Tafsir Ibn Uthaymeen — القصص 28:46 – القصص 28:67
المحتويات
القصص 28:46
قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [القصص ٣٩]، ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ مِن الكبرياء وهي العظمة، والمعنى: أنه تَرقَّى وتعاظَم هو وجنوده، وزيادة الهمزة والسين والتاء للمبالغة وليست للاستدعاء؛ لأن الغالب أنَّ الهمزة والسين والتاء تكون للاستدعاء مثل: (استغفرَ له) يعني: طلب مغفِرَته، (استرحمه) طلب رحمتَه. لكن تأتي أحيانًا لِلمبالغة مثل: (استكبر) يعني: بالَغ في الكبرياء والعظمة.
﴿هُوَ وَجُنُودُهُ﴾، مَن جُنُودُه؟ الجُنْد في الأصل هم حاشية الإنسان وأنصاره، ويُطلق على كل مَن اتَّبعه فهو مِن جُنْدِه.
وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾، متعلق بـ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾، و(أل) في (الأرض) للعهد الذهني، قال المؤلف: (أرض مصر) ليس الأرض كلها؛ لأنه لا سلطان له على بقية الأراضي، ولكن المراد أرض مصر، فعلى هذا تكون (أل) هنا لأي شيء؟ للعهد الذهني، لا للعموم.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بيان للواقع؛ لأن الاستكبار كله مُخالفٌ للحق، ولكنه بيان للواقع زيادةً في تقبيحه، فالاستكبار قبيح، فإذا وُصف (...) صار أقبح وأقبح.
ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة ٦١]، ويمكن يكون قتل النبيين بحق؟ لا، كلُّ قتلِ النبيين بغير الحق، لكن ذَكَر ذلك للمبالغة في تقبيحه، وإلا في الواقع أنه ليس بحق.
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، والحق في الأصل هو الشيء الثابت، فإذا أُضِيف إلى (...) فالمراد به الصدق، وإذا أضيف إلى الأحكام المراد به العدل؛ كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]. إذن انتفى عن هؤلاء باستكبارهم الحق من وجهين؛ حيث اتخذوا كذبًا وزورًا بما استكبروا به.
﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾.
﴿وَظَنُّوا﴾، هل المراد بالظن هنا الرجحان أو اليقين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: المتيقنين (...)؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما جحدوا (...)، فهل نقول: المراد به الرجحان، يعني ترجح عندهم أنهم راجعون، أو اليقين؟ كلاهما في الواقع يُنافي قولَه تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤]؛ لأنَّ مَن استيقن الشيء هل يظُن خلافَه؟ أن يستيقن أن ما جاء به موسى حق، هل يستيقِن خلافَه أو يظن خلافَه أيضًا؟ لا؛ لأن من استيقن الشيء فقد آمن به، لكن يبدو لي أنَّ الظن هنا إمَّا بمعنى الدعوة، يعني ادَّعَوْا أنهم إلينا لا يُرْجَعُون، أو أن المُراد به..
وهو فعله هنا فعل الظان.
وقوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٣٩] فيها قراءتان: ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ بالبناء للفاعل وللمفعول، بالبناء للفاعل كيف أنطق؟ ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ ، وبالبناء للمفعول: ﴿لَا يُرْجَعُونَ﴾، وأركان القراءة (...):
وَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ∗∗∗ وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي؎وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرْآنُ ∗∗∗ فَهَذِهِ الثَّــــــــــــــلَاثَةُالْأَرْكَـــــــــــانُ
فهنا ﴿يَرْجِعُونَ﴾ (...) أو لا؟ يعني ما اختلفت إلا بالشكل فقط.
ومعنى ﴿يَرْجِعُونَ﴾ أي: يعودون ويُردون إلى الله سبحانه وتعالى؛ إذ إن الكل سوف يرجع إلى الله، والإنسان راجع إلى الله في محياه ومماته، فهو بعد الموت يرجع إلى الله، وكذلك في الدنيا أمره راجع إلى الله، فهو الذي يدبره.
﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾، الفاء عاطفة والمراد بها أيضًا السببية، أي: فبسبب استكباره هو وجنوده أخذناه ﴿وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ [القصص ٤٠]. شوف، مقابل الاستكبار ذكر الله تعالى عقوبتهم على وجه الاستهجان والتحقير: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾؛ إذ إن النبذ هو الطرح، الطرح يعني بقوة، والمطروح بقوة هل هو عظيم ولا حقير؟ بل هو حقير؛ لأن العظيم ما يمكن، ما تستطيع أن تنبذه نبذًا، فهو (...) عظيم ما تقدر، إنما ينبذ نبذًا من كان هينًا حقيرًا، ولهذا قال: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾.
(هم) يعود على الجنود ولا على من؟ على فرعون والجنود، ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾، ولم يغنه هؤلاء الجنود شيئًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا شيء يقابله من قوة البشر.
﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ (طرحناهم).
﴿فِي الْيَمِّ﴾ [القصص ٤٠]، ﴿الْيَمِّ﴾ قال: (البحر المالح) احترازًا منين؟ من الأنهار؛ لأن الأنهار بحار، لكنها غير مالحة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر ١٢]، وقال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن ١٩]، فسمى الله تعالى الأنهار والبحار المالحة سماها بحارًا.
وقوله: (البحر المالح) هذا بيان للواقع الذي وجد فيه فرعون وجنوده؛ لأنهم وجدوا في بحر القلزم أو القلزم، وهو البحر الأحمر الذي بين جُدة ومِصر، هذا الذي غرق فيه فرعون وقومه.
﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾، وانظر إلى الحكمة في أن الله سبحانه وتعالى أغرقهم إغراقًا في اليم؛ لأن فرعون كان يفتخر بأنهاره ويقول لقومه: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥١، ٥٢] فافتخر بالماء فأُغرق به.
* طالب: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾.
* الشيخ: نعم ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]، فأخرجه الله من ملك مصر وأهلكه بما كان يفخر به من الأنهار.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم؛ لأن البحر المالح بعيد عن ملك مصر (...).
قال: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٤٠]، ﴿فَانْظُرْ﴾ الخطاب لمن؟ ﴿فَانْظُرْ﴾ يعني: يا محمد، أو: ﴿فَانْظُرْ﴾ أيها القارئ أو السامع؟ فالخطاب لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، ماذا تقول؟
* طالب: الأخير.
* الشيخ: الأخير، أي: ﴿فَانْظُرْ﴾ يا من تسمع هذا الخطاب ويوجَّه إليك.
والمراد بالنظر هنا نظر الاعتبار، وهو النظر بالقلب؛ لأن العاقبة ما هي تنظر بالعين، اللهم إلا إذا سار الإنسان في آثارهم، فقد ينظر بعينه وبقلبه.
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿كَيْفَ﴾ هنا للاستفهام، والمراد به التعظيم، يعني لعظم العاقبة، لكن لا تعظيم الرفعة، بل تعظيم العقوبة والعياذ بالله.
﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ فهو تفخيم لها وتعظيم لعاقبة وخيمة سيئة للغاية، محلها من الإعراب ﴿كَيْفَ﴾؟
* طالب: اسم استفهام.
* الشيخ: اسم استفهام مبني على الفتح في محل؟
* الطالب: نصب.
* الشيخ: نصب نعم.
* الطالب: مفعول (انظر).
* الشيخ: مفعول (انظر)! ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ﴾، ما يصح أن تكون مفعول (انظر)؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، إذا جعلناها مفعول (انظر) ما صار لها صدر الكلام، صارت متأخرة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، (...) بمفعول (انظر)، لكن أنا أريد إعراب ﴿كَيْفَ﴾ فقط.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: خبر.
* الشيخ: خبر؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ما هو بصحيح.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم خبرها مقدر، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾، فـ﴿كَيْفَ﴾ هنا اسم استفهام (...) خبر مقدم لـ﴿كَانَ﴾.
وتقديم خبرها هنا واجب ولا جائز؟
* طالب: واجب.
* الشيخ: واجب.
﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿عَاقِبَةُ﴾ بمعنى عقبى، وهي على صيغة اسم الفاعل، والمراد العقبى.
و﴿الظَّالِمِينَ﴾ هم الذين نقصوا حقوق أنفسهم وحقوق ربهم؛ لأن الظلم في الأصل النقص، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣]، أي لم تنقص.
وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، المراد بالظالمين هنا الكافرون ولَّا لا؟
* طالب: الكافرون.
* الشيخ: نعم الكافرون؛ لأنه يشير إلى ما جرى لفرعون وقومه، وهم ظالمون ظلم كفر؛ لأن الظلم ينقسم إلى قسمين: ظلم كفر، وظلم معصية دون الكفر. ففي قوله تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٧٩] (...) ظلم المعصية، المراد ظلم المعصية، وفي قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] المراد ظلم الكفر، وفي قوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧] شامل للأمرين الكفر وما دونه.
(﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ حين صاروا إلى الهلاك).
إلى الهلاك بأتفه الأمور، وهو الماء، وهذه من حكمة الله سبحانه وتعالى أن يأخذ كل إنسان بذنبه، كما قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] أي: بما يقتضيه ذنبه من العقوبة، عاد استكبروا في الأرض وتحدوا وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، وقوله: ﴿خَلَقَهُمْ﴾ ولم يقل: إن الله (...) بكونه أشد منهم؛ لأن الخالق بلا ريب أقوى من المخلوق. بماذا أخذوا؟ أخذوا بألطف الأشياء، وهي الريح، أرسل الله عليهم الريح ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة ٧]، كل أيام الدهر، أرسلت إليهم في كل أيام الدهر، لو شاء الله لأرسلها عليهم في ليلة واحدة ودمرتهم تدميرًا، لكن لحكمة أراد أن يتعذبوا أكثر، ما أخذتهم جميعًا؛ أخذت مثلًا (...) ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر ٢٠]، وهذا أشد عقوبة؛ لأنها لو جاءتهم مرة واحدة ودمرتهم ما تعذبوا؛ ماتوا وهلكوا وانتهى الأمر، لكن هذا أشد.
طيب إذن هنا أغرقوا باليم؛ لأنهم والعياذ بالله (...).
قال: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ في الدنيا ﴿أَئِمَّةً﴾ [القصص ٤١] بتحقيق الهمزتين) ﴿أَئِمَّةً﴾، (وإبدال الثانية ياءً)، كيف يقال؟ ﴿أَيِمَّةً﴾ ، والقراءة الثانية هنا سبعية.
قال: (رؤساء في الكفر)؛ لأن الإمام هو القائد الذي يُتبع، فهو والعياذ بالله ذو أثر في الكفر، وليسوا رؤساء فقط؛ رؤساء متبوعون في الكفر.
* طالب: (في الشرك).
* الشيخ: (في الشرك)، نعم، رؤساء في الشرك، يعني متبوعين. الإمام هو المتبوع، المعنى أنهم كانوا قادة والعياذ بالله إلى الكفر والشرك.
لكن هذا، يقول المؤلف: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ في الدنيا ﴿أَئِمَّةً﴾ ).
لو أنه أخر (في الدنيا) لكان أحسن، وقال: (﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ في الدنيا ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١])؛ لأن حقيقة الأمر أن إمامتهم بالكفر متى؟ في الدنيا، إمامتهم كانت في الدنيا، فهم جعلوا في هذه الدنيا أئمة، يعني متبوعين يُقتدى بهم في الكفر، فكل من أتى بعدهم وكان كفره استكبارًا فإنه مقتدٍ بهم.
وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، ليس إلى الإيمان، ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ بالقول أو بالفعل؟
بهما جميعًا، فهم قبل أن يهلكوا يدعون بالقول وبالفعل، وبعد أن هلكوا يدعون بالفعل؛ لأن من اقتدى الناس بفعله فهو في الحقيقة قد دعاهم إليه.
وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، قطعًا ما يدعونهم بأن يقولوا: يا ناس ادخلوا إلى النار، لو كان يقولون: يا ناس ادخلوا النار ما أطاعوهم، لكن ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ يدعون إلى العمل الموصل إليها، وهو الشرك والكفر، وبئس ما كانوا أئمة فيه، وهو الدعوة إلى الكفر بالله تبارك وتعالى والإشراك به.
طيب، وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١].
﴿وَيَوْمَ﴾ هذا ظرف متعلق بـ﴿يُنْصَرُونَ﴾، يعني: وهم لا ينصرون يوم القيامة. في الدنيا أئمة متبوعون، لكن في الآخرة ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾، هم ما يستطيعون أن ينتصروا لأنفسهم، فلا يمكن أن يكونوا أئمة يُقتدى بهم.
وقوله: ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ أي: لا يجدون من ينصرهم (بدفع العذاب عنهم)، ما أحد يدفع عنهم العذاب، لا هم ولا غيرهم أيضًا، حتى غيرهم ما يمكن أن يدفع عنهم العذاب.
(﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ خزيًا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤١، ٤٢] المبعدين).
﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ على فرعون وجنوده، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ﴾ يعني: جعلناها تتبعهم بعد إهلاكهم. واللعنة في الأصل: الطرد والإبعاد، وفسرها المؤلف بلازمها وهو الخزي، أي أنه كل من ذكرهم يلعنهم ويطردهم ويبتعد عنهم، ولكن لا منافاة بين ما هنا وبين قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١]؛ لأن الذي يأتم بهم هو الموافق لهم على كفرهم، أما من لم يهتم بهم فإنه يلعنهم.
وقوله: ﴿لَعْنَةً﴾ من الله ولا من غيره؟ منه ومن غيره، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة ١٥٩]، فمن لعنه الله لعنه المؤمنون بالله، قال ابن مسعود رضي الله عنه في لعن النامصة والمتنمصة، قال: «وما لي لا أَلْعَنُ مَن لَعَنَهُ رسولُ اللهِ ﷺ»[[أخرجه البخاري (٥٩٤٣). ]].
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أيضًا ظرف متعلق؟
* طالب: بالنار.
* الشيخ: بالنار؟! بمحذوف حال من (هم)، يعني: وهم حال كونهم يوم القيامة من المقبوحين، أو متعلق بالمقبوحين (...) ما تقدم لنا من أن (أل) اسم موصول، واسم الموصول لا يعمل ما بعده بما قبله، فإما أن تجرد (أل) من المصدرية، أو يأتي ذلك على سبيل التوسع؛ لأنهم يتوسعون في الجار المجرور والظرف ما لا يتوسعون في غيره.
وقوله: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]، أتى بالجملة الاسمية الدالة على أنهم هم في ذلك الوقت لا يمكن أبدًا أن يستحسن ما فعلوه أو يقربوا، بل إنهم في ذلك الوقت من المقبوحين المبعدين الذين يفضحهم كل من ذكرهم، فلا يمكن لأحد أن يقربهم.
إذن، عُوقب هؤلاء والعياذ بالله الذين كانوا يدعون إلى النار، عوقبوا بأمرين؛ بل بثلاثة أمور:
الأمر الأول: أنهم إذا حل بهم العذاب يوم القيامة لن يجدوا من ينصرهم؛ لأنه قال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١].
الأمر الثاني: العار الذي لحقهم من اللعنة التي لحقتهم إلى يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ [القصص ٤٢].
الأمر الثالث: أنهم يوم القيامة لا يمكن أبدًا أن يكونوا من المحبوبين المقرَّبين، بل هم من المقبوحين المطرودين المبعَدين (...).
* * *
(﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣] التوراة)، وهي كتاب بمعنى مكتوب، والجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم، واللام الواقعة في جوابه، و(قد).
وهنا قد يقول قائل: لماذا تؤكد بهذه المؤكدات الثلاثة مع أنها ليست مخاطبةً لمنكر لها؟
فالجواب: أننا سبق أن قلنا: إن التأكيد ليس سببه إنكار المخاطب فقط، بل قد يكون سببه أهمية المخبَر عنه، فيؤكد بالقسم وباللام و(قد) وغيرها من المؤكدات.
(...)
* يستفاد من هذه الآية: بيان حال فرعون وجنوده، وأنهم قوم مستكبرون عن الحق متعالون عليه.
* ثانيًا: يستفاد منها أيضًا: أن من استكبر عن الحق ففيه شبه من فرعون وجنوده.
* ومنها، أي مِن فوائد الآية: وجوب الرضوخ للحق، فالإنسان يجب عليه أن يرضخ للحق، سواء وافق هواه أم خالفه.
* ومِنها: أن المستكبر ليس له حق في الاستكبار؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.
* ومِنها أيضًا: أن هؤلاء المستكبرين يعملون عمل من لا يظن أنه يرجع إلى الله؛ لأن من ظن أنه يرجع إلى الله فلن يستكبر عنه؛ إذ إنه يخاف منه، لكن من يستكبر هو من ظن أنه لا يرجع إلى الله سبحانه وتعالى.
* ومنها: إثبات البعث؛ لأن قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٣٩] إثبات الظن، فيقتضي أن الرجوع إلى الله أمر ثابت.
* ويستفاد من قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾؛ يستفاد منه: أن الذنوب سبب للعقوبة؛ لأن الفاء (...) تفيد السببية.
* ومنها: بيان عظمة الله سبحانه وتعالى؛ حيث أخذ هؤلاء العتاة بما لهم من القوة ونبذهم نبذًا كما ينبذ الإنسان نواة من (...)، نعم، وليس هذا تشبيهًا، لكن قصدي أنه لم يبال بهم ولم يعجزوا الله سبحانه وتعالى.
* ومنها: حكمة الله سبحانه وتعالى؛ حيث كان إهلاك فرعون وقومه بالماء الذي كان يفتخر به بقوله: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]، فإن هذا الذي كان يفتخر به كان محل هلاكه.
* ومنها: أن فرعون قد هلك فيمن هلك؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس ٩٢] ليس معناه أنه حي باقٍ، وإنما الذي أُنجي وظهر للناس هو بدنه فقط؛ ليكون لمن خلفه آية؛ لأن بني إسرائيل -كما قال أهل العلم- قد أرعبهم فرعون، فلولا أنهم خرجوا حتى شاهدوه ببدنه لكان عندهم نوع من القلق: هل هلك أو ما هلك، فإذا شاهدوه تيقنوا وزال عنهم القلق.
فإذن هو هالك فيمن هلك؛ لقوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾.
* ومِنها، أي مِن فوائد الآية: أنه يُطلب من المرء -إما وجوبًا أو استحبابًا- أن يتأمل في عاقبة الظالمين: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، فيتفرع على هذه الآية أنه ينبغي لنا أن نتعظ بعاقبة هؤلاء فلا نظلم مثلهم؛ لأنه ما دام عاقبة الظالم الهلاك فإن الإنسان يخشى أن يهلك إذا ظلم.
* ومنها: أن الظلم محرم؛ لأنه سبب للعقوبة، وما كان سببًا للعقوبة فإنه محرم، وسواء كان الظلم للنفس أو للغير فإنه محرم بجميع أنواعه، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر رضي الله عنه. ]].
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١].
* يستفاد من هذه الآية: حكمة الله سبحانه وتعالى في مثل فرعون وقومه، في أن لإيجادهم حكمة؛ لأن الله قادر على أن يجعل المرء على الهدى، لكنه سبحانه وتعالى له الحكمة في أن يوجد مثل هؤلاء القوم الذين يدعون إلى النار.
* ويستفاد مِنها أيضًا: حكمة الله تعالى فيمن خلق من أمر الله، وأنهم بلاء وفتنة.
* ومنها: إثبات الإمامة في الشر كما هي ثابتة في الخير، فانظر إلى هذه في آل فرعون، وانظر إلى هذه في بني إسرائيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤]، ففرق بين من يقود الناس بأمر الله، من يقودونهم بشريعته، وبين من يدعون إلى النار.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الدعاء إلى النار وإلى الخير أيضًا كما يكون بالقول يكون بالفعل، يكون بالقول ويكون بالفعل، وأيهما أقوى؟ قد يكون الدعاء بالقول أقوى وقد يكون الدعاء بالفعل أقوى، نعم، إنما على كل حال الدعاء بهذا وبهذا ثابت، فإن الإنسان يدعو الناس بمقاله وبحاله.
* ومنها: إثبات يوم القيامة في قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾، وسُمي (يوم القيامة) لأمور ثلاثة:
أنه يقوم الناس فيه من قبورهم إلى رب العالمين، وأنه يُقام فيه العدل كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧]، وأنه يقوم فيه الأشهاد: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]. فلهذا سُمي يوم القيامة، لماذا سمي يوم القيامة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ذكرنا الآن ثلاثة أسباب الآن.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما (...)، لا تعتمد على (...) كان ربما يأتي مسائل تشكل عليه.
* ومنها أيضًا، يستفاد من الآية الكريمة: أن آل فرعون لا ناصر لهم في الآخرة، ومثلهم من كان على شاكلتهم من المستكبرين عن الحق، فإنهم لا يجدون من ينصرهم من عذاب الله إذا نزل بهم في ذلك اليوم.
﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢].
* يُستفاد مِن هذه الآية: أن عقوبة آل فرعون كانت ممتدة إلى يوم القيامة بالذكرى السيئة لهم، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾؛ فإن كل من ذكر آل فرعون يذكرهم بالسوء والبغض والكراهية.
* ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: تحقير الدنيا؛ فإن قوله: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ إشارة للقريب؛ لدنو مرتبته وأنها دنيا، والدُّنيا: مؤنث أدنى، وهي من الدنو الحسي والمعنوي؛ أما الدنو الحسي: فلسبقها على الآخرة، فهي أدنى إلى المخلوقين من الآخرة، وأما الدنو المعنوي: فلما تتضمنه من النقص في جميع كمالاتها، فما من كمال في الدنيا إلا وهو ناقص، والآن لو تأملت جميع المضار والمنافع الدنيوية تجدها مشوبةً بالضرر والخطر، حتى الزمان كما قال الشاعر:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ
لو تأملت هذا لوجدته دائمًا، نعم، وعلى هذا نقول: الدنيا نُسبت لذلك لأمرين: الدنو الحسي والمعنوي، الدنو الحسي: قربها، لسبقها على الآخرة، والدنو المعنوي أنه ما فيها شيء (...) إلا وهو مشوب بنقص.
* ومِن فوائد الآية: أن اللعنة - والعياذ بالله - التي وزعت (...) تكون عليهم في الآخرة؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢]؛ لأن المقبح معناه المبعد المقبوح، واللعن هو الطرد والإبعاد.
* * *
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣].
﴿آتَيْنَا﴾ بمعنى أعطينا
واعلم أن إيتاء الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين: إيتاء شرعي وإيتاء قدري، فما تعلق بالكون والخلق فهو إيتاء قدري، وما تعلق بالشرع فهو إيتاء شرعي.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة ٥٩]، هذا إيتاء شرعي، والمراد به قسم الصدقات أو الفيء.
ومثل ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ شرعي ولا قدري؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أو قدري، إي؛ لأن الإنزال -إنزال القرآن- من الأمور التي تتعلق بمشيئة الله، لا بشرعه.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: العمل بالكتاب شرعي.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما يكون؛ لأن أصل الإنزال قدري يتعلق بمشيئة الله وقدره، لكن العمل به شرعي.
وقوله: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾، (موسى) مفعول أول لـ(آتينا)، و(الكتاب) مفعول ثان، وهي من باب (ظن).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: من باب (كسا)؛ لأنه إذا لم يكن الأول مبتدأ والثاني خبرًا، فهو من باب (...)، لو قلت: (موسى الكتابُ) يصلح؟ ما يصلح، فكل مفعولين لا يصح أن يكون أحدهما مبتدأ والثاني خبرًا فهما من باب (كسا)، وما صح أن يكون مبتدأ وخبرًا فهما من باب (ظن).
وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾، يقول: (التوراة)، وهو (فعال) بمعنى (مفعول)؛ لأن التوراة مكتوبة، فإن الله تعالى كتبها بألواح وأعطاها موسى.
وقال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣]، متعلق بـ﴿آتَيْنَا﴾. يعني: أعطيناه إياه من بعد ما أهلكنا القرون الأولى.
القرون: جمع قرن، والمراد بهم الأمم، وقد يُراد به الفترة من الزمن، ومقدارها مئة سنة. فالقرون تارةً يراد بها الأمم، وتارة يراد بها أحقاب الزمن. وهنا المراد أحقاب الزمن ولا الأمم؟ الأمم؛ لأن أحقاب الزمن ما تهلك، الذي يهلك الأمم.
(﴿أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم).
(قوم نوح).
* طالب: (...).
* الشيخ: عندي هنا (وعاد)، عندكم (وعادًا) ولا لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما فيها شك (...)، هو الوجه أن يقال: (قوم نوح وعادًا وثمود)، أما (ثمود) فلا تنصرف، لكن الكلام على (عاد) (...) تفسير للقرون.
طيب، هم: (قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم).
هؤلاء هم القرون الأولى، وإنما قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾، إشارةً إلى أن الناس كانوا في حاجة إلى مثل هذا الكتاب الذي نزل على موسى؛ لأن القرون أهلكت وتطاول الزمن، فاحتاج الناس إلى رسالة، فأرسل الله تعالى موسى بهذا الكتاب الذي هو التوراة.
وقيل: إن القرون الأولى تشمل حتى آل فرعون؛ لأن التوراة ما نزلت على موسى إلا بعد أن أهلك الله قرن فرعون وقومه، وأنه يشمل حتى هؤلاء، حتى إن بعض العلماء استنبط منها أنه لم تهلك أمة بعد نزول التوراة، يعني (...) وأن هذا من فوائد قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣]؛ لأن إهلاك الأمم السابقة مضى وانقضى، ولا إهلاك بعد نزول التوراة.
وفي الحقيقة أن من تأمل التاريخ وجد أنه لم تهلك أمة بعد نزول التوراة، ما هلكت أمة، لكن هل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ يشير إلى هذا؟ هذا هو محل النظر والمناقشة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما حصل هلاك عام، (...)، أما أنه هلاك عام ما حصل، فالمهم هذه (...).
قال: (﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص ٤٣] حال من الكتاب).
وين (الكتاب)؟
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ﴿بَصَائِرَ﴾، و﴿بَصَائِرَ﴾ (جمع بصيرة وهي نور القلب) كما أن (بصر، وأبصار) نور العين، فنور القلب يسمى بصيرة وبصائر، ونور العين يسمى بصر وأبصارَا ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٦].
وقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾، (أل) هنا للعهد الذهني، وليست للعموم؛ لأن التوراة لم تنزل إلا لمن؟ لقوم موسى فقط، كما قال النبي ﷺ: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨) ومسلم (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]] خذوا بالكم من هذا.
طيب، وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، هل يخرج الجن؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، من حيث التكليف والإلزام يخرج الجن، فإنه لم يكلف أحد برسالة أحد من الرسل من الجن، لكن من حيث العمل يمكن أن يستبصر بها الجن، كما قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف ٣٠]، فإن الظاهر أنهم كانوا انتفعوا بما أنزل على موسى كما انتفعوا بالقرآن.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما يجب عليهم؛ لأنه الرسول يقول: «يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ» » والجن ليسوا منهم.
وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، أنا ذكرت أن (أل) هنا للعهد الذهني، طيب.
قال: (جمع بصيرة، وهي نور القلب، أي: أنوارًا للقلوب)، وهكذا جميع الكتب التي ينزلها الله عز وجل تكون أنوارًا للقلوب؛ لأنه يكون بها الاقتداء، ولهذا قال: (﴿وَهُدًى﴾ من الضلالة لمن عمل بها).
تقييد المؤلف (لمن عمل بها) غير وجيه، والأولى إبقاء الآية على ظاهرها، أن التوراة هدًى، لكن هذا الهدى ما ينتفع به إلا من وُفق، فهي هدًى من الضلالة بلا شك، لكن هل ينتفع بها ويهتدي بها كل أحد؟ لا، كما قال الله تعالى في القرآن: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة ١٨٥]، وقال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢]، ففي الأول هدى دلالة، وفي الثاني هدى توفيق.
التوراة، إذا قلنا: هدًى لمن عمل بها قيدنا الآية بهدى التوفيق مع أنها مطلقة، ولهذا الأولى أن نقول: هدًى من الضلالة في كل أمر، كما قال: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾، نقول: وهدًى أيضًا للناس، ولكن الهدى الذي بمعنى الدلالة عام، والهدى الذي بمعنى الاهتداء -يعني يهتدي بها الإنسان- هذا خاص لمن وُفق له.
(﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ لمن آمن به).
هذه نعم، (...) أن المقام يقتضي التخصيص، أنه رحمة، لكن لا لكل أحد، إلا أن يقال: رحمة أي وسيلة للرحمة، فإذا قلنا: إن (رحمة) أي وسيلة صار عامًّا. نقول: هدًى باعتبار العلم، ورحمة باعتبار العمل؛ لأن من عمل به فهو مرحوم. وأما الهدى فهو باعتبار العلم، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣]، فالهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، أي ما تكون رحمة لغيره، هي هدى، الهدى نعم هدًى لكل أحد.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، ما هو بالظاهر، الظاهر أنها لو قُيدت تقييدًا مثلما قال المؤلف؛ لأنه ما يرحم بها إلا من عمل بها، ما يرحم بها إلا من عمل فقط.
﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٤٣].
(لعل) هنا معناها التعليل، أما عملها فهي تنصب المبتدأ وترفع الخبر، وخبرها جملة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾، قال: (يتعظون بما فيه من المواعظ)، يعني بما في الكتاب - اللي هو التوراة - من المواعظ.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، كلمة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ الضمير يعود على من أُنزلت عليهم التوراة، وهم بنو إسرائيل.
قال الله تعالى لنبيه ﷺ: (﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِجَانِبِ﴾ الجبل أو الوادي أو المكان ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص ٤٤] من موسى حين المناجاة).
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ (جانب) بمعنى جهة، جانب الشيء جهته أو طرفه.
وقوله: ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ صفة لموصوف محذوف، ما هذا الموصوف؟ قال المؤلف: (الجبل أو الوادي أو المكان)، و(أو) هنا ليست للتخيير ولكنها للتمييز؛ لأن بعضهم يقول: المراد به الجبل، وبعضهم يقول: المراد به الوادي، وبعضهم يقول: المراد به المكان، وكلمة (المكان) أعم لأنها تشمل أن يكون واديًا أو جبلًا، وموسى كما تعلمون نزل من جانب الطور، وهو في الوادي المقدس، فالآية (...) والذي يضبط الوادي أو المكان أو الجبل هو كلمة (...).الجانب الغربي منه، يعني كأنه قال: بالجانب الغربي من الجبل، فيكون من باب إضافة الموصوف إلى صفته، مثلما يقال: (مسجد الجامع) أي: المسجد الجامع.
على هذا التقدير الأخير يكون المراد الغربي من نفس الجانب، ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ أي: بالجانب الغربي من الجبل، أما على رأي المؤلف فهو يقول: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ بجانب المكان (الغربي) صفة لـ (جانب) من موسى وهو يكلم الله، وحينئذ نقول: موسى إذا كان وجهه إلى السماء والجانب الغربي منه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: على فرض الغرب، وإذا كان وجهه إلى الشرق، فالجانب الغربي منه يكون وراءه؛ لأن المتجه إلى الشرق يكون الجانب الغربي منه خلفه. وأنا الآن ما أتصور هل كان موسى بجانب الجبل من الشرق أو من الشمال. وعلى كل حال فـ(الغربي) نسبة، قد تكون مثلًا القصيم غربًا بالنسبة لمكان، وشرقًا بالنسبة لمكان آخر، بالنسبة لمكان المدينة تكون غربًا أو جنوبًا، وبالنسبة للكويت تكون غربًا.
المهم أنك ما كنت بذلك الجانب (حين المناجاة ﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾ أوحينا إلى موسى الأمر بالرسالة إلى فرعون وقومه).
﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾، يقول المؤلف: (أوحينا)، وعلى هذا فالقضاء شرعي ولا كوني؟
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب يتعلق بالمشيئة، لكن المؤلف جعله شرعيًّا؛ لأن قضينا الأمر بالرسالة يعني: أمرناه به، فجعل الأمر هنا واحد الأوامر، وليس واحد الأمور، وإذا جعلناه واحد الأوامر صار هنا المراد بالقضاء: الشرعي.
ويحتمل أن المراد بالأمر هنا واحد الأمور، أي: قضينا إليه ذلك الشأن العظيم وهو الرسالة، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى ٥٢]، فهذا الواحد واحد الأمور، وليس واحد الأوامر، وعلى هذا فيكون القضاء كونيًّا.
والقضاء كما تعرفون ينقسم إلى قسمين: قضاء كوني، وقضاء شرعي. فالقضاء الكوني لا بد من وجود المقضي، والقضاء الشرعي قد يوجد وقد لا يوجد. والقضاء الكوني يكون محبوبًا إلى الله ويكون مكروهًا إليه، والقضاء الشرعي لا يكون إلا محبوبًا إليه؛ لأنه بمعنى الأمر.
فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء ٤]، هذا قضاء كوني، يحبه الله ولا يكرهه؟ يكرهه.
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]، هذا قضاء شرعي؛ لأنه لو كان قضاءً كونيًّا للزم أن الناس كلهم يعبدون الله، وليس الأمر كذلك، وقضينا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، هذه الآية (...)، أما الاجتماع ما يمكن إلا في أمر وقع، مثلًا لو قلنا: قضى الله تعالى لأبي بكر أن يسلم، فهذا قضاء قدري شرعي؛ لأنه أمره بالإيمان فآمن، ونقول: قضى الله لأبي لهب أن يؤمن.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، قد يؤمن، هذا قضاء شرعي وليس كونيًّا، وقضى الله لأبي لهب أن يكفر هذا قضاء كوني، إي نعم.
قال: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص ٤٤]، على رأي المؤلف: واحد الأوامر، ولهذا قال: (﴿الْأَمْرَ﴾ بالرسالة إلى فرعون وقومه)، أو نقول: إن الأمر واحد الأمور، وهو (...) الذي هو الرسالة إلى فرعون وقومه.
وكلام المؤلف في الحقيقة محتمل، فيبقى الأمر بالرسالة (...) مراده: واحد الأمور، فيكون هذا (...) للرسالة.
(﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص ٤٤] لذلك فتعلمه فتخبر به).
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص ٤٦] ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ما فيها تكرار؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا تأتي من الله تعالى؛ لأن الأصل عدم التكرار.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، نقول: الآية ما فيها تكرار؛ لأن من كان بالجانب قد يرى وقد لا يرى، ولهذا قال: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.
طيب، إذا قال قائل: لماذا لم يـقتصر على قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؟
قلنا: أيضًا نفس الشيء؛ لأن الإنسان قد يشاهد من بعد ولا يكون قريبًا، فهنا تضمن أنه قريب وأنه شاهد. ففرق بين أن نقول: (ما كنت شاهدًا) يعني: ما كنت حاضرًا أو مشاهدًا بعينك ولو كنت بعيدًا. ولهذا ليس في الآية الكريمة تكرار، ولكن فيها شيئًا من التوكيد، يعني: لا حضر ولا نظر، كما يقول هنا، فالنبي عليه الصلاة والسلام ما كان حاضرًا حتى يسمع ولا كان قريبًا حتى يشاهد.
طيب، إذن فيكون ما أخبر به عن ذلك من باب الوحي، لا من باب المشاهدة ولا من باب السماع، ولكنه وحي أُوحي إليه.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الوحي بالرسالة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، هذا على خلاف (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: كما سيأتي أيضًا (...).
يقول: (﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٥] أممًا من بعد موسى).
﴿أَنْشَأْنَا﴾ أي: أوجدنا وخلقنا أممًا، ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص ٤٥].
(تطاول) أي: زاد في الطول، فالتاء والألف للمبالغة، وقوله: ﴿الْعُمُرُ﴾ المعنى: الزمن؛ لأن الأعمار هي الأزمان، قال: (أي: طالت أعمارهم فنسوا العهود واندرست العلوم وانقطع الوحي، فجئنا بك رسولًا وأوحينا إليك خبر موسى وغيره).
قوله: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا﴾، الاستدراك هنا ما يقتضي إبطال ما سبق، يعني ليس المعنى: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٤، ٤٥] فشهدت، ولكن هذا الاستدراك لتفهيمنا، والمعنى أن العهود طالت وأنت لست بشاهد ولا بحاضر، ولما طالت العهود صار الناس محتاجين إلى الرسالة، فأوحينا إليك بما جرى وأرسلناك إلى الناس، والله أعلم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: هذا، يقال والله أعلم: إنه لما كان في الأرض الواحدة (...).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: كذلك (...)، وهؤلاء القوم ما داموا في أرض واحدة (...).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: هذا الإلزام بعض العلماء يقول: إنه للنبي، أنه ما يلزم (...) بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [سبأ ٤٠].
(...) من عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص ٤٣]، وهي أحد الكتب الثلاثة الباقي أثرها، وهي الإنجيل والقرآن.
* ويستفاد منه: أن إتيان التوراة كان بعد إهلاك الأمم السابقة ومنهم فرعون، واستنبط منها بعض العلماء من قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص ٤٣] أنه لم تهلك أمة على العموم بعد نزول التوراة؛ لأنه قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ﴾، وكأنه بعد نزول التوراة ما أهلك أحد من القرون، وهذا الاستنباط ليس ببعيد؛ لأن الواقع يصدقه.
* طالب: (...) ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾؟
* الشيخ: لا، ما ذكرناها.
* طالب: ذكرنا الفوائد هذه بالشرح.
* الشيخ: إي نعم، ما (...).
* ويستفاد من هذه الآية: أن الكتب النازلة من السماء، أنها أنوار للناس يهتدون بها؛ لقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أن التمسك بشرائع الله تكون به الرحمة؛ لقوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الكتب النازلة من السماء هي التي بها الهدى من الضلالة؛ لقوله: ﴿وَهُدًى﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الحكمة من إنزال هذه الكتب تذكر الناس بما فيها من المواعظ؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
* ومِن فوائدها أيضًا: إثبات الحكمة في أفعال الله سبحانه وتعالى وكذلك في شرائعه؛ لأن (لعل) معناها التعليل، فيستفاد منها إثبات الحكمة في أفعال الله وشرائعه.
من الذي أنكر الحكمة؟ هم الجهمية، يقولون: إن الله تعالى ليس له حكمة فيما يفعل وفيما يشرع، وإنما هو لمجرد مشيئة.
قال: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص ٤٤].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: تقرير رسالة النبي ﷺ، وذلك بما أخبر به عن هذه الوقائع التي ليس حاضرًا فيها ولا شاهدًا.
* ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: أن الوحي يسمى قضاءً؛ لقوله: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾.
* ومِن فوائدها أيضًا: أن الوحي ذو شأن عظيم؛ لأن الله سماه الأمر بـ(أل) الدالة على العظمة والكمال. ولا ريب أن أعظم الأمور ما جاءت به الرسل من وحي الله سبحانه وتعالى، لما فيه من مصلحة البلاد والعباد.
* ومنها أيضًا: أن الإنسان لا يقبل خبره إلا إذا كان حاضرًا يسمع أو شاهدًا يرى؛ لقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾، وقوله أيضًا: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، فإن الذي يمكن أن يخبر هو من حضر فسمع أو من قرب فشاهد. أما إنسان بيخبر بدون شهادة أو بدون شهود ولا حضور، فإنه لا يقبل خبره. وهذا أمر معلوم من الشرع من جهة أخرى من آيات أخرى وأدلة أخرى: أن الإنسان ما يشهد إلا بما علم برؤية أو سماع أو غيرهما من أسباب العلم.
* * *
﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص ٤٥].
قال: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾، نخلي الفائدة مع آخر الآية.
(﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾ مقيمًا ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ )، والمراد بأهل مدين القوم الذين أتى إليهم موسى عليه الصلاة والسلام وجرى معه ما ذكر من استئجاره وتزويجه وسيره بأهله. فهل الرسول عليه الصلاة والسلام كان مقيمًا في أهل مدين حتى يخبر عما حصل منه؟ الجواب: لا. إذن فما جاء به من أخبار أهل مدين فإنه عن طريق الوحي.
وقوله: ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾، (﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ خبر ثان)، وين الخبر الثاني؟ جملة ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾، يعني: وما كنت تتلو عليهم آياتنا (فتعرف قصتهم فتخبر بها).
وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ الضمير ظاهر كلام المؤلف، وهو أيضًا ظاهر سياق الآية، أنه يعود إلى أهل مدين: ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ (فتعرف قصتهم وتخبر بها). وقال بعض العلماء، أي بعض المفسرين: إن الضمير يعود على قريش، يعني: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾، فـ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ القصة التي قصصتها بـ﴿آيَاتِنَا﴾، وهذا أقرب إلى المعنى، وإن كان الأول أقرب إلى اللفظ؛ لأن الضمير يعود على أقرب مذكور، لكنه ما يعود على أهل مدين إلا بتعسف شديد. فالصواب أنه يعود على قريش، يعني: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ فـ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ القصة التي جاءت بـ﴿آيَاتِنَا﴾.
إذن فأنت رسول؛ لأنك أتيت بما لم تكن شاهدًا فيه، ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾.
ولهذا قال: (﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص ٤٥] لك وإليك بأخبار المتقدمين).
(﴿مُرْسِلِينَ﴾ لك) إلى الناس، (وإليك) بالوحي، فالرسول عليه الصلاة والسلام مرسل للناس ومرسل إليه.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾.
(كان) فعل ماض، وهي مسلوبة الزمن، والمقصود بها اتصاف اسمها بخبرها.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّا﴾، هذه (نا) للجماعة، و(كنا) للجماعة، و﴿مُرْسِلِينَ﴾ جمع، مع أن الله تعالى واحد أحد، ولكن ذلك للتعظيم؛ لأن (نا) للمتكلم المعظم نفسه، أو للمتكلم ومعه غيره، وهي بجانب الله - بلا شك - للمتكلم المعظم نفسه.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾، ولم يقل: ولكن أرسلناك. كما قال في الآية التي قبلها: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص ٤٥]؛ لأن الرسالة ما زالت في الخلق منذ اختلفوا إلى آخر الرسل: محمد ﷺ. ومتى اختلفوا؟ اختلفوا بعد آدم، بعد أن مضت قرون إما عشرة أو أقل أو أكثر اختلف الناس، قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]، فتقول الآية: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فأنزل الله.
* طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الجاثية ١٧]، أيش (...)؟
* الشيخ: اللي بالوحي، لكن المراد بهذا اختلاف بني إسرائيل، ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ هذا لبني إسرائيل، أما الأولى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ﴾، وفيها قراءة لكنها غير سبعية ﴿فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ﴾، وهذه القراءة يدل عليها قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾.
(﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ لك وإليك بأخبار المتقدمين)، والفائدة من ذكر أخبار المتقدمين للرسول ﷺ ليتلوها على الناس، الفائدة: تقرير أنه نبي؛ لأنه ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه، فإذن يكون ما أخبر به عمن سبق، يكون من باب الوحي المجرد.
قال الله تعالى: (﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ الجبل ﴿إِذْ﴾ حين ﴿نَادَيْنَا﴾ [القصص ٤٦] موسى أن خذ الكتاب بقوة).
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، هذا خبر آخر غير الخبر الأول الذي فيه ابتداء الوحي؛ لأن الله تعالى بعدما أهلك القرون الأولى وعد موسى ثلاثين ليلة وأتمها بعشر، واختار من اختار من قومه ثم ذهب إلى الله سبحانه وتعالى لمناجاته وإنزال التوراة عليه.
يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، (جانب) أي: جهة الطور، أو قُرب الطور، و الطور هو الجبل المعروف في سيناء.
(﴿إِذْ﴾ حين ﴿نَادَيْنَا﴾ )، أفادنا المؤلف بأن (إذ) هنا ليست تعليلية ولكنها ظرفية، وهي ظرف لما مضى من الزمان، و(إذا) ظرف لما يُستقبل، و(إذن) ظرف للحاضر. فبهذا استكملت الظروف الثلاثة: (إذا) للمستقبل، و(إذ) للماضي، و(إذم) للحاضر.
قال: (﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ موسى أن خذ الكتاب بقوة)، وهل الله قال له: خذ الكتاب بقوة؛ لموسى، ولَّا لبني إسرائيل حين رفع فوقهم الطور، قال: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف ١٧١]؟ فالظاهر أن المؤلف توهم في هذا، نعم.
وخلنا نتأمل بعد في قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]، وأيش اللي قبلها؟ شوف في سورة الأعراف، أيش الآية؟
* طالب: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
* الشيخ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥]، إذن قول المؤلف: (أن خذ الكتاب بقوة) بالمعنى أتى بها، وإلا فالله يقول: ﴿فَخُذْهَا﴾ أي الألواح اللي فيها التوراة ﴿بِقُوَّةٍ﴾، يصير إذن أمر موسى أن يأخذها بقوة أن يأخذ الألواح بقوة.
فعلى كل حال كلام المؤلف إذن صواب، بس إنه أتى به بالمعنى لا باللفظ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾، أي: خذ هذه الألواح ﴿بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥].
يقول الله عز وجل: (﴿وَلَكِنْ﴾ أرسلناك ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّك﴾ [القصص ٤٦])، أخذنا أن قوله: ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول لأجله عاملها محذوف، والتقدير: أرسلناك رحمةً، وقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ ليس المعنى أنه هو الرحمة، ولكن المعنى أنه أُرسل للرحمة، ليرحم به، فالرحمة من الله سبحانه وتعالى، وأرسله الله رحمةً؛ كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧]، ليس المعنى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا﴾ حال كونك ﴿رَحْمَةً﴾، ولكن: إلا من أجل الرحمة، فبين المعنيين فرق.
﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّك﴾، أضاف الربوبية إلى الرسول ﷺ على سبيل التخصيص والتشريف، وهذه هي الرحمة الخاصة، وهناك رحمة عامة.
وفيها دليل - أي في قوله: ﴿مِنْ رَبِّك﴾ - على أن إرسال النبي ﷺ إلى الخلق ليرحموا به، أنه من الربوبية الخاصة؛ لأن من نعمة الله على العبد أن يلهمه هدًى ليهدي الناس به، فإن هذا في الحقيقة من أكبر النعم.
فالنبي عليه الصلاة والسلام أوحي إليه ليرحم الخلق بما أوحي إليه، وهذا من مقتضى الربوبية الخاصة، ولهذا قال: ﴿مِنْ رَبِّك﴾، ولم يقل: (من ربهم)؛ ﴿مِنْ رَبِّك﴾ الذي رباك تربية خاصة.
﴿لِتُنْذِرَ﴾، اللام هنا حرف جر؟
* طالب: لام التعليل.
* الشيخ: إي، ما هي حرف جر؛ لأنها داخلة على (أن) المقدرة، أي: (لأن تنذر)، ثم تحول إلى مصدر فيكون: (لإنذارك قومًا)، ولهذا على مذهب البصريين، تقول: اللام حرف جر، و(تنذر) فعل مضارع منصوب بـ(أن) مضمرةً جوازًا بعد اللام؛ على رأي الكوفيين، يقولون: إن اللام هي الناصبة، فيقولون: اللام لام (كي) وهي ناصبة. لكن البصريين أدق منهم في هذه الناحية، بل حقيقة الأمر أن اللام حرف جر، وأن (أن) هي الناصبة مقدرة.
طيب، أين متعلق ﴿لِتُنْذِرَ﴾؟ متعلقها هذا المحذوف الذي قدره المؤلف: (أرسلناك).
﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾، الإنذار هو الإعلام بما يُخاف، هذا الإنذار: الإعلام بما يخاف، والإعلام بما يُرغب ويش يُسمى؟
* طالب: بشارة.
* الشيخ: بشارة أو تبشير.
وقوله: ﴿قَوْمًا﴾ المراد بهم قريش، ولا يعني ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام مبعوث إليهم خاصة، ولكن لأن أول من أنذرهم كانت قريشًا، وإلا فقد بعث لهم ولغيرهم، قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ﴾ من قريش وغيرهم ﴿نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١].
﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
﴿مَا﴾ نافية، و﴿أَتَاهُمْ﴾ بمعنى جاءهم، و﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد إعرابًا لا معنًى، و﴿نَذِيرٍ﴾ فاعل (أتى)، يعني: ما جاءهم نذير.
وفائدة زيادة (مِن) التنصيص على العموم، في كل الأزمان الماضية ما أتاهم أحد ينذرهم قبل الرسول ﷺ.
وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ﴾، جملة ﴿مَا أَتَاهُمْ﴾ في محل نصب صفة لأيش؟
* طالب: لـ﴿قَوْمًا﴾.
* الشيخ: صفة لـ﴿قَوْمًا﴾.
وقوله: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾، قال المؤلف: (وهم أهل مكة) هذا تفسير لـ﴿قَوْمًا﴾.
إذا قال قائل: أليس إسماعيل رسولًا؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: طيب، إذن هو قد أتاهم قبل النبي ﷺ، أو لا؟
* طالب: المراد أولاده، وأولاده ما (...).
* الشيخ: أو يقال: إنه لما طال العهد حتى انمحت صاروا محتاجين إلى نذير ولم يأتهم نذير، فمَا أتاهم من نذير بعد أن انقرضت معالم رسالة إسماعيل، وإلا فلا ريب أن إسماعيل مرسَل إليهم؛ لأنه نبي، ولكنه انقرضت، ولهذا كان من دعاء إسماعيل وإبراهيم أنهما قالا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة ١٢٩]، وأجمع المفسرون على أن المراد به محمد ﷺ، فمنذ إسماعيل إلى أن بُعث الرسول عليه الصلاة والسلام ما جاءهم نبي، وانقرضت معالم النبوة، وكان أول من غيَّرها عمرو بن لُحَيٍّ الخُزاعي، فإنه هو الذي أدخل عبادة الأصنام وأدخل السوائب على العرب حتى انمحت به الحقيقة[[أخرج ابن حبان (٧٤٩٠) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «عرضت علي النار فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، وكان أول من غير عهد إبراهيم وسيب السوائب...».]].
* طالب: ولا لهم علاقة (...)؟
* الشيخ: لا، ما لهم علاقة؛ لأن رسالة موسى وعيسى إلى قومهما، إلى بني إسرائيل.
﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٤٦].
(لعل) هذه للتعليل، وهي متعلقة بـ(تنذر)، تنذرهم لأجل أن يتذكروا، أي: (يتعظون) بما جئت به. وهذا التعليل سنذكر في الفوائد إن شاء الله ما هي فائدته.
* طالب: خبر (ما) النافية؟
* الشيخ: ما هي خبر؛ لأنها ما دخلت على اسم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، تُزاد في خبر (ما)، لكن هنا (ما) دخلت على جملة اسمية.
* الطالب: القاعدة في الزيادة؟
* الشيخ: القاعدة لزيادة (من) أنها إذا حُذفت استقام الكلام بدونها.
* الطالب: (...).
* الشيخ: القاعدة أنك لو حذفتها هنا وقلت: (ما أتاهم نذير) صح، فهو دليل على زيادتها.
القصص 28:47
(﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ عقوبة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من الكفر وغيره ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا﴾ هلا ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ المرسل بها ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص ٤٧]).
(لولا) هنا تكررت مرتين، وفي كل موضع لها معنى غيره في الموضع الآخر.
الأول قال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ﴾ الضمير يعود على قريش، أهل مكة، وإصابة الشيء بمعنى نزوله، يعني تنزل به مصيبة، والمراد بالمصيبة هنا العقوبة بسبب كفرهم، وهي - أعني (لولا) - حرف امتناع لوجود، و(أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ، وجواب (أن) محذوف كما يقدره المؤلف.
وقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾ أي: بسبب، و(ما) اسم موصول، أي: بسبب الذي قدمت أيديهم، والمراد بأيديهم أنفسهم، أي: بما قدموه، وعبر باليد عن النفس لأن اليد في الغالب هي آلة العمل.
واعلم أن هناك فرقًا بين إضافة الفعل إلى اليد وبين إضافة الفعل إلى النفس بواسطة اليد، فمثلًا قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس ٧١]، أي: مما عملناه، أي: مما خلقناه، وليس المراد أن الله خلق الأنعام بيده.
وأما قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥]، فهنا أضاف الفعل إلى نفسه، ثم جعل اليد واسطةً، فيدل على أن آدم خلق بيد الله.
كذلك مثلًا لو قلت: (بما عملت بيدك) فهنا نقول: الإنسان عمل الشيء بيده، كذا ولَّا لا؟ فهو عمله نفسه لكن بيده. أما إذا قلت: (بما عملت يداك)، أو (بما قدمت يداك)، فالمراد: بما عملت، سواء عملته بواسطة اليد أو بالعين أو بالرجل أو باللسان، المهم أنه يُضاف إليك، يضاف العمل إلى اليد، لا إلى العامل بواسطة اليد، فإذا أُضيف إلى العامل بواسطة اليد صار العمل له، لكن من باب المباشر للعمل اليد، وإذا أضيف العمل إلى اليد صار المراد به عمل الإنسان سواء بيده أو بغير يده.
فقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ليس كقوله: بما قدموا بأيديهم أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأن الأول المراد (بما قدموا) سواء كان باليد أو بالرجل أو بالعين أو بالأذن أو باللسان.
وقوله: (﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من الكفر وغيره)، صحيح أن المصائب ما تكون إلا بالمعاصي، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠]، وهنا قال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ بسبب كفرهم.
﴿فَيَقُولُوا﴾، الفاء حرف عطف، و(يقولوا) معطوف على ﴿تُصِيبَهُمْ﴾، يعني: (فأن يقولوا) متى؟ بعد المصيبة ولا قبلها؟
* طالب: بعدها.
* الشيخ: بعد المصيبة، ﴿فَيَقُولُوا﴾ محتجين على الله: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ﴾، يعني: هلا أرسلت إلينا رسولًا قبل أن تصيبنا بالعقوبة ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهي حجة لهم ولَّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: إي حجة لهم، لو أصيبوا بغير أن يرسل إليهم رسول لكان ذلك حجة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، ويقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، فلولا هذا الأمر أن يصابوا بكفرهم وذنوبهم ثم يحتجوا على ربهم بأنه لم يرسَل إليهم رسول، فما هو الجواب؟ هل الجواب: لعاقبناهم؟ أو الجواب: لما أرسلناك إليهم؟
* طالب: لما أرسلناك إليهم.
* الشيخ: نشوف، قال المؤلف: (وجواب لولا محذوف، وما بعدها مبتدأ)، يعني: والخبر محذوف معروف، (والمعنى لولا الإصابة المسبب عنها قولهم، أو لولا قولهم المسبب عنها لعاجلناهم بالعقوبة ولما أرسلناك إليهم رسولًا).
كأن المؤلف جعل الجواب مركبًا من إثبات ونفي، الإثبات قوله: (لعاجلناهم بالعقوبة)، والنفي: (ولما أرسلناك إليهم)، لماذا؟ لأنهم هم ذكروا أمرين؛ لأن الله ذكر أمرين: الإصابة، وقولهم: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾، فكان الجواب أيضًا مركبًا من أمرين.
ويجوز أن يكون الجواب مركبًا من أحد الأمرين، أي: لعاقبناهم أو لما أرسلناك إليهم؛ لأن المعنى يتم بدون تقدير الأمرين جميعًا، وعلى هذا فتكون الواو هنا في كلام المؤلف بمعنى (أو).
وأظن الآية معناها واضح من حيث الإجمال: أنه لولا أن هؤلاء الكفار المستحقين للعقوبة بسبب كفرهم، لولا أن يحتجوا بأنه لم يرسَل إليهم رسول، لعاقبناهم بدون أن نرسلك، أو لما أرسلناك إليهم، فيكون إرسال النبي عليه الصلاة والسلام إقامةً للحجة عليهم، ودفعًا ليش؟ لحجتهم؛ دفعًا لحجتهم ودحضًا لها. فكأن النبي عليه الصلاة والسلام الآن أرسل إليهم قبل أن يؤخذوا بالعقوبة، وهذا يقتضي أنهم إذا كذبوه كانوا مستحقين للعقوبة؛ لأن الحجة التي يحتجون بها قد زالت.
طيب، عندنا الإعراب أظننا فهمناه من كلام المؤلف:
(لولا) الأولى شرطية، وهي حرف امتناع لوجود.
و(لولا) الثانية تحضيضية بمعنى هلا.
وقوله: ﴿فَيَقُولُوا﴾ معطوف على قوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ﴾.
وقوله: ﴿فَنَتَّبِعَ﴾ منصوب بـ(أن) مضمرةً بعد فاء السببية الواقعة في جواب (لولا) التحضيضية ولَّا لا؟ منصوب بـ(أن) مضمرةً بعد فاء السببية الواقعة جوابًا لـ(لولا) التحضيضية.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا؛ (لولا) التحضيضية، (لولا) بمعنى (هلا)، نعم، وهي تحضيضية، وإذا وقعت الفاء في جوابها نُصب الفعل بـ(أن) مضمرة.
ابن مالك يقول:
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ ∗∗∗ مَحْضَيْنِ أَنْ وَسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ
يعني أن (أن) تنصب بعد فا الواقعة في جواب طلب أو نفي محضين، (وسترها) أي حذفها وجوبًا (حتم).
وأظنه موجود في بيت يقرؤه الطلاب منذ صغرهم لما تنصب فيه (أن) مضمرة في الجواب، وهو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا شاهد، قواعد.
مُرْ وَادْعُ وَانْهَ وَسَلْ وَاعْرِضْ لِحَضِّهِمِ ∗∗∗ تَمَنَّ وَارْجُ كَذَاكَ النَّفْيُ قَدْكَمُلَا
هذه تسعة، إذا وقعت الفاء جوابًا لواحد منها فإنه ينصب الفعل بعدها بـ(أن) مضمرةً، ما حفظتموه من قبل؟
........................... ∗∗∗ تَمَنَّ وَارْجُ كَذَاكَ النَّفْيُ قَدْكَمُلَا
* طالب: ما يصح (...)؟
* الشيخ: لا، ما يصح؛ لأنه قد تكون فاء السببية عاطفة.
طيب، بعد هذه الأمور، أمَّا (مُرْ) فهي إشارة للأمر، نعم، كما تقول: (انزلْ عندنا فنكرمَك).
(وادع) هذا دعاء الله، قال الشاعر:
ربِّ وفِّقْنِي فَلَا أَعْدِلَ عَنْ ∗∗∗ سَنَنِ السَّاعِينَ في خَيْرِ سَنَنْ
(رب وفقني فلا أعدلَ)، وتقول: (رب وفقني فأعملَ صالحًا).
(وانهَ): ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾، ويش بعدها؟
* طالب: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾.
* الشيخ: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه ٨١].
(وسَلْ)، اسأل يعني للاستفهام: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ [الأعراف ٥٣]، منصوب الفعل بـ(أنْ).
(واعرِضْ) العَرْض، كما في قول القائل: (ألا تنزلُ عندي فتصيبَ خيرًا)، (ألا تنزل) عرض (فتصيبَ خيرًا).
(لِحَضِّهِمِ) هذا التحضيض، مِنْه هذه الآية: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [القصص ٤٧].
(تَمَنَّ) المُراد به التمني، تقول: (ليت لي مالًا فأتصدقَ منه).
(وارْجُ) الرجاء، الترجي يعني: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر ٣٦، ٣٧]، لعلي أبلغ فأطلعَ.
(كذاك النفيُ)، النفي غير النهي، فتقول: (ما تَعَلَّم زيدٌ فيُعَلِّمَك).
نعم، هذه تسعة مواضع إذا وقعت الفاءُ بعدها فإنه يُنصَب الفعل بـ(أن) مُضْمَرة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: في النفي.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (ما تعلم زيد فيعلمَك).
طيب، قال: ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [القصص ٤٧].
* طالب: فيه النهي (...) فيه النهي، فيه (وانه) فيها النهي؟
* الشيخ: فيه النهي؟
* الطالب: (...) (وانه)؟
* الشيخ: إي، مثَّلنا له بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ﴾ [طه ٨١].
* طالب: البيت الثاني:
ربِّ وفقني فلا أعدلَ..
* الشيخ:
ربِّ وفِّقْنِي فَلَا أَعْدِلَ عَنْ ∗∗∗ سَنَنِ السَّاعِينَ في خَيْرِ سَنَنْ
قال: (﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ المرسَلَ بها ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وجواب ﴿لَوْلَا﴾ [القصص ٤٧] محذوف).
المعنى: إنا أرسلناك يا محمد إقامةً للحجة عليهم ورحمةً بهم أن يصيبهم العذاب بدون أن يصِل إليهم رسول.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص ٤٨].
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾، ﴿الْحَقُّ﴾ ذكرنا فيما سبق أنَّه الشيء الثابت، وأنَّه فيما يقابل الأوامر هو العدل، وفيما يقابِل الأخبار هو الصدق، والمراد بالحق هنا قال المؤلف: (إنه محمد ﷺ)، وكأنّه عَدَل به عن المعنى الظاهر منه من أجل قوله: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ﴾، هذا الحق ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، فكأن المؤلف عدَل عن معنى الحق الظاهر إلى أن يكون محمد ﷺ في هذا. ولكن الصواب: أن المراد بالحق الوحي الذي نَزل على محمد ﷺ، المراد بالحق الوحي الذي نَزل على محمد، ولهذا قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾، والعِنْدِيَّة تقتضي القرب، وأن يكون ذلك من الله، وهذا لا يتصور أنه محمد ﷺ، بل هو الحق الذي جاء به. كما أن مثل هذه الآية: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ في جميع مواضع القرآن هي مطَّرِدة أن المراد به الوحي الذي نزل على محمد ﷺ.
ويكون قوله: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾، أي: محمد الذي جاء بهذا الحق، فمعنى الآية هنا ظاهر جدًّا ولا فيه تكلُّف، فكوننا نقول: إن الضمير ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾ يؤيد أن يكون الحق محمدًا، نقول: لا حاجة إلى ذلك، ما دام جاء الحق، والذي جاء به مَن؟ محمد، فيكون معلومًا أن قولَه: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾ يعني محمدًا ﷺ الذي جاء بالحق، وليس محمدٌ هو الحق. ولهذا ليس من أسماء الرسول عليه الصلاة والسلام الحقّ، نعم هو ﷺ صادق فيما جاء به من النبوة، ولكنّه جاء بالحق.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا﴾، الضمير يعود على مَن؟ يعود على مَن جاءهم الرسولُ عليه الصلاة والسلام.
(﴿قَالُوا لَوْلَا﴾ هلَّا)، ويش معناه على هذا التفريع؟
* طالب: تحضيضية.
* الشيخ: تحضيضية، وليست شرطية، هلا ﴿أُوتِيَ﴾ أي أُعطِي ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ يعني (من الآيات)، مثلَما أُعطي موسى من الآيات، وهذا الجواب فيه إشكالٌ إذا جعلناه عائدًا إلى قريش؛ لأن قريشًا -كما هو معلوم- قوم أميون لا يعلمون عن الرسل شيئًا، فكيف يعارِضون بقصة موسى؟
أجاب المفسرون عن ذلك بأن قريشًا كانت عندما بُعِث الرسول عليه الصلاة والسلام تُراسِل اليهودَ وتقول: جاءنا رجلٌ يقول: إنه نبي، فما هي علامات الأنبياء عندكم؟ فتخبِرُهم اليهود بعلامات الأنبياء، ولهذا عارضت قريشٌ النبيَّ ﷺ بالآيات التي جاءت لموسى.
ويَحتمِل أن قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ٤٨] عائدٌ إلى اليهود؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام مبعوثٌ إليهم، ويُؤَيد هذا الاحتمالَ قولُه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ٤٨]. ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عن الآية.
* طالب: قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ﴾ [يس ٧١]، (...) المخلوق، وهي أن اليد هي آلة العمل.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: هذا غير موجود في (...).
* الشيخ: لا، ما نقدر نقول: غير موجود.
* الطالب: ما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، فيدل على أنه يفعل (...).
* الشيخ: إي، لكن بس ﴿يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
(...) فمعناها حرف وجود الوجود أنها أشبه بالشرطية.
ما المراد بالحق في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾، أيش المراد بالحق؟ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص ٤٨]، أيش يقول المؤلف في المراد بالحق؟
* طالب: المؤلف يقول: إن الحق محمد.
* الشيخ: المؤلف يقول: إن الحق محمد.
* الطالب: والصحيح أن الحق القرآن.
* الشيخ: القرآن الذي جاء به محمد.
طيب، قوله: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، أيش معنى ﴿لَوْلَا﴾؟
* طالب: هلَّا.
* الشيخ: هلَّا، والضمير في قوله: ﴿أُوتِيَ﴾ يعود إلى مَن؟
* الطالب: إلى موسى.
* الشيخ: لا.
* الطالب: الضمير؟
* الشيخ: إي، قال: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾؟ أي: محمد، ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾ أي: محمد.
قوله: ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، ما المراد بـ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾؟
* طالب: التوراة.
* الشيخ: ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ يعني التوراة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ويش المراد بالمثلية؟ ﴿مِثْلَ﴾ ليش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) أتى بوحي مثلما أن التوراة وحي.
* الطالب: محمد.
* الشيخ: إي نعم، ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ بأيش؟
* الطالب: بالتوراة (...).
* الشيخ: إي، وأيضًا التوراة في نزولِها جملة واحدة، هم قالوا: مِثل أوتي موسى مِن نزول الوحي جملةً واحدة ومِن الآيات (...)، فهمتم؟
طيب، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ٤٨]، ما تقول: ﴿يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ﴾، الضمير يعود على مَن؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿يَكْفُرُوا﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: وهل موسى مبعوثٌ إليهم حتى يؤنبوا على الكُفر به؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن إذا كفر بها مَن لم تُرسَل إليه ما قال...
* الطالب: (...).
* طالب: الضمير يعود إلى الجنس.
* الشيخ: المراد يعود إلى الجنس، يعني أن آيات موسى ما نفعت أيضًا، كفرَ بها مَن كفر من الناس، ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ أي جنس البشر ﴿بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾، فاقتراحكم أن تكون آيات محمد ﷺ كآيات موسى ليس ذلك بموجِبٍ للإيمان؛ لأن آيات موسى كُفِر بِها.
قوله: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾ [القصص ٤٨]، فيها قراءة ثانية؟ ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾، وأيش القراءة اللي فيها؟
* طالب: ﴿﴿سَاحِرَانِ﴾ ﴾.
* الشيخ: نعم، إذا كانت ﴿﴿سَاحِرَانِ﴾ ﴾ مَن تعني؟
* الطالب: تعني (...).
* الشيخ: وإذا قال: ﴿سِحْرَانِ﴾، على قراءة ﴿سِحْرَانِ﴾؟
* الطالب: تعني (...).
* الشيخ: وهما؟
* الطالب: القرآن والتوراة.
* الشيخ: القرآن والتوراة، صح، نعم.
قوله: ﴿تَظَاهَرَا﴾ [القصص ٤٨]، أيش معناها؟
* طالب: تعاونا.
* الشيخ: أي: تعاونا.
طيب، قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [القصص ٤٩] ما المراد بالأمر هنا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ﴾ أمر، ما هو للاستفهام: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) هذا أمر.
* الطالب: التعجيز.
* الشيخ: التعجيز والتحدي.
قوله: ﴿أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ [القصص ٤٩]، ﴿مِنْهُمَا﴾ الضمير يعود على أيش؟
* طالب: على التوراة والإنجيل.
* الشيخ: الإنجيل؟! التوراة؟
* الطالب: على التوراة والقرآن.
* الشيخ: والقرآن.
طيب، وما معنى ﴿أَهْدَى﴾؟
* الطالب: ﴿أَهْدَى﴾ يعني أكثر هدايةً.
* الشيخ: أكمل؟
* الطالب: أو أكمل هداية.
* الشيخ: أكمل هداية. طيب، ما الذي جزَم ﴿أَتَّبِعْهُ﴾؟
* طالب: نعم؟
* الشيخ: ﴿أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ﴾ [القصص ٤٩]، العين ساكنة مجزومة.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: أيش اللي جزمها؟
* طالب: جواب الطلب.
* الشيخ: وين الطلب؟
* الطالب: ﴿فَأْتُوا﴾.
* الشيخ: ﴿فَأْتُوا﴾، نعم، فإذا جعلوا الغاية جوابًا للأمر السابق صار مجزومًا.
قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص ٥٠]، ويش تقول؟ ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾، ﴿يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ في أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني ما يجيبون كتابًا مِن عند الله هو أهدى مِنهما، إي نعم.
قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [القصص ٥٠]، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾؟
* طالب: يعني ما أحد ﴿أَضَلُّ﴾؟
* الشيخ: لا أحد ﴿أَضَلُّ﴾. طيب، ما هو الغرض مِن الإتيان بالنفي بصورة الاستفهام؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: كيف نجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف ٥]، كيف نجمع بين الآيتين؟ هذه تقول: لا أحد أضل مِمَّن اتبع هواه، وتلك تقول: لا أحد أضل ممن يدعو من دون الله. كيف نجمع بينهما؟ يعني كل واحدة تقول: ما أحدَ أضل من هذا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، والثانية؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: باعتبار أيش؟
* الطالب: (...) في مقام الدعاء: لا أضل مِمَّن يدعو من دون الله، في مقام الاتباع، لا أضل مِمَّن يتبع (...).
* الشيخ: نعم، معناه أنه هنا تُنَزَّل كل الآية على معنى لا يتعلق (...) يعني؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: يعني معناه أنها ضلال الغاية باعتبارِ ما هو مِن جنسها؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: طيب، هذا واحد. فيه وجه آخر؟
* الطالب: (...) الضلال اللي يدعو كل واحد.
* الشيخ: فهما في مرتبة واحدة.
* الطالب: في مرتبة واحدة.
* الشيخ: وهذا والله ما يخالف أنه مثلًا ما فيه شيء يساويه، إذن ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ [القصص ٥٠] فلا يمنع أن يوجد شيء يساويه في ذلك، فيكون كلٌّ من الأمرين قد بلغ الغاية في الضلال، إي نعم، هذا يعني معناه أنه يُجمع بينها بِأحد أمرين: إما أن يقال إن كلَّهما في منزلة واحدة، أو يقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ باعتبار هذا المعنى، نعم، فيكون كل واحد منهما يُنَزَّل على معنى.
نرجع الآن إلى استنباط الفوائد:
الفائدة الأولى: قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص ٤٨] هذه الآية معلوم تفريعها على ما سبق، ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [القصص ٤٧].
* ففيها: تكذيب دعوى هؤلاء في قولهم: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾، فإنّه قد جاءهم الحق مع الرسول، ومعَ ذلك كذبوا ولّا لا؟ كذَّبوا، وقالوا: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾.
* ففي الآية: تكذيب هؤلاء الذين قالوا: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾.
* من فوائدها: أن ما جاء به النبي ﷺ فهو الحقُّ، والحق بمعنى الشيء الثابت، وهو بالنسبة للأخبار الصدق، وبالنسبة للأحكام العدل.
* مِن فوائدها: أنَّ ما خالف ما جاء به النبي ﷺ فهو باطل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢]، فكلُّ خبر يَتضَمَّن تكذيب خبرِ الله ورسوله فهو الكذب. فمثلًا إذا قال قائل: أصل الإنسان قرد، ثم تطور فصار إنسانًا، ماذا نقول له؟ كذِبٌ؛ لأنه يُخالِف ما جاء به النبيُّ ﷺ، نعم. وإذا شرَّع الإنسان قوانين مخالفة للشرع، قلنا: هذا باطل وضلال؛ لأنَّ الحق فيما جاء به الشرع فقط، نعم.
* من فوائد الآية: بيانُ عُتُوِّ هؤلاء المُكَذِّبين للرسول عليه الصلاة والسلام، عتوُّهم وعنادُهم، وهو أنَّهم كذَّبوا بالحق بعد أن قالوا: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [القصص ٤٧].
* ومن فوائد الآية: أن قريشًا عِنْدهم بعض المعلومات عن الرسل السابقين؛ حيث قالوا: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾. وبأيِّ وسيلة حصلوا على هذا العلم؟
* طالب: عن طريق اليهود.
* الشيخ: عن طريق اليهود؛ لأنهم لما جاء الرسول ﷺ بُعِث أَرسلوا إلى اليهود يسألونهم عن أخبار هذا الرجل، فكتبوا لهم بما يعرفون من أخباره وبما جاء به موسى[[أخرج البيهقي في الدلائل (٦١١) عن ابن عباس رضي الله عنهما.]].
* من فوائد الآية: إثبات رسالة موسى ﷺ؛ لقولهم: ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص ٤٨].
* من فوائدها: أن موسى عليه الصلاة والسلام أعطاه الله تعالى آياتٍ يؤمِن على مِثْلها البشرُ، وهذا ليس خاصًّا بِه، بل هو لِكل رسول بعثه الله، لا بد أن يؤتيَه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر؛ لأن البشر لا تُصَدِّق رجلًا قال: أنا رسول الله إليكم، آمركم بكذا وأنهاكم عن كذا، واتركوا ما كان عليه آباؤكم مِن عبادة الأصنام، واتركوا ما كان عليه آباؤكم من تحريم الحلال، وما أشبه ذلك. ما يقبلون إِلا بآيات تدُل على صدقه وتُؤَيِّده.
* طيب، ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: إبطالُ حُجَّة هؤلاء المكذِّبين، إبطال حجتهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ٤٨].
* ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي في مقام المناظَرة والمجادَلة أن يُفْحَم الخَصمُ بإبطال قولِه بقولِه أو بفعلِه، أنه يُبْطَل قولُه بِما جرى مِنه هو، لِماذا؟ لأنَّ ما جرى مِنه لا يمكن أن يُنكِره، ولو أنكره ما قُبِل، فكوننا نُقيم الحجة على الخصم مِن فعلِه وقولِه؛ هذا أبلغ في إفحامه. ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾.
* ومنها: أنّ طبيعة البشر واحدة، بناء على أن قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ [القصص ٤٨]، أنّ الضمير يعود على جِنس الإنسان؛ لأن الطبيعة البشرية واحدة.
* ومنها، مِن فوائد الآية أيضًا: أنّه ينبغي أيضًا عند المُخاصمة أو عند المُناظرة إبطالُ قولِ الخصم بالواقع، أنّك تُبطل قولَ الخصم في الأمر الواقع، ما (...) في الأمر الواقع، فإن الآيات التي جاء بها موسى و(...) هؤلاء كُذِّبَت ولَّا ما كُذِّبَتْ؟
* طالب: كُذِّبَتْ.
* الشيخ: كُذِّبَتْ، ما آمن بها البشر. إذن، فالمدار ليس على جنس الآيات، ولكن المدار على حال المُخَاطَب، وإلا فالآيات قائمة وبَيِّنَة، لكن ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١].
* ومِنها: أن أهل الباطل يُلقِّبون أهل الحق بألقاب السوء تنفيرًا للناس عن قَبولهم، مِنين تؤخذ؟
* طالب: ﴿سِحْرَانِ﴾.
* الشيخ: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾ أو ﴿﴿سَاحِرَانِ﴾ ﴾، ﴿﴿قَالُوا سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا﴾ ﴾ [القصص: ٤٨]، أو ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾، فسواءٌ وَصفوا ما جاءت به الرسُل بالسحر أو وصفوا الرسُلَ أنفسهم بالسحر، فإنّ المقصود بذلِك التنفير؛ تنفير الناس عن قَبول ما جاءت به الرسل.
طيب، هل نقول: إن هذه القاعدة ثابتةٌ لأتباع الرسل؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: بدليل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٢٩ - ٣٢]، والله تبارك وتعالى قد جعل لِكُل نبيّ عدوًّا من المجرمين، والعدوُّ من المجرمين عدوٌّ للنبي بشخصه أو عدوٌّ له بوصفه؟
* طالب: بوصفه.
* الشيخ: بوصفه، بدليل أن محمدًا ﷺ قبل أن تأتيَه الرسالة وهو عند العرب الصادق الأمين، ويرونه أنّه من أفضل بني هاشم وأقومِهم بالعدل، فلما جاء بالحق ويش صار؟ صار الخائنَ الكذوبَ، واضح؟ إذا كان هؤلاء المجرمون يعادون الرسلَ لِوصفهم، فمعنى ذلك أنه هذه المعاداة ستنتقل إلى مَن تابَع هؤلاء الرسل؛ لأنّ المعْنَى الذي حصلت به العداوة موجود أيضًا في أتباع الرسل.
* وعلى هذا، فيمكن أن نأخذ منه فائدة، وهي: طمأنة أتباع الرسل وتثبيتهم على أنّهم سينالهم مِن ألقاب السوء ومِن المعاداة مِثلُ ما نال الرسلَ، نعم، فعليهم أن يقابِلوا ذلك بالصبر والثبات والقوة، نعم، لا أن ينخذلوا، بل يكونوا كما كان متبوعوهم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف ٣٥].
* ومِنها أيضًا، مِن فوائد الآية: أن التعاون حتَّى على الباطل له تأثير، ولَّا لا؟ التعاون حتى في الباطل له تأثير وتقوية، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿تَظَاهَرَا﴾ [القصص ٤٨]، فإذا كان التعاون في الباطل له تأثير، فما بالك بالتعاون في الحق.
وعلى هذا فينبغي لنا، وهي الفائدة التي تترتب على ذلك: ينبغي لنا أن نكون متعاونين فِيما نحن عليه مِن دعوة الحق، وألا يخذل بعضنا بعضًا، نعم، خلافًا لِما كان عليه حال الناس اليوم، فإنهم في هذا الباب ليسوا بمتعاونين، حتى أهلُ الحق وأهلُ الدعوة تجدهم غيرَ متعاونين؛ لأنهم أولًا كل واحد ما همه إلا نفسه، وثانيًا: أنهم رُبَّمَا يختلِفُون في أمر بسيط جُزْئِي من أمور الدِّين، ويتعادَون على ذلك، نعم، يمكن يخالفه في كيفية رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، هذا يقول: ترفع يديك إلى الأذنين، وهذا يقول: ترفع إلى المنكبين، ثم يقول: أنت على ضلال، وهو يقول: أنت على ضلال. ثم ماذا تصنع هذه الكلمة؟ تصنع الحقد والبغضاء والعداوة.
وأنا قد قصصت عليكم قصةَ طائفتين من أهل إفريقيا، كلُّ طائفة تُكَفِّر الأخرى في مسألة بسيطة من مسائل الدين، طائفة تقول: إن السنة أن يضع الإنسان يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وطائفة أخرى تقول: إن السنة أن يرسِل الإنسان يديه إلى جنبِه، كلُّ واحدة تقول للأخرى: أنتِ كافرة ملعونة؛ لأنكِ تركتِ السُّنة عن عمْد وقصْد، والإنسان اللي يكره ما أنزل الله يكون كافرًا. ففيه خصومة عظيمة، وفي وقت الحج هذه الأيام في منى، ويا الله أنه يجتمع ناس من الإخوان من التوعية اجتمعوا عليهم وهدَّؤُوهم وبينوا أن هذا ما يجوز؛ لأن هذا ضرر عليكم أنتم يا أهل الحق؛ لأنكم إذا كفَّر بعضكم بعضًا أيش تصيرون على أهل الخرافات وأهل البدع، نعم، المكفِّر (...) كافر.
فنقول: إن التعاون له تأثير بالغ، وأظنكم تعرفون في نقض الصحيفة التي كَتَبَتْ قريش في مقاطعة بني هاشم، كيف نقضوا هذه الصحيفة؟ ما جاء واحد من الناس ينقضها، ما يستطيع، لكنه ذهب إلى فلان وقال له يوبِّخه، فقال: بنو هاشم قوم منكم كيف ترضون أن تقاطعوهم حتى يموتوا مِن الجوع، وذهب إلى آخر وإلى ثالث ورابع، حتى إنهم كوَّنوا جماعة فذهبوا إلى هذه الصحيفة من الكعبة ومزَّقوها[[انظر قصة السقيفة في السيرة النبوية لابن هشام (١/٣٧٦).]]. فإذن التعاون أساس النجاح، مثلما قال العامة، وانظر إلى كلمة المجرمين، يقولون: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ [القصص ٤٨].
* طيب، ثانيًا: من فوائد الآية: بيان عُتُوِّ هؤلاء أيضًا من جهة أنهم لم يؤمنوا بالأمرين، وقالوا: ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص ٤٨].
* ومنها أيضًا: أن تقديم المعمول في قوله: ﴿بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ أيش يفيد؟ الحصر، مع أنهم كفروا به مع غيره، لكن سبق أن قلنا: إن هذا الحصر المقصود به إغاظة الخصم، كأنهم يقولون: لو آمنا بكل شيء ما كفَرنا إلا بهما. وإلَّا معلوم أنهم يكفرون به وبغيره، وهذه فائدة قليلٌ مَن ينتبه لها، وهو أنه إذا كان الشيء غيرَ محصور في هذا الشيء ولكنَّه حُصِر فيه، فلا بدَّ أن هناك غرضًا، الغرض هنا: الإغاظة، كأنهم يقولون: نحن وإنْ آمنا بكل شيء، فنحن كافرون بِما جئتم به: ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص ٤٩].
* في هذه الآية من الفوائد: أنه مِن العدل التنزُّلُ مع الخصم إلى حال يُقِرُّ بها، فإنه من المعلوم أن الله سبحانه وتعالى يعلم أنه لا يمكن أن يأتوا بما طُلب منهم، أو لا؟ حين طلب منهم أنهم يجيبون كتاب أهدى مِن التوراة والقرآن، والله يعلم أنهم لن يأتوا بذلك أو لا؟ كيف يقول للرسول: ﴿قُلْ فَأْتُوا﴾ مع أنه يعلم أنّه ما يمكن؟ هذا مِن باب التنزل مع الخصم إلى غاية ما يكون مِن العدل، كأنه جعلَه مع خصمه شيئًا واحدًا، فيقول: أنتم هاتوا كتابًا أهدى من التوراة والقرآن أتَّبِعه، أنا ألتزم باتباعه، فإذا لم يأتوا معناه: يلزمهم أن يتبعوا التوراة والقرآن، ولَّا لا؟ يلزمهم ذلك، يعني ما دام أنِّي أنا ملتزِم لهم بأنكم إذا أتيتم بكتاب أهدى منهما بأن أتبعه، فأنتم يجب عليكم أن تتبعوا ما دام ما وجدتم.
إذن فيه التنزل مع الخصم، وأن ذلك مِن تمام العدل في المناظَرة.
* ومن فوائد الآية أيضًا: إفحام الخصم بالتحدي، ولو أنكم قرأتم آخر سورة الطور لوجدتم فيها شيئًا غريبًا من المناظرة، من قولِه: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور ٢٩]، إلى قوله: ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور ٤٥]، تجِدون يعني آدابًا كثيرة مِن المناظرة: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور ٣٨]، إن كان الأمرُ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور ٣٨]، ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور ٣٣]، إن كان الأمر كذلك ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور ٣٤]، فالمناظرة، يعني الله سبحانه وتعالى في ختام المناظرة يجعل الخصم مُفحَمًا بتحديه بما لا يستطيع، فهنا ما يستطيعون أن يأتوا بمثله فتقوم بذلك عليهم الحجة.
* ومِن فوائد الآية: أن التوراة والقرآن من عند الله، فيكون القرآن والتوراة كلامَ الله، لكن القرآن نَزَل وحيًا، والتوراة نزلت كِتَابةً، كتبها الله في ألواح ألقاها إلى موسى.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أنه لا يلزم الإنسان الانتقال عمَّا كان عليه إلى غيره، إلَّا إذا كان أهدى منه. أنا ما يلزمني الانتقال مثلًا من مذهب الحنابلة إلى مذهب الشافعية حتى أرى أنه أصوب؛ لأنه قال: ما يجب الاتباع إلا إذا كان ما جاءوا به أهدى منه، أما إذا كان مساويًا فأنتم لا تلزموني، وأنا لا ألزمكم إذا كان مساويًا، إنما الإلزام متى؟ حينما يكون ما جاء به الخصمُ أهدى مِمَّا أنا عليه. وهذه فائدة مهمة جدًّا، وهي: لا يَلزَم الإنسانَ الانتقالُ مما هو عليه مِن طريقة ومذهب إلا إلى مَن هو أصوب وأحسن وأهدى منها، أمَّا عند التساوي فإنه لا يُلزَم ولا يُلَام أيضًا إذا لم يَنتقل، وإما أيضًا إذا كان ما فيه غيره أدنى فإنه من باب أولى لا يلزم.
طيب، فالمراتب الآن ثلاثة: إما أن يكون ما تُدْعَى إليه أدنى مما أنت عليه، أو أهدى، أو مساويًا. إن كان أهدى، أيش الواجب؟ يلزَم الاتباع. وإن كان أدنى حَرُم الاتباع. بقينا إذا كان مساويًا هل يلزَم الاتباع أو يحرُم أو يُخَيَّر به الإنسان؟
العلماء يقولون في مثل هذه الحال: يُخيَّر الإنسان، قالوا: وإذا أفتاه عالمان ولم يكن أحدُهما عنده أرجح فإنه يُخيَّر في اتِّباع أيِّ القولين شاء. وربما يُؤخَذ مِن هذه الآية، ربما يُؤْخذ حكم هذه المسألة مِن هذه الآية؛ لأنه ما أوجب الله الاتباع إلا إذا كان أهدى، ومعلومٌ أنه إذا كان أدنى كان الاتباع محرمًا، فيبقى المُساوي ليس إلى جانب التحريم وليس إلى جانب الوجوب، وهذه مرتبة التخيير.
* ومنها أيضًا، من فوائد الآية: الأمر أن التحدي أيضًا يكون بالوصف كما يكون بالفعل، ﴿فَأْتُوا﴾ [القصص ٤٩] تحدٍّ بفعل ما هم بآتين به، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ تحدٍّ بالوصف، إن كنتم من الصادقين أن ما أنتم عليه حق فأتوا بهذا، وإلا فأنتم مِن الكاذبين، ولهذا قال: ﴿أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص ٤٩].
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٥٠].
قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾، أي: فإن انتفت استجابتهم لك.
* ففيه: جواز التعليق بالشرط فيما هو محقق الوقوع، أو ما فهمتم هذا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: يعني معناه ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾، هذا أمر محقَّق الوقوع، فهل يظن الظانُّ أن فيه احتمالًا أن يستجيبوا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما فيه، ما يظن. إذن فنقول: جواز تعليق الشيء المحقَّق بالشرط، ولو كان محققًا أنه لن يكون، وكذلك ولو كان محققًا أنه كائن، فإن هنا الانتفاء كائنٌ لا محالة، ومع ذلك عُلِّق بالشرط، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ»[[أخرجه مسلم (٢٤٩/٣٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، يقوله لأهل المقابر، فمعلومٌ أن هذا الأمر؟
* طالب: مُحَقَّق.
* الشيخ: مُحَقَّق، نعم.
* ومنها أيضًا: أن هؤلاء المكذِّبين للرسول ﷺ ليس عندهم حُجة سوى اتباع أهوائهم؛ لقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص ٥٠]. وهل معنى ذلك أي: فلا تجادِلْهم؟ لأن المتَّبِع هواه مشكل مُكابِر، اللي يتبع هواه مكابر ما تقدر تقنعه، ما دام أنه ما هو بيريد الحق، وإنما يريد أن ينتصر لنفسه فقط ويتَّبِع هواه، فأعتقد أن مثل هذا الرجل ما يمكن أن يُجَادَل، لو جادلتَه ما دام صاحب هوى ما فيه فائدة.
* فهل نقول: إنه يُستفاد من هذه الآية: أنه إذا عُلم بأن المجادَل يريد اتباع هواه فإنه لا فائدة من جداله؛ لأنه إضاعة وقت؟ نعم، نقول هكذا؛ لأنه قال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾، يعني: ولا فائدة من جدالهم، فإذا كنتَ بيَّنت للإنسان الحق ووضحته بأدلته النقلية والعقلية والحسية حسب ما هو موجود من الأدلة، ولكنه أصر إلا أن يبقى على ما كان عليه، فاعلم أنه متبع لهواه، والمتبع الهوى مشكل، ما هو بإنسان يتطلب الهدى، ما يمكن ينتفع.
ولهذا نقول في هذه الحال: لا يجب على المرء مجادلتُه، وإنما ينتقل إلى شيء آخر، وهو معاقبته: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت ٤٦]، فالمعاند غير مَن يريد اتباع الحق ولم يَظهر له، المعاند له حال، وقد قال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى ٩]، يعني: وإنْ لم تنفع فلا تُذَكِّر، وهذه تَقدم الكلام عليها هل هذا الشرط له مفهوم أو ليس له مفهوم؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، (...) ما دام تجادلتم أمام الناس اتضح الحق، ما هو معنى أنه يتصل ويتكلم بالباطل وتسكت؛ لأنه إذا ما سمعته يتكلم بالباطل يجب أن الناس تعرف الحق وتغيير هذا الباطل. لكن إذا كنت جادلته أمام الناس وتبين الحق وهو أبى، ما عندك شيء، ما فيه فائدة من مجادلته.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، هو على كل حال نحن ما نقول: جادِل عند الناس، لكن أحيانًا يكون الجدال عند الناس، تكون عند ناس في مجلس ويبدأ البحث ويحصل النقاش، هل نقول: إن هذا الرجل إنك تسكت وتخليه؟ لا، يجب عليك أنك تقاوم بالذي عندك، نعم. كذلك لو سمعته مثلًا يتكلم في مجمع ويُقَرِّر الباطل، يجب عليك أنك تتكلم بالحق، إي نعم.
* ومِن فوائد الآية: اختلاف الناس في الضلال، أن الناس يختلفون في الضلال، فليسوا على حدٍّ سواء في الضلال، كما أنهم ليسوا على حدٍّ سواء في الهدى، وليسوا على حد سواء في الغيِّ، وليسوا على حد سواء في الرُّشْد، أو لا؟ الناس على حد سواء في هذه الأمور؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ﴾ [القصص ٥٠]، ففي هذا دليل على أن الناس يتفاوتون في الضلال، ولكن ما هناك أحد أضل مِن هذا الذي اتبع هواه بغير هدًى من الله.
* ومنها أيضًا، من فوائد الآية: أنَّ الهوى قد يكون موافِقًا للهدى. منين نأخذه؟
* طالب: ﴿هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى﴾.
* الشيخ: ﴿هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص ٥٠]، أمَّا مَن اتبع هواه بِناء على هدى من الله، فهذا طيب أن يكون هواه تبعًا لما جاء به الحق، هذا طيب، وقد ذكرنا لكم الحديث المروي عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»[[أخرجه ابن بطة في الإبانة (٢٧٩) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.]]، فالحاصل أن الهوى المذموم هو الذي ليس على هدى.
* طيب، ومن فوائد الآية: أنَّ الظالم قد عرَّض نفسه لِحِرمانه من الهدى، أو إن شئت فقل: إن الظلم سبب لِحرمان الظالم مِن الهدى؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٥٠]، فالظالم هو الذي حَرَمَ نفسَه الهدى.
(...)
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾، والقدرية يرون أن الإنسان يُمكن أن يهتدي بنفسه، وليس لله تبارك وتعالى عليه أيُّ سلطة؛ لأنهم - والعياذ بالله - القدرية، ويش يقولون بالنسبة لقدر الله؟
* طالب: أن الأمر أنف.
* الشيخ: إي نعم أن الأمر أُنُف، بمعنى أن الله ما قدَّر أفعال العباد، وإني أنا أفعل وأترك باختياري المجرد المحض، وليس لله فيه أي مشيئة ولا خَلْق ولا شيء، لكن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٥٠] يرد عليهم، كما أنه أيضًا يرد على الجهمية الجبرية الذين يقولون بالجبر؛ لأن الله تعالى نسَبَ هؤلاء -بفعلهم- إلى الظلم، ولو كانوا مجبَرين عليه لكانت نسبةُ الظلم إليهم ظلمًا، والله تبارك وتعالى لا يظلم أحدًا.
ففي الآية إذن: ردٌّ على القدرية، ورد على مَن؟ ورد على الجبرية، والجبرية جهمية، يعني الجهمية مِن مذهبهم الجبر، وفيهم ثلاث جِيمات، كما قال ابن القيم في النونية: الجهمية فيهم ثلاث جيمات، كلهم جيمات ذم، أيش هي؟ جبر وإرجاء وجيم تجهُّم، فهم جبرية مرجئة جهمية، نعم، الله يكفيك شر الجيمات الثلاثة، نعم، الجهمية والجبرية والمرجئة.
* على كل حال، في الآية الكريمة: ردٌّ على الطائفتين الضالَّتين، وهما: القدرية والجبرية، والقدرية يُنكِرون قدَر الله بالنسبة لأفعال العبد، والجبرية بالعكس.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
* طيب، ومن فوائد الآية: أنّ مَن تحرى العدل فإنه قد تعرَّض للهداية؛ لأن الظلم ضده العدل، وانتفاء الهداية بوصف الظلم يقتضي ثُبوت الهداية بوصف العدل. فمن تحرى العدل فإنه يُوَفق للهداية، فالعدل سبب للهداية. وهكذا كل من تحرى الخير - بس عسى الله يوفقنا لتحريه - كل من تحرى الخير فإنه يُوفَّق له إذا كانت النية صادقة والعزم أكيد.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يقولون: إن الإنسان له إرادة مستقلة ما لله فيها دخل، ما لله دخل فيها على الإطلاق. (...)
القصص 28:48
(﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ عقوبة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من الكفر وغيره ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا﴾ هلا ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ المرسل بها ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص ٤٧]).
(لولا) هنا تكررت مرتين، وفي كل موضع لها معنى غيره في الموضع الآخر.
الأول قال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ﴾ الضمير يعود على قريش، أهل مكة، وإصابة الشيء بمعنى نزوله، يعني تنزل به مصيبة، والمراد بالمصيبة هنا العقوبة بسبب كفرهم، وهي - أعني (لولا) - حرف امتناع لوجود، و(أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ، وجواب (أن) محذوف كما يقدره المؤلف.
وقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾ أي: بسبب، و(ما) اسم موصول، أي: بسبب الذي قدمت أيديهم، والمراد بأيديهم أنفسهم، أي: بما قدموه، وعبر باليد عن النفس لأن اليد في الغالب هي آلة العمل.
واعلم أن هناك فرقًا بين إضافة الفعل إلى اليد وبين إضافة الفعل إلى النفس بواسطة اليد، فمثلًا قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس ٧١]، أي: مما عملناه، أي: مما خلقناه، وليس المراد أن الله خلق الأنعام بيده.
وأما قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥]، فهنا أضاف الفعل إلى نفسه، ثم جعل اليد واسطةً، فيدل على أن آدم خلق بيد الله.
كذلك مثلًا لو قلت: (بما عملت بيدك) فهنا نقول: الإنسان عمل الشيء بيده، كذا ولَّا لا؟ فهو عمله نفسه لكن بيده. أما إذا قلت: (بما عملت يداك)، أو (بما قدمت يداك)، فالمراد: بما عملت، سواء عملته بواسطة اليد أو بالعين أو بالرجل أو باللسان، المهم أنه يُضاف إليك، يضاف العمل إلى اليد، لا إلى العامل بواسطة اليد، فإذا أُضيف إلى العامل بواسطة اليد صار العمل له، لكن من باب المباشر للعمل اليد، وإذا أضيف العمل إلى اليد صار المراد به عمل الإنسان سواء بيده أو بغير يده.
فقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ليس كقوله: بما قدموا بأيديهم أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأن الأول المراد (بما قدموا) سواء كان باليد أو بالرجل أو بالعين أو بالأذن أو باللسان.
وقوله: (﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من الكفر وغيره)، صحيح أن المصائب ما تكون إلا بالمعاصي، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠]، وهنا قال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ بسبب كفرهم.
﴿فَيَقُولُوا﴾، الفاء حرف عطف، و(يقولوا) معطوف على ﴿تُصِيبَهُمْ﴾، يعني: (فأن يقولوا) متى؟ بعد المصيبة ولا قبلها؟
* طالب: بعدها.
* الشيخ: بعد المصيبة، ﴿فَيَقُولُوا﴾ محتجين على الله: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ﴾، يعني: هلا أرسلت إلينا رسولًا قبل أن تصيبنا بالعقوبة ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهي حجة لهم ولَّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: إي حجة لهم، لو أصيبوا بغير أن يرسل إليهم رسول لكان ذلك حجة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، ويقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، فلولا هذا الأمر أن يصابوا بكفرهم وذنوبهم ثم يحتجوا على ربهم بأنه لم يرسَل إليهم رسول، فما هو الجواب؟ هل الجواب: لعاقبناهم؟ أو الجواب: لما أرسلناك إليهم؟
* طالب: لما أرسلناك إليهم.
* الشيخ: نشوف، قال المؤلف: (وجواب لولا محذوف، وما بعدها مبتدأ)، يعني: والخبر محذوف معروف، (والمعنى لولا الإصابة المسبب عنها قولهم، أو لولا قولهم المسبب عنها لعاجلناهم بالعقوبة ولما أرسلناك إليهم رسولًا).
كأن المؤلف جعل الجواب مركبًا من إثبات ونفي، الإثبات قوله: (لعاجلناهم بالعقوبة)، والنفي: (ولما أرسلناك إليهم)، لماذا؟ لأنهم هم ذكروا أمرين؛ لأن الله ذكر أمرين: الإصابة، وقولهم: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾، فكان الجواب أيضًا مركبًا من أمرين.
ويجوز أن يكون الجواب مركبًا من أحد الأمرين، أي: لعاقبناهم أو لما أرسلناك إليهم؛ لأن المعنى يتم بدون تقدير الأمرين جميعًا، وعلى هذا فتكون الواو هنا في كلام المؤلف بمعنى (أو).
وأظن الآية معناها واضح من حيث الإجمال: أنه لولا أن هؤلاء الكفار المستحقين للعقوبة بسبب كفرهم، لولا أن يحتجوا بأنه لم يرسَل إليهم رسول، لعاقبناهم بدون أن نرسلك، أو لما أرسلناك إليهم، فيكون إرسال النبي عليه الصلاة والسلام إقامةً للحجة عليهم، ودفعًا ليش؟ لحجتهم؛ دفعًا لحجتهم ودحضًا لها. فكأن النبي عليه الصلاة والسلام الآن أرسل إليهم قبل أن يؤخذوا بالعقوبة، وهذا يقتضي أنهم إذا كذبوه كانوا مستحقين للعقوبة؛ لأن الحجة التي يحتجون بها قد زالت.
طيب، عندنا الإعراب أظننا فهمناه من كلام المؤلف:
(لولا) الأولى شرطية، وهي حرف امتناع لوجود.
و(لولا) الثانية تحضيضية بمعنى هلا.
وقوله: ﴿فَيَقُولُوا﴾ معطوف على قوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ﴾.
وقوله: ﴿فَنَتَّبِعَ﴾ منصوب بـ(أن) مضمرةً بعد فاء السببية الواقعة في جواب (لولا) التحضيضية ولَّا لا؟ منصوب بـ(أن) مضمرةً بعد فاء السببية الواقعة جوابًا لـ(لولا) التحضيضية.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا؛ (لولا) التحضيضية، (لولا) بمعنى (هلا)، نعم، وهي تحضيضية، وإذا وقعت الفاء في جوابها نُصب الفعل بـ(أن) مضمرة.
ابن مالك يقول:
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ ∗∗∗ مَحْضَيْنِ أَنْ وَسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ
يعني أن (أن) تنصب بعد فا الواقعة في جواب طلب أو نفي محضين، (وسترها) أي حذفها وجوبًا (حتم).
وأظنه موجود في بيت يقرؤه الطلاب منذ صغرهم لما تنصب فيه (أن) مضمرة في الجواب، وهو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا شاهد، قواعد.
مُرْ وَادْعُ وَانْهَ وَسَلْ وَاعْرِضْ لِحَضِّهِمِ ∗∗∗ تَمَنَّ وَارْجُ كَذَاكَ النَّفْيُ قَدْكَمُلَا
هذه تسعة، إذا وقعت الفاء جوابًا لواحد منها فإنه ينصب الفعل بعدها بـ(أن) مضمرةً، ما حفظتموه من قبل؟
........................... ∗∗∗ تَمَنَّ وَارْجُ كَذَاكَ النَّفْيُ قَدْكَمُلَا
* طالب: ما يصح (...)؟
* الشيخ: لا، ما يصح؛ لأنه قد تكون فاء السببية عاطفة.
طيب، بعد هذه الأمور، أمَّا (مُرْ) فهي إشارة للأمر، نعم، كما تقول: (انزلْ عندنا فنكرمَك).
(وادع) هذا دعاء الله، قال الشاعر:
ربِّ وفِّقْنِي فَلَا أَعْدِلَ عَنْ ∗∗∗ سَنَنِ السَّاعِينَ في خَيْرِ سَنَنْ
(رب وفقني فلا أعدلَ)، وتقول: (رب وفقني فأعملَ صالحًا).
(وانهَ): ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾، ويش بعدها؟
* طالب: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾.
* الشيخ: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه ٨١].
(وسَلْ)، اسأل يعني للاستفهام: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ [الأعراف ٥٣]، منصوب الفعل بـ(أنْ).
(واعرِضْ) العَرْض، كما في قول القائل: (ألا تنزلُ عندي فتصيبَ خيرًا)، (ألا تنزل) عرض (فتصيبَ خيرًا).
(لِحَضِّهِمِ) هذا التحضيض، مِنْه هذه الآية: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [القصص ٤٧].
(تَمَنَّ) المُراد به التمني، تقول: (ليت لي مالًا فأتصدقَ منه).
(وارْجُ) الرجاء، الترجي يعني: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر ٣٦، ٣٧]، لعلي أبلغ فأطلعَ.
(كذاك النفيُ)، النفي غير النهي، فتقول: (ما تَعَلَّم زيدٌ فيُعَلِّمَك).
نعم، هذه تسعة مواضع إذا وقعت الفاءُ بعدها فإنه يُنصَب الفعل بـ(أن) مُضْمَرة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: في النفي.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (ما تعلم زيد فيعلمَك).
طيب، قال: ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [القصص ٤٧].
* طالب: فيه النهي (...) فيه النهي، فيه (وانه) فيها النهي؟
* الشيخ: فيه النهي؟
* الطالب: (...) (وانه)؟
* الشيخ: إي، مثَّلنا له بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ﴾ [طه ٨١].
* طالب: البيت الثاني:
ربِّ وفقني فلا أعدلَ..
* الشيخ:
ربِّ وفِّقْنِي فَلَا أَعْدِلَ عَنْ ∗∗∗ سَنَنِ السَّاعِينَ في خَيْرِ سَنَنْ
قال: (﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ المرسَلَ بها ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وجواب ﴿لَوْلَا﴾ [القصص ٤٧] محذوف).
المعنى: إنا أرسلناك يا محمد إقامةً للحجة عليهم ورحمةً بهم أن يصيبهم العذاب بدون أن يصِل إليهم رسول.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص ٤٨].
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾، ﴿الْحَقُّ﴾ ذكرنا فيما سبق أنَّه الشيء الثابت، وأنَّه فيما يقابل الأوامر هو العدل، وفيما يقابِل الأخبار هو الصدق، والمراد بالحق هنا قال المؤلف: (إنه محمد ﷺ)، وكأنّه عَدَل به عن المعنى الظاهر منه من أجل قوله: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ﴾، هذا الحق ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، فكأن المؤلف عدَل عن معنى الحق الظاهر إلى أن يكون محمد ﷺ في هذا. ولكن الصواب: أن المراد بالحق الوحي الذي نَزل على محمد ﷺ، المراد بالحق الوحي الذي نَزل على محمد، ولهذا قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾، والعِنْدِيَّة تقتضي القرب، وأن يكون ذلك من الله، وهذا لا يتصور أنه محمد ﷺ، بل هو الحق الذي جاء به. كما أن مثل هذه الآية: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ في جميع مواضع القرآن هي مطَّرِدة أن المراد به الوحي الذي نزل على محمد ﷺ.
ويكون قوله: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾، أي: محمد الذي جاء بهذا الحق، فمعنى الآية هنا ظاهر جدًّا ولا فيه تكلُّف، فكوننا نقول: إن الضمير ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾ يؤيد أن يكون الحق محمدًا، نقول: لا حاجة إلى ذلك، ما دام جاء الحق، والذي جاء به مَن؟ محمد، فيكون معلومًا أن قولَه: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾ يعني محمدًا ﷺ الذي جاء بالحق، وليس محمدٌ هو الحق. ولهذا ليس من أسماء الرسول عليه الصلاة والسلام الحقّ، نعم هو ﷺ صادق فيما جاء به من النبوة، ولكنّه جاء بالحق.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا﴾، الضمير يعود على مَن؟ يعود على مَن جاءهم الرسولُ عليه الصلاة والسلام.
(﴿قَالُوا لَوْلَا﴾ هلَّا)، ويش معناه على هذا التفريع؟
* طالب: تحضيضية.
* الشيخ: تحضيضية، وليست شرطية، هلا ﴿أُوتِيَ﴾ أي أُعطِي ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ يعني (من الآيات)، مثلَما أُعطي موسى من الآيات، وهذا الجواب فيه إشكالٌ إذا جعلناه عائدًا إلى قريش؛ لأن قريشًا -كما هو معلوم- قوم أميون لا يعلمون عن الرسل شيئًا، فكيف يعارِضون بقصة موسى؟
أجاب المفسرون عن ذلك بأن قريشًا كانت عندما بُعِث الرسول عليه الصلاة والسلام تُراسِل اليهودَ وتقول: جاءنا رجلٌ يقول: إنه نبي، فما هي علامات الأنبياء عندكم؟ فتخبِرُهم اليهود بعلامات الأنبياء، ولهذا عارضت قريشٌ النبيَّ ﷺ بالآيات التي جاءت لموسى.
ويَحتمِل أن قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ٤٨] عائدٌ إلى اليهود؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام مبعوثٌ إليهم، ويُؤَيد هذا الاحتمالَ قولُه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ٤٨]. ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عن الآية.
* طالب: قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ﴾ [يس ٧١]، (...) المخلوق، وهي أن اليد هي آلة العمل.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: هذا غير موجود في (...).
* الشيخ: لا، ما نقدر نقول: غير موجود.
* الطالب: ما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، فيدل على أنه يفعل (...).
* الشيخ: إي، لكن بس ﴿يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
(...) فمعناها حرف وجود الوجود أنها أشبه بالشرطية.
ما المراد بالحق في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾، أيش المراد بالحق؟ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص ٤٨]، أيش يقول المؤلف في المراد بالحق؟
* طالب: المؤلف يقول: إن الحق محمد.
* الشيخ: المؤلف يقول: إن الحق محمد.
* الطالب: والصحيح أن الحق القرآن.
* الشيخ: القرآن الذي جاء به محمد.
طيب، قوله: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، أيش معنى ﴿لَوْلَا﴾؟
* طالب: هلَّا.
* الشيخ: هلَّا، والضمير في قوله: ﴿أُوتِيَ﴾ يعود إلى مَن؟
* الطالب: إلى موسى.
* الشيخ: لا.
* الطالب: الضمير؟
* الشيخ: إي، قال: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾؟ أي: محمد، ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾ أي: محمد.
قوله: ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، ما المراد بـ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾؟
* طالب: التوراة.
* الشيخ: ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ يعني التوراة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ويش المراد بالمثلية؟ ﴿مِثْلَ﴾ ليش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) أتى بوحي مثلما أن التوراة وحي.
* الطالب: محمد.
* الشيخ: إي نعم، ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ بأيش؟
* الطالب: بالتوراة (...).
* الشيخ: إي، وأيضًا التوراة في نزولِها جملة واحدة، هم قالوا: مِثل أوتي موسى مِن نزول الوحي جملةً واحدة ومِن الآيات (...)، فهمتم؟
طيب، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ٤٨]، ما تقول: ﴿يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ﴾، الضمير يعود على مَن؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿يَكْفُرُوا﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: وهل موسى مبعوثٌ إليهم حتى يؤنبوا على الكُفر به؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن إذا كفر بها مَن لم تُرسَل إليه ما قال...
* الطالب: (...).
* طالب: الضمير يعود إلى الجنس.
* الشيخ: المراد يعود إلى الجنس، يعني أن آيات موسى ما نفعت أيضًا، كفرَ بها مَن كفر من الناس، ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ أي جنس البشر ﴿بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾، فاقتراحكم أن تكون آيات محمد ﷺ كآيات موسى ليس ذلك بموجِبٍ للإيمان؛ لأن آيات موسى كُفِر بِها.
قوله: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾ [القصص ٤٨]، فيها قراءة ثانية؟ ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾، وأيش القراءة اللي فيها؟
* طالب: ﴿﴿سَاحِرَانِ﴾ ﴾.
* الشيخ: نعم، إذا كانت ﴿﴿سَاحِرَانِ﴾ ﴾ مَن تعني؟
* الطالب: تعني (...).
* الشيخ: وإذا قال: ﴿سِحْرَانِ﴾، على قراءة ﴿سِحْرَانِ﴾؟
* الطالب: تعني (...).
* الشيخ: وهما؟
* الطالب: القرآن والتوراة.
* الشيخ: القرآن والتوراة، صح، نعم.
قوله: ﴿تَظَاهَرَا﴾ [القصص ٤٨]، أيش معناها؟
* طالب: تعاونا.
* الشيخ: أي: تعاونا.
طيب، قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [القصص ٤٩] ما المراد بالأمر هنا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ﴾ أمر، ما هو للاستفهام: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) هذا أمر.
* الطالب: التعجيز.
* الشيخ: التعجيز والتحدي.
قوله: ﴿أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ [القصص ٤٩]، ﴿مِنْهُمَا﴾ الضمير يعود على أيش؟
* طالب: على التوراة والإنجيل.
* الشيخ: الإنجيل؟! التوراة؟
* الطالب: على التوراة والقرآن.
* الشيخ: والقرآن.
طيب، وما معنى ﴿أَهْدَى﴾؟
* الطالب: ﴿أَهْدَى﴾ يعني أكثر هدايةً.
* الشيخ: أكمل؟
* الطالب: أو أكمل هداية.
* الشيخ: أكمل هداية. طيب، ما الذي جزَم ﴿أَتَّبِعْهُ﴾؟
* طالب: نعم؟
* الشيخ: ﴿أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ﴾ [القصص ٤٩]، العين ساكنة مجزومة.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: أيش اللي جزمها؟
* طالب: جواب الطلب.
* الشيخ: وين الطلب؟
* الطالب: ﴿فَأْتُوا﴾.
* الشيخ: ﴿فَأْتُوا﴾، نعم، فإذا جعلوا الغاية جوابًا للأمر السابق صار مجزومًا.
قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص ٥٠]، ويش تقول؟ ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾، ﴿يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ في أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني ما يجيبون كتابًا مِن عند الله هو أهدى مِنهما، إي نعم.
قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [القصص ٥٠]، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾؟
* طالب: يعني ما أحد ﴿أَضَلُّ﴾؟
* الشيخ: لا أحد ﴿أَضَلُّ﴾. طيب، ما هو الغرض مِن الإتيان بالنفي بصورة الاستفهام؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: كيف نجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف ٥]، كيف نجمع بين الآيتين؟ هذه تقول: لا أحد أضل مِمَّن اتبع هواه، وتلك تقول: لا أحد أضل ممن يدعو من دون الله. كيف نجمع بينهما؟ يعني كل واحدة تقول: ما أحدَ أضل من هذا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، والثانية؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: باعتبار أيش؟
* الطالب: (...) في مقام الدعاء: لا أضل مِمَّن يدعو من دون الله، في مقام الاتباع، لا أضل مِمَّن يتبع (...).
* الشيخ: نعم، معناه أنه هنا تُنَزَّل كل الآية على معنى لا يتعلق (...) يعني؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: يعني معناه أنها ضلال الغاية باعتبارِ ما هو مِن جنسها؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: طيب، هذا واحد. فيه وجه آخر؟
* الطالب: (...) الضلال اللي يدعو كل واحد.
* الشيخ: فهما في مرتبة واحدة.
* الطالب: في مرتبة واحدة.
* الشيخ: وهذا والله ما يخالف أنه مثلًا ما فيه شيء يساويه، إذن ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ [القصص ٥٠] فلا يمنع أن يوجد شيء يساويه في ذلك، فيكون كلٌّ من الأمرين قد بلغ الغاية في الضلال، إي نعم، هذا يعني معناه أنه يُجمع بينها بِأحد أمرين: إما أن يقال إن كلَّهما في منزلة واحدة، أو يقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ باعتبار هذا المعنى، نعم، فيكون كل واحد منهما يُنَزَّل على معنى.
نرجع الآن إلى استنباط الفوائد:
الفائدة الأولى: قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص ٤٨] هذه الآية معلوم تفريعها على ما سبق، ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [القصص ٤٧].
* ففيها: تكذيب دعوى هؤلاء في قولهم: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾، فإنّه قد جاءهم الحق مع الرسول، ومعَ ذلك كذبوا ولّا لا؟ كذَّبوا، وقالوا: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾.
* ففي الآية: تكذيب هؤلاء الذين قالوا: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾.
* من فوائدها: أن ما جاء به النبي ﷺ فهو الحقُّ، والحق بمعنى الشيء الثابت، وهو بالنسبة للأخبار الصدق، وبالنسبة للأحكام العدل.
* مِن فوائدها: أنَّ ما خالف ما جاء به النبي ﷺ فهو باطل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢]، فكلُّ خبر يَتضَمَّن تكذيب خبرِ الله ورسوله فهو الكذب. فمثلًا إذا قال قائل: أصل الإنسان قرد، ثم تطور فصار إنسانًا، ماذا نقول له؟ كذِبٌ؛ لأنه يُخالِف ما جاء به النبيُّ ﷺ، نعم. وإذا شرَّع الإنسان قوانين مخالفة للشرع، قلنا: هذا باطل وضلال؛ لأنَّ الحق فيما جاء به الشرع فقط، نعم.
* من فوائد الآية: بيانُ عُتُوِّ هؤلاء المُكَذِّبين للرسول عليه الصلاة والسلام، عتوُّهم وعنادُهم، وهو أنَّهم كذَّبوا بالحق بعد أن قالوا: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [القصص ٤٧].
* ومن فوائد الآية: أن قريشًا عِنْدهم بعض المعلومات عن الرسل السابقين؛ حيث قالوا: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾. وبأيِّ وسيلة حصلوا على هذا العلم؟
* طالب: عن طريق اليهود.
* الشيخ: عن طريق اليهود؛ لأنهم لما جاء الرسول ﷺ بُعِث أَرسلوا إلى اليهود يسألونهم عن أخبار هذا الرجل، فكتبوا لهم بما يعرفون من أخباره وبما جاء به موسى[[أخرج البيهقي في الدلائل (٦١١) عن ابن عباس رضي الله عنهما.]].
* من فوائد الآية: إثبات رسالة موسى ﷺ؛ لقولهم: ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص ٤٨].
* من فوائدها: أن موسى عليه الصلاة والسلام أعطاه الله تعالى آياتٍ يؤمِن على مِثْلها البشرُ، وهذا ليس خاصًّا بِه، بل هو لِكل رسول بعثه الله، لا بد أن يؤتيَه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر؛ لأن البشر لا تُصَدِّق رجلًا قال: أنا رسول الله إليكم، آمركم بكذا وأنهاكم عن كذا، واتركوا ما كان عليه آباؤكم مِن عبادة الأصنام، واتركوا ما كان عليه آباؤكم من تحريم الحلال، وما أشبه ذلك. ما يقبلون إِلا بآيات تدُل على صدقه وتُؤَيِّده.
* طيب، ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: إبطالُ حُجَّة هؤلاء المكذِّبين، إبطال حجتهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ٤٨].
* ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي في مقام المناظَرة والمجادَلة أن يُفْحَم الخَصمُ بإبطال قولِه بقولِه أو بفعلِه، أنه يُبْطَل قولُه بِما جرى مِنه هو، لِماذا؟ لأنَّ ما جرى مِنه لا يمكن أن يُنكِره، ولو أنكره ما قُبِل، فكوننا نُقيم الحجة على الخصم مِن فعلِه وقولِه؛ هذا أبلغ في إفحامه. ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾.
* ومنها: أنّ طبيعة البشر واحدة، بناء على أن قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ [القصص ٤٨]، أنّ الضمير يعود على جِنس الإنسان؛ لأن الطبيعة البشرية واحدة.
* ومنها، مِن فوائد الآية أيضًا: أنّه ينبغي أيضًا عند المُخاصمة أو عند المُناظرة إبطالُ قولِ الخصم بالواقع، أنّك تُبطل قولَ الخصم في الأمر الواقع، ما (...) في الأمر الواقع، فإن الآيات التي جاء بها موسى و(...) هؤلاء كُذِّبَت ولَّا ما كُذِّبَتْ؟
* طالب: كُذِّبَتْ.
* الشيخ: كُذِّبَتْ، ما آمن بها البشر. إذن، فالمدار ليس على جنس الآيات، ولكن المدار على حال المُخَاطَب، وإلا فالآيات قائمة وبَيِّنَة، لكن ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١].
* ومِنها: أن أهل الباطل يُلقِّبون أهل الحق بألقاب السوء تنفيرًا للناس عن قَبولهم، مِنين تؤخذ؟
* طالب: ﴿سِحْرَانِ﴾.
* الشيخ: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾ أو ﴿﴿سَاحِرَانِ﴾ ﴾، ﴿﴿قَالُوا سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا﴾ ﴾ [القصص: ٤٨]، أو ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾، فسواءٌ وَصفوا ما جاءت به الرسُل بالسحر أو وصفوا الرسُلَ أنفسهم بالسحر، فإنّ المقصود بذلِك التنفير؛ تنفير الناس عن قَبول ما جاءت به الرسل.
طيب، هل نقول: إن هذه القاعدة ثابتةٌ لأتباع الرسل؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: بدليل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٢٩ - ٣٢]، والله تبارك وتعالى قد جعل لِكُل نبيّ عدوًّا من المجرمين، والعدوُّ من المجرمين عدوٌّ للنبي بشخصه أو عدوٌّ له بوصفه؟
* طالب: بوصفه.
* الشيخ: بوصفه، بدليل أن محمدًا ﷺ قبل أن تأتيَه الرسالة وهو عند العرب الصادق الأمين، ويرونه أنّه من أفضل بني هاشم وأقومِهم بالعدل، فلما جاء بالحق ويش صار؟ صار الخائنَ الكذوبَ، واضح؟ إذا كان هؤلاء المجرمون يعادون الرسلَ لِوصفهم، فمعنى ذلك أنه هذه المعاداة ستنتقل إلى مَن تابَع هؤلاء الرسل؛ لأنّ المعْنَى الذي حصلت به العداوة موجود أيضًا في أتباع الرسل.
* وعلى هذا، فيمكن أن نأخذ منه فائدة، وهي: طمأنة أتباع الرسل وتثبيتهم على أنّهم سينالهم مِن ألقاب السوء ومِن المعاداة مِثلُ ما نال الرسلَ، نعم، فعليهم أن يقابِلوا ذلك بالصبر والثبات والقوة، نعم، لا أن ينخذلوا، بل يكونوا كما كان متبوعوهم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف ٣٥].
* ومِنها أيضًا، مِن فوائد الآية: أن التعاون حتَّى على الباطل له تأثير، ولَّا لا؟ التعاون حتى في الباطل له تأثير وتقوية، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿تَظَاهَرَا﴾ [القصص ٤٨]، فإذا كان التعاون في الباطل له تأثير، فما بالك بالتعاون في الحق.
وعلى هذا فينبغي لنا، وهي الفائدة التي تترتب على ذلك: ينبغي لنا أن نكون متعاونين فِيما نحن عليه مِن دعوة الحق، وألا يخذل بعضنا بعضًا، نعم، خلافًا لِما كان عليه حال الناس اليوم، فإنهم في هذا الباب ليسوا بمتعاونين، حتى أهلُ الحق وأهلُ الدعوة تجدهم غيرَ متعاونين؛ لأنهم أولًا كل واحد ما همه إلا نفسه، وثانيًا: أنهم رُبَّمَا يختلِفُون في أمر بسيط جُزْئِي من أمور الدِّين، ويتعادَون على ذلك، نعم، يمكن يخالفه في كيفية رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، هذا يقول: ترفع يديك إلى الأذنين، وهذا يقول: ترفع إلى المنكبين، ثم يقول: أنت على ضلال، وهو يقول: أنت على ضلال. ثم ماذا تصنع هذه الكلمة؟ تصنع الحقد والبغضاء والعداوة.
وأنا قد قصصت عليكم قصةَ طائفتين من أهل إفريقيا، كلُّ طائفة تُكَفِّر الأخرى في مسألة بسيطة من مسائل الدين، طائفة تقول: إن السنة أن يضع الإنسان يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وطائفة أخرى تقول: إن السنة أن يرسِل الإنسان يديه إلى جنبِه، كلُّ واحدة تقول للأخرى: أنتِ كافرة ملعونة؛ لأنكِ تركتِ السُّنة عن عمْد وقصْد، والإنسان اللي يكره ما أنزل الله يكون كافرًا. ففيه خصومة عظيمة، وفي وقت الحج هذه الأيام في منى، ويا الله أنه يجتمع ناس من الإخوان من التوعية اجتمعوا عليهم وهدَّؤُوهم وبينوا أن هذا ما يجوز؛ لأن هذا ضرر عليكم أنتم يا أهل الحق؛ لأنكم إذا كفَّر بعضكم بعضًا أيش تصيرون على أهل الخرافات وأهل البدع، نعم، المكفِّر (...) كافر.
فنقول: إن التعاون له تأثير بالغ، وأظنكم تعرفون في نقض الصحيفة التي كَتَبَتْ قريش في مقاطعة بني هاشم، كيف نقضوا هذه الصحيفة؟ ما جاء واحد من الناس ينقضها، ما يستطيع، لكنه ذهب إلى فلان وقال له يوبِّخه، فقال: بنو هاشم قوم منكم كيف ترضون أن تقاطعوهم حتى يموتوا مِن الجوع، وذهب إلى آخر وإلى ثالث ورابع، حتى إنهم كوَّنوا جماعة فذهبوا إلى هذه الصحيفة من الكعبة ومزَّقوها[[انظر قصة السقيفة في السيرة النبوية لابن هشام (١/٣٧٦).]]. فإذن التعاون أساس النجاح، مثلما قال العامة، وانظر إلى كلمة المجرمين، يقولون: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ [القصص ٤٨].
* طيب، ثانيًا: من فوائد الآية: بيان عُتُوِّ هؤلاء أيضًا من جهة أنهم لم يؤمنوا بالأمرين، وقالوا: ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص ٤٨].
* ومنها أيضًا: أن تقديم المعمول في قوله: ﴿بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ أيش يفيد؟ الحصر، مع أنهم كفروا به مع غيره، لكن سبق أن قلنا: إن هذا الحصر المقصود به إغاظة الخصم، كأنهم يقولون: لو آمنا بكل شيء ما كفَرنا إلا بهما. وإلَّا معلوم أنهم يكفرون به وبغيره، وهذه فائدة قليلٌ مَن ينتبه لها، وهو أنه إذا كان الشيء غيرَ محصور في هذا الشيء ولكنَّه حُصِر فيه، فلا بدَّ أن هناك غرضًا، الغرض هنا: الإغاظة، كأنهم يقولون: نحن وإنْ آمنا بكل شيء، فنحن كافرون بِما جئتم به: ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص ٤٩].
* في هذه الآية من الفوائد: أنه مِن العدل التنزُّلُ مع الخصم إلى حال يُقِرُّ بها، فإنه من المعلوم أن الله سبحانه وتعالى يعلم أنه لا يمكن أن يأتوا بما طُلب منهم، أو لا؟ حين طلب منهم أنهم يجيبون كتاب أهدى مِن التوراة والقرآن، والله يعلم أنهم لن يأتوا بذلك أو لا؟ كيف يقول للرسول: ﴿قُلْ فَأْتُوا﴾ مع أنه يعلم أنّه ما يمكن؟ هذا مِن باب التنزل مع الخصم إلى غاية ما يكون مِن العدل، كأنه جعلَه مع خصمه شيئًا واحدًا، فيقول: أنتم هاتوا كتابًا أهدى من التوراة والقرآن أتَّبِعه، أنا ألتزم باتباعه، فإذا لم يأتوا معناه: يلزمهم أن يتبعوا التوراة والقرآن، ولَّا لا؟ يلزمهم ذلك، يعني ما دام أنِّي أنا ملتزِم لهم بأنكم إذا أتيتم بكتاب أهدى منهما بأن أتبعه، فأنتم يجب عليكم أن تتبعوا ما دام ما وجدتم.
إذن فيه التنزل مع الخصم، وأن ذلك مِن تمام العدل في المناظَرة.
* ومن فوائد الآية أيضًا: إفحام الخصم بالتحدي، ولو أنكم قرأتم آخر سورة الطور لوجدتم فيها شيئًا غريبًا من المناظرة، من قولِه: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور ٢٩]، إلى قوله: ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور ٤٥]، تجِدون يعني آدابًا كثيرة مِن المناظرة: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور ٣٨]، إن كان الأمرُ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور ٣٨]، ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور ٣٣]، إن كان الأمر كذلك ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور ٣٤]، فالمناظرة، يعني الله سبحانه وتعالى في ختام المناظرة يجعل الخصم مُفحَمًا بتحديه بما لا يستطيع، فهنا ما يستطيعون أن يأتوا بمثله فتقوم بذلك عليهم الحجة.
* ومِن فوائد الآية: أن التوراة والقرآن من عند الله، فيكون القرآن والتوراة كلامَ الله، لكن القرآن نَزَل وحيًا، والتوراة نزلت كِتَابةً، كتبها الله في ألواح ألقاها إلى موسى.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أنه لا يلزم الإنسان الانتقال عمَّا كان عليه إلى غيره، إلَّا إذا كان أهدى منه. أنا ما يلزمني الانتقال مثلًا من مذهب الحنابلة إلى مذهب الشافعية حتى أرى أنه أصوب؛ لأنه قال: ما يجب الاتباع إلا إذا كان ما جاءوا به أهدى منه، أما إذا كان مساويًا فأنتم لا تلزموني، وأنا لا ألزمكم إذا كان مساويًا، إنما الإلزام متى؟ حينما يكون ما جاء به الخصمُ أهدى مِمَّا أنا عليه. وهذه فائدة مهمة جدًّا، وهي: لا يَلزَم الإنسانَ الانتقالُ مما هو عليه مِن طريقة ومذهب إلا إلى مَن هو أصوب وأحسن وأهدى منها، أمَّا عند التساوي فإنه لا يُلزَم ولا يُلَام أيضًا إذا لم يَنتقل، وإما أيضًا إذا كان ما فيه غيره أدنى فإنه من باب أولى لا يلزم.
طيب، فالمراتب الآن ثلاثة: إما أن يكون ما تُدْعَى إليه أدنى مما أنت عليه، أو أهدى، أو مساويًا. إن كان أهدى، أيش الواجب؟ يلزَم الاتباع. وإن كان أدنى حَرُم الاتباع. بقينا إذا كان مساويًا هل يلزَم الاتباع أو يحرُم أو يُخَيَّر به الإنسان؟
العلماء يقولون في مثل هذه الحال: يُخيَّر الإنسان، قالوا: وإذا أفتاه عالمان ولم يكن أحدُهما عنده أرجح فإنه يُخيَّر في اتِّباع أيِّ القولين شاء. وربما يُؤخَذ مِن هذه الآية، ربما يُؤْخذ حكم هذه المسألة مِن هذه الآية؛ لأنه ما أوجب الله الاتباع إلا إذا كان أهدى، ومعلومٌ أنه إذا كان أدنى كان الاتباع محرمًا، فيبقى المُساوي ليس إلى جانب التحريم وليس إلى جانب الوجوب، وهذه مرتبة التخيير.
* ومنها أيضًا، من فوائد الآية: الأمر أن التحدي أيضًا يكون بالوصف كما يكون بالفعل، ﴿فَأْتُوا﴾ [القصص ٤٩] تحدٍّ بفعل ما هم بآتين به، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ تحدٍّ بالوصف، إن كنتم من الصادقين أن ما أنتم عليه حق فأتوا بهذا، وإلا فأنتم مِن الكاذبين، ولهذا قال: ﴿أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص ٤٩].
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٥٠].
قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾، أي: فإن انتفت استجابتهم لك.
* ففيه: جواز التعليق بالشرط فيما هو محقق الوقوع، أو ما فهمتم هذا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: يعني معناه ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾، هذا أمر محقَّق الوقوع، فهل يظن الظانُّ أن فيه احتمالًا أن يستجيبوا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما فيه، ما يظن. إذن فنقول: جواز تعليق الشيء المحقَّق بالشرط، ولو كان محققًا أنه لن يكون، وكذلك ولو كان محققًا أنه كائن، فإن هنا الانتفاء كائنٌ لا محالة، ومع ذلك عُلِّق بالشرط، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ»[[أخرجه مسلم (٢٤٩/٣٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، يقوله لأهل المقابر، فمعلومٌ أن هذا الأمر؟
* طالب: مُحَقَّق.
* الشيخ: مُحَقَّق، نعم.
* ومنها أيضًا: أن هؤلاء المكذِّبين للرسول ﷺ ليس عندهم حُجة سوى اتباع أهوائهم؛ لقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص ٥٠]. وهل معنى ذلك أي: فلا تجادِلْهم؟ لأن المتَّبِع هواه مشكل مُكابِر، اللي يتبع هواه مكابر ما تقدر تقنعه، ما دام أنه ما هو بيريد الحق، وإنما يريد أن ينتصر لنفسه فقط ويتَّبِع هواه، فأعتقد أن مثل هذا الرجل ما يمكن أن يُجَادَل، لو جادلتَه ما دام صاحب هوى ما فيه فائدة.
* فهل نقول: إنه يُستفاد من هذه الآية: أنه إذا عُلم بأن المجادَل يريد اتباع هواه فإنه لا فائدة من جداله؛ لأنه إضاعة وقت؟ نعم، نقول هكذا؛ لأنه قال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾، يعني: ولا فائدة من جدالهم، فإذا كنتَ بيَّنت للإنسان الحق ووضحته بأدلته النقلية والعقلية والحسية حسب ما هو موجود من الأدلة، ولكنه أصر إلا أن يبقى على ما كان عليه، فاعلم أنه متبع لهواه، والمتبع الهوى مشكل، ما هو بإنسان يتطلب الهدى، ما يمكن ينتفع.
ولهذا نقول في هذه الحال: لا يجب على المرء مجادلتُه، وإنما ينتقل إلى شيء آخر، وهو معاقبته: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت ٤٦]، فالمعاند غير مَن يريد اتباع الحق ولم يَظهر له، المعاند له حال، وقد قال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى ٩]، يعني: وإنْ لم تنفع فلا تُذَكِّر، وهذه تَقدم الكلام عليها هل هذا الشرط له مفهوم أو ليس له مفهوم؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، (...) ما دام تجادلتم أمام الناس اتضح الحق، ما هو معنى أنه يتصل ويتكلم بالباطل وتسكت؛ لأنه إذا ما سمعته يتكلم بالباطل يجب أن الناس تعرف الحق وتغيير هذا الباطل. لكن إذا كنت جادلته أمام الناس وتبين الحق وهو أبى، ما عندك شيء، ما فيه فائدة من مجادلته.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، هو على كل حال نحن ما نقول: جادِل عند الناس، لكن أحيانًا يكون الجدال عند الناس، تكون عند ناس في مجلس ويبدأ البحث ويحصل النقاش، هل نقول: إن هذا الرجل إنك تسكت وتخليه؟ لا، يجب عليك أنك تقاوم بالذي عندك، نعم. كذلك لو سمعته مثلًا يتكلم في مجمع ويُقَرِّر الباطل، يجب عليك أنك تتكلم بالحق، إي نعم.
* ومِن فوائد الآية: اختلاف الناس في الضلال، أن الناس يختلفون في الضلال، فليسوا على حدٍّ سواء في الضلال، كما أنهم ليسوا على حدٍّ سواء في الهدى، وليسوا على حد سواء في الغيِّ، وليسوا على حد سواء في الرُّشْد، أو لا؟ الناس على حد سواء في هذه الأمور؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ﴾ [القصص ٥٠]، ففي هذا دليل على أن الناس يتفاوتون في الضلال، ولكن ما هناك أحد أضل مِن هذا الذي اتبع هواه بغير هدًى من الله.
* ومنها أيضًا، من فوائد الآية: أنَّ الهوى قد يكون موافِقًا للهدى. منين نأخذه؟
* طالب: ﴿هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى﴾.
* الشيخ: ﴿هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص ٥٠]، أمَّا مَن اتبع هواه بِناء على هدى من الله، فهذا طيب أن يكون هواه تبعًا لما جاء به الحق، هذا طيب، وقد ذكرنا لكم الحديث المروي عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»[[أخرجه ابن بطة في الإبانة (٢٧٩) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.]]، فالحاصل أن الهوى المذموم هو الذي ليس على هدى.
* طيب، ومن فوائد الآية: أنَّ الظالم قد عرَّض نفسه لِحِرمانه من الهدى، أو إن شئت فقل: إن الظلم سبب لِحرمان الظالم مِن الهدى؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٥٠]، فالظالم هو الذي حَرَمَ نفسَه الهدى.
(...)
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾، والقدرية يرون أن الإنسان يُمكن أن يهتدي بنفسه، وليس لله تبارك وتعالى عليه أيُّ سلطة؛ لأنهم - والعياذ بالله - القدرية، ويش يقولون بالنسبة لقدر الله؟
* طالب: أن الأمر أنف.
* الشيخ: إي نعم أن الأمر أُنُف، بمعنى أن الله ما قدَّر أفعال العباد، وإني أنا أفعل وأترك باختياري المجرد المحض، وليس لله فيه أي مشيئة ولا خَلْق ولا شيء، لكن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٥٠] يرد عليهم، كما أنه أيضًا يرد على الجهمية الجبرية الذين يقولون بالجبر؛ لأن الله تعالى نسَبَ هؤلاء -بفعلهم- إلى الظلم، ولو كانوا مجبَرين عليه لكانت نسبةُ الظلم إليهم ظلمًا، والله تبارك وتعالى لا يظلم أحدًا.
ففي الآية إذن: ردٌّ على القدرية، ورد على مَن؟ ورد على الجبرية، والجبرية جهمية، يعني الجهمية مِن مذهبهم الجبر، وفيهم ثلاث جِيمات، كما قال ابن القيم في النونية: الجهمية فيهم ثلاث جيمات، كلهم جيمات ذم، أيش هي؟ جبر وإرجاء وجيم تجهُّم، فهم جبرية مرجئة جهمية، نعم، الله يكفيك شر الجيمات الثلاثة، نعم، الجهمية والجبرية والمرجئة.
* على كل حال، في الآية الكريمة: ردٌّ على الطائفتين الضالَّتين، وهما: القدرية والجبرية، والقدرية يُنكِرون قدَر الله بالنسبة لأفعال العبد، والجبرية بالعكس.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
* طيب، ومن فوائد الآية: أنّ مَن تحرى العدل فإنه قد تعرَّض للهداية؛ لأن الظلم ضده العدل، وانتفاء الهداية بوصف الظلم يقتضي ثُبوت الهداية بوصف العدل. فمن تحرى العدل فإنه يُوَفق للهداية، فالعدل سبب للهداية. وهكذا كل من تحرى الخير - بس عسى الله يوفقنا لتحريه - كل من تحرى الخير فإنه يُوفَّق له إذا كانت النية صادقة والعزم أكيد.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يقولون: إن الإنسان له إرادة مستقلة ما لله فيها دخل، ما لله دخل فيها على الإطلاق. (...)
القصص 28:49
(﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ عقوبة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من الكفر وغيره ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا﴾ هلا ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ المرسل بها ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص ٤٧]).
(لولا) هنا تكررت مرتين، وفي كل موضع لها معنى غيره في الموضع الآخر.
الأول قال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ﴾ الضمير يعود على قريش، أهل مكة، وإصابة الشيء بمعنى نزوله، يعني تنزل به مصيبة، والمراد بالمصيبة هنا العقوبة بسبب كفرهم، وهي - أعني (لولا) - حرف امتناع لوجود، و(أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ، وجواب (أن) محذوف كما يقدره المؤلف.
وقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾ أي: بسبب، و(ما) اسم موصول، أي: بسبب الذي قدمت أيديهم، والمراد بأيديهم أنفسهم، أي: بما قدموه، وعبر باليد عن النفس لأن اليد في الغالب هي آلة العمل.
واعلم أن هناك فرقًا بين إضافة الفعل إلى اليد وبين إضافة الفعل إلى النفس بواسطة اليد، فمثلًا قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس ٧١]، أي: مما عملناه، أي: مما خلقناه، وليس المراد أن الله خلق الأنعام بيده.
وأما قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥]، فهنا أضاف الفعل إلى نفسه، ثم جعل اليد واسطةً، فيدل على أن آدم خلق بيد الله.
كذلك مثلًا لو قلت: (بما عملت بيدك) فهنا نقول: الإنسان عمل الشيء بيده، كذا ولَّا لا؟ فهو عمله نفسه لكن بيده. أما إذا قلت: (بما عملت يداك)، أو (بما قدمت يداك)، فالمراد: بما عملت، سواء عملته بواسطة اليد أو بالعين أو بالرجل أو باللسان، المهم أنه يُضاف إليك، يضاف العمل إلى اليد، لا إلى العامل بواسطة اليد، فإذا أُضيف إلى العامل بواسطة اليد صار العمل له، لكن من باب المباشر للعمل اليد، وإذا أضيف العمل إلى اليد صار المراد به عمل الإنسان سواء بيده أو بغير يده.
فقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ليس كقوله: بما قدموا بأيديهم أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأن الأول المراد (بما قدموا) سواء كان باليد أو بالرجل أو بالعين أو بالأذن أو باللسان.
وقوله: (﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من الكفر وغيره)، صحيح أن المصائب ما تكون إلا بالمعاصي، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠]، وهنا قال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ بسبب كفرهم.
﴿فَيَقُولُوا﴾، الفاء حرف عطف، و(يقولوا) معطوف على ﴿تُصِيبَهُمْ﴾، يعني: (فأن يقولوا) متى؟ بعد المصيبة ولا قبلها؟
* طالب: بعدها.
* الشيخ: بعد المصيبة، ﴿فَيَقُولُوا﴾ محتجين على الله: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ﴾، يعني: هلا أرسلت إلينا رسولًا قبل أن تصيبنا بالعقوبة ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهي حجة لهم ولَّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: إي حجة لهم، لو أصيبوا بغير أن يرسل إليهم رسول لكان ذلك حجة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، ويقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، فلولا هذا الأمر أن يصابوا بكفرهم وذنوبهم ثم يحتجوا على ربهم بأنه لم يرسَل إليهم رسول، فما هو الجواب؟ هل الجواب: لعاقبناهم؟ أو الجواب: لما أرسلناك إليهم؟
* طالب: لما أرسلناك إليهم.
* الشيخ: نشوف، قال المؤلف: (وجواب لولا محذوف، وما بعدها مبتدأ)، يعني: والخبر محذوف معروف، (والمعنى لولا الإصابة المسبب عنها قولهم، أو لولا قولهم المسبب عنها لعاجلناهم بالعقوبة ولما أرسلناك إليهم رسولًا).
كأن المؤلف جعل الجواب مركبًا من إثبات ونفي، الإثبات قوله: (لعاجلناهم بالعقوبة)، والنفي: (ولما أرسلناك إليهم)، لماذا؟ لأنهم هم ذكروا أمرين؛ لأن الله ذكر أمرين: الإصابة، وقولهم: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾، فكان الجواب أيضًا مركبًا من أمرين.
ويجوز أن يكون الجواب مركبًا من أحد الأمرين، أي: لعاقبناهم أو لما أرسلناك إليهم؛ لأن المعنى يتم بدون تقدير الأمرين جميعًا، وعلى هذا فتكون الواو هنا في كلام المؤلف بمعنى (أو).
وأظن الآية معناها واضح من حيث الإجمال: أنه لولا أن هؤلاء الكفار المستحقين للعقوبة بسبب كفرهم، لولا أن يحتجوا بأنه لم يرسَل إليهم رسول، لعاقبناهم بدون أن نرسلك، أو لما أرسلناك إليهم، فيكون إرسال النبي عليه الصلاة والسلام إقامةً للحجة عليهم، ودفعًا ليش؟ لحجتهم؛ دفعًا لحجتهم ودحضًا لها. فكأن النبي عليه الصلاة والسلام الآن أرسل إليهم قبل أن يؤخذوا بالعقوبة، وهذا يقتضي أنهم إذا كذبوه كانوا مستحقين للعقوبة؛ لأن الحجة التي يحتجون بها قد زالت.
طيب، عندنا الإعراب أظننا فهمناه من كلام المؤلف:
(لولا) الأولى شرطية، وهي حرف امتناع لوجود.
و(لولا) الثانية تحضيضية بمعنى هلا.
وقوله: ﴿فَيَقُولُوا﴾ معطوف على قوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ﴾.
وقوله: ﴿فَنَتَّبِعَ﴾ منصوب بـ(أن) مضمرةً بعد فاء السببية الواقعة في جواب (لولا) التحضيضية ولَّا لا؟ منصوب بـ(أن) مضمرةً بعد فاء السببية الواقعة جوابًا لـ(لولا) التحضيضية.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا؛ (لولا) التحضيضية، (لولا) بمعنى (هلا)، نعم، وهي تحضيضية، وإذا وقعت الفاء في جوابها نُصب الفعل بـ(أن) مضمرة.
ابن مالك يقول:
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ ∗∗∗ مَحْضَيْنِ أَنْ وَسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ
يعني أن (أن) تنصب بعد فا الواقعة في جواب طلب أو نفي محضين، (وسترها) أي حذفها وجوبًا (حتم).
وأظنه موجود في بيت يقرؤه الطلاب منذ صغرهم لما تنصب فيه (أن) مضمرة في الجواب، وهو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا شاهد، قواعد.
مُرْ وَادْعُ وَانْهَ وَسَلْ وَاعْرِضْ لِحَضِّهِمِ ∗∗∗ تَمَنَّ وَارْجُ كَذَاكَ النَّفْيُ قَدْكَمُلَا
هذه تسعة، إذا وقعت الفاء جوابًا لواحد منها فإنه ينصب الفعل بعدها بـ(أن) مضمرةً، ما حفظتموه من قبل؟
........................... ∗∗∗ تَمَنَّ وَارْجُ كَذَاكَ النَّفْيُ قَدْكَمُلَا
* طالب: ما يصح (...)؟
* الشيخ: لا، ما يصح؛ لأنه قد تكون فاء السببية عاطفة.
طيب، بعد هذه الأمور، أمَّا (مُرْ) فهي إشارة للأمر، نعم، كما تقول: (انزلْ عندنا فنكرمَك).
(وادع) هذا دعاء الله، قال الشاعر:
ربِّ وفِّقْنِي فَلَا أَعْدِلَ عَنْ ∗∗∗ سَنَنِ السَّاعِينَ في خَيْرِ سَنَنْ
(رب وفقني فلا أعدلَ)، وتقول: (رب وفقني فأعملَ صالحًا).
(وانهَ): ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾، ويش بعدها؟
* طالب: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾.
* الشيخ: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه ٨١].
(وسَلْ)، اسأل يعني للاستفهام: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ [الأعراف ٥٣]، منصوب الفعل بـ(أنْ).
(واعرِضْ) العَرْض، كما في قول القائل: (ألا تنزلُ عندي فتصيبَ خيرًا)، (ألا تنزل) عرض (فتصيبَ خيرًا).
(لِحَضِّهِمِ) هذا التحضيض، مِنْه هذه الآية: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [القصص ٤٧].
(تَمَنَّ) المُراد به التمني، تقول: (ليت لي مالًا فأتصدقَ منه).
(وارْجُ) الرجاء، الترجي يعني: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر ٣٦، ٣٧]، لعلي أبلغ فأطلعَ.
(كذاك النفيُ)، النفي غير النهي، فتقول: (ما تَعَلَّم زيدٌ فيُعَلِّمَك).
نعم، هذه تسعة مواضع إذا وقعت الفاءُ بعدها فإنه يُنصَب الفعل بـ(أن) مُضْمَرة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: في النفي.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (ما تعلم زيد فيعلمَك).
طيب، قال: ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [القصص ٤٧].
* طالب: فيه النهي (...) فيه النهي، فيه (وانه) فيها النهي؟
* الشيخ: فيه النهي؟
* الطالب: (...) (وانه)؟
* الشيخ: إي، مثَّلنا له بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ﴾ [طه ٨١].
* طالب: البيت الثاني:
ربِّ وفقني فلا أعدلَ..
* الشيخ:
ربِّ وفِّقْنِي فَلَا أَعْدِلَ عَنْ ∗∗∗ سَنَنِ السَّاعِينَ في خَيْرِ سَنَنْ
قال: (﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ المرسَلَ بها ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وجواب ﴿لَوْلَا﴾ [القصص ٤٧] محذوف).
المعنى: إنا أرسلناك يا محمد إقامةً للحجة عليهم ورحمةً بهم أن يصيبهم العذاب بدون أن يصِل إليهم رسول.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص ٤٨].
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾، ﴿الْحَقُّ﴾ ذكرنا فيما سبق أنَّه الشيء الثابت، وأنَّه فيما يقابل الأوامر هو العدل، وفيما يقابِل الأخبار هو الصدق، والمراد بالحق هنا قال المؤلف: (إنه محمد ﷺ)، وكأنّه عَدَل به عن المعنى الظاهر منه من أجل قوله: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ﴾، هذا الحق ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، فكأن المؤلف عدَل عن معنى الحق الظاهر إلى أن يكون محمد ﷺ في هذا. ولكن الصواب: أن المراد بالحق الوحي الذي نَزل على محمد ﷺ، المراد بالحق الوحي الذي نَزل على محمد، ولهذا قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾، والعِنْدِيَّة تقتضي القرب، وأن يكون ذلك من الله، وهذا لا يتصور أنه محمد ﷺ، بل هو الحق الذي جاء به. كما أن مثل هذه الآية: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ في جميع مواضع القرآن هي مطَّرِدة أن المراد به الوحي الذي نزل على محمد ﷺ.
ويكون قوله: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾، أي: محمد الذي جاء بهذا الحق، فمعنى الآية هنا ظاهر جدًّا ولا فيه تكلُّف، فكوننا نقول: إن الضمير ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾ يؤيد أن يكون الحق محمدًا، نقول: لا حاجة إلى ذلك، ما دام جاء الحق، والذي جاء به مَن؟ محمد، فيكون معلومًا أن قولَه: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾ يعني محمدًا ﷺ الذي جاء بالحق، وليس محمدٌ هو الحق. ولهذا ليس من أسماء الرسول عليه الصلاة والسلام الحقّ، نعم هو ﷺ صادق فيما جاء به من النبوة، ولكنّه جاء بالحق.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا﴾، الضمير يعود على مَن؟ يعود على مَن جاءهم الرسولُ عليه الصلاة والسلام.
(﴿قَالُوا لَوْلَا﴾ هلَّا)، ويش معناه على هذا التفريع؟
* طالب: تحضيضية.
* الشيخ: تحضيضية، وليست شرطية، هلا ﴿أُوتِيَ﴾ أي أُعطِي ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ يعني (من الآيات)، مثلَما أُعطي موسى من الآيات، وهذا الجواب فيه إشكالٌ إذا جعلناه عائدًا إلى قريش؛ لأن قريشًا -كما هو معلوم- قوم أميون لا يعلمون عن الرسل شيئًا، فكيف يعارِضون بقصة موسى؟
أجاب المفسرون عن ذلك بأن قريشًا كانت عندما بُعِث الرسول عليه الصلاة والسلام تُراسِل اليهودَ وتقول: جاءنا رجلٌ يقول: إنه نبي، فما هي علامات الأنبياء عندكم؟ فتخبِرُهم اليهود بعلامات الأنبياء، ولهذا عارضت قريشٌ النبيَّ ﷺ بالآيات التي جاءت لموسى.
ويَحتمِل أن قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ٤٨] عائدٌ إلى اليهود؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام مبعوثٌ إليهم، ويُؤَيد هذا الاحتمالَ قولُه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ٤٨]. ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عن الآية.
* طالب: قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ﴾ [يس ٧١]، (...) المخلوق، وهي أن اليد هي آلة العمل.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: هذا غير موجود في (...).
* الشيخ: لا، ما نقدر نقول: غير موجود.
* الطالب: ما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، فيدل على أنه يفعل (...).
* الشيخ: إي، لكن بس ﴿يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
(...) فمعناها حرف وجود الوجود أنها أشبه بالشرطية.
ما المراد بالحق في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾، أيش المراد بالحق؟ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص ٤٨]، أيش يقول المؤلف في المراد بالحق؟
* طالب: المؤلف يقول: إن الحق محمد.
* الشيخ: المؤلف يقول: إن الحق محمد.
* الطالب: والصحيح أن الحق القرآن.
* الشيخ: القرآن الذي جاء به محمد.
طيب، قوله: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، أيش معنى ﴿لَوْلَا﴾؟
* طالب: هلَّا.
* الشيخ: هلَّا، والضمير في قوله: ﴿أُوتِيَ﴾ يعود إلى مَن؟
* الطالب: إلى موسى.
* الشيخ: لا.
* الطالب: الضمير؟
* الشيخ: إي، قال: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾؟ أي: محمد، ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾ أي: محمد.
قوله: ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، ما المراد بـ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾؟
* طالب: التوراة.
* الشيخ: ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ يعني التوراة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ويش المراد بالمثلية؟ ﴿مِثْلَ﴾ ليش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) أتى بوحي مثلما أن التوراة وحي.
* الطالب: محمد.
* الشيخ: إي نعم، ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ بأيش؟
* الطالب: بالتوراة (...).
* الشيخ: إي، وأيضًا التوراة في نزولِها جملة واحدة، هم قالوا: مِثل أوتي موسى مِن نزول الوحي جملةً واحدة ومِن الآيات (...)، فهمتم؟
طيب، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ٤٨]، ما تقول: ﴿يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ﴾، الضمير يعود على مَن؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿يَكْفُرُوا﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: وهل موسى مبعوثٌ إليهم حتى يؤنبوا على الكُفر به؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن إذا كفر بها مَن لم تُرسَل إليه ما قال...
* الطالب: (...).
* طالب: الضمير يعود إلى الجنس.
* الشيخ: المراد يعود إلى الجنس، يعني أن آيات موسى ما نفعت أيضًا، كفرَ بها مَن كفر من الناس، ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ أي جنس البشر ﴿بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾، فاقتراحكم أن تكون آيات محمد ﷺ كآيات موسى ليس ذلك بموجِبٍ للإيمان؛ لأن آيات موسى كُفِر بِها.
قوله: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾ [القصص ٤٨]، فيها قراءة ثانية؟ ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾، وأيش القراءة اللي فيها؟
* طالب: ﴿﴿سَاحِرَانِ﴾ ﴾.
* الشيخ: نعم، إذا كانت ﴿﴿سَاحِرَانِ﴾ ﴾ مَن تعني؟
* الطالب: تعني (...).
* الشيخ: وإذا قال: ﴿سِحْرَانِ﴾، على قراءة ﴿سِحْرَانِ﴾؟
* الطالب: تعني (...).
* الشيخ: وهما؟
* الطالب: القرآن والتوراة.
* الشيخ: القرآن والتوراة، صح، نعم.
قوله: ﴿تَظَاهَرَا﴾ [القصص ٤٨]، أيش معناها؟
* طالب: تعاونا.
* الشيخ: أي: تعاونا.
طيب، قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [القصص ٤٩] ما المراد بالأمر هنا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ﴾ أمر، ما هو للاستفهام: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) هذا أمر.
* الطالب: التعجيز.
* الشيخ: التعجيز والتحدي.
قوله: ﴿أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ [القصص ٤٩]، ﴿مِنْهُمَا﴾ الضمير يعود على أيش؟
* طالب: على التوراة والإنجيل.
* الشيخ: الإنجيل؟! التوراة؟
* الطالب: على التوراة والقرآن.
* الشيخ: والقرآن.
طيب، وما معنى ﴿أَهْدَى﴾؟
* الطالب: ﴿أَهْدَى﴾ يعني أكثر هدايةً.
* الشيخ: أكمل؟
* الطالب: أو أكمل هداية.
* الشيخ: أكمل هداية. طيب، ما الذي جزَم ﴿أَتَّبِعْهُ﴾؟
* طالب: نعم؟
* الشيخ: ﴿أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ﴾ [القصص ٤٩]، العين ساكنة مجزومة.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: أيش اللي جزمها؟
* طالب: جواب الطلب.
* الشيخ: وين الطلب؟
* الطالب: ﴿فَأْتُوا﴾.
* الشيخ: ﴿فَأْتُوا﴾، نعم، فإذا جعلوا الغاية جوابًا للأمر السابق صار مجزومًا.
قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص ٥٠]، ويش تقول؟ ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾، ﴿يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ في أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني ما يجيبون كتابًا مِن عند الله هو أهدى مِنهما، إي نعم.
قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [القصص ٥٠]، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾؟
* طالب: يعني ما أحد ﴿أَضَلُّ﴾؟
* الشيخ: لا أحد ﴿أَضَلُّ﴾. طيب، ما هو الغرض مِن الإتيان بالنفي بصورة الاستفهام؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: كيف نجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف ٥]، كيف نجمع بين الآيتين؟ هذه تقول: لا أحد أضل مِمَّن اتبع هواه، وتلك تقول: لا أحد أضل ممن يدعو من دون الله. كيف نجمع بينهما؟ يعني كل واحدة تقول: ما أحدَ أضل من هذا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، والثانية؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: باعتبار أيش؟
* الطالب: (...) في مقام الدعاء: لا أضل مِمَّن يدعو من دون الله، في مقام الاتباع، لا أضل مِمَّن يتبع (...).
* الشيخ: نعم، معناه أنه هنا تُنَزَّل كل الآية على معنى لا يتعلق (...) يعني؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: يعني معناه أنها ضلال الغاية باعتبارِ ما هو مِن جنسها؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: طيب، هذا واحد. فيه وجه آخر؟
* الطالب: (...) الضلال اللي يدعو كل واحد.
* الشيخ: فهما في مرتبة واحدة.
* الطالب: في مرتبة واحدة.
* الشيخ: وهذا والله ما يخالف أنه مثلًا ما فيه شيء يساويه، إذن ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ [القصص ٥٠] فلا يمنع أن يوجد شيء يساويه في ذلك، فيكون كلٌّ من الأمرين قد بلغ الغاية في الضلال، إي نعم، هذا يعني معناه أنه يُجمع بينها بِأحد أمرين: إما أن يقال إن كلَّهما في منزلة واحدة، أو يقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ باعتبار هذا المعنى، نعم، فيكون كل واحد منهما يُنَزَّل على معنى.
نرجع الآن إلى استنباط الفوائد:
الفائدة الأولى: قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص ٤٨] هذه الآية معلوم تفريعها على ما سبق، ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [القصص ٤٧].
* ففيها: تكذيب دعوى هؤلاء في قولهم: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾، فإنّه قد جاءهم الحق مع الرسول، ومعَ ذلك كذبوا ولّا لا؟ كذَّبوا، وقالوا: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾.
* ففي الآية: تكذيب هؤلاء الذين قالوا: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾.
* من فوائدها: أن ما جاء به النبي ﷺ فهو الحقُّ، والحق بمعنى الشيء الثابت، وهو بالنسبة للأخبار الصدق، وبالنسبة للأحكام العدل.
* مِن فوائدها: أنَّ ما خالف ما جاء به النبي ﷺ فهو باطل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢]، فكلُّ خبر يَتضَمَّن تكذيب خبرِ الله ورسوله فهو الكذب. فمثلًا إذا قال قائل: أصل الإنسان قرد، ثم تطور فصار إنسانًا، ماذا نقول له؟ كذِبٌ؛ لأنه يُخالِف ما جاء به النبيُّ ﷺ، نعم. وإذا شرَّع الإنسان قوانين مخالفة للشرع، قلنا: هذا باطل وضلال؛ لأنَّ الحق فيما جاء به الشرع فقط، نعم.
* من فوائد الآية: بيانُ عُتُوِّ هؤلاء المُكَذِّبين للرسول عليه الصلاة والسلام، عتوُّهم وعنادُهم، وهو أنَّهم كذَّبوا بالحق بعد أن قالوا: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [القصص ٤٧].
* ومن فوائد الآية: أن قريشًا عِنْدهم بعض المعلومات عن الرسل السابقين؛ حيث قالوا: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾. وبأيِّ وسيلة حصلوا على هذا العلم؟
* طالب: عن طريق اليهود.
* الشيخ: عن طريق اليهود؛ لأنهم لما جاء الرسول ﷺ بُعِث أَرسلوا إلى اليهود يسألونهم عن أخبار هذا الرجل، فكتبوا لهم بما يعرفون من أخباره وبما جاء به موسى[[أخرج البيهقي في الدلائل (٦١١) عن ابن عباس رضي الله عنهما.]].
* من فوائد الآية: إثبات رسالة موسى ﷺ؛ لقولهم: ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص ٤٨].
* من فوائدها: أن موسى عليه الصلاة والسلام أعطاه الله تعالى آياتٍ يؤمِن على مِثْلها البشرُ، وهذا ليس خاصًّا بِه، بل هو لِكل رسول بعثه الله، لا بد أن يؤتيَه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر؛ لأن البشر لا تُصَدِّق رجلًا قال: أنا رسول الله إليكم، آمركم بكذا وأنهاكم عن كذا، واتركوا ما كان عليه آباؤكم مِن عبادة الأصنام، واتركوا ما كان عليه آباؤكم من تحريم الحلال، وما أشبه ذلك. ما يقبلون إِلا بآيات تدُل على صدقه وتُؤَيِّده.
* طيب، ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: إبطالُ حُجَّة هؤلاء المكذِّبين، إبطال حجتهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ٤٨].
* ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي في مقام المناظَرة والمجادَلة أن يُفْحَم الخَصمُ بإبطال قولِه بقولِه أو بفعلِه، أنه يُبْطَل قولُه بِما جرى مِنه هو، لِماذا؟ لأنَّ ما جرى مِنه لا يمكن أن يُنكِره، ولو أنكره ما قُبِل، فكوننا نُقيم الحجة على الخصم مِن فعلِه وقولِه؛ هذا أبلغ في إفحامه. ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾.
* ومنها: أنّ طبيعة البشر واحدة، بناء على أن قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ [القصص ٤٨]، أنّ الضمير يعود على جِنس الإنسان؛ لأن الطبيعة البشرية واحدة.
* ومنها، مِن فوائد الآية أيضًا: أنّه ينبغي أيضًا عند المُخاصمة أو عند المُناظرة إبطالُ قولِ الخصم بالواقع، أنّك تُبطل قولَ الخصم في الأمر الواقع، ما (...) في الأمر الواقع، فإن الآيات التي جاء بها موسى و(...) هؤلاء كُذِّبَت ولَّا ما كُذِّبَتْ؟
* طالب: كُذِّبَتْ.
* الشيخ: كُذِّبَتْ، ما آمن بها البشر. إذن، فالمدار ليس على جنس الآيات، ولكن المدار على حال المُخَاطَب، وإلا فالآيات قائمة وبَيِّنَة، لكن ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١].
* ومِنها: أن أهل الباطل يُلقِّبون أهل الحق بألقاب السوء تنفيرًا للناس عن قَبولهم، مِنين تؤخذ؟
* طالب: ﴿سِحْرَانِ﴾.
* الشيخ: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾ أو ﴿﴿سَاحِرَانِ﴾ ﴾، ﴿﴿قَالُوا سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا﴾ ﴾ [القصص: ٤٨]، أو ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾، فسواءٌ وَصفوا ما جاءت به الرسُل بالسحر أو وصفوا الرسُلَ أنفسهم بالسحر، فإنّ المقصود بذلِك التنفير؛ تنفير الناس عن قَبول ما جاءت به الرسل.
طيب، هل نقول: إن هذه القاعدة ثابتةٌ لأتباع الرسل؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: بدليل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٢٩ - ٣٢]، والله تبارك وتعالى قد جعل لِكُل نبيّ عدوًّا من المجرمين، والعدوُّ من المجرمين عدوٌّ للنبي بشخصه أو عدوٌّ له بوصفه؟
* طالب: بوصفه.
* الشيخ: بوصفه، بدليل أن محمدًا ﷺ قبل أن تأتيَه الرسالة وهو عند العرب الصادق الأمين، ويرونه أنّه من أفضل بني هاشم وأقومِهم بالعدل، فلما جاء بالحق ويش صار؟ صار الخائنَ الكذوبَ، واضح؟ إذا كان هؤلاء المجرمون يعادون الرسلَ لِوصفهم، فمعنى ذلك أنه هذه المعاداة ستنتقل إلى مَن تابَع هؤلاء الرسل؛ لأنّ المعْنَى الذي حصلت به العداوة موجود أيضًا في أتباع الرسل.
* وعلى هذا، فيمكن أن نأخذ منه فائدة، وهي: طمأنة أتباع الرسل وتثبيتهم على أنّهم سينالهم مِن ألقاب السوء ومِن المعاداة مِثلُ ما نال الرسلَ، نعم، فعليهم أن يقابِلوا ذلك بالصبر والثبات والقوة، نعم، لا أن ينخذلوا، بل يكونوا كما كان متبوعوهم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف ٣٥].
* ومِنها أيضًا، مِن فوائد الآية: أن التعاون حتَّى على الباطل له تأثير، ولَّا لا؟ التعاون حتى في الباطل له تأثير وتقوية، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿تَظَاهَرَا﴾ [القصص ٤٨]، فإذا كان التعاون في الباطل له تأثير، فما بالك بالتعاون في الحق.
وعلى هذا فينبغي لنا، وهي الفائدة التي تترتب على ذلك: ينبغي لنا أن نكون متعاونين فِيما نحن عليه مِن دعوة الحق، وألا يخذل بعضنا بعضًا، نعم، خلافًا لِما كان عليه حال الناس اليوم، فإنهم في هذا الباب ليسوا بمتعاونين، حتى أهلُ الحق وأهلُ الدعوة تجدهم غيرَ متعاونين؛ لأنهم أولًا كل واحد ما همه إلا نفسه، وثانيًا: أنهم رُبَّمَا يختلِفُون في أمر بسيط جُزْئِي من أمور الدِّين، ويتعادَون على ذلك، نعم، يمكن يخالفه في كيفية رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، هذا يقول: ترفع يديك إلى الأذنين، وهذا يقول: ترفع إلى المنكبين، ثم يقول: أنت على ضلال، وهو يقول: أنت على ضلال. ثم ماذا تصنع هذه الكلمة؟ تصنع الحقد والبغضاء والعداوة.
وأنا قد قصصت عليكم قصةَ طائفتين من أهل إفريقيا، كلُّ طائفة تُكَفِّر الأخرى في مسألة بسيطة من مسائل الدين، طائفة تقول: إن السنة أن يضع الإنسان يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وطائفة أخرى تقول: إن السنة أن يرسِل الإنسان يديه إلى جنبِه، كلُّ واحدة تقول للأخرى: أنتِ كافرة ملعونة؛ لأنكِ تركتِ السُّنة عن عمْد وقصْد، والإنسان اللي يكره ما أنزل الله يكون كافرًا. ففيه خصومة عظيمة، وفي وقت الحج هذه الأيام في منى، ويا الله أنه يجتمع ناس من الإخوان من التوعية اجتمعوا عليهم وهدَّؤُوهم وبينوا أن هذا ما يجوز؛ لأن هذا ضرر عليكم أنتم يا أهل الحق؛ لأنكم إذا كفَّر بعضكم بعضًا أيش تصيرون على أهل الخرافات وأهل البدع، نعم، المكفِّر (...) كافر.
فنقول: إن التعاون له تأثير بالغ، وأظنكم تعرفون في نقض الصحيفة التي كَتَبَتْ قريش في مقاطعة بني هاشم، كيف نقضوا هذه الصحيفة؟ ما جاء واحد من الناس ينقضها، ما يستطيع، لكنه ذهب إلى فلان وقال له يوبِّخه، فقال: بنو هاشم قوم منكم كيف ترضون أن تقاطعوهم حتى يموتوا مِن الجوع، وذهب إلى آخر وإلى ثالث ورابع، حتى إنهم كوَّنوا جماعة فذهبوا إلى هذه الصحيفة من الكعبة ومزَّقوها[[انظر قصة السقيفة في السيرة النبوية لابن هشام (١/٣٧٦).]]. فإذن التعاون أساس النجاح، مثلما قال العامة، وانظر إلى كلمة المجرمين، يقولون: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ [القصص ٤٨].
* طيب، ثانيًا: من فوائد الآية: بيان عُتُوِّ هؤلاء أيضًا من جهة أنهم لم يؤمنوا بالأمرين، وقالوا: ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص ٤٨].
* ومنها أيضًا: أن تقديم المعمول في قوله: ﴿بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ أيش يفيد؟ الحصر، مع أنهم كفروا به مع غيره، لكن سبق أن قلنا: إن هذا الحصر المقصود به إغاظة الخصم، كأنهم يقولون: لو آمنا بكل شيء ما كفَرنا إلا بهما. وإلَّا معلوم أنهم يكفرون به وبغيره، وهذه فائدة قليلٌ مَن ينتبه لها، وهو أنه إذا كان الشيء غيرَ محصور في هذا الشيء ولكنَّه حُصِر فيه، فلا بدَّ أن هناك غرضًا، الغرض هنا: الإغاظة، كأنهم يقولون: نحن وإنْ آمنا بكل شيء، فنحن كافرون بِما جئتم به: ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص ٤٩].
* في هذه الآية من الفوائد: أنه مِن العدل التنزُّلُ مع الخصم إلى حال يُقِرُّ بها، فإنه من المعلوم أن الله سبحانه وتعالى يعلم أنه لا يمكن أن يأتوا بما طُلب منهم، أو لا؟ حين طلب منهم أنهم يجيبون كتاب أهدى مِن التوراة والقرآن، والله يعلم أنهم لن يأتوا بذلك أو لا؟ كيف يقول للرسول: ﴿قُلْ فَأْتُوا﴾ مع أنه يعلم أنّه ما يمكن؟ هذا مِن باب التنزل مع الخصم إلى غاية ما يكون مِن العدل، كأنه جعلَه مع خصمه شيئًا واحدًا، فيقول: أنتم هاتوا كتابًا أهدى من التوراة والقرآن أتَّبِعه، أنا ألتزم باتباعه، فإذا لم يأتوا معناه: يلزمهم أن يتبعوا التوراة والقرآن، ولَّا لا؟ يلزمهم ذلك، يعني ما دام أنِّي أنا ملتزِم لهم بأنكم إذا أتيتم بكتاب أهدى منهما بأن أتبعه، فأنتم يجب عليكم أن تتبعوا ما دام ما وجدتم.
إذن فيه التنزل مع الخصم، وأن ذلك مِن تمام العدل في المناظَرة.
* ومن فوائد الآية أيضًا: إفحام الخصم بالتحدي، ولو أنكم قرأتم آخر سورة الطور لوجدتم فيها شيئًا غريبًا من المناظرة، من قولِه: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور ٢٩]، إلى قوله: ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور ٤٥]، تجِدون يعني آدابًا كثيرة مِن المناظرة: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور ٣٨]، إن كان الأمرُ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور ٣٨]، ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور ٣٣]، إن كان الأمر كذلك ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور ٣٤]، فالمناظرة، يعني الله سبحانه وتعالى في ختام المناظرة يجعل الخصم مُفحَمًا بتحديه بما لا يستطيع، فهنا ما يستطيعون أن يأتوا بمثله فتقوم بذلك عليهم الحجة.
* ومِن فوائد الآية: أن التوراة والقرآن من عند الله، فيكون القرآن والتوراة كلامَ الله، لكن القرآن نَزَل وحيًا، والتوراة نزلت كِتَابةً، كتبها الله في ألواح ألقاها إلى موسى.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أنه لا يلزم الإنسان الانتقال عمَّا كان عليه إلى غيره، إلَّا إذا كان أهدى منه. أنا ما يلزمني الانتقال مثلًا من مذهب الحنابلة إلى مذهب الشافعية حتى أرى أنه أصوب؛ لأنه قال: ما يجب الاتباع إلا إذا كان ما جاءوا به أهدى منه، أما إذا كان مساويًا فأنتم لا تلزموني، وأنا لا ألزمكم إذا كان مساويًا، إنما الإلزام متى؟ حينما يكون ما جاء به الخصمُ أهدى مِمَّا أنا عليه. وهذه فائدة مهمة جدًّا، وهي: لا يَلزَم الإنسانَ الانتقالُ مما هو عليه مِن طريقة ومذهب إلا إلى مَن هو أصوب وأحسن وأهدى منها، أمَّا عند التساوي فإنه لا يُلزَم ولا يُلَام أيضًا إذا لم يَنتقل، وإما أيضًا إذا كان ما فيه غيره أدنى فإنه من باب أولى لا يلزم.
طيب، فالمراتب الآن ثلاثة: إما أن يكون ما تُدْعَى إليه أدنى مما أنت عليه، أو أهدى، أو مساويًا. إن كان أهدى، أيش الواجب؟ يلزَم الاتباع. وإن كان أدنى حَرُم الاتباع. بقينا إذا كان مساويًا هل يلزَم الاتباع أو يحرُم أو يُخَيَّر به الإنسان؟
العلماء يقولون في مثل هذه الحال: يُخيَّر الإنسان، قالوا: وإذا أفتاه عالمان ولم يكن أحدُهما عنده أرجح فإنه يُخيَّر في اتِّباع أيِّ القولين شاء. وربما يُؤخَذ مِن هذه الآية، ربما يُؤْخذ حكم هذه المسألة مِن هذه الآية؛ لأنه ما أوجب الله الاتباع إلا إذا كان أهدى، ومعلومٌ أنه إذا كان أدنى كان الاتباع محرمًا، فيبقى المُساوي ليس إلى جانب التحريم وليس إلى جانب الوجوب، وهذه مرتبة التخيير.
* ومنها أيضًا، من فوائد الآية: الأمر أن التحدي أيضًا يكون بالوصف كما يكون بالفعل، ﴿فَأْتُوا﴾ [القصص ٤٩] تحدٍّ بفعل ما هم بآتين به، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ تحدٍّ بالوصف، إن كنتم من الصادقين أن ما أنتم عليه حق فأتوا بهذا، وإلا فأنتم مِن الكاذبين، ولهذا قال: ﴿أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص ٤٩].
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٥٠].
قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾، أي: فإن انتفت استجابتهم لك.
* ففيه: جواز التعليق بالشرط فيما هو محقق الوقوع، أو ما فهمتم هذا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: يعني معناه ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾، هذا أمر محقَّق الوقوع، فهل يظن الظانُّ أن فيه احتمالًا أن يستجيبوا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما فيه، ما يظن. إذن فنقول: جواز تعليق الشيء المحقَّق بالشرط، ولو كان محققًا أنه لن يكون، وكذلك ولو كان محققًا أنه كائن، فإن هنا الانتفاء كائنٌ لا محالة، ومع ذلك عُلِّق بالشرط، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ»[[أخرجه مسلم (٢٤٩/٣٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، يقوله لأهل المقابر، فمعلومٌ أن هذا الأمر؟
* طالب: مُحَقَّق.
* الشيخ: مُحَقَّق، نعم.
* ومنها أيضًا: أن هؤلاء المكذِّبين للرسول ﷺ ليس عندهم حُجة سوى اتباع أهوائهم؛ لقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص ٥٠]. وهل معنى ذلك أي: فلا تجادِلْهم؟ لأن المتَّبِع هواه مشكل مُكابِر، اللي يتبع هواه مكابر ما تقدر تقنعه، ما دام أنه ما هو بيريد الحق، وإنما يريد أن ينتصر لنفسه فقط ويتَّبِع هواه، فأعتقد أن مثل هذا الرجل ما يمكن أن يُجَادَل، لو جادلتَه ما دام صاحب هوى ما فيه فائدة.
* فهل نقول: إنه يُستفاد من هذه الآية: أنه إذا عُلم بأن المجادَل يريد اتباع هواه فإنه لا فائدة من جداله؛ لأنه إضاعة وقت؟ نعم، نقول هكذا؛ لأنه قال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾، يعني: ولا فائدة من جدالهم، فإذا كنتَ بيَّنت للإنسان الحق ووضحته بأدلته النقلية والعقلية والحسية حسب ما هو موجود من الأدلة، ولكنه أصر إلا أن يبقى على ما كان عليه، فاعلم أنه متبع لهواه، والمتبع الهوى مشكل، ما هو بإنسان يتطلب الهدى، ما يمكن ينتفع.
ولهذا نقول في هذه الحال: لا يجب على المرء مجادلتُه، وإنما ينتقل إلى شيء آخر، وهو معاقبته: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت ٤٦]، فالمعاند غير مَن يريد اتباع الحق ولم يَظهر له، المعاند له حال، وقد قال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى ٩]، يعني: وإنْ لم تنفع فلا تُذَكِّر، وهذه تَقدم الكلام عليها هل هذا الشرط له مفهوم أو ليس له مفهوم؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، (...) ما دام تجادلتم أمام الناس اتضح الحق، ما هو معنى أنه يتصل ويتكلم بالباطل وتسكت؛ لأنه إذا ما سمعته يتكلم بالباطل يجب أن الناس تعرف الحق وتغيير هذا الباطل. لكن إذا كنت جادلته أمام الناس وتبين الحق وهو أبى، ما عندك شيء، ما فيه فائدة من مجادلته.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، هو على كل حال نحن ما نقول: جادِل عند الناس، لكن أحيانًا يكون الجدال عند الناس، تكون عند ناس في مجلس ويبدأ البحث ويحصل النقاش، هل نقول: إن هذا الرجل إنك تسكت وتخليه؟ لا، يجب عليك أنك تقاوم بالذي عندك، نعم. كذلك لو سمعته مثلًا يتكلم في مجمع ويُقَرِّر الباطل، يجب عليك أنك تتكلم بالحق، إي نعم.
* ومِن فوائد الآية: اختلاف الناس في الضلال، أن الناس يختلفون في الضلال، فليسوا على حدٍّ سواء في الضلال، كما أنهم ليسوا على حدٍّ سواء في الهدى، وليسوا على حد سواء في الغيِّ، وليسوا على حد سواء في الرُّشْد، أو لا؟ الناس على حد سواء في هذه الأمور؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ﴾ [القصص ٥٠]، ففي هذا دليل على أن الناس يتفاوتون في الضلال، ولكن ما هناك أحد أضل مِن هذا الذي اتبع هواه بغير هدًى من الله.
* ومنها أيضًا، من فوائد الآية: أنَّ الهوى قد يكون موافِقًا للهدى. منين نأخذه؟
* طالب: ﴿هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى﴾.
* الشيخ: ﴿هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص ٥٠]، أمَّا مَن اتبع هواه بِناء على هدى من الله، فهذا طيب أن يكون هواه تبعًا لما جاء به الحق، هذا طيب، وقد ذكرنا لكم الحديث المروي عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»[[أخرجه ابن بطة في الإبانة (٢٧٩) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.]]، فالحاصل أن الهوى المذموم هو الذي ليس على هدى.
* طيب، ومن فوائد الآية: أنَّ الظالم قد عرَّض نفسه لِحِرمانه من الهدى، أو إن شئت فقل: إن الظلم سبب لِحرمان الظالم مِن الهدى؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٥٠]، فالظالم هو الذي حَرَمَ نفسَه الهدى.
(...)
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾، والقدرية يرون أن الإنسان يُمكن أن يهتدي بنفسه، وليس لله تبارك وتعالى عليه أيُّ سلطة؛ لأنهم - والعياذ بالله - القدرية، ويش يقولون بالنسبة لقدر الله؟
* طالب: أن الأمر أنف.
* الشيخ: إي نعم أن الأمر أُنُف، بمعنى أن الله ما قدَّر أفعال العباد، وإني أنا أفعل وأترك باختياري المجرد المحض، وليس لله فيه أي مشيئة ولا خَلْق ولا شيء، لكن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٥٠] يرد عليهم، كما أنه أيضًا يرد على الجهمية الجبرية الذين يقولون بالجبر؛ لأن الله تعالى نسَبَ هؤلاء -بفعلهم- إلى الظلم، ولو كانوا مجبَرين عليه لكانت نسبةُ الظلم إليهم ظلمًا، والله تبارك وتعالى لا يظلم أحدًا.
ففي الآية إذن: ردٌّ على القدرية، ورد على مَن؟ ورد على الجبرية، والجبرية جهمية، يعني الجهمية مِن مذهبهم الجبر، وفيهم ثلاث جِيمات، كما قال ابن القيم في النونية: الجهمية فيهم ثلاث جيمات، كلهم جيمات ذم، أيش هي؟ جبر وإرجاء وجيم تجهُّم، فهم جبرية مرجئة جهمية، نعم، الله يكفيك شر الجيمات الثلاثة، نعم، الجهمية والجبرية والمرجئة.
* على كل حال، في الآية الكريمة: ردٌّ على الطائفتين الضالَّتين، وهما: القدرية والجبرية، والقدرية يُنكِرون قدَر الله بالنسبة لأفعال العبد، والجبرية بالعكس.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
* طيب، ومن فوائد الآية: أنّ مَن تحرى العدل فإنه قد تعرَّض للهداية؛ لأن الظلم ضده العدل، وانتفاء الهداية بوصف الظلم يقتضي ثُبوت الهداية بوصف العدل. فمن تحرى العدل فإنه يُوَفق للهداية، فالعدل سبب للهداية. وهكذا كل من تحرى الخير - بس عسى الله يوفقنا لتحريه - كل من تحرى الخير فإنه يُوفَّق له إذا كانت النية صادقة والعزم أكيد.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يقولون: إن الإنسان له إرادة مستقلة ما لله فيها دخل، ما لله دخل فيها على الإطلاق. (...)
القصص 28:50
(﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ عقوبة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من الكفر وغيره ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا﴾ هلا ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ المرسل بها ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص ٤٧]).
(لولا) هنا تكررت مرتين، وفي كل موضع لها معنى غيره في الموضع الآخر.
الأول قال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ﴾ الضمير يعود على قريش، أهل مكة، وإصابة الشيء بمعنى نزوله، يعني تنزل به مصيبة، والمراد بالمصيبة هنا العقوبة بسبب كفرهم، وهي - أعني (لولا) - حرف امتناع لوجود، و(أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ، وجواب (أن) محذوف كما يقدره المؤلف.
وقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾ أي: بسبب، و(ما) اسم موصول، أي: بسبب الذي قدمت أيديهم، والمراد بأيديهم أنفسهم، أي: بما قدموه، وعبر باليد عن النفس لأن اليد في الغالب هي آلة العمل.
واعلم أن هناك فرقًا بين إضافة الفعل إلى اليد وبين إضافة الفعل إلى النفس بواسطة اليد، فمثلًا قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس ٧١]، أي: مما عملناه، أي: مما خلقناه، وليس المراد أن الله خلق الأنعام بيده.
وأما قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥]، فهنا أضاف الفعل إلى نفسه، ثم جعل اليد واسطةً، فيدل على أن آدم خلق بيد الله.
كذلك مثلًا لو قلت: (بما عملت بيدك) فهنا نقول: الإنسان عمل الشيء بيده، كذا ولَّا لا؟ فهو عمله نفسه لكن بيده. أما إذا قلت: (بما عملت يداك)، أو (بما قدمت يداك)، فالمراد: بما عملت، سواء عملته بواسطة اليد أو بالعين أو بالرجل أو باللسان، المهم أنه يُضاف إليك، يضاف العمل إلى اليد، لا إلى العامل بواسطة اليد، فإذا أُضيف إلى العامل بواسطة اليد صار العمل له، لكن من باب المباشر للعمل اليد، وإذا أضيف العمل إلى اليد صار المراد به عمل الإنسان سواء بيده أو بغير يده.
فقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ليس كقوله: بما قدموا بأيديهم أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأن الأول المراد (بما قدموا) سواء كان باليد أو بالرجل أو بالعين أو بالأذن أو باللسان.
وقوله: (﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من الكفر وغيره)، صحيح أن المصائب ما تكون إلا بالمعاصي، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠]، وهنا قال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ بسبب كفرهم.
﴿فَيَقُولُوا﴾، الفاء حرف عطف، و(يقولوا) معطوف على ﴿تُصِيبَهُمْ﴾، يعني: (فأن يقولوا) متى؟ بعد المصيبة ولا قبلها؟
* طالب: بعدها.
* الشيخ: بعد المصيبة، ﴿فَيَقُولُوا﴾ محتجين على الله: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ﴾، يعني: هلا أرسلت إلينا رسولًا قبل أن تصيبنا بالعقوبة ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهي حجة لهم ولَّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: إي حجة لهم، لو أصيبوا بغير أن يرسل إليهم رسول لكان ذلك حجة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، ويقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، فلولا هذا الأمر أن يصابوا بكفرهم وذنوبهم ثم يحتجوا على ربهم بأنه لم يرسَل إليهم رسول، فما هو الجواب؟ هل الجواب: لعاقبناهم؟ أو الجواب: لما أرسلناك إليهم؟
* طالب: لما أرسلناك إليهم.
* الشيخ: نشوف، قال المؤلف: (وجواب لولا محذوف، وما بعدها مبتدأ)، يعني: والخبر محذوف معروف، (والمعنى لولا الإصابة المسبب عنها قولهم، أو لولا قولهم المسبب عنها لعاجلناهم بالعقوبة ولما أرسلناك إليهم رسولًا).
كأن المؤلف جعل الجواب مركبًا من إثبات ونفي، الإثبات قوله: (لعاجلناهم بالعقوبة)، والنفي: (ولما أرسلناك إليهم)، لماذا؟ لأنهم هم ذكروا أمرين؛ لأن الله ذكر أمرين: الإصابة، وقولهم: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾، فكان الجواب أيضًا مركبًا من أمرين.
ويجوز أن يكون الجواب مركبًا من أحد الأمرين، أي: لعاقبناهم أو لما أرسلناك إليهم؛ لأن المعنى يتم بدون تقدير الأمرين جميعًا، وعلى هذا فتكون الواو هنا في كلام المؤلف بمعنى (أو).
وأظن الآية معناها واضح من حيث الإجمال: أنه لولا أن هؤلاء الكفار المستحقين للعقوبة بسبب كفرهم، لولا أن يحتجوا بأنه لم يرسَل إليهم رسول، لعاقبناهم بدون أن نرسلك، أو لما أرسلناك إليهم، فيكون إرسال النبي عليه الصلاة والسلام إقامةً للحجة عليهم، ودفعًا ليش؟ لحجتهم؛ دفعًا لحجتهم ودحضًا لها. فكأن النبي عليه الصلاة والسلام الآن أرسل إليهم قبل أن يؤخذوا بالعقوبة، وهذا يقتضي أنهم إذا كذبوه كانوا مستحقين للعقوبة؛ لأن الحجة التي يحتجون بها قد زالت.
طيب، عندنا الإعراب أظننا فهمناه من كلام المؤلف:
(لولا) الأولى شرطية، وهي حرف امتناع لوجود.
و(لولا) الثانية تحضيضية بمعنى هلا.
وقوله: ﴿فَيَقُولُوا﴾ معطوف على قوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ﴾.
وقوله: ﴿فَنَتَّبِعَ﴾ منصوب بـ(أن) مضمرةً بعد فاء السببية الواقعة في جواب (لولا) التحضيضية ولَّا لا؟ منصوب بـ(أن) مضمرةً بعد فاء السببية الواقعة جوابًا لـ(لولا) التحضيضية.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا؛ (لولا) التحضيضية، (لولا) بمعنى (هلا)، نعم، وهي تحضيضية، وإذا وقعت الفاء في جوابها نُصب الفعل بـ(أن) مضمرة.
ابن مالك يقول:
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ ∗∗∗ مَحْضَيْنِ أَنْ وَسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ
يعني أن (أن) تنصب بعد فا الواقعة في جواب طلب أو نفي محضين، (وسترها) أي حذفها وجوبًا (حتم).
وأظنه موجود في بيت يقرؤه الطلاب منذ صغرهم لما تنصب فيه (أن) مضمرة في الجواب، وهو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا شاهد، قواعد.
مُرْ وَادْعُ وَانْهَ وَسَلْ وَاعْرِضْ لِحَضِّهِمِ ∗∗∗ تَمَنَّ وَارْجُ كَذَاكَ النَّفْيُ قَدْكَمُلَا
هذه تسعة، إذا وقعت الفاء جوابًا لواحد منها فإنه ينصب الفعل بعدها بـ(أن) مضمرةً، ما حفظتموه من قبل؟
........................... ∗∗∗ تَمَنَّ وَارْجُ كَذَاكَ النَّفْيُ قَدْكَمُلَا
* طالب: ما يصح (...)؟
* الشيخ: لا، ما يصح؛ لأنه قد تكون فاء السببية عاطفة.
طيب، بعد هذه الأمور، أمَّا (مُرْ) فهي إشارة للأمر، نعم، كما تقول: (انزلْ عندنا فنكرمَك).
(وادع) هذا دعاء الله، قال الشاعر:
ربِّ وفِّقْنِي فَلَا أَعْدِلَ عَنْ ∗∗∗ سَنَنِ السَّاعِينَ في خَيْرِ سَنَنْ
(رب وفقني فلا أعدلَ)، وتقول: (رب وفقني فأعملَ صالحًا).
(وانهَ): ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾، ويش بعدها؟
* طالب: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾.
* الشيخ: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه ٨١].
(وسَلْ)، اسأل يعني للاستفهام: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ [الأعراف ٥٣]، منصوب الفعل بـ(أنْ).
(واعرِضْ) العَرْض، كما في قول القائل: (ألا تنزلُ عندي فتصيبَ خيرًا)، (ألا تنزل) عرض (فتصيبَ خيرًا).
(لِحَضِّهِمِ) هذا التحضيض، مِنْه هذه الآية: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [القصص ٤٧].
(تَمَنَّ) المُراد به التمني، تقول: (ليت لي مالًا فأتصدقَ منه).
(وارْجُ) الرجاء، الترجي يعني: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر ٣٦، ٣٧]، لعلي أبلغ فأطلعَ.
(كذاك النفيُ)، النفي غير النهي، فتقول: (ما تَعَلَّم زيدٌ فيُعَلِّمَك).
نعم، هذه تسعة مواضع إذا وقعت الفاءُ بعدها فإنه يُنصَب الفعل بـ(أن) مُضْمَرة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: في النفي.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (ما تعلم زيد فيعلمَك).
طيب، قال: ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [القصص ٤٧].
* طالب: فيه النهي (...) فيه النهي، فيه (وانه) فيها النهي؟
* الشيخ: فيه النهي؟
* الطالب: (...) (وانه)؟
* الشيخ: إي، مثَّلنا له بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ﴾ [طه ٨١].
* طالب: البيت الثاني:
ربِّ وفقني فلا أعدلَ..
* الشيخ:
ربِّ وفِّقْنِي فَلَا أَعْدِلَ عَنْ ∗∗∗ سَنَنِ السَّاعِينَ في خَيْرِ سَنَنْ
قال: (﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ المرسَلَ بها ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وجواب ﴿لَوْلَا﴾ [القصص ٤٧] محذوف).
المعنى: إنا أرسلناك يا محمد إقامةً للحجة عليهم ورحمةً بهم أن يصيبهم العذاب بدون أن يصِل إليهم رسول.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص ٤٨].
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾، ﴿الْحَقُّ﴾ ذكرنا فيما سبق أنَّه الشيء الثابت، وأنَّه فيما يقابل الأوامر هو العدل، وفيما يقابِل الأخبار هو الصدق، والمراد بالحق هنا قال المؤلف: (إنه محمد ﷺ)، وكأنّه عَدَل به عن المعنى الظاهر منه من أجل قوله: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ﴾، هذا الحق ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، فكأن المؤلف عدَل عن معنى الحق الظاهر إلى أن يكون محمد ﷺ في هذا. ولكن الصواب: أن المراد بالحق الوحي الذي نَزل على محمد ﷺ، المراد بالحق الوحي الذي نَزل على محمد، ولهذا قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾، والعِنْدِيَّة تقتضي القرب، وأن يكون ذلك من الله، وهذا لا يتصور أنه محمد ﷺ، بل هو الحق الذي جاء به. كما أن مثل هذه الآية: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ في جميع مواضع القرآن هي مطَّرِدة أن المراد به الوحي الذي نزل على محمد ﷺ.
ويكون قوله: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾، أي: محمد الذي جاء بهذا الحق، فمعنى الآية هنا ظاهر جدًّا ولا فيه تكلُّف، فكوننا نقول: إن الضمير ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾ يؤيد أن يكون الحق محمدًا، نقول: لا حاجة إلى ذلك، ما دام جاء الحق، والذي جاء به مَن؟ محمد، فيكون معلومًا أن قولَه: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾ يعني محمدًا ﷺ الذي جاء بالحق، وليس محمدٌ هو الحق. ولهذا ليس من أسماء الرسول عليه الصلاة والسلام الحقّ، نعم هو ﷺ صادق فيما جاء به من النبوة، ولكنّه جاء بالحق.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا﴾، الضمير يعود على مَن؟ يعود على مَن جاءهم الرسولُ عليه الصلاة والسلام.
(﴿قَالُوا لَوْلَا﴾ هلَّا)، ويش معناه على هذا التفريع؟
* طالب: تحضيضية.
* الشيخ: تحضيضية، وليست شرطية، هلا ﴿أُوتِيَ﴾ أي أُعطِي ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ يعني (من الآيات)، مثلَما أُعطي موسى من الآيات، وهذا الجواب فيه إشكالٌ إذا جعلناه عائدًا إلى قريش؛ لأن قريشًا -كما هو معلوم- قوم أميون لا يعلمون عن الرسل شيئًا، فكيف يعارِضون بقصة موسى؟
أجاب المفسرون عن ذلك بأن قريشًا كانت عندما بُعِث الرسول عليه الصلاة والسلام تُراسِل اليهودَ وتقول: جاءنا رجلٌ يقول: إنه نبي، فما هي علامات الأنبياء عندكم؟ فتخبِرُهم اليهود بعلامات الأنبياء، ولهذا عارضت قريشٌ النبيَّ ﷺ بالآيات التي جاءت لموسى.
ويَحتمِل أن قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ٤٨] عائدٌ إلى اليهود؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام مبعوثٌ إليهم، ويُؤَيد هذا الاحتمالَ قولُه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ٤٨]. ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عن الآية.
* طالب: قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ﴾ [يس ٧١]، (...) المخلوق، وهي أن اليد هي آلة العمل.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: هذا غير موجود في (...).
* الشيخ: لا، ما نقدر نقول: غير موجود.
* الطالب: ما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، فيدل على أنه يفعل (...).
* الشيخ: إي، لكن بس ﴿يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
(...) فمعناها حرف وجود الوجود أنها أشبه بالشرطية.
ما المراد بالحق في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾، أيش المراد بالحق؟ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص ٤٨]، أيش يقول المؤلف في المراد بالحق؟
* طالب: المؤلف يقول: إن الحق محمد.
* الشيخ: المؤلف يقول: إن الحق محمد.
* الطالب: والصحيح أن الحق القرآن.
* الشيخ: القرآن الذي جاء به محمد.
طيب، قوله: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، أيش معنى ﴿لَوْلَا﴾؟
* طالب: هلَّا.
* الشيخ: هلَّا، والضمير في قوله: ﴿أُوتِيَ﴾ يعود إلى مَن؟
* الطالب: إلى موسى.
* الشيخ: لا.
* الطالب: الضمير؟
* الشيخ: إي، قال: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾؟ أي: محمد، ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾ أي: محمد.
قوله: ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، ما المراد بـ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾؟
* طالب: التوراة.
* الشيخ: ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ يعني التوراة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ويش المراد بالمثلية؟ ﴿مِثْلَ﴾ ليش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) أتى بوحي مثلما أن التوراة وحي.
* الطالب: محمد.
* الشيخ: إي نعم، ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ بأيش؟
* الطالب: بالتوراة (...).
* الشيخ: إي، وأيضًا التوراة في نزولِها جملة واحدة، هم قالوا: مِثل أوتي موسى مِن نزول الوحي جملةً واحدة ومِن الآيات (...)، فهمتم؟
طيب، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ٤٨]، ما تقول: ﴿يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ﴾، الضمير يعود على مَن؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿يَكْفُرُوا﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: وهل موسى مبعوثٌ إليهم حتى يؤنبوا على الكُفر به؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن إذا كفر بها مَن لم تُرسَل إليه ما قال...
* الطالب: (...).
* طالب: الضمير يعود إلى الجنس.
* الشيخ: المراد يعود إلى الجنس، يعني أن آيات موسى ما نفعت أيضًا، كفرَ بها مَن كفر من الناس، ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ أي جنس البشر ﴿بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾، فاقتراحكم أن تكون آيات محمد ﷺ كآيات موسى ليس ذلك بموجِبٍ للإيمان؛ لأن آيات موسى كُفِر بِها.
قوله: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾ [القصص ٤٨]، فيها قراءة ثانية؟ ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾، وأيش القراءة اللي فيها؟
* طالب: ﴿﴿سَاحِرَانِ﴾ ﴾.
* الشيخ: نعم، إذا كانت ﴿﴿سَاحِرَانِ﴾ ﴾ مَن تعني؟
* الطالب: تعني (...).
* الشيخ: وإذا قال: ﴿سِحْرَانِ﴾، على قراءة ﴿سِحْرَانِ﴾؟
* الطالب: تعني (...).
* الشيخ: وهما؟
* الطالب: القرآن والتوراة.
* الشيخ: القرآن والتوراة، صح، نعم.
قوله: ﴿تَظَاهَرَا﴾ [القصص ٤٨]، أيش معناها؟
* طالب: تعاونا.
* الشيخ: أي: تعاونا.
طيب، قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [القصص ٤٩] ما المراد بالأمر هنا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ﴾ أمر، ما هو للاستفهام: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) هذا أمر.
* الطالب: التعجيز.
* الشيخ: التعجيز والتحدي.
قوله: ﴿أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ [القصص ٤٩]، ﴿مِنْهُمَا﴾ الضمير يعود على أيش؟
* طالب: على التوراة والإنجيل.
* الشيخ: الإنجيل؟! التوراة؟
* الطالب: على التوراة والقرآن.
* الشيخ: والقرآن.
طيب، وما معنى ﴿أَهْدَى﴾؟
* الطالب: ﴿أَهْدَى﴾ يعني أكثر هدايةً.
* الشيخ: أكمل؟
* الطالب: أو أكمل هداية.
* الشيخ: أكمل هداية. طيب، ما الذي جزَم ﴿أَتَّبِعْهُ﴾؟
* طالب: نعم؟
* الشيخ: ﴿أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ﴾ [القصص ٤٩]، العين ساكنة مجزومة.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: أيش اللي جزمها؟
* طالب: جواب الطلب.
* الشيخ: وين الطلب؟
* الطالب: ﴿فَأْتُوا﴾.
* الشيخ: ﴿فَأْتُوا﴾، نعم، فإذا جعلوا الغاية جوابًا للأمر السابق صار مجزومًا.
قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص ٥٠]، ويش تقول؟ ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾، ﴿يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ في أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني ما يجيبون كتابًا مِن عند الله هو أهدى مِنهما، إي نعم.
قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [القصص ٥٠]، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾؟
* طالب: يعني ما أحد ﴿أَضَلُّ﴾؟
* الشيخ: لا أحد ﴿أَضَلُّ﴾. طيب، ما هو الغرض مِن الإتيان بالنفي بصورة الاستفهام؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: كيف نجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف ٥]، كيف نجمع بين الآيتين؟ هذه تقول: لا أحد أضل مِمَّن اتبع هواه، وتلك تقول: لا أحد أضل ممن يدعو من دون الله. كيف نجمع بينهما؟ يعني كل واحدة تقول: ما أحدَ أضل من هذا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، والثانية؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: باعتبار أيش؟
* الطالب: (...) في مقام الدعاء: لا أضل مِمَّن يدعو من دون الله، في مقام الاتباع، لا أضل مِمَّن يتبع (...).
* الشيخ: نعم، معناه أنه هنا تُنَزَّل كل الآية على معنى لا يتعلق (...) يعني؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: يعني معناه أنها ضلال الغاية باعتبارِ ما هو مِن جنسها؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: طيب، هذا واحد. فيه وجه آخر؟
* الطالب: (...) الضلال اللي يدعو كل واحد.
* الشيخ: فهما في مرتبة واحدة.
* الطالب: في مرتبة واحدة.
* الشيخ: وهذا والله ما يخالف أنه مثلًا ما فيه شيء يساويه، إذن ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ [القصص ٥٠] فلا يمنع أن يوجد شيء يساويه في ذلك، فيكون كلٌّ من الأمرين قد بلغ الغاية في الضلال، إي نعم، هذا يعني معناه أنه يُجمع بينها بِأحد أمرين: إما أن يقال إن كلَّهما في منزلة واحدة، أو يقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ باعتبار هذا المعنى، نعم، فيكون كل واحد منهما يُنَزَّل على معنى.
نرجع الآن إلى استنباط الفوائد:
الفائدة الأولى: قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص ٤٨] هذه الآية معلوم تفريعها على ما سبق، ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [القصص ٤٧].
* ففيها: تكذيب دعوى هؤلاء في قولهم: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾، فإنّه قد جاءهم الحق مع الرسول، ومعَ ذلك كذبوا ولّا لا؟ كذَّبوا، وقالوا: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾.
* ففي الآية: تكذيب هؤلاء الذين قالوا: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾.
* من فوائدها: أن ما جاء به النبي ﷺ فهو الحقُّ، والحق بمعنى الشيء الثابت، وهو بالنسبة للأخبار الصدق، وبالنسبة للأحكام العدل.
* مِن فوائدها: أنَّ ما خالف ما جاء به النبي ﷺ فهو باطل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢]، فكلُّ خبر يَتضَمَّن تكذيب خبرِ الله ورسوله فهو الكذب. فمثلًا إذا قال قائل: أصل الإنسان قرد، ثم تطور فصار إنسانًا، ماذا نقول له؟ كذِبٌ؛ لأنه يُخالِف ما جاء به النبيُّ ﷺ، نعم. وإذا شرَّع الإنسان قوانين مخالفة للشرع، قلنا: هذا باطل وضلال؛ لأنَّ الحق فيما جاء به الشرع فقط، نعم.
* من فوائد الآية: بيانُ عُتُوِّ هؤلاء المُكَذِّبين للرسول عليه الصلاة والسلام، عتوُّهم وعنادُهم، وهو أنَّهم كذَّبوا بالحق بعد أن قالوا: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [القصص ٤٧].
* ومن فوائد الآية: أن قريشًا عِنْدهم بعض المعلومات عن الرسل السابقين؛ حيث قالوا: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾. وبأيِّ وسيلة حصلوا على هذا العلم؟
* طالب: عن طريق اليهود.
* الشيخ: عن طريق اليهود؛ لأنهم لما جاء الرسول ﷺ بُعِث أَرسلوا إلى اليهود يسألونهم عن أخبار هذا الرجل، فكتبوا لهم بما يعرفون من أخباره وبما جاء به موسى[[أخرج البيهقي في الدلائل (٦١١) عن ابن عباس رضي الله عنهما.]].
* من فوائد الآية: إثبات رسالة موسى ﷺ؛ لقولهم: ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص ٤٨].
* من فوائدها: أن موسى عليه الصلاة والسلام أعطاه الله تعالى آياتٍ يؤمِن على مِثْلها البشرُ، وهذا ليس خاصًّا بِه، بل هو لِكل رسول بعثه الله، لا بد أن يؤتيَه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر؛ لأن البشر لا تُصَدِّق رجلًا قال: أنا رسول الله إليكم، آمركم بكذا وأنهاكم عن كذا، واتركوا ما كان عليه آباؤكم مِن عبادة الأصنام، واتركوا ما كان عليه آباؤكم من تحريم الحلال، وما أشبه ذلك. ما يقبلون إِلا بآيات تدُل على صدقه وتُؤَيِّده.
* طيب، ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: إبطالُ حُجَّة هؤلاء المكذِّبين، إبطال حجتهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص ٤٨].
* ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي في مقام المناظَرة والمجادَلة أن يُفْحَم الخَصمُ بإبطال قولِه بقولِه أو بفعلِه، أنه يُبْطَل قولُه بِما جرى مِنه هو، لِماذا؟ لأنَّ ما جرى مِنه لا يمكن أن يُنكِره، ولو أنكره ما قُبِل، فكوننا نُقيم الحجة على الخصم مِن فعلِه وقولِه؛ هذا أبلغ في إفحامه. ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾.
* ومنها: أنّ طبيعة البشر واحدة، بناء على أن قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ [القصص ٤٨]، أنّ الضمير يعود على جِنس الإنسان؛ لأن الطبيعة البشرية واحدة.
* ومنها، مِن فوائد الآية أيضًا: أنّه ينبغي أيضًا عند المُخاصمة أو عند المُناظرة إبطالُ قولِ الخصم بالواقع، أنّك تُبطل قولَ الخصم في الأمر الواقع، ما (...) في الأمر الواقع، فإن الآيات التي جاء بها موسى و(...) هؤلاء كُذِّبَت ولَّا ما كُذِّبَتْ؟
* طالب: كُذِّبَتْ.
* الشيخ: كُذِّبَتْ، ما آمن بها البشر. إذن، فالمدار ليس على جنس الآيات، ولكن المدار على حال المُخَاطَب، وإلا فالآيات قائمة وبَيِّنَة، لكن ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١].
* ومِنها: أن أهل الباطل يُلقِّبون أهل الحق بألقاب السوء تنفيرًا للناس عن قَبولهم، مِنين تؤخذ؟
* طالب: ﴿سِحْرَانِ﴾.
* الشيخ: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾ أو ﴿﴿سَاحِرَانِ﴾ ﴾، ﴿﴿قَالُوا سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا﴾ ﴾ [القصص: ٤٨]، أو ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾، فسواءٌ وَصفوا ما جاءت به الرسُل بالسحر أو وصفوا الرسُلَ أنفسهم بالسحر، فإنّ المقصود بذلِك التنفير؛ تنفير الناس عن قَبول ما جاءت به الرسل.
طيب، هل نقول: إن هذه القاعدة ثابتةٌ لأتباع الرسل؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: بدليل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٢٩ - ٣٢]، والله تبارك وتعالى قد جعل لِكُل نبيّ عدوًّا من المجرمين، والعدوُّ من المجرمين عدوٌّ للنبي بشخصه أو عدوٌّ له بوصفه؟
* طالب: بوصفه.
* الشيخ: بوصفه، بدليل أن محمدًا ﷺ قبل أن تأتيَه الرسالة وهو عند العرب الصادق الأمين، ويرونه أنّه من أفضل بني هاشم وأقومِهم بالعدل، فلما جاء بالحق ويش صار؟ صار الخائنَ الكذوبَ، واضح؟ إذا كان هؤلاء المجرمون يعادون الرسلَ لِوصفهم، فمعنى ذلك أنه هذه المعاداة ستنتقل إلى مَن تابَع هؤلاء الرسل؛ لأنّ المعْنَى الذي حصلت به العداوة موجود أيضًا في أتباع الرسل.
* وعلى هذا، فيمكن أن نأخذ منه فائدة، وهي: طمأنة أتباع الرسل وتثبيتهم على أنّهم سينالهم مِن ألقاب السوء ومِن المعاداة مِثلُ ما نال الرسلَ، نعم، فعليهم أن يقابِلوا ذلك بالصبر والثبات والقوة، نعم، لا أن ينخذلوا، بل يكونوا كما كان متبوعوهم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف ٣٥].
* ومِنها أيضًا، مِن فوائد الآية: أن التعاون حتَّى على الباطل له تأثير، ولَّا لا؟ التعاون حتى في الباطل له تأثير وتقوية، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿تَظَاهَرَا﴾ [القصص ٤٨]، فإذا كان التعاون في الباطل له تأثير، فما بالك بالتعاون في الحق.
وعلى هذا فينبغي لنا، وهي الفائدة التي تترتب على ذلك: ينبغي لنا أن نكون متعاونين فِيما نحن عليه مِن دعوة الحق، وألا يخذل بعضنا بعضًا، نعم، خلافًا لِما كان عليه حال الناس اليوم، فإنهم في هذا الباب ليسوا بمتعاونين، حتى أهلُ الحق وأهلُ الدعوة تجدهم غيرَ متعاونين؛ لأنهم أولًا كل واحد ما همه إلا نفسه، وثانيًا: أنهم رُبَّمَا يختلِفُون في أمر بسيط جُزْئِي من أمور الدِّين، ويتعادَون على ذلك، نعم، يمكن يخالفه في كيفية رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، هذا يقول: ترفع يديك إلى الأذنين، وهذا يقول: ترفع إلى المنكبين، ثم يقول: أنت على ضلال، وهو يقول: أنت على ضلال. ثم ماذا تصنع هذه الكلمة؟ تصنع الحقد والبغضاء والعداوة.
وأنا قد قصصت عليكم قصةَ طائفتين من أهل إفريقيا، كلُّ طائفة تُكَفِّر الأخرى في مسألة بسيطة من مسائل الدين، طائفة تقول: إن السنة أن يضع الإنسان يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وطائفة أخرى تقول: إن السنة أن يرسِل الإنسان يديه إلى جنبِه، كلُّ واحدة تقول للأخرى: أنتِ كافرة ملعونة؛ لأنكِ تركتِ السُّنة عن عمْد وقصْد، والإنسان اللي يكره ما أنزل الله يكون كافرًا. ففيه خصومة عظيمة، وفي وقت الحج هذه الأيام في منى، ويا الله أنه يجتمع ناس من الإخوان من التوعية اجتمعوا عليهم وهدَّؤُوهم وبينوا أن هذا ما يجوز؛ لأن هذا ضرر عليكم أنتم يا أهل الحق؛ لأنكم إذا كفَّر بعضكم بعضًا أيش تصيرون على أهل الخرافات وأهل البدع، نعم، المكفِّر (...) كافر.
فنقول: إن التعاون له تأثير بالغ، وأظنكم تعرفون في نقض الصحيفة التي كَتَبَتْ قريش في مقاطعة بني هاشم، كيف نقضوا هذه الصحيفة؟ ما جاء واحد من الناس ينقضها، ما يستطيع، لكنه ذهب إلى فلان وقال له يوبِّخه، فقال: بنو هاشم قوم منكم كيف ترضون أن تقاطعوهم حتى يموتوا مِن الجوع، وذهب إلى آخر وإلى ثالث ورابع، حتى إنهم كوَّنوا جماعة فذهبوا إلى هذه الصحيفة من الكعبة ومزَّقوها[[انظر قصة السقيفة في السيرة النبوية لابن هشام (١/٣٧٦).]]. فإذن التعاون أساس النجاح، مثلما قال العامة، وانظر إلى كلمة المجرمين، يقولون: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ [القصص ٤٨].
* طيب، ثانيًا: من فوائد الآية: بيان عُتُوِّ هؤلاء أيضًا من جهة أنهم لم يؤمنوا بالأمرين، وقالوا: ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص ٤٨].
* ومنها أيضًا: أن تقديم المعمول في قوله: ﴿بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ أيش يفيد؟ الحصر، مع أنهم كفروا به مع غيره، لكن سبق أن قلنا: إن هذا الحصر المقصود به إغاظة الخصم، كأنهم يقولون: لو آمنا بكل شيء ما كفَرنا إلا بهما. وإلَّا معلوم أنهم يكفرون به وبغيره، وهذه فائدة قليلٌ مَن ينتبه لها، وهو أنه إذا كان الشيء غيرَ محصور في هذا الشيء ولكنَّه حُصِر فيه، فلا بدَّ أن هناك غرضًا، الغرض هنا: الإغاظة، كأنهم يقولون: نحن وإنْ آمنا بكل شيء، فنحن كافرون بِما جئتم به: ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص ٤٩].
* في هذه الآية من الفوائد: أنه مِن العدل التنزُّلُ مع الخصم إلى حال يُقِرُّ بها، فإنه من المعلوم أن الله سبحانه وتعالى يعلم أنه لا يمكن أن يأتوا بما طُلب منهم، أو لا؟ حين طلب منهم أنهم يجيبون كتاب أهدى مِن التوراة والقرآن، والله يعلم أنهم لن يأتوا بذلك أو لا؟ كيف يقول للرسول: ﴿قُلْ فَأْتُوا﴾ مع أنه يعلم أنّه ما يمكن؟ هذا مِن باب التنزل مع الخصم إلى غاية ما يكون مِن العدل، كأنه جعلَه مع خصمه شيئًا واحدًا، فيقول: أنتم هاتوا كتابًا أهدى من التوراة والقرآن أتَّبِعه، أنا ألتزم باتباعه، فإذا لم يأتوا معناه: يلزمهم أن يتبعوا التوراة والقرآن، ولَّا لا؟ يلزمهم ذلك، يعني ما دام أنِّي أنا ملتزِم لهم بأنكم إذا أتيتم بكتاب أهدى منهما بأن أتبعه، فأنتم يجب عليكم أن تتبعوا ما دام ما وجدتم.
إذن فيه التنزل مع الخصم، وأن ذلك مِن تمام العدل في المناظَرة.
* ومن فوائد الآية أيضًا: إفحام الخصم بالتحدي، ولو أنكم قرأتم آخر سورة الطور لوجدتم فيها شيئًا غريبًا من المناظرة، من قولِه: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور ٢٩]، إلى قوله: ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور ٤٥]، تجِدون يعني آدابًا كثيرة مِن المناظرة: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور ٣٨]، إن كان الأمرُ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور ٣٨]، ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور ٣٣]، إن كان الأمر كذلك ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور ٣٤]، فالمناظرة، يعني الله سبحانه وتعالى في ختام المناظرة يجعل الخصم مُفحَمًا بتحديه بما لا يستطيع، فهنا ما يستطيعون أن يأتوا بمثله فتقوم بذلك عليهم الحجة.
* ومِن فوائد الآية: أن التوراة والقرآن من عند الله، فيكون القرآن والتوراة كلامَ الله، لكن القرآن نَزَل وحيًا، والتوراة نزلت كِتَابةً، كتبها الله في ألواح ألقاها إلى موسى.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أنه لا يلزم الإنسان الانتقال عمَّا كان عليه إلى غيره، إلَّا إذا كان أهدى منه. أنا ما يلزمني الانتقال مثلًا من مذهب الحنابلة إلى مذهب الشافعية حتى أرى أنه أصوب؛ لأنه قال: ما يجب الاتباع إلا إذا كان ما جاءوا به أهدى منه، أما إذا كان مساويًا فأنتم لا تلزموني، وأنا لا ألزمكم إذا كان مساويًا، إنما الإلزام متى؟ حينما يكون ما جاء به الخصمُ أهدى مِمَّا أنا عليه. وهذه فائدة مهمة جدًّا، وهي: لا يَلزَم الإنسانَ الانتقالُ مما هو عليه مِن طريقة ومذهب إلا إلى مَن هو أصوب وأحسن وأهدى منها، أمَّا عند التساوي فإنه لا يُلزَم ولا يُلَام أيضًا إذا لم يَنتقل، وإما أيضًا إذا كان ما فيه غيره أدنى فإنه من باب أولى لا يلزم.
طيب، فالمراتب الآن ثلاثة: إما أن يكون ما تُدْعَى إليه أدنى مما أنت عليه، أو أهدى، أو مساويًا. إن كان أهدى، أيش الواجب؟ يلزَم الاتباع. وإن كان أدنى حَرُم الاتباع. بقينا إذا كان مساويًا هل يلزَم الاتباع أو يحرُم أو يُخَيَّر به الإنسان؟
العلماء يقولون في مثل هذه الحال: يُخيَّر الإنسان، قالوا: وإذا أفتاه عالمان ولم يكن أحدُهما عنده أرجح فإنه يُخيَّر في اتِّباع أيِّ القولين شاء. وربما يُؤخَذ مِن هذه الآية، ربما يُؤْخذ حكم هذه المسألة مِن هذه الآية؛ لأنه ما أوجب الله الاتباع إلا إذا كان أهدى، ومعلومٌ أنه إذا كان أدنى كان الاتباع محرمًا، فيبقى المُساوي ليس إلى جانب التحريم وليس إلى جانب الوجوب، وهذه مرتبة التخيير.
* ومنها أيضًا، من فوائد الآية: الأمر أن التحدي أيضًا يكون بالوصف كما يكون بالفعل، ﴿فَأْتُوا﴾ [القصص ٤٩] تحدٍّ بفعل ما هم بآتين به، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ تحدٍّ بالوصف، إن كنتم من الصادقين أن ما أنتم عليه حق فأتوا بهذا، وإلا فأنتم مِن الكاذبين، ولهذا قال: ﴿أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص ٤٩].
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٥٠].
قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾، أي: فإن انتفت استجابتهم لك.
* ففيه: جواز التعليق بالشرط فيما هو محقق الوقوع، أو ما فهمتم هذا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: يعني معناه ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾، هذا أمر محقَّق الوقوع، فهل يظن الظانُّ أن فيه احتمالًا أن يستجيبوا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما فيه، ما يظن. إذن فنقول: جواز تعليق الشيء المحقَّق بالشرط، ولو كان محققًا أنه لن يكون، وكذلك ولو كان محققًا أنه كائن، فإن هنا الانتفاء كائنٌ لا محالة، ومع ذلك عُلِّق بالشرط، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ»[[أخرجه مسلم (٢٤٩/٣٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، يقوله لأهل المقابر، فمعلومٌ أن هذا الأمر؟
* طالب: مُحَقَّق.
* الشيخ: مُحَقَّق، نعم.
* ومنها أيضًا: أن هؤلاء المكذِّبين للرسول ﷺ ليس عندهم حُجة سوى اتباع أهوائهم؛ لقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص ٥٠]. وهل معنى ذلك أي: فلا تجادِلْهم؟ لأن المتَّبِع هواه مشكل مُكابِر، اللي يتبع هواه مكابر ما تقدر تقنعه، ما دام أنه ما هو بيريد الحق، وإنما يريد أن ينتصر لنفسه فقط ويتَّبِع هواه، فأعتقد أن مثل هذا الرجل ما يمكن أن يُجَادَل، لو جادلتَه ما دام صاحب هوى ما فيه فائدة.
* فهل نقول: إنه يُستفاد من هذه الآية: أنه إذا عُلم بأن المجادَل يريد اتباع هواه فإنه لا فائدة من جداله؛ لأنه إضاعة وقت؟ نعم، نقول هكذا؛ لأنه قال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾، يعني: ولا فائدة من جدالهم، فإذا كنتَ بيَّنت للإنسان الحق ووضحته بأدلته النقلية والعقلية والحسية حسب ما هو موجود من الأدلة، ولكنه أصر إلا أن يبقى على ما كان عليه، فاعلم أنه متبع لهواه، والمتبع الهوى مشكل، ما هو بإنسان يتطلب الهدى، ما يمكن ينتفع.
ولهذا نقول في هذه الحال: لا يجب على المرء مجادلتُه، وإنما ينتقل إلى شيء آخر، وهو معاقبته: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت ٤٦]، فالمعاند غير مَن يريد اتباع الحق ولم يَظهر له، المعاند له حال، وقد قال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى ٩]، يعني: وإنْ لم تنفع فلا تُذَكِّر، وهذه تَقدم الكلام عليها هل هذا الشرط له مفهوم أو ليس له مفهوم؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، (...) ما دام تجادلتم أمام الناس اتضح الحق، ما هو معنى أنه يتصل ويتكلم بالباطل وتسكت؛ لأنه إذا ما سمعته يتكلم بالباطل يجب أن الناس تعرف الحق وتغيير هذا الباطل. لكن إذا كنت جادلته أمام الناس وتبين الحق وهو أبى، ما عندك شيء، ما فيه فائدة من مجادلته.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، هو على كل حال نحن ما نقول: جادِل عند الناس، لكن أحيانًا يكون الجدال عند الناس، تكون عند ناس في مجلس ويبدأ البحث ويحصل النقاش، هل نقول: إن هذا الرجل إنك تسكت وتخليه؟ لا، يجب عليك أنك تقاوم بالذي عندك، نعم. كذلك لو سمعته مثلًا يتكلم في مجمع ويُقَرِّر الباطل، يجب عليك أنك تتكلم بالحق، إي نعم.
* ومِن فوائد الآية: اختلاف الناس في الضلال، أن الناس يختلفون في الضلال، فليسوا على حدٍّ سواء في الضلال، كما أنهم ليسوا على حدٍّ سواء في الهدى، وليسوا على حد سواء في الغيِّ، وليسوا على حد سواء في الرُّشْد، أو لا؟ الناس على حد سواء في هذه الأمور؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ﴾ [القصص ٥٠]، ففي هذا دليل على أن الناس يتفاوتون في الضلال، ولكن ما هناك أحد أضل مِن هذا الذي اتبع هواه بغير هدًى من الله.
* ومنها أيضًا، من فوائد الآية: أنَّ الهوى قد يكون موافِقًا للهدى. منين نأخذه؟
* طالب: ﴿هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى﴾.
* الشيخ: ﴿هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص ٥٠]، أمَّا مَن اتبع هواه بِناء على هدى من الله، فهذا طيب أن يكون هواه تبعًا لما جاء به الحق، هذا طيب، وقد ذكرنا لكم الحديث المروي عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»[[أخرجه ابن بطة في الإبانة (٢٧٩) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.]]، فالحاصل أن الهوى المذموم هو الذي ليس على هدى.
* طيب، ومن فوائد الآية: أنَّ الظالم قد عرَّض نفسه لِحِرمانه من الهدى، أو إن شئت فقل: إن الظلم سبب لِحرمان الظالم مِن الهدى؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٥٠]، فالظالم هو الذي حَرَمَ نفسَه الهدى.
(...)
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾، والقدرية يرون أن الإنسان يُمكن أن يهتدي بنفسه، وليس لله تبارك وتعالى عليه أيُّ سلطة؛ لأنهم - والعياذ بالله - القدرية، ويش يقولون بالنسبة لقدر الله؟
* طالب: أن الأمر أنف.
* الشيخ: إي نعم أن الأمر أُنُف، بمعنى أن الله ما قدَّر أفعال العباد، وإني أنا أفعل وأترك باختياري المجرد المحض، وليس لله فيه أي مشيئة ولا خَلْق ولا شيء، لكن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٥٠] يرد عليهم، كما أنه أيضًا يرد على الجهمية الجبرية الذين يقولون بالجبر؛ لأن الله تعالى نسَبَ هؤلاء -بفعلهم- إلى الظلم، ولو كانوا مجبَرين عليه لكانت نسبةُ الظلم إليهم ظلمًا، والله تبارك وتعالى لا يظلم أحدًا.
ففي الآية إذن: ردٌّ على القدرية، ورد على مَن؟ ورد على الجبرية، والجبرية جهمية، يعني الجهمية مِن مذهبهم الجبر، وفيهم ثلاث جِيمات، كما قال ابن القيم في النونية: الجهمية فيهم ثلاث جيمات، كلهم جيمات ذم، أيش هي؟ جبر وإرجاء وجيم تجهُّم، فهم جبرية مرجئة جهمية، نعم، الله يكفيك شر الجيمات الثلاثة، نعم، الجهمية والجبرية والمرجئة.
* على كل حال، في الآية الكريمة: ردٌّ على الطائفتين الضالَّتين، وهما: القدرية والجبرية، والقدرية يُنكِرون قدَر الله بالنسبة لأفعال العبد، والجبرية بالعكس.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
* طيب، ومن فوائد الآية: أنّ مَن تحرى العدل فإنه قد تعرَّض للهداية؛ لأن الظلم ضده العدل، وانتفاء الهداية بوصف الظلم يقتضي ثُبوت الهداية بوصف العدل. فمن تحرى العدل فإنه يُوَفق للهداية، فالعدل سبب للهداية. وهكذا كل من تحرى الخير - بس عسى الله يوفقنا لتحريه - كل من تحرى الخير فإنه يُوفَّق له إذا كانت النية صادقة والعزم أكيد.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يقولون: إن الإنسان له إرادة مستقلة ما لله فيها دخل، ما لله دخل فيها على الإطلاق. (...)
القصص 28:51
﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١].
﴿وَصَّلْنَا﴾ من التوصيل، وحروفها الأصلية (وصل)، والوصول إلى الشيء: بلوغ غايته، والمعنى أن الله سبحانه وتعالى يؤكِّد في هذه الجملة يؤكد بحروف ثلاثة، وهي القَسَم واللام و(قد)، أنّه وصل لهم القول.
وقوله: ﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ﴾، المعروف أن (وصل) تتعدى بـ(إلى)، فيقال: (وصَل إليه)، ويقال: (وصَّل إليه)، و(أوصَل إليه) هذا المعروف. وهنا عُدِّيَت باللام، تعديتها باللام؛ لأنها تضمنت معنى الوصول والبيان، ولهذا قال المؤلف في تفسيرها: (بيَّنَّا لهم).
وقد مر علينا أن اللغة العربية قد تُعدي الفعل، أو بعبارة أعم: قد تعدي العامل بغير ما يَتَعَدَّى به، لماذا؟ ذكَرنا أن لِعلماء النحو في ذلك طريقين؛ الطريق الأول: التجوز بالحرف، والطريق الثاني: التجوز بالفعل.
فمثلًا هنا أَوضحُ مثال لكم قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦]، العين يُشرب بِها ولَّا منها؟
* طالب: منها.
* الشيخ: يُشرَب منها، الذي يُشرب به الإناء، نعم، لكن العين يُشرب مِنها، والآية الكريمة قال الله فيها: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾، فمعلوم أن الفعل هنا عُدِّى بغير ما يَتعدى به، فقال بعضُ النحويين: إن التجوز بالحرف، وإن الباء بمعنى (مِن)، فتكون تبعيضية.
وقال بعض النحويين: بل التجوز بالفعل (يشرب)، وأنه ضُمِّن معنى (رَوِيَ، يَرْوَى)، فمعنى ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ أي: يَرْوَى بها إذا شرب منها. وهذا في الحقيقة (...) مذهب البصريين، يرون أن هذا التجوز وأن يعبر بالتجوز موافقةً لهم في التعبير.
فهنا نقول: ﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ﴾، المعروف أن (وصَل) أو (وصَّل) يتعدى بأي شيء؟ (وصَل) ويش يتعدى به؟ بأي حرف من حروف الجر؟
* طالب: يتعدى بـ(إلى).
* الشيخ: بـ(إلى)، وهنا عُدِّي باللام، فنقول: إما أن تكون اللام بمعنى (إلى)، وإما أن نجعل (وصَّل) مشربًا معنى؟
* طالب: البيان.
* الشيخ: البيان، مشربًا معنى البيان، المعنى: ﴿وَصَّلْنَا﴾ إليهم ببيان.
﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾، (القول) يقول المؤلف: (القرآن). ولعله أعمّ مما قال المؤلف، وأن مراد (القول) أي قولنا، نعم. فالله تعالى ما يزال يُنَزِّل لعباده سبحانه وتعالى مِن قوله ووحيه ما تصلح به أمورهم.
أقول: ما زال الله تعالى يوصل القول إلى عباده وهو الوحي، إلى أن وصل إلى محمد ﷺ، إلى القرآن.
﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٥١]، يعني: ما أغفلناهم، بل ما زالت أقوالنا تصِل إلى الخلق وتُبيِّنُ لهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
(لعل) هنا للتعليل أو لأجل أن يتذَكَّروا، والتذكر بمعنى ذِكر الشيء، لكن لا لمجرد الذِّكْر، ولكن للاتعاظ به، ولهذا المؤلف رحمه الله دائمًا يفسِّر (يتذكرون) بلازمه، وهو الاتِّعاظ، وإلا أصل التذكر (تذكرتُ الشيء) أي: كنت مِنه على ذِكْر، لكن هناك لازم وهو الاتعاظ، أما مُجرد الذِّكر بدون اتعاظ فهذا لا ينفع، والمؤلف يقول: (يتعظون) أي تُؤَثِّر فيهم الموعظة والقول (فيؤمنون).
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ [القصص ٥٢]، ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ بمعنى أعطينا، فالإيتاء هنا شرعي ولَّا قدري؟ شرعي، إيتاء شرعي، ويَحتمل أن يكون ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ إيتاءً قدريًّا، يعني قدَّرنا أن يأتيهم الكتاب وهو الوحي فأتاهم.
وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ بمعنى المكتوب، والمراد به التوراة، وكذلك الإنجيل، التوراة والإنجيل كُلُّها تُسَمى كتابًا.
وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ الضمير يعود على القرآن، ﴿آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: مِن قبل القرآن.
﴿هُمْ﴾ أي: الذين آتيناهم.
﴿بِهِ﴾ (أي: بالقرآن).
﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يُصَدِّقُون ويَنقادون له.
الإعراب الآن:
الضمير مبتدأ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾، وجملة ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ صلة الموصول، و﴿هُمْ﴾ مبتدأ ثانٍ، و﴿بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ خبر المبتدأ الثاني الجملة، والجملة من المبتدأ الثاني والخبر، ابدأ بها؟
* طالب: ﴿هُمْ﴾.
* الشيخ: إي، صحيح.
﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص ٥٢]، الجملة من المبتدأ الثاني وخبرِه خبرُ المبتدأ الأول، والفائدة من تكرار المبتدأ: لأجل أن يكون إسناده، كأنَّ إسنادَ الإيمان إليهم مرتان، كأنه قال مرتين: مرة بالضمير ﴿هُمْ﴾، ومرة بالمبتدأ الأول ﴿الَّذِينَ﴾، ما هو (...)؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: طيب، ﴿هُمْ بِهِ﴾ وأتى بقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، بالفعل المضارع الدالِّ على الاستمرار إشارةً إلى أنهم تلَقَّوه عن قبول وإذعان، وأنهم ما زالوا على هذا الأمر. وهذه الجملة بالنسبة لِما قبلها في المعنى كأنّها إقامة دليل على الذين كَذَّبوا بالقرآن، يعني كأنه يقول: (الذين أوتوا الكتاب من قبلكم آمنوا بالقرآن)، مما يدل على أيش؟ على أنه حق ولَّا باطل؟ على أنه حق؛ لأنهم هم مع أنهم أهل كتاب ترَكُوا كتابهم وآمنوا بالقرآن، وأنتم أهل جهل وليس لديكم كتاب، فكان حقًّا عليكم أن تكونوا أيش؟ قبْلهم في الإيمان؛ لأنه من الصعب أن الإنسان ينتقل من كتابه أو مِن دينه إلى دين آخر، لكن ليس من الصعب أن الإنسان ينتقل من جهل إلى حق وعِلم.
ثم إنه فيه أيضًا، في هذا تأنيب لهؤلاء، فيه أيضًا دليل على أنه حق؛ لأن الذين أوتوا الكتاب ما آمنوا به إلا عن علم، وهو كذلك، فإِنه ما فيه شك أن النبي ﷺ كان مكتوبًا عند بني إسرائيل في التوراة والإنجيل: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦]، حتى أوصافه الخِلقية موجودة عندهم، بقطع النظر عن منهاجه وسيرته: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف ١٥٧]، هذا كله موجود في التوراة والإنجيل ومعروف، ولِهذا تجمَّع اليهود في المدينة من أجل أن يستقبلوا هذا النبيَّ الذي وجدوا صفته عندهم فيؤمنوا، ﴿وَكَانُوا﴾ كما قال الله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أيش؟ ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: يستنصرون عليهم بهذا النبي، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩].
فالحاصل أنه في هذه الآية، أقول: إنها وَجْهُ تَعلُّقها بما قبلها من وجهين:
الوجه الأول: تأنيب هؤلاء الجاهليِّين، ويش؟ على الكفر بمحمد ﷺ، معَ أن أهل الكتاب وهم على دين انتقلوا من دينهم إلى دينه، فكنتم أولى باتباعه.
والوجه الثاني: أنه إقامة دليل على صحة ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن هؤلاء الذين عِنْدهم علمٌ من الكتاب ما انتقلوا إلا عن علم بأنّه حق، فالمناسبة واضحة جدًّا بين هذه والنصوص التي قبلها.
ولا ريب أيضًا أن في هذه الآية ثناءً على الذين آمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام مِن الذين أوتوا الكتاب، ولِهذا (...) ﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، فلم يستكبروا عنه معَ أنّ لديهم كتابهم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، يعني قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص ٥٢] (...).
* الطالب: طيب يا شيخ لماذا ما قال (...)؟
* الشيخ: (...) للجنس، ينفي القول، (...) هذا الكتاب (...) يقول: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص ٤٦]، نعم؟
* الطالب: ولا نهي؟
* الشيخ: ولا نهي، ولا نفي، لكن هذه من باب الجنس، يعني معناه أننا ما تركناهم، بل إن القول وصل إليهم كما وصل إلى غيرهم، مثلما قلنا في تفسيرها: إن الله ما زال سبحانه وتعالى يُنزل الكتب على من سبق.
قال: (أيضًا)، أيش لون (أيضًا)؟ (﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ أيضًا)، ويش لون (أيضًا)؟
* طالب: يعني كذلك.
* طالب: يعني اللي بعدهم.
* الشيخ: يعني كما آمنوا بكُتبهم، و(أيضًا) يقولون: إنها من الأسماء الملازِمة للنصب على المصدرية؛ لأن فعلها (آضَ، يَئِيضُ، أَيْضًا) مثل: (باع، يبيع، بيعًا)، وإنَّ معناها رجع، نعم، فالمعنى: أنهم هم أيضًا يُؤمنون بالقرآن، قال المؤلف: (نزلت في جماعة أسلموا من اليهود كعبد الله بن سلام وغيرِه، ومِن النصارى قدِموا مِن الحبشة ومِن الشام)، وكذلك مِن غير الشام.
(أسلموا من اليهود مثل عبد الله بن سلام)، واشتهر عبد الله بن سلام بالإسلام وهو مِن اليهود؛ لأنه كان حبرًا من أحبار اليهود، وكان كما قال اليهود عنه في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام: إنه خيرهم وابن خيرهم، وسيدهم وابن سيدهم[[أخرج البخاري (٤٤٨٠) من حديث أنس.]]، معترفين له بالفضل والعلم والسيادة، فلهذا كانوا يضربون به المثل؛ لأن مثل هذا يا جماعة الذي يكون سيدًا في قومه قد تَحمِله السيادة على (...)، وقد يحمله أيضًا حبُّ الرياسة على عدم الاتباع لغيره؛ لأنه إذا تبِع غيره صار مرؤوسًا لا رئيسًا، ولَّا لا؟ لكنه رضي الله عنه (...) تواضع للحق فكان مؤمنًا بالرسول عليه الصلاة والسلام.
وقصة إيمانِه معروفة؛ فإن الرسول خبَّأهُ، ودعا اليهود، وسألهم عنه، وأثنوا عليه، وسألهم عن رسالة الرسول فكذَّبوا الرسولَ عليه الصلاة والسلام، فقال لهم: «مَا رَأْيُكُمْ لَوْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ؟» قالوا: حاشاه من ذلك، ما يُسلم؛ لأنه من خيرهم، فخرج وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فما خرجوا إلا وهم يثنون عليه شرًّا؛ لأنه أسلم[[أخرج البخاري (٤٤٨٠) من حديث أنس.]].
كذلك نزلت في (جماعة من النصارى قدموا من الحبشة)، هذا ما أعرف له مثالًا، تعرفون له مثالًا؟ قدِم النصارى من نجران وأسلموا، وفيهم نزلت: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة ٨٣]، ولكن الحبشة معروف أنه أسلم فيها نصارى، مثل مَن؟ مثل النجاشي، فإنه أسلم ودخل دين الإسلام وهو على دين النصرانية، ووصفه النبيُّ عليه الصلاة والسلام بأنه أخ للصحابة، وأنه رجل صالح، وهو كذلك، يعني: أخ لهم ورجل صالح.
فالمهم على كل حال ما يهمنا أعيان الذين أسلموا، المهم أن مِن الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى قومًا آمنوا بالقرآن أيضًا.
(﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ القرآن ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ [القصص ٥٣]).
ما شاء الله، وإذا يتلى قالوا، (إذا) كما نعرف شرطية، وجواب الشرط متصل بفعله مباشرةً، أو لا؟
* طالب: بفعل الشرط.
* الشيخ: إي، بفعل الشرط، جواب الشرط متصل بفعله مباشرة، أو لا؟
* الطالب: ﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا﴾.
* الشيخ: أسألكم، هذه قاعدة عامة: جواب الشرط يكون متصلًا بفعلِه مباشرة؟
* طالب: ما هو بلازم.
* الشيخ: بمعنى أنه متى وُجِد فعل الشرط وُجِد جوابه، ما هو معناه الاتصال اللفظي؛ الاتصال الوقوعي، إذا وُجِد الشرط وُجِد المشروط، نعم، أخذتم بالكم؟ وطبعًا على حسب الحال يعني، ما هو معناه أنه قد يكون فورًا، قد يكون حتى في المستقبل، فهنا يقول: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ [القصص ٥٣]، ﴿وَإِذَا يُتْلَى﴾، لم يقل: (إذا تُلِي)، فمعنى ذلك أنه أيّ آية تتلى عليهم يقولون: آمنا بها، ما آمنوا بالقرآن جملةً، آمنوا بالقرآن تفصيلًا؛ لأنَّ الفعلَ المضارع أيش يدل عليه؟ يدُل على الاستمرار، فكلما تُلِيَت عليهم آية آمَنُوا بها فزادتهم إيمانًا.
﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ أي يقرأ عليهم ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾، مع تردُّد ونظر وتفكير ولَّا على طول يؤمنون؟
* طالب: على طول يؤمنون.
* الشيخ: على طول؛ لأنه قلنا: إن جواب الشرط يلي فعل الشرط مباشرةً: وإذا يتلى قالوا آمنا به، أي: بالذي تُلِي عليهم مِن القرآن قليلًا كان أو كثيرًا.
ثم بيَّنوا أن إيمانهم هذا عن اقتناع وعلى أساس: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ [القصص ٥٣]، ﴿إِنَّهُ﴾ أي: ما تُلِي عليهم من القرآن، ﴿الْحَقُّ﴾ بمعنى: الشيء الثابت الواقع الصادق خبرًا العادل حكمًا.
وقولهم: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾، ولم يقولوا: مِن الله؛ لأن الرب هو الذي له التصرف المطلق، فهو يتصرف بعباده شرعًا، ويش بعد؟
* طالب: وقدرًا.
* الشيخ: وقدرًا، يتصرف بهم شرعًا وقدرًا، فكأنهم يقولون: إن ربنا لن يخلينا من أن يُنزِل القرآن، وله الحكم والتصرف المطلق كونًا وشرعًا.
وقولهم: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾، هذا إشارة إلى أنهم رضِي الله عنهم يفتخرون بانتسابهم إلى الله، ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾، الجملة من حيث المعنى محلها مما قبلها؟
* طالب: تعليلية.
* الشيخ: تعليلية، يعني: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ لا لأنه أعجبنا حُسنه وبيانه وبلاغته، ولكننا آمنا به لأنه الحق من ربنا.
فإذا قال قائل: (إنه) إذا كانت تعليلية، فلماذا لا تُفتح الهمزة: أنه ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾؟
لأن الجملة التعليلية على تقدير اللام، واللام إذا اتصلت بـ(إن) وجب فتح همزتها، فتقول: لِأن ذلك كذا، ولا تقول: لإن ذلك كذا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون ٦٠]، ولم يقل: إنهم إلى ربهم. فهنا لماذا لم تكن تعليلية؟
قلنا: الجملة التعليلية قد تكون تعليلية من حيث المعنى فقط، يعني يلاحَظ بها المعنى فقط، وقد تكون تعليلية يُلاحَظ فيها اللفظ مع المعنى، فإن لُوحِظ معها اللفظ مع المعنى فإنها تُفتح الهمزة؛ لأنها على تقدير اللام، وإن لُوحِظ المعنى فقط فإنها تُكْسر الهمزة. وهنا لُوحِظ أيش؟
* طالب: المعنى.
* الشيخ: المعنى فقط، لوحظ المعنى فقط. وملاحظة المعنى وملاحظة اللفظ أيهما أوْلَى؟ نقول: لكل مقام مقال، فملاحظة المعنى فائدتها أن الجملة تكون من حيث اللفظ منقطعةً عما قبلها، فكأنها جملة خبرية مستقلة، وكأنها منقطعة عن اللفظ، لكن إفادة التعليل مِن السياق.
وأما التعليلية اللفظية، فإنها تكون مرتبطة بما قبلها، وإذا شئتم ما يوضح ذلك فاقرءوا قول ابن مالك: (فاكسر في الابتدا)، فهذا هو الفرق بين الجملة التعليلية التي قُصد بها اللفظ والمعنى، أو التي قُصد بها المعنى فقط.
﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص ٥٣]، مِن قَبْل أيش؟
مِن قبل القرآن، ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل القرآن.
﴿مُسْلِمِينَ﴾، قال المؤلف: (موحِّدِين)، ولو أنه فسر الإسلام بظاهره لكان أولى؛ لأن الإسلام معناه الاستسلام والانقياد، وأصله من عدم المعارضة والمحاربة، ولهذا يُقال: السِّلم والإسلام، يعني معناه عدم المعارضة والمحاربة.
فكلمة ﴿مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ أي: منقادين مذعنين للحق.
وقولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ليس المراد بذلك الفخر والإعجاب بالعمل قطعًا؛ لأن السياق سياق ثناء، ولكن المراد بذلك الثناء على الله بما كانوا عليه في الحالَين؛ في الحال السابقة وفي الحال الثانية، في الحال الثانية: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ [القصص ٥٣]، والحالة الأولى كانوا من قبله مسلمين منقادين متبعين للرسول الذي جاء إليهم.
طيب، ويش إعراب ﴿مُسْلِمِينَ﴾؟
* طالب: خبر يا شيخ (كان).
* الشيخ: خبر (كان)؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: إي، خبر (كان) ولَّا ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ هو الخبر؟
* الطالب: لا، ﴿مُسْلِمِينَ﴾.
* الشيخ: إي، ﴿مُسْلِمِينَ﴾ هو الخبر، نعم، ولو تقدَّم عليه ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾؛ لأن الخبر ما تحصُل به الفائدة، سواءٌ تقدم أو تأخر.
قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص ٥٤].
﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليهم مَن؟ الذين أوتوا الكتاب ثم آمنوا بالرسول ﷺ، أوتوا الكتاب من قبل فآمَنوا به ثم آمَنوا بالرسول.
﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ﴾ أي: يعطون ﴿أَجْرَهُمْ﴾، وهذه فيها شاهد لدرس البارحة، أو لا؟ يعطون ﴿أَجْرَهُمْ﴾، درسنا في النحو؟
* طالب: إي.
* الشيخ: (...)؟
* الطالب: لا، هذه ﴿يُؤْتَوْنَ﴾ من باب الكسر.
* الشيخ: من باب الكسر، إي نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: مقام الفاعل؛ لأنه (...) المفعول، وهو الواو، نائب فاعل ﴿يُؤْتَوْنَ﴾ والمفعول الثاني؟ وين المفعول الثاني من ﴿يُؤْتَوْنَ﴾؟ ﴿أَجْرَهُمْ﴾ نعم.
وأما قوله: ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ فإنه مفعول مطلق، يعني أنه دال على المصدر لكنه بغير لفظه، كل ما دل على المصدر بغير لفظه فهو مفعول مطلق.
(﴿مَرَّتَيْنِ﴾ بإيمانهم بالكتابين) فهم يُؤتون أجرَهم مرتين، المرة الأولى على الإيمان بالكتاب السابق، والمرة الثانية على الإيمان بالقرآن، وأما أهل الجاهلية الذي آمنوا بالقرآن فيُعطَون أجرهم مرة واحدة؛ لأنهم ما آمنوا مرتين.
وقد ثبت بهذا الحديثُ عن النبي عليه الصلاة والسلام إضافةً لهذه الآية، فإن النبي عليه الصلاة والسلام ذَكَر الذين يؤتون أجرهم مرتين الرجل الذي آمن بالكتاب الذي نَزَل إليه ثم آمن بما أُنزِل على محمد، والرجل يُعتِق المرأة ويتزوجها، والثالث العبد الذي أحسن في عبادة الله وفي معاملة مواليه[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠١١)، ومسلم (١٥٤).]].
قال: ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص ٥٤] الباء للسببية، و(ما) مصدرية.
وما معنى المصدرية أو ما علامتها؟ علامتها أن تُحوَّل (...) ما بعدها إلى مصدر، فهنا نقول في التحويل كما قال المؤلف: (لصبرهم)، وأسألكم الآن: هل تصح أن تكون (ما) اسمًا موصولًا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الجملة ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ يصح؟ الجملة ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾، ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ بالذي ﴿صَبَرُوا﴾؟ لا، ما يصِح؛ لأنه أيش معنى (بالذي صبروا)؟ ثم لو كانت موصولة لكانت على تقدير الضمير: (بالذي صبروه)، وهذا ما يستقيم. فإذن هنا يتعين أن تكون مصدرية، أي: (بصبرهم)، وهو أحد محامل (ما) العشرة، نُكرِّرها لأجل تبقى في أذهانكم.
* طالب: حافظها.
* الشيخ: حافظها، اقرأها علينا.
* الطالب:
مَحَـــــــامِلُ (مَا) عَــــشْرٌ إِذَا رُمْتَعَــــــدَّهَا ∗∗∗ فَحَافِظْ عَلَى بَيْتٍ سَلِيمٍ مِنَ الشِّعْرِ؎سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَـــفٍّ وَنَفْيٍ زِيــدَ تَعْظِـــــيمُمَصْـــــــدَرِ
* الشيخ: إي، ما شاء الله، أعيدها، نعم، طيب:
سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَـــفٍّ وَنَفْيٍ زِيـــدَ تَعْظِــــيمُمَصْــــــدَرِ
اللي يعنينا مِن هذا البيت قوله: (مصدر).
وقوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: (بصبرهم على العمل بهما)، وهذا الصبر على العمل بهما هل هو مِن باب الصبر على طاعة الله، أو مِن باب الصبر عن معصية الله، أو مِن باب الصبر على أقدار الله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، نقول: هو الثلاثة تجتمِع، ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ على طاعة الله، فإن الشرع فيه أوامر شاقَّة على النفوس تحتاج إلى معالجة، فهذا صبر على طاعة الله.
في الشرائع نواهٍ نُهِي عنها، قد يشُقُّ على النفس تركُها، ففيها صبر أيش؟ عن معصية الله.
كذلك أيضًا في الشرائع إيذاء، فإن المجرمين يؤذون المؤمنين، وربما يضربونهم، وربما يقتلونَهم، أليس كذلك؟ وهذا صبر أيش؟
* طالب: على أقدار الله.
* الشيخ: على أقدار الله المؤلمة.
فعلى هذا يكون الصبر على الشرائع يتضمن الصبر بأنواعه الثلاثة: الصبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب، ﴿بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ﴾ [القصص ٥٤]، وأصل الصبر في اللغة الحبس، ومنه قولهم: (قُتِل فلان صبرًا) أي: محبوسًا على القتل، أُمسِك وقُتِل، فمعنى الصبر: حبس النفس، والنفس تحتاج إلى حبس على طاعة الله سبحانه وتعالى؛ لأنه كم من إنسان يقول له ضميرُه: افعل كذا من الطاعة، وربما يفعل البعض ثم يعجز فلا يصبِر نفسه. وكذلك بالنسبة للمعاصي، فإن النفس المطمئنة تزجُر المرءَ عن المعصية، ولكن تأتيها النفس الأمارة بالسوء فتأمره بالمعصية، وحينئذٍ تتصارع النفسان، والتوفيق بيد الله عز وجل.
كذلك بالنسبة للأقدار: مِن الناس مَن لا يصبر على الأقدار، بل إذا نزل به القدر يمكن - والعياذ بالله - يكفر، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج ١١]، فإن بعض الناس قد لا يصبِر على الأقدار المؤلِمة، وتجده يقنط، فيه ناس يقال: إنهم إذا أصيبوا بالمصائب انتحروا! هؤلاء غاية في الصبر؟!
* طالب: لا.
* الشيخ: لا؟ بالعكس: ما فيهم صبر، هؤلاء ما صبروا على الأقدار فقَتلوا أنفسهم ليُعَذَّبُوا بما قَتلوا به أنفسهم في نار جهنم - والعياذ بالله - ويُخَلَّدُون فيها. لكن الصبر على الأقدار المؤلمة هذا أمر يمكن للإنسان أن يصبر عليه ويعني يُحاسِب نفسه حتى يستقيم في أفعاله.
فالمهم أن الصبر إذن ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة. أيهما أعلى وأكمل؟
* طالب: على طاعة الله.
* الشيخ: إي، من حيث (...) على طاعة الله، الصبر على الطاعة أفضل؛ لأن فيه جهادَين: جهاد على العمل، وجهاد على تحمُّل العمل.
ثم الصبر عن المعصية؛ لأنه (...) جهاد واحد، على العمل ولَّا على تحمل تركه؟ تحمُّل تركه، ما فيه عمل، يقال: لا تزن، نعم، ما أُمِرت وكُلِّفت بفعل شي.
الصبر على الأقدار المؤذية أو المؤلمة هو أدناه؛ لأنه صبرٌ على ما لا اختيار للمرء فيه، كما قال بعض السلف: إما أن تصبر صبر الكرام، وإما أن تَسْلُوَ سُلُوَّ البهائم. كل إنسان إذا أُصِيب بمصيبة وطال عليها الزمن تبقى في نفسه ولَّا لا؟ ينسى، يسْلُوَ سُلُوَّ البهائم، البهيمة مثلًا تجدها (...)، لكن لو يحط لها علفًا جيدًا وماءً جيدًا نسيت، فإما أن تصبر صبر الكرام وإما أن تسْلُوَ سُلُوَّ البهائم. ولهذا كان صبرُ يوسف على تَرْك الزنا بامرأة العزيز أكملَ من صبره على ما حصل من قضية إخوانه له بلا ريب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف ٢٤]، ولم يقل مثلَ هذا حين ألقوه في غيابات الجب.
* طالب: قلنا: إن الصبر على الطاعة يكون أعظم من الصبر عن المعصية.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: ولكن المعاصي كثرتها (...).
* الشيخ: إي، يؤلمك لكنه شيء بِغير اختيارك.
* الطالب: (...).
* الشيخ: بغير اختيارك، يعني أنت المعاصي تركتَها باختيارِك.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: تقدر تفعلها لكن ما فعلتها، أما هذا ما تقدر ترفع البلاء.
* الطالب: (...).
* الشيخ: البلاء الذي نزل عليك ما ترفعه، فأنت افرض نزل بإنسان بلاء هل يقدر يرفعه إذا قام يخبِّط وجهه ولَّا يشقق ثوبه.
* الطالب: لا، ما يقدر.
* الشيخ: ما يقدر.
* الطالب: لكن لو صبر واستسلم (...).
* الشيخ: لا؛ لأن الاستسلام للشرع أفضل مِن الاستسلام للقدر، الاستسلام للشرع هو الذي يُمدَح عليه الإنسان ويحمد ويُثنى عليه، لكن الاستسلام للقَدَر كلُّ الناس يستسلمون للقدر، حتى يعني، أما تسمع قول الجاهلي:
وَتَجَلُّـــــدِي لِلشَّامِتِـــــينَ أُرِيهُــمُ ∗∗∗ أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَاأَتَضَعْضَعُ
حتى الكفار الآن يعني أفعالهم تنزِل بهم المصائب، ولكن يقول: ما يهم، يصبِر ويكابد وهو كافر، ما يرجو بذلك الأجر ولا الثواب.
* طالب: بس فيه وجه يا شيخ (...) الصبر على المشاق، الصبر على الطاعات يمرن الإنسان عليه بالتدريب، يعني خلاص يأخذ عليه.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: مثل التمرن على الصلاة، على الصيام، (...).
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: لكن إذا طرأت له مصيبة عظيمة كـ(...) مثلًا.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: هذا شيء ما تمرن عليه؟
* الشيخ: إي، بس قد يتمرن عليه إن أُصِيب (...) لا يتمرن، حتى العبادات مثل الحج ما يأتي إلا مرة واحدة في العمر.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: فلذلك يعتبر صبرًا على الطاعة، مع مشقته البدنية والمالية والأمنية، مسألة للوقوع وعدم الوقوع هذا شيء آخر، مع أننا نقول: هل الرجل يكابد الطاعة ويجد من نفسه مشقة في معالجتها عند فعل الطاعة وإنسان آخر تمرَّن على الطاعة فصارت يعني أمرًا سهلًا عليه، أيهما أفضل؟
* طالب: مَن سهل عليه.
* الشيخ: أما الأول فهو أشق عملًا، والثاني أكمل حالًا، الثاني الذي صارت الطاعةُ كأنها سجية في نفسه، هذا لا شك أنه أكمل حالًا من الأول؛ لأن هذا كأن الطاعة صارت غريزة مِن محبته لها وسهولتها عليه، لكن الأول أشق عملًا، فيُعطَى هذا أجرَ الكُمَّل، وذاك يُعْطَى أجرَ الصابرين؛ لأنه فيه نوع من المكابدة والمشاق. والعلماء مختلفون في هذه المسألة أيهما أفضل؟ ولكن الصواب هذا التفصيل، فيقال: الذي يفعل الطاعة وهي سهلة عليه وينقاد لها بدون مكابَدة، هذا لا شك أنه أكمل حالًا من الأول بلا ريب، والثاني أشق عليه فيُعطَى الأجر على قدر المشقة النفسية.
الآن شوف مثلًا واحدًا يحضر للدرس بسهولة وانقياد ويرى أنه غنيمة، وآخر لا، يكابد نفسه (...) يطلع مثلًا مِن البيت لأجل أن يحضر الدرس، أيهما أكمل حالًا؟
* طالب: الأول.
* الشيخ: الأول، وإن كان الثاني يُؤْجر على فعله، لكن الأول أكمل حالًا وأقرب منزلة.
طيب، ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص ٥٤]، والباء في قوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ ليش هي؟ للسببية، أي: بسبب صبرهم.
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص ٥٤]، يدرءون: (يَدْفَعُونَ) ﴿بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾.
﴿السَّيِّئَةَ﴾ مفعول به، والباء في قوله: ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ هذه باء الآلة، مثلما تقول: (ذبحت بالسكين، وضربت بالعصا) فعندنا دارِئٌ ومَدْرُوء ومدروءٌ به، مَن الدارئ في الآية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، في الآية، من الدارئ؟ العاملون، والمدروء؟
* طالب: السيئة.
* الشيخ: السيئة، والمدروء به الحسنة، كما تقول: (ذبحت بالسكين)، فعندنا: ذابح ومذبوح ومذبوح به الآلة، فالحسنة لهم بمنزلة الآلة التي يتوصلون بها إلى غرضهم.
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾، ﴿السَّيِّئَةَ﴾ يقول المؤلف: (منهم)، فإذا فعلوا سيئةً أتَوا بعدها بحسنة فاندفعت السيئة، هذه الحسنةُ المدروء بها السيئة تنقسم إلى قسمين: قسم تُزيل السيئةَ من باب المقابلة، وقسم آخر تُزيل السيئةَ من باب المحو والإزالة -أخذتم بالكم يا جماعة؟- الحسنات التي تُدْرأ بها السيئات تنقسم إلى قسمين: قسم من باب المقابلة، وقسم من باب المحو والإزالة، فإن كانت الحسنةُ المدروء بها السيئة، إن كانت توبةً، والتوبة من الحسنات ولَّا لا؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢]، إن كان من باب التوبة فهو من باب المحو والإزالة، وإن كانت حسنةً أخرى كما لو دَفَع السيئاتِ بالصلاة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]، فهذا الدرءُ من باب؟
* طالب: المقابلة.
* الشيخ: من باب المقابلة، يعني أن ثواب الحسنة يُقابَل بعقوبة السيئة، من باب الموازنة، فإذا رجَح ثوابُ الحسنة انمحت السيئة، وإلا فلا.
أيهما أكمل؟ أي الدَّرْأينِ أكمل؟ الأول ولَّا الثاني؟
الأوَّل أكمل؛ لأنه إذا حصل الأولُ صارت الحسنة الثانية زيادة رفعة في الدرجات، ما هو بمقابلة بالسيئة. ثم إنه إذا كان الدرء من باب المقابلة، فقد تضعف الحسنةُ الثانية، الحسنةُ تَضعف عن مقابلة السيئة، فصار الدرء بالتوبة أكملَ من الدرء بفِعل حسنة أخرى تُقابِل السيئة، وكِلا الأمرين يحصل بهما الدرء.
وقول المؤلف: (منهم).
يعني في الحقيقة أن هذا الكلام وجيه، لكن لو قلنا: إنها أعم، وأنهم يدرؤون بالحسنة والسيئة مِنهم ومِن غيرهم. كيف مِنهم ومِن غيرهم؟ يعني إذا أُسِيئَ إليهم دفعوا الإساءة بالإحسان، فيكون هنا ثناءً عليهم من حيث معاملتهم مع الخلق، يصلُح ولَّا ما يصلح؟ يصلح، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٤، ٣٥].
وعلى هذا فنحمِل الآية على المعنيين: يدرؤون بالحسنة السيئة بالنسبة لما يقع منهم في عبادة الله، ويدرؤون بالحسنة السيئة بالنسبة لما يقع من غيرهم في المعاملة. إذا عُوملوا، أساء إليهم أحد، قابلوه...
الشيخ: في هذا النهي، قال: هذا النفي نفي للحق، يعني للمعبود الحق، فإنه لا إله إلا الله بحسبه.
............................ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا؎يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً ∗∗∗ وَمِـــنْ إِسَاءَةِ أَهْــلِ السُّــوءِإِحْـــسَـانَا؎فَلَيْــــــتَ لِي بِهِمُ قَــــــــــوْمًا إِذَارَكِبُــــوا ∗∗∗ شَنُّــــوا الإِغَــــــــــــارَةَ فُرْسَــــــــانًاوَرُكْـــبَانَا
الآن (...)؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: (...) (يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة).
* طالب: (...).
* الشيخ: للعجز، فهنا درءُ السيئة بالحسنة ممدوح إذا كان على سبيل العِز، أما إذا كان على سبيل الضعف فهذا ما هو ممدوح، لو واحد جاءه قاطع طريق وقال: يللا أعطني ثيابك. قال: أعطيك ثيابي والعصا اللي معي على البعير! ويش يصير هذا؟ أو لما قال: يللا أعطني رحل البعير، قال: اصبر اصبر، هلا أكفيك، خلني أفكه لك لأجل ما تتعب وأحمله على بعيرك، هذا طيب ولَّا لا؟
* طالب: لا، ما هو طيب.
* الشيخ: هذا ما هو طيب، هذا ضعف، ولهذا قال الرسول «لما سأله الرجل عن إنسان يأتي ليأخذَ مالك قال: «لَا تُعْطِهِ»، قال: أرأيت إن قاتلني، قال: «قَاتِلْهُ»[[أخرجه مسلم (١٤٠/٢٢٥) من حديث أبي هريرة.]]. المهم أننا نقول: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ (منهم) الصواب أن نجعلها أعم، فـ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص ٥٤] منهم في معاملتهم مع الله، ومن غيرهم في معاملتهم مع مَن؟ مع الخلق.
قال: (﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤] يتصدقون)، ويُهدون أيضًا، ما هم لازم يتصدقون؛ لأن الهدية قد تكون محمودة إذا كان الغرض منها جلب المودة: «تَهَادُوا تَحَابُّوا»، «تَهَادَوْا» أو «تَهَادُوا»؟
* طالب: «تَهَادُوا».
* طالب: «تَهَادَوْا».
* الشيخ: طيب، تهادَى الرجلان يتهادَيان؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: فإذن «تَهَادَوْا تحابُّوا»[[أخرجه أحمد (٩٢٥٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
طيب، الشاهد أن قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [القصص ٥٤]، ﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾ بمعنى: أعطيناهم، فالرِّزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨]، أي: أعطوهم، فالرزق: العطاء.
وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾، (مِن) هنا هل هي لبيان الجنس أو للتبعيض؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الأَوْلَى أن نجعلها لبيان الجنس؛ لأنه في بعض الأحيان يكون إنفاق المال كلِّه من الأمور المحمودة، فقد حث النبيُّ عليه الصلاة والسلام ذات يوم على الصدقة، فقال عمر: الآن أسبق أبا بكر. فأتى بنصف ماله، ولكن أبا بكر أتى؟
* طالب: بماله كله.
* الشيخ: بمالِه كله[[أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (٥٢٧) عن عمر بن الخطاب.]]، فالإنفاق إذا جعلنا (مِن) لبيان الجنس فهو أوْلَى، أيش (...) يشمل؟
* طالب: بذل المال كله.
* الشيخ: يشمل بذل المال كله أو بعضه، يعني قد يكون من الخير بذله كله، وقد يكون من الخير بذل بعضه، حسب الحال الذي أُنفِق فيها. فـ(مِن) الأوْلَى أن نجعلها لبيان الجنس.
وقوله: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤]، الإنفاق بمعنى البذل، لا بمعنى الصدقة، لكن الذي أوجَب للمؤلف أن يخصَّه بالصدقة؛ لأن المقام مقام ثناء، ولكن الأولى أن نجعلَه على عمومه، ونجعل ﴿يُنْفِقُونَ﴾ أي: يبذلون ويُعطُون؛ لأنه قد يكون البذل تصدقًا خيرًا، وقد يكون البذل توددًا خيرًا أيضًا، قد يكون أفضل من الصدقة في بعض الأحيان، وعلى هذا فنقول الأَوْلى أن يجعل الإنفاق في معنى الإعطاء والبذل، سواء كان صدقة أو كان هدية أو كان هبة، وتعرفون الفرق بين الأمور الثلاثة، ويش الفرق بين الهبة والهدية والصدقة؟
* طالب: الهدية (...).
* الشيخ: إي، والصدقة تتصدق عليه.
* الطالب: الصدقة يتصدق على...
* الشيخ: على إنسان.
* الطالب: على (...).
* الشيخ: إي.
* الطالب: الهدية.
* الشيخ: والهبة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: والهبة؟ من يعرف الفرق بينها، بين الثلاثة؟
* طالب: الهدية هي إعطاء المساوي أو الأخ للإنسان بقصد التودد والتقرب، والصدقة إعطاء الأدنى بقصد الإنفاق.
* الشيخ: إي.
* الطالب: وأما...
* الشيخ: الهبة.
* الطالب: الهبة إعطاء المساوي، يعني ما هو بالدون بقصد الإعطاء.
* الشيخ: لا، الفرق بينهما: الصدقة ما أُرِيد بها وجه الله، يتقرب بها إلى الله، ما يهمه تقرب إليها بمعطى أم لا. والهدية ما قُصِد به التودد للمعطى، يعني يريد أن يتقرب إلى المُعطى ويتقرب منه المعطى. والهِبة ما قُصِد به وجه الموهوب فقط، ما قُصِد به أنه يتقرب إلى هذا الموهوب له ولا أن يتقرب إلى الله بذلك، قَصَد به نفعه، فهذه تُسمى هبة. وكلها محمودة في الواقع، لكن هل بعضها أفضل من بعض؟ هذا على حسب الحال.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤] إلى آخره.
* طالب: الترجيح في مذهب البصريين في التجوز بالفعل؟
* الشيخ: لأنه يتضمن معنيين؛ معنى (...) الفعل موجود، ومعنى (...)، وذاك ما يتضمن إلا معنى واحدًا فقط، وهو تحويل معنى الحرف إلى المعنى الجديد.
* الطالب: شيخ، ألا يكفي هذا (...)؟
* الشيخ: لا، زيادة معنى ما فيه شك أنه أولى، زيادة معنى فائدة.
* الطالب: عندنا فعل واحد.
* الشيخ: ما يخالف، فعل واحد يُشرَب معنى الفعل الثاني الذي يتعدى بهذا الحرف الموجود، (...) إذا صارت الجملة تدل على معنيين أكمل من أن تدل على معنى واحد.
* الطالب: في مثل: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا﴾ [الإنسان ٦]، ما عندنا الرواء، نقول: الشرب فقط.
* الشيخ: إي، لكن أصله الشرب قد يكون شربًا لا يروى به العبد.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وقد يكون شربًا يروى به.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: أهل النار يشربون من الحميم شُربَ الهِيم ولا يروون، ويش الفائدة من الشرب؟ لكن هؤلاء يشربون من هذه العين ويروون بها، فتضمنت الآن معنى الشرب ومعنى الرِّي. ومنين فهمنا معنى الرِّي؟ مِن تعدي هذا الفعل بالحرف الذي يُنَاسِب الرِّي.
* الطالب: ألا يحسن أنه يتعدى الفعل (...)؟
* الشيخ: ويش؟ هذا أنسب ما يكون؛ لأن الشرب يناسبه الرِّي، ما يناسبه الشِّبَع مثلًا، ما يمكن أن تقول: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ يعني: يشبع بها، ما يناسب.
* الطالب: يرِد عليه أنه ما يتعين، كنا ذكرنا...
* الشيخ: لا، يرد عليه أنه يتعين من المقام، ولا بد يُقدَّر فعل يناسب الفعل الثاني، مِثل أن يكون سببًا له أو متفرعًا عنه وما أشبه ذلك (...) المهم أن التضمين يُفيد معنيين، والتضمين بالحرف يفيد معنًى واحدًا.
* طالب: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة ٥٥] أيش تعني؟
* الشيخ: ﴿الْهِيمِ﴾ الإبل العطاش.
* الطالب: ما (...)؟
* الشيخ: إلا، هو الماء.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الهيام نوعان: هيام على الأكل، وهيام على الشرب.
* الطالب: الهيام يروى؟
* الشيخ: إلا، يروى أو لم يرو، (...) اللي يشرب ولا يروى ويش؟ سليم ولَّا مريض؟ اللي يشرب ولا يَروى سليم ولَّا مريض؟
* الطالب: لا، مريض.
* الشيخ: هذه، نعم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، (...) القرآن الكريم، وفيه بعض العامة يستنكر من بعض السائلين اللي يسأل: ارزقني ريالًا، يقول: هذا مشرك والعياذ بالله!! نعم، (...)، الرزق بمعنى العطاء. (...)
* * *
* يستفاد منه: أن الله سبحانه وتعالى لم يُخلِ الأرض من الوحي؛ لأن التوصيل معناه وَصْل الآخِر بالثاني.
* ويُستفاد منه: أن الوحي مشتمِل على غاية البيان؛ لأننا قلنا: إن (وَصَّل) مُضَمَّن معنى: بَيَّن.
* ويستفاد منه: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة بإيصال القول إليهم ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ﴾ [القصص ٥١].
* ويستفاد منه أيضًا، يستفاد منها: أن الحكمة من الوحي هو التذكُّر والاتعاظ؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٥١].
* ويستفاد منه: إثبات العِلَّة في أحكام الله الكونية والشرعية، وأنه ما يفعل شيئًا ولا يشرعه إلا لحكمة.
* قلنا: يستفاد منه: تعليل أفعال الله وأحكام الله الكونية والشرعية، والذي خالف في ذلك؟
* طالب: الأشاعرة.
* الشيخ: وغيرهم؟ الجهمية هم الأصل، قالوا: أفعال الله ما هي تُعَلَّل، وأحكامه لا تعلل.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص ٥٢].
* يستفاد من هذا، أولًا: أن اليهود والنصارى فيهم مَن آمَن بالقرآن؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾.
* ويستفاد منه أيضًا: أن حُكْم الفرد قد يتناول جنسَه، أيش معنى هذا؟ معناه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾، لو نظرنا إليها وجدنا أنها عامة تشمل كُلَّ الذين أوتوا الكتاب. وهل هي عامة؟ هل كلُّ الذين أوتوا الكتاب من قبل آمنوا بالقرآن؟ أبدًا، فيه نصارى بقوا على نصرانيتهم وفيه يهود بقوا على يهوديتهم، ولكن مِن هؤلاء مَن آمَن، يكون معنى ذلك أننا أعطينا الجنس حكم الفرد، أو ما فهمتم هذا؟ يعني كأنه يقال: إيمان عبد الله بن سلام وإيمان النجاشي مثلًا، ما هو (...) أن هذا اسمه عبد الله بن سلام، وهذا اسمه النجاشي، لكن لأنهم أُوتُوا الكتاب، فهُم آمَنوا لا لأسمائهم، ولكن لِمَا علموا من كتبهم بأن الرسول ﷺ سيُبْعث، وهذا يقتضي أن يكون كل هذا الجنس، يجب أن يكون مُؤْمنًا وإن لم يؤمنوا كلهم.
والمهم أنه يستفاد من هذه الآية: إعطاء الجنس حكمَ الفرد، ما دام أن هذا الحكم سببُه يشمَل جميع الجنس. مثلًا: ما سبب إيمان عبد الله بن سلام؟ عِلْمُه بما في التوراة مِن صفات الرسول ﷺ، هذا العِلم يختَصُّ به ولَّا يشمل جميع اليهود؟ يشمل جميع اليهود، إذن فهنا أعطينا الجنس حكم الفرد؛ للعلة التي تشمله وغيرَه، وإلا قد يقول قائل: ما نرى أن الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون، ما كلهم آمنوا، لكن نقول: ما آمن إلا بعضهم، لكن هذا الإيمان مِن بعضهم حمَلَه عليه العِلَّة الشاملة لجميع الجنس.
* فنستفيد من هذا: أننا نُعطي الجنس حكمَ الفرد إذا كان علة هذا الحكم شاملةً للجميع، إذا كانت علة هذا الحكم شاملةً للجميع فإنه يُعطَى الجنس حكم الفرد.
* يستفاد من هذه الآية أيضًا: الثناء البالغ على الذين آمنوا بالقرآن وبالكتب السابقة؛ لقوله: ﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾.
* ويستفاد منه: أن صفةَ النبي ﷺ موجودة فيما سبق مِن الكتب: التوراة والإنجيل، وهذا صريح في آية الأعراف في قوله: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ...﴾ إلى آخره [الأعراف: ١٥٧].
ثم قال: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص ٥٣].
* يُستفاد من هذا أيضًا، من هذه الآية: زيادة الثناء على هؤلاء بأنهم يُؤمنون بكل ما يُتلى عليهم، ما هم ما آمنوا بالقرآن جملة فقط، ولكن جملةً وتفصيلًا، وأخذنا ذلك من قوله: ﴿وَإِذَا يُتْلَى﴾، و﴿يُتْلَى﴾ فعل مضارع يدل على الحدوث والاستمرار، نعم، يدل على التجدد والحدوث، وأن هذا شأنُهم كلما تُلِي عليهم.
* ويستفاد مِنه أيضًا، مِن الآيات الكريمة: أنهم آمنوا لا لِمُجرد الهوى، ولكن آمنوا إيمانًا مبنيًّا على اقتناع. منين يؤخذ؟ من قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾، ما آمنوا هكذا تبعًا للناس، ولكن آمنوا عن اقتناع: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾.
* ويستفاد منه أيضًا: بأن القرآن مِن عند الله؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾.
* ويستفاد منها: كمالُ عقلِ هؤلاء الذين آمنوا، حيثُ عبروا هنا بالربوبية: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾ دون الألوهية؛ لأن المقام يقتضي ذلك، فإن الرب له حُكم، يحكم بما يشاء كونًا وشرعًا.
* ويستفاد من هذا أيضًا: أن هؤلاء كانوا مؤمنين مسلمين منقادين للكتب السابقة؛ لقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾.
* ويستفاد منه: جواز ثناء المرء على نفسه بالصفات المحمودة، بشرط أن يكون في ذلك مصلحة، وألا يكون فيه افتخار وعُلو على الغير؛ لقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾، وهذا أمر واقع من الرسول ﷺ ومِن الصحابة ومن أهل العلم، قال النبي ﷺ:
«أَنَا النَّبِيُّ لَاكَــــــذِبْ» ∗∗∗ «أَنَا ابْنُ عَبْدِالْمُطَّلِبْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣١٥) ومسلم (١٧٧٦/٧٨) من حديث البراء بن عازب.
]]
وقال ابن مسعود: «لو أعلم أن أحدًا تبلغه الإبل أعلمُ بكتاب الله مني لذهبتُ إليه»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٠٢) ومسلم (٢٤٦٣/١١٥).]]، فهذا ثناء على نفسه، لكن لمصلحة. والعلماء دائمًا إذا كتبوا في كتاب يُثنون عليه بما يقتضي هذا الكتاب مِن أوصاف الثناء، ومعلومٌ أن الثناء على الكتاب ثناء على مصنِّفه، لو أنك أثنيت على هذا البناء وقلتَ: ما شاء الله هذا بناء جيد ومحكم وجميل، من أثنيتَ عليه في الواقع؟ أثنيتَ على الباني، إي نعم، على الباني. فهذه المسألة يجوز للإنسان أن يُثنِي على نفسه بصفات الحمد، بشرط ألا يُريد بذلك الافتخار على غيره، والشرط الثاني أيضًا: أن يكون في ذلك مصلحة. أما الشرط الأول فوجهُه ظاهر؛ لأنه إذا قَصد بذلك الافتخار والعلو على الناس فهذا قصد محرم، ولهذا قال رسول الله ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا فَخْرَ»[[أخرجه الترمذي (٣١٤٨) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]].
وكذلك أيضًا اشتراط أن يكون فيه مصلحة؛ لأنه إذا لم يكن فيه مصلحة كان لغوًا من القول على أقل ما نقول فيه، كان لغوًا من القول؛ لأنه ليش الإنسان يمدح نفسه بدون مصلحة؟ إلا أنه لولا أنه يريد أن يُبرِز صفاته لِيفتخرَ بها على غيره ما فعل ذلك، حتى لو قال: أنا ما أريد الفخر، نقول: إذن لماذا؟ نعم.
* * *
قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مصلحتُهم أنّه يحثهم على الأخذ منه.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لكن، طيب، إذا بينا أنه يحفظ كذا وكذا، فأنا مثلًا قد تكون هذه الأشياء ليست عندي فأحرِص عليها، أو أعرف مثلًا أنه أحفظ مني فأرجع إليه في المسائل. المهم ما يُعتقد بأهل العلم -لا سِيَّما المشهورون بالفضل- أنه يريد بس مجرد إظهار صفاتهم الحميدة، فهذا معنى ليس بسليم أبدًا، لكن هم يقصِدون مصلحة، والمصلحة هذه تختلف باختلاف الأحوال.
* الطالب: يعني يا شيخ ما نقول: إن الأصل (...)؟
* الشيخ: لا، نقول: الأصل أن هذا لغو من القول؛ إذ لا فائدة منه، والرسول يقول: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨) ومسلم (٤٧/٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فما دام ما فيها خير... ثم إنها تؤدي إلى مفسدة؛ لأنه إذا فرضنا أن هذا الرجل مئة بالمئة ما قصده الافتخار، لكن يفتح بابًا لغيره، يفتح بابًا لآخرين، يفتخِرون بذلك.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤].
* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين مِن أهل الكتاب لهم أجران؛ الأجر الأول: الإيمان بكتابهم، والثاني: الإيمان بالقرآن.
* ومن فوائدها: إثبات عدل الله سبحانه وتعالى، حيث لم يُضيِّع أجرهم الأول بالأجر الثاني، ولا الأجر الثاني بالأجر الأول.
* يستفاد من ذلك أيضًا: أن الثواب على قدر العمل، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨]، هؤلاء كان ثوابهم مرتين؛ لأنهم عمِلوا كم؟
* طالب: مرتين.
* الشيخ: مرتين.
* ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات الأسباب والعلل؛ لقوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة الصبر، ما دام أن الصبرَ سبب للأجر، فلا شك أنه صفة حميدة وفاضلة، نعم، وأظن أننا في التفسير ذكرنا أن الصبر ينقسم إلى ثلاثةِ أقسام:
* طالب: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة.
* الشيخ: المؤلمة، وأن أفضلها أولها، ثم الثاني، ثم الثالث.
* ويستفاد منها أيضًا: أن الحسنات يذهبن السيئات؛ لقوله: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي مقابلة المسيء بالإحسان؛ لأن الآية كما قُلنا عامة لدرئهم سيئاتهم بحسناتهم، ودرئهم سيئات غيرهم بالإحسان إليهم، وأتينا لذلك بشاهد من القرآن. ولكن هذا الدرْء ثقيل على المرء، درءُ سيئات الغير بالإحسان إليه هذا ثقيل على المرء جدًّا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥]، أكثرُ الناس يقول: والله لأكِيلَنَّ له الصاع بالصاعين، والصفعة بالصفعتين، لكن الأمر ليس كذلك: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أيش النتيجة؟ ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤]، وشوف أتى بـ(إذا) الفجائية؛ للدلالة على أنَّ هذا الأمر يتحول بسرعة، هذا العدو يتحول بسرعة يكون كأنه ولي حميم، يعني: صديق قريب لك.
إذن نقول: إنه يستفاد منه أيش؟ أن الحسنات يذهبن السيئات، وأنه ينبغي مقابلة الإساءة بالإحسان، إلا أننا ذكرنا أن هذا ينبغي ألا يكون مظهر عجز في المرء، فإن كان مظهر عجز في المرء فلا ينبغي؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى ٤١].
* طالب: ولو كان فاسقًا؟
* الشيخ: إي نعم، ولو كان فاسقًا، هذا بالنسبة لحقك الخاص.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: أما بالنسبة لحق الله لا، فيعامل بما يقتضيه الشرع.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: بالنسبة لـ(...): ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤].
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: نعم ربما تُذْهِب السيئات الحسنات بالمقابلة، بطريق المقابلة؛ لأن الحسنات والسيئات تُوزَن يوم القيامة، فإذا رَجَح أحدهما صار الحكم له.
* ويستفاد من هذه الآية أيضًا: فضيلة الإنفاق من رزق الله؛ ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾.
* ويستفاد منها أيضًا: أن المنفِق لم يُنفِق مِما صنعه أو اكتسبه بنفسه، ولكنه ينفِق منين؟ مِن رزق الله، فالله هو الذي رزقك، وهو الذي أمرك، فأنت في الحقيقة خادم عبد متصرِّف حسبَ أمر سيدك، قال لك: اكتسِب فاكتسبتَ، قال لك: أنفِق فأنفقْتَ.
طيب، قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤]، كيف نجمع بين ما هنا وبين قولِه في وصفِ عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان ٦٧]، وبين قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء ٢٩]؟
نقول: نَجمَع بينهما بأنّ غالبَ أحوال الناس ألا ينفقوا جميع أموالهم؛ لأن إنفاق جميع المال قد يكون مضرًّا به، لكن في بعض الأحيان يكون إنفاق جميع المال محمودًا، فلهذا قال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ فلا تنفق، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فتنفِق كل ما عندك، لكن النصوص الأخرى تدل على أن المسألة مبنية على أي شيء؟ على تغيُّر الحكم بتغيِّر الأحوال، فقد يكون مثلًا الأفضل إنفاق جميع المال، وقد يكون مِن الأفضل إبقاء بعضه.
* ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أنَّ الإنفاق مِن رزق الله تبارك وتعالى محمود، والرزق كما عرَفنا في باب العقيدة، الرزق: ما يَنفع من حلال وضدِّه، يقول (...) والرزق ما ينفع من حلال وضدِّه، وهو ويش ضدُّه؟ الحرام، فهل يُحمد الإنسان إذا أنفق مِن حرام؟ لا؛ لأنه ما يُثاب عليه، والواجب عليه أنه يرد الشيء ويتخلص منه، هذا الواجب عليه، لكن المراد هنا الرزق الذي يُحمد على الإنفاق منه إذا كان زرقًا حلالًا، أما مَن اكتسب شيئًا حرامًا فإن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأنه إن أنفقه لم يُبَارك له فيه، وإن تصدق به لم يُقبَل منه، وإن خَلَّفه كان زاده إلى النار، وهذا يدل على أن الإنفاق من المحرم لا ينفع المرء، لكن ينفعه متى؟ إذا أنفقه يريد التخلص منه فإنه ينفعه بمعنى أنه لا يلحقه شيء من جَرَّائِه وينفعه؛ لأن إنفاقه للتخلص منه توبة، والتوبة تنفع العبد، فمثلًا: إذا كان الإنسان عنده مئة ألف درهم اكتسبها من حرام وأنفقها للتخلص منها، هل يُعطى أجر مَن تصدق بها؟ لا، لكن يُعطى أجرًا على التوبةِ من هذا الذنب الذي فعله، وأما ما (...)، لكن لو أنه اكتسبها من حلال وأنفقها، أُعْطِيَ الأجر بقدره، وعلى حسب المضاعفة التي جاء بها النص.
* * *
قال الله تبارك تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ [القصص ٥٥].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إذا كان... ما يفيد الإنسان؛ لأن العاجز ترك الشيء لعجزه عنه، فما هو مقام (...)، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء ١٤٩]، فمدح نفسه بأنه عافٍ مع القدرة، أما من عفا لعجزِه، ويش الفائدة؟ واحد مثلًا يضربه جندي وهو ما يقابل الجندي، يقول: (...) جزاك الله خيرًا، الله يحسن إليك. نعم، فنقول: هذا عاجز، لكن لو يضربه واحد من (...) ويش يسوي له؟ يمكن يعطيه عن الصاع صاعين.
القصص 28:52
﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١].
﴿وَصَّلْنَا﴾ من التوصيل، وحروفها الأصلية (وصل)، والوصول إلى الشيء: بلوغ غايته، والمعنى أن الله سبحانه وتعالى يؤكِّد في هذه الجملة يؤكد بحروف ثلاثة، وهي القَسَم واللام و(قد)، أنّه وصل لهم القول.
وقوله: ﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ﴾، المعروف أن (وصل) تتعدى بـ(إلى)، فيقال: (وصَل إليه)، ويقال: (وصَّل إليه)، و(أوصَل إليه) هذا المعروف. وهنا عُدِّيَت باللام، تعديتها باللام؛ لأنها تضمنت معنى الوصول والبيان، ولهذا قال المؤلف في تفسيرها: (بيَّنَّا لهم).
وقد مر علينا أن اللغة العربية قد تُعدي الفعل، أو بعبارة أعم: قد تعدي العامل بغير ما يَتَعَدَّى به، لماذا؟ ذكَرنا أن لِعلماء النحو في ذلك طريقين؛ الطريق الأول: التجوز بالحرف، والطريق الثاني: التجوز بالفعل.
فمثلًا هنا أَوضحُ مثال لكم قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦]، العين يُشرب بِها ولَّا منها؟
* طالب: منها.
* الشيخ: يُشرَب منها، الذي يُشرب به الإناء، نعم، لكن العين يُشرب مِنها، والآية الكريمة قال الله فيها: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾، فمعلوم أن الفعل هنا عُدِّى بغير ما يَتعدى به، فقال بعضُ النحويين: إن التجوز بالحرف، وإن الباء بمعنى (مِن)، فتكون تبعيضية.
وقال بعض النحويين: بل التجوز بالفعل (يشرب)، وأنه ضُمِّن معنى (رَوِيَ، يَرْوَى)، فمعنى ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ أي: يَرْوَى بها إذا شرب منها. وهذا في الحقيقة (...) مذهب البصريين، يرون أن هذا التجوز وأن يعبر بالتجوز موافقةً لهم في التعبير.
فهنا نقول: ﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ﴾، المعروف أن (وصَل) أو (وصَّل) يتعدى بأي شيء؟ (وصَل) ويش يتعدى به؟ بأي حرف من حروف الجر؟
* طالب: يتعدى بـ(إلى).
* الشيخ: بـ(إلى)، وهنا عُدِّي باللام، فنقول: إما أن تكون اللام بمعنى (إلى)، وإما أن نجعل (وصَّل) مشربًا معنى؟
* طالب: البيان.
* الشيخ: البيان، مشربًا معنى البيان، المعنى: ﴿وَصَّلْنَا﴾ إليهم ببيان.
﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾، (القول) يقول المؤلف: (القرآن). ولعله أعمّ مما قال المؤلف، وأن مراد (القول) أي قولنا، نعم. فالله تعالى ما يزال يُنَزِّل لعباده سبحانه وتعالى مِن قوله ووحيه ما تصلح به أمورهم.
أقول: ما زال الله تعالى يوصل القول إلى عباده وهو الوحي، إلى أن وصل إلى محمد ﷺ، إلى القرآن.
﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٥١]، يعني: ما أغفلناهم، بل ما زالت أقوالنا تصِل إلى الخلق وتُبيِّنُ لهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
(لعل) هنا للتعليل أو لأجل أن يتذَكَّروا، والتذكر بمعنى ذِكر الشيء، لكن لا لمجرد الذِّكْر، ولكن للاتعاظ به، ولهذا المؤلف رحمه الله دائمًا يفسِّر (يتذكرون) بلازمه، وهو الاتِّعاظ، وإلا أصل التذكر (تذكرتُ الشيء) أي: كنت مِنه على ذِكْر، لكن هناك لازم وهو الاتعاظ، أما مُجرد الذِّكر بدون اتعاظ فهذا لا ينفع، والمؤلف يقول: (يتعظون) أي تُؤَثِّر فيهم الموعظة والقول (فيؤمنون).
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ [القصص ٥٢]، ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ بمعنى أعطينا، فالإيتاء هنا شرعي ولَّا قدري؟ شرعي، إيتاء شرعي، ويَحتمل أن يكون ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ إيتاءً قدريًّا، يعني قدَّرنا أن يأتيهم الكتاب وهو الوحي فأتاهم.
وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ بمعنى المكتوب، والمراد به التوراة، وكذلك الإنجيل، التوراة والإنجيل كُلُّها تُسَمى كتابًا.
وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ الضمير يعود على القرآن، ﴿آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: مِن قبل القرآن.
﴿هُمْ﴾ أي: الذين آتيناهم.
﴿بِهِ﴾ (أي: بالقرآن).
﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يُصَدِّقُون ويَنقادون له.
الإعراب الآن:
الضمير مبتدأ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾، وجملة ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ صلة الموصول، و﴿هُمْ﴾ مبتدأ ثانٍ، و﴿بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ خبر المبتدأ الثاني الجملة، والجملة من المبتدأ الثاني والخبر، ابدأ بها؟
* طالب: ﴿هُمْ﴾.
* الشيخ: إي، صحيح.
﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص ٥٢]، الجملة من المبتدأ الثاني وخبرِه خبرُ المبتدأ الأول، والفائدة من تكرار المبتدأ: لأجل أن يكون إسناده، كأنَّ إسنادَ الإيمان إليهم مرتان، كأنه قال مرتين: مرة بالضمير ﴿هُمْ﴾، ومرة بالمبتدأ الأول ﴿الَّذِينَ﴾، ما هو (...)؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: طيب، ﴿هُمْ بِهِ﴾ وأتى بقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، بالفعل المضارع الدالِّ على الاستمرار إشارةً إلى أنهم تلَقَّوه عن قبول وإذعان، وأنهم ما زالوا على هذا الأمر. وهذه الجملة بالنسبة لِما قبلها في المعنى كأنّها إقامة دليل على الذين كَذَّبوا بالقرآن، يعني كأنه يقول: (الذين أوتوا الكتاب من قبلكم آمنوا بالقرآن)، مما يدل على أيش؟ على أنه حق ولَّا باطل؟ على أنه حق؛ لأنهم هم مع أنهم أهل كتاب ترَكُوا كتابهم وآمنوا بالقرآن، وأنتم أهل جهل وليس لديكم كتاب، فكان حقًّا عليكم أن تكونوا أيش؟ قبْلهم في الإيمان؛ لأنه من الصعب أن الإنسان ينتقل من كتابه أو مِن دينه إلى دين آخر، لكن ليس من الصعب أن الإنسان ينتقل من جهل إلى حق وعِلم.
ثم إنه فيه أيضًا، في هذا تأنيب لهؤلاء، فيه أيضًا دليل على أنه حق؛ لأن الذين أوتوا الكتاب ما آمنوا به إلا عن علم، وهو كذلك، فإِنه ما فيه شك أن النبي ﷺ كان مكتوبًا عند بني إسرائيل في التوراة والإنجيل: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦]، حتى أوصافه الخِلقية موجودة عندهم، بقطع النظر عن منهاجه وسيرته: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف ١٥٧]، هذا كله موجود في التوراة والإنجيل ومعروف، ولِهذا تجمَّع اليهود في المدينة من أجل أن يستقبلوا هذا النبيَّ الذي وجدوا صفته عندهم فيؤمنوا، ﴿وَكَانُوا﴾ كما قال الله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أيش؟ ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: يستنصرون عليهم بهذا النبي، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩].
فالحاصل أنه في هذه الآية، أقول: إنها وَجْهُ تَعلُّقها بما قبلها من وجهين:
الوجه الأول: تأنيب هؤلاء الجاهليِّين، ويش؟ على الكفر بمحمد ﷺ، معَ أن أهل الكتاب وهم على دين انتقلوا من دينهم إلى دينه، فكنتم أولى باتباعه.
والوجه الثاني: أنه إقامة دليل على صحة ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن هؤلاء الذين عِنْدهم علمٌ من الكتاب ما انتقلوا إلا عن علم بأنّه حق، فالمناسبة واضحة جدًّا بين هذه والنصوص التي قبلها.
ولا ريب أيضًا أن في هذه الآية ثناءً على الذين آمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام مِن الذين أوتوا الكتاب، ولِهذا (...) ﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، فلم يستكبروا عنه معَ أنّ لديهم كتابهم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، يعني قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص ٥٢] (...).
* الطالب: طيب يا شيخ لماذا ما قال (...)؟
* الشيخ: (...) للجنس، ينفي القول، (...) هذا الكتاب (...) يقول: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص ٤٦]، نعم؟
* الطالب: ولا نهي؟
* الشيخ: ولا نهي، ولا نفي، لكن هذه من باب الجنس، يعني معناه أننا ما تركناهم، بل إن القول وصل إليهم كما وصل إلى غيرهم، مثلما قلنا في تفسيرها: إن الله ما زال سبحانه وتعالى يُنزل الكتب على من سبق.
قال: (أيضًا)، أيش لون (أيضًا)؟ (﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ أيضًا)، ويش لون (أيضًا)؟
* طالب: يعني كذلك.
* طالب: يعني اللي بعدهم.
* الشيخ: يعني كما آمنوا بكُتبهم، و(أيضًا) يقولون: إنها من الأسماء الملازِمة للنصب على المصدرية؛ لأن فعلها (آضَ، يَئِيضُ، أَيْضًا) مثل: (باع، يبيع، بيعًا)، وإنَّ معناها رجع، نعم، فالمعنى: أنهم هم أيضًا يُؤمنون بالقرآن، قال المؤلف: (نزلت في جماعة أسلموا من اليهود كعبد الله بن سلام وغيرِه، ومِن النصارى قدِموا مِن الحبشة ومِن الشام)، وكذلك مِن غير الشام.
(أسلموا من اليهود مثل عبد الله بن سلام)، واشتهر عبد الله بن سلام بالإسلام وهو مِن اليهود؛ لأنه كان حبرًا من أحبار اليهود، وكان كما قال اليهود عنه في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام: إنه خيرهم وابن خيرهم، وسيدهم وابن سيدهم[[أخرج البخاري (٤٤٨٠) من حديث أنس.]]، معترفين له بالفضل والعلم والسيادة، فلهذا كانوا يضربون به المثل؛ لأن مثل هذا يا جماعة الذي يكون سيدًا في قومه قد تَحمِله السيادة على (...)، وقد يحمله أيضًا حبُّ الرياسة على عدم الاتباع لغيره؛ لأنه إذا تبِع غيره صار مرؤوسًا لا رئيسًا، ولَّا لا؟ لكنه رضي الله عنه (...) تواضع للحق فكان مؤمنًا بالرسول عليه الصلاة والسلام.
وقصة إيمانِه معروفة؛ فإن الرسول خبَّأهُ، ودعا اليهود، وسألهم عنه، وأثنوا عليه، وسألهم عن رسالة الرسول فكذَّبوا الرسولَ عليه الصلاة والسلام، فقال لهم: «مَا رَأْيُكُمْ لَوْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ؟» قالوا: حاشاه من ذلك، ما يُسلم؛ لأنه من خيرهم، فخرج وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فما خرجوا إلا وهم يثنون عليه شرًّا؛ لأنه أسلم[[أخرج البخاري (٤٤٨٠) من حديث أنس.]].
كذلك نزلت في (جماعة من النصارى قدموا من الحبشة)، هذا ما أعرف له مثالًا، تعرفون له مثالًا؟ قدِم النصارى من نجران وأسلموا، وفيهم نزلت: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة ٨٣]، ولكن الحبشة معروف أنه أسلم فيها نصارى، مثل مَن؟ مثل النجاشي، فإنه أسلم ودخل دين الإسلام وهو على دين النصرانية، ووصفه النبيُّ عليه الصلاة والسلام بأنه أخ للصحابة، وأنه رجل صالح، وهو كذلك، يعني: أخ لهم ورجل صالح.
فالمهم على كل حال ما يهمنا أعيان الذين أسلموا، المهم أن مِن الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى قومًا آمنوا بالقرآن أيضًا.
(﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ القرآن ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ [القصص ٥٣]).
ما شاء الله، وإذا يتلى قالوا، (إذا) كما نعرف شرطية، وجواب الشرط متصل بفعله مباشرةً، أو لا؟
* طالب: بفعل الشرط.
* الشيخ: إي، بفعل الشرط، جواب الشرط متصل بفعله مباشرة، أو لا؟
* الطالب: ﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا﴾.
* الشيخ: أسألكم، هذه قاعدة عامة: جواب الشرط يكون متصلًا بفعلِه مباشرة؟
* طالب: ما هو بلازم.
* الشيخ: بمعنى أنه متى وُجِد فعل الشرط وُجِد جوابه، ما هو معناه الاتصال اللفظي؛ الاتصال الوقوعي، إذا وُجِد الشرط وُجِد المشروط، نعم، أخذتم بالكم؟ وطبعًا على حسب الحال يعني، ما هو معناه أنه قد يكون فورًا، قد يكون حتى في المستقبل، فهنا يقول: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ [القصص ٥٣]، ﴿وَإِذَا يُتْلَى﴾، لم يقل: (إذا تُلِي)، فمعنى ذلك أنه أيّ آية تتلى عليهم يقولون: آمنا بها، ما آمنوا بالقرآن جملةً، آمنوا بالقرآن تفصيلًا؛ لأنَّ الفعلَ المضارع أيش يدل عليه؟ يدُل على الاستمرار، فكلما تُلِيَت عليهم آية آمَنُوا بها فزادتهم إيمانًا.
﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ أي يقرأ عليهم ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾، مع تردُّد ونظر وتفكير ولَّا على طول يؤمنون؟
* طالب: على طول يؤمنون.
* الشيخ: على طول؛ لأنه قلنا: إن جواب الشرط يلي فعل الشرط مباشرةً: وإذا يتلى قالوا آمنا به، أي: بالذي تُلِي عليهم مِن القرآن قليلًا كان أو كثيرًا.
ثم بيَّنوا أن إيمانهم هذا عن اقتناع وعلى أساس: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ [القصص ٥٣]، ﴿إِنَّهُ﴾ أي: ما تُلِي عليهم من القرآن، ﴿الْحَقُّ﴾ بمعنى: الشيء الثابت الواقع الصادق خبرًا العادل حكمًا.
وقولهم: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾، ولم يقولوا: مِن الله؛ لأن الرب هو الذي له التصرف المطلق، فهو يتصرف بعباده شرعًا، ويش بعد؟
* طالب: وقدرًا.
* الشيخ: وقدرًا، يتصرف بهم شرعًا وقدرًا، فكأنهم يقولون: إن ربنا لن يخلينا من أن يُنزِل القرآن، وله الحكم والتصرف المطلق كونًا وشرعًا.
وقولهم: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾، هذا إشارة إلى أنهم رضِي الله عنهم يفتخرون بانتسابهم إلى الله، ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾، الجملة من حيث المعنى محلها مما قبلها؟
* طالب: تعليلية.
* الشيخ: تعليلية، يعني: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ لا لأنه أعجبنا حُسنه وبيانه وبلاغته، ولكننا آمنا به لأنه الحق من ربنا.
فإذا قال قائل: (إنه) إذا كانت تعليلية، فلماذا لا تُفتح الهمزة: أنه ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾؟
لأن الجملة التعليلية على تقدير اللام، واللام إذا اتصلت بـ(إن) وجب فتح همزتها، فتقول: لِأن ذلك كذا، ولا تقول: لإن ذلك كذا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون ٦٠]، ولم يقل: إنهم إلى ربهم. فهنا لماذا لم تكن تعليلية؟
قلنا: الجملة التعليلية قد تكون تعليلية من حيث المعنى فقط، يعني يلاحَظ بها المعنى فقط، وقد تكون تعليلية يُلاحَظ فيها اللفظ مع المعنى، فإن لُوحِظ معها اللفظ مع المعنى فإنها تُفتح الهمزة؛ لأنها على تقدير اللام، وإن لُوحِظ المعنى فقط فإنها تُكْسر الهمزة. وهنا لُوحِظ أيش؟
* طالب: المعنى.
* الشيخ: المعنى فقط، لوحظ المعنى فقط. وملاحظة المعنى وملاحظة اللفظ أيهما أوْلَى؟ نقول: لكل مقام مقال، فملاحظة المعنى فائدتها أن الجملة تكون من حيث اللفظ منقطعةً عما قبلها، فكأنها جملة خبرية مستقلة، وكأنها منقطعة عن اللفظ، لكن إفادة التعليل مِن السياق.
وأما التعليلية اللفظية، فإنها تكون مرتبطة بما قبلها، وإذا شئتم ما يوضح ذلك فاقرءوا قول ابن مالك: (فاكسر في الابتدا)، فهذا هو الفرق بين الجملة التعليلية التي قُصد بها اللفظ والمعنى، أو التي قُصد بها المعنى فقط.
﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص ٥٣]، مِن قَبْل أيش؟
مِن قبل القرآن، ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل القرآن.
﴿مُسْلِمِينَ﴾، قال المؤلف: (موحِّدِين)، ولو أنه فسر الإسلام بظاهره لكان أولى؛ لأن الإسلام معناه الاستسلام والانقياد، وأصله من عدم المعارضة والمحاربة، ولهذا يُقال: السِّلم والإسلام، يعني معناه عدم المعارضة والمحاربة.
فكلمة ﴿مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ أي: منقادين مذعنين للحق.
وقولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ليس المراد بذلك الفخر والإعجاب بالعمل قطعًا؛ لأن السياق سياق ثناء، ولكن المراد بذلك الثناء على الله بما كانوا عليه في الحالَين؛ في الحال السابقة وفي الحال الثانية، في الحال الثانية: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ [القصص ٥٣]، والحالة الأولى كانوا من قبله مسلمين منقادين متبعين للرسول الذي جاء إليهم.
طيب، ويش إعراب ﴿مُسْلِمِينَ﴾؟
* طالب: خبر يا شيخ (كان).
* الشيخ: خبر (كان)؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: إي، خبر (كان) ولَّا ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ هو الخبر؟
* الطالب: لا، ﴿مُسْلِمِينَ﴾.
* الشيخ: إي، ﴿مُسْلِمِينَ﴾ هو الخبر، نعم، ولو تقدَّم عليه ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾؛ لأن الخبر ما تحصُل به الفائدة، سواءٌ تقدم أو تأخر.
قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص ٥٤].
﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليهم مَن؟ الذين أوتوا الكتاب ثم آمنوا بالرسول ﷺ، أوتوا الكتاب من قبل فآمَنوا به ثم آمَنوا بالرسول.
﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ﴾ أي: يعطون ﴿أَجْرَهُمْ﴾، وهذه فيها شاهد لدرس البارحة، أو لا؟ يعطون ﴿أَجْرَهُمْ﴾، درسنا في النحو؟
* طالب: إي.
* الشيخ: (...)؟
* الطالب: لا، هذه ﴿يُؤْتَوْنَ﴾ من باب الكسر.
* الشيخ: من باب الكسر، إي نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: مقام الفاعل؛ لأنه (...) المفعول، وهو الواو، نائب فاعل ﴿يُؤْتَوْنَ﴾ والمفعول الثاني؟ وين المفعول الثاني من ﴿يُؤْتَوْنَ﴾؟ ﴿أَجْرَهُمْ﴾ نعم.
وأما قوله: ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ فإنه مفعول مطلق، يعني أنه دال على المصدر لكنه بغير لفظه، كل ما دل على المصدر بغير لفظه فهو مفعول مطلق.
(﴿مَرَّتَيْنِ﴾ بإيمانهم بالكتابين) فهم يُؤتون أجرَهم مرتين، المرة الأولى على الإيمان بالكتاب السابق، والمرة الثانية على الإيمان بالقرآن، وأما أهل الجاهلية الذي آمنوا بالقرآن فيُعطَون أجرهم مرة واحدة؛ لأنهم ما آمنوا مرتين.
وقد ثبت بهذا الحديثُ عن النبي عليه الصلاة والسلام إضافةً لهذه الآية، فإن النبي عليه الصلاة والسلام ذَكَر الذين يؤتون أجرهم مرتين الرجل الذي آمن بالكتاب الذي نَزَل إليه ثم آمن بما أُنزِل على محمد، والرجل يُعتِق المرأة ويتزوجها، والثالث العبد الذي أحسن في عبادة الله وفي معاملة مواليه[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠١١)، ومسلم (١٥٤).]].
قال: ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص ٥٤] الباء للسببية، و(ما) مصدرية.
وما معنى المصدرية أو ما علامتها؟ علامتها أن تُحوَّل (...) ما بعدها إلى مصدر، فهنا نقول في التحويل كما قال المؤلف: (لصبرهم)، وأسألكم الآن: هل تصح أن تكون (ما) اسمًا موصولًا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الجملة ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ يصح؟ الجملة ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾، ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ بالذي ﴿صَبَرُوا﴾؟ لا، ما يصِح؛ لأنه أيش معنى (بالذي صبروا)؟ ثم لو كانت موصولة لكانت على تقدير الضمير: (بالذي صبروه)، وهذا ما يستقيم. فإذن هنا يتعين أن تكون مصدرية، أي: (بصبرهم)، وهو أحد محامل (ما) العشرة، نُكرِّرها لأجل تبقى في أذهانكم.
* طالب: حافظها.
* الشيخ: حافظها، اقرأها علينا.
* الطالب:
مَحَـــــــامِلُ (مَا) عَــــشْرٌ إِذَا رُمْتَعَــــــدَّهَا ∗∗∗ فَحَافِظْ عَلَى بَيْتٍ سَلِيمٍ مِنَ الشِّعْرِ؎سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَـــفٍّ وَنَفْيٍ زِيــدَ تَعْظِـــــيمُمَصْـــــــدَرِ
* الشيخ: إي، ما شاء الله، أعيدها، نعم، طيب:
سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَـــفٍّ وَنَفْيٍ زِيـــدَ تَعْظِــــيمُمَصْــــــدَرِ
اللي يعنينا مِن هذا البيت قوله: (مصدر).
وقوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: (بصبرهم على العمل بهما)، وهذا الصبر على العمل بهما هل هو مِن باب الصبر على طاعة الله، أو مِن باب الصبر عن معصية الله، أو مِن باب الصبر على أقدار الله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، نقول: هو الثلاثة تجتمِع، ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ على طاعة الله، فإن الشرع فيه أوامر شاقَّة على النفوس تحتاج إلى معالجة، فهذا صبر على طاعة الله.
في الشرائع نواهٍ نُهِي عنها، قد يشُقُّ على النفس تركُها، ففيها صبر أيش؟ عن معصية الله.
كذلك أيضًا في الشرائع إيذاء، فإن المجرمين يؤذون المؤمنين، وربما يضربونهم، وربما يقتلونَهم، أليس كذلك؟ وهذا صبر أيش؟
* طالب: على أقدار الله.
* الشيخ: على أقدار الله المؤلمة.
فعلى هذا يكون الصبر على الشرائع يتضمن الصبر بأنواعه الثلاثة: الصبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب، ﴿بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ﴾ [القصص ٥٤]، وأصل الصبر في اللغة الحبس، ومنه قولهم: (قُتِل فلان صبرًا) أي: محبوسًا على القتل، أُمسِك وقُتِل، فمعنى الصبر: حبس النفس، والنفس تحتاج إلى حبس على طاعة الله سبحانه وتعالى؛ لأنه كم من إنسان يقول له ضميرُه: افعل كذا من الطاعة، وربما يفعل البعض ثم يعجز فلا يصبِر نفسه. وكذلك بالنسبة للمعاصي، فإن النفس المطمئنة تزجُر المرءَ عن المعصية، ولكن تأتيها النفس الأمارة بالسوء فتأمره بالمعصية، وحينئذٍ تتصارع النفسان، والتوفيق بيد الله عز وجل.
كذلك بالنسبة للأقدار: مِن الناس مَن لا يصبر على الأقدار، بل إذا نزل به القدر يمكن - والعياذ بالله - يكفر، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج ١١]، فإن بعض الناس قد لا يصبِر على الأقدار المؤلِمة، وتجده يقنط، فيه ناس يقال: إنهم إذا أصيبوا بالمصائب انتحروا! هؤلاء غاية في الصبر؟!
* طالب: لا.
* الشيخ: لا؟ بالعكس: ما فيهم صبر، هؤلاء ما صبروا على الأقدار فقَتلوا أنفسهم ليُعَذَّبُوا بما قَتلوا به أنفسهم في نار جهنم - والعياذ بالله - ويُخَلَّدُون فيها. لكن الصبر على الأقدار المؤلمة هذا أمر يمكن للإنسان أن يصبر عليه ويعني يُحاسِب نفسه حتى يستقيم في أفعاله.
فالمهم أن الصبر إذن ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة. أيهما أعلى وأكمل؟
* طالب: على طاعة الله.
* الشيخ: إي، من حيث (...) على طاعة الله، الصبر على الطاعة أفضل؛ لأن فيه جهادَين: جهاد على العمل، وجهاد على تحمُّل العمل.
ثم الصبر عن المعصية؛ لأنه (...) جهاد واحد، على العمل ولَّا على تحمل تركه؟ تحمُّل تركه، ما فيه عمل، يقال: لا تزن، نعم، ما أُمِرت وكُلِّفت بفعل شي.
الصبر على الأقدار المؤذية أو المؤلمة هو أدناه؛ لأنه صبرٌ على ما لا اختيار للمرء فيه، كما قال بعض السلف: إما أن تصبر صبر الكرام، وإما أن تَسْلُوَ سُلُوَّ البهائم. كل إنسان إذا أُصِيب بمصيبة وطال عليها الزمن تبقى في نفسه ولَّا لا؟ ينسى، يسْلُوَ سُلُوَّ البهائم، البهيمة مثلًا تجدها (...)، لكن لو يحط لها علفًا جيدًا وماءً جيدًا نسيت، فإما أن تصبر صبر الكرام وإما أن تسْلُوَ سُلُوَّ البهائم. ولهذا كان صبرُ يوسف على تَرْك الزنا بامرأة العزيز أكملَ من صبره على ما حصل من قضية إخوانه له بلا ريب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف ٢٤]، ولم يقل مثلَ هذا حين ألقوه في غيابات الجب.
* طالب: قلنا: إن الصبر على الطاعة يكون أعظم من الصبر عن المعصية.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: ولكن المعاصي كثرتها (...).
* الشيخ: إي، يؤلمك لكنه شيء بِغير اختيارك.
* الطالب: (...).
* الشيخ: بغير اختيارك، يعني أنت المعاصي تركتَها باختيارِك.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: تقدر تفعلها لكن ما فعلتها، أما هذا ما تقدر ترفع البلاء.
* الطالب: (...).
* الشيخ: البلاء الذي نزل عليك ما ترفعه، فأنت افرض نزل بإنسان بلاء هل يقدر يرفعه إذا قام يخبِّط وجهه ولَّا يشقق ثوبه.
* الطالب: لا، ما يقدر.
* الشيخ: ما يقدر.
* الطالب: لكن لو صبر واستسلم (...).
* الشيخ: لا؛ لأن الاستسلام للشرع أفضل مِن الاستسلام للقدر، الاستسلام للشرع هو الذي يُمدَح عليه الإنسان ويحمد ويُثنى عليه، لكن الاستسلام للقَدَر كلُّ الناس يستسلمون للقدر، حتى يعني، أما تسمع قول الجاهلي:
وَتَجَلُّـــــدِي لِلشَّامِتِـــــينَ أُرِيهُــمُ ∗∗∗ أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَاأَتَضَعْضَعُ
حتى الكفار الآن يعني أفعالهم تنزِل بهم المصائب، ولكن يقول: ما يهم، يصبِر ويكابد وهو كافر، ما يرجو بذلك الأجر ولا الثواب.
* طالب: بس فيه وجه يا شيخ (...) الصبر على المشاق، الصبر على الطاعات يمرن الإنسان عليه بالتدريب، يعني خلاص يأخذ عليه.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: مثل التمرن على الصلاة، على الصيام، (...).
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: لكن إذا طرأت له مصيبة عظيمة كـ(...) مثلًا.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: هذا شيء ما تمرن عليه؟
* الشيخ: إي، بس قد يتمرن عليه إن أُصِيب (...) لا يتمرن، حتى العبادات مثل الحج ما يأتي إلا مرة واحدة في العمر.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: فلذلك يعتبر صبرًا على الطاعة، مع مشقته البدنية والمالية والأمنية، مسألة للوقوع وعدم الوقوع هذا شيء آخر، مع أننا نقول: هل الرجل يكابد الطاعة ويجد من نفسه مشقة في معالجتها عند فعل الطاعة وإنسان آخر تمرَّن على الطاعة فصارت يعني أمرًا سهلًا عليه، أيهما أفضل؟
* طالب: مَن سهل عليه.
* الشيخ: أما الأول فهو أشق عملًا، والثاني أكمل حالًا، الثاني الذي صارت الطاعةُ كأنها سجية في نفسه، هذا لا شك أنه أكمل حالًا من الأول؛ لأن هذا كأن الطاعة صارت غريزة مِن محبته لها وسهولتها عليه، لكن الأول أشق عملًا، فيُعطَى هذا أجرَ الكُمَّل، وذاك يُعْطَى أجرَ الصابرين؛ لأنه فيه نوع من المكابدة والمشاق. والعلماء مختلفون في هذه المسألة أيهما أفضل؟ ولكن الصواب هذا التفصيل، فيقال: الذي يفعل الطاعة وهي سهلة عليه وينقاد لها بدون مكابَدة، هذا لا شك أنه أكمل حالًا من الأول بلا ريب، والثاني أشق عليه فيُعطَى الأجر على قدر المشقة النفسية.
الآن شوف مثلًا واحدًا يحضر للدرس بسهولة وانقياد ويرى أنه غنيمة، وآخر لا، يكابد نفسه (...) يطلع مثلًا مِن البيت لأجل أن يحضر الدرس، أيهما أكمل حالًا؟
* طالب: الأول.
* الشيخ: الأول، وإن كان الثاني يُؤْجر على فعله، لكن الأول أكمل حالًا وأقرب منزلة.
طيب، ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص ٥٤]، والباء في قوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ ليش هي؟ للسببية، أي: بسبب صبرهم.
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص ٥٤]، يدرءون: (يَدْفَعُونَ) ﴿بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾.
﴿السَّيِّئَةَ﴾ مفعول به، والباء في قوله: ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ هذه باء الآلة، مثلما تقول: (ذبحت بالسكين، وضربت بالعصا) فعندنا دارِئٌ ومَدْرُوء ومدروءٌ به، مَن الدارئ في الآية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، في الآية، من الدارئ؟ العاملون، والمدروء؟
* طالب: السيئة.
* الشيخ: السيئة، والمدروء به الحسنة، كما تقول: (ذبحت بالسكين)، فعندنا: ذابح ومذبوح ومذبوح به الآلة، فالحسنة لهم بمنزلة الآلة التي يتوصلون بها إلى غرضهم.
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾، ﴿السَّيِّئَةَ﴾ يقول المؤلف: (منهم)، فإذا فعلوا سيئةً أتَوا بعدها بحسنة فاندفعت السيئة، هذه الحسنةُ المدروء بها السيئة تنقسم إلى قسمين: قسم تُزيل السيئةَ من باب المقابلة، وقسم آخر تُزيل السيئةَ من باب المحو والإزالة -أخذتم بالكم يا جماعة؟- الحسنات التي تُدْرأ بها السيئات تنقسم إلى قسمين: قسم من باب المقابلة، وقسم من باب المحو والإزالة، فإن كانت الحسنةُ المدروء بها السيئة، إن كانت توبةً، والتوبة من الحسنات ولَّا لا؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢]، إن كان من باب التوبة فهو من باب المحو والإزالة، وإن كانت حسنةً أخرى كما لو دَفَع السيئاتِ بالصلاة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]، فهذا الدرءُ من باب؟
* طالب: المقابلة.
* الشيخ: من باب المقابلة، يعني أن ثواب الحسنة يُقابَل بعقوبة السيئة، من باب الموازنة، فإذا رجَح ثوابُ الحسنة انمحت السيئة، وإلا فلا.
أيهما أكمل؟ أي الدَّرْأينِ أكمل؟ الأول ولَّا الثاني؟
الأوَّل أكمل؛ لأنه إذا حصل الأولُ صارت الحسنة الثانية زيادة رفعة في الدرجات، ما هو بمقابلة بالسيئة. ثم إنه إذا كان الدرء من باب المقابلة، فقد تضعف الحسنةُ الثانية، الحسنةُ تَضعف عن مقابلة السيئة، فصار الدرء بالتوبة أكملَ من الدرء بفِعل حسنة أخرى تُقابِل السيئة، وكِلا الأمرين يحصل بهما الدرء.
وقول المؤلف: (منهم).
يعني في الحقيقة أن هذا الكلام وجيه، لكن لو قلنا: إنها أعم، وأنهم يدرؤون بالحسنة والسيئة مِنهم ومِن غيرهم. كيف مِنهم ومِن غيرهم؟ يعني إذا أُسِيئَ إليهم دفعوا الإساءة بالإحسان، فيكون هنا ثناءً عليهم من حيث معاملتهم مع الخلق، يصلُح ولَّا ما يصلح؟ يصلح، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٤، ٣٥].
وعلى هذا فنحمِل الآية على المعنيين: يدرؤون بالحسنة السيئة بالنسبة لما يقع منهم في عبادة الله، ويدرؤون بالحسنة السيئة بالنسبة لما يقع من غيرهم في المعاملة. إذا عُوملوا، أساء إليهم أحد، قابلوه...
الشيخ: في هذا النهي، قال: هذا النفي نفي للحق، يعني للمعبود الحق، فإنه لا إله إلا الله بحسبه.
............................ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا؎يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً ∗∗∗ وَمِـــنْ إِسَاءَةِ أَهْــلِ السُّــوءِإِحْـــسَـانَا؎فَلَيْــــــتَ لِي بِهِمُ قَــــــــــوْمًا إِذَارَكِبُــــوا ∗∗∗ شَنُّــــوا الإِغَــــــــــــارَةَ فُرْسَــــــــانًاوَرُكْـــبَانَا
الآن (...)؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: (...) (يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة).
* طالب: (...).
* الشيخ: للعجز، فهنا درءُ السيئة بالحسنة ممدوح إذا كان على سبيل العِز، أما إذا كان على سبيل الضعف فهذا ما هو ممدوح، لو واحد جاءه قاطع طريق وقال: يللا أعطني ثيابك. قال: أعطيك ثيابي والعصا اللي معي على البعير! ويش يصير هذا؟ أو لما قال: يللا أعطني رحل البعير، قال: اصبر اصبر، هلا أكفيك، خلني أفكه لك لأجل ما تتعب وأحمله على بعيرك، هذا طيب ولَّا لا؟
* طالب: لا، ما هو طيب.
* الشيخ: هذا ما هو طيب، هذا ضعف، ولهذا قال الرسول «لما سأله الرجل عن إنسان يأتي ليأخذَ مالك قال: «لَا تُعْطِهِ»، قال: أرأيت إن قاتلني، قال: «قَاتِلْهُ»[[أخرجه مسلم (١٤٠/٢٢٥) من حديث أبي هريرة.]]. المهم أننا نقول: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ (منهم) الصواب أن نجعلها أعم، فـ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص ٥٤] منهم في معاملتهم مع الله، ومن غيرهم في معاملتهم مع مَن؟ مع الخلق.
قال: (﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤] يتصدقون)، ويُهدون أيضًا، ما هم لازم يتصدقون؛ لأن الهدية قد تكون محمودة إذا كان الغرض منها جلب المودة: «تَهَادُوا تَحَابُّوا»، «تَهَادَوْا» أو «تَهَادُوا»؟
* طالب: «تَهَادُوا».
* طالب: «تَهَادَوْا».
* الشيخ: طيب، تهادَى الرجلان يتهادَيان؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: فإذن «تَهَادَوْا تحابُّوا»[[أخرجه أحمد (٩٢٥٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
طيب، الشاهد أن قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [القصص ٥٤]، ﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾ بمعنى: أعطيناهم، فالرِّزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨]، أي: أعطوهم، فالرزق: العطاء.
وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾، (مِن) هنا هل هي لبيان الجنس أو للتبعيض؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الأَوْلَى أن نجعلها لبيان الجنس؛ لأنه في بعض الأحيان يكون إنفاق المال كلِّه من الأمور المحمودة، فقد حث النبيُّ عليه الصلاة والسلام ذات يوم على الصدقة، فقال عمر: الآن أسبق أبا بكر. فأتى بنصف ماله، ولكن أبا بكر أتى؟
* طالب: بماله كله.
* الشيخ: بمالِه كله[[أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (٥٢٧) عن عمر بن الخطاب.]]، فالإنفاق إذا جعلنا (مِن) لبيان الجنس فهو أوْلَى، أيش (...) يشمل؟
* طالب: بذل المال كله.
* الشيخ: يشمل بذل المال كله أو بعضه، يعني قد يكون من الخير بذله كله، وقد يكون من الخير بذل بعضه، حسب الحال الذي أُنفِق فيها. فـ(مِن) الأوْلَى أن نجعلها لبيان الجنس.
وقوله: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤]، الإنفاق بمعنى البذل، لا بمعنى الصدقة، لكن الذي أوجَب للمؤلف أن يخصَّه بالصدقة؛ لأن المقام مقام ثناء، ولكن الأولى أن نجعلَه على عمومه، ونجعل ﴿يُنْفِقُونَ﴾ أي: يبذلون ويُعطُون؛ لأنه قد يكون البذل تصدقًا خيرًا، وقد يكون البذل توددًا خيرًا أيضًا، قد يكون أفضل من الصدقة في بعض الأحيان، وعلى هذا فنقول الأَوْلى أن يجعل الإنفاق في معنى الإعطاء والبذل، سواء كان صدقة أو كان هدية أو كان هبة، وتعرفون الفرق بين الأمور الثلاثة، ويش الفرق بين الهبة والهدية والصدقة؟
* طالب: الهدية (...).
* الشيخ: إي، والصدقة تتصدق عليه.
* الطالب: الصدقة يتصدق على...
* الشيخ: على إنسان.
* الطالب: على (...).
* الشيخ: إي.
* الطالب: الهدية.
* الشيخ: والهبة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: والهبة؟ من يعرف الفرق بينها، بين الثلاثة؟
* طالب: الهدية هي إعطاء المساوي أو الأخ للإنسان بقصد التودد والتقرب، والصدقة إعطاء الأدنى بقصد الإنفاق.
* الشيخ: إي.
* الطالب: وأما...
* الشيخ: الهبة.
* الطالب: الهبة إعطاء المساوي، يعني ما هو بالدون بقصد الإعطاء.
* الشيخ: لا، الفرق بينهما: الصدقة ما أُرِيد بها وجه الله، يتقرب بها إلى الله، ما يهمه تقرب إليها بمعطى أم لا. والهدية ما قُصِد به التودد للمعطى، يعني يريد أن يتقرب إلى المُعطى ويتقرب منه المعطى. والهِبة ما قُصِد به وجه الموهوب فقط، ما قُصِد به أنه يتقرب إلى هذا الموهوب له ولا أن يتقرب إلى الله بذلك، قَصَد به نفعه، فهذه تُسمى هبة. وكلها محمودة في الواقع، لكن هل بعضها أفضل من بعض؟ هذا على حسب الحال.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤] إلى آخره.
* طالب: الترجيح في مذهب البصريين في التجوز بالفعل؟
* الشيخ: لأنه يتضمن معنيين؛ معنى (...) الفعل موجود، ومعنى (...)، وذاك ما يتضمن إلا معنى واحدًا فقط، وهو تحويل معنى الحرف إلى المعنى الجديد.
* الطالب: شيخ، ألا يكفي هذا (...)؟
* الشيخ: لا، زيادة معنى ما فيه شك أنه أولى، زيادة معنى فائدة.
* الطالب: عندنا فعل واحد.
* الشيخ: ما يخالف، فعل واحد يُشرَب معنى الفعل الثاني الذي يتعدى بهذا الحرف الموجود، (...) إذا صارت الجملة تدل على معنيين أكمل من أن تدل على معنى واحد.
* الطالب: في مثل: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا﴾ [الإنسان ٦]، ما عندنا الرواء، نقول: الشرب فقط.
* الشيخ: إي، لكن أصله الشرب قد يكون شربًا لا يروى به العبد.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وقد يكون شربًا يروى به.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: أهل النار يشربون من الحميم شُربَ الهِيم ولا يروون، ويش الفائدة من الشرب؟ لكن هؤلاء يشربون من هذه العين ويروون بها، فتضمنت الآن معنى الشرب ومعنى الرِّي. ومنين فهمنا معنى الرِّي؟ مِن تعدي هذا الفعل بالحرف الذي يُنَاسِب الرِّي.
* الطالب: ألا يحسن أنه يتعدى الفعل (...)؟
* الشيخ: ويش؟ هذا أنسب ما يكون؛ لأن الشرب يناسبه الرِّي، ما يناسبه الشِّبَع مثلًا، ما يمكن أن تقول: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ يعني: يشبع بها، ما يناسب.
* الطالب: يرِد عليه أنه ما يتعين، كنا ذكرنا...
* الشيخ: لا، يرد عليه أنه يتعين من المقام، ولا بد يُقدَّر فعل يناسب الفعل الثاني، مِثل أن يكون سببًا له أو متفرعًا عنه وما أشبه ذلك (...) المهم أن التضمين يُفيد معنيين، والتضمين بالحرف يفيد معنًى واحدًا.
* طالب: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة ٥٥] أيش تعني؟
* الشيخ: ﴿الْهِيمِ﴾ الإبل العطاش.
* الطالب: ما (...)؟
* الشيخ: إلا، هو الماء.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الهيام نوعان: هيام على الأكل، وهيام على الشرب.
* الطالب: الهيام يروى؟
* الشيخ: إلا، يروى أو لم يرو، (...) اللي يشرب ولا يروى ويش؟ سليم ولَّا مريض؟ اللي يشرب ولا يَروى سليم ولَّا مريض؟
* الطالب: لا، مريض.
* الشيخ: هذه، نعم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، (...) القرآن الكريم، وفيه بعض العامة يستنكر من بعض السائلين اللي يسأل: ارزقني ريالًا، يقول: هذا مشرك والعياذ بالله!! نعم، (...)، الرزق بمعنى العطاء. (...)
* * *
* يستفاد منه: أن الله سبحانه وتعالى لم يُخلِ الأرض من الوحي؛ لأن التوصيل معناه وَصْل الآخِر بالثاني.
* ويُستفاد منه: أن الوحي مشتمِل على غاية البيان؛ لأننا قلنا: إن (وَصَّل) مُضَمَّن معنى: بَيَّن.
* ويستفاد منه: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة بإيصال القول إليهم ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ﴾ [القصص ٥١].
* ويستفاد منه أيضًا، يستفاد منها: أن الحكمة من الوحي هو التذكُّر والاتعاظ؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٥١].
* ويستفاد منه: إثبات العِلَّة في أحكام الله الكونية والشرعية، وأنه ما يفعل شيئًا ولا يشرعه إلا لحكمة.
* قلنا: يستفاد منه: تعليل أفعال الله وأحكام الله الكونية والشرعية، والذي خالف في ذلك؟
* طالب: الأشاعرة.
* الشيخ: وغيرهم؟ الجهمية هم الأصل، قالوا: أفعال الله ما هي تُعَلَّل، وأحكامه لا تعلل.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص ٥٢].
* يستفاد من هذا، أولًا: أن اليهود والنصارى فيهم مَن آمَن بالقرآن؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾.
* ويستفاد منه أيضًا: أن حُكْم الفرد قد يتناول جنسَه، أيش معنى هذا؟ معناه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾، لو نظرنا إليها وجدنا أنها عامة تشمل كُلَّ الذين أوتوا الكتاب. وهل هي عامة؟ هل كلُّ الذين أوتوا الكتاب من قبل آمنوا بالقرآن؟ أبدًا، فيه نصارى بقوا على نصرانيتهم وفيه يهود بقوا على يهوديتهم، ولكن مِن هؤلاء مَن آمَن، يكون معنى ذلك أننا أعطينا الجنس حكم الفرد، أو ما فهمتم هذا؟ يعني كأنه يقال: إيمان عبد الله بن سلام وإيمان النجاشي مثلًا، ما هو (...) أن هذا اسمه عبد الله بن سلام، وهذا اسمه النجاشي، لكن لأنهم أُوتُوا الكتاب، فهُم آمَنوا لا لأسمائهم، ولكن لِمَا علموا من كتبهم بأن الرسول ﷺ سيُبْعث، وهذا يقتضي أن يكون كل هذا الجنس، يجب أن يكون مُؤْمنًا وإن لم يؤمنوا كلهم.
والمهم أنه يستفاد من هذه الآية: إعطاء الجنس حكمَ الفرد، ما دام أن هذا الحكم سببُه يشمَل جميع الجنس. مثلًا: ما سبب إيمان عبد الله بن سلام؟ عِلْمُه بما في التوراة مِن صفات الرسول ﷺ، هذا العِلم يختَصُّ به ولَّا يشمل جميع اليهود؟ يشمل جميع اليهود، إذن فهنا أعطينا الجنس حكم الفرد؛ للعلة التي تشمله وغيرَه، وإلا قد يقول قائل: ما نرى أن الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون، ما كلهم آمنوا، لكن نقول: ما آمن إلا بعضهم، لكن هذا الإيمان مِن بعضهم حمَلَه عليه العِلَّة الشاملة لجميع الجنس.
* فنستفيد من هذا: أننا نُعطي الجنس حكمَ الفرد إذا كان علة هذا الحكم شاملةً للجميع، إذا كانت علة هذا الحكم شاملةً للجميع فإنه يُعطَى الجنس حكم الفرد.
* يستفاد من هذه الآية أيضًا: الثناء البالغ على الذين آمنوا بالقرآن وبالكتب السابقة؛ لقوله: ﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾.
* ويستفاد منه: أن صفةَ النبي ﷺ موجودة فيما سبق مِن الكتب: التوراة والإنجيل، وهذا صريح في آية الأعراف في قوله: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ...﴾ إلى آخره [الأعراف: ١٥٧].
ثم قال: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص ٥٣].
* يُستفاد من هذا أيضًا، من هذه الآية: زيادة الثناء على هؤلاء بأنهم يُؤمنون بكل ما يُتلى عليهم، ما هم ما آمنوا بالقرآن جملة فقط، ولكن جملةً وتفصيلًا، وأخذنا ذلك من قوله: ﴿وَإِذَا يُتْلَى﴾، و﴿يُتْلَى﴾ فعل مضارع يدل على الحدوث والاستمرار، نعم، يدل على التجدد والحدوث، وأن هذا شأنُهم كلما تُلِي عليهم.
* ويستفاد مِنه أيضًا، مِن الآيات الكريمة: أنهم آمنوا لا لِمُجرد الهوى، ولكن آمنوا إيمانًا مبنيًّا على اقتناع. منين يؤخذ؟ من قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾، ما آمنوا هكذا تبعًا للناس، ولكن آمنوا عن اقتناع: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾.
* ويستفاد منه أيضًا: بأن القرآن مِن عند الله؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾.
* ويستفاد منها: كمالُ عقلِ هؤلاء الذين آمنوا، حيثُ عبروا هنا بالربوبية: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾ دون الألوهية؛ لأن المقام يقتضي ذلك، فإن الرب له حُكم، يحكم بما يشاء كونًا وشرعًا.
* ويستفاد من هذا أيضًا: أن هؤلاء كانوا مؤمنين مسلمين منقادين للكتب السابقة؛ لقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾.
* ويستفاد منه: جواز ثناء المرء على نفسه بالصفات المحمودة، بشرط أن يكون في ذلك مصلحة، وألا يكون فيه افتخار وعُلو على الغير؛ لقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾، وهذا أمر واقع من الرسول ﷺ ومِن الصحابة ومن أهل العلم، قال النبي ﷺ:
«أَنَا النَّبِيُّ لَاكَــــــذِبْ» ∗∗∗ «أَنَا ابْنُ عَبْدِالْمُطَّلِبْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣١٥) ومسلم (١٧٧٦/٧٨) من حديث البراء بن عازب.
]]
وقال ابن مسعود: «لو أعلم أن أحدًا تبلغه الإبل أعلمُ بكتاب الله مني لذهبتُ إليه»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٠٢) ومسلم (٢٤٦٣/١١٥).]]، فهذا ثناء على نفسه، لكن لمصلحة. والعلماء دائمًا إذا كتبوا في كتاب يُثنون عليه بما يقتضي هذا الكتاب مِن أوصاف الثناء، ومعلومٌ أن الثناء على الكتاب ثناء على مصنِّفه، لو أنك أثنيت على هذا البناء وقلتَ: ما شاء الله هذا بناء جيد ومحكم وجميل، من أثنيتَ عليه في الواقع؟ أثنيتَ على الباني، إي نعم، على الباني. فهذه المسألة يجوز للإنسان أن يُثنِي على نفسه بصفات الحمد، بشرط ألا يُريد بذلك الافتخار على غيره، والشرط الثاني أيضًا: أن يكون في ذلك مصلحة. أما الشرط الأول فوجهُه ظاهر؛ لأنه إذا قَصد بذلك الافتخار والعلو على الناس فهذا قصد محرم، ولهذا قال رسول الله ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا فَخْرَ»[[أخرجه الترمذي (٣١٤٨) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]].
وكذلك أيضًا اشتراط أن يكون فيه مصلحة؛ لأنه إذا لم يكن فيه مصلحة كان لغوًا من القول على أقل ما نقول فيه، كان لغوًا من القول؛ لأنه ليش الإنسان يمدح نفسه بدون مصلحة؟ إلا أنه لولا أنه يريد أن يُبرِز صفاته لِيفتخرَ بها على غيره ما فعل ذلك، حتى لو قال: أنا ما أريد الفخر، نقول: إذن لماذا؟ نعم.
* * *
قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مصلحتُهم أنّه يحثهم على الأخذ منه.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لكن، طيب، إذا بينا أنه يحفظ كذا وكذا، فأنا مثلًا قد تكون هذه الأشياء ليست عندي فأحرِص عليها، أو أعرف مثلًا أنه أحفظ مني فأرجع إليه في المسائل. المهم ما يُعتقد بأهل العلم -لا سِيَّما المشهورون بالفضل- أنه يريد بس مجرد إظهار صفاتهم الحميدة، فهذا معنى ليس بسليم أبدًا، لكن هم يقصِدون مصلحة، والمصلحة هذه تختلف باختلاف الأحوال.
* الطالب: يعني يا شيخ ما نقول: إن الأصل (...)؟
* الشيخ: لا، نقول: الأصل أن هذا لغو من القول؛ إذ لا فائدة منه، والرسول يقول: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨) ومسلم (٤٧/٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فما دام ما فيها خير... ثم إنها تؤدي إلى مفسدة؛ لأنه إذا فرضنا أن هذا الرجل مئة بالمئة ما قصده الافتخار، لكن يفتح بابًا لغيره، يفتح بابًا لآخرين، يفتخِرون بذلك.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤].
* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين مِن أهل الكتاب لهم أجران؛ الأجر الأول: الإيمان بكتابهم، والثاني: الإيمان بالقرآن.
* ومن فوائدها: إثبات عدل الله سبحانه وتعالى، حيث لم يُضيِّع أجرهم الأول بالأجر الثاني، ولا الأجر الثاني بالأجر الأول.
* يستفاد من ذلك أيضًا: أن الثواب على قدر العمل، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨]، هؤلاء كان ثوابهم مرتين؛ لأنهم عمِلوا كم؟
* طالب: مرتين.
* الشيخ: مرتين.
* ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات الأسباب والعلل؛ لقوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة الصبر، ما دام أن الصبرَ سبب للأجر، فلا شك أنه صفة حميدة وفاضلة، نعم، وأظن أننا في التفسير ذكرنا أن الصبر ينقسم إلى ثلاثةِ أقسام:
* طالب: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة.
* الشيخ: المؤلمة، وأن أفضلها أولها، ثم الثاني، ثم الثالث.
* ويستفاد منها أيضًا: أن الحسنات يذهبن السيئات؛ لقوله: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي مقابلة المسيء بالإحسان؛ لأن الآية كما قُلنا عامة لدرئهم سيئاتهم بحسناتهم، ودرئهم سيئات غيرهم بالإحسان إليهم، وأتينا لذلك بشاهد من القرآن. ولكن هذا الدرْء ثقيل على المرء، درءُ سيئات الغير بالإحسان إليه هذا ثقيل على المرء جدًّا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥]، أكثرُ الناس يقول: والله لأكِيلَنَّ له الصاع بالصاعين، والصفعة بالصفعتين، لكن الأمر ليس كذلك: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أيش النتيجة؟ ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤]، وشوف أتى بـ(إذا) الفجائية؛ للدلالة على أنَّ هذا الأمر يتحول بسرعة، هذا العدو يتحول بسرعة يكون كأنه ولي حميم، يعني: صديق قريب لك.
إذن نقول: إنه يستفاد منه أيش؟ أن الحسنات يذهبن السيئات، وأنه ينبغي مقابلة الإساءة بالإحسان، إلا أننا ذكرنا أن هذا ينبغي ألا يكون مظهر عجز في المرء، فإن كان مظهر عجز في المرء فلا ينبغي؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى ٤١].
* طالب: ولو كان فاسقًا؟
* الشيخ: إي نعم، ولو كان فاسقًا، هذا بالنسبة لحقك الخاص.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: أما بالنسبة لحق الله لا، فيعامل بما يقتضيه الشرع.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: بالنسبة لـ(...): ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤].
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: نعم ربما تُذْهِب السيئات الحسنات بالمقابلة، بطريق المقابلة؛ لأن الحسنات والسيئات تُوزَن يوم القيامة، فإذا رَجَح أحدهما صار الحكم له.
* ويستفاد من هذه الآية أيضًا: فضيلة الإنفاق من رزق الله؛ ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾.
* ويستفاد منها أيضًا: أن المنفِق لم يُنفِق مِما صنعه أو اكتسبه بنفسه، ولكنه ينفِق منين؟ مِن رزق الله، فالله هو الذي رزقك، وهو الذي أمرك، فأنت في الحقيقة خادم عبد متصرِّف حسبَ أمر سيدك، قال لك: اكتسِب فاكتسبتَ، قال لك: أنفِق فأنفقْتَ.
طيب، قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤]، كيف نجمع بين ما هنا وبين قولِه في وصفِ عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان ٦٧]، وبين قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء ٢٩]؟
نقول: نَجمَع بينهما بأنّ غالبَ أحوال الناس ألا ينفقوا جميع أموالهم؛ لأن إنفاق جميع المال قد يكون مضرًّا به، لكن في بعض الأحيان يكون إنفاق جميع المال محمودًا، فلهذا قال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ فلا تنفق، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فتنفِق كل ما عندك، لكن النصوص الأخرى تدل على أن المسألة مبنية على أي شيء؟ على تغيُّر الحكم بتغيِّر الأحوال، فقد يكون مثلًا الأفضل إنفاق جميع المال، وقد يكون مِن الأفضل إبقاء بعضه.
* ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أنَّ الإنفاق مِن رزق الله تبارك وتعالى محمود، والرزق كما عرَفنا في باب العقيدة، الرزق: ما يَنفع من حلال وضدِّه، يقول (...) والرزق ما ينفع من حلال وضدِّه، وهو ويش ضدُّه؟ الحرام، فهل يُحمد الإنسان إذا أنفق مِن حرام؟ لا؛ لأنه ما يُثاب عليه، والواجب عليه أنه يرد الشيء ويتخلص منه، هذا الواجب عليه، لكن المراد هنا الرزق الذي يُحمد على الإنفاق منه إذا كان زرقًا حلالًا، أما مَن اكتسب شيئًا حرامًا فإن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأنه إن أنفقه لم يُبَارك له فيه، وإن تصدق به لم يُقبَل منه، وإن خَلَّفه كان زاده إلى النار، وهذا يدل على أن الإنفاق من المحرم لا ينفع المرء، لكن ينفعه متى؟ إذا أنفقه يريد التخلص منه فإنه ينفعه بمعنى أنه لا يلحقه شيء من جَرَّائِه وينفعه؛ لأن إنفاقه للتخلص منه توبة، والتوبة تنفع العبد، فمثلًا: إذا كان الإنسان عنده مئة ألف درهم اكتسبها من حرام وأنفقها للتخلص منها، هل يُعطى أجر مَن تصدق بها؟ لا، لكن يُعطى أجرًا على التوبةِ من هذا الذنب الذي فعله، وأما ما (...)، لكن لو أنه اكتسبها من حلال وأنفقها، أُعْطِيَ الأجر بقدره، وعلى حسب المضاعفة التي جاء بها النص.
* * *
قال الله تبارك تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ [القصص ٥٥].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إذا كان... ما يفيد الإنسان؛ لأن العاجز ترك الشيء لعجزه عنه، فما هو مقام (...)، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء ١٤٩]، فمدح نفسه بأنه عافٍ مع القدرة، أما من عفا لعجزِه، ويش الفائدة؟ واحد مثلًا يضربه جندي وهو ما يقابل الجندي، يقول: (...) جزاك الله خيرًا، الله يحسن إليك. نعم، فنقول: هذا عاجز، لكن لو يضربه واحد من (...) ويش يسوي له؟ يمكن يعطيه عن الصاع صاعين.
القصص 28:53
﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١].
﴿وَصَّلْنَا﴾ من التوصيل، وحروفها الأصلية (وصل)، والوصول إلى الشيء: بلوغ غايته، والمعنى أن الله سبحانه وتعالى يؤكِّد في هذه الجملة يؤكد بحروف ثلاثة، وهي القَسَم واللام و(قد)، أنّه وصل لهم القول.
وقوله: ﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ﴾، المعروف أن (وصل) تتعدى بـ(إلى)، فيقال: (وصَل إليه)، ويقال: (وصَّل إليه)، و(أوصَل إليه) هذا المعروف. وهنا عُدِّيَت باللام، تعديتها باللام؛ لأنها تضمنت معنى الوصول والبيان، ولهذا قال المؤلف في تفسيرها: (بيَّنَّا لهم).
وقد مر علينا أن اللغة العربية قد تُعدي الفعل، أو بعبارة أعم: قد تعدي العامل بغير ما يَتَعَدَّى به، لماذا؟ ذكَرنا أن لِعلماء النحو في ذلك طريقين؛ الطريق الأول: التجوز بالحرف، والطريق الثاني: التجوز بالفعل.
فمثلًا هنا أَوضحُ مثال لكم قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦]، العين يُشرب بِها ولَّا منها؟
* طالب: منها.
* الشيخ: يُشرَب منها، الذي يُشرب به الإناء، نعم، لكن العين يُشرب مِنها، والآية الكريمة قال الله فيها: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾، فمعلوم أن الفعل هنا عُدِّى بغير ما يَتعدى به، فقال بعضُ النحويين: إن التجوز بالحرف، وإن الباء بمعنى (مِن)، فتكون تبعيضية.
وقال بعض النحويين: بل التجوز بالفعل (يشرب)، وأنه ضُمِّن معنى (رَوِيَ، يَرْوَى)، فمعنى ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ أي: يَرْوَى بها إذا شرب منها. وهذا في الحقيقة (...) مذهب البصريين، يرون أن هذا التجوز وأن يعبر بالتجوز موافقةً لهم في التعبير.
فهنا نقول: ﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ﴾، المعروف أن (وصَل) أو (وصَّل) يتعدى بأي شيء؟ (وصَل) ويش يتعدى به؟ بأي حرف من حروف الجر؟
* طالب: يتعدى بـ(إلى).
* الشيخ: بـ(إلى)، وهنا عُدِّي باللام، فنقول: إما أن تكون اللام بمعنى (إلى)، وإما أن نجعل (وصَّل) مشربًا معنى؟
* طالب: البيان.
* الشيخ: البيان، مشربًا معنى البيان، المعنى: ﴿وَصَّلْنَا﴾ إليهم ببيان.
﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾، (القول) يقول المؤلف: (القرآن). ولعله أعمّ مما قال المؤلف، وأن مراد (القول) أي قولنا، نعم. فالله تعالى ما يزال يُنَزِّل لعباده سبحانه وتعالى مِن قوله ووحيه ما تصلح به أمورهم.
أقول: ما زال الله تعالى يوصل القول إلى عباده وهو الوحي، إلى أن وصل إلى محمد ﷺ، إلى القرآن.
﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٥١]، يعني: ما أغفلناهم، بل ما زالت أقوالنا تصِل إلى الخلق وتُبيِّنُ لهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
(لعل) هنا للتعليل أو لأجل أن يتذَكَّروا، والتذكر بمعنى ذِكر الشيء، لكن لا لمجرد الذِّكْر، ولكن للاتعاظ به، ولهذا المؤلف رحمه الله دائمًا يفسِّر (يتذكرون) بلازمه، وهو الاتِّعاظ، وإلا أصل التذكر (تذكرتُ الشيء) أي: كنت مِنه على ذِكْر، لكن هناك لازم وهو الاتعاظ، أما مُجرد الذِّكر بدون اتعاظ فهذا لا ينفع، والمؤلف يقول: (يتعظون) أي تُؤَثِّر فيهم الموعظة والقول (فيؤمنون).
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ [القصص ٥٢]، ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ بمعنى أعطينا، فالإيتاء هنا شرعي ولَّا قدري؟ شرعي، إيتاء شرعي، ويَحتمل أن يكون ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ إيتاءً قدريًّا، يعني قدَّرنا أن يأتيهم الكتاب وهو الوحي فأتاهم.
وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ بمعنى المكتوب، والمراد به التوراة، وكذلك الإنجيل، التوراة والإنجيل كُلُّها تُسَمى كتابًا.
وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ الضمير يعود على القرآن، ﴿آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: مِن قبل القرآن.
﴿هُمْ﴾ أي: الذين آتيناهم.
﴿بِهِ﴾ (أي: بالقرآن).
﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يُصَدِّقُون ويَنقادون له.
الإعراب الآن:
الضمير مبتدأ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾، وجملة ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ صلة الموصول، و﴿هُمْ﴾ مبتدأ ثانٍ، و﴿بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ خبر المبتدأ الثاني الجملة، والجملة من المبتدأ الثاني والخبر، ابدأ بها؟
* طالب: ﴿هُمْ﴾.
* الشيخ: إي، صحيح.
﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص ٥٢]، الجملة من المبتدأ الثاني وخبرِه خبرُ المبتدأ الأول، والفائدة من تكرار المبتدأ: لأجل أن يكون إسناده، كأنَّ إسنادَ الإيمان إليهم مرتان، كأنه قال مرتين: مرة بالضمير ﴿هُمْ﴾، ومرة بالمبتدأ الأول ﴿الَّذِينَ﴾، ما هو (...)؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: طيب، ﴿هُمْ بِهِ﴾ وأتى بقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، بالفعل المضارع الدالِّ على الاستمرار إشارةً إلى أنهم تلَقَّوه عن قبول وإذعان، وأنهم ما زالوا على هذا الأمر. وهذه الجملة بالنسبة لِما قبلها في المعنى كأنّها إقامة دليل على الذين كَذَّبوا بالقرآن، يعني كأنه يقول: (الذين أوتوا الكتاب من قبلكم آمنوا بالقرآن)، مما يدل على أيش؟ على أنه حق ولَّا باطل؟ على أنه حق؛ لأنهم هم مع أنهم أهل كتاب ترَكُوا كتابهم وآمنوا بالقرآن، وأنتم أهل جهل وليس لديكم كتاب، فكان حقًّا عليكم أن تكونوا أيش؟ قبْلهم في الإيمان؛ لأنه من الصعب أن الإنسان ينتقل من كتابه أو مِن دينه إلى دين آخر، لكن ليس من الصعب أن الإنسان ينتقل من جهل إلى حق وعِلم.
ثم إنه فيه أيضًا، في هذا تأنيب لهؤلاء، فيه أيضًا دليل على أنه حق؛ لأن الذين أوتوا الكتاب ما آمنوا به إلا عن علم، وهو كذلك، فإِنه ما فيه شك أن النبي ﷺ كان مكتوبًا عند بني إسرائيل في التوراة والإنجيل: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦]، حتى أوصافه الخِلقية موجودة عندهم، بقطع النظر عن منهاجه وسيرته: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف ١٥٧]، هذا كله موجود في التوراة والإنجيل ومعروف، ولِهذا تجمَّع اليهود في المدينة من أجل أن يستقبلوا هذا النبيَّ الذي وجدوا صفته عندهم فيؤمنوا، ﴿وَكَانُوا﴾ كما قال الله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أيش؟ ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: يستنصرون عليهم بهذا النبي، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩].
فالحاصل أنه في هذه الآية، أقول: إنها وَجْهُ تَعلُّقها بما قبلها من وجهين:
الوجه الأول: تأنيب هؤلاء الجاهليِّين، ويش؟ على الكفر بمحمد ﷺ، معَ أن أهل الكتاب وهم على دين انتقلوا من دينهم إلى دينه، فكنتم أولى باتباعه.
والوجه الثاني: أنه إقامة دليل على صحة ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن هؤلاء الذين عِنْدهم علمٌ من الكتاب ما انتقلوا إلا عن علم بأنّه حق، فالمناسبة واضحة جدًّا بين هذه والنصوص التي قبلها.
ولا ريب أيضًا أن في هذه الآية ثناءً على الذين آمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام مِن الذين أوتوا الكتاب، ولِهذا (...) ﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، فلم يستكبروا عنه معَ أنّ لديهم كتابهم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، يعني قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص ٥٢] (...).
* الطالب: طيب يا شيخ لماذا ما قال (...)؟
* الشيخ: (...) للجنس، ينفي القول، (...) هذا الكتاب (...) يقول: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص ٤٦]، نعم؟
* الطالب: ولا نهي؟
* الشيخ: ولا نهي، ولا نفي، لكن هذه من باب الجنس، يعني معناه أننا ما تركناهم، بل إن القول وصل إليهم كما وصل إلى غيرهم، مثلما قلنا في تفسيرها: إن الله ما زال سبحانه وتعالى يُنزل الكتب على من سبق.
قال: (أيضًا)، أيش لون (أيضًا)؟ (﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ أيضًا)، ويش لون (أيضًا)؟
* طالب: يعني كذلك.
* طالب: يعني اللي بعدهم.
* الشيخ: يعني كما آمنوا بكُتبهم، و(أيضًا) يقولون: إنها من الأسماء الملازِمة للنصب على المصدرية؛ لأن فعلها (آضَ، يَئِيضُ، أَيْضًا) مثل: (باع، يبيع، بيعًا)، وإنَّ معناها رجع، نعم، فالمعنى: أنهم هم أيضًا يُؤمنون بالقرآن، قال المؤلف: (نزلت في جماعة أسلموا من اليهود كعبد الله بن سلام وغيرِه، ومِن النصارى قدِموا مِن الحبشة ومِن الشام)، وكذلك مِن غير الشام.
(أسلموا من اليهود مثل عبد الله بن سلام)، واشتهر عبد الله بن سلام بالإسلام وهو مِن اليهود؛ لأنه كان حبرًا من أحبار اليهود، وكان كما قال اليهود عنه في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام: إنه خيرهم وابن خيرهم، وسيدهم وابن سيدهم[[أخرج البخاري (٤٤٨٠) من حديث أنس.]]، معترفين له بالفضل والعلم والسيادة، فلهذا كانوا يضربون به المثل؛ لأن مثل هذا يا جماعة الذي يكون سيدًا في قومه قد تَحمِله السيادة على (...)، وقد يحمله أيضًا حبُّ الرياسة على عدم الاتباع لغيره؛ لأنه إذا تبِع غيره صار مرؤوسًا لا رئيسًا، ولَّا لا؟ لكنه رضي الله عنه (...) تواضع للحق فكان مؤمنًا بالرسول عليه الصلاة والسلام.
وقصة إيمانِه معروفة؛ فإن الرسول خبَّأهُ، ودعا اليهود، وسألهم عنه، وأثنوا عليه، وسألهم عن رسالة الرسول فكذَّبوا الرسولَ عليه الصلاة والسلام، فقال لهم: «مَا رَأْيُكُمْ لَوْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ؟» قالوا: حاشاه من ذلك، ما يُسلم؛ لأنه من خيرهم، فخرج وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فما خرجوا إلا وهم يثنون عليه شرًّا؛ لأنه أسلم[[أخرج البخاري (٤٤٨٠) من حديث أنس.]].
كذلك نزلت في (جماعة من النصارى قدموا من الحبشة)، هذا ما أعرف له مثالًا، تعرفون له مثالًا؟ قدِم النصارى من نجران وأسلموا، وفيهم نزلت: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة ٨٣]، ولكن الحبشة معروف أنه أسلم فيها نصارى، مثل مَن؟ مثل النجاشي، فإنه أسلم ودخل دين الإسلام وهو على دين النصرانية، ووصفه النبيُّ عليه الصلاة والسلام بأنه أخ للصحابة، وأنه رجل صالح، وهو كذلك، يعني: أخ لهم ورجل صالح.
فالمهم على كل حال ما يهمنا أعيان الذين أسلموا، المهم أن مِن الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى قومًا آمنوا بالقرآن أيضًا.
(﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ القرآن ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ [القصص ٥٣]).
ما شاء الله، وإذا يتلى قالوا، (إذا) كما نعرف شرطية، وجواب الشرط متصل بفعله مباشرةً، أو لا؟
* طالب: بفعل الشرط.
* الشيخ: إي، بفعل الشرط، جواب الشرط متصل بفعله مباشرة، أو لا؟
* الطالب: ﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا﴾.
* الشيخ: أسألكم، هذه قاعدة عامة: جواب الشرط يكون متصلًا بفعلِه مباشرة؟
* طالب: ما هو بلازم.
* الشيخ: بمعنى أنه متى وُجِد فعل الشرط وُجِد جوابه، ما هو معناه الاتصال اللفظي؛ الاتصال الوقوعي، إذا وُجِد الشرط وُجِد المشروط، نعم، أخذتم بالكم؟ وطبعًا على حسب الحال يعني، ما هو معناه أنه قد يكون فورًا، قد يكون حتى في المستقبل، فهنا يقول: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ [القصص ٥٣]، ﴿وَإِذَا يُتْلَى﴾، لم يقل: (إذا تُلِي)، فمعنى ذلك أنه أيّ آية تتلى عليهم يقولون: آمنا بها، ما آمنوا بالقرآن جملةً، آمنوا بالقرآن تفصيلًا؛ لأنَّ الفعلَ المضارع أيش يدل عليه؟ يدُل على الاستمرار، فكلما تُلِيَت عليهم آية آمَنُوا بها فزادتهم إيمانًا.
﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ أي يقرأ عليهم ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾، مع تردُّد ونظر وتفكير ولَّا على طول يؤمنون؟
* طالب: على طول يؤمنون.
* الشيخ: على طول؛ لأنه قلنا: إن جواب الشرط يلي فعل الشرط مباشرةً: وإذا يتلى قالوا آمنا به، أي: بالذي تُلِي عليهم مِن القرآن قليلًا كان أو كثيرًا.
ثم بيَّنوا أن إيمانهم هذا عن اقتناع وعلى أساس: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ [القصص ٥٣]، ﴿إِنَّهُ﴾ أي: ما تُلِي عليهم من القرآن، ﴿الْحَقُّ﴾ بمعنى: الشيء الثابت الواقع الصادق خبرًا العادل حكمًا.
وقولهم: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾، ولم يقولوا: مِن الله؛ لأن الرب هو الذي له التصرف المطلق، فهو يتصرف بعباده شرعًا، ويش بعد؟
* طالب: وقدرًا.
* الشيخ: وقدرًا، يتصرف بهم شرعًا وقدرًا، فكأنهم يقولون: إن ربنا لن يخلينا من أن يُنزِل القرآن، وله الحكم والتصرف المطلق كونًا وشرعًا.
وقولهم: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾، هذا إشارة إلى أنهم رضِي الله عنهم يفتخرون بانتسابهم إلى الله، ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾، الجملة من حيث المعنى محلها مما قبلها؟
* طالب: تعليلية.
* الشيخ: تعليلية، يعني: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ لا لأنه أعجبنا حُسنه وبيانه وبلاغته، ولكننا آمنا به لأنه الحق من ربنا.
فإذا قال قائل: (إنه) إذا كانت تعليلية، فلماذا لا تُفتح الهمزة: أنه ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾؟
لأن الجملة التعليلية على تقدير اللام، واللام إذا اتصلت بـ(إن) وجب فتح همزتها، فتقول: لِأن ذلك كذا، ولا تقول: لإن ذلك كذا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون ٦٠]، ولم يقل: إنهم إلى ربهم. فهنا لماذا لم تكن تعليلية؟
قلنا: الجملة التعليلية قد تكون تعليلية من حيث المعنى فقط، يعني يلاحَظ بها المعنى فقط، وقد تكون تعليلية يُلاحَظ فيها اللفظ مع المعنى، فإن لُوحِظ معها اللفظ مع المعنى فإنها تُفتح الهمزة؛ لأنها على تقدير اللام، وإن لُوحِظ المعنى فقط فإنها تُكْسر الهمزة. وهنا لُوحِظ أيش؟
* طالب: المعنى.
* الشيخ: المعنى فقط، لوحظ المعنى فقط. وملاحظة المعنى وملاحظة اللفظ أيهما أوْلَى؟ نقول: لكل مقام مقال، فملاحظة المعنى فائدتها أن الجملة تكون من حيث اللفظ منقطعةً عما قبلها، فكأنها جملة خبرية مستقلة، وكأنها منقطعة عن اللفظ، لكن إفادة التعليل مِن السياق.
وأما التعليلية اللفظية، فإنها تكون مرتبطة بما قبلها، وإذا شئتم ما يوضح ذلك فاقرءوا قول ابن مالك: (فاكسر في الابتدا)، فهذا هو الفرق بين الجملة التعليلية التي قُصد بها اللفظ والمعنى، أو التي قُصد بها المعنى فقط.
﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص ٥٣]، مِن قَبْل أيش؟
مِن قبل القرآن، ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل القرآن.
﴿مُسْلِمِينَ﴾، قال المؤلف: (موحِّدِين)، ولو أنه فسر الإسلام بظاهره لكان أولى؛ لأن الإسلام معناه الاستسلام والانقياد، وأصله من عدم المعارضة والمحاربة، ولهذا يُقال: السِّلم والإسلام، يعني معناه عدم المعارضة والمحاربة.
فكلمة ﴿مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ أي: منقادين مذعنين للحق.
وقولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ليس المراد بذلك الفخر والإعجاب بالعمل قطعًا؛ لأن السياق سياق ثناء، ولكن المراد بذلك الثناء على الله بما كانوا عليه في الحالَين؛ في الحال السابقة وفي الحال الثانية، في الحال الثانية: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ [القصص ٥٣]، والحالة الأولى كانوا من قبله مسلمين منقادين متبعين للرسول الذي جاء إليهم.
طيب، ويش إعراب ﴿مُسْلِمِينَ﴾؟
* طالب: خبر يا شيخ (كان).
* الشيخ: خبر (كان)؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: إي، خبر (كان) ولَّا ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ هو الخبر؟
* الطالب: لا، ﴿مُسْلِمِينَ﴾.
* الشيخ: إي، ﴿مُسْلِمِينَ﴾ هو الخبر، نعم، ولو تقدَّم عليه ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾؛ لأن الخبر ما تحصُل به الفائدة، سواءٌ تقدم أو تأخر.
قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص ٥٤].
﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليهم مَن؟ الذين أوتوا الكتاب ثم آمنوا بالرسول ﷺ، أوتوا الكتاب من قبل فآمَنوا به ثم آمَنوا بالرسول.
﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ﴾ أي: يعطون ﴿أَجْرَهُمْ﴾، وهذه فيها شاهد لدرس البارحة، أو لا؟ يعطون ﴿أَجْرَهُمْ﴾، درسنا في النحو؟
* طالب: إي.
* الشيخ: (...)؟
* الطالب: لا، هذه ﴿يُؤْتَوْنَ﴾ من باب الكسر.
* الشيخ: من باب الكسر، إي نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: مقام الفاعل؛ لأنه (...) المفعول، وهو الواو، نائب فاعل ﴿يُؤْتَوْنَ﴾ والمفعول الثاني؟ وين المفعول الثاني من ﴿يُؤْتَوْنَ﴾؟ ﴿أَجْرَهُمْ﴾ نعم.
وأما قوله: ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ فإنه مفعول مطلق، يعني أنه دال على المصدر لكنه بغير لفظه، كل ما دل على المصدر بغير لفظه فهو مفعول مطلق.
(﴿مَرَّتَيْنِ﴾ بإيمانهم بالكتابين) فهم يُؤتون أجرَهم مرتين، المرة الأولى على الإيمان بالكتاب السابق، والمرة الثانية على الإيمان بالقرآن، وأما أهل الجاهلية الذي آمنوا بالقرآن فيُعطَون أجرهم مرة واحدة؛ لأنهم ما آمنوا مرتين.
وقد ثبت بهذا الحديثُ عن النبي عليه الصلاة والسلام إضافةً لهذه الآية، فإن النبي عليه الصلاة والسلام ذَكَر الذين يؤتون أجرهم مرتين الرجل الذي آمن بالكتاب الذي نَزَل إليه ثم آمن بما أُنزِل على محمد، والرجل يُعتِق المرأة ويتزوجها، والثالث العبد الذي أحسن في عبادة الله وفي معاملة مواليه[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠١١)، ومسلم (١٥٤).]].
قال: ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص ٥٤] الباء للسببية، و(ما) مصدرية.
وما معنى المصدرية أو ما علامتها؟ علامتها أن تُحوَّل (...) ما بعدها إلى مصدر، فهنا نقول في التحويل كما قال المؤلف: (لصبرهم)، وأسألكم الآن: هل تصح أن تكون (ما) اسمًا موصولًا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الجملة ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ يصح؟ الجملة ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾، ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ بالذي ﴿صَبَرُوا﴾؟ لا، ما يصِح؛ لأنه أيش معنى (بالذي صبروا)؟ ثم لو كانت موصولة لكانت على تقدير الضمير: (بالذي صبروه)، وهذا ما يستقيم. فإذن هنا يتعين أن تكون مصدرية، أي: (بصبرهم)، وهو أحد محامل (ما) العشرة، نُكرِّرها لأجل تبقى في أذهانكم.
* طالب: حافظها.
* الشيخ: حافظها، اقرأها علينا.
* الطالب:
مَحَـــــــامِلُ (مَا) عَــــشْرٌ إِذَا رُمْتَعَــــــدَّهَا ∗∗∗ فَحَافِظْ عَلَى بَيْتٍ سَلِيمٍ مِنَ الشِّعْرِ؎سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَـــفٍّ وَنَفْيٍ زِيــدَ تَعْظِـــــيمُمَصْـــــــدَرِ
* الشيخ: إي، ما شاء الله، أعيدها، نعم، طيب:
سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَـــفٍّ وَنَفْيٍ زِيـــدَ تَعْظِــــيمُمَصْــــــدَرِ
اللي يعنينا مِن هذا البيت قوله: (مصدر).
وقوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: (بصبرهم على العمل بهما)، وهذا الصبر على العمل بهما هل هو مِن باب الصبر على طاعة الله، أو مِن باب الصبر عن معصية الله، أو مِن باب الصبر على أقدار الله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، نقول: هو الثلاثة تجتمِع، ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ على طاعة الله، فإن الشرع فيه أوامر شاقَّة على النفوس تحتاج إلى معالجة، فهذا صبر على طاعة الله.
في الشرائع نواهٍ نُهِي عنها، قد يشُقُّ على النفس تركُها، ففيها صبر أيش؟ عن معصية الله.
كذلك أيضًا في الشرائع إيذاء، فإن المجرمين يؤذون المؤمنين، وربما يضربونهم، وربما يقتلونَهم، أليس كذلك؟ وهذا صبر أيش؟
* طالب: على أقدار الله.
* الشيخ: على أقدار الله المؤلمة.
فعلى هذا يكون الصبر على الشرائع يتضمن الصبر بأنواعه الثلاثة: الصبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب، ﴿بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ﴾ [القصص ٥٤]، وأصل الصبر في اللغة الحبس، ومنه قولهم: (قُتِل فلان صبرًا) أي: محبوسًا على القتل، أُمسِك وقُتِل، فمعنى الصبر: حبس النفس، والنفس تحتاج إلى حبس على طاعة الله سبحانه وتعالى؛ لأنه كم من إنسان يقول له ضميرُه: افعل كذا من الطاعة، وربما يفعل البعض ثم يعجز فلا يصبِر نفسه. وكذلك بالنسبة للمعاصي، فإن النفس المطمئنة تزجُر المرءَ عن المعصية، ولكن تأتيها النفس الأمارة بالسوء فتأمره بالمعصية، وحينئذٍ تتصارع النفسان، والتوفيق بيد الله عز وجل.
كذلك بالنسبة للأقدار: مِن الناس مَن لا يصبر على الأقدار، بل إذا نزل به القدر يمكن - والعياذ بالله - يكفر، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج ١١]، فإن بعض الناس قد لا يصبِر على الأقدار المؤلِمة، وتجده يقنط، فيه ناس يقال: إنهم إذا أصيبوا بالمصائب انتحروا! هؤلاء غاية في الصبر؟!
* طالب: لا.
* الشيخ: لا؟ بالعكس: ما فيهم صبر، هؤلاء ما صبروا على الأقدار فقَتلوا أنفسهم ليُعَذَّبُوا بما قَتلوا به أنفسهم في نار جهنم - والعياذ بالله - ويُخَلَّدُون فيها. لكن الصبر على الأقدار المؤلمة هذا أمر يمكن للإنسان أن يصبر عليه ويعني يُحاسِب نفسه حتى يستقيم في أفعاله.
فالمهم أن الصبر إذن ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة. أيهما أعلى وأكمل؟
* طالب: على طاعة الله.
* الشيخ: إي، من حيث (...) على طاعة الله، الصبر على الطاعة أفضل؛ لأن فيه جهادَين: جهاد على العمل، وجهاد على تحمُّل العمل.
ثم الصبر عن المعصية؛ لأنه (...) جهاد واحد، على العمل ولَّا على تحمل تركه؟ تحمُّل تركه، ما فيه عمل، يقال: لا تزن، نعم، ما أُمِرت وكُلِّفت بفعل شي.
الصبر على الأقدار المؤذية أو المؤلمة هو أدناه؛ لأنه صبرٌ على ما لا اختيار للمرء فيه، كما قال بعض السلف: إما أن تصبر صبر الكرام، وإما أن تَسْلُوَ سُلُوَّ البهائم. كل إنسان إذا أُصِيب بمصيبة وطال عليها الزمن تبقى في نفسه ولَّا لا؟ ينسى، يسْلُوَ سُلُوَّ البهائم، البهيمة مثلًا تجدها (...)، لكن لو يحط لها علفًا جيدًا وماءً جيدًا نسيت، فإما أن تصبر صبر الكرام وإما أن تسْلُوَ سُلُوَّ البهائم. ولهذا كان صبرُ يوسف على تَرْك الزنا بامرأة العزيز أكملَ من صبره على ما حصل من قضية إخوانه له بلا ريب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف ٢٤]، ولم يقل مثلَ هذا حين ألقوه في غيابات الجب.
* طالب: قلنا: إن الصبر على الطاعة يكون أعظم من الصبر عن المعصية.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: ولكن المعاصي كثرتها (...).
* الشيخ: إي، يؤلمك لكنه شيء بِغير اختيارك.
* الطالب: (...).
* الشيخ: بغير اختيارك، يعني أنت المعاصي تركتَها باختيارِك.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: تقدر تفعلها لكن ما فعلتها، أما هذا ما تقدر ترفع البلاء.
* الطالب: (...).
* الشيخ: البلاء الذي نزل عليك ما ترفعه، فأنت افرض نزل بإنسان بلاء هل يقدر يرفعه إذا قام يخبِّط وجهه ولَّا يشقق ثوبه.
* الطالب: لا، ما يقدر.
* الشيخ: ما يقدر.
* الطالب: لكن لو صبر واستسلم (...).
* الشيخ: لا؛ لأن الاستسلام للشرع أفضل مِن الاستسلام للقدر، الاستسلام للشرع هو الذي يُمدَح عليه الإنسان ويحمد ويُثنى عليه، لكن الاستسلام للقَدَر كلُّ الناس يستسلمون للقدر، حتى يعني، أما تسمع قول الجاهلي:
وَتَجَلُّـــــدِي لِلشَّامِتِـــــينَ أُرِيهُــمُ ∗∗∗ أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَاأَتَضَعْضَعُ
حتى الكفار الآن يعني أفعالهم تنزِل بهم المصائب، ولكن يقول: ما يهم، يصبِر ويكابد وهو كافر، ما يرجو بذلك الأجر ولا الثواب.
* طالب: بس فيه وجه يا شيخ (...) الصبر على المشاق، الصبر على الطاعات يمرن الإنسان عليه بالتدريب، يعني خلاص يأخذ عليه.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: مثل التمرن على الصلاة، على الصيام، (...).
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: لكن إذا طرأت له مصيبة عظيمة كـ(...) مثلًا.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: هذا شيء ما تمرن عليه؟
* الشيخ: إي، بس قد يتمرن عليه إن أُصِيب (...) لا يتمرن، حتى العبادات مثل الحج ما يأتي إلا مرة واحدة في العمر.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: فلذلك يعتبر صبرًا على الطاعة، مع مشقته البدنية والمالية والأمنية، مسألة للوقوع وعدم الوقوع هذا شيء آخر، مع أننا نقول: هل الرجل يكابد الطاعة ويجد من نفسه مشقة في معالجتها عند فعل الطاعة وإنسان آخر تمرَّن على الطاعة فصارت يعني أمرًا سهلًا عليه، أيهما أفضل؟
* طالب: مَن سهل عليه.
* الشيخ: أما الأول فهو أشق عملًا، والثاني أكمل حالًا، الثاني الذي صارت الطاعةُ كأنها سجية في نفسه، هذا لا شك أنه أكمل حالًا من الأول؛ لأن هذا كأن الطاعة صارت غريزة مِن محبته لها وسهولتها عليه، لكن الأول أشق عملًا، فيُعطَى هذا أجرَ الكُمَّل، وذاك يُعْطَى أجرَ الصابرين؛ لأنه فيه نوع من المكابدة والمشاق. والعلماء مختلفون في هذه المسألة أيهما أفضل؟ ولكن الصواب هذا التفصيل، فيقال: الذي يفعل الطاعة وهي سهلة عليه وينقاد لها بدون مكابَدة، هذا لا شك أنه أكمل حالًا من الأول بلا ريب، والثاني أشق عليه فيُعطَى الأجر على قدر المشقة النفسية.
الآن شوف مثلًا واحدًا يحضر للدرس بسهولة وانقياد ويرى أنه غنيمة، وآخر لا، يكابد نفسه (...) يطلع مثلًا مِن البيت لأجل أن يحضر الدرس، أيهما أكمل حالًا؟
* طالب: الأول.
* الشيخ: الأول، وإن كان الثاني يُؤْجر على فعله، لكن الأول أكمل حالًا وأقرب منزلة.
طيب، ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص ٥٤]، والباء في قوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ ليش هي؟ للسببية، أي: بسبب صبرهم.
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص ٥٤]، يدرءون: (يَدْفَعُونَ) ﴿بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾.
﴿السَّيِّئَةَ﴾ مفعول به، والباء في قوله: ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ هذه باء الآلة، مثلما تقول: (ذبحت بالسكين، وضربت بالعصا) فعندنا دارِئٌ ومَدْرُوء ومدروءٌ به، مَن الدارئ في الآية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، في الآية، من الدارئ؟ العاملون، والمدروء؟
* طالب: السيئة.
* الشيخ: السيئة، والمدروء به الحسنة، كما تقول: (ذبحت بالسكين)، فعندنا: ذابح ومذبوح ومذبوح به الآلة، فالحسنة لهم بمنزلة الآلة التي يتوصلون بها إلى غرضهم.
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾، ﴿السَّيِّئَةَ﴾ يقول المؤلف: (منهم)، فإذا فعلوا سيئةً أتَوا بعدها بحسنة فاندفعت السيئة، هذه الحسنةُ المدروء بها السيئة تنقسم إلى قسمين: قسم تُزيل السيئةَ من باب المقابلة، وقسم آخر تُزيل السيئةَ من باب المحو والإزالة -أخذتم بالكم يا جماعة؟- الحسنات التي تُدْرأ بها السيئات تنقسم إلى قسمين: قسم من باب المقابلة، وقسم من باب المحو والإزالة، فإن كانت الحسنةُ المدروء بها السيئة، إن كانت توبةً، والتوبة من الحسنات ولَّا لا؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢]، إن كان من باب التوبة فهو من باب المحو والإزالة، وإن كانت حسنةً أخرى كما لو دَفَع السيئاتِ بالصلاة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]، فهذا الدرءُ من باب؟
* طالب: المقابلة.
* الشيخ: من باب المقابلة، يعني أن ثواب الحسنة يُقابَل بعقوبة السيئة، من باب الموازنة، فإذا رجَح ثوابُ الحسنة انمحت السيئة، وإلا فلا.
أيهما أكمل؟ أي الدَّرْأينِ أكمل؟ الأول ولَّا الثاني؟
الأوَّل أكمل؛ لأنه إذا حصل الأولُ صارت الحسنة الثانية زيادة رفعة في الدرجات، ما هو بمقابلة بالسيئة. ثم إنه إذا كان الدرء من باب المقابلة، فقد تضعف الحسنةُ الثانية، الحسنةُ تَضعف عن مقابلة السيئة، فصار الدرء بالتوبة أكملَ من الدرء بفِعل حسنة أخرى تُقابِل السيئة، وكِلا الأمرين يحصل بهما الدرء.
وقول المؤلف: (منهم).
يعني في الحقيقة أن هذا الكلام وجيه، لكن لو قلنا: إنها أعم، وأنهم يدرؤون بالحسنة والسيئة مِنهم ومِن غيرهم. كيف مِنهم ومِن غيرهم؟ يعني إذا أُسِيئَ إليهم دفعوا الإساءة بالإحسان، فيكون هنا ثناءً عليهم من حيث معاملتهم مع الخلق، يصلُح ولَّا ما يصلح؟ يصلح، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٤، ٣٥].
وعلى هذا فنحمِل الآية على المعنيين: يدرؤون بالحسنة السيئة بالنسبة لما يقع منهم في عبادة الله، ويدرؤون بالحسنة السيئة بالنسبة لما يقع من غيرهم في المعاملة. إذا عُوملوا، أساء إليهم أحد، قابلوه...
الشيخ: في هذا النهي، قال: هذا النفي نفي للحق، يعني للمعبود الحق، فإنه لا إله إلا الله بحسبه.
............................ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا؎يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً ∗∗∗ وَمِـــنْ إِسَاءَةِ أَهْــلِ السُّــوءِإِحْـــسَـانَا؎فَلَيْــــــتَ لِي بِهِمُ قَــــــــــوْمًا إِذَارَكِبُــــوا ∗∗∗ شَنُّــــوا الإِغَــــــــــــارَةَ فُرْسَــــــــانًاوَرُكْـــبَانَا
الآن (...)؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: (...) (يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة).
* طالب: (...).
* الشيخ: للعجز، فهنا درءُ السيئة بالحسنة ممدوح إذا كان على سبيل العِز، أما إذا كان على سبيل الضعف فهذا ما هو ممدوح، لو واحد جاءه قاطع طريق وقال: يللا أعطني ثيابك. قال: أعطيك ثيابي والعصا اللي معي على البعير! ويش يصير هذا؟ أو لما قال: يللا أعطني رحل البعير، قال: اصبر اصبر، هلا أكفيك، خلني أفكه لك لأجل ما تتعب وأحمله على بعيرك، هذا طيب ولَّا لا؟
* طالب: لا، ما هو طيب.
* الشيخ: هذا ما هو طيب، هذا ضعف، ولهذا قال الرسول «لما سأله الرجل عن إنسان يأتي ليأخذَ مالك قال: «لَا تُعْطِهِ»، قال: أرأيت إن قاتلني، قال: «قَاتِلْهُ»[[أخرجه مسلم (١٤٠/٢٢٥) من حديث أبي هريرة.]]. المهم أننا نقول: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ (منهم) الصواب أن نجعلها أعم، فـ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص ٥٤] منهم في معاملتهم مع الله، ومن غيرهم في معاملتهم مع مَن؟ مع الخلق.
قال: (﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤] يتصدقون)، ويُهدون أيضًا، ما هم لازم يتصدقون؛ لأن الهدية قد تكون محمودة إذا كان الغرض منها جلب المودة: «تَهَادُوا تَحَابُّوا»، «تَهَادَوْا» أو «تَهَادُوا»؟
* طالب: «تَهَادُوا».
* طالب: «تَهَادَوْا».
* الشيخ: طيب، تهادَى الرجلان يتهادَيان؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: فإذن «تَهَادَوْا تحابُّوا»[[أخرجه أحمد (٩٢٥٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
طيب، الشاهد أن قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [القصص ٥٤]، ﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾ بمعنى: أعطيناهم، فالرِّزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨]، أي: أعطوهم، فالرزق: العطاء.
وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾، (مِن) هنا هل هي لبيان الجنس أو للتبعيض؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الأَوْلَى أن نجعلها لبيان الجنس؛ لأنه في بعض الأحيان يكون إنفاق المال كلِّه من الأمور المحمودة، فقد حث النبيُّ عليه الصلاة والسلام ذات يوم على الصدقة، فقال عمر: الآن أسبق أبا بكر. فأتى بنصف ماله، ولكن أبا بكر أتى؟
* طالب: بماله كله.
* الشيخ: بمالِه كله[[أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (٥٢٧) عن عمر بن الخطاب.]]، فالإنفاق إذا جعلنا (مِن) لبيان الجنس فهو أوْلَى، أيش (...) يشمل؟
* طالب: بذل المال كله.
* الشيخ: يشمل بذل المال كله أو بعضه، يعني قد يكون من الخير بذله كله، وقد يكون من الخير بذل بعضه، حسب الحال الذي أُنفِق فيها. فـ(مِن) الأوْلَى أن نجعلها لبيان الجنس.
وقوله: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤]، الإنفاق بمعنى البذل، لا بمعنى الصدقة، لكن الذي أوجَب للمؤلف أن يخصَّه بالصدقة؛ لأن المقام مقام ثناء، ولكن الأولى أن نجعلَه على عمومه، ونجعل ﴿يُنْفِقُونَ﴾ أي: يبذلون ويُعطُون؛ لأنه قد يكون البذل تصدقًا خيرًا، وقد يكون البذل توددًا خيرًا أيضًا، قد يكون أفضل من الصدقة في بعض الأحيان، وعلى هذا فنقول الأَوْلى أن يجعل الإنفاق في معنى الإعطاء والبذل، سواء كان صدقة أو كان هدية أو كان هبة، وتعرفون الفرق بين الأمور الثلاثة، ويش الفرق بين الهبة والهدية والصدقة؟
* طالب: الهدية (...).
* الشيخ: إي، والصدقة تتصدق عليه.
* الطالب: الصدقة يتصدق على...
* الشيخ: على إنسان.
* الطالب: على (...).
* الشيخ: إي.
* الطالب: الهدية.
* الشيخ: والهبة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: والهبة؟ من يعرف الفرق بينها، بين الثلاثة؟
* طالب: الهدية هي إعطاء المساوي أو الأخ للإنسان بقصد التودد والتقرب، والصدقة إعطاء الأدنى بقصد الإنفاق.
* الشيخ: إي.
* الطالب: وأما...
* الشيخ: الهبة.
* الطالب: الهبة إعطاء المساوي، يعني ما هو بالدون بقصد الإعطاء.
* الشيخ: لا، الفرق بينهما: الصدقة ما أُرِيد بها وجه الله، يتقرب بها إلى الله، ما يهمه تقرب إليها بمعطى أم لا. والهدية ما قُصِد به التودد للمعطى، يعني يريد أن يتقرب إلى المُعطى ويتقرب منه المعطى. والهِبة ما قُصِد به وجه الموهوب فقط، ما قُصِد به أنه يتقرب إلى هذا الموهوب له ولا أن يتقرب إلى الله بذلك، قَصَد به نفعه، فهذه تُسمى هبة. وكلها محمودة في الواقع، لكن هل بعضها أفضل من بعض؟ هذا على حسب الحال.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤] إلى آخره.
* طالب: الترجيح في مذهب البصريين في التجوز بالفعل؟
* الشيخ: لأنه يتضمن معنيين؛ معنى (...) الفعل موجود، ومعنى (...)، وذاك ما يتضمن إلا معنى واحدًا فقط، وهو تحويل معنى الحرف إلى المعنى الجديد.
* الطالب: شيخ، ألا يكفي هذا (...)؟
* الشيخ: لا، زيادة معنى ما فيه شك أنه أولى، زيادة معنى فائدة.
* الطالب: عندنا فعل واحد.
* الشيخ: ما يخالف، فعل واحد يُشرَب معنى الفعل الثاني الذي يتعدى بهذا الحرف الموجود، (...) إذا صارت الجملة تدل على معنيين أكمل من أن تدل على معنى واحد.
* الطالب: في مثل: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا﴾ [الإنسان ٦]، ما عندنا الرواء، نقول: الشرب فقط.
* الشيخ: إي، لكن أصله الشرب قد يكون شربًا لا يروى به العبد.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وقد يكون شربًا يروى به.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: أهل النار يشربون من الحميم شُربَ الهِيم ولا يروون، ويش الفائدة من الشرب؟ لكن هؤلاء يشربون من هذه العين ويروون بها، فتضمنت الآن معنى الشرب ومعنى الرِّي. ومنين فهمنا معنى الرِّي؟ مِن تعدي هذا الفعل بالحرف الذي يُنَاسِب الرِّي.
* الطالب: ألا يحسن أنه يتعدى الفعل (...)؟
* الشيخ: ويش؟ هذا أنسب ما يكون؛ لأن الشرب يناسبه الرِّي، ما يناسبه الشِّبَع مثلًا، ما يمكن أن تقول: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ يعني: يشبع بها، ما يناسب.
* الطالب: يرِد عليه أنه ما يتعين، كنا ذكرنا...
* الشيخ: لا، يرد عليه أنه يتعين من المقام، ولا بد يُقدَّر فعل يناسب الفعل الثاني، مِثل أن يكون سببًا له أو متفرعًا عنه وما أشبه ذلك (...) المهم أن التضمين يُفيد معنيين، والتضمين بالحرف يفيد معنًى واحدًا.
* طالب: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة ٥٥] أيش تعني؟
* الشيخ: ﴿الْهِيمِ﴾ الإبل العطاش.
* الطالب: ما (...)؟
* الشيخ: إلا، هو الماء.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الهيام نوعان: هيام على الأكل، وهيام على الشرب.
* الطالب: الهيام يروى؟
* الشيخ: إلا، يروى أو لم يرو، (...) اللي يشرب ولا يروى ويش؟ سليم ولَّا مريض؟ اللي يشرب ولا يَروى سليم ولَّا مريض؟
* الطالب: لا، مريض.
* الشيخ: هذه، نعم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، (...) القرآن الكريم، وفيه بعض العامة يستنكر من بعض السائلين اللي يسأل: ارزقني ريالًا، يقول: هذا مشرك والعياذ بالله!! نعم، (...)، الرزق بمعنى العطاء. (...)
* * *
* يستفاد منه: أن الله سبحانه وتعالى لم يُخلِ الأرض من الوحي؛ لأن التوصيل معناه وَصْل الآخِر بالثاني.
* ويُستفاد منه: أن الوحي مشتمِل على غاية البيان؛ لأننا قلنا: إن (وَصَّل) مُضَمَّن معنى: بَيَّن.
* ويستفاد منه: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة بإيصال القول إليهم ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ﴾ [القصص ٥١].
* ويستفاد منه أيضًا، يستفاد منها: أن الحكمة من الوحي هو التذكُّر والاتعاظ؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٥١].
* ويستفاد منه: إثبات العِلَّة في أحكام الله الكونية والشرعية، وأنه ما يفعل شيئًا ولا يشرعه إلا لحكمة.
* قلنا: يستفاد منه: تعليل أفعال الله وأحكام الله الكونية والشرعية، والذي خالف في ذلك؟
* طالب: الأشاعرة.
* الشيخ: وغيرهم؟ الجهمية هم الأصل، قالوا: أفعال الله ما هي تُعَلَّل، وأحكامه لا تعلل.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص ٥٢].
* يستفاد من هذا، أولًا: أن اليهود والنصارى فيهم مَن آمَن بالقرآن؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾.
* ويستفاد منه أيضًا: أن حُكْم الفرد قد يتناول جنسَه، أيش معنى هذا؟ معناه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾، لو نظرنا إليها وجدنا أنها عامة تشمل كُلَّ الذين أوتوا الكتاب. وهل هي عامة؟ هل كلُّ الذين أوتوا الكتاب من قبل آمنوا بالقرآن؟ أبدًا، فيه نصارى بقوا على نصرانيتهم وفيه يهود بقوا على يهوديتهم، ولكن مِن هؤلاء مَن آمَن، يكون معنى ذلك أننا أعطينا الجنس حكم الفرد، أو ما فهمتم هذا؟ يعني كأنه يقال: إيمان عبد الله بن سلام وإيمان النجاشي مثلًا، ما هو (...) أن هذا اسمه عبد الله بن سلام، وهذا اسمه النجاشي، لكن لأنهم أُوتُوا الكتاب، فهُم آمَنوا لا لأسمائهم، ولكن لِمَا علموا من كتبهم بأن الرسول ﷺ سيُبْعث، وهذا يقتضي أن يكون كل هذا الجنس، يجب أن يكون مُؤْمنًا وإن لم يؤمنوا كلهم.
والمهم أنه يستفاد من هذه الآية: إعطاء الجنس حكمَ الفرد، ما دام أن هذا الحكم سببُه يشمَل جميع الجنس. مثلًا: ما سبب إيمان عبد الله بن سلام؟ عِلْمُه بما في التوراة مِن صفات الرسول ﷺ، هذا العِلم يختَصُّ به ولَّا يشمل جميع اليهود؟ يشمل جميع اليهود، إذن فهنا أعطينا الجنس حكم الفرد؛ للعلة التي تشمله وغيرَه، وإلا قد يقول قائل: ما نرى أن الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون، ما كلهم آمنوا، لكن نقول: ما آمن إلا بعضهم، لكن هذا الإيمان مِن بعضهم حمَلَه عليه العِلَّة الشاملة لجميع الجنس.
* فنستفيد من هذا: أننا نُعطي الجنس حكمَ الفرد إذا كان علة هذا الحكم شاملةً للجميع، إذا كانت علة هذا الحكم شاملةً للجميع فإنه يُعطَى الجنس حكم الفرد.
* يستفاد من هذه الآية أيضًا: الثناء البالغ على الذين آمنوا بالقرآن وبالكتب السابقة؛ لقوله: ﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾.
* ويستفاد منه: أن صفةَ النبي ﷺ موجودة فيما سبق مِن الكتب: التوراة والإنجيل، وهذا صريح في آية الأعراف في قوله: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ...﴾ إلى آخره [الأعراف: ١٥٧].
ثم قال: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص ٥٣].
* يُستفاد من هذا أيضًا، من هذه الآية: زيادة الثناء على هؤلاء بأنهم يُؤمنون بكل ما يُتلى عليهم، ما هم ما آمنوا بالقرآن جملة فقط، ولكن جملةً وتفصيلًا، وأخذنا ذلك من قوله: ﴿وَإِذَا يُتْلَى﴾، و﴿يُتْلَى﴾ فعل مضارع يدل على الحدوث والاستمرار، نعم، يدل على التجدد والحدوث، وأن هذا شأنُهم كلما تُلِي عليهم.
* ويستفاد مِنه أيضًا، مِن الآيات الكريمة: أنهم آمنوا لا لِمُجرد الهوى، ولكن آمنوا إيمانًا مبنيًّا على اقتناع. منين يؤخذ؟ من قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾، ما آمنوا هكذا تبعًا للناس، ولكن آمنوا عن اقتناع: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾.
* ويستفاد منه أيضًا: بأن القرآن مِن عند الله؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾.
* ويستفاد منها: كمالُ عقلِ هؤلاء الذين آمنوا، حيثُ عبروا هنا بالربوبية: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾ دون الألوهية؛ لأن المقام يقتضي ذلك، فإن الرب له حُكم، يحكم بما يشاء كونًا وشرعًا.
* ويستفاد من هذا أيضًا: أن هؤلاء كانوا مؤمنين مسلمين منقادين للكتب السابقة؛ لقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾.
* ويستفاد منه: جواز ثناء المرء على نفسه بالصفات المحمودة، بشرط أن يكون في ذلك مصلحة، وألا يكون فيه افتخار وعُلو على الغير؛ لقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾، وهذا أمر واقع من الرسول ﷺ ومِن الصحابة ومن أهل العلم، قال النبي ﷺ:
«أَنَا النَّبِيُّ لَاكَــــــذِبْ» ∗∗∗ «أَنَا ابْنُ عَبْدِالْمُطَّلِبْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣١٥) ومسلم (١٧٧٦/٧٨) من حديث البراء بن عازب.
]]
وقال ابن مسعود: «لو أعلم أن أحدًا تبلغه الإبل أعلمُ بكتاب الله مني لذهبتُ إليه»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٠٢) ومسلم (٢٤٦٣/١١٥).]]، فهذا ثناء على نفسه، لكن لمصلحة. والعلماء دائمًا إذا كتبوا في كتاب يُثنون عليه بما يقتضي هذا الكتاب مِن أوصاف الثناء، ومعلومٌ أن الثناء على الكتاب ثناء على مصنِّفه، لو أنك أثنيت على هذا البناء وقلتَ: ما شاء الله هذا بناء جيد ومحكم وجميل، من أثنيتَ عليه في الواقع؟ أثنيتَ على الباني، إي نعم، على الباني. فهذه المسألة يجوز للإنسان أن يُثنِي على نفسه بصفات الحمد، بشرط ألا يُريد بذلك الافتخار على غيره، والشرط الثاني أيضًا: أن يكون في ذلك مصلحة. أما الشرط الأول فوجهُه ظاهر؛ لأنه إذا قَصد بذلك الافتخار والعلو على الناس فهذا قصد محرم، ولهذا قال رسول الله ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا فَخْرَ»[[أخرجه الترمذي (٣١٤٨) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]].
وكذلك أيضًا اشتراط أن يكون فيه مصلحة؛ لأنه إذا لم يكن فيه مصلحة كان لغوًا من القول على أقل ما نقول فيه، كان لغوًا من القول؛ لأنه ليش الإنسان يمدح نفسه بدون مصلحة؟ إلا أنه لولا أنه يريد أن يُبرِز صفاته لِيفتخرَ بها على غيره ما فعل ذلك، حتى لو قال: أنا ما أريد الفخر، نقول: إذن لماذا؟ نعم.
* * *
قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مصلحتُهم أنّه يحثهم على الأخذ منه.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لكن، طيب، إذا بينا أنه يحفظ كذا وكذا، فأنا مثلًا قد تكون هذه الأشياء ليست عندي فأحرِص عليها، أو أعرف مثلًا أنه أحفظ مني فأرجع إليه في المسائل. المهم ما يُعتقد بأهل العلم -لا سِيَّما المشهورون بالفضل- أنه يريد بس مجرد إظهار صفاتهم الحميدة، فهذا معنى ليس بسليم أبدًا، لكن هم يقصِدون مصلحة، والمصلحة هذه تختلف باختلاف الأحوال.
* الطالب: يعني يا شيخ ما نقول: إن الأصل (...)؟
* الشيخ: لا، نقول: الأصل أن هذا لغو من القول؛ إذ لا فائدة منه، والرسول يقول: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨) ومسلم (٤٧/٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فما دام ما فيها خير... ثم إنها تؤدي إلى مفسدة؛ لأنه إذا فرضنا أن هذا الرجل مئة بالمئة ما قصده الافتخار، لكن يفتح بابًا لغيره، يفتح بابًا لآخرين، يفتخِرون بذلك.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤].
* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين مِن أهل الكتاب لهم أجران؛ الأجر الأول: الإيمان بكتابهم، والثاني: الإيمان بالقرآن.
* ومن فوائدها: إثبات عدل الله سبحانه وتعالى، حيث لم يُضيِّع أجرهم الأول بالأجر الثاني، ولا الأجر الثاني بالأجر الأول.
* يستفاد من ذلك أيضًا: أن الثواب على قدر العمل، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨]، هؤلاء كان ثوابهم مرتين؛ لأنهم عمِلوا كم؟
* طالب: مرتين.
* الشيخ: مرتين.
* ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات الأسباب والعلل؛ لقوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة الصبر، ما دام أن الصبرَ سبب للأجر، فلا شك أنه صفة حميدة وفاضلة، نعم، وأظن أننا في التفسير ذكرنا أن الصبر ينقسم إلى ثلاثةِ أقسام:
* طالب: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة.
* الشيخ: المؤلمة، وأن أفضلها أولها، ثم الثاني، ثم الثالث.
* ويستفاد منها أيضًا: أن الحسنات يذهبن السيئات؛ لقوله: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي مقابلة المسيء بالإحسان؛ لأن الآية كما قُلنا عامة لدرئهم سيئاتهم بحسناتهم، ودرئهم سيئات غيرهم بالإحسان إليهم، وأتينا لذلك بشاهد من القرآن. ولكن هذا الدرْء ثقيل على المرء، درءُ سيئات الغير بالإحسان إليه هذا ثقيل على المرء جدًّا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥]، أكثرُ الناس يقول: والله لأكِيلَنَّ له الصاع بالصاعين، والصفعة بالصفعتين، لكن الأمر ليس كذلك: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أيش النتيجة؟ ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤]، وشوف أتى بـ(إذا) الفجائية؛ للدلالة على أنَّ هذا الأمر يتحول بسرعة، هذا العدو يتحول بسرعة يكون كأنه ولي حميم، يعني: صديق قريب لك.
إذن نقول: إنه يستفاد منه أيش؟ أن الحسنات يذهبن السيئات، وأنه ينبغي مقابلة الإساءة بالإحسان، إلا أننا ذكرنا أن هذا ينبغي ألا يكون مظهر عجز في المرء، فإن كان مظهر عجز في المرء فلا ينبغي؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى ٤١].
* طالب: ولو كان فاسقًا؟
* الشيخ: إي نعم، ولو كان فاسقًا، هذا بالنسبة لحقك الخاص.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: أما بالنسبة لحق الله لا، فيعامل بما يقتضيه الشرع.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: بالنسبة لـ(...): ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤].
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: نعم ربما تُذْهِب السيئات الحسنات بالمقابلة، بطريق المقابلة؛ لأن الحسنات والسيئات تُوزَن يوم القيامة، فإذا رَجَح أحدهما صار الحكم له.
* ويستفاد من هذه الآية أيضًا: فضيلة الإنفاق من رزق الله؛ ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾.
* ويستفاد منها أيضًا: أن المنفِق لم يُنفِق مِما صنعه أو اكتسبه بنفسه، ولكنه ينفِق منين؟ مِن رزق الله، فالله هو الذي رزقك، وهو الذي أمرك، فأنت في الحقيقة خادم عبد متصرِّف حسبَ أمر سيدك، قال لك: اكتسِب فاكتسبتَ، قال لك: أنفِق فأنفقْتَ.
طيب، قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤]، كيف نجمع بين ما هنا وبين قولِه في وصفِ عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان ٦٧]، وبين قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء ٢٩]؟
نقول: نَجمَع بينهما بأنّ غالبَ أحوال الناس ألا ينفقوا جميع أموالهم؛ لأن إنفاق جميع المال قد يكون مضرًّا به، لكن في بعض الأحيان يكون إنفاق جميع المال محمودًا، فلهذا قال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ فلا تنفق، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فتنفِق كل ما عندك، لكن النصوص الأخرى تدل على أن المسألة مبنية على أي شيء؟ على تغيُّر الحكم بتغيِّر الأحوال، فقد يكون مثلًا الأفضل إنفاق جميع المال، وقد يكون مِن الأفضل إبقاء بعضه.
* ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أنَّ الإنفاق مِن رزق الله تبارك وتعالى محمود، والرزق كما عرَفنا في باب العقيدة، الرزق: ما يَنفع من حلال وضدِّه، يقول (...) والرزق ما ينفع من حلال وضدِّه، وهو ويش ضدُّه؟ الحرام، فهل يُحمد الإنسان إذا أنفق مِن حرام؟ لا؛ لأنه ما يُثاب عليه، والواجب عليه أنه يرد الشيء ويتخلص منه، هذا الواجب عليه، لكن المراد هنا الرزق الذي يُحمد على الإنفاق منه إذا كان زرقًا حلالًا، أما مَن اكتسب شيئًا حرامًا فإن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأنه إن أنفقه لم يُبَارك له فيه، وإن تصدق به لم يُقبَل منه، وإن خَلَّفه كان زاده إلى النار، وهذا يدل على أن الإنفاق من المحرم لا ينفع المرء، لكن ينفعه متى؟ إذا أنفقه يريد التخلص منه فإنه ينفعه بمعنى أنه لا يلحقه شيء من جَرَّائِه وينفعه؛ لأن إنفاقه للتخلص منه توبة، والتوبة تنفع العبد، فمثلًا: إذا كان الإنسان عنده مئة ألف درهم اكتسبها من حرام وأنفقها للتخلص منها، هل يُعطى أجر مَن تصدق بها؟ لا، لكن يُعطى أجرًا على التوبةِ من هذا الذنب الذي فعله، وأما ما (...)، لكن لو أنه اكتسبها من حلال وأنفقها، أُعْطِيَ الأجر بقدره، وعلى حسب المضاعفة التي جاء بها النص.
* * *
قال الله تبارك تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ [القصص ٥٥].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إذا كان... ما يفيد الإنسان؛ لأن العاجز ترك الشيء لعجزه عنه، فما هو مقام (...)، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء ١٤٩]، فمدح نفسه بأنه عافٍ مع القدرة، أما من عفا لعجزِه، ويش الفائدة؟ واحد مثلًا يضربه جندي وهو ما يقابل الجندي، يقول: (...) جزاك الله خيرًا، الله يحسن إليك. نعم، فنقول: هذا عاجز، لكن لو يضربه واحد من (...) ويش يسوي له؟ يمكن يعطيه عن الصاع صاعين.
القصص 28:54
﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١].
﴿وَصَّلْنَا﴾ من التوصيل، وحروفها الأصلية (وصل)، والوصول إلى الشيء: بلوغ غايته، والمعنى أن الله سبحانه وتعالى يؤكِّد في هذه الجملة يؤكد بحروف ثلاثة، وهي القَسَم واللام و(قد)، أنّه وصل لهم القول.
وقوله: ﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ﴾، المعروف أن (وصل) تتعدى بـ(إلى)، فيقال: (وصَل إليه)، ويقال: (وصَّل إليه)، و(أوصَل إليه) هذا المعروف. وهنا عُدِّيَت باللام، تعديتها باللام؛ لأنها تضمنت معنى الوصول والبيان، ولهذا قال المؤلف في تفسيرها: (بيَّنَّا لهم).
وقد مر علينا أن اللغة العربية قد تُعدي الفعل، أو بعبارة أعم: قد تعدي العامل بغير ما يَتَعَدَّى به، لماذا؟ ذكَرنا أن لِعلماء النحو في ذلك طريقين؛ الطريق الأول: التجوز بالحرف، والطريق الثاني: التجوز بالفعل.
فمثلًا هنا أَوضحُ مثال لكم قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦]، العين يُشرب بِها ولَّا منها؟
* طالب: منها.
* الشيخ: يُشرَب منها، الذي يُشرب به الإناء، نعم، لكن العين يُشرب مِنها، والآية الكريمة قال الله فيها: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾، فمعلوم أن الفعل هنا عُدِّى بغير ما يَتعدى به، فقال بعضُ النحويين: إن التجوز بالحرف، وإن الباء بمعنى (مِن)، فتكون تبعيضية.
وقال بعض النحويين: بل التجوز بالفعل (يشرب)، وأنه ضُمِّن معنى (رَوِيَ، يَرْوَى)، فمعنى ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ أي: يَرْوَى بها إذا شرب منها. وهذا في الحقيقة (...) مذهب البصريين، يرون أن هذا التجوز وأن يعبر بالتجوز موافقةً لهم في التعبير.
فهنا نقول: ﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ﴾، المعروف أن (وصَل) أو (وصَّل) يتعدى بأي شيء؟ (وصَل) ويش يتعدى به؟ بأي حرف من حروف الجر؟
* طالب: يتعدى بـ(إلى).
* الشيخ: بـ(إلى)، وهنا عُدِّي باللام، فنقول: إما أن تكون اللام بمعنى (إلى)، وإما أن نجعل (وصَّل) مشربًا معنى؟
* طالب: البيان.
* الشيخ: البيان، مشربًا معنى البيان، المعنى: ﴿وَصَّلْنَا﴾ إليهم ببيان.
﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾، (القول) يقول المؤلف: (القرآن). ولعله أعمّ مما قال المؤلف، وأن مراد (القول) أي قولنا، نعم. فالله تعالى ما يزال يُنَزِّل لعباده سبحانه وتعالى مِن قوله ووحيه ما تصلح به أمورهم.
أقول: ما زال الله تعالى يوصل القول إلى عباده وهو الوحي، إلى أن وصل إلى محمد ﷺ، إلى القرآن.
﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٥١]، يعني: ما أغفلناهم، بل ما زالت أقوالنا تصِل إلى الخلق وتُبيِّنُ لهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
(لعل) هنا للتعليل أو لأجل أن يتذَكَّروا، والتذكر بمعنى ذِكر الشيء، لكن لا لمجرد الذِّكْر، ولكن للاتعاظ به، ولهذا المؤلف رحمه الله دائمًا يفسِّر (يتذكرون) بلازمه، وهو الاتِّعاظ، وإلا أصل التذكر (تذكرتُ الشيء) أي: كنت مِنه على ذِكْر، لكن هناك لازم وهو الاتعاظ، أما مُجرد الذِّكر بدون اتعاظ فهذا لا ينفع، والمؤلف يقول: (يتعظون) أي تُؤَثِّر فيهم الموعظة والقول (فيؤمنون).
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ [القصص ٥٢]، ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ بمعنى أعطينا، فالإيتاء هنا شرعي ولَّا قدري؟ شرعي، إيتاء شرعي، ويَحتمل أن يكون ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ إيتاءً قدريًّا، يعني قدَّرنا أن يأتيهم الكتاب وهو الوحي فأتاهم.
وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ بمعنى المكتوب، والمراد به التوراة، وكذلك الإنجيل، التوراة والإنجيل كُلُّها تُسَمى كتابًا.
وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ الضمير يعود على القرآن، ﴿آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: مِن قبل القرآن.
﴿هُمْ﴾ أي: الذين آتيناهم.
﴿بِهِ﴾ (أي: بالقرآن).
﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يُصَدِّقُون ويَنقادون له.
الإعراب الآن:
الضمير مبتدأ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾، وجملة ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ صلة الموصول، و﴿هُمْ﴾ مبتدأ ثانٍ، و﴿بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ خبر المبتدأ الثاني الجملة، والجملة من المبتدأ الثاني والخبر، ابدأ بها؟
* طالب: ﴿هُمْ﴾.
* الشيخ: إي، صحيح.
﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص ٥٢]، الجملة من المبتدأ الثاني وخبرِه خبرُ المبتدأ الأول، والفائدة من تكرار المبتدأ: لأجل أن يكون إسناده، كأنَّ إسنادَ الإيمان إليهم مرتان، كأنه قال مرتين: مرة بالضمير ﴿هُمْ﴾، ومرة بالمبتدأ الأول ﴿الَّذِينَ﴾، ما هو (...)؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: طيب، ﴿هُمْ بِهِ﴾ وأتى بقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، بالفعل المضارع الدالِّ على الاستمرار إشارةً إلى أنهم تلَقَّوه عن قبول وإذعان، وأنهم ما زالوا على هذا الأمر. وهذه الجملة بالنسبة لِما قبلها في المعنى كأنّها إقامة دليل على الذين كَذَّبوا بالقرآن، يعني كأنه يقول: (الذين أوتوا الكتاب من قبلكم آمنوا بالقرآن)، مما يدل على أيش؟ على أنه حق ولَّا باطل؟ على أنه حق؛ لأنهم هم مع أنهم أهل كتاب ترَكُوا كتابهم وآمنوا بالقرآن، وأنتم أهل جهل وليس لديكم كتاب، فكان حقًّا عليكم أن تكونوا أيش؟ قبْلهم في الإيمان؛ لأنه من الصعب أن الإنسان ينتقل من كتابه أو مِن دينه إلى دين آخر، لكن ليس من الصعب أن الإنسان ينتقل من جهل إلى حق وعِلم.
ثم إنه فيه أيضًا، في هذا تأنيب لهؤلاء، فيه أيضًا دليل على أنه حق؛ لأن الذين أوتوا الكتاب ما آمنوا به إلا عن علم، وهو كذلك، فإِنه ما فيه شك أن النبي ﷺ كان مكتوبًا عند بني إسرائيل في التوراة والإنجيل: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦]، حتى أوصافه الخِلقية موجودة عندهم، بقطع النظر عن منهاجه وسيرته: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف ١٥٧]، هذا كله موجود في التوراة والإنجيل ومعروف، ولِهذا تجمَّع اليهود في المدينة من أجل أن يستقبلوا هذا النبيَّ الذي وجدوا صفته عندهم فيؤمنوا، ﴿وَكَانُوا﴾ كما قال الله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أيش؟ ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: يستنصرون عليهم بهذا النبي، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩].
فالحاصل أنه في هذه الآية، أقول: إنها وَجْهُ تَعلُّقها بما قبلها من وجهين:
الوجه الأول: تأنيب هؤلاء الجاهليِّين، ويش؟ على الكفر بمحمد ﷺ، معَ أن أهل الكتاب وهم على دين انتقلوا من دينهم إلى دينه، فكنتم أولى باتباعه.
والوجه الثاني: أنه إقامة دليل على صحة ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن هؤلاء الذين عِنْدهم علمٌ من الكتاب ما انتقلوا إلا عن علم بأنّه حق، فالمناسبة واضحة جدًّا بين هذه والنصوص التي قبلها.
ولا ريب أيضًا أن في هذه الآية ثناءً على الذين آمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام مِن الذين أوتوا الكتاب، ولِهذا (...) ﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، فلم يستكبروا عنه معَ أنّ لديهم كتابهم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، يعني قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص ٥٢] (...).
* الطالب: طيب يا شيخ لماذا ما قال (...)؟
* الشيخ: (...) للجنس، ينفي القول، (...) هذا الكتاب (...) يقول: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص ٤٦]، نعم؟
* الطالب: ولا نهي؟
* الشيخ: ولا نهي، ولا نفي، لكن هذه من باب الجنس، يعني معناه أننا ما تركناهم، بل إن القول وصل إليهم كما وصل إلى غيرهم، مثلما قلنا في تفسيرها: إن الله ما زال سبحانه وتعالى يُنزل الكتب على من سبق.
قال: (أيضًا)، أيش لون (أيضًا)؟ (﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ أيضًا)، ويش لون (أيضًا)؟
* طالب: يعني كذلك.
* طالب: يعني اللي بعدهم.
* الشيخ: يعني كما آمنوا بكُتبهم، و(أيضًا) يقولون: إنها من الأسماء الملازِمة للنصب على المصدرية؛ لأن فعلها (آضَ، يَئِيضُ، أَيْضًا) مثل: (باع، يبيع، بيعًا)، وإنَّ معناها رجع، نعم، فالمعنى: أنهم هم أيضًا يُؤمنون بالقرآن، قال المؤلف: (نزلت في جماعة أسلموا من اليهود كعبد الله بن سلام وغيرِه، ومِن النصارى قدِموا مِن الحبشة ومِن الشام)، وكذلك مِن غير الشام.
(أسلموا من اليهود مثل عبد الله بن سلام)، واشتهر عبد الله بن سلام بالإسلام وهو مِن اليهود؛ لأنه كان حبرًا من أحبار اليهود، وكان كما قال اليهود عنه في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام: إنه خيرهم وابن خيرهم، وسيدهم وابن سيدهم[[أخرج البخاري (٤٤٨٠) من حديث أنس.]]، معترفين له بالفضل والعلم والسيادة، فلهذا كانوا يضربون به المثل؛ لأن مثل هذا يا جماعة الذي يكون سيدًا في قومه قد تَحمِله السيادة على (...)، وقد يحمله أيضًا حبُّ الرياسة على عدم الاتباع لغيره؛ لأنه إذا تبِع غيره صار مرؤوسًا لا رئيسًا، ولَّا لا؟ لكنه رضي الله عنه (...) تواضع للحق فكان مؤمنًا بالرسول عليه الصلاة والسلام.
وقصة إيمانِه معروفة؛ فإن الرسول خبَّأهُ، ودعا اليهود، وسألهم عنه، وأثنوا عليه، وسألهم عن رسالة الرسول فكذَّبوا الرسولَ عليه الصلاة والسلام، فقال لهم: «مَا رَأْيُكُمْ لَوْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ؟» قالوا: حاشاه من ذلك، ما يُسلم؛ لأنه من خيرهم، فخرج وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فما خرجوا إلا وهم يثنون عليه شرًّا؛ لأنه أسلم[[أخرج البخاري (٤٤٨٠) من حديث أنس.]].
كذلك نزلت في (جماعة من النصارى قدموا من الحبشة)، هذا ما أعرف له مثالًا، تعرفون له مثالًا؟ قدِم النصارى من نجران وأسلموا، وفيهم نزلت: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة ٨٣]، ولكن الحبشة معروف أنه أسلم فيها نصارى، مثل مَن؟ مثل النجاشي، فإنه أسلم ودخل دين الإسلام وهو على دين النصرانية، ووصفه النبيُّ عليه الصلاة والسلام بأنه أخ للصحابة، وأنه رجل صالح، وهو كذلك، يعني: أخ لهم ورجل صالح.
فالمهم على كل حال ما يهمنا أعيان الذين أسلموا، المهم أن مِن الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى قومًا آمنوا بالقرآن أيضًا.
(﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ القرآن ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ [القصص ٥٣]).
ما شاء الله، وإذا يتلى قالوا، (إذا) كما نعرف شرطية، وجواب الشرط متصل بفعله مباشرةً، أو لا؟
* طالب: بفعل الشرط.
* الشيخ: إي، بفعل الشرط، جواب الشرط متصل بفعله مباشرة، أو لا؟
* الطالب: ﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا﴾.
* الشيخ: أسألكم، هذه قاعدة عامة: جواب الشرط يكون متصلًا بفعلِه مباشرة؟
* طالب: ما هو بلازم.
* الشيخ: بمعنى أنه متى وُجِد فعل الشرط وُجِد جوابه، ما هو معناه الاتصال اللفظي؛ الاتصال الوقوعي، إذا وُجِد الشرط وُجِد المشروط، نعم، أخذتم بالكم؟ وطبعًا على حسب الحال يعني، ما هو معناه أنه قد يكون فورًا، قد يكون حتى في المستقبل، فهنا يقول: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ [القصص ٥٣]، ﴿وَإِذَا يُتْلَى﴾، لم يقل: (إذا تُلِي)، فمعنى ذلك أنه أيّ آية تتلى عليهم يقولون: آمنا بها، ما آمنوا بالقرآن جملةً، آمنوا بالقرآن تفصيلًا؛ لأنَّ الفعلَ المضارع أيش يدل عليه؟ يدُل على الاستمرار، فكلما تُلِيَت عليهم آية آمَنُوا بها فزادتهم إيمانًا.
﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ أي يقرأ عليهم ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾، مع تردُّد ونظر وتفكير ولَّا على طول يؤمنون؟
* طالب: على طول يؤمنون.
* الشيخ: على طول؛ لأنه قلنا: إن جواب الشرط يلي فعل الشرط مباشرةً: وإذا يتلى قالوا آمنا به، أي: بالذي تُلِي عليهم مِن القرآن قليلًا كان أو كثيرًا.
ثم بيَّنوا أن إيمانهم هذا عن اقتناع وعلى أساس: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ [القصص ٥٣]، ﴿إِنَّهُ﴾ أي: ما تُلِي عليهم من القرآن، ﴿الْحَقُّ﴾ بمعنى: الشيء الثابت الواقع الصادق خبرًا العادل حكمًا.
وقولهم: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾، ولم يقولوا: مِن الله؛ لأن الرب هو الذي له التصرف المطلق، فهو يتصرف بعباده شرعًا، ويش بعد؟
* طالب: وقدرًا.
* الشيخ: وقدرًا، يتصرف بهم شرعًا وقدرًا، فكأنهم يقولون: إن ربنا لن يخلينا من أن يُنزِل القرآن، وله الحكم والتصرف المطلق كونًا وشرعًا.
وقولهم: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾، هذا إشارة إلى أنهم رضِي الله عنهم يفتخرون بانتسابهم إلى الله، ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾، الجملة من حيث المعنى محلها مما قبلها؟
* طالب: تعليلية.
* الشيخ: تعليلية، يعني: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ لا لأنه أعجبنا حُسنه وبيانه وبلاغته، ولكننا آمنا به لأنه الحق من ربنا.
فإذا قال قائل: (إنه) إذا كانت تعليلية، فلماذا لا تُفتح الهمزة: أنه ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾؟
لأن الجملة التعليلية على تقدير اللام، واللام إذا اتصلت بـ(إن) وجب فتح همزتها، فتقول: لِأن ذلك كذا، ولا تقول: لإن ذلك كذا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون ٦٠]، ولم يقل: إنهم إلى ربهم. فهنا لماذا لم تكن تعليلية؟
قلنا: الجملة التعليلية قد تكون تعليلية من حيث المعنى فقط، يعني يلاحَظ بها المعنى فقط، وقد تكون تعليلية يُلاحَظ فيها اللفظ مع المعنى، فإن لُوحِظ معها اللفظ مع المعنى فإنها تُفتح الهمزة؛ لأنها على تقدير اللام، وإن لُوحِظ المعنى فقط فإنها تُكْسر الهمزة. وهنا لُوحِظ أيش؟
* طالب: المعنى.
* الشيخ: المعنى فقط، لوحظ المعنى فقط. وملاحظة المعنى وملاحظة اللفظ أيهما أوْلَى؟ نقول: لكل مقام مقال، فملاحظة المعنى فائدتها أن الجملة تكون من حيث اللفظ منقطعةً عما قبلها، فكأنها جملة خبرية مستقلة، وكأنها منقطعة عن اللفظ، لكن إفادة التعليل مِن السياق.
وأما التعليلية اللفظية، فإنها تكون مرتبطة بما قبلها، وإذا شئتم ما يوضح ذلك فاقرءوا قول ابن مالك: (فاكسر في الابتدا)، فهذا هو الفرق بين الجملة التعليلية التي قُصد بها اللفظ والمعنى، أو التي قُصد بها المعنى فقط.
﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص ٥٣]، مِن قَبْل أيش؟
مِن قبل القرآن، ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل القرآن.
﴿مُسْلِمِينَ﴾، قال المؤلف: (موحِّدِين)، ولو أنه فسر الإسلام بظاهره لكان أولى؛ لأن الإسلام معناه الاستسلام والانقياد، وأصله من عدم المعارضة والمحاربة، ولهذا يُقال: السِّلم والإسلام، يعني معناه عدم المعارضة والمحاربة.
فكلمة ﴿مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ أي: منقادين مذعنين للحق.
وقولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ليس المراد بذلك الفخر والإعجاب بالعمل قطعًا؛ لأن السياق سياق ثناء، ولكن المراد بذلك الثناء على الله بما كانوا عليه في الحالَين؛ في الحال السابقة وفي الحال الثانية، في الحال الثانية: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ [القصص ٥٣]، والحالة الأولى كانوا من قبله مسلمين منقادين متبعين للرسول الذي جاء إليهم.
طيب، ويش إعراب ﴿مُسْلِمِينَ﴾؟
* طالب: خبر يا شيخ (كان).
* الشيخ: خبر (كان)؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: إي، خبر (كان) ولَّا ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ هو الخبر؟
* الطالب: لا، ﴿مُسْلِمِينَ﴾.
* الشيخ: إي، ﴿مُسْلِمِينَ﴾ هو الخبر، نعم، ولو تقدَّم عليه ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾؛ لأن الخبر ما تحصُل به الفائدة، سواءٌ تقدم أو تأخر.
قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص ٥٤].
﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليهم مَن؟ الذين أوتوا الكتاب ثم آمنوا بالرسول ﷺ، أوتوا الكتاب من قبل فآمَنوا به ثم آمَنوا بالرسول.
﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ﴾ أي: يعطون ﴿أَجْرَهُمْ﴾، وهذه فيها شاهد لدرس البارحة، أو لا؟ يعطون ﴿أَجْرَهُمْ﴾، درسنا في النحو؟
* طالب: إي.
* الشيخ: (...)؟
* الطالب: لا، هذه ﴿يُؤْتَوْنَ﴾ من باب الكسر.
* الشيخ: من باب الكسر، إي نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: مقام الفاعل؛ لأنه (...) المفعول، وهو الواو، نائب فاعل ﴿يُؤْتَوْنَ﴾ والمفعول الثاني؟ وين المفعول الثاني من ﴿يُؤْتَوْنَ﴾؟ ﴿أَجْرَهُمْ﴾ نعم.
وأما قوله: ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ فإنه مفعول مطلق، يعني أنه دال على المصدر لكنه بغير لفظه، كل ما دل على المصدر بغير لفظه فهو مفعول مطلق.
(﴿مَرَّتَيْنِ﴾ بإيمانهم بالكتابين) فهم يُؤتون أجرَهم مرتين، المرة الأولى على الإيمان بالكتاب السابق، والمرة الثانية على الإيمان بالقرآن، وأما أهل الجاهلية الذي آمنوا بالقرآن فيُعطَون أجرهم مرة واحدة؛ لأنهم ما آمنوا مرتين.
وقد ثبت بهذا الحديثُ عن النبي عليه الصلاة والسلام إضافةً لهذه الآية، فإن النبي عليه الصلاة والسلام ذَكَر الذين يؤتون أجرهم مرتين الرجل الذي آمن بالكتاب الذي نَزَل إليه ثم آمن بما أُنزِل على محمد، والرجل يُعتِق المرأة ويتزوجها، والثالث العبد الذي أحسن في عبادة الله وفي معاملة مواليه[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠١١)، ومسلم (١٥٤).]].
قال: ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص ٥٤] الباء للسببية، و(ما) مصدرية.
وما معنى المصدرية أو ما علامتها؟ علامتها أن تُحوَّل (...) ما بعدها إلى مصدر، فهنا نقول في التحويل كما قال المؤلف: (لصبرهم)، وأسألكم الآن: هل تصح أن تكون (ما) اسمًا موصولًا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الجملة ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ يصح؟ الجملة ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾، ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ بالذي ﴿صَبَرُوا﴾؟ لا، ما يصِح؛ لأنه أيش معنى (بالذي صبروا)؟ ثم لو كانت موصولة لكانت على تقدير الضمير: (بالذي صبروه)، وهذا ما يستقيم. فإذن هنا يتعين أن تكون مصدرية، أي: (بصبرهم)، وهو أحد محامل (ما) العشرة، نُكرِّرها لأجل تبقى في أذهانكم.
* طالب: حافظها.
* الشيخ: حافظها، اقرأها علينا.
* الطالب:
مَحَـــــــامِلُ (مَا) عَــــشْرٌ إِذَا رُمْتَعَــــــدَّهَا ∗∗∗ فَحَافِظْ عَلَى بَيْتٍ سَلِيمٍ مِنَ الشِّعْرِ؎سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَـــفٍّ وَنَفْيٍ زِيــدَ تَعْظِـــــيمُمَصْـــــــدَرِ
* الشيخ: إي، ما شاء الله، أعيدها، نعم، طيب:
سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَـــفٍّ وَنَفْيٍ زِيـــدَ تَعْظِــــيمُمَصْــــــدَرِ
اللي يعنينا مِن هذا البيت قوله: (مصدر).
وقوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: (بصبرهم على العمل بهما)، وهذا الصبر على العمل بهما هل هو مِن باب الصبر على طاعة الله، أو مِن باب الصبر عن معصية الله، أو مِن باب الصبر على أقدار الله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، نقول: هو الثلاثة تجتمِع، ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ على طاعة الله، فإن الشرع فيه أوامر شاقَّة على النفوس تحتاج إلى معالجة، فهذا صبر على طاعة الله.
في الشرائع نواهٍ نُهِي عنها، قد يشُقُّ على النفس تركُها، ففيها صبر أيش؟ عن معصية الله.
كذلك أيضًا في الشرائع إيذاء، فإن المجرمين يؤذون المؤمنين، وربما يضربونهم، وربما يقتلونَهم، أليس كذلك؟ وهذا صبر أيش؟
* طالب: على أقدار الله.
* الشيخ: على أقدار الله المؤلمة.
فعلى هذا يكون الصبر على الشرائع يتضمن الصبر بأنواعه الثلاثة: الصبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب، ﴿بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ﴾ [القصص ٥٤]، وأصل الصبر في اللغة الحبس، ومنه قولهم: (قُتِل فلان صبرًا) أي: محبوسًا على القتل، أُمسِك وقُتِل، فمعنى الصبر: حبس النفس، والنفس تحتاج إلى حبس على طاعة الله سبحانه وتعالى؛ لأنه كم من إنسان يقول له ضميرُه: افعل كذا من الطاعة، وربما يفعل البعض ثم يعجز فلا يصبِر نفسه. وكذلك بالنسبة للمعاصي، فإن النفس المطمئنة تزجُر المرءَ عن المعصية، ولكن تأتيها النفس الأمارة بالسوء فتأمره بالمعصية، وحينئذٍ تتصارع النفسان، والتوفيق بيد الله عز وجل.
كذلك بالنسبة للأقدار: مِن الناس مَن لا يصبر على الأقدار، بل إذا نزل به القدر يمكن - والعياذ بالله - يكفر، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج ١١]، فإن بعض الناس قد لا يصبِر على الأقدار المؤلِمة، وتجده يقنط، فيه ناس يقال: إنهم إذا أصيبوا بالمصائب انتحروا! هؤلاء غاية في الصبر؟!
* طالب: لا.
* الشيخ: لا؟ بالعكس: ما فيهم صبر، هؤلاء ما صبروا على الأقدار فقَتلوا أنفسهم ليُعَذَّبُوا بما قَتلوا به أنفسهم في نار جهنم - والعياذ بالله - ويُخَلَّدُون فيها. لكن الصبر على الأقدار المؤلمة هذا أمر يمكن للإنسان أن يصبر عليه ويعني يُحاسِب نفسه حتى يستقيم في أفعاله.
فالمهم أن الصبر إذن ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة. أيهما أعلى وأكمل؟
* طالب: على طاعة الله.
* الشيخ: إي، من حيث (...) على طاعة الله، الصبر على الطاعة أفضل؛ لأن فيه جهادَين: جهاد على العمل، وجهاد على تحمُّل العمل.
ثم الصبر عن المعصية؛ لأنه (...) جهاد واحد، على العمل ولَّا على تحمل تركه؟ تحمُّل تركه، ما فيه عمل، يقال: لا تزن، نعم، ما أُمِرت وكُلِّفت بفعل شي.
الصبر على الأقدار المؤذية أو المؤلمة هو أدناه؛ لأنه صبرٌ على ما لا اختيار للمرء فيه، كما قال بعض السلف: إما أن تصبر صبر الكرام، وإما أن تَسْلُوَ سُلُوَّ البهائم. كل إنسان إذا أُصِيب بمصيبة وطال عليها الزمن تبقى في نفسه ولَّا لا؟ ينسى، يسْلُوَ سُلُوَّ البهائم، البهيمة مثلًا تجدها (...)، لكن لو يحط لها علفًا جيدًا وماءً جيدًا نسيت، فإما أن تصبر صبر الكرام وإما أن تسْلُوَ سُلُوَّ البهائم. ولهذا كان صبرُ يوسف على تَرْك الزنا بامرأة العزيز أكملَ من صبره على ما حصل من قضية إخوانه له بلا ريب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف ٢٤]، ولم يقل مثلَ هذا حين ألقوه في غيابات الجب.
* طالب: قلنا: إن الصبر على الطاعة يكون أعظم من الصبر عن المعصية.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: ولكن المعاصي كثرتها (...).
* الشيخ: إي، يؤلمك لكنه شيء بِغير اختيارك.
* الطالب: (...).
* الشيخ: بغير اختيارك، يعني أنت المعاصي تركتَها باختيارِك.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: تقدر تفعلها لكن ما فعلتها، أما هذا ما تقدر ترفع البلاء.
* الطالب: (...).
* الشيخ: البلاء الذي نزل عليك ما ترفعه، فأنت افرض نزل بإنسان بلاء هل يقدر يرفعه إذا قام يخبِّط وجهه ولَّا يشقق ثوبه.
* الطالب: لا، ما يقدر.
* الشيخ: ما يقدر.
* الطالب: لكن لو صبر واستسلم (...).
* الشيخ: لا؛ لأن الاستسلام للشرع أفضل مِن الاستسلام للقدر، الاستسلام للشرع هو الذي يُمدَح عليه الإنسان ويحمد ويُثنى عليه، لكن الاستسلام للقَدَر كلُّ الناس يستسلمون للقدر، حتى يعني، أما تسمع قول الجاهلي:
وَتَجَلُّـــــدِي لِلشَّامِتِـــــينَ أُرِيهُــمُ ∗∗∗ أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَاأَتَضَعْضَعُ
حتى الكفار الآن يعني أفعالهم تنزِل بهم المصائب، ولكن يقول: ما يهم، يصبِر ويكابد وهو كافر، ما يرجو بذلك الأجر ولا الثواب.
* طالب: بس فيه وجه يا شيخ (...) الصبر على المشاق، الصبر على الطاعات يمرن الإنسان عليه بالتدريب، يعني خلاص يأخذ عليه.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: مثل التمرن على الصلاة، على الصيام، (...).
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: لكن إذا طرأت له مصيبة عظيمة كـ(...) مثلًا.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: هذا شيء ما تمرن عليه؟
* الشيخ: إي، بس قد يتمرن عليه إن أُصِيب (...) لا يتمرن، حتى العبادات مثل الحج ما يأتي إلا مرة واحدة في العمر.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: فلذلك يعتبر صبرًا على الطاعة، مع مشقته البدنية والمالية والأمنية، مسألة للوقوع وعدم الوقوع هذا شيء آخر، مع أننا نقول: هل الرجل يكابد الطاعة ويجد من نفسه مشقة في معالجتها عند فعل الطاعة وإنسان آخر تمرَّن على الطاعة فصارت يعني أمرًا سهلًا عليه، أيهما أفضل؟
* طالب: مَن سهل عليه.
* الشيخ: أما الأول فهو أشق عملًا، والثاني أكمل حالًا، الثاني الذي صارت الطاعةُ كأنها سجية في نفسه، هذا لا شك أنه أكمل حالًا من الأول؛ لأن هذا كأن الطاعة صارت غريزة مِن محبته لها وسهولتها عليه، لكن الأول أشق عملًا، فيُعطَى هذا أجرَ الكُمَّل، وذاك يُعْطَى أجرَ الصابرين؛ لأنه فيه نوع من المكابدة والمشاق. والعلماء مختلفون في هذه المسألة أيهما أفضل؟ ولكن الصواب هذا التفصيل، فيقال: الذي يفعل الطاعة وهي سهلة عليه وينقاد لها بدون مكابَدة، هذا لا شك أنه أكمل حالًا من الأول بلا ريب، والثاني أشق عليه فيُعطَى الأجر على قدر المشقة النفسية.
الآن شوف مثلًا واحدًا يحضر للدرس بسهولة وانقياد ويرى أنه غنيمة، وآخر لا، يكابد نفسه (...) يطلع مثلًا مِن البيت لأجل أن يحضر الدرس، أيهما أكمل حالًا؟
* طالب: الأول.
* الشيخ: الأول، وإن كان الثاني يُؤْجر على فعله، لكن الأول أكمل حالًا وأقرب منزلة.
طيب، ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص ٥٤]، والباء في قوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ ليش هي؟ للسببية، أي: بسبب صبرهم.
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص ٥٤]، يدرءون: (يَدْفَعُونَ) ﴿بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾.
﴿السَّيِّئَةَ﴾ مفعول به، والباء في قوله: ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ هذه باء الآلة، مثلما تقول: (ذبحت بالسكين، وضربت بالعصا) فعندنا دارِئٌ ومَدْرُوء ومدروءٌ به، مَن الدارئ في الآية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، في الآية، من الدارئ؟ العاملون، والمدروء؟
* طالب: السيئة.
* الشيخ: السيئة، والمدروء به الحسنة، كما تقول: (ذبحت بالسكين)، فعندنا: ذابح ومذبوح ومذبوح به الآلة، فالحسنة لهم بمنزلة الآلة التي يتوصلون بها إلى غرضهم.
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾، ﴿السَّيِّئَةَ﴾ يقول المؤلف: (منهم)، فإذا فعلوا سيئةً أتَوا بعدها بحسنة فاندفعت السيئة، هذه الحسنةُ المدروء بها السيئة تنقسم إلى قسمين: قسم تُزيل السيئةَ من باب المقابلة، وقسم آخر تُزيل السيئةَ من باب المحو والإزالة -أخذتم بالكم يا جماعة؟- الحسنات التي تُدْرأ بها السيئات تنقسم إلى قسمين: قسم من باب المقابلة، وقسم من باب المحو والإزالة، فإن كانت الحسنةُ المدروء بها السيئة، إن كانت توبةً، والتوبة من الحسنات ولَّا لا؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢]، إن كان من باب التوبة فهو من باب المحو والإزالة، وإن كانت حسنةً أخرى كما لو دَفَع السيئاتِ بالصلاة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]، فهذا الدرءُ من باب؟
* طالب: المقابلة.
* الشيخ: من باب المقابلة، يعني أن ثواب الحسنة يُقابَل بعقوبة السيئة، من باب الموازنة، فإذا رجَح ثوابُ الحسنة انمحت السيئة، وإلا فلا.
أيهما أكمل؟ أي الدَّرْأينِ أكمل؟ الأول ولَّا الثاني؟
الأوَّل أكمل؛ لأنه إذا حصل الأولُ صارت الحسنة الثانية زيادة رفعة في الدرجات، ما هو بمقابلة بالسيئة. ثم إنه إذا كان الدرء من باب المقابلة، فقد تضعف الحسنةُ الثانية، الحسنةُ تَضعف عن مقابلة السيئة، فصار الدرء بالتوبة أكملَ من الدرء بفِعل حسنة أخرى تُقابِل السيئة، وكِلا الأمرين يحصل بهما الدرء.
وقول المؤلف: (منهم).
يعني في الحقيقة أن هذا الكلام وجيه، لكن لو قلنا: إنها أعم، وأنهم يدرؤون بالحسنة والسيئة مِنهم ومِن غيرهم. كيف مِنهم ومِن غيرهم؟ يعني إذا أُسِيئَ إليهم دفعوا الإساءة بالإحسان، فيكون هنا ثناءً عليهم من حيث معاملتهم مع الخلق، يصلُح ولَّا ما يصلح؟ يصلح، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٤، ٣٥].
وعلى هذا فنحمِل الآية على المعنيين: يدرؤون بالحسنة السيئة بالنسبة لما يقع منهم في عبادة الله، ويدرؤون بالحسنة السيئة بالنسبة لما يقع من غيرهم في المعاملة. إذا عُوملوا، أساء إليهم أحد، قابلوه...
الشيخ: في هذا النهي، قال: هذا النفي نفي للحق، يعني للمعبود الحق، فإنه لا إله إلا الله بحسبه.
............................ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا؎يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً ∗∗∗ وَمِـــنْ إِسَاءَةِ أَهْــلِ السُّــوءِإِحْـــسَـانَا؎فَلَيْــــــتَ لِي بِهِمُ قَــــــــــوْمًا إِذَارَكِبُــــوا ∗∗∗ شَنُّــــوا الإِغَــــــــــــارَةَ فُرْسَــــــــانًاوَرُكْـــبَانَا
الآن (...)؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: (...) (يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة).
* طالب: (...).
* الشيخ: للعجز، فهنا درءُ السيئة بالحسنة ممدوح إذا كان على سبيل العِز، أما إذا كان على سبيل الضعف فهذا ما هو ممدوح، لو واحد جاءه قاطع طريق وقال: يللا أعطني ثيابك. قال: أعطيك ثيابي والعصا اللي معي على البعير! ويش يصير هذا؟ أو لما قال: يللا أعطني رحل البعير، قال: اصبر اصبر، هلا أكفيك، خلني أفكه لك لأجل ما تتعب وأحمله على بعيرك، هذا طيب ولَّا لا؟
* طالب: لا، ما هو طيب.
* الشيخ: هذا ما هو طيب، هذا ضعف، ولهذا قال الرسول «لما سأله الرجل عن إنسان يأتي ليأخذَ مالك قال: «لَا تُعْطِهِ»، قال: أرأيت إن قاتلني، قال: «قَاتِلْهُ»[[أخرجه مسلم (١٤٠/٢٢٥) من حديث أبي هريرة.]]. المهم أننا نقول: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ (منهم) الصواب أن نجعلها أعم، فـ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص ٥٤] منهم في معاملتهم مع الله، ومن غيرهم في معاملتهم مع مَن؟ مع الخلق.
قال: (﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤] يتصدقون)، ويُهدون أيضًا، ما هم لازم يتصدقون؛ لأن الهدية قد تكون محمودة إذا كان الغرض منها جلب المودة: «تَهَادُوا تَحَابُّوا»، «تَهَادَوْا» أو «تَهَادُوا»؟
* طالب: «تَهَادُوا».
* طالب: «تَهَادَوْا».
* الشيخ: طيب، تهادَى الرجلان يتهادَيان؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: فإذن «تَهَادَوْا تحابُّوا»[[أخرجه أحمد (٩٢٥٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
طيب، الشاهد أن قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [القصص ٥٤]، ﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾ بمعنى: أعطيناهم، فالرِّزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨]، أي: أعطوهم، فالرزق: العطاء.
وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾، (مِن) هنا هل هي لبيان الجنس أو للتبعيض؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الأَوْلَى أن نجعلها لبيان الجنس؛ لأنه في بعض الأحيان يكون إنفاق المال كلِّه من الأمور المحمودة، فقد حث النبيُّ عليه الصلاة والسلام ذات يوم على الصدقة، فقال عمر: الآن أسبق أبا بكر. فأتى بنصف ماله، ولكن أبا بكر أتى؟
* طالب: بماله كله.
* الشيخ: بمالِه كله[[أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (٥٢٧) عن عمر بن الخطاب.]]، فالإنفاق إذا جعلنا (مِن) لبيان الجنس فهو أوْلَى، أيش (...) يشمل؟
* طالب: بذل المال كله.
* الشيخ: يشمل بذل المال كله أو بعضه، يعني قد يكون من الخير بذله كله، وقد يكون من الخير بذل بعضه، حسب الحال الذي أُنفِق فيها. فـ(مِن) الأوْلَى أن نجعلها لبيان الجنس.
وقوله: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤]، الإنفاق بمعنى البذل، لا بمعنى الصدقة، لكن الذي أوجَب للمؤلف أن يخصَّه بالصدقة؛ لأن المقام مقام ثناء، ولكن الأولى أن نجعلَه على عمومه، ونجعل ﴿يُنْفِقُونَ﴾ أي: يبذلون ويُعطُون؛ لأنه قد يكون البذل تصدقًا خيرًا، وقد يكون البذل توددًا خيرًا أيضًا، قد يكون أفضل من الصدقة في بعض الأحيان، وعلى هذا فنقول الأَوْلى أن يجعل الإنفاق في معنى الإعطاء والبذل، سواء كان صدقة أو كان هدية أو كان هبة، وتعرفون الفرق بين الأمور الثلاثة، ويش الفرق بين الهبة والهدية والصدقة؟
* طالب: الهدية (...).
* الشيخ: إي، والصدقة تتصدق عليه.
* الطالب: الصدقة يتصدق على...
* الشيخ: على إنسان.
* الطالب: على (...).
* الشيخ: إي.
* الطالب: الهدية.
* الشيخ: والهبة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: والهبة؟ من يعرف الفرق بينها، بين الثلاثة؟
* طالب: الهدية هي إعطاء المساوي أو الأخ للإنسان بقصد التودد والتقرب، والصدقة إعطاء الأدنى بقصد الإنفاق.
* الشيخ: إي.
* الطالب: وأما...
* الشيخ: الهبة.
* الطالب: الهبة إعطاء المساوي، يعني ما هو بالدون بقصد الإعطاء.
* الشيخ: لا، الفرق بينهما: الصدقة ما أُرِيد بها وجه الله، يتقرب بها إلى الله، ما يهمه تقرب إليها بمعطى أم لا. والهدية ما قُصِد به التودد للمعطى، يعني يريد أن يتقرب إلى المُعطى ويتقرب منه المعطى. والهِبة ما قُصِد به وجه الموهوب فقط، ما قُصِد به أنه يتقرب إلى هذا الموهوب له ولا أن يتقرب إلى الله بذلك، قَصَد به نفعه، فهذه تُسمى هبة. وكلها محمودة في الواقع، لكن هل بعضها أفضل من بعض؟ هذا على حسب الحال.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤] إلى آخره.
* طالب: الترجيح في مذهب البصريين في التجوز بالفعل؟
* الشيخ: لأنه يتضمن معنيين؛ معنى (...) الفعل موجود، ومعنى (...)، وذاك ما يتضمن إلا معنى واحدًا فقط، وهو تحويل معنى الحرف إلى المعنى الجديد.
* الطالب: شيخ، ألا يكفي هذا (...)؟
* الشيخ: لا، زيادة معنى ما فيه شك أنه أولى، زيادة معنى فائدة.
* الطالب: عندنا فعل واحد.
* الشيخ: ما يخالف، فعل واحد يُشرَب معنى الفعل الثاني الذي يتعدى بهذا الحرف الموجود، (...) إذا صارت الجملة تدل على معنيين أكمل من أن تدل على معنى واحد.
* الطالب: في مثل: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا﴾ [الإنسان ٦]، ما عندنا الرواء، نقول: الشرب فقط.
* الشيخ: إي، لكن أصله الشرب قد يكون شربًا لا يروى به العبد.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وقد يكون شربًا يروى به.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: أهل النار يشربون من الحميم شُربَ الهِيم ولا يروون، ويش الفائدة من الشرب؟ لكن هؤلاء يشربون من هذه العين ويروون بها، فتضمنت الآن معنى الشرب ومعنى الرِّي. ومنين فهمنا معنى الرِّي؟ مِن تعدي هذا الفعل بالحرف الذي يُنَاسِب الرِّي.
* الطالب: ألا يحسن أنه يتعدى الفعل (...)؟
* الشيخ: ويش؟ هذا أنسب ما يكون؛ لأن الشرب يناسبه الرِّي، ما يناسبه الشِّبَع مثلًا، ما يمكن أن تقول: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ يعني: يشبع بها، ما يناسب.
* الطالب: يرِد عليه أنه ما يتعين، كنا ذكرنا...
* الشيخ: لا، يرد عليه أنه يتعين من المقام، ولا بد يُقدَّر فعل يناسب الفعل الثاني، مِثل أن يكون سببًا له أو متفرعًا عنه وما أشبه ذلك (...) المهم أن التضمين يُفيد معنيين، والتضمين بالحرف يفيد معنًى واحدًا.
* طالب: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة ٥٥] أيش تعني؟
* الشيخ: ﴿الْهِيمِ﴾ الإبل العطاش.
* الطالب: ما (...)؟
* الشيخ: إلا، هو الماء.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، الهيام نوعان: هيام على الأكل، وهيام على الشرب.
* الطالب: الهيام يروى؟
* الشيخ: إلا، يروى أو لم يرو، (...) اللي يشرب ولا يروى ويش؟ سليم ولَّا مريض؟ اللي يشرب ولا يَروى سليم ولَّا مريض؟
* الطالب: لا، مريض.
* الشيخ: هذه، نعم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، (...) القرآن الكريم، وفيه بعض العامة يستنكر من بعض السائلين اللي يسأل: ارزقني ريالًا، يقول: هذا مشرك والعياذ بالله!! نعم، (...)، الرزق بمعنى العطاء. (...)
* * *
* يستفاد منه: أن الله سبحانه وتعالى لم يُخلِ الأرض من الوحي؛ لأن التوصيل معناه وَصْل الآخِر بالثاني.
* ويُستفاد منه: أن الوحي مشتمِل على غاية البيان؛ لأننا قلنا: إن (وَصَّل) مُضَمَّن معنى: بَيَّن.
* ويستفاد منه: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة بإيصال القول إليهم ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ﴾ [القصص ٥١].
* ويستفاد منه أيضًا، يستفاد منها: أن الحكمة من الوحي هو التذكُّر والاتعاظ؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٥١].
* ويستفاد منه: إثبات العِلَّة في أحكام الله الكونية والشرعية، وأنه ما يفعل شيئًا ولا يشرعه إلا لحكمة.
* قلنا: يستفاد منه: تعليل أفعال الله وأحكام الله الكونية والشرعية، والذي خالف في ذلك؟
* طالب: الأشاعرة.
* الشيخ: وغيرهم؟ الجهمية هم الأصل، قالوا: أفعال الله ما هي تُعَلَّل، وأحكامه لا تعلل.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص ٥٢].
* يستفاد من هذا، أولًا: أن اليهود والنصارى فيهم مَن آمَن بالقرآن؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾.
* ويستفاد منه أيضًا: أن حُكْم الفرد قد يتناول جنسَه، أيش معنى هذا؟ معناه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾، لو نظرنا إليها وجدنا أنها عامة تشمل كُلَّ الذين أوتوا الكتاب. وهل هي عامة؟ هل كلُّ الذين أوتوا الكتاب من قبل آمنوا بالقرآن؟ أبدًا، فيه نصارى بقوا على نصرانيتهم وفيه يهود بقوا على يهوديتهم، ولكن مِن هؤلاء مَن آمَن، يكون معنى ذلك أننا أعطينا الجنس حكم الفرد، أو ما فهمتم هذا؟ يعني كأنه يقال: إيمان عبد الله بن سلام وإيمان النجاشي مثلًا، ما هو (...) أن هذا اسمه عبد الله بن سلام، وهذا اسمه النجاشي، لكن لأنهم أُوتُوا الكتاب، فهُم آمَنوا لا لأسمائهم، ولكن لِمَا علموا من كتبهم بأن الرسول ﷺ سيُبْعث، وهذا يقتضي أن يكون كل هذا الجنس، يجب أن يكون مُؤْمنًا وإن لم يؤمنوا كلهم.
والمهم أنه يستفاد من هذه الآية: إعطاء الجنس حكمَ الفرد، ما دام أن هذا الحكم سببُه يشمَل جميع الجنس. مثلًا: ما سبب إيمان عبد الله بن سلام؟ عِلْمُه بما في التوراة مِن صفات الرسول ﷺ، هذا العِلم يختَصُّ به ولَّا يشمل جميع اليهود؟ يشمل جميع اليهود، إذن فهنا أعطينا الجنس حكم الفرد؛ للعلة التي تشمله وغيرَه، وإلا قد يقول قائل: ما نرى أن الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون، ما كلهم آمنوا، لكن نقول: ما آمن إلا بعضهم، لكن هذا الإيمان مِن بعضهم حمَلَه عليه العِلَّة الشاملة لجميع الجنس.
* فنستفيد من هذا: أننا نُعطي الجنس حكمَ الفرد إذا كان علة هذا الحكم شاملةً للجميع، إذا كانت علة هذا الحكم شاملةً للجميع فإنه يُعطَى الجنس حكم الفرد.
* يستفاد من هذه الآية أيضًا: الثناء البالغ على الذين آمنوا بالقرآن وبالكتب السابقة؛ لقوله: ﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾.
* ويستفاد منه: أن صفةَ النبي ﷺ موجودة فيما سبق مِن الكتب: التوراة والإنجيل، وهذا صريح في آية الأعراف في قوله: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ...﴾ إلى آخره [الأعراف: ١٥٧].
ثم قال: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص ٥٣].
* يُستفاد من هذا أيضًا، من هذه الآية: زيادة الثناء على هؤلاء بأنهم يُؤمنون بكل ما يُتلى عليهم، ما هم ما آمنوا بالقرآن جملة فقط، ولكن جملةً وتفصيلًا، وأخذنا ذلك من قوله: ﴿وَإِذَا يُتْلَى﴾، و﴿يُتْلَى﴾ فعل مضارع يدل على الحدوث والاستمرار، نعم، يدل على التجدد والحدوث، وأن هذا شأنُهم كلما تُلِي عليهم.
* ويستفاد مِنه أيضًا، مِن الآيات الكريمة: أنهم آمنوا لا لِمُجرد الهوى، ولكن آمنوا إيمانًا مبنيًّا على اقتناع. منين يؤخذ؟ من قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾، ما آمنوا هكذا تبعًا للناس، ولكن آمنوا عن اقتناع: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾.
* ويستفاد منه أيضًا: بأن القرآن مِن عند الله؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾.
* ويستفاد منها: كمالُ عقلِ هؤلاء الذين آمنوا، حيثُ عبروا هنا بالربوبية: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾ دون الألوهية؛ لأن المقام يقتضي ذلك، فإن الرب له حُكم، يحكم بما يشاء كونًا وشرعًا.
* ويستفاد من هذا أيضًا: أن هؤلاء كانوا مؤمنين مسلمين منقادين للكتب السابقة؛ لقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾.
* ويستفاد منه: جواز ثناء المرء على نفسه بالصفات المحمودة، بشرط أن يكون في ذلك مصلحة، وألا يكون فيه افتخار وعُلو على الغير؛ لقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾، وهذا أمر واقع من الرسول ﷺ ومِن الصحابة ومن أهل العلم، قال النبي ﷺ:
«أَنَا النَّبِيُّ لَاكَــــــذِبْ» ∗∗∗ «أَنَا ابْنُ عَبْدِالْمُطَّلِبْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣١٥) ومسلم (١٧٧٦/٧٨) من حديث البراء بن عازب.
]]
وقال ابن مسعود: «لو أعلم أن أحدًا تبلغه الإبل أعلمُ بكتاب الله مني لذهبتُ إليه»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٠٢) ومسلم (٢٤٦٣/١١٥).]]، فهذا ثناء على نفسه، لكن لمصلحة. والعلماء دائمًا إذا كتبوا في كتاب يُثنون عليه بما يقتضي هذا الكتاب مِن أوصاف الثناء، ومعلومٌ أن الثناء على الكتاب ثناء على مصنِّفه، لو أنك أثنيت على هذا البناء وقلتَ: ما شاء الله هذا بناء جيد ومحكم وجميل، من أثنيتَ عليه في الواقع؟ أثنيتَ على الباني، إي نعم، على الباني. فهذه المسألة يجوز للإنسان أن يُثنِي على نفسه بصفات الحمد، بشرط ألا يُريد بذلك الافتخار على غيره، والشرط الثاني أيضًا: أن يكون في ذلك مصلحة. أما الشرط الأول فوجهُه ظاهر؛ لأنه إذا قَصد بذلك الافتخار والعلو على الناس فهذا قصد محرم، ولهذا قال رسول الله ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا فَخْرَ»[[أخرجه الترمذي (٣١٤٨) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]].
وكذلك أيضًا اشتراط أن يكون فيه مصلحة؛ لأنه إذا لم يكن فيه مصلحة كان لغوًا من القول على أقل ما نقول فيه، كان لغوًا من القول؛ لأنه ليش الإنسان يمدح نفسه بدون مصلحة؟ إلا أنه لولا أنه يريد أن يُبرِز صفاته لِيفتخرَ بها على غيره ما فعل ذلك، حتى لو قال: أنا ما أريد الفخر، نقول: إذن لماذا؟ نعم.
* * *
قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مصلحتُهم أنّه يحثهم على الأخذ منه.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لكن، طيب، إذا بينا أنه يحفظ كذا وكذا، فأنا مثلًا قد تكون هذه الأشياء ليست عندي فأحرِص عليها، أو أعرف مثلًا أنه أحفظ مني فأرجع إليه في المسائل. المهم ما يُعتقد بأهل العلم -لا سِيَّما المشهورون بالفضل- أنه يريد بس مجرد إظهار صفاتهم الحميدة، فهذا معنى ليس بسليم أبدًا، لكن هم يقصِدون مصلحة، والمصلحة هذه تختلف باختلاف الأحوال.
* الطالب: يعني يا شيخ ما نقول: إن الأصل (...)؟
* الشيخ: لا، نقول: الأصل أن هذا لغو من القول؛ إذ لا فائدة منه، والرسول يقول: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨) ومسلم (٤٧/٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فما دام ما فيها خير... ثم إنها تؤدي إلى مفسدة؛ لأنه إذا فرضنا أن هذا الرجل مئة بالمئة ما قصده الافتخار، لكن يفتح بابًا لغيره، يفتح بابًا لآخرين، يفتخِرون بذلك.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤].
* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين مِن أهل الكتاب لهم أجران؛ الأجر الأول: الإيمان بكتابهم، والثاني: الإيمان بالقرآن.
* ومن فوائدها: إثبات عدل الله سبحانه وتعالى، حيث لم يُضيِّع أجرهم الأول بالأجر الثاني، ولا الأجر الثاني بالأجر الأول.
* يستفاد من ذلك أيضًا: أن الثواب على قدر العمل، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨]، هؤلاء كان ثوابهم مرتين؛ لأنهم عمِلوا كم؟
* طالب: مرتين.
* الشيخ: مرتين.
* ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات الأسباب والعلل؛ لقوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة الصبر، ما دام أن الصبرَ سبب للأجر، فلا شك أنه صفة حميدة وفاضلة، نعم، وأظن أننا في التفسير ذكرنا أن الصبر ينقسم إلى ثلاثةِ أقسام:
* طالب: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة.
* الشيخ: المؤلمة، وأن أفضلها أولها، ثم الثاني، ثم الثالث.
* ويستفاد منها أيضًا: أن الحسنات يذهبن السيئات؛ لقوله: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي مقابلة المسيء بالإحسان؛ لأن الآية كما قُلنا عامة لدرئهم سيئاتهم بحسناتهم، ودرئهم سيئات غيرهم بالإحسان إليهم، وأتينا لذلك بشاهد من القرآن. ولكن هذا الدرْء ثقيل على المرء، درءُ سيئات الغير بالإحسان إليه هذا ثقيل على المرء جدًّا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥]، أكثرُ الناس يقول: والله لأكِيلَنَّ له الصاع بالصاعين، والصفعة بالصفعتين، لكن الأمر ليس كذلك: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أيش النتيجة؟ ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤]، وشوف أتى بـ(إذا) الفجائية؛ للدلالة على أنَّ هذا الأمر يتحول بسرعة، هذا العدو يتحول بسرعة يكون كأنه ولي حميم، يعني: صديق قريب لك.
إذن نقول: إنه يستفاد منه أيش؟ أن الحسنات يذهبن السيئات، وأنه ينبغي مقابلة الإساءة بالإحسان، إلا أننا ذكرنا أن هذا ينبغي ألا يكون مظهر عجز في المرء، فإن كان مظهر عجز في المرء فلا ينبغي؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى ٤١].
* طالب: ولو كان فاسقًا؟
* الشيخ: إي نعم، ولو كان فاسقًا، هذا بالنسبة لحقك الخاص.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: أما بالنسبة لحق الله لا، فيعامل بما يقتضيه الشرع.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: بالنسبة لـ(...): ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤].
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: نعم ربما تُذْهِب السيئات الحسنات بالمقابلة، بطريق المقابلة؛ لأن الحسنات والسيئات تُوزَن يوم القيامة، فإذا رَجَح أحدهما صار الحكم له.
* ويستفاد من هذه الآية أيضًا: فضيلة الإنفاق من رزق الله؛ ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾.
* ويستفاد منها أيضًا: أن المنفِق لم يُنفِق مِما صنعه أو اكتسبه بنفسه، ولكنه ينفِق منين؟ مِن رزق الله، فالله هو الذي رزقك، وهو الذي أمرك، فأنت في الحقيقة خادم عبد متصرِّف حسبَ أمر سيدك، قال لك: اكتسِب فاكتسبتَ، قال لك: أنفِق فأنفقْتَ.
طيب، قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤]، كيف نجمع بين ما هنا وبين قولِه في وصفِ عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان ٦٧]، وبين قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء ٢٩]؟
نقول: نَجمَع بينهما بأنّ غالبَ أحوال الناس ألا ينفقوا جميع أموالهم؛ لأن إنفاق جميع المال قد يكون مضرًّا به، لكن في بعض الأحيان يكون إنفاق جميع المال محمودًا، فلهذا قال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ فلا تنفق، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فتنفِق كل ما عندك، لكن النصوص الأخرى تدل على أن المسألة مبنية على أي شيء؟ على تغيُّر الحكم بتغيِّر الأحوال، فقد يكون مثلًا الأفضل إنفاق جميع المال، وقد يكون مِن الأفضل إبقاء بعضه.
* ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أنَّ الإنفاق مِن رزق الله تبارك وتعالى محمود، والرزق كما عرَفنا في باب العقيدة، الرزق: ما يَنفع من حلال وضدِّه، يقول (...) والرزق ما ينفع من حلال وضدِّه، وهو ويش ضدُّه؟ الحرام، فهل يُحمد الإنسان إذا أنفق مِن حرام؟ لا؛ لأنه ما يُثاب عليه، والواجب عليه أنه يرد الشيء ويتخلص منه، هذا الواجب عليه، لكن المراد هنا الرزق الذي يُحمد على الإنفاق منه إذا كان زرقًا حلالًا، أما مَن اكتسب شيئًا حرامًا فإن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأنه إن أنفقه لم يُبَارك له فيه، وإن تصدق به لم يُقبَل منه، وإن خَلَّفه كان زاده إلى النار، وهذا يدل على أن الإنفاق من المحرم لا ينفع المرء، لكن ينفعه متى؟ إذا أنفقه يريد التخلص منه فإنه ينفعه بمعنى أنه لا يلحقه شيء من جَرَّائِه وينفعه؛ لأن إنفاقه للتخلص منه توبة، والتوبة تنفع العبد، فمثلًا: إذا كان الإنسان عنده مئة ألف درهم اكتسبها من حرام وأنفقها للتخلص منها، هل يُعطى أجر مَن تصدق بها؟ لا، لكن يُعطى أجرًا على التوبةِ من هذا الذنب الذي فعله، وأما ما (...)، لكن لو أنه اكتسبها من حلال وأنفقها، أُعْطِيَ الأجر بقدره، وعلى حسب المضاعفة التي جاء بها النص.
* * *
قال الله تبارك تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ [القصص ٥٥].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إذا كان... ما يفيد الإنسان؛ لأن العاجز ترك الشيء لعجزه عنه، فما هو مقام (...)، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء ١٤٩]، فمدح نفسه بأنه عافٍ مع القدرة، أما من عفا لعجزِه، ويش الفائدة؟ واحد مثلًا يضربه جندي وهو ما يقابل الجندي، يقول: (...) جزاك الله خيرًا، الله يحسن إليك. نعم، فنقول: هذا عاجز، لكن لو يضربه واحد من (...) ويش يسوي له؟ يمكن يعطيه عن الصاع صاعين.
القصص 28:55
قال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص ٥٥].
﴿وَإِذَا سَمِعُوا﴾، يجب أن نعرف الفرق بين (سمِع) و(استَمع)، فالسامِع هو الذي أدرك الصوت بدون قصد، والمستمِع: هو الذي أدركه بقصْد، أدرك الصوت بقَصْد. ولهذا نقول: يُسَن سجود التلاوة لمن؟ للمستمع دون السامع.
فهنا قال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾، دل على أن هؤلاء القول ليسوا يستمعون إليه، ولكن يسمعونَه، فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢]، ﴿مَرُّوا﴾ به، ما يقفون عنده، لكن إذا ﴿مَرُّوا﴾ به.
فهؤلاء أيضا: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾، يقول المؤلف: (الشتم والأذى من الكفار)، أيضًا هذا تخصيص لِما هو أعم، فإن اللغو يشمل ما قاله المؤلف: (الشتم والأذى)، ويشمل أيضًا كلَّ كلام لا خيرَ فيه، سواء كان فيه شر أم لم يكن فإنه مِن اللغو. فهؤلاء في غاية ما يكون من الجد وحفظ الوقت، لا يستمعون إلى كلام لغو، والله تبارك وتعالى مدح الذين لا يستمعون اللغو، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ» ويش بعده؟
* طلبة: «فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».
* الشيخ: «فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨) ومسلم (٤٧/٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، «فَلْيَقُلْ خَيْرًا»، والمقابل للخير ويش بعد؟ الشر، ويش بعد؟ وما لا خير فيه ولا شر وهو اللغو.
فالأصح أنه يشمل ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ يشمل كلَّ كلام لا خير فيه، سواءٌ كان فيه أذية وشر أم لم يكن.
﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص ٥٥]، ﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ بأبدانِهم؟ أو بأبدانهم وقلوبهم؟ أو بقلوبِهم فقط؟ الأصل القلوب، لكن قد تشمل الأبدان أيضًا، بحيث إذا سمعوا كلامًا لا خير فيه قاموا وتركوا المكان، ولو كان غير حرام. أما إعراض البدن مع إحضار القلب، فهذا ينفع؟ ما ينفع.
فالمقام هنا أربعة أنواع، المقام عند اللغو أربعة أنواع:
تارَةً يُقبِل عليه بجسمِه وقلبه، فحينئذ يكون مشاركًا لأهله.
وتارة يُعرِض عنه بجسمه وقلبه، بحيث ما يستمع إليه ويقوم.
وتارة يعرض بقلبه دون جسمه.
وتارة يعرض بجسمه دون قلبه.
والتركيز هنا على أي شيء؟ الإعراض بالقلب.
﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص ٥٥]، كأنه يقول: إذا قيل لهم: ليش تقومون؟ لِماذا لا ترُدُّون؟ لماذا لا تنصَاعون لأذاهم؟ يقولون: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، فنحن لا نُسأل عما تعملون، وأنتم لا تُسألون عما نعمَل، ولا نوافقكم على هذا العمل. وليس يعني ذلك أنهم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر؛ لأن الكلام هنا عن اللغو، وهو الكلام المنافي للخير، أما المنكر فإنهم لا شك أنهم ينهون عنه ويأمرون بالمعروف.
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [القصص ٥٥]، يسلِّمون عليهم سلام تحية ولَّا سلام غير تحية؟
المؤلف يقول: (سلام متاركة، أي: سَلِمْتُم مِنَّا مِن الشتم وغيره)، وليس يسلمون سلام تحية، فهم إذا سمعوا اللغو أعرضوا وقاموا وقالوا لهؤلاء: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾، يعني: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ مِنَّا، ما هو مِن الله، ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ مِنَّا فأنتم سالمون، لا نقابِلُكم بِما تفعلون بنا. وهذا من المؤلف بناء على أن المراد بقوله: ﴿اللَّغْوَ﴾ يعني الأذى والشتم من الكفار.
أما إذا قلنا بالعموم، فإنه يحتمِل أن يكون المراد بالسلام هنا سلامًا من الله، أي: سلام تحية؛ لأنه يُشرع لِمن قام مِن مجلس أن يُسَلم، ويحتمل أن يكون سلام متاركة، وإن شئنا جعلناه موزعًا، فقلنا: إن قلنا باللغو: إنه الشتم والأذى، فالسلام هنا سلام متاركة، بمعنى أنكم أنتم سالمون منا ونحن سالمون منكم، وإذا قلنا: إن المراد باللغو الكلام الذي لا خير فيه، وإن لم يكُن سبًّا ولا شتمًا فهو سلام تحية؛ لأن هؤلاء لم يُسِيئوا إلى المعرضين حتى يقولوا لهم: سلام عليكم منا، وهذا أيضًا جائز أن نَحمل السلام - أي: معنى السلام - هل هو متاركة أو سلام تحية على معنى اللغو.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، مثله، نعم.
قال: (﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص ٥٥] لا نصحبهم)، وهذا التفسير مِن المؤلف قاصر، أظنه قاصرًا، نشوف هل توافقون على هذا ولَّا لا؟ ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾، يقول: (لا نصحبهم)؟
* طالب: قاصر.
* الشيخ: ولو كان الأمر كذلك لقال: لا نصحب الجاهلين، لكن: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾، الابتغاء بمعنى الطلب، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة ٢] أي: يطلبون، فمعنى ﴿لَا نَبْتَغِي﴾ لا نطلب، وإذا انتفى طلبُ الجاهلين، فانتفاء صحبتِهم؟
* طالب: من باب أولى.
* الشيخ: من باب أَولى؟ تقول هذا لأن هذه أسطوانة دائمًا نقولها، ولّا تقولها على اقتناع؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إذا انتفى طلب الجاهلين انتفت الصحبة من باب أَولى؛ لأنهم هم ما يطلبون الجاهلين ولا يُدوِّرونهم، فضلًا عن كونهم إذا وجدوهم صحِبوهم، فأيهما أبلغ: تفسير المؤلف أو ظاهر الآية؟
* طالب: ظاهر الآية.
* الشيخ: ظاهر الآية أَولى وأبلغ، يعني: نحن لا نطلب الجاهلين فضلًا عن صحبتهم؛ وذلك لأنهم ذوو علم وبصيرة، والإنسان من ذوي العلم والبصيرة ما يطلب الجاهلين فيكون معهم، بل لا يصحبون إلا الأخيار ذوي العلم والمروءة والشرف والدِّين، أما الجاهلون فإنهم لا يبتغونهم ولا يطلبونهم ولا يريدونهم أيضًا.
والجاهل هنا المُراد به السَّفيه، أو مَن ليس بعالِم؟ السفيه، نعم، المراد به السفيه حتى لو كان عالِمًا؛ لأنه إذا أساء التصرف ولو كان عالِمًا فهو بمنزلة الجاهل، بل أشد مِن الجاهل؛ لأن مَن خالف عن عِلم أشد مِمن خالف عن جهل، ويُسمى مَن خالف عن علم يسمى سفيهًا ويسمى جاهلًا مركبًا، نعم إذا ادعى أنه يعلم، بخلاف الإنسان الجاهل الذي لم يأتِه العلم أصلًا، فإن هذا قد يستقِيم إذا عَلِم.
طيب إذن ﴿الْجَاهِلِينَ﴾ هنا ليسوا مَن لا يعلمون، بل السفهاء.
وإذا قال قائل: ما الذي يدل على أن الجهل يأتي بمعنى السَّفه؟
قلنا: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٧]، فإن قوله: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ بلا شك أن المراد أيش؟ بِسفه؛ لأن مَن يعمل السوء جاهلًا بغير علم فهذا لا ذنب عليه حتى نقول: إنه يتوب. فالجهل هنا بمعنى السفه ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص ٥٥] أي: السفهاء الذين يعملون بجهالة.
طيب، الجاهل اللي غير عالِم هل يبتغيه المرء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ربما يبتغيه يطلبه لأجل يعلمه، رُبما يطلبُه لِيعلِّمه، ما دام جاهلًا، ولهذا الرسول ﷺ كان يعرِض نفسَه على القبائل في موسم الحج[[أخرج أبو داود (٤٧٣٤) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على الناس في الموقف، فقال: «ألا رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي».]]، يجيء إلى قبيلة (...) عليهم ويدعوهم إلى الله، فهو يطلب هؤلاء الجهال لِيعلِّمهم. لكن المراد بالجهل هنا هو السفه؛ لأن السفيه فعلُه في الحقيقة كفعل الجاهل تمامًا؛ إذ إنه يخالف الحق ولا يعمل به، لكنه أشد من الجاهل؛ لأنه غير معذور، و(...) إلى آخره.
طيب نحن الآن وإياكم (...) هذه الصفات، فهل المراد أن نقرأها للعِلم ولّا للعمل؟
للعلم والعمل؛ لأن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنه يتعلم عشر آيات تعلموها وما فيها من العلم والعمل، وأكثر الناس إذا قرأ مثل هذه الآيات قال: يللا (...) ما أحسن صفاتهم! وما أجمل أفعالهم! وهذا غاية ما يستفيد من الآية، ولكن هذا ما يكفي، المقصود من ذِكر هذه الأوصاف الحميدة سواءٌ كانت عن سبيل الإخبار عن الحال، أو عن سبيل القصص، الغرض منها هو الاعتبار، أن الإنسان يعتبِر بما حَصل، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]، ونسأل الله أن يعيننا جميعًا على فَهم كتابه والعمل بالوحي.
(...)
على مَن أعرض عن اللغو؛ لقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص ٥٥].
وثانيًا: أنه ينبغي الإعراض عن اللغو، وهو الكلام الذي لا فائدة فيه ولا خير فيه، والفعل يقاس عليه ولّا لا؟ يُقاسُ عليه، فلا ينبغي للإنسان أن يُمضي وقته في أفعال لا خيرَ فيها.
واعلم أن الخيرية ذاتية وعرَضية، بمعنى أنه قد يكون الشيء خيرًا في ذاته، وقد يكون خيرًا لغيره لعارض يعرِض له، فمثلًا الصلاة خيرُها ذاتي، والسعيُ إليها خيرُه عرَضي؛ لأن مجرد المشي ليس بقُربة حتى يكون وسيلة إلى قربة أخرى. فعلى هذا لو أن الإنسان تحدث بحديث ليس مِن الذِّكر ولا مِن العلم ولا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنّه حديث يقصِد به إدخال السرور على مُجالسيه، يكون خيرًا هذا ولَّا لا؟ نعم يكون خيرًا، لكنه ليس خيرًا ذاتيًّا بهذا الكلام، بل هو خيرٌ عرضي، أي: عرض له بسبب القصد الحسن فيه، وهذا في الحقيقة على هذا التقدير (...).
واضح؟ ولاحِظوا أيضًا أنه لا سواء بين الخير العرَضي والخير الذاتي؛ لأن الخير العرضي يَفقِد خيره إذا زال السبب، والخير الذاتي خيره ثابت دائم.
إذن نقول: يستفاد منه أن ترك اللغو مما يُثنى عليه. أظن ذكرنا هذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الثناء على ترك اللغو.
* طالب: لكن (...)؟
* الشيخ: إي نعم، لا، ما دُمْنا قُلنا: إنه خير عرضي (...) ما دُمنا قلنا: إنه خير عرضي، فهذا إذا انتهى وزال السبب الذي من أجله تحدث، يكون الباقي لغوًا ما فيه فائدة، يكون من الأحسن تركه: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨) ومسلم (٤٧/٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
* الطالب: نعم، يعني هذا بالنسبة لجلسات أخرى، أو في نفس الجلسة؟
* الشيخ: في نفسِ هذه الجلسة، أما في الجَلَسات الأخرى فكل جَلسة لها حكمها، كل جلسة لها حكمها، لكن حتى بالنسبة لهذه الجلسة إذا زال السبب الذي من أجله أتحدث إليهم زالت الخيرية، فيمكن أن ينتقل بهم إلى حديث آخر مفيد أو نحو ذلك، الإنسان الحقيقة البصير يستطيع يعمل.
ومن أحسن ما يكون أن بعض الأقوام إذا صحِبوا أحدًا ربما يوجه إليه أسئلة مفيدة في الدين مثلًا؛ لأجل أنه يشغل الناس عن الكلام اللغو الذي لا فائدة منه، ويشدهم أيضًا إلى البحث؛ لأنه قد يكون عند الإنسان سؤال ناسيه، وإذا انفتح الباب تذَكَّره، هذا من أحسن ما يكون، لا سِيَّما طلبة العلم الذي ينبغي أن يكونوا مفيدين للناس في جلساتهم، يعني فلا ينبغي أن طالب العلم تكون جلسته كجلسة العامي، بل يحرِص على الفائدة ما أمكن.
* ويستفاد من الآيات الكريمة: أنه ينبغي التبرؤ من أصحاب اللغو وعدم مجالستهم؛ لقولهم: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص ٥٥].
* ويستفاد منه: مشروعية السلام عند الانصراف؛ لقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [القصص ٥٥]، وهذا يتوجه على تفسير المؤلف لها ولَّا لا؟
* طالب: لا، (...).
* الشيخ: إي، أنا أريد القاصي.
طيب؛ لأن معنى كلام المؤلف ما تستقيم هذه الفائدة على تفسير المؤلف؛ إذ إنه يرى أن السلام هنا سلام مُتاركة، لا سلام تحية، وعلى هذا فلا تُؤخذ هذه الفائدة، وهو إنما حمله على سلام المتاركة بناءً على تفسيره اللغو بأنّه الشتم والقذف، والحقيقة أن هذا تفسير ناقص؛ لأن السب والشتم قد لا يُقال: إنه لغو فقط، بل لغو وعدوان، نعم، فهو أخص من كونه لغوًا.
* طالب: الفائدة (...)؟
* الشيخ: الفائدة هذه (...) مشروعية السلام.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...)؛ لأن إحنا رجحنا أنها عامة، إي نعم.
* الطالب: يا شيخ ما تخالف (...)؟
* الشيخ: ما تخالف الآية؛ لأن قوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ [القصص ٥٥] الكلام اللي لا خير فيه واللي فيه الشر، والكلام الذي لا خير فيه يمكن أن (...) الإنسان عنهم، ويقول: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ سلام تحية؛ لأنه ما هو محرم.
* ومن فوائد الآية: أنه لا ينبغي للعاقل طلبُ السفهاء، فضلًا عن الجلوس معهم؛ لقوله: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص ٥٥]؛ لأن طلبهم في الحقيقة يؤدي إلى الجلوس معهم، والجلوس مع الجاهلين إثم كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام ٦٨]، فلا ينبغي للإنسان أن يتطلب أهل السفه ويجلس إليهم، أو على الأقل يأنس بما يفعلون، فإن هذا من الصفات التي ليس عليها أهل الخير والإيمان.
القصص 28:56
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص ٥٦].
قال المؤلف: (ونزل في حرصه ﷺ على إيمان عمه أبي طالب).
أبو طالب هو أبو علي رضي الله عنه، وهذا العم آوى رسول الله ﷺ، ودافع عنه، وناصره، ولكن والعياذ بالله حِيل بينه وبين الإيمان بسبب ما كَتب الله له من الشقاوة.
وفيه حكمة عظيمة: عدمُ إيمانه؛ لأنه لو آمن ما تمكن من الدفاع الذي حصل منه للرسول ﷺ؛ إذ لو آمن لكان هو محلَّ إيذاء للمشركين، لكن لما بقي على ملتهم كانوا يحترمونه بعض الاحترام، فكان في بقائه على الكفر مِن حكمة الله ما هو ظاهرٌ، وإلا ما استطاع أن يحمي الرسول عليه الصلاة والسلام تلك الحماية.
وهذا الرجل له فضل على الإسلام بسبب دفاعه عنه، ولهذا أذِن الله لنبيه ﷺ أن يشفع له، مع أن غيره من الكفار ما يمكن يشفع لأحد، ما شُفع ولن يُشفع لأحد من الكفار إلا هذا الرجل؛ لما له من الفضل على الإسلام من حماية الرسول ﷺ والدفاع عنه. ولكن الشفاعة هذه ما نفعته نفعًا كاملًا، يعني ما يمكن تنفعه (...)، إنما نفعته أنه كان في ضحضاح من نار وعليه نعلان يغلي منهما دماغه، وهو يرى أنه أشد أهل النار عذابًا، وهو أهونهم والعياذ بالله. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩/٣٧٥) من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه.]]، «لَوْلَا أَنَا» يعني أني شفعت له، أو أنه أيضًا عمِل ما عمِل في حماية الرسول ﷺ.
هذا العم حرص النبي عليه الصلاة والسلام غاية الحرص على أن يؤمنَ، حتى إنه في سياق الموت يقول له: «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ»، فكان يقول آخِرَ ما قال: إنه على ملة عبد المطلب. والعياذ بالله، وإنه لن يدع طريقة الأشياخ، الأشياخ الكبار أهل الجاهلية[[أخرج البخاري (١٣٦٠) ومسلم واللفظ له (٢٤/٣٩) بسنديهما من حديث المسيب بن حزن رضي الله عنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ، فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله ﷺ: «يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله»، فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ: «أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك»، فأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، وأنزل الله تعالى في أبي طالب فقال لرسول الله ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦].]].
* طالب: ما عنده (...)؟
* الشيخ: إي، عنده رجلان من المشركين يلقنانه: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فكان والعياذ بالله خُتِم له بخاتمة الشقاء، فلم تنفعه هذه المحاولة من الرسول ﷺ.
ندِم النبي عليه الصلاة والسلام على هذا الأمر، وقال: «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»[[انظر الحديث السابق.]]، فنُهِي عنه وقيل له: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة ١١٣].
أما بالنسبة لندمِه على عدم إيمانه، فسلَّاه الله تعالى بهذا الأمر: (﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص ٥٦] هدايتَه).
﴿إِنَّكَ﴾ يا محمد، الخطاب له، وغيره من باب أولى؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم، غيرُ الرسول من باب أولى، إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو أشرف الخلق عند الله وأعظمهم جاهًا، ما يستطيع أن يهدي أحدًا، فكيف يستطيع غيرُه.
وقوله: ﴿لَا تَهْدِي﴾ المراد بالهداية هنا هداية التوفيق، بمعنى: لا تضَعُ الهداية في قلوب الناس. وليست هدايةَ الدلالة والإرشاد، فإنّ هداية الدلالة والإرشاد ثابتة للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢]، ولكنّ هداية التوفيق، وهي إلقاءُ الهدى في القلوب هذا لِمَن؟ هذا لله سبحانه وتعالى وحدَه.
وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، المؤلف قدّره بقوله: (هدايته)، (﴿مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هدايته)، والصواب: من أحببته، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ﴾ أحببته.
لماذا عدل المؤلف إلى: (﴿أَحْبَبْتَ﴾ هدايته)؟
قال: لأن الرسول ما يمكن يحب أبا طالب وهو كافر، فإن المؤمن ما يُحِب الكافرين، ولكننا نقول: الحب الطبيعي هذا لا ينافي الإيمان، فالإنسان يحب مثلًا قريبَه ولو كان كافرًا، لكنَّها محبة طبيعية كما تُحِب الأمُّ ولدها، نعم المحبة الدينية هذه لا تجوز بين المؤمن والكافر: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ﴾ [المجادلة ٢٢].
أيضًا المؤلف يقول: (﴿مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هدايته)، في الحقيقة لو أننا حملناها على ما قال المؤلف لكانت هذه تعم كلَّ الناس؛ لأن الرسول يحِب أن يهدي كلَّ الناس، ما هو بس عمه أبو طالب. لكن (من أحببته) هذا يختص بأبي طالب مثلًا أو غيره من أقاربه.
أيضًا لو أننا قلنا كما قال المؤلف، لكان في الآية إضمار. أيش الإضمار على تقدير المؤلف؟
* طالب: إضمار الهداية.
* الشيخ: إضمار الهداية؛ لأن الأصل في ضمير الصلة أن يعود إلى نفس الصلة، و﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ﴾، (من) هذا اسم موصول، يعود على مَن؟ على أبي طالب، وعائدُ الصلة يعود على نفس الصلة.
وبهذا تبيَّن أن الراجح (من أحببته) من وجوه ثلاثة: وجه معنوي ووجهان لفظيان، الوجه المعنوي: أنّ الآية نزلت في أبي طالب، ولو قلنا: (﴿مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هدايته) لكانت عامة؟
الوجهان اللفظيان أننا إذا قدرنا (هدايته)، لزم أن يكون في الآية شيء محذوف، والأصل عدم الحذف.
والوجه الثاني من الوجهين اللفظيين: أن عائد الصلة يعود إلى أيش؟
* طالب: إلى الصلة.
* الشيخ: لا، ما هو إلى الصلة، عائد الصلة يعود إلى الموصول، فإذا عاد إلى ﴿مَنْ﴾ في قوله: ﴿مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، صار المراد: مَن أحببته هو.
وأما ما لاحظ المؤلف، فيما يظهر لي أن المؤلف لاحظ أن الرسول ﷺ لا يمكن أن يحب أبا طالب، فالجواب عليه أن المحبة نوعان: محبة طبيعية ومحبة شرعية، فالمحبة الطبيعية لا تنافي المحبة الشرعية، قد تجتمع معها وقد تنفرد، فإذا كان المؤمن قريبًا لك اجتمع فيه؟
* طالب: المحبتان.
* الشيخ: المحبتان، وإذا كان بعيدًا منك وُجِد فيه محبة واحدة وهي الشرعية، وإذا كان قريبًا وهو غير مؤمن ففيه محبة واحدة وهي المحبة الطبيعية.
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص ٥٦]، لِمَن الهداية إذن؟
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص ٥٦]، ﴿يَهْدِي﴾ هداية أيش؟
* طالب: هداية التوفيق.
* الشيخ: هدايةَ التوفيق.
﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من يشاء أن يهديه، (...)، من يشاء هدايته؛ لقوله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
وقوله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ عَلَّق الفعل بالمشيئة ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، وكلُّ فعل يعلقه الله بالمشيئة من أفعاله فإنه مقرونٌ بالحكمة؛ إذ إن أفعالَ الله كلَّها مبنية على الحكمة. إذن ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ هدايته ليس الأمر اعتباطيًّا، ولكنَّ الأمر على حكمة: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود ٥٦] ما يهدي من يهدي إلا وهو أهل للهداية، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وكذلك هو أعلم حيث تكون هذه الرسالة، فمن كان أهلًا للرسالة أُرْسِل، ومن كان أهلًا للقيام بواجب الرسالة هُدِي لذلك.
فإذن الإطلاق في قوله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، أيش؟ على وفق الحكمة، نعم.
قال: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص ٥٦]، قال المؤلف: (أي: عالمٌ ﴿بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ).
غريب المؤلف، نحن ذكَرْنا أننا ننتقض المؤلف، ننتقِضُه من وجهين؛ الوجه الأول: أن هذا تحريف للقرآن أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: حيث حوَّل ﴿أَعْلَمُ﴾ الدال على الكمال في العلم والأفضلية فيه، إلى (عالِم) الذي لا يمنعُ مشاركةَ غيره له في هذه الصفة، أليس كذلك؟ فأنا أقول: محمد عالِم وزيد عالِم وبكر عالِم... إلى آخره، ولَّا لا؟ لكن لو قلت مثلًا: (زيد أعلَم) معناه أنه ما ساواه أحد في علمه.
فالمؤلف الآن حرَّف القرآن حيث أيش؟ حيث فَسَّر ﴿أَعْلَمُ﴾ بـ(عالم)، ففَسر ما يَدُل على الكمال بما يدُل على المشاركة.
الوجه الثاني، أننا نقول: إنَّ وصف الله بأنه أعلم أكمل من وصفه بأنه عالِم، أكمل بلا ريب، فما الذي يمنع أن نقول الأكمل؟ هو كأنه يريد أنه يقول: ما يمكن أن نقول: الله أعلم، فنجعل لله مشاركًا في العلم.
فنقول: ما جعلتَ لله مشارِكًا مساويًا، جعلت لله مشاركًا نازلًا عن علم الله، فالله أعلم. لكن إذا قلت: إن الله عالِم، قيل لك: جعلتَ لله عِلمًا قد يساويه غيرُه فيه. فالصواب أن أعلم اسم تفضيل وأنها على بابها.
وقوله: ﴿أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، بالمهتدين فعلًا أو بمَن يستحق أن يكونَ من المهتدين؟
إذا قلنا: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، أو بِمَن هو قابل للهداية؛ لأن الكلام الآن على إنشاء الهداية في قلب المرء، فيكون ﴿أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ما معناها: الذين اهتدوا، بل أعلم بِمَن يستحق أن يقبل الهدى، ولهذا فسره بعضُهم بالمهتدين في علم الله؛ أي: مَن علِم الله أنهم سيكونون مهتدين.
فعلى كل حال المهتدي معناه: مَن كان قابلًا للهداية، ومعناه من اهتدى بالفعل، والمراد بالآية الأول ولَّا الثاني؟ الأول، يعني: أعلم بمن يقبَل الهداية فيهديه، نعم.
﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
طيب (المهتدين) هنا الذين اهتدوا، بمعنى قَبِلوا الهُدى وتمسكوا به.
الجمع بين هذه الآية وبين الآية التي أشرنا إليها قبل قليل: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢]، أن المُثبت غير المنفي ولَّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ﴾، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾؟
فنقول: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ المراد بها هداية الدلالة؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧]، ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ معناه: دَلَلناهم على الهدى، ولكنهم والعياذ بالله استحبوا العمى عليه فلم يهتدوا. وأما الهداية هنا فهي هداية التوفيق، وهذه ليست لأحد، ما هي إلا لله سبحانه وتعالى.
هذه الآية في الحقيقة سنستفيد منها أن الإنسان إذا جَدَّ واجتهد في دعوة الناس إلى الهُدى فلم يهتدوا، فإن عليه أن يتسلى بهذه الآية، وهي: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، وإلا كثير من الناس الآن عندهم أقارب؛ إما معهم في البيوت أو خارج البيوت يدعونهم إلى الهدى فلا يهتدون، فنقول: الحمد الله أنَّ الله سبحانه وتعالى بَيَّن أن هذا الأمر ليس إلينا، إنما هو إليه، إن اهتدوا فلهم ولنا ثواب دلالتهم، وإن لم يهتدوا فلنا ثواب الدلالة والدعوة وعليهم وزر الغَيّ.
* طالب: ﴿أَعْلَمُ﴾ (...)؟
* الشيخ: لا، أصله، نحن قلنا: إنه يجوز حذف المبتدأ والخبر، فيه أيضًا ما هو بلازم اسم التفضيل ما ينصب الفعل؛ لأن اسم التفضيل ما يمكن ينصب المفعول أبدًا، فهمت؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: ويمكن يرفع الفاعل بشروط تأتينا إن شاء الله في شروط اسم التفضيل، في باب عمل اسم التفضيل. إي نعم.
* طالب: (...) ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ﴾؟
* الشيخ: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤].
* الطالب: نعم ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ﴾ (...)؟
* الشيخ: لا، فيها ﴿عَلِيمٌ﴾: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور ٤١].
* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ﴾.
* الشيخ: إي، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر ٣٨]، وهذا ما يستقيم: (أعلم غيب السماوات)، (إن الله أعلم غيب السماوات) ما يستقيم.
القصص 28:57
يقول: (﴿وَقَالُوا﴾ [القصص ٥٧] أي: قومُه) قوم مَن؟ قوم الرسول ﷺ، ﴿وَقَالُوا﴾ يعني قريشًا ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص ٥٧]، أعوذ بالله.
سواء قالوا ذلك عن عقيدة أو عن غير عقيدة، هذا القول كذب: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾، المعية هنا للمصاحبة والتبعية، يعني ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى﴾ ونكون ﴿مَعَكَ﴾ فيما تدعو إليه، والمراد بالهدى: ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام.
وفي قوله: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾ إقرارٌ بأن ما مع الرسول هدى، وهذا غريب منهم أنهم يقولون: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾، فيعترفون بأنه هدى، ثم بعد ذلك يكفرون، ويش يحصل؟
﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾، يعني يقول المؤلف: (أي نُنْتَزَعُ مِنها بسرعة)، الخطف: نَزْع الشيء بسرعة، يعني يتخطفنا الناس، يتخطفونا ويكونون علينا؛ لأننا خالفنا ما كانوا عليه مِن الشرك والأوثان، فهم يَقضُون علينا بسرعة.
وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران ١٧٥]، فالشيطان يخوِّف المؤمنين الكفار، يقول: ترى إن آمنتم حصل كذا وكذا، إن تمسكتم بدينكم حصل كذا وكذا، إن كان أنكم ألزمتم الناس باتِّباع الإسلام ظاهرًا وباطنًا ثار الناس عليكم، الناس ثلاثة أرباعهم يريدون الفسوق، فأنتم إذا ألزمتموهم بالدِّين فإنهم يثورون عليكم. هذا لا ريب أن الشيطان يلقيه في قلوب الناس: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾، ولكن أيش الواجب علينا نحو هذا المقام؟ ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧٥]، الواجب ألا نخاف، ما دمنا نرى أننا نسير على حق فإننا لن نخاف أحدًا، بل إننا نعلم علم اليقين أننا لو صِرنا على الحق لخافنا الناسُ ولم نخَف منهم، ولَّا لا؟ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ [الأنعام ٨٢]، الأمن منين؟
* طالب: من الله.
* الشيخ: الأمن مِن الله، لكن الأمن منين؟ الأمن من الخوف، ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش ٤]. ﴿لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ من الخوف، لا مِن الله ولا من غيره، يعني ما يخافون عقاب الله؛ لأنهم آمنوا إيمانًا صريحًا (...).
وكذلك أيضًا يُؤَمِّنُهم الله مما يخافون، وهو أحد التفسيرين في قوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر ٢٣]، أنّ المؤمن الذي يُؤَمِّن عبادَه الطائعين له مما يخافون، عرفتم؟ بس هذا يبغي إيمانًا في الواقع، يبغي إيمانًا حقيقيًّا، فإذا وُجِد الإيمان الحقيقي ثم نُفِّذَت الشريعة فأنا ضامن أن يحصُل الأمن التام، أكثر مما يحصُل بالدبابات والرشاشات وغيره، هذه الأحوال التي نسمعها الآن، ولا سِيَّما في هذا العام مِن الاغتيالات والانفجارات وغيرِها، هذه هل إن الدول اللي حصل فيها هذا الأمر ما عندها سلاح تردع الناس؟ عندها سلاح قوي أقوى من سلاح هؤلاء المُخَرِّبين، ولكن ما عندهم إيمان يحصل به الأمن، فمهما قوي (...) فإنه لن يحصل به الأمان، الأمان حقيقة بالإيمان، الإيمان والأَمان مقترنان.
هنا يقول هؤلاء الكفار: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص ٥٧]، هذا قول صحيح ولَّا غير صحيح؟ هذا غير صحيح، وسواء قالوه لدفع ما يدعوهم إليه الرسول عليه الصلاة والسلام من غير عقيدة أو قالوه عن عقيدة، فالأمر غير واقع، الدليل: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص ٥٧]، ﴿نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ يعني معناه نَجعل لهم مكانًا، نعم، مثل: ﴿إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج ٤١] أي: جعلنا لهم مكانًا يتمكنون فيه، وهنا: ﴿نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ يعني نجعل لهم مكانًا هو ذلك الحرم الآمن.
وقوله: ﴿حَرَمًا﴾، ﴿حَرَمًا﴾ على وزن بَطَل، فهو صفة مشبَّهة، أي: مِن الحُرمة، يعني مكانًا حرمًا، أي ذا حرمة. ولا ريب أن مكة المكرمة لها حُرْمة عظيمة في نفوس الناس حتى في الجاهلية.
وقوله: ﴿آمِنًا﴾، هنا كلمة (آمِن) اسم فاعل، وهل الحرم هو الآمن، أو مَن فيه هو الآمن؟
* طالب: كلاهما.
* الشيخ: كيف كلاهما؟
* الطالب: يعني نفس الحرم (...).
* الشيخ: المؤلف يقول: (يأمنون فيه من الإغارة والقتل الواقعَيْن من بعض العرب على بعض)، فجعل (آمن) أي آمنًا أهلُه، يعني فسر ﴿آمِنًا﴾ بقوله: (يأمنون)، فيكون المعنى: آمنًا أهلُه.
وعندي أن الوصف هنا للحرم؛ لأن المؤلف (...) الآن وصف سببي، وأنا أرى أنه وصف حقيقي، عندهم نعت يسمونه نعتًا سببيًّا ونعتًا حقيقيًّا، فالنعت الحقيقي: ما كان صفةً للمنعوت، والسببي: ما كان صفةً لغيره مما يتصِل به، نعم، فإذا قلت: (عندي رجل صائم)، النعت هذا حقيقي، (صائم) يعود على (رجل)، (عندي رجل صائمٌ أبوه) هذا النعت سببي؛ لأن الوصف (صائم) هو يعود على المنعوت ولَّا على ما له به صلة؟ ما له به صلة، نعم.
المؤلف (...) من باب النعت السببي، يعني الآمن أهلُه، وعندي أنه نعت حقيقي، وأنه - أي: وأن الحرم - هو الآمِن، وإذا أمِن المكان بلا ريب مَن فيه سوف يأمَن، فهذا المكان آمن، وكما قال محمد: هو آمن ما أحد يعتدي عليه، حتَّى مَن أراده بسوء أتلفه الله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج ٢٥].
طيب، هذا الحرم الآمن نفسُ العرب معَ كفرهم مهما فعلت قريش ما يمكن يغزون هذا البيت أبدًا، ثم إن أهل هذا البيت هم سادة العرب حتى في الجاهلية، فكيف يقولون: ﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص ٥٧]؟! هذا غير ممكن؛ لأن الحرم آمِن فهم آمنون فيه، ما يُمكن أن يُتخَطفوا فيه، ثم مع ذلك هذا البلد مع كونه آمنًا، هو أيضًا عيْش رغد ما يلحق أهلَه ضيقٌ، ولهذا قال: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص ٥٧].
﴿يُجْبَى﴾ يقول المؤلف: (بالفوقانية والتحتانية).
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) (بالفوقانية والتحتانية)؟
* طالب: ﴿يُجْبَى﴾ و﴿﴿وتُجْبَى﴾ ﴾.
* الشيخ: ﴿يُجْبَى﴾ و﴿﴿وتُجْبَى﴾ ﴾ قراءتان سبعيتان، ومعنى ﴿يُجْبَى﴾ أي: يُجمع، مِن الجباية وهي الجمع.
وقوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ يعني معناه (...) ﴿يُجْبَى﴾ بمعنى يؤتى أيضًا، يُجمع الثمرات من كل أرض وتأتي إليه، تأتي إلى هذا البلد، وهذا هو الواقع، قال إبراهيم: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [إبراهيم ٣٧]، فكانت الثمرات تأتي إلى هذا البلد في كل أوان، من المكان القريب كالطائف وغيرِه، ومِن المكان البعيد.
* الطالب: فعل البرامكة (...)؟
* الشيخ: (...) بالبيت؟ ما ينافيه، سنذكره إن شاء الله بعدُ.
وقوله: (مِنْ كل أَوْب) يعني: مِن كل صَوْب، (أوب) أي صوب، والصَّوْب والأَوْب بمعنى الناحية، أي من كل ناحية (﴿رِزْقًا﴾ لهم ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ ).
﴿رِزْقًا﴾ هذه معناها؟ أيش معناها؟ أيش معنى الرزق؟
* طالب: العطاء.
* الشيخ: العطاء، الرزق العطاء، وهو منصوب على أنه مفعول من أجله أو مصدر أو مفعول مطلق لقوله: ﴿يُجْبَى﴾، ﴿يُجْبَى﴾ عطاء.
وقوله: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص ٥٧] أي: مِن عندِنا، وليس لهم به حول ولا قُدرة، بل الأمر من الله عز وجل هو الذي جعل هذه الثمرات تُجبى إليهم.
(﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص ٥٧] أن ما تقوله حق).
قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، المعلوم هنا محذوف في الآية، ما قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ كذا وكذا، ولكن المؤلف خصَّه بقوله: (﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن ما تقوله حق). وعندي أن الأمر أعم وأشمل؛ لأن حذف المفعول يدُل على العموم، فعليه نقول: (﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن ما تقوله حق)، ولا يعلمون العاقبة أيضًا؛ فإن العاقبة أنَّه إذا كان هذا الحرم آمِنًا في حال الكفر، وتُجبى إليه الثمرات في حال الكفر، فما بالك في حال الإيمان؟ كيف وقد قال إبراهيم: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة ١٢٦]، فإذا كان أهلُ هذا البلد مؤمنين فإن أمنَه يكون أشدَّ؛ من جِهة أن نفس المكان آمِن، ومن جهة أن المؤمن الذي في هذا المكان آمنٌ أيضًا، فإذا كان هذا الأمنُ مع كون هؤلاء مِن المشركين؛ فإنهم إذا كانوا مؤمنين يكون أكثر. ولهذا لمَّا حصل من المسلمين ما حصل من انتهاك هذا البلد العظيم، فإنه سُلِّط عليهم مَن سُلِّط مِن الظلمة، مثل قضية البرامكة، ومثلما سيكون في آخر الزمان؛ حيث يُسَلَّط على البيت رجل من الحبشة، فيأتي إليه وينقضُه حجرًا حجرًا. ولهذا نحن في الحقيقة نخاف خوفًا عظيمًا مما نراه في مكة مِن الفسوق والمعاصي، نخاف أن يكون هذا بدايةً لانتهاك الحرم انتهاكًا بالغًا حتى يُسَلَّط عليه هذا الخبيث. ولكننا لا نعلم ماذا يكون في المستقبل، إنما المعاصي في الحرم لها أثرٌ عظيم إما على نفس الحرم أو على مَن حوله.
طيب، يقول: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص ٥٧]، إذن نقول: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ليس خاصًّا بأنّ ما جاء به (...) الحق، بل هو عام حتى في النهاية وفي الغاية مما لو آمنوا.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص ٥٨].
هذه فائدة ذِكر إهلاك القرى السابقة؛ لأجل أن يُقال لقريش: الكفرُ لا يمنَع الخوفَ ولا يمنَع العقوبة، بل إنه سبب العقوبة، فأنتم تقولون: إننا إذا آمنا تخطفنا الناس، هذا ليس بالحقيقة، بل العكس هو الحقيقة، ولهذا قال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾، فكأن الله يُدلِّل لتكذيب هؤلاء بأن الكفر لا يُنْجي بما أهلك به الأمم السابقة التي بطِرَت معيشتَها.
طيب، كلام هؤلاء الكفار للرسول ﷺ: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص ٥٧]، أبطلَه الله تعالى بالسلب والإيجاب، أما الإيجاب فقال: إننا مكنا لهم حرمًا آمنًا، ما يمكن أن يكون هذا البلد خائفًا، فإذا كان آمنًا في حال الكفر، ففي حال الإيمان من باب أوْلَى.
أما السَّلْب فقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾، فالكفر لا يُؤَمِّن صاحبَه، بل هو السبب في أيش؟ في إهلاكه، فأنتم بقاؤُكم على الكفر ليس الذي ينجيكم من أن يَتخطفكم الناس، بل هو سببُ هلاكِكم، وهذا هو الواقع، خرَج صناديد قريش وزعماؤُهم إلى بدر ليهلِكُوا ولَّا لا؟ الحرم آمِن ما جاءه شيء، لكنَّهم هم الذين خرجوا لِهلاكهم، فقُتِلوا في بدر.
فالحاصل أن الله يقول: نحن نُكذِّب ما قلتم لِأمرين؛ أحدهما: أمر إيجابي، وهو أن هذا الحرم آمن، والناس هم الذين يُتَخَطَّفون من حولِه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت ٦٧]، وثانيًا: أن الكفر ليس سببًا للبقاء أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: أيش الدليل؟ ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾، فأنتم آمِنُوا لتكونوا في أمن وفي مكان آمِن.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ﴾ [القصص ٥٧]، الهمزة هنا ويش معناها؟ معناها التقرير، يعني: قد مكَنَّا، كما هي في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، أي: قد شرحنا لك.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ﴾ أظنه قد مر علينا كثيرًا من مثل هذا التعبير، وقلنا: إن لعلماء النحو في ذلك مذهبين؛ المذهب الأول: أن الهمزة داخلة على شيء مُقدَّر، والواو أو الفاء حرف عطف على ذلك المقدر، والمذهب الثاني: أن الهمزة بعدَ الواو محلُّها، لكن قُدِّمت لأنها للاستفهام، وأصلُها (وألم يروا).
* طالب: ما المقدَّر في الآية؟
* الشيخ: المقدر بحسب ما يناسب المقام، ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص ٥٧]، نعم، أتُخُطِّفوا يعني: هل هم تُخطفوا ولم نمكن لهم حرمًا آمنًا؟
* طالب: (...).
القصص 28:58
يقول: (﴿وَقَالُوا﴾ [القصص ٥٧] أي: قومُه) قوم مَن؟ قوم الرسول ﷺ، ﴿وَقَالُوا﴾ يعني قريشًا ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص ٥٧]، أعوذ بالله.
سواء قالوا ذلك عن عقيدة أو عن غير عقيدة، هذا القول كذب: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾، المعية هنا للمصاحبة والتبعية، يعني ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى﴾ ونكون ﴿مَعَكَ﴾ فيما تدعو إليه، والمراد بالهدى: ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام.
وفي قوله: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾ إقرارٌ بأن ما مع الرسول هدى، وهذا غريب منهم أنهم يقولون: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾، فيعترفون بأنه هدى، ثم بعد ذلك يكفرون، ويش يحصل؟
﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾، يعني يقول المؤلف: (أي نُنْتَزَعُ مِنها بسرعة)، الخطف: نَزْع الشيء بسرعة، يعني يتخطفنا الناس، يتخطفونا ويكونون علينا؛ لأننا خالفنا ما كانوا عليه مِن الشرك والأوثان، فهم يَقضُون علينا بسرعة.
وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران ١٧٥]، فالشيطان يخوِّف المؤمنين الكفار، يقول: ترى إن آمنتم حصل كذا وكذا، إن تمسكتم بدينكم حصل كذا وكذا، إن كان أنكم ألزمتم الناس باتِّباع الإسلام ظاهرًا وباطنًا ثار الناس عليكم، الناس ثلاثة أرباعهم يريدون الفسوق، فأنتم إذا ألزمتموهم بالدِّين فإنهم يثورون عليكم. هذا لا ريب أن الشيطان يلقيه في قلوب الناس: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾، ولكن أيش الواجب علينا نحو هذا المقام؟ ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧٥]، الواجب ألا نخاف، ما دمنا نرى أننا نسير على حق فإننا لن نخاف أحدًا، بل إننا نعلم علم اليقين أننا لو صِرنا على الحق لخافنا الناسُ ولم نخَف منهم، ولَّا لا؟ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ [الأنعام ٨٢]، الأمن منين؟
* طالب: من الله.
* الشيخ: الأمن مِن الله، لكن الأمن منين؟ الأمن من الخوف، ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش ٤]. ﴿لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ من الخوف، لا مِن الله ولا من غيره، يعني ما يخافون عقاب الله؛ لأنهم آمنوا إيمانًا صريحًا (...).
وكذلك أيضًا يُؤَمِّنُهم الله مما يخافون، وهو أحد التفسيرين في قوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر ٢٣]، أنّ المؤمن الذي يُؤَمِّن عبادَه الطائعين له مما يخافون، عرفتم؟ بس هذا يبغي إيمانًا في الواقع، يبغي إيمانًا حقيقيًّا، فإذا وُجِد الإيمان الحقيقي ثم نُفِّذَت الشريعة فأنا ضامن أن يحصُل الأمن التام، أكثر مما يحصُل بالدبابات والرشاشات وغيره، هذه الأحوال التي نسمعها الآن، ولا سِيَّما في هذا العام مِن الاغتيالات والانفجارات وغيرِها، هذه هل إن الدول اللي حصل فيها هذا الأمر ما عندها سلاح تردع الناس؟ عندها سلاح قوي أقوى من سلاح هؤلاء المُخَرِّبين، ولكن ما عندهم إيمان يحصل به الأمن، فمهما قوي (...) فإنه لن يحصل به الأمان، الأمان حقيقة بالإيمان، الإيمان والأَمان مقترنان.
هنا يقول هؤلاء الكفار: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص ٥٧]، هذا قول صحيح ولَّا غير صحيح؟ هذا غير صحيح، وسواء قالوه لدفع ما يدعوهم إليه الرسول عليه الصلاة والسلام من غير عقيدة أو قالوه عن عقيدة، فالأمر غير واقع، الدليل: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص ٥٧]، ﴿نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ يعني معناه نَجعل لهم مكانًا، نعم، مثل: ﴿إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج ٤١] أي: جعلنا لهم مكانًا يتمكنون فيه، وهنا: ﴿نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ يعني نجعل لهم مكانًا هو ذلك الحرم الآمن.
وقوله: ﴿حَرَمًا﴾، ﴿حَرَمًا﴾ على وزن بَطَل، فهو صفة مشبَّهة، أي: مِن الحُرمة، يعني مكانًا حرمًا، أي ذا حرمة. ولا ريب أن مكة المكرمة لها حُرْمة عظيمة في نفوس الناس حتى في الجاهلية.
وقوله: ﴿آمِنًا﴾، هنا كلمة (آمِن) اسم فاعل، وهل الحرم هو الآمن، أو مَن فيه هو الآمن؟
* طالب: كلاهما.
* الشيخ: كيف كلاهما؟
* الطالب: يعني نفس الحرم (...).
* الشيخ: المؤلف يقول: (يأمنون فيه من الإغارة والقتل الواقعَيْن من بعض العرب على بعض)، فجعل (آمن) أي آمنًا أهلُه، يعني فسر ﴿آمِنًا﴾ بقوله: (يأمنون)، فيكون المعنى: آمنًا أهلُه.
وعندي أن الوصف هنا للحرم؛ لأن المؤلف (...) الآن وصف سببي، وأنا أرى أنه وصف حقيقي، عندهم نعت يسمونه نعتًا سببيًّا ونعتًا حقيقيًّا، فالنعت الحقيقي: ما كان صفةً للمنعوت، والسببي: ما كان صفةً لغيره مما يتصِل به، نعم، فإذا قلت: (عندي رجل صائم)، النعت هذا حقيقي، (صائم) يعود على (رجل)، (عندي رجل صائمٌ أبوه) هذا النعت سببي؛ لأن الوصف (صائم) هو يعود على المنعوت ولَّا على ما له به صلة؟ ما له به صلة، نعم.
المؤلف (...) من باب النعت السببي، يعني الآمن أهلُه، وعندي أنه نعت حقيقي، وأنه - أي: وأن الحرم - هو الآمِن، وإذا أمِن المكان بلا ريب مَن فيه سوف يأمَن، فهذا المكان آمن، وكما قال محمد: هو آمن ما أحد يعتدي عليه، حتَّى مَن أراده بسوء أتلفه الله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج ٢٥].
طيب، هذا الحرم الآمن نفسُ العرب معَ كفرهم مهما فعلت قريش ما يمكن يغزون هذا البيت أبدًا، ثم إن أهل هذا البيت هم سادة العرب حتى في الجاهلية، فكيف يقولون: ﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص ٥٧]؟! هذا غير ممكن؛ لأن الحرم آمِن فهم آمنون فيه، ما يُمكن أن يُتخَطفوا فيه، ثم مع ذلك هذا البلد مع كونه آمنًا، هو أيضًا عيْش رغد ما يلحق أهلَه ضيقٌ، ولهذا قال: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص ٥٧].
﴿يُجْبَى﴾ يقول المؤلف: (بالفوقانية والتحتانية).
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) (بالفوقانية والتحتانية)؟
* طالب: ﴿يُجْبَى﴾ و﴿﴿وتُجْبَى﴾ ﴾.
* الشيخ: ﴿يُجْبَى﴾ و﴿﴿وتُجْبَى﴾ ﴾ قراءتان سبعيتان، ومعنى ﴿يُجْبَى﴾ أي: يُجمع، مِن الجباية وهي الجمع.
وقوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ يعني معناه (...) ﴿يُجْبَى﴾ بمعنى يؤتى أيضًا، يُجمع الثمرات من كل أرض وتأتي إليه، تأتي إلى هذا البلد، وهذا هو الواقع، قال إبراهيم: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [إبراهيم ٣٧]، فكانت الثمرات تأتي إلى هذا البلد في كل أوان، من المكان القريب كالطائف وغيرِه، ومِن المكان البعيد.
* الطالب: فعل البرامكة (...)؟
* الشيخ: (...) بالبيت؟ ما ينافيه، سنذكره إن شاء الله بعدُ.
وقوله: (مِنْ كل أَوْب) يعني: مِن كل صَوْب، (أوب) أي صوب، والصَّوْب والأَوْب بمعنى الناحية، أي من كل ناحية (﴿رِزْقًا﴾ لهم ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ ).
﴿رِزْقًا﴾ هذه معناها؟ أيش معناها؟ أيش معنى الرزق؟
* طالب: العطاء.
* الشيخ: العطاء، الرزق العطاء، وهو منصوب على أنه مفعول من أجله أو مصدر أو مفعول مطلق لقوله: ﴿يُجْبَى﴾، ﴿يُجْبَى﴾ عطاء.
وقوله: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص ٥٧] أي: مِن عندِنا، وليس لهم به حول ولا قُدرة، بل الأمر من الله عز وجل هو الذي جعل هذه الثمرات تُجبى إليهم.
(﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص ٥٧] أن ما تقوله حق).
قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، المعلوم هنا محذوف في الآية، ما قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ كذا وكذا، ولكن المؤلف خصَّه بقوله: (﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن ما تقوله حق). وعندي أن الأمر أعم وأشمل؛ لأن حذف المفعول يدُل على العموم، فعليه نقول: (﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن ما تقوله حق)، ولا يعلمون العاقبة أيضًا؛ فإن العاقبة أنَّه إذا كان هذا الحرم آمِنًا في حال الكفر، وتُجبى إليه الثمرات في حال الكفر، فما بالك في حال الإيمان؟ كيف وقد قال إبراهيم: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة ١٢٦]، فإذا كان أهلُ هذا البلد مؤمنين فإن أمنَه يكون أشدَّ؛ من جِهة أن نفس المكان آمِن، ومن جهة أن المؤمن الذي في هذا المكان آمنٌ أيضًا، فإذا كان هذا الأمنُ مع كون هؤلاء مِن المشركين؛ فإنهم إذا كانوا مؤمنين يكون أكثر. ولهذا لمَّا حصل من المسلمين ما حصل من انتهاك هذا البلد العظيم، فإنه سُلِّط عليهم مَن سُلِّط مِن الظلمة، مثل قضية البرامكة، ومثلما سيكون في آخر الزمان؛ حيث يُسَلَّط على البيت رجل من الحبشة، فيأتي إليه وينقضُه حجرًا حجرًا. ولهذا نحن في الحقيقة نخاف خوفًا عظيمًا مما نراه في مكة مِن الفسوق والمعاصي، نخاف أن يكون هذا بدايةً لانتهاك الحرم انتهاكًا بالغًا حتى يُسَلَّط عليه هذا الخبيث. ولكننا لا نعلم ماذا يكون في المستقبل، إنما المعاصي في الحرم لها أثرٌ عظيم إما على نفس الحرم أو على مَن حوله.
طيب، يقول: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص ٥٧]، إذن نقول: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ليس خاصًّا بأنّ ما جاء به (...) الحق، بل هو عام حتى في النهاية وفي الغاية مما لو آمنوا.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص ٥٨].
هذه فائدة ذِكر إهلاك القرى السابقة؛ لأجل أن يُقال لقريش: الكفرُ لا يمنَع الخوفَ ولا يمنَع العقوبة، بل إنه سبب العقوبة، فأنتم تقولون: إننا إذا آمنا تخطفنا الناس، هذا ليس بالحقيقة، بل العكس هو الحقيقة، ولهذا قال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾، فكأن الله يُدلِّل لتكذيب هؤلاء بأن الكفر لا يُنْجي بما أهلك به الأمم السابقة التي بطِرَت معيشتَها.
طيب، كلام هؤلاء الكفار للرسول ﷺ: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص ٥٧]، أبطلَه الله تعالى بالسلب والإيجاب، أما الإيجاب فقال: إننا مكنا لهم حرمًا آمنًا، ما يمكن أن يكون هذا البلد خائفًا، فإذا كان آمنًا في حال الكفر، ففي حال الإيمان من باب أوْلَى.
أما السَّلْب فقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾، فالكفر لا يُؤَمِّن صاحبَه، بل هو السبب في أيش؟ في إهلاكه، فأنتم بقاؤُكم على الكفر ليس الذي ينجيكم من أن يَتخطفكم الناس، بل هو سببُ هلاكِكم، وهذا هو الواقع، خرَج صناديد قريش وزعماؤُهم إلى بدر ليهلِكُوا ولَّا لا؟ الحرم آمِن ما جاءه شيء، لكنَّهم هم الذين خرجوا لِهلاكهم، فقُتِلوا في بدر.
فالحاصل أن الله يقول: نحن نُكذِّب ما قلتم لِأمرين؛ أحدهما: أمر إيجابي، وهو أن هذا الحرم آمن، والناس هم الذين يُتَخَطَّفون من حولِه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت ٦٧]، وثانيًا: أن الكفر ليس سببًا للبقاء أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: أيش الدليل؟ ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾، فأنتم آمِنُوا لتكونوا في أمن وفي مكان آمِن.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ﴾ [القصص ٥٧]، الهمزة هنا ويش معناها؟ معناها التقرير، يعني: قد مكَنَّا، كما هي في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، أي: قد شرحنا لك.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ﴾ أظنه قد مر علينا كثيرًا من مثل هذا التعبير، وقلنا: إن لعلماء النحو في ذلك مذهبين؛ المذهب الأول: أن الهمزة داخلة على شيء مُقدَّر، والواو أو الفاء حرف عطف على ذلك المقدر، والمذهب الثاني: أن الهمزة بعدَ الواو محلُّها، لكن قُدِّمت لأنها للاستفهام، وأصلُها (وألم يروا).
* طالب: ما المقدَّر في الآية؟
* الشيخ: المقدر بحسب ما يناسب المقام، ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص ٥٧]، نعم، أتُخُطِّفوا يعني: هل هم تُخطفوا ولم نمكن لهم حرمًا آمنًا؟
* طالب: (...).
القصص 28:64
الشيخ: طيب، قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٦٥].
قوله: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ﴾ إعرابها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما تعرف الإعراب؟ (...).
* طالب: يعني إعراب (...)؟
* الشيخ: مفردات، ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾؟
* الطالب: إعراب ﴿مَاذَا﴾ أم كله؟
* الشيخ: كله.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾؟
* الطالب: (ما) اسم (...).
* الشيخ: طيب.
* الطالب: ﴿أَجَبْتُمُ﴾...
* الشيخ: و(ذا)؟
* الطالب: (ذا) اسم إشارة.
* الشيخ: اسم إشارة؟! ما هذا ﴿أَجَبْتُمُ﴾ يعني؟
* الطالب: لا، (ذا) اسم موصول.
* الشيخ: اسم موصول؟ يعني: ما الذي أجبتم؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: طيب، استمر.
* الطالب: (أجاب) فعل ماضٍ، والتاء فاعل، والميم علامة الجمع، و﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٦٥] مفعول به.
* الشيخ: و﴿أَجَبْتُمُ﴾ محلُّها من الإعراب؟
* الطالب: ﴿أَجَبْتُمُ﴾ صلة الموصول (ذا).
* الشيخ: صلة الموصول. طيب، والموصول أيش محله من الإعراب؟
* الطالب: والموصول مع صلته خبر (...).
* الشيخ: خبر أيش؟
* الطالب: خبر المبتدأ.
* الشيخ: أي مبتدأ؟
* الطالب: اسم الاستفهام (ما).
* الشيخ: اسم الاستفهام. طيب، هل لك شاهد على هذا الإعراب من كلام ابن مالك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نحن درسنا (...) ولَّا لا؟ من يعرف (...)؟
* طالب:
وَمِثْلُ (مَا) (ذَا) بَعْدَ (مَا) اسْتِفْهَامِ ∗∗∗ أَوْ (مَنْ) إِذَا لَمْ تُلْــــغَ فِيالْكَــــــــلَامِ
* الشيخ:
وَمِثْلُ (مَا) (ذَا) بَعْدَ (مَا) اسْتِفْهَامِ ∗∗∗ أَوْ (مَنْ) إِذَا لَمْ تُلْــــغَ فِيالْكَــــــــلَامِ
طيب قوله: (إذا لم تُلْغ) معناه يشير إلى وجه آخر، وهو إلغاؤها في الكلام، وعليه فنجعل (ماذا) جميعًا اسم استفهام، نجعل اسم الاستفهام مبتدأ.
* طالب: هنا في الآية؟
* الشيخ: هنا، نعم.
طيب، قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ﴾ [القصص ٦٥]، ذكرنا أنه في السؤال الأول: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ [القصص ٦٢] سأل عن التوحيد، وهذا سأل عن الرسالة، فيكون المسؤول عنه الآن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، أو أن عيسى أو موسى، حسب الأمم التي تُسأل.
قوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص ٦٦]، أيش معنى ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾؟
* طالب: ﴿فَعَمِيَتْ﴾ أي: انطمست.
* الشيخ: انطمست عليهم فلم يجدوا؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فلم يجدوا جوابًا، يعني (...) طلبوا شيئًا ما وجدوه.
قوله: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص ٦٦]، أيش لون ﴿لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ ليش؟ من يعرف؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، زين، ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ عن هذه الأخبار وعن الجواب؛ إما لعجزهم وعدم تمكنهم، أو لأنهم لو سألوا ما يأتيهم خبر.
طيب، وقال بعضهم: إن معنى ﴿لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ يعني معناه لا يتنادون في القَرابة كما كانوا يفعلونه في الدنيا، إذا ضاقت على الإنسان الحيل صار ينادي قرابته: (وا قرابتاه!) وما أشبه ذلك، وهناك في الآخرة ما يكون.
قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؟
* طالب: يوم القيامة.
* الشيخ: يوم القيامة.
طيب، إعرابه ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (يوم) منصوب، طيب، منصوب على الظرفية وعلامة نصبه الفتح (...).
طيب، (ئذٍ)؟
* طالب: (يوم) مضاف و(ئذٍ) مضاف إليه.
* الشيخ: (يوم) مضاف و(ئذٍ) مضافة إليه. طيب، لماذا نُوِّن؟ التنوين هذا ويش هو؟
* الطالب: تنوين التوكيد.
* الشيخ: تنوين التوكيد؟! ما يأتي تنوين التوكيد. التنوين هنا ويش معنى التنوين؟
* طالب: التنوين عن عوض.
* الشيخ: عوض عن أيش؟
* الطالب: عن جملة.
* الشيخ: عن جملة؟ ويش التقدير؟
* الطالب: التقدير: يوم..
قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [القصص ٦٤].
* يُستفاد من هذه الآية: بيان أن المشركين لا يستفيدون من شركائهم شيئًا في أحوج ما يكونون إليه، وذلك يوم القيامة.
* ويستفاد منه: إظهار عدل الله، ولَّا لا؟
* ويستفاد منه أيضًا: التوبيخ لهؤلاء الذين يدعون مع الله غيره؛ فإن في هذا لا شك توبيخًا وتقريعًا لهم يوم القيامة.
* ويستفاد منه أيضًا: جواز التكليف في الآخرة، ولَّا لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: التكليف ويش معناه؟
* طالب: الطلب.
* طالب آخر: العبادة.
* الشيخ: إي، ما هو لازم عبادة، نعم، حتى طلب العبادة قد يكون الشرك عبادةً، ويكفر به المخالف، أو لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: الشرك قد يكون عبادة يكفر به المخالف، فإبليس أمر أن يسجد لآدم فلم يسجد فكفر بذلك، مع أن السجود لغير الله شرك، فالطاعة ما أمر الله به على أي حال تكون. فهنا أُمروا أن يدعوا هؤلاء، فهل نقول: إن هذا الأمر تكليف وإلزام لهم؟ أو نقول: ليس تكليفًا؛ لأنه ليس الغرض الفعل وإنما الغرض التحدي وإظهار عجز هذه الأصنام؟ وهذا هو الظاهر.
* ومن فوائد الآية: إثبات العذاب في الآخرة؛ لقوله: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [القصص ٦٤].
* ومن فوائدها: أن الاهتداء هو السبب المانع من العذاب؛ لقوله: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص ٦٤]، فإذا أردت سببًا ينجيك من عذاب الله فعليك بالاهتداء بِهَدْي الله أو بِهُدى الله، فإنه هو السبب الذي ينجي من عذاب الله.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٦٥].
* في هذه الآية: ﴿﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ ﴾ * في أول الجملة: ما سبق في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ [القصص ٦٢]، من إثبات كلام الله، وأنه بصوت، وأنه يُسمع، وأنه بحرف، ولَّا لا؟ وكل هذا سبق.
* ويستفاد من قوله: ﴿﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴾* : أن الناس يسألون عن إيمانهم بالرسل كما يسألون عن التوحيد، ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾؟
* ويستفاد منه: أن السؤال في الآخرة عام لجميع الخلق، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ يعني محمد وغيره، أما السؤال في القبر فإنه قد ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه خاص بهذه الأمة؛ لقوله: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا»[[أخرجه مسلم (٢٨٦٧/٦٧) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه.]]. وقوله: «أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُبْتَلَوْنَ فِي قُبُورِكُمْ»[[أخرجه البخاري (٨٦) من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما بلفظ: «فأوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم».]]. والمسألة خلافية وسبق الكلام عليها في التوحيد. إنما يوم القيامة السؤال عام بنص القرآن.
* ومنها، من فوائد الآية: إظهار فضل الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ حيث أثبت الله تعالى أحقية رسالته في هذا الموطن العظيم.
* ومن فوائد الآية: أن غير المؤمنين تعمى عليهم الأنباء في ذلك اليوم، ولو كانوا عالمين؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ولو كانوا عالمين، وهذا كما أن الميت إذا سئل في قبره: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟[[أخرج أبو داود (٤٧٥٣) بسنده عن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر» مرتين، أو ثلاثا، وقال: «وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حين يقال له: يا هذا، من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟».]] ولو كان عالمًا؛ فإنه إذا كان غير مؤمن لا يجيب بالصواب.
* ومنها: أنه لا يغني أحد عن أحد يوم القيامة؛ لقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص ٦٦]، فإن أحدًا لا يغني عن أحد شيئًا في ذلك اليوم ولا ينقذه مما يقع فيه.
* * *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص ٦٧].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، إي حتى قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ [القصص ٦٢] عام، كل المشركين.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: من المشركين؛ ولهذا قال: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ [القصص ٦٦]، أما المؤمنين فإنهم مؤمنون ما يسألون، يكفي سؤالهم في قبورهم (...).
القصص 28:65
الشيخ: طيب، قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٦٥].
قوله: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ﴾ إعرابها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما تعرف الإعراب؟ (...).
* طالب: يعني إعراب (...)؟
* الشيخ: مفردات، ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾؟
* الطالب: إعراب ﴿مَاذَا﴾ أم كله؟
* الشيخ: كله.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾؟
* الطالب: (ما) اسم (...).
* الشيخ: طيب.
* الطالب: ﴿أَجَبْتُمُ﴾...
* الشيخ: و(ذا)؟
* الطالب: (ذا) اسم إشارة.
* الشيخ: اسم إشارة؟! ما هذا ﴿أَجَبْتُمُ﴾ يعني؟
* الطالب: لا، (ذا) اسم موصول.
* الشيخ: اسم موصول؟ يعني: ما الذي أجبتم؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: طيب، استمر.
* الطالب: (أجاب) فعل ماضٍ، والتاء فاعل، والميم علامة الجمع، و﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٦٥] مفعول به.
* الشيخ: و﴿أَجَبْتُمُ﴾ محلُّها من الإعراب؟
* الطالب: ﴿أَجَبْتُمُ﴾ صلة الموصول (ذا).
* الشيخ: صلة الموصول. طيب، والموصول أيش محله من الإعراب؟
* الطالب: والموصول مع صلته خبر (...).
* الشيخ: خبر أيش؟
* الطالب: خبر المبتدأ.
* الشيخ: أي مبتدأ؟
* الطالب: اسم الاستفهام (ما).
* الشيخ: اسم الاستفهام. طيب، هل لك شاهد على هذا الإعراب من كلام ابن مالك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نحن درسنا (...) ولَّا لا؟ من يعرف (...)؟
* طالب:
وَمِثْلُ (مَا) (ذَا) بَعْدَ (مَا) اسْتِفْهَامِ ∗∗∗ أَوْ (مَنْ) إِذَا لَمْ تُلْــــغَ فِيالْكَــــــــلَامِ
* الشيخ:
وَمِثْلُ (مَا) (ذَا) بَعْدَ (مَا) اسْتِفْهَامِ ∗∗∗ أَوْ (مَنْ) إِذَا لَمْ تُلْــــغَ فِيالْكَــــــــلَامِ
طيب قوله: (إذا لم تُلْغ) معناه يشير إلى وجه آخر، وهو إلغاؤها في الكلام، وعليه فنجعل (ماذا) جميعًا اسم استفهام، نجعل اسم الاستفهام مبتدأ.
* طالب: هنا في الآية؟
* الشيخ: هنا، نعم.
طيب، قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ﴾ [القصص ٦٥]، ذكرنا أنه في السؤال الأول: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ [القصص ٦٢] سأل عن التوحيد، وهذا سأل عن الرسالة، فيكون المسؤول عنه الآن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، أو أن عيسى أو موسى، حسب الأمم التي تُسأل.
قوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص ٦٦]، أيش معنى ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾؟
* طالب: ﴿فَعَمِيَتْ﴾ أي: انطمست.
* الشيخ: انطمست عليهم فلم يجدوا؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فلم يجدوا جوابًا، يعني (...) طلبوا شيئًا ما وجدوه.
قوله: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص ٦٦]، أيش لون ﴿لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ ليش؟ من يعرف؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، زين، ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ عن هذه الأخبار وعن الجواب؛ إما لعجزهم وعدم تمكنهم، أو لأنهم لو سألوا ما يأتيهم خبر.
طيب، وقال بعضهم: إن معنى ﴿لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ يعني معناه لا يتنادون في القَرابة كما كانوا يفعلونه في الدنيا، إذا ضاقت على الإنسان الحيل صار ينادي قرابته: (وا قرابتاه!) وما أشبه ذلك، وهناك في الآخرة ما يكون.
قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؟
* طالب: يوم القيامة.
* الشيخ: يوم القيامة.
طيب، إعرابه ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (يوم) منصوب، طيب، منصوب على الظرفية وعلامة نصبه الفتح (...).
طيب، (ئذٍ)؟
* طالب: (يوم) مضاف و(ئذٍ) مضاف إليه.
* الشيخ: (يوم) مضاف و(ئذٍ) مضافة إليه. طيب، لماذا نُوِّن؟ التنوين هذا ويش هو؟
* الطالب: تنوين التوكيد.
* الشيخ: تنوين التوكيد؟! ما يأتي تنوين التوكيد. التنوين هنا ويش معنى التنوين؟
* طالب: التنوين عن عوض.
* الشيخ: عوض عن أيش؟
* الطالب: عن جملة.
* الشيخ: عن جملة؟ ويش التقدير؟
* الطالب: التقدير: يوم..
قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [القصص ٦٤].
* يُستفاد من هذه الآية: بيان أن المشركين لا يستفيدون من شركائهم شيئًا في أحوج ما يكونون إليه، وذلك يوم القيامة.
* ويستفاد منه: إظهار عدل الله، ولَّا لا؟
* ويستفاد منه أيضًا: التوبيخ لهؤلاء الذين يدعون مع الله غيره؛ فإن في هذا لا شك توبيخًا وتقريعًا لهم يوم القيامة.
* ويستفاد منه أيضًا: جواز التكليف في الآخرة، ولَّا لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: التكليف ويش معناه؟
* طالب: الطلب.
* طالب آخر: العبادة.
* الشيخ: إي، ما هو لازم عبادة، نعم، حتى طلب العبادة قد يكون الشرك عبادةً، ويكفر به المخالف، أو لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: الشرك قد يكون عبادة يكفر به المخالف، فإبليس أمر أن يسجد لآدم فلم يسجد فكفر بذلك، مع أن السجود لغير الله شرك، فالطاعة ما أمر الله به على أي حال تكون. فهنا أُمروا أن يدعوا هؤلاء، فهل نقول: إن هذا الأمر تكليف وإلزام لهم؟ أو نقول: ليس تكليفًا؛ لأنه ليس الغرض الفعل وإنما الغرض التحدي وإظهار عجز هذه الأصنام؟ وهذا هو الظاهر.
* ومن فوائد الآية: إثبات العذاب في الآخرة؛ لقوله: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [القصص ٦٤].
* ومن فوائدها: أن الاهتداء هو السبب المانع من العذاب؛ لقوله: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص ٦٤]، فإذا أردت سببًا ينجيك من عذاب الله فعليك بالاهتداء بِهَدْي الله أو بِهُدى الله، فإنه هو السبب الذي ينجي من عذاب الله.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٦٥].
* في هذه الآية: ﴿﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ ﴾ * في أول الجملة: ما سبق في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ [القصص ٦٢]، من إثبات كلام الله، وأنه بصوت، وأنه يُسمع، وأنه بحرف، ولَّا لا؟ وكل هذا سبق.
* ويستفاد من قوله: ﴿﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴾* : أن الناس يسألون عن إيمانهم بالرسل كما يسألون عن التوحيد، ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾؟
* ويستفاد منه: أن السؤال في الآخرة عام لجميع الخلق، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ يعني محمد وغيره، أما السؤال في القبر فإنه قد ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه خاص بهذه الأمة؛ لقوله: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا»[[أخرجه مسلم (٢٨٦٧/٦٧) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه.]]. وقوله: «أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُبْتَلَوْنَ فِي قُبُورِكُمْ»[[أخرجه البخاري (٨٦) من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما بلفظ: «فأوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم».]]. والمسألة خلافية وسبق الكلام عليها في التوحيد. إنما يوم القيامة السؤال عام بنص القرآن.
* ومنها، من فوائد الآية: إظهار فضل الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ حيث أثبت الله تعالى أحقية رسالته في هذا الموطن العظيم.
* ومن فوائد الآية: أن غير المؤمنين تعمى عليهم الأنباء في ذلك اليوم، ولو كانوا عالمين؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ولو كانوا عالمين، وهذا كما أن الميت إذا سئل في قبره: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟[[أخرج أبو داود (٤٧٥٣) بسنده عن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر» مرتين، أو ثلاثا، وقال: «وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حين يقال له: يا هذا، من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟».]] ولو كان عالمًا؛ فإنه إذا كان غير مؤمن لا يجيب بالصواب.
* ومنها: أنه لا يغني أحد عن أحد يوم القيامة؛ لقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص ٦٦]، فإن أحدًا لا يغني عن أحد شيئًا في ذلك اليوم ولا ينقذه مما يقع فيه.
* * *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص ٦٧].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، إي حتى قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ [القصص ٦٢] عام، كل المشركين.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: من المشركين؛ ولهذا قال: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ [القصص ٦٦]، أما المؤمنين فإنهم مؤمنون ما يسألون، يكفي سؤالهم في قبورهم (...).
القصص 28:66
الشيخ: طيب، قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٦٥].
قوله: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ﴾ إعرابها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما تعرف الإعراب؟ (...).
* طالب: يعني إعراب (...)؟
* الشيخ: مفردات، ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾؟
* الطالب: إعراب ﴿مَاذَا﴾ أم كله؟
* الشيخ: كله.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾؟
* الطالب: (ما) اسم (...).
* الشيخ: طيب.
* الطالب: ﴿أَجَبْتُمُ﴾...
* الشيخ: و(ذا)؟
* الطالب: (ذا) اسم إشارة.
* الشيخ: اسم إشارة؟! ما هذا ﴿أَجَبْتُمُ﴾ يعني؟
* الطالب: لا، (ذا) اسم موصول.
* الشيخ: اسم موصول؟ يعني: ما الذي أجبتم؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: طيب، استمر.
* الطالب: (أجاب) فعل ماضٍ، والتاء فاعل، والميم علامة الجمع، و﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٦٥] مفعول به.
* الشيخ: و﴿أَجَبْتُمُ﴾ محلُّها من الإعراب؟
* الطالب: ﴿أَجَبْتُمُ﴾ صلة الموصول (ذا).
* الشيخ: صلة الموصول. طيب، والموصول أيش محله من الإعراب؟
* الطالب: والموصول مع صلته خبر (...).
* الشيخ: خبر أيش؟
* الطالب: خبر المبتدأ.
* الشيخ: أي مبتدأ؟
* الطالب: اسم الاستفهام (ما).
* الشيخ: اسم الاستفهام. طيب، هل لك شاهد على هذا الإعراب من كلام ابن مالك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نحن درسنا (...) ولَّا لا؟ من يعرف (...)؟
* طالب:
وَمِثْلُ (مَا) (ذَا) بَعْدَ (مَا) اسْتِفْهَامِ ∗∗∗ أَوْ (مَنْ) إِذَا لَمْ تُلْــــغَ فِيالْكَــــــــلَامِ
* الشيخ:
وَمِثْلُ (مَا) (ذَا) بَعْدَ (مَا) اسْتِفْهَامِ ∗∗∗ أَوْ (مَنْ) إِذَا لَمْ تُلْــــغَ فِيالْكَــــــــلَامِ
طيب قوله: (إذا لم تُلْغ) معناه يشير إلى وجه آخر، وهو إلغاؤها في الكلام، وعليه فنجعل (ماذا) جميعًا اسم استفهام، نجعل اسم الاستفهام مبتدأ.
* طالب: هنا في الآية؟
* الشيخ: هنا، نعم.
طيب، قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ﴾ [القصص ٦٥]، ذكرنا أنه في السؤال الأول: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ [القصص ٦٢] سأل عن التوحيد، وهذا سأل عن الرسالة، فيكون المسؤول عنه الآن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، أو أن عيسى أو موسى، حسب الأمم التي تُسأل.
قوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص ٦٦]، أيش معنى ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾؟
* طالب: ﴿فَعَمِيَتْ﴾ أي: انطمست.
* الشيخ: انطمست عليهم فلم يجدوا؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فلم يجدوا جوابًا، يعني (...) طلبوا شيئًا ما وجدوه.
قوله: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص ٦٦]، أيش لون ﴿لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ ليش؟ من يعرف؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، زين، ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ عن هذه الأخبار وعن الجواب؛ إما لعجزهم وعدم تمكنهم، أو لأنهم لو سألوا ما يأتيهم خبر.
طيب، وقال بعضهم: إن معنى ﴿لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ يعني معناه لا يتنادون في القَرابة كما كانوا يفعلونه في الدنيا، إذا ضاقت على الإنسان الحيل صار ينادي قرابته: (وا قرابتاه!) وما أشبه ذلك، وهناك في الآخرة ما يكون.
قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؟
* طالب: يوم القيامة.
* الشيخ: يوم القيامة.
طيب، إعرابه ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (يوم) منصوب، طيب، منصوب على الظرفية وعلامة نصبه الفتح (...).
طيب، (ئذٍ)؟
* طالب: (يوم) مضاف و(ئذٍ) مضاف إليه.
* الشيخ: (يوم) مضاف و(ئذٍ) مضافة إليه. طيب، لماذا نُوِّن؟ التنوين هذا ويش هو؟
* الطالب: تنوين التوكيد.
* الشيخ: تنوين التوكيد؟! ما يأتي تنوين التوكيد. التنوين هنا ويش معنى التنوين؟
* طالب: التنوين عن عوض.
* الشيخ: عوض عن أيش؟
* الطالب: عن جملة.
* الشيخ: عن جملة؟ ويش التقدير؟
* الطالب: التقدير: يوم..
قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [القصص ٦٤].
* يُستفاد من هذه الآية: بيان أن المشركين لا يستفيدون من شركائهم شيئًا في أحوج ما يكونون إليه، وذلك يوم القيامة.
* ويستفاد منه: إظهار عدل الله، ولَّا لا؟
* ويستفاد منه أيضًا: التوبيخ لهؤلاء الذين يدعون مع الله غيره؛ فإن في هذا لا شك توبيخًا وتقريعًا لهم يوم القيامة.
* ويستفاد منه أيضًا: جواز التكليف في الآخرة، ولَّا لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: التكليف ويش معناه؟
* طالب: الطلب.
* طالب آخر: العبادة.
* الشيخ: إي، ما هو لازم عبادة، نعم، حتى طلب العبادة قد يكون الشرك عبادةً، ويكفر به المخالف، أو لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: الشرك قد يكون عبادة يكفر به المخالف، فإبليس أمر أن يسجد لآدم فلم يسجد فكفر بذلك، مع أن السجود لغير الله شرك، فالطاعة ما أمر الله به على أي حال تكون. فهنا أُمروا أن يدعوا هؤلاء، فهل نقول: إن هذا الأمر تكليف وإلزام لهم؟ أو نقول: ليس تكليفًا؛ لأنه ليس الغرض الفعل وإنما الغرض التحدي وإظهار عجز هذه الأصنام؟ وهذا هو الظاهر.
* ومن فوائد الآية: إثبات العذاب في الآخرة؛ لقوله: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [القصص ٦٤].
* ومن فوائدها: أن الاهتداء هو السبب المانع من العذاب؛ لقوله: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص ٦٤]، فإذا أردت سببًا ينجيك من عذاب الله فعليك بالاهتداء بِهَدْي الله أو بِهُدى الله، فإنه هو السبب الذي ينجي من عذاب الله.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٦٥].
* في هذه الآية: ﴿﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ ﴾ * في أول الجملة: ما سبق في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ [القصص ٦٢]، من إثبات كلام الله، وأنه بصوت، وأنه يُسمع، وأنه بحرف، ولَّا لا؟ وكل هذا سبق.
* ويستفاد من قوله: ﴿﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴾* : أن الناس يسألون عن إيمانهم بالرسل كما يسألون عن التوحيد، ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾؟
* ويستفاد منه: أن السؤال في الآخرة عام لجميع الخلق، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ يعني محمد وغيره، أما السؤال في القبر فإنه قد ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه خاص بهذه الأمة؛ لقوله: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا»[[أخرجه مسلم (٢٨٦٧/٦٧) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه.]]. وقوله: «أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُبْتَلَوْنَ فِي قُبُورِكُمْ»[[أخرجه البخاري (٨٦) من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما بلفظ: «فأوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم».]]. والمسألة خلافية وسبق الكلام عليها في التوحيد. إنما يوم القيامة السؤال عام بنص القرآن.
* ومنها، من فوائد الآية: إظهار فضل الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ حيث أثبت الله تعالى أحقية رسالته في هذا الموطن العظيم.
* ومن فوائد الآية: أن غير المؤمنين تعمى عليهم الأنباء في ذلك اليوم، ولو كانوا عالمين؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ولو كانوا عالمين، وهذا كما أن الميت إذا سئل في قبره: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟[[أخرج أبو داود (٤٧٥٣) بسنده عن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر» مرتين، أو ثلاثا، وقال: «وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حين يقال له: يا هذا، من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟».]] ولو كان عالمًا؛ فإنه إذا كان غير مؤمن لا يجيب بالصواب.
* ومنها: أنه لا يغني أحد عن أحد يوم القيامة؛ لقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص ٦٦]، فإن أحدًا لا يغني عن أحد شيئًا في ذلك اليوم ولا ينقذه مما يقع فيه.
* * *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص ٦٧].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، إي حتى قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ [القصص ٦٢] عام، كل المشركين.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: من المشركين؛ ولهذا قال: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ [القصص ٦٦]، أما المؤمنين فإنهم مؤمنون ما يسألون، يكفي سؤالهم في قبورهم (...).
القصص 28:67
قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.
(أما) شرطية، وجوابها قوله: ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ﴾.
قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ﴾، التوبة تقدم لنا أنها الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى من معصيته إلى طاعته، وأن لها شروطًا خمسة: الندم، والإقلاع، والعزم على ألا يعود، وأن تكون قبل الموت، وقبل طلوع الشمس من مغربها[[أخرج أبو داود (٢٤٧٩) بسنده عن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها».]].
* طالب: والإخلاص.
* الشيخ: نعم، والإخلاص، وأن تكون في زمن تقبل فيه وهو قبل الموت وقبل طلوع الشمس من مغربها.
وقوله: (من الشِّرْك)، لعل المؤلف أوجب له أن يقيد التوبة هنا بالتوبة من الشرك في قوله: ﴿وَآمَنَ﴾؛ لأن الإيمان بعد الشرك، فإن العاصي مؤمن ولو كان عاصيًا، فهذا هو الذي أوجب للمؤلف أن يُقيِّد التوبة من الشرك.
وقوله: (﴿وَآمَنَ﴾ صدَّق بتوحيد الله)، هذا نقص في تفسير الإيمان؛ لأن الإيمان ليس هو التصديق في الشرع، صحيح أن الإيمان في اللغة يُراد به التصديق، لكنه في الشرع هو أيش؟
* طالب: التصديق.
* الشيخ: التصديق شرط أن يتضمن القبول والإذعان، فلا بد من قبول وإذعان، وإلا فليس بمؤمن، لا يصدق. فأبو طالب مثلًا مُصدِّق برسالة الرسول ﷺ، ومع ذلك فهو كافر؛ لأنه لم يقبل ولم يذعن[[أخرج البخاري (٣٨٨٤) ومسلم (٢٤/٣٩) من حديث المسيب بن حزن قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ، فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله ﷺ: «يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله»، فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ: «أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك». فأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، وأنزل الله تعالى في أبي طالب، فقال لرسول الله ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.]].
وقول المؤلف: (صدَّق بتوحيد الله) أيضًا فيه قصور؛ لأنه ليس الإيمان هو أن تصدق بوحدانية الله، لكن أن تصدق بكل ما يجب الإيمان به، وقد بين الرسول ﷺ أن الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره[[كما في حديث جبريل الذي أخرجه مسلم (٨/١) عن عمر رضي الله عنه، وفيه: «قال: فأخبرني عن الإيمان». قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره...».]]. فلا بد من هذه الأركان الستة في الإيمان.
وقوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، قال المؤلف: (أدى الفرائض)، وفي هذا أيضًا قصور، بل المراد: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، أي: عمل عملًا صالحًا يشمل الفرائض، وأيش بعد؟ والنوافل.
والعمل الصالح هو الذي جمع بين أمرين: الإخلاص والمتابعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة ٥]، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ هذا الإخلاص. و﴿حُنَفَاءَ﴾ هذه المتابعة؛ لأن الحنيف الذي ليس بمائل، ومن خرج عن المتابعة فهو مائل.
فالعمل الصالح إذن: كل عمل تضمن الإخلاص والمتابعة، ضده: الفاسد، وهو الذي اشتمل على الشرك أو على البدعة، على الشرك أو البدعة، فهذا ليس بعمل صالح.
من جمع هذه الأوصاف الثلاثة: ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾.
﴿فَعَسَى﴾، (عسى) من أفعال؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الترجي، من أفعال الترجي، لكنها بالنسبة لله سبحانه وتعالى ما تكون للترجي، تكون للتعليل، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: (عسى) من الله واجبة[[أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (٥٠٤٤) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: عسى من الله واجب.]]؛ لأن العلة ملازمة للمعلول، فإذا وُجِدت العلة ثبت المعلول، فالعلة للفلاح هي التوبة والإيمان والعمل الصالح، فإذا وُجِدت هذه وُجِد الفلاح.
﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ﴾، ﴿أَنْ يَكُونَ﴾ أي الذي ﴿تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص ٦٧] ﴿مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ قال المؤلف: (الناجين بوعد الله) يعني الناجين بوعد الله، أي: بما وعدهم الله به. ولكن الفلاح ليس كما قال المؤلف هو النجاة فقط، بل النجاة من المرهوب والفوز بالمطلوب؛ هذا هو الفلاح: أن ينجو الإنسان مما يهرب وأن يحصل له ما يحب.
وقوله: ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾، لو قلنا بأنها للترجي مثلًا، لكان تتضمن فائدة: وهي أن الإنسان وإن عمل هذا العمل فليكن راجيًا لا قاطعًا، فليكن راجيًا للفلاح لا قاطعًا به؛ لأنه لا يدري قد يكون هناك موانع أو خلل لا يحصل معه الفلاح، فكأن الآية ترشد إذا قلنا: إن (عسى) للترجي، (...)، للترجي باعتبار العامل لا باعتبار الجازم أنها للترجي، تكون الفائدة منها أيش؟ هو أن الإنسان وإن عمل فلا يقطع، بل يكن راجيًا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون ٦٠]، فهنا المقام ليس مقام جزم، بل هو مقام رجاء، فليكن راجيًا.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [القصص ٦٨].
هذه الآية تعليل لبطلان آلهة المشركين وإثبات الألوهية لله، وذلك عن طريق إثبات الخلق؛ فإن الخالق هو الذي يجب أن يُعبد؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١]، فإن هذا الوصف تعليل للأمر، فإن الخالق يجب أن يكون هو الإله المعبود، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل ٢٠، ٢١]، فإذا كانوا لا يخلقون كيف يستحقون أن يعبدوا؟ وقال إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم ٤٢].
هنا قال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾؛ لإلزام هؤلاء المشركين بعبادته وحده.
وقوله: ﴿يَخْلُقُ﴾، الخلق هو الإبداع المبني على التقدير، الله سبحانه وتعالى يقدر، ثم يخلق، فخلقه مبني على الحكمة.
﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، ولم يقل: من يشاء، مع أن في المخلوقات ما هو عاقل، فلماذا قال: ﴿مَا يَشَاءُ﴾ دون (من يشاء)؟ تغليبًا؟
* طالب: تغليبًا لغير العاقل.
* الشيخ: تغليبًا لغير العاقل؛ لأنه أكثر، ثم من أجل أن يشمل الأعيان والأوصاف، والأوصاف معلوم أنها ليست من العقلاء، وإذا رُويت الأوصاف أتي بـ(ما)، وانظروا إلى قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣] ولم يقل: من ﴿طَابَ﴾، مع أن المنكوح عاقل، لكنه لما كانت المرأة تُنكح لصفاتها قال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ﴾، يعني معناه: راعوا الصفة. فهنا ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ عبر بـ﴿مَا﴾ تغليبًا لغير العاقل لكثرته، أيش بعد؟ وليشمل الأعيان والأوصاف، الله تعالى خالق كل شيء، الأعيان والأوصاف؛ ولهذا من مذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى خالق للعبد، ولأفعال العبد التي هي أوصافه، فالله تعالى يخلق ما يشاء.
وقوله: ﴿مَا يَشَاءُ﴾ أي ما يشاء خلقه، فالمفعول إذن محذوف، وهذه المشيئة كل ما ذكر الله تعالى عن فعل من أفعاله أنه تابع للمشيئة فإنه مقرون بالحكمة؛ لأن من أسماء الله تعالى (الحكيم)، فلا يخلق شيئًا عبثًا، ولا يحكم بشيء عبثًا، كل ما شاءه فهو مقرون بحكمة.
وقوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾ [القصص ٦٨]، قال المؤلف: (﴿وَيَخْتَارُ﴾ ما يشاء)، والاختيار: الأخذ بخير الأمرين، فهو سبحانه وتعالى أيضًا يأخذ بما يراه خيرًا من أفعاله وأحكامه، فتصوير الخلق عائد لأصل التكوين، والاختيار عائد للتعيين المبني على الإرادة التامة، فهو لا معقب لحكمة ولا راد لقضائه، فيختار ما يريد سبحانه وتعالى، يخلق الآدمي على هذا الوجه، اختار أن يكون على هذا الوجه، خلق البهيم المركوب، واختار أن يكون على هذا الوجه، نعم، كذلك أيضًا اختار أن يكون شرعه كذا -وإن لم يكن مخلوقًا - على هذا الوجه.
فإذن الاختيار أعم من الخلق من وجه؛ حيث يشمل المخلوق وغير المخلوق، فهو يختار سبحانه وتعالى ما يريده من شرع، أي أعم من هذا الوجه، وأما الخلق فإنه أعم من حيث إنه يشمل الأعيان والأوصاف.
وقوله: (﴿مَا كَانَ لَهُمُ﴾ للمشركين ﴿الْخِيَرَةُ﴾ الاختيار).
قوله: ﴿مَا كَانَ﴾ هل هي نافية أو اسم موصول؟ قال بعضهم: إنها اسم موصول يعني: ﴿وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، يعني ما يكون فيه خير لهم، يختار الذي فيه خير لهم، وعلى هذا فقوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ موصول بقوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾؛ لأنه مفعول به، وهذا القول ذهب إليه المعتزلة الذين يقولون: إنه يجب على الله فِعْل الأفضل أو الصلاح، فقالوا: إنه تعالى ما يختار إلا ما كان فيه الْخِيرة، أما ما لم يكن فيه خيرة فلا يختاره، وهذا معناه أنه سبحانه وتعالى يفعل ما هو أصلح أو ما هو صلاح.
ولكن أكثر المفسرين، وعلى رأسهم ابن عباس رضي الله عنهما يقولون: إن ﴿مَا﴾ نافية، وكما قال المؤلف والمعنى: لا يكون الخيرة لهؤلاء المشركين ولا لأصنامهم أيضًا، فأصنامهم لا تخلق ولا تختار، وكذلك هم ليس لهم حق الاختيار فيما أراد الله. وهذا القول هو الصواب، وعلى هذا فيكون الوقف على قوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾ تقف، ثم تبدأ: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، وهذا هو القول الصحيح في هذه الآية: أن الله هو الذي له الاختيار المطلق وليس لأحد خِيَرة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٦]، فلا يختارون من أمرهم إلا ما اختار الله.
وقد تقدم لنا في كتاب العقيدة تفصيل القول: هل يجب على الله فعل الأصلح والصلاح أو لا يجب؟ وذكرنا أنه واجب عليه بمقتضى الحكمة وليس بمقتضى عقولنا، فإن الله تعالى بمقتضى كونه حكيمًا ما يفعل إلا ما هو صالح أو أصلح، لا يمكن أن يفعل ما ليس بصالح ولا أصلح؛ لأنه حكيم، ولكن هل معنى ذلك أننا نحن نُوجِب على الله ونقول: هذا أصلح من هذا ويجب أن يفعل كذا؟ لا، ولكنه سبحانه وتعالى يفعله وقد لا نعلم نحن بوجه الأصلحية أو بوجه الصلاحية، ما يلزم أننا نعلم، وكم من أشياء نظن أن الحكمة في مخالفة ما أمر الله به أو ما وقع قدرًا ويكون الحكمة فيما جاء به الشرع وقضى به الله تعالى في قدره.
﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [القصص ٦٨]، ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أي: (الاختيار في شيء)، فسر المؤلف ﴿الْخِيَرَةُ﴾ بالاختيار، إذن فهي اسم مصدر، كذا؟ لماذا؟ لأن كل كلمة تضمنت معنى المصدر دون حروفه فهي اسم مصدر. ونظير ﴿الْخِيَرَةُ﴾ الطيرة؛ فإن الطيرة اسم مصدر بمعنى التطير، وهكذا ﴿الْخِيَرَةُ﴾ اسم مصدر بمعنى: الاختيار.
(﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص ٦٨] عن إشراكهم).
قوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تقدم لنا أكثر من مرة أنها اسم مصدر بمعنى التسبيح، والتسبيح تنزيه الله سبحانه وتعالى عما لا يليق به، والذي لا يليق به؟ ما الذي لا يليق بالله، ويجب أن يُنزَّه عنه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وغيره؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...)، النقص ومشابهة المخلوقين، مشابهة المخلوقين ممتنعة على الله، والنقص ممتنع عليه سبحانه وتعالى، فعليه ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تنزيهًا لله عن كل ما لا يليق به من نقص أو مشابهة المخلوقين.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا؛ لأنه قد تكون صفة كمال، فإذا شابه الله بها صار نقصًا، وقد تكون المسألة ما فيها مشابهة للمخلوقين إطلاقًا ولا (...) الشبه يعني من الصفات الخاصة بالله، هذه الصفات الخاصة به مُنزَّه بها عن النقص؛ ولهذا ذكر الله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] فنص على نفي الناقص، وقال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨] فنص على نفي النقص.
وقوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُون﴾ [القصص ٦٨]، يقول: (عن إشراكهم).
استفدنا من تقدير المؤلف أن (ما) مصدرية، فيكون التنزيه عن فعلهم، ويحتمل أن تكون (ما) اسمًا موصولًا ويكون العائد محذوفًا، والتقدير: عما يشركونه به، فيكون منزهًا عن الشركاء التي هي الأصنام.
وقوله: ﴿وَتَعَالَى﴾ [القصص ٦٨] مأخوذة من العلو، لكنها تفيد معنى التنزه مع العلو، يعني (تعالى) معناها ترفع وتنزه بعلو، فهي أبلغ من قولك: (علا)؛ لأن (علا) تفيد العلو، لكن (تعالى) تفيد مع العلو التنزه والتحاشي عما يشركونه به أو عن إشراكهم به، ولما بين الله تبارك وتعالى عموم خلقه، وأنه هو الذي له الاختيار المطلق وليس لأحد من خلقه اختيار، فالاختيار له وحده -وانتبهوا إلى قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص ٦٨] سيكون فيها نقاش إن شاء الله في ذكر الفوائد - ذكر أنه عالم بكل شيء؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، (تطير، يتطير، تطيرًا).
* الطالب: إذن؟
* الشيخ: اسم مصدر، معنى التطيُّر.
﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ [القصص ٦٩]، ﴿وَرَبُّكَ﴾ الخطاب فيها وفي التي قبلها إما للرسول ﷺ، وإما لكل من يصح توجيه الخطاب إليه.
(﴿يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ تسر قلوبهم من الكفر وغيره).
﴿تُكِنُّ﴾ بمعنى: تسر وتخفي. ﴿صُدُورُهُمْ﴾ أي: قلوبهم، وإنما عبر عن الصدور؛ لأن القلب فيه، والقلب متصل بأي شيء؟ بالصدر؛ فلهذا الصدر هو الْمُكِنُّ للقلب الساتر له، وما في القلب أيضًا من الأشياء المستورة فالله تعالى يعلمه ﴿يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾.
وقول المؤلف: (من الكفر وغيره) صحيح، من الكفر وغير الكفر، فلا يخفى عليه شيء مما في القلب، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]. ﴿تُوَسْوِسُ بِهِ﴾ أي: تُحَدِّث به، فهو سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء، بل هو يعلم ما لا تعلم أنت أيضًا، يعلم مثلًا بأنك سوف توسوس في اليوم الفلاني بكذا وكذا قبل أن يقع منك، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: (﴿مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص ٦٩] بألسنتهم من ذلك)، ﴿يُعْلِنُونَ﴾ يظهرون، وتخصيص المؤلف الإظهار بالألسن فيه قصور؛ لأن الإعلام قد يكون باللسان وقد يكون بغيره من الجوارح، قد يكون باللسان فيتكلم، وقد يكون بغيره من الجوارح فيفعل بيديه أو قدميه أو عينيه أو غير ذلك، فهو أعم ما قال المؤلف.
ثم قال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ [القصص ٧٠].
﴿وَهُوَ﴾ الضمير يعود على (رب) يعني: وذلك الرب الذي يخلق والذي يعلم هو ﴿اللَّهُ﴾، ﴿اللَّهُ﴾ أصلها الإله، حُذفت الهمزة تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، كما في (أُناس) فيُقال فيها: (الناس)، فتُحذف الهمزة للتخفيف، فـ﴿اللَّهُ﴾ تعالى معناها (الإله) أصله، ثم حُذِفت الهمزة للتخفيف وصارت: ﴿اللَّهُ﴾.
فما معنى الإله؟ (إله) بمعنى: (مألوه)، وليست بمعنى: آلِه، فهي بمعنى: مألوه، مثل (غراس) بمعنى: مغروس، (وبناء) بمعنى: مبني، و(فراش) بمعنى: مفروش، وأمثلتها كثيرة.
فـ(إله) بمعنى: مألوه، أي معبود؛ وسمي المعبود مألوهًا؛ لأن القلب يألهه، (يألهه) أي: يميل إليه، وتجدون أن (أله) موافِقة في الاشتقاق الأصغر لـ(أهل) ولَّا لا؟ موافقة للاشتقاق الأصغر لـ(أهل)، إذ إن فيها الهمزة والهاء واللام، ففي الألوهية -وهي العبادة- نوع من التأهل والاطمئنان؛ لأن الآلِه للشيء مطمئن إليه، فإذن (الإلَه) بمعنى المعبود؛ لأن العابد يألهه، أي: يميل إليه ويطمئن إليه الاطمئنان، وليس (الإله) بمعنى: الآله، حيث قال المتكلمون: إن الإله بمعنى الآله، أي القادر على الاختراع؛ يعني القادر على الخلْق، لكن هم عندهم تعبيرات فلسفية: القادر على الخلق. لو فسرنا الإله بمعنى القادر على الخلق، لكان المشركون الذين قاتلهم النبي عليه الصلاة والسلام مُوحِّدين، ولَّا لا؟ لأنهم يقولون: لا خالق ولا قادر على الخلق إلا الله، ولا ريب أن هذا يؤدي إلى إبطال الرسالة والتوحيد.
ومن ثم نعلم خطأ بعض المؤلفين الآن في التوحيد؛ حيث يُركزون على توحيد الربوبية، ويتناسون توحيد الألوهية، وهذا خطأ عظيم؛ لأن التوحيد ليس الإقرار بالخالق والاعتراف به فقط، إذ إن هذا حاصل من المشركين الذين استباح النبي عليه الصلاة والسلام دماءهم وأموالهم، لكن (الإله) بمعنى المعبود، وهو أمر فوق القادر أو الخالق.
ويقول تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [القصص ٧٠]، لما قرر ألوهيته بصيغة الجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾، هذه جملة اسمية طرفاها معرفة، والمعروف عند البلاغيين أن الجملة الاسمية إذا كان طرفاها معرفة فإنها تفيد الحصر.
أكد ذلك بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فهذا حصر أيضًا للألوهية في الله وحده، فليس معه إله، قال الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون ٩١]، فدل هذا على أن الإله هو المعبود الذي يخلق؛ ولهذا قال: ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾، ولا تظن أن هذه الآية تؤيد تفسير المتكلمين لما قال: ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ أن هذا دليل على أن المراد بالإله الخالق، وإلا لقال: لذهب كل إله بمن عبده. لا، لكن؛ لأنه لما كان الإله الحق هو الإله الخالق قال: ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾.
وهنا الحصر حقيقي ولَّا إضافي؟ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [القصص ٧٠]؟ الحصر حقيقي، وقد يشتبه على بعض الناس فيقول: إنه إضافي؛ وذلك لأن هذا الحصر إذا جعلناه حقيقيًّا يُشكل عليه كثيرًا أن الله أثبت آلهةً سواه؛ حيث قال: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١]، وقال سبحانه وتعالى عن إبراهيم أنه قال لقومه: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات ٨٦].
وكذلك الكافرون قالوا للرسول ﷺ، قالوا فيه: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥]، فيظن الظان أننا لا يمكن أن نجمع بين هذه الآية وبين إثبات ألوهية الأصنام إلا إذا جعلنا الحصر إضافيًا؛ بمعنى أننا نثبت الألوهية لكن على وجه آخر، ويكون النفي هنا على وجه آخر مخالف لما أثبتنا، فنقول في ذلك: أصل الإله حقًّا هو الخالق، الإله الحق هو الخالق، وأما هذه الآلة التي عبدت من دون الله فهي آلهة باطلة كذب؛ ولهذا قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً﴾، فجعل ذلك إفكًا وليس بحقيقة، فهي وإن عبدت وأُلِّهَت فليست بآلهة؛ ولهذا تجدون أن الرسل صلى الله عليهم وسلم كل منهم يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾ [المؤمنون ٣٢]، يعني من إله يُعبد ويستحق أن يُعبد، يُعبد بحق سوى الله عز وجل.
وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء ٩٨، ٩٩]، أيش معنى ﴿آلِهَةً﴾؟ أي معبودة بحق، وإلا أثبت الله لها العبادة: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾.
على هذا نقول: إن الجمع بين هذا الحصر وبين ما ذكر من إثبات الألوهية للأصنام هو أن الإله هو المعبود بحق، هذا الإله هو المعبود بحق، وهذا لا ينطبق إلى على الله سبحانه وتعالى، وأما ما عُبِد بغير حق فهو وإن سُمِّي إلهًا، لكنه لا يستحق أن يكون إلهًا، وكما قال الله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٩].
وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، هل هو ذكر على انفراده؛ بمعنى أنك يُشرع أن تقول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾؟ أو ليس ذكرًا على انفراده ما لم يسبق الضمير مرجع؟
* طالب: على مرجع.
* الشيخ: هذا هو المتعيِّن، ما يمكن تقول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، إلا إذا سبق لهذا الضمير مرجع مذكور أو ملفوظ، مذكور مثل: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة ٢٥٥]، أو ملفوظ مثل أن يأتي شيء من أفعال الله فتقول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وأما ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾ [الأنبياء ٨٧] فيصح؛ لأنك تخاطب الله، فهو متعيِّن.
وإنما قلنا ذلك في الأول، يعني: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لا بد من مرجع، خلافًا للصوفية، الصوفية يقولون: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فهم يعيدونه فيقولون: هو، هو، هو، هو... إلى آخره، فيعبدون الله، بلفظ، ويذكرون الله بلفظ الضمير فقط، ويحذفون ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فيظلون يقولون: هو، هو، هو، فإذا وجدتهم في مجتمعاتهم إذا هم يهزون الرؤوس ويضربون الطبول، ويغبرون بالأصوات ويقولون: هو، هو، وربما يجرحون أنفسهم من شدة الانفعال والغيبوبة، نسأل الله العافية.
الحاصل أن هذا لا يكون إلا بسبق مرجع.
قال: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٧٠].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ [القصص ٧٠] فقط. (...)
﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص ٦٧].
* في هذا: فضيلة هذه الأوصاف الثلاثة؛ التوبة والإيمان والعمل الصالح.
* ومن فوائدها: أن هذه الأوصاف الثلاثة سبب للفلاح؛ لقوله: ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾.
* ومنها: أن الفلاح مرتبة عالية لا ينالها إلا ذوو الأوصاف الحميدة: التائبون المؤمنون العاملون صالحًا.
* ومن فوائد الآية: أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالحًا، وهو ما جمع شرطين كما سبق: الإخلاص، والمتابعة للرسول ﷺ.
وقوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص ٦٨].
* مِن فوائدها: إثبات أن الله وحده هو الذي يخلق؛ لقوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾؛ لأن من لا اختيار له طبعًا لا خلْق له.
* ومِنها: أن الله تعالى قادر على كل شيء؛ لأن (من يخلق ما يشاء) معناه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أنه قادر، كيف يريد يخلقه؟
* ومنها: إثبات الإرادة لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾، والإرادة هنا الشرعية ولَّا الكونية؟
* طالب: الشرعية.
* طالب آخر: كلاهما.
* الشيخ: إن نظرنا إلى قرنها بالخلق قلنا: هي الكونية، وإن نظرنا إلى لفظها بقطع النظر عن اقترانها بالخلق قلنا: إنها شاملة للكونية والشرعية، وأنه سبحانه وتعالى يختار كونًا وشرعًا ما يشاء، وهذا أولى، العموم أولى، أن تكون شاملة للاختيار الكوني والشرعي.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، (...)، لكن هل هو يختار فيما يخلق؟ أو عام؟ السياق يقتضي أن تكون يختار ما يخلق، معنى المغايرة (...)، معنى الاختيار غير معنى الخلق.
* ومن فوائدها: أن الإنسان لا اختيار له، وقد تمسك بهذا الجبرية؛ لقوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، فقالوا: هذه الآية تدل على أن الإنسان ما له اختيار، وأنه مجبر على فعله، والجواب على ذلك أن يقال: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ المطلقة، يعني التي تكون بدون الله، فالله يختار وهم يختارون، والدليل على هذا - أنه ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ المطلقة - آيات كثيرة وأحاديث تدل على أن الإنسان له إرادة: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران ١٥٢]، ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير ٢٨]، نعم، فهو سبحانه وتعالى أثبت للإنسان مشيئة، وأثبت له إرادة، والواقع يشهد بذلك ولَّا لا؟ الواقع يشهد بذلك، والإنسان يُفرِّق بين الفعل الاختياري والفعل غير الاختياري، أليس كذلك؟ فالإنسان إذا نزل من السطح بالدَّرَج، نزوله اختياري، ولكن إذا دفعه أحد من أعلى الدرج وصار يتدحرج نزوله غير اختياري.
فإذن قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص ٦٨]، النفي هنا مُسلَّط على أي شيء؟ على مطلق الخيرة ولَّا على الخيرة المطلقة؟
* طالب: على الخيرة المطلقة.
* الشيخ: على الخيرة المطلقة التي لا تعارض، هذا ما هو للإنسان، بل الإنسان مُدَبَّر وله إرادة.
وأما أن يكون نفيًا لمطلق الخيرة فهذا لا يمكن؛ لأن الآيات والواقع يشهد بأن للإنسان خيرة، أليس كذلك؟ هنا العلماء يقولون في كثير من الكفارات: يُخَيَّر بين كذا وكذا، أو لا؟
* طالب: إي.
* طالب آخر: (...)؟
* ومنها أيضًا، ومن فوائدها: انفراد الله تبارك وتعالى بالإرادة، المطلقة ولا مطلق الإرادة؟ بالإرادة المطلقة، لا مُعقِّب لحكمة ولا راد لقضائه.
* ومنها: تنزيه الله سبحانه وتعالى عما لا يليق به؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [القصص ٦٨].
* ومنها أيضًا، من فوائد الآية: تعاليه وتنزهه عن هؤلاء المشركين، سواء قدرنا (ما) مصدرية أو قدرناها موصولة، فهو سبحانه وتعالى متعالٍ عن المشركين؛ عن أصنامهم وعن شركهم.
* ومنها أيضًا: أن الإنسان إذا سب إنسانًا (...) وصار منه الزنا، من السرقة، وصار منه شرب الخمر، فهذا في الحقيقة عيب للمخاطب، فإذا نَزَّه الله نفسه عن ذلك عن النقص فالمعنى أن هذه الأصنام ناقصة.
﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص ٦٩]. في هذا إثبات العلم لله، وأنه شامل بما يسر وما يعلن.
* ومن فوائدها: التحذير والترغيب، كيف التحذير والترغيب؟ تحذير الإنسان أن يُضمِر أو يعلن سوءًا؛ لأن الله يعلم به، وترغيبه في أن يُضمِر أو يُعلِن خيرًا؛ لأن الله يعلمه، والله أعلم بما أضمر من خير أو شر؛ معناه أنه لن يضيع، فهو معلوم كما قال الله تبارك وتعالى في آيات كثيرة أنه يعلم ويخبر يوم القيامة بما عمل هؤلاء، ففي الآية ترغيب وتحذير، فمن أضمر خيرًا وأعلنه فهو له ترغيب، ومن أضمر شرًا أو أعلنه فهو له تحذير.
* * *
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٧٠].
قال الله تعالى: ﴿لَهُ الْحَمْدُ﴾، ﴿لَهُ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، فـ﴿لَهُ﴾ وحده ﴿الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾، أما غيره فليس له الحمد الذي يستحقه الله، لا في الأولى ولا في الآخرة.
وقوله: ﴿الْحَمْدُ﴾، (أل) هذه للاستغراق، أي جميع أنواع الحمد وما يتعلق به من خير أو شر، فالله تعالى له الحمد كله، فهو الذي لا يُحمد على سوء سواه، يُحمد على كل حال كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) من حديث عائشة رضي الله عنها.]].
وقوله: ﴿لَهُ﴾، اللام هنا هل هي للاختصاص أو للاستحقاق؟
* طالب: كلاهما.
* الشيخ: هي للاختصاص ولَّا للاستحقاق؟
* طالب: كلاهما.
* الشيخ: للاستحقاق، إي.
الآن ما مر عليكم (...) للاستحقاق أو للاختصاص؟
* طالب: كلاهما يا شيخ.
* الشيخ: اللام ذكرنا أنها للاختصاص وللاستحقاق، فالحمد المطلق مختص بالله، والمستحق للحمد حقيقةً هو الله؛ لأن غيره وإن استحق أن يحمد فإن ما أتى به من أسباب الحمد هو من الله سبحانه وتعالى، وغاية ما يكون أن يكون وسيلة، فالإنسان مثلًا يُحمد على ما له من الصفات الكاملة والإحسان إلى الخلق وما أشبه ذلك، لكن هذا منين؟ منين هذا اللي حصل؟
* طالب: مِنَ الله.
* الشيخ: من الله، إذن فالحمد حقيقةً لله، فالذي يستحق الحمد هو الله، والذي يختص بالحمد الْمُطلق على جميع الأحوال مَنْ؟ هو الله سبحانه وتعالى، فهو إذن للاستحقاق والاختصاص.
و(﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى﴾ الدنيا)، يُحمد في الدنيا على ما أجراه سبحانه وتعالى من أحكام كونية، وما شرعه من أحكام شرعية، يُحمد عليها حمدًا كاملًا.
كذلك أيضًا له الحمد في الآخرة، قال المؤلف: (الجنة)، وليس كذلك، (الآخرة) تشمل منذ يبعث الناس إلى أن يصلوا إلى منازلهم، فإنه سبحانه وتعالى يحمد، بل إن الله تعالى يفتح على نبيه في ذلك اليوم من المحامد ما لم يفتحه عليه من قبل[[جاء في حديث الشفاعة الطويل الذي أخرجه الشيخان؛ البخاري (٤٧١٢) ومسلم (١٩٤/٣٢٧) عن أبي هريرة رضي الله عنه قول النبي ﷺ «فأقع ساجدًا لربي عز وجل، ثم يفتح الله عليَّ من محامده، وحسن الثناء عليه شيئًا، لم يفتحه على أحد قبلي...» الحديث.]]، فهو سبحانه وتعالى في يوم القيامة يظهر حمده لكل أحد، فإنه يظهر عدله ويظهر فضله وإحسانه وتظهر حكمته وتظهر قدرته، إلى غير ذلك من الصفات العظيمة التي تظهر في ذلك اليوم ويستحق عليها الحمد.
فليس المعنى أنه ما يحمد إلا في الجنة؛ هذا قصور جدًّا من المؤلف رحمه الله، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ [القصص ٧٠]، (الآخرة) تشمل من حين يُبعث الناس إلى أن ينتهي كل إنسان إلى داره.
(في الآخرة) يحمد قلنا: يحمد على ما يظهر في ذلك اليوم، منين؟
* طالب: العدل.
* الشيخ: من العدل، والقدرة، والرحمة، والحكمة، والفضل، والإحسان، وغير ذلك من أشياء كثيرة اللي تظهر، ما تظهر الآن في الدنيا، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يستأذن من الله عز وجل في الشفاعة، ويسجد تحت العرش، فيفتح الله عليه من المحامد ما لم يفتحه عليه من قبل[[جاء في حديث الشفاعة الطويل الذي أخرجه الشيخان؛ البخاري (٤٧١٢) ومسلم (١٩٤/٣٢٧) عن أبي هريرة رضي الله عنه قول النبي ﷺ: «فأقع ساجدًا لربي عز وجل، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا، لم يفتحه على أحد قبلي...» الحديث.]]، وهذا قبل دخول الجنة، بل قبل أن يُحاسب الخلق، فالله سبحانه وتعالى له الحمد في الآخرة.
﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾، (له) خبر مقدم، وتقديم الخبر يفيد الحصر. ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ قال المؤلف: (القضاء النافذ في كل شيء). و﴿الْحُكْمُ﴾ يشمل القضاء وهو الحكم الكوني كما قال المؤلف، ويشمل الحكم الشرعي، فالحكم لله قضاءً وشرعًا. لا حاكم إلا الله سبحانه وتعالى، فمن ابتغى الحكم من غيره ضل، من ابتغى الحكم من غير الله فإنه يضل، ومن اتبع هدى الله فإنه لا يضل ولا يشقى.
وهنا ذكرنا أن تقديم الخبر يفيد الحصر؛ لأن الحكم لله وحده، وهو كذلك إذا كان المراد الحكم المطلق، فالحكم المطلق لله ما يشاركه أحد، هو الذي يوجب الشيء ويحرمه ويندب إليه ويبيحه، وكذلك في الأمور الكونية هو الذي ينزل الغيث، وهو الذي يزيل القحط، وهو الذي يحيي ويميت ويرزق، كل هذا من الأحكام الكونية.
هل أحد نازَع الله في هذين الحكمين؟ نعم، الإنسان نازَع ربه في الحكم الكوني وفي الحكم الشرعي، ففيه مثلًا من أثبت مع الله خالقًا، وفيه من زعم أنه رب يتصرف كما يشاء، والمخالفات في الحكم الشرعي أكثر وأبين، فما أكثر الذين يشرعون ويرون أن تشريعاتهم نافذة كشرع الله أو أعلى! وهؤلاء سبق أنهم كفار، حتى لو صلوا وزكوا وصاموا وحجوا فهم كفار.
وكذلك أيضًا مما يتعلق بالحكم مثل مَنْ؟
* طالب: مثل فرعون.
* الشيخ: مثل فرعون؛ لأنه نازعه في الحكم القدري، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٣٨]، وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات ٢٤].
هذا الحكم المطلق فهمنا أنه لله، لكن هل هناك حكم مقيد؟ نقول: نعم، فيه حكم مقيد لكنه بأمر الله، ولهذا نحن نرى في كتب أهل العلم: (يذهبون إلى الحاكم)، و(قال الحاكم الشرعي)، و(بإذن الحاكم)، وما أشبه ذلك، هذا الحكم الذي يستفيده هذا الإنسان مقيد ولَّا غير مقيد؟ مقيد محصور، مقيد بأن يكون تحت حكم الله، محصور في مكان معين، وفي زمن معين، فإذن الحكم المطلق لمن؟ لله عز وجل في الدنيا وفي الآخرة.
وأما الحكم المقيد فهذا يكون لغير الله، مثل أيش؟ مثل ما يقول العلماء: الحاكم الشرعي ويحكم بينهم الحاكم وما أشبه ذلك، هذا الحكم مقيد في زمانه ومكانه ونوعه، أما في الزمان فمعلوم أنه مقيد، هل الحاكم الشرعي هذا يبقى أبد الآبدين؟ لا، في مكانه أيضًا هو ما يحكم إلا في بُقْعة من الأرض، ما يحكم في الأرض وفي السماء، في نوعه؛ لأنه مُقيَّد بأن يكون تحت حكم الله، ما حكمه مطلقًا، يكون تحت حكم الله، فلا يملك أن يغير شيئًا من أحكام الله سبحانه وتعالى.
﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٧٠]، ﴿إِلَيْهِ﴾ أيضًا قدم المعمول؛ لأن ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلقة بأيش؟ ﴿تُرْجَعُونَ﴾، وتقديم المعمول يدل على الحصر، فالرجوع إلى الله مهما طالت الدنيا ومهما بعُد الإنسان، ومهما كان الإنسان أيضًا فإن مرجعه إلى الله، قال المؤلف: (﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بالنشور)، والنشور متى يكون؟
* طالب: يوم القيامة.
* الشيخ: يوم القيامة، فالناس، بل كل الخلائق مرجعها إلى الله سبحانه وتعالى، وذلك في يوم القيامة، ما (...)، ما يبقى شيء لا يُحشر، حتى النمل؟
* طالب: إي.
* الشيخ: كل شيء يُحْشر حتى يتبين أن الأمر كله مرجعه إلى الله عز وجل.
* * *
(﴿قُلْ﴾ لأهل مكة ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني). الخطاب للنبي ﷺ: ﴿قُلْ﴾، لكن مَنِ المخاطَب؟ المؤلف يقول: (أهل مكة). والصواب أنه عام لكل أحد: (﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أي: أخبِروني)، تفسير المؤلف لها بـ(أخبروني) تفسير بالمعنى لا باللفظ؛ لأن (رأى) من الرؤية البصرية، والمعنى: أأبصرتم ذلك فأخبروني عنه. ولكن المؤلف فسره وغيره من أهل العلم يفسرونه باللازم؛ لأن من لازَمَ الرؤية إخبار الإنسان عما يرى.
﴿أَرَأَيْتُمْ﴾، و(رأيتم) يقولون: إنها تنصب مفعولين هنا، مع العلم أنه يكون بصرية، تنصب مفعولين، المفعول الأول قد يكون موجودًا وقد يكون محذوفًا، وأكثر ما يأتي محذوفًا، ولكنه قد يكون موجودًا، مثلًا: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس ٥٩]، هنا المفعول الأول موجود: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ إلى آخره [الأحقاف: ٤]، هذا المفعول الأول محذوف. هنا: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ﴾ [القصص ٧١]، المفعول الأول محذوف، نحن قلنا: ﴿أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ المفعول الأول قلناه؟ موجود، ﴿أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ﴾، ﴿مَا﴾ هو المفعول الأول.
هنا: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ﴾، المفعول الأول محذوف، والتقدير: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ حالَكم؟ يعني: أخبروني عن حالكم ماذا تكون لو أنه حصل كذا وكذا؟ فالمفعول الأول محذوف، وجملة ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [القصص ٧١] في محل نصب وهي المفعول الثاني.
(﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ دائمًا)، ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى: صير، فمفعولها الأول ﴿اللَّيْلَ﴾، ومفعولها الثاني ﴿سَرْمَدًا﴾، أن يُصيِّر الله ﴿عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾.
و﴿اللَّيْلَ﴾: من غروب الشمس إلى طلوعها؛ هذا الليل، يعني معناه: اختفاء الشمس بالأفق هو الليل، وظهورها هو النهار، والنور الذي يخلفها بعد الغروب أو يتقدمها بعد الفجر، هذا من مقدمات النهار، أو من مؤخراته، وإلا فحقيقة الأمر أن الليل يكون بغروب الشمس إلى طلوعها.
وقوله: ﴿سَرْمَدًا﴾، قيل: إن أصلها سردًا، والسرد التتابع، يعني: متتابعًا، وعلى هذا التفسير فالنون زائدة، ويكون وزنه الصرفي؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، ﴿سَرْمَدًا﴾؟
* الطالب: (فعملًا).
* الشيخ: (فَعْمَلًا)؛ لأنه النون زائدة، وقيل: إن النون أصلية وأنها من (سَرْمَد) إذا استمر، وعلى هذا فيكون وزنه الصرفي: (فَعْللًا)؛ لأنه تكون النون أصلية.
الذي يهمنا معنى السرمد، معناه: الدائم المستمر.
﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، لو كان الليل سرمدًا إلى يوم القيامة، أحد يستطيع أن يأتي بنهار؟ ما أحد يستطيع، بل ما أحد يستطيع أن يُقدِّم النهار قبل وقته، ولا أن يؤخره بعد وقته، الآن لو اجتمع العالم، مثلًا الشمس تخرج على اثنتي عشرة مثلًا، لو اجتمع العالم كلهم على أن تخرج اثنتي عشرة إلا دقيقة يستطيعون؟ ما يستطيعون، كيف (...) مرة؟ أو على أن تتأخر إلى الساعة اثنتي عشرة ودقيقة ما يستطيعون، أو على أن يزحزحوها قليلًا عن مكانها؟ ما يستطيع (...).
إذن اللي ما يستطيع يغيرها لا زمانًا ولا مكانًا، ما يستطيع أن يجلبها ويأتي بنهار أبدًا، ولهذا قال سبحانه وتعالى: (﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ بزعمكم ﴿يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ نهار تطلبون فيه المعيشة).
﴿مَنْ﴾ مبتدأ، و﴿إِلَهٌ﴾ خبره، و﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ صفته، و﴿يَأْتِيكُمْ﴾ حال من ﴿إِلَهٌ﴾. يعني (...)، يعني: أي إله ﴿يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾.
وقول المؤلف: (على زعمكم) هذا ما يفطن له إلا إنسان فاهم في اللغة العربية؛ لأن ﴿مَنْ﴾ يستفهم بها عن التعيين، فتقبل التعدد؛ لأن التعيين إنما يُطلب متى؟ عند التعدد، إذا تعددت الأشياء طلب التعيين، فإذا قلت: من قام؟ فأنا الآن أثبتُّ بهذا الاستفهام أن عددًا من الناس قد قام، ولكني أستفهم عن تعيين هذا القائم، فإذا قال: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ معناه الآن هو أثبت بالآية أن هناك آلهة، والمطلوب بـ﴿مَنْ﴾ أيش؟ التعيين، عينوا لي الإله الذي يأتيكم؟
هل حقيقة الأمر أن هناك آلهة متعددة؟ ولهذا قال المؤلف: (بزعمكم)، يعني: إذا كنتم تزعمون أن هناك آلهة فمن الإله الذي يأتيكم بضياء؟ ويكون هذا أبلغ في التحدي. لو قال: (هل إله غير الله؟) صار هنا الاستفهام عن وجود إله، لا عن تعيين الإله، لكن الاستفهام عن تعيينه أبلغ في التحدي؛ يعني: حتى على زعمكم أن هذه آلهة فإننا نتحداكم، أين الإله الذي يأتي بهذا الشيء؟ إذا قلتم: والله ما عندنا أحد من الآلهة يفعل هذا، تبين أن ألوهيتها باطلة؛ لأن الإله لا بد أن يكون قادرًا سميعًا بصيرًا... إلى آخر (...).
الظاهر أني أتكلم باللغة الإنجليزية الآن! ﴿مَنْ﴾ يُطلب بها؟
* طالب: التعيين.
* الشيخ: يُطلب منها التعيين للمتعدد. وهنا ﴿مَنْ إِلَهٌ﴾ يقتضى أن هناك آلهة متعددة، وهذا ليس على حقيقته، بل على زعم هؤلاء المشركين، زعمهم أنه فيه إله مستحق، وإذا كان كذلك على زعمكم مستحقًا للعبادة فلتكن قادرة، إذا لم تقدر فليست مستحقة للعبادة.
﴿يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ [القصص ٧١]، الباء هنا للتعدية؛ يعني يجلب إليكم الضياء، وقال: (ضياء)؛ لأنه علامة النهار، بل إنه هو النهار في الواقع، إما علامته أو هو هو النهار.
(﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ ذلك سماع تفهم فترجعون عن الإشراك).
﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ يعني أصمت آذانكم فلا تسمعون، والمراد بالاستفهام هنا سمع التفهم الذي يرتدع به المرء عن غيه، أما مجرد سمع الإدراك اللي (...).
هنا قد يقول قائل: لماذا لم يقل: (أفلا تبصرون)؟ لأن النهار هو، والإبصار فيه أظهر (...)، بل قال: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾؟
نقول: لأنه تبيين لقوله: ﴿عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾، و﴿اللَّيْلَ﴾ محل رؤية ولا محل سمع؟ محل سمع، ولهذا قال: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾، وليس تبيين على آخر الآية التي ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾، بل هو تبيين على أول الآية.
المعنى: أنكم لا تسمعون سمعًا تستفيدون منه؛ لأن الليل هو محل السمع وليس محل الرؤية (...)
التوحيد المطلق لله وحده؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما الفائدة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [القصص ٧٠].
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿لَهُ الْحَمْدُ﴾؟
* الطالب: إي (...).
* الشيخ: عليهم (...) بهذا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: وأيش يقول؟
* الطالب: أي (...)؟
* الشيخ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾؟
* الطالب: فضيلة (...).
* الشيخ: لا، هذا (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص ٦٩].
* طالب: (...).
* الشيخ: إذن العموم، صار ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ﴾ * يستفاد منها: إثبات ألوهية الله.
* وثانيًا: انفراده بالألوهية؛ لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
* الفائدة الثالثة: اختصاص الله تعالى بالحمد المطلق؛ لقوله: ﴿لَهُ الْحَمْدُ﴾، الحمد المطلق الشامل للدنيا والآخرة.
* ومن فوائد الآية: ظهور كمال صفات الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة؛ لأن الحمد وصف المحمود بالكمال.
* من فوائد الآية: اختصاص الله تعالى بالحكم أنه وحده الحاكم؛ لقوله: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾، وما ذكر من إثبات الحكم لغيره فهو أمر مقيد، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء ٥٨]، فهذا مقيد.
* ومن فوائد الآية: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ إلى آخره.
* من فوائد الآية: تحدي هؤلاء المشركين أن تكون أصنامهم جالبة للخير أو دافعة للشر.
* ثانيًا: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى؛ حيث لا يعجزه أن يجعل الليل سرمدًا إلى يوم القيامة.
* ثالثًا: تذكير نعمة الله سبحانه وتعالى، تذكير العباد بنعمة الله، فإن الأشياء إنما تتبين بضدها.
* ومن فوئد الآية: أنه لا يستطيع أحد أن يُغَيِّر سُنَّة الله في الكون، لو جعله سرمدًا ما استطاع أحد أن يزيله.
* ومنها؛ من فوائد الآية: الحث على سماع ما يُتلى من كتاب الله سمع تفهم وقبول؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾.
* ومنها؛ من فوائد الآية: بيان نعمة الله على العباد في ضياء النهار، كم طاقةً يوفر هذا الضياء؟
* طالب: ما يحصى.
* الشيخ: ما يحصى، يعني يسقط الآن مثلًا كل الإضاءة اللي في الليل تسقط بالنهار؟ وكم تستهلك الأمة من طاقة في إضاءة الليل؟ مع أنه ما يكون مثل إضاءة النهار، ففي هذا نعرف قدْر نعمة الله سبحانه وتعالى بهذا الضياء الذي يصل الناس بكميات كبيرة (...).
آخر فائدة؟ بيان؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) النهار.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القصص ٧٢].
* طالب: قوله تعالى: (...)؟
* الشيخ: لا، هو المقصود الحد.
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص ٧٢].
* هذه الآية يستفاد منها ما يُستفاد من الآية التي قبلها، إلا أن فيها زيادة وهي: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى. يستفاد من الآية ما يستفاد مما قبلها فيما اتفقتا فيه.
* ومنها: بيان نعمة الله تعالى في الليل الذي جعله سكنًا؛ لقوله: ﴿بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾.
* ومنها: أن نوم الليل أفيد للجسم من نوم النهار؛ حيث جعل الله الليل محل السكن ووقته، وهذا أمر مشاهد.
* ومنها: الحث على التبصر في آيات الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾؛ لأن هذا يفيد حث الإنسان على أن يتبصر فيما جعله الله سبحانه وتعالى من هذه الآيات، حتى يستدل بها على كمال قدرة الخالق.
أما بيان قدرة الله وما أشبه ذلك فقد سبق.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [القصص ٧٣].
* طالب: ألا تفيد الآية هذه (...)؟
* الشيخ: نعم، (...) ذكرنا أن نوم الليل أنفع للبدن من النهار؛ لأن فيه السكون، لكن ما (...) من الليل، الإنسان يحس بالراحة، لكن ليس كالليل.
* الطالب: يعني (...)؟
* الشيخ: ما هو بعلى كل حال، مع اعتبار الصحة (...).