا (...). * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، المعنى، إنه حتى «عَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ»[[أخرجه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨) واللفظ له، وابن ماجه (٤٠١٤) من حديث أبي ثعلبة الخشني.]]، ما هي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه من خاصتك، لكن معنى أنك دَعهم؛ يعني لا تهتم بهم بحيث يشغلونك عما يجب؛ لأن بعض الناس يهتم بهذا الأمر حتى إنه ينشغل بالناس عن نفسه، تجده حتى يصلي، وهو يشعر بأنه يأمر فلانًا، ويتصور أنه مثلًا كأنه يقوله: يلا صلِّ، فهذا هو الذي يُنهى عنه. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة ١٠٥]؛ لأن بعض الناس يفهم أن الإنسان إذا أصلح نفسه ما عليه من إصلاح غيره، ولكن نقول: إن إصلاح غيرك منُوط بك من إصلاح نفسك، أنت مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن إذا ضلوا فإن ضلالهم لا يضرك، بعد أن تقوم بما يجب عليك من الدعوة والأمر. * طالب: (...)؟ * الشيخ: صحيح، (...) يقول؟ لكن التدرج هذا طريق، وليس معنى ذلك أني إذا نقلته من هذا إلى أخف أني أبيح له الأخف، لكنه طريق تدرّج؛ فالتدرج هنا ليس معناه ثبوت الحكم على الدرجة التي نزلناه إليها، ولكن معناه أننا ننقله من الدرجة العظمى إلى الأخف، ثم إلى تركها بالكلية، فقوله عليه الصلاة والسلام: «اجْتَنِبوه»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧ / ١٣٠) من حديث أبي هريرة. ]]، لكن ما هو الطريق لاجتنابه؟ هو هذا الذي نقول، الطريق لاجتنابه هو هذا الذي نقول، ولذلك الآن عندما تنهى إنسان عن منكر (...). الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام فيه وهو مكة؛ لقوله: ﴿هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ والإشارة هنا للقريب، ثم إن قوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ فيه إظهار لفضل الله تبارك وتعالى على ساكني هذه القرية حيث جعل الله هذه القرية حرامًا. قال: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: المنقادين لحكم الله، ولا منافاة بينه وبين العبادة فيما سبق ﴿أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾؛ لأنه الأصل العبادة شيء، والإسلام في جميع الشريعة شيء آخر. ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾: تلاوة لفظية تقوم بها الحجة عليكم، وتلاوة عملية تطبيقية يتبين بها أنني لست بمبالٍ بمن يخالفني في هذا الأمر. وقوله: ﴿الْقُرْآنَ﴾ هو هذا الذي نزل عليه ﷺ، وبعد تلاوة القرآن. (﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ له) كذا عندكم؟ فمن اهتدى له ولَّا به؟ * طلبة: له. * الشيخ: له؟ (﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ له). ولكن على تفسير المؤلف يصير ﴿اهْتَدَى﴾ بمعنى (انقاد)؛ لأن ﴿اهْتَدَى﴾ ما تتعدى باللام، تتعدى بالباء (اهتدى به)، لكنه ضمّنه بمعنى انقاد، وتضمينه معنى الانقياد ليشمل هداية العلم، وهداية التوفيق، الذي يهتدي وينقاد له. (﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾؛ أي: لأجلها، فإن ثواب اهتدائه له) صحيح، من اهتدى بهذا القرآن وانقاد له فالمصلحة لمن؟ ليست لله عز وجل؛ لأن الله غني عنه، وليست لفلان ولا لفلان؛ لأن كل نفس ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة ٢٨٦]. إذن فهو لنفسه، وإن كان ينتفع الداعي بذلك أيضًا انتفاع الدال؛ فإن الدال على الخير كفاعله، لكن أصل الثواب لمن؟ للفاعل، أصل الثواب للفاعل، فلا يقال مثلًا: إن الرسول ﷺ يدعو الناس ليهتدوا فيكون له أجر، بل قصده عليه الصلاة والسلام الأول هو نفع الخلق، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾، وإن كان النبي عليه الصلاة والسلام ينتفع باهتدائه فهو تبع. (﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن الإيمان وأخطأ طريق الهدى ﴿فَقُلْ﴾ له ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ). المؤلف: قدّر له بمن اهتدى، وقدّر هنا: (﴿فَقُلْ﴾ له)، والسبب أنه يُقدّر هنا لأجل أن يرتبط الجواب بالشرط؛ لأن قوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى﴾ اهتدى لأي شيء؟ بالقرآن الذي أتلوه. وهنا ﴿مَنْ ضَلَّ﴾: ﴿مَنْ﴾ شرطية، ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ما يمكن يكون قل: ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾، جوابًا لقوله: ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ إلا إذا كان فيه ضمير يعود عليه، ولهذا قدّره بقوله: (﴿فَقُلْ﴾ له ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ). فإذا قال قائل: ما هي الحكمة في حذفه؟ قلنا: الحكمة في حذفه العموم؛ يعني ﴿فَقُلْ﴾ له ولغيره: ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾. يعني معناه أن هذه الجملة التي هي وصف ثابت للرسول ﷺ ليست خاصة بمن يضل، بل من يضل ومن لا يضل، يُقال له: إن الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾، ومعنى المنذر: المخوِّف. قال: (المخوّفين فليس عليَّ إلا التبليغ). وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا﴾، ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. فإذا قال قائل: هذا يفيد اختصاص الرسول ﷺ بالإنذار، مع أن الله يقول: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة ١١٩]. قلنا: لكن لكل سياق ما يناسبه من اللفظ، فهنا المخاطب مَن؟ * طالب: المنكرون. * الشيخ: قوم منكرون، فكان ذكر جانب التخويف في حقهم أولى من الجمع بينه وبين التبشير. قال: (وهذا قبل الأمر بالقتال)، والمؤلف -رحمه الله- يسلك هذا المسلك كثيرًا في مثل هذه الآية، ويقول: إنه قبل الأمر بالقتال، وهذا يتضمن أن تكون الآية منسوخة، لا يعمل بها، ولكن هذا قول في غاية الضعف، والصواب: أن هذا يقال حتى بعد الأمر بالقتال. فالنبي عليه الصلاة والسلام أيش عليه؟ عليه الإنذار والتبليغ، وليس عليه الهداية، والرسول عليه الصلاة والسلام يقرأ في كل جمعة غالبًا أو كثيرًا يقرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١، ٢٢] ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية ٢٥، ٢٦]، وكيف تكون مثل هذه الآيات التي تكرر على المسلمين في جمعاتهم تكون منسوخة؟ ثم إن النسخ ليس بالأمر الهين دعواه؛ لأنه ويش معناه؟ معناه إبطال دلالة الآية أو الحديث، وهذا يتضمن الاعتداء على الله سبحانه وتعالى وعلى رسوله، ولهذا يجب على الإنسان أن يحترز غاية الاحتراز من دعوى النسخ، وإذا عجز عن الجمع فيقول: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة ٣٢]، لكن المؤلف -رحمه الله- وغيره كثير من أهل العلم إذا عجزوا عن الجمع قالوا: هذا منسوخ. وهذا مسلك ليس بجيد، وليس بسديد، وليس بصواب، بل هو خطير، وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- أن المنسوخ في الشريعة لا يتجاوز عشرة أحكام. ولو سلكنا ما سلكه المؤلف لكان المنسوخ عشرات الأحكام، أو ربما يبلغ المئة، وفي هذا خطأ عظيم. فالصواب أن هذا القول: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ يقال: حتى الآن، وحتى بعد الأمر بالقتال فهو منذر، لكن هذا الإنذار لا يقتضي ألا يقوم بما يجب عليه من الجهاد، يقول: أنا منذر فليس عليَّ هداكم، وهداكم على الله سبحانه وتعالى، وأما مسألة الأمر بالقتال، فهذا شيء ممكن حتى مع هذا القول. فالصواب في هذه المسألة: أن الآية محكمة، هذه وغيرها محكمة، وغيرها من أمثالها محكم، ولا يجوز دعوى النسخ فيه؛ لأن أهم شروط النسخ، أو من أهمه: تعذّر إمكان الجمع، وإذا أمكن الجمع فلا نسخ؛ لأن النسخ -كما سمعتم- هو عبارة عن إبطال مدلول الآية أو الحديث، وهذا أمر ليس بالهين؛ يجي حديث وتمسح عليه، فمعنى المسح ضربنا عليه. * طالب: (...). * الشيخ: بلى، من الشروط. * الطالب: هل يُشترط أن فيه قرينة تدل على النسخ (...)؟ * الشيخ: لا ما هو بشرط هذا، المهم أنه إذا تعذر الجمع، وعلم التاريخ فالمتأخر ناسخ. يقول: ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ هي بالكسر ولا بالفتح؟ * طالب: بالكسر، منذِرِين. * الشيخ: لأنها اسم فاعل، فهو (منذِر)، والناس (منذَرون). ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل ٩٣] معطوف على قوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ﴾؛ لأنه على تفسير ﴿قُلِ﴾؛ يعني ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وهذه الجملة للثناء على الله تبارك وتعالى، وقد أثنى الله على نفسه في ابتداء الخلق، وفي انتهائه، وفي ابتداء إنزال القرآن، وفي مقام التعظيم للرسول عليه الصلاة والسلام، في إنزال القرآن، وما أشبهه. فهنا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، (...) عليه؟ على كمال صفاته وبيان آياته. ومنها ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾. ﴿سَيُرِيكُمْ﴾ والإراءة أبلغ من البيان؛ لأنه قد يكون الشيء بينًا، وتعمى عنه الأبصار، ولكن الإراءة أبلغ؛ إذ كل مرئي فهو بيِّن، وليس كل بيّن مرئيًّا. و(السين) في قوله: ﴿سَيُرِيكُمْ﴾: تفيد فائدتين؛ الفائدة الأولى: قرب هذا الأمر، والفائدة الثانية: تحقّقه؛ فهي تفيد التحقيق والتقريب. ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾: والإراءة هنا بصرية، وهي لما كانت معداة بالهمزة تنصب مفعولين؛ فالمفعول الأول الكاف، والمفعول الثاني ﴿آيَاتِهِ﴾. وقوله: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ هل المراد بآيات الله هنا الآيات الدالة على صدق ما أخبر به في القرآن، فتكون الآيات الكونية أو هي أشمل من ذلك؟ الظاهر أنها أشمل من ذلك؛ أنها تشمل الآيات الدالة على صدق ما وعد به رسوله وتوعّد به أولئك، وكذلك أيضًا الآيات الشرعية الدالة على كمال شريعته. وقوله: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ أيضًا أبلغ من الإراءة؛ لأنني قد أُري الإنسان شيئًا ولكن لا يعرفه، وهنا قال: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾. فعندنا بيان وإراءة ومعرفة؛ أعلاها المعرفة، ثم الإراءة، ثم البيان. قوله: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ نتيجة هذا أن تقوم عليكم الحجة؛ لأنهم إذا أُروا الآيات حتى عرفوها قامت عليهم الحجة. قال المؤلف رحمه الله: (فأراهم الله يوم بدر القتل، والسبي، وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، وعجَّلهم الله إلى النار) هذه من جملة الآيات التي أراهم إياها، وإلا فقد أراهم الله تعالى انشقاق القمر قبل بدر، فإنهم طلبوا آية من الرسول ﷺ «فأشار إلى القمر فانفلق فلقتين» حتى شاهدوه بأعينهم، فقالوا: سحرنا محمد، فاسألوا الركبان الذين يقدمون إلى مكة، هل شاهدوا ذلك أم لا؟ فسألوهم، فأخبروهم بأنهم شاهدوا ذلك[[أخرجه الترمذي (٣٢٨٩) من حديث جبير بن مطعم، والحديث أصله متفق عليه؛ البخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠ / ٤٣) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]. وقد أنكر قوم هذه الآية؛ انشقاق القمر، ومنهم محمد رشيد رضا، وأظن شيخه كذلك محمد عبده، وهذا خطأ فاضح والعياذ بالله؛ لأن الأحاديث فيه متواترة، وإشارة القرآن إليه ظاهرة: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١]. هم حرّفوا القرآن فقالوا: انشق القمر أي: بان ضياء الحق والنور بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا بلا شك تحريف للقرآن، وتكذيب بما تواترت به السنة، الصواب الذي لا شك فيه، وهو من معتقدات أهل السنة والجماعة أن القمر انشق. وقولهم: إنه لو انشق لكان أمرًا عالميًّا، وكان له ذِكْر في التاريخ؛ لأنه أمر عالمي حيث إن القمر آية أفقية كل يشاهدها، وحيث إن هذه الحال للقمر حال غريبة خارجة عن العادة، فالهِمم تتوافر على أي شيء؟ * طالب: على نقله. * الشيخ: على نقله، ولا بد أن تُذكر في التواريخ، في تاريخ الهند، والروم، والفرس، وما أشبه ذلك. فنقول: تبًّا لكم أن تجعلوا ما أخبر الله به موضعًا للشك؛ لأن هؤلاء لم يذكروه، بل لو ذكروا أنه لم يقع لقلنا: كذبتم وصدق الله. وأيضًا الجواب على هذا أن نقول: لا يلزم إذا انشق القمر حتى رآه أهل مكة ومن بقربهم أن يراه الناس جميعًا؛ لأن نصف الكرة الأرضية لا يمكن أن يروه، لماذا؟ لأنه غائب عنهم، هذه واحدة. القرى المقابلة التي هي سطح الأرض لأهل مكة، ومن حولهم قد يكون أتاهم في منتصف الليل أو في آخر الليل، أو عندهم غيوم مانعة أو ما أشبه ذلك، فالموانع كثيرة، موانع الرؤية له كثيرة، ولكن ما يهمنا أن يروه أو لا يروه، أو يدوّنوه في تواريخهم أو لا يدوّنوه. وتكذيب القرآن بمثل هذه الأمور أو السنة المتواترة بمثل هذه الأمور هذا في الحقيقة إيغال في العقل، أو في العقليات على ما يقولون، فالإنسان ما ينبغي أن يكون عقلانيًّا محضًا، ولا ينبغي أن يكون ظاهريًّا محضًا، بل يجب أن يكون عنده عقل يزن به الأمور، وإذا بانت الأمور الشرعية فإنه لا مجال للعقل. إذن أراهم الله تعالى آيات منها: انشقاق القمر، ومنها أيضًا: أن النبي عليه الصلاة والسلام شهد الناس كلهم أن الحجر يسلم عليه، والشجر يسلم عليه، حتى إنه يقول: «كَانَ حَجَرٌ يُسَلِّمُ عَلَيَّ فِي مَكَّةَ أَعْرِفُهُ»[[أخرجه مسلم (٢٢٧٧ / ٢) من حديث جابر بن سمرة.]]. وكذلك أيضًا: من الآيات ما حصل يوم بدر، حصل من الآيات قتل وسبي، وقتل لمن؟ * طالب: لرؤساء الكفار. * الشيخ: إي، لرؤساء الكفار، ما هو لأطرافهم، لصناديد قريش، وقتل صناديد أعداء النبي عليه الصلاة والسلام آية له؛ لأن ذلك نصر له، ولو كان ما قاله باطلًا، ما كان الله تبارك وتعالى لينصره أبدًا؛ لأن الله ما ينصر الباطل على الحق نصرًا مستمرًّا، ولكن قد يكون للباطل صولة ليمحّص الله المؤمنين، فينتصر أهل الباطل لكنه انتصار مؤقت. كذلك أيضًا السبي؛ سُبي منهم أحد ولَّا لا؟ نعم، سُبي سبعون رجلًا منهم، وذُهب بهم إلى المدينة، وهم أيضًا المسبيّون من أشرافهم. المهم أن هذه الواقعة وقعة بدر أثخنتهم تمامًا، وأذلتهم إذلالًا بالغًا، ولهذا سماه الله تعالى: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال ٤١]؛ لأن الله فرَّق به بين الحق والباطل، وتعلمون أن الناس ينتظرون ماذا يحصل، العرب لما رأوا أن النبي عليه الصلاة والسلام وهم قلة ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا غلبوا حوالي ألف من قريش كاملي العِدة والعدد كثير، عرفوا أن أمر الرسول ﷺ سيظهر. كذلك أيضًا: ﴿الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال ٥٠]، هل هذا ورد في بدر ولَّا ورد في الكفار مطلقًا؟ * طالب: جميعًا (...). * الشيخ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: طيب، لكن في بدر: هل ذُكر أن الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال ١٢]، ما فيه (...) الوجوه والأدبار، فيه أنهم يُضرب فوق الأعناق؛ يعني تُضرب أعناقهم، ويُضرب منهم كل بنان؛ يعني الأيدي، فهذا هو الظاهر. وأما ما ذهب إليه المؤلف فلا أعرف في ذلك سُنّة أيضًا بيَّنت هذا، وإن كان المؤلف له وجهة نظر في أن الملائكة تضرب وجوههم إذا أقبلوا على المسلمين، وتضرب أدبارهم إذا أدبروا عن المسلمين، لكن ما دام أن هذا لم يرد فالأولى الاقتصار على ما ورد، وهو أن الله قال لهم: ﴿اضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ ما قال: (اضربوا وجوههم وأدبارهم). إلا أن يقول قائل: إن قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ يشمل هؤلاء فإنهم من الكفار، فهم عند الوفاة يضربون وجوههم وأدبارهم، فإن أراد المؤلف بهذا ما تصير إليه عموم الآية فهو مفروض. قال: (وعجَّلهم الله إلى النار)، كيف عجّلهم إلى النار؟ * طالب: عجلهم إلى النار؛ لأن عذاب القبر (...)، حين يموت الإنسان فهو في عذاب القبر. * الشيخ: يعني معناه عجّلهم الله قبل موت الرسول عليه الصلاة والسلام، حصل لهم هذا الأمر وتعجّلوا إلى النار. قال: (﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ بالياء والتاء)؛ أي: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾، و﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ قراءتان سبعيتان. (وإنما يمهلهم بوقتهم). قوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ هذه الجملة المقصود بها التحذير والتسلية؛ تحذير هؤلاء المكذبين، وتسلية الرسول ﷺ. وفيها: أن من صفات الله أنها صفة من الصفات السلبية، وقد مر علينا أن الصفات السلبية تتضمن أمرين: نفي الصفة المذكورة، وإثبات كمال ضدها؛ فالله تعالى لا يغفل، لأيش؟ لكمال علمه ومراقبته؛ كامل العلم وكامل المراقبة: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب ٥٢]. انتهت السورة ولم نأخذ فوائد الدرس الماضي، نأخذها الآن: أولًا: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾. * يستفاد منها: أن المدار في العقاب على السيئات هو المجيء بها يوم القيامة، لا مجرد العمل؛ قد يعمل الإنسان السيئة، وتُكفّر أو يتوب منها، ولكن العبرة بالمجيء. * الفائدة الثانية: إثبات عذاب النار؛ لقوله: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾، والعياذ بالله. * الفائدة الثالثة: بيان شدة العقوبة -والعياذ بالله- بهؤلاء، حيث يكبون على وجوههم في النار، والوجه أشرف الأعضاء، وإهانته أعظم من إهانة غيره. لو أن أحدًا صفعك على خدك أو ضربك في رجلك، أيهم أشد إهانة؟ الوجه أشرف، ولهذا كان إكبابهم على وجوههم في النار -والعياذ بالله- أشد وأبلغ في الإهانة وفي العذاب. * الفائدة الرابعة: كمال عدل الله عز وجل؛ لقوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، يعني ما ظلمناكم أنتم الذين ظلمتم أنفسكم فعملتم ما استحققتم به هذا العذاب. * الفائدة الخامسة: أن عذاب أهل النار -والعياذ بالله- عذاب نفسي وبدني؛ بدني حيث تُكبّ وجوههم في النار، نفسي حيث يُوبّخون ويقرّعون ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ما ظنك بمن يقال له مثل هذا؟ تجده مثلًا يمتلئ خجلًا، ويمتلئ أيضًا ندمًا؛ يقول: ليتني ما عملت، ليتَ وليتَ، ولكن ﴿أَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ ٥٢]. فإذن يجمع لهم -والعياذ بالله- بين العذاب البدني والعذاب النفسي، وقد ذكر الله تعالى في سورة (المؤمنون) أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٧]، وهم لو أخرجوا منها لعادوا لظلمهم ما فيها إشكال، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨]، لكن يقولون هذا من شدة ما يجدون. فكان الجواب -والعياذ بالله- أعظم جواب في الإهانة: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، والعياذ بالله هذا جواب في غاية الإهانة والصغار والذل، وقد ذُكِر أن الله تعالى لا يُكلمهم إلا بعد مدة طويلة، يكلمهم بهذا الكلام الذي لا خير فيه لهم، بل هو تيئيس من كل خير، ومن كل فرج، نسأل الله العافية. ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ يعني: اندحروا، وذلوا، وتلحقكم المهانة والإهانة، ومع ذلك لا تكلمون؛ لستم أهلًا لأن تكلمون، نسأل الله العافية، فإذن يُجمع لأهل النار بين العذابين البدني والنفسي. ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٩١]. * في هذه الآية من الفوائد؛ أولًا: وجوب إعلان الرسول عليه الصلاة والسلام بما ذُكر؛ لأنه على تقدير: قل ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ﴾، وهو واجب عليه أن يُعلن ذلك لأجل أن يكون قدوة فيه. * ثانيًا: قوله: ﴿أَنْ أَعْبُدَ﴾ وجوب العبادة على النبي عليه الصلاة والسلام. * طالب: على الجميع. * الشيخ: لا، على النبي ﷺ ﴿أَنْ أَعْبُدَ﴾، ما يُقال: إن التكاليف تسقط عن الأنبياء والأولياء، بل تجب على النبي ﷺ كما تجب على غيره، ويجب عليه هو عليه الصلاة والسلام أن يشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، هذا مقتضى الإسلام. * الثالث: بهذا نعرف بطلان ما ادَّعاه أهل من يُزعم أنهم أولياء، أو أصحاب من يُزعم أنهم أولياء؛ حيث قالوا: إن الولي يصل إلى درجة يسقط بها عنه التكليف. وهذا موجود عند الصوفية وغيرهم؛ يقولون: الإنسان هذه العبادات التي نُكلَّف بها وسائل إلى غاية، الغاية اليقين ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر ٩٩]، فإذا وصل الإنسان إلى اليقين سقطت عنه العبادة، وصار لا يجب عليه صلاة، ولا زكاة، ولا صوم، ولا حج، ولا يحرم عليه نكاح أحد، يتزوج من شاء من ذكور وإناث -والعياذ بالله- ومن عدد صغير وكبير، حتى إنا نسمع عنهم الآن في إفريقيا، الواحد منهم له خمسون امرأة، عدّوا النبي عليه الصلاة والسلام، خمسون امرأة، وأيضًا ما يتزوج بعقد، إذا اشتهى امرأة أرسل إلى أبيها وقال: خلِّ بنتك زوجة لي، أريدها زوجة لي، ولا أحد يتمكن من أن يعارض؛ لأنهم يزعمون أنهم وصلوا إلى غاية لا يحتاجون معها إلى تكليف. وإذا كان الرسول ﷺ أُمِر أن يعبد الله، فغيره من باب أولى. * طالب: (...). * الشيخ: بلى، هم (...) الكفار والعياذ بالله. * طالب: يجعلون الولي أعلى من النبي؟ * الشيخ: هذا ما هو بصحيح لو زعموه، هذا أيضًا من الكذب. * أيضًا من فوائد هذه الآية: أنه فضائل مكة، فضيلة مكة من وجهين: من إضافة الربوبية إليها: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾، ومن كونه تعالى حرَّمها: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾؛ ففيه فضيلة مكة على سائر البلاد. ولها فضائل كثيرة لو لم يكن منها إلا أن خصها من أركان الإسلام، خصها للعبادة من أركان الإسلام؛ الحج ركن من أركان الإسلام، ما فيه أي بلد في العالم يكون القصد إليه فرضًا أبدًا، ولا سنة إلا المدينة، أيش بعد؟ والمسجد الأقصى. * الفائدة الرابعة: أن الذي حرم مكة هو الله؛ لقوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾. فإذا قال قائل: ألا يعارض ذلك ما ثبت عن رسول الله ﷺ من قوله: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٢٩)، ومسلم (١٣٦٠ / ٤٥٤) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم.]]؟ قلنا: لا؛ لأن معنى قوله: «حَرَّمَ مَكَّةَ» أي: أظهر تحريمها وأبانه، وإلا فالذي حَرَّمها مَنْ؟ الله. ولهذا نقول مثلًا: إن الرسول ﷺ حرم الميتة، والخمر، والخنزير؛ يعني أظهر تحريمه وأبانه، وإن كان الذي حرمه هو الله. فالمهم أنه هنا لا منافاة بين قوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ وقول الرسول ﷺ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ»، والجمع بسيط وواضح. * طالب: والمدينة حرَّمَها الله؟ * الشيخ: إي نعم، حرَّمَها الله. * الفائدة الخامسة: أن كل شيء فهو ملك لله؛ مكة وغيرها؛ لقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. * الفائدة السادسة: الرد على المعتزلة القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله؛ فإنه على قولهم يخرج بعض الأشياء عن ملك الله، والله تعالى يقول: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. * الفائدة السابعة: بلاغة القرآن؛ لأنه لما قال: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾، فإن أحدًا يفهم أن ربوبية الله تعالى خاصة في هذا المكان، فاحترازًا من هذا الفهم الخاطئ أعقبه بقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾، وهذا من بلاغة القرآن. هل تدخل مكة في قوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: ولَّا ما تدخل؟ هذه المسألة مُختلف فيها عند الأصوليين؛ يعني إذا ذُكر الخاص مع العام، فهل التنصيص عليه مُخرج له من العموم؟ فيكون ذكر مرة، لكن نصّ عليه لشرفه مثلًا، والعناية به، أو أنه لا يُخرجه من العموم فيكون ذُكر مرتين؛ مرة بصيغة التخصيص ومرة بصيغة التعميم، فما هو المتبادر للذهن؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر ٤]، وأيش يتبادر للأذهان؟ * طالب: الروح الملائكة. * الشيخ: نعم، الروح الملائكة وجبريل، لكن يتبادر إلى الذهن –في ذهني أنا- أنه إذا ذكر الخاص بعد العام أو قبله أنه ما أريد دخوله في العام. عندما تقول: جاء الطلبة وعلي. وهو من الطلبة، معروف أنه من هم الطلبة، أنت تفهم أنه خرج عنهم لما نص عليه، وكفى بذلك فخرًا أن يُفرد من بين العموم، ويُنص عليه في الحكم. لكن أولئك يقولون: إنه ذكر مرتين؛ مرة بطريق العموم، ومرة بطريق الخصوص، ولكنه فيما أظن ويتبادر إليَّ أنه ليس كذلك، نعم، لو ذكر العموم في موضع آخر، ولم يذكر الخصوص فلا شك أنه داخل في العموم. * طالب: (...). * الشيخ: إي، على القول بأنه إذا ذكر الخاص يكون عامًّا مخصوصًا. * الطالب: (...). * الشيخ: توكيد. * الطالب: (...). * الشيخ: إلا، وعلى كل الذي يقول بهذا، يظن أنه توكيد، لكن بس مو توكيد مطابق، توكيد بالعموم. * الفائدة التاسعة: أنه لا يجوز لأحد أن يحكم بغير ما أنزل الله؛ لقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾؛ لأن من جملة الأشياء الحكم بين العباد، بل هو من أعظم الأشياء، فإذا كان ذلك لله، فلا يجوز لأحد أن يستقل به، ما يجوز لأحد أن يستقل به؟ ومن أراد أن يستقل به فقد حاول أن يكون شريكًا لله تعالى في ذلك، ونزَّل نفسه منزلة لا يستحقها. إذن أمر التحليل والتحريم والإيجاب إلى مَنْ؟ إلى الله؛ لأن ﴿لَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. أمر التحسين والتقبيح؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، الصواب نعم إلى الله؛ لأن بعض الأشياء ما نعرف عن حسنها وقبحها إلى من الله، لكن أيضًا للعقل مجال في هذا؛ ولذلك: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة ٤٤] أيش بعدها؟ * الطلبة: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. * الشيخ: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ دلّ هذا على أن العقل يُحسّن ويقبِّح، فإن هذا من القبيح. لَا تَنْــــهَ عَـــــنْ خُلُـــــقٍ وَتَأْتِيَمِثْلَـــــــــــهُ ∗∗∗ عَــــــارٌ عَلَيْـــــكَ إِذَا فَعَلْــــــتَعَظِيـــــــــمُ فالعقل يُحسِّن ويُقبِّح، لكنه لا يُوجب ويُحرِّم، الإيجاب والتحريم إلى الله، وأما التحسين والتقبيح فيُحسِّن ويُقبِّح؛ ولهذا يُحيل الله تعالى أشياء كثيرة إلى العقل، فدل ذلك على أن للعقل أن يُحسِّن ويُقبِّح، ولكن من الأشياء ما لا يُعلم حسنه وقبحه إلا بطريق الشرع. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة، مسألة التقبيح والتحسين العقلي، صار فيها نزاع طويل بين أهل السنة والجماعة وبين أهل البدع؛ منهم من قال: لا يُحسِّن ولا يُقبِّح، والغريب أن هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة. قال الفتوحي في كتاب مختصر التحرير في أصول الفقه: العقل لا يُحسِّن ولا يُقبِّح، ولا يُوجِب ولا يُحرِّم. نقول: أما قوله: وما يُوجب ولا يُحرّم؛ فهذا صحيح، وأما لا يُحسِّن ولا يُقبِّح؛ فهذا ليس بصحيح. يروى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحًا فهو عند الله قبيح»[[أخرجه أحمد في المسند (٣٦٠٠).]]، وربما يشهد لهذا قول الرسول ﷺ: «الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٥٣ / ١٥) من حديث النواس بن سمعان. ]]؛ لأن هذا دليل على أن الإنسان؛ لكن الإنسان اللي صَفَت سريرته وخلصت نيته، هذا ما يطمئن للإثم أبدًا، أما الإنسان الفاسق؛ فالفاسق تعرفون أن الزبّال لا تهمه الزبالة ولَّا لا؟ لكن العطار إذا قعد عند زبالة؟ ما يمكن يجلس. فالإنسان اللي صفت سريرته، وخلصت نيته، وعلم الله منه حُسن القصد يُوفَّق، وتجده إذا عمل السيئة لو هو ما يدري أنها سيئة ما تطيب نفسه، ولا تستقر، ولهذا قال: «الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ»[[أخرجه أحمد في المسند (١٨٠٠٦) من حديث وابصة بن معبد الأسدي.]]. لكن هذا من نخاطِب به؟ كل الناس؟ لا، صاحب القلب الصافي والإيمان الخالص، أما الناس المنهمكون في هذا، فلا يُخاطَبون بالمثل. * طالب: (...) يعني العقل (...) العرف (...). * الشيخ: لا، العقل، العرف ما له دخل. * الطالب: يعني تحسين عقل.. * الشيخ: الآن العُرف يُحسِّن أشياء قبيحة. * الطالب: الزبال يستحسن الزبالة، والعطار لا يستحسنها. * الشيخ: لا، هذا ما هو ما يستحسنها، ربما أن العقل يستحسن الزبالة إذا صارت طريقًا للكسب، لكن نفسيته ما ترتاح لها الإنسان؛ لأنها مؤذية برائحتها، العُرف ما يصلح؛ لأن العرف هذا.. الناس الآن، وقبل الآن، يمكن يستقبحون الحسن، ويستحسنون القبيح. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، معلوم، حتى المسلم الخالص، الرسول قال: «مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ». * من فوائد الآية أيضًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام مأمور بأن يكون من المسلمين ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. * الحادية عشرة: أن الإسلام والإيمان شيء واحد؛ لأن قوله: ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ لا شك أن ما أُمر به هو أعلى الحالات؛ وهو الإيمان. ولكن هذه المسألة وهي هل الإسلام الإيمان أو لا؟ فيها أيضًا عراك بين أهل السنة والجماعة أنفسهم والأشاعرة. والصواب أن يُقال: إن الإسلام عند الإطلاق يشمل الإيمان، والإيمان عند الإطلاق يشمل الإسلام. وأما عند التقييد، وأن يُقرن بينهما، فإنه يكون الإيمان: ما وقر في القلب، والإسلام: ما قامت به الجوارح؛ لأن الإسلام من الاستسلام؛ وهو عدم المعارضة، بل الموافقة، فالمنافقون الذين لا يبدون المعارضة نسميهم مسلمين، لكن ما نسميهم مؤمنين؛ لعدم وجود الإيمان في قلوبهم. ومن الناس من يكون وسطًا: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ١٤] ﴿لَمَّا يَدْخُلِ﴾ ما قال: (لم يدخل)؛ ليفيد أن الإيمان قريب الدخول في قلوبهم، لكنه لم يدخل، إنما هو قريب، والإيمان من المنافقين بعيد، هم ينفرون منه، لو قرب إليهم نفروا منه، لكن هؤلاء الأعراب ما بعد دخل الإيمان في قلوبهم إلا أنه قريب: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. إذن الصواب في هذه المسألة: أن الإيمان هو الإسلام، إذا اقترنا أيش؟ افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. * طالب: (...) بين أن الإيمان هو الأعمال الظاهرة. * الشيخ: إي نعم، الإيمان؛ لأنه داخل فيه، وهو إذا اقترن مع الإسلام فُسِّر هذا بهذا، وهذا بهذا، أما عند الإطلاق فيدخل فيه. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، مسلمون ظاهرًا. * طالب: منقادون؛ يعني ما يأتون (...). * الشيخ: لا؛ لأن الرسول أراد أن يُفسِّر ذلك بالأعمال الظاهرة المبنية على الإخلاص، والأعمال الظاهرة عند المنافقين ما هي مبنية على الإخلاص، ولهذا يجدونهم يُصلون مع الناس، ويذكرون الله سبحانه وتعالى في صلاتهم، لكن هم ما يذكرون الله إلا قليلًا، والرسول عليه الصلاة والسلام لم يُفرِّق بينهم وبين أقاربهم في الميراث وغيره، يُورِّث بعضهم من بعض، وأخذ بهذا شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: إن المنافق يرث من المؤمن، والمؤمن يرث من المنافق، واستدل بأن الرسول عليه الصلاة والسلام.. وهذا الذي قاله صحيح إلا أننا نعارضه فيما إذا عُلم نفاقه؛ يعني إذا علم نفاقه ما يجب أن يُورث من المسلم أو يُورَّث المسلم منه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة ٨٤]. * طالب: فيما يعلم أنهم منافقون. * الشيخ: فيهم أناس يعلمهم، وفيه أناس ما يعلمهم. قال: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾. * يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: وجوب تلاوة القرآن بنوعيه، ما هما النوعان؟ * طلبة: اللفظية والعملية. * الشيخ: اللفظية والعملية، وهو واجب على المرء أن يتلو القرآن تلاوة لفظية وعملية، عن ظاهر قلب ولَّا وإن كان نظر؟ * طالب: وإن كان نظر. * الشيخ: وإن كان نظر. * الفائدة الثانية: فضيلة القرآن وشرفه، حيث كان مأمورًا بتلاوته. * الفائدة الثالثة: وجوب تحسين القرآن؛ لقوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾. * الفائدة الرابعة: وجوب تبليغ القرآن على النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾. * الفائدة الخامسة:..

النمل 27:91

قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل ٩٠]. ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾: أي: ما تجزون؛ يعني أن الاستفهام هنا أبلغ من النفي المجرد؛ لأنه يدل على النفي وزيادة؛ فهو مثلًا: ما تجزون إلا ما كنتم تعملون، يدل على أنهم لا يجزون إلا ما كانوا يعملون، لكن ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ يدل على تقرير هذا الأمر، وأنه لا يمكن للإنسان أن يجازى إلا بما كان يعمل، ويكون فيه تقرير وتقريع في نفس الوقت. قال المؤلف: (ويقال لهم تبكيتًا: ﴿هَلْ﴾ أي: ما ﴿تُجْزَوْنَ إِلَّا﴾ جزاء ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الشرك والمعاصي). قوله: (ما ﴿تُجْزَوْنَ﴾ ) تقدم الكلام عليه. وقوله: (﴿إِلَّا﴾ جزاء ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ) هل فيه صرف للفظ عن ظاهره؟ كيف ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، (...). * الطالب: (...). * الشيخ: جزاء ما كنتم، طيب ويش القصد؟ لأن قوله: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يقتضي أن يكون العمل هو الجزاء نفسه، يكون العمل هو الجزاء ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ﴾، ومن المعلوم أن العمل ليس الجزاء، بل الجزاء شيء والعمل شيء آخر، عندما تستأجر إنسانًا يعمل لك، ثم تعطيه الأجرة، فعمله غير أجرته، العامل لله سبحانه وتعالى عمله غير جزائه. فظاهر الآية: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ إن الإنسان يجزى بعمله أو لا؟ لذلك احتاج المؤلف أن يُقدّر هذا المحذوف، (﴿إِلَّا﴾ جزاء ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ) لكن ما في الآية أبلغ؛ لأنه من باب المبالغة في العدل، أن يُجعل الجزاء هو العمل، كأن الجزاء نفسه عملك، مبالغة في العدل، فأنت إذا كنت تريد ثوابًا كثيرًا فاعمل كثيرًا؛ لأن ثوابك عملك. وأما قوله: (﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا﴾ جزاء ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ )، ففيه أيضًا: ركاكة، ما تجزون إلا جزاء العمل؟ معلوم، كلمة ﴿تُجْزَوْنَ﴾ يستفاد منها الجزاء، فلا حاجة إلى تفصيل؛ فالصواب: إبقاء الآية على ما هي عليه، على ظاهرها. ويُفهم أن الذي يعطونه هو الجزاء من قوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾، والتعبير عن الجزاء بالعمل نفسه مبالغة في العدل، بحيث يكون جزاؤك عملك. وقوله: (من الشرك والمعاصي)، هذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وهو الصواب: أن الكافر يُعاقَب على أصل الكفر، وعلى المعاصي أيضًا التي عملها، فالمشرك إذا زنى وسرق وشرب الخمر يعاقب على ذلك، فيعاقب على الأصل والفرع، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر ٤٠ - ٤٦]. فالصلاة والصدقة ليست من الأصول، وإن كان الصواب: أن الصلاة من الأصول، وأن تاركها يكفر، لكن الصدقة ليست من الأصول، حتى الزكاة -على القول الصحيح- لا يكفر تاركها، ومع ذلك ذكروا أنها من أسباب دخولهم النار، ولولا أن لها تأثيرًا في الجزاء ما صارت من الأسباب، وهذا دليل على أنهم أيش؟ يعاقبون على فروع الإسلام كما يعاقبون على أصوله. وعلى هذا، فيعاقبون على معاصيهم التي دون الشرك، وهذا بلا شك كمال العدل؛ لأنه إذا كان المسلم يعاقب عليها فكيف بالكافر؟ هل تكون للمسلم نقمة، وتكون للكافر نعمة؟ لا، بل أبلغ من ذلك الكافر يعاقَب حتى على المباح للمؤمن، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف ٣٢]. يؤخذ من قوله: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أنها لغير المؤمنين ليست خالصة، وأنهم سيجازون عليها، وهذا أيضًا مقتضى النظر؛ إذ كيف يتنعّم الإنسان بنِعم الخالق وهو يعصي الخالق؟ لا بد أن يعاقبه؛ يقول: أنا أحسنت إليك، أطعمتك، سقيتك، كسوتك، أسكنتك، زوَّجتك، وما أشبه ذلك، فيعاقب على هذه النعمة؛ لأنها تحتاج إلى شكر. قال: (قل لهم ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩1]؛ أي: مكة ﴿الَّذِي﴾ ) ما قال: (التي) ليش؟ لأنها صفة لمذكر ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي﴾ ولهذا تُعرِب ﴿الَّذِي﴾ على أنها اسم موصول مبني على السكون في محل نصب، صفة لأي شيء لـ﴿رَبَّ﴾. (﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾؛ أي: جعلها حرمًا آمنًا) جعلها كونًا ولا شرعًا؟ * طالب: (...). * الشيخ: شرعًا، جعلها شرعًا (حرمًا آمنًا). وقوله: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ إضافته الربوبية إليها تفيد الفضل، وأن الله سبحانه وتعالى قد اعتنى بها وشرَّفها. قال: (لا يسفك فيها دم إنسان)، والحديث: «لَا يُسْفَكُ بِهَا دَمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي.]]. وأيهم أعم دم إنسان أو دم؟ دم أعم؛ ولهذا لا يسفك بها دم إنسان، ولا دم صيد، وأما المواشي من الإبل والبقر والغنم وما أشبهها فإن هذا دلت السنة على جوازه. وقوله: (ولا يظلم فيها أحد) هذا ليس خاصًّا بمكة، حتى غير مكة لا يجوز أن يظلم فيه أحد، ولذلك ما جاء في الحديث: (لا يُظلم فيها أحد)، بل قال الرسول: «لَا يُسْفَكُ بِهَا دَمٌ»، فليس من خصائص مكة ألا يظلم أحد، صحيح أن الظلم في مكة أعظم من غيره: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج ٢٥]، أما أن الظلم في غيره مباح فلا. كذلك: (لا يصاد صيدها). * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما تدل عليه؛ لأن هنا: ﴿مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ الباء تدل على أن الفعل مُضمَّن معنى العزيمة الصادقة. * طالب: (...). * الشيخ: ما تضاعف السيئة بمكان تضاعف بالكيفية فقط، لا الكمية، ما هو معناه أن السيئة تكون يجزى عليها سيئتان، وإنما المعنى أنها تكون أعظم، وأن تعرف الفرق بالكيفية، أن كيفية العقوبة تختلف، قد أضرب هذا الإنسان ضربة واحدة، وأضرب الآخر ضربة واحدة وتكون هذه الثانية مؤلمة والأولى غير مؤلمة. قال: (ولا يصاد صيدها) صح هذا ولَّا لا؟ صحيح، وغيرها يصاد. (ولا يختلى خلاها): صحيح، وغيرها يختلى. * طالب: المدينة؟ * الشيخ: المدينة يختلى خلاها إي نعم، يجوز، إنما يحرم الشيء اللي بدون حاجة في المدينة، وأما الذي بحاجة فيجوز، هذا الفرق بينها وبين مكة. (وذلك من النعم على قريش أهلها في رفع الله تعالى عن بلادهم العذاب والفتن الشائعة في جميع بلاد العرب). إذن قوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾: أي: جعلها حرمًا، وجعلها حرامًا، وما قلناه أعم مما قال المؤلف؛ لأن المؤلف يقول: (جعلها حرمًا آمنًا)، ثم ذكر أشياء، فهي حرم، وحرام أيضًا، حرم وحرام. حرم بمعنى أنها محترمة، وحرام بمعنى أنها محرَّمة؛ لهذا من قصدها فإنه يشرع له -بإجماع أهل العلم- ألا يدخلها إلا مسلمًا، وفي وجوبه خلاف معروف. أيضًا من جملة احترامها أن المشركين لا يقربونها، أو لا؟ لا يقربون المسجد الحرام، فيكون الحرم كله محرمًا عليهم؛ لأن دخولهم الحرم من قربان المسجد الحرام، فلهذا كان ذلك احترامًا لهذه البلدة. ومع ذلك يقول الله عز وجل: (﴿وَلَهُ﴾ تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾ فهو ربه وخالقه ومالكه). الجملة الأخيرة فيها فائدة عظيمة؛ لأنه لما قال: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾، قد يتوهم متوهم أنه سبحانه وتعالى تختص ربوبيته بهذه البلدة، فأتى بعد ذلك بالتعميم؛ قال: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. نظير هذا قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد ١٠]، قال بعدها: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، حتى لا يتوهّم متوهّم أن ذلك الفضل خاص بأولئك، فبين أن الجزاء للجميع، وهو الجنة، وإن كانوا لا يستوون. هنا: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾: ربوبية الله عامة لكل شيء، لكن ربوبيته لهذه البلدة أخص من ربوبيته العامة. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو بذكورية؛ يعني قصدنا بالذكورية لفظًا، إنما معناه لا، ما يجوز أن نقول: مذكر، نقول: اللفظ مذكر، إنما الله عز وجل ما يجوز وصفه لا بهذا ولا بهذا. قال: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. ﴿أُمِرْتُ﴾ من أمره؟ ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ﴾ ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. أليست العبادة هي الإسلام؟ الجواب: بلى، العبادة هي الإسلام. لكن هناك قال: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ والعبادة هي التذلل له بالطاعة. ثم قال: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: أن أُحقّق هذه العبادة بالاستسلام التام لأوامر الله تبارك وتعالى. فالإنسان قد يكون عابدًا؛ يعني في الأصل، لكن الانقياد التام بجميع مشروعات الإسلام يستفاد من قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: من المنقادين لله سبحانه وتعالى انقيادًا تامًّا، لا معارضة عندهم ولا استكبار. وفي قوله: ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ دليل على أنه يعني أن هناك مسلمين؛ اليهود والنصارى مسلمون؟ * طلبة: لا. * الشيخ: حين كانت شرائعهم قائمة، فهم مسلمون، ولَّا لا؟ لكن أما بعد أن نُسخت، فإنهم إذا لم يلتزموا بالشريعة الناسخة لم يكونوا مسلمين، فالإسلام هو الدين عند الله في كل زمان ومكان، وبعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام لا إسلام إلا باتباع شريعته، وإلَّا فأصل الإسلام -كما تعرفون- من الاستسلام وهو الانقياد، وهذا يشمل كل انقياد لله سبحانه وتعالى سواء في عصر هذه الأمة أو قبلها، نوح عليه الصلاة والسلام يقول: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل 91]، مثلما قيل للرسول عليه الصلاة والسلام، وقال عن يعقوب: وقال لبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة ١٣٢]، وقالت بلقيس: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل ٤٤]. (﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ عليكم تلاوة الدعوة إلى الإيمان ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾؛ أي: لأجلها؛ فإن ثواب اهتدائه له، ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن الإيمان وأخطأ طريق الهدى ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ). قوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ التلاوة تنقسم إلى قسمين: تلاوة لفظية، وتلاوة معنوية. فالتلاوة الأولى: قراءة القرآن، والتلاوة الثانية: العمل بما جاء به القرآن، مأخوذة من تلا الشيء يتلوه إذا تبعه وصار تلوًا له. فقول الرسول: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ يشمل هذا وهذا، أن أتلوه قراءة، وأن أتلوه اتباعًا، وهو مأمور بذلك؛ يعني فكأنه يقول: سأتلو القرآن عليكم تلاوة قراءة، وأيضًا: سأتلو القرآن تلاوة اتباع، ولا أبالي بمخالفتكم وإعراضكم، بل وهذا ليس للرسول عليه الصلاة والسلام فحسب، بل لكل من اتبع الرسول، يجب عليه أن يتلو القرآن تلاوة لفظية، وقد عُلم أن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة، التي هي من أركان الإسلام. ثانيًا: يجب على المسلم أن يتلو القرآن تلاوة اتباعية، ولا يُبالي بمن خالفه، ولو أننا راعينا شعور الناس، وراعينا عقول الناس، بقي الدين ليس دينًا، بل صار الدين عادة إن تقبّله الناس حسب عاداتهم صار دينًا، وإن لم يقبلوه لم يكن دينًا، والواجب أن يكون الدين بعيدًا عن عادات الناس؛ بمعنى أن يكون الحكم هو القرآن والسنة، لا ما يعتاده الناس فيما يفعلونه من عبادات أو غيرها، خلافًا لبعض الناس الآن الذين يريدون أن يخادعوا الناس فيما هم عليه ولو كان باطلًا، وهذا ليس بصحيح؛ لأننا لو مشينا على هذا الأمر، أو على هذا المنهاج، ما بقي حياة للإسلام؛ فالإسلام يبقى ميتًا، ويموت منه جزء في هذا العصر، ثم يأتي عصر آخر، فيموت منه جزء آخر، وهكذا حتى ينقضي، ولكننا إذا كنا نعمل بالإسلام ونجدّد حسب ما يقتضيه الكتاب والسنة، لا حسب آرائنا، صار ذلك هو القيادة. وأما أن نسكت وندس رؤوسنا في التراب، ونقول: هذه الناس ما يمكن نخالفهم، أو نتهيَّب قول بعض الناس: طلعتم علينا بدين جديد، هذا الدين ما عرفناه من قبل، وما أشبه ذلك، فإن هذا لا ينبغي أن يمنع الإنسان عن قول الحق. ولهذا قوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ تلاوة لفظٍ تقوم به الحجة عليكم، وتلاوة اتباعٍ لا أبالي بمعارضتكم ومخالفتكم، وهذا هو الواجب على كل مسلم في كل مكان. لكن مراعاة الناس؛ بمعنى تدريج الناس حتى يسلكوا الصراط الصحيح، هل يجوز ولَّا لا؟ * طلبة: يجوز. * الشيخ: إي نعم، مراعاة الحال بالتدريج لا بأس به، ولهذا الذي نرى أن الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى بالحكمة يتناول هذا الأمر، وهي نقل الناس إلى الإسلام مرحلة مرحلة. وإن كان بعض الناس يقولون: إن هذا في أول الدعوة، صحيح أن الإسلام تطور، جاءت الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج، حُرّم الخمر على عدة وجوه، الصيام وجب على عدة وجوه. لكن نقول: كما أن هذا في أصل الدعوة، أو في أول الدعوة، هو أيضًا في آخرها، بعْث معاذ متى كان؟ في سنة عشر من الهجرة، ومع ذلك يقول: «ادْعُهُمْ أَوَّلًا، ثُمَّ إِلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِلَى الزَّكَاةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث عبد الله بن عباس.]]، فالرسول رتّب هذا، ما قال: ادعهم إليها جميعًا. فمثلًا لو رأينا إنسانًا مُنهمكًا على فعل معصية، وعرفنا أننا لو قلنا له: أقلِع عنها نهائيًّا أنه ما يتمكن أو أن ينفر، فلا بأس أن ننقله عنها شيئًا فشيئًا بالتدريج؛ لأن هذا كمعالجة المرض، المرض ما يمكن أنك تعالجه مرة واحدة، لا بد من التنقل من شيء إلى شيء حتى يتم استئصال هذا المرض. فهذه المسألة تعود إلى حال الناس، وليس معناها الاستسلام لحال الناس؛ لأن معنى الاستسلام الذي أنكرته قبل هو أن الإنسان يَدَع الناس ولا يعارضهم في الحق، أما هذا ما يَدَعهم، لكنه يُنقّلهم من مرحلة إلى مرحلة حتى يستقيموا؛ فمثلًا: عندما نريد أن نعمل عملًا في الصلاة ليس من عادة الناس، فإن من الحكمة أن نمهّد له بالقول أولًا، ثم إذا علم به الناس واستقر في نفوسهم نقلناهم بعد ذلك إلى الفعل، وهكذا أيضًا غير هذه المسألة. المهم: أن تلاوة القرآن على الناس المعرضين مما أُمر به الرسول عليه الصلاة والسلام، وأُمرت به الأمة كلها أيضًا، ويكون التلاوة هنا لفظًا واتباعًا، ولكن الشأن كله في ألَّا نتخاذل أمام الأمر الواقع، بل يجب علينا أن نكون على وجه أقوى وأشد. * طالب: نقل الإنسان من معصية إلى معصية أخرى. * الشيخ: إلى معصية أخرى؟ * الطالب: أخف منها. * الشيخ: لا، ما يجوز. * الطالب: تدريج.. * الشيخ: كيف؟ مثال ذلك؟ إذا كانت من الجنس ربما نقول، مثلًا لو فرضنا أن إنسانًا مُبتلى بالزنا -والعياذ بالله- وقلنا له: يا أخي، ما لك! الشهوة التي عندك هذه تستطيع أن تعمل، أن تخفّفها بالاستمناء مثلًا، هذا من الجنس ما فيه بأس، لكن واحد يسرق نقول: يا أخي، اترك السرقة، اشرب الخمر أزين لك! هذا ما يمكن. * الطالب: أقصد من جنس الأذى. * الشيخ: إي، اللي من الجنس معناه التخفيف؛ لأنك لو نقلته إلى شيء آخر، فاتجاهه الأول ما يزول في الغالب. * طالب: (...). * الشيخ: والدنيا (...). * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، المعنى، إنه حتى «عَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ»[[أخرجه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨) واللفظ له، وابن ماجه (٤٠١٤) من حديث أبي ثعلبة الخشني.]]، ما هي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه من خاصتك، لكن معنى أنك دَعهم؛ يعني لا تهتم بهم بحيث يشغلونك عما يجب؛ لأن بعض الناس يهتم بهذا الأمر حتى إنه ينشغل بالناس عن نفسه، تجده حتى يصلي، وهو يشعر بأنه يأمر فلانًا، ويتصور أنه مثلًا كأنه يقوله: يلا صلِّ، فهذا هو الذي يُنهى عنه. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة ١٠٥]؛ لأن بعض الناس يفهم أن الإنسان إذا أصلح نفسه ما عليه من إصلاح غيره، ولكن نقول: إن إصلاح غيرك منُوط بك من إصلاح نفسك، أنت مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن إذا ضلوا فإن ضلالهم لا يضرك، بعد أن تقوم بما يجب عليك من الدعوة والأمر. * طالب: (...)؟ * الشيخ: صحيح، (...) يقول؟ لكن التدرج هذا طريق، وليس معنى ذلك أني إذا نقلته من هذا إلى أخف أني أبيح له الأخف، لكنه طريق تدرّج؛ فالتدرج هنا ليس معناه ثبوت الحكم على الدرجة التي نزلناه إليها، ولكن معناه أننا ننقله من الدرجة العظمى إلى الأخف، ثم إلى تركها بالكلية، فقوله عليه الصلاة والسلام: «اجْتَنِبوه»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧ / ١٣٠) من حديث أبي هريرة. ]]، لكن ما هو الطريق لاجتنابه؟ هو هذا الذي نقول، الطريق لاجتنابه هو هذا الذي نقول، ولذلك الآن عندما تنهى إنسان عن منكر (...). الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام فيه وهو مكة؛ لقوله: ﴿هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ والإشارة هنا للقريب، ثم إن قوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ فيه إظهار لفضل الله تبارك وتعالى على ساكني هذه القرية حيث جعل الله هذه القرية حرامًا. قال: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: المنقادين لحكم الله، ولا منافاة بينه وبين العبادة فيما سبق ﴿أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾؛ لأنه الأصل العبادة شيء، والإسلام في جميع الشريعة شيء آخر. ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾: تلاوة لفظية تقوم بها الحجة عليكم، وتلاوة عملية تطبيقية يتبين بها أنني لست بمبالٍ بمن يخالفني في هذا الأمر. وقوله: ﴿الْقُرْآنَ﴾ هو هذا الذي نزل عليه ﷺ، وبعد تلاوة القرآن. (﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ له) كذا عندكم؟ فمن اهتدى له ولَّا به؟ * طلبة: له. * الشيخ: له؟ (﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ له). ولكن على تفسير المؤلف يصير ﴿اهْتَدَى﴾ بمعنى (انقاد)؛ لأن ﴿اهْتَدَى﴾ ما تتعدى باللام، تتعدى بالباء (اهتدى به)، لكنه ضمّنه بمعنى انقاد، وتضمينه معنى الانقياد ليشمل هداية العلم، وهداية التوفيق، الذي يهتدي وينقاد له. (﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾؛ أي: لأجلها، فإن ثواب اهتدائه له) صحيح، من اهتدى بهذا القرآن وانقاد له فالمصلحة لمن؟ ليست لله عز وجل؛ لأن الله غني عنه، وليست لفلان ولا لفلان؛ لأن كل نفس ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة ٢٨٦]. إذن فهو لنفسه، وإن كان ينتفع الداعي بذلك أيضًا انتفاع الدال؛ فإن الدال على الخير كفاعله، لكن أصل الثواب لمن؟ للفاعل، أصل الثواب للفاعل، فلا يقال مثلًا: إن الرسول ﷺ يدعو الناس ليهتدوا فيكون له أجر، بل قصده عليه الصلاة والسلام الأول هو نفع الخلق، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾، وإن كان النبي عليه الصلاة والسلام ينتفع باهتدائه فهو تبع. (﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن الإيمان وأخطأ طريق الهدى ﴿فَقُلْ﴾ له ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ). المؤلف: قدّر له بمن اهتدى، وقدّر هنا: (﴿فَقُلْ﴾ له)، والسبب أنه يُقدّر هنا لأجل أن يرتبط الجواب بالشرط؛ لأن قوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى﴾ اهتدى لأي شيء؟ بالقرآن الذي أتلوه. وهنا ﴿مَنْ ضَلَّ﴾: ﴿مَنْ﴾ شرطية، ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ما يمكن يكون قل: ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾، جوابًا لقوله: ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ إلا إذا كان فيه ضمير يعود عليه، ولهذا قدّره بقوله: (﴿فَقُلْ﴾ له ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ). فإذا قال قائل: ما هي الحكمة في حذفه؟ قلنا: الحكمة في حذفه العموم؛ يعني ﴿فَقُلْ﴾ له ولغيره: ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾. يعني معناه أن هذه الجملة التي هي وصف ثابت للرسول ﷺ ليست خاصة بمن يضل، بل من يضل ومن لا يضل، يُقال له: إن الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾، ومعنى المنذر: المخوِّف. قال: (المخوّفين فليس عليَّ إلا التبليغ). وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا﴾، ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. فإذا قال قائل: هذا يفيد اختصاص الرسول ﷺ بالإنذار، مع أن الله يقول: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة ١١٩]. قلنا: لكن لكل سياق ما يناسبه من اللفظ، فهنا المخاطب مَن؟ * طالب: المنكرون. * الشيخ: قوم منكرون، فكان ذكر جانب التخويف في حقهم أولى من الجمع بينه وبين التبشير. قال: (وهذا قبل الأمر بالقتال)، والمؤلف -رحمه الله- يسلك هذا المسلك كثيرًا في مثل هذه الآية، ويقول: إنه قبل الأمر بالقتال، وهذا يتضمن أن تكون الآية منسوخة، لا يعمل بها، ولكن هذا قول في غاية الضعف، والصواب: أن هذا يقال حتى بعد الأمر بالقتال. فالنبي عليه الصلاة والسلام أيش عليه؟ عليه الإنذار والتبليغ، وليس عليه الهداية، والرسول عليه الصلاة والسلام يقرأ في كل جمعة غالبًا أو كثيرًا يقرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١، ٢٢] ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية ٢٥، ٢٦]، وكيف تكون مثل هذه الآيات التي تكرر على المسلمين في جمعاتهم تكون منسوخة؟ ثم إن النسخ ليس بالأمر الهين دعواه؛ لأنه ويش معناه؟ معناه إبطال دلالة الآية أو الحديث، وهذا يتضمن الاعتداء على الله سبحانه وتعالى وعلى رسوله، ولهذا يجب على الإنسان أن يحترز غاية الاحتراز من دعوى النسخ، وإذا عجز عن الجمع فيقول: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة ٣٢]، لكن المؤلف -رحمه الله- وغيره كثير من أهل العلم إذا عجزوا عن الجمع قالوا: هذا منسوخ. وهذا مسلك ليس بجيد، وليس بسديد، وليس بصواب، بل هو خطير، وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- أن المنسوخ في الشريعة لا يتجاوز عشرة أحكام. ولو سلكنا ما سلكه المؤلف لكان المنسوخ عشرات الأحكام، أو ربما يبلغ المئة، وفي هذا خطأ عظيم. فالصواب أن هذا القول: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ يقال: حتى الآن، وحتى بعد الأمر بالقتال فهو منذر، لكن هذا الإنذار لا يقتضي ألا يقوم بما يجب عليه من الجهاد، يقول: أنا منذر فليس عليَّ هداكم، وهداكم على الله سبحانه وتعالى، وأما مسألة الأمر بالقتال، فهذا شيء ممكن حتى مع هذا القول. فالصواب في هذه المسألة: أن الآية محكمة، هذه وغيرها محكمة، وغيرها من أمثالها محكم، ولا يجوز دعوى النسخ فيه؛ لأن أهم شروط النسخ، أو من أهمه: تعذّر إمكان الجمع، وإذا أمكن الجمع فلا نسخ؛ لأن النسخ -كما سمعتم- هو عبارة عن إبطال مدلول الآية أو الحديث، وهذا أمر ليس بالهين؛ يجي حديث وتمسح عليه، فمعنى المسح ضربنا عليه. * طالب: (...). * الشيخ: بلى، من الشروط. * الطالب: هل يُشترط أن فيه قرينة تدل على النسخ (...)؟ * الشيخ: لا ما هو بشرط هذا، المهم أنه إذا تعذر الجمع، وعلم التاريخ فالمتأخر ناسخ. يقول: ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ هي بالكسر ولا بالفتح؟ * طالب: بالكسر، منذِرِين. * الشيخ: لأنها اسم فاعل، فهو (منذِر)، والناس (منذَرون). ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل ٩٣] معطوف على قوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ﴾؛ لأنه على تفسير ﴿قُلِ﴾؛ يعني ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وهذه الجملة للثناء على الله تبارك وتعالى، وقد أثنى الله على نفسه في ابتداء الخلق، وفي انتهائه، وفي ابتداء إنزال القرآن، وفي مقام التعظيم للرسول عليه الصلاة والسلام، في إنزال القرآن، وما أشبهه. فهنا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، (...) عليه؟ على كمال صفاته وبيان آياته. ومنها ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾. ﴿سَيُرِيكُمْ﴾ والإراءة أبلغ من البيان؛ لأنه قد يكون الشيء بينًا، وتعمى عنه الأبصار، ولكن الإراءة أبلغ؛ إذ كل مرئي فهو بيِّن، وليس كل بيّن مرئيًّا. و(السين) في قوله: ﴿سَيُرِيكُمْ﴾: تفيد فائدتين؛ الفائدة الأولى: قرب هذا الأمر، والفائدة الثانية: تحقّقه؛ فهي تفيد التحقيق والتقريب. ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾: والإراءة هنا بصرية، وهي لما كانت معداة بالهمزة تنصب مفعولين؛ فالمفعول الأول الكاف، والمفعول الثاني ﴿آيَاتِهِ﴾. وقوله: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ هل المراد بآيات الله هنا الآيات الدالة على صدق ما أخبر به في القرآن، فتكون الآيات الكونية أو هي أشمل من ذلك؟ الظاهر أنها أشمل من ذلك؛ أنها تشمل الآيات الدالة على صدق ما وعد به رسوله وتوعّد به أولئك، وكذلك أيضًا الآيات الشرعية الدالة على كمال شريعته. وقوله: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ أيضًا أبلغ من الإراءة؛ لأنني قد أُري الإنسان شيئًا ولكن لا يعرفه، وهنا قال: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾. فعندنا بيان وإراءة ومعرفة؛ أعلاها المعرفة، ثم الإراءة، ثم البيان. قوله: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ نتيجة هذا أن تقوم عليكم الحجة؛ لأنهم إذا أُروا الآيات حتى عرفوها قامت عليهم الحجة. قال المؤلف رحمه الله: (فأراهم الله يوم بدر القتل، والسبي، وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، وعجَّلهم الله إلى النار) هذه من جملة الآيات التي أراهم إياها، وإلا فقد أراهم الله تعالى انشقاق القمر قبل بدر، فإنهم طلبوا آية من الرسول ﷺ «فأشار إلى القمر فانفلق فلقتين» حتى شاهدوه بأعينهم، فقالوا: سحرنا محمد، فاسألوا الركبان الذين يقدمون إلى مكة، هل شاهدوا ذلك أم لا؟ فسألوهم، فأخبروهم بأنهم شاهدوا ذلك[[أخرجه الترمذي (٣٢٨٩) من حديث جبير بن مطعم، والحديث أصله متفق عليه؛ البخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠ / ٤٣) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]. وقد أنكر قوم هذه الآية؛ انشقاق القمر، ومنهم محمد رشيد رضا، وأظن شيخه كذلك محمد عبده، وهذا خطأ فاضح والعياذ بالله؛ لأن الأحاديث فيه متواترة، وإشارة القرآن إليه ظاهرة: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١]. هم حرّفوا القرآن فقالوا: انشق القمر أي: بان ضياء الحق والنور بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا بلا شك تحريف للقرآن، وتكذيب بما تواترت به السنة، الصواب الذي لا شك فيه، وهو من معتقدات أهل السنة والجماعة أن القمر انشق. وقولهم: إنه لو انشق لكان أمرًا عالميًّا، وكان له ذِكْر في التاريخ؛ لأنه أمر عالمي حيث إن القمر آية أفقية كل يشاهدها، وحيث إن هذه الحال للقمر حال غريبة خارجة عن العادة، فالهِمم تتوافر على أي شيء؟ * طالب: على نقله. * الشيخ: على نقله، ولا بد أن تُذكر في التواريخ، في تاريخ الهند، والروم، والفرس، وما أشبه ذلك. فنقول: تبًّا لكم أن تجعلوا ما أخبر الله به موضعًا للشك؛ لأن هؤلاء لم يذكروه، بل لو ذكروا أنه لم يقع لقلنا: كذبتم وصدق الله. وأيضًا الجواب على هذا أن نقول: لا يلزم إذا انشق القمر حتى رآه أهل مكة ومن بقربهم أن يراه الناس جميعًا؛ لأن نصف الكرة الأرضية لا يمكن أن يروه، لماذا؟ لأنه غائب عنهم، هذه واحدة. القرى المقابلة التي هي سطح الأرض لأهل مكة، ومن حولهم قد يكون أتاهم في منتصف الليل أو في آخر الليل، أو عندهم غيوم مانعة أو ما أشبه ذلك، فالموانع كثيرة، موانع الرؤية له كثيرة، ولكن ما يهمنا أن يروه أو لا يروه، أو يدوّنوه في تواريخهم أو لا يدوّنوه. وتكذيب القرآن بمثل هذه الأمور أو السنة المتواترة بمثل هذه الأمور هذا في الحقيقة إيغال في العقل، أو في العقليات على ما يقولون، فالإنسان ما ينبغي أن يكون عقلانيًّا محضًا، ولا ينبغي أن يكون ظاهريًّا محضًا، بل يجب أن يكون عنده عقل يزن به الأمور، وإذا بانت الأمور الشرعية فإنه لا مجال للعقل. إذن أراهم الله تعالى آيات منها: انشقاق القمر، ومنها أيضًا: أن النبي عليه الصلاة والسلام شهد الناس كلهم أن الحجر يسلم عليه، والشجر يسلم عليه، حتى إنه يقول: «كَانَ حَجَرٌ يُسَلِّمُ عَلَيَّ فِي مَكَّةَ أَعْرِفُهُ»[[أخرجه مسلم (٢٢٧٧ / ٢) من حديث جابر بن سمرة.]]. وكذلك أيضًا: من الآيات ما حصل يوم بدر، حصل من الآيات قتل وسبي، وقتل لمن؟ * طالب: لرؤساء الكفار. * الشيخ: إي، لرؤساء الكفار، ما هو لأطرافهم، لصناديد قريش، وقتل صناديد أعداء النبي عليه الصلاة والسلام آية له؛ لأن ذلك نصر له، ولو كان ما قاله باطلًا، ما كان الله تبارك وتعالى لينصره أبدًا؛ لأن الله ما ينصر الباطل على الحق نصرًا مستمرًّا، ولكن قد يكون للباطل صولة ليمحّص الله المؤمنين، فينتصر أهل الباطل لكنه انتصار مؤقت. كذلك أيضًا السبي؛ سُبي منهم أحد ولَّا لا؟ نعم، سُبي سبعون رجلًا منهم، وذُهب بهم إلى المدينة، وهم أيضًا المسبيّون من أشرافهم. المهم أن هذه الواقعة وقعة بدر أثخنتهم تمامًا، وأذلتهم إذلالًا بالغًا، ولهذا سماه الله تعالى: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال ٤١]؛ لأن الله فرَّق به بين الحق والباطل، وتعلمون أن الناس ينتظرون ماذا يحصل، العرب لما رأوا أن النبي عليه الصلاة والسلام وهم قلة ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا غلبوا حوالي ألف من قريش كاملي العِدة والعدد كثير، عرفوا أن أمر الرسول ﷺ سيظهر. كذلك أيضًا: ﴿الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال ٥٠]، هل هذا ورد في بدر ولَّا ورد في الكفار مطلقًا؟ * طالب: جميعًا (...). * الشيخ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: طيب، لكن في بدر: هل ذُكر أن الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال ١٢]، ما فيه (...) الوجوه والأدبار، فيه أنهم يُضرب فوق الأعناق؛ يعني تُضرب أعناقهم، ويُضرب منهم كل بنان؛ يعني الأيدي، فهذا هو الظاهر. وأما ما ذهب إليه المؤلف فلا أعرف في ذلك سُنّة أيضًا بيَّنت هذا، وإن كان المؤلف له وجهة نظر في أن الملائكة تضرب وجوههم إذا أقبلوا على المسلمين، وتضرب أدبارهم إذا أدبروا عن المسلمين، لكن ما دام أن هذا لم يرد فالأولى الاقتصار على ما ورد، وهو أن الله قال لهم: ﴿اضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ ما قال: (اضربوا وجوههم وأدبارهم). إلا أن يقول قائل: إن قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ يشمل هؤلاء فإنهم من الكفار، فهم عند الوفاة يضربون وجوههم وأدبارهم، فإن أراد المؤلف بهذا ما تصير إليه عموم الآية فهو مفروض. قال: (وعجَّلهم الله إلى النار)، كيف عجّلهم إلى النار؟ * طالب: عجلهم إلى النار؛ لأن عذاب القبر (...)، حين يموت الإنسان فهو في عذاب القبر. * الشيخ: يعني معناه عجّلهم الله قبل موت الرسول عليه الصلاة والسلام، حصل لهم هذا الأمر وتعجّلوا إلى النار. قال: (﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ بالياء والتاء)؛ أي: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾، و﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ قراءتان سبعيتان. (وإنما يمهلهم بوقتهم). قوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ هذه الجملة المقصود بها التحذير والتسلية؛ تحذير هؤلاء المكذبين، وتسلية الرسول ﷺ. وفيها: أن من صفات الله أنها صفة من الصفات السلبية، وقد مر علينا أن الصفات السلبية تتضمن أمرين: نفي الصفة المذكورة، وإثبات كمال ضدها؛ فالله تعالى لا يغفل، لأيش؟ لكمال علمه ومراقبته؛ كامل العلم وكامل المراقبة: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب ٥٢]. انتهت السورة ولم نأخذ فوائد الدرس الماضي، نأخذها الآن: أولًا: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾. * يستفاد منها: أن المدار في العقاب على السيئات هو المجيء بها يوم القيامة، لا مجرد العمل؛ قد يعمل الإنسان السيئة، وتُكفّر أو يتوب منها، ولكن العبرة بالمجيء. * الفائدة الثانية: إثبات عذاب النار؛ لقوله: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾، والعياذ بالله. * الفائدة الثالثة: بيان شدة العقوبة -والعياذ بالله- بهؤلاء، حيث يكبون على وجوههم في النار، والوجه أشرف الأعضاء، وإهانته أعظم من إهانة غيره. لو أن أحدًا صفعك على خدك أو ضربك في رجلك، أيهم أشد إهانة؟ الوجه أشرف، ولهذا كان إكبابهم على وجوههم في النار -والعياذ بالله- أشد وأبلغ في الإهانة وفي العذاب. * الفائدة الرابعة: كمال عدل الله عز وجل؛ لقوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، يعني ما ظلمناكم أنتم الذين ظلمتم أنفسكم فعملتم ما استحققتم به هذا العذاب. * الفائدة الخامسة: أن عذاب أهل النار -والعياذ بالله- عذاب نفسي وبدني؛ بدني حيث تُكبّ وجوههم في النار، نفسي حيث يُوبّخون ويقرّعون ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ما ظنك بمن يقال له مثل هذا؟ تجده مثلًا يمتلئ خجلًا، ويمتلئ أيضًا ندمًا؛ يقول: ليتني ما عملت، ليتَ وليتَ، ولكن ﴿أَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ ٥٢]. فإذن يجمع لهم -والعياذ بالله- بين العذاب البدني والعذاب النفسي، وقد ذكر الله تعالى في سورة (المؤمنون) أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٧]، وهم لو أخرجوا منها لعادوا لظلمهم ما فيها إشكال، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨]، لكن يقولون هذا من شدة ما يجدون. فكان الجواب -والعياذ بالله- أعظم جواب في الإهانة: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، والعياذ بالله هذا جواب في غاية الإهانة والصغار والذل، وقد ذُكِر أن الله تعالى لا يُكلمهم إلا بعد مدة طويلة، يكلمهم بهذا الكلام الذي لا خير فيه لهم، بل هو تيئيس من كل خير، ومن كل فرج، نسأل الله العافية. ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ يعني: اندحروا، وذلوا، وتلحقكم المهانة والإهانة، ومع ذلك لا تكلمون؛ لستم أهلًا لأن تكلمون، نسأل الله العافية، فإذن يُجمع لأهل النار بين العذابين البدني والنفسي. ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٩١]. * في هذه الآية من الفوائد؛ أولًا: وجوب إعلان الرسول عليه الصلاة والسلام بما ذُكر؛ لأنه على تقدير: قل ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ﴾، وهو واجب عليه أن يُعلن ذلك لأجل أن يكون قدوة فيه. * ثانيًا: قوله: ﴿أَنْ أَعْبُدَ﴾ وجوب العبادة على النبي عليه الصلاة والسلام. * طالب: على الجميع. * الشيخ: لا، على النبي ﷺ ﴿أَنْ أَعْبُدَ﴾، ما يُقال: إن التكاليف تسقط عن الأنبياء والأولياء، بل تجب على النبي ﷺ كما تجب على غيره، ويجب عليه هو عليه الصلاة والسلام أن يشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، هذا مقتضى الإسلام. * الثالث: بهذا نعرف بطلان ما ادَّعاه أهل من يُزعم أنهم أولياء، أو أصحاب من يُزعم أنهم أولياء؛ حيث قالوا: إن الولي يصل إلى درجة يسقط بها عنه التكليف. وهذا موجود عند الصوفية وغيرهم؛ يقولون: الإنسان هذه العبادات التي نُكلَّف بها وسائل إلى غاية، الغاية اليقين ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر ٩٩]، فإذا وصل الإنسان إلى اليقين سقطت عنه العبادة، وصار لا يجب عليه صلاة، ولا زكاة، ولا صوم، ولا حج، ولا يحرم عليه نكاح أحد، يتزوج من شاء من ذكور وإناث -والعياذ بالله- ومن عدد صغير وكبير، حتى إنا نسمع عنهم الآن في إفريقيا، الواحد منهم له خمسون امرأة، عدّوا النبي عليه الصلاة والسلام، خمسون امرأة، وأيضًا ما يتزوج بعقد، إذا اشتهى امرأة أرسل إلى أبيها وقال: خلِّ بنتك زوجة لي، أريدها زوجة لي، ولا أحد يتمكن من أن يعارض؛ لأنهم يزعمون أنهم وصلوا إلى غاية لا يحتاجون معها إلى تكليف. وإذا كان الرسول ﷺ أُمِر أن يعبد الله، فغيره من باب أولى. * طالب: (...). * الشيخ: بلى، هم (...) الكفار والعياذ بالله. * طالب: يجعلون الولي أعلى من النبي؟ * الشيخ: هذا ما هو بصحيح لو زعموه، هذا أيضًا من الكذب. * أيضًا من فوائد هذه الآية: أنه فضائل مكة، فضيلة مكة من وجهين: من إضافة الربوبية إليها: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾، ومن كونه تعالى حرَّمها: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾؛ ففيه فضيلة مكة على سائر البلاد. ولها فضائل كثيرة لو لم يكن منها إلا أن خصها من أركان الإسلام، خصها للعبادة من أركان الإسلام؛ الحج ركن من أركان الإسلام، ما فيه أي بلد في العالم يكون القصد إليه فرضًا أبدًا، ولا سنة إلا المدينة، أيش بعد؟ والمسجد الأقصى. * الفائدة الرابعة: أن الذي حرم مكة هو الله؛ لقوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾. فإذا قال قائل: ألا يعارض ذلك ما ثبت عن رسول الله ﷺ من قوله: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٢٩)، ومسلم (١٣٦٠ / ٤٥٤) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم.]]؟ قلنا: لا؛ لأن معنى قوله: «حَرَّمَ مَكَّةَ» أي: أظهر تحريمها وأبانه، وإلا فالذي حَرَّمها مَنْ؟ الله. ولهذا نقول مثلًا: إن الرسول ﷺ حرم الميتة، والخمر، والخنزير؛ يعني أظهر تحريمه وأبانه، وإن كان الذي حرمه هو الله. فالمهم أنه هنا لا منافاة بين قوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ وقول الرسول ﷺ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ»، والجمع بسيط وواضح. * طالب: والمدينة حرَّمَها الله؟ * الشيخ: إي نعم، حرَّمَها الله. * الفائدة الخامسة: أن كل شيء فهو ملك لله؛ مكة وغيرها؛ لقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. * الفائدة السادسة: الرد على المعتزلة القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله؛ فإنه على قولهم يخرج بعض الأشياء عن ملك الله، والله تعالى يقول: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. * الفائدة السابعة: بلاغة القرآن؛ لأنه لما قال: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾، فإن أحدًا يفهم أن ربوبية الله تعالى خاصة في هذا المكان، فاحترازًا من هذا الفهم الخاطئ أعقبه بقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾، وهذا من بلاغة القرآن. هل تدخل مكة في قوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: ولَّا ما تدخل؟ هذه المسألة مُختلف فيها عند الأصوليين؛ يعني إذا ذُكر الخاص مع العام، فهل التنصيص عليه مُخرج له من العموم؟ فيكون ذكر مرة، لكن نصّ عليه لشرفه مثلًا، والعناية به، أو أنه لا يُخرجه من العموم فيكون ذُكر مرتين؛ مرة بصيغة التخصيص ومرة بصيغة التعميم، فما هو المتبادر للذهن؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر ٤]، وأيش يتبادر للأذهان؟ * طالب: الروح الملائكة. * الشيخ: نعم، الروح الملائكة وجبريل، لكن يتبادر إلى الذهن –في ذهني أنا- أنه إذا ذكر الخاص بعد العام أو قبله أنه ما أريد دخوله في العام. عندما تقول: جاء الطلبة وعلي. وهو من الطلبة، معروف أنه من هم الطلبة، أنت تفهم أنه خرج عنهم لما نص عليه، وكفى بذلك فخرًا أن يُفرد من بين العموم، ويُنص عليه في الحكم. لكن أولئك يقولون: إنه ذكر مرتين؛ مرة بطريق العموم، ومرة بطريق الخصوص، ولكنه فيما أظن ويتبادر إليَّ أنه ليس كذلك، نعم، لو ذكر العموم في موضع آخر، ولم يذكر الخصوص فلا شك أنه داخل في العموم. * طالب: (...). * الشيخ: إي، على القول بأنه إذا ذكر الخاص يكون عامًّا مخصوصًا. * الطالب: (...). * الشيخ: توكيد. * الطالب: (...). * الشيخ: إلا، وعلى كل الذي يقول بهذا، يظن أنه توكيد، لكن بس مو توكيد مطابق، توكيد بالعموم. * الفائدة التاسعة: أنه لا يجوز لأحد أن يحكم بغير ما أنزل الله؛ لقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾؛ لأن من جملة الأشياء الحكم بين العباد، بل هو من أعظم الأشياء، فإذا كان ذلك لله، فلا يجوز لأحد أن يستقل به، ما يجوز لأحد أن يستقل به؟ ومن أراد أن يستقل به فقد حاول أن يكون شريكًا لله تعالى في ذلك، ونزَّل نفسه منزلة لا يستحقها. إذن أمر التحليل والتحريم والإيجاب إلى مَنْ؟ إلى الله؛ لأن ﴿لَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. أمر التحسين والتقبيح؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، الصواب نعم إلى الله؛ لأن بعض الأشياء ما نعرف عن حسنها وقبحها إلى من الله، لكن أيضًا للعقل مجال في هذا؛ ولذلك: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة ٤٤] أيش بعدها؟ * الطلبة: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. * الشيخ: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ دلّ هذا على أن العقل يُحسّن ويقبِّح، فإن هذا من القبيح. لَا تَنْــــهَ عَـــــنْ خُلُـــــقٍ وَتَأْتِيَمِثْلَـــــــــــهُ ∗∗∗ عَــــــارٌ عَلَيْـــــكَ إِذَا فَعَلْــــــتَعَظِيـــــــــمُ فالعقل يُحسِّن ويُقبِّح، لكنه لا يُوجب ويُحرِّم، الإيجاب والتحريم إلى الله، وأما التحسين والتقبيح فيُحسِّن ويُقبِّح؛ ولهذا يُحيل الله تعالى أشياء كثيرة إلى العقل، فدل ذلك على أن للعقل أن يُحسِّن ويُقبِّح، ولكن من الأشياء ما لا يُعلم حسنه وقبحه إلا بطريق الشرع. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة، مسألة التقبيح والتحسين العقلي، صار فيها نزاع طويل بين أهل السنة والجماعة وبين أهل البدع؛ منهم من قال: لا يُحسِّن ولا يُقبِّح، والغريب أن هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة. قال الفتوحي في كتاب مختصر التحرير في أصول الفقه: العقل لا يُحسِّن ولا يُقبِّح، ولا يُوجِب ولا يُحرِّم. نقول: أما قوله: وما يُوجب ولا يُحرّم؛ فهذا صحيح، وأما لا يُحسِّن ولا يُقبِّح؛ فهذا ليس بصحيح. يروى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحًا فهو عند الله قبيح»[[أخرجه أحمد في المسند (٣٦٠٠).]]، وربما يشهد لهذا قول الرسول ﷺ: «الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٥٣ / ١٥) من حديث النواس بن سمعان. ]]؛ لأن هذا دليل على أن الإنسان؛ لكن الإنسان اللي صَفَت سريرته وخلصت نيته، هذا ما يطمئن للإثم أبدًا، أما الإنسان الفاسق؛ فالفاسق تعرفون أن الزبّال لا تهمه الزبالة ولَّا لا؟ لكن العطار إذا قعد عند زبالة؟ ما يمكن يجلس. فالإنسان اللي صفت سريرته، وخلصت نيته، وعلم الله منه حُسن القصد يُوفَّق، وتجده إذا عمل السيئة لو هو ما يدري أنها سيئة ما تطيب نفسه، ولا تستقر، ولهذا قال: «الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ»[[أخرجه أحمد في المسند (١٨٠٠٦) من حديث وابصة بن معبد الأسدي.]]. لكن هذا من نخاطِب به؟ كل الناس؟ لا، صاحب القلب الصافي والإيمان الخالص، أما الناس المنهمكون في هذا، فلا يُخاطَبون بالمثل. * طالب: (...) يعني العقل (...) العرف (...). * الشيخ: لا، العقل، العرف ما له دخل. * الطالب: يعني تحسين عقل.. * الشيخ: الآن العُرف يُحسِّن أشياء قبيحة. * الطالب: الزبال يستحسن الزبالة، والعطار لا يستحسنها. * الشيخ: لا، هذا ما هو ما يستحسنها، ربما أن العقل يستحسن الزبالة إذا صارت طريقًا للكسب، لكن نفسيته ما ترتاح لها الإنسان؛ لأنها مؤذية برائحتها، العُرف ما يصلح؛ لأن العرف هذا.. الناس الآن، وقبل الآن، يمكن يستقبحون الحسن، ويستحسنون القبيح. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، معلوم، حتى المسلم الخالص، الرسول قال: «مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ». * من فوائد الآية أيضًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام مأمور بأن يكون من المسلمين ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. * الحادية عشرة: أن الإسلام والإيمان شيء واحد؛ لأن قوله: ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ لا شك أن ما أُمر به هو أعلى الحالات؛ وهو الإيمان. ولكن هذه المسألة وهي هل الإسلام الإيمان أو لا؟ فيها أيضًا عراك بين أهل السنة والجماعة أنفسهم والأشاعرة. والصواب أن يُقال: إن الإسلام عند الإطلاق يشمل الإيمان، والإيمان عند الإطلاق يشمل الإسلام. وأما عند التقييد، وأن يُقرن بينهما، فإنه يكون الإيمان: ما وقر في القلب، والإسلام: ما قامت به الجوارح؛ لأن الإسلام من الاستسلام؛ وهو عدم المعارضة، بل الموافقة، فالمنافقون الذين لا يبدون المعارضة نسميهم مسلمين، لكن ما نسميهم مؤمنين؛ لعدم وجود الإيمان في قلوبهم. ومن الناس من يكون وسطًا: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ١٤] ﴿لَمَّا يَدْخُلِ﴾ ما قال: (لم يدخل)؛ ليفيد أن الإيمان قريب الدخول في قلوبهم، لكنه لم يدخل، إنما هو قريب، والإيمان من المنافقين بعيد، هم ينفرون منه، لو قرب إليهم نفروا منه، لكن هؤلاء الأعراب ما بعد دخل الإيمان في قلوبهم إلا أنه قريب: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. إذن الصواب في هذه المسألة: أن الإيمان هو الإسلام، إذا اقترنا أيش؟ افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. * طالب: (...) بين أن الإيمان هو الأعمال الظاهرة. * الشيخ: إي نعم، الإيمان؛ لأنه داخل فيه، وهو إذا اقترن مع الإسلام فُسِّر هذا بهذا، وهذا بهذا، أما عند الإطلاق فيدخل فيه. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، مسلمون ظاهرًا. * طالب: منقادون؛ يعني ما يأتون (...). * الشيخ: لا؛ لأن الرسول أراد أن يُفسِّر ذلك بالأعمال الظاهرة المبنية على الإخلاص، والأعمال الظاهرة عند المنافقين ما هي مبنية على الإخلاص، ولهذا يجدونهم يُصلون مع الناس، ويذكرون الله سبحانه وتعالى في صلاتهم، لكن هم ما يذكرون الله إلا قليلًا، والرسول عليه الصلاة والسلام لم يُفرِّق بينهم وبين أقاربهم في الميراث وغيره، يُورِّث بعضهم من بعض، وأخذ بهذا شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: إن المنافق يرث من المؤمن، والمؤمن يرث من المنافق، واستدل بأن الرسول عليه الصلاة والسلام.. وهذا الذي قاله صحيح إلا أننا نعارضه فيما إذا عُلم نفاقه؛ يعني إذا علم نفاقه ما يجب أن يُورث من المسلم أو يُورَّث المسلم منه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة ٨٤]. * طالب: فيما يعلم أنهم منافقون. * الشيخ: فيهم أناس يعلمهم، وفيه أناس ما يعلمهم. قال: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾. * يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: وجوب تلاوة القرآن بنوعيه، ما هما النوعان؟ * طلبة: اللفظية والعملية. * الشيخ: اللفظية والعملية، وهو واجب على المرء أن يتلو القرآن تلاوة لفظية وعملية، عن ظاهر قلب ولَّا وإن كان نظر؟ * طالب: وإن كان نظر. * الشيخ: وإن كان نظر. * الفائدة الثانية: فضيلة القرآن وشرفه، حيث كان مأمورًا بتلاوته. * الفائدة الثالثة: وجوب تحسين القرآن؛ لقوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾. * الفائدة الرابعة: وجوب تبليغ القرآن على النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾. * الفائدة الخامسة:..

النمل 27:92

قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل ٩٠]. ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾: أي: ما تجزون؛ يعني أن الاستفهام هنا أبلغ من النفي المجرد؛ لأنه يدل على النفي وزيادة؛ فهو مثلًا: ما تجزون إلا ما كنتم تعملون، يدل على أنهم لا يجزون إلا ما كانوا يعملون، لكن ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ يدل على تقرير هذا الأمر، وأنه لا يمكن للإنسان أن يجازى إلا بما كان يعمل، ويكون فيه تقرير وتقريع في نفس الوقت. قال المؤلف: (ويقال لهم تبكيتًا: ﴿هَلْ﴾ أي: ما ﴿تُجْزَوْنَ إِلَّا﴾ جزاء ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الشرك والمعاصي). قوله: (ما ﴿تُجْزَوْنَ﴾ ) تقدم الكلام عليه. وقوله: (﴿إِلَّا﴾ جزاء ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ) هل فيه صرف للفظ عن ظاهره؟ كيف ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، (...). * الطالب: (...). * الشيخ: جزاء ما كنتم، طيب ويش القصد؟ لأن قوله: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يقتضي أن يكون العمل هو الجزاء نفسه، يكون العمل هو الجزاء ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ﴾، ومن المعلوم أن العمل ليس الجزاء، بل الجزاء شيء والعمل شيء آخر، عندما تستأجر إنسانًا يعمل لك، ثم تعطيه الأجرة، فعمله غير أجرته، العامل لله سبحانه وتعالى عمله غير جزائه. فظاهر الآية: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ إن الإنسان يجزى بعمله أو لا؟ لذلك احتاج المؤلف أن يُقدّر هذا المحذوف، (﴿إِلَّا﴾ جزاء ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ) لكن ما في الآية أبلغ؛ لأنه من باب المبالغة في العدل، أن يُجعل الجزاء هو العمل، كأن الجزاء نفسه عملك، مبالغة في العدل، فأنت إذا كنت تريد ثوابًا كثيرًا فاعمل كثيرًا؛ لأن ثوابك عملك. وأما قوله: (﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا﴾ جزاء ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ )، ففيه أيضًا: ركاكة، ما تجزون إلا جزاء العمل؟ معلوم، كلمة ﴿تُجْزَوْنَ﴾ يستفاد منها الجزاء، فلا حاجة إلى تفصيل؛ فالصواب: إبقاء الآية على ما هي عليه، على ظاهرها. ويُفهم أن الذي يعطونه هو الجزاء من قوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾، والتعبير عن الجزاء بالعمل نفسه مبالغة في العدل، بحيث يكون جزاؤك عملك. وقوله: (من الشرك والمعاصي)، هذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وهو الصواب: أن الكافر يُعاقَب على أصل الكفر، وعلى المعاصي أيضًا التي عملها، فالمشرك إذا زنى وسرق وشرب الخمر يعاقب على ذلك، فيعاقب على الأصل والفرع، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر ٤٠ - ٤٦]. فالصلاة والصدقة ليست من الأصول، وإن كان الصواب: أن الصلاة من الأصول، وأن تاركها يكفر، لكن الصدقة ليست من الأصول، حتى الزكاة -على القول الصحيح- لا يكفر تاركها، ومع ذلك ذكروا أنها من أسباب دخولهم النار، ولولا أن لها تأثيرًا في الجزاء ما صارت من الأسباب، وهذا دليل على أنهم أيش؟ يعاقبون على فروع الإسلام كما يعاقبون على أصوله. وعلى هذا، فيعاقبون على معاصيهم التي دون الشرك، وهذا بلا شك كمال العدل؛ لأنه إذا كان المسلم يعاقب عليها فكيف بالكافر؟ هل تكون للمسلم نقمة، وتكون للكافر نعمة؟ لا، بل أبلغ من ذلك الكافر يعاقَب حتى على المباح للمؤمن، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف ٣٢]. يؤخذ من قوله: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أنها لغير المؤمنين ليست خالصة، وأنهم سيجازون عليها، وهذا أيضًا مقتضى النظر؛ إذ كيف يتنعّم الإنسان بنِعم الخالق وهو يعصي الخالق؟ لا بد أن يعاقبه؛ يقول: أنا أحسنت إليك، أطعمتك، سقيتك، كسوتك، أسكنتك، زوَّجتك، وما أشبه ذلك، فيعاقب على هذه النعمة؛ لأنها تحتاج إلى شكر. قال: (قل لهم ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩1]؛ أي: مكة ﴿الَّذِي﴾ ) ما قال: (التي) ليش؟ لأنها صفة لمذكر ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي﴾ ولهذا تُعرِب ﴿الَّذِي﴾ على أنها اسم موصول مبني على السكون في محل نصب، صفة لأي شيء لـ﴿رَبَّ﴾. (﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾؛ أي: جعلها حرمًا آمنًا) جعلها كونًا ولا شرعًا؟ * طالب: (...). * الشيخ: شرعًا، جعلها شرعًا (حرمًا آمنًا). وقوله: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ إضافته الربوبية إليها تفيد الفضل، وأن الله سبحانه وتعالى قد اعتنى بها وشرَّفها. قال: (لا يسفك فيها دم إنسان)، والحديث: «لَا يُسْفَكُ بِهَا دَمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي.]]. وأيهم أعم دم إنسان أو دم؟ دم أعم؛ ولهذا لا يسفك بها دم إنسان، ولا دم صيد، وأما المواشي من الإبل والبقر والغنم وما أشبهها فإن هذا دلت السنة على جوازه. وقوله: (ولا يظلم فيها أحد) هذا ليس خاصًّا بمكة، حتى غير مكة لا يجوز أن يظلم فيه أحد، ولذلك ما جاء في الحديث: (لا يُظلم فيها أحد)، بل قال الرسول: «لَا يُسْفَكُ بِهَا دَمٌ»، فليس من خصائص مكة ألا يظلم أحد، صحيح أن الظلم في مكة أعظم من غيره: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج ٢٥]، أما أن الظلم في غيره مباح فلا. كذلك: (لا يصاد صيدها). * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما تدل عليه؛ لأن هنا: ﴿مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ الباء تدل على أن الفعل مُضمَّن معنى العزيمة الصادقة. * طالب: (...). * الشيخ: ما تضاعف السيئة بمكان تضاعف بالكيفية فقط، لا الكمية، ما هو معناه أن السيئة تكون يجزى عليها سيئتان، وإنما المعنى أنها تكون أعظم، وأن تعرف الفرق بالكيفية، أن كيفية العقوبة تختلف، قد أضرب هذا الإنسان ضربة واحدة، وأضرب الآخر ضربة واحدة وتكون هذه الثانية مؤلمة والأولى غير مؤلمة. قال: (ولا يصاد صيدها) صح هذا ولَّا لا؟ صحيح، وغيرها يصاد. (ولا يختلى خلاها): صحيح، وغيرها يختلى. * طالب: المدينة؟ * الشيخ: المدينة يختلى خلاها إي نعم، يجوز، إنما يحرم الشيء اللي بدون حاجة في المدينة، وأما الذي بحاجة فيجوز، هذا الفرق بينها وبين مكة. (وذلك من النعم على قريش أهلها في رفع الله تعالى عن بلادهم العذاب والفتن الشائعة في جميع بلاد العرب). إذن قوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾: أي: جعلها حرمًا، وجعلها حرامًا، وما قلناه أعم مما قال المؤلف؛ لأن المؤلف يقول: (جعلها حرمًا آمنًا)، ثم ذكر أشياء، فهي حرم، وحرام أيضًا، حرم وحرام. حرم بمعنى أنها محترمة، وحرام بمعنى أنها محرَّمة؛ لهذا من قصدها فإنه يشرع له -بإجماع أهل العلم- ألا يدخلها إلا مسلمًا، وفي وجوبه خلاف معروف. أيضًا من جملة احترامها أن المشركين لا يقربونها، أو لا؟ لا يقربون المسجد الحرام، فيكون الحرم كله محرمًا عليهم؛ لأن دخولهم الحرم من قربان المسجد الحرام، فلهذا كان ذلك احترامًا لهذه البلدة. ومع ذلك يقول الله عز وجل: (﴿وَلَهُ﴾ تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾ فهو ربه وخالقه ومالكه). الجملة الأخيرة فيها فائدة عظيمة؛ لأنه لما قال: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾، قد يتوهم متوهم أنه سبحانه وتعالى تختص ربوبيته بهذه البلدة، فأتى بعد ذلك بالتعميم؛ قال: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. نظير هذا قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد ١٠]، قال بعدها: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، حتى لا يتوهّم متوهّم أن ذلك الفضل خاص بأولئك، فبين أن الجزاء للجميع، وهو الجنة، وإن كانوا لا يستوون. هنا: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾: ربوبية الله عامة لكل شيء، لكن ربوبيته لهذه البلدة أخص من ربوبيته العامة. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو بذكورية؛ يعني قصدنا بالذكورية لفظًا، إنما معناه لا، ما يجوز أن نقول: مذكر، نقول: اللفظ مذكر، إنما الله عز وجل ما يجوز وصفه لا بهذا ولا بهذا. قال: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. ﴿أُمِرْتُ﴾ من أمره؟ ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ﴾ ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. أليست العبادة هي الإسلام؟ الجواب: بلى، العبادة هي الإسلام. لكن هناك قال: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ والعبادة هي التذلل له بالطاعة. ثم قال: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: أن أُحقّق هذه العبادة بالاستسلام التام لأوامر الله تبارك وتعالى. فالإنسان قد يكون عابدًا؛ يعني في الأصل، لكن الانقياد التام بجميع مشروعات الإسلام يستفاد من قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: من المنقادين لله سبحانه وتعالى انقيادًا تامًّا، لا معارضة عندهم ولا استكبار. وفي قوله: ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ دليل على أنه يعني أن هناك مسلمين؛ اليهود والنصارى مسلمون؟ * طلبة: لا. * الشيخ: حين كانت شرائعهم قائمة، فهم مسلمون، ولَّا لا؟ لكن أما بعد أن نُسخت، فإنهم إذا لم يلتزموا بالشريعة الناسخة لم يكونوا مسلمين، فالإسلام هو الدين عند الله في كل زمان ومكان، وبعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام لا إسلام إلا باتباع شريعته، وإلَّا فأصل الإسلام -كما تعرفون- من الاستسلام وهو الانقياد، وهذا يشمل كل انقياد لله سبحانه وتعالى سواء في عصر هذه الأمة أو قبلها، نوح عليه الصلاة والسلام يقول: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل 91]، مثلما قيل للرسول عليه الصلاة والسلام، وقال عن يعقوب: وقال لبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة ١٣٢]، وقالت بلقيس: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل ٤٤]. (﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ عليكم تلاوة الدعوة إلى الإيمان ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾؛ أي: لأجلها؛ فإن ثواب اهتدائه له، ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن الإيمان وأخطأ طريق الهدى ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ). قوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ التلاوة تنقسم إلى قسمين: تلاوة لفظية، وتلاوة معنوية. فالتلاوة الأولى: قراءة القرآن، والتلاوة الثانية: العمل بما جاء به القرآن، مأخوذة من تلا الشيء يتلوه إذا تبعه وصار تلوًا له. فقول الرسول: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ يشمل هذا وهذا، أن أتلوه قراءة، وأن أتلوه اتباعًا، وهو مأمور بذلك؛ يعني فكأنه يقول: سأتلو القرآن عليكم تلاوة قراءة، وأيضًا: سأتلو القرآن تلاوة اتباع، ولا أبالي بمخالفتكم وإعراضكم، بل وهذا ليس للرسول عليه الصلاة والسلام فحسب، بل لكل من اتبع الرسول، يجب عليه أن يتلو القرآن تلاوة لفظية، وقد عُلم أن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة، التي هي من أركان الإسلام. ثانيًا: يجب على المسلم أن يتلو القرآن تلاوة اتباعية، ولا يُبالي بمن خالفه، ولو أننا راعينا شعور الناس، وراعينا عقول الناس، بقي الدين ليس دينًا، بل صار الدين عادة إن تقبّله الناس حسب عاداتهم صار دينًا، وإن لم يقبلوه لم يكن دينًا، والواجب أن يكون الدين بعيدًا عن عادات الناس؛ بمعنى أن يكون الحكم هو القرآن والسنة، لا ما يعتاده الناس فيما يفعلونه من عبادات أو غيرها، خلافًا لبعض الناس الآن الذين يريدون أن يخادعوا الناس فيما هم عليه ولو كان باطلًا، وهذا ليس بصحيح؛ لأننا لو مشينا على هذا الأمر، أو على هذا المنهاج، ما بقي حياة للإسلام؛ فالإسلام يبقى ميتًا، ويموت منه جزء في هذا العصر، ثم يأتي عصر آخر، فيموت منه جزء آخر، وهكذا حتى ينقضي، ولكننا إذا كنا نعمل بالإسلام ونجدّد حسب ما يقتضيه الكتاب والسنة، لا حسب آرائنا، صار ذلك هو القيادة. وأما أن نسكت وندس رؤوسنا في التراب، ونقول: هذه الناس ما يمكن نخالفهم، أو نتهيَّب قول بعض الناس: طلعتم علينا بدين جديد، هذا الدين ما عرفناه من قبل، وما أشبه ذلك، فإن هذا لا ينبغي أن يمنع الإنسان عن قول الحق. ولهذا قوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ تلاوة لفظٍ تقوم به الحجة عليكم، وتلاوة اتباعٍ لا أبالي بمعارضتكم ومخالفتكم، وهذا هو الواجب على كل مسلم في كل مكان. لكن مراعاة الناس؛ بمعنى تدريج الناس حتى يسلكوا الصراط الصحيح، هل يجوز ولَّا لا؟ * طلبة: يجوز. * الشيخ: إي نعم، مراعاة الحال بالتدريج لا بأس به، ولهذا الذي نرى أن الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى بالحكمة يتناول هذا الأمر، وهي نقل الناس إلى الإسلام مرحلة مرحلة. وإن كان بعض الناس يقولون: إن هذا في أول الدعوة، صحيح أن الإسلام تطور، جاءت الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج، حُرّم الخمر على عدة وجوه، الصيام وجب على عدة وجوه. لكن نقول: كما أن هذا في أصل الدعوة، أو في أول الدعوة، هو أيضًا في آخرها، بعْث معاذ متى كان؟ في سنة عشر من الهجرة، ومع ذلك يقول: «ادْعُهُمْ أَوَّلًا، ثُمَّ إِلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِلَى الزَّكَاةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث عبد الله بن عباس.]]، فالرسول رتّب هذا، ما قال: ادعهم إليها جميعًا. فمثلًا لو رأينا إنسانًا مُنهمكًا على فعل معصية، وعرفنا أننا لو قلنا له: أقلِع عنها نهائيًّا أنه ما يتمكن أو أن ينفر، فلا بأس أن ننقله عنها شيئًا فشيئًا بالتدريج؛ لأن هذا كمعالجة المرض، المرض ما يمكن أنك تعالجه مرة واحدة، لا بد من التنقل من شيء إلى شيء حتى يتم استئصال هذا المرض. فهذه المسألة تعود إلى حال الناس، وليس معناها الاستسلام لحال الناس؛ لأن معنى الاستسلام الذي أنكرته قبل هو أن الإنسان يَدَع الناس ولا يعارضهم في الحق، أما هذا ما يَدَعهم، لكنه يُنقّلهم من مرحلة إلى مرحلة حتى يستقيموا؛ فمثلًا: عندما نريد أن نعمل عملًا في الصلاة ليس من عادة الناس، فإن من الحكمة أن نمهّد له بالقول أولًا، ثم إذا علم به الناس واستقر في نفوسهم نقلناهم بعد ذلك إلى الفعل، وهكذا أيضًا غير هذه المسألة. المهم: أن تلاوة القرآن على الناس المعرضين مما أُمر به الرسول عليه الصلاة والسلام، وأُمرت به الأمة كلها أيضًا، ويكون التلاوة هنا لفظًا واتباعًا، ولكن الشأن كله في ألَّا نتخاذل أمام الأمر الواقع، بل يجب علينا أن نكون على وجه أقوى وأشد. * طالب: نقل الإنسان من معصية إلى معصية أخرى. * الشيخ: إلى معصية أخرى؟ * الطالب: أخف منها. * الشيخ: لا، ما يجوز. * الطالب: تدريج.. * الشيخ: كيف؟ مثال ذلك؟ إذا كانت من الجنس ربما نقول، مثلًا لو فرضنا أن إنسانًا مُبتلى بالزنا -والعياذ بالله- وقلنا له: يا أخي، ما لك! الشهوة التي عندك هذه تستطيع أن تعمل، أن تخفّفها بالاستمناء مثلًا، هذا من الجنس ما فيه بأس، لكن واحد يسرق نقول: يا أخي، اترك السرقة، اشرب الخمر أزين لك! هذا ما يمكن. * الطالب: أقصد من جنس الأذى. * الشيخ: إي، اللي من الجنس معناه التخفيف؛ لأنك لو نقلته إلى شيء آخر، فاتجاهه الأول ما يزول في الغالب. * طالب: (...). * الشيخ: والدنيا (...). * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، المعنى، إنه حتى «عَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ»[[أخرجه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨) واللفظ له، وابن ماجه (٤٠١٤) من حديث أبي ثعلبة الخشني.]]، ما هي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه من خاصتك، لكن معنى أنك دَعهم؛ يعني لا تهتم بهم بحيث يشغلونك عما يجب؛ لأن بعض الناس يهتم بهذا الأمر حتى إنه ينشغل بالناس عن نفسه، تجده حتى يصلي، وهو يشعر بأنه يأمر فلانًا، ويتصور أنه مثلًا كأنه يقوله: يلا صلِّ، فهذا هو الذي يُنهى عنه. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة ١٠٥]؛ لأن بعض الناس يفهم أن الإنسان إذا أصلح نفسه ما عليه من إصلاح غيره، ولكن نقول: إن إصلاح غيرك منُوط بك من إصلاح نفسك، أنت مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن إذا ضلوا فإن ضلالهم لا يضرك، بعد أن تقوم بما يجب عليك من الدعوة والأمر. * طالب: (...)؟ * الشيخ: صحيح، (...) يقول؟ لكن التدرج هذا طريق، وليس معنى ذلك أني إذا نقلته من هذا إلى أخف أني أبيح له الأخف، لكنه طريق تدرّج؛ فالتدرج هنا ليس معناه ثبوت الحكم على الدرجة التي نزلناه إليها، ولكن معناه أننا ننقله من الدرجة العظمى إلى الأخف، ثم إلى تركها بالكلية، فقوله عليه الصلاة والسلام: «اجْتَنِبوه»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧ / ١٣٠) من حديث أبي هريرة. ]]، لكن ما هو الطريق لاجتنابه؟ هو هذا الذي نقول، الطريق لاجتنابه هو هذا الذي نقول، ولذلك الآن عندما تنهى إنسان عن منكر (...). الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام فيه وهو مكة؛ لقوله: ﴿هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ والإشارة هنا للقريب، ثم إن قوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ فيه إظهار لفضل الله تبارك وتعالى على ساكني هذه القرية حيث جعل الله هذه القرية حرامًا. قال: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: المنقادين لحكم الله، ولا منافاة بينه وبين العبادة فيما سبق ﴿أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾؛ لأنه الأصل العبادة شيء، والإسلام في جميع الشريعة شيء آخر. ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾: تلاوة لفظية تقوم بها الحجة عليكم، وتلاوة عملية تطبيقية يتبين بها أنني لست بمبالٍ بمن يخالفني في هذا الأمر. وقوله: ﴿الْقُرْآنَ﴾ هو هذا الذي نزل عليه ﷺ، وبعد تلاوة القرآن. (﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ له) كذا عندكم؟ فمن اهتدى له ولَّا به؟ * طلبة: له. * الشيخ: له؟ (﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ له). ولكن على تفسير المؤلف يصير ﴿اهْتَدَى﴾ بمعنى (انقاد)؛ لأن ﴿اهْتَدَى﴾ ما تتعدى باللام، تتعدى بالباء (اهتدى به)، لكنه ضمّنه بمعنى انقاد، وتضمينه معنى الانقياد ليشمل هداية العلم، وهداية التوفيق، الذي يهتدي وينقاد له. (﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾؛ أي: لأجلها، فإن ثواب اهتدائه له) صحيح، من اهتدى بهذا القرآن وانقاد له فالمصلحة لمن؟ ليست لله عز وجل؛ لأن الله غني عنه، وليست لفلان ولا لفلان؛ لأن كل نفس ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة ٢٨٦]. إذن فهو لنفسه، وإن كان ينتفع الداعي بذلك أيضًا انتفاع الدال؛ فإن الدال على الخير كفاعله، لكن أصل الثواب لمن؟ للفاعل، أصل الثواب للفاعل، فلا يقال مثلًا: إن الرسول ﷺ يدعو الناس ليهتدوا فيكون له أجر، بل قصده عليه الصلاة والسلام الأول هو نفع الخلق، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾، وإن كان النبي عليه الصلاة والسلام ينتفع باهتدائه فهو تبع. (﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن الإيمان وأخطأ طريق الهدى ﴿فَقُلْ﴾ له ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ). المؤلف: قدّر له بمن اهتدى، وقدّر هنا: (﴿فَقُلْ﴾ له)، والسبب أنه يُقدّر هنا لأجل أن يرتبط الجواب بالشرط؛ لأن قوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى﴾ اهتدى لأي شيء؟ بالقرآن الذي أتلوه. وهنا ﴿مَنْ ضَلَّ﴾: ﴿مَنْ﴾ شرطية، ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ما يمكن يكون قل: ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾، جوابًا لقوله: ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ إلا إذا كان فيه ضمير يعود عليه، ولهذا قدّره بقوله: (﴿فَقُلْ﴾ له ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ). فإذا قال قائل: ما هي الحكمة في حذفه؟ قلنا: الحكمة في حذفه العموم؛ يعني ﴿فَقُلْ﴾ له ولغيره: ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾. يعني معناه أن هذه الجملة التي هي وصف ثابت للرسول ﷺ ليست خاصة بمن يضل، بل من يضل ومن لا يضل، يُقال له: إن الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾، ومعنى المنذر: المخوِّف. قال: (المخوّفين فليس عليَّ إلا التبليغ). وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا﴾، ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. فإذا قال قائل: هذا يفيد اختصاص الرسول ﷺ بالإنذار، مع أن الله يقول: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة ١١٩]. قلنا: لكن لكل سياق ما يناسبه من اللفظ، فهنا المخاطب مَن؟ * طالب: المنكرون. * الشيخ: قوم منكرون، فكان ذكر جانب التخويف في حقهم أولى من الجمع بينه وبين التبشير. قال: (وهذا قبل الأمر بالقتال)، والمؤلف -رحمه الله- يسلك هذا المسلك كثيرًا في مثل هذه الآية، ويقول: إنه قبل الأمر بالقتال، وهذا يتضمن أن تكون الآية منسوخة، لا يعمل بها، ولكن هذا قول في غاية الضعف، والصواب: أن هذا يقال حتى بعد الأمر بالقتال. فالنبي عليه الصلاة والسلام أيش عليه؟ عليه الإنذار والتبليغ، وليس عليه الهداية، والرسول عليه الصلاة والسلام يقرأ في كل جمعة غالبًا أو كثيرًا يقرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١، ٢٢] ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية ٢٥، ٢٦]، وكيف تكون مثل هذه الآيات التي تكرر على المسلمين في جمعاتهم تكون منسوخة؟ ثم إن النسخ ليس بالأمر الهين دعواه؛ لأنه ويش معناه؟ معناه إبطال دلالة الآية أو الحديث، وهذا يتضمن الاعتداء على الله سبحانه وتعالى وعلى رسوله، ولهذا يجب على الإنسان أن يحترز غاية الاحتراز من دعوى النسخ، وإذا عجز عن الجمع فيقول: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة ٣٢]، لكن المؤلف -رحمه الله- وغيره كثير من أهل العلم إذا عجزوا عن الجمع قالوا: هذا منسوخ. وهذا مسلك ليس بجيد، وليس بسديد، وليس بصواب، بل هو خطير، وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- أن المنسوخ في الشريعة لا يتجاوز عشرة أحكام. ولو سلكنا ما سلكه المؤلف لكان المنسوخ عشرات الأحكام، أو ربما يبلغ المئة، وفي هذا خطأ عظيم. فالصواب أن هذا القول: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ يقال: حتى الآن، وحتى بعد الأمر بالقتال فهو منذر، لكن هذا الإنذار لا يقتضي ألا يقوم بما يجب عليه من الجهاد، يقول: أنا منذر فليس عليَّ هداكم، وهداكم على الله سبحانه وتعالى، وأما مسألة الأمر بالقتال، فهذا شيء ممكن حتى مع هذا القول. فالصواب في هذه المسألة: أن الآية محكمة، هذه وغيرها محكمة، وغيرها من أمثالها محكم، ولا يجوز دعوى النسخ فيه؛ لأن أهم شروط النسخ، أو من أهمه: تعذّر إمكان الجمع، وإذا أمكن الجمع فلا نسخ؛ لأن النسخ -كما سمعتم- هو عبارة عن إبطال مدلول الآية أو الحديث، وهذا أمر ليس بالهين؛ يجي حديث وتمسح عليه، فمعنى المسح ضربنا عليه. * طالب: (...). * الشيخ: بلى، من الشروط. * الطالب: هل يُشترط أن فيه قرينة تدل على النسخ (...)؟ * الشيخ: لا ما هو بشرط هذا، المهم أنه إذا تعذر الجمع، وعلم التاريخ فالمتأخر ناسخ. يقول: ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ هي بالكسر ولا بالفتح؟ * طالب: بالكسر، منذِرِين. * الشيخ: لأنها اسم فاعل، فهو (منذِر)، والناس (منذَرون). ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل ٩٣] معطوف على قوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ﴾؛ لأنه على تفسير ﴿قُلِ﴾؛ يعني ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وهذه الجملة للثناء على الله تبارك وتعالى، وقد أثنى الله على نفسه في ابتداء الخلق، وفي انتهائه، وفي ابتداء إنزال القرآن، وفي مقام التعظيم للرسول عليه الصلاة والسلام، في إنزال القرآن، وما أشبهه. فهنا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، (...) عليه؟ على كمال صفاته وبيان آياته. ومنها ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾. ﴿سَيُرِيكُمْ﴾ والإراءة أبلغ من البيان؛ لأنه قد يكون الشيء بينًا، وتعمى عنه الأبصار، ولكن الإراءة أبلغ؛ إذ كل مرئي فهو بيِّن، وليس كل بيّن مرئيًّا. و(السين) في قوله: ﴿سَيُرِيكُمْ﴾: تفيد فائدتين؛ الفائدة الأولى: قرب هذا الأمر، والفائدة الثانية: تحقّقه؛ فهي تفيد التحقيق والتقريب. ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾: والإراءة هنا بصرية، وهي لما كانت معداة بالهمزة تنصب مفعولين؛ فالمفعول الأول الكاف، والمفعول الثاني ﴿آيَاتِهِ﴾. وقوله: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ هل المراد بآيات الله هنا الآيات الدالة على صدق ما أخبر به في القرآن، فتكون الآيات الكونية أو هي أشمل من ذلك؟ الظاهر أنها أشمل من ذلك؛ أنها تشمل الآيات الدالة على صدق ما وعد به رسوله وتوعّد به أولئك، وكذلك أيضًا الآيات الشرعية الدالة على كمال شريعته. وقوله: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ أيضًا أبلغ من الإراءة؛ لأنني قد أُري الإنسان شيئًا ولكن لا يعرفه، وهنا قال: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾. فعندنا بيان وإراءة ومعرفة؛ أعلاها المعرفة، ثم الإراءة، ثم البيان. قوله: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ نتيجة هذا أن تقوم عليكم الحجة؛ لأنهم إذا أُروا الآيات حتى عرفوها قامت عليهم الحجة. قال المؤلف رحمه الله: (فأراهم الله يوم بدر القتل، والسبي، وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، وعجَّلهم الله إلى النار) هذه من جملة الآيات التي أراهم إياها، وإلا فقد أراهم الله تعالى انشقاق القمر قبل بدر، فإنهم طلبوا آية من الرسول ﷺ «فأشار إلى القمر فانفلق فلقتين» حتى شاهدوه بأعينهم، فقالوا: سحرنا محمد، فاسألوا الركبان الذين يقدمون إلى مكة، هل شاهدوا ذلك أم لا؟ فسألوهم، فأخبروهم بأنهم شاهدوا ذلك[[أخرجه الترمذي (٣٢٨٩) من حديث جبير بن مطعم، والحديث أصله متفق عليه؛ البخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠ / ٤٣) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]. وقد أنكر قوم هذه الآية؛ انشقاق القمر، ومنهم محمد رشيد رضا، وأظن شيخه كذلك محمد عبده، وهذا خطأ فاضح والعياذ بالله؛ لأن الأحاديث فيه متواترة، وإشارة القرآن إليه ظاهرة: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١]. هم حرّفوا القرآن فقالوا: انشق القمر أي: بان ضياء الحق والنور بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا بلا شك تحريف للقرآن، وتكذيب بما تواترت به السنة، الصواب الذي لا شك فيه، وهو من معتقدات أهل السنة والجماعة أن القمر انشق. وقولهم: إنه لو انشق لكان أمرًا عالميًّا، وكان له ذِكْر في التاريخ؛ لأنه أمر عالمي حيث إن القمر آية أفقية كل يشاهدها، وحيث إن هذه الحال للقمر حال غريبة خارجة عن العادة، فالهِمم تتوافر على أي شيء؟ * طالب: على نقله. * الشيخ: على نقله، ولا بد أن تُذكر في التواريخ، في تاريخ الهند، والروم، والفرس، وما أشبه ذلك. فنقول: تبًّا لكم أن تجعلوا ما أخبر الله به موضعًا للشك؛ لأن هؤلاء لم يذكروه، بل لو ذكروا أنه لم يقع لقلنا: كذبتم وصدق الله. وأيضًا الجواب على هذا أن نقول: لا يلزم إذا انشق القمر حتى رآه أهل مكة ومن بقربهم أن يراه الناس جميعًا؛ لأن نصف الكرة الأرضية لا يمكن أن يروه، لماذا؟ لأنه غائب عنهم، هذه واحدة. القرى المقابلة التي هي سطح الأرض لأهل مكة، ومن حولهم قد يكون أتاهم في منتصف الليل أو في آخر الليل، أو عندهم غيوم مانعة أو ما أشبه ذلك، فالموانع كثيرة، موانع الرؤية له كثيرة، ولكن ما يهمنا أن يروه أو لا يروه، أو يدوّنوه في تواريخهم أو لا يدوّنوه. وتكذيب القرآن بمثل هذه الأمور أو السنة المتواترة بمثل هذه الأمور هذا في الحقيقة إيغال في العقل، أو في العقليات على ما يقولون، فالإنسان ما ينبغي أن يكون عقلانيًّا محضًا، ولا ينبغي أن يكون ظاهريًّا محضًا، بل يجب أن يكون عنده عقل يزن به الأمور، وإذا بانت الأمور الشرعية فإنه لا مجال للعقل. إذن أراهم الله تعالى آيات منها: انشقاق القمر، ومنها أيضًا: أن النبي عليه الصلاة والسلام شهد الناس كلهم أن الحجر يسلم عليه، والشجر يسلم عليه، حتى إنه يقول: «كَانَ حَجَرٌ يُسَلِّمُ عَلَيَّ فِي مَكَّةَ أَعْرِفُهُ»[[أخرجه مسلم (٢٢٧٧ / ٢) من حديث جابر بن سمرة.]]. وكذلك أيضًا: من الآيات ما حصل يوم بدر، حصل من الآيات قتل وسبي، وقتل لمن؟ * طالب: لرؤساء الكفار. * الشيخ: إي، لرؤساء الكفار، ما هو لأطرافهم، لصناديد قريش، وقتل صناديد أعداء النبي عليه الصلاة والسلام آية له؛ لأن ذلك نصر له، ولو كان ما قاله باطلًا، ما كان الله تبارك وتعالى لينصره أبدًا؛ لأن الله ما ينصر الباطل على الحق نصرًا مستمرًّا، ولكن قد يكون للباطل صولة ليمحّص الله المؤمنين، فينتصر أهل الباطل لكنه انتصار مؤقت. كذلك أيضًا السبي؛ سُبي منهم أحد ولَّا لا؟ نعم، سُبي سبعون رجلًا منهم، وذُهب بهم إلى المدينة، وهم أيضًا المسبيّون من أشرافهم. المهم أن هذه الواقعة وقعة بدر أثخنتهم تمامًا، وأذلتهم إذلالًا بالغًا، ولهذا سماه الله تعالى: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال ٤١]؛ لأن الله فرَّق به بين الحق والباطل، وتعلمون أن الناس ينتظرون ماذا يحصل، العرب لما رأوا أن النبي عليه الصلاة والسلام وهم قلة ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا غلبوا حوالي ألف من قريش كاملي العِدة والعدد كثير، عرفوا أن أمر الرسول ﷺ سيظهر. كذلك أيضًا: ﴿الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال ٥٠]، هل هذا ورد في بدر ولَّا ورد في الكفار مطلقًا؟ * طالب: جميعًا (...). * الشيخ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: طيب، لكن في بدر: هل ذُكر أن الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال ١٢]، ما فيه (...) الوجوه والأدبار، فيه أنهم يُضرب فوق الأعناق؛ يعني تُضرب أعناقهم، ويُضرب منهم كل بنان؛ يعني الأيدي، فهذا هو الظاهر. وأما ما ذهب إليه المؤلف فلا أعرف في ذلك سُنّة أيضًا بيَّنت هذا، وإن كان المؤلف له وجهة نظر في أن الملائكة تضرب وجوههم إذا أقبلوا على المسلمين، وتضرب أدبارهم إذا أدبروا عن المسلمين، لكن ما دام أن هذا لم يرد فالأولى الاقتصار على ما ورد، وهو أن الله قال لهم: ﴿اضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ ما قال: (اضربوا وجوههم وأدبارهم). إلا أن يقول قائل: إن قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ يشمل هؤلاء فإنهم من الكفار، فهم عند الوفاة يضربون وجوههم وأدبارهم، فإن أراد المؤلف بهذا ما تصير إليه عموم الآية فهو مفروض. قال: (وعجَّلهم الله إلى النار)، كيف عجّلهم إلى النار؟ * طالب: عجلهم إلى النار؛ لأن عذاب القبر (...)، حين يموت الإنسان فهو في عذاب القبر. * الشيخ: يعني معناه عجّلهم الله قبل موت الرسول عليه الصلاة والسلام، حصل لهم هذا الأمر وتعجّلوا إلى النار. قال: (﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ بالياء والتاء)؛ أي: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾، و﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ قراءتان سبعيتان. (وإنما يمهلهم بوقتهم). قوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ هذه الجملة المقصود بها التحذير والتسلية؛ تحذير هؤلاء المكذبين، وتسلية الرسول ﷺ. وفيها: أن من صفات الله أنها صفة من الصفات السلبية، وقد مر علينا أن الصفات السلبية تتضمن أمرين: نفي الصفة المذكورة، وإثبات كمال ضدها؛ فالله تعالى لا يغفل، لأيش؟ لكمال علمه ومراقبته؛ كامل العلم وكامل المراقبة: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب ٥٢]. انتهت السورة ولم نأخذ فوائد الدرس الماضي، نأخذها الآن: أولًا: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾. * يستفاد منها: أن المدار في العقاب على السيئات هو المجيء بها يوم القيامة، لا مجرد العمل؛ قد يعمل الإنسان السيئة، وتُكفّر أو يتوب منها، ولكن العبرة بالمجيء. * الفائدة الثانية: إثبات عذاب النار؛ لقوله: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾، والعياذ بالله. * الفائدة الثالثة: بيان شدة العقوبة -والعياذ بالله- بهؤلاء، حيث يكبون على وجوههم في النار، والوجه أشرف الأعضاء، وإهانته أعظم من إهانة غيره. لو أن أحدًا صفعك على خدك أو ضربك في رجلك، أيهم أشد إهانة؟ الوجه أشرف، ولهذا كان إكبابهم على وجوههم في النار -والعياذ بالله- أشد وأبلغ في الإهانة وفي العذاب. * الفائدة الرابعة: كمال عدل الله عز وجل؛ لقوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، يعني ما ظلمناكم أنتم الذين ظلمتم أنفسكم فعملتم ما استحققتم به هذا العذاب. * الفائدة الخامسة: أن عذاب أهل النار -والعياذ بالله- عذاب نفسي وبدني؛ بدني حيث تُكبّ وجوههم في النار، نفسي حيث يُوبّخون ويقرّعون ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ما ظنك بمن يقال له مثل هذا؟ تجده مثلًا يمتلئ خجلًا، ويمتلئ أيضًا ندمًا؛ يقول: ليتني ما عملت، ليتَ وليتَ، ولكن ﴿أَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ ٥٢]. فإذن يجمع لهم -والعياذ بالله- بين العذاب البدني والعذاب النفسي، وقد ذكر الله تعالى في سورة (المؤمنون) أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٧]، وهم لو أخرجوا منها لعادوا لظلمهم ما فيها إشكال، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨]، لكن يقولون هذا من شدة ما يجدون. فكان الجواب -والعياذ بالله- أعظم جواب في الإهانة: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، والعياذ بالله هذا جواب في غاية الإهانة والصغار والذل، وقد ذُكِر أن الله تعالى لا يُكلمهم إلا بعد مدة طويلة، يكلمهم بهذا الكلام الذي لا خير فيه لهم، بل هو تيئيس من كل خير، ومن كل فرج، نسأل الله العافية. ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ يعني: اندحروا، وذلوا، وتلحقكم المهانة والإهانة، ومع ذلك لا تكلمون؛ لستم أهلًا لأن تكلمون، نسأل الله العافية، فإذن يُجمع لأهل النار بين العذابين البدني والنفسي. ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٩١]. * في هذه الآية من الفوائد؛ أولًا: وجوب إعلان الرسول عليه الصلاة والسلام بما ذُكر؛ لأنه على تقدير: قل ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ﴾، وهو واجب عليه أن يُعلن ذلك لأجل أن يكون قدوة فيه. * ثانيًا: قوله: ﴿أَنْ أَعْبُدَ﴾ وجوب العبادة على النبي عليه الصلاة والسلام. * طالب: على الجميع. * الشيخ: لا، على النبي ﷺ ﴿أَنْ أَعْبُدَ﴾، ما يُقال: إن التكاليف تسقط عن الأنبياء والأولياء، بل تجب على النبي ﷺ كما تجب على غيره، ويجب عليه هو عليه الصلاة والسلام أن يشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، هذا مقتضى الإسلام. * الثالث: بهذا نعرف بطلان ما ادَّعاه أهل من يُزعم أنهم أولياء، أو أصحاب من يُزعم أنهم أولياء؛ حيث قالوا: إن الولي يصل إلى درجة يسقط بها عنه التكليف. وهذا موجود عند الصوفية وغيرهم؛ يقولون: الإنسان هذه العبادات التي نُكلَّف بها وسائل إلى غاية، الغاية اليقين ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر ٩٩]، فإذا وصل الإنسان إلى اليقين سقطت عنه العبادة، وصار لا يجب عليه صلاة، ولا زكاة، ولا صوم، ولا حج، ولا يحرم عليه نكاح أحد، يتزوج من شاء من ذكور وإناث -والعياذ بالله- ومن عدد صغير وكبير، حتى إنا نسمع عنهم الآن في إفريقيا، الواحد منهم له خمسون امرأة، عدّوا النبي عليه الصلاة والسلام، خمسون امرأة، وأيضًا ما يتزوج بعقد، إذا اشتهى امرأة أرسل إلى أبيها وقال: خلِّ بنتك زوجة لي، أريدها زوجة لي، ولا أحد يتمكن من أن يعارض؛ لأنهم يزعمون أنهم وصلوا إلى غاية لا يحتاجون معها إلى تكليف. وإذا كان الرسول ﷺ أُمِر أن يعبد الله، فغيره من باب أولى. * طالب: (...). * الشيخ: بلى، هم (...) الكفار والعياذ بالله. * طالب: يجعلون الولي أعلى من النبي؟ * الشيخ: هذا ما هو بصحيح لو زعموه، هذا أيضًا من الكذب. * أيضًا من فوائد هذه الآية: أنه فضائل مكة، فضيلة مكة من وجهين: من إضافة الربوبية إليها: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾، ومن كونه تعالى حرَّمها: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾؛ ففيه فضيلة مكة على سائر البلاد. ولها فضائل كثيرة لو لم يكن منها إلا أن خصها من أركان الإسلام، خصها للعبادة من أركان الإسلام؛ الحج ركن من أركان الإسلام، ما فيه أي بلد في العالم يكون القصد إليه فرضًا أبدًا، ولا سنة إلا المدينة، أيش بعد؟ والمسجد الأقصى. * الفائدة الرابعة: أن الذي حرم مكة هو الله؛ لقوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾. فإذا قال قائل: ألا يعارض ذلك ما ثبت عن رسول الله ﷺ من قوله: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٢٩)، ومسلم (١٣٦٠ / ٤٥٤) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم.]]؟ قلنا: لا؛ لأن معنى قوله: «حَرَّمَ مَكَّةَ» أي: أظهر تحريمها وأبانه، وإلا فالذي حَرَّمها مَنْ؟ الله. ولهذا نقول مثلًا: إن الرسول ﷺ حرم الميتة، والخمر، والخنزير؛ يعني أظهر تحريمه وأبانه، وإن كان الذي حرمه هو الله. فالمهم أنه هنا لا منافاة بين قوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ وقول الرسول ﷺ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ»، والجمع بسيط وواضح. * طالب: والمدينة حرَّمَها الله؟ * الشيخ: إي نعم، حرَّمَها الله. * الفائدة الخامسة: أن كل شيء فهو ملك لله؛ مكة وغيرها؛ لقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. * الفائدة السادسة: الرد على المعتزلة القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله؛ فإنه على قولهم يخرج بعض الأشياء عن ملك الله، والله تعالى يقول: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. * الفائدة السابعة: بلاغة القرآن؛ لأنه لما قال: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾، فإن أحدًا يفهم أن ربوبية الله تعالى خاصة في هذا المكان، فاحترازًا من هذا الفهم الخاطئ أعقبه بقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾، وهذا من بلاغة القرآن. هل تدخل مكة في قوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: ولَّا ما تدخل؟ هذه المسألة مُختلف فيها عند الأصوليين؛ يعني إذا ذُكر الخاص مع العام، فهل التنصيص عليه مُخرج له من العموم؟ فيكون ذكر مرة، لكن نصّ عليه لشرفه مثلًا، والعناية به، أو أنه لا يُخرجه من العموم فيكون ذُكر مرتين؛ مرة بصيغة التخصيص ومرة بصيغة التعميم، فما هو المتبادر للذهن؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر ٤]، وأيش يتبادر للأذهان؟ * طالب: الروح الملائكة. * الشيخ: نعم، الروح الملائكة وجبريل، لكن يتبادر إلى الذهن –في ذهني أنا- أنه إذا ذكر الخاص بعد العام أو قبله أنه ما أريد دخوله في العام. عندما تقول: جاء الطلبة وعلي. وهو من الطلبة، معروف أنه من هم الطلبة، أنت تفهم أنه خرج عنهم لما نص عليه، وكفى بذلك فخرًا أن يُفرد من بين العموم، ويُنص عليه في الحكم. لكن أولئك يقولون: إنه ذكر مرتين؛ مرة بطريق العموم، ومرة بطريق الخصوص، ولكنه فيما أظن ويتبادر إليَّ أنه ليس كذلك، نعم، لو ذكر العموم في موضع آخر، ولم يذكر الخصوص فلا شك أنه داخل في العموم. * طالب: (...). * الشيخ: إي، على القول بأنه إذا ذكر الخاص يكون عامًّا مخصوصًا. * الطالب: (...). * الشيخ: توكيد. * الطالب: (...). * الشيخ: إلا، وعلى كل الذي يقول بهذا، يظن أنه توكيد، لكن بس مو توكيد مطابق، توكيد بالعموم. * الفائدة التاسعة: أنه لا يجوز لأحد أن يحكم بغير ما أنزل الله؛ لقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾؛ لأن من جملة الأشياء الحكم بين العباد، بل هو من أعظم الأشياء، فإذا كان ذلك لله، فلا يجوز لأحد أن يستقل به، ما يجوز لأحد أن يستقل به؟ ومن أراد أن يستقل به فقد حاول أن يكون شريكًا لله تعالى في ذلك، ونزَّل نفسه منزلة لا يستحقها. إذن أمر التحليل والتحريم والإيجاب إلى مَنْ؟ إلى الله؛ لأن ﴿لَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. أمر التحسين والتقبيح؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، الصواب نعم إلى الله؛ لأن بعض الأشياء ما نعرف عن حسنها وقبحها إلى من الله، لكن أيضًا للعقل مجال في هذا؛ ولذلك: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة ٤٤] أيش بعدها؟ * الطلبة: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. * الشيخ: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ دلّ هذا على أن العقل يُحسّن ويقبِّح، فإن هذا من القبيح. لَا تَنْــــهَ عَـــــنْ خُلُـــــقٍ وَتَأْتِيَمِثْلَـــــــــــهُ ∗∗∗ عَــــــارٌ عَلَيْـــــكَ إِذَا فَعَلْــــــتَعَظِيـــــــــمُ فالعقل يُحسِّن ويُقبِّح، لكنه لا يُوجب ويُحرِّم، الإيجاب والتحريم إلى الله، وأما التحسين والتقبيح فيُحسِّن ويُقبِّح؛ ولهذا يُحيل الله تعالى أشياء كثيرة إلى العقل، فدل ذلك على أن للعقل أن يُحسِّن ويُقبِّح، ولكن من الأشياء ما لا يُعلم حسنه وقبحه إلا بطريق الشرع. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة، مسألة التقبيح والتحسين العقلي، صار فيها نزاع طويل بين أهل السنة والجماعة وبين أهل البدع؛ منهم من قال: لا يُحسِّن ولا يُقبِّح، والغريب أن هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة. قال الفتوحي في كتاب مختصر التحرير في أصول الفقه: العقل لا يُحسِّن ولا يُقبِّح، ولا يُوجِب ولا يُحرِّم. نقول: أما قوله: وما يُوجب ولا يُحرّم؛ فهذا صحيح، وأما لا يُحسِّن ولا يُقبِّح؛ فهذا ليس بصحيح. يروى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحًا فهو عند الله قبيح»[[أخرجه أحمد في المسند (٣٦٠٠).]]، وربما يشهد لهذا قول الرسول ﷺ: «الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٥٣ / ١٥) من حديث النواس بن سمعان. ]]؛ لأن هذا دليل على أن الإنسان؛ لكن الإنسان اللي صَفَت سريرته وخلصت نيته، هذا ما يطمئن للإثم أبدًا، أما الإنسان الفاسق؛ فالفاسق تعرفون أن الزبّال لا تهمه الزبالة ولَّا لا؟ لكن العطار إذا قعد عند زبالة؟ ما يمكن يجلس. فالإنسان اللي صفت سريرته، وخلصت نيته، وعلم الله منه حُسن القصد يُوفَّق، وتجده إذا عمل السيئة لو هو ما يدري أنها سيئة ما تطيب نفسه، ولا تستقر، ولهذا قال: «الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ»[[أخرجه أحمد في المسند (١٨٠٠٦) من حديث وابصة بن معبد الأسدي.]]. لكن هذا من نخاطِب به؟ كل الناس؟ لا، صاحب القلب الصافي والإيمان الخالص، أما الناس المنهمكون في هذا، فلا يُخاطَبون بالمثل. * طالب: (...) يعني العقل (...) العرف (...). * الشيخ: لا، العقل، العرف ما له دخل. * الطالب: يعني تحسين عقل.. * الشيخ: الآن العُرف يُحسِّن أشياء قبيحة. * الطالب: الزبال يستحسن الزبالة، والعطار لا يستحسنها. * الشيخ: لا، هذا ما هو ما يستحسنها، ربما أن العقل يستحسن الزبالة إذا صارت طريقًا للكسب، لكن نفسيته ما ترتاح لها الإنسان؛ لأنها مؤذية برائحتها، العُرف ما يصلح؛ لأن العرف هذا.. الناس الآن، وقبل الآن، يمكن يستقبحون الحسن، ويستحسنون القبيح. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، معلوم، حتى المسلم الخالص، الرسول قال: «مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ». * من فوائد الآية أيضًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام مأمور بأن يكون من المسلمين ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. * الحادية عشرة: أن الإسلام والإيمان شيء واحد؛ لأن قوله: ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ لا شك أن ما أُمر به هو أعلى الحالات؛ وهو الإيمان. ولكن هذه المسألة وهي هل الإسلام الإيمان أو لا؟ فيها أيضًا عراك بين أهل السنة والجماعة أنفسهم والأشاعرة. والصواب أن يُقال: إن الإسلام عند الإطلاق يشمل الإيمان، والإيمان عند الإطلاق يشمل الإسلام. وأما عند التقييد، وأن يُقرن بينهما، فإنه يكون الإيمان: ما وقر في القلب، والإسلام: ما قامت به الجوارح؛ لأن الإسلام من الاستسلام؛ وهو عدم المعارضة، بل الموافقة، فالمنافقون الذين لا يبدون المعارضة نسميهم مسلمين، لكن ما نسميهم مؤمنين؛ لعدم وجود الإيمان في قلوبهم. ومن الناس من يكون وسطًا: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ١٤] ﴿لَمَّا يَدْخُلِ﴾ ما قال: (لم يدخل)؛ ليفيد أن الإيمان قريب الدخول في قلوبهم، لكنه لم يدخل، إنما هو قريب، والإيمان من المنافقين بعيد، هم ينفرون منه، لو قرب إليهم نفروا منه، لكن هؤلاء الأعراب ما بعد دخل الإيمان في قلوبهم إلا أنه قريب: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. إذن الصواب في هذه المسألة: أن الإيمان هو الإسلام، إذا اقترنا أيش؟ افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. * طالب: (...) بين أن الإيمان هو الأعمال الظاهرة. * الشيخ: إي نعم، الإيمان؛ لأنه داخل فيه، وهو إذا اقترن مع الإسلام فُسِّر هذا بهذا، وهذا بهذا، أما عند الإطلاق فيدخل فيه. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، مسلمون ظاهرًا. * طالب: منقادون؛ يعني ما يأتون (...). * الشيخ: لا؛ لأن الرسول أراد أن يُفسِّر ذلك بالأعمال الظاهرة المبنية على الإخلاص، والأعمال الظاهرة عند المنافقين ما هي مبنية على الإخلاص، ولهذا يجدونهم يُصلون مع الناس، ويذكرون الله سبحانه وتعالى في صلاتهم، لكن هم ما يذكرون الله إلا قليلًا، والرسول عليه الصلاة والسلام لم يُفرِّق بينهم وبين أقاربهم في الميراث وغيره، يُورِّث بعضهم من بعض، وأخذ بهذا شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: إن المنافق يرث من المؤمن، والمؤمن يرث من المنافق، واستدل بأن الرسول عليه الصلاة والسلام.. وهذا الذي قاله صحيح إلا أننا نعارضه فيما إذا عُلم نفاقه؛ يعني إذا علم نفاقه ما يجب أن يُورث من المسلم أو يُورَّث المسلم منه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة ٨٤]. * طالب: فيما يعلم أنهم منافقون. * الشيخ: فيهم أناس يعلمهم، وفيه أناس ما يعلمهم. قال: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾. * يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: وجوب تلاوة القرآن بنوعيه، ما هما النوعان؟ * طلبة: اللفظية والعملية. * الشيخ: اللفظية والعملية، وهو واجب على المرء أن يتلو القرآن تلاوة لفظية وعملية، عن ظاهر قلب ولَّا وإن كان نظر؟ * طالب: وإن كان نظر. * الشيخ: وإن كان نظر. * الفائدة الثانية: فضيلة القرآن وشرفه، حيث كان مأمورًا بتلاوته. * الفائدة الثالثة: وجوب تحسين القرآن؛ لقوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾. * الفائدة الرابعة: وجوب تبليغ القرآن على النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾. * الفائدة الخامسة:..

النمل 27:93

قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل ٩٠]. ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾: أي: ما تجزون؛ يعني أن الاستفهام هنا أبلغ من النفي المجرد؛ لأنه يدل على النفي وزيادة؛ فهو مثلًا: ما تجزون إلا ما كنتم تعملون، يدل على أنهم لا يجزون إلا ما كانوا يعملون، لكن ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ يدل على تقرير هذا الأمر، وأنه لا يمكن للإنسان أن يجازى إلا بما كان يعمل، ويكون فيه تقرير وتقريع في نفس الوقت. قال المؤلف: (ويقال لهم تبكيتًا: ﴿هَلْ﴾ أي: ما ﴿تُجْزَوْنَ إِلَّا﴾ جزاء ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الشرك والمعاصي). قوله: (ما ﴿تُجْزَوْنَ﴾ ) تقدم الكلام عليه. وقوله: (﴿إِلَّا﴾ جزاء ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ) هل فيه صرف للفظ عن ظاهره؟ كيف ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، (...). * الطالب: (...). * الشيخ: جزاء ما كنتم، طيب ويش القصد؟ لأن قوله: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يقتضي أن يكون العمل هو الجزاء نفسه، يكون العمل هو الجزاء ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ﴾، ومن المعلوم أن العمل ليس الجزاء، بل الجزاء شيء والعمل شيء آخر، عندما تستأجر إنسانًا يعمل لك، ثم تعطيه الأجرة، فعمله غير أجرته، العامل لله سبحانه وتعالى عمله غير جزائه. فظاهر الآية: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ إن الإنسان يجزى بعمله أو لا؟ لذلك احتاج المؤلف أن يُقدّر هذا المحذوف، (﴿إِلَّا﴾ جزاء ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ) لكن ما في الآية أبلغ؛ لأنه من باب المبالغة في العدل، أن يُجعل الجزاء هو العمل، كأن الجزاء نفسه عملك، مبالغة في العدل، فأنت إذا كنت تريد ثوابًا كثيرًا فاعمل كثيرًا؛ لأن ثوابك عملك. وأما قوله: (﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا﴾ جزاء ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ )، ففيه أيضًا: ركاكة، ما تجزون إلا جزاء العمل؟ معلوم، كلمة ﴿تُجْزَوْنَ﴾ يستفاد منها الجزاء، فلا حاجة إلى تفصيل؛ فالصواب: إبقاء الآية على ما هي عليه، على ظاهرها. ويُفهم أن الذي يعطونه هو الجزاء من قوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾، والتعبير عن الجزاء بالعمل نفسه مبالغة في العدل، بحيث يكون جزاؤك عملك. وقوله: (من الشرك والمعاصي)، هذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وهو الصواب: أن الكافر يُعاقَب على أصل الكفر، وعلى المعاصي أيضًا التي عملها، فالمشرك إذا زنى وسرق وشرب الخمر يعاقب على ذلك، فيعاقب على الأصل والفرع، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر ٤٠ - ٤٦]. فالصلاة والصدقة ليست من الأصول، وإن كان الصواب: أن الصلاة من الأصول، وأن تاركها يكفر، لكن الصدقة ليست من الأصول، حتى الزكاة -على القول الصحيح- لا يكفر تاركها، ومع ذلك ذكروا أنها من أسباب دخولهم النار، ولولا أن لها تأثيرًا في الجزاء ما صارت من الأسباب، وهذا دليل على أنهم أيش؟ يعاقبون على فروع الإسلام كما يعاقبون على أصوله. وعلى هذا، فيعاقبون على معاصيهم التي دون الشرك، وهذا بلا شك كمال العدل؛ لأنه إذا كان المسلم يعاقب عليها فكيف بالكافر؟ هل تكون للمسلم نقمة، وتكون للكافر نعمة؟ لا، بل أبلغ من ذلك الكافر يعاقَب حتى على المباح للمؤمن، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف ٣٢]. يؤخذ من قوله: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أنها لغير المؤمنين ليست خالصة، وأنهم سيجازون عليها، وهذا أيضًا مقتضى النظر؛ إذ كيف يتنعّم الإنسان بنِعم الخالق وهو يعصي الخالق؟ لا بد أن يعاقبه؛ يقول: أنا أحسنت إليك، أطعمتك، سقيتك، كسوتك، أسكنتك، زوَّجتك، وما أشبه ذلك، فيعاقب على هذه النعمة؛ لأنها تحتاج إلى شكر. قال: (قل لهم ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩1]؛ أي: مكة ﴿الَّذِي﴾ ) ما قال: (التي) ليش؟ لأنها صفة لمذكر ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي﴾ ولهذا تُعرِب ﴿الَّذِي﴾ على أنها اسم موصول مبني على السكون في محل نصب، صفة لأي شيء لـ﴿رَبَّ﴾. (﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾؛ أي: جعلها حرمًا آمنًا) جعلها كونًا ولا شرعًا؟ * طالب: (...). * الشيخ: شرعًا، جعلها شرعًا (حرمًا آمنًا). وقوله: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ إضافته الربوبية إليها تفيد الفضل، وأن الله سبحانه وتعالى قد اعتنى بها وشرَّفها. قال: (لا يسفك فيها دم إنسان)، والحديث: «لَا يُسْفَكُ بِهَا دَمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي.]]. وأيهم أعم دم إنسان أو دم؟ دم أعم؛ ولهذا لا يسفك بها دم إنسان، ولا دم صيد، وأما المواشي من الإبل والبقر والغنم وما أشبهها فإن هذا دلت السنة على جوازه. وقوله: (ولا يظلم فيها أحد) هذا ليس خاصًّا بمكة، حتى غير مكة لا يجوز أن يظلم فيه أحد، ولذلك ما جاء في الحديث: (لا يُظلم فيها أحد)، بل قال الرسول: «لَا يُسْفَكُ بِهَا دَمٌ»، فليس من خصائص مكة ألا يظلم أحد، صحيح أن الظلم في مكة أعظم من غيره: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج ٢٥]، أما أن الظلم في غيره مباح فلا. كذلك: (لا يصاد صيدها). * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما تدل عليه؛ لأن هنا: ﴿مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ الباء تدل على أن الفعل مُضمَّن معنى العزيمة الصادقة. * طالب: (...). * الشيخ: ما تضاعف السيئة بمكان تضاعف بالكيفية فقط، لا الكمية، ما هو معناه أن السيئة تكون يجزى عليها سيئتان، وإنما المعنى أنها تكون أعظم، وأن تعرف الفرق بالكيفية، أن كيفية العقوبة تختلف، قد أضرب هذا الإنسان ضربة واحدة، وأضرب الآخر ضربة واحدة وتكون هذه الثانية مؤلمة والأولى غير مؤلمة. قال: (ولا يصاد صيدها) صح هذا ولَّا لا؟ صحيح، وغيرها يصاد. (ولا يختلى خلاها): صحيح، وغيرها يختلى. * طالب: المدينة؟ * الشيخ: المدينة يختلى خلاها إي نعم، يجوز، إنما يحرم الشيء اللي بدون حاجة في المدينة، وأما الذي بحاجة فيجوز، هذا الفرق بينها وبين مكة. (وذلك من النعم على قريش أهلها في رفع الله تعالى عن بلادهم العذاب والفتن الشائعة في جميع بلاد العرب). إذن قوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾: أي: جعلها حرمًا، وجعلها حرامًا، وما قلناه أعم مما قال المؤلف؛ لأن المؤلف يقول: (جعلها حرمًا آمنًا)، ثم ذكر أشياء، فهي حرم، وحرام أيضًا، حرم وحرام. حرم بمعنى أنها محترمة، وحرام بمعنى أنها محرَّمة؛ لهذا من قصدها فإنه يشرع له -بإجماع أهل العلم- ألا يدخلها إلا مسلمًا، وفي وجوبه خلاف معروف. أيضًا من جملة احترامها أن المشركين لا يقربونها، أو لا؟ لا يقربون المسجد الحرام، فيكون الحرم كله محرمًا عليهم؛ لأن دخولهم الحرم من قربان المسجد الحرام، فلهذا كان ذلك احترامًا لهذه البلدة. ومع ذلك يقول الله عز وجل: (﴿وَلَهُ﴾ تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾ فهو ربه وخالقه ومالكه). الجملة الأخيرة فيها فائدة عظيمة؛ لأنه لما قال: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾، قد يتوهم متوهم أنه سبحانه وتعالى تختص ربوبيته بهذه البلدة، فأتى بعد ذلك بالتعميم؛ قال: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. نظير هذا قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد ١٠]، قال بعدها: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، حتى لا يتوهّم متوهّم أن ذلك الفضل خاص بأولئك، فبين أن الجزاء للجميع، وهو الجنة، وإن كانوا لا يستوون. هنا: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾: ربوبية الله عامة لكل شيء، لكن ربوبيته لهذه البلدة أخص من ربوبيته العامة. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو بذكورية؛ يعني قصدنا بالذكورية لفظًا، إنما معناه لا، ما يجوز أن نقول: مذكر، نقول: اللفظ مذكر، إنما الله عز وجل ما يجوز وصفه لا بهذا ولا بهذا. قال: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. ﴿أُمِرْتُ﴾ من أمره؟ ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ﴾ ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. أليست العبادة هي الإسلام؟ الجواب: بلى، العبادة هي الإسلام. لكن هناك قال: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ والعبادة هي التذلل له بالطاعة. ثم قال: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: أن أُحقّق هذه العبادة بالاستسلام التام لأوامر الله تبارك وتعالى. فالإنسان قد يكون عابدًا؛ يعني في الأصل، لكن الانقياد التام بجميع مشروعات الإسلام يستفاد من قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: من المنقادين لله سبحانه وتعالى انقيادًا تامًّا، لا معارضة عندهم ولا استكبار. وفي قوله: ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ دليل على أنه يعني أن هناك مسلمين؛ اليهود والنصارى مسلمون؟ * طلبة: لا. * الشيخ: حين كانت شرائعهم قائمة، فهم مسلمون، ولَّا لا؟ لكن أما بعد أن نُسخت، فإنهم إذا لم يلتزموا بالشريعة الناسخة لم يكونوا مسلمين، فالإسلام هو الدين عند الله في كل زمان ومكان، وبعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام لا إسلام إلا باتباع شريعته، وإلَّا فأصل الإسلام -كما تعرفون- من الاستسلام وهو الانقياد، وهذا يشمل كل انقياد لله سبحانه وتعالى سواء في عصر هذه الأمة أو قبلها، نوح عليه الصلاة والسلام يقول: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل 91]، مثلما قيل للرسول عليه الصلاة والسلام، وقال عن يعقوب: وقال لبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة ١٣٢]، وقالت بلقيس: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل ٤٤]. (﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ عليكم تلاوة الدعوة إلى الإيمان ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾؛ أي: لأجلها؛ فإن ثواب اهتدائه له، ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن الإيمان وأخطأ طريق الهدى ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ). قوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ التلاوة تنقسم إلى قسمين: تلاوة لفظية، وتلاوة معنوية. فالتلاوة الأولى: قراءة القرآن، والتلاوة الثانية: العمل بما جاء به القرآن، مأخوذة من تلا الشيء يتلوه إذا تبعه وصار تلوًا له. فقول الرسول: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ يشمل هذا وهذا، أن أتلوه قراءة، وأن أتلوه اتباعًا، وهو مأمور بذلك؛ يعني فكأنه يقول: سأتلو القرآن عليكم تلاوة قراءة، وأيضًا: سأتلو القرآن تلاوة اتباع، ولا أبالي بمخالفتكم وإعراضكم، بل وهذا ليس للرسول عليه الصلاة والسلام فحسب، بل لكل من اتبع الرسول، يجب عليه أن يتلو القرآن تلاوة لفظية، وقد عُلم أن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة، التي هي من أركان الإسلام. ثانيًا: يجب على المسلم أن يتلو القرآن تلاوة اتباعية، ولا يُبالي بمن خالفه، ولو أننا راعينا شعور الناس، وراعينا عقول الناس، بقي الدين ليس دينًا، بل صار الدين عادة إن تقبّله الناس حسب عاداتهم صار دينًا، وإن لم يقبلوه لم يكن دينًا، والواجب أن يكون الدين بعيدًا عن عادات الناس؛ بمعنى أن يكون الحكم هو القرآن والسنة، لا ما يعتاده الناس فيما يفعلونه من عبادات أو غيرها، خلافًا لبعض الناس الآن الذين يريدون أن يخادعوا الناس فيما هم عليه ولو كان باطلًا، وهذا ليس بصحيح؛ لأننا لو مشينا على هذا الأمر، أو على هذا المنهاج، ما بقي حياة للإسلام؛ فالإسلام يبقى ميتًا، ويموت منه جزء في هذا العصر، ثم يأتي عصر آخر، فيموت منه جزء آخر، وهكذا حتى ينقضي، ولكننا إذا كنا نعمل بالإسلام ونجدّد حسب ما يقتضيه الكتاب والسنة، لا حسب آرائنا، صار ذلك هو القيادة. وأما أن نسكت وندس رؤوسنا في التراب، ونقول: هذه الناس ما يمكن نخالفهم، أو نتهيَّب قول بعض الناس: طلعتم علينا بدين جديد، هذا الدين ما عرفناه من قبل، وما أشبه ذلك، فإن هذا لا ينبغي أن يمنع الإنسان عن قول الحق. ولهذا قوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ تلاوة لفظٍ تقوم به الحجة عليكم، وتلاوة اتباعٍ لا أبالي بمعارضتكم ومخالفتكم، وهذا هو الواجب على كل مسلم في كل مكان. لكن مراعاة الناس؛ بمعنى تدريج الناس حتى يسلكوا الصراط الصحيح، هل يجوز ولَّا لا؟ * طلبة: يجوز. * الشيخ: إي نعم، مراعاة الحال بالتدريج لا بأس به، ولهذا الذي نرى أن الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى بالحكمة يتناول هذا الأمر، وهي نقل الناس إلى الإسلام مرحلة مرحلة. وإن كان بعض الناس يقولون: إن هذا في أول الدعوة، صحيح أن الإسلام تطور، جاءت الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج، حُرّم الخمر على عدة وجوه، الصيام وجب على عدة وجوه. لكن نقول: كما أن هذا في أصل الدعوة، أو في أول الدعوة، هو أيضًا في آخرها، بعْث معاذ متى كان؟ في سنة عشر من الهجرة، ومع ذلك يقول: «ادْعُهُمْ أَوَّلًا، ثُمَّ إِلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِلَى الزَّكَاةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث عبد الله بن عباس.]]، فالرسول رتّب هذا، ما قال: ادعهم إليها جميعًا. فمثلًا لو رأينا إنسانًا مُنهمكًا على فعل معصية، وعرفنا أننا لو قلنا له: أقلِع عنها نهائيًّا أنه ما يتمكن أو أن ينفر، فلا بأس أن ننقله عنها شيئًا فشيئًا بالتدريج؛ لأن هذا كمعالجة المرض، المرض ما يمكن أنك تعالجه مرة واحدة، لا بد من التنقل من شيء إلى شيء حتى يتم استئصال هذا المرض. فهذه المسألة تعود إلى حال الناس، وليس معناها الاستسلام لحال الناس؛ لأن معنى الاستسلام الذي أنكرته قبل هو أن الإنسان يَدَع الناس ولا يعارضهم في الحق، أما هذا ما يَدَعهم، لكنه يُنقّلهم من مرحلة إلى مرحلة حتى يستقيموا؛ فمثلًا: عندما نريد أن نعمل عملًا في الصلاة ليس من عادة الناس، فإن من الحكمة أن نمهّد له بالقول أولًا، ثم إذا علم به الناس واستقر في نفوسهم نقلناهم بعد ذلك إلى الفعل، وهكذا أيضًا غير هذه المسألة. المهم: أن تلاوة القرآن على الناس المعرضين مما أُمر به الرسول عليه الصلاة والسلام، وأُمرت به الأمة كلها أيضًا، ويكون التلاوة هنا لفظًا واتباعًا، ولكن الشأن كله في ألَّا نتخاذل أمام الأمر الواقع، بل يجب علينا أن نكون على وجه أقوى وأشد. * طالب: نقل الإنسان من معصية إلى معصية أخرى. * الشيخ: إلى معصية أخرى؟ * الطالب: أخف منها. * الشيخ: لا، ما يجوز. * الطالب: تدريج.. * الشيخ: كيف؟ مثال ذلك؟ إذا كانت من الجنس ربما نقول، مثلًا لو فرضنا أن إنسانًا مُبتلى بالزنا -والعياذ بالله- وقلنا له: يا أخي، ما لك! الشهوة التي عندك هذه تستطيع أن تعمل، أن تخفّفها بالاستمناء مثلًا، هذا من الجنس ما فيه بأس، لكن واحد يسرق نقول: يا أخي، اترك السرقة، اشرب الخمر أزين لك! هذا ما يمكن. * الطالب: أقصد من جنس الأذى. * الشيخ: إي، اللي من الجنس معناه التخفيف؛ لأنك لو نقلته إلى شيء آخر، فاتجاهه الأول ما يزول في الغالب. * طالب: (...). * الشيخ: والدنيا (...). * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، المعنى، إنه حتى «عَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ»[[أخرجه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨) واللفظ له، وابن ماجه (٤٠١٤) من حديث أبي ثعلبة الخشني.]]، ما هي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه من خاصتك، لكن معنى أنك دَعهم؛ يعني لا تهتم بهم بحيث يشغلونك عما يجب؛ لأن بعض الناس يهتم بهذا الأمر حتى إنه ينشغل بالناس عن نفسه، تجده حتى يصلي، وهو يشعر بأنه يأمر فلانًا، ويتصور أنه مثلًا كأنه يقوله: يلا صلِّ، فهذا هو الذي يُنهى عنه. * طالب: (...). * الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة ١٠٥]؛ لأن بعض الناس يفهم أن الإنسان إذا أصلح نفسه ما عليه من إصلاح غيره، ولكن نقول: إن إصلاح غيرك منُوط بك من إصلاح نفسك، أنت مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن إذا ضلوا فإن ضلالهم لا يضرك، بعد أن تقوم بما يجب عليك من الدعوة والأمر. * طالب: (...)؟ * الشيخ: صحيح، (...) يقول؟ لكن التدرج هذا طريق، وليس معنى ذلك أني إذا نقلته من هذا إلى أخف أني أبيح له الأخف، لكنه طريق تدرّج؛ فالتدرج هنا ليس معناه ثبوت الحكم على الدرجة التي نزلناه إليها، ولكن معناه أننا ننقله من الدرجة العظمى إلى الأخف، ثم إلى تركها بالكلية، فقوله عليه الصلاة والسلام: «اجْتَنِبوه»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧ / ١٣٠) من حديث أبي هريرة. ]]، لكن ما هو الطريق لاجتنابه؟ هو هذا الذي نقول، الطريق لاجتنابه هو هذا الذي نقول، ولذلك الآن عندما تنهى إنسان عن منكر (...). الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام فيه وهو مكة؛ لقوله: ﴿هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ والإشارة هنا للقريب، ثم إن قوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ فيه إظهار لفضل الله تبارك وتعالى على ساكني هذه القرية حيث جعل الله هذه القرية حرامًا. قال: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: المنقادين لحكم الله، ولا منافاة بينه وبين العبادة فيما سبق ﴿أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾؛ لأنه الأصل العبادة شيء، والإسلام في جميع الشريعة شيء آخر. ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾: تلاوة لفظية تقوم بها الحجة عليكم، وتلاوة عملية تطبيقية يتبين بها أنني لست بمبالٍ بمن يخالفني في هذا الأمر. وقوله: ﴿الْقُرْآنَ﴾ هو هذا الذي نزل عليه ﷺ، وبعد تلاوة القرآن. (﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ له) كذا عندكم؟ فمن اهتدى له ولَّا به؟ * طلبة: له. * الشيخ: له؟ (﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ له). ولكن على تفسير المؤلف يصير ﴿اهْتَدَى﴾ بمعنى (انقاد)؛ لأن ﴿اهْتَدَى﴾ ما تتعدى باللام، تتعدى بالباء (اهتدى به)، لكنه ضمّنه بمعنى انقاد، وتضمينه معنى الانقياد ليشمل هداية العلم، وهداية التوفيق، الذي يهتدي وينقاد له. (﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾؛ أي: لأجلها، فإن ثواب اهتدائه له) صحيح، من اهتدى بهذا القرآن وانقاد له فالمصلحة لمن؟ ليست لله عز وجل؛ لأن الله غني عنه، وليست لفلان ولا لفلان؛ لأن كل نفس ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة ٢٨٦]. إذن فهو لنفسه، وإن كان ينتفع الداعي بذلك أيضًا انتفاع الدال؛ فإن الدال على الخير كفاعله، لكن أصل الثواب لمن؟ للفاعل، أصل الثواب للفاعل، فلا يقال مثلًا: إن الرسول ﷺ يدعو الناس ليهتدوا فيكون له أجر، بل قصده عليه الصلاة والسلام الأول هو نفع الخلق، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾، وإن كان النبي عليه الصلاة والسلام ينتفع باهتدائه فهو تبع. (﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن الإيمان وأخطأ طريق الهدى ﴿فَقُلْ﴾ له ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ). المؤلف: قدّر له بمن اهتدى، وقدّر هنا: (﴿فَقُلْ﴾ له)، والسبب أنه يُقدّر هنا لأجل أن يرتبط الجواب بالشرط؛ لأن قوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى﴾ اهتدى لأي شيء؟ بالقرآن الذي أتلوه. وهنا ﴿مَنْ ضَلَّ﴾: ﴿مَنْ﴾ شرطية، ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ما يمكن يكون قل: ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾، جوابًا لقوله: ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ إلا إذا كان فيه ضمير يعود عليه، ولهذا قدّره بقوله: (﴿فَقُلْ﴾ له ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ). فإذا قال قائل: ما هي الحكمة في حذفه؟ قلنا: الحكمة في حذفه العموم؛ يعني ﴿فَقُلْ﴾ له ولغيره: ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾. يعني معناه أن هذه الجملة التي هي وصف ثابت للرسول ﷺ ليست خاصة بمن يضل، بل من يضل ومن لا يضل، يُقال له: إن الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾، ومعنى المنذر: المخوِّف. قال: (المخوّفين فليس عليَّ إلا التبليغ). وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا﴾، ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. فإذا قال قائل: هذا يفيد اختصاص الرسول ﷺ بالإنذار، مع أن الله يقول: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة ١١٩]. قلنا: لكن لكل سياق ما يناسبه من اللفظ، فهنا المخاطب مَن؟ * طالب: المنكرون. * الشيخ: قوم منكرون، فكان ذكر جانب التخويف في حقهم أولى من الجمع بينه وبين التبشير. قال: (وهذا قبل الأمر بالقتال)، والمؤلف -رحمه الله- يسلك هذا المسلك كثيرًا في مثل هذه الآية، ويقول: إنه قبل الأمر بالقتال، وهذا يتضمن أن تكون الآية منسوخة، لا يعمل بها، ولكن هذا قول في غاية الضعف، والصواب: أن هذا يقال حتى بعد الأمر بالقتال. فالنبي عليه الصلاة والسلام أيش عليه؟ عليه الإنذار والتبليغ، وليس عليه الهداية، والرسول عليه الصلاة والسلام يقرأ في كل جمعة غالبًا أو كثيرًا يقرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١، ٢٢] ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية ٢٥، ٢٦]، وكيف تكون مثل هذه الآيات التي تكرر على المسلمين في جمعاتهم تكون منسوخة؟ ثم إن النسخ ليس بالأمر الهين دعواه؛ لأنه ويش معناه؟ معناه إبطال دلالة الآية أو الحديث، وهذا يتضمن الاعتداء على الله سبحانه وتعالى وعلى رسوله، ولهذا يجب على الإنسان أن يحترز غاية الاحتراز من دعوى النسخ، وإذا عجز عن الجمع فيقول: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة ٣٢]، لكن المؤلف -رحمه الله- وغيره كثير من أهل العلم إذا عجزوا عن الجمع قالوا: هذا منسوخ. وهذا مسلك ليس بجيد، وليس بسديد، وليس بصواب، بل هو خطير، وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- أن المنسوخ في الشريعة لا يتجاوز عشرة أحكام. ولو سلكنا ما سلكه المؤلف لكان المنسوخ عشرات الأحكام، أو ربما يبلغ المئة، وفي هذا خطأ عظيم. فالصواب أن هذا القول: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ يقال: حتى الآن، وحتى بعد الأمر بالقتال فهو منذر، لكن هذا الإنذار لا يقتضي ألا يقوم بما يجب عليه من الجهاد، يقول: أنا منذر فليس عليَّ هداكم، وهداكم على الله سبحانه وتعالى، وأما مسألة الأمر بالقتال، فهذا شيء ممكن حتى مع هذا القول. فالصواب في هذه المسألة: أن الآية محكمة، هذه وغيرها محكمة، وغيرها من أمثالها محكم، ولا يجوز دعوى النسخ فيه؛ لأن أهم شروط النسخ، أو من أهمه: تعذّر إمكان الجمع، وإذا أمكن الجمع فلا نسخ؛ لأن النسخ -كما سمعتم- هو عبارة عن إبطال مدلول الآية أو الحديث، وهذا أمر ليس بالهين؛ يجي حديث وتمسح عليه، فمعنى المسح ضربنا عليه. * طالب: (...). * الشيخ: بلى، من الشروط. * الطالب: هل يُشترط أن فيه قرينة تدل على النسخ (...)؟ * الشيخ: لا ما هو بشرط هذا، المهم أنه إذا تعذر الجمع، وعلم التاريخ فالمتأخر ناسخ. يقول: ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ هي بالكسر ولا بالفتح؟ * طالب: بالكسر، منذِرِين. * الشيخ: لأنها اسم فاعل، فهو (منذِر)، والناس (منذَرون). ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل ٩٣] معطوف على قوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ﴾؛ لأنه على تفسير ﴿قُلِ﴾؛ يعني ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وهذه الجملة للثناء على الله تبارك وتعالى، وقد أثنى الله على نفسه في ابتداء الخلق، وفي انتهائه، وفي ابتداء إنزال القرآن، وفي مقام التعظيم للرسول عليه الصلاة والسلام، في إنزال القرآن، وما أشبهه. فهنا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، (...) عليه؟ على كمال صفاته وبيان آياته. ومنها ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾. ﴿سَيُرِيكُمْ﴾ والإراءة أبلغ من البيان؛ لأنه قد يكون الشيء بينًا، وتعمى عنه الأبصار، ولكن الإراءة أبلغ؛ إذ كل مرئي فهو بيِّن، وليس كل بيّن مرئيًّا. و(السين) في قوله: ﴿سَيُرِيكُمْ﴾: تفيد فائدتين؛ الفائدة الأولى: قرب هذا الأمر، والفائدة الثانية: تحقّقه؛ فهي تفيد التحقيق والتقريب. ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾: والإراءة هنا بصرية، وهي لما كانت معداة بالهمزة تنصب مفعولين؛ فالمفعول الأول الكاف، والمفعول الثاني ﴿آيَاتِهِ﴾. وقوله: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ هل المراد بآيات الله هنا الآيات الدالة على صدق ما أخبر به في القرآن، فتكون الآيات الكونية أو هي أشمل من ذلك؟ الظاهر أنها أشمل من ذلك؛ أنها تشمل الآيات الدالة على صدق ما وعد به رسوله وتوعّد به أولئك، وكذلك أيضًا الآيات الشرعية الدالة على كمال شريعته. وقوله: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ أيضًا أبلغ من الإراءة؛ لأنني قد أُري الإنسان شيئًا ولكن لا يعرفه، وهنا قال: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾. فعندنا بيان وإراءة ومعرفة؛ أعلاها المعرفة، ثم الإراءة، ثم البيان. قوله: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ نتيجة هذا أن تقوم عليكم الحجة؛ لأنهم إذا أُروا الآيات حتى عرفوها قامت عليهم الحجة. قال المؤلف رحمه الله: (فأراهم الله يوم بدر القتل، والسبي، وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، وعجَّلهم الله إلى النار) هذه من جملة الآيات التي أراهم إياها، وإلا فقد أراهم الله تعالى انشقاق القمر قبل بدر، فإنهم طلبوا آية من الرسول ﷺ «فأشار إلى القمر فانفلق فلقتين» حتى شاهدوه بأعينهم، فقالوا: سحرنا محمد، فاسألوا الركبان الذين يقدمون إلى مكة، هل شاهدوا ذلك أم لا؟ فسألوهم، فأخبروهم بأنهم شاهدوا ذلك[[أخرجه الترمذي (٣٢٨٩) من حديث جبير بن مطعم، والحديث أصله متفق عليه؛ البخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠ / ٤٣) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]. وقد أنكر قوم هذه الآية؛ انشقاق القمر، ومنهم محمد رشيد رضا، وأظن شيخه كذلك محمد عبده، وهذا خطأ فاضح والعياذ بالله؛ لأن الأحاديث فيه متواترة، وإشارة القرآن إليه ظاهرة: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١]. هم حرّفوا القرآن فقالوا: انشق القمر أي: بان ضياء الحق والنور بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا بلا شك تحريف للقرآن، وتكذيب بما تواترت به السنة، الصواب الذي لا شك فيه، وهو من معتقدات أهل السنة والجماعة أن القمر انشق. وقولهم: إنه لو انشق لكان أمرًا عالميًّا، وكان له ذِكْر في التاريخ؛ لأنه أمر عالمي حيث إن القمر آية أفقية كل يشاهدها، وحيث إن هذه الحال للقمر حال غريبة خارجة عن العادة، فالهِمم تتوافر على أي شيء؟ * طالب: على نقله. * الشيخ: على نقله، ولا بد أن تُذكر في التواريخ، في تاريخ الهند، والروم، والفرس، وما أشبه ذلك. فنقول: تبًّا لكم أن تجعلوا ما أخبر الله به موضعًا للشك؛ لأن هؤلاء لم يذكروه، بل لو ذكروا أنه لم يقع لقلنا: كذبتم وصدق الله. وأيضًا الجواب على هذا أن نقول: لا يلزم إذا انشق القمر حتى رآه أهل مكة ومن بقربهم أن يراه الناس جميعًا؛ لأن نصف الكرة الأرضية لا يمكن أن يروه، لماذا؟ لأنه غائب عنهم، هذه واحدة. القرى المقابلة التي هي سطح الأرض لأهل مكة، ومن حولهم قد يكون أتاهم في منتصف الليل أو في آخر الليل، أو عندهم غيوم مانعة أو ما أشبه ذلك، فالموانع كثيرة، موانع الرؤية له كثيرة، ولكن ما يهمنا أن يروه أو لا يروه، أو يدوّنوه في تواريخهم أو لا يدوّنوه. وتكذيب القرآن بمثل هذه الأمور أو السنة المتواترة بمثل هذه الأمور هذا في الحقيقة إيغال في العقل، أو في العقليات على ما يقولون، فالإنسان ما ينبغي أن يكون عقلانيًّا محضًا، ولا ينبغي أن يكون ظاهريًّا محضًا، بل يجب أن يكون عنده عقل يزن به الأمور، وإذا بانت الأمور الشرعية فإنه لا مجال للعقل. إذن أراهم الله تعالى آيات منها: انشقاق القمر، ومنها أيضًا: أن النبي عليه الصلاة والسلام شهد الناس كلهم أن الحجر يسلم عليه، والشجر يسلم عليه، حتى إنه يقول: «كَانَ حَجَرٌ يُسَلِّمُ عَلَيَّ فِي مَكَّةَ أَعْرِفُهُ»[[أخرجه مسلم (٢٢٧٧ / ٢) من حديث جابر بن سمرة.]]. وكذلك أيضًا: من الآيات ما حصل يوم بدر، حصل من الآيات قتل وسبي، وقتل لمن؟ * طالب: لرؤساء الكفار. * الشيخ: إي، لرؤساء الكفار، ما هو لأطرافهم، لصناديد قريش، وقتل صناديد أعداء النبي عليه الصلاة والسلام آية له؛ لأن ذلك نصر له، ولو كان ما قاله باطلًا، ما كان الله تبارك وتعالى لينصره أبدًا؛ لأن الله ما ينصر الباطل على الحق نصرًا مستمرًّا، ولكن قد يكون للباطل صولة ليمحّص الله المؤمنين، فينتصر أهل الباطل لكنه انتصار مؤقت. كذلك أيضًا السبي؛ سُبي منهم أحد ولَّا لا؟ نعم، سُبي سبعون رجلًا منهم، وذُهب بهم إلى المدينة، وهم أيضًا المسبيّون من أشرافهم. المهم أن هذه الواقعة وقعة بدر أثخنتهم تمامًا، وأذلتهم إذلالًا بالغًا، ولهذا سماه الله تعالى: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال ٤١]؛ لأن الله فرَّق به بين الحق والباطل، وتعلمون أن الناس ينتظرون ماذا يحصل، العرب لما رأوا أن النبي عليه الصلاة والسلام وهم قلة ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا غلبوا حوالي ألف من قريش كاملي العِدة والعدد كثير، عرفوا أن أمر الرسول ﷺ سيظهر. كذلك أيضًا: ﴿الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال ٥٠]، هل هذا ورد في بدر ولَّا ورد في الكفار مطلقًا؟ * طالب: جميعًا (...). * الشيخ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: طيب، لكن في بدر: هل ذُكر أن الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال ١٢]، ما فيه (...) الوجوه والأدبار، فيه أنهم يُضرب فوق الأعناق؛ يعني تُضرب أعناقهم، ويُضرب منهم كل بنان؛ يعني الأيدي، فهذا هو الظاهر. وأما ما ذهب إليه المؤلف فلا أعرف في ذلك سُنّة أيضًا بيَّنت هذا، وإن كان المؤلف له وجهة نظر في أن الملائكة تضرب وجوههم إذا أقبلوا على المسلمين، وتضرب أدبارهم إذا أدبروا عن المسلمين، لكن ما دام أن هذا لم يرد فالأولى الاقتصار على ما ورد، وهو أن الله قال لهم: ﴿اضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ ما قال: (اضربوا وجوههم وأدبارهم). إلا أن يقول قائل: إن قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ يشمل هؤلاء فإنهم من الكفار، فهم عند الوفاة يضربون وجوههم وأدبارهم، فإن أراد المؤلف بهذا ما تصير إليه عموم الآية فهو مفروض. قال: (وعجَّلهم الله إلى النار)، كيف عجّلهم إلى النار؟ * طالب: عجلهم إلى النار؛ لأن عذاب القبر (...)، حين يموت الإنسان فهو في عذاب القبر. * الشيخ: يعني معناه عجّلهم الله قبل موت الرسول عليه الصلاة والسلام، حصل لهم هذا الأمر وتعجّلوا إلى النار. قال: (﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ بالياء والتاء)؛ أي: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾، و﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ قراءتان سبعيتان. (وإنما يمهلهم بوقتهم). قوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ هذه الجملة المقصود بها التحذير والتسلية؛ تحذير هؤلاء المكذبين، وتسلية الرسول ﷺ. وفيها: أن من صفات الله أنها صفة من الصفات السلبية، وقد مر علينا أن الصفات السلبية تتضمن أمرين: نفي الصفة المذكورة، وإثبات كمال ضدها؛ فالله تعالى لا يغفل، لأيش؟ لكمال علمه ومراقبته؛ كامل العلم وكامل المراقبة: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب ٥٢]. انتهت السورة ولم نأخذ فوائد الدرس الماضي، نأخذها الآن: أولًا: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾. * يستفاد منها: أن المدار في العقاب على السيئات هو المجيء بها يوم القيامة، لا مجرد العمل؛ قد يعمل الإنسان السيئة، وتُكفّر أو يتوب منها، ولكن العبرة بالمجيء. * الفائدة الثانية: إثبات عذاب النار؛ لقوله: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾، والعياذ بالله. * الفائدة الثالثة: بيان شدة العقوبة -والعياذ بالله- بهؤلاء، حيث يكبون على وجوههم في النار، والوجه أشرف الأعضاء، وإهانته أعظم من إهانة غيره. لو أن أحدًا صفعك على خدك أو ضربك في رجلك، أيهم أشد إهانة؟ الوجه أشرف، ولهذا كان إكبابهم على وجوههم في النار -والعياذ بالله- أشد وأبلغ في الإهانة وفي العذاب. * الفائدة الرابعة: كمال عدل الله عز وجل؛ لقوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، يعني ما ظلمناكم أنتم الذين ظلمتم أنفسكم فعملتم ما استحققتم به هذا العذاب. * الفائدة الخامسة: أن عذاب أهل النار -والعياذ بالله- عذاب نفسي وبدني؛ بدني حيث تُكبّ وجوههم في النار، نفسي حيث يُوبّخون ويقرّعون ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ما ظنك بمن يقال له مثل هذا؟ تجده مثلًا يمتلئ خجلًا، ويمتلئ أيضًا ندمًا؛ يقول: ليتني ما عملت، ليتَ وليتَ، ولكن ﴿أَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ ٥٢]. فإذن يجمع لهم -والعياذ بالله- بين العذاب البدني والعذاب النفسي، وقد ذكر الله تعالى في سورة (المؤمنون) أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٧]، وهم لو أخرجوا منها لعادوا لظلمهم ما فيها إشكال، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨]، لكن يقولون هذا من شدة ما يجدون. فكان الجواب -والعياذ بالله- أعظم جواب في الإهانة: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، والعياذ بالله هذا جواب في غاية الإهانة والصغار والذل، وقد ذُكِر أن الله تعالى لا يُكلمهم إلا بعد مدة طويلة، يكلمهم بهذا الكلام الذي لا خير فيه لهم، بل هو تيئيس من كل خير، ومن كل فرج، نسأل الله العافية. ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ يعني: اندحروا، وذلوا، وتلحقكم المهانة والإهانة، ومع ذلك لا تكلمون؛ لستم أهلًا لأن تكلمون، نسأل الله العافية، فإذن يُجمع لأهل النار بين العذابين البدني والنفسي. ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٩١]. * في هذه الآية من الفوائد؛ أولًا: وجوب إعلان الرسول عليه الصلاة والسلام بما ذُكر؛ لأنه على تقدير: قل ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ﴾، وهو واجب عليه أن يُعلن ذلك لأجل أن يكون قدوة فيه. * ثانيًا: قوله: ﴿أَنْ أَعْبُدَ﴾ وجوب العبادة على النبي عليه الصلاة والسلام. * طالب: على الجميع. * الشيخ: لا، على النبي ﷺ ﴿أَنْ أَعْبُدَ﴾، ما يُقال: إن التكاليف تسقط عن الأنبياء والأولياء، بل تجب على النبي ﷺ كما تجب على غيره، ويجب عليه هو عليه الصلاة والسلام أن يشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، هذا مقتضى الإسلام. * الثالث: بهذا نعرف بطلان ما ادَّعاه أهل من يُزعم أنهم أولياء، أو أصحاب من يُزعم أنهم أولياء؛ حيث قالوا: إن الولي يصل إلى درجة يسقط بها عنه التكليف. وهذا موجود عند الصوفية وغيرهم؛ يقولون: الإنسان هذه العبادات التي نُكلَّف بها وسائل إلى غاية، الغاية اليقين ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر ٩٩]، فإذا وصل الإنسان إلى اليقين سقطت عنه العبادة، وصار لا يجب عليه صلاة، ولا زكاة، ولا صوم، ولا حج، ولا يحرم عليه نكاح أحد، يتزوج من شاء من ذكور وإناث -والعياذ بالله- ومن عدد صغير وكبير، حتى إنا نسمع عنهم الآن في إفريقيا، الواحد منهم له خمسون امرأة، عدّوا النبي عليه الصلاة والسلام، خمسون امرأة، وأيضًا ما يتزوج بعقد، إذا اشتهى امرأة أرسل إلى أبيها وقال: خلِّ بنتك زوجة لي، أريدها زوجة لي، ولا أحد يتمكن من أن يعارض؛ لأنهم يزعمون أنهم وصلوا إلى غاية لا يحتاجون معها إلى تكليف. وإذا كان الرسول ﷺ أُمِر أن يعبد الله، فغيره من باب أولى. * طالب: (...). * الشيخ: بلى، هم (...) الكفار والعياذ بالله. * طالب: يجعلون الولي أعلى من النبي؟ * الشيخ: هذا ما هو بصحيح لو زعموه، هذا أيضًا من الكذب. * أيضًا من فوائد هذه الآية: أنه فضائل مكة، فضيلة مكة من وجهين: من إضافة الربوبية إليها: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾، ومن كونه تعالى حرَّمها: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾؛ ففيه فضيلة مكة على سائر البلاد. ولها فضائل كثيرة لو لم يكن منها إلا أن خصها من أركان الإسلام، خصها للعبادة من أركان الإسلام؛ الحج ركن من أركان الإسلام، ما فيه أي بلد في العالم يكون القصد إليه فرضًا أبدًا، ولا سنة إلا المدينة، أيش بعد؟ والمسجد الأقصى. * الفائدة الرابعة: أن الذي حرم مكة هو الله؛ لقوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾. فإذا قال قائل: ألا يعارض ذلك ما ثبت عن رسول الله ﷺ من قوله: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٢٩)، ومسلم (١٣٦٠ / ٤٥٤) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم.]]؟ قلنا: لا؛ لأن معنى قوله: «حَرَّمَ مَكَّةَ» أي: أظهر تحريمها وأبانه، وإلا فالذي حَرَّمها مَنْ؟ الله. ولهذا نقول مثلًا: إن الرسول ﷺ حرم الميتة، والخمر، والخنزير؛ يعني أظهر تحريمه وأبانه، وإن كان الذي حرمه هو الله. فالمهم أنه هنا لا منافاة بين قوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ وقول الرسول ﷺ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ»، والجمع بسيط وواضح. * طالب: والمدينة حرَّمَها الله؟ * الشيخ: إي نعم، حرَّمَها الله. * الفائدة الخامسة: أن كل شيء فهو ملك لله؛ مكة وغيرها؛ لقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. * الفائدة السادسة: الرد على المعتزلة القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله؛ فإنه على قولهم يخرج بعض الأشياء عن ملك الله، والله تعالى يقول: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. * الفائدة السابعة: بلاغة القرآن؛ لأنه لما قال: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾، فإن أحدًا يفهم أن ربوبية الله تعالى خاصة في هذا المكان، فاحترازًا من هذا الفهم الخاطئ أعقبه بقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾، وهذا من بلاغة القرآن. هل تدخل مكة في قوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: ولَّا ما تدخل؟ هذه المسألة مُختلف فيها عند الأصوليين؛ يعني إذا ذُكر الخاص مع العام، فهل التنصيص عليه مُخرج له من العموم؟ فيكون ذكر مرة، لكن نصّ عليه لشرفه مثلًا، والعناية به، أو أنه لا يُخرجه من العموم فيكون ذُكر مرتين؛ مرة بصيغة التخصيص ومرة بصيغة التعميم، فما هو المتبادر للذهن؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر ٤]، وأيش يتبادر للأذهان؟ * طالب: الروح الملائكة. * الشيخ: نعم، الروح الملائكة وجبريل، لكن يتبادر إلى الذهن –في ذهني أنا- أنه إذا ذكر الخاص بعد العام أو قبله أنه ما أريد دخوله في العام. عندما تقول: جاء الطلبة وعلي. وهو من الطلبة، معروف أنه من هم الطلبة، أنت تفهم أنه خرج عنهم لما نص عليه، وكفى بذلك فخرًا أن يُفرد من بين العموم، ويُنص عليه في الحكم. لكن أولئك يقولون: إنه ذكر مرتين؛ مرة بطريق العموم، ومرة بطريق الخصوص، ولكنه فيما أظن ويتبادر إليَّ أنه ليس كذلك، نعم، لو ذكر العموم في موضع آخر، ولم يذكر الخصوص فلا شك أنه داخل في العموم. * طالب: (...). * الشيخ: إي، على القول بأنه إذا ذكر الخاص يكون عامًّا مخصوصًا. * الطالب: (...). * الشيخ: توكيد. * الطالب: (...). * الشيخ: إلا، وعلى كل الذي يقول بهذا، يظن أنه توكيد، لكن بس مو توكيد مطابق، توكيد بالعموم. * الفائدة التاسعة: أنه لا يجوز لأحد أن يحكم بغير ما أنزل الله؛ لقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾؛ لأن من جملة الأشياء الحكم بين العباد، بل هو من أعظم الأشياء، فإذا كان ذلك لله، فلا يجوز لأحد أن يستقل به، ما يجوز لأحد أن يستقل به؟ ومن أراد أن يستقل به فقد حاول أن يكون شريكًا لله تعالى في ذلك، ونزَّل نفسه منزلة لا يستحقها. إذن أمر التحليل والتحريم والإيجاب إلى مَنْ؟ إلى الله؛ لأن ﴿لَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. أمر التحسين والتقبيح؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، الصواب نعم إلى الله؛ لأن بعض الأشياء ما نعرف عن حسنها وقبحها إلى من الله، لكن أيضًا للعقل مجال في هذا؛ ولذلك: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة ٤٤] أيش بعدها؟ * الطلبة: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. * الشيخ: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ دلّ هذا على أن العقل يُحسّن ويقبِّح، فإن هذا من القبيح. لَا تَنْــــهَ عَـــــنْ خُلُـــــقٍ وَتَأْتِيَمِثْلَـــــــــــهُ ∗∗∗ عَــــــارٌ عَلَيْـــــكَ إِذَا فَعَلْــــــتَعَظِيـــــــــمُ فالعقل يُحسِّن ويُقبِّح، لكنه لا يُوجب ويُحرِّم، الإيجاب والتحريم إلى الله، وأما التحسين والتقبيح فيُحسِّن ويُقبِّح؛ ولهذا يُحيل الله تعالى أشياء كثيرة إلى العقل، فدل ذلك على أن للعقل أن يُحسِّن ويُقبِّح، ولكن من الأشياء ما لا يُعلم حسنه وقبحه إلا بطريق الشرع. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة، مسألة التقبيح والتحسين العقلي، صار فيها نزاع طويل بين أهل السنة والجماعة وبين أهل البدع؛ منهم من قال: لا يُحسِّن ولا يُقبِّح، والغريب أن هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة. قال الفتوحي في كتاب مختصر التحرير في أصول الفقه: العقل لا يُحسِّن ولا يُقبِّح، ولا يُوجِب ولا يُحرِّم. نقول: أما قوله: وما يُوجب ولا يُحرّم؛ فهذا صحيح، وأما لا يُحسِّن ولا يُقبِّح؛ فهذا ليس بصحيح. يروى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحًا فهو عند الله قبيح»[[أخرجه أحمد في المسند (٣٦٠٠).]]، وربما يشهد لهذا قول الرسول ﷺ: «الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»[[أخرجه مسلم (٢٥٥٣ / ١٥) من حديث النواس بن سمعان. ]]؛ لأن هذا دليل على أن الإنسان؛ لكن الإنسان اللي صَفَت سريرته وخلصت نيته، هذا ما يطمئن للإثم أبدًا، أما الإنسان الفاسق؛ فالفاسق تعرفون أن الزبّال لا تهمه الزبالة ولَّا لا؟ لكن العطار إذا قعد عند زبالة؟ ما يمكن يجلس. فالإنسان اللي صفت سريرته، وخلصت نيته، وعلم الله منه حُسن القصد يُوفَّق، وتجده إذا عمل السيئة لو هو ما يدري أنها سيئة ما تطيب نفسه، ولا تستقر، ولهذا قال: «الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ»[[أخرجه أحمد في المسند (١٨٠٠٦) من حديث وابصة بن معبد الأسدي.]]. لكن هذا من نخاطِب به؟ كل الناس؟ لا، صاحب القلب الصافي والإيمان الخالص، أما الناس المنهمكون في هذا، فلا يُخاطَبون بالمثل. * طالب: (...) يعني العقل (...) العرف (...). * الشيخ: لا، العقل، العرف ما له دخل. * الطالب: يعني تحسين عقل.. * الشيخ: الآن العُرف يُحسِّن أشياء قبيحة. * الطالب: الزبال يستحسن الزبالة، والعطار لا يستحسنها. * الشيخ: لا، هذا ما هو ما يستحسنها، ربما أن العقل يستحسن الزبالة إذا صارت طريقًا للكسب، لكن نفسيته ما ترتاح لها الإنسان؛ لأنها مؤذية برائحتها، العُرف ما يصلح؛ لأن العرف هذا.. الناس الآن، وقبل الآن، يمكن يستقبحون الحسن، ويستحسنون القبيح. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، معلوم، حتى المسلم الخالص، الرسول قال: «مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ». * من فوائد الآية أيضًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام مأمور بأن يكون من المسلمين ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. * الحادية عشرة: أن الإسلام والإيمان شيء واحد؛ لأن قوله: ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ لا شك أن ما أُمر به هو أعلى الحالات؛ وهو الإيمان. ولكن هذه المسألة وهي هل الإسلام الإيمان أو لا؟ فيها أيضًا عراك بين أهل السنة والجماعة أنفسهم والأشاعرة. والصواب أن يُقال: إن الإسلام عند الإطلاق يشمل الإيمان، والإيمان عند الإطلاق يشمل الإسلام. وأما عند التقييد، وأن يُقرن بينهما، فإنه يكون الإيمان: ما وقر في القلب، والإسلام: ما قامت به الجوارح؛ لأن الإسلام من الاستسلام؛ وهو عدم المعارضة، بل الموافقة، فالمنافقون الذين لا يبدون المعارضة نسميهم مسلمين، لكن ما نسميهم مؤمنين؛ لعدم وجود الإيمان في قلوبهم. ومن الناس من يكون وسطًا: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ١٤] ﴿لَمَّا يَدْخُلِ﴾ ما قال: (لم يدخل)؛ ليفيد أن الإيمان قريب الدخول في قلوبهم، لكنه لم يدخل، إنما هو قريب، والإيمان من المنافقين بعيد، هم ينفرون منه، لو قرب إليهم نفروا منه، لكن هؤلاء الأعراب ما بعد دخل الإيمان في قلوبهم إلا أنه قريب: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. إذن الصواب في هذه المسألة: أن الإيمان هو الإسلام، إذا اقترنا أيش؟ افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. * طالب: (...) بين أن الإيمان هو الأعمال الظاهرة. * الشيخ: إي نعم، الإيمان؛ لأنه داخل فيه، وهو إذا اقترن مع الإسلام فُسِّر هذا بهذا، وهذا بهذا، أما عند الإطلاق فيدخل فيه. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، مسلمون ظاهرًا. * طالب: منقادون؛ يعني ما يأتون (...). * الشيخ: لا؛ لأن الرسول أراد أن يُفسِّر ذلك بالأعمال الظاهرة المبنية على الإخلاص، والأعمال الظاهرة عند المنافقين ما هي مبنية على الإخلاص، ولهذا يجدونهم يُصلون مع الناس، ويذكرون الله سبحانه وتعالى في صلاتهم، لكن هم ما يذكرون الله إلا قليلًا، والرسول عليه الصلاة والسلام لم يُفرِّق بينهم وبين أقاربهم في الميراث وغيره، يُورِّث بعضهم من بعض، وأخذ بهذا شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: إن المنافق يرث من المؤمن، والمؤمن يرث من المنافق، واستدل بأن الرسول عليه الصلاة والسلام.. وهذا الذي قاله صحيح إلا أننا نعارضه فيما إذا عُلم نفاقه؛ يعني إذا علم نفاقه ما يجب أن يُورث من المسلم أو يُورَّث المسلم منه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة ٨٤]. * طالب: فيما يعلم أنهم منافقون. * الشيخ: فيهم أناس يعلمهم، وفيه أناس ما يعلمهم. قال: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾. * يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: وجوب تلاوة القرآن بنوعيه، ما هما النوعان؟ * طلبة: اللفظية والعملية. * الشيخ: اللفظية والعملية، وهو واجب على المرء أن يتلو القرآن تلاوة لفظية وعملية، عن ظاهر قلب ولَّا وإن كان نظر؟ * طالب: وإن كان نظر. * الشيخ: وإن كان نظر. * الفائدة الثانية: فضيلة القرآن وشرفه، حيث كان مأمورًا بتلاوته. * الفائدة الثالثة: وجوب تحسين القرآن؛ لقوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾. * الفائدة الرابعة: وجوب تبليغ القرآن على النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾. * الفائدة الخامسة:..