Tafsir Ibn Uthaymeen — العنكبوت 29:69 – الروم 30:10
المحتويات
العنكبوت 29:69
ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كذبًا﴾ [العنكبوت ٦٨] أي أشرَكَ به.
قوله: ﴿مَنْ﴾ يقول المفَسِّر: (أي لا أحد)، وعليه فيكون الاستفهامُ هنا بمعنى النَّفي، وفائدة إتيَان الاستفهام في موضع النفي أنه يكون مُشْرَبًا معنى التَّحَدّي، كأنه يقال: إن كنتَ صادِقًا فأَعْلِمْنِي أنَّ أحدًا أظلَم، فالاسْتفهام في موضِع النفي هذه فائدتُه؛ أنَّه يكونُ مُشربًا معنَى التحدي.
قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كذبًا﴾ أي لا أحدَ أظلَم ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كذبًا﴾. قوله: لا أحد ﴿أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى﴾: اختلَق ﴿عَلَى اللَّهِ كذبًا﴾ قال المؤلف: (بأَن أشركَ به). وهذا أيضًا تفسير قاصر إلا أن يُريد أيش؟ إلا أن يريد التمثيل، مَن أشرَك بالله فقد افترى على الله كذبًا كيف ذلك؟ لأنَّه زعَمَ أنَّ مع الله إلهًا آخَر وهو كاذِب، مَن قال: إنَّ الله حرَّم كذا، وهو لم يحَرِّمه فقد افترَى على الله كذبًا، فهمتم؟
مَن قال: إنَّ الله أراد بكلامه كذا دون كذا فقد افتَرَى على الله كذبًا، مَن قال: إنَّ الله ليس له يدٌ حقيقة وليس له وجهٌ حقيقة وليس له رضًا حقيقة وما أشبَه ذلك فقد افترى على الله كذبًا، والافتراء على الله كذبًا له أنوَاع كثيرة وأفرَاد لا تُحصَى، فكلُّ مَن قال عن الله أو عن أفعاله أو عن أحكامه شيئًا لم يقُلْه الله ورسوله فإنه مُفْتَرٍ على الله كذبًا.
وقوله: ﴿مَنْ أَظْلَمُ﴾ يشكل علينا أنه في بعض الأحيان تأتي مثل هذه الصيغة في مسألة غير هذه يقال فيها: ﴿مَنْ أَظْلَمُ﴾ [البقرة ١١٤]، وقد جمعهما الله سبحانه وتعالى في آية: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كذبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام ٩٣].
عدة مسائل: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٥٣) ومسلم (٢١١١ / ١٠١) من حديث أبي هريرة.]]، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة ١١٤] ماذا نقول ونحن فسرنا ﴿مَنْ أَظْلَمُ﴾ أي لا أحد أظلم؟ فكيف نجمع بين هذه النصوص؟
* طالب: (...).
* الشيخ: زين، واضح؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، يعني إمَّا أن نقول: لا أحد أظلم في هذا المعنَى المعيَّن؛ يعني مثلًا الافتراء -افتراء الكذب- يكون على الله ويكون على غيرِه، كده ولّا لا؟ أيُّهما أظلم؟
* طالب: مَن افترى على الله.
* الشيخ: مَن افترى على الله. مَن منع مساجد الله، المنْع يكون منْع المساجد، ويكون منع الأسواق، ويكون منع البيت بيتك أنه ما تدخله مثلًا، أيُّها أعظم منْعًا؟
* طالب: مسَاجِد الله.
* الشيخ: مسَاجِد الله. وهكذا نجعَل كل شيء مختَصًّا بما يقتضيه السياق.
أو نقول: إنَّ الجميع اشتَرَك في الأظْلَمِيَّة؛ يعني: ما من أحد أظلَم من هذا، ولا أظلَم من هذا، ولا أظلم مِن هذا، ولا أظلم مِن هذا إلى آخرِه، وصار المعنى أنها كلها اشتركت في أيش؟ في الأظلَمِيَّة (...).
فمَن قال: إنَّ مع الله شريكًا؛ فقد افترى على الله كذبًا، ومَن قال: إنَّ مِن أسماء الله كذا -وهو ليس من أسمائه- فقد افترى على الله كذبًا.
النصارى يُسَمُّون الله: الأب، والفلاسفة يقولون: إنَّه العِلَّة الفاعلة، وهذا كذِب على الله عز وجل. وكذلك الكذب على الله في صفاتِه وقد سبق أمثلَتُه. الكذِب على الله في أحكامه مثل الذي يقول: هذا حلال، وليس بحلال. أو حرام، وليس بحرام، وما أشبه ذلك. فالله تعالى بيَّن أنَّه لا أحدَ أظلَمُ مِن هذا، وسبق الجمع بين هذه الآية ومثلِها في: ﴿مَنْ أَظْلَمُ﴾ أنه يُجمع بينهما مِن أحد وجهين.
قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾. ﴿كَذَّبَ بِالْحَقِّ﴾ الحق: هو الشيءُ الثابت إن كان خبَرًا فهو الصِّدْق، وإن كان أحكامًا فهو العدل.
وقوله: ﴿لَمَّا جَاءَهُ﴾ ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (حين) حين جاءَه كذَّبَ به. وقوله: ﴿لَمَّا جَاءَهُ﴾؛ لأنه قبل مجيئِه إليه لا يُلزَمُ به، فإنَّ الله يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]. فالله سبحانه وتعالى برحمتِه وعدلِه لا يُعاقِبُ أحدًا حتى تقوم عليه الحجة ببلُوغِ الشرْعِ له.
وقوله: (﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾ مأوًى ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ أي فيها ذلك وهو منهُم).
قول المؤلف: (أي فيها ذلك) إشارة إلى أنَّ المراد بالاستفهام هنا التَّقْرِير، والغالب أنَّه إذا دخلت همزةُ الاستفهام على أدَاةِ نفْيٍ الغالب أنَّها للتقرير، وأمثلَة هذا كثيرة مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر ٣٦]، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨]، ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة ٤٠]، وأشبَاه ذلك، فكلُّ هذا يدُلُّ على أنَّ الهمزَة هنا للتَّقْرِير.
قوله هنا: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾ المعنى: في جهنَّم مثوًى؛ ولهذا قال المؤلف: (أي فيها ذلك وهو منهم)، (وهو) أي ﴿مَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كذبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ منهم؛ أي مِن الكافرين.
وقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾ المثْوَى: هو المأْوَى، لكن المأوى الذي هو محَلّ إقامة يَأْوِي إليه على أنَّه محل إقامَتِه، فثَوى في كذا؛ أي: أقَام فيه إقامَةً دائمة.
وقوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ هو في الحقيقة إظْهَار في موضِع الإضْمَار؛ إذ إنَّ مقتضَى السياق أن يقال: أليس في جهنم مثوًى له، لكنَّه أظْهَرَ في موضع الإضمار، وذكرْنا أن الإظهارَ في موضع الإضمار يُستفاد منه ثلاث فوائد:
* طالب: التوكيد.
* الشيخ: (...) ضمير الفصل.
* طالب: تعميم الحكم (...).
* الشيخ: صح، أولًا: تعميم الحكم بحيثُ يكون عامًّا له ولغيرِه، طيب هذا واحد.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، صحيح؛ أنَّ الحكم عليه بهذه الصِّفَة؛ يعني أنَّه مثلًا كافِر في المثال اللي معنا كافِر، فيُستفاد التَّسْجيل على هذا؛ أي على موضِع الضمير بأنَّه متَّصِفٌ بهذا الوَصْف، الفائدة الثالثة:
* طالب: التعليل.
* الشيخ: التعليل إي نعم، إفادة التعليل إذا كان مشْتَقًّا ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾، التقدير: لِكُفْرِه.
لو قال: أليس في جهنم مثوًى له. ما استفَدْنا هذه الفوائد الثلاث، فتكون الفوائد إذن:
أولًا: دلالة التَّعْمِيم.
وثانيًا: الحكم على مَرْجِع الضمير بما يقتَضيه هذا الوصف.
والثالث: إفادَةُ العلة أو الإشارة إلى العِلة، وهذا إذا كان مشْتَقًّا.
ثم قال تعالى: (﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ [العنكبوت ٦٩] في حَقِّنا ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: طُرُقَ المسِير إلينا)
﴿الَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ خبرُه، والخبرُ كما ترون مؤكَّدٌ بثلاثة مؤكدات؛ وهي: القسم، ويش بعد؟ واللام، ونون التوكيد.
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ ﴿جَاهَدُوا﴾ أي: بذَلُوا جُهْدًا في الوصول إلى الغاية، هذا هو الجِهَاد، بذل الجهد للوصول إلى الغاية يُسمَّى جهادًا.
وقوله ﴿فِينَا﴾ قال المؤلف: (في حقنا) أي في دِين الله وما يجِب له سبحانه وتعالى، ومِن بيان شريعة الله سبحانه وتعالى؛ ومنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر، ومنه كَفُّ النفس عما يحرُم وإلزامُها بما يجِب، كلُّ هذا من الجهاد في الله، ومنه أيضًا قتالُ الكفار لإعلاء كلمةِ الله، فالآية عامة، كلُّ مَن بذَل الجهاد في الله فإن جزاءَه عاجلًا قبل الآجِل.
﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ هدَاية دَلَالة وهِداية توفِيق، فهنا شاملة لأمرين؛ ولهذا قال: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ولم يقل: (لنهدينهم إلى..) بل قال: ﴿سُبُلَنَا﴾، فعَدَّى الهداية بنفسِها إلى المفعول الثاني، وإذا تعدت الهداية بنفسها إلى المفعول الثاني شمَل الدَّلَالة والتوفيق.
ومنه قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] لم يقل: (اهدِنا إلى الصراط)، بل قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾؛ لِيَشْمل الهداية إليه والهداية فِيه، الهداية إليه الدَّلالة إليه أنه يدُلّك على هذا، والهداية فيه أن يُوَفِّقَك لِلعمل في إطَارِ هذا الصِّراط.
فإذن ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ يشمَل أيش؟ هداية الأمرين: هداية الدَّلَالة والعِلْم، وهداية التوفيق والإرشاد، وهذا وعدٌ مِن الله عز وجل مؤَكَّدٌ بهذه المؤكدات الثلاث، إذا كان الإنسان يُؤمِن بهذا الوعد؛ لأنَّه مِن الرَّبِّ جَلَّ وعلا وهو لا يُخْلِفُ الميعاد لِتَمَامِ علمِه وقدرَتِه وصِدْقِه أيضًا، عِلْم وصِدْق وقُدْرَة، وإِخلاف الـمَوْعِد يكون بتخَلُّفِ واحِد مِن هذه الثلاثة، ما هي؟ العِلم والصدق والقدرة.
ما أحد يخلفك الموعد إلَّا جاهل وعَدَك بشيءٍ وهو يظَنُّ أنه حصل ولم يكن على ظنِّه، أو إنسانٌ كاذب وعدَك فكذَبَك، أو إنسان عاجز هو صَدُوق ويعلَم الأسباب لكن عجز، أمَّا الله عز وجل فقد انتفى في حقِّه كل هذه الثلاث: الجهْلُ، والكذِبُ، والعَجْز، فلِتمامِ قدرتِه وعلمِه وصدقِه لا يُخلِفُ الميعاد.
أقول: مَن صدَّق بهذا -والحمد لله نحن نُصَدِّقُ به- فإنَّه لا بد أن يبذُل جُهدَه في حَقِّ الله؛ يُجَاهِد، وهذا هو مِصْدَاقُ ما جاء في الآثار الكثيرة مِن أنَّ الإنسان إذا عَمِل بعلْمِه فإنَّ الله تعالى يزِيده عِلمًا، يُثَبِّتُ علمَه الذي كان يعمَل به ويزِيدُه علمًا؛ ولهذا قيل: قيِّدُوا العلم بالعَمَل.
وقيل: العِلْم يهتِف بالعَمَل، فإن أجاب وإلَّا ارتَحَل[[أخرجه الخطيب البغدادي في اقتضاء العلم العمل (٤١) عن محمد بن المنكدر من قوله.]]. يهتِف يقول: تعال، إن أجابَ وعَمِلَ الإنسان بعلمِه بقِي وزادَ أيضًا، الله يقول: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ هذه زيادة، وإن لم يُجِب ارتَحَل العلم، وهذا حَقّ يؤيِّدُه الواقع ويؤَيِّدُه المعلوم بالشرع، أمَّا الواقع فإن الإنسان إذا صَار يعمَل بعلمِه فإنَّ عملَه بالعلم دراسَةٌ له في الحقيقة، أليس كذلك؟ نعم ولَّا لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، إذن العَمَلُ بالعِلم دراسَةٌ له، أنت تعلم كيف كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي وتُطَبِّق ذلك في كل صلواتك، تنْسَاه ولَّا ما تنساه؟
* طالب: ما تنساه.
* الشيخ: ما تنساه؛ لأنَّ التطبيق دِرَاسة.
ثانيًا: مِن الناحية الشرعية يقول الله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم ٧٦]، فكل مَن اهتدى فإنَّ الله تعالى يزِيدُه هدًى وعلمًا وفي الحقيقة، نحن نعرِف هذا ونقرؤُهُ دائمًا، لكن يغْلِبُ علينا السَّهْو والغفْلة والنسيان، ولَّا نعلم أن هذا حق وأنَّ كل مَن عَلِمَ فعَمِل فإنَّ الله تعالى يزيدُه ثباتًا في علمه وفضلًا مما لا يعْلَمُه.
* طالب: (...) هِدَاية الدَّلالة (...).
* الشيخ: إيه لكن هِدَاية الدَّلالة تتَفَاوت، أنت الآن هل تعلم كلّ ما دَل عليه الرسول عليه الصلاة والسلام؟
* الطالب: الصلاة والصِّيام..
* الشيخ: لا، أسألك الآن أَجِبْنِي.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما تعلم ولا أحد يدَّعي ذلك، إذن فهداية الدلالة ما هي ثابتة لكل أحد، الدلالة في الأصل موجودة، لكن اهتداء الإنسان أو علمه بهذه الهداية محدُود، وإلا الكتاب والسنة كلها (...) ما هنا شيء يحتاج الناس إلى الاهتداء إليه إلا وهو مَوجود في الكتاب والسنة، لكن هذا الموجود ليس موجودًا لِكل إنسان، إي نعم.
وقوله: ﴿سُبُلَنَا﴾ الضمير هنا (نا) ضمِير جمع، ما تقول في ضَمِير الجمع هذا؟
* طالب: التعظيم.
* الشيخ: التعظيم؟ يقول النصارى: إنَّه للتثليث.
* الطالب: كذَبوا.
* الشيخ: كذبوا؟ أعطنا دليلًا على كذبهم.
* الطالب: قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة ٧٣].
* الشيخ: إيه طيب، كمِّل الآية عشان يبين.
* الطالب: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة ٧٣].
* الشيخ: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ كذا؟ كَفَرُوا بقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾، وأبطل الله ودلَّل على بطلان قولهم بقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وهذا أمْرٌ معلوم بالحس والعقل والفطرة، فإذن هذه الآيات الآية وشبهها التي أضَاف الله فيها الأمْرَ إلى نفسه بصيغة الجَمْع هي مِن متَشابه القرآن عند قوم.
النصارى يقولون: أنتم تقولون الله واحد، والله دائمًا يقول: نحن وفعلْنا وقلْنا، وما أشبه ذلك، كيف تقولون: الله واحد؟ وهذه الضمائر لأي شيء؟ لِلجمع. فنقول: إنَّ هذه للتعظيم، كما يقول ملكُكم أو قِسُّكم يقول: فعلْنا وقلْنا وما أشبَه ذلك، مع أنَّه واحد، لكن له أُناس يأتَمِرون بأمرِه ويقولون بقولِه.
قال: (﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: طُرُق السَّيْر إلينا)
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ هذه الجملة مؤَكَّدة بـ (إن) واللام، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿لَمَعَ﴾ (مع) هذه حرف ولَّا اسم؟
* طالب: حرف.
* الشيخ: حرف؟ مثل هذه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: كيف وجْهُ جوازِها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ولا صارت مفتوحة.
* طالب: إذا كانت ساكنة حرف.
* الشيخ: حرف.
* الطالب: إذا كانت ساكنة.
* الشيخ: إيه، الظاهر أنه (...) عليك ما تقول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب وإذا صارت غير مفتوحَة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني وافقته على (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما تقولون أنتم؟
* طالب: حرف.
* الشيخ: حرف؟ حرف أيش؟ حرف جَرّ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب الآن، كيف تُعْرِب (مع) مضَافًا و(المحسنين) مضَافًا إليه؟
* طالب: ﴿لَمَعَ﴾ منصوبة على المعِيَّة.
* الشيخ: ما يخالف، منصوبة على المعيَّة، لكن كيف ﴿مَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ أيش إعرابها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: مجرورة بأيش؟
* الطالب: بـ (مع).
* الشيخ: بـ (مع)، بِالإضَافة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: إذن صارت اسمًا؛ لأنَّه لا يُضَاف إلَّا الاسماء. هي في الحقيقة فيها خلاف بين النحويين: منهم مَن يرَى أنَّها اسمٌ وهو الصحيح بلا شكّ، ومِنهم مَن يرى أنَّها حرف. وفيها لغتان: الفتْح وهو الأكثَر، والتسكِين. قال ابن مالك:
ومَـــــــعَ مَـــــــعْ فِيهَـــــا قَلِيــــــلٌوَنُقِـــــــــــلْ ∗∗∗ فَتْــــحٌ وَكَسْـــــرٌ لِسُكُـــــونٍيَتَّصِـــــلْ
الحاصِل أنَّ ﴿لَمَعَ﴾ الصحيح أنَّها ظرْف اسْم، وأنَّها منصُوبة على الظَّرْفِيَّة؛ لأنَّها تدُلّ على الصُّحْبة، و﴿مَعَ﴾ مضاف، و﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ مُضافٌ إليه.
وقول المؤلف: (﴿لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ المؤمنين) هذا تفسِير ناقص؛ لأنَّ ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ أخَصُّ مِن المؤمنين؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ» إلى آخرِه، ثم قال: «الْإِحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠) ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]. فكل مُحْسِن إحسانًا شرعيًّا -ما هو عادِيًّا- فهو مؤمِن ولا عكس.
وأقول: إحسانًا شرعِيًّا؛ احترازًا مِن الإحسان العادِيّ، فإنَّ الإحسان العادي يقَع حتى مِن الكافر، أليس كذلك؟ لكِن الإحْسَان الشرعي الذي فسَّرَه الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»، هذا أخَصُّ مِن المؤمِن.
وقوله: (بالنَّصْر والعَوْن) نعم صحيح هو معَهم بذلك، وليس معَهم في مكانِهم؛ لأنَّ هذا شيءٌ مستحِيل على الله عز وجل أن يكون مع الناس في أمكنَتِهم لا المحسنين ولا غير المحسنين؛ وذلك لأنَّ هذا القول يستلْزِم نفْيَ علُوِّه، وقد التزَم بذلك مَن قال به مِن الجهْمية القُدَماء منهم أيضًا ولَّا المتأخرون كما قرَّرناه غير مرة ماذا يرَوْن بالنسبة لمكَان الله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا لا، يرَوْن أنَّه لا داخِلَ العالم ولا خارِجَه، ولا فوقَ العالم ولا تحتَه، ولا مُتَّصِل ولا مُبَاين، هذا ما استقَرّ عليه مذهب الجهمية، وتبِعَهم في ذلك الأشاعِرة؛ فإنَّهم يرَوْن هذا النفي المحض والعياذُ بالله، أمَّا قدماءُ الجهمية فقالوا بأنَّه -تعالى- في الأرض وليس في السماء؛ ليس علا في السماء، ومِن العجائب أن نَفَوُا العلو مع تطَابق الأدلة عليه، وأثبَتُوا الحلُول مع تطَابُق الأدلة على إنكَارِه.
العُلُوّ تقدَّم لنا أنَّه دَلَّ عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة وإجماع سلف الأمة، أليس كذلك؟ الكتاب مَمْلُوءٌ بما يدُلُّ على هذا، حتى إنَّ بعض أهل العلم قال: إنَّ في الكتاب ألْف دليل على عُلُوِّ الله، والسنةُ كذلك مملوءة مِن الدلالة على علُوِّ الله عز وجل على وجُوهٍ متنوِّعَة: قَول وفعل وإقرار.
قال النبي ﷺ: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٥١) ومسلم (١٠٦٤ / ١٤٤) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. وقال: «الْعَرْشُ فَوْقَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ»[[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٨٩٨٧)، وابن خزيمة في التوحيد (٥٩٤) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
وأشارَ عليه الصلاة والسلام بأصْبُعِه إلى السماء يُشْهِد الله على إِقْرَارِ أمَّتِه بالبلَاغ في أعظَم مجْمَعٍ للمسلِمين، متى؟ يوم عرفة حين قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله.]]. ودعا في خُطبَة الجمعة دعَا ربَّه فرفَع يديه إليه يقول: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠١٤) ومسلم (٨٩٧ / ٨) من حديث أنس بن مالك.]]. هذه سُنَّة فعلِية ولَّا قولية؟ فِعْلية.
أمَّا الإِقْرَارِيَّة فإنه «سَأَلَ الْجَارِيَةَ قَالَ: «أَيْنَ اللَّهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي.]].
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، وأمَّا دلالة العقْل على ذلك فهي ظاهِرة أيضًا؛ لأنَّنا نقول: العُلُوُّ صفة كمال ولَّا صفة نقص؟ صِفَةُ كمال ولا أحد ينكِرُ هذا، والسُّفُول صِفَة نقْص، والله سبحانه وتعالى مُسْتَحِقٌّ للكمال أو واجِبٌ له الكمال، مُنَزَّهٌ عن النَّقْص، أمَّا الفطرة فسل الصَّبِيَّ والعجُوز والعَامِّيَّ الجاهل الذي لا ..
الروم 30:1
ضرب عنها الجهمية صفحًا، وقالوا: إنه بذاته في الأرض وليس في السماء والعياذ بالله، فقلبوا الحقائق.
فيه طائفة تحزلقت وقالت: نحن نقول بالدليلين، ونقول: إن الله بذاته معنا وهو في السماء على العرش بذاته. وقالوا: نحن أسعد بالدليل منكم يا أهل السنة؛ لأننا عملنا بدليلين، فقلنا: إنه معنا بذاته، وإنه على العرش بذاته، فيكون مكانه فوق وتحت.
هؤلاء وافقوا الجهمية ووافقوا أهل السنة من وجه، وافقوا أهل السنة في قولهم: إن الله على عرشه بذاته. ووافقوا الجهمية بقولهم: إنه بذاته في الأرض. وقالوا: نحن أخذنا بالدليل هذا وبالدليل هذا، والجهمية أخذوا بدليل وتركوا دليلًا، وأهل السنة أخذوا بدليل وتركوا دليلًا. ما هو الجواب عن هذه الشبهة؟ لأن هذه شبهة عظيمة، فما هو الجواب عن هذه الشبهة؟
ما كنت أظن أن هذه تشكل عليكم؟ ما عرفتم المعنى؟ السؤال: هؤلاء جماعة حكى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عن الأشعري في المقالات مقالات الخلق، يقولون: الله سبحانه وتعالى بذاته في الأرض، وهو بذاته على عرشه، ويقولون: نحن أخذنا بالدليلين: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤]، وهو ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ [طه ٥]. فنحن أخذنا بالآية هذه وبالآية هذه، فنحن أسعد بالدليل من أهل السنة والجماعة ومن الجهمية؛ لأن أهل السنة والجماعة -على زعمهم- أخذوا بدليل واحد، والجهمية أخذوا بدليل واحد، الجهمية أخذوا بأيش؟ بنصوص المعية وتركوا نصوص العلو، ضربوا عنها صفحًا. وأهل السنة والجماعة أخذوا -على زعم هؤلاء- بنصوص العلو وتركوا نصوص المعية، وهم يقولون أو يزعمون أنهم أخذوا بالنصوص جميعًا، فما تقولون؟
* طالب: نرد عليهم، بأن الله سبحانه وتعالى معنا بالعلم.
* الشيخ: هم يقولون: هذا تأويل، يقولون -كما قلت لكم-: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أي: علمه معكم، فقد خالفتم ظاهر اللفظ.
* الطالب: عندي دليل عليهم.
* الشيخ: ويش؟
* الطالب: قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة ٧]. يعني ابتدأه بالعلم وانتهى بالمعية.
* الشيخ: هم في الحقيقة ربما يجيبون عن هذا، يقولون: نعم الذي معك عالم بك، نحن ما قلنا: إنه معكم وليس يعلمكم. نقول: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤] من مقتضى معيته أن يكون عالِمًا. فكأن قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ تعليل لقوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ [الحديد ٤]. وفي المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [المجادلة ٧].
* طالب: نقول لهم: أنتم جمعتم بين النقيضين، وهو أنكم نزهتم الله على أنه فوق في السماء، وجعلتموه في الأرض فيها، (...) فكيف ذلك؟!
* الشيخ: صحيح هذا هو الجواب؛ أن نقول: أنتم الآن جمعتم بين النقيضين، إذا كان عاليًا -كما تزعمون، وكما هو الحق- فكيف يكون في الأرض؟! هل هو إله واحد ولَّا متعدد؟ هم يقولون: إله واحد. فإذا كان فوق لا يمكن أن يكون تحت؛ لأن الفوقية والتحتية من الأمور المتقابلة التي إذا انتفى أحدها ثبت الآخر، ولا يمكن أن تجتمع.
ثم نقول: إذا قلتم: إنه بذاته في الأرض، فإذا كان الإنسان في المسجد كان الله في المسجد، واللي في السوق يكون الله في السوق، واللي في البَرِّ يكون الله في البر، واللي في الجو يكون الله في الجو وهكذا، ومعنى ذلك أننا نقول: آلهة متعددة لا تُحصى، فأنتم الآن خالفتم الدليل.
ثم إننا نقول -إذا قالوا أيضًا: ويش لون قولكم: معنا حقًّا وهو فوق العرش حقًّا؟ هذا ما يصير- قلنا لهم: يصير، هو معنا سبحانه وتعالى حقًّا وهو فوق العرش يعلمنا ويرانا ويسمعنا ويدبرنا وله السلطة علينا والهيمنة، ومَن كان كذلك فهو معك وإن كان فوقك، اللي يعلمك ويسمعك ويراك ويحيط بك ويهيمن عليك تدبيرًا وسلطانًا فهو معك وإن كان فوقك، إذا كان الرجل يقال: إنه مع امرأته وله معها سلطة عليها، لو أنه في المكتب وهي في بيتها ما هو يقال: إنه معها أو لا؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: وهي يعني مصاحبة بسيطة، فكيف بالخالق عز وجل الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض؟! فنحن نقول: هذا أمر ممكن؛ أن يكون الله سبحانه وتعالى معنا وهو فوق عرشه؛ لأننا نقول: معنا أيش؟ محيط بنا علمًا وسمعًا وبصرًا وقدرةً وسلطانًا وتدبيرًا وغير ذلك من معاني ربوبيته، والذي هذا شأنه يصلح أن يقال: معك وهو فوق عرشه ولَّا لا؟ يصلح أن يقال: إنه معك وهو فوق عرشه.
وشيخ الإسلام رحمه الله أشار إلى مَثَلٍ يقرب هذا الشيء، قال: إن العرب يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا، أو والنجم معنا، أو والقطب معنا -مثلًا- وهو في السماء ونحن في الأرض مع أنه مخلوق، فكيف بالخالق؟!
فالمهم أننا نقول لهؤلاء الْمُلَبِّسين -لأن هذا تلبيس في الحقيقة قد يَرِد على بعض الناس الذين يقولون: إننا نحن نؤمن بالدليلين وأنتم يا أهل السنة ما تؤمنون إلا بدليل واحد- نقول: ما آمنتم بالدليلين عندكم، أنتم الآن في الحقيقة أنكرتم الدليلين؛ لأن المعية لا يريد الله بها ذلك أبدًا، ولا يمكن أن يريد بمعيته سبحانه وتعالى أن يكون في الأرض.
ولو قلنا: إن هذا هو حقيقة النصوص أو ظاهر النصوص لكنا نقول: إن ظاهر النصوص الكفر أو لا؟ لو قلنا: إن ظاهر نصوص المعية أن الله في الأرض لكنا قلنا: ظاهر النصوص الكفر؛ لأن الإنسان اللي يعتقد أن الله في الأرض كافر مكذب للأدلة الدالة على علو الله سبحانه وتعالى -كما قلنا- أدلة عقلية، وأدلة أثرية نقلية.
والحاصل: أن هذا الذي مشى عليه المؤلف حق، فإذا قلنا: إنه مع المحسنين بالنصر والعون، صح، هذا النوع من المعية يقول أهل العلم: إنه من المعية الخاصة، والمعية نوعان: عامة، وخاصة. العامة: هي التي تشمل كل أحد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة ٧]. هذه معية عامة ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأنها شاملة للمؤمن والكافر، والبَر والفاجر، والمقصود بها: بيان إحاطة الله تعالى بكل شيء؛ ولهذا سئل إسحاق ابن راهويه -وهو من أئمة السلف- عن هذه الآية: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧]، أيش معنى ها الكلام هذا؟ قال: معناه: حيثما كنت فهو أقرب إليك من حبل الوريد. ففسَّر المعية بالقرب، وهذا لا ينافي ما فسَّرها به غيره من أنه معهم بالعلم.
المعية العامة تقتضي الإحاطة، وقد تكون للتهديد؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨]، هذه المعية أيش المقصود بها؟
* طالب: الإحاطة.
* طالب آخر: التهديد.
* الشيخ: التهديد بأن الله محيط بهم ولكنه ليهددهم من هذا العمل القبيح؛ أنهم يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، وهو سبحانه وتعالى محيط بهم علمًا وسمعًا وبصرًا وقدرةً.
أما المعية الخاصة فإنها أيضًا نوعان: خاصة بشخص، خاصة بوصف.
المخصوصة بالشخص مثل أيش؟
* طلبة: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾.
* الشيخ: قوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، وقوله للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠].
والخاصة بالوصف مثل هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت ٦٩]، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ١٩]، ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال ٤٦]. وأشياء كثيرة من هذه الأمثلة.
واعلم أنه لا يوجد تناقض في الكتاب والسنة ولا بين الكتاب والسنة، صح ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأن التناقض معناه أن أحد الأمرين باطل والثاني حق، وليس في الكتاب والسنة ما هو كذلك أبدًا، فإذا توهمت تناقضًا فاعلم أن ذلك لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما لقصور علمك، أو لنقصان فهمك، أو للتقصير في التدبر. الإنسان إذا توهم شيئًا متناقضًا في القرآن أو بين القرآن والسنة فليعلم أن سبب ذلك واحد من أمور ثلاثة، وهي؟
* طالب: نقصان العلم، أو نقصان الفهم، أو قلة التدبر.
* الشيخ: التقصير في التدبر.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا هذا القسم الرابع ما هو بتوهم، هذا اللي يدَّعي أن فيه تناقضًا هذا سيِّئ القصد، الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]. أما سوء القصد الذي أشار إليه في القرآن ففي قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد ٢٤].
ولَّا لو تدبرت القرآن طيب افرض واحدًا تدبر آيتين يبغي يجمع بينهما عجز، ويش موقفه؟ لأن هذا دائمًا يَرِد، عجز بأن يجمع بين آيتين، لا فَهِمَ وجه الجمع، ولا عنده علم أن إحداهما ناسخة للأخرى، فماذا يصنع؟
* طالب: يتوقف.
* الشيخ: يقول كما قال الراسخون في العلم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران ٧] ويقف، ولكن مع ذلك ما يكفي الوقوف على أنه مشتبه عليه أن في القرآن تناقضًا، ما يكفي هذا، لا بد أن يقف ويعلم، أيش يعلم؟ أنه ليس في القرآن تناقض، وأن يدع توهم التعارض، يدعه: يطرحه جانبًا ما يبقى على توهمه؛ لأنه إن بقي على توهمه التعارض فقد ركن إلى هذا التوهم، وهو على خطر.
فالواجب أن يعلم أنه ليس في كتاب الله تناقض، وليس بين القرآن والسنة تناقض أبدًا، وبهذا نعرف أن السنة حجة كالقرآن، خلافًا لمن قال: إنها ليست بحجة. وهؤلاء الذين قالوا: إن السنة ليست بحجة، قد أخبر عنهم النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي فَيَقُولُ: لَا نَجِدُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٠٥) من حديث أبي رافع رضي الله عنه مولى النبي ﷺ.]]. هذا الأمر وقع الآن، وقع أناس -والعياذ بالله- يقولون: ما نقبل اللي في السنة إطلاقًا.
والحقيقة أن الذين لا يقبلون ما في السنة هم في الحقيقة كافرون بالقرآن نصًّا؛ لأن القرآن يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر ٧]، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٣٦]، مَن يعص الله ورسوله، فبين أن معصية الرسول ضلال، ولو كان المراد معصية الرسول فيما أمر به الله ما كان لذِكْرِ الرسول فائدة، ثم إننا نقول: يقول الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]. ﴿الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، هل القرآن بيَّن كلَّ شيء؟
* طالب: تفصيلًا لا.
* الشيخ: تفصيلًا لا، أكثر التفصيلات موجودة في السنة، إذن تبيان السنة من تبيان القرآن، والأدلة في هذا -ولله الحمد- كثيرة، لكن من الغريب أنه ظهر في أمريكا من الناس الخبثاء -والعياذ بالله- واحد يقال له: رشاد خليفة، كان مدرسًا بإحدى الكليات هناك، وصار يجمع أموالًا، وألَّف طائفة اسمها طائفة الكتاب، وصار يدعو إلى القرآن، وتعظيم القرآن، والعمل بالقرآن، وينكر السنة إنكارًا عظيمًا -والعياذ بالله- ويقول: ما هؤلاء الذين يعملون بالسنة إلا قوم مجانين، وفي بعض المواقف: إلا قوم مغفلون همج ما عندهم معرفة، فالقرآن هو الدستور الأعظم، وأما السنة فلا.
وصار -والعياذ بالله- يدعو إلى هذا المذهب الخبيث؛ لأنه جامع لأموال كثيرة واستخدمها لهذا الغرض، وألَّف كتابًا في تفسير القرآن كله هجوم على السنة وعلى المتمسكين بالسنة وما أشبه ذلك، أعوذ بالله، هذا الرجل في الحقيقة أرسل لي بعض الناس من أمريكا نسخة من تفسيره، لكن المشكل أني -مع الأسف- ما أعرف اللغة الإنجليزية، ولا استفدت منه شيئًا، أعطيته واحدًا قال: يبغي يروج يخلي ناسًا بجدة يترجمونه ناسًا جيدين في الترجمة وكذا، لكن وجدهم في عطلة وما استفدنا من هذا شيئًا.
فأنا قصدي هنا أن الكتاب والسنة كلاهما صنوان، كلاهما من عند الله عز وجل، وهما مصدر التشريع؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء ٥٩].
* طالب: أصله مسلم ولَّا (...).
* الشيخ: لا، يدَّعي أنه أحد العلماء الراسخين في العلم!
* الطالب: لا، أقول: (...).
* الشيخ: أصله مسلم.
* الطالب: كيف؟
* الشيخ: أصله مسلم، لكن هذا والعياذ بالله!
* طالب: اسمه إيه ده؟
* الشيخ: اسمه رشاد خليفة.
وفي ظني أنه كان من الناس اللي كتب مقالًا أظنه في جريدة تصدر في الشرقية، قال: إن القرآن الكريم مُرَكَّب على العدد تسعة عشر، وأن كل شيء فيه يدور على تسعة عشر، السورة المائة وأربعة عشر مضروبة في كم.. يعني مائة وأربعة عشر نتيجة ضرب أيش؟ ضرب كذا في كذا؟ أنا ما أعرف له كلامًا.
* طالب: يمكن ستة، تسعة عشر في ستة.
* الشيخ: ستة في تسعة بأربعة وخمسين، وستة في واحد بستة، وخمسة يصير مائة وأربعة عشر على قوله؛ ستة في تسعة عشر، وكذلك إلى أنه حرَّف قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر ٣٠]. وقال: ﴿عَلَيْهَا﴾ أي على صحة ما جاء في القرآن؛ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾، أي: تسعة عشر حرفًا وهي البسملة، مع أن القرآن: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ويش يعني؟
* طالب: ملائكة.
* الشيخ: على النار ملائكة، لكن قال: لا، على صحة هذا القرآن تسعة عشر حرفًا وهي البسملة.
* طالب: أيش المغزى؟
* الشيخ: المغزى يقول: لأجل نستدل بأن هذا القرآن ما يمكن أن يأتي به محمد؛ لأن هذا العدد وكون القرآن مُرَكَّبًا على هذا العدد، هذا ما عُرف إلا بعد ما جاء الكمبيوتر، فعُرف.
البسملة هل هي تسعة عشر حرفًا؟
* طالب: يُلَبِّس الخبيث.
* الشيخ: إيه مُلَبِّس جدًّا، ملبس حتى إنه قال: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق ١]، ابتدأت بالقاف؛ لأن مجموع ما فيها من القافات تنقسم على تسعة عشر ويطْلَع، والدليل أنه ما قال: (وقوم لوط)؛ لأنه لو قال: (وقوم لوط)، زادت قاف ولا حصلت القسمة، ولكنه قال: ﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ [ق ١٣]، نعم لأجل أن تتم القسمة، وعلى كل حال مُشَبِّه مُلَبِّس لا شك في هذا، لكن نحن سنهدم إن شاء الله تعالى إحنا كتبنا ردًّا عليه في هذا، أول ما يمكن نهدم عليه مسألة البسملة، البسملة ما هي بأول ما نزلت حتى نقول: إن القرآن مركب عليها، صح ولَّا لا؟
* طالب: نعم صح.
* الشيخ: أول ما نزل أيش؟
* طالب: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق ١].
* الشيخ: ﴿اقْرَأْ﴾، وثانيًا: أن البسملة ما هي -على زعمه- تسعة عشر حرفًا: الباء والسين والميم، والهمزة واللام واللام الثانية والهاء، والألف والراء مكررة والحاء والميم والألف والنون، كم دولي؟ أربعة عشر، والهمزة والراء مكررة والحاء والياء والميم، هذه عشرين.
* طالب: (...).
* الشيخ: عشرين، ويقول: إننا بنعتبر الكتابة (الرحمن) ما فيها ألف، إذا استثنى الألف من (الرحمن) صارت تسعة عشر.
* طالب: أثبت اللام.
* الشيخ: نقول: نعم، إذا قلت هكذا فأثْبِتِ اللام، إن أثبتَّ اللام ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة ١] صارت واحدًا وعشرين، كذا؟ ثم نقول له أيضًا: إذا اعتبرت الكتابة فهل نزل القرآن مكتوبًا ولَّا نزل منطوقًا؟
* طالب: منطوقًا.
* الشيخ: منطوقًا، لو كانت القاعدة الكتابية على غير هذا الوجه تزيد الحروف أو تنقص، ولَّا ما تزيد ولا تنقص؟
* طالب: ما تنقص.
* الشيخ: لا، الحروف المنطوق بها ما تزيد، لكن المكتوبة تزيد، نحن نرى أن الآن الكتابة الإنجليزية -بعض الأحيان- يمكن تكون الحركات حروفًا، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: وروح للصينيين وأشباههم، كم عندهم من حرف؟
* طالب: آلاف.
* الشيخ: آلاف عندهم في الكتابة، المهم في هذا أن الكتابة صناعة، ما لها دخل بالنطق، والقرآن نزل باللغة بلسان عربي مبين، ولكن بس هم يُلَبِّسون ويُشَبِّهون، هم يزعمون أنهم خدموا القرآن بهذا أمام هؤلاء الأجانب اللي ما يعرفون إلا المادة، لكن لو أنهم بيَّنوا للناس حسن هذا الدين وما جاء به من الأخلاق والمعاملات (...).
﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤].
قوله: (سورة الروم مكية)، ما هو المكي؟
* طالب: هو الذي نزل قبل الهجرة.
* الشيخ: هو الذي نزل قبل الهجرة، والمدني: ما نزل بعدها، سواء نزل في مكة أم لا، تعرف أنه مدني، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣]، نزل بعرفة يوم حجة الوداع.
* طالب: يكون مدنيًّا.
* الشيخ: يكون مدنيًّا وإن كان قد نزل بمكة.
(وهي ستون أو تسع وخمسون آية): إن جعلنا ﴿الم﴾ آية مستقلة صارت ستين آية، وإلا فتسع وخمسون.
وقوله: (بسم الله الرحمن الرحيم): تقدم أن البسملة آية مستقلة يؤتَى بها في ابتداء السور، وليست تابعة لما بعدها لا في الفاتحة ولا في غيرها، خلافًا لبعض العلماء الذين يقولون: هي آية من الفاتحة فيحسبون الفاتحة سبع آيات منها البسملة، البسملة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة ١ - ٧] كم ها دولي؟ سبع بالبسملة.
والصحيح أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها، فأول آيات الفاتحة هي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وين السابعة؟ لأنها هي سبع آيات بالاتفاق، السابعة هي قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ..﴾ هذه نقسمها آيتين: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هي السادسة، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ هي السابعة. في المصحف تجدون البسملة من الفاتحة آية، ومن غيرها ليست آية، ولكن الصحيح أنه لا فرق.
* طالب: كيف (...) صارت يا شيخ (...) سبع آيات من غيرها؟
* الشيخ: من غير البسملة؟
* الطالب: إيه (...) الثانية.
* الشيخ: يمكن إي، هذا هو الصحيح.
وقوله: ﴿الم﴾ قال المؤلف: (الله أعلم بمراده به): نعم، إذا لم نعلم شيئًا فالواجب أن نقول: الله أعلم بما أراد، وهذا قد قيل: إنه نصف العلم؛ لأن الإنسان إما عالم وإما جاهل، فإذا قال فيما يعلم بما علم، وفيما يجهل: الله أعلم، صار نصف العلم.
ولا شك أن قول الإنسان: (الله أعلم) فيما لم يعلمه أن هذا هو الواجب عليه، لا تقُلْ: والله أنا إذا قلت: (لا أدري) نقص قدري عند الناس؛ لأنه لا ينقص قدرك عند الناس، بل يزداد عند الناس، كما أنه لا ينقص عند الله فإنه لا ينقص عند الناس؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٨٩٤) عن عائشة رضي الله عنها.]].
وهذا من باب التواضع لله؛ أنك تقول فيما لا تعلم: لا أعلم. وهو نظير العفو لا يزيد الإنسان إلا عزًّا، ونظير الصدقة لا ينقص بها المال، فكذلك: (لا أدري) لا ينقص بها قدر الإنسان في العلم بل يزداد؛ لأن الناس إذا رأوا أن هذا الرجل محترزًا، يقول فيما يعلم ويتوقف عما لا يعلم وثقوا به، وعرفوا أنه لا يتكلم إلا بما علم.
فقول المؤلف: (الله أعلم بمراده به)، هذا هو الواجب على كل إنسان لا يدري ما أراد الله، ولكن إذا رجعنا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف٢]، علمنا أن هذا القرآن بمقتضى اللغة العربية، وأنه ما فيه كلمة إلا وهي معقولة، وإلا لكان الله ينزل شيئًا لا نعرف معناه، فإذا طبقنا هذه الحروف الهجائية على هذه القاعدة أيش القاعدة؟ هذه الآية: ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ إذا طبقنا الحروف الهجائية على هذه القاعدة وجدنا أن مثل هذا التركيب في اللغة العربية له معنى ولَّا ما له معنى؟
* طالب: لها معنى.
* الشيخ: ﴿الم﴾ لها معنى؟!
* طالب: لا.
* الشيخ: ما لها معنى في اللغة العربية، إنما هي مجموعة حروف هجائية (ألف، ولام، وميم)؛ ولهذا ما أنت تنطق بها فتقول: (أَلَمْ). بل تقول: (ألف لام ميم)، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: إذن فهي بمقتضى اللسان العربي الذي نزل فيه القرآن، أو الذي نزل به القرآن لنعقله، بمقتضى هذا اللسان العربي ما لها معنى، وإنما هي حروف هجائية ليس لها معنى في ذاتها، وحينئذ نكون قد علمناها، لكن ما مراد الله بها؟ ذكر شيخ الإسلام وكثير من أهل العلم: أن الغرض منها بيان أن القرآن معجز مع كونه من هذه الحروف التي يتكلم الناس بها.
الحروف الهجائية التي يتكلم الناس بها القرآن من هذه الحروف، ما أتى بحروف جديدة غريبة حتى نقول: إنه أعجز الناس؛ لأنه أتى بحروف لا يفهمونها ولا ينطقون بها، بل هي حروف يتركب منها كلامهم، فالإعجاز إذن من حيث الحروف أنه أتى بحروف جديدة، ولَّا من حيث التركيب والسياق والمعاني الجليلة النافعة؟ الجواب؟
* طالب: الثانية.
* الشيخ: من الثانية، من الوجه الثاني، وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام لا شك أنه قوي، وأن هذه الحروف الهجائية في حد ذاتها ليس لها معنى، لكن لها مغزى ومرادًا، وهو أنها في القرآن الذي أعجز كل الخلق لم يأت بجديد في الحروف، وإنما هو من الحروف التي يتكلمون بها.
وذهب بعض المعاصرين إلى أن هذه الحروف كالمفتاح للسورة التي هي فيها، بمعنى أنك إذا وجدت (لام وميم) مُصَدَّرًا بها سورة من القرآن، فما ذاك إلا لكثرة اللام والميم فيها، فتكون كالمفتاح لها، وكذلك إذا وجدت نون فهو لكثرة النون فيها، وإذا وجدت فيها لام وراء فهي لكثرة اللام والراء، لكن هذا منتقِد هذا منتقِد، وإلا لو اضطرد هذا لكان أيضًا له وجه.
على كل حال نحن نعلم بمقتضى كون القرآن باللسان العربي لنعقله أن هذه الحروف الهجائية في حد ذاتها؟
* طالب: ليس لها معنى.
* الشيخ: ليس لها معنى.
وقوله: (﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ وهم أهل الكتاب، غلبَتْها فارس وليسوا أهل كتاب بل يعبدون الأوثان، ففرح كفار مكة بذلك وقالوا للمسلمين: نحن نغلبكم كما غلبت فارسُ الرومَ).
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾: هذا فعل مبني للمجهول، و﴿الرُّومُ﴾: نائب فاعل، وأنَّثَها ﴿غُلِبَتِ﴾، ما قال: (غُلِبَ الرومُ) مع أن الذين يحاربون هم الرجال، ولكنه أنَّثَها باعتبار القبيلة، والذي غلبها الفرس، والحكمة -والله أعلم- في حذف الفاعل ليكون ذلك أعظم إهانة لهم للفرس، وليكون هذا أخفى بالنسبة لذُلِّ الروم وخذلانها.
أقول: أخفى الفاعل لسببين:
السبب الأول: إهانة للفرس وأنهم ليسوا أهلًا للذِّكْر.
وثانيًا: تهوينًا للأمر على الروم؛ لأنه إذا قيل للإنسان: أنت غُلِبْتَ، أهون مما إذا قال: غلبك فلان؛ لأنه إذا قال: غلبك فلان، صار معناه أنه ذليل لهذا الرجل المذكور.
وقوله: (الروم: أهل الكتاب)، لو قال المؤلف: (أهل كتابٍ) لكان أحسن؛ لأن الروم نصارى، وأهل الكتاب يشمل اليهود والنصارى، فلو قال: (أهل كتاب) لكان أحسن.
(غلبتها فارس وليسوا أهل كتاب، بل يعبدون الأوثان)؛ لأنهم مجوس يعبدون النار.
(ففرح كفار مكة بذلك وقالوا للمسلمين: نحن نغلبكم كما غلبت فارس الروم): يعني أن كفار مكة تفاءلوا بهذا الشيء وقالوا: إذا كان الروم أهل كتاب وغلبتهم الفرس وهم أهل أوثان فهذا مفتاح نصر لنا؛ أن نغلب المسلمين الذين هم أهل كتاب ونحن أهل أوثان.
يقول: (﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ أي: أقرب أرض الروم إلى فارس بالجزيرة التقى فيها الجيشان، والبادي بالغزو الفرس).
قوله: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾، قيل: المعنى أقرب الأرض إلى فارس، وأن فارس اعتدوا على الروم فحصل القتال بينهما.
وقيل: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾: في أقربها إلى أرض العرب، وهذا يرجع إلى التاريخ الذي يحدد موقع هذه المعركة حتى نعرف أدنى الأرض، إنما لا شك أن ﴿أَدْنَى﴾ بمعنى أقرب.
قال: (﴿وَهُمْ﴾ أي الروم ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ أضيفَ المصدرُ إلى المفعول، أي: غلبة فارس إياهم ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ فارس ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ﴾ ).
شوف تأكيد هذا الوعد أُكِّدَ هذا الوعدُ حيث صُدِّرَ بالاسم ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ﴾؛ لأنه إذا صُدِّرَ بالاسم صار جملة اسمية دالة على الدوام والثبوت، وأُكِّدَ من وجه آخر بقربه حيث كان الخبر مقرونًا بالسين الدالة على القرب، ثم أُكِّدَ أيضًا بمؤكِّد ثالث وهو قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾؛ لتحقُّقِ الغلبة وأن هذا أمر لا بد أن يقع ولو كانوا مغلوبين؛ لأنه لو حُذِف ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ وهم سيغلبون، لكان الإنسان يقول: سيغلبون ولو غُلِبوا؟! لعلهم إذا كانوا قد غُلِبوا لا يغلبون. فلما قال: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾؛ صار في ذلك تأكيد للغلبة.
فصار تأكيد غلبة هؤلاء من وجوه ثلاثة، علِّمْنا بها، هات المؤكدات الثلاثة، المؤكدات لكونهم يغلبون.
* طالب: الضمير.
* الشيخ: ويش هو الضمير؟
* الطالب: ﴿هُمْ﴾.
* الشيخ: ويش وجهه للمؤكِّد؟
* الطالب: دخول السين.
* الشيخ: لا، مَن يعرف؟
* طالب: الجملة الاسمية.
* الشيخ: نعم، وجه التأكيد أنه حوَّل الجملة إلى اسمية وهي دالة على الثبوت والاستمرار، يلا كمِّل الثالث.
* الطالب: قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾.
* الشيخ: قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾، ما وجهه؟ مَن يعرف الوجه؟
* طالب: أنه قال: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ قال: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ يمكن (...) لا يغلبون.
* الشيخ: كذلك أنهم سيغلبون حتى في حال غلبهم، طيب.
﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ لكن ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (في بضع سنين) متعلق بقوله: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ أي: في خلال هذا البضع.
(﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾: هو ما بين الثلاث إلى التسع أو العشر): ما بين الثلاث إلى التسع، أو ما بين الثلاث إلى العشر. ما بين الثلاث إلى التسع كم يصير؟ الرابع أربعة وخمسة وستة وسبعة وثمانية: خمس سنين، وإلى العشر؟
* طالب: ستة.
* الشيخ: ست سنين، هذا البضع، يعني إما خمس سنوات وإما ست سنوات أو لا؟
إذا قلنا: ما بين الثلاث إلى العشر يصير: أربع -اللي بين الثلاث والعشر-: أربع وخمس وست وسبع وثمان وتسع.
إذا قلنا: ما بين الثلاث إلى التسع يكون: أربع خمس ست سبع ثمان: خمس سنوات، يعني الثلاث هي داخلة ولَّا غير داخلة؟
* طالب: غير داخلة.
* الشيخ: غير داخلة، ما قال: من الواحد إلى العشر، أو ما بين الواحد إلى العشر، قال: (ما بين الثلاث إلى التسع).
* طالب: البضع يعني أكثر من الثلاث إلى العشر؟
* الشيخ: إيه كم يصير؟
* الطالب: يصير أكثر..
* الشيخ: لا موجب كلام المؤلف أنه ما هو بأكثر، لو قال يعني: تضمن ما زاد على الثلاث.
* الطالب: إي نعم، يعني إما أربعة..
* الشيخ: ما زاد على الثلاث إلى العشر.
* طالب: ليش (...)؟
* الشيخ: نعم؟ والله فيه احتمال، وهذا ينبغي أن إحنا نفهم في الأول؛ أن البضع من الواحد إلى التسع أو إلى العشر، لكن تعبير المؤلف فيه إشكال.
* طالب: (...) يبدأ الثلاث (...) البضع دا (...) ثلاثمئة (...) البضع: أربع خمس ست، يعني أكثر من ثلاث يُعَدُّ بضعًا إلى العشر.
* الشيخ: وما دونها ليس ببضع؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: إيه نعم، إذن معناه نقول من الواحدة إلى العشرة، لكن ما دون الثلاث.
* الطالب: ليس ببضع.
* الشيخ: لا يدخل في هذا نعم.
* طالب: (...) يدخل (...) قد يكون ما بعد (...) واللي قبله (...).
* الشيخ: إي نعم، على كل حال نرجع إلى فهمنا الأول أنه يكون من ثلاث إلى تسع أو إلى عشر، يعني ما دون الثلاث لا يدخل في البضع.
* طالب: والثلاثة.
* الشيخ: والثلاث لا على كلام المؤلف: (ما بين الثلاث) أنه ما يدخل الثلاث؛ لأن ما بين الشيء والشيء ما يدخل فيه الجانبان.
قال: (فالتقى الجيشان في السنة السابعة من الالتقاء الأول وغلبت الروم فارس): (التقى) يعني: حصل بينهما حرب أخرى فغلبت الروم فارس، فصدق بذلك وعد خبر الله سبحانه وتعالى بأنهم سيغلبون في بضع سنين؛ لأنه ما تجاوز الأمر سبع سنوات حتى كانت الغلبة للروم على الفرس، فصدق الله وعده أنهم سيغلبون في هذه المدة، قال: تكون الغلبة في هذه المدة.
* طالب: (...) غلبة يعني يأخذ بضع سنين (...).
* الشيخ: لا، المعنى أن الغلبة تتم في خلال سبع سنين، وليس المعنى أن الغلبة تستمر سبع سنوات.
وقوله: (﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم ٤] أي: من قبل غلب الروم ومن بعده، المعنى: أن غلبة فارس أولًا وغلبة الروم ثانيًا بأمر الله، أي: إرادته).
قوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾ هذه الجملة اسمية قُدِّمَ فيها الخبر لإفادة الاختصاص: لله وحده الأمر، (ال) هذه للاستغراق، يعني كل الأمر، و(ال) التي للاستغراق هي التي يحل محلها (كل)، فإن كانت لاستغراق المعنى فهى لاستغراق المعنى، إن كانت لاستغراق الأفراد فهى لاستغراق الجنس:
﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] (ال) هذه لاستغراق الجنس؛ لأنه يصح أن يحل محلها (كل) فيقال: وخلق كل إنسان ضعيفًا.
﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ١، ٢] هذه (ال) أيضًا لاستغراق الجنس أي كل إنسان. وإن كانت لاستغراق المعنى فهي لاستغراق المعنى، ومثَّلوا لذلك بقولهم: (زيدٌ نِعْمَ الرجلُ). أي: نِعْمَ الشخص الجامع لصفات الرجولة.
هنا ﴿الْأَمْرُ﴾ (ال)؟
* طالب: لاستغراق الجنس.
* الشيخ: لاستغراق الجنس نعم، أي: لله كل أمر.
وقوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾ هل المراد بالأمر هنا الأمر الكوني أو الأمر الشرعي؟ الأمر الكوني، أي: إن جميع الأمور ترجع إلى الله عز وجل، سواء المتعلقة بأفعال العباد أو المتعلقة بأفعال الله سبحانه وتعالى فإنها راجعة إليه، وقد سبق لنا في التوحيد أن الأمر ينقسم إلى قسمين: أمر كوني، وأمر شرعي.
مثال الأمر الكوني: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
مثال الأمر الشرعي؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذه الإرادة، الأمر الشرعي أوامر الله الشرعية مثل: افعلوا كذا وكذا، مثل قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: عن أمره الشرعي ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور ٦٣].
* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾.
* الشيخ: نعم قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾، [النساء: ٥٨] هذا أمر شرعي.
قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء ١٦]، من أي الأمرين؟
* طلبة: الكوني.
* الشيخ: من الأمر الكوني، هذا هو المتعين؛ أن الله يأمرهم أمرًا كونيًّا بالفسق فيفسقون.
وأما من قال: إن المراد بالأمر في الآية الأمر الشرعي، وأن الله يأمرهم فيفسقون -يعني يأمرهم بالطاعة فيفسقون ثم يأخذهم بالعذاب- فهذا القول باطل؛ لأنه يقتضي أن يكون المعنى: أن الله يرسل الرسل فيأمر الناس بطاعة الله ويش هو لأجله؟ لأجل أن يفسقوا فيحل بهم العقاب. وهذا معنى يرجع إلى أن المعنى أن الله بعث الرسل نقمة على العباد، وهو أمر لا يمكن.
ثم إننا نقول: الأمر الشرعي هل يختص بالمترفين؟ عام لهم ولغيرهم، والمهم أن هذا القول ضعيف وباطل وينافي حكمة الله عز وجل في إرسال الرسل.
هنا ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ﴾ قلنا: المراد به الأمر الكوني. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قد يقول أصحاب النحو: لماذا ضُمَّت مع أن ﴿مِنْ﴾ حرف جر؟
* طالب: لأن فيه محذوفًا لفظًا ما هو موجود أي لله الأمر من قبل كل شيء وبعده، أي يبنى على الضم في محل جر، مبني على الضم في محل جر؛ لأن الضمة موجودة لفظًا ومجرور محلًّا.
* الشيخ: لأن (قبل وبعد) إذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه بُنِيَ على الضم، هذا السبب: إذا حُذف المضافُ إليه ونُوِي معناه بُنِيَ على الضم، فإن وُجِد المضاف صارا مُعْرَبَيْن، فتقول: (أتيت من قبلِ أن يأتي زيد) فتجرها.
وكذلك إذا حُذِف المضاف إليه ولم يُنْوَ لا لفظًا ولا معنًى فإنها تعرب كقول الشاعر:
فَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ وَكُنْتُ قَبْلًا ∗∗∗ أَكَادُ أَغَصُّ مِنْ مَاءِ الْفُرَاِتِ
وكذلك إذا حُذف المضاف إليه ونُوِي لفظُه فإنها تُعرب لكنها لا تُنَوَّن تعرب ولا تنون، فيقال مثلًا: (كنت حريصًا على الدرس فأتيت من قبلِ) أي: من قبلِ ابتداء الدرس، فهنا حُذف المضاف ونُوِي لفظُه.
ويش اللي يدرينا؟ ما الذي يدرينا أنه نُوِي لفظه أو نُوِي معناه؟ اللي يدرينا الإعراب نفسه، إذا كانت مبنية على الضم علمنا أنه قد حُذف وأريدَ المعنى، وإذا لم تكن كذلك علمنا أنه قد حُذف وأريدَ اللفظُ، فإن نُوِّنَتْ علمنا أنه ما أريدَ اللفظُ ولا المعنى.
* طالب: يجوز أن نقول في حق الله عز وجل: إنه مَنْوِيٌّ.
* الشيخ: لا، يصلح أن نقول: مريد، أن الله أراد المضاف إليه؛ لأن الإرادة تدل على النية.
(﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم تغلب الرومُ ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم ٤، ٥] إياهم على فارس).
قوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ﴾، (يوم) هذه ظرف متعلقة بـ﴿يَفْرَحُ﴾، وهي مضافة إلى (إذ) ونُوِّنَت (إذ) تنوين عِوَضٍ، عوض عن أيش؟
* طالب: عن جملة.
* الشيخ: عن جملة؛ ولهذا قال: اليوم تغلب الروم. فالمحذوف الآن جملة.
﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم ٤، ٥] الفرح لا يحتاج أو لا يمكن لإنسان أن يعبر عنه، لو قلت: أيش معنى الفرح؟ خفة النفس وسرور النفس، أو نقول: الفرح معلوم؛ ولهذا في القاموس إذا جاء مثل هذه الأشياء قال: (م). الفرح مثلًا يمكن يكتب بعدها: (م). يعني أنه معروف لا حاجة إلى أن يُبَيَّن.
وقوله: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ المراد بهم النبي ﷺ وأصحابُه.
وقوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَفْرَحُ﴾. وهو مصدر مضاف إلى فاعله، أما مفعوله فمحذوف وتقديره: بنصر اللهِ الرومَ على الفرس؛ ولهذا قال المؤلف: (بنصر الله إياهم على فارس).
والنصر معناه أيش معنى النصر؟ النصر معناه العون والظهور، أي معناه أن الله يعينهم حتى يظهروا على أعدائهم، هذا هو النصر أن يعين الله الإنسان حتى يظهر على عدوه، فهذا هو معنى النصر.
وقوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ سُمِّيَ نصرًا مع أنه لكفار على كفار؛ لأننا نقول: إن النصر هو العون والظهور، وهو لا فرق بين أن يكون بين مؤمن وكافر أو بين كافر وكافر، ثم إن أهل الكتاب أقرب من الفرس؛ ولهذا لهم أحكام خاصة تقربهم من المسلمين.
قال: (وقد فرحوا بذلك وعلموا بذلك يوم وقوعه يوم بدر بنزول جبريل بذلك مع فرحهم بنصرهم على المشركين فيه) يعني أنهم حصلت الوقعة بين فارس والروم في الزمن الذي حصلت فيه الوقعة بين الكفار والمؤمنين وذلك متى؟ في بدر وعلى هذا فتكون هذه الآية نازلة قبل الهجرة.
* طالب: بعد الهجرة.
* الشيخ: قبل الهجرة بخمس سنوات؛ لأنه إذا كانت مدة الغلبة يعني المدة التي حصلت فيها الغلبة سبع سنوات وبدر كانت في السنة الثانية لزم أن يكون غلبة فارس للروم قبل الهجرة بخمس سنوات.
* طالب: الآية؟
* الشيخ: إي نزول الآية وغلبة فارس.
وقوله: (مع فرحهم بنصرهم على المشركين فيه): فيكون في هذا الزمن اجتمع نصر أهل الكتاب على المجوس ونصر المسلمين على المشركين.
قال الله تعالى: (﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: الغالب ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الروم ٥] بالمؤمنين).
* طالب: شيخ، قول المؤلف عليه دليل نقلي.
* الشيخ: الظاهر أنه اتبع التاريخ فقط، أما عن الرسول عليه الصلاة والسلام ما فيه دليل، لكن فيها تاريخًا يقول هذا.
وقوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
* طالب: قبل هذا المؤلف يقول: (غلبة فارس أولًا وغلبة الروم ثانيًا بأمر الله، أي: إرادته)، نسيناه.
* الشيخ: إي نعم نسيناه تعدَّيْناه، كان الذي ينبغي أن نتكلم عن قوله: (بأمر الله؛ أي إرادته) هذا في الحقيقة تحريف، بل الصواب أنه بأمره أي بقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]. فإن الله تعالى لا يُقَدِّر شيئًا إلا بالقول: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾، ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق الشرط، فتعم كل شيء أراده الله، فإنما يقول له: كن فيكون.
فالصواب أن المراد بالأمر هنا القول، ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾: الأمر الكوني والشرعي ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾. والإرادة ليست هي القول، فإن الإرادة صفة لا تستلزم القول؛ إذ إن المريد قد يفعل ما أراد أو قد يقوله، وأما القول فإنه أخص من الإرادة، كل قول فهو متضمن للإرادة، وليست كل إرادة متضمنة للقول.
وقوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم ٥]، ﴿يَنْصُرُ مَنْ﴾ هذه عامة، (مَن) تعم سواء كان المنصور كافرًا أو كان المنصور مؤمنًا؛ لأن الأمر بيد الله سبحانه وتعالى، وقد سبق لنا كثيرًا بأن كل شيء مقيد بالمشيئة فإنه يتضمن الحكمة؛ لأن الله تعالى لا يشاء شيئًا إلا لحكمة، فينصر من يشاء نصره لحكمة اقتضت ذلك.
وقوله ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ [الروم ٥] قال المؤلف: (الغالب)، وهذا أحد معاني العزة؛ لأن العزة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع.
عزة القدر: بمعنى أنه سبحانه وتعالى عظيم القدر، وكلما كان الشيء عظيم القدر كان عزيزًا، أي: قليل الوجود، والله سبحانه وتعالى لا مِثْل له.
وعزة القهر بمعنى أيش؟ الغلبة والظهور.
وأما عزة الامتناع فمعناها: امتناع جميع النقص عليه سبحانه وتعالى، فهو عزيز من هذه الوجوه الثلاثة.
عزة القدر: بمعنى أنه عظيم لا نظير له في قَدْره وعظمته. والثاني: عزة القهر بمعنى أنه قاهر وغالب لكل شيء. والثالث: عزة الامتناع، أيش معنى عزة الامتناع؟ أي إنه يمتنع عليه كلُّ نقص، ومن هذا المعنى قولهم: أرض عزاز، وحنا نقول: أرض عزا، أيش معنى عزاز؟ الصلبة التي يمتنع أن يؤثر فيها أيُّ شيء، فالله عز وجل متصف بالعزة من جميع هذه الوجوه.
وقوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الروم ٥] قال المؤلف: (بالمؤمنين)؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣].
والصواب أن رحمة الله تعالى تكون عامة وخاصة، فإن كل مَن في السماوات والأرض فهم في رحمة الله العامة، لولا رحمة الله بالكفار هل يبقَوْن؟
* طالب: لا.
* الشيخ: أبدًا ما يبقَوْن، فكون الله يدر عليهم الأرزاق والعافية والنشاط والعقل وما أشبه ذلك لا شك أنه من رحمة الله، ولكن الرحمة التي تكون بها رحمة الدنيا والآخرة فهذه خاصة بالمؤمنين.
* وفي هذه الآيات الكريمة فوائد عديدة:
* أولًا: أن كلام الله عز وجل بالحروف؛ لأن ﴿الم﴾ حروف، ففيه رد على الأشعرية الذين يقولون: إن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس وليس الحروف، وأن هذه الحروف مخلوقة لتعبر عن هذا المعنى القائم بنفسه.
ثم يقولون أيضًا: إن هذا المعنى القائم بالنفس لا يتغير ولا يختلف، فهو واحد سواء كان استفهامًا أو خبرًا أو أمرًا أو نهيًا أو قرآنًا أو زبورًا أو توراةً أو إنجيلًا، ما يختلف، فالتوراة هي الإنجيل وهي القرآن وهي الزبور وهي صحف إبراهيم وصحف موسى، فاهمين هذا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: لكن تصوروا أنه ممكن، يقول: هذه اختلفت بالتعبير، إن عُبِّرَ عن هذا الكلام بالعربية صار قرآنًا، أو بالعبرية صار توراةً، أو بالسريانية صار إنجيلًا، أو بلغة داوود صار زبورًا، وهكذا. وهذا معنى غير معقول.
ثم يقولون أيضًا: إن الاستفهام والخبر معناهما واحد، فإذا مثلًا جاء استفهام من الله عز وجل فهو كالخبر عنه؛ لأن المعنى واحد. وهذا لا شك أن مجرد تصوره كافٍ برده وإبطاله.
* من فوائد الآية: عِلْم الله تعالى بالغيب، إثبات علم الله بالغيب؛ لقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لأن الإخبار عن الغيب لا يكون إلا بوحي.
* ومن فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى كامل السلطان والتدبير؛ لقوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن كل الأشياء لا تكون إلا بأمر الله؛ لأنه لما قال: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ قال: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، إذن فكونهم غُلِبوا بأمر الله، وانتصارهم بأمر الله، فكل الأمور بتقدير الله تعالى وأمره، كل الأشياء بأمره سبحانه وتعالى.
* ومن فوائدها: الرد على القدرية، الذين يقولون باستقلال العبد بفعله، هم يقولون: إن العبد مستقل بفعله وليس لله تعالى فيه تقدير ولا أمر ولا مشيئة ولا غيره، وهذا الآية ترد عليه.
* ومن فوائد الآية: جواز التعبير بما يُدخِل الخوف والحزن على العدو؛ لأن قوله: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ -وهي من ثلاث إلى عشر أو إلى تسع- معناه: أنه سيبقى هؤلاء الفرس في ذعر وخوف، كل سَنة تأتي يقولون: هذه سَنة الغلبة. ولا شك أن هذا مما يزيدهم زعرًا وخوفًا؛ لأنهم لو غُلِبوا في أول سنة انتهى الأمر، لكن كونهم يُتوعَّدُون بأمر لا يُدرَى في خلال بضع سنين، لا شك أن هذا أشد عليهم من أنه يأتي الأمر وينتهي.
* ومن فوائد الآية: أن في قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ أن من البلاغة حذف الفاعل إذلالًا له وإهانةً له: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ لم يذكر الغالب إذلالًا له. * وكذلك الفائدة الثانية: رفقًا بالروم.
ثم قال: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ * في هذا من الفوائد: جواز فرح المؤمنين بانتصار بعض الكفار على بعض، إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام، ولَّا لا؟
* طالب: في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾، هو ما انتصر المسلمون على الكفار، انتصر كفار على كفار لكن هذا في مصلحة الإسلام، وعلى هذا إذا اقتتلت دولتان من دول الكفار وكانت إحداهما أقرب إلى نفع المسلمين من الأخرى وفرحنا بانتصارها، هل نقول: إن هذا حرام؟ كيف تفرح بانتصار كافر على كافر؟ أو نقول: هو جائز؟
* طالب: هو جائز.
* الشيخ: نقول: هو جائز كما فرح المؤمنون بانتصار الروم على فارس، مع أن كلًّا منهما كفار لكن هؤلاء أهل كتاب، فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس.
* ومنها: جواز تسمية غلبة الكفار نصرًا؛ لقوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.
فإذا قال قائل: كيف تجمعون بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١] مع أن الروم ما يتصفون بهذه الصفات؟
فالجواب: أن النصر نوعان: نصر مطلق دائم، فهذا لا يكون إلا لمن ينصر الله. والثاني: نصر عارض مُوَقَّت، فهذا يكون لهؤلاء ولغيرهم. فنصر الله للروم على الفرس ليس نصرًا دائمًا، الدليل أنه بعد ذلك نصر الله المؤمنين على الفرس وعلى الروم، فافتتحوا ممالك كسرى وممالك قيصر، فلم يكن هذا نصرًا دائمًا.
* ومن فوائد الآية: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: إثبات العزة لله؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، وإثبات الرحمة في قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾، وإثبات كمال عزته حيث قُرِنت بالرحمة، فإننا ينبغي أن نعرف أن الأسماء الحسنى تدل على الكمال، كل واحد منها يدل على كمال بانفراده، ثم باجتماع الاسمين بعضهما إلى بعض يدلان على كمال مركب.
فالعزيز يدل على الكمال، والرحيم يدل على الكمال، فإذا اجتمعا أُخِذ من ذلك كمال آخر فوق الكمال الذي يتضمنه كل اسم على انفراده، وهو أن تكون عزته مقرونة بالرحمة؛ لأن عزة غيره قد تكون خالية من الرحمة، فإذا صار عزيزًا أخذ الذي هو ظاهِرٌ عليه أخذه أخذ عزيز مقتدر ولم يرحمه، بخلاف عزة الله فإنها مقرونة بالرحمة، وهي أيضًا مقرونة بالحكمة.
أضرب لكم مثلًا: لو أن رجلًا غلب على قوم، وصار عزيزًا وهم أذلاء، فإن هذا الرجل قد تأخذه العزة بالإثم فيبطش بهم ولا يرحمهم، لكن عزة الله عز وجل ليست كذلك، بل هي مقرونة بالرحمة كما أنها مقرونة بالحكمة؛ ولهذا دائمًا يقرن الله العزة بالحكمة.
فيه فوائد أخرى أيضًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إيه ما فيه بأس؛ أننا نفرح بانتصار بعضهم على بعض إذا صار المنتصر فيه نفع للإسلام، ثم يساعدون المسلمين بالمال أو بالسلاح أو على الأقل يكون قد كفَّ شرَّه والثاني فيه شر.
* طالب: منين نأخذها؟ أخذًا من الآية هذه ولَّا..؟
* الشيخ: إي نأخذها من هذه الآية.
* الطالب: ظاهر الآية أنهم ما يساعدون المسلمين.
* الشيخ: لكنهم أقل شرًّا من هؤلاء.
* طالب: المصلحة من انتصار الروم على الفرس، ما هي؟
* الشيخ: المصلحة لأن الروم أهل كتاب، فهم أقرب إلى الإسلام ومراعاة المسلمين من أولئك، هذه المصلحة.
* طالب: كل اسم من أسماء الله عز وجل الاسم كل اسم يتضمن صفة، لكن هل يوجد العكس كل صفة يُشتَق لها اسم؟
* الشيخ: لا، ما يجوز.
* الطالب: طيب المشيئة، كيف نعرفها؟
* الشيخ: ما نقول: إن من أسماء الله الشائي أو المريد أو المتكلم، ما نقول: هذه من أسماء الله.
* الطالب: يعني الصفة الصفات أوسع؟
* الشيخ: إيه الصفات أوسع بلا شك.
* طالب: خبره في الصفات، هل الخبر أوسع من الصفات؟
* الشيخ: إيه يعني يخبر عنه بأشياء ولا يسمى بها، ولكن ما يخبر عنه بصفة إلا حيث وردت، ما هو كل صفة يجوز لنا نخبر بها عن الله، فلا يجوز أن نسمي الله مثلًا بالحزين، ولا نسميه بالعاشق، ولا نسميه بالهميم، وما أشبه ذلك، يعني حتى الصفات تكون توقيفية، ما نخترع من أنفسنا صفة له، لكن الصفات أوسع من الأسماء.
* طالب: المنعم هل وردت المنعم؟
* الشيخ: لا ليس من أسماء الله.
* الطالب: لا، صفة المنعم؟
* الشيخ: صفة نعم، ما فيه شك أن الله منعم: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة ٧].
* الطالب: يعني نقول: إن النعمة يعني أتى بها.
* الشيخ: هل تكون نعمة بدون مُنْعِم؟!
* الطالب: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧].
* الشيخ: إيه، وكذلك ﴿أَنْعَمْتَ﴾ يؤخذ منه الْمُنْعِم. أما المحسن فقد ورد من أسماء الله؛ لقوله: «إِنَّ اللَّهَ مُحْسِنٌ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ»[[أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨٦٠٣) عن شداد بن أوس رضي الله عنه، ولفظه: «إِنَّ اللَّهَ مُحْسِنٌ يُحِبُّ الْإِحْسَانَ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».]].
وبهذا يزول الإشكال الذي يرد عند كثير من الناس يقول: إنهم يسمون باسم عبد المحسن. لا، مُحسن ما هو مشكل، عبد المحسن، فيقول: كيف تضيفه إلى ما ليس من أسماء الله؟
* طالب: عبد المنعم موجودة؟
* الشيخ: موجودة أيضًا.
* الطالب: حكم التسمية بها؟
* الشيخ: التسمية هذه إن ثبت أنها من أسماء الله، وإلَّا فقد يقول قائل: قد نقول: إنه يجوز؛ لأن المنعم على الإطلاق هو الله، كل إنسان له نعمة فهي مقيدة، وإلا فالنعم حتى من الإنسان: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٣٧].
* طالب: عبد الراضي؟
* الشيخ: عبد الراضي؟ ما أدري.
* طالب: ابن حزم يقول: يجوز تسمي بعبد المطلب.
* الشيخ: لا غلط، هذا غلط منه.
* طالب: حميد.
* الشيخ: إيه حميد من أسماء الله ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى ٢٨].
* الطالب: لا، أن يسمى أحدنا (حميد)، هذا مقصدي.
* الشيخ: والله (...)، لكن إذا لم يُقصَد الصفة فلا بأس، فهذا حكيم موجود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ولا غيَّرَه، مع أن الحكيم من أسماء الله؛ لأنه ما أريدَ ملاحظة الصفة، أسماء الله تعالى يراد به إثبات الصفة مع الاسم، لكن قد أسمي ولدي (حكيم) وهو من أسفه الناس، وكذلك أسميه (محسن) وهو من أشد الناس جَوْرًا.
* طالب: هل يجوز أن نسمي: عبد الحكيم؟
* الشيخ: إلا ما يخالف، يجوز إيه نعم.
* طالب: الوقوف على رؤوس الآي (...).
* الشيخ: هذه المسألة تقدم البحث فيها، ويش قلنا؟
* طالب: ما هو السؤال؟
* الشيخ: السؤال يقول: هل نقف على الآيات لو أنها قد تعلق بها ما بعدها، ولا أنَّا نصل ونراعي المعنى؟
* الطالب: نراعي المعنى.
* الشيخ: في هذا قولان لأهل العلم، منهم مَن يرى أننا نقف على الآيات، ويقول: هذا هو الوارد عن النبي ﷺ، أنه كان يقرأ القرآن آية آية، والدليل على ذلك أن الله جعلها آية فنقف عليها ولو تعلق بها ما بعدها، وهذا كثير في القرآن: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون ٤]، رأس آية دي؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: يجوز أن نقف.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة ٢١٩، ٢٢٠]. ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾ آية. وهذه ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾، هي آية عندكم؟ ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
* طالب: آية.
* الشيخ: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.
وقال بعض أهل العلم: إنك تراعي المعنى، فتقف عند انتهاء المعنى، ولا تفصل آية عن آية تتعلق بها، ولو قيل بالتفصيل: وهو أن الإنسان إذا كان يتلو وهو يقرأ فإنه يقف على كل آية؛ لأن الكلام لن ينقطع، (...) يتصل ويتضح المعنى.
وإذا كنت تريد أن تتكلم على معاني الآيات فإنك تراعي المعنى، لو قيل بهذا التفصيل لكان له وجه، لكن ما أعلم هل أحد من أهل العلم قال به أو لا؟ إنما القول به على حسب قواعد أهل العلم لا بأس به؛ لأن إحداث قول ثالث يتكون من القولين قبله لا بأس به، وهذه مسألة محل بحثها أصول الفقه: هل يجوز إذا أجمع العلماء على قولين هل يجوز إحداث قول ثالث أو لا؟
والصواب أنه إذا كان القول الثالث لا يخرج عنهما، غاية ما هنالك أنه يفصل فيه، فهو جائز لأنه ما يكون خرج عن الخلاف، أما إذا كان يخرج عنهما فلا يجوز، فمثلًا إذا قلنا بالتفصيل هنا خرج عن القولين ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما خرج، لكنه يقف في شيء ولا يقف في شيء آخر، مثل مَن قال: الوتر واجب، وآخرون قالوا: إن الوتر ليس بواجب.
فإذا قلنا: واجب على مَن كان كذا وكذا، غير واجب على مَن كان كذا وكذا، كما اختاره شيخ الإسلام على أنه واجب لِمَنْ له وِرْدٌ من الليل يقوم به، غير واجب على مَن سواه، صار هذا القول الثالث لا يخرج عن الاثنين؛ لأنه يوافق أحد القولين في حال، ويوافق القول الآخر في حال أخرى.
* طالب: القول الثالث (...).
* الشيخ: إي لكنه ما يخرج عنهما، أما لو كان واحد يقول بالتحريم وواحد يقول بالحل، ثم جاء قول ثالث يقول بالوجوب. هذا ما يمكن، إذا أجمعوا على الحل أو التحريم ما يمكن (...) قولًا بالوجوب؛ لأنه ما يوافق القولين.
الروم 30:2
ضرب عنها الجهمية صفحًا، وقالوا: إنه بذاته في الأرض وليس في السماء والعياذ بالله، فقلبوا الحقائق.
فيه طائفة تحزلقت وقالت: نحن نقول بالدليلين، ونقول: إن الله بذاته معنا وهو في السماء على العرش بذاته. وقالوا: نحن أسعد بالدليل منكم يا أهل السنة؛ لأننا عملنا بدليلين، فقلنا: إنه معنا بذاته، وإنه على العرش بذاته، فيكون مكانه فوق وتحت.
هؤلاء وافقوا الجهمية ووافقوا أهل السنة من وجه، وافقوا أهل السنة في قولهم: إن الله على عرشه بذاته. ووافقوا الجهمية بقولهم: إنه بذاته في الأرض. وقالوا: نحن أخذنا بالدليل هذا وبالدليل هذا، والجهمية أخذوا بدليل وتركوا دليلًا، وأهل السنة أخذوا بدليل وتركوا دليلًا. ما هو الجواب عن هذه الشبهة؟ لأن هذه شبهة عظيمة، فما هو الجواب عن هذه الشبهة؟
ما كنت أظن أن هذه تشكل عليكم؟ ما عرفتم المعنى؟ السؤال: هؤلاء جماعة حكى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عن الأشعري في المقالات مقالات الخلق، يقولون: الله سبحانه وتعالى بذاته في الأرض، وهو بذاته على عرشه، ويقولون: نحن أخذنا بالدليلين: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤]، وهو ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ [طه ٥]. فنحن أخذنا بالآية هذه وبالآية هذه، فنحن أسعد بالدليل من أهل السنة والجماعة ومن الجهمية؛ لأن أهل السنة والجماعة -على زعمهم- أخذوا بدليل واحد، والجهمية أخذوا بدليل واحد، الجهمية أخذوا بأيش؟ بنصوص المعية وتركوا نصوص العلو، ضربوا عنها صفحًا. وأهل السنة والجماعة أخذوا -على زعم هؤلاء- بنصوص العلو وتركوا نصوص المعية، وهم يقولون أو يزعمون أنهم أخذوا بالنصوص جميعًا، فما تقولون؟
* طالب: نرد عليهم، بأن الله سبحانه وتعالى معنا بالعلم.
* الشيخ: هم يقولون: هذا تأويل، يقولون -كما قلت لكم-: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أي: علمه معكم، فقد خالفتم ظاهر اللفظ.
* الطالب: عندي دليل عليهم.
* الشيخ: ويش؟
* الطالب: قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة ٧]. يعني ابتدأه بالعلم وانتهى بالمعية.
* الشيخ: هم في الحقيقة ربما يجيبون عن هذا، يقولون: نعم الذي معك عالم بك، نحن ما قلنا: إنه معكم وليس يعلمكم. نقول: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤] من مقتضى معيته أن يكون عالِمًا. فكأن قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ تعليل لقوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ [الحديد ٤]. وفي المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [المجادلة ٧].
* طالب: نقول لهم: أنتم جمعتم بين النقيضين، وهو أنكم نزهتم الله على أنه فوق في السماء، وجعلتموه في الأرض فيها، (...) فكيف ذلك؟!
* الشيخ: صحيح هذا هو الجواب؛ أن نقول: أنتم الآن جمعتم بين النقيضين، إذا كان عاليًا -كما تزعمون، وكما هو الحق- فكيف يكون في الأرض؟! هل هو إله واحد ولَّا متعدد؟ هم يقولون: إله واحد. فإذا كان فوق لا يمكن أن يكون تحت؛ لأن الفوقية والتحتية من الأمور المتقابلة التي إذا انتفى أحدها ثبت الآخر، ولا يمكن أن تجتمع.
ثم نقول: إذا قلتم: إنه بذاته في الأرض، فإذا كان الإنسان في المسجد كان الله في المسجد، واللي في السوق يكون الله في السوق، واللي في البَرِّ يكون الله في البر، واللي في الجو يكون الله في الجو وهكذا، ومعنى ذلك أننا نقول: آلهة متعددة لا تُحصى، فأنتم الآن خالفتم الدليل.
ثم إننا نقول -إذا قالوا أيضًا: ويش لون قولكم: معنا حقًّا وهو فوق العرش حقًّا؟ هذا ما يصير- قلنا لهم: يصير، هو معنا سبحانه وتعالى حقًّا وهو فوق العرش يعلمنا ويرانا ويسمعنا ويدبرنا وله السلطة علينا والهيمنة، ومَن كان كذلك فهو معك وإن كان فوقك، اللي يعلمك ويسمعك ويراك ويحيط بك ويهيمن عليك تدبيرًا وسلطانًا فهو معك وإن كان فوقك، إذا كان الرجل يقال: إنه مع امرأته وله معها سلطة عليها، لو أنه في المكتب وهي في بيتها ما هو يقال: إنه معها أو لا؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: وهي يعني مصاحبة بسيطة، فكيف بالخالق عز وجل الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض؟! فنحن نقول: هذا أمر ممكن؛ أن يكون الله سبحانه وتعالى معنا وهو فوق عرشه؛ لأننا نقول: معنا أيش؟ محيط بنا علمًا وسمعًا وبصرًا وقدرةً وسلطانًا وتدبيرًا وغير ذلك من معاني ربوبيته، والذي هذا شأنه يصلح أن يقال: معك وهو فوق عرشه ولَّا لا؟ يصلح أن يقال: إنه معك وهو فوق عرشه.
وشيخ الإسلام رحمه الله أشار إلى مَثَلٍ يقرب هذا الشيء، قال: إن العرب يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا، أو والنجم معنا، أو والقطب معنا -مثلًا- وهو في السماء ونحن في الأرض مع أنه مخلوق، فكيف بالخالق؟!
فالمهم أننا نقول لهؤلاء الْمُلَبِّسين -لأن هذا تلبيس في الحقيقة قد يَرِد على بعض الناس الذين يقولون: إننا نحن نؤمن بالدليلين وأنتم يا أهل السنة ما تؤمنون إلا بدليل واحد- نقول: ما آمنتم بالدليلين عندكم، أنتم الآن في الحقيقة أنكرتم الدليلين؛ لأن المعية لا يريد الله بها ذلك أبدًا، ولا يمكن أن يريد بمعيته سبحانه وتعالى أن يكون في الأرض.
ولو قلنا: إن هذا هو حقيقة النصوص أو ظاهر النصوص لكنا نقول: إن ظاهر النصوص الكفر أو لا؟ لو قلنا: إن ظاهر نصوص المعية أن الله في الأرض لكنا قلنا: ظاهر النصوص الكفر؛ لأن الإنسان اللي يعتقد أن الله في الأرض كافر مكذب للأدلة الدالة على علو الله سبحانه وتعالى -كما قلنا- أدلة عقلية، وأدلة أثرية نقلية.
والحاصل: أن هذا الذي مشى عليه المؤلف حق، فإذا قلنا: إنه مع المحسنين بالنصر والعون، صح، هذا النوع من المعية يقول أهل العلم: إنه من المعية الخاصة، والمعية نوعان: عامة، وخاصة. العامة: هي التي تشمل كل أحد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة ٧]. هذه معية عامة ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأنها شاملة للمؤمن والكافر، والبَر والفاجر، والمقصود بها: بيان إحاطة الله تعالى بكل شيء؛ ولهذا سئل إسحاق ابن راهويه -وهو من أئمة السلف- عن هذه الآية: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧]، أيش معنى ها الكلام هذا؟ قال: معناه: حيثما كنت فهو أقرب إليك من حبل الوريد. ففسَّر المعية بالقرب، وهذا لا ينافي ما فسَّرها به غيره من أنه معهم بالعلم.
المعية العامة تقتضي الإحاطة، وقد تكون للتهديد؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨]، هذه المعية أيش المقصود بها؟
* طالب: الإحاطة.
* طالب آخر: التهديد.
* الشيخ: التهديد بأن الله محيط بهم ولكنه ليهددهم من هذا العمل القبيح؛ أنهم يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، وهو سبحانه وتعالى محيط بهم علمًا وسمعًا وبصرًا وقدرةً.
أما المعية الخاصة فإنها أيضًا نوعان: خاصة بشخص، خاصة بوصف.
المخصوصة بالشخص مثل أيش؟
* طلبة: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾.
* الشيخ: قوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، وقوله للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠].
والخاصة بالوصف مثل هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت ٦٩]، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ١٩]، ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال ٤٦]. وأشياء كثيرة من هذه الأمثلة.
واعلم أنه لا يوجد تناقض في الكتاب والسنة ولا بين الكتاب والسنة، صح ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأن التناقض معناه أن أحد الأمرين باطل والثاني حق، وليس في الكتاب والسنة ما هو كذلك أبدًا، فإذا توهمت تناقضًا فاعلم أن ذلك لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما لقصور علمك، أو لنقصان فهمك، أو للتقصير في التدبر. الإنسان إذا توهم شيئًا متناقضًا في القرآن أو بين القرآن والسنة فليعلم أن سبب ذلك واحد من أمور ثلاثة، وهي؟
* طالب: نقصان العلم، أو نقصان الفهم، أو قلة التدبر.
* الشيخ: التقصير في التدبر.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا هذا القسم الرابع ما هو بتوهم، هذا اللي يدَّعي أن فيه تناقضًا هذا سيِّئ القصد، الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]. أما سوء القصد الذي أشار إليه في القرآن ففي قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد ٢٤].
ولَّا لو تدبرت القرآن طيب افرض واحدًا تدبر آيتين يبغي يجمع بينهما عجز، ويش موقفه؟ لأن هذا دائمًا يَرِد، عجز بأن يجمع بين آيتين، لا فَهِمَ وجه الجمع، ولا عنده علم أن إحداهما ناسخة للأخرى، فماذا يصنع؟
* طالب: يتوقف.
* الشيخ: يقول كما قال الراسخون في العلم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران ٧] ويقف، ولكن مع ذلك ما يكفي الوقوف على أنه مشتبه عليه أن في القرآن تناقضًا، ما يكفي هذا، لا بد أن يقف ويعلم، أيش يعلم؟ أنه ليس في القرآن تناقض، وأن يدع توهم التعارض، يدعه: يطرحه جانبًا ما يبقى على توهمه؛ لأنه إن بقي على توهمه التعارض فقد ركن إلى هذا التوهم، وهو على خطر.
فالواجب أن يعلم أنه ليس في كتاب الله تناقض، وليس بين القرآن والسنة تناقض أبدًا، وبهذا نعرف أن السنة حجة كالقرآن، خلافًا لمن قال: إنها ليست بحجة. وهؤلاء الذين قالوا: إن السنة ليست بحجة، قد أخبر عنهم النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي فَيَقُولُ: لَا نَجِدُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٠٥) من حديث أبي رافع رضي الله عنه مولى النبي ﷺ.]]. هذا الأمر وقع الآن، وقع أناس -والعياذ بالله- يقولون: ما نقبل اللي في السنة إطلاقًا.
والحقيقة أن الذين لا يقبلون ما في السنة هم في الحقيقة كافرون بالقرآن نصًّا؛ لأن القرآن يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر ٧]، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٣٦]، مَن يعص الله ورسوله، فبين أن معصية الرسول ضلال، ولو كان المراد معصية الرسول فيما أمر به الله ما كان لذِكْرِ الرسول فائدة، ثم إننا نقول: يقول الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]. ﴿الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، هل القرآن بيَّن كلَّ شيء؟
* طالب: تفصيلًا لا.
* الشيخ: تفصيلًا لا، أكثر التفصيلات موجودة في السنة، إذن تبيان السنة من تبيان القرآن، والأدلة في هذا -ولله الحمد- كثيرة، لكن من الغريب أنه ظهر في أمريكا من الناس الخبثاء -والعياذ بالله- واحد يقال له: رشاد خليفة، كان مدرسًا بإحدى الكليات هناك، وصار يجمع أموالًا، وألَّف طائفة اسمها طائفة الكتاب، وصار يدعو إلى القرآن، وتعظيم القرآن، والعمل بالقرآن، وينكر السنة إنكارًا عظيمًا -والعياذ بالله- ويقول: ما هؤلاء الذين يعملون بالسنة إلا قوم مجانين، وفي بعض المواقف: إلا قوم مغفلون همج ما عندهم معرفة، فالقرآن هو الدستور الأعظم، وأما السنة فلا.
وصار -والعياذ بالله- يدعو إلى هذا المذهب الخبيث؛ لأنه جامع لأموال كثيرة واستخدمها لهذا الغرض، وألَّف كتابًا في تفسير القرآن كله هجوم على السنة وعلى المتمسكين بالسنة وما أشبه ذلك، أعوذ بالله، هذا الرجل في الحقيقة أرسل لي بعض الناس من أمريكا نسخة من تفسيره، لكن المشكل أني -مع الأسف- ما أعرف اللغة الإنجليزية، ولا استفدت منه شيئًا، أعطيته واحدًا قال: يبغي يروج يخلي ناسًا بجدة يترجمونه ناسًا جيدين في الترجمة وكذا، لكن وجدهم في عطلة وما استفدنا من هذا شيئًا.
فأنا قصدي هنا أن الكتاب والسنة كلاهما صنوان، كلاهما من عند الله عز وجل، وهما مصدر التشريع؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء ٥٩].
* طالب: أصله مسلم ولَّا (...).
* الشيخ: لا، يدَّعي أنه أحد العلماء الراسخين في العلم!
* الطالب: لا، أقول: (...).
* الشيخ: أصله مسلم.
* الطالب: كيف؟
* الشيخ: أصله مسلم، لكن هذا والعياذ بالله!
* طالب: اسمه إيه ده؟
* الشيخ: اسمه رشاد خليفة.
وفي ظني أنه كان من الناس اللي كتب مقالًا أظنه في جريدة تصدر في الشرقية، قال: إن القرآن الكريم مُرَكَّب على العدد تسعة عشر، وأن كل شيء فيه يدور على تسعة عشر، السورة المائة وأربعة عشر مضروبة في كم.. يعني مائة وأربعة عشر نتيجة ضرب أيش؟ ضرب كذا في كذا؟ أنا ما أعرف له كلامًا.
* طالب: يمكن ستة، تسعة عشر في ستة.
* الشيخ: ستة في تسعة بأربعة وخمسين، وستة في واحد بستة، وخمسة يصير مائة وأربعة عشر على قوله؛ ستة في تسعة عشر، وكذلك إلى أنه حرَّف قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر ٣٠]. وقال: ﴿عَلَيْهَا﴾ أي على صحة ما جاء في القرآن؛ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾، أي: تسعة عشر حرفًا وهي البسملة، مع أن القرآن: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ويش يعني؟
* طالب: ملائكة.
* الشيخ: على النار ملائكة، لكن قال: لا، على صحة هذا القرآن تسعة عشر حرفًا وهي البسملة.
* طالب: أيش المغزى؟
* الشيخ: المغزى يقول: لأجل نستدل بأن هذا القرآن ما يمكن أن يأتي به محمد؛ لأن هذا العدد وكون القرآن مُرَكَّبًا على هذا العدد، هذا ما عُرف إلا بعد ما جاء الكمبيوتر، فعُرف.
البسملة هل هي تسعة عشر حرفًا؟
* طالب: يُلَبِّس الخبيث.
* الشيخ: إيه مُلَبِّس جدًّا، ملبس حتى إنه قال: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق ١]، ابتدأت بالقاف؛ لأن مجموع ما فيها من القافات تنقسم على تسعة عشر ويطْلَع، والدليل أنه ما قال: (وقوم لوط)؛ لأنه لو قال: (وقوم لوط)، زادت قاف ولا حصلت القسمة، ولكنه قال: ﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ [ق ١٣]، نعم لأجل أن تتم القسمة، وعلى كل حال مُشَبِّه مُلَبِّس لا شك في هذا، لكن نحن سنهدم إن شاء الله تعالى إحنا كتبنا ردًّا عليه في هذا، أول ما يمكن نهدم عليه مسألة البسملة، البسملة ما هي بأول ما نزلت حتى نقول: إن القرآن مركب عليها، صح ولَّا لا؟
* طالب: نعم صح.
* الشيخ: أول ما نزل أيش؟
* طالب: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق ١].
* الشيخ: ﴿اقْرَأْ﴾، وثانيًا: أن البسملة ما هي -على زعمه- تسعة عشر حرفًا: الباء والسين والميم، والهمزة واللام واللام الثانية والهاء، والألف والراء مكررة والحاء والميم والألف والنون، كم دولي؟ أربعة عشر، والهمزة والراء مكررة والحاء والياء والميم، هذه عشرين.
* طالب: (...).
* الشيخ: عشرين، ويقول: إننا بنعتبر الكتابة (الرحمن) ما فيها ألف، إذا استثنى الألف من (الرحمن) صارت تسعة عشر.
* طالب: أثبت اللام.
* الشيخ: نقول: نعم، إذا قلت هكذا فأثْبِتِ اللام، إن أثبتَّ اللام ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة ١] صارت واحدًا وعشرين، كذا؟ ثم نقول له أيضًا: إذا اعتبرت الكتابة فهل نزل القرآن مكتوبًا ولَّا نزل منطوقًا؟
* طالب: منطوقًا.
* الشيخ: منطوقًا، لو كانت القاعدة الكتابية على غير هذا الوجه تزيد الحروف أو تنقص، ولَّا ما تزيد ولا تنقص؟
* طالب: ما تنقص.
* الشيخ: لا، الحروف المنطوق بها ما تزيد، لكن المكتوبة تزيد، نحن نرى أن الآن الكتابة الإنجليزية -بعض الأحيان- يمكن تكون الحركات حروفًا، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: وروح للصينيين وأشباههم، كم عندهم من حرف؟
* طالب: آلاف.
* الشيخ: آلاف عندهم في الكتابة، المهم في هذا أن الكتابة صناعة، ما لها دخل بالنطق، والقرآن نزل باللغة بلسان عربي مبين، ولكن بس هم يُلَبِّسون ويُشَبِّهون، هم يزعمون أنهم خدموا القرآن بهذا أمام هؤلاء الأجانب اللي ما يعرفون إلا المادة، لكن لو أنهم بيَّنوا للناس حسن هذا الدين وما جاء به من الأخلاق والمعاملات (...).
﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤].
قوله: (سورة الروم مكية)، ما هو المكي؟
* طالب: هو الذي نزل قبل الهجرة.
* الشيخ: هو الذي نزل قبل الهجرة، والمدني: ما نزل بعدها، سواء نزل في مكة أم لا، تعرف أنه مدني، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣]، نزل بعرفة يوم حجة الوداع.
* طالب: يكون مدنيًّا.
* الشيخ: يكون مدنيًّا وإن كان قد نزل بمكة.
(وهي ستون أو تسع وخمسون آية): إن جعلنا ﴿الم﴾ آية مستقلة صارت ستين آية، وإلا فتسع وخمسون.
وقوله: (بسم الله الرحمن الرحيم): تقدم أن البسملة آية مستقلة يؤتَى بها في ابتداء السور، وليست تابعة لما بعدها لا في الفاتحة ولا في غيرها، خلافًا لبعض العلماء الذين يقولون: هي آية من الفاتحة فيحسبون الفاتحة سبع آيات منها البسملة، البسملة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة ١ - ٧] كم ها دولي؟ سبع بالبسملة.
والصحيح أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها، فأول آيات الفاتحة هي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وين السابعة؟ لأنها هي سبع آيات بالاتفاق، السابعة هي قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ..﴾ هذه نقسمها آيتين: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هي السادسة، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ هي السابعة. في المصحف تجدون البسملة من الفاتحة آية، ومن غيرها ليست آية، ولكن الصحيح أنه لا فرق.
* طالب: كيف (...) صارت يا شيخ (...) سبع آيات من غيرها؟
* الشيخ: من غير البسملة؟
* الطالب: إيه (...) الثانية.
* الشيخ: يمكن إي، هذا هو الصحيح.
وقوله: ﴿الم﴾ قال المؤلف: (الله أعلم بمراده به): نعم، إذا لم نعلم شيئًا فالواجب أن نقول: الله أعلم بما أراد، وهذا قد قيل: إنه نصف العلم؛ لأن الإنسان إما عالم وإما جاهل، فإذا قال فيما يعلم بما علم، وفيما يجهل: الله أعلم، صار نصف العلم.
ولا شك أن قول الإنسان: (الله أعلم) فيما لم يعلمه أن هذا هو الواجب عليه، لا تقُلْ: والله أنا إذا قلت: (لا أدري) نقص قدري عند الناس؛ لأنه لا ينقص قدرك عند الناس، بل يزداد عند الناس، كما أنه لا ينقص عند الله فإنه لا ينقص عند الناس؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٨٩٤) عن عائشة رضي الله عنها.]].
وهذا من باب التواضع لله؛ أنك تقول فيما لا تعلم: لا أعلم. وهو نظير العفو لا يزيد الإنسان إلا عزًّا، ونظير الصدقة لا ينقص بها المال، فكذلك: (لا أدري) لا ينقص بها قدر الإنسان في العلم بل يزداد؛ لأن الناس إذا رأوا أن هذا الرجل محترزًا، يقول فيما يعلم ويتوقف عما لا يعلم وثقوا به، وعرفوا أنه لا يتكلم إلا بما علم.
فقول المؤلف: (الله أعلم بمراده به)، هذا هو الواجب على كل إنسان لا يدري ما أراد الله، ولكن إذا رجعنا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف٢]، علمنا أن هذا القرآن بمقتضى اللغة العربية، وأنه ما فيه كلمة إلا وهي معقولة، وإلا لكان الله ينزل شيئًا لا نعرف معناه، فإذا طبقنا هذه الحروف الهجائية على هذه القاعدة أيش القاعدة؟ هذه الآية: ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ إذا طبقنا الحروف الهجائية على هذه القاعدة وجدنا أن مثل هذا التركيب في اللغة العربية له معنى ولَّا ما له معنى؟
* طالب: لها معنى.
* الشيخ: ﴿الم﴾ لها معنى؟!
* طالب: لا.
* الشيخ: ما لها معنى في اللغة العربية، إنما هي مجموعة حروف هجائية (ألف، ولام، وميم)؛ ولهذا ما أنت تنطق بها فتقول: (أَلَمْ). بل تقول: (ألف لام ميم)، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: إذن فهي بمقتضى اللسان العربي الذي نزل فيه القرآن، أو الذي نزل به القرآن لنعقله، بمقتضى هذا اللسان العربي ما لها معنى، وإنما هي حروف هجائية ليس لها معنى في ذاتها، وحينئذ نكون قد علمناها، لكن ما مراد الله بها؟ ذكر شيخ الإسلام وكثير من أهل العلم: أن الغرض منها بيان أن القرآن معجز مع كونه من هذه الحروف التي يتكلم الناس بها.
الحروف الهجائية التي يتكلم الناس بها القرآن من هذه الحروف، ما أتى بحروف جديدة غريبة حتى نقول: إنه أعجز الناس؛ لأنه أتى بحروف لا يفهمونها ولا ينطقون بها، بل هي حروف يتركب منها كلامهم، فالإعجاز إذن من حيث الحروف أنه أتى بحروف جديدة، ولَّا من حيث التركيب والسياق والمعاني الجليلة النافعة؟ الجواب؟
* طالب: الثانية.
* الشيخ: من الثانية، من الوجه الثاني، وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام لا شك أنه قوي، وأن هذه الحروف الهجائية في حد ذاتها ليس لها معنى، لكن لها مغزى ومرادًا، وهو أنها في القرآن الذي أعجز كل الخلق لم يأت بجديد في الحروف، وإنما هو من الحروف التي يتكلمون بها.
وذهب بعض المعاصرين إلى أن هذه الحروف كالمفتاح للسورة التي هي فيها، بمعنى أنك إذا وجدت (لام وميم) مُصَدَّرًا بها سورة من القرآن، فما ذاك إلا لكثرة اللام والميم فيها، فتكون كالمفتاح لها، وكذلك إذا وجدت نون فهو لكثرة النون فيها، وإذا وجدت فيها لام وراء فهي لكثرة اللام والراء، لكن هذا منتقِد هذا منتقِد، وإلا لو اضطرد هذا لكان أيضًا له وجه.
على كل حال نحن نعلم بمقتضى كون القرآن باللسان العربي لنعقله أن هذه الحروف الهجائية في حد ذاتها؟
* طالب: ليس لها معنى.
* الشيخ: ليس لها معنى.
وقوله: (﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ وهم أهل الكتاب، غلبَتْها فارس وليسوا أهل كتاب بل يعبدون الأوثان، ففرح كفار مكة بذلك وقالوا للمسلمين: نحن نغلبكم كما غلبت فارسُ الرومَ).
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾: هذا فعل مبني للمجهول، و﴿الرُّومُ﴾: نائب فاعل، وأنَّثَها ﴿غُلِبَتِ﴾، ما قال: (غُلِبَ الرومُ) مع أن الذين يحاربون هم الرجال، ولكنه أنَّثَها باعتبار القبيلة، والذي غلبها الفرس، والحكمة -والله أعلم- في حذف الفاعل ليكون ذلك أعظم إهانة لهم للفرس، وليكون هذا أخفى بالنسبة لذُلِّ الروم وخذلانها.
أقول: أخفى الفاعل لسببين:
السبب الأول: إهانة للفرس وأنهم ليسوا أهلًا للذِّكْر.
وثانيًا: تهوينًا للأمر على الروم؛ لأنه إذا قيل للإنسان: أنت غُلِبْتَ، أهون مما إذا قال: غلبك فلان؛ لأنه إذا قال: غلبك فلان، صار معناه أنه ذليل لهذا الرجل المذكور.
وقوله: (الروم: أهل الكتاب)، لو قال المؤلف: (أهل كتابٍ) لكان أحسن؛ لأن الروم نصارى، وأهل الكتاب يشمل اليهود والنصارى، فلو قال: (أهل كتاب) لكان أحسن.
(غلبتها فارس وليسوا أهل كتاب، بل يعبدون الأوثان)؛ لأنهم مجوس يعبدون النار.
(ففرح كفار مكة بذلك وقالوا للمسلمين: نحن نغلبكم كما غلبت فارس الروم): يعني أن كفار مكة تفاءلوا بهذا الشيء وقالوا: إذا كان الروم أهل كتاب وغلبتهم الفرس وهم أهل أوثان فهذا مفتاح نصر لنا؛ أن نغلب المسلمين الذين هم أهل كتاب ونحن أهل أوثان.
يقول: (﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ أي: أقرب أرض الروم إلى فارس بالجزيرة التقى فيها الجيشان، والبادي بالغزو الفرس).
قوله: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾، قيل: المعنى أقرب الأرض إلى فارس، وأن فارس اعتدوا على الروم فحصل القتال بينهما.
وقيل: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾: في أقربها إلى أرض العرب، وهذا يرجع إلى التاريخ الذي يحدد موقع هذه المعركة حتى نعرف أدنى الأرض، إنما لا شك أن ﴿أَدْنَى﴾ بمعنى أقرب.
قال: (﴿وَهُمْ﴾ أي الروم ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ أضيفَ المصدرُ إلى المفعول، أي: غلبة فارس إياهم ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ فارس ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ﴾ ).
شوف تأكيد هذا الوعد أُكِّدَ هذا الوعدُ حيث صُدِّرَ بالاسم ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ﴾؛ لأنه إذا صُدِّرَ بالاسم صار جملة اسمية دالة على الدوام والثبوت، وأُكِّدَ من وجه آخر بقربه حيث كان الخبر مقرونًا بالسين الدالة على القرب، ثم أُكِّدَ أيضًا بمؤكِّد ثالث وهو قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾؛ لتحقُّقِ الغلبة وأن هذا أمر لا بد أن يقع ولو كانوا مغلوبين؛ لأنه لو حُذِف ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ وهم سيغلبون، لكان الإنسان يقول: سيغلبون ولو غُلِبوا؟! لعلهم إذا كانوا قد غُلِبوا لا يغلبون. فلما قال: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾؛ صار في ذلك تأكيد للغلبة.
فصار تأكيد غلبة هؤلاء من وجوه ثلاثة، علِّمْنا بها، هات المؤكدات الثلاثة، المؤكدات لكونهم يغلبون.
* طالب: الضمير.
* الشيخ: ويش هو الضمير؟
* الطالب: ﴿هُمْ﴾.
* الشيخ: ويش وجهه للمؤكِّد؟
* الطالب: دخول السين.
* الشيخ: لا، مَن يعرف؟
* طالب: الجملة الاسمية.
* الشيخ: نعم، وجه التأكيد أنه حوَّل الجملة إلى اسمية وهي دالة على الثبوت والاستمرار، يلا كمِّل الثالث.
* الطالب: قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾.
* الشيخ: قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾، ما وجهه؟ مَن يعرف الوجه؟
* طالب: أنه قال: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ قال: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ يمكن (...) لا يغلبون.
* الشيخ: كذلك أنهم سيغلبون حتى في حال غلبهم، طيب.
﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ لكن ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (في بضع سنين) متعلق بقوله: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ أي: في خلال هذا البضع.
(﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾: هو ما بين الثلاث إلى التسع أو العشر): ما بين الثلاث إلى التسع، أو ما بين الثلاث إلى العشر. ما بين الثلاث إلى التسع كم يصير؟ الرابع أربعة وخمسة وستة وسبعة وثمانية: خمس سنين، وإلى العشر؟
* طالب: ستة.
* الشيخ: ست سنين، هذا البضع، يعني إما خمس سنوات وإما ست سنوات أو لا؟
إذا قلنا: ما بين الثلاث إلى العشر يصير: أربع -اللي بين الثلاث والعشر-: أربع وخمس وست وسبع وثمان وتسع.
إذا قلنا: ما بين الثلاث إلى التسع يكون: أربع خمس ست سبع ثمان: خمس سنوات، يعني الثلاث هي داخلة ولَّا غير داخلة؟
* طالب: غير داخلة.
* الشيخ: غير داخلة، ما قال: من الواحد إلى العشر، أو ما بين الواحد إلى العشر، قال: (ما بين الثلاث إلى التسع).
* طالب: البضع يعني أكثر من الثلاث إلى العشر؟
* الشيخ: إيه كم يصير؟
* الطالب: يصير أكثر..
* الشيخ: لا موجب كلام المؤلف أنه ما هو بأكثر، لو قال يعني: تضمن ما زاد على الثلاث.
* الطالب: إي نعم، يعني إما أربعة..
* الشيخ: ما زاد على الثلاث إلى العشر.
* طالب: ليش (...)؟
* الشيخ: نعم؟ والله فيه احتمال، وهذا ينبغي أن إحنا نفهم في الأول؛ أن البضع من الواحد إلى التسع أو إلى العشر، لكن تعبير المؤلف فيه إشكال.
* طالب: (...) يبدأ الثلاث (...) البضع دا (...) ثلاثمئة (...) البضع: أربع خمس ست، يعني أكثر من ثلاث يُعَدُّ بضعًا إلى العشر.
* الشيخ: وما دونها ليس ببضع؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: إيه نعم، إذن معناه نقول من الواحدة إلى العشرة، لكن ما دون الثلاث.
* الطالب: ليس ببضع.
* الشيخ: لا يدخل في هذا نعم.
* طالب: (...) يدخل (...) قد يكون ما بعد (...) واللي قبله (...).
* الشيخ: إي نعم، على كل حال نرجع إلى فهمنا الأول أنه يكون من ثلاث إلى تسع أو إلى عشر، يعني ما دون الثلاث لا يدخل في البضع.
* طالب: والثلاثة.
* الشيخ: والثلاث لا على كلام المؤلف: (ما بين الثلاث) أنه ما يدخل الثلاث؛ لأن ما بين الشيء والشيء ما يدخل فيه الجانبان.
قال: (فالتقى الجيشان في السنة السابعة من الالتقاء الأول وغلبت الروم فارس): (التقى) يعني: حصل بينهما حرب أخرى فغلبت الروم فارس، فصدق بذلك وعد خبر الله سبحانه وتعالى بأنهم سيغلبون في بضع سنين؛ لأنه ما تجاوز الأمر سبع سنوات حتى كانت الغلبة للروم على الفرس، فصدق الله وعده أنهم سيغلبون في هذه المدة، قال: تكون الغلبة في هذه المدة.
* طالب: (...) غلبة يعني يأخذ بضع سنين (...).
* الشيخ: لا، المعنى أن الغلبة تتم في خلال سبع سنين، وليس المعنى أن الغلبة تستمر سبع سنوات.
وقوله: (﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم ٤] أي: من قبل غلب الروم ومن بعده، المعنى: أن غلبة فارس أولًا وغلبة الروم ثانيًا بأمر الله، أي: إرادته).
قوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾ هذه الجملة اسمية قُدِّمَ فيها الخبر لإفادة الاختصاص: لله وحده الأمر، (ال) هذه للاستغراق، يعني كل الأمر، و(ال) التي للاستغراق هي التي يحل محلها (كل)، فإن كانت لاستغراق المعنى فهى لاستغراق المعنى، إن كانت لاستغراق الأفراد فهى لاستغراق الجنس:
﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] (ال) هذه لاستغراق الجنس؛ لأنه يصح أن يحل محلها (كل) فيقال: وخلق كل إنسان ضعيفًا.
﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ١، ٢] هذه (ال) أيضًا لاستغراق الجنس أي كل إنسان. وإن كانت لاستغراق المعنى فهي لاستغراق المعنى، ومثَّلوا لذلك بقولهم: (زيدٌ نِعْمَ الرجلُ). أي: نِعْمَ الشخص الجامع لصفات الرجولة.
هنا ﴿الْأَمْرُ﴾ (ال)؟
* طالب: لاستغراق الجنس.
* الشيخ: لاستغراق الجنس نعم، أي: لله كل أمر.
وقوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾ هل المراد بالأمر هنا الأمر الكوني أو الأمر الشرعي؟ الأمر الكوني، أي: إن جميع الأمور ترجع إلى الله عز وجل، سواء المتعلقة بأفعال العباد أو المتعلقة بأفعال الله سبحانه وتعالى فإنها راجعة إليه، وقد سبق لنا في التوحيد أن الأمر ينقسم إلى قسمين: أمر كوني، وأمر شرعي.
مثال الأمر الكوني: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
مثال الأمر الشرعي؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذه الإرادة، الأمر الشرعي أوامر الله الشرعية مثل: افعلوا كذا وكذا، مثل قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: عن أمره الشرعي ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور ٦٣].
* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾.
* الشيخ: نعم قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾، [النساء: ٥٨] هذا أمر شرعي.
قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء ١٦]، من أي الأمرين؟
* طلبة: الكوني.
* الشيخ: من الأمر الكوني، هذا هو المتعين؛ أن الله يأمرهم أمرًا كونيًّا بالفسق فيفسقون.
وأما من قال: إن المراد بالأمر في الآية الأمر الشرعي، وأن الله يأمرهم فيفسقون -يعني يأمرهم بالطاعة فيفسقون ثم يأخذهم بالعذاب- فهذا القول باطل؛ لأنه يقتضي أن يكون المعنى: أن الله يرسل الرسل فيأمر الناس بطاعة الله ويش هو لأجله؟ لأجل أن يفسقوا فيحل بهم العقاب. وهذا معنى يرجع إلى أن المعنى أن الله بعث الرسل نقمة على العباد، وهو أمر لا يمكن.
ثم إننا نقول: الأمر الشرعي هل يختص بالمترفين؟ عام لهم ولغيرهم، والمهم أن هذا القول ضعيف وباطل وينافي حكمة الله عز وجل في إرسال الرسل.
هنا ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ﴾ قلنا: المراد به الأمر الكوني. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قد يقول أصحاب النحو: لماذا ضُمَّت مع أن ﴿مِنْ﴾ حرف جر؟
* طالب: لأن فيه محذوفًا لفظًا ما هو موجود أي لله الأمر من قبل كل شيء وبعده، أي يبنى على الضم في محل جر، مبني على الضم في محل جر؛ لأن الضمة موجودة لفظًا ومجرور محلًّا.
* الشيخ: لأن (قبل وبعد) إذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه بُنِيَ على الضم، هذا السبب: إذا حُذف المضافُ إليه ونُوِي معناه بُنِيَ على الضم، فإن وُجِد المضاف صارا مُعْرَبَيْن، فتقول: (أتيت من قبلِ أن يأتي زيد) فتجرها.
وكذلك إذا حُذِف المضاف إليه ولم يُنْوَ لا لفظًا ولا معنًى فإنها تعرب كقول الشاعر:
فَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ وَكُنْتُ قَبْلًا ∗∗∗ أَكَادُ أَغَصُّ مِنْ مَاءِ الْفُرَاِتِ
وكذلك إذا حُذف المضاف إليه ونُوِي لفظُه فإنها تُعرب لكنها لا تُنَوَّن تعرب ولا تنون، فيقال مثلًا: (كنت حريصًا على الدرس فأتيت من قبلِ) أي: من قبلِ ابتداء الدرس، فهنا حُذف المضاف ونُوِي لفظُه.
ويش اللي يدرينا؟ ما الذي يدرينا أنه نُوِي لفظه أو نُوِي معناه؟ اللي يدرينا الإعراب نفسه، إذا كانت مبنية على الضم علمنا أنه قد حُذف وأريدَ المعنى، وإذا لم تكن كذلك علمنا أنه قد حُذف وأريدَ اللفظُ، فإن نُوِّنَتْ علمنا أنه ما أريدَ اللفظُ ولا المعنى.
* طالب: يجوز أن نقول في حق الله عز وجل: إنه مَنْوِيٌّ.
* الشيخ: لا، يصلح أن نقول: مريد، أن الله أراد المضاف إليه؛ لأن الإرادة تدل على النية.
(﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم تغلب الرومُ ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم ٤، ٥] إياهم على فارس).
قوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ﴾، (يوم) هذه ظرف متعلقة بـ﴿يَفْرَحُ﴾، وهي مضافة إلى (إذ) ونُوِّنَت (إذ) تنوين عِوَضٍ، عوض عن أيش؟
* طالب: عن جملة.
* الشيخ: عن جملة؛ ولهذا قال: اليوم تغلب الروم. فالمحذوف الآن جملة.
﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم ٤، ٥] الفرح لا يحتاج أو لا يمكن لإنسان أن يعبر عنه، لو قلت: أيش معنى الفرح؟ خفة النفس وسرور النفس، أو نقول: الفرح معلوم؛ ولهذا في القاموس إذا جاء مثل هذه الأشياء قال: (م). الفرح مثلًا يمكن يكتب بعدها: (م). يعني أنه معروف لا حاجة إلى أن يُبَيَّن.
وقوله: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ المراد بهم النبي ﷺ وأصحابُه.
وقوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَفْرَحُ﴾. وهو مصدر مضاف إلى فاعله، أما مفعوله فمحذوف وتقديره: بنصر اللهِ الرومَ على الفرس؛ ولهذا قال المؤلف: (بنصر الله إياهم على فارس).
والنصر معناه أيش معنى النصر؟ النصر معناه العون والظهور، أي معناه أن الله يعينهم حتى يظهروا على أعدائهم، هذا هو النصر أن يعين الله الإنسان حتى يظهر على عدوه، فهذا هو معنى النصر.
وقوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ سُمِّيَ نصرًا مع أنه لكفار على كفار؛ لأننا نقول: إن النصر هو العون والظهور، وهو لا فرق بين أن يكون بين مؤمن وكافر أو بين كافر وكافر، ثم إن أهل الكتاب أقرب من الفرس؛ ولهذا لهم أحكام خاصة تقربهم من المسلمين.
قال: (وقد فرحوا بذلك وعلموا بذلك يوم وقوعه يوم بدر بنزول جبريل بذلك مع فرحهم بنصرهم على المشركين فيه) يعني أنهم حصلت الوقعة بين فارس والروم في الزمن الذي حصلت فيه الوقعة بين الكفار والمؤمنين وذلك متى؟ في بدر وعلى هذا فتكون هذه الآية نازلة قبل الهجرة.
* طالب: بعد الهجرة.
* الشيخ: قبل الهجرة بخمس سنوات؛ لأنه إذا كانت مدة الغلبة يعني المدة التي حصلت فيها الغلبة سبع سنوات وبدر كانت في السنة الثانية لزم أن يكون غلبة فارس للروم قبل الهجرة بخمس سنوات.
* طالب: الآية؟
* الشيخ: إي نزول الآية وغلبة فارس.
وقوله: (مع فرحهم بنصرهم على المشركين فيه): فيكون في هذا الزمن اجتمع نصر أهل الكتاب على المجوس ونصر المسلمين على المشركين.
قال الله تعالى: (﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: الغالب ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الروم ٥] بالمؤمنين).
* طالب: شيخ، قول المؤلف عليه دليل نقلي.
* الشيخ: الظاهر أنه اتبع التاريخ فقط، أما عن الرسول عليه الصلاة والسلام ما فيه دليل، لكن فيها تاريخًا يقول هذا.
وقوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
* طالب: قبل هذا المؤلف يقول: (غلبة فارس أولًا وغلبة الروم ثانيًا بأمر الله، أي: إرادته)، نسيناه.
* الشيخ: إي نعم نسيناه تعدَّيْناه، كان الذي ينبغي أن نتكلم عن قوله: (بأمر الله؛ أي إرادته) هذا في الحقيقة تحريف، بل الصواب أنه بأمره أي بقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]. فإن الله تعالى لا يُقَدِّر شيئًا إلا بالقول: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾، ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق الشرط، فتعم كل شيء أراده الله، فإنما يقول له: كن فيكون.
فالصواب أن المراد بالأمر هنا القول، ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾: الأمر الكوني والشرعي ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾. والإرادة ليست هي القول، فإن الإرادة صفة لا تستلزم القول؛ إذ إن المريد قد يفعل ما أراد أو قد يقوله، وأما القول فإنه أخص من الإرادة، كل قول فهو متضمن للإرادة، وليست كل إرادة متضمنة للقول.
وقوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم ٥]، ﴿يَنْصُرُ مَنْ﴾ هذه عامة، (مَن) تعم سواء كان المنصور كافرًا أو كان المنصور مؤمنًا؛ لأن الأمر بيد الله سبحانه وتعالى، وقد سبق لنا كثيرًا بأن كل شيء مقيد بالمشيئة فإنه يتضمن الحكمة؛ لأن الله تعالى لا يشاء شيئًا إلا لحكمة، فينصر من يشاء نصره لحكمة اقتضت ذلك.
وقوله ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ [الروم ٥] قال المؤلف: (الغالب)، وهذا أحد معاني العزة؛ لأن العزة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع.
عزة القدر: بمعنى أنه سبحانه وتعالى عظيم القدر، وكلما كان الشيء عظيم القدر كان عزيزًا، أي: قليل الوجود، والله سبحانه وتعالى لا مِثْل له.
وعزة القهر بمعنى أيش؟ الغلبة والظهور.
وأما عزة الامتناع فمعناها: امتناع جميع النقص عليه سبحانه وتعالى، فهو عزيز من هذه الوجوه الثلاثة.
عزة القدر: بمعنى أنه عظيم لا نظير له في قَدْره وعظمته. والثاني: عزة القهر بمعنى أنه قاهر وغالب لكل شيء. والثالث: عزة الامتناع، أيش معنى عزة الامتناع؟ أي إنه يمتنع عليه كلُّ نقص، ومن هذا المعنى قولهم: أرض عزاز، وحنا نقول: أرض عزا، أيش معنى عزاز؟ الصلبة التي يمتنع أن يؤثر فيها أيُّ شيء، فالله عز وجل متصف بالعزة من جميع هذه الوجوه.
وقوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الروم ٥] قال المؤلف: (بالمؤمنين)؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣].
والصواب أن رحمة الله تعالى تكون عامة وخاصة، فإن كل مَن في السماوات والأرض فهم في رحمة الله العامة، لولا رحمة الله بالكفار هل يبقَوْن؟
* طالب: لا.
* الشيخ: أبدًا ما يبقَوْن، فكون الله يدر عليهم الأرزاق والعافية والنشاط والعقل وما أشبه ذلك لا شك أنه من رحمة الله، ولكن الرحمة التي تكون بها رحمة الدنيا والآخرة فهذه خاصة بالمؤمنين.
* وفي هذه الآيات الكريمة فوائد عديدة:
* أولًا: أن كلام الله عز وجل بالحروف؛ لأن ﴿الم﴾ حروف، ففيه رد على الأشعرية الذين يقولون: إن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس وليس الحروف، وأن هذه الحروف مخلوقة لتعبر عن هذا المعنى القائم بنفسه.
ثم يقولون أيضًا: إن هذا المعنى القائم بالنفس لا يتغير ولا يختلف، فهو واحد سواء كان استفهامًا أو خبرًا أو أمرًا أو نهيًا أو قرآنًا أو زبورًا أو توراةً أو إنجيلًا، ما يختلف، فالتوراة هي الإنجيل وهي القرآن وهي الزبور وهي صحف إبراهيم وصحف موسى، فاهمين هذا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: لكن تصوروا أنه ممكن، يقول: هذه اختلفت بالتعبير، إن عُبِّرَ عن هذا الكلام بالعربية صار قرآنًا، أو بالعبرية صار توراةً، أو بالسريانية صار إنجيلًا، أو بلغة داوود صار زبورًا، وهكذا. وهذا معنى غير معقول.
ثم يقولون أيضًا: إن الاستفهام والخبر معناهما واحد، فإذا مثلًا جاء استفهام من الله عز وجل فهو كالخبر عنه؛ لأن المعنى واحد. وهذا لا شك أن مجرد تصوره كافٍ برده وإبطاله.
* من فوائد الآية: عِلْم الله تعالى بالغيب، إثبات علم الله بالغيب؛ لقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لأن الإخبار عن الغيب لا يكون إلا بوحي.
* ومن فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى كامل السلطان والتدبير؛ لقوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن كل الأشياء لا تكون إلا بأمر الله؛ لأنه لما قال: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ قال: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، إذن فكونهم غُلِبوا بأمر الله، وانتصارهم بأمر الله، فكل الأمور بتقدير الله تعالى وأمره، كل الأشياء بأمره سبحانه وتعالى.
* ومن فوائدها: الرد على القدرية، الذين يقولون باستقلال العبد بفعله، هم يقولون: إن العبد مستقل بفعله وليس لله تعالى فيه تقدير ولا أمر ولا مشيئة ولا غيره، وهذا الآية ترد عليه.
* ومن فوائد الآية: جواز التعبير بما يُدخِل الخوف والحزن على العدو؛ لأن قوله: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ -وهي من ثلاث إلى عشر أو إلى تسع- معناه: أنه سيبقى هؤلاء الفرس في ذعر وخوف، كل سَنة تأتي يقولون: هذه سَنة الغلبة. ولا شك أن هذا مما يزيدهم زعرًا وخوفًا؛ لأنهم لو غُلِبوا في أول سنة انتهى الأمر، لكن كونهم يُتوعَّدُون بأمر لا يُدرَى في خلال بضع سنين، لا شك أن هذا أشد عليهم من أنه يأتي الأمر وينتهي.
* ومن فوائد الآية: أن في قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ أن من البلاغة حذف الفاعل إذلالًا له وإهانةً له: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ لم يذكر الغالب إذلالًا له. * وكذلك الفائدة الثانية: رفقًا بالروم.
ثم قال: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ * في هذا من الفوائد: جواز فرح المؤمنين بانتصار بعض الكفار على بعض، إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام، ولَّا لا؟
* طالب: في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾، هو ما انتصر المسلمون على الكفار، انتصر كفار على كفار لكن هذا في مصلحة الإسلام، وعلى هذا إذا اقتتلت دولتان من دول الكفار وكانت إحداهما أقرب إلى نفع المسلمين من الأخرى وفرحنا بانتصارها، هل نقول: إن هذا حرام؟ كيف تفرح بانتصار كافر على كافر؟ أو نقول: هو جائز؟
* طالب: هو جائز.
* الشيخ: نقول: هو جائز كما فرح المؤمنون بانتصار الروم على فارس، مع أن كلًّا منهما كفار لكن هؤلاء أهل كتاب، فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس.
* ومنها: جواز تسمية غلبة الكفار نصرًا؛ لقوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.
فإذا قال قائل: كيف تجمعون بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١] مع أن الروم ما يتصفون بهذه الصفات؟
فالجواب: أن النصر نوعان: نصر مطلق دائم، فهذا لا يكون إلا لمن ينصر الله. والثاني: نصر عارض مُوَقَّت، فهذا يكون لهؤلاء ولغيرهم. فنصر الله للروم على الفرس ليس نصرًا دائمًا، الدليل أنه بعد ذلك نصر الله المؤمنين على الفرس وعلى الروم، فافتتحوا ممالك كسرى وممالك قيصر، فلم يكن هذا نصرًا دائمًا.
* ومن فوائد الآية: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: إثبات العزة لله؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، وإثبات الرحمة في قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾، وإثبات كمال عزته حيث قُرِنت بالرحمة، فإننا ينبغي أن نعرف أن الأسماء الحسنى تدل على الكمال، كل واحد منها يدل على كمال بانفراده، ثم باجتماع الاسمين بعضهما إلى بعض يدلان على كمال مركب.
فالعزيز يدل على الكمال، والرحيم يدل على الكمال، فإذا اجتمعا أُخِذ من ذلك كمال آخر فوق الكمال الذي يتضمنه كل اسم على انفراده، وهو أن تكون عزته مقرونة بالرحمة؛ لأن عزة غيره قد تكون خالية من الرحمة، فإذا صار عزيزًا أخذ الذي هو ظاهِرٌ عليه أخذه أخذ عزيز مقتدر ولم يرحمه، بخلاف عزة الله فإنها مقرونة بالرحمة، وهي أيضًا مقرونة بالحكمة.
أضرب لكم مثلًا: لو أن رجلًا غلب على قوم، وصار عزيزًا وهم أذلاء، فإن هذا الرجل قد تأخذه العزة بالإثم فيبطش بهم ولا يرحمهم، لكن عزة الله عز وجل ليست كذلك، بل هي مقرونة بالرحمة كما أنها مقرونة بالحكمة؛ ولهذا دائمًا يقرن الله العزة بالحكمة.
فيه فوائد أخرى أيضًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إيه ما فيه بأس؛ أننا نفرح بانتصار بعضهم على بعض إذا صار المنتصر فيه نفع للإسلام، ثم يساعدون المسلمين بالمال أو بالسلاح أو على الأقل يكون قد كفَّ شرَّه والثاني فيه شر.
* طالب: منين نأخذها؟ أخذًا من الآية هذه ولَّا..؟
* الشيخ: إي نأخذها من هذه الآية.
* الطالب: ظاهر الآية أنهم ما يساعدون المسلمين.
* الشيخ: لكنهم أقل شرًّا من هؤلاء.
* طالب: المصلحة من انتصار الروم على الفرس، ما هي؟
* الشيخ: المصلحة لأن الروم أهل كتاب، فهم أقرب إلى الإسلام ومراعاة المسلمين من أولئك، هذه المصلحة.
* طالب: كل اسم من أسماء الله عز وجل الاسم كل اسم يتضمن صفة، لكن هل يوجد العكس كل صفة يُشتَق لها اسم؟
* الشيخ: لا، ما يجوز.
* الطالب: طيب المشيئة، كيف نعرفها؟
* الشيخ: ما نقول: إن من أسماء الله الشائي أو المريد أو المتكلم، ما نقول: هذه من أسماء الله.
* الطالب: يعني الصفة الصفات أوسع؟
* الشيخ: إيه الصفات أوسع بلا شك.
* طالب: خبره في الصفات، هل الخبر أوسع من الصفات؟
* الشيخ: إيه يعني يخبر عنه بأشياء ولا يسمى بها، ولكن ما يخبر عنه بصفة إلا حيث وردت، ما هو كل صفة يجوز لنا نخبر بها عن الله، فلا يجوز أن نسمي الله مثلًا بالحزين، ولا نسميه بالعاشق، ولا نسميه بالهميم، وما أشبه ذلك، يعني حتى الصفات تكون توقيفية، ما نخترع من أنفسنا صفة له، لكن الصفات أوسع من الأسماء.
* طالب: المنعم هل وردت المنعم؟
* الشيخ: لا ليس من أسماء الله.
* الطالب: لا، صفة المنعم؟
* الشيخ: صفة نعم، ما فيه شك أن الله منعم: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة ٧].
* الطالب: يعني نقول: إن النعمة يعني أتى بها.
* الشيخ: هل تكون نعمة بدون مُنْعِم؟!
* الطالب: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧].
* الشيخ: إيه، وكذلك ﴿أَنْعَمْتَ﴾ يؤخذ منه الْمُنْعِم. أما المحسن فقد ورد من أسماء الله؛ لقوله: «إِنَّ اللَّهَ مُحْسِنٌ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ»[[أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨٦٠٣) عن شداد بن أوس رضي الله عنه، ولفظه: «إِنَّ اللَّهَ مُحْسِنٌ يُحِبُّ الْإِحْسَانَ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».]].
وبهذا يزول الإشكال الذي يرد عند كثير من الناس يقول: إنهم يسمون باسم عبد المحسن. لا، مُحسن ما هو مشكل، عبد المحسن، فيقول: كيف تضيفه إلى ما ليس من أسماء الله؟
* طالب: عبد المنعم موجودة؟
* الشيخ: موجودة أيضًا.
* الطالب: حكم التسمية بها؟
* الشيخ: التسمية هذه إن ثبت أنها من أسماء الله، وإلَّا فقد يقول قائل: قد نقول: إنه يجوز؛ لأن المنعم على الإطلاق هو الله، كل إنسان له نعمة فهي مقيدة، وإلا فالنعم حتى من الإنسان: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٣٧].
* طالب: عبد الراضي؟
* الشيخ: عبد الراضي؟ ما أدري.
* طالب: ابن حزم يقول: يجوز تسمي بعبد المطلب.
* الشيخ: لا غلط، هذا غلط منه.
* طالب: حميد.
* الشيخ: إيه حميد من أسماء الله ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى ٢٨].
* الطالب: لا، أن يسمى أحدنا (حميد)، هذا مقصدي.
* الشيخ: والله (...)، لكن إذا لم يُقصَد الصفة فلا بأس، فهذا حكيم موجود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ولا غيَّرَه، مع أن الحكيم من أسماء الله؛ لأنه ما أريدَ ملاحظة الصفة، أسماء الله تعالى يراد به إثبات الصفة مع الاسم، لكن قد أسمي ولدي (حكيم) وهو من أسفه الناس، وكذلك أسميه (محسن) وهو من أشد الناس جَوْرًا.
* طالب: هل يجوز أن نسمي: عبد الحكيم؟
* الشيخ: إلا ما يخالف، يجوز إيه نعم.
* طالب: الوقوف على رؤوس الآي (...).
* الشيخ: هذه المسألة تقدم البحث فيها، ويش قلنا؟
* طالب: ما هو السؤال؟
* الشيخ: السؤال يقول: هل نقف على الآيات لو أنها قد تعلق بها ما بعدها، ولا أنَّا نصل ونراعي المعنى؟
* الطالب: نراعي المعنى.
* الشيخ: في هذا قولان لأهل العلم، منهم مَن يرى أننا نقف على الآيات، ويقول: هذا هو الوارد عن النبي ﷺ، أنه كان يقرأ القرآن آية آية، والدليل على ذلك أن الله جعلها آية فنقف عليها ولو تعلق بها ما بعدها، وهذا كثير في القرآن: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون ٤]، رأس آية دي؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: يجوز أن نقف.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة ٢١٩، ٢٢٠]. ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾ آية. وهذه ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾، هي آية عندكم؟ ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
* طالب: آية.
* الشيخ: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.
وقال بعض أهل العلم: إنك تراعي المعنى، فتقف عند انتهاء المعنى، ولا تفصل آية عن آية تتعلق بها، ولو قيل بالتفصيل: وهو أن الإنسان إذا كان يتلو وهو يقرأ فإنه يقف على كل آية؛ لأن الكلام لن ينقطع، (...) يتصل ويتضح المعنى.
وإذا كنت تريد أن تتكلم على معاني الآيات فإنك تراعي المعنى، لو قيل بهذا التفصيل لكان له وجه، لكن ما أعلم هل أحد من أهل العلم قال به أو لا؟ إنما القول به على حسب قواعد أهل العلم لا بأس به؛ لأن إحداث قول ثالث يتكون من القولين قبله لا بأس به، وهذه مسألة محل بحثها أصول الفقه: هل يجوز إذا أجمع العلماء على قولين هل يجوز إحداث قول ثالث أو لا؟
والصواب أنه إذا كان القول الثالث لا يخرج عنهما، غاية ما هنالك أنه يفصل فيه، فهو جائز لأنه ما يكون خرج عن الخلاف، أما إذا كان يخرج عنهما فلا يجوز، فمثلًا إذا قلنا بالتفصيل هنا خرج عن القولين ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما خرج، لكنه يقف في شيء ولا يقف في شيء آخر، مثل مَن قال: الوتر واجب، وآخرون قالوا: إن الوتر ليس بواجب.
فإذا قلنا: واجب على مَن كان كذا وكذا، غير واجب على مَن كان كذا وكذا، كما اختاره شيخ الإسلام على أنه واجب لِمَنْ له وِرْدٌ من الليل يقوم به، غير واجب على مَن سواه، صار هذا القول الثالث لا يخرج عن الاثنين؛ لأنه يوافق أحد القولين في حال، ويوافق القول الآخر في حال أخرى.
* طالب: القول الثالث (...).
* الشيخ: إي لكنه ما يخرج عنهما، أما لو كان واحد يقول بالتحريم وواحد يقول بالحل، ثم جاء قول ثالث يقول بالوجوب. هذا ما يمكن، إذا أجمعوا على الحل أو التحريم ما يمكن (...) قولًا بالوجوب؛ لأنه ما يوافق القولين.
الروم 30:3
ضرب عنها الجهمية صفحًا، وقالوا: إنه بذاته في الأرض وليس في السماء والعياذ بالله، فقلبوا الحقائق.
فيه طائفة تحزلقت وقالت: نحن نقول بالدليلين، ونقول: إن الله بذاته معنا وهو في السماء على العرش بذاته. وقالوا: نحن أسعد بالدليل منكم يا أهل السنة؛ لأننا عملنا بدليلين، فقلنا: إنه معنا بذاته، وإنه على العرش بذاته، فيكون مكانه فوق وتحت.
هؤلاء وافقوا الجهمية ووافقوا أهل السنة من وجه، وافقوا أهل السنة في قولهم: إن الله على عرشه بذاته. ووافقوا الجهمية بقولهم: إنه بذاته في الأرض. وقالوا: نحن أخذنا بالدليل هذا وبالدليل هذا، والجهمية أخذوا بدليل وتركوا دليلًا، وأهل السنة أخذوا بدليل وتركوا دليلًا. ما هو الجواب عن هذه الشبهة؟ لأن هذه شبهة عظيمة، فما هو الجواب عن هذه الشبهة؟
ما كنت أظن أن هذه تشكل عليكم؟ ما عرفتم المعنى؟ السؤال: هؤلاء جماعة حكى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عن الأشعري في المقالات مقالات الخلق، يقولون: الله سبحانه وتعالى بذاته في الأرض، وهو بذاته على عرشه، ويقولون: نحن أخذنا بالدليلين: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤]، وهو ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ [طه ٥]. فنحن أخذنا بالآية هذه وبالآية هذه، فنحن أسعد بالدليل من أهل السنة والجماعة ومن الجهمية؛ لأن أهل السنة والجماعة -على زعمهم- أخذوا بدليل واحد، والجهمية أخذوا بدليل واحد، الجهمية أخذوا بأيش؟ بنصوص المعية وتركوا نصوص العلو، ضربوا عنها صفحًا. وأهل السنة والجماعة أخذوا -على زعم هؤلاء- بنصوص العلو وتركوا نصوص المعية، وهم يقولون أو يزعمون أنهم أخذوا بالنصوص جميعًا، فما تقولون؟
* طالب: نرد عليهم، بأن الله سبحانه وتعالى معنا بالعلم.
* الشيخ: هم يقولون: هذا تأويل، يقولون -كما قلت لكم-: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أي: علمه معكم، فقد خالفتم ظاهر اللفظ.
* الطالب: عندي دليل عليهم.
* الشيخ: ويش؟
* الطالب: قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة ٧]. يعني ابتدأه بالعلم وانتهى بالمعية.
* الشيخ: هم في الحقيقة ربما يجيبون عن هذا، يقولون: نعم الذي معك عالم بك، نحن ما قلنا: إنه معكم وليس يعلمكم. نقول: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤] من مقتضى معيته أن يكون عالِمًا. فكأن قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ تعليل لقوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ [الحديد ٤]. وفي المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [المجادلة ٧].
* طالب: نقول لهم: أنتم جمعتم بين النقيضين، وهو أنكم نزهتم الله على أنه فوق في السماء، وجعلتموه في الأرض فيها، (...) فكيف ذلك؟!
* الشيخ: صحيح هذا هو الجواب؛ أن نقول: أنتم الآن جمعتم بين النقيضين، إذا كان عاليًا -كما تزعمون، وكما هو الحق- فكيف يكون في الأرض؟! هل هو إله واحد ولَّا متعدد؟ هم يقولون: إله واحد. فإذا كان فوق لا يمكن أن يكون تحت؛ لأن الفوقية والتحتية من الأمور المتقابلة التي إذا انتفى أحدها ثبت الآخر، ولا يمكن أن تجتمع.
ثم نقول: إذا قلتم: إنه بذاته في الأرض، فإذا كان الإنسان في المسجد كان الله في المسجد، واللي في السوق يكون الله في السوق، واللي في البَرِّ يكون الله في البر، واللي في الجو يكون الله في الجو وهكذا، ومعنى ذلك أننا نقول: آلهة متعددة لا تُحصى، فأنتم الآن خالفتم الدليل.
ثم إننا نقول -إذا قالوا أيضًا: ويش لون قولكم: معنا حقًّا وهو فوق العرش حقًّا؟ هذا ما يصير- قلنا لهم: يصير، هو معنا سبحانه وتعالى حقًّا وهو فوق العرش يعلمنا ويرانا ويسمعنا ويدبرنا وله السلطة علينا والهيمنة، ومَن كان كذلك فهو معك وإن كان فوقك، اللي يعلمك ويسمعك ويراك ويحيط بك ويهيمن عليك تدبيرًا وسلطانًا فهو معك وإن كان فوقك، إذا كان الرجل يقال: إنه مع امرأته وله معها سلطة عليها، لو أنه في المكتب وهي في بيتها ما هو يقال: إنه معها أو لا؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: وهي يعني مصاحبة بسيطة، فكيف بالخالق عز وجل الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض؟! فنحن نقول: هذا أمر ممكن؛ أن يكون الله سبحانه وتعالى معنا وهو فوق عرشه؛ لأننا نقول: معنا أيش؟ محيط بنا علمًا وسمعًا وبصرًا وقدرةً وسلطانًا وتدبيرًا وغير ذلك من معاني ربوبيته، والذي هذا شأنه يصلح أن يقال: معك وهو فوق عرشه ولَّا لا؟ يصلح أن يقال: إنه معك وهو فوق عرشه.
وشيخ الإسلام رحمه الله أشار إلى مَثَلٍ يقرب هذا الشيء، قال: إن العرب يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا، أو والنجم معنا، أو والقطب معنا -مثلًا- وهو في السماء ونحن في الأرض مع أنه مخلوق، فكيف بالخالق؟!
فالمهم أننا نقول لهؤلاء الْمُلَبِّسين -لأن هذا تلبيس في الحقيقة قد يَرِد على بعض الناس الذين يقولون: إننا نحن نؤمن بالدليلين وأنتم يا أهل السنة ما تؤمنون إلا بدليل واحد- نقول: ما آمنتم بالدليلين عندكم، أنتم الآن في الحقيقة أنكرتم الدليلين؛ لأن المعية لا يريد الله بها ذلك أبدًا، ولا يمكن أن يريد بمعيته سبحانه وتعالى أن يكون في الأرض.
ولو قلنا: إن هذا هو حقيقة النصوص أو ظاهر النصوص لكنا نقول: إن ظاهر النصوص الكفر أو لا؟ لو قلنا: إن ظاهر نصوص المعية أن الله في الأرض لكنا قلنا: ظاهر النصوص الكفر؛ لأن الإنسان اللي يعتقد أن الله في الأرض كافر مكذب للأدلة الدالة على علو الله سبحانه وتعالى -كما قلنا- أدلة عقلية، وأدلة أثرية نقلية.
والحاصل: أن هذا الذي مشى عليه المؤلف حق، فإذا قلنا: إنه مع المحسنين بالنصر والعون، صح، هذا النوع من المعية يقول أهل العلم: إنه من المعية الخاصة، والمعية نوعان: عامة، وخاصة. العامة: هي التي تشمل كل أحد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة ٧]. هذه معية عامة ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأنها شاملة للمؤمن والكافر، والبَر والفاجر، والمقصود بها: بيان إحاطة الله تعالى بكل شيء؛ ولهذا سئل إسحاق ابن راهويه -وهو من أئمة السلف- عن هذه الآية: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧]، أيش معنى ها الكلام هذا؟ قال: معناه: حيثما كنت فهو أقرب إليك من حبل الوريد. ففسَّر المعية بالقرب، وهذا لا ينافي ما فسَّرها به غيره من أنه معهم بالعلم.
المعية العامة تقتضي الإحاطة، وقد تكون للتهديد؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨]، هذه المعية أيش المقصود بها؟
* طالب: الإحاطة.
* طالب آخر: التهديد.
* الشيخ: التهديد بأن الله محيط بهم ولكنه ليهددهم من هذا العمل القبيح؛ أنهم يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، وهو سبحانه وتعالى محيط بهم علمًا وسمعًا وبصرًا وقدرةً.
أما المعية الخاصة فإنها أيضًا نوعان: خاصة بشخص، خاصة بوصف.
المخصوصة بالشخص مثل أيش؟
* طلبة: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾.
* الشيخ: قوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، وقوله للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠].
والخاصة بالوصف مثل هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت ٦٩]، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ١٩]، ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال ٤٦]. وأشياء كثيرة من هذه الأمثلة.
واعلم أنه لا يوجد تناقض في الكتاب والسنة ولا بين الكتاب والسنة، صح ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأن التناقض معناه أن أحد الأمرين باطل والثاني حق، وليس في الكتاب والسنة ما هو كذلك أبدًا، فإذا توهمت تناقضًا فاعلم أن ذلك لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما لقصور علمك، أو لنقصان فهمك، أو للتقصير في التدبر. الإنسان إذا توهم شيئًا متناقضًا في القرآن أو بين القرآن والسنة فليعلم أن سبب ذلك واحد من أمور ثلاثة، وهي؟
* طالب: نقصان العلم، أو نقصان الفهم، أو قلة التدبر.
* الشيخ: التقصير في التدبر.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا هذا القسم الرابع ما هو بتوهم، هذا اللي يدَّعي أن فيه تناقضًا هذا سيِّئ القصد، الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]. أما سوء القصد الذي أشار إليه في القرآن ففي قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد ٢٤].
ولَّا لو تدبرت القرآن طيب افرض واحدًا تدبر آيتين يبغي يجمع بينهما عجز، ويش موقفه؟ لأن هذا دائمًا يَرِد، عجز بأن يجمع بين آيتين، لا فَهِمَ وجه الجمع، ولا عنده علم أن إحداهما ناسخة للأخرى، فماذا يصنع؟
* طالب: يتوقف.
* الشيخ: يقول كما قال الراسخون في العلم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران ٧] ويقف، ولكن مع ذلك ما يكفي الوقوف على أنه مشتبه عليه أن في القرآن تناقضًا، ما يكفي هذا، لا بد أن يقف ويعلم، أيش يعلم؟ أنه ليس في القرآن تناقض، وأن يدع توهم التعارض، يدعه: يطرحه جانبًا ما يبقى على توهمه؛ لأنه إن بقي على توهمه التعارض فقد ركن إلى هذا التوهم، وهو على خطر.
فالواجب أن يعلم أنه ليس في كتاب الله تناقض، وليس بين القرآن والسنة تناقض أبدًا، وبهذا نعرف أن السنة حجة كالقرآن، خلافًا لمن قال: إنها ليست بحجة. وهؤلاء الذين قالوا: إن السنة ليست بحجة، قد أخبر عنهم النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي فَيَقُولُ: لَا نَجِدُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٠٥) من حديث أبي رافع رضي الله عنه مولى النبي ﷺ.]]. هذا الأمر وقع الآن، وقع أناس -والعياذ بالله- يقولون: ما نقبل اللي في السنة إطلاقًا.
والحقيقة أن الذين لا يقبلون ما في السنة هم في الحقيقة كافرون بالقرآن نصًّا؛ لأن القرآن يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر ٧]، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٣٦]، مَن يعص الله ورسوله، فبين أن معصية الرسول ضلال، ولو كان المراد معصية الرسول فيما أمر به الله ما كان لذِكْرِ الرسول فائدة، ثم إننا نقول: يقول الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]. ﴿الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، هل القرآن بيَّن كلَّ شيء؟
* طالب: تفصيلًا لا.
* الشيخ: تفصيلًا لا، أكثر التفصيلات موجودة في السنة، إذن تبيان السنة من تبيان القرآن، والأدلة في هذا -ولله الحمد- كثيرة، لكن من الغريب أنه ظهر في أمريكا من الناس الخبثاء -والعياذ بالله- واحد يقال له: رشاد خليفة، كان مدرسًا بإحدى الكليات هناك، وصار يجمع أموالًا، وألَّف طائفة اسمها طائفة الكتاب، وصار يدعو إلى القرآن، وتعظيم القرآن، والعمل بالقرآن، وينكر السنة إنكارًا عظيمًا -والعياذ بالله- ويقول: ما هؤلاء الذين يعملون بالسنة إلا قوم مجانين، وفي بعض المواقف: إلا قوم مغفلون همج ما عندهم معرفة، فالقرآن هو الدستور الأعظم، وأما السنة فلا.
وصار -والعياذ بالله- يدعو إلى هذا المذهب الخبيث؛ لأنه جامع لأموال كثيرة واستخدمها لهذا الغرض، وألَّف كتابًا في تفسير القرآن كله هجوم على السنة وعلى المتمسكين بالسنة وما أشبه ذلك، أعوذ بالله، هذا الرجل في الحقيقة أرسل لي بعض الناس من أمريكا نسخة من تفسيره، لكن المشكل أني -مع الأسف- ما أعرف اللغة الإنجليزية، ولا استفدت منه شيئًا، أعطيته واحدًا قال: يبغي يروج يخلي ناسًا بجدة يترجمونه ناسًا جيدين في الترجمة وكذا، لكن وجدهم في عطلة وما استفدنا من هذا شيئًا.
فأنا قصدي هنا أن الكتاب والسنة كلاهما صنوان، كلاهما من عند الله عز وجل، وهما مصدر التشريع؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء ٥٩].
* طالب: أصله مسلم ولَّا (...).
* الشيخ: لا، يدَّعي أنه أحد العلماء الراسخين في العلم!
* الطالب: لا، أقول: (...).
* الشيخ: أصله مسلم.
* الطالب: كيف؟
* الشيخ: أصله مسلم، لكن هذا والعياذ بالله!
* طالب: اسمه إيه ده؟
* الشيخ: اسمه رشاد خليفة.
وفي ظني أنه كان من الناس اللي كتب مقالًا أظنه في جريدة تصدر في الشرقية، قال: إن القرآن الكريم مُرَكَّب على العدد تسعة عشر، وأن كل شيء فيه يدور على تسعة عشر، السورة المائة وأربعة عشر مضروبة في كم.. يعني مائة وأربعة عشر نتيجة ضرب أيش؟ ضرب كذا في كذا؟ أنا ما أعرف له كلامًا.
* طالب: يمكن ستة، تسعة عشر في ستة.
* الشيخ: ستة في تسعة بأربعة وخمسين، وستة في واحد بستة، وخمسة يصير مائة وأربعة عشر على قوله؛ ستة في تسعة عشر، وكذلك إلى أنه حرَّف قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر ٣٠]. وقال: ﴿عَلَيْهَا﴾ أي على صحة ما جاء في القرآن؛ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾، أي: تسعة عشر حرفًا وهي البسملة، مع أن القرآن: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ويش يعني؟
* طالب: ملائكة.
* الشيخ: على النار ملائكة، لكن قال: لا، على صحة هذا القرآن تسعة عشر حرفًا وهي البسملة.
* طالب: أيش المغزى؟
* الشيخ: المغزى يقول: لأجل نستدل بأن هذا القرآن ما يمكن أن يأتي به محمد؛ لأن هذا العدد وكون القرآن مُرَكَّبًا على هذا العدد، هذا ما عُرف إلا بعد ما جاء الكمبيوتر، فعُرف.
البسملة هل هي تسعة عشر حرفًا؟
* طالب: يُلَبِّس الخبيث.
* الشيخ: إيه مُلَبِّس جدًّا، ملبس حتى إنه قال: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق ١]، ابتدأت بالقاف؛ لأن مجموع ما فيها من القافات تنقسم على تسعة عشر ويطْلَع، والدليل أنه ما قال: (وقوم لوط)؛ لأنه لو قال: (وقوم لوط)، زادت قاف ولا حصلت القسمة، ولكنه قال: ﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ [ق ١٣]، نعم لأجل أن تتم القسمة، وعلى كل حال مُشَبِّه مُلَبِّس لا شك في هذا، لكن نحن سنهدم إن شاء الله تعالى إحنا كتبنا ردًّا عليه في هذا، أول ما يمكن نهدم عليه مسألة البسملة، البسملة ما هي بأول ما نزلت حتى نقول: إن القرآن مركب عليها، صح ولَّا لا؟
* طالب: نعم صح.
* الشيخ: أول ما نزل أيش؟
* طالب: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق ١].
* الشيخ: ﴿اقْرَأْ﴾، وثانيًا: أن البسملة ما هي -على زعمه- تسعة عشر حرفًا: الباء والسين والميم، والهمزة واللام واللام الثانية والهاء، والألف والراء مكررة والحاء والميم والألف والنون، كم دولي؟ أربعة عشر، والهمزة والراء مكررة والحاء والياء والميم، هذه عشرين.
* طالب: (...).
* الشيخ: عشرين، ويقول: إننا بنعتبر الكتابة (الرحمن) ما فيها ألف، إذا استثنى الألف من (الرحمن) صارت تسعة عشر.
* طالب: أثبت اللام.
* الشيخ: نقول: نعم، إذا قلت هكذا فأثْبِتِ اللام، إن أثبتَّ اللام ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة ١] صارت واحدًا وعشرين، كذا؟ ثم نقول له أيضًا: إذا اعتبرت الكتابة فهل نزل القرآن مكتوبًا ولَّا نزل منطوقًا؟
* طالب: منطوقًا.
* الشيخ: منطوقًا، لو كانت القاعدة الكتابية على غير هذا الوجه تزيد الحروف أو تنقص، ولَّا ما تزيد ولا تنقص؟
* طالب: ما تنقص.
* الشيخ: لا، الحروف المنطوق بها ما تزيد، لكن المكتوبة تزيد، نحن نرى أن الآن الكتابة الإنجليزية -بعض الأحيان- يمكن تكون الحركات حروفًا، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: وروح للصينيين وأشباههم، كم عندهم من حرف؟
* طالب: آلاف.
* الشيخ: آلاف عندهم في الكتابة، المهم في هذا أن الكتابة صناعة، ما لها دخل بالنطق، والقرآن نزل باللغة بلسان عربي مبين، ولكن بس هم يُلَبِّسون ويُشَبِّهون، هم يزعمون أنهم خدموا القرآن بهذا أمام هؤلاء الأجانب اللي ما يعرفون إلا المادة، لكن لو أنهم بيَّنوا للناس حسن هذا الدين وما جاء به من الأخلاق والمعاملات (...).
﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤].
قوله: (سورة الروم مكية)، ما هو المكي؟
* طالب: هو الذي نزل قبل الهجرة.
* الشيخ: هو الذي نزل قبل الهجرة، والمدني: ما نزل بعدها، سواء نزل في مكة أم لا، تعرف أنه مدني، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣]، نزل بعرفة يوم حجة الوداع.
* طالب: يكون مدنيًّا.
* الشيخ: يكون مدنيًّا وإن كان قد نزل بمكة.
(وهي ستون أو تسع وخمسون آية): إن جعلنا ﴿الم﴾ آية مستقلة صارت ستين آية، وإلا فتسع وخمسون.
وقوله: (بسم الله الرحمن الرحيم): تقدم أن البسملة آية مستقلة يؤتَى بها في ابتداء السور، وليست تابعة لما بعدها لا في الفاتحة ولا في غيرها، خلافًا لبعض العلماء الذين يقولون: هي آية من الفاتحة فيحسبون الفاتحة سبع آيات منها البسملة، البسملة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة ١ - ٧] كم ها دولي؟ سبع بالبسملة.
والصحيح أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها، فأول آيات الفاتحة هي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وين السابعة؟ لأنها هي سبع آيات بالاتفاق، السابعة هي قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ..﴾ هذه نقسمها آيتين: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هي السادسة، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ هي السابعة. في المصحف تجدون البسملة من الفاتحة آية، ومن غيرها ليست آية، ولكن الصحيح أنه لا فرق.
* طالب: كيف (...) صارت يا شيخ (...) سبع آيات من غيرها؟
* الشيخ: من غير البسملة؟
* الطالب: إيه (...) الثانية.
* الشيخ: يمكن إي، هذا هو الصحيح.
وقوله: ﴿الم﴾ قال المؤلف: (الله أعلم بمراده به): نعم، إذا لم نعلم شيئًا فالواجب أن نقول: الله أعلم بما أراد، وهذا قد قيل: إنه نصف العلم؛ لأن الإنسان إما عالم وإما جاهل، فإذا قال فيما يعلم بما علم، وفيما يجهل: الله أعلم، صار نصف العلم.
ولا شك أن قول الإنسان: (الله أعلم) فيما لم يعلمه أن هذا هو الواجب عليه، لا تقُلْ: والله أنا إذا قلت: (لا أدري) نقص قدري عند الناس؛ لأنه لا ينقص قدرك عند الناس، بل يزداد عند الناس، كما أنه لا ينقص عند الله فإنه لا ينقص عند الناس؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٨٩٤) عن عائشة رضي الله عنها.]].
وهذا من باب التواضع لله؛ أنك تقول فيما لا تعلم: لا أعلم. وهو نظير العفو لا يزيد الإنسان إلا عزًّا، ونظير الصدقة لا ينقص بها المال، فكذلك: (لا أدري) لا ينقص بها قدر الإنسان في العلم بل يزداد؛ لأن الناس إذا رأوا أن هذا الرجل محترزًا، يقول فيما يعلم ويتوقف عما لا يعلم وثقوا به، وعرفوا أنه لا يتكلم إلا بما علم.
فقول المؤلف: (الله أعلم بمراده به)، هذا هو الواجب على كل إنسان لا يدري ما أراد الله، ولكن إذا رجعنا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف٢]، علمنا أن هذا القرآن بمقتضى اللغة العربية، وأنه ما فيه كلمة إلا وهي معقولة، وإلا لكان الله ينزل شيئًا لا نعرف معناه، فإذا طبقنا هذه الحروف الهجائية على هذه القاعدة أيش القاعدة؟ هذه الآية: ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ إذا طبقنا الحروف الهجائية على هذه القاعدة وجدنا أن مثل هذا التركيب في اللغة العربية له معنى ولَّا ما له معنى؟
* طالب: لها معنى.
* الشيخ: ﴿الم﴾ لها معنى؟!
* طالب: لا.
* الشيخ: ما لها معنى في اللغة العربية، إنما هي مجموعة حروف هجائية (ألف، ولام، وميم)؛ ولهذا ما أنت تنطق بها فتقول: (أَلَمْ). بل تقول: (ألف لام ميم)، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: إذن فهي بمقتضى اللسان العربي الذي نزل فيه القرآن، أو الذي نزل به القرآن لنعقله، بمقتضى هذا اللسان العربي ما لها معنى، وإنما هي حروف هجائية ليس لها معنى في ذاتها، وحينئذ نكون قد علمناها، لكن ما مراد الله بها؟ ذكر شيخ الإسلام وكثير من أهل العلم: أن الغرض منها بيان أن القرآن معجز مع كونه من هذه الحروف التي يتكلم الناس بها.
الحروف الهجائية التي يتكلم الناس بها القرآن من هذه الحروف، ما أتى بحروف جديدة غريبة حتى نقول: إنه أعجز الناس؛ لأنه أتى بحروف لا يفهمونها ولا ينطقون بها، بل هي حروف يتركب منها كلامهم، فالإعجاز إذن من حيث الحروف أنه أتى بحروف جديدة، ولَّا من حيث التركيب والسياق والمعاني الجليلة النافعة؟ الجواب؟
* طالب: الثانية.
* الشيخ: من الثانية، من الوجه الثاني، وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام لا شك أنه قوي، وأن هذه الحروف الهجائية في حد ذاتها ليس لها معنى، لكن لها مغزى ومرادًا، وهو أنها في القرآن الذي أعجز كل الخلق لم يأت بجديد في الحروف، وإنما هو من الحروف التي يتكلمون بها.
وذهب بعض المعاصرين إلى أن هذه الحروف كالمفتاح للسورة التي هي فيها، بمعنى أنك إذا وجدت (لام وميم) مُصَدَّرًا بها سورة من القرآن، فما ذاك إلا لكثرة اللام والميم فيها، فتكون كالمفتاح لها، وكذلك إذا وجدت نون فهو لكثرة النون فيها، وإذا وجدت فيها لام وراء فهي لكثرة اللام والراء، لكن هذا منتقِد هذا منتقِد، وإلا لو اضطرد هذا لكان أيضًا له وجه.
على كل حال نحن نعلم بمقتضى كون القرآن باللسان العربي لنعقله أن هذه الحروف الهجائية في حد ذاتها؟
* طالب: ليس لها معنى.
* الشيخ: ليس لها معنى.
وقوله: (﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ وهم أهل الكتاب، غلبَتْها فارس وليسوا أهل كتاب بل يعبدون الأوثان، ففرح كفار مكة بذلك وقالوا للمسلمين: نحن نغلبكم كما غلبت فارسُ الرومَ).
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾: هذا فعل مبني للمجهول، و﴿الرُّومُ﴾: نائب فاعل، وأنَّثَها ﴿غُلِبَتِ﴾، ما قال: (غُلِبَ الرومُ) مع أن الذين يحاربون هم الرجال، ولكنه أنَّثَها باعتبار القبيلة، والذي غلبها الفرس، والحكمة -والله أعلم- في حذف الفاعل ليكون ذلك أعظم إهانة لهم للفرس، وليكون هذا أخفى بالنسبة لذُلِّ الروم وخذلانها.
أقول: أخفى الفاعل لسببين:
السبب الأول: إهانة للفرس وأنهم ليسوا أهلًا للذِّكْر.
وثانيًا: تهوينًا للأمر على الروم؛ لأنه إذا قيل للإنسان: أنت غُلِبْتَ، أهون مما إذا قال: غلبك فلان؛ لأنه إذا قال: غلبك فلان، صار معناه أنه ذليل لهذا الرجل المذكور.
وقوله: (الروم: أهل الكتاب)، لو قال المؤلف: (أهل كتابٍ) لكان أحسن؛ لأن الروم نصارى، وأهل الكتاب يشمل اليهود والنصارى، فلو قال: (أهل كتاب) لكان أحسن.
(غلبتها فارس وليسوا أهل كتاب، بل يعبدون الأوثان)؛ لأنهم مجوس يعبدون النار.
(ففرح كفار مكة بذلك وقالوا للمسلمين: نحن نغلبكم كما غلبت فارس الروم): يعني أن كفار مكة تفاءلوا بهذا الشيء وقالوا: إذا كان الروم أهل كتاب وغلبتهم الفرس وهم أهل أوثان فهذا مفتاح نصر لنا؛ أن نغلب المسلمين الذين هم أهل كتاب ونحن أهل أوثان.
يقول: (﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ أي: أقرب أرض الروم إلى فارس بالجزيرة التقى فيها الجيشان، والبادي بالغزو الفرس).
قوله: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾، قيل: المعنى أقرب الأرض إلى فارس، وأن فارس اعتدوا على الروم فحصل القتال بينهما.
وقيل: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾: في أقربها إلى أرض العرب، وهذا يرجع إلى التاريخ الذي يحدد موقع هذه المعركة حتى نعرف أدنى الأرض، إنما لا شك أن ﴿أَدْنَى﴾ بمعنى أقرب.
قال: (﴿وَهُمْ﴾ أي الروم ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ أضيفَ المصدرُ إلى المفعول، أي: غلبة فارس إياهم ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ فارس ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ﴾ ).
شوف تأكيد هذا الوعد أُكِّدَ هذا الوعدُ حيث صُدِّرَ بالاسم ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ﴾؛ لأنه إذا صُدِّرَ بالاسم صار جملة اسمية دالة على الدوام والثبوت، وأُكِّدَ من وجه آخر بقربه حيث كان الخبر مقرونًا بالسين الدالة على القرب، ثم أُكِّدَ أيضًا بمؤكِّد ثالث وهو قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾؛ لتحقُّقِ الغلبة وأن هذا أمر لا بد أن يقع ولو كانوا مغلوبين؛ لأنه لو حُذِف ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ وهم سيغلبون، لكان الإنسان يقول: سيغلبون ولو غُلِبوا؟! لعلهم إذا كانوا قد غُلِبوا لا يغلبون. فلما قال: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾؛ صار في ذلك تأكيد للغلبة.
فصار تأكيد غلبة هؤلاء من وجوه ثلاثة، علِّمْنا بها، هات المؤكدات الثلاثة، المؤكدات لكونهم يغلبون.
* طالب: الضمير.
* الشيخ: ويش هو الضمير؟
* الطالب: ﴿هُمْ﴾.
* الشيخ: ويش وجهه للمؤكِّد؟
* الطالب: دخول السين.
* الشيخ: لا، مَن يعرف؟
* طالب: الجملة الاسمية.
* الشيخ: نعم، وجه التأكيد أنه حوَّل الجملة إلى اسمية وهي دالة على الثبوت والاستمرار، يلا كمِّل الثالث.
* الطالب: قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾.
* الشيخ: قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾، ما وجهه؟ مَن يعرف الوجه؟
* طالب: أنه قال: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ قال: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ يمكن (...) لا يغلبون.
* الشيخ: كذلك أنهم سيغلبون حتى في حال غلبهم، طيب.
﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ لكن ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (في بضع سنين) متعلق بقوله: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ أي: في خلال هذا البضع.
(﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾: هو ما بين الثلاث إلى التسع أو العشر): ما بين الثلاث إلى التسع، أو ما بين الثلاث إلى العشر. ما بين الثلاث إلى التسع كم يصير؟ الرابع أربعة وخمسة وستة وسبعة وثمانية: خمس سنين، وإلى العشر؟
* طالب: ستة.
* الشيخ: ست سنين، هذا البضع، يعني إما خمس سنوات وإما ست سنوات أو لا؟
إذا قلنا: ما بين الثلاث إلى العشر يصير: أربع -اللي بين الثلاث والعشر-: أربع وخمس وست وسبع وثمان وتسع.
إذا قلنا: ما بين الثلاث إلى التسع يكون: أربع خمس ست سبع ثمان: خمس سنوات، يعني الثلاث هي داخلة ولَّا غير داخلة؟
* طالب: غير داخلة.
* الشيخ: غير داخلة، ما قال: من الواحد إلى العشر، أو ما بين الواحد إلى العشر، قال: (ما بين الثلاث إلى التسع).
* طالب: البضع يعني أكثر من الثلاث إلى العشر؟
* الشيخ: إيه كم يصير؟
* الطالب: يصير أكثر..
* الشيخ: لا موجب كلام المؤلف أنه ما هو بأكثر، لو قال يعني: تضمن ما زاد على الثلاث.
* الطالب: إي نعم، يعني إما أربعة..
* الشيخ: ما زاد على الثلاث إلى العشر.
* طالب: ليش (...)؟
* الشيخ: نعم؟ والله فيه احتمال، وهذا ينبغي أن إحنا نفهم في الأول؛ أن البضع من الواحد إلى التسع أو إلى العشر، لكن تعبير المؤلف فيه إشكال.
* طالب: (...) يبدأ الثلاث (...) البضع دا (...) ثلاثمئة (...) البضع: أربع خمس ست، يعني أكثر من ثلاث يُعَدُّ بضعًا إلى العشر.
* الشيخ: وما دونها ليس ببضع؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: إيه نعم، إذن معناه نقول من الواحدة إلى العشرة، لكن ما دون الثلاث.
* الطالب: ليس ببضع.
* الشيخ: لا يدخل في هذا نعم.
* طالب: (...) يدخل (...) قد يكون ما بعد (...) واللي قبله (...).
* الشيخ: إي نعم، على كل حال نرجع إلى فهمنا الأول أنه يكون من ثلاث إلى تسع أو إلى عشر، يعني ما دون الثلاث لا يدخل في البضع.
* طالب: والثلاثة.
* الشيخ: والثلاث لا على كلام المؤلف: (ما بين الثلاث) أنه ما يدخل الثلاث؛ لأن ما بين الشيء والشيء ما يدخل فيه الجانبان.
قال: (فالتقى الجيشان في السنة السابعة من الالتقاء الأول وغلبت الروم فارس): (التقى) يعني: حصل بينهما حرب أخرى فغلبت الروم فارس، فصدق بذلك وعد خبر الله سبحانه وتعالى بأنهم سيغلبون في بضع سنين؛ لأنه ما تجاوز الأمر سبع سنوات حتى كانت الغلبة للروم على الفرس، فصدق الله وعده أنهم سيغلبون في هذه المدة، قال: تكون الغلبة في هذه المدة.
* طالب: (...) غلبة يعني يأخذ بضع سنين (...).
* الشيخ: لا، المعنى أن الغلبة تتم في خلال سبع سنين، وليس المعنى أن الغلبة تستمر سبع سنوات.
وقوله: (﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم ٤] أي: من قبل غلب الروم ومن بعده، المعنى: أن غلبة فارس أولًا وغلبة الروم ثانيًا بأمر الله، أي: إرادته).
قوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾ هذه الجملة اسمية قُدِّمَ فيها الخبر لإفادة الاختصاص: لله وحده الأمر، (ال) هذه للاستغراق، يعني كل الأمر، و(ال) التي للاستغراق هي التي يحل محلها (كل)، فإن كانت لاستغراق المعنى فهى لاستغراق المعنى، إن كانت لاستغراق الأفراد فهى لاستغراق الجنس:
﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] (ال) هذه لاستغراق الجنس؛ لأنه يصح أن يحل محلها (كل) فيقال: وخلق كل إنسان ضعيفًا.
﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ١، ٢] هذه (ال) أيضًا لاستغراق الجنس أي كل إنسان. وإن كانت لاستغراق المعنى فهي لاستغراق المعنى، ومثَّلوا لذلك بقولهم: (زيدٌ نِعْمَ الرجلُ). أي: نِعْمَ الشخص الجامع لصفات الرجولة.
هنا ﴿الْأَمْرُ﴾ (ال)؟
* طالب: لاستغراق الجنس.
* الشيخ: لاستغراق الجنس نعم، أي: لله كل أمر.
وقوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾ هل المراد بالأمر هنا الأمر الكوني أو الأمر الشرعي؟ الأمر الكوني، أي: إن جميع الأمور ترجع إلى الله عز وجل، سواء المتعلقة بأفعال العباد أو المتعلقة بأفعال الله سبحانه وتعالى فإنها راجعة إليه، وقد سبق لنا في التوحيد أن الأمر ينقسم إلى قسمين: أمر كوني، وأمر شرعي.
مثال الأمر الكوني: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
مثال الأمر الشرعي؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذه الإرادة، الأمر الشرعي أوامر الله الشرعية مثل: افعلوا كذا وكذا، مثل قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: عن أمره الشرعي ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور ٦٣].
* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾.
* الشيخ: نعم قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾، [النساء: ٥٨] هذا أمر شرعي.
قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء ١٦]، من أي الأمرين؟
* طلبة: الكوني.
* الشيخ: من الأمر الكوني، هذا هو المتعين؛ أن الله يأمرهم أمرًا كونيًّا بالفسق فيفسقون.
وأما من قال: إن المراد بالأمر في الآية الأمر الشرعي، وأن الله يأمرهم فيفسقون -يعني يأمرهم بالطاعة فيفسقون ثم يأخذهم بالعذاب- فهذا القول باطل؛ لأنه يقتضي أن يكون المعنى: أن الله يرسل الرسل فيأمر الناس بطاعة الله ويش هو لأجله؟ لأجل أن يفسقوا فيحل بهم العقاب. وهذا معنى يرجع إلى أن المعنى أن الله بعث الرسل نقمة على العباد، وهو أمر لا يمكن.
ثم إننا نقول: الأمر الشرعي هل يختص بالمترفين؟ عام لهم ولغيرهم، والمهم أن هذا القول ضعيف وباطل وينافي حكمة الله عز وجل في إرسال الرسل.
هنا ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ﴾ قلنا: المراد به الأمر الكوني. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قد يقول أصحاب النحو: لماذا ضُمَّت مع أن ﴿مِنْ﴾ حرف جر؟
* طالب: لأن فيه محذوفًا لفظًا ما هو موجود أي لله الأمر من قبل كل شيء وبعده، أي يبنى على الضم في محل جر، مبني على الضم في محل جر؛ لأن الضمة موجودة لفظًا ومجرور محلًّا.
* الشيخ: لأن (قبل وبعد) إذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه بُنِيَ على الضم، هذا السبب: إذا حُذف المضافُ إليه ونُوِي معناه بُنِيَ على الضم، فإن وُجِد المضاف صارا مُعْرَبَيْن، فتقول: (أتيت من قبلِ أن يأتي زيد) فتجرها.
وكذلك إذا حُذِف المضاف إليه ولم يُنْوَ لا لفظًا ولا معنًى فإنها تعرب كقول الشاعر:
فَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ وَكُنْتُ قَبْلًا ∗∗∗ أَكَادُ أَغَصُّ مِنْ مَاءِ الْفُرَاِتِ
وكذلك إذا حُذف المضاف إليه ونُوِي لفظُه فإنها تُعرب لكنها لا تُنَوَّن تعرب ولا تنون، فيقال مثلًا: (كنت حريصًا على الدرس فأتيت من قبلِ) أي: من قبلِ ابتداء الدرس، فهنا حُذف المضاف ونُوِي لفظُه.
ويش اللي يدرينا؟ ما الذي يدرينا أنه نُوِي لفظه أو نُوِي معناه؟ اللي يدرينا الإعراب نفسه، إذا كانت مبنية على الضم علمنا أنه قد حُذف وأريدَ المعنى، وإذا لم تكن كذلك علمنا أنه قد حُذف وأريدَ اللفظُ، فإن نُوِّنَتْ علمنا أنه ما أريدَ اللفظُ ولا المعنى.
* طالب: يجوز أن نقول في حق الله عز وجل: إنه مَنْوِيٌّ.
* الشيخ: لا، يصلح أن نقول: مريد، أن الله أراد المضاف إليه؛ لأن الإرادة تدل على النية.
(﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم تغلب الرومُ ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم ٤، ٥] إياهم على فارس).
قوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ﴾، (يوم) هذه ظرف متعلقة بـ﴿يَفْرَحُ﴾، وهي مضافة إلى (إذ) ونُوِّنَت (إذ) تنوين عِوَضٍ، عوض عن أيش؟
* طالب: عن جملة.
* الشيخ: عن جملة؛ ولهذا قال: اليوم تغلب الروم. فالمحذوف الآن جملة.
﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم ٤، ٥] الفرح لا يحتاج أو لا يمكن لإنسان أن يعبر عنه، لو قلت: أيش معنى الفرح؟ خفة النفس وسرور النفس، أو نقول: الفرح معلوم؛ ولهذا في القاموس إذا جاء مثل هذه الأشياء قال: (م). الفرح مثلًا يمكن يكتب بعدها: (م). يعني أنه معروف لا حاجة إلى أن يُبَيَّن.
وقوله: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ المراد بهم النبي ﷺ وأصحابُه.
وقوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَفْرَحُ﴾. وهو مصدر مضاف إلى فاعله، أما مفعوله فمحذوف وتقديره: بنصر اللهِ الرومَ على الفرس؛ ولهذا قال المؤلف: (بنصر الله إياهم على فارس).
والنصر معناه أيش معنى النصر؟ النصر معناه العون والظهور، أي معناه أن الله يعينهم حتى يظهروا على أعدائهم، هذا هو النصر أن يعين الله الإنسان حتى يظهر على عدوه، فهذا هو معنى النصر.
وقوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ سُمِّيَ نصرًا مع أنه لكفار على كفار؛ لأننا نقول: إن النصر هو العون والظهور، وهو لا فرق بين أن يكون بين مؤمن وكافر أو بين كافر وكافر، ثم إن أهل الكتاب أقرب من الفرس؛ ولهذا لهم أحكام خاصة تقربهم من المسلمين.
قال: (وقد فرحوا بذلك وعلموا بذلك يوم وقوعه يوم بدر بنزول جبريل بذلك مع فرحهم بنصرهم على المشركين فيه) يعني أنهم حصلت الوقعة بين فارس والروم في الزمن الذي حصلت فيه الوقعة بين الكفار والمؤمنين وذلك متى؟ في بدر وعلى هذا فتكون هذه الآية نازلة قبل الهجرة.
* طالب: بعد الهجرة.
* الشيخ: قبل الهجرة بخمس سنوات؛ لأنه إذا كانت مدة الغلبة يعني المدة التي حصلت فيها الغلبة سبع سنوات وبدر كانت في السنة الثانية لزم أن يكون غلبة فارس للروم قبل الهجرة بخمس سنوات.
* طالب: الآية؟
* الشيخ: إي نزول الآية وغلبة فارس.
وقوله: (مع فرحهم بنصرهم على المشركين فيه): فيكون في هذا الزمن اجتمع نصر أهل الكتاب على المجوس ونصر المسلمين على المشركين.
قال الله تعالى: (﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: الغالب ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الروم ٥] بالمؤمنين).
* طالب: شيخ، قول المؤلف عليه دليل نقلي.
* الشيخ: الظاهر أنه اتبع التاريخ فقط، أما عن الرسول عليه الصلاة والسلام ما فيه دليل، لكن فيها تاريخًا يقول هذا.
وقوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
* طالب: قبل هذا المؤلف يقول: (غلبة فارس أولًا وغلبة الروم ثانيًا بأمر الله، أي: إرادته)، نسيناه.
* الشيخ: إي نعم نسيناه تعدَّيْناه، كان الذي ينبغي أن نتكلم عن قوله: (بأمر الله؛ أي إرادته) هذا في الحقيقة تحريف، بل الصواب أنه بأمره أي بقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]. فإن الله تعالى لا يُقَدِّر شيئًا إلا بالقول: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾، ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق الشرط، فتعم كل شيء أراده الله، فإنما يقول له: كن فيكون.
فالصواب أن المراد بالأمر هنا القول، ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾: الأمر الكوني والشرعي ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾. والإرادة ليست هي القول، فإن الإرادة صفة لا تستلزم القول؛ إذ إن المريد قد يفعل ما أراد أو قد يقوله، وأما القول فإنه أخص من الإرادة، كل قول فهو متضمن للإرادة، وليست كل إرادة متضمنة للقول.
وقوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم ٥]، ﴿يَنْصُرُ مَنْ﴾ هذه عامة، (مَن) تعم سواء كان المنصور كافرًا أو كان المنصور مؤمنًا؛ لأن الأمر بيد الله سبحانه وتعالى، وقد سبق لنا كثيرًا بأن كل شيء مقيد بالمشيئة فإنه يتضمن الحكمة؛ لأن الله تعالى لا يشاء شيئًا إلا لحكمة، فينصر من يشاء نصره لحكمة اقتضت ذلك.
وقوله ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ [الروم ٥] قال المؤلف: (الغالب)، وهذا أحد معاني العزة؛ لأن العزة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع.
عزة القدر: بمعنى أنه سبحانه وتعالى عظيم القدر، وكلما كان الشيء عظيم القدر كان عزيزًا، أي: قليل الوجود، والله سبحانه وتعالى لا مِثْل له.
وعزة القهر بمعنى أيش؟ الغلبة والظهور.
وأما عزة الامتناع فمعناها: امتناع جميع النقص عليه سبحانه وتعالى، فهو عزيز من هذه الوجوه الثلاثة.
عزة القدر: بمعنى أنه عظيم لا نظير له في قَدْره وعظمته. والثاني: عزة القهر بمعنى أنه قاهر وغالب لكل شيء. والثالث: عزة الامتناع، أيش معنى عزة الامتناع؟ أي إنه يمتنع عليه كلُّ نقص، ومن هذا المعنى قولهم: أرض عزاز، وحنا نقول: أرض عزا، أيش معنى عزاز؟ الصلبة التي يمتنع أن يؤثر فيها أيُّ شيء، فالله عز وجل متصف بالعزة من جميع هذه الوجوه.
وقوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الروم ٥] قال المؤلف: (بالمؤمنين)؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣].
والصواب أن رحمة الله تعالى تكون عامة وخاصة، فإن كل مَن في السماوات والأرض فهم في رحمة الله العامة، لولا رحمة الله بالكفار هل يبقَوْن؟
* طالب: لا.
* الشيخ: أبدًا ما يبقَوْن، فكون الله يدر عليهم الأرزاق والعافية والنشاط والعقل وما أشبه ذلك لا شك أنه من رحمة الله، ولكن الرحمة التي تكون بها رحمة الدنيا والآخرة فهذه خاصة بالمؤمنين.
* وفي هذه الآيات الكريمة فوائد عديدة:
* أولًا: أن كلام الله عز وجل بالحروف؛ لأن ﴿الم﴾ حروف، ففيه رد على الأشعرية الذين يقولون: إن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس وليس الحروف، وأن هذه الحروف مخلوقة لتعبر عن هذا المعنى القائم بنفسه.
ثم يقولون أيضًا: إن هذا المعنى القائم بالنفس لا يتغير ولا يختلف، فهو واحد سواء كان استفهامًا أو خبرًا أو أمرًا أو نهيًا أو قرآنًا أو زبورًا أو توراةً أو إنجيلًا، ما يختلف، فالتوراة هي الإنجيل وهي القرآن وهي الزبور وهي صحف إبراهيم وصحف موسى، فاهمين هذا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: لكن تصوروا أنه ممكن، يقول: هذه اختلفت بالتعبير، إن عُبِّرَ عن هذا الكلام بالعربية صار قرآنًا، أو بالعبرية صار توراةً، أو بالسريانية صار إنجيلًا، أو بلغة داوود صار زبورًا، وهكذا. وهذا معنى غير معقول.
ثم يقولون أيضًا: إن الاستفهام والخبر معناهما واحد، فإذا مثلًا جاء استفهام من الله عز وجل فهو كالخبر عنه؛ لأن المعنى واحد. وهذا لا شك أن مجرد تصوره كافٍ برده وإبطاله.
* من فوائد الآية: عِلْم الله تعالى بالغيب، إثبات علم الله بالغيب؛ لقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لأن الإخبار عن الغيب لا يكون إلا بوحي.
* ومن فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى كامل السلطان والتدبير؛ لقوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن كل الأشياء لا تكون إلا بأمر الله؛ لأنه لما قال: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ قال: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، إذن فكونهم غُلِبوا بأمر الله، وانتصارهم بأمر الله، فكل الأمور بتقدير الله تعالى وأمره، كل الأشياء بأمره سبحانه وتعالى.
* ومن فوائدها: الرد على القدرية، الذين يقولون باستقلال العبد بفعله، هم يقولون: إن العبد مستقل بفعله وليس لله تعالى فيه تقدير ولا أمر ولا مشيئة ولا غيره، وهذا الآية ترد عليه.
* ومن فوائد الآية: جواز التعبير بما يُدخِل الخوف والحزن على العدو؛ لأن قوله: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ -وهي من ثلاث إلى عشر أو إلى تسع- معناه: أنه سيبقى هؤلاء الفرس في ذعر وخوف، كل سَنة تأتي يقولون: هذه سَنة الغلبة. ولا شك أن هذا مما يزيدهم زعرًا وخوفًا؛ لأنهم لو غُلِبوا في أول سنة انتهى الأمر، لكن كونهم يُتوعَّدُون بأمر لا يُدرَى في خلال بضع سنين، لا شك أن هذا أشد عليهم من أنه يأتي الأمر وينتهي.
* ومن فوائد الآية: أن في قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ أن من البلاغة حذف الفاعل إذلالًا له وإهانةً له: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ لم يذكر الغالب إذلالًا له. * وكذلك الفائدة الثانية: رفقًا بالروم.
ثم قال: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ * في هذا من الفوائد: جواز فرح المؤمنين بانتصار بعض الكفار على بعض، إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام، ولَّا لا؟
* طالب: في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾، هو ما انتصر المسلمون على الكفار، انتصر كفار على كفار لكن هذا في مصلحة الإسلام، وعلى هذا إذا اقتتلت دولتان من دول الكفار وكانت إحداهما أقرب إلى نفع المسلمين من الأخرى وفرحنا بانتصارها، هل نقول: إن هذا حرام؟ كيف تفرح بانتصار كافر على كافر؟ أو نقول: هو جائز؟
* طالب: هو جائز.
* الشيخ: نقول: هو جائز كما فرح المؤمنون بانتصار الروم على فارس، مع أن كلًّا منهما كفار لكن هؤلاء أهل كتاب، فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس.
* ومنها: جواز تسمية غلبة الكفار نصرًا؛ لقوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.
فإذا قال قائل: كيف تجمعون بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١] مع أن الروم ما يتصفون بهذه الصفات؟
فالجواب: أن النصر نوعان: نصر مطلق دائم، فهذا لا يكون إلا لمن ينصر الله. والثاني: نصر عارض مُوَقَّت، فهذا يكون لهؤلاء ولغيرهم. فنصر الله للروم على الفرس ليس نصرًا دائمًا، الدليل أنه بعد ذلك نصر الله المؤمنين على الفرس وعلى الروم، فافتتحوا ممالك كسرى وممالك قيصر، فلم يكن هذا نصرًا دائمًا.
* ومن فوائد الآية: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: إثبات العزة لله؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، وإثبات الرحمة في قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾، وإثبات كمال عزته حيث قُرِنت بالرحمة، فإننا ينبغي أن نعرف أن الأسماء الحسنى تدل على الكمال، كل واحد منها يدل على كمال بانفراده، ثم باجتماع الاسمين بعضهما إلى بعض يدلان على كمال مركب.
فالعزيز يدل على الكمال، والرحيم يدل على الكمال، فإذا اجتمعا أُخِذ من ذلك كمال آخر فوق الكمال الذي يتضمنه كل اسم على انفراده، وهو أن تكون عزته مقرونة بالرحمة؛ لأن عزة غيره قد تكون خالية من الرحمة، فإذا صار عزيزًا أخذ الذي هو ظاهِرٌ عليه أخذه أخذ عزيز مقتدر ولم يرحمه، بخلاف عزة الله فإنها مقرونة بالرحمة، وهي أيضًا مقرونة بالحكمة.
أضرب لكم مثلًا: لو أن رجلًا غلب على قوم، وصار عزيزًا وهم أذلاء، فإن هذا الرجل قد تأخذه العزة بالإثم فيبطش بهم ولا يرحمهم، لكن عزة الله عز وجل ليست كذلك، بل هي مقرونة بالرحمة كما أنها مقرونة بالحكمة؛ ولهذا دائمًا يقرن الله العزة بالحكمة.
فيه فوائد أخرى أيضًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إيه ما فيه بأس؛ أننا نفرح بانتصار بعضهم على بعض إذا صار المنتصر فيه نفع للإسلام، ثم يساعدون المسلمين بالمال أو بالسلاح أو على الأقل يكون قد كفَّ شرَّه والثاني فيه شر.
* طالب: منين نأخذها؟ أخذًا من الآية هذه ولَّا..؟
* الشيخ: إي نأخذها من هذه الآية.
* الطالب: ظاهر الآية أنهم ما يساعدون المسلمين.
* الشيخ: لكنهم أقل شرًّا من هؤلاء.
* طالب: المصلحة من انتصار الروم على الفرس، ما هي؟
* الشيخ: المصلحة لأن الروم أهل كتاب، فهم أقرب إلى الإسلام ومراعاة المسلمين من أولئك، هذه المصلحة.
* طالب: كل اسم من أسماء الله عز وجل الاسم كل اسم يتضمن صفة، لكن هل يوجد العكس كل صفة يُشتَق لها اسم؟
* الشيخ: لا، ما يجوز.
* الطالب: طيب المشيئة، كيف نعرفها؟
* الشيخ: ما نقول: إن من أسماء الله الشائي أو المريد أو المتكلم، ما نقول: هذه من أسماء الله.
* الطالب: يعني الصفة الصفات أوسع؟
* الشيخ: إيه الصفات أوسع بلا شك.
* طالب: خبره في الصفات، هل الخبر أوسع من الصفات؟
* الشيخ: إيه يعني يخبر عنه بأشياء ولا يسمى بها، ولكن ما يخبر عنه بصفة إلا حيث وردت، ما هو كل صفة يجوز لنا نخبر بها عن الله، فلا يجوز أن نسمي الله مثلًا بالحزين، ولا نسميه بالعاشق، ولا نسميه بالهميم، وما أشبه ذلك، يعني حتى الصفات تكون توقيفية، ما نخترع من أنفسنا صفة له، لكن الصفات أوسع من الأسماء.
* طالب: المنعم هل وردت المنعم؟
* الشيخ: لا ليس من أسماء الله.
* الطالب: لا، صفة المنعم؟
* الشيخ: صفة نعم، ما فيه شك أن الله منعم: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة ٧].
* الطالب: يعني نقول: إن النعمة يعني أتى بها.
* الشيخ: هل تكون نعمة بدون مُنْعِم؟!
* الطالب: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧].
* الشيخ: إيه، وكذلك ﴿أَنْعَمْتَ﴾ يؤخذ منه الْمُنْعِم. أما المحسن فقد ورد من أسماء الله؛ لقوله: «إِنَّ اللَّهَ مُحْسِنٌ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ»[[أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨٦٠٣) عن شداد بن أوس رضي الله عنه، ولفظه: «إِنَّ اللَّهَ مُحْسِنٌ يُحِبُّ الْإِحْسَانَ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».]].
وبهذا يزول الإشكال الذي يرد عند كثير من الناس يقول: إنهم يسمون باسم عبد المحسن. لا، مُحسن ما هو مشكل، عبد المحسن، فيقول: كيف تضيفه إلى ما ليس من أسماء الله؟
* طالب: عبد المنعم موجودة؟
* الشيخ: موجودة أيضًا.
* الطالب: حكم التسمية بها؟
* الشيخ: التسمية هذه إن ثبت أنها من أسماء الله، وإلَّا فقد يقول قائل: قد نقول: إنه يجوز؛ لأن المنعم على الإطلاق هو الله، كل إنسان له نعمة فهي مقيدة، وإلا فالنعم حتى من الإنسان: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٣٧].
* طالب: عبد الراضي؟
* الشيخ: عبد الراضي؟ ما أدري.
* طالب: ابن حزم يقول: يجوز تسمي بعبد المطلب.
* الشيخ: لا غلط، هذا غلط منه.
* طالب: حميد.
* الشيخ: إيه حميد من أسماء الله ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى ٢٨].
* الطالب: لا، أن يسمى أحدنا (حميد)، هذا مقصدي.
* الشيخ: والله (...)، لكن إذا لم يُقصَد الصفة فلا بأس، فهذا حكيم موجود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ولا غيَّرَه، مع أن الحكيم من أسماء الله؛ لأنه ما أريدَ ملاحظة الصفة، أسماء الله تعالى يراد به إثبات الصفة مع الاسم، لكن قد أسمي ولدي (حكيم) وهو من أسفه الناس، وكذلك أسميه (محسن) وهو من أشد الناس جَوْرًا.
* طالب: هل يجوز أن نسمي: عبد الحكيم؟
* الشيخ: إلا ما يخالف، يجوز إيه نعم.
* طالب: الوقوف على رؤوس الآي (...).
* الشيخ: هذه المسألة تقدم البحث فيها، ويش قلنا؟
* طالب: ما هو السؤال؟
* الشيخ: السؤال يقول: هل نقف على الآيات لو أنها قد تعلق بها ما بعدها، ولا أنَّا نصل ونراعي المعنى؟
* الطالب: نراعي المعنى.
* الشيخ: في هذا قولان لأهل العلم، منهم مَن يرى أننا نقف على الآيات، ويقول: هذا هو الوارد عن النبي ﷺ، أنه كان يقرأ القرآن آية آية، والدليل على ذلك أن الله جعلها آية فنقف عليها ولو تعلق بها ما بعدها، وهذا كثير في القرآن: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون ٤]، رأس آية دي؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: يجوز أن نقف.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة ٢١٩، ٢٢٠]. ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾ آية. وهذه ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾، هي آية عندكم؟ ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
* طالب: آية.
* الشيخ: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.
وقال بعض أهل العلم: إنك تراعي المعنى، فتقف عند انتهاء المعنى، ولا تفصل آية عن آية تتعلق بها، ولو قيل بالتفصيل: وهو أن الإنسان إذا كان يتلو وهو يقرأ فإنه يقف على كل آية؛ لأن الكلام لن ينقطع، (...) يتصل ويتضح المعنى.
وإذا كنت تريد أن تتكلم على معاني الآيات فإنك تراعي المعنى، لو قيل بهذا التفصيل لكان له وجه، لكن ما أعلم هل أحد من أهل العلم قال به أو لا؟ إنما القول به على حسب قواعد أهل العلم لا بأس به؛ لأن إحداث قول ثالث يتكون من القولين قبله لا بأس به، وهذه مسألة محل بحثها أصول الفقه: هل يجوز إذا أجمع العلماء على قولين هل يجوز إحداث قول ثالث أو لا؟
والصواب أنه إذا كان القول الثالث لا يخرج عنهما، غاية ما هنالك أنه يفصل فيه، فهو جائز لأنه ما يكون خرج عن الخلاف، أما إذا كان يخرج عنهما فلا يجوز، فمثلًا إذا قلنا بالتفصيل هنا خرج عن القولين ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما خرج، لكنه يقف في شيء ولا يقف في شيء آخر، مثل مَن قال: الوتر واجب، وآخرون قالوا: إن الوتر ليس بواجب.
فإذا قلنا: واجب على مَن كان كذا وكذا، غير واجب على مَن كان كذا وكذا، كما اختاره شيخ الإسلام على أنه واجب لِمَنْ له وِرْدٌ من الليل يقوم به، غير واجب على مَن سواه، صار هذا القول الثالث لا يخرج عن الاثنين؛ لأنه يوافق أحد القولين في حال، ويوافق القول الآخر في حال أخرى.
* طالب: القول الثالث (...).
* الشيخ: إي لكنه ما يخرج عنهما، أما لو كان واحد يقول بالتحريم وواحد يقول بالحل، ثم جاء قول ثالث يقول بالوجوب. هذا ما يمكن، إذا أجمعوا على الحل أو التحريم ما يمكن (...) قولًا بالوجوب؛ لأنه ما يوافق القولين.
الروم 30:4
ضرب عنها الجهمية صفحًا، وقالوا: إنه بذاته في الأرض وليس في السماء والعياذ بالله، فقلبوا الحقائق.
فيه طائفة تحزلقت وقالت: نحن نقول بالدليلين، ونقول: إن الله بذاته معنا وهو في السماء على العرش بذاته. وقالوا: نحن أسعد بالدليل منكم يا أهل السنة؛ لأننا عملنا بدليلين، فقلنا: إنه معنا بذاته، وإنه على العرش بذاته، فيكون مكانه فوق وتحت.
هؤلاء وافقوا الجهمية ووافقوا أهل السنة من وجه، وافقوا أهل السنة في قولهم: إن الله على عرشه بذاته. ووافقوا الجهمية بقولهم: إنه بذاته في الأرض. وقالوا: نحن أخذنا بالدليل هذا وبالدليل هذا، والجهمية أخذوا بدليل وتركوا دليلًا، وأهل السنة أخذوا بدليل وتركوا دليلًا. ما هو الجواب عن هذه الشبهة؟ لأن هذه شبهة عظيمة، فما هو الجواب عن هذه الشبهة؟
ما كنت أظن أن هذه تشكل عليكم؟ ما عرفتم المعنى؟ السؤال: هؤلاء جماعة حكى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عن الأشعري في المقالات مقالات الخلق، يقولون: الله سبحانه وتعالى بذاته في الأرض، وهو بذاته على عرشه، ويقولون: نحن أخذنا بالدليلين: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤]، وهو ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ [طه ٥]. فنحن أخذنا بالآية هذه وبالآية هذه، فنحن أسعد بالدليل من أهل السنة والجماعة ومن الجهمية؛ لأن أهل السنة والجماعة -على زعمهم- أخذوا بدليل واحد، والجهمية أخذوا بدليل واحد، الجهمية أخذوا بأيش؟ بنصوص المعية وتركوا نصوص العلو، ضربوا عنها صفحًا. وأهل السنة والجماعة أخذوا -على زعم هؤلاء- بنصوص العلو وتركوا نصوص المعية، وهم يقولون أو يزعمون أنهم أخذوا بالنصوص جميعًا، فما تقولون؟
* طالب: نرد عليهم، بأن الله سبحانه وتعالى معنا بالعلم.
* الشيخ: هم يقولون: هذا تأويل، يقولون -كما قلت لكم-: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أي: علمه معكم، فقد خالفتم ظاهر اللفظ.
* الطالب: عندي دليل عليهم.
* الشيخ: ويش؟
* الطالب: قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة ٧]. يعني ابتدأه بالعلم وانتهى بالمعية.
* الشيخ: هم في الحقيقة ربما يجيبون عن هذا، يقولون: نعم الذي معك عالم بك، نحن ما قلنا: إنه معكم وليس يعلمكم. نقول: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤] من مقتضى معيته أن يكون عالِمًا. فكأن قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ تعليل لقوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ [الحديد ٤]. وفي المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [المجادلة ٧].
* طالب: نقول لهم: أنتم جمعتم بين النقيضين، وهو أنكم نزهتم الله على أنه فوق في السماء، وجعلتموه في الأرض فيها، (...) فكيف ذلك؟!
* الشيخ: صحيح هذا هو الجواب؛ أن نقول: أنتم الآن جمعتم بين النقيضين، إذا كان عاليًا -كما تزعمون، وكما هو الحق- فكيف يكون في الأرض؟! هل هو إله واحد ولَّا متعدد؟ هم يقولون: إله واحد. فإذا كان فوق لا يمكن أن يكون تحت؛ لأن الفوقية والتحتية من الأمور المتقابلة التي إذا انتفى أحدها ثبت الآخر، ولا يمكن أن تجتمع.
ثم نقول: إذا قلتم: إنه بذاته في الأرض، فإذا كان الإنسان في المسجد كان الله في المسجد، واللي في السوق يكون الله في السوق، واللي في البَرِّ يكون الله في البر، واللي في الجو يكون الله في الجو وهكذا، ومعنى ذلك أننا نقول: آلهة متعددة لا تُحصى، فأنتم الآن خالفتم الدليل.
ثم إننا نقول -إذا قالوا أيضًا: ويش لون قولكم: معنا حقًّا وهو فوق العرش حقًّا؟ هذا ما يصير- قلنا لهم: يصير، هو معنا سبحانه وتعالى حقًّا وهو فوق العرش يعلمنا ويرانا ويسمعنا ويدبرنا وله السلطة علينا والهيمنة، ومَن كان كذلك فهو معك وإن كان فوقك، اللي يعلمك ويسمعك ويراك ويحيط بك ويهيمن عليك تدبيرًا وسلطانًا فهو معك وإن كان فوقك، إذا كان الرجل يقال: إنه مع امرأته وله معها سلطة عليها، لو أنه في المكتب وهي في بيتها ما هو يقال: إنه معها أو لا؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: وهي يعني مصاحبة بسيطة، فكيف بالخالق عز وجل الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض؟! فنحن نقول: هذا أمر ممكن؛ أن يكون الله سبحانه وتعالى معنا وهو فوق عرشه؛ لأننا نقول: معنا أيش؟ محيط بنا علمًا وسمعًا وبصرًا وقدرةً وسلطانًا وتدبيرًا وغير ذلك من معاني ربوبيته، والذي هذا شأنه يصلح أن يقال: معك وهو فوق عرشه ولَّا لا؟ يصلح أن يقال: إنه معك وهو فوق عرشه.
وشيخ الإسلام رحمه الله أشار إلى مَثَلٍ يقرب هذا الشيء، قال: إن العرب يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا، أو والنجم معنا، أو والقطب معنا -مثلًا- وهو في السماء ونحن في الأرض مع أنه مخلوق، فكيف بالخالق؟!
فالمهم أننا نقول لهؤلاء الْمُلَبِّسين -لأن هذا تلبيس في الحقيقة قد يَرِد على بعض الناس الذين يقولون: إننا نحن نؤمن بالدليلين وأنتم يا أهل السنة ما تؤمنون إلا بدليل واحد- نقول: ما آمنتم بالدليلين عندكم، أنتم الآن في الحقيقة أنكرتم الدليلين؛ لأن المعية لا يريد الله بها ذلك أبدًا، ولا يمكن أن يريد بمعيته سبحانه وتعالى أن يكون في الأرض.
ولو قلنا: إن هذا هو حقيقة النصوص أو ظاهر النصوص لكنا نقول: إن ظاهر النصوص الكفر أو لا؟ لو قلنا: إن ظاهر نصوص المعية أن الله في الأرض لكنا قلنا: ظاهر النصوص الكفر؛ لأن الإنسان اللي يعتقد أن الله في الأرض كافر مكذب للأدلة الدالة على علو الله سبحانه وتعالى -كما قلنا- أدلة عقلية، وأدلة أثرية نقلية.
والحاصل: أن هذا الذي مشى عليه المؤلف حق، فإذا قلنا: إنه مع المحسنين بالنصر والعون، صح، هذا النوع من المعية يقول أهل العلم: إنه من المعية الخاصة، والمعية نوعان: عامة، وخاصة. العامة: هي التي تشمل كل أحد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة ٧]. هذه معية عامة ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأنها شاملة للمؤمن والكافر، والبَر والفاجر، والمقصود بها: بيان إحاطة الله تعالى بكل شيء؛ ولهذا سئل إسحاق ابن راهويه -وهو من أئمة السلف- عن هذه الآية: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧]، أيش معنى ها الكلام هذا؟ قال: معناه: حيثما كنت فهو أقرب إليك من حبل الوريد. ففسَّر المعية بالقرب، وهذا لا ينافي ما فسَّرها به غيره من أنه معهم بالعلم.
المعية العامة تقتضي الإحاطة، وقد تكون للتهديد؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨]، هذه المعية أيش المقصود بها؟
* طالب: الإحاطة.
* طالب آخر: التهديد.
* الشيخ: التهديد بأن الله محيط بهم ولكنه ليهددهم من هذا العمل القبيح؛ أنهم يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، وهو سبحانه وتعالى محيط بهم علمًا وسمعًا وبصرًا وقدرةً.
أما المعية الخاصة فإنها أيضًا نوعان: خاصة بشخص، خاصة بوصف.
المخصوصة بالشخص مثل أيش؟
* طلبة: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾.
* الشيخ: قوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، وقوله للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠].
والخاصة بالوصف مثل هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت ٦٩]، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ١٩]، ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال ٤٦]. وأشياء كثيرة من هذه الأمثلة.
واعلم أنه لا يوجد تناقض في الكتاب والسنة ولا بين الكتاب والسنة، صح ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأن التناقض معناه أن أحد الأمرين باطل والثاني حق، وليس في الكتاب والسنة ما هو كذلك أبدًا، فإذا توهمت تناقضًا فاعلم أن ذلك لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما لقصور علمك، أو لنقصان فهمك، أو للتقصير في التدبر. الإنسان إذا توهم شيئًا متناقضًا في القرآن أو بين القرآن والسنة فليعلم أن سبب ذلك واحد من أمور ثلاثة، وهي؟
* طالب: نقصان العلم، أو نقصان الفهم، أو قلة التدبر.
* الشيخ: التقصير في التدبر.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا هذا القسم الرابع ما هو بتوهم، هذا اللي يدَّعي أن فيه تناقضًا هذا سيِّئ القصد، الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]. أما سوء القصد الذي أشار إليه في القرآن ففي قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد ٢٤].
ولَّا لو تدبرت القرآن طيب افرض واحدًا تدبر آيتين يبغي يجمع بينهما عجز، ويش موقفه؟ لأن هذا دائمًا يَرِد، عجز بأن يجمع بين آيتين، لا فَهِمَ وجه الجمع، ولا عنده علم أن إحداهما ناسخة للأخرى، فماذا يصنع؟
* طالب: يتوقف.
* الشيخ: يقول كما قال الراسخون في العلم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران ٧] ويقف، ولكن مع ذلك ما يكفي الوقوف على أنه مشتبه عليه أن في القرآن تناقضًا، ما يكفي هذا، لا بد أن يقف ويعلم، أيش يعلم؟ أنه ليس في القرآن تناقض، وأن يدع توهم التعارض، يدعه: يطرحه جانبًا ما يبقى على توهمه؛ لأنه إن بقي على توهمه التعارض فقد ركن إلى هذا التوهم، وهو على خطر.
فالواجب أن يعلم أنه ليس في كتاب الله تناقض، وليس بين القرآن والسنة تناقض أبدًا، وبهذا نعرف أن السنة حجة كالقرآن، خلافًا لمن قال: إنها ليست بحجة. وهؤلاء الذين قالوا: إن السنة ليست بحجة، قد أخبر عنهم النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي فَيَقُولُ: لَا نَجِدُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٠٥) من حديث أبي رافع رضي الله عنه مولى النبي ﷺ.]]. هذا الأمر وقع الآن، وقع أناس -والعياذ بالله- يقولون: ما نقبل اللي في السنة إطلاقًا.
والحقيقة أن الذين لا يقبلون ما في السنة هم في الحقيقة كافرون بالقرآن نصًّا؛ لأن القرآن يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر ٧]، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٣٦]، مَن يعص الله ورسوله، فبين أن معصية الرسول ضلال، ولو كان المراد معصية الرسول فيما أمر به الله ما كان لذِكْرِ الرسول فائدة، ثم إننا نقول: يقول الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]. ﴿الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، هل القرآن بيَّن كلَّ شيء؟
* طالب: تفصيلًا لا.
* الشيخ: تفصيلًا لا، أكثر التفصيلات موجودة في السنة، إذن تبيان السنة من تبيان القرآن، والأدلة في هذا -ولله الحمد- كثيرة، لكن من الغريب أنه ظهر في أمريكا من الناس الخبثاء -والعياذ بالله- واحد يقال له: رشاد خليفة، كان مدرسًا بإحدى الكليات هناك، وصار يجمع أموالًا، وألَّف طائفة اسمها طائفة الكتاب، وصار يدعو إلى القرآن، وتعظيم القرآن، والعمل بالقرآن، وينكر السنة إنكارًا عظيمًا -والعياذ بالله- ويقول: ما هؤلاء الذين يعملون بالسنة إلا قوم مجانين، وفي بعض المواقف: إلا قوم مغفلون همج ما عندهم معرفة، فالقرآن هو الدستور الأعظم، وأما السنة فلا.
وصار -والعياذ بالله- يدعو إلى هذا المذهب الخبيث؛ لأنه جامع لأموال كثيرة واستخدمها لهذا الغرض، وألَّف كتابًا في تفسير القرآن كله هجوم على السنة وعلى المتمسكين بالسنة وما أشبه ذلك، أعوذ بالله، هذا الرجل في الحقيقة أرسل لي بعض الناس من أمريكا نسخة من تفسيره، لكن المشكل أني -مع الأسف- ما أعرف اللغة الإنجليزية، ولا استفدت منه شيئًا، أعطيته واحدًا قال: يبغي يروج يخلي ناسًا بجدة يترجمونه ناسًا جيدين في الترجمة وكذا، لكن وجدهم في عطلة وما استفدنا من هذا شيئًا.
فأنا قصدي هنا أن الكتاب والسنة كلاهما صنوان، كلاهما من عند الله عز وجل، وهما مصدر التشريع؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء ٥٩].
* طالب: أصله مسلم ولَّا (...).
* الشيخ: لا، يدَّعي أنه أحد العلماء الراسخين في العلم!
* الطالب: لا، أقول: (...).
* الشيخ: أصله مسلم.
* الطالب: كيف؟
* الشيخ: أصله مسلم، لكن هذا والعياذ بالله!
* طالب: اسمه إيه ده؟
* الشيخ: اسمه رشاد خليفة.
وفي ظني أنه كان من الناس اللي كتب مقالًا أظنه في جريدة تصدر في الشرقية، قال: إن القرآن الكريم مُرَكَّب على العدد تسعة عشر، وأن كل شيء فيه يدور على تسعة عشر، السورة المائة وأربعة عشر مضروبة في كم.. يعني مائة وأربعة عشر نتيجة ضرب أيش؟ ضرب كذا في كذا؟ أنا ما أعرف له كلامًا.
* طالب: يمكن ستة، تسعة عشر في ستة.
* الشيخ: ستة في تسعة بأربعة وخمسين، وستة في واحد بستة، وخمسة يصير مائة وأربعة عشر على قوله؛ ستة في تسعة عشر، وكذلك إلى أنه حرَّف قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر ٣٠]. وقال: ﴿عَلَيْهَا﴾ أي على صحة ما جاء في القرآن؛ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾، أي: تسعة عشر حرفًا وهي البسملة، مع أن القرآن: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ويش يعني؟
* طالب: ملائكة.
* الشيخ: على النار ملائكة، لكن قال: لا، على صحة هذا القرآن تسعة عشر حرفًا وهي البسملة.
* طالب: أيش المغزى؟
* الشيخ: المغزى يقول: لأجل نستدل بأن هذا القرآن ما يمكن أن يأتي به محمد؛ لأن هذا العدد وكون القرآن مُرَكَّبًا على هذا العدد، هذا ما عُرف إلا بعد ما جاء الكمبيوتر، فعُرف.
البسملة هل هي تسعة عشر حرفًا؟
* طالب: يُلَبِّس الخبيث.
* الشيخ: إيه مُلَبِّس جدًّا، ملبس حتى إنه قال: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق ١]، ابتدأت بالقاف؛ لأن مجموع ما فيها من القافات تنقسم على تسعة عشر ويطْلَع، والدليل أنه ما قال: (وقوم لوط)؛ لأنه لو قال: (وقوم لوط)، زادت قاف ولا حصلت القسمة، ولكنه قال: ﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ [ق ١٣]، نعم لأجل أن تتم القسمة، وعلى كل حال مُشَبِّه مُلَبِّس لا شك في هذا، لكن نحن سنهدم إن شاء الله تعالى إحنا كتبنا ردًّا عليه في هذا، أول ما يمكن نهدم عليه مسألة البسملة، البسملة ما هي بأول ما نزلت حتى نقول: إن القرآن مركب عليها، صح ولَّا لا؟
* طالب: نعم صح.
* الشيخ: أول ما نزل أيش؟
* طالب: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق ١].
* الشيخ: ﴿اقْرَأْ﴾، وثانيًا: أن البسملة ما هي -على زعمه- تسعة عشر حرفًا: الباء والسين والميم، والهمزة واللام واللام الثانية والهاء، والألف والراء مكررة والحاء والميم والألف والنون، كم دولي؟ أربعة عشر، والهمزة والراء مكررة والحاء والياء والميم، هذه عشرين.
* طالب: (...).
* الشيخ: عشرين، ويقول: إننا بنعتبر الكتابة (الرحمن) ما فيها ألف، إذا استثنى الألف من (الرحمن) صارت تسعة عشر.
* طالب: أثبت اللام.
* الشيخ: نقول: نعم، إذا قلت هكذا فأثْبِتِ اللام، إن أثبتَّ اللام ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة ١] صارت واحدًا وعشرين، كذا؟ ثم نقول له أيضًا: إذا اعتبرت الكتابة فهل نزل القرآن مكتوبًا ولَّا نزل منطوقًا؟
* طالب: منطوقًا.
* الشيخ: منطوقًا، لو كانت القاعدة الكتابية على غير هذا الوجه تزيد الحروف أو تنقص، ولَّا ما تزيد ولا تنقص؟
* طالب: ما تنقص.
* الشيخ: لا، الحروف المنطوق بها ما تزيد، لكن المكتوبة تزيد، نحن نرى أن الآن الكتابة الإنجليزية -بعض الأحيان- يمكن تكون الحركات حروفًا، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: وروح للصينيين وأشباههم، كم عندهم من حرف؟
* طالب: آلاف.
* الشيخ: آلاف عندهم في الكتابة، المهم في هذا أن الكتابة صناعة، ما لها دخل بالنطق، والقرآن نزل باللغة بلسان عربي مبين، ولكن بس هم يُلَبِّسون ويُشَبِّهون، هم يزعمون أنهم خدموا القرآن بهذا أمام هؤلاء الأجانب اللي ما يعرفون إلا المادة، لكن لو أنهم بيَّنوا للناس حسن هذا الدين وما جاء به من الأخلاق والمعاملات (...).
﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤].
قوله: (سورة الروم مكية)، ما هو المكي؟
* طالب: هو الذي نزل قبل الهجرة.
* الشيخ: هو الذي نزل قبل الهجرة، والمدني: ما نزل بعدها، سواء نزل في مكة أم لا، تعرف أنه مدني، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣]، نزل بعرفة يوم حجة الوداع.
* طالب: يكون مدنيًّا.
* الشيخ: يكون مدنيًّا وإن كان قد نزل بمكة.
(وهي ستون أو تسع وخمسون آية): إن جعلنا ﴿الم﴾ آية مستقلة صارت ستين آية، وإلا فتسع وخمسون.
وقوله: (بسم الله الرحمن الرحيم): تقدم أن البسملة آية مستقلة يؤتَى بها في ابتداء السور، وليست تابعة لما بعدها لا في الفاتحة ولا في غيرها، خلافًا لبعض العلماء الذين يقولون: هي آية من الفاتحة فيحسبون الفاتحة سبع آيات منها البسملة، البسملة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة ١ - ٧] كم ها دولي؟ سبع بالبسملة.
والصحيح أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها، فأول آيات الفاتحة هي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وين السابعة؟ لأنها هي سبع آيات بالاتفاق، السابعة هي قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ..﴾ هذه نقسمها آيتين: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هي السادسة، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ هي السابعة. في المصحف تجدون البسملة من الفاتحة آية، ومن غيرها ليست آية، ولكن الصحيح أنه لا فرق.
* طالب: كيف (...) صارت يا شيخ (...) سبع آيات من غيرها؟
* الشيخ: من غير البسملة؟
* الطالب: إيه (...) الثانية.
* الشيخ: يمكن إي، هذا هو الصحيح.
وقوله: ﴿الم﴾ قال المؤلف: (الله أعلم بمراده به): نعم، إذا لم نعلم شيئًا فالواجب أن نقول: الله أعلم بما أراد، وهذا قد قيل: إنه نصف العلم؛ لأن الإنسان إما عالم وإما جاهل، فإذا قال فيما يعلم بما علم، وفيما يجهل: الله أعلم، صار نصف العلم.
ولا شك أن قول الإنسان: (الله أعلم) فيما لم يعلمه أن هذا هو الواجب عليه، لا تقُلْ: والله أنا إذا قلت: (لا أدري) نقص قدري عند الناس؛ لأنه لا ينقص قدرك عند الناس، بل يزداد عند الناس، كما أنه لا ينقص عند الله فإنه لا ينقص عند الناس؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٨٩٤) عن عائشة رضي الله عنها.]].
وهذا من باب التواضع لله؛ أنك تقول فيما لا تعلم: لا أعلم. وهو نظير العفو لا يزيد الإنسان إلا عزًّا، ونظير الصدقة لا ينقص بها المال، فكذلك: (لا أدري) لا ينقص بها قدر الإنسان في العلم بل يزداد؛ لأن الناس إذا رأوا أن هذا الرجل محترزًا، يقول فيما يعلم ويتوقف عما لا يعلم وثقوا به، وعرفوا أنه لا يتكلم إلا بما علم.
فقول المؤلف: (الله أعلم بمراده به)، هذا هو الواجب على كل إنسان لا يدري ما أراد الله، ولكن إذا رجعنا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف٢]، علمنا أن هذا القرآن بمقتضى اللغة العربية، وأنه ما فيه كلمة إلا وهي معقولة، وإلا لكان الله ينزل شيئًا لا نعرف معناه، فإذا طبقنا هذه الحروف الهجائية على هذه القاعدة أيش القاعدة؟ هذه الآية: ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ إذا طبقنا الحروف الهجائية على هذه القاعدة وجدنا أن مثل هذا التركيب في اللغة العربية له معنى ولَّا ما له معنى؟
* طالب: لها معنى.
* الشيخ: ﴿الم﴾ لها معنى؟!
* طالب: لا.
* الشيخ: ما لها معنى في اللغة العربية، إنما هي مجموعة حروف هجائية (ألف، ولام، وميم)؛ ولهذا ما أنت تنطق بها فتقول: (أَلَمْ). بل تقول: (ألف لام ميم)، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: إذن فهي بمقتضى اللسان العربي الذي نزل فيه القرآن، أو الذي نزل به القرآن لنعقله، بمقتضى هذا اللسان العربي ما لها معنى، وإنما هي حروف هجائية ليس لها معنى في ذاتها، وحينئذ نكون قد علمناها، لكن ما مراد الله بها؟ ذكر شيخ الإسلام وكثير من أهل العلم: أن الغرض منها بيان أن القرآن معجز مع كونه من هذه الحروف التي يتكلم الناس بها.
الحروف الهجائية التي يتكلم الناس بها القرآن من هذه الحروف، ما أتى بحروف جديدة غريبة حتى نقول: إنه أعجز الناس؛ لأنه أتى بحروف لا يفهمونها ولا ينطقون بها، بل هي حروف يتركب منها كلامهم، فالإعجاز إذن من حيث الحروف أنه أتى بحروف جديدة، ولَّا من حيث التركيب والسياق والمعاني الجليلة النافعة؟ الجواب؟
* طالب: الثانية.
* الشيخ: من الثانية، من الوجه الثاني، وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام لا شك أنه قوي، وأن هذه الحروف الهجائية في حد ذاتها ليس لها معنى، لكن لها مغزى ومرادًا، وهو أنها في القرآن الذي أعجز كل الخلق لم يأت بجديد في الحروف، وإنما هو من الحروف التي يتكلمون بها.
وذهب بعض المعاصرين إلى أن هذه الحروف كالمفتاح للسورة التي هي فيها، بمعنى أنك إذا وجدت (لام وميم) مُصَدَّرًا بها سورة من القرآن، فما ذاك إلا لكثرة اللام والميم فيها، فتكون كالمفتاح لها، وكذلك إذا وجدت نون فهو لكثرة النون فيها، وإذا وجدت فيها لام وراء فهي لكثرة اللام والراء، لكن هذا منتقِد هذا منتقِد، وإلا لو اضطرد هذا لكان أيضًا له وجه.
على كل حال نحن نعلم بمقتضى كون القرآن باللسان العربي لنعقله أن هذه الحروف الهجائية في حد ذاتها؟
* طالب: ليس لها معنى.
* الشيخ: ليس لها معنى.
وقوله: (﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ وهم أهل الكتاب، غلبَتْها فارس وليسوا أهل كتاب بل يعبدون الأوثان، ففرح كفار مكة بذلك وقالوا للمسلمين: نحن نغلبكم كما غلبت فارسُ الرومَ).
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾: هذا فعل مبني للمجهول، و﴿الرُّومُ﴾: نائب فاعل، وأنَّثَها ﴿غُلِبَتِ﴾، ما قال: (غُلِبَ الرومُ) مع أن الذين يحاربون هم الرجال، ولكنه أنَّثَها باعتبار القبيلة، والذي غلبها الفرس، والحكمة -والله أعلم- في حذف الفاعل ليكون ذلك أعظم إهانة لهم للفرس، وليكون هذا أخفى بالنسبة لذُلِّ الروم وخذلانها.
أقول: أخفى الفاعل لسببين:
السبب الأول: إهانة للفرس وأنهم ليسوا أهلًا للذِّكْر.
وثانيًا: تهوينًا للأمر على الروم؛ لأنه إذا قيل للإنسان: أنت غُلِبْتَ، أهون مما إذا قال: غلبك فلان؛ لأنه إذا قال: غلبك فلان، صار معناه أنه ذليل لهذا الرجل المذكور.
وقوله: (الروم: أهل الكتاب)، لو قال المؤلف: (أهل كتابٍ) لكان أحسن؛ لأن الروم نصارى، وأهل الكتاب يشمل اليهود والنصارى، فلو قال: (أهل كتاب) لكان أحسن.
(غلبتها فارس وليسوا أهل كتاب، بل يعبدون الأوثان)؛ لأنهم مجوس يعبدون النار.
(ففرح كفار مكة بذلك وقالوا للمسلمين: نحن نغلبكم كما غلبت فارس الروم): يعني أن كفار مكة تفاءلوا بهذا الشيء وقالوا: إذا كان الروم أهل كتاب وغلبتهم الفرس وهم أهل أوثان فهذا مفتاح نصر لنا؛ أن نغلب المسلمين الذين هم أهل كتاب ونحن أهل أوثان.
يقول: (﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ أي: أقرب أرض الروم إلى فارس بالجزيرة التقى فيها الجيشان، والبادي بالغزو الفرس).
قوله: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾، قيل: المعنى أقرب الأرض إلى فارس، وأن فارس اعتدوا على الروم فحصل القتال بينهما.
وقيل: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾: في أقربها إلى أرض العرب، وهذا يرجع إلى التاريخ الذي يحدد موقع هذه المعركة حتى نعرف أدنى الأرض، إنما لا شك أن ﴿أَدْنَى﴾ بمعنى أقرب.
قال: (﴿وَهُمْ﴾ أي الروم ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ أضيفَ المصدرُ إلى المفعول، أي: غلبة فارس إياهم ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ فارس ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ﴾ ).
شوف تأكيد هذا الوعد أُكِّدَ هذا الوعدُ حيث صُدِّرَ بالاسم ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ﴾؛ لأنه إذا صُدِّرَ بالاسم صار جملة اسمية دالة على الدوام والثبوت، وأُكِّدَ من وجه آخر بقربه حيث كان الخبر مقرونًا بالسين الدالة على القرب، ثم أُكِّدَ أيضًا بمؤكِّد ثالث وهو قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾؛ لتحقُّقِ الغلبة وأن هذا أمر لا بد أن يقع ولو كانوا مغلوبين؛ لأنه لو حُذِف ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ وهم سيغلبون، لكان الإنسان يقول: سيغلبون ولو غُلِبوا؟! لعلهم إذا كانوا قد غُلِبوا لا يغلبون. فلما قال: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾؛ صار في ذلك تأكيد للغلبة.
فصار تأكيد غلبة هؤلاء من وجوه ثلاثة، علِّمْنا بها، هات المؤكدات الثلاثة، المؤكدات لكونهم يغلبون.
* طالب: الضمير.
* الشيخ: ويش هو الضمير؟
* الطالب: ﴿هُمْ﴾.
* الشيخ: ويش وجهه للمؤكِّد؟
* الطالب: دخول السين.
* الشيخ: لا، مَن يعرف؟
* طالب: الجملة الاسمية.
* الشيخ: نعم، وجه التأكيد أنه حوَّل الجملة إلى اسمية وهي دالة على الثبوت والاستمرار، يلا كمِّل الثالث.
* الطالب: قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾.
* الشيخ: قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾، ما وجهه؟ مَن يعرف الوجه؟
* طالب: أنه قال: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ قال: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ يمكن (...) لا يغلبون.
* الشيخ: كذلك أنهم سيغلبون حتى في حال غلبهم، طيب.
﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ لكن ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (في بضع سنين) متعلق بقوله: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ أي: في خلال هذا البضع.
(﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾: هو ما بين الثلاث إلى التسع أو العشر): ما بين الثلاث إلى التسع، أو ما بين الثلاث إلى العشر. ما بين الثلاث إلى التسع كم يصير؟ الرابع أربعة وخمسة وستة وسبعة وثمانية: خمس سنين، وإلى العشر؟
* طالب: ستة.
* الشيخ: ست سنين، هذا البضع، يعني إما خمس سنوات وإما ست سنوات أو لا؟
إذا قلنا: ما بين الثلاث إلى العشر يصير: أربع -اللي بين الثلاث والعشر-: أربع وخمس وست وسبع وثمان وتسع.
إذا قلنا: ما بين الثلاث إلى التسع يكون: أربع خمس ست سبع ثمان: خمس سنوات، يعني الثلاث هي داخلة ولَّا غير داخلة؟
* طالب: غير داخلة.
* الشيخ: غير داخلة، ما قال: من الواحد إلى العشر، أو ما بين الواحد إلى العشر، قال: (ما بين الثلاث إلى التسع).
* طالب: البضع يعني أكثر من الثلاث إلى العشر؟
* الشيخ: إيه كم يصير؟
* الطالب: يصير أكثر..
* الشيخ: لا موجب كلام المؤلف أنه ما هو بأكثر، لو قال يعني: تضمن ما زاد على الثلاث.
* الطالب: إي نعم، يعني إما أربعة..
* الشيخ: ما زاد على الثلاث إلى العشر.
* طالب: ليش (...)؟
* الشيخ: نعم؟ والله فيه احتمال، وهذا ينبغي أن إحنا نفهم في الأول؛ أن البضع من الواحد إلى التسع أو إلى العشر، لكن تعبير المؤلف فيه إشكال.
* طالب: (...) يبدأ الثلاث (...) البضع دا (...) ثلاثمئة (...) البضع: أربع خمس ست، يعني أكثر من ثلاث يُعَدُّ بضعًا إلى العشر.
* الشيخ: وما دونها ليس ببضع؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: إيه نعم، إذن معناه نقول من الواحدة إلى العشرة، لكن ما دون الثلاث.
* الطالب: ليس ببضع.
* الشيخ: لا يدخل في هذا نعم.
* طالب: (...) يدخل (...) قد يكون ما بعد (...) واللي قبله (...).
* الشيخ: إي نعم، على كل حال نرجع إلى فهمنا الأول أنه يكون من ثلاث إلى تسع أو إلى عشر، يعني ما دون الثلاث لا يدخل في البضع.
* طالب: والثلاثة.
* الشيخ: والثلاث لا على كلام المؤلف: (ما بين الثلاث) أنه ما يدخل الثلاث؛ لأن ما بين الشيء والشيء ما يدخل فيه الجانبان.
قال: (فالتقى الجيشان في السنة السابعة من الالتقاء الأول وغلبت الروم فارس): (التقى) يعني: حصل بينهما حرب أخرى فغلبت الروم فارس، فصدق بذلك وعد خبر الله سبحانه وتعالى بأنهم سيغلبون في بضع سنين؛ لأنه ما تجاوز الأمر سبع سنوات حتى كانت الغلبة للروم على الفرس، فصدق الله وعده أنهم سيغلبون في هذه المدة، قال: تكون الغلبة في هذه المدة.
* طالب: (...) غلبة يعني يأخذ بضع سنين (...).
* الشيخ: لا، المعنى أن الغلبة تتم في خلال سبع سنين، وليس المعنى أن الغلبة تستمر سبع سنوات.
وقوله: (﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم ٤] أي: من قبل غلب الروم ومن بعده، المعنى: أن غلبة فارس أولًا وغلبة الروم ثانيًا بأمر الله، أي: إرادته).
قوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾ هذه الجملة اسمية قُدِّمَ فيها الخبر لإفادة الاختصاص: لله وحده الأمر، (ال) هذه للاستغراق، يعني كل الأمر، و(ال) التي للاستغراق هي التي يحل محلها (كل)، فإن كانت لاستغراق المعنى فهى لاستغراق المعنى، إن كانت لاستغراق الأفراد فهى لاستغراق الجنس:
﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] (ال) هذه لاستغراق الجنس؛ لأنه يصح أن يحل محلها (كل) فيقال: وخلق كل إنسان ضعيفًا.
﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ١، ٢] هذه (ال) أيضًا لاستغراق الجنس أي كل إنسان. وإن كانت لاستغراق المعنى فهي لاستغراق المعنى، ومثَّلوا لذلك بقولهم: (زيدٌ نِعْمَ الرجلُ). أي: نِعْمَ الشخص الجامع لصفات الرجولة.
هنا ﴿الْأَمْرُ﴾ (ال)؟
* طالب: لاستغراق الجنس.
* الشيخ: لاستغراق الجنس نعم، أي: لله كل أمر.
وقوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾ هل المراد بالأمر هنا الأمر الكوني أو الأمر الشرعي؟ الأمر الكوني، أي: إن جميع الأمور ترجع إلى الله عز وجل، سواء المتعلقة بأفعال العباد أو المتعلقة بأفعال الله سبحانه وتعالى فإنها راجعة إليه، وقد سبق لنا في التوحيد أن الأمر ينقسم إلى قسمين: أمر كوني، وأمر شرعي.
مثال الأمر الكوني: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
مثال الأمر الشرعي؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذه الإرادة، الأمر الشرعي أوامر الله الشرعية مثل: افعلوا كذا وكذا، مثل قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: عن أمره الشرعي ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور ٦٣].
* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾.
* الشيخ: نعم قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾، [النساء: ٥٨] هذا أمر شرعي.
قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء ١٦]، من أي الأمرين؟
* طلبة: الكوني.
* الشيخ: من الأمر الكوني، هذا هو المتعين؛ أن الله يأمرهم أمرًا كونيًّا بالفسق فيفسقون.
وأما من قال: إن المراد بالأمر في الآية الأمر الشرعي، وأن الله يأمرهم فيفسقون -يعني يأمرهم بالطاعة فيفسقون ثم يأخذهم بالعذاب- فهذا القول باطل؛ لأنه يقتضي أن يكون المعنى: أن الله يرسل الرسل فيأمر الناس بطاعة الله ويش هو لأجله؟ لأجل أن يفسقوا فيحل بهم العقاب. وهذا معنى يرجع إلى أن المعنى أن الله بعث الرسل نقمة على العباد، وهو أمر لا يمكن.
ثم إننا نقول: الأمر الشرعي هل يختص بالمترفين؟ عام لهم ولغيرهم، والمهم أن هذا القول ضعيف وباطل وينافي حكمة الله عز وجل في إرسال الرسل.
هنا ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ﴾ قلنا: المراد به الأمر الكوني. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قد يقول أصحاب النحو: لماذا ضُمَّت مع أن ﴿مِنْ﴾ حرف جر؟
* طالب: لأن فيه محذوفًا لفظًا ما هو موجود أي لله الأمر من قبل كل شيء وبعده، أي يبنى على الضم في محل جر، مبني على الضم في محل جر؛ لأن الضمة موجودة لفظًا ومجرور محلًّا.
* الشيخ: لأن (قبل وبعد) إذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه بُنِيَ على الضم، هذا السبب: إذا حُذف المضافُ إليه ونُوِي معناه بُنِيَ على الضم، فإن وُجِد المضاف صارا مُعْرَبَيْن، فتقول: (أتيت من قبلِ أن يأتي زيد) فتجرها.
وكذلك إذا حُذِف المضاف إليه ولم يُنْوَ لا لفظًا ولا معنًى فإنها تعرب كقول الشاعر:
فَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ وَكُنْتُ قَبْلًا ∗∗∗ أَكَادُ أَغَصُّ مِنْ مَاءِ الْفُرَاِتِ
وكذلك إذا حُذف المضاف إليه ونُوِي لفظُه فإنها تُعرب لكنها لا تُنَوَّن تعرب ولا تنون، فيقال مثلًا: (كنت حريصًا على الدرس فأتيت من قبلِ) أي: من قبلِ ابتداء الدرس، فهنا حُذف المضاف ونُوِي لفظُه.
ويش اللي يدرينا؟ ما الذي يدرينا أنه نُوِي لفظه أو نُوِي معناه؟ اللي يدرينا الإعراب نفسه، إذا كانت مبنية على الضم علمنا أنه قد حُذف وأريدَ المعنى، وإذا لم تكن كذلك علمنا أنه قد حُذف وأريدَ اللفظُ، فإن نُوِّنَتْ علمنا أنه ما أريدَ اللفظُ ولا المعنى.
* طالب: يجوز أن نقول في حق الله عز وجل: إنه مَنْوِيٌّ.
* الشيخ: لا، يصلح أن نقول: مريد، أن الله أراد المضاف إليه؛ لأن الإرادة تدل على النية.
(﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم تغلب الرومُ ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم ٤، ٥] إياهم على فارس).
قوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ﴾، (يوم) هذه ظرف متعلقة بـ﴿يَفْرَحُ﴾، وهي مضافة إلى (إذ) ونُوِّنَت (إذ) تنوين عِوَضٍ، عوض عن أيش؟
* طالب: عن جملة.
* الشيخ: عن جملة؛ ولهذا قال: اليوم تغلب الروم. فالمحذوف الآن جملة.
﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم ٤، ٥] الفرح لا يحتاج أو لا يمكن لإنسان أن يعبر عنه، لو قلت: أيش معنى الفرح؟ خفة النفس وسرور النفس، أو نقول: الفرح معلوم؛ ولهذا في القاموس إذا جاء مثل هذه الأشياء قال: (م). الفرح مثلًا يمكن يكتب بعدها: (م). يعني أنه معروف لا حاجة إلى أن يُبَيَّن.
وقوله: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ المراد بهم النبي ﷺ وأصحابُه.
وقوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَفْرَحُ﴾. وهو مصدر مضاف إلى فاعله، أما مفعوله فمحذوف وتقديره: بنصر اللهِ الرومَ على الفرس؛ ولهذا قال المؤلف: (بنصر الله إياهم على فارس).
والنصر معناه أيش معنى النصر؟ النصر معناه العون والظهور، أي معناه أن الله يعينهم حتى يظهروا على أعدائهم، هذا هو النصر أن يعين الله الإنسان حتى يظهر على عدوه، فهذا هو معنى النصر.
وقوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ سُمِّيَ نصرًا مع أنه لكفار على كفار؛ لأننا نقول: إن النصر هو العون والظهور، وهو لا فرق بين أن يكون بين مؤمن وكافر أو بين كافر وكافر، ثم إن أهل الكتاب أقرب من الفرس؛ ولهذا لهم أحكام خاصة تقربهم من المسلمين.
قال: (وقد فرحوا بذلك وعلموا بذلك يوم وقوعه يوم بدر بنزول جبريل بذلك مع فرحهم بنصرهم على المشركين فيه) يعني أنهم حصلت الوقعة بين فارس والروم في الزمن الذي حصلت فيه الوقعة بين الكفار والمؤمنين وذلك متى؟ في بدر وعلى هذا فتكون هذه الآية نازلة قبل الهجرة.
* طالب: بعد الهجرة.
* الشيخ: قبل الهجرة بخمس سنوات؛ لأنه إذا كانت مدة الغلبة يعني المدة التي حصلت فيها الغلبة سبع سنوات وبدر كانت في السنة الثانية لزم أن يكون غلبة فارس للروم قبل الهجرة بخمس سنوات.
* طالب: الآية؟
* الشيخ: إي نزول الآية وغلبة فارس.
وقوله: (مع فرحهم بنصرهم على المشركين فيه): فيكون في هذا الزمن اجتمع نصر أهل الكتاب على المجوس ونصر المسلمين على المشركين.
قال الله تعالى: (﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: الغالب ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الروم ٥] بالمؤمنين).
* طالب: شيخ، قول المؤلف عليه دليل نقلي.
* الشيخ: الظاهر أنه اتبع التاريخ فقط، أما عن الرسول عليه الصلاة والسلام ما فيه دليل، لكن فيها تاريخًا يقول هذا.
وقوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
* طالب: قبل هذا المؤلف يقول: (غلبة فارس أولًا وغلبة الروم ثانيًا بأمر الله، أي: إرادته)، نسيناه.
* الشيخ: إي نعم نسيناه تعدَّيْناه، كان الذي ينبغي أن نتكلم عن قوله: (بأمر الله؛ أي إرادته) هذا في الحقيقة تحريف، بل الصواب أنه بأمره أي بقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]. فإن الله تعالى لا يُقَدِّر شيئًا إلا بالقول: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾، ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق الشرط، فتعم كل شيء أراده الله، فإنما يقول له: كن فيكون.
فالصواب أن المراد بالأمر هنا القول، ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾: الأمر الكوني والشرعي ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾. والإرادة ليست هي القول، فإن الإرادة صفة لا تستلزم القول؛ إذ إن المريد قد يفعل ما أراد أو قد يقوله، وأما القول فإنه أخص من الإرادة، كل قول فهو متضمن للإرادة، وليست كل إرادة متضمنة للقول.
وقوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم ٥]، ﴿يَنْصُرُ مَنْ﴾ هذه عامة، (مَن) تعم سواء كان المنصور كافرًا أو كان المنصور مؤمنًا؛ لأن الأمر بيد الله سبحانه وتعالى، وقد سبق لنا كثيرًا بأن كل شيء مقيد بالمشيئة فإنه يتضمن الحكمة؛ لأن الله تعالى لا يشاء شيئًا إلا لحكمة، فينصر من يشاء نصره لحكمة اقتضت ذلك.
وقوله ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ [الروم ٥] قال المؤلف: (الغالب)، وهذا أحد معاني العزة؛ لأن العزة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع.
عزة القدر: بمعنى أنه سبحانه وتعالى عظيم القدر، وكلما كان الشيء عظيم القدر كان عزيزًا، أي: قليل الوجود، والله سبحانه وتعالى لا مِثْل له.
وعزة القهر بمعنى أيش؟ الغلبة والظهور.
وأما عزة الامتناع فمعناها: امتناع جميع النقص عليه سبحانه وتعالى، فهو عزيز من هذه الوجوه الثلاثة.
عزة القدر: بمعنى أنه عظيم لا نظير له في قَدْره وعظمته. والثاني: عزة القهر بمعنى أنه قاهر وغالب لكل شيء. والثالث: عزة الامتناع، أيش معنى عزة الامتناع؟ أي إنه يمتنع عليه كلُّ نقص، ومن هذا المعنى قولهم: أرض عزاز، وحنا نقول: أرض عزا، أيش معنى عزاز؟ الصلبة التي يمتنع أن يؤثر فيها أيُّ شيء، فالله عز وجل متصف بالعزة من جميع هذه الوجوه.
وقوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الروم ٥] قال المؤلف: (بالمؤمنين)؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣].
والصواب أن رحمة الله تعالى تكون عامة وخاصة، فإن كل مَن في السماوات والأرض فهم في رحمة الله العامة، لولا رحمة الله بالكفار هل يبقَوْن؟
* طالب: لا.
* الشيخ: أبدًا ما يبقَوْن، فكون الله يدر عليهم الأرزاق والعافية والنشاط والعقل وما أشبه ذلك لا شك أنه من رحمة الله، ولكن الرحمة التي تكون بها رحمة الدنيا والآخرة فهذه خاصة بالمؤمنين.
* وفي هذه الآيات الكريمة فوائد عديدة:
* أولًا: أن كلام الله عز وجل بالحروف؛ لأن ﴿الم﴾ حروف، ففيه رد على الأشعرية الذين يقولون: إن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس وليس الحروف، وأن هذه الحروف مخلوقة لتعبر عن هذا المعنى القائم بنفسه.
ثم يقولون أيضًا: إن هذا المعنى القائم بالنفس لا يتغير ولا يختلف، فهو واحد سواء كان استفهامًا أو خبرًا أو أمرًا أو نهيًا أو قرآنًا أو زبورًا أو توراةً أو إنجيلًا، ما يختلف، فالتوراة هي الإنجيل وهي القرآن وهي الزبور وهي صحف إبراهيم وصحف موسى، فاهمين هذا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: لكن تصوروا أنه ممكن، يقول: هذه اختلفت بالتعبير، إن عُبِّرَ عن هذا الكلام بالعربية صار قرآنًا، أو بالعبرية صار توراةً، أو بالسريانية صار إنجيلًا، أو بلغة داوود صار زبورًا، وهكذا. وهذا معنى غير معقول.
ثم يقولون أيضًا: إن الاستفهام والخبر معناهما واحد، فإذا مثلًا جاء استفهام من الله عز وجل فهو كالخبر عنه؛ لأن المعنى واحد. وهذا لا شك أن مجرد تصوره كافٍ برده وإبطاله.
* من فوائد الآية: عِلْم الله تعالى بالغيب، إثبات علم الله بالغيب؛ لقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لأن الإخبار عن الغيب لا يكون إلا بوحي.
* ومن فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى كامل السلطان والتدبير؛ لقوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن كل الأشياء لا تكون إلا بأمر الله؛ لأنه لما قال: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ قال: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، إذن فكونهم غُلِبوا بأمر الله، وانتصارهم بأمر الله، فكل الأمور بتقدير الله تعالى وأمره، كل الأشياء بأمره سبحانه وتعالى.
* ومن فوائدها: الرد على القدرية، الذين يقولون باستقلال العبد بفعله، هم يقولون: إن العبد مستقل بفعله وليس لله تعالى فيه تقدير ولا أمر ولا مشيئة ولا غيره، وهذا الآية ترد عليه.
* ومن فوائد الآية: جواز التعبير بما يُدخِل الخوف والحزن على العدو؛ لأن قوله: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ -وهي من ثلاث إلى عشر أو إلى تسع- معناه: أنه سيبقى هؤلاء الفرس في ذعر وخوف، كل سَنة تأتي يقولون: هذه سَنة الغلبة. ولا شك أن هذا مما يزيدهم زعرًا وخوفًا؛ لأنهم لو غُلِبوا في أول سنة انتهى الأمر، لكن كونهم يُتوعَّدُون بأمر لا يُدرَى في خلال بضع سنين، لا شك أن هذا أشد عليهم من أنه يأتي الأمر وينتهي.
* ومن فوائد الآية: أن في قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ أن من البلاغة حذف الفاعل إذلالًا له وإهانةً له: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ لم يذكر الغالب إذلالًا له. * وكذلك الفائدة الثانية: رفقًا بالروم.
ثم قال: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ * في هذا من الفوائد: جواز فرح المؤمنين بانتصار بعض الكفار على بعض، إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام، ولَّا لا؟
* طالب: في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾، هو ما انتصر المسلمون على الكفار، انتصر كفار على كفار لكن هذا في مصلحة الإسلام، وعلى هذا إذا اقتتلت دولتان من دول الكفار وكانت إحداهما أقرب إلى نفع المسلمين من الأخرى وفرحنا بانتصارها، هل نقول: إن هذا حرام؟ كيف تفرح بانتصار كافر على كافر؟ أو نقول: هو جائز؟
* طالب: هو جائز.
* الشيخ: نقول: هو جائز كما فرح المؤمنون بانتصار الروم على فارس، مع أن كلًّا منهما كفار لكن هؤلاء أهل كتاب، فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس.
* ومنها: جواز تسمية غلبة الكفار نصرًا؛ لقوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.
فإذا قال قائل: كيف تجمعون بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١] مع أن الروم ما يتصفون بهذه الصفات؟
فالجواب: أن النصر نوعان: نصر مطلق دائم، فهذا لا يكون إلا لمن ينصر الله. والثاني: نصر عارض مُوَقَّت، فهذا يكون لهؤلاء ولغيرهم. فنصر الله للروم على الفرس ليس نصرًا دائمًا، الدليل أنه بعد ذلك نصر الله المؤمنين على الفرس وعلى الروم، فافتتحوا ممالك كسرى وممالك قيصر، فلم يكن هذا نصرًا دائمًا.
* ومن فوائد الآية: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: إثبات العزة لله؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، وإثبات الرحمة في قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾، وإثبات كمال عزته حيث قُرِنت بالرحمة، فإننا ينبغي أن نعرف أن الأسماء الحسنى تدل على الكمال، كل واحد منها يدل على كمال بانفراده، ثم باجتماع الاسمين بعضهما إلى بعض يدلان على كمال مركب.
فالعزيز يدل على الكمال، والرحيم يدل على الكمال، فإذا اجتمعا أُخِذ من ذلك كمال آخر فوق الكمال الذي يتضمنه كل اسم على انفراده، وهو أن تكون عزته مقرونة بالرحمة؛ لأن عزة غيره قد تكون خالية من الرحمة، فإذا صار عزيزًا أخذ الذي هو ظاهِرٌ عليه أخذه أخذ عزيز مقتدر ولم يرحمه، بخلاف عزة الله فإنها مقرونة بالرحمة، وهي أيضًا مقرونة بالحكمة.
أضرب لكم مثلًا: لو أن رجلًا غلب على قوم، وصار عزيزًا وهم أذلاء، فإن هذا الرجل قد تأخذه العزة بالإثم فيبطش بهم ولا يرحمهم، لكن عزة الله عز وجل ليست كذلك، بل هي مقرونة بالرحمة كما أنها مقرونة بالحكمة؛ ولهذا دائمًا يقرن الله العزة بالحكمة.
فيه فوائد أخرى أيضًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إيه ما فيه بأس؛ أننا نفرح بانتصار بعضهم على بعض إذا صار المنتصر فيه نفع للإسلام، ثم يساعدون المسلمين بالمال أو بالسلاح أو على الأقل يكون قد كفَّ شرَّه والثاني فيه شر.
* طالب: منين نأخذها؟ أخذًا من الآية هذه ولَّا..؟
* الشيخ: إي نأخذها من هذه الآية.
* الطالب: ظاهر الآية أنهم ما يساعدون المسلمين.
* الشيخ: لكنهم أقل شرًّا من هؤلاء.
* طالب: المصلحة من انتصار الروم على الفرس، ما هي؟
* الشيخ: المصلحة لأن الروم أهل كتاب، فهم أقرب إلى الإسلام ومراعاة المسلمين من أولئك، هذه المصلحة.
* طالب: كل اسم من أسماء الله عز وجل الاسم كل اسم يتضمن صفة، لكن هل يوجد العكس كل صفة يُشتَق لها اسم؟
* الشيخ: لا، ما يجوز.
* الطالب: طيب المشيئة، كيف نعرفها؟
* الشيخ: ما نقول: إن من أسماء الله الشائي أو المريد أو المتكلم، ما نقول: هذه من أسماء الله.
* الطالب: يعني الصفة الصفات أوسع؟
* الشيخ: إيه الصفات أوسع بلا شك.
* طالب: خبره في الصفات، هل الخبر أوسع من الصفات؟
* الشيخ: إيه يعني يخبر عنه بأشياء ولا يسمى بها، ولكن ما يخبر عنه بصفة إلا حيث وردت، ما هو كل صفة يجوز لنا نخبر بها عن الله، فلا يجوز أن نسمي الله مثلًا بالحزين، ولا نسميه بالعاشق، ولا نسميه بالهميم، وما أشبه ذلك، يعني حتى الصفات تكون توقيفية، ما نخترع من أنفسنا صفة له، لكن الصفات أوسع من الأسماء.
* طالب: المنعم هل وردت المنعم؟
* الشيخ: لا ليس من أسماء الله.
* الطالب: لا، صفة المنعم؟
* الشيخ: صفة نعم، ما فيه شك أن الله منعم: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة ٧].
* الطالب: يعني نقول: إن النعمة يعني أتى بها.
* الشيخ: هل تكون نعمة بدون مُنْعِم؟!
* الطالب: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧].
* الشيخ: إيه، وكذلك ﴿أَنْعَمْتَ﴾ يؤخذ منه الْمُنْعِم. أما المحسن فقد ورد من أسماء الله؛ لقوله: «إِنَّ اللَّهَ مُحْسِنٌ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ»[[أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨٦٠٣) عن شداد بن أوس رضي الله عنه، ولفظه: «إِنَّ اللَّهَ مُحْسِنٌ يُحِبُّ الْإِحْسَانَ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».]].
وبهذا يزول الإشكال الذي يرد عند كثير من الناس يقول: إنهم يسمون باسم عبد المحسن. لا، مُحسن ما هو مشكل، عبد المحسن، فيقول: كيف تضيفه إلى ما ليس من أسماء الله؟
* طالب: عبد المنعم موجودة؟
* الشيخ: موجودة أيضًا.
* الطالب: حكم التسمية بها؟
* الشيخ: التسمية هذه إن ثبت أنها من أسماء الله، وإلَّا فقد يقول قائل: قد نقول: إنه يجوز؛ لأن المنعم على الإطلاق هو الله، كل إنسان له نعمة فهي مقيدة، وإلا فالنعم حتى من الإنسان: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٣٧].
* طالب: عبد الراضي؟
* الشيخ: عبد الراضي؟ ما أدري.
* طالب: ابن حزم يقول: يجوز تسمي بعبد المطلب.
* الشيخ: لا غلط، هذا غلط منه.
* طالب: حميد.
* الشيخ: إيه حميد من أسماء الله ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى ٢٨].
* الطالب: لا، أن يسمى أحدنا (حميد)، هذا مقصدي.
* الشيخ: والله (...)، لكن إذا لم يُقصَد الصفة فلا بأس، فهذا حكيم موجود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ولا غيَّرَه، مع أن الحكيم من أسماء الله؛ لأنه ما أريدَ ملاحظة الصفة، أسماء الله تعالى يراد به إثبات الصفة مع الاسم، لكن قد أسمي ولدي (حكيم) وهو من أسفه الناس، وكذلك أسميه (محسن) وهو من أشد الناس جَوْرًا.
* طالب: هل يجوز أن نسمي: عبد الحكيم؟
* الشيخ: إلا ما يخالف، يجوز إيه نعم.
* طالب: الوقوف على رؤوس الآي (...).
* الشيخ: هذه المسألة تقدم البحث فيها، ويش قلنا؟
* طالب: ما هو السؤال؟
* الشيخ: السؤال يقول: هل نقف على الآيات لو أنها قد تعلق بها ما بعدها، ولا أنَّا نصل ونراعي المعنى؟
* الطالب: نراعي المعنى.
* الشيخ: في هذا قولان لأهل العلم، منهم مَن يرى أننا نقف على الآيات، ويقول: هذا هو الوارد عن النبي ﷺ، أنه كان يقرأ القرآن آية آية، والدليل على ذلك أن الله جعلها آية فنقف عليها ولو تعلق بها ما بعدها، وهذا كثير في القرآن: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون ٤]، رأس آية دي؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: يجوز أن نقف.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة ٢١٩، ٢٢٠]. ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾ آية. وهذه ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾، هي آية عندكم؟ ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
* طالب: آية.
* الشيخ: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.
وقال بعض أهل العلم: إنك تراعي المعنى، فتقف عند انتهاء المعنى، ولا تفصل آية عن آية تتعلق بها، ولو قيل بالتفصيل: وهو أن الإنسان إذا كان يتلو وهو يقرأ فإنه يقف على كل آية؛ لأن الكلام لن ينقطع، (...) يتصل ويتضح المعنى.
وإذا كنت تريد أن تتكلم على معاني الآيات فإنك تراعي المعنى، لو قيل بهذا التفصيل لكان له وجه، لكن ما أعلم هل أحد من أهل العلم قال به أو لا؟ إنما القول به على حسب قواعد أهل العلم لا بأس به؛ لأن إحداث قول ثالث يتكون من القولين قبله لا بأس به، وهذه مسألة محل بحثها أصول الفقه: هل يجوز إذا أجمع العلماء على قولين هل يجوز إحداث قول ثالث أو لا؟
والصواب أنه إذا كان القول الثالث لا يخرج عنهما، غاية ما هنالك أنه يفصل فيه، فهو جائز لأنه ما يكون خرج عن الخلاف، أما إذا كان يخرج عنهما فلا يجوز، فمثلًا إذا قلنا بالتفصيل هنا خرج عن القولين ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما خرج، لكنه يقف في شيء ولا يقف في شيء آخر، مثل مَن قال: الوتر واجب، وآخرون قالوا: إن الوتر ليس بواجب.
فإذا قلنا: واجب على مَن كان كذا وكذا، غير واجب على مَن كان كذا وكذا، كما اختاره شيخ الإسلام على أنه واجب لِمَنْ له وِرْدٌ من الليل يقوم به، غير واجب على مَن سواه، صار هذا القول الثالث لا يخرج عن الاثنين؛ لأنه يوافق أحد القولين في حال، ويوافق القول الآخر في حال أخرى.
* طالب: القول الثالث (...).
* الشيخ: إي لكنه ما يخرج عنهما، أما لو كان واحد يقول بالتحريم وواحد يقول بالحل، ثم جاء قول ثالث يقول بالوجوب. هذا ما يمكن، إذا أجمعوا على الحل أو التحريم ما يمكن (...) قولًا بالوجوب؛ لأنه ما يوافق القولين.
الروم 30:5
ضرب عنها الجهمية صفحًا، وقالوا: إنه بذاته في الأرض وليس في السماء والعياذ بالله، فقلبوا الحقائق.
فيه طائفة تحزلقت وقالت: نحن نقول بالدليلين، ونقول: إن الله بذاته معنا وهو في السماء على العرش بذاته. وقالوا: نحن أسعد بالدليل منكم يا أهل السنة؛ لأننا عملنا بدليلين، فقلنا: إنه معنا بذاته، وإنه على العرش بذاته، فيكون مكانه فوق وتحت.
هؤلاء وافقوا الجهمية ووافقوا أهل السنة من وجه، وافقوا أهل السنة في قولهم: إن الله على عرشه بذاته. ووافقوا الجهمية بقولهم: إنه بذاته في الأرض. وقالوا: نحن أخذنا بالدليل هذا وبالدليل هذا، والجهمية أخذوا بدليل وتركوا دليلًا، وأهل السنة أخذوا بدليل وتركوا دليلًا. ما هو الجواب عن هذه الشبهة؟ لأن هذه شبهة عظيمة، فما هو الجواب عن هذه الشبهة؟
ما كنت أظن أن هذه تشكل عليكم؟ ما عرفتم المعنى؟ السؤال: هؤلاء جماعة حكى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عن الأشعري في المقالات مقالات الخلق، يقولون: الله سبحانه وتعالى بذاته في الأرض، وهو بذاته على عرشه، ويقولون: نحن أخذنا بالدليلين: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤]، وهو ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ [طه ٥]. فنحن أخذنا بالآية هذه وبالآية هذه، فنحن أسعد بالدليل من أهل السنة والجماعة ومن الجهمية؛ لأن أهل السنة والجماعة -على زعمهم- أخذوا بدليل واحد، والجهمية أخذوا بدليل واحد، الجهمية أخذوا بأيش؟ بنصوص المعية وتركوا نصوص العلو، ضربوا عنها صفحًا. وأهل السنة والجماعة أخذوا -على زعم هؤلاء- بنصوص العلو وتركوا نصوص المعية، وهم يقولون أو يزعمون أنهم أخذوا بالنصوص جميعًا، فما تقولون؟
* طالب: نرد عليهم، بأن الله سبحانه وتعالى معنا بالعلم.
* الشيخ: هم يقولون: هذا تأويل، يقولون -كما قلت لكم-: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أي: علمه معكم، فقد خالفتم ظاهر اللفظ.
* الطالب: عندي دليل عليهم.
* الشيخ: ويش؟
* الطالب: قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة ٧]. يعني ابتدأه بالعلم وانتهى بالمعية.
* الشيخ: هم في الحقيقة ربما يجيبون عن هذا، يقولون: نعم الذي معك عالم بك، نحن ما قلنا: إنه معكم وليس يعلمكم. نقول: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤] من مقتضى معيته أن يكون عالِمًا. فكأن قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ تعليل لقوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ [الحديد ٤]. وفي المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [المجادلة ٧].
* طالب: نقول لهم: أنتم جمعتم بين النقيضين، وهو أنكم نزهتم الله على أنه فوق في السماء، وجعلتموه في الأرض فيها، (...) فكيف ذلك؟!
* الشيخ: صحيح هذا هو الجواب؛ أن نقول: أنتم الآن جمعتم بين النقيضين، إذا كان عاليًا -كما تزعمون، وكما هو الحق- فكيف يكون في الأرض؟! هل هو إله واحد ولَّا متعدد؟ هم يقولون: إله واحد. فإذا كان فوق لا يمكن أن يكون تحت؛ لأن الفوقية والتحتية من الأمور المتقابلة التي إذا انتفى أحدها ثبت الآخر، ولا يمكن أن تجتمع.
ثم نقول: إذا قلتم: إنه بذاته في الأرض، فإذا كان الإنسان في المسجد كان الله في المسجد، واللي في السوق يكون الله في السوق، واللي في البَرِّ يكون الله في البر، واللي في الجو يكون الله في الجو وهكذا، ومعنى ذلك أننا نقول: آلهة متعددة لا تُحصى، فأنتم الآن خالفتم الدليل.
ثم إننا نقول -إذا قالوا أيضًا: ويش لون قولكم: معنا حقًّا وهو فوق العرش حقًّا؟ هذا ما يصير- قلنا لهم: يصير، هو معنا سبحانه وتعالى حقًّا وهو فوق العرش يعلمنا ويرانا ويسمعنا ويدبرنا وله السلطة علينا والهيمنة، ومَن كان كذلك فهو معك وإن كان فوقك، اللي يعلمك ويسمعك ويراك ويحيط بك ويهيمن عليك تدبيرًا وسلطانًا فهو معك وإن كان فوقك، إذا كان الرجل يقال: إنه مع امرأته وله معها سلطة عليها، لو أنه في المكتب وهي في بيتها ما هو يقال: إنه معها أو لا؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: وهي يعني مصاحبة بسيطة، فكيف بالخالق عز وجل الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض؟! فنحن نقول: هذا أمر ممكن؛ أن يكون الله سبحانه وتعالى معنا وهو فوق عرشه؛ لأننا نقول: معنا أيش؟ محيط بنا علمًا وسمعًا وبصرًا وقدرةً وسلطانًا وتدبيرًا وغير ذلك من معاني ربوبيته، والذي هذا شأنه يصلح أن يقال: معك وهو فوق عرشه ولَّا لا؟ يصلح أن يقال: إنه معك وهو فوق عرشه.
وشيخ الإسلام رحمه الله أشار إلى مَثَلٍ يقرب هذا الشيء، قال: إن العرب يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا، أو والنجم معنا، أو والقطب معنا -مثلًا- وهو في السماء ونحن في الأرض مع أنه مخلوق، فكيف بالخالق؟!
فالمهم أننا نقول لهؤلاء الْمُلَبِّسين -لأن هذا تلبيس في الحقيقة قد يَرِد على بعض الناس الذين يقولون: إننا نحن نؤمن بالدليلين وأنتم يا أهل السنة ما تؤمنون إلا بدليل واحد- نقول: ما آمنتم بالدليلين عندكم، أنتم الآن في الحقيقة أنكرتم الدليلين؛ لأن المعية لا يريد الله بها ذلك أبدًا، ولا يمكن أن يريد بمعيته سبحانه وتعالى أن يكون في الأرض.
ولو قلنا: إن هذا هو حقيقة النصوص أو ظاهر النصوص لكنا نقول: إن ظاهر النصوص الكفر أو لا؟ لو قلنا: إن ظاهر نصوص المعية أن الله في الأرض لكنا قلنا: ظاهر النصوص الكفر؛ لأن الإنسان اللي يعتقد أن الله في الأرض كافر مكذب للأدلة الدالة على علو الله سبحانه وتعالى -كما قلنا- أدلة عقلية، وأدلة أثرية نقلية.
والحاصل: أن هذا الذي مشى عليه المؤلف حق، فإذا قلنا: إنه مع المحسنين بالنصر والعون، صح، هذا النوع من المعية يقول أهل العلم: إنه من المعية الخاصة، والمعية نوعان: عامة، وخاصة. العامة: هي التي تشمل كل أحد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة ٧]. هذه معية عامة ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأنها شاملة للمؤمن والكافر، والبَر والفاجر، والمقصود بها: بيان إحاطة الله تعالى بكل شيء؛ ولهذا سئل إسحاق ابن راهويه -وهو من أئمة السلف- عن هذه الآية: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧]، أيش معنى ها الكلام هذا؟ قال: معناه: حيثما كنت فهو أقرب إليك من حبل الوريد. ففسَّر المعية بالقرب، وهذا لا ينافي ما فسَّرها به غيره من أنه معهم بالعلم.
المعية العامة تقتضي الإحاطة، وقد تكون للتهديد؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨]، هذه المعية أيش المقصود بها؟
* طالب: الإحاطة.
* طالب آخر: التهديد.
* الشيخ: التهديد بأن الله محيط بهم ولكنه ليهددهم من هذا العمل القبيح؛ أنهم يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، وهو سبحانه وتعالى محيط بهم علمًا وسمعًا وبصرًا وقدرةً.
أما المعية الخاصة فإنها أيضًا نوعان: خاصة بشخص، خاصة بوصف.
المخصوصة بالشخص مثل أيش؟
* طلبة: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾.
* الشيخ: قوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، وقوله للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠].
والخاصة بالوصف مثل هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت ٦٩]، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ١٩]، ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال ٤٦]. وأشياء كثيرة من هذه الأمثلة.
واعلم أنه لا يوجد تناقض في الكتاب والسنة ولا بين الكتاب والسنة، صح ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لأن التناقض معناه أن أحد الأمرين باطل والثاني حق، وليس في الكتاب والسنة ما هو كذلك أبدًا، فإذا توهمت تناقضًا فاعلم أن ذلك لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما لقصور علمك، أو لنقصان فهمك، أو للتقصير في التدبر. الإنسان إذا توهم شيئًا متناقضًا في القرآن أو بين القرآن والسنة فليعلم أن سبب ذلك واحد من أمور ثلاثة، وهي؟
* طالب: نقصان العلم، أو نقصان الفهم، أو قلة التدبر.
* الشيخ: التقصير في التدبر.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا هذا القسم الرابع ما هو بتوهم، هذا اللي يدَّعي أن فيه تناقضًا هذا سيِّئ القصد، الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]. أما سوء القصد الذي أشار إليه في القرآن ففي قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد ٢٤].
ولَّا لو تدبرت القرآن طيب افرض واحدًا تدبر آيتين يبغي يجمع بينهما عجز، ويش موقفه؟ لأن هذا دائمًا يَرِد، عجز بأن يجمع بين آيتين، لا فَهِمَ وجه الجمع، ولا عنده علم أن إحداهما ناسخة للأخرى، فماذا يصنع؟
* طالب: يتوقف.
* الشيخ: يقول كما قال الراسخون في العلم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران ٧] ويقف، ولكن مع ذلك ما يكفي الوقوف على أنه مشتبه عليه أن في القرآن تناقضًا، ما يكفي هذا، لا بد أن يقف ويعلم، أيش يعلم؟ أنه ليس في القرآن تناقض، وأن يدع توهم التعارض، يدعه: يطرحه جانبًا ما يبقى على توهمه؛ لأنه إن بقي على توهمه التعارض فقد ركن إلى هذا التوهم، وهو على خطر.
فالواجب أن يعلم أنه ليس في كتاب الله تناقض، وليس بين القرآن والسنة تناقض أبدًا، وبهذا نعرف أن السنة حجة كالقرآن، خلافًا لمن قال: إنها ليست بحجة. وهؤلاء الذين قالوا: إن السنة ليست بحجة، قد أخبر عنهم النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي فَيَقُولُ: لَا نَجِدُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٠٥) من حديث أبي رافع رضي الله عنه مولى النبي ﷺ.]]. هذا الأمر وقع الآن، وقع أناس -والعياذ بالله- يقولون: ما نقبل اللي في السنة إطلاقًا.
والحقيقة أن الذين لا يقبلون ما في السنة هم في الحقيقة كافرون بالقرآن نصًّا؛ لأن القرآن يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر ٧]، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٣٦]، مَن يعص الله ورسوله، فبين أن معصية الرسول ضلال، ولو كان المراد معصية الرسول فيما أمر به الله ما كان لذِكْرِ الرسول فائدة، ثم إننا نقول: يقول الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]. ﴿الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، هل القرآن بيَّن كلَّ شيء؟
* طالب: تفصيلًا لا.
* الشيخ: تفصيلًا لا، أكثر التفصيلات موجودة في السنة، إذن تبيان السنة من تبيان القرآن، والأدلة في هذا -ولله الحمد- كثيرة، لكن من الغريب أنه ظهر في أمريكا من الناس الخبثاء -والعياذ بالله- واحد يقال له: رشاد خليفة، كان مدرسًا بإحدى الكليات هناك، وصار يجمع أموالًا، وألَّف طائفة اسمها طائفة الكتاب، وصار يدعو إلى القرآن، وتعظيم القرآن، والعمل بالقرآن، وينكر السنة إنكارًا عظيمًا -والعياذ بالله- ويقول: ما هؤلاء الذين يعملون بالسنة إلا قوم مجانين، وفي بعض المواقف: إلا قوم مغفلون همج ما عندهم معرفة، فالقرآن هو الدستور الأعظم، وأما السنة فلا.
وصار -والعياذ بالله- يدعو إلى هذا المذهب الخبيث؛ لأنه جامع لأموال كثيرة واستخدمها لهذا الغرض، وألَّف كتابًا في تفسير القرآن كله هجوم على السنة وعلى المتمسكين بالسنة وما أشبه ذلك، أعوذ بالله، هذا الرجل في الحقيقة أرسل لي بعض الناس من أمريكا نسخة من تفسيره، لكن المشكل أني -مع الأسف- ما أعرف اللغة الإنجليزية، ولا استفدت منه شيئًا، أعطيته واحدًا قال: يبغي يروج يخلي ناسًا بجدة يترجمونه ناسًا جيدين في الترجمة وكذا، لكن وجدهم في عطلة وما استفدنا من هذا شيئًا.
فأنا قصدي هنا أن الكتاب والسنة كلاهما صنوان، كلاهما من عند الله عز وجل، وهما مصدر التشريع؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء ٥٩].
* طالب: أصله مسلم ولَّا (...).
* الشيخ: لا، يدَّعي أنه أحد العلماء الراسخين في العلم!
* الطالب: لا، أقول: (...).
* الشيخ: أصله مسلم.
* الطالب: كيف؟
* الشيخ: أصله مسلم، لكن هذا والعياذ بالله!
* طالب: اسمه إيه ده؟
* الشيخ: اسمه رشاد خليفة.
وفي ظني أنه كان من الناس اللي كتب مقالًا أظنه في جريدة تصدر في الشرقية، قال: إن القرآن الكريم مُرَكَّب على العدد تسعة عشر، وأن كل شيء فيه يدور على تسعة عشر، السورة المائة وأربعة عشر مضروبة في كم.. يعني مائة وأربعة عشر نتيجة ضرب أيش؟ ضرب كذا في كذا؟ أنا ما أعرف له كلامًا.
* طالب: يمكن ستة، تسعة عشر في ستة.
* الشيخ: ستة في تسعة بأربعة وخمسين، وستة في واحد بستة، وخمسة يصير مائة وأربعة عشر على قوله؛ ستة في تسعة عشر، وكذلك إلى أنه حرَّف قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر ٣٠]. وقال: ﴿عَلَيْهَا﴾ أي على صحة ما جاء في القرآن؛ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾، أي: تسعة عشر حرفًا وهي البسملة، مع أن القرآن: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ويش يعني؟
* طالب: ملائكة.
* الشيخ: على النار ملائكة، لكن قال: لا، على صحة هذا القرآن تسعة عشر حرفًا وهي البسملة.
* طالب: أيش المغزى؟
* الشيخ: المغزى يقول: لأجل نستدل بأن هذا القرآن ما يمكن أن يأتي به محمد؛ لأن هذا العدد وكون القرآن مُرَكَّبًا على هذا العدد، هذا ما عُرف إلا بعد ما جاء الكمبيوتر، فعُرف.
البسملة هل هي تسعة عشر حرفًا؟
* طالب: يُلَبِّس الخبيث.
* الشيخ: إيه مُلَبِّس جدًّا، ملبس حتى إنه قال: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق ١]، ابتدأت بالقاف؛ لأن مجموع ما فيها من القافات تنقسم على تسعة عشر ويطْلَع، والدليل أنه ما قال: (وقوم لوط)؛ لأنه لو قال: (وقوم لوط)، زادت قاف ولا حصلت القسمة، ولكنه قال: ﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ [ق ١٣]، نعم لأجل أن تتم القسمة، وعلى كل حال مُشَبِّه مُلَبِّس لا شك في هذا، لكن نحن سنهدم إن شاء الله تعالى إحنا كتبنا ردًّا عليه في هذا، أول ما يمكن نهدم عليه مسألة البسملة، البسملة ما هي بأول ما نزلت حتى نقول: إن القرآن مركب عليها، صح ولَّا لا؟
* طالب: نعم صح.
* الشيخ: أول ما نزل أيش؟
* طالب: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق ١].
* الشيخ: ﴿اقْرَأْ﴾، وثانيًا: أن البسملة ما هي -على زعمه- تسعة عشر حرفًا: الباء والسين والميم، والهمزة واللام واللام الثانية والهاء، والألف والراء مكررة والحاء والميم والألف والنون، كم دولي؟ أربعة عشر، والهمزة والراء مكررة والحاء والياء والميم، هذه عشرين.
* طالب: (...).
* الشيخ: عشرين، ويقول: إننا بنعتبر الكتابة (الرحمن) ما فيها ألف، إذا استثنى الألف من (الرحمن) صارت تسعة عشر.
* طالب: أثبت اللام.
* الشيخ: نقول: نعم، إذا قلت هكذا فأثْبِتِ اللام، إن أثبتَّ اللام ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة ١] صارت واحدًا وعشرين، كذا؟ ثم نقول له أيضًا: إذا اعتبرت الكتابة فهل نزل القرآن مكتوبًا ولَّا نزل منطوقًا؟
* طالب: منطوقًا.
* الشيخ: منطوقًا، لو كانت القاعدة الكتابية على غير هذا الوجه تزيد الحروف أو تنقص، ولَّا ما تزيد ولا تنقص؟
* طالب: ما تنقص.
* الشيخ: لا، الحروف المنطوق بها ما تزيد، لكن المكتوبة تزيد، نحن نرى أن الآن الكتابة الإنجليزية -بعض الأحيان- يمكن تكون الحركات حروفًا، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: وروح للصينيين وأشباههم، كم عندهم من حرف؟
* طالب: آلاف.
* الشيخ: آلاف عندهم في الكتابة، المهم في هذا أن الكتابة صناعة، ما لها دخل بالنطق، والقرآن نزل باللغة بلسان عربي مبين، ولكن بس هم يُلَبِّسون ويُشَبِّهون، هم يزعمون أنهم خدموا القرآن بهذا أمام هؤلاء الأجانب اللي ما يعرفون إلا المادة، لكن لو أنهم بيَّنوا للناس حسن هذا الدين وما جاء به من الأخلاق والمعاملات (...).
﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤].
قوله: (سورة الروم مكية)، ما هو المكي؟
* طالب: هو الذي نزل قبل الهجرة.
* الشيخ: هو الذي نزل قبل الهجرة، والمدني: ما نزل بعدها، سواء نزل في مكة أم لا، تعرف أنه مدني، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣]، نزل بعرفة يوم حجة الوداع.
* طالب: يكون مدنيًّا.
* الشيخ: يكون مدنيًّا وإن كان قد نزل بمكة.
(وهي ستون أو تسع وخمسون آية): إن جعلنا ﴿الم﴾ آية مستقلة صارت ستين آية، وإلا فتسع وخمسون.
وقوله: (بسم الله الرحمن الرحيم): تقدم أن البسملة آية مستقلة يؤتَى بها في ابتداء السور، وليست تابعة لما بعدها لا في الفاتحة ولا في غيرها، خلافًا لبعض العلماء الذين يقولون: هي آية من الفاتحة فيحسبون الفاتحة سبع آيات منها البسملة، البسملة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة ١ - ٧] كم ها دولي؟ سبع بالبسملة.
والصحيح أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها، فأول آيات الفاتحة هي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وين السابعة؟ لأنها هي سبع آيات بالاتفاق، السابعة هي قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ..﴾ هذه نقسمها آيتين: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هي السادسة، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ هي السابعة. في المصحف تجدون البسملة من الفاتحة آية، ومن غيرها ليست آية، ولكن الصحيح أنه لا فرق.
* طالب: كيف (...) صارت يا شيخ (...) سبع آيات من غيرها؟
* الشيخ: من غير البسملة؟
* الطالب: إيه (...) الثانية.
* الشيخ: يمكن إي، هذا هو الصحيح.
وقوله: ﴿الم﴾ قال المؤلف: (الله أعلم بمراده به): نعم، إذا لم نعلم شيئًا فالواجب أن نقول: الله أعلم بما أراد، وهذا قد قيل: إنه نصف العلم؛ لأن الإنسان إما عالم وإما جاهل، فإذا قال فيما يعلم بما علم، وفيما يجهل: الله أعلم، صار نصف العلم.
ولا شك أن قول الإنسان: (الله أعلم) فيما لم يعلمه أن هذا هو الواجب عليه، لا تقُلْ: والله أنا إذا قلت: (لا أدري) نقص قدري عند الناس؛ لأنه لا ينقص قدرك عند الناس، بل يزداد عند الناس، كما أنه لا ينقص عند الله فإنه لا ينقص عند الناس؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٨٩٤) عن عائشة رضي الله عنها.]].
وهذا من باب التواضع لله؛ أنك تقول فيما لا تعلم: لا أعلم. وهو نظير العفو لا يزيد الإنسان إلا عزًّا، ونظير الصدقة لا ينقص بها المال، فكذلك: (لا أدري) لا ينقص بها قدر الإنسان في العلم بل يزداد؛ لأن الناس إذا رأوا أن هذا الرجل محترزًا، يقول فيما يعلم ويتوقف عما لا يعلم وثقوا به، وعرفوا أنه لا يتكلم إلا بما علم.
فقول المؤلف: (الله أعلم بمراده به)، هذا هو الواجب على كل إنسان لا يدري ما أراد الله، ولكن إذا رجعنا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف٢]، علمنا أن هذا القرآن بمقتضى اللغة العربية، وأنه ما فيه كلمة إلا وهي معقولة، وإلا لكان الله ينزل شيئًا لا نعرف معناه، فإذا طبقنا هذه الحروف الهجائية على هذه القاعدة أيش القاعدة؟ هذه الآية: ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ إذا طبقنا الحروف الهجائية على هذه القاعدة وجدنا أن مثل هذا التركيب في اللغة العربية له معنى ولَّا ما له معنى؟
* طالب: لها معنى.
* الشيخ: ﴿الم﴾ لها معنى؟!
* طالب: لا.
* الشيخ: ما لها معنى في اللغة العربية، إنما هي مجموعة حروف هجائية (ألف، ولام، وميم)؛ ولهذا ما أنت تنطق بها فتقول: (أَلَمْ). بل تقول: (ألف لام ميم)، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: إذن فهي بمقتضى اللسان العربي الذي نزل فيه القرآن، أو الذي نزل به القرآن لنعقله، بمقتضى هذا اللسان العربي ما لها معنى، وإنما هي حروف هجائية ليس لها معنى في ذاتها، وحينئذ نكون قد علمناها، لكن ما مراد الله بها؟ ذكر شيخ الإسلام وكثير من أهل العلم: أن الغرض منها بيان أن القرآن معجز مع كونه من هذه الحروف التي يتكلم الناس بها.
الحروف الهجائية التي يتكلم الناس بها القرآن من هذه الحروف، ما أتى بحروف جديدة غريبة حتى نقول: إنه أعجز الناس؛ لأنه أتى بحروف لا يفهمونها ولا ينطقون بها، بل هي حروف يتركب منها كلامهم، فالإعجاز إذن من حيث الحروف أنه أتى بحروف جديدة، ولَّا من حيث التركيب والسياق والمعاني الجليلة النافعة؟ الجواب؟
* طالب: الثانية.
* الشيخ: من الثانية، من الوجه الثاني، وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام لا شك أنه قوي، وأن هذه الحروف الهجائية في حد ذاتها ليس لها معنى، لكن لها مغزى ومرادًا، وهو أنها في القرآن الذي أعجز كل الخلق لم يأت بجديد في الحروف، وإنما هو من الحروف التي يتكلمون بها.
وذهب بعض المعاصرين إلى أن هذه الحروف كالمفتاح للسورة التي هي فيها، بمعنى أنك إذا وجدت (لام وميم) مُصَدَّرًا بها سورة من القرآن، فما ذاك إلا لكثرة اللام والميم فيها، فتكون كالمفتاح لها، وكذلك إذا وجدت نون فهو لكثرة النون فيها، وإذا وجدت فيها لام وراء فهي لكثرة اللام والراء، لكن هذا منتقِد هذا منتقِد، وإلا لو اضطرد هذا لكان أيضًا له وجه.
على كل حال نحن نعلم بمقتضى كون القرآن باللسان العربي لنعقله أن هذه الحروف الهجائية في حد ذاتها؟
* طالب: ليس لها معنى.
* الشيخ: ليس لها معنى.
وقوله: (﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ وهم أهل الكتاب، غلبَتْها فارس وليسوا أهل كتاب بل يعبدون الأوثان، ففرح كفار مكة بذلك وقالوا للمسلمين: نحن نغلبكم كما غلبت فارسُ الرومَ).
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾: هذا فعل مبني للمجهول، و﴿الرُّومُ﴾: نائب فاعل، وأنَّثَها ﴿غُلِبَتِ﴾، ما قال: (غُلِبَ الرومُ) مع أن الذين يحاربون هم الرجال، ولكنه أنَّثَها باعتبار القبيلة، والذي غلبها الفرس، والحكمة -والله أعلم- في حذف الفاعل ليكون ذلك أعظم إهانة لهم للفرس، وليكون هذا أخفى بالنسبة لذُلِّ الروم وخذلانها.
أقول: أخفى الفاعل لسببين:
السبب الأول: إهانة للفرس وأنهم ليسوا أهلًا للذِّكْر.
وثانيًا: تهوينًا للأمر على الروم؛ لأنه إذا قيل للإنسان: أنت غُلِبْتَ، أهون مما إذا قال: غلبك فلان؛ لأنه إذا قال: غلبك فلان، صار معناه أنه ذليل لهذا الرجل المذكور.
وقوله: (الروم: أهل الكتاب)، لو قال المؤلف: (أهل كتابٍ) لكان أحسن؛ لأن الروم نصارى، وأهل الكتاب يشمل اليهود والنصارى، فلو قال: (أهل كتاب) لكان أحسن.
(غلبتها فارس وليسوا أهل كتاب، بل يعبدون الأوثان)؛ لأنهم مجوس يعبدون النار.
(ففرح كفار مكة بذلك وقالوا للمسلمين: نحن نغلبكم كما غلبت فارس الروم): يعني أن كفار مكة تفاءلوا بهذا الشيء وقالوا: إذا كان الروم أهل كتاب وغلبتهم الفرس وهم أهل أوثان فهذا مفتاح نصر لنا؛ أن نغلب المسلمين الذين هم أهل كتاب ونحن أهل أوثان.
يقول: (﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ أي: أقرب أرض الروم إلى فارس بالجزيرة التقى فيها الجيشان، والبادي بالغزو الفرس).
قوله: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾، قيل: المعنى أقرب الأرض إلى فارس، وأن فارس اعتدوا على الروم فحصل القتال بينهما.
وقيل: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾: في أقربها إلى أرض العرب، وهذا يرجع إلى التاريخ الذي يحدد موقع هذه المعركة حتى نعرف أدنى الأرض، إنما لا شك أن ﴿أَدْنَى﴾ بمعنى أقرب.
قال: (﴿وَهُمْ﴾ أي الروم ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ أضيفَ المصدرُ إلى المفعول، أي: غلبة فارس إياهم ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ فارس ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ﴾ ).
شوف تأكيد هذا الوعد أُكِّدَ هذا الوعدُ حيث صُدِّرَ بالاسم ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ﴾؛ لأنه إذا صُدِّرَ بالاسم صار جملة اسمية دالة على الدوام والثبوت، وأُكِّدَ من وجه آخر بقربه حيث كان الخبر مقرونًا بالسين الدالة على القرب، ثم أُكِّدَ أيضًا بمؤكِّد ثالث وهو قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾؛ لتحقُّقِ الغلبة وأن هذا أمر لا بد أن يقع ولو كانوا مغلوبين؛ لأنه لو حُذِف ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ وهم سيغلبون، لكان الإنسان يقول: سيغلبون ولو غُلِبوا؟! لعلهم إذا كانوا قد غُلِبوا لا يغلبون. فلما قال: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾؛ صار في ذلك تأكيد للغلبة.
فصار تأكيد غلبة هؤلاء من وجوه ثلاثة، علِّمْنا بها، هات المؤكدات الثلاثة، المؤكدات لكونهم يغلبون.
* طالب: الضمير.
* الشيخ: ويش هو الضمير؟
* الطالب: ﴿هُمْ﴾.
* الشيخ: ويش وجهه للمؤكِّد؟
* الطالب: دخول السين.
* الشيخ: لا، مَن يعرف؟
* طالب: الجملة الاسمية.
* الشيخ: نعم، وجه التأكيد أنه حوَّل الجملة إلى اسمية وهي دالة على الثبوت والاستمرار، يلا كمِّل الثالث.
* الطالب: قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾.
* الشيخ: قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾، ما وجهه؟ مَن يعرف الوجه؟
* طالب: أنه قال: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ قال: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ يمكن (...) لا يغلبون.
* الشيخ: كذلك أنهم سيغلبون حتى في حال غلبهم، طيب.
﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ لكن ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (في بضع سنين) متعلق بقوله: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ أي: في خلال هذا البضع.
(﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾: هو ما بين الثلاث إلى التسع أو العشر): ما بين الثلاث إلى التسع، أو ما بين الثلاث إلى العشر. ما بين الثلاث إلى التسع كم يصير؟ الرابع أربعة وخمسة وستة وسبعة وثمانية: خمس سنين، وإلى العشر؟
* طالب: ستة.
* الشيخ: ست سنين، هذا البضع، يعني إما خمس سنوات وإما ست سنوات أو لا؟
إذا قلنا: ما بين الثلاث إلى العشر يصير: أربع -اللي بين الثلاث والعشر-: أربع وخمس وست وسبع وثمان وتسع.
إذا قلنا: ما بين الثلاث إلى التسع يكون: أربع خمس ست سبع ثمان: خمس سنوات، يعني الثلاث هي داخلة ولَّا غير داخلة؟
* طالب: غير داخلة.
* الشيخ: غير داخلة، ما قال: من الواحد إلى العشر، أو ما بين الواحد إلى العشر، قال: (ما بين الثلاث إلى التسع).
* طالب: البضع يعني أكثر من الثلاث إلى العشر؟
* الشيخ: إيه كم يصير؟
* الطالب: يصير أكثر..
* الشيخ: لا موجب كلام المؤلف أنه ما هو بأكثر، لو قال يعني: تضمن ما زاد على الثلاث.
* الطالب: إي نعم، يعني إما أربعة..
* الشيخ: ما زاد على الثلاث إلى العشر.
* طالب: ليش (...)؟
* الشيخ: نعم؟ والله فيه احتمال، وهذا ينبغي أن إحنا نفهم في الأول؛ أن البضع من الواحد إلى التسع أو إلى العشر، لكن تعبير المؤلف فيه إشكال.
* طالب: (...) يبدأ الثلاث (...) البضع دا (...) ثلاثمئة (...) البضع: أربع خمس ست، يعني أكثر من ثلاث يُعَدُّ بضعًا إلى العشر.
* الشيخ: وما دونها ليس ببضع؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: إيه نعم، إذن معناه نقول من الواحدة إلى العشرة، لكن ما دون الثلاث.
* الطالب: ليس ببضع.
* الشيخ: لا يدخل في هذا نعم.
* طالب: (...) يدخل (...) قد يكون ما بعد (...) واللي قبله (...).
* الشيخ: إي نعم، على كل حال نرجع إلى فهمنا الأول أنه يكون من ثلاث إلى تسع أو إلى عشر، يعني ما دون الثلاث لا يدخل في البضع.
* طالب: والثلاثة.
* الشيخ: والثلاث لا على كلام المؤلف: (ما بين الثلاث) أنه ما يدخل الثلاث؛ لأن ما بين الشيء والشيء ما يدخل فيه الجانبان.
قال: (فالتقى الجيشان في السنة السابعة من الالتقاء الأول وغلبت الروم فارس): (التقى) يعني: حصل بينهما حرب أخرى فغلبت الروم فارس، فصدق بذلك وعد خبر الله سبحانه وتعالى بأنهم سيغلبون في بضع سنين؛ لأنه ما تجاوز الأمر سبع سنوات حتى كانت الغلبة للروم على الفرس، فصدق الله وعده أنهم سيغلبون في هذه المدة، قال: تكون الغلبة في هذه المدة.
* طالب: (...) غلبة يعني يأخذ بضع سنين (...).
* الشيخ: لا، المعنى أن الغلبة تتم في خلال سبع سنين، وليس المعنى أن الغلبة تستمر سبع سنوات.
وقوله: (﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم ٤] أي: من قبل غلب الروم ومن بعده، المعنى: أن غلبة فارس أولًا وغلبة الروم ثانيًا بأمر الله، أي: إرادته).
قوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾ هذه الجملة اسمية قُدِّمَ فيها الخبر لإفادة الاختصاص: لله وحده الأمر، (ال) هذه للاستغراق، يعني كل الأمر، و(ال) التي للاستغراق هي التي يحل محلها (كل)، فإن كانت لاستغراق المعنى فهى لاستغراق المعنى، إن كانت لاستغراق الأفراد فهى لاستغراق الجنس:
﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] (ال) هذه لاستغراق الجنس؛ لأنه يصح أن يحل محلها (كل) فيقال: وخلق كل إنسان ضعيفًا.
﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ١، ٢] هذه (ال) أيضًا لاستغراق الجنس أي كل إنسان. وإن كانت لاستغراق المعنى فهي لاستغراق المعنى، ومثَّلوا لذلك بقولهم: (زيدٌ نِعْمَ الرجلُ). أي: نِعْمَ الشخص الجامع لصفات الرجولة.
هنا ﴿الْأَمْرُ﴾ (ال)؟
* طالب: لاستغراق الجنس.
* الشيخ: لاستغراق الجنس نعم، أي: لله كل أمر.
وقوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾ هل المراد بالأمر هنا الأمر الكوني أو الأمر الشرعي؟ الأمر الكوني، أي: إن جميع الأمور ترجع إلى الله عز وجل، سواء المتعلقة بأفعال العباد أو المتعلقة بأفعال الله سبحانه وتعالى فإنها راجعة إليه، وقد سبق لنا في التوحيد أن الأمر ينقسم إلى قسمين: أمر كوني، وأمر شرعي.
مثال الأمر الكوني: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
مثال الأمر الشرعي؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذه الإرادة، الأمر الشرعي أوامر الله الشرعية مثل: افعلوا كذا وكذا، مثل قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: عن أمره الشرعي ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور ٦٣].
* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾.
* الشيخ: نعم قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾، [النساء: ٥٨] هذا أمر شرعي.
قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء ١٦]، من أي الأمرين؟
* طلبة: الكوني.
* الشيخ: من الأمر الكوني، هذا هو المتعين؛ أن الله يأمرهم أمرًا كونيًّا بالفسق فيفسقون.
وأما من قال: إن المراد بالأمر في الآية الأمر الشرعي، وأن الله يأمرهم فيفسقون -يعني يأمرهم بالطاعة فيفسقون ثم يأخذهم بالعذاب- فهذا القول باطل؛ لأنه يقتضي أن يكون المعنى: أن الله يرسل الرسل فيأمر الناس بطاعة الله ويش هو لأجله؟ لأجل أن يفسقوا فيحل بهم العقاب. وهذا معنى يرجع إلى أن المعنى أن الله بعث الرسل نقمة على العباد، وهو أمر لا يمكن.
ثم إننا نقول: الأمر الشرعي هل يختص بالمترفين؟ عام لهم ولغيرهم، والمهم أن هذا القول ضعيف وباطل وينافي حكمة الله عز وجل في إرسال الرسل.
هنا ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ﴾ قلنا: المراد به الأمر الكوني. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قد يقول أصحاب النحو: لماذا ضُمَّت مع أن ﴿مِنْ﴾ حرف جر؟
* طالب: لأن فيه محذوفًا لفظًا ما هو موجود أي لله الأمر من قبل كل شيء وبعده، أي يبنى على الضم في محل جر، مبني على الضم في محل جر؛ لأن الضمة موجودة لفظًا ومجرور محلًّا.
* الشيخ: لأن (قبل وبعد) إذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه بُنِيَ على الضم، هذا السبب: إذا حُذف المضافُ إليه ونُوِي معناه بُنِيَ على الضم، فإن وُجِد المضاف صارا مُعْرَبَيْن، فتقول: (أتيت من قبلِ أن يأتي زيد) فتجرها.
وكذلك إذا حُذِف المضاف إليه ولم يُنْوَ لا لفظًا ولا معنًى فإنها تعرب كقول الشاعر:
فَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ وَكُنْتُ قَبْلًا ∗∗∗ أَكَادُ أَغَصُّ مِنْ مَاءِ الْفُرَاِتِ
وكذلك إذا حُذف المضاف إليه ونُوِي لفظُه فإنها تُعرب لكنها لا تُنَوَّن تعرب ولا تنون، فيقال مثلًا: (كنت حريصًا على الدرس فأتيت من قبلِ) أي: من قبلِ ابتداء الدرس، فهنا حُذف المضاف ونُوِي لفظُه.
ويش اللي يدرينا؟ ما الذي يدرينا أنه نُوِي لفظه أو نُوِي معناه؟ اللي يدرينا الإعراب نفسه، إذا كانت مبنية على الضم علمنا أنه قد حُذف وأريدَ المعنى، وإذا لم تكن كذلك علمنا أنه قد حُذف وأريدَ اللفظُ، فإن نُوِّنَتْ علمنا أنه ما أريدَ اللفظُ ولا المعنى.
* طالب: يجوز أن نقول في حق الله عز وجل: إنه مَنْوِيٌّ.
* الشيخ: لا، يصلح أن نقول: مريد، أن الله أراد المضاف إليه؛ لأن الإرادة تدل على النية.
(﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم تغلب الرومُ ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم ٤، ٥] إياهم على فارس).
قوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ﴾، (يوم) هذه ظرف متعلقة بـ﴿يَفْرَحُ﴾، وهي مضافة إلى (إذ) ونُوِّنَت (إذ) تنوين عِوَضٍ، عوض عن أيش؟
* طالب: عن جملة.
* الشيخ: عن جملة؛ ولهذا قال: اليوم تغلب الروم. فالمحذوف الآن جملة.
﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم ٤، ٥] الفرح لا يحتاج أو لا يمكن لإنسان أن يعبر عنه، لو قلت: أيش معنى الفرح؟ خفة النفس وسرور النفس، أو نقول: الفرح معلوم؛ ولهذا في القاموس إذا جاء مثل هذه الأشياء قال: (م). الفرح مثلًا يمكن يكتب بعدها: (م). يعني أنه معروف لا حاجة إلى أن يُبَيَّن.
وقوله: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ المراد بهم النبي ﷺ وأصحابُه.
وقوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَفْرَحُ﴾. وهو مصدر مضاف إلى فاعله، أما مفعوله فمحذوف وتقديره: بنصر اللهِ الرومَ على الفرس؛ ولهذا قال المؤلف: (بنصر الله إياهم على فارس).
والنصر معناه أيش معنى النصر؟ النصر معناه العون والظهور، أي معناه أن الله يعينهم حتى يظهروا على أعدائهم، هذا هو النصر أن يعين الله الإنسان حتى يظهر على عدوه، فهذا هو معنى النصر.
وقوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ سُمِّيَ نصرًا مع أنه لكفار على كفار؛ لأننا نقول: إن النصر هو العون والظهور، وهو لا فرق بين أن يكون بين مؤمن وكافر أو بين كافر وكافر، ثم إن أهل الكتاب أقرب من الفرس؛ ولهذا لهم أحكام خاصة تقربهم من المسلمين.
قال: (وقد فرحوا بذلك وعلموا بذلك يوم وقوعه يوم بدر بنزول جبريل بذلك مع فرحهم بنصرهم على المشركين فيه) يعني أنهم حصلت الوقعة بين فارس والروم في الزمن الذي حصلت فيه الوقعة بين الكفار والمؤمنين وذلك متى؟ في بدر وعلى هذا فتكون هذه الآية نازلة قبل الهجرة.
* طالب: بعد الهجرة.
* الشيخ: قبل الهجرة بخمس سنوات؛ لأنه إذا كانت مدة الغلبة يعني المدة التي حصلت فيها الغلبة سبع سنوات وبدر كانت في السنة الثانية لزم أن يكون غلبة فارس للروم قبل الهجرة بخمس سنوات.
* طالب: الآية؟
* الشيخ: إي نزول الآية وغلبة فارس.
وقوله: (مع فرحهم بنصرهم على المشركين فيه): فيكون في هذا الزمن اجتمع نصر أهل الكتاب على المجوس ونصر المسلمين على المشركين.
قال الله تعالى: (﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: الغالب ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الروم ٥] بالمؤمنين).
* طالب: شيخ، قول المؤلف عليه دليل نقلي.
* الشيخ: الظاهر أنه اتبع التاريخ فقط، أما عن الرسول عليه الصلاة والسلام ما فيه دليل، لكن فيها تاريخًا يقول هذا.
وقوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
* طالب: قبل هذا المؤلف يقول: (غلبة فارس أولًا وغلبة الروم ثانيًا بأمر الله، أي: إرادته)، نسيناه.
* الشيخ: إي نعم نسيناه تعدَّيْناه، كان الذي ينبغي أن نتكلم عن قوله: (بأمر الله؛ أي إرادته) هذا في الحقيقة تحريف، بل الصواب أنه بأمره أي بقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]. فإن الله تعالى لا يُقَدِّر شيئًا إلا بالقول: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾، ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق الشرط، فتعم كل شيء أراده الله، فإنما يقول له: كن فيكون.
فالصواب أن المراد بالأمر هنا القول، ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾: الأمر الكوني والشرعي ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾. والإرادة ليست هي القول، فإن الإرادة صفة لا تستلزم القول؛ إذ إن المريد قد يفعل ما أراد أو قد يقوله، وأما القول فإنه أخص من الإرادة، كل قول فهو متضمن للإرادة، وليست كل إرادة متضمنة للقول.
وقوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم ٥]، ﴿يَنْصُرُ مَنْ﴾ هذه عامة، (مَن) تعم سواء كان المنصور كافرًا أو كان المنصور مؤمنًا؛ لأن الأمر بيد الله سبحانه وتعالى، وقد سبق لنا كثيرًا بأن كل شيء مقيد بالمشيئة فإنه يتضمن الحكمة؛ لأن الله تعالى لا يشاء شيئًا إلا لحكمة، فينصر من يشاء نصره لحكمة اقتضت ذلك.
وقوله ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ [الروم ٥] قال المؤلف: (الغالب)، وهذا أحد معاني العزة؛ لأن العزة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع.
عزة القدر: بمعنى أنه سبحانه وتعالى عظيم القدر، وكلما كان الشيء عظيم القدر كان عزيزًا، أي: قليل الوجود، والله سبحانه وتعالى لا مِثْل له.
وعزة القهر بمعنى أيش؟ الغلبة والظهور.
وأما عزة الامتناع فمعناها: امتناع جميع النقص عليه سبحانه وتعالى، فهو عزيز من هذه الوجوه الثلاثة.
عزة القدر: بمعنى أنه عظيم لا نظير له في قَدْره وعظمته. والثاني: عزة القهر بمعنى أنه قاهر وغالب لكل شيء. والثالث: عزة الامتناع، أيش معنى عزة الامتناع؟ أي إنه يمتنع عليه كلُّ نقص، ومن هذا المعنى قولهم: أرض عزاز، وحنا نقول: أرض عزا، أيش معنى عزاز؟ الصلبة التي يمتنع أن يؤثر فيها أيُّ شيء، فالله عز وجل متصف بالعزة من جميع هذه الوجوه.
وقوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الروم ٥] قال المؤلف: (بالمؤمنين)؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣].
والصواب أن رحمة الله تعالى تكون عامة وخاصة، فإن كل مَن في السماوات والأرض فهم في رحمة الله العامة، لولا رحمة الله بالكفار هل يبقَوْن؟
* طالب: لا.
* الشيخ: أبدًا ما يبقَوْن، فكون الله يدر عليهم الأرزاق والعافية والنشاط والعقل وما أشبه ذلك لا شك أنه من رحمة الله، ولكن الرحمة التي تكون بها رحمة الدنيا والآخرة فهذه خاصة بالمؤمنين.
* وفي هذه الآيات الكريمة فوائد عديدة:
* أولًا: أن كلام الله عز وجل بالحروف؛ لأن ﴿الم﴾ حروف، ففيه رد على الأشعرية الذين يقولون: إن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس وليس الحروف، وأن هذه الحروف مخلوقة لتعبر عن هذا المعنى القائم بنفسه.
ثم يقولون أيضًا: إن هذا المعنى القائم بالنفس لا يتغير ولا يختلف، فهو واحد سواء كان استفهامًا أو خبرًا أو أمرًا أو نهيًا أو قرآنًا أو زبورًا أو توراةً أو إنجيلًا، ما يختلف، فالتوراة هي الإنجيل وهي القرآن وهي الزبور وهي صحف إبراهيم وصحف موسى، فاهمين هذا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: لكن تصوروا أنه ممكن، يقول: هذه اختلفت بالتعبير، إن عُبِّرَ عن هذا الكلام بالعربية صار قرآنًا، أو بالعبرية صار توراةً، أو بالسريانية صار إنجيلًا، أو بلغة داوود صار زبورًا، وهكذا. وهذا معنى غير معقول.
ثم يقولون أيضًا: إن الاستفهام والخبر معناهما واحد، فإذا مثلًا جاء استفهام من الله عز وجل فهو كالخبر عنه؛ لأن المعنى واحد. وهذا لا شك أن مجرد تصوره كافٍ برده وإبطاله.
* من فوائد الآية: عِلْم الله تعالى بالغيب، إثبات علم الله بالغيب؛ لقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لأن الإخبار عن الغيب لا يكون إلا بوحي.
* ومن فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى كامل السلطان والتدبير؛ لقوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن كل الأشياء لا تكون إلا بأمر الله؛ لأنه لما قال: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ قال: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، إذن فكونهم غُلِبوا بأمر الله، وانتصارهم بأمر الله، فكل الأمور بتقدير الله تعالى وأمره، كل الأشياء بأمره سبحانه وتعالى.
* ومن فوائدها: الرد على القدرية، الذين يقولون باستقلال العبد بفعله، هم يقولون: إن العبد مستقل بفعله وليس لله تعالى فيه تقدير ولا أمر ولا مشيئة ولا غيره، وهذا الآية ترد عليه.
* ومن فوائد الآية: جواز التعبير بما يُدخِل الخوف والحزن على العدو؛ لأن قوله: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ -وهي من ثلاث إلى عشر أو إلى تسع- معناه: أنه سيبقى هؤلاء الفرس في ذعر وخوف، كل سَنة تأتي يقولون: هذه سَنة الغلبة. ولا شك أن هذا مما يزيدهم زعرًا وخوفًا؛ لأنهم لو غُلِبوا في أول سنة انتهى الأمر، لكن كونهم يُتوعَّدُون بأمر لا يُدرَى في خلال بضع سنين، لا شك أن هذا أشد عليهم من أنه يأتي الأمر وينتهي.
* ومن فوائد الآية: أن في قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ أن من البلاغة حذف الفاعل إذلالًا له وإهانةً له: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ لم يذكر الغالب إذلالًا له. * وكذلك الفائدة الثانية: رفقًا بالروم.
ثم قال: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ * في هذا من الفوائد: جواز فرح المؤمنين بانتصار بعض الكفار على بعض، إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام، ولَّا لا؟
* طالب: في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾، هو ما انتصر المسلمون على الكفار، انتصر كفار على كفار لكن هذا في مصلحة الإسلام، وعلى هذا إذا اقتتلت دولتان من دول الكفار وكانت إحداهما أقرب إلى نفع المسلمين من الأخرى وفرحنا بانتصارها، هل نقول: إن هذا حرام؟ كيف تفرح بانتصار كافر على كافر؟ أو نقول: هو جائز؟
* طالب: هو جائز.
* الشيخ: نقول: هو جائز كما فرح المؤمنون بانتصار الروم على فارس، مع أن كلًّا منهما كفار لكن هؤلاء أهل كتاب، فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس.
* ومنها: جواز تسمية غلبة الكفار نصرًا؛ لقوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.
فإذا قال قائل: كيف تجمعون بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١] مع أن الروم ما يتصفون بهذه الصفات؟
فالجواب: أن النصر نوعان: نصر مطلق دائم، فهذا لا يكون إلا لمن ينصر الله. والثاني: نصر عارض مُوَقَّت، فهذا يكون لهؤلاء ولغيرهم. فنصر الله للروم على الفرس ليس نصرًا دائمًا، الدليل أنه بعد ذلك نصر الله المؤمنين على الفرس وعلى الروم، فافتتحوا ممالك كسرى وممالك قيصر، فلم يكن هذا نصرًا دائمًا.
* ومن فوائد الآية: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: إثبات العزة لله؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، وإثبات الرحمة في قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾، وإثبات كمال عزته حيث قُرِنت بالرحمة، فإننا ينبغي أن نعرف أن الأسماء الحسنى تدل على الكمال، كل واحد منها يدل على كمال بانفراده، ثم باجتماع الاسمين بعضهما إلى بعض يدلان على كمال مركب.
فالعزيز يدل على الكمال، والرحيم يدل على الكمال، فإذا اجتمعا أُخِذ من ذلك كمال آخر فوق الكمال الذي يتضمنه كل اسم على انفراده، وهو أن تكون عزته مقرونة بالرحمة؛ لأن عزة غيره قد تكون خالية من الرحمة، فإذا صار عزيزًا أخذ الذي هو ظاهِرٌ عليه أخذه أخذ عزيز مقتدر ولم يرحمه، بخلاف عزة الله فإنها مقرونة بالرحمة، وهي أيضًا مقرونة بالحكمة.
أضرب لكم مثلًا: لو أن رجلًا غلب على قوم، وصار عزيزًا وهم أذلاء، فإن هذا الرجل قد تأخذه العزة بالإثم فيبطش بهم ولا يرحمهم، لكن عزة الله عز وجل ليست كذلك، بل هي مقرونة بالرحمة كما أنها مقرونة بالحكمة؛ ولهذا دائمًا يقرن الله العزة بالحكمة.
فيه فوائد أخرى أيضًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إيه ما فيه بأس؛ أننا نفرح بانتصار بعضهم على بعض إذا صار المنتصر فيه نفع للإسلام، ثم يساعدون المسلمين بالمال أو بالسلاح أو على الأقل يكون قد كفَّ شرَّه والثاني فيه شر.
* طالب: منين نأخذها؟ أخذًا من الآية هذه ولَّا..؟
* الشيخ: إي نأخذها من هذه الآية.
* الطالب: ظاهر الآية أنهم ما يساعدون المسلمين.
* الشيخ: لكنهم أقل شرًّا من هؤلاء.
* طالب: المصلحة من انتصار الروم على الفرس، ما هي؟
* الشيخ: المصلحة لأن الروم أهل كتاب، فهم أقرب إلى الإسلام ومراعاة المسلمين من أولئك، هذه المصلحة.
* طالب: كل اسم من أسماء الله عز وجل الاسم كل اسم يتضمن صفة، لكن هل يوجد العكس كل صفة يُشتَق لها اسم؟
* الشيخ: لا، ما يجوز.
* الطالب: طيب المشيئة، كيف نعرفها؟
* الشيخ: ما نقول: إن من أسماء الله الشائي أو المريد أو المتكلم، ما نقول: هذه من أسماء الله.
* الطالب: يعني الصفة الصفات أوسع؟
* الشيخ: إيه الصفات أوسع بلا شك.
* طالب: خبره في الصفات، هل الخبر أوسع من الصفات؟
* الشيخ: إيه يعني يخبر عنه بأشياء ولا يسمى بها، ولكن ما يخبر عنه بصفة إلا حيث وردت، ما هو كل صفة يجوز لنا نخبر بها عن الله، فلا يجوز أن نسمي الله مثلًا بالحزين، ولا نسميه بالعاشق، ولا نسميه بالهميم، وما أشبه ذلك، يعني حتى الصفات تكون توقيفية، ما نخترع من أنفسنا صفة له، لكن الصفات أوسع من الأسماء.
* طالب: المنعم هل وردت المنعم؟
* الشيخ: لا ليس من أسماء الله.
* الطالب: لا، صفة المنعم؟
* الشيخ: صفة نعم، ما فيه شك أن الله منعم: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة ٧].
* الطالب: يعني نقول: إن النعمة يعني أتى بها.
* الشيخ: هل تكون نعمة بدون مُنْعِم؟!
* الطالب: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧].
* الشيخ: إيه، وكذلك ﴿أَنْعَمْتَ﴾ يؤخذ منه الْمُنْعِم. أما المحسن فقد ورد من أسماء الله؛ لقوله: «إِنَّ اللَّهَ مُحْسِنٌ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ»[[أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨٦٠٣) عن شداد بن أوس رضي الله عنه، ولفظه: «إِنَّ اللَّهَ مُحْسِنٌ يُحِبُّ الْإِحْسَانَ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».]].
وبهذا يزول الإشكال الذي يرد عند كثير من الناس يقول: إنهم يسمون باسم عبد المحسن. لا، مُحسن ما هو مشكل، عبد المحسن، فيقول: كيف تضيفه إلى ما ليس من أسماء الله؟
* طالب: عبد المنعم موجودة؟
* الشيخ: موجودة أيضًا.
* الطالب: حكم التسمية بها؟
* الشيخ: التسمية هذه إن ثبت أنها من أسماء الله، وإلَّا فقد يقول قائل: قد نقول: إنه يجوز؛ لأن المنعم على الإطلاق هو الله، كل إنسان له نعمة فهي مقيدة، وإلا فالنعم حتى من الإنسان: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٣٧].
* طالب: عبد الراضي؟
* الشيخ: عبد الراضي؟ ما أدري.
* طالب: ابن حزم يقول: يجوز تسمي بعبد المطلب.
* الشيخ: لا غلط، هذا غلط منه.
* طالب: حميد.
* الشيخ: إيه حميد من أسماء الله ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى ٢٨].
* الطالب: لا، أن يسمى أحدنا (حميد)، هذا مقصدي.
* الشيخ: والله (...)، لكن إذا لم يُقصَد الصفة فلا بأس، فهذا حكيم موجود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ولا غيَّرَه، مع أن الحكيم من أسماء الله؛ لأنه ما أريدَ ملاحظة الصفة، أسماء الله تعالى يراد به إثبات الصفة مع الاسم، لكن قد أسمي ولدي (حكيم) وهو من أسفه الناس، وكذلك أسميه (محسن) وهو من أشد الناس جَوْرًا.
* طالب: هل يجوز أن نسمي: عبد الحكيم؟
* الشيخ: إلا ما يخالف، يجوز إيه نعم.
* طالب: الوقوف على رؤوس الآي (...).
* الشيخ: هذه المسألة تقدم البحث فيها، ويش قلنا؟
* طالب: ما هو السؤال؟
* الشيخ: السؤال يقول: هل نقف على الآيات لو أنها قد تعلق بها ما بعدها، ولا أنَّا نصل ونراعي المعنى؟
* الطالب: نراعي المعنى.
* الشيخ: في هذا قولان لأهل العلم، منهم مَن يرى أننا نقف على الآيات، ويقول: هذا هو الوارد عن النبي ﷺ، أنه كان يقرأ القرآن آية آية، والدليل على ذلك أن الله جعلها آية فنقف عليها ولو تعلق بها ما بعدها، وهذا كثير في القرآن: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون ٤]، رأس آية دي؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: يجوز أن نقف.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة ٢١٩، ٢٢٠]. ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾ آية. وهذه ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾، هي آية عندكم؟ ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
* طالب: آية.
* الشيخ: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.
وقال بعض أهل العلم: إنك تراعي المعنى، فتقف عند انتهاء المعنى، ولا تفصل آية عن آية تتعلق بها، ولو قيل بالتفصيل: وهو أن الإنسان إذا كان يتلو وهو يقرأ فإنه يقف على كل آية؛ لأن الكلام لن ينقطع، (...) يتصل ويتضح المعنى.
وإذا كنت تريد أن تتكلم على معاني الآيات فإنك تراعي المعنى، لو قيل بهذا التفصيل لكان له وجه، لكن ما أعلم هل أحد من أهل العلم قال به أو لا؟ إنما القول به على حسب قواعد أهل العلم لا بأس به؛ لأن إحداث قول ثالث يتكون من القولين قبله لا بأس به، وهذه مسألة محل بحثها أصول الفقه: هل يجوز إذا أجمع العلماء على قولين هل يجوز إحداث قول ثالث أو لا؟
والصواب أنه إذا كان القول الثالث لا يخرج عنهما، غاية ما هنالك أنه يفصل فيه، فهو جائز لأنه ما يكون خرج عن الخلاف، أما إذا كان يخرج عنهما فلا يجوز، فمثلًا إذا قلنا بالتفصيل هنا خرج عن القولين ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما خرج، لكنه يقف في شيء ولا يقف في شيء آخر، مثل مَن قال: الوتر واجب، وآخرون قالوا: إن الوتر ليس بواجب.
فإذا قلنا: واجب على مَن كان كذا وكذا، غير واجب على مَن كان كذا وكذا، كما اختاره شيخ الإسلام على أنه واجب لِمَنْ له وِرْدٌ من الليل يقوم به، غير واجب على مَن سواه، صار هذا القول الثالث لا يخرج عن الاثنين؛ لأنه يوافق أحد القولين في حال، ويوافق القول الآخر في حال أخرى.
* طالب: القول الثالث (...).
* الشيخ: إي لكنه ما يخرج عنهما، أما لو كان واحد يقول بالتحريم وواحد يقول بالحل، ثم جاء قول ثالث يقول بالوجوب. هذا ما يمكن، إذا أجمعوا على الحل أو التحريم ما يمكن (...) قولًا بالوجوب؛ لأنه ما يوافق القولين.
الروم 30:6
قال: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم ٦] ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ يقول المؤلف: (مصدر بدل من اللفظ بفعله، والأصل: وعدهم اللهُ النصرَ).
قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ كلنا يعلم أنه مصدر وليس فعلًا، ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مصدر مضاف إلى الفاعل، يعني وعْد اللهِ إياهم، فالمؤلف يقول: إنه بدل من فعله، أى: نائب مناب الفعل، أي: وعَدَهم اللهُ.
وقيل: إنه مصدر فعله محذوف وليس نائبًا عنه، وعلى هذا فيكون المقدَّر كالموجود، أي وعدناهم وعْدَ الله، وهذا أقرب أن يكون مصدرًا عامله محذوف وليس نائبًا عن عامله، والمعنى: أن الله وعدهم وعدًا مضافًا إليه، والوعد المضاف إليه لا يختلف؛ ولهذا قال: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾.
فالجملة هذه: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ كالتوكيد لقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾؛ لأن وعد الله -المضاف إليه- لا يمكن أن يخلف أبدًا؛ إذ إن إخلاف الوعد ناشئ عن كذب، أو عجْزٍ، إذا وعدك أحد فأخلفك فهو إما كاذب وإما عاجز، والكذب والعجز ممتنعان على الله عز وجل لكمال صدقه وقدرته، فعلى هذا هل يخلف الله وعده؟ الجواب لا، لا يخلف الله وعده ولا يمكن أن يخلفه.
وإخلاف الوعد: أن يأتي الإنسان أو يأتي الواعد بخلاف ما وعد به، فيقول مثلًا رجل لك: سأزورك غدًا في الساعة الثامنة. ثم تأتي الثامنة ولا يزورك، أَخْلَف وعْدَه ولَّا لا؟
* طالب: أخلف.
* الشيخ: السبب؟
* طالب: ما جاء في الساعة الثامنة.
* الشيخ: ماشي إيه، لكن سبب إخلافه؟
* الطالب: إما عاجز أو ناسي.
* الشيخ: إما عاجز ولَّا هو كاذب عليه بالأول.
* طالب: أو نسي.
* الشيخ: أو نسي، فهو أيضًا عجز النسيان.
وعلى هذا نقول بالنسبة لله: لا يخلف الله وعده لكمال صدقه في خبره، وكمال قدرته في تنفيذ وعده، فهو سبحانه وتعالى كامل القدرة، وكلامه كامل الصدق؛ ولهذا قال: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ به، أي بالنصر.
وين مصدر اللي وعد به؟ ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾، أيضًا وعْدٌ آخر في الآيات التي سبقت: فرح المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم ٤]، فوعد الله سبحانه وتعالى بانتصار الروم على الفرس وبفرح المؤمنين، ولا شك أن الفرح فيه من انبساط النفس وسرورها وانشراحها ما هو نعمة يُنعِم الله بها على الفرِح.
وقوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم ٦]. قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ عطف عليه قوله: ﴿وَلَكِنَّ﴾، أو يحتمل أنه معطوف على قوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾.
و(لكن) تنصب الاسم وترفع الخبر، واسمها أين هو؟ ﴿أَكْثَرَ﴾، وخبرها جملة: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ يقول المؤلف: (أي كفار مكة)، وتخصيص ذلك بكفار مكة فيه نظر، والصواب أنه يشمل كفار مكة وغيرهم، كل مَن ليس عنده إيمان فإنه لا يعلم ما لله تعالى من تنفيذ الوعد؛ لأنه بين مكذب وبين شاكٍّ متردد فلا يعلم.
وقوله: (﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ وعْدَه تعالى بنصرِهم)، أو لا يعلمون أن الله تعالى لا يخلف الوعد، أو الأمرَيْن جميعًا؟ الأمرَيْن جميعًا: لا يعلمون أن الله سبحانه وتعالى سيحقق النصر لهم إما لجهلهم بما أخبرهم الله به، وإما لِشكِّهم في صدقه أو قدرة الله عليه، ولا يعلمون أيضًا أن الله لا يخلف الوعد في هذا وفي غيره؛ لِشَكٍّ في صدق الله وفي قدرته تبارك وتعالى على إنفاذ موعوده.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾، إذن: وأقلُّ الناس يعلمون ولَّا لا؟ نعم يعلمون؛ لأنهم مؤمنون بالله سبحانه وتعالى وبما له من القدرة والصدق في القول.
ثم قال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم ٧]، هذه ﴿يَعْلَمُونَ﴾ خبر ثانٍ لـ﴿لَكِنَّ﴾، والخبر الأول: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقيل: إنه بدل من ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، ورُدَّ هذا القولُ بأنه لا يُبدَل المثبَت من المنفي للتضاد، كيف شيء مثبت تُبدِله من شيء مضاد له: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ﴾؟! وعلى هذا نقول: إنَّ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ الثانية خبر ثان لـ﴿لَكِنَّ﴾، وتعدد الخبر جائز ولَّا لا؟
* طالب: جائز.
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم ٧]. شوف سبحان الله العظيم، ﴿يَعْلَمُونَ﴾ أثبت لهم العلم لكنه علم قاصر من وجهين:
الوجه الأول: أنهم إنما يعلمون ظاهرًا لا باطنًا: ﴿ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وكم من الأمور الخفية في هذه الحياة لا يعلمها أولئك الكفار؟
والدليل أن الكفار لا يعلمون كل خفي في هذه الدنيا، الدليل على هذا تطور الصنائع والمخترعات؛ لأن هذا التطور بالنسبة للسابقين غير معلوم، ثم سيأتي تطور آخر يكون بالنسبة للموجودين غير معلوم.
إذن هم إنما يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، فلا يعلمون كل ما في الدنيا من ظاهر وباطن.
أيضًا يقول: ﴿ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وليس كل ظاهر، بل ظاهر، الفرق بأن يقال: يعلمون كل ظاهر من الحياة الدنيا، أو أن يقال: يعلمون الظاهر من الحياة الدنيا، أو يقال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
التعبير يكون على هذه الوجوه: يعلمون كل ظاهر، يعلمون الظاهر، ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. أيهم الأقل؟
* طلبة: الأخير.
* الشيخ: الأخير، يعني ما يعلمون كل ظاهر، إنما يعلمون ظاهرًا منها فقط، وهناك ظواهر أخرى يعلمونها ولَّا لا؟ لا يعلمونها أيضًا، فعُلِم بهذا قصور علم هؤلاء، فهم فيما يتعلق بالله جل وعلا لا يعلمون، جُهَّال، وفيما يتعلق بالدنيا إنما يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا فقط.
فيما يتعلق بالآخرة يقول: ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم ٧]، شوف جملة اسمية أُكِّد فيها المبتدأ، أين اللي أُكِّد؟ ﴿هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ الثانية ﴿هُمْ﴾ توكيد للأولى، ولو حذفت وقيل: (وهم عن الآخرة غافلون). يستقيم الكلام ولَّا لا؟
* طلبة: يستقيم.
* الشيخ: يستقيم، لكنه كُرِّر للتوكيد، يعني هم بالنسبة لأمور الآخرة غافلون معرضون عنها لا يفكرون فيها، تجد الواحد منهم في أمور الدنيا تنبهر من علمه بها، ولكن في أمور الآخرة عنده غفلة ما يفكر فيها، ولا يحاول أن يُعْمِل فكره وينظر في هذا الخلق العظيم ماذا يكون مآله؟ وكيف خُلِق؟ وإلى أين ينتهي؟ غافل.
قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [المؤمنون ٦٣] يعني من أمر الإيمان بالله وبرسوله ﷺ. طيب والأعمال الأخرى؟ ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون ٦٣]: يدركونها تمامًا، لكن في أمر الإيمان بالله واليوم الآخر لا، قلوبهم في غمرة، ولهذا هذه الغمرة يجد جزاءها إذا قيل له: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق ٢٢]. وهذا متى يكون؟ يكون يوم القيامة.
المهم أن هؤلاء الذين غفلوا عن الله عز وجل وعن الآخرة عندهم علم من الحياة الدنيا، راجِع الآن للصنائع تجد شيئًا يبهرك، لكن من قوم هم في أمر الآخرة أميون لا يعلمون شيئًا؛ لأنهم والعياذ بالله عندهم غفلة، وهذا تعجب تقول: كيف هم الآن يصلون إلى الأجواء ويصنعون الطائرات ويصنعون الآلات الغريبة، ومع ذلك ما عندهم علم بالله واليوم الآخر.
لو تسأل الطفل من المسلمين أجابك، ولو تسأل أكبر واحد منهم من المخترعين ما أجابك، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
* طالب: الضمير هنا الضمير في: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، هل نجعله يعود على الكفار أم يعود على غيرهم حتى من الناس المسلمين الغافلين؟ يعني أليس الأفضل تعميمه؟
* الشيخ: لا، هو المقصود من هذا أن هؤلاء الجاهلون، يعني: لأجل تأكيد الذم بالنسبة لهم، هؤلاء الذين جهلوا بالله وصِدْق وعْدِه، مع ذلك ما هو لقصور فيهم أو في أفهامهم لكن لغفلتهم، ولَّا حتى المؤمنين يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا ما يعلمون كل شيء، لكن المؤمنين معهم علم بالله وأسمائه وصفاته، وحينئذ ما يكون هذا نقصًا فيهم، إنما محط النقص هو أن هؤلاء لا يعلمون ما يتعلق بالإيمان بالله ويعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا.
* طالب: يعود على الكفار فقط؟
* الشيخ: إيه يعود على الكفار؛ لأن المقصود بهذا تأكيد الذم في حقهم، وإلا فحتى المسلمين نأخذه من دليل آخر، من قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٨]، أنه حتى المؤمنين ما يعلمون إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا فقط.
* طالب: بعض المسلمين قلة أكثرهم غافلون عنها، يصلي ولو تسأله عن.. ولكن في الدنيا جيد.
* الشيخ: نعم، صحيح.
* الطالب: لا يدخل هذا؟
* الشيخ: هذا يكون فيه شبه من الكفار حيث حقق أمور الدنيا وأعرض عن أمور الآخرة.
* طالب: الكفار ينكرون عن عدم وجود الله، أم لا ينكرون؟
* الشيخ: يختلفون، منهم من ينكر وجود الله ومنهم من لا ينكر، لكن اللي من لم ينكر وجود الله ويؤمن بوجود الله ثم يعبد غيره أو يشرك هذا متناقض.
* * *
﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم ٦] * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن غلبة الروم للفرس وفرح المؤمنين بذلك خبر متضمِّن للوعد.
* ومن فوائدها: امتناع إخلاف الله وعْدَه؛ لقوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾.
* ومن فوائدها: ثبوت القدرة والصدق لله عز وجل، مأخوذ من قوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾، يعني متضمن لكمال الصدق والقدرة.
* ومن فوائدها: أن أكثر الناس غير عالمين بما يستحقه الله تعالى من الصفات من صفات الكمال؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم ٦].
* ومن فوائدها: أن العلم الحقيقي هو العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته لا العلم بالدنيا؛ لقوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، ثم قال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا﴾. فنفى العلم عنهم؛ لأن علم الدنيا ليس بعلم في الحقيقة، ويستفاد منه أن العلم الحقيقي الذي يُمدح عليه المرء هو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأحكامه.
* ومن فوائدها: قصور علم المرء؛ لقوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، ليس كل الظاهر وليس الباطن، فالمرء علمه قاصر حتى في أمور الدنيا أيضًا.
* ومن فوائدها: ذم الذين يتكالبون على العلوم الدنيوية مع غفلتهم عن الآخرة؛ لقوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم ٧].
* ومن فوائدها: أنها تتضمن مدح مَن يُقبِلون على الآخرة ويحرصون عليها وإن فاتهم شيء من أمور الدنيا؛ لأنه إذا ذُمَّ مَن كان على العكس فذمُّ الضد مدحٌ لضده، فالذين يُقبِلون على الآخرة وإن كان ما عندهم إلا علوم قليلة من الدنيا أكمل بكثير من الذين يقبلون على الدنيا ويغفلون عن الآخرة، وهذا ما تدل عليه هذه الآيات.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه لا يمكن للمرء الإحاطة بعلم الدنيا أيضًا.
الروم 30:7
قال: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم ٦] ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ يقول المؤلف: (مصدر بدل من اللفظ بفعله، والأصل: وعدهم اللهُ النصرَ).
قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ كلنا يعلم أنه مصدر وليس فعلًا، ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مصدر مضاف إلى الفاعل، يعني وعْد اللهِ إياهم، فالمؤلف يقول: إنه بدل من فعله، أى: نائب مناب الفعل، أي: وعَدَهم اللهُ.
وقيل: إنه مصدر فعله محذوف وليس نائبًا عنه، وعلى هذا فيكون المقدَّر كالموجود، أي وعدناهم وعْدَ الله، وهذا أقرب أن يكون مصدرًا عامله محذوف وليس نائبًا عن عامله، والمعنى: أن الله وعدهم وعدًا مضافًا إليه، والوعد المضاف إليه لا يختلف؛ ولهذا قال: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾.
فالجملة هذه: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ كالتوكيد لقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾؛ لأن وعد الله -المضاف إليه- لا يمكن أن يخلف أبدًا؛ إذ إن إخلاف الوعد ناشئ عن كذب، أو عجْزٍ، إذا وعدك أحد فأخلفك فهو إما كاذب وإما عاجز، والكذب والعجز ممتنعان على الله عز وجل لكمال صدقه وقدرته، فعلى هذا هل يخلف الله وعده؟ الجواب لا، لا يخلف الله وعده ولا يمكن أن يخلفه.
وإخلاف الوعد: أن يأتي الإنسان أو يأتي الواعد بخلاف ما وعد به، فيقول مثلًا رجل لك: سأزورك غدًا في الساعة الثامنة. ثم تأتي الثامنة ولا يزورك، أَخْلَف وعْدَه ولَّا لا؟
* طالب: أخلف.
* الشيخ: السبب؟
* طالب: ما جاء في الساعة الثامنة.
* الشيخ: ماشي إيه، لكن سبب إخلافه؟
* الطالب: إما عاجز أو ناسي.
* الشيخ: إما عاجز ولَّا هو كاذب عليه بالأول.
* طالب: أو نسي.
* الشيخ: أو نسي، فهو أيضًا عجز النسيان.
وعلى هذا نقول بالنسبة لله: لا يخلف الله وعده لكمال صدقه في خبره، وكمال قدرته في تنفيذ وعده، فهو سبحانه وتعالى كامل القدرة، وكلامه كامل الصدق؛ ولهذا قال: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ به، أي بالنصر.
وين مصدر اللي وعد به؟ ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾، أيضًا وعْدٌ آخر في الآيات التي سبقت: فرح المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم ٤]، فوعد الله سبحانه وتعالى بانتصار الروم على الفرس وبفرح المؤمنين، ولا شك أن الفرح فيه من انبساط النفس وسرورها وانشراحها ما هو نعمة يُنعِم الله بها على الفرِح.
وقوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم ٦]. قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ عطف عليه قوله: ﴿وَلَكِنَّ﴾، أو يحتمل أنه معطوف على قوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾.
و(لكن) تنصب الاسم وترفع الخبر، واسمها أين هو؟ ﴿أَكْثَرَ﴾، وخبرها جملة: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ يقول المؤلف: (أي كفار مكة)، وتخصيص ذلك بكفار مكة فيه نظر، والصواب أنه يشمل كفار مكة وغيرهم، كل مَن ليس عنده إيمان فإنه لا يعلم ما لله تعالى من تنفيذ الوعد؛ لأنه بين مكذب وبين شاكٍّ متردد فلا يعلم.
وقوله: (﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ وعْدَه تعالى بنصرِهم)، أو لا يعلمون أن الله تعالى لا يخلف الوعد، أو الأمرَيْن جميعًا؟ الأمرَيْن جميعًا: لا يعلمون أن الله سبحانه وتعالى سيحقق النصر لهم إما لجهلهم بما أخبرهم الله به، وإما لِشكِّهم في صدقه أو قدرة الله عليه، ولا يعلمون أيضًا أن الله لا يخلف الوعد في هذا وفي غيره؛ لِشَكٍّ في صدق الله وفي قدرته تبارك وتعالى على إنفاذ موعوده.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾، إذن: وأقلُّ الناس يعلمون ولَّا لا؟ نعم يعلمون؛ لأنهم مؤمنون بالله سبحانه وتعالى وبما له من القدرة والصدق في القول.
ثم قال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم ٧]، هذه ﴿يَعْلَمُونَ﴾ خبر ثانٍ لـ﴿لَكِنَّ﴾، والخبر الأول: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقيل: إنه بدل من ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، ورُدَّ هذا القولُ بأنه لا يُبدَل المثبَت من المنفي للتضاد، كيف شيء مثبت تُبدِله من شيء مضاد له: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ﴾؟! وعلى هذا نقول: إنَّ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ الثانية خبر ثان لـ﴿لَكِنَّ﴾، وتعدد الخبر جائز ولَّا لا؟
* طالب: جائز.
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم ٧]. شوف سبحان الله العظيم، ﴿يَعْلَمُونَ﴾ أثبت لهم العلم لكنه علم قاصر من وجهين:
الوجه الأول: أنهم إنما يعلمون ظاهرًا لا باطنًا: ﴿ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وكم من الأمور الخفية في هذه الحياة لا يعلمها أولئك الكفار؟
والدليل أن الكفار لا يعلمون كل خفي في هذه الدنيا، الدليل على هذا تطور الصنائع والمخترعات؛ لأن هذا التطور بالنسبة للسابقين غير معلوم، ثم سيأتي تطور آخر يكون بالنسبة للموجودين غير معلوم.
إذن هم إنما يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، فلا يعلمون كل ما في الدنيا من ظاهر وباطن.
أيضًا يقول: ﴿ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وليس كل ظاهر، بل ظاهر، الفرق بأن يقال: يعلمون كل ظاهر من الحياة الدنيا، أو أن يقال: يعلمون الظاهر من الحياة الدنيا، أو يقال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
التعبير يكون على هذه الوجوه: يعلمون كل ظاهر، يعلمون الظاهر، ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. أيهم الأقل؟
* طلبة: الأخير.
* الشيخ: الأخير، يعني ما يعلمون كل ظاهر، إنما يعلمون ظاهرًا منها فقط، وهناك ظواهر أخرى يعلمونها ولَّا لا؟ لا يعلمونها أيضًا، فعُلِم بهذا قصور علم هؤلاء، فهم فيما يتعلق بالله جل وعلا لا يعلمون، جُهَّال، وفيما يتعلق بالدنيا إنما يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا فقط.
فيما يتعلق بالآخرة يقول: ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم ٧]، شوف جملة اسمية أُكِّد فيها المبتدأ، أين اللي أُكِّد؟ ﴿هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ الثانية ﴿هُمْ﴾ توكيد للأولى، ولو حذفت وقيل: (وهم عن الآخرة غافلون). يستقيم الكلام ولَّا لا؟
* طلبة: يستقيم.
* الشيخ: يستقيم، لكنه كُرِّر للتوكيد، يعني هم بالنسبة لأمور الآخرة غافلون معرضون عنها لا يفكرون فيها، تجد الواحد منهم في أمور الدنيا تنبهر من علمه بها، ولكن في أمور الآخرة عنده غفلة ما يفكر فيها، ولا يحاول أن يُعْمِل فكره وينظر في هذا الخلق العظيم ماذا يكون مآله؟ وكيف خُلِق؟ وإلى أين ينتهي؟ غافل.
قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [المؤمنون ٦٣] يعني من أمر الإيمان بالله وبرسوله ﷺ. طيب والأعمال الأخرى؟ ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون ٦٣]: يدركونها تمامًا، لكن في أمر الإيمان بالله واليوم الآخر لا، قلوبهم في غمرة، ولهذا هذه الغمرة يجد جزاءها إذا قيل له: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق ٢٢]. وهذا متى يكون؟ يكون يوم القيامة.
المهم أن هؤلاء الذين غفلوا عن الله عز وجل وعن الآخرة عندهم علم من الحياة الدنيا، راجِع الآن للصنائع تجد شيئًا يبهرك، لكن من قوم هم في أمر الآخرة أميون لا يعلمون شيئًا؛ لأنهم والعياذ بالله عندهم غفلة، وهذا تعجب تقول: كيف هم الآن يصلون إلى الأجواء ويصنعون الطائرات ويصنعون الآلات الغريبة، ومع ذلك ما عندهم علم بالله واليوم الآخر.
لو تسأل الطفل من المسلمين أجابك، ولو تسأل أكبر واحد منهم من المخترعين ما أجابك، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
* طالب: الضمير هنا الضمير في: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، هل نجعله يعود على الكفار أم يعود على غيرهم حتى من الناس المسلمين الغافلين؟ يعني أليس الأفضل تعميمه؟
* الشيخ: لا، هو المقصود من هذا أن هؤلاء الجاهلون، يعني: لأجل تأكيد الذم بالنسبة لهم، هؤلاء الذين جهلوا بالله وصِدْق وعْدِه، مع ذلك ما هو لقصور فيهم أو في أفهامهم لكن لغفلتهم، ولَّا حتى المؤمنين يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا ما يعلمون كل شيء، لكن المؤمنين معهم علم بالله وأسمائه وصفاته، وحينئذ ما يكون هذا نقصًا فيهم، إنما محط النقص هو أن هؤلاء لا يعلمون ما يتعلق بالإيمان بالله ويعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا.
* طالب: يعود على الكفار فقط؟
* الشيخ: إيه يعود على الكفار؛ لأن المقصود بهذا تأكيد الذم في حقهم، وإلا فحتى المسلمين نأخذه من دليل آخر، من قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٨]، أنه حتى المؤمنين ما يعلمون إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا فقط.
* طالب: بعض المسلمين قلة أكثرهم غافلون عنها، يصلي ولو تسأله عن.. ولكن في الدنيا جيد.
* الشيخ: نعم، صحيح.
* الطالب: لا يدخل هذا؟
* الشيخ: هذا يكون فيه شبه من الكفار حيث حقق أمور الدنيا وأعرض عن أمور الآخرة.
* طالب: الكفار ينكرون عن عدم وجود الله، أم لا ينكرون؟
* الشيخ: يختلفون، منهم من ينكر وجود الله ومنهم من لا ينكر، لكن اللي من لم ينكر وجود الله ويؤمن بوجود الله ثم يعبد غيره أو يشرك هذا متناقض.
* * *
﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم ٦] * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن غلبة الروم للفرس وفرح المؤمنين بذلك خبر متضمِّن للوعد.
* ومن فوائدها: امتناع إخلاف الله وعْدَه؛ لقوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾.
* ومن فوائدها: ثبوت القدرة والصدق لله عز وجل، مأخوذ من قوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾، يعني متضمن لكمال الصدق والقدرة.
* ومن فوائدها: أن أكثر الناس غير عالمين بما يستحقه الله تعالى من الصفات من صفات الكمال؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم ٦].
* ومن فوائدها: أن العلم الحقيقي هو العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته لا العلم بالدنيا؛ لقوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، ثم قال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا﴾. فنفى العلم عنهم؛ لأن علم الدنيا ليس بعلم في الحقيقة، ويستفاد منه أن العلم الحقيقي الذي يُمدح عليه المرء هو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأحكامه.
* ومن فوائدها: قصور علم المرء؛ لقوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، ليس كل الظاهر وليس الباطن، فالمرء علمه قاصر حتى في أمور الدنيا أيضًا.
* ومن فوائدها: ذم الذين يتكالبون على العلوم الدنيوية مع غفلتهم عن الآخرة؛ لقوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم ٧].
* ومن فوائدها: أنها تتضمن مدح مَن يُقبِلون على الآخرة ويحرصون عليها وإن فاتهم شيء من أمور الدنيا؛ لأنه إذا ذُمَّ مَن كان على العكس فذمُّ الضد مدحٌ لضده، فالذين يُقبِلون على الآخرة وإن كان ما عندهم إلا علوم قليلة من الدنيا أكمل بكثير من الذين يقبلون على الدنيا ويغفلون عن الآخرة، وهذا ما تدل عليه هذه الآيات.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه لا يمكن للمرء الإحاطة بعلم الدنيا أيضًا.
الروم 30:8
ثم قال الله تعالى: (﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [الروم ٨]: ليرجعوا عن غفلتهم).
قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ سبق لنا مرارًا كيف نُعرِب مثل هذا التركيب، وقلنا: إن في إعرابه للنحوبين قولين:
أحدهما: أن الهمزة مقدَّمة على مكانها، وأن أصلها: (وَأَلَمْ يتفكروا) فتكون جملة معطوفة على ما سبق.
والوجه الثاني: أن تكون الهمزة داخلة على محذوف يُقدَّر بحسب السياق، ويكون ما بعدها من حرف العطف عاطفًا على ذلك المحذوف.
وفي هذه الآية يكون التقدير: أَغَفَلُوا ولم يتفكروا؟ عندما قال: ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ قال: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾. والاستفهام للتوبيخ؛ لأن الإنسان مأمور بأن يتفكر.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ هل قوله: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ هي محل التفكر أو آلة التفكر؟ بمعنى: هل المقصود من الآية الحث على تفكرهم في أنفسهم كما في قوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات ٢١]، أو الحث على التفكر في خلق السماوات والأرض في أنفسهم؟
* طالب: كلا الأمرين.
* الشيخ: كلا الأمرين؟ إي نعم كلا الأمرين لكن الأقرب الأخير؛ ولهذا قال: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ﴾ [الروم ٨].
فالمعنى: أولم يرجعوا إلى أنفسهم ويتفكروا تفكيرًا حقيقيًّا في هذا الكون ليعرفوا بذلك حكمة الله عز وجل وما يتضمنه من صفاته العظيمة؟!
وقوله: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (ما) إعرابها؟
* طالب: اسم موصول.
* الشيخ: لا.
* طالب: نافية.
* الشيخ: نافية، الدليل قوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾.
﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (خلق) بمعنى أوجد وأبدع، ولا يكون غالبًا إلا بتقدير وتنظيم؛ لأن أصل الخلق تقدير في النفس، كما قال الشاعر:
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْضُ النَّاسِيَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي
يعني: ما قدَّرْتَ، فالخلق هو الإبداع بتقدير وتنظيم.
وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ سبق الكلام عليها، وأن المراد بها الطباق، وكانت سبعًا.
وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ﴾ مفرد والمراد الجنس فيشمل جميع الأرضين، وعُطِفت على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ وهي منصوبة؛ ولهذا فُتِحت بخلاف ﴿السَّمَاوَاتِ﴾؛ لأنها جمع مؤنث سالم.
وقوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ (ما): اسم موصول معطوف على الأرض ولَّا على السماوات؟
* طالب: على السماوات.
* الشيخ: على السماوات نعم.
العلماء يقولون: إنه إذا تعدَّدت المعطوفات فالمعطوف عليه الأول منها؛ لأنه المباشر للعامل، المباشر للعامل وما بعده فرْعٌ عليه، فيكون العطف إذن على السماوات.
لو قلت: جاء زيد وعمرو وبكر وخالد وسعيد. فسعيد معطوف على زيد أول واحد؛ لأنه مباشر وما بعده فرع، والفرع لا يُعطَف على فرع، يُعطَف على أصل.
وقوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ البينية ما تقتضي التَّماس، فقد يكون الشيء بين الشيئين وهو لا يمس أحدهما، وهنا اللي بين السماوات والأرض لا يلزم أن يمسَّ، ولكن هل يمكن أن يمس؟ يمكن لكن لا يلزم.
فعلى هذا نقول: ﴿مَا بَيْنَهُمَا﴾ يشمل السحاب، والرياح، والنجوم، والشمس، والقمر، وغير ذلك من المخلوقات العظيمة التي ما نعلمها.
وفي التنصيص على ذكر ما بين السماوات والأرض فيه دليل على أن ما بينهما أمر عظيم يقارَن بنفس السماوات والأرض، وهذا يعلمه أهل الفلك الذين يطَّلعون على ما في الأفق من الآيات العظيمة التي تدل على ما تدل عليه من كمال الله سبحانه تعالى.
وقوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ هذا محط الفائدة: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، حصْر وهو محل الفائدة، أي: هذا الخلق مقارَن بالحق، فالباء إذن للمصاحبة والملابسة، أي: إن خلقه سبحانه وتعالى مصحوب بالحق، لماذا؟ لأنه متضمِّن لكمال العدل ولكمال الصدق.
كمال العدل: ما قامت السماوات والأرض إلا بالعدل، والعدل حق، وهل يشمل ذلك أن يكون الغاية منها حقًّا؟ نعم يشمل، فبالحق ابتداءً وانتهاءً، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياء ١٦].
لو كان هذه السماوات والأرض خُلِقت لتحيا الخليقة عليها وتعيش وتموت بدون جزاء ولا حساب ولا ثواب ولا عقاب، لو كان الأمر كذلك لكان باطلًا وليس بحق، إذن لا بد لهذه المخلوقات العظيمة أن يكون لها غاية، غاية هي الحق.
فعلى هذا نقول: إن قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ يشمل الابتداء والانتهاء.
وقوله: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ معطوف على ﴿بِالْحَقِّ﴾ يعني: ما خلقهما أيضًا إلا بأجل مسمى معيَّن، والأجل غاية الشيء، و﴿مُسَمًّى﴾ من قِبَل مَن؟
* طالب: من قبل الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: من قِبَل الله سبحانه تعالى، هو الذي عيَّنه.
وقوله: (بأجل) يشمل الابتداء والانتهاء، فابتداؤها بأجل، وانتهاؤها بأجل أيضًا، فإن الله تعالى أوجد هذه السماوات والأرض بعد أن كانت معدومة، وإيجاده لها كان بالأجل المعيَّن عنده، وكذلك سوف يُنهِي السماوات والأرض، وإنهاؤه إياها؟
* طالب: بالأجل.
* الشيخ: بالأجل، إذن كل شيء عند الله عز وجل مُقَدَّر، حتى الحوادث التي تحدث في السماوات والأرض بعد خلقها وإيجادها كله بأجل لا يتقدم ولا يتأخر، وإذا تأملت قليلًا عرفت بذلك كمال قدرة الله سبحانه تعالى، كيف هذه الأمور والشؤون العظيمة الكثيرة كلها تُدبَّر بأجل ما يتقدم ولا يتأخر؟!
نحن الآن مقررون أن ابتداء الدرس في الساعة الثامنة، ولكن حين نبدأ في الساعة الثامنة والنصف، حين في الساعة الثامنة والثلث، ونتأخر ما ينتظم أمرنا مع أنه بسيط.
وهكذا كل شؤون الخلق ما يمكن لأحد أن يضبط جميع أعماله بأجلها المحدد مهما بلغ في الحرص؛ لأنه قد يعتريه ما لا طاقة له به، ما يقدر، لكن الرب سبحانه وتعالى حدد كل شيء بأجله لا يتقدم ولا يتأخر، وهذا لا شك أنه من كمال الحكمة والصنع: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٨٨].
فإذا تأملنا هذا الكون العظيم على ما فيه من الحوادث الفلكية والأرضية والعامة والخاصة، فإننا في الحقيقة نستدل بها دلالة واضحة على كمال قدرة المدبر لهذا الكون الخالق له، كل شيء بأجل، وفي آية أخرى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨]. أيضًا بمقدار ما يزيد ولا ينقص، فهو بأجله وبمقداره لا يزيد ولا ينقص. سبحان الله العظيم.
قوله: (﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ لذلك) هكذا عندكم؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: (تفنى عند انتهائه، وبعده البعث) (تفنى) أي: السماوات والأرض وما بينهما عند انتهاء هذا الأجل، ثم يأتي البعث.
يقول: (﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ أي: كفار مكة ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ أي: لا يؤمنون بالبعث بعد الموت).
قوله: ﴿كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [الروم ٨] خصَّه المؤلف بأهل مكة، والصواب العموم أهل مكة وغيرهم، كثير من الناس ينكرون البعث، يمكن نجد في غير أهل مكة مَن هو أشد منهم إنكارًا للبعث، فتخصيص العام في القرآن أمر لا ينبغي إلا إذا قام الدليل على هذا فعلى العين والرأس.
وقوله: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ اللقاء: بمعنى المواجَهة والمقابَلة، وكل إنسان سوف يلقى الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦]. أي إنسان؟ المؤمن ولَّا الكافر؟ حتى الكافر؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: إي نعم؛ لأنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ عامٌّ، ثم قال بعد قوله: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الانشقاق ٧]. ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق ١٠]، فدل هذا على أنه عامٌّ. فكل أحد ملاقي الله عز وجل، وسوف يحاسبه، ولكن حساب الله للناس يختلف، المؤمن يُقَرِّره بذنوبه فإذا أقرَّ بها غفر له، وأما الكافر -والعياذ بالله- فإنه يُخزَى بها ويعاقب عليها ويكون هوانًا له.
فيقال: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ اللام في قوله: ﴿لَكَافِرُونَ﴾ لأيش؟ للتوكيد، و(كافرون): خبر (إن)، و(بلقاء ربهم) متعلق به وقُدِّم عليه لمراعاة الفواصل.
ومراعاة الفواصل في القرآن الكريم ظاهر؛ لأن الكلام عامة إذا كان له فواصل متفقة يكون هذا أنشط للنفس، وأرغب لاستماعه وتلاوته.
قال: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾، الكَفْر في اللغة: الستر، ومنه سُمي الكُفُرَّة الذي هو كافور النخل غلاف الطلع؛ لأنه يستره. والمراد بالكفر: ستر نعمة الله عز وجل على المرء، بحيث يعصيه إذا أمره، ويجحده إذا طلب منه الإيمان.
وأنواع الكفر كثيرة، منها: الكفر المخرج عن الملة، ومنها: الكفر أي خصال كفر وليس الكفر المطلق، وهذا يرجع إلى حسب النصوص الشرعية.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الروم ٨، ٩] هذا معطوف على قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾. فالتفكر في خلق السماوات والأرض، والسير في الأرض فقط، ثم السير في الأرض إما أن يكون سيرًا بالأقدام أو سيرًا بالأفهام، إن كان سيرًا بالأفهام فهو داخل فيما سبق.
وقد نقول: إن هذا أخص مما سبق؛ لأنه قال هنا: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، فهو نظر في حوادث لا في خلق الأرض، فتكون هذه الآية منفصلة عن التي قبلها من حيث المعنى، فالأولى تفكير، ولهذا جاء مُتَعَلَّقُها عامًّا في السماوات والأرض وما بينهما.
وهذا السير لأمر مخصوص ما هو؟ أي: الحوادث؛ أن ﴿يَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فيشمل السير بالقدم والسير بالفكر والفهم. على القول بأنه سير أقدام يكون السير حسيًّا، وعلى الثاني يكون معنويًّا، فيشمل السير الحسي والسير المعنوي.
السير الحسي إذا قال قائل: كيف تطلبون من الإنسان أن يسير بقدمه إلى مواقع العذاب، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن ندخل مواقع العقاب إلا ونحن باكون؟
نقول: لا تعارُضَ؛ لأن هذا هو المقصود من السير إلى مواقع العذاب المقصود به الاتعاظ والانزجار، وهذا يتحقق بالبكاء؛ ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن ندخل على ديار ثمود إلا ونحن باكون، وقال: «إِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا»[[أورده ابن هشام في السيرة (٢/٥٢٢) بلاغًا عن الزهري، ولفظه: "لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ الَّذِينَ ظَلَمُوا إِلَّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ".]].
وبعض الناس يذهب إلى ديار ثمود على سبيل النزهة والطرب والتمتع بالمناظر؛ ولهذا يأخذون لها صورًا خوفًا أو إعجابًا؟
* طلبة: إعجابًا.
* الشيخ: إعجابًا بها، وهذا من قسوة القلب -والعياذ بالله- والجهل بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن غالبهم يكون جاهلًا، غالب هؤلاء الذي يروحون لهذا المقصد يكونون جاهلين، ما نقول: إن كلهم عندهم قسوة قلب، تعمدوا مخالفة الحق. لكننا نقول: عندهم شيء من الجهل، وإلا فلا يجوز للإنسان اللي ما يعرف من نفسه أنه إذا ذهب بيتأثر حتى يبكي لا يجوز أن يدخل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك.
وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿فِي﴾ أيش معناها؟
* طالب: على.
* الشيخ: قيل: معناها على؛ لأنها لو أُخِذت بظاهرها لكان السير في سراديب تحت الأرض ﴿فِي﴾؛ لأن (في) للظرفية، والظرف محيط بالمظروف من جميع الجوانب، ولا يمكن أن تحيط بك الأرض من جميع الجوانب إلا إذا كنت داخل الأرض في سرداب، وليس هذا مرادًا، فعلى هذا تكون (في) بمعنى (على).
وقيل: إن (في) للظرفية على بابها ولا حاجة إلى تأوليها، وأن ظرفية كل شيء بحسَبِه، فيكون ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ معناه: في ظهر الأرض، وكل أحد يعرف أنه لا يراد أن تخرق الأرض وتمشي في أسفلها! ما أحد يفهم هذا، وأيًّا كان فإن المراد السير على ظهر الأرض.
* طالب: (...) تمشي على ظهر الأرض (...).
* الشيخ: ما تصير (في) (...).
* طالب: إلا من فوق.
* الشيخ: لا، من اليمين لليسار، ما فيه جدار. على كل حال المعنى واضح، حتى لو قلنا: إن (في) للظرفية فيكون الظرف في كل موضع بحسبه، ما هو لازم أن يكون في جوف.
وقوله تعالى: ﴿فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ الأرض مفرد والمراد به الجنس، أي: الأراضي التي وقع العذاب بأهلها، مثل ديار ثمود، وغيرها الأحقاف، وديار قوم لوط كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر ٧٦]
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) إيه، مثل ما قلت: إنه الجهل، الغالب عليهم الجهل، (...) أحد يفلح بمكان نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن دخوله إلا في حال بكاء، لكن الغالب هو جهل.
قال: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ﴾ (ينظروا): نظر بصر أو نظر بصيرة؟
* طالب: بصيرة.
* طالب آخر: الأول.
* الشيخ: إن كان السير بالقدم فالنظر من البصر، وإن كان السير بالفهم فالنظر نظر بصيرة، يعني: فينظروا بعين البصيرة أو بعين البصر حسب السير الذي سبق.
وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ الفاء هنا هل هي سببية أو عاطفة؟
* طالب: سببية.
* طالب آخر: عاطفة.
* الشيخ: يجوز فها الوجهان، يجوز أن تكون عاطفة والمعنى: أفلم يسيروا فلم ينظروا، ويجوز أن تكون سببية، المعنى: أفلم يسيروا فبسبب سيرهم ينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم.
* طالب: شيخ، قلنا: إذا سار على الأرض فإنه ينظر بعين البصر ما يصير عين البصيرة، لو أنه ما أبصر ما ينفع..
* الشيخ: إي ما يخالف، بعين البصر الذي يؤدي إلى عين البصيرة، لكن يعني هو المقصود أنك إذا سرت بقدمك ما أقول: إنك إذا وصلت إلى مكان تغمض، تنظر بعينك، لكن هذا النظر بالعين هل يفيد ولا ما يفيد؟ إن كان ما فيه بصيرة ما يفيد، إذن المراد بالسير على القدم النظر بالعين ليؤدي ذلك إلى النظر بالبصيرة، وإلا فالنظر المباشر بالسير على القدم هو العين.
وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ (يسيروا) و(ينظروا) ويش الجازم هنا؟ مجزومات بأيش؟ مجزومات بحذف النون والواو فاعل؛ لأنها من الأفعال الخمسة.
وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ﴿كَيْفَ﴾ هذه اسم استفهام خبر )كان( مقدمًا، و﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها في مكانه، والعاقبة مصدر بمعنى العُقبى، وعاقبة الشيء: ما يتلوه ويأتي بعده، فقوله: ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: ما تلا تكذيبهم للرسل.
وقوله: (﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم، وهي إهلاكهم بتكذيبهم رسلهم) ويش عاقبة ثمود؟ الإهلاك والدمار. عاقبة عاد الذين استكبروا في الأرض وقالوا: من أشد منا قوة؟ ما أحد أشد منا قوة. عاقبتهم أن أُهلِكوا بأمر من ألطف الأشياء وهو الريح، الريح لطيف وجسم لا يُرى، هؤلاء الكبار الأجسام الشديدو القوى أُهلِكوا بهذه الريح اللطيفة التي لا تُرى؛ ليتبين ضعف الإنسان وأنه مهما كان فالله عز وجل أقوى منه، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥].
وكذلك قرى قوم لوط الذين أُترفوا فتَرِفوا -والعياذ بالله- أُترِفوا ونُعِّموا، حتى كانوا من شدة الترف -والعياذ بالله- يعدِلون عما خلق الله لهم من أزواجهم إلى إتيان الذكور، نسأل الله العافية.
قال: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ﴿كَانُوا﴾ جملة استئنافية يراد بها بيان حال هؤلاء السابقين.
(﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ كعاد وثمود) لا شك أنهم أشد من قريش قوة، عادٌ معروف قوتهم ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر ٧، ٨].
وثمود أيضًا الذين ينحتون من الجبال بيوتًا فارهين بيوتًا آمنين، أمينة عالية شامخة من الجبال من الأحجار، وهذا يدل على القوة، ومن السهول يتخذون قصورًا ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾ [الأعراف ٧٤] قصورًا عظيمة فخمة -هذا ما حصل لأهل مكة- ومع ذلك دمرهم الله عز وجل بكفرهم وتكذيبهم.
﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾، ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ معطوفة على ﴿كَانُوا﴾ ما هي على خبر (كان)، على (كان) نفسها، عاقبة الذين من قبلهم أثاروا الأرض، وليست معطوفة على ﴿أَشَدَّ﴾ حتى نقول: كانوا أشد منهم وكانوا أثاروا الأرض وعمروها، بل معطوفة على ﴿كَانُوا﴾.
﴿أَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ يقول: (حرثوها وقلبوها للزرع) أيش بعدها؟
* طلبة: (والغرس).
* الشيخ: (والغرس)، هذا إثارة الأرض، الإنسان إذا حرث الأرض لا شك أنه يثير الأرض ولَّا لا؟ تعرفون الحرث بالمسحاة ولَّا بالجرارات تثير الأرض، يعني ترفعها، وكذلك أيضًا الغرس، فإن الإنسان يثير الأرض ليحفر للشجرة حتى يثبتها، فهؤلاء أشد منهم قوة وأيضًا قد أثاروا الأراضي، أهل مكة ما أثاروا الأرض؛ لأنه وادٍ غير ذي زرع.
﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ ﴿عَمَرُوهَا﴾ أي: السابقون عمروا الأرض، ويش هو؟ بالتجارة، والبناء، والمصانع وغيرها.
سليمان عليه الصلاة والسلام قال الله له: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ ١٣] ﴿جِفَانٍ﴾: الصحاف التي فيها الطعام، ﴿كَالْجَوَابِ﴾ ويش هي الجابية؟
* طالب: البركة.
* الشيخ: بركة الماء، كبار ولَّا صغار هذه؟
* الطالب: كبار.
* الشيخ: صحاف كبار كبركة الماء هذا عظيم، ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ ما تتشال من كبرها وكثرة الطعام فيها، هذا كله وما هو مثله ما حصل لهؤلاء لقريش.
(﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالحجج الظاهرات) الباء للمصاحبة أو للتعدية، يحوز هذا وهذا، المعنى أن الرسل عليهم الصلاة والسلام جاءتهم بالبينات، رسلهم مِن قِبَل مَن؟ من قِبَل الله سبحانه وتعالى.
﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالحجج البينات، أو قل: بالآيات البينات التي تشمل الحجج والأحكام، فإن الْحُكم إذا كان حُكمًا عادلًا نافعًا للعباد فإنه بينة تدل على صدق مَن أتى به. الرسل كلهم جاؤوا بالبينات؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم ما من رسول إلا أتى ببينة: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ويش بعد؟ ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥]، إذن فمع كل نبي كتاب، كل نبي له كتاب، كل نبي له آيات بينات: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]، المهم أنه ما من رسول إلا معه بينة ومعه كتاب.
وقوله: (﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ بإهلاكهم بغير جرم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بتكذيبهم رسلهم).
﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ اللام في قوله: ﴿لِيَظْلِمَهُمْ﴾ إعرابها؟
* طالب: لام الجحود.
* الشيخ: لام الجحود، تسمى لام الجحود، أي: لام النفي لملازمتها لهم، وقد سبق لنا أن لام الجحود ما سبقها؟ قرأناها في الأجرومية، قرأنا لام الجحود أنها تنصب الفعل المضارع، وقلنا: إن لام الجحود هي التي سبقها؟
* طالب: لم، أو: ما كان.
* الشيخ: لم يكن..
* الطالب: لم يكن أو ما كان.
* الشيخ: أو ما كان، هنا سبقها: ما كان.
وقوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾، إذا قيل: ما كان الله ليفعل كذا، أو ما أشبه ذلك، فاعلم أنه للممتنع غاية الامتناع: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم ٦٤] ممتنع غاية الامتناع، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [القصص ٥٩] ممتنع غاية الامتناع، وهكذا كل ما جاء مثل هذا التعبير فالمراد أنه ممتنع غاية الامتناع.
وقوله: ﴿لِيَظْلِمَهُمْ﴾، الظلم في الأصل النقص، الظلم في أصل اللغة النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣].
وهو في الشرع كذلك؛ نقْصٌ فيما يجب، فيشمل الإهمال في الواجب والتعدي في المحرم، التعدي في المحرم نقص؛ لأنك بخست نفسك حقها حيث لم تجتنب المحرم، وكذلك أيضًا التقصير في الواجب نقص، فمَن قصَّر في واجب فقد ظلم نفسه، ومن تعدى في محرم فقد ظلم نفسه؛ لأنه نقَصَ مما يجب أن يعامل به نفسه، فيكون الظلم إما تركًا لواجب وإما فعلًا لمحرم.
بالنسبة لله عز وجل: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ هذا الصفة سلبية ولَّا ثبوتية؟
* طالب: سلبية.
* الشيخ: سلبية، ويش تتضمن؟
* طالب: كمال العدل.
* الشيخ: كمال العدل، فهو لا يظلمهم لا لأنه عاجز عنه، ولا لأنه غير قابل له، ولكنه لكمال عدله سبحانه وتعالى، ما يمكن يظلم.
ونفي الظلم يكون لثلاثة أسباب: إما للكمال، أو العجز، أو عدم القابلية. إما للكمال يعني كمال العدل، أو العجز، أو عدم القابلية. خدوا بالكم، إذا قلت: إن الجدار لا يظلم، فهو؟
* طلبة: لعدم القابلية.
* الشيخ: لعدم القابلية، لا يقع منه الظلم أصلًا.
إذا قلت: فلان ضعيف لا يظلم عدوه؟
* الطلبة: للعجز.
* الشيخ: هذا للعجز، قال الشاعر:
قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْدِرُونَبِــــــــــــــــــــــــــــــــذِمَّةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَخَرْدَلِ
ليش؟
* طالب: لعجزهم.
* الشيخ: لعجزهم، وإذا قلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس ٤٤]؟
* طالب: لكمال عدله.
* الشيخ: فهو لكمال عدله، هو قادر جل وعلا على أن يظلم، لكنه ممتنع عليه لكمال صفاته، لكمال صفاته لا يظلم، وقالت الجبرية: إنه لا يظلم لعدم قابليته (...)، والله سبحانه وتعالى يملك جميع الخلق، فتصرفه في ملكه ليس بظلم ولا يُتصور، فالظلم في حق الله لا لكمال عدله ولكن لأنه غير قابل له. ولهذا قال ابن القيم: "والظلم عندهم المحال لذاته". فهو محال لذاته عندهم، ما يُتصور الظلم في حق الله. ولكننا إذا قلنا بقولهم فهل يكون ذلك مدحًا لله عز وجل وثناء؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، لا يكون نفي الظلم مدحًا وكمالًا إلا إذا كان مع القدرة عليه وإمكانه لكن منَعَه كمالُ عدله منه، أفهمتم؟
وقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ منصوبة على أنها خبر (كان)، كيف؟ (كان): فعل ماضٍ يرفع الاسم وينصب الخبر، والواو اسمها. و(أنفسهم) خبرها؟
* طالب: (أنفسهم) توكيد للضمير.
* الشيخ: لو كان توكيدًا للضمير لقال: كانوا أنفُسُهم. وهنا: ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾.
* طالب: جملة (يظلمون أنفسهم) خبر، يعني حالية.
* الشيخ: أيش تعربون ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾؟
* طالب: مفعول.
* الشيخ: مفعول لأيش؟
* طالب: مفعول لـ (يظلمون).
* الشيخ: مفعول لـ (يظلمون) مقدم، مفعول مقدم ليظلمون، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، يعني: ولكن كانوا يظلمون أنفسهم، بأي شيء يظلمون أنفسهم؟ بمعصية الله؛ إما بترك واجب أو فعل محرم، وسيأتينا إن شاء الله في الفوائد ما تدل عليه هذه الجملة. المهم أن الله تعالى ما ظلم هؤلاء المكذبين الذين أهلكهم، ما ظلمهم ولكن كانوا هم الذين ظلموا أنفسهم، فالجناية منهم على أنفسهم، والله عز وجل عاملهم بكمال العدل (...).
* * *
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الروم ٨].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أولًا: توبيخ مَن أعرض عن التفكر؛ لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾، فإن الاستفهام هنا للتوبيخ.
ويتفرع على هذه الفائدة * فائدة أخرى: وهي الحث على التفكر، أليس كذلك؟ ويتفرع عليه فائدة ثانية وهي فائدة التفكر؛ لأن الله لا يحث على شيء ويوبخ عن تركه إلا لِما فيه من الفائدة والصلحة.
* من فوائد الآية: أن محل التفكير هو العقل؛ لقوله: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾، هذا إذا قلنا: إن المراد كون النفس آلة التفكر وطريق التذكر، أما إذا قلنا: محل التذكر فيستفاد منه فائدة، وهي عظيم صنع الله عز وجل في نفس الإنسان وما أودعه فيه من العجائب.
وإذا أردت أن تعرف ذلك فاذهب إلى أهل العلوم والطب، تجد في جسمك العجب العجاب، هذا الطعام اللي أنت تأكله يتحول إلى دم ويتوزع على الجسم بحسب أنسجته، يعني يعطي الأعصاب كمية تليق بها، ويعطي اللحم كمية تليق به، ويعطي العظام كمية تليق بها، سبحان الله العظيم، أنابيب دقيقة مثل الشعر توزع على هذا الجسم بقدر ما يحتاج إليه.
المهم ما هذا نبغي شرحه، ولكن كلامنا على أن في خلق الله عز وجل للإنسان من العجب العجاب ما يبهر العقول، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتاب مفتاح دار السعادة من هذا شيئًا كثيرًا، هذا قبل أن يرتقي الطب إلى ما ارتقى إليه اليوم.
* من فوائد الآية أيضًا: أن الخالق هو الله عز وجل، خالق السماوات والأرض هو الله؛ لقوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، فلم يخلقهما أحد سواه؛ ولهذا قال في سورة الطور: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور ٣٦].
* ومن فوائدها: إثبات عدد السماوات وهي سبع، وأما الأرض فتأتي دائمًا تُفْرَد في القرآن، ما ذُكِرت في القرآن مجموعة، لكن أُشيرَ إلى أنها سبع في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢].
* ومن فوائدها: أن بين السماوات والأرض من المخلوقات العظيمة ما يستحق أن يُجعل قسيمًا لخلق السماوات والأرض، كده ولَّا لا؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: فتش الآن عندكم: السماوات، والأرض، وما بينهما، كلنا يعلم عِظَم الأرض وعِظَم السماء، إذن فعِظَم ما بينهما مُوازٍ لهما.
* من فوائد الآية أيضًا: كمال حكمة الله سبحانه وتعالى وقدرته.
كمال قدرته بأي شيء نستدل عليها؟ بعِظَم مقدوره، كمال القدرة يؤخذ من عِظَم المقدور، وهذا من الدلالة باللازم الذي نوهنا عليه من قبل، وقلنا: إن الله إذا فتح على العبد معرفة لوازم النصوص استفاد بذلك فوائد عظيمة، حتى إنه يأخذ من النص الواحد من المسائل ما لا يأخذ غيرُه نصفَها أو أقلَّ.
أقول:* يستفاد من هذه الآية: عِظَم قدرة الله عز وجل وبالغ حكمته، الحكمة منين نأخذها؟ من قوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، ما هي عبثًا، ﴿بِالْحَقِّ﴾. أما القدرة فنأخذها من عِظَم المخلوق، عِظَم المخلوق يدل على عظمة الخالق.
* ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان ألَّا يضيع وقته سبهللًا وسُدًى، منين نأخده؟ من قوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ لأن ضده الباطل، والباطل إما ضار وإما غير ضار ولا نافع، كل لهو يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا كذا وكذا.
المهم أنه ينبغي ما دام السماوات والأرض كلها خُلِقت بالحق والجد والصدق والثبات، فينبغي لك أن تكون موافقًا لهذه الحكمة التي من أجلها خُلِقت السماوات والأرض.
* ومن فوائد الآية: أن هذا الخلق على عِظَمِه له أجل محدود؛ لقوله: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: مُعَيَّن، وكل شيء في السماوات والأرض كليًّا كان أو جزئيًّا فإنه محدد إلى أجل مسمى، وسواء كان ذلك عينًا أو صفة فإنها محددة إلى أجل مسمى؛ ولهذا من الْحِكَم المشهورة: دوام الحال من المحال.
وهذا يتفرع عليه* فائدة أخرى: وهي أن الخلق ناقص، حيث لم يُقَدَّر له الأبدية، فهو ناقص؛ ولهذا تأتي الحياة الآخرة تأتي كاملة لأنها مؤبَّدة.
* ومن فوائد الآية: كمال الحكمة، حيث كان كل شيء له أجل مقدر منظم: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨]، والمقدار يشمل: مقدار الكمية، ومقدار الكيفية، ومقدار الزمنية، ومقدار المكانية، كل الأنواع الأربعة يشملها قوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ سبحانه وتعالى.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ * يستفاد من هذه الآية: أنه مع هذه الآيات العظمى: خلق السماوات، والأرض، وما بينهما، وتأجيل ذلك بأجل مسمى، وتقديره بتقدير معين، مع هذا كله كثير من الناس ينكرون لقاء الله.
والحقيقة أن العاقل يستدل بهذا التأجيل على وجوب لقاء الله، إذا رأى أصحابه وقرناءه الذين كانوا بالأمس معه إذا رآهم يذهبون واحدًا فواحدًا، هل هذا يحمله على الإيمان ولَّا لا؟ لا شك أنه يحمله على الإيمان؛ لأنه يعلم أنه لو دامت الدنيا لأحد ما وصلت إليك، ما وصلت إليك إلا بعد أن خلفت غيرك.
فإذن تستدل بهذه الآجال المقدرة على أنه لا بد أن يكون شيء وراء هذا، هل من الحكمة أن تُنشئ هذه الخليقة العظيمة وبهذا النظام البديع، ثم تكون النهاية أن يموت الإنسان كجيفة الحمار أو لا؟ أبدًا ليس هذا من الحكمة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص ٨٥]، فهذه الشرائع التي نزلت لا بد أن يكون وراءها شيء، وهو البعث الذي فيه لقاء الله عز وجل، ولكن مع هذا: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾.
* من فوائد هذه الآية: إثبات البعث المفهوم من قوله: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾. * ومنها: أن كل أحد سيلاقي الله عز وجل، منين نأخذه؟ من قوله: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾. وقال تعالى في سورة الانشقاق: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦].
فإذا قال قائل: هل هذا اللقاء شامل للمؤمن والكافر؟ قلنا: نعم، لكن هناك فرقًا بين اللقاءين، كما أن الرجل يلاقي زيدًا ويلاقي عمرًا ويكون بين اللقاءين فرق عظيم، يلاقي هذا بوجه غضب وهذا بوجه رضا، هذا بوجه انقباض وهذا بوجه انبساط وما أشبه ذلك.
* ومن فوائد الآية: إثبات الربوبية العامَّة ولَّا الخاصة؟ العامة؛ لقوله: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾، مع أنه يتكلم عن الكافرين، فهي الربوبية العامة، والربوبية تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢]، فالأولى عامة، والثانية خاصة.
* ومن فوائد الآية: ذمُّ من كفروا بلقاء الله مع آياته العظيمة الدالة على وجوده وحكمته؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾، وهذه الجملة بلا ريب تدل على الذم.
* طالب: يؤخذ منها كثرة الكفار أنهم أكثر الناس؟
* الشيخ: لا، يعني كثيرًا منهم، ما هو قال: أكثرهم. في هذه الآية لا يؤخذ، لكن في غيرها يؤخذ.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يعمل؟ هذا الذي لا يعمل له وجود إيمانه كالعدم؛ لأن الكفر نوعان: كفر جحد، وكفر استكبار.
* طالب: المراد باللقاء هل هو مجرد الرؤية؟
* الشيخ: المراد باللقاء المواجهة، لكنها بعد البعث ومِن لازِمِها البعث.
* الطالب: ومن لازمها الرؤية؟
* الشيخ: الله أعلم مسألة الرؤية؛ لأن الله ذكر في الكفار: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥].
* طالب: تقسيم الربوبية لعامة وخاصة، أيش الفرق بينهما؟ مع أن الربوبية أصلًا..
* الشيخ: الفرق بينهما أن الربوبية العامة تستلزم التصرف المطلق في المربوب، والخاصة: تستلزم مع التصرف المطلق العناية به ونصره وتأييده وما أشبه ذلك، تشبه المعية العامة الخاصة، وتشبه أيضًا مسائل كثيرة من هذا النوع.
قال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم ٩].
* يستفاد من هذه الآية: التوبيخ لمن غفلوا عن السير في الأرض سواء بأبدانهم أو بقلوبهم؛ لأن الاستفهام في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾.
* طالب: للتوبيخ.
* الشيخ: للتوبيخ. ويتفرع على ذلك * على هذه الفائدة: الحث على السير في الأرض، ومن ذلك -من السير في الأرض بالقلوب- مراجعة كتب التاريخ والأمم؛ لأن مَن راجعها لا سيما التواريخ الحريصة على الضبط والمضبوطة، مَن راجعها يتبين له العجب العجاب في خلق الله عز وجل، ومداولته للأيام بين الناس، وتغييره للأمور، وتزيد الإنسان إيمانًا بالله، لكن إن كانت هذه الحوادث من السيرة النبوية وسِيَر الخلفاء الراشدين ازداد بها مع الإيمان بالله أن يصطبغ بصبغتها، ويحتذي حذوها في السير، وإن كانت من الأمور العامة العابرة فإنه يستدل بها على قدرة الله عز وجل، وكمال سلطانه، وتغييره للأمور.
المهم أن السير في الأرض بمعنى مراجعة الحوادث والتواريخ هذه تفيد المرء ويعتبر بها، ولكنها تفيد مَن؟ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧].
* ويستفاد من هذه الآية أيضًا: أن عاقبة الكفار عاقبة وخيمة؛ لقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن الإنسان مهما قَوِيَ فهو ضعيف بالنسبة لقوة الله؛ لقوله: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾، ومع ذلك هل تحصنوا بهذا من عذاب الله؟ الجواب؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، بل إن الله تعالى بحكمته أهلك أعتى أهل الأرض بأهون الأسباب وألطفها، وهم عاد أُهلِكوا بالريح. وأهلك مَن كان يفتخر بالأنهار تجري من تحته أهلكه بأي شيء؟
* طالب: غرق.
* الشيخ: بالماء، بالماء الذي كان يفتخر به بالأمس، وهذا مما يدل على كمال سلطان الله سبحانه وتعالى وعظمته، وأنه مهما قوي الإنسان فهو ضعيف بالنسبة لقوة الله عز وجل.
أظن في عام أربع مئة أو قبلها حصل هزة أرضية في إيران دمرت -بلمح البصر- خمسة وعشرين ألف نسمة من بني آدم، فضلًا عن الحيوانات والمواشي وما إلى ذلك، ودمرت مائتين وثلاثين قرية ومدينتين كبيرتين، والهزة ما هي تهز مثل الأرجوحة، الهزة لمحة بصر، مثل ما حكاها إنسان كتب للشيخ عبد العزيز بن باز في الهزة التي أصابت اليمن، يعني صوَّرها تصويرًا عجيبًا في سرعتها وأصوات صَحِبَتها، وحالة الناس والرعب اللي أصابهم حتى إنه تذهل كل امرأة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها، فهذه القدرة العظيمة هل يمكن لأحد أن ينجوَ منها إذا شاءها الله عز وجل؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا يمكن أبدًا، ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام ٦٥].
* ومن فوائد الآية: أن التأمل في حال الكفار للاعتبار مطلوب، التأمل في حال الكفار للاعتبار يعتبر بها الإنسان أمر مطلوب، لو جاء إنسان وأراد أن يدرس تاريخ أمة كافرة ويش اللي حصل عليها ويش اللي جاها؟ ننهاه عن ذلك؟ إذا كان يريد أن ينتفع بهذا ويعرف ماذا كان عاقبة المجرمين فإنه مأمور به، أما إذا كان يريد أن يتعجب من قوتهم وصنعتهم وما إلى ذلك فإنه يُنهى عنه، مثل ما قلنا في الذين يذهبون إلى ديار ثمود، قصدهم التفرج والنزهة هذا حرام، واللي قصدهم الاعتبار هذا جائز بالشرط الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام، ما هو؟ ألا يدخلوها إلا وهم باكون.
* ومن فوائد الآية: أن إثارة الأرض من أسباب الدنيا، يعني الاشتغال بالزراعة من أسباب القوة بلا شك؛ لأنها يحصل بها الاكتفاء الذاتي عن الغير، إذا كانت بلادنا مثلًا تتنج الثمار والزروع استغنينا بذلك عن غيرنا، وربما يكون لدينا فائض نُصَدِّره لغيرنا فنكسب، فإثارة الأرض من أسباب القوة.
وكذلك عمران الأرض، عمران الأرض بغير الإثارة، بالبناء والتجارة وما أشبه هذا من أسباب القوة.
* ومن فوائد الآية: أن الله تعالى ما ترك أحدًا بدون رسل؛ لقوله: ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن كل رسول معه بينة تؤيده؛ لقوله: ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾.
* ومن فوائدها -من فوائد الرسل وكونهم بالبينات- * يستفاد منها فائدتان -غير ما ذكرنا-: وهي رحمة الله، وحكمة الله، أما الرحمة فلأن العقول لا يمكن أن تهتدي لِما يريده الله منها إلا بالوحي، توافقونني على هذا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم، هل يمكن للإنسان بعقله أن يعرف كيف يتوضأ وكيف يصلي وكيف يصوم وكيف يحج ولَّا ما يمكن؟ لا يمكن، إذن لا بد من أن يكون هناك رسول يأتيه الوحي من الله عز وجل ليبين لنا ما يرضاه الله وما لا يرضاه.
ثانيًا: كون هؤلاء الرسول يأتون بالبينات من الرحمة، لو أرسل الله الرسل بدون بينات وألزم العباد أن يخضعوا لهم بدون أن يكون هناك بينة يطمئنون إليها يكون في هذا من العنت والمشقة ما لا يعلمه إلا الله، ولكن من رحمة الله أن جعل مع كل نبي بينة، ولاحظوا أن الأنبياء الذين تُقَيَّد نبوتهم ورسالتهم بزمن أو مكان -وهم جميع الأنبياء ما عدا محمدًا ﷺ- تجدون آياتهم غالبًا آيات حسية تنتهي بانتهائهم، وتكون بعد موتهم خبرًا يُنْقَل ويُؤْثَر.
أما آية النبي عليه الصلاة والسلام فهي اشتملت آياته على الأمرين على أمور حسية نُقِلَت بعده وأُثِرَت، وعلى أمور معنوية بقيت بعده مثل القرآن العظيم، ومثل إخباره ببعض الأمور الغيبية التي وقعت كما أخبر؛ لأن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام دائمة ومستمرة وثابتة، فلا بد أن تكون الآيات المؤيدة للرسول عليه الصلاة والسلام باقية حتى تقوم بها الحجة على مَن؟ على الباقين من الناس؛ لأن الباقين من الناس إذا لم يشهدوا الشيء بأيديهم وإنما هي أخبار تُؤْثَر، فإنه كما جاء في الحديث: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ»[[أخرجه أحمد (١٨٤١) وابن حبان -الإحسان- (٦٢١٣) عن ابن عباس رضي الله عنهما.]]. إذن نستفيد من إرسال الرسل وإيتائهم البينات فائدتين: وهما: رحمة الله عز وجل، وحكمته.
* ويستفاد من هذه الآية: انتفاء الظلم عن الله لكمال عدله؛ لقوله: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾، نقول: انتفاء الظلم عن الله لكمال عدله.
لو قال قائل: انتفاء الظلم عن الله نوافقكم عليه؛ لأن الله نفاه عن نفسه: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾، لكن لكمال عدله من أين لكم هذا؟
الجواب: لأننا نقول: النفي يدل على انتفاء المنفي، والانتفاء يساوي عدمًا، انتفاء أي عدم، والعدم نفسه ليس بشيء، ما هو بشيء، العدم عدم على اسمه، فإذا كان ليس بشيء فهل يكون صفة كمال يُثنِي الله بها على نفسه وهو ليس بشيء؟
* طالب: لا.
* الشيخ: الجواب لا، إذن لا بد من أن يكون متضمنًا لشيء وهو الإثبات، هذا الإثبات إما أن يكون للعجز، وإما أن يكون لعدم القابلية، وإما أن يكون لكمال العدل، واختر أي الاحتمالات يليق بالله عز وجل، أو انظر أي الاحتمالات يليق بالله عز وجل؟ كمال العدل، وبهذا عرفنا أن التزام نفي الظلم لكمال العدل لازم عقلي بالنسبة لله عز وجل، ما هو بالنسبة لكل مَن يُنفَى عنه الظلم، بالنسة لله عز وجل التزام ذلك لكمال العدل لازم عقلي لا بد منه، وحينئذ* يستفاد منها: انتفاء الظلم لكمال عدل الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية: أن نفس الإنسان عنده أمانة، تؤخذ: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. فأثبت الله تعالى ظلمَ الإنسانِ نفسَه، ولو كانت غير أمانة لكان غير ظالم لأنه يتصرف ويتحكم، لكنها أمانة عنده يجب عليه أن يرعاها حق رعايتها؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام:« «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[[أخرجه البخاري (١٩٦٨) عن أبي جحيفة رضي الله عنه، ولفظه: «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا».]]. وهذا كما يشمل إعطاء النفس راحتها يشمل إعطاء النفس حقها من العبادة، لا تُهملها.
* طالب: قوله: (...).
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: كيف يعني؟
* الشيخ: يقابَل بقوله: ﴿النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر ٢٧]؛ لأن الإنسان فيه ثلاث أنفس: أمارة، ومطمئنة، ولوامة.
أما المطمئنة: فهي التي تأمره برضا الله، وأما الأمارة بالسوء: فهي التي تأمره بمعصية الله، وأما اللوامة: فهي التي تلومه، ويش تلومه عليه؟ صالحة للوجهين: إن لامته على ترك الشر فهذه من النفس الأمارة، اللي قالت له: يا ليتك رحت مع هؤلاء تشرب الخمر وتزني وتقامر.. إلى آخره، تلومه، شوف البنات رُحْن (...) ومكيفة وأنت ما رحت. هذه لوامة لكنها أي النفسين؟
* طالب: الأمارة.
* الشيخ: الأمارة بالسوء.
وفيه نفس لوامة تلومه على فعل الشر وترك الخير، وهذه هي النفس المطمئنة. ففي الإنسان ثلاث أنفس كما ذكر الله في القرآن.
* طالب: مدار النفس فيه ثلاثة، فيه أمارة بالسوء، كيف هو: ﴿كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ والنفس هي الإنسان؟
* الشيخ: إي نعم؛ لأن عنده نفسًا أخرى مقابِلة.
* الطالب: يعني كل إنسان عنده ثلاث أنفس؟
* الشيخ: إي نعم كل إنسان لا بد أن يكون لديه هذه الأنفس.
* طالب: هي أوصاف؟
* الشيخ: إي، هي أوصاف، هي في الحقيقة أوصاف ولَّا النفس العاقلة أو التفكير واحدة.
* طالب: موجودة الجميع؟
* الشيخ: إي نعم موجودة الجميع، الإنسان يوجد فيه الجميع، يحس من نفسه أحيانًا بما يأمره بمعصية، ويحس أحيانًا بما يأمره بالخير، ويحس أحيانًا بما يلومه.
* طالب: يعني هي موجودة فيه ابتداءً (...)؟
* الشيخ: لا عاد، ينبغي أيهما اللي تطالب، من الناس من تطالبه النفس الأمارة، ومن الناس من تأمره المطمئنة تطالبه المطمئنة، تختلف.
* طالب: ابتداءً الله خلقها؟
* الشيخ: ابتداءً الله خلق فيه هذه القوى، هذه القوى النفسية مخلوقة في الإنسان.
قال: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾:
* من فوائد الآية: أن الإنسان بمعصيته لا يضر إلا نفسه، أو لا؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: نعم، ويدل على هذا قوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي:« «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا» »[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧) عن أبي ذر رضي الله عنه.]]. يعني ما يضرني، حتى لو خرجتم عن عبادتي والتعبد لي فإن ذلك لا يضرني، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
* طالب: يؤخذ من الآية إثبات الأفعال الاختيارية للعبد؟
* الشيخ: للعبد؟ إيه، إي نعم،* يؤخذ منها: أن العبد فعله مختار؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، فأثبت الظلم منهم لأنفسهم.
ومن وجه آخر * يؤخذ منه أيضًا من نفس الآية: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾؛ لأنه لو كان يُجبِرهم على ذلك لكان عقوبتهم ظلمًا ولَّا لا؟ لو اعتقد الإنسان أنه يُجبر الإنسان على فعل المعصية ثم يعاقبه عليها، أيكون ذلك ظلمًا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: إي نعم ظلمًا، ففيها دليل على الأفعال الاخيتارية من جهتين؛ من قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، ومن قوله: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾.
هل* يستفاد من ذلك أن الظلم في حق الله من حيث هو ممكن، من حيث القدرة عليه يعني، ممكن ولَّا لا؟
* طالب: ممكن.
* الشيخ: نعم ممكن؛ ولهذا أثنى الله على نفسه بانتفاء الظلم عنه، أو بنفي ظلمِه عبادَه -أحسن- أثنى على نفسه بنفي ظلمه للعباد، ولو كان هذا من الأمور المستحيلة ما صار هناك محل اختلاف، فهو قادر عز وجل على أن يظلم لو شاء، لكنه لا يشاء ذلك لكمال عدله، إذن فالظلم ممتنع على الله، ليش؟
* طالب: لكمال عدله.
* الشيخ: لكمال عدله، خلافًا للجهمية الذين يقولون: إن الظلم ممتنع لاستحالته بذاته على الله، قالوا: هذا شيء مستحيل. فجعلوا محل الثناء أمرًا مستحيلًا عقلًا.
الروم 30:9
ثم قال الله تعالى: (﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [الروم ٨]: ليرجعوا عن غفلتهم).
قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ سبق لنا مرارًا كيف نُعرِب مثل هذا التركيب، وقلنا: إن في إعرابه للنحوبين قولين:
أحدهما: أن الهمزة مقدَّمة على مكانها، وأن أصلها: (وَأَلَمْ يتفكروا) فتكون جملة معطوفة على ما سبق.
والوجه الثاني: أن تكون الهمزة داخلة على محذوف يُقدَّر بحسب السياق، ويكون ما بعدها من حرف العطف عاطفًا على ذلك المحذوف.
وفي هذه الآية يكون التقدير: أَغَفَلُوا ولم يتفكروا؟ عندما قال: ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ قال: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾. والاستفهام للتوبيخ؛ لأن الإنسان مأمور بأن يتفكر.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ هل قوله: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ هي محل التفكر أو آلة التفكر؟ بمعنى: هل المقصود من الآية الحث على تفكرهم في أنفسهم كما في قوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات ٢١]، أو الحث على التفكر في خلق السماوات والأرض في أنفسهم؟
* طالب: كلا الأمرين.
* الشيخ: كلا الأمرين؟ إي نعم كلا الأمرين لكن الأقرب الأخير؛ ولهذا قال: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ﴾ [الروم ٨].
فالمعنى: أولم يرجعوا إلى أنفسهم ويتفكروا تفكيرًا حقيقيًّا في هذا الكون ليعرفوا بذلك حكمة الله عز وجل وما يتضمنه من صفاته العظيمة؟!
وقوله: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (ما) إعرابها؟
* طالب: اسم موصول.
* الشيخ: لا.
* طالب: نافية.
* الشيخ: نافية، الدليل قوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾.
﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (خلق) بمعنى أوجد وأبدع، ولا يكون غالبًا إلا بتقدير وتنظيم؛ لأن أصل الخلق تقدير في النفس، كما قال الشاعر:
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْضُ النَّاسِيَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي
يعني: ما قدَّرْتَ، فالخلق هو الإبداع بتقدير وتنظيم.
وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ سبق الكلام عليها، وأن المراد بها الطباق، وكانت سبعًا.
وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ﴾ مفرد والمراد الجنس فيشمل جميع الأرضين، وعُطِفت على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ وهي منصوبة؛ ولهذا فُتِحت بخلاف ﴿السَّمَاوَاتِ﴾؛ لأنها جمع مؤنث سالم.
وقوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ (ما): اسم موصول معطوف على الأرض ولَّا على السماوات؟
* طالب: على السماوات.
* الشيخ: على السماوات نعم.
العلماء يقولون: إنه إذا تعدَّدت المعطوفات فالمعطوف عليه الأول منها؛ لأنه المباشر للعامل، المباشر للعامل وما بعده فرْعٌ عليه، فيكون العطف إذن على السماوات.
لو قلت: جاء زيد وعمرو وبكر وخالد وسعيد. فسعيد معطوف على زيد أول واحد؛ لأنه مباشر وما بعده فرع، والفرع لا يُعطَف على فرع، يُعطَف على أصل.
وقوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ البينية ما تقتضي التَّماس، فقد يكون الشيء بين الشيئين وهو لا يمس أحدهما، وهنا اللي بين السماوات والأرض لا يلزم أن يمسَّ، ولكن هل يمكن أن يمس؟ يمكن لكن لا يلزم.
فعلى هذا نقول: ﴿مَا بَيْنَهُمَا﴾ يشمل السحاب، والرياح، والنجوم، والشمس، والقمر، وغير ذلك من المخلوقات العظيمة التي ما نعلمها.
وفي التنصيص على ذكر ما بين السماوات والأرض فيه دليل على أن ما بينهما أمر عظيم يقارَن بنفس السماوات والأرض، وهذا يعلمه أهل الفلك الذين يطَّلعون على ما في الأفق من الآيات العظيمة التي تدل على ما تدل عليه من كمال الله سبحانه تعالى.
وقوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ هذا محط الفائدة: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، حصْر وهو محل الفائدة، أي: هذا الخلق مقارَن بالحق، فالباء إذن للمصاحبة والملابسة، أي: إن خلقه سبحانه وتعالى مصحوب بالحق، لماذا؟ لأنه متضمِّن لكمال العدل ولكمال الصدق.
كمال العدل: ما قامت السماوات والأرض إلا بالعدل، والعدل حق، وهل يشمل ذلك أن يكون الغاية منها حقًّا؟ نعم يشمل، فبالحق ابتداءً وانتهاءً، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياء ١٦].
لو كان هذه السماوات والأرض خُلِقت لتحيا الخليقة عليها وتعيش وتموت بدون جزاء ولا حساب ولا ثواب ولا عقاب، لو كان الأمر كذلك لكان باطلًا وليس بحق، إذن لا بد لهذه المخلوقات العظيمة أن يكون لها غاية، غاية هي الحق.
فعلى هذا نقول: إن قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ يشمل الابتداء والانتهاء.
وقوله: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ معطوف على ﴿بِالْحَقِّ﴾ يعني: ما خلقهما أيضًا إلا بأجل مسمى معيَّن، والأجل غاية الشيء، و﴿مُسَمًّى﴾ من قِبَل مَن؟
* طالب: من قبل الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: من قِبَل الله سبحانه تعالى، هو الذي عيَّنه.
وقوله: (بأجل) يشمل الابتداء والانتهاء، فابتداؤها بأجل، وانتهاؤها بأجل أيضًا، فإن الله تعالى أوجد هذه السماوات والأرض بعد أن كانت معدومة، وإيجاده لها كان بالأجل المعيَّن عنده، وكذلك سوف يُنهِي السماوات والأرض، وإنهاؤه إياها؟
* طالب: بالأجل.
* الشيخ: بالأجل، إذن كل شيء عند الله عز وجل مُقَدَّر، حتى الحوادث التي تحدث في السماوات والأرض بعد خلقها وإيجادها كله بأجل لا يتقدم ولا يتأخر، وإذا تأملت قليلًا عرفت بذلك كمال قدرة الله سبحانه تعالى، كيف هذه الأمور والشؤون العظيمة الكثيرة كلها تُدبَّر بأجل ما يتقدم ولا يتأخر؟!
نحن الآن مقررون أن ابتداء الدرس في الساعة الثامنة، ولكن حين نبدأ في الساعة الثامنة والنصف، حين في الساعة الثامنة والثلث، ونتأخر ما ينتظم أمرنا مع أنه بسيط.
وهكذا كل شؤون الخلق ما يمكن لأحد أن يضبط جميع أعماله بأجلها المحدد مهما بلغ في الحرص؛ لأنه قد يعتريه ما لا طاقة له به، ما يقدر، لكن الرب سبحانه وتعالى حدد كل شيء بأجله لا يتقدم ولا يتأخر، وهذا لا شك أنه من كمال الحكمة والصنع: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٨٨].
فإذا تأملنا هذا الكون العظيم على ما فيه من الحوادث الفلكية والأرضية والعامة والخاصة، فإننا في الحقيقة نستدل بها دلالة واضحة على كمال قدرة المدبر لهذا الكون الخالق له، كل شيء بأجل، وفي آية أخرى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨]. أيضًا بمقدار ما يزيد ولا ينقص، فهو بأجله وبمقداره لا يزيد ولا ينقص. سبحان الله العظيم.
قوله: (﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ لذلك) هكذا عندكم؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: (تفنى عند انتهائه، وبعده البعث) (تفنى) أي: السماوات والأرض وما بينهما عند انتهاء هذا الأجل، ثم يأتي البعث.
يقول: (﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ أي: كفار مكة ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ أي: لا يؤمنون بالبعث بعد الموت).
قوله: ﴿كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [الروم ٨] خصَّه المؤلف بأهل مكة، والصواب العموم أهل مكة وغيرهم، كثير من الناس ينكرون البعث، يمكن نجد في غير أهل مكة مَن هو أشد منهم إنكارًا للبعث، فتخصيص العام في القرآن أمر لا ينبغي إلا إذا قام الدليل على هذا فعلى العين والرأس.
وقوله: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ اللقاء: بمعنى المواجَهة والمقابَلة، وكل إنسان سوف يلقى الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦]. أي إنسان؟ المؤمن ولَّا الكافر؟ حتى الكافر؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: إي نعم؛ لأنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ عامٌّ، ثم قال بعد قوله: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الانشقاق ٧]. ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق ١٠]، فدل هذا على أنه عامٌّ. فكل أحد ملاقي الله عز وجل، وسوف يحاسبه، ولكن حساب الله للناس يختلف، المؤمن يُقَرِّره بذنوبه فإذا أقرَّ بها غفر له، وأما الكافر -والعياذ بالله- فإنه يُخزَى بها ويعاقب عليها ويكون هوانًا له.
فيقال: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ اللام في قوله: ﴿لَكَافِرُونَ﴾ لأيش؟ للتوكيد، و(كافرون): خبر (إن)، و(بلقاء ربهم) متعلق به وقُدِّم عليه لمراعاة الفواصل.
ومراعاة الفواصل في القرآن الكريم ظاهر؛ لأن الكلام عامة إذا كان له فواصل متفقة يكون هذا أنشط للنفس، وأرغب لاستماعه وتلاوته.
قال: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾، الكَفْر في اللغة: الستر، ومنه سُمي الكُفُرَّة الذي هو كافور النخل غلاف الطلع؛ لأنه يستره. والمراد بالكفر: ستر نعمة الله عز وجل على المرء، بحيث يعصيه إذا أمره، ويجحده إذا طلب منه الإيمان.
وأنواع الكفر كثيرة، منها: الكفر المخرج عن الملة، ومنها: الكفر أي خصال كفر وليس الكفر المطلق، وهذا يرجع إلى حسب النصوص الشرعية.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الروم ٨، ٩] هذا معطوف على قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾. فالتفكر في خلق السماوات والأرض، والسير في الأرض فقط، ثم السير في الأرض إما أن يكون سيرًا بالأقدام أو سيرًا بالأفهام، إن كان سيرًا بالأفهام فهو داخل فيما سبق.
وقد نقول: إن هذا أخص مما سبق؛ لأنه قال هنا: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، فهو نظر في حوادث لا في خلق الأرض، فتكون هذه الآية منفصلة عن التي قبلها من حيث المعنى، فالأولى تفكير، ولهذا جاء مُتَعَلَّقُها عامًّا في السماوات والأرض وما بينهما.
وهذا السير لأمر مخصوص ما هو؟ أي: الحوادث؛ أن ﴿يَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فيشمل السير بالقدم والسير بالفكر والفهم. على القول بأنه سير أقدام يكون السير حسيًّا، وعلى الثاني يكون معنويًّا، فيشمل السير الحسي والسير المعنوي.
السير الحسي إذا قال قائل: كيف تطلبون من الإنسان أن يسير بقدمه إلى مواقع العذاب، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن ندخل مواقع العقاب إلا ونحن باكون؟
نقول: لا تعارُضَ؛ لأن هذا هو المقصود من السير إلى مواقع العذاب المقصود به الاتعاظ والانزجار، وهذا يتحقق بالبكاء؛ ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن ندخل على ديار ثمود إلا ونحن باكون، وقال: «إِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا»[[أورده ابن هشام في السيرة (٢/٥٢٢) بلاغًا عن الزهري، ولفظه: "لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ الَّذِينَ ظَلَمُوا إِلَّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ".]].
وبعض الناس يذهب إلى ديار ثمود على سبيل النزهة والطرب والتمتع بالمناظر؛ ولهذا يأخذون لها صورًا خوفًا أو إعجابًا؟
* طلبة: إعجابًا.
* الشيخ: إعجابًا بها، وهذا من قسوة القلب -والعياذ بالله- والجهل بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن غالبهم يكون جاهلًا، غالب هؤلاء الذي يروحون لهذا المقصد يكونون جاهلين، ما نقول: إن كلهم عندهم قسوة قلب، تعمدوا مخالفة الحق. لكننا نقول: عندهم شيء من الجهل، وإلا فلا يجوز للإنسان اللي ما يعرف من نفسه أنه إذا ذهب بيتأثر حتى يبكي لا يجوز أن يدخل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك.
وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿فِي﴾ أيش معناها؟
* طالب: على.
* الشيخ: قيل: معناها على؛ لأنها لو أُخِذت بظاهرها لكان السير في سراديب تحت الأرض ﴿فِي﴾؛ لأن (في) للظرفية، والظرف محيط بالمظروف من جميع الجوانب، ولا يمكن أن تحيط بك الأرض من جميع الجوانب إلا إذا كنت داخل الأرض في سرداب، وليس هذا مرادًا، فعلى هذا تكون (في) بمعنى (على).
وقيل: إن (في) للظرفية على بابها ولا حاجة إلى تأوليها، وأن ظرفية كل شيء بحسَبِه، فيكون ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ معناه: في ظهر الأرض، وكل أحد يعرف أنه لا يراد أن تخرق الأرض وتمشي في أسفلها! ما أحد يفهم هذا، وأيًّا كان فإن المراد السير على ظهر الأرض.
* طالب: (...) تمشي على ظهر الأرض (...).
* الشيخ: ما تصير (في) (...).
* طالب: إلا من فوق.
* الشيخ: لا، من اليمين لليسار، ما فيه جدار. على كل حال المعنى واضح، حتى لو قلنا: إن (في) للظرفية فيكون الظرف في كل موضع بحسبه، ما هو لازم أن يكون في جوف.
وقوله تعالى: ﴿فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ الأرض مفرد والمراد به الجنس، أي: الأراضي التي وقع العذاب بأهلها، مثل ديار ثمود، وغيرها الأحقاف، وديار قوم لوط كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر ٧٦]
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) إيه، مثل ما قلت: إنه الجهل، الغالب عليهم الجهل، (...) أحد يفلح بمكان نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن دخوله إلا في حال بكاء، لكن الغالب هو جهل.
قال: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ﴾ (ينظروا): نظر بصر أو نظر بصيرة؟
* طالب: بصيرة.
* طالب آخر: الأول.
* الشيخ: إن كان السير بالقدم فالنظر من البصر، وإن كان السير بالفهم فالنظر نظر بصيرة، يعني: فينظروا بعين البصيرة أو بعين البصر حسب السير الذي سبق.
وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ الفاء هنا هل هي سببية أو عاطفة؟
* طالب: سببية.
* طالب آخر: عاطفة.
* الشيخ: يجوز فها الوجهان، يجوز أن تكون عاطفة والمعنى: أفلم يسيروا فلم ينظروا، ويجوز أن تكون سببية، المعنى: أفلم يسيروا فبسبب سيرهم ينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم.
* طالب: شيخ، قلنا: إذا سار على الأرض فإنه ينظر بعين البصر ما يصير عين البصيرة، لو أنه ما أبصر ما ينفع..
* الشيخ: إي ما يخالف، بعين البصر الذي يؤدي إلى عين البصيرة، لكن يعني هو المقصود أنك إذا سرت بقدمك ما أقول: إنك إذا وصلت إلى مكان تغمض، تنظر بعينك، لكن هذا النظر بالعين هل يفيد ولا ما يفيد؟ إن كان ما فيه بصيرة ما يفيد، إذن المراد بالسير على القدم النظر بالعين ليؤدي ذلك إلى النظر بالبصيرة، وإلا فالنظر المباشر بالسير على القدم هو العين.
وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ (يسيروا) و(ينظروا) ويش الجازم هنا؟ مجزومات بأيش؟ مجزومات بحذف النون والواو فاعل؛ لأنها من الأفعال الخمسة.
وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ﴿كَيْفَ﴾ هذه اسم استفهام خبر )كان( مقدمًا، و﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها في مكانه، والعاقبة مصدر بمعنى العُقبى، وعاقبة الشيء: ما يتلوه ويأتي بعده، فقوله: ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: ما تلا تكذيبهم للرسل.
وقوله: (﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم، وهي إهلاكهم بتكذيبهم رسلهم) ويش عاقبة ثمود؟ الإهلاك والدمار. عاقبة عاد الذين استكبروا في الأرض وقالوا: من أشد منا قوة؟ ما أحد أشد منا قوة. عاقبتهم أن أُهلِكوا بأمر من ألطف الأشياء وهو الريح، الريح لطيف وجسم لا يُرى، هؤلاء الكبار الأجسام الشديدو القوى أُهلِكوا بهذه الريح اللطيفة التي لا تُرى؛ ليتبين ضعف الإنسان وأنه مهما كان فالله عز وجل أقوى منه، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥].
وكذلك قرى قوم لوط الذين أُترفوا فتَرِفوا -والعياذ بالله- أُترِفوا ونُعِّموا، حتى كانوا من شدة الترف -والعياذ بالله- يعدِلون عما خلق الله لهم من أزواجهم إلى إتيان الذكور، نسأل الله العافية.
قال: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ﴿كَانُوا﴾ جملة استئنافية يراد بها بيان حال هؤلاء السابقين.
(﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ كعاد وثمود) لا شك أنهم أشد من قريش قوة، عادٌ معروف قوتهم ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر ٧، ٨].
وثمود أيضًا الذين ينحتون من الجبال بيوتًا فارهين بيوتًا آمنين، أمينة عالية شامخة من الجبال من الأحجار، وهذا يدل على القوة، ومن السهول يتخذون قصورًا ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾ [الأعراف ٧٤] قصورًا عظيمة فخمة -هذا ما حصل لأهل مكة- ومع ذلك دمرهم الله عز وجل بكفرهم وتكذيبهم.
﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾، ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ معطوفة على ﴿كَانُوا﴾ ما هي على خبر (كان)، على (كان) نفسها، عاقبة الذين من قبلهم أثاروا الأرض، وليست معطوفة على ﴿أَشَدَّ﴾ حتى نقول: كانوا أشد منهم وكانوا أثاروا الأرض وعمروها، بل معطوفة على ﴿كَانُوا﴾.
﴿أَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ يقول: (حرثوها وقلبوها للزرع) أيش بعدها؟
* طلبة: (والغرس).
* الشيخ: (والغرس)، هذا إثارة الأرض، الإنسان إذا حرث الأرض لا شك أنه يثير الأرض ولَّا لا؟ تعرفون الحرث بالمسحاة ولَّا بالجرارات تثير الأرض، يعني ترفعها، وكذلك أيضًا الغرس، فإن الإنسان يثير الأرض ليحفر للشجرة حتى يثبتها، فهؤلاء أشد منهم قوة وأيضًا قد أثاروا الأراضي، أهل مكة ما أثاروا الأرض؛ لأنه وادٍ غير ذي زرع.
﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ ﴿عَمَرُوهَا﴾ أي: السابقون عمروا الأرض، ويش هو؟ بالتجارة، والبناء، والمصانع وغيرها.
سليمان عليه الصلاة والسلام قال الله له: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ ١٣] ﴿جِفَانٍ﴾: الصحاف التي فيها الطعام، ﴿كَالْجَوَابِ﴾ ويش هي الجابية؟
* طالب: البركة.
* الشيخ: بركة الماء، كبار ولَّا صغار هذه؟
* الطالب: كبار.
* الشيخ: صحاف كبار كبركة الماء هذا عظيم، ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ ما تتشال من كبرها وكثرة الطعام فيها، هذا كله وما هو مثله ما حصل لهؤلاء لقريش.
(﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالحجج الظاهرات) الباء للمصاحبة أو للتعدية، يحوز هذا وهذا، المعنى أن الرسل عليهم الصلاة والسلام جاءتهم بالبينات، رسلهم مِن قِبَل مَن؟ من قِبَل الله سبحانه وتعالى.
﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالحجج البينات، أو قل: بالآيات البينات التي تشمل الحجج والأحكام، فإن الْحُكم إذا كان حُكمًا عادلًا نافعًا للعباد فإنه بينة تدل على صدق مَن أتى به. الرسل كلهم جاؤوا بالبينات؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم ما من رسول إلا أتى ببينة: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ويش بعد؟ ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥]، إذن فمع كل نبي كتاب، كل نبي له كتاب، كل نبي له آيات بينات: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]، المهم أنه ما من رسول إلا معه بينة ومعه كتاب.
وقوله: (﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ بإهلاكهم بغير جرم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بتكذيبهم رسلهم).
﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ اللام في قوله: ﴿لِيَظْلِمَهُمْ﴾ إعرابها؟
* طالب: لام الجحود.
* الشيخ: لام الجحود، تسمى لام الجحود، أي: لام النفي لملازمتها لهم، وقد سبق لنا أن لام الجحود ما سبقها؟ قرأناها في الأجرومية، قرأنا لام الجحود أنها تنصب الفعل المضارع، وقلنا: إن لام الجحود هي التي سبقها؟
* طالب: لم، أو: ما كان.
* الشيخ: لم يكن..
* الطالب: لم يكن أو ما كان.
* الشيخ: أو ما كان، هنا سبقها: ما كان.
وقوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾، إذا قيل: ما كان الله ليفعل كذا، أو ما أشبه ذلك، فاعلم أنه للممتنع غاية الامتناع: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم ٦٤] ممتنع غاية الامتناع، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [القصص ٥٩] ممتنع غاية الامتناع، وهكذا كل ما جاء مثل هذا التعبير فالمراد أنه ممتنع غاية الامتناع.
وقوله: ﴿لِيَظْلِمَهُمْ﴾، الظلم في الأصل النقص، الظلم في أصل اللغة النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣].
وهو في الشرع كذلك؛ نقْصٌ فيما يجب، فيشمل الإهمال في الواجب والتعدي في المحرم، التعدي في المحرم نقص؛ لأنك بخست نفسك حقها حيث لم تجتنب المحرم، وكذلك أيضًا التقصير في الواجب نقص، فمَن قصَّر في واجب فقد ظلم نفسه، ومن تعدى في محرم فقد ظلم نفسه؛ لأنه نقَصَ مما يجب أن يعامل به نفسه، فيكون الظلم إما تركًا لواجب وإما فعلًا لمحرم.
بالنسبة لله عز وجل: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ هذا الصفة سلبية ولَّا ثبوتية؟
* طالب: سلبية.
* الشيخ: سلبية، ويش تتضمن؟
* طالب: كمال العدل.
* الشيخ: كمال العدل، فهو لا يظلمهم لا لأنه عاجز عنه، ولا لأنه غير قابل له، ولكنه لكمال عدله سبحانه وتعالى، ما يمكن يظلم.
ونفي الظلم يكون لثلاثة أسباب: إما للكمال، أو العجز، أو عدم القابلية. إما للكمال يعني كمال العدل، أو العجز، أو عدم القابلية. خدوا بالكم، إذا قلت: إن الجدار لا يظلم، فهو؟
* طلبة: لعدم القابلية.
* الشيخ: لعدم القابلية، لا يقع منه الظلم أصلًا.
إذا قلت: فلان ضعيف لا يظلم عدوه؟
* الطلبة: للعجز.
* الشيخ: هذا للعجز، قال الشاعر:
قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْدِرُونَبِــــــــــــــــــــــــــــــــذِمَّةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَخَرْدَلِ
ليش؟
* طالب: لعجزهم.
* الشيخ: لعجزهم، وإذا قلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس ٤٤]؟
* طالب: لكمال عدله.
* الشيخ: فهو لكمال عدله، هو قادر جل وعلا على أن يظلم، لكنه ممتنع عليه لكمال صفاته، لكمال صفاته لا يظلم، وقالت الجبرية: إنه لا يظلم لعدم قابليته (...)، والله سبحانه وتعالى يملك جميع الخلق، فتصرفه في ملكه ليس بظلم ولا يُتصور، فالظلم في حق الله لا لكمال عدله ولكن لأنه غير قابل له. ولهذا قال ابن القيم: "والظلم عندهم المحال لذاته". فهو محال لذاته عندهم، ما يُتصور الظلم في حق الله. ولكننا إذا قلنا بقولهم فهل يكون ذلك مدحًا لله عز وجل وثناء؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، لا يكون نفي الظلم مدحًا وكمالًا إلا إذا كان مع القدرة عليه وإمكانه لكن منَعَه كمالُ عدله منه، أفهمتم؟
وقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ منصوبة على أنها خبر (كان)، كيف؟ (كان): فعل ماضٍ يرفع الاسم وينصب الخبر، والواو اسمها. و(أنفسهم) خبرها؟
* طالب: (أنفسهم) توكيد للضمير.
* الشيخ: لو كان توكيدًا للضمير لقال: كانوا أنفُسُهم. وهنا: ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾.
* طالب: جملة (يظلمون أنفسهم) خبر، يعني حالية.
* الشيخ: أيش تعربون ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾؟
* طالب: مفعول.
* الشيخ: مفعول لأيش؟
* طالب: مفعول لـ (يظلمون).
* الشيخ: مفعول لـ (يظلمون) مقدم، مفعول مقدم ليظلمون، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، يعني: ولكن كانوا يظلمون أنفسهم، بأي شيء يظلمون أنفسهم؟ بمعصية الله؛ إما بترك واجب أو فعل محرم، وسيأتينا إن شاء الله في الفوائد ما تدل عليه هذه الجملة. المهم أن الله تعالى ما ظلم هؤلاء المكذبين الذين أهلكهم، ما ظلمهم ولكن كانوا هم الذين ظلموا أنفسهم، فالجناية منهم على أنفسهم، والله عز وجل عاملهم بكمال العدل (...).
* * *
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الروم ٨].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أولًا: توبيخ مَن أعرض عن التفكر؛ لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾، فإن الاستفهام هنا للتوبيخ.
ويتفرع على هذه الفائدة * فائدة أخرى: وهي الحث على التفكر، أليس كذلك؟ ويتفرع عليه فائدة ثانية وهي فائدة التفكر؛ لأن الله لا يحث على شيء ويوبخ عن تركه إلا لِما فيه من الفائدة والصلحة.
* من فوائد الآية: أن محل التفكير هو العقل؛ لقوله: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾، هذا إذا قلنا: إن المراد كون النفس آلة التفكر وطريق التذكر، أما إذا قلنا: محل التذكر فيستفاد منه فائدة، وهي عظيم صنع الله عز وجل في نفس الإنسان وما أودعه فيه من العجائب.
وإذا أردت أن تعرف ذلك فاذهب إلى أهل العلوم والطب، تجد في جسمك العجب العجاب، هذا الطعام اللي أنت تأكله يتحول إلى دم ويتوزع على الجسم بحسب أنسجته، يعني يعطي الأعصاب كمية تليق بها، ويعطي اللحم كمية تليق به، ويعطي العظام كمية تليق بها، سبحان الله العظيم، أنابيب دقيقة مثل الشعر توزع على هذا الجسم بقدر ما يحتاج إليه.
المهم ما هذا نبغي شرحه، ولكن كلامنا على أن في خلق الله عز وجل للإنسان من العجب العجاب ما يبهر العقول، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتاب مفتاح دار السعادة من هذا شيئًا كثيرًا، هذا قبل أن يرتقي الطب إلى ما ارتقى إليه اليوم.
* من فوائد الآية أيضًا: أن الخالق هو الله عز وجل، خالق السماوات والأرض هو الله؛ لقوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، فلم يخلقهما أحد سواه؛ ولهذا قال في سورة الطور: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور ٣٦].
* ومن فوائدها: إثبات عدد السماوات وهي سبع، وأما الأرض فتأتي دائمًا تُفْرَد في القرآن، ما ذُكِرت في القرآن مجموعة، لكن أُشيرَ إلى أنها سبع في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢].
* ومن فوائدها: أن بين السماوات والأرض من المخلوقات العظيمة ما يستحق أن يُجعل قسيمًا لخلق السماوات والأرض، كده ولَّا لا؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: فتش الآن عندكم: السماوات، والأرض، وما بينهما، كلنا يعلم عِظَم الأرض وعِظَم السماء، إذن فعِظَم ما بينهما مُوازٍ لهما.
* من فوائد الآية أيضًا: كمال حكمة الله سبحانه وتعالى وقدرته.
كمال قدرته بأي شيء نستدل عليها؟ بعِظَم مقدوره، كمال القدرة يؤخذ من عِظَم المقدور، وهذا من الدلالة باللازم الذي نوهنا عليه من قبل، وقلنا: إن الله إذا فتح على العبد معرفة لوازم النصوص استفاد بذلك فوائد عظيمة، حتى إنه يأخذ من النص الواحد من المسائل ما لا يأخذ غيرُه نصفَها أو أقلَّ.
أقول:* يستفاد من هذه الآية: عِظَم قدرة الله عز وجل وبالغ حكمته، الحكمة منين نأخذها؟ من قوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، ما هي عبثًا، ﴿بِالْحَقِّ﴾. أما القدرة فنأخذها من عِظَم المخلوق، عِظَم المخلوق يدل على عظمة الخالق.
* ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان ألَّا يضيع وقته سبهللًا وسُدًى، منين نأخده؟ من قوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ لأن ضده الباطل، والباطل إما ضار وإما غير ضار ولا نافع، كل لهو يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا كذا وكذا.
المهم أنه ينبغي ما دام السماوات والأرض كلها خُلِقت بالحق والجد والصدق والثبات، فينبغي لك أن تكون موافقًا لهذه الحكمة التي من أجلها خُلِقت السماوات والأرض.
* ومن فوائد الآية: أن هذا الخلق على عِظَمِه له أجل محدود؛ لقوله: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: مُعَيَّن، وكل شيء في السماوات والأرض كليًّا كان أو جزئيًّا فإنه محدد إلى أجل مسمى، وسواء كان ذلك عينًا أو صفة فإنها محددة إلى أجل مسمى؛ ولهذا من الْحِكَم المشهورة: دوام الحال من المحال.
وهذا يتفرع عليه* فائدة أخرى: وهي أن الخلق ناقص، حيث لم يُقَدَّر له الأبدية، فهو ناقص؛ ولهذا تأتي الحياة الآخرة تأتي كاملة لأنها مؤبَّدة.
* ومن فوائد الآية: كمال الحكمة، حيث كان كل شيء له أجل مقدر منظم: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨]، والمقدار يشمل: مقدار الكمية، ومقدار الكيفية، ومقدار الزمنية، ومقدار المكانية، كل الأنواع الأربعة يشملها قوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ سبحانه وتعالى.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ * يستفاد من هذه الآية: أنه مع هذه الآيات العظمى: خلق السماوات، والأرض، وما بينهما، وتأجيل ذلك بأجل مسمى، وتقديره بتقدير معين، مع هذا كله كثير من الناس ينكرون لقاء الله.
والحقيقة أن العاقل يستدل بهذا التأجيل على وجوب لقاء الله، إذا رأى أصحابه وقرناءه الذين كانوا بالأمس معه إذا رآهم يذهبون واحدًا فواحدًا، هل هذا يحمله على الإيمان ولَّا لا؟ لا شك أنه يحمله على الإيمان؛ لأنه يعلم أنه لو دامت الدنيا لأحد ما وصلت إليك، ما وصلت إليك إلا بعد أن خلفت غيرك.
فإذن تستدل بهذه الآجال المقدرة على أنه لا بد أن يكون شيء وراء هذا، هل من الحكمة أن تُنشئ هذه الخليقة العظيمة وبهذا النظام البديع، ثم تكون النهاية أن يموت الإنسان كجيفة الحمار أو لا؟ أبدًا ليس هذا من الحكمة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص ٨٥]، فهذه الشرائع التي نزلت لا بد أن يكون وراءها شيء، وهو البعث الذي فيه لقاء الله عز وجل، ولكن مع هذا: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾.
* من فوائد هذه الآية: إثبات البعث المفهوم من قوله: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾. * ومنها: أن كل أحد سيلاقي الله عز وجل، منين نأخذه؟ من قوله: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾. وقال تعالى في سورة الانشقاق: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦].
فإذا قال قائل: هل هذا اللقاء شامل للمؤمن والكافر؟ قلنا: نعم، لكن هناك فرقًا بين اللقاءين، كما أن الرجل يلاقي زيدًا ويلاقي عمرًا ويكون بين اللقاءين فرق عظيم، يلاقي هذا بوجه غضب وهذا بوجه رضا، هذا بوجه انقباض وهذا بوجه انبساط وما أشبه ذلك.
* ومن فوائد الآية: إثبات الربوبية العامَّة ولَّا الخاصة؟ العامة؛ لقوله: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾، مع أنه يتكلم عن الكافرين، فهي الربوبية العامة، والربوبية تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢]، فالأولى عامة، والثانية خاصة.
* ومن فوائد الآية: ذمُّ من كفروا بلقاء الله مع آياته العظيمة الدالة على وجوده وحكمته؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾، وهذه الجملة بلا ريب تدل على الذم.
* طالب: يؤخذ منها كثرة الكفار أنهم أكثر الناس؟
* الشيخ: لا، يعني كثيرًا منهم، ما هو قال: أكثرهم. في هذه الآية لا يؤخذ، لكن في غيرها يؤخذ.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يعمل؟ هذا الذي لا يعمل له وجود إيمانه كالعدم؛ لأن الكفر نوعان: كفر جحد، وكفر استكبار.
* طالب: المراد باللقاء هل هو مجرد الرؤية؟
* الشيخ: المراد باللقاء المواجهة، لكنها بعد البعث ومِن لازِمِها البعث.
* الطالب: ومن لازمها الرؤية؟
* الشيخ: الله أعلم مسألة الرؤية؛ لأن الله ذكر في الكفار: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥].
* طالب: تقسيم الربوبية لعامة وخاصة، أيش الفرق بينهما؟ مع أن الربوبية أصلًا..
* الشيخ: الفرق بينهما أن الربوبية العامة تستلزم التصرف المطلق في المربوب، والخاصة: تستلزم مع التصرف المطلق العناية به ونصره وتأييده وما أشبه ذلك، تشبه المعية العامة الخاصة، وتشبه أيضًا مسائل كثيرة من هذا النوع.
قال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم ٩].
* يستفاد من هذه الآية: التوبيخ لمن غفلوا عن السير في الأرض سواء بأبدانهم أو بقلوبهم؛ لأن الاستفهام في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾.
* طالب: للتوبيخ.
* الشيخ: للتوبيخ. ويتفرع على ذلك * على هذه الفائدة: الحث على السير في الأرض، ومن ذلك -من السير في الأرض بالقلوب- مراجعة كتب التاريخ والأمم؛ لأن مَن راجعها لا سيما التواريخ الحريصة على الضبط والمضبوطة، مَن راجعها يتبين له العجب العجاب في خلق الله عز وجل، ومداولته للأيام بين الناس، وتغييره للأمور، وتزيد الإنسان إيمانًا بالله، لكن إن كانت هذه الحوادث من السيرة النبوية وسِيَر الخلفاء الراشدين ازداد بها مع الإيمان بالله أن يصطبغ بصبغتها، ويحتذي حذوها في السير، وإن كانت من الأمور العامة العابرة فإنه يستدل بها على قدرة الله عز وجل، وكمال سلطانه، وتغييره للأمور.
المهم أن السير في الأرض بمعنى مراجعة الحوادث والتواريخ هذه تفيد المرء ويعتبر بها، ولكنها تفيد مَن؟ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧].
* ويستفاد من هذه الآية أيضًا: أن عاقبة الكفار عاقبة وخيمة؛ لقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن الإنسان مهما قَوِيَ فهو ضعيف بالنسبة لقوة الله؛ لقوله: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾، ومع ذلك هل تحصنوا بهذا من عذاب الله؟ الجواب؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، بل إن الله تعالى بحكمته أهلك أعتى أهل الأرض بأهون الأسباب وألطفها، وهم عاد أُهلِكوا بالريح. وأهلك مَن كان يفتخر بالأنهار تجري من تحته أهلكه بأي شيء؟
* طالب: غرق.
* الشيخ: بالماء، بالماء الذي كان يفتخر به بالأمس، وهذا مما يدل على كمال سلطان الله سبحانه وتعالى وعظمته، وأنه مهما قوي الإنسان فهو ضعيف بالنسبة لقوة الله عز وجل.
أظن في عام أربع مئة أو قبلها حصل هزة أرضية في إيران دمرت -بلمح البصر- خمسة وعشرين ألف نسمة من بني آدم، فضلًا عن الحيوانات والمواشي وما إلى ذلك، ودمرت مائتين وثلاثين قرية ومدينتين كبيرتين، والهزة ما هي تهز مثل الأرجوحة، الهزة لمحة بصر، مثل ما حكاها إنسان كتب للشيخ عبد العزيز بن باز في الهزة التي أصابت اليمن، يعني صوَّرها تصويرًا عجيبًا في سرعتها وأصوات صَحِبَتها، وحالة الناس والرعب اللي أصابهم حتى إنه تذهل كل امرأة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها، فهذه القدرة العظيمة هل يمكن لأحد أن ينجوَ منها إذا شاءها الله عز وجل؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا يمكن أبدًا، ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام ٦٥].
* ومن فوائد الآية: أن التأمل في حال الكفار للاعتبار مطلوب، التأمل في حال الكفار للاعتبار يعتبر بها الإنسان أمر مطلوب، لو جاء إنسان وأراد أن يدرس تاريخ أمة كافرة ويش اللي حصل عليها ويش اللي جاها؟ ننهاه عن ذلك؟ إذا كان يريد أن ينتفع بهذا ويعرف ماذا كان عاقبة المجرمين فإنه مأمور به، أما إذا كان يريد أن يتعجب من قوتهم وصنعتهم وما إلى ذلك فإنه يُنهى عنه، مثل ما قلنا في الذين يذهبون إلى ديار ثمود، قصدهم التفرج والنزهة هذا حرام، واللي قصدهم الاعتبار هذا جائز بالشرط الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام، ما هو؟ ألا يدخلوها إلا وهم باكون.
* ومن فوائد الآية: أن إثارة الأرض من أسباب الدنيا، يعني الاشتغال بالزراعة من أسباب القوة بلا شك؛ لأنها يحصل بها الاكتفاء الذاتي عن الغير، إذا كانت بلادنا مثلًا تتنج الثمار والزروع استغنينا بذلك عن غيرنا، وربما يكون لدينا فائض نُصَدِّره لغيرنا فنكسب، فإثارة الأرض من أسباب القوة.
وكذلك عمران الأرض، عمران الأرض بغير الإثارة، بالبناء والتجارة وما أشبه هذا من أسباب القوة.
* ومن فوائد الآية: أن الله تعالى ما ترك أحدًا بدون رسل؛ لقوله: ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن كل رسول معه بينة تؤيده؛ لقوله: ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾.
* ومن فوائدها -من فوائد الرسل وكونهم بالبينات- * يستفاد منها فائدتان -غير ما ذكرنا-: وهي رحمة الله، وحكمة الله، أما الرحمة فلأن العقول لا يمكن أن تهتدي لِما يريده الله منها إلا بالوحي، توافقونني على هذا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم، هل يمكن للإنسان بعقله أن يعرف كيف يتوضأ وكيف يصلي وكيف يصوم وكيف يحج ولَّا ما يمكن؟ لا يمكن، إذن لا بد من أن يكون هناك رسول يأتيه الوحي من الله عز وجل ليبين لنا ما يرضاه الله وما لا يرضاه.
ثانيًا: كون هؤلاء الرسول يأتون بالبينات من الرحمة، لو أرسل الله الرسل بدون بينات وألزم العباد أن يخضعوا لهم بدون أن يكون هناك بينة يطمئنون إليها يكون في هذا من العنت والمشقة ما لا يعلمه إلا الله، ولكن من رحمة الله أن جعل مع كل نبي بينة، ولاحظوا أن الأنبياء الذين تُقَيَّد نبوتهم ورسالتهم بزمن أو مكان -وهم جميع الأنبياء ما عدا محمدًا ﷺ- تجدون آياتهم غالبًا آيات حسية تنتهي بانتهائهم، وتكون بعد موتهم خبرًا يُنْقَل ويُؤْثَر.
أما آية النبي عليه الصلاة والسلام فهي اشتملت آياته على الأمرين على أمور حسية نُقِلَت بعده وأُثِرَت، وعلى أمور معنوية بقيت بعده مثل القرآن العظيم، ومثل إخباره ببعض الأمور الغيبية التي وقعت كما أخبر؛ لأن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام دائمة ومستمرة وثابتة، فلا بد أن تكون الآيات المؤيدة للرسول عليه الصلاة والسلام باقية حتى تقوم بها الحجة على مَن؟ على الباقين من الناس؛ لأن الباقين من الناس إذا لم يشهدوا الشيء بأيديهم وإنما هي أخبار تُؤْثَر، فإنه كما جاء في الحديث: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ»[[أخرجه أحمد (١٨٤١) وابن حبان -الإحسان- (٦٢١٣) عن ابن عباس رضي الله عنهما.]]. إذن نستفيد من إرسال الرسل وإيتائهم البينات فائدتين: وهما: رحمة الله عز وجل، وحكمته.
* ويستفاد من هذه الآية: انتفاء الظلم عن الله لكمال عدله؛ لقوله: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾، نقول: انتفاء الظلم عن الله لكمال عدله.
لو قال قائل: انتفاء الظلم عن الله نوافقكم عليه؛ لأن الله نفاه عن نفسه: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾، لكن لكمال عدله من أين لكم هذا؟
الجواب: لأننا نقول: النفي يدل على انتفاء المنفي، والانتفاء يساوي عدمًا، انتفاء أي عدم، والعدم نفسه ليس بشيء، ما هو بشيء، العدم عدم على اسمه، فإذا كان ليس بشيء فهل يكون صفة كمال يُثنِي الله بها على نفسه وهو ليس بشيء؟
* طالب: لا.
* الشيخ: الجواب لا، إذن لا بد من أن يكون متضمنًا لشيء وهو الإثبات، هذا الإثبات إما أن يكون للعجز، وإما أن يكون لعدم القابلية، وإما أن يكون لكمال العدل، واختر أي الاحتمالات يليق بالله عز وجل، أو انظر أي الاحتمالات يليق بالله عز وجل؟ كمال العدل، وبهذا عرفنا أن التزام نفي الظلم لكمال العدل لازم عقلي بالنسبة لله عز وجل، ما هو بالنسبة لكل مَن يُنفَى عنه الظلم، بالنسة لله عز وجل التزام ذلك لكمال العدل لازم عقلي لا بد منه، وحينئذ* يستفاد منها: انتفاء الظلم لكمال عدل الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية: أن نفس الإنسان عنده أمانة، تؤخذ: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. فأثبت الله تعالى ظلمَ الإنسانِ نفسَه، ولو كانت غير أمانة لكان غير ظالم لأنه يتصرف ويتحكم، لكنها أمانة عنده يجب عليه أن يرعاها حق رعايتها؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام:« «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[[أخرجه البخاري (١٩٦٨) عن أبي جحيفة رضي الله عنه، ولفظه: «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا».]]. وهذا كما يشمل إعطاء النفس راحتها يشمل إعطاء النفس حقها من العبادة، لا تُهملها.
* طالب: قوله: (...).
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: كيف يعني؟
* الشيخ: يقابَل بقوله: ﴿النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر ٢٧]؛ لأن الإنسان فيه ثلاث أنفس: أمارة، ومطمئنة، ولوامة.
أما المطمئنة: فهي التي تأمره برضا الله، وأما الأمارة بالسوء: فهي التي تأمره بمعصية الله، وأما اللوامة: فهي التي تلومه، ويش تلومه عليه؟ صالحة للوجهين: إن لامته على ترك الشر فهذه من النفس الأمارة، اللي قالت له: يا ليتك رحت مع هؤلاء تشرب الخمر وتزني وتقامر.. إلى آخره، تلومه، شوف البنات رُحْن (...) ومكيفة وأنت ما رحت. هذه لوامة لكنها أي النفسين؟
* طالب: الأمارة.
* الشيخ: الأمارة بالسوء.
وفيه نفس لوامة تلومه على فعل الشر وترك الخير، وهذه هي النفس المطمئنة. ففي الإنسان ثلاث أنفس كما ذكر الله في القرآن.
* طالب: مدار النفس فيه ثلاثة، فيه أمارة بالسوء، كيف هو: ﴿كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ والنفس هي الإنسان؟
* الشيخ: إي نعم؛ لأن عنده نفسًا أخرى مقابِلة.
* الطالب: يعني كل إنسان عنده ثلاث أنفس؟
* الشيخ: إي نعم كل إنسان لا بد أن يكون لديه هذه الأنفس.
* طالب: هي أوصاف؟
* الشيخ: إي، هي أوصاف، هي في الحقيقة أوصاف ولَّا النفس العاقلة أو التفكير واحدة.
* طالب: موجودة الجميع؟
* الشيخ: إي نعم موجودة الجميع، الإنسان يوجد فيه الجميع، يحس من نفسه أحيانًا بما يأمره بمعصية، ويحس أحيانًا بما يأمره بالخير، ويحس أحيانًا بما يلومه.
* طالب: يعني هي موجودة فيه ابتداءً (...)؟
* الشيخ: لا عاد، ينبغي أيهما اللي تطالب، من الناس من تطالبه النفس الأمارة، ومن الناس من تأمره المطمئنة تطالبه المطمئنة، تختلف.
* طالب: ابتداءً الله خلقها؟
* الشيخ: ابتداءً الله خلق فيه هذه القوى، هذه القوى النفسية مخلوقة في الإنسان.
قال: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾:
* من فوائد الآية: أن الإنسان بمعصيته لا يضر إلا نفسه، أو لا؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: نعم، ويدل على هذا قوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي:« «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا» »[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧) عن أبي ذر رضي الله عنه.]]. يعني ما يضرني، حتى لو خرجتم عن عبادتي والتعبد لي فإن ذلك لا يضرني، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
* طالب: يؤخذ من الآية إثبات الأفعال الاختيارية للعبد؟
* الشيخ: للعبد؟ إيه، إي نعم،* يؤخذ منها: أن العبد فعله مختار؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، فأثبت الظلم منهم لأنفسهم.
ومن وجه آخر * يؤخذ منه أيضًا من نفس الآية: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾؛ لأنه لو كان يُجبِرهم على ذلك لكان عقوبتهم ظلمًا ولَّا لا؟ لو اعتقد الإنسان أنه يُجبر الإنسان على فعل المعصية ثم يعاقبه عليها، أيكون ذلك ظلمًا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: إي نعم ظلمًا، ففيها دليل على الأفعال الاخيتارية من جهتين؛ من قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، ومن قوله: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾.
هل* يستفاد من ذلك أن الظلم في حق الله من حيث هو ممكن، من حيث القدرة عليه يعني، ممكن ولَّا لا؟
* طالب: ممكن.
* الشيخ: نعم ممكن؛ ولهذا أثنى الله على نفسه بانتفاء الظلم عنه، أو بنفي ظلمِه عبادَه -أحسن- أثنى على نفسه بنفي ظلمه للعباد، ولو كان هذا من الأمور المستحيلة ما صار هناك محل اختلاف، فهو قادر عز وجل على أن يظلم لو شاء، لكنه لا يشاء ذلك لكمال عدله، إذن فالظلم ممتنع على الله، ليش؟
* طالب: لكمال عدله.
* الشيخ: لكمال عدله، خلافًا للجهمية الذين يقولون: إن الظلم ممتنع لاستحالته بذاته على الله، قالوا: هذا شيء مستحيل. فجعلوا محل الثناء أمرًا مستحيلًا عقلًا.
الروم 30:10
قال: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم ١٠]. أولًا: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ﴾، العاقبة مصدر بمعنى العقبى، وفيه قراءتان سبعيتان؛ النصب: ﴿عَاقِبَةَ﴾، والثانية الرفع: ﴿عَاقِبَةُ﴾ .
أما على قراءة الرفع فإنها اسم (كان)، أما على قراءة النصب فإنها خبر (كان) مقدمًا، يبقى النظر أين اسم (كان) على قراءة النصب؟ أو خبرها على قراءة الرفع؟ سيذكرها المؤلف.
قال: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾ أي: عملوا العمل السيئ من الكفار المكذبين للرسل، كما قص الله عز وجل، وأساؤوا ضدها أحسنوا، الذين أحسنوا قال الله فيهم: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]. والذين أساؤوا كان عاقتبهم ما ذكره الله هنا.
وقوله: (﴿السُّوأَى﴾ تأنيث الأسوأ: الأقبح).
﴿السُّوأَى﴾ إذن هي اسم تفضيل، مثل ما نقول: الفُضْلَى اسم تفضيل، والعُظْمَى اسم تفضيل أيضًا. ما مذكر الفُضلى؟ الأفضل. ومذكر العُظمى: الأعظم، ومذكر الأُولى: الأول، ومذكر السوأى: الأسوأ.
إذن فـ ﴿السُّوأَى﴾ هنا اسم تفضيل مؤنث؛ مؤنث الأسوأ.
يقول المؤلف: معنى (الأسوأ: الأقبح)، يعني كان عملهم السيئ كانت نتيجته أسوأ، وهذا أسوأ بالنسبة لما هم عليه من النعيم في الدنيا، فلاقوا بعد ذلك الجحيم.
ولا تظن أن هذه الآية تدل على أن السيئة تُجزَى بأسوأ منها؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٦٠] ، لكن الأسوأ باعتبار حالهم لا باعتبار الجزاء على سُوئِهم، فهم كانوا في الدنيا منعمين، وكانت الدنيا بالنسبة للكافر جنة، فلما ماتوا على الكفر انتقلوا إلى أسوأ وأسوأ بكثير، ولا يُنسَب إلى حالهم في الدنيا.
قال المؤلف في الإعراب: (خبر كان على رفع عاقبة، واسم كان على نصب عاقبة). أفادنا المؤلف أن في ﴿عَاقِبَةَ﴾ قراءتين: النصب، والرفع.
على قراءة الرفع نعربها على أنها؟
* طالب: خبر (كان).
* الشيخ: لا، اسم (كان)، على أنها اسم (كان)، و﴿السُّوأَى﴾ خبرها منصوب بفتحة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر.
وعلى قراءة النصب نعرب ﴿عَاقِبَةَ﴾ خبر (كان) مقدمًا، و﴿السُّوأَى﴾ اسمها مؤخر، هذا أحد الأوجه في الإعراب.
وقيل: إن ﴿السُّوأَى﴾ أنه مفعول مطلق، يعني: أساؤوا السيئة السُّوأى، فيكون مفعولًا مطلقًا. ويكون الخبر أو الاسم: المصدر المؤول من قوله: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾، أي: صار عاقبتهم حين أساؤوا أن كذبوا؛ لأن الأعمال السيئة -والعياذ بالله- تجر إلى السيئة، كما أن الحسنات يَجْرُرْن إلى الحسنات.
ولكن ما ذهب إليه المؤلف أَوْلَى؛ أن نجعل ﴿السُّوأَى﴾ إما خبر كان على قراءة الرفع، وإما اسمها على قراءة النصب.
يقول: (والمراد بها جهنم، وإساءتهم ﴿أَنْ﴾ أي بأن ﴿كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾: القرآن، ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ).
بيَّن لنا المؤلف أن العاقبة أنهم عُذِّبوا بالنار، وأن المصدر في قوله: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ علة لكون عاقبتهم السوأى، أي: لأنهم كذبوا بآياتنا، لكنه أتى بالباء، والباء للسببية واللام للتعليل والمعنى واحد، أي: كانت عاقبتهم ﴿السُّوأَى﴾ لأنهم كذبوا بآيات الله.
هذا بالنسبة لأخبار الآيات كذبوا بها، وقالوا: ليست بصحيحة. وبالنسبة للعمل: ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾، فجمعوا بين الاستهزاء بالأحكام والتكذيب بالأخبار.
وهذا الذي ذهب إليه في إعراب ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ أحد الأوجه أيضًا؛ لأن فيه وجهًا آخر يقول: إن قوله ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ بدل من ﴿السُّوأَى﴾، أو بيان لها، ويكون المعنى: أساؤوا السوأى وهو تكذيبهم، فيكون عاقبتهم إذن التكذيب والاستهزاء.
وعلى كل حال فإنه سواء قلنا: إنها بدل أو عطف بيان من ﴿السُّوأَى﴾، أو قلنا: إنها للتعليل في ثبوت السوأى لهم، فإنه يدل على أن هؤلاء كانوا مكذبين مستهزئين، مكذبين بالخبر مستهزئين بالحكم، يتخذون آيات الله هزوًا في الأحكام، وكذبًا بالأخبار، فتجدهم مثلًا في صلاتهم عند البيت يصلون مُكاء وتصدية، ويسخرون من الذين آمنوا، وما إلى ذلك يتخذونها هزوًا.
وقول المؤلف رحمه الله: (﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾: القرآن) فيه نظر ظاهر؛ لأن الآية عامة، فتشمل مَن كذب بآيات الله بالقرآن بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن كذب بالتوراة في زمن موسى وبالإنجيل في زمن عيسى، فالصواب في الآية العموم.
بل لو قيل: إنه لا يدخل فيها مَن كذب القرآن لكان له وجه، يعني لو قيل: إن الأمر عكس ما قال المؤلف؛ لأن الله قال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾. السياق في قوم سبقوا لا في قوم حاضرين.
فكون المؤلف رحمه الله يجعل الآيات هنا بمعنى القرآن بعيد جدًّا، فإما أن نجلعها للعموم، وإما أن نجلعها للأمم السابقين، أما أن نخصها بالقرآن فهذا فيه نظر ظاهر.
وقوله: ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ المراد بالآيات هنا الآيات الشرعية؛ لأنها محل التكذيب، وقد يكون التكذيب أيضًا بالآيات الكونية.
وقوله: ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ الاستهزاء قوليٌّ ولَّا فعليٌّ؟
* طالب: لا، قوليٌّ.
* الشيخ: يشمل الاستهزاء القولي والاستهزاء الفعلي، الاستهزاء القولي أن يسخر بها، مثل ما ورد في المنافقين قالوا: ما رأينا مثل قُرَّائِنا هؤلاء، أرغب بطونًا ولا أكذب ألسُنًا[[أخرجه الطبري في تفسيره (١٦٩١٢) عن ابن عمر رضي الله عنهما.]]..
يصلي ساخرًا بالصلاة، أو يحج ساخرًا، أو يفعل شيئًا من العبادات على وجه السخرية والاستهزاء والتحقير: ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم ١٠].
قال الله تعالى: (﴿﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ ﴾ أي: يُنشِئ خلق الناس، ﴿﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ﴾ أي: خلْقَهم بعد موتهم، ﴿﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ﴾ بالياء والتاء) [الروم: ١١].
هذا لتأكيد الإيمان باليوم الآخر ذكر الله سبحانه وتعالى بل ذكَّر عباده بأمر يعترفون به، وهو أنه بدأ الخلق، ولا أحد ينكر ذلك، لا أحد يدَّعي أنه خلق نفسه، كل إنسان يعرف أنه مخلوق من عدم، ومن المعلوم أنه لو ادَّعى أنه خُلق من غير خالق فإن كل أحد يكذبه، وإذا أقرَّ بأنه لا بد من خالق فنقول له: مَن؟ عيِّنْه لنا؟ وحينئذ لا يستطيع أن يعين، ونقول: إن الذي خلقك هو الله.
﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ أي: ينشئه أول مرة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس ٧٩]، وتطوير الخلق وجعْلُه أطوارًا أمر معلوم؛ لأن هذا هو مقتضى الحكمة، مقتضى حكمة الله عز وجل أن الأشياء تتطور شيئًا فشيئًا حتى تصل إلى حد الكمال.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ (ثم) للترتيب بمهلة ولَّا للترتيب بتعقيب؟ للترتيب بمهلة؛ لأن الإعادة ما تكون إلا عند قيام الساعة، قيام الساعة تتأخر كثيرًا عن ابتداء الخلق.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: يُرجعه مرة ثانية، وليس يبتدئ خلقًا جديدًا، وإنما يعيد المخلوق الأول -خذوا بالكم- فليس إنشاء خلق جديد بل إعادة ما سبق، وفرْقٌ بين الأمرين؛ لأننا إذا قلنا: إنه ابتداء خلق جديد، فمعنى ذلك أن يُعذَّب مَن لم يعمل، وأن يُنعَّم مَن لم يعمل، وأيضًا هذا النوع كونه يُبتدَأ خلقًا جديدًا ما يُقِرُّه المكذبون بالبعث؛ لأنهم مقرون بالابتداء، إنما هم منكرون أيش؟
* طلبة: الإعادة.
* الشيخ: الإعادة، ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، وعلى هذا فالبعث إعادة وجمع ما تفرَّق وليس ابتداء خلق جديد.
فإذا قيل: هذا المتفرق صار رميمًا ثم ترابًا وتلاشى، أو أن الإنسان أكلته السباع أو الحيتان أو ما أشبه ذلك، نقول: مهما كان فالله تعالى قادر على أن يجمعه ثم يعيده؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: ثم إليه لا إلى غيره.
﴿تُرْجَعُونَ﴾ فيها قراءتان: ﴿﴿يُرْجَعُونَ﴾ ﴾ و﴿تُرْجَعُونَ﴾، فعلى قراءة التاء تكون الجملة للخطاب، وعلى قراءة الياء تكون الجملة للغيبة، فعلى قراءة الياء تكون للغيبة، ويُشكِل على هذا أنه قال: ﴿﴿يُرْجَعُونَ﴾ ﴾ مع أن الخلق ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ مفرد، ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، ومقتضى السياق أن يقول: ثم إليه يُرجَع، لكن قال: ﴿﴿يُرْجَعُونَ﴾ ﴾.
نقول: إن الجواب على ذلك أن الخلق مصدر بمعنى اسم المفعول، فمعنى ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ يعني: يبدأ المخلوقين، لكن لما كان مصدرًا فإن المصدر لا يُثنَّى ولا يُجمع، قال ابن مالك في الألفية:
وَنَعَتُوا بِمَــــــصْدَرٍكَــــــــــــــــــثِيرَا ∗∗∗ فَالْتَزَمُوا الْإِفْرَادَوَالتَّذْكِـــــيرَا
وعلى هذا فنقول: إن الخلق بمعنى المخلوقين، يعني: ثم إلى الله يُرجع هؤلاء المخلوقون بعد الإعادة، وهذا الردُّ إلى الله والإرجاع من أجل الجزاء والحساب، ثم المآل إلى دار النعيم أو إلى دار الجحيم، ﴿﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ﴾.
(﴿﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ﴾: يسكت المشركون لانقطاع حجتهم).
قوله: ﴿وَيَوْمَ﴾، (يوم) هذه ظرف متعلقة بقوله: ﴿يُبْلِسُ﴾، وهي مضافة إلى الجملة بعدها، وين الجملة بعدها؟
* طالب: ﴿تَقُومُ﴾.
* الشيخ: ﴿تَقُومُ السَّاعَةُ﴾، فالجملة إذن في محل جر بالإضافة.
وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ أي تأتي، كما قال الله تعالى: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف ١٨٧].
والساعة المراد بها ساعة البعث، فـ(أل) فيها للعهد، أيُّ العهود؟
* طالب: الذهني.
* الشيخ: الذهني، يعني الساعة المعهودة العظيمة التي فيها قيام الخلق من قبورهم إلى الله عز وجل.
﴿يُبْلِسُ﴾ يقول: (يسكت) ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾. فالإبلاس بمعنى السكوت، وقيل: الإبلاس بمعنى اليأس؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم ٤٩]، أي: لآيسين، ومنه إبليس؛ لأنه أَيِسَ من رحمة الله.
وعلى هذا فيكون ﴿يُبْلِسُ﴾ بمعنى ييأس، ولا يبعد أن تكون الآية جامعة للمعنيين، أي: ييأسون فيسكتون؛ لأنه إذا أيس الإنسان سكت ولم يتكلم بشيء؛ إذ إن الكلام لا ينفعه، وعلى هذا فنقول: إن معنى ﴿يُبْلِسُ﴾؟
* طالب: ييأس.
* الشيخ: ييأس مع السكوت.
وقوله: ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ اسم فاعل من (أجرم)، أي فَعَلَ الْجُرْمَ، وهو الذنب العظيم؛ ولهذا فسَّره المؤلف بقوله: (المشركون)، ويستدل على أن المراد به المشركون بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾ [الروم ١٣]، فهم يوم القيامة ييأسون ويسكتون ولا يجدون لهم حجة: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾.
﴿وَلَمْ يَكُنْ﴾ قال المؤلف: (أي: لا يكون) انتبه، لماذا فسَّر ﴿لَمْ﴾ بـ (لا)؟ ليش؟ لأن (لم) للماضي، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾، فتقتضي أن هذا الأمر قد وقع، وهو واقع أولم يأتِ؟
* طالب: لم يأت.
* الشيخ: لم يأت؛ لأنه يوم القيامة، فعلى هذا يكون الماضي بمعنى المستقبل: يبلس ولم يكن لهم حينئذ، وعندي أنه لا حاجة إلى هذا التأويل، أي: لا حاجة إلى أن نجعل (لم) بمعنى (لا)؛ لأن قوله: ﴿يُبْلِسُ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ﴾ مقيدة بكلمة ﴿يُبْلِسُ﴾، يعني: ولم يكن لهم في حال الإبلاس، وحال الإبلاس يكون يوم القيامة، لكن رأي المؤلف أخْذ الآية على أنها مطلقة بدون أن تُقيَّد بقوله: ﴿يُبْلِسُ﴾، وعلى هذا لا بد أن نقول: إن (لم) بمعنى (لا).
قال: (﴿﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾ ﴾ أي: ممن أشركوهم بالله -وهم الأصنام- ليشفعوا لهم ﴿﴿شُفَعَاءُ﴾ ﴾) إلى آخره.
﴿لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾ ﴿شُفَعَاءُ﴾ أيش إعرابه؟
* طالب: فاعل.
* الشيخ: لا.
* طالب: اسم ﴿يَكُنْ﴾.
* الشيخ: اسم ﴿يَكُنْ﴾. ﴿مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾ خبرها مقدمًا.
وقوله: ﴿شُرَكَائِهِمْ﴾ جمع (شريك)، وهو بمعنى اسم المفعول، كقتيل بمعنى مقتول، أي: مشروك به، والمعنى: مَن جعلوهم شركاء له شركاء مع الله، كما قال المؤلف: (أي: من أشركوهم بالله)، فصار هنا الإضافة من باب إضافة الشيء إلى مفعوله أو إلى فاعله؟ من باب إضافة الشيء إلى مفعوله، أي: الذين جعلوهم شركاء لهم.
وقوله: ﴿شُفَعَاءُ﴾ جمع (شفيع) بمعنى شافع، والشافع هو مَن يتوسط لك إما بجلب منفعة وإما بدفع مضرة، الشافع مَن يشفع لك إما بجلب منفعة أو دفع مضرة، وسمي شافعًا لأنك به كنت شفعًا، كنت قبله منفردًا ومعه شفعًا؛ ولهذا سمي الشفيع شافعًا لهذا الوجه.
قلنا: إن الشفيع هو من يشفع لك ويتوسط إما بجلب منفعة أو دفع مضرة، مثالها في جلب المنفعة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي مثل أيش؟
* الطالب: إنسان فقير يتوسط له عند الملك يعطيه من الصدقات.
* الشيخ: صح هذا جلب المنفعة.
ودفع المضرة؟ مثال دفع المضرة؟ يتوسط له بدفع مضرة.
* طالب: يطلعه من السجن، يتوسط له.
* الشيخ: يطلعه من السجن؟
* الطالب: إي.
* الشيخ: صحيح هذا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، ومثالها أيضًا في الشرع: شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لأهل النار ألَّا يدخلوها، ها؟
* طالب: دفع مضرة.
* الشيخ: دفع مضرة.
وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوها.
* طالب: جلب منفعة.
* الشيخ: هذا جلب منفعة.
هؤلاء ﴿لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾
(﴿﴿وَكَانُوا﴾ ﴾ أي: يكونون) -مثل ما قال في ﴿لَمْ يَكُنْ﴾: (أي: لا يكون)- (أي: يكونون ﴿﴿بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ﴾ أي: متبرئين منهم). نعم، في يوم القيامة هؤلاء الشركاء الذين كانوا يرجون منفعتهم، في يوم القيامة؟
* طالب: يكفرون.
* الشيخ: يكفرون بهم ويتبرؤون منهم، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ [البقرة ١٦٦]..﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة ١٦٧]، فهم يوم القيامة يكفرون بهم، لا هؤلاء ولا هؤلاء، المعبودون يكفرون والعابدون أيضًا يكفرون، كل منهم يكفر ببعض والعياذ بالله، بينما كانوا في الدنيا يرجون شفاعتهم وخيرهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣]، لكنه في يوم القيامة -والعياذ بالله- يتبرأ بعضهم من بعض: ﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم ١٣، ١٤].
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ نقول فيها ما قلنا فيما سبق: أن المراد بالساعة ساعة البعث المعهودة المعلومة.
وقوله: (﴿﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ﴾ تأكيد، ﴿﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ ﴾ أي: المؤمنون والكافرون).
قوله: ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ هي متعلَّق ﴿يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾، يعني أن ﴿يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ متعلِّق بـ ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾. و﴿يَوْمَئِذٍ﴾ الثانية؟
* طالب: تأكيد.
* الشيخ: تأكيد للأولى، والدليل على أنها تأكيد أنها لو حُذِفت وقيل: (ويوم تقوم الساعة يتفرقون) استقام الكلام ولَّا لا؟
* طالب: يستقيم.
* الشيخ: استقام ولكنه يفوت التوكيد الذي أراده الله عز وجل، يعني: في ذلك اليوم في ذلك اليوم، للتأكيد.
وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ التنوين في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في كل مواردها يقولون: إنه عِوَض؟
* طالب: عن جملة.
* الشيخ: عن جملة، أي: يوم إذ تقوم الساعة، وكذلك يقال في حينئذ، ويقال أيضًا في وقتئذ: أن التنوين هنا عوض عن جملة، أي: يوم إذ، وحين إذ يكون كذا وكذا، ووقت إذ يكون كذا وكذا.
وقوله: ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ الضمير يعود على الخلق فيشمل المؤمن والكافر، حتى لو كانوا أقارب؟ لو كان الأب مسلمًا وابنه كافرًا أو بالعكس تفرقوا؛ لأنها دار الجزاء وكلٌّ يُجزَى بعمله.
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ كيف التفرق؟ قال: (﴿﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾ ﴾: جنة ﴿﴿يُحْبَرُونَ﴾ ﴾: يُسَرُّون) [الروم: ١٥].
(أمَّا) يقولون: إنها حرف شرط وتفصيل؛ ولذلك يؤتَى فيها دائمًا في مواضع التفصيل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل ٥] ثم قال ضده؟
* طالب: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل ٨].
* الشيخ: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾. وهي أيضًا حرف شرط، ولذلك تحتاج إلى جواب: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ [الليل ٥ - ٧]، وهنا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾ [الروم ١٥]، فتكون إذن حرف شرط وتفصيل، وهي أيضًا متضمِّنة لمعنى التوكيد، فإنها تؤكِّد، فإن قولك: أمَّا مَن فعل كذا فله كذا، أقوى من قولك: فمَنْ فعل كذا فله كذا. فتفيد على هذا الشرطية والتفصيل والتوكيد، وهو تقوية للكلام.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، والخبر: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾.
قوله: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يعني جمعوا بين الإيمان والعمل، واعلم أن الإيمان إذا أُطلِق شمل العمل كما أن عمل الصالحات إذا أُطلِق يشمل الإيمان، يعني إذا أُفرِد قصدي، قصدي بالإطلاق الإفراد، وإذا قُرِن أحدهما بالآخر صار الإيمان بالأعمال الباطنة، والأعمال بالأعمال الظاهرة بعمل الجوارح.
الإيمان يشمل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، هكذا فسره النبي ﷺ لجبريل حين سأله: ما الإيمان؟ قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) عن ابن عمر رضي الله عنهما.]].
الأعمال الصالحة العمل كلمة (عمل) يشمل الفعل والقول، العمل الصالح يشمل قول اللسان وعمل الجوارح، والعمل الصالح مرَّ علينا كثيرًا بأنه ما جمع بين أمرين، وهما: الإخلاص لله عز وجل، والمتابعة لرسوله ﷺ.
وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لا بد من هذين الأمرين: إيمان، وعمل. مجرد الإيمان ينفع ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما ينفع بدون عمل، والعمل بدون إيمان أيضًا لا ينفع، لا بد من إيمان وعمل، وبهذا نعرف أن بعض النصوص المطلَقة التي فيها الوعد بالجنة لمن كان في قلبه أدنى حبة خردل من إيمان وما أشبه ذلك، أن المراد الإيمان المتضمِّن للعمل تحقيقًا أو تقديرًا.
* طالب: ما التحقيق والتقدير؟
* الشيخ: تحقيقًا بأن يكون عاملًا فعلًا، وتقديرًا بأن يكون ما تمكَّن من العمل لكن معه الإيمان، كما لو آمن عند قرب وفاته مثل الأُصَيْرم من بني عبد الأشهل، قصته معروفة في أُحُدٍ.
وقوله: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ الجملة هنا اسمية للدلالة على الثبوت والاستمرار، ﴿فِي رَوْضَةٍ﴾ يقول المؤلف: (جنة)، وهي كذلك، الروضة: هي عبارة عن البساتين المشتملة على الأزهار والأشجار والروائح الطيبة والمناظر البهيجة؛ ولهذا قال: (﴿﴿يُحْبَرُونَ﴾ ﴾ أي: يُسَرُّون). وقيل: ﴿يُحْبَرُونَ﴾: يُنَعَّمون، وهما متلازمان؛ لأن النعيم يحصل به السرور، هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضة يحبرون.
التقسيم الثاني: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم ١٦]، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بترك العمل الصالح، ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ فلم يؤمنوا.
وقول المؤلف: (﴿﴿بِآيَاتِنَا﴾ ﴾: القرآن) صحيح؟
* طالب: سابق.
* الشيخ: القرآن لا، ما هو من السابق، القرآن وغير القرآن، هذا قطعًا يشمل القرآن وغير القرآن؛ لأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات والذين كفروا وكذبوا بآيات الله ولقائه هؤلاء يكونون في هذه الأمة ويكونون في غيرها.
وقوله: (﴿﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ ﴾ البعث وغيره) ويش هو البعث؟ الإخراج من القبور، (وغيره): من الحساب والجزاء والجنة والنار، فيكذبون بها ويقولون: ما فيه لا جنة ولا نار ولا حساب ولا عذاب.
والعجيب أن هذا القول الباطل الفاسد نحا إليه مَن يسمون أنفسهم بالحكماء -وهم الفلاسفة- يقولون: إنه ما فيه جنة ولا نار ولا بعث، ولكن الرسل قالوا للناس هذا من أجل إقامتهم على الطريق التي اخترعوها لهم، ويزعمون -والعياذ بالله- أن الرسل رجال عباقرة عندهم ذكاء وحسن سيرة وتنظيم، لكنهم لو قالوا للناس: افعلوا كذا أو لا تفعلوا كذا، بدون ترغيب ولا ترهيب؛ ما أطاعهم الناس، فكانوا يقولون للناس: إن لكم ربًّا عظيمًا وإلهًا قادرًا وإن لكم معادًا يكون فيه الجنة أو النار.
وهم -والأمر ليس كذلك عندهم يعني- وإنما ذكروا ذلك من أجل إقامة الناس على الطريق التي سنُّوها لهم. وهذا معناه الكفر بالبعث وبالرسالة وحتى بأنفسهم؛ لأن مَن لم يؤمن بالله عز وجل فقد كفر أول ما كفر بنفسه؛ لأنه أنكر أن يكون له خالقًا.
وقوله: (﴿﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ ﴾ البعث وغيره ﴿﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ ﴾) أعوذ بالله، ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ﴾ المراد بالعذاب هنا العقوبة وجعل العذاب ظرفًا لهم؛ لأنه محيط بهم من كل جانب، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت ٥٥].
﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أيش معنى ﴿مُحْضَرُونَ﴾؟ من الإحضار، أحضرته بمعنى جعلته يحضر هذا الشيء، فهؤلاء مُحضَرون في العذاب غصبًا عليهم، لو رجع الأمر إلى أنفسهم ما حضروا، لكنهم يُحضَرون فيه كرهًا: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾.
قال الله تعالى: (﴿﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ ﴾ أي: سبِّحوا الله) [الروم: ١٦، ١٧].
إعراب ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾.
* طالب: منصوبة على أنها مصدر، وهي ملازمة له.
* الشيخ: وعاملها؟
* الطالب: وعاملها: سبحوا الله.
* الشيخ: نعم، المؤلف يقول: (أي: سبحوا الله) فجعل المفعول المطلق هنا بمعنى فعل الأمر، لا على أن عامله محذوف، بل جعله نائبًا عن فعله (أي: سبحوا الله)، وتسبيح الله تعالى معناه تنزيهه عما لا يليق به، وهذا يتضمن شيئين أحدهما: تنزيه الله عن كل نقص في صفات كماله، والثاني: تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين.
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾، أقول: التنزيه يتضمن أمرين:
أولًا: تنزيه الله عن النقص في صفات كماله.
وثانيًا: تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين.
أما الأول فإننا نرى كثيرًا ما يذكر الله عز وجل أنه لا يتعب ولا يظلم ولا يغفل وما أشبه ذلك، لماذا؟ لكمال صفاته.
وأما مشابهة المخلوقين فقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، وتنزيه الله عن مشابهة المخلوقين هو في الحقيقة تنزيه له عن النقص؛ لأن المخلوق ناقص، وتشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا، بل إن المقارنة بينه وبينه تحط من رتبته، كما قيل:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّـــــــيْفَ يَنْقُـــــــصُقَدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ يقول المؤلف: (أي: سبحوا الله، بمعنى صلوا)، فأفادنا المؤلف أن المراد بتسبيح الله تعالى هنا: تسبيح خاص وهو الصلاة، من أين أخذ هذا التخصيص؟ يعني لو قال قائل: التسبيح عام يشمل الصلاة وغيرها؟ أخذه المؤلف من تقييده بهذه الأوقات، فإن تقييده بهذه الأوقات يدل على أن المراد الصلاة.
وأُطلِق على الصلاة التسبيح؛ لأن التسبيح من واجباتها، كما قال الله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة ٧٤]، قال النبي ﷺ: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ»، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى ١] قال: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٨٦٩) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه.]]. وعلى هذا فتكون الصلاة هي المراد بالتسبيح، ويدل على التقييد أيش؟ أو ما يدل على التخصيص؟ تقييدها بأوقات الصلاة (...).
* * *
﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم ١٠].
* يستفاد من هذه الآية: سوء العاقبة للمسيئين؛ لأن عاقبة هؤلاء الذين أساؤوا أيش عاقبتهم؟ ﴿السُّوأَى﴾.
* طالب: (...) أم على الشك؟
* الشيخ: نشوف، لقوله: ﴿السُّوأَى﴾، وهذا على رأي المؤلف ظاهر؛ لأنه جعل ﴿السُّوأَى﴾ هي خبر (كان) أو اسمها على اختلاف القراءة في ﴿عَاقِبَةَ﴾.
* يتفرع على هذه الفائدة: أن عاقبة المحسن الحسنى؛ لأن الحكم يدور مع علته، فإذا كانت عاقبة المسيئين السوأى فإن عاقبة المحسنين الحسنى، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦].
* ومن فوائد الآية: أن الإساءة هنا هي التكذيب بآيات الله، والاستهزاء بها على تقدير المؤلف؛ لأنه قال: (أي: بأن ﴿﴿كَذَّبُوا﴾ ﴾). وعلى الرأي الثاني يكون قوله: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ هي العاقبة.
* ويستفاد منها: أن عاقبة المعاصي تكون الكفر؛ التكذيب بآيات الله والاستهزاء بها، إذا قلنا: إن قوله: ﴿أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ أي: عملوا السيئات؛ كان عاقبتهم التكذيب والاستهزاء، يكون معنى ذلك أن المعاصي تكون سببًا للكفر، وهو كذلك، وقد قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر.
* ومن فوائد الآية: أن الوحي الذي أنزله الله على الرسل من آياته؛ لقوله: ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، وإنما كان من آياته لما يشتمل عليه من الصدق في الأخبار، والنفع في القصص، والعدل في الأحكام، والإصلاح، فكل الكتب النازلة كلها متضمنة لهذه الأمور: صدق في الخبر، نفع في القصص، عدل في الأحكام، مصلحة للعباد؛ ولهذا كانت هذه الكتب من آيات الله؛ لأنه لا يمكن للبشر أن يضعوا مثلها.
* من فوائد الآية: الفرق بين التكذيب والاستهزاء، فالتكذيب: رد الخبر، والاستهزاء: السخرية بالأعمال الظاهرة أو الباطنة، أيهما أشد؟
* طالب: الاستهزاء.
* الشيخ: الاستهزاء أشد؛ لأنه جامِعٌ بين التكذيب والسخرية.
* ومن فوائد الآية: التحذير من أعمال السيئات، حيث كانت هذه عاقبتها، سواء قلنا: إن السوأى هي العاقبة، أو إن العاقبة هي التكذيب، فإنه يتضمن التحذير من الأعمال السيئة.
ثم قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم ١١].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: قدرة الله سبحانه وتعالى حيث ابتدأ الخلق.
* الفائدة الثانية: ثبوت حدوث العالم، وأنه ليس قديمًا لا أوَّل له كما زعمت الفلاسفة؛ لأن الله ابتدأه، والمبتدأ معناه أنه كان بالأول؟
* طالب: عدم.
* الشيخ: عدمًا.
* ومن فوائد الآية: ثبوت البعث؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾.
* ومن فوائدها: أن البعث ليس ابتداء خلق ولكنه إعادة، خلافًا لمن قال: إن البعث ابتداء خلق، منين نأخذها؟
* طالب: ﴿يُعِيدُهُ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، والضمير يعود إلى خلق المبتدأ، وقد سبق لنا في كلامنا على هذه الآية أنه لو كانت الإعادة ابتداء خلق جديد لكان يعذَّب مَن لم يعمل ويُنعَّم من لم يعمل، ولكن البعث إعادةٌ لما سبق.
* طالب: شيخ، إعادة لنفس الأجسام، ولَّا تنبت نباتًا جديدًا؟
* الشيخ: نفس الأعيان هذه التي تفتت وذهبت تُعاد يعيدها الله، نفس التراب إذا تحول إلى تراب يُعاد، وهكذا.
* الطالب: ما هو يعني يخلق جسمًا (...).
* الشيخ: إي، لكن هذا الجسم المخلوق هو نفس الأول، يجمع الله تعالى ما تفرق منه ثم يحييه.
* ومن فوائد الآية: الاستدلال بالمبدأ على المعاد، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿يَبْدَأُ﴾ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾؛ لأن هذا استدلال بالمبدأ على المعاد، والاستدلال بالمبدأ على المعاد استدلال حقيقي ومنطقي ومعقول، أيهما أصعب وأشد؟
* طلبة: الأول.
* الشيخ: الأول، فالقادر على الابتداء قادر على الإعادة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٧]، الكل هيِّن لكن هذا أهون؛ لأن هذا إعادة.
* ومن فوائد الآية: أن مرجع الخلائق إلى الله عز وجل في الآخرة ولَّا حتى في الدنيا؟ في الدنيا وفي الآخرة، أما في الآخرة فيرجعون إلى الله ليحكم بينهم بالجزاء، وأما في الدنيا فيرجعون إلى الله ليحكم بينهم بالعمل: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠] هذا خبر، و: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩]. فالمهم أن المرجع إلى الله دنيا وأُخرى، فنحن نرجع إلى الله تعالى في أمور دنيانا، وفي أمور ديننا، وكذلك في أمر الآخرة نرجع إلى الله ويجازينا بما نستحق.
* طالب: في الآية (...) الآخرة.
* الشيخ: لا هي كان الآخرة بالأولوية فقط؛ لأنه في السياق هذا، ولكنها لا مانع أن تكون على العموم لا سيما أنه ذكر: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ [الروم ٢٧].
* ومن فوائدها: أنه لا يجوز التحاكم إلى غير الله، من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، تؤخذ من الجملة هذه، لكن ما وجهه؟ الحصر؛ لقوله: ﴿إِلَيْهِ﴾، فإنه يعني: لا إلى غيره.
ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الروم ١٣].
* يستفاد من هذه الآية: أولًا قيام الساعة، وأنه كائن لا محالة؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾.
* ومن فوائدها: أن أهل الشرك إذا قامت القيامة سكتوا وأَيِسُوا من الرحمة؛ لقوله: ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾، بخلافهم في الدنيا، فإنهم في الدنيا يعاندون ويستعلون بآلهتهم، كما قال أبو سفيان: اعل هبل[[كما في حديث البخاري (٣٠٣٩) عن البراء بن عازب رضي الله عنه.]]. لكن في الآخرة لا حراك لهم ولا صوت: ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن هذه المعبودات لا تنفع أصحابها في أحوج ما يكونون إليه ولَّا لا؟ وجه ذلك من الآية: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾، وهذاك محل الشفاعة، ذلك اليوم هو محل الشفاعة، لكنهم لا يستفيدون من هذه الأصنام، بل أكثر من هذا * إفادة ثانية: أنهم يكفرون بها: ﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾، يكفرون بهم، كما أن الأصنام تكفر بهم أيضًا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف ٥، ٦]، ويتبرأ كلٌّ من الآخر مع أن ذلك هو محل الأزمة ومحل الفرج.
* ومن فوائد الآية: الإشارة إلى أن هؤلاء المشركين إنما أشركوا لطلب أن يكون هؤلاء المشرَكون شفعاء، وهذا ما صرح الله به في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣].
فإذا قال هؤلاء الذين يعبدون القبور: نحن لا نعبدهم لأننا نرجو منهم نفعًا مباشرًا، لكن نعبدهم ليشفعوا لنا إلى الله. قلنا: هذا شرك الأولين، وهذا ما حكى الله عن المشركين؛ أنهم لا يريدون النفع المباشر، لكنهم يريدون أن تكون شفيعة لهم عند الله عز وجل.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم ١٤، ١٥] إلى آخره.
* يستفاد من الآية من قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾: إثبات القيامة.
* ومن فوائدها: أنه في ذلك اليوم يتفرق الناس إلى فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير.
* ومن فوائدها: أن الآباء مع أولادهم، والأمهات مع أولادهم، إذا كان أحدهم كافرًا والثاني مؤمنًا يتفرقون، ولَّا يمكن أن ينقذ أحد أحدًا في ذلك اليوم؛ لعموم قوله: ﴿يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الروم ١٤، ١٥]، ولم يستثنِ الأولاد مع والديهم أو بالعكس، ففي ذلك اليوم ما فيه اجتماع إلا إذا كانوا على الحق.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا ما يشمل (...)؛ لأن المؤمنين تفرُّقُهم إلى جهة واحدة؛ ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فجعلهم قسمين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: في منازلهم في الجنة معلوم أن كلًّا في منزلته، ولكن في عرصات القيامة يكون الفريق جميعًا فريق المؤمنين جميعًا وفريق الكفار جميعًا، لكن في منازلهم في الجنة يختلفون، الكل في منزلته.
* طالب: لكن تفرقوا، يُحْمَل على (...) كل إنسان مستقل بنفسه، حتى ولو كفروا (...).
* الشيخ: لا ما هو بالظاهر؛ لأن قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقتضي أن المقصود تفرق الجنس، يعني ينقسمون مثل ما قال الله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى ٧].
* طالب: تفرقهم يا شيخ في الجنة والنار ولَّا في عرصات القيامة؟
* الشيخ: في عرصات القيامة يوم تقوم الساعة، فيتفرق هؤلاء فريق إلى الجنة وفريق إلى النار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾، والثانية: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة الإيمان والعمل الصالح حيث كان جزاؤه ما ذُكِر، والتحذير من الكفر حيث كان جزاؤه ما ذُكِر أيضًا.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أن الإيمان والعمل يختلفان إذا اجتمعا، ويتفقان متى؟ إذا افترقا، يتفقان إذا افترقا ويختلفان إذا اجتمعا، وعلى هذا يكون كل منهما بمعنى الآخر عند الافتراق، ويختلف كل منهما عن الآخر عند الاجتماع.
* ومن فوائد الآية: أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالِحًا؛ لقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وحيث فسرنا الصالح بأنه ما اجتمع فيه الإخلاص والمتابعة، يستفاد منه: أن العمل الذي فيه الشرك لا ينفع صاحبه، وهذا واضح، ففي الصحيح من حديث أبي هريرة رضى الله عنه، عن النبي ﷺ أن الله قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]].
وهل هذا يشمل الشرك في الصفة وفي أصل العمل، أو نقول: إذا كان أصل العمل لا شرك فيه والصفة فيها شرك قُبل أصل العمل دون صفته؟ يعني مثلًا رجل أراد أن يصلي الراتبة لله لكنه أحسنها وأتقنها واطمأن فيها مراءاة، هل نقول: إن هذا (...)؟
يذكر الله يسبح لكان يسبح مرة واحدة، وللمراءاة يسبح ثلاثًا، نقول: التسبيح الثلاث هذا ما ينفعه منه (...)، لكنه لا يكفي أيضًا أن نقول: إنه بطل العمل، بل يأثم على ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]. فالشرك من خصائصه -ولو كان أصغر- ما يغفر إلا بتوبة.
* طالب: ما يفرق بين الإصرار وعدمه في الشرك؟
* الشيخ: لا ما يفرق، ما دام لم يصل إلى حد الأكبر فهو أصغر، لكنه يفرق بينهما من جهة الإصرار، فالإصرار عليه يكون أعظم من فعله مرة دون أخرى.
* الطالب: لكن (...).
* الشيخ: إذا طرأ الرياء في أثناء العبادة فإنه إن كافحه ودافعه ما ضره، وإن استرسل معه واطمأن إليه فإنه يضره، ثم هل يكون مبطلًا للعبادة ولَّا غير مبطل؟ إن كانت العبادة تتجزأ كما لو أراد أن يتصدق بصاعين فأخرج صاعًا بدون رياء، ثم أخرج الثاني برياء، فإن البطلان يختص بما حصل به الرياء فقط؛ لأن الأول صار صحيحًا.
وإن كان بالعكس ما تتجزأ كما في الصلاة فإن من أهل العلم مَن يرى أنها تبطل الصلاة، تبطل لأنه طرأ عليه الرياء، وهي لا تتجزأ فلا يمكن أن يصح أولها دون آخرها. ومنهم مَن يقول: لا تبطل لأن أصل هذا العمل خالصًا لله عز وجل، فلا يبطله الرياء.
* ومن فوائد الآية: أن الجنة روضة؛ لقوله: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾، ويُروى أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال للنبي ﷺ ليلة عُرج به: «أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ»[[أخرجه الترمذي (٣٤٦٢) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]].
* ومن فوائدها أيضًا: أن هذه الجنة مملوءة بالسرور؛ لقوله: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾؛ لأن الحبور معناه التنعم والسرور الذي لا شيء فوقه.
* طالب: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ هذه، الفعل بتاعها (حبر) ولا أيش؟
* الشيخ: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ هذه فعل مضارع مبني للمجهول.
* الطالب: الماضي منها؟
* الشيخ: الماضي (حُبِر) مبني للمجهول. والماضي منه إذا كان مبنيًّا للفاعل الظاهر أنه بالكسر (حَبِر)، خصوصًا إذا قلنا: إنه بمعنى (سُرَّ)، فتكون مثل: فَرِحَ يَفْرَحُ، حَبِرَ يَحْبَرُ. قال: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية أيضًا: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى آخره، فمن فوائدها أن الكفر أعمُّ من التكذيب؛ لأن العطف يقتضي المغايرة: ﴿كَفَرُوا وَكَذَّبُوا﴾؛ لأن الكفر ينقسم إلى قسمين: إما جحد، وإما استكبار؛ فلهذا كان أعم من التكذيب.
* ومن فوائد الآية: أن الكتب المنزلة من آيات الله، وسبق لنا قبل قليل وجه كونها من آيات الله؛ لقوله: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾.
* ومن فوائدها: إثبات البعث وأن منكره كافر؛ لقوله: ﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾، هذا اللقاء العظيم الذي يتلاقى فيه كل المخلوقات ويلاقون الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية: أن هؤلاء المكذبين الكافرين يُحضَرون إلى العذاب قسرًا وقهرًا؛ لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾، وهو كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور ١٣]، يعني: يُدفَعون بعنفٍ وشدة والعياذ بالله، ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور ١٤]. ومعلوم أنهم لو رجع الأمر لاختيارهم يدخلونها ولَّا لا؟
* طلبة: لا يدخلونها.
* الشيخ: ما يدخلونها، لكنهم يُدفعون بعنف وشدة حتى يدخلوها. وقال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم ١٧] إلى آخره، نعم.
* طالب: بالنسبة لآيات التفصيل، هل تدل على حسرة التفرق إلى هذين الفريقين؟
* الشيخ: إي نعم، بمعنى هذا.
* الطالب: طيب (...) مثلًا مَن توفي قبل البلوغ؟
* الشيخ: صحيح فيمن توفي قبل البلوغ ومَن لم تبلغه الدعوة أيضًا، إن كان مَن توفي قبل البلوغ من أولاد المؤمنين فهو مؤمن.
* الطالب: مطلقًا؟
* الشيخ: مطلقًا تبعًا لأبويه، أو للمؤمن منهما، وأما مَن تُوفي قبل البلوغ وهو من أهل الملة كفار، وهو لم يميز، فإنه أصح الأقوال فيه أنه يُمتحَن يوم القيامة بما يشاء الله عز وجل، ثم تكون النتيجة إما إلى الجنة وإما إلى النار.
* الطالب: هذا في مرحلة التمييز أم البلوغ؟
* الشيخ: لا، التمييز، مرحلة التمييز.
* الطالب: طيب وهذه بالنسبة لأولاد المسلمين مثلًا مطلقًا أنهم..
* الشيخ: إي نعم مطلقًا تبع لآبائهم.
* الطالب: لكن لا يُشهد لهم بالجنة؟
* الشيخ: لا، لا شك كما لا يُشهد لآبائهم، لكن يُشهد بالعموم والجنس نشهد لكل مؤمن بأنه في الجنة، وأما التعيين فيحتاج إلى نص.
* طالب: الامتحان يا شيخ ورد فيه نص ولا أيش؟
* الشيخ: إي ورد فيه آثار، أحاديث ضعيفة وآثار عن الصحابة.
* الطالب: لو امتُحِن هيؤمن لأنه شايف كل شيء، لو امتُحِن يعني لا بد يؤمن؛ لأنه -سبحان الله- كل شيء أمامه والله سبحانه وتعالى هو اللي يمتحنه، كيف يكون هذا سبحان الله؟!
* الشيخ: إذا آمن، لكن أما تعلم أن الله يقول: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١]، يعني الآن الآيات التي جاءت بها الرسل واضحة ولَّا كلها غير واضحة؟
* الطالب: واضحة، بس..
* الشيخ: واضحة ومع ذلك كفروا.
* الطالب: بس إن الله سبحانه وتعالى هو نفسه اللي يمتحنه.
* الشيخ: وقد لا يُمتَحن بأن يقال: وهل تصدق بهذا اليوم ولَّا لا؟ قد يُمتحن في أمور أخرى؛ ولهذا قلنا: الله أعلم بما يمتحنه به، قد يمتحنه بأمر يمكن أن يقع فيه اشتباه.
* الطالب: أو لعله يُخفى عنه مثلًا ما حوله من..
* الشيخ: ما ندري الله أعلم، (...).
والصحيح هذا المعنى «هُمْ مِنْهُمْ»، فيه حديثان: «هُمْ مِنْهُمْ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) عن ابن عمر رضي الله عنهما.]]، «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ». لكن «هُمْ مِنْهُمْ» قالوا: منهم في أحكام الدنيا، فولدُ المشركِ اللي أبواه كافران يُحكَم بأنه كافر؛ فلا يُغسَّل، ولا يُكفَّن، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفَن مع المسلمين، لكن في الآخرة يكون الجواب الثاني، حين قال الرسول ﷺ لعائشة: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ»[[أخرجه أبو داود (٤٧١٢)، وهو في الصحيحين؛ البخاري (١٣٨٤)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
* طالب: شيخ فيه حديث في البخاري، لما سُئل (...) الذراري، قيل له: وأولاد المشركين؟ قال: «وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ»[[رواه البخاري (٧٠٤٧) من طريق سمرة بن جندب.]].
* الشيخ: ما أعرف حاله، أعطنا الحديث نيجي نشوفه أيش المعنى؟ (...).
* * *
وقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ [الروم ١٨] جمله مكونة من مبتدأ وخبر، والخبر مقدم لإفادة الحصر، فله وحده الحمد، وحمْد الله تعالى يختص بأنه حمدٌ يستحقه المحمود؛ ولهذا نقول: إن اللام هنا للاستحقاق والاختصاص.
وقوله: (ال) في قوله: ﴿الْحَمْدُ﴾ هذه للعموم، يعني جميع المحامد لله سبحانه وتعالى في السموات والأرض، وهو سبحانه وتعالى محمود على كل حال، وكان النبي ﷺ إذا أصابه ما يسره قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ». وإذا كان الأمر على خلاف ذلك قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) عن عائشة رضي الله عنها.]].
وأما ما يقوله بعض العامة: (الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه). فهذا وإن كان حقًّا لكنه لا ينبغي التعبير بهذا الشيء؛ لأنه فيه شيء من العتب على الله عز وجل في قوله: الذي لا يُحمد على مكروه سواه. وإنما يقال كما قال النبي ﷺ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ».
وقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقول المؤلف: (اعتراض، أي: يحمده أهلُهما). هذا لا شك أنه داخل في الآية، أنه له الحمد يعني أنه يُحمد، ولكن ينبغي أن يقال بما هو أعم، أي: أن ما خلقه في السماوات والأرض فإنه مستحق الحمد عليه، سواء حُمِد أم لم يُحمد، فكل ما في السموات والأرض فإنه شيء يُحمد الله عليه.
أما في أمور الخير فظاهر، وأما في أمور الشر فيظهر ذلك في أن الشر بالنسبة لفعل الله وإيجاده له ليس بشر، بل قال النبي ﷺ: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) عن علي رضي الله عنه.]]. فلا ينسب إليه الشر.
مثال ذلك: الجدب والمرض والفقر والجهل والاقتتال بين الناس والخسوفات في الأرض، هذه كلها بالنسبة للإنسان شر، لكنها بالنسبة لقضاء الله خير؛ لأن الله ما قضاها إلا لحكمة، فحينئذ يكون محمودًا عليها ولَّا لا؟ يكون محمودًا عليها.
والشر في المقضِيِّ لا في القضاء؛ ولهذا في حديث الحسن بن علي قال: وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ[[أخرجه أبو داود (١٤٢٥) عن الحسن بن علي -رضي الله عنهما- قال: علَّمني رسولُ اللهِ ﷺ كلماتٍ أقولُهُنَّ في الوترِ.. الحديث.]] : شر الذي قضيت، فأضاف الشر إلى المقضِيِّ لا إلى القضاء.
ثم اعلم أيضًا أن المقضِيَّ ليس شرًّا محضًا، حتى المقضِي نفسه ليس شرًّا محضًا، بل هو شر من وجه خير من وجه آخر، أو شر في محل خير في محل آخر، مثلًا الفساد في البر والبحر شر، لكنه خير من جهة عاقبته؛ لأن الله قال: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]، إذن هذا خير.
كذلك أيضًا قد يكون شرًّا في مكان لكنه خير في مكان آخر؛ إهلاك الأمم السابقين بذنوبهم شر بالنسبة لهم، وهلكوا ولا رجعوا ولا استفادوا، لكن بالنسبة لغيرهم ممن يعتبر بحالهم خير، فيكون هذا شرًّا في محله خيرًا في محل آخر.
والمهم أن قضاء الله نفسه ليس فيه شر أبدًا بل هو خير؛ ولذلك قال: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ في جميع الأحوال، المقضي يكون فيه الشر، ومع ذلك فإننا نقول -مع إثباتنا أن الشر في المفعولات لا في الفعل- نقول أيضًا: إن هذا الشر في المفعولات ليس شرًّا محضًا لا خير فيه أبدًا -أنتم معنا؟- بل قد يكون شرًّا من وجه وخيرًا من وجه في نفس المحل، كقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]. وقد يكون شرًّا في محله خيرًا في محل آخر، مثل أيش؟ شرًّا في محله ما فيه خير في محله لكنه في محل آخر خير.
* طالب: (...) لهم شر، ولغيرهم..
* الشيخ: ولغيرهم ممن يعتبر بهم خير.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، خصهما بالذكر لأنهما محل نفوذ فعله؛ السماوات والأرض، فإن الذي في السماوات والأرض من الملائكة والبشر والجن وغيرها كلها تحمد الله، وكلها محل حمْدِه.
فإذا قال قائل: هل الكافر يحمد الله؟ فالجواب: بلسان المقال لا، وبلسان الحال نعم. بمعنى أن حاله تستوجب لمن تأمَّلها أن يحمد الله، هذا معنى قوله: إن هذا يحمد بلسان الحال أو يسبح بلسان الحال. يعني: أن حاله مَن تأمَّلها عرف بها ما يستحقه الله تعالى من الحمد والتنزيه.
وقوله: ﴿وَعَشِيًّا﴾ معطوف على قوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾، يعني: وسبحوا الله عشيًّا، والعشيُّ من الزوال إلى غروب الشمس، وفي حديث أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢)، ومسلم (٥٧٣ / ٩٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
﴿وَعَشِيًّا﴾ قال المؤلف رحمه الله: (﴿﴿وَعَشِيًّا﴾ ﴾ عطْفٌ على ﴿﴿حِينَ﴾ ﴾ وفيه صلاة العصر، ﴿﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ﴾: تدخلون في الظهيرة وفيه صلاة الظهر).
﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ معطوفة على قوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ ولَّا على قوله: ﴿وَعَشِيًّا﴾؟ على ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾؛ لأنه سبق لنا أن القاعدة في المعطوفات أن يكون العطف على أول واحد؛ لأنه هو المحل الذي وقع عليه عمل العامل، فيكون العطف على الأول، فإذا قلت: قام زيد وبكر وعمرو. فإن عمْرًا معطوف على زيد.
قال: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾.. هذه الأوقات الخمسة هي أبسط ما ذكره الله تعالى في القرآن من أوقات الصلوات، وذكرها مجملة في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء ٧٨]، ففي هذه الآية: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ يعني: وقت دلوك الشمس؛ لأن اللام للتوقيت، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١] أي: وقت استقبال عدتهن. فـ ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾: لزوالها.
﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، ما هو غسق الليل؟
* طالب: شدة ظلمته.
* الشيخ: نصفه، شدة ظلمته وذلك عند انتصافه؛ لأن أشد ما يكون الليل ظلمة إذا انتصف لأن نصف الليل هو أبْعَدُ ما تكون الشمس عن سطح الأرض، ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، يدخل في هذا -من زوال الشمس إلى نصف الليل- أربع صلوات: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء.
ثم قال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، ففصله، والمراد به صلاة الصبح، وفصْلُه عما قبله يدل على أن وقت العشاء ينتهي بنصف الليل، وهذا هو الذي دلَّت عليه السنة أيضًا، ومن قال: إنه ينتهي بطلوع الفجر، فلا دليل عليه.
وهذه المسألة ينبني عليها ما لو طهرت المرأة في نصف الليل الثاني، هل يلزمها صلاة العشاء؟ على قول مَن يقول: إن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر، يلزمها العشاء وكذلك المغرب أيضًا. وعلى القول الراجح: لا تلزمها صلاة العشاء؛ لأن صلاة العشاء إلى نصف الليل.
(﴿﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ ﴾: كالإنسان من النطفة والطائر من البيضة، ﴿﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ﴾ ﴾: النطفة والبيضة ﴿﴿مِنَ الْحَيِّ﴾ ﴾) إلى آخره.
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ يقول المؤلف: (كالإنسان والطير من النطفة والبيضة)، فهمتم؟ النطفة باعتبار ما يظهر لنا ميتة، وكذلك البيضة، لكنها في الواقع النطفة ما هي ميتة، فقد قال النبي ﷺ حين سُئل عن العزل قال: «هُوَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ»[[أخرجه مسلم (١٤٤٢ / ١٤١) عن جدامة بنت وهب رضي الله عنها.]]. فجعله وأدًا، والوأد لا يكون إلا لِحَيٍّ، فالحيوانات المنوية حية لكنها لا تُرَى.
هذه النطفة البسيطة التي ليست بشيء يقولون -والله أعلم هل هي مبالغة أو لا- يقولون: فيها خمسة ملايين أو أكثر من الحيوانات المنوية. هذه التي بسيطة ما هي بشيء.
إذن فنقول: إنه باعتبار ما يُرَى ويظهر هي ميتة جماد، لكن باعتبار الحقيقة ليست كذلك.
وقوله: ﴿الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ هل المراد الحياة الحسية أو المعنوية؟ الأمران حقيقة أن المراد الأمران، فإن الكافر ميت معنًى، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [الروم ٥٢]، يعني هؤلاء الكفار في منزلة الأموات، والمؤمن حي ولا سيما العالم، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام ١٢٢].
وسمى الله القرآن أيش؟ روحًا، فدل هذا على أن مَن عمل به فهو حي، فالآية أعم مما قال المؤلف، وإن كان سياقها يقتضي أن المراد بها بالأَوْلى الحياة الحسية.
* طالب: (...).
* الشيخ: يمكن قصد الطين، فالإنسان أوله طين.
* طالب: المؤلف الكلام اللي ذكره..
* الشيخ: طيب هذه ما هي مشكلة، مسألة الميت من الحي ما هي مشكلة، لكن المشكلة الحي من الميت.
* طالب: ثم قال: الدجاج أو الطير من البيضة.
* الشيخ: البيضة ما ننفي الحقيقة؛ لأني ما عندي فيها علم، لا أنفي أن يكون فيها حياة في بعض الأجزاء التي يتكون منها الطائر.
* طالب: فيها بيوضة وفيها تكون مُلَقَّحة؟
* الشيخ: ها؟
* طالب: فيها بيوضة -في البيضة- البيوضة تكون ملقحة، في هذا (...) صار حولها (...) تكون غير ملقحة ولا..
* الشيخ: إذن معناها أنه يكون فيها حياة، سبحان الله .
(﴿﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ﴾ ﴾ بالنبات ﴿﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ﴾ أي يُبْسِها).
﴿يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ بما أنزل الله عليها من المطر، ولا أحد يستطيع أن يفعل ذلك إلا الله عز وجل، هذه الأرض الهامدة اليابسة بما فيها من خضرة يُنزل الله عليها الماء فتصبح الأرض مخضرة بأمر الله عز وجل، لو اجتمع الخلائق كلهم على أن يفعلوا ذلك ما استطاعوا، ولا يُحدِثون ولا أدنى حشيشة من هذه الحشائش، ولكن الله تعالى بقدرته يفعل ذلك.
* طالب: بعض الحشرات تخرج من ثياب وطعام ونحوها..
* الشيخ: المتولد.
* الطالب: المتولد.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: مثلًا النبات تخرج من اللواقح (...).
* الشيخ: إي نعم حياة بلا إدراك.
* الطالب: بلا إدراك.
* الشيخ: على كل حال نعم، المتولد واضح أيضًا أنه حي من ميت؛ لأن المتولد يخرج من العفونات والقاذورات وهو حي يتحرك.
قال: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (﴿﴿وَكَذَلِكَ﴾ ﴾ الإخراج ﴿﴿تُخْرَجُونَ﴾ ﴾ من القبور)، و(كذلك) الكاف حرف جر.
* طالب: اسم.
* الشيخ: اسم بمعنى مثل، يعني ومثل هذا الإخراج تُخرجون، ويجوز أن تكون هنا حرف جر، يعني وكهذا الإخراج تُخرَجون، ولا تكون مفعولًا مطلقًا.
على الأول تكون: مثل ذلك الإخراج تُخرجون، تكون مفعولًا مطلقًا.
وعلى القول الثاني: يكون الكاف حرف جر، و(ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل جر، أي: وكهذا الإخراج تُخرَجون.
وقوله: (﴿﴿تُخْرَجُونَ﴾ ﴾ من القبور)، ظاهر الآية الكريمة أن خروج الناس من القبور يشبه خروج النبات من الأرض، وخروج النبات من الأرض يكون بنزول المطر عليها، فيكون في هذه الآية إشارة إلى ما ورد في الحديث من «أنَّ اللهَ تعالى يُمطِر على القبورِ مطرًا غليظًا كمَنِيِّ الرجالِ أربعينَ يومًا تَنْبُتُ منه الأجسادُ في القبورِ، ثُم بعدَ ذلكَ تَخرُج إذا نُفِخ في الصُّورِ»[[أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣٤٧) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وهذا وردت فيه أحاديث في إسنادها مقال، لكن مجموعها يقضي بأنها أحاديث حسنة، وظاهر القرآن أيضًا يشير إليها.
وقوله: (﴿﴿تُخْرَجُونَ﴾ ﴾ بالبناء للفاعل والمفعول)، البناء للفاعل مثل؟
* طالب: ﴿﴿تَخْرُجُونَ﴾ ﴾.
* الشيخ: ﴿﴿تَخْرُجُونَ﴾ ﴾، وللمفعول: ﴿تُخْرَجُونَ﴾، ففيها قراءتان، سبعيتان أو إحداهما شاذة؟
* طالب: سبعيتان.
* الشيخ: سبعيتان؛ لأن من عادة المؤلف رحمه الله أنه إذا أتى بقراءة شاذة يقول: وقُرئ.
* طالب: اللي في المصحف؟
* الشيخ: اللي في المصحف: ﴿تُخْرَجُونَ﴾.
* الطالب: واللي في غير المصحف؟
* الشيخ: التفسير؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: عندي أنا ﴿تُخْرَجُونَ﴾، اللي في الأصل (بالبناء للفاعل والمفعول).
* الطالب: لا، هنا قال: ﴿﴿تَخْرُجُونَ﴾ ﴾ ولا ﴿تُخْرَجُونَ﴾.
* الشيخ: ما ذكر قراءة؟
* الطالب: لا ما ذكر قراءة.
* الشيخ: عجيب؛ لأنه موجودة عندي، هي موجودة عندكم في التفسير؟
* طالب: موجودة.
* الشيخ: ما هي موجودة عندك (بالبناء الفاعل والمفعول)؟
* طالب: ظاهر، كأنها موجودة.
* الشيخ: قال: (﴿﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ﴾ ﴾ تعالى الدالة على قدرته)، ﴿مِنْ آَيَاتِهِ﴾ (من) حرف جر ومعناها التبعيض، يعني بعض آياته، والآيات جمع آية وهي في اللغة العلامة البينة الواضحة، ﴿آَيَاتِهِ﴾ يقول المؤلف: (الدالة على قدرته).
﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ (أن) وما دخلت عليه في تأويل المصدر مبتدأ مؤخر، يعني: خلْقُكم. ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ (من) هذه لابتداء الغاية، المعنى: أن ابتداء الخلق من التراب (أي أصلكم آدم)، صحيح، وأما سلسلة آدم فخُلِقت من نطفة.
(﴿﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ﴾ ﴾ من دم ولحم ﴿﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ ﴾ في الأرض)، كنتم ترابًا والتراب لا يتحرك من مكانه، ولا ينتشر، وليس فيه حركة، ثم بعد ذلك تكونون بشرًا؛ ﴿إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا﴾ قد يقول قائل: إن في هذا ما ظاهرُه التناقض؛ لأن (إذا) فجائية، و(ثم) للمهلة، والمفاجأة والمهلة متناقضان؛ إذ إن المفاجأة تدل على المبادرة.
فيجاب عن ذلك بأن المفاجأة بعد المهلة؛ لأنه ليس في الحال يكون التراب بشرًا، وإنما تطوَّر لمدة حتى وصل إلى البشرية، هذا إذا قلنا: إن المراد بالبشر خصوص آدم.
أما إذا قلنا: المراد به ذريته فالمهلة ظاهرة؛ لأن هذا يشمل الذرية إلى متى؟ إلى قيام الساعة، فالمهلة ظاهرة لكن المفاجأة في قوله: ﴿إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ﴾ قد توحي أن المراد به آدم، فإن آدم بشر وذريته انتشرت في الأرض.
وقوله: ﴿إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ﴾ الجملة هذه مبتدأ وخبر، و﴿تَنْتَشِرُونَ﴾؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال منين؟
* الطالب: مِن ﴿أَنْتُمْ﴾.
* الشيخ: أما نجعلها صفة لبشر؟
* طالب: صفة لبشر.
* الشيخ: صفة لبشر، وإذا جعلناها صفة لبشر صار فيها إشكال من جهة أن (بشر) مفرد، و﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ جمع، لكن المفرد المراد به الجنس يكون جمعًا، ﴿إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾، تنتشرون في أي مكان؟ يقول: (﴿﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ ﴾ في الأرض)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة ١٠].
فالانتشار في الأرض والتوسع، وانظر الآن البشر منتشر في جميع أقطار الدنيا، وسبحان الله العظيم الإنسان عندما يرجع إلى ما سبق يقول مثلًا: ما الذي أوصل أهل أمريكا إلى أمريكا، والذي أوصلهم إلى البلاد الأخرى مع هذه المحيطات العظيمة؟ لأن آدم لا شك أنه في إحدى القارات، فما الذي أوصل بنيه إلى القارات الأخرى؟ فيه شيء عندكم من علم الجيولوجيا على ما يقول؟ نقول: الله أعلم، قد يكون الله يسر لهم في ذلك الوقت من الأسباب -ما زال الآن ولا نعرفه- حتى وصلوا إلى هذه البلاد (...).
* طالب: الدم من الفاكهة، والفاكهة من الأرض.
* الشيخ: الدم من الفاكهة؟!
* الطالب: يعني الدم (...) الفاكهة والخضروات يعني، كونها من الغذاء يعني، فالغذاء أصله من الأرض.
* الشيخ: هذا جائز، لأن هالدم هذا صح، لكن هذه نطفة، والنطفة تكون علقة.
* الطالب: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾، أي: خلاصة من طين، وهي الفاكهة، ثم اختلط إلى دم.
* الشيخ: (...) الفاكهة؟
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون ١٢].
* الطالب: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ [السجدة ٨].
* الشيخ: الآن الآية، ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ أصل السلالة: الخلاصة من كل شيء على حسب ما يبين، ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ هذا آدم، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون ١٢، ١٣] -هذا بنو آدم- ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾.
* طالب: أين ينتقل هنا الضمير ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ﴾؟
* الشيخ: إي للجنس، باعتبار الجنس، ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ أي: الإنسان باعتبار جنسه.
* طالب: (...) المني فيه (...) من تراب.
* الشيخ: فيه أيش؟
* الطالب: تراب.
* الشيخ: هذا ما نستطيع أن نجزم بنفيه أو إثباته؛ لأنه يجوز أن نفس الإنسان هذا فيه مادة ترابية، الحين يقولون: إن الإنسان فيه رصاص وفيه جير وفيه كذا وفيه كذا. نفس الجسم الآن مُكَوَّن، فلا يبعد أن هذه السلالة التي تخرج منه يكون فيها هذه المواد، ما يبعد في الحقيقة ما عندنا شيء عميق علم عميق في هذه المسألة، لكن الله على كل شيء قدير، إنما المعروف الآن أن الإنسان فيه من جميع معادن الأرض؛ فيه رصاص، ونحاس، وجير، وتراب، وكل شيء نفس الجسم.
* طالب: وحديد.
* الشيخ: وحديد.
* طالب: وكهرباء.
* الشيخ: نعم، إي نعم، بس لسنا كبطرية كهرباء، الله أعلم.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، أحيانًا (...) الشيء مع بعض الحركة (...) تحس في بطنك شيئًا.
* طالب: بعض الناس يقولون: إن آدم أول ما خرج من الجنة ونزل في الأرض (...)، صحيح؟
* الشيخ: الله أعلم ما ندري، ما فيه أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ، كلها آثار إسرائيلية.
قال: ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ (﴿﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ﴾ تخلقت حواء من ضلع آدم فخُلِقَت).
* طالب: تخلَّقَتْ.
* الشيخ: ما عندي تخلَّقَتْ. طيب المعنى أن المؤلف يريد ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ﴿أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: ذواتكم -على رأي المؤلف- فالمراد بالنفس هنا الذات.
وقوله: ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ اللام للاختصاص وليست للملك؛ لأن الإنسان لا يملك زوجته، ويحتمل أن تكون للتعليل، أي: خَلَق لِأجْلِكم، لكن المعنى أبلغ في الإنعام حيث إنَّ كل إنسان زوجته تختص به؛ ولهذا لا يجوز للمرأة أن تتزوج أكثر من رجل في آنٍ واحد.
﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، المؤلف مشى على أن المراد بالنفس الذات، وأن ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، يعني أن نفس هذه الزوجة من نفس الإنسان جزء منه؛ ولهذا قال -فسَّره-: (بخلق حواء من ضلع آدم، وسائر النساء من نطف الرجال والنساء)، هذا ما قرره المؤلف؛ أن المراد بالنفس الذات.
ويحتمل أن المراد بالنفس الجنس، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة ١٢٨]، يعني من جنسكم، ويؤيد هذا المعنى قولُه: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾، فإن الإنسان يسكن إلى بني جنسه دون غيرهم، لو كانت المرأة تخالف الرجل وليست من جنسه لكان في ذلك مشكلة، ولا يمكنه أن يسكن إليها؛ لهذا جعلها الله سبحانه وتعالى من جنسه لأجل أن يسكن إليها: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾.
واللام في قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ اللام للتعليل، أي: لأجل أن تسكنوا، وهي مُعَلِّلةٌ لقوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾.
وقوله: (وتألفوها) كذا ولَّا (أي: تألفوها)؟
* طالب: وتألفوها.
* الشيخ: (وتألفوها)، السكون معناه الاستقرار، ومنه السكنى في البلد لاستقراره فيها، فالمعنى: تستقروا وتطمئنوا لها وتألفوها -كما قال المؤلف-: (﴿﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ ﴾ جميعًا ﴿﴿مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ ﴾ المذكور ﴿﴿لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴾ في صنع الله).
(﴿﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ ﴾ جميعًا) يعني بين الزوج وزوجته ولَّا بين الناس جميعًا؟
* طالب: الزوج وزوجته.
* الشيخ: هو الظاهر، ولكن كلام المؤلف: (﴿﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ ﴾ جميعًا) يقتضي العموم، ولكن ظاهر السياق يختص بالمرأة وزوجها، فإن هذه المرأة الأجنبية -التي لا تعرفها ولا تعرفك من قبلُ- إذا تمَّ العقدُ بينكما ألقى الله تعالى في قلوبكما المودة والرحمة.
قيل: إن المودة في قلب المرأة، والرحمة في قلب الرجل؛ لأنه هو الذي له السلطان عليها، وهي التي تميل إليه، فتكون المودة منها والرحمة منه، فيكون الوصفان مُوَزَّعَيْن على الزوج والزوجة.
وقيل: إن الوصفين لكل من الزوجين، يعني أن المودة تكون بين الزوج وزوجته، وكذلك الرحمة تكون بين الزوج وزوجته، وهذا هو الأقرب، وهو الذي يؤيده الواقع أيضًا، فإن المرأة إذا ودَّتْ زوجَها يكون فيها رحمة لولا أن الأم أرحم النساء لقلنا: إنها مثل رحمة الأم؛ ولهذا تجدها تلاحظه إذا مرض، وتحزن إذا حزن، وتُسَرُّ إذا سُرَّ، وإذا كانت الحال بينهما جيدة يمكن تبيع كل ما تملك من أجل راحته وإسعاده، هذه لا شك أنها رحمة.
وأما المودة فظاهرة، ولولا قوة المودة بين الزوجين ما حصل الاتصال بينهما الذي أراده الله عز وجل لأجل أن تكمل هذه الخليقة وتنمو، ومن أجل هذا جعل الله تعالى المودة والرحمة.
ذكر ابن الجوزي في صيد الخاطر قال: لولا أن الله سبحانه وتعالى بحكمته قضى أن تبقى هذه الخليقة لكان الاتصال بين الزوج وزوجته من أقبح الأمور؛ أنَّ كل واحد منها يكشف عورته للآخر ثم يحصل هذا الشيء الذي قد يكون مستكرهًا في أذواق بعض الناس، لكن جعل الله سبحانه وتعالى هذه المودة بينهما لأجل أن تستقيم الأمور وتنمو الخليقة، وهذا صحيح، هذا حق، لولا أن الله جعل هذا الأمر؛ المودة ما حصل الاتصال بين الزوجين، ولهذا كلما كان الزوج أو الزوجة بعضهما لبعض كارهًا قلَّ الاتصال بينهما.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ﴾ (ذلك المذكور) ﴿لَآَيَاتٍ﴾، اللام هذه للتوكيد، وآيات جمع آية.
وتأمل قوله: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ﴾، قد تقول: ما هذا التنافر؟ حيث قال في الأول ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ﴾؟ ولكننا نقول لك: لا تنافر في الواقع؛ أولًا: إن قوله: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ﴾ للتبعيض، وبعض الآيات قد يكون آية واحدة، وقد يكون أكثر من آية. ثم إنَّ ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ هذه أربع آيات، فيكون في أصل الخلق آية واحدة، لكن في أوصاف هذا الخلق المتطور آيات.
* طالب: يقال: المودة في أول الحياة الزوجية السنوات الأولى، والرحمة بعد الأولاد.
* الشيخ: هذا خلاف الظاهر؛ لأن الظاهر أنهما مقترنان، المودة والرحمة مقترنان.
* طالب: المودة والرحمة متواجدان بعد العقد، أو بعد الاتصال، أو بعد المعاملة؟
* الشيخ: هذه ترجع إلى ما يجري بين الزوجين، أما المودة فالظاهر أنها تكون من قبلُ، وقيل: حينما يخلو بالمرأة والتشابك، وهذه الخطبة والموافقة لا تكون إلا عن مودة، لكنها تنمو وتزيد بحسب الاتصال (...).
* * *
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم ١٩]، ما المراد بالحي والميت هنا؟
* طالب: كثيرًا، الميت بلا روح، والحي الذي فيه روح.
* الشيخ: مثاله؟
* الطالب: مثاله -على رأى المؤلف- النطفة ميت تخرج..
* الشيخ: يخرج منها؟
* الطالب: يخرج منها الحي.
* الشيخ: طيب هل يشمل هذا الحياة المعنوية والحسية؟
* طالب: نعم يشمل الحياة الحسية والمعنوية.
* الشيخ: ويش المعنوية؟
* الطالب: الكافر يخرج منه المسلم أو بالعكس.
* الشيخ: الكافر يخرج منه المسلم أو بالعكس، أيهما أقرب إلى ظاهر الآية أو السياق؟
* الطالب: ظاهره الحسية.
* الشيخ: حسية نعم.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، إعرابها؟
* طالب: الكاف ممكن تكون بمعنى مثل، وتكون مبنية منصوبة على أنها مفعول مطلق، أو تكون (...).
* الشيخ: يكون كإخراج النبات من الأرض.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾، كيف خلق الإنسان من تراب؟
* طالب: الأصل أن آدم بدأه من تراب، وذرية آدم من نطفة.
* الشيخ: نعم. أيش معنى قوله: ﴿إِذَا أَنْتُمْ﴾؟ (إذا) أيش معناها؟ إعرابها؟
* طالب: فجائية.
* الشيخ: (إذا) فجائية.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾، أيش معنى ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾؟
* طالب: يعني من ذات الإنسان.
* الشيخ: يعني من ذواتكم، مثل أيش؟
* الطالب: مثل البصر (...).
* الشيخ: الزوجة بصر؟! ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾.
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم ١٨].
* يستفاد من هذه الآية: رحمةُ الله تعالى بعباده، حيث علَّمهم ما فيه مصلحتهم.
* ومن فوائدها: أن الصلاة تسبيح وتنـزيه لله؛ لأنَّ الله أطلق عليها اسم التسبيح.
* ومن فوائدها: وجوب التسبيح فيها -في الصلاة- لأنه سبق لنا قاعدة:
أنه إذا أُطلِق على العبادة جزء منها دلَّ ذلك على أن هذا الجزء من واجباتها، وأنه لا بد منه فيها.
* ومن فوائد الآية: بيان الأوقات الخمسة مفصلة؛ لقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن المساء يُطلَق على أول الليل، فإن قوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ يدخل فيه: المغرب، والعشاء.
وقد يؤخذ من هذا جواز الرمي ليلًا -رمي الجمرات- لأن رجلًا قال: يا رسول الله رميت بعد ما أمسيت، فقال: «لَا حَرَجَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣)، ومسلم (١٣٠٦/٣٢٧) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.]]. فإذا كان المساء يُطلَق على أول الليل، وأطلق النبي عليه الصلاة والسلام نَفْيَ الحرج عُلِم أنه جائز.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حكمةُ الله عز وجل في توزيع الصلوات على هذه الأوقات، وجه الحكمة أمران:
الأمر الأول: أنها لو جُمِعت في وقت واحد لَخَلَتْ بقية الأوقات عن الاتصال بالله عز وجل، أليس كذلك؟ يعني لو جعل الإنسان يصلي الفجر كل الصلوات الخمس جميعًا، معناه بقي النهار والليل ما يكون له صلوات مفروضة.
والوجه الثاني: أنه لو جُعِلت هذه في وقت واحد لكان في ذلك نوع من المشقة؟ يعني يوجَبُ على الإنسان أن يصلي سبع عشرة ركعة في آنٍ واحد هذا فيه مشقة، مشقة على الأقوياء والأصحاء، فكيف على الضعفاء والمرضى؟!
* ومن فوائد الآيات: كمالُ الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
* ومنها: أنه وحده المستحِق لأنْ يُحمد على وجه الإطلاق، نأخذه منين؟ من تقديم الخبر: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾.
* ومن فوائدها: أن كل ما يحدث في السماوات والأرض من خير أو شر فإن الله تعالى يستحِق عليه الحمد، يؤخذ من أين؟ من الإطلاق: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ ولا قال: على الخير، أو على ما ينفع. بل أطلق.
* فيستفاد منه: أن الله تعالى محمود على كل حال.
ثم قال تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم ١٩].
* في هذه الآية: بيان قدرة الله عز وجل، حيث يُخرِج الحي من الميت وبالعكس، وهذا من تمام القدرة: أن يُخْرَجَ الشيءُ من ضده.
* ومن فوائدها أيضًا: قدرته على إحياء الأرض من بعد موتها؛ لقوله: ﴿وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
* ومن فوائدها: ثبوت قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل، والأفعال الاختيارية: هي التي يفعلها بمشيئته، إنْ شاء فعل وإن شاء لم يفعل، من أين تؤخذ؟ ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾، وقوله: ﴿وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، ﴿بَعْدَ﴾، فإنَّ البعدية تقتضي حدوث هذا الشيء.
وقيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل هو الذي عليه أهل السنة والجماعة قاطبة، ما أحد منهم أنكر ذلك، فيُثبِتون الاستواء على العرش فعلًا لله، والنـزول إلى السماء الدنيا فعلًا لله، والمجيء للفصل بين العباد فعلًا لله، والعجب فعلًا لله، والضحك فعلًا لله، والخلق فعلًا لله.
ويقولون: إن الله تعالى يفعل ما يشاء كيف شاء متى شاء، ولكن أهل البدع من المعتزلة والأشعرية وغيرهم ينكرون قيام الأفعال الاختيارية به، ويقولون: لو قامت به الحوادث لكان حادثًا، والله سبحانه وتعالى لم يزلْ ولا يزال. فنقول: إن هذا قول باطل:
أولًا: لأنه قياس في مقابَلة النص، فإن النصوص متكاثرة في إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل التي تتعلق بمشيئته.
وثانيًا: قولكم: إن الحوادث لا تقوم إلا بحادث. ليس بصحيح، فإن الحوادث لا تقوم إلا بكامل قادر على ما يشاء، أما: لا تقوم إلا بحادث، فما هو العقل الذي يوجب هذا؟
* ومن فوائد الآية: قياس الغائب على الشاهد؛ لقوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، فإن قياس الغائب على الشاهد ليحمل على الإقرار به طريقة مُتَّبَعة.
* ومن فوائدها: إثبات القياس، من قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، وإثبات القياس له أدلة كثيرة في القرآن، منها: على سبيل التعميم والحض:
كل مَثَلٍ ضربه الله تعالى في القرآن فهو دالٌّ على ثبوت القياس، ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس٢٤] كذا وكذا، ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة ١٧]، وما أشبه ذلك. فإن الأمثال ضَرْبُهَا تشبيه حال بحال أو فرد بفرد، فتكون دالة على ثبوت القياس.
وكذلك القصص التي قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]، وفي السنة أيضًا كثير من ذلك، مثل: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟». » قال: نعم. قال: «فَمَا أَلْوَانُهَا؟». » قال: حمر[[متفق عليه؛ البخاري (٥٣٠٥)، ومسلم (١٥٠٠/١٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]]. الحديث. و«أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟» »[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦٩٩)، ومسلم (١١٤٨/١٥٥) عن ابن عباس رضي الله عنهما.]].
وكذلك العقل يقتضي ثبوت القياس، فإن العقل السليم الصريح لا يمكن أن يفرق بين متماثلين أبدًا، ودائمًا حتى الصبي إذا منعته من شيء وأبحت له نظيره قال له: كيف؟ ما هو هذا مثل هذا؟
فالمهم أن هذا مما تشهد العقول والفِطَر والنصوص بثبوته، نعم القياس الباطل الذي يتوسع فيه بعض الناس حتى يُعَطِّلوا دلالة الكتاب والسنة هذا لا شك أنه باطل، أما القياس الصحيح فإنه لا ريب في ثبوته.
والذين أنكروا القياس هم في الحقيقة مضطربون، أحيانًا يقولون بالقياس من حيث لا يشعرون، ولا يمكنهم إلا أن يقيسوا؛ لأننا لو أردنا أن نحصر دلالة الكتاب والسنة على الأحكام على سبيل العموم والقواعد والضوابط وافية، لكن الأفراد والجزئيات لا منتهى لها ولا حصر لها، وإنه لا بد أن يُضْطَرُّوا إلى إثبات ذلك.
* طالب: لا بد أولًا أن يأتي بالعموم لا القياس.
* الشيخ: إي نعم، يدخل في العموم من حيث الشمول اللفظي إن كان داخلًا في اللفظ، أحيانًا لا يدخل في اللفظ لكن يشمله العموم المعنوي وهو القياس؛ لأن العموم المعنوي هو القياس.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم ٢٠].
* من فوائد الآية: إثبات الآيات لله عز وجل، أي العلامات الدالة على ما تدل عليه من صفاته؛ لأن كل فعل يدل على نوع من الآيات، لكن هي على سبيل العموم تدل على القدرة، جميع الأفعال تدل على القدرة والحكمة، لكن لكل نوع منها آية خاصة: الحكمة، القدرة، العزة، ما أشبه ذلك.
* ومن فوائد الآية: أن أصل بني آدم من تراب؛ لقوله: ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾.
* ومن فوائدها: إبطال النظرية الملحدة، وهي نظرية النشوء والتطور التي ذهب إليها أو كان قائدها..
* طالب: دارون.
* الشيخ: دارون.
* طالب: داروين.
* الشيخ: أو داروين، إي نعم، هذه نظرية خاطئة وباطلة بلا شك، وجه ذلك من الآية أن الله يقول: ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ﴾، فيخاطب البشر باعتباره بشرًا، إذنْ فهو بشر منذ أُنشِئ من التراب إلى اليوم.
أما أولئك فيقولون: أن أصل الإنسان ليس بشرًا، قرد، أن أصل الإنسان قرد، ثم تطور صار بشرًا. فلا أدري ماذا يقول في أصل الحمير والبغال والخيل والدجاج وأيش أصله؟! تطورت إلى..
ثم ما ندري ما هو التطور الآخر، هل نحن نكون ملائكة؟! على كل حال هذه نظرية -الحمد لله- حتى فلاسفة الغرب الآن أبطلوها، وتبين لهم أنها نظرية باطلة خاطئة، ثم نحن نعلم علم اليقين أنها باطلة وأن اعتقادها كفر؛ لأنه تكذيب للقرآن والسنة وإجماع المسلمين.
* طالب: صريح (...).
* طالب آخر: يقول: انفصل من الشمس نظرية تركيب ميكانيكي للكون تكوُّن نفسي، فالإنسان انفصل من الشمس على شكل (...)، ثم تطور إلى أميبا، ثم إلى قرد، ثم إلى (...)، ثم إلى الإنسان.
* الشيخ: كل هذا لا شك أنه كذب، كل هذا كذب ولا أصل له، الإنسان خُلِق من تراب كما قال الله عز وجل، تراب جعله الله طينًا، ثم فَخَّارًا حتى كان صلصالًا، له صلصلة إذا ضربْتَ عليه ﴿كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن ١٤] كما قال الله عز وجل، ثم تكوَّن إنسانًا، والله على كل شيء قدير.
* طالب: هذا التكذيب (...) أم بصريح؟
* الشيخ: لا، لصريح، لصريح القرآن.
* الطالب: هذه يعني..
* الشيخ: هذه وغيرها.
* ومن فوائد الآية: أن هذا البشر الذي خُلِق من أصل واحد انتشر وملأ الأرض؛ لقوله: ﴿إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾، وهذا من آيات الله، كيف أصل واحد -رجل واحد- انتشرت هذه الخليقة في جميع أرجاء الأرض؟
* ومن فوائد الآية أيضًا: أن الإنسان متحرك بالطبع، لا بد أن يتحرك وينتشر ويذهب ويجيء؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ»[[أخرج أبو داود (٤٩٥٠) بسنده عن أبي وهب الجشمي -وكانت له صحبة- قال: قال رسول الله ﷺ: «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ: عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ. وَأَصْدَقُهَا: حَارِثٌ، وَهَمَّامٌ. وَأَقْبَحُهَا: حَرْبٌ، وَمُرَّةُ».]]؛ لأن الإنسان دائمًا يهتم ويحرث ويطلب رزقه.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ [الروم ٢١].
اعلموا أنني راجعت كثيرًا من التفاسير التي عندي ما وجدت الحكمة في أنه سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم ٢٠]، ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَات﴾ [الروم ٢٢]، ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ﴾ [الروم ٢٣]، ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ [الروم ٢١].
يعني ما رأيت أحدًا بَيَّنَ الحكمة في كونه يأتي مرة بالمصدر، ومرة بـ (أَنْ) الداخلة على الفعل، هي تُؤَوَّل بمصدر، لكن هل نقول: إن هذا من باب الاختلاف في التعبير الْمُرَاعَى به جانب اللفظ؟ أو إنه من باب التعبير الْمُراعَى به جانب المعنى؟
إن قلنا: إنه من باب التعبير الْمُرَاعَى به جانب اللفظ، فالأمر بسيط، نقول: إن الله تعالى غايَر بين العبارات لأجل ألَّا يَملَّ السامع إذا كان الكلام على وتيرة واحدة؛ لأنَّ الاختلاف في التعبير هذا مما يزيد الإنسان نشاطًا وتجددًا.
أما إذا قلنا: إن هناك أمرًا معنويًّا، فأنا إلى الآن ما عرفته، ولا ذكره الزمخشري، ولا أبو السعود، ولا هؤلاء الذين يتكلمون على مثل هذه الأمور.
قوله: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم ٢١]، نعود إلى فوائد الآية.
* من فوائد الآية: رحمةُ الله تبارك وتعالى بنا، حيث جعل أزواجنا من أنفسنا، أي من جنسنا.
* ومنها -من فوائد الآية-: أن من أهم أغراض النكاح ومقاصده: السكون إلى الزوجة، والاطمئنان إليها، والحياة معها حياة سعيدة، وأنه ينبغي للإنسان إذا رأى عدم السكون ولم تلتئم الحال ينبغي له أن يفارق؛ ولهذا قال أهل العلم: إن الطلاق يُستحب لتضرر المرأة بالبقاء مع الزوج، كونها تضرر ولا تستأنس مع الزوج ما ينبغي أن يُكرهها على أنْ تبقى معه، فإن بعض الناس -والعياذ بالله- يُكرهونهن على البقاء أو يَعضلونهن لأجل أن يفتدينَ، ويسلمن القروش علشان يطلقها، كل هذا حرام.
والذي ينبغي إذا رأيت من الزوجة أنها لا تستطيع أن تعيش معك عيشة سعيدة، ينبغي لك أن تُطلقها، والنبي ﷺ يقول: «مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ الْقِيَامَةِ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠/٥٨) عن ابن عمر رضي الله عنهما.]]. ويقول عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
وفي القرآن: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء ١٣٠]، فأنت إذا نويت الخير بالتوسعة على هذه المرأة التي ما عاشت معك وفارقتها، فلعل الله تعالى أن يُيَسر لك الأمر بحصول زوجة تألفها وتألفك، المهم أن من أهم أغراض النكاح أيش؟ السكون، والطمأنينة إلى الزوجة، والحياة حياة سعيدة.
* ومن فوائد الآية: إثبات حكمة الله وقدرته ورحمته أيضًا، حيث جعل بين الزوجين مودة ورحمة.
* ومن فوائدها أيضًا: الثناء على التفكير؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم ٢١]. فإن هذا واضح أنه محل ثناء لهم.
* ومن فوائدها: أن التفكير ينفتح به أبواب كثيرة، يعرف الإنسان بها من أحكام الله وحِكَمه ما لا يَحصُل له لو لم يفكر؛ لأنه خصَّ الآيات بمن؟
* طالب: بقوم يتفكرون.
* الشيخ: بالقوم الذين يتفكرون، ودلَّ هذا على أنه يَحصُل بالتفكر من الاطلاع على أحكام الله وحِكَمه ما لا يَحُصل بالغفلة.
التفكر يكون في آيات الله، أي: مخلوقاته ومشروعاته؛ لأن الآيات -كما سبق- إما كونية، وإما شرعية. يحصل التفكر في صفات الله من أي وجه؟ من وجه المعنى، أو من وجه الكيفية؟
* طالب: من وجه المعنى.
* الشيخ: من وجه المعنى، أما من وجه الكيفية فلا يجوز التفكر، لا يجوز التفكر في الصفات من حيث الكيفية؛ لأن ذلك محاولة لِمَا لا يمكن الحصول عليه؛ ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله: (السؤال عنه بدعة). فلا يجوز أن نتفكر في كيفية صفة من صفات الله، نتفكر في المعنى دون الصفة.
التفكر في ذات الله عز وجل مِثْلُه لا يجوز؛ لأنه محاولة لِمَا لا يمكن الوصول إليه، ثم التفكير في هذه الأمور يَجُرُّ إلى بلايا ومهالك، والذي ضرَّ مَن ضرَّ من أهل التعطيل وأهل التشبيه أيضًا، اللي ضرَّهم هو محاولة الوصول إلى الكيفية؛ فلهذا آلَ بهم الأمر إلى التعطيل أو التمثيل، والمهم أن التفكر يكون في مخلوقات الله، وفي مشروعاته، وفي معاني أسمائه وصفاته، أما في ذاته وكيفية صفاته فإنه لا تفكُّر؛ وذلك لأنه مهما بلغ الإنسان فإن الفكر سَيَرجِعُ خاسئًا وهو حسير، والإعراض عن هذا هو الواجب كما قال الإمام مالك.
* طالب: كيف عرفنا أن ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم ١٧] أنه أوقات الصلوات؟ من أين الدليل؟
* الشيخ: الدليل أن التسبيح المطلَق خصَّه الله في وقتين: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق ٣٩]. ولما جعل هذا خمسة أوقات عُلِم من قرينة التقسيم في الوقت أن المراد بذلك الصلوات الخمس.
* طالب: (...) قوله سبحانه وتعالى: (...) ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾.
* الشيخ: إي نعم، صح، اللام للتعليل، ففيه إثبات الحكمة ردًّا على الجهمية، وكذلك الأشاعرة الذين ينكرون حكمة الله عز وجل، وعلى المعتزلة ولَّا لا؟
لا، المعتزلة يَغْلُونَ في إثبات الحكمة؛ ولهذا يرون أنه يجب على الله فِعْلُ الأصلح أو الصلاح.
* طالب: شيخ، بالنسبة (...) في دفع الصفات.
* الشيخ: في أيش؟
* الطالب: في ردِّ الصفات هل (...) على مقدمات عقلية متفق عليها بينهم، ولَّا كل واحد بعقله يُعَلل؟
* الشيخ: لا، كل واحد يعلل، يعني يختلفون في تعليل هذا الرد، يختلفون، أحيانًا يقولون: إنه يستلزم الجسمية، ولكن غالب ما يدورون عليه التمثيل، أنه مستلزَم من التمثيل، لكن يختلفون في الطرق الموصلة إليه.
* طالب: مسألة البعث في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم ١٩].
* الشيخ: ما قلناها؟
* الطالب: لا، ذكرنا القياس.
* الشيخ: صحيح، إثبات البعث في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ هذه ما ذكرناها في الآية الأولى.
* * *
قال: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٢].
﴿مِنْ آَيَاتِهِ﴾: خبر مقدم، و﴿خَلْقُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ﴾ أي: إيجادهما، إيجادهما بتقدير ونظام بديع، وهذا يشمل خلق هذه السماوات باعتبار كونها أجرامًا عظيمة، وباعتبارها مصلحة للعباد، فهذا من آيات الله.
قال: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ [الروم ٢٢]، اختلاف الألسنة أيضًا من آيات الله، ووجه ذلك أن هذه الألسُن من نوع واحد أو من جنس واحد، كلنا بشر، وكلنا من أب واحد، ومع ذلك تختلف الألسن اختلافًا عظيمًا، أليس كذلك؟
كذلك أيضًا هو من آيات الله؛ لأن كل إنسان يَعرفُ به جِنسَه بلغته، أنا أعرف مثلًا: هذا هندي، وهذا تركي، وهذا إنجليزي -مثلًا- وهذا ألماني، وهذا روسي، بسبب لغته، فهذا أيضًا من آيات الله، أنَّ الله جعلها دليلًا على جنس الإنسان.
وقوله: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ يشمل أصل اللغة، ويشمل اللهجات، ويشمل السلامة من العيوب، ويشمل العيوب أيضًا، ويشمل الفصاحة، ويشمل العيب، يعني لا تظن أن اختلافنا اختلاف الألسنة فقط بجنس اللغة، لا بل بكل هذا، فأجناس اللغات من آيات الله عز وجل، وكون هذا الإنسان ينطق بالحروف نطقًا تامًّا هذا من آيات الله، والثاني بالعكس: ينطق بها على وجه اللُّدْغة أو يتثاقل، أو ما أشبه ذلك.
كذلك أيضًا قد نقول: إن من اختلاف اللسان الصوت، اختلاف الأصوات، هذا صوته جيد، وهذا حسن، والآخر بالعكس.
كذلك من اختلاف الألسن الفصاحة، ولَّا لا؟ الفصاحة وعدمه، فإن من الناس من يعطيه الله تعالى بلاغة في الكلام وحُسن أداء، حتى إنه يؤدي إليك المعنى بعبارة واضحة تفهما بأول مرة، ومن الناس من يكون بالعكس. فجميع ما يمكن أن يَرِد على اختلاف اللسان فإنه داخل في كونه من آيات الله عز وجل.
أما الألوان فحدِّثْ ولا حرج، فإنها من آيات الله، لا تكاد تجد اثنين متفقَيْن في اللون أبدًا، حتى لو كانا توأمَيْن لا بد أن يكون هناك خلاف، لكن منه ما يكون ظاهرًا ومنه ما يكون غير ظاهر، فالرجل الأبيض الأوروبي أظن بينه وبين الرجل الأسود الذي على خط الاستواء بينهما فرقًا، فرق شاسع، وما بين ذلك درجات متفاوتة، لكن لا تكاد تجد اثنين على لون واحد، هذا من الحكمة؛ لأنه لولا هذا لكان الناس يختلف بعضهم على بعض، ربما أُمسِك بواحد ويقول: تعال أعطني حقي أنت فلان بن فلان، يقول: لا أنا ما بكون. لكنه صار مثله بالضبط، وأيش يُدريه؟
ويقال: إن الله جعل لكل إنسان أربعين شبيهًا، ولكن ما أظن هذا يصح، بل إنه يقولون: إن البصمات التي في الأنامل أنها تختلف، كل واحد له بصمات على شكل لا يوافق الآخر، وهذا هو الظاهر؛ ولهذا الآن يُعتبَر في التحقيقات تُعتبَر البصمات، مما يدل على أنها تختلف قطعًا، وهذا مما يدل على قدرة الله سبحانه وتعالى، هذا الاختلاف العظيم الذي.. ملايين الملايين البشر ومع ذلك كل إنسان ما يمكن يطابق للآخر من كل وجه، لا بد يكون هناك علامة فارقة (...).
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]