Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — القصص 28:33 – القصص 28:45

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. القصص 28:33
  2. القصص 28:34
  3. القصص 28:35
  4. القصص 28:36
  5. القصص 28:37
  6. القصص 28:38
  7. القصص 28:39
  8. القصص 28:40
  9. القصص 28:41
  10. القصص 28:42
  11. القصص 28:43
  12. القصص 28:44
  13. القصص 28:45

القصص 28:33

قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص ٣٤]. أولًا: ما إعراب هذه الجملة ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾؟ ﴿أَخِي﴾ مبتدأ، أو لا؟ (أخي) مبتدأ. فأصل الفائدة قوله: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص ٣٤]، وحينئذٍ نسأل: هل ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل أو ﴿هُوَ﴾ مبتدأ و﴿أَفْصَحُ﴾ خبر، والجملة خبر المبتدأ (...)؛ لأن ضمير الفصل ما (...)، والمبتدأ والخبر مَعرِفتان؛ لأنه في هذه الحال يلتبس الخبر بالفعل، أما إذا كان الخبر نكرة كما هنا فإنَّه يُجعَل مُبتَدأ. قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ﴾ [القصص ٣٤]، أخوه مِن أمه وأبيه ولَّا مِن أبيه؟ مِن أمِّه وأبيه، وأما قوله تعالى: ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه ٩٤] فإنهم ذكروا أنَّ نسبته إلى أمه لأنها أقرب مِن الأب، فذكَّره (...) لِيُشفِق عليه. قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص ٣٤]. ﴿أَفْصَحُ﴾ بمعنى أَبْيَن مِني، وقوله: ﴿لِسَانًا﴾ أي كلامًا، وعبَّر باللسان عن الكلام لأنَّه آلة الكلام، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم ٤] أي بِنطُقِهم ولُغتهم. وقوله: ﴿أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾، لماذا؟ قيل في الإسرائيليات: إنَّ موسى عليه الصلاة والسلام كان في لسانه (...) مِن جمرة أخذها وأكلها، لما فرعون أراد أن يقتله فقالت امرأته: إنَّه طفل لا يدري ولا يعرف، وإذا أردت أن تختبِره فأعطه تمرة وجمرة، فقدم له التمرة والجمرة، الجمرة تتلألأ وهيئتها أجمل من التمر، فأخذ الجمرة ووضعها في فمه، فانعقد لسانه. وهذه إسرائيلية؛ لأنَّ هذا غير ممكن؛ إذ إنه إذا أراد أن يأخذ الجمرة وأخذها ما يستطيع أن يمسكها في يده (...) ولهذا طلب موسى مِن الله أن يحُلَّ هذه العقدة، قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه ٢٧، ٢٨]. وأنتم تشوفون بعض الناس يكون في لسانهم فأفأة، وبعضهم يكون في لسانه تأتأة (...) وبعضهم ما يكون لا هذا ولا هذا لكن ما يستطيع ينطق، تجده إذا أراد أن ينطق -اللهم عافنا- يحمر وجهه، يتعب (...) فالعقدة سواء في صفة الحروف أو في النطق بالحرف، كل هذه مِن العقد. في صفة الحروف: أنه ما يستطيع يطلعه على الوجه الأكمل، أو في نفس النطق: ما يقدر، ما ينطلق لسانُه. فالصواب أن هذه العلة التي لِموسى عليه الصلاة والسلام أنه مِن أصل الخِلْقة وليس هناك تمرة وجمرة. قال: (﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ [القصص ٣٤] معينًا، وفي قراءة بفتح الدال بلا همزة)، كيف نقول؟ ﴿رَدًّا﴾ ، يعني ما (...) ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾. فهِمَ موسى عليه الصلاة والسلام أنَّ الله أرسله إلى فرعون من قوله: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [القصص ٣٢]، ولهذا قال: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ فهنا عرَف أنَّه رسول. وقوله: ﴿مَعِيَ﴾، المعية بمعنى المُصاحَبة والمُقارَنة، وهي في كل موضع بِحسَبه، أي بحسب ما تُضاف إليه، وتقتضي في كل موضع غيرَ ما تقتضيه في الموضع الآخر، فالرجل إذا قِيل: معه زوجته، ليس مثلما إذا قيل: القائد معه جنوده، أو لا؟ فبينهما فرق. وكذلك إذا قيل: اللبن مع الماء، يعني ممتزجًا مختلطًا به. وهنا: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ غير مَعِيَّة الزوج لِزوجته ومعية اللبن للماء، ولكنها مصاحَبة يُرَاد بها التأييد والنصر، ولهذا قال: ﴿رِدْءًا﴾، والردء: المُعِين الظهير للشخص. ﴿يُصَدِّقُنِي﴾، أيش معنى ﴿يُصَدِّقُنِي﴾؟ أي: يكون مُصَدِّقًا لي أمامَهم حتى يقوى قولِي به ويكون صدقًا، وليس المعنى أنه يقول: أنت صادق. ولكن إذا قَوَّى كلامُه كلامي صار ذلك مُوجِبًا لتصديقِه. قال: (بالجزم جواب الدعاء، وفي قراءة بالرفع وجملته صفة ﴿رِدْءًا﴾ ). (بالجزم) تقول: ﴿يُصَدِّقْنِي﴾ تكون جوابًا للدعاء، وين الدعاء؟ ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ﴾، وهو واضح، يعني إنْ أرسلْتَهُ صدَّقَني. (وفي قراءة أخرى) في قراءة سبعيَّة ولَّا شاذة؟ سبعية؛ لأن قاعدة المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: (في قراءة) فهي سبعية، وإذا قال: (وقرئَ) فهي شاذة. قال: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ وجملته على قراءة الرفع صفةُ ﴿رِدْءًا﴾، يعني: ردءًا مُصَدِّقًا لي، هذا هو التفصيل. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، طيب، الفائدة مِن القراءتين (...) فائدة، وهي أن قوله: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ إذا كانت جوابًا فإن معناه أنه يحصُلُ به الصدق، نعم، وإذا كانت صفة فالمعنى أنه يُحاوِل أن (...) أن يكون أو يحاول أن يُبَيِّن للناس أنَّه صادق، فتكون قراءة الرفع على سبيل السبب، وقراءة الجزم على سبيل النتيجة، فيكون هارون فاعلًا مُؤَثِّرًا. قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص ٣٤]، الضمير في ﴿يُكَذِّبُونِ﴾ ضمير الواو يعود على فرعون ومَلَئِه. و﴿أَخَافُ﴾ بمعنى أتوقع وأخشى، وليسَ خوفَ الرعب، ما فيه رعب هنا، ولكنَّه يتوقع ذلك ويخشاه. وقوله: ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾، فيها إشكال من حيث الإعراب؛ لأن المعروف أنَّ ﴿أَنْ﴾ إذا دخلت على الأفعال الخمسة حُذِفَت النون مِنها، وهنا فيها نون؟ والجواب: أنَّ هذه النون نون وقاية، وليست نون إعراب، ولهذا تُشاهِدونها الآن مكسورة. إذن أصله (أنْ يكذِّبونَنِي) أصله (يكذبونني)، فحُذفِت نون الرفع لأجل النصب، وحُذِفَت الياء تخفيفًا. ونظيرها قوله تعالى في سورة الذاريات، قريب منها: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات ٥٩]، إذا وقفتَ عليها فأنت تقف بالسكون، فيفهم الطالب المبتدئ اللي ما عنده معرفة بالنحو أنَّه هنا بقيَت النون مع وجود (لا) الناهية، وهي مع وجود (لا) الناهية يجب حذفها، ولكن نقول: هذه النون في الآية نون الوقاية، بدليل أنك لو وصلتَ لَكَسَرْتها وقلت: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ﴾ [الذاريات ٥٩، ٦٠]، نعم، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: طيب قال المؤلف، نعم، قال الله تعالى: (﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾ [القصص ٣٥] نقويك). الشدّ بمعنى التقوية، والعَضُد هو العظم الكامل في عظْم الذراع والمنكب؛ هذا العضد، وشدُّ العضد كناية عن التقوية وأن اليد هي آلة العمل، فإذا شُدَّ عضدها وقُوِّي صارت قويَّة. والمعنى أننا سنُقويك ونُؤَيِّدك بأخيك ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص ٣٥] هارون، أجاب الله طلبه ولّا لا؟ أجاب الله طلبه، وقال: ﴿سَنَشُدُّ﴾، والسين أيش معناها؟ * طالب: تفيد التسويف. * الشيخ: إي، تفيد التسويف، لكن ويش يقول النحويون في إعرابها؟ * الطالب: (...). * الشيخ: للتنفيس اللي هي للتسويف، سوف، للتنفيس، وتفيد تقوية التأكيد والتقريب، تأكيد الشيء وتقريبه أنه سيكون عن قُرْب. قال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾، ولا شك أنه إذا قال الله له ذلك معناه أنه يتقوى الآن؛ لأنَّ الله وعده لا أن يرسلَ هارون معه فقط، بل سيكون معينًا له على هذا الأمر. (﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ [القصص ٣٥] غلبة)، وهذه بشرى ثانية لهما جميعًا. ﴿وَنَجْعَلُ﴾ نقيض لكما سلطانًا، والمراد بالسلطان هنا يقول المؤلف: (غلبة)، والسلطان في القرآن يأتي بمعنى الغلبة والقدرة، ويأتي بمعنى الدليل؛ لأن الدليل يَتقوى به الإنسان ويكون له به سلطة، قال الله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يونس ٦٨]، أيش معنى ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾؟ يعني: ما عندكم دليلٌ بهذا. وقولُه تعالى: ﴿فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣]، أي: بقوة وغلبة. وقوله: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل ١٠٠]، أي: سيطرته وغلبته. هنا يقول: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ [القصص ٣٥]، يقول: (غلبة) فهو من القسم الثاني. (﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص ٣٥] بسوء)، المعنى: لا ينتهون إليكما بالسوء، فما خفتَ منه، فإنه سوف ينتفي بما جعل الله لك من تأييد بأخيك، وهذه بشرى لهما وتفيد التقوية، وهي نظير قوله تعالى: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. قال المؤلف: (اذهبا ﴿بِآيَاتِنَا﴾ )، كأنَّ المؤلف يرى أن قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ منفصل عن قوله: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾، ولهذا قدَّر لها فعلًا تتعلق به، ويكون على هذا التقدير الوقوف على قوله: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾، ونبدأ فنقول: ﴿بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا﴾ [القصص ٣٥]. طيب، المؤلف قدَّر (اذهبا ﴿بِآيَاتِنَا﴾ )، ثم قال أيضًا (...) ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾، فصار أقرأ الآية على حسب تقدير المؤلف: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾، ﴿بِآيَاتِنَا﴾، ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾؛ لأنه قدَّر (اذهبا ﴿بِآيَاتِنَا﴾ )، ولا يصلح أن نقول: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ تابعة لها؛ لأن مَن اتبعهما لم يذهب بالآيات. فاهمين يا جماعة؟ * طالب: نعم. * الشيخ: طيب هذا وجه. ووجه آخر يقولون: إن قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ متعلق بـ﴿وَنَجْعَلُ﴾: وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا بِآيَاتِنَا، أي: بسبب آياتنا نجعل لكما السلطان، فلا يستطيعون الوصول إليكما ولا إبطالَ دعوتِكما. وعلى هذا يحتاج إلى تقدير في الآية ولَّا لا؟ * طالب: ما يحتاج. * الشيخ: ما يحتاج إلى تقدير، وهل نقف على قوله: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ ولَّا نصل؟ نصِل، فتكون القراءة: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ [القصص ٣٥]، أي: بسبب ما معكما من الآيات، وهذا المعنى هو الصحيح؛ أولًا: لأنه لا يحتاج إلى تقدير؛ لأنَّ التقدير يا جماعة لا بد أن يسبِقَه مرتَبَتَان: المرتبة الأولى: إثبات أن في الكلام حذفًا، والمرتبة الثانية: إثبات أنَّ تقدير المحذوف هو ذاك، أو لا؟ (...) أو غيرها، لا بُد أن يتقدَّم دعواه مرتبتان: المرتبة الأولى: إثبات أن في الكلام حذفًا يحتاج إلى تفسير، والثانية: إثبات أن المقدَّر هو هذا، يعني تعيين المقدر؛ لأنَّه على فرض أنَّ الآية تحتاج إلى تقدير، فإنه قد يُنازَع، ويقال له: ما هذا التقدير الذي قدرت؟ لا نُسَلِّم أن تقدير المحذوف هو هذا (...) كلُّ مَن ادعى حذفًا في آية فإنه يحتاج إلى شيئين أو مرتبتين؛ المرتبة الأولى: إثبات أن في الكلام حذفًا، وبأي طريق نعرف هذا؟ إذا كان الكلام لا يستقيم بدون تقدير علِمْنا أن هناك حذفًا؛ هذه واحدة. المرتبة الثانية: إثبات أن المحذوف هو هذا الشيء الذي قدَّرْتَه؛ إذ مِن الجائز أن يكون المُقَدَّر غيره ولَّا لا؟ وهذا طبعًا تقدير يُعيِّنه السياق؛ لأنَّ السياق هو الذي يُعيِّن نوع المحذوف. طيب، إذا كان الكلام لا يحتاج إلى هذا التقدير، فالأفضل عدمُ التقدير. هذه الآية معناها واضح جدًّا على القول بعدم التقدير، وأنَّ المعنى: نجعل لكما سلطانًا بسبب آياتِنا التي معكما فلا يصلون إليكما، وهذا المعنى أيضًا أوضح مما قدَّره المؤلف وغيرُه؛ لأنه في الحقيقة هو يقول: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ هنا جمع، وفي الأول يقول: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [القصص ٣٢]، فلم يرسلهما الله سبحانه وتعالى حين أرسلهما إلا على آيتين ولَّا آية واحدة؟ آيتين. الصواب إذن أنَّ الآية موصولٌ بعضها ببعض، وأنَّنَا نقرأ: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾، نعم ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾، ويكون متعلقًا بقوله: وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا بِآيَاتِنَا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا. وزعم بعض المُعربِين أن قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ متعلِّق بـ﴿الْغَالِبُونَ﴾، وهذا في المعنى قريب مما ذكرنا، يعني: أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ بِآيَاتِنَا. والغالب بالآيات هو الذي جُعِل له بها سلطان، فيكون على هذا: فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ بِآيَاتِنَا. وهذا لا شك أنه أحسن مِن تقدير المؤلف؛ لأنه ما يحتاج إلى حذف، ولأنه يُوجِب أن يكون كلام بعضُه مُتصلًا ببعض، لكن فيه محذوف من حيث القواعد النحوية، وهي أن ﴿الْغَالِبُونَ﴾ اسم فاعل، و(أل) المتصلة باسم الفاعل أيش هي عند النحويين؟ اسم موصول: وَصفَةٌ صَرِيْحَةٌ صِلَةُ (أَلْ) ∗∗∗ ............................ اسم موصول، والمعروف أن الاسم الموصول لا يعمل ما بعده فيما قبله، لا تعمل صلتُه، فحينئذٍ نحتاج إلى جواب عن هذه القاعدة؟ الجواب قالوا: إنَّ (أل) هنا ليست موصولة، وإنها كألف داخلة على الاسم الجامد، داخلة على الرجل والأسد وما أشبههما. إذن في هذا التقدير فيه مخالفة لِلمعروف مِن القواعد النحوية. نرجع الآن إلى أنَّ الصواب أن نجعل قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ متعلقة بـ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ ونسْلَم مِن كُلِّ ذلك، مِن المخالفات ومِن التقديرات التي نعتمد عليها ومِن تعيين المقدَّر. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾، فيه دليل على أن الله تعالى أعطى موسى وهارون آيات، وقد ذَكَر في سورة أخرى أنه أعطاه تسعَ آيات ولَّا لا؟ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾ [الإسراء ١٠١]. وقوله: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا﴾ مِنين؟ مِن بني إسرائيل ومِن آل فرعون؛ لأنَّ مِن آل فرعون مَن اتبعهما، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر ٢٨]. وقوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا﴾ فيه دليل على أن الإنسان يُنْصَر ويَغلِب باتِّباع الرسل، وأنَّه لا طريقَ إلى النصر والغلبة إلا الدخول في طريق الرسل واتِّباعهم، وعليه فيكون من هذا قاعدة: كل مَن كان للرسول أتبَعَ كان إلى النصر أقرب، وكل مَن كان مِن اتباع الرسول أبعَدَ كان عن النصر أبعد؛ لأنَّه مِن المعلوم في القواعد المقررة: أنَّ الحكم إذا عُلِّقَ بوصف كان ثبوتُه قوةً وضعفًا، ووجودًا وعدمًا، بحسب ذلك الوصف، إذا عُلِّق الحكم على وصف كان ثبوت الحكم كان ذلك الحكم ثُبوتًا وجودًا وعدمًا وقوةً وضعفًا، كَمِّل؟ بحسب ذلك الوصف. مثلًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣]، مَعِيَّتُه للصابرين قُوَّتُها وضعفها بحسب ما معهم مِن الصبر. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل ١٢٨]، وجود المعية للمتقين قوة وضعفًا بِحسَب تقواهم... وهكذا. وقوله: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص ٣٥] ﴿الْغَالِبُونَ﴾ لِمن؟ يقول المؤلف: (﴿الْغَالِبُونَ﴾ لهم)، (...)، لكنَّا إذا أردنا أن نأخذ هذا على سبيل العموم نقول: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ لِلمخالفين، فأتباع الرسل غالبون لِمن خالفوا الرسل، دائمًا وأبدًا ولَّا لا؟ دائمًا وأبدًا، بل إنَّ هذه الأمور (...) على غيرِهم، قال النبي ﷺ: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨) ومسلم (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]]، الله أكبر! ما أعظم هذه الفائدة لو أننا كُنَّا على المستوى الذي ينبغي! لو كُنا مُتَّبعين لهذا النبي الكريم ﷺ على وجه الحقيقة لكان عدونا مرعوبًا مِنَّا مسيرةَ شهر، لكننا مع الأسف الشديد لم نكن متبعين للرسول عليه الصلاة والسلام في الحقيقة، ولذلك صار بأسُنا بيننا، لا مَن يدعي الإسلام منَّا ولا مَن أراد أن ينزوي تحت قاعدة الجاهلية، وهي القوميةُ العربية، فإنها ما انتصرت القومية منذ نشأت إلى اليوم، ولن تنتصر أبدًا، بل لا تزدادُ إلَّا فشلًا وتفرُّقًا وتصدعًا، نعم، وقتالًا فيما بينها. وكذلك أيضًا في الحقيقة ما اجتمعْنا على قومية إسلامية، ما اجتمعنا عليها، فيبقى المسلمون لا على هذا ولا على هذا، ولهذا ما كان لنا النصر الذي وعد الله به نبيَّه ﷺ. قال: (﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ [القصص ٣٦] واضحاتٍ حال). ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ أي: آل فرعون. ﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾، ولم يقل: (وهارون)؛ لأن الرسالة في الأصل لموسى. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ الباء للمصاحبة، يعني مصحوبًا بالآيات. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، جمع آية، وهي العلامات، وأُضِيفت إلى (الله) إضافةَ العَطِيَّة إلى مُعْطِيها؛ لأنَّ هذه الآيات ليست بآيات على الله، لكنها آياتٌ منه على أي شيء؟ على رسالة موسى، وموسى في ضمنها إثبات أن الله وحده هو الإله الحق. ﴿بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ قال: (واضحات)، وقال في إعرابها: (حال)، حال مِنين؟ (...). * طالب: من (آيات). * الشيخ: من (آيات)، ولا يصِحُّ أن تكون صفة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: تصِح ولَّا ما تصِح؟ أعطني الحكم قبل التعليل؟ * الطالب: ما تصح. * الشيخ: ما تصِح؛ لأن (آيات) معرفة، و﴿بَيِّنَاتٍ﴾ نكرة، ولا تُنعت المعرفة بِنكرة، بل إذا جاءت النكرةُ بعدَ المعرفة وهي وصف لها أُعرِبَت حالًا. وفي قولِه: ﴿بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ إقامة للحجة؛ لأن الآية هي علامة، وكلما كانت أظهر كانت الحجة أقوى، فالآيات بينة. جاءهم بالآيات البينات، فأيُّ جواب كان منهم؟ (﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ [القصص ٣٦] مختلق) أعوذ بالله. ﴿مَا هَذَا﴾ أي الذي جئتَ به يا موسى ﴿إِلَّا سِحْرٌ﴾، وهنا نسأل: لماذا لم تعمل (ما)، ولغةُ الحجاز أنَّها تعمل عمل (ليس)؟ لأن ابن مالك يقول؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، يعني معناه بأنَّه يُشترط بقاء النفي، وهنا ما بَقِي النفي، انتقض به (...). قولهم: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾، أيش هو السحر الذي قالوا (...)؟ * طالب: العصا. * الشيخ: العصا واليد، هذا إذا قلنا: إنه يعود على الآيات الحسية. فإن قلنا: إنه يعود إلى الآيات المعنوية، وهي مثل الكلام؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥٧٦٧) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ]]. وقوله: (﴿مُفْتَرًى﴾ مختلق)، وصف الافتراء إلى القول واضح، لكن وصف الافتراء للعصا واليد؛ لأن السحر لا يقلب الأشياء حقيقة، ولكنه يقلبها تخيُّلًا بحسب ما يتخيله المرء، فيكون هذا التخييل مطابِقًا للواقع ولَّا مُخالفًا للواقع؟ وكل ما يخالف الواقع فهو مُفترى، كل ما يخالف الواقع فهو مفترى. خذوا بالكم يا جماعة. فالافتراء هنا إن وُصِف به ما قالاه مِن الرسالة فهو مُشكِل. * طالب: (...). * الشيخ: واضح. إن وُصِف به ما قالاه مِن الرسالة فهو مُشكل ولَّا واضح؟ واضح؛ لأن نسبة الافتراء إلى القول أمر معلوم، لكن إذا وُصِف به ما جاء به من الآيات الحسية، كقلب العصا وخروج اليد بيضاء، فكيف نقول: إنه مفترى؟ يعني لأن السحر لا يقلب الأمر عن حقيقته، لا يغيره عن حقيقته، فيكون ظهوره بغير الحال التي عليها من باب الكذِب والفِرية، ولهذا قالوا: ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾. (﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ كائنًا ﴿فِي﴾ أيام ﴿آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [القصص ٣٦]) (...). ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾. ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ المشار إليه: ما جاء به من الرسالة؛ لأنَّها هي المسموعة، فأما آية اليد والعصا فهي مُشاهَدة مرئية. وقوله: ﴿فِي آبَائِنَا﴾، قال الشارح المؤلف: (كائنًا)، أشار به إلى أن مُتَعَلَّق الجار والمجرور بـ﴿آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ محذوف تقديره (كائنًا). و(كائنًا) هنا على تقدير المؤلف مفعول ثانٍ ولَّا حال؟ حال مِن اسم الإشارة. وقوله: ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ أي: في وقتهم، ولهذا قال: (في أيام آبائنا الأولين) أي: السابقين. وكلامهم هذا صحيح ولَّا كذب؟ * طالب: كذب. * الشيخ: وليش يكذبون؟ * الطالب: (...) ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ﴾. * الشيخ: نعم، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر ٣٤]. إذن قولهم: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [القصص ٣٦]، خبرٌ كذب، فهم كاذبون في هذه الدعوة. ثم على فرض أن الدعوة صحيحة وأنهم ما سمعوا، هل كون هذا لم يوجد في الأولين يقتضي أن يكون باطلًا في الآخرين؟ * طالب: ما يقتضيه. * الشيخ: ما يقتضيه؛ لأن الحق إذا جاء وجَب قبولُه سواءٌ كان موجودًا في الأولين أم غير موجود. فهذه الحجة إذن مُرَكَّبة من كذب وباطل؛ أما الكذب فإنَّ قولهم: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ كذب؛ لأنَّ مؤمنَهم أقام عليهم الحجة بوجود نظير لِما جاء به موسى في قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وأما كونها حجة باطلة على تقدير أنها صحيحةٌ قولًا؛ فلأن عدم وجود ذلك في الأولين لا يقتضى بطلان وجوده في الآخِرين، فإن الله تعالى فعَّال لما يريد، فما دامت الآيات بينات ما فيه حجة بأنها لم توجد فيما سبق. وقوله: ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾، ﴿آبَائِنَا﴾ كيف يقول: ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ وهم آباء؟ لأن الأب يُطلق على الأب المباشر وعلى الجَدِّ وإن علا، قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ﴾ [الحج ٧٨]، وقال يوسف: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف ٣٨]، يعقوب أبوه المباشر، وإسحاق جده، وإبراهيم جدُّ أبيه، سماهم آباءً. وهذا وإن كان فيه التغليب، لكن ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ ما فيه التغليب، يعني ما فيه أب مباشر، ولهذا كان القول الراجح في (...) أن الجد؟ * طالب: يحجب الجد. * الشيخ: يحجب الجد، وأن الله... * الطالب: (...)؟ * الشيخ: هذا خاص بالظاهر، لكن ﴿ومَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ [القصص ٣٦] (...). * * * * يُستفَاد مِن ذلك: جواز تقديم العذر عند الأمر بالشيء ليتخلص من (...) به، نعم، حتى في طاعة ولي الأمر مثلًا لو أمرَكَ، يعني أمرك بشيء، فإن طاعته واجبة في غير معصية، فإنه لا بأس أن تذكر العذر لأجل أن تتخلص مِن هذا الأمر، كما كان الصحابة رضي الله عنهم يقدمون للنبي ﷺ العذر إذا أمرهم بالشيء ليعذرَهم. * ويستفاد منه: أن الخوف الطبيعي لا ينافي مقام الرسالة؛ لقوله: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص ٣٣]. * ويستفاد منه: أن القصاص موجود فيما سبق (...)، موجود في الأمم السابقة؛ لقوله: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ يعني بدل من قتله (...)، فهل نقول: إن هذا على سبيل القصاص أو على سبيل العدوان مِن آل فرعون؟ يعني قد لا يبالون، ولو أننا طبقنا هذا على الحكم الإسلامي لكان ناقصًا؛ لأنه لا يُقتَل مسلم بكافر. فنقول: هذا إما أن يكون، قوله: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ إما أن يكون مِن أجل أن القصاص كان مشهورًا بينهم، أو أنه كان يَخشَى أن يعتدوا عليه بالقتل، وإنْ لم يكن ذلك بحقٍّ، وهو ما دام الاحتمال فإنه لا يمكن أن نعتبره دليلًا على (...). * * * ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾، ماذا؟ * طالب: (...)؟ * الشيخ: سواء، (...). قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص ٣٤]. * يستفاد من هذا: بيان المنة الكبرى من موسى لأخيه، حيث جعل الله تعالى أن يرسله معه، ولهذا يقال: أعظم هدية أهداها خليلٌ لخليلِه هي من كانت من موسى لهارون؛ لأنه سأل الله أن يرسله معه، والرسالة مقام عظيم لا يناله إلا الخيرة من بني آدم. * طالب: (...). * الشيخ: * ومنها أيضًا، مِن الفوائد، من فوائد الآية أيضًا: أنه يجوز للإنسان أن يستعين بغيرِه في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ [القصص ٣٤]. * ومنها أيضًا: أن اتخاذ الأعوان من أسباب النجاة، وهذا أمر معلوم من قديم الزمان وحديثه، أنه كلما كان الإنسان معه مَن يعينه ويساعده كان ذلك أقربَ إلى نجاحِه من انفراده، والعوام يقولون: إن اليد الواحدة ما تصفِّق. * ومنها: أنَّ الفصاحة لها تأثير، فصاحة اللسان لها تأثير قوي في القبول أو الرفض، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥٧٦٧) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ]]؛ لِقوله: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾. * ومنها: فضيلة موسى عليه الصلاة والسلام بإقراره بالفضل لأخيه: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾؛ لأن مِن الناس مَن يكون ناقصًا ولكن ما يستطيع أن يعبر بالكمال لغيره والنقص لنفسه. * ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي للداعي أن يَذكُر مبررات دعوته؛ لأن قوله: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ﴾ [القصص ٣٤] هذا من مبررات دعوته وسؤاله اللهَ تبارك وتعالى أن يرسله معه، وهو أنه أفصح منه لسانًا. وهذا معروف (...) من آداب الدعاة أن الإنسان يذكر مبررات الدعوة، يقول: والله (...). * وفيه أيضًا، يستفاد مِن الآيات الكريمة: أن موسى عليه الصلاة والسلام خاف أن يكذبوه إذا كان وحده، فطلب مزيدًا من العون؛ لأنه كما قلنا: الواحد مع الواحد يكون أقرب للتصديق. * ومنه أيضًا: أن الخبر يزداد ثبوتًا بتعدد مُخْبِريه، ولَّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. * الطالب: هو قال (...). * الشيخ: إي، ما (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: (...) يعينه؛ لأن أصل الرسالة خبر، فإذا كان معه مَن يقويه على هذا الخبر ويثبته ويصدقه فإنه يكون أقوى، وثبوت الخبر بتعدد المخبرين أمر أيضًا معلوم، لكنه (...). * * * ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص ٣٥]. * في هذا: دليل على فضل الله سبحانه وتعالى على عبده، حيث إن الله أجاب دعوة موسى، قال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾. * وفيه: دليل على أن الله أعطى موسى أكثرَ مما سأل؛ لأنه قال: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص ٣٤]، فأعطاه الله أكثر من ذلك، أكثر من كونه أن يصدقه بأن يقويَه أيضًا؛ لأن التصديق معناه الخبر بأنه صادق، لكن التقوية أبلغ، ولهذا قال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾. * ومنها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى قد يَمنُّ على العبد فيجعل له سلطانًا بما آتاه من العلم؛ لقوله: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ ﴿بِآيَاتِنَا﴾ [القصص ٣٥]. * ومنها: أن العلم سلاح؛ لأن السلطان معناه القوة والغلبة، وإذا كان سببه العلم كان ذلك دليلًا على أن العلم سلاح من أعظم ما يُدافع به الإنسان ويحاجج أيضًا. وأظنه مر علينا قصة ابن عمر مع الخادم (...)، فإن هذا لولا علم ابن عمر لكان لهذا الخادم سلطان، لكن ابن عمر كان عنده من العلم ما جعل له السلطة والغلبة على ذلك (...). * ومنها أيضًا، من فوائد الآية: حماية الله سبحانه وتعالى لموسى وهارون؛ لقوله: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص ٣٥]، وهذا نظير قوله: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. * ومنها أيضًا: أن التمسك بشريعة الله سببٌ للغلبة، قال: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص ٣٥]، كل من اتبعكما. (...) ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾. * ومنها: أنه إذا كان هذا في بني إسرائيل أنه مَن اتبع موسى هو الغالب، فمن اتبع النبي عليه الصلاة والسلام من باب أولى، فإن من اتبع النبي ﷺ فإنه غالب، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣]، معنى ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾، أيش معنى ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: يُعَلِّيه؛ لأن الظَّهر والظُّهور كله يدل على الغلبة. قال: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [القصص ٣٥، ٣٦]. * طالب: (...). * * * * الشيخ: ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [القصص ٣٦]. * في هذا يستفاد منه: أن موسى ﷺ نَفَّذ ما أرسله الله به. * ومن فوائدها أيضًا: أن الآيات التي يرسِل الله بها الأنبياء تكون بينةً واضحة؛ لئلا يكون لِلمدعُوِّين حجة في خفاء الحجة، فيجعل الله تعالى الآيات بينة واضحة. وفي الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا آتَاهُ اللهُ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ»[[ أخرج البخاري (٤٩٨١) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». ]]. فلا بدَّ أن تكون الآيات التي يُرسَل بها الرسل تكون بينة واضحة لئلا يبقى للناس حجة. * ومنها أيضًا، من فوائد الآية: أن الآيات التي أعطاها الله موسى ليست واحدة ولا اثنتين، بل هي آيات متعددة يؤمن على مثلها البشر، لكن هؤلاء قوم عُتاة والعياذ بالله. * ومنها، من فوائدها: أن دعوى المكذِّبين للرسل ما تكون إلا مِن نوع المكابرة، فإن قولهم: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾، هل يقتضي ردَّ الحق ولَّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما يقتضي رد الحق، إي ما سمعتموه لكن إذا كان حقًّا فاقبلوه، وليس للإنسان حجة إذا قال: والله هذا ما سمعنا به. * ومنها أيضًا: أن أعداء الرسل يُلقِّبون الرسل بألقاب السوء والعيب؛ لقوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ [القصص ٣٦]، ما عند أعداء الرسل إلا أنهم يلقبونهم بألقاب: هذا ساحر، هذا كذاب، هذا مجنون، هذا شاعر، وما أشبه ذلك. * إذن نأخذ منه أيضًا فائدة متفرعة: أن أعداء الرسل سوف يُلقِّبون من يدعون بدعوة الرسل بمثل هذه الألقاب، فيقولون: كالرجعيين، متأخرون، متزمتون، متشددون، متعصبون.. وما أشبه ذلك، نعم، أو ربما يقولون إلى أبلغ من هذا، يقولون: ضالون، ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]. المهم أنه يجب أن نعرف أن هذه الدعوة -دعوة الحق- لها أعداء، هؤلاء الأعداء الذين قابلوا الرسل بما قابلوهم، والرسل هم الأقوى في القيادة، سيقابلون مَن بعدهم بمثل ما قابلوهم به أو أكثر. إذن فلنطمن أنفسنا على أننا إذا دعونا إلى الله على حق وعلى بصيرة، فسيقولون لنا، فسيقوم أمامنا مَن يقول لنا مثلما قالوا للرسل. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون ١٠٩] (...)، ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]، المهم أنه ما دامت الدعوة واحدة فعدوُّها واحد، وما قيل في الأول يُقال في الثاني. * ومن فوائد الآية: أنه لا ينبغي للمرء أن يثنيَه عن قول الحق ردُّه أو وصفه هو (...)؛ لأن موسى هل توقف لما قالوا له هذا الكلام؟ لا، استمر في الدعوة، وبه قامت الحجة مع أنه هُدِّد بالسجن، ولكنه عليه الصلاة والسلام لم يُبال بهذا، فكذلك ينبغي للداعي إلى الله أن يصبر ما دام يعلم أنه على حق.

القصص 28:34

قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص ٣٤]. أولًا: ما إعراب هذه الجملة ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾؟ ﴿أَخِي﴾ مبتدأ، أو لا؟ (أخي) مبتدأ. فأصل الفائدة قوله: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص ٣٤]، وحينئذٍ نسأل: هل ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل أو ﴿هُوَ﴾ مبتدأ و﴿أَفْصَحُ﴾ خبر، والجملة خبر المبتدأ (...)؛ لأن ضمير الفصل ما (...)، والمبتدأ والخبر مَعرِفتان؛ لأنه في هذه الحال يلتبس الخبر بالفعل، أما إذا كان الخبر نكرة كما هنا فإنَّه يُجعَل مُبتَدأ. قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ﴾ [القصص ٣٤]، أخوه مِن أمه وأبيه ولَّا مِن أبيه؟ مِن أمِّه وأبيه، وأما قوله تعالى: ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه ٩٤] فإنهم ذكروا أنَّ نسبته إلى أمه لأنها أقرب مِن الأب، فذكَّره (...) لِيُشفِق عليه. قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص ٣٤]. ﴿أَفْصَحُ﴾ بمعنى أَبْيَن مِني، وقوله: ﴿لِسَانًا﴾ أي كلامًا، وعبَّر باللسان عن الكلام لأنَّه آلة الكلام، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم ٤] أي بِنطُقِهم ولُغتهم. وقوله: ﴿أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾، لماذا؟ قيل في الإسرائيليات: إنَّ موسى عليه الصلاة والسلام كان في لسانه (...) مِن جمرة أخذها وأكلها، لما فرعون أراد أن يقتله فقالت امرأته: إنَّه طفل لا يدري ولا يعرف، وإذا أردت أن تختبِره فأعطه تمرة وجمرة، فقدم له التمرة والجمرة، الجمرة تتلألأ وهيئتها أجمل من التمر، فأخذ الجمرة ووضعها في فمه، فانعقد لسانه. وهذه إسرائيلية؛ لأنَّ هذا غير ممكن؛ إذ إنه إذا أراد أن يأخذ الجمرة وأخذها ما يستطيع أن يمسكها في يده (...) ولهذا طلب موسى مِن الله أن يحُلَّ هذه العقدة، قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه ٢٧، ٢٨]. وأنتم تشوفون بعض الناس يكون في لسانهم فأفأة، وبعضهم يكون في لسانه تأتأة (...) وبعضهم ما يكون لا هذا ولا هذا لكن ما يستطيع ينطق، تجده إذا أراد أن ينطق -اللهم عافنا- يحمر وجهه، يتعب (...) فالعقدة سواء في صفة الحروف أو في النطق بالحرف، كل هذه مِن العقد. في صفة الحروف: أنه ما يستطيع يطلعه على الوجه الأكمل، أو في نفس النطق: ما يقدر، ما ينطلق لسانُه. فالصواب أن هذه العلة التي لِموسى عليه الصلاة والسلام أنه مِن أصل الخِلْقة وليس هناك تمرة وجمرة. قال: (﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ [القصص ٣٤] معينًا، وفي قراءة بفتح الدال بلا همزة)، كيف نقول؟ ﴿رَدًّا﴾ ، يعني ما (...) ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾. فهِمَ موسى عليه الصلاة والسلام أنَّ الله أرسله إلى فرعون من قوله: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [القصص ٣٢]، ولهذا قال: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ فهنا عرَف أنَّه رسول. وقوله: ﴿مَعِيَ﴾، المعية بمعنى المُصاحَبة والمُقارَنة، وهي في كل موضع بِحسَبه، أي بحسب ما تُضاف إليه، وتقتضي في كل موضع غيرَ ما تقتضيه في الموضع الآخر، فالرجل إذا قِيل: معه زوجته، ليس مثلما إذا قيل: القائد معه جنوده، أو لا؟ فبينهما فرق. وكذلك إذا قيل: اللبن مع الماء، يعني ممتزجًا مختلطًا به. وهنا: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ غير مَعِيَّة الزوج لِزوجته ومعية اللبن للماء، ولكنها مصاحَبة يُرَاد بها التأييد والنصر، ولهذا قال: ﴿رِدْءًا﴾، والردء: المُعِين الظهير للشخص. ﴿يُصَدِّقُنِي﴾، أيش معنى ﴿يُصَدِّقُنِي﴾؟ أي: يكون مُصَدِّقًا لي أمامَهم حتى يقوى قولِي به ويكون صدقًا، وليس المعنى أنه يقول: أنت صادق. ولكن إذا قَوَّى كلامُه كلامي صار ذلك مُوجِبًا لتصديقِه. قال: (بالجزم جواب الدعاء، وفي قراءة بالرفع وجملته صفة ﴿رِدْءًا﴾ ). (بالجزم) تقول: ﴿يُصَدِّقْنِي﴾ تكون جوابًا للدعاء، وين الدعاء؟ ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ﴾، وهو واضح، يعني إنْ أرسلْتَهُ صدَّقَني. (وفي قراءة أخرى) في قراءة سبعيَّة ولَّا شاذة؟ سبعية؛ لأن قاعدة المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: (في قراءة) فهي سبعية، وإذا قال: (وقرئَ) فهي شاذة. قال: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ وجملته على قراءة الرفع صفةُ ﴿رِدْءًا﴾، يعني: ردءًا مُصَدِّقًا لي، هذا هو التفصيل. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، طيب، الفائدة مِن القراءتين (...) فائدة، وهي أن قوله: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ إذا كانت جوابًا فإن معناه أنه يحصُلُ به الصدق، نعم، وإذا كانت صفة فالمعنى أنه يُحاوِل أن (...) أن يكون أو يحاول أن يُبَيِّن للناس أنَّه صادق، فتكون قراءة الرفع على سبيل السبب، وقراءة الجزم على سبيل النتيجة، فيكون هارون فاعلًا مُؤَثِّرًا. قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص ٣٤]، الضمير في ﴿يُكَذِّبُونِ﴾ ضمير الواو يعود على فرعون ومَلَئِه. و﴿أَخَافُ﴾ بمعنى أتوقع وأخشى، وليسَ خوفَ الرعب، ما فيه رعب هنا، ولكنَّه يتوقع ذلك ويخشاه. وقوله: ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾، فيها إشكال من حيث الإعراب؛ لأن المعروف أنَّ ﴿أَنْ﴾ إذا دخلت على الأفعال الخمسة حُذِفَت النون مِنها، وهنا فيها نون؟ والجواب: أنَّ هذه النون نون وقاية، وليست نون إعراب، ولهذا تُشاهِدونها الآن مكسورة. إذن أصله (أنْ يكذِّبونَنِي) أصله (يكذبونني)، فحُذفِت نون الرفع لأجل النصب، وحُذِفَت الياء تخفيفًا. ونظيرها قوله تعالى في سورة الذاريات، قريب منها: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات ٥٩]، إذا وقفتَ عليها فأنت تقف بالسكون، فيفهم الطالب المبتدئ اللي ما عنده معرفة بالنحو أنَّه هنا بقيَت النون مع وجود (لا) الناهية، وهي مع وجود (لا) الناهية يجب حذفها، ولكن نقول: هذه النون في الآية نون الوقاية، بدليل أنك لو وصلتَ لَكَسَرْتها وقلت: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ﴾ [الذاريات ٥٩، ٦٠]، نعم، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: طيب قال المؤلف، نعم، قال الله تعالى: (﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾ [القصص ٣٥] نقويك). الشدّ بمعنى التقوية، والعَضُد هو العظم الكامل في عظْم الذراع والمنكب؛ هذا العضد، وشدُّ العضد كناية عن التقوية وأن اليد هي آلة العمل، فإذا شُدَّ عضدها وقُوِّي صارت قويَّة. والمعنى أننا سنُقويك ونُؤَيِّدك بأخيك ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص ٣٥] هارون، أجاب الله طلبه ولّا لا؟ أجاب الله طلبه، وقال: ﴿سَنَشُدُّ﴾، والسين أيش معناها؟ * طالب: تفيد التسويف. * الشيخ: إي، تفيد التسويف، لكن ويش يقول النحويون في إعرابها؟ * الطالب: (...). * الشيخ: للتنفيس اللي هي للتسويف، سوف، للتنفيس، وتفيد تقوية التأكيد والتقريب، تأكيد الشيء وتقريبه أنه سيكون عن قُرْب. قال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾، ولا شك أنه إذا قال الله له ذلك معناه أنه يتقوى الآن؛ لأنَّ الله وعده لا أن يرسلَ هارون معه فقط، بل سيكون معينًا له على هذا الأمر. (﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ [القصص ٣٥] غلبة)، وهذه بشرى ثانية لهما جميعًا. ﴿وَنَجْعَلُ﴾ نقيض لكما سلطانًا، والمراد بالسلطان هنا يقول المؤلف: (غلبة)، والسلطان في القرآن يأتي بمعنى الغلبة والقدرة، ويأتي بمعنى الدليل؛ لأن الدليل يَتقوى به الإنسان ويكون له به سلطة، قال الله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يونس ٦٨]، أيش معنى ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾؟ يعني: ما عندكم دليلٌ بهذا. وقولُه تعالى: ﴿فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣]، أي: بقوة وغلبة. وقوله: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل ١٠٠]، أي: سيطرته وغلبته. هنا يقول: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ [القصص ٣٥]، يقول: (غلبة) فهو من القسم الثاني. (﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص ٣٥] بسوء)، المعنى: لا ينتهون إليكما بالسوء، فما خفتَ منه، فإنه سوف ينتفي بما جعل الله لك من تأييد بأخيك، وهذه بشرى لهما وتفيد التقوية، وهي نظير قوله تعالى: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. قال المؤلف: (اذهبا ﴿بِآيَاتِنَا﴾ )، كأنَّ المؤلف يرى أن قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ منفصل عن قوله: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾، ولهذا قدَّر لها فعلًا تتعلق به، ويكون على هذا التقدير الوقوف على قوله: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾، ونبدأ فنقول: ﴿بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا﴾ [القصص ٣٥]. طيب، المؤلف قدَّر (اذهبا ﴿بِآيَاتِنَا﴾ )، ثم قال أيضًا (...) ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾، فصار أقرأ الآية على حسب تقدير المؤلف: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾، ﴿بِآيَاتِنَا﴾، ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾؛ لأنه قدَّر (اذهبا ﴿بِآيَاتِنَا﴾ )، ولا يصلح أن نقول: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ تابعة لها؛ لأن مَن اتبعهما لم يذهب بالآيات. فاهمين يا جماعة؟ * طالب: نعم. * الشيخ: طيب هذا وجه. ووجه آخر يقولون: إن قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ متعلق بـ﴿وَنَجْعَلُ﴾: وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا بِآيَاتِنَا، أي: بسبب آياتنا نجعل لكما السلطان، فلا يستطيعون الوصول إليكما ولا إبطالَ دعوتِكما. وعلى هذا يحتاج إلى تقدير في الآية ولَّا لا؟ * طالب: ما يحتاج. * الشيخ: ما يحتاج إلى تقدير، وهل نقف على قوله: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ ولَّا نصل؟ نصِل، فتكون القراءة: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ [القصص ٣٥]، أي: بسبب ما معكما من الآيات، وهذا المعنى هو الصحيح؛ أولًا: لأنه لا يحتاج إلى تقدير؛ لأنَّ التقدير يا جماعة لا بد أن يسبِقَه مرتَبَتَان: المرتبة الأولى: إثبات أن في الكلام حذفًا، والمرتبة الثانية: إثبات أنَّ تقدير المحذوف هو ذاك، أو لا؟ (...) أو غيرها، لا بُد أن يتقدَّم دعواه مرتبتان: المرتبة الأولى: إثبات أن في الكلام حذفًا يحتاج إلى تفسير، والثانية: إثبات أن المقدَّر هو هذا، يعني تعيين المقدر؛ لأنَّه على فرض أنَّ الآية تحتاج إلى تقدير، فإنه قد يُنازَع، ويقال له: ما هذا التقدير الذي قدرت؟ لا نُسَلِّم أن تقدير المحذوف هو هذا (...) كلُّ مَن ادعى حذفًا في آية فإنه يحتاج إلى شيئين أو مرتبتين؛ المرتبة الأولى: إثبات أن في الكلام حذفًا، وبأي طريق نعرف هذا؟ إذا كان الكلام لا يستقيم بدون تقدير علِمْنا أن هناك حذفًا؛ هذه واحدة. المرتبة الثانية: إثبات أن المحذوف هو هذا الشيء الذي قدَّرْتَه؛ إذ مِن الجائز أن يكون المُقَدَّر غيره ولَّا لا؟ وهذا طبعًا تقدير يُعيِّنه السياق؛ لأنَّ السياق هو الذي يُعيِّن نوع المحذوف. طيب، إذا كان الكلام لا يحتاج إلى هذا التقدير، فالأفضل عدمُ التقدير. هذه الآية معناها واضح جدًّا على القول بعدم التقدير، وأنَّ المعنى: نجعل لكما سلطانًا بسبب آياتِنا التي معكما فلا يصلون إليكما، وهذا المعنى أيضًا أوضح مما قدَّره المؤلف وغيرُه؛ لأنه في الحقيقة هو يقول: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ هنا جمع، وفي الأول يقول: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [القصص ٣٢]، فلم يرسلهما الله سبحانه وتعالى حين أرسلهما إلا على آيتين ولَّا آية واحدة؟ آيتين. الصواب إذن أنَّ الآية موصولٌ بعضها ببعض، وأنَّنَا نقرأ: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾، نعم ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾، ويكون متعلقًا بقوله: وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا بِآيَاتِنَا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا. وزعم بعض المُعربِين أن قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ متعلِّق بـ﴿الْغَالِبُونَ﴾، وهذا في المعنى قريب مما ذكرنا، يعني: أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ بِآيَاتِنَا. والغالب بالآيات هو الذي جُعِل له بها سلطان، فيكون على هذا: فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ بِآيَاتِنَا. وهذا لا شك أنه أحسن مِن تقدير المؤلف؛ لأنه ما يحتاج إلى حذف، ولأنه يُوجِب أن يكون كلام بعضُه مُتصلًا ببعض، لكن فيه محذوف من حيث القواعد النحوية، وهي أن ﴿الْغَالِبُونَ﴾ اسم فاعل، و(أل) المتصلة باسم الفاعل أيش هي عند النحويين؟ اسم موصول: وَصفَةٌ صَرِيْحَةٌ صِلَةُ (أَلْ) ∗∗∗ ............................ اسم موصول، والمعروف أن الاسم الموصول لا يعمل ما بعده فيما قبله، لا تعمل صلتُه، فحينئذٍ نحتاج إلى جواب عن هذه القاعدة؟ الجواب قالوا: إنَّ (أل) هنا ليست موصولة، وإنها كألف داخلة على الاسم الجامد، داخلة على الرجل والأسد وما أشبههما. إذن في هذا التقدير فيه مخالفة لِلمعروف مِن القواعد النحوية. نرجع الآن إلى أنَّ الصواب أن نجعل قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ متعلقة بـ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ ونسْلَم مِن كُلِّ ذلك، مِن المخالفات ومِن التقديرات التي نعتمد عليها ومِن تعيين المقدَّر. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾، فيه دليل على أن الله تعالى أعطى موسى وهارون آيات، وقد ذَكَر في سورة أخرى أنه أعطاه تسعَ آيات ولَّا لا؟ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾ [الإسراء ١٠١]. وقوله: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا﴾ مِنين؟ مِن بني إسرائيل ومِن آل فرعون؛ لأنَّ مِن آل فرعون مَن اتبعهما، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر ٢٨]. وقوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا﴾ فيه دليل على أن الإنسان يُنْصَر ويَغلِب باتِّباع الرسل، وأنَّه لا طريقَ إلى النصر والغلبة إلا الدخول في طريق الرسل واتِّباعهم، وعليه فيكون من هذا قاعدة: كل مَن كان للرسول أتبَعَ كان إلى النصر أقرب، وكل مَن كان مِن اتباع الرسول أبعَدَ كان عن النصر أبعد؛ لأنَّه مِن المعلوم في القواعد المقررة: أنَّ الحكم إذا عُلِّقَ بوصف كان ثبوتُه قوةً وضعفًا، ووجودًا وعدمًا، بحسب ذلك الوصف، إذا عُلِّق الحكم على وصف كان ثبوت الحكم كان ذلك الحكم ثُبوتًا وجودًا وعدمًا وقوةً وضعفًا، كَمِّل؟ بحسب ذلك الوصف. مثلًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣]، مَعِيَّتُه للصابرين قُوَّتُها وضعفها بحسب ما معهم مِن الصبر. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل ١٢٨]، وجود المعية للمتقين قوة وضعفًا بِحسَب تقواهم... وهكذا. وقوله: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص ٣٥] ﴿الْغَالِبُونَ﴾ لِمن؟ يقول المؤلف: (﴿الْغَالِبُونَ﴾ لهم)، (...)، لكنَّا إذا أردنا أن نأخذ هذا على سبيل العموم نقول: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ لِلمخالفين، فأتباع الرسل غالبون لِمن خالفوا الرسل، دائمًا وأبدًا ولَّا لا؟ دائمًا وأبدًا، بل إنَّ هذه الأمور (...) على غيرِهم، قال النبي ﷺ: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨) ومسلم (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]]، الله أكبر! ما أعظم هذه الفائدة لو أننا كُنَّا على المستوى الذي ينبغي! لو كُنا مُتَّبعين لهذا النبي الكريم ﷺ على وجه الحقيقة لكان عدونا مرعوبًا مِنَّا مسيرةَ شهر، لكننا مع الأسف الشديد لم نكن متبعين للرسول عليه الصلاة والسلام في الحقيقة، ولذلك صار بأسُنا بيننا، لا مَن يدعي الإسلام منَّا ولا مَن أراد أن ينزوي تحت قاعدة الجاهلية، وهي القوميةُ العربية، فإنها ما انتصرت القومية منذ نشأت إلى اليوم، ولن تنتصر أبدًا، بل لا تزدادُ إلَّا فشلًا وتفرُّقًا وتصدعًا، نعم، وقتالًا فيما بينها. وكذلك أيضًا في الحقيقة ما اجتمعْنا على قومية إسلامية، ما اجتمعنا عليها، فيبقى المسلمون لا على هذا ولا على هذا، ولهذا ما كان لنا النصر الذي وعد الله به نبيَّه ﷺ. قال: (﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ [القصص ٣٦] واضحاتٍ حال). ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ أي: آل فرعون. ﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾، ولم يقل: (وهارون)؛ لأن الرسالة في الأصل لموسى. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ الباء للمصاحبة، يعني مصحوبًا بالآيات. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، جمع آية، وهي العلامات، وأُضِيفت إلى (الله) إضافةَ العَطِيَّة إلى مُعْطِيها؛ لأنَّ هذه الآيات ليست بآيات على الله، لكنها آياتٌ منه على أي شيء؟ على رسالة موسى، وموسى في ضمنها إثبات أن الله وحده هو الإله الحق. ﴿بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ قال: (واضحات)، وقال في إعرابها: (حال)، حال مِنين؟ (...). * طالب: من (آيات). * الشيخ: من (آيات)، ولا يصِحُّ أن تكون صفة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: تصِح ولَّا ما تصِح؟ أعطني الحكم قبل التعليل؟ * الطالب: ما تصح. * الشيخ: ما تصِح؛ لأن (آيات) معرفة، و﴿بَيِّنَاتٍ﴾ نكرة، ولا تُنعت المعرفة بِنكرة، بل إذا جاءت النكرةُ بعدَ المعرفة وهي وصف لها أُعرِبَت حالًا. وفي قولِه: ﴿بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ إقامة للحجة؛ لأن الآية هي علامة، وكلما كانت أظهر كانت الحجة أقوى، فالآيات بينة. جاءهم بالآيات البينات، فأيُّ جواب كان منهم؟ (﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ [القصص ٣٦] مختلق) أعوذ بالله. ﴿مَا هَذَا﴾ أي الذي جئتَ به يا موسى ﴿إِلَّا سِحْرٌ﴾، وهنا نسأل: لماذا لم تعمل (ما)، ولغةُ الحجاز أنَّها تعمل عمل (ليس)؟ لأن ابن مالك يقول؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، يعني معناه بأنَّه يُشترط بقاء النفي، وهنا ما بَقِي النفي، انتقض به (...). قولهم: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾، أيش هو السحر الذي قالوا (...)؟ * طالب: العصا. * الشيخ: العصا واليد، هذا إذا قلنا: إنه يعود على الآيات الحسية. فإن قلنا: إنه يعود إلى الآيات المعنوية، وهي مثل الكلام؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥٧٦٧) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ]]. وقوله: (﴿مُفْتَرًى﴾ مختلق)، وصف الافتراء إلى القول واضح، لكن وصف الافتراء للعصا واليد؛ لأن السحر لا يقلب الأشياء حقيقة، ولكنه يقلبها تخيُّلًا بحسب ما يتخيله المرء، فيكون هذا التخييل مطابِقًا للواقع ولَّا مُخالفًا للواقع؟ وكل ما يخالف الواقع فهو مُفترى، كل ما يخالف الواقع فهو مفترى. خذوا بالكم يا جماعة. فالافتراء هنا إن وُصِف به ما قالاه مِن الرسالة فهو مُشكِل. * طالب: (...). * الشيخ: واضح. إن وُصِف به ما قالاه مِن الرسالة فهو مُشكل ولَّا واضح؟ واضح؛ لأن نسبة الافتراء إلى القول أمر معلوم، لكن إذا وُصِف به ما جاء به من الآيات الحسية، كقلب العصا وخروج اليد بيضاء، فكيف نقول: إنه مفترى؟ يعني لأن السحر لا يقلب الأمر عن حقيقته، لا يغيره عن حقيقته، فيكون ظهوره بغير الحال التي عليها من باب الكذِب والفِرية، ولهذا قالوا: ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾. (﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ كائنًا ﴿فِي﴾ أيام ﴿آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [القصص ٣٦]) (...). ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾. ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ المشار إليه: ما جاء به من الرسالة؛ لأنَّها هي المسموعة، فأما آية اليد والعصا فهي مُشاهَدة مرئية. وقوله: ﴿فِي آبَائِنَا﴾، قال الشارح المؤلف: (كائنًا)، أشار به إلى أن مُتَعَلَّق الجار والمجرور بـ﴿آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ محذوف تقديره (كائنًا). و(كائنًا) هنا على تقدير المؤلف مفعول ثانٍ ولَّا حال؟ حال مِن اسم الإشارة. وقوله: ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ أي: في وقتهم، ولهذا قال: (في أيام آبائنا الأولين) أي: السابقين. وكلامهم هذا صحيح ولَّا كذب؟ * طالب: كذب. * الشيخ: وليش يكذبون؟ * الطالب: (...) ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ﴾. * الشيخ: نعم، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر ٣٤]. إذن قولهم: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [القصص ٣٦]، خبرٌ كذب، فهم كاذبون في هذه الدعوة. ثم على فرض أن الدعوة صحيحة وأنهم ما سمعوا، هل كون هذا لم يوجد في الأولين يقتضي أن يكون باطلًا في الآخرين؟ * طالب: ما يقتضيه. * الشيخ: ما يقتضيه؛ لأن الحق إذا جاء وجَب قبولُه سواءٌ كان موجودًا في الأولين أم غير موجود. فهذه الحجة إذن مُرَكَّبة من كذب وباطل؛ أما الكذب فإنَّ قولهم: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ كذب؛ لأنَّ مؤمنَهم أقام عليهم الحجة بوجود نظير لِما جاء به موسى في قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وأما كونها حجة باطلة على تقدير أنها صحيحةٌ قولًا؛ فلأن عدم وجود ذلك في الأولين لا يقتضى بطلان وجوده في الآخِرين، فإن الله تعالى فعَّال لما يريد، فما دامت الآيات بينات ما فيه حجة بأنها لم توجد فيما سبق. وقوله: ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾، ﴿آبَائِنَا﴾ كيف يقول: ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ وهم آباء؟ لأن الأب يُطلق على الأب المباشر وعلى الجَدِّ وإن علا، قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ﴾ [الحج ٧٨]، وقال يوسف: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف ٣٨]، يعقوب أبوه المباشر، وإسحاق جده، وإبراهيم جدُّ أبيه، سماهم آباءً. وهذا وإن كان فيه التغليب، لكن ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ ما فيه التغليب، يعني ما فيه أب مباشر، ولهذا كان القول الراجح في (...) أن الجد؟ * طالب: يحجب الجد. * الشيخ: يحجب الجد، وأن الله... * الطالب: (...)؟ * الشيخ: هذا خاص بالظاهر، لكن ﴿ومَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ [القصص ٣٦] (...). * * * * يُستفَاد مِن ذلك: جواز تقديم العذر عند الأمر بالشيء ليتخلص من (...) به، نعم، حتى في طاعة ولي الأمر مثلًا لو أمرَكَ، يعني أمرك بشيء، فإن طاعته واجبة في غير معصية، فإنه لا بأس أن تذكر العذر لأجل أن تتخلص مِن هذا الأمر، كما كان الصحابة رضي الله عنهم يقدمون للنبي ﷺ العذر إذا أمرهم بالشيء ليعذرَهم. * ويستفاد منه: أن الخوف الطبيعي لا ينافي مقام الرسالة؛ لقوله: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص ٣٣]. * ويستفاد منه: أن القصاص موجود فيما سبق (...)، موجود في الأمم السابقة؛ لقوله: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ يعني بدل من قتله (...)، فهل نقول: إن هذا على سبيل القصاص أو على سبيل العدوان مِن آل فرعون؟ يعني قد لا يبالون، ولو أننا طبقنا هذا على الحكم الإسلامي لكان ناقصًا؛ لأنه لا يُقتَل مسلم بكافر. فنقول: هذا إما أن يكون، قوله: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ إما أن يكون مِن أجل أن القصاص كان مشهورًا بينهم، أو أنه كان يَخشَى أن يعتدوا عليه بالقتل، وإنْ لم يكن ذلك بحقٍّ، وهو ما دام الاحتمال فإنه لا يمكن أن نعتبره دليلًا على (...). * * * ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾، ماذا؟ * طالب: (...)؟ * الشيخ: سواء، (...). قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص ٣٤]. * يستفاد من هذا: بيان المنة الكبرى من موسى لأخيه، حيث جعل الله تعالى أن يرسله معه، ولهذا يقال: أعظم هدية أهداها خليلٌ لخليلِه هي من كانت من موسى لهارون؛ لأنه سأل الله أن يرسله معه، والرسالة مقام عظيم لا يناله إلا الخيرة من بني آدم. * طالب: (...). * الشيخ: * ومنها أيضًا، مِن الفوائد، من فوائد الآية أيضًا: أنه يجوز للإنسان أن يستعين بغيرِه في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ [القصص ٣٤]. * ومنها أيضًا: أن اتخاذ الأعوان من أسباب النجاة، وهذا أمر معلوم من قديم الزمان وحديثه، أنه كلما كان الإنسان معه مَن يعينه ويساعده كان ذلك أقربَ إلى نجاحِه من انفراده، والعوام يقولون: إن اليد الواحدة ما تصفِّق. * ومنها: أنَّ الفصاحة لها تأثير، فصاحة اللسان لها تأثير قوي في القبول أو الرفض، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥٧٦٧) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ]]؛ لِقوله: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾. * ومنها: فضيلة موسى عليه الصلاة والسلام بإقراره بالفضل لأخيه: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾؛ لأن مِن الناس مَن يكون ناقصًا ولكن ما يستطيع أن يعبر بالكمال لغيره والنقص لنفسه. * ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي للداعي أن يَذكُر مبررات دعوته؛ لأن قوله: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ﴾ [القصص ٣٤] هذا من مبررات دعوته وسؤاله اللهَ تبارك وتعالى أن يرسله معه، وهو أنه أفصح منه لسانًا. وهذا معروف (...) من آداب الدعاة أن الإنسان يذكر مبررات الدعوة، يقول: والله (...). * وفيه أيضًا، يستفاد مِن الآيات الكريمة: أن موسى عليه الصلاة والسلام خاف أن يكذبوه إذا كان وحده، فطلب مزيدًا من العون؛ لأنه كما قلنا: الواحد مع الواحد يكون أقرب للتصديق. * ومنه أيضًا: أن الخبر يزداد ثبوتًا بتعدد مُخْبِريه، ولَّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. * الطالب: هو قال (...). * الشيخ: إي، ما (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: (...) يعينه؛ لأن أصل الرسالة خبر، فإذا كان معه مَن يقويه على هذا الخبر ويثبته ويصدقه فإنه يكون أقوى، وثبوت الخبر بتعدد المخبرين أمر أيضًا معلوم، لكنه (...). * * * ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص ٣٥]. * في هذا: دليل على فضل الله سبحانه وتعالى على عبده، حيث إن الله أجاب دعوة موسى، قال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾. * وفيه: دليل على أن الله أعطى موسى أكثرَ مما سأل؛ لأنه قال: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص ٣٤]، فأعطاه الله أكثر من ذلك، أكثر من كونه أن يصدقه بأن يقويَه أيضًا؛ لأن التصديق معناه الخبر بأنه صادق، لكن التقوية أبلغ، ولهذا قال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾. * ومنها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى قد يَمنُّ على العبد فيجعل له سلطانًا بما آتاه من العلم؛ لقوله: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ ﴿بِآيَاتِنَا﴾ [القصص ٣٥]. * ومنها: أن العلم سلاح؛ لأن السلطان معناه القوة والغلبة، وإذا كان سببه العلم كان ذلك دليلًا على أن العلم سلاح من أعظم ما يُدافع به الإنسان ويحاجج أيضًا. وأظنه مر علينا قصة ابن عمر مع الخادم (...)، فإن هذا لولا علم ابن عمر لكان لهذا الخادم سلطان، لكن ابن عمر كان عنده من العلم ما جعل له السلطة والغلبة على ذلك (...). * ومنها أيضًا، من فوائد الآية: حماية الله سبحانه وتعالى لموسى وهارون؛ لقوله: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص ٣٥]، وهذا نظير قوله: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. * ومنها أيضًا: أن التمسك بشريعة الله سببٌ للغلبة، قال: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص ٣٥]، كل من اتبعكما. (...) ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾. * ومنها: أنه إذا كان هذا في بني إسرائيل أنه مَن اتبع موسى هو الغالب، فمن اتبع النبي عليه الصلاة والسلام من باب أولى، فإن من اتبع النبي ﷺ فإنه غالب، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣]، معنى ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾، أيش معنى ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: يُعَلِّيه؛ لأن الظَّهر والظُّهور كله يدل على الغلبة. قال: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [القصص ٣٥، ٣٦]. * طالب: (...). * * * * الشيخ: ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [القصص ٣٦]. * في هذا يستفاد منه: أن موسى ﷺ نَفَّذ ما أرسله الله به. * ومن فوائدها أيضًا: أن الآيات التي يرسِل الله بها الأنبياء تكون بينةً واضحة؛ لئلا يكون لِلمدعُوِّين حجة في خفاء الحجة، فيجعل الله تعالى الآيات بينة واضحة. وفي الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا آتَاهُ اللهُ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ»[[ أخرج البخاري (٤٩٨١) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». ]]. فلا بدَّ أن تكون الآيات التي يُرسَل بها الرسل تكون بينة واضحة لئلا يبقى للناس حجة. * ومنها أيضًا، من فوائد الآية: أن الآيات التي أعطاها الله موسى ليست واحدة ولا اثنتين، بل هي آيات متعددة يؤمن على مثلها البشر، لكن هؤلاء قوم عُتاة والعياذ بالله. * ومنها، من فوائدها: أن دعوى المكذِّبين للرسل ما تكون إلا مِن نوع المكابرة، فإن قولهم: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾، هل يقتضي ردَّ الحق ولَّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما يقتضي رد الحق، إي ما سمعتموه لكن إذا كان حقًّا فاقبلوه، وليس للإنسان حجة إذا قال: والله هذا ما سمعنا به. * ومنها أيضًا: أن أعداء الرسل يُلقِّبون الرسل بألقاب السوء والعيب؛ لقوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ [القصص ٣٦]، ما عند أعداء الرسل إلا أنهم يلقبونهم بألقاب: هذا ساحر، هذا كذاب، هذا مجنون، هذا شاعر، وما أشبه ذلك. * إذن نأخذ منه أيضًا فائدة متفرعة: أن أعداء الرسل سوف يُلقِّبون من يدعون بدعوة الرسل بمثل هذه الألقاب، فيقولون: كالرجعيين، متأخرون، متزمتون، متشددون، متعصبون.. وما أشبه ذلك، نعم، أو ربما يقولون إلى أبلغ من هذا، يقولون: ضالون، ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]. المهم أنه يجب أن نعرف أن هذه الدعوة -دعوة الحق- لها أعداء، هؤلاء الأعداء الذين قابلوا الرسل بما قابلوهم، والرسل هم الأقوى في القيادة، سيقابلون مَن بعدهم بمثل ما قابلوهم به أو أكثر. إذن فلنطمن أنفسنا على أننا إذا دعونا إلى الله على حق وعلى بصيرة، فسيقولون لنا، فسيقوم أمامنا مَن يقول لنا مثلما قالوا للرسل. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون ١٠٩] (...)، ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]، المهم أنه ما دامت الدعوة واحدة فعدوُّها واحد، وما قيل في الأول يُقال في الثاني. * ومن فوائد الآية: أنه لا ينبغي للمرء أن يثنيَه عن قول الحق ردُّه أو وصفه هو (...)؛ لأن موسى هل توقف لما قالوا له هذا الكلام؟ لا، استمر في الدعوة، وبه قامت الحجة مع أنه هُدِّد بالسجن، ولكنه عليه الصلاة والسلام لم يُبال بهذا، فكذلك ينبغي للداعي إلى الله أن يصبر ما دام يعلم أنه على حق.

القصص 28:35

قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص ٣٤]. أولًا: ما إعراب هذه الجملة ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾؟ ﴿أَخِي﴾ مبتدأ، أو لا؟ (أخي) مبتدأ. فأصل الفائدة قوله: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص ٣٤]، وحينئذٍ نسأل: هل ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل أو ﴿هُوَ﴾ مبتدأ و﴿أَفْصَحُ﴾ خبر، والجملة خبر المبتدأ (...)؛ لأن ضمير الفصل ما (...)، والمبتدأ والخبر مَعرِفتان؛ لأنه في هذه الحال يلتبس الخبر بالفعل، أما إذا كان الخبر نكرة كما هنا فإنَّه يُجعَل مُبتَدأ. قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ﴾ [القصص ٣٤]، أخوه مِن أمه وأبيه ولَّا مِن أبيه؟ مِن أمِّه وأبيه، وأما قوله تعالى: ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه ٩٤] فإنهم ذكروا أنَّ نسبته إلى أمه لأنها أقرب مِن الأب، فذكَّره (...) لِيُشفِق عليه. قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص ٣٤]. ﴿أَفْصَحُ﴾ بمعنى أَبْيَن مِني، وقوله: ﴿لِسَانًا﴾ أي كلامًا، وعبَّر باللسان عن الكلام لأنَّه آلة الكلام، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم ٤] أي بِنطُقِهم ولُغتهم. وقوله: ﴿أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾، لماذا؟ قيل في الإسرائيليات: إنَّ موسى عليه الصلاة والسلام كان في لسانه (...) مِن جمرة أخذها وأكلها، لما فرعون أراد أن يقتله فقالت امرأته: إنَّه طفل لا يدري ولا يعرف، وإذا أردت أن تختبِره فأعطه تمرة وجمرة، فقدم له التمرة والجمرة، الجمرة تتلألأ وهيئتها أجمل من التمر، فأخذ الجمرة ووضعها في فمه، فانعقد لسانه. وهذه إسرائيلية؛ لأنَّ هذا غير ممكن؛ إذ إنه إذا أراد أن يأخذ الجمرة وأخذها ما يستطيع أن يمسكها في يده (...) ولهذا طلب موسى مِن الله أن يحُلَّ هذه العقدة، قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه ٢٧، ٢٨]. وأنتم تشوفون بعض الناس يكون في لسانهم فأفأة، وبعضهم يكون في لسانه تأتأة (...) وبعضهم ما يكون لا هذا ولا هذا لكن ما يستطيع ينطق، تجده إذا أراد أن ينطق -اللهم عافنا- يحمر وجهه، يتعب (...) فالعقدة سواء في صفة الحروف أو في النطق بالحرف، كل هذه مِن العقد. في صفة الحروف: أنه ما يستطيع يطلعه على الوجه الأكمل، أو في نفس النطق: ما يقدر، ما ينطلق لسانُه. فالصواب أن هذه العلة التي لِموسى عليه الصلاة والسلام أنه مِن أصل الخِلْقة وليس هناك تمرة وجمرة. قال: (﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ [القصص ٣٤] معينًا، وفي قراءة بفتح الدال بلا همزة)، كيف نقول؟ ﴿رَدًّا﴾ ، يعني ما (...) ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾. فهِمَ موسى عليه الصلاة والسلام أنَّ الله أرسله إلى فرعون من قوله: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [القصص ٣٢]، ولهذا قال: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ فهنا عرَف أنَّه رسول. وقوله: ﴿مَعِيَ﴾، المعية بمعنى المُصاحَبة والمُقارَنة، وهي في كل موضع بِحسَبه، أي بحسب ما تُضاف إليه، وتقتضي في كل موضع غيرَ ما تقتضيه في الموضع الآخر، فالرجل إذا قِيل: معه زوجته، ليس مثلما إذا قيل: القائد معه جنوده، أو لا؟ فبينهما فرق. وكذلك إذا قيل: اللبن مع الماء، يعني ممتزجًا مختلطًا به. وهنا: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ غير مَعِيَّة الزوج لِزوجته ومعية اللبن للماء، ولكنها مصاحَبة يُرَاد بها التأييد والنصر، ولهذا قال: ﴿رِدْءًا﴾، والردء: المُعِين الظهير للشخص. ﴿يُصَدِّقُنِي﴾، أيش معنى ﴿يُصَدِّقُنِي﴾؟ أي: يكون مُصَدِّقًا لي أمامَهم حتى يقوى قولِي به ويكون صدقًا، وليس المعنى أنه يقول: أنت صادق. ولكن إذا قَوَّى كلامُه كلامي صار ذلك مُوجِبًا لتصديقِه. قال: (بالجزم جواب الدعاء، وفي قراءة بالرفع وجملته صفة ﴿رِدْءًا﴾ ). (بالجزم) تقول: ﴿يُصَدِّقْنِي﴾ تكون جوابًا للدعاء، وين الدعاء؟ ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ﴾، وهو واضح، يعني إنْ أرسلْتَهُ صدَّقَني. (وفي قراءة أخرى) في قراءة سبعيَّة ولَّا شاذة؟ سبعية؛ لأن قاعدة المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: (في قراءة) فهي سبعية، وإذا قال: (وقرئَ) فهي شاذة. قال: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ وجملته على قراءة الرفع صفةُ ﴿رِدْءًا﴾، يعني: ردءًا مُصَدِّقًا لي، هذا هو التفصيل. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، طيب، الفائدة مِن القراءتين (...) فائدة، وهي أن قوله: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ إذا كانت جوابًا فإن معناه أنه يحصُلُ به الصدق، نعم، وإذا كانت صفة فالمعنى أنه يُحاوِل أن (...) أن يكون أو يحاول أن يُبَيِّن للناس أنَّه صادق، فتكون قراءة الرفع على سبيل السبب، وقراءة الجزم على سبيل النتيجة، فيكون هارون فاعلًا مُؤَثِّرًا. قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص ٣٤]، الضمير في ﴿يُكَذِّبُونِ﴾ ضمير الواو يعود على فرعون ومَلَئِه. و﴿أَخَافُ﴾ بمعنى أتوقع وأخشى، وليسَ خوفَ الرعب، ما فيه رعب هنا، ولكنَّه يتوقع ذلك ويخشاه. وقوله: ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾، فيها إشكال من حيث الإعراب؛ لأن المعروف أنَّ ﴿أَنْ﴾ إذا دخلت على الأفعال الخمسة حُذِفَت النون مِنها، وهنا فيها نون؟ والجواب: أنَّ هذه النون نون وقاية، وليست نون إعراب، ولهذا تُشاهِدونها الآن مكسورة. إذن أصله (أنْ يكذِّبونَنِي) أصله (يكذبونني)، فحُذفِت نون الرفع لأجل النصب، وحُذِفَت الياء تخفيفًا. ونظيرها قوله تعالى في سورة الذاريات، قريب منها: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات ٥٩]، إذا وقفتَ عليها فأنت تقف بالسكون، فيفهم الطالب المبتدئ اللي ما عنده معرفة بالنحو أنَّه هنا بقيَت النون مع وجود (لا) الناهية، وهي مع وجود (لا) الناهية يجب حذفها، ولكن نقول: هذه النون في الآية نون الوقاية، بدليل أنك لو وصلتَ لَكَسَرْتها وقلت: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ﴾ [الذاريات ٥٩، ٦٠]، نعم، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: طيب قال المؤلف، نعم، قال الله تعالى: (﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾ [القصص ٣٥] نقويك). الشدّ بمعنى التقوية، والعَضُد هو العظم الكامل في عظْم الذراع والمنكب؛ هذا العضد، وشدُّ العضد كناية عن التقوية وأن اليد هي آلة العمل، فإذا شُدَّ عضدها وقُوِّي صارت قويَّة. والمعنى أننا سنُقويك ونُؤَيِّدك بأخيك ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص ٣٥] هارون، أجاب الله طلبه ولّا لا؟ أجاب الله طلبه، وقال: ﴿سَنَشُدُّ﴾، والسين أيش معناها؟ * طالب: تفيد التسويف. * الشيخ: إي، تفيد التسويف، لكن ويش يقول النحويون في إعرابها؟ * الطالب: (...). * الشيخ: للتنفيس اللي هي للتسويف، سوف، للتنفيس، وتفيد تقوية التأكيد والتقريب، تأكيد الشيء وتقريبه أنه سيكون عن قُرْب. قال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾، ولا شك أنه إذا قال الله له ذلك معناه أنه يتقوى الآن؛ لأنَّ الله وعده لا أن يرسلَ هارون معه فقط، بل سيكون معينًا له على هذا الأمر. (﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ [القصص ٣٥] غلبة)، وهذه بشرى ثانية لهما جميعًا. ﴿وَنَجْعَلُ﴾ نقيض لكما سلطانًا، والمراد بالسلطان هنا يقول المؤلف: (غلبة)، والسلطان في القرآن يأتي بمعنى الغلبة والقدرة، ويأتي بمعنى الدليل؛ لأن الدليل يَتقوى به الإنسان ويكون له به سلطة، قال الله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يونس ٦٨]، أيش معنى ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾؟ يعني: ما عندكم دليلٌ بهذا. وقولُه تعالى: ﴿فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣]، أي: بقوة وغلبة. وقوله: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل ١٠٠]، أي: سيطرته وغلبته. هنا يقول: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ [القصص ٣٥]، يقول: (غلبة) فهو من القسم الثاني. (﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص ٣٥] بسوء)، المعنى: لا ينتهون إليكما بالسوء، فما خفتَ منه، فإنه سوف ينتفي بما جعل الله لك من تأييد بأخيك، وهذه بشرى لهما وتفيد التقوية، وهي نظير قوله تعالى: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. قال المؤلف: (اذهبا ﴿بِآيَاتِنَا﴾ )، كأنَّ المؤلف يرى أن قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ منفصل عن قوله: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾، ولهذا قدَّر لها فعلًا تتعلق به، ويكون على هذا التقدير الوقوف على قوله: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾، ونبدأ فنقول: ﴿بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا﴾ [القصص ٣٥]. طيب، المؤلف قدَّر (اذهبا ﴿بِآيَاتِنَا﴾ )، ثم قال أيضًا (...) ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾، فصار أقرأ الآية على حسب تقدير المؤلف: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾، ﴿بِآيَاتِنَا﴾، ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾؛ لأنه قدَّر (اذهبا ﴿بِآيَاتِنَا﴾ )، ولا يصلح أن نقول: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ تابعة لها؛ لأن مَن اتبعهما لم يذهب بالآيات. فاهمين يا جماعة؟ * طالب: نعم. * الشيخ: طيب هذا وجه. ووجه آخر يقولون: إن قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ متعلق بـ﴿وَنَجْعَلُ﴾: وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا بِآيَاتِنَا، أي: بسبب آياتنا نجعل لكما السلطان، فلا يستطيعون الوصول إليكما ولا إبطالَ دعوتِكما. وعلى هذا يحتاج إلى تقدير في الآية ولَّا لا؟ * طالب: ما يحتاج. * الشيخ: ما يحتاج إلى تقدير، وهل نقف على قوله: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ ولَّا نصل؟ نصِل، فتكون القراءة: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ [القصص ٣٥]، أي: بسبب ما معكما من الآيات، وهذا المعنى هو الصحيح؛ أولًا: لأنه لا يحتاج إلى تقدير؛ لأنَّ التقدير يا جماعة لا بد أن يسبِقَه مرتَبَتَان: المرتبة الأولى: إثبات أن في الكلام حذفًا، والمرتبة الثانية: إثبات أنَّ تقدير المحذوف هو ذاك، أو لا؟ (...) أو غيرها، لا بُد أن يتقدَّم دعواه مرتبتان: المرتبة الأولى: إثبات أن في الكلام حذفًا يحتاج إلى تفسير، والثانية: إثبات أن المقدَّر هو هذا، يعني تعيين المقدر؛ لأنَّه على فرض أنَّ الآية تحتاج إلى تقدير، فإنه قد يُنازَع، ويقال له: ما هذا التقدير الذي قدرت؟ لا نُسَلِّم أن تقدير المحذوف هو هذا (...) كلُّ مَن ادعى حذفًا في آية فإنه يحتاج إلى شيئين أو مرتبتين؛ المرتبة الأولى: إثبات أن في الكلام حذفًا، وبأي طريق نعرف هذا؟ إذا كان الكلام لا يستقيم بدون تقدير علِمْنا أن هناك حذفًا؛ هذه واحدة. المرتبة الثانية: إثبات أن المحذوف هو هذا الشيء الذي قدَّرْتَه؛ إذ مِن الجائز أن يكون المُقَدَّر غيره ولَّا لا؟ وهذا طبعًا تقدير يُعيِّنه السياق؛ لأنَّ السياق هو الذي يُعيِّن نوع المحذوف. طيب، إذا كان الكلام لا يحتاج إلى هذا التقدير، فالأفضل عدمُ التقدير. هذه الآية معناها واضح جدًّا على القول بعدم التقدير، وأنَّ المعنى: نجعل لكما سلطانًا بسبب آياتِنا التي معكما فلا يصلون إليكما، وهذا المعنى أيضًا أوضح مما قدَّره المؤلف وغيرُه؛ لأنه في الحقيقة هو يقول: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ هنا جمع، وفي الأول يقول: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [القصص ٣٢]، فلم يرسلهما الله سبحانه وتعالى حين أرسلهما إلا على آيتين ولَّا آية واحدة؟ آيتين. الصواب إذن أنَّ الآية موصولٌ بعضها ببعض، وأنَّنَا نقرأ: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾، نعم ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾، ويكون متعلقًا بقوله: وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا بِآيَاتِنَا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا. وزعم بعض المُعربِين أن قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ متعلِّق بـ﴿الْغَالِبُونَ﴾، وهذا في المعنى قريب مما ذكرنا، يعني: أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ بِآيَاتِنَا. والغالب بالآيات هو الذي جُعِل له بها سلطان، فيكون على هذا: فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ بِآيَاتِنَا. وهذا لا شك أنه أحسن مِن تقدير المؤلف؛ لأنه ما يحتاج إلى حذف، ولأنه يُوجِب أن يكون كلام بعضُه مُتصلًا ببعض، لكن فيه محذوف من حيث القواعد النحوية، وهي أن ﴿الْغَالِبُونَ﴾ اسم فاعل، و(أل) المتصلة باسم الفاعل أيش هي عند النحويين؟ اسم موصول: وَصفَةٌ صَرِيْحَةٌ صِلَةُ (أَلْ) ∗∗∗ ............................ اسم موصول، والمعروف أن الاسم الموصول لا يعمل ما بعده فيما قبله، لا تعمل صلتُه، فحينئذٍ نحتاج إلى جواب عن هذه القاعدة؟ الجواب قالوا: إنَّ (أل) هنا ليست موصولة، وإنها كألف داخلة على الاسم الجامد، داخلة على الرجل والأسد وما أشبههما. إذن في هذا التقدير فيه مخالفة لِلمعروف مِن القواعد النحوية. نرجع الآن إلى أنَّ الصواب أن نجعل قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ متعلقة بـ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ ونسْلَم مِن كُلِّ ذلك، مِن المخالفات ومِن التقديرات التي نعتمد عليها ومِن تعيين المقدَّر. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾، فيه دليل على أن الله تعالى أعطى موسى وهارون آيات، وقد ذَكَر في سورة أخرى أنه أعطاه تسعَ آيات ولَّا لا؟ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾ [الإسراء ١٠١]. وقوله: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا﴾ مِنين؟ مِن بني إسرائيل ومِن آل فرعون؛ لأنَّ مِن آل فرعون مَن اتبعهما، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر ٢٨]. وقوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا﴾ فيه دليل على أن الإنسان يُنْصَر ويَغلِب باتِّباع الرسل، وأنَّه لا طريقَ إلى النصر والغلبة إلا الدخول في طريق الرسل واتِّباعهم، وعليه فيكون من هذا قاعدة: كل مَن كان للرسول أتبَعَ كان إلى النصر أقرب، وكل مَن كان مِن اتباع الرسول أبعَدَ كان عن النصر أبعد؛ لأنَّه مِن المعلوم في القواعد المقررة: أنَّ الحكم إذا عُلِّقَ بوصف كان ثبوتُه قوةً وضعفًا، ووجودًا وعدمًا، بحسب ذلك الوصف، إذا عُلِّق الحكم على وصف كان ثبوت الحكم كان ذلك الحكم ثُبوتًا وجودًا وعدمًا وقوةً وضعفًا، كَمِّل؟ بحسب ذلك الوصف. مثلًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣]، مَعِيَّتُه للصابرين قُوَّتُها وضعفها بحسب ما معهم مِن الصبر. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل ١٢٨]، وجود المعية للمتقين قوة وضعفًا بِحسَب تقواهم... وهكذا. وقوله: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص ٣٥] ﴿الْغَالِبُونَ﴾ لِمن؟ يقول المؤلف: (﴿الْغَالِبُونَ﴾ لهم)، (...)، لكنَّا إذا أردنا أن نأخذ هذا على سبيل العموم نقول: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ لِلمخالفين، فأتباع الرسل غالبون لِمن خالفوا الرسل، دائمًا وأبدًا ولَّا لا؟ دائمًا وأبدًا، بل إنَّ هذه الأمور (...) على غيرِهم، قال النبي ﷺ: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨) ومسلم (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]]، الله أكبر! ما أعظم هذه الفائدة لو أننا كُنَّا على المستوى الذي ينبغي! لو كُنا مُتَّبعين لهذا النبي الكريم ﷺ على وجه الحقيقة لكان عدونا مرعوبًا مِنَّا مسيرةَ شهر، لكننا مع الأسف الشديد لم نكن متبعين للرسول عليه الصلاة والسلام في الحقيقة، ولذلك صار بأسُنا بيننا، لا مَن يدعي الإسلام منَّا ولا مَن أراد أن ينزوي تحت قاعدة الجاهلية، وهي القوميةُ العربية، فإنها ما انتصرت القومية منذ نشأت إلى اليوم، ولن تنتصر أبدًا، بل لا تزدادُ إلَّا فشلًا وتفرُّقًا وتصدعًا، نعم، وقتالًا فيما بينها. وكذلك أيضًا في الحقيقة ما اجتمعْنا على قومية إسلامية، ما اجتمعنا عليها، فيبقى المسلمون لا على هذا ولا على هذا، ولهذا ما كان لنا النصر الذي وعد الله به نبيَّه ﷺ. قال: (﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ [القصص ٣٦] واضحاتٍ حال). ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ أي: آل فرعون. ﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾، ولم يقل: (وهارون)؛ لأن الرسالة في الأصل لموسى. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ الباء للمصاحبة، يعني مصحوبًا بالآيات. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، جمع آية، وهي العلامات، وأُضِيفت إلى (الله) إضافةَ العَطِيَّة إلى مُعْطِيها؛ لأنَّ هذه الآيات ليست بآيات على الله، لكنها آياتٌ منه على أي شيء؟ على رسالة موسى، وموسى في ضمنها إثبات أن الله وحده هو الإله الحق. ﴿بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ قال: (واضحات)، وقال في إعرابها: (حال)، حال مِنين؟ (...). * طالب: من (آيات). * الشيخ: من (آيات)، ولا يصِحُّ أن تكون صفة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: تصِح ولَّا ما تصِح؟ أعطني الحكم قبل التعليل؟ * الطالب: ما تصح. * الشيخ: ما تصِح؛ لأن (آيات) معرفة، و﴿بَيِّنَاتٍ﴾ نكرة، ولا تُنعت المعرفة بِنكرة، بل إذا جاءت النكرةُ بعدَ المعرفة وهي وصف لها أُعرِبَت حالًا. وفي قولِه: ﴿بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ إقامة للحجة؛ لأن الآية هي علامة، وكلما كانت أظهر كانت الحجة أقوى، فالآيات بينة. جاءهم بالآيات البينات، فأيُّ جواب كان منهم؟ (﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ [القصص ٣٦] مختلق) أعوذ بالله. ﴿مَا هَذَا﴾ أي الذي جئتَ به يا موسى ﴿إِلَّا سِحْرٌ﴾، وهنا نسأل: لماذا لم تعمل (ما)، ولغةُ الحجاز أنَّها تعمل عمل (ليس)؟ لأن ابن مالك يقول؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، يعني معناه بأنَّه يُشترط بقاء النفي، وهنا ما بَقِي النفي، انتقض به (...). قولهم: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾، أيش هو السحر الذي قالوا (...)؟ * طالب: العصا. * الشيخ: العصا واليد، هذا إذا قلنا: إنه يعود على الآيات الحسية. فإن قلنا: إنه يعود إلى الآيات المعنوية، وهي مثل الكلام؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥٧٦٧) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ]]. وقوله: (﴿مُفْتَرًى﴾ مختلق)، وصف الافتراء إلى القول واضح، لكن وصف الافتراء للعصا واليد؛ لأن السحر لا يقلب الأشياء حقيقة، ولكنه يقلبها تخيُّلًا بحسب ما يتخيله المرء، فيكون هذا التخييل مطابِقًا للواقع ولَّا مُخالفًا للواقع؟ وكل ما يخالف الواقع فهو مُفترى، كل ما يخالف الواقع فهو مفترى. خذوا بالكم يا جماعة. فالافتراء هنا إن وُصِف به ما قالاه مِن الرسالة فهو مُشكِل. * طالب: (...). * الشيخ: واضح. إن وُصِف به ما قالاه مِن الرسالة فهو مُشكل ولَّا واضح؟ واضح؛ لأن نسبة الافتراء إلى القول أمر معلوم، لكن إذا وُصِف به ما جاء به من الآيات الحسية، كقلب العصا وخروج اليد بيضاء، فكيف نقول: إنه مفترى؟ يعني لأن السحر لا يقلب الأمر عن حقيقته، لا يغيره عن حقيقته، فيكون ظهوره بغير الحال التي عليها من باب الكذِب والفِرية، ولهذا قالوا: ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾. (﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ كائنًا ﴿فِي﴾ أيام ﴿آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [القصص ٣٦]) (...). ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾. ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ المشار إليه: ما جاء به من الرسالة؛ لأنَّها هي المسموعة، فأما آية اليد والعصا فهي مُشاهَدة مرئية. وقوله: ﴿فِي آبَائِنَا﴾، قال الشارح المؤلف: (كائنًا)، أشار به إلى أن مُتَعَلَّق الجار والمجرور بـ﴿آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ محذوف تقديره (كائنًا). و(كائنًا) هنا على تقدير المؤلف مفعول ثانٍ ولَّا حال؟ حال مِن اسم الإشارة. وقوله: ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ أي: في وقتهم، ولهذا قال: (في أيام آبائنا الأولين) أي: السابقين. وكلامهم هذا صحيح ولَّا كذب؟ * طالب: كذب. * الشيخ: وليش يكذبون؟ * الطالب: (...) ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ﴾. * الشيخ: نعم، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر ٣٤]. إذن قولهم: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [القصص ٣٦]، خبرٌ كذب، فهم كاذبون في هذه الدعوة. ثم على فرض أن الدعوة صحيحة وأنهم ما سمعوا، هل كون هذا لم يوجد في الأولين يقتضي أن يكون باطلًا في الآخرين؟ * طالب: ما يقتضيه. * الشيخ: ما يقتضيه؛ لأن الحق إذا جاء وجَب قبولُه سواءٌ كان موجودًا في الأولين أم غير موجود. فهذه الحجة إذن مُرَكَّبة من كذب وباطل؛ أما الكذب فإنَّ قولهم: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ كذب؛ لأنَّ مؤمنَهم أقام عليهم الحجة بوجود نظير لِما جاء به موسى في قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وأما كونها حجة باطلة على تقدير أنها صحيحةٌ قولًا؛ فلأن عدم وجود ذلك في الأولين لا يقتضى بطلان وجوده في الآخِرين، فإن الله تعالى فعَّال لما يريد، فما دامت الآيات بينات ما فيه حجة بأنها لم توجد فيما سبق. وقوله: ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾، ﴿آبَائِنَا﴾ كيف يقول: ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ وهم آباء؟ لأن الأب يُطلق على الأب المباشر وعلى الجَدِّ وإن علا، قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ﴾ [الحج ٧٨]، وقال يوسف: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف ٣٨]، يعقوب أبوه المباشر، وإسحاق جده، وإبراهيم جدُّ أبيه، سماهم آباءً. وهذا وإن كان فيه التغليب، لكن ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ ما فيه التغليب، يعني ما فيه أب مباشر، ولهذا كان القول الراجح في (...) أن الجد؟ * طالب: يحجب الجد. * الشيخ: يحجب الجد، وأن الله... * الطالب: (...)؟ * الشيخ: هذا خاص بالظاهر، لكن ﴿ومَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ [القصص ٣٦] (...). * * * * يُستفَاد مِن ذلك: جواز تقديم العذر عند الأمر بالشيء ليتخلص من (...) به، نعم، حتى في طاعة ولي الأمر مثلًا لو أمرَكَ، يعني أمرك بشيء، فإن طاعته واجبة في غير معصية، فإنه لا بأس أن تذكر العذر لأجل أن تتخلص مِن هذا الأمر، كما كان الصحابة رضي الله عنهم يقدمون للنبي ﷺ العذر إذا أمرهم بالشيء ليعذرَهم. * ويستفاد منه: أن الخوف الطبيعي لا ينافي مقام الرسالة؛ لقوله: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص ٣٣]. * ويستفاد منه: أن القصاص موجود فيما سبق (...)، موجود في الأمم السابقة؛ لقوله: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ يعني بدل من قتله (...)، فهل نقول: إن هذا على سبيل القصاص أو على سبيل العدوان مِن آل فرعون؟ يعني قد لا يبالون، ولو أننا طبقنا هذا على الحكم الإسلامي لكان ناقصًا؛ لأنه لا يُقتَل مسلم بكافر. فنقول: هذا إما أن يكون، قوله: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ إما أن يكون مِن أجل أن القصاص كان مشهورًا بينهم، أو أنه كان يَخشَى أن يعتدوا عليه بالقتل، وإنْ لم يكن ذلك بحقٍّ، وهو ما دام الاحتمال فإنه لا يمكن أن نعتبره دليلًا على (...). * * * ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾، ماذا؟ * طالب: (...)؟ * الشيخ: سواء، (...). قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص ٣٤]. * يستفاد من هذا: بيان المنة الكبرى من موسى لأخيه، حيث جعل الله تعالى أن يرسله معه، ولهذا يقال: أعظم هدية أهداها خليلٌ لخليلِه هي من كانت من موسى لهارون؛ لأنه سأل الله أن يرسله معه، والرسالة مقام عظيم لا يناله إلا الخيرة من بني آدم. * طالب: (...). * الشيخ: * ومنها أيضًا، مِن الفوائد، من فوائد الآية أيضًا: أنه يجوز للإنسان أن يستعين بغيرِه في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ [القصص ٣٤]. * ومنها أيضًا: أن اتخاذ الأعوان من أسباب النجاة، وهذا أمر معلوم من قديم الزمان وحديثه، أنه كلما كان الإنسان معه مَن يعينه ويساعده كان ذلك أقربَ إلى نجاحِه من انفراده، والعوام يقولون: إن اليد الواحدة ما تصفِّق. * ومنها: أنَّ الفصاحة لها تأثير، فصاحة اللسان لها تأثير قوي في القبول أو الرفض، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥٧٦٧) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ]]؛ لِقوله: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾. * ومنها: فضيلة موسى عليه الصلاة والسلام بإقراره بالفضل لأخيه: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾؛ لأن مِن الناس مَن يكون ناقصًا ولكن ما يستطيع أن يعبر بالكمال لغيره والنقص لنفسه. * ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي للداعي أن يَذكُر مبررات دعوته؛ لأن قوله: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ﴾ [القصص ٣٤] هذا من مبررات دعوته وسؤاله اللهَ تبارك وتعالى أن يرسله معه، وهو أنه أفصح منه لسانًا. وهذا معروف (...) من آداب الدعاة أن الإنسان يذكر مبررات الدعوة، يقول: والله (...). * وفيه أيضًا، يستفاد مِن الآيات الكريمة: أن موسى عليه الصلاة والسلام خاف أن يكذبوه إذا كان وحده، فطلب مزيدًا من العون؛ لأنه كما قلنا: الواحد مع الواحد يكون أقرب للتصديق. * ومنه أيضًا: أن الخبر يزداد ثبوتًا بتعدد مُخْبِريه، ولَّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. * الطالب: هو قال (...). * الشيخ: إي، ما (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: (...) يعينه؛ لأن أصل الرسالة خبر، فإذا كان معه مَن يقويه على هذا الخبر ويثبته ويصدقه فإنه يكون أقوى، وثبوت الخبر بتعدد المخبرين أمر أيضًا معلوم، لكنه (...). * * * ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص ٣٥]. * في هذا: دليل على فضل الله سبحانه وتعالى على عبده، حيث إن الله أجاب دعوة موسى، قال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾. * وفيه: دليل على أن الله أعطى موسى أكثرَ مما سأل؛ لأنه قال: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص ٣٤]، فأعطاه الله أكثر من ذلك، أكثر من كونه أن يصدقه بأن يقويَه أيضًا؛ لأن التصديق معناه الخبر بأنه صادق، لكن التقوية أبلغ، ولهذا قال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾. * ومنها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى قد يَمنُّ على العبد فيجعل له سلطانًا بما آتاه من العلم؛ لقوله: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ ﴿بِآيَاتِنَا﴾ [القصص ٣٥]. * ومنها: أن العلم سلاح؛ لأن السلطان معناه القوة والغلبة، وإذا كان سببه العلم كان ذلك دليلًا على أن العلم سلاح من أعظم ما يُدافع به الإنسان ويحاجج أيضًا. وأظنه مر علينا قصة ابن عمر مع الخادم (...)، فإن هذا لولا علم ابن عمر لكان لهذا الخادم سلطان، لكن ابن عمر كان عنده من العلم ما جعل له السلطة والغلبة على ذلك (...). * ومنها أيضًا، من فوائد الآية: حماية الله سبحانه وتعالى لموسى وهارون؛ لقوله: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص ٣٥]، وهذا نظير قوله: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. * ومنها أيضًا: أن التمسك بشريعة الله سببٌ للغلبة، قال: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص ٣٥]، كل من اتبعكما. (...) ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾. * ومنها: أنه إذا كان هذا في بني إسرائيل أنه مَن اتبع موسى هو الغالب، فمن اتبع النبي عليه الصلاة والسلام من باب أولى، فإن من اتبع النبي ﷺ فإنه غالب، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣]، معنى ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾، أيش معنى ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: يُعَلِّيه؛ لأن الظَّهر والظُّهور كله يدل على الغلبة. قال: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [القصص ٣٥، ٣٦]. * طالب: (...). * * * * الشيخ: ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [القصص ٣٦]. * في هذا يستفاد منه: أن موسى ﷺ نَفَّذ ما أرسله الله به. * ومن فوائدها أيضًا: أن الآيات التي يرسِل الله بها الأنبياء تكون بينةً واضحة؛ لئلا يكون لِلمدعُوِّين حجة في خفاء الحجة، فيجعل الله تعالى الآيات بينة واضحة. وفي الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا آتَاهُ اللهُ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ»[[ أخرج البخاري (٤٩٨١) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». ]]. فلا بدَّ أن تكون الآيات التي يُرسَل بها الرسل تكون بينة واضحة لئلا يبقى للناس حجة. * ومنها أيضًا، من فوائد الآية: أن الآيات التي أعطاها الله موسى ليست واحدة ولا اثنتين، بل هي آيات متعددة يؤمن على مثلها البشر، لكن هؤلاء قوم عُتاة والعياذ بالله. * ومنها، من فوائدها: أن دعوى المكذِّبين للرسل ما تكون إلا مِن نوع المكابرة، فإن قولهم: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾، هل يقتضي ردَّ الحق ولَّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما يقتضي رد الحق، إي ما سمعتموه لكن إذا كان حقًّا فاقبلوه، وليس للإنسان حجة إذا قال: والله هذا ما سمعنا به. * ومنها أيضًا: أن أعداء الرسل يُلقِّبون الرسل بألقاب السوء والعيب؛ لقوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ [القصص ٣٦]، ما عند أعداء الرسل إلا أنهم يلقبونهم بألقاب: هذا ساحر، هذا كذاب، هذا مجنون، هذا شاعر، وما أشبه ذلك. * إذن نأخذ منه أيضًا فائدة متفرعة: أن أعداء الرسل سوف يُلقِّبون من يدعون بدعوة الرسل بمثل هذه الألقاب، فيقولون: كالرجعيين، متأخرون، متزمتون، متشددون، متعصبون.. وما أشبه ذلك، نعم، أو ربما يقولون إلى أبلغ من هذا، يقولون: ضالون، ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]. المهم أنه يجب أن نعرف أن هذه الدعوة -دعوة الحق- لها أعداء، هؤلاء الأعداء الذين قابلوا الرسل بما قابلوهم، والرسل هم الأقوى في القيادة، سيقابلون مَن بعدهم بمثل ما قابلوهم به أو أكثر. إذن فلنطمن أنفسنا على أننا إذا دعونا إلى الله على حق وعلى بصيرة، فسيقولون لنا، فسيقوم أمامنا مَن يقول لنا مثلما قالوا للرسل. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون ١٠٩] (...)، ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]، المهم أنه ما دامت الدعوة واحدة فعدوُّها واحد، وما قيل في الأول يُقال في الثاني. * ومن فوائد الآية: أنه لا ينبغي للمرء أن يثنيَه عن قول الحق ردُّه أو وصفه هو (...)؛ لأن موسى هل توقف لما قالوا له هذا الكلام؟ لا، استمر في الدعوة، وبه قامت الحجة مع أنه هُدِّد بالسجن، ولكنه عليه الصلاة والسلام لم يُبال بهذا، فكذلك ينبغي للداعي إلى الله أن يصبر ما دام يعلم أنه على حق.

القصص 28:36

قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص ٣٤]. أولًا: ما إعراب هذه الجملة ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾؟ ﴿أَخِي﴾ مبتدأ، أو لا؟ (أخي) مبتدأ. فأصل الفائدة قوله: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص ٣٤]، وحينئذٍ نسأل: هل ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل أو ﴿هُوَ﴾ مبتدأ و﴿أَفْصَحُ﴾ خبر، والجملة خبر المبتدأ (...)؛ لأن ضمير الفصل ما (...)، والمبتدأ والخبر مَعرِفتان؛ لأنه في هذه الحال يلتبس الخبر بالفعل، أما إذا كان الخبر نكرة كما هنا فإنَّه يُجعَل مُبتَدأ. قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ﴾ [القصص ٣٤]، أخوه مِن أمه وأبيه ولَّا مِن أبيه؟ مِن أمِّه وأبيه، وأما قوله تعالى: ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه ٩٤] فإنهم ذكروا أنَّ نسبته إلى أمه لأنها أقرب مِن الأب، فذكَّره (...) لِيُشفِق عليه. قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص ٣٤]. ﴿أَفْصَحُ﴾ بمعنى أَبْيَن مِني، وقوله: ﴿لِسَانًا﴾ أي كلامًا، وعبَّر باللسان عن الكلام لأنَّه آلة الكلام، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم ٤] أي بِنطُقِهم ولُغتهم. وقوله: ﴿أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾، لماذا؟ قيل في الإسرائيليات: إنَّ موسى عليه الصلاة والسلام كان في لسانه (...) مِن جمرة أخذها وأكلها، لما فرعون أراد أن يقتله فقالت امرأته: إنَّه طفل لا يدري ولا يعرف، وإذا أردت أن تختبِره فأعطه تمرة وجمرة، فقدم له التمرة والجمرة، الجمرة تتلألأ وهيئتها أجمل من التمر، فأخذ الجمرة ووضعها في فمه، فانعقد لسانه. وهذه إسرائيلية؛ لأنَّ هذا غير ممكن؛ إذ إنه إذا أراد أن يأخذ الجمرة وأخذها ما يستطيع أن يمسكها في يده (...) ولهذا طلب موسى مِن الله أن يحُلَّ هذه العقدة، قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه ٢٧، ٢٨]. وأنتم تشوفون بعض الناس يكون في لسانهم فأفأة، وبعضهم يكون في لسانه تأتأة (...) وبعضهم ما يكون لا هذا ولا هذا لكن ما يستطيع ينطق، تجده إذا أراد أن ينطق -اللهم عافنا- يحمر وجهه، يتعب (...) فالعقدة سواء في صفة الحروف أو في النطق بالحرف، كل هذه مِن العقد. في صفة الحروف: أنه ما يستطيع يطلعه على الوجه الأكمل، أو في نفس النطق: ما يقدر، ما ينطلق لسانُه. فالصواب أن هذه العلة التي لِموسى عليه الصلاة والسلام أنه مِن أصل الخِلْقة وليس هناك تمرة وجمرة. قال: (﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ [القصص ٣٤] معينًا، وفي قراءة بفتح الدال بلا همزة)، كيف نقول؟ ﴿رَدًّا﴾ ، يعني ما (...) ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾. فهِمَ موسى عليه الصلاة والسلام أنَّ الله أرسله إلى فرعون من قوله: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [القصص ٣٢]، ولهذا قال: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ فهنا عرَف أنَّه رسول. وقوله: ﴿مَعِيَ﴾، المعية بمعنى المُصاحَبة والمُقارَنة، وهي في كل موضع بِحسَبه، أي بحسب ما تُضاف إليه، وتقتضي في كل موضع غيرَ ما تقتضيه في الموضع الآخر، فالرجل إذا قِيل: معه زوجته، ليس مثلما إذا قيل: القائد معه جنوده، أو لا؟ فبينهما فرق. وكذلك إذا قيل: اللبن مع الماء، يعني ممتزجًا مختلطًا به. وهنا: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ غير مَعِيَّة الزوج لِزوجته ومعية اللبن للماء، ولكنها مصاحَبة يُرَاد بها التأييد والنصر، ولهذا قال: ﴿رِدْءًا﴾، والردء: المُعِين الظهير للشخص. ﴿يُصَدِّقُنِي﴾، أيش معنى ﴿يُصَدِّقُنِي﴾؟ أي: يكون مُصَدِّقًا لي أمامَهم حتى يقوى قولِي به ويكون صدقًا، وليس المعنى أنه يقول: أنت صادق. ولكن إذا قَوَّى كلامُه كلامي صار ذلك مُوجِبًا لتصديقِه. قال: (بالجزم جواب الدعاء، وفي قراءة بالرفع وجملته صفة ﴿رِدْءًا﴾ ). (بالجزم) تقول: ﴿يُصَدِّقْنِي﴾ تكون جوابًا للدعاء، وين الدعاء؟ ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ﴾، وهو واضح، يعني إنْ أرسلْتَهُ صدَّقَني. (وفي قراءة أخرى) في قراءة سبعيَّة ولَّا شاذة؟ سبعية؛ لأن قاعدة المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: (في قراءة) فهي سبعية، وإذا قال: (وقرئَ) فهي شاذة. قال: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ وجملته على قراءة الرفع صفةُ ﴿رِدْءًا﴾، يعني: ردءًا مُصَدِّقًا لي، هذا هو التفصيل. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، طيب، الفائدة مِن القراءتين (...) فائدة، وهي أن قوله: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ إذا كانت جوابًا فإن معناه أنه يحصُلُ به الصدق، نعم، وإذا كانت صفة فالمعنى أنه يُحاوِل أن (...) أن يكون أو يحاول أن يُبَيِّن للناس أنَّه صادق، فتكون قراءة الرفع على سبيل السبب، وقراءة الجزم على سبيل النتيجة، فيكون هارون فاعلًا مُؤَثِّرًا. قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص ٣٤]، الضمير في ﴿يُكَذِّبُونِ﴾ ضمير الواو يعود على فرعون ومَلَئِه. و﴿أَخَافُ﴾ بمعنى أتوقع وأخشى، وليسَ خوفَ الرعب، ما فيه رعب هنا، ولكنَّه يتوقع ذلك ويخشاه. وقوله: ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾، فيها إشكال من حيث الإعراب؛ لأن المعروف أنَّ ﴿أَنْ﴾ إذا دخلت على الأفعال الخمسة حُذِفَت النون مِنها، وهنا فيها نون؟ والجواب: أنَّ هذه النون نون وقاية، وليست نون إعراب، ولهذا تُشاهِدونها الآن مكسورة. إذن أصله (أنْ يكذِّبونَنِي) أصله (يكذبونني)، فحُذفِت نون الرفع لأجل النصب، وحُذِفَت الياء تخفيفًا. ونظيرها قوله تعالى في سورة الذاريات، قريب منها: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات ٥٩]، إذا وقفتَ عليها فأنت تقف بالسكون، فيفهم الطالب المبتدئ اللي ما عنده معرفة بالنحو أنَّه هنا بقيَت النون مع وجود (لا) الناهية، وهي مع وجود (لا) الناهية يجب حذفها، ولكن نقول: هذه النون في الآية نون الوقاية، بدليل أنك لو وصلتَ لَكَسَرْتها وقلت: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ﴾ [الذاريات ٥٩، ٦٠]، نعم، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: طيب قال المؤلف، نعم، قال الله تعالى: (﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾ [القصص ٣٥] نقويك). الشدّ بمعنى التقوية، والعَضُد هو العظم الكامل في عظْم الذراع والمنكب؛ هذا العضد، وشدُّ العضد كناية عن التقوية وأن اليد هي آلة العمل، فإذا شُدَّ عضدها وقُوِّي صارت قويَّة. والمعنى أننا سنُقويك ونُؤَيِّدك بأخيك ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص ٣٥] هارون، أجاب الله طلبه ولّا لا؟ أجاب الله طلبه، وقال: ﴿سَنَشُدُّ﴾، والسين أيش معناها؟ * طالب: تفيد التسويف. * الشيخ: إي، تفيد التسويف، لكن ويش يقول النحويون في إعرابها؟ * الطالب: (...). * الشيخ: للتنفيس اللي هي للتسويف، سوف، للتنفيس، وتفيد تقوية التأكيد والتقريب، تأكيد الشيء وتقريبه أنه سيكون عن قُرْب. قال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾، ولا شك أنه إذا قال الله له ذلك معناه أنه يتقوى الآن؛ لأنَّ الله وعده لا أن يرسلَ هارون معه فقط، بل سيكون معينًا له على هذا الأمر. (﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ [القصص ٣٥] غلبة)، وهذه بشرى ثانية لهما جميعًا. ﴿وَنَجْعَلُ﴾ نقيض لكما سلطانًا، والمراد بالسلطان هنا يقول المؤلف: (غلبة)، والسلطان في القرآن يأتي بمعنى الغلبة والقدرة، ويأتي بمعنى الدليل؛ لأن الدليل يَتقوى به الإنسان ويكون له به سلطة، قال الله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يونس ٦٨]، أيش معنى ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾؟ يعني: ما عندكم دليلٌ بهذا. وقولُه تعالى: ﴿فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣]، أي: بقوة وغلبة. وقوله: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل ١٠٠]، أي: سيطرته وغلبته. هنا يقول: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ [القصص ٣٥]، يقول: (غلبة) فهو من القسم الثاني. (﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص ٣٥] بسوء)، المعنى: لا ينتهون إليكما بالسوء، فما خفتَ منه، فإنه سوف ينتفي بما جعل الله لك من تأييد بأخيك، وهذه بشرى لهما وتفيد التقوية، وهي نظير قوله تعالى: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. قال المؤلف: (اذهبا ﴿بِآيَاتِنَا﴾ )، كأنَّ المؤلف يرى أن قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ منفصل عن قوله: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾، ولهذا قدَّر لها فعلًا تتعلق به، ويكون على هذا التقدير الوقوف على قوله: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾، ونبدأ فنقول: ﴿بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا﴾ [القصص ٣٥]. طيب، المؤلف قدَّر (اذهبا ﴿بِآيَاتِنَا﴾ )، ثم قال أيضًا (...) ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾، فصار أقرأ الآية على حسب تقدير المؤلف: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾، ﴿بِآيَاتِنَا﴾، ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾؛ لأنه قدَّر (اذهبا ﴿بِآيَاتِنَا﴾ )، ولا يصلح أن نقول: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ تابعة لها؛ لأن مَن اتبعهما لم يذهب بالآيات. فاهمين يا جماعة؟ * طالب: نعم. * الشيخ: طيب هذا وجه. ووجه آخر يقولون: إن قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ متعلق بـ﴿وَنَجْعَلُ﴾: وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا بِآيَاتِنَا، أي: بسبب آياتنا نجعل لكما السلطان، فلا يستطيعون الوصول إليكما ولا إبطالَ دعوتِكما. وعلى هذا يحتاج إلى تقدير في الآية ولَّا لا؟ * طالب: ما يحتاج. * الشيخ: ما يحتاج إلى تقدير، وهل نقف على قوله: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ ولَّا نصل؟ نصِل، فتكون القراءة: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ [القصص ٣٥]، أي: بسبب ما معكما من الآيات، وهذا المعنى هو الصحيح؛ أولًا: لأنه لا يحتاج إلى تقدير؛ لأنَّ التقدير يا جماعة لا بد أن يسبِقَه مرتَبَتَان: المرتبة الأولى: إثبات أن في الكلام حذفًا، والمرتبة الثانية: إثبات أنَّ تقدير المحذوف هو ذاك، أو لا؟ (...) أو غيرها، لا بُد أن يتقدَّم دعواه مرتبتان: المرتبة الأولى: إثبات أن في الكلام حذفًا يحتاج إلى تفسير، والثانية: إثبات أن المقدَّر هو هذا، يعني تعيين المقدر؛ لأنَّه على فرض أنَّ الآية تحتاج إلى تقدير، فإنه قد يُنازَع، ويقال له: ما هذا التقدير الذي قدرت؟ لا نُسَلِّم أن تقدير المحذوف هو هذا (...) كلُّ مَن ادعى حذفًا في آية فإنه يحتاج إلى شيئين أو مرتبتين؛ المرتبة الأولى: إثبات أن في الكلام حذفًا، وبأي طريق نعرف هذا؟ إذا كان الكلام لا يستقيم بدون تقدير علِمْنا أن هناك حذفًا؛ هذه واحدة. المرتبة الثانية: إثبات أن المحذوف هو هذا الشيء الذي قدَّرْتَه؛ إذ مِن الجائز أن يكون المُقَدَّر غيره ولَّا لا؟ وهذا طبعًا تقدير يُعيِّنه السياق؛ لأنَّ السياق هو الذي يُعيِّن نوع المحذوف. طيب، إذا كان الكلام لا يحتاج إلى هذا التقدير، فالأفضل عدمُ التقدير. هذه الآية معناها واضح جدًّا على القول بعدم التقدير، وأنَّ المعنى: نجعل لكما سلطانًا بسبب آياتِنا التي معكما فلا يصلون إليكما، وهذا المعنى أيضًا أوضح مما قدَّره المؤلف وغيرُه؛ لأنه في الحقيقة هو يقول: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ هنا جمع، وفي الأول يقول: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [القصص ٣٢]، فلم يرسلهما الله سبحانه وتعالى حين أرسلهما إلا على آيتين ولَّا آية واحدة؟ آيتين. الصواب إذن أنَّ الآية موصولٌ بعضها ببعض، وأنَّنَا نقرأ: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾، نعم ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾، ويكون متعلقًا بقوله: وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا بِآيَاتِنَا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا. وزعم بعض المُعربِين أن قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ متعلِّق بـ﴿الْغَالِبُونَ﴾، وهذا في المعنى قريب مما ذكرنا، يعني: أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ بِآيَاتِنَا. والغالب بالآيات هو الذي جُعِل له بها سلطان، فيكون على هذا: فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ بِآيَاتِنَا. وهذا لا شك أنه أحسن مِن تقدير المؤلف؛ لأنه ما يحتاج إلى حذف، ولأنه يُوجِب أن يكون كلام بعضُه مُتصلًا ببعض، لكن فيه محذوف من حيث القواعد النحوية، وهي أن ﴿الْغَالِبُونَ﴾ اسم فاعل، و(أل) المتصلة باسم الفاعل أيش هي عند النحويين؟ اسم موصول: وَصفَةٌ صَرِيْحَةٌ صِلَةُ (أَلْ) ∗∗∗ ............................ اسم موصول، والمعروف أن الاسم الموصول لا يعمل ما بعده فيما قبله، لا تعمل صلتُه، فحينئذٍ نحتاج إلى جواب عن هذه القاعدة؟ الجواب قالوا: إنَّ (أل) هنا ليست موصولة، وإنها كألف داخلة على الاسم الجامد، داخلة على الرجل والأسد وما أشبههما. إذن في هذا التقدير فيه مخالفة لِلمعروف مِن القواعد النحوية. نرجع الآن إلى أنَّ الصواب أن نجعل قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ متعلقة بـ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ ونسْلَم مِن كُلِّ ذلك، مِن المخالفات ومِن التقديرات التي نعتمد عليها ومِن تعيين المقدَّر. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾، فيه دليل على أن الله تعالى أعطى موسى وهارون آيات، وقد ذَكَر في سورة أخرى أنه أعطاه تسعَ آيات ولَّا لا؟ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾ [الإسراء ١٠١]. وقوله: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا﴾ مِنين؟ مِن بني إسرائيل ومِن آل فرعون؛ لأنَّ مِن آل فرعون مَن اتبعهما، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر ٢٨]. وقوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا﴾ فيه دليل على أن الإنسان يُنْصَر ويَغلِب باتِّباع الرسل، وأنَّه لا طريقَ إلى النصر والغلبة إلا الدخول في طريق الرسل واتِّباعهم، وعليه فيكون من هذا قاعدة: كل مَن كان للرسول أتبَعَ كان إلى النصر أقرب، وكل مَن كان مِن اتباع الرسول أبعَدَ كان عن النصر أبعد؛ لأنَّه مِن المعلوم في القواعد المقررة: أنَّ الحكم إذا عُلِّقَ بوصف كان ثبوتُه قوةً وضعفًا، ووجودًا وعدمًا، بحسب ذلك الوصف، إذا عُلِّق الحكم على وصف كان ثبوت الحكم كان ذلك الحكم ثُبوتًا وجودًا وعدمًا وقوةً وضعفًا، كَمِّل؟ بحسب ذلك الوصف. مثلًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣]، مَعِيَّتُه للصابرين قُوَّتُها وضعفها بحسب ما معهم مِن الصبر. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل ١٢٨]، وجود المعية للمتقين قوة وضعفًا بِحسَب تقواهم... وهكذا. وقوله: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص ٣٥] ﴿الْغَالِبُونَ﴾ لِمن؟ يقول المؤلف: (﴿الْغَالِبُونَ﴾ لهم)، (...)، لكنَّا إذا أردنا أن نأخذ هذا على سبيل العموم نقول: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ لِلمخالفين، فأتباع الرسل غالبون لِمن خالفوا الرسل، دائمًا وأبدًا ولَّا لا؟ دائمًا وأبدًا، بل إنَّ هذه الأمور (...) على غيرِهم، قال النبي ﷺ: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨) ومسلم (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]]، الله أكبر! ما أعظم هذه الفائدة لو أننا كُنَّا على المستوى الذي ينبغي! لو كُنا مُتَّبعين لهذا النبي الكريم ﷺ على وجه الحقيقة لكان عدونا مرعوبًا مِنَّا مسيرةَ شهر، لكننا مع الأسف الشديد لم نكن متبعين للرسول عليه الصلاة والسلام في الحقيقة، ولذلك صار بأسُنا بيننا، لا مَن يدعي الإسلام منَّا ولا مَن أراد أن ينزوي تحت قاعدة الجاهلية، وهي القوميةُ العربية، فإنها ما انتصرت القومية منذ نشأت إلى اليوم، ولن تنتصر أبدًا، بل لا تزدادُ إلَّا فشلًا وتفرُّقًا وتصدعًا، نعم، وقتالًا فيما بينها. وكذلك أيضًا في الحقيقة ما اجتمعْنا على قومية إسلامية، ما اجتمعنا عليها، فيبقى المسلمون لا على هذا ولا على هذا، ولهذا ما كان لنا النصر الذي وعد الله به نبيَّه ﷺ. قال: (﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ [القصص ٣٦] واضحاتٍ حال). ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ أي: آل فرعون. ﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾، ولم يقل: (وهارون)؛ لأن الرسالة في الأصل لموسى. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ الباء للمصاحبة، يعني مصحوبًا بالآيات. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، جمع آية، وهي العلامات، وأُضِيفت إلى (الله) إضافةَ العَطِيَّة إلى مُعْطِيها؛ لأنَّ هذه الآيات ليست بآيات على الله، لكنها آياتٌ منه على أي شيء؟ على رسالة موسى، وموسى في ضمنها إثبات أن الله وحده هو الإله الحق. ﴿بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ قال: (واضحات)، وقال في إعرابها: (حال)، حال مِنين؟ (...). * طالب: من (آيات). * الشيخ: من (آيات)، ولا يصِحُّ أن تكون صفة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: تصِح ولَّا ما تصِح؟ أعطني الحكم قبل التعليل؟ * الطالب: ما تصح. * الشيخ: ما تصِح؛ لأن (آيات) معرفة، و﴿بَيِّنَاتٍ﴾ نكرة، ولا تُنعت المعرفة بِنكرة، بل إذا جاءت النكرةُ بعدَ المعرفة وهي وصف لها أُعرِبَت حالًا. وفي قولِه: ﴿بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ إقامة للحجة؛ لأن الآية هي علامة، وكلما كانت أظهر كانت الحجة أقوى، فالآيات بينة. جاءهم بالآيات البينات، فأيُّ جواب كان منهم؟ (﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ [القصص ٣٦] مختلق) أعوذ بالله. ﴿مَا هَذَا﴾ أي الذي جئتَ به يا موسى ﴿إِلَّا سِحْرٌ﴾، وهنا نسأل: لماذا لم تعمل (ما)، ولغةُ الحجاز أنَّها تعمل عمل (ليس)؟ لأن ابن مالك يقول؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، يعني معناه بأنَّه يُشترط بقاء النفي، وهنا ما بَقِي النفي، انتقض به (...). قولهم: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾، أيش هو السحر الذي قالوا (...)؟ * طالب: العصا. * الشيخ: العصا واليد، هذا إذا قلنا: إنه يعود على الآيات الحسية. فإن قلنا: إنه يعود إلى الآيات المعنوية، وهي مثل الكلام؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥٧٦٧) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ]]. وقوله: (﴿مُفْتَرًى﴾ مختلق)، وصف الافتراء إلى القول واضح، لكن وصف الافتراء للعصا واليد؛ لأن السحر لا يقلب الأشياء حقيقة، ولكنه يقلبها تخيُّلًا بحسب ما يتخيله المرء، فيكون هذا التخييل مطابِقًا للواقع ولَّا مُخالفًا للواقع؟ وكل ما يخالف الواقع فهو مُفترى، كل ما يخالف الواقع فهو مفترى. خذوا بالكم يا جماعة. فالافتراء هنا إن وُصِف به ما قالاه مِن الرسالة فهو مُشكِل. * طالب: (...). * الشيخ: واضح. إن وُصِف به ما قالاه مِن الرسالة فهو مُشكل ولَّا واضح؟ واضح؛ لأن نسبة الافتراء إلى القول أمر معلوم، لكن إذا وُصِف به ما جاء به من الآيات الحسية، كقلب العصا وخروج اليد بيضاء، فكيف نقول: إنه مفترى؟ يعني لأن السحر لا يقلب الأمر عن حقيقته، لا يغيره عن حقيقته، فيكون ظهوره بغير الحال التي عليها من باب الكذِب والفِرية، ولهذا قالوا: ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾. (﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ كائنًا ﴿فِي﴾ أيام ﴿آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [القصص ٣٦]) (...). ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾. ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ المشار إليه: ما جاء به من الرسالة؛ لأنَّها هي المسموعة، فأما آية اليد والعصا فهي مُشاهَدة مرئية. وقوله: ﴿فِي آبَائِنَا﴾، قال الشارح المؤلف: (كائنًا)، أشار به إلى أن مُتَعَلَّق الجار والمجرور بـ﴿آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ محذوف تقديره (كائنًا). و(كائنًا) هنا على تقدير المؤلف مفعول ثانٍ ولَّا حال؟ حال مِن اسم الإشارة. وقوله: ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ أي: في وقتهم، ولهذا قال: (في أيام آبائنا الأولين) أي: السابقين. وكلامهم هذا صحيح ولَّا كذب؟ * طالب: كذب. * الشيخ: وليش يكذبون؟ * الطالب: (...) ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ﴾. * الشيخ: نعم، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر ٣٤]. إذن قولهم: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [القصص ٣٦]، خبرٌ كذب، فهم كاذبون في هذه الدعوة. ثم على فرض أن الدعوة صحيحة وأنهم ما سمعوا، هل كون هذا لم يوجد في الأولين يقتضي أن يكون باطلًا في الآخرين؟ * طالب: ما يقتضيه. * الشيخ: ما يقتضيه؛ لأن الحق إذا جاء وجَب قبولُه سواءٌ كان موجودًا في الأولين أم غير موجود. فهذه الحجة إذن مُرَكَّبة من كذب وباطل؛ أما الكذب فإنَّ قولهم: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ كذب؛ لأنَّ مؤمنَهم أقام عليهم الحجة بوجود نظير لِما جاء به موسى في قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وأما كونها حجة باطلة على تقدير أنها صحيحةٌ قولًا؛ فلأن عدم وجود ذلك في الأولين لا يقتضى بطلان وجوده في الآخِرين، فإن الله تعالى فعَّال لما يريد، فما دامت الآيات بينات ما فيه حجة بأنها لم توجد فيما سبق. وقوله: ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾، ﴿آبَائِنَا﴾ كيف يقول: ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ وهم آباء؟ لأن الأب يُطلق على الأب المباشر وعلى الجَدِّ وإن علا، قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ﴾ [الحج ٧٨]، وقال يوسف: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف ٣٨]، يعقوب أبوه المباشر، وإسحاق جده، وإبراهيم جدُّ أبيه، سماهم آباءً. وهذا وإن كان فيه التغليب، لكن ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ ما فيه التغليب، يعني ما فيه أب مباشر، ولهذا كان القول الراجح في (...) أن الجد؟ * طالب: يحجب الجد. * الشيخ: يحجب الجد، وأن الله... * الطالب: (...)؟ * الشيخ: هذا خاص بالظاهر، لكن ﴿ومَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ [القصص ٣٦] (...). * * * * يُستفَاد مِن ذلك: جواز تقديم العذر عند الأمر بالشيء ليتخلص من (...) به، نعم، حتى في طاعة ولي الأمر مثلًا لو أمرَكَ، يعني أمرك بشيء، فإن طاعته واجبة في غير معصية، فإنه لا بأس أن تذكر العذر لأجل أن تتخلص مِن هذا الأمر، كما كان الصحابة رضي الله عنهم يقدمون للنبي ﷺ العذر إذا أمرهم بالشيء ليعذرَهم. * ويستفاد منه: أن الخوف الطبيعي لا ينافي مقام الرسالة؛ لقوله: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص ٣٣]. * ويستفاد منه: أن القصاص موجود فيما سبق (...)، موجود في الأمم السابقة؛ لقوله: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ يعني بدل من قتله (...)، فهل نقول: إن هذا على سبيل القصاص أو على سبيل العدوان مِن آل فرعون؟ يعني قد لا يبالون، ولو أننا طبقنا هذا على الحكم الإسلامي لكان ناقصًا؛ لأنه لا يُقتَل مسلم بكافر. فنقول: هذا إما أن يكون، قوله: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ إما أن يكون مِن أجل أن القصاص كان مشهورًا بينهم، أو أنه كان يَخشَى أن يعتدوا عليه بالقتل، وإنْ لم يكن ذلك بحقٍّ، وهو ما دام الاحتمال فإنه لا يمكن أن نعتبره دليلًا على (...). * * * ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾، ماذا؟ * طالب: (...)؟ * الشيخ: سواء، (...). قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص ٣٤]. * يستفاد من هذا: بيان المنة الكبرى من موسى لأخيه، حيث جعل الله تعالى أن يرسله معه، ولهذا يقال: أعظم هدية أهداها خليلٌ لخليلِه هي من كانت من موسى لهارون؛ لأنه سأل الله أن يرسله معه، والرسالة مقام عظيم لا يناله إلا الخيرة من بني آدم. * طالب: (...). * الشيخ: * ومنها أيضًا، مِن الفوائد، من فوائد الآية أيضًا: أنه يجوز للإنسان أن يستعين بغيرِه في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ [القصص ٣٤]. * ومنها أيضًا: أن اتخاذ الأعوان من أسباب النجاة، وهذا أمر معلوم من قديم الزمان وحديثه، أنه كلما كان الإنسان معه مَن يعينه ويساعده كان ذلك أقربَ إلى نجاحِه من انفراده، والعوام يقولون: إن اليد الواحدة ما تصفِّق. * ومنها: أنَّ الفصاحة لها تأثير، فصاحة اللسان لها تأثير قوي في القبول أو الرفض، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥٧٦٧) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ]]؛ لِقوله: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾. * ومنها: فضيلة موسى عليه الصلاة والسلام بإقراره بالفضل لأخيه: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾؛ لأن مِن الناس مَن يكون ناقصًا ولكن ما يستطيع أن يعبر بالكمال لغيره والنقص لنفسه. * ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي للداعي أن يَذكُر مبررات دعوته؛ لأن قوله: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ﴾ [القصص ٣٤] هذا من مبررات دعوته وسؤاله اللهَ تبارك وتعالى أن يرسله معه، وهو أنه أفصح منه لسانًا. وهذا معروف (...) من آداب الدعاة أن الإنسان يذكر مبررات الدعوة، يقول: والله (...). * وفيه أيضًا، يستفاد مِن الآيات الكريمة: أن موسى عليه الصلاة والسلام خاف أن يكذبوه إذا كان وحده، فطلب مزيدًا من العون؛ لأنه كما قلنا: الواحد مع الواحد يكون أقرب للتصديق. * ومنه أيضًا: أن الخبر يزداد ثبوتًا بتعدد مُخْبِريه، ولَّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. * الطالب: هو قال (...). * الشيخ: إي، ما (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: (...) يعينه؛ لأن أصل الرسالة خبر، فإذا كان معه مَن يقويه على هذا الخبر ويثبته ويصدقه فإنه يكون أقوى، وثبوت الخبر بتعدد المخبرين أمر أيضًا معلوم، لكنه (...). * * * ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص ٣٥]. * في هذا: دليل على فضل الله سبحانه وتعالى على عبده، حيث إن الله أجاب دعوة موسى، قال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾. * وفيه: دليل على أن الله أعطى موسى أكثرَ مما سأل؛ لأنه قال: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص ٣٤]، فأعطاه الله أكثر من ذلك، أكثر من كونه أن يصدقه بأن يقويَه أيضًا؛ لأن التصديق معناه الخبر بأنه صادق، لكن التقوية أبلغ، ولهذا قال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾. * ومنها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى قد يَمنُّ على العبد فيجعل له سلطانًا بما آتاه من العلم؛ لقوله: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ ﴿بِآيَاتِنَا﴾ [القصص ٣٥]. * ومنها: أن العلم سلاح؛ لأن السلطان معناه القوة والغلبة، وإذا كان سببه العلم كان ذلك دليلًا على أن العلم سلاح من أعظم ما يُدافع به الإنسان ويحاجج أيضًا. وأظنه مر علينا قصة ابن عمر مع الخادم (...)، فإن هذا لولا علم ابن عمر لكان لهذا الخادم سلطان، لكن ابن عمر كان عنده من العلم ما جعل له السلطة والغلبة على ذلك (...). * ومنها أيضًا، من فوائد الآية: حماية الله سبحانه وتعالى لموسى وهارون؛ لقوله: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص ٣٥]، وهذا نظير قوله: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. * ومنها أيضًا: أن التمسك بشريعة الله سببٌ للغلبة، قال: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص ٣٥]، كل من اتبعكما. (...) ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾. * ومنها: أنه إذا كان هذا في بني إسرائيل أنه مَن اتبع موسى هو الغالب، فمن اتبع النبي عليه الصلاة والسلام من باب أولى، فإن من اتبع النبي ﷺ فإنه غالب، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣]، معنى ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾، أيش معنى ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: يُعَلِّيه؛ لأن الظَّهر والظُّهور كله يدل على الغلبة. قال: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [القصص ٣٥، ٣٦]. * طالب: (...). * * * * الشيخ: ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [القصص ٣٦]. * في هذا يستفاد منه: أن موسى ﷺ نَفَّذ ما أرسله الله به. * ومن فوائدها أيضًا: أن الآيات التي يرسِل الله بها الأنبياء تكون بينةً واضحة؛ لئلا يكون لِلمدعُوِّين حجة في خفاء الحجة، فيجعل الله تعالى الآيات بينة واضحة. وفي الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا آتَاهُ اللهُ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ»[[ أخرج البخاري (٤٩٨١) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». ]]. فلا بدَّ أن تكون الآيات التي يُرسَل بها الرسل تكون بينة واضحة لئلا يبقى للناس حجة. * ومنها أيضًا، من فوائد الآية: أن الآيات التي أعطاها الله موسى ليست واحدة ولا اثنتين، بل هي آيات متعددة يؤمن على مثلها البشر، لكن هؤلاء قوم عُتاة والعياذ بالله. * ومنها، من فوائدها: أن دعوى المكذِّبين للرسل ما تكون إلا مِن نوع المكابرة، فإن قولهم: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾، هل يقتضي ردَّ الحق ولَّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما يقتضي رد الحق، إي ما سمعتموه لكن إذا كان حقًّا فاقبلوه، وليس للإنسان حجة إذا قال: والله هذا ما سمعنا به. * ومنها أيضًا: أن أعداء الرسل يُلقِّبون الرسل بألقاب السوء والعيب؛ لقوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ [القصص ٣٦]، ما عند أعداء الرسل إلا أنهم يلقبونهم بألقاب: هذا ساحر، هذا كذاب، هذا مجنون، هذا شاعر، وما أشبه ذلك. * إذن نأخذ منه أيضًا فائدة متفرعة: أن أعداء الرسل سوف يُلقِّبون من يدعون بدعوة الرسل بمثل هذه الألقاب، فيقولون: كالرجعيين، متأخرون، متزمتون، متشددون، متعصبون.. وما أشبه ذلك، نعم، أو ربما يقولون إلى أبلغ من هذا، يقولون: ضالون، ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]. المهم أنه يجب أن نعرف أن هذه الدعوة -دعوة الحق- لها أعداء، هؤلاء الأعداء الذين قابلوا الرسل بما قابلوهم، والرسل هم الأقوى في القيادة، سيقابلون مَن بعدهم بمثل ما قابلوهم به أو أكثر. إذن فلنطمن أنفسنا على أننا إذا دعونا إلى الله على حق وعلى بصيرة، فسيقولون لنا، فسيقوم أمامنا مَن يقول لنا مثلما قالوا للرسل. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون ١٠٩] (...)، ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢]، المهم أنه ما دامت الدعوة واحدة فعدوُّها واحد، وما قيل في الأول يُقال في الثاني. * ومن فوائد الآية: أنه لا ينبغي للمرء أن يثنيَه عن قول الحق ردُّه أو وصفه هو (...)؛ لأن موسى هل توقف لما قالوا له هذا الكلام؟ لا، استمر في الدعوة، وبه قامت الحجة مع أنه هُدِّد بالسجن، ولكنه عليه الصلاة والسلام لم يُبال بهذا، فكذلك ينبغي للداعي إلى الله أن يصبر ما دام يعلم أنه على حق.

القصص 28:37

ثم قال الله تعالى: (﴿وَقَالَ﴾ بواو وبدونها) قراءتان سبعيتان، يعني أنه يجوز أن تقول: ﴿قَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ﴾ [القصص: ٣٧]، ويجوز أن تقول: ﴿وَقَالَ﴾، وهذه من القراءات النادرة جدًّا؛ لأنَّ المعروف أن القراءات المتواترة ما يكون فيها تغيير كلمة بزيادة أو نقص، وأظن أنَّا أرشدناكم من قبل ببيتين في القراءات: * طالب: (...). * الشيخ: وَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْـــوِ ∗∗∗ وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرْآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّـــــــــــــلَاثَةُالْأَرْكَـــــــانُ الآن (وكان للرسم احتمالًا يحوي) هل يحوي الاحتمال هنا؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا؛ لأن فيه زيادة (...) الآن في سورة البقرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة ١١٥، ١١٦] ففيها قراءتان: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾. وكذلك حرف ثالث في سورة المائدة (...) بالواو وبعدمه، لكن يعتبر هذا من الأشياء النادرة في القراءات. ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾؟ * طالب: (...)؟ * الشيخ: وَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْـــوِ ∗∗∗ وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرْآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّـــــــــــــلَاثَةُالْأَرْكَـــــــانُ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، معناها أنها سبعية، إي. قال: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ [القصص ٣٧]، قال: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ﴾، ﴿أَعْلَمُ﴾ هذا اسم تفضيل، واسم التفضيل يدل على (...)، فإذا قيل: "فلان أفضل من فلان" فقد اشترك الرجلان في الفضل، وزاد المُفضَّل على المُفضَّل عليه فيه. هنا يقول: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾، قال المؤلف: (أي: عالم)، فحوَّل اسم التفضيل إلى اسم فاعل، وهذه جناية، جناية عظيمة؛ لأن (عالم) أدنى بكثير من ﴿أَعْلَمُ﴾ ولَّا لا؟ كذا؟ إذا قلت مثلًا: "غانمٌ عالم"، وقلت: "غانمٌ أعلم مِن وليد"، (...)؟ * طالب: (...). * الشيخ: طيب، هنا: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ﴾، و﴿رَبِّي﴾ عالم ﴿بِمَنْ جَاءَ﴾ أيُّهما أبين؟ ﴿أَعْلَمُ﴾ (...) فالصواب أنَّ (أعلم) على ما عليه، أنها اسم تفضيل، وأن مَن علم (...) بالله فالله أعلم منه، والمؤلف رحمه الله ومن حذا حذوه أو سبقه على ذلك إنما فرُّوا من أن يكون الإنسان مشتركًا مع الله في العلم، (...) (أعلم) صار مشاركًا للإنسان في العلم، لكن الله أعلم، نعم، ولكن (عالم) ما فيه دليل على أنه أعلم (...) لأنكم إذا قلتم: (أعلم) الآن نفيت المشاركة، كذا؟ لأن الأعلم في درجة لا يصل إليها (...) عليه، فنفيتم المشاركة. لكن إذا قلتم: (عالم) هذا هو الذي فيه المشاركة؛ لأن الله عالِم والإنسان عالِم: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل ٧٨]، يعني فعلموا، واضح؟ ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة ٤]. الشاهد أن كلمة (عالم) هي التي تقتضي المشاركة، بخلاف (أعلم). ثم إنَّ فيها دليلًا واضحًا على أنَّ كلَّ صفة كمال فالله تعالى له منها أعلاها، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠]، فكل صفة كمال مطلق فلله تعالى منها أكملُها، خذوا بالكم، واضح المعنى؟ إذن (أعلم) خليها على ما هي عليه، على ما في القراءة: ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ [القصص ٣٧]، حتى مَن علِم مَن جاء بالهدى مِن عند الله من المؤمنين الذين أُرسِل إليهم فعلموا ذلك، فالله تعالى أعلم منهم. * طالب: (...). قال: (﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ الضمير) يعود (للرب)، وين الضمير؟ * طالب: ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾. * الشيخ: إي ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾ أي مِن عند الله، وإنما أشار المؤلف إلى هذا لئلا يُظَن أنه عائد إلى (مَن) في قوله: ﴿بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾، ولا يمكن أن يعود إلى (مَن)؛ لأنه يختلف المعنى. وقوله: ﴿بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾، ولم يقل: أعلم أني قد جئتُ بالهدى من عنده، بل قال: ﴿بِمَنْ جَاءَ﴾؛ لئلا يكون مُدَّعيًا، فليبقَ الأمر موكولًا بالحكم عليه من جهة العقل. قال: (﴿وَمَنْ﴾ عطف على مَن) (...). (عطف على من) وين (مَن)؟ بمَن جاء ومَن يعني وبمَن تكون له عاقبة الدار، فهو أعلم بمن جاء بالهدى من عنده، وهذا سبب لحكم العاقبة، وأعلم كذلك بمن تكون له عاقبة الدار، فهو يعلم سبحانه وتعالى المبتدأ والمنتهى. وقوله: ﴿بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾، قال: ﴿جَاءَ بِالْهُدَى﴾، سَمَّى الكتاب أو سَمَّى الوحيَ هدًى؛ لأنه وحيٌ، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ١٨٥]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ [التوبة ٣٣]، فالهدى هو العلم؛ لأنه هو السبيل (...). وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾ أضافه إلى الله؛ لأن الوحي من الله سبحانه وتعالى وليس من غيره، ولا أحدَ يأخذُ هدًى إلا مِن عندِ الله. ﴿مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ﴾ [القصص ٣٧] (بالفوقانية والتحتانية)، بالفوقانية ﴿تَكُونُ﴾، والتحتانية ﴿يَكُونُ﴾ ، فهما قراءتان. أما قراءة الفوقانية: ﴿تَكُونُ﴾ فالأمر فيها ظاهر؛ لأن عاقبة الدار مؤنثة، والفاعل إذا كان مؤنثًا يؤنَّث له الفعل، وأما التحتانية: ﴿وَمَنْ يَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ فإنما جاز التذكير مع تأنيث الفاعل؟ * طالب: (...). * الشيخ: أن التأنيث مجازي، فقل (...)، فالتأنيث مجازي لأن العاقبة تأنيثها مجازي؛ لأن التأنيث إذا لم يكن للمؤنث فَرْجٌ فهو تأنيث مجازي. ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾، هذه ﴿تَكُونُ﴾ ناقصة ولَّا تامة؟ نقول: هي ناقصة، وخبرها مقدم وهو قوله: ﴿لَهُ﴾، واسمها مؤخر وهو ﴿عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾. قال المؤلف: (أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة)، ﴿عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي مَن يعقُبُ غيرَه في الدار، والمؤلف حملها على أن المراد بالدار هنا الدارُ الآخرة، ولكن ينبغي أن نقول: إنها عامة في الدارِ الآخرة والدارِ الدنيا؛ فإن عباد الله الصالحين هم الذين لهم العاقبة في الدنيا والآخرة، وقد كانت العاقبة لموسى وقومِه حتى في الدار الدنيا بالنسبة لفرعون، ولَّا لا؟ قال الله عز وجل: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٨]، وفي سورة الشعراء: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩]. فالأولَى إذن أن نجعل الدار هنا عامةً في دار الدنيا ودار الآخرة. طيب، ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾، أي: العقبى فيها بأن يعقُب غيره. طيب، العقبى في الدنيا واضحة، إذا فتح المسلمون البلاد صاروا هم الذين ورثوها، لكن في الآخرة كيف يكون ذلك؟ * طالب: في الجنة. * الشيخ: في الجنة؛ لأنه يكون المؤمن في الجنة وارثًا لمكان الكافر منها، فإن الكافر يرى مقعده في الجنة في قبرِه لو آمن، ولكنه يدخله المؤمنون، فإن المؤمنين يرثون مقاعد الكافرين في الجنة، فتكون العقبى لهم أيضًا في الدار الآخرة. قال المؤلف: (أي: هو أنا في الشقين). ما هما الشِّقان؟ ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ هذا شق، والشق الثاني: ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾. وقول المؤلف: (أي: هو أنا) هذا (...) هذا هو الحق أن الذي جاء بالهدى من عند الله موسى، وأنه ستكون له العاقبة، عاقبة الدار، ولكنَّ موسى خاطب فرعون بهذا الخطاب المُتردد بين كون الهدى عندَه أو عند فرعون والعاقبة له دون فرعون على سبيل أيش؟ على سبيل التنزُّل (...)، كما في قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩]، وكما في قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٢٤]. فالآن يقول: (أي: هو أنا) لكنه ما صرح به بأن قال: أنا قد جئت بالهدى (...)؛ لأن هذه هي الدعوة التي جاء بها وأقامها على فرعون، لكنه ساق الكلام مَساق الأمر المتردد بينه وبين فرعون من باب التنزُّل معه. قال: (فأنا مُحِق فيما جِئتُ به). نعم، هذا مُفرَّع على قوله: (هو أنا). (﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [القصص ٣٧] الكافرون). ﴿إِنَّهُ﴾: الضمير هنا ضمير الشأن؛ لأنه لم يسبق له مرجِع، ولم يلحقه ما يصلح أن يكون مرجعًا له. وعلى هذا فيكون ضميرَ الشأن، أي: إنَّ الشأن والحال أنَّه لا يفلح الظالمون. وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾، هل هو يشير إلى فرعون وأنه ظالم ولم يفلح، أو هو أمر عام، يعني إن كنتُ أنا ظالمًا بدعوى الرسالة، فأنا لا أُفلح، وإن كنتَ ظالمًا بردِّك الحق فأنت لا تفلح؟ نقول: هو هذا؛ لأنه مُفرَّع على ما قبله ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾، وعاقبة الدار ستكون لِمن؟ للظالم ولَّا لغير الظالم؟ لغير الظالم؛ لأن الظالم لا يُفلح، ونحن نعلم علم اليقين أن الظالم في هذه الحال مَن؟ فرعون؛ لأنه ردَّ الحق. وقوله: ﴿لَا يُفْلِحُ﴾ الفلاح: هو حصول المطلوب والنجاة من المرهوب، وسُمِّي فلاحًا لأنه بقاء، وأصله في اللغة البقاء، كما قال الشاعر: لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الهُمُومِ سَعَهْ ∗∗∗ وَالصُّبْحُ وَالمُسْيُ لا فَلَاحَ مَعَهْ يعني: لا بقاء، ولذا يتعدى الأمر إلى أن يقولوا: إن الفلاح هو حصول المطلوب والنجاة من المرهوب. وقول المؤلف: (الكافرون)، مع أن الله يقول: ﴿الظَّالِمُونَ﴾، هل (...)؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [القصص ٣٧]، وعدمُ فلاحِ الظالمين بحسَب ظلمهم؛ إن كان ظلمًا أكبر فهم لا يفلحون أبدًا، وهم الكافرون، وإن كان ظلمًا دون ذلك نقص من الفلاح بحسب ما نقص من العدل. فالضابط في هذا أيضًا إبقاءُ الآية على ظاهرها، وأن الظالم لا يُفلِح، لكن انتفاء الفلاح عنه بحسَب وجود الظلم فيه، فالظلم الأكبر يفوت به الفلاح كله، وما دون ذلك يفوت فيه من الفلاح بحسب ما حصل من الظلم. ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ يخاطِب قومه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص ٣٨] (...). ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ﴾، يا أيها الناس (...) بالنداء تعظيمًا للأمر وتهويلًا له. ثم قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، ولم يقل: ما وجدتُ لكم؛ لأنه لو قال: ما وجدتُ لكم كذّبوه؛ إذ إنهم يقولون: أنت لم تذهب (...) ما فارقتنا (...) فطلبت الله فلم تجده. بل نفى أن يكون عالمًا بذلك: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾؛ لأجل أن يُفَرِّعَ عليه: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾، فتتم له اللعبة. يقول: أنا والله ما أدري لكم من إله غيري، لكن نبغي نبحث، أوقد لي يا هامان على الطين واجعل لي صرحًا طويلًا رفيعًا لأجل أشوف وأنظر هل في السماء إله لموسى أو لا، وهذا أبلغ في التكذيب؛ لأنه لو قال: ما وجدتُ ما حصل التمييز لِقوله: ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾، ولَّا لا؟ ليش؟ لأنه إذا قلنا: وجد، ما حاجة إلى التمييز (...)؛ إذ لا ينفي للوجود إلا بعد الطلب. ثانيًا: لو قال: ما وجدتُ، لقالوا: كيف ما وجدت وأنت معنا؟ فعبَّر بقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ﴾؛ لأجل أن يتم لُعبته. وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، المراد: من رب غيري؛ لأنَّه قال في سورة النازعات: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات ٢٣، ٢٤]، أو يجوز أن المراد بالإله ظاهرُها، فيكون ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ أي: من معبود، ولا يُعبَد إلا الرب. وقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾، الفاء للسببية، وهي عاطفة (...). ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ﴾، هامان من هو؟ وزيرُه. طيب، الوزارة في هذا الوقت ما تتعين، نقول: وزير المعارف، أو وزير (...)؟ وزيرٌ مطلق، إن كان عنده مهام متعددة فهو وزير الأشخاص. * طالب: (...). * الشيخ: لا؛ لأنه (...). على كل حال اللي يظهر أنه وزير مطلق (...). (﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ فاطبخ لي الآجُرَّ)، الطين هو التراب المبلول بالماء، فإذا أُوقِد عليه انعقد وتحَجَّر وصار آجُرًّا، وإنما اختار ذلك لأن الآجُرَّ أقوى من غيرِه، ولَّا لا؟ (...)، ولأنه إذا أوقد عليه (...) ويكون له شهرة بينهم، فإذا مرَّ الناس وقالوا: ما هذا؟ قالوا: هذا الصرح الذي (...)، فيشتهر أكثر وتكون أيضًا لعبة أكثر للعقول. ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾، يقول المؤلف: (قَصْرًا عَالِيًا)، يعني ما (...) يبني له مثل المنارة، لكن بناءً عاليًا، لو قال المؤلف: بناءً عاليًا، لكان أولَى. ﴿صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [القصص ٣٨]. ﴿لَعَلِّي﴾ هذه للتعليل، يعني: اجعله لي لِأطلع إلى إله موسى أنظر إليه وأقف عليه. وقوله: ﴿إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ والعياذ بالله! جاء بها على سبيل التحقير؛ لأن موسى عنده عظيم ولَّا لا؟ * طالب: عظيم. * الشيخ: عظيم! * طالب: (...). * الشيخ: لا، حقير، فإلهه يكون مثلَه، إله موسى؛ لأنه يكون حقيرًا لحقارة عابدِه. ﴿إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص ٣٨] (لادعائه إلهًا آخَر وأنه رسوله). ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ﴾ أكدَّها بـ(إنَّ) واللام، ثم قال: ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ليفتح الباب (...)؛ لأنَّه ليس هذا أول من كذب، فليس بغريب أن يكذب؛ لأنه قد سبقه مَن سبقه، فيكون هذا أشد قبولًا لقوله عندهم، وليذكرهم بأن موسى مثل غيره من الكاذبين، فليس أول من كذب. نقول الآن: هل قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، هل هو صادق في ذلك؟ * طالب: ليس صادقًا. * الشيخ: ليس صادقًا؛ لأنَّ موسى قال له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الإسراء ١٠٢]، لكنه (...) أمر بهذه الفعلة. ثانيًا: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، هل هو صادق في قوله: ﴿لَأَظُنُّهُ﴾؟ غير صادق، بل إنه يتَيَقَّن أنه صادِق، لكنه (...) على قومِه هو الذي جعله يقول هذا القول. * طالب: (...). * الشيخ: وقوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾. * وفيه: التَنَزُّل مع الخصم على وجه لا يكون فيه تقييد لدعوى المُدَّعي. * وفيه أيضًا: دليل في قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾، أن الهدى مِن الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يأتي بما يحسن الاهتداء به، ويُوفِّق من شاء مِن عباده له، فالهدى مِن عند الله، ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ (...) فهو. * ويستفاد من هذه الآية: أن العاقبة لمن اتبع هدى الله؛ لقوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ [القصص ٣٧]، يعني: وهو كذلك أعلم بمن تكون له عاقبة الدار (...). * ومنها أيضًا: أن الظالم لا يُفلِح، ومفهومه أن صاحب العدل يُفلِح؛ لأنه إذا انتفى الفلاح عن الظالم وجَب ثبوته لصاحب العدل. * ومنها: التحذير مِن الظلم؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [القصص ٣٧]، والترغيب في العدل؛ لأن التحذير من الشيء ترغيب في ضده. طيب، كُنَّا ذكرنا أن العاقبة (...). طيب، ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٣٨] إلى آخره. * يستفاد من هذا الآية: أن فرعون قد سيطر على قلوب قومه. وجهُ ذلك: أن مِثل هذا الكلام لا يُقبَل إلا من شخص قد سلب عقولهم، وإلا كان كل واحد يقول: أبأصير إله (...). طيب، * ومنها أيضًا: تمييز فرعون على قومِه وأنَّه من أشدِّ الناس مكرًا وحيلة؛ لقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. * ومنها: إثبات علوِّ الله. من أين نأخذه؟ مِن قوله: ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾، وهذا دليل على أنَّ موسى قال له: إن الله في السماء. طيب، * ومنها أيضًا: أن فرعون كان عظيمَ الملك في مملكته، وكان له وزراء يأمرهم. * ومنها: جواز إسناد الفعل إلى الآمر به إذا كان له سلطانٌ في أمره؛ لقوله: ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾. ومعلومٌ أنَّ هامان لم يباشر البناء، مَن يباشره؟ العمال، ولكنه نُسب الفعل إليه؛ لأنه الآمر به، فقيل: إسناد الفعل إلى الآمر به لمن كان له سلطة في الأمر. والفقهاء رحمهم الله اعتبروا هذا فقالوا: لو أمر بالقتل غير مكلَّف فقتل، فالقَوَد على من؟ على الآمر، يعني لو قال للإنسان مثلًا: اقتلْ فلانًا، فذهب فقتلَه، فإنَّ الذي يُقتَل الآمر؛ لأنه هو السبب، والسبب مبتدَأ الحكم إليه. * ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: أنَّ الفخَّار أقوى مِن الطين غير المُوقَد عليه، قالوا: إن الطين الموقد عليه أقوى، مِن أين يؤخذ؟ ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾، ويقال في الأول: لو أن الآجُرَّ اللي هو (...) فرعون، والله أعلم، قد يكون أول من اخترع هذا الشيء، وقد يكون الأمر معلومًا من قبل فأمر به، إنما يؤخذ أنه أقوى من الطين غير الموقد عليه. * ومنها أيضًا: طغيان فرعون واستكبارُه؛ حيث ذكر الربَّ سبحانه وتعالى بصيغة الإذلال، في قوله: ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾، فنسبه إليه احتقارًا له لأنَّه يحتقرُ موسى. * ومنه أيضًا: أنَّ فرعون مِن أكذب الناس؛ لقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٣٨]، ولقوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص ٣٨]. * ومنها: التمييز في قوله: ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وجه ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيها التمييز. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، يعني لعله يستغرب أن يكذب موسى في هذا الأمر، فأشار بقوله: ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ لأن هناك ما يُصدق سواه، فلا تستغربوا أن يكذب هو كما كذب غيره. وفي آية أخرى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧]، فما الجمع بينهما؟ قلنا: الجمع بينهما هو أن الله سبحانه وتعالى إما أنه يكون قد نقل الكلام بمعناه، واللفظ مِن عند الله، أو أنه يتكلم بهذا مرة من فرعون وبهذا مرة، ففي مجلس يقول: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾، وفي آخر يقول: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، حسب ما يرى أنه أنفع للحضور.

القصص 28:38

ثم قال الله تعالى: (﴿وَقَالَ﴾ بواو وبدونها) قراءتان سبعيتان، يعني أنه يجوز أن تقول: ﴿قَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ﴾ [القصص: ٣٧]، ويجوز أن تقول: ﴿وَقَالَ﴾، وهذه من القراءات النادرة جدًّا؛ لأنَّ المعروف أن القراءات المتواترة ما يكون فيها تغيير كلمة بزيادة أو نقص، وأظن أنَّا أرشدناكم من قبل ببيتين في القراءات: * طالب: (...). * الشيخ: وَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْـــوِ ∗∗∗ وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرْآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّـــــــــــــلَاثَةُالْأَرْكَـــــــانُ الآن (وكان للرسم احتمالًا يحوي) هل يحوي الاحتمال هنا؟ * طالب: لا. * الشيخ: لا؛ لأن فيه زيادة (...) الآن في سورة البقرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة ١١٥، ١١٦] ففيها قراءتان: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾. وكذلك حرف ثالث في سورة المائدة (...) بالواو وبعدمه، لكن يعتبر هذا من الأشياء النادرة في القراءات. ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾؟ * طالب: (...)؟ * الشيخ: وَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْـــوِ ∗∗∗ وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرْآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّـــــــــــــلَاثَةُالْأَرْكَـــــــانُ * الطالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، معناها أنها سبعية، إي. قال: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ [القصص ٣٧]، قال: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ﴾، ﴿أَعْلَمُ﴾ هذا اسم تفضيل، واسم التفضيل يدل على (...)، فإذا قيل: "فلان أفضل من فلان" فقد اشترك الرجلان في الفضل، وزاد المُفضَّل على المُفضَّل عليه فيه. هنا يقول: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾، قال المؤلف: (أي: عالم)، فحوَّل اسم التفضيل إلى اسم فاعل، وهذه جناية، جناية عظيمة؛ لأن (عالم) أدنى بكثير من ﴿أَعْلَمُ﴾ ولَّا لا؟ كذا؟ إذا قلت مثلًا: "غانمٌ عالم"، وقلت: "غانمٌ أعلم مِن وليد"، (...)؟ * طالب: (...). * الشيخ: طيب، هنا: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ﴾، و﴿رَبِّي﴾ عالم ﴿بِمَنْ جَاءَ﴾ أيُّهما أبين؟ ﴿أَعْلَمُ﴾ (...) فالصواب أنَّ (أعلم) على ما عليه، أنها اسم تفضيل، وأن مَن علم (...) بالله فالله أعلم منه، والمؤلف رحمه الله ومن حذا حذوه أو سبقه على ذلك إنما فرُّوا من أن يكون الإنسان مشتركًا مع الله في العلم، (...) (أعلم) صار مشاركًا للإنسان في العلم، لكن الله أعلم، نعم، ولكن (عالم) ما فيه دليل على أنه أعلم (...) لأنكم إذا قلتم: (أعلم) الآن نفيت المشاركة، كذا؟ لأن الأعلم في درجة لا يصل إليها (...) عليه، فنفيتم المشاركة. لكن إذا قلتم: (عالم) هذا هو الذي فيه المشاركة؛ لأن الله عالِم والإنسان عالِم: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل ٧٨]، يعني فعلموا، واضح؟ ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة ٤]. الشاهد أن كلمة (عالم) هي التي تقتضي المشاركة، بخلاف (أعلم). ثم إنَّ فيها دليلًا واضحًا على أنَّ كلَّ صفة كمال فالله تعالى له منها أعلاها، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠]، فكل صفة كمال مطلق فلله تعالى منها أكملُها، خذوا بالكم، واضح المعنى؟ إذن (أعلم) خليها على ما هي عليه، على ما في القراءة: ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ [القصص ٣٧]، حتى مَن علِم مَن جاء بالهدى مِن عند الله من المؤمنين الذين أُرسِل إليهم فعلموا ذلك، فالله تعالى أعلم منهم. * طالب: (...). قال: (﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ الضمير) يعود (للرب)، وين الضمير؟ * طالب: ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾. * الشيخ: إي ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾ أي مِن عند الله، وإنما أشار المؤلف إلى هذا لئلا يُظَن أنه عائد إلى (مَن) في قوله: ﴿بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾، ولا يمكن أن يعود إلى (مَن)؛ لأنه يختلف المعنى. وقوله: ﴿بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾، ولم يقل: أعلم أني قد جئتُ بالهدى من عنده، بل قال: ﴿بِمَنْ جَاءَ﴾؛ لئلا يكون مُدَّعيًا، فليبقَ الأمر موكولًا بالحكم عليه من جهة العقل. قال: (﴿وَمَنْ﴾ عطف على مَن) (...). (عطف على من) وين (مَن)؟ بمَن جاء ومَن يعني وبمَن تكون له عاقبة الدار، فهو أعلم بمن جاء بالهدى من عنده، وهذا سبب لحكم العاقبة، وأعلم كذلك بمن تكون له عاقبة الدار، فهو يعلم سبحانه وتعالى المبتدأ والمنتهى. وقوله: ﴿بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾، قال: ﴿جَاءَ بِالْهُدَى﴾، سَمَّى الكتاب أو سَمَّى الوحيَ هدًى؛ لأنه وحيٌ، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ١٨٥]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ [التوبة ٣٣]، فالهدى هو العلم؛ لأنه هو السبيل (...). وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾ أضافه إلى الله؛ لأن الوحي من الله سبحانه وتعالى وليس من غيره، ولا أحدَ يأخذُ هدًى إلا مِن عندِ الله. ﴿مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ﴾ [القصص ٣٧] (بالفوقانية والتحتانية)، بالفوقانية ﴿تَكُونُ﴾، والتحتانية ﴿يَكُونُ﴾ ، فهما قراءتان. أما قراءة الفوقانية: ﴿تَكُونُ﴾ فالأمر فيها ظاهر؛ لأن عاقبة الدار مؤنثة، والفاعل إذا كان مؤنثًا يؤنَّث له الفعل، وأما التحتانية: ﴿وَمَنْ يَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ فإنما جاز التذكير مع تأنيث الفاعل؟ * طالب: (...). * الشيخ: أن التأنيث مجازي، فقل (...)، فالتأنيث مجازي لأن العاقبة تأنيثها مجازي؛ لأن التأنيث إذا لم يكن للمؤنث فَرْجٌ فهو تأنيث مجازي. ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾، هذه ﴿تَكُونُ﴾ ناقصة ولَّا تامة؟ نقول: هي ناقصة، وخبرها مقدم وهو قوله: ﴿لَهُ﴾، واسمها مؤخر وهو ﴿عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾. قال المؤلف: (أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة)، ﴿عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي مَن يعقُبُ غيرَه في الدار، والمؤلف حملها على أن المراد بالدار هنا الدارُ الآخرة، ولكن ينبغي أن نقول: إنها عامة في الدارِ الآخرة والدارِ الدنيا؛ فإن عباد الله الصالحين هم الذين لهم العاقبة في الدنيا والآخرة، وقد كانت العاقبة لموسى وقومِه حتى في الدار الدنيا بالنسبة لفرعون، ولَّا لا؟ قال الله عز وجل: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٨]، وفي سورة الشعراء: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩]. فالأولَى إذن أن نجعل الدار هنا عامةً في دار الدنيا ودار الآخرة. طيب، ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾، أي: العقبى فيها بأن يعقُب غيره. طيب، العقبى في الدنيا واضحة، إذا فتح المسلمون البلاد صاروا هم الذين ورثوها، لكن في الآخرة كيف يكون ذلك؟ * طالب: في الجنة. * الشيخ: في الجنة؛ لأنه يكون المؤمن في الجنة وارثًا لمكان الكافر منها، فإن الكافر يرى مقعده في الجنة في قبرِه لو آمن، ولكنه يدخله المؤمنون، فإن المؤمنين يرثون مقاعد الكافرين في الجنة، فتكون العقبى لهم أيضًا في الدار الآخرة. قال المؤلف: (أي: هو أنا في الشقين). ما هما الشِّقان؟ ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ هذا شق، والشق الثاني: ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾. وقول المؤلف: (أي: هو أنا) هذا (...) هذا هو الحق أن الذي جاء بالهدى من عند الله موسى، وأنه ستكون له العاقبة، عاقبة الدار، ولكنَّ موسى خاطب فرعون بهذا الخطاب المُتردد بين كون الهدى عندَه أو عند فرعون والعاقبة له دون فرعون على سبيل أيش؟ على سبيل التنزُّل (...)، كما في قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩]، وكما في قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٢٤]. فالآن يقول: (أي: هو أنا) لكنه ما صرح به بأن قال: أنا قد جئت بالهدى (...)؛ لأن هذه هي الدعوة التي جاء بها وأقامها على فرعون، لكنه ساق الكلام مَساق الأمر المتردد بينه وبين فرعون من باب التنزُّل معه. قال: (فأنا مُحِق فيما جِئتُ به). نعم، هذا مُفرَّع على قوله: (هو أنا). (﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [القصص ٣٧] الكافرون). ﴿إِنَّهُ﴾: الضمير هنا ضمير الشأن؛ لأنه لم يسبق له مرجِع، ولم يلحقه ما يصلح أن يكون مرجعًا له. وعلى هذا فيكون ضميرَ الشأن، أي: إنَّ الشأن والحال أنَّه لا يفلح الظالمون. وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾، هل هو يشير إلى فرعون وأنه ظالم ولم يفلح، أو هو أمر عام، يعني إن كنتُ أنا ظالمًا بدعوى الرسالة، فأنا لا أُفلح، وإن كنتَ ظالمًا بردِّك الحق فأنت لا تفلح؟ نقول: هو هذا؛ لأنه مُفرَّع على ما قبله ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾، وعاقبة الدار ستكون لِمن؟ للظالم ولَّا لغير الظالم؟ لغير الظالم؛ لأن الظالم لا يُفلح، ونحن نعلم علم اليقين أن الظالم في هذه الحال مَن؟ فرعون؛ لأنه ردَّ الحق. وقوله: ﴿لَا يُفْلِحُ﴾ الفلاح: هو حصول المطلوب والنجاة من المرهوب، وسُمِّي فلاحًا لأنه بقاء، وأصله في اللغة البقاء، كما قال الشاعر: لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الهُمُومِ سَعَهْ ∗∗∗ وَالصُّبْحُ وَالمُسْيُ لا فَلَاحَ مَعَهْ يعني: لا بقاء، ولذا يتعدى الأمر إلى أن يقولوا: إن الفلاح هو حصول المطلوب والنجاة من المرهوب. وقول المؤلف: (الكافرون)، مع أن الله يقول: ﴿الظَّالِمُونَ﴾، هل (...)؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [القصص ٣٧]، وعدمُ فلاحِ الظالمين بحسَب ظلمهم؛ إن كان ظلمًا أكبر فهم لا يفلحون أبدًا، وهم الكافرون، وإن كان ظلمًا دون ذلك نقص من الفلاح بحسب ما نقص من العدل. فالضابط في هذا أيضًا إبقاءُ الآية على ظاهرها، وأن الظالم لا يُفلِح، لكن انتفاء الفلاح عنه بحسَب وجود الظلم فيه، فالظلم الأكبر يفوت به الفلاح كله، وما دون ذلك يفوت فيه من الفلاح بحسب ما حصل من الظلم. ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ يخاطِب قومه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص ٣٨] (...). ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ﴾، يا أيها الناس (...) بالنداء تعظيمًا للأمر وتهويلًا له. ثم قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، ولم يقل: ما وجدتُ لكم؛ لأنه لو قال: ما وجدتُ لكم كذّبوه؛ إذ إنهم يقولون: أنت لم تذهب (...) ما فارقتنا (...) فطلبت الله فلم تجده. بل نفى أن يكون عالمًا بذلك: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾؛ لأجل أن يُفَرِّعَ عليه: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾، فتتم له اللعبة. يقول: أنا والله ما أدري لكم من إله غيري، لكن نبغي نبحث، أوقد لي يا هامان على الطين واجعل لي صرحًا طويلًا رفيعًا لأجل أشوف وأنظر هل في السماء إله لموسى أو لا، وهذا أبلغ في التكذيب؛ لأنه لو قال: ما وجدتُ ما حصل التمييز لِقوله: ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾، ولَّا لا؟ ليش؟ لأنه إذا قلنا: وجد، ما حاجة إلى التمييز (...)؛ إذ لا ينفي للوجود إلا بعد الطلب. ثانيًا: لو قال: ما وجدتُ، لقالوا: كيف ما وجدت وأنت معنا؟ فعبَّر بقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ﴾؛ لأجل أن يتم لُعبته. وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، المراد: من رب غيري؛ لأنَّه قال في سورة النازعات: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات ٢٣، ٢٤]، أو يجوز أن المراد بالإله ظاهرُها، فيكون ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ أي: من معبود، ولا يُعبَد إلا الرب. وقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾، الفاء للسببية، وهي عاطفة (...). ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ﴾، هامان من هو؟ وزيرُه. طيب، الوزارة في هذا الوقت ما تتعين، نقول: وزير المعارف، أو وزير (...)؟ وزيرٌ مطلق، إن كان عنده مهام متعددة فهو وزير الأشخاص. * طالب: (...). * الشيخ: لا؛ لأنه (...). على كل حال اللي يظهر أنه وزير مطلق (...). (﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ فاطبخ لي الآجُرَّ)، الطين هو التراب المبلول بالماء، فإذا أُوقِد عليه انعقد وتحَجَّر وصار آجُرًّا، وإنما اختار ذلك لأن الآجُرَّ أقوى من غيرِه، ولَّا لا؟ (...)، ولأنه إذا أوقد عليه (...) ويكون له شهرة بينهم، فإذا مرَّ الناس وقالوا: ما هذا؟ قالوا: هذا الصرح الذي (...)، فيشتهر أكثر وتكون أيضًا لعبة أكثر للعقول. ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾، يقول المؤلف: (قَصْرًا عَالِيًا)، يعني ما (...) يبني له مثل المنارة، لكن بناءً عاليًا، لو قال المؤلف: بناءً عاليًا، لكان أولَى. ﴿صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [القصص ٣٨]. ﴿لَعَلِّي﴾ هذه للتعليل، يعني: اجعله لي لِأطلع إلى إله موسى أنظر إليه وأقف عليه. وقوله: ﴿إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ والعياذ بالله! جاء بها على سبيل التحقير؛ لأن موسى عنده عظيم ولَّا لا؟ * طالب: عظيم. * الشيخ: عظيم! * طالب: (...). * الشيخ: لا، حقير، فإلهه يكون مثلَه، إله موسى؛ لأنه يكون حقيرًا لحقارة عابدِه. ﴿إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص ٣٨] (لادعائه إلهًا آخَر وأنه رسوله). ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ﴾ أكدَّها بـ(إنَّ) واللام، ثم قال: ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ليفتح الباب (...)؛ لأنَّه ليس هذا أول من كذب، فليس بغريب أن يكذب؛ لأنه قد سبقه مَن سبقه، فيكون هذا أشد قبولًا لقوله عندهم، وليذكرهم بأن موسى مثل غيره من الكاذبين، فليس أول من كذب. نقول الآن: هل قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، هل هو صادق في ذلك؟ * طالب: ليس صادقًا. * الشيخ: ليس صادقًا؛ لأنَّ موسى قال له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الإسراء ١٠٢]، لكنه (...) أمر بهذه الفعلة. ثانيًا: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، هل هو صادق في قوله: ﴿لَأَظُنُّهُ﴾؟ غير صادق، بل إنه يتَيَقَّن أنه صادِق، لكنه (...) على قومِه هو الذي جعله يقول هذا القول. * طالب: (...). * الشيخ: وقوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾. * وفيه: التَنَزُّل مع الخصم على وجه لا يكون فيه تقييد لدعوى المُدَّعي. * وفيه أيضًا: دليل في قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾، أن الهدى مِن الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يأتي بما يحسن الاهتداء به، ويُوفِّق من شاء مِن عباده له، فالهدى مِن عند الله، ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ (...) فهو. * ويستفاد من هذه الآية: أن العاقبة لمن اتبع هدى الله؛ لقوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ [القصص ٣٧]، يعني: وهو كذلك أعلم بمن تكون له عاقبة الدار (...). * ومنها أيضًا: أن الظالم لا يُفلِح، ومفهومه أن صاحب العدل يُفلِح؛ لأنه إذا انتفى الفلاح عن الظالم وجَب ثبوته لصاحب العدل. * ومنها: التحذير مِن الظلم؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [القصص ٣٧]، والترغيب في العدل؛ لأن التحذير من الشيء ترغيب في ضده. طيب، كُنَّا ذكرنا أن العاقبة (...). طيب، ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٣٨] إلى آخره. * يستفاد من هذا الآية: أن فرعون قد سيطر على قلوب قومه. وجهُ ذلك: أن مِثل هذا الكلام لا يُقبَل إلا من شخص قد سلب عقولهم، وإلا كان كل واحد يقول: أبأصير إله (...). طيب، * ومنها أيضًا: تمييز فرعون على قومِه وأنَّه من أشدِّ الناس مكرًا وحيلة؛ لقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. * ومنها: إثبات علوِّ الله. من أين نأخذه؟ مِن قوله: ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾، وهذا دليل على أنَّ موسى قال له: إن الله في السماء. طيب، * ومنها أيضًا: أن فرعون كان عظيمَ الملك في مملكته، وكان له وزراء يأمرهم. * ومنها: جواز إسناد الفعل إلى الآمر به إذا كان له سلطانٌ في أمره؛ لقوله: ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾. ومعلومٌ أنَّ هامان لم يباشر البناء، مَن يباشره؟ العمال، ولكنه نُسب الفعل إليه؛ لأنه الآمر به، فقيل: إسناد الفعل إلى الآمر به لمن كان له سلطة في الأمر. والفقهاء رحمهم الله اعتبروا هذا فقالوا: لو أمر بالقتل غير مكلَّف فقتل، فالقَوَد على من؟ على الآمر، يعني لو قال للإنسان مثلًا: اقتلْ فلانًا، فذهب فقتلَه، فإنَّ الذي يُقتَل الآمر؛ لأنه هو السبب، والسبب مبتدَأ الحكم إليه. * ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: أنَّ الفخَّار أقوى مِن الطين غير المُوقَد عليه، قالوا: إن الطين الموقد عليه أقوى، مِن أين يؤخذ؟ ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾، ويقال في الأول: لو أن الآجُرَّ اللي هو (...) فرعون، والله أعلم، قد يكون أول من اخترع هذا الشيء، وقد يكون الأمر معلومًا من قبل فأمر به، إنما يؤخذ أنه أقوى من الطين غير الموقد عليه. * ومنها أيضًا: طغيان فرعون واستكبارُه؛ حيث ذكر الربَّ سبحانه وتعالى بصيغة الإذلال، في قوله: ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾، فنسبه إليه احتقارًا له لأنَّه يحتقرُ موسى. * ومنه أيضًا: أنَّ فرعون مِن أكذب الناس؛ لقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٣٨]، ولقوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص ٣٨]. * ومنها: التمييز في قوله: ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وجه ذلك؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيها التمييز. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، يعني لعله يستغرب أن يكذب موسى في هذا الأمر، فأشار بقوله: ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ لأن هناك ما يُصدق سواه، فلا تستغربوا أن يكذب هو كما كذب غيره. وفي آية أخرى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر ٣٧]، فما الجمع بينهما؟ قلنا: الجمع بينهما هو أن الله سبحانه وتعالى إما أنه يكون قد نقل الكلام بمعناه، واللفظ مِن عند الله، أو أنه يتكلم بهذا مرة من فرعون وبهذا مرة، ففي مجلس يقول: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾، وفي آخر يقول: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، حسب ما يرى أنه أنفع للحضور.

القصص 28:39

قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [القصص ٣٩]، ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ مِن الكبرياء وهي العظمة، والمعنى: أنه تَرقَّى وتعاظَم هو وجنوده، وزيادة الهمزة والسين والتاء للمبالغة وليست للاستدعاء؛ لأن الغالب أنَّ الهمزة والسين والتاء تكون للاستدعاء مثل: (استغفرَ له) يعني: طلب مغفِرَته، (استرحمه) طلب رحمتَه. لكن تأتي أحيانًا لِلمبالغة مثل: (استكبر) يعني: بالَغ في الكبرياء والعظمة. ﴿هُوَ وَجُنُودُهُ﴾، مَن جُنُودُه؟ الجُنْد في الأصل هم حاشية الإنسان وأنصاره، ويُطلق على كل مَن اتَّبعه فهو مِن جُنْدِه. وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾، متعلق بـ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾، و(أل) في (الأرض) للعهد الذهني، قال المؤلف: (أرض مصر) ليس الأرض كلها؛ لأنه لا سلطان له على بقية الأراضي، ولكن المراد أرض مصر، فعلى هذا تكون (أل) هنا لأي شيء؟ للعهد الذهني، لا للعموم. وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بيان للواقع؛ لأن الاستكبار كله مُخالفٌ للحق، ولكنه بيان للواقع زيادةً في تقبيحه، فالاستكبار قبيح، فإذا وُصف (...) صار أقبح وأقبح. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة ٦١]، ويمكن يكون قتل النبيين بحق؟ لا، كلُّ قتلِ النبيين بغير الحق، لكن ذَكَر ذلك للمبالغة في تقبيحه، وإلا في الواقع أنه ليس بحق. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، والحق في الأصل هو الشيء الثابت، فإذا أُضِيف إلى (...) فالمراد به الصدق، وإذا أضيف إلى الأحكام المراد به العدل؛ كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]. إذن انتفى عن هؤلاء باستكبارهم الحق من وجهين؛ حيث اتخذوا كذبًا وزورًا بما استكبروا به. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾. ﴿وَظَنُّوا﴾، هل المراد بالظن هنا الرجحان أو اليقين؟ * طالب: (...). * الشيخ: المتيقنين (...)؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما جحدوا (...)، فهل نقول: المراد به الرجحان، يعني ترجح عندهم أنهم راجعون، أو اليقين؟ كلاهما في الواقع يُنافي قولَه تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]؛ لأنَّ مَن استيقن الشيء هل يظُن خلافَه؟ أن يستيقن أن ما جاء به موسى حق، هل يستيقِن خلافَه أو يظن خلافَه أيضًا؟ لا؛ لأن من استيقن الشيء فقد آمن به، لكن يبدو لي أنَّ الظن هنا إمَّا بمعنى الدعوة، يعني ادَّعَوْا أنهم إلينا لا يُرْجَعُون، أو أن المُراد به.. وهو فعله هنا فعل الظان. وقوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٣٩] فيها قراءتان: ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ بالبناء للفاعل وللمفعول، بالبناء للفاعل كيف أنطق؟ ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ ، وبالبناء للمفعول: ﴿لَا يُرْجَعُونَ﴾، وأركان القراءة (...): وَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ∗∗∗ وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرْآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّــــــــــــــلَاثَةُالْأَرْكَـــــــــــانُ فهنا ﴿يَرْجِعُونَ﴾ (...) أو لا؟ يعني ما اختلفت إلا بالشكل فقط. ومعنى ﴿يَرْجِعُونَ﴾ أي: يعودون ويُردون إلى الله سبحانه وتعالى؛ إذ إن الكل سوف يرجع إلى الله، والإنسان راجع إلى الله في محياه ومماته، فهو بعد الموت يرجع إلى الله، وكذلك في الدنيا أمره راجع إلى الله، فهو الذي يدبره. ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾، الفاء عاطفة والمراد بها أيضًا السببية، أي: فبسبب استكباره هو وجنوده أخذناه ﴿وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ [القصص ٤٠]. شوف، مقابل الاستكبار ذكر الله تعالى عقوبتهم على وجه الاستهجان والتحقير: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾؛ إذ إن النبذ هو الطرح، الطرح يعني بقوة، والمطروح بقوة هل هو عظيم ولا حقير؟ بل هو حقير؛ لأن العظيم ما يمكن، ما تستطيع أن تنبذه نبذًا، فهو (...) عظيم ما تقدر، إنما ينبذ نبذًا من كان هينًا حقيرًا، ولهذا قال: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾. (هم) يعود على الجنود ولا على من؟ على فرعون والجنود، ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾، ولم يغنه هؤلاء الجنود شيئًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا شيء يقابله من قوة البشر. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ (طرحناهم). ﴿فِي الْيَمِّ﴾ [القصص ٤٠]، ﴿الْيَمِّ﴾ قال: (البحر المالح) احترازًا منين؟ من الأنهار؛ لأن الأنهار بحار، لكنها غير مالحة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر ١٢]، وقال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن ١٩]، فسمى الله تعالى الأنهار والبحار المالحة سماها بحارًا. وقوله: (البحر المالح) هذا بيان للواقع الذي وجد فيه فرعون وجنوده؛ لأنهم وجدوا في بحر القلزم أو القلزم، وهو البحر الأحمر الذي بين جُدة ومِصر، هذا الذي غرق فيه فرعون وقومه. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾، وانظر إلى الحكمة في أن الله سبحانه وتعالى أغرقهم إغراقًا في اليم؛ لأن فرعون كان يفتخر بأنهاره ويقول لقومه: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥١، ٥٢] فافتخر بالماء فأُغرق به. * طالب: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾. * الشيخ: نعم ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]، فأخرجه الله من ملك مصر وأهلكه بما كان يفخر به من الأنهار. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن البحر المالح بعيد عن ملك مصر (...). قال: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٤٠]، ﴿فَانْظُرْ﴾ الخطاب لمن؟ ﴿فَانْظُرْ﴾ يعني: يا محمد، أو: ﴿فَانْظُرْ﴾ أيها القارئ أو السامع؟ فالخطاب لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، ماذا تقول؟ * طالب: الأخير. * الشيخ: الأخير، أي: ﴿فَانْظُرْ﴾ يا من تسمع هذا الخطاب ويوجَّه إليك. والمراد بالنظر هنا نظر الاعتبار، وهو النظر بالقلب؛ لأن العاقبة ما هي تنظر بالعين، اللهم إلا إذا سار الإنسان في آثارهم، فقد ينظر بعينه وبقلبه. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿كَيْفَ﴾ هنا للاستفهام، والمراد به التعظيم، يعني لعظم العاقبة، لكن لا تعظيم الرفعة، بل تعظيم العقوبة والعياذ بالله. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ فهو تفخيم لها وتعظيم لعاقبة وخيمة سيئة للغاية، محلها من الإعراب ﴿كَيْفَ﴾؟ * طالب: اسم استفهام. * الشيخ: اسم استفهام مبني على الفتح في محل؟ * الطالب: نصب. * الشيخ: نصب نعم. * الطالب: مفعول (انظر). * الشيخ: مفعول (انظر)! ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ﴾، ما يصح أن تكون مفعول (انظر)؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، إذا جعلناها مفعول (انظر) ما صار لها صدر الكلام، صارت متأخرة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، (...) بمفعول (انظر)، لكن أنا أريد إعراب ﴿كَيْفَ﴾ فقط. * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: خبر. * الشيخ: خبر؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: ما هو بصحيح. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم خبرها مقدر، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾، فـ﴿كَيْفَ﴾ هنا اسم استفهام (...) خبر مقدم لـ﴿كَانَ﴾. وتقديم خبرها هنا واجب ولا جائز؟ * طالب: واجب. * الشيخ: واجب. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿عَاقِبَةُ﴾ بمعنى عقبى، وهي على صيغة اسم الفاعل، والمراد العقبى. و﴿الظَّالِمِينَ﴾ هم الذين نقصوا حقوق أنفسهم وحقوق ربهم؛ لأن الظلم في الأصل النقص، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣]، أي لم تنقص. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، المراد بالظالمين هنا الكافرون ولَّا لا؟ * طالب: الكافرون. * الشيخ: نعم الكافرون؛ لأنه يشير إلى ما جرى لفرعون وقومه، وهم ظالمون ظلم كفر؛ لأن الظلم ينقسم إلى قسمين: ظلم كفر، وظلم معصية دون الكفر. ففي قوله تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٧٩] (...) ظلم المعصية، المراد ظلم المعصية، وفي قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] المراد ظلم الكفر، وفي قوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧] شامل للأمرين الكفر وما دونه. (﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ حين صاروا إلى الهلاك). إلى الهلاك بأتفه الأمور، وهو الماء، وهذه من حكمة الله سبحانه وتعالى أن يأخذ كل إنسان بذنبه، كما قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] أي: بما يقتضيه ذنبه من العقوبة، عاد استكبروا في الأرض وتحدوا وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، وقوله: ﴿خَلَقَهُمْ﴾ ولم يقل: إن الله (...) بكونه أشد منهم؛ لأن الخالق بلا ريب أقوى من المخلوق. بماذا أخذوا؟ أخذوا بألطف الأشياء، وهي الريح، أرسل الله عليهم الريح ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة ٧]، كل أيام الدهر، أرسلت إليهم في كل أيام الدهر، لو شاء الله لأرسلها عليهم في ليلة واحدة ودمرتهم تدميرًا، لكن لحكمة أراد أن يتعذبوا أكثر، ما أخذتهم جميعًا؛ أخذت مثلًا (...) ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر ٢٠]، وهذا أشد عقوبة؛ لأنها لو جاءتهم مرة واحدة ودمرتهم ما تعذبوا؛ ماتوا وهلكوا وانتهى الأمر، لكن هذا أشد. طيب إذن هنا أغرقوا باليم؛ لأنهم والعياذ بالله (...). قال: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ في الدنيا ﴿أَئِمَّةً﴾ [القصص ٤١] بتحقيق الهمزتين) ﴿أَئِمَّةً﴾، (وإبدال الثانية ياءً)، كيف يقال؟ ﴿أَيِمَّةً﴾ ، والقراءة الثانية هنا سبعية. قال: (رؤساء في الكفر)؛ لأن الإمام هو القائد الذي يُتبع، فهو والعياذ بالله ذو أثر في الكفر، وليسوا رؤساء فقط؛ رؤساء متبوعون في الكفر. * طالب: (في الشرك). * الشيخ: (في الشرك)، نعم، رؤساء في الشرك، يعني متبوعين. الإمام هو المتبوع، المعنى أنهم كانوا قادة والعياذ بالله إلى الكفر والشرك. لكن هذا، يقول المؤلف: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ في الدنيا ﴿أَئِمَّةً﴾ ). لو أنه أخر (في الدنيا) لكان أحسن، وقال: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ في الدنيا ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١])؛ لأن حقيقة الأمر أن إمامتهم بالكفر متى؟ في الدنيا، إمامتهم كانت في الدنيا، فهم جعلوا في هذه الدنيا أئمة، يعني متبوعين يُقتدى بهم في الكفر، فكل من أتى بعدهم وكان كفره استكبارًا فإنه مقتدٍ بهم. وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، ليس إلى الإيمان، ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ بالقول أو بالفعل؟ بهما جميعًا، فهم قبل أن يهلكوا يدعون بالقول وبالفعل، وبعد أن هلكوا يدعون بالفعل؛ لأن من اقتدى الناس بفعله فهو في الحقيقة قد دعاهم إليه. وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، قطعًا ما يدعونهم بأن يقولوا: يا ناس ادخلوا إلى النار، لو كان يقولون: يا ناس ادخلوا النار ما أطاعوهم، لكن ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ يدعون إلى العمل الموصل إليها، وهو الشرك والكفر، وبئس ما كانوا أئمة فيه، وهو الدعوة إلى الكفر بالله تبارك وتعالى والإشراك به. طيب، وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. ﴿وَيَوْمَ﴾ هذا ظرف متعلق بـ﴿يُنْصَرُونَ﴾، يعني: وهم لا ينصرون يوم القيامة. في الدنيا أئمة متبوعون، لكن في الآخرة ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾، هم ما يستطيعون أن ينتصروا لأنفسهم، فلا يمكن أن يكونوا أئمة يُقتدى بهم. وقوله: ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ أي: لا يجدون من ينصرهم (بدفع العذاب عنهم)، ما أحد يدفع عنهم العذاب، لا هم ولا غيرهم أيضًا، حتى غيرهم ما يمكن أن يدفع عنهم العذاب. (﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ خزيًا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤١، ٤٢] المبعدين). ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ على فرعون وجنوده، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ﴾ يعني: جعلناها تتبعهم بعد إهلاكهم. واللعنة في الأصل: الطرد والإبعاد، وفسرها المؤلف بلازمها وهو الخزي، أي أنه كل من ذكرهم يلعنهم ويطردهم ويبتعد عنهم، ولكن لا منافاة بين ما هنا وبين قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١]؛ لأن الذي يأتم بهم هو الموافق لهم على كفرهم، أما من لم يهتم بهم فإنه يلعنهم. وقوله: ﴿لَعْنَةً﴾ من الله ولا من غيره؟ منه ومن غيره، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة ١٥٩]، فمن لعنه الله لعنه المؤمنون بالله، قال ابن مسعود رضي الله عنه في لعن النامصة والمتنمصة، قال: «وما لي لا أَلْعَنُ مَن لَعَنَهُ رسولُ اللهِ ﷺ»[[أخرجه البخاري (٥٩٤٣). ]]. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أيضًا ظرف متعلق؟ * طالب: بالنار. * الشيخ: بالنار؟! بمحذوف حال من (هم)، يعني: وهم حال كونهم يوم القيامة من المقبوحين، أو متعلق بالمقبوحين (...) ما تقدم لنا من أن (أل) اسم موصول، واسم الموصول لا يعمل ما بعده بما قبله، فإما أن تجرد (أل) من المصدرية، أو يأتي ذلك على سبيل التوسع؛ لأنهم يتوسعون في الجار المجرور والظرف ما لا يتوسعون في غيره. وقوله: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]، أتى بالجملة الاسمية الدالة على أنهم هم في ذلك الوقت لا يمكن أبدًا أن يستحسن ما فعلوه أو يقربوا، بل إنهم في ذلك الوقت من المقبوحين المبعدين الذين يفضحهم كل من ذكرهم، فلا يمكن لأحد أن يقربهم. إذن، عُوقب هؤلاء والعياذ بالله الذين كانوا يدعون إلى النار، عوقبوا بأمرين؛ بل بثلاثة أمور: الأمر الأول: أنهم إذا حل بهم العذاب يوم القيامة لن يجدوا من ينصرهم؛ لأنه قال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. الأمر الثاني: العار الذي لحقهم من اللعنة التي لحقتهم إلى يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ [القصص ٤٢]. الأمر الثالث: أنهم يوم القيامة لا يمكن أبدًا أن يكونوا من المحبوبين المقرَّبين، بل هم من المقبوحين المطرودين المبعَدين (...). * * * (﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣] التوراة)، وهي كتاب بمعنى مكتوب، والجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم، واللام الواقعة في جوابه، و(قد). وهنا قد يقول قائل: لماذا تؤكد بهذه المؤكدات الثلاثة مع أنها ليست مخاطبةً لمنكر لها؟ فالجواب: أننا سبق أن قلنا: إن التأكيد ليس سببه إنكار المخاطب فقط، بل قد يكون سببه أهمية المخبَر عنه، فيؤكد بالقسم وباللام و(قد) وغيرها من المؤكدات. (...) * يستفاد من هذه الآية: بيان حال فرعون وجنوده، وأنهم قوم مستكبرون عن الحق متعالون عليه. * ثانيًا: يستفاد منها أيضًا: أن من استكبر عن الحق ففيه شبه من فرعون وجنوده. * ومنها، أي مِن فوائد الآية: وجوب الرضوخ للحق، فالإنسان يجب عليه أن يرضخ للحق، سواء وافق هواه أم خالفه. * ومِنها: أن المستكبر ليس له حق في الاستكبار؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. * ومِنها أيضًا: أن هؤلاء المستكبرين يعملون عمل من لا يظن أنه يرجع إلى الله؛ لأن من ظن أنه يرجع إلى الله فلن يستكبر عنه؛ إذ إنه يخاف منه، لكن من يستكبر هو من ظن أنه لا يرجع إلى الله سبحانه وتعالى. * ومنها: إثبات البعث؛ لأن قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٣٩] إثبات الظن، فيقتضي أن الرجوع إلى الله أمر ثابت. * ويستفاد من قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾؛ يستفاد منه: أن الذنوب سبب للعقوبة؛ لأن الفاء (...) تفيد السببية. * ومنها: بيان عظمة الله سبحانه وتعالى؛ حيث أخذ هؤلاء العتاة بما لهم من القوة ونبذهم نبذًا كما ينبذ الإنسان نواة من (...)، نعم، وليس هذا تشبيهًا، لكن قصدي أنه لم يبال بهم ولم يعجزوا الله سبحانه وتعالى. * ومنها: حكمة الله سبحانه وتعالى؛ حيث كان إهلاك فرعون وقومه بالماء الذي كان يفتخر به بقوله: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]، فإن هذا الذي كان يفتخر به كان محل هلاكه. * ومنها: أن فرعون قد هلك فيمن هلك؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس ٩٢] ليس معناه أنه حي باقٍ، وإنما الذي أُنجي وظهر للناس هو بدنه فقط؛ ليكون لمن خلفه آية؛ لأن بني إسرائيل -كما قال أهل العلم- قد أرعبهم فرعون، فلولا أنهم خرجوا حتى شاهدوه ببدنه لكان عندهم نوع من القلق: هل هلك أو ما هلك، فإذا شاهدوه تيقنوا وزال عنهم القلق. فإذن هو هالك فيمن هلك؛ لقوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾. * ومِنها، أي مِن فوائد الآية: أنه يُطلب من المرء -إما وجوبًا أو استحبابًا- أن يتأمل في عاقبة الظالمين: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، فيتفرع على هذه الآية أنه ينبغي لنا أن نتعظ بعاقبة هؤلاء فلا نظلم مثلهم؛ لأنه ما دام عاقبة الظالم الهلاك فإن الإنسان يخشى أن يهلك إذا ظلم. * ومنها: أن الظلم محرم؛ لأنه سبب للعقوبة، وما كان سببًا للعقوبة فإنه محرم، وسواء كان الظلم للنفس أو للغير فإنه محرم بجميع أنواعه، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر رضي الله عنه. ]]. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. * يستفاد من هذه الآية: حكمة الله سبحانه وتعالى في مثل فرعون وقومه، في أن لإيجادهم حكمة؛ لأن الله قادر على أن يجعل المرء على الهدى، لكنه سبحانه وتعالى له الحكمة في أن يوجد مثل هؤلاء القوم الذين يدعون إلى النار. * ويستفاد مِنها أيضًا: حكمة الله تعالى فيمن خلق من أمر الله، وأنهم بلاء وفتنة. * ومنها: إثبات الإمامة في الشر كما هي ثابتة في الخير، فانظر إلى هذه في آل فرعون، وانظر إلى هذه في بني إسرائيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤]، ففرق بين من يقود الناس بأمر الله، من يقودونهم بشريعته، وبين من يدعون إلى النار. * ومن فوائدها أيضًا: أن الدعاء إلى النار وإلى الخير أيضًا كما يكون بالقول يكون بالفعل، يكون بالقول ويكون بالفعل، وأيهما أقوى؟ قد يكون الدعاء بالقول أقوى وقد يكون الدعاء بالفعل أقوى، نعم، إنما على كل حال الدعاء بهذا وبهذا ثابت، فإن الإنسان يدعو الناس بمقاله وبحاله. * ومنها: إثبات يوم القيامة في قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾، وسُمي (يوم القيامة) لأمور ثلاثة: أنه يقوم الناس فيه من قبورهم إلى رب العالمين، وأنه يُقام فيه العدل كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧]، وأنه يقوم فيه الأشهاد: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]. فلهذا سُمي يوم القيامة، لماذا سمي يوم القيامة؟ * طالب: (...). * الشيخ: ذكرنا الآن ثلاثة أسباب الآن. * الطالب: (...). * الشيخ: ما (...)، لا تعتمد على (...) كان ربما يأتي مسائل تشكل عليه. * ومنها أيضًا، يستفاد من الآية الكريمة: أن آل فرعون لا ناصر لهم في الآخرة، ومثلهم من كان على شاكلتهم من المستكبرين عن الحق، فإنهم لا يجدون من ينصرهم من عذاب الله إذا نزل بهم في ذلك اليوم. ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]. * يُستفاد مِن هذه الآية: أن عقوبة آل فرعون كانت ممتدة إلى يوم القيامة بالذكرى السيئة لهم، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾؛ فإن كل من ذكر آل فرعون يذكرهم بالسوء والبغض والكراهية. * ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: تحقير الدنيا؛ فإن قوله: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ إشارة للقريب؛ لدنو مرتبته وأنها دنيا، والدُّنيا: مؤنث أدنى، وهي من الدنو الحسي والمعنوي؛ أما الدنو الحسي: فلسبقها على الآخرة، فهي أدنى إلى المخلوقين من الآخرة، وأما الدنو المعنوي: فلما تتضمنه من النقص في جميع كمالاتها، فما من كمال في الدنيا إلا وهو ناقص، والآن لو تأملت جميع المضار والمنافع الدنيوية تجدها مشوبةً بالضرر والخطر، حتى الزمان كما قال الشاعر: فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ لو تأملت هذا لوجدته دائمًا، نعم، وعلى هذا نقول: الدنيا نُسبت لذلك لأمرين: الدنو الحسي والمعنوي، الدنو الحسي: قربها، لسبقها على الآخرة، والدنو المعنوي أنه ما فيها شيء (...) إلا وهو مشوب بنقص. * ومِن فوائد الآية: أن اللعنة - والعياذ بالله - التي وزعت (...) تكون عليهم في الآخرة؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]؛ لأن المقبح معناه المبعد المقبوح، واللعن هو الطرد والإبعاد. * * * قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣]. ﴿آتَيْنَا﴾ بمعنى أعطينا واعلم أن إيتاء الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين: إيتاء شرعي وإيتاء قدري، فما تعلق بالكون والخلق فهو إيتاء قدري، وما تعلق بالشرع فهو إيتاء شرعي. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة ٥٩]، هذا إيتاء شرعي، والمراد به قسم الصدقات أو الفيء. ومثل ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ شرعي ولا قدري؟ * طالب: (...). * الشيخ: أو قدري، إي؛ لأن الإنزال -إنزال القرآن- من الأمور التي تتعلق بمشيئة الله، لا بشرعه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: العمل بالكتاب شرعي. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يكون؛ لأن أصل الإنزال قدري يتعلق بمشيئة الله وقدره، لكن العمل به شرعي. وقوله: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾، (موسى) مفعول أول لـ(آتينا)، و(الكتاب) مفعول ثان، وهي من باب (ظن). * طالب: (...)؟ * الشيخ: من باب (كسا)؛ لأنه إذا لم يكن الأول مبتدأ والثاني خبرًا، فهو من باب (...)، لو قلت: (موسى الكتابُ) يصلح؟ ما يصلح، فكل مفعولين لا يصح أن يكون أحدهما مبتدأ والثاني خبرًا فهما من باب (كسا)، وما صح أن يكون مبتدأ وخبرًا فهما من باب (ظن). وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾، يقول: (التوراة)، وهو (فعال) بمعنى (مفعول)؛ لأن التوراة مكتوبة، فإن الله تعالى كتبها بألواح وأعطاها موسى. وقال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣]، متعلق بـ﴿آتَيْنَا﴾. يعني: أعطيناه إياه من بعد ما أهلكنا القرون الأولى. القرون: جمع قرن، والمراد بهم الأمم، وقد يُراد به الفترة من الزمن، ومقدارها مئة سنة. فالقرون تارةً يراد بها الأمم، وتارة يراد بها أحقاب الزمن. وهنا المراد أحقاب الزمن ولا الأمم؟ الأمم؛ لأن أحقاب الزمن ما تهلك، الذي يهلك الأمم. (﴿أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم). (قوم نوح). * طالب: (...). * الشيخ: عندي هنا (وعاد)، عندكم (وعادًا) ولا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما فيها شك (...)، هو الوجه أن يقال: (قوم نوح وعادًا وثمود)، أما (ثمود) فلا تنصرف، لكن الكلام على (عاد) (...) تفسير للقرون. طيب، هم: (قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم). هؤلاء هم القرون الأولى، وإنما قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾، إشارةً إلى أن الناس كانوا في حاجة إلى مثل هذا الكتاب الذي نزل على موسى؛ لأن القرون أهلكت وتطاول الزمن، فاحتاج الناس إلى رسالة، فأرسل الله تعالى موسى بهذا الكتاب الذي هو التوراة. وقيل: إن القرون الأولى تشمل حتى آل فرعون؛ لأن التوراة ما نزلت على موسى إلا بعد أن أهلك الله قرن فرعون وقومه، وأنه يشمل حتى هؤلاء، حتى إن بعض العلماء استنبط منها أنه لم تهلك أمة بعد نزول التوراة، يعني (...) وأن هذا من فوائد قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣]؛ لأن إهلاك الأمم السابقة مضى وانقضى، ولا إهلاك بعد نزول التوراة. وفي الحقيقة أن من تأمل التاريخ وجد أنه لم تهلك أمة بعد نزول التوراة، ما هلكت أمة، لكن هل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ يشير إلى هذا؟ هذا هو محل النظر والمناقشة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما حصل هلاك عام، (...)، أما أنه هلاك عام ما حصل، فالمهم هذه (...). قال: (﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص ٤٣] حال من الكتاب). وين (الكتاب)؟ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ﴿بَصَائِرَ﴾، و﴿بَصَائِرَ﴾ (جمع بصيرة وهي نور القلب) كما أن (بصر، وأبصار) نور العين، فنور القلب يسمى بصيرة وبصائر، ونور العين يسمى بصر وأبصارَا ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٦]. وقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾، (أل) هنا للعهد الذهني، وليست للعموم؛ لأن التوراة لم تنزل إلا لمن؟ لقوم موسى فقط، كما قال النبي ﷺ: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨) ومسلم (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]] خذوا بالكم من هذا. طيب، وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، هل يخرج الجن؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، من حيث التكليف والإلزام يخرج الجن، فإنه لم يكلف أحد برسالة أحد من الرسل من الجن، لكن من حيث العمل يمكن أن يستبصر بها الجن، كما قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف ٣٠]، فإن الظاهر أنهم كانوا انتفعوا بما أنزل على موسى كما انتفعوا بالقرآن. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يجب عليهم؛ لأنه الرسول يقول: «يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ» » والجن ليسوا منهم. وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، أنا ذكرت أن (أل) هنا للعهد الذهني، طيب. قال: (جمع بصيرة، وهي نور القلب، أي: أنوارًا للقلوب)، وهكذا جميع الكتب التي ينزلها الله عز وجل تكون أنوارًا للقلوب؛ لأنه يكون بها الاقتداء، ولهذا قال: (﴿وَهُدًى﴾ من الضلالة لمن عمل بها). تقييد المؤلف (لمن عمل بها) غير وجيه، والأولى إبقاء الآية على ظاهرها، أن التوراة هدًى، لكن هذا الهدى ما ينتفع به إلا من وُفق، فهي هدًى من الضلالة بلا شك، لكن هل ينتفع بها ويهتدي بها كل أحد؟ لا، كما قال الله تعالى في القرآن: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة ١٨٥]، وقال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢]، ففي الأول هدى دلالة، وفي الثاني هدى توفيق. التوراة، إذا قلنا: هدًى لمن عمل بها قيدنا الآية بهدى التوفيق مع أنها مطلقة، ولهذا الأولى أن نقول: هدًى من الضلالة في كل أمر، كما قال: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾، نقول: وهدًى أيضًا للناس، ولكن الهدى الذي بمعنى الدلالة عام، والهدى الذي بمعنى الاهتداء -يعني يهتدي بها الإنسان- هذا خاص لمن وُفق له. (﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ لمن آمن به). هذه نعم، (...) أن المقام يقتضي التخصيص، أنه رحمة، لكن لا لكل أحد، إلا أن يقال: رحمة أي وسيلة للرحمة، فإذا قلنا: إن (رحمة) أي وسيلة صار عامًّا. نقول: هدًى باعتبار العلم، ورحمة باعتبار العمل؛ لأن من عمل به فهو مرحوم. وأما الهدى فهو باعتبار العلم، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣]، فالهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، أي ما تكون رحمة لغيره، هي هدى، الهدى نعم هدًى لكل أحد. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو بالظاهر، الظاهر أنها لو قُيدت تقييدًا مثلما قال المؤلف؛ لأنه ما يرحم بها إلا من عمل بها، ما يرحم بها إلا من عمل فقط. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٤٣]. (لعل) هنا معناها التعليل، أما عملها فهي تنصب المبتدأ وترفع الخبر، وخبرها جملة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾، قال: (يتعظون بما فيه من المواعظ)، يعني بما في الكتاب - اللي هو التوراة - من المواعظ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، كلمة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ الضمير يعود على من أُنزلت عليهم التوراة، وهم بنو إسرائيل. قال الله تعالى لنبيه ﷺ: (﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِجَانِبِ﴾ الجبل أو الوادي أو المكان ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص ٤٤] من موسى حين المناجاة). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ (جانب) بمعنى جهة، جانب الشيء جهته أو طرفه. وقوله: ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ صفة لموصوف محذوف، ما هذا الموصوف؟ قال المؤلف: (الجبل أو الوادي أو المكان)، و(أو) هنا ليست للتخيير ولكنها للتمييز؛ لأن بعضهم يقول: المراد به الجبل، وبعضهم يقول: المراد به الوادي، وبعضهم يقول: المراد به المكان، وكلمة (المكان) أعم لأنها تشمل أن يكون واديًا أو جبلًا، وموسى كما تعلمون نزل من جانب الطور، وهو في الوادي المقدس، فالآية (...) والذي يضبط الوادي أو المكان أو الجبل هو كلمة (...).الجانب الغربي منه، يعني كأنه قال: بالجانب الغربي من الجبل، فيكون من باب إضافة الموصوف إلى صفته، مثلما يقال: (مسجد الجامع) أي: المسجد الجامع. على هذا التقدير الأخير يكون المراد الغربي من نفس الجانب، ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ أي: بالجانب الغربي من الجبل، أما على رأي المؤلف فهو يقول: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ بجانب المكان (الغربي) صفة لـ (جانب) من موسى وهو يكلم الله، وحينئذ نقول: موسى إذا كان وجهه إلى السماء والجانب الغربي منه؟ * طالب: (...). * الشيخ: على فرض الغرب، وإذا كان وجهه إلى الشرق، فالجانب الغربي منه يكون وراءه؛ لأن المتجه إلى الشرق يكون الجانب الغربي منه خلفه. وأنا الآن ما أتصور هل كان موسى بجانب الجبل من الشرق أو من الشمال. وعلى كل حال فـ(الغربي) نسبة، قد تكون مثلًا القصيم غربًا بالنسبة لمكان، وشرقًا بالنسبة لمكان آخر، بالنسبة لمكان المدينة تكون غربًا أو جنوبًا، وبالنسبة للكويت تكون غربًا. المهم أنك ما كنت بذلك الجانب (حين المناجاة ﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾ أوحينا إلى موسى الأمر بالرسالة إلى فرعون وقومه). ﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾، يقول المؤلف: (أوحينا)، وعلى هذا فالقضاء شرعي ولا كوني؟ * طالب: (...). * الشيخ: طيب يتعلق بالمشيئة، لكن المؤلف جعله شرعيًّا؛ لأن قضينا الأمر بالرسالة يعني: أمرناه به، فجعل الأمر هنا واحد الأوامر، وليس واحد الأمور، وإذا جعلناه واحد الأوامر صار هنا المراد بالقضاء: الشرعي. ويحتمل أن المراد بالأمر هنا واحد الأمور، أي: قضينا إليه ذلك الشأن العظيم وهو الرسالة، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى ٥٢]، فهذا الواحد واحد الأمور، وليس واحد الأوامر، وعلى هذا فيكون القضاء كونيًّا. والقضاء كما تعرفون ينقسم إلى قسمين: قضاء كوني، وقضاء شرعي. فالقضاء الكوني لا بد من وجود المقضي، والقضاء الشرعي قد يوجد وقد لا يوجد. والقضاء الكوني يكون محبوبًا إلى الله ويكون مكروهًا إليه، والقضاء الشرعي لا يكون إلا محبوبًا إليه؛ لأنه بمعنى الأمر. فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء ٤]، هذا قضاء كوني، يحبه الله ولا يكرهه؟ يكرهه. ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]، هذا قضاء شرعي؛ لأنه لو كان قضاءً كونيًّا للزم أن الناس كلهم يعبدون الله، وليس الأمر كذلك، وقضينا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذه الآية (...)، أما الاجتماع ما يمكن إلا في أمر وقع، مثلًا لو قلنا: قضى الله تعالى لأبي بكر أن يسلم، فهذا قضاء قدري شرعي؛ لأنه أمره بالإيمان فآمن، ونقول: قضى الله لأبي لهب أن يؤمن. * طالب: (...). * الشيخ: لا، قد يؤمن، هذا قضاء شرعي وليس كونيًّا، وقضى الله لأبي لهب أن يكفر هذا قضاء كوني، إي نعم. قال: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص ٤٤]، على رأي المؤلف: واحد الأوامر، ولهذا قال: (﴿الْأَمْرَ﴾ بالرسالة إلى فرعون وقومه)، أو نقول: إن الأمر واحد الأمور، وهو (...) الذي هو الرسالة إلى فرعون وقومه. وكلام المؤلف في الحقيقة محتمل، فيبقى الأمر بالرسالة (...) مراده: واحد الأمور، فيكون هذا (...) للرسالة. (﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص ٤٤] لذلك فتعلمه فتخبر به). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص ٤٦] ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ما فيها تكرار؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا تأتي من الله تعالى؛ لأن الأصل عدم التكرار. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، نقول: الآية ما فيها تكرار؛ لأن من كان بالجانب قد يرى وقد لا يرى، ولهذا قال: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. طيب، إذا قال قائل: لماذا لم يـقتصر على قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؟ قلنا: أيضًا نفس الشيء؛ لأن الإنسان قد يشاهد من بعد ولا يكون قريبًا، فهنا تضمن أنه قريب وأنه شاهد. ففرق بين أن نقول: (ما كنت شاهدًا) يعني: ما كنت حاضرًا أو مشاهدًا بعينك ولو كنت بعيدًا. ولهذا ليس في الآية الكريمة تكرار، ولكن فيها شيئًا من التوكيد، يعني: لا حضر ولا نظر، كما يقول هنا، فالنبي عليه الصلاة والسلام ما كان حاضرًا حتى يسمع ولا كان قريبًا حتى يشاهد. طيب، إذن فيكون ما أخبر به عن ذلك من باب الوحي، لا من باب المشاهدة ولا من باب السماع، ولكنه وحي أُوحي إليه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الوحي بالرسالة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، هذا على خلاف (...). * الطالب: (...). * الشيخ: كما سيأتي أيضًا (...). يقول: (﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٥] أممًا من بعد موسى). ﴿أَنْشَأْنَا﴾ أي: أوجدنا وخلقنا أممًا، ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص ٤٥]. (تطاول) أي: زاد في الطول، فالتاء والألف للمبالغة، وقوله: ﴿الْعُمُرُ﴾ المعنى: الزمن؛ لأن الأعمار هي الأزمان، قال: (أي: طالت أعمارهم فنسوا العهود واندرست العلوم وانقطع الوحي، فجئنا بك رسولًا وأوحينا إليك خبر موسى وغيره). قوله: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا﴾، الاستدراك هنا ما يقتضي إبطال ما سبق، يعني ليس المعنى: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٤، ٤٥] فشهدت، ولكن هذا الاستدراك لتفهيمنا، والمعنى أن العهود طالت وأنت لست بشاهد ولا بحاضر، ولما طالت العهود صار الناس محتاجين إلى الرسالة، فأوحينا إليك بما جرى وأرسلناك إلى الناس، والله أعلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا، يقال والله أعلم: إنه لما كان في الأرض الواحدة (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: كذلك (...)، وهؤلاء القوم ما داموا في أرض واحدة (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا الإلزام بعض العلماء يقول: إنه للنبي، أنه ما يلزم (...) بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [سبأ ٤٠]. (...) من عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣]، وهي أحد الكتب الثلاثة الباقي أثرها، وهي الإنجيل والقرآن. * ويستفاد منه: أن إتيان التوراة كان بعد إهلاك الأمم السابقة ومنهم فرعون، واستنبط منها بعض العلماء من قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣] أنه لم تهلك أمة على العموم بعد نزول التوراة؛ لأنه قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ﴾، وكأنه بعد نزول التوراة ما أهلك أحد من القرون، وهذا الاستنباط ليس ببعيد؛ لأن الواقع يصدقه. * طالب: (...) ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾؟ * الشيخ: لا، ما ذكرناها. * طالب: ذكرنا الفوائد هذه بالشرح. * الشيخ: إي نعم، ما (...). * ويستفاد من هذه الآية: أن الكتب النازلة من السماء، أنها أنوار للناس يهتدون بها؛ لقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: أن التمسك بشرائع الله تكون به الرحمة؛ لقوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الكتب النازلة من السماء هي التي بها الهدى من الضلالة؛ لقوله: ﴿وَهُدًى﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الحكمة من إنزال هذه الكتب تذكر الناس بما فيها من المواعظ؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. * ومِن فوائدها أيضًا: إثبات الحكمة في أفعال الله سبحانه وتعالى وكذلك في شرائعه؛ لأن (لعل) معناها التعليل، فيستفاد منها إثبات الحكمة في أفعال الله وشرائعه. من الذي أنكر الحكمة؟ هم الجهمية، يقولون: إن الله تعالى ليس له حكمة فيما يفعل وفيما يشرع، وإنما هو لمجرد مشيئة. قال: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص ٤٤]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: تقرير رسالة النبي ﷺ، وذلك بما أخبر به عن هذه الوقائع التي ليس حاضرًا فيها ولا شاهدًا. * ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: أن الوحي يسمى قضاءً؛ لقوله: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾. * ومِن فوائدها أيضًا: أن الوحي ذو شأن عظيم؛ لأن الله سماه الأمر بـ(أل) الدالة على العظمة والكمال. ولا ريب أن أعظم الأمور ما جاءت به الرسل من وحي الله سبحانه وتعالى، لما فيه من مصلحة البلاد والعباد. * ومنها أيضًا: أن الإنسان لا يقبل خبره إلا إذا كان حاضرًا يسمع أو شاهدًا يرى؛ لقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾، وقوله أيضًا: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، فإن الذي يمكن أن يخبر هو من حضر فسمع أو من قرب فشاهد. أما إنسان بيخبر بدون شهادة أو بدون شهود ولا حضور، فإنه لا يقبل خبره. وهذا أمر معلوم من الشرع من جهة أخرى من آيات أخرى وأدلة أخرى: أن الإنسان ما يشهد إلا بما علم برؤية أو سماع أو غيرهما من أسباب العلم. * * * ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص ٤٥]. قال: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾، نخلي الفائدة مع آخر الآية. (﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾ مقيمًا ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ )، والمراد بأهل مدين القوم الذين أتى إليهم موسى عليه الصلاة والسلام وجرى معه ما ذكر من استئجاره وتزويجه وسيره بأهله. فهل الرسول عليه الصلاة والسلام كان مقيمًا في أهل مدين حتى يخبر عما حصل منه؟ الجواب: لا. إذن فما جاء به من أخبار أهل مدين فإنه عن طريق الوحي. وقوله: ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾، (﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ خبر ثان)، وين الخبر الثاني؟ جملة ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾، يعني: وما كنت تتلو عليهم آياتنا (فتعرف قصتهم فتخبر بها). وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ الضمير ظاهر كلام المؤلف، وهو أيضًا ظاهر سياق الآية، أنه يعود إلى أهل مدين: ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ (فتعرف قصتهم وتخبر بها). وقال بعض العلماء، أي بعض المفسرين: إن الضمير يعود على قريش، يعني: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾، فـ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ القصة التي قصصتها بـ﴿آيَاتِنَا﴾، وهذا أقرب إلى المعنى، وإن كان الأول أقرب إلى اللفظ؛ لأن الضمير يعود على أقرب مذكور، لكنه ما يعود على أهل مدين إلا بتعسف شديد. فالصواب أنه يعود على قريش، يعني: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ فـ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ القصة التي جاءت بـ﴿آيَاتِنَا﴾. إذن فأنت رسول؛ لأنك أتيت بما لم تكن شاهدًا فيه، ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾. ولهذا قال: (﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص ٤٥] لك وإليك بأخبار المتقدمين). (﴿مُرْسِلِينَ﴾ لك) إلى الناس، (وإليك) بالوحي، فالرسول عليه الصلاة والسلام مرسل للناس ومرسل إليه. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. (كان) فعل ماض، وهي مسلوبة الزمن، والمقصود بها اتصاف اسمها بخبرها. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا﴾، هذه (نا) للجماعة، و(كنا) للجماعة، و﴿مُرْسِلِينَ﴾ جمع، مع أن الله تعالى واحد أحد، ولكن ذلك للتعظيم؛ لأن (نا) للمتكلم المعظم نفسه، أو للمتكلم ومعه غيره، وهي بجانب الله - بلا شك - للمتكلم المعظم نفسه. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾، ولم يقل: ولكن أرسلناك. كما قال في الآية التي قبلها: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٥]؛ لأن الرسالة ما زالت في الخلق منذ اختلفوا إلى آخر الرسل: محمد ﷺ. ومتى اختلفوا؟ اختلفوا بعد آدم، بعد أن مضت قرون إما عشرة أو أقل أو أكثر اختلف الناس، قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]، فتقول الآية: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فأنزل الله. * طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الجاثية ١٧]، أيش (...)؟ * الشيخ: اللي بالوحي، لكن المراد بهذا اختلاف بني إسرائيل، ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ هذا لبني إسرائيل، أما الأولى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ﴾، وفيها قراءة لكنها غير سبعية ﴿فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ﴾، وهذه القراءة يدل عليها قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. (﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ لك وإليك بأخبار المتقدمين)، والفائدة من ذكر أخبار المتقدمين للرسول ﷺ ليتلوها على الناس، الفائدة: تقرير أنه نبي؛ لأنه ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه، فإذن يكون ما أخبر به عمن سبق، يكون من باب الوحي المجرد. قال الله تعالى: (﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ الجبل ﴿إِذْ﴾ حين ﴿نَادَيْنَا﴾ [القصص ٤٦] موسى أن خذ الكتاب بقوة). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، هذا خبر آخر غير الخبر الأول الذي فيه ابتداء الوحي؛ لأن الله تعالى بعدما أهلك القرون الأولى وعد موسى ثلاثين ليلة وأتمها بعشر، واختار من اختار من قومه ثم ذهب إلى الله سبحانه وتعالى لمناجاته وإنزال التوراة عليه. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، (جانب) أي: جهة الطور، أو قُرب الطور، و الطور هو الجبل المعروف في سيناء. (﴿إِذْ﴾ حين ﴿نَادَيْنَا﴾ )، أفادنا المؤلف بأن (إذ) هنا ليست تعليلية ولكنها ظرفية، وهي ظرف لما مضى من الزمان، و(إذا) ظرف لما يُستقبل، و(إذن) ظرف للحاضر. فبهذا استكملت الظروف الثلاثة: (إذا) للمستقبل، و(إذ) للماضي، و(إذم) للحاضر. قال: (﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ موسى أن خذ الكتاب بقوة)، وهل الله قال له: خذ الكتاب بقوة؛ لموسى، ولَّا لبني إسرائيل حين رفع فوقهم الطور، قال: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف ١٧١]؟ فالظاهر أن المؤلف توهم في هذا، نعم. وخلنا نتأمل بعد في قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]، وأيش اللي قبلها؟ شوف في سورة الأعراف، أيش الآية؟ * طالب: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾. * الشيخ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]، إذن قول المؤلف: (أن خذ الكتاب بقوة) بالمعنى أتى بها، وإلا فالله يقول: ﴿فَخُذْهَا﴾ أي الألواح اللي فيها التوراة ﴿بِقُوَّةٍ﴾، يصير إذن أمر موسى أن يأخذها بقوة أن يأخذ الألواح بقوة. فعلى كل حال كلام المؤلف إذن صواب، بس إنه أتى به بالمعنى لا باللفظ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾، أي: خذ هذه الألواح ﴿بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]. يقول الله عز وجل: (﴿وَلَكِنْ﴾ أرسلناك ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّك﴾ [القصص ٤٦])، أخذنا أن قوله: ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول لأجله عاملها محذوف، والتقدير: أرسلناك رحمةً، وقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ ليس المعنى أنه هو الرحمة، ولكن المعنى أنه أُرسل للرحمة، ليرحم به، فالرحمة من الله سبحانه وتعالى، وأرسله الله رحمةً؛ كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧]، ليس المعنى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا﴾ حال كونك ﴿رَحْمَةً﴾، ولكن: إلا من أجل الرحمة، فبين المعنيين فرق. ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّك﴾، أضاف الربوبية إلى الرسول ﷺ على سبيل التخصيص والتشريف، وهذه هي الرحمة الخاصة، وهناك رحمة عامة. وفيها دليل - أي في قوله: ﴿مِنْ رَبِّك﴾ - على أن إرسال النبي ﷺ إلى الخلق ليرحموا به، أنه من الربوبية الخاصة؛ لأن من نعمة الله على العبد أن يلهمه هدًى ليهدي الناس به، فإن هذا في الحقيقة من أكبر النعم. فالنبي عليه الصلاة والسلام أوحي إليه ليرحم الخلق بما أوحي إليه، وهذا من مقتضى الربوبية الخاصة، ولهذا قال: ﴿مِنْ رَبِّك﴾، ولم يقل: (من ربهم)؛ ﴿مِنْ رَبِّك﴾ الذي رباك تربية خاصة. ﴿لِتُنْذِرَ﴾، اللام هنا حرف جر؟ * طالب: لام التعليل. * الشيخ: إي، ما هي حرف جر؛ لأنها داخلة على (أن) المقدرة، أي: (لأن تنذر)، ثم تحول إلى مصدر فيكون: (لإنذارك قومًا)، ولهذا على مذهب البصريين، تقول: اللام حرف جر، و(تنذر) فعل مضارع منصوب بـ(أن) مضمرةً جوازًا بعد اللام؛ على رأي الكوفيين، يقولون: إن اللام هي الناصبة، فيقولون: اللام لام (كي) وهي ناصبة. لكن البصريين أدق منهم في هذه الناحية، بل حقيقة الأمر أن اللام حرف جر، وأن (أن) هي الناصبة مقدرة. طيب، أين متعلق ﴿لِتُنْذِرَ﴾؟ متعلقها هذا المحذوف الذي قدره المؤلف: (أرسلناك). ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾، الإنذار هو الإعلام بما يُخاف، هذا الإنذار: الإعلام بما يخاف، والإعلام بما يُرغب ويش يُسمى؟ * طالب: بشارة. * الشيخ: بشارة أو تبشير. وقوله: ﴿قَوْمًا﴾ المراد بهم قريش، ولا يعني ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام مبعوث إليهم خاصة، ولكن لأن أول من أنذرهم كانت قريشًا، وإلا فقد بعث لهم ولغيرهم، قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ﴾ من قريش وغيرهم ﴿نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١]. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾. ﴿مَا﴾ نافية، و﴿أَتَاهُمْ﴾ بمعنى جاءهم، و﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد إعرابًا لا معنًى، و﴿نَذِيرٍ﴾ فاعل (أتى)، يعني: ما جاءهم نذير. وفائدة زيادة (مِن) التنصيص على العموم، في كل الأزمان الماضية ما أتاهم أحد ينذرهم قبل الرسول ﷺ. وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ﴾، جملة ﴿مَا أَتَاهُمْ﴾ في محل نصب صفة لأيش؟ * طالب: لـ﴿قَوْمًا﴾. * الشيخ: صفة لـ﴿قَوْمًا﴾. وقوله: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾، قال المؤلف: (وهم أهل مكة) هذا تفسير لـ﴿قَوْمًا﴾. إذا قال قائل: أليس إسماعيل رسولًا؟ * طالب: بلى. * الشيخ: طيب، إذن هو قد أتاهم قبل النبي ﷺ، أو لا؟ * طالب: المراد أولاده، وأولاده ما (...). * الشيخ: أو يقال: إنه لما طال العهد حتى انمحت صاروا محتاجين إلى نذير ولم يأتهم نذير، فمَا أتاهم من نذير بعد أن انقرضت معالم رسالة إسماعيل، وإلا فلا ريب أن إسماعيل مرسَل إليهم؛ لأنه نبي، ولكنه انقرضت، ولهذا كان من دعاء إسماعيل وإبراهيم أنهما قالا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة ١٢٩]، وأجمع المفسرون على أن المراد به محمد ﷺ، فمنذ إسماعيل إلى أن بُعث الرسول عليه الصلاة والسلام ما جاءهم نبي، وانقرضت معالم النبوة، وكان أول من غيَّرها عمرو بن لُحَيٍّ الخُزاعي، فإنه هو الذي أدخل عبادة الأصنام وأدخل السوائب على العرب حتى انمحت به الحقيقة[[أخرج ابن حبان (٧٤٩٠) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «عرضت علي النار فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، وكان أول من غير عهد إبراهيم وسيب السوائب...».]]. * طالب: ولا لهم علاقة (...)؟ * الشيخ: لا، ما لهم علاقة؛ لأن رسالة موسى وعيسى إلى قومهما، إلى بني إسرائيل. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٤٦]. (لعل) هذه للتعليل، وهي متعلقة بـ(تنذر)، تنذرهم لأجل أن يتذكروا، أي: (يتعظون) بما جئت به. وهذا التعليل سنذكر في الفوائد إن شاء الله ما هي فائدته. * طالب: خبر (ما) النافية؟ * الشيخ: ما هي خبر؛ لأنها ما دخلت على اسم. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، تُزاد في خبر (ما)، لكن هنا (ما) دخلت على جملة اسمية. * الطالب: القاعدة في الزيادة؟ * الشيخ: القاعدة لزيادة (من) أنها إذا حُذفت استقام الكلام بدونها. * الطالب: (...). * الشيخ: القاعدة أنك لو حذفتها هنا وقلت: (ما أتاهم نذير) صح، فهو دليل على زيادتها.

القصص 28:40

قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [القصص ٣٩]، ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ مِن الكبرياء وهي العظمة، والمعنى: أنه تَرقَّى وتعاظَم هو وجنوده، وزيادة الهمزة والسين والتاء للمبالغة وليست للاستدعاء؛ لأن الغالب أنَّ الهمزة والسين والتاء تكون للاستدعاء مثل: (استغفرَ له) يعني: طلب مغفِرَته، (استرحمه) طلب رحمتَه. لكن تأتي أحيانًا لِلمبالغة مثل: (استكبر) يعني: بالَغ في الكبرياء والعظمة. ﴿هُوَ وَجُنُودُهُ﴾، مَن جُنُودُه؟ الجُنْد في الأصل هم حاشية الإنسان وأنصاره، ويُطلق على كل مَن اتَّبعه فهو مِن جُنْدِه. وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾، متعلق بـ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾، و(أل) في (الأرض) للعهد الذهني، قال المؤلف: (أرض مصر) ليس الأرض كلها؛ لأنه لا سلطان له على بقية الأراضي، ولكن المراد أرض مصر، فعلى هذا تكون (أل) هنا لأي شيء؟ للعهد الذهني، لا للعموم. وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بيان للواقع؛ لأن الاستكبار كله مُخالفٌ للحق، ولكنه بيان للواقع زيادةً في تقبيحه، فالاستكبار قبيح، فإذا وُصف (...) صار أقبح وأقبح. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة ٦١]، ويمكن يكون قتل النبيين بحق؟ لا، كلُّ قتلِ النبيين بغير الحق، لكن ذَكَر ذلك للمبالغة في تقبيحه، وإلا في الواقع أنه ليس بحق. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، والحق في الأصل هو الشيء الثابت، فإذا أُضِيف إلى (...) فالمراد به الصدق، وإذا أضيف إلى الأحكام المراد به العدل؛ كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]. إذن انتفى عن هؤلاء باستكبارهم الحق من وجهين؛ حيث اتخذوا كذبًا وزورًا بما استكبروا به. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾. ﴿وَظَنُّوا﴾، هل المراد بالظن هنا الرجحان أو اليقين؟ * طالب: (...). * الشيخ: المتيقنين (...)؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما جحدوا (...)، فهل نقول: المراد به الرجحان، يعني ترجح عندهم أنهم راجعون، أو اليقين؟ كلاهما في الواقع يُنافي قولَه تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]؛ لأنَّ مَن استيقن الشيء هل يظُن خلافَه؟ أن يستيقن أن ما جاء به موسى حق، هل يستيقِن خلافَه أو يظن خلافَه أيضًا؟ لا؛ لأن من استيقن الشيء فقد آمن به، لكن يبدو لي أنَّ الظن هنا إمَّا بمعنى الدعوة، يعني ادَّعَوْا أنهم إلينا لا يُرْجَعُون، أو أن المُراد به.. وهو فعله هنا فعل الظان. وقوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٣٩] فيها قراءتان: ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ بالبناء للفاعل وللمفعول، بالبناء للفاعل كيف أنطق؟ ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ ، وبالبناء للمفعول: ﴿لَا يُرْجَعُونَ﴾، وأركان القراءة (...): وَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ∗∗∗ وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرْآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّــــــــــــــلَاثَةُالْأَرْكَـــــــــــانُ فهنا ﴿يَرْجِعُونَ﴾ (...) أو لا؟ يعني ما اختلفت إلا بالشكل فقط. ومعنى ﴿يَرْجِعُونَ﴾ أي: يعودون ويُردون إلى الله سبحانه وتعالى؛ إذ إن الكل سوف يرجع إلى الله، والإنسان راجع إلى الله في محياه ومماته، فهو بعد الموت يرجع إلى الله، وكذلك في الدنيا أمره راجع إلى الله، فهو الذي يدبره. ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾، الفاء عاطفة والمراد بها أيضًا السببية، أي: فبسبب استكباره هو وجنوده أخذناه ﴿وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ [القصص ٤٠]. شوف، مقابل الاستكبار ذكر الله تعالى عقوبتهم على وجه الاستهجان والتحقير: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾؛ إذ إن النبذ هو الطرح، الطرح يعني بقوة، والمطروح بقوة هل هو عظيم ولا حقير؟ بل هو حقير؛ لأن العظيم ما يمكن، ما تستطيع أن تنبذه نبذًا، فهو (...) عظيم ما تقدر، إنما ينبذ نبذًا من كان هينًا حقيرًا، ولهذا قال: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾. (هم) يعود على الجنود ولا على من؟ على فرعون والجنود، ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾، ولم يغنه هؤلاء الجنود شيئًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا شيء يقابله من قوة البشر. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ (طرحناهم). ﴿فِي الْيَمِّ﴾ [القصص ٤٠]، ﴿الْيَمِّ﴾ قال: (البحر المالح) احترازًا منين؟ من الأنهار؛ لأن الأنهار بحار، لكنها غير مالحة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر ١٢]، وقال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن ١٩]، فسمى الله تعالى الأنهار والبحار المالحة سماها بحارًا. وقوله: (البحر المالح) هذا بيان للواقع الذي وجد فيه فرعون وجنوده؛ لأنهم وجدوا في بحر القلزم أو القلزم، وهو البحر الأحمر الذي بين جُدة ومِصر، هذا الذي غرق فيه فرعون وقومه. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾، وانظر إلى الحكمة في أن الله سبحانه وتعالى أغرقهم إغراقًا في اليم؛ لأن فرعون كان يفتخر بأنهاره ويقول لقومه: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥١، ٥٢] فافتخر بالماء فأُغرق به. * طالب: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾. * الشيخ: نعم ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]، فأخرجه الله من ملك مصر وأهلكه بما كان يفخر به من الأنهار. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن البحر المالح بعيد عن ملك مصر (...). قال: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٤٠]، ﴿فَانْظُرْ﴾ الخطاب لمن؟ ﴿فَانْظُرْ﴾ يعني: يا محمد، أو: ﴿فَانْظُرْ﴾ أيها القارئ أو السامع؟ فالخطاب لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، ماذا تقول؟ * طالب: الأخير. * الشيخ: الأخير، أي: ﴿فَانْظُرْ﴾ يا من تسمع هذا الخطاب ويوجَّه إليك. والمراد بالنظر هنا نظر الاعتبار، وهو النظر بالقلب؛ لأن العاقبة ما هي تنظر بالعين، اللهم إلا إذا سار الإنسان في آثارهم، فقد ينظر بعينه وبقلبه. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿كَيْفَ﴾ هنا للاستفهام، والمراد به التعظيم، يعني لعظم العاقبة، لكن لا تعظيم الرفعة، بل تعظيم العقوبة والعياذ بالله. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ فهو تفخيم لها وتعظيم لعاقبة وخيمة سيئة للغاية، محلها من الإعراب ﴿كَيْفَ﴾؟ * طالب: اسم استفهام. * الشيخ: اسم استفهام مبني على الفتح في محل؟ * الطالب: نصب. * الشيخ: نصب نعم. * الطالب: مفعول (انظر). * الشيخ: مفعول (انظر)! ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ﴾، ما يصح أن تكون مفعول (انظر)؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، إذا جعلناها مفعول (انظر) ما صار لها صدر الكلام، صارت متأخرة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، (...) بمفعول (انظر)، لكن أنا أريد إعراب ﴿كَيْفَ﴾ فقط. * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: خبر. * الشيخ: خبر؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: ما هو بصحيح. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم خبرها مقدر، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾، فـ﴿كَيْفَ﴾ هنا اسم استفهام (...) خبر مقدم لـ﴿كَانَ﴾. وتقديم خبرها هنا واجب ولا جائز؟ * طالب: واجب. * الشيخ: واجب. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿عَاقِبَةُ﴾ بمعنى عقبى، وهي على صيغة اسم الفاعل، والمراد العقبى. و﴿الظَّالِمِينَ﴾ هم الذين نقصوا حقوق أنفسهم وحقوق ربهم؛ لأن الظلم في الأصل النقص، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣]، أي لم تنقص. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، المراد بالظالمين هنا الكافرون ولَّا لا؟ * طالب: الكافرون. * الشيخ: نعم الكافرون؛ لأنه يشير إلى ما جرى لفرعون وقومه، وهم ظالمون ظلم كفر؛ لأن الظلم ينقسم إلى قسمين: ظلم كفر، وظلم معصية دون الكفر. ففي قوله تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٧٩] (...) ظلم المعصية، المراد ظلم المعصية، وفي قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] المراد ظلم الكفر، وفي قوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧] شامل للأمرين الكفر وما دونه. (﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ حين صاروا إلى الهلاك). إلى الهلاك بأتفه الأمور، وهو الماء، وهذه من حكمة الله سبحانه وتعالى أن يأخذ كل إنسان بذنبه، كما قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] أي: بما يقتضيه ذنبه من العقوبة، عاد استكبروا في الأرض وتحدوا وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، وقوله: ﴿خَلَقَهُمْ﴾ ولم يقل: إن الله (...) بكونه أشد منهم؛ لأن الخالق بلا ريب أقوى من المخلوق. بماذا أخذوا؟ أخذوا بألطف الأشياء، وهي الريح، أرسل الله عليهم الريح ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة ٧]، كل أيام الدهر، أرسلت إليهم في كل أيام الدهر، لو شاء الله لأرسلها عليهم في ليلة واحدة ودمرتهم تدميرًا، لكن لحكمة أراد أن يتعذبوا أكثر، ما أخذتهم جميعًا؛ أخذت مثلًا (...) ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر ٢٠]، وهذا أشد عقوبة؛ لأنها لو جاءتهم مرة واحدة ودمرتهم ما تعذبوا؛ ماتوا وهلكوا وانتهى الأمر، لكن هذا أشد. طيب إذن هنا أغرقوا باليم؛ لأنهم والعياذ بالله (...). قال: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ في الدنيا ﴿أَئِمَّةً﴾ [القصص ٤١] بتحقيق الهمزتين) ﴿أَئِمَّةً﴾، (وإبدال الثانية ياءً)، كيف يقال؟ ﴿أَيِمَّةً﴾ ، والقراءة الثانية هنا سبعية. قال: (رؤساء في الكفر)؛ لأن الإمام هو القائد الذي يُتبع، فهو والعياذ بالله ذو أثر في الكفر، وليسوا رؤساء فقط؛ رؤساء متبوعون في الكفر. * طالب: (في الشرك). * الشيخ: (في الشرك)، نعم، رؤساء في الشرك، يعني متبوعين. الإمام هو المتبوع، المعنى أنهم كانوا قادة والعياذ بالله إلى الكفر والشرك. لكن هذا، يقول المؤلف: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ في الدنيا ﴿أَئِمَّةً﴾ ). لو أنه أخر (في الدنيا) لكان أحسن، وقال: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ في الدنيا ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١])؛ لأن حقيقة الأمر أن إمامتهم بالكفر متى؟ في الدنيا، إمامتهم كانت في الدنيا، فهم جعلوا في هذه الدنيا أئمة، يعني متبوعين يُقتدى بهم في الكفر، فكل من أتى بعدهم وكان كفره استكبارًا فإنه مقتدٍ بهم. وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، ليس إلى الإيمان، ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ بالقول أو بالفعل؟ بهما جميعًا، فهم قبل أن يهلكوا يدعون بالقول وبالفعل، وبعد أن هلكوا يدعون بالفعل؛ لأن من اقتدى الناس بفعله فهو في الحقيقة قد دعاهم إليه. وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، قطعًا ما يدعونهم بأن يقولوا: يا ناس ادخلوا إلى النار، لو كان يقولون: يا ناس ادخلوا النار ما أطاعوهم، لكن ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ يدعون إلى العمل الموصل إليها، وهو الشرك والكفر، وبئس ما كانوا أئمة فيه، وهو الدعوة إلى الكفر بالله تبارك وتعالى والإشراك به. طيب، وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. ﴿وَيَوْمَ﴾ هذا ظرف متعلق بـ﴿يُنْصَرُونَ﴾، يعني: وهم لا ينصرون يوم القيامة. في الدنيا أئمة متبوعون، لكن في الآخرة ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾، هم ما يستطيعون أن ينتصروا لأنفسهم، فلا يمكن أن يكونوا أئمة يُقتدى بهم. وقوله: ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ أي: لا يجدون من ينصرهم (بدفع العذاب عنهم)، ما أحد يدفع عنهم العذاب، لا هم ولا غيرهم أيضًا، حتى غيرهم ما يمكن أن يدفع عنهم العذاب. (﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ خزيًا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤١، ٤٢] المبعدين). ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ على فرعون وجنوده، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ﴾ يعني: جعلناها تتبعهم بعد إهلاكهم. واللعنة في الأصل: الطرد والإبعاد، وفسرها المؤلف بلازمها وهو الخزي، أي أنه كل من ذكرهم يلعنهم ويطردهم ويبتعد عنهم، ولكن لا منافاة بين ما هنا وبين قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١]؛ لأن الذي يأتم بهم هو الموافق لهم على كفرهم، أما من لم يهتم بهم فإنه يلعنهم. وقوله: ﴿لَعْنَةً﴾ من الله ولا من غيره؟ منه ومن غيره، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة ١٥٩]، فمن لعنه الله لعنه المؤمنون بالله، قال ابن مسعود رضي الله عنه في لعن النامصة والمتنمصة، قال: «وما لي لا أَلْعَنُ مَن لَعَنَهُ رسولُ اللهِ ﷺ»[[أخرجه البخاري (٥٩٤٣). ]]. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أيضًا ظرف متعلق؟ * طالب: بالنار. * الشيخ: بالنار؟! بمحذوف حال من (هم)، يعني: وهم حال كونهم يوم القيامة من المقبوحين، أو متعلق بالمقبوحين (...) ما تقدم لنا من أن (أل) اسم موصول، واسم الموصول لا يعمل ما بعده بما قبله، فإما أن تجرد (أل) من المصدرية، أو يأتي ذلك على سبيل التوسع؛ لأنهم يتوسعون في الجار المجرور والظرف ما لا يتوسعون في غيره. وقوله: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]، أتى بالجملة الاسمية الدالة على أنهم هم في ذلك الوقت لا يمكن أبدًا أن يستحسن ما فعلوه أو يقربوا، بل إنهم في ذلك الوقت من المقبوحين المبعدين الذين يفضحهم كل من ذكرهم، فلا يمكن لأحد أن يقربهم. إذن، عُوقب هؤلاء والعياذ بالله الذين كانوا يدعون إلى النار، عوقبوا بأمرين؛ بل بثلاثة أمور: الأمر الأول: أنهم إذا حل بهم العذاب يوم القيامة لن يجدوا من ينصرهم؛ لأنه قال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. الأمر الثاني: العار الذي لحقهم من اللعنة التي لحقتهم إلى يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ [القصص ٤٢]. الأمر الثالث: أنهم يوم القيامة لا يمكن أبدًا أن يكونوا من المحبوبين المقرَّبين، بل هم من المقبوحين المطرودين المبعَدين (...). * * * (﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣] التوراة)، وهي كتاب بمعنى مكتوب، والجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم، واللام الواقعة في جوابه، و(قد). وهنا قد يقول قائل: لماذا تؤكد بهذه المؤكدات الثلاثة مع أنها ليست مخاطبةً لمنكر لها؟ فالجواب: أننا سبق أن قلنا: إن التأكيد ليس سببه إنكار المخاطب فقط، بل قد يكون سببه أهمية المخبَر عنه، فيؤكد بالقسم وباللام و(قد) وغيرها من المؤكدات. (...) * يستفاد من هذه الآية: بيان حال فرعون وجنوده، وأنهم قوم مستكبرون عن الحق متعالون عليه. * ثانيًا: يستفاد منها أيضًا: أن من استكبر عن الحق ففيه شبه من فرعون وجنوده. * ومنها، أي مِن فوائد الآية: وجوب الرضوخ للحق، فالإنسان يجب عليه أن يرضخ للحق، سواء وافق هواه أم خالفه. * ومِنها: أن المستكبر ليس له حق في الاستكبار؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. * ومِنها أيضًا: أن هؤلاء المستكبرين يعملون عمل من لا يظن أنه يرجع إلى الله؛ لأن من ظن أنه يرجع إلى الله فلن يستكبر عنه؛ إذ إنه يخاف منه، لكن من يستكبر هو من ظن أنه لا يرجع إلى الله سبحانه وتعالى. * ومنها: إثبات البعث؛ لأن قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٣٩] إثبات الظن، فيقتضي أن الرجوع إلى الله أمر ثابت. * ويستفاد من قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾؛ يستفاد منه: أن الذنوب سبب للعقوبة؛ لأن الفاء (...) تفيد السببية. * ومنها: بيان عظمة الله سبحانه وتعالى؛ حيث أخذ هؤلاء العتاة بما لهم من القوة ونبذهم نبذًا كما ينبذ الإنسان نواة من (...)، نعم، وليس هذا تشبيهًا، لكن قصدي أنه لم يبال بهم ولم يعجزوا الله سبحانه وتعالى. * ومنها: حكمة الله سبحانه وتعالى؛ حيث كان إهلاك فرعون وقومه بالماء الذي كان يفتخر به بقوله: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]، فإن هذا الذي كان يفتخر به كان محل هلاكه. * ومنها: أن فرعون قد هلك فيمن هلك؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس ٩٢] ليس معناه أنه حي باقٍ، وإنما الذي أُنجي وظهر للناس هو بدنه فقط؛ ليكون لمن خلفه آية؛ لأن بني إسرائيل -كما قال أهل العلم- قد أرعبهم فرعون، فلولا أنهم خرجوا حتى شاهدوه ببدنه لكان عندهم نوع من القلق: هل هلك أو ما هلك، فإذا شاهدوه تيقنوا وزال عنهم القلق. فإذن هو هالك فيمن هلك؛ لقوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾. * ومِنها، أي مِن فوائد الآية: أنه يُطلب من المرء -إما وجوبًا أو استحبابًا- أن يتأمل في عاقبة الظالمين: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، فيتفرع على هذه الآية أنه ينبغي لنا أن نتعظ بعاقبة هؤلاء فلا نظلم مثلهم؛ لأنه ما دام عاقبة الظالم الهلاك فإن الإنسان يخشى أن يهلك إذا ظلم. * ومنها: أن الظلم محرم؛ لأنه سبب للعقوبة، وما كان سببًا للعقوبة فإنه محرم، وسواء كان الظلم للنفس أو للغير فإنه محرم بجميع أنواعه، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر رضي الله عنه. ]]. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. * يستفاد من هذه الآية: حكمة الله سبحانه وتعالى في مثل فرعون وقومه، في أن لإيجادهم حكمة؛ لأن الله قادر على أن يجعل المرء على الهدى، لكنه سبحانه وتعالى له الحكمة في أن يوجد مثل هؤلاء القوم الذين يدعون إلى النار. * ويستفاد مِنها أيضًا: حكمة الله تعالى فيمن خلق من أمر الله، وأنهم بلاء وفتنة. * ومنها: إثبات الإمامة في الشر كما هي ثابتة في الخير، فانظر إلى هذه في آل فرعون، وانظر إلى هذه في بني إسرائيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤]، ففرق بين من يقود الناس بأمر الله، من يقودونهم بشريعته، وبين من يدعون إلى النار. * ومن فوائدها أيضًا: أن الدعاء إلى النار وإلى الخير أيضًا كما يكون بالقول يكون بالفعل، يكون بالقول ويكون بالفعل، وأيهما أقوى؟ قد يكون الدعاء بالقول أقوى وقد يكون الدعاء بالفعل أقوى، نعم، إنما على كل حال الدعاء بهذا وبهذا ثابت، فإن الإنسان يدعو الناس بمقاله وبحاله. * ومنها: إثبات يوم القيامة في قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾، وسُمي (يوم القيامة) لأمور ثلاثة: أنه يقوم الناس فيه من قبورهم إلى رب العالمين، وأنه يُقام فيه العدل كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧]، وأنه يقوم فيه الأشهاد: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]. فلهذا سُمي يوم القيامة، لماذا سمي يوم القيامة؟ * طالب: (...). * الشيخ: ذكرنا الآن ثلاثة أسباب الآن. * الطالب: (...). * الشيخ: ما (...)، لا تعتمد على (...) كان ربما يأتي مسائل تشكل عليه. * ومنها أيضًا، يستفاد من الآية الكريمة: أن آل فرعون لا ناصر لهم في الآخرة، ومثلهم من كان على شاكلتهم من المستكبرين عن الحق، فإنهم لا يجدون من ينصرهم من عذاب الله إذا نزل بهم في ذلك اليوم. ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]. * يُستفاد مِن هذه الآية: أن عقوبة آل فرعون كانت ممتدة إلى يوم القيامة بالذكرى السيئة لهم، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾؛ فإن كل من ذكر آل فرعون يذكرهم بالسوء والبغض والكراهية. * ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: تحقير الدنيا؛ فإن قوله: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ إشارة للقريب؛ لدنو مرتبته وأنها دنيا، والدُّنيا: مؤنث أدنى، وهي من الدنو الحسي والمعنوي؛ أما الدنو الحسي: فلسبقها على الآخرة، فهي أدنى إلى المخلوقين من الآخرة، وأما الدنو المعنوي: فلما تتضمنه من النقص في جميع كمالاتها، فما من كمال في الدنيا إلا وهو ناقص، والآن لو تأملت جميع المضار والمنافع الدنيوية تجدها مشوبةً بالضرر والخطر، حتى الزمان كما قال الشاعر: فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ لو تأملت هذا لوجدته دائمًا، نعم، وعلى هذا نقول: الدنيا نُسبت لذلك لأمرين: الدنو الحسي والمعنوي، الدنو الحسي: قربها، لسبقها على الآخرة، والدنو المعنوي أنه ما فيها شيء (...) إلا وهو مشوب بنقص. * ومِن فوائد الآية: أن اللعنة - والعياذ بالله - التي وزعت (...) تكون عليهم في الآخرة؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]؛ لأن المقبح معناه المبعد المقبوح، واللعن هو الطرد والإبعاد. * * * قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣]. ﴿آتَيْنَا﴾ بمعنى أعطينا واعلم أن إيتاء الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين: إيتاء شرعي وإيتاء قدري، فما تعلق بالكون والخلق فهو إيتاء قدري، وما تعلق بالشرع فهو إيتاء شرعي. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة ٥٩]، هذا إيتاء شرعي، والمراد به قسم الصدقات أو الفيء. ومثل ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ شرعي ولا قدري؟ * طالب: (...). * الشيخ: أو قدري، إي؛ لأن الإنزال -إنزال القرآن- من الأمور التي تتعلق بمشيئة الله، لا بشرعه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: العمل بالكتاب شرعي. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يكون؛ لأن أصل الإنزال قدري يتعلق بمشيئة الله وقدره، لكن العمل به شرعي. وقوله: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾، (موسى) مفعول أول لـ(آتينا)، و(الكتاب) مفعول ثان، وهي من باب (ظن). * طالب: (...)؟ * الشيخ: من باب (كسا)؛ لأنه إذا لم يكن الأول مبتدأ والثاني خبرًا، فهو من باب (...)، لو قلت: (موسى الكتابُ) يصلح؟ ما يصلح، فكل مفعولين لا يصح أن يكون أحدهما مبتدأ والثاني خبرًا فهما من باب (كسا)، وما صح أن يكون مبتدأ وخبرًا فهما من باب (ظن). وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾، يقول: (التوراة)، وهو (فعال) بمعنى (مفعول)؛ لأن التوراة مكتوبة، فإن الله تعالى كتبها بألواح وأعطاها موسى. وقال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣]، متعلق بـ﴿آتَيْنَا﴾. يعني: أعطيناه إياه من بعد ما أهلكنا القرون الأولى. القرون: جمع قرن، والمراد بهم الأمم، وقد يُراد به الفترة من الزمن، ومقدارها مئة سنة. فالقرون تارةً يراد بها الأمم، وتارة يراد بها أحقاب الزمن. وهنا المراد أحقاب الزمن ولا الأمم؟ الأمم؛ لأن أحقاب الزمن ما تهلك، الذي يهلك الأمم. (﴿أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم). (قوم نوح). * طالب: (...). * الشيخ: عندي هنا (وعاد)، عندكم (وعادًا) ولا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما فيها شك (...)، هو الوجه أن يقال: (قوم نوح وعادًا وثمود)، أما (ثمود) فلا تنصرف، لكن الكلام على (عاد) (...) تفسير للقرون. طيب، هم: (قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم). هؤلاء هم القرون الأولى، وإنما قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾، إشارةً إلى أن الناس كانوا في حاجة إلى مثل هذا الكتاب الذي نزل على موسى؛ لأن القرون أهلكت وتطاول الزمن، فاحتاج الناس إلى رسالة، فأرسل الله تعالى موسى بهذا الكتاب الذي هو التوراة. وقيل: إن القرون الأولى تشمل حتى آل فرعون؛ لأن التوراة ما نزلت على موسى إلا بعد أن أهلك الله قرن فرعون وقومه، وأنه يشمل حتى هؤلاء، حتى إن بعض العلماء استنبط منها أنه لم تهلك أمة بعد نزول التوراة، يعني (...) وأن هذا من فوائد قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣]؛ لأن إهلاك الأمم السابقة مضى وانقضى، ولا إهلاك بعد نزول التوراة. وفي الحقيقة أن من تأمل التاريخ وجد أنه لم تهلك أمة بعد نزول التوراة، ما هلكت أمة، لكن هل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ يشير إلى هذا؟ هذا هو محل النظر والمناقشة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما حصل هلاك عام، (...)، أما أنه هلاك عام ما حصل، فالمهم هذه (...). قال: (﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص ٤٣] حال من الكتاب). وين (الكتاب)؟ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ﴿بَصَائِرَ﴾، و﴿بَصَائِرَ﴾ (جمع بصيرة وهي نور القلب) كما أن (بصر، وأبصار) نور العين، فنور القلب يسمى بصيرة وبصائر، ونور العين يسمى بصر وأبصارَا ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٦]. وقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾، (أل) هنا للعهد الذهني، وليست للعموم؛ لأن التوراة لم تنزل إلا لمن؟ لقوم موسى فقط، كما قال النبي ﷺ: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨) ومسلم (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]] خذوا بالكم من هذا. طيب، وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، هل يخرج الجن؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، من حيث التكليف والإلزام يخرج الجن، فإنه لم يكلف أحد برسالة أحد من الرسل من الجن، لكن من حيث العمل يمكن أن يستبصر بها الجن، كما قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف ٣٠]، فإن الظاهر أنهم كانوا انتفعوا بما أنزل على موسى كما انتفعوا بالقرآن. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يجب عليهم؛ لأنه الرسول يقول: «يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ» » والجن ليسوا منهم. وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، أنا ذكرت أن (أل) هنا للعهد الذهني، طيب. قال: (جمع بصيرة، وهي نور القلب، أي: أنوارًا للقلوب)، وهكذا جميع الكتب التي ينزلها الله عز وجل تكون أنوارًا للقلوب؛ لأنه يكون بها الاقتداء، ولهذا قال: (﴿وَهُدًى﴾ من الضلالة لمن عمل بها). تقييد المؤلف (لمن عمل بها) غير وجيه، والأولى إبقاء الآية على ظاهرها، أن التوراة هدًى، لكن هذا الهدى ما ينتفع به إلا من وُفق، فهي هدًى من الضلالة بلا شك، لكن هل ينتفع بها ويهتدي بها كل أحد؟ لا، كما قال الله تعالى في القرآن: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة ١٨٥]، وقال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢]، ففي الأول هدى دلالة، وفي الثاني هدى توفيق. التوراة، إذا قلنا: هدًى لمن عمل بها قيدنا الآية بهدى التوفيق مع أنها مطلقة، ولهذا الأولى أن نقول: هدًى من الضلالة في كل أمر، كما قال: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾، نقول: وهدًى أيضًا للناس، ولكن الهدى الذي بمعنى الدلالة عام، والهدى الذي بمعنى الاهتداء -يعني يهتدي بها الإنسان- هذا خاص لمن وُفق له. (﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ لمن آمن به). هذه نعم، (...) أن المقام يقتضي التخصيص، أنه رحمة، لكن لا لكل أحد، إلا أن يقال: رحمة أي وسيلة للرحمة، فإذا قلنا: إن (رحمة) أي وسيلة صار عامًّا. نقول: هدًى باعتبار العلم، ورحمة باعتبار العمل؛ لأن من عمل به فهو مرحوم. وأما الهدى فهو باعتبار العلم، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣]، فالهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، أي ما تكون رحمة لغيره، هي هدى، الهدى نعم هدًى لكل أحد. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو بالظاهر، الظاهر أنها لو قُيدت تقييدًا مثلما قال المؤلف؛ لأنه ما يرحم بها إلا من عمل بها، ما يرحم بها إلا من عمل فقط. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٤٣]. (لعل) هنا معناها التعليل، أما عملها فهي تنصب المبتدأ وترفع الخبر، وخبرها جملة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾، قال: (يتعظون بما فيه من المواعظ)، يعني بما في الكتاب - اللي هو التوراة - من المواعظ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، كلمة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ الضمير يعود على من أُنزلت عليهم التوراة، وهم بنو إسرائيل. قال الله تعالى لنبيه ﷺ: (﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِجَانِبِ﴾ الجبل أو الوادي أو المكان ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص ٤٤] من موسى حين المناجاة). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ (جانب) بمعنى جهة، جانب الشيء جهته أو طرفه. وقوله: ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ صفة لموصوف محذوف، ما هذا الموصوف؟ قال المؤلف: (الجبل أو الوادي أو المكان)، و(أو) هنا ليست للتخيير ولكنها للتمييز؛ لأن بعضهم يقول: المراد به الجبل، وبعضهم يقول: المراد به الوادي، وبعضهم يقول: المراد به المكان، وكلمة (المكان) أعم لأنها تشمل أن يكون واديًا أو جبلًا، وموسى كما تعلمون نزل من جانب الطور، وهو في الوادي المقدس، فالآية (...) والذي يضبط الوادي أو المكان أو الجبل هو كلمة (...).الجانب الغربي منه، يعني كأنه قال: بالجانب الغربي من الجبل، فيكون من باب إضافة الموصوف إلى صفته، مثلما يقال: (مسجد الجامع) أي: المسجد الجامع. على هذا التقدير الأخير يكون المراد الغربي من نفس الجانب، ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ أي: بالجانب الغربي من الجبل، أما على رأي المؤلف فهو يقول: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ بجانب المكان (الغربي) صفة لـ (جانب) من موسى وهو يكلم الله، وحينئذ نقول: موسى إذا كان وجهه إلى السماء والجانب الغربي منه؟ * طالب: (...). * الشيخ: على فرض الغرب، وإذا كان وجهه إلى الشرق، فالجانب الغربي منه يكون وراءه؛ لأن المتجه إلى الشرق يكون الجانب الغربي منه خلفه. وأنا الآن ما أتصور هل كان موسى بجانب الجبل من الشرق أو من الشمال. وعلى كل حال فـ(الغربي) نسبة، قد تكون مثلًا القصيم غربًا بالنسبة لمكان، وشرقًا بالنسبة لمكان آخر، بالنسبة لمكان المدينة تكون غربًا أو جنوبًا، وبالنسبة للكويت تكون غربًا. المهم أنك ما كنت بذلك الجانب (حين المناجاة ﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾ أوحينا إلى موسى الأمر بالرسالة إلى فرعون وقومه). ﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾، يقول المؤلف: (أوحينا)، وعلى هذا فالقضاء شرعي ولا كوني؟ * طالب: (...). * الشيخ: طيب يتعلق بالمشيئة، لكن المؤلف جعله شرعيًّا؛ لأن قضينا الأمر بالرسالة يعني: أمرناه به، فجعل الأمر هنا واحد الأوامر، وليس واحد الأمور، وإذا جعلناه واحد الأوامر صار هنا المراد بالقضاء: الشرعي. ويحتمل أن المراد بالأمر هنا واحد الأمور، أي: قضينا إليه ذلك الشأن العظيم وهو الرسالة، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى ٥٢]، فهذا الواحد واحد الأمور، وليس واحد الأوامر، وعلى هذا فيكون القضاء كونيًّا. والقضاء كما تعرفون ينقسم إلى قسمين: قضاء كوني، وقضاء شرعي. فالقضاء الكوني لا بد من وجود المقضي، والقضاء الشرعي قد يوجد وقد لا يوجد. والقضاء الكوني يكون محبوبًا إلى الله ويكون مكروهًا إليه، والقضاء الشرعي لا يكون إلا محبوبًا إليه؛ لأنه بمعنى الأمر. فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء ٤]، هذا قضاء كوني، يحبه الله ولا يكرهه؟ يكرهه. ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]، هذا قضاء شرعي؛ لأنه لو كان قضاءً كونيًّا للزم أن الناس كلهم يعبدون الله، وليس الأمر كذلك، وقضينا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذه الآية (...)، أما الاجتماع ما يمكن إلا في أمر وقع، مثلًا لو قلنا: قضى الله تعالى لأبي بكر أن يسلم، فهذا قضاء قدري شرعي؛ لأنه أمره بالإيمان فآمن، ونقول: قضى الله لأبي لهب أن يؤمن. * طالب: (...). * الشيخ: لا، قد يؤمن، هذا قضاء شرعي وليس كونيًّا، وقضى الله لأبي لهب أن يكفر هذا قضاء كوني، إي نعم. قال: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص ٤٤]، على رأي المؤلف: واحد الأوامر، ولهذا قال: (﴿الْأَمْرَ﴾ بالرسالة إلى فرعون وقومه)، أو نقول: إن الأمر واحد الأمور، وهو (...) الذي هو الرسالة إلى فرعون وقومه. وكلام المؤلف في الحقيقة محتمل، فيبقى الأمر بالرسالة (...) مراده: واحد الأمور، فيكون هذا (...) للرسالة. (﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص ٤٤] لذلك فتعلمه فتخبر به). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص ٤٦] ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ما فيها تكرار؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا تأتي من الله تعالى؛ لأن الأصل عدم التكرار. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، نقول: الآية ما فيها تكرار؛ لأن من كان بالجانب قد يرى وقد لا يرى، ولهذا قال: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. طيب، إذا قال قائل: لماذا لم يـقتصر على قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؟ قلنا: أيضًا نفس الشيء؛ لأن الإنسان قد يشاهد من بعد ولا يكون قريبًا، فهنا تضمن أنه قريب وأنه شاهد. ففرق بين أن نقول: (ما كنت شاهدًا) يعني: ما كنت حاضرًا أو مشاهدًا بعينك ولو كنت بعيدًا. ولهذا ليس في الآية الكريمة تكرار، ولكن فيها شيئًا من التوكيد، يعني: لا حضر ولا نظر، كما يقول هنا، فالنبي عليه الصلاة والسلام ما كان حاضرًا حتى يسمع ولا كان قريبًا حتى يشاهد. طيب، إذن فيكون ما أخبر به عن ذلك من باب الوحي، لا من باب المشاهدة ولا من باب السماع، ولكنه وحي أُوحي إليه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الوحي بالرسالة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، هذا على خلاف (...). * الطالب: (...). * الشيخ: كما سيأتي أيضًا (...). يقول: (﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٥] أممًا من بعد موسى). ﴿أَنْشَأْنَا﴾ أي: أوجدنا وخلقنا أممًا، ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص ٤٥]. (تطاول) أي: زاد في الطول، فالتاء والألف للمبالغة، وقوله: ﴿الْعُمُرُ﴾ المعنى: الزمن؛ لأن الأعمار هي الأزمان، قال: (أي: طالت أعمارهم فنسوا العهود واندرست العلوم وانقطع الوحي، فجئنا بك رسولًا وأوحينا إليك خبر موسى وغيره). قوله: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا﴾، الاستدراك هنا ما يقتضي إبطال ما سبق، يعني ليس المعنى: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٤، ٤٥] فشهدت، ولكن هذا الاستدراك لتفهيمنا، والمعنى أن العهود طالت وأنت لست بشاهد ولا بحاضر، ولما طالت العهود صار الناس محتاجين إلى الرسالة، فأوحينا إليك بما جرى وأرسلناك إلى الناس، والله أعلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا، يقال والله أعلم: إنه لما كان في الأرض الواحدة (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: كذلك (...)، وهؤلاء القوم ما داموا في أرض واحدة (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا الإلزام بعض العلماء يقول: إنه للنبي، أنه ما يلزم (...) بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [سبأ ٤٠]. (...) من عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣]، وهي أحد الكتب الثلاثة الباقي أثرها، وهي الإنجيل والقرآن. * ويستفاد منه: أن إتيان التوراة كان بعد إهلاك الأمم السابقة ومنهم فرعون، واستنبط منها بعض العلماء من قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣] أنه لم تهلك أمة على العموم بعد نزول التوراة؛ لأنه قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ﴾، وكأنه بعد نزول التوراة ما أهلك أحد من القرون، وهذا الاستنباط ليس ببعيد؛ لأن الواقع يصدقه. * طالب: (...) ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾؟ * الشيخ: لا، ما ذكرناها. * طالب: ذكرنا الفوائد هذه بالشرح. * الشيخ: إي نعم، ما (...). * ويستفاد من هذه الآية: أن الكتب النازلة من السماء، أنها أنوار للناس يهتدون بها؛ لقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: أن التمسك بشرائع الله تكون به الرحمة؛ لقوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الكتب النازلة من السماء هي التي بها الهدى من الضلالة؛ لقوله: ﴿وَهُدًى﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الحكمة من إنزال هذه الكتب تذكر الناس بما فيها من المواعظ؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. * ومِن فوائدها أيضًا: إثبات الحكمة في أفعال الله سبحانه وتعالى وكذلك في شرائعه؛ لأن (لعل) معناها التعليل، فيستفاد منها إثبات الحكمة في أفعال الله وشرائعه. من الذي أنكر الحكمة؟ هم الجهمية، يقولون: إن الله تعالى ليس له حكمة فيما يفعل وفيما يشرع، وإنما هو لمجرد مشيئة. قال: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص ٤٤]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: تقرير رسالة النبي ﷺ، وذلك بما أخبر به عن هذه الوقائع التي ليس حاضرًا فيها ولا شاهدًا. * ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: أن الوحي يسمى قضاءً؛ لقوله: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾. * ومِن فوائدها أيضًا: أن الوحي ذو شأن عظيم؛ لأن الله سماه الأمر بـ(أل) الدالة على العظمة والكمال. ولا ريب أن أعظم الأمور ما جاءت به الرسل من وحي الله سبحانه وتعالى، لما فيه من مصلحة البلاد والعباد. * ومنها أيضًا: أن الإنسان لا يقبل خبره إلا إذا كان حاضرًا يسمع أو شاهدًا يرى؛ لقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾، وقوله أيضًا: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، فإن الذي يمكن أن يخبر هو من حضر فسمع أو من قرب فشاهد. أما إنسان بيخبر بدون شهادة أو بدون شهود ولا حضور، فإنه لا يقبل خبره. وهذا أمر معلوم من الشرع من جهة أخرى من آيات أخرى وأدلة أخرى: أن الإنسان ما يشهد إلا بما علم برؤية أو سماع أو غيرهما من أسباب العلم. * * * ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص ٤٥]. قال: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾، نخلي الفائدة مع آخر الآية. (﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾ مقيمًا ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ )، والمراد بأهل مدين القوم الذين أتى إليهم موسى عليه الصلاة والسلام وجرى معه ما ذكر من استئجاره وتزويجه وسيره بأهله. فهل الرسول عليه الصلاة والسلام كان مقيمًا في أهل مدين حتى يخبر عما حصل منه؟ الجواب: لا. إذن فما جاء به من أخبار أهل مدين فإنه عن طريق الوحي. وقوله: ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾، (﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ خبر ثان)، وين الخبر الثاني؟ جملة ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾، يعني: وما كنت تتلو عليهم آياتنا (فتعرف قصتهم فتخبر بها). وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ الضمير ظاهر كلام المؤلف، وهو أيضًا ظاهر سياق الآية، أنه يعود إلى أهل مدين: ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ (فتعرف قصتهم وتخبر بها). وقال بعض العلماء، أي بعض المفسرين: إن الضمير يعود على قريش، يعني: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾، فـ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ القصة التي قصصتها بـ﴿آيَاتِنَا﴾، وهذا أقرب إلى المعنى، وإن كان الأول أقرب إلى اللفظ؛ لأن الضمير يعود على أقرب مذكور، لكنه ما يعود على أهل مدين إلا بتعسف شديد. فالصواب أنه يعود على قريش، يعني: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ فـ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ القصة التي جاءت بـ﴿آيَاتِنَا﴾. إذن فأنت رسول؛ لأنك أتيت بما لم تكن شاهدًا فيه، ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾. ولهذا قال: (﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص ٤٥] لك وإليك بأخبار المتقدمين). (﴿مُرْسِلِينَ﴾ لك) إلى الناس، (وإليك) بالوحي، فالرسول عليه الصلاة والسلام مرسل للناس ومرسل إليه. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. (كان) فعل ماض، وهي مسلوبة الزمن، والمقصود بها اتصاف اسمها بخبرها. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا﴾، هذه (نا) للجماعة، و(كنا) للجماعة، و﴿مُرْسِلِينَ﴾ جمع، مع أن الله تعالى واحد أحد، ولكن ذلك للتعظيم؛ لأن (نا) للمتكلم المعظم نفسه، أو للمتكلم ومعه غيره، وهي بجانب الله - بلا شك - للمتكلم المعظم نفسه. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾، ولم يقل: ولكن أرسلناك. كما قال في الآية التي قبلها: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٥]؛ لأن الرسالة ما زالت في الخلق منذ اختلفوا إلى آخر الرسل: محمد ﷺ. ومتى اختلفوا؟ اختلفوا بعد آدم، بعد أن مضت قرون إما عشرة أو أقل أو أكثر اختلف الناس، قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]، فتقول الآية: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فأنزل الله. * طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الجاثية ١٧]، أيش (...)؟ * الشيخ: اللي بالوحي، لكن المراد بهذا اختلاف بني إسرائيل، ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ هذا لبني إسرائيل، أما الأولى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ﴾، وفيها قراءة لكنها غير سبعية ﴿فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ﴾، وهذه القراءة يدل عليها قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. (﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ لك وإليك بأخبار المتقدمين)، والفائدة من ذكر أخبار المتقدمين للرسول ﷺ ليتلوها على الناس، الفائدة: تقرير أنه نبي؛ لأنه ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه، فإذن يكون ما أخبر به عمن سبق، يكون من باب الوحي المجرد. قال الله تعالى: (﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ الجبل ﴿إِذْ﴾ حين ﴿نَادَيْنَا﴾ [القصص ٤٦] موسى أن خذ الكتاب بقوة). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، هذا خبر آخر غير الخبر الأول الذي فيه ابتداء الوحي؛ لأن الله تعالى بعدما أهلك القرون الأولى وعد موسى ثلاثين ليلة وأتمها بعشر، واختار من اختار من قومه ثم ذهب إلى الله سبحانه وتعالى لمناجاته وإنزال التوراة عليه. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، (جانب) أي: جهة الطور، أو قُرب الطور، و الطور هو الجبل المعروف في سيناء. (﴿إِذْ﴾ حين ﴿نَادَيْنَا﴾ )، أفادنا المؤلف بأن (إذ) هنا ليست تعليلية ولكنها ظرفية، وهي ظرف لما مضى من الزمان، و(إذا) ظرف لما يُستقبل، و(إذن) ظرف للحاضر. فبهذا استكملت الظروف الثلاثة: (إذا) للمستقبل، و(إذ) للماضي، و(إذم) للحاضر. قال: (﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ موسى أن خذ الكتاب بقوة)، وهل الله قال له: خذ الكتاب بقوة؛ لموسى، ولَّا لبني إسرائيل حين رفع فوقهم الطور، قال: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف ١٧١]؟ فالظاهر أن المؤلف توهم في هذا، نعم. وخلنا نتأمل بعد في قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]، وأيش اللي قبلها؟ شوف في سورة الأعراف، أيش الآية؟ * طالب: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾. * الشيخ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]، إذن قول المؤلف: (أن خذ الكتاب بقوة) بالمعنى أتى بها، وإلا فالله يقول: ﴿فَخُذْهَا﴾ أي الألواح اللي فيها التوراة ﴿بِقُوَّةٍ﴾، يصير إذن أمر موسى أن يأخذها بقوة أن يأخذ الألواح بقوة. فعلى كل حال كلام المؤلف إذن صواب، بس إنه أتى به بالمعنى لا باللفظ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾، أي: خذ هذه الألواح ﴿بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]. يقول الله عز وجل: (﴿وَلَكِنْ﴾ أرسلناك ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّك﴾ [القصص ٤٦])، أخذنا أن قوله: ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول لأجله عاملها محذوف، والتقدير: أرسلناك رحمةً، وقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ ليس المعنى أنه هو الرحمة، ولكن المعنى أنه أُرسل للرحمة، ليرحم به، فالرحمة من الله سبحانه وتعالى، وأرسله الله رحمةً؛ كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧]، ليس المعنى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا﴾ حال كونك ﴿رَحْمَةً﴾، ولكن: إلا من أجل الرحمة، فبين المعنيين فرق. ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّك﴾، أضاف الربوبية إلى الرسول ﷺ على سبيل التخصيص والتشريف، وهذه هي الرحمة الخاصة، وهناك رحمة عامة. وفيها دليل - أي في قوله: ﴿مِنْ رَبِّك﴾ - على أن إرسال النبي ﷺ إلى الخلق ليرحموا به، أنه من الربوبية الخاصة؛ لأن من نعمة الله على العبد أن يلهمه هدًى ليهدي الناس به، فإن هذا في الحقيقة من أكبر النعم. فالنبي عليه الصلاة والسلام أوحي إليه ليرحم الخلق بما أوحي إليه، وهذا من مقتضى الربوبية الخاصة، ولهذا قال: ﴿مِنْ رَبِّك﴾، ولم يقل: (من ربهم)؛ ﴿مِنْ رَبِّك﴾ الذي رباك تربية خاصة. ﴿لِتُنْذِرَ﴾، اللام هنا حرف جر؟ * طالب: لام التعليل. * الشيخ: إي، ما هي حرف جر؛ لأنها داخلة على (أن) المقدرة، أي: (لأن تنذر)، ثم تحول إلى مصدر فيكون: (لإنذارك قومًا)، ولهذا على مذهب البصريين، تقول: اللام حرف جر، و(تنذر) فعل مضارع منصوب بـ(أن) مضمرةً جوازًا بعد اللام؛ على رأي الكوفيين، يقولون: إن اللام هي الناصبة، فيقولون: اللام لام (كي) وهي ناصبة. لكن البصريين أدق منهم في هذه الناحية، بل حقيقة الأمر أن اللام حرف جر، وأن (أن) هي الناصبة مقدرة. طيب، أين متعلق ﴿لِتُنْذِرَ﴾؟ متعلقها هذا المحذوف الذي قدره المؤلف: (أرسلناك). ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾، الإنذار هو الإعلام بما يُخاف، هذا الإنذار: الإعلام بما يخاف، والإعلام بما يُرغب ويش يُسمى؟ * طالب: بشارة. * الشيخ: بشارة أو تبشير. وقوله: ﴿قَوْمًا﴾ المراد بهم قريش، ولا يعني ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام مبعوث إليهم خاصة، ولكن لأن أول من أنذرهم كانت قريشًا، وإلا فقد بعث لهم ولغيرهم، قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ﴾ من قريش وغيرهم ﴿نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١]. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾. ﴿مَا﴾ نافية، و﴿أَتَاهُمْ﴾ بمعنى جاءهم، و﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد إعرابًا لا معنًى، و﴿نَذِيرٍ﴾ فاعل (أتى)، يعني: ما جاءهم نذير. وفائدة زيادة (مِن) التنصيص على العموم، في كل الأزمان الماضية ما أتاهم أحد ينذرهم قبل الرسول ﷺ. وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ﴾، جملة ﴿مَا أَتَاهُمْ﴾ في محل نصب صفة لأيش؟ * طالب: لـ﴿قَوْمًا﴾. * الشيخ: صفة لـ﴿قَوْمًا﴾. وقوله: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾، قال المؤلف: (وهم أهل مكة) هذا تفسير لـ﴿قَوْمًا﴾. إذا قال قائل: أليس إسماعيل رسولًا؟ * طالب: بلى. * الشيخ: طيب، إذن هو قد أتاهم قبل النبي ﷺ، أو لا؟ * طالب: المراد أولاده، وأولاده ما (...). * الشيخ: أو يقال: إنه لما طال العهد حتى انمحت صاروا محتاجين إلى نذير ولم يأتهم نذير، فمَا أتاهم من نذير بعد أن انقرضت معالم رسالة إسماعيل، وإلا فلا ريب أن إسماعيل مرسَل إليهم؛ لأنه نبي، ولكنه انقرضت، ولهذا كان من دعاء إسماعيل وإبراهيم أنهما قالا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة ١٢٩]، وأجمع المفسرون على أن المراد به محمد ﷺ، فمنذ إسماعيل إلى أن بُعث الرسول عليه الصلاة والسلام ما جاءهم نبي، وانقرضت معالم النبوة، وكان أول من غيَّرها عمرو بن لُحَيٍّ الخُزاعي، فإنه هو الذي أدخل عبادة الأصنام وأدخل السوائب على العرب حتى انمحت به الحقيقة[[أخرج ابن حبان (٧٤٩٠) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «عرضت علي النار فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، وكان أول من غير عهد إبراهيم وسيب السوائب...».]]. * طالب: ولا لهم علاقة (...)؟ * الشيخ: لا، ما لهم علاقة؛ لأن رسالة موسى وعيسى إلى قومهما، إلى بني إسرائيل. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٤٦]. (لعل) هذه للتعليل، وهي متعلقة بـ(تنذر)، تنذرهم لأجل أن يتذكروا، أي: (يتعظون) بما جئت به. وهذا التعليل سنذكر في الفوائد إن شاء الله ما هي فائدته. * طالب: خبر (ما) النافية؟ * الشيخ: ما هي خبر؛ لأنها ما دخلت على اسم. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، تُزاد في خبر (ما)، لكن هنا (ما) دخلت على جملة اسمية. * الطالب: القاعدة في الزيادة؟ * الشيخ: القاعدة لزيادة (من) أنها إذا حُذفت استقام الكلام بدونها. * الطالب: (...). * الشيخ: القاعدة أنك لو حذفتها هنا وقلت: (ما أتاهم نذير) صح، فهو دليل على زيادتها.

القصص 28:41

قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [القصص ٣٩]، ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ مِن الكبرياء وهي العظمة، والمعنى: أنه تَرقَّى وتعاظَم هو وجنوده، وزيادة الهمزة والسين والتاء للمبالغة وليست للاستدعاء؛ لأن الغالب أنَّ الهمزة والسين والتاء تكون للاستدعاء مثل: (استغفرَ له) يعني: طلب مغفِرَته، (استرحمه) طلب رحمتَه. لكن تأتي أحيانًا لِلمبالغة مثل: (استكبر) يعني: بالَغ في الكبرياء والعظمة. ﴿هُوَ وَجُنُودُهُ﴾، مَن جُنُودُه؟ الجُنْد في الأصل هم حاشية الإنسان وأنصاره، ويُطلق على كل مَن اتَّبعه فهو مِن جُنْدِه. وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾، متعلق بـ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾، و(أل) في (الأرض) للعهد الذهني، قال المؤلف: (أرض مصر) ليس الأرض كلها؛ لأنه لا سلطان له على بقية الأراضي، ولكن المراد أرض مصر، فعلى هذا تكون (أل) هنا لأي شيء؟ للعهد الذهني، لا للعموم. وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بيان للواقع؛ لأن الاستكبار كله مُخالفٌ للحق، ولكنه بيان للواقع زيادةً في تقبيحه، فالاستكبار قبيح، فإذا وُصف (...) صار أقبح وأقبح. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة ٦١]، ويمكن يكون قتل النبيين بحق؟ لا، كلُّ قتلِ النبيين بغير الحق، لكن ذَكَر ذلك للمبالغة في تقبيحه، وإلا في الواقع أنه ليس بحق. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، والحق في الأصل هو الشيء الثابت، فإذا أُضِيف إلى (...) فالمراد به الصدق، وإذا أضيف إلى الأحكام المراد به العدل؛ كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]. إذن انتفى عن هؤلاء باستكبارهم الحق من وجهين؛ حيث اتخذوا كذبًا وزورًا بما استكبروا به. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾. ﴿وَظَنُّوا﴾، هل المراد بالظن هنا الرجحان أو اليقين؟ * طالب: (...). * الشيخ: المتيقنين (...)؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما جحدوا (...)، فهل نقول: المراد به الرجحان، يعني ترجح عندهم أنهم راجعون، أو اليقين؟ كلاهما في الواقع يُنافي قولَه تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]؛ لأنَّ مَن استيقن الشيء هل يظُن خلافَه؟ أن يستيقن أن ما جاء به موسى حق، هل يستيقِن خلافَه أو يظن خلافَه أيضًا؟ لا؛ لأن من استيقن الشيء فقد آمن به، لكن يبدو لي أنَّ الظن هنا إمَّا بمعنى الدعوة، يعني ادَّعَوْا أنهم إلينا لا يُرْجَعُون، أو أن المُراد به.. وهو فعله هنا فعل الظان. وقوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٣٩] فيها قراءتان: ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ بالبناء للفاعل وللمفعول، بالبناء للفاعل كيف أنطق؟ ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ ، وبالبناء للمفعول: ﴿لَا يُرْجَعُونَ﴾، وأركان القراءة (...): وَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ∗∗∗ وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرْآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّــــــــــــــلَاثَةُالْأَرْكَـــــــــــانُ فهنا ﴿يَرْجِعُونَ﴾ (...) أو لا؟ يعني ما اختلفت إلا بالشكل فقط. ومعنى ﴿يَرْجِعُونَ﴾ أي: يعودون ويُردون إلى الله سبحانه وتعالى؛ إذ إن الكل سوف يرجع إلى الله، والإنسان راجع إلى الله في محياه ومماته، فهو بعد الموت يرجع إلى الله، وكذلك في الدنيا أمره راجع إلى الله، فهو الذي يدبره. ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾، الفاء عاطفة والمراد بها أيضًا السببية، أي: فبسبب استكباره هو وجنوده أخذناه ﴿وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ [القصص ٤٠]. شوف، مقابل الاستكبار ذكر الله تعالى عقوبتهم على وجه الاستهجان والتحقير: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾؛ إذ إن النبذ هو الطرح، الطرح يعني بقوة، والمطروح بقوة هل هو عظيم ولا حقير؟ بل هو حقير؛ لأن العظيم ما يمكن، ما تستطيع أن تنبذه نبذًا، فهو (...) عظيم ما تقدر، إنما ينبذ نبذًا من كان هينًا حقيرًا، ولهذا قال: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾. (هم) يعود على الجنود ولا على من؟ على فرعون والجنود، ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾، ولم يغنه هؤلاء الجنود شيئًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا شيء يقابله من قوة البشر. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ (طرحناهم). ﴿فِي الْيَمِّ﴾ [القصص ٤٠]، ﴿الْيَمِّ﴾ قال: (البحر المالح) احترازًا منين؟ من الأنهار؛ لأن الأنهار بحار، لكنها غير مالحة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر ١٢]، وقال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن ١٩]، فسمى الله تعالى الأنهار والبحار المالحة سماها بحارًا. وقوله: (البحر المالح) هذا بيان للواقع الذي وجد فيه فرعون وجنوده؛ لأنهم وجدوا في بحر القلزم أو القلزم، وهو البحر الأحمر الذي بين جُدة ومِصر، هذا الذي غرق فيه فرعون وقومه. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾، وانظر إلى الحكمة في أن الله سبحانه وتعالى أغرقهم إغراقًا في اليم؛ لأن فرعون كان يفتخر بأنهاره ويقول لقومه: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥١، ٥٢] فافتخر بالماء فأُغرق به. * طالب: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾. * الشيخ: نعم ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]، فأخرجه الله من ملك مصر وأهلكه بما كان يفخر به من الأنهار. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن البحر المالح بعيد عن ملك مصر (...). قال: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٤٠]، ﴿فَانْظُرْ﴾ الخطاب لمن؟ ﴿فَانْظُرْ﴾ يعني: يا محمد، أو: ﴿فَانْظُرْ﴾ أيها القارئ أو السامع؟ فالخطاب لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، ماذا تقول؟ * طالب: الأخير. * الشيخ: الأخير، أي: ﴿فَانْظُرْ﴾ يا من تسمع هذا الخطاب ويوجَّه إليك. والمراد بالنظر هنا نظر الاعتبار، وهو النظر بالقلب؛ لأن العاقبة ما هي تنظر بالعين، اللهم إلا إذا سار الإنسان في آثارهم، فقد ينظر بعينه وبقلبه. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿كَيْفَ﴾ هنا للاستفهام، والمراد به التعظيم، يعني لعظم العاقبة، لكن لا تعظيم الرفعة، بل تعظيم العقوبة والعياذ بالله. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ فهو تفخيم لها وتعظيم لعاقبة وخيمة سيئة للغاية، محلها من الإعراب ﴿كَيْفَ﴾؟ * طالب: اسم استفهام. * الشيخ: اسم استفهام مبني على الفتح في محل؟ * الطالب: نصب. * الشيخ: نصب نعم. * الطالب: مفعول (انظر). * الشيخ: مفعول (انظر)! ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ﴾، ما يصح أن تكون مفعول (انظر)؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، إذا جعلناها مفعول (انظر) ما صار لها صدر الكلام، صارت متأخرة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، (...) بمفعول (انظر)، لكن أنا أريد إعراب ﴿كَيْفَ﴾ فقط. * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: خبر. * الشيخ: خبر؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: ما هو بصحيح. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم خبرها مقدر، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾، فـ﴿كَيْفَ﴾ هنا اسم استفهام (...) خبر مقدم لـ﴿كَانَ﴾. وتقديم خبرها هنا واجب ولا جائز؟ * طالب: واجب. * الشيخ: واجب. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿عَاقِبَةُ﴾ بمعنى عقبى، وهي على صيغة اسم الفاعل، والمراد العقبى. و﴿الظَّالِمِينَ﴾ هم الذين نقصوا حقوق أنفسهم وحقوق ربهم؛ لأن الظلم في الأصل النقص، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣]، أي لم تنقص. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، المراد بالظالمين هنا الكافرون ولَّا لا؟ * طالب: الكافرون. * الشيخ: نعم الكافرون؛ لأنه يشير إلى ما جرى لفرعون وقومه، وهم ظالمون ظلم كفر؛ لأن الظلم ينقسم إلى قسمين: ظلم كفر، وظلم معصية دون الكفر. ففي قوله تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٧٩] (...) ظلم المعصية، المراد ظلم المعصية، وفي قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] المراد ظلم الكفر، وفي قوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧] شامل للأمرين الكفر وما دونه. (﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ حين صاروا إلى الهلاك). إلى الهلاك بأتفه الأمور، وهو الماء، وهذه من حكمة الله سبحانه وتعالى أن يأخذ كل إنسان بذنبه، كما قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] أي: بما يقتضيه ذنبه من العقوبة، عاد استكبروا في الأرض وتحدوا وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، وقوله: ﴿خَلَقَهُمْ﴾ ولم يقل: إن الله (...) بكونه أشد منهم؛ لأن الخالق بلا ريب أقوى من المخلوق. بماذا أخذوا؟ أخذوا بألطف الأشياء، وهي الريح، أرسل الله عليهم الريح ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة ٧]، كل أيام الدهر، أرسلت إليهم في كل أيام الدهر، لو شاء الله لأرسلها عليهم في ليلة واحدة ودمرتهم تدميرًا، لكن لحكمة أراد أن يتعذبوا أكثر، ما أخذتهم جميعًا؛ أخذت مثلًا (...) ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر ٢٠]، وهذا أشد عقوبة؛ لأنها لو جاءتهم مرة واحدة ودمرتهم ما تعذبوا؛ ماتوا وهلكوا وانتهى الأمر، لكن هذا أشد. طيب إذن هنا أغرقوا باليم؛ لأنهم والعياذ بالله (...). قال: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ في الدنيا ﴿أَئِمَّةً﴾ [القصص ٤١] بتحقيق الهمزتين) ﴿أَئِمَّةً﴾، (وإبدال الثانية ياءً)، كيف يقال؟ ﴿أَيِمَّةً﴾ ، والقراءة الثانية هنا سبعية. قال: (رؤساء في الكفر)؛ لأن الإمام هو القائد الذي يُتبع، فهو والعياذ بالله ذو أثر في الكفر، وليسوا رؤساء فقط؛ رؤساء متبوعون في الكفر. * طالب: (في الشرك). * الشيخ: (في الشرك)، نعم، رؤساء في الشرك، يعني متبوعين. الإمام هو المتبوع، المعنى أنهم كانوا قادة والعياذ بالله إلى الكفر والشرك. لكن هذا، يقول المؤلف: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ في الدنيا ﴿أَئِمَّةً﴾ ). لو أنه أخر (في الدنيا) لكان أحسن، وقال: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ في الدنيا ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١])؛ لأن حقيقة الأمر أن إمامتهم بالكفر متى؟ في الدنيا، إمامتهم كانت في الدنيا، فهم جعلوا في هذه الدنيا أئمة، يعني متبوعين يُقتدى بهم في الكفر، فكل من أتى بعدهم وكان كفره استكبارًا فإنه مقتدٍ بهم. وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، ليس إلى الإيمان، ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ بالقول أو بالفعل؟ بهما جميعًا، فهم قبل أن يهلكوا يدعون بالقول وبالفعل، وبعد أن هلكوا يدعون بالفعل؛ لأن من اقتدى الناس بفعله فهو في الحقيقة قد دعاهم إليه. وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، قطعًا ما يدعونهم بأن يقولوا: يا ناس ادخلوا إلى النار، لو كان يقولون: يا ناس ادخلوا النار ما أطاعوهم، لكن ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ يدعون إلى العمل الموصل إليها، وهو الشرك والكفر، وبئس ما كانوا أئمة فيه، وهو الدعوة إلى الكفر بالله تبارك وتعالى والإشراك به. طيب، وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. ﴿وَيَوْمَ﴾ هذا ظرف متعلق بـ﴿يُنْصَرُونَ﴾، يعني: وهم لا ينصرون يوم القيامة. في الدنيا أئمة متبوعون، لكن في الآخرة ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾، هم ما يستطيعون أن ينتصروا لأنفسهم، فلا يمكن أن يكونوا أئمة يُقتدى بهم. وقوله: ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ أي: لا يجدون من ينصرهم (بدفع العذاب عنهم)، ما أحد يدفع عنهم العذاب، لا هم ولا غيرهم أيضًا، حتى غيرهم ما يمكن أن يدفع عنهم العذاب. (﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ خزيًا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤١، ٤٢] المبعدين). ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ على فرعون وجنوده، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ﴾ يعني: جعلناها تتبعهم بعد إهلاكهم. واللعنة في الأصل: الطرد والإبعاد، وفسرها المؤلف بلازمها وهو الخزي، أي أنه كل من ذكرهم يلعنهم ويطردهم ويبتعد عنهم، ولكن لا منافاة بين ما هنا وبين قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١]؛ لأن الذي يأتم بهم هو الموافق لهم على كفرهم، أما من لم يهتم بهم فإنه يلعنهم. وقوله: ﴿لَعْنَةً﴾ من الله ولا من غيره؟ منه ومن غيره، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة ١٥٩]، فمن لعنه الله لعنه المؤمنون بالله، قال ابن مسعود رضي الله عنه في لعن النامصة والمتنمصة، قال: «وما لي لا أَلْعَنُ مَن لَعَنَهُ رسولُ اللهِ ﷺ»[[أخرجه البخاري (٥٩٤٣). ]]. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أيضًا ظرف متعلق؟ * طالب: بالنار. * الشيخ: بالنار؟! بمحذوف حال من (هم)، يعني: وهم حال كونهم يوم القيامة من المقبوحين، أو متعلق بالمقبوحين (...) ما تقدم لنا من أن (أل) اسم موصول، واسم الموصول لا يعمل ما بعده بما قبله، فإما أن تجرد (أل) من المصدرية، أو يأتي ذلك على سبيل التوسع؛ لأنهم يتوسعون في الجار المجرور والظرف ما لا يتوسعون في غيره. وقوله: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]، أتى بالجملة الاسمية الدالة على أنهم هم في ذلك الوقت لا يمكن أبدًا أن يستحسن ما فعلوه أو يقربوا، بل إنهم في ذلك الوقت من المقبوحين المبعدين الذين يفضحهم كل من ذكرهم، فلا يمكن لأحد أن يقربهم. إذن، عُوقب هؤلاء والعياذ بالله الذين كانوا يدعون إلى النار، عوقبوا بأمرين؛ بل بثلاثة أمور: الأمر الأول: أنهم إذا حل بهم العذاب يوم القيامة لن يجدوا من ينصرهم؛ لأنه قال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. الأمر الثاني: العار الذي لحقهم من اللعنة التي لحقتهم إلى يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ [القصص ٤٢]. الأمر الثالث: أنهم يوم القيامة لا يمكن أبدًا أن يكونوا من المحبوبين المقرَّبين، بل هم من المقبوحين المطرودين المبعَدين (...). * * * (﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣] التوراة)، وهي كتاب بمعنى مكتوب، والجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم، واللام الواقعة في جوابه، و(قد). وهنا قد يقول قائل: لماذا تؤكد بهذه المؤكدات الثلاثة مع أنها ليست مخاطبةً لمنكر لها؟ فالجواب: أننا سبق أن قلنا: إن التأكيد ليس سببه إنكار المخاطب فقط، بل قد يكون سببه أهمية المخبَر عنه، فيؤكد بالقسم وباللام و(قد) وغيرها من المؤكدات. (...) * يستفاد من هذه الآية: بيان حال فرعون وجنوده، وأنهم قوم مستكبرون عن الحق متعالون عليه. * ثانيًا: يستفاد منها أيضًا: أن من استكبر عن الحق ففيه شبه من فرعون وجنوده. * ومنها، أي مِن فوائد الآية: وجوب الرضوخ للحق، فالإنسان يجب عليه أن يرضخ للحق، سواء وافق هواه أم خالفه. * ومِنها: أن المستكبر ليس له حق في الاستكبار؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. * ومِنها أيضًا: أن هؤلاء المستكبرين يعملون عمل من لا يظن أنه يرجع إلى الله؛ لأن من ظن أنه يرجع إلى الله فلن يستكبر عنه؛ إذ إنه يخاف منه، لكن من يستكبر هو من ظن أنه لا يرجع إلى الله سبحانه وتعالى. * ومنها: إثبات البعث؛ لأن قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٣٩] إثبات الظن، فيقتضي أن الرجوع إلى الله أمر ثابت. * ويستفاد من قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾؛ يستفاد منه: أن الذنوب سبب للعقوبة؛ لأن الفاء (...) تفيد السببية. * ومنها: بيان عظمة الله سبحانه وتعالى؛ حيث أخذ هؤلاء العتاة بما لهم من القوة ونبذهم نبذًا كما ينبذ الإنسان نواة من (...)، نعم، وليس هذا تشبيهًا، لكن قصدي أنه لم يبال بهم ولم يعجزوا الله سبحانه وتعالى. * ومنها: حكمة الله سبحانه وتعالى؛ حيث كان إهلاك فرعون وقومه بالماء الذي كان يفتخر به بقوله: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]، فإن هذا الذي كان يفتخر به كان محل هلاكه. * ومنها: أن فرعون قد هلك فيمن هلك؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس ٩٢] ليس معناه أنه حي باقٍ، وإنما الذي أُنجي وظهر للناس هو بدنه فقط؛ ليكون لمن خلفه آية؛ لأن بني إسرائيل -كما قال أهل العلم- قد أرعبهم فرعون، فلولا أنهم خرجوا حتى شاهدوه ببدنه لكان عندهم نوع من القلق: هل هلك أو ما هلك، فإذا شاهدوه تيقنوا وزال عنهم القلق. فإذن هو هالك فيمن هلك؛ لقوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾. * ومِنها، أي مِن فوائد الآية: أنه يُطلب من المرء -إما وجوبًا أو استحبابًا- أن يتأمل في عاقبة الظالمين: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، فيتفرع على هذه الآية أنه ينبغي لنا أن نتعظ بعاقبة هؤلاء فلا نظلم مثلهم؛ لأنه ما دام عاقبة الظالم الهلاك فإن الإنسان يخشى أن يهلك إذا ظلم. * ومنها: أن الظلم محرم؛ لأنه سبب للعقوبة، وما كان سببًا للعقوبة فإنه محرم، وسواء كان الظلم للنفس أو للغير فإنه محرم بجميع أنواعه، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر رضي الله عنه. ]]. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. * يستفاد من هذه الآية: حكمة الله سبحانه وتعالى في مثل فرعون وقومه، في أن لإيجادهم حكمة؛ لأن الله قادر على أن يجعل المرء على الهدى، لكنه سبحانه وتعالى له الحكمة في أن يوجد مثل هؤلاء القوم الذين يدعون إلى النار. * ويستفاد مِنها أيضًا: حكمة الله تعالى فيمن خلق من أمر الله، وأنهم بلاء وفتنة. * ومنها: إثبات الإمامة في الشر كما هي ثابتة في الخير، فانظر إلى هذه في آل فرعون، وانظر إلى هذه في بني إسرائيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤]، ففرق بين من يقود الناس بأمر الله، من يقودونهم بشريعته، وبين من يدعون إلى النار. * ومن فوائدها أيضًا: أن الدعاء إلى النار وإلى الخير أيضًا كما يكون بالقول يكون بالفعل، يكون بالقول ويكون بالفعل، وأيهما أقوى؟ قد يكون الدعاء بالقول أقوى وقد يكون الدعاء بالفعل أقوى، نعم، إنما على كل حال الدعاء بهذا وبهذا ثابت، فإن الإنسان يدعو الناس بمقاله وبحاله. * ومنها: إثبات يوم القيامة في قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾، وسُمي (يوم القيامة) لأمور ثلاثة: أنه يقوم الناس فيه من قبورهم إلى رب العالمين، وأنه يُقام فيه العدل كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧]، وأنه يقوم فيه الأشهاد: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]. فلهذا سُمي يوم القيامة، لماذا سمي يوم القيامة؟ * طالب: (...). * الشيخ: ذكرنا الآن ثلاثة أسباب الآن. * الطالب: (...). * الشيخ: ما (...)، لا تعتمد على (...) كان ربما يأتي مسائل تشكل عليه. * ومنها أيضًا، يستفاد من الآية الكريمة: أن آل فرعون لا ناصر لهم في الآخرة، ومثلهم من كان على شاكلتهم من المستكبرين عن الحق، فإنهم لا يجدون من ينصرهم من عذاب الله إذا نزل بهم في ذلك اليوم. ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]. * يُستفاد مِن هذه الآية: أن عقوبة آل فرعون كانت ممتدة إلى يوم القيامة بالذكرى السيئة لهم، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾؛ فإن كل من ذكر آل فرعون يذكرهم بالسوء والبغض والكراهية. * ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: تحقير الدنيا؛ فإن قوله: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ إشارة للقريب؛ لدنو مرتبته وأنها دنيا، والدُّنيا: مؤنث أدنى، وهي من الدنو الحسي والمعنوي؛ أما الدنو الحسي: فلسبقها على الآخرة، فهي أدنى إلى المخلوقين من الآخرة، وأما الدنو المعنوي: فلما تتضمنه من النقص في جميع كمالاتها، فما من كمال في الدنيا إلا وهو ناقص، والآن لو تأملت جميع المضار والمنافع الدنيوية تجدها مشوبةً بالضرر والخطر، حتى الزمان كما قال الشاعر: فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ لو تأملت هذا لوجدته دائمًا، نعم، وعلى هذا نقول: الدنيا نُسبت لذلك لأمرين: الدنو الحسي والمعنوي، الدنو الحسي: قربها، لسبقها على الآخرة، والدنو المعنوي أنه ما فيها شيء (...) إلا وهو مشوب بنقص. * ومِن فوائد الآية: أن اللعنة - والعياذ بالله - التي وزعت (...) تكون عليهم في الآخرة؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]؛ لأن المقبح معناه المبعد المقبوح، واللعن هو الطرد والإبعاد. * * * قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣]. ﴿آتَيْنَا﴾ بمعنى أعطينا واعلم أن إيتاء الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين: إيتاء شرعي وإيتاء قدري، فما تعلق بالكون والخلق فهو إيتاء قدري، وما تعلق بالشرع فهو إيتاء شرعي. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة ٥٩]، هذا إيتاء شرعي، والمراد به قسم الصدقات أو الفيء. ومثل ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ شرعي ولا قدري؟ * طالب: (...). * الشيخ: أو قدري، إي؛ لأن الإنزال -إنزال القرآن- من الأمور التي تتعلق بمشيئة الله، لا بشرعه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: العمل بالكتاب شرعي. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يكون؛ لأن أصل الإنزال قدري يتعلق بمشيئة الله وقدره، لكن العمل به شرعي. وقوله: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾، (موسى) مفعول أول لـ(آتينا)، و(الكتاب) مفعول ثان، وهي من باب (ظن). * طالب: (...)؟ * الشيخ: من باب (كسا)؛ لأنه إذا لم يكن الأول مبتدأ والثاني خبرًا، فهو من باب (...)، لو قلت: (موسى الكتابُ) يصلح؟ ما يصلح، فكل مفعولين لا يصح أن يكون أحدهما مبتدأ والثاني خبرًا فهما من باب (كسا)، وما صح أن يكون مبتدأ وخبرًا فهما من باب (ظن). وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾، يقول: (التوراة)، وهو (فعال) بمعنى (مفعول)؛ لأن التوراة مكتوبة، فإن الله تعالى كتبها بألواح وأعطاها موسى. وقال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣]، متعلق بـ﴿آتَيْنَا﴾. يعني: أعطيناه إياه من بعد ما أهلكنا القرون الأولى. القرون: جمع قرن، والمراد بهم الأمم، وقد يُراد به الفترة من الزمن، ومقدارها مئة سنة. فالقرون تارةً يراد بها الأمم، وتارة يراد بها أحقاب الزمن. وهنا المراد أحقاب الزمن ولا الأمم؟ الأمم؛ لأن أحقاب الزمن ما تهلك، الذي يهلك الأمم. (﴿أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم). (قوم نوح). * طالب: (...). * الشيخ: عندي هنا (وعاد)، عندكم (وعادًا) ولا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما فيها شك (...)، هو الوجه أن يقال: (قوم نوح وعادًا وثمود)، أما (ثمود) فلا تنصرف، لكن الكلام على (عاد) (...) تفسير للقرون. طيب، هم: (قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم). هؤلاء هم القرون الأولى، وإنما قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾، إشارةً إلى أن الناس كانوا في حاجة إلى مثل هذا الكتاب الذي نزل على موسى؛ لأن القرون أهلكت وتطاول الزمن، فاحتاج الناس إلى رسالة، فأرسل الله تعالى موسى بهذا الكتاب الذي هو التوراة. وقيل: إن القرون الأولى تشمل حتى آل فرعون؛ لأن التوراة ما نزلت على موسى إلا بعد أن أهلك الله قرن فرعون وقومه، وأنه يشمل حتى هؤلاء، حتى إن بعض العلماء استنبط منها أنه لم تهلك أمة بعد نزول التوراة، يعني (...) وأن هذا من فوائد قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣]؛ لأن إهلاك الأمم السابقة مضى وانقضى، ولا إهلاك بعد نزول التوراة. وفي الحقيقة أن من تأمل التاريخ وجد أنه لم تهلك أمة بعد نزول التوراة، ما هلكت أمة، لكن هل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ يشير إلى هذا؟ هذا هو محل النظر والمناقشة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما حصل هلاك عام، (...)، أما أنه هلاك عام ما حصل، فالمهم هذه (...). قال: (﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص ٤٣] حال من الكتاب). وين (الكتاب)؟ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ﴿بَصَائِرَ﴾، و﴿بَصَائِرَ﴾ (جمع بصيرة وهي نور القلب) كما أن (بصر، وأبصار) نور العين، فنور القلب يسمى بصيرة وبصائر، ونور العين يسمى بصر وأبصارَا ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٦]. وقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾، (أل) هنا للعهد الذهني، وليست للعموم؛ لأن التوراة لم تنزل إلا لمن؟ لقوم موسى فقط، كما قال النبي ﷺ: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨) ومسلم (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]] خذوا بالكم من هذا. طيب، وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، هل يخرج الجن؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، من حيث التكليف والإلزام يخرج الجن، فإنه لم يكلف أحد برسالة أحد من الرسل من الجن، لكن من حيث العمل يمكن أن يستبصر بها الجن، كما قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف ٣٠]، فإن الظاهر أنهم كانوا انتفعوا بما أنزل على موسى كما انتفعوا بالقرآن. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يجب عليهم؛ لأنه الرسول يقول: «يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ» » والجن ليسوا منهم. وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، أنا ذكرت أن (أل) هنا للعهد الذهني، طيب. قال: (جمع بصيرة، وهي نور القلب، أي: أنوارًا للقلوب)، وهكذا جميع الكتب التي ينزلها الله عز وجل تكون أنوارًا للقلوب؛ لأنه يكون بها الاقتداء، ولهذا قال: (﴿وَهُدًى﴾ من الضلالة لمن عمل بها). تقييد المؤلف (لمن عمل بها) غير وجيه، والأولى إبقاء الآية على ظاهرها، أن التوراة هدًى، لكن هذا الهدى ما ينتفع به إلا من وُفق، فهي هدًى من الضلالة بلا شك، لكن هل ينتفع بها ويهتدي بها كل أحد؟ لا، كما قال الله تعالى في القرآن: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة ١٨٥]، وقال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢]، ففي الأول هدى دلالة، وفي الثاني هدى توفيق. التوراة، إذا قلنا: هدًى لمن عمل بها قيدنا الآية بهدى التوفيق مع أنها مطلقة، ولهذا الأولى أن نقول: هدًى من الضلالة في كل أمر، كما قال: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾، نقول: وهدًى أيضًا للناس، ولكن الهدى الذي بمعنى الدلالة عام، والهدى الذي بمعنى الاهتداء -يعني يهتدي بها الإنسان- هذا خاص لمن وُفق له. (﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ لمن آمن به). هذه نعم، (...) أن المقام يقتضي التخصيص، أنه رحمة، لكن لا لكل أحد، إلا أن يقال: رحمة أي وسيلة للرحمة، فإذا قلنا: إن (رحمة) أي وسيلة صار عامًّا. نقول: هدًى باعتبار العلم، ورحمة باعتبار العمل؛ لأن من عمل به فهو مرحوم. وأما الهدى فهو باعتبار العلم، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣]، فالهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، أي ما تكون رحمة لغيره، هي هدى، الهدى نعم هدًى لكل أحد. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو بالظاهر، الظاهر أنها لو قُيدت تقييدًا مثلما قال المؤلف؛ لأنه ما يرحم بها إلا من عمل بها، ما يرحم بها إلا من عمل فقط. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٤٣]. (لعل) هنا معناها التعليل، أما عملها فهي تنصب المبتدأ وترفع الخبر، وخبرها جملة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾، قال: (يتعظون بما فيه من المواعظ)، يعني بما في الكتاب - اللي هو التوراة - من المواعظ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، كلمة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ الضمير يعود على من أُنزلت عليهم التوراة، وهم بنو إسرائيل. قال الله تعالى لنبيه ﷺ: (﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِجَانِبِ﴾ الجبل أو الوادي أو المكان ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص ٤٤] من موسى حين المناجاة). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ (جانب) بمعنى جهة، جانب الشيء جهته أو طرفه. وقوله: ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ صفة لموصوف محذوف، ما هذا الموصوف؟ قال المؤلف: (الجبل أو الوادي أو المكان)، و(أو) هنا ليست للتخيير ولكنها للتمييز؛ لأن بعضهم يقول: المراد به الجبل، وبعضهم يقول: المراد به الوادي، وبعضهم يقول: المراد به المكان، وكلمة (المكان) أعم لأنها تشمل أن يكون واديًا أو جبلًا، وموسى كما تعلمون نزل من جانب الطور، وهو في الوادي المقدس، فالآية (...) والذي يضبط الوادي أو المكان أو الجبل هو كلمة (...).الجانب الغربي منه، يعني كأنه قال: بالجانب الغربي من الجبل، فيكون من باب إضافة الموصوف إلى صفته، مثلما يقال: (مسجد الجامع) أي: المسجد الجامع. على هذا التقدير الأخير يكون المراد الغربي من نفس الجانب، ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ أي: بالجانب الغربي من الجبل، أما على رأي المؤلف فهو يقول: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ بجانب المكان (الغربي) صفة لـ (جانب) من موسى وهو يكلم الله، وحينئذ نقول: موسى إذا كان وجهه إلى السماء والجانب الغربي منه؟ * طالب: (...). * الشيخ: على فرض الغرب، وإذا كان وجهه إلى الشرق، فالجانب الغربي منه يكون وراءه؛ لأن المتجه إلى الشرق يكون الجانب الغربي منه خلفه. وأنا الآن ما أتصور هل كان موسى بجانب الجبل من الشرق أو من الشمال. وعلى كل حال فـ(الغربي) نسبة، قد تكون مثلًا القصيم غربًا بالنسبة لمكان، وشرقًا بالنسبة لمكان آخر، بالنسبة لمكان المدينة تكون غربًا أو جنوبًا، وبالنسبة للكويت تكون غربًا. المهم أنك ما كنت بذلك الجانب (حين المناجاة ﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾ أوحينا إلى موسى الأمر بالرسالة إلى فرعون وقومه). ﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾، يقول المؤلف: (أوحينا)، وعلى هذا فالقضاء شرعي ولا كوني؟ * طالب: (...). * الشيخ: طيب يتعلق بالمشيئة، لكن المؤلف جعله شرعيًّا؛ لأن قضينا الأمر بالرسالة يعني: أمرناه به، فجعل الأمر هنا واحد الأوامر، وليس واحد الأمور، وإذا جعلناه واحد الأوامر صار هنا المراد بالقضاء: الشرعي. ويحتمل أن المراد بالأمر هنا واحد الأمور، أي: قضينا إليه ذلك الشأن العظيم وهو الرسالة، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى ٥٢]، فهذا الواحد واحد الأمور، وليس واحد الأوامر، وعلى هذا فيكون القضاء كونيًّا. والقضاء كما تعرفون ينقسم إلى قسمين: قضاء كوني، وقضاء شرعي. فالقضاء الكوني لا بد من وجود المقضي، والقضاء الشرعي قد يوجد وقد لا يوجد. والقضاء الكوني يكون محبوبًا إلى الله ويكون مكروهًا إليه، والقضاء الشرعي لا يكون إلا محبوبًا إليه؛ لأنه بمعنى الأمر. فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء ٤]، هذا قضاء كوني، يحبه الله ولا يكرهه؟ يكرهه. ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]، هذا قضاء شرعي؛ لأنه لو كان قضاءً كونيًّا للزم أن الناس كلهم يعبدون الله، وليس الأمر كذلك، وقضينا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذه الآية (...)، أما الاجتماع ما يمكن إلا في أمر وقع، مثلًا لو قلنا: قضى الله تعالى لأبي بكر أن يسلم، فهذا قضاء قدري شرعي؛ لأنه أمره بالإيمان فآمن، ونقول: قضى الله لأبي لهب أن يؤمن. * طالب: (...). * الشيخ: لا، قد يؤمن، هذا قضاء شرعي وليس كونيًّا، وقضى الله لأبي لهب أن يكفر هذا قضاء كوني، إي نعم. قال: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص ٤٤]، على رأي المؤلف: واحد الأوامر، ولهذا قال: (﴿الْأَمْرَ﴾ بالرسالة إلى فرعون وقومه)، أو نقول: إن الأمر واحد الأمور، وهو (...) الذي هو الرسالة إلى فرعون وقومه. وكلام المؤلف في الحقيقة محتمل، فيبقى الأمر بالرسالة (...) مراده: واحد الأمور، فيكون هذا (...) للرسالة. (﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص ٤٤] لذلك فتعلمه فتخبر به). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص ٤٦] ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ما فيها تكرار؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا تأتي من الله تعالى؛ لأن الأصل عدم التكرار. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، نقول: الآية ما فيها تكرار؛ لأن من كان بالجانب قد يرى وقد لا يرى، ولهذا قال: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. طيب، إذا قال قائل: لماذا لم يـقتصر على قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؟ قلنا: أيضًا نفس الشيء؛ لأن الإنسان قد يشاهد من بعد ولا يكون قريبًا، فهنا تضمن أنه قريب وأنه شاهد. ففرق بين أن نقول: (ما كنت شاهدًا) يعني: ما كنت حاضرًا أو مشاهدًا بعينك ولو كنت بعيدًا. ولهذا ليس في الآية الكريمة تكرار، ولكن فيها شيئًا من التوكيد، يعني: لا حضر ولا نظر، كما يقول هنا، فالنبي عليه الصلاة والسلام ما كان حاضرًا حتى يسمع ولا كان قريبًا حتى يشاهد. طيب، إذن فيكون ما أخبر به عن ذلك من باب الوحي، لا من باب المشاهدة ولا من باب السماع، ولكنه وحي أُوحي إليه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الوحي بالرسالة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، هذا على خلاف (...). * الطالب: (...). * الشيخ: كما سيأتي أيضًا (...). يقول: (﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٥] أممًا من بعد موسى). ﴿أَنْشَأْنَا﴾ أي: أوجدنا وخلقنا أممًا، ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص ٤٥]. (تطاول) أي: زاد في الطول، فالتاء والألف للمبالغة، وقوله: ﴿الْعُمُرُ﴾ المعنى: الزمن؛ لأن الأعمار هي الأزمان، قال: (أي: طالت أعمارهم فنسوا العهود واندرست العلوم وانقطع الوحي، فجئنا بك رسولًا وأوحينا إليك خبر موسى وغيره). قوله: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا﴾، الاستدراك هنا ما يقتضي إبطال ما سبق، يعني ليس المعنى: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٤، ٤٥] فشهدت، ولكن هذا الاستدراك لتفهيمنا، والمعنى أن العهود طالت وأنت لست بشاهد ولا بحاضر، ولما طالت العهود صار الناس محتاجين إلى الرسالة، فأوحينا إليك بما جرى وأرسلناك إلى الناس، والله أعلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا، يقال والله أعلم: إنه لما كان في الأرض الواحدة (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: كذلك (...)، وهؤلاء القوم ما داموا في أرض واحدة (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا الإلزام بعض العلماء يقول: إنه للنبي، أنه ما يلزم (...) بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [سبأ ٤٠]. (...) من عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣]، وهي أحد الكتب الثلاثة الباقي أثرها، وهي الإنجيل والقرآن. * ويستفاد منه: أن إتيان التوراة كان بعد إهلاك الأمم السابقة ومنهم فرعون، واستنبط منها بعض العلماء من قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣] أنه لم تهلك أمة على العموم بعد نزول التوراة؛ لأنه قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ﴾، وكأنه بعد نزول التوراة ما أهلك أحد من القرون، وهذا الاستنباط ليس ببعيد؛ لأن الواقع يصدقه. * طالب: (...) ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾؟ * الشيخ: لا، ما ذكرناها. * طالب: ذكرنا الفوائد هذه بالشرح. * الشيخ: إي نعم، ما (...). * ويستفاد من هذه الآية: أن الكتب النازلة من السماء، أنها أنوار للناس يهتدون بها؛ لقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: أن التمسك بشرائع الله تكون به الرحمة؛ لقوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الكتب النازلة من السماء هي التي بها الهدى من الضلالة؛ لقوله: ﴿وَهُدًى﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الحكمة من إنزال هذه الكتب تذكر الناس بما فيها من المواعظ؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. * ومِن فوائدها أيضًا: إثبات الحكمة في أفعال الله سبحانه وتعالى وكذلك في شرائعه؛ لأن (لعل) معناها التعليل، فيستفاد منها إثبات الحكمة في أفعال الله وشرائعه. من الذي أنكر الحكمة؟ هم الجهمية، يقولون: إن الله تعالى ليس له حكمة فيما يفعل وفيما يشرع، وإنما هو لمجرد مشيئة. قال: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص ٤٤]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: تقرير رسالة النبي ﷺ، وذلك بما أخبر به عن هذه الوقائع التي ليس حاضرًا فيها ولا شاهدًا. * ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: أن الوحي يسمى قضاءً؛ لقوله: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾. * ومِن فوائدها أيضًا: أن الوحي ذو شأن عظيم؛ لأن الله سماه الأمر بـ(أل) الدالة على العظمة والكمال. ولا ريب أن أعظم الأمور ما جاءت به الرسل من وحي الله سبحانه وتعالى، لما فيه من مصلحة البلاد والعباد. * ومنها أيضًا: أن الإنسان لا يقبل خبره إلا إذا كان حاضرًا يسمع أو شاهدًا يرى؛ لقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾، وقوله أيضًا: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، فإن الذي يمكن أن يخبر هو من حضر فسمع أو من قرب فشاهد. أما إنسان بيخبر بدون شهادة أو بدون شهود ولا حضور، فإنه لا يقبل خبره. وهذا أمر معلوم من الشرع من جهة أخرى من آيات أخرى وأدلة أخرى: أن الإنسان ما يشهد إلا بما علم برؤية أو سماع أو غيرهما من أسباب العلم. * * * ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص ٤٥]. قال: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾، نخلي الفائدة مع آخر الآية. (﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾ مقيمًا ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ )، والمراد بأهل مدين القوم الذين أتى إليهم موسى عليه الصلاة والسلام وجرى معه ما ذكر من استئجاره وتزويجه وسيره بأهله. فهل الرسول عليه الصلاة والسلام كان مقيمًا في أهل مدين حتى يخبر عما حصل منه؟ الجواب: لا. إذن فما جاء به من أخبار أهل مدين فإنه عن طريق الوحي. وقوله: ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾، (﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ خبر ثان)، وين الخبر الثاني؟ جملة ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾، يعني: وما كنت تتلو عليهم آياتنا (فتعرف قصتهم فتخبر بها). وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ الضمير ظاهر كلام المؤلف، وهو أيضًا ظاهر سياق الآية، أنه يعود إلى أهل مدين: ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ (فتعرف قصتهم وتخبر بها). وقال بعض العلماء، أي بعض المفسرين: إن الضمير يعود على قريش، يعني: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾، فـ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ القصة التي قصصتها بـ﴿آيَاتِنَا﴾، وهذا أقرب إلى المعنى، وإن كان الأول أقرب إلى اللفظ؛ لأن الضمير يعود على أقرب مذكور، لكنه ما يعود على أهل مدين إلا بتعسف شديد. فالصواب أنه يعود على قريش، يعني: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ فـ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ القصة التي جاءت بـ﴿آيَاتِنَا﴾. إذن فأنت رسول؛ لأنك أتيت بما لم تكن شاهدًا فيه، ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾. ولهذا قال: (﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص ٤٥] لك وإليك بأخبار المتقدمين). (﴿مُرْسِلِينَ﴾ لك) إلى الناس، (وإليك) بالوحي، فالرسول عليه الصلاة والسلام مرسل للناس ومرسل إليه. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. (كان) فعل ماض، وهي مسلوبة الزمن، والمقصود بها اتصاف اسمها بخبرها. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا﴾، هذه (نا) للجماعة، و(كنا) للجماعة، و﴿مُرْسِلِينَ﴾ جمع، مع أن الله تعالى واحد أحد، ولكن ذلك للتعظيم؛ لأن (نا) للمتكلم المعظم نفسه، أو للمتكلم ومعه غيره، وهي بجانب الله - بلا شك - للمتكلم المعظم نفسه. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾، ولم يقل: ولكن أرسلناك. كما قال في الآية التي قبلها: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٥]؛ لأن الرسالة ما زالت في الخلق منذ اختلفوا إلى آخر الرسل: محمد ﷺ. ومتى اختلفوا؟ اختلفوا بعد آدم، بعد أن مضت قرون إما عشرة أو أقل أو أكثر اختلف الناس، قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]، فتقول الآية: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فأنزل الله. * طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الجاثية ١٧]، أيش (...)؟ * الشيخ: اللي بالوحي، لكن المراد بهذا اختلاف بني إسرائيل، ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ هذا لبني إسرائيل، أما الأولى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ﴾، وفيها قراءة لكنها غير سبعية ﴿فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ﴾، وهذه القراءة يدل عليها قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. (﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ لك وإليك بأخبار المتقدمين)، والفائدة من ذكر أخبار المتقدمين للرسول ﷺ ليتلوها على الناس، الفائدة: تقرير أنه نبي؛ لأنه ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه، فإذن يكون ما أخبر به عمن سبق، يكون من باب الوحي المجرد. قال الله تعالى: (﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ الجبل ﴿إِذْ﴾ حين ﴿نَادَيْنَا﴾ [القصص ٤٦] موسى أن خذ الكتاب بقوة). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، هذا خبر آخر غير الخبر الأول الذي فيه ابتداء الوحي؛ لأن الله تعالى بعدما أهلك القرون الأولى وعد موسى ثلاثين ليلة وأتمها بعشر، واختار من اختار من قومه ثم ذهب إلى الله سبحانه وتعالى لمناجاته وإنزال التوراة عليه. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، (جانب) أي: جهة الطور، أو قُرب الطور، و الطور هو الجبل المعروف في سيناء. (﴿إِذْ﴾ حين ﴿نَادَيْنَا﴾ )، أفادنا المؤلف بأن (إذ) هنا ليست تعليلية ولكنها ظرفية، وهي ظرف لما مضى من الزمان، و(إذا) ظرف لما يُستقبل، و(إذن) ظرف للحاضر. فبهذا استكملت الظروف الثلاثة: (إذا) للمستقبل، و(إذ) للماضي، و(إذم) للحاضر. قال: (﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ موسى أن خذ الكتاب بقوة)، وهل الله قال له: خذ الكتاب بقوة؛ لموسى، ولَّا لبني إسرائيل حين رفع فوقهم الطور، قال: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف ١٧١]؟ فالظاهر أن المؤلف توهم في هذا، نعم. وخلنا نتأمل بعد في قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]، وأيش اللي قبلها؟ شوف في سورة الأعراف، أيش الآية؟ * طالب: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾. * الشيخ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]، إذن قول المؤلف: (أن خذ الكتاب بقوة) بالمعنى أتى بها، وإلا فالله يقول: ﴿فَخُذْهَا﴾ أي الألواح اللي فيها التوراة ﴿بِقُوَّةٍ﴾، يصير إذن أمر موسى أن يأخذها بقوة أن يأخذ الألواح بقوة. فعلى كل حال كلام المؤلف إذن صواب، بس إنه أتى به بالمعنى لا باللفظ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾، أي: خذ هذه الألواح ﴿بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]. يقول الله عز وجل: (﴿وَلَكِنْ﴾ أرسلناك ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّك﴾ [القصص ٤٦])، أخذنا أن قوله: ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول لأجله عاملها محذوف، والتقدير: أرسلناك رحمةً، وقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ ليس المعنى أنه هو الرحمة، ولكن المعنى أنه أُرسل للرحمة، ليرحم به، فالرحمة من الله سبحانه وتعالى، وأرسله الله رحمةً؛ كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧]، ليس المعنى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا﴾ حال كونك ﴿رَحْمَةً﴾، ولكن: إلا من أجل الرحمة، فبين المعنيين فرق. ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّك﴾، أضاف الربوبية إلى الرسول ﷺ على سبيل التخصيص والتشريف، وهذه هي الرحمة الخاصة، وهناك رحمة عامة. وفيها دليل - أي في قوله: ﴿مِنْ رَبِّك﴾ - على أن إرسال النبي ﷺ إلى الخلق ليرحموا به، أنه من الربوبية الخاصة؛ لأن من نعمة الله على العبد أن يلهمه هدًى ليهدي الناس به، فإن هذا في الحقيقة من أكبر النعم. فالنبي عليه الصلاة والسلام أوحي إليه ليرحم الخلق بما أوحي إليه، وهذا من مقتضى الربوبية الخاصة، ولهذا قال: ﴿مِنْ رَبِّك﴾، ولم يقل: (من ربهم)؛ ﴿مِنْ رَبِّك﴾ الذي رباك تربية خاصة. ﴿لِتُنْذِرَ﴾، اللام هنا حرف جر؟ * طالب: لام التعليل. * الشيخ: إي، ما هي حرف جر؛ لأنها داخلة على (أن) المقدرة، أي: (لأن تنذر)، ثم تحول إلى مصدر فيكون: (لإنذارك قومًا)، ولهذا على مذهب البصريين، تقول: اللام حرف جر، و(تنذر) فعل مضارع منصوب بـ(أن) مضمرةً جوازًا بعد اللام؛ على رأي الكوفيين، يقولون: إن اللام هي الناصبة، فيقولون: اللام لام (كي) وهي ناصبة. لكن البصريين أدق منهم في هذه الناحية، بل حقيقة الأمر أن اللام حرف جر، وأن (أن) هي الناصبة مقدرة. طيب، أين متعلق ﴿لِتُنْذِرَ﴾؟ متعلقها هذا المحذوف الذي قدره المؤلف: (أرسلناك). ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾، الإنذار هو الإعلام بما يُخاف، هذا الإنذار: الإعلام بما يخاف، والإعلام بما يُرغب ويش يُسمى؟ * طالب: بشارة. * الشيخ: بشارة أو تبشير. وقوله: ﴿قَوْمًا﴾ المراد بهم قريش، ولا يعني ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام مبعوث إليهم خاصة، ولكن لأن أول من أنذرهم كانت قريشًا، وإلا فقد بعث لهم ولغيرهم، قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ﴾ من قريش وغيرهم ﴿نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١]. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾. ﴿مَا﴾ نافية، و﴿أَتَاهُمْ﴾ بمعنى جاءهم، و﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد إعرابًا لا معنًى، و﴿نَذِيرٍ﴾ فاعل (أتى)، يعني: ما جاءهم نذير. وفائدة زيادة (مِن) التنصيص على العموم، في كل الأزمان الماضية ما أتاهم أحد ينذرهم قبل الرسول ﷺ. وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ﴾، جملة ﴿مَا أَتَاهُمْ﴾ في محل نصب صفة لأيش؟ * طالب: لـ﴿قَوْمًا﴾. * الشيخ: صفة لـ﴿قَوْمًا﴾. وقوله: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾، قال المؤلف: (وهم أهل مكة) هذا تفسير لـ﴿قَوْمًا﴾. إذا قال قائل: أليس إسماعيل رسولًا؟ * طالب: بلى. * الشيخ: طيب، إذن هو قد أتاهم قبل النبي ﷺ، أو لا؟ * طالب: المراد أولاده، وأولاده ما (...). * الشيخ: أو يقال: إنه لما طال العهد حتى انمحت صاروا محتاجين إلى نذير ولم يأتهم نذير، فمَا أتاهم من نذير بعد أن انقرضت معالم رسالة إسماعيل، وإلا فلا ريب أن إسماعيل مرسَل إليهم؛ لأنه نبي، ولكنه انقرضت، ولهذا كان من دعاء إسماعيل وإبراهيم أنهما قالا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة ١٢٩]، وأجمع المفسرون على أن المراد به محمد ﷺ، فمنذ إسماعيل إلى أن بُعث الرسول عليه الصلاة والسلام ما جاءهم نبي، وانقرضت معالم النبوة، وكان أول من غيَّرها عمرو بن لُحَيٍّ الخُزاعي، فإنه هو الذي أدخل عبادة الأصنام وأدخل السوائب على العرب حتى انمحت به الحقيقة[[أخرج ابن حبان (٧٤٩٠) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «عرضت علي النار فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، وكان أول من غير عهد إبراهيم وسيب السوائب...».]]. * طالب: ولا لهم علاقة (...)؟ * الشيخ: لا، ما لهم علاقة؛ لأن رسالة موسى وعيسى إلى قومهما، إلى بني إسرائيل. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٤٦]. (لعل) هذه للتعليل، وهي متعلقة بـ(تنذر)، تنذرهم لأجل أن يتذكروا، أي: (يتعظون) بما جئت به. وهذا التعليل سنذكر في الفوائد إن شاء الله ما هي فائدته. * طالب: خبر (ما) النافية؟ * الشيخ: ما هي خبر؛ لأنها ما دخلت على اسم. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، تُزاد في خبر (ما)، لكن هنا (ما) دخلت على جملة اسمية. * الطالب: القاعدة في الزيادة؟ * الشيخ: القاعدة لزيادة (من) أنها إذا حُذفت استقام الكلام بدونها. * الطالب: (...). * الشيخ: القاعدة أنك لو حذفتها هنا وقلت: (ما أتاهم نذير) صح، فهو دليل على زيادتها.

القصص 28:42

قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [القصص ٣٩]، ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ مِن الكبرياء وهي العظمة، والمعنى: أنه تَرقَّى وتعاظَم هو وجنوده، وزيادة الهمزة والسين والتاء للمبالغة وليست للاستدعاء؛ لأن الغالب أنَّ الهمزة والسين والتاء تكون للاستدعاء مثل: (استغفرَ له) يعني: طلب مغفِرَته، (استرحمه) طلب رحمتَه. لكن تأتي أحيانًا لِلمبالغة مثل: (استكبر) يعني: بالَغ في الكبرياء والعظمة. ﴿هُوَ وَجُنُودُهُ﴾، مَن جُنُودُه؟ الجُنْد في الأصل هم حاشية الإنسان وأنصاره، ويُطلق على كل مَن اتَّبعه فهو مِن جُنْدِه. وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾، متعلق بـ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾، و(أل) في (الأرض) للعهد الذهني، قال المؤلف: (أرض مصر) ليس الأرض كلها؛ لأنه لا سلطان له على بقية الأراضي، ولكن المراد أرض مصر، فعلى هذا تكون (أل) هنا لأي شيء؟ للعهد الذهني، لا للعموم. وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بيان للواقع؛ لأن الاستكبار كله مُخالفٌ للحق، ولكنه بيان للواقع زيادةً في تقبيحه، فالاستكبار قبيح، فإذا وُصف (...) صار أقبح وأقبح. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة ٦١]، ويمكن يكون قتل النبيين بحق؟ لا، كلُّ قتلِ النبيين بغير الحق، لكن ذَكَر ذلك للمبالغة في تقبيحه، وإلا في الواقع أنه ليس بحق. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، والحق في الأصل هو الشيء الثابت، فإذا أُضِيف إلى (...) فالمراد به الصدق، وإذا أضيف إلى الأحكام المراد به العدل؛ كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]. إذن انتفى عن هؤلاء باستكبارهم الحق من وجهين؛ حيث اتخذوا كذبًا وزورًا بما استكبروا به. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾. ﴿وَظَنُّوا﴾، هل المراد بالظن هنا الرجحان أو اليقين؟ * طالب: (...). * الشيخ: المتيقنين (...)؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما جحدوا (...)، فهل نقول: المراد به الرجحان، يعني ترجح عندهم أنهم راجعون، أو اليقين؟ كلاهما في الواقع يُنافي قولَه تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]؛ لأنَّ مَن استيقن الشيء هل يظُن خلافَه؟ أن يستيقن أن ما جاء به موسى حق، هل يستيقِن خلافَه أو يظن خلافَه أيضًا؟ لا؛ لأن من استيقن الشيء فقد آمن به، لكن يبدو لي أنَّ الظن هنا إمَّا بمعنى الدعوة، يعني ادَّعَوْا أنهم إلينا لا يُرْجَعُون، أو أن المُراد به.. وهو فعله هنا فعل الظان. وقوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٣٩] فيها قراءتان: ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ بالبناء للفاعل وللمفعول، بالبناء للفاعل كيف أنطق؟ ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ ، وبالبناء للمفعول: ﴿لَا يُرْجَعُونَ﴾، وأركان القراءة (...): وَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ∗∗∗ وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرْآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّــــــــــــــلَاثَةُالْأَرْكَـــــــــــانُ فهنا ﴿يَرْجِعُونَ﴾ (...) أو لا؟ يعني ما اختلفت إلا بالشكل فقط. ومعنى ﴿يَرْجِعُونَ﴾ أي: يعودون ويُردون إلى الله سبحانه وتعالى؛ إذ إن الكل سوف يرجع إلى الله، والإنسان راجع إلى الله في محياه ومماته، فهو بعد الموت يرجع إلى الله، وكذلك في الدنيا أمره راجع إلى الله، فهو الذي يدبره. ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾، الفاء عاطفة والمراد بها أيضًا السببية، أي: فبسبب استكباره هو وجنوده أخذناه ﴿وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ [القصص ٤٠]. شوف، مقابل الاستكبار ذكر الله تعالى عقوبتهم على وجه الاستهجان والتحقير: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾؛ إذ إن النبذ هو الطرح، الطرح يعني بقوة، والمطروح بقوة هل هو عظيم ولا حقير؟ بل هو حقير؛ لأن العظيم ما يمكن، ما تستطيع أن تنبذه نبذًا، فهو (...) عظيم ما تقدر، إنما ينبذ نبذًا من كان هينًا حقيرًا، ولهذا قال: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾. (هم) يعود على الجنود ولا على من؟ على فرعون والجنود، ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾، ولم يغنه هؤلاء الجنود شيئًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا شيء يقابله من قوة البشر. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ (طرحناهم). ﴿فِي الْيَمِّ﴾ [القصص ٤٠]، ﴿الْيَمِّ﴾ قال: (البحر المالح) احترازًا منين؟ من الأنهار؛ لأن الأنهار بحار، لكنها غير مالحة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر ١٢]، وقال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن ١٩]، فسمى الله تعالى الأنهار والبحار المالحة سماها بحارًا. وقوله: (البحر المالح) هذا بيان للواقع الذي وجد فيه فرعون وجنوده؛ لأنهم وجدوا في بحر القلزم أو القلزم، وهو البحر الأحمر الذي بين جُدة ومِصر، هذا الذي غرق فيه فرعون وقومه. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾، وانظر إلى الحكمة في أن الله سبحانه وتعالى أغرقهم إغراقًا في اليم؛ لأن فرعون كان يفتخر بأنهاره ويقول لقومه: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥١، ٥٢] فافتخر بالماء فأُغرق به. * طالب: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾. * الشيخ: نعم ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]، فأخرجه الله من ملك مصر وأهلكه بما كان يفخر به من الأنهار. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن البحر المالح بعيد عن ملك مصر (...). قال: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٤٠]، ﴿فَانْظُرْ﴾ الخطاب لمن؟ ﴿فَانْظُرْ﴾ يعني: يا محمد، أو: ﴿فَانْظُرْ﴾ أيها القارئ أو السامع؟ فالخطاب لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، ماذا تقول؟ * طالب: الأخير. * الشيخ: الأخير، أي: ﴿فَانْظُرْ﴾ يا من تسمع هذا الخطاب ويوجَّه إليك. والمراد بالنظر هنا نظر الاعتبار، وهو النظر بالقلب؛ لأن العاقبة ما هي تنظر بالعين، اللهم إلا إذا سار الإنسان في آثارهم، فقد ينظر بعينه وبقلبه. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿كَيْفَ﴾ هنا للاستفهام، والمراد به التعظيم، يعني لعظم العاقبة، لكن لا تعظيم الرفعة، بل تعظيم العقوبة والعياذ بالله. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ فهو تفخيم لها وتعظيم لعاقبة وخيمة سيئة للغاية، محلها من الإعراب ﴿كَيْفَ﴾؟ * طالب: اسم استفهام. * الشيخ: اسم استفهام مبني على الفتح في محل؟ * الطالب: نصب. * الشيخ: نصب نعم. * الطالب: مفعول (انظر). * الشيخ: مفعول (انظر)! ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ﴾، ما يصح أن تكون مفعول (انظر)؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، إذا جعلناها مفعول (انظر) ما صار لها صدر الكلام، صارت متأخرة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، (...) بمفعول (انظر)، لكن أنا أريد إعراب ﴿كَيْفَ﴾ فقط. * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: خبر. * الشيخ: خبر؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: ما هو بصحيح. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم خبرها مقدر، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾، فـ﴿كَيْفَ﴾ هنا اسم استفهام (...) خبر مقدم لـ﴿كَانَ﴾. وتقديم خبرها هنا واجب ولا جائز؟ * طالب: واجب. * الشيخ: واجب. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿عَاقِبَةُ﴾ بمعنى عقبى، وهي على صيغة اسم الفاعل، والمراد العقبى. و﴿الظَّالِمِينَ﴾ هم الذين نقصوا حقوق أنفسهم وحقوق ربهم؛ لأن الظلم في الأصل النقص، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣]، أي لم تنقص. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، المراد بالظالمين هنا الكافرون ولَّا لا؟ * طالب: الكافرون. * الشيخ: نعم الكافرون؛ لأنه يشير إلى ما جرى لفرعون وقومه، وهم ظالمون ظلم كفر؛ لأن الظلم ينقسم إلى قسمين: ظلم كفر، وظلم معصية دون الكفر. ففي قوله تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٧٩] (...) ظلم المعصية، المراد ظلم المعصية، وفي قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] المراد ظلم الكفر، وفي قوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧] شامل للأمرين الكفر وما دونه. (﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ حين صاروا إلى الهلاك). إلى الهلاك بأتفه الأمور، وهو الماء، وهذه من حكمة الله سبحانه وتعالى أن يأخذ كل إنسان بذنبه، كما قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] أي: بما يقتضيه ذنبه من العقوبة، عاد استكبروا في الأرض وتحدوا وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، وقوله: ﴿خَلَقَهُمْ﴾ ولم يقل: إن الله (...) بكونه أشد منهم؛ لأن الخالق بلا ريب أقوى من المخلوق. بماذا أخذوا؟ أخذوا بألطف الأشياء، وهي الريح، أرسل الله عليهم الريح ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة ٧]، كل أيام الدهر، أرسلت إليهم في كل أيام الدهر، لو شاء الله لأرسلها عليهم في ليلة واحدة ودمرتهم تدميرًا، لكن لحكمة أراد أن يتعذبوا أكثر، ما أخذتهم جميعًا؛ أخذت مثلًا (...) ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر ٢٠]، وهذا أشد عقوبة؛ لأنها لو جاءتهم مرة واحدة ودمرتهم ما تعذبوا؛ ماتوا وهلكوا وانتهى الأمر، لكن هذا أشد. طيب إذن هنا أغرقوا باليم؛ لأنهم والعياذ بالله (...). قال: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ في الدنيا ﴿أَئِمَّةً﴾ [القصص ٤١] بتحقيق الهمزتين) ﴿أَئِمَّةً﴾، (وإبدال الثانية ياءً)، كيف يقال؟ ﴿أَيِمَّةً﴾ ، والقراءة الثانية هنا سبعية. قال: (رؤساء في الكفر)؛ لأن الإمام هو القائد الذي يُتبع، فهو والعياذ بالله ذو أثر في الكفر، وليسوا رؤساء فقط؛ رؤساء متبوعون في الكفر. * طالب: (في الشرك). * الشيخ: (في الشرك)، نعم، رؤساء في الشرك، يعني متبوعين. الإمام هو المتبوع، المعنى أنهم كانوا قادة والعياذ بالله إلى الكفر والشرك. لكن هذا، يقول المؤلف: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ في الدنيا ﴿أَئِمَّةً﴾ ). لو أنه أخر (في الدنيا) لكان أحسن، وقال: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ في الدنيا ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١])؛ لأن حقيقة الأمر أن إمامتهم بالكفر متى؟ في الدنيا، إمامتهم كانت في الدنيا، فهم جعلوا في هذه الدنيا أئمة، يعني متبوعين يُقتدى بهم في الكفر، فكل من أتى بعدهم وكان كفره استكبارًا فإنه مقتدٍ بهم. وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، ليس إلى الإيمان، ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ بالقول أو بالفعل؟ بهما جميعًا، فهم قبل أن يهلكوا يدعون بالقول وبالفعل، وبعد أن هلكوا يدعون بالفعل؛ لأن من اقتدى الناس بفعله فهو في الحقيقة قد دعاهم إليه. وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، قطعًا ما يدعونهم بأن يقولوا: يا ناس ادخلوا إلى النار، لو كان يقولون: يا ناس ادخلوا النار ما أطاعوهم، لكن ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ يدعون إلى العمل الموصل إليها، وهو الشرك والكفر، وبئس ما كانوا أئمة فيه، وهو الدعوة إلى الكفر بالله تبارك وتعالى والإشراك به. طيب، وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. ﴿وَيَوْمَ﴾ هذا ظرف متعلق بـ﴿يُنْصَرُونَ﴾، يعني: وهم لا ينصرون يوم القيامة. في الدنيا أئمة متبوعون، لكن في الآخرة ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾، هم ما يستطيعون أن ينتصروا لأنفسهم، فلا يمكن أن يكونوا أئمة يُقتدى بهم. وقوله: ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ أي: لا يجدون من ينصرهم (بدفع العذاب عنهم)، ما أحد يدفع عنهم العذاب، لا هم ولا غيرهم أيضًا، حتى غيرهم ما يمكن أن يدفع عنهم العذاب. (﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ خزيًا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤١، ٤٢] المبعدين). ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ على فرعون وجنوده، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ﴾ يعني: جعلناها تتبعهم بعد إهلاكهم. واللعنة في الأصل: الطرد والإبعاد، وفسرها المؤلف بلازمها وهو الخزي، أي أنه كل من ذكرهم يلعنهم ويطردهم ويبتعد عنهم، ولكن لا منافاة بين ما هنا وبين قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١]؛ لأن الذي يأتم بهم هو الموافق لهم على كفرهم، أما من لم يهتم بهم فإنه يلعنهم. وقوله: ﴿لَعْنَةً﴾ من الله ولا من غيره؟ منه ومن غيره، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة ١٥٩]، فمن لعنه الله لعنه المؤمنون بالله، قال ابن مسعود رضي الله عنه في لعن النامصة والمتنمصة، قال: «وما لي لا أَلْعَنُ مَن لَعَنَهُ رسولُ اللهِ ﷺ»[[أخرجه البخاري (٥٩٤٣). ]]. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أيضًا ظرف متعلق؟ * طالب: بالنار. * الشيخ: بالنار؟! بمحذوف حال من (هم)، يعني: وهم حال كونهم يوم القيامة من المقبوحين، أو متعلق بالمقبوحين (...) ما تقدم لنا من أن (أل) اسم موصول، واسم الموصول لا يعمل ما بعده بما قبله، فإما أن تجرد (أل) من المصدرية، أو يأتي ذلك على سبيل التوسع؛ لأنهم يتوسعون في الجار المجرور والظرف ما لا يتوسعون في غيره. وقوله: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]، أتى بالجملة الاسمية الدالة على أنهم هم في ذلك الوقت لا يمكن أبدًا أن يستحسن ما فعلوه أو يقربوا، بل إنهم في ذلك الوقت من المقبوحين المبعدين الذين يفضحهم كل من ذكرهم، فلا يمكن لأحد أن يقربهم. إذن، عُوقب هؤلاء والعياذ بالله الذين كانوا يدعون إلى النار، عوقبوا بأمرين؛ بل بثلاثة أمور: الأمر الأول: أنهم إذا حل بهم العذاب يوم القيامة لن يجدوا من ينصرهم؛ لأنه قال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. الأمر الثاني: العار الذي لحقهم من اللعنة التي لحقتهم إلى يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ [القصص ٤٢]. الأمر الثالث: أنهم يوم القيامة لا يمكن أبدًا أن يكونوا من المحبوبين المقرَّبين، بل هم من المقبوحين المطرودين المبعَدين (...). * * * (﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣] التوراة)، وهي كتاب بمعنى مكتوب، والجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم، واللام الواقعة في جوابه، و(قد). وهنا قد يقول قائل: لماذا تؤكد بهذه المؤكدات الثلاثة مع أنها ليست مخاطبةً لمنكر لها؟ فالجواب: أننا سبق أن قلنا: إن التأكيد ليس سببه إنكار المخاطب فقط، بل قد يكون سببه أهمية المخبَر عنه، فيؤكد بالقسم وباللام و(قد) وغيرها من المؤكدات. (...) * يستفاد من هذه الآية: بيان حال فرعون وجنوده، وأنهم قوم مستكبرون عن الحق متعالون عليه. * ثانيًا: يستفاد منها أيضًا: أن من استكبر عن الحق ففيه شبه من فرعون وجنوده. * ومنها، أي مِن فوائد الآية: وجوب الرضوخ للحق، فالإنسان يجب عليه أن يرضخ للحق، سواء وافق هواه أم خالفه. * ومِنها: أن المستكبر ليس له حق في الاستكبار؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. * ومِنها أيضًا: أن هؤلاء المستكبرين يعملون عمل من لا يظن أنه يرجع إلى الله؛ لأن من ظن أنه يرجع إلى الله فلن يستكبر عنه؛ إذ إنه يخاف منه، لكن من يستكبر هو من ظن أنه لا يرجع إلى الله سبحانه وتعالى. * ومنها: إثبات البعث؛ لأن قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٣٩] إثبات الظن، فيقتضي أن الرجوع إلى الله أمر ثابت. * ويستفاد من قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾؛ يستفاد منه: أن الذنوب سبب للعقوبة؛ لأن الفاء (...) تفيد السببية. * ومنها: بيان عظمة الله سبحانه وتعالى؛ حيث أخذ هؤلاء العتاة بما لهم من القوة ونبذهم نبذًا كما ينبذ الإنسان نواة من (...)، نعم، وليس هذا تشبيهًا، لكن قصدي أنه لم يبال بهم ولم يعجزوا الله سبحانه وتعالى. * ومنها: حكمة الله سبحانه وتعالى؛ حيث كان إهلاك فرعون وقومه بالماء الذي كان يفتخر به بقوله: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]، فإن هذا الذي كان يفتخر به كان محل هلاكه. * ومنها: أن فرعون قد هلك فيمن هلك؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس ٩٢] ليس معناه أنه حي باقٍ، وإنما الذي أُنجي وظهر للناس هو بدنه فقط؛ ليكون لمن خلفه آية؛ لأن بني إسرائيل -كما قال أهل العلم- قد أرعبهم فرعون، فلولا أنهم خرجوا حتى شاهدوه ببدنه لكان عندهم نوع من القلق: هل هلك أو ما هلك، فإذا شاهدوه تيقنوا وزال عنهم القلق. فإذن هو هالك فيمن هلك؛ لقوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾. * ومِنها، أي مِن فوائد الآية: أنه يُطلب من المرء -إما وجوبًا أو استحبابًا- أن يتأمل في عاقبة الظالمين: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، فيتفرع على هذه الآية أنه ينبغي لنا أن نتعظ بعاقبة هؤلاء فلا نظلم مثلهم؛ لأنه ما دام عاقبة الظالم الهلاك فإن الإنسان يخشى أن يهلك إذا ظلم. * ومنها: أن الظلم محرم؛ لأنه سبب للعقوبة، وما كان سببًا للعقوبة فإنه محرم، وسواء كان الظلم للنفس أو للغير فإنه محرم بجميع أنواعه، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر رضي الله عنه. ]]. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. * يستفاد من هذه الآية: حكمة الله سبحانه وتعالى في مثل فرعون وقومه، في أن لإيجادهم حكمة؛ لأن الله قادر على أن يجعل المرء على الهدى، لكنه سبحانه وتعالى له الحكمة في أن يوجد مثل هؤلاء القوم الذين يدعون إلى النار. * ويستفاد مِنها أيضًا: حكمة الله تعالى فيمن خلق من أمر الله، وأنهم بلاء وفتنة. * ومنها: إثبات الإمامة في الشر كما هي ثابتة في الخير، فانظر إلى هذه في آل فرعون، وانظر إلى هذه في بني إسرائيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤]، ففرق بين من يقود الناس بأمر الله، من يقودونهم بشريعته، وبين من يدعون إلى النار. * ومن فوائدها أيضًا: أن الدعاء إلى النار وإلى الخير أيضًا كما يكون بالقول يكون بالفعل، يكون بالقول ويكون بالفعل، وأيهما أقوى؟ قد يكون الدعاء بالقول أقوى وقد يكون الدعاء بالفعل أقوى، نعم، إنما على كل حال الدعاء بهذا وبهذا ثابت، فإن الإنسان يدعو الناس بمقاله وبحاله. * ومنها: إثبات يوم القيامة في قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾، وسُمي (يوم القيامة) لأمور ثلاثة: أنه يقوم الناس فيه من قبورهم إلى رب العالمين، وأنه يُقام فيه العدل كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧]، وأنه يقوم فيه الأشهاد: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]. فلهذا سُمي يوم القيامة، لماذا سمي يوم القيامة؟ * طالب: (...). * الشيخ: ذكرنا الآن ثلاثة أسباب الآن. * الطالب: (...). * الشيخ: ما (...)، لا تعتمد على (...) كان ربما يأتي مسائل تشكل عليه. * ومنها أيضًا، يستفاد من الآية الكريمة: أن آل فرعون لا ناصر لهم في الآخرة، ومثلهم من كان على شاكلتهم من المستكبرين عن الحق، فإنهم لا يجدون من ينصرهم من عذاب الله إذا نزل بهم في ذلك اليوم. ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]. * يُستفاد مِن هذه الآية: أن عقوبة آل فرعون كانت ممتدة إلى يوم القيامة بالذكرى السيئة لهم، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾؛ فإن كل من ذكر آل فرعون يذكرهم بالسوء والبغض والكراهية. * ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: تحقير الدنيا؛ فإن قوله: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ إشارة للقريب؛ لدنو مرتبته وأنها دنيا، والدُّنيا: مؤنث أدنى، وهي من الدنو الحسي والمعنوي؛ أما الدنو الحسي: فلسبقها على الآخرة، فهي أدنى إلى المخلوقين من الآخرة، وأما الدنو المعنوي: فلما تتضمنه من النقص في جميع كمالاتها، فما من كمال في الدنيا إلا وهو ناقص، والآن لو تأملت جميع المضار والمنافع الدنيوية تجدها مشوبةً بالضرر والخطر، حتى الزمان كما قال الشاعر: فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ لو تأملت هذا لوجدته دائمًا، نعم، وعلى هذا نقول: الدنيا نُسبت لذلك لأمرين: الدنو الحسي والمعنوي، الدنو الحسي: قربها، لسبقها على الآخرة، والدنو المعنوي أنه ما فيها شيء (...) إلا وهو مشوب بنقص. * ومِن فوائد الآية: أن اللعنة - والعياذ بالله - التي وزعت (...) تكون عليهم في الآخرة؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]؛ لأن المقبح معناه المبعد المقبوح، واللعن هو الطرد والإبعاد. * * * قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣]. ﴿آتَيْنَا﴾ بمعنى أعطينا واعلم أن إيتاء الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين: إيتاء شرعي وإيتاء قدري، فما تعلق بالكون والخلق فهو إيتاء قدري، وما تعلق بالشرع فهو إيتاء شرعي. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة ٥٩]، هذا إيتاء شرعي، والمراد به قسم الصدقات أو الفيء. ومثل ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ شرعي ولا قدري؟ * طالب: (...). * الشيخ: أو قدري، إي؛ لأن الإنزال -إنزال القرآن- من الأمور التي تتعلق بمشيئة الله، لا بشرعه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: العمل بالكتاب شرعي. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يكون؛ لأن أصل الإنزال قدري يتعلق بمشيئة الله وقدره، لكن العمل به شرعي. وقوله: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾، (موسى) مفعول أول لـ(آتينا)، و(الكتاب) مفعول ثان، وهي من باب (ظن). * طالب: (...)؟ * الشيخ: من باب (كسا)؛ لأنه إذا لم يكن الأول مبتدأ والثاني خبرًا، فهو من باب (...)، لو قلت: (موسى الكتابُ) يصلح؟ ما يصلح، فكل مفعولين لا يصح أن يكون أحدهما مبتدأ والثاني خبرًا فهما من باب (كسا)، وما صح أن يكون مبتدأ وخبرًا فهما من باب (ظن). وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾، يقول: (التوراة)، وهو (فعال) بمعنى (مفعول)؛ لأن التوراة مكتوبة، فإن الله تعالى كتبها بألواح وأعطاها موسى. وقال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣]، متعلق بـ﴿آتَيْنَا﴾. يعني: أعطيناه إياه من بعد ما أهلكنا القرون الأولى. القرون: جمع قرن، والمراد بهم الأمم، وقد يُراد به الفترة من الزمن، ومقدارها مئة سنة. فالقرون تارةً يراد بها الأمم، وتارة يراد بها أحقاب الزمن. وهنا المراد أحقاب الزمن ولا الأمم؟ الأمم؛ لأن أحقاب الزمن ما تهلك، الذي يهلك الأمم. (﴿أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم). (قوم نوح). * طالب: (...). * الشيخ: عندي هنا (وعاد)، عندكم (وعادًا) ولا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما فيها شك (...)، هو الوجه أن يقال: (قوم نوح وعادًا وثمود)، أما (ثمود) فلا تنصرف، لكن الكلام على (عاد) (...) تفسير للقرون. طيب، هم: (قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم). هؤلاء هم القرون الأولى، وإنما قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾، إشارةً إلى أن الناس كانوا في حاجة إلى مثل هذا الكتاب الذي نزل على موسى؛ لأن القرون أهلكت وتطاول الزمن، فاحتاج الناس إلى رسالة، فأرسل الله تعالى موسى بهذا الكتاب الذي هو التوراة. وقيل: إن القرون الأولى تشمل حتى آل فرعون؛ لأن التوراة ما نزلت على موسى إلا بعد أن أهلك الله قرن فرعون وقومه، وأنه يشمل حتى هؤلاء، حتى إن بعض العلماء استنبط منها أنه لم تهلك أمة بعد نزول التوراة، يعني (...) وأن هذا من فوائد قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣]؛ لأن إهلاك الأمم السابقة مضى وانقضى، ولا إهلاك بعد نزول التوراة. وفي الحقيقة أن من تأمل التاريخ وجد أنه لم تهلك أمة بعد نزول التوراة، ما هلكت أمة، لكن هل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ يشير إلى هذا؟ هذا هو محل النظر والمناقشة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما حصل هلاك عام، (...)، أما أنه هلاك عام ما حصل، فالمهم هذه (...). قال: (﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص ٤٣] حال من الكتاب). وين (الكتاب)؟ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ﴿بَصَائِرَ﴾، و﴿بَصَائِرَ﴾ (جمع بصيرة وهي نور القلب) كما أن (بصر، وأبصار) نور العين، فنور القلب يسمى بصيرة وبصائر، ونور العين يسمى بصر وأبصارَا ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٦]. وقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾، (أل) هنا للعهد الذهني، وليست للعموم؛ لأن التوراة لم تنزل إلا لمن؟ لقوم موسى فقط، كما قال النبي ﷺ: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨) ومسلم (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]] خذوا بالكم من هذا. طيب، وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، هل يخرج الجن؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، من حيث التكليف والإلزام يخرج الجن، فإنه لم يكلف أحد برسالة أحد من الرسل من الجن، لكن من حيث العمل يمكن أن يستبصر بها الجن، كما قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف ٣٠]، فإن الظاهر أنهم كانوا انتفعوا بما أنزل على موسى كما انتفعوا بالقرآن. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يجب عليهم؛ لأنه الرسول يقول: «يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ» » والجن ليسوا منهم. وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، أنا ذكرت أن (أل) هنا للعهد الذهني، طيب. قال: (جمع بصيرة، وهي نور القلب، أي: أنوارًا للقلوب)، وهكذا جميع الكتب التي ينزلها الله عز وجل تكون أنوارًا للقلوب؛ لأنه يكون بها الاقتداء، ولهذا قال: (﴿وَهُدًى﴾ من الضلالة لمن عمل بها). تقييد المؤلف (لمن عمل بها) غير وجيه، والأولى إبقاء الآية على ظاهرها، أن التوراة هدًى، لكن هذا الهدى ما ينتفع به إلا من وُفق، فهي هدًى من الضلالة بلا شك، لكن هل ينتفع بها ويهتدي بها كل أحد؟ لا، كما قال الله تعالى في القرآن: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة ١٨٥]، وقال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢]، ففي الأول هدى دلالة، وفي الثاني هدى توفيق. التوراة، إذا قلنا: هدًى لمن عمل بها قيدنا الآية بهدى التوفيق مع أنها مطلقة، ولهذا الأولى أن نقول: هدًى من الضلالة في كل أمر، كما قال: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾، نقول: وهدًى أيضًا للناس، ولكن الهدى الذي بمعنى الدلالة عام، والهدى الذي بمعنى الاهتداء -يعني يهتدي بها الإنسان- هذا خاص لمن وُفق له. (﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ لمن آمن به). هذه نعم، (...) أن المقام يقتضي التخصيص، أنه رحمة، لكن لا لكل أحد، إلا أن يقال: رحمة أي وسيلة للرحمة، فإذا قلنا: إن (رحمة) أي وسيلة صار عامًّا. نقول: هدًى باعتبار العلم، ورحمة باعتبار العمل؛ لأن من عمل به فهو مرحوم. وأما الهدى فهو باعتبار العلم، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣]، فالهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، أي ما تكون رحمة لغيره، هي هدى، الهدى نعم هدًى لكل أحد. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو بالظاهر، الظاهر أنها لو قُيدت تقييدًا مثلما قال المؤلف؛ لأنه ما يرحم بها إلا من عمل بها، ما يرحم بها إلا من عمل فقط. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٤٣]. (لعل) هنا معناها التعليل، أما عملها فهي تنصب المبتدأ وترفع الخبر، وخبرها جملة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾، قال: (يتعظون بما فيه من المواعظ)، يعني بما في الكتاب - اللي هو التوراة - من المواعظ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، كلمة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ الضمير يعود على من أُنزلت عليهم التوراة، وهم بنو إسرائيل. قال الله تعالى لنبيه ﷺ: (﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِجَانِبِ﴾ الجبل أو الوادي أو المكان ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص ٤٤] من موسى حين المناجاة). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ (جانب) بمعنى جهة، جانب الشيء جهته أو طرفه. وقوله: ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ صفة لموصوف محذوف، ما هذا الموصوف؟ قال المؤلف: (الجبل أو الوادي أو المكان)، و(أو) هنا ليست للتخيير ولكنها للتمييز؛ لأن بعضهم يقول: المراد به الجبل، وبعضهم يقول: المراد به الوادي، وبعضهم يقول: المراد به المكان، وكلمة (المكان) أعم لأنها تشمل أن يكون واديًا أو جبلًا، وموسى كما تعلمون نزل من جانب الطور، وهو في الوادي المقدس، فالآية (...) والذي يضبط الوادي أو المكان أو الجبل هو كلمة (...).الجانب الغربي منه، يعني كأنه قال: بالجانب الغربي من الجبل، فيكون من باب إضافة الموصوف إلى صفته، مثلما يقال: (مسجد الجامع) أي: المسجد الجامع. على هذا التقدير الأخير يكون المراد الغربي من نفس الجانب، ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ أي: بالجانب الغربي من الجبل، أما على رأي المؤلف فهو يقول: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ بجانب المكان (الغربي) صفة لـ (جانب) من موسى وهو يكلم الله، وحينئذ نقول: موسى إذا كان وجهه إلى السماء والجانب الغربي منه؟ * طالب: (...). * الشيخ: على فرض الغرب، وإذا كان وجهه إلى الشرق، فالجانب الغربي منه يكون وراءه؛ لأن المتجه إلى الشرق يكون الجانب الغربي منه خلفه. وأنا الآن ما أتصور هل كان موسى بجانب الجبل من الشرق أو من الشمال. وعلى كل حال فـ(الغربي) نسبة، قد تكون مثلًا القصيم غربًا بالنسبة لمكان، وشرقًا بالنسبة لمكان آخر، بالنسبة لمكان المدينة تكون غربًا أو جنوبًا، وبالنسبة للكويت تكون غربًا. المهم أنك ما كنت بذلك الجانب (حين المناجاة ﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾ أوحينا إلى موسى الأمر بالرسالة إلى فرعون وقومه). ﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾، يقول المؤلف: (أوحينا)، وعلى هذا فالقضاء شرعي ولا كوني؟ * طالب: (...). * الشيخ: طيب يتعلق بالمشيئة، لكن المؤلف جعله شرعيًّا؛ لأن قضينا الأمر بالرسالة يعني: أمرناه به، فجعل الأمر هنا واحد الأوامر، وليس واحد الأمور، وإذا جعلناه واحد الأوامر صار هنا المراد بالقضاء: الشرعي. ويحتمل أن المراد بالأمر هنا واحد الأمور، أي: قضينا إليه ذلك الشأن العظيم وهو الرسالة، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى ٥٢]، فهذا الواحد واحد الأمور، وليس واحد الأوامر، وعلى هذا فيكون القضاء كونيًّا. والقضاء كما تعرفون ينقسم إلى قسمين: قضاء كوني، وقضاء شرعي. فالقضاء الكوني لا بد من وجود المقضي، والقضاء الشرعي قد يوجد وقد لا يوجد. والقضاء الكوني يكون محبوبًا إلى الله ويكون مكروهًا إليه، والقضاء الشرعي لا يكون إلا محبوبًا إليه؛ لأنه بمعنى الأمر. فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء ٤]، هذا قضاء كوني، يحبه الله ولا يكرهه؟ يكرهه. ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]، هذا قضاء شرعي؛ لأنه لو كان قضاءً كونيًّا للزم أن الناس كلهم يعبدون الله، وليس الأمر كذلك، وقضينا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذه الآية (...)، أما الاجتماع ما يمكن إلا في أمر وقع، مثلًا لو قلنا: قضى الله تعالى لأبي بكر أن يسلم، فهذا قضاء قدري شرعي؛ لأنه أمره بالإيمان فآمن، ونقول: قضى الله لأبي لهب أن يؤمن. * طالب: (...). * الشيخ: لا، قد يؤمن، هذا قضاء شرعي وليس كونيًّا، وقضى الله لأبي لهب أن يكفر هذا قضاء كوني، إي نعم. قال: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص ٤٤]، على رأي المؤلف: واحد الأوامر، ولهذا قال: (﴿الْأَمْرَ﴾ بالرسالة إلى فرعون وقومه)، أو نقول: إن الأمر واحد الأمور، وهو (...) الذي هو الرسالة إلى فرعون وقومه. وكلام المؤلف في الحقيقة محتمل، فيبقى الأمر بالرسالة (...) مراده: واحد الأمور، فيكون هذا (...) للرسالة. (﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص ٤٤] لذلك فتعلمه فتخبر به). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص ٤٦] ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ما فيها تكرار؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا تأتي من الله تعالى؛ لأن الأصل عدم التكرار. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، نقول: الآية ما فيها تكرار؛ لأن من كان بالجانب قد يرى وقد لا يرى، ولهذا قال: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. طيب، إذا قال قائل: لماذا لم يـقتصر على قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؟ قلنا: أيضًا نفس الشيء؛ لأن الإنسان قد يشاهد من بعد ولا يكون قريبًا، فهنا تضمن أنه قريب وأنه شاهد. ففرق بين أن نقول: (ما كنت شاهدًا) يعني: ما كنت حاضرًا أو مشاهدًا بعينك ولو كنت بعيدًا. ولهذا ليس في الآية الكريمة تكرار، ولكن فيها شيئًا من التوكيد، يعني: لا حضر ولا نظر، كما يقول هنا، فالنبي عليه الصلاة والسلام ما كان حاضرًا حتى يسمع ولا كان قريبًا حتى يشاهد. طيب، إذن فيكون ما أخبر به عن ذلك من باب الوحي، لا من باب المشاهدة ولا من باب السماع، ولكنه وحي أُوحي إليه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الوحي بالرسالة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، هذا على خلاف (...). * الطالب: (...). * الشيخ: كما سيأتي أيضًا (...). يقول: (﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٥] أممًا من بعد موسى). ﴿أَنْشَأْنَا﴾ أي: أوجدنا وخلقنا أممًا، ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص ٤٥]. (تطاول) أي: زاد في الطول، فالتاء والألف للمبالغة، وقوله: ﴿الْعُمُرُ﴾ المعنى: الزمن؛ لأن الأعمار هي الأزمان، قال: (أي: طالت أعمارهم فنسوا العهود واندرست العلوم وانقطع الوحي، فجئنا بك رسولًا وأوحينا إليك خبر موسى وغيره). قوله: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا﴾، الاستدراك هنا ما يقتضي إبطال ما سبق، يعني ليس المعنى: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٤، ٤٥] فشهدت، ولكن هذا الاستدراك لتفهيمنا، والمعنى أن العهود طالت وأنت لست بشاهد ولا بحاضر، ولما طالت العهود صار الناس محتاجين إلى الرسالة، فأوحينا إليك بما جرى وأرسلناك إلى الناس، والله أعلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا، يقال والله أعلم: إنه لما كان في الأرض الواحدة (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: كذلك (...)، وهؤلاء القوم ما داموا في أرض واحدة (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا الإلزام بعض العلماء يقول: إنه للنبي، أنه ما يلزم (...) بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [سبأ ٤٠]. (...) من عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣]، وهي أحد الكتب الثلاثة الباقي أثرها، وهي الإنجيل والقرآن. * ويستفاد منه: أن إتيان التوراة كان بعد إهلاك الأمم السابقة ومنهم فرعون، واستنبط منها بعض العلماء من قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣] أنه لم تهلك أمة على العموم بعد نزول التوراة؛ لأنه قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ﴾، وكأنه بعد نزول التوراة ما أهلك أحد من القرون، وهذا الاستنباط ليس ببعيد؛ لأن الواقع يصدقه. * طالب: (...) ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾؟ * الشيخ: لا، ما ذكرناها. * طالب: ذكرنا الفوائد هذه بالشرح. * الشيخ: إي نعم، ما (...). * ويستفاد من هذه الآية: أن الكتب النازلة من السماء، أنها أنوار للناس يهتدون بها؛ لقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: أن التمسك بشرائع الله تكون به الرحمة؛ لقوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الكتب النازلة من السماء هي التي بها الهدى من الضلالة؛ لقوله: ﴿وَهُدًى﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الحكمة من إنزال هذه الكتب تذكر الناس بما فيها من المواعظ؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. * ومِن فوائدها أيضًا: إثبات الحكمة في أفعال الله سبحانه وتعالى وكذلك في شرائعه؛ لأن (لعل) معناها التعليل، فيستفاد منها إثبات الحكمة في أفعال الله وشرائعه. من الذي أنكر الحكمة؟ هم الجهمية، يقولون: إن الله تعالى ليس له حكمة فيما يفعل وفيما يشرع، وإنما هو لمجرد مشيئة. قال: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص ٤٤]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: تقرير رسالة النبي ﷺ، وذلك بما أخبر به عن هذه الوقائع التي ليس حاضرًا فيها ولا شاهدًا. * ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: أن الوحي يسمى قضاءً؛ لقوله: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾. * ومِن فوائدها أيضًا: أن الوحي ذو شأن عظيم؛ لأن الله سماه الأمر بـ(أل) الدالة على العظمة والكمال. ولا ريب أن أعظم الأمور ما جاءت به الرسل من وحي الله سبحانه وتعالى، لما فيه من مصلحة البلاد والعباد. * ومنها أيضًا: أن الإنسان لا يقبل خبره إلا إذا كان حاضرًا يسمع أو شاهدًا يرى؛ لقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾، وقوله أيضًا: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، فإن الذي يمكن أن يخبر هو من حضر فسمع أو من قرب فشاهد. أما إنسان بيخبر بدون شهادة أو بدون شهود ولا حضور، فإنه لا يقبل خبره. وهذا أمر معلوم من الشرع من جهة أخرى من آيات أخرى وأدلة أخرى: أن الإنسان ما يشهد إلا بما علم برؤية أو سماع أو غيرهما من أسباب العلم. * * * ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص ٤٥]. قال: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾، نخلي الفائدة مع آخر الآية. (﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾ مقيمًا ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ )، والمراد بأهل مدين القوم الذين أتى إليهم موسى عليه الصلاة والسلام وجرى معه ما ذكر من استئجاره وتزويجه وسيره بأهله. فهل الرسول عليه الصلاة والسلام كان مقيمًا في أهل مدين حتى يخبر عما حصل منه؟ الجواب: لا. إذن فما جاء به من أخبار أهل مدين فإنه عن طريق الوحي. وقوله: ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾، (﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ خبر ثان)، وين الخبر الثاني؟ جملة ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾، يعني: وما كنت تتلو عليهم آياتنا (فتعرف قصتهم فتخبر بها). وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ الضمير ظاهر كلام المؤلف، وهو أيضًا ظاهر سياق الآية، أنه يعود إلى أهل مدين: ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ (فتعرف قصتهم وتخبر بها). وقال بعض العلماء، أي بعض المفسرين: إن الضمير يعود على قريش، يعني: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾، فـ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ القصة التي قصصتها بـ﴿آيَاتِنَا﴾، وهذا أقرب إلى المعنى، وإن كان الأول أقرب إلى اللفظ؛ لأن الضمير يعود على أقرب مذكور، لكنه ما يعود على أهل مدين إلا بتعسف شديد. فالصواب أنه يعود على قريش، يعني: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ فـ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ القصة التي جاءت بـ﴿آيَاتِنَا﴾. إذن فأنت رسول؛ لأنك أتيت بما لم تكن شاهدًا فيه، ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾. ولهذا قال: (﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص ٤٥] لك وإليك بأخبار المتقدمين). (﴿مُرْسِلِينَ﴾ لك) إلى الناس، (وإليك) بالوحي، فالرسول عليه الصلاة والسلام مرسل للناس ومرسل إليه. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. (كان) فعل ماض، وهي مسلوبة الزمن، والمقصود بها اتصاف اسمها بخبرها. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا﴾، هذه (نا) للجماعة، و(كنا) للجماعة، و﴿مُرْسِلِينَ﴾ جمع، مع أن الله تعالى واحد أحد، ولكن ذلك للتعظيم؛ لأن (نا) للمتكلم المعظم نفسه، أو للمتكلم ومعه غيره، وهي بجانب الله - بلا شك - للمتكلم المعظم نفسه. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾، ولم يقل: ولكن أرسلناك. كما قال في الآية التي قبلها: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٥]؛ لأن الرسالة ما زالت في الخلق منذ اختلفوا إلى آخر الرسل: محمد ﷺ. ومتى اختلفوا؟ اختلفوا بعد آدم، بعد أن مضت قرون إما عشرة أو أقل أو أكثر اختلف الناس، قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]، فتقول الآية: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فأنزل الله. * طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الجاثية ١٧]، أيش (...)؟ * الشيخ: اللي بالوحي، لكن المراد بهذا اختلاف بني إسرائيل، ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ هذا لبني إسرائيل، أما الأولى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ﴾، وفيها قراءة لكنها غير سبعية ﴿فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ﴾، وهذه القراءة يدل عليها قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. (﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ لك وإليك بأخبار المتقدمين)، والفائدة من ذكر أخبار المتقدمين للرسول ﷺ ليتلوها على الناس، الفائدة: تقرير أنه نبي؛ لأنه ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه، فإذن يكون ما أخبر به عمن سبق، يكون من باب الوحي المجرد. قال الله تعالى: (﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ الجبل ﴿إِذْ﴾ حين ﴿نَادَيْنَا﴾ [القصص ٤٦] موسى أن خذ الكتاب بقوة). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، هذا خبر آخر غير الخبر الأول الذي فيه ابتداء الوحي؛ لأن الله تعالى بعدما أهلك القرون الأولى وعد موسى ثلاثين ليلة وأتمها بعشر، واختار من اختار من قومه ثم ذهب إلى الله سبحانه وتعالى لمناجاته وإنزال التوراة عليه. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، (جانب) أي: جهة الطور، أو قُرب الطور، و الطور هو الجبل المعروف في سيناء. (﴿إِذْ﴾ حين ﴿نَادَيْنَا﴾ )، أفادنا المؤلف بأن (إذ) هنا ليست تعليلية ولكنها ظرفية، وهي ظرف لما مضى من الزمان، و(إذا) ظرف لما يُستقبل، و(إذن) ظرف للحاضر. فبهذا استكملت الظروف الثلاثة: (إذا) للمستقبل، و(إذ) للماضي، و(إذم) للحاضر. قال: (﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ موسى أن خذ الكتاب بقوة)، وهل الله قال له: خذ الكتاب بقوة؛ لموسى، ولَّا لبني إسرائيل حين رفع فوقهم الطور، قال: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف ١٧١]؟ فالظاهر أن المؤلف توهم في هذا، نعم. وخلنا نتأمل بعد في قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]، وأيش اللي قبلها؟ شوف في سورة الأعراف، أيش الآية؟ * طالب: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾. * الشيخ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]، إذن قول المؤلف: (أن خذ الكتاب بقوة) بالمعنى أتى بها، وإلا فالله يقول: ﴿فَخُذْهَا﴾ أي الألواح اللي فيها التوراة ﴿بِقُوَّةٍ﴾، يصير إذن أمر موسى أن يأخذها بقوة أن يأخذ الألواح بقوة. فعلى كل حال كلام المؤلف إذن صواب، بس إنه أتى به بالمعنى لا باللفظ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾، أي: خذ هذه الألواح ﴿بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]. يقول الله عز وجل: (﴿وَلَكِنْ﴾ أرسلناك ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّك﴾ [القصص ٤٦])، أخذنا أن قوله: ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول لأجله عاملها محذوف، والتقدير: أرسلناك رحمةً، وقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ ليس المعنى أنه هو الرحمة، ولكن المعنى أنه أُرسل للرحمة، ليرحم به، فالرحمة من الله سبحانه وتعالى، وأرسله الله رحمةً؛ كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧]، ليس المعنى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا﴾ حال كونك ﴿رَحْمَةً﴾، ولكن: إلا من أجل الرحمة، فبين المعنيين فرق. ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّك﴾، أضاف الربوبية إلى الرسول ﷺ على سبيل التخصيص والتشريف، وهذه هي الرحمة الخاصة، وهناك رحمة عامة. وفيها دليل - أي في قوله: ﴿مِنْ رَبِّك﴾ - على أن إرسال النبي ﷺ إلى الخلق ليرحموا به، أنه من الربوبية الخاصة؛ لأن من نعمة الله على العبد أن يلهمه هدًى ليهدي الناس به، فإن هذا في الحقيقة من أكبر النعم. فالنبي عليه الصلاة والسلام أوحي إليه ليرحم الخلق بما أوحي إليه، وهذا من مقتضى الربوبية الخاصة، ولهذا قال: ﴿مِنْ رَبِّك﴾، ولم يقل: (من ربهم)؛ ﴿مِنْ رَبِّك﴾ الذي رباك تربية خاصة. ﴿لِتُنْذِرَ﴾، اللام هنا حرف جر؟ * طالب: لام التعليل. * الشيخ: إي، ما هي حرف جر؛ لأنها داخلة على (أن) المقدرة، أي: (لأن تنذر)، ثم تحول إلى مصدر فيكون: (لإنذارك قومًا)، ولهذا على مذهب البصريين، تقول: اللام حرف جر، و(تنذر) فعل مضارع منصوب بـ(أن) مضمرةً جوازًا بعد اللام؛ على رأي الكوفيين، يقولون: إن اللام هي الناصبة، فيقولون: اللام لام (كي) وهي ناصبة. لكن البصريين أدق منهم في هذه الناحية، بل حقيقة الأمر أن اللام حرف جر، وأن (أن) هي الناصبة مقدرة. طيب، أين متعلق ﴿لِتُنْذِرَ﴾؟ متعلقها هذا المحذوف الذي قدره المؤلف: (أرسلناك). ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾، الإنذار هو الإعلام بما يُخاف، هذا الإنذار: الإعلام بما يخاف، والإعلام بما يُرغب ويش يُسمى؟ * طالب: بشارة. * الشيخ: بشارة أو تبشير. وقوله: ﴿قَوْمًا﴾ المراد بهم قريش، ولا يعني ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام مبعوث إليهم خاصة، ولكن لأن أول من أنذرهم كانت قريشًا، وإلا فقد بعث لهم ولغيرهم، قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ﴾ من قريش وغيرهم ﴿نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١]. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾. ﴿مَا﴾ نافية، و﴿أَتَاهُمْ﴾ بمعنى جاءهم، و﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد إعرابًا لا معنًى، و﴿نَذِيرٍ﴾ فاعل (أتى)، يعني: ما جاءهم نذير. وفائدة زيادة (مِن) التنصيص على العموم، في كل الأزمان الماضية ما أتاهم أحد ينذرهم قبل الرسول ﷺ. وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ﴾، جملة ﴿مَا أَتَاهُمْ﴾ في محل نصب صفة لأيش؟ * طالب: لـ﴿قَوْمًا﴾. * الشيخ: صفة لـ﴿قَوْمًا﴾. وقوله: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾، قال المؤلف: (وهم أهل مكة) هذا تفسير لـ﴿قَوْمًا﴾. إذا قال قائل: أليس إسماعيل رسولًا؟ * طالب: بلى. * الشيخ: طيب، إذن هو قد أتاهم قبل النبي ﷺ، أو لا؟ * طالب: المراد أولاده، وأولاده ما (...). * الشيخ: أو يقال: إنه لما طال العهد حتى انمحت صاروا محتاجين إلى نذير ولم يأتهم نذير، فمَا أتاهم من نذير بعد أن انقرضت معالم رسالة إسماعيل، وإلا فلا ريب أن إسماعيل مرسَل إليهم؛ لأنه نبي، ولكنه انقرضت، ولهذا كان من دعاء إسماعيل وإبراهيم أنهما قالا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة ١٢٩]، وأجمع المفسرون على أن المراد به محمد ﷺ، فمنذ إسماعيل إلى أن بُعث الرسول عليه الصلاة والسلام ما جاءهم نبي، وانقرضت معالم النبوة، وكان أول من غيَّرها عمرو بن لُحَيٍّ الخُزاعي، فإنه هو الذي أدخل عبادة الأصنام وأدخل السوائب على العرب حتى انمحت به الحقيقة[[أخرج ابن حبان (٧٤٩٠) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «عرضت علي النار فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، وكان أول من غير عهد إبراهيم وسيب السوائب...».]]. * طالب: ولا لهم علاقة (...)؟ * الشيخ: لا، ما لهم علاقة؛ لأن رسالة موسى وعيسى إلى قومهما، إلى بني إسرائيل. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٤٦]. (لعل) هذه للتعليل، وهي متعلقة بـ(تنذر)، تنذرهم لأجل أن يتذكروا، أي: (يتعظون) بما جئت به. وهذا التعليل سنذكر في الفوائد إن شاء الله ما هي فائدته. * طالب: خبر (ما) النافية؟ * الشيخ: ما هي خبر؛ لأنها ما دخلت على اسم. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، تُزاد في خبر (ما)، لكن هنا (ما) دخلت على جملة اسمية. * الطالب: القاعدة في الزيادة؟ * الشيخ: القاعدة لزيادة (من) أنها إذا حُذفت استقام الكلام بدونها. * الطالب: (...). * الشيخ: القاعدة أنك لو حذفتها هنا وقلت: (ما أتاهم نذير) صح، فهو دليل على زيادتها.

القصص 28:43

قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [القصص ٣٩]، ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ مِن الكبرياء وهي العظمة، والمعنى: أنه تَرقَّى وتعاظَم هو وجنوده، وزيادة الهمزة والسين والتاء للمبالغة وليست للاستدعاء؛ لأن الغالب أنَّ الهمزة والسين والتاء تكون للاستدعاء مثل: (استغفرَ له) يعني: طلب مغفِرَته، (استرحمه) طلب رحمتَه. لكن تأتي أحيانًا لِلمبالغة مثل: (استكبر) يعني: بالَغ في الكبرياء والعظمة. ﴿هُوَ وَجُنُودُهُ﴾، مَن جُنُودُه؟ الجُنْد في الأصل هم حاشية الإنسان وأنصاره، ويُطلق على كل مَن اتَّبعه فهو مِن جُنْدِه. وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾، متعلق بـ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾، و(أل) في (الأرض) للعهد الذهني، قال المؤلف: (أرض مصر) ليس الأرض كلها؛ لأنه لا سلطان له على بقية الأراضي، ولكن المراد أرض مصر، فعلى هذا تكون (أل) هنا لأي شيء؟ للعهد الذهني، لا للعموم. وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بيان للواقع؛ لأن الاستكبار كله مُخالفٌ للحق، ولكنه بيان للواقع زيادةً في تقبيحه، فالاستكبار قبيح، فإذا وُصف (...) صار أقبح وأقبح. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة ٦١]، ويمكن يكون قتل النبيين بحق؟ لا، كلُّ قتلِ النبيين بغير الحق، لكن ذَكَر ذلك للمبالغة في تقبيحه، وإلا في الواقع أنه ليس بحق. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، والحق في الأصل هو الشيء الثابت، فإذا أُضِيف إلى (...) فالمراد به الصدق، وإذا أضيف إلى الأحكام المراد به العدل؛ كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]. إذن انتفى عن هؤلاء باستكبارهم الحق من وجهين؛ حيث اتخذوا كذبًا وزورًا بما استكبروا به. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾. ﴿وَظَنُّوا﴾، هل المراد بالظن هنا الرجحان أو اليقين؟ * طالب: (...). * الشيخ: المتيقنين (...)؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما جحدوا (...)، فهل نقول: المراد به الرجحان، يعني ترجح عندهم أنهم راجعون، أو اليقين؟ كلاهما في الواقع يُنافي قولَه تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]؛ لأنَّ مَن استيقن الشيء هل يظُن خلافَه؟ أن يستيقن أن ما جاء به موسى حق، هل يستيقِن خلافَه أو يظن خلافَه أيضًا؟ لا؛ لأن من استيقن الشيء فقد آمن به، لكن يبدو لي أنَّ الظن هنا إمَّا بمعنى الدعوة، يعني ادَّعَوْا أنهم إلينا لا يُرْجَعُون، أو أن المُراد به.. وهو فعله هنا فعل الظان. وقوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٣٩] فيها قراءتان: ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ بالبناء للفاعل وللمفعول، بالبناء للفاعل كيف أنطق؟ ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ ، وبالبناء للمفعول: ﴿لَا يُرْجَعُونَ﴾، وأركان القراءة (...): وَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ∗∗∗ وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرْآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّــــــــــــــلَاثَةُالْأَرْكَـــــــــــانُ فهنا ﴿يَرْجِعُونَ﴾ (...) أو لا؟ يعني ما اختلفت إلا بالشكل فقط. ومعنى ﴿يَرْجِعُونَ﴾ أي: يعودون ويُردون إلى الله سبحانه وتعالى؛ إذ إن الكل سوف يرجع إلى الله، والإنسان راجع إلى الله في محياه ومماته، فهو بعد الموت يرجع إلى الله، وكذلك في الدنيا أمره راجع إلى الله، فهو الذي يدبره. ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾، الفاء عاطفة والمراد بها أيضًا السببية، أي: فبسبب استكباره هو وجنوده أخذناه ﴿وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ [القصص ٤٠]. شوف، مقابل الاستكبار ذكر الله تعالى عقوبتهم على وجه الاستهجان والتحقير: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾؛ إذ إن النبذ هو الطرح، الطرح يعني بقوة، والمطروح بقوة هل هو عظيم ولا حقير؟ بل هو حقير؛ لأن العظيم ما يمكن، ما تستطيع أن تنبذه نبذًا، فهو (...) عظيم ما تقدر، إنما ينبذ نبذًا من كان هينًا حقيرًا، ولهذا قال: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾. (هم) يعود على الجنود ولا على من؟ على فرعون والجنود، ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾، ولم يغنه هؤلاء الجنود شيئًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا شيء يقابله من قوة البشر. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ (طرحناهم). ﴿فِي الْيَمِّ﴾ [القصص ٤٠]، ﴿الْيَمِّ﴾ قال: (البحر المالح) احترازًا منين؟ من الأنهار؛ لأن الأنهار بحار، لكنها غير مالحة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر ١٢]، وقال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن ١٩]، فسمى الله تعالى الأنهار والبحار المالحة سماها بحارًا. وقوله: (البحر المالح) هذا بيان للواقع الذي وجد فيه فرعون وجنوده؛ لأنهم وجدوا في بحر القلزم أو القلزم، وهو البحر الأحمر الذي بين جُدة ومِصر، هذا الذي غرق فيه فرعون وقومه. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾، وانظر إلى الحكمة في أن الله سبحانه وتعالى أغرقهم إغراقًا في اليم؛ لأن فرعون كان يفتخر بأنهاره ويقول لقومه: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥١، ٥٢] فافتخر بالماء فأُغرق به. * طالب: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾. * الشيخ: نعم ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]، فأخرجه الله من ملك مصر وأهلكه بما كان يفخر به من الأنهار. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن البحر المالح بعيد عن ملك مصر (...). قال: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٤٠]، ﴿فَانْظُرْ﴾ الخطاب لمن؟ ﴿فَانْظُرْ﴾ يعني: يا محمد، أو: ﴿فَانْظُرْ﴾ أيها القارئ أو السامع؟ فالخطاب لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، ماذا تقول؟ * طالب: الأخير. * الشيخ: الأخير، أي: ﴿فَانْظُرْ﴾ يا من تسمع هذا الخطاب ويوجَّه إليك. والمراد بالنظر هنا نظر الاعتبار، وهو النظر بالقلب؛ لأن العاقبة ما هي تنظر بالعين، اللهم إلا إذا سار الإنسان في آثارهم، فقد ينظر بعينه وبقلبه. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿كَيْفَ﴾ هنا للاستفهام، والمراد به التعظيم، يعني لعظم العاقبة، لكن لا تعظيم الرفعة، بل تعظيم العقوبة والعياذ بالله. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ فهو تفخيم لها وتعظيم لعاقبة وخيمة سيئة للغاية، محلها من الإعراب ﴿كَيْفَ﴾؟ * طالب: اسم استفهام. * الشيخ: اسم استفهام مبني على الفتح في محل؟ * الطالب: نصب. * الشيخ: نصب نعم. * الطالب: مفعول (انظر). * الشيخ: مفعول (انظر)! ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ﴾، ما يصح أن تكون مفعول (انظر)؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، إذا جعلناها مفعول (انظر) ما صار لها صدر الكلام، صارت متأخرة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، (...) بمفعول (انظر)، لكن أنا أريد إعراب ﴿كَيْفَ﴾ فقط. * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: خبر. * الشيخ: خبر؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: ما هو بصحيح. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم خبرها مقدر، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾، فـ﴿كَيْفَ﴾ هنا اسم استفهام (...) خبر مقدم لـ﴿كَانَ﴾. وتقديم خبرها هنا واجب ولا جائز؟ * طالب: واجب. * الشيخ: واجب. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿عَاقِبَةُ﴾ بمعنى عقبى، وهي على صيغة اسم الفاعل، والمراد العقبى. و﴿الظَّالِمِينَ﴾ هم الذين نقصوا حقوق أنفسهم وحقوق ربهم؛ لأن الظلم في الأصل النقص، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣]، أي لم تنقص. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، المراد بالظالمين هنا الكافرون ولَّا لا؟ * طالب: الكافرون. * الشيخ: نعم الكافرون؛ لأنه يشير إلى ما جرى لفرعون وقومه، وهم ظالمون ظلم كفر؛ لأن الظلم ينقسم إلى قسمين: ظلم كفر، وظلم معصية دون الكفر. ففي قوله تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٧٩] (...) ظلم المعصية، المراد ظلم المعصية، وفي قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] المراد ظلم الكفر، وفي قوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧] شامل للأمرين الكفر وما دونه. (﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ حين صاروا إلى الهلاك). إلى الهلاك بأتفه الأمور، وهو الماء، وهذه من حكمة الله سبحانه وتعالى أن يأخذ كل إنسان بذنبه، كما قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] أي: بما يقتضيه ذنبه من العقوبة، عاد استكبروا في الأرض وتحدوا وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، وقوله: ﴿خَلَقَهُمْ﴾ ولم يقل: إن الله (...) بكونه أشد منهم؛ لأن الخالق بلا ريب أقوى من المخلوق. بماذا أخذوا؟ أخذوا بألطف الأشياء، وهي الريح، أرسل الله عليهم الريح ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة ٧]، كل أيام الدهر، أرسلت إليهم في كل أيام الدهر، لو شاء الله لأرسلها عليهم في ليلة واحدة ودمرتهم تدميرًا، لكن لحكمة أراد أن يتعذبوا أكثر، ما أخذتهم جميعًا؛ أخذت مثلًا (...) ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر ٢٠]، وهذا أشد عقوبة؛ لأنها لو جاءتهم مرة واحدة ودمرتهم ما تعذبوا؛ ماتوا وهلكوا وانتهى الأمر، لكن هذا أشد. طيب إذن هنا أغرقوا باليم؛ لأنهم والعياذ بالله (...). قال: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ في الدنيا ﴿أَئِمَّةً﴾ [القصص ٤١] بتحقيق الهمزتين) ﴿أَئِمَّةً﴾، (وإبدال الثانية ياءً)، كيف يقال؟ ﴿أَيِمَّةً﴾ ، والقراءة الثانية هنا سبعية. قال: (رؤساء في الكفر)؛ لأن الإمام هو القائد الذي يُتبع، فهو والعياذ بالله ذو أثر في الكفر، وليسوا رؤساء فقط؛ رؤساء متبوعون في الكفر. * طالب: (في الشرك). * الشيخ: (في الشرك)، نعم، رؤساء في الشرك، يعني متبوعين. الإمام هو المتبوع، المعنى أنهم كانوا قادة والعياذ بالله إلى الكفر والشرك. لكن هذا، يقول المؤلف: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ في الدنيا ﴿أَئِمَّةً﴾ ). لو أنه أخر (في الدنيا) لكان أحسن، وقال: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ في الدنيا ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١])؛ لأن حقيقة الأمر أن إمامتهم بالكفر متى؟ في الدنيا، إمامتهم كانت في الدنيا، فهم جعلوا في هذه الدنيا أئمة، يعني متبوعين يُقتدى بهم في الكفر، فكل من أتى بعدهم وكان كفره استكبارًا فإنه مقتدٍ بهم. وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، ليس إلى الإيمان، ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ بالقول أو بالفعل؟ بهما جميعًا، فهم قبل أن يهلكوا يدعون بالقول وبالفعل، وبعد أن هلكوا يدعون بالفعل؛ لأن من اقتدى الناس بفعله فهو في الحقيقة قد دعاهم إليه. وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، قطعًا ما يدعونهم بأن يقولوا: يا ناس ادخلوا إلى النار، لو كان يقولون: يا ناس ادخلوا النار ما أطاعوهم، لكن ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ يدعون إلى العمل الموصل إليها، وهو الشرك والكفر، وبئس ما كانوا أئمة فيه، وهو الدعوة إلى الكفر بالله تبارك وتعالى والإشراك به. طيب، وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. ﴿وَيَوْمَ﴾ هذا ظرف متعلق بـ﴿يُنْصَرُونَ﴾، يعني: وهم لا ينصرون يوم القيامة. في الدنيا أئمة متبوعون، لكن في الآخرة ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾، هم ما يستطيعون أن ينتصروا لأنفسهم، فلا يمكن أن يكونوا أئمة يُقتدى بهم. وقوله: ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ أي: لا يجدون من ينصرهم (بدفع العذاب عنهم)، ما أحد يدفع عنهم العذاب، لا هم ولا غيرهم أيضًا، حتى غيرهم ما يمكن أن يدفع عنهم العذاب. (﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ خزيًا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤١، ٤٢] المبعدين). ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ على فرعون وجنوده، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ﴾ يعني: جعلناها تتبعهم بعد إهلاكهم. واللعنة في الأصل: الطرد والإبعاد، وفسرها المؤلف بلازمها وهو الخزي، أي أنه كل من ذكرهم يلعنهم ويطردهم ويبتعد عنهم، ولكن لا منافاة بين ما هنا وبين قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١]؛ لأن الذي يأتم بهم هو الموافق لهم على كفرهم، أما من لم يهتم بهم فإنه يلعنهم. وقوله: ﴿لَعْنَةً﴾ من الله ولا من غيره؟ منه ومن غيره، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة ١٥٩]، فمن لعنه الله لعنه المؤمنون بالله، قال ابن مسعود رضي الله عنه في لعن النامصة والمتنمصة، قال: «وما لي لا أَلْعَنُ مَن لَعَنَهُ رسولُ اللهِ ﷺ»[[أخرجه البخاري (٥٩٤٣). ]]. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أيضًا ظرف متعلق؟ * طالب: بالنار. * الشيخ: بالنار؟! بمحذوف حال من (هم)، يعني: وهم حال كونهم يوم القيامة من المقبوحين، أو متعلق بالمقبوحين (...) ما تقدم لنا من أن (أل) اسم موصول، واسم الموصول لا يعمل ما بعده بما قبله، فإما أن تجرد (أل) من المصدرية، أو يأتي ذلك على سبيل التوسع؛ لأنهم يتوسعون في الجار المجرور والظرف ما لا يتوسعون في غيره. وقوله: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]، أتى بالجملة الاسمية الدالة على أنهم هم في ذلك الوقت لا يمكن أبدًا أن يستحسن ما فعلوه أو يقربوا، بل إنهم في ذلك الوقت من المقبوحين المبعدين الذين يفضحهم كل من ذكرهم، فلا يمكن لأحد أن يقربهم. إذن، عُوقب هؤلاء والعياذ بالله الذين كانوا يدعون إلى النار، عوقبوا بأمرين؛ بل بثلاثة أمور: الأمر الأول: أنهم إذا حل بهم العذاب يوم القيامة لن يجدوا من ينصرهم؛ لأنه قال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. الأمر الثاني: العار الذي لحقهم من اللعنة التي لحقتهم إلى يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ [القصص ٤٢]. الأمر الثالث: أنهم يوم القيامة لا يمكن أبدًا أن يكونوا من المحبوبين المقرَّبين، بل هم من المقبوحين المطرودين المبعَدين (...). * * * (﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣] التوراة)، وهي كتاب بمعنى مكتوب، والجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم، واللام الواقعة في جوابه، و(قد). وهنا قد يقول قائل: لماذا تؤكد بهذه المؤكدات الثلاثة مع أنها ليست مخاطبةً لمنكر لها؟ فالجواب: أننا سبق أن قلنا: إن التأكيد ليس سببه إنكار المخاطب فقط، بل قد يكون سببه أهمية المخبَر عنه، فيؤكد بالقسم وباللام و(قد) وغيرها من المؤكدات. (...) * يستفاد من هذه الآية: بيان حال فرعون وجنوده، وأنهم قوم مستكبرون عن الحق متعالون عليه. * ثانيًا: يستفاد منها أيضًا: أن من استكبر عن الحق ففيه شبه من فرعون وجنوده. * ومنها، أي مِن فوائد الآية: وجوب الرضوخ للحق، فالإنسان يجب عليه أن يرضخ للحق، سواء وافق هواه أم خالفه. * ومِنها: أن المستكبر ليس له حق في الاستكبار؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. * ومِنها أيضًا: أن هؤلاء المستكبرين يعملون عمل من لا يظن أنه يرجع إلى الله؛ لأن من ظن أنه يرجع إلى الله فلن يستكبر عنه؛ إذ إنه يخاف منه، لكن من يستكبر هو من ظن أنه لا يرجع إلى الله سبحانه وتعالى. * ومنها: إثبات البعث؛ لأن قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٣٩] إثبات الظن، فيقتضي أن الرجوع إلى الله أمر ثابت. * ويستفاد من قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾؛ يستفاد منه: أن الذنوب سبب للعقوبة؛ لأن الفاء (...) تفيد السببية. * ومنها: بيان عظمة الله سبحانه وتعالى؛ حيث أخذ هؤلاء العتاة بما لهم من القوة ونبذهم نبذًا كما ينبذ الإنسان نواة من (...)، نعم، وليس هذا تشبيهًا، لكن قصدي أنه لم يبال بهم ولم يعجزوا الله سبحانه وتعالى. * ومنها: حكمة الله سبحانه وتعالى؛ حيث كان إهلاك فرعون وقومه بالماء الذي كان يفتخر به بقوله: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]، فإن هذا الذي كان يفتخر به كان محل هلاكه. * ومنها: أن فرعون قد هلك فيمن هلك؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس ٩٢] ليس معناه أنه حي باقٍ، وإنما الذي أُنجي وظهر للناس هو بدنه فقط؛ ليكون لمن خلفه آية؛ لأن بني إسرائيل -كما قال أهل العلم- قد أرعبهم فرعون، فلولا أنهم خرجوا حتى شاهدوه ببدنه لكان عندهم نوع من القلق: هل هلك أو ما هلك، فإذا شاهدوه تيقنوا وزال عنهم القلق. فإذن هو هالك فيمن هلك؛ لقوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾. * ومِنها، أي مِن فوائد الآية: أنه يُطلب من المرء -إما وجوبًا أو استحبابًا- أن يتأمل في عاقبة الظالمين: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، فيتفرع على هذه الآية أنه ينبغي لنا أن نتعظ بعاقبة هؤلاء فلا نظلم مثلهم؛ لأنه ما دام عاقبة الظالم الهلاك فإن الإنسان يخشى أن يهلك إذا ظلم. * ومنها: أن الظلم محرم؛ لأنه سبب للعقوبة، وما كان سببًا للعقوبة فإنه محرم، وسواء كان الظلم للنفس أو للغير فإنه محرم بجميع أنواعه، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر رضي الله عنه. ]]. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. * يستفاد من هذه الآية: حكمة الله سبحانه وتعالى في مثل فرعون وقومه، في أن لإيجادهم حكمة؛ لأن الله قادر على أن يجعل المرء على الهدى، لكنه سبحانه وتعالى له الحكمة في أن يوجد مثل هؤلاء القوم الذين يدعون إلى النار. * ويستفاد مِنها أيضًا: حكمة الله تعالى فيمن خلق من أمر الله، وأنهم بلاء وفتنة. * ومنها: إثبات الإمامة في الشر كما هي ثابتة في الخير، فانظر إلى هذه في آل فرعون، وانظر إلى هذه في بني إسرائيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤]، ففرق بين من يقود الناس بأمر الله، من يقودونهم بشريعته، وبين من يدعون إلى النار. * ومن فوائدها أيضًا: أن الدعاء إلى النار وإلى الخير أيضًا كما يكون بالقول يكون بالفعل، يكون بالقول ويكون بالفعل، وأيهما أقوى؟ قد يكون الدعاء بالقول أقوى وقد يكون الدعاء بالفعل أقوى، نعم، إنما على كل حال الدعاء بهذا وبهذا ثابت، فإن الإنسان يدعو الناس بمقاله وبحاله. * ومنها: إثبات يوم القيامة في قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾، وسُمي (يوم القيامة) لأمور ثلاثة: أنه يقوم الناس فيه من قبورهم إلى رب العالمين، وأنه يُقام فيه العدل كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧]، وأنه يقوم فيه الأشهاد: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]. فلهذا سُمي يوم القيامة، لماذا سمي يوم القيامة؟ * طالب: (...). * الشيخ: ذكرنا الآن ثلاثة أسباب الآن. * الطالب: (...). * الشيخ: ما (...)، لا تعتمد على (...) كان ربما يأتي مسائل تشكل عليه. * ومنها أيضًا، يستفاد من الآية الكريمة: أن آل فرعون لا ناصر لهم في الآخرة، ومثلهم من كان على شاكلتهم من المستكبرين عن الحق، فإنهم لا يجدون من ينصرهم من عذاب الله إذا نزل بهم في ذلك اليوم. ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]. * يُستفاد مِن هذه الآية: أن عقوبة آل فرعون كانت ممتدة إلى يوم القيامة بالذكرى السيئة لهم، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾؛ فإن كل من ذكر آل فرعون يذكرهم بالسوء والبغض والكراهية. * ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: تحقير الدنيا؛ فإن قوله: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ إشارة للقريب؛ لدنو مرتبته وأنها دنيا، والدُّنيا: مؤنث أدنى، وهي من الدنو الحسي والمعنوي؛ أما الدنو الحسي: فلسبقها على الآخرة، فهي أدنى إلى المخلوقين من الآخرة، وأما الدنو المعنوي: فلما تتضمنه من النقص في جميع كمالاتها، فما من كمال في الدنيا إلا وهو ناقص، والآن لو تأملت جميع المضار والمنافع الدنيوية تجدها مشوبةً بالضرر والخطر، حتى الزمان كما قال الشاعر: فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ لو تأملت هذا لوجدته دائمًا، نعم، وعلى هذا نقول: الدنيا نُسبت لذلك لأمرين: الدنو الحسي والمعنوي، الدنو الحسي: قربها، لسبقها على الآخرة، والدنو المعنوي أنه ما فيها شيء (...) إلا وهو مشوب بنقص. * ومِن فوائد الآية: أن اللعنة - والعياذ بالله - التي وزعت (...) تكون عليهم في الآخرة؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]؛ لأن المقبح معناه المبعد المقبوح، واللعن هو الطرد والإبعاد. * * * قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣]. ﴿آتَيْنَا﴾ بمعنى أعطينا واعلم أن إيتاء الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين: إيتاء شرعي وإيتاء قدري، فما تعلق بالكون والخلق فهو إيتاء قدري، وما تعلق بالشرع فهو إيتاء شرعي. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة ٥٩]، هذا إيتاء شرعي، والمراد به قسم الصدقات أو الفيء. ومثل ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ شرعي ولا قدري؟ * طالب: (...). * الشيخ: أو قدري، إي؛ لأن الإنزال -إنزال القرآن- من الأمور التي تتعلق بمشيئة الله، لا بشرعه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: العمل بالكتاب شرعي. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يكون؛ لأن أصل الإنزال قدري يتعلق بمشيئة الله وقدره، لكن العمل به شرعي. وقوله: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾، (موسى) مفعول أول لـ(آتينا)، و(الكتاب) مفعول ثان، وهي من باب (ظن). * طالب: (...)؟ * الشيخ: من باب (كسا)؛ لأنه إذا لم يكن الأول مبتدأ والثاني خبرًا، فهو من باب (...)، لو قلت: (موسى الكتابُ) يصلح؟ ما يصلح، فكل مفعولين لا يصح أن يكون أحدهما مبتدأ والثاني خبرًا فهما من باب (كسا)، وما صح أن يكون مبتدأ وخبرًا فهما من باب (ظن). وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾، يقول: (التوراة)، وهو (فعال) بمعنى (مفعول)؛ لأن التوراة مكتوبة، فإن الله تعالى كتبها بألواح وأعطاها موسى. وقال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣]، متعلق بـ﴿آتَيْنَا﴾. يعني: أعطيناه إياه من بعد ما أهلكنا القرون الأولى. القرون: جمع قرن، والمراد بهم الأمم، وقد يُراد به الفترة من الزمن، ومقدارها مئة سنة. فالقرون تارةً يراد بها الأمم، وتارة يراد بها أحقاب الزمن. وهنا المراد أحقاب الزمن ولا الأمم؟ الأمم؛ لأن أحقاب الزمن ما تهلك، الذي يهلك الأمم. (﴿أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم). (قوم نوح). * طالب: (...). * الشيخ: عندي هنا (وعاد)، عندكم (وعادًا) ولا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما فيها شك (...)، هو الوجه أن يقال: (قوم نوح وعادًا وثمود)، أما (ثمود) فلا تنصرف، لكن الكلام على (عاد) (...) تفسير للقرون. طيب، هم: (قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم). هؤلاء هم القرون الأولى، وإنما قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾، إشارةً إلى أن الناس كانوا في حاجة إلى مثل هذا الكتاب الذي نزل على موسى؛ لأن القرون أهلكت وتطاول الزمن، فاحتاج الناس إلى رسالة، فأرسل الله تعالى موسى بهذا الكتاب الذي هو التوراة. وقيل: إن القرون الأولى تشمل حتى آل فرعون؛ لأن التوراة ما نزلت على موسى إلا بعد أن أهلك الله قرن فرعون وقومه، وأنه يشمل حتى هؤلاء، حتى إن بعض العلماء استنبط منها أنه لم تهلك أمة بعد نزول التوراة، يعني (...) وأن هذا من فوائد قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣]؛ لأن إهلاك الأمم السابقة مضى وانقضى، ولا إهلاك بعد نزول التوراة. وفي الحقيقة أن من تأمل التاريخ وجد أنه لم تهلك أمة بعد نزول التوراة، ما هلكت أمة، لكن هل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ يشير إلى هذا؟ هذا هو محل النظر والمناقشة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما حصل هلاك عام، (...)، أما أنه هلاك عام ما حصل، فالمهم هذه (...). قال: (﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص ٤٣] حال من الكتاب). وين (الكتاب)؟ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ﴿بَصَائِرَ﴾، و﴿بَصَائِرَ﴾ (جمع بصيرة وهي نور القلب) كما أن (بصر، وأبصار) نور العين، فنور القلب يسمى بصيرة وبصائر، ونور العين يسمى بصر وأبصارَا ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٦]. وقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾، (أل) هنا للعهد الذهني، وليست للعموم؛ لأن التوراة لم تنزل إلا لمن؟ لقوم موسى فقط، كما قال النبي ﷺ: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨) ومسلم (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]] خذوا بالكم من هذا. طيب، وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، هل يخرج الجن؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، من حيث التكليف والإلزام يخرج الجن، فإنه لم يكلف أحد برسالة أحد من الرسل من الجن، لكن من حيث العمل يمكن أن يستبصر بها الجن، كما قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف ٣٠]، فإن الظاهر أنهم كانوا انتفعوا بما أنزل على موسى كما انتفعوا بالقرآن. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يجب عليهم؛ لأنه الرسول يقول: «يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ» » والجن ليسوا منهم. وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، أنا ذكرت أن (أل) هنا للعهد الذهني، طيب. قال: (جمع بصيرة، وهي نور القلب، أي: أنوارًا للقلوب)، وهكذا جميع الكتب التي ينزلها الله عز وجل تكون أنوارًا للقلوب؛ لأنه يكون بها الاقتداء، ولهذا قال: (﴿وَهُدًى﴾ من الضلالة لمن عمل بها). تقييد المؤلف (لمن عمل بها) غير وجيه، والأولى إبقاء الآية على ظاهرها، أن التوراة هدًى، لكن هذا الهدى ما ينتفع به إلا من وُفق، فهي هدًى من الضلالة بلا شك، لكن هل ينتفع بها ويهتدي بها كل أحد؟ لا، كما قال الله تعالى في القرآن: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة ١٨٥]، وقال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢]، ففي الأول هدى دلالة، وفي الثاني هدى توفيق. التوراة، إذا قلنا: هدًى لمن عمل بها قيدنا الآية بهدى التوفيق مع أنها مطلقة، ولهذا الأولى أن نقول: هدًى من الضلالة في كل أمر، كما قال: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾، نقول: وهدًى أيضًا للناس، ولكن الهدى الذي بمعنى الدلالة عام، والهدى الذي بمعنى الاهتداء -يعني يهتدي بها الإنسان- هذا خاص لمن وُفق له. (﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ لمن آمن به). هذه نعم، (...) أن المقام يقتضي التخصيص، أنه رحمة، لكن لا لكل أحد، إلا أن يقال: رحمة أي وسيلة للرحمة، فإذا قلنا: إن (رحمة) أي وسيلة صار عامًّا. نقول: هدًى باعتبار العلم، ورحمة باعتبار العمل؛ لأن من عمل به فهو مرحوم. وأما الهدى فهو باعتبار العلم، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣]، فالهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، أي ما تكون رحمة لغيره، هي هدى، الهدى نعم هدًى لكل أحد. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو بالظاهر، الظاهر أنها لو قُيدت تقييدًا مثلما قال المؤلف؛ لأنه ما يرحم بها إلا من عمل بها، ما يرحم بها إلا من عمل فقط. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٤٣]. (لعل) هنا معناها التعليل، أما عملها فهي تنصب المبتدأ وترفع الخبر، وخبرها جملة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾، قال: (يتعظون بما فيه من المواعظ)، يعني بما في الكتاب - اللي هو التوراة - من المواعظ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، كلمة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ الضمير يعود على من أُنزلت عليهم التوراة، وهم بنو إسرائيل. قال الله تعالى لنبيه ﷺ: (﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِجَانِبِ﴾ الجبل أو الوادي أو المكان ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص ٤٤] من موسى حين المناجاة). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ (جانب) بمعنى جهة، جانب الشيء جهته أو طرفه. وقوله: ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ صفة لموصوف محذوف، ما هذا الموصوف؟ قال المؤلف: (الجبل أو الوادي أو المكان)، و(أو) هنا ليست للتخيير ولكنها للتمييز؛ لأن بعضهم يقول: المراد به الجبل، وبعضهم يقول: المراد به الوادي، وبعضهم يقول: المراد به المكان، وكلمة (المكان) أعم لأنها تشمل أن يكون واديًا أو جبلًا، وموسى كما تعلمون نزل من جانب الطور، وهو في الوادي المقدس، فالآية (...) والذي يضبط الوادي أو المكان أو الجبل هو كلمة (...).الجانب الغربي منه، يعني كأنه قال: بالجانب الغربي من الجبل، فيكون من باب إضافة الموصوف إلى صفته، مثلما يقال: (مسجد الجامع) أي: المسجد الجامع. على هذا التقدير الأخير يكون المراد الغربي من نفس الجانب، ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ أي: بالجانب الغربي من الجبل، أما على رأي المؤلف فهو يقول: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ بجانب المكان (الغربي) صفة لـ (جانب) من موسى وهو يكلم الله، وحينئذ نقول: موسى إذا كان وجهه إلى السماء والجانب الغربي منه؟ * طالب: (...). * الشيخ: على فرض الغرب، وإذا كان وجهه إلى الشرق، فالجانب الغربي منه يكون وراءه؛ لأن المتجه إلى الشرق يكون الجانب الغربي منه خلفه. وأنا الآن ما أتصور هل كان موسى بجانب الجبل من الشرق أو من الشمال. وعلى كل حال فـ(الغربي) نسبة، قد تكون مثلًا القصيم غربًا بالنسبة لمكان، وشرقًا بالنسبة لمكان آخر، بالنسبة لمكان المدينة تكون غربًا أو جنوبًا، وبالنسبة للكويت تكون غربًا. المهم أنك ما كنت بذلك الجانب (حين المناجاة ﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾ أوحينا إلى موسى الأمر بالرسالة إلى فرعون وقومه). ﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾، يقول المؤلف: (أوحينا)، وعلى هذا فالقضاء شرعي ولا كوني؟ * طالب: (...). * الشيخ: طيب يتعلق بالمشيئة، لكن المؤلف جعله شرعيًّا؛ لأن قضينا الأمر بالرسالة يعني: أمرناه به، فجعل الأمر هنا واحد الأوامر، وليس واحد الأمور، وإذا جعلناه واحد الأوامر صار هنا المراد بالقضاء: الشرعي. ويحتمل أن المراد بالأمر هنا واحد الأمور، أي: قضينا إليه ذلك الشأن العظيم وهو الرسالة، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى ٥٢]، فهذا الواحد واحد الأمور، وليس واحد الأوامر، وعلى هذا فيكون القضاء كونيًّا. والقضاء كما تعرفون ينقسم إلى قسمين: قضاء كوني، وقضاء شرعي. فالقضاء الكوني لا بد من وجود المقضي، والقضاء الشرعي قد يوجد وقد لا يوجد. والقضاء الكوني يكون محبوبًا إلى الله ويكون مكروهًا إليه، والقضاء الشرعي لا يكون إلا محبوبًا إليه؛ لأنه بمعنى الأمر. فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء ٤]، هذا قضاء كوني، يحبه الله ولا يكرهه؟ يكرهه. ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]، هذا قضاء شرعي؛ لأنه لو كان قضاءً كونيًّا للزم أن الناس كلهم يعبدون الله، وليس الأمر كذلك، وقضينا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذه الآية (...)، أما الاجتماع ما يمكن إلا في أمر وقع، مثلًا لو قلنا: قضى الله تعالى لأبي بكر أن يسلم، فهذا قضاء قدري شرعي؛ لأنه أمره بالإيمان فآمن، ونقول: قضى الله لأبي لهب أن يؤمن. * طالب: (...). * الشيخ: لا، قد يؤمن، هذا قضاء شرعي وليس كونيًّا، وقضى الله لأبي لهب أن يكفر هذا قضاء كوني، إي نعم. قال: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص ٤٤]، على رأي المؤلف: واحد الأوامر، ولهذا قال: (﴿الْأَمْرَ﴾ بالرسالة إلى فرعون وقومه)، أو نقول: إن الأمر واحد الأمور، وهو (...) الذي هو الرسالة إلى فرعون وقومه. وكلام المؤلف في الحقيقة محتمل، فيبقى الأمر بالرسالة (...) مراده: واحد الأمور، فيكون هذا (...) للرسالة. (﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص ٤٤] لذلك فتعلمه فتخبر به). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص ٤٦] ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ما فيها تكرار؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا تأتي من الله تعالى؛ لأن الأصل عدم التكرار. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، نقول: الآية ما فيها تكرار؛ لأن من كان بالجانب قد يرى وقد لا يرى، ولهذا قال: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. طيب، إذا قال قائل: لماذا لم يـقتصر على قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؟ قلنا: أيضًا نفس الشيء؛ لأن الإنسان قد يشاهد من بعد ولا يكون قريبًا، فهنا تضمن أنه قريب وأنه شاهد. ففرق بين أن نقول: (ما كنت شاهدًا) يعني: ما كنت حاضرًا أو مشاهدًا بعينك ولو كنت بعيدًا. ولهذا ليس في الآية الكريمة تكرار، ولكن فيها شيئًا من التوكيد، يعني: لا حضر ولا نظر، كما يقول هنا، فالنبي عليه الصلاة والسلام ما كان حاضرًا حتى يسمع ولا كان قريبًا حتى يشاهد. طيب، إذن فيكون ما أخبر به عن ذلك من باب الوحي، لا من باب المشاهدة ولا من باب السماع، ولكنه وحي أُوحي إليه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الوحي بالرسالة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، هذا على خلاف (...). * الطالب: (...). * الشيخ: كما سيأتي أيضًا (...). يقول: (﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٥] أممًا من بعد موسى). ﴿أَنْشَأْنَا﴾ أي: أوجدنا وخلقنا أممًا، ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص ٤٥]. (تطاول) أي: زاد في الطول، فالتاء والألف للمبالغة، وقوله: ﴿الْعُمُرُ﴾ المعنى: الزمن؛ لأن الأعمار هي الأزمان، قال: (أي: طالت أعمارهم فنسوا العهود واندرست العلوم وانقطع الوحي، فجئنا بك رسولًا وأوحينا إليك خبر موسى وغيره). قوله: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا﴾، الاستدراك هنا ما يقتضي إبطال ما سبق، يعني ليس المعنى: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٤، ٤٥] فشهدت، ولكن هذا الاستدراك لتفهيمنا، والمعنى أن العهود طالت وأنت لست بشاهد ولا بحاضر، ولما طالت العهود صار الناس محتاجين إلى الرسالة، فأوحينا إليك بما جرى وأرسلناك إلى الناس، والله أعلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا، يقال والله أعلم: إنه لما كان في الأرض الواحدة (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: كذلك (...)، وهؤلاء القوم ما داموا في أرض واحدة (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا الإلزام بعض العلماء يقول: إنه للنبي، أنه ما يلزم (...) بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [سبأ ٤٠]. (...) من عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣]، وهي أحد الكتب الثلاثة الباقي أثرها، وهي الإنجيل والقرآن. * ويستفاد منه: أن إتيان التوراة كان بعد إهلاك الأمم السابقة ومنهم فرعون، واستنبط منها بعض العلماء من قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣] أنه لم تهلك أمة على العموم بعد نزول التوراة؛ لأنه قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ﴾، وكأنه بعد نزول التوراة ما أهلك أحد من القرون، وهذا الاستنباط ليس ببعيد؛ لأن الواقع يصدقه. * طالب: (...) ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾؟ * الشيخ: لا، ما ذكرناها. * طالب: ذكرنا الفوائد هذه بالشرح. * الشيخ: إي نعم، ما (...). * ويستفاد من هذه الآية: أن الكتب النازلة من السماء، أنها أنوار للناس يهتدون بها؛ لقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: أن التمسك بشرائع الله تكون به الرحمة؛ لقوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الكتب النازلة من السماء هي التي بها الهدى من الضلالة؛ لقوله: ﴿وَهُدًى﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الحكمة من إنزال هذه الكتب تذكر الناس بما فيها من المواعظ؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. * ومِن فوائدها أيضًا: إثبات الحكمة في أفعال الله سبحانه وتعالى وكذلك في شرائعه؛ لأن (لعل) معناها التعليل، فيستفاد منها إثبات الحكمة في أفعال الله وشرائعه. من الذي أنكر الحكمة؟ هم الجهمية، يقولون: إن الله تعالى ليس له حكمة فيما يفعل وفيما يشرع، وإنما هو لمجرد مشيئة. قال: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص ٤٤]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: تقرير رسالة النبي ﷺ، وذلك بما أخبر به عن هذه الوقائع التي ليس حاضرًا فيها ولا شاهدًا. * ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: أن الوحي يسمى قضاءً؛ لقوله: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾. * ومِن فوائدها أيضًا: أن الوحي ذو شأن عظيم؛ لأن الله سماه الأمر بـ(أل) الدالة على العظمة والكمال. ولا ريب أن أعظم الأمور ما جاءت به الرسل من وحي الله سبحانه وتعالى، لما فيه من مصلحة البلاد والعباد. * ومنها أيضًا: أن الإنسان لا يقبل خبره إلا إذا كان حاضرًا يسمع أو شاهدًا يرى؛ لقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾، وقوله أيضًا: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، فإن الذي يمكن أن يخبر هو من حضر فسمع أو من قرب فشاهد. أما إنسان بيخبر بدون شهادة أو بدون شهود ولا حضور، فإنه لا يقبل خبره. وهذا أمر معلوم من الشرع من جهة أخرى من آيات أخرى وأدلة أخرى: أن الإنسان ما يشهد إلا بما علم برؤية أو سماع أو غيرهما من أسباب العلم. * * * ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص ٤٥]. قال: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾، نخلي الفائدة مع آخر الآية. (﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾ مقيمًا ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ )، والمراد بأهل مدين القوم الذين أتى إليهم موسى عليه الصلاة والسلام وجرى معه ما ذكر من استئجاره وتزويجه وسيره بأهله. فهل الرسول عليه الصلاة والسلام كان مقيمًا في أهل مدين حتى يخبر عما حصل منه؟ الجواب: لا. إذن فما جاء به من أخبار أهل مدين فإنه عن طريق الوحي. وقوله: ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾، (﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ خبر ثان)، وين الخبر الثاني؟ جملة ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾، يعني: وما كنت تتلو عليهم آياتنا (فتعرف قصتهم فتخبر بها). وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ الضمير ظاهر كلام المؤلف، وهو أيضًا ظاهر سياق الآية، أنه يعود إلى أهل مدين: ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ (فتعرف قصتهم وتخبر بها). وقال بعض العلماء، أي بعض المفسرين: إن الضمير يعود على قريش، يعني: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾، فـ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ القصة التي قصصتها بـ﴿آيَاتِنَا﴾، وهذا أقرب إلى المعنى، وإن كان الأول أقرب إلى اللفظ؛ لأن الضمير يعود على أقرب مذكور، لكنه ما يعود على أهل مدين إلا بتعسف شديد. فالصواب أنه يعود على قريش، يعني: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ فـ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ القصة التي جاءت بـ﴿آيَاتِنَا﴾. إذن فأنت رسول؛ لأنك أتيت بما لم تكن شاهدًا فيه، ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾. ولهذا قال: (﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص ٤٥] لك وإليك بأخبار المتقدمين). (﴿مُرْسِلِينَ﴾ لك) إلى الناس، (وإليك) بالوحي، فالرسول عليه الصلاة والسلام مرسل للناس ومرسل إليه. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. (كان) فعل ماض، وهي مسلوبة الزمن، والمقصود بها اتصاف اسمها بخبرها. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا﴾، هذه (نا) للجماعة، و(كنا) للجماعة، و﴿مُرْسِلِينَ﴾ جمع، مع أن الله تعالى واحد أحد، ولكن ذلك للتعظيم؛ لأن (نا) للمتكلم المعظم نفسه، أو للمتكلم ومعه غيره، وهي بجانب الله - بلا شك - للمتكلم المعظم نفسه. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾، ولم يقل: ولكن أرسلناك. كما قال في الآية التي قبلها: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٥]؛ لأن الرسالة ما زالت في الخلق منذ اختلفوا إلى آخر الرسل: محمد ﷺ. ومتى اختلفوا؟ اختلفوا بعد آدم، بعد أن مضت قرون إما عشرة أو أقل أو أكثر اختلف الناس، قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]، فتقول الآية: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فأنزل الله. * طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الجاثية ١٧]، أيش (...)؟ * الشيخ: اللي بالوحي، لكن المراد بهذا اختلاف بني إسرائيل، ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ هذا لبني إسرائيل، أما الأولى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ﴾، وفيها قراءة لكنها غير سبعية ﴿فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ﴾، وهذه القراءة يدل عليها قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. (﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ لك وإليك بأخبار المتقدمين)، والفائدة من ذكر أخبار المتقدمين للرسول ﷺ ليتلوها على الناس، الفائدة: تقرير أنه نبي؛ لأنه ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه، فإذن يكون ما أخبر به عمن سبق، يكون من باب الوحي المجرد. قال الله تعالى: (﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ الجبل ﴿إِذْ﴾ حين ﴿نَادَيْنَا﴾ [القصص ٤٦] موسى أن خذ الكتاب بقوة). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، هذا خبر آخر غير الخبر الأول الذي فيه ابتداء الوحي؛ لأن الله تعالى بعدما أهلك القرون الأولى وعد موسى ثلاثين ليلة وأتمها بعشر، واختار من اختار من قومه ثم ذهب إلى الله سبحانه وتعالى لمناجاته وإنزال التوراة عليه. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، (جانب) أي: جهة الطور، أو قُرب الطور، و الطور هو الجبل المعروف في سيناء. (﴿إِذْ﴾ حين ﴿نَادَيْنَا﴾ )، أفادنا المؤلف بأن (إذ) هنا ليست تعليلية ولكنها ظرفية، وهي ظرف لما مضى من الزمان، و(إذا) ظرف لما يُستقبل، و(إذن) ظرف للحاضر. فبهذا استكملت الظروف الثلاثة: (إذا) للمستقبل، و(إذ) للماضي، و(إذم) للحاضر. قال: (﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ موسى أن خذ الكتاب بقوة)، وهل الله قال له: خذ الكتاب بقوة؛ لموسى، ولَّا لبني إسرائيل حين رفع فوقهم الطور، قال: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف ١٧١]؟ فالظاهر أن المؤلف توهم في هذا، نعم. وخلنا نتأمل بعد في قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]، وأيش اللي قبلها؟ شوف في سورة الأعراف، أيش الآية؟ * طالب: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾. * الشيخ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]، إذن قول المؤلف: (أن خذ الكتاب بقوة) بالمعنى أتى بها، وإلا فالله يقول: ﴿فَخُذْهَا﴾ أي الألواح اللي فيها التوراة ﴿بِقُوَّةٍ﴾، يصير إذن أمر موسى أن يأخذها بقوة أن يأخذ الألواح بقوة. فعلى كل حال كلام المؤلف إذن صواب، بس إنه أتى به بالمعنى لا باللفظ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾، أي: خذ هذه الألواح ﴿بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]. يقول الله عز وجل: (﴿وَلَكِنْ﴾ أرسلناك ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّك﴾ [القصص ٤٦])، أخذنا أن قوله: ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول لأجله عاملها محذوف، والتقدير: أرسلناك رحمةً، وقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ ليس المعنى أنه هو الرحمة، ولكن المعنى أنه أُرسل للرحمة، ليرحم به، فالرحمة من الله سبحانه وتعالى، وأرسله الله رحمةً؛ كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧]، ليس المعنى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا﴾ حال كونك ﴿رَحْمَةً﴾، ولكن: إلا من أجل الرحمة، فبين المعنيين فرق. ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّك﴾، أضاف الربوبية إلى الرسول ﷺ على سبيل التخصيص والتشريف، وهذه هي الرحمة الخاصة، وهناك رحمة عامة. وفيها دليل - أي في قوله: ﴿مِنْ رَبِّك﴾ - على أن إرسال النبي ﷺ إلى الخلق ليرحموا به، أنه من الربوبية الخاصة؛ لأن من نعمة الله على العبد أن يلهمه هدًى ليهدي الناس به، فإن هذا في الحقيقة من أكبر النعم. فالنبي عليه الصلاة والسلام أوحي إليه ليرحم الخلق بما أوحي إليه، وهذا من مقتضى الربوبية الخاصة، ولهذا قال: ﴿مِنْ رَبِّك﴾، ولم يقل: (من ربهم)؛ ﴿مِنْ رَبِّك﴾ الذي رباك تربية خاصة. ﴿لِتُنْذِرَ﴾، اللام هنا حرف جر؟ * طالب: لام التعليل. * الشيخ: إي، ما هي حرف جر؛ لأنها داخلة على (أن) المقدرة، أي: (لأن تنذر)، ثم تحول إلى مصدر فيكون: (لإنذارك قومًا)، ولهذا على مذهب البصريين، تقول: اللام حرف جر، و(تنذر) فعل مضارع منصوب بـ(أن) مضمرةً جوازًا بعد اللام؛ على رأي الكوفيين، يقولون: إن اللام هي الناصبة، فيقولون: اللام لام (كي) وهي ناصبة. لكن البصريين أدق منهم في هذه الناحية، بل حقيقة الأمر أن اللام حرف جر، وأن (أن) هي الناصبة مقدرة. طيب، أين متعلق ﴿لِتُنْذِرَ﴾؟ متعلقها هذا المحذوف الذي قدره المؤلف: (أرسلناك). ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾، الإنذار هو الإعلام بما يُخاف، هذا الإنذار: الإعلام بما يخاف، والإعلام بما يُرغب ويش يُسمى؟ * طالب: بشارة. * الشيخ: بشارة أو تبشير. وقوله: ﴿قَوْمًا﴾ المراد بهم قريش، ولا يعني ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام مبعوث إليهم خاصة، ولكن لأن أول من أنذرهم كانت قريشًا، وإلا فقد بعث لهم ولغيرهم، قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ﴾ من قريش وغيرهم ﴿نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١]. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾. ﴿مَا﴾ نافية، و﴿أَتَاهُمْ﴾ بمعنى جاءهم، و﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد إعرابًا لا معنًى، و﴿نَذِيرٍ﴾ فاعل (أتى)، يعني: ما جاءهم نذير. وفائدة زيادة (مِن) التنصيص على العموم، في كل الأزمان الماضية ما أتاهم أحد ينذرهم قبل الرسول ﷺ. وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ﴾، جملة ﴿مَا أَتَاهُمْ﴾ في محل نصب صفة لأيش؟ * طالب: لـ﴿قَوْمًا﴾. * الشيخ: صفة لـ﴿قَوْمًا﴾. وقوله: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾، قال المؤلف: (وهم أهل مكة) هذا تفسير لـ﴿قَوْمًا﴾. إذا قال قائل: أليس إسماعيل رسولًا؟ * طالب: بلى. * الشيخ: طيب، إذن هو قد أتاهم قبل النبي ﷺ، أو لا؟ * طالب: المراد أولاده، وأولاده ما (...). * الشيخ: أو يقال: إنه لما طال العهد حتى انمحت صاروا محتاجين إلى نذير ولم يأتهم نذير، فمَا أتاهم من نذير بعد أن انقرضت معالم رسالة إسماعيل، وإلا فلا ريب أن إسماعيل مرسَل إليهم؛ لأنه نبي، ولكنه انقرضت، ولهذا كان من دعاء إسماعيل وإبراهيم أنهما قالا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة ١٢٩]، وأجمع المفسرون على أن المراد به محمد ﷺ، فمنذ إسماعيل إلى أن بُعث الرسول عليه الصلاة والسلام ما جاءهم نبي، وانقرضت معالم النبوة، وكان أول من غيَّرها عمرو بن لُحَيٍّ الخُزاعي، فإنه هو الذي أدخل عبادة الأصنام وأدخل السوائب على العرب حتى انمحت به الحقيقة[[أخرج ابن حبان (٧٤٩٠) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «عرضت علي النار فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، وكان أول من غير عهد إبراهيم وسيب السوائب...».]]. * طالب: ولا لهم علاقة (...)؟ * الشيخ: لا، ما لهم علاقة؛ لأن رسالة موسى وعيسى إلى قومهما، إلى بني إسرائيل. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٤٦]. (لعل) هذه للتعليل، وهي متعلقة بـ(تنذر)، تنذرهم لأجل أن يتذكروا، أي: (يتعظون) بما جئت به. وهذا التعليل سنذكر في الفوائد إن شاء الله ما هي فائدته. * طالب: خبر (ما) النافية؟ * الشيخ: ما هي خبر؛ لأنها ما دخلت على اسم. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، تُزاد في خبر (ما)، لكن هنا (ما) دخلت على جملة اسمية. * الطالب: القاعدة في الزيادة؟ * الشيخ: القاعدة لزيادة (من) أنها إذا حُذفت استقام الكلام بدونها. * الطالب: (...). * الشيخ: القاعدة أنك لو حذفتها هنا وقلت: (ما أتاهم نذير) صح، فهو دليل على زيادتها.

القصص 28:44

قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [القصص ٣٩]، ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ مِن الكبرياء وهي العظمة، والمعنى: أنه تَرقَّى وتعاظَم هو وجنوده، وزيادة الهمزة والسين والتاء للمبالغة وليست للاستدعاء؛ لأن الغالب أنَّ الهمزة والسين والتاء تكون للاستدعاء مثل: (استغفرَ له) يعني: طلب مغفِرَته، (استرحمه) طلب رحمتَه. لكن تأتي أحيانًا لِلمبالغة مثل: (استكبر) يعني: بالَغ في الكبرياء والعظمة. ﴿هُوَ وَجُنُودُهُ﴾، مَن جُنُودُه؟ الجُنْد في الأصل هم حاشية الإنسان وأنصاره، ويُطلق على كل مَن اتَّبعه فهو مِن جُنْدِه. وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾، متعلق بـ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾، و(أل) في (الأرض) للعهد الذهني، قال المؤلف: (أرض مصر) ليس الأرض كلها؛ لأنه لا سلطان له على بقية الأراضي، ولكن المراد أرض مصر، فعلى هذا تكون (أل) هنا لأي شيء؟ للعهد الذهني، لا للعموم. وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بيان للواقع؛ لأن الاستكبار كله مُخالفٌ للحق، ولكنه بيان للواقع زيادةً في تقبيحه، فالاستكبار قبيح، فإذا وُصف (...) صار أقبح وأقبح. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة ٦١]، ويمكن يكون قتل النبيين بحق؟ لا، كلُّ قتلِ النبيين بغير الحق، لكن ذَكَر ذلك للمبالغة في تقبيحه، وإلا في الواقع أنه ليس بحق. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، والحق في الأصل هو الشيء الثابت، فإذا أُضِيف إلى (...) فالمراد به الصدق، وإذا أضيف إلى الأحكام المراد به العدل؛ كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]. إذن انتفى عن هؤلاء باستكبارهم الحق من وجهين؛ حيث اتخذوا كذبًا وزورًا بما استكبروا به. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾. ﴿وَظَنُّوا﴾، هل المراد بالظن هنا الرجحان أو اليقين؟ * طالب: (...). * الشيخ: المتيقنين (...)؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما جحدوا (...)، فهل نقول: المراد به الرجحان، يعني ترجح عندهم أنهم راجعون، أو اليقين؟ كلاهما في الواقع يُنافي قولَه تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]؛ لأنَّ مَن استيقن الشيء هل يظُن خلافَه؟ أن يستيقن أن ما جاء به موسى حق، هل يستيقِن خلافَه أو يظن خلافَه أيضًا؟ لا؛ لأن من استيقن الشيء فقد آمن به، لكن يبدو لي أنَّ الظن هنا إمَّا بمعنى الدعوة، يعني ادَّعَوْا أنهم إلينا لا يُرْجَعُون، أو أن المُراد به.. وهو فعله هنا فعل الظان. وقوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٣٩] فيها قراءتان: ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ بالبناء للفاعل وللمفعول، بالبناء للفاعل كيف أنطق؟ ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ ، وبالبناء للمفعول: ﴿لَا يُرْجَعُونَ﴾، وأركان القراءة (...): وَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ∗∗∗ وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرْآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّــــــــــــــلَاثَةُالْأَرْكَـــــــــــانُ فهنا ﴿يَرْجِعُونَ﴾ (...) أو لا؟ يعني ما اختلفت إلا بالشكل فقط. ومعنى ﴿يَرْجِعُونَ﴾ أي: يعودون ويُردون إلى الله سبحانه وتعالى؛ إذ إن الكل سوف يرجع إلى الله، والإنسان راجع إلى الله في محياه ومماته، فهو بعد الموت يرجع إلى الله، وكذلك في الدنيا أمره راجع إلى الله، فهو الذي يدبره. ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾، الفاء عاطفة والمراد بها أيضًا السببية، أي: فبسبب استكباره هو وجنوده أخذناه ﴿وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ [القصص ٤٠]. شوف، مقابل الاستكبار ذكر الله تعالى عقوبتهم على وجه الاستهجان والتحقير: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾؛ إذ إن النبذ هو الطرح، الطرح يعني بقوة، والمطروح بقوة هل هو عظيم ولا حقير؟ بل هو حقير؛ لأن العظيم ما يمكن، ما تستطيع أن تنبذه نبذًا، فهو (...) عظيم ما تقدر، إنما ينبذ نبذًا من كان هينًا حقيرًا، ولهذا قال: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾. (هم) يعود على الجنود ولا على من؟ على فرعون والجنود، ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾، ولم يغنه هؤلاء الجنود شيئًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا شيء يقابله من قوة البشر. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ (طرحناهم). ﴿فِي الْيَمِّ﴾ [القصص ٤٠]، ﴿الْيَمِّ﴾ قال: (البحر المالح) احترازًا منين؟ من الأنهار؛ لأن الأنهار بحار، لكنها غير مالحة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر ١٢]، وقال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن ١٩]، فسمى الله تعالى الأنهار والبحار المالحة سماها بحارًا. وقوله: (البحر المالح) هذا بيان للواقع الذي وجد فيه فرعون وجنوده؛ لأنهم وجدوا في بحر القلزم أو القلزم، وهو البحر الأحمر الذي بين جُدة ومِصر، هذا الذي غرق فيه فرعون وقومه. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾، وانظر إلى الحكمة في أن الله سبحانه وتعالى أغرقهم إغراقًا في اليم؛ لأن فرعون كان يفتخر بأنهاره ويقول لقومه: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥١، ٥٢] فافتخر بالماء فأُغرق به. * طالب: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾. * الشيخ: نعم ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]، فأخرجه الله من ملك مصر وأهلكه بما كان يفخر به من الأنهار. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن البحر المالح بعيد عن ملك مصر (...). قال: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٤٠]، ﴿فَانْظُرْ﴾ الخطاب لمن؟ ﴿فَانْظُرْ﴾ يعني: يا محمد، أو: ﴿فَانْظُرْ﴾ أيها القارئ أو السامع؟ فالخطاب لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، ماذا تقول؟ * طالب: الأخير. * الشيخ: الأخير، أي: ﴿فَانْظُرْ﴾ يا من تسمع هذا الخطاب ويوجَّه إليك. والمراد بالنظر هنا نظر الاعتبار، وهو النظر بالقلب؛ لأن العاقبة ما هي تنظر بالعين، اللهم إلا إذا سار الإنسان في آثارهم، فقد ينظر بعينه وبقلبه. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿كَيْفَ﴾ هنا للاستفهام، والمراد به التعظيم، يعني لعظم العاقبة، لكن لا تعظيم الرفعة، بل تعظيم العقوبة والعياذ بالله. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ فهو تفخيم لها وتعظيم لعاقبة وخيمة سيئة للغاية، محلها من الإعراب ﴿كَيْفَ﴾؟ * طالب: اسم استفهام. * الشيخ: اسم استفهام مبني على الفتح في محل؟ * الطالب: نصب. * الشيخ: نصب نعم. * الطالب: مفعول (انظر). * الشيخ: مفعول (انظر)! ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ﴾، ما يصح أن تكون مفعول (انظر)؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، إذا جعلناها مفعول (انظر) ما صار لها صدر الكلام، صارت متأخرة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، (...) بمفعول (انظر)، لكن أنا أريد إعراب ﴿كَيْفَ﴾ فقط. * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: خبر. * الشيخ: خبر؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: ما هو بصحيح. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم خبرها مقدر، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾، فـ﴿كَيْفَ﴾ هنا اسم استفهام (...) خبر مقدم لـ﴿كَانَ﴾. وتقديم خبرها هنا واجب ولا جائز؟ * طالب: واجب. * الشيخ: واجب. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿عَاقِبَةُ﴾ بمعنى عقبى، وهي على صيغة اسم الفاعل، والمراد العقبى. و﴿الظَّالِمِينَ﴾ هم الذين نقصوا حقوق أنفسهم وحقوق ربهم؛ لأن الظلم في الأصل النقص، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣]، أي لم تنقص. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، المراد بالظالمين هنا الكافرون ولَّا لا؟ * طالب: الكافرون. * الشيخ: نعم الكافرون؛ لأنه يشير إلى ما جرى لفرعون وقومه، وهم ظالمون ظلم كفر؛ لأن الظلم ينقسم إلى قسمين: ظلم كفر، وظلم معصية دون الكفر. ففي قوله تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٧٩] (...) ظلم المعصية، المراد ظلم المعصية، وفي قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] المراد ظلم الكفر، وفي قوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧] شامل للأمرين الكفر وما دونه. (﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ حين صاروا إلى الهلاك). إلى الهلاك بأتفه الأمور، وهو الماء، وهذه من حكمة الله سبحانه وتعالى أن يأخذ كل إنسان بذنبه، كما قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] أي: بما يقتضيه ذنبه من العقوبة، عاد استكبروا في الأرض وتحدوا وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، وقوله: ﴿خَلَقَهُمْ﴾ ولم يقل: إن الله (...) بكونه أشد منهم؛ لأن الخالق بلا ريب أقوى من المخلوق. بماذا أخذوا؟ أخذوا بألطف الأشياء، وهي الريح، أرسل الله عليهم الريح ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة ٧]، كل أيام الدهر، أرسلت إليهم في كل أيام الدهر، لو شاء الله لأرسلها عليهم في ليلة واحدة ودمرتهم تدميرًا، لكن لحكمة أراد أن يتعذبوا أكثر، ما أخذتهم جميعًا؛ أخذت مثلًا (...) ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر ٢٠]، وهذا أشد عقوبة؛ لأنها لو جاءتهم مرة واحدة ودمرتهم ما تعذبوا؛ ماتوا وهلكوا وانتهى الأمر، لكن هذا أشد. طيب إذن هنا أغرقوا باليم؛ لأنهم والعياذ بالله (...). قال: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ في الدنيا ﴿أَئِمَّةً﴾ [القصص ٤١] بتحقيق الهمزتين) ﴿أَئِمَّةً﴾، (وإبدال الثانية ياءً)، كيف يقال؟ ﴿أَيِمَّةً﴾ ، والقراءة الثانية هنا سبعية. قال: (رؤساء في الكفر)؛ لأن الإمام هو القائد الذي يُتبع، فهو والعياذ بالله ذو أثر في الكفر، وليسوا رؤساء فقط؛ رؤساء متبوعون في الكفر. * طالب: (في الشرك). * الشيخ: (في الشرك)، نعم، رؤساء في الشرك، يعني متبوعين. الإمام هو المتبوع، المعنى أنهم كانوا قادة والعياذ بالله إلى الكفر والشرك. لكن هذا، يقول المؤلف: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ في الدنيا ﴿أَئِمَّةً﴾ ). لو أنه أخر (في الدنيا) لكان أحسن، وقال: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ في الدنيا ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١])؛ لأن حقيقة الأمر أن إمامتهم بالكفر متى؟ في الدنيا، إمامتهم كانت في الدنيا، فهم جعلوا في هذه الدنيا أئمة، يعني متبوعين يُقتدى بهم في الكفر، فكل من أتى بعدهم وكان كفره استكبارًا فإنه مقتدٍ بهم. وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، ليس إلى الإيمان، ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ بالقول أو بالفعل؟ بهما جميعًا، فهم قبل أن يهلكوا يدعون بالقول وبالفعل، وبعد أن هلكوا يدعون بالفعل؛ لأن من اقتدى الناس بفعله فهو في الحقيقة قد دعاهم إليه. وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، قطعًا ما يدعونهم بأن يقولوا: يا ناس ادخلوا إلى النار، لو كان يقولون: يا ناس ادخلوا النار ما أطاعوهم، لكن ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ يدعون إلى العمل الموصل إليها، وهو الشرك والكفر، وبئس ما كانوا أئمة فيه، وهو الدعوة إلى الكفر بالله تبارك وتعالى والإشراك به. طيب، وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. ﴿وَيَوْمَ﴾ هذا ظرف متعلق بـ﴿يُنْصَرُونَ﴾، يعني: وهم لا ينصرون يوم القيامة. في الدنيا أئمة متبوعون، لكن في الآخرة ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾، هم ما يستطيعون أن ينتصروا لأنفسهم، فلا يمكن أن يكونوا أئمة يُقتدى بهم. وقوله: ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ أي: لا يجدون من ينصرهم (بدفع العذاب عنهم)، ما أحد يدفع عنهم العذاب، لا هم ولا غيرهم أيضًا، حتى غيرهم ما يمكن أن يدفع عنهم العذاب. (﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ خزيًا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤١، ٤٢] المبعدين). ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ على فرعون وجنوده، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ﴾ يعني: جعلناها تتبعهم بعد إهلاكهم. واللعنة في الأصل: الطرد والإبعاد، وفسرها المؤلف بلازمها وهو الخزي، أي أنه كل من ذكرهم يلعنهم ويطردهم ويبتعد عنهم، ولكن لا منافاة بين ما هنا وبين قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١]؛ لأن الذي يأتم بهم هو الموافق لهم على كفرهم، أما من لم يهتم بهم فإنه يلعنهم. وقوله: ﴿لَعْنَةً﴾ من الله ولا من غيره؟ منه ومن غيره، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة ١٥٩]، فمن لعنه الله لعنه المؤمنون بالله، قال ابن مسعود رضي الله عنه في لعن النامصة والمتنمصة، قال: «وما لي لا أَلْعَنُ مَن لَعَنَهُ رسولُ اللهِ ﷺ»[[أخرجه البخاري (٥٩٤٣). ]]. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أيضًا ظرف متعلق؟ * طالب: بالنار. * الشيخ: بالنار؟! بمحذوف حال من (هم)، يعني: وهم حال كونهم يوم القيامة من المقبوحين، أو متعلق بالمقبوحين (...) ما تقدم لنا من أن (أل) اسم موصول، واسم الموصول لا يعمل ما بعده بما قبله، فإما أن تجرد (أل) من المصدرية، أو يأتي ذلك على سبيل التوسع؛ لأنهم يتوسعون في الجار المجرور والظرف ما لا يتوسعون في غيره. وقوله: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]، أتى بالجملة الاسمية الدالة على أنهم هم في ذلك الوقت لا يمكن أبدًا أن يستحسن ما فعلوه أو يقربوا، بل إنهم في ذلك الوقت من المقبوحين المبعدين الذين يفضحهم كل من ذكرهم، فلا يمكن لأحد أن يقربهم. إذن، عُوقب هؤلاء والعياذ بالله الذين كانوا يدعون إلى النار، عوقبوا بأمرين؛ بل بثلاثة أمور: الأمر الأول: أنهم إذا حل بهم العذاب يوم القيامة لن يجدوا من ينصرهم؛ لأنه قال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. الأمر الثاني: العار الذي لحقهم من اللعنة التي لحقتهم إلى يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ [القصص ٤٢]. الأمر الثالث: أنهم يوم القيامة لا يمكن أبدًا أن يكونوا من المحبوبين المقرَّبين، بل هم من المقبوحين المطرودين المبعَدين (...). * * * (﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣] التوراة)، وهي كتاب بمعنى مكتوب، والجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم، واللام الواقعة في جوابه، و(قد). وهنا قد يقول قائل: لماذا تؤكد بهذه المؤكدات الثلاثة مع أنها ليست مخاطبةً لمنكر لها؟ فالجواب: أننا سبق أن قلنا: إن التأكيد ليس سببه إنكار المخاطب فقط، بل قد يكون سببه أهمية المخبَر عنه، فيؤكد بالقسم وباللام و(قد) وغيرها من المؤكدات. (...) * يستفاد من هذه الآية: بيان حال فرعون وجنوده، وأنهم قوم مستكبرون عن الحق متعالون عليه. * ثانيًا: يستفاد منها أيضًا: أن من استكبر عن الحق ففيه شبه من فرعون وجنوده. * ومنها، أي مِن فوائد الآية: وجوب الرضوخ للحق، فالإنسان يجب عليه أن يرضخ للحق، سواء وافق هواه أم خالفه. * ومِنها: أن المستكبر ليس له حق في الاستكبار؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. * ومِنها أيضًا: أن هؤلاء المستكبرين يعملون عمل من لا يظن أنه يرجع إلى الله؛ لأن من ظن أنه يرجع إلى الله فلن يستكبر عنه؛ إذ إنه يخاف منه، لكن من يستكبر هو من ظن أنه لا يرجع إلى الله سبحانه وتعالى. * ومنها: إثبات البعث؛ لأن قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٣٩] إثبات الظن، فيقتضي أن الرجوع إلى الله أمر ثابت. * ويستفاد من قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾؛ يستفاد منه: أن الذنوب سبب للعقوبة؛ لأن الفاء (...) تفيد السببية. * ومنها: بيان عظمة الله سبحانه وتعالى؛ حيث أخذ هؤلاء العتاة بما لهم من القوة ونبذهم نبذًا كما ينبذ الإنسان نواة من (...)، نعم، وليس هذا تشبيهًا، لكن قصدي أنه لم يبال بهم ولم يعجزوا الله سبحانه وتعالى. * ومنها: حكمة الله سبحانه وتعالى؛ حيث كان إهلاك فرعون وقومه بالماء الذي كان يفتخر به بقوله: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]، فإن هذا الذي كان يفتخر به كان محل هلاكه. * ومنها: أن فرعون قد هلك فيمن هلك؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس ٩٢] ليس معناه أنه حي باقٍ، وإنما الذي أُنجي وظهر للناس هو بدنه فقط؛ ليكون لمن خلفه آية؛ لأن بني إسرائيل -كما قال أهل العلم- قد أرعبهم فرعون، فلولا أنهم خرجوا حتى شاهدوه ببدنه لكان عندهم نوع من القلق: هل هلك أو ما هلك، فإذا شاهدوه تيقنوا وزال عنهم القلق. فإذن هو هالك فيمن هلك؛ لقوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾. * ومِنها، أي مِن فوائد الآية: أنه يُطلب من المرء -إما وجوبًا أو استحبابًا- أن يتأمل في عاقبة الظالمين: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، فيتفرع على هذه الآية أنه ينبغي لنا أن نتعظ بعاقبة هؤلاء فلا نظلم مثلهم؛ لأنه ما دام عاقبة الظالم الهلاك فإن الإنسان يخشى أن يهلك إذا ظلم. * ومنها: أن الظلم محرم؛ لأنه سبب للعقوبة، وما كان سببًا للعقوبة فإنه محرم، وسواء كان الظلم للنفس أو للغير فإنه محرم بجميع أنواعه، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر رضي الله عنه. ]]. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. * يستفاد من هذه الآية: حكمة الله سبحانه وتعالى في مثل فرعون وقومه، في أن لإيجادهم حكمة؛ لأن الله قادر على أن يجعل المرء على الهدى، لكنه سبحانه وتعالى له الحكمة في أن يوجد مثل هؤلاء القوم الذين يدعون إلى النار. * ويستفاد مِنها أيضًا: حكمة الله تعالى فيمن خلق من أمر الله، وأنهم بلاء وفتنة. * ومنها: إثبات الإمامة في الشر كما هي ثابتة في الخير، فانظر إلى هذه في آل فرعون، وانظر إلى هذه في بني إسرائيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤]، ففرق بين من يقود الناس بأمر الله، من يقودونهم بشريعته، وبين من يدعون إلى النار. * ومن فوائدها أيضًا: أن الدعاء إلى النار وإلى الخير أيضًا كما يكون بالقول يكون بالفعل، يكون بالقول ويكون بالفعل، وأيهما أقوى؟ قد يكون الدعاء بالقول أقوى وقد يكون الدعاء بالفعل أقوى، نعم، إنما على كل حال الدعاء بهذا وبهذا ثابت، فإن الإنسان يدعو الناس بمقاله وبحاله. * ومنها: إثبات يوم القيامة في قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾، وسُمي (يوم القيامة) لأمور ثلاثة: أنه يقوم الناس فيه من قبورهم إلى رب العالمين، وأنه يُقام فيه العدل كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧]، وأنه يقوم فيه الأشهاد: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]. فلهذا سُمي يوم القيامة، لماذا سمي يوم القيامة؟ * طالب: (...). * الشيخ: ذكرنا الآن ثلاثة أسباب الآن. * الطالب: (...). * الشيخ: ما (...)، لا تعتمد على (...) كان ربما يأتي مسائل تشكل عليه. * ومنها أيضًا، يستفاد من الآية الكريمة: أن آل فرعون لا ناصر لهم في الآخرة، ومثلهم من كان على شاكلتهم من المستكبرين عن الحق، فإنهم لا يجدون من ينصرهم من عذاب الله إذا نزل بهم في ذلك اليوم. ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]. * يُستفاد مِن هذه الآية: أن عقوبة آل فرعون كانت ممتدة إلى يوم القيامة بالذكرى السيئة لهم، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾؛ فإن كل من ذكر آل فرعون يذكرهم بالسوء والبغض والكراهية. * ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: تحقير الدنيا؛ فإن قوله: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ إشارة للقريب؛ لدنو مرتبته وأنها دنيا، والدُّنيا: مؤنث أدنى، وهي من الدنو الحسي والمعنوي؛ أما الدنو الحسي: فلسبقها على الآخرة، فهي أدنى إلى المخلوقين من الآخرة، وأما الدنو المعنوي: فلما تتضمنه من النقص في جميع كمالاتها، فما من كمال في الدنيا إلا وهو ناقص، والآن لو تأملت جميع المضار والمنافع الدنيوية تجدها مشوبةً بالضرر والخطر، حتى الزمان كما قال الشاعر: فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ لو تأملت هذا لوجدته دائمًا، نعم، وعلى هذا نقول: الدنيا نُسبت لذلك لأمرين: الدنو الحسي والمعنوي، الدنو الحسي: قربها، لسبقها على الآخرة، والدنو المعنوي أنه ما فيها شيء (...) إلا وهو مشوب بنقص. * ومِن فوائد الآية: أن اللعنة - والعياذ بالله - التي وزعت (...) تكون عليهم في الآخرة؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]؛ لأن المقبح معناه المبعد المقبوح، واللعن هو الطرد والإبعاد. * * * قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣]. ﴿آتَيْنَا﴾ بمعنى أعطينا واعلم أن إيتاء الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين: إيتاء شرعي وإيتاء قدري، فما تعلق بالكون والخلق فهو إيتاء قدري، وما تعلق بالشرع فهو إيتاء شرعي. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة ٥٩]، هذا إيتاء شرعي، والمراد به قسم الصدقات أو الفيء. ومثل ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ شرعي ولا قدري؟ * طالب: (...). * الشيخ: أو قدري، إي؛ لأن الإنزال -إنزال القرآن- من الأمور التي تتعلق بمشيئة الله، لا بشرعه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: العمل بالكتاب شرعي. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يكون؛ لأن أصل الإنزال قدري يتعلق بمشيئة الله وقدره، لكن العمل به شرعي. وقوله: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾، (موسى) مفعول أول لـ(آتينا)، و(الكتاب) مفعول ثان، وهي من باب (ظن). * طالب: (...)؟ * الشيخ: من باب (كسا)؛ لأنه إذا لم يكن الأول مبتدأ والثاني خبرًا، فهو من باب (...)، لو قلت: (موسى الكتابُ) يصلح؟ ما يصلح، فكل مفعولين لا يصح أن يكون أحدهما مبتدأ والثاني خبرًا فهما من باب (كسا)، وما صح أن يكون مبتدأ وخبرًا فهما من باب (ظن). وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾، يقول: (التوراة)، وهو (فعال) بمعنى (مفعول)؛ لأن التوراة مكتوبة، فإن الله تعالى كتبها بألواح وأعطاها موسى. وقال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣]، متعلق بـ﴿آتَيْنَا﴾. يعني: أعطيناه إياه من بعد ما أهلكنا القرون الأولى. القرون: جمع قرن، والمراد بهم الأمم، وقد يُراد به الفترة من الزمن، ومقدارها مئة سنة. فالقرون تارةً يراد بها الأمم، وتارة يراد بها أحقاب الزمن. وهنا المراد أحقاب الزمن ولا الأمم؟ الأمم؛ لأن أحقاب الزمن ما تهلك، الذي يهلك الأمم. (﴿أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم). (قوم نوح). * طالب: (...). * الشيخ: عندي هنا (وعاد)، عندكم (وعادًا) ولا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما فيها شك (...)، هو الوجه أن يقال: (قوم نوح وعادًا وثمود)، أما (ثمود) فلا تنصرف، لكن الكلام على (عاد) (...) تفسير للقرون. طيب، هم: (قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم). هؤلاء هم القرون الأولى، وإنما قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾، إشارةً إلى أن الناس كانوا في حاجة إلى مثل هذا الكتاب الذي نزل على موسى؛ لأن القرون أهلكت وتطاول الزمن، فاحتاج الناس إلى رسالة، فأرسل الله تعالى موسى بهذا الكتاب الذي هو التوراة. وقيل: إن القرون الأولى تشمل حتى آل فرعون؛ لأن التوراة ما نزلت على موسى إلا بعد أن أهلك الله قرن فرعون وقومه، وأنه يشمل حتى هؤلاء، حتى إن بعض العلماء استنبط منها أنه لم تهلك أمة بعد نزول التوراة، يعني (...) وأن هذا من فوائد قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣]؛ لأن إهلاك الأمم السابقة مضى وانقضى، ولا إهلاك بعد نزول التوراة. وفي الحقيقة أن من تأمل التاريخ وجد أنه لم تهلك أمة بعد نزول التوراة، ما هلكت أمة، لكن هل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ يشير إلى هذا؟ هذا هو محل النظر والمناقشة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما حصل هلاك عام، (...)، أما أنه هلاك عام ما حصل، فالمهم هذه (...). قال: (﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص ٤٣] حال من الكتاب). وين (الكتاب)؟ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ﴿بَصَائِرَ﴾، و﴿بَصَائِرَ﴾ (جمع بصيرة وهي نور القلب) كما أن (بصر، وأبصار) نور العين، فنور القلب يسمى بصيرة وبصائر، ونور العين يسمى بصر وأبصارَا ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٦]. وقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾، (أل) هنا للعهد الذهني، وليست للعموم؛ لأن التوراة لم تنزل إلا لمن؟ لقوم موسى فقط، كما قال النبي ﷺ: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨) ومسلم (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]] خذوا بالكم من هذا. طيب، وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، هل يخرج الجن؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، من حيث التكليف والإلزام يخرج الجن، فإنه لم يكلف أحد برسالة أحد من الرسل من الجن، لكن من حيث العمل يمكن أن يستبصر بها الجن، كما قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف ٣٠]، فإن الظاهر أنهم كانوا انتفعوا بما أنزل على موسى كما انتفعوا بالقرآن. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يجب عليهم؛ لأنه الرسول يقول: «يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ» » والجن ليسوا منهم. وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، أنا ذكرت أن (أل) هنا للعهد الذهني، طيب. قال: (جمع بصيرة، وهي نور القلب، أي: أنوارًا للقلوب)، وهكذا جميع الكتب التي ينزلها الله عز وجل تكون أنوارًا للقلوب؛ لأنه يكون بها الاقتداء، ولهذا قال: (﴿وَهُدًى﴾ من الضلالة لمن عمل بها). تقييد المؤلف (لمن عمل بها) غير وجيه، والأولى إبقاء الآية على ظاهرها، أن التوراة هدًى، لكن هذا الهدى ما ينتفع به إلا من وُفق، فهي هدًى من الضلالة بلا شك، لكن هل ينتفع بها ويهتدي بها كل أحد؟ لا، كما قال الله تعالى في القرآن: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة ١٨٥]، وقال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢]، ففي الأول هدى دلالة، وفي الثاني هدى توفيق. التوراة، إذا قلنا: هدًى لمن عمل بها قيدنا الآية بهدى التوفيق مع أنها مطلقة، ولهذا الأولى أن نقول: هدًى من الضلالة في كل أمر، كما قال: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾، نقول: وهدًى أيضًا للناس، ولكن الهدى الذي بمعنى الدلالة عام، والهدى الذي بمعنى الاهتداء -يعني يهتدي بها الإنسان- هذا خاص لمن وُفق له. (﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ لمن آمن به). هذه نعم، (...) أن المقام يقتضي التخصيص، أنه رحمة، لكن لا لكل أحد، إلا أن يقال: رحمة أي وسيلة للرحمة، فإذا قلنا: إن (رحمة) أي وسيلة صار عامًّا. نقول: هدًى باعتبار العلم، ورحمة باعتبار العمل؛ لأن من عمل به فهو مرحوم. وأما الهدى فهو باعتبار العلم، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣]، فالهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، أي ما تكون رحمة لغيره، هي هدى، الهدى نعم هدًى لكل أحد. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو بالظاهر، الظاهر أنها لو قُيدت تقييدًا مثلما قال المؤلف؛ لأنه ما يرحم بها إلا من عمل بها، ما يرحم بها إلا من عمل فقط. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٤٣]. (لعل) هنا معناها التعليل، أما عملها فهي تنصب المبتدأ وترفع الخبر، وخبرها جملة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾، قال: (يتعظون بما فيه من المواعظ)، يعني بما في الكتاب - اللي هو التوراة - من المواعظ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، كلمة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ الضمير يعود على من أُنزلت عليهم التوراة، وهم بنو إسرائيل. قال الله تعالى لنبيه ﷺ: (﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِجَانِبِ﴾ الجبل أو الوادي أو المكان ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص ٤٤] من موسى حين المناجاة). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ (جانب) بمعنى جهة، جانب الشيء جهته أو طرفه. وقوله: ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ صفة لموصوف محذوف، ما هذا الموصوف؟ قال المؤلف: (الجبل أو الوادي أو المكان)، و(أو) هنا ليست للتخيير ولكنها للتمييز؛ لأن بعضهم يقول: المراد به الجبل، وبعضهم يقول: المراد به الوادي، وبعضهم يقول: المراد به المكان، وكلمة (المكان) أعم لأنها تشمل أن يكون واديًا أو جبلًا، وموسى كما تعلمون نزل من جانب الطور، وهو في الوادي المقدس، فالآية (...) والذي يضبط الوادي أو المكان أو الجبل هو كلمة (...).الجانب الغربي منه، يعني كأنه قال: بالجانب الغربي من الجبل، فيكون من باب إضافة الموصوف إلى صفته، مثلما يقال: (مسجد الجامع) أي: المسجد الجامع. على هذا التقدير الأخير يكون المراد الغربي من نفس الجانب، ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ أي: بالجانب الغربي من الجبل، أما على رأي المؤلف فهو يقول: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ بجانب المكان (الغربي) صفة لـ (جانب) من موسى وهو يكلم الله، وحينئذ نقول: موسى إذا كان وجهه إلى السماء والجانب الغربي منه؟ * طالب: (...). * الشيخ: على فرض الغرب، وإذا كان وجهه إلى الشرق، فالجانب الغربي منه يكون وراءه؛ لأن المتجه إلى الشرق يكون الجانب الغربي منه خلفه. وأنا الآن ما أتصور هل كان موسى بجانب الجبل من الشرق أو من الشمال. وعلى كل حال فـ(الغربي) نسبة، قد تكون مثلًا القصيم غربًا بالنسبة لمكان، وشرقًا بالنسبة لمكان آخر، بالنسبة لمكان المدينة تكون غربًا أو جنوبًا، وبالنسبة للكويت تكون غربًا. المهم أنك ما كنت بذلك الجانب (حين المناجاة ﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾ أوحينا إلى موسى الأمر بالرسالة إلى فرعون وقومه). ﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾، يقول المؤلف: (أوحينا)، وعلى هذا فالقضاء شرعي ولا كوني؟ * طالب: (...). * الشيخ: طيب يتعلق بالمشيئة، لكن المؤلف جعله شرعيًّا؛ لأن قضينا الأمر بالرسالة يعني: أمرناه به، فجعل الأمر هنا واحد الأوامر، وليس واحد الأمور، وإذا جعلناه واحد الأوامر صار هنا المراد بالقضاء: الشرعي. ويحتمل أن المراد بالأمر هنا واحد الأمور، أي: قضينا إليه ذلك الشأن العظيم وهو الرسالة، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى ٥٢]، فهذا الواحد واحد الأمور، وليس واحد الأوامر، وعلى هذا فيكون القضاء كونيًّا. والقضاء كما تعرفون ينقسم إلى قسمين: قضاء كوني، وقضاء شرعي. فالقضاء الكوني لا بد من وجود المقضي، والقضاء الشرعي قد يوجد وقد لا يوجد. والقضاء الكوني يكون محبوبًا إلى الله ويكون مكروهًا إليه، والقضاء الشرعي لا يكون إلا محبوبًا إليه؛ لأنه بمعنى الأمر. فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء ٤]، هذا قضاء كوني، يحبه الله ولا يكرهه؟ يكرهه. ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]، هذا قضاء شرعي؛ لأنه لو كان قضاءً كونيًّا للزم أن الناس كلهم يعبدون الله، وليس الأمر كذلك، وقضينا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذه الآية (...)، أما الاجتماع ما يمكن إلا في أمر وقع، مثلًا لو قلنا: قضى الله تعالى لأبي بكر أن يسلم، فهذا قضاء قدري شرعي؛ لأنه أمره بالإيمان فآمن، ونقول: قضى الله لأبي لهب أن يؤمن. * طالب: (...). * الشيخ: لا، قد يؤمن، هذا قضاء شرعي وليس كونيًّا، وقضى الله لأبي لهب أن يكفر هذا قضاء كوني، إي نعم. قال: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص ٤٤]، على رأي المؤلف: واحد الأوامر، ولهذا قال: (﴿الْأَمْرَ﴾ بالرسالة إلى فرعون وقومه)، أو نقول: إن الأمر واحد الأمور، وهو (...) الذي هو الرسالة إلى فرعون وقومه. وكلام المؤلف في الحقيقة محتمل، فيبقى الأمر بالرسالة (...) مراده: واحد الأمور، فيكون هذا (...) للرسالة. (﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص ٤٤] لذلك فتعلمه فتخبر به). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص ٤٦] ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ما فيها تكرار؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا تأتي من الله تعالى؛ لأن الأصل عدم التكرار. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، نقول: الآية ما فيها تكرار؛ لأن من كان بالجانب قد يرى وقد لا يرى، ولهذا قال: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. طيب، إذا قال قائل: لماذا لم يـقتصر على قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؟ قلنا: أيضًا نفس الشيء؛ لأن الإنسان قد يشاهد من بعد ولا يكون قريبًا، فهنا تضمن أنه قريب وأنه شاهد. ففرق بين أن نقول: (ما كنت شاهدًا) يعني: ما كنت حاضرًا أو مشاهدًا بعينك ولو كنت بعيدًا. ولهذا ليس في الآية الكريمة تكرار، ولكن فيها شيئًا من التوكيد، يعني: لا حضر ولا نظر، كما يقول هنا، فالنبي عليه الصلاة والسلام ما كان حاضرًا حتى يسمع ولا كان قريبًا حتى يشاهد. طيب، إذن فيكون ما أخبر به عن ذلك من باب الوحي، لا من باب المشاهدة ولا من باب السماع، ولكنه وحي أُوحي إليه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الوحي بالرسالة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، هذا على خلاف (...). * الطالب: (...). * الشيخ: كما سيأتي أيضًا (...). يقول: (﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٥] أممًا من بعد موسى). ﴿أَنْشَأْنَا﴾ أي: أوجدنا وخلقنا أممًا، ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص ٤٥]. (تطاول) أي: زاد في الطول، فالتاء والألف للمبالغة، وقوله: ﴿الْعُمُرُ﴾ المعنى: الزمن؛ لأن الأعمار هي الأزمان، قال: (أي: طالت أعمارهم فنسوا العهود واندرست العلوم وانقطع الوحي، فجئنا بك رسولًا وأوحينا إليك خبر موسى وغيره). قوله: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا﴾، الاستدراك هنا ما يقتضي إبطال ما سبق، يعني ليس المعنى: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٤، ٤٥] فشهدت، ولكن هذا الاستدراك لتفهيمنا، والمعنى أن العهود طالت وأنت لست بشاهد ولا بحاضر، ولما طالت العهود صار الناس محتاجين إلى الرسالة، فأوحينا إليك بما جرى وأرسلناك إلى الناس، والله أعلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا، يقال والله أعلم: إنه لما كان في الأرض الواحدة (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: كذلك (...)، وهؤلاء القوم ما داموا في أرض واحدة (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا الإلزام بعض العلماء يقول: إنه للنبي، أنه ما يلزم (...) بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [سبأ ٤٠]. (...) من عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣]، وهي أحد الكتب الثلاثة الباقي أثرها، وهي الإنجيل والقرآن. * ويستفاد منه: أن إتيان التوراة كان بعد إهلاك الأمم السابقة ومنهم فرعون، واستنبط منها بعض العلماء من قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣] أنه لم تهلك أمة على العموم بعد نزول التوراة؛ لأنه قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ﴾، وكأنه بعد نزول التوراة ما أهلك أحد من القرون، وهذا الاستنباط ليس ببعيد؛ لأن الواقع يصدقه. * طالب: (...) ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾؟ * الشيخ: لا، ما ذكرناها. * طالب: ذكرنا الفوائد هذه بالشرح. * الشيخ: إي نعم، ما (...). * ويستفاد من هذه الآية: أن الكتب النازلة من السماء، أنها أنوار للناس يهتدون بها؛ لقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: أن التمسك بشرائع الله تكون به الرحمة؛ لقوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الكتب النازلة من السماء هي التي بها الهدى من الضلالة؛ لقوله: ﴿وَهُدًى﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الحكمة من إنزال هذه الكتب تذكر الناس بما فيها من المواعظ؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. * ومِن فوائدها أيضًا: إثبات الحكمة في أفعال الله سبحانه وتعالى وكذلك في شرائعه؛ لأن (لعل) معناها التعليل، فيستفاد منها إثبات الحكمة في أفعال الله وشرائعه. من الذي أنكر الحكمة؟ هم الجهمية، يقولون: إن الله تعالى ليس له حكمة فيما يفعل وفيما يشرع، وإنما هو لمجرد مشيئة. قال: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص ٤٤]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: تقرير رسالة النبي ﷺ، وذلك بما أخبر به عن هذه الوقائع التي ليس حاضرًا فيها ولا شاهدًا. * ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: أن الوحي يسمى قضاءً؛ لقوله: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾. * ومِن فوائدها أيضًا: أن الوحي ذو شأن عظيم؛ لأن الله سماه الأمر بـ(أل) الدالة على العظمة والكمال. ولا ريب أن أعظم الأمور ما جاءت به الرسل من وحي الله سبحانه وتعالى، لما فيه من مصلحة البلاد والعباد. * ومنها أيضًا: أن الإنسان لا يقبل خبره إلا إذا كان حاضرًا يسمع أو شاهدًا يرى؛ لقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾، وقوله أيضًا: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، فإن الذي يمكن أن يخبر هو من حضر فسمع أو من قرب فشاهد. أما إنسان بيخبر بدون شهادة أو بدون شهود ولا حضور، فإنه لا يقبل خبره. وهذا أمر معلوم من الشرع من جهة أخرى من آيات أخرى وأدلة أخرى: أن الإنسان ما يشهد إلا بما علم برؤية أو سماع أو غيرهما من أسباب العلم. * * * ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص ٤٥]. قال: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾، نخلي الفائدة مع آخر الآية. (﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾ مقيمًا ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ )، والمراد بأهل مدين القوم الذين أتى إليهم موسى عليه الصلاة والسلام وجرى معه ما ذكر من استئجاره وتزويجه وسيره بأهله. فهل الرسول عليه الصلاة والسلام كان مقيمًا في أهل مدين حتى يخبر عما حصل منه؟ الجواب: لا. إذن فما جاء به من أخبار أهل مدين فإنه عن طريق الوحي. وقوله: ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾، (﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ خبر ثان)، وين الخبر الثاني؟ جملة ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾، يعني: وما كنت تتلو عليهم آياتنا (فتعرف قصتهم فتخبر بها). وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ الضمير ظاهر كلام المؤلف، وهو أيضًا ظاهر سياق الآية، أنه يعود إلى أهل مدين: ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ (فتعرف قصتهم وتخبر بها). وقال بعض العلماء، أي بعض المفسرين: إن الضمير يعود على قريش، يعني: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾، فـ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ القصة التي قصصتها بـ﴿آيَاتِنَا﴾، وهذا أقرب إلى المعنى، وإن كان الأول أقرب إلى اللفظ؛ لأن الضمير يعود على أقرب مذكور، لكنه ما يعود على أهل مدين إلا بتعسف شديد. فالصواب أنه يعود على قريش، يعني: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ فـ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ القصة التي جاءت بـ﴿آيَاتِنَا﴾. إذن فأنت رسول؛ لأنك أتيت بما لم تكن شاهدًا فيه، ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾. ولهذا قال: (﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص ٤٥] لك وإليك بأخبار المتقدمين). (﴿مُرْسِلِينَ﴾ لك) إلى الناس، (وإليك) بالوحي، فالرسول عليه الصلاة والسلام مرسل للناس ومرسل إليه. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. (كان) فعل ماض، وهي مسلوبة الزمن، والمقصود بها اتصاف اسمها بخبرها. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا﴾، هذه (نا) للجماعة، و(كنا) للجماعة، و﴿مُرْسِلِينَ﴾ جمع، مع أن الله تعالى واحد أحد، ولكن ذلك للتعظيم؛ لأن (نا) للمتكلم المعظم نفسه، أو للمتكلم ومعه غيره، وهي بجانب الله - بلا شك - للمتكلم المعظم نفسه. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾، ولم يقل: ولكن أرسلناك. كما قال في الآية التي قبلها: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٥]؛ لأن الرسالة ما زالت في الخلق منذ اختلفوا إلى آخر الرسل: محمد ﷺ. ومتى اختلفوا؟ اختلفوا بعد آدم، بعد أن مضت قرون إما عشرة أو أقل أو أكثر اختلف الناس، قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]، فتقول الآية: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فأنزل الله. * طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الجاثية ١٧]، أيش (...)؟ * الشيخ: اللي بالوحي، لكن المراد بهذا اختلاف بني إسرائيل، ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ هذا لبني إسرائيل، أما الأولى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ﴾، وفيها قراءة لكنها غير سبعية ﴿فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ﴾، وهذه القراءة يدل عليها قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. (﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ لك وإليك بأخبار المتقدمين)، والفائدة من ذكر أخبار المتقدمين للرسول ﷺ ليتلوها على الناس، الفائدة: تقرير أنه نبي؛ لأنه ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه، فإذن يكون ما أخبر به عمن سبق، يكون من باب الوحي المجرد. قال الله تعالى: (﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ الجبل ﴿إِذْ﴾ حين ﴿نَادَيْنَا﴾ [القصص ٤٦] موسى أن خذ الكتاب بقوة). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، هذا خبر آخر غير الخبر الأول الذي فيه ابتداء الوحي؛ لأن الله تعالى بعدما أهلك القرون الأولى وعد موسى ثلاثين ليلة وأتمها بعشر، واختار من اختار من قومه ثم ذهب إلى الله سبحانه وتعالى لمناجاته وإنزال التوراة عليه. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، (جانب) أي: جهة الطور، أو قُرب الطور، و الطور هو الجبل المعروف في سيناء. (﴿إِذْ﴾ حين ﴿نَادَيْنَا﴾ )، أفادنا المؤلف بأن (إذ) هنا ليست تعليلية ولكنها ظرفية، وهي ظرف لما مضى من الزمان، و(إذا) ظرف لما يُستقبل، و(إذن) ظرف للحاضر. فبهذا استكملت الظروف الثلاثة: (إذا) للمستقبل، و(إذ) للماضي، و(إذم) للحاضر. قال: (﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ موسى أن خذ الكتاب بقوة)، وهل الله قال له: خذ الكتاب بقوة؛ لموسى، ولَّا لبني إسرائيل حين رفع فوقهم الطور، قال: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف ١٧١]؟ فالظاهر أن المؤلف توهم في هذا، نعم. وخلنا نتأمل بعد في قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]، وأيش اللي قبلها؟ شوف في سورة الأعراف، أيش الآية؟ * طالب: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾. * الشيخ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]، إذن قول المؤلف: (أن خذ الكتاب بقوة) بالمعنى أتى بها، وإلا فالله يقول: ﴿فَخُذْهَا﴾ أي الألواح اللي فيها التوراة ﴿بِقُوَّةٍ﴾، يصير إذن أمر موسى أن يأخذها بقوة أن يأخذ الألواح بقوة. فعلى كل حال كلام المؤلف إذن صواب، بس إنه أتى به بالمعنى لا باللفظ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾، أي: خذ هذه الألواح ﴿بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]. يقول الله عز وجل: (﴿وَلَكِنْ﴾ أرسلناك ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّك﴾ [القصص ٤٦])، أخذنا أن قوله: ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول لأجله عاملها محذوف، والتقدير: أرسلناك رحمةً، وقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ ليس المعنى أنه هو الرحمة، ولكن المعنى أنه أُرسل للرحمة، ليرحم به، فالرحمة من الله سبحانه وتعالى، وأرسله الله رحمةً؛ كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧]، ليس المعنى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا﴾ حال كونك ﴿رَحْمَةً﴾، ولكن: إلا من أجل الرحمة، فبين المعنيين فرق. ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّك﴾، أضاف الربوبية إلى الرسول ﷺ على سبيل التخصيص والتشريف، وهذه هي الرحمة الخاصة، وهناك رحمة عامة. وفيها دليل - أي في قوله: ﴿مِنْ رَبِّك﴾ - على أن إرسال النبي ﷺ إلى الخلق ليرحموا به، أنه من الربوبية الخاصة؛ لأن من نعمة الله على العبد أن يلهمه هدًى ليهدي الناس به، فإن هذا في الحقيقة من أكبر النعم. فالنبي عليه الصلاة والسلام أوحي إليه ليرحم الخلق بما أوحي إليه، وهذا من مقتضى الربوبية الخاصة، ولهذا قال: ﴿مِنْ رَبِّك﴾، ولم يقل: (من ربهم)؛ ﴿مِنْ رَبِّك﴾ الذي رباك تربية خاصة. ﴿لِتُنْذِرَ﴾، اللام هنا حرف جر؟ * طالب: لام التعليل. * الشيخ: إي، ما هي حرف جر؛ لأنها داخلة على (أن) المقدرة، أي: (لأن تنذر)، ثم تحول إلى مصدر فيكون: (لإنذارك قومًا)، ولهذا على مذهب البصريين، تقول: اللام حرف جر، و(تنذر) فعل مضارع منصوب بـ(أن) مضمرةً جوازًا بعد اللام؛ على رأي الكوفيين، يقولون: إن اللام هي الناصبة، فيقولون: اللام لام (كي) وهي ناصبة. لكن البصريين أدق منهم في هذه الناحية، بل حقيقة الأمر أن اللام حرف جر، وأن (أن) هي الناصبة مقدرة. طيب، أين متعلق ﴿لِتُنْذِرَ﴾؟ متعلقها هذا المحذوف الذي قدره المؤلف: (أرسلناك). ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾، الإنذار هو الإعلام بما يُخاف، هذا الإنذار: الإعلام بما يخاف، والإعلام بما يُرغب ويش يُسمى؟ * طالب: بشارة. * الشيخ: بشارة أو تبشير. وقوله: ﴿قَوْمًا﴾ المراد بهم قريش، ولا يعني ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام مبعوث إليهم خاصة، ولكن لأن أول من أنذرهم كانت قريشًا، وإلا فقد بعث لهم ولغيرهم، قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ﴾ من قريش وغيرهم ﴿نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١]. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾. ﴿مَا﴾ نافية، و﴿أَتَاهُمْ﴾ بمعنى جاءهم، و﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد إعرابًا لا معنًى، و﴿نَذِيرٍ﴾ فاعل (أتى)، يعني: ما جاءهم نذير. وفائدة زيادة (مِن) التنصيص على العموم، في كل الأزمان الماضية ما أتاهم أحد ينذرهم قبل الرسول ﷺ. وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ﴾، جملة ﴿مَا أَتَاهُمْ﴾ في محل نصب صفة لأيش؟ * طالب: لـ﴿قَوْمًا﴾. * الشيخ: صفة لـ﴿قَوْمًا﴾. وقوله: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾، قال المؤلف: (وهم أهل مكة) هذا تفسير لـ﴿قَوْمًا﴾. إذا قال قائل: أليس إسماعيل رسولًا؟ * طالب: بلى. * الشيخ: طيب، إذن هو قد أتاهم قبل النبي ﷺ، أو لا؟ * طالب: المراد أولاده، وأولاده ما (...). * الشيخ: أو يقال: إنه لما طال العهد حتى انمحت صاروا محتاجين إلى نذير ولم يأتهم نذير، فمَا أتاهم من نذير بعد أن انقرضت معالم رسالة إسماعيل، وإلا فلا ريب أن إسماعيل مرسَل إليهم؛ لأنه نبي، ولكنه انقرضت، ولهذا كان من دعاء إسماعيل وإبراهيم أنهما قالا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة ١٢٩]، وأجمع المفسرون على أن المراد به محمد ﷺ، فمنذ إسماعيل إلى أن بُعث الرسول عليه الصلاة والسلام ما جاءهم نبي، وانقرضت معالم النبوة، وكان أول من غيَّرها عمرو بن لُحَيٍّ الخُزاعي، فإنه هو الذي أدخل عبادة الأصنام وأدخل السوائب على العرب حتى انمحت به الحقيقة[[أخرج ابن حبان (٧٤٩٠) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «عرضت علي النار فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، وكان أول من غير عهد إبراهيم وسيب السوائب...».]]. * طالب: ولا لهم علاقة (...)؟ * الشيخ: لا، ما لهم علاقة؛ لأن رسالة موسى وعيسى إلى قومهما، إلى بني إسرائيل. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٤٦]. (لعل) هذه للتعليل، وهي متعلقة بـ(تنذر)، تنذرهم لأجل أن يتذكروا، أي: (يتعظون) بما جئت به. وهذا التعليل سنذكر في الفوائد إن شاء الله ما هي فائدته. * طالب: خبر (ما) النافية؟ * الشيخ: ما هي خبر؛ لأنها ما دخلت على اسم. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، تُزاد في خبر (ما)، لكن هنا (ما) دخلت على جملة اسمية. * الطالب: القاعدة في الزيادة؟ * الشيخ: القاعدة لزيادة (من) أنها إذا حُذفت استقام الكلام بدونها. * الطالب: (...). * الشيخ: القاعدة أنك لو حذفتها هنا وقلت: (ما أتاهم نذير) صح، فهو دليل على زيادتها.

القصص 28:45

قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [القصص ٣٩]، ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ مِن الكبرياء وهي العظمة، والمعنى: أنه تَرقَّى وتعاظَم هو وجنوده، وزيادة الهمزة والسين والتاء للمبالغة وليست للاستدعاء؛ لأن الغالب أنَّ الهمزة والسين والتاء تكون للاستدعاء مثل: (استغفرَ له) يعني: طلب مغفِرَته، (استرحمه) طلب رحمتَه. لكن تأتي أحيانًا لِلمبالغة مثل: (استكبر) يعني: بالَغ في الكبرياء والعظمة. ﴿هُوَ وَجُنُودُهُ﴾، مَن جُنُودُه؟ الجُنْد في الأصل هم حاشية الإنسان وأنصاره، ويُطلق على كل مَن اتَّبعه فهو مِن جُنْدِه. وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾، متعلق بـ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾، و(أل) في (الأرض) للعهد الذهني، قال المؤلف: (أرض مصر) ليس الأرض كلها؛ لأنه لا سلطان له على بقية الأراضي، ولكن المراد أرض مصر، فعلى هذا تكون (أل) هنا لأي شيء؟ للعهد الذهني، لا للعموم. وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بيان للواقع؛ لأن الاستكبار كله مُخالفٌ للحق، ولكنه بيان للواقع زيادةً في تقبيحه، فالاستكبار قبيح، فإذا وُصف (...) صار أقبح وأقبح. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة ٦١]، ويمكن يكون قتل النبيين بحق؟ لا، كلُّ قتلِ النبيين بغير الحق، لكن ذَكَر ذلك للمبالغة في تقبيحه، وإلا في الواقع أنه ليس بحق. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، والحق في الأصل هو الشيء الثابت، فإذا أُضِيف إلى (...) فالمراد به الصدق، وإذا أضيف إلى الأحكام المراد به العدل؛ كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]. إذن انتفى عن هؤلاء باستكبارهم الحق من وجهين؛ حيث اتخذوا كذبًا وزورًا بما استكبروا به. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾. ﴿وَظَنُّوا﴾، هل المراد بالظن هنا الرجحان أو اليقين؟ * طالب: (...). * الشيخ: المتيقنين (...)؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما جحدوا (...)، فهل نقول: المراد به الرجحان، يعني ترجح عندهم أنهم راجعون، أو اليقين؟ كلاهما في الواقع يُنافي قولَه تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]؛ لأنَّ مَن استيقن الشيء هل يظُن خلافَه؟ أن يستيقن أن ما جاء به موسى حق، هل يستيقِن خلافَه أو يظن خلافَه أيضًا؟ لا؛ لأن من استيقن الشيء فقد آمن به، لكن يبدو لي أنَّ الظن هنا إمَّا بمعنى الدعوة، يعني ادَّعَوْا أنهم إلينا لا يُرْجَعُون، أو أن المُراد به.. وهو فعله هنا فعل الظان. وقوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٣٩] فيها قراءتان: ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ بالبناء للفاعل وللمفعول، بالبناء للفاعل كيف أنطق؟ ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ ، وبالبناء للمفعول: ﴿لَا يُرْجَعُونَ﴾، وأركان القراءة (...): وَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ∗∗∗ وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرْآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّــــــــــــــلَاثَةُالْأَرْكَـــــــــــانُ فهنا ﴿يَرْجِعُونَ﴾ (...) أو لا؟ يعني ما اختلفت إلا بالشكل فقط. ومعنى ﴿يَرْجِعُونَ﴾ أي: يعودون ويُردون إلى الله سبحانه وتعالى؛ إذ إن الكل سوف يرجع إلى الله، والإنسان راجع إلى الله في محياه ومماته، فهو بعد الموت يرجع إلى الله، وكذلك في الدنيا أمره راجع إلى الله، فهو الذي يدبره. ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾، الفاء عاطفة والمراد بها أيضًا السببية، أي: فبسبب استكباره هو وجنوده أخذناه ﴿وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ [القصص ٤٠]. شوف، مقابل الاستكبار ذكر الله تعالى عقوبتهم على وجه الاستهجان والتحقير: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾؛ إذ إن النبذ هو الطرح، الطرح يعني بقوة، والمطروح بقوة هل هو عظيم ولا حقير؟ بل هو حقير؛ لأن العظيم ما يمكن، ما تستطيع أن تنبذه نبذًا، فهو (...) عظيم ما تقدر، إنما ينبذ نبذًا من كان هينًا حقيرًا، ولهذا قال: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾. (هم) يعود على الجنود ولا على من؟ على فرعون والجنود، ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾، ولم يغنه هؤلاء الجنود شيئًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا شيء يقابله من قوة البشر. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ (طرحناهم). ﴿فِي الْيَمِّ﴾ [القصص ٤٠]، ﴿الْيَمِّ﴾ قال: (البحر المالح) احترازًا منين؟ من الأنهار؛ لأن الأنهار بحار، لكنها غير مالحة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر ١٢]، وقال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن ١٩]، فسمى الله تعالى الأنهار والبحار المالحة سماها بحارًا. وقوله: (البحر المالح) هذا بيان للواقع الذي وجد فيه فرعون وجنوده؛ لأنهم وجدوا في بحر القلزم أو القلزم، وهو البحر الأحمر الذي بين جُدة ومِصر، هذا الذي غرق فيه فرعون وقومه. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾، وانظر إلى الحكمة في أن الله سبحانه وتعالى أغرقهم إغراقًا في اليم؛ لأن فرعون كان يفتخر بأنهاره ويقول لقومه: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥١، ٥٢] فافتخر بالماء فأُغرق به. * طالب: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾. * الشيخ: نعم ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]، فأخرجه الله من ملك مصر وأهلكه بما كان يفخر به من الأنهار. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأن البحر المالح بعيد عن ملك مصر (...). قال: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٤٠]، ﴿فَانْظُرْ﴾ الخطاب لمن؟ ﴿فَانْظُرْ﴾ يعني: يا محمد، أو: ﴿فَانْظُرْ﴾ أيها القارئ أو السامع؟ فالخطاب لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، ماذا تقول؟ * طالب: الأخير. * الشيخ: الأخير، أي: ﴿فَانْظُرْ﴾ يا من تسمع هذا الخطاب ويوجَّه إليك. والمراد بالنظر هنا نظر الاعتبار، وهو النظر بالقلب؛ لأن العاقبة ما هي تنظر بالعين، اللهم إلا إذا سار الإنسان في آثارهم، فقد ينظر بعينه وبقلبه. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿كَيْفَ﴾ هنا للاستفهام، والمراد به التعظيم، يعني لعظم العاقبة، لكن لا تعظيم الرفعة، بل تعظيم العقوبة والعياذ بالله. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ فهو تفخيم لها وتعظيم لعاقبة وخيمة سيئة للغاية، محلها من الإعراب ﴿كَيْفَ﴾؟ * طالب: اسم استفهام. * الشيخ: اسم استفهام مبني على الفتح في محل؟ * الطالب: نصب. * الشيخ: نصب نعم. * الطالب: مفعول (انظر). * الشيخ: مفعول (انظر)! ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ﴾، ما يصح أن تكون مفعول (انظر)؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، إذا جعلناها مفعول (انظر) ما صار لها صدر الكلام، صارت متأخرة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، (...) بمفعول (انظر)، لكن أنا أريد إعراب ﴿كَيْفَ﴾ فقط. * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: خبر. * الشيخ: خبر؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: ما هو بصحيح. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم خبرها مقدر، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾، فـ﴿كَيْفَ﴾ هنا اسم استفهام (...) خبر مقدم لـ﴿كَانَ﴾. وتقديم خبرها هنا واجب ولا جائز؟ * طالب: واجب. * الشيخ: واجب. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿عَاقِبَةُ﴾ بمعنى عقبى، وهي على صيغة اسم الفاعل، والمراد العقبى. و﴿الظَّالِمِينَ﴾ هم الذين نقصوا حقوق أنفسهم وحقوق ربهم؛ لأن الظلم في الأصل النقص، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣]، أي لم تنقص. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، المراد بالظالمين هنا الكافرون ولَّا لا؟ * طالب: الكافرون. * الشيخ: نعم الكافرون؛ لأنه يشير إلى ما جرى لفرعون وقومه، وهم ظالمون ظلم كفر؛ لأن الظلم ينقسم إلى قسمين: ظلم كفر، وظلم معصية دون الكفر. ففي قوله تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٧٩] (...) ظلم المعصية، المراد ظلم المعصية، وفي قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] المراد ظلم الكفر، وفي قوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧] شامل للأمرين الكفر وما دونه. (﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ حين صاروا إلى الهلاك). إلى الهلاك بأتفه الأمور، وهو الماء، وهذه من حكمة الله سبحانه وتعالى أن يأخذ كل إنسان بذنبه، كما قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] أي: بما يقتضيه ذنبه من العقوبة، عاد استكبروا في الأرض وتحدوا وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، وقوله: ﴿خَلَقَهُمْ﴾ ولم يقل: إن الله (...) بكونه أشد منهم؛ لأن الخالق بلا ريب أقوى من المخلوق. بماذا أخذوا؟ أخذوا بألطف الأشياء، وهي الريح، أرسل الله عليهم الريح ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة ٧]، كل أيام الدهر، أرسلت إليهم في كل أيام الدهر، لو شاء الله لأرسلها عليهم في ليلة واحدة ودمرتهم تدميرًا، لكن لحكمة أراد أن يتعذبوا أكثر، ما أخذتهم جميعًا؛ أخذت مثلًا (...) ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر ٢٠]، وهذا أشد عقوبة؛ لأنها لو جاءتهم مرة واحدة ودمرتهم ما تعذبوا؛ ماتوا وهلكوا وانتهى الأمر، لكن هذا أشد. طيب إذن هنا أغرقوا باليم؛ لأنهم والعياذ بالله (...). قال: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ في الدنيا ﴿أَئِمَّةً﴾ [القصص ٤١] بتحقيق الهمزتين) ﴿أَئِمَّةً﴾، (وإبدال الثانية ياءً)، كيف يقال؟ ﴿أَيِمَّةً﴾ ، والقراءة الثانية هنا سبعية. قال: (رؤساء في الكفر)؛ لأن الإمام هو القائد الذي يُتبع، فهو والعياذ بالله ذو أثر في الكفر، وليسوا رؤساء فقط؛ رؤساء متبوعون في الكفر. * طالب: (في الشرك). * الشيخ: (في الشرك)، نعم، رؤساء في الشرك، يعني متبوعين. الإمام هو المتبوع، المعنى أنهم كانوا قادة والعياذ بالله إلى الكفر والشرك. لكن هذا، يقول المؤلف: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ في الدنيا ﴿أَئِمَّةً﴾ ). لو أنه أخر (في الدنيا) لكان أحسن، وقال: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ في الدنيا ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١])؛ لأن حقيقة الأمر أن إمامتهم بالكفر متى؟ في الدنيا، إمامتهم كانت في الدنيا، فهم جعلوا في هذه الدنيا أئمة، يعني متبوعين يُقتدى بهم في الكفر، فكل من أتى بعدهم وكان كفره استكبارًا فإنه مقتدٍ بهم. وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، ليس إلى الإيمان، ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ بالقول أو بالفعل؟ بهما جميعًا، فهم قبل أن يهلكوا يدعون بالقول وبالفعل، وبعد أن هلكوا يدعون بالفعل؛ لأن من اقتدى الناس بفعله فهو في الحقيقة قد دعاهم إليه. وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، قطعًا ما يدعونهم بأن يقولوا: يا ناس ادخلوا إلى النار، لو كان يقولون: يا ناس ادخلوا النار ما أطاعوهم، لكن ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ يدعون إلى العمل الموصل إليها، وهو الشرك والكفر، وبئس ما كانوا أئمة فيه، وهو الدعوة إلى الكفر بالله تبارك وتعالى والإشراك به. طيب، وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. ﴿وَيَوْمَ﴾ هذا ظرف متعلق بـ﴿يُنْصَرُونَ﴾، يعني: وهم لا ينصرون يوم القيامة. في الدنيا أئمة متبوعون، لكن في الآخرة ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾، هم ما يستطيعون أن ينتصروا لأنفسهم، فلا يمكن أن يكونوا أئمة يُقتدى بهم. وقوله: ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ أي: لا يجدون من ينصرهم (بدفع العذاب عنهم)، ما أحد يدفع عنهم العذاب، لا هم ولا غيرهم أيضًا، حتى غيرهم ما يمكن أن يدفع عنهم العذاب. (﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ خزيًا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤١، ٤٢] المبعدين). ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ على فرعون وجنوده، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ﴾ يعني: جعلناها تتبعهم بعد إهلاكهم. واللعنة في الأصل: الطرد والإبعاد، وفسرها المؤلف بلازمها وهو الخزي، أي أنه كل من ذكرهم يلعنهم ويطردهم ويبتعد عنهم، ولكن لا منافاة بين ما هنا وبين قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١]؛ لأن الذي يأتم بهم هو الموافق لهم على كفرهم، أما من لم يهتم بهم فإنه يلعنهم. وقوله: ﴿لَعْنَةً﴾ من الله ولا من غيره؟ منه ومن غيره، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة ١٥٩]، فمن لعنه الله لعنه المؤمنون بالله، قال ابن مسعود رضي الله عنه في لعن النامصة والمتنمصة، قال: «وما لي لا أَلْعَنُ مَن لَعَنَهُ رسولُ اللهِ ﷺ»[[أخرجه البخاري (٥٩٤٣). ]]. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أيضًا ظرف متعلق؟ * طالب: بالنار. * الشيخ: بالنار؟! بمحذوف حال من (هم)، يعني: وهم حال كونهم يوم القيامة من المقبوحين، أو متعلق بالمقبوحين (...) ما تقدم لنا من أن (أل) اسم موصول، واسم الموصول لا يعمل ما بعده بما قبله، فإما أن تجرد (أل) من المصدرية، أو يأتي ذلك على سبيل التوسع؛ لأنهم يتوسعون في الجار المجرور والظرف ما لا يتوسعون في غيره. وقوله: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]، أتى بالجملة الاسمية الدالة على أنهم هم في ذلك الوقت لا يمكن أبدًا أن يستحسن ما فعلوه أو يقربوا، بل إنهم في ذلك الوقت من المقبوحين المبعدين الذين يفضحهم كل من ذكرهم، فلا يمكن لأحد أن يقربهم. إذن، عُوقب هؤلاء والعياذ بالله الذين كانوا يدعون إلى النار، عوقبوا بأمرين؛ بل بثلاثة أمور: الأمر الأول: أنهم إذا حل بهم العذاب يوم القيامة لن يجدوا من ينصرهم؛ لأنه قال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. الأمر الثاني: العار الذي لحقهم من اللعنة التي لحقتهم إلى يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ [القصص ٤٢]. الأمر الثالث: أنهم يوم القيامة لا يمكن أبدًا أن يكونوا من المحبوبين المقرَّبين، بل هم من المقبوحين المطرودين المبعَدين (...). * * * (﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣] التوراة)، وهي كتاب بمعنى مكتوب، والجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم، واللام الواقعة في جوابه، و(قد). وهنا قد يقول قائل: لماذا تؤكد بهذه المؤكدات الثلاثة مع أنها ليست مخاطبةً لمنكر لها؟ فالجواب: أننا سبق أن قلنا: إن التأكيد ليس سببه إنكار المخاطب فقط، بل قد يكون سببه أهمية المخبَر عنه، فيؤكد بالقسم وباللام و(قد) وغيرها من المؤكدات. (...) * يستفاد من هذه الآية: بيان حال فرعون وجنوده، وأنهم قوم مستكبرون عن الحق متعالون عليه. * ثانيًا: يستفاد منها أيضًا: أن من استكبر عن الحق ففيه شبه من فرعون وجنوده. * ومنها، أي مِن فوائد الآية: وجوب الرضوخ للحق، فالإنسان يجب عليه أن يرضخ للحق، سواء وافق هواه أم خالفه. * ومِنها: أن المستكبر ليس له حق في الاستكبار؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. * ومِنها أيضًا: أن هؤلاء المستكبرين يعملون عمل من لا يظن أنه يرجع إلى الله؛ لأن من ظن أنه يرجع إلى الله فلن يستكبر عنه؛ إذ إنه يخاف منه، لكن من يستكبر هو من ظن أنه لا يرجع إلى الله سبحانه وتعالى. * ومنها: إثبات البعث؛ لأن قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٣٩] إثبات الظن، فيقتضي أن الرجوع إلى الله أمر ثابت. * ويستفاد من قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾؛ يستفاد منه: أن الذنوب سبب للعقوبة؛ لأن الفاء (...) تفيد السببية. * ومنها: بيان عظمة الله سبحانه وتعالى؛ حيث أخذ هؤلاء العتاة بما لهم من القوة ونبذهم نبذًا كما ينبذ الإنسان نواة من (...)، نعم، وليس هذا تشبيهًا، لكن قصدي أنه لم يبال بهم ولم يعجزوا الله سبحانه وتعالى. * ومنها: حكمة الله سبحانه وتعالى؛ حيث كان إهلاك فرعون وقومه بالماء الذي كان يفتخر به بقوله: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]، فإن هذا الذي كان يفتخر به كان محل هلاكه. * ومنها: أن فرعون قد هلك فيمن هلك؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس ٩٢] ليس معناه أنه حي باقٍ، وإنما الذي أُنجي وظهر للناس هو بدنه فقط؛ ليكون لمن خلفه آية؛ لأن بني إسرائيل -كما قال أهل العلم- قد أرعبهم فرعون، فلولا أنهم خرجوا حتى شاهدوه ببدنه لكان عندهم نوع من القلق: هل هلك أو ما هلك، فإذا شاهدوه تيقنوا وزال عنهم القلق. فإذن هو هالك فيمن هلك؛ لقوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾. * ومِنها، أي مِن فوائد الآية: أنه يُطلب من المرء -إما وجوبًا أو استحبابًا- أن يتأمل في عاقبة الظالمين: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، فيتفرع على هذه الآية أنه ينبغي لنا أن نتعظ بعاقبة هؤلاء فلا نظلم مثلهم؛ لأنه ما دام عاقبة الظالم الهلاك فإن الإنسان يخشى أن يهلك إذا ظلم. * ومنها: أن الظلم محرم؛ لأنه سبب للعقوبة، وما كان سببًا للعقوبة فإنه محرم، وسواء كان الظلم للنفس أو للغير فإنه محرم بجميع أنواعه، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر رضي الله عنه. ]]. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١]. * يستفاد من هذه الآية: حكمة الله سبحانه وتعالى في مثل فرعون وقومه، في أن لإيجادهم حكمة؛ لأن الله قادر على أن يجعل المرء على الهدى، لكنه سبحانه وتعالى له الحكمة في أن يوجد مثل هؤلاء القوم الذين يدعون إلى النار. * ويستفاد مِنها أيضًا: حكمة الله تعالى فيمن خلق من أمر الله، وأنهم بلاء وفتنة. * ومنها: إثبات الإمامة في الشر كما هي ثابتة في الخير، فانظر إلى هذه في آل فرعون، وانظر إلى هذه في بني إسرائيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤]، ففرق بين من يقود الناس بأمر الله، من يقودونهم بشريعته، وبين من يدعون إلى النار. * ومن فوائدها أيضًا: أن الدعاء إلى النار وإلى الخير أيضًا كما يكون بالقول يكون بالفعل، يكون بالقول ويكون بالفعل، وأيهما أقوى؟ قد يكون الدعاء بالقول أقوى وقد يكون الدعاء بالفعل أقوى، نعم، إنما على كل حال الدعاء بهذا وبهذا ثابت، فإن الإنسان يدعو الناس بمقاله وبحاله. * ومنها: إثبات يوم القيامة في قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾، وسُمي (يوم القيامة) لأمور ثلاثة: أنه يقوم الناس فيه من قبورهم إلى رب العالمين، وأنه يُقام فيه العدل كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧]، وأنه يقوم فيه الأشهاد: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]. فلهذا سُمي يوم القيامة، لماذا سمي يوم القيامة؟ * طالب: (...). * الشيخ: ذكرنا الآن ثلاثة أسباب الآن. * الطالب: (...). * الشيخ: ما (...)، لا تعتمد على (...) كان ربما يأتي مسائل تشكل عليه. * ومنها أيضًا، يستفاد من الآية الكريمة: أن آل فرعون لا ناصر لهم في الآخرة، ومثلهم من كان على شاكلتهم من المستكبرين عن الحق، فإنهم لا يجدون من ينصرهم من عذاب الله إذا نزل بهم في ذلك اليوم. ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]. * يُستفاد مِن هذه الآية: أن عقوبة آل فرعون كانت ممتدة إلى يوم القيامة بالذكرى السيئة لهم، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾؛ فإن كل من ذكر آل فرعون يذكرهم بالسوء والبغض والكراهية. * ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: تحقير الدنيا؛ فإن قوله: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ إشارة للقريب؛ لدنو مرتبته وأنها دنيا، والدُّنيا: مؤنث أدنى، وهي من الدنو الحسي والمعنوي؛ أما الدنو الحسي: فلسبقها على الآخرة، فهي أدنى إلى المخلوقين من الآخرة، وأما الدنو المعنوي: فلما تتضمنه من النقص في جميع كمالاتها، فما من كمال في الدنيا إلا وهو ناقص، والآن لو تأملت جميع المضار والمنافع الدنيوية تجدها مشوبةً بالضرر والخطر، حتى الزمان كما قال الشاعر: فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ لو تأملت هذا لوجدته دائمًا، نعم، وعلى هذا نقول: الدنيا نُسبت لذلك لأمرين: الدنو الحسي والمعنوي، الدنو الحسي: قربها، لسبقها على الآخرة، والدنو المعنوي أنه ما فيها شيء (...) إلا وهو مشوب بنقص. * ومِن فوائد الآية: أن اللعنة - والعياذ بالله - التي وزعت (...) تكون عليهم في الآخرة؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]؛ لأن المقبح معناه المبعد المقبوح، واللعن هو الطرد والإبعاد. * * * قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣]. ﴿آتَيْنَا﴾ بمعنى أعطينا واعلم أن إيتاء الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين: إيتاء شرعي وإيتاء قدري، فما تعلق بالكون والخلق فهو إيتاء قدري، وما تعلق بالشرع فهو إيتاء شرعي. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة ٥٩]، هذا إيتاء شرعي، والمراد به قسم الصدقات أو الفيء. ومثل ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ شرعي ولا قدري؟ * طالب: (...). * الشيخ: أو قدري، إي؛ لأن الإنزال -إنزال القرآن- من الأمور التي تتعلق بمشيئة الله، لا بشرعه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: العمل بالكتاب شرعي. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يكون؛ لأن أصل الإنزال قدري يتعلق بمشيئة الله وقدره، لكن العمل به شرعي. وقوله: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾، (موسى) مفعول أول لـ(آتينا)، و(الكتاب) مفعول ثان، وهي من باب (ظن). * طالب: (...)؟ * الشيخ: من باب (كسا)؛ لأنه إذا لم يكن الأول مبتدأ والثاني خبرًا، فهو من باب (...)، لو قلت: (موسى الكتابُ) يصلح؟ ما يصلح، فكل مفعولين لا يصح أن يكون أحدهما مبتدأ والثاني خبرًا فهما من باب (كسا)، وما صح أن يكون مبتدأ وخبرًا فهما من باب (ظن). وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾، يقول: (التوراة)، وهو (فعال) بمعنى (مفعول)؛ لأن التوراة مكتوبة، فإن الله تعالى كتبها بألواح وأعطاها موسى. وقال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣]، متعلق بـ﴿آتَيْنَا﴾. يعني: أعطيناه إياه من بعد ما أهلكنا القرون الأولى. القرون: جمع قرن، والمراد بهم الأمم، وقد يُراد به الفترة من الزمن، ومقدارها مئة سنة. فالقرون تارةً يراد بها الأمم، وتارة يراد بها أحقاب الزمن. وهنا المراد أحقاب الزمن ولا الأمم؟ الأمم؛ لأن أحقاب الزمن ما تهلك، الذي يهلك الأمم. (﴿أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم). (قوم نوح). * طالب: (...). * الشيخ: عندي هنا (وعاد)، عندكم (وعادًا) ولا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما فيها شك (...)، هو الوجه أن يقال: (قوم نوح وعادًا وثمود)، أما (ثمود) فلا تنصرف، لكن الكلام على (عاد) (...) تفسير للقرون. طيب، هم: (قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم). هؤلاء هم القرون الأولى، وإنما قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾، إشارةً إلى أن الناس كانوا في حاجة إلى مثل هذا الكتاب الذي نزل على موسى؛ لأن القرون أهلكت وتطاول الزمن، فاحتاج الناس إلى رسالة، فأرسل الله تعالى موسى بهذا الكتاب الذي هو التوراة. وقيل: إن القرون الأولى تشمل حتى آل فرعون؛ لأن التوراة ما نزلت على موسى إلا بعد أن أهلك الله قرن فرعون وقومه، وأنه يشمل حتى هؤلاء، حتى إن بعض العلماء استنبط منها أنه لم تهلك أمة بعد نزول التوراة، يعني (...) وأن هذا من فوائد قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣]؛ لأن إهلاك الأمم السابقة مضى وانقضى، ولا إهلاك بعد نزول التوراة. وفي الحقيقة أن من تأمل التاريخ وجد أنه لم تهلك أمة بعد نزول التوراة، ما هلكت أمة، لكن هل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ يشير إلى هذا؟ هذا هو محل النظر والمناقشة. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما حصل هلاك عام، (...)، أما أنه هلاك عام ما حصل، فالمهم هذه (...). قال: (﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص ٤٣] حال من الكتاب). وين (الكتاب)؟ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ﴿بَصَائِرَ﴾، و﴿بَصَائِرَ﴾ (جمع بصيرة وهي نور القلب) كما أن (بصر، وأبصار) نور العين، فنور القلب يسمى بصيرة وبصائر، ونور العين يسمى بصر وأبصارَا ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٦]. وقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾، (أل) هنا للعهد الذهني، وليست للعموم؛ لأن التوراة لم تنزل إلا لمن؟ لقوم موسى فقط، كما قال النبي ﷺ: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨) ومسلم (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]] خذوا بالكم من هذا. طيب، وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، هل يخرج الجن؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، من حيث التكليف والإلزام يخرج الجن، فإنه لم يكلف أحد برسالة أحد من الرسل من الجن، لكن من حيث العمل يمكن أن يستبصر بها الجن، كما قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف ٣٠]، فإن الظاهر أنهم كانوا انتفعوا بما أنزل على موسى كما انتفعوا بالقرآن. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما يجب عليهم؛ لأنه الرسول يقول: «يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ» » والجن ليسوا منهم. وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، أنا ذكرت أن (أل) هنا للعهد الذهني، طيب. قال: (جمع بصيرة، وهي نور القلب، أي: أنوارًا للقلوب)، وهكذا جميع الكتب التي ينزلها الله عز وجل تكون أنوارًا للقلوب؛ لأنه يكون بها الاقتداء، ولهذا قال: (﴿وَهُدًى﴾ من الضلالة لمن عمل بها). تقييد المؤلف (لمن عمل بها) غير وجيه، والأولى إبقاء الآية على ظاهرها، أن التوراة هدًى، لكن هذا الهدى ما ينتفع به إلا من وُفق، فهي هدًى من الضلالة بلا شك، لكن هل ينتفع بها ويهتدي بها كل أحد؟ لا، كما قال الله تعالى في القرآن: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة ١٨٥]، وقال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢]، ففي الأول هدى دلالة، وفي الثاني هدى توفيق. التوراة، إذا قلنا: هدًى لمن عمل بها قيدنا الآية بهدى التوفيق مع أنها مطلقة، ولهذا الأولى أن نقول: هدًى من الضلالة في كل أمر، كما قال: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾، نقول: وهدًى أيضًا للناس، ولكن الهدى الذي بمعنى الدلالة عام، والهدى الذي بمعنى الاهتداء -يعني يهتدي بها الإنسان- هذا خاص لمن وُفق له. (﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ لمن آمن به). هذه نعم، (...) أن المقام يقتضي التخصيص، أنه رحمة، لكن لا لكل أحد، إلا أن يقال: رحمة أي وسيلة للرحمة، فإذا قلنا: إن (رحمة) أي وسيلة صار عامًّا. نقول: هدًى باعتبار العلم، ورحمة باعتبار العمل؛ لأن من عمل به فهو مرحوم. وأما الهدى فهو باعتبار العلم، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣]، فالهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح. * طالب: (...)؟ * الشيخ: نعم، أي ما تكون رحمة لغيره، هي هدى، الهدى نعم هدًى لكل أحد. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو بالظاهر، الظاهر أنها لو قُيدت تقييدًا مثلما قال المؤلف؛ لأنه ما يرحم بها إلا من عمل بها، ما يرحم بها إلا من عمل فقط. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٤٣]. (لعل) هنا معناها التعليل، أما عملها فهي تنصب المبتدأ وترفع الخبر، وخبرها جملة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾، قال: (يتعظون بما فيه من المواعظ)، يعني بما في الكتاب - اللي هو التوراة - من المواعظ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، كلمة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ الضمير يعود على من أُنزلت عليهم التوراة، وهم بنو إسرائيل. قال الله تعالى لنبيه ﷺ: (﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِجَانِبِ﴾ الجبل أو الوادي أو المكان ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص ٤٤] من موسى حين المناجاة). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ (جانب) بمعنى جهة، جانب الشيء جهته أو طرفه. وقوله: ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ صفة لموصوف محذوف، ما هذا الموصوف؟ قال المؤلف: (الجبل أو الوادي أو المكان)، و(أو) هنا ليست للتخيير ولكنها للتمييز؛ لأن بعضهم يقول: المراد به الجبل، وبعضهم يقول: المراد به الوادي، وبعضهم يقول: المراد به المكان، وكلمة (المكان) أعم لأنها تشمل أن يكون واديًا أو جبلًا، وموسى كما تعلمون نزل من جانب الطور، وهو في الوادي المقدس، فالآية (...) والذي يضبط الوادي أو المكان أو الجبل هو كلمة (...).الجانب الغربي منه، يعني كأنه قال: بالجانب الغربي من الجبل، فيكون من باب إضافة الموصوف إلى صفته، مثلما يقال: (مسجد الجامع) أي: المسجد الجامع. على هذا التقدير الأخير يكون المراد الغربي من نفس الجانب، ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ أي: بالجانب الغربي من الجبل، أما على رأي المؤلف فهو يقول: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ بجانب المكان (الغربي) صفة لـ (جانب) من موسى وهو يكلم الله، وحينئذ نقول: موسى إذا كان وجهه إلى السماء والجانب الغربي منه؟ * طالب: (...). * الشيخ: على فرض الغرب، وإذا كان وجهه إلى الشرق، فالجانب الغربي منه يكون وراءه؛ لأن المتجه إلى الشرق يكون الجانب الغربي منه خلفه. وأنا الآن ما أتصور هل كان موسى بجانب الجبل من الشرق أو من الشمال. وعلى كل حال فـ(الغربي) نسبة، قد تكون مثلًا القصيم غربًا بالنسبة لمكان، وشرقًا بالنسبة لمكان آخر، بالنسبة لمكان المدينة تكون غربًا أو جنوبًا، وبالنسبة للكويت تكون غربًا. المهم أنك ما كنت بذلك الجانب (حين المناجاة ﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾ أوحينا إلى موسى الأمر بالرسالة إلى فرعون وقومه). ﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾، يقول المؤلف: (أوحينا)، وعلى هذا فالقضاء شرعي ولا كوني؟ * طالب: (...). * الشيخ: طيب يتعلق بالمشيئة، لكن المؤلف جعله شرعيًّا؛ لأن قضينا الأمر بالرسالة يعني: أمرناه به، فجعل الأمر هنا واحد الأوامر، وليس واحد الأمور، وإذا جعلناه واحد الأوامر صار هنا المراد بالقضاء: الشرعي. ويحتمل أن المراد بالأمر هنا واحد الأمور، أي: قضينا إليه ذلك الشأن العظيم وهو الرسالة، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى ٥٢]، فهذا الواحد واحد الأمور، وليس واحد الأوامر، وعلى هذا فيكون القضاء كونيًّا. والقضاء كما تعرفون ينقسم إلى قسمين: قضاء كوني، وقضاء شرعي. فالقضاء الكوني لا بد من وجود المقضي، والقضاء الشرعي قد يوجد وقد لا يوجد. والقضاء الكوني يكون محبوبًا إلى الله ويكون مكروهًا إليه، والقضاء الشرعي لا يكون إلا محبوبًا إليه؛ لأنه بمعنى الأمر. فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء ٤]، هذا قضاء كوني، يحبه الله ولا يكرهه؟ يكرهه. ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]، هذا قضاء شرعي؛ لأنه لو كان قضاءً كونيًّا للزم أن الناس كلهم يعبدون الله، وليس الأمر كذلك، وقضينا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، هذه الآية (...)، أما الاجتماع ما يمكن إلا في أمر وقع، مثلًا لو قلنا: قضى الله تعالى لأبي بكر أن يسلم، فهذا قضاء قدري شرعي؛ لأنه أمره بالإيمان فآمن، ونقول: قضى الله لأبي لهب أن يؤمن. * طالب: (...). * الشيخ: لا، قد يؤمن، هذا قضاء شرعي وليس كونيًّا، وقضى الله لأبي لهب أن يكفر هذا قضاء كوني، إي نعم. قال: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص ٤٤]، على رأي المؤلف: واحد الأوامر، ولهذا قال: (﴿الْأَمْرَ﴾ بالرسالة إلى فرعون وقومه)، أو نقول: إن الأمر واحد الأمور، وهو (...) الذي هو الرسالة إلى فرعون وقومه. وكلام المؤلف في الحقيقة محتمل، فيبقى الأمر بالرسالة (...) مراده: واحد الأمور، فيكون هذا (...) للرسالة. (﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص ٤٤] لذلك فتعلمه فتخبر به). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص ٤٦] ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ما فيها تكرار؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا تأتي من الله تعالى؛ لأن الأصل عدم التكرار. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، نقول: الآية ما فيها تكرار؛ لأن من كان بالجانب قد يرى وقد لا يرى، ولهذا قال: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. طيب، إذا قال قائل: لماذا لم يـقتصر على قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؟ قلنا: أيضًا نفس الشيء؛ لأن الإنسان قد يشاهد من بعد ولا يكون قريبًا، فهنا تضمن أنه قريب وأنه شاهد. ففرق بين أن نقول: (ما كنت شاهدًا) يعني: ما كنت حاضرًا أو مشاهدًا بعينك ولو كنت بعيدًا. ولهذا ليس في الآية الكريمة تكرار، ولكن فيها شيئًا من التوكيد، يعني: لا حضر ولا نظر، كما يقول هنا، فالنبي عليه الصلاة والسلام ما كان حاضرًا حتى يسمع ولا كان قريبًا حتى يشاهد. طيب، إذن فيكون ما أخبر به عن ذلك من باب الوحي، لا من باب المشاهدة ولا من باب السماع، ولكنه وحي أُوحي إليه. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، الوحي بالرسالة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، هذا على خلاف (...). * الطالب: (...). * الشيخ: كما سيأتي أيضًا (...). يقول: (﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٥] أممًا من بعد موسى). ﴿أَنْشَأْنَا﴾ أي: أوجدنا وخلقنا أممًا، ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص ٤٥]. (تطاول) أي: زاد في الطول، فالتاء والألف للمبالغة، وقوله: ﴿الْعُمُرُ﴾ المعنى: الزمن؛ لأن الأعمار هي الأزمان، قال: (أي: طالت أعمارهم فنسوا العهود واندرست العلوم وانقطع الوحي، فجئنا بك رسولًا وأوحينا إليك خبر موسى وغيره). قوله: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا﴾، الاستدراك هنا ما يقتضي إبطال ما سبق، يعني ليس المعنى: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٤، ٤٥] فشهدت، ولكن هذا الاستدراك لتفهيمنا، والمعنى أن العهود طالت وأنت لست بشاهد ولا بحاضر، ولما طالت العهود صار الناس محتاجين إلى الرسالة، فأوحينا إليك بما جرى وأرسلناك إلى الناس، والله أعلم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا، يقال والله أعلم: إنه لما كان في الأرض الواحدة (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: كذلك (...)، وهؤلاء القوم ما داموا في أرض واحدة (...). * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا الإلزام بعض العلماء يقول: إنه للنبي، أنه ما يلزم (...) بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [سبأ ٤٠]. (...) من عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣]، وهي أحد الكتب الثلاثة الباقي أثرها، وهي الإنجيل والقرآن. * ويستفاد منه: أن إتيان التوراة كان بعد إهلاك الأمم السابقة ومنهم فرعون، واستنبط منها بعض العلماء من قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣] أنه لم تهلك أمة على العموم بعد نزول التوراة؛ لأنه قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ﴾، وكأنه بعد نزول التوراة ما أهلك أحد من القرون، وهذا الاستنباط ليس ببعيد؛ لأن الواقع يصدقه. * طالب: (...) ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾؟ * الشيخ: لا، ما ذكرناها. * طالب: ذكرنا الفوائد هذه بالشرح. * الشيخ: إي نعم، ما (...). * ويستفاد من هذه الآية: أن الكتب النازلة من السماء، أنها أنوار للناس يهتدون بها؛ لقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: أن التمسك بشرائع الله تكون به الرحمة؛ لقوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الكتب النازلة من السماء هي التي بها الهدى من الضلالة؛ لقوله: ﴿وَهُدًى﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الحكمة من إنزال هذه الكتب تذكر الناس بما فيها من المواعظ؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. * ومِن فوائدها أيضًا: إثبات الحكمة في أفعال الله سبحانه وتعالى وكذلك في شرائعه؛ لأن (لعل) معناها التعليل، فيستفاد منها إثبات الحكمة في أفعال الله وشرائعه. من الذي أنكر الحكمة؟ هم الجهمية، يقولون: إن الله تعالى ليس له حكمة فيما يفعل وفيما يشرع، وإنما هو لمجرد مشيئة. قال: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص ٤٤]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: تقرير رسالة النبي ﷺ، وذلك بما أخبر به عن هذه الوقائع التي ليس حاضرًا فيها ولا شاهدًا. * ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: أن الوحي يسمى قضاءً؛ لقوله: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾. * ومِن فوائدها أيضًا: أن الوحي ذو شأن عظيم؛ لأن الله سماه الأمر بـ(أل) الدالة على العظمة والكمال. ولا ريب أن أعظم الأمور ما جاءت به الرسل من وحي الله سبحانه وتعالى، لما فيه من مصلحة البلاد والعباد. * ومنها أيضًا: أن الإنسان لا يقبل خبره إلا إذا كان حاضرًا يسمع أو شاهدًا يرى؛ لقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾، وقوله أيضًا: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، فإن الذي يمكن أن يخبر هو من حضر فسمع أو من قرب فشاهد. أما إنسان بيخبر بدون شهادة أو بدون شهود ولا حضور، فإنه لا يقبل خبره. وهذا أمر معلوم من الشرع من جهة أخرى من آيات أخرى وأدلة أخرى: أن الإنسان ما يشهد إلا بما علم برؤية أو سماع أو غيرهما من أسباب العلم. * * * ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص ٤٥]. قال: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾، نخلي الفائدة مع آخر الآية. (﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾ مقيمًا ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ )، والمراد بأهل مدين القوم الذين أتى إليهم موسى عليه الصلاة والسلام وجرى معه ما ذكر من استئجاره وتزويجه وسيره بأهله. فهل الرسول عليه الصلاة والسلام كان مقيمًا في أهل مدين حتى يخبر عما حصل منه؟ الجواب: لا. إذن فما جاء به من أخبار أهل مدين فإنه عن طريق الوحي. وقوله: ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾، (﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ خبر ثان)، وين الخبر الثاني؟ جملة ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾، يعني: وما كنت تتلو عليهم آياتنا (فتعرف قصتهم فتخبر بها). وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ الضمير ظاهر كلام المؤلف، وهو أيضًا ظاهر سياق الآية، أنه يعود إلى أهل مدين: ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ (فتعرف قصتهم وتخبر بها). وقال بعض العلماء، أي بعض المفسرين: إن الضمير يعود على قريش، يعني: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾، فـ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ القصة التي قصصتها بـ﴿آيَاتِنَا﴾، وهذا أقرب إلى المعنى، وإن كان الأول أقرب إلى اللفظ؛ لأن الضمير يعود على أقرب مذكور، لكنه ما يعود على أهل مدين إلا بتعسف شديد. فالصواب أنه يعود على قريش، يعني: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ فـ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ القصة التي جاءت بـ﴿آيَاتِنَا﴾. إذن فأنت رسول؛ لأنك أتيت بما لم تكن شاهدًا فيه، ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾. ولهذا قال: (﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص ٤٥] لك وإليك بأخبار المتقدمين). (﴿مُرْسِلِينَ﴾ لك) إلى الناس، (وإليك) بالوحي، فالرسول عليه الصلاة والسلام مرسل للناس ومرسل إليه. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. (كان) فعل ماض، وهي مسلوبة الزمن، والمقصود بها اتصاف اسمها بخبرها. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا﴾، هذه (نا) للجماعة، و(كنا) للجماعة، و﴿مُرْسِلِينَ﴾ جمع، مع أن الله تعالى واحد أحد، ولكن ذلك للتعظيم؛ لأن (نا) للمتكلم المعظم نفسه، أو للمتكلم ومعه غيره، وهي بجانب الله - بلا شك - للمتكلم المعظم نفسه. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾، ولم يقل: ولكن أرسلناك. كما قال في الآية التي قبلها: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٥]؛ لأن الرسالة ما زالت في الخلق منذ اختلفوا إلى آخر الرسل: محمد ﷺ. ومتى اختلفوا؟ اختلفوا بعد آدم، بعد أن مضت قرون إما عشرة أو أقل أو أكثر اختلف الناس، قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]، فتقول الآية: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فأنزل الله. * طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الجاثية ١٧]، أيش (...)؟ * الشيخ: اللي بالوحي، لكن المراد بهذا اختلاف بني إسرائيل، ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ هذا لبني إسرائيل، أما الأولى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ﴾، وفيها قراءة لكنها غير سبعية ﴿فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ﴾، وهذه القراءة يدل عليها قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. (﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ لك وإليك بأخبار المتقدمين)، والفائدة من ذكر أخبار المتقدمين للرسول ﷺ ليتلوها على الناس، الفائدة: تقرير أنه نبي؛ لأنه ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه، فإذن يكون ما أخبر به عمن سبق، يكون من باب الوحي المجرد. قال الله تعالى: (﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ الجبل ﴿إِذْ﴾ حين ﴿نَادَيْنَا﴾ [القصص ٤٦] موسى أن خذ الكتاب بقوة). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، هذا خبر آخر غير الخبر الأول الذي فيه ابتداء الوحي؛ لأن الله تعالى بعدما أهلك القرون الأولى وعد موسى ثلاثين ليلة وأتمها بعشر، واختار من اختار من قومه ثم ذهب إلى الله سبحانه وتعالى لمناجاته وإنزال التوراة عليه. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، (جانب) أي: جهة الطور، أو قُرب الطور، و الطور هو الجبل المعروف في سيناء. (﴿إِذْ﴾ حين ﴿نَادَيْنَا﴾ )، أفادنا المؤلف بأن (إذ) هنا ليست تعليلية ولكنها ظرفية، وهي ظرف لما مضى من الزمان، و(إذا) ظرف لما يُستقبل، و(إذن) ظرف للحاضر. فبهذا استكملت الظروف الثلاثة: (إذا) للمستقبل، و(إذ) للماضي، و(إذم) للحاضر. قال: (﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ موسى أن خذ الكتاب بقوة)، وهل الله قال له: خذ الكتاب بقوة؛ لموسى، ولَّا لبني إسرائيل حين رفع فوقهم الطور، قال: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف ١٧١]؟ فالظاهر أن المؤلف توهم في هذا، نعم. وخلنا نتأمل بعد في قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]، وأيش اللي قبلها؟ شوف في سورة الأعراف، أيش الآية؟ * طالب: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾. * الشيخ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]، إذن قول المؤلف: (أن خذ الكتاب بقوة) بالمعنى أتى بها، وإلا فالله يقول: ﴿فَخُذْهَا﴾ أي الألواح اللي فيها التوراة ﴿بِقُوَّةٍ﴾، يصير إذن أمر موسى أن يأخذها بقوة أن يأخذ الألواح بقوة. فعلى كل حال كلام المؤلف إذن صواب، بس إنه أتى به بالمعنى لا باللفظ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾، أي: خذ هذه الألواح ﴿بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]. يقول الله عز وجل: (﴿وَلَكِنْ﴾ أرسلناك ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّك﴾ [القصص ٤٦])، أخذنا أن قوله: ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول لأجله عاملها محذوف، والتقدير: أرسلناك رحمةً، وقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ ليس المعنى أنه هو الرحمة، ولكن المعنى أنه أُرسل للرحمة، ليرحم به، فالرحمة من الله سبحانه وتعالى، وأرسله الله رحمةً؛ كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧]، ليس المعنى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا﴾ حال كونك ﴿رَحْمَةً﴾، ولكن: إلا من أجل الرحمة، فبين المعنيين فرق. ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّك﴾، أضاف الربوبية إلى الرسول ﷺ على سبيل التخصيص والتشريف، وهذه هي الرحمة الخاصة، وهناك رحمة عامة. وفيها دليل - أي في قوله: ﴿مِنْ رَبِّك﴾ - على أن إرسال النبي ﷺ إلى الخلق ليرحموا به، أنه من الربوبية الخاصة؛ لأن من نعمة الله على العبد أن يلهمه هدًى ليهدي الناس به، فإن هذا في الحقيقة من أكبر النعم. فالنبي عليه الصلاة والسلام أوحي إليه ليرحم الخلق بما أوحي إليه، وهذا من مقتضى الربوبية الخاصة، ولهذا قال: ﴿مِنْ رَبِّك﴾، ولم يقل: (من ربهم)؛ ﴿مِنْ رَبِّك﴾ الذي رباك تربية خاصة. ﴿لِتُنْذِرَ﴾، اللام هنا حرف جر؟ * طالب: لام التعليل. * الشيخ: إي، ما هي حرف جر؛ لأنها داخلة على (أن) المقدرة، أي: (لأن تنذر)، ثم تحول إلى مصدر فيكون: (لإنذارك قومًا)، ولهذا على مذهب البصريين، تقول: اللام حرف جر، و(تنذر) فعل مضارع منصوب بـ(أن) مضمرةً جوازًا بعد اللام؛ على رأي الكوفيين، يقولون: إن اللام هي الناصبة، فيقولون: اللام لام (كي) وهي ناصبة. لكن البصريين أدق منهم في هذه الناحية، بل حقيقة الأمر أن اللام حرف جر، وأن (أن) هي الناصبة مقدرة. طيب، أين متعلق ﴿لِتُنْذِرَ﴾؟ متعلقها هذا المحذوف الذي قدره المؤلف: (أرسلناك). ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾، الإنذار هو الإعلام بما يُخاف، هذا الإنذار: الإعلام بما يخاف، والإعلام بما يُرغب ويش يُسمى؟ * طالب: بشارة. * الشيخ: بشارة أو تبشير. وقوله: ﴿قَوْمًا﴾ المراد بهم قريش، ولا يعني ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام مبعوث إليهم خاصة، ولكن لأن أول من أنذرهم كانت قريشًا، وإلا فقد بعث لهم ولغيرهم، قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ﴾ من قريش وغيرهم ﴿نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١]. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾. ﴿مَا﴾ نافية، و﴿أَتَاهُمْ﴾ بمعنى جاءهم، و﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد إعرابًا لا معنًى، و﴿نَذِيرٍ﴾ فاعل (أتى)، يعني: ما جاءهم نذير. وفائدة زيادة (مِن) التنصيص على العموم، في كل الأزمان الماضية ما أتاهم أحد ينذرهم قبل الرسول ﷺ. وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ﴾، جملة ﴿مَا أَتَاهُمْ﴾ في محل نصب صفة لأيش؟ * طالب: لـ﴿قَوْمًا﴾. * الشيخ: صفة لـ﴿قَوْمًا﴾. وقوله: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾، قال المؤلف: (وهم أهل مكة) هذا تفسير لـ﴿قَوْمًا﴾. إذا قال قائل: أليس إسماعيل رسولًا؟ * طالب: بلى. * الشيخ: طيب، إذن هو قد أتاهم قبل النبي ﷺ، أو لا؟ * طالب: المراد أولاده، وأولاده ما (...). * الشيخ: أو يقال: إنه لما طال العهد حتى انمحت صاروا محتاجين إلى نذير ولم يأتهم نذير، فمَا أتاهم من نذير بعد أن انقرضت معالم رسالة إسماعيل، وإلا فلا ريب أن إسماعيل مرسَل إليهم؛ لأنه نبي، ولكنه انقرضت، ولهذا كان من دعاء إسماعيل وإبراهيم أنهما قالا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة ١٢٩]، وأجمع المفسرون على أن المراد به محمد ﷺ، فمنذ إسماعيل إلى أن بُعث الرسول عليه الصلاة والسلام ما جاءهم نبي، وانقرضت معالم النبوة، وكان أول من غيَّرها عمرو بن لُحَيٍّ الخُزاعي، فإنه هو الذي أدخل عبادة الأصنام وأدخل السوائب على العرب حتى انمحت به الحقيقة[[أخرج ابن حبان (٧٤٩٠) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «عرضت علي النار فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، وكان أول من غير عهد إبراهيم وسيب السوائب...».]]. * طالب: ولا لهم علاقة (...)؟ * الشيخ: لا، ما لهم علاقة؛ لأن رسالة موسى وعيسى إلى قومهما، إلى بني إسرائيل. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٤٦]. (لعل) هذه للتعليل، وهي متعلقة بـ(تنذر)، تنذرهم لأجل أن يتذكروا، أي: (يتعظون) بما جئت به. وهذا التعليل سنذكر في الفوائد إن شاء الله ما هي فائدته. * طالب: خبر (ما) النافية؟ * الشيخ: ما هي خبر؛ لأنها ما دخلت على اسم. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا، تُزاد في خبر (ما)، لكن هنا (ما) دخلت على جملة اسمية. * الطالب: القاعدة في الزيادة؟ * الشيخ: القاعدة لزيادة (من) أنها إذا حُذفت استقام الكلام بدونها. * الطالب: (...). * الشيخ: القاعدة أنك لو حذفتها هنا وقلت: (ما أتاهم نذير) صح، فهو دليل على زيادتها.