Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — العنكبوت 29:60 – العنكبوت 29:68

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. العنكبوت 29:60
  2. العنكبوت 29:61
  3. العنكبوت 29:62
  4. العنكبوت 29:63
  5. العنكبوت 29:64
  6. العنكبوت 29:65
  7. العنكبوت 29:66
  8. العنكبوت 29:67
  9. العنكبوت 29:68

العنكبوت 29:60

قال: (﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [العنكبوت ٥٩] أي: على أذى المشركين والهجْرة لإظْهار الدين). ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على أمرين -على كلام المؤلف- على أذى المشركين، وعلى الهجرة لإظهار الدين؛ لأن في كليهما مشقة على النفوس، لا أذى المشركين المتنوع بالقول والفعل، وكما يقولون: حرب الأعصاب والمضايقات النفسية، ولا الهجرة من بلادهم التي سكنوها وأقاموا فيها إلى بلاد أخرى يكونون فيها غرباء، كل هذا لا شك أنه مشق على النفوس، وإنما خص المؤلف الصبر بهذين الأمرين؛ لتعيين السياق لهما إذ إن السياق كما ترون كله في مسألة الهجرة وما أشبهها. ولكن لو قيل بالعموم ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على كل ما أمروا بالصبر عليه ونجعله منقسمًا إلى ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على أقداره، لو قلنا بالعموم لكان أولى؛ لأن القول بالعموم يدخل فيها الصبر على الأذى والهجرة بخلاف القول بالخصوص، وعلى هذا فنقول: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الأقسام كلها، الصبر على الطاعة: مجاهدة النفس على فعلها وإتمامها وإتقانها، والصبر عن المعصية: حبس النفس عن فعلها، والصبر على الأقدار: حبس النفس عن التسخّط. * طالب: التحمل. * الشيخ: إي، عن التسخط على القدَر، وقد سبق لنا أن مقامات المصاب بأذى أربعة. قال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾ متعلقة بـ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾، وقدمت لإفادة الحصر، والتوكل معناه الاعتماد، وعرّفه بعضهم بقوله: صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المـضار مع الثقة به سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: لا على غيره ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾، واعلم أن التوكل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توكل عبادة مقرون بالخشية والمحبة والتعظيم وتفويض الأمر تفويضًا كاملًا إلى المعتمد عليه، وهذا النوع لا يجوز إلا لله عز وجل الذي هو توكل العبادة، الثاني: توكل اعتماد بلا عبادة؛ بمعنى أن الإنسان يعتمد على غيره، لكن لا اعتمادًا يشعر بأنه متذلل وخاش له وراغب إليه، ونحو ذلك، وهذا النوع أو هذا القسم إن كان على ما يمكن الاعتماد عليه فهو شرك أصغر، وإن كان على ما لا يمكن الاعتماد عليه فهو شرك أكبر كيف ذلك؟ إذا كان على ميت أو غائب لا يمكنك أن تعتمد عليه فإنه شرك أكبر؛ لأنه ليس لذلك معنى إلا أن تعتقد أن هذا المعتمد عليه متصرف في الكون بغير مباشرة، وهذا كما يحصل لكثير من المشركين الذين يعتمدون على الأموات والأولياء وإن كانوا بعيدين وما أشبه ذلك، أما إذا كان يعتمد عليه وهو يمكن أن يكون سببًا لجلب المنفعة أو دفع المضرة، لكنه معتمد عليه على أنه من فوقه وهو من تحته، فإن هذا نوع من الشرك الأصغر مثل اعتماد كثير من الناس الآن على رواتب الدولة وما أشبه ذلك كونك تعتمد على هذا على أنها هي مصدر رزقك، فإن هذا نوع من الشرك الأصغر؛ لأنها هي ليست إلا مجرد سبب، ولهذا من كان على هذه الحال تجده يراعي الـمتوكل عليه ويخافه وربما يترك ما أوجب الله عليه مراعاةً له ومداهنة أو يفعل ما حرم الله عليه كذلك. أما القسم الثالث: فهو الاعتماد على الغير، لا على سبيل الخشية والخوف والرغبة إليه، ولا على شعور أنه فوقك أو أعلى منك، لكن على شعور أنك أنت الذي فوقه وأنت الذي تدبره فتعزل وتنصب، وهذا جائز ولا حرج فيه، وقد وقع من النبي ﷺ فإنه كان يبعث السعاة توكيلًا لهم على ما يريد هذا لا بأس به، وهذا ما يحصل بأي شيء؟ بطريق الوكالة عندما أوكل إنسانًا يشتري لي شيئًا أو يبيع لي شيئًا أو ما أشبه ذلك، أنا معتمد عليه الآن في هذا الأمر، لكن هل هو اعتماد على أني أشعر أنني أنا المحتاج إليه وأنه فوقي ولَّا لا؟ لا، بل على العكس أعتقد أنني أنا الذي فوقه لا سيما إذا كان بعوض، وأن الأمر إليّ في شأنه إن شئت عزلت، وإن شئت نصبت، وهذا لا بأس به، وقد أجمع العلماء على جواز التوكيل في البيع والشراء وغيره مما تدخل فيه الوكالة، وهنا المراد بالآية الكريمة: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي الأقسام؟ * طالب: الأول. * الشيخ: القسم الأول، وكذلك الثاني بنوعيه، فإنهم لا يعتمدون على أحد سوى الله عز وجل في جلب المنافع ودفع المضار، واعلم أن التوكل أحد شقي الدين، فإن الدين مكون من أمرين: عبادة واستعانة، كما قال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥]، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود ١٢٣]، وهذا كثير في القرآن؛ لأن العبادة لا تقوم إلا بفعل من العبد وبمعونة من الله سبحانه وتعالى، ويجب على المرء عندما يتعبد لله أن يكون معتمدًا على ربه؛ لأن الله لو وكله إلى نفسه لوكله إلى ضعف وعجز وعورة، ولا يستطيع أن يقوم بما أوجب الله عليه. ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قال: (فيرزقهم من حيث لا يحتسبون)، وهذه الجملة من المؤلف لا تناسب التوكل؛ لأن الذي يناسب التوكل: (فيكون حسبهم) كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، أما الرزق من حيث لا يشعر فيناسبه التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢، ٣]. وفرق بين الأمرين؛ لكن المؤلف رحمه الله أتى بهذه الجملة توطئةً لما بعدها وهي قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت ٦٠] وإلا فبالنظر إلى الآية المفسرة لا يناسبها هذا القول. * طالب: (...) فإن النبي ﷺ يقول: «لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ»[[أخرجه الترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجه (٤١٦٤) من حديث عمر بن الخطاب. ]]. * الشيخ: إي، توكلتم في طلب الرزق، لكن التوكل المطلق يكون الله حسبه فيقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. طيب عندنا في هذه، هل الله سبحانه وتعالى يكون وكيلًا وموكلًا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، يكون وكيلًا وموكلًا، أما (وكيلًا)، فكثير في القرآن: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء ٨١] ومثلها حسيبًا، وأما موكلًا؟ * طالب: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩]. * الشيخ: إي نعم، ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ وليس التوكيل من الله لهؤلاء كتوكيلي أنا لفلان وفلان مثلًا؛ لأن توكيلي لفلان وفلان إما لعجزي أو تقصيري، أو ما أشبه ذلك، لكن توكيل الله بمعنى أن الله سبحانه وتعالى يجعل هؤلاء هم القائمين بها لا أنه سبحانه وتعالى عاجز. * طالب: بعض الناس مثلًا إذا حرضته على شيء (...). * الشيخ: ما فيها شيء؛ لأن (وكل الله) جعله حفيظًا، والله سبحانه وتعالى حفيظ على كل شيء، وليس معناه أني أنا الله، هذا ما أحد يفهمه، ما فيه شيء، فمعنى (وكله) أي: جعله وكيلًا؛ أي: حفيظًا. * طالب: (...). * الشيخ: إي، يعني معناها أني سأقوم بالأمانة، فإن الله تعالى لا يغيب عنه شيء وهو عالم بكل شيء. * طالب: (...). * الشيخ: وكل؟ لا (...). * الطالب: لكن عند العوام (...). * الشيخ: لا. * الطالب: اللفظة. * الشيخ: (...) حتى أنا لو أقول له وكل فلان بمعنى قدم له طعام يأكله. * طالب: (...) لا يجي علي بالهم. * الشيخ: أبدًا اللي يجي على بالهم؛ بمعنى أني أجعل الله تعالى حارسًا لك، هذا المعنى، وأني سأقوم به على الوجه الأكمل. ثم قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ ﴿كَأَيِّنْ﴾، يقول المؤلف: (كم) فعلى هذا تكون استفهامية ولا خبرية؟ * طالب: خبرية. * الشيخ: خبرية؛ يعني: وكم من دابة؟ ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: كثير من الدواب ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾، والدابة في اللغة العربية كل ما يدب على الأرض سواء مشى على بطنه أو على رجلين أو على أربع، كلها تسمى دابة، أما في العرف فهي لذوات الأربع فقط، فلا تشمل ما يمشي على بطنه، ولا ما يمشي على رجلين اثنتين، ولا على ما يمشي على سبع وسبعين، كذا؟ لذوات الأربع فقط؟ وفيها أيضًا عرف أخص من هذا؛ أن الدابة الحمار فقط يقولون مثلًا: راح منا على دابة. كل من كلمته بهذا الكلام ذهب إلى أنه الحمار، لكن الكلام على المعنى اللغوي، أما الأعراف فإنها تتبع أصحابها المعنى اللغوي في اللغة الدابة: كل ما دب على الأرض كثير. (﴿مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ لضعفهم) عندكم ولَّا ضعفها؟ * طالب: ضعفها. * الشيخ: صحيح. * طالب: (...). * الشيخ: إحنا نقول: سبع وسبعين، عندنا دابة تسمى أم سبع وسبعين رجلًا. * طالب: عديناها فوق الخمسين بشوية. * الشيخ: بس؟ (...) مبالغة يعني هذه. * طالب: ما هي مبالغة. * طالب آخر: (...). * الشيخ: لا، الإنسان يمكن نوع آخر. * طالب: أقل من الستين وفوق الخمسين. * الشيخ: مثل الدودة تمشي لها أرجل كثيرة -سبحان الله العظيم- الناس يسمونها أم سبع وسبعين رجلًا، لكن أنها دون الستين، هي ربما إنها على سبيل المبالغة الظاهر إذا كان هذا هو المراد. * طالب: يا شيخ، إعراب ﴿كَأَيِّنْ﴾؟ * الشيخ: ﴿كَأَيِّنْ﴾ مبتدأ، و﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ تمييز لها، و﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ قيل: إنها هي الخبر، وقيل: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ هو الخبر، وجملة ﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ صفة لـ﴿دَابَّةٍ﴾، وهذا أقرب؛ لأن الكلام لا يتم إلا بقوله: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾. * طالب: السيارة تدخل في معنى الدابة؟ * الشيخ: لا، ما تدخل. * طالب: لماذا؟ * الشيخ: إلا دببتها أنت، هذه تدخل -بارك الله فيك- في الفلك ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ﴾ [الزخرف ١٢]. * طالب: كيف تدخل في الفلك؟ * الشيخ: لأنها مثل السفينة اللي كانت تمشي على البحر فهي فلك. * طالب: والدابة يشترط فيها أيش؟ * الشيخ: أنها هي اللي تدب، هذه ما هي تدب. * طالب: تدب يعني أيش؟ * الشيخ: هي بنفسها. * طالب: ترفع رجلها، وهكذا؟ * الشيخ: لا، هي التي تدب؛ يعني هي نفسها تفعل هذا الشيء، السيارة ما هي بتفعل وقوله: ﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ قال: (لضعفها)، فما معنى لا تحمله أي: ما تقواه يعني؟ ولَّا لا تستطيع أن تتكسب للرزق؟ الجواب: الأخير؛ يعني ما تستطيع أن تكتسب، وتحمل الرزق حيث تقوم بكفاية نفسها، وهذا شيء كثير، أول ما يرد علينا نحن في حال الصغر والطفولة هل نحن نحمل أرزاقنا؟ أبدًا لولا أن الله قيض لنا الأم، وقيض لنا هذين الثديين ما حملنا أرزاقنا، وهذا شيء معروف، كذلك أيضًا يوجد دواب تأتيها عاهات وأمراض ما تستطيع أن تطلب الرزق فيهيئ الله لها رزقًا بحيث يأتيها، وهي في مكانها، وكم قص علينا من قصص كثيرة في هذا الباب تكون مثلًا هذه الدابة نفسها جاءها أمراض كسرت رجلها، كسر جناحها عميت، وما أشبه ذلك فيجدون الأشياء تأتي إليها بإذن الله وتأكلها؟ * طالب: (...) لضعفها. * الشيخ: لا، (لضعفها) ما هو معناه، هذا تعليل؛ يعني معناها أنها لا تحمل؛ لأنها ضعيفة إما ضعيفة في الإرادة أو ضعيفة في البدن أو غير ذلك. * طالب: (...). * الشيخ: قلنا: ليس معنى ﴿لَا تَحْمِلُ﴾ ما تقوى تشيله؛ يعني ما تقوى تحمله المعنى لا تستطيع أن تكتسب، كذلك أيضًا يوجد أشياء صغيرة؛ ما تستطيع أن تذهب بعيدًا، ثم يقيض الله لها طعامًا يسقط حولها، وتأتي إليه، وهذه الدواب أيضًا منها ما يستطيع بنفسه أن يدخر الرزق، ومنها ما لا يدخر الرزق، ومنها ما له أعوان، ومنه ما ليس له أعوان، المهم أن اللي يتفكر في مخلوقات الله في هذا الأمر يجد العجب العجاب. وقد قصصنا عليكم القصة التي ذكرها ابن القيم في أن رجلًا وضع طعامًا لذرة، فلما أحست به عجزت عن تحمله فذهبت إلى صاحباتها ودعتهن فجاؤوا فلما جاؤوا وصاروا حول المكان رفع الطعام، جاءت تطلبه في المكان ويطلبوه كلهم ما وجدوه، رجعوا وبقيت هي تفتش حول المكان فوضعه لها ثانيةً، فلما تيقنته ذهبت ودعتهم، فلما أقبلوا رفعه، ثم إنه أيضًا بدأت تطلب ورجعوا، في المرة الثالثة وضعه ذهبت ودعتهم، فلما رفعه ولم يجدوه يقول: إنهم قتلوا هذه الذرة قتلوها، يقول: فذكرتها لشيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: إن الكذب لا يحبه أحد حتى النمل لما كذبت عليهم هذه وهبتهم، جابتهم من بيوتهم استفزعتهم قتلوها. * طالب: هل يلزم (...)؟ * الشيخ: إي نعم، الدية (...)، الشاهد أن الإنسان يرى العجب العجاب في مخلوقات الله سبحانه وتعالى هذه الضعيفة اللي ما تحمل رزقها يقوم الله عز وجل برزقها؛ لأن الله تعالى قال في كتابه عن نفسه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود ٦] ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ نكرة في سياق النفي المؤكد عمومه بـ(من) الزائدة أي: دابة في الأرض، فعلى الله رزقها ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ مع ذلك أيضًا. ﴿رِزْقُهَا﴾ وليست الدواب كلها ترتزق من شيء واحد، أليس كذلك؟ بعضها يناسبه هذا، وبعضه ما يناسبه، وأيًّا كان فإن الله سبحانه يقدر له الرزق المناسب له، ومع ذلك يعلم جل وعلا مستقرها ومستودعها؛ يعني محل استقرارها ومحل استيداعها؛ يعني ما تؤول إليه في يوم القيامة هذا المستقر، والمستودع الدنيا والبرزخ الذي بين الدنيا والآخرة، فإن هذا شيء يكون الإنسان فيه بمنزلة الوديعة يبقى زمانًا ثم ينتقل. * طالب: بعض المفسرين يقولون: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ يعني لا تدخره (...) صحيح؟ * الشيخ: إي، هذا من جملة (...)، وبعضها يدخره كما هو معروف. * الطالب: (...) مقدر بعلم الله عز وجل. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: لأن الله يقول في القرآن: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨] كل شيء. * الطالب: وكذلك أجلها أيضًا. * الشيخ: وأجلها وحالاتها أيضًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤]، ما دام الله خلقه فهو عالم به جل وعلا في كل أحواله ومقدر كل أحواله مقدرة سبحان الله العظيم. * طالب: (...) شيء خاص بالآدمي يكتب رزقه وأجله. * الشيخ: لا، أبدًا ﴿كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾، لكن النصوص تكاثرت في الآدمي؛ لأنه هو محل الخطاب والتكليف ليستعد ما من شيء بدأ من القطرة من المطر مكتوبة مقدرة، وهي من هي بذات إرادة، ثم إنه: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ -هذه يدل عليها- ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام ٣٨]، هذه ستبعث يوم القيامة كل شيء له حياة لا بد أن يبعث يوم القيامة، فقدرة الله عظيمة ما يتصورها الإنسان، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه ١١٠]. * طالب: وأصرح من هذا: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩]. * الشيخ: إي نعم. * طالب: بعض العلماء يقولون (...) الحلال (...). * الشيخ: الحيوانات؟ * طالب: يقول ما لها أجل (...). * الشيخ: أنا أخشى على هذا الرجل اللي يقول ها الكلام، أخشى عليه. * طالب: (...) من نصيب (...). * الشيخ: حتى المال الجماد من نصيبك ما هو من رزقك. * طالب: يقول: من نصيبي؛ يعني إذا.. * الشيخ: مو هو برزقك، لك هو؟ * طالب: إلا. * الشيخ: أليس رزقك مكتوبًا؟ مكتوب بأيش؟ مكتوب بقاؤه وكيفيته واستمراره وكل شيء، وأيش نوعه؟ هل أنت من اللي يرزق بالإبل، أو يرزق بالغنم، أو يرزق بالدراهم، أو يرزق بالاكتساب والاحتطاب والاحتشاش، وما أشبه ذلك؟ * طالب: (...) يقول: إن مثل الغنم وهذه ما لها (...). * الشيخ: (...) عندك الآن الآيات، وها اللي (...) هو الله؟ ها الحين يخلق الشيء، ويقدره فناء ووجودًا، ونقول: هذا ما علم ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج ٧٠]، أنت تستعظم هذا، ويبهرك الأمر، لكن هو على الله يسير قدرة الله ما لها منتهى أبدًا، ولا لها حد، فالمهم كل شيء مكتوب حتى إنه دخل أحد أصحاب الإمام أحمد عليه وهو مريض رحمه الله، ويئن (...) من المرض، فقال له: يا أبا عبد الله، كيف تئن وقد قال طاووس: إن الملائكة تكتب حتى أنين المريض؟ فلما قال ذلك كف رضي الله عنه وصار يتحمل ولا يئن في المرض[[أخرجه الدينوري في المجالسة (٢٥٣).]] مع أن الأنين أحيانًا يكون شيئًا طبيعيًّا، فهذا دليل على أن كل شيء يكتب. * طالب: (...) يخفف.. الأنين. * الشيخ: إي، يخفف مثل شكوى الإنسان إلى أخيه وإلى صديقه مما نزل به يكون يخفف عليه بعض الألم، الشاهد هذه يجب علينا يا إخواني أن نعتقد أن الله تعالى عالم بكل شيء، وأنه مقدر لكل شيء، وأن آجال كل شيء مكتوبة، وكل حركاتها مكتوبة وسكناتها مكتوبة؛ لأنها لا يحدث شيء في الأرض، ولا في السماء إلا بعلم الله وإرادته وخلقه سبحانه وتعالى. * طالب: (...) هل ملك الموت يقبض أرواح الحشرات (...)؟ * الشيخ: إي، هذه محل نزاع بين السلف، والظاهر أنه يعم، وهي محل خلاف بين السلف والأدلة فيها تكاد تكون متكافئة، ولكن الذي يظهر أنه عام؛ لأن ملك الـموت مـضاف إلى المـوت مـوت كل حيوان؟ * طالب: (...). * الشيخ: هنا؟ لا، لغة تشمل، لكن لما قال: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ علم أنه أراد ما سوى بني آدم أما: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ هذا عام لبني آدم وغيره. قال: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾، شوف أتى بالجملة الاسمية: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ والرزق بمعنى (العطاء)، العطاء بلا عوض هذا هو الرزق، العطاء بلا عوض يسمى رزقًا ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾. قوله: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾ أي: هذه الدابة ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾، هذا معطوف على أيش؟ على (هاء) في قوله: ﴿يَرْزُقُهَا﴾ والفصل هنا واجب ولا جائز؟ * طالب: جائز. * الشيخ: الفصل جائز؟ فصل الضمير الآن الضمير هنا منفصل؟ * طالب: فصل الضمير هنا، إيه واجب؛ لأنه ما يمكن يحل محله المتصل. * الشيخ: الفصل هنا واجب؛ لأنه كلما أتى الضمير بعد العطف فهو واجب الانفصال؛ إذ إن الضمير المتصل هنا ما يمكن يتأتي لو قلت: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾ وكم ما صح، فإذا أتى الضمير بعد العطف أو بعد (إلا)، فقد علم أنه لا بد أن يكون منفصلًا ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾. قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ أيها المهاجرون وإن لم يكن معكم زاد ولا نفقة)؛ لأن الكلام -كما عرفتم- كله مسوق في الهجرة ومغادرة البلد فالله تعالى كما رزق هذه الدواب العظيمة التي لا يحصيها جنسًا فضلًا عن النوع وفضلًا عن الأفراد إلا الله عز وجل فأنتم كذلك إذا هاجرتم لا يضيع رزقكم بل رزقكم على الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال ٧٠]، وقد حصل هذا فأسرى بدر الذين أسلموا ماذا حصل لهم؟ حصل لهم من الفيء والغنائم أكثر مما أخذ منهم. وقوله: (﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالكم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بضمائركم). ﴿السَّمِيعُ﴾ نعم، لأقوالكم وهو سميع سبحانه وتعالى لكل شيء يسمع كل صوت، وإن خفي كما قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه ٧] فهو يعلم كل ما يكون من صوت خفي سواء كان قولًا أم غير قول، لكن المؤلف خص القول؛ لأنه محط التكليف والإثم أو الأجر، والسميع من أسماء الله سبحانه وتعالى وله معنيان: أحدهما: إدراك المسموع، والثاني: إجابة الدعاء، أما إدراك المسموع فله أمثلة كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة ١]، وأما إجابة الدعاء، فمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩] ﴿سَمِيعُ﴾ بمعنى يسمع صوت الداعي أو يجيب دعاءه؟ * طالب: يجيب دعاءه. * الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا هو المقصود، الإجابة دون مجرد سماع الصوت ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، واعلم أن السمع الذي هو بمعنى إدراك المسموع، ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يراد به بيان إدراك سمع الله سبحانه وتعالى لكل مسموع، وقسم آخر: يراد به مع ذلك النصر والتأييد، وقسم ثالث: يراد به مع ذلك التهديد والوعيد؛ وهذا على حسب السياق كغيره من صفات الله، كثير من صفات الله سبحانه وتعالى تكون مرادًا بها هذه الأمور الثلاثة كثير من الصفات، ففي قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف٨٠]، ويش المقصود هنا؟ التهديد. وكذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران ١٨١]، هذا يراد به التهديد. وفي مثل قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، يراد به النصر والتأييد، ما هو مجرد أنه يسمع فقط لا، يراد به النصر والتأييد. وفي مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١] يراد به بيان إحاطة سمع الله بكل مسموع؛ لأن السياق لا يقتضي (...) ولا تهديدًا فيكون المقصود به بيان إحاطة علم الله عز وجل بكل مسموع، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها في هذه الآية: «تبارك الذي وسِع سمعُه الأصوات، والله إني لفي أدنَى أو طَرَفِ الحجرة، وإنَّه لَيَخْفَى عليَّ بعْضُ حديثِها»[[أخرجه النسائي (٣٤٦٠)، وابن ماجه (١٨٨).]]. والله تعالى فوق عرشه عالٍ على خلقه، ومع ذلك يسمع حديثها مع الرسول عليه الصلاة والسلام، يسمع مجادلتها ومحاورتها للنبي ﷺ، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. * وفي هذه الآية فائدة مهِمَّة -بالنسبة للذين يتكلمون على أسماء الله وصفاته-: وهو أنه من المعروف عند أهل السنة أن الاسم يتضمن ثلاثة أشياء إذا كان وصفًا من متعدٍّ إذا كان مشتقًّا من وصف متعدٍّ فإنه يتضمن ثلاثة أشياء وهي: الاسم والصفة والحكم اللي هو الأثر، فهنا ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ﴾ لماذا؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. يسمع؛ لأنه سميع بصير فدل هذا على أن ﴿سَمِيعٌ﴾ تتضمن ثبوت مقتضاها وهو أنه يسمع، ومعلوم أنه لا سماع إلا بسمع خلافًا لمن قال: إنه يسمع بذاته كما قاله ابن حزم وجماعة لا بصفة هي السمع قالوا: يسمع بذاته ولا نثبت له صفة هي السمع، وهذا كلام في الحقيقة هراء فالله يقول: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨]. فأثبت الصفة ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾، وقال: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١]، وقال: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس ١٠٧] فدل هذا على أن الرحيم مشتق منين؟ من الرحمة؛ لأنه قال: ﴿الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ يوازيه تمامًا ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، فهمتم يا جماعة؟ وهذا مقرر عند أهل السنة ومعلوم، والحمد الله أن الأسماء التي تتضمن وصفًا متعديًا أنها تدل على ثلاثة الأمور. قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ انتهينا من تقسيم السمع أنه بمعنى الإجابة، وبمعنى إدراك المسموع، وأن الثاني يتنوع إلى ثلاثة أنواع: سمع يراد به التهديد، وسمع يراد به التأييد، وسمع يراد به بيان إحاطة سمع الله بكل مسموع. وقوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾ قال: (﴿الْعَلِيمُ﴾ بضمائركم)، وعلى رأي المؤلف تكون الآية هذه تدل على الأقوال، وما في الضمائر فقط مع أن هناك أفعالًا لا تتعلق بالسمع. فإذا قلنا: العليم بالضمائر، بقي عندنا قسم من أفعال الناس، وهي الحركات الأفعال، أفعال الجوارح تكون الآية ما فيها دليل عليها، ولهذا الصواب أن يقال: العليم بجميع أحوالكم فالله تعالى عليم ليس بما في الضمائر فقط بل بما في الضمائر وبما يفعل وبما يسمع؛ لأن العلم من أشمل ما يكون من صفات الله كما قال الله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢] فهو من أعم الصفات شمولًا. وقوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾ ما هو العلم؟ يقول العلماء: إن العلم هو إدراك المعلوم على ما هو عليه إدراكًا جازمًا مطابقًا. شوف حقيقة إن (مطابقًا) إذا قلنا: المعلوم على ما هو عليه ما حاجة إلى مطابق، أما إذا قلنا: إدراك الشيء إدراكًا جازمًا مطابقًا؛ فهذا صحيح، المهم أنه لا بد أن يكون الإدراك جازمًا فخرج به أيش؟ الشك، والظن، والوهم و(مطابقًا) خرج به الجهل المركب، و(إدراك) خرج به الجهل البسيط، فيكون تعلق الإدراك بالأمور على خمسة أنواع: علم، وجهل بسيط، وجهل مركب، وشك، وظن، ووهم، ستة أشياء. * طالب: الجهل البسيط يطلع (...) إدراك الأمور على ما.. * الشيخ: على ما هي عليه إدراكًا جازمًا مطابقًا نشوف التفصيل الآن، العلم؛ أنك تدرك الشيء على ما هو عليه جازمًا به، هذا واضح، كأن أدرك بأن هذا الذي أمامي مسجل، تمام؟ طيب الجهل البسيط أن يقال لي: ما هذا الذي أمامك؟ فأقول: لا أدري، هذا جهل بسيط، الجهل المركب أن يقول لي قائل: ما هذا الذي أمامك؟ فأقول: هذه ألعوبة رضعان، ألعوبة أطفال، صح؟ هذا ويش هو جهل مركب ولَّا لا؟ * طالب: مركب. * الشيخ: مركب من جهلي بحقيقة الحال، ومن جهلي بحالي، ظننت أني عالم وأنا جاهل، طيب الشك أن يقال لي: ما هذه؟ فأقول: إما مسجل أو راديو، هذا شك؛ لأن أحد الاحتمالين صحيح، فيكون هذا شك، طيب كونه شكًّا مع التساوي، هذا شك، إذا رجحت أنه مسجل فهو ظن، والمرجوح اللي هو راديو وهم، هذا تعلق العلم بالأشياء، كل هذه الأمور منتفية عن الله عز وجل ما عدا العلم، فإنه ثابت لله سبحانه وتعالى على أكمل وجه. فإن قال قائل: هذا الجزم منكم بأنه لا يقع أو لا يكون على الله من هذه الأمور الستة إلا العلم يرده قوله تعالى في الحديث القدسي: «وَمَا ترَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ ترَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ إِسَاءَتَهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]]. فأثبت الله سبحانه وتعالى أنه يتردد في بعض أفعاله؟ فالجواب: أن التردد قسمان: تردد لتوقف المتردد في الأمر هل يكون خيرًا أو لا؟ وهذا بالنسبة إلى الله ممتنع لا يمكن هذا أبدًا؛ لأن الله تعالى يعلم، وتردد باعتبار النظر للغير يعني ترددًا لأمر يتعلق بغيره مثل هذه الحال، فإن تردد الله عز وجل لا لخفاء الأمر عليه، ولكن لأنه يكره أن يسوء عبده المؤمن فيتردد لا لشك في الأمر واستظهار للواقع، ولكن لأجل هذه المسألة لأمر يتعلق بغيره، فهذا لا يعتبر نقصًا، بل هو كمال يدل على رحمة الله عز وجل، وبهذا يزول الإشكال. وكذلك أيضًا قوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾ من الأسماء المتعدية أو لا؟ فتكون متضمنةً لثبوت الاسم والصفة والحكم. (﴿وَلَئِنْ﴾ لام قسم ﴿سَأَلْتَهُمْ﴾ أي: الكفار ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [العنكبوت ٦١])، يقول المؤلف في ﴿لَئِنْ﴾: إن اللام لام قسم؛ يعني موطئة للقسم، وقد اجتمع هنا قسم وشرط وين الشرط؟ ﴿إنْ سَأَلْتَهُمْ﴾. وقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ هذا جواب القسم ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ والموجود الآن جواب القسم ولا جواب الشرط؟ * طالب: جواب القسم. * الشيخ: جواب القسم؛ لأن القاعدة أنه إذا اجتمع شرط وقسم؟ * طالب: حذف جواب المتأخر. * الشيخ: حذف جواب المتأخر قال ابن مالك: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَــــــوَابَ مَــــا أَخَّــــــرْتَ فَهْـــــــوَمُلْتَــــــــــــــزَمْ فعندنا ﴿لَئِنْ﴾ اللام قسم، و(إن) شرطية، فكان الجواب: لأيش؟ للقسم. وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ فيها ضميران: التاء والهاء، التاء لمن؟ * طالب: (...). * الشيخ: للمخاطب ولا للنبي ﷺ، أو لكل مخاطب؟ * طالب: (...). * الشيخ: للمخاطبين؟ لا، الهاء الغايب ما تكون للخطاب. * طالب: (...). * الشيخ: للمخاطبين (...). (التاء) في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ تقدم لنا أمثالها كثيرًا، وقلنا: إنه يجوز أن تكون (...) إنما مثل هذه الأمور اللي ما .. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يقول المؤلف: (لام القسم)، هي لامُ قسمٍ وشرط، (إن) شرطية، واللام لام القسم، وإنَّما ذكر المؤلف ذلك لئلا يُظَنَّ أن قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ جواب الشرط، وهي ليست جواب الشرط، بل هي جواب القسم. ﴿سَأَلْتَهُمْ﴾ أي: الكفار الذين لا يقومون بتوحيد الألوهية، هم يُقِرُّون بتوحيد الربوبية، لكن لا يقِرُّون بتوحيد الألوهية والعبادَة، والخطاب في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ إمَّا أن يكون للرسول عليه الصلاة والسلام، أو لكل مَن يتَأَتَّى خطابُه، أي: ولئن سألتهم أيها الإنسان، سألت هؤلاء الكفار: مَن خلق؟ هذا السؤال: مَن خلق السماوات والأرض؟ خَلق بمعنى أوجَد، لكن الخلق ليس بمعنى الإيجاد المجَرَّد، بل هو إيجَادٌ على تقْدِير معين، أي أنَّه يكون مسبوقًا بتقدير، ولذلك لا يكون إلا فيما فيه إتقَان وجوْدَة. وقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ تقدمت هذه كثيرًا، وقلنا: إنَّ السماوات تُجمَع دائمًا في القرآن، والأرض ما جاءت إلا مفردة، ولكن الثابت أنَّ الأرضين سبع كما أنَّ السماوات سبع. وقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، ﴿سَخَّرَ﴾ بمعنى ذَلَّل، ذَلَّلَ الشمس وجعلَها مذَلَّلَةً لِمصالح العباد، تسِيرُ بهذا النظام الذي لا يختَلف ولا يتغَيَّر، لا تقَدُّمًا ولا تأَخُّرًا، ولا عُلُوًّا ولا نزُولًا. لو أنَّك تدبرْت هذه الشمس منذ مَيَّزْتَ إلى اليوم لرأيتَها على نظامٍ بدِيع لا يتغَيَّر على عظمِها وكِبَرِها، ثم إنَّ فيها من آيات الله هذه الحرارة العظيمة، كم مسافةً بيننا وبينها؟ مسافة بعيدة جدًّا، ومع ذلك انظروا إلى حرارتها في أيام الصيف، الحرارة العظيمة، وهذه الحرارة العظيمة ما هي إلا نفَسٌ بسِيطٌ مِن نار جهنم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ النَّارَ اشْتَكَتْ إِلَى رَبِّها فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، وَنَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٦٠)، ومسلم (٦١٧ / ١٨٥) من حديث أبي هريرة.]]. هذه الحرارة العظيمة يقول الناس: إن حرارَتها لو قرُبَ منها أقْوَى حديد وأمنَع حديد لطارَ هباءً قبل أن يصِلَ إليها مِن شدة الحرارة، وهذا أمرٌ معلوم؛ لأنه لو تُوقِد نارًا عظيمة مِن أبلَغ نيران الدنيا هل تجِدُ هذه الحرارة فيها من هذه المسافة؟ أبدًا، ثم إنَّ هذه الشمس كلَّ يومٍ لها مطْلِع، وكل يومٍ لها مغرِب؛ لأن الله سخَّرَها هكذا، ولولا ذلك ما اختلَفَت مشارِق الشتاء ومشارِق الصيف. * طالب: يقولون: لو نزلت الشمس قدر ميل لاحترقت الأرض. * الشيخ: لا، يقولون: لو نزلت الشمس قدْرَ شعرة لاحترَقَت. * طالب: يمكن مِلِّلي. * الشيخ: يمكن. * طالب: (...). * الشيخ: إي؛ لأن هناك الغلاف الأرْضي يمنَع هذا الشيء. * طالب: لو ارتفعت الأرض (...) لو صعدت الأرض (...). * الشيخ: والله ما ندري عن هذا، هو على كل حال إنه لا شَك أنها لو قربت أو بعُدَت تغيَّر الجو بلا شك، لو قَرُبَت إلى الأرض أو بعُدت لَتغَيَّر، مع أنها تأتي يوم القيامة يكون بينها وبين الناس قدْر ميل، ولا تحْتَرِق الأرض، والله على كل شيءٍ قدير، أحْوال الآخرة ما نقِيسها بأحوال الدنيا، أهم شيءٍ عندنا أنها مذَلَّلَة لنا لِمصالحنا، فبها تنضَجُ الثمار، وبها تُعْلَم السنين. وقوله: ﴿وَالْقَمَرَ﴾ معروف القمر، وإنَّما ذكَر الله تعالى هنا الشمس والقمر؛ لِمَا فيهما مِن المصالح الظاهِرة؛ لأنَّ النجوم والكواكب ليس فيهما مصالح ظاهرة لنَا، وإلَّا فقد سَخَّرَ اللهُ الشمس والقمر والنجوم كلها سخرَّها لنا، لكن هذه أظهَر وأبْيَن. وفي قوله تعالى: ﴿سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ دليلٌ على أنهما هما اللذان يجريان حول الأرض، يسِيرَان حول الأرض، خلافًا لِمَن قال: إنَّهما لا يسيرَان على الأرض، وأنَّ هذا اختلاف الليل والنهار بسبب دَوَران الأرض نفسِها. وهذا لا شكَ أنَّ الذي لا يعتقد أنهما يدوران على الأرض أنَّه على خطر عظِيم، ربما يصل به ذلك إلى الكفر؛ لأنّ الذي نؤمن به ونعتقِدُه ما أخبرَنا الله عنه مِن أنَّ الشمس هي التي تدور على الأرض، وكذلك القمر، ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف ١٧]، فأضَاف الله تعالى هذه الأفعَال الأربعة كلها إلى الشمس: ﴿طَلَعَتْ﴾، ﴿تَزَاوَرُ﴾، ﴿غَرَبَتْ﴾، ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾. ولو كان الأمر كما يقول هؤلاء الخَرَّاصون لكان الأرض هي اللي تزَاور، وهي التي تطْلُع على الشمس، وهي التي تغرُب عنها، فهم ما عندهم إلا أمور ظَنِّيَّة فقط، والقرآن دلالتُه ظاهرة على أنَّها هي التي تدور على الأرض، وكذلك القمر، «والنبي عليه الصلاة والسلام لَمَّا غربت الشمس قال لأبي ذر: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٢٤)، ومسلم (١٥٩) واللفظ له من حديث أبي ذر الغفاري.]]، ولم يقل: أتدري أين نذْهَب عن الشمس؟ بل الشمس هي التي تذهب، وهي التي تأتِي، وهي التي تستأذِن، وهي التي يُؤْذَن لها أو تُمْنَع. ومِن العجيب أنَّ هذا القول المخالف لِظاهِر القرآن أنَّه قد سرَى إلى أناسٍ لا تثِقُ في ديانَتِهم، قصدي لا تشُكّ في ديانتهم، لكن غرَّهم السراب فانخدعوا، والواجِبُ علينا في هذه الأمور أن نمشِيَ على ظاهِر القرآن، هذا الواجب حتى يتبَيَّن لنا ما يكون مخالِفًا لهذا الظاهر. أمَّا ما دلَّ عليه القرآن دلالة يقينية فإنَّه لا يمكن لِشيء أن يخالفه، فدلالةُ القرآن إمَّا ظاهرة وإما صرِيحة؛ الصريحة قطْعِيَّةُ الدلالة، ولا يمكن لشيء أن يخالفَها، والظاهرة ظنِّيَّة الدلالة، فنبقى على هذا الأصل، نبقى على الظاهر حتى يتبيَّن لنا بأمرٍ قطعي خلافُه، وحينئذٍ ما دام ظاهرًا فإنه يمكن أن يُؤَوَّل. * طالب: (...). * الشيخ: لا تقول هكذا، إن قلت هكذا أخذُوا عليك المعاول والفؤوس، قالوا: إحنا مجانين يا شيخ؟ * طالب: والله مجانين. * الشيخ: هو الآن مُقَرَّر عندك في المدارِس يدرسُه الصبيّ الصغير ويتغذَّى عليه. * طالب: الحمد لله، أنا ما درست. * الشيخ: إي الحمد لله أن الله فكّك. * طالب: مسألة دوران وثبوت الشمس أو القمر (...) هي قطعية، ومسألة ثبوت دوَرَان الأرض هي الظنية. * الشيخ: إي نعم، لا لا، كونُ هذه الأشياء تدُور على الأرض عندنا الآن ثلاث مسائل الحقيقة: ثبوت الشمس والقمر، يعني وقوفها، فهذا مكَذِّب للقرآن. والثاني: كون الليل والنهار بسبب دوران الأرض، أو بسبب دوران الشمس والقَمَر، هذا خلَاف الظَّاهر، والشيء الثالث: دوران الأرض نفسها، هذا ما في القرآن لا ظاهر ولا صرِيح يدُلّ على أنها تدور أو ما تدور، ما فيه دليل. * طالب: (...). * الشيخ: لا لا، ما هو بصحيح؛ لأنها هي ما هي بتدور أجزاء، تدور جميعًا، لا، هذه ما هي بصحيح، لكن الكلام على أنَّ مسألة دوران الأرض أنا ما أقول فيها شيء، أقول: هذه الله أعلم، ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل ١٥]. قد يقول قائل: إنَّ قوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ يدل على أن هناك حركة، ووُضِعَت هذه الجبال لاتِّزَان هذه الحركة؛ لأنَّ نفي الأخص لا يدُل على نفي الأعَمّ، ولكن مع ذلك إحنا نقول: ما لنا ولِهذا البحث، لو أنَّ هذا مِن الأمور التي يجِب علينا اعتقادُه أو اعتقاد نفيِه لكان قد بُيِّنَ في القرآن غايةَ البيان؛ لأنَّ الله يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]. لكن الخطِر أن تأتِي زُبَالَةُ أفكار وتستولِي على أفكارنا، ثم نأخُذها بالقبول والتسليم بدون أن نرجِع إلى القرآن، هذه المشكلة، يعني لو فُرِض الآن -ولله المثل الأعلى- لو كان هذا القرآن مؤَلَّف مِن بشر ويقول: الشمس تجري، ويقول: يكَوِّر الليل على النهار، معروف أنَّ التكوير التَّدْوِير، وأنَّ الليل والنهار يأتِي بسبب أيش؟ بسبب الشمس، وييجي كتاب ثاني يقول: لا، يُدير الأرض حتى يختلف الليل والنهار، لقلنا: إنَّ هذين الكتابين متعارِضَان، ويُطْلَب الترجيح، فإذا كان هذا كلام الله فإنه لا عبرَةَ بأيِّ شيء يخالفُه، فهذه نُكْتَة المسألة. * طالب: ما دام السلف والرسول ﷺ ما بيَّن (...)، والسلف ما ذكروا ما لنا نشتغل بها ونقول هكذا. * الشيخ: لا، أحسن، ما نشتغل فيها، لكن مثل ما قلت لكم بالأول، قلت: إذا ابتلي الإنسان لا بُدَّ أن ينزِل لِلمَيْدَان، طُرُق أهل الكلام في إثبات العقيدة، هل هذه مِن طريقة السلف؟ * طالب: لا. * الشيخ: طيب، هل أئِمَّة الإسلام تركُوهم وشأنهم؟ خاضوا معهم المعركة، إحنا إذا ابْتُلينا بقوم يُدْخِلُوننا في الميدان لا بد ندخل، يعني قبل يمكن أربعين سنة ما كان الناس يفهمون هذا الشيء، ولا يطْرَأ على بالهم إطلاقًا، إلَّا أنَّ الناس على عقائدهم الفطرية أنَّ الشمس تطلَع وتغَاب والقمر يطلع ويغَاب. * طالب: نكذِّبهم حتى يجيبوا دليل. * الشيخ: نعم، إحنا نكذِّب ما هو بكل شيء. * طالب: لا، في نفس الدوران وفي نفس.. * الشيخ: نكذِّبهم في قولهم: إنَّ تعاقب الليل والنهار بسبب دوَرَان الأرض، حتى يأتُوا بدليل قطعِي واضح مثل الشمس يكونُ حجَّةً لنا في تأويل ظاهر الآيات، وإلَّا ما نقبلها أبدًا، لو يجتمعون كلهم ما قَبِلْنا؛ لأننا نعرف أن كلهم تخرُّصَات، حتى إنَّ الآخر منهم ينقُل عبارة الأول بِنَصِّها وفَصِّها، مما يدُلّ على أنَّ المتَأَخِّرِين ببَّغَاوات، كلما نُطِقَ لهم نطَقُوا بما سمعوا. * طالب: (...). * الشيخ: هذا مِن البَلَاء. * طالب: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، هذا دليل. * الشيخ: إي نعم، هم يأتون بأشياء ما لها أصل. قال: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، تسخير القمر أيضًا لِمنافعِ العباد ومصالِحهم، ﴿والقمرَ قدَّرْنَاه منَازِلَ حتى عاد كالعُرْجُونِ القَدِيم﴾، لأجل أيش؟ بيَّنها الله الحكمة في ذلك، ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾، فباختلاف منازل القمر يكون العِلم بعدد السنين والحساب؛ لأنَّ الأهلّة هي المواقِيت العالَمِيَّة الفِطْرِيَّة، قال الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ١٨٩] عامَّة، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣٦]، وهذه الأشهر هي التي بيَّنها الرسول عليه الصلاة والسلام الأشْهُر الهِلَالِيَّة. * طالب: ذكر بعض الكُتَّاب أن الناس كانوا يعتقدون أن القمر (...)، فلو كان الناس يعتقدون أن حيوانًا سماويًّا يترصد للقمر فيحجبه عن الأرض. * الشيخ: والله هنا في نجد ما نعتقد هذا، يمكن هذا عنده هو، مثل ما يعتقِدُون في بعض البلاد أن الكسوف أنَّه سببُه يعني أحد المخلوقات يحُول بينه وبين الأرض ويخرُجون بالطبول يهْتِفُون: يا فلانة! يا فلانة! أنقذِي القمر، أو ما أشبه ذلك، نسيت اللي قص علي القصة ويش قال فيها؟ الحُوت. وقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ اللام هذه جَواب القسم، اللام الأولى في ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ موطِّئَة للقسم، وهذه واقِعَةٌ في جوابِ القسم. وقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ سيقول أهل النحو منكم: لماذا بُنِيَت على الضم مع أنها متَّصِلَةٌ بنون التوكيد؟ والمعروف أنّ المضارع إذا اتَّصَل بنون التوكيد يُبنَى على الفتح، وهنا قال: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾، فكيف نُجِيب؟ * طالب: (...). الشيخ اللي أمامنا الآن اللام جنب النون. * طالب: إي، لكن محذوفة نون الفعل (...) وحذفت الواو لتوالي الأمثال. * الشيخ: لا، بس أنتم أجيبوني عن أنَّه النون مباشِرَة للفعل، نقول: يشترط أن تكونَ المباشرة لفظًا وتقديرًا، وهنا المباشَرة لفظًا لا تقدِيرًا، ولذلك ابن مالك يقول في الألفية: ............................. ∗∗∗ وَأَعْرَبُــــــــــــــوامُضَــــــــــــــــــــارِعًا إِنْ عَـــــرِيَا؎مِـــــــنْ نُــــــونِ تَوْكِيـــــــدٍمُبَاشِـــــــــرٍ .... ∗∗∗ ............................ يعني مباشر لفظًا وتقديرًا، ومن نُونِ إِنَاثٍ، واضِح؟ فعلى هذا نقول: النون ما هي مباشرة للفعل بالتقدير؛ لأنه حالَ بينها وبين الفعل اسْمٌ وحرْف؛ اسم وهو الواو، وحرف، الحرْف النون، نون المضارع حُذِفت لتوالي الأمثال، وهي حُجَّة نحوي كما تعرفون، والواو واو الفاعل حُذِفَت لالتقَاء الساكنين؛ لأنَّه لَمَّا حُذِفَت النون الأولى لتوالي الأمثال فالنون الثانية مشددة، والحرف المشدد أوله ساكن، فيلتقي ساكنًا مع الواو الساكنة، فحينئِذٍ نحْذِف الواو. ............................. ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــنْ لَيْنًا فَحَذْفَــــــــهُاسْتَحَـــــــقْ فنقول: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾، فلم تكن نون التوكيد مباشرة للفعل لفظًا ولَّا تقديرًا؟ لم تكن نون التوكيد مباشِرةً للفعل تقديرًا. * طالب: يا شيخ، أصلها (ليقولون). * الشيخ: أصلها (ليقولُونَنَّ) هذا أصلها، فحُذِفت النون الأولى لِتوالي الأمثال، وصارَت النون الثَّانية مشَدَّدة، فأوَّلُها ساكن التقَتْ مع الواو الساكنة فحُذِفت الواو، فصَارَت ﴿لَيَقُولُنَّ﴾، قال: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ أي: المسؤُولون مِن الكفار. ﴿اللَّهُ﴾ أحسن شيء أن نقول: ﴿اللَّهُ﴾ خبر مبتدأ محذُوف تقديرُه (هو الله)، فيُقِرُّون بأنَّ الذي خلقَها الله سبحانه وتعالى. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ هو الله، يعتَرِفون أن هذه الأشياء ما تصنَعُها الآلهة لا خلقًا ولا تدبيرًا، شوف -سبحان الله- الآية جمَعَتْ بين الإيجَاد والتدبير، فهو تصرُّفٌ في الإيجَاد، وتصرُّف في التدبير؛ الإيجَاد في قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، والتَّدبير في قوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، ولم يقُل: خَلَق. قال تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فيقِرُّون بأنَّ خالق السماوات والأرض ومُسَخِّر الشمس والقمر هو الله دون أصنامِهم، لَمَّا أَقَرُّوا هذا الإقرار أقامُوا الحجة عليهم، أليس كذلك؟ لأنَّ مَن أقَر بالربُوبية لَزِمَه أن يُقِرّ بالألوهية، ومَن أقَرّ بالألوهيَّة فقد أقَرَّ بالربوبية، فهمتم؟ فهما متَلَازِمَان، أمّا الإقرار بالربوبية فهو مُلْزِمٌ للإقرار بالألوهية، ملزم وإن لم يحصُل الإقرار بالألوهية، وأمَّا الإقرار بالألوهية فهو مُسْتَلْزِم للإِقْرَار بالرُّبُوبِيَّة، وأيُّهما أسبَق؟ الإِقْرار بالربوبية أسبَق؛ لأنَّ الإنسان ما يعبُد إلا ربًّا يعلَم أسماءَه وصفَاتِه وأفعالَه. ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الله هو الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي سخر الشمس والقمر. قال الله تعالى: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: يُصْرَفون، (أنى) اسم استفهام، والغرَض منه التوبيخ، يعني بعد أن أقَرُّوا بهذا كيف أنَّهم يُصْرَفُون، وسُمِّي الصرفُ إفكًا؛ لأنَّه صَرْفٌ للشيء عن حقيقَتِه، فالإِفْك صَرْف مثل ما نصْرِف الكلام عن الواقع ويسمى.. إذا صرفنا الكلام عن الواقع ويش يسمى؟ يُسَمَّى إفكًا، قلت لك: قَدِم زيد، وهو ما قَدِم، هذا إفك، فهؤلاء أُفِكوا، أي صُرِفوا عن الواقع، وقوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، يعني أنَّى يُصْرَفون عن توحيدهِ بعد إقرارِهم بذلك. * طالب: فأنى يصرفون، معناه؟ * الشيخ: كيف. قال الله تعالى: (﴿﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ ﴾: يُوَسِّعُه، ﴿لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ امتحانًا، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: يُضَيِّق، ﴿لَهُ﴾ [العنكبوت 62] بعد البَسْط، أي: لِمَن يشَاءُ ابتلاءه)، ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ﴾ معنى يبْسُط يعني يُوسِع، والرِّزْق بمعنى العطاء. وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ المراد بالعباد هنا المتعَبِّدُون له بالمعنى العَامّ، أو بالمعنى الخاص؟ * الطلبة: بالمعنى العام. * الشيخ: بالمعنى العام الشَّامِل للمُؤْمِن والكافِر، والبَرّ والفَاجِر، فالله تعالى يُوَسِّع الرزق. وقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (مَن) هذه اسم موصول بمعنَى (الذي)، وهو مِن الأسماء الموصولة العامَّة ولَّا الخاصة؟ * طالب: العامة. * الشيخ: العامة، وقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي يشاء بَسْطَ الرزق له، فإذن مفعول ﴿يَشَاءُ﴾ محذُوف، دَلَّ عليه السياق، وقد مَرَّ علينا قاعِدَة مُهِمَّة جدًّا، وهو أنَّ كل شيءٍ علَّقَه الله تعالى بالمشيئة فإنّما المراد المشِيئَة المبنِيَّة على الحكمة؛ لأنَّ جمِيع أفعال الله عز وجل وأحكامه كلها مبْنِيَّة على الحكْمَة، علِمْنَاها أم جهِلْنَاها. وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ قال المؤلف: (امتحانًا)، والتَّضْيِيق قال: (ابتلاءً)؛ امتحانًا الامْتِحَان هو الابتلاء في الحقيقة، قال الله تعالى عن سليمان: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾، وقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿وَيَقْدِرُ﴾، يقْدِر بمعنى يُضَيِّق، مِن أين عرَفْنَا أنَّ (يقدر) هنا بمعنى يُضَيِّق؟ ولماذا لم نجعل القُدْرة هنا بمعنى استطاعة العَمَل؟ * طالب: من قوله: ﴿يَبْسُطُ﴾. * الشيخ: مِن قولِه: ﴿يَبْسُطُ﴾، هذا مقابلَتُه بالبسْط يدُل على أنَّ المراد التضْيِيق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ﴾، ﴿قُدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: ضُيِّق عليه. وقوله: ﴿يَقْدِرُ لَهُ﴾، (له) الضمير يعود على (من يشاء) يعني: ويقدِرُ لمن يشاءُ، وهل المبسوط له والمقَدَّر له واحِد؟ ظاهر كلام المؤلف أنَّه واحد، ولهذا قال: ويقْدِرُ له بعد البَسْط، والسبب أنَّ الضمير في (له) يعود بلا شكّ على (مَن) في قولِه: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فكأن المؤلف رحمه الله أرَاد أن يعُود عليه باعتبَار عيْنِه، ولكنَّنا نقول: لا مانِع مِن أن يعودَ إليه باعتبار جنسه لا باعتِبَار عينِه، فيكون الضمير عائدًا على (من يشاء) باعتبار الجنس، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. قوله: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ أي المعَمَّر؟ ما يصلح مِن عمرِه -أي المعمَّر-؛ لأنَّه إذا نقص ما صار معَمَّرًا، لكن المراد من عُمُرِه باعتبار الجنس، فيكون عُمر معَمِّرٍ آخر، ومثله أن تقول: أعطيتُ هذا الرجل درهمًا ونِصْفَه، نصف أيش؟ نصْف دِرْهَمٍ آخر، ما هو بنصف الدرهم هذا، ما كسَّرت الدرهم، ولو كسَّرته أيضًا وأعطيته إياه كاملًا أعطيته كله نصفين. فالذي يظهَر أنَّ الضمير في قوله: (له) يعود على (من يشاء)، باعتبار أيش؟ الجنس لا العَيْن، فالله تعالى يبسط الرزق لهذا ويضيِّقُه على هذا، كما أنَّه سبحانه وتعالى يبسُطُه لهذا أحيانًا، ويضيقه عليه أحيانًا، ألسنا نرى الآن مِن الأغنياء مَن رَجَع فقيرًا، ومِن الفقراء من رجَع غنِيًّا، فالله سبحانه وتعالى يبسُط الرزق باعتبار العين وباعتبار الجنس، هذا البسْط تابِعٌ لعلمِه وحكمَتِه، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ومنه البَسْط والتَّضْيِيق، فهو سبحانه وتعالى لا يبسُط أو يضَيِّق إلَّا عَن عِلْم. ثم هذا العلم أيضًا تتْبَعُه الحِكْمة، فهو سبحانه وتعالى يُغْنِي مَن يُصلِحُه الغنى، ويُفْقِر مَن يصلِحُه الفقر، ولِهذا جاء في الحديث: «إنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْغِنَى، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْفَقْرُ»[[أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢٣١) بنحوه من حديث أنس.]]، وإذا مَنَّ الله على العبد وتفَضَّلَ عليه، وجعل رزقَه تابعًا لِمَصْلَحَتِه، حصَل بذلك خيرٌ كثير، ومِن العباد مَن إذا أُغْنِي فسَد، إذن الضمير في قوله: (ويقدر له) يعود على مَن؟ * طالب: على قول المؤلف (...). * الشيخ: نعم، يعني معنَاه أنَّه يَبْسُط لِهذا ويُضَيِّق لِهذا. * طالب: على قول المؤلف (...). * الشيخ: وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ كُل شيء مما يفعَلُه هو، أو مِما يفعَلُه العباد، فإنه لا يخفَى عَليه شَيْء مِن ذلك أبدًا. قال بعض الناس: وما مِن عَامٍّ إلا خُصّ، إلَّا قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هل هذا صحيح؟ يعني بعض العلماء قال -بعض الأصوليين- لَمَّا تكلم على العام والخاصّ قال: وما مِن عامٍّ إلا خُصّ، إلا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ لأن ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ما يستَثْنَي منها شيء، لا الوَاجِب، ولا الجائز، ولا المستَحِيل، حتى المستحيل يعلَمُه سبحانه وتعالى أو لا؟ يعلَمُه، ولا فيها شيء مُخَصَّص أبدًا، أمَّا غيرُه مِن العموم فإنّه مخصَّص، بمعنى أنه يَخرُج منه شيءٌ، إمَّا بدلالة العقل أو بدلالة الشَّرع، ولكن هذا القول غير صحيح، الصواب: إنَّ الأصل في العمُومات بقاؤها على العموم، هذا الأصل في العمومات، نعم إن أرادُوا إلَّا يُتَصَوَّر فيه التخصِيص، إن أرادُوا التَّصَوُّر والتقدِير فهذا ممكن، أمَّا إن أرادُوا الواقع فلا. قال المؤلف: (ومنه محَلُّ البَسْط والتَّضْيِيق)، فهو سبحانه وتعالى عالِمٌ بأن هذا أهلٌ لأن يُبسط له الرزق، وأنَّ هذا أهل لأن يُضَيَّق عليه الرزق. * * * * الطالب: سُئِلَ الشيخ سُلَيمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن مسائل: المسألة الأولى: هل يجُوز للمسلم أن يُسافرَ إلى بلاد الكفار الحرْبِيَّة لأجل التجارة أم لا؟ الجواب: الحمد لله، إن كان يقْدِرُ على إظهار دينِه ولا يُوالِي المشركين جازَ له ذلك. * الشيخ: أيش، ولا..؟ * الطالب: ولا يوالي المشركين جاز له ذلك، «فقد سافَر بعض الصحابة رضي الله عنهم كأبي بكر رضي الله عنه وغيره مِن الصحابة إلى بُلدان المشركين لأجْل التجارة، ولم يُنكِر ذلك النبيُّ ﷺ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٧١٩)، وأحمد (٢٦٦٨٧) من حديث أم سلمة.]]، كما رواه أحمد في مسنده وغيرُه، وإن كان لا يقدِرُ على إظهار دينه ولا عدم موالاتِهم لم يجُز له السفر إلى ديارهم، كما نَصَّ على ذلك العلماء، وعليه تُحْمَلُ الأحاديث التي تدُل على ذلك، أو على خلاف ذلك، وعليه تحمل الأحاديث التي تدُل على خلاف ذلك. * الشيخ: في الأصل ما هو، الأصل؟ * الطالب: الأصل ما نقلْتُه،كما نَصَّ على ذلك العلماء وعليه تُحْمَلُ الأحاديث التي تدل على خلاف ذلك، وعليه تُحْمَلُ الأحاديث التي تدل على ذلك، كحديث: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ»[[أخرجه أبو داود (٢٧٨٧) من حديث سمرة بن جندب.]]، يجمع بين حديث سفر أبي بكر إلى بلاد الكفار وإقْرَار الرسول ﷺ له، وبين الأحاديث الناهِية عن .. * الشيخ: يمكن، لعل الصواب على خلاف. * الطالب: نعم، وأراجع إن شاء الله؛ ولأنَّ الله تعالى أوجب على الإنسان العملَ بالتوحيد، وفَرَض عليه عداوة المشركين، فما كان ذريعَةً وسببًا إلى إسقاط ذلك لم يجُز، وأيضًا فقد يجُرُّه ذلك إلى موافَقَتِهم وإرضَائِهم، كما هو الواقع كثيرًا ممن يسافر إلى بلدان المشركين مِن فُسَّاق المسلمين، نعوذ بالله مِن ذلك. المسألة الثانية: هل يجُوز للإنسان أن يجلِس.. * الشيخ: الكلام الآن السؤال عن دَار الحرب ترى، وهناك فرق بين دار الحرب ودار العهْد، وتعليلُه يدُلّ على العموم، وسؤاله. * الطالب: سؤاله عن دار الحرْب، بس ده جائز في الحربية، جائز من باب.. * الشيخ: لا، خَلِّي ده جائز، لكن إذا مُنِع في الحربِيَّة هل يُمنَع في غيرِها؟ هو مثلًا إذا جاز .. * الطالب: هو أجازَه في الحرْبِيَّة. * الشيخ: أجازه بالشُّرُوط اللي عندك، هذَا لَا بَأْس. * الطالب: إذا أجازه في الحرْبِيَّة أجازه من باب أولى في العادية. * طالب آخر: لكن أدلة هذا ما تدُل على الحربية.. * الشيخ: وأنها عام، هو جوابه يدُل على العموم، لكن السؤال في الحرْبِيَّة. * الطالب: المسألة الثانية: هل يجوز للإنسان أن يَجْلِس في بلاد الكُفَّار وشعَائر الكُفْر ظاهِرةٌ مِن أجْل التجارة؟ الجواب عن هذه المسألة هو جواب التي قبلها سواءً، ولا فَرْقَ في ذلك بين دار الحرب أو دار الصلح، فكلُّ بلدَةٍ لا يَقْدِر المسلم على إظهار دينِه فيها لا يجُوز له السفر إليها. المسألة الثالثة: هل يُفَرَّق بين المدة القريبة مثل شهر أو شهرَين، والمدَّة البعيدة؟ الجواب: لا فرقَ بين المدة القريبة والبعِيدَة، فكُلُّ بلدة لا يقدر فيها على إظهار دينه ولا عدَمِ موالاة المشركين لا يجوزُ له المـُقَامُ فيها ولا يومًا واحدًا إذا كان يقدِرُ على الخُرُوجِ منْها. المسألة الرابعة: في معنى قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، وقول النبي ﷺ في الحديث: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ»[[أخرجه أبو داود (٢٧٨٧) من حديث سمرة بن جندب.]]. الجواب: أنَّ معنى الآية على ظاهرِها، وهو أنَّ الرجل إذا سَمِع آيات الله يُكْفَرُ بها ويُسْتَهْزَأُ بها فجَلَس عند الكافرين المستهزِئِين مِن غير إكراهٍ ولا إنكَار ولا قيامٍ عنهم حتى يخُوضُوا في حديث غيرِه فهو كافِرٌ مثلهم، وإن لم يفعل فعلَهم؛ لأنَّ ذلك يتضَمَّن الرِّضَا بالكفر، والرِّضَا بالكُفْرِ كُفْر، وبهذه الآية استدَلَّ العلماء على أنَّ الراضي بالذنب كفاعله، فإن ادَّعى أنَّه يكره ذلك بقلبه لم يُقبَل منه؛ لأنَّ الحكم على الظاهر، وهو قد أظهَرَ الكفر فيكونَ كافرًا. * الشيخ: يكونُ. * الطالب: فيكونُ كافِرًا، ولهذا لَمَّا وقعَتِ الرِّدَّةُ بعد موت النبي ﷺ وادَّعى أناس أنهم كرهوا ذلك لم يقبَل منهم الصحابة ذلك، بل جعَلُوهم كلَّهم مرتَدِّين إلا مَن أنكَر بلسانِه وقلبِه، وكذلك قوله في الحديث: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ» على ظاهرِه، وهو أنَّ الذي يدَّعي الإسلام، ويكُونُ مع المشركين في الاجتمَاع والنصرة والمنْزِل معهم، بحيث يعُدُّه المشركون منهم، فهو كافرٌ مثلهم، وإنِ ادَّعَى الإسلام، إلا أن يُظهِرَ دينَه ولا يوالِيَ المشركين، «ولهذا لَمَّا ادعى بعضُ الناس الذين أقامُوا بمكَّةَ بعدما هاجر النبي ﷺ، فادَّعَوُا الإسلام، إلا أنهم أقاموا في مكة يعُدُّهم المشركون منهم، وخرَجُوا معهم يوم بدر كارِهين للخروج معهم، فقُتِلوا، فظَنَّ بعض الصحابة أنهم مسلمون، وقالوا: قتَلْنَا إخوانَنا، فأنزلَ الله تعالى فيهم:» ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [النساء: ٩٧][[أخرجه البخاري (٤٥٩٦) من حديث ابن عباس.]]، قال السُّدِّي وغيرُه مِن المفسرين: إنَّهم كانُوا كُفَّارًا، ولم يعذُرِ الله تعالى إلَّا المستضْعَفِين، انتهى. قلت: وقد ظهرَ الجواب عن حديث: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ»، وأنَّه لا فرقَ بين الإقامة والسفر المؤَقَّت، لكن نقل الشوكاني حول قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت ٥٦]. * الشيخ: هذا من أين نقل الشوكاني؟ * طالب: نقل الشوكاني في التفسير -أنا أذاكره، أنا أذاكِر المرَاجع لكن أختَصِر الصفحات، لكن نقل الشوكاني حول قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت ٥٦]، قال الزجاج: أُمِرُوا بالهجرة من الموضع الذي لا يمكنُهم فيه عبادَةُ الله، وكذلك يجِبُ على مَن كان في بلد يُعْمل فيها بالمعاصي ولا يمكنُه تغيِير ذلك أن يهاجِرَ حيث يتهَيَّأُ له أن يعبُدَ الله حق عبادتِه. قلت -وأنا القائل-: في هذا نظر. * الشيخ: الله المستعان! * الطالب: والله المستعان. * الشيخ: لو عمِلْنَا بهذا (...) إلا الصَّحَابة. * الطالب: قلت: في هذا نظر. * الشيخ: من ذكر (قلت)؟ * الطالب: أنا ذكرت، حيث إنَّ النبيَّ ﷺ ذكَرَ آخِرَ درجات إنكار المنكر ولم يُوجب الهجرة، بل يجِب أن يبتعِدَ عن الجلوس مع أهْلِ المنكر، وتأخِيرُ البيان عن وقتِ الحاجة ممتَنِع، والكلام الأخير يحتمل أن يكون بقية كلام الزَّجَّاج، أو مسْتَأْنَفًا مِن الشوكاني -رحمهم الله- فالعبارة مشكِلَة هل هي مِن الزجَّاج أو من الشوكاني قوله: وكذلك يجب على من كان في بلد يُعْمَلُ فيها بالمعاصي ولا يمكنه تغْيِير ذلك أن يُهَاجِر. وقال القرطبي حول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء ٩٧] في نقلِه كلامًا لابن العربي: الأوَّل: الهجرة وهي الخروج مِن دار الحرب إلى دارِ الإسلام، وكانت فرض.. * الشيخ: هل صحيح أن مسألة العمَل بالمعاصي الظاهِرة إذا كان أنت مضطَر إلى البقاء معهم، أما إذا صار لك أنت في بيتك ما فيه معصية، صحيح في الأسواق معاصي، لكن في بيتك ما فيه معصية، وإنما تمُرُّ بها مرًّا، فلا أظن أحدًا من أهل العلم يقول بـوجوب الهجرة، نعم إذا صار لك أن هذا المكان يُؤْمَر بالمعاصي وأنت مضطر إلى البقَاء فيه نقول: لازم تروح، لا بد أن تذهب وتخرُج. * طالب: وإذ إنك تعمل فيه يا شيخ، وإذ إنك تعمل في (...) هذا اللي المعاصي ظاهرة. * الشيخ: ما يجوز، ولهذا قلنا: ما يجوز التَّوَظُّف في البُنُوك، يعني حتى اللي ما يكتب الربا بعضهم يقول: أنا ما باكتُب، أنا بس أقَهْوِيهُم وأكنس لهم وأزين لهم، أقول: لكن وجودك في هذا المكان معناه الرضا والإقرَار، فلهذا ما يجوز. * طالب: إذا صِرْت كاتبًا سأكتب، والكُتَّاب اللي معي كلهم محاليق ويشربون دخانًا وتتن[[التتن: التبغ. ]]. * الشيخ: لا، في مسألة شرب التتن نعم؛ لأنَّه يعمل معصية أمامك. * طالب: واللحية بعد. * الشيخ: واللحية ما هو بحلقها أمامي الآن، هذا أثَر الحلق، أثر الحلق ما عَلَيّ منه، لكن الكَلام على شرب الدخان إذا ما أمكن (...)، بلاوي. * الطالب: الأول -في نقْله كلامًا لابن العربي- الأول: الهجرة، وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضًا للنبي ﷺ، وهذه الهجرة باقيَةٌ إلى يوم القيامة، ولكن انقَطَعت -بالفتح- هي القَصْد إليه حيث كان، فإنَّ المسلم إذا بقي في دار الحرْب عصَى. الثانية: الخروج مِن أرض البدعة، قال ابن القاسم. * الشيخ: فإن المسلم إذا بقِي في دار الحرب عصى. * الطالب: نعم عصَى، إذا كان في دار حرب يجب عليه أن ينتقل إلى دار الإسلام. * الشيخ: ظاهره العموم. * الطالب: إي، ظاهره العموم . الثاني: الخروج من أرض البدعة قال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: لا يحِلُّ لأحدٍ أن يُقِيمَ في أرض يُسَبُّ فيها السلف. قال ابن العربي: وهذا صحيح؛ فإنَّ المنكر إذا لم تُغَيِّرْه فزُلْ عنه، ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام ٦٨]. صحيح كلام ابن العربي هذا؟ * الشيخ: صحيح، مثل ما قلنا، إذا صار أنك مضطر تبقى معهم في نفس المكان لازم تروح، أمَّا إذا صَار كل في بيته ولا هو (...). * الطالب: قال: الثالث الخروج مِن أرضٍ غلَب عليها الحرَام، فإنَّ طلب الحلال فرْضٌ على كل مسلم. * الشيخ: مثل أيش؟ * الطالب: إذا كان ما يتعامَلون إلا بالربا يعني كل الناس. * الشيخ: كل الناس؟ * الطالب: هذا واقع، أنا سمعت فتوى مِن بعض المشايخ بلدي كلها تتعَامل بالرِّبَا ويقول له: أيش تسوي؟ يعني العمل يكون أيش، يكون على قدر الحاجة، أم ليس على قدر الحاجة، كل البنوك الآن معظمها تتعامل في الخارج. * الشيخ: كل البنوك لا بأس، لكن هل كل الناس بُنُوك؟ فيه مثلًا مطاعم، فيه بقالات، فيه تجار ثياب. * الطالب: الأموال الأصلية أموال الدولة أصلًا في البنوك. * الشيخ: على كل حال (...) مثل ما يقول الفقهاء (...). * الطالب: مسألة: هل يجب عليه إنكار المنكر وأنَّه باطِل؟ قال ابن جرير الطبري في تفسيره لقولِه تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة ٤] قد كان لكم أيها المؤمنون قدوةٌ حسنةٌ في إبرَاهِيمَ خَلِيل الرحمن، تقتَدُون به والذين معَه مِن أنبياءِ الله، ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة ٤] حين قالوا لقومهم الذين كفروا بالله وعبَدُوا الطاغوت: أيُّها القوم، إنا برآء منكم ومِن الذين تعبدونه مِن دون الله مِن الآلهة والأنداد، ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ فأنكَرْنا ما كنتم عليه من الكفر، وجحَدْنَا عبادتكم ما تعبُدُون مِن دون الله، ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾، وظهر بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا على كفرِكم بالله، ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، لا صلحَ ببيننا ولا هوادَة حتى تصَدِّقُوا بالله وحده فتوحِّدُوه وتفْرِدُوه بالعبادة. قلت: وقد عقَّبَها الله بقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الممتحنة٦] وظاهر هذا أنَّه واجب. * الشيخ: القول بالتبرؤ مِن الكفار واجب. * الطالب: وقوله: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾. * الشيخ: نعم نعم، نقول له: لا. * الطالب: الآية ظاهرُها وصريحُها أنه يجب هذا. * الشيخ: يجب أن نقول هذا، ولكن هل مثلًا إذا قمنا في مقام في بلد ما نستطيع أن نقول الكلام هذا. * الطالب: يجب تهاجر؛ لأنه يجب إظهار الدين، وقال الشوكاني على قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ الآية، قال: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ إن كنتم في ضِيقٍ في مكة مِن إظهار الإيمان، وفي مُكايَدة الكفار فاخْرُجُوا لِيتَيَسَّر عليكم عبادَتِي، وتسْهلَ عليكم، وفي مُكايَدة الكفار. * الشيخ: إي، هم يكيدون لكم. * الطالب: نعم، وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في سِيَاقِ شرحه لِتَضَمُّن أصْل الدين وقاعدتِه أمرين، قال: ثم قال رحمه الله تعالى: الظاهر أنَّ الكلام النَّص (...) ولم يُكَفِّرْهم، فهذا النَّوع أيضًا لم يأتِ بما دلَّتْ عليه (لا إلَهَ إلا الله) مِن نفْيِ الشِّرك، وما تقْتَضِيه مِن تكفِير مَن فعلَه بعد البَيانِ إجماعًا، وهو مضمونُ سورة الإخلاص، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون ١]، وقوله في آية الممتحِنَة: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ [الممتحنة ٤]، ومَن لم يُكَفِّر مَن كفَّره القرآن فقد خالَف ما جاءت به الرسل مِن التوحيد وما يُوجِبُه. ثم قال رحمه الله: (ومنهم -وهو أشدّ الأنواع خطرًا- مَن عمِل بالتوحيد ولم يعرِف قدرَه، ولم يبغِض مَن تركه ولم يُكَفِّره). وقوله رحمه الله: (وهو أشد الأنواع خطرًا)؛ لأنه مَن لم يعرِف قدْرَ ما عمل به ولم يأتِ بما يُصَحِّحُ توحِيده مِن القُيُود الثِّقَال التي لا بُدَّ منها فما عَلِم أنَّ التوحيد يقتضي نفي الشرك والبراءَةَ منه، ومعادَاة أهله وتكفيرَهم، مع قيام الحجة عليهم، فهذا قد يغْتَرُّ بحاله وهو لم يأتِ بما عليه مِن الأمور التي دلَّت عليها كلمة الإخلاص نفيًا وإثباتًا، انتهى. وسُئِل الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: هل مُوالاة الكفار حَمِيَّةً -لأن ظاهر عبارة الشيخ أنه يجِب معاداتهم والتَّغليظ في ذلك، ومصارحَتُهم بسبِّ دينِهم وعيْبِ آلهتهم، هذا ظاهِر الكلام-، ثم قال: وسُئِل الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: هل مُوالاة الكفار حَمِيَّةً دنيوية موالاة نفاق أو يصِيروا كُفارًا؟ وإذا كان لا يقْدِروا أن يتلفَّظَ بكفرهم وسبهم فما حكمُه؟ وإذا عرفْت هذا مِن إنسان ماذا يجِب عليك؟ فأجاب: إن كانت الموالاةُ مع مساكنتهم في ديارهم والخروج معهم في قتالِهم ونحو ذلك فإنه يُحكم على صاحبها بالكفر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء ١٤٠]، وقال النبي ﷺ: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكِينَ وَسَكَنَ مَعَهُمْ فَإِنَّهُ مِثْلُهُمْ»[[أخرجه أبو داود (٢٧٨٧) من حديث سمرة بن جندب.]]، وقال: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ»[[أخرجه أبو داود (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤) من حديث جرير بن عبد الله.]]، رواهما أبو داود. وإن كانت الموالاة في ديار الإسلام، -وبحثت لابن القيم لعلي أجد كلامًا في هذا، بحثت لابن القيم في مختصر تهذيب السنن، وإن قال: وإن كانت الموالَاةُ في ديار الإسلام إذا قدِمُوا إليهم ونحو ذلك فهذا عاصٍ آثمٌ متعَرِّض للوعيد، وإن كانت موالاتهم لأجل دينِهم -هكذا بالأصل- يجِبُ علينا التعزير بالهجر والأدَب ونحوه ما يزْجُر أمثاله -أظنه يعني مِن أجل تَرْغِيبِهم في الدين-. * الشيخ: لا من أجل دينهم. * الطالب: الحين سيأتي بعد الكلام الذي فيهم؛ لأنه كُفْر، موالاتهم من أجل دينِهم كُفْر. * الشيخ: لا، من أجل دينهم، أو دنياهم؟ * الطالب: أو يمكن دنياهم، نعم صحيح، يمكن دنياهم، لكن هذا وهذا (...)، وإن كانت الموالاة لأجْل دينِهم فهو مثلُهم، ومَن أحَبَّ قومًا حُشِرَ معهم، ولكن يتفكر السائل في قوله: حمية دنيوية، لا يمكن هذا إلَّا لإبلاغ المحبة في قلوبِهم، وإلَّا فلو كان يُبغضُهم في الله ويعاديهم لكان أقَرَّ شيء لعينِه ما يسوؤُهم، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: أَتُحِـــــــبُّ أَعْـــــدَاءَ الْحَبِيـــــبِوَتَدَّعِـــــــي ∗∗∗ حُبًّــا لَــــــــــهُ مَـــــــــا ذَاكَ فِيإِمْكَـــــــــــانِ وأما قول السائل: فإذا ما كان يقْدِر من نفسِه أن يتلفظ بكفرِهم وسبِّهم؟ فالجواب: لا يخلو عن ذلك أن يكون شاكًّا في كفرهم أو جاهِلًا به، أو يقال: يُقِرُّ بأنَّهم كفرَة هم وأشباهُهم، ولكن لا يقدِر على مواجهَتِهم وتكفيرهم، أو يقول: غيرهم كفار، لا أقول: إنَّهم كفار، فإن كان شاكًّا في كفرِهِم أو جاهِلًا بكفرهم بُيِّنَت له الأدلة مِن الكتاب والسنة على كفرِهم. فإن شَكَّ في ذلك وتردَّدَ فإنَّه كافر بإجماع العلماء، على أنَّ مَن شكَّ في كُفْرِ الكُفَّار فهو كافر، وإن كان يُقِرُّ بكفْرِهم ولا يقدِرُ على مواجهتهم بتكفيرهم فهو مُدَاهِن، ويدْخُل في قوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩]، وله حُكْمُ أمثالِه مِن أهل الذنوب. * الشيخ: إذا بقي عندهم؟ * طالب: إذا بقِيَ عندهم وداهَنَهم بالسكوت قال: أخاف يطرُدُوننا، وإن كان يقول: أقول: غيرهم كفار، ولا أقول: هم كفار، فهذا حُكْمٌ منه بإسلامِهم؛ إذْ لا واسِطَةَ بين الكفر والإسلام، فإن لم يكونُوا كفارًا فهم مسْلِمُون، وحينئذ فمَن سمَّى الكفر إسلامًا، أو سمَّى الكفَّار مسلمين فهو كافِرٌ، فيكون هذا كافرًا. وأما قوله: إذا عرَفْت هذا مِن إنسان ماذا يجبُ علَيك؟ فالجواب: يجب عليك أن تنصحَه وتدعُوَه إلى الله سبحانه، وتُعَرِّفَه قبيحَ ما ارتكبه، فإن تاب فهذا هو المطلوب، وإن أصَرَّ وعانَد فله حكم ما ارتَكَبَه؛ إن كان كفرًا فكافر، وإن كان معصيةً أو إثمًا فعَاصٍ آثِم، يجب الإنكار عليه وتأدِيبُه وهجره وإبعاده حتى يتُوب، وقد هجر النبي ﷺ مَن تخَلَّف عن غزوةٍ واحدة، ونهى عن كلامِهم والسلام عليهم، فكيف بمِن يوالِي الكُفَّارَ ويظهر لهم المودة؟ انتهى. قلت: ظهَر مِن هذا وجوبُ الإنكار وبيان ضلالِهم على مَن ذهبَ إلى بلادهم، إمَّا كفرًا إن كان يحبهم ويواليهم، أو لا يعتَقد كفرَهم وإن كان يخَاف أن يطردوه فهو آثمٌ مُتَعَرِّض للوعيد، وقد ذكرَ الشيخ سليمان. * الشيخ: هذا الجواب الأخير من قوله؟ * الطالب: هذا من قولي أنا. * الشيخ: لا، الجواب الأخير؟ * الطالب: إي، الجواب الأخير مِن قوله، لكن قلت.. * الشيخ: لا، خَلِّي قلت من قولك. * الطالب: لكن الأول كله من جوابه. * الشيخ: جواب مَن؟ * الطالب: جواب سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد، أنا ناقل فقط، يعني الأول ناقل. * الشيخ: (...). * الطالب: ثم قال: وقد ذكر الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أمورًا قال فيها: ويُفهم مما ذكرْنا مِن الكتاب والسنة والآثار عن السلف أُمُور، فمن فعلَها دخل في تلك الآيات، وتعرَّض للوعيد بمسيس النار، نعوذ بالله من مُوجِبَات غضبه وأليمِ عقابه، نذكر منها ما يلي: الموَدَّة والمحبةُ الخاصَّة، مداهنَتُهم ومداراتهم، طاعتهم فيما يقولون ويُشْهِرُون، تقديمهم في الجلُوس أو الدُّخول على أمراءِ الإسلام، مشاورتهم في الأمور، مُجَالَسَتُهم ومزَاوَرَتُهم والدخول عليهم. «أم أسماء أتت إليها وهي كافرة، قال الرسول: «صِلِي أُمَّكِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٢٠)، ومسلم (١٠٠٣ / ٥٠) من حديث أسماء بنت أبي بكر.]]، فالإنسان يعتقد تكرارها. * الشيخ: الظاهر إن الجلوس أنه بِرّ بهم؛ لأن هذه قرابة، مسألة القرابة لها حَق حتى لو كانت كافرة. * طالب: والبِر، ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ﴾ [الممتحنة ٨]. * الشيخ: إي، المجالسة تدعو إلى المؤانسة والألفة. * طالب: ومزاوَرَتُهم يعني تكرُّر الزيارة، والدُّخُول عليهم، البَشاشَة لهم والطَّلاقة، معاونتهم في أمورهم ولو بشيءٍ قليل، كبَرْيِ القلم وتقريب الدواة ليكتبوا ظلمهم. * الشيخ: ليكتبوا ظلمهم. * طالب: مصاحَبَتُهم ومعاشرتُهم، الرضا بأعمالهم، والتشبه بهم، والتَّزَيِّي بزِيِّهم، ذكر ما فيه تعظيمٌ لهم كتسميتهم سادات، السُّكْنَى معهم في ديارهم. وقد سُئِل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله عن حكم السفر لبلاد الكفار للتعلم هذا من (...). فأجاب: لا يجوز إلا بثلاثة شروط: أن يكون المسلمون بحاجَةٍ ماسَّة إلى هذا العلم، ألَّا يُوجد هذا العلم في بلاد المسلمين، القدرة على إظهارِ دينه، قلت: يضاف إليهما ما ذكَر الشيخ سليمان بن عبد الله مِن اشتراط الأمْن مِن موالَاتهم وموَدَّتِهم، أظنه داخل في الأمر الثالث القدرة على إظهار الدين يدخل فيه الأمن، ويضاف إليه أيضًا ما اشترطَه أحد العلماء، وهو أن يكُون على معرِفَةٍ بعقيدته والرَّدِّ على شُبَهِ أعداء الله ورسوله، هذا والله أعلم. * الشيخ: وهل أمِنَ على نفسِه يعني عنده قوة مِن الدين يأمَن مِن الشهوات؟ إحنا ذكرْنا أمس ثلاث صور: الحَاجَة، والثاني: أن يكون عنده علْمٌ يدفع به الشبهات وعنده دين يدْفَع عنه الشهوات. * طالب: عنده معرِفَةٌ بعقيدتِه. * * * * الشيخ: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت 59]. * يُستفاد من هذه الآية: فضِيلَة الصبر، حيث أثْنَى الله على الصابرين: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾. * ومِن فوائدها أيضًا: وجوب إفراد الله سبحانه وتعالى بالتوَكُّل والاعتِمَاد؛ لقوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. * ومنها: أنه ينبغِي للصابر أن يعتَمدَ على ربِّه في صبرِه؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، وفائدة اعتماده في صبرِه على ربِّه، أوَّلًا: الثباتُ على ذلك، إن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، الفائدة الثانية: أنَّ صبرَه يكُون عبادة؛ لأنَّ بعض الناس يصْبِر ويتجلَّد على حدِّ قول الشاعر: وتَجَلُّــــــــــدِي للشَّامِتِـــــــــــــينَأُرِيهِـــــــــــــــمُ ∗∗∗ أنِّي لِرَيْــــــبِ الدَّهْـــــر لاأَتضَعْضَـــــعُ هذا الصبر يعني لا شك أنّه خُلُق جميل، لكن ما يُثَاب عليه، إذن نقُول: إن أيش؟ إنَّ الصَّبر المقرُون بالتَّوَكُّل على الله سبحانه وتعالى هو الذي يكون فيه الثواب والأجر. * ومِن فوائد الآية: كِفَاية الله عز وجل؛ لأنَّه لا يُتَوَكَّل إلا على مَن هو كافٍ، فمَن ليس بكافٍ فليس أهلًا لِأَن يُتَوَكَّل عليه. * ومِن فوائدها: إثباتُ الربوبية؛ لِقولِه: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت ٦٠]. * مِن فوائد الآية: الإرشَاد إلى النَّظَر في مَخْلُوقَات الله، فإنَّ الله يقول: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ لأجل أن نتَفَكَّر في هذه الدواب التي لا تحمِلُ رزقَها. * ومِن فوائدها: أنَّها تشتَمِل على عِدَّةِ صفات مِن صفات الله، منها كمالُ القدرة حيث يخْلُق هذه الدَّوَابّ الصغيرة اللي ما تحمِل رزقَها، ويخلُق الدواب العظيمة التي تكتَسِبُ الرزق. * ومنها أيضًا -مِن فوائدها-: من الصفات التي تُستفاد منها قدْرَةُ الله عز وجل، ومنها علمُه، ومنها رَحمتُه، ومنها إحَاطَتُه بكل شيء، فإن هذه الدواب الصغيرة اللي ما تحمِل رزقَها يعلمُها ويرزقُها. وقوله ﴿يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. * طالب: ومنها (...). * الشيخ: إي، قلناها، ما ذكرناها أول شيء؟ * ومِن فوائدها: إثبات اسمَيِ (السميع) (العليم) وما يتضَمَّنَاه مِن الصفة. ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، إلى آخره [العنكبوت: ٦١]. * في هذه الآية مِن الفوائد: إقامَة الحجة على الخصم حتى يُذْعِن ويقِرّ. * ومنها: سفَه المشركين بالله في عبادتهم، حيث يقِرُّون بربوبيته ثم يُنْكِرُون ألوهيته، وكان مِن العقل أنَّ مَن أقَرَّ بالربوبية أقَرَّ بالألوهية. * ومنها: إثباتُ خلْقِ السماوات والأرض، وأنَّ الذي خلقَهما الله. * ومنها أيضًا: أنَّ تدْبِيرَ الكون إلى الله عز وجل، ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾. * ومنها: رحمةُ الله تعالى بخلقِه؛ حيث سخَّرَ لهم الشَّمْس والقَمر. * ومنها: أنَّ المشركين يقِرُّون بالربوبية. * ومنها: أنَّ الإقرارَ بالربوبية لا يكفِي في التوحيد، وبهذا نعرف -الذي يترتَّب على هذه الفائدة- نعرِف بُطْلَان تفسِير مَن فَسَّر الإله بالقادر على الاخْتِراَع، فإنَّ المتكلمين يفَسِّرُون الإله بالقادر على الاخْتراع، وإذا فَسَّرُوا الإله بالقادر على الاختراع لم يكن في توحيدِهم فرْق بينه وبين توحيد المشركين؛ لأنَّنا نقول: الإله هو المعبود حقًّا، هذا الإله المعبود حقًّا، وكذلك المعبودُ بالباطل يسَمَّى إلهًا؛ لأنه يُعبد، لكن ألوهيَّتَه باطلة. * ومن فوائد الآية: ثُبُوت عِلْم الله بالمستقبل؛ لقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، فإنَّ هذا خبرٌ عن أمْرٍ مسْتَقْبَل، ولا شكَّ أنه واقِع كما أخبَرَ الله، وأظُن ذكرْنا سفَه هؤلاء المشركين؟ * طالب: نعم. * الشيخ: طيب ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت ٦٢]. * من فوائد الآية: أنَّ الرِّزْقَ بيَدِ الله، وإذا كان كذلك فهو الذي يُطْلَبُ منه الرزق. * ومن فوائدها: أنَّ إثبَاتَ القَدَر لا يعني الكَفَّ عن الأسْبَاب، فهنا بيَّن الله أنَّ بَسْط الرزق وتقْدِيرَه بيدِه، ومع ذلك يقول: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥]، ما قال: ناموا على الفُرُش ويجِيكم الرزق، قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾، فالقدرُ لا ينافي فعْلَ الأسباب؛ لأنَّه قد يكون مقدَّرٌ عليك بهذا السبب، كما أنَّ دخول الجنة والنَّجَاة من النار أليس له سبب؟ نعم، إذا لم تعْمَل ما حصَل، كذلك الرزق إذا لم تعْمَل له ما حصل لك. * ومن فوائدها: إثبات كمالِ التصرف لله عز وجل؛ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [العنكبوت 62]، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويُعِزُّ من يشاء ويذل من يشاء، فهو سبحانه وتعالى له التصَرُّف المطلق في مخلوقاتِه. * ومن فوائدها: إثبات المشِيئَة؛ لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ونحن نسْأَل الآن: هل المشِيئة تتعلَّق فيما يحبُّه ويكرهه، أو فيما يحبُّه فقط؟ فيما يحبه وما يكرَهُه، فإنَّ المسلمين مجمِعُون على قولِهم: ما شاء الله كان وما لم يشَأْ لم يكن، طيب هل الإرادة متعلِّقَة فيما يحبه وما يكرهُه، أم فيما يحبُّه فقط؟ * طالب: (...) الشرعية. * الشيخ: إي، فيه تفصِيل: الشرعية فيما يحبُّه فقط، والكونِيَّة فيما يحبُّه وما لا يحِبُّه؛ لأنَّها مُرَادِفَة للمَشِيئَة. * ومِن فوائد الآية: إثباتُ عِلْم الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت ٦٢]، وأنه عام في كل شيء، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فهل يشمَل الصغير والكبير وما يتعلَّقُ بفعلِه وما يتعلق بفعلِ عبادِه؟ وإذا كان عَلِمَ فعلَ عباده لزِمَ أن يكُون مقدِّرًا له؛ لأنَّه إذا كان عالِمًا به فإنَّه لا يمكنُ أن يقَع على خِلَاف مَعْلُومِهِ، وحينئِذٍ يكون مقَدِّرًا له، ولهذا قال الشافعي في مناظَرَتِه أولئك المعتزلة القدرية قال: جادِلوهم بالعلم، فإن أنكرُوه كفرُوا، وإن أقَرُّوا به خُصِموا، وهو صحيح، هذه حُجَّة قائِمَة وقَيِّمَة. * ومنها -من فوائد الآية-: فضْلُ الله عز وجل بالرِّزْق، سواءٌ كان مقدَّرًا أم مبسُوطًا، أو أصح: سواءٌ كان مَقْدُورًا أم مبسوطًا؛ لأنَّها من الثلاثي ما هي من الرباعي.

العنكبوت 29:61

قال: (﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [العنكبوت ٥٩] أي: على أذى المشركين والهجْرة لإظْهار الدين). ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على أمرين -على كلام المؤلف- على أذى المشركين، وعلى الهجرة لإظهار الدين؛ لأن في كليهما مشقة على النفوس، لا أذى المشركين المتنوع بالقول والفعل، وكما يقولون: حرب الأعصاب والمضايقات النفسية، ولا الهجرة من بلادهم التي سكنوها وأقاموا فيها إلى بلاد أخرى يكونون فيها غرباء، كل هذا لا شك أنه مشق على النفوس، وإنما خص المؤلف الصبر بهذين الأمرين؛ لتعيين السياق لهما إذ إن السياق كما ترون كله في مسألة الهجرة وما أشبهها. ولكن لو قيل بالعموم ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على كل ما أمروا بالصبر عليه ونجعله منقسمًا إلى ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على أقداره، لو قلنا بالعموم لكان أولى؛ لأن القول بالعموم يدخل فيها الصبر على الأذى والهجرة بخلاف القول بالخصوص، وعلى هذا فنقول: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الأقسام كلها، الصبر على الطاعة: مجاهدة النفس على فعلها وإتمامها وإتقانها، والصبر عن المعصية: حبس النفس عن فعلها، والصبر على الأقدار: حبس النفس عن التسخّط. * طالب: التحمل. * الشيخ: إي، عن التسخط على القدَر، وقد سبق لنا أن مقامات المصاب بأذى أربعة. قال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾ متعلقة بـ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾، وقدمت لإفادة الحصر، والتوكل معناه الاعتماد، وعرّفه بعضهم بقوله: صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المـضار مع الثقة به سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: لا على غيره ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾، واعلم أن التوكل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توكل عبادة مقرون بالخشية والمحبة والتعظيم وتفويض الأمر تفويضًا كاملًا إلى المعتمد عليه، وهذا النوع لا يجوز إلا لله عز وجل الذي هو توكل العبادة، الثاني: توكل اعتماد بلا عبادة؛ بمعنى أن الإنسان يعتمد على غيره، لكن لا اعتمادًا يشعر بأنه متذلل وخاش له وراغب إليه، ونحو ذلك، وهذا النوع أو هذا القسم إن كان على ما يمكن الاعتماد عليه فهو شرك أصغر، وإن كان على ما لا يمكن الاعتماد عليه فهو شرك أكبر كيف ذلك؟ إذا كان على ميت أو غائب لا يمكنك أن تعتمد عليه فإنه شرك أكبر؛ لأنه ليس لذلك معنى إلا أن تعتقد أن هذا المعتمد عليه متصرف في الكون بغير مباشرة، وهذا كما يحصل لكثير من المشركين الذين يعتمدون على الأموات والأولياء وإن كانوا بعيدين وما أشبه ذلك، أما إذا كان يعتمد عليه وهو يمكن أن يكون سببًا لجلب المنفعة أو دفع المضرة، لكنه معتمد عليه على أنه من فوقه وهو من تحته، فإن هذا نوع من الشرك الأصغر مثل اعتماد كثير من الناس الآن على رواتب الدولة وما أشبه ذلك كونك تعتمد على هذا على أنها هي مصدر رزقك، فإن هذا نوع من الشرك الأصغر؛ لأنها هي ليست إلا مجرد سبب، ولهذا من كان على هذه الحال تجده يراعي الـمتوكل عليه ويخافه وربما يترك ما أوجب الله عليه مراعاةً له ومداهنة أو يفعل ما حرم الله عليه كذلك. أما القسم الثالث: فهو الاعتماد على الغير، لا على سبيل الخشية والخوف والرغبة إليه، ولا على شعور أنه فوقك أو أعلى منك، لكن على شعور أنك أنت الذي فوقه وأنت الذي تدبره فتعزل وتنصب، وهذا جائز ولا حرج فيه، وقد وقع من النبي ﷺ فإنه كان يبعث السعاة توكيلًا لهم على ما يريد هذا لا بأس به، وهذا ما يحصل بأي شيء؟ بطريق الوكالة عندما أوكل إنسانًا يشتري لي شيئًا أو يبيع لي شيئًا أو ما أشبه ذلك، أنا معتمد عليه الآن في هذا الأمر، لكن هل هو اعتماد على أني أشعر أنني أنا المحتاج إليه وأنه فوقي ولَّا لا؟ لا، بل على العكس أعتقد أنني أنا الذي فوقه لا سيما إذا كان بعوض، وأن الأمر إليّ في شأنه إن شئت عزلت، وإن شئت نصبت، وهذا لا بأس به، وقد أجمع العلماء على جواز التوكيل في البيع والشراء وغيره مما تدخل فيه الوكالة، وهنا المراد بالآية الكريمة: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي الأقسام؟ * طالب: الأول. * الشيخ: القسم الأول، وكذلك الثاني بنوعيه، فإنهم لا يعتمدون على أحد سوى الله عز وجل في جلب المنافع ودفع المضار، واعلم أن التوكل أحد شقي الدين، فإن الدين مكون من أمرين: عبادة واستعانة، كما قال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥]، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود ١٢٣]، وهذا كثير في القرآن؛ لأن العبادة لا تقوم إلا بفعل من العبد وبمعونة من الله سبحانه وتعالى، ويجب على المرء عندما يتعبد لله أن يكون معتمدًا على ربه؛ لأن الله لو وكله إلى نفسه لوكله إلى ضعف وعجز وعورة، ولا يستطيع أن يقوم بما أوجب الله عليه. ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قال: (فيرزقهم من حيث لا يحتسبون)، وهذه الجملة من المؤلف لا تناسب التوكل؛ لأن الذي يناسب التوكل: (فيكون حسبهم) كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، أما الرزق من حيث لا يشعر فيناسبه التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢، ٣]. وفرق بين الأمرين؛ لكن المؤلف رحمه الله أتى بهذه الجملة توطئةً لما بعدها وهي قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت ٦٠] وإلا فبالنظر إلى الآية المفسرة لا يناسبها هذا القول. * طالب: (...) فإن النبي ﷺ يقول: «لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ»[[أخرجه الترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجه (٤١٦٤) من حديث عمر بن الخطاب. ]]. * الشيخ: إي، توكلتم في طلب الرزق، لكن التوكل المطلق يكون الله حسبه فيقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. طيب عندنا في هذه، هل الله سبحانه وتعالى يكون وكيلًا وموكلًا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، يكون وكيلًا وموكلًا، أما (وكيلًا)، فكثير في القرآن: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء ٨١] ومثلها حسيبًا، وأما موكلًا؟ * طالب: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩]. * الشيخ: إي نعم، ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ وليس التوكيل من الله لهؤلاء كتوكيلي أنا لفلان وفلان مثلًا؛ لأن توكيلي لفلان وفلان إما لعجزي أو تقصيري، أو ما أشبه ذلك، لكن توكيل الله بمعنى أن الله سبحانه وتعالى يجعل هؤلاء هم القائمين بها لا أنه سبحانه وتعالى عاجز. * طالب: بعض الناس مثلًا إذا حرضته على شيء (...). * الشيخ: ما فيها شيء؛ لأن (وكل الله) جعله حفيظًا، والله سبحانه وتعالى حفيظ على كل شيء، وليس معناه أني أنا الله، هذا ما أحد يفهمه، ما فيه شيء، فمعنى (وكله) أي: جعله وكيلًا؛ أي: حفيظًا. * طالب: (...). * الشيخ: إي، يعني معناها أني سأقوم بالأمانة، فإن الله تعالى لا يغيب عنه شيء وهو عالم بكل شيء. * طالب: (...). * الشيخ: وكل؟ لا (...). * الطالب: لكن عند العوام (...). * الشيخ: لا. * الطالب: اللفظة. * الشيخ: (...) حتى أنا لو أقول له وكل فلان بمعنى قدم له طعام يأكله. * طالب: (...) لا يجي علي بالهم. * الشيخ: أبدًا اللي يجي على بالهم؛ بمعنى أني أجعل الله تعالى حارسًا لك، هذا المعنى، وأني سأقوم به على الوجه الأكمل. ثم قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ ﴿كَأَيِّنْ﴾، يقول المؤلف: (كم) فعلى هذا تكون استفهامية ولا خبرية؟ * طالب: خبرية. * الشيخ: خبرية؛ يعني: وكم من دابة؟ ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: كثير من الدواب ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾، والدابة في اللغة العربية كل ما يدب على الأرض سواء مشى على بطنه أو على رجلين أو على أربع، كلها تسمى دابة، أما في العرف فهي لذوات الأربع فقط، فلا تشمل ما يمشي على بطنه، ولا ما يمشي على رجلين اثنتين، ولا على ما يمشي على سبع وسبعين، كذا؟ لذوات الأربع فقط؟ وفيها أيضًا عرف أخص من هذا؛ أن الدابة الحمار فقط يقولون مثلًا: راح منا على دابة. كل من كلمته بهذا الكلام ذهب إلى أنه الحمار، لكن الكلام على المعنى اللغوي، أما الأعراف فإنها تتبع أصحابها المعنى اللغوي في اللغة الدابة: كل ما دب على الأرض كثير. (﴿مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ لضعفهم) عندكم ولَّا ضعفها؟ * طالب: ضعفها. * الشيخ: صحيح. * طالب: (...). * الشيخ: إحنا نقول: سبع وسبعين، عندنا دابة تسمى أم سبع وسبعين رجلًا. * طالب: عديناها فوق الخمسين بشوية. * الشيخ: بس؟ (...) مبالغة يعني هذه. * طالب: ما هي مبالغة. * طالب آخر: (...). * الشيخ: لا، الإنسان يمكن نوع آخر. * طالب: أقل من الستين وفوق الخمسين. * الشيخ: مثل الدودة تمشي لها أرجل كثيرة -سبحان الله العظيم- الناس يسمونها أم سبع وسبعين رجلًا، لكن أنها دون الستين، هي ربما إنها على سبيل المبالغة الظاهر إذا كان هذا هو المراد. * طالب: يا شيخ، إعراب ﴿كَأَيِّنْ﴾؟ * الشيخ: ﴿كَأَيِّنْ﴾ مبتدأ، و﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ تمييز لها، و﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ قيل: إنها هي الخبر، وقيل: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ هو الخبر، وجملة ﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ صفة لـ﴿دَابَّةٍ﴾، وهذا أقرب؛ لأن الكلام لا يتم إلا بقوله: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾. * طالب: السيارة تدخل في معنى الدابة؟ * الشيخ: لا، ما تدخل. * طالب: لماذا؟ * الشيخ: إلا دببتها أنت، هذه تدخل -بارك الله فيك- في الفلك ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ﴾ [الزخرف ١٢]. * طالب: كيف تدخل في الفلك؟ * الشيخ: لأنها مثل السفينة اللي كانت تمشي على البحر فهي فلك. * طالب: والدابة يشترط فيها أيش؟ * الشيخ: أنها هي اللي تدب، هذه ما هي تدب. * طالب: تدب يعني أيش؟ * الشيخ: هي بنفسها. * طالب: ترفع رجلها، وهكذا؟ * الشيخ: لا، هي التي تدب؛ يعني هي نفسها تفعل هذا الشيء، السيارة ما هي بتفعل وقوله: ﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ قال: (لضعفها)، فما معنى لا تحمله أي: ما تقواه يعني؟ ولَّا لا تستطيع أن تتكسب للرزق؟ الجواب: الأخير؛ يعني ما تستطيع أن تكتسب، وتحمل الرزق حيث تقوم بكفاية نفسها، وهذا شيء كثير، أول ما يرد علينا نحن في حال الصغر والطفولة هل نحن نحمل أرزاقنا؟ أبدًا لولا أن الله قيض لنا الأم، وقيض لنا هذين الثديين ما حملنا أرزاقنا، وهذا شيء معروف، كذلك أيضًا يوجد دواب تأتيها عاهات وأمراض ما تستطيع أن تطلب الرزق فيهيئ الله لها رزقًا بحيث يأتيها، وهي في مكانها، وكم قص علينا من قصص كثيرة في هذا الباب تكون مثلًا هذه الدابة نفسها جاءها أمراض كسرت رجلها، كسر جناحها عميت، وما أشبه ذلك فيجدون الأشياء تأتي إليها بإذن الله وتأكلها؟ * طالب: (...) لضعفها. * الشيخ: لا، (لضعفها) ما هو معناه، هذا تعليل؛ يعني معناها أنها لا تحمل؛ لأنها ضعيفة إما ضعيفة في الإرادة أو ضعيفة في البدن أو غير ذلك. * طالب: (...). * الشيخ: قلنا: ليس معنى ﴿لَا تَحْمِلُ﴾ ما تقوى تشيله؛ يعني ما تقوى تحمله المعنى لا تستطيع أن تكتسب، كذلك أيضًا يوجد أشياء صغيرة؛ ما تستطيع أن تذهب بعيدًا، ثم يقيض الله لها طعامًا يسقط حولها، وتأتي إليه، وهذه الدواب أيضًا منها ما يستطيع بنفسه أن يدخر الرزق، ومنها ما لا يدخر الرزق، ومنها ما له أعوان، ومنه ما ليس له أعوان، المهم أن اللي يتفكر في مخلوقات الله في هذا الأمر يجد العجب العجاب. وقد قصصنا عليكم القصة التي ذكرها ابن القيم في أن رجلًا وضع طعامًا لذرة، فلما أحست به عجزت عن تحمله فذهبت إلى صاحباتها ودعتهن فجاؤوا فلما جاؤوا وصاروا حول المكان رفع الطعام، جاءت تطلبه في المكان ويطلبوه كلهم ما وجدوه، رجعوا وبقيت هي تفتش حول المكان فوضعه لها ثانيةً، فلما تيقنته ذهبت ودعتهم، فلما أقبلوا رفعه، ثم إنه أيضًا بدأت تطلب ورجعوا، في المرة الثالثة وضعه ذهبت ودعتهم، فلما رفعه ولم يجدوه يقول: إنهم قتلوا هذه الذرة قتلوها، يقول: فذكرتها لشيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: إن الكذب لا يحبه أحد حتى النمل لما كذبت عليهم هذه وهبتهم، جابتهم من بيوتهم استفزعتهم قتلوها. * طالب: هل يلزم (...)؟ * الشيخ: إي نعم، الدية (...)، الشاهد أن الإنسان يرى العجب العجاب في مخلوقات الله سبحانه وتعالى هذه الضعيفة اللي ما تحمل رزقها يقوم الله عز وجل برزقها؛ لأن الله تعالى قال في كتابه عن نفسه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود ٦] ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ نكرة في سياق النفي المؤكد عمومه بـ(من) الزائدة أي: دابة في الأرض، فعلى الله رزقها ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ مع ذلك أيضًا. ﴿رِزْقُهَا﴾ وليست الدواب كلها ترتزق من شيء واحد، أليس كذلك؟ بعضها يناسبه هذا، وبعضه ما يناسبه، وأيًّا كان فإن الله سبحانه يقدر له الرزق المناسب له، ومع ذلك يعلم جل وعلا مستقرها ومستودعها؛ يعني محل استقرارها ومحل استيداعها؛ يعني ما تؤول إليه في يوم القيامة هذا المستقر، والمستودع الدنيا والبرزخ الذي بين الدنيا والآخرة، فإن هذا شيء يكون الإنسان فيه بمنزلة الوديعة يبقى زمانًا ثم ينتقل. * طالب: بعض المفسرين يقولون: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ يعني لا تدخره (...) صحيح؟ * الشيخ: إي، هذا من جملة (...)، وبعضها يدخره كما هو معروف. * الطالب: (...) مقدر بعلم الله عز وجل. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: لأن الله يقول في القرآن: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨] كل شيء. * الطالب: وكذلك أجلها أيضًا. * الشيخ: وأجلها وحالاتها أيضًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤]، ما دام الله خلقه فهو عالم به جل وعلا في كل أحواله ومقدر كل أحواله مقدرة سبحان الله العظيم. * طالب: (...) شيء خاص بالآدمي يكتب رزقه وأجله. * الشيخ: لا، أبدًا ﴿كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾، لكن النصوص تكاثرت في الآدمي؛ لأنه هو محل الخطاب والتكليف ليستعد ما من شيء بدأ من القطرة من المطر مكتوبة مقدرة، وهي من هي بذات إرادة، ثم إنه: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ -هذه يدل عليها- ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام ٣٨]، هذه ستبعث يوم القيامة كل شيء له حياة لا بد أن يبعث يوم القيامة، فقدرة الله عظيمة ما يتصورها الإنسان، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه ١١٠]. * طالب: وأصرح من هذا: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩]. * الشيخ: إي نعم. * طالب: بعض العلماء يقولون (...) الحلال (...). * الشيخ: الحيوانات؟ * طالب: يقول ما لها أجل (...). * الشيخ: أنا أخشى على هذا الرجل اللي يقول ها الكلام، أخشى عليه. * طالب: (...) من نصيب (...). * الشيخ: حتى المال الجماد من نصيبك ما هو من رزقك. * طالب: يقول: من نصيبي؛ يعني إذا.. * الشيخ: مو هو برزقك، لك هو؟ * طالب: إلا. * الشيخ: أليس رزقك مكتوبًا؟ مكتوب بأيش؟ مكتوب بقاؤه وكيفيته واستمراره وكل شيء، وأيش نوعه؟ هل أنت من اللي يرزق بالإبل، أو يرزق بالغنم، أو يرزق بالدراهم، أو يرزق بالاكتساب والاحتطاب والاحتشاش، وما أشبه ذلك؟ * طالب: (...) يقول: إن مثل الغنم وهذه ما لها (...). * الشيخ: (...) عندك الآن الآيات، وها اللي (...) هو الله؟ ها الحين يخلق الشيء، ويقدره فناء ووجودًا، ونقول: هذا ما علم ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج ٧٠]، أنت تستعظم هذا، ويبهرك الأمر، لكن هو على الله يسير قدرة الله ما لها منتهى أبدًا، ولا لها حد، فالمهم كل شيء مكتوب حتى إنه دخل أحد أصحاب الإمام أحمد عليه وهو مريض رحمه الله، ويئن (...) من المرض، فقال له: يا أبا عبد الله، كيف تئن وقد قال طاووس: إن الملائكة تكتب حتى أنين المريض؟ فلما قال ذلك كف رضي الله عنه وصار يتحمل ولا يئن في المرض[[أخرجه الدينوري في المجالسة (٢٥٣).]] مع أن الأنين أحيانًا يكون شيئًا طبيعيًّا، فهذا دليل على أن كل شيء يكتب. * طالب: (...) يخفف.. الأنين. * الشيخ: إي، يخفف مثل شكوى الإنسان إلى أخيه وإلى صديقه مما نزل به يكون يخفف عليه بعض الألم، الشاهد هذه يجب علينا يا إخواني أن نعتقد أن الله تعالى عالم بكل شيء، وأنه مقدر لكل شيء، وأن آجال كل شيء مكتوبة، وكل حركاتها مكتوبة وسكناتها مكتوبة؛ لأنها لا يحدث شيء في الأرض، ولا في السماء إلا بعلم الله وإرادته وخلقه سبحانه وتعالى. * طالب: (...) هل ملك الموت يقبض أرواح الحشرات (...)؟ * الشيخ: إي، هذه محل نزاع بين السلف، والظاهر أنه يعم، وهي محل خلاف بين السلف والأدلة فيها تكاد تكون متكافئة، ولكن الذي يظهر أنه عام؛ لأن ملك الـموت مـضاف إلى المـوت مـوت كل حيوان؟ * طالب: (...). * الشيخ: هنا؟ لا، لغة تشمل، لكن لما قال: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ علم أنه أراد ما سوى بني آدم أما: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ هذا عام لبني آدم وغيره. قال: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾، شوف أتى بالجملة الاسمية: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ والرزق بمعنى (العطاء)، العطاء بلا عوض هذا هو الرزق، العطاء بلا عوض يسمى رزقًا ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾. قوله: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾ أي: هذه الدابة ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾، هذا معطوف على أيش؟ على (هاء) في قوله: ﴿يَرْزُقُهَا﴾ والفصل هنا واجب ولا جائز؟ * طالب: جائز. * الشيخ: الفصل جائز؟ فصل الضمير الآن الضمير هنا منفصل؟ * طالب: فصل الضمير هنا، إيه واجب؛ لأنه ما يمكن يحل محله المتصل. * الشيخ: الفصل هنا واجب؛ لأنه كلما أتى الضمير بعد العطف فهو واجب الانفصال؛ إذ إن الضمير المتصل هنا ما يمكن يتأتي لو قلت: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾ وكم ما صح، فإذا أتى الضمير بعد العطف أو بعد (إلا)، فقد علم أنه لا بد أن يكون منفصلًا ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾. قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ أيها المهاجرون وإن لم يكن معكم زاد ولا نفقة)؛ لأن الكلام -كما عرفتم- كله مسوق في الهجرة ومغادرة البلد فالله تعالى كما رزق هذه الدواب العظيمة التي لا يحصيها جنسًا فضلًا عن النوع وفضلًا عن الأفراد إلا الله عز وجل فأنتم كذلك إذا هاجرتم لا يضيع رزقكم بل رزقكم على الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال ٧٠]، وقد حصل هذا فأسرى بدر الذين أسلموا ماذا حصل لهم؟ حصل لهم من الفيء والغنائم أكثر مما أخذ منهم. وقوله: (﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالكم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بضمائركم). ﴿السَّمِيعُ﴾ نعم، لأقوالكم وهو سميع سبحانه وتعالى لكل شيء يسمع كل صوت، وإن خفي كما قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه ٧] فهو يعلم كل ما يكون من صوت خفي سواء كان قولًا أم غير قول، لكن المؤلف خص القول؛ لأنه محط التكليف والإثم أو الأجر، والسميع من أسماء الله سبحانه وتعالى وله معنيان: أحدهما: إدراك المسموع، والثاني: إجابة الدعاء، أما إدراك المسموع فله أمثلة كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة ١]، وأما إجابة الدعاء، فمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩] ﴿سَمِيعُ﴾ بمعنى يسمع صوت الداعي أو يجيب دعاءه؟ * طالب: يجيب دعاءه. * الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا هو المقصود، الإجابة دون مجرد سماع الصوت ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، واعلم أن السمع الذي هو بمعنى إدراك المسموع، ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يراد به بيان إدراك سمع الله سبحانه وتعالى لكل مسموع، وقسم آخر: يراد به مع ذلك النصر والتأييد، وقسم ثالث: يراد به مع ذلك التهديد والوعيد؛ وهذا على حسب السياق كغيره من صفات الله، كثير من صفات الله سبحانه وتعالى تكون مرادًا بها هذه الأمور الثلاثة كثير من الصفات، ففي قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف٨٠]، ويش المقصود هنا؟ التهديد. وكذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران ١٨١]، هذا يراد به التهديد. وفي مثل قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، يراد به النصر والتأييد، ما هو مجرد أنه يسمع فقط لا، يراد به النصر والتأييد. وفي مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١] يراد به بيان إحاطة سمع الله بكل مسموع؛ لأن السياق لا يقتضي (...) ولا تهديدًا فيكون المقصود به بيان إحاطة علم الله عز وجل بكل مسموع، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها في هذه الآية: «تبارك الذي وسِع سمعُه الأصوات، والله إني لفي أدنَى أو طَرَفِ الحجرة، وإنَّه لَيَخْفَى عليَّ بعْضُ حديثِها»[[أخرجه النسائي (٣٤٦٠)، وابن ماجه (١٨٨).]]. والله تعالى فوق عرشه عالٍ على خلقه، ومع ذلك يسمع حديثها مع الرسول عليه الصلاة والسلام، يسمع مجادلتها ومحاورتها للنبي ﷺ، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. * وفي هذه الآية فائدة مهِمَّة -بالنسبة للذين يتكلمون على أسماء الله وصفاته-: وهو أنه من المعروف عند أهل السنة أن الاسم يتضمن ثلاثة أشياء إذا كان وصفًا من متعدٍّ إذا كان مشتقًّا من وصف متعدٍّ فإنه يتضمن ثلاثة أشياء وهي: الاسم والصفة والحكم اللي هو الأثر، فهنا ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ﴾ لماذا؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. يسمع؛ لأنه سميع بصير فدل هذا على أن ﴿سَمِيعٌ﴾ تتضمن ثبوت مقتضاها وهو أنه يسمع، ومعلوم أنه لا سماع إلا بسمع خلافًا لمن قال: إنه يسمع بذاته كما قاله ابن حزم وجماعة لا بصفة هي السمع قالوا: يسمع بذاته ولا نثبت له صفة هي السمع، وهذا كلام في الحقيقة هراء فالله يقول: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨]. فأثبت الصفة ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾، وقال: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١]، وقال: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس ١٠٧] فدل هذا على أن الرحيم مشتق منين؟ من الرحمة؛ لأنه قال: ﴿الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ يوازيه تمامًا ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، فهمتم يا جماعة؟ وهذا مقرر عند أهل السنة ومعلوم، والحمد الله أن الأسماء التي تتضمن وصفًا متعديًا أنها تدل على ثلاثة الأمور. قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ انتهينا من تقسيم السمع أنه بمعنى الإجابة، وبمعنى إدراك المسموع، وأن الثاني يتنوع إلى ثلاثة أنواع: سمع يراد به التهديد، وسمع يراد به التأييد، وسمع يراد به بيان إحاطة سمع الله بكل مسموع. وقوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾ قال: (﴿الْعَلِيمُ﴾ بضمائركم)، وعلى رأي المؤلف تكون الآية هذه تدل على الأقوال، وما في الضمائر فقط مع أن هناك أفعالًا لا تتعلق بالسمع. فإذا قلنا: العليم بالضمائر، بقي عندنا قسم من أفعال الناس، وهي الحركات الأفعال، أفعال الجوارح تكون الآية ما فيها دليل عليها، ولهذا الصواب أن يقال: العليم بجميع أحوالكم فالله تعالى عليم ليس بما في الضمائر فقط بل بما في الضمائر وبما يفعل وبما يسمع؛ لأن العلم من أشمل ما يكون من صفات الله كما قال الله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢] فهو من أعم الصفات شمولًا. وقوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾ ما هو العلم؟ يقول العلماء: إن العلم هو إدراك المعلوم على ما هو عليه إدراكًا جازمًا مطابقًا. شوف حقيقة إن (مطابقًا) إذا قلنا: المعلوم على ما هو عليه ما حاجة إلى مطابق، أما إذا قلنا: إدراك الشيء إدراكًا جازمًا مطابقًا؛ فهذا صحيح، المهم أنه لا بد أن يكون الإدراك جازمًا فخرج به أيش؟ الشك، والظن، والوهم و(مطابقًا) خرج به الجهل المركب، و(إدراك) خرج به الجهل البسيط، فيكون تعلق الإدراك بالأمور على خمسة أنواع: علم، وجهل بسيط، وجهل مركب، وشك، وظن، ووهم، ستة أشياء. * طالب: الجهل البسيط يطلع (...) إدراك الأمور على ما.. * الشيخ: على ما هي عليه إدراكًا جازمًا مطابقًا نشوف التفصيل الآن، العلم؛ أنك تدرك الشيء على ما هو عليه جازمًا به، هذا واضح، كأن أدرك بأن هذا الذي أمامي مسجل، تمام؟ طيب الجهل البسيط أن يقال لي: ما هذا الذي أمامك؟ فأقول: لا أدري، هذا جهل بسيط، الجهل المركب أن يقول لي قائل: ما هذا الذي أمامك؟ فأقول: هذه ألعوبة رضعان، ألعوبة أطفال، صح؟ هذا ويش هو جهل مركب ولَّا لا؟ * طالب: مركب. * الشيخ: مركب من جهلي بحقيقة الحال، ومن جهلي بحالي، ظننت أني عالم وأنا جاهل، طيب الشك أن يقال لي: ما هذه؟ فأقول: إما مسجل أو راديو، هذا شك؛ لأن أحد الاحتمالين صحيح، فيكون هذا شك، طيب كونه شكًّا مع التساوي، هذا شك، إذا رجحت أنه مسجل فهو ظن، والمرجوح اللي هو راديو وهم، هذا تعلق العلم بالأشياء، كل هذه الأمور منتفية عن الله عز وجل ما عدا العلم، فإنه ثابت لله سبحانه وتعالى على أكمل وجه. فإن قال قائل: هذا الجزم منكم بأنه لا يقع أو لا يكون على الله من هذه الأمور الستة إلا العلم يرده قوله تعالى في الحديث القدسي: «وَمَا ترَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ ترَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ إِسَاءَتَهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]]. فأثبت الله سبحانه وتعالى أنه يتردد في بعض أفعاله؟ فالجواب: أن التردد قسمان: تردد لتوقف المتردد في الأمر هل يكون خيرًا أو لا؟ وهذا بالنسبة إلى الله ممتنع لا يمكن هذا أبدًا؛ لأن الله تعالى يعلم، وتردد باعتبار النظر للغير يعني ترددًا لأمر يتعلق بغيره مثل هذه الحال، فإن تردد الله عز وجل لا لخفاء الأمر عليه، ولكن لأنه يكره أن يسوء عبده المؤمن فيتردد لا لشك في الأمر واستظهار للواقع، ولكن لأجل هذه المسألة لأمر يتعلق بغيره، فهذا لا يعتبر نقصًا، بل هو كمال يدل على رحمة الله عز وجل، وبهذا يزول الإشكال. وكذلك أيضًا قوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾ من الأسماء المتعدية أو لا؟ فتكون متضمنةً لثبوت الاسم والصفة والحكم. (﴿وَلَئِنْ﴾ لام قسم ﴿سَأَلْتَهُمْ﴾ أي: الكفار ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [العنكبوت ٦١])، يقول المؤلف في ﴿لَئِنْ﴾: إن اللام لام قسم؛ يعني موطئة للقسم، وقد اجتمع هنا قسم وشرط وين الشرط؟ ﴿إنْ سَأَلْتَهُمْ﴾. وقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ هذا جواب القسم ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ والموجود الآن جواب القسم ولا جواب الشرط؟ * طالب: جواب القسم. * الشيخ: جواب القسم؛ لأن القاعدة أنه إذا اجتمع شرط وقسم؟ * طالب: حذف جواب المتأخر. * الشيخ: حذف جواب المتأخر قال ابن مالك: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَــــــوَابَ مَــــا أَخَّــــــرْتَ فَهْـــــــوَمُلْتَــــــــــــــزَمْ فعندنا ﴿لَئِنْ﴾ اللام قسم، و(إن) شرطية، فكان الجواب: لأيش؟ للقسم. وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ فيها ضميران: التاء والهاء، التاء لمن؟ * طالب: (...). * الشيخ: للمخاطب ولا للنبي ﷺ، أو لكل مخاطب؟ * طالب: (...). * الشيخ: للمخاطبين؟ لا، الهاء الغايب ما تكون للخطاب. * طالب: (...). * الشيخ: للمخاطبين (...). (التاء) في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ تقدم لنا أمثالها كثيرًا، وقلنا: إنه يجوز أن تكون (...) إنما مثل هذه الأمور اللي ما .. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يقول المؤلف: (لام القسم)، هي لامُ قسمٍ وشرط، (إن) شرطية، واللام لام القسم، وإنَّما ذكر المؤلف ذلك لئلا يُظَنَّ أن قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ جواب الشرط، وهي ليست جواب الشرط، بل هي جواب القسم. ﴿سَأَلْتَهُمْ﴾ أي: الكفار الذين لا يقومون بتوحيد الألوهية، هم يُقِرُّون بتوحيد الربوبية، لكن لا يقِرُّون بتوحيد الألوهية والعبادَة، والخطاب في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ إمَّا أن يكون للرسول عليه الصلاة والسلام، أو لكل مَن يتَأَتَّى خطابُه، أي: ولئن سألتهم أيها الإنسان، سألت هؤلاء الكفار: مَن خلق؟ هذا السؤال: مَن خلق السماوات والأرض؟ خَلق بمعنى أوجَد، لكن الخلق ليس بمعنى الإيجاد المجَرَّد، بل هو إيجَادٌ على تقْدِير معين، أي أنَّه يكون مسبوقًا بتقدير، ولذلك لا يكون إلا فيما فيه إتقَان وجوْدَة. وقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ تقدمت هذه كثيرًا، وقلنا: إنَّ السماوات تُجمَع دائمًا في القرآن، والأرض ما جاءت إلا مفردة، ولكن الثابت أنَّ الأرضين سبع كما أنَّ السماوات سبع. وقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، ﴿سَخَّرَ﴾ بمعنى ذَلَّل، ذَلَّلَ الشمس وجعلَها مذَلَّلَةً لِمصالح العباد، تسِيرُ بهذا النظام الذي لا يختَلف ولا يتغَيَّر، لا تقَدُّمًا ولا تأَخُّرًا، ولا عُلُوًّا ولا نزُولًا. لو أنَّك تدبرْت هذه الشمس منذ مَيَّزْتَ إلى اليوم لرأيتَها على نظامٍ بدِيع لا يتغَيَّر على عظمِها وكِبَرِها، ثم إنَّ فيها من آيات الله هذه الحرارة العظيمة، كم مسافةً بيننا وبينها؟ مسافة بعيدة جدًّا، ومع ذلك انظروا إلى حرارتها في أيام الصيف، الحرارة العظيمة، وهذه الحرارة العظيمة ما هي إلا نفَسٌ بسِيطٌ مِن نار جهنم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ النَّارَ اشْتَكَتْ إِلَى رَبِّها فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، وَنَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٦٠)، ومسلم (٦١٧ / ١٨٥) من حديث أبي هريرة.]]. هذه الحرارة العظيمة يقول الناس: إن حرارَتها لو قرُبَ منها أقْوَى حديد وأمنَع حديد لطارَ هباءً قبل أن يصِلَ إليها مِن شدة الحرارة، وهذا أمرٌ معلوم؛ لأنه لو تُوقِد نارًا عظيمة مِن أبلَغ نيران الدنيا هل تجِدُ هذه الحرارة فيها من هذه المسافة؟ أبدًا، ثم إنَّ هذه الشمس كلَّ يومٍ لها مطْلِع، وكل يومٍ لها مغرِب؛ لأن الله سخَّرَها هكذا، ولولا ذلك ما اختلَفَت مشارِق الشتاء ومشارِق الصيف. * طالب: يقولون: لو نزلت الشمس قدر ميل لاحترقت الأرض. * الشيخ: لا، يقولون: لو نزلت الشمس قدْرَ شعرة لاحترَقَت. * طالب: يمكن مِلِّلي. * الشيخ: يمكن. * طالب: (...). * الشيخ: إي؛ لأن هناك الغلاف الأرْضي يمنَع هذا الشيء. * طالب: لو ارتفعت الأرض (...) لو صعدت الأرض (...). * الشيخ: والله ما ندري عن هذا، هو على كل حال إنه لا شَك أنها لو قربت أو بعُدَت تغيَّر الجو بلا شك، لو قَرُبَت إلى الأرض أو بعُدت لَتغَيَّر، مع أنها تأتي يوم القيامة يكون بينها وبين الناس قدْر ميل، ولا تحْتَرِق الأرض، والله على كل شيءٍ قدير، أحْوال الآخرة ما نقِيسها بأحوال الدنيا، أهم شيءٍ عندنا أنها مذَلَّلَة لنا لِمصالحنا، فبها تنضَجُ الثمار، وبها تُعْلَم السنين. وقوله: ﴿وَالْقَمَرَ﴾ معروف القمر، وإنَّما ذكَر الله تعالى هنا الشمس والقمر؛ لِمَا فيهما مِن المصالح الظاهِرة؛ لأنَّ النجوم والكواكب ليس فيهما مصالح ظاهرة لنَا، وإلَّا فقد سَخَّرَ اللهُ الشمس والقمر والنجوم كلها سخرَّها لنا، لكن هذه أظهَر وأبْيَن. وفي قوله تعالى: ﴿سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ دليلٌ على أنهما هما اللذان يجريان حول الأرض، يسِيرَان حول الأرض، خلافًا لِمَن قال: إنَّهما لا يسيرَان على الأرض، وأنَّ هذا اختلاف الليل والنهار بسبب دَوَران الأرض نفسِها. وهذا لا شكَ أنَّ الذي لا يعتقد أنهما يدوران على الأرض أنَّه على خطر عظِيم، ربما يصل به ذلك إلى الكفر؛ لأنّ الذي نؤمن به ونعتقِدُه ما أخبرَنا الله عنه مِن أنَّ الشمس هي التي تدور على الأرض، وكذلك القمر، ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف ١٧]، فأضَاف الله تعالى هذه الأفعَال الأربعة كلها إلى الشمس: ﴿طَلَعَتْ﴾، ﴿تَزَاوَرُ﴾، ﴿غَرَبَتْ﴾، ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾. ولو كان الأمر كما يقول هؤلاء الخَرَّاصون لكان الأرض هي اللي تزَاور، وهي التي تطْلُع على الشمس، وهي التي تغرُب عنها، فهم ما عندهم إلا أمور ظَنِّيَّة فقط، والقرآن دلالتُه ظاهرة على أنَّها هي التي تدور على الأرض، وكذلك القمر، «والنبي عليه الصلاة والسلام لَمَّا غربت الشمس قال لأبي ذر: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٢٤)، ومسلم (١٥٩) واللفظ له من حديث أبي ذر الغفاري.]]، ولم يقل: أتدري أين نذْهَب عن الشمس؟ بل الشمس هي التي تذهب، وهي التي تأتِي، وهي التي تستأذِن، وهي التي يُؤْذَن لها أو تُمْنَع. ومِن العجيب أنَّ هذا القول المخالف لِظاهِر القرآن أنَّه قد سرَى إلى أناسٍ لا تثِقُ في ديانَتِهم، قصدي لا تشُكّ في ديانتهم، لكن غرَّهم السراب فانخدعوا، والواجِبُ علينا في هذه الأمور أن نمشِيَ على ظاهِر القرآن، هذا الواجب حتى يتبَيَّن لنا ما يكون مخالِفًا لهذا الظاهر. أمَّا ما دلَّ عليه القرآن دلالة يقينية فإنَّه لا يمكن لِشيء أن يخالفه، فدلالةُ القرآن إمَّا ظاهرة وإما صرِيحة؛ الصريحة قطْعِيَّةُ الدلالة، ولا يمكن لشيء أن يخالفَها، والظاهرة ظنِّيَّة الدلالة، فنبقى على هذا الأصل، نبقى على الظاهر حتى يتبيَّن لنا بأمرٍ قطعي خلافُه، وحينئذٍ ما دام ظاهرًا فإنه يمكن أن يُؤَوَّل. * طالب: (...). * الشيخ: لا تقول هكذا، إن قلت هكذا أخذُوا عليك المعاول والفؤوس، قالوا: إحنا مجانين يا شيخ؟ * طالب: والله مجانين. * الشيخ: هو الآن مُقَرَّر عندك في المدارِس يدرسُه الصبيّ الصغير ويتغذَّى عليه. * طالب: الحمد لله، أنا ما درست. * الشيخ: إي الحمد لله أن الله فكّك. * طالب: مسألة دوران وثبوت الشمس أو القمر (...) هي قطعية، ومسألة ثبوت دوَرَان الأرض هي الظنية. * الشيخ: إي نعم، لا لا، كونُ هذه الأشياء تدُور على الأرض عندنا الآن ثلاث مسائل الحقيقة: ثبوت الشمس والقمر، يعني وقوفها، فهذا مكَذِّب للقرآن. والثاني: كون الليل والنهار بسبب دوران الأرض، أو بسبب دوران الشمس والقَمَر، هذا خلَاف الظَّاهر، والشيء الثالث: دوران الأرض نفسها، هذا ما في القرآن لا ظاهر ولا صرِيح يدُلّ على أنها تدور أو ما تدور، ما فيه دليل. * طالب: (...). * الشيخ: لا لا، ما هو بصحيح؛ لأنها هي ما هي بتدور أجزاء، تدور جميعًا، لا، هذه ما هي بصحيح، لكن الكلام على أنَّ مسألة دوران الأرض أنا ما أقول فيها شيء، أقول: هذه الله أعلم، ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل ١٥]. قد يقول قائل: إنَّ قوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ يدل على أن هناك حركة، ووُضِعَت هذه الجبال لاتِّزَان هذه الحركة؛ لأنَّ نفي الأخص لا يدُل على نفي الأعَمّ، ولكن مع ذلك إحنا نقول: ما لنا ولِهذا البحث، لو أنَّ هذا مِن الأمور التي يجِب علينا اعتقادُه أو اعتقاد نفيِه لكان قد بُيِّنَ في القرآن غايةَ البيان؛ لأنَّ الله يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]. لكن الخطِر أن تأتِي زُبَالَةُ أفكار وتستولِي على أفكارنا، ثم نأخُذها بالقبول والتسليم بدون أن نرجِع إلى القرآن، هذه المشكلة، يعني لو فُرِض الآن -ولله المثل الأعلى- لو كان هذا القرآن مؤَلَّف مِن بشر ويقول: الشمس تجري، ويقول: يكَوِّر الليل على النهار، معروف أنَّ التكوير التَّدْوِير، وأنَّ الليل والنهار يأتِي بسبب أيش؟ بسبب الشمس، وييجي كتاب ثاني يقول: لا، يُدير الأرض حتى يختلف الليل والنهار، لقلنا: إنَّ هذين الكتابين متعارِضَان، ويُطْلَب الترجيح، فإذا كان هذا كلام الله فإنه لا عبرَةَ بأيِّ شيء يخالفُه، فهذه نُكْتَة المسألة. * طالب: ما دام السلف والرسول ﷺ ما بيَّن (...)، والسلف ما ذكروا ما لنا نشتغل بها ونقول هكذا. * الشيخ: لا، أحسن، ما نشتغل فيها، لكن مثل ما قلت لكم بالأول، قلت: إذا ابتلي الإنسان لا بُدَّ أن ينزِل لِلمَيْدَان، طُرُق أهل الكلام في إثبات العقيدة، هل هذه مِن طريقة السلف؟ * طالب: لا. * الشيخ: طيب، هل أئِمَّة الإسلام تركُوهم وشأنهم؟ خاضوا معهم المعركة، إحنا إذا ابْتُلينا بقوم يُدْخِلُوننا في الميدان لا بد ندخل، يعني قبل يمكن أربعين سنة ما كان الناس يفهمون هذا الشيء، ولا يطْرَأ على بالهم إطلاقًا، إلَّا أنَّ الناس على عقائدهم الفطرية أنَّ الشمس تطلَع وتغَاب والقمر يطلع ويغَاب. * طالب: نكذِّبهم حتى يجيبوا دليل. * الشيخ: نعم، إحنا نكذِّب ما هو بكل شيء. * طالب: لا، في نفس الدوران وفي نفس.. * الشيخ: نكذِّبهم في قولهم: إنَّ تعاقب الليل والنهار بسبب دوَرَان الأرض، حتى يأتُوا بدليل قطعِي واضح مثل الشمس يكونُ حجَّةً لنا في تأويل ظاهر الآيات، وإلَّا ما نقبلها أبدًا، لو يجتمعون كلهم ما قَبِلْنا؛ لأننا نعرف أن كلهم تخرُّصَات، حتى إنَّ الآخر منهم ينقُل عبارة الأول بِنَصِّها وفَصِّها، مما يدُلّ على أنَّ المتَأَخِّرِين ببَّغَاوات، كلما نُطِقَ لهم نطَقُوا بما سمعوا. * طالب: (...). * الشيخ: هذا مِن البَلَاء. * طالب: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، هذا دليل. * الشيخ: إي نعم، هم يأتون بأشياء ما لها أصل. قال: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، تسخير القمر أيضًا لِمنافعِ العباد ومصالِحهم، ﴿والقمرَ قدَّرْنَاه منَازِلَ حتى عاد كالعُرْجُونِ القَدِيم﴾، لأجل أيش؟ بيَّنها الله الحكمة في ذلك، ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾، فباختلاف منازل القمر يكون العِلم بعدد السنين والحساب؛ لأنَّ الأهلّة هي المواقِيت العالَمِيَّة الفِطْرِيَّة، قال الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ١٨٩] عامَّة، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣٦]، وهذه الأشهر هي التي بيَّنها الرسول عليه الصلاة والسلام الأشْهُر الهِلَالِيَّة. * طالب: ذكر بعض الكُتَّاب أن الناس كانوا يعتقدون أن القمر (...)، فلو كان الناس يعتقدون أن حيوانًا سماويًّا يترصد للقمر فيحجبه عن الأرض. * الشيخ: والله هنا في نجد ما نعتقد هذا، يمكن هذا عنده هو، مثل ما يعتقِدُون في بعض البلاد أن الكسوف أنَّه سببُه يعني أحد المخلوقات يحُول بينه وبين الأرض ويخرُجون بالطبول يهْتِفُون: يا فلانة! يا فلانة! أنقذِي القمر، أو ما أشبه ذلك، نسيت اللي قص علي القصة ويش قال فيها؟ الحُوت. وقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ اللام هذه جَواب القسم، اللام الأولى في ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ موطِّئَة للقسم، وهذه واقِعَةٌ في جوابِ القسم. وقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ سيقول أهل النحو منكم: لماذا بُنِيَت على الضم مع أنها متَّصِلَةٌ بنون التوكيد؟ والمعروف أنّ المضارع إذا اتَّصَل بنون التوكيد يُبنَى على الفتح، وهنا قال: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾، فكيف نُجِيب؟ * طالب: (...). الشيخ اللي أمامنا الآن اللام جنب النون. * طالب: إي، لكن محذوفة نون الفعل (...) وحذفت الواو لتوالي الأمثال. * الشيخ: لا، بس أنتم أجيبوني عن أنَّه النون مباشِرَة للفعل، نقول: يشترط أن تكونَ المباشرة لفظًا وتقديرًا، وهنا المباشَرة لفظًا لا تقدِيرًا، ولذلك ابن مالك يقول في الألفية: ............................. ∗∗∗ وَأَعْرَبُــــــــــــــوامُضَــــــــــــــــــــارِعًا إِنْ عَـــــرِيَا؎مِـــــــنْ نُــــــونِ تَوْكِيـــــــدٍمُبَاشِـــــــــرٍ .... ∗∗∗ ............................ يعني مباشر لفظًا وتقديرًا، ومن نُونِ إِنَاثٍ، واضِح؟ فعلى هذا نقول: النون ما هي مباشرة للفعل بالتقدير؛ لأنه حالَ بينها وبين الفعل اسْمٌ وحرْف؛ اسم وهو الواو، وحرف، الحرْف النون، نون المضارع حُذِفت لتوالي الأمثال، وهي حُجَّة نحوي كما تعرفون، والواو واو الفاعل حُذِفَت لالتقَاء الساكنين؛ لأنَّه لَمَّا حُذِفَت النون الأولى لتوالي الأمثال فالنون الثانية مشددة، والحرف المشدد أوله ساكن، فيلتقي ساكنًا مع الواو الساكنة، فحينئِذٍ نحْذِف الواو. ............................. ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــنْ لَيْنًا فَحَذْفَــــــــهُاسْتَحَـــــــقْ فنقول: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾، فلم تكن نون التوكيد مباشرة للفعل لفظًا ولَّا تقديرًا؟ لم تكن نون التوكيد مباشِرةً للفعل تقديرًا. * طالب: يا شيخ، أصلها (ليقولون). * الشيخ: أصلها (ليقولُونَنَّ) هذا أصلها، فحُذِفت النون الأولى لِتوالي الأمثال، وصارَت النون الثَّانية مشَدَّدة، فأوَّلُها ساكن التقَتْ مع الواو الساكنة فحُذِفت الواو، فصَارَت ﴿لَيَقُولُنَّ﴾، قال: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ أي: المسؤُولون مِن الكفار. ﴿اللَّهُ﴾ أحسن شيء أن نقول: ﴿اللَّهُ﴾ خبر مبتدأ محذُوف تقديرُه (هو الله)، فيُقِرُّون بأنَّ الذي خلقَها الله سبحانه وتعالى. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ هو الله، يعتَرِفون أن هذه الأشياء ما تصنَعُها الآلهة لا خلقًا ولا تدبيرًا، شوف -سبحان الله- الآية جمَعَتْ بين الإيجَاد والتدبير، فهو تصرُّفٌ في الإيجَاد، وتصرُّف في التدبير؛ الإيجَاد في قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، والتَّدبير في قوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، ولم يقُل: خَلَق. قال تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فيقِرُّون بأنَّ خالق السماوات والأرض ومُسَخِّر الشمس والقمر هو الله دون أصنامِهم، لَمَّا أَقَرُّوا هذا الإقرار أقامُوا الحجة عليهم، أليس كذلك؟ لأنَّ مَن أقَر بالربُوبية لَزِمَه أن يُقِرّ بالألوهية، ومَن أقَرّ بالألوهيَّة فقد أقَرَّ بالربوبية، فهمتم؟ فهما متَلَازِمَان، أمّا الإقرار بالربوبية فهو مُلْزِمٌ للإقرار بالألوهية، ملزم وإن لم يحصُل الإقرار بالألوهية، وأمَّا الإقرار بالألوهية فهو مُسْتَلْزِم للإِقْرَار بالرُّبُوبِيَّة، وأيُّهما أسبَق؟ الإِقْرار بالربوبية أسبَق؛ لأنَّ الإنسان ما يعبُد إلا ربًّا يعلَم أسماءَه وصفَاتِه وأفعالَه. ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الله هو الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي سخر الشمس والقمر. قال الله تعالى: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: يُصْرَفون، (أنى) اسم استفهام، والغرَض منه التوبيخ، يعني بعد أن أقَرُّوا بهذا كيف أنَّهم يُصْرَفُون، وسُمِّي الصرفُ إفكًا؛ لأنَّه صَرْفٌ للشيء عن حقيقَتِه، فالإِفْك صَرْف مثل ما نصْرِف الكلام عن الواقع ويسمى.. إذا صرفنا الكلام عن الواقع ويش يسمى؟ يُسَمَّى إفكًا، قلت لك: قَدِم زيد، وهو ما قَدِم، هذا إفك، فهؤلاء أُفِكوا، أي صُرِفوا عن الواقع، وقوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، يعني أنَّى يُصْرَفون عن توحيدهِ بعد إقرارِهم بذلك. * طالب: فأنى يصرفون، معناه؟ * الشيخ: كيف. قال الله تعالى: (﴿﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ ﴾: يُوَسِّعُه، ﴿لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ امتحانًا، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: يُضَيِّق، ﴿لَهُ﴾ [العنكبوت 62] بعد البَسْط، أي: لِمَن يشَاءُ ابتلاءه)، ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ﴾ معنى يبْسُط يعني يُوسِع، والرِّزْق بمعنى العطاء. وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ المراد بالعباد هنا المتعَبِّدُون له بالمعنى العَامّ، أو بالمعنى الخاص؟ * الطلبة: بالمعنى العام. * الشيخ: بالمعنى العام الشَّامِل للمُؤْمِن والكافِر، والبَرّ والفَاجِر، فالله تعالى يُوَسِّع الرزق. وقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (مَن) هذه اسم موصول بمعنَى (الذي)، وهو مِن الأسماء الموصولة العامَّة ولَّا الخاصة؟ * طالب: العامة. * الشيخ: العامة، وقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي يشاء بَسْطَ الرزق له، فإذن مفعول ﴿يَشَاءُ﴾ محذُوف، دَلَّ عليه السياق، وقد مَرَّ علينا قاعِدَة مُهِمَّة جدًّا، وهو أنَّ كل شيءٍ علَّقَه الله تعالى بالمشيئة فإنّما المراد المشِيئَة المبنِيَّة على الحكمة؛ لأنَّ جمِيع أفعال الله عز وجل وأحكامه كلها مبْنِيَّة على الحكْمَة، علِمْنَاها أم جهِلْنَاها. وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ قال المؤلف: (امتحانًا)، والتَّضْيِيق قال: (ابتلاءً)؛ امتحانًا الامْتِحَان هو الابتلاء في الحقيقة، قال الله تعالى عن سليمان: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾، وقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿وَيَقْدِرُ﴾، يقْدِر بمعنى يُضَيِّق، مِن أين عرَفْنَا أنَّ (يقدر) هنا بمعنى يُضَيِّق؟ ولماذا لم نجعل القُدْرة هنا بمعنى استطاعة العَمَل؟ * طالب: من قوله: ﴿يَبْسُطُ﴾. * الشيخ: مِن قولِه: ﴿يَبْسُطُ﴾، هذا مقابلَتُه بالبسْط يدُل على أنَّ المراد التضْيِيق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ﴾، ﴿قُدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: ضُيِّق عليه. وقوله: ﴿يَقْدِرُ لَهُ﴾، (له) الضمير يعود على (من يشاء) يعني: ويقدِرُ لمن يشاءُ، وهل المبسوط له والمقَدَّر له واحِد؟ ظاهر كلام المؤلف أنَّه واحد، ولهذا قال: ويقْدِرُ له بعد البَسْط، والسبب أنَّ الضمير في (له) يعود بلا شكّ على (مَن) في قولِه: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فكأن المؤلف رحمه الله أرَاد أن يعُود عليه باعتبَار عيْنِه، ولكنَّنا نقول: لا مانِع مِن أن يعودَ إليه باعتبار جنسه لا باعتِبَار عينِه، فيكون الضمير عائدًا على (من يشاء) باعتبار الجنس، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. قوله: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ أي المعَمَّر؟ ما يصلح مِن عمرِه -أي المعمَّر-؛ لأنَّه إذا نقص ما صار معَمَّرًا، لكن المراد من عُمُرِه باعتبار الجنس، فيكون عُمر معَمِّرٍ آخر، ومثله أن تقول: أعطيتُ هذا الرجل درهمًا ونِصْفَه، نصف أيش؟ نصْف دِرْهَمٍ آخر، ما هو بنصف الدرهم هذا، ما كسَّرت الدرهم، ولو كسَّرته أيضًا وأعطيته إياه كاملًا أعطيته كله نصفين. فالذي يظهَر أنَّ الضمير في قوله: (له) يعود على (من يشاء)، باعتبار أيش؟ الجنس لا العَيْن، فالله تعالى يبسط الرزق لهذا ويضيِّقُه على هذا، كما أنَّه سبحانه وتعالى يبسُطُه لهذا أحيانًا، ويضيقه عليه أحيانًا، ألسنا نرى الآن مِن الأغنياء مَن رَجَع فقيرًا، ومِن الفقراء من رجَع غنِيًّا، فالله سبحانه وتعالى يبسُط الرزق باعتبار العين وباعتبار الجنس، هذا البسْط تابِعٌ لعلمِه وحكمَتِه، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ومنه البَسْط والتَّضْيِيق، فهو سبحانه وتعالى لا يبسُط أو يضَيِّق إلَّا عَن عِلْم. ثم هذا العلم أيضًا تتْبَعُه الحِكْمة، فهو سبحانه وتعالى يُغْنِي مَن يُصلِحُه الغنى، ويُفْقِر مَن يصلِحُه الفقر، ولِهذا جاء في الحديث: «إنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْغِنَى، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْفَقْرُ»[[أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢٣١) بنحوه من حديث أنس.]]، وإذا مَنَّ الله على العبد وتفَضَّلَ عليه، وجعل رزقَه تابعًا لِمَصْلَحَتِه، حصَل بذلك خيرٌ كثير، ومِن العباد مَن إذا أُغْنِي فسَد، إذن الضمير في قوله: (ويقدر له) يعود على مَن؟ * طالب: على قول المؤلف (...). * الشيخ: نعم، يعني معنَاه أنَّه يَبْسُط لِهذا ويُضَيِّق لِهذا. * طالب: على قول المؤلف (...). * الشيخ: وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ كُل شيء مما يفعَلُه هو، أو مِما يفعَلُه العباد، فإنه لا يخفَى عَليه شَيْء مِن ذلك أبدًا. قال بعض الناس: وما مِن عَامٍّ إلا خُصّ، إلَّا قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هل هذا صحيح؟ يعني بعض العلماء قال -بعض الأصوليين- لَمَّا تكلم على العام والخاصّ قال: وما مِن عامٍّ إلا خُصّ، إلا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ لأن ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ما يستَثْنَي منها شيء، لا الوَاجِب، ولا الجائز، ولا المستَحِيل، حتى المستحيل يعلَمُه سبحانه وتعالى أو لا؟ يعلَمُه، ولا فيها شيء مُخَصَّص أبدًا، أمَّا غيرُه مِن العموم فإنّه مخصَّص، بمعنى أنه يَخرُج منه شيءٌ، إمَّا بدلالة العقل أو بدلالة الشَّرع، ولكن هذا القول غير صحيح، الصواب: إنَّ الأصل في العمُومات بقاؤها على العموم، هذا الأصل في العمومات، نعم إن أرادُوا إلَّا يُتَصَوَّر فيه التخصِيص، إن أرادُوا التَّصَوُّر والتقدِير فهذا ممكن، أمَّا إن أرادُوا الواقع فلا. قال المؤلف: (ومنه محَلُّ البَسْط والتَّضْيِيق)، فهو سبحانه وتعالى عالِمٌ بأن هذا أهلٌ لأن يُبسط له الرزق، وأنَّ هذا أهل لأن يُضَيَّق عليه الرزق. * * * * الطالب: سُئِلَ الشيخ سُلَيمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن مسائل: المسألة الأولى: هل يجُوز للمسلم أن يُسافرَ إلى بلاد الكفار الحرْبِيَّة لأجل التجارة أم لا؟ الجواب: الحمد لله، إن كان يقْدِرُ على إظهار دينِه ولا يُوالِي المشركين جازَ له ذلك. * الشيخ: أيش، ولا..؟ * الطالب: ولا يوالي المشركين جاز له ذلك، «فقد سافَر بعض الصحابة رضي الله عنهم كأبي بكر رضي الله عنه وغيره مِن الصحابة إلى بُلدان المشركين لأجْل التجارة، ولم يُنكِر ذلك النبيُّ ﷺ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٧١٩)، وأحمد (٢٦٦٨٧) من حديث أم سلمة.]]، كما رواه أحمد في مسنده وغيرُه، وإن كان لا يقدِرُ على إظهار دينه ولا عدم موالاتِهم لم يجُز له السفر إلى ديارهم، كما نَصَّ على ذلك العلماء، وعليه تُحْمَلُ الأحاديث التي تدُل على ذلك، أو على خلاف ذلك، وعليه تحمل الأحاديث التي تدُل على خلاف ذلك. * الشيخ: في الأصل ما هو، الأصل؟ * الطالب: الأصل ما نقلْتُه،كما نَصَّ على ذلك العلماء وعليه تُحْمَلُ الأحاديث التي تدل على خلاف ذلك، وعليه تُحْمَلُ الأحاديث التي تدل على ذلك، كحديث: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ»[[أخرجه أبو داود (٢٧٨٧) من حديث سمرة بن جندب.]]، يجمع بين حديث سفر أبي بكر إلى بلاد الكفار وإقْرَار الرسول ﷺ له، وبين الأحاديث الناهِية عن .. * الشيخ: يمكن، لعل الصواب على خلاف. * الطالب: نعم، وأراجع إن شاء الله؛ ولأنَّ الله تعالى أوجب على الإنسان العملَ بالتوحيد، وفَرَض عليه عداوة المشركين، فما كان ذريعَةً وسببًا إلى إسقاط ذلك لم يجُز، وأيضًا فقد يجُرُّه ذلك إلى موافَقَتِهم وإرضَائِهم، كما هو الواقع كثيرًا ممن يسافر إلى بلدان المشركين مِن فُسَّاق المسلمين، نعوذ بالله مِن ذلك. المسألة الثانية: هل يجُوز للإنسان أن يجلِس.. * الشيخ: الكلام الآن السؤال عن دَار الحرب ترى، وهناك فرق بين دار الحرب ودار العهْد، وتعليلُه يدُلّ على العموم، وسؤاله. * الطالب: سؤاله عن دار الحرْب، بس ده جائز في الحربية، جائز من باب.. * الشيخ: لا، خَلِّي ده جائز، لكن إذا مُنِع في الحربِيَّة هل يُمنَع في غيرِها؟ هو مثلًا إذا جاز .. * الطالب: هو أجازَه في الحرْبِيَّة. * الشيخ: أجازه بالشُّرُوط اللي عندك، هذَا لَا بَأْس. * الطالب: إذا أجازه في الحرْبِيَّة أجازه من باب أولى في العادية. * طالب آخر: لكن أدلة هذا ما تدُل على الحربية.. * الشيخ: وأنها عام، هو جوابه يدُل على العموم، لكن السؤال في الحرْبِيَّة. * الطالب: المسألة الثانية: هل يجوز للإنسان أن يَجْلِس في بلاد الكُفَّار وشعَائر الكُفْر ظاهِرةٌ مِن أجْل التجارة؟ الجواب عن هذه المسألة هو جواب التي قبلها سواءً، ولا فَرْقَ في ذلك بين دار الحرب أو دار الصلح، فكلُّ بلدَةٍ لا يَقْدِر المسلم على إظهار دينِه فيها لا يجُوز له السفر إليها. المسألة الثالثة: هل يُفَرَّق بين المدة القريبة مثل شهر أو شهرَين، والمدَّة البعيدة؟ الجواب: لا فرقَ بين المدة القريبة والبعِيدَة، فكُلُّ بلدة لا يقدر فيها على إظهار دينه ولا عدَمِ موالاة المشركين لا يجوزُ له المـُقَامُ فيها ولا يومًا واحدًا إذا كان يقدِرُ على الخُرُوجِ منْها. المسألة الرابعة: في معنى قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، وقول النبي ﷺ في الحديث: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ»[[أخرجه أبو داود (٢٧٨٧) من حديث سمرة بن جندب.]]. الجواب: أنَّ معنى الآية على ظاهرِها، وهو أنَّ الرجل إذا سَمِع آيات الله يُكْفَرُ بها ويُسْتَهْزَأُ بها فجَلَس عند الكافرين المستهزِئِين مِن غير إكراهٍ ولا إنكَار ولا قيامٍ عنهم حتى يخُوضُوا في حديث غيرِه فهو كافِرٌ مثلهم، وإن لم يفعل فعلَهم؛ لأنَّ ذلك يتضَمَّن الرِّضَا بالكفر، والرِّضَا بالكُفْرِ كُفْر، وبهذه الآية استدَلَّ العلماء على أنَّ الراضي بالذنب كفاعله، فإن ادَّعى أنَّه يكره ذلك بقلبه لم يُقبَل منه؛ لأنَّ الحكم على الظاهر، وهو قد أظهَرَ الكفر فيكونَ كافرًا. * الشيخ: يكونُ. * الطالب: فيكونُ كافِرًا، ولهذا لَمَّا وقعَتِ الرِّدَّةُ بعد موت النبي ﷺ وادَّعى أناس أنهم كرهوا ذلك لم يقبَل منهم الصحابة ذلك، بل جعَلُوهم كلَّهم مرتَدِّين إلا مَن أنكَر بلسانِه وقلبِه، وكذلك قوله في الحديث: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ» على ظاهرِه، وهو أنَّ الذي يدَّعي الإسلام، ويكُونُ مع المشركين في الاجتمَاع والنصرة والمنْزِل معهم، بحيث يعُدُّه المشركون منهم، فهو كافرٌ مثلهم، وإنِ ادَّعَى الإسلام، إلا أن يُظهِرَ دينَه ولا يوالِيَ المشركين، «ولهذا لَمَّا ادعى بعضُ الناس الذين أقامُوا بمكَّةَ بعدما هاجر النبي ﷺ، فادَّعَوُا الإسلام، إلا أنهم أقاموا في مكة يعُدُّهم المشركون منهم، وخرَجُوا معهم يوم بدر كارِهين للخروج معهم، فقُتِلوا، فظَنَّ بعض الصحابة أنهم مسلمون، وقالوا: قتَلْنَا إخوانَنا، فأنزلَ الله تعالى فيهم:» ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [النساء: ٩٧][[أخرجه البخاري (٤٥٩٦) من حديث ابن عباس.]]، قال السُّدِّي وغيرُه مِن المفسرين: إنَّهم كانُوا كُفَّارًا، ولم يعذُرِ الله تعالى إلَّا المستضْعَفِين، انتهى. قلت: وقد ظهرَ الجواب عن حديث: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ»، وأنَّه لا فرقَ بين الإقامة والسفر المؤَقَّت، لكن نقل الشوكاني حول قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت ٥٦]. * الشيخ: هذا من أين نقل الشوكاني؟ * طالب: نقل الشوكاني في التفسير -أنا أذاكره، أنا أذاكِر المرَاجع لكن أختَصِر الصفحات، لكن نقل الشوكاني حول قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت ٥٦]، قال الزجاج: أُمِرُوا بالهجرة من الموضع الذي لا يمكنُهم فيه عبادَةُ الله، وكذلك يجِبُ على مَن كان في بلد يُعْمل فيها بالمعاصي ولا يمكنُه تغيِير ذلك أن يهاجِرَ حيث يتهَيَّأُ له أن يعبُدَ الله حق عبادتِه. قلت -وأنا القائل-: في هذا نظر. * الشيخ: الله المستعان! * الطالب: والله المستعان. * الشيخ: لو عمِلْنَا بهذا (...) إلا الصَّحَابة. * الطالب: قلت: في هذا نظر. * الشيخ: من ذكر (قلت)؟ * الطالب: أنا ذكرت، حيث إنَّ النبيَّ ﷺ ذكَرَ آخِرَ درجات إنكار المنكر ولم يُوجب الهجرة، بل يجِب أن يبتعِدَ عن الجلوس مع أهْلِ المنكر، وتأخِيرُ البيان عن وقتِ الحاجة ممتَنِع، والكلام الأخير يحتمل أن يكون بقية كلام الزَّجَّاج، أو مسْتَأْنَفًا مِن الشوكاني -رحمهم الله- فالعبارة مشكِلَة هل هي مِن الزجَّاج أو من الشوكاني قوله: وكذلك يجب على من كان في بلد يُعْمَلُ فيها بالمعاصي ولا يمكنه تغْيِير ذلك أن يُهَاجِر. وقال القرطبي حول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء ٩٧] في نقلِه كلامًا لابن العربي: الأوَّل: الهجرة وهي الخروج مِن دار الحرب إلى دارِ الإسلام، وكانت فرض.. * الشيخ: هل صحيح أن مسألة العمَل بالمعاصي الظاهِرة إذا كان أنت مضطَر إلى البقاء معهم، أما إذا صار لك أنت في بيتك ما فيه معصية، صحيح في الأسواق معاصي، لكن في بيتك ما فيه معصية، وإنما تمُرُّ بها مرًّا، فلا أظن أحدًا من أهل العلم يقول بـوجوب الهجرة، نعم إذا صار لك أن هذا المكان يُؤْمَر بالمعاصي وأنت مضطر إلى البقَاء فيه نقول: لازم تروح، لا بد أن تذهب وتخرُج. * طالب: وإذ إنك تعمل فيه يا شيخ، وإذ إنك تعمل في (...) هذا اللي المعاصي ظاهرة. * الشيخ: ما يجوز، ولهذا قلنا: ما يجوز التَّوَظُّف في البُنُوك، يعني حتى اللي ما يكتب الربا بعضهم يقول: أنا ما باكتُب، أنا بس أقَهْوِيهُم وأكنس لهم وأزين لهم، أقول: لكن وجودك في هذا المكان معناه الرضا والإقرَار، فلهذا ما يجوز. * طالب: إذا صِرْت كاتبًا سأكتب، والكُتَّاب اللي معي كلهم محاليق ويشربون دخانًا وتتن[[التتن: التبغ. ]]. * الشيخ: لا، في مسألة شرب التتن نعم؛ لأنَّه يعمل معصية أمامك. * طالب: واللحية بعد. * الشيخ: واللحية ما هو بحلقها أمامي الآن، هذا أثَر الحلق، أثر الحلق ما عَلَيّ منه، لكن الكَلام على شرب الدخان إذا ما أمكن (...)، بلاوي. * الطالب: الأول -في نقْله كلامًا لابن العربي- الأول: الهجرة، وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضًا للنبي ﷺ، وهذه الهجرة باقيَةٌ إلى يوم القيامة، ولكن انقَطَعت -بالفتح- هي القَصْد إليه حيث كان، فإنَّ المسلم إذا بقي في دار الحرْب عصَى. الثانية: الخروج مِن أرض البدعة، قال ابن القاسم. * الشيخ: فإن المسلم إذا بقِي في دار الحرب عصى. * الطالب: نعم عصَى، إذا كان في دار حرب يجب عليه أن ينتقل إلى دار الإسلام. * الشيخ: ظاهره العموم. * الطالب: إي، ظاهره العموم . الثاني: الخروج من أرض البدعة قال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: لا يحِلُّ لأحدٍ أن يُقِيمَ في أرض يُسَبُّ فيها السلف. قال ابن العربي: وهذا صحيح؛ فإنَّ المنكر إذا لم تُغَيِّرْه فزُلْ عنه، ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام ٦٨]. صحيح كلام ابن العربي هذا؟ * الشيخ: صحيح، مثل ما قلنا، إذا صار أنك مضطر تبقى معهم في نفس المكان لازم تروح، أمَّا إذا صَار كل في بيته ولا هو (...). * الطالب: قال: الثالث الخروج مِن أرضٍ غلَب عليها الحرَام، فإنَّ طلب الحلال فرْضٌ على كل مسلم. * الشيخ: مثل أيش؟ * الطالب: إذا كان ما يتعامَلون إلا بالربا يعني كل الناس. * الشيخ: كل الناس؟ * الطالب: هذا واقع، أنا سمعت فتوى مِن بعض المشايخ بلدي كلها تتعَامل بالرِّبَا ويقول له: أيش تسوي؟ يعني العمل يكون أيش، يكون على قدر الحاجة، أم ليس على قدر الحاجة، كل البنوك الآن معظمها تتعامل في الخارج. * الشيخ: كل البنوك لا بأس، لكن هل كل الناس بُنُوك؟ فيه مثلًا مطاعم، فيه بقالات، فيه تجار ثياب. * الطالب: الأموال الأصلية أموال الدولة أصلًا في البنوك. * الشيخ: على كل حال (...) مثل ما يقول الفقهاء (...). * الطالب: مسألة: هل يجب عليه إنكار المنكر وأنَّه باطِل؟ قال ابن جرير الطبري في تفسيره لقولِه تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة ٤] قد كان لكم أيها المؤمنون قدوةٌ حسنةٌ في إبرَاهِيمَ خَلِيل الرحمن، تقتَدُون به والذين معَه مِن أنبياءِ الله، ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة ٤] حين قالوا لقومهم الذين كفروا بالله وعبَدُوا الطاغوت: أيُّها القوم، إنا برآء منكم ومِن الذين تعبدونه مِن دون الله مِن الآلهة والأنداد، ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ فأنكَرْنا ما كنتم عليه من الكفر، وجحَدْنَا عبادتكم ما تعبُدُون مِن دون الله، ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾، وظهر بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا على كفرِكم بالله، ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، لا صلحَ ببيننا ولا هوادَة حتى تصَدِّقُوا بالله وحده فتوحِّدُوه وتفْرِدُوه بالعبادة. قلت: وقد عقَّبَها الله بقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الممتحنة٦] وظاهر هذا أنَّه واجب. * الشيخ: القول بالتبرؤ مِن الكفار واجب. * الطالب: وقوله: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾. * الشيخ: نعم نعم، نقول له: لا. * الطالب: الآية ظاهرُها وصريحُها أنه يجب هذا. * الشيخ: يجب أن نقول هذا، ولكن هل مثلًا إذا قمنا في مقام في بلد ما نستطيع أن نقول الكلام هذا. * الطالب: يجب تهاجر؛ لأنه يجب إظهار الدين، وقال الشوكاني على قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ الآية، قال: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ إن كنتم في ضِيقٍ في مكة مِن إظهار الإيمان، وفي مُكايَدة الكفار فاخْرُجُوا لِيتَيَسَّر عليكم عبادَتِي، وتسْهلَ عليكم، وفي مُكايَدة الكفار. * الشيخ: إي، هم يكيدون لكم. * الطالب: نعم، وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في سِيَاقِ شرحه لِتَضَمُّن أصْل الدين وقاعدتِه أمرين، قال: ثم قال رحمه الله تعالى: الظاهر أنَّ الكلام النَّص (...) ولم يُكَفِّرْهم، فهذا النَّوع أيضًا لم يأتِ بما دلَّتْ عليه (لا إلَهَ إلا الله) مِن نفْيِ الشِّرك، وما تقْتَضِيه مِن تكفِير مَن فعلَه بعد البَيانِ إجماعًا، وهو مضمونُ سورة الإخلاص، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون ١]، وقوله في آية الممتحِنَة: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ [الممتحنة ٤]، ومَن لم يُكَفِّر مَن كفَّره القرآن فقد خالَف ما جاءت به الرسل مِن التوحيد وما يُوجِبُه. ثم قال رحمه الله: (ومنهم -وهو أشدّ الأنواع خطرًا- مَن عمِل بالتوحيد ولم يعرِف قدرَه، ولم يبغِض مَن تركه ولم يُكَفِّره). وقوله رحمه الله: (وهو أشد الأنواع خطرًا)؛ لأنه مَن لم يعرِف قدْرَ ما عمل به ولم يأتِ بما يُصَحِّحُ توحِيده مِن القُيُود الثِّقَال التي لا بُدَّ منها فما عَلِم أنَّ التوحيد يقتضي نفي الشرك والبراءَةَ منه، ومعادَاة أهله وتكفيرَهم، مع قيام الحجة عليهم، فهذا قد يغْتَرُّ بحاله وهو لم يأتِ بما عليه مِن الأمور التي دلَّت عليها كلمة الإخلاص نفيًا وإثباتًا، انتهى. وسُئِل الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: هل مُوالاة الكفار حَمِيَّةً -لأن ظاهر عبارة الشيخ أنه يجِب معاداتهم والتَّغليظ في ذلك، ومصارحَتُهم بسبِّ دينِهم وعيْبِ آلهتهم، هذا ظاهِر الكلام-، ثم قال: وسُئِل الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: هل مُوالاة الكفار حَمِيَّةً دنيوية موالاة نفاق أو يصِيروا كُفارًا؟ وإذا كان لا يقْدِروا أن يتلفَّظَ بكفرهم وسبهم فما حكمُه؟ وإذا عرفْت هذا مِن إنسان ماذا يجِب عليك؟ فأجاب: إن كانت الموالاةُ مع مساكنتهم في ديارهم والخروج معهم في قتالِهم ونحو ذلك فإنه يُحكم على صاحبها بالكفر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء ١٤٠]، وقال النبي ﷺ: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكِينَ وَسَكَنَ مَعَهُمْ فَإِنَّهُ مِثْلُهُمْ»[[أخرجه أبو داود (٢٧٨٧) من حديث سمرة بن جندب.]]، وقال: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ»[[أخرجه أبو داود (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤) من حديث جرير بن عبد الله.]]، رواهما أبو داود. وإن كانت الموالاة في ديار الإسلام، -وبحثت لابن القيم لعلي أجد كلامًا في هذا، بحثت لابن القيم في مختصر تهذيب السنن، وإن قال: وإن كانت الموالَاةُ في ديار الإسلام إذا قدِمُوا إليهم ونحو ذلك فهذا عاصٍ آثمٌ متعَرِّض للوعيد، وإن كانت موالاتهم لأجل دينِهم -هكذا بالأصل- يجِبُ علينا التعزير بالهجر والأدَب ونحوه ما يزْجُر أمثاله -أظنه يعني مِن أجل تَرْغِيبِهم في الدين-. * الشيخ: لا من أجل دينهم. * الطالب: الحين سيأتي بعد الكلام الذي فيهم؛ لأنه كُفْر، موالاتهم من أجل دينِهم كُفْر. * الشيخ: لا، من أجل دينهم، أو دنياهم؟ * الطالب: أو يمكن دنياهم، نعم صحيح، يمكن دنياهم، لكن هذا وهذا (...)، وإن كانت الموالاة لأجْل دينِهم فهو مثلُهم، ومَن أحَبَّ قومًا حُشِرَ معهم، ولكن يتفكر السائل في قوله: حمية دنيوية، لا يمكن هذا إلَّا لإبلاغ المحبة في قلوبِهم، وإلَّا فلو كان يُبغضُهم في الله ويعاديهم لكان أقَرَّ شيء لعينِه ما يسوؤُهم، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: أَتُحِـــــــبُّ أَعْـــــدَاءَ الْحَبِيـــــبِوَتَدَّعِـــــــي ∗∗∗ حُبًّــا لَــــــــــهُ مَـــــــــا ذَاكَ فِيإِمْكَـــــــــــانِ وأما قول السائل: فإذا ما كان يقْدِر من نفسِه أن يتلفظ بكفرِهم وسبِّهم؟ فالجواب: لا يخلو عن ذلك أن يكون شاكًّا في كفرهم أو جاهِلًا به، أو يقال: يُقِرُّ بأنَّهم كفرَة هم وأشباهُهم، ولكن لا يقدِر على مواجهَتِهم وتكفيرهم، أو يقول: غيرهم كفار، لا أقول: إنَّهم كفار، فإن كان شاكًّا في كفرِهِم أو جاهِلًا بكفرهم بُيِّنَت له الأدلة مِن الكتاب والسنة على كفرِهم. فإن شَكَّ في ذلك وتردَّدَ فإنَّه كافر بإجماع العلماء، على أنَّ مَن شكَّ في كُفْرِ الكُفَّار فهو كافر، وإن كان يُقِرُّ بكفْرِهم ولا يقدِرُ على مواجهتهم بتكفيرهم فهو مُدَاهِن، ويدْخُل في قوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩]، وله حُكْمُ أمثالِه مِن أهل الذنوب. * الشيخ: إذا بقي عندهم؟ * طالب: إذا بقِيَ عندهم وداهَنَهم بالسكوت قال: أخاف يطرُدُوننا، وإن كان يقول: أقول: غيرهم كفار، ولا أقول: هم كفار، فهذا حُكْمٌ منه بإسلامِهم؛ إذْ لا واسِطَةَ بين الكفر والإسلام، فإن لم يكونُوا كفارًا فهم مسْلِمُون، وحينئذ فمَن سمَّى الكفر إسلامًا، أو سمَّى الكفَّار مسلمين فهو كافِرٌ، فيكون هذا كافرًا. وأما قوله: إذا عرَفْت هذا مِن إنسان ماذا يجبُ علَيك؟ فالجواب: يجب عليك أن تنصحَه وتدعُوَه إلى الله سبحانه، وتُعَرِّفَه قبيحَ ما ارتكبه، فإن تاب فهذا هو المطلوب، وإن أصَرَّ وعانَد فله حكم ما ارتَكَبَه؛ إن كان كفرًا فكافر، وإن كان معصيةً أو إثمًا فعَاصٍ آثِم، يجب الإنكار عليه وتأدِيبُه وهجره وإبعاده حتى يتُوب، وقد هجر النبي ﷺ مَن تخَلَّف عن غزوةٍ واحدة، ونهى عن كلامِهم والسلام عليهم، فكيف بمِن يوالِي الكُفَّارَ ويظهر لهم المودة؟ انتهى. قلت: ظهَر مِن هذا وجوبُ الإنكار وبيان ضلالِهم على مَن ذهبَ إلى بلادهم، إمَّا كفرًا إن كان يحبهم ويواليهم، أو لا يعتَقد كفرَهم وإن كان يخَاف أن يطردوه فهو آثمٌ مُتَعَرِّض للوعيد، وقد ذكرَ الشيخ سليمان. * الشيخ: هذا الجواب الأخير من قوله؟ * الطالب: هذا من قولي أنا. * الشيخ: لا، الجواب الأخير؟ * الطالب: إي، الجواب الأخير مِن قوله، لكن قلت.. * الشيخ: لا، خَلِّي قلت من قولك. * الطالب: لكن الأول كله من جوابه. * الشيخ: جواب مَن؟ * الطالب: جواب سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد، أنا ناقل فقط، يعني الأول ناقل. * الشيخ: (...). * الطالب: ثم قال: وقد ذكر الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أمورًا قال فيها: ويُفهم مما ذكرْنا مِن الكتاب والسنة والآثار عن السلف أُمُور، فمن فعلَها دخل في تلك الآيات، وتعرَّض للوعيد بمسيس النار، نعوذ بالله من مُوجِبَات غضبه وأليمِ عقابه، نذكر منها ما يلي: الموَدَّة والمحبةُ الخاصَّة، مداهنَتُهم ومداراتهم، طاعتهم فيما يقولون ويُشْهِرُون، تقديمهم في الجلُوس أو الدُّخول على أمراءِ الإسلام، مشاورتهم في الأمور، مُجَالَسَتُهم ومزَاوَرَتُهم والدخول عليهم. «أم أسماء أتت إليها وهي كافرة، قال الرسول: «صِلِي أُمَّكِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٢٠)، ومسلم (١٠٠٣ / ٥٠) من حديث أسماء بنت أبي بكر.]]، فالإنسان يعتقد تكرارها. * الشيخ: الظاهر إن الجلوس أنه بِرّ بهم؛ لأن هذه قرابة، مسألة القرابة لها حَق حتى لو كانت كافرة. * طالب: والبِر، ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ﴾ [الممتحنة ٨]. * الشيخ: إي، المجالسة تدعو إلى المؤانسة والألفة. * طالب: ومزاوَرَتُهم يعني تكرُّر الزيارة، والدُّخُول عليهم، البَشاشَة لهم والطَّلاقة، معاونتهم في أمورهم ولو بشيءٍ قليل، كبَرْيِ القلم وتقريب الدواة ليكتبوا ظلمهم. * الشيخ: ليكتبوا ظلمهم. * طالب: مصاحَبَتُهم ومعاشرتُهم، الرضا بأعمالهم، والتشبه بهم، والتَّزَيِّي بزِيِّهم، ذكر ما فيه تعظيمٌ لهم كتسميتهم سادات، السُّكْنَى معهم في ديارهم. وقد سُئِل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله عن حكم السفر لبلاد الكفار للتعلم هذا من (...). فأجاب: لا يجوز إلا بثلاثة شروط: أن يكون المسلمون بحاجَةٍ ماسَّة إلى هذا العلم، ألَّا يُوجد هذا العلم في بلاد المسلمين، القدرة على إظهارِ دينه، قلت: يضاف إليهما ما ذكَر الشيخ سليمان بن عبد الله مِن اشتراط الأمْن مِن موالَاتهم وموَدَّتِهم، أظنه داخل في الأمر الثالث القدرة على إظهار الدين يدخل فيه الأمن، ويضاف إليه أيضًا ما اشترطَه أحد العلماء، وهو أن يكُون على معرِفَةٍ بعقيدته والرَّدِّ على شُبَهِ أعداء الله ورسوله، هذا والله أعلم. * الشيخ: وهل أمِنَ على نفسِه يعني عنده قوة مِن الدين يأمَن مِن الشهوات؟ إحنا ذكرْنا أمس ثلاث صور: الحَاجَة، والثاني: أن يكون عنده علْمٌ يدفع به الشبهات وعنده دين يدْفَع عنه الشهوات. * طالب: عنده معرِفَةٌ بعقيدتِه. * * * * الشيخ: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت 59]. * يُستفاد من هذه الآية: فضِيلَة الصبر، حيث أثْنَى الله على الصابرين: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾. * ومِن فوائدها أيضًا: وجوب إفراد الله سبحانه وتعالى بالتوَكُّل والاعتِمَاد؛ لقوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. * ومنها: أنه ينبغِي للصابر أن يعتَمدَ على ربِّه في صبرِه؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، وفائدة اعتماده في صبرِه على ربِّه، أوَّلًا: الثباتُ على ذلك، إن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، الفائدة الثانية: أنَّ صبرَه يكُون عبادة؛ لأنَّ بعض الناس يصْبِر ويتجلَّد على حدِّ قول الشاعر: وتَجَلُّــــــــــدِي للشَّامِتِـــــــــــــينَأُرِيهِـــــــــــــــمُ ∗∗∗ أنِّي لِرَيْــــــبِ الدَّهْـــــر لاأَتضَعْضَـــــعُ هذا الصبر يعني لا شك أنّه خُلُق جميل، لكن ما يُثَاب عليه، إذن نقُول: إن أيش؟ إنَّ الصَّبر المقرُون بالتَّوَكُّل على الله سبحانه وتعالى هو الذي يكون فيه الثواب والأجر. * ومِن فوائد الآية: كِفَاية الله عز وجل؛ لأنَّه لا يُتَوَكَّل إلا على مَن هو كافٍ، فمَن ليس بكافٍ فليس أهلًا لِأَن يُتَوَكَّل عليه. * ومِن فوائدها: إثباتُ الربوبية؛ لِقولِه: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت ٦٠]. * مِن فوائد الآية: الإرشَاد إلى النَّظَر في مَخْلُوقَات الله، فإنَّ الله يقول: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ لأجل أن نتَفَكَّر في هذه الدواب التي لا تحمِلُ رزقَها. * ومِن فوائدها: أنَّها تشتَمِل على عِدَّةِ صفات مِن صفات الله، منها كمالُ القدرة حيث يخْلُق هذه الدَّوَابّ الصغيرة اللي ما تحمِل رزقَها، ويخلُق الدواب العظيمة التي تكتَسِبُ الرزق. * ومنها أيضًا -مِن فوائدها-: من الصفات التي تُستفاد منها قدْرَةُ الله عز وجل، ومنها علمُه، ومنها رَحمتُه، ومنها إحَاطَتُه بكل شيء، فإن هذه الدواب الصغيرة اللي ما تحمِل رزقَها يعلمُها ويرزقُها. وقوله ﴿يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. * طالب: ومنها (...). * الشيخ: إي، قلناها، ما ذكرناها أول شيء؟ * ومِن فوائدها: إثبات اسمَيِ (السميع) (العليم) وما يتضَمَّنَاه مِن الصفة. ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، إلى آخره [العنكبوت: ٦١]. * في هذه الآية مِن الفوائد: إقامَة الحجة على الخصم حتى يُذْعِن ويقِرّ. * ومنها: سفَه المشركين بالله في عبادتهم، حيث يقِرُّون بربوبيته ثم يُنْكِرُون ألوهيته، وكان مِن العقل أنَّ مَن أقَرَّ بالربوبية أقَرَّ بالألوهية. * ومنها: إثباتُ خلْقِ السماوات والأرض، وأنَّ الذي خلقَهما الله. * ومنها أيضًا: أنَّ تدْبِيرَ الكون إلى الله عز وجل، ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾. * ومنها: رحمةُ الله تعالى بخلقِه؛ حيث سخَّرَ لهم الشَّمْس والقَمر. * ومنها: أنَّ المشركين يقِرُّون بالربوبية. * ومنها: أنَّ الإقرارَ بالربوبية لا يكفِي في التوحيد، وبهذا نعرف -الذي يترتَّب على هذه الفائدة- نعرِف بُطْلَان تفسِير مَن فَسَّر الإله بالقادر على الاخْتِراَع، فإنَّ المتكلمين يفَسِّرُون الإله بالقادر على الاخْتراع، وإذا فَسَّرُوا الإله بالقادر على الاختراع لم يكن في توحيدِهم فرْق بينه وبين توحيد المشركين؛ لأنَّنا نقول: الإله هو المعبود حقًّا، هذا الإله المعبود حقًّا، وكذلك المعبودُ بالباطل يسَمَّى إلهًا؛ لأنه يُعبد، لكن ألوهيَّتَه باطلة. * ومن فوائد الآية: ثُبُوت عِلْم الله بالمستقبل؛ لقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، فإنَّ هذا خبرٌ عن أمْرٍ مسْتَقْبَل، ولا شكَّ أنه واقِع كما أخبَرَ الله، وأظُن ذكرْنا سفَه هؤلاء المشركين؟ * طالب: نعم. * الشيخ: طيب ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت ٦٢]. * من فوائد الآية: أنَّ الرِّزْقَ بيَدِ الله، وإذا كان كذلك فهو الذي يُطْلَبُ منه الرزق. * ومن فوائدها: أنَّ إثبَاتَ القَدَر لا يعني الكَفَّ عن الأسْبَاب، فهنا بيَّن الله أنَّ بَسْط الرزق وتقْدِيرَه بيدِه، ومع ذلك يقول: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥]، ما قال: ناموا على الفُرُش ويجِيكم الرزق، قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾، فالقدرُ لا ينافي فعْلَ الأسباب؛ لأنَّه قد يكون مقدَّرٌ عليك بهذا السبب، كما أنَّ دخول الجنة والنَّجَاة من النار أليس له سبب؟ نعم، إذا لم تعْمَل ما حصَل، كذلك الرزق إذا لم تعْمَل له ما حصل لك. * ومن فوائدها: إثبات كمالِ التصرف لله عز وجل؛ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [العنكبوت 62]، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويُعِزُّ من يشاء ويذل من يشاء، فهو سبحانه وتعالى له التصَرُّف المطلق في مخلوقاتِه. * ومن فوائدها: إثبات المشِيئَة؛ لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ونحن نسْأَل الآن: هل المشِيئة تتعلَّق فيما يحبُّه ويكرهه، أو فيما يحبُّه فقط؟ فيما يحبه وما يكرَهُه، فإنَّ المسلمين مجمِعُون على قولِهم: ما شاء الله كان وما لم يشَأْ لم يكن، طيب هل الإرادة متعلِّقَة فيما يحبه وما يكرهُه، أم فيما يحبُّه فقط؟ * طالب: (...) الشرعية. * الشيخ: إي، فيه تفصِيل: الشرعية فيما يحبُّه فقط، والكونِيَّة فيما يحبُّه وما لا يحِبُّه؛ لأنَّها مُرَادِفَة للمَشِيئَة. * ومِن فوائد الآية: إثباتُ عِلْم الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت ٦٢]، وأنه عام في كل شيء، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فهل يشمَل الصغير والكبير وما يتعلَّقُ بفعلِه وما يتعلق بفعلِ عبادِه؟ وإذا كان عَلِمَ فعلَ عباده لزِمَ أن يكُون مقدِّرًا له؛ لأنَّه إذا كان عالِمًا به فإنَّه لا يمكنُ أن يقَع على خِلَاف مَعْلُومِهِ، وحينئِذٍ يكون مقَدِّرًا له، ولهذا قال الشافعي في مناظَرَتِه أولئك المعتزلة القدرية قال: جادِلوهم بالعلم، فإن أنكرُوه كفرُوا، وإن أقَرُّوا به خُصِموا، وهو صحيح، هذه حُجَّة قائِمَة وقَيِّمَة. * ومنها -من فوائد الآية-: فضْلُ الله عز وجل بالرِّزْق، سواءٌ كان مقدَّرًا أم مبسُوطًا، أو أصح: سواءٌ كان مَقْدُورًا أم مبسوطًا؛ لأنَّها من الثلاثي ما هي من الرباعي.

العنكبوت 29:62

قال: (﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [العنكبوت ٥٩] أي: على أذى المشركين والهجْرة لإظْهار الدين). ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على أمرين -على كلام المؤلف- على أذى المشركين، وعلى الهجرة لإظهار الدين؛ لأن في كليهما مشقة على النفوس، لا أذى المشركين المتنوع بالقول والفعل، وكما يقولون: حرب الأعصاب والمضايقات النفسية، ولا الهجرة من بلادهم التي سكنوها وأقاموا فيها إلى بلاد أخرى يكونون فيها غرباء، كل هذا لا شك أنه مشق على النفوس، وإنما خص المؤلف الصبر بهذين الأمرين؛ لتعيين السياق لهما إذ إن السياق كما ترون كله في مسألة الهجرة وما أشبهها. ولكن لو قيل بالعموم ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على كل ما أمروا بالصبر عليه ونجعله منقسمًا إلى ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على أقداره، لو قلنا بالعموم لكان أولى؛ لأن القول بالعموم يدخل فيها الصبر على الأذى والهجرة بخلاف القول بالخصوص، وعلى هذا فنقول: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الأقسام كلها، الصبر على الطاعة: مجاهدة النفس على فعلها وإتمامها وإتقانها، والصبر عن المعصية: حبس النفس عن فعلها، والصبر على الأقدار: حبس النفس عن التسخّط. * طالب: التحمل. * الشيخ: إي، عن التسخط على القدَر، وقد سبق لنا أن مقامات المصاب بأذى أربعة. قال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾ متعلقة بـ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾، وقدمت لإفادة الحصر، والتوكل معناه الاعتماد، وعرّفه بعضهم بقوله: صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المـضار مع الثقة به سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: لا على غيره ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾، واعلم أن التوكل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توكل عبادة مقرون بالخشية والمحبة والتعظيم وتفويض الأمر تفويضًا كاملًا إلى المعتمد عليه، وهذا النوع لا يجوز إلا لله عز وجل الذي هو توكل العبادة، الثاني: توكل اعتماد بلا عبادة؛ بمعنى أن الإنسان يعتمد على غيره، لكن لا اعتمادًا يشعر بأنه متذلل وخاش له وراغب إليه، ونحو ذلك، وهذا النوع أو هذا القسم إن كان على ما يمكن الاعتماد عليه فهو شرك أصغر، وإن كان على ما لا يمكن الاعتماد عليه فهو شرك أكبر كيف ذلك؟ إذا كان على ميت أو غائب لا يمكنك أن تعتمد عليه فإنه شرك أكبر؛ لأنه ليس لذلك معنى إلا أن تعتقد أن هذا المعتمد عليه متصرف في الكون بغير مباشرة، وهذا كما يحصل لكثير من المشركين الذين يعتمدون على الأموات والأولياء وإن كانوا بعيدين وما أشبه ذلك، أما إذا كان يعتمد عليه وهو يمكن أن يكون سببًا لجلب المنفعة أو دفع المضرة، لكنه معتمد عليه على أنه من فوقه وهو من تحته، فإن هذا نوع من الشرك الأصغر مثل اعتماد كثير من الناس الآن على رواتب الدولة وما أشبه ذلك كونك تعتمد على هذا على أنها هي مصدر رزقك، فإن هذا نوع من الشرك الأصغر؛ لأنها هي ليست إلا مجرد سبب، ولهذا من كان على هذه الحال تجده يراعي الـمتوكل عليه ويخافه وربما يترك ما أوجب الله عليه مراعاةً له ومداهنة أو يفعل ما حرم الله عليه كذلك. أما القسم الثالث: فهو الاعتماد على الغير، لا على سبيل الخشية والخوف والرغبة إليه، ولا على شعور أنه فوقك أو أعلى منك، لكن على شعور أنك أنت الذي فوقه وأنت الذي تدبره فتعزل وتنصب، وهذا جائز ولا حرج فيه، وقد وقع من النبي ﷺ فإنه كان يبعث السعاة توكيلًا لهم على ما يريد هذا لا بأس به، وهذا ما يحصل بأي شيء؟ بطريق الوكالة عندما أوكل إنسانًا يشتري لي شيئًا أو يبيع لي شيئًا أو ما أشبه ذلك، أنا معتمد عليه الآن في هذا الأمر، لكن هل هو اعتماد على أني أشعر أنني أنا المحتاج إليه وأنه فوقي ولَّا لا؟ لا، بل على العكس أعتقد أنني أنا الذي فوقه لا سيما إذا كان بعوض، وأن الأمر إليّ في شأنه إن شئت عزلت، وإن شئت نصبت، وهذا لا بأس به، وقد أجمع العلماء على جواز التوكيل في البيع والشراء وغيره مما تدخل فيه الوكالة، وهنا المراد بالآية الكريمة: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي الأقسام؟ * طالب: الأول. * الشيخ: القسم الأول، وكذلك الثاني بنوعيه، فإنهم لا يعتمدون على أحد سوى الله عز وجل في جلب المنافع ودفع المضار، واعلم أن التوكل أحد شقي الدين، فإن الدين مكون من أمرين: عبادة واستعانة، كما قال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥]، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود ١٢٣]، وهذا كثير في القرآن؛ لأن العبادة لا تقوم إلا بفعل من العبد وبمعونة من الله سبحانه وتعالى، ويجب على المرء عندما يتعبد لله أن يكون معتمدًا على ربه؛ لأن الله لو وكله إلى نفسه لوكله إلى ضعف وعجز وعورة، ولا يستطيع أن يقوم بما أوجب الله عليه. ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قال: (فيرزقهم من حيث لا يحتسبون)، وهذه الجملة من المؤلف لا تناسب التوكل؛ لأن الذي يناسب التوكل: (فيكون حسبهم) كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، أما الرزق من حيث لا يشعر فيناسبه التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢، ٣]. وفرق بين الأمرين؛ لكن المؤلف رحمه الله أتى بهذه الجملة توطئةً لما بعدها وهي قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت ٦٠] وإلا فبالنظر إلى الآية المفسرة لا يناسبها هذا القول. * طالب: (...) فإن النبي ﷺ يقول: «لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ»[[أخرجه الترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجه (٤١٦٤) من حديث عمر بن الخطاب. ]]. * الشيخ: إي، توكلتم في طلب الرزق، لكن التوكل المطلق يكون الله حسبه فيقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. طيب عندنا في هذه، هل الله سبحانه وتعالى يكون وكيلًا وموكلًا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، يكون وكيلًا وموكلًا، أما (وكيلًا)، فكثير في القرآن: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء ٨١] ومثلها حسيبًا، وأما موكلًا؟ * طالب: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩]. * الشيخ: إي نعم، ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ وليس التوكيل من الله لهؤلاء كتوكيلي أنا لفلان وفلان مثلًا؛ لأن توكيلي لفلان وفلان إما لعجزي أو تقصيري، أو ما أشبه ذلك، لكن توكيل الله بمعنى أن الله سبحانه وتعالى يجعل هؤلاء هم القائمين بها لا أنه سبحانه وتعالى عاجز. * طالب: بعض الناس مثلًا إذا حرضته على شيء (...). * الشيخ: ما فيها شيء؛ لأن (وكل الله) جعله حفيظًا، والله سبحانه وتعالى حفيظ على كل شيء، وليس معناه أني أنا الله، هذا ما أحد يفهمه، ما فيه شيء، فمعنى (وكله) أي: جعله وكيلًا؛ أي: حفيظًا. * طالب: (...). * الشيخ: إي، يعني معناها أني سأقوم بالأمانة، فإن الله تعالى لا يغيب عنه شيء وهو عالم بكل شيء. * طالب: (...). * الشيخ: وكل؟ لا (...). * الطالب: لكن عند العوام (...). * الشيخ: لا. * الطالب: اللفظة. * الشيخ: (...) حتى أنا لو أقول له وكل فلان بمعنى قدم له طعام يأكله. * طالب: (...) لا يجي علي بالهم. * الشيخ: أبدًا اللي يجي على بالهم؛ بمعنى أني أجعل الله تعالى حارسًا لك، هذا المعنى، وأني سأقوم به على الوجه الأكمل. ثم قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ ﴿كَأَيِّنْ﴾، يقول المؤلف: (كم) فعلى هذا تكون استفهامية ولا خبرية؟ * طالب: خبرية. * الشيخ: خبرية؛ يعني: وكم من دابة؟ ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: كثير من الدواب ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾، والدابة في اللغة العربية كل ما يدب على الأرض سواء مشى على بطنه أو على رجلين أو على أربع، كلها تسمى دابة، أما في العرف فهي لذوات الأربع فقط، فلا تشمل ما يمشي على بطنه، ولا ما يمشي على رجلين اثنتين، ولا على ما يمشي على سبع وسبعين، كذا؟ لذوات الأربع فقط؟ وفيها أيضًا عرف أخص من هذا؛ أن الدابة الحمار فقط يقولون مثلًا: راح منا على دابة. كل من كلمته بهذا الكلام ذهب إلى أنه الحمار، لكن الكلام على المعنى اللغوي، أما الأعراف فإنها تتبع أصحابها المعنى اللغوي في اللغة الدابة: كل ما دب على الأرض كثير. (﴿مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ لضعفهم) عندكم ولَّا ضعفها؟ * طالب: ضعفها. * الشيخ: صحيح. * طالب: (...). * الشيخ: إحنا نقول: سبع وسبعين، عندنا دابة تسمى أم سبع وسبعين رجلًا. * طالب: عديناها فوق الخمسين بشوية. * الشيخ: بس؟ (...) مبالغة يعني هذه. * طالب: ما هي مبالغة. * طالب آخر: (...). * الشيخ: لا، الإنسان يمكن نوع آخر. * طالب: أقل من الستين وفوق الخمسين. * الشيخ: مثل الدودة تمشي لها أرجل كثيرة -سبحان الله العظيم- الناس يسمونها أم سبع وسبعين رجلًا، لكن أنها دون الستين، هي ربما إنها على سبيل المبالغة الظاهر إذا كان هذا هو المراد. * طالب: يا شيخ، إعراب ﴿كَأَيِّنْ﴾؟ * الشيخ: ﴿كَأَيِّنْ﴾ مبتدأ، و﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ تمييز لها، و﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ قيل: إنها هي الخبر، وقيل: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ هو الخبر، وجملة ﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ صفة لـ﴿دَابَّةٍ﴾، وهذا أقرب؛ لأن الكلام لا يتم إلا بقوله: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾. * طالب: السيارة تدخل في معنى الدابة؟ * الشيخ: لا، ما تدخل. * طالب: لماذا؟ * الشيخ: إلا دببتها أنت، هذه تدخل -بارك الله فيك- في الفلك ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ﴾ [الزخرف ١٢]. * طالب: كيف تدخل في الفلك؟ * الشيخ: لأنها مثل السفينة اللي كانت تمشي على البحر فهي فلك. * طالب: والدابة يشترط فيها أيش؟ * الشيخ: أنها هي اللي تدب، هذه ما هي تدب. * طالب: تدب يعني أيش؟ * الشيخ: هي بنفسها. * طالب: ترفع رجلها، وهكذا؟ * الشيخ: لا، هي التي تدب؛ يعني هي نفسها تفعل هذا الشيء، السيارة ما هي بتفعل وقوله: ﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ قال: (لضعفها)، فما معنى لا تحمله أي: ما تقواه يعني؟ ولَّا لا تستطيع أن تتكسب للرزق؟ الجواب: الأخير؛ يعني ما تستطيع أن تكتسب، وتحمل الرزق حيث تقوم بكفاية نفسها، وهذا شيء كثير، أول ما يرد علينا نحن في حال الصغر والطفولة هل نحن نحمل أرزاقنا؟ أبدًا لولا أن الله قيض لنا الأم، وقيض لنا هذين الثديين ما حملنا أرزاقنا، وهذا شيء معروف، كذلك أيضًا يوجد دواب تأتيها عاهات وأمراض ما تستطيع أن تطلب الرزق فيهيئ الله لها رزقًا بحيث يأتيها، وهي في مكانها، وكم قص علينا من قصص كثيرة في هذا الباب تكون مثلًا هذه الدابة نفسها جاءها أمراض كسرت رجلها، كسر جناحها عميت، وما أشبه ذلك فيجدون الأشياء تأتي إليها بإذن الله وتأكلها؟ * طالب: (...) لضعفها. * الشيخ: لا، (لضعفها) ما هو معناه، هذا تعليل؛ يعني معناها أنها لا تحمل؛ لأنها ضعيفة إما ضعيفة في الإرادة أو ضعيفة في البدن أو غير ذلك. * طالب: (...). * الشيخ: قلنا: ليس معنى ﴿لَا تَحْمِلُ﴾ ما تقوى تشيله؛ يعني ما تقوى تحمله المعنى لا تستطيع أن تكتسب، كذلك أيضًا يوجد أشياء صغيرة؛ ما تستطيع أن تذهب بعيدًا، ثم يقيض الله لها طعامًا يسقط حولها، وتأتي إليه، وهذه الدواب أيضًا منها ما يستطيع بنفسه أن يدخر الرزق، ومنها ما لا يدخر الرزق، ومنها ما له أعوان، ومنه ما ليس له أعوان، المهم أن اللي يتفكر في مخلوقات الله في هذا الأمر يجد العجب العجاب. وقد قصصنا عليكم القصة التي ذكرها ابن القيم في أن رجلًا وضع طعامًا لذرة، فلما أحست به عجزت عن تحمله فذهبت إلى صاحباتها ودعتهن فجاؤوا فلما جاؤوا وصاروا حول المكان رفع الطعام، جاءت تطلبه في المكان ويطلبوه كلهم ما وجدوه، رجعوا وبقيت هي تفتش حول المكان فوضعه لها ثانيةً، فلما تيقنته ذهبت ودعتهم، فلما أقبلوا رفعه، ثم إنه أيضًا بدأت تطلب ورجعوا، في المرة الثالثة وضعه ذهبت ودعتهم، فلما رفعه ولم يجدوه يقول: إنهم قتلوا هذه الذرة قتلوها، يقول: فذكرتها لشيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: إن الكذب لا يحبه أحد حتى النمل لما كذبت عليهم هذه وهبتهم، جابتهم من بيوتهم استفزعتهم قتلوها. * طالب: هل يلزم (...)؟ * الشيخ: إي نعم، الدية (...)، الشاهد أن الإنسان يرى العجب العجاب في مخلوقات الله سبحانه وتعالى هذه الضعيفة اللي ما تحمل رزقها يقوم الله عز وجل برزقها؛ لأن الله تعالى قال في كتابه عن نفسه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود ٦] ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ نكرة في سياق النفي المؤكد عمومه بـ(من) الزائدة أي: دابة في الأرض، فعلى الله رزقها ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ مع ذلك أيضًا. ﴿رِزْقُهَا﴾ وليست الدواب كلها ترتزق من شيء واحد، أليس كذلك؟ بعضها يناسبه هذا، وبعضه ما يناسبه، وأيًّا كان فإن الله سبحانه يقدر له الرزق المناسب له، ومع ذلك يعلم جل وعلا مستقرها ومستودعها؛ يعني محل استقرارها ومحل استيداعها؛ يعني ما تؤول إليه في يوم القيامة هذا المستقر، والمستودع الدنيا والبرزخ الذي بين الدنيا والآخرة، فإن هذا شيء يكون الإنسان فيه بمنزلة الوديعة يبقى زمانًا ثم ينتقل. * طالب: بعض المفسرين يقولون: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ يعني لا تدخره (...) صحيح؟ * الشيخ: إي، هذا من جملة (...)، وبعضها يدخره كما هو معروف. * الطالب: (...) مقدر بعلم الله عز وجل. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: لأن الله يقول في القرآن: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨] كل شيء. * الطالب: وكذلك أجلها أيضًا. * الشيخ: وأجلها وحالاتها أيضًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤]، ما دام الله خلقه فهو عالم به جل وعلا في كل أحواله ومقدر كل أحواله مقدرة سبحان الله العظيم. * طالب: (...) شيء خاص بالآدمي يكتب رزقه وأجله. * الشيخ: لا، أبدًا ﴿كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾، لكن النصوص تكاثرت في الآدمي؛ لأنه هو محل الخطاب والتكليف ليستعد ما من شيء بدأ من القطرة من المطر مكتوبة مقدرة، وهي من هي بذات إرادة، ثم إنه: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ -هذه يدل عليها- ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام ٣٨]، هذه ستبعث يوم القيامة كل شيء له حياة لا بد أن يبعث يوم القيامة، فقدرة الله عظيمة ما يتصورها الإنسان، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه ١١٠]. * طالب: وأصرح من هذا: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩]. * الشيخ: إي نعم. * طالب: بعض العلماء يقولون (...) الحلال (...). * الشيخ: الحيوانات؟ * طالب: يقول ما لها أجل (...). * الشيخ: أنا أخشى على هذا الرجل اللي يقول ها الكلام، أخشى عليه. * طالب: (...) من نصيب (...). * الشيخ: حتى المال الجماد من نصيبك ما هو من رزقك. * طالب: يقول: من نصيبي؛ يعني إذا.. * الشيخ: مو هو برزقك، لك هو؟ * طالب: إلا. * الشيخ: أليس رزقك مكتوبًا؟ مكتوب بأيش؟ مكتوب بقاؤه وكيفيته واستمراره وكل شيء، وأيش نوعه؟ هل أنت من اللي يرزق بالإبل، أو يرزق بالغنم، أو يرزق بالدراهم، أو يرزق بالاكتساب والاحتطاب والاحتشاش، وما أشبه ذلك؟ * طالب: (...) يقول: إن مثل الغنم وهذه ما لها (...). * الشيخ: (...) عندك الآن الآيات، وها اللي (...) هو الله؟ ها الحين يخلق الشيء، ويقدره فناء ووجودًا، ونقول: هذا ما علم ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج ٧٠]، أنت تستعظم هذا، ويبهرك الأمر، لكن هو على الله يسير قدرة الله ما لها منتهى أبدًا، ولا لها حد، فالمهم كل شيء مكتوب حتى إنه دخل أحد أصحاب الإمام أحمد عليه وهو مريض رحمه الله، ويئن (...) من المرض، فقال له: يا أبا عبد الله، كيف تئن وقد قال طاووس: إن الملائكة تكتب حتى أنين المريض؟ فلما قال ذلك كف رضي الله عنه وصار يتحمل ولا يئن في المرض[[أخرجه الدينوري في المجالسة (٢٥٣).]] مع أن الأنين أحيانًا يكون شيئًا طبيعيًّا، فهذا دليل على أن كل شيء يكتب. * طالب: (...) يخفف.. الأنين. * الشيخ: إي، يخفف مثل شكوى الإنسان إلى أخيه وإلى صديقه مما نزل به يكون يخفف عليه بعض الألم، الشاهد هذه يجب علينا يا إخواني أن نعتقد أن الله تعالى عالم بكل شيء، وأنه مقدر لكل شيء، وأن آجال كل شيء مكتوبة، وكل حركاتها مكتوبة وسكناتها مكتوبة؛ لأنها لا يحدث شيء في الأرض، ولا في السماء إلا بعلم الله وإرادته وخلقه سبحانه وتعالى. * طالب: (...) هل ملك الموت يقبض أرواح الحشرات (...)؟ * الشيخ: إي، هذه محل نزاع بين السلف، والظاهر أنه يعم، وهي محل خلاف بين السلف والأدلة فيها تكاد تكون متكافئة، ولكن الذي يظهر أنه عام؛ لأن ملك الـموت مـضاف إلى المـوت مـوت كل حيوان؟ * طالب: (...). * الشيخ: هنا؟ لا، لغة تشمل، لكن لما قال: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ علم أنه أراد ما سوى بني آدم أما: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ هذا عام لبني آدم وغيره. قال: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾، شوف أتى بالجملة الاسمية: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ والرزق بمعنى (العطاء)، العطاء بلا عوض هذا هو الرزق، العطاء بلا عوض يسمى رزقًا ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾. قوله: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾ أي: هذه الدابة ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾، هذا معطوف على أيش؟ على (هاء) في قوله: ﴿يَرْزُقُهَا﴾ والفصل هنا واجب ولا جائز؟ * طالب: جائز. * الشيخ: الفصل جائز؟ فصل الضمير الآن الضمير هنا منفصل؟ * طالب: فصل الضمير هنا، إيه واجب؛ لأنه ما يمكن يحل محله المتصل. * الشيخ: الفصل هنا واجب؛ لأنه كلما أتى الضمير بعد العطف فهو واجب الانفصال؛ إذ إن الضمير المتصل هنا ما يمكن يتأتي لو قلت: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾ وكم ما صح، فإذا أتى الضمير بعد العطف أو بعد (إلا)، فقد علم أنه لا بد أن يكون منفصلًا ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾. قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ أيها المهاجرون وإن لم يكن معكم زاد ولا نفقة)؛ لأن الكلام -كما عرفتم- كله مسوق في الهجرة ومغادرة البلد فالله تعالى كما رزق هذه الدواب العظيمة التي لا يحصيها جنسًا فضلًا عن النوع وفضلًا عن الأفراد إلا الله عز وجل فأنتم كذلك إذا هاجرتم لا يضيع رزقكم بل رزقكم على الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال ٧٠]، وقد حصل هذا فأسرى بدر الذين أسلموا ماذا حصل لهم؟ حصل لهم من الفيء والغنائم أكثر مما أخذ منهم. وقوله: (﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالكم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بضمائركم). ﴿السَّمِيعُ﴾ نعم، لأقوالكم وهو سميع سبحانه وتعالى لكل شيء يسمع كل صوت، وإن خفي كما قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه ٧] فهو يعلم كل ما يكون من صوت خفي سواء كان قولًا أم غير قول، لكن المؤلف خص القول؛ لأنه محط التكليف والإثم أو الأجر، والسميع من أسماء الله سبحانه وتعالى وله معنيان: أحدهما: إدراك المسموع، والثاني: إجابة الدعاء، أما إدراك المسموع فله أمثلة كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة ١]، وأما إجابة الدعاء، فمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩] ﴿سَمِيعُ﴾ بمعنى يسمع صوت الداعي أو يجيب دعاءه؟ * طالب: يجيب دعاءه. * الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا هو المقصود، الإجابة دون مجرد سماع الصوت ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، واعلم أن السمع الذي هو بمعنى إدراك المسموع، ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يراد به بيان إدراك سمع الله سبحانه وتعالى لكل مسموع، وقسم آخر: يراد به مع ذلك النصر والتأييد، وقسم ثالث: يراد به مع ذلك التهديد والوعيد؛ وهذا على حسب السياق كغيره من صفات الله، كثير من صفات الله سبحانه وتعالى تكون مرادًا بها هذه الأمور الثلاثة كثير من الصفات، ففي قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف٨٠]، ويش المقصود هنا؟ التهديد. وكذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران ١٨١]، هذا يراد به التهديد. وفي مثل قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، يراد به النصر والتأييد، ما هو مجرد أنه يسمع فقط لا، يراد به النصر والتأييد. وفي مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١] يراد به بيان إحاطة سمع الله بكل مسموع؛ لأن السياق لا يقتضي (...) ولا تهديدًا فيكون المقصود به بيان إحاطة علم الله عز وجل بكل مسموع، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها في هذه الآية: «تبارك الذي وسِع سمعُه الأصوات، والله إني لفي أدنَى أو طَرَفِ الحجرة، وإنَّه لَيَخْفَى عليَّ بعْضُ حديثِها»[[أخرجه النسائي (٣٤٦٠)، وابن ماجه (١٨٨).]]. والله تعالى فوق عرشه عالٍ على خلقه، ومع ذلك يسمع حديثها مع الرسول عليه الصلاة والسلام، يسمع مجادلتها ومحاورتها للنبي ﷺ، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. * وفي هذه الآية فائدة مهِمَّة -بالنسبة للذين يتكلمون على أسماء الله وصفاته-: وهو أنه من المعروف عند أهل السنة أن الاسم يتضمن ثلاثة أشياء إذا كان وصفًا من متعدٍّ إذا كان مشتقًّا من وصف متعدٍّ فإنه يتضمن ثلاثة أشياء وهي: الاسم والصفة والحكم اللي هو الأثر، فهنا ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ﴾ لماذا؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. يسمع؛ لأنه سميع بصير فدل هذا على أن ﴿سَمِيعٌ﴾ تتضمن ثبوت مقتضاها وهو أنه يسمع، ومعلوم أنه لا سماع إلا بسمع خلافًا لمن قال: إنه يسمع بذاته كما قاله ابن حزم وجماعة لا بصفة هي السمع قالوا: يسمع بذاته ولا نثبت له صفة هي السمع، وهذا كلام في الحقيقة هراء فالله يقول: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨]. فأثبت الصفة ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾، وقال: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١]، وقال: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس ١٠٧] فدل هذا على أن الرحيم مشتق منين؟ من الرحمة؛ لأنه قال: ﴿الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ يوازيه تمامًا ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، فهمتم يا جماعة؟ وهذا مقرر عند أهل السنة ومعلوم، والحمد الله أن الأسماء التي تتضمن وصفًا متعديًا أنها تدل على ثلاثة الأمور. قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ انتهينا من تقسيم السمع أنه بمعنى الإجابة، وبمعنى إدراك المسموع، وأن الثاني يتنوع إلى ثلاثة أنواع: سمع يراد به التهديد، وسمع يراد به التأييد، وسمع يراد به بيان إحاطة سمع الله بكل مسموع. وقوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾ قال: (﴿الْعَلِيمُ﴾ بضمائركم)، وعلى رأي المؤلف تكون الآية هذه تدل على الأقوال، وما في الضمائر فقط مع أن هناك أفعالًا لا تتعلق بالسمع. فإذا قلنا: العليم بالضمائر، بقي عندنا قسم من أفعال الناس، وهي الحركات الأفعال، أفعال الجوارح تكون الآية ما فيها دليل عليها، ولهذا الصواب أن يقال: العليم بجميع أحوالكم فالله تعالى عليم ليس بما في الضمائر فقط بل بما في الضمائر وبما يفعل وبما يسمع؛ لأن العلم من أشمل ما يكون من صفات الله كما قال الله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢] فهو من أعم الصفات شمولًا. وقوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾ ما هو العلم؟ يقول العلماء: إن العلم هو إدراك المعلوم على ما هو عليه إدراكًا جازمًا مطابقًا. شوف حقيقة إن (مطابقًا) إذا قلنا: المعلوم على ما هو عليه ما حاجة إلى مطابق، أما إذا قلنا: إدراك الشيء إدراكًا جازمًا مطابقًا؛ فهذا صحيح، المهم أنه لا بد أن يكون الإدراك جازمًا فخرج به أيش؟ الشك، والظن، والوهم و(مطابقًا) خرج به الجهل المركب، و(إدراك) خرج به الجهل البسيط، فيكون تعلق الإدراك بالأمور على خمسة أنواع: علم، وجهل بسيط، وجهل مركب، وشك، وظن، ووهم، ستة أشياء. * طالب: الجهل البسيط يطلع (...) إدراك الأمور على ما.. * الشيخ: على ما هي عليه إدراكًا جازمًا مطابقًا نشوف التفصيل الآن، العلم؛ أنك تدرك الشيء على ما هو عليه جازمًا به، هذا واضح، كأن أدرك بأن هذا الذي أمامي مسجل، تمام؟ طيب الجهل البسيط أن يقال لي: ما هذا الذي أمامك؟ فأقول: لا أدري، هذا جهل بسيط، الجهل المركب أن يقول لي قائل: ما هذا الذي أمامك؟ فأقول: هذه ألعوبة رضعان، ألعوبة أطفال، صح؟ هذا ويش هو جهل مركب ولَّا لا؟ * طالب: مركب. * الشيخ: مركب من جهلي بحقيقة الحال، ومن جهلي بحالي، ظننت أني عالم وأنا جاهل، طيب الشك أن يقال لي: ما هذه؟ فأقول: إما مسجل أو راديو، هذا شك؛ لأن أحد الاحتمالين صحيح، فيكون هذا شك، طيب كونه شكًّا مع التساوي، هذا شك، إذا رجحت أنه مسجل فهو ظن، والمرجوح اللي هو راديو وهم، هذا تعلق العلم بالأشياء، كل هذه الأمور منتفية عن الله عز وجل ما عدا العلم، فإنه ثابت لله سبحانه وتعالى على أكمل وجه. فإن قال قائل: هذا الجزم منكم بأنه لا يقع أو لا يكون على الله من هذه الأمور الستة إلا العلم يرده قوله تعالى في الحديث القدسي: «وَمَا ترَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ ترَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ إِسَاءَتَهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]]. فأثبت الله سبحانه وتعالى أنه يتردد في بعض أفعاله؟ فالجواب: أن التردد قسمان: تردد لتوقف المتردد في الأمر هل يكون خيرًا أو لا؟ وهذا بالنسبة إلى الله ممتنع لا يمكن هذا أبدًا؛ لأن الله تعالى يعلم، وتردد باعتبار النظر للغير يعني ترددًا لأمر يتعلق بغيره مثل هذه الحال، فإن تردد الله عز وجل لا لخفاء الأمر عليه، ولكن لأنه يكره أن يسوء عبده المؤمن فيتردد لا لشك في الأمر واستظهار للواقع، ولكن لأجل هذه المسألة لأمر يتعلق بغيره، فهذا لا يعتبر نقصًا، بل هو كمال يدل على رحمة الله عز وجل، وبهذا يزول الإشكال. وكذلك أيضًا قوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾ من الأسماء المتعدية أو لا؟ فتكون متضمنةً لثبوت الاسم والصفة والحكم. (﴿وَلَئِنْ﴾ لام قسم ﴿سَأَلْتَهُمْ﴾ أي: الكفار ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [العنكبوت ٦١])، يقول المؤلف في ﴿لَئِنْ﴾: إن اللام لام قسم؛ يعني موطئة للقسم، وقد اجتمع هنا قسم وشرط وين الشرط؟ ﴿إنْ سَأَلْتَهُمْ﴾. وقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ هذا جواب القسم ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ والموجود الآن جواب القسم ولا جواب الشرط؟ * طالب: جواب القسم. * الشيخ: جواب القسم؛ لأن القاعدة أنه إذا اجتمع شرط وقسم؟ * طالب: حذف جواب المتأخر. * الشيخ: حذف جواب المتأخر قال ابن مالك: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَــــــوَابَ مَــــا أَخَّــــــرْتَ فَهْـــــــوَمُلْتَــــــــــــــزَمْ فعندنا ﴿لَئِنْ﴾ اللام قسم، و(إن) شرطية، فكان الجواب: لأيش؟ للقسم. وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ فيها ضميران: التاء والهاء، التاء لمن؟ * طالب: (...). * الشيخ: للمخاطب ولا للنبي ﷺ، أو لكل مخاطب؟ * طالب: (...). * الشيخ: للمخاطبين؟ لا، الهاء الغايب ما تكون للخطاب. * طالب: (...). * الشيخ: للمخاطبين (...). (التاء) في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ تقدم لنا أمثالها كثيرًا، وقلنا: إنه يجوز أن تكون (...) إنما مثل هذه الأمور اللي ما .. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يقول المؤلف: (لام القسم)، هي لامُ قسمٍ وشرط، (إن) شرطية، واللام لام القسم، وإنَّما ذكر المؤلف ذلك لئلا يُظَنَّ أن قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ جواب الشرط، وهي ليست جواب الشرط، بل هي جواب القسم. ﴿سَأَلْتَهُمْ﴾ أي: الكفار الذين لا يقومون بتوحيد الألوهية، هم يُقِرُّون بتوحيد الربوبية، لكن لا يقِرُّون بتوحيد الألوهية والعبادَة، والخطاب في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ إمَّا أن يكون للرسول عليه الصلاة والسلام، أو لكل مَن يتَأَتَّى خطابُه، أي: ولئن سألتهم أيها الإنسان، سألت هؤلاء الكفار: مَن خلق؟ هذا السؤال: مَن خلق السماوات والأرض؟ خَلق بمعنى أوجَد، لكن الخلق ليس بمعنى الإيجاد المجَرَّد، بل هو إيجَادٌ على تقْدِير معين، أي أنَّه يكون مسبوقًا بتقدير، ولذلك لا يكون إلا فيما فيه إتقَان وجوْدَة. وقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ تقدمت هذه كثيرًا، وقلنا: إنَّ السماوات تُجمَع دائمًا في القرآن، والأرض ما جاءت إلا مفردة، ولكن الثابت أنَّ الأرضين سبع كما أنَّ السماوات سبع. وقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، ﴿سَخَّرَ﴾ بمعنى ذَلَّل، ذَلَّلَ الشمس وجعلَها مذَلَّلَةً لِمصالح العباد، تسِيرُ بهذا النظام الذي لا يختَلف ولا يتغَيَّر، لا تقَدُّمًا ولا تأَخُّرًا، ولا عُلُوًّا ولا نزُولًا. لو أنَّك تدبرْت هذه الشمس منذ مَيَّزْتَ إلى اليوم لرأيتَها على نظامٍ بدِيع لا يتغَيَّر على عظمِها وكِبَرِها، ثم إنَّ فيها من آيات الله هذه الحرارة العظيمة، كم مسافةً بيننا وبينها؟ مسافة بعيدة جدًّا، ومع ذلك انظروا إلى حرارتها في أيام الصيف، الحرارة العظيمة، وهذه الحرارة العظيمة ما هي إلا نفَسٌ بسِيطٌ مِن نار جهنم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ النَّارَ اشْتَكَتْ إِلَى رَبِّها فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، وَنَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٦٠)، ومسلم (٦١٧ / ١٨٥) من حديث أبي هريرة.]]. هذه الحرارة العظيمة يقول الناس: إن حرارَتها لو قرُبَ منها أقْوَى حديد وأمنَع حديد لطارَ هباءً قبل أن يصِلَ إليها مِن شدة الحرارة، وهذا أمرٌ معلوم؛ لأنه لو تُوقِد نارًا عظيمة مِن أبلَغ نيران الدنيا هل تجِدُ هذه الحرارة فيها من هذه المسافة؟ أبدًا، ثم إنَّ هذه الشمس كلَّ يومٍ لها مطْلِع، وكل يومٍ لها مغرِب؛ لأن الله سخَّرَها هكذا، ولولا ذلك ما اختلَفَت مشارِق الشتاء ومشارِق الصيف. * طالب: يقولون: لو نزلت الشمس قدر ميل لاحترقت الأرض. * الشيخ: لا، يقولون: لو نزلت الشمس قدْرَ شعرة لاحترَقَت. * طالب: يمكن مِلِّلي. * الشيخ: يمكن. * طالب: (...). * الشيخ: إي؛ لأن هناك الغلاف الأرْضي يمنَع هذا الشيء. * طالب: لو ارتفعت الأرض (...) لو صعدت الأرض (...). * الشيخ: والله ما ندري عن هذا، هو على كل حال إنه لا شَك أنها لو قربت أو بعُدَت تغيَّر الجو بلا شك، لو قَرُبَت إلى الأرض أو بعُدت لَتغَيَّر، مع أنها تأتي يوم القيامة يكون بينها وبين الناس قدْر ميل، ولا تحْتَرِق الأرض، والله على كل شيءٍ قدير، أحْوال الآخرة ما نقِيسها بأحوال الدنيا، أهم شيءٍ عندنا أنها مذَلَّلَة لنا لِمصالحنا، فبها تنضَجُ الثمار، وبها تُعْلَم السنين. وقوله: ﴿وَالْقَمَرَ﴾ معروف القمر، وإنَّما ذكَر الله تعالى هنا الشمس والقمر؛ لِمَا فيهما مِن المصالح الظاهِرة؛ لأنَّ النجوم والكواكب ليس فيهما مصالح ظاهرة لنَا، وإلَّا فقد سَخَّرَ اللهُ الشمس والقمر والنجوم كلها سخرَّها لنا، لكن هذه أظهَر وأبْيَن. وفي قوله تعالى: ﴿سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ دليلٌ على أنهما هما اللذان يجريان حول الأرض، يسِيرَان حول الأرض، خلافًا لِمَن قال: إنَّهما لا يسيرَان على الأرض، وأنَّ هذا اختلاف الليل والنهار بسبب دَوَران الأرض نفسِها. وهذا لا شكَ أنَّ الذي لا يعتقد أنهما يدوران على الأرض أنَّه على خطر عظِيم، ربما يصل به ذلك إلى الكفر؛ لأنّ الذي نؤمن به ونعتقِدُه ما أخبرَنا الله عنه مِن أنَّ الشمس هي التي تدور على الأرض، وكذلك القمر، ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف ١٧]، فأضَاف الله تعالى هذه الأفعَال الأربعة كلها إلى الشمس: ﴿طَلَعَتْ﴾، ﴿تَزَاوَرُ﴾، ﴿غَرَبَتْ﴾، ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾. ولو كان الأمر كما يقول هؤلاء الخَرَّاصون لكان الأرض هي اللي تزَاور، وهي التي تطْلُع على الشمس، وهي التي تغرُب عنها، فهم ما عندهم إلا أمور ظَنِّيَّة فقط، والقرآن دلالتُه ظاهرة على أنَّها هي التي تدور على الأرض، وكذلك القمر، «والنبي عليه الصلاة والسلام لَمَّا غربت الشمس قال لأبي ذر: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٢٤)، ومسلم (١٥٩) واللفظ له من حديث أبي ذر الغفاري.]]، ولم يقل: أتدري أين نذْهَب عن الشمس؟ بل الشمس هي التي تذهب، وهي التي تأتِي، وهي التي تستأذِن، وهي التي يُؤْذَن لها أو تُمْنَع. ومِن العجيب أنَّ هذا القول المخالف لِظاهِر القرآن أنَّه قد سرَى إلى أناسٍ لا تثِقُ في ديانَتِهم، قصدي لا تشُكّ في ديانتهم، لكن غرَّهم السراب فانخدعوا، والواجِبُ علينا في هذه الأمور أن نمشِيَ على ظاهِر القرآن، هذا الواجب حتى يتبَيَّن لنا ما يكون مخالِفًا لهذا الظاهر. أمَّا ما دلَّ عليه القرآن دلالة يقينية فإنَّه لا يمكن لِشيء أن يخالفه، فدلالةُ القرآن إمَّا ظاهرة وإما صرِيحة؛ الصريحة قطْعِيَّةُ الدلالة، ولا يمكن لشيء أن يخالفَها، والظاهرة ظنِّيَّة الدلالة، فنبقى على هذا الأصل، نبقى على الظاهر حتى يتبيَّن لنا بأمرٍ قطعي خلافُه، وحينئذٍ ما دام ظاهرًا فإنه يمكن أن يُؤَوَّل. * طالب: (...). * الشيخ: لا تقول هكذا، إن قلت هكذا أخذُوا عليك المعاول والفؤوس، قالوا: إحنا مجانين يا شيخ؟ * طالب: والله مجانين. * الشيخ: هو الآن مُقَرَّر عندك في المدارِس يدرسُه الصبيّ الصغير ويتغذَّى عليه. * طالب: الحمد لله، أنا ما درست. * الشيخ: إي الحمد لله أن الله فكّك. * طالب: مسألة دوران وثبوت الشمس أو القمر (...) هي قطعية، ومسألة ثبوت دوَرَان الأرض هي الظنية. * الشيخ: إي نعم، لا لا، كونُ هذه الأشياء تدُور على الأرض عندنا الآن ثلاث مسائل الحقيقة: ثبوت الشمس والقمر، يعني وقوفها، فهذا مكَذِّب للقرآن. والثاني: كون الليل والنهار بسبب دوران الأرض، أو بسبب دوران الشمس والقَمَر، هذا خلَاف الظَّاهر، والشيء الثالث: دوران الأرض نفسها، هذا ما في القرآن لا ظاهر ولا صرِيح يدُلّ على أنها تدور أو ما تدور، ما فيه دليل. * طالب: (...). * الشيخ: لا لا، ما هو بصحيح؛ لأنها هي ما هي بتدور أجزاء، تدور جميعًا، لا، هذه ما هي بصحيح، لكن الكلام على أنَّ مسألة دوران الأرض أنا ما أقول فيها شيء، أقول: هذه الله أعلم، ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل ١٥]. قد يقول قائل: إنَّ قوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ يدل على أن هناك حركة، ووُضِعَت هذه الجبال لاتِّزَان هذه الحركة؛ لأنَّ نفي الأخص لا يدُل على نفي الأعَمّ، ولكن مع ذلك إحنا نقول: ما لنا ولِهذا البحث، لو أنَّ هذا مِن الأمور التي يجِب علينا اعتقادُه أو اعتقاد نفيِه لكان قد بُيِّنَ في القرآن غايةَ البيان؛ لأنَّ الله يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]. لكن الخطِر أن تأتِي زُبَالَةُ أفكار وتستولِي على أفكارنا، ثم نأخُذها بالقبول والتسليم بدون أن نرجِع إلى القرآن، هذه المشكلة، يعني لو فُرِض الآن -ولله المثل الأعلى- لو كان هذا القرآن مؤَلَّف مِن بشر ويقول: الشمس تجري، ويقول: يكَوِّر الليل على النهار، معروف أنَّ التكوير التَّدْوِير، وأنَّ الليل والنهار يأتِي بسبب أيش؟ بسبب الشمس، وييجي كتاب ثاني يقول: لا، يُدير الأرض حتى يختلف الليل والنهار، لقلنا: إنَّ هذين الكتابين متعارِضَان، ويُطْلَب الترجيح، فإذا كان هذا كلام الله فإنه لا عبرَةَ بأيِّ شيء يخالفُه، فهذه نُكْتَة المسألة. * طالب: ما دام السلف والرسول ﷺ ما بيَّن (...)، والسلف ما ذكروا ما لنا نشتغل بها ونقول هكذا. * الشيخ: لا، أحسن، ما نشتغل فيها، لكن مثل ما قلت لكم بالأول، قلت: إذا ابتلي الإنسان لا بُدَّ أن ينزِل لِلمَيْدَان، طُرُق أهل الكلام في إثبات العقيدة، هل هذه مِن طريقة السلف؟ * طالب: لا. * الشيخ: طيب، هل أئِمَّة الإسلام تركُوهم وشأنهم؟ خاضوا معهم المعركة، إحنا إذا ابْتُلينا بقوم يُدْخِلُوننا في الميدان لا بد ندخل، يعني قبل يمكن أربعين سنة ما كان الناس يفهمون هذا الشيء، ولا يطْرَأ على بالهم إطلاقًا، إلَّا أنَّ الناس على عقائدهم الفطرية أنَّ الشمس تطلَع وتغَاب والقمر يطلع ويغَاب. * طالب: نكذِّبهم حتى يجيبوا دليل. * الشيخ: نعم، إحنا نكذِّب ما هو بكل شيء. * طالب: لا، في نفس الدوران وفي نفس.. * الشيخ: نكذِّبهم في قولهم: إنَّ تعاقب الليل والنهار بسبب دوَرَان الأرض، حتى يأتُوا بدليل قطعِي واضح مثل الشمس يكونُ حجَّةً لنا في تأويل ظاهر الآيات، وإلَّا ما نقبلها أبدًا، لو يجتمعون كلهم ما قَبِلْنا؛ لأننا نعرف أن كلهم تخرُّصَات، حتى إنَّ الآخر منهم ينقُل عبارة الأول بِنَصِّها وفَصِّها، مما يدُلّ على أنَّ المتَأَخِّرِين ببَّغَاوات، كلما نُطِقَ لهم نطَقُوا بما سمعوا. * طالب: (...). * الشيخ: هذا مِن البَلَاء. * طالب: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، هذا دليل. * الشيخ: إي نعم، هم يأتون بأشياء ما لها أصل. قال: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، تسخير القمر أيضًا لِمنافعِ العباد ومصالِحهم، ﴿والقمرَ قدَّرْنَاه منَازِلَ حتى عاد كالعُرْجُونِ القَدِيم﴾، لأجل أيش؟ بيَّنها الله الحكمة في ذلك، ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾، فباختلاف منازل القمر يكون العِلم بعدد السنين والحساب؛ لأنَّ الأهلّة هي المواقِيت العالَمِيَّة الفِطْرِيَّة، قال الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ١٨٩] عامَّة، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣٦]، وهذه الأشهر هي التي بيَّنها الرسول عليه الصلاة والسلام الأشْهُر الهِلَالِيَّة. * طالب: ذكر بعض الكُتَّاب أن الناس كانوا يعتقدون أن القمر (...)، فلو كان الناس يعتقدون أن حيوانًا سماويًّا يترصد للقمر فيحجبه عن الأرض. * الشيخ: والله هنا في نجد ما نعتقد هذا، يمكن هذا عنده هو، مثل ما يعتقِدُون في بعض البلاد أن الكسوف أنَّه سببُه يعني أحد المخلوقات يحُول بينه وبين الأرض ويخرُجون بالطبول يهْتِفُون: يا فلانة! يا فلانة! أنقذِي القمر، أو ما أشبه ذلك، نسيت اللي قص علي القصة ويش قال فيها؟ الحُوت. وقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ اللام هذه جَواب القسم، اللام الأولى في ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ موطِّئَة للقسم، وهذه واقِعَةٌ في جوابِ القسم. وقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ سيقول أهل النحو منكم: لماذا بُنِيَت على الضم مع أنها متَّصِلَةٌ بنون التوكيد؟ والمعروف أنّ المضارع إذا اتَّصَل بنون التوكيد يُبنَى على الفتح، وهنا قال: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾، فكيف نُجِيب؟ * طالب: (...). الشيخ اللي أمامنا الآن اللام جنب النون. * طالب: إي، لكن محذوفة نون الفعل (...) وحذفت الواو لتوالي الأمثال. * الشيخ: لا، بس أنتم أجيبوني عن أنَّه النون مباشِرَة للفعل، نقول: يشترط أن تكونَ المباشرة لفظًا وتقديرًا، وهنا المباشَرة لفظًا لا تقدِيرًا، ولذلك ابن مالك يقول في الألفية: ............................. ∗∗∗ وَأَعْرَبُــــــــــــــوامُضَــــــــــــــــــــارِعًا إِنْ عَـــــرِيَا؎مِـــــــنْ نُــــــونِ تَوْكِيـــــــدٍمُبَاشِـــــــــرٍ .... ∗∗∗ ............................ يعني مباشر لفظًا وتقديرًا، ومن نُونِ إِنَاثٍ، واضِح؟ فعلى هذا نقول: النون ما هي مباشرة للفعل بالتقدير؛ لأنه حالَ بينها وبين الفعل اسْمٌ وحرْف؛ اسم وهو الواو، وحرف، الحرْف النون، نون المضارع حُذِفت لتوالي الأمثال، وهي حُجَّة نحوي كما تعرفون، والواو واو الفاعل حُذِفَت لالتقَاء الساكنين؛ لأنَّه لَمَّا حُذِفَت النون الأولى لتوالي الأمثال فالنون الثانية مشددة، والحرف المشدد أوله ساكن، فيلتقي ساكنًا مع الواو الساكنة، فحينئِذٍ نحْذِف الواو. ............................. ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــنْ لَيْنًا فَحَذْفَــــــــهُاسْتَحَـــــــقْ فنقول: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾، فلم تكن نون التوكيد مباشرة للفعل لفظًا ولَّا تقديرًا؟ لم تكن نون التوكيد مباشِرةً للفعل تقديرًا. * طالب: يا شيخ، أصلها (ليقولون). * الشيخ: أصلها (ليقولُونَنَّ) هذا أصلها، فحُذِفت النون الأولى لِتوالي الأمثال، وصارَت النون الثَّانية مشَدَّدة، فأوَّلُها ساكن التقَتْ مع الواو الساكنة فحُذِفت الواو، فصَارَت ﴿لَيَقُولُنَّ﴾، قال: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ أي: المسؤُولون مِن الكفار. ﴿اللَّهُ﴾ أحسن شيء أن نقول: ﴿اللَّهُ﴾ خبر مبتدأ محذُوف تقديرُه (هو الله)، فيُقِرُّون بأنَّ الذي خلقَها الله سبحانه وتعالى. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ هو الله، يعتَرِفون أن هذه الأشياء ما تصنَعُها الآلهة لا خلقًا ولا تدبيرًا، شوف -سبحان الله- الآية جمَعَتْ بين الإيجَاد والتدبير، فهو تصرُّفٌ في الإيجَاد، وتصرُّف في التدبير؛ الإيجَاد في قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، والتَّدبير في قوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، ولم يقُل: خَلَق. قال تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فيقِرُّون بأنَّ خالق السماوات والأرض ومُسَخِّر الشمس والقمر هو الله دون أصنامِهم، لَمَّا أَقَرُّوا هذا الإقرار أقامُوا الحجة عليهم، أليس كذلك؟ لأنَّ مَن أقَر بالربُوبية لَزِمَه أن يُقِرّ بالألوهية، ومَن أقَرّ بالألوهيَّة فقد أقَرَّ بالربوبية، فهمتم؟ فهما متَلَازِمَان، أمّا الإقرار بالربوبية فهو مُلْزِمٌ للإقرار بالألوهية، ملزم وإن لم يحصُل الإقرار بالألوهية، وأمَّا الإقرار بالألوهية فهو مُسْتَلْزِم للإِقْرَار بالرُّبُوبِيَّة، وأيُّهما أسبَق؟ الإِقْرار بالربوبية أسبَق؛ لأنَّ الإنسان ما يعبُد إلا ربًّا يعلَم أسماءَه وصفَاتِه وأفعالَه. ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الله هو الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي سخر الشمس والقمر. قال الله تعالى: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: يُصْرَفون، (أنى) اسم استفهام، والغرَض منه التوبيخ، يعني بعد أن أقَرُّوا بهذا كيف أنَّهم يُصْرَفُون، وسُمِّي الصرفُ إفكًا؛ لأنَّه صَرْفٌ للشيء عن حقيقَتِه، فالإِفْك صَرْف مثل ما نصْرِف الكلام عن الواقع ويسمى.. إذا صرفنا الكلام عن الواقع ويش يسمى؟ يُسَمَّى إفكًا، قلت لك: قَدِم زيد، وهو ما قَدِم، هذا إفك، فهؤلاء أُفِكوا، أي صُرِفوا عن الواقع، وقوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، يعني أنَّى يُصْرَفون عن توحيدهِ بعد إقرارِهم بذلك. * طالب: فأنى يصرفون، معناه؟ * الشيخ: كيف. قال الله تعالى: (﴿﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ ﴾: يُوَسِّعُه، ﴿لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ امتحانًا، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: يُضَيِّق، ﴿لَهُ﴾ [العنكبوت 62] بعد البَسْط، أي: لِمَن يشَاءُ ابتلاءه)، ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ﴾ معنى يبْسُط يعني يُوسِع، والرِّزْق بمعنى العطاء. وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ المراد بالعباد هنا المتعَبِّدُون له بالمعنى العَامّ، أو بالمعنى الخاص؟ * الطلبة: بالمعنى العام. * الشيخ: بالمعنى العام الشَّامِل للمُؤْمِن والكافِر، والبَرّ والفَاجِر، فالله تعالى يُوَسِّع الرزق. وقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (مَن) هذه اسم موصول بمعنَى (الذي)، وهو مِن الأسماء الموصولة العامَّة ولَّا الخاصة؟ * طالب: العامة. * الشيخ: العامة، وقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي يشاء بَسْطَ الرزق له، فإذن مفعول ﴿يَشَاءُ﴾ محذُوف، دَلَّ عليه السياق، وقد مَرَّ علينا قاعِدَة مُهِمَّة جدًّا، وهو أنَّ كل شيءٍ علَّقَه الله تعالى بالمشيئة فإنّما المراد المشِيئَة المبنِيَّة على الحكمة؛ لأنَّ جمِيع أفعال الله عز وجل وأحكامه كلها مبْنِيَّة على الحكْمَة، علِمْنَاها أم جهِلْنَاها. وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ قال المؤلف: (امتحانًا)، والتَّضْيِيق قال: (ابتلاءً)؛ امتحانًا الامْتِحَان هو الابتلاء في الحقيقة، قال الله تعالى عن سليمان: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾، وقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿وَيَقْدِرُ﴾، يقْدِر بمعنى يُضَيِّق، مِن أين عرَفْنَا أنَّ (يقدر) هنا بمعنى يُضَيِّق؟ ولماذا لم نجعل القُدْرة هنا بمعنى استطاعة العَمَل؟ * طالب: من قوله: ﴿يَبْسُطُ﴾. * الشيخ: مِن قولِه: ﴿يَبْسُطُ﴾، هذا مقابلَتُه بالبسْط يدُل على أنَّ المراد التضْيِيق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ﴾، ﴿قُدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: ضُيِّق عليه. وقوله: ﴿يَقْدِرُ لَهُ﴾، (له) الضمير يعود على (من يشاء) يعني: ويقدِرُ لمن يشاءُ، وهل المبسوط له والمقَدَّر له واحِد؟ ظاهر كلام المؤلف أنَّه واحد، ولهذا قال: ويقْدِرُ له بعد البَسْط، والسبب أنَّ الضمير في (له) يعود بلا شكّ على (مَن) في قولِه: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فكأن المؤلف رحمه الله أرَاد أن يعُود عليه باعتبَار عيْنِه، ولكنَّنا نقول: لا مانِع مِن أن يعودَ إليه باعتبار جنسه لا باعتِبَار عينِه، فيكون الضمير عائدًا على (من يشاء) باعتبار الجنس، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. قوله: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ أي المعَمَّر؟ ما يصلح مِن عمرِه -أي المعمَّر-؛ لأنَّه إذا نقص ما صار معَمَّرًا، لكن المراد من عُمُرِه باعتبار الجنس، فيكون عُمر معَمِّرٍ آخر، ومثله أن تقول: أعطيتُ هذا الرجل درهمًا ونِصْفَه، نصف أيش؟ نصْف دِرْهَمٍ آخر، ما هو بنصف الدرهم هذا، ما كسَّرت الدرهم، ولو كسَّرته أيضًا وأعطيته إياه كاملًا أعطيته كله نصفين. فالذي يظهَر أنَّ الضمير في قوله: (له) يعود على (من يشاء)، باعتبار أيش؟ الجنس لا العَيْن، فالله تعالى يبسط الرزق لهذا ويضيِّقُه على هذا، كما أنَّه سبحانه وتعالى يبسُطُه لهذا أحيانًا، ويضيقه عليه أحيانًا، ألسنا نرى الآن مِن الأغنياء مَن رَجَع فقيرًا، ومِن الفقراء من رجَع غنِيًّا، فالله سبحانه وتعالى يبسُط الرزق باعتبار العين وباعتبار الجنس، هذا البسْط تابِعٌ لعلمِه وحكمَتِه، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ومنه البَسْط والتَّضْيِيق، فهو سبحانه وتعالى لا يبسُط أو يضَيِّق إلَّا عَن عِلْم. ثم هذا العلم أيضًا تتْبَعُه الحِكْمة، فهو سبحانه وتعالى يُغْنِي مَن يُصلِحُه الغنى، ويُفْقِر مَن يصلِحُه الفقر، ولِهذا جاء في الحديث: «إنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْغِنَى، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْفَقْرُ»[[أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢٣١) بنحوه من حديث أنس.]]، وإذا مَنَّ الله على العبد وتفَضَّلَ عليه، وجعل رزقَه تابعًا لِمَصْلَحَتِه، حصَل بذلك خيرٌ كثير، ومِن العباد مَن إذا أُغْنِي فسَد، إذن الضمير في قوله: (ويقدر له) يعود على مَن؟ * طالب: على قول المؤلف (...). * الشيخ: نعم، يعني معنَاه أنَّه يَبْسُط لِهذا ويُضَيِّق لِهذا. * طالب: على قول المؤلف (...). * الشيخ: وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ كُل شيء مما يفعَلُه هو، أو مِما يفعَلُه العباد، فإنه لا يخفَى عَليه شَيْء مِن ذلك أبدًا. قال بعض الناس: وما مِن عَامٍّ إلا خُصّ، إلَّا قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هل هذا صحيح؟ يعني بعض العلماء قال -بعض الأصوليين- لَمَّا تكلم على العام والخاصّ قال: وما مِن عامٍّ إلا خُصّ، إلا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ لأن ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ما يستَثْنَي منها شيء، لا الوَاجِب، ولا الجائز، ولا المستَحِيل، حتى المستحيل يعلَمُه سبحانه وتعالى أو لا؟ يعلَمُه، ولا فيها شيء مُخَصَّص أبدًا، أمَّا غيرُه مِن العموم فإنّه مخصَّص، بمعنى أنه يَخرُج منه شيءٌ، إمَّا بدلالة العقل أو بدلالة الشَّرع، ولكن هذا القول غير صحيح، الصواب: إنَّ الأصل في العمُومات بقاؤها على العموم، هذا الأصل في العمومات، نعم إن أرادُوا إلَّا يُتَصَوَّر فيه التخصِيص، إن أرادُوا التَّصَوُّر والتقدِير فهذا ممكن، أمَّا إن أرادُوا الواقع فلا. قال المؤلف: (ومنه محَلُّ البَسْط والتَّضْيِيق)، فهو سبحانه وتعالى عالِمٌ بأن هذا أهلٌ لأن يُبسط له الرزق، وأنَّ هذا أهل لأن يُضَيَّق عليه الرزق. * * * * الطالب: سُئِلَ الشيخ سُلَيمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن مسائل: المسألة الأولى: هل يجُوز للمسلم أن يُسافرَ إلى بلاد الكفار الحرْبِيَّة لأجل التجارة أم لا؟ الجواب: الحمد لله، إن كان يقْدِرُ على إظهار دينِه ولا يُوالِي المشركين جازَ له ذلك. * الشيخ: أيش، ولا..؟ * الطالب: ولا يوالي المشركين جاز له ذلك، «فقد سافَر بعض الصحابة رضي الله عنهم كأبي بكر رضي الله عنه وغيره مِن الصحابة إلى بُلدان المشركين لأجْل التجارة، ولم يُنكِر ذلك النبيُّ ﷺ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٧١٩)، وأحمد (٢٦٦٨٧) من حديث أم سلمة.]]، كما رواه أحمد في مسنده وغيرُه، وإن كان لا يقدِرُ على إظهار دينه ولا عدم موالاتِهم لم يجُز له السفر إلى ديارهم، كما نَصَّ على ذلك العلماء، وعليه تُحْمَلُ الأحاديث التي تدُل على ذلك، أو على خلاف ذلك، وعليه تحمل الأحاديث التي تدُل على خلاف ذلك. * الشيخ: في الأصل ما هو، الأصل؟ * الطالب: الأصل ما نقلْتُه،كما نَصَّ على ذلك العلماء وعليه تُحْمَلُ الأحاديث التي تدل على خلاف ذلك، وعليه تُحْمَلُ الأحاديث التي تدل على ذلك، كحديث: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ»[[أخرجه أبو داود (٢٧٨٧) من حديث سمرة بن جندب.]]، يجمع بين حديث سفر أبي بكر إلى بلاد الكفار وإقْرَار الرسول ﷺ له، وبين الأحاديث الناهِية عن .. * الشيخ: يمكن، لعل الصواب على خلاف. * الطالب: نعم، وأراجع إن شاء الله؛ ولأنَّ الله تعالى أوجب على الإنسان العملَ بالتوحيد، وفَرَض عليه عداوة المشركين، فما كان ذريعَةً وسببًا إلى إسقاط ذلك لم يجُز، وأيضًا فقد يجُرُّه ذلك إلى موافَقَتِهم وإرضَائِهم، كما هو الواقع كثيرًا ممن يسافر إلى بلدان المشركين مِن فُسَّاق المسلمين، نعوذ بالله مِن ذلك. المسألة الثانية: هل يجُوز للإنسان أن يجلِس.. * الشيخ: الكلام الآن السؤال عن دَار الحرب ترى، وهناك فرق بين دار الحرب ودار العهْد، وتعليلُه يدُلّ على العموم، وسؤاله. * الطالب: سؤاله عن دار الحرْب، بس ده جائز في الحربية، جائز من باب.. * الشيخ: لا، خَلِّي ده جائز، لكن إذا مُنِع في الحربِيَّة هل يُمنَع في غيرِها؟ هو مثلًا إذا جاز .. * الطالب: هو أجازَه في الحرْبِيَّة. * الشيخ: أجازه بالشُّرُوط اللي عندك، هذَا لَا بَأْس. * الطالب: إذا أجازه في الحرْبِيَّة أجازه من باب أولى في العادية. * طالب آخر: لكن أدلة هذا ما تدُل على الحربية.. * الشيخ: وأنها عام، هو جوابه يدُل على العموم، لكن السؤال في الحرْبِيَّة. * الطالب: المسألة الثانية: هل يجوز للإنسان أن يَجْلِس في بلاد الكُفَّار وشعَائر الكُفْر ظاهِرةٌ مِن أجْل التجارة؟ الجواب عن هذه المسألة هو جواب التي قبلها سواءً، ولا فَرْقَ في ذلك بين دار الحرب أو دار الصلح، فكلُّ بلدَةٍ لا يَقْدِر المسلم على إظهار دينِه فيها لا يجُوز له السفر إليها. المسألة الثالثة: هل يُفَرَّق بين المدة القريبة مثل شهر أو شهرَين، والمدَّة البعيدة؟ الجواب: لا فرقَ بين المدة القريبة والبعِيدَة، فكُلُّ بلدة لا يقدر فيها على إظهار دينه ولا عدَمِ موالاة المشركين لا يجوزُ له المـُقَامُ فيها ولا يومًا واحدًا إذا كان يقدِرُ على الخُرُوجِ منْها. المسألة الرابعة: في معنى قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، وقول النبي ﷺ في الحديث: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ»[[أخرجه أبو داود (٢٧٨٧) من حديث سمرة بن جندب.]]. الجواب: أنَّ معنى الآية على ظاهرِها، وهو أنَّ الرجل إذا سَمِع آيات الله يُكْفَرُ بها ويُسْتَهْزَأُ بها فجَلَس عند الكافرين المستهزِئِين مِن غير إكراهٍ ولا إنكَار ولا قيامٍ عنهم حتى يخُوضُوا في حديث غيرِه فهو كافِرٌ مثلهم، وإن لم يفعل فعلَهم؛ لأنَّ ذلك يتضَمَّن الرِّضَا بالكفر، والرِّضَا بالكُفْرِ كُفْر، وبهذه الآية استدَلَّ العلماء على أنَّ الراضي بالذنب كفاعله، فإن ادَّعى أنَّه يكره ذلك بقلبه لم يُقبَل منه؛ لأنَّ الحكم على الظاهر، وهو قد أظهَرَ الكفر فيكونَ كافرًا. * الشيخ: يكونُ. * الطالب: فيكونُ كافِرًا، ولهذا لَمَّا وقعَتِ الرِّدَّةُ بعد موت النبي ﷺ وادَّعى أناس أنهم كرهوا ذلك لم يقبَل منهم الصحابة ذلك، بل جعَلُوهم كلَّهم مرتَدِّين إلا مَن أنكَر بلسانِه وقلبِه، وكذلك قوله في الحديث: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ» على ظاهرِه، وهو أنَّ الذي يدَّعي الإسلام، ويكُونُ مع المشركين في الاجتمَاع والنصرة والمنْزِل معهم، بحيث يعُدُّه المشركون منهم، فهو كافرٌ مثلهم، وإنِ ادَّعَى الإسلام، إلا أن يُظهِرَ دينَه ولا يوالِيَ المشركين، «ولهذا لَمَّا ادعى بعضُ الناس الذين أقامُوا بمكَّةَ بعدما هاجر النبي ﷺ، فادَّعَوُا الإسلام، إلا أنهم أقاموا في مكة يعُدُّهم المشركون منهم، وخرَجُوا معهم يوم بدر كارِهين للخروج معهم، فقُتِلوا، فظَنَّ بعض الصحابة أنهم مسلمون، وقالوا: قتَلْنَا إخوانَنا، فأنزلَ الله تعالى فيهم:» ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [النساء: ٩٧][[أخرجه البخاري (٤٥٩٦) من حديث ابن عباس.]]، قال السُّدِّي وغيرُه مِن المفسرين: إنَّهم كانُوا كُفَّارًا، ولم يعذُرِ الله تعالى إلَّا المستضْعَفِين، انتهى. قلت: وقد ظهرَ الجواب عن حديث: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ»، وأنَّه لا فرقَ بين الإقامة والسفر المؤَقَّت، لكن نقل الشوكاني حول قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت ٥٦]. * الشيخ: هذا من أين نقل الشوكاني؟ * طالب: نقل الشوكاني في التفسير -أنا أذاكره، أنا أذاكِر المرَاجع لكن أختَصِر الصفحات، لكن نقل الشوكاني حول قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت ٥٦]، قال الزجاج: أُمِرُوا بالهجرة من الموضع الذي لا يمكنُهم فيه عبادَةُ الله، وكذلك يجِبُ على مَن كان في بلد يُعْمل فيها بالمعاصي ولا يمكنُه تغيِير ذلك أن يهاجِرَ حيث يتهَيَّأُ له أن يعبُدَ الله حق عبادتِه. قلت -وأنا القائل-: في هذا نظر. * الشيخ: الله المستعان! * الطالب: والله المستعان. * الشيخ: لو عمِلْنَا بهذا (...) إلا الصَّحَابة. * الطالب: قلت: في هذا نظر. * الشيخ: من ذكر (قلت)؟ * الطالب: أنا ذكرت، حيث إنَّ النبيَّ ﷺ ذكَرَ آخِرَ درجات إنكار المنكر ولم يُوجب الهجرة، بل يجِب أن يبتعِدَ عن الجلوس مع أهْلِ المنكر، وتأخِيرُ البيان عن وقتِ الحاجة ممتَنِع، والكلام الأخير يحتمل أن يكون بقية كلام الزَّجَّاج، أو مسْتَأْنَفًا مِن الشوكاني -رحمهم الله- فالعبارة مشكِلَة هل هي مِن الزجَّاج أو من الشوكاني قوله: وكذلك يجب على من كان في بلد يُعْمَلُ فيها بالمعاصي ولا يمكنه تغْيِير ذلك أن يُهَاجِر. وقال القرطبي حول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء ٩٧] في نقلِه كلامًا لابن العربي: الأوَّل: الهجرة وهي الخروج مِن دار الحرب إلى دارِ الإسلام، وكانت فرض.. * الشيخ: هل صحيح أن مسألة العمَل بالمعاصي الظاهِرة إذا كان أنت مضطَر إلى البقاء معهم، أما إذا صار لك أنت في بيتك ما فيه معصية، صحيح في الأسواق معاصي، لكن في بيتك ما فيه معصية، وإنما تمُرُّ بها مرًّا، فلا أظن أحدًا من أهل العلم يقول بـوجوب الهجرة، نعم إذا صار لك أن هذا المكان يُؤْمَر بالمعاصي وأنت مضطر إلى البقَاء فيه نقول: لازم تروح، لا بد أن تذهب وتخرُج. * طالب: وإذ إنك تعمل فيه يا شيخ، وإذ إنك تعمل في (...) هذا اللي المعاصي ظاهرة. * الشيخ: ما يجوز، ولهذا قلنا: ما يجوز التَّوَظُّف في البُنُوك، يعني حتى اللي ما يكتب الربا بعضهم يقول: أنا ما باكتُب، أنا بس أقَهْوِيهُم وأكنس لهم وأزين لهم، أقول: لكن وجودك في هذا المكان معناه الرضا والإقرَار، فلهذا ما يجوز. * طالب: إذا صِرْت كاتبًا سأكتب، والكُتَّاب اللي معي كلهم محاليق ويشربون دخانًا وتتن[[التتن: التبغ. ]]. * الشيخ: لا، في مسألة شرب التتن نعم؛ لأنَّه يعمل معصية أمامك. * طالب: واللحية بعد. * الشيخ: واللحية ما هو بحلقها أمامي الآن، هذا أثَر الحلق، أثر الحلق ما عَلَيّ منه، لكن الكَلام على شرب الدخان إذا ما أمكن (...)، بلاوي. * الطالب: الأول -في نقْله كلامًا لابن العربي- الأول: الهجرة، وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضًا للنبي ﷺ، وهذه الهجرة باقيَةٌ إلى يوم القيامة، ولكن انقَطَعت -بالفتح- هي القَصْد إليه حيث كان، فإنَّ المسلم إذا بقي في دار الحرْب عصَى. الثانية: الخروج مِن أرض البدعة، قال ابن القاسم. * الشيخ: فإن المسلم إذا بقِي في دار الحرب عصى. * الطالب: نعم عصَى، إذا كان في دار حرب يجب عليه أن ينتقل إلى دار الإسلام. * الشيخ: ظاهره العموم. * الطالب: إي، ظاهره العموم . الثاني: الخروج من أرض البدعة قال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: لا يحِلُّ لأحدٍ أن يُقِيمَ في أرض يُسَبُّ فيها السلف. قال ابن العربي: وهذا صحيح؛ فإنَّ المنكر إذا لم تُغَيِّرْه فزُلْ عنه، ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام ٦٨]. صحيح كلام ابن العربي هذا؟ * الشيخ: صحيح، مثل ما قلنا، إذا صار أنك مضطر تبقى معهم في نفس المكان لازم تروح، أمَّا إذا صَار كل في بيته ولا هو (...). * الطالب: قال: الثالث الخروج مِن أرضٍ غلَب عليها الحرَام، فإنَّ طلب الحلال فرْضٌ على كل مسلم. * الشيخ: مثل أيش؟ * الطالب: إذا كان ما يتعامَلون إلا بالربا يعني كل الناس. * الشيخ: كل الناس؟ * الطالب: هذا واقع، أنا سمعت فتوى مِن بعض المشايخ بلدي كلها تتعَامل بالرِّبَا ويقول له: أيش تسوي؟ يعني العمل يكون أيش، يكون على قدر الحاجة، أم ليس على قدر الحاجة، كل البنوك الآن معظمها تتعامل في الخارج. * الشيخ: كل البنوك لا بأس، لكن هل كل الناس بُنُوك؟ فيه مثلًا مطاعم، فيه بقالات، فيه تجار ثياب. * الطالب: الأموال الأصلية أموال الدولة أصلًا في البنوك. * الشيخ: على كل حال (...) مثل ما يقول الفقهاء (...). * الطالب: مسألة: هل يجب عليه إنكار المنكر وأنَّه باطِل؟ قال ابن جرير الطبري في تفسيره لقولِه تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة ٤] قد كان لكم أيها المؤمنون قدوةٌ حسنةٌ في إبرَاهِيمَ خَلِيل الرحمن، تقتَدُون به والذين معَه مِن أنبياءِ الله، ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة ٤] حين قالوا لقومهم الذين كفروا بالله وعبَدُوا الطاغوت: أيُّها القوم، إنا برآء منكم ومِن الذين تعبدونه مِن دون الله مِن الآلهة والأنداد، ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ فأنكَرْنا ما كنتم عليه من الكفر، وجحَدْنَا عبادتكم ما تعبُدُون مِن دون الله، ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾، وظهر بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا على كفرِكم بالله، ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، لا صلحَ ببيننا ولا هوادَة حتى تصَدِّقُوا بالله وحده فتوحِّدُوه وتفْرِدُوه بالعبادة. قلت: وقد عقَّبَها الله بقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الممتحنة٦] وظاهر هذا أنَّه واجب. * الشيخ: القول بالتبرؤ مِن الكفار واجب. * الطالب: وقوله: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾. * الشيخ: نعم نعم، نقول له: لا. * الطالب: الآية ظاهرُها وصريحُها أنه يجب هذا. * الشيخ: يجب أن نقول هذا، ولكن هل مثلًا إذا قمنا في مقام في بلد ما نستطيع أن نقول الكلام هذا. * الطالب: يجب تهاجر؛ لأنه يجب إظهار الدين، وقال الشوكاني على قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ الآية، قال: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ إن كنتم في ضِيقٍ في مكة مِن إظهار الإيمان، وفي مُكايَدة الكفار فاخْرُجُوا لِيتَيَسَّر عليكم عبادَتِي، وتسْهلَ عليكم، وفي مُكايَدة الكفار. * الشيخ: إي، هم يكيدون لكم. * الطالب: نعم، وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في سِيَاقِ شرحه لِتَضَمُّن أصْل الدين وقاعدتِه أمرين، قال: ثم قال رحمه الله تعالى: الظاهر أنَّ الكلام النَّص (...) ولم يُكَفِّرْهم، فهذا النَّوع أيضًا لم يأتِ بما دلَّتْ عليه (لا إلَهَ إلا الله) مِن نفْيِ الشِّرك، وما تقْتَضِيه مِن تكفِير مَن فعلَه بعد البَيانِ إجماعًا، وهو مضمونُ سورة الإخلاص، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون ١]، وقوله في آية الممتحِنَة: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ [الممتحنة ٤]، ومَن لم يُكَفِّر مَن كفَّره القرآن فقد خالَف ما جاءت به الرسل مِن التوحيد وما يُوجِبُه. ثم قال رحمه الله: (ومنهم -وهو أشدّ الأنواع خطرًا- مَن عمِل بالتوحيد ولم يعرِف قدرَه، ولم يبغِض مَن تركه ولم يُكَفِّره). وقوله رحمه الله: (وهو أشد الأنواع خطرًا)؛ لأنه مَن لم يعرِف قدْرَ ما عمل به ولم يأتِ بما يُصَحِّحُ توحِيده مِن القُيُود الثِّقَال التي لا بُدَّ منها فما عَلِم أنَّ التوحيد يقتضي نفي الشرك والبراءَةَ منه، ومعادَاة أهله وتكفيرَهم، مع قيام الحجة عليهم، فهذا قد يغْتَرُّ بحاله وهو لم يأتِ بما عليه مِن الأمور التي دلَّت عليها كلمة الإخلاص نفيًا وإثباتًا، انتهى. وسُئِل الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: هل مُوالاة الكفار حَمِيَّةً -لأن ظاهر عبارة الشيخ أنه يجِب معاداتهم والتَّغليظ في ذلك، ومصارحَتُهم بسبِّ دينِهم وعيْبِ آلهتهم، هذا ظاهِر الكلام-، ثم قال: وسُئِل الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: هل مُوالاة الكفار حَمِيَّةً دنيوية موالاة نفاق أو يصِيروا كُفارًا؟ وإذا كان لا يقْدِروا أن يتلفَّظَ بكفرهم وسبهم فما حكمُه؟ وإذا عرفْت هذا مِن إنسان ماذا يجِب عليك؟ فأجاب: إن كانت الموالاةُ مع مساكنتهم في ديارهم والخروج معهم في قتالِهم ونحو ذلك فإنه يُحكم على صاحبها بالكفر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء ١٤٠]، وقال النبي ﷺ: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكِينَ وَسَكَنَ مَعَهُمْ فَإِنَّهُ مِثْلُهُمْ»[[أخرجه أبو داود (٢٧٨٧) من حديث سمرة بن جندب.]]، وقال: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ»[[أخرجه أبو داود (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤) من حديث جرير بن عبد الله.]]، رواهما أبو داود. وإن كانت الموالاة في ديار الإسلام، -وبحثت لابن القيم لعلي أجد كلامًا في هذا، بحثت لابن القيم في مختصر تهذيب السنن، وإن قال: وإن كانت الموالَاةُ في ديار الإسلام إذا قدِمُوا إليهم ونحو ذلك فهذا عاصٍ آثمٌ متعَرِّض للوعيد، وإن كانت موالاتهم لأجل دينِهم -هكذا بالأصل- يجِبُ علينا التعزير بالهجر والأدَب ونحوه ما يزْجُر أمثاله -أظنه يعني مِن أجل تَرْغِيبِهم في الدين-. * الشيخ: لا من أجل دينهم. * الطالب: الحين سيأتي بعد الكلام الذي فيهم؛ لأنه كُفْر، موالاتهم من أجل دينِهم كُفْر. * الشيخ: لا، من أجل دينهم، أو دنياهم؟ * الطالب: أو يمكن دنياهم، نعم صحيح، يمكن دنياهم، لكن هذا وهذا (...)، وإن كانت الموالاة لأجْل دينِهم فهو مثلُهم، ومَن أحَبَّ قومًا حُشِرَ معهم، ولكن يتفكر السائل في قوله: حمية دنيوية، لا يمكن هذا إلَّا لإبلاغ المحبة في قلوبِهم، وإلَّا فلو كان يُبغضُهم في الله ويعاديهم لكان أقَرَّ شيء لعينِه ما يسوؤُهم، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: أَتُحِـــــــبُّ أَعْـــــدَاءَ الْحَبِيـــــبِوَتَدَّعِـــــــي ∗∗∗ حُبًّــا لَــــــــــهُ مَـــــــــا ذَاكَ فِيإِمْكَـــــــــــانِ وأما قول السائل: فإذا ما كان يقْدِر من نفسِه أن يتلفظ بكفرِهم وسبِّهم؟ فالجواب: لا يخلو عن ذلك أن يكون شاكًّا في كفرهم أو جاهِلًا به، أو يقال: يُقِرُّ بأنَّهم كفرَة هم وأشباهُهم، ولكن لا يقدِر على مواجهَتِهم وتكفيرهم، أو يقول: غيرهم كفار، لا أقول: إنَّهم كفار، فإن كان شاكًّا في كفرِهِم أو جاهِلًا بكفرهم بُيِّنَت له الأدلة مِن الكتاب والسنة على كفرِهم. فإن شَكَّ في ذلك وتردَّدَ فإنَّه كافر بإجماع العلماء، على أنَّ مَن شكَّ في كُفْرِ الكُفَّار فهو كافر، وإن كان يُقِرُّ بكفْرِهم ولا يقدِرُ على مواجهتهم بتكفيرهم فهو مُدَاهِن، ويدْخُل في قوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩]، وله حُكْمُ أمثالِه مِن أهل الذنوب. * الشيخ: إذا بقي عندهم؟ * طالب: إذا بقِيَ عندهم وداهَنَهم بالسكوت قال: أخاف يطرُدُوننا، وإن كان يقول: أقول: غيرهم كفار، ولا أقول: هم كفار، فهذا حُكْمٌ منه بإسلامِهم؛ إذْ لا واسِطَةَ بين الكفر والإسلام، فإن لم يكونُوا كفارًا فهم مسْلِمُون، وحينئذ فمَن سمَّى الكفر إسلامًا، أو سمَّى الكفَّار مسلمين فهو كافِرٌ، فيكون هذا كافرًا. وأما قوله: إذا عرَفْت هذا مِن إنسان ماذا يجبُ علَيك؟ فالجواب: يجب عليك أن تنصحَه وتدعُوَه إلى الله سبحانه، وتُعَرِّفَه قبيحَ ما ارتكبه، فإن تاب فهذا هو المطلوب، وإن أصَرَّ وعانَد فله حكم ما ارتَكَبَه؛ إن كان كفرًا فكافر، وإن كان معصيةً أو إثمًا فعَاصٍ آثِم، يجب الإنكار عليه وتأدِيبُه وهجره وإبعاده حتى يتُوب، وقد هجر النبي ﷺ مَن تخَلَّف عن غزوةٍ واحدة، ونهى عن كلامِهم والسلام عليهم، فكيف بمِن يوالِي الكُفَّارَ ويظهر لهم المودة؟ انتهى. قلت: ظهَر مِن هذا وجوبُ الإنكار وبيان ضلالِهم على مَن ذهبَ إلى بلادهم، إمَّا كفرًا إن كان يحبهم ويواليهم، أو لا يعتَقد كفرَهم وإن كان يخَاف أن يطردوه فهو آثمٌ مُتَعَرِّض للوعيد، وقد ذكرَ الشيخ سليمان. * الشيخ: هذا الجواب الأخير من قوله؟ * الطالب: هذا من قولي أنا. * الشيخ: لا، الجواب الأخير؟ * الطالب: إي، الجواب الأخير مِن قوله، لكن قلت.. * الشيخ: لا، خَلِّي قلت من قولك. * الطالب: لكن الأول كله من جوابه. * الشيخ: جواب مَن؟ * الطالب: جواب سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد، أنا ناقل فقط، يعني الأول ناقل. * الشيخ: (...). * الطالب: ثم قال: وقد ذكر الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أمورًا قال فيها: ويُفهم مما ذكرْنا مِن الكتاب والسنة والآثار عن السلف أُمُور، فمن فعلَها دخل في تلك الآيات، وتعرَّض للوعيد بمسيس النار، نعوذ بالله من مُوجِبَات غضبه وأليمِ عقابه، نذكر منها ما يلي: الموَدَّة والمحبةُ الخاصَّة، مداهنَتُهم ومداراتهم، طاعتهم فيما يقولون ويُشْهِرُون، تقديمهم في الجلُوس أو الدُّخول على أمراءِ الإسلام، مشاورتهم في الأمور، مُجَالَسَتُهم ومزَاوَرَتُهم والدخول عليهم. «أم أسماء أتت إليها وهي كافرة، قال الرسول: «صِلِي أُمَّكِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٢٠)، ومسلم (١٠٠٣ / ٥٠) من حديث أسماء بنت أبي بكر.]]، فالإنسان يعتقد تكرارها. * الشيخ: الظاهر إن الجلوس أنه بِرّ بهم؛ لأن هذه قرابة، مسألة القرابة لها حَق حتى لو كانت كافرة. * طالب: والبِر، ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ﴾ [الممتحنة ٨]. * الشيخ: إي، المجالسة تدعو إلى المؤانسة والألفة. * طالب: ومزاوَرَتُهم يعني تكرُّر الزيارة، والدُّخُول عليهم، البَشاشَة لهم والطَّلاقة، معاونتهم في أمورهم ولو بشيءٍ قليل، كبَرْيِ القلم وتقريب الدواة ليكتبوا ظلمهم. * الشيخ: ليكتبوا ظلمهم. * طالب: مصاحَبَتُهم ومعاشرتُهم، الرضا بأعمالهم، والتشبه بهم، والتَّزَيِّي بزِيِّهم، ذكر ما فيه تعظيمٌ لهم كتسميتهم سادات، السُّكْنَى معهم في ديارهم. وقد سُئِل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله عن حكم السفر لبلاد الكفار للتعلم هذا من (...). فأجاب: لا يجوز إلا بثلاثة شروط: أن يكون المسلمون بحاجَةٍ ماسَّة إلى هذا العلم، ألَّا يُوجد هذا العلم في بلاد المسلمين، القدرة على إظهارِ دينه، قلت: يضاف إليهما ما ذكَر الشيخ سليمان بن عبد الله مِن اشتراط الأمْن مِن موالَاتهم وموَدَّتِهم، أظنه داخل في الأمر الثالث القدرة على إظهار الدين يدخل فيه الأمن، ويضاف إليه أيضًا ما اشترطَه أحد العلماء، وهو أن يكُون على معرِفَةٍ بعقيدته والرَّدِّ على شُبَهِ أعداء الله ورسوله، هذا والله أعلم. * الشيخ: وهل أمِنَ على نفسِه يعني عنده قوة مِن الدين يأمَن مِن الشهوات؟ إحنا ذكرْنا أمس ثلاث صور: الحَاجَة، والثاني: أن يكون عنده علْمٌ يدفع به الشبهات وعنده دين يدْفَع عنه الشهوات. * طالب: عنده معرِفَةٌ بعقيدتِه. * * * * الشيخ: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت 59]. * يُستفاد من هذه الآية: فضِيلَة الصبر، حيث أثْنَى الله على الصابرين: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾. * ومِن فوائدها أيضًا: وجوب إفراد الله سبحانه وتعالى بالتوَكُّل والاعتِمَاد؛ لقوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. * ومنها: أنه ينبغِي للصابر أن يعتَمدَ على ربِّه في صبرِه؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، وفائدة اعتماده في صبرِه على ربِّه، أوَّلًا: الثباتُ على ذلك، إن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، الفائدة الثانية: أنَّ صبرَه يكُون عبادة؛ لأنَّ بعض الناس يصْبِر ويتجلَّد على حدِّ قول الشاعر: وتَجَلُّــــــــــدِي للشَّامِتِـــــــــــــينَأُرِيهِـــــــــــــــمُ ∗∗∗ أنِّي لِرَيْــــــبِ الدَّهْـــــر لاأَتضَعْضَـــــعُ هذا الصبر يعني لا شك أنّه خُلُق جميل، لكن ما يُثَاب عليه، إذن نقُول: إن أيش؟ إنَّ الصَّبر المقرُون بالتَّوَكُّل على الله سبحانه وتعالى هو الذي يكون فيه الثواب والأجر. * ومِن فوائد الآية: كِفَاية الله عز وجل؛ لأنَّه لا يُتَوَكَّل إلا على مَن هو كافٍ، فمَن ليس بكافٍ فليس أهلًا لِأَن يُتَوَكَّل عليه. * ومِن فوائدها: إثباتُ الربوبية؛ لِقولِه: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت ٦٠]. * مِن فوائد الآية: الإرشَاد إلى النَّظَر في مَخْلُوقَات الله، فإنَّ الله يقول: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ لأجل أن نتَفَكَّر في هذه الدواب التي لا تحمِلُ رزقَها. * ومِن فوائدها: أنَّها تشتَمِل على عِدَّةِ صفات مِن صفات الله، منها كمالُ القدرة حيث يخْلُق هذه الدَّوَابّ الصغيرة اللي ما تحمِل رزقَها، ويخلُق الدواب العظيمة التي تكتَسِبُ الرزق. * ومنها أيضًا -مِن فوائدها-: من الصفات التي تُستفاد منها قدْرَةُ الله عز وجل، ومنها علمُه، ومنها رَحمتُه، ومنها إحَاطَتُه بكل شيء، فإن هذه الدواب الصغيرة اللي ما تحمِل رزقَها يعلمُها ويرزقُها. وقوله ﴿يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. * طالب: ومنها (...). * الشيخ: إي، قلناها، ما ذكرناها أول شيء؟ * ومِن فوائدها: إثبات اسمَيِ (السميع) (العليم) وما يتضَمَّنَاه مِن الصفة. ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، إلى آخره [العنكبوت: ٦١]. * في هذه الآية مِن الفوائد: إقامَة الحجة على الخصم حتى يُذْعِن ويقِرّ. * ومنها: سفَه المشركين بالله في عبادتهم، حيث يقِرُّون بربوبيته ثم يُنْكِرُون ألوهيته، وكان مِن العقل أنَّ مَن أقَرَّ بالربوبية أقَرَّ بالألوهية. * ومنها: إثباتُ خلْقِ السماوات والأرض، وأنَّ الذي خلقَهما الله. * ومنها أيضًا: أنَّ تدْبِيرَ الكون إلى الله عز وجل، ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾. * ومنها: رحمةُ الله تعالى بخلقِه؛ حيث سخَّرَ لهم الشَّمْس والقَمر. * ومنها: أنَّ المشركين يقِرُّون بالربوبية. * ومنها: أنَّ الإقرارَ بالربوبية لا يكفِي في التوحيد، وبهذا نعرف -الذي يترتَّب على هذه الفائدة- نعرِف بُطْلَان تفسِير مَن فَسَّر الإله بالقادر على الاخْتِراَع، فإنَّ المتكلمين يفَسِّرُون الإله بالقادر على الاخْتراع، وإذا فَسَّرُوا الإله بالقادر على الاختراع لم يكن في توحيدِهم فرْق بينه وبين توحيد المشركين؛ لأنَّنا نقول: الإله هو المعبود حقًّا، هذا الإله المعبود حقًّا، وكذلك المعبودُ بالباطل يسَمَّى إلهًا؛ لأنه يُعبد، لكن ألوهيَّتَه باطلة. * ومن فوائد الآية: ثُبُوت عِلْم الله بالمستقبل؛ لقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، فإنَّ هذا خبرٌ عن أمْرٍ مسْتَقْبَل، ولا شكَّ أنه واقِع كما أخبَرَ الله، وأظُن ذكرْنا سفَه هؤلاء المشركين؟ * طالب: نعم. * الشيخ: طيب ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت ٦٢]. * من فوائد الآية: أنَّ الرِّزْقَ بيَدِ الله، وإذا كان كذلك فهو الذي يُطْلَبُ منه الرزق. * ومن فوائدها: أنَّ إثبَاتَ القَدَر لا يعني الكَفَّ عن الأسْبَاب، فهنا بيَّن الله أنَّ بَسْط الرزق وتقْدِيرَه بيدِه، ومع ذلك يقول: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥]، ما قال: ناموا على الفُرُش ويجِيكم الرزق، قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾، فالقدرُ لا ينافي فعْلَ الأسباب؛ لأنَّه قد يكون مقدَّرٌ عليك بهذا السبب، كما أنَّ دخول الجنة والنَّجَاة من النار أليس له سبب؟ نعم، إذا لم تعْمَل ما حصَل، كذلك الرزق إذا لم تعْمَل له ما حصل لك. * ومن فوائدها: إثبات كمالِ التصرف لله عز وجل؛ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [العنكبوت 62]، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويُعِزُّ من يشاء ويذل من يشاء، فهو سبحانه وتعالى له التصَرُّف المطلق في مخلوقاتِه. * ومن فوائدها: إثبات المشِيئَة؛ لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ونحن نسْأَل الآن: هل المشِيئة تتعلَّق فيما يحبُّه ويكرهه، أو فيما يحبُّه فقط؟ فيما يحبه وما يكرَهُه، فإنَّ المسلمين مجمِعُون على قولِهم: ما شاء الله كان وما لم يشَأْ لم يكن، طيب هل الإرادة متعلِّقَة فيما يحبه وما يكرهُه، أم فيما يحبُّه فقط؟ * طالب: (...) الشرعية. * الشيخ: إي، فيه تفصِيل: الشرعية فيما يحبُّه فقط، والكونِيَّة فيما يحبُّه وما لا يحِبُّه؛ لأنَّها مُرَادِفَة للمَشِيئَة. * ومِن فوائد الآية: إثباتُ عِلْم الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت ٦٢]، وأنه عام في كل شيء، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فهل يشمَل الصغير والكبير وما يتعلَّقُ بفعلِه وما يتعلق بفعلِ عبادِه؟ وإذا كان عَلِمَ فعلَ عباده لزِمَ أن يكُون مقدِّرًا له؛ لأنَّه إذا كان عالِمًا به فإنَّه لا يمكنُ أن يقَع على خِلَاف مَعْلُومِهِ، وحينئِذٍ يكون مقَدِّرًا له، ولهذا قال الشافعي في مناظَرَتِه أولئك المعتزلة القدرية قال: جادِلوهم بالعلم، فإن أنكرُوه كفرُوا، وإن أقَرُّوا به خُصِموا، وهو صحيح، هذه حُجَّة قائِمَة وقَيِّمَة. * ومنها -من فوائد الآية-: فضْلُ الله عز وجل بالرِّزْق، سواءٌ كان مقدَّرًا أم مبسُوطًا، أو أصح: سواءٌ كان مَقْدُورًا أم مبسوطًا؛ لأنَّها من الثلاثي ما هي من الرباعي.

العنكبوت 29:63

قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾، هذا لام قسم، ﴿مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ الجواب؛ جواب القسم: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت ٦3]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾، (مَن) هذه اسم موصول مبْتَدَأ، وصِلَةُ الموصول قوله: ﴿نَزَّلَ﴾، وجواب القسم: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، الإعراب صواب ولَّا لا؟ * طلبة: لا، خطأ. * الشيخ: خطَأ، (مَن) اسم استفهام؛ لأنَّه وقع بعد السؤال، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ﴾، وعلى هذا فـ ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، و﴿نَزَّلَ﴾ الجملة خبَر المبتدَأ، وقوله: ﴿مَنْ نَزَّلَ﴾ بالتشديد، وفي بعض الآيات: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنعام ٩٩]، والفرق بين (نَزَّل) و(أَنْزَل) أنَّ (نزَّل) تفيد نزول الشيء شيئًا فشيئًا، كما قال الله تعالى في القرآن: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦]. وقولُه: ﴿نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ لأن فيه النزول يكون مِن أعلى، والمرادُ بالسماء هنا العُلُوّ، وليس السَّماء السَّقف المحفوظ، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾، بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ، ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾، والمطَر ينزِل مِن السَّحَاب، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ [النور ٤٣]، فبهذا عرَفْنا أنَّ المرادَ بالسماء هنا أيش؟ العُلُوّ، وكُلُّ ما علَاكَ فهو سَمَاءٌ؛ لأنَّه مِن (سمَا، يسمو) إذا عَلَا وارتفع. وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ الحكمة في نزوله مِن السماء؛ لأنَّه إذا نزَل مِن السماء شمَل النَّازِل والعَالي، ولو كان يجرِي مِن الأرض لكان لا يصِل إلى العالي حتى يُدَمِّر النازل، ولكن مِن حكمة الله أنَّه كان ينْزِلُ مِن أعلى. قال: ﴿مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ الفاء هنا تدُلّ على الترتيب والتعقيب لكنها إذا كانت متَّصِلَة بجملة فإنها تفيد أيضًا السَّبَبِيَّة مع الترتيب والتعقيب، بخلافِها إذا دخَلت على اسْمٍ فإنَّها لا تدل على السببية، تقول: قام زيد فعمرو، لا يعني أنَّ قيامَ زيد سببٌ في قيام عمرو، لكن يعني أنَّ قيام عمرو بعد قيام زيد، أمَّا إذا اتصلت بالفعل فإنها في الغالب تكونُ مع التَّرْتِيب للسببية، فعليه يكون قولُه: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾، يكون الماءُ سببًا لِإحياء الأرض، وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ﴾ هل الأرض تحيا في الحال أو بَعْد؟ * طلبة: بعد. * الشيخ: بعد، لكن لَمَّا كان السبب مؤَثِّرًا صار الأثَر مترَتِّبًا عليه فورًا، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج ٦٣]، مَا تُصْبِحُ الأرض مخضَرَّة بمجرَّد نُزُول الماء في الليل، لكنَّ هذا سبب مُوجِب، فلما كان سببًا موجِبًا صار كأنَّ المسَبَّب موجُودٌ في الحال، قالوا: ومِن ذلك قولُهم: تزوَّج فلانٌ فوُلِدَ له، وإن كان هذا أضعَف مِن الذي معنا، لكن قوله: فوُلِدَ له، نحن نعلم عِلم اليقين أنَّه ما هو بيُولد له ليلة زواجه أو لا؟ ما فيها إشكال، لكن الزواج سببٌ للولادة، ويكون الترتيب بحسبِه، ما هو لازم أن يكون معقِّبًا، لكن إذا كان السبب موجِبًا، ولا بُد صارَ كأنَّ المسبَّبَ مُعْقِبٌ للسبب. وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾، (أحيَا) و(مَوْت) الجماد، إذن يحيا ويموت أو لا؟ الجماد يحيا ويموت وكلّ شيء حياتُه وموتُه بحسبِه، ولا تظُنَّ أنَّ الحياة والموت لا تُضَاف إلَّا ما يمكن أن يكونَ متحرِّكًا، فهذه الأصنام يقول الله تعالى فيها: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل ٢٠، ٢١]، أموات غير أحياء، فكُل شيء لا حركَة فيه ولا نُمُوَّ فيه يمكن أن يسَمَّى ميتًا وإن كان مما لا تحلُّه الحياة. وقوله: ﴿أَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ هل المرادُ بالأرض هنا النبَات، أو أنَّها نَفْسُ الأرض؟ قيل: إنَّ المراد نفسُ الأرض، وأنَّها باخْتِلَاط الماء فيها تكون حَيَّةً، وبيُبْسِها تكُون مَيِّتَة، وقيل: المراد ما عليها مِن العشب والزّرَع ونحو ذلك، يعني النبات، وأنَّ الأرض لا تكون أرضًا في الحقيقة ينتَفِعُ بها الناس إلَّا بالنبات الذي فوقَها، فتكونُ حياتُها وموتُها، أي حياةُ نباتِها وموتُ نباتِها. وقوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، نقول فيها ما سبق؛ أن اللام واقِعَة في جواب القسم، و(يقولُنَّ) أصله (يقولُونَنَّ) شوفت؟ قال النحويون: فحُذِفت النون الأولى؛ لِتوالي الأمثال، لماذا لا نقول: حذفت إحدى النونين مِن نون التوكيد؟ قالوا: لأنَّ نون التوكيد جيءَ بها لغرَض وهو التوكيد، ونونُ الرفع دائمًا تُحذَف في حال النَّاصب والجازم والتَّخفيف، وما أشبه ذلك، فكانت أولى بالحذْف، فحَذَفْنا نونَ الرفع لِتوالي الأمثال، ما سببُ حذف الواو؟ لالتقاء الساكنين؛ لأنَّ نونَ التوكيد المشددة مكَوَّنَة مِن حرفين: أولُهما ساكن، فإذا كان ساكنًا حُذِفَ حرف العلة حرفُ اللَّيْن الذي قبله كما قال ابن مالك: ............................... ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــــــــــــنْ لَيْنًافَحَذْفَـــــــــــهُ اسْتَحَـــــــــقْ وقوله: ﴿اللَّهُ﴾ نقول: خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدَأ خبرُه محذوف. * طالب: وجه (...). * الشيخ: الله أعلم، ما ندري عاد كيف هم يقولون: اختلاطُ الماء به حياة، هم يقولون بعد أنَّ هذه حياة تليقُ بها، وحقيقةً كما قلت قبل قليل: إن الحياة والموت في النبات أظْهَر؛ لأنَّه محَلُّ الانتفاع، وربما يستشهد له بقوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة ٢٥٩]، والخَاوي على العُرُوش النَّبَات ولَّا الأرض؟ النبات، فـ﴿قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فجعل الموت للنبات، يعني هذا مما يؤيد أنَّ المراد بحيَاة الأرض ونباتِها حياةُ نباتِها وموتُه. * طالب: قوله تعالى: ﴿تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت ٣٩]. * الشيخ: إي، قال بعض العلماء: تهتَزُّ هي الأرض نفسها، وتربُو أنه مع الماء ترتَفِع، هي المسألة فيها هذا، لكن الظاهر -والله أعلم- أنَّ القول الأقرب أنَّ المراد النبات. قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ما قال: فأنى يُؤفكون، هناك قال: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ لِظهور دلالة الخلق والتدبير على الرُّبُوبية المستَلْزِم للإقرار بالألوهية، وهنا قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ لأنَّ إقرارَهم بالأول وبالثاني، وأنَّ الأمرَ كلَّه بيد الله يسْتَلْزِم لا أنَّ الله موجود فقط، بل أنَّ الله مستَحِقٌّ لأن يُثنَى عليه، ولهذا قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، الحمد لله ظهرَت عليكم الحُجَّة، وقامَتْ عليكم البينة، وظهر كمالُ الله عز وجل، عرفْتم؟ فالأول فيه تخلِية، والثاني فيه تَحْلِية، إثبات كمال الله عز وجل يعني: الحمد لله على قيامِ البيِّنَة عليكم وظهور الحجة ووضوحِها. أما يقول المؤلف: (فكيف يشركون به)، فهذا أتى به على حدِّ قوله في الآية الأولى: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، ولكِن عندي أنَّ الآية الثانية فيها إقَامَة حجة على أمْرٍ آخر هم ينكرونه، وهو البَعْث، فإنَّهم ينكرُونه، فحقيقة الأمر أنَّ مُنْكِر البعث سيُشْرِك بالله وسيَعْمَل ما شَاء؛ لأنَّ مُنكرَ البعث يعتقد أنَّه ما فيه جزاء ولا حساب، ومَن اعتقد كذلك هل يعمَل؟ ما يعْمَل، ولِهذا كما ترون يجمَع الله سبحانه تعالى دائمًا في القرآن بين الإيمان به وباليوم الآخر، دائمًا يجْمَع بينهما؛ لأنَّ الإيمان باليوم الآخر هو الحادِي للإنسان على العمَل؛ إذْ مَن لا يعتَقِدُ أنَّ هناك جزاءً، فكيف يعمل، فالذي يظْهَرُ لي أن الآية الثانية سِيقَت لإلزامِهم بالإقرار بالبَعْث. * طالب: بعض الآيات ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة ١٦٤]. * الشيخ: إي نعم، ومِن بعد موتها، إي نعم، الفائدة: أنَّ هذا الإحياء قد يكونُ قريبًا مِن مَوْت الأرض، بمعنى أنَّ المطر ينزل قريبًا مِن الجدب، وأحيانًا يكون متأخِّرًا، فـ (مِن) للمتأخر. قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على ثُبُوتِ الحُجَّةِ عليكم. طيب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ما هو الحمد؟ هو الثَّنَاء كذا؟ يقول أكثر الناس: هو الثَّنَاءُ بالجميل، وهذا غَير صحيح، فإنَّ الثناء غير الحمد؛ لقولِ النبي ﷺ، بل لِقول الله تعالى، إنّ الثناء غير الحمد في الحديث القدسي؛ حديث أبي هريرة أن الله سبحانه وتعالى قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]«، قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة ٣]«، قَالَ: أثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]«، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]]، وهذا دليلٌ واضح على أنَّ الثناء غير الحمد، وإلَّا لكان تكرارًا، وأيضًا المعنى يقتضي ذلك؛ لأنَّ الثناء من الثَّنْي وهو الرُّجُوع، فإنَّك إذا ثَنَيْت العصا رجَع طرَفُه إلى طرَفِه، ومنه أيضًا لفظ اثنين، يعني واحد وواحد ففيه رجوع، فالمهم أنَّ الحمد لا يصِحُّ تفسيره بالثناء، إذن فما هو؟ نقول: وصفُ المحمود بالكمال، لكن نزِيد أيضًا: معَ المحبة والتعظيم، حتى يخرُجَ بذلك المـَدْح، فإنَّ المدْح وصف الممدُوح بالكمال، لكن قد يكون لِمحبَّة وتعظيم، وقد يكون لِخَوْف لا لِمحبة، فهذا الرجل الذي وقَف أمام ملِكٍ ظَالِم ٍجَبَّار وقال: أنت الملكُ الكرِيم المحسِنُ العادِل الذي لا تظْلم أحدًا، هذا مدْح ولَّا لا؟ مدْح، لكن عن محبَّة وتعظِيم؟ أبدًا، هو كَذِب، نعم فنقول: إنَّ الحمد وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، ثم إنه أيضًا يُفَرَّق بينه وبين المدح أنَّ المدح قد يكون موافِقًا للواقع، وقد يكون غير موافق، والحمد لا بد أن يكون موافِقًا للواقع. قال: وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يقول العلماء: إن (أل) في الحمد أنَّها للاستغراق، فجَمِيع المحامد لله، واللام في قولِه ﴿لِلَّهِ﴾ هل هي لِلتمليك ولَّا لِشِبْهِه؟ ابن مالك يقول: وَالـــــــــــــلَّامُ لِلْمِـــــــــــــــــلْكِوَشِبْهِـــــــــــــــــهِ ∗∗∗ .......................... * طالب: لشبهه. * الشيخ: لِشِبْهه، فالحمْد مسْتَحَقٌّ ومختَصٌّ بالله، والمرَاد به الحمدُ الكامِل، أمَّا مجردُ الحمد فلا يختَصُّ بالله، قد يُحمَد الإنسان على خصْلَةٍ مِن الخصال بقدرِ هذه الخصلة، لكن الحمْدُ الكامل الواسع مستَحَقٌّ لله وحدَه، ومختَصٌّ بالله وحدَه. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ لا يعلمون تناقُضَهم في ذلك، (بل) هنا للإضراب الانتقالي أو الإبطالي؟ * طالب: الانتقالي. * الشيخ: الانتقالي، يعني: فبعْدَ أن ثَبَت الأمر وقامت الحجة، واستَحَقَّ الباري الثنَاء أو الحمد، حينئِذٍ يصِحُّ أن يُسَجَّل عليهم الجهل، وهو قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، أكثَر هؤلاء لا يعْقِلُون، يعني عندَهم مِن السَّفَه ما هو ظاهِر؛ لأنَّه لو كان عندهم عُقُول لكان إقرارُهم بما أقَرُّوا به مُلْزِمًا بِإقرارهم لما أَنْكروه، أو لا؟ نعم، لو كان عندَهم عقول حقيقِيَّة راشدة لكان إقرارهم بما أقَرُّوا به ملْزِمًا لِإقرارهم بما أنكروه، وهم أقَرُّوا أنَّ الذي خلق السماوات والأرض وسخَّر الشمس والقمر هو الله، والذي نزَّل من السماء ماء فأحيَا به الأرض بعد موتها هو الله، إذن أين العقل وأنتم تُنكِرُون البعث وتُشْرِكُون بالخالق؟! فهنا لا عقْل. ومِن هنا نأخذ أنَّ أولئك الذين يدَّعون أنَّهم العقلاء ثم يُنكِرُون بعض صفاتِ الله عز وجل محتَجِّين أنَّ العقل لا يقِرُّها، نأخُذ منه أنَّهم ليس عندهم عقْل؛ لأنَّ العقل يُلْزِمهم أن يُقِرُّوا بما أنكَرُوه نظيرَ إقرارِهم بما أقَرُّوا به. فمثلًا -نضْرِب مَثَلَيْن فقط- يقول الأشاعرة والكلام معهم ومَن سواهم مِن باب أولى، يقولون: نحن نثبت لله الإرادَة، ونُنْكِر الرحمة، ما لله رحمة، ليش يا جماعة؟ قالوا: نعم؛ لأنَّ الإرادة دَلَّ عليها العَقْل، والرَّحْمَة دَلَّ العقلُ على بطلانِها، شوف ما يقولون، ما دل عليها العقل، يقولون: دل العقل على بطلانها. طيب فَسِّر، قال: الإرادة دَلَّ عليها العقْل بالتَّخْصِيص؛ تخصيص كونِ السماء سَمَاءً، والأرض أرضًا، والإنسان بشرًا، والحمار حيوانًا، ومَا أشبه ذلك، يعني حيَوان غير ناطق، هذا يدُلّ على أيش؟ على الإرَادَة، أراد أن يكون الحمارُ حمارًا، فكان حمارًا، وأن يكون الإنسان إنسانًا، فكان إنسانًا، وأن تكون السماء سماء، فكانت سماءً، إلى آخره. وهذا دليل ولا بد على الإرادة، دلِيل واضح هذا ولَّا غير واضح؟ واضِح، طيب الرحمة؟ يقولون: دل العقل على إنكارِها، لِماذا؟ قال: لأن الرحمة لِينٌ ورِقَّة، والله جل وعلا ما يُوصَف باللين والرقة. قلنا لهم: أنتم استدلْلَتم بالوَاقِع على الإرَادة، نحن نسْتَدِلُّ عليكم بالواقع على الرحمة، ودلالَةُ الواقع على الرَّحْمة أعظم مِن دلالة الواقع على الإرادة، لو تيجي للعامي تقول: أيش دليل الإرادة عقلًا عندك؟ والله ما أدري، العامي يُدرك أنَّ التخصيص دليل على الإرادة؟ * طالب: لا. * الشيخ: طيب، لكن العامي لو تقُول له: إنزَال الله المطر بعد الجَدْب حتى تُخصِب الأرض، ورِزْق الله للفقير المال، فأصبح غنِيًّا بعد الفقر، مو هذا يدُل على أنَّ الله رحيم ولَّا لا، أيش يقول؟ يقول: نعم، فدلالَةُ الواقع الذي لا يُحصَى مِن نِعَمِ الله على رحمةِ الله أبلَغ مِن دلالة التخصيص على الإرادة، واضِح؟ وهذا واضح جدًّا. فإذن في الحقيقة لو كان عندهم عقْل كما يزعمون أنَّهم أهْل العقل لكان استدلالُهم على الرحمة بالواقع أبلَغ مِن استدلالِهم على الإرادَة بالواقِع، واضح؟ لكن العلة والبلاء اللي هم جابوا، قالوا: إنَّ الرحمة معناها اللين والرِقة، والله عز وجل منَزَّه عن ذلك؟ جوابنا على هذا مِن ثلاثة أوجه؛ الوجه الأول: أن نقول: هذا اللازم إنَّما هو في رحْمَةِ المخلُوق، ورحمَةُ الخالق غير رحْمَة المخلوق، ما نُشَبِّهها، هذه واحدة. وثانيًا: أن نقول: مَن يقول: إنَّ اللين والرقة منفِيَّة عن الله، ما هو إلا مجرد (...)، واللين لِلغير لإِيصال الإحْسَان إليهم ما هو صِفَة نقْص. الوجه الثالث: أن نقول: إنَّ الرحمة ليست هي اللِّين والرقة، فقد يكون هذا المـَلِك يرحَم مثلًا أحدًا مِن رعِيَّتِه ويعطِف عليه وهو على عزَّتِه وعلى مُلكيته، ولا يشعر بنفسه أنه في هذه الحال انْحَطّ عن رتبة القوة والحزم، أليس كذلك؟ قولوا، لَا ولَّا نعم؟! * الطلبة: نعم. * الشيخ: يرْحَم مثلًا هذا الملِك القَوِيّ في سلطانه، يرحَم الفقير مِن أفراد أمته وهو يشعُر بأنَّه باقٍ على عِزَّتِه ولم يلحَقْه في ذلك شيء، فحينئِذٍ نقول: عقْلًا .. (ما) نافية وليسَتْ حِجازيةً هنا؛ لأنَّ النفي انتَقَض بـ (إلا). وابن مالك يقول: إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ ................... وهنا النفي لم يبْقَ. وقوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت ٦٤]، الإشارَةُ هنا للتَّحْقير ودُنُوِّ مرتَبَتِها. والإشَارة للتحقير واردة في اللغة العربية، كما في قوله عن الكفار: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٣٦]؛ يعني: ويش هو هذا الحقير الذليل الذي يسُبُّ الآلهة وهي عظيمة وعالية، وما أشبه ذلك. وقوله: ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ هي الدار التي نحن فيها، ووُصِفَت بالدنيا لِسببَيْن: لِدُنُوِّها زمنًا، ودُنُوِّهًا مرتَبةً. وقوله ﴿الْحَيَاةُ﴾ جاءت هنا لِيُقَابِل بها الحياة الثانية. وقوله: ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ صحيح هذَا الحصْر حقِيقي، الدُّنيا التي هي الدنيا تنْحَصِر في هذين الأمرين: في اللهو واللَّعب، والفرق بينهما قيل: إنَّ اللعب بالجوارح، واللَّهْو باللسان؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان ٦]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور ١٢]. وقيل: إنَّ اللهو في القلْبِ وهو غفْلَتُه وانطِلَاقُه في الملاهي وفيما يلْهِيه عن طاعَةِ الله، واللَّعِب في الجَوَارح مِن اللسان وغيرِ اللسان، وهذا أقرب؛ أنَّ اللهوَ في القلوب واللعب في الجوارح، هذا هو الأقرب. وعليه فحاصِلُ الدنيا أنَّها لَهْو يلهو به الإنسان؛ غفَلَات وسَرْح يمينًا وشمالًا، وكذلك لَعِب حتى الأمور الجِدِّيَّة التي للدنيا هي لَعِب؛ لأنَّها تَذْهَب ولا تَبْقَى، أو يَذْهَب عنها صاحبُها، فهي كلعب الأطْفَال يتَسلَّوْن بها ما داموا أطفالًا، ثم يهجُرونها إذا كبروا وعقَلوا وعرَفوا ما هم عليه. قال المؤلف: (فأما القُرَب فمِن أمور الآخرة لِظُهور ثمرَتِها فيها) قوله: (فأما القُرب) هذا جواب عن سؤال مقدَّر، كأنَّ قائلًا قال: كيف تكون الدنيا لهوًا ولعبًا مع أنَّ الإنسان يعمل فيها عملًا صالحًا؛ يصلي ويزكي ويصوم ويحُجّ ويبر والديه ويصِل رحمه وما أشبه ذلك؟ فهل هذا لعب؟ * طالب: لا. * الشيخ: يقول المؤلف: ليس بلَعِب. طيب أليس هذا في الدنيا؟ قال: بلى هو في الدنيا، لكن ظُهُور ثمرتِه في الآخرة؛ ولهذا قال: (أمَّا القُرَب) -وهي مِن الدنيا- (فمن أُمور الآخرة لظهور ثمرتِها فيها). وصدَقَ المؤلف، فإنَّ الأعمال الصالحة ما هي مِن أعمال الدنيا؛ ولهذا لو أرَاد بها الإنسان الدنيا لَبَطَلَتْ ولم يكُن له أجْر فيها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مَن حَجَّ ليَأخذ فليس له في الآخرة مِن خلاق؛ يعني مِن نَصِيب، ويشهَد لهذا الكلام الذي قالَه الشيخ يدُلّ له قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود ١٥ - ١٧]. ويدُلّ له أيضًا قولُه ﷺ:« «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ»[[أخرجه البخاري (٢٨٨٦) من حديث أبي هريرة.]] إلى آخره. والحاصِل أنَّ أعمال الآخرة ليست مِن أعمال الدنيا، بل إذا أُرِيد بها أعمالُ الدنيا بطَلتْ. قال: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ هذه الجملة مؤَكَّدَة بثلَاثة مؤكِّدَات، أقول: بيِّن لنا المؤكِّدَات في هذِه. * طالب: الواو. * الشيخ: الواو ما هي للتأكيد، ما هي الواو مِن أدوات التأكيد. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. * طالب: (إنَّ)، واللام، والضمير. * الشيخ: وضمير الفصل: ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. شف أكَّدَ الله عز وجل أنَّ الحيَوان يعني الحَيَاة، لكنَّها جاءَت على هذا الوزن لِلمُبَالغة؛ (حيوان): فَعَلَان للمُبالغة، وإلا فالحَيوان بمعنى الحياة، ووَزْن (حَيَوَان): فَعَلَان، ففيها زيادَةُ الألف والنون لِلمبالغة. وقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾: هي ما يكُون يوم القيامَة. ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ قال: (بمعنى الحياة)، ولكن زِيدَت الألف والنون فيها لِلمبالغة؛ يعني هي الحياة الحقيقية؛ ولهذا يقول الكافر يوم القيامة يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر ٢٤] حياته الدنيا مُقَدِّمٌ لها، بل هي جنَّتُه، لكن الحياة الحقيقية هي حَيَاةُ الآخِرة؛ لأنَّ حياة الدنيا في الحقيقة ليست بِحياة؛ أولًا: لأنَّها مُنَغّصَة، كل صَفْوِها له كَدَر. وثانيًا: أنَّها غير باقِية أليس كذلك؟ وثالثًا: أنَّ الإنسان مُهَدَّدٌ فيها، فلا يدْري متى يأتِيه أجلُه صباحًا أم مساءً، وكم مِن إنسانٍ خرَجَ من أهله ولم يرجِع إلا جُثَّتُه، وكم مِن إنسان على كرسِيِّه فما أكمَل الكتابة التي يخُطُّها بيمينه، هذه حياة؟ الجواب: * طالب: لا. * الشيخ: لا، ما هي حياة في الحقيقة؛ ولهذا يقول الشاعر: لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُــــــــهُ بِادِّكَـــــــارِالْمَـــــــــــوْتِ وَالْهَــــــــــــرَمِ مهما طاب لك العيش إذا تأَمَّلْت سوف تهْرَم وتدَع هذا العيش ولا يطِيب لك، وسوف تموت فلا تبْقى للعيش أصلًا. والحاصل أنَّ الدار الآخرة -صدَقَ ربُّنا جل وعلا- هي الحيوان، فهي التي ينبغي للإنسان العاقل أن يسْعَى لها، والغريب أنَّه إذا سعى للآخرة حَصَّل الدنيا والآخرة، وإذا سَعَى للدنيا فقط فاتَتْهُ الدنيا والآخرة، الدليل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى ٢٠] أيش معنى ﴿نَزِدْ لَهُ﴾؟ يعني: نُعْطِيه حرث الآخرة مع الدنيا؛ لِقولِه تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧] هذا جزاءٌ عاجل ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ هذا الجزاء الآجِل، و﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: لا، نؤتيه منها ولا نعطيه اللي هو يبغي ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران ١٤٥] وهذا الوَعْد أيضًا مقْرُون بالمشِيئَة كما في آية الإسراء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ [الإسراء ١٨]، ما هو بالذي يريد ولا بعْض الذي يُريد ﴿مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾، إذن الحَيَوان حقِيقة هي الآخرة. والحيوان الواو هنا هي أصلِيَّة ولَّا منقَلِبَة؟ قيل: إنَّها منْقَلِبَة عن يَاء وأَنَّها قُلِبَتَ واوًا؛ لِئَلَّا يلْتَبِس بالمـُثَنَّى، خلوا بالكم يا أهل النحو! وأنَّه لو قال: وإنَّ الآخرة لهي الحيَيَان؛ لكان يلْتَبِس بالمثنى فقُلِبَت واوًا، وهذا رأيٌ لِسيبويه بناءً على أنَّ الحيَاة يائِيَّة مِن حَيِيَ يَحْيَى. وقيل: إن الواو أصلية، وإنَّ الواو في الحياة هي الأَصْل، لكن قُلِبَت ياء في حَيِيىَ ليش؟ لِتَحَرُّكِها وانكسار ما قبلها فقُلِبَت ياء، وهذا على كل حال تصريف، هذا بحث تصْرِيفي مَحْض. وقولُه تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ هذه جملَة مستَأْنَفة ليست ﴿لَوْ﴾ هنا صِلَة تتَعَلَّق بما قبلها، ولكنَّها مسْتَأْنَفَة فهي شَرْطِيّة، وجواب الشرط محذوف قدره المؤلف بقوله: (﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك ما آثَرُوا الدنيا عليها) والحقيقة أنَّ قولَه: (ما آثروا الدنيا عليها) صحيح أنَّه يصِحُّ أن يكون جوابًا، لكنَّ الجواب أبلَغ مما قدَّرَه المفسر؛ ولِهذا حذَفَهُ الله لأَجْل أن يبلُغَ الذهنُ في تقديرِه كُلَّ مبْلَغ؛ علشان الذهن يقدر كل شيء ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لَعَمِلُوا لها ليلًا ونهارًا مو فقط ما آثروا الدنيا لكان عملُهم لها فقط دون الدنيا، ومعناه أنَّ مَن قَدَّم الدنيا على الآخرة فليس عنده عِلْم، لو كان يعلم حقيقة ومن ذوي العلم والأفهام ما قدَّمَها. ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت ٦٥] ﴿إِذَا رَكِبُوا﴾ الضمير يعود على المشركين يعني سَلْ هؤلاء عن آلِهَتِهم هل هم يرجعون إليها عند الشدائد ولَّا هم يعترفون بأنَّه لا يفرج الشدة في الشدة إلا الله؟ الجواب: الثاني هم مُعْتَرِفُون بأن أصنامهم لا تنفعُهم واعتَرَفوا فيما سبق بأنَّ الذي خلق السماوات والأرض مَن؟ الله وأنَّ الذي ينزل مِن السماء ماء الله، وأنَّ الذي سخَّر الشمس والقمر الله، وأن الذي يدفَع الضَّرورة بناءً على ما ذُكِر في الآية هذه مَن؟ الله. ﴿إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ والفُلْك السُّفُن أو السفينة؟ يصلُح لأنَّه صالحٌ للجمع والمفْرَد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢] هذا جمْع، والمفرَد؟ * طالب: إذا ركبوا (...). * الشيخ: لا. * طالب: (...). * الشيخ: لا، على الفُلْك؟ * الطالب: على الفُلْك. * الشيخ: وهو واحد؟ * الطالب: إيه. * الشيخ: طيب. قال: ﴿إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ ﴿دَعَوُا﴾ هذه جواب ﴿إِذَا﴾ وهي مرُكَّبَة مِن فِعْلٍ وفَاعِل، وهنا فيه إشكال وهو أنّه تقدَّم لنا أنَّ الفعل الماضي إذا اتَّصَلَتْ به واو الجماعة فإنه يُبْنَى على الضَّمّ وتُسَكَّن واو الجماعة، وهنا ما بُنِي على الضم ولا سُكِّنَتْ واو الجماعة، تقول: قَامُوا اللي قبل واو الجماعة مضْمُوم، وواو الجماعة؟ مُسَكَّنَة، وهنا ﴿دَعَوُا﴾ لا ضُمَّ ما قبل الواو ولا سُكِّنَت الواو، فكيف المخرَج مِن هذا الإشكال؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا (...) قَبْل الواو، الآن هو إذا اتَّصل واو الجماعة في الفعل الماضي ضُمَّ ما قبلَها وسُكِّنَت. * الطالب: (...). * الشيخ: هَالْحِين اللِّي عندنا بالعكس. * الطالب: دَعَوُا. * الشيخ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: واحدة. * الطالب: (...). * الشيخ: لا. اللي عندنا الآن واحدة. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني والواو الموجودة ويش هي؟ * الطالب: (...). * الشيخ: أو واو الفعل. * الطالب: واو (...). * الشيخ: يعني واو الفعل، طيب هذا جواب.. نعم. * طالب: (...) واو (...) واو الفاعل (...) لأن الواو واو الفاعل (...). * الشيخ: حذفت الواو. * الطالب: واو (...). * الشيخ: طيب والفَتْح ويش اللي جابه؟ * طالب: بقِي على الأصل أن الضمة أصل الواو (...). * الشيخ: وهذا الجواب؟ نعم. * طالب: (...) واو الجماعة أنه يُحذف ويُفتح ما قبل واو الجماعة (...) دَعَوْا، أصل الفعل: (دعا) (...) حرف العلة (...) فحذفت (...) قبله. * الشيخ: وبقِيَت الفتحة؟ * الطالب: علامةً عليها. * الشيخ: دليلًا عليها على ذلك، طيب ضمّ الواو ﴿دَعَوُا﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: (قَامُوا) ما هُو (...) مُسَكَّنَة. * طالب: (...). * الشيخ: طيب: ............................... ∗∗∗ وَإِنْ يَكُـــــنْ لَيْنًا فَحَذْفُـــــــــهُاسْتَحَـــــــــقَّ * طالب: (...). * الشيخ: (...). * طالب: (...). * الشيخ: جوابُه صحِيح الأول ولَّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: إيه إنه حُذِفَت الألف، محذُوف مِن الفعل الأَلِف؟ * طالب: (...) الألف ألف الفعل (...). * طالب آخر: (...). * الشيخ: لا، ما يتكلم أحد يا جماعة إلا المسؤول. * طالب: (...). * الشيخ: ما هو صحيح. * الطالب: (...). * الشيخ: اللي هو الضَّمِير؟ * الطالب: إيه، وحُذِف لالتقاء الساكنين. * الشيخ: الظَّاهِر إنه بيصير فيه خلاف بينكم، لعلنا نقطَع الطريق. * طالب: (...). * الشيخ: لا، الصحيح: أصله أنّه محذوفة الألف حُذِف ألِفُ الفعل وبَقِيت الفتحة دليلًا عليها، والواو الموجودة واو الضمير لكن حُرِّكت بالضَّم لالْتِقَاء الساكِنَين، وين الساكِنَان؟ لو بَقِيَت الواو ساكِنَة وهمزة (أل) ساكنة ما يستقيم، فإذا قال القائل: القاعدة أنك تحذف الواو لأن: .............................. ∗∗∗ وَإِنْ يَكُـــــــنْ لَيْنًا فَحَذْفُــــــــهُاسْتَحَـــــــقَّ قلنا: حذف الواو هنا غير مُمكن، لو حَذَفْنا الواو اسْتَلْزَمَ ذلك إرجَاع ألف الفعل، ثم إذا رَجعْنَاه لم يكن لدينا دليل على الضَّمِير فصارَ وجود الضمير لا بُدَّ منه، وحُرِّك بالضم لأنَّه الـمُجَانس للواو إذْ أنَّ ظُهُور الكَسْرَة على الواو ثَقِيل جِدًّا، والضَّمَّة أقْرَب لمجانَسَتِها الواو، وهذه موجودة في القرآن، بهذا عدة أمثلة. وقوله: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت ٦٥] ﴿دَعَوُا﴾ دُعاء عبادة ولَّا مسألة؟ * طالب: مسْأَلَة. * الشيخ: مسْأَلَة. وقوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ حالٌ مِن فاعل ﴿دَعَوُا﴾، والإخلاص: تنْقِيَةُ الشيء عما يشُوبُه، فمعنى ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ﴾ أي: لا يجعلون مع هذا الدعاء دعاءً لِشيءٍ من الأصنام. وقوله: ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ قال المؤلف: (أي الدعاء)؛ لأنَّ الدعاء عبادة، فهو مِن الدِّين؛ فلِهذا قال: (﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: لا يدْعُون معه غيرَه؛ لأنهم في شِدَّةٍ لا يكشِفُها إلا هو). وهم بذلك معتَرِفون ومضطرون، لا يمكن أن يدعو الواحد منهم صنمًا في هذه الحال؛ لأنه يعلم أنَّ الصنم لا ينفَعه، فلا يدعُون إلا الله، وهذه حُجَّةٌ ثالثة عليهم بل رابعة. الحجة الأولى: خلق السماوات والأرض. والثانية: تسخِير الشَّمْس والقمر. والثالثة: إنزَال الماء مِن السماء وإحيَاء الأرض أربعة (...). والخامِسة: إخلاصُهم الدعاء في حالِ الشِّدَّة لله. * طالب: أكبر الحُجَج عليهم هذه. * الشيخ: إي نعم، هذه مِن أكبر الحُجَج عليهم. قال: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لَمَّا﴾ هذه شرْطِيَّة. فعل الشرط: ﴿نَجَّاهُمْ﴾، وجوابه: ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. و﴿إِذَا﴾ يسَمِّيها النحويون فُجَائِيَّة، والفُجَاءَة الشيء الذي يأتي بغتة، والمعنى: أنَّهم إذا نُجُّوا إلى البَرّ فَاجَؤُوا وبادَرُوا ويش هو؟ بالشِّرك، أعوذ بالله، جزاء النعمة أن يكفُروا. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ نجَّاهُم مَن؟ الله، يعني أنقَذَهم مِن الشِّدَّة التي هم فيها ﴿إِلَى الْبَرِّ﴾ الذي هو شاطئ السلامة. (﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ به). ﴿هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ هذه جملة اسمية تفيد أنَّ هذا يكُون كالصفة اللازِمة لهم يسْتَمِرُّون -والعياذ بالله- على الشرك مُبادرِين به، وهذا غاية ما يكون مِن اللُّؤْمِ؛ لأنَّ الإنسان بطبِيعَتِه وفطْرَتِه لا يكْفُر بِمَن أنعم عليه، بل يشْكُر مَن أنْعَم عليه. أمَّا هؤلاء فإنهم بمجَرَّد النعمة يشركون والعياذ بالله، وهذا يُشبهه قولُ مَن يتَرَنَّم في بعض الإذاعَات العرَبِيَّة في الحَرْب التي يسمونها حرْب الأيَّام السِّتَّة تعرفونها هذه؟ حَرْب مع اليهود، حارَبَتْ سُورْيَا والأُرْدُن ومِصْر، حَرْبٌ قَضَتْ -والعياذ بالله- على معنوياتهم وأخذَتْ أراضِيَهم، لكن في أيام المعركة كان أحَدُ المذيعين يقول: سندخل تلَّ أبيب غدًا وتُغَنِّينَا أمُّ كلثوم، لكن أمَّ كُلْثُوم غنَّتْ على رُفَاتِهم. هذا في الحقيقة وعْدٌ بِالكُفْر بِكُفْر النعمة ولَّا لا؟ الرسول عليه الصلاة والسلام دَخَل مكَّة حين الفتح مطَأْطِئًا رأسَه خاضِعًا لله عز وجل[[أخرجه أبو يعلى (٣٣٩٣)، والحاكم في المستدرك (٤٤١٣) من حديث أنس بن مالك.]]، نعم فرْق بين هذا وهذا، إنما هذه الحال كونه مثلًا إذا فتحْنا بلاد الكفار تُغَنِّينَا القِيَان تعْزِفُ علينا، هذا يُشْبِه ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. قال الله تعالى: (﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [العنكبوت ٦٦] مِن النعمة، ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ باجتِمَاعهم على عِبَادَةِ الأصنام، وفي قراءةٍ بسكون اللام: أمْر تَهْدِيد). قولُه: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ اللام هنا لِلأمْر أم لِلتعليل؟ * طالب: للتعليل. * الشيخ: نعم فيها قراءتان، إنْ سكَّنَّا اللام في قولِه: ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ -وهي القراءة الثانِية- صارَت اللام للأمر أمْر تهديد؛ لأنَّ الله ما يأمُر بالكفر أمْر إرشاد ولا أمْر إِلْزَام، وإذا كسَرْنا اللام الثانية: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ صارَتِ اللام لام (كَي). ثم هل اللام في قولِه: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ على أنَّها إذا لم تكن للأمْر هل هي لامُ التعليل ولَّا لام العاقبة؟ الجواب: أنَّها لام العاقبة؛ لأَنَّ الله ما نَجَّاهم إلى البَرّ فأشركوا لأجْل أن يَكفروا، لكن صَارَت عاقبتُهم الكفر، هل لام العاقبة معروفَة في اللغة العربية؟ نعم معروفة، قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]. لو سأَلَنَا سائل: هل آلُ فرعون التَقَطُوا مُوسى لِهذا الغرض؟ لقلنا: لا، لكن صارت العاقِبة هذه، لو أنَّهم عَلِموا أنه يكون عدوًّا لهم وحزنًا.. * طالب: ما التقطوه. * الشيخ: إيه أو التقطوه فأهْلَكُوه، إنَّما ما يلتقطونه لِهذا الغرض، لكن صارت للعاقبة، فهنا العاقبة أنَّهم كفروا بما آتينَاهم. وقوله: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ الباء للسببية أم إنَّ البَاء مُعَدًّى بها الفعل مثل كَفَر به؟ نعم هذا هُو الأقرب؛ يعني: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أي أنَّ الفعل (كَفَرَ) تعدَّى إلى مفعولِه بالباء، والمعني: مثل كفَر بالله وكفر بالرسول وكفر بكذا، وقوله: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أي بما أعطيناهم مِن النعمة ويش هي النعمة؟ إنْجَاؤُهم مِن الغرق. ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ قال: (باجْتِمَاعهم على عبادة الأصنام) ويمكن أن يقال: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ بالنعم أيضًا، بالنعم التي أُعْطُوها، فهم كفروا بها فلم يشكُرُوها وتمتَّعُوا بها إلى مآلِهم ومصيرِهم. يقول المؤلف: (وفي قراءة بسكون اللام أمرَ تهديد): ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ . وعلى هذا العامة الآن يقرَؤُونها ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ نرُدّ عليهم ولَّا لا؟ نرُدّ عليهم؟ * طالب: (...). * الشيخ: نرد عليهم. * طالب: (...). * الشيخ: إيه؛ لأنَّ القراءة قراءة غلط، نرد عليهم لأنَّهم يقرؤونها قراءة غلط؛ إذ إنه لو تقول (...) ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ وين ترجعون إليه؟ نرجِع إلى المصحف، إذا رجعنا إلى المصحف وجدْناها مكسورة، فقراءَتُهم إيَّاها بالسكون ليس عن عِلم بل هو عن خطأ وعدم معرفة، أمَّا لو جاء طالبُ علم فقرأها ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ فإننا لا نردُّ عليه؛ لأن طالب العلم قد يكون قرأَها على هذه القراءة. * طالب: (...). * الشيخ: إذا كان في واقع الأمر أنها صحيحة لكن ما أراد لام الأمر فهي ما هي بصحيحة، قراءته خطأ وهو ما أراد لام الأمر. * طالب: (...) لام الأمر (...) اللغة العربية (...). * الشيخ: إيه، لكن هم أرادوا ما تدُلُّ عليه اللغة العربية، وهي: أشهد أن محمدًا رسولَ الله، ويش أرادوا أن تكون رسول؟ * الطالب: خبرًا. * الشيخ: خبرًا، فهم أرادوا ما تقتضيه اللغة العربية الأخرى. * الطالب: وهذا؟ * الشيخ: لا، هذا ما أراد الأمر. * الطالب: ما يدري. * الشيخ: ما يدري؛ لكن هو أراد الذي في المصحف، إن نرُد عليه نقول: لأنَّك الآن تريد القراءة التي في المصحف فغَلِطت، أمَّا لو قال: نعم أنا سكنْتُها لأنِّي على الوجه الثاني في القراءة، قلنا: ما نرد عليه. * طالب: رجل لو صار يقرأ في قراءة ورش وجاته آية مثل هذه وقرأها بالقراءة الثانية ما نرد عليه هو يعني قاصدها. * الشيخ: لا إذا قصدها ما نرُدّ عليه إلَّا مثل ما قلت لكم سابقًا؛ إنه أَمامَ العامة ما ينبغي أن نقرأ خلاف القراءة التي بين أيديهم؛ لأنَّ هذا يوجب التشويش عليهم، ويوجب أنه بدَل ما كان القرآن محترمًا في نفوسهم تعرف العامي ما يقدّر هذه الأمور، يرى أن هذا فيه نقص في القرآن الكريم يقول: أيش لون هذا يتغير؟ إحنا ذكرنا أن القراءات طالب العلم ينبغي أن يقرأَها بنفسه فيما بينه وبين نفسه، ينبغي أن يقرَأ بكل القراءات لأنَّها كلها سنة، ولكن بالنسبة للعامة ما ينبغي أن تقرأ عندهم خلاف ما كان معروفًا بينهم. * طالب: تسمية الدعاء دينًا. * الشيخ: وجه تسمية الدعاء دينًا؛ لأنَّه من العبادة، الإنسان الذي يدعو ربه متعبدٌ له بهذا الدعاء؛ ولهذا خصوصًا العارف يشعر بأنه سيُثَاب على هذا فيكون دينًا. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: (﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة ذلك). (سوف) يقول النحويون: إنَّها تفيد التوكيد لكن بمُهلة؛ ولهذا يقولون: التَّسويف، بخلاف السين فإنَّها تفيد التحقيق بقرب. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ الجملة خبرية ويُراد بها التهديد كقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر ٣، ٤] في سورة (ألهاكم). وقال تعالى في سورة النبأ: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾ [النبأ ٤، ٥]. فالعذَاب والعياذ بالله نازِلٌ بهم لا محالة. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت ٦٧]، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ تقدم الكلام على مثل هذا التركيب وأنَّ الهمزة للاستفهام والواو حرف عطف، وهل الهمزة مقدَّمَة عن مكانها أو لا؟ ذكرْنا أنَّ في ذلك خلافًا، وذكرْنا أنَّ القول الأسهل أنَّ الهمزة للاستفهام وأنَّ الواو عاطفة على ما قبلَها. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يقول المؤلف: (يعلموا) وذلك لأنَّ الرؤية نوعان: عِلْمية وبصرية، إن تعَدَّت إلى مفعولين فهي عِلْمية كقولك: رأيت العلم نافعًا، وإلى مفعولٍ واحد فهي بصرية كقولك: رأيتُ فلانًا. من الرؤية العلمية في القرآن كثير ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ [المعارج ٦ - ٨] نعلَمُه قريبًا، و﴿يَرَوْنَهُ﴾ الأولى رؤية ظَنّ ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾. وقوله تعالى: (﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أي: يعلموا ﴿أَنَّا جَعَلْنَا﴾ في بلدهم مكة ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ ). لِماذا خصَّه بأهل مكة؟ لقولِه: ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. ﴿جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ الحرم ما لَهُ حرمةٌ أي تعظِيم، وسُمِّي التعظيم حرمة لأنه يُمنَع بهذا التعظيم ما كان سائغًا لولاه، أيش مِن جملة حُرُمَات مكة؟ * طالب: تحريم قتل الصيد. * الشيخ: تحرِيم قتل الصيد، والقتال فيها، وقَطْع الشجر، وحَشَّ الحشيش وغير ذلك، حتى الحيوانات غير المؤذية يجب أن تكون آمِنَة. قوله: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ أهل المجاز يقولون: آمِنًا مَن فيه، والصواب أنَّ الحرم نفسه آمِن؛ ولهذا عصَمَهُ الله سبحانه وتعالى مِن كل أحد كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل ١]، وحرَّم النبي عليه الصلاة والسلام القتال فيه[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٣٤) ومسلم (١٣٥٣ / ٤٤٥) من حديث عبد الله بن عباس. وفي الباب: عن أبي هريرة، وعمرو بن سعيد وغيرهما.]]، فهو نفسُه آمِن، وإذا أَمِن نفسه أَمِن مَن فيه. وقوله: ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ يقول المؤلف: (قتلًا وسبيًا دونَهم): في عهْد الجاهلية، غيرُ أهل الحرم ليسوا بأمَان، يُغار عليهم فيُقْتَلون ويُسْبَوْن وتُؤخذ أموالُهم ونساؤُهم، لكن أهل مكة آمنون حتى إنَّه يجِد الإنسان قاتِلَ أبيه في الحرم ولا يقتلُه، قاتل أبيه مع شِدّةِ الحَمِيَّة عندهم لا يقتلُه، لكن اخرج عن الحرم تجِد القتل والسبي والنَّهب وكُل شيء. هذه نعمة مِن الله عظيمة على قريش، وكان عليهم أن يُقابلوا هذه النعمة بالشُّكْر والتصديق للرسول ﷺ، مع أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام منهم يعرفونَه ويسَمُّونَه قبل أن يأتي بالرسالة يسَمُّونَه الأمِين، ويحتكمون إليه أحيانًا، لكن لَمَّا بُعِثَ بالرسالة -والعياذ بالله- وخالف أهواءَهم كفروا به. * طالب: (...). * الشيخ: يقال فيه: إنَّ الحرم نفسه ما تغيَّر، وأَخْذُ الحجر منه ما بقِي، ولا تعَطَّل الناس مِن الحج، حتى وهو (...). مِن الفوائد: * طالب: (...) ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ (...). * الشيخ: أي: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ مَن نزَّل ولَّا من خلق؟ * طالب: من نزَّل. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت ٦٣]. * مِن فوائِد هذه الآية: أولًا: حكمة الله سبحانه وتعالى في إنزال المطر مِن السماء. * ومن فوائدها: أنَّه لا يقدر على إنزال المطر من السماء إلَّا الله، ومهما حاول هؤلاء الذين أعطاهم الله ما أعطاهم مِن الصنائع فإنَّهم لن يستطِيعوا أن يُنَزِّلوا المطر مِن السماء؛ لأن هذا خاص بالله عز وجل. * ومِن فوائد الآية: قُدرَة الله سبحانه وتعالى على إحياء الموتى: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾. * ومِن فوائدها: أنَّ الجماد يُوصَف بالحياة والموت ﴿أَحْيَا بِهِ﴾ ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾، وذكرنا مثالًا آخر في هذه المسألة في الأصنام: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل ٢٠، ٢١]. * ومِن فوائدها: قياس الغائب على الشاهد. * طالب: الغائب هو البعث أو النشور مرة أخرى، والشاهد هو إحياء الأرض؟ * الشيخ: إي الغائِب إحياءُ الناس بعد الموت، والشاهد إحْيَاء الأرض. * ومِن فوائدها: ثُبوت القياس الصحيح أو اعتبار القياس الصحيح خِلافًا لمن أنكرَه أو غَلا فيه؛ لأنَّ الناس انقسموا إلى قسمين: مِنهم مَن غَلَا، ومِنهم مَن دنا؛ يعني منهم مَن أنكر القياس مطلقًا كابن حزم وهو ينكِرُه ويقِيسُ أحيانًا، ومنهم مَن غلا فيه وتجَاوز الحد حتى بلَغ بهم إلى أن يقِيسُوا صِفَاتِ الخالق بصِفَات المخلوق كالمشَبِّهَة مثلًا. * ومِن فوائد الآية: حُسْنُ مناظرة القرآن ومجادلَتِه، وأنَّ مناظرَاته ومجادَلَاته تكون مُلْزِمَة، وجه ذلك أنَّ إقرارهم بهذا الشيء ملْزِمٌ لهم أن يقروا بتوحيد الألوهية وكمالِ صفات الله. * ومنها: وُجُوب إعلَان الثناء والحمد لله عز وجل أمام المشركين؛ لقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. * ومنها: أنَّ إقرارَ المشركين بما يختَصُّ به الله تعالى مِن القدرة هو في الحقيقة كمالٌ لله عز وجل؛ ولهذا أمَر الله نبيه أن يُثْنِي عليه بالحمد أو أن يصفَه بالحمد لَمَّا قال: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، * فيُستفاد منه أن إقرار المشركين بما يختَصُّ به الله من صفات يُعتبر مِن كمالِ صفات الله التي يستَحِقُّ عليها الحمد. * ومنها: أنَّ أكثرَ هؤلاء المشركين جُهَّال؛ لقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٧٥]، المعنى: لا يعلمون ما يستَحِقُّه الله تعالى مِن أوصاف الكمال. * طالب: ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾. * الشيخ: ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ نعم صح، أكثرهم سُفهاء، إن أكثرهم سفهاء لا يعقلون، لو كانوا عقلاء لَعرفوا اللازِم وملْزُومَاتِه وأقروا بها. * ومِن فوائد هذه الآية: أنَّ الأشاعِرة ونحوهم ليس عندَهم فيما ذهبُوا إليه مِن إثبات بعض الصفات وإنكار بعضِها ليس عندهم معقول ولا أثَرٌ منقُول، أمَّا الأثر المنقول فظاهِر، ما عندهم دليل. وكذلك أيضًا ليس عندهم نظر معقول، فإنهم ينكرون ما يقِرُّون بمثله أو دونَه ولَّا لا؟ ومَرَّ علينا أمثلة لهذا فيما سبق. إذن نقول: كُلُّ مَن أقَرَّ بشيء مِن صفات الله تعالى وأفعاله وأنكَر آخر فهو دليلٌ على قِلَّةِ عقْله، وليس المرادُ بالعقل هنا عقْل الجنون لا ما هو الجنون، لكن عقل الرشد والهداية. * طالب: كيف يوصف البعض بالعقل؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأنَّ البعض أقَرّ وآمَن. * الطالب: هو الآن يحكي عنهم يتكلم عنهم.. * الشيخ: هم على سبيل العموم، والذي عنده عقْل ثم فَكَّر ونظَر آمَن ورَجَع. ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤].﴾ * مِن فوائد هذه الآية: بيَانُ حَقَارَةِ الدنيا وأنَّها ليست بشَيْءٍ مطلقًا ولَّا بالنسبة للآخرة؟ * طالب: بالنسبة للآخرة. * الشيخ: ظاهر الآية أنه مطلق، إن ما هي إلا لهو ولعب، كل ما فيها لهو ولعب، فيمكن أن نقول: إنها على سبيل الإطلاق، ويمكن أن نقول: إنَّه على سبيل المقارنة بالآخرة؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. * طالب: (...) يعني تُقيَّد؛ لأن فيها أشياء كالصلاة مثلًا.. * الشيخ: هذه أجاب عنها المؤلف قال: (إنَّ القُرَب مِن أعمال الآخرة لظهور أثرِها فيها). نفس المؤلف أجاب عن هذا، فما كان مِن أعمال الآخرة فليس داخلًا في أعمال الدنيا. * ومِن فوائد الآية: أنَّه لا يجوز أن يُقصَد بأعمال الآخرة شيءٌ من الدنيا، وجه ذلك؟ هذه فائدة ما هو سؤال، قلنا: يستنبط مِن هذه الآية أنَّه لا يجُوز أن يُقْصد بها الدنيا، ما وجهُ الدلالة؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: لأن الدنيا (...) والدار الآخرة (...).* الشيخ: لأن هذه المسائل يقصد بها الآخرة، فلا يجوز أن تأخذ عنها عِوَضًا من الدنيا، والمسألة هذه عاد فيها خلاف بين أهل العلم في باب الإجارة. * ومِن فوائد هذه الآية: كمال حياة الآخرة؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾، وهو كذلك؛ لأنَّ الدار الآخرة دائِمة إما على الخير وإمَّا شر. * ومِن فوائد الآية: الحث على العلم؛ لقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. * ومنها: أنَّ مِن العلم بل مِن أفضَل العلوم التَّفريق بين الأمور النافعة والأمور الضارة، وهذا التفريق مِن أعظم ما يكون، إذا أُوتِيَه الإنسان حقيقة أوتِيَ خيرًا كثيرًا، إذا أوتي معرفة الفرق بين الأمور النافعة والضارة ومعرفة الفرق بين الأمور المتشابهة في العلم فهو ينالُ خيرًا كثيرًا. وقد صنَع بعض أهل العلم شيئًا مِن ذلك، فصاروا يؤَلِّفُون كتبًا اسمُها: الفروق والتقاسيم، مثلًا يذكرون: الفرق بين الفرْض والنفل، الفرق بين الأذان والإقامة، الفرق بين الجَعَالة والإجارة، الفرق بين العطِيَّة والوصِيَّة، الفرق بين كذا وكذا ويذكرون الفروق، وهذه مفيدة لطالب العلم، وهنا قال: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: الفرق بين الدنيا والآخرة ما آثروا الحياة الدنيا على الآخرة. * طالب: (...). * الشيخ: في مؤلَّفات. * الطالب: (...). * الشيخ: لا ما نعرف، أنا ما أعرف، لكنه دائمًا في الإنصاف: ذكرَه فلان في الفروق والتقاسيم وما أشبه ذلك، الشيخ عبد الرحمن له رسالة صغِيرة في هذا الموضوع لكن ما استوعبه، إنَّما مفيدة في هذا الباب. * طالب: كتاب القرافي؟ * الشيخ: القرافي؟ إي نعم ما رأيْته. * طالب: رسالة الشيخ؟ * الشيخ: رسالة الشيخ اسمها القواعد، صغيرة ما هي كبيرة، القواعد والتقاسِيم، هذا.. * طالب: (...) الحروف والقواعد. * الشيخ: إي نعم. قال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٦٥] * طالب: يا شيخ، بالنسبة لقصد الدنيا وقَصْد الآخرة ترى الذين يُسَمُّون أنفسهم العارفين يقولون مثلًا: لا أعمل لأجل الجنة ولا خوفًا مِن النار، ويسمون هذه عبادة العبيد أو (...). * الشيخ: (...) ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ إلى آخره. * مِن فوائد هذه الآية: بيَان أن المشركين -فيما سبق- يُخلِصُون في حال الشدة. * ومِن فوائدها: اعتراف المشركين ضِمْنًا بأن آلهتَهم لا تنفعهم، لو كانوا يعتقدون نفعَها لدَعَوْها في هذه الحال، لكن هم يعرفون أنها ما تنفَعُهم. * ومن فوائدها: أنَّ إشرَاكَ السابقين أهوَن مِن إشراك مَن أشْرَك مِن هذه الأمة ولَّا لا؟ لأنَّ المشركين مِن هذه الأمة ما هم يدعون الله، يدعُون أولياءَهم والعياذ بالله ومَن اتخَذُوهم أندادًا مع الله، يقولون مثلًا الرافضة يدْعُون عليًّا، يا علي! يا علي! * طالب: عند الكعبة (...). * الشيخ: إي نعم، وسمعت رجلًا منهم يدعُو عند المقام ويرفع صوته: يا علي يا علي! يرفَع صوتَه (...)، فجاءَه أحدُ رجال الحسْبَة فزجَرَه وقال: تُشْرِكُ تحت الكعبة! اخرُج. فقال: إنَّما أنا أقول: يا عليُّ، والله يقول في القرآن: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥] يعني أنَّه ينادِي الله، وهذا مِن التقية اللي هم يتَّخذُونَها وهي سَبِيلُ المنافقين. فهذا لا شك -فيما يظهر لي والله أعلم- أنَّه ما يريد الله، إنما يُريد عليًّا؛ لأنَّه لو كان يُريد الله لقال: يا ربِّ، أو: اللهم، أو ما أشبه ذلك، لكن لَمَّا وقَع في شَرَك العَدْل والتوحيد (...) الكلام ادَّعى هذه الدعوة، والحاصل أنَّ شِركَ مَن أشرك في هذه الأمة أعظَم مِن شرك المشْرِكين فيما سبق. * ومِن فوائد الآية: أنَّ اللجوءَ إلى الله عز وجل أمرٌ فِطْرِيٌّ غريزِيّ؛ بدليل أنَّ هؤلاء غلبَتْهُم الفطرة حتى ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. * ومِن فوائد الآية: أنَّ الدعاءَ مِن الدين؛ لقوله: (﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: الدُّعاء) ولا شكَّ أن الدعاء مِن الدين والعِبادة؛ لأنَّ فيه غاية الذل والاعتِرَاف بالكمال لله عز وجل، أليس كذلك؟ فيه غاية الذل والاعتراف بالكمال لله عز وجل، وهذه هي العبادة. أنت عندما تقول: يا رب، معنَاها أنك مُفْتَقِر إلى الله عز وجل، ومعناها أنَّ الله كامل ولَّا لا؟ إي نعم؛ ولهذا بايَع الصحابة رضي الله عنهم النبي ﷺ على ألَّا يسألُوا الناس شيئًا، فكان الرجل يسْقُطُ سوطُه مِن بعيرِه فينْزِل ويأخذُه ولا يقول: ناولْنِي إيَّاه يا فلان[[أخرجه مسلم (١٠٤٣ / ١٠٨) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.]]. بينما إنه مع الأسف الآن في وقتِنا تجِد الإنسان يتذَلَّل غايَة الذُّلّ في سُؤَال المـَال وهو غير مُحتاجٍ إليه، هؤلاء يأتون يومَ القيامة وما في وجوهِهم مُزْعَةُ لَحْمٍ والعياذ بالله، فالمهم أنَّ الدعاء تذَلُّل؛ ولهذا كان مِن العبادة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ هؤلاء المشركين إذا نجَوْا مِن الشدة كفَرُوا بالنِّعْمَة: ﴿لَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. * ومِن فوائدِها: سفَهُ مَن يجْعَلُ النِّعَم سببًا للأَشَر والبَطَر، فإنَّ هذا فيه مِن مشابهة المشركين ما هو ظَاهر، اللي يجعلون النِّعْمة سببًا للأشر والبطر هؤلاء الْمُشابهون للكفار؛ لأنَّ الواجب على مَن أنعَمَ الله عليه نعمَة أن يزدادَ عبادة لله سبحانه وتعالى؛ لأنَّ العبادة مِن الشكر، فإذا أنعم الله عليك بالنعمة فازْدَدْ له شُكْرًا. ولهذا: «كانَ الرسولُ ﷺ لما دخَل مكة فاتحًا قد طَأْطَأَ رأسَهُ حتى إنَّه ليُصِيب مَوْرِكَ رحلِه»[[أخرجه أبو يعلى (٣٣٩٣)، والحاكم في المستدرك (٤٤١٣) من حديث أنس بن مالك.]] عليه الصلاة والسلام، كُلّ هذا مِن أجل التَّذَلُّل لِلمُنْعِم سبحانه وتعالى، فلا تجْعَل نِعَمَ الله عليك سببًا للأشر والبَطر، بل اجعلْها سببًا للشُّكْر والذُّلِّ لله سبحانه وتعالى، حتى تزدادَ هذه النِّعَم وتكونَ نِعَمًا حقِيقِيَّة. وقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت ٦٦] نُفَسِّر هذه الآية على أنَّها للأمر. * فيستفَاد منها: تَهديد أهل الكفر والتَّمَتُّع المحرَّم؛ لأنَّ الأمر هنا للتَّهْدِيد؛ إذ لا يأمُرُ الله أحَدًا أن يكفر، ولا أن يتمَتَّعَ تمتعًا محرَّمًا. * ويستفاد منها على قراءَة اللام التي للتعليل: أنَّ هؤلاء الذين أشركوا صارَت عاقبة أمرهم أيش؟ الكفر والتمَتُّع الزَّائِل؛ ولهذا قال بعدَه: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، * فيستفاد منه: تهديد هؤلاء الكفار الذين ليس لهم إلَّا هَمُّ التمَتُّع بالدنيا. * ومِن فوائدِها: الحَذَرُ الشديد مما كان عليه بعض المسلمين اليوم حيث صارَ ليس لهم هَمٌّ إلا أيش؟ التَّمَتُّع بالدنيا فقط، تجِد أكثر ما يتكَلَّمون عليه: الرَّفَاهِية والتَّرْفِيه وما أشبه ذلك، لكن أمراض القلوب وعلل القلوب وانحرافات القلوب قَلَّ مَن يتكلم عليها مع أنَّها هي الأصل. ترفِيهُ الأبدان إذا مرضت القلوب ويش الفائدة منه؟ ما فيه فائدة إلَّا أنَّه إذا نزَلَت النِّقْمَة مِن الله ازدَاد الإنسان حَسْرَة والعياذ بالله، لكن ترفيه القلب بطَاعَةِ الله عز وجل هذا هو الذي فيه الفائِدَة للبَدَن ولِكُلِّ شيء: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧]. ثم قال الله تعالى مُذَكِّرًا هؤلاء الكفار بنعْمَةٍ عظيمة لا ينَالُها أحدٌ سواهم فقال: (﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ [العنكبوت ٦٧]: يعلَمُوا) وسبق لنا الكلام على إعراب مثل هذا التركيب: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾، وقلنا: إنَّ في ذلك لأهل العلم.. * طالب: (...). * الشيخ: (﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ قتلًا وسبيًا دونَهم) قال تعالى: (﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾ الصنم ﴿يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ بإشراكِهم؟) الاستفْهَام هنا لِلتوبيخ: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾، وهو يقال فيه كما يقال في: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾؛ بمعنى أنَّ الهمزة هل هي بعد الفاء وأُخِّرَت الفاء، أو إنَّها في مكانِها والعطف على الجمل السابقة؟ ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾ قال المؤلف: (الصنم) وفي هذا نظر إلَّا إذا قصد المؤلف التَّمْثيل، وأنَّ مِن جُملة الأشياء الباطِلة الأصْنَام، وإلَّا فإنها تشْمَل كُل ما لا خَيْرَ فيه مِن صنم أو دُنيا أو رئاسة أو غيرِه، كلُّ شيء سوى الحق فهو باطِل. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٤١) ومسلم (٢٢٥٦ / ٣) من حديث أبي هريرة.]] فعلى هذا نقول: الباطل أعَمُّ مما ذكر المؤلف. وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أي يصَدِّقُون ويطمَئِنُّون إليه، فهم تجِدُهم في الأمُور الباطلة مُطْمَئِنِّين مصَدِّقِين مُتَّبِعِين، لكن بنعمة الله يكْفُرون: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾. وقوله: ﴿بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ أي: بما أنعم عليهم مِن المال والجَاه والرئاسة وغيره ﴿يَكْفُرُونَ﴾؛ لأن هذه النعم تحتاج إلى أي شيء؟ إلى شكر؛ بالرُّجوع إلى طاعة الله، فإذا بَقِي الإنسان على معصية الله مع إدْرَار النِّعَم عليه صارَ بذلك كافِرًا. وممكن أن نقول بالنسبة للمسلمين: ﴿بِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ النِّعمة المادية الجسَدِيَّة، والنعمة المعنوية القلبِيَّة، فالإسلام أكبَر النعم علينا ولَّا لا؟ إذا كفر به الإنسان ولم يقُم بواجباتِه فإنَّه يُوَبَّخ على هذا، يقال: ألسْتَ مسلمًا؟ فسيقول: بلى. طب لماذا لم تُصَلِّ؟ لماذا لم تُزَكِّ؟ لماذا لم تصُمْ؟ لماذا لم تفعل كذا وكذا مِن الواجبات؟ فشُكْرُ نعمة الله بالإسلام واجب، كما أنَّ شكرَ نعمة الله تعالى علينا بالمال والبَنِين والأمن والراحة وما أشبه ذلك واجبٌ، بل الشكر على الإسلام أوجَب، وكُفْرُ الإسلام أخطَر؛ لأنَّ الله يقول: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٨]، ويقول: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩]. يمكِن أن ينزِع الله الإسلام مِن قومٍ لا يقومُون بواجباتِه، مثل ما ينزع الأمْن والرَّخاء مِن قومٍ لا يشْكُرون هذا الأمْنَ والرخاء، النعم واحِدَة، وسبيلُها واحد. وقوله: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ ذي واحدة ولَّا كثيرة؟ * طلبة: كثيرة. * الشيخ: طيب وليش أنه قال: نعمة الله؟ * طالب: مُفْرَد مُضَاف. * الشيخ: مُفْرَد مُضَاف فيَعُمّ، الدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ شوف ﴿تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] ولو كانت واحدة ما تبغي عَدًّا ولا إحصاءً معروفة. * طالب: (...). * الشيخ: لا ما تُثَنى إلا باعتبار النوع، ما تثَنَّى، قال: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾. أين يتعلق قولُه: ﴿بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾؟ * طالب: بـ ﴿يَكْفُرُونَ﴾. * الشيخ: بـ ﴿يَكْفُرُونَ﴾. فقُدِّمَت لِإفادة الحصر، كأنَّهم لا يكفرون بشيءٍ إلَّا بنعمة الله، وهذه فائدة معنوية. * وفيها أيضًا فائدة لفظِيَّة: وهي مراعَاة الفَوَاصل.

العنكبوت 29:64

قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾، هذا لام قسم، ﴿مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ الجواب؛ جواب القسم: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت ٦3]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾، (مَن) هذه اسم موصول مبْتَدَأ، وصِلَةُ الموصول قوله: ﴿نَزَّلَ﴾، وجواب القسم: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، الإعراب صواب ولَّا لا؟ * طلبة: لا، خطأ. * الشيخ: خطَأ، (مَن) اسم استفهام؛ لأنَّه وقع بعد السؤال، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ﴾، وعلى هذا فـ ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، و﴿نَزَّلَ﴾ الجملة خبَر المبتدَأ، وقوله: ﴿مَنْ نَزَّلَ﴾ بالتشديد، وفي بعض الآيات: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنعام ٩٩]، والفرق بين (نَزَّل) و(أَنْزَل) أنَّ (نزَّل) تفيد نزول الشيء شيئًا فشيئًا، كما قال الله تعالى في القرآن: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦]. وقولُه: ﴿نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ لأن فيه النزول يكون مِن أعلى، والمرادُ بالسماء هنا العُلُوّ، وليس السَّماء السَّقف المحفوظ، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾، بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ، ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾، والمطَر ينزِل مِن السَّحَاب، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ [النور ٤٣]، فبهذا عرَفْنا أنَّ المرادَ بالسماء هنا أيش؟ العُلُوّ، وكُلُّ ما علَاكَ فهو سَمَاءٌ؛ لأنَّه مِن (سمَا، يسمو) إذا عَلَا وارتفع. وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ الحكمة في نزوله مِن السماء؛ لأنَّه إذا نزَل مِن السماء شمَل النَّازِل والعَالي، ولو كان يجرِي مِن الأرض لكان لا يصِل إلى العالي حتى يُدَمِّر النازل، ولكن مِن حكمة الله أنَّه كان ينْزِلُ مِن أعلى. قال: ﴿مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ الفاء هنا تدُلّ على الترتيب والتعقيب لكنها إذا كانت متَّصِلَة بجملة فإنها تفيد أيضًا السَّبَبِيَّة مع الترتيب والتعقيب، بخلافِها إذا دخَلت على اسْمٍ فإنَّها لا تدل على السببية، تقول: قام زيد فعمرو، لا يعني أنَّ قيامَ زيد سببٌ في قيام عمرو، لكن يعني أنَّ قيام عمرو بعد قيام زيد، أمَّا إذا اتصلت بالفعل فإنها في الغالب تكونُ مع التَّرْتِيب للسببية، فعليه يكون قولُه: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾، يكون الماءُ سببًا لِإحياء الأرض، وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ﴾ هل الأرض تحيا في الحال أو بَعْد؟ * طلبة: بعد. * الشيخ: بعد، لكن لَمَّا كان السبب مؤَثِّرًا صار الأثَر مترَتِّبًا عليه فورًا، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج ٦٣]، مَا تُصْبِحُ الأرض مخضَرَّة بمجرَّد نُزُول الماء في الليل، لكنَّ هذا سبب مُوجِب، فلما كان سببًا موجِبًا صار كأنَّ المسَبَّب موجُودٌ في الحال، قالوا: ومِن ذلك قولُهم: تزوَّج فلانٌ فوُلِدَ له، وإن كان هذا أضعَف مِن الذي معنا، لكن قوله: فوُلِدَ له، نحن نعلم عِلم اليقين أنَّه ما هو بيُولد له ليلة زواجه أو لا؟ ما فيها إشكال، لكن الزواج سببٌ للولادة، ويكون الترتيب بحسبِه، ما هو لازم أن يكون معقِّبًا، لكن إذا كان السبب موجِبًا، ولا بُد صارَ كأنَّ المسبَّبَ مُعْقِبٌ للسبب. وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾، (أحيَا) و(مَوْت) الجماد، إذن يحيا ويموت أو لا؟ الجماد يحيا ويموت وكلّ شيء حياتُه وموتُه بحسبِه، ولا تظُنَّ أنَّ الحياة والموت لا تُضَاف إلَّا ما يمكن أن يكونَ متحرِّكًا، فهذه الأصنام يقول الله تعالى فيها: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل ٢٠، ٢١]، أموات غير أحياء، فكُل شيء لا حركَة فيه ولا نُمُوَّ فيه يمكن أن يسَمَّى ميتًا وإن كان مما لا تحلُّه الحياة. وقوله: ﴿أَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ هل المرادُ بالأرض هنا النبَات، أو أنَّها نَفْسُ الأرض؟ قيل: إنَّ المراد نفسُ الأرض، وأنَّها باخْتِلَاط الماء فيها تكون حَيَّةً، وبيُبْسِها تكُون مَيِّتَة، وقيل: المراد ما عليها مِن العشب والزّرَع ونحو ذلك، يعني النبات، وأنَّ الأرض لا تكون أرضًا في الحقيقة ينتَفِعُ بها الناس إلَّا بالنبات الذي فوقَها، فتكونُ حياتُها وموتُها، أي حياةُ نباتِها وموتُ نباتِها. وقوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، نقول فيها ما سبق؛ أن اللام واقِعَة في جواب القسم، و(يقولُنَّ) أصله (يقولُونَنَّ) شوفت؟ قال النحويون: فحُذِفت النون الأولى؛ لِتوالي الأمثال، لماذا لا نقول: حذفت إحدى النونين مِن نون التوكيد؟ قالوا: لأنَّ نون التوكيد جيءَ بها لغرَض وهو التوكيد، ونونُ الرفع دائمًا تُحذَف في حال النَّاصب والجازم والتَّخفيف، وما أشبه ذلك، فكانت أولى بالحذْف، فحَذَفْنا نونَ الرفع لِتوالي الأمثال، ما سببُ حذف الواو؟ لالتقاء الساكنين؛ لأنَّ نونَ التوكيد المشددة مكَوَّنَة مِن حرفين: أولُهما ساكن، فإذا كان ساكنًا حُذِفَ حرف العلة حرفُ اللَّيْن الذي قبله كما قال ابن مالك: ............................... ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــــــــــــنْ لَيْنًافَحَذْفَـــــــــــهُ اسْتَحَـــــــــقْ وقوله: ﴿اللَّهُ﴾ نقول: خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدَأ خبرُه محذوف. * طالب: وجه (...). * الشيخ: الله أعلم، ما ندري عاد كيف هم يقولون: اختلاطُ الماء به حياة، هم يقولون بعد أنَّ هذه حياة تليقُ بها، وحقيقةً كما قلت قبل قليل: إن الحياة والموت في النبات أظْهَر؛ لأنَّه محَلُّ الانتفاع، وربما يستشهد له بقوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة ٢٥٩]، والخَاوي على العُرُوش النَّبَات ولَّا الأرض؟ النبات، فـ﴿قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فجعل الموت للنبات، يعني هذا مما يؤيد أنَّ المراد بحيَاة الأرض ونباتِها حياةُ نباتِها وموتُه. * طالب: قوله تعالى: ﴿تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت ٣٩]. * الشيخ: إي، قال بعض العلماء: تهتَزُّ هي الأرض نفسها، وتربُو أنه مع الماء ترتَفِع، هي المسألة فيها هذا، لكن الظاهر -والله أعلم- أنَّ القول الأقرب أنَّ المراد النبات. قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ما قال: فأنى يُؤفكون، هناك قال: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ لِظهور دلالة الخلق والتدبير على الرُّبُوبية المستَلْزِم للإقرار بالألوهية، وهنا قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ لأنَّ إقرارَهم بالأول وبالثاني، وأنَّ الأمرَ كلَّه بيد الله يسْتَلْزِم لا أنَّ الله موجود فقط، بل أنَّ الله مستَحِقٌّ لأن يُثنَى عليه، ولهذا قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، الحمد لله ظهرَت عليكم الحُجَّة، وقامَتْ عليكم البينة، وظهر كمالُ الله عز وجل، عرفْتم؟ فالأول فيه تخلِية، والثاني فيه تَحْلِية، إثبات كمال الله عز وجل يعني: الحمد لله على قيامِ البيِّنَة عليكم وظهور الحجة ووضوحِها. أما يقول المؤلف: (فكيف يشركون به)، فهذا أتى به على حدِّ قوله في الآية الأولى: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، ولكِن عندي أنَّ الآية الثانية فيها إقَامَة حجة على أمْرٍ آخر هم ينكرونه، وهو البَعْث، فإنَّهم ينكرُونه، فحقيقة الأمر أنَّ مُنْكِر البعث سيُشْرِك بالله وسيَعْمَل ما شَاء؛ لأنَّ مُنكرَ البعث يعتقد أنَّه ما فيه جزاء ولا حساب، ومَن اعتقد كذلك هل يعمَل؟ ما يعْمَل، ولِهذا كما ترون يجمَع الله سبحانه تعالى دائمًا في القرآن بين الإيمان به وباليوم الآخر، دائمًا يجْمَع بينهما؛ لأنَّ الإيمان باليوم الآخر هو الحادِي للإنسان على العمَل؛ إذْ مَن لا يعتَقِدُ أنَّ هناك جزاءً، فكيف يعمل، فالذي يظْهَرُ لي أن الآية الثانية سِيقَت لإلزامِهم بالإقرار بالبَعْث. * طالب: بعض الآيات ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة ١٦٤]. * الشيخ: إي نعم، ومِن بعد موتها، إي نعم، الفائدة: أنَّ هذا الإحياء قد يكونُ قريبًا مِن مَوْت الأرض، بمعنى أنَّ المطر ينزل قريبًا مِن الجدب، وأحيانًا يكون متأخِّرًا، فـ (مِن) للمتأخر. قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على ثُبُوتِ الحُجَّةِ عليكم. طيب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ما هو الحمد؟ هو الثَّنَاء كذا؟ يقول أكثر الناس: هو الثَّنَاءُ بالجميل، وهذا غَير صحيح، فإنَّ الثناء غير الحمد؛ لقولِ النبي ﷺ، بل لِقول الله تعالى، إنّ الثناء غير الحمد في الحديث القدسي؛ حديث أبي هريرة أن الله سبحانه وتعالى قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]«، قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة ٣]«، قَالَ: أثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]«، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]]، وهذا دليلٌ واضح على أنَّ الثناء غير الحمد، وإلَّا لكان تكرارًا، وأيضًا المعنى يقتضي ذلك؛ لأنَّ الثناء من الثَّنْي وهو الرُّجُوع، فإنَّك إذا ثَنَيْت العصا رجَع طرَفُه إلى طرَفِه، ومنه أيضًا لفظ اثنين، يعني واحد وواحد ففيه رجوع، فالمهم أنَّ الحمد لا يصِحُّ تفسيره بالثناء، إذن فما هو؟ نقول: وصفُ المحمود بالكمال، لكن نزِيد أيضًا: معَ المحبة والتعظيم، حتى يخرُجَ بذلك المـَدْح، فإنَّ المدْح وصف الممدُوح بالكمال، لكن قد يكون لِمحبَّة وتعظيم، وقد يكون لِخَوْف لا لِمحبة، فهذا الرجل الذي وقَف أمام ملِكٍ ظَالِم ٍجَبَّار وقال: أنت الملكُ الكرِيم المحسِنُ العادِل الذي لا تظْلم أحدًا، هذا مدْح ولَّا لا؟ مدْح، لكن عن محبَّة وتعظِيم؟ أبدًا، هو كَذِب، نعم فنقول: إنَّ الحمد وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، ثم إنه أيضًا يُفَرَّق بينه وبين المدح أنَّ المدح قد يكون موافِقًا للواقع، وقد يكون غير موافق، والحمد لا بد أن يكون موافِقًا للواقع. قال: وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يقول العلماء: إن (أل) في الحمد أنَّها للاستغراق، فجَمِيع المحامد لله، واللام في قولِه ﴿لِلَّهِ﴾ هل هي لِلتمليك ولَّا لِشِبْهِه؟ ابن مالك يقول: وَالـــــــــــــلَّامُ لِلْمِـــــــــــــــــلْكِوَشِبْهِـــــــــــــــــهِ ∗∗∗ .......................... * طالب: لشبهه. * الشيخ: لِشِبْهه، فالحمْد مسْتَحَقٌّ ومختَصٌّ بالله، والمرَاد به الحمدُ الكامِل، أمَّا مجردُ الحمد فلا يختَصُّ بالله، قد يُحمَد الإنسان على خصْلَةٍ مِن الخصال بقدرِ هذه الخصلة، لكن الحمْدُ الكامل الواسع مستَحَقٌّ لله وحدَه، ومختَصٌّ بالله وحدَه. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ لا يعلمون تناقُضَهم في ذلك، (بل) هنا للإضراب الانتقالي أو الإبطالي؟ * طالب: الانتقالي. * الشيخ: الانتقالي، يعني: فبعْدَ أن ثَبَت الأمر وقامت الحجة، واستَحَقَّ الباري الثنَاء أو الحمد، حينئِذٍ يصِحُّ أن يُسَجَّل عليهم الجهل، وهو قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، أكثَر هؤلاء لا يعْقِلُون، يعني عندَهم مِن السَّفَه ما هو ظاهِر؛ لأنَّه لو كان عندهم عُقُول لكان إقرارُهم بما أقَرُّوا به مُلْزِمًا بِإقرارهم لما أَنْكروه، أو لا؟ نعم، لو كان عندَهم عقول حقيقِيَّة راشدة لكان إقرارهم بما أقَرُّوا به ملْزِمًا لِإقرارهم بما أنكروه، وهم أقَرُّوا أنَّ الذي خلق السماوات والأرض وسخَّر الشمس والقمر هو الله، والذي نزَّل من السماء ماء فأحيَا به الأرض بعد موتها هو الله، إذن أين العقل وأنتم تُنكِرُون البعث وتُشْرِكُون بالخالق؟! فهنا لا عقْل. ومِن هنا نأخذ أنَّ أولئك الذين يدَّعون أنَّهم العقلاء ثم يُنكِرُون بعض صفاتِ الله عز وجل محتَجِّين أنَّ العقل لا يقِرُّها، نأخُذ منه أنَّهم ليس عندهم عقْل؛ لأنَّ العقل يُلْزِمهم أن يُقِرُّوا بما أنكَرُوه نظيرَ إقرارِهم بما أقَرُّوا به. فمثلًا -نضْرِب مَثَلَيْن فقط- يقول الأشاعرة والكلام معهم ومَن سواهم مِن باب أولى، يقولون: نحن نثبت لله الإرادَة، ونُنْكِر الرحمة، ما لله رحمة، ليش يا جماعة؟ قالوا: نعم؛ لأنَّ الإرادة دَلَّ عليها العَقْل، والرَّحْمَة دَلَّ العقلُ على بطلانِها، شوف ما يقولون، ما دل عليها العقل، يقولون: دل العقل على بطلانها. طيب فَسِّر، قال: الإرادة دَلَّ عليها العقْل بالتَّخْصِيص؛ تخصيص كونِ السماء سَمَاءً، والأرض أرضًا، والإنسان بشرًا، والحمار حيوانًا، ومَا أشبه ذلك، يعني حيَوان غير ناطق، هذا يدُلّ على أيش؟ على الإرَادَة، أراد أن يكون الحمارُ حمارًا، فكان حمارًا، وأن يكون الإنسان إنسانًا، فكان إنسانًا، وأن تكون السماء سماء، فكانت سماءً، إلى آخره. وهذا دليل ولا بد على الإرادة، دلِيل واضح هذا ولَّا غير واضح؟ واضِح، طيب الرحمة؟ يقولون: دل العقل على إنكارِها، لِماذا؟ قال: لأن الرحمة لِينٌ ورِقَّة، والله جل وعلا ما يُوصَف باللين والرقة. قلنا لهم: أنتم استدلْلَتم بالوَاقِع على الإرَادة، نحن نسْتَدِلُّ عليكم بالواقع على الرحمة، ودلالَةُ الواقع على الرَّحْمة أعظم مِن دلالة الواقع على الإرادة، لو تيجي للعامي تقول: أيش دليل الإرادة عقلًا عندك؟ والله ما أدري، العامي يُدرك أنَّ التخصيص دليل على الإرادة؟ * طالب: لا. * الشيخ: طيب، لكن العامي لو تقُول له: إنزَال الله المطر بعد الجَدْب حتى تُخصِب الأرض، ورِزْق الله للفقير المال، فأصبح غنِيًّا بعد الفقر، مو هذا يدُل على أنَّ الله رحيم ولَّا لا، أيش يقول؟ يقول: نعم، فدلالَةُ الواقع الذي لا يُحصَى مِن نِعَمِ الله على رحمةِ الله أبلَغ مِن دلالة التخصيص على الإرادة، واضِح؟ وهذا واضح جدًّا. فإذن في الحقيقة لو كان عندهم عقْل كما يزعمون أنَّهم أهْل العقل لكان استدلالُهم على الرحمة بالواقع أبلَغ مِن استدلالِهم على الإرادَة بالواقِع، واضح؟ لكن العلة والبلاء اللي هم جابوا، قالوا: إنَّ الرحمة معناها اللين والرِقة، والله عز وجل منَزَّه عن ذلك؟ جوابنا على هذا مِن ثلاثة أوجه؛ الوجه الأول: أن نقول: هذا اللازم إنَّما هو في رحْمَةِ المخلُوق، ورحمَةُ الخالق غير رحْمَة المخلوق، ما نُشَبِّهها، هذه واحدة. وثانيًا: أن نقول: مَن يقول: إنَّ اللين والرقة منفِيَّة عن الله، ما هو إلا مجرد (...)، واللين لِلغير لإِيصال الإحْسَان إليهم ما هو صِفَة نقْص. الوجه الثالث: أن نقول: إنَّ الرحمة ليست هي اللِّين والرقة، فقد يكون هذا المـَلِك يرحَم مثلًا أحدًا مِن رعِيَّتِه ويعطِف عليه وهو على عزَّتِه وعلى مُلكيته، ولا يشعر بنفسه أنه في هذه الحال انْحَطّ عن رتبة القوة والحزم، أليس كذلك؟ قولوا، لَا ولَّا نعم؟! * الطلبة: نعم. * الشيخ: يرْحَم مثلًا هذا الملِك القَوِيّ في سلطانه، يرحَم الفقير مِن أفراد أمته وهو يشعُر بأنَّه باقٍ على عِزَّتِه ولم يلحَقْه في ذلك شيء، فحينئِذٍ نقول: عقْلًا .. (ما) نافية وليسَتْ حِجازيةً هنا؛ لأنَّ النفي انتَقَض بـ (إلا). وابن مالك يقول: إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ ................... وهنا النفي لم يبْقَ. وقوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت ٦٤]، الإشارَةُ هنا للتَّحْقير ودُنُوِّ مرتَبَتِها. والإشَارة للتحقير واردة في اللغة العربية، كما في قوله عن الكفار: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٣٦]؛ يعني: ويش هو هذا الحقير الذليل الذي يسُبُّ الآلهة وهي عظيمة وعالية، وما أشبه ذلك. وقوله: ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ هي الدار التي نحن فيها، ووُصِفَت بالدنيا لِسببَيْن: لِدُنُوِّها زمنًا، ودُنُوِّهًا مرتَبةً. وقوله ﴿الْحَيَاةُ﴾ جاءت هنا لِيُقَابِل بها الحياة الثانية. وقوله: ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ صحيح هذَا الحصْر حقِيقي، الدُّنيا التي هي الدنيا تنْحَصِر في هذين الأمرين: في اللهو واللَّعب، والفرق بينهما قيل: إنَّ اللعب بالجوارح، واللَّهْو باللسان؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان ٦]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور ١٢]. وقيل: إنَّ اللهو في القلْبِ وهو غفْلَتُه وانطِلَاقُه في الملاهي وفيما يلْهِيه عن طاعَةِ الله، واللَّعِب في الجَوَارح مِن اللسان وغيرِ اللسان، وهذا أقرب؛ أنَّ اللهوَ في القلوب واللعب في الجوارح، هذا هو الأقرب. وعليه فحاصِلُ الدنيا أنَّها لَهْو يلهو به الإنسان؛ غفَلَات وسَرْح يمينًا وشمالًا، وكذلك لَعِب حتى الأمور الجِدِّيَّة التي للدنيا هي لَعِب؛ لأنَّها تَذْهَب ولا تَبْقَى، أو يَذْهَب عنها صاحبُها، فهي كلعب الأطْفَال يتَسلَّوْن بها ما داموا أطفالًا، ثم يهجُرونها إذا كبروا وعقَلوا وعرَفوا ما هم عليه. قال المؤلف: (فأما القُرَب فمِن أمور الآخرة لِظُهور ثمرَتِها فيها) قوله: (فأما القُرب) هذا جواب عن سؤال مقدَّر، كأنَّ قائلًا قال: كيف تكون الدنيا لهوًا ولعبًا مع أنَّ الإنسان يعمل فيها عملًا صالحًا؛ يصلي ويزكي ويصوم ويحُجّ ويبر والديه ويصِل رحمه وما أشبه ذلك؟ فهل هذا لعب؟ * طالب: لا. * الشيخ: يقول المؤلف: ليس بلَعِب. طيب أليس هذا في الدنيا؟ قال: بلى هو في الدنيا، لكن ظُهُور ثمرتِه في الآخرة؛ ولهذا قال: (أمَّا القُرَب) -وهي مِن الدنيا- (فمن أُمور الآخرة لظهور ثمرتِها فيها). وصدَقَ المؤلف، فإنَّ الأعمال الصالحة ما هي مِن أعمال الدنيا؛ ولهذا لو أرَاد بها الإنسان الدنيا لَبَطَلَتْ ولم يكُن له أجْر فيها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مَن حَجَّ ليَأخذ فليس له في الآخرة مِن خلاق؛ يعني مِن نَصِيب، ويشهَد لهذا الكلام الذي قالَه الشيخ يدُلّ له قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود ١٥ - ١٧]. ويدُلّ له أيضًا قولُه ﷺ:« «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ»[[أخرجه البخاري (٢٨٨٦) من حديث أبي هريرة.]] إلى آخره. والحاصِل أنَّ أعمال الآخرة ليست مِن أعمال الدنيا، بل إذا أُرِيد بها أعمالُ الدنيا بطَلتْ. قال: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ هذه الجملة مؤَكَّدَة بثلَاثة مؤكِّدَات، أقول: بيِّن لنا المؤكِّدَات في هذِه. * طالب: الواو. * الشيخ: الواو ما هي للتأكيد، ما هي الواو مِن أدوات التأكيد. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. * طالب: (إنَّ)، واللام، والضمير. * الشيخ: وضمير الفصل: ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. شف أكَّدَ الله عز وجل أنَّ الحيَوان يعني الحَيَاة، لكنَّها جاءَت على هذا الوزن لِلمُبَالغة؛ (حيوان): فَعَلَان للمُبالغة، وإلا فالحَيوان بمعنى الحياة، ووَزْن (حَيَوَان): فَعَلَان، ففيها زيادَةُ الألف والنون لِلمبالغة. وقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾: هي ما يكُون يوم القيامَة. ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ قال: (بمعنى الحياة)، ولكن زِيدَت الألف والنون فيها لِلمبالغة؛ يعني هي الحياة الحقيقية؛ ولهذا يقول الكافر يوم القيامة يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر ٢٤] حياته الدنيا مُقَدِّمٌ لها، بل هي جنَّتُه، لكن الحياة الحقيقية هي حَيَاةُ الآخِرة؛ لأنَّ حياة الدنيا في الحقيقة ليست بِحياة؛ أولًا: لأنَّها مُنَغّصَة، كل صَفْوِها له كَدَر. وثانيًا: أنَّها غير باقِية أليس كذلك؟ وثالثًا: أنَّ الإنسان مُهَدَّدٌ فيها، فلا يدْري متى يأتِيه أجلُه صباحًا أم مساءً، وكم مِن إنسانٍ خرَجَ من أهله ولم يرجِع إلا جُثَّتُه، وكم مِن إنسان على كرسِيِّه فما أكمَل الكتابة التي يخُطُّها بيمينه، هذه حياة؟ الجواب: * طالب: لا. * الشيخ: لا، ما هي حياة في الحقيقة؛ ولهذا يقول الشاعر: لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُــــــــهُ بِادِّكَـــــــارِالْمَـــــــــــوْتِ وَالْهَــــــــــــرَمِ مهما طاب لك العيش إذا تأَمَّلْت سوف تهْرَم وتدَع هذا العيش ولا يطِيب لك، وسوف تموت فلا تبْقى للعيش أصلًا. والحاصل أنَّ الدار الآخرة -صدَقَ ربُّنا جل وعلا- هي الحيوان، فهي التي ينبغي للإنسان العاقل أن يسْعَى لها، والغريب أنَّه إذا سعى للآخرة حَصَّل الدنيا والآخرة، وإذا سَعَى للدنيا فقط فاتَتْهُ الدنيا والآخرة، الدليل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى ٢٠] أيش معنى ﴿نَزِدْ لَهُ﴾؟ يعني: نُعْطِيه حرث الآخرة مع الدنيا؛ لِقولِه تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧] هذا جزاءٌ عاجل ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ هذا الجزاء الآجِل، و﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: لا، نؤتيه منها ولا نعطيه اللي هو يبغي ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران ١٤٥] وهذا الوَعْد أيضًا مقْرُون بالمشِيئَة كما في آية الإسراء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ [الإسراء ١٨]، ما هو بالذي يريد ولا بعْض الذي يُريد ﴿مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾، إذن الحَيَوان حقِيقة هي الآخرة. والحيوان الواو هنا هي أصلِيَّة ولَّا منقَلِبَة؟ قيل: إنَّها منْقَلِبَة عن يَاء وأَنَّها قُلِبَتَ واوًا؛ لِئَلَّا يلْتَبِس بالمـُثَنَّى، خلوا بالكم يا أهل النحو! وأنَّه لو قال: وإنَّ الآخرة لهي الحيَيَان؛ لكان يلْتَبِس بالمثنى فقُلِبَت واوًا، وهذا رأيٌ لِسيبويه بناءً على أنَّ الحيَاة يائِيَّة مِن حَيِيَ يَحْيَى. وقيل: إن الواو أصلية، وإنَّ الواو في الحياة هي الأَصْل، لكن قُلِبَت ياء في حَيِيىَ ليش؟ لِتَحَرُّكِها وانكسار ما قبلها فقُلِبَت ياء، وهذا على كل حال تصريف، هذا بحث تصْرِيفي مَحْض. وقولُه تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ هذه جملَة مستَأْنَفة ليست ﴿لَوْ﴾ هنا صِلَة تتَعَلَّق بما قبلها، ولكنَّها مسْتَأْنَفَة فهي شَرْطِيّة، وجواب الشرط محذوف قدره المؤلف بقوله: (﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك ما آثَرُوا الدنيا عليها) والحقيقة أنَّ قولَه: (ما آثروا الدنيا عليها) صحيح أنَّه يصِحُّ أن يكون جوابًا، لكنَّ الجواب أبلَغ مما قدَّرَه المفسر؛ ولِهذا حذَفَهُ الله لأَجْل أن يبلُغَ الذهنُ في تقديرِه كُلَّ مبْلَغ؛ علشان الذهن يقدر كل شيء ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لَعَمِلُوا لها ليلًا ونهارًا مو فقط ما آثروا الدنيا لكان عملُهم لها فقط دون الدنيا، ومعناه أنَّ مَن قَدَّم الدنيا على الآخرة فليس عنده عِلْم، لو كان يعلم حقيقة ومن ذوي العلم والأفهام ما قدَّمَها. ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت ٦٥] ﴿إِذَا رَكِبُوا﴾ الضمير يعود على المشركين يعني سَلْ هؤلاء عن آلِهَتِهم هل هم يرجعون إليها عند الشدائد ولَّا هم يعترفون بأنَّه لا يفرج الشدة في الشدة إلا الله؟ الجواب: الثاني هم مُعْتَرِفُون بأن أصنامهم لا تنفعُهم واعتَرَفوا فيما سبق بأنَّ الذي خلق السماوات والأرض مَن؟ الله وأنَّ الذي ينزل مِن السماء ماء الله، وأنَّ الذي سخَّر الشمس والقمر الله، وأن الذي يدفَع الضَّرورة بناءً على ما ذُكِر في الآية هذه مَن؟ الله. ﴿إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ والفُلْك السُّفُن أو السفينة؟ يصلُح لأنَّه صالحٌ للجمع والمفْرَد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢] هذا جمْع، والمفرَد؟ * طالب: إذا ركبوا (...). * الشيخ: لا. * طالب: (...). * الشيخ: لا، على الفُلْك؟ * الطالب: على الفُلْك. * الشيخ: وهو واحد؟ * الطالب: إيه. * الشيخ: طيب. قال: ﴿إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ ﴿دَعَوُا﴾ هذه جواب ﴿إِذَا﴾ وهي مرُكَّبَة مِن فِعْلٍ وفَاعِل، وهنا فيه إشكال وهو أنّه تقدَّم لنا أنَّ الفعل الماضي إذا اتَّصَلَتْ به واو الجماعة فإنه يُبْنَى على الضَّمّ وتُسَكَّن واو الجماعة، وهنا ما بُنِي على الضم ولا سُكِّنَتْ واو الجماعة، تقول: قَامُوا اللي قبل واو الجماعة مضْمُوم، وواو الجماعة؟ مُسَكَّنَة، وهنا ﴿دَعَوُا﴾ لا ضُمَّ ما قبل الواو ولا سُكِّنَت الواو، فكيف المخرَج مِن هذا الإشكال؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا (...) قَبْل الواو، الآن هو إذا اتَّصل واو الجماعة في الفعل الماضي ضُمَّ ما قبلَها وسُكِّنَت. * الطالب: (...). * الشيخ: هَالْحِين اللِّي عندنا بالعكس. * الطالب: دَعَوُا. * الشيخ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: واحدة. * الطالب: (...). * الشيخ: لا. اللي عندنا الآن واحدة. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني والواو الموجودة ويش هي؟ * الطالب: (...). * الشيخ: أو واو الفعل. * الطالب: واو (...). * الشيخ: يعني واو الفعل، طيب هذا جواب.. نعم. * طالب: (...) واو (...) واو الفاعل (...) لأن الواو واو الفاعل (...). * الشيخ: حذفت الواو. * الطالب: واو (...). * الشيخ: طيب والفَتْح ويش اللي جابه؟ * طالب: بقِي على الأصل أن الضمة أصل الواو (...). * الشيخ: وهذا الجواب؟ نعم. * طالب: (...) واو الجماعة أنه يُحذف ويُفتح ما قبل واو الجماعة (...) دَعَوْا، أصل الفعل: (دعا) (...) حرف العلة (...) فحذفت (...) قبله. * الشيخ: وبقِيَت الفتحة؟ * الطالب: علامةً عليها. * الشيخ: دليلًا عليها على ذلك، طيب ضمّ الواو ﴿دَعَوُا﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: (قَامُوا) ما هُو (...) مُسَكَّنَة. * طالب: (...). * الشيخ: طيب: ............................... ∗∗∗ وَإِنْ يَكُـــــنْ لَيْنًا فَحَذْفُـــــــــهُاسْتَحَـــــــــقَّ * طالب: (...). * الشيخ: (...). * طالب: (...). * الشيخ: جوابُه صحِيح الأول ولَّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: إيه إنه حُذِفَت الألف، محذُوف مِن الفعل الأَلِف؟ * طالب: (...) الألف ألف الفعل (...). * طالب آخر: (...). * الشيخ: لا، ما يتكلم أحد يا جماعة إلا المسؤول. * طالب: (...). * الشيخ: ما هو صحيح. * الطالب: (...). * الشيخ: اللي هو الضَّمِير؟ * الطالب: إيه، وحُذِف لالتقاء الساكنين. * الشيخ: الظَّاهِر إنه بيصير فيه خلاف بينكم، لعلنا نقطَع الطريق. * طالب: (...). * الشيخ: لا، الصحيح: أصله أنّه محذوفة الألف حُذِف ألِفُ الفعل وبَقِيت الفتحة دليلًا عليها، والواو الموجودة واو الضمير لكن حُرِّكت بالضَّم لالْتِقَاء الساكِنَين، وين الساكِنَان؟ لو بَقِيَت الواو ساكِنَة وهمزة (أل) ساكنة ما يستقيم، فإذا قال القائل: القاعدة أنك تحذف الواو لأن: .............................. ∗∗∗ وَإِنْ يَكُـــــــنْ لَيْنًا فَحَذْفُــــــــهُاسْتَحَـــــــقَّ قلنا: حذف الواو هنا غير مُمكن، لو حَذَفْنا الواو اسْتَلْزَمَ ذلك إرجَاع ألف الفعل، ثم إذا رَجعْنَاه لم يكن لدينا دليل على الضَّمِير فصارَ وجود الضمير لا بُدَّ منه، وحُرِّك بالضم لأنَّه الـمُجَانس للواو إذْ أنَّ ظُهُور الكَسْرَة على الواو ثَقِيل جِدًّا، والضَّمَّة أقْرَب لمجانَسَتِها الواو، وهذه موجودة في القرآن، بهذا عدة أمثلة. وقوله: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت ٦٥] ﴿دَعَوُا﴾ دُعاء عبادة ولَّا مسألة؟ * طالب: مسْأَلَة. * الشيخ: مسْأَلَة. وقوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ حالٌ مِن فاعل ﴿دَعَوُا﴾، والإخلاص: تنْقِيَةُ الشيء عما يشُوبُه، فمعنى ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ﴾ أي: لا يجعلون مع هذا الدعاء دعاءً لِشيءٍ من الأصنام. وقوله: ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ قال المؤلف: (أي الدعاء)؛ لأنَّ الدعاء عبادة، فهو مِن الدِّين؛ فلِهذا قال: (﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: لا يدْعُون معه غيرَه؛ لأنهم في شِدَّةٍ لا يكشِفُها إلا هو). وهم بذلك معتَرِفون ومضطرون، لا يمكن أن يدعو الواحد منهم صنمًا في هذه الحال؛ لأنه يعلم أنَّ الصنم لا ينفَعه، فلا يدعُون إلا الله، وهذه حُجَّةٌ ثالثة عليهم بل رابعة. الحجة الأولى: خلق السماوات والأرض. والثانية: تسخِير الشَّمْس والقمر. والثالثة: إنزَال الماء مِن السماء وإحيَاء الأرض أربعة (...). والخامِسة: إخلاصُهم الدعاء في حالِ الشِّدَّة لله. * طالب: أكبر الحُجَج عليهم هذه. * الشيخ: إي نعم، هذه مِن أكبر الحُجَج عليهم. قال: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لَمَّا﴾ هذه شرْطِيَّة. فعل الشرط: ﴿نَجَّاهُمْ﴾، وجوابه: ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. و﴿إِذَا﴾ يسَمِّيها النحويون فُجَائِيَّة، والفُجَاءَة الشيء الذي يأتي بغتة، والمعنى: أنَّهم إذا نُجُّوا إلى البَرّ فَاجَؤُوا وبادَرُوا ويش هو؟ بالشِّرك، أعوذ بالله، جزاء النعمة أن يكفُروا. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ نجَّاهُم مَن؟ الله، يعني أنقَذَهم مِن الشِّدَّة التي هم فيها ﴿إِلَى الْبَرِّ﴾ الذي هو شاطئ السلامة. (﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ به). ﴿هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ هذه جملة اسمية تفيد أنَّ هذا يكُون كالصفة اللازِمة لهم يسْتَمِرُّون -والعياذ بالله- على الشرك مُبادرِين به، وهذا غاية ما يكون مِن اللُّؤْمِ؛ لأنَّ الإنسان بطبِيعَتِه وفطْرَتِه لا يكْفُر بِمَن أنعم عليه، بل يشْكُر مَن أنْعَم عليه. أمَّا هؤلاء فإنهم بمجَرَّد النعمة يشركون والعياذ بالله، وهذا يُشبهه قولُ مَن يتَرَنَّم في بعض الإذاعَات العرَبِيَّة في الحَرْب التي يسمونها حرْب الأيَّام السِّتَّة تعرفونها هذه؟ حَرْب مع اليهود، حارَبَتْ سُورْيَا والأُرْدُن ومِصْر، حَرْبٌ قَضَتْ -والعياذ بالله- على معنوياتهم وأخذَتْ أراضِيَهم، لكن في أيام المعركة كان أحَدُ المذيعين يقول: سندخل تلَّ أبيب غدًا وتُغَنِّينَا أمُّ كلثوم، لكن أمَّ كُلْثُوم غنَّتْ على رُفَاتِهم. هذا في الحقيقة وعْدٌ بِالكُفْر بِكُفْر النعمة ولَّا لا؟ الرسول عليه الصلاة والسلام دَخَل مكَّة حين الفتح مطَأْطِئًا رأسَه خاضِعًا لله عز وجل[[أخرجه أبو يعلى (٣٣٩٣)، والحاكم في المستدرك (٤٤١٣) من حديث أنس بن مالك.]]، نعم فرْق بين هذا وهذا، إنما هذه الحال كونه مثلًا إذا فتحْنا بلاد الكفار تُغَنِّينَا القِيَان تعْزِفُ علينا، هذا يُشْبِه ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. قال الله تعالى: (﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [العنكبوت ٦٦] مِن النعمة، ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ باجتِمَاعهم على عِبَادَةِ الأصنام، وفي قراءةٍ بسكون اللام: أمْر تَهْدِيد). قولُه: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ اللام هنا لِلأمْر أم لِلتعليل؟ * طالب: للتعليل. * الشيخ: نعم فيها قراءتان، إنْ سكَّنَّا اللام في قولِه: ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ -وهي القراءة الثانِية- صارَت اللام للأمر أمْر تهديد؛ لأنَّ الله ما يأمُر بالكفر أمْر إرشاد ولا أمْر إِلْزَام، وإذا كسَرْنا اللام الثانية: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ صارَتِ اللام لام (كَي). ثم هل اللام في قولِه: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ على أنَّها إذا لم تكن للأمْر هل هي لامُ التعليل ولَّا لام العاقبة؟ الجواب: أنَّها لام العاقبة؛ لأَنَّ الله ما نَجَّاهم إلى البَرّ فأشركوا لأجْل أن يَكفروا، لكن صَارَت عاقبتُهم الكفر، هل لام العاقبة معروفَة في اللغة العربية؟ نعم معروفة، قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]. لو سأَلَنَا سائل: هل آلُ فرعون التَقَطُوا مُوسى لِهذا الغرض؟ لقلنا: لا، لكن صارت العاقِبة هذه، لو أنَّهم عَلِموا أنه يكون عدوًّا لهم وحزنًا.. * طالب: ما التقطوه. * الشيخ: إيه أو التقطوه فأهْلَكُوه، إنَّما ما يلتقطونه لِهذا الغرض، لكن صارت للعاقبة، فهنا العاقبة أنَّهم كفروا بما آتينَاهم. وقوله: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ الباء للسببية أم إنَّ البَاء مُعَدًّى بها الفعل مثل كَفَر به؟ نعم هذا هُو الأقرب؛ يعني: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أي أنَّ الفعل (كَفَرَ) تعدَّى إلى مفعولِه بالباء، والمعني: مثل كفَر بالله وكفر بالرسول وكفر بكذا، وقوله: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أي بما أعطيناهم مِن النعمة ويش هي النعمة؟ إنْجَاؤُهم مِن الغرق. ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ قال: (باجْتِمَاعهم على عبادة الأصنام) ويمكن أن يقال: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ بالنعم أيضًا، بالنعم التي أُعْطُوها، فهم كفروا بها فلم يشكُرُوها وتمتَّعُوا بها إلى مآلِهم ومصيرِهم. يقول المؤلف: (وفي قراءة بسكون اللام أمرَ تهديد): ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ . وعلى هذا العامة الآن يقرَؤُونها ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ نرُدّ عليهم ولَّا لا؟ نرُدّ عليهم؟ * طالب: (...). * الشيخ: نرد عليهم. * طالب: (...). * الشيخ: إيه؛ لأنَّ القراءة قراءة غلط، نرد عليهم لأنَّهم يقرؤونها قراءة غلط؛ إذ إنه لو تقول (...) ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ وين ترجعون إليه؟ نرجِع إلى المصحف، إذا رجعنا إلى المصحف وجدْناها مكسورة، فقراءَتُهم إيَّاها بالسكون ليس عن عِلم بل هو عن خطأ وعدم معرفة، أمَّا لو جاء طالبُ علم فقرأها ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ فإننا لا نردُّ عليه؛ لأن طالب العلم قد يكون قرأَها على هذه القراءة. * طالب: (...). * الشيخ: إذا كان في واقع الأمر أنها صحيحة لكن ما أراد لام الأمر فهي ما هي بصحيحة، قراءته خطأ وهو ما أراد لام الأمر. * طالب: (...) لام الأمر (...) اللغة العربية (...). * الشيخ: إيه، لكن هم أرادوا ما تدُلُّ عليه اللغة العربية، وهي: أشهد أن محمدًا رسولَ الله، ويش أرادوا أن تكون رسول؟ * الطالب: خبرًا. * الشيخ: خبرًا، فهم أرادوا ما تقتضيه اللغة العربية الأخرى. * الطالب: وهذا؟ * الشيخ: لا، هذا ما أراد الأمر. * الطالب: ما يدري. * الشيخ: ما يدري؛ لكن هو أراد الذي في المصحف، إن نرُد عليه نقول: لأنَّك الآن تريد القراءة التي في المصحف فغَلِطت، أمَّا لو قال: نعم أنا سكنْتُها لأنِّي على الوجه الثاني في القراءة، قلنا: ما نرد عليه. * طالب: رجل لو صار يقرأ في قراءة ورش وجاته آية مثل هذه وقرأها بالقراءة الثانية ما نرد عليه هو يعني قاصدها. * الشيخ: لا إذا قصدها ما نرُدّ عليه إلَّا مثل ما قلت لكم سابقًا؛ إنه أَمامَ العامة ما ينبغي أن نقرأ خلاف القراءة التي بين أيديهم؛ لأنَّ هذا يوجب التشويش عليهم، ويوجب أنه بدَل ما كان القرآن محترمًا في نفوسهم تعرف العامي ما يقدّر هذه الأمور، يرى أن هذا فيه نقص في القرآن الكريم يقول: أيش لون هذا يتغير؟ إحنا ذكرنا أن القراءات طالب العلم ينبغي أن يقرأَها بنفسه فيما بينه وبين نفسه، ينبغي أن يقرَأ بكل القراءات لأنَّها كلها سنة، ولكن بالنسبة للعامة ما ينبغي أن تقرأ عندهم خلاف ما كان معروفًا بينهم. * طالب: تسمية الدعاء دينًا. * الشيخ: وجه تسمية الدعاء دينًا؛ لأنَّه من العبادة، الإنسان الذي يدعو ربه متعبدٌ له بهذا الدعاء؛ ولهذا خصوصًا العارف يشعر بأنه سيُثَاب على هذا فيكون دينًا. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: (﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة ذلك). (سوف) يقول النحويون: إنَّها تفيد التوكيد لكن بمُهلة؛ ولهذا يقولون: التَّسويف، بخلاف السين فإنَّها تفيد التحقيق بقرب. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ الجملة خبرية ويُراد بها التهديد كقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر ٣، ٤] في سورة (ألهاكم). وقال تعالى في سورة النبأ: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾ [النبأ ٤، ٥]. فالعذَاب والعياذ بالله نازِلٌ بهم لا محالة. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت ٦٧]، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ تقدم الكلام على مثل هذا التركيب وأنَّ الهمزة للاستفهام والواو حرف عطف، وهل الهمزة مقدَّمَة عن مكانها أو لا؟ ذكرْنا أنَّ في ذلك خلافًا، وذكرْنا أنَّ القول الأسهل أنَّ الهمزة للاستفهام وأنَّ الواو عاطفة على ما قبلَها. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يقول المؤلف: (يعلموا) وذلك لأنَّ الرؤية نوعان: عِلْمية وبصرية، إن تعَدَّت إلى مفعولين فهي عِلْمية كقولك: رأيت العلم نافعًا، وإلى مفعولٍ واحد فهي بصرية كقولك: رأيتُ فلانًا. من الرؤية العلمية في القرآن كثير ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ [المعارج ٦ - ٨] نعلَمُه قريبًا، و﴿يَرَوْنَهُ﴾ الأولى رؤية ظَنّ ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾. وقوله تعالى: (﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أي: يعلموا ﴿أَنَّا جَعَلْنَا﴾ في بلدهم مكة ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ ). لِماذا خصَّه بأهل مكة؟ لقولِه: ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. ﴿جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ الحرم ما لَهُ حرمةٌ أي تعظِيم، وسُمِّي التعظيم حرمة لأنه يُمنَع بهذا التعظيم ما كان سائغًا لولاه، أيش مِن جملة حُرُمَات مكة؟ * طالب: تحريم قتل الصيد. * الشيخ: تحرِيم قتل الصيد، والقتال فيها، وقَطْع الشجر، وحَشَّ الحشيش وغير ذلك، حتى الحيوانات غير المؤذية يجب أن تكون آمِنَة. قوله: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ أهل المجاز يقولون: آمِنًا مَن فيه، والصواب أنَّ الحرم نفسه آمِن؛ ولهذا عصَمَهُ الله سبحانه وتعالى مِن كل أحد كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل ١]، وحرَّم النبي عليه الصلاة والسلام القتال فيه[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٣٤) ومسلم (١٣٥٣ / ٤٤٥) من حديث عبد الله بن عباس. وفي الباب: عن أبي هريرة، وعمرو بن سعيد وغيرهما.]]، فهو نفسُه آمِن، وإذا أَمِن نفسه أَمِن مَن فيه. وقوله: ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ يقول المؤلف: (قتلًا وسبيًا دونَهم): في عهْد الجاهلية، غيرُ أهل الحرم ليسوا بأمَان، يُغار عليهم فيُقْتَلون ويُسْبَوْن وتُؤخذ أموالُهم ونساؤُهم، لكن أهل مكة آمنون حتى إنَّه يجِد الإنسان قاتِلَ أبيه في الحرم ولا يقتلُه، قاتل أبيه مع شِدّةِ الحَمِيَّة عندهم لا يقتلُه، لكن اخرج عن الحرم تجِد القتل والسبي والنَّهب وكُل شيء. هذه نعمة مِن الله عظيمة على قريش، وكان عليهم أن يُقابلوا هذه النعمة بالشُّكْر والتصديق للرسول ﷺ، مع أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام منهم يعرفونَه ويسَمُّونَه قبل أن يأتي بالرسالة يسَمُّونَه الأمِين، ويحتكمون إليه أحيانًا، لكن لَمَّا بُعِثَ بالرسالة -والعياذ بالله- وخالف أهواءَهم كفروا به. * طالب: (...). * الشيخ: يقال فيه: إنَّ الحرم نفسه ما تغيَّر، وأَخْذُ الحجر منه ما بقِي، ولا تعَطَّل الناس مِن الحج، حتى وهو (...). مِن الفوائد: * طالب: (...) ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ (...). * الشيخ: أي: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ مَن نزَّل ولَّا من خلق؟ * طالب: من نزَّل. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت ٦٣]. * مِن فوائِد هذه الآية: أولًا: حكمة الله سبحانه وتعالى في إنزال المطر مِن السماء. * ومن فوائدها: أنَّه لا يقدر على إنزال المطر من السماء إلَّا الله، ومهما حاول هؤلاء الذين أعطاهم الله ما أعطاهم مِن الصنائع فإنَّهم لن يستطِيعوا أن يُنَزِّلوا المطر مِن السماء؛ لأن هذا خاص بالله عز وجل. * ومِن فوائد الآية: قُدرَة الله سبحانه وتعالى على إحياء الموتى: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾. * ومِن فوائدها: أنَّ الجماد يُوصَف بالحياة والموت ﴿أَحْيَا بِهِ﴾ ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾، وذكرنا مثالًا آخر في هذه المسألة في الأصنام: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل ٢٠، ٢١]. * ومِن فوائدها: قياس الغائب على الشاهد. * طالب: الغائب هو البعث أو النشور مرة أخرى، والشاهد هو إحياء الأرض؟ * الشيخ: إي الغائِب إحياءُ الناس بعد الموت، والشاهد إحْيَاء الأرض. * ومِن فوائدها: ثُبوت القياس الصحيح أو اعتبار القياس الصحيح خِلافًا لمن أنكرَه أو غَلا فيه؛ لأنَّ الناس انقسموا إلى قسمين: مِنهم مَن غَلَا، ومِنهم مَن دنا؛ يعني منهم مَن أنكر القياس مطلقًا كابن حزم وهو ينكِرُه ويقِيسُ أحيانًا، ومنهم مَن غلا فيه وتجَاوز الحد حتى بلَغ بهم إلى أن يقِيسُوا صِفَاتِ الخالق بصِفَات المخلوق كالمشَبِّهَة مثلًا. * ومِن فوائد الآية: حُسْنُ مناظرة القرآن ومجادلَتِه، وأنَّ مناظرَاته ومجادَلَاته تكون مُلْزِمَة، وجه ذلك أنَّ إقرارهم بهذا الشيء ملْزِمٌ لهم أن يقروا بتوحيد الألوهية وكمالِ صفات الله. * ومنها: وُجُوب إعلَان الثناء والحمد لله عز وجل أمام المشركين؛ لقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. * ومنها: أنَّ إقرارَ المشركين بما يختَصُّ به الله تعالى مِن القدرة هو في الحقيقة كمالٌ لله عز وجل؛ ولهذا أمَر الله نبيه أن يُثْنِي عليه بالحمد أو أن يصفَه بالحمد لَمَّا قال: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، * فيُستفاد منه أن إقرار المشركين بما يختَصُّ به الله من صفات يُعتبر مِن كمالِ صفات الله التي يستَحِقُّ عليها الحمد. * ومنها: أنَّ أكثرَ هؤلاء المشركين جُهَّال؛ لقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٧٥]، المعنى: لا يعلمون ما يستَحِقُّه الله تعالى مِن أوصاف الكمال. * طالب: ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾. * الشيخ: ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ نعم صح، أكثرهم سُفهاء، إن أكثرهم سفهاء لا يعقلون، لو كانوا عقلاء لَعرفوا اللازِم وملْزُومَاتِه وأقروا بها. * ومِن فوائد هذه الآية: أنَّ الأشاعِرة ونحوهم ليس عندَهم فيما ذهبُوا إليه مِن إثبات بعض الصفات وإنكار بعضِها ليس عندهم معقول ولا أثَرٌ منقُول، أمَّا الأثر المنقول فظاهِر، ما عندهم دليل. وكذلك أيضًا ليس عندهم نظر معقول، فإنهم ينكرون ما يقِرُّون بمثله أو دونَه ولَّا لا؟ ومَرَّ علينا أمثلة لهذا فيما سبق. إذن نقول: كُلُّ مَن أقَرَّ بشيء مِن صفات الله تعالى وأفعاله وأنكَر آخر فهو دليلٌ على قِلَّةِ عقْله، وليس المرادُ بالعقل هنا عقْل الجنون لا ما هو الجنون، لكن عقل الرشد والهداية. * طالب: كيف يوصف البعض بالعقل؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأنَّ البعض أقَرّ وآمَن. * الطالب: هو الآن يحكي عنهم يتكلم عنهم.. * الشيخ: هم على سبيل العموم، والذي عنده عقْل ثم فَكَّر ونظَر آمَن ورَجَع. ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤].﴾ * مِن فوائد هذه الآية: بيَانُ حَقَارَةِ الدنيا وأنَّها ليست بشَيْءٍ مطلقًا ولَّا بالنسبة للآخرة؟ * طالب: بالنسبة للآخرة. * الشيخ: ظاهر الآية أنه مطلق، إن ما هي إلا لهو ولعب، كل ما فيها لهو ولعب، فيمكن أن نقول: إنها على سبيل الإطلاق، ويمكن أن نقول: إنَّه على سبيل المقارنة بالآخرة؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. * طالب: (...) يعني تُقيَّد؛ لأن فيها أشياء كالصلاة مثلًا.. * الشيخ: هذه أجاب عنها المؤلف قال: (إنَّ القُرَب مِن أعمال الآخرة لظهور أثرِها فيها). نفس المؤلف أجاب عن هذا، فما كان مِن أعمال الآخرة فليس داخلًا في أعمال الدنيا. * ومِن فوائد الآية: أنَّه لا يجوز أن يُقصَد بأعمال الآخرة شيءٌ من الدنيا، وجه ذلك؟ هذه فائدة ما هو سؤال، قلنا: يستنبط مِن هذه الآية أنَّه لا يجُوز أن يُقْصد بها الدنيا، ما وجهُ الدلالة؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: لأن الدنيا (...) والدار الآخرة (...).* الشيخ: لأن هذه المسائل يقصد بها الآخرة، فلا يجوز أن تأخذ عنها عِوَضًا من الدنيا، والمسألة هذه عاد فيها خلاف بين أهل العلم في باب الإجارة. * ومِن فوائد هذه الآية: كمال حياة الآخرة؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾، وهو كذلك؛ لأنَّ الدار الآخرة دائِمة إما على الخير وإمَّا شر. * ومِن فوائد الآية: الحث على العلم؛ لقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. * ومنها: أنَّ مِن العلم بل مِن أفضَل العلوم التَّفريق بين الأمور النافعة والأمور الضارة، وهذا التفريق مِن أعظم ما يكون، إذا أُوتِيَه الإنسان حقيقة أوتِيَ خيرًا كثيرًا، إذا أوتي معرفة الفرق بين الأمور النافعة والضارة ومعرفة الفرق بين الأمور المتشابهة في العلم فهو ينالُ خيرًا كثيرًا. وقد صنَع بعض أهل العلم شيئًا مِن ذلك، فصاروا يؤَلِّفُون كتبًا اسمُها: الفروق والتقاسيم، مثلًا يذكرون: الفرق بين الفرْض والنفل، الفرق بين الأذان والإقامة، الفرق بين الجَعَالة والإجارة، الفرق بين العطِيَّة والوصِيَّة، الفرق بين كذا وكذا ويذكرون الفروق، وهذه مفيدة لطالب العلم، وهنا قال: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: الفرق بين الدنيا والآخرة ما آثروا الحياة الدنيا على الآخرة. * طالب: (...). * الشيخ: في مؤلَّفات. * الطالب: (...). * الشيخ: لا ما نعرف، أنا ما أعرف، لكنه دائمًا في الإنصاف: ذكرَه فلان في الفروق والتقاسيم وما أشبه ذلك، الشيخ عبد الرحمن له رسالة صغِيرة في هذا الموضوع لكن ما استوعبه، إنَّما مفيدة في هذا الباب. * طالب: كتاب القرافي؟ * الشيخ: القرافي؟ إي نعم ما رأيْته. * طالب: رسالة الشيخ؟ * الشيخ: رسالة الشيخ اسمها القواعد، صغيرة ما هي كبيرة، القواعد والتقاسِيم، هذا.. * طالب: (...) الحروف والقواعد. * الشيخ: إي نعم. قال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٦٥] * طالب: يا شيخ، بالنسبة لقصد الدنيا وقَصْد الآخرة ترى الذين يُسَمُّون أنفسهم العارفين يقولون مثلًا: لا أعمل لأجل الجنة ولا خوفًا مِن النار، ويسمون هذه عبادة العبيد أو (...). * الشيخ: (...) ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ إلى آخره. * مِن فوائد هذه الآية: بيَان أن المشركين -فيما سبق- يُخلِصُون في حال الشدة. * ومِن فوائدها: اعتراف المشركين ضِمْنًا بأن آلهتَهم لا تنفعهم، لو كانوا يعتقدون نفعَها لدَعَوْها في هذه الحال، لكن هم يعرفون أنها ما تنفَعُهم. * ومن فوائدها: أنَّ إشرَاكَ السابقين أهوَن مِن إشراك مَن أشْرَك مِن هذه الأمة ولَّا لا؟ لأنَّ المشركين مِن هذه الأمة ما هم يدعون الله، يدعُون أولياءَهم والعياذ بالله ومَن اتخَذُوهم أندادًا مع الله، يقولون مثلًا الرافضة يدْعُون عليًّا، يا علي! يا علي! * طالب: عند الكعبة (...). * الشيخ: إي نعم، وسمعت رجلًا منهم يدعُو عند المقام ويرفع صوته: يا علي يا علي! يرفَع صوتَه (...)، فجاءَه أحدُ رجال الحسْبَة فزجَرَه وقال: تُشْرِكُ تحت الكعبة! اخرُج. فقال: إنَّما أنا أقول: يا عليُّ، والله يقول في القرآن: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥] يعني أنَّه ينادِي الله، وهذا مِن التقية اللي هم يتَّخذُونَها وهي سَبِيلُ المنافقين. فهذا لا شك -فيما يظهر لي والله أعلم- أنَّه ما يريد الله، إنما يُريد عليًّا؛ لأنَّه لو كان يُريد الله لقال: يا ربِّ، أو: اللهم، أو ما أشبه ذلك، لكن لَمَّا وقَع في شَرَك العَدْل والتوحيد (...) الكلام ادَّعى هذه الدعوة، والحاصل أنَّ شِركَ مَن أشرك في هذه الأمة أعظَم مِن شرك المشْرِكين فيما سبق. * ومِن فوائد الآية: أنَّ اللجوءَ إلى الله عز وجل أمرٌ فِطْرِيٌّ غريزِيّ؛ بدليل أنَّ هؤلاء غلبَتْهُم الفطرة حتى ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. * ومِن فوائد الآية: أنَّ الدعاءَ مِن الدين؛ لقوله: (﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: الدُّعاء) ولا شكَّ أن الدعاء مِن الدين والعِبادة؛ لأنَّ فيه غاية الذل والاعتِرَاف بالكمال لله عز وجل، أليس كذلك؟ فيه غاية الذل والاعتراف بالكمال لله عز وجل، وهذه هي العبادة. أنت عندما تقول: يا رب، معنَاها أنك مُفْتَقِر إلى الله عز وجل، ومعناها أنَّ الله كامل ولَّا لا؟ إي نعم؛ ولهذا بايَع الصحابة رضي الله عنهم النبي ﷺ على ألَّا يسألُوا الناس شيئًا، فكان الرجل يسْقُطُ سوطُه مِن بعيرِه فينْزِل ويأخذُه ولا يقول: ناولْنِي إيَّاه يا فلان[[أخرجه مسلم (١٠٤٣ / ١٠٨) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.]]. بينما إنه مع الأسف الآن في وقتِنا تجِد الإنسان يتذَلَّل غايَة الذُّلّ في سُؤَال المـَال وهو غير مُحتاجٍ إليه، هؤلاء يأتون يومَ القيامة وما في وجوهِهم مُزْعَةُ لَحْمٍ والعياذ بالله، فالمهم أنَّ الدعاء تذَلُّل؛ ولهذا كان مِن العبادة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ هؤلاء المشركين إذا نجَوْا مِن الشدة كفَرُوا بالنِّعْمَة: ﴿لَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. * ومِن فوائدِها: سفَهُ مَن يجْعَلُ النِّعَم سببًا للأَشَر والبَطَر، فإنَّ هذا فيه مِن مشابهة المشركين ما هو ظَاهر، اللي يجعلون النِّعْمة سببًا للأشر والبطر هؤلاء الْمُشابهون للكفار؛ لأنَّ الواجب على مَن أنعَمَ الله عليه نعمَة أن يزدادَ عبادة لله سبحانه وتعالى؛ لأنَّ العبادة مِن الشكر، فإذا أنعم الله عليك بالنعمة فازْدَدْ له شُكْرًا. ولهذا: «كانَ الرسولُ ﷺ لما دخَل مكة فاتحًا قد طَأْطَأَ رأسَهُ حتى إنَّه ليُصِيب مَوْرِكَ رحلِه»[[أخرجه أبو يعلى (٣٣٩٣)، والحاكم في المستدرك (٤٤١٣) من حديث أنس بن مالك.]] عليه الصلاة والسلام، كُلّ هذا مِن أجل التَّذَلُّل لِلمُنْعِم سبحانه وتعالى، فلا تجْعَل نِعَمَ الله عليك سببًا للأشر والبَطر، بل اجعلْها سببًا للشُّكْر والذُّلِّ لله سبحانه وتعالى، حتى تزدادَ هذه النِّعَم وتكونَ نِعَمًا حقِيقِيَّة. وقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت ٦٦] نُفَسِّر هذه الآية على أنَّها للأمر. * فيستفَاد منها: تَهديد أهل الكفر والتَّمَتُّع المحرَّم؛ لأنَّ الأمر هنا للتَّهْدِيد؛ إذ لا يأمُرُ الله أحَدًا أن يكفر، ولا أن يتمَتَّعَ تمتعًا محرَّمًا. * ويستفاد منها على قراءَة اللام التي للتعليل: أنَّ هؤلاء الذين أشركوا صارَت عاقبة أمرهم أيش؟ الكفر والتمَتُّع الزَّائِل؛ ولهذا قال بعدَه: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، * فيستفاد منه: تهديد هؤلاء الكفار الذين ليس لهم إلَّا هَمُّ التمَتُّع بالدنيا. * ومِن فوائدِها: الحَذَرُ الشديد مما كان عليه بعض المسلمين اليوم حيث صارَ ليس لهم هَمٌّ إلا أيش؟ التَّمَتُّع بالدنيا فقط، تجِد أكثر ما يتكَلَّمون عليه: الرَّفَاهِية والتَّرْفِيه وما أشبه ذلك، لكن أمراض القلوب وعلل القلوب وانحرافات القلوب قَلَّ مَن يتكلم عليها مع أنَّها هي الأصل. ترفِيهُ الأبدان إذا مرضت القلوب ويش الفائدة منه؟ ما فيه فائدة إلَّا أنَّه إذا نزَلَت النِّقْمَة مِن الله ازدَاد الإنسان حَسْرَة والعياذ بالله، لكن ترفيه القلب بطَاعَةِ الله عز وجل هذا هو الذي فيه الفائِدَة للبَدَن ولِكُلِّ شيء: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧]. ثم قال الله تعالى مُذَكِّرًا هؤلاء الكفار بنعْمَةٍ عظيمة لا ينَالُها أحدٌ سواهم فقال: (﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ [العنكبوت ٦٧]: يعلَمُوا) وسبق لنا الكلام على إعراب مثل هذا التركيب: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾، وقلنا: إنَّ في ذلك لأهل العلم.. * طالب: (...). * الشيخ: (﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ قتلًا وسبيًا دونَهم) قال تعالى: (﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾ الصنم ﴿يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ بإشراكِهم؟) الاستفْهَام هنا لِلتوبيخ: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾، وهو يقال فيه كما يقال في: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾؛ بمعنى أنَّ الهمزة هل هي بعد الفاء وأُخِّرَت الفاء، أو إنَّها في مكانِها والعطف على الجمل السابقة؟ ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾ قال المؤلف: (الصنم) وفي هذا نظر إلَّا إذا قصد المؤلف التَّمْثيل، وأنَّ مِن جُملة الأشياء الباطِلة الأصْنَام، وإلَّا فإنها تشْمَل كُل ما لا خَيْرَ فيه مِن صنم أو دُنيا أو رئاسة أو غيرِه، كلُّ شيء سوى الحق فهو باطِل. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٤١) ومسلم (٢٢٥٦ / ٣) من حديث أبي هريرة.]] فعلى هذا نقول: الباطل أعَمُّ مما ذكر المؤلف. وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أي يصَدِّقُون ويطمَئِنُّون إليه، فهم تجِدُهم في الأمُور الباطلة مُطْمَئِنِّين مصَدِّقِين مُتَّبِعِين، لكن بنعمة الله يكْفُرون: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾. وقوله: ﴿بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ أي: بما أنعم عليهم مِن المال والجَاه والرئاسة وغيره ﴿يَكْفُرُونَ﴾؛ لأن هذه النعم تحتاج إلى أي شيء؟ إلى شكر؛ بالرُّجوع إلى طاعة الله، فإذا بَقِي الإنسان على معصية الله مع إدْرَار النِّعَم عليه صارَ بذلك كافِرًا. وممكن أن نقول بالنسبة للمسلمين: ﴿بِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ النِّعمة المادية الجسَدِيَّة، والنعمة المعنوية القلبِيَّة، فالإسلام أكبَر النعم علينا ولَّا لا؟ إذا كفر به الإنسان ولم يقُم بواجباتِه فإنَّه يُوَبَّخ على هذا، يقال: ألسْتَ مسلمًا؟ فسيقول: بلى. طب لماذا لم تُصَلِّ؟ لماذا لم تُزَكِّ؟ لماذا لم تصُمْ؟ لماذا لم تفعل كذا وكذا مِن الواجبات؟ فشُكْرُ نعمة الله بالإسلام واجب، كما أنَّ شكرَ نعمة الله تعالى علينا بالمال والبَنِين والأمن والراحة وما أشبه ذلك واجبٌ، بل الشكر على الإسلام أوجَب، وكُفْرُ الإسلام أخطَر؛ لأنَّ الله يقول: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٨]، ويقول: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩]. يمكِن أن ينزِع الله الإسلام مِن قومٍ لا يقومُون بواجباتِه، مثل ما ينزع الأمْن والرَّخاء مِن قومٍ لا يشْكُرون هذا الأمْنَ والرخاء، النعم واحِدَة، وسبيلُها واحد. وقوله: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ ذي واحدة ولَّا كثيرة؟ * طلبة: كثيرة. * الشيخ: طيب وليش أنه قال: نعمة الله؟ * طالب: مُفْرَد مُضَاف. * الشيخ: مُفْرَد مُضَاف فيَعُمّ، الدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ شوف ﴿تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] ولو كانت واحدة ما تبغي عَدًّا ولا إحصاءً معروفة. * طالب: (...). * الشيخ: لا ما تُثَنى إلا باعتبار النوع، ما تثَنَّى، قال: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾. أين يتعلق قولُه: ﴿بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾؟ * طالب: بـ ﴿يَكْفُرُونَ﴾. * الشيخ: بـ ﴿يَكْفُرُونَ﴾. فقُدِّمَت لِإفادة الحصر، كأنَّهم لا يكفرون بشيءٍ إلَّا بنعمة الله، وهذه فائدة معنوية. * وفيها أيضًا فائدة لفظِيَّة: وهي مراعَاة الفَوَاصل.

العنكبوت 29:65

قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾، هذا لام قسم، ﴿مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ الجواب؛ جواب القسم: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت ٦3]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾، (مَن) هذه اسم موصول مبْتَدَأ، وصِلَةُ الموصول قوله: ﴿نَزَّلَ﴾، وجواب القسم: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، الإعراب صواب ولَّا لا؟ * طلبة: لا، خطأ. * الشيخ: خطَأ، (مَن) اسم استفهام؛ لأنَّه وقع بعد السؤال، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ﴾، وعلى هذا فـ ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، و﴿نَزَّلَ﴾ الجملة خبَر المبتدَأ، وقوله: ﴿مَنْ نَزَّلَ﴾ بالتشديد، وفي بعض الآيات: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنعام ٩٩]، والفرق بين (نَزَّل) و(أَنْزَل) أنَّ (نزَّل) تفيد نزول الشيء شيئًا فشيئًا، كما قال الله تعالى في القرآن: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦]. وقولُه: ﴿نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ لأن فيه النزول يكون مِن أعلى، والمرادُ بالسماء هنا العُلُوّ، وليس السَّماء السَّقف المحفوظ، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾، بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ، ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾، والمطَر ينزِل مِن السَّحَاب، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ [النور ٤٣]، فبهذا عرَفْنا أنَّ المرادَ بالسماء هنا أيش؟ العُلُوّ، وكُلُّ ما علَاكَ فهو سَمَاءٌ؛ لأنَّه مِن (سمَا، يسمو) إذا عَلَا وارتفع. وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ الحكمة في نزوله مِن السماء؛ لأنَّه إذا نزَل مِن السماء شمَل النَّازِل والعَالي، ولو كان يجرِي مِن الأرض لكان لا يصِل إلى العالي حتى يُدَمِّر النازل، ولكن مِن حكمة الله أنَّه كان ينْزِلُ مِن أعلى. قال: ﴿مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ الفاء هنا تدُلّ على الترتيب والتعقيب لكنها إذا كانت متَّصِلَة بجملة فإنها تفيد أيضًا السَّبَبِيَّة مع الترتيب والتعقيب، بخلافِها إذا دخَلت على اسْمٍ فإنَّها لا تدل على السببية، تقول: قام زيد فعمرو، لا يعني أنَّ قيامَ زيد سببٌ في قيام عمرو، لكن يعني أنَّ قيام عمرو بعد قيام زيد، أمَّا إذا اتصلت بالفعل فإنها في الغالب تكونُ مع التَّرْتِيب للسببية، فعليه يكون قولُه: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾، يكون الماءُ سببًا لِإحياء الأرض، وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ﴾ هل الأرض تحيا في الحال أو بَعْد؟ * طلبة: بعد. * الشيخ: بعد، لكن لَمَّا كان السبب مؤَثِّرًا صار الأثَر مترَتِّبًا عليه فورًا، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج ٦٣]، مَا تُصْبِحُ الأرض مخضَرَّة بمجرَّد نُزُول الماء في الليل، لكنَّ هذا سبب مُوجِب، فلما كان سببًا موجِبًا صار كأنَّ المسَبَّب موجُودٌ في الحال، قالوا: ومِن ذلك قولُهم: تزوَّج فلانٌ فوُلِدَ له، وإن كان هذا أضعَف مِن الذي معنا، لكن قوله: فوُلِدَ له، نحن نعلم عِلم اليقين أنَّه ما هو بيُولد له ليلة زواجه أو لا؟ ما فيها إشكال، لكن الزواج سببٌ للولادة، ويكون الترتيب بحسبِه، ما هو لازم أن يكون معقِّبًا، لكن إذا كان السبب موجِبًا، ولا بُد صارَ كأنَّ المسبَّبَ مُعْقِبٌ للسبب. وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾، (أحيَا) و(مَوْت) الجماد، إذن يحيا ويموت أو لا؟ الجماد يحيا ويموت وكلّ شيء حياتُه وموتُه بحسبِه، ولا تظُنَّ أنَّ الحياة والموت لا تُضَاف إلَّا ما يمكن أن يكونَ متحرِّكًا، فهذه الأصنام يقول الله تعالى فيها: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل ٢٠، ٢١]، أموات غير أحياء، فكُل شيء لا حركَة فيه ولا نُمُوَّ فيه يمكن أن يسَمَّى ميتًا وإن كان مما لا تحلُّه الحياة. وقوله: ﴿أَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ هل المرادُ بالأرض هنا النبَات، أو أنَّها نَفْسُ الأرض؟ قيل: إنَّ المراد نفسُ الأرض، وأنَّها باخْتِلَاط الماء فيها تكون حَيَّةً، وبيُبْسِها تكُون مَيِّتَة، وقيل: المراد ما عليها مِن العشب والزّرَع ونحو ذلك، يعني النبات، وأنَّ الأرض لا تكون أرضًا في الحقيقة ينتَفِعُ بها الناس إلَّا بالنبات الذي فوقَها، فتكونُ حياتُها وموتُها، أي حياةُ نباتِها وموتُ نباتِها. وقوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، نقول فيها ما سبق؛ أن اللام واقِعَة في جواب القسم، و(يقولُنَّ) أصله (يقولُونَنَّ) شوفت؟ قال النحويون: فحُذِفت النون الأولى؛ لِتوالي الأمثال، لماذا لا نقول: حذفت إحدى النونين مِن نون التوكيد؟ قالوا: لأنَّ نون التوكيد جيءَ بها لغرَض وهو التوكيد، ونونُ الرفع دائمًا تُحذَف في حال النَّاصب والجازم والتَّخفيف، وما أشبه ذلك، فكانت أولى بالحذْف، فحَذَفْنا نونَ الرفع لِتوالي الأمثال، ما سببُ حذف الواو؟ لالتقاء الساكنين؛ لأنَّ نونَ التوكيد المشددة مكَوَّنَة مِن حرفين: أولُهما ساكن، فإذا كان ساكنًا حُذِفَ حرف العلة حرفُ اللَّيْن الذي قبله كما قال ابن مالك: ............................... ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــــــــــــنْ لَيْنًافَحَذْفَـــــــــــهُ اسْتَحَـــــــــقْ وقوله: ﴿اللَّهُ﴾ نقول: خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدَأ خبرُه محذوف. * طالب: وجه (...). * الشيخ: الله أعلم، ما ندري عاد كيف هم يقولون: اختلاطُ الماء به حياة، هم يقولون بعد أنَّ هذه حياة تليقُ بها، وحقيقةً كما قلت قبل قليل: إن الحياة والموت في النبات أظْهَر؛ لأنَّه محَلُّ الانتفاع، وربما يستشهد له بقوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة ٢٥٩]، والخَاوي على العُرُوش النَّبَات ولَّا الأرض؟ النبات، فـ﴿قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فجعل الموت للنبات، يعني هذا مما يؤيد أنَّ المراد بحيَاة الأرض ونباتِها حياةُ نباتِها وموتُه. * طالب: قوله تعالى: ﴿تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت ٣٩]. * الشيخ: إي، قال بعض العلماء: تهتَزُّ هي الأرض نفسها، وتربُو أنه مع الماء ترتَفِع، هي المسألة فيها هذا، لكن الظاهر -والله أعلم- أنَّ القول الأقرب أنَّ المراد النبات. قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ما قال: فأنى يُؤفكون، هناك قال: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ لِظهور دلالة الخلق والتدبير على الرُّبُوبية المستَلْزِم للإقرار بالألوهية، وهنا قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ لأنَّ إقرارَهم بالأول وبالثاني، وأنَّ الأمرَ كلَّه بيد الله يسْتَلْزِم لا أنَّ الله موجود فقط، بل أنَّ الله مستَحِقٌّ لأن يُثنَى عليه، ولهذا قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، الحمد لله ظهرَت عليكم الحُجَّة، وقامَتْ عليكم البينة، وظهر كمالُ الله عز وجل، عرفْتم؟ فالأول فيه تخلِية، والثاني فيه تَحْلِية، إثبات كمال الله عز وجل يعني: الحمد لله على قيامِ البيِّنَة عليكم وظهور الحجة ووضوحِها. أما يقول المؤلف: (فكيف يشركون به)، فهذا أتى به على حدِّ قوله في الآية الأولى: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، ولكِن عندي أنَّ الآية الثانية فيها إقَامَة حجة على أمْرٍ آخر هم ينكرونه، وهو البَعْث، فإنَّهم ينكرُونه، فحقيقة الأمر أنَّ مُنْكِر البعث سيُشْرِك بالله وسيَعْمَل ما شَاء؛ لأنَّ مُنكرَ البعث يعتقد أنَّه ما فيه جزاء ولا حساب، ومَن اعتقد كذلك هل يعمَل؟ ما يعْمَل، ولِهذا كما ترون يجمَع الله سبحانه تعالى دائمًا في القرآن بين الإيمان به وباليوم الآخر، دائمًا يجْمَع بينهما؛ لأنَّ الإيمان باليوم الآخر هو الحادِي للإنسان على العمَل؛ إذْ مَن لا يعتَقِدُ أنَّ هناك جزاءً، فكيف يعمل، فالذي يظْهَرُ لي أن الآية الثانية سِيقَت لإلزامِهم بالإقرار بالبَعْث. * طالب: بعض الآيات ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة ١٦٤]. * الشيخ: إي نعم، ومِن بعد موتها، إي نعم، الفائدة: أنَّ هذا الإحياء قد يكونُ قريبًا مِن مَوْت الأرض، بمعنى أنَّ المطر ينزل قريبًا مِن الجدب، وأحيانًا يكون متأخِّرًا، فـ (مِن) للمتأخر. قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على ثُبُوتِ الحُجَّةِ عليكم. طيب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ما هو الحمد؟ هو الثَّنَاء كذا؟ يقول أكثر الناس: هو الثَّنَاءُ بالجميل، وهذا غَير صحيح، فإنَّ الثناء غير الحمد؛ لقولِ النبي ﷺ، بل لِقول الله تعالى، إنّ الثناء غير الحمد في الحديث القدسي؛ حديث أبي هريرة أن الله سبحانه وتعالى قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]«، قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة ٣]«، قَالَ: أثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]«، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]]، وهذا دليلٌ واضح على أنَّ الثناء غير الحمد، وإلَّا لكان تكرارًا، وأيضًا المعنى يقتضي ذلك؛ لأنَّ الثناء من الثَّنْي وهو الرُّجُوع، فإنَّك إذا ثَنَيْت العصا رجَع طرَفُه إلى طرَفِه، ومنه أيضًا لفظ اثنين، يعني واحد وواحد ففيه رجوع، فالمهم أنَّ الحمد لا يصِحُّ تفسيره بالثناء، إذن فما هو؟ نقول: وصفُ المحمود بالكمال، لكن نزِيد أيضًا: معَ المحبة والتعظيم، حتى يخرُجَ بذلك المـَدْح، فإنَّ المدْح وصف الممدُوح بالكمال، لكن قد يكون لِمحبَّة وتعظيم، وقد يكون لِخَوْف لا لِمحبة، فهذا الرجل الذي وقَف أمام ملِكٍ ظَالِم ٍجَبَّار وقال: أنت الملكُ الكرِيم المحسِنُ العادِل الذي لا تظْلم أحدًا، هذا مدْح ولَّا لا؟ مدْح، لكن عن محبَّة وتعظِيم؟ أبدًا، هو كَذِب، نعم فنقول: إنَّ الحمد وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، ثم إنه أيضًا يُفَرَّق بينه وبين المدح أنَّ المدح قد يكون موافِقًا للواقع، وقد يكون غير موافق، والحمد لا بد أن يكون موافِقًا للواقع. قال: وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يقول العلماء: إن (أل) في الحمد أنَّها للاستغراق، فجَمِيع المحامد لله، واللام في قولِه ﴿لِلَّهِ﴾ هل هي لِلتمليك ولَّا لِشِبْهِه؟ ابن مالك يقول: وَالـــــــــــــلَّامُ لِلْمِـــــــــــــــــلْكِوَشِبْهِـــــــــــــــــهِ ∗∗∗ .......................... * طالب: لشبهه. * الشيخ: لِشِبْهه، فالحمْد مسْتَحَقٌّ ومختَصٌّ بالله، والمرَاد به الحمدُ الكامِل، أمَّا مجردُ الحمد فلا يختَصُّ بالله، قد يُحمَد الإنسان على خصْلَةٍ مِن الخصال بقدرِ هذه الخصلة، لكن الحمْدُ الكامل الواسع مستَحَقٌّ لله وحدَه، ومختَصٌّ بالله وحدَه. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ لا يعلمون تناقُضَهم في ذلك، (بل) هنا للإضراب الانتقالي أو الإبطالي؟ * طالب: الانتقالي. * الشيخ: الانتقالي، يعني: فبعْدَ أن ثَبَت الأمر وقامت الحجة، واستَحَقَّ الباري الثنَاء أو الحمد، حينئِذٍ يصِحُّ أن يُسَجَّل عليهم الجهل، وهو قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، أكثَر هؤلاء لا يعْقِلُون، يعني عندَهم مِن السَّفَه ما هو ظاهِر؛ لأنَّه لو كان عندهم عُقُول لكان إقرارُهم بما أقَرُّوا به مُلْزِمًا بِإقرارهم لما أَنْكروه، أو لا؟ نعم، لو كان عندَهم عقول حقيقِيَّة راشدة لكان إقرارهم بما أقَرُّوا به ملْزِمًا لِإقرارهم بما أنكروه، وهم أقَرُّوا أنَّ الذي خلق السماوات والأرض وسخَّر الشمس والقمر هو الله، والذي نزَّل من السماء ماء فأحيَا به الأرض بعد موتها هو الله، إذن أين العقل وأنتم تُنكِرُون البعث وتُشْرِكُون بالخالق؟! فهنا لا عقْل. ومِن هنا نأخذ أنَّ أولئك الذين يدَّعون أنَّهم العقلاء ثم يُنكِرُون بعض صفاتِ الله عز وجل محتَجِّين أنَّ العقل لا يقِرُّها، نأخُذ منه أنَّهم ليس عندهم عقْل؛ لأنَّ العقل يُلْزِمهم أن يُقِرُّوا بما أنكَرُوه نظيرَ إقرارِهم بما أقَرُّوا به. فمثلًا -نضْرِب مَثَلَيْن فقط- يقول الأشاعرة والكلام معهم ومَن سواهم مِن باب أولى، يقولون: نحن نثبت لله الإرادَة، ونُنْكِر الرحمة، ما لله رحمة، ليش يا جماعة؟ قالوا: نعم؛ لأنَّ الإرادة دَلَّ عليها العَقْل، والرَّحْمَة دَلَّ العقلُ على بطلانِها، شوف ما يقولون، ما دل عليها العقل، يقولون: دل العقل على بطلانها. طيب فَسِّر، قال: الإرادة دَلَّ عليها العقْل بالتَّخْصِيص؛ تخصيص كونِ السماء سَمَاءً، والأرض أرضًا، والإنسان بشرًا، والحمار حيوانًا، ومَا أشبه ذلك، يعني حيَوان غير ناطق، هذا يدُلّ على أيش؟ على الإرَادَة، أراد أن يكون الحمارُ حمارًا، فكان حمارًا، وأن يكون الإنسان إنسانًا، فكان إنسانًا، وأن تكون السماء سماء، فكانت سماءً، إلى آخره. وهذا دليل ولا بد على الإرادة، دلِيل واضح هذا ولَّا غير واضح؟ واضِح، طيب الرحمة؟ يقولون: دل العقل على إنكارِها، لِماذا؟ قال: لأن الرحمة لِينٌ ورِقَّة، والله جل وعلا ما يُوصَف باللين والرقة. قلنا لهم: أنتم استدلْلَتم بالوَاقِع على الإرَادة، نحن نسْتَدِلُّ عليكم بالواقع على الرحمة، ودلالَةُ الواقع على الرَّحْمة أعظم مِن دلالة الواقع على الإرادة، لو تيجي للعامي تقول: أيش دليل الإرادة عقلًا عندك؟ والله ما أدري، العامي يُدرك أنَّ التخصيص دليل على الإرادة؟ * طالب: لا. * الشيخ: طيب، لكن العامي لو تقُول له: إنزَال الله المطر بعد الجَدْب حتى تُخصِب الأرض، ورِزْق الله للفقير المال، فأصبح غنِيًّا بعد الفقر، مو هذا يدُل على أنَّ الله رحيم ولَّا لا، أيش يقول؟ يقول: نعم، فدلالَةُ الواقع الذي لا يُحصَى مِن نِعَمِ الله على رحمةِ الله أبلَغ مِن دلالة التخصيص على الإرادة، واضِح؟ وهذا واضح جدًّا. فإذن في الحقيقة لو كان عندهم عقْل كما يزعمون أنَّهم أهْل العقل لكان استدلالُهم على الرحمة بالواقع أبلَغ مِن استدلالِهم على الإرادَة بالواقِع، واضح؟ لكن العلة والبلاء اللي هم جابوا، قالوا: إنَّ الرحمة معناها اللين والرِقة، والله عز وجل منَزَّه عن ذلك؟ جوابنا على هذا مِن ثلاثة أوجه؛ الوجه الأول: أن نقول: هذا اللازم إنَّما هو في رحْمَةِ المخلُوق، ورحمَةُ الخالق غير رحْمَة المخلوق، ما نُشَبِّهها، هذه واحدة. وثانيًا: أن نقول: مَن يقول: إنَّ اللين والرقة منفِيَّة عن الله، ما هو إلا مجرد (...)، واللين لِلغير لإِيصال الإحْسَان إليهم ما هو صِفَة نقْص. الوجه الثالث: أن نقول: إنَّ الرحمة ليست هي اللِّين والرقة، فقد يكون هذا المـَلِك يرحَم مثلًا أحدًا مِن رعِيَّتِه ويعطِف عليه وهو على عزَّتِه وعلى مُلكيته، ولا يشعر بنفسه أنه في هذه الحال انْحَطّ عن رتبة القوة والحزم، أليس كذلك؟ قولوا، لَا ولَّا نعم؟! * الطلبة: نعم. * الشيخ: يرْحَم مثلًا هذا الملِك القَوِيّ في سلطانه، يرحَم الفقير مِن أفراد أمته وهو يشعُر بأنَّه باقٍ على عِزَّتِه ولم يلحَقْه في ذلك شيء، فحينئِذٍ نقول: عقْلًا .. (ما) نافية وليسَتْ حِجازيةً هنا؛ لأنَّ النفي انتَقَض بـ (إلا). وابن مالك يقول: إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ ................... وهنا النفي لم يبْقَ. وقوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت ٦٤]، الإشارَةُ هنا للتَّحْقير ودُنُوِّ مرتَبَتِها. والإشَارة للتحقير واردة في اللغة العربية، كما في قوله عن الكفار: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٣٦]؛ يعني: ويش هو هذا الحقير الذليل الذي يسُبُّ الآلهة وهي عظيمة وعالية، وما أشبه ذلك. وقوله: ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ هي الدار التي نحن فيها، ووُصِفَت بالدنيا لِسببَيْن: لِدُنُوِّها زمنًا، ودُنُوِّهًا مرتَبةً. وقوله ﴿الْحَيَاةُ﴾ جاءت هنا لِيُقَابِل بها الحياة الثانية. وقوله: ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ صحيح هذَا الحصْر حقِيقي، الدُّنيا التي هي الدنيا تنْحَصِر في هذين الأمرين: في اللهو واللَّعب، والفرق بينهما قيل: إنَّ اللعب بالجوارح، واللَّهْو باللسان؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان ٦]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور ١٢]. وقيل: إنَّ اللهو في القلْبِ وهو غفْلَتُه وانطِلَاقُه في الملاهي وفيما يلْهِيه عن طاعَةِ الله، واللَّعِب في الجَوَارح مِن اللسان وغيرِ اللسان، وهذا أقرب؛ أنَّ اللهوَ في القلوب واللعب في الجوارح، هذا هو الأقرب. وعليه فحاصِلُ الدنيا أنَّها لَهْو يلهو به الإنسان؛ غفَلَات وسَرْح يمينًا وشمالًا، وكذلك لَعِب حتى الأمور الجِدِّيَّة التي للدنيا هي لَعِب؛ لأنَّها تَذْهَب ولا تَبْقَى، أو يَذْهَب عنها صاحبُها، فهي كلعب الأطْفَال يتَسلَّوْن بها ما داموا أطفالًا، ثم يهجُرونها إذا كبروا وعقَلوا وعرَفوا ما هم عليه. قال المؤلف: (فأما القُرَب فمِن أمور الآخرة لِظُهور ثمرَتِها فيها) قوله: (فأما القُرب) هذا جواب عن سؤال مقدَّر، كأنَّ قائلًا قال: كيف تكون الدنيا لهوًا ولعبًا مع أنَّ الإنسان يعمل فيها عملًا صالحًا؛ يصلي ويزكي ويصوم ويحُجّ ويبر والديه ويصِل رحمه وما أشبه ذلك؟ فهل هذا لعب؟ * طالب: لا. * الشيخ: يقول المؤلف: ليس بلَعِب. طيب أليس هذا في الدنيا؟ قال: بلى هو في الدنيا، لكن ظُهُور ثمرتِه في الآخرة؛ ولهذا قال: (أمَّا القُرَب) -وهي مِن الدنيا- (فمن أُمور الآخرة لظهور ثمرتِها فيها). وصدَقَ المؤلف، فإنَّ الأعمال الصالحة ما هي مِن أعمال الدنيا؛ ولهذا لو أرَاد بها الإنسان الدنيا لَبَطَلَتْ ولم يكُن له أجْر فيها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مَن حَجَّ ليَأخذ فليس له في الآخرة مِن خلاق؛ يعني مِن نَصِيب، ويشهَد لهذا الكلام الذي قالَه الشيخ يدُلّ له قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود ١٥ - ١٧]. ويدُلّ له أيضًا قولُه ﷺ:« «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ»[[أخرجه البخاري (٢٨٨٦) من حديث أبي هريرة.]] إلى آخره. والحاصِل أنَّ أعمال الآخرة ليست مِن أعمال الدنيا، بل إذا أُرِيد بها أعمالُ الدنيا بطَلتْ. قال: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ هذه الجملة مؤَكَّدَة بثلَاثة مؤكِّدَات، أقول: بيِّن لنا المؤكِّدَات في هذِه. * طالب: الواو. * الشيخ: الواو ما هي للتأكيد، ما هي الواو مِن أدوات التأكيد. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. * طالب: (إنَّ)، واللام، والضمير. * الشيخ: وضمير الفصل: ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. شف أكَّدَ الله عز وجل أنَّ الحيَوان يعني الحَيَاة، لكنَّها جاءَت على هذا الوزن لِلمُبَالغة؛ (حيوان): فَعَلَان للمُبالغة، وإلا فالحَيوان بمعنى الحياة، ووَزْن (حَيَوَان): فَعَلَان، ففيها زيادَةُ الألف والنون لِلمبالغة. وقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾: هي ما يكُون يوم القيامَة. ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ قال: (بمعنى الحياة)، ولكن زِيدَت الألف والنون فيها لِلمبالغة؛ يعني هي الحياة الحقيقية؛ ولهذا يقول الكافر يوم القيامة يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر ٢٤] حياته الدنيا مُقَدِّمٌ لها، بل هي جنَّتُه، لكن الحياة الحقيقية هي حَيَاةُ الآخِرة؛ لأنَّ حياة الدنيا في الحقيقة ليست بِحياة؛ أولًا: لأنَّها مُنَغّصَة، كل صَفْوِها له كَدَر. وثانيًا: أنَّها غير باقِية أليس كذلك؟ وثالثًا: أنَّ الإنسان مُهَدَّدٌ فيها، فلا يدْري متى يأتِيه أجلُه صباحًا أم مساءً، وكم مِن إنسانٍ خرَجَ من أهله ولم يرجِع إلا جُثَّتُه، وكم مِن إنسان على كرسِيِّه فما أكمَل الكتابة التي يخُطُّها بيمينه، هذه حياة؟ الجواب: * طالب: لا. * الشيخ: لا، ما هي حياة في الحقيقة؛ ولهذا يقول الشاعر: لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُــــــــهُ بِادِّكَـــــــارِالْمَـــــــــــوْتِ وَالْهَــــــــــــرَمِ مهما طاب لك العيش إذا تأَمَّلْت سوف تهْرَم وتدَع هذا العيش ولا يطِيب لك، وسوف تموت فلا تبْقى للعيش أصلًا. والحاصل أنَّ الدار الآخرة -صدَقَ ربُّنا جل وعلا- هي الحيوان، فهي التي ينبغي للإنسان العاقل أن يسْعَى لها، والغريب أنَّه إذا سعى للآخرة حَصَّل الدنيا والآخرة، وإذا سَعَى للدنيا فقط فاتَتْهُ الدنيا والآخرة، الدليل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى ٢٠] أيش معنى ﴿نَزِدْ لَهُ﴾؟ يعني: نُعْطِيه حرث الآخرة مع الدنيا؛ لِقولِه تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧] هذا جزاءٌ عاجل ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ هذا الجزاء الآجِل، و﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: لا، نؤتيه منها ولا نعطيه اللي هو يبغي ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران ١٤٥] وهذا الوَعْد أيضًا مقْرُون بالمشِيئَة كما في آية الإسراء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ [الإسراء ١٨]، ما هو بالذي يريد ولا بعْض الذي يُريد ﴿مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾، إذن الحَيَوان حقِيقة هي الآخرة. والحيوان الواو هنا هي أصلِيَّة ولَّا منقَلِبَة؟ قيل: إنَّها منْقَلِبَة عن يَاء وأَنَّها قُلِبَتَ واوًا؛ لِئَلَّا يلْتَبِس بالمـُثَنَّى، خلوا بالكم يا أهل النحو! وأنَّه لو قال: وإنَّ الآخرة لهي الحيَيَان؛ لكان يلْتَبِس بالمثنى فقُلِبَت واوًا، وهذا رأيٌ لِسيبويه بناءً على أنَّ الحيَاة يائِيَّة مِن حَيِيَ يَحْيَى. وقيل: إن الواو أصلية، وإنَّ الواو في الحياة هي الأَصْل، لكن قُلِبَت ياء في حَيِيىَ ليش؟ لِتَحَرُّكِها وانكسار ما قبلها فقُلِبَت ياء، وهذا على كل حال تصريف، هذا بحث تصْرِيفي مَحْض. وقولُه تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ هذه جملَة مستَأْنَفة ليست ﴿لَوْ﴾ هنا صِلَة تتَعَلَّق بما قبلها، ولكنَّها مسْتَأْنَفَة فهي شَرْطِيّة، وجواب الشرط محذوف قدره المؤلف بقوله: (﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك ما آثَرُوا الدنيا عليها) والحقيقة أنَّ قولَه: (ما آثروا الدنيا عليها) صحيح أنَّه يصِحُّ أن يكون جوابًا، لكنَّ الجواب أبلَغ مما قدَّرَه المفسر؛ ولِهذا حذَفَهُ الله لأَجْل أن يبلُغَ الذهنُ في تقديرِه كُلَّ مبْلَغ؛ علشان الذهن يقدر كل شيء ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لَعَمِلُوا لها ليلًا ونهارًا مو فقط ما آثروا الدنيا لكان عملُهم لها فقط دون الدنيا، ومعناه أنَّ مَن قَدَّم الدنيا على الآخرة فليس عنده عِلْم، لو كان يعلم حقيقة ومن ذوي العلم والأفهام ما قدَّمَها. ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت ٦٥] ﴿إِذَا رَكِبُوا﴾ الضمير يعود على المشركين يعني سَلْ هؤلاء عن آلِهَتِهم هل هم يرجعون إليها عند الشدائد ولَّا هم يعترفون بأنَّه لا يفرج الشدة في الشدة إلا الله؟ الجواب: الثاني هم مُعْتَرِفُون بأن أصنامهم لا تنفعُهم واعتَرَفوا فيما سبق بأنَّ الذي خلق السماوات والأرض مَن؟ الله وأنَّ الذي ينزل مِن السماء ماء الله، وأنَّ الذي سخَّر الشمس والقمر الله، وأن الذي يدفَع الضَّرورة بناءً على ما ذُكِر في الآية هذه مَن؟ الله. ﴿إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ والفُلْك السُّفُن أو السفينة؟ يصلُح لأنَّه صالحٌ للجمع والمفْرَد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢] هذا جمْع، والمفرَد؟ * طالب: إذا ركبوا (...). * الشيخ: لا. * طالب: (...). * الشيخ: لا، على الفُلْك؟ * الطالب: على الفُلْك. * الشيخ: وهو واحد؟ * الطالب: إيه. * الشيخ: طيب. قال: ﴿إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ ﴿دَعَوُا﴾ هذه جواب ﴿إِذَا﴾ وهي مرُكَّبَة مِن فِعْلٍ وفَاعِل، وهنا فيه إشكال وهو أنّه تقدَّم لنا أنَّ الفعل الماضي إذا اتَّصَلَتْ به واو الجماعة فإنه يُبْنَى على الضَّمّ وتُسَكَّن واو الجماعة، وهنا ما بُنِي على الضم ولا سُكِّنَتْ واو الجماعة، تقول: قَامُوا اللي قبل واو الجماعة مضْمُوم، وواو الجماعة؟ مُسَكَّنَة، وهنا ﴿دَعَوُا﴾ لا ضُمَّ ما قبل الواو ولا سُكِّنَت الواو، فكيف المخرَج مِن هذا الإشكال؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا (...) قَبْل الواو، الآن هو إذا اتَّصل واو الجماعة في الفعل الماضي ضُمَّ ما قبلَها وسُكِّنَت. * الطالب: (...). * الشيخ: هَالْحِين اللِّي عندنا بالعكس. * الطالب: دَعَوُا. * الشيخ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: واحدة. * الطالب: (...). * الشيخ: لا. اللي عندنا الآن واحدة. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني والواو الموجودة ويش هي؟ * الطالب: (...). * الشيخ: أو واو الفعل. * الطالب: واو (...). * الشيخ: يعني واو الفعل، طيب هذا جواب.. نعم. * طالب: (...) واو (...) واو الفاعل (...) لأن الواو واو الفاعل (...). * الشيخ: حذفت الواو. * الطالب: واو (...). * الشيخ: طيب والفَتْح ويش اللي جابه؟ * طالب: بقِي على الأصل أن الضمة أصل الواو (...). * الشيخ: وهذا الجواب؟ نعم. * طالب: (...) واو الجماعة أنه يُحذف ويُفتح ما قبل واو الجماعة (...) دَعَوْا، أصل الفعل: (دعا) (...) حرف العلة (...) فحذفت (...) قبله. * الشيخ: وبقِيَت الفتحة؟ * الطالب: علامةً عليها. * الشيخ: دليلًا عليها على ذلك، طيب ضمّ الواو ﴿دَعَوُا﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: (قَامُوا) ما هُو (...) مُسَكَّنَة. * طالب: (...). * الشيخ: طيب: ............................... ∗∗∗ وَإِنْ يَكُـــــنْ لَيْنًا فَحَذْفُـــــــــهُاسْتَحَـــــــــقَّ * طالب: (...). * الشيخ: (...). * طالب: (...). * الشيخ: جوابُه صحِيح الأول ولَّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: إيه إنه حُذِفَت الألف، محذُوف مِن الفعل الأَلِف؟ * طالب: (...) الألف ألف الفعل (...). * طالب آخر: (...). * الشيخ: لا، ما يتكلم أحد يا جماعة إلا المسؤول. * طالب: (...). * الشيخ: ما هو صحيح. * الطالب: (...). * الشيخ: اللي هو الضَّمِير؟ * الطالب: إيه، وحُذِف لالتقاء الساكنين. * الشيخ: الظَّاهِر إنه بيصير فيه خلاف بينكم، لعلنا نقطَع الطريق. * طالب: (...). * الشيخ: لا، الصحيح: أصله أنّه محذوفة الألف حُذِف ألِفُ الفعل وبَقِيت الفتحة دليلًا عليها، والواو الموجودة واو الضمير لكن حُرِّكت بالضَّم لالْتِقَاء الساكِنَين، وين الساكِنَان؟ لو بَقِيَت الواو ساكِنَة وهمزة (أل) ساكنة ما يستقيم، فإذا قال القائل: القاعدة أنك تحذف الواو لأن: .............................. ∗∗∗ وَإِنْ يَكُـــــــنْ لَيْنًا فَحَذْفُــــــــهُاسْتَحَـــــــقَّ قلنا: حذف الواو هنا غير مُمكن، لو حَذَفْنا الواو اسْتَلْزَمَ ذلك إرجَاع ألف الفعل، ثم إذا رَجعْنَاه لم يكن لدينا دليل على الضَّمِير فصارَ وجود الضمير لا بُدَّ منه، وحُرِّك بالضم لأنَّه الـمُجَانس للواو إذْ أنَّ ظُهُور الكَسْرَة على الواو ثَقِيل جِدًّا، والضَّمَّة أقْرَب لمجانَسَتِها الواو، وهذه موجودة في القرآن، بهذا عدة أمثلة. وقوله: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت ٦٥] ﴿دَعَوُا﴾ دُعاء عبادة ولَّا مسألة؟ * طالب: مسْأَلَة. * الشيخ: مسْأَلَة. وقوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ حالٌ مِن فاعل ﴿دَعَوُا﴾، والإخلاص: تنْقِيَةُ الشيء عما يشُوبُه، فمعنى ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ﴾ أي: لا يجعلون مع هذا الدعاء دعاءً لِشيءٍ من الأصنام. وقوله: ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ قال المؤلف: (أي الدعاء)؛ لأنَّ الدعاء عبادة، فهو مِن الدِّين؛ فلِهذا قال: (﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: لا يدْعُون معه غيرَه؛ لأنهم في شِدَّةٍ لا يكشِفُها إلا هو). وهم بذلك معتَرِفون ومضطرون، لا يمكن أن يدعو الواحد منهم صنمًا في هذه الحال؛ لأنه يعلم أنَّ الصنم لا ينفَعه، فلا يدعُون إلا الله، وهذه حُجَّةٌ ثالثة عليهم بل رابعة. الحجة الأولى: خلق السماوات والأرض. والثانية: تسخِير الشَّمْس والقمر. والثالثة: إنزَال الماء مِن السماء وإحيَاء الأرض أربعة (...). والخامِسة: إخلاصُهم الدعاء في حالِ الشِّدَّة لله. * طالب: أكبر الحُجَج عليهم هذه. * الشيخ: إي نعم، هذه مِن أكبر الحُجَج عليهم. قال: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لَمَّا﴾ هذه شرْطِيَّة. فعل الشرط: ﴿نَجَّاهُمْ﴾، وجوابه: ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. و﴿إِذَا﴾ يسَمِّيها النحويون فُجَائِيَّة، والفُجَاءَة الشيء الذي يأتي بغتة، والمعنى: أنَّهم إذا نُجُّوا إلى البَرّ فَاجَؤُوا وبادَرُوا ويش هو؟ بالشِّرك، أعوذ بالله، جزاء النعمة أن يكفُروا. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ نجَّاهُم مَن؟ الله، يعني أنقَذَهم مِن الشِّدَّة التي هم فيها ﴿إِلَى الْبَرِّ﴾ الذي هو شاطئ السلامة. (﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ به). ﴿هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ هذه جملة اسمية تفيد أنَّ هذا يكُون كالصفة اللازِمة لهم يسْتَمِرُّون -والعياذ بالله- على الشرك مُبادرِين به، وهذا غاية ما يكون مِن اللُّؤْمِ؛ لأنَّ الإنسان بطبِيعَتِه وفطْرَتِه لا يكْفُر بِمَن أنعم عليه، بل يشْكُر مَن أنْعَم عليه. أمَّا هؤلاء فإنهم بمجَرَّد النعمة يشركون والعياذ بالله، وهذا يُشبهه قولُ مَن يتَرَنَّم في بعض الإذاعَات العرَبِيَّة في الحَرْب التي يسمونها حرْب الأيَّام السِّتَّة تعرفونها هذه؟ حَرْب مع اليهود، حارَبَتْ سُورْيَا والأُرْدُن ومِصْر، حَرْبٌ قَضَتْ -والعياذ بالله- على معنوياتهم وأخذَتْ أراضِيَهم، لكن في أيام المعركة كان أحَدُ المذيعين يقول: سندخل تلَّ أبيب غدًا وتُغَنِّينَا أمُّ كلثوم، لكن أمَّ كُلْثُوم غنَّتْ على رُفَاتِهم. هذا في الحقيقة وعْدٌ بِالكُفْر بِكُفْر النعمة ولَّا لا؟ الرسول عليه الصلاة والسلام دَخَل مكَّة حين الفتح مطَأْطِئًا رأسَه خاضِعًا لله عز وجل[[أخرجه أبو يعلى (٣٣٩٣)، والحاكم في المستدرك (٤٤١٣) من حديث أنس بن مالك.]]، نعم فرْق بين هذا وهذا، إنما هذه الحال كونه مثلًا إذا فتحْنا بلاد الكفار تُغَنِّينَا القِيَان تعْزِفُ علينا، هذا يُشْبِه ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. قال الله تعالى: (﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [العنكبوت ٦٦] مِن النعمة، ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ باجتِمَاعهم على عِبَادَةِ الأصنام، وفي قراءةٍ بسكون اللام: أمْر تَهْدِيد). قولُه: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ اللام هنا لِلأمْر أم لِلتعليل؟ * طالب: للتعليل. * الشيخ: نعم فيها قراءتان، إنْ سكَّنَّا اللام في قولِه: ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ -وهي القراءة الثانِية- صارَت اللام للأمر أمْر تهديد؛ لأنَّ الله ما يأمُر بالكفر أمْر إرشاد ولا أمْر إِلْزَام، وإذا كسَرْنا اللام الثانية: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ صارَتِ اللام لام (كَي). ثم هل اللام في قولِه: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ على أنَّها إذا لم تكن للأمْر هل هي لامُ التعليل ولَّا لام العاقبة؟ الجواب: أنَّها لام العاقبة؛ لأَنَّ الله ما نَجَّاهم إلى البَرّ فأشركوا لأجْل أن يَكفروا، لكن صَارَت عاقبتُهم الكفر، هل لام العاقبة معروفَة في اللغة العربية؟ نعم معروفة، قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]. لو سأَلَنَا سائل: هل آلُ فرعون التَقَطُوا مُوسى لِهذا الغرض؟ لقلنا: لا، لكن صارت العاقِبة هذه، لو أنَّهم عَلِموا أنه يكون عدوًّا لهم وحزنًا.. * طالب: ما التقطوه. * الشيخ: إيه أو التقطوه فأهْلَكُوه، إنَّما ما يلتقطونه لِهذا الغرض، لكن صارت للعاقبة، فهنا العاقبة أنَّهم كفروا بما آتينَاهم. وقوله: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ الباء للسببية أم إنَّ البَاء مُعَدًّى بها الفعل مثل كَفَر به؟ نعم هذا هُو الأقرب؛ يعني: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أي أنَّ الفعل (كَفَرَ) تعدَّى إلى مفعولِه بالباء، والمعني: مثل كفَر بالله وكفر بالرسول وكفر بكذا، وقوله: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أي بما أعطيناهم مِن النعمة ويش هي النعمة؟ إنْجَاؤُهم مِن الغرق. ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ قال: (باجْتِمَاعهم على عبادة الأصنام) ويمكن أن يقال: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ بالنعم أيضًا، بالنعم التي أُعْطُوها، فهم كفروا بها فلم يشكُرُوها وتمتَّعُوا بها إلى مآلِهم ومصيرِهم. يقول المؤلف: (وفي قراءة بسكون اللام أمرَ تهديد): ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ . وعلى هذا العامة الآن يقرَؤُونها ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ نرُدّ عليهم ولَّا لا؟ نرُدّ عليهم؟ * طالب: (...). * الشيخ: نرد عليهم. * طالب: (...). * الشيخ: إيه؛ لأنَّ القراءة قراءة غلط، نرد عليهم لأنَّهم يقرؤونها قراءة غلط؛ إذ إنه لو تقول (...) ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ وين ترجعون إليه؟ نرجِع إلى المصحف، إذا رجعنا إلى المصحف وجدْناها مكسورة، فقراءَتُهم إيَّاها بالسكون ليس عن عِلم بل هو عن خطأ وعدم معرفة، أمَّا لو جاء طالبُ علم فقرأها ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ فإننا لا نردُّ عليه؛ لأن طالب العلم قد يكون قرأَها على هذه القراءة. * طالب: (...). * الشيخ: إذا كان في واقع الأمر أنها صحيحة لكن ما أراد لام الأمر فهي ما هي بصحيحة، قراءته خطأ وهو ما أراد لام الأمر. * طالب: (...) لام الأمر (...) اللغة العربية (...). * الشيخ: إيه، لكن هم أرادوا ما تدُلُّ عليه اللغة العربية، وهي: أشهد أن محمدًا رسولَ الله، ويش أرادوا أن تكون رسول؟ * الطالب: خبرًا. * الشيخ: خبرًا، فهم أرادوا ما تقتضيه اللغة العربية الأخرى. * الطالب: وهذا؟ * الشيخ: لا، هذا ما أراد الأمر. * الطالب: ما يدري. * الشيخ: ما يدري؛ لكن هو أراد الذي في المصحف، إن نرُد عليه نقول: لأنَّك الآن تريد القراءة التي في المصحف فغَلِطت، أمَّا لو قال: نعم أنا سكنْتُها لأنِّي على الوجه الثاني في القراءة، قلنا: ما نرد عليه. * طالب: رجل لو صار يقرأ في قراءة ورش وجاته آية مثل هذه وقرأها بالقراءة الثانية ما نرد عليه هو يعني قاصدها. * الشيخ: لا إذا قصدها ما نرُدّ عليه إلَّا مثل ما قلت لكم سابقًا؛ إنه أَمامَ العامة ما ينبغي أن نقرأ خلاف القراءة التي بين أيديهم؛ لأنَّ هذا يوجب التشويش عليهم، ويوجب أنه بدَل ما كان القرآن محترمًا في نفوسهم تعرف العامي ما يقدّر هذه الأمور، يرى أن هذا فيه نقص في القرآن الكريم يقول: أيش لون هذا يتغير؟ إحنا ذكرنا أن القراءات طالب العلم ينبغي أن يقرأَها بنفسه فيما بينه وبين نفسه، ينبغي أن يقرَأ بكل القراءات لأنَّها كلها سنة، ولكن بالنسبة للعامة ما ينبغي أن تقرأ عندهم خلاف ما كان معروفًا بينهم. * طالب: تسمية الدعاء دينًا. * الشيخ: وجه تسمية الدعاء دينًا؛ لأنَّه من العبادة، الإنسان الذي يدعو ربه متعبدٌ له بهذا الدعاء؛ ولهذا خصوصًا العارف يشعر بأنه سيُثَاب على هذا فيكون دينًا. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: (﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة ذلك). (سوف) يقول النحويون: إنَّها تفيد التوكيد لكن بمُهلة؛ ولهذا يقولون: التَّسويف، بخلاف السين فإنَّها تفيد التحقيق بقرب. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ الجملة خبرية ويُراد بها التهديد كقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر ٣، ٤] في سورة (ألهاكم). وقال تعالى في سورة النبأ: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾ [النبأ ٤، ٥]. فالعذَاب والعياذ بالله نازِلٌ بهم لا محالة. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت ٦٧]، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ تقدم الكلام على مثل هذا التركيب وأنَّ الهمزة للاستفهام والواو حرف عطف، وهل الهمزة مقدَّمَة عن مكانها أو لا؟ ذكرْنا أنَّ في ذلك خلافًا، وذكرْنا أنَّ القول الأسهل أنَّ الهمزة للاستفهام وأنَّ الواو عاطفة على ما قبلَها. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يقول المؤلف: (يعلموا) وذلك لأنَّ الرؤية نوعان: عِلْمية وبصرية، إن تعَدَّت إلى مفعولين فهي عِلْمية كقولك: رأيت العلم نافعًا، وإلى مفعولٍ واحد فهي بصرية كقولك: رأيتُ فلانًا. من الرؤية العلمية في القرآن كثير ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ [المعارج ٦ - ٨] نعلَمُه قريبًا، و﴿يَرَوْنَهُ﴾ الأولى رؤية ظَنّ ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾. وقوله تعالى: (﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أي: يعلموا ﴿أَنَّا جَعَلْنَا﴾ في بلدهم مكة ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ ). لِماذا خصَّه بأهل مكة؟ لقولِه: ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. ﴿جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ الحرم ما لَهُ حرمةٌ أي تعظِيم، وسُمِّي التعظيم حرمة لأنه يُمنَع بهذا التعظيم ما كان سائغًا لولاه، أيش مِن جملة حُرُمَات مكة؟ * طالب: تحريم قتل الصيد. * الشيخ: تحرِيم قتل الصيد، والقتال فيها، وقَطْع الشجر، وحَشَّ الحشيش وغير ذلك، حتى الحيوانات غير المؤذية يجب أن تكون آمِنَة. قوله: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ أهل المجاز يقولون: آمِنًا مَن فيه، والصواب أنَّ الحرم نفسه آمِن؛ ولهذا عصَمَهُ الله سبحانه وتعالى مِن كل أحد كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل ١]، وحرَّم النبي عليه الصلاة والسلام القتال فيه[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٣٤) ومسلم (١٣٥٣ / ٤٤٥) من حديث عبد الله بن عباس. وفي الباب: عن أبي هريرة، وعمرو بن سعيد وغيرهما.]]، فهو نفسُه آمِن، وإذا أَمِن نفسه أَمِن مَن فيه. وقوله: ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ يقول المؤلف: (قتلًا وسبيًا دونَهم): في عهْد الجاهلية، غيرُ أهل الحرم ليسوا بأمَان، يُغار عليهم فيُقْتَلون ويُسْبَوْن وتُؤخذ أموالُهم ونساؤُهم، لكن أهل مكة آمنون حتى إنَّه يجِد الإنسان قاتِلَ أبيه في الحرم ولا يقتلُه، قاتل أبيه مع شِدّةِ الحَمِيَّة عندهم لا يقتلُه، لكن اخرج عن الحرم تجِد القتل والسبي والنَّهب وكُل شيء. هذه نعمة مِن الله عظيمة على قريش، وكان عليهم أن يُقابلوا هذه النعمة بالشُّكْر والتصديق للرسول ﷺ، مع أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام منهم يعرفونَه ويسَمُّونَه قبل أن يأتي بالرسالة يسَمُّونَه الأمِين، ويحتكمون إليه أحيانًا، لكن لَمَّا بُعِثَ بالرسالة -والعياذ بالله- وخالف أهواءَهم كفروا به. * طالب: (...). * الشيخ: يقال فيه: إنَّ الحرم نفسه ما تغيَّر، وأَخْذُ الحجر منه ما بقِي، ولا تعَطَّل الناس مِن الحج، حتى وهو (...). مِن الفوائد: * طالب: (...) ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ (...). * الشيخ: أي: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ مَن نزَّل ولَّا من خلق؟ * طالب: من نزَّل. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت ٦٣]. * مِن فوائِد هذه الآية: أولًا: حكمة الله سبحانه وتعالى في إنزال المطر مِن السماء. * ومن فوائدها: أنَّه لا يقدر على إنزال المطر من السماء إلَّا الله، ومهما حاول هؤلاء الذين أعطاهم الله ما أعطاهم مِن الصنائع فإنَّهم لن يستطِيعوا أن يُنَزِّلوا المطر مِن السماء؛ لأن هذا خاص بالله عز وجل. * ومِن فوائد الآية: قُدرَة الله سبحانه وتعالى على إحياء الموتى: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾. * ومِن فوائدها: أنَّ الجماد يُوصَف بالحياة والموت ﴿أَحْيَا بِهِ﴾ ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾، وذكرنا مثالًا آخر في هذه المسألة في الأصنام: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل ٢٠، ٢١]. * ومِن فوائدها: قياس الغائب على الشاهد. * طالب: الغائب هو البعث أو النشور مرة أخرى، والشاهد هو إحياء الأرض؟ * الشيخ: إي الغائِب إحياءُ الناس بعد الموت، والشاهد إحْيَاء الأرض. * ومِن فوائدها: ثُبوت القياس الصحيح أو اعتبار القياس الصحيح خِلافًا لمن أنكرَه أو غَلا فيه؛ لأنَّ الناس انقسموا إلى قسمين: مِنهم مَن غَلَا، ومِنهم مَن دنا؛ يعني منهم مَن أنكر القياس مطلقًا كابن حزم وهو ينكِرُه ويقِيسُ أحيانًا، ومنهم مَن غلا فيه وتجَاوز الحد حتى بلَغ بهم إلى أن يقِيسُوا صِفَاتِ الخالق بصِفَات المخلوق كالمشَبِّهَة مثلًا. * ومِن فوائد الآية: حُسْنُ مناظرة القرآن ومجادلَتِه، وأنَّ مناظرَاته ومجادَلَاته تكون مُلْزِمَة، وجه ذلك أنَّ إقرارهم بهذا الشيء ملْزِمٌ لهم أن يقروا بتوحيد الألوهية وكمالِ صفات الله. * ومنها: وُجُوب إعلَان الثناء والحمد لله عز وجل أمام المشركين؛ لقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. * ومنها: أنَّ إقرارَ المشركين بما يختَصُّ به الله تعالى مِن القدرة هو في الحقيقة كمالٌ لله عز وجل؛ ولهذا أمَر الله نبيه أن يُثْنِي عليه بالحمد أو أن يصفَه بالحمد لَمَّا قال: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، * فيُستفاد منه أن إقرار المشركين بما يختَصُّ به الله من صفات يُعتبر مِن كمالِ صفات الله التي يستَحِقُّ عليها الحمد. * ومنها: أنَّ أكثرَ هؤلاء المشركين جُهَّال؛ لقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٧٥]، المعنى: لا يعلمون ما يستَحِقُّه الله تعالى مِن أوصاف الكمال. * طالب: ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾. * الشيخ: ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ نعم صح، أكثرهم سُفهاء، إن أكثرهم سفهاء لا يعقلون، لو كانوا عقلاء لَعرفوا اللازِم وملْزُومَاتِه وأقروا بها. * ومِن فوائد هذه الآية: أنَّ الأشاعِرة ونحوهم ليس عندَهم فيما ذهبُوا إليه مِن إثبات بعض الصفات وإنكار بعضِها ليس عندهم معقول ولا أثَرٌ منقُول، أمَّا الأثر المنقول فظاهِر، ما عندهم دليل. وكذلك أيضًا ليس عندهم نظر معقول، فإنهم ينكرون ما يقِرُّون بمثله أو دونَه ولَّا لا؟ ومَرَّ علينا أمثلة لهذا فيما سبق. إذن نقول: كُلُّ مَن أقَرَّ بشيء مِن صفات الله تعالى وأفعاله وأنكَر آخر فهو دليلٌ على قِلَّةِ عقْله، وليس المرادُ بالعقل هنا عقْل الجنون لا ما هو الجنون، لكن عقل الرشد والهداية. * طالب: كيف يوصف البعض بالعقل؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأنَّ البعض أقَرّ وآمَن. * الطالب: هو الآن يحكي عنهم يتكلم عنهم.. * الشيخ: هم على سبيل العموم، والذي عنده عقْل ثم فَكَّر ونظَر آمَن ورَجَع. ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤].﴾ * مِن فوائد هذه الآية: بيَانُ حَقَارَةِ الدنيا وأنَّها ليست بشَيْءٍ مطلقًا ولَّا بالنسبة للآخرة؟ * طالب: بالنسبة للآخرة. * الشيخ: ظاهر الآية أنه مطلق، إن ما هي إلا لهو ولعب، كل ما فيها لهو ولعب، فيمكن أن نقول: إنها على سبيل الإطلاق، ويمكن أن نقول: إنَّه على سبيل المقارنة بالآخرة؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. * طالب: (...) يعني تُقيَّد؛ لأن فيها أشياء كالصلاة مثلًا.. * الشيخ: هذه أجاب عنها المؤلف قال: (إنَّ القُرَب مِن أعمال الآخرة لظهور أثرِها فيها). نفس المؤلف أجاب عن هذا، فما كان مِن أعمال الآخرة فليس داخلًا في أعمال الدنيا. * ومِن فوائد الآية: أنَّه لا يجوز أن يُقصَد بأعمال الآخرة شيءٌ من الدنيا، وجه ذلك؟ هذه فائدة ما هو سؤال، قلنا: يستنبط مِن هذه الآية أنَّه لا يجُوز أن يُقْصد بها الدنيا، ما وجهُ الدلالة؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: لأن الدنيا (...) والدار الآخرة (...).* الشيخ: لأن هذه المسائل يقصد بها الآخرة، فلا يجوز أن تأخذ عنها عِوَضًا من الدنيا، والمسألة هذه عاد فيها خلاف بين أهل العلم في باب الإجارة. * ومِن فوائد هذه الآية: كمال حياة الآخرة؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾، وهو كذلك؛ لأنَّ الدار الآخرة دائِمة إما على الخير وإمَّا شر. * ومِن فوائد الآية: الحث على العلم؛ لقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. * ومنها: أنَّ مِن العلم بل مِن أفضَل العلوم التَّفريق بين الأمور النافعة والأمور الضارة، وهذا التفريق مِن أعظم ما يكون، إذا أُوتِيَه الإنسان حقيقة أوتِيَ خيرًا كثيرًا، إذا أوتي معرفة الفرق بين الأمور النافعة والضارة ومعرفة الفرق بين الأمور المتشابهة في العلم فهو ينالُ خيرًا كثيرًا. وقد صنَع بعض أهل العلم شيئًا مِن ذلك، فصاروا يؤَلِّفُون كتبًا اسمُها: الفروق والتقاسيم، مثلًا يذكرون: الفرق بين الفرْض والنفل، الفرق بين الأذان والإقامة، الفرق بين الجَعَالة والإجارة، الفرق بين العطِيَّة والوصِيَّة، الفرق بين كذا وكذا ويذكرون الفروق، وهذه مفيدة لطالب العلم، وهنا قال: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: الفرق بين الدنيا والآخرة ما آثروا الحياة الدنيا على الآخرة. * طالب: (...). * الشيخ: في مؤلَّفات. * الطالب: (...). * الشيخ: لا ما نعرف، أنا ما أعرف، لكنه دائمًا في الإنصاف: ذكرَه فلان في الفروق والتقاسيم وما أشبه ذلك، الشيخ عبد الرحمن له رسالة صغِيرة في هذا الموضوع لكن ما استوعبه، إنَّما مفيدة في هذا الباب. * طالب: كتاب القرافي؟ * الشيخ: القرافي؟ إي نعم ما رأيْته. * طالب: رسالة الشيخ؟ * الشيخ: رسالة الشيخ اسمها القواعد، صغيرة ما هي كبيرة، القواعد والتقاسِيم، هذا.. * طالب: (...) الحروف والقواعد. * الشيخ: إي نعم. قال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٦٥] * طالب: يا شيخ، بالنسبة لقصد الدنيا وقَصْد الآخرة ترى الذين يُسَمُّون أنفسهم العارفين يقولون مثلًا: لا أعمل لأجل الجنة ولا خوفًا مِن النار، ويسمون هذه عبادة العبيد أو (...). * الشيخ: (...) ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ إلى آخره. * مِن فوائد هذه الآية: بيَان أن المشركين -فيما سبق- يُخلِصُون في حال الشدة. * ومِن فوائدها: اعتراف المشركين ضِمْنًا بأن آلهتَهم لا تنفعهم، لو كانوا يعتقدون نفعَها لدَعَوْها في هذه الحال، لكن هم يعرفون أنها ما تنفَعُهم. * ومن فوائدها: أنَّ إشرَاكَ السابقين أهوَن مِن إشراك مَن أشْرَك مِن هذه الأمة ولَّا لا؟ لأنَّ المشركين مِن هذه الأمة ما هم يدعون الله، يدعُون أولياءَهم والعياذ بالله ومَن اتخَذُوهم أندادًا مع الله، يقولون مثلًا الرافضة يدْعُون عليًّا، يا علي! يا علي! * طالب: عند الكعبة (...). * الشيخ: إي نعم، وسمعت رجلًا منهم يدعُو عند المقام ويرفع صوته: يا علي يا علي! يرفَع صوتَه (...)، فجاءَه أحدُ رجال الحسْبَة فزجَرَه وقال: تُشْرِكُ تحت الكعبة! اخرُج. فقال: إنَّما أنا أقول: يا عليُّ، والله يقول في القرآن: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥] يعني أنَّه ينادِي الله، وهذا مِن التقية اللي هم يتَّخذُونَها وهي سَبِيلُ المنافقين. فهذا لا شك -فيما يظهر لي والله أعلم- أنَّه ما يريد الله، إنما يُريد عليًّا؛ لأنَّه لو كان يُريد الله لقال: يا ربِّ، أو: اللهم، أو ما أشبه ذلك، لكن لَمَّا وقَع في شَرَك العَدْل والتوحيد (...) الكلام ادَّعى هذه الدعوة، والحاصل أنَّ شِركَ مَن أشرك في هذه الأمة أعظَم مِن شرك المشْرِكين فيما سبق. * ومِن فوائد الآية: أنَّ اللجوءَ إلى الله عز وجل أمرٌ فِطْرِيٌّ غريزِيّ؛ بدليل أنَّ هؤلاء غلبَتْهُم الفطرة حتى ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. * ومِن فوائد الآية: أنَّ الدعاءَ مِن الدين؛ لقوله: (﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: الدُّعاء) ولا شكَّ أن الدعاء مِن الدين والعِبادة؛ لأنَّ فيه غاية الذل والاعتِرَاف بالكمال لله عز وجل، أليس كذلك؟ فيه غاية الذل والاعتراف بالكمال لله عز وجل، وهذه هي العبادة. أنت عندما تقول: يا رب، معنَاها أنك مُفْتَقِر إلى الله عز وجل، ومعناها أنَّ الله كامل ولَّا لا؟ إي نعم؛ ولهذا بايَع الصحابة رضي الله عنهم النبي ﷺ على ألَّا يسألُوا الناس شيئًا، فكان الرجل يسْقُطُ سوطُه مِن بعيرِه فينْزِل ويأخذُه ولا يقول: ناولْنِي إيَّاه يا فلان[[أخرجه مسلم (١٠٤٣ / ١٠٨) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.]]. بينما إنه مع الأسف الآن في وقتِنا تجِد الإنسان يتذَلَّل غايَة الذُّلّ في سُؤَال المـَال وهو غير مُحتاجٍ إليه، هؤلاء يأتون يومَ القيامة وما في وجوهِهم مُزْعَةُ لَحْمٍ والعياذ بالله، فالمهم أنَّ الدعاء تذَلُّل؛ ولهذا كان مِن العبادة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ هؤلاء المشركين إذا نجَوْا مِن الشدة كفَرُوا بالنِّعْمَة: ﴿لَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. * ومِن فوائدِها: سفَهُ مَن يجْعَلُ النِّعَم سببًا للأَشَر والبَطَر، فإنَّ هذا فيه مِن مشابهة المشركين ما هو ظَاهر، اللي يجعلون النِّعْمة سببًا للأشر والبطر هؤلاء الْمُشابهون للكفار؛ لأنَّ الواجب على مَن أنعَمَ الله عليه نعمَة أن يزدادَ عبادة لله سبحانه وتعالى؛ لأنَّ العبادة مِن الشكر، فإذا أنعم الله عليك بالنعمة فازْدَدْ له شُكْرًا. ولهذا: «كانَ الرسولُ ﷺ لما دخَل مكة فاتحًا قد طَأْطَأَ رأسَهُ حتى إنَّه ليُصِيب مَوْرِكَ رحلِه»[[أخرجه أبو يعلى (٣٣٩٣)، والحاكم في المستدرك (٤٤١٣) من حديث أنس بن مالك.]] عليه الصلاة والسلام، كُلّ هذا مِن أجل التَّذَلُّل لِلمُنْعِم سبحانه وتعالى، فلا تجْعَل نِعَمَ الله عليك سببًا للأشر والبَطر، بل اجعلْها سببًا للشُّكْر والذُّلِّ لله سبحانه وتعالى، حتى تزدادَ هذه النِّعَم وتكونَ نِعَمًا حقِيقِيَّة. وقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت ٦٦] نُفَسِّر هذه الآية على أنَّها للأمر. * فيستفَاد منها: تَهديد أهل الكفر والتَّمَتُّع المحرَّم؛ لأنَّ الأمر هنا للتَّهْدِيد؛ إذ لا يأمُرُ الله أحَدًا أن يكفر، ولا أن يتمَتَّعَ تمتعًا محرَّمًا. * ويستفاد منها على قراءَة اللام التي للتعليل: أنَّ هؤلاء الذين أشركوا صارَت عاقبة أمرهم أيش؟ الكفر والتمَتُّع الزَّائِل؛ ولهذا قال بعدَه: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، * فيستفاد منه: تهديد هؤلاء الكفار الذين ليس لهم إلَّا هَمُّ التمَتُّع بالدنيا. * ومِن فوائدِها: الحَذَرُ الشديد مما كان عليه بعض المسلمين اليوم حيث صارَ ليس لهم هَمٌّ إلا أيش؟ التَّمَتُّع بالدنيا فقط، تجِد أكثر ما يتكَلَّمون عليه: الرَّفَاهِية والتَّرْفِيه وما أشبه ذلك، لكن أمراض القلوب وعلل القلوب وانحرافات القلوب قَلَّ مَن يتكلم عليها مع أنَّها هي الأصل. ترفِيهُ الأبدان إذا مرضت القلوب ويش الفائدة منه؟ ما فيه فائدة إلَّا أنَّه إذا نزَلَت النِّقْمَة مِن الله ازدَاد الإنسان حَسْرَة والعياذ بالله، لكن ترفيه القلب بطَاعَةِ الله عز وجل هذا هو الذي فيه الفائِدَة للبَدَن ولِكُلِّ شيء: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧]. ثم قال الله تعالى مُذَكِّرًا هؤلاء الكفار بنعْمَةٍ عظيمة لا ينَالُها أحدٌ سواهم فقال: (﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ [العنكبوت ٦٧]: يعلَمُوا) وسبق لنا الكلام على إعراب مثل هذا التركيب: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾، وقلنا: إنَّ في ذلك لأهل العلم.. * طالب: (...). * الشيخ: (﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ قتلًا وسبيًا دونَهم) قال تعالى: (﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾ الصنم ﴿يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ بإشراكِهم؟) الاستفْهَام هنا لِلتوبيخ: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾، وهو يقال فيه كما يقال في: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾؛ بمعنى أنَّ الهمزة هل هي بعد الفاء وأُخِّرَت الفاء، أو إنَّها في مكانِها والعطف على الجمل السابقة؟ ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾ قال المؤلف: (الصنم) وفي هذا نظر إلَّا إذا قصد المؤلف التَّمْثيل، وأنَّ مِن جُملة الأشياء الباطِلة الأصْنَام، وإلَّا فإنها تشْمَل كُل ما لا خَيْرَ فيه مِن صنم أو دُنيا أو رئاسة أو غيرِه، كلُّ شيء سوى الحق فهو باطِل. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٤١) ومسلم (٢٢٥٦ / ٣) من حديث أبي هريرة.]] فعلى هذا نقول: الباطل أعَمُّ مما ذكر المؤلف. وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أي يصَدِّقُون ويطمَئِنُّون إليه، فهم تجِدُهم في الأمُور الباطلة مُطْمَئِنِّين مصَدِّقِين مُتَّبِعِين، لكن بنعمة الله يكْفُرون: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾. وقوله: ﴿بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ أي: بما أنعم عليهم مِن المال والجَاه والرئاسة وغيره ﴿يَكْفُرُونَ﴾؛ لأن هذه النعم تحتاج إلى أي شيء؟ إلى شكر؛ بالرُّجوع إلى طاعة الله، فإذا بَقِي الإنسان على معصية الله مع إدْرَار النِّعَم عليه صارَ بذلك كافِرًا. وممكن أن نقول بالنسبة للمسلمين: ﴿بِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ النِّعمة المادية الجسَدِيَّة، والنعمة المعنوية القلبِيَّة، فالإسلام أكبَر النعم علينا ولَّا لا؟ إذا كفر به الإنسان ولم يقُم بواجباتِه فإنَّه يُوَبَّخ على هذا، يقال: ألسْتَ مسلمًا؟ فسيقول: بلى. طب لماذا لم تُصَلِّ؟ لماذا لم تُزَكِّ؟ لماذا لم تصُمْ؟ لماذا لم تفعل كذا وكذا مِن الواجبات؟ فشُكْرُ نعمة الله بالإسلام واجب، كما أنَّ شكرَ نعمة الله تعالى علينا بالمال والبَنِين والأمن والراحة وما أشبه ذلك واجبٌ، بل الشكر على الإسلام أوجَب، وكُفْرُ الإسلام أخطَر؛ لأنَّ الله يقول: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٨]، ويقول: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩]. يمكِن أن ينزِع الله الإسلام مِن قومٍ لا يقومُون بواجباتِه، مثل ما ينزع الأمْن والرَّخاء مِن قومٍ لا يشْكُرون هذا الأمْنَ والرخاء، النعم واحِدَة، وسبيلُها واحد. وقوله: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ ذي واحدة ولَّا كثيرة؟ * طلبة: كثيرة. * الشيخ: طيب وليش أنه قال: نعمة الله؟ * طالب: مُفْرَد مُضَاف. * الشيخ: مُفْرَد مُضَاف فيَعُمّ، الدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ شوف ﴿تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] ولو كانت واحدة ما تبغي عَدًّا ولا إحصاءً معروفة. * طالب: (...). * الشيخ: لا ما تُثَنى إلا باعتبار النوع، ما تثَنَّى، قال: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾. أين يتعلق قولُه: ﴿بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾؟ * طالب: بـ ﴿يَكْفُرُونَ﴾. * الشيخ: بـ ﴿يَكْفُرُونَ﴾. فقُدِّمَت لِإفادة الحصر، كأنَّهم لا يكفرون بشيءٍ إلَّا بنعمة الله، وهذه فائدة معنوية. * وفيها أيضًا فائدة لفظِيَّة: وهي مراعَاة الفَوَاصل.

العنكبوت 29:66

قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾، هذا لام قسم، ﴿مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ الجواب؛ جواب القسم: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت ٦3]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾، (مَن) هذه اسم موصول مبْتَدَأ، وصِلَةُ الموصول قوله: ﴿نَزَّلَ﴾، وجواب القسم: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، الإعراب صواب ولَّا لا؟ * طلبة: لا، خطأ. * الشيخ: خطَأ، (مَن) اسم استفهام؛ لأنَّه وقع بعد السؤال، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ﴾، وعلى هذا فـ ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، و﴿نَزَّلَ﴾ الجملة خبَر المبتدَأ، وقوله: ﴿مَنْ نَزَّلَ﴾ بالتشديد، وفي بعض الآيات: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنعام ٩٩]، والفرق بين (نَزَّل) و(أَنْزَل) أنَّ (نزَّل) تفيد نزول الشيء شيئًا فشيئًا، كما قال الله تعالى في القرآن: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦]. وقولُه: ﴿نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ لأن فيه النزول يكون مِن أعلى، والمرادُ بالسماء هنا العُلُوّ، وليس السَّماء السَّقف المحفوظ، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾، بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ، ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾، والمطَر ينزِل مِن السَّحَاب، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ [النور ٤٣]، فبهذا عرَفْنا أنَّ المرادَ بالسماء هنا أيش؟ العُلُوّ، وكُلُّ ما علَاكَ فهو سَمَاءٌ؛ لأنَّه مِن (سمَا، يسمو) إذا عَلَا وارتفع. وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ الحكمة في نزوله مِن السماء؛ لأنَّه إذا نزَل مِن السماء شمَل النَّازِل والعَالي، ولو كان يجرِي مِن الأرض لكان لا يصِل إلى العالي حتى يُدَمِّر النازل، ولكن مِن حكمة الله أنَّه كان ينْزِلُ مِن أعلى. قال: ﴿مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ الفاء هنا تدُلّ على الترتيب والتعقيب لكنها إذا كانت متَّصِلَة بجملة فإنها تفيد أيضًا السَّبَبِيَّة مع الترتيب والتعقيب، بخلافِها إذا دخَلت على اسْمٍ فإنَّها لا تدل على السببية، تقول: قام زيد فعمرو، لا يعني أنَّ قيامَ زيد سببٌ في قيام عمرو، لكن يعني أنَّ قيام عمرو بعد قيام زيد، أمَّا إذا اتصلت بالفعل فإنها في الغالب تكونُ مع التَّرْتِيب للسببية، فعليه يكون قولُه: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾، يكون الماءُ سببًا لِإحياء الأرض، وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ﴾ هل الأرض تحيا في الحال أو بَعْد؟ * طلبة: بعد. * الشيخ: بعد، لكن لَمَّا كان السبب مؤَثِّرًا صار الأثَر مترَتِّبًا عليه فورًا، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج ٦٣]، مَا تُصْبِحُ الأرض مخضَرَّة بمجرَّد نُزُول الماء في الليل، لكنَّ هذا سبب مُوجِب، فلما كان سببًا موجِبًا صار كأنَّ المسَبَّب موجُودٌ في الحال، قالوا: ومِن ذلك قولُهم: تزوَّج فلانٌ فوُلِدَ له، وإن كان هذا أضعَف مِن الذي معنا، لكن قوله: فوُلِدَ له، نحن نعلم عِلم اليقين أنَّه ما هو بيُولد له ليلة زواجه أو لا؟ ما فيها إشكال، لكن الزواج سببٌ للولادة، ويكون الترتيب بحسبِه، ما هو لازم أن يكون معقِّبًا، لكن إذا كان السبب موجِبًا، ولا بُد صارَ كأنَّ المسبَّبَ مُعْقِبٌ للسبب. وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾، (أحيَا) و(مَوْت) الجماد، إذن يحيا ويموت أو لا؟ الجماد يحيا ويموت وكلّ شيء حياتُه وموتُه بحسبِه، ولا تظُنَّ أنَّ الحياة والموت لا تُضَاف إلَّا ما يمكن أن يكونَ متحرِّكًا، فهذه الأصنام يقول الله تعالى فيها: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل ٢٠، ٢١]، أموات غير أحياء، فكُل شيء لا حركَة فيه ولا نُمُوَّ فيه يمكن أن يسَمَّى ميتًا وإن كان مما لا تحلُّه الحياة. وقوله: ﴿أَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ هل المرادُ بالأرض هنا النبَات، أو أنَّها نَفْسُ الأرض؟ قيل: إنَّ المراد نفسُ الأرض، وأنَّها باخْتِلَاط الماء فيها تكون حَيَّةً، وبيُبْسِها تكُون مَيِّتَة، وقيل: المراد ما عليها مِن العشب والزّرَع ونحو ذلك، يعني النبات، وأنَّ الأرض لا تكون أرضًا في الحقيقة ينتَفِعُ بها الناس إلَّا بالنبات الذي فوقَها، فتكونُ حياتُها وموتُها، أي حياةُ نباتِها وموتُ نباتِها. وقوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، نقول فيها ما سبق؛ أن اللام واقِعَة في جواب القسم، و(يقولُنَّ) أصله (يقولُونَنَّ) شوفت؟ قال النحويون: فحُذِفت النون الأولى؛ لِتوالي الأمثال، لماذا لا نقول: حذفت إحدى النونين مِن نون التوكيد؟ قالوا: لأنَّ نون التوكيد جيءَ بها لغرَض وهو التوكيد، ونونُ الرفع دائمًا تُحذَف في حال النَّاصب والجازم والتَّخفيف، وما أشبه ذلك، فكانت أولى بالحذْف، فحَذَفْنا نونَ الرفع لِتوالي الأمثال، ما سببُ حذف الواو؟ لالتقاء الساكنين؛ لأنَّ نونَ التوكيد المشددة مكَوَّنَة مِن حرفين: أولُهما ساكن، فإذا كان ساكنًا حُذِفَ حرف العلة حرفُ اللَّيْن الذي قبله كما قال ابن مالك: ............................... ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــــــــــــنْ لَيْنًافَحَذْفَـــــــــــهُ اسْتَحَـــــــــقْ وقوله: ﴿اللَّهُ﴾ نقول: خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدَأ خبرُه محذوف. * طالب: وجه (...). * الشيخ: الله أعلم، ما ندري عاد كيف هم يقولون: اختلاطُ الماء به حياة، هم يقولون بعد أنَّ هذه حياة تليقُ بها، وحقيقةً كما قلت قبل قليل: إن الحياة والموت في النبات أظْهَر؛ لأنَّه محَلُّ الانتفاع، وربما يستشهد له بقوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة ٢٥٩]، والخَاوي على العُرُوش النَّبَات ولَّا الأرض؟ النبات، فـ﴿قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فجعل الموت للنبات، يعني هذا مما يؤيد أنَّ المراد بحيَاة الأرض ونباتِها حياةُ نباتِها وموتُه. * طالب: قوله تعالى: ﴿تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت ٣٩]. * الشيخ: إي، قال بعض العلماء: تهتَزُّ هي الأرض نفسها، وتربُو أنه مع الماء ترتَفِع، هي المسألة فيها هذا، لكن الظاهر -والله أعلم- أنَّ القول الأقرب أنَّ المراد النبات. قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ما قال: فأنى يُؤفكون، هناك قال: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ لِظهور دلالة الخلق والتدبير على الرُّبُوبية المستَلْزِم للإقرار بالألوهية، وهنا قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ لأنَّ إقرارَهم بالأول وبالثاني، وأنَّ الأمرَ كلَّه بيد الله يسْتَلْزِم لا أنَّ الله موجود فقط، بل أنَّ الله مستَحِقٌّ لأن يُثنَى عليه، ولهذا قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، الحمد لله ظهرَت عليكم الحُجَّة، وقامَتْ عليكم البينة، وظهر كمالُ الله عز وجل، عرفْتم؟ فالأول فيه تخلِية، والثاني فيه تَحْلِية، إثبات كمال الله عز وجل يعني: الحمد لله على قيامِ البيِّنَة عليكم وظهور الحجة ووضوحِها. أما يقول المؤلف: (فكيف يشركون به)، فهذا أتى به على حدِّ قوله في الآية الأولى: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، ولكِن عندي أنَّ الآية الثانية فيها إقَامَة حجة على أمْرٍ آخر هم ينكرونه، وهو البَعْث، فإنَّهم ينكرُونه، فحقيقة الأمر أنَّ مُنْكِر البعث سيُشْرِك بالله وسيَعْمَل ما شَاء؛ لأنَّ مُنكرَ البعث يعتقد أنَّه ما فيه جزاء ولا حساب، ومَن اعتقد كذلك هل يعمَل؟ ما يعْمَل، ولِهذا كما ترون يجمَع الله سبحانه تعالى دائمًا في القرآن بين الإيمان به وباليوم الآخر، دائمًا يجْمَع بينهما؛ لأنَّ الإيمان باليوم الآخر هو الحادِي للإنسان على العمَل؛ إذْ مَن لا يعتَقِدُ أنَّ هناك جزاءً، فكيف يعمل، فالذي يظْهَرُ لي أن الآية الثانية سِيقَت لإلزامِهم بالإقرار بالبَعْث. * طالب: بعض الآيات ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة ١٦٤]. * الشيخ: إي نعم، ومِن بعد موتها، إي نعم، الفائدة: أنَّ هذا الإحياء قد يكونُ قريبًا مِن مَوْت الأرض، بمعنى أنَّ المطر ينزل قريبًا مِن الجدب، وأحيانًا يكون متأخِّرًا، فـ (مِن) للمتأخر. قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على ثُبُوتِ الحُجَّةِ عليكم. طيب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ما هو الحمد؟ هو الثَّنَاء كذا؟ يقول أكثر الناس: هو الثَّنَاءُ بالجميل، وهذا غَير صحيح، فإنَّ الثناء غير الحمد؛ لقولِ النبي ﷺ، بل لِقول الله تعالى، إنّ الثناء غير الحمد في الحديث القدسي؛ حديث أبي هريرة أن الله سبحانه وتعالى قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]«، قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة ٣]«، قَالَ: أثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]«، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]]، وهذا دليلٌ واضح على أنَّ الثناء غير الحمد، وإلَّا لكان تكرارًا، وأيضًا المعنى يقتضي ذلك؛ لأنَّ الثناء من الثَّنْي وهو الرُّجُوع، فإنَّك إذا ثَنَيْت العصا رجَع طرَفُه إلى طرَفِه، ومنه أيضًا لفظ اثنين، يعني واحد وواحد ففيه رجوع، فالمهم أنَّ الحمد لا يصِحُّ تفسيره بالثناء، إذن فما هو؟ نقول: وصفُ المحمود بالكمال، لكن نزِيد أيضًا: معَ المحبة والتعظيم، حتى يخرُجَ بذلك المـَدْح، فإنَّ المدْح وصف الممدُوح بالكمال، لكن قد يكون لِمحبَّة وتعظيم، وقد يكون لِخَوْف لا لِمحبة، فهذا الرجل الذي وقَف أمام ملِكٍ ظَالِم ٍجَبَّار وقال: أنت الملكُ الكرِيم المحسِنُ العادِل الذي لا تظْلم أحدًا، هذا مدْح ولَّا لا؟ مدْح، لكن عن محبَّة وتعظِيم؟ أبدًا، هو كَذِب، نعم فنقول: إنَّ الحمد وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، ثم إنه أيضًا يُفَرَّق بينه وبين المدح أنَّ المدح قد يكون موافِقًا للواقع، وقد يكون غير موافق، والحمد لا بد أن يكون موافِقًا للواقع. قال: وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يقول العلماء: إن (أل) في الحمد أنَّها للاستغراق، فجَمِيع المحامد لله، واللام في قولِه ﴿لِلَّهِ﴾ هل هي لِلتمليك ولَّا لِشِبْهِه؟ ابن مالك يقول: وَالـــــــــــــلَّامُ لِلْمِـــــــــــــــــلْكِوَشِبْهِـــــــــــــــــهِ ∗∗∗ .......................... * طالب: لشبهه. * الشيخ: لِشِبْهه، فالحمْد مسْتَحَقٌّ ومختَصٌّ بالله، والمرَاد به الحمدُ الكامِل، أمَّا مجردُ الحمد فلا يختَصُّ بالله، قد يُحمَد الإنسان على خصْلَةٍ مِن الخصال بقدرِ هذه الخصلة، لكن الحمْدُ الكامل الواسع مستَحَقٌّ لله وحدَه، ومختَصٌّ بالله وحدَه. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ لا يعلمون تناقُضَهم في ذلك، (بل) هنا للإضراب الانتقالي أو الإبطالي؟ * طالب: الانتقالي. * الشيخ: الانتقالي، يعني: فبعْدَ أن ثَبَت الأمر وقامت الحجة، واستَحَقَّ الباري الثنَاء أو الحمد، حينئِذٍ يصِحُّ أن يُسَجَّل عليهم الجهل، وهو قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، أكثَر هؤلاء لا يعْقِلُون، يعني عندَهم مِن السَّفَه ما هو ظاهِر؛ لأنَّه لو كان عندهم عُقُول لكان إقرارُهم بما أقَرُّوا به مُلْزِمًا بِإقرارهم لما أَنْكروه، أو لا؟ نعم، لو كان عندَهم عقول حقيقِيَّة راشدة لكان إقرارهم بما أقَرُّوا به ملْزِمًا لِإقرارهم بما أنكروه، وهم أقَرُّوا أنَّ الذي خلق السماوات والأرض وسخَّر الشمس والقمر هو الله، والذي نزَّل من السماء ماء فأحيَا به الأرض بعد موتها هو الله، إذن أين العقل وأنتم تُنكِرُون البعث وتُشْرِكُون بالخالق؟! فهنا لا عقْل. ومِن هنا نأخذ أنَّ أولئك الذين يدَّعون أنَّهم العقلاء ثم يُنكِرُون بعض صفاتِ الله عز وجل محتَجِّين أنَّ العقل لا يقِرُّها، نأخُذ منه أنَّهم ليس عندهم عقْل؛ لأنَّ العقل يُلْزِمهم أن يُقِرُّوا بما أنكَرُوه نظيرَ إقرارِهم بما أقَرُّوا به. فمثلًا -نضْرِب مَثَلَيْن فقط- يقول الأشاعرة والكلام معهم ومَن سواهم مِن باب أولى، يقولون: نحن نثبت لله الإرادَة، ونُنْكِر الرحمة، ما لله رحمة، ليش يا جماعة؟ قالوا: نعم؛ لأنَّ الإرادة دَلَّ عليها العَقْل، والرَّحْمَة دَلَّ العقلُ على بطلانِها، شوف ما يقولون، ما دل عليها العقل، يقولون: دل العقل على بطلانها. طيب فَسِّر، قال: الإرادة دَلَّ عليها العقْل بالتَّخْصِيص؛ تخصيص كونِ السماء سَمَاءً، والأرض أرضًا، والإنسان بشرًا، والحمار حيوانًا، ومَا أشبه ذلك، يعني حيَوان غير ناطق، هذا يدُلّ على أيش؟ على الإرَادَة، أراد أن يكون الحمارُ حمارًا، فكان حمارًا، وأن يكون الإنسان إنسانًا، فكان إنسانًا، وأن تكون السماء سماء، فكانت سماءً، إلى آخره. وهذا دليل ولا بد على الإرادة، دلِيل واضح هذا ولَّا غير واضح؟ واضِح، طيب الرحمة؟ يقولون: دل العقل على إنكارِها، لِماذا؟ قال: لأن الرحمة لِينٌ ورِقَّة، والله جل وعلا ما يُوصَف باللين والرقة. قلنا لهم: أنتم استدلْلَتم بالوَاقِع على الإرَادة، نحن نسْتَدِلُّ عليكم بالواقع على الرحمة، ودلالَةُ الواقع على الرَّحْمة أعظم مِن دلالة الواقع على الإرادة، لو تيجي للعامي تقول: أيش دليل الإرادة عقلًا عندك؟ والله ما أدري، العامي يُدرك أنَّ التخصيص دليل على الإرادة؟ * طالب: لا. * الشيخ: طيب، لكن العامي لو تقُول له: إنزَال الله المطر بعد الجَدْب حتى تُخصِب الأرض، ورِزْق الله للفقير المال، فأصبح غنِيًّا بعد الفقر، مو هذا يدُل على أنَّ الله رحيم ولَّا لا، أيش يقول؟ يقول: نعم، فدلالَةُ الواقع الذي لا يُحصَى مِن نِعَمِ الله على رحمةِ الله أبلَغ مِن دلالة التخصيص على الإرادة، واضِح؟ وهذا واضح جدًّا. فإذن في الحقيقة لو كان عندهم عقْل كما يزعمون أنَّهم أهْل العقل لكان استدلالُهم على الرحمة بالواقع أبلَغ مِن استدلالِهم على الإرادَة بالواقِع، واضح؟ لكن العلة والبلاء اللي هم جابوا، قالوا: إنَّ الرحمة معناها اللين والرِقة، والله عز وجل منَزَّه عن ذلك؟ جوابنا على هذا مِن ثلاثة أوجه؛ الوجه الأول: أن نقول: هذا اللازم إنَّما هو في رحْمَةِ المخلُوق، ورحمَةُ الخالق غير رحْمَة المخلوق، ما نُشَبِّهها، هذه واحدة. وثانيًا: أن نقول: مَن يقول: إنَّ اللين والرقة منفِيَّة عن الله، ما هو إلا مجرد (...)، واللين لِلغير لإِيصال الإحْسَان إليهم ما هو صِفَة نقْص. الوجه الثالث: أن نقول: إنَّ الرحمة ليست هي اللِّين والرقة، فقد يكون هذا المـَلِك يرحَم مثلًا أحدًا مِن رعِيَّتِه ويعطِف عليه وهو على عزَّتِه وعلى مُلكيته، ولا يشعر بنفسه أنه في هذه الحال انْحَطّ عن رتبة القوة والحزم، أليس كذلك؟ قولوا، لَا ولَّا نعم؟! * الطلبة: نعم. * الشيخ: يرْحَم مثلًا هذا الملِك القَوِيّ في سلطانه، يرحَم الفقير مِن أفراد أمته وهو يشعُر بأنَّه باقٍ على عِزَّتِه ولم يلحَقْه في ذلك شيء، فحينئِذٍ نقول: عقْلًا .. (ما) نافية وليسَتْ حِجازيةً هنا؛ لأنَّ النفي انتَقَض بـ (إلا). وابن مالك يقول: إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ ................... وهنا النفي لم يبْقَ. وقوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت ٦٤]، الإشارَةُ هنا للتَّحْقير ودُنُوِّ مرتَبَتِها. والإشَارة للتحقير واردة في اللغة العربية، كما في قوله عن الكفار: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٣٦]؛ يعني: ويش هو هذا الحقير الذليل الذي يسُبُّ الآلهة وهي عظيمة وعالية، وما أشبه ذلك. وقوله: ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ هي الدار التي نحن فيها، ووُصِفَت بالدنيا لِسببَيْن: لِدُنُوِّها زمنًا، ودُنُوِّهًا مرتَبةً. وقوله ﴿الْحَيَاةُ﴾ جاءت هنا لِيُقَابِل بها الحياة الثانية. وقوله: ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ صحيح هذَا الحصْر حقِيقي، الدُّنيا التي هي الدنيا تنْحَصِر في هذين الأمرين: في اللهو واللَّعب، والفرق بينهما قيل: إنَّ اللعب بالجوارح، واللَّهْو باللسان؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان ٦]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور ١٢]. وقيل: إنَّ اللهو في القلْبِ وهو غفْلَتُه وانطِلَاقُه في الملاهي وفيما يلْهِيه عن طاعَةِ الله، واللَّعِب في الجَوَارح مِن اللسان وغيرِ اللسان، وهذا أقرب؛ أنَّ اللهوَ في القلوب واللعب في الجوارح، هذا هو الأقرب. وعليه فحاصِلُ الدنيا أنَّها لَهْو يلهو به الإنسان؛ غفَلَات وسَرْح يمينًا وشمالًا، وكذلك لَعِب حتى الأمور الجِدِّيَّة التي للدنيا هي لَعِب؛ لأنَّها تَذْهَب ولا تَبْقَى، أو يَذْهَب عنها صاحبُها، فهي كلعب الأطْفَال يتَسلَّوْن بها ما داموا أطفالًا، ثم يهجُرونها إذا كبروا وعقَلوا وعرَفوا ما هم عليه. قال المؤلف: (فأما القُرَب فمِن أمور الآخرة لِظُهور ثمرَتِها فيها) قوله: (فأما القُرب) هذا جواب عن سؤال مقدَّر، كأنَّ قائلًا قال: كيف تكون الدنيا لهوًا ولعبًا مع أنَّ الإنسان يعمل فيها عملًا صالحًا؛ يصلي ويزكي ويصوم ويحُجّ ويبر والديه ويصِل رحمه وما أشبه ذلك؟ فهل هذا لعب؟ * طالب: لا. * الشيخ: يقول المؤلف: ليس بلَعِب. طيب أليس هذا في الدنيا؟ قال: بلى هو في الدنيا، لكن ظُهُور ثمرتِه في الآخرة؛ ولهذا قال: (أمَّا القُرَب) -وهي مِن الدنيا- (فمن أُمور الآخرة لظهور ثمرتِها فيها). وصدَقَ المؤلف، فإنَّ الأعمال الصالحة ما هي مِن أعمال الدنيا؛ ولهذا لو أرَاد بها الإنسان الدنيا لَبَطَلَتْ ولم يكُن له أجْر فيها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مَن حَجَّ ليَأخذ فليس له في الآخرة مِن خلاق؛ يعني مِن نَصِيب، ويشهَد لهذا الكلام الذي قالَه الشيخ يدُلّ له قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود ١٥ - ١٧]. ويدُلّ له أيضًا قولُه ﷺ:« «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ»[[أخرجه البخاري (٢٨٨٦) من حديث أبي هريرة.]] إلى آخره. والحاصِل أنَّ أعمال الآخرة ليست مِن أعمال الدنيا، بل إذا أُرِيد بها أعمالُ الدنيا بطَلتْ. قال: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ هذه الجملة مؤَكَّدَة بثلَاثة مؤكِّدَات، أقول: بيِّن لنا المؤكِّدَات في هذِه. * طالب: الواو. * الشيخ: الواو ما هي للتأكيد، ما هي الواو مِن أدوات التأكيد. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. * طالب: (إنَّ)، واللام، والضمير. * الشيخ: وضمير الفصل: ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. شف أكَّدَ الله عز وجل أنَّ الحيَوان يعني الحَيَاة، لكنَّها جاءَت على هذا الوزن لِلمُبَالغة؛ (حيوان): فَعَلَان للمُبالغة، وإلا فالحَيوان بمعنى الحياة، ووَزْن (حَيَوَان): فَعَلَان، ففيها زيادَةُ الألف والنون لِلمبالغة. وقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾: هي ما يكُون يوم القيامَة. ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ قال: (بمعنى الحياة)، ولكن زِيدَت الألف والنون فيها لِلمبالغة؛ يعني هي الحياة الحقيقية؛ ولهذا يقول الكافر يوم القيامة يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر ٢٤] حياته الدنيا مُقَدِّمٌ لها، بل هي جنَّتُه، لكن الحياة الحقيقية هي حَيَاةُ الآخِرة؛ لأنَّ حياة الدنيا في الحقيقة ليست بِحياة؛ أولًا: لأنَّها مُنَغّصَة، كل صَفْوِها له كَدَر. وثانيًا: أنَّها غير باقِية أليس كذلك؟ وثالثًا: أنَّ الإنسان مُهَدَّدٌ فيها، فلا يدْري متى يأتِيه أجلُه صباحًا أم مساءً، وكم مِن إنسانٍ خرَجَ من أهله ولم يرجِع إلا جُثَّتُه، وكم مِن إنسان على كرسِيِّه فما أكمَل الكتابة التي يخُطُّها بيمينه، هذه حياة؟ الجواب: * طالب: لا. * الشيخ: لا، ما هي حياة في الحقيقة؛ ولهذا يقول الشاعر: لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُــــــــهُ بِادِّكَـــــــارِالْمَـــــــــــوْتِ وَالْهَــــــــــــرَمِ مهما طاب لك العيش إذا تأَمَّلْت سوف تهْرَم وتدَع هذا العيش ولا يطِيب لك، وسوف تموت فلا تبْقى للعيش أصلًا. والحاصل أنَّ الدار الآخرة -صدَقَ ربُّنا جل وعلا- هي الحيوان، فهي التي ينبغي للإنسان العاقل أن يسْعَى لها، والغريب أنَّه إذا سعى للآخرة حَصَّل الدنيا والآخرة، وإذا سَعَى للدنيا فقط فاتَتْهُ الدنيا والآخرة، الدليل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى ٢٠] أيش معنى ﴿نَزِدْ لَهُ﴾؟ يعني: نُعْطِيه حرث الآخرة مع الدنيا؛ لِقولِه تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧] هذا جزاءٌ عاجل ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ هذا الجزاء الآجِل، و﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: لا، نؤتيه منها ولا نعطيه اللي هو يبغي ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران ١٤٥] وهذا الوَعْد أيضًا مقْرُون بالمشِيئَة كما في آية الإسراء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ [الإسراء ١٨]، ما هو بالذي يريد ولا بعْض الذي يُريد ﴿مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾، إذن الحَيَوان حقِيقة هي الآخرة. والحيوان الواو هنا هي أصلِيَّة ولَّا منقَلِبَة؟ قيل: إنَّها منْقَلِبَة عن يَاء وأَنَّها قُلِبَتَ واوًا؛ لِئَلَّا يلْتَبِس بالمـُثَنَّى، خلوا بالكم يا أهل النحو! وأنَّه لو قال: وإنَّ الآخرة لهي الحيَيَان؛ لكان يلْتَبِس بالمثنى فقُلِبَت واوًا، وهذا رأيٌ لِسيبويه بناءً على أنَّ الحيَاة يائِيَّة مِن حَيِيَ يَحْيَى. وقيل: إن الواو أصلية، وإنَّ الواو في الحياة هي الأَصْل، لكن قُلِبَت ياء في حَيِيىَ ليش؟ لِتَحَرُّكِها وانكسار ما قبلها فقُلِبَت ياء، وهذا على كل حال تصريف، هذا بحث تصْرِيفي مَحْض. وقولُه تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ هذه جملَة مستَأْنَفة ليست ﴿لَوْ﴾ هنا صِلَة تتَعَلَّق بما قبلها، ولكنَّها مسْتَأْنَفَة فهي شَرْطِيّة، وجواب الشرط محذوف قدره المؤلف بقوله: (﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك ما آثَرُوا الدنيا عليها) والحقيقة أنَّ قولَه: (ما آثروا الدنيا عليها) صحيح أنَّه يصِحُّ أن يكون جوابًا، لكنَّ الجواب أبلَغ مما قدَّرَه المفسر؛ ولِهذا حذَفَهُ الله لأَجْل أن يبلُغَ الذهنُ في تقديرِه كُلَّ مبْلَغ؛ علشان الذهن يقدر كل شيء ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لَعَمِلُوا لها ليلًا ونهارًا مو فقط ما آثروا الدنيا لكان عملُهم لها فقط دون الدنيا، ومعناه أنَّ مَن قَدَّم الدنيا على الآخرة فليس عنده عِلْم، لو كان يعلم حقيقة ومن ذوي العلم والأفهام ما قدَّمَها. ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت ٦٥] ﴿إِذَا رَكِبُوا﴾ الضمير يعود على المشركين يعني سَلْ هؤلاء عن آلِهَتِهم هل هم يرجعون إليها عند الشدائد ولَّا هم يعترفون بأنَّه لا يفرج الشدة في الشدة إلا الله؟ الجواب: الثاني هم مُعْتَرِفُون بأن أصنامهم لا تنفعُهم واعتَرَفوا فيما سبق بأنَّ الذي خلق السماوات والأرض مَن؟ الله وأنَّ الذي ينزل مِن السماء ماء الله، وأنَّ الذي سخَّر الشمس والقمر الله، وأن الذي يدفَع الضَّرورة بناءً على ما ذُكِر في الآية هذه مَن؟ الله. ﴿إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ والفُلْك السُّفُن أو السفينة؟ يصلُح لأنَّه صالحٌ للجمع والمفْرَد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢] هذا جمْع، والمفرَد؟ * طالب: إذا ركبوا (...). * الشيخ: لا. * طالب: (...). * الشيخ: لا، على الفُلْك؟ * الطالب: على الفُلْك. * الشيخ: وهو واحد؟ * الطالب: إيه. * الشيخ: طيب. قال: ﴿إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ ﴿دَعَوُا﴾ هذه جواب ﴿إِذَا﴾ وهي مرُكَّبَة مِن فِعْلٍ وفَاعِل، وهنا فيه إشكال وهو أنّه تقدَّم لنا أنَّ الفعل الماضي إذا اتَّصَلَتْ به واو الجماعة فإنه يُبْنَى على الضَّمّ وتُسَكَّن واو الجماعة، وهنا ما بُنِي على الضم ولا سُكِّنَتْ واو الجماعة، تقول: قَامُوا اللي قبل واو الجماعة مضْمُوم، وواو الجماعة؟ مُسَكَّنَة، وهنا ﴿دَعَوُا﴾ لا ضُمَّ ما قبل الواو ولا سُكِّنَت الواو، فكيف المخرَج مِن هذا الإشكال؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا (...) قَبْل الواو، الآن هو إذا اتَّصل واو الجماعة في الفعل الماضي ضُمَّ ما قبلَها وسُكِّنَت. * الطالب: (...). * الشيخ: هَالْحِين اللِّي عندنا بالعكس. * الطالب: دَعَوُا. * الشيخ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: واحدة. * الطالب: (...). * الشيخ: لا. اللي عندنا الآن واحدة. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني والواو الموجودة ويش هي؟ * الطالب: (...). * الشيخ: أو واو الفعل. * الطالب: واو (...). * الشيخ: يعني واو الفعل، طيب هذا جواب.. نعم. * طالب: (...) واو (...) واو الفاعل (...) لأن الواو واو الفاعل (...). * الشيخ: حذفت الواو. * الطالب: واو (...). * الشيخ: طيب والفَتْح ويش اللي جابه؟ * طالب: بقِي على الأصل أن الضمة أصل الواو (...). * الشيخ: وهذا الجواب؟ نعم. * طالب: (...) واو الجماعة أنه يُحذف ويُفتح ما قبل واو الجماعة (...) دَعَوْا، أصل الفعل: (دعا) (...) حرف العلة (...) فحذفت (...) قبله. * الشيخ: وبقِيَت الفتحة؟ * الطالب: علامةً عليها. * الشيخ: دليلًا عليها على ذلك، طيب ضمّ الواو ﴿دَعَوُا﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: (قَامُوا) ما هُو (...) مُسَكَّنَة. * طالب: (...). * الشيخ: طيب: ............................... ∗∗∗ وَإِنْ يَكُـــــنْ لَيْنًا فَحَذْفُـــــــــهُاسْتَحَـــــــــقَّ * طالب: (...). * الشيخ: (...). * طالب: (...). * الشيخ: جوابُه صحِيح الأول ولَّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: إيه إنه حُذِفَت الألف، محذُوف مِن الفعل الأَلِف؟ * طالب: (...) الألف ألف الفعل (...). * طالب آخر: (...). * الشيخ: لا، ما يتكلم أحد يا جماعة إلا المسؤول. * طالب: (...). * الشيخ: ما هو صحيح. * الطالب: (...). * الشيخ: اللي هو الضَّمِير؟ * الطالب: إيه، وحُذِف لالتقاء الساكنين. * الشيخ: الظَّاهِر إنه بيصير فيه خلاف بينكم، لعلنا نقطَع الطريق. * طالب: (...). * الشيخ: لا، الصحيح: أصله أنّه محذوفة الألف حُذِف ألِفُ الفعل وبَقِيت الفتحة دليلًا عليها، والواو الموجودة واو الضمير لكن حُرِّكت بالضَّم لالْتِقَاء الساكِنَين، وين الساكِنَان؟ لو بَقِيَت الواو ساكِنَة وهمزة (أل) ساكنة ما يستقيم، فإذا قال القائل: القاعدة أنك تحذف الواو لأن: .............................. ∗∗∗ وَإِنْ يَكُـــــــنْ لَيْنًا فَحَذْفُــــــــهُاسْتَحَـــــــقَّ قلنا: حذف الواو هنا غير مُمكن، لو حَذَفْنا الواو اسْتَلْزَمَ ذلك إرجَاع ألف الفعل، ثم إذا رَجعْنَاه لم يكن لدينا دليل على الضَّمِير فصارَ وجود الضمير لا بُدَّ منه، وحُرِّك بالضم لأنَّه الـمُجَانس للواو إذْ أنَّ ظُهُور الكَسْرَة على الواو ثَقِيل جِدًّا، والضَّمَّة أقْرَب لمجانَسَتِها الواو، وهذه موجودة في القرآن، بهذا عدة أمثلة. وقوله: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت ٦٥] ﴿دَعَوُا﴾ دُعاء عبادة ولَّا مسألة؟ * طالب: مسْأَلَة. * الشيخ: مسْأَلَة. وقوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ حالٌ مِن فاعل ﴿دَعَوُا﴾، والإخلاص: تنْقِيَةُ الشيء عما يشُوبُه، فمعنى ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ﴾ أي: لا يجعلون مع هذا الدعاء دعاءً لِشيءٍ من الأصنام. وقوله: ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ قال المؤلف: (أي الدعاء)؛ لأنَّ الدعاء عبادة، فهو مِن الدِّين؛ فلِهذا قال: (﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: لا يدْعُون معه غيرَه؛ لأنهم في شِدَّةٍ لا يكشِفُها إلا هو). وهم بذلك معتَرِفون ومضطرون، لا يمكن أن يدعو الواحد منهم صنمًا في هذه الحال؛ لأنه يعلم أنَّ الصنم لا ينفَعه، فلا يدعُون إلا الله، وهذه حُجَّةٌ ثالثة عليهم بل رابعة. الحجة الأولى: خلق السماوات والأرض. والثانية: تسخِير الشَّمْس والقمر. والثالثة: إنزَال الماء مِن السماء وإحيَاء الأرض أربعة (...). والخامِسة: إخلاصُهم الدعاء في حالِ الشِّدَّة لله. * طالب: أكبر الحُجَج عليهم هذه. * الشيخ: إي نعم، هذه مِن أكبر الحُجَج عليهم. قال: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لَمَّا﴾ هذه شرْطِيَّة. فعل الشرط: ﴿نَجَّاهُمْ﴾، وجوابه: ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. و﴿إِذَا﴾ يسَمِّيها النحويون فُجَائِيَّة، والفُجَاءَة الشيء الذي يأتي بغتة، والمعنى: أنَّهم إذا نُجُّوا إلى البَرّ فَاجَؤُوا وبادَرُوا ويش هو؟ بالشِّرك، أعوذ بالله، جزاء النعمة أن يكفُروا. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ نجَّاهُم مَن؟ الله، يعني أنقَذَهم مِن الشِّدَّة التي هم فيها ﴿إِلَى الْبَرِّ﴾ الذي هو شاطئ السلامة. (﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ به). ﴿هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ هذه جملة اسمية تفيد أنَّ هذا يكُون كالصفة اللازِمة لهم يسْتَمِرُّون -والعياذ بالله- على الشرك مُبادرِين به، وهذا غاية ما يكون مِن اللُّؤْمِ؛ لأنَّ الإنسان بطبِيعَتِه وفطْرَتِه لا يكْفُر بِمَن أنعم عليه، بل يشْكُر مَن أنْعَم عليه. أمَّا هؤلاء فإنهم بمجَرَّد النعمة يشركون والعياذ بالله، وهذا يُشبهه قولُ مَن يتَرَنَّم في بعض الإذاعَات العرَبِيَّة في الحَرْب التي يسمونها حرْب الأيَّام السِّتَّة تعرفونها هذه؟ حَرْب مع اليهود، حارَبَتْ سُورْيَا والأُرْدُن ومِصْر، حَرْبٌ قَضَتْ -والعياذ بالله- على معنوياتهم وأخذَتْ أراضِيَهم، لكن في أيام المعركة كان أحَدُ المذيعين يقول: سندخل تلَّ أبيب غدًا وتُغَنِّينَا أمُّ كلثوم، لكن أمَّ كُلْثُوم غنَّتْ على رُفَاتِهم. هذا في الحقيقة وعْدٌ بِالكُفْر بِكُفْر النعمة ولَّا لا؟ الرسول عليه الصلاة والسلام دَخَل مكَّة حين الفتح مطَأْطِئًا رأسَه خاضِعًا لله عز وجل[[أخرجه أبو يعلى (٣٣٩٣)، والحاكم في المستدرك (٤٤١٣) من حديث أنس بن مالك.]]، نعم فرْق بين هذا وهذا، إنما هذه الحال كونه مثلًا إذا فتحْنا بلاد الكفار تُغَنِّينَا القِيَان تعْزِفُ علينا، هذا يُشْبِه ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. قال الله تعالى: (﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [العنكبوت ٦٦] مِن النعمة، ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ باجتِمَاعهم على عِبَادَةِ الأصنام، وفي قراءةٍ بسكون اللام: أمْر تَهْدِيد). قولُه: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ اللام هنا لِلأمْر أم لِلتعليل؟ * طالب: للتعليل. * الشيخ: نعم فيها قراءتان، إنْ سكَّنَّا اللام في قولِه: ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ -وهي القراءة الثانِية- صارَت اللام للأمر أمْر تهديد؛ لأنَّ الله ما يأمُر بالكفر أمْر إرشاد ولا أمْر إِلْزَام، وإذا كسَرْنا اللام الثانية: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ صارَتِ اللام لام (كَي). ثم هل اللام في قولِه: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ على أنَّها إذا لم تكن للأمْر هل هي لامُ التعليل ولَّا لام العاقبة؟ الجواب: أنَّها لام العاقبة؛ لأَنَّ الله ما نَجَّاهم إلى البَرّ فأشركوا لأجْل أن يَكفروا، لكن صَارَت عاقبتُهم الكفر، هل لام العاقبة معروفَة في اللغة العربية؟ نعم معروفة، قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]. لو سأَلَنَا سائل: هل آلُ فرعون التَقَطُوا مُوسى لِهذا الغرض؟ لقلنا: لا، لكن صارت العاقِبة هذه، لو أنَّهم عَلِموا أنه يكون عدوًّا لهم وحزنًا.. * طالب: ما التقطوه. * الشيخ: إيه أو التقطوه فأهْلَكُوه، إنَّما ما يلتقطونه لِهذا الغرض، لكن صارت للعاقبة، فهنا العاقبة أنَّهم كفروا بما آتينَاهم. وقوله: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ الباء للسببية أم إنَّ البَاء مُعَدًّى بها الفعل مثل كَفَر به؟ نعم هذا هُو الأقرب؛ يعني: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أي أنَّ الفعل (كَفَرَ) تعدَّى إلى مفعولِه بالباء، والمعني: مثل كفَر بالله وكفر بالرسول وكفر بكذا، وقوله: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أي بما أعطيناهم مِن النعمة ويش هي النعمة؟ إنْجَاؤُهم مِن الغرق. ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ قال: (باجْتِمَاعهم على عبادة الأصنام) ويمكن أن يقال: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ بالنعم أيضًا، بالنعم التي أُعْطُوها، فهم كفروا بها فلم يشكُرُوها وتمتَّعُوا بها إلى مآلِهم ومصيرِهم. يقول المؤلف: (وفي قراءة بسكون اللام أمرَ تهديد): ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ . وعلى هذا العامة الآن يقرَؤُونها ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ نرُدّ عليهم ولَّا لا؟ نرُدّ عليهم؟ * طالب: (...). * الشيخ: نرد عليهم. * طالب: (...). * الشيخ: إيه؛ لأنَّ القراءة قراءة غلط، نرد عليهم لأنَّهم يقرؤونها قراءة غلط؛ إذ إنه لو تقول (...) ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ وين ترجعون إليه؟ نرجِع إلى المصحف، إذا رجعنا إلى المصحف وجدْناها مكسورة، فقراءَتُهم إيَّاها بالسكون ليس عن عِلم بل هو عن خطأ وعدم معرفة، أمَّا لو جاء طالبُ علم فقرأها ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ فإننا لا نردُّ عليه؛ لأن طالب العلم قد يكون قرأَها على هذه القراءة. * طالب: (...). * الشيخ: إذا كان في واقع الأمر أنها صحيحة لكن ما أراد لام الأمر فهي ما هي بصحيحة، قراءته خطأ وهو ما أراد لام الأمر. * طالب: (...) لام الأمر (...) اللغة العربية (...). * الشيخ: إيه، لكن هم أرادوا ما تدُلُّ عليه اللغة العربية، وهي: أشهد أن محمدًا رسولَ الله، ويش أرادوا أن تكون رسول؟ * الطالب: خبرًا. * الشيخ: خبرًا، فهم أرادوا ما تقتضيه اللغة العربية الأخرى. * الطالب: وهذا؟ * الشيخ: لا، هذا ما أراد الأمر. * الطالب: ما يدري. * الشيخ: ما يدري؛ لكن هو أراد الذي في المصحف، إن نرُد عليه نقول: لأنَّك الآن تريد القراءة التي في المصحف فغَلِطت، أمَّا لو قال: نعم أنا سكنْتُها لأنِّي على الوجه الثاني في القراءة، قلنا: ما نرد عليه. * طالب: رجل لو صار يقرأ في قراءة ورش وجاته آية مثل هذه وقرأها بالقراءة الثانية ما نرد عليه هو يعني قاصدها. * الشيخ: لا إذا قصدها ما نرُدّ عليه إلَّا مثل ما قلت لكم سابقًا؛ إنه أَمامَ العامة ما ينبغي أن نقرأ خلاف القراءة التي بين أيديهم؛ لأنَّ هذا يوجب التشويش عليهم، ويوجب أنه بدَل ما كان القرآن محترمًا في نفوسهم تعرف العامي ما يقدّر هذه الأمور، يرى أن هذا فيه نقص في القرآن الكريم يقول: أيش لون هذا يتغير؟ إحنا ذكرنا أن القراءات طالب العلم ينبغي أن يقرأَها بنفسه فيما بينه وبين نفسه، ينبغي أن يقرَأ بكل القراءات لأنَّها كلها سنة، ولكن بالنسبة للعامة ما ينبغي أن تقرأ عندهم خلاف ما كان معروفًا بينهم. * طالب: تسمية الدعاء دينًا. * الشيخ: وجه تسمية الدعاء دينًا؛ لأنَّه من العبادة، الإنسان الذي يدعو ربه متعبدٌ له بهذا الدعاء؛ ولهذا خصوصًا العارف يشعر بأنه سيُثَاب على هذا فيكون دينًا. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: (﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة ذلك). (سوف) يقول النحويون: إنَّها تفيد التوكيد لكن بمُهلة؛ ولهذا يقولون: التَّسويف، بخلاف السين فإنَّها تفيد التحقيق بقرب. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ الجملة خبرية ويُراد بها التهديد كقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر ٣، ٤] في سورة (ألهاكم). وقال تعالى في سورة النبأ: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾ [النبأ ٤، ٥]. فالعذَاب والعياذ بالله نازِلٌ بهم لا محالة. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت ٦٧]، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ تقدم الكلام على مثل هذا التركيب وأنَّ الهمزة للاستفهام والواو حرف عطف، وهل الهمزة مقدَّمَة عن مكانها أو لا؟ ذكرْنا أنَّ في ذلك خلافًا، وذكرْنا أنَّ القول الأسهل أنَّ الهمزة للاستفهام وأنَّ الواو عاطفة على ما قبلَها. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يقول المؤلف: (يعلموا) وذلك لأنَّ الرؤية نوعان: عِلْمية وبصرية، إن تعَدَّت إلى مفعولين فهي عِلْمية كقولك: رأيت العلم نافعًا، وإلى مفعولٍ واحد فهي بصرية كقولك: رأيتُ فلانًا. من الرؤية العلمية في القرآن كثير ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ [المعارج ٦ - ٨] نعلَمُه قريبًا، و﴿يَرَوْنَهُ﴾ الأولى رؤية ظَنّ ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾. وقوله تعالى: (﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أي: يعلموا ﴿أَنَّا جَعَلْنَا﴾ في بلدهم مكة ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ ). لِماذا خصَّه بأهل مكة؟ لقولِه: ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. ﴿جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ الحرم ما لَهُ حرمةٌ أي تعظِيم، وسُمِّي التعظيم حرمة لأنه يُمنَع بهذا التعظيم ما كان سائغًا لولاه، أيش مِن جملة حُرُمَات مكة؟ * طالب: تحريم قتل الصيد. * الشيخ: تحرِيم قتل الصيد، والقتال فيها، وقَطْع الشجر، وحَشَّ الحشيش وغير ذلك، حتى الحيوانات غير المؤذية يجب أن تكون آمِنَة. قوله: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ أهل المجاز يقولون: آمِنًا مَن فيه، والصواب أنَّ الحرم نفسه آمِن؛ ولهذا عصَمَهُ الله سبحانه وتعالى مِن كل أحد كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل ١]، وحرَّم النبي عليه الصلاة والسلام القتال فيه[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٣٤) ومسلم (١٣٥٣ / ٤٤٥) من حديث عبد الله بن عباس. وفي الباب: عن أبي هريرة، وعمرو بن سعيد وغيرهما.]]، فهو نفسُه آمِن، وإذا أَمِن نفسه أَمِن مَن فيه. وقوله: ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ يقول المؤلف: (قتلًا وسبيًا دونَهم): في عهْد الجاهلية، غيرُ أهل الحرم ليسوا بأمَان، يُغار عليهم فيُقْتَلون ويُسْبَوْن وتُؤخذ أموالُهم ونساؤُهم، لكن أهل مكة آمنون حتى إنَّه يجِد الإنسان قاتِلَ أبيه في الحرم ولا يقتلُه، قاتل أبيه مع شِدّةِ الحَمِيَّة عندهم لا يقتلُه، لكن اخرج عن الحرم تجِد القتل والسبي والنَّهب وكُل شيء. هذه نعمة مِن الله عظيمة على قريش، وكان عليهم أن يُقابلوا هذه النعمة بالشُّكْر والتصديق للرسول ﷺ، مع أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام منهم يعرفونَه ويسَمُّونَه قبل أن يأتي بالرسالة يسَمُّونَه الأمِين، ويحتكمون إليه أحيانًا، لكن لَمَّا بُعِثَ بالرسالة -والعياذ بالله- وخالف أهواءَهم كفروا به. * طالب: (...). * الشيخ: يقال فيه: إنَّ الحرم نفسه ما تغيَّر، وأَخْذُ الحجر منه ما بقِي، ولا تعَطَّل الناس مِن الحج، حتى وهو (...). مِن الفوائد: * طالب: (...) ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ (...). * الشيخ: أي: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ مَن نزَّل ولَّا من خلق؟ * طالب: من نزَّل. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت ٦٣]. * مِن فوائِد هذه الآية: أولًا: حكمة الله سبحانه وتعالى في إنزال المطر مِن السماء. * ومن فوائدها: أنَّه لا يقدر على إنزال المطر من السماء إلَّا الله، ومهما حاول هؤلاء الذين أعطاهم الله ما أعطاهم مِن الصنائع فإنَّهم لن يستطِيعوا أن يُنَزِّلوا المطر مِن السماء؛ لأن هذا خاص بالله عز وجل. * ومِن فوائد الآية: قُدرَة الله سبحانه وتعالى على إحياء الموتى: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾. * ومِن فوائدها: أنَّ الجماد يُوصَف بالحياة والموت ﴿أَحْيَا بِهِ﴾ ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾، وذكرنا مثالًا آخر في هذه المسألة في الأصنام: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل ٢٠، ٢١]. * ومِن فوائدها: قياس الغائب على الشاهد. * طالب: الغائب هو البعث أو النشور مرة أخرى، والشاهد هو إحياء الأرض؟ * الشيخ: إي الغائِب إحياءُ الناس بعد الموت، والشاهد إحْيَاء الأرض. * ومِن فوائدها: ثُبوت القياس الصحيح أو اعتبار القياس الصحيح خِلافًا لمن أنكرَه أو غَلا فيه؛ لأنَّ الناس انقسموا إلى قسمين: مِنهم مَن غَلَا، ومِنهم مَن دنا؛ يعني منهم مَن أنكر القياس مطلقًا كابن حزم وهو ينكِرُه ويقِيسُ أحيانًا، ومنهم مَن غلا فيه وتجَاوز الحد حتى بلَغ بهم إلى أن يقِيسُوا صِفَاتِ الخالق بصِفَات المخلوق كالمشَبِّهَة مثلًا. * ومِن فوائد الآية: حُسْنُ مناظرة القرآن ومجادلَتِه، وأنَّ مناظرَاته ومجادَلَاته تكون مُلْزِمَة، وجه ذلك أنَّ إقرارهم بهذا الشيء ملْزِمٌ لهم أن يقروا بتوحيد الألوهية وكمالِ صفات الله. * ومنها: وُجُوب إعلَان الثناء والحمد لله عز وجل أمام المشركين؛ لقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. * ومنها: أنَّ إقرارَ المشركين بما يختَصُّ به الله تعالى مِن القدرة هو في الحقيقة كمالٌ لله عز وجل؛ ولهذا أمَر الله نبيه أن يُثْنِي عليه بالحمد أو أن يصفَه بالحمد لَمَّا قال: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، * فيُستفاد منه أن إقرار المشركين بما يختَصُّ به الله من صفات يُعتبر مِن كمالِ صفات الله التي يستَحِقُّ عليها الحمد. * ومنها: أنَّ أكثرَ هؤلاء المشركين جُهَّال؛ لقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٧٥]، المعنى: لا يعلمون ما يستَحِقُّه الله تعالى مِن أوصاف الكمال. * طالب: ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾. * الشيخ: ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ نعم صح، أكثرهم سُفهاء، إن أكثرهم سفهاء لا يعقلون، لو كانوا عقلاء لَعرفوا اللازِم وملْزُومَاتِه وأقروا بها. * ومِن فوائد هذه الآية: أنَّ الأشاعِرة ونحوهم ليس عندَهم فيما ذهبُوا إليه مِن إثبات بعض الصفات وإنكار بعضِها ليس عندهم معقول ولا أثَرٌ منقُول، أمَّا الأثر المنقول فظاهِر، ما عندهم دليل. وكذلك أيضًا ليس عندهم نظر معقول، فإنهم ينكرون ما يقِرُّون بمثله أو دونَه ولَّا لا؟ ومَرَّ علينا أمثلة لهذا فيما سبق. إذن نقول: كُلُّ مَن أقَرَّ بشيء مِن صفات الله تعالى وأفعاله وأنكَر آخر فهو دليلٌ على قِلَّةِ عقْله، وليس المرادُ بالعقل هنا عقْل الجنون لا ما هو الجنون، لكن عقل الرشد والهداية. * طالب: كيف يوصف البعض بالعقل؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأنَّ البعض أقَرّ وآمَن. * الطالب: هو الآن يحكي عنهم يتكلم عنهم.. * الشيخ: هم على سبيل العموم، والذي عنده عقْل ثم فَكَّر ونظَر آمَن ورَجَع. ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤].﴾ * مِن فوائد هذه الآية: بيَانُ حَقَارَةِ الدنيا وأنَّها ليست بشَيْءٍ مطلقًا ولَّا بالنسبة للآخرة؟ * طالب: بالنسبة للآخرة. * الشيخ: ظاهر الآية أنه مطلق، إن ما هي إلا لهو ولعب، كل ما فيها لهو ولعب، فيمكن أن نقول: إنها على سبيل الإطلاق، ويمكن أن نقول: إنَّه على سبيل المقارنة بالآخرة؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. * طالب: (...) يعني تُقيَّد؛ لأن فيها أشياء كالصلاة مثلًا.. * الشيخ: هذه أجاب عنها المؤلف قال: (إنَّ القُرَب مِن أعمال الآخرة لظهور أثرِها فيها). نفس المؤلف أجاب عن هذا، فما كان مِن أعمال الآخرة فليس داخلًا في أعمال الدنيا. * ومِن فوائد الآية: أنَّه لا يجوز أن يُقصَد بأعمال الآخرة شيءٌ من الدنيا، وجه ذلك؟ هذه فائدة ما هو سؤال، قلنا: يستنبط مِن هذه الآية أنَّه لا يجُوز أن يُقْصد بها الدنيا، ما وجهُ الدلالة؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: لأن الدنيا (...) والدار الآخرة (...).* الشيخ: لأن هذه المسائل يقصد بها الآخرة، فلا يجوز أن تأخذ عنها عِوَضًا من الدنيا، والمسألة هذه عاد فيها خلاف بين أهل العلم في باب الإجارة. * ومِن فوائد هذه الآية: كمال حياة الآخرة؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾، وهو كذلك؛ لأنَّ الدار الآخرة دائِمة إما على الخير وإمَّا شر. * ومِن فوائد الآية: الحث على العلم؛ لقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. * ومنها: أنَّ مِن العلم بل مِن أفضَل العلوم التَّفريق بين الأمور النافعة والأمور الضارة، وهذا التفريق مِن أعظم ما يكون، إذا أُوتِيَه الإنسان حقيقة أوتِيَ خيرًا كثيرًا، إذا أوتي معرفة الفرق بين الأمور النافعة والضارة ومعرفة الفرق بين الأمور المتشابهة في العلم فهو ينالُ خيرًا كثيرًا. وقد صنَع بعض أهل العلم شيئًا مِن ذلك، فصاروا يؤَلِّفُون كتبًا اسمُها: الفروق والتقاسيم، مثلًا يذكرون: الفرق بين الفرْض والنفل، الفرق بين الأذان والإقامة، الفرق بين الجَعَالة والإجارة، الفرق بين العطِيَّة والوصِيَّة، الفرق بين كذا وكذا ويذكرون الفروق، وهذه مفيدة لطالب العلم، وهنا قال: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: الفرق بين الدنيا والآخرة ما آثروا الحياة الدنيا على الآخرة. * طالب: (...). * الشيخ: في مؤلَّفات. * الطالب: (...). * الشيخ: لا ما نعرف، أنا ما أعرف، لكنه دائمًا في الإنصاف: ذكرَه فلان في الفروق والتقاسيم وما أشبه ذلك، الشيخ عبد الرحمن له رسالة صغِيرة في هذا الموضوع لكن ما استوعبه، إنَّما مفيدة في هذا الباب. * طالب: كتاب القرافي؟ * الشيخ: القرافي؟ إي نعم ما رأيْته. * طالب: رسالة الشيخ؟ * الشيخ: رسالة الشيخ اسمها القواعد، صغيرة ما هي كبيرة، القواعد والتقاسِيم، هذا.. * طالب: (...) الحروف والقواعد. * الشيخ: إي نعم. قال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٦٥] * طالب: يا شيخ، بالنسبة لقصد الدنيا وقَصْد الآخرة ترى الذين يُسَمُّون أنفسهم العارفين يقولون مثلًا: لا أعمل لأجل الجنة ولا خوفًا مِن النار، ويسمون هذه عبادة العبيد أو (...). * الشيخ: (...) ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ إلى آخره. * مِن فوائد هذه الآية: بيَان أن المشركين -فيما سبق- يُخلِصُون في حال الشدة. * ومِن فوائدها: اعتراف المشركين ضِمْنًا بأن آلهتَهم لا تنفعهم، لو كانوا يعتقدون نفعَها لدَعَوْها في هذه الحال، لكن هم يعرفون أنها ما تنفَعُهم. * ومن فوائدها: أنَّ إشرَاكَ السابقين أهوَن مِن إشراك مَن أشْرَك مِن هذه الأمة ولَّا لا؟ لأنَّ المشركين مِن هذه الأمة ما هم يدعون الله، يدعُون أولياءَهم والعياذ بالله ومَن اتخَذُوهم أندادًا مع الله، يقولون مثلًا الرافضة يدْعُون عليًّا، يا علي! يا علي! * طالب: عند الكعبة (...). * الشيخ: إي نعم، وسمعت رجلًا منهم يدعُو عند المقام ويرفع صوته: يا علي يا علي! يرفَع صوتَه (...)، فجاءَه أحدُ رجال الحسْبَة فزجَرَه وقال: تُشْرِكُ تحت الكعبة! اخرُج. فقال: إنَّما أنا أقول: يا عليُّ، والله يقول في القرآن: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥] يعني أنَّه ينادِي الله، وهذا مِن التقية اللي هم يتَّخذُونَها وهي سَبِيلُ المنافقين. فهذا لا شك -فيما يظهر لي والله أعلم- أنَّه ما يريد الله، إنما يُريد عليًّا؛ لأنَّه لو كان يُريد الله لقال: يا ربِّ، أو: اللهم، أو ما أشبه ذلك، لكن لَمَّا وقَع في شَرَك العَدْل والتوحيد (...) الكلام ادَّعى هذه الدعوة، والحاصل أنَّ شِركَ مَن أشرك في هذه الأمة أعظَم مِن شرك المشْرِكين فيما سبق. * ومِن فوائد الآية: أنَّ اللجوءَ إلى الله عز وجل أمرٌ فِطْرِيٌّ غريزِيّ؛ بدليل أنَّ هؤلاء غلبَتْهُم الفطرة حتى ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. * ومِن فوائد الآية: أنَّ الدعاءَ مِن الدين؛ لقوله: (﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: الدُّعاء) ولا شكَّ أن الدعاء مِن الدين والعِبادة؛ لأنَّ فيه غاية الذل والاعتِرَاف بالكمال لله عز وجل، أليس كذلك؟ فيه غاية الذل والاعتراف بالكمال لله عز وجل، وهذه هي العبادة. أنت عندما تقول: يا رب، معنَاها أنك مُفْتَقِر إلى الله عز وجل، ومعناها أنَّ الله كامل ولَّا لا؟ إي نعم؛ ولهذا بايَع الصحابة رضي الله عنهم النبي ﷺ على ألَّا يسألُوا الناس شيئًا، فكان الرجل يسْقُطُ سوطُه مِن بعيرِه فينْزِل ويأخذُه ولا يقول: ناولْنِي إيَّاه يا فلان[[أخرجه مسلم (١٠٤٣ / ١٠٨) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.]]. بينما إنه مع الأسف الآن في وقتِنا تجِد الإنسان يتذَلَّل غايَة الذُّلّ في سُؤَال المـَال وهو غير مُحتاجٍ إليه، هؤلاء يأتون يومَ القيامة وما في وجوهِهم مُزْعَةُ لَحْمٍ والعياذ بالله، فالمهم أنَّ الدعاء تذَلُّل؛ ولهذا كان مِن العبادة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ هؤلاء المشركين إذا نجَوْا مِن الشدة كفَرُوا بالنِّعْمَة: ﴿لَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. * ومِن فوائدِها: سفَهُ مَن يجْعَلُ النِّعَم سببًا للأَشَر والبَطَر، فإنَّ هذا فيه مِن مشابهة المشركين ما هو ظَاهر، اللي يجعلون النِّعْمة سببًا للأشر والبطر هؤلاء الْمُشابهون للكفار؛ لأنَّ الواجب على مَن أنعَمَ الله عليه نعمَة أن يزدادَ عبادة لله سبحانه وتعالى؛ لأنَّ العبادة مِن الشكر، فإذا أنعم الله عليك بالنعمة فازْدَدْ له شُكْرًا. ولهذا: «كانَ الرسولُ ﷺ لما دخَل مكة فاتحًا قد طَأْطَأَ رأسَهُ حتى إنَّه ليُصِيب مَوْرِكَ رحلِه»[[أخرجه أبو يعلى (٣٣٩٣)، والحاكم في المستدرك (٤٤١٣) من حديث أنس بن مالك.]] عليه الصلاة والسلام، كُلّ هذا مِن أجل التَّذَلُّل لِلمُنْعِم سبحانه وتعالى، فلا تجْعَل نِعَمَ الله عليك سببًا للأشر والبَطر، بل اجعلْها سببًا للشُّكْر والذُّلِّ لله سبحانه وتعالى، حتى تزدادَ هذه النِّعَم وتكونَ نِعَمًا حقِيقِيَّة. وقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت ٦٦] نُفَسِّر هذه الآية على أنَّها للأمر. * فيستفَاد منها: تَهديد أهل الكفر والتَّمَتُّع المحرَّم؛ لأنَّ الأمر هنا للتَّهْدِيد؛ إذ لا يأمُرُ الله أحَدًا أن يكفر، ولا أن يتمَتَّعَ تمتعًا محرَّمًا. * ويستفاد منها على قراءَة اللام التي للتعليل: أنَّ هؤلاء الذين أشركوا صارَت عاقبة أمرهم أيش؟ الكفر والتمَتُّع الزَّائِل؛ ولهذا قال بعدَه: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، * فيستفاد منه: تهديد هؤلاء الكفار الذين ليس لهم إلَّا هَمُّ التمَتُّع بالدنيا. * ومِن فوائدِها: الحَذَرُ الشديد مما كان عليه بعض المسلمين اليوم حيث صارَ ليس لهم هَمٌّ إلا أيش؟ التَّمَتُّع بالدنيا فقط، تجِد أكثر ما يتكَلَّمون عليه: الرَّفَاهِية والتَّرْفِيه وما أشبه ذلك، لكن أمراض القلوب وعلل القلوب وانحرافات القلوب قَلَّ مَن يتكلم عليها مع أنَّها هي الأصل. ترفِيهُ الأبدان إذا مرضت القلوب ويش الفائدة منه؟ ما فيه فائدة إلَّا أنَّه إذا نزَلَت النِّقْمَة مِن الله ازدَاد الإنسان حَسْرَة والعياذ بالله، لكن ترفيه القلب بطَاعَةِ الله عز وجل هذا هو الذي فيه الفائِدَة للبَدَن ولِكُلِّ شيء: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧]. ثم قال الله تعالى مُذَكِّرًا هؤلاء الكفار بنعْمَةٍ عظيمة لا ينَالُها أحدٌ سواهم فقال: (﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ [العنكبوت ٦٧]: يعلَمُوا) وسبق لنا الكلام على إعراب مثل هذا التركيب: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾، وقلنا: إنَّ في ذلك لأهل العلم.. * طالب: (...). * الشيخ: (﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ قتلًا وسبيًا دونَهم) قال تعالى: (﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾ الصنم ﴿يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ بإشراكِهم؟) الاستفْهَام هنا لِلتوبيخ: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾، وهو يقال فيه كما يقال في: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾؛ بمعنى أنَّ الهمزة هل هي بعد الفاء وأُخِّرَت الفاء، أو إنَّها في مكانِها والعطف على الجمل السابقة؟ ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾ قال المؤلف: (الصنم) وفي هذا نظر إلَّا إذا قصد المؤلف التَّمْثيل، وأنَّ مِن جُملة الأشياء الباطِلة الأصْنَام، وإلَّا فإنها تشْمَل كُل ما لا خَيْرَ فيه مِن صنم أو دُنيا أو رئاسة أو غيرِه، كلُّ شيء سوى الحق فهو باطِل. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٤١) ومسلم (٢٢٥٦ / ٣) من حديث أبي هريرة.]] فعلى هذا نقول: الباطل أعَمُّ مما ذكر المؤلف. وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أي يصَدِّقُون ويطمَئِنُّون إليه، فهم تجِدُهم في الأمُور الباطلة مُطْمَئِنِّين مصَدِّقِين مُتَّبِعِين، لكن بنعمة الله يكْفُرون: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾. وقوله: ﴿بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ أي: بما أنعم عليهم مِن المال والجَاه والرئاسة وغيره ﴿يَكْفُرُونَ﴾؛ لأن هذه النعم تحتاج إلى أي شيء؟ إلى شكر؛ بالرُّجوع إلى طاعة الله، فإذا بَقِي الإنسان على معصية الله مع إدْرَار النِّعَم عليه صارَ بذلك كافِرًا. وممكن أن نقول بالنسبة للمسلمين: ﴿بِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ النِّعمة المادية الجسَدِيَّة، والنعمة المعنوية القلبِيَّة، فالإسلام أكبَر النعم علينا ولَّا لا؟ إذا كفر به الإنسان ولم يقُم بواجباتِه فإنَّه يُوَبَّخ على هذا، يقال: ألسْتَ مسلمًا؟ فسيقول: بلى. طب لماذا لم تُصَلِّ؟ لماذا لم تُزَكِّ؟ لماذا لم تصُمْ؟ لماذا لم تفعل كذا وكذا مِن الواجبات؟ فشُكْرُ نعمة الله بالإسلام واجب، كما أنَّ شكرَ نعمة الله تعالى علينا بالمال والبَنِين والأمن والراحة وما أشبه ذلك واجبٌ، بل الشكر على الإسلام أوجَب، وكُفْرُ الإسلام أخطَر؛ لأنَّ الله يقول: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٨]، ويقول: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩]. يمكِن أن ينزِع الله الإسلام مِن قومٍ لا يقومُون بواجباتِه، مثل ما ينزع الأمْن والرَّخاء مِن قومٍ لا يشْكُرون هذا الأمْنَ والرخاء، النعم واحِدَة، وسبيلُها واحد. وقوله: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ ذي واحدة ولَّا كثيرة؟ * طلبة: كثيرة. * الشيخ: طيب وليش أنه قال: نعمة الله؟ * طالب: مُفْرَد مُضَاف. * الشيخ: مُفْرَد مُضَاف فيَعُمّ، الدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ شوف ﴿تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] ولو كانت واحدة ما تبغي عَدًّا ولا إحصاءً معروفة. * طالب: (...). * الشيخ: لا ما تُثَنى إلا باعتبار النوع، ما تثَنَّى، قال: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾. أين يتعلق قولُه: ﴿بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾؟ * طالب: بـ ﴿يَكْفُرُونَ﴾. * الشيخ: بـ ﴿يَكْفُرُونَ﴾. فقُدِّمَت لِإفادة الحصر، كأنَّهم لا يكفرون بشيءٍ إلَّا بنعمة الله، وهذه فائدة معنوية. * وفيها أيضًا فائدة لفظِيَّة: وهي مراعَاة الفَوَاصل.

العنكبوت 29:67

قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾، هذا لام قسم، ﴿مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ الجواب؛ جواب القسم: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت ٦3]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾، (مَن) هذه اسم موصول مبْتَدَأ، وصِلَةُ الموصول قوله: ﴿نَزَّلَ﴾، وجواب القسم: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، الإعراب صواب ولَّا لا؟ * طلبة: لا، خطأ. * الشيخ: خطَأ، (مَن) اسم استفهام؛ لأنَّه وقع بعد السؤال، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ﴾، وعلى هذا فـ ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، و﴿نَزَّلَ﴾ الجملة خبَر المبتدَأ، وقوله: ﴿مَنْ نَزَّلَ﴾ بالتشديد، وفي بعض الآيات: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنعام ٩٩]، والفرق بين (نَزَّل) و(أَنْزَل) أنَّ (نزَّل) تفيد نزول الشيء شيئًا فشيئًا، كما قال الله تعالى في القرآن: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦]. وقولُه: ﴿نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ لأن فيه النزول يكون مِن أعلى، والمرادُ بالسماء هنا العُلُوّ، وليس السَّماء السَّقف المحفوظ، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾، بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ، ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾، والمطَر ينزِل مِن السَّحَاب، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ [النور ٤٣]، فبهذا عرَفْنا أنَّ المرادَ بالسماء هنا أيش؟ العُلُوّ، وكُلُّ ما علَاكَ فهو سَمَاءٌ؛ لأنَّه مِن (سمَا، يسمو) إذا عَلَا وارتفع. وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ الحكمة في نزوله مِن السماء؛ لأنَّه إذا نزَل مِن السماء شمَل النَّازِل والعَالي، ولو كان يجرِي مِن الأرض لكان لا يصِل إلى العالي حتى يُدَمِّر النازل، ولكن مِن حكمة الله أنَّه كان ينْزِلُ مِن أعلى. قال: ﴿مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ الفاء هنا تدُلّ على الترتيب والتعقيب لكنها إذا كانت متَّصِلَة بجملة فإنها تفيد أيضًا السَّبَبِيَّة مع الترتيب والتعقيب، بخلافِها إذا دخَلت على اسْمٍ فإنَّها لا تدل على السببية، تقول: قام زيد فعمرو، لا يعني أنَّ قيامَ زيد سببٌ في قيام عمرو، لكن يعني أنَّ قيام عمرو بعد قيام زيد، أمَّا إذا اتصلت بالفعل فإنها في الغالب تكونُ مع التَّرْتِيب للسببية، فعليه يكون قولُه: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾، يكون الماءُ سببًا لِإحياء الأرض، وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ﴾ هل الأرض تحيا في الحال أو بَعْد؟ * طلبة: بعد. * الشيخ: بعد، لكن لَمَّا كان السبب مؤَثِّرًا صار الأثَر مترَتِّبًا عليه فورًا، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج ٦٣]، مَا تُصْبِحُ الأرض مخضَرَّة بمجرَّد نُزُول الماء في الليل، لكنَّ هذا سبب مُوجِب، فلما كان سببًا موجِبًا صار كأنَّ المسَبَّب موجُودٌ في الحال، قالوا: ومِن ذلك قولُهم: تزوَّج فلانٌ فوُلِدَ له، وإن كان هذا أضعَف مِن الذي معنا، لكن قوله: فوُلِدَ له، نحن نعلم عِلم اليقين أنَّه ما هو بيُولد له ليلة زواجه أو لا؟ ما فيها إشكال، لكن الزواج سببٌ للولادة، ويكون الترتيب بحسبِه، ما هو لازم أن يكون معقِّبًا، لكن إذا كان السبب موجِبًا، ولا بُد صارَ كأنَّ المسبَّبَ مُعْقِبٌ للسبب. وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾، (أحيَا) و(مَوْت) الجماد، إذن يحيا ويموت أو لا؟ الجماد يحيا ويموت وكلّ شيء حياتُه وموتُه بحسبِه، ولا تظُنَّ أنَّ الحياة والموت لا تُضَاف إلَّا ما يمكن أن يكونَ متحرِّكًا، فهذه الأصنام يقول الله تعالى فيها: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل ٢٠، ٢١]، أموات غير أحياء، فكُل شيء لا حركَة فيه ولا نُمُوَّ فيه يمكن أن يسَمَّى ميتًا وإن كان مما لا تحلُّه الحياة. وقوله: ﴿أَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ هل المرادُ بالأرض هنا النبَات، أو أنَّها نَفْسُ الأرض؟ قيل: إنَّ المراد نفسُ الأرض، وأنَّها باخْتِلَاط الماء فيها تكون حَيَّةً، وبيُبْسِها تكُون مَيِّتَة، وقيل: المراد ما عليها مِن العشب والزّرَع ونحو ذلك، يعني النبات، وأنَّ الأرض لا تكون أرضًا في الحقيقة ينتَفِعُ بها الناس إلَّا بالنبات الذي فوقَها، فتكونُ حياتُها وموتُها، أي حياةُ نباتِها وموتُ نباتِها. وقوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، نقول فيها ما سبق؛ أن اللام واقِعَة في جواب القسم، و(يقولُنَّ) أصله (يقولُونَنَّ) شوفت؟ قال النحويون: فحُذِفت النون الأولى؛ لِتوالي الأمثال، لماذا لا نقول: حذفت إحدى النونين مِن نون التوكيد؟ قالوا: لأنَّ نون التوكيد جيءَ بها لغرَض وهو التوكيد، ونونُ الرفع دائمًا تُحذَف في حال النَّاصب والجازم والتَّخفيف، وما أشبه ذلك، فكانت أولى بالحذْف، فحَذَفْنا نونَ الرفع لِتوالي الأمثال، ما سببُ حذف الواو؟ لالتقاء الساكنين؛ لأنَّ نونَ التوكيد المشددة مكَوَّنَة مِن حرفين: أولُهما ساكن، فإذا كان ساكنًا حُذِفَ حرف العلة حرفُ اللَّيْن الذي قبله كما قال ابن مالك: ............................... ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــــــــــــنْ لَيْنًافَحَذْفَـــــــــــهُ اسْتَحَـــــــــقْ وقوله: ﴿اللَّهُ﴾ نقول: خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدَأ خبرُه محذوف. * طالب: وجه (...). * الشيخ: الله أعلم، ما ندري عاد كيف هم يقولون: اختلاطُ الماء به حياة، هم يقولون بعد أنَّ هذه حياة تليقُ بها، وحقيقةً كما قلت قبل قليل: إن الحياة والموت في النبات أظْهَر؛ لأنَّه محَلُّ الانتفاع، وربما يستشهد له بقوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة ٢٥٩]، والخَاوي على العُرُوش النَّبَات ولَّا الأرض؟ النبات، فـ﴿قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فجعل الموت للنبات، يعني هذا مما يؤيد أنَّ المراد بحيَاة الأرض ونباتِها حياةُ نباتِها وموتُه. * طالب: قوله تعالى: ﴿تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت ٣٩]. * الشيخ: إي، قال بعض العلماء: تهتَزُّ هي الأرض نفسها، وتربُو أنه مع الماء ترتَفِع، هي المسألة فيها هذا، لكن الظاهر -والله أعلم- أنَّ القول الأقرب أنَّ المراد النبات. قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ما قال: فأنى يُؤفكون، هناك قال: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ لِظهور دلالة الخلق والتدبير على الرُّبُوبية المستَلْزِم للإقرار بالألوهية، وهنا قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ لأنَّ إقرارَهم بالأول وبالثاني، وأنَّ الأمرَ كلَّه بيد الله يسْتَلْزِم لا أنَّ الله موجود فقط، بل أنَّ الله مستَحِقٌّ لأن يُثنَى عليه، ولهذا قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، الحمد لله ظهرَت عليكم الحُجَّة، وقامَتْ عليكم البينة، وظهر كمالُ الله عز وجل، عرفْتم؟ فالأول فيه تخلِية، والثاني فيه تَحْلِية، إثبات كمال الله عز وجل يعني: الحمد لله على قيامِ البيِّنَة عليكم وظهور الحجة ووضوحِها. أما يقول المؤلف: (فكيف يشركون به)، فهذا أتى به على حدِّ قوله في الآية الأولى: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، ولكِن عندي أنَّ الآية الثانية فيها إقَامَة حجة على أمْرٍ آخر هم ينكرونه، وهو البَعْث، فإنَّهم ينكرُونه، فحقيقة الأمر أنَّ مُنْكِر البعث سيُشْرِك بالله وسيَعْمَل ما شَاء؛ لأنَّ مُنكرَ البعث يعتقد أنَّه ما فيه جزاء ولا حساب، ومَن اعتقد كذلك هل يعمَل؟ ما يعْمَل، ولِهذا كما ترون يجمَع الله سبحانه تعالى دائمًا في القرآن بين الإيمان به وباليوم الآخر، دائمًا يجْمَع بينهما؛ لأنَّ الإيمان باليوم الآخر هو الحادِي للإنسان على العمَل؛ إذْ مَن لا يعتَقِدُ أنَّ هناك جزاءً، فكيف يعمل، فالذي يظْهَرُ لي أن الآية الثانية سِيقَت لإلزامِهم بالإقرار بالبَعْث. * طالب: بعض الآيات ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة ١٦٤]. * الشيخ: إي نعم، ومِن بعد موتها، إي نعم، الفائدة: أنَّ هذا الإحياء قد يكونُ قريبًا مِن مَوْت الأرض، بمعنى أنَّ المطر ينزل قريبًا مِن الجدب، وأحيانًا يكون متأخِّرًا، فـ (مِن) للمتأخر. قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على ثُبُوتِ الحُجَّةِ عليكم. طيب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ما هو الحمد؟ هو الثَّنَاء كذا؟ يقول أكثر الناس: هو الثَّنَاءُ بالجميل، وهذا غَير صحيح، فإنَّ الثناء غير الحمد؛ لقولِ النبي ﷺ، بل لِقول الله تعالى، إنّ الثناء غير الحمد في الحديث القدسي؛ حديث أبي هريرة أن الله سبحانه وتعالى قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]«، قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة ٣]«، قَالَ: أثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]«، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]]، وهذا دليلٌ واضح على أنَّ الثناء غير الحمد، وإلَّا لكان تكرارًا، وأيضًا المعنى يقتضي ذلك؛ لأنَّ الثناء من الثَّنْي وهو الرُّجُوع، فإنَّك إذا ثَنَيْت العصا رجَع طرَفُه إلى طرَفِه، ومنه أيضًا لفظ اثنين، يعني واحد وواحد ففيه رجوع، فالمهم أنَّ الحمد لا يصِحُّ تفسيره بالثناء، إذن فما هو؟ نقول: وصفُ المحمود بالكمال، لكن نزِيد أيضًا: معَ المحبة والتعظيم، حتى يخرُجَ بذلك المـَدْح، فإنَّ المدْح وصف الممدُوح بالكمال، لكن قد يكون لِمحبَّة وتعظيم، وقد يكون لِخَوْف لا لِمحبة، فهذا الرجل الذي وقَف أمام ملِكٍ ظَالِم ٍجَبَّار وقال: أنت الملكُ الكرِيم المحسِنُ العادِل الذي لا تظْلم أحدًا، هذا مدْح ولَّا لا؟ مدْح، لكن عن محبَّة وتعظِيم؟ أبدًا، هو كَذِب، نعم فنقول: إنَّ الحمد وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، ثم إنه أيضًا يُفَرَّق بينه وبين المدح أنَّ المدح قد يكون موافِقًا للواقع، وقد يكون غير موافق، والحمد لا بد أن يكون موافِقًا للواقع. قال: وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يقول العلماء: إن (أل) في الحمد أنَّها للاستغراق، فجَمِيع المحامد لله، واللام في قولِه ﴿لِلَّهِ﴾ هل هي لِلتمليك ولَّا لِشِبْهِه؟ ابن مالك يقول: وَالـــــــــــــلَّامُ لِلْمِـــــــــــــــــلْكِوَشِبْهِـــــــــــــــــهِ ∗∗∗ .......................... * طالب: لشبهه. * الشيخ: لِشِبْهه، فالحمْد مسْتَحَقٌّ ومختَصٌّ بالله، والمرَاد به الحمدُ الكامِل، أمَّا مجردُ الحمد فلا يختَصُّ بالله، قد يُحمَد الإنسان على خصْلَةٍ مِن الخصال بقدرِ هذه الخصلة، لكن الحمْدُ الكامل الواسع مستَحَقٌّ لله وحدَه، ومختَصٌّ بالله وحدَه. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ لا يعلمون تناقُضَهم في ذلك، (بل) هنا للإضراب الانتقالي أو الإبطالي؟ * طالب: الانتقالي. * الشيخ: الانتقالي، يعني: فبعْدَ أن ثَبَت الأمر وقامت الحجة، واستَحَقَّ الباري الثنَاء أو الحمد، حينئِذٍ يصِحُّ أن يُسَجَّل عليهم الجهل، وهو قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، أكثَر هؤلاء لا يعْقِلُون، يعني عندَهم مِن السَّفَه ما هو ظاهِر؛ لأنَّه لو كان عندهم عُقُول لكان إقرارُهم بما أقَرُّوا به مُلْزِمًا بِإقرارهم لما أَنْكروه، أو لا؟ نعم، لو كان عندَهم عقول حقيقِيَّة راشدة لكان إقرارهم بما أقَرُّوا به ملْزِمًا لِإقرارهم بما أنكروه، وهم أقَرُّوا أنَّ الذي خلق السماوات والأرض وسخَّر الشمس والقمر هو الله، والذي نزَّل من السماء ماء فأحيَا به الأرض بعد موتها هو الله، إذن أين العقل وأنتم تُنكِرُون البعث وتُشْرِكُون بالخالق؟! فهنا لا عقْل. ومِن هنا نأخذ أنَّ أولئك الذين يدَّعون أنَّهم العقلاء ثم يُنكِرُون بعض صفاتِ الله عز وجل محتَجِّين أنَّ العقل لا يقِرُّها، نأخُذ منه أنَّهم ليس عندهم عقْل؛ لأنَّ العقل يُلْزِمهم أن يُقِرُّوا بما أنكَرُوه نظيرَ إقرارِهم بما أقَرُّوا به. فمثلًا -نضْرِب مَثَلَيْن فقط- يقول الأشاعرة والكلام معهم ومَن سواهم مِن باب أولى، يقولون: نحن نثبت لله الإرادَة، ونُنْكِر الرحمة، ما لله رحمة، ليش يا جماعة؟ قالوا: نعم؛ لأنَّ الإرادة دَلَّ عليها العَقْل، والرَّحْمَة دَلَّ العقلُ على بطلانِها، شوف ما يقولون، ما دل عليها العقل، يقولون: دل العقل على بطلانها. طيب فَسِّر، قال: الإرادة دَلَّ عليها العقْل بالتَّخْصِيص؛ تخصيص كونِ السماء سَمَاءً، والأرض أرضًا، والإنسان بشرًا، والحمار حيوانًا، ومَا أشبه ذلك، يعني حيَوان غير ناطق، هذا يدُلّ على أيش؟ على الإرَادَة، أراد أن يكون الحمارُ حمارًا، فكان حمارًا، وأن يكون الإنسان إنسانًا، فكان إنسانًا، وأن تكون السماء سماء، فكانت سماءً، إلى آخره. وهذا دليل ولا بد على الإرادة، دلِيل واضح هذا ولَّا غير واضح؟ واضِح، طيب الرحمة؟ يقولون: دل العقل على إنكارِها، لِماذا؟ قال: لأن الرحمة لِينٌ ورِقَّة، والله جل وعلا ما يُوصَف باللين والرقة. قلنا لهم: أنتم استدلْلَتم بالوَاقِع على الإرَادة، نحن نسْتَدِلُّ عليكم بالواقع على الرحمة، ودلالَةُ الواقع على الرَّحْمة أعظم مِن دلالة الواقع على الإرادة، لو تيجي للعامي تقول: أيش دليل الإرادة عقلًا عندك؟ والله ما أدري، العامي يُدرك أنَّ التخصيص دليل على الإرادة؟ * طالب: لا. * الشيخ: طيب، لكن العامي لو تقُول له: إنزَال الله المطر بعد الجَدْب حتى تُخصِب الأرض، ورِزْق الله للفقير المال، فأصبح غنِيًّا بعد الفقر، مو هذا يدُل على أنَّ الله رحيم ولَّا لا، أيش يقول؟ يقول: نعم، فدلالَةُ الواقع الذي لا يُحصَى مِن نِعَمِ الله على رحمةِ الله أبلَغ مِن دلالة التخصيص على الإرادة، واضِح؟ وهذا واضح جدًّا. فإذن في الحقيقة لو كان عندهم عقْل كما يزعمون أنَّهم أهْل العقل لكان استدلالُهم على الرحمة بالواقع أبلَغ مِن استدلالِهم على الإرادَة بالواقِع، واضح؟ لكن العلة والبلاء اللي هم جابوا، قالوا: إنَّ الرحمة معناها اللين والرِقة، والله عز وجل منَزَّه عن ذلك؟ جوابنا على هذا مِن ثلاثة أوجه؛ الوجه الأول: أن نقول: هذا اللازم إنَّما هو في رحْمَةِ المخلُوق، ورحمَةُ الخالق غير رحْمَة المخلوق، ما نُشَبِّهها، هذه واحدة. وثانيًا: أن نقول: مَن يقول: إنَّ اللين والرقة منفِيَّة عن الله، ما هو إلا مجرد (...)، واللين لِلغير لإِيصال الإحْسَان إليهم ما هو صِفَة نقْص. الوجه الثالث: أن نقول: إنَّ الرحمة ليست هي اللِّين والرقة، فقد يكون هذا المـَلِك يرحَم مثلًا أحدًا مِن رعِيَّتِه ويعطِف عليه وهو على عزَّتِه وعلى مُلكيته، ولا يشعر بنفسه أنه في هذه الحال انْحَطّ عن رتبة القوة والحزم، أليس كذلك؟ قولوا، لَا ولَّا نعم؟! * الطلبة: نعم. * الشيخ: يرْحَم مثلًا هذا الملِك القَوِيّ في سلطانه، يرحَم الفقير مِن أفراد أمته وهو يشعُر بأنَّه باقٍ على عِزَّتِه ولم يلحَقْه في ذلك شيء، فحينئِذٍ نقول: عقْلًا .. (ما) نافية وليسَتْ حِجازيةً هنا؛ لأنَّ النفي انتَقَض بـ (إلا). وابن مالك يقول: إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ ................... وهنا النفي لم يبْقَ. وقوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت ٦٤]، الإشارَةُ هنا للتَّحْقير ودُنُوِّ مرتَبَتِها. والإشَارة للتحقير واردة في اللغة العربية، كما في قوله عن الكفار: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٣٦]؛ يعني: ويش هو هذا الحقير الذليل الذي يسُبُّ الآلهة وهي عظيمة وعالية، وما أشبه ذلك. وقوله: ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ هي الدار التي نحن فيها، ووُصِفَت بالدنيا لِسببَيْن: لِدُنُوِّها زمنًا، ودُنُوِّهًا مرتَبةً. وقوله ﴿الْحَيَاةُ﴾ جاءت هنا لِيُقَابِل بها الحياة الثانية. وقوله: ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ صحيح هذَا الحصْر حقِيقي، الدُّنيا التي هي الدنيا تنْحَصِر في هذين الأمرين: في اللهو واللَّعب، والفرق بينهما قيل: إنَّ اللعب بالجوارح، واللَّهْو باللسان؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان ٦]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور ١٢]. وقيل: إنَّ اللهو في القلْبِ وهو غفْلَتُه وانطِلَاقُه في الملاهي وفيما يلْهِيه عن طاعَةِ الله، واللَّعِب في الجَوَارح مِن اللسان وغيرِ اللسان، وهذا أقرب؛ أنَّ اللهوَ في القلوب واللعب في الجوارح، هذا هو الأقرب. وعليه فحاصِلُ الدنيا أنَّها لَهْو يلهو به الإنسان؛ غفَلَات وسَرْح يمينًا وشمالًا، وكذلك لَعِب حتى الأمور الجِدِّيَّة التي للدنيا هي لَعِب؛ لأنَّها تَذْهَب ولا تَبْقَى، أو يَذْهَب عنها صاحبُها، فهي كلعب الأطْفَال يتَسلَّوْن بها ما داموا أطفالًا، ثم يهجُرونها إذا كبروا وعقَلوا وعرَفوا ما هم عليه. قال المؤلف: (فأما القُرَب فمِن أمور الآخرة لِظُهور ثمرَتِها فيها) قوله: (فأما القُرب) هذا جواب عن سؤال مقدَّر، كأنَّ قائلًا قال: كيف تكون الدنيا لهوًا ولعبًا مع أنَّ الإنسان يعمل فيها عملًا صالحًا؛ يصلي ويزكي ويصوم ويحُجّ ويبر والديه ويصِل رحمه وما أشبه ذلك؟ فهل هذا لعب؟ * طالب: لا. * الشيخ: يقول المؤلف: ليس بلَعِب. طيب أليس هذا في الدنيا؟ قال: بلى هو في الدنيا، لكن ظُهُور ثمرتِه في الآخرة؛ ولهذا قال: (أمَّا القُرَب) -وهي مِن الدنيا- (فمن أُمور الآخرة لظهور ثمرتِها فيها). وصدَقَ المؤلف، فإنَّ الأعمال الصالحة ما هي مِن أعمال الدنيا؛ ولهذا لو أرَاد بها الإنسان الدنيا لَبَطَلَتْ ولم يكُن له أجْر فيها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مَن حَجَّ ليَأخذ فليس له في الآخرة مِن خلاق؛ يعني مِن نَصِيب، ويشهَد لهذا الكلام الذي قالَه الشيخ يدُلّ له قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود ١٥ - ١٧]. ويدُلّ له أيضًا قولُه ﷺ:« «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ»[[أخرجه البخاري (٢٨٨٦) من حديث أبي هريرة.]] إلى آخره. والحاصِل أنَّ أعمال الآخرة ليست مِن أعمال الدنيا، بل إذا أُرِيد بها أعمالُ الدنيا بطَلتْ. قال: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ هذه الجملة مؤَكَّدَة بثلَاثة مؤكِّدَات، أقول: بيِّن لنا المؤكِّدَات في هذِه. * طالب: الواو. * الشيخ: الواو ما هي للتأكيد، ما هي الواو مِن أدوات التأكيد. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. * طالب: (إنَّ)، واللام، والضمير. * الشيخ: وضمير الفصل: ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. شف أكَّدَ الله عز وجل أنَّ الحيَوان يعني الحَيَاة، لكنَّها جاءَت على هذا الوزن لِلمُبَالغة؛ (حيوان): فَعَلَان للمُبالغة، وإلا فالحَيوان بمعنى الحياة، ووَزْن (حَيَوَان): فَعَلَان، ففيها زيادَةُ الألف والنون لِلمبالغة. وقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾: هي ما يكُون يوم القيامَة. ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ قال: (بمعنى الحياة)، ولكن زِيدَت الألف والنون فيها لِلمبالغة؛ يعني هي الحياة الحقيقية؛ ولهذا يقول الكافر يوم القيامة يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر ٢٤] حياته الدنيا مُقَدِّمٌ لها، بل هي جنَّتُه، لكن الحياة الحقيقية هي حَيَاةُ الآخِرة؛ لأنَّ حياة الدنيا في الحقيقة ليست بِحياة؛ أولًا: لأنَّها مُنَغّصَة، كل صَفْوِها له كَدَر. وثانيًا: أنَّها غير باقِية أليس كذلك؟ وثالثًا: أنَّ الإنسان مُهَدَّدٌ فيها، فلا يدْري متى يأتِيه أجلُه صباحًا أم مساءً، وكم مِن إنسانٍ خرَجَ من أهله ولم يرجِع إلا جُثَّتُه، وكم مِن إنسان على كرسِيِّه فما أكمَل الكتابة التي يخُطُّها بيمينه، هذه حياة؟ الجواب: * طالب: لا. * الشيخ: لا، ما هي حياة في الحقيقة؛ ولهذا يقول الشاعر: لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُــــــــهُ بِادِّكَـــــــارِالْمَـــــــــــوْتِ وَالْهَــــــــــــرَمِ مهما طاب لك العيش إذا تأَمَّلْت سوف تهْرَم وتدَع هذا العيش ولا يطِيب لك، وسوف تموت فلا تبْقى للعيش أصلًا. والحاصل أنَّ الدار الآخرة -صدَقَ ربُّنا جل وعلا- هي الحيوان، فهي التي ينبغي للإنسان العاقل أن يسْعَى لها، والغريب أنَّه إذا سعى للآخرة حَصَّل الدنيا والآخرة، وإذا سَعَى للدنيا فقط فاتَتْهُ الدنيا والآخرة، الدليل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى ٢٠] أيش معنى ﴿نَزِدْ لَهُ﴾؟ يعني: نُعْطِيه حرث الآخرة مع الدنيا؛ لِقولِه تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧] هذا جزاءٌ عاجل ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ هذا الجزاء الآجِل، و﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: لا، نؤتيه منها ولا نعطيه اللي هو يبغي ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران ١٤٥] وهذا الوَعْد أيضًا مقْرُون بالمشِيئَة كما في آية الإسراء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ [الإسراء ١٨]، ما هو بالذي يريد ولا بعْض الذي يُريد ﴿مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾، إذن الحَيَوان حقِيقة هي الآخرة. والحيوان الواو هنا هي أصلِيَّة ولَّا منقَلِبَة؟ قيل: إنَّها منْقَلِبَة عن يَاء وأَنَّها قُلِبَتَ واوًا؛ لِئَلَّا يلْتَبِس بالمـُثَنَّى، خلوا بالكم يا أهل النحو! وأنَّه لو قال: وإنَّ الآخرة لهي الحيَيَان؛ لكان يلْتَبِس بالمثنى فقُلِبَت واوًا، وهذا رأيٌ لِسيبويه بناءً على أنَّ الحيَاة يائِيَّة مِن حَيِيَ يَحْيَى. وقيل: إن الواو أصلية، وإنَّ الواو في الحياة هي الأَصْل، لكن قُلِبَت ياء في حَيِيىَ ليش؟ لِتَحَرُّكِها وانكسار ما قبلها فقُلِبَت ياء، وهذا على كل حال تصريف، هذا بحث تصْرِيفي مَحْض. وقولُه تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ هذه جملَة مستَأْنَفة ليست ﴿لَوْ﴾ هنا صِلَة تتَعَلَّق بما قبلها، ولكنَّها مسْتَأْنَفَة فهي شَرْطِيّة، وجواب الشرط محذوف قدره المؤلف بقوله: (﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك ما آثَرُوا الدنيا عليها) والحقيقة أنَّ قولَه: (ما آثروا الدنيا عليها) صحيح أنَّه يصِحُّ أن يكون جوابًا، لكنَّ الجواب أبلَغ مما قدَّرَه المفسر؛ ولِهذا حذَفَهُ الله لأَجْل أن يبلُغَ الذهنُ في تقديرِه كُلَّ مبْلَغ؛ علشان الذهن يقدر كل شيء ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لَعَمِلُوا لها ليلًا ونهارًا مو فقط ما آثروا الدنيا لكان عملُهم لها فقط دون الدنيا، ومعناه أنَّ مَن قَدَّم الدنيا على الآخرة فليس عنده عِلْم، لو كان يعلم حقيقة ومن ذوي العلم والأفهام ما قدَّمَها. ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت ٦٥] ﴿إِذَا رَكِبُوا﴾ الضمير يعود على المشركين يعني سَلْ هؤلاء عن آلِهَتِهم هل هم يرجعون إليها عند الشدائد ولَّا هم يعترفون بأنَّه لا يفرج الشدة في الشدة إلا الله؟ الجواب: الثاني هم مُعْتَرِفُون بأن أصنامهم لا تنفعُهم واعتَرَفوا فيما سبق بأنَّ الذي خلق السماوات والأرض مَن؟ الله وأنَّ الذي ينزل مِن السماء ماء الله، وأنَّ الذي سخَّر الشمس والقمر الله، وأن الذي يدفَع الضَّرورة بناءً على ما ذُكِر في الآية هذه مَن؟ الله. ﴿إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ والفُلْك السُّفُن أو السفينة؟ يصلُح لأنَّه صالحٌ للجمع والمفْرَد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢] هذا جمْع، والمفرَد؟ * طالب: إذا ركبوا (...). * الشيخ: لا. * طالب: (...). * الشيخ: لا، على الفُلْك؟ * الطالب: على الفُلْك. * الشيخ: وهو واحد؟ * الطالب: إيه. * الشيخ: طيب. قال: ﴿إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ ﴿دَعَوُا﴾ هذه جواب ﴿إِذَا﴾ وهي مرُكَّبَة مِن فِعْلٍ وفَاعِل، وهنا فيه إشكال وهو أنّه تقدَّم لنا أنَّ الفعل الماضي إذا اتَّصَلَتْ به واو الجماعة فإنه يُبْنَى على الضَّمّ وتُسَكَّن واو الجماعة، وهنا ما بُنِي على الضم ولا سُكِّنَتْ واو الجماعة، تقول: قَامُوا اللي قبل واو الجماعة مضْمُوم، وواو الجماعة؟ مُسَكَّنَة، وهنا ﴿دَعَوُا﴾ لا ضُمَّ ما قبل الواو ولا سُكِّنَت الواو، فكيف المخرَج مِن هذا الإشكال؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا (...) قَبْل الواو، الآن هو إذا اتَّصل واو الجماعة في الفعل الماضي ضُمَّ ما قبلَها وسُكِّنَت. * الطالب: (...). * الشيخ: هَالْحِين اللِّي عندنا بالعكس. * الطالب: دَعَوُا. * الشيخ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: واحدة. * الطالب: (...). * الشيخ: لا. اللي عندنا الآن واحدة. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني والواو الموجودة ويش هي؟ * الطالب: (...). * الشيخ: أو واو الفعل. * الطالب: واو (...). * الشيخ: يعني واو الفعل، طيب هذا جواب.. نعم. * طالب: (...) واو (...) واو الفاعل (...) لأن الواو واو الفاعل (...). * الشيخ: حذفت الواو. * الطالب: واو (...). * الشيخ: طيب والفَتْح ويش اللي جابه؟ * طالب: بقِي على الأصل أن الضمة أصل الواو (...). * الشيخ: وهذا الجواب؟ نعم. * طالب: (...) واو الجماعة أنه يُحذف ويُفتح ما قبل واو الجماعة (...) دَعَوْا، أصل الفعل: (دعا) (...) حرف العلة (...) فحذفت (...) قبله. * الشيخ: وبقِيَت الفتحة؟ * الطالب: علامةً عليها. * الشيخ: دليلًا عليها على ذلك، طيب ضمّ الواو ﴿دَعَوُا﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: (قَامُوا) ما هُو (...) مُسَكَّنَة. * طالب: (...). * الشيخ: طيب: ............................... ∗∗∗ وَإِنْ يَكُـــــنْ لَيْنًا فَحَذْفُـــــــــهُاسْتَحَـــــــــقَّ * طالب: (...). * الشيخ: (...). * طالب: (...). * الشيخ: جوابُه صحِيح الأول ولَّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: إيه إنه حُذِفَت الألف، محذُوف مِن الفعل الأَلِف؟ * طالب: (...) الألف ألف الفعل (...). * طالب آخر: (...). * الشيخ: لا، ما يتكلم أحد يا جماعة إلا المسؤول. * طالب: (...). * الشيخ: ما هو صحيح. * الطالب: (...). * الشيخ: اللي هو الضَّمِير؟ * الطالب: إيه، وحُذِف لالتقاء الساكنين. * الشيخ: الظَّاهِر إنه بيصير فيه خلاف بينكم، لعلنا نقطَع الطريق. * طالب: (...). * الشيخ: لا، الصحيح: أصله أنّه محذوفة الألف حُذِف ألِفُ الفعل وبَقِيت الفتحة دليلًا عليها، والواو الموجودة واو الضمير لكن حُرِّكت بالضَّم لالْتِقَاء الساكِنَين، وين الساكِنَان؟ لو بَقِيَت الواو ساكِنَة وهمزة (أل) ساكنة ما يستقيم، فإذا قال القائل: القاعدة أنك تحذف الواو لأن: .............................. ∗∗∗ وَإِنْ يَكُـــــــنْ لَيْنًا فَحَذْفُــــــــهُاسْتَحَـــــــقَّ قلنا: حذف الواو هنا غير مُمكن، لو حَذَفْنا الواو اسْتَلْزَمَ ذلك إرجَاع ألف الفعل، ثم إذا رَجعْنَاه لم يكن لدينا دليل على الضَّمِير فصارَ وجود الضمير لا بُدَّ منه، وحُرِّك بالضم لأنَّه الـمُجَانس للواو إذْ أنَّ ظُهُور الكَسْرَة على الواو ثَقِيل جِدًّا، والضَّمَّة أقْرَب لمجانَسَتِها الواو، وهذه موجودة في القرآن، بهذا عدة أمثلة. وقوله: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت ٦٥] ﴿دَعَوُا﴾ دُعاء عبادة ولَّا مسألة؟ * طالب: مسْأَلَة. * الشيخ: مسْأَلَة. وقوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ حالٌ مِن فاعل ﴿دَعَوُا﴾، والإخلاص: تنْقِيَةُ الشيء عما يشُوبُه، فمعنى ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ﴾ أي: لا يجعلون مع هذا الدعاء دعاءً لِشيءٍ من الأصنام. وقوله: ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ قال المؤلف: (أي الدعاء)؛ لأنَّ الدعاء عبادة، فهو مِن الدِّين؛ فلِهذا قال: (﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: لا يدْعُون معه غيرَه؛ لأنهم في شِدَّةٍ لا يكشِفُها إلا هو). وهم بذلك معتَرِفون ومضطرون، لا يمكن أن يدعو الواحد منهم صنمًا في هذه الحال؛ لأنه يعلم أنَّ الصنم لا ينفَعه، فلا يدعُون إلا الله، وهذه حُجَّةٌ ثالثة عليهم بل رابعة. الحجة الأولى: خلق السماوات والأرض. والثانية: تسخِير الشَّمْس والقمر. والثالثة: إنزَال الماء مِن السماء وإحيَاء الأرض أربعة (...). والخامِسة: إخلاصُهم الدعاء في حالِ الشِّدَّة لله. * طالب: أكبر الحُجَج عليهم هذه. * الشيخ: إي نعم، هذه مِن أكبر الحُجَج عليهم. قال: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لَمَّا﴾ هذه شرْطِيَّة. فعل الشرط: ﴿نَجَّاهُمْ﴾، وجوابه: ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. و﴿إِذَا﴾ يسَمِّيها النحويون فُجَائِيَّة، والفُجَاءَة الشيء الذي يأتي بغتة، والمعنى: أنَّهم إذا نُجُّوا إلى البَرّ فَاجَؤُوا وبادَرُوا ويش هو؟ بالشِّرك، أعوذ بالله، جزاء النعمة أن يكفُروا. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ نجَّاهُم مَن؟ الله، يعني أنقَذَهم مِن الشِّدَّة التي هم فيها ﴿إِلَى الْبَرِّ﴾ الذي هو شاطئ السلامة. (﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ به). ﴿هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ هذه جملة اسمية تفيد أنَّ هذا يكُون كالصفة اللازِمة لهم يسْتَمِرُّون -والعياذ بالله- على الشرك مُبادرِين به، وهذا غاية ما يكون مِن اللُّؤْمِ؛ لأنَّ الإنسان بطبِيعَتِه وفطْرَتِه لا يكْفُر بِمَن أنعم عليه، بل يشْكُر مَن أنْعَم عليه. أمَّا هؤلاء فإنهم بمجَرَّد النعمة يشركون والعياذ بالله، وهذا يُشبهه قولُ مَن يتَرَنَّم في بعض الإذاعَات العرَبِيَّة في الحَرْب التي يسمونها حرْب الأيَّام السِّتَّة تعرفونها هذه؟ حَرْب مع اليهود، حارَبَتْ سُورْيَا والأُرْدُن ومِصْر، حَرْبٌ قَضَتْ -والعياذ بالله- على معنوياتهم وأخذَتْ أراضِيَهم، لكن في أيام المعركة كان أحَدُ المذيعين يقول: سندخل تلَّ أبيب غدًا وتُغَنِّينَا أمُّ كلثوم، لكن أمَّ كُلْثُوم غنَّتْ على رُفَاتِهم. هذا في الحقيقة وعْدٌ بِالكُفْر بِكُفْر النعمة ولَّا لا؟ الرسول عليه الصلاة والسلام دَخَل مكَّة حين الفتح مطَأْطِئًا رأسَه خاضِعًا لله عز وجل[[أخرجه أبو يعلى (٣٣٩٣)، والحاكم في المستدرك (٤٤١٣) من حديث أنس بن مالك.]]، نعم فرْق بين هذا وهذا، إنما هذه الحال كونه مثلًا إذا فتحْنا بلاد الكفار تُغَنِّينَا القِيَان تعْزِفُ علينا، هذا يُشْبِه ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. قال الله تعالى: (﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [العنكبوت ٦٦] مِن النعمة، ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ باجتِمَاعهم على عِبَادَةِ الأصنام، وفي قراءةٍ بسكون اللام: أمْر تَهْدِيد). قولُه: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ اللام هنا لِلأمْر أم لِلتعليل؟ * طالب: للتعليل. * الشيخ: نعم فيها قراءتان، إنْ سكَّنَّا اللام في قولِه: ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ -وهي القراءة الثانِية- صارَت اللام للأمر أمْر تهديد؛ لأنَّ الله ما يأمُر بالكفر أمْر إرشاد ولا أمْر إِلْزَام، وإذا كسَرْنا اللام الثانية: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ صارَتِ اللام لام (كَي). ثم هل اللام في قولِه: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ على أنَّها إذا لم تكن للأمْر هل هي لامُ التعليل ولَّا لام العاقبة؟ الجواب: أنَّها لام العاقبة؛ لأَنَّ الله ما نَجَّاهم إلى البَرّ فأشركوا لأجْل أن يَكفروا، لكن صَارَت عاقبتُهم الكفر، هل لام العاقبة معروفَة في اللغة العربية؟ نعم معروفة، قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]. لو سأَلَنَا سائل: هل آلُ فرعون التَقَطُوا مُوسى لِهذا الغرض؟ لقلنا: لا، لكن صارت العاقِبة هذه، لو أنَّهم عَلِموا أنه يكون عدوًّا لهم وحزنًا.. * طالب: ما التقطوه. * الشيخ: إيه أو التقطوه فأهْلَكُوه، إنَّما ما يلتقطونه لِهذا الغرض، لكن صارت للعاقبة، فهنا العاقبة أنَّهم كفروا بما آتينَاهم. وقوله: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ الباء للسببية أم إنَّ البَاء مُعَدًّى بها الفعل مثل كَفَر به؟ نعم هذا هُو الأقرب؛ يعني: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أي أنَّ الفعل (كَفَرَ) تعدَّى إلى مفعولِه بالباء، والمعني: مثل كفَر بالله وكفر بالرسول وكفر بكذا، وقوله: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أي بما أعطيناهم مِن النعمة ويش هي النعمة؟ إنْجَاؤُهم مِن الغرق. ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ قال: (باجْتِمَاعهم على عبادة الأصنام) ويمكن أن يقال: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ بالنعم أيضًا، بالنعم التي أُعْطُوها، فهم كفروا بها فلم يشكُرُوها وتمتَّعُوا بها إلى مآلِهم ومصيرِهم. يقول المؤلف: (وفي قراءة بسكون اللام أمرَ تهديد): ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ . وعلى هذا العامة الآن يقرَؤُونها ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ نرُدّ عليهم ولَّا لا؟ نرُدّ عليهم؟ * طالب: (...). * الشيخ: نرد عليهم. * طالب: (...). * الشيخ: إيه؛ لأنَّ القراءة قراءة غلط، نرد عليهم لأنَّهم يقرؤونها قراءة غلط؛ إذ إنه لو تقول (...) ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ وين ترجعون إليه؟ نرجِع إلى المصحف، إذا رجعنا إلى المصحف وجدْناها مكسورة، فقراءَتُهم إيَّاها بالسكون ليس عن عِلم بل هو عن خطأ وعدم معرفة، أمَّا لو جاء طالبُ علم فقرأها ﴿وَلْيَتَمَتَّعُوا﴾ فإننا لا نردُّ عليه؛ لأن طالب العلم قد يكون قرأَها على هذه القراءة. * طالب: (...). * الشيخ: إذا كان في واقع الأمر أنها صحيحة لكن ما أراد لام الأمر فهي ما هي بصحيحة، قراءته خطأ وهو ما أراد لام الأمر. * طالب: (...) لام الأمر (...) اللغة العربية (...). * الشيخ: إيه، لكن هم أرادوا ما تدُلُّ عليه اللغة العربية، وهي: أشهد أن محمدًا رسولَ الله، ويش أرادوا أن تكون رسول؟ * الطالب: خبرًا. * الشيخ: خبرًا، فهم أرادوا ما تقتضيه اللغة العربية الأخرى. * الطالب: وهذا؟ * الشيخ: لا، هذا ما أراد الأمر. * الطالب: ما يدري. * الشيخ: ما يدري؛ لكن هو أراد الذي في المصحف، إن نرُد عليه نقول: لأنَّك الآن تريد القراءة التي في المصحف فغَلِطت، أمَّا لو قال: نعم أنا سكنْتُها لأنِّي على الوجه الثاني في القراءة، قلنا: ما نرد عليه. * طالب: رجل لو صار يقرأ في قراءة ورش وجاته آية مثل هذه وقرأها بالقراءة الثانية ما نرد عليه هو يعني قاصدها. * الشيخ: لا إذا قصدها ما نرُدّ عليه إلَّا مثل ما قلت لكم سابقًا؛ إنه أَمامَ العامة ما ينبغي أن نقرأ خلاف القراءة التي بين أيديهم؛ لأنَّ هذا يوجب التشويش عليهم، ويوجب أنه بدَل ما كان القرآن محترمًا في نفوسهم تعرف العامي ما يقدّر هذه الأمور، يرى أن هذا فيه نقص في القرآن الكريم يقول: أيش لون هذا يتغير؟ إحنا ذكرنا أن القراءات طالب العلم ينبغي أن يقرأَها بنفسه فيما بينه وبين نفسه، ينبغي أن يقرَأ بكل القراءات لأنَّها كلها سنة، ولكن بالنسبة للعامة ما ينبغي أن تقرأ عندهم خلاف ما كان معروفًا بينهم. * طالب: تسمية الدعاء دينًا. * الشيخ: وجه تسمية الدعاء دينًا؛ لأنَّه من العبادة، الإنسان الذي يدعو ربه متعبدٌ له بهذا الدعاء؛ ولهذا خصوصًا العارف يشعر بأنه سيُثَاب على هذا فيكون دينًا. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: (﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة ذلك). (سوف) يقول النحويون: إنَّها تفيد التوكيد لكن بمُهلة؛ ولهذا يقولون: التَّسويف، بخلاف السين فإنَّها تفيد التحقيق بقرب. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ الجملة خبرية ويُراد بها التهديد كقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر ٣، ٤] في سورة (ألهاكم). وقال تعالى في سورة النبأ: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾ [النبأ ٤، ٥]. فالعذَاب والعياذ بالله نازِلٌ بهم لا محالة. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت ٦٧]، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ تقدم الكلام على مثل هذا التركيب وأنَّ الهمزة للاستفهام والواو حرف عطف، وهل الهمزة مقدَّمَة عن مكانها أو لا؟ ذكرْنا أنَّ في ذلك خلافًا، وذكرْنا أنَّ القول الأسهل أنَّ الهمزة للاستفهام وأنَّ الواو عاطفة على ما قبلَها. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يقول المؤلف: (يعلموا) وذلك لأنَّ الرؤية نوعان: عِلْمية وبصرية، إن تعَدَّت إلى مفعولين فهي عِلْمية كقولك: رأيت العلم نافعًا، وإلى مفعولٍ واحد فهي بصرية كقولك: رأيتُ فلانًا. من الرؤية العلمية في القرآن كثير ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ [المعارج ٦ - ٨] نعلَمُه قريبًا، و﴿يَرَوْنَهُ﴾ الأولى رؤية ظَنّ ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾. وقوله تعالى: (﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أي: يعلموا ﴿أَنَّا جَعَلْنَا﴾ في بلدهم مكة ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ ). لِماذا خصَّه بأهل مكة؟ لقولِه: ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. ﴿جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ الحرم ما لَهُ حرمةٌ أي تعظِيم، وسُمِّي التعظيم حرمة لأنه يُمنَع بهذا التعظيم ما كان سائغًا لولاه، أيش مِن جملة حُرُمَات مكة؟ * طالب: تحريم قتل الصيد. * الشيخ: تحرِيم قتل الصيد، والقتال فيها، وقَطْع الشجر، وحَشَّ الحشيش وغير ذلك، حتى الحيوانات غير المؤذية يجب أن تكون آمِنَة. قوله: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ أهل المجاز يقولون: آمِنًا مَن فيه، والصواب أنَّ الحرم نفسه آمِن؛ ولهذا عصَمَهُ الله سبحانه وتعالى مِن كل أحد كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل ١]، وحرَّم النبي عليه الصلاة والسلام القتال فيه[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٣٤) ومسلم (١٣٥٣ / ٤٤٥) من حديث عبد الله بن عباس. وفي الباب: عن أبي هريرة، وعمرو بن سعيد وغيرهما.]]، فهو نفسُه آمِن، وإذا أَمِن نفسه أَمِن مَن فيه. وقوله: ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ يقول المؤلف: (قتلًا وسبيًا دونَهم): في عهْد الجاهلية، غيرُ أهل الحرم ليسوا بأمَان، يُغار عليهم فيُقْتَلون ويُسْبَوْن وتُؤخذ أموالُهم ونساؤُهم، لكن أهل مكة آمنون حتى إنَّه يجِد الإنسان قاتِلَ أبيه في الحرم ولا يقتلُه، قاتل أبيه مع شِدّةِ الحَمِيَّة عندهم لا يقتلُه، لكن اخرج عن الحرم تجِد القتل والسبي والنَّهب وكُل شيء. هذه نعمة مِن الله عظيمة على قريش، وكان عليهم أن يُقابلوا هذه النعمة بالشُّكْر والتصديق للرسول ﷺ، مع أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام منهم يعرفونَه ويسَمُّونَه قبل أن يأتي بالرسالة يسَمُّونَه الأمِين، ويحتكمون إليه أحيانًا، لكن لَمَّا بُعِثَ بالرسالة -والعياذ بالله- وخالف أهواءَهم كفروا به. * طالب: (...). * الشيخ: يقال فيه: إنَّ الحرم نفسه ما تغيَّر، وأَخْذُ الحجر منه ما بقِي، ولا تعَطَّل الناس مِن الحج، حتى وهو (...). مِن الفوائد: * طالب: (...) ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ (...). * الشيخ: أي: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ مَن نزَّل ولَّا من خلق؟ * طالب: من نزَّل. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت ٦٣]. * مِن فوائِد هذه الآية: أولًا: حكمة الله سبحانه وتعالى في إنزال المطر مِن السماء. * ومن فوائدها: أنَّه لا يقدر على إنزال المطر من السماء إلَّا الله، ومهما حاول هؤلاء الذين أعطاهم الله ما أعطاهم مِن الصنائع فإنَّهم لن يستطِيعوا أن يُنَزِّلوا المطر مِن السماء؛ لأن هذا خاص بالله عز وجل. * ومِن فوائد الآية: قُدرَة الله سبحانه وتعالى على إحياء الموتى: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾. * ومِن فوائدها: أنَّ الجماد يُوصَف بالحياة والموت ﴿أَحْيَا بِهِ﴾ ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾، وذكرنا مثالًا آخر في هذه المسألة في الأصنام: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل ٢٠، ٢١]. * ومِن فوائدها: قياس الغائب على الشاهد. * طالب: الغائب هو البعث أو النشور مرة أخرى، والشاهد هو إحياء الأرض؟ * الشيخ: إي الغائِب إحياءُ الناس بعد الموت، والشاهد إحْيَاء الأرض. * ومِن فوائدها: ثُبوت القياس الصحيح أو اعتبار القياس الصحيح خِلافًا لمن أنكرَه أو غَلا فيه؛ لأنَّ الناس انقسموا إلى قسمين: مِنهم مَن غَلَا، ومِنهم مَن دنا؛ يعني منهم مَن أنكر القياس مطلقًا كابن حزم وهو ينكِرُه ويقِيسُ أحيانًا، ومنهم مَن غلا فيه وتجَاوز الحد حتى بلَغ بهم إلى أن يقِيسُوا صِفَاتِ الخالق بصِفَات المخلوق كالمشَبِّهَة مثلًا. * ومِن فوائد الآية: حُسْنُ مناظرة القرآن ومجادلَتِه، وأنَّ مناظرَاته ومجادَلَاته تكون مُلْزِمَة، وجه ذلك أنَّ إقرارهم بهذا الشيء ملْزِمٌ لهم أن يقروا بتوحيد الألوهية وكمالِ صفات الله. * ومنها: وُجُوب إعلَان الثناء والحمد لله عز وجل أمام المشركين؛ لقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. * ومنها: أنَّ إقرارَ المشركين بما يختَصُّ به الله تعالى مِن القدرة هو في الحقيقة كمالٌ لله عز وجل؛ ولهذا أمَر الله نبيه أن يُثْنِي عليه بالحمد أو أن يصفَه بالحمد لَمَّا قال: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، * فيُستفاد منه أن إقرار المشركين بما يختَصُّ به الله من صفات يُعتبر مِن كمالِ صفات الله التي يستَحِقُّ عليها الحمد. * ومنها: أنَّ أكثرَ هؤلاء المشركين جُهَّال؛ لقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٧٥]، المعنى: لا يعلمون ما يستَحِقُّه الله تعالى مِن أوصاف الكمال. * طالب: ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾. * الشيخ: ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ نعم صح، أكثرهم سُفهاء، إن أكثرهم سفهاء لا يعقلون، لو كانوا عقلاء لَعرفوا اللازِم وملْزُومَاتِه وأقروا بها. * ومِن فوائد هذه الآية: أنَّ الأشاعِرة ونحوهم ليس عندَهم فيما ذهبُوا إليه مِن إثبات بعض الصفات وإنكار بعضِها ليس عندهم معقول ولا أثَرٌ منقُول، أمَّا الأثر المنقول فظاهِر، ما عندهم دليل. وكذلك أيضًا ليس عندهم نظر معقول، فإنهم ينكرون ما يقِرُّون بمثله أو دونَه ولَّا لا؟ ومَرَّ علينا أمثلة لهذا فيما سبق. إذن نقول: كُلُّ مَن أقَرَّ بشيء مِن صفات الله تعالى وأفعاله وأنكَر آخر فهو دليلٌ على قِلَّةِ عقْله، وليس المرادُ بالعقل هنا عقْل الجنون لا ما هو الجنون، لكن عقل الرشد والهداية. * طالب: كيف يوصف البعض بالعقل؟ * الشيخ: إي نعم؛ لأنَّ البعض أقَرّ وآمَن. * الطالب: هو الآن يحكي عنهم يتكلم عنهم.. * الشيخ: هم على سبيل العموم، والذي عنده عقْل ثم فَكَّر ونظَر آمَن ورَجَع. ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤].﴾ * مِن فوائد هذه الآية: بيَانُ حَقَارَةِ الدنيا وأنَّها ليست بشَيْءٍ مطلقًا ولَّا بالنسبة للآخرة؟ * طالب: بالنسبة للآخرة. * الشيخ: ظاهر الآية أنه مطلق، إن ما هي إلا لهو ولعب، كل ما فيها لهو ولعب، فيمكن أن نقول: إنها على سبيل الإطلاق، ويمكن أن نقول: إنَّه على سبيل المقارنة بالآخرة؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. * طالب: (...) يعني تُقيَّد؛ لأن فيها أشياء كالصلاة مثلًا.. * الشيخ: هذه أجاب عنها المؤلف قال: (إنَّ القُرَب مِن أعمال الآخرة لظهور أثرِها فيها). نفس المؤلف أجاب عن هذا، فما كان مِن أعمال الآخرة فليس داخلًا في أعمال الدنيا. * ومِن فوائد الآية: أنَّه لا يجوز أن يُقصَد بأعمال الآخرة شيءٌ من الدنيا، وجه ذلك؟ هذه فائدة ما هو سؤال، قلنا: يستنبط مِن هذه الآية أنَّه لا يجُوز أن يُقْصد بها الدنيا، ما وجهُ الدلالة؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: لأن الدنيا (...) والدار الآخرة (...).* الشيخ: لأن هذه المسائل يقصد بها الآخرة، فلا يجوز أن تأخذ عنها عِوَضًا من الدنيا، والمسألة هذه عاد فيها خلاف بين أهل العلم في باب الإجارة. * ومِن فوائد هذه الآية: كمال حياة الآخرة؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾، وهو كذلك؛ لأنَّ الدار الآخرة دائِمة إما على الخير وإمَّا شر. * ومِن فوائد الآية: الحث على العلم؛ لقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. * ومنها: أنَّ مِن العلم بل مِن أفضَل العلوم التَّفريق بين الأمور النافعة والأمور الضارة، وهذا التفريق مِن أعظم ما يكون، إذا أُوتِيَه الإنسان حقيقة أوتِيَ خيرًا كثيرًا، إذا أوتي معرفة الفرق بين الأمور النافعة والضارة ومعرفة الفرق بين الأمور المتشابهة في العلم فهو ينالُ خيرًا كثيرًا. وقد صنَع بعض أهل العلم شيئًا مِن ذلك، فصاروا يؤَلِّفُون كتبًا اسمُها: الفروق والتقاسيم، مثلًا يذكرون: الفرق بين الفرْض والنفل، الفرق بين الأذان والإقامة، الفرق بين الجَعَالة والإجارة، الفرق بين العطِيَّة والوصِيَّة، الفرق بين كذا وكذا ويذكرون الفروق، وهذه مفيدة لطالب العلم، وهنا قال: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: الفرق بين الدنيا والآخرة ما آثروا الحياة الدنيا على الآخرة. * طالب: (...). * الشيخ: في مؤلَّفات. * الطالب: (...). * الشيخ: لا ما نعرف، أنا ما أعرف، لكنه دائمًا في الإنصاف: ذكرَه فلان في الفروق والتقاسيم وما أشبه ذلك، الشيخ عبد الرحمن له رسالة صغِيرة في هذا الموضوع لكن ما استوعبه، إنَّما مفيدة في هذا الباب. * طالب: كتاب القرافي؟ * الشيخ: القرافي؟ إي نعم ما رأيْته. * طالب: رسالة الشيخ؟ * الشيخ: رسالة الشيخ اسمها القواعد، صغيرة ما هي كبيرة، القواعد والتقاسِيم، هذا.. * طالب: (...) الحروف والقواعد. * الشيخ: إي نعم. قال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٦٥] * طالب: يا شيخ، بالنسبة لقصد الدنيا وقَصْد الآخرة ترى الذين يُسَمُّون أنفسهم العارفين يقولون مثلًا: لا أعمل لأجل الجنة ولا خوفًا مِن النار، ويسمون هذه عبادة العبيد أو (...). * الشيخ: (...) ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ إلى آخره. * مِن فوائد هذه الآية: بيَان أن المشركين -فيما سبق- يُخلِصُون في حال الشدة. * ومِن فوائدها: اعتراف المشركين ضِمْنًا بأن آلهتَهم لا تنفعهم، لو كانوا يعتقدون نفعَها لدَعَوْها في هذه الحال، لكن هم يعرفون أنها ما تنفَعُهم. * ومن فوائدها: أنَّ إشرَاكَ السابقين أهوَن مِن إشراك مَن أشْرَك مِن هذه الأمة ولَّا لا؟ لأنَّ المشركين مِن هذه الأمة ما هم يدعون الله، يدعُون أولياءَهم والعياذ بالله ومَن اتخَذُوهم أندادًا مع الله، يقولون مثلًا الرافضة يدْعُون عليًّا، يا علي! يا علي! * طالب: عند الكعبة (...). * الشيخ: إي نعم، وسمعت رجلًا منهم يدعُو عند المقام ويرفع صوته: يا علي يا علي! يرفَع صوتَه (...)، فجاءَه أحدُ رجال الحسْبَة فزجَرَه وقال: تُشْرِكُ تحت الكعبة! اخرُج. فقال: إنَّما أنا أقول: يا عليُّ، والله يقول في القرآن: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥] يعني أنَّه ينادِي الله، وهذا مِن التقية اللي هم يتَّخذُونَها وهي سَبِيلُ المنافقين. فهذا لا شك -فيما يظهر لي والله أعلم- أنَّه ما يريد الله، إنما يُريد عليًّا؛ لأنَّه لو كان يُريد الله لقال: يا ربِّ، أو: اللهم، أو ما أشبه ذلك، لكن لَمَّا وقَع في شَرَك العَدْل والتوحيد (...) الكلام ادَّعى هذه الدعوة، والحاصل أنَّ شِركَ مَن أشرك في هذه الأمة أعظَم مِن شرك المشْرِكين فيما سبق. * ومِن فوائد الآية: أنَّ اللجوءَ إلى الله عز وجل أمرٌ فِطْرِيٌّ غريزِيّ؛ بدليل أنَّ هؤلاء غلبَتْهُم الفطرة حتى ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. * ومِن فوائد الآية: أنَّ الدعاءَ مِن الدين؛ لقوله: (﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: الدُّعاء) ولا شكَّ أن الدعاء مِن الدين والعِبادة؛ لأنَّ فيه غاية الذل والاعتِرَاف بالكمال لله عز وجل، أليس كذلك؟ فيه غاية الذل والاعتراف بالكمال لله عز وجل، وهذه هي العبادة. أنت عندما تقول: يا رب، معنَاها أنك مُفْتَقِر إلى الله عز وجل، ومعناها أنَّ الله كامل ولَّا لا؟ إي نعم؛ ولهذا بايَع الصحابة رضي الله عنهم النبي ﷺ على ألَّا يسألُوا الناس شيئًا، فكان الرجل يسْقُطُ سوطُه مِن بعيرِه فينْزِل ويأخذُه ولا يقول: ناولْنِي إيَّاه يا فلان[[أخرجه مسلم (١٠٤٣ / ١٠٨) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.]]. بينما إنه مع الأسف الآن في وقتِنا تجِد الإنسان يتذَلَّل غايَة الذُّلّ في سُؤَال المـَال وهو غير مُحتاجٍ إليه، هؤلاء يأتون يومَ القيامة وما في وجوهِهم مُزْعَةُ لَحْمٍ والعياذ بالله، فالمهم أنَّ الدعاء تذَلُّل؛ ولهذا كان مِن العبادة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ هؤلاء المشركين إذا نجَوْا مِن الشدة كفَرُوا بالنِّعْمَة: ﴿لَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. * ومِن فوائدِها: سفَهُ مَن يجْعَلُ النِّعَم سببًا للأَشَر والبَطَر، فإنَّ هذا فيه مِن مشابهة المشركين ما هو ظَاهر، اللي يجعلون النِّعْمة سببًا للأشر والبطر هؤلاء الْمُشابهون للكفار؛ لأنَّ الواجب على مَن أنعَمَ الله عليه نعمَة أن يزدادَ عبادة لله سبحانه وتعالى؛ لأنَّ العبادة مِن الشكر، فإذا أنعم الله عليك بالنعمة فازْدَدْ له شُكْرًا. ولهذا: «كانَ الرسولُ ﷺ لما دخَل مكة فاتحًا قد طَأْطَأَ رأسَهُ حتى إنَّه ليُصِيب مَوْرِكَ رحلِه»[[أخرجه أبو يعلى (٣٣٩٣)، والحاكم في المستدرك (٤٤١٣) من حديث أنس بن مالك.]] عليه الصلاة والسلام، كُلّ هذا مِن أجل التَّذَلُّل لِلمُنْعِم سبحانه وتعالى، فلا تجْعَل نِعَمَ الله عليك سببًا للأشر والبَطر، بل اجعلْها سببًا للشُّكْر والذُّلِّ لله سبحانه وتعالى، حتى تزدادَ هذه النِّعَم وتكونَ نِعَمًا حقِيقِيَّة. وقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت ٦٦] نُفَسِّر هذه الآية على أنَّها للأمر. * فيستفَاد منها: تَهديد أهل الكفر والتَّمَتُّع المحرَّم؛ لأنَّ الأمر هنا للتَّهْدِيد؛ إذ لا يأمُرُ الله أحَدًا أن يكفر، ولا أن يتمَتَّعَ تمتعًا محرَّمًا. * ويستفاد منها على قراءَة اللام التي للتعليل: أنَّ هؤلاء الذين أشركوا صارَت عاقبة أمرهم أيش؟ الكفر والتمَتُّع الزَّائِل؛ ولهذا قال بعدَه: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، * فيستفاد منه: تهديد هؤلاء الكفار الذين ليس لهم إلَّا هَمُّ التمَتُّع بالدنيا. * ومِن فوائدِها: الحَذَرُ الشديد مما كان عليه بعض المسلمين اليوم حيث صارَ ليس لهم هَمٌّ إلا أيش؟ التَّمَتُّع بالدنيا فقط، تجِد أكثر ما يتكَلَّمون عليه: الرَّفَاهِية والتَّرْفِيه وما أشبه ذلك، لكن أمراض القلوب وعلل القلوب وانحرافات القلوب قَلَّ مَن يتكلم عليها مع أنَّها هي الأصل. ترفِيهُ الأبدان إذا مرضت القلوب ويش الفائدة منه؟ ما فيه فائدة إلَّا أنَّه إذا نزَلَت النِّقْمَة مِن الله ازدَاد الإنسان حَسْرَة والعياذ بالله، لكن ترفيه القلب بطَاعَةِ الله عز وجل هذا هو الذي فيه الفائِدَة للبَدَن ولِكُلِّ شيء: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧]. ثم قال الله تعالى مُذَكِّرًا هؤلاء الكفار بنعْمَةٍ عظيمة لا ينَالُها أحدٌ سواهم فقال: (﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ [العنكبوت ٦٧]: يعلَمُوا) وسبق لنا الكلام على إعراب مثل هذا التركيب: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾، وقلنا: إنَّ في ذلك لأهل العلم.. * طالب: (...). * الشيخ: (﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ قتلًا وسبيًا دونَهم) قال تعالى: (﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾ الصنم ﴿يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ بإشراكِهم؟) الاستفْهَام هنا لِلتوبيخ: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾، وهو يقال فيه كما يقال في: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾؛ بمعنى أنَّ الهمزة هل هي بعد الفاء وأُخِّرَت الفاء، أو إنَّها في مكانِها والعطف على الجمل السابقة؟ ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾ قال المؤلف: (الصنم) وفي هذا نظر إلَّا إذا قصد المؤلف التَّمْثيل، وأنَّ مِن جُملة الأشياء الباطِلة الأصْنَام، وإلَّا فإنها تشْمَل كُل ما لا خَيْرَ فيه مِن صنم أو دُنيا أو رئاسة أو غيرِه، كلُّ شيء سوى الحق فهو باطِل. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٤١) ومسلم (٢٢٥٦ / ٣) من حديث أبي هريرة.]] فعلى هذا نقول: الباطل أعَمُّ مما ذكر المؤلف. وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أي يصَدِّقُون ويطمَئِنُّون إليه، فهم تجِدُهم في الأمُور الباطلة مُطْمَئِنِّين مصَدِّقِين مُتَّبِعِين، لكن بنعمة الله يكْفُرون: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾. وقوله: ﴿بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ أي: بما أنعم عليهم مِن المال والجَاه والرئاسة وغيره ﴿يَكْفُرُونَ﴾؛ لأن هذه النعم تحتاج إلى أي شيء؟ إلى شكر؛ بالرُّجوع إلى طاعة الله، فإذا بَقِي الإنسان على معصية الله مع إدْرَار النِّعَم عليه صارَ بذلك كافِرًا. وممكن أن نقول بالنسبة للمسلمين: ﴿بِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ النِّعمة المادية الجسَدِيَّة، والنعمة المعنوية القلبِيَّة، فالإسلام أكبَر النعم علينا ولَّا لا؟ إذا كفر به الإنسان ولم يقُم بواجباتِه فإنَّه يُوَبَّخ على هذا، يقال: ألسْتَ مسلمًا؟ فسيقول: بلى. طب لماذا لم تُصَلِّ؟ لماذا لم تُزَكِّ؟ لماذا لم تصُمْ؟ لماذا لم تفعل كذا وكذا مِن الواجبات؟ فشُكْرُ نعمة الله بالإسلام واجب، كما أنَّ شكرَ نعمة الله تعالى علينا بالمال والبَنِين والأمن والراحة وما أشبه ذلك واجبٌ، بل الشكر على الإسلام أوجَب، وكُفْرُ الإسلام أخطَر؛ لأنَّ الله يقول: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٨]، ويقول: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩]. يمكِن أن ينزِع الله الإسلام مِن قومٍ لا يقومُون بواجباتِه، مثل ما ينزع الأمْن والرَّخاء مِن قومٍ لا يشْكُرون هذا الأمْنَ والرخاء، النعم واحِدَة، وسبيلُها واحد. وقوله: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ ذي واحدة ولَّا كثيرة؟ * طلبة: كثيرة. * الشيخ: طيب وليش أنه قال: نعمة الله؟ * طالب: مُفْرَد مُضَاف. * الشيخ: مُفْرَد مُضَاف فيَعُمّ، الدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ شوف ﴿تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] ولو كانت واحدة ما تبغي عَدًّا ولا إحصاءً معروفة. * طالب: (...). * الشيخ: لا ما تُثَنى إلا باعتبار النوع، ما تثَنَّى، قال: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾. أين يتعلق قولُه: ﴿بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾؟ * طالب: بـ ﴿يَكْفُرُونَ﴾. * الشيخ: بـ ﴿يَكْفُرُونَ﴾. فقُدِّمَت لِإفادة الحصر، كأنَّهم لا يكفرون بشيءٍ إلَّا بنعمة الله، وهذه فائدة معنوية. * وفيها أيضًا فائدة لفظِيَّة: وهي مراعَاة الفَوَاصل.

العنكبوت 29:68

ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كذبًا﴾ [العنكبوت ٦٨] أي أشرَكَ به. قوله: ﴿مَنْ﴾ يقول المفَسِّر: (أي لا أحد)، وعليه فيكون الاستفهامُ هنا بمعنى النَّفي، وفائدة إتيَان الاستفهام في موضع النفي أنه يكون مُشْرَبًا معنى التَّحَدّي، كأنه يقال: إن كنتَ صادِقًا فأَعْلِمْنِي أنَّ أحدًا أظلَم، فالاسْتفهام في موضِع النفي هذه فائدتُه؛ أنَّه يكونُ مُشربًا معنَى التحدي. قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كذبًا﴾ أي لا أحدَ أظلَم ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كذبًا﴾. قوله: لا أحد ﴿أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى﴾: اختلَق ﴿عَلَى اللَّهِ كذبًا﴾ قال المؤلف: (بأَن أشركَ به). وهذا أيضًا تفسير قاصر إلا أن يُريد أيش؟ إلا أن يريد التمثيل، مَن أشرَك بالله فقد افترى على الله كذبًا كيف ذلك؟ لأنَّه زعَمَ أنَّ مع الله إلهًا آخَر وهو كاذِب، مَن قال: إنَّ الله حرَّم كذا، وهو لم يحَرِّمه فقد افترَى على الله كذبًا، فهمتم؟ مَن قال: إنَّ الله أراد بكلامه كذا دون كذا فقد افتَرَى على الله كذبًا، مَن قال: إنَّ الله ليس له يدٌ حقيقة وليس له وجهٌ حقيقة وليس له رضًا حقيقة وما أشبَه ذلك فقد افترى على الله كذبًا، والافتراء على الله كذبًا له أنوَاع كثيرة وأفرَاد لا تُحصَى، فكلُّ مَن قال عن الله أو عن أفعاله أو عن أحكامه شيئًا لم يقُلْه الله ورسوله فإنه مُفْتَرٍ على الله كذبًا. وقوله: ﴿مَنْ أَظْلَمُ﴾ يشكل علينا أنه في بعض الأحيان تأتي مثل هذه الصيغة في مسألة غير هذه يقال فيها: ﴿مَنْ أَظْلَمُ﴾ [البقرة ١١٤]، وقد جمعهما الله سبحانه وتعالى في آية: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كذبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام ٩٣]. عدة مسائل: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٥٣) ومسلم (٢١١١ / ١٠١) من حديث أبي هريرة.]]، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة ١١٤] ماذا نقول ونحن فسرنا ﴿مَنْ أَظْلَمُ﴾ أي لا أحد أظلم؟ فكيف نجمع بين هذه النصوص؟ * طالب: (...). * الشيخ: زين، واضح؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، يعني إمَّا أن نقول: لا أحد أظلم في هذا المعنَى المعيَّن؛ يعني مثلًا الافتراء -افتراء الكذب- يكون على الله ويكون على غيرِه، كده ولّا لا؟ أيُّهما أظلم؟ * طالب: مَن افترى على الله. * الشيخ: مَن افترى على الله. مَن منع مساجد الله، المنْع يكون منْع المساجد، ويكون منع الأسواق، ويكون منع البيت بيتك أنه ما تدخله مثلًا، أيُّها أعظم منْعًا؟ * طالب: مسَاجِد الله. * الشيخ: مسَاجِد الله. وهكذا نجعَل كل شيء مختَصًّا بما يقتضيه السياق. أو نقول: إنَّ الجميع اشتَرَك في الأظْلَمِيَّة؛ يعني: ما من أحد أظلَم من هذا، ولا أظلَم من هذا، ولا أظلم مِن هذا، ولا أظلم مِن هذا إلى آخرِه، وصار المعنى أنها كلها اشتركت في أيش؟ في الأظلَمِيَّة (...). فمَن قال: إنَّ مع الله شريكًا؛ فقد افترى على الله كذبًا، ومَن قال: إنَّ مِن أسماء الله كذا -وهو ليس من أسمائه- فقد افترى على الله كذبًا. النصارى يُسَمُّون الله: الأب، والفلاسفة يقولون: إنَّه العِلَّة الفاعلة، وهذا كذِب على الله عز وجل. وكذلك الكذب على الله في صفاتِه وقد سبق أمثلَتُه. الكذِب على الله في أحكامه مثل الذي يقول: هذا حلال، وليس بحلال. أو حرام، وليس بحرام، وما أشبه ذلك. فالله تعالى بيَّن أنَّه لا أحدَ أظلَمُ مِن هذا، وسبق الجمع بين هذه الآية ومثلِها في: ﴿مَنْ أَظْلَمُ﴾ أنه يُجمع بينهما مِن أحد وجهين. قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾. ﴿كَذَّبَ بِالْحَقِّ﴾ الحق: هو الشيءُ الثابت إن كان خبَرًا فهو الصِّدْق، وإن كان أحكامًا فهو العدل. وقوله: ﴿لَمَّا جَاءَهُ﴾ ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (حين) حين جاءَه كذَّبَ به. وقوله: ﴿لَمَّا جَاءَهُ﴾؛ لأنه قبل مجيئِه إليه لا يُلزَمُ به، فإنَّ الله يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]. فالله سبحانه وتعالى برحمتِه وعدلِه لا يُعاقِبُ أحدًا حتى تقوم عليه الحجة ببلُوغِ الشرْعِ له. وقوله: (﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾ مأوًى ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ أي فيها ذلك وهو منهُم). قول المؤلف: (أي فيها ذلك) إشارة إلى أنَّ المراد بالاستفهام هنا التَّقْرِير، والغالب أنَّه إذا دخلت همزةُ الاستفهام على أدَاةِ نفْيٍ الغالب أنَّها للتقرير، وأمثلَة هذا كثيرة مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر ٣٦]، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨]، ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة ٤٠]، وأشبَاه ذلك، فكلُّ هذا يدُلُّ على أنَّ الهمزَة هنا للتَّقْرِير. قوله هنا: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾ المعنى: في جهنَّم مثوًى؛ ولهذا قال المؤلف: (أي فيها ذلك وهو منهم)، (وهو) أي ﴿مَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كذبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ منهم؛ أي مِن الكافرين. وقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾ المثْوَى: هو المأْوَى، لكن المأوى الذي هو محَلّ إقامة يَأْوِي إليه على أنَّه محل إقامَتِه، فثَوى في كذا؛ أي: أقَام فيه إقامَةً دائمة. وقوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ هو في الحقيقة إظْهَار في موضِع الإضْمَار؛ إذ إنَّ مقتضَى السياق أن يقال: أليس في جهنم مثوًى له، لكنَّه أظْهَرَ في موضع الإضمار، وذكرْنا أن الإظهارَ في موضع الإضمار يُستفاد منه ثلاث فوائد: * طالب: التوكيد. * الشيخ: (...) ضمير الفصل. * طالب: تعميم الحكم (...). * الشيخ: صح، أولًا: تعميم الحكم بحيثُ يكون عامًّا له ولغيرِه، طيب هذا واحد. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، صحيح؛ أنَّ الحكم عليه بهذه الصِّفَة؛ يعني أنَّه مثلًا كافِر في المثال اللي معنا كافِر، فيُستفاد التَّسْجيل على هذا؛ أي على موضِع الضمير بأنَّه متَّصِفٌ بهذا الوَصْف، الفائدة الثالثة: * طالب: التعليل. * الشيخ: التعليل إي نعم، إفادة التعليل إذا كان مشْتَقًّا ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾، التقدير: لِكُفْرِه. لو قال: أليس في جهنم مثوًى له. ما استفَدْنا هذه الفوائد الثلاث، فتكون الفوائد إذن: أولًا: دلالة التَّعْمِيم. وثانيًا: الحكم على مَرْجِع الضمير بما يقتَضيه هذا الوصف. والثالث: إفادَةُ العلة أو الإشارة إلى العِلة، وهذا إذا كان مشْتَقًّا. ثم قال تعالى: (﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ [العنكبوت ٦٩] في حَقِّنا ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: طُرُقَ المسِير إلينا) ﴿الَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ خبرُه، والخبرُ كما ترون مؤكَّدٌ بثلاثة مؤكدات؛ وهي: القسم، ويش بعد؟ واللام، ونون التوكيد. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ ﴿جَاهَدُوا﴾ أي: بذَلُوا جُهْدًا في الوصول إلى الغاية، هذا هو الجِهَاد، بذل الجهد للوصول إلى الغاية يُسمَّى جهادًا. وقوله ﴿فِينَا﴾ قال المؤلف: (في حقنا) أي في دِين الله وما يجِب له سبحانه وتعالى، ومِن بيان شريعة الله سبحانه وتعالى؛ ومنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر، ومنه كَفُّ النفس عما يحرُم وإلزامُها بما يجِب، كلُّ هذا من الجهاد في الله، ومنه أيضًا قتالُ الكفار لإعلاء كلمةِ الله، فالآية عامة، كلُّ مَن بذَل الجهاد في الله فإن جزاءَه عاجلًا قبل الآجِل. ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ هدَاية دَلَالة وهِداية توفِيق، فهنا شاملة لأمرين؛ ولهذا قال: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ولم يقل: (لنهدينهم إلى..) بل قال: ﴿سُبُلَنَا﴾، فعَدَّى الهداية بنفسِها إلى المفعول الثاني، وإذا تعدت الهداية بنفسها إلى المفعول الثاني شمَل الدَّلَالة والتوفيق. ومنه قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] لم يقل: (اهدِنا إلى الصراط)، بل قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾؛ لِيَشْمل الهداية إليه والهداية فِيه، الهداية إليه الدَّلالة إليه أنه يدُلّك على هذا، والهداية فيه أن يُوَفِّقَك لِلعمل في إطَارِ هذا الصِّراط. فإذن ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ يشمَل أيش؟ هداية الأمرين: هداية الدَّلَالة والعِلْم، وهداية التوفيق والإرشاد، وهذا وعدٌ مِن الله عز وجل مؤَكَّدٌ بهذه المؤكدات الثلاث، إذا كان الإنسان يُؤمِن بهذا الوعد؛ لأنَّه مِن الرَّبِّ جَلَّ وعلا وهو لا يُخْلِفُ الميعاد لِتَمَامِ علمِه وقدرَتِه وصِدْقِه أيضًا، عِلْم وصِدْق وقُدْرَة، وإِخلاف الـمَوْعِد يكون بتخَلُّفِ واحِد مِن هذه الثلاثة، ما هي؟ العِلم والصدق والقدرة. ما أحد يخلفك الموعد إلَّا جاهل وعَدَك بشيءٍ وهو يظَنُّ أنه حصل ولم يكن على ظنِّه، أو إنسانٌ كاذب وعدَك فكذَبَك، أو إنسان عاجز هو صَدُوق ويعلَم الأسباب لكن عجز، أمَّا الله عز وجل فقد انتفى في حقِّه كل هذه الثلاث: الجهْلُ، والكذِبُ، والعَجْز، فلِتمامِ قدرتِه وعلمِه وصدقِه لا يُخلِفُ الميعاد. أقول: مَن صدَّق بهذا -والحمد لله نحن نُصَدِّقُ به- فإنَّه لا بد أن يبذُل جُهدَه في حَقِّ الله؛ يُجَاهِد، وهذا هو مِصْدَاقُ ما جاء في الآثار الكثيرة مِن أنَّ الإنسان إذا عَمِل بعلْمِه فإنَّ الله تعالى يزِيده عِلمًا، يُثَبِّتُ علمَه الذي كان يعمَل به ويزِيدُه علمًا؛ ولهذا قيل: قيِّدُوا العلم بالعَمَل. وقيل: العِلْم يهتِف بالعَمَل، فإن أجاب وإلَّا ارتَحَل[[أخرجه الخطيب البغدادي في اقتضاء العلم العمل (٤١) عن محمد بن المنكدر من قوله.]]. يهتِف يقول: تعال، إن أجابَ وعَمِلَ الإنسان بعلمِه بقِي وزادَ أيضًا، الله يقول: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ هذه زيادة، وإن لم يُجِب ارتَحَل العلم، وهذا حَقّ يؤيِّدُه الواقع ويؤَيِّدُه المعلوم بالشرع، أمَّا الواقع فإن الإنسان إذا صَار يعمَل بعلمِه فإنَّ عملَه بالعلم دراسَةٌ له في الحقيقة، أليس كذلك؟ نعم ولَّا لا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: نعم، إذن العَمَلُ بالعِلم دراسَةٌ له، أنت تعلم كيف كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي وتُطَبِّق ذلك في كل صلواتك، تنْسَاه ولَّا ما تنساه؟ * طالب: ما تنساه. * الشيخ: ما تنساه؛ لأنَّ التطبيق دِرَاسة. ثانيًا: مِن الناحية الشرعية يقول الله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم ٧٦]، فكل مَن اهتدى فإنَّ الله تعالى يزِيدُه هدًى وعلمًا وفي الحقيقة، نحن نعرِف هذا ونقرؤُهُ دائمًا، لكن يغْلِبُ علينا السَّهْو والغفْلة والنسيان، ولَّا نعلم أن هذا حق وأنَّ كل مَن عَلِمَ فعَمِل فإنَّ الله تعالى يزيدُه ثباتًا في علمه وفضلًا مما لا يعْلَمُه. * طالب: (...) هِدَاية الدَّلالة (...). * الشيخ: إيه لكن هِدَاية الدَّلالة تتَفَاوت، أنت الآن هل تعلم كلّ ما دَل عليه الرسول عليه الصلاة والسلام؟ * الطالب: الصلاة والصِّيام.. * الشيخ: لا، أسألك الآن أَجِبْنِي. * الطالب: (...). * الشيخ: ما تعلم ولا أحد يدَّعي ذلك، إذن فهداية الدلالة ما هي ثابتة لكل أحد، الدلالة في الأصل موجودة، لكن اهتداء الإنسان أو علمه بهذه الهداية محدُود، وإلا الكتاب والسنة كلها (...) ما هنا شيء يحتاج الناس إلى الاهتداء إليه إلا وهو مَوجود في الكتاب والسنة، لكن هذا الموجود ليس موجودًا لِكل إنسان، إي نعم. وقوله: ﴿سُبُلَنَا﴾ الضمير هنا (نا) ضمِير جمع، ما تقول في ضَمِير الجمع هذا؟ * طالب: التعظيم. * الشيخ: التعظيم؟ يقول النصارى: إنَّه للتثليث. * الطالب: كذَبوا. * الشيخ: كذبوا؟ أعطنا دليلًا على كذبهم. * الطالب: قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة ٧٣]. * الشيخ: إيه طيب، كمِّل الآية عشان يبين. * الطالب: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة ٧٣]. * الشيخ: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ كذا؟ كَفَرُوا بقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾، وأبطل الله ودلَّل على بطلان قولهم بقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وهذا أمْرٌ معلوم بالحس والعقل والفطرة، فإذن هذه الآيات الآية وشبهها التي أضَاف الله فيها الأمْرَ إلى نفسه بصيغة الجَمْع هي مِن متَشابه القرآن عند قوم. النصارى يقولون: أنتم تقولون الله واحد، والله دائمًا يقول: نحن وفعلْنا وقلْنا، وما أشبه ذلك، كيف تقولون: الله واحد؟ وهذه الضمائر لأي شيء؟ لِلجمع. فنقول: إنَّ هذه للتعظيم، كما يقول ملكُكم أو قِسُّكم يقول: فعلْنا وقلْنا وما أشبَه ذلك، مع أنَّه واحد، لكن له أُناس يأتَمِرون بأمرِه ويقولون بقولِه. قال: (﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: طُرُق السَّيْر إلينا) ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ هذه الجملة مؤَكَّدة بـ (إن) واللام، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿لَمَعَ﴾ (مع) هذه حرف ولَّا اسم؟ * طالب: حرف. * الشيخ: حرف؟ مثل هذه. * الطالب: (...). * الشيخ: كيف وجْهُ جوازِها؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ولا صارت مفتوحة. * طالب: إذا كانت ساكنة حرف. * الشيخ: حرف. * الطالب: إذا كانت ساكنة. * الشيخ: إيه، الظاهر أنه (...) عليك ما تقول؟ * طالب: (...). * الشيخ: طيب وإذا صارت غير مفتوحَة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يعني وافقته على (...). * الطالب: (...). * الشيخ: ما تقولون أنتم؟ * طالب: حرف. * الشيخ: حرف؟ حرف أيش؟ حرف جَرّ؟ * طالب: (...). * الشيخ: طيب الآن، كيف تُعْرِب (مع) مضَافًا و(المحسنين) مضَافًا إليه؟ * طالب: ﴿لَمَعَ﴾ منصوبة على المعِيَّة. * الشيخ: ما يخالف، منصوبة على المعيَّة، لكن كيف ﴿مَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ أيش إعرابها؟ * الطالب: (...). * الشيخ: مجرورة بأيش؟ * الطالب: بـ (مع). * الشيخ: بـ (مع)، بِالإضَافة؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: إذن صارت اسمًا؛ لأنَّه لا يُضَاف إلَّا الاسماء. هي في الحقيقة فيها خلاف بين النحويين: منهم مَن يرَى أنَّها اسمٌ وهو الصحيح بلا شكّ، ومِنهم مَن يرى أنَّها حرف. وفيها لغتان: الفتْح وهو الأكثَر، والتسكِين. قال ابن مالك: ومَـــــــعَ مَـــــــعْ فِيهَـــــا قَلِيــــــلٌوَنُقِـــــــــــلْ ∗∗∗ فَتْــــحٌ وَكَسْـــــرٌ لِسُكُـــــونٍيَتَّصِـــــلْ الحاصِل أنَّ ﴿لَمَعَ﴾ الصحيح أنَّها ظرْف اسْم، وأنَّها منصُوبة على الظَّرْفِيَّة؛ لأنَّها تدُلّ على الصُّحْبة، و﴿مَعَ﴾ مضاف، و﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ مُضافٌ إليه. وقول المؤلف: (﴿لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ المؤمنين) هذا تفسِير ناقص؛ لأنَّ ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ أخَصُّ مِن المؤمنين؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ» إلى آخرِه، ثم قال: «الْإِحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠) ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]. فكل مُحْسِن إحسانًا شرعيًّا -ما هو عادِيًّا- فهو مؤمِن ولا عكس. وأقول: إحسانًا شرعِيًّا؛ احترازًا مِن الإحسان العادِيّ، فإنَّ الإحسان العادي يقَع حتى مِن الكافر، أليس كذلك؟ لكِن الإحْسَان الشرعي الذي فسَّرَه الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»، هذا أخَصُّ مِن المؤمِن. وقوله: (بالنَّصْر والعَوْن) نعم صحيح هو معَهم بذلك، وليس معَهم في مكانِهم؛ لأنَّ هذا شيءٌ مستحِيل على الله عز وجل أن يكون مع الناس في أمكنَتِهم لا المحسنين ولا غير المحسنين؛ وذلك لأنَّ هذا القول يستلْزِم نفْيَ علُوِّه، وقد التزَم بذلك مَن قال به مِن الجهْمية القُدَماء منهم أيضًا ولَّا المتأخرون كما قرَّرناه غير مرة ماذا يرَوْن بالنسبة لمكَان الله؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا لا، يرَوْن أنَّه لا داخِلَ العالم ولا خارِجَه، ولا فوقَ العالم ولا تحتَه، ولا مُتَّصِل ولا مُبَاين، هذا ما استقَرّ عليه مذهب الجهمية، وتبِعَهم في ذلك الأشاعِرة؛ فإنَّهم يرَوْن هذا النفي المحض والعياذُ بالله، أمَّا قدماءُ الجهمية فقالوا بأنَّه -تعالى- في الأرض وليس في السماء؛ ليس علا في السماء، ومِن العجائب أن نَفَوُا العلو مع تطَابق الأدلة عليه، وأثبَتُوا الحلُول مع تطَابُق الأدلة على إنكَارِه. العُلُوّ تقدَّم لنا أنَّه دَلَّ عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة وإجماع سلف الأمة، أليس كذلك؟ الكتاب مَمْلُوءٌ بما يدُلُّ على هذا، حتى إنَّ بعض أهل العلم قال: إنَّ في الكتاب ألْف دليل على عُلُوِّ الله، والسنةُ كذلك مملوءة مِن الدلالة على علُوِّ الله عز وجل على وجُوهٍ متنوِّعَة: قَول وفعل وإقرار. قال النبي ﷺ: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٥١) ومسلم (١٠٦٤ / ١٤٤) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. وقال: «الْعَرْشُ فَوْقَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ»[[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٨٩٨٧)، وابن خزيمة في التوحيد (٥٩٤) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. وأشارَ عليه الصلاة والسلام بأصْبُعِه إلى السماء يُشْهِد الله على إِقْرَارِ أمَّتِه بالبلَاغ في أعظَم مجْمَعٍ للمسلِمين، متى؟ يوم عرفة حين قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله.]]. ودعا في خُطبَة الجمعة دعَا ربَّه فرفَع يديه إليه يقول: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠١٤) ومسلم (٨٩٧ / ٨) من حديث أنس بن مالك.]]. هذه سُنَّة فعلِية ولَّا قولية؟ فِعْلية. أمَّا الإِقْرَارِيَّة فإنه «سَأَلَ الْجَارِيَةَ قَالَ: «أَيْنَ اللَّهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي.]]. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، وأمَّا دلالة العقْل على ذلك فهي ظاهِرة أيضًا؛ لأنَّنا نقول: العُلُوُّ صفة كمال ولَّا صفة نقص؟ صِفَةُ كمال ولا أحد ينكِرُ هذا، والسُّفُول صِفَة نقْص، والله سبحانه وتعالى مُسْتَحِقٌّ للكمال أو واجِبٌ له الكمال، مُنَزَّهٌ عن النَّقْص، أمَّا الفطرة فسل الصَّبِيَّ والعجُوز والعَامِّيَّ الجاهل الذي لا ..