Tafsir Ibn Uthaymeen — الروم 30:37 – الروم 30:45
المحتويات
الروم 30:37
قال الله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الروم ٣٤] ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ اللام هنا للعاقبة؛ يعني أنهم بإشراكهم صار عاقبتهم الكفر بما آتاهم الله عز وجل، آتاهم أي: أعطاهم.
وقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ هل نقول: إن (الباء) للسببية أو إن (الباء) للتحقيق؛ بمعنى أنهم يكفرون بهذا الشيء؟ الجواب: يحتمل أن تكون للسببية أو بسبب ما آتاهم الله تعالى من الرحمة والإنقاذ من الشدة صار ذلك سببًا لأشرهم وبطرهم وكفرهم، كما هي عادة الإنسان إلا من عصمه الله عز وجل.
أو يقال: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أي: يكفروا بهذا الشيء الذي آتيناهم حيث لا يؤدون شكره، وكان الواجب عليهم أن يؤدوا الشكر لله سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ هذا يسمونه في البلاغة التفاتًا؛ لأنه لم يقل: وليتمتعوا كما قال في آية أخرى، ولكنه أمرهم أن يتمتعوا، والأمر هنا للتهديد كما قال المؤلف رحمه الله، قال: أي فآتيناهم، أُرِيد به التأكيد فتمتعوا، الأمر هنا للتهديد، وليس للإباحة، والدليل على ذلك قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبة تمتعكم فيه التفات عن الغَيْبة، وين الغَيْبة؟ ﴿لِيَكْفُرُوا﴾.
وقد سبق لنا أن الالتفات له فائدتان؛ فائدة لازمة في كل التفات، وهي التنبيه؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد استمر الإنسان فيه مُنساقًا معه، فإذا اختلف وقف، لماذا اختلف السياق؟ لماذا كانت الجملة للغائب، ثم صارت للمخاطب أو بالعكس؟ فيقف ويهتم ولا يتعمد، أما الفائدة الثانية فإنها تختلف بحسب السياق، الفائدة الثانية هنا في هذه الآية هو أنهم إذا قُوبلوا بالأمر: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ صار أشد وأبلغ تهديدًا مما إذا قال: وليتمتعوا.
وقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ قد قيل: إن (سوف) تفيد التحقيق لكنها تفيد أيضًا التراخي بخلاف السين فإنها تفيد التحقيق والفورية، وكل شيء بحسبه، وإنما كان كذلك هنا؛ لأن أشد العقاب الذي يأتيهم سيكون يوم القيامة، وهو متأخر، ثم قال تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ [الروم ٣٥].
* الطالب: (سوف) ماذا تفيد؟
* الشيخ: تفيد التحقيق والتراخي. قال: (﴿﴿أَمْ﴾ ﴾ بمعنى همزة الإنكار، ﴿﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ ﴾ حجة وكتاباً ﴿﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ ﴾ تكلم دلالة ﴿﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ ﴾ أي يأمرهم بالإشراك؟ لا) ﴿أَمْ﴾ هنا يقول المؤلف: إنها بمعنى الهمزة، همزة الإنكار، وهذا أحد القولين فيها، والقول الثاني أنها بمعنى (بل) والهمزة، فتكون مفيدة للإضراب، وهنا الإضراب الانتقالي؛ يعني بل أأنزلنا عليهم سلطانًا؟ والاستفهام إذا كان للإنكار فمعناه النفي؛ يعني هل نحن أنزلنا عليهم سلطانًا يؤيد شركهم، ويثبته ويقول: إنه حق؟ الجواب: لا، ما أنزلنا ذلك ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾.
يقول المؤلف: (﴿﴿سُلْطَانًا﴾ ﴾: حجة وكتابًا). والحجة تسمى سلطانًا؛ لأن المحتج بها له سلطة على المحجوج؛ فلهذا تسمى سلطانًا كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس ٦٨]. أي: حجة.
واعلم أن السلطان يطلق على عدة معانٍ، فيجمعها كلها السلطة على الشيء، فتارة تأتي بمعنى الحاكم، كقول الفقهاء وجاء في الحديث: «فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ»[[أخرجه الدارمي (٢٢٣٠) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. وكذلك: «إِنَّ اللَّهَ لَيَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ»[[ورد مسندًا من قول عمر رضي الله عنه، أخرجه الخطيب في تاريخه (٥/١٧٢) بسنده عن ابن عمر، قال: سمعت عمر بن الخطاب، يقول: لما يزع الله بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن.]].
وتأتي السلطان بمعنى الحُجَّة، وهو كثير، وتأتي بمعنى القدرة مثل قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣] أي: بقدرة وليس لكم قدرة، وكلها يجمعها هذا المعنى، السلطة التي بها السيطرة والغلبة.
وقوله: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ قال المؤلف: (تكلُّم دلالة، فهو يتكلم بلسان الحال، وليس بلسان المقال). هذا ما قاله المؤلف، ولكنه يحتمل أن تبقى على ظاهرها؛ لأن الذي ينزل من عند الله كلام الله، وكلام الله تعالى يصح أن يُنسب الكلام إليه كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية ٢٩] ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل ٧٦].
وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم ٣٥]. الباء هنا للاختصاص أيضًا، أي: يتكلمون بهذا الشيء، ويقول: إنه حق، والجواب: لا، إذن فليس عندهم حجة، لا عقلية ولا شرعية؛ أما العقلية فقد سبق أن فطرة الله سبحانه وتعالى كلها الإخلاص لله، وأما الشرعية فإنه لم يأتِ في كتاب من الكتب المنزلة أن الشرك حق، بل جميع الكتب المنزلة وجميع الرسل المرسلون، كلهم يقولون: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف ٥٩]. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥].
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا﴾ [الروم ٣٦]. ﴿إِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ﴾ كفار مكة وغيرهم، هذا أشد، جعلها عامة. وأفادنا المؤلف بقوله: (كفار مكة وغيرها) أن المراد بالناس هنا الكفار، فيكون من باب العام المستعمل في الخاص، وقد مر بنا كثيرًا أن العام يُستعمل في الخاص، والعام المراد به الخصوص غير العام المخصوص.
وقد سبق لنا في أصول الفقه الفرق بينهما بين العام المخصوص والعام الذي أُريد به الخصوص؛ فالعام الذي أريد به الخصوص لم يُرد معنى العموم فيه من أول الأمر، وإنما أُريد به المعنى الخاص فقط، فقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ [آل عمران ١٧٣] لم يُرد به عموم الناس من الأول، وأما العام الذي دخله التخصيص يعني العام المخصوص فهو أُريد به لعموم، وهو تناوله لجميع الأفراد، ثم أُخْرِج بعض أفراده من هذا الحكم فيكون عامًّا مخصوصًا، وعلى هذا فلا يمكن أن يستدل مستدل بالعام المراد به الخصوص، لا يمكن أن يستدل به على عموم الحكم؛ لأنه لم يُرد به العموم بخلاف الثاني العام المخصوص فإنه يمكن أن يستدل به على عموم الحكم، ويقول لمن أخرج شيئًا من أفراده: هات الدليل على التخصيص.
المراد بالناس هنا إذن: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا﴾ [الروم ٣٦] عام أُريد به الخصوص؛ يعني الكفار؛ لأن هذا الوصف لا ينطبق إلا عليهم، أما المؤمن فإنه إذا قضى الله له قضاءً لم يكن معاندًا له. إذا أذقنا الناس كفار مكة وغيرهم بالنصب، أنا قلت بالجر؟ الصواب بالنصب كفارَ مكة وغيرَهم رحمة نعمة.
﴿فَرِحُوا بِهَا﴾ فرح بطر. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ شدة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أي: ييئسون من الرحمة، ومن شأن المؤمن أن يشكر عند النعمة، ويرجو ربه عند الشدة.
قوله تعالى: ﴿رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا﴾ ﴿رَحْمَةً﴾ يشمل جميع النِّعم من مال، وأولاد، وأمْن، ورخاء في العيش، وغير ذلك، كل ما يكون، أو كل ما ينعم به الإنسان فإنه داخل في ذلك؛ ولهذا قال: (من نعمة).
وقوله: ﴿فَرِحُوا بِهَا﴾ أيدها المؤلف بقوله: (فرح بطر) احترازًا من الفرح بنعمة الله فرح شكر؛ لأن هذا لا يذم كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس ٥٨] فأمر الله تعالى أن نفرح بفضل الله ورحمته، وعلى هذا فالفرح نوعان؛ فرح بطر يؤدي إلى الأشر والاستكبار عن الحق والتَّعَلِّي عن الخلق، هذا هو المذموم، والثاني: فرح شُكْر، يكون الإنسان فرحًا بنعمة الله، لكن هذا الفرح يحمله على شكر النعمة؛ فهذا ليس بمذموم، وهو من طبيعة الإنسان، فإن الإنسان إذا رُزِق ولدًا فرح، وإذا رُزِق مالًا فرح، وإذا كان طالب علم فتوصَّل إلى مسألة من مسائل العلم فرح، فهو من الأمور الطبيعة لكن إن أدى الفرح إلى الأشر فإنه مُحرَّم ومذموم وإلا فلا، هذا الكراهة الداخلة.
وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ [الروم ٣٦] المراد بالسيئة هنا ما يسوؤه، وهو ضد الرحمة، مثل: فقر، وجدب، وخوف، فقدان مال، وما أشبه ذلك، هذه السيئة، وسمي سيئة؛ لأنه يسوؤهم.
وقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ الباء هنا للسببية؛ أي بسبب. و(ما) موصولة؛ أي بالذي، وعلى هذا فالعائد محذوف، والتقدير: بما قدمته أيديهم إذا هم يقنطون بما.
ولاحظ أن الله عز وجل أطلق الرحمة: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾، أما السيئة فقيدها بقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ وذلك لأن السيئات سببها أعمال العباد كما قال الله تعالى في الآية التالية إن شاء الله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠] ولهذا قال هنا: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [القصص ٤٧].
وقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ المراد بما قدموا، فعبر بالأيدي عن النفس؛ لأن غالب الأعمال بها، وهذا كثير في القرآن؛ أن الله تعالى يضيف الشيء إلى الأيدي، والمراد بها نفس العامل، بل إن الله أضاف الأيدي إلى نفسه، والمراد بها نفسه مثل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس ٧١].
فإن قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ ليس كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥] والفرق أن المراد بقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ أي: مما علمناه. وأما: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فأضاف الخَلْق إلى نفسه مُعدًّا إلى اليد بالباء، فصارت اليد حصل بها الفعل، وأما الخلق فهو مضاف إلى نفسه سبحانه وتعالى، أضافه إلى نفسه المقدسة وعدَّاه إلى اليد بالباء؛ ولهذا يغلط من جعل قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ مثل قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥].
إذن ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بما كسبوا، وعبر بالأيدي عن النفس؛ لأنها آلة الفعل غالبًا.
وقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم ٣٦] ﴿إِذَا﴾ فجائية واقعة في جواب الشرط، وهو قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾.
وقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أتى بالجملة الاسمية للدلالة على أنهم اتصفوا بذلك على سبيل الدوام، فهم دائمًا في قنوط ما دامت السيئة فيهم، والقنوط يقول المؤلف: (ييئسون) ولكنه تفسير فيه شيء من القصور؛ لأن القنوط ليس اليأس بل هو أشد اليأس؛ لأن اليأس إذا كان فيه شيء من الرجاء لا يسمى قنوطًا، وإن سُمِّيَ يأسًا لكن إذا بلغ اليأس غايته سُمِّي قنوطًا، وقد قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر ٥٦] الجاهلون بما لله عز وجل مِنَ الحكمة بما يجري على عباده من الضراء والسراء.
يقول المؤلف: (ومن شأن المؤمن أن يشكر عند النعمة، ويرجو ربه عند الشدة) وعلى هذا فتكون الآية فيمن؟ في الكفار.
(﴿﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ ﴾ يعلموا ﴿﴿أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ ﴾ يُوسِّعه ﴿﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ﴾ امتحانًا ﴿﴿وَيَقْدِرُ﴾ ﴾ يُضيِّقه لمن يشاء ابتلاءً).
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ قال المؤلف: (أولم يعلموا). وعلى هذا فالرؤية علمية، ويؤيد تفسير المؤلف أنها جاءت في آيات أخرى بـ(يعلموا)، وهي في سورة الزمر: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الزمر ٥٢]. ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ إذن فأحسن ما يُفسر به القرآن القرآن، وهو أعلى أنواع التفسير، ويمكن أن يقال: إن لكل آية معنى، فنُفسِّر الرؤية هنا برؤية البصر لا برؤية البصيرة التي هي العلم، ونفسرها هناك بالعلم كما هو لفظ الآية، ويكون البسط والتضييق معلومًا بالقلب مرئيًّا بالعين، فإن الإنسان أيضًا يرى بعينه كما يعلمه أيضًا بقلبه، وأيهما أعم (يعلموا) أو (يروا)؟
إذا لم نفسر (يروا) بـ(يعلموا)؟ العلم أعم؛ لأن العلم قد يكون بالرؤية، وقد يكون بالسماع.
قد لا أرى أن الله بسط الرزق لعباده وقدَرَه، لكنني أسمع أنه في البلاد الفلانية فقر، وفي البلاد الفلانية غِنى، وما أشبه ذلك، فالعلم أعم؛ وذلك لأن وسائل العلم متعددة بخلاف الرؤية فإن طريقها البصر، العلم كل الحواس الخمسة التي تعرفونها كلها تُوصِّل إلى العلم، فاللمس والشم والذوق والرؤية والسماع كلها تفيد العلم، فهو أعم؛ لأنه إذا رأى علم، لكن العلم أعم؛ لأن وسائله أكثر.
وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ البسط بمعنى التوسيع كما قال الله تعالى: ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [الروم ٤٨] يعني يوسعه.
وقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ سبق لنا أن كل شيء قيَّدَهُ الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، وليست مشيئة الله تعالى مشيئة مجردة؛ لأننا نعلم أن الله عز وجل حكيم، لا يفعل شيئًا، ولا يشرع شيئًا إلا لحكمة، فكلما مر عليك شيء مُقيَّد بالمشيئة فاعلم أنه مقيد بالحكمة.
﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قال المؤلف: (امتحانًا، ﴿﴿وَيَقْدِرُ﴾ ﴾ يُضيِّق لمن يشاء ابتلاءً)، ففرَّق المؤلف بين تضييق الرزق وبين بسطه، وجعل البسط امتحانًا والتضييق ابتلاءً، والصواب أنهما سواء كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]، وكلها ابتلاء، وقال سليمان عليه الصلاة والسلام: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠].
فالصواب أنها كلها ابتلاء والامتحان قريب من معنى الابتلاء، لكن الإصابة لبسط الرزق تقتضي شكرًا، وبتضييقه تقتضي صبرًا، هذا الفرق بينهما، والمؤمن يقوم بالوظيفتين، إن أصابته سراء شكر؛ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر؛ فكان خيرًا له، وهذا ليس إلا للمؤمن فقط.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الاستفهام هنا المراد به التقرير؛ يعني أنهم يرون أن الأمور بيد الله عز وجل، وأنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، فكيف يقطنون إذا أصابتهم السيئة؟ وكيف يفرحون ويفخرون إذا أصابتهم الرحمة؟ بل الواجب عليهم أن يعلموا أن ذلك بحكمة من الله سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الواو هنا حرف عطف وَلِيَت أداة استفهام، وأداة الاستفهام لها الصدارة، فإذن لم تُسبق الواو بشيء يُعطف عليها، فما هو الجواب؟ ذكرنا فيما سبق أن لعلماء النحو في مثل هذا التقييد قولين؛ القول الأول أن الواو عاطفة على مُقَدَّر بعد الهمزة، والثاني أن الواو عاطفة على ما سبق، وعلى هذا فتكون الهمزة مُقدَّمة قبل العاطف، وذكرنا أن هذا الرأي أولى؛ لأن الأول وإن كان جيدًا من حيث الأصول لكنه في بعض الأحيان يصعب على الإنسان أن يُقدِّر شيئًا يرى أنه مناسب للسياق، وعليه فيكون القول بأن الهمزة للاستفهام، وأن الواو مُقدَّرة قبلها؛ يعني (وألم يروا) أسهل.
﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الروم ٣٧] ولا شك أن بسط الرزق وتضييقه أنه ابتلاء من الله سبحانه وتعالى؛ وذلك لأن العبد أحيانًا يناسبه أن يبسط له الرزق، وأحيانًا بالعكس حسب ما تقتضيه الحكمة يحسن لهاذاك ما لم يحسن لهذا.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم ٣٧] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي في بسْط الرزق وتضييقه. ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿آيَاتٍ﴾ الذي نصبها ﴿إِنَّ﴾ فهي اسمها مؤخرًا، و﴿فِي ذَلِكَ﴾ خبرها مقدم.
وقوله: ﴿لَآيَاتٍ﴾ أي: لعلامات دالة على أن الله سبحانه له التصرف المطلق في عباده. أظن أننا نرى أحيانًا بعض الناس يسعى بقدر ما يستطيع في أسباب الرزق، ومع ذلك لا يمكن، تجده يبيع، ويشتري، ويسافر يضرب في الأرض يبتغي من فضل الله، ومع هذا ليس كثر المال، مُضيَّقًا عليه، وتجد بعض الناس يسعى سعيًا بسيطًا ولكن الله تعالى يُبارك له في سعيه حتى يكون عنده رزق كثير؛ مما يدل على أن الأمور لا تُنَال بالكسب، الكسب سبب لكن فوق ذلك إرادة الله عز وجل.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بهذا، بهذه الرؤية، وهذا التفكُّر، أما غير المؤمن فإنه لا ينتفع بهذا؛ ولذلك تجد هؤلاء الذين لا يُؤمنون إذا حصل مثل هذه الأمور ينسبونها إلى الطبيعة، إذا كثر المطر قالوا: هذا بسبب كذا، وإذا قلَّ قالوا: هذا بسبب كذا، ونحن لا ننكر أن الأمور لها أسباب، ولكننا نُنكر أن تكون الأسباب هي الفاعلة، فإن الفاعل هو الله عز وجل، وما الأسباب إلا وسائل يُستدل بها على حكمة الله سبحانه وتعالى، وأنه حكيم، حيث ربط المسببات بأسبابها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم ٣٧] ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الروم ٣٨] إلى آخره. ﴿آتِ﴾ بمعنى أعطِ؛ لأنها من الرباعي لو كانت من الثلاثي لكانت بمعنى جِئ، لكنها من الرباعي الذي بمعنى أعطى.
وقوله: ﴿آتِ﴾ الخطاب مفرد، فهل هو للرسول ﷺ شخصيًّا أو لكل من يتوجه إليه الخطاب؟ قلنا: إن للعلماء في هذا رأيين إلا ما دل الدليل على أنه خاص بالرسول ﷺ فهذا يختص به، مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] هذا خاص بالرسول ﷺ، ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾ [الضحى ٨] ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] وما أشبه ذلك.
* الطالب: عائلًا؟
* الشيخ: وجدك الرسول، لكنه أغنى بك.
* الطالب: (...).
* الشيخ: وقوله: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى﴾ ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾ أي: صاحب القرابة؛ ولهذا قال المؤلف: (القرابة)، فالقربى هنا بمعنى القرابة. ﴿حَقَّهُ﴾ من البر والصلة. وأحق الناس بذلك الأم والأب وإن علوا، وصِلتهما تسمى بِرًّا؛ لأنه يجب أن تكون أعلى من غيرهما، والبر كثرة الخير، وغيرهما يسمى صلة؛ لأن المقصود الوصل فقط بخلاف الأب والأم، فـ(حقه) هنا مجمل، ولكنه مُبيَّن بنصوص أخرى من القرآن والسنة؛ وهو أن حق الأبوين البر، وحق غيرهما الصلة، فيمكن أن يكون قول المؤلف: (من البر والصلة) على سبيل التوزيع، من البر في الأبوين والصلة في غيرهما، في أولي الأرحام. قال: ﴿آتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾.
وقوله: ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾ يعم كل قريب ولو كان كافرًا؛ لأن العلة القرابة ليست الإسلام، لو قال: آتِ المؤمن حقه، قلنا: العلة الإيمان، فيختص الحكم به.
﴿آتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ المسكين هو الفقير، وهنا أطلق المسكين والمراد به الفقير والمسكين في آية الصدقة، وقد مر علينا أن المسكين إذا أُطلق يشمل الفقير، والفقير إذا أُطلق يشمل المسكين، وإذا قُرِنا جميعًا افترقا.
والمسكين له حق، ما حقه؟ حقه دفع حاجته؛ لأنه فقير، قال أهل العلم: وإطعام الجائع وكسوة العاري فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ المسافر، وسُمِّي ابن سبيل لملازمته له، والسبيل الطريق، وكل من لازم شيئًا يسمى ابنًا له، قالوا كما يقال: ابن الماء لطيره، طير الماء يسمى ابن الماء، ويقال للرجل الذي يكثر السفر في الليل: ابن الليالي، وما أشبه ذلك، فالابن لكل من لازم الشيء قال: من الصدقة، هذا تفسير لحق المسكين وابن السبيل، وقيل: المراد بابن السبيل الضيف؛ لأنه عابر سبيل ولكن الصحيح أنه المسافر، ويشمل الضيف ولَّا لا؟ يشمل الضيف؛ لأن الضيف مسافر.
قال: (وأمة النبي ﷺ تبع له في ذلك). أفادنا المؤلف في هذه الجملة أن الخطاب في قوله: ﴿فَآتِ﴾ مُوَجَّه للرسول ﷺ شخصيًّا، والأمة تبع له. وقد سبق لنا أن وجه ذلك؛ أن الرسول عليه الصلاة والسلام هو زعيم أمته، فوُجِّه الخطاب إليه وإن كان شاملًا، أو أنه خاص به، ويكون أمته تبعًا له على سبيل التأسي به.
قال: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٨].
﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه إتيان، أو إيتاء ذي القربى حقه.
﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ ﴿خَيْرٌ﴾ كلمة ﴿خَيْرٌ﴾ هنا يُراد بها التفضيل ولَّا اسم وليست بتفضيل؟ قلنا فيما سبق: إن خيرًا وشرًّا تستعملان اسمي تفضيل، وتستعملان اسمًا مجردًا عن التفضيل كما في قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨] هذا ليس المراد به التفضيل. كذلك هنا قال: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٨] الظاهر أنه لا يراد بها التفضيل، وإنما المراد أن هذا خير ضد الشر لكنه قُيِّد بقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾، وهذا دليل على الإخلاص؛ يعني خير للمخلصين الذين يريدون وجه الله، أما غير المخلص فإنه ليس خيرًا له، لكن هل هو خير للمؤمن؟
(...) تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء ١١٤] فجعل الله تعالى ذلك خيرًا مطلقًا، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فجعل هذا الشيء خيرًا مطلقًا لما فيه من النفع المتعدِّي، ولكنه لا يكون خيرًا للفاعل إلا بنية الإخلاص، وأظن هذا ظاهرًا، لو أنك تصدقت على شخص بدراهم أو بثوب يلبسه انتفع ولَّا لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: طيب هل تنتفع أنت؟ قد تنتفع وقد تنضر، وقد لا تنتفع، ولا تنضر، إن فعلت ذلك رياءً انضررت، وإن فعلته إخلاصًا انتفعت، وإن فعلته مجرد سجية وطبيعة فإنك لا تنتفع؛ ولهذا قال هنا: ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٨] قال المؤلف: (أي: ثوابه بما يعملون)؛ (أي: ثوابه). هذا تفسير لا يُناسب الصحيح، وإنما هو على طريقة أهل التأويل الذين لا يؤمنون بالصفات الخبرية التي أخبر الله بها عن نفسه كالوجه واليدين والقدم، وما أشبهها، فتفسير الوجه بالثواب خطأ، وليس على طريق أهل السنة والجماعة، بل هو على طريق أهل البدع المؤولين الذين يسمون أنفسهم مؤولين وهم في الحقيقة مُحرِّفون، والصواب أن المراد بوجه الله وجهه الذي هو صفته، وأن في الآيات إشارة إلى أن من فعل مثل هذه الأمور لله فإنه سوف يرى الله عز وجل ويلقاه كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة وإجماع السلف أن المؤمنين يرون ربهم كما يرون القمر ليلة البدر.
* الطالب: شيخ، قلنا: إنه ينتفع بما أعطى، فليقل: ذلك خير للذين يريدون وجه الله، يعني المسألة (...)؟
* الشيخ: لا، يُنتفع بها، كيف ما ينتفع؟!
* الطالب: أقول: يُنتفع، لكن الآية مرادها؟
* الشيخ: إي، نقول: ما يكون خير إلا لمن يريدون وجه الله، هذا بالنسبة للمعطي، أما بالنسبة للمُعْطَى فهو خير له، حتى لو يعطيه إنسانًا كافرًا، لو يعطي كافر شخصًا مالًا انتفع به، وصار خيرًا.
* الطالب: لكن الآية يعني كان معناها أنها نفع للمعطي.
* الشيخ: نعم، هي ما تكون خيرًا للمعطي إلا بالنية، المعطي ما تكون إلا بالنية، أما بالنسبة للمُعْطَى فهي خير على كل حال، فالله ما ذكر في الآية هنا الخير للمعطِي إلا بهذه النية، أما المعطَى فلا شك أنه له خير على كل حال كما تفسره آية النساء.
* الطالب: (...) ثواب الله، ما يشمل رؤية الله (...) يلتمس له العذر؟
* الشيخ: لا، معروف الطريق.
* الطالب: سورة الإنسان التي تدل على ذلك في قوله تعالى: (...).
* الشيخ: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٣]، الأولى ناضرة بالضاد بمعنى حسنة وبهية، والثانية بالظاء؛ لأنها من النظر بالعين.
قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم ٣٨] أولاء مبتدأ، و﴿هُمُ﴾ ضمير فصل، و﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبره، المفلح هو الذي فاز بالمطلوب، ونجا من المهروب، مِن (أفلح) إذا فاز، وأصل الفلاح البقاء، كما قال الشاعر:
.......................... ∗∗∗ وَالْمُسْيُ وَالصُّبْحُ لَا فَلَاحَمَعَهْ
يعني لا بقاء، ولكنه صار شاملًا لكل ما حصل به المطلوب ونجا به من المرغوب.
وقوله: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الجملة اسمية تدل على أن الفلاح لازم لهم، ضمير الفصل هل هو اسم ولَّا حرف؟ لا، الصحيح أنه حرف لا محل له من الإعراب، ولا يُعرب؛ لأن ما الفائدة من ضمير الفصل؟ الفائدة الحصر فقط له ثلاث فوائد؛ الأولى: الحصر، والثانية: التوكيد، والثالثة: الفرق بين الصفة والخبر، مثال ذلك: إذا قلت: زيدٌ العاقلُ، زيدٌ: مبتدأ، والعاقل: خبر. لكن يحتمل أن تكون العاقل صفة لزيد، وأن الخبر ما بعد زيد العاقل محمود مثلًا، فإذا قلت: زيد هو العاقل تعين أن تكون العاقل خبرًا؛ ولهذا قيل له: إنه ضمير فصل؛ لأنه يفصل ويميز بين التابع اللي هو النعت وبين الخبر، أما إفادته للتوكيد واضحة فإن قولك: زيد هو العاقل أقوى في الدلالة على الحصر من قولك: زيد العاقل، أما كونه لا محل له من الإعراب فلاحظ في القرآن: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠].
لو كان له محل من الإعراب لقال: إن كانوا هم الغالبون، يكون هم: مبتدأ، والغالبون: خبر، والجملة خبر كان، فدل هذا على أنه لا محل له من الإعراب وهو على المشهور عند النحويين حرف؛ يعني جِيء به للفصل.
* الطالب: سلمك الله، الضمير إذا أطلق عليه كلمة الضمير، والضمائر كلها أسماء، فإذا كان حرف (...).
* الشيخ: صورة الضمير، لكن معناه ليس معنى الضمير الذي يكون اسمًا (...)
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم ٣٦].
* يستفاد منه هذه الآية الكريمة: (...) ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٥٥].
* يستفاد من هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى قد يجعل النعم سببًا للكفر فيكون الكفر معنًى لها؛ لقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [الروم ٣٤]؛ لأن ذكرنا أن اللام هنا للعاقبة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب إذا جعلنا الباء في قوله: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ سببية أما إن جعلناها للاختصاص فليس فيه دليل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما أصابنا من نِعَم فإنه من الله؛ لقوله: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾.
* ومنها: تحذير الكافرين، وأن انبساطهم بنعم الله سبحانه وتعالى ضرر عليهم؛ لقوله: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
* ومنها: بلاغة القرآن؛ وذلك بالانتقال من الغَيْبَة إلى الخطاب الذي يسمى في اصطلاح البلاغيين (...)؛ لأنه سبق لنا فوائد الانتقال.
* الطالب: والعكس يا شيخ؟
* الشيخ: إلا.. كيف؟
* ومنها: إثبات الجزاء. من أين نأخذه؟ من قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
ثم قال عز وجل: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم ٣٥].
* من فوائد هذه الآية: أن أولئك المشركين ليس لهم حجة على شركهم؛ لقوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾.
* ومن فوائدها: أن من صنع شيئًا بدليل فلا لوم عليه. من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ يعني لو كان لهم سلطان ما نلومهم، ولا نعذبهم.
* ومنها: أن المجتهد المتأول لا إثم عليه، لماذا؟ لاعتماده في اجتهاده على دليل؛ لأنه استند إلى دليل؛ ولهذا لم يُضمِّن النبي ﷺ أسامة بن زيد، لم يضمنه الرجل الذي قتله بعد أن قال: لا إله إلا الله، السبب؛ لأنه متأوِّل. ولم يُلزِم عمار بن ياسر بقضاء الصلاة حين تيمم عن الجنابة بالتقلب على الأرض والتمرغ فيها، لماذا؟ لأنه مُتأوِّل، ولم يلزم المرأة المستحاضة بقضاء الصلاة وهي تتركها وقت الاستحاضة؛ لأنها متأولة، وعلى هذا فكل متأول يظن أنه على صواب فإنه لا إثم عليه، لكن هل هذا يشمل الأصول والفروع أو هو خاص بفروع الدين؟
قال شيخ الإسلام: إنه يشمل الأصول والفروع، وأنكر شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن يكون الدين منقسم إلى أصول وفروع، وقال: إن هذا التقسيم لا أصل له، لا في الكتاب ولا في السنة، فهذه الصلاة عند المقسِّمين، الصلاة عندهم من قِسْم الأصول ولَّا من قسم الفروع؟ الفروع، وهي من آصل الأصول، هي الركن الثاني من أركان الإسلام، ومع ذلك هي عندهم من قسم الفروع، وأشياء يختلفون فيها وهي عندهم من قسم الأصول، ويرون أن الاختلاف فيها مساغ؛ كاختلافهم في رؤية النبي ﷺ ربه، واختلافهم في نعيم القبر وعذاب القبر في بعض الصور، وما أشبه ذلك مما هو من العقائد، ومع ذلك يرون أن الاختلاف فيه سائغ.
فالشاهد أن المدار كله على قاعدة من قواعد الشرع، وهي قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، فمن اجتهد في طلب الحق وتحرَّاه، ولكنه لم يُوفَّق له مع حُسْن النية وصحة المسلك، هل نقول: هذا آثِم؟ ما يمكن، يعني عندنا مثلًا فيه علماء أجلة نشهد لهم بالدين، والصلاح، وحب الإسلام، والانتصار للإسلام، ومع ذلك هم مخالفون للسلف في العقيدة، ونحبهم، ولا نؤثمهم، مِثْل مَنْ؟ كابن حجر، وابن الجوزي، وكذلك النووي، وطوائف من العلماء معروفون بالصلاح والإصلاح وحب الخير، ونعلم أنهم مجتهدون، مع أن الإنسان الذي تبين له الحق ولكنه عاند وأصر هذا يُعامَل بما يقتضيه عناده وإصراره.
وهنا الآن الذي قال الله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ هي في مسألة أصولية، في الشرك، لو كان لهم حجة يعتمدون عليها ما استحقوا العذاب ولا اللوم، ولكن ليس لهم حجة.
قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم ٣٥]
* يستفاد منها أيضًا: أنه لا بد أن يكون السلطان أو الحجة التي يحتجون بها واضحة؛ لقوله: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾، والتعبير بالكلام هو أوضح ما يكون من الإظهار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ظهور عدل الله سبحانه وتعالى، وإلا لكان عز وجل يعذبهم بدون أن يقيم عليهم الحجة، ولكن لإظهار عدله سبحانه وتعالى صار يطالب بالحجة هؤلاء مع العلم أنه لا حجة لهم، ومن هذا النوع الموازين يوم القيامة، والكتب يوم القيامة، كل هذا لإظهار عدل الله، وإلا فالله تعالى له الحكم وإليه المنتهى، قادر على أن يُعذِّب بدون ميزان وبدون كتاب، ولكنه سبحانه وتعالى بكمال عدله يُعطَى الإنسان كتابه ويقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤].
قال بعض السلف: لقد أنصفك من جعلك حسيبًا على نفسك، صحيح، لو تتذكر الحساب بينك وبين واحد معاملة وحساب صادر ووارد، قلت: خذ الدفتر وأنت حاسب، أيش يكون هذا عدل ولَّا لا؟ عدل بخلاف ما لو ما أجملت الحساب وقلت: عليك كذا ولك كذا، قد يكون في هذا شُبْهة، لكن يعطيك الدفتر ويقول: أنت حاسب نفسك، هذا غاية الإنصاف.
فيه بعده: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم ٣٦].
* يستفاد من الآية الكريمة: أن الرحمة من الله تفضلًا منه وامتنانًا كيف ذلك؟ أن كونها من كقوله: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا﴾. وأما كونها تفضلًا فلأنه لم يذكر لها سببًا تفضلًا وامتنانًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذم الفرح إذا كان على سبيل الأشر والبطر، قد تقولون: من أين نأخذه من الآية؟
* طالب: من قوله: ﴿فَرِحُوا﴾ يا شيخ.
* الشيخ: إي، لكن تقييد الفرح بالأشر والبطر من قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ يمكن يُؤخذ أن الفرح المذموم من الصفة التي بعده.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن السيئة لا تُضاف إلى الله؛ لأنه قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ ولم يقل: وما أصبناهم.
فإن قال قائل: ما تقولون في قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء ٧٨]. فما هو الجمع؟
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب هنا قلنا: إن السيئة لا تضاف إلى الله؛ أي أن إيقاعها سيئة ولَّا لا؟ إيقاعها ليس بسيئة، هي سيئة لكن إيجادها ليس بسيئة، بل ولحكمة، فالشيء بنفسه قد يكون سوءًا لكن بالنسبة لفعل الفاعل لا يكون فعل الفاعل سوءًا، هذا رجل لُدِغَ ابنه، واحتاج الابن إلى كي، فأحمى الحديدة في النار وكواه، فصرخ الابن فرحًا أو ألمًا؟ ألمًا، إذن هذه سيئة ولَّا لا؟ لكن كي والده إياه سيئة ولَّا حسنة؟ حسنة.
فحينئذٍ يجب أن نعرف الفرق بين الفعل والمفعول، فالسوء والشر إنما هو بالنسبة لمفعول الله من الصفات المنفصلة عن الله، أما بالنسبة للفعل الذي هو فعل نفسه فإنه لا يمكن أن يكون شرًّا أبدًا بل هو خير، ويمكن أن تقول: إن الخير نوعان: خير لذاته، وخير لغيره، فما كان شرًّا في نفسه وقدَّره الله فهو خير لغيره، وما كان خيرًا في نفسه فهو خير، واضح، ممكن نقول هكذا؟ فإذن لنا عن هذا جوابان؛ الجواب الأول: أن يُقال: إن الشر ليس في فعل الله، بل هو في مفعوله، أما إيجاد الله له فهو خير لما يتضمنه من الحكمة البالغة، هذا واحد ونظيره كَيُّ الإنسان ابنه ليُشفى من المرض فهو في ذاته الكي شر، لكن بالنسبة لفعل الأب له خير، هذا وجه.
أو يقال: إن الخير نوعان؛ خير لذاته، وخير لغيره، فما كان خيرًا محضًا فهو خير لذاته كالمطر، والنبات، والأمن، وما أشبه ذلك وما كان شرًّا لذاته فهو خير لغيره، إذا كان الشر خيرًا لغيره صار بهذا خيرًا، فالجدب والقحط والخوف وما أشبه ذلك خير؛ لأنه يؤدي إلى خير كما قال الله عز وجل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: فهمنا الآن أن السوء لا يضاف إلى الله، وإنما يضاف إلى مفعولاته.
* من فوائد الآية الكريمة: أن السوء لا ينال الناس إلا بأعمالهم؛ لقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ طيب سؤال هل هذا يشمل السوء في الأمور الدينية والأمور الدنيوية أو في الأمور الدنيوية فقط؟ فيهما جميعًا؛ فالجدب والقحط بسبب الأعمال السيئة والمعاصي، كذلك زيغ القلب بسبب المعاصي ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥].
إذن المصائب الدينية والدنيوية كلها بسبب أعمالنا نحن، فلو استقمنا استقامت لنا الأمور، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال ٢٩] شوف فرقانًا، إذن التقوى سبب للعلم؛ لأن الفرقان ما يكون إلا بعلم يفرق الإنسان فيه بين النافع والضار والحق والباطل، إذن نقول: هذا يشمل أمور الدين وأمور الدنيا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم القنوط من رحمة الله، من أين يؤخذ؟ لأن الله أطلقه على سبيل الذم، ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾، هذا دليل على تحريمه، ودليل على تحريمه بالنظر أن القنوط يستلزم عدم الرجوع إلى الله؛ يعني إذا قنط من رحمة الله كيف يرجو رحمة الله؟ فيستحسر وييئس والعياذ بالله، ولا يتعرض لما فيه الرجاء والأمل.
* الطالب: شيخ، البلاء..
* الشيخ: البلاء بما يُؤلم هذا سوء، والبلاء بما يسر هذا ابتلاء وليس سوءًا.
* الطالب: المؤمن يُبتلى على قدر إيمانه؟
* الشيخ: يُبتلى على قدر إيمانه؛ لأنه أحيانًا يكون الابتلاء بالمصائب ليس من أجل عقوبة لكن من أجل التمثيل وهو البيان، وهذا مر علينا أنه قد يقع ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١] ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ [البقرة ٢١٤].
وقلنا: إن الابتلاء مع استقامة الحال ليس المراد به تكفير سيئة حصلت بل المراد به رفع درجات؛ لأن الصبر ما يكون إلا على بلوى، والصبر مرتبة عالية ما ينال إلا بمشقة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الاختيار في البحث؛ لقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الروم ٣٦]. فيكون في ذلك رد لقول مَنْ؟ الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان ما له اختيار في العمل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُعاقَب على أعمال القلوب، أو قد يُذم على أعمال القلوب؛ لأن القنوط من أعمال القلوب؛ إذ إنه أشد اليأس ومحله القلب.
إلى الغيبة، ففيه تعلية للشأن مثل التعبير بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ [غافر ٦٠]، ما قال: وقلت لكم، أو أقول لكم؛ تعظيمًا لشأنه تعالى، ويش يصير المراد بذلك؟ تعظيم شأن هؤلاء الذين أرادوا وجه الله عز وجل بكونهم حصلوا على مضاعفة الأجر والثواب بخلاف الأولين.
ثم قال تعالى: (﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ ممن أشركتم بالله ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ) يقول المؤلف: (لا ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ به).
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ يعني: أوجدكم من العدم، لكن الخلق ليس مجرد الإيجاد بل هو الإيجاد بتقديرٍ، بل إن بعضهم قال: إن الخلق في الأصل هو التقدير، واستدلوا لذلك بقول الشاعر:
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَاخَـــــــــــــــــــــــــــلَقْتَ ∗∗∗ وَبَعْضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَايَفْرِي
ويش معنى (ما خلقتَ)؟ أي: ما قدَّرتَ، ولكن الصحيح أنه يطلق على الإيجاد المسبوق للتقدير، فمعنى ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أوجدكم إيجادًا مسبوقًا بالتقدير والإحكام والإتقان. وهذا مسلم ولَّا لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: حتى عند المشركين؟ حتى عندهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، ولا يمكن لأحد إلا المجنون أن يدعي أنه خلق نفسه، أبدًا، أو يدَّعي أنه خُلِقَ بدون خالق، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور ٣٥]؟ لا. فأنت ما خلقك أبوك، ولا خلقتك أمك، ولا خلقك أحد من البشر، ولا من غير البشر سوى الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر مُسَلَّم.
ثانيًا: ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾..
* طالب: الشيوعية يقولون: خلقتهم الحجارة (...).
* الشيخ: يقولون: إنها الطبيعة، فيعترفون بهؤلاء الخلق، لكن هؤلاء مكابرون لا عبرة بقولهم.
* طالب: أهل الطبيعة، ويش يصفون الخلق؟
* الشيخ: يقولون: هذا شيء وُجِد في الأزل على هذه الصفة وصار يتفاعل ويتوالد، وما أشبه ذلك.
* الطالب: لكن ما هم مقرين أن الله هو الخالق.
* الشيخ: لكن يقرون بموجد، ما يقولون: إن هذا الشيء مثلًا.. إن هذا الإنسان أو هذا الحيوان وُجِد هكذا صدفةً، يُقِرُّون بموجد وهي الطبيعة، فنقول لهم: هذه الطبيعة من الذي أوجدها؟
وقوله: ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ [الروم ٤٠]..
* طالب: (...) حقيقة الأمر (...).
* الشيخ: ﴿رَزَقَكُمْ﴾ أي: أعطاكم، والرزق في اللغة العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨] أعطوهم.
وهل أحد يدعي أن الرازق سوى الله؟ قد يدعي أحد، قد يقول: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ الله قال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾، فأنا رزقت هذا الإنسان أعطيته، فيقال: لكن من الذي خلق ما أعطيت؟ الله الذي رزقك هذا هو الله، ومهما كان من عمل بني آدم فإنما هو تحويل لا إيجاد، كل عمل بني آدم -حتى الصنائع والبناء وغير ذلك- ليس إلا مجرد تحويل؛ يعني: تغيير من شيء إلى شيء، وإلا فالأصل هو الله عز وجل، هو الخالق، وهو الموجد، هذا الرزق اللي أعطيت مثلًا، هذا الرجل أعطيته كيسًا من الطعام، صحيح أنك رزقته، لكن من الذي أوجد هذا الكيس؟ الله عز وجل، فإذن الرزق أصله من الله وإن كان قد يوجد على أيدي بعض الناس؛ لقوله تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» »[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله.]].
لكن يقال: من الذي خلق هذا الرزق؟ ومن الذي جلبه إليك؟ ومن الذي قدَّر أن تعطيه هذا؟ كله الجواب هو الله.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ يعني: بعد هذا الخلق والإمداد؛ الخلق إعداد، والرزق إمداد، الله عز وجل أوجدك وأعدك وهيأك، ثم أمدك بما به قوامك، بعد ذلك يميتكم، ﴿يُمِيتُكُمْ﴾ يعني: بعد الحياة الدنيا يكون الموت؛ وهو مفارقةُ الروحِ البدنَ مفارقةً تامةً، لأن النوم فيه مفارقة تفارق الروح البدن لكن ليست مفارقة تامة، أما الموت الذي هو الموت فهي مفارقة تامة، ولكنها تُعَاد إليه في قبره إعادةً برزخيةً لا كإعادتها في الدنيا.
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ الحياة الآخرة التي ليس بعدها فناء.
قال الله عز وجل: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ ﴿شُرَكَائِكُمْ﴾ هذه مضافة إلى المفعول ولَّا إلى الفاعل؟
* طالب: إلى الفاعل.
* الشيخ: ﴿مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ الذين أشركتموهم، فتكون مضافة إلى المفعول؛ يعني هل من هؤلاء الذين أشركتموهم بالله؟ ولهذا قال المؤلف: (ممن أشركتم بالله).
* طالب: أشركتم هذا (...).
* الشيخ: لا، أشركتم، لكن أشركتموهم، أصلًا ممن أشركتموهم.
* طالب: أن الإنسان يشرك.
* الشيخ: نعم، إذا أشرك فالمشرَك به مفعول، فمعنى ﴿شُرَكَائِكُمْ﴾ ليس معناه هم الذين أشركوكم، بل أنتم الذين أشركتموهم مع الله، فهو مضاف إلى مفعوله.
قال: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إعراب ﴿مَنْ يَفْعَلُ﴾، ويش محلها من الإعراب؟
* طالب: فعل الشرط.
* الشيخ: أي شرط؟
* طالب: (هل).
* الشيخ: لا، ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ﴾ (مَن) ويش إعرابها؟
* طالب: مفعول المصدر.
* الشيخ: لا، يحتمل أن تكون نكرة موصوفة، والتقدير: هل من شركائكم أحدٌ يفعل ذلك، ويحتمل أن تكون موصولة على أنها مبتدأ مؤخر؛ أي: الذي من شركائكم، هل الذي يفعل ذلك من شركائكم؟ والأول أحسن؛ أن تكون نكرة موصوفة؛ يعني: هل من شركائكم أحد يفعل من ذلك؟
وقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ (مِن) زائدة، وصحت زيادتها؛ لأن الاستفهام هنا بمعنى النفي، و(مِن) تزاد في النفي، كما قال ابن مالك:
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرّ ∗∗∗ نَكِرَةً كَـ(مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّ)
وقوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه ما هو؟ الخلق والرزق والإحياء والإماتة، فعلى هذا يكون الجواب عن كونه مفردًا مَذَكَّرًا مع أن السابق أربعة أشياء؛ جمع، يقال: لأنه أُوِّل بالمذكور، ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ أي: من ذلكم المذكور، فصحَّ أن يأتي اسم الإشارة مفردًا مذكرًا؛ لأنه عائد إلى المذكور.
وقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: ما يمكن يفعل هؤلاء أي شيء من هذه الأمور؛ لا الخلق، ولا الرزق، ولا الإحياء، ولا الإماتة. وهذا على سبيل التحدي، فإذا كانت هذه الآلهة التي أشركت بالله لا تفعل شيئًا من هذا، هل تصح أن تكون آلهة؟ لا، بل تأليهها باطل؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢].
يبقى النظر لو ادعى مدعٍ أنه يحيي ويميت؛ كالذي حاج إبراهيم في ربه، إبراهيم ﷺ قال له: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فما هو الجواب لو قال قائل: إن من المعبودين من يستطيع أن يحيي ويميت؟
نقول: هذه دعوى باطلة؛ لأن الإحياء والإماتة من الإنسان ليست إحياء وإماتة ولكنها فِعْلُ سببٍ يحصل به (...).
﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الروم ٣٨] إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: أن لهؤلاء الأصناف الثلاثة حق؛ القريب والمسكين وابن السبيل.
* ومن فوائدها: وجوب إيتاء هؤلاء حقهم. من أين تؤخذ؟ من (آت) الأمر، والأصل في الأمر الوجوب.
* ومن فوائدها: أن الأقرب فالأقرب أحق. من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾، لكن كيف الأخذ؟ الأخذ هو أن لدينا قاعدة سبق أن قررناها؛ وهي أن الحكم إذا عُلِّق على وصف فكل ما كان أكثر في هذا الوصف فهو أحق، إذا عُلِّق الحكم على وصف فكلما كان هذا الوصف أشد تمكنًا في شيء فهو أحق.
فمثلًا إذا قلت: أدِّبِ العاصي، عُلِّق التأديب بماذا؟ بالعصيان، ويش يقتضي؟ كل من كان أشد معصية كان أشد تأديبًا، أو لا؟ وإذا قلنا: أكرم المؤمن، صار معنى ذلك كل من كان أقوى إيمانًا صار أحق بالإكرام.
﴿ذَا الْقُرْبَى﴾ عُلِّق الحق بماذا؟ بالقرابة، فكلما كان أقرب كان أحق بالإيتاء.
وهذه القاعدة مفيدة لطالب العلم؛ أنه إذا عُلِّق الحكم على وصف قوي ذلك الحكم بقوة ذلك الوصف، نظرًا أن تعليقه بالوصف يفيد عِلِّيته، وهذا أيضًا القاعدة الثانية؛ أن تعليق الحكم بالوصف يفيد أن ذلك الوصف علة.
فمثلًا تقول: أكرم المؤمن. لماذا؟ لإيمانه. أدب الفاسق؛ لفسقه، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة ٦٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص ٧٧]، معناه: لإفسادهم، وهكذا نقول: إن تعليق الحكم بالوصف يدل على عِلِّية ذلك الوصف، وأنه علة الحكم، وبناء على هذه القاعدة تأتي القاعدة الأولى أيضًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل من كان أحق بالإحسان فهو أولى به؛ لأن المسكين أحق بالإحسان من الغني، وابن السبيل المسافر المنقطع به سفره أحق من غيره.
* من فوائد الآية الكريمة: أن النفع المتعدي خير في نفسه. وهل هو خير للفاعل؟ خير له بشرط، فهو خير بنفسه وإن لم ينتفع به الفاعل.
بناء على ذلك يتفرع على هذا أن ما يبذله الكفار من منافع للمسلمين هي خير للمسلمين، ما نقول: هذه صدرت من كافر فليست بخير، ما فيها خير، لا، لو أن أحدًا من الكفار أصلح طريقًا من الطرق من هذه الشركات الكافرة، هل يكون في هذا الإصلاح خير؟ نعم، خير لا شك فيه، لكن ليس خيرًا لهم إنما هو خير لغيرهم.
* ومن فوائد الآية: التنبيه على أهمية الإخلاص؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه كلما كان العمل أخلص لله كان أكثر خيرًا للفاعل. من أين نأخذ هذا الحكم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، إحنا أخذنا أنه فيه خير لمن أراد الإخلاص، لكن كلما كان أخلص كان أكثر خيرًا للفاعل، من القاعدة التي مرت علينا؛ أن هذا الحكم عُلِّق بعلة ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ﴾؛ لأن اسم الموصول مع صلته كاسم الفاعل تمامًا، فيكون خيرًا للذين يريدون، إذن فكلما كان الإنسان أخلص في إرادة وجه الله كان خيرًا، أكثر خيرًا له.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الوجه لله؛ لقوله: ﴿وَجْهَ اللَّهِ﴾.
ووجه الله عز وجل قال أهل العلم: إنه من الصفات الخبرية؛ لأن عندهم أن الصفات خبرية محضة، يعبِّرون عنها بالخبرية؛ لئلا يقعوا في المحذور، فلا يقولون: إنها بعضية -مثلًا- أو جزئية؛ لأن التبعض والتجزئة في ذات الله عز وجل محرَّم إطلاقه، فالوجه واليد والعين والساق والقدم كل هذه يُعَبَّر عنها بالصفات الخبرية، لكن السمع والعلم والقدرة والحياة ويش تسمى؟ صفات معنوية؛ صفات معانٍ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى رؤية الله عز وجل. كيف ذلك؟ لقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.
ولا شك أنه ثابت؛ رؤية الله عز وجل ثابتة بالقرآن والسنة وإجماع السلف، ففي القرآن قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣] ويش معنى (ناضرة) الأولى؟ من النضارة؛ وهي الحُسْن، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ بالظاء منين؟ من النظر؛ وهو الرؤية بالعين، وهذه الآية من أصرح ما في القرآن، وفيه آيات أخرى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين ٢٣]، وفيه آية ثالثة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]، فسرها النبي عليه الصلاة والسلام بأنها النظر إلى وجه الله[[أخرجه مسلم (١٨١ / ٢٩٧) من حديث صهيب.]]، وفيه آية رابعة: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥]، وفيه آية خامسة وهي قوله تعالى في الأنعام: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام ١٠٣] فإن هذه الآية تدل على الرؤية؛ لأن الله قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾، ونفي الإدراك يدل على ثبوت الأصل، ولو كان لا يُرَى لقال: لا تراه الأبصار، فنفي الأخص يقتضي وجود الأعم؛ ولهذا كانت هذه الآية التي يستدل بها أهل التعطيل على نفي رؤية الله صارت دليلًا عليهم لا دليلًا لهم.
طيب الفرق بين الصفات المعنوية والخبرية أن الصفات المعنوية تدل على معانٍ؛ كالسمع والبصر والعلم والقدرة وما أشبهها، وأما الصفات الخبرية فهي تدل على صفاتٍ هي أبعاض لنا، هي بالنسبة لنا أبعاض، فيَدُ الإنسان ووجه الإنسان وساق الإنسان وقَدَم الإنسان وعينه -مثلًا- هذه أبعاض له، لكن ما نسميها بالنسبة لله أبعاضًا، بل سماها أهل العلم الصفات الخبرية.
* طالب: في الحديث: «يوم القيامة الله سبحانه وتعالى يقول: من كان يعبد الطواغيت فليتبع الطواغيت، ومن كان يعبد الشمس فليتبع الشمس، فيأتيهم الله سبحانه وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، قال: ثم يأتيهم في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فينطلق ثم يتبعونه»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٧٣)، ومسلم (١٨٢ / ٢٩٩) من حديث أبي هريرة.]].
* الشيخ: لا، ما فيه: «فينطلق ثم يتبعونه».
* طالب: (...).
* الشيخ: فينطلق.
* طالب: فيتبعونه.
* الشيخ: الله؟
* طالب: يكشف عن ساق.
* الشيخ: «يُكْشَف عن ساق، فيسجد له كل من كان يسجد لله تعالى في الدنيا. » المهم على كل حال ويش الإشكال فيه؟
* طالب: الاستشكال كيف ينطلق فيتبعونه؟
* الشيخ: لا، هذه ما أدري، ما أعرفها، هذه تأكدها، إحنا ما نبحث فيها حتى تؤكد، ولا مرت عليَّ هذه، إنما مر علينا أن الأمم تتبع ما كانت تعبد حتى تُلْقَى في النار.
* طالب: كل إنسان إلى آلهته؟
* الشيخ: إي نعم، طيب.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الفلاح يكون بأمرين؛ بالإخلاص وفعل المأمور به. من أين نأخذه؟ من قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم ٣٨]، وهؤلاء المشار إليهم أتوا بالفعل والثاني الإخلاص.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ [الروم ٣٩]..
* طالب: ما الفائدة؟
* الشيخ: الفائدة أن الفلاح يكون بفعل المأمور به مع الإخلاص.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم ٣٩].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من بذل ماله من أجل الحصول على أمر الدنيا فإنه لا أجر له في ذلك. من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾، وهذا عكس الأولين الذين سبقوا في الآية السابقة، الذين أعطوا في الآية السابقة ويش يريدون؟ يريدون وجه الله، هؤلاء بالعكس، هؤلاء يريدون الازدياد بما أعطوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: التنبيه على أهمية الإخلاص؛ لقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: في الإخلاص مع العمل، العمل الصالح مع الإخلاص.
* من فوائد الآية الكريمة: التنبيه على الإخلاص. من أين تؤخذ؟ ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن مضاعفة الأعمال تكون بحسب الإخلاص؛ لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾، فقد رتَّب الله تعالى الإضعاف على إرادة وجه الله. وعلى ما قررنا في القاعدة قبل قليل: يكون كل من كان أخلص لله فعمله أكثر مضاعفة، وهذا أمر لا شك فيه؛ فإن مضاعفة الأعمال تكون بأسباب كثيرة؛ منها شرف الزمان، ومنها شرف المكان، ومنها شرف الفاعل، ومنها شرف العمل، ومنها الإخلاص، ومنها الاتباع، كل هذه الأسباب الستة من أسباب المضاعفة.
المضاعفة بسبب شرف الزمان مثل؟ كرمضان والعشر الأول من ذي الحجة، هذا لشرف الزمان.
والمكان كالحرمين والأقصى؛ فإن العمل فيها أشرف من غيرها، الصلاة في المساجد الثلاثة أشرف من غيرها.
ومنها الفاعل؛ كالصحابة الذين قال فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]].
ويُلْحَق بهذا العاملون في آخر الزمان في أيام الصبر الذين يتمسكون بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام مع تباعد الناس عنها، فإن هؤلاء يُضَاعَف لهم الأجر، وإن كانوا لا ينالون مرتبة الصحابة لكن يضاعف أجرهم بسبب ما يجدونه من الغرابة ومخالفة الناس لهم؛ لأنه لا أحد يشك أن الإنسان الذي يعمل في محيط يعملون كما يعمل أن العمل عليه هين، بل مخالفة الناس هي الصعبة، لكن عمل الإنسان في محيط لا يعملونه هذا هو الصعب والشاق، لا سيما أن المعارضة ستكون عنيفة؛ لأن هذا متمسك بطاعة الله، والمخالفون له على العكس، وأعنف صراع يكون بين المتخالفين هو ما يكون بين المتمسكين بدين الله والمتحللين منه. هذه ثلاثة، ويش بقي؟
* طالب: بقي العمل.
* الشيخ: تكون أيضًا المضاعفة بحسب العمل..
* طالب: كثرته.
* الشيخ: بحسب العمل، الكثرة ما هي واردة لكن جنس العمل، فالصلاة أفضل من غيرها، والفرض من كل عمل أفضل من نفله وأشرف، والجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، وهكذا، كما بينا لكم كثيرًا. هذه أربعة. والخامس؟
* طالب: الإخلاص.
* الشيخ: بحسب الإخلاص كما في هذه الآية، وكلما كان الإنسان أخلص ولو كان العمل واحدًا كان عمله أشرف من الآخر؛ ولهذا تجد رجلين ركبا سيارة واحدة، وخرجا ودخلا جميعًا في الحج أو في العمرة، ورجعا جميعًا على السيارة، وأفعالهما واحدة، وأقوالهما واحدة، وبينهما تفاوت أكثر مما بين المشرق والمغرب؛ بحسب الإخلاص لله.
والسادس: بحسب الاتباع؛ ولهذا «أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله الصلاة على وقتها»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٣٤)، ومسلم (٨٥ / ١٣٧) من حديث ابن مسعود.]]؛ لأنها حصلت على وجه المتابعة للرسول ﷺ.
هذه الأسباب في الشرف كلها مما يوجب للعبد العناية بأعماله، وأن يتحقق بما يستطيعه من هذه الأسباب.
* طالب: قوله (...) في أيام الصبر له أجر خمسين منكم، ويش..؟
* الشيخ: المعنى له أجر خمسين منكم في هذه الخصلة التي عانى بها وتعب، فأصل العمل -مثلًا- الصدقة مضاعفة بعشر أمثالها، عشر أمثال موجودة في الصحابة وموجودة في الزمن المتأخر هذا، لكنه يُضَاعف ذلك، يكون أجر هذا مثل أجر خمسين من الصحابة؛ لما يجده من المعاناة، لكن الكمية التي تحصل للصحابة التي لو أنفق أحدنا مثل أُحُد ما بلغ مُدِّ أحدهم ولا نصيفه، هذه خاصة بهم، فعندنا ثواب على أصل العمل، وثواب مضاعف بحسب العامل، فأصل العمل -كالصدقة مثلًا- يكون لهؤلاء المتأخرين أجر خمسين من عمل الصحابة باعتبار أصله لا باعتبار أنه وقع من الصحابة رضي الله عنهم.
* طالب: ما يرد على هذا قولهم أنهم قالوا:« منا أو منهم قال: «بَلْ مِنْكُمْ»؟
* الشيخ: إي نعم، ما يرد على هذا؛ لأننا نعتبر أصل العمل لا المضاعفة بحسب كونه صحابيًّا، فأصل العمل مثلًا الصحابي لولا الصحبة لكان له أجر أصل العمل فقط، فبالصحبة يزداد، فيكون معنى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» »[[أخرجه أبو داود (٤٣٤١) والترمذي (٣٠٥٨) وابن ماجه (٤٠٤١) من حديث أبي ثعلبة الخشني.]] يعني: باعتبار أصل العمل، ويجب الرجوع إلى هذا؛ لأنه لا يمكن الجمع بينه وبين هذا الحديث إلا على هذا الوجه.
* طالب: لماذا لم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام: خمسين عاملًا ولا يقول: خمسين صحابيًّا؟
* الشيخ: ما نقدر نقول: لماذا لم يقل؛ لأن المسألة الآن مسألة جمع، ولو كان الأمر واضحًا ما احتجنا نقول: ويش الجمع فيه؟ فما دام المسألة مسألة جمع يحتاج أنا نشوف أدنى دائرة يمكن أن تجمع بين النصين.
* طالب: الرسول من كان يخاطب؟
* الشيخ: الرسول يخاطب الصحابة.
* الطالب: وعندنا الصحابة يتفاضلون؟
* الشيخ: إي، معلوم أن الصحابة يتفاضلون، هو يخاطب خالد بن الوليد في مقابلة سبِّه لعبد الرحمن بن عوف، وعبد الرحمن بن عوف لا شك أنه من السابقين الأولين، وخالد بن الوليد متأخر إسلامه، وكان بينهما مسابة فقال له: «مَهْلًا يَا خَالِدُ، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]].
* طالب: (...).
* الشيخ: بالنسبة لمن دونه يلحق لا شك، لكن بالنسبة لمن فوقه فأهل الحديث أنه لا يلحق؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠]، ثم قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ [الروم ٤٠] إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالأجلى والأوضح؛ لأن الله استدل على بطلان آلهة المشركين بماذا؟ بأمر يقرونه هم، وآلهتهم ما تفعل، وهو الخلق والرزق والإماتة والإحياء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل؛ وذلك بالأمور الأربعة الخلق والرزق.. إلى آخره.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات أن ما اكتسبه الإنسان فهو من الله؛ لأن هذه الأربعة فيها ثلاثة ما أحد يماري فيها، ما هي؟ الخلق والإماتة والإحياء، لكن الرزق قد يماري فيه مُمَارٍ، قارون ويش قال؟ ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]، فقد فسَّره مجاهدٌ -أظن- على علم مني بوجوه المكاسب؛ يعني معناه أني أنا ماهر بمعرفة المكاسب، وحصلت هذا المال، ولكننا نقول: هذا التحصيل الذي حصلته بمهارتك من أين جاءك؟ من الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا الذي حصل لك بسبب، وخالق الأسباب هو الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لنا استجلاب الرزق من ربنا وحده؛ لقوله: ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾.
وإذا كان الأمر كذلك فإنه يترتب على هذا فائدة أخرى؛ وهي ألا نطلب رزقه بمعاصيه. ويش وجهه؟ إذا كنت تطلب الرزق من الله فهل من اللائق عقلًا أن تقدم له معصية ليرزقك؟
* طالب: لا.
* الشيخ: الذي يَسْتَدر الرزق من غيره ويش يُقدِّم؟ يقدم طاعته والخضوع له؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢، ٣]، إذن من استجلب رزق الله بمعاصيه فقد خالف الحكمة والصواب، أليس كذلك؟
فهؤلاء الذين يطلبون الرزق بالربا، ويطلبون الرزق بالغش، ويطلبونه بالكذب وغير ذلك من الوسائل المحرمة هم في الحقيقة أشبه ما يكونون بالمستهزئين بالله عز وجل الساخرين به، كأنهم يقولون: يا ربنا، إننا نعصيك لترزقنا، وهذا من أعظم ما يكون؛ ولهذا جعل الله الذين يطلبون زيادة المال بالربا، ويش جعلهم؟ محاربين له ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة ٢٧٨، ٢٧٩]، والربا -كما قال شيخ الإسلام- يقول: ما ورد في ذنب من الذنوب دون الشرك أعظم مما ورد في الربا، الذي أصبح عند الناس الآن من أسهل الأشياء وأبسطها، حتى كانوا يتعاطونه بالصراحة، ويتعاطونه بالتحيل، وتعاطيه بالتحيل أخف من تعاطيه بالصراحة، مثلما أن تعاطي الكفر بالنفاق أخف من تعاطيه بالكفر الصريح؛ لأن هذا المتحيل مخادع لله عز وجل، جمع -والعياذ بالله- بين مفسدة الربا ومفسدة الخداع والتحيل، فالرب عز وجل إذا حرَّم شيئًا ليس كغيره تخفى عليه الأشياء، فهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ونبيه عليه الصلاة والسلام وضَّح أن الأعمال بماذا؟ بالنيات.
فما دمت نويت الربا الآن لكن تحيلت عليه إدخال سلعة غير مقصودة، هذا تلاعب، استهزاء بآيات الله عز وجل، يأتي إليه يقول: أنا أبغي منك مئة ألف على أن تكون بمئة وعشرين ألفًا إلى سنة، طيب كيف الوصول إلى هذا؟ والله إحنا مسلمون، ما أقدر أعطيك المئة ألف نقدًا وأكتب عليك مئة وعشرين؛ لأننا نخشى الله، ولكن هنا طريق نلوذ من جهة أخرى ونجعل حاجزًا بيننا وبين الله، بماذا؟ بأي سلعة تتفق، نروح نشوف اللي عند الناس؛ وجدوا عند هذا سكرًا، قال: نشتري سكرًا، وجدوا عنده هيلًا، قالوا: نشتري هيلًا، وجدوا سيارات، نشتري سيارات، وجدوا أكياسًا لا يُدْرَى ما بوصفها فلعله أن يكون رملًا، قالوا: نشتري هذه الأكياس. أليس هذا هو الواقع؟ هذا هو الواقع.
ولهذا الآن ما ينظرون إلى هذه الأكياس ويش هي، يقولون: إنها أكياس سكر، وهو أكثر ما يكون في القبض أنه يمر يده عليها، ولَّا يعده؛ واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة.. إلى آخره، ويقولون: إن هذا هو القبض. فهل هذا قبض لغة أو عرفًا أو شرعًا؟ أبدًا، لا يُعَدُّ هذا قبضًا؛ لأن القبض معناه أن يكون الشيء في قبضتك، وهذا الشيء مركون في مكانه، تَرِدُ عليه عدة مبايعات في خلال ساعة أو ساعتين.
وهذه البَلِيَّة التي ابْتُلِي بها الناس الآن -نسأل الله أن ينقذهم منها- بَلِيَّة عظيمة، ويُقَبِّحها أنهم يعتقدون أنها حلال وأن عمل البنوك حرام، حتى إن بعضهم بيجيء يتغيظ ويتضجر: أعوذ بالله! شوفوا الحرام، الربا يُعْلَن صريحًا في البنوك، وهو ممن يتعامل بهذه المعاملة، يبكي غيره ولا يبكي نفسه، وهو أحق بأن يبكي نفسه.
فالمهم أننا نقول -خرجنا عن الموضوع-: إن الرزق إذا كان من الله عز وجل فإنه يجب عليك شرعًا وعقلًا أن تستمد هذا الرزق بماذا؟ بطاعة الله لا بمعصيته.
* طالب: طيب التورق -يا شيخ- ما يدخل في هذا؟
* الشيخ: التورق يقول شيخ الإسلام: إنه داخل في هذا، ويقول عنه تلميذه ابن القيم رحمه الله: إن شيخنا يُسْأَل عن هذا مرارًا فيصر على أنه حرام وأنه ربا، التورق غير شغل الناس الآن يقولون: هذا تورق، التورق قال العلماء (...) ومن احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مئة بمئة وعشرين فلا بأس به، وهي مسألة التورق، هذه عبارة الروض المربع شرح الزاد.
شوف الآن أولًا قالوا: (ومن احتاج) فعلمنا أنها ما تكون إلا للحاجة.
ثانيًا: (فاشترى ما يساوي مئة بمئة وعشرين) وقع العقد على عين المبيع، ولا قال: العشر إحدى عشر ولا اثنا عشر، وكلمة (اشترى) تُحْمل على الشراء الشرعي الذي يجمع الشروط، ومن جملتها العلم بالمبيع ونوعه وجنسه.. إلى آخره. وهل هذا موجود في عمل الناس الآن؟ أبدًا.
كذلك اشترى ما يساوي مئة بمئة وعشرين إلى أجل، هذه تنطبق؛ لأنهم يقولون: اثنا عشر، وثلاثة عشر، وإحدى عشر، حسب الاتفاق.
ثم نفس الفقهاء الذين أباحوا ذلك قالوا: يُكْرَه أن يقول في بيع المرابحة المعروف أن يقول: العشر إحدى عشر، وذكروا عن الإمام أحمد نصًّا بأنه يحرم أن يقول: العشر إحدى عشر حتى في غير مسألة التورق، بيع المرابحة الذي يعرفه بعضكم يَحْرُم فيه -على إحدى الروايات عن أحمد- أن يقول: العشر إحدى عشر، وهو يريد السلعة نفسها، ما يريد النقد، المذهب أنه يكره، والرواية الثانية عن أحمد أنه يحرم.
يعني أنا مثلًا اشتريت هذا الكتاب وأنت تبيع الكتاب، تبيع الكتاب نفسه ما تبيع دراهمه، فقلت لي: أبغي أشتريه منك مرابحة، قلت: ما يخالف، أنا شاريه بمئة، وأبيعه عليك على أن أربح بكل عشرة دراهم درهمًا. كم يكون المئة؟ مئة وعشرة. هذا جائز.
لكن لو قلت: أبغي أشتري منك العشرة أحد عشر، قالوا: إنه يكره على المذهب، ويحرم على الرواية الثانية، مع أنها من مسألة التورق.
فهؤلاء الناس الآن جمعوا بين أمرين؛ بين العشر بإحدى عشر أو اثني عشر وبين التورق، أما شغلنا الآن هو ما ينطبق عليه حتى على قول من يقول بجواز التورق.
ولاحظ أن الإمام أحمد عنه رواية ثانية، وعنه رواية بأنها جائزة، والرواية الثانية بأنها من مسائل العينة؛ التورق، ذكرها عنه شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكرها ابن القيم في تهذيب السنن أن مسألة التورق من مسائل العينة، والعينة معروف أنها حرام.
فالحاصل أننا الحقيقة في عصرنا الحاضر لما كان الناس ما يبالون إلا أن يكتسبوا المال، فجعلوا المال مقصودًا مخدومًا بعد أن كان وسيلة خادمًا، حقيقة المال أنه وسيلة خادم، ولكنا جعلناه الآن مقصودًا مخدومًا، وهذا من سفه الإنسان؛ أن يستخدمه مالُه الذي خُلِقَ له، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩].
* طالب: لكن واقع (...).
* الشيخ: لا، الراجح هو ما نعرف عنه شيئًا.
* طالب: الآن رؤية العين (...).
* الشيخ: تستعمل في الدول الكافرة، وهي طريق الإيداع الصحيح؛ لأن قولنا: إن البنوك الآن أني حطيت مالي وديعة عندهم، هذا ما هو صحيح، لا ينطبق عليه شرعًا معنى الوديعة، ويش معنى الوديعة شرعًا؟ أن تعطيه المال ليحفظه بعينه، ما هو بتعطيه مالك يحطه في صندوق وينتفع به، حتى إن العلماء قالوا: لو أن المودِع أَذِن للمودع بالانتفاع بالوديعة صارت قرضًا تثبت في ذمته، ففعل الناس الآن اللي يسمونه (...).
يأخذ سَلَمًا، السلم أني أعطي شخصًا دراهم نقدًا بسلعة مؤجلة، عكس الشراء إلى أجل أعطيك -مثلًا- عشرة آلاف ريال على أن تعطيني بعد سنة مئة كيس سكر، أو سيارة وصفها كذا وكذا، هذا ما فيه شيء؛ لأن الصحابة كانوا يفعلونه في عهد رسول الله ﷺ، كانوا يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي شَيْءٍ مَعْلُومْ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٤٠)، ومسلم (١٦٠٤ / ١٢٧) من حديث ابن عباس.]]، ووجه أن ما فيه شيء: لأن ما فيه ربح مضمون لأحد الطرفين، أو لا؟ أنا -مثلًا- إذا أعطيتك -مثلًا- عشرة آلاف ريال في سيارة إلى أجل، ما ندري أينا هل أنا اللي أربح ولا أنت، صح؛ لأنه عند انتهاء الأجل يمكن أجد السيارة بستة آلاف ريال، ويمكن ما أجدها إلا بخمسة عشر ألف ريال، إي نعم، وهذا لا بد أن يقع نادرًا أن تكون الأسعار إلى سنة لا تختلف.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف، إذا احتاج فلوسًا بيجيء لواحد يقول: تعالَ، الآن أعطنا فلوسًا بشيء مؤجل، وإلا يشتري المواد اللي يحتاج بثمن مؤجل أكثر من النقد.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا إذا اشترى السلعة بعينها يريدها بعينها، ما يتورق، التورق ما هو بيريد السلعة؛ ولهذا سمي تورقًا. مأخوذ من أين؟ من الورق؛ يعني هو لا يريد إلا الفضة، المتورق.
* طالب: بالنسبة للسلم هل يدخل فيه (...).
* الشيخ: ولهذا قال الفقهاء: لو أسلم في ثمن بستان معين ما صح؛ لأنه صار محله الآن البستان، ما صار في الذمة، أما إذا صار في الذمة فهذا ما فيه شيء، لا بد من تمام الشروط.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما تصح، ولا ثمنها.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما تجب؛ لأنه يبيع عليه أشياء بدون قبض ثمنها.
* طالب: (...).
* الشيخ: فهذا يمكن معناه أنه يحضره، وهو -مثلًا- امتنع، يتفقون معه على أننا اشترينا منك كذا وكذا؛ سيارات بكذا وكذا دراهم وهو ما سلمه الدراهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: أبدًا؛ ولهذا أحيانًا الدولة يكون مماطلتها أكثر من مماطلة الناس.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يصح هذا إلا لو كانت السيارات عنده وقال: حضرها، مثلًا لما أنه اتفق وإياهم حضر السيارات ثم أوقعوا العقد على أعيانهم، حينئذٍ يصح؛ لأنه يكون بيع عين بدين.
* طالب: وقعوا العقد على أوصافه؟
* الشيخ: لا، على أوصافه ما يصح؛ لأن المبيع الموصوف غير المعين محله الذمة، ما محله العين؛ فلهذا يكون العقد اللي وقع بين الرجل والحكومة عقد على شيء في ذمة بشيء في ذمة ما فيه شيء معين.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف، إذا حضر السلعة قال: هذه السلعة الآن، وأبيعها عليكم بكذا، وصار العقد بعد التحديد، ما يخالف، إذا صار أنه معناه التأمين بمعنى أنه حضر وبعد التحضير يجري عليه العقد فهذا لا بأس به؛ لأنه يكون بيع عين بدين وهو جائز.
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا عمدوه متى يجعلون التعاقد معه؟
* طالب: إذا عمدوه يقولون له مثلًا: بعد عشرة أيام تستلم الزيادة، وإذا سلم المستودع يروح يأخذ (...).
* الشيخ: ما هو الذي يعتبرونه عقدًا؟ هل يعتبرون العقد بعد حضورها ولَّا قبل؟ إن كان قبله فإنه لا يصح متى يعقدون، هل معناه يقول: حضر هنا، وإذا حضرت أنا بأشتريها منك بكذا وكذا؟ إذا حضرت نعطيك الثمن، إذن العقد قبل التحضير، وهذا نص العلماء على أنه لا يجوز، وهذا بيع دين بدين فلا يحل المحظور؛ لأنه ما وقع العقد على شيء معين، الآن كله في الذمم.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) تدري الآن لو بأبيع عليك الصاع بصاعين -والصاعين قيمتهم قيمة الصاع- ما فيه محظور، ما هي محرم، إحنا نتقيد فيما ورد به النص، اللي ورد به النص إما أن تكون السلعة مؤجلة، وإما أن يكون الثمن مؤجلًا، وإما أن يكون من الطرفين لا هذا ولا هذا، فهذا ما يجوز، وهذا منصوص عليه عند الفقهاء، أدنى طالب علم إذا قرأ في أول الروض المربع يعرف هذا؛ ولهذا قالوا من صور البيع (...)، ويش من صورها؟ بيع دين بعين بشرط الحضور وقبض أحد العوضين.
* من فوائد الآية الكريمة: قلنا: إنه ينبغي الاستدلال بما هو أجلى وأوضح في الاستدلال.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عجز هذه الآلهة عن فعل شيء يختص بالربوبية؛ لقوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم ٤٠]؛ لأن هذا الاستفهام -كما قررنا- بمعنى النفي.
* ومن فوائدها: ثبوت التلازم بين التوحيدين؛ توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وأن من أقرَّ بتوحيد الربوبية لزمه أن يقر بتوحيد الألوهية، وهذا المعنى قرَّره الله تعالى في عدة آيات.
* من فوائد الآية الكريمة: تنزيه الله سبحانه وتعالى عن كل نقص. من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.
* ومن فوائدها: أن المشركين بالله عز وجل قد وقعوا في تنقص الله؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الله تعالى يجمع فيما وصف وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات؛ النفي في قوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾، والإثبات في قوله: ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: قوة الإقناع في أسلوب القرآن؛ لأن مثل هذا التحدي ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذا أقوى ما يكون في الإقناع، كل منهم سيكون جوابه: لا، إذن لماذا تعبدونها مع الله؟!
هل يستفاد من هذه الآية استنباط أقسام التوحيد الثلاثة؟ الربوبية فهي موجود، والألوهية موجود، كيف ذلك؟ لاستلزام الإقرار بالربوبية للإقرار بالألوهية، ثم إن قوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ المقصود إبطال ألوهيتهم، والأسماء والصفات موجود في قوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، والله أعلم.
الروم 30:38
قال الله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الروم ٣٤] ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ اللام هنا للعاقبة؛ يعني أنهم بإشراكهم صار عاقبتهم الكفر بما آتاهم الله عز وجل، آتاهم أي: أعطاهم.
وقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ هل نقول: إن (الباء) للسببية أو إن (الباء) للتحقيق؛ بمعنى أنهم يكفرون بهذا الشيء؟ الجواب: يحتمل أن تكون للسببية أو بسبب ما آتاهم الله تعالى من الرحمة والإنقاذ من الشدة صار ذلك سببًا لأشرهم وبطرهم وكفرهم، كما هي عادة الإنسان إلا من عصمه الله عز وجل.
أو يقال: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أي: يكفروا بهذا الشيء الذي آتيناهم حيث لا يؤدون شكره، وكان الواجب عليهم أن يؤدوا الشكر لله سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ هذا يسمونه في البلاغة التفاتًا؛ لأنه لم يقل: وليتمتعوا كما قال في آية أخرى، ولكنه أمرهم أن يتمتعوا، والأمر هنا للتهديد كما قال المؤلف رحمه الله، قال: أي فآتيناهم، أُرِيد به التأكيد فتمتعوا، الأمر هنا للتهديد، وليس للإباحة، والدليل على ذلك قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبة تمتعكم فيه التفات عن الغَيْبة، وين الغَيْبة؟ ﴿لِيَكْفُرُوا﴾.
وقد سبق لنا أن الالتفات له فائدتان؛ فائدة لازمة في كل التفات، وهي التنبيه؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد استمر الإنسان فيه مُنساقًا معه، فإذا اختلف وقف، لماذا اختلف السياق؟ لماذا كانت الجملة للغائب، ثم صارت للمخاطب أو بالعكس؟ فيقف ويهتم ولا يتعمد، أما الفائدة الثانية فإنها تختلف بحسب السياق، الفائدة الثانية هنا في هذه الآية هو أنهم إذا قُوبلوا بالأمر: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ صار أشد وأبلغ تهديدًا مما إذا قال: وليتمتعوا.
وقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ قد قيل: إن (سوف) تفيد التحقيق لكنها تفيد أيضًا التراخي بخلاف السين فإنها تفيد التحقيق والفورية، وكل شيء بحسبه، وإنما كان كذلك هنا؛ لأن أشد العقاب الذي يأتيهم سيكون يوم القيامة، وهو متأخر، ثم قال تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ [الروم ٣٥].
* الطالب: (سوف) ماذا تفيد؟
* الشيخ: تفيد التحقيق والتراخي. قال: (﴿﴿أَمْ﴾ ﴾ بمعنى همزة الإنكار، ﴿﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ ﴾ حجة وكتاباً ﴿﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ ﴾ تكلم دلالة ﴿﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ ﴾ أي يأمرهم بالإشراك؟ لا) ﴿أَمْ﴾ هنا يقول المؤلف: إنها بمعنى الهمزة، همزة الإنكار، وهذا أحد القولين فيها، والقول الثاني أنها بمعنى (بل) والهمزة، فتكون مفيدة للإضراب، وهنا الإضراب الانتقالي؛ يعني بل أأنزلنا عليهم سلطانًا؟ والاستفهام إذا كان للإنكار فمعناه النفي؛ يعني هل نحن أنزلنا عليهم سلطانًا يؤيد شركهم، ويثبته ويقول: إنه حق؟ الجواب: لا، ما أنزلنا ذلك ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾.
يقول المؤلف: (﴿﴿سُلْطَانًا﴾ ﴾: حجة وكتابًا). والحجة تسمى سلطانًا؛ لأن المحتج بها له سلطة على المحجوج؛ فلهذا تسمى سلطانًا كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس ٦٨]. أي: حجة.
واعلم أن السلطان يطلق على عدة معانٍ، فيجمعها كلها السلطة على الشيء، فتارة تأتي بمعنى الحاكم، كقول الفقهاء وجاء في الحديث: «فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ»[[أخرجه الدارمي (٢٢٣٠) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. وكذلك: «إِنَّ اللَّهَ لَيَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ»[[ورد مسندًا من قول عمر رضي الله عنه، أخرجه الخطيب في تاريخه (٥/١٧٢) بسنده عن ابن عمر، قال: سمعت عمر بن الخطاب، يقول: لما يزع الله بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن.]].
وتأتي السلطان بمعنى الحُجَّة، وهو كثير، وتأتي بمعنى القدرة مثل قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣] أي: بقدرة وليس لكم قدرة، وكلها يجمعها هذا المعنى، السلطة التي بها السيطرة والغلبة.
وقوله: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ قال المؤلف: (تكلُّم دلالة، فهو يتكلم بلسان الحال، وليس بلسان المقال). هذا ما قاله المؤلف، ولكنه يحتمل أن تبقى على ظاهرها؛ لأن الذي ينزل من عند الله كلام الله، وكلام الله تعالى يصح أن يُنسب الكلام إليه كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية ٢٩] ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل ٧٦].
وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم ٣٥]. الباء هنا للاختصاص أيضًا، أي: يتكلمون بهذا الشيء، ويقول: إنه حق، والجواب: لا، إذن فليس عندهم حجة، لا عقلية ولا شرعية؛ أما العقلية فقد سبق أن فطرة الله سبحانه وتعالى كلها الإخلاص لله، وأما الشرعية فإنه لم يأتِ في كتاب من الكتب المنزلة أن الشرك حق، بل جميع الكتب المنزلة وجميع الرسل المرسلون، كلهم يقولون: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف ٥٩]. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥].
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا﴾ [الروم ٣٦]. ﴿إِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ﴾ كفار مكة وغيرهم، هذا أشد، جعلها عامة. وأفادنا المؤلف بقوله: (كفار مكة وغيرها) أن المراد بالناس هنا الكفار، فيكون من باب العام المستعمل في الخاص، وقد مر بنا كثيرًا أن العام يُستعمل في الخاص، والعام المراد به الخصوص غير العام المخصوص.
وقد سبق لنا في أصول الفقه الفرق بينهما بين العام المخصوص والعام الذي أُريد به الخصوص؛ فالعام الذي أريد به الخصوص لم يُرد معنى العموم فيه من أول الأمر، وإنما أُريد به المعنى الخاص فقط، فقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ [آل عمران ١٧٣] لم يُرد به عموم الناس من الأول، وأما العام الذي دخله التخصيص يعني العام المخصوص فهو أُريد به لعموم، وهو تناوله لجميع الأفراد، ثم أُخْرِج بعض أفراده من هذا الحكم فيكون عامًّا مخصوصًا، وعلى هذا فلا يمكن أن يستدل مستدل بالعام المراد به الخصوص، لا يمكن أن يستدل به على عموم الحكم؛ لأنه لم يُرد به العموم بخلاف الثاني العام المخصوص فإنه يمكن أن يستدل به على عموم الحكم، ويقول لمن أخرج شيئًا من أفراده: هات الدليل على التخصيص.
المراد بالناس هنا إذن: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا﴾ [الروم ٣٦] عام أُريد به الخصوص؛ يعني الكفار؛ لأن هذا الوصف لا ينطبق إلا عليهم، أما المؤمن فإنه إذا قضى الله له قضاءً لم يكن معاندًا له. إذا أذقنا الناس كفار مكة وغيرهم بالنصب، أنا قلت بالجر؟ الصواب بالنصب كفارَ مكة وغيرَهم رحمة نعمة.
﴿فَرِحُوا بِهَا﴾ فرح بطر. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ شدة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أي: ييئسون من الرحمة، ومن شأن المؤمن أن يشكر عند النعمة، ويرجو ربه عند الشدة.
قوله تعالى: ﴿رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا﴾ ﴿رَحْمَةً﴾ يشمل جميع النِّعم من مال، وأولاد، وأمْن، ورخاء في العيش، وغير ذلك، كل ما يكون، أو كل ما ينعم به الإنسان فإنه داخل في ذلك؛ ولهذا قال: (من نعمة).
وقوله: ﴿فَرِحُوا بِهَا﴾ أيدها المؤلف بقوله: (فرح بطر) احترازًا من الفرح بنعمة الله فرح شكر؛ لأن هذا لا يذم كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس ٥٨] فأمر الله تعالى أن نفرح بفضل الله ورحمته، وعلى هذا فالفرح نوعان؛ فرح بطر يؤدي إلى الأشر والاستكبار عن الحق والتَّعَلِّي عن الخلق، هذا هو المذموم، والثاني: فرح شُكْر، يكون الإنسان فرحًا بنعمة الله، لكن هذا الفرح يحمله على شكر النعمة؛ فهذا ليس بمذموم، وهو من طبيعة الإنسان، فإن الإنسان إذا رُزِق ولدًا فرح، وإذا رُزِق مالًا فرح، وإذا كان طالب علم فتوصَّل إلى مسألة من مسائل العلم فرح، فهو من الأمور الطبيعة لكن إن أدى الفرح إلى الأشر فإنه مُحرَّم ومذموم وإلا فلا، هذا الكراهة الداخلة.
وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ [الروم ٣٦] المراد بالسيئة هنا ما يسوؤه، وهو ضد الرحمة، مثل: فقر، وجدب، وخوف، فقدان مال، وما أشبه ذلك، هذه السيئة، وسمي سيئة؛ لأنه يسوؤهم.
وقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ الباء هنا للسببية؛ أي بسبب. و(ما) موصولة؛ أي بالذي، وعلى هذا فالعائد محذوف، والتقدير: بما قدمته أيديهم إذا هم يقنطون بما.
ولاحظ أن الله عز وجل أطلق الرحمة: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾، أما السيئة فقيدها بقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ وذلك لأن السيئات سببها أعمال العباد كما قال الله تعالى في الآية التالية إن شاء الله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠] ولهذا قال هنا: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [القصص ٤٧].
وقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ المراد بما قدموا، فعبر بالأيدي عن النفس؛ لأن غالب الأعمال بها، وهذا كثير في القرآن؛ أن الله تعالى يضيف الشيء إلى الأيدي، والمراد بها نفس العامل، بل إن الله أضاف الأيدي إلى نفسه، والمراد بها نفسه مثل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس ٧١].
فإن قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ ليس كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥] والفرق أن المراد بقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ أي: مما علمناه. وأما: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فأضاف الخَلْق إلى نفسه مُعدًّا إلى اليد بالباء، فصارت اليد حصل بها الفعل، وأما الخلق فهو مضاف إلى نفسه سبحانه وتعالى، أضافه إلى نفسه المقدسة وعدَّاه إلى اليد بالباء؛ ولهذا يغلط من جعل قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ مثل قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥].
إذن ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بما كسبوا، وعبر بالأيدي عن النفس؛ لأنها آلة الفعل غالبًا.
وقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم ٣٦] ﴿إِذَا﴾ فجائية واقعة في جواب الشرط، وهو قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾.
وقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أتى بالجملة الاسمية للدلالة على أنهم اتصفوا بذلك على سبيل الدوام، فهم دائمًا في قنوط ما دامت السيئة فيهم، والقنوط يقول المؤلف: (ييئسون) ولكنه تفسير فيه شيء من القصور؛ لأن القنوط ليس اليأس بل هو أشد اليأس؛ لأن اليأس إذا كان فيه شيء من الرجاء لا يسمى قنوطًا، وإن سُمِّيَ يأسًا لكن إذا بلغ اليأس غايته سُمِّي قنوطًا، وقد قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر ٥٦] الجاهلون بما لله عز وجل مِنَ الحكمة بما يجري على عباده من الضراء والسراء.
يقول المؤلف: (ومن شأن المؤمن أن يشكر عند النعمة، ويرجو ربه عند الشدة) وعلى هذا فتكون الآية فيمن؟ في الكفار.
(﴿﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ ﴾ يعلموا ﴿﴿أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ ﴾ يُوسِّعه ﴿﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ﴾ امتحانًا ﴿﴿وَيَقْدِرُ﴾ ﴾ يُضيِّقه لمن يشاء ابتلاءً).
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ قال المؤلف: (أولم يعلموا). وعلى هذا فالرؤية علمية، ويؤيد تفسير المؤلف أنها جاءت في آيات أخرى بـ(يعلموا)، وهي في سورة الزمر: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الزمر ٥٢]. ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ إذن فأحسن ما يُفسر به القرآن القرآن، وهو أعلى أنواع التفسير، ويمكن أن يقال: إن لكل آية معنى، فنُفسِّر الرؤية هنا برؤية البصر لا برؤية البصيرة التي هي العلم، ونفسرها هناك بالعلم كما هو لفظ الآية، ويكون البسط والتضييق معلومًا بالقلب مرئيًّا بالعين، فإن الإنسان أيضًا يرى بعينه كما يعلمه أيضًا بقلبه، وأيهما أعم (يعلموا) أو (يروا)؟
إذا لم نفسر (يروا) بـ(يعلموا)؟ العلم أعم؛ لأن العلم قد يكون بالرؤية، وقد يكون بالسماع.
قد لا أرى أن الله بسط الرزق لعباده وقدَرَه، لكنني أسمع أنه في البلاد الفلانية فقر، وفي البلاد الفلانية غِنى، وما أشبه ذلك، فالعلم أعم؛ وذلك لأن وسائل العلم متعددة بخلاف الرؤية فإن طريقها البصر، العلم كل الحواس الخمسة التي تعرفونها كلها تُوصِّل إلى العلم، فاللمس والشم والذوق والرؤية والسماع كلها تفيد العلم، فهو أعم؛ لأنه إذا رأى علم، لكن العلم أعم؛ لأن وسائله أكثر.
وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ البسط بمعنى التوسيع كما قال الله تعالى: ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [الروم ٤٨] يعني يوسعه.
وقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ سبق لنا أن كل شيء قيَّدَهُ الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، وليست مشيئة الله تعالى مشيئة مجردة؛ لأننا نعلم أن الله عز وجل حكيم، لا يفعل شيئًا، ولا يشرع شيئًا إلا لحكمة، فكلما مر عليك شيء مُقيَّد بالمشيئة فاعلم أنه مقيد بالحكمة.
﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قال المؤلف: (امتحانًا، ﴿﴿وَيَقْدِرُ﴾ ﴾ يُضيِّق لمن يشاء ابتلاءً)، ففرَّق المؤلف بين تضييق الرزق وبين بسطه، وجعل البسط امتحانًا والتضييق ابتلاءً، والصواب أنهما سواء كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]، وكلها ابتلاء، وقال سليمان عليه الصلاة والسلام: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠].
فالصواب أنها كلها ابتلاء والامتحان قريب من معنى الابتلاء، لكن الإصابة لبسط الرزق تقتضي شكرًا، وبتضييقه تقتضي صبرًا، هذا الفرق بينهما، والمؤمن يقوم بالوظيفتين، إن أصابته سراء شكر؛ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر؛ فكان خيرًا له، وهذا ليس إلا للمؤمن فقط.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الاستفهام هنا المراد به التقرير؛ يعني أنهم يرون أن الأمور بيد الله عز وجل، وأنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، فكيف يقطنون إذا أصابتهم السيئة؟ وكيف يفرحون ويفخرون إذا أصابتهم الرحمة؟ بل الواجب عليهم أن يعلموا أن ذلك بحكمة من الله سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الواو هنا حرف عطف وَلِيَت أداة استفهام، وأداة الاستفهام لها الصدارة، فإذن لم تُسبق الواو بشيء يُعطف عليها، فما هو الجواب؟ ذكرنا فيما سبق أن لعلماء النحو في مثل هذا التقييد قولين؛ القول الأول أن الواو عاطفة على مُقَدَّر بعد الهمزة، والثاني أن الواو عاطفة على ما سبق، وعلى هذا فتكون الهمزة مُقدَّمة قبل العاطف، وذكرنا أن هذا الرأي أولى؛ لأن الأول وإن كان جيدًا من حيث الأصول لكنه في بعض الأحيان يصعب على الإنسان أن يُقدِّر شيئًا يرى أنه مناسب للسياق، وعليه فيكون القول بأن الهمزة للاستفهام، وأن الواو مُقدَّرة قبلها؛ يعني (وألم يروا) أسهل.
﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الروم ٣٧] ولا شك أن بسط الرزق وتضييقه أنه ابتلاء من الله سبحانه وتعالى؛ وذلك لأن العبد أحيانًا يناسبه أن يبسط له الرزق، وأحيانًا بالعكس حسب ما تقتضيه الحكمة يحسن لهاذاك ما لم يحسن لهذا.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم ٣٧] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي في بسْط الرزق وتضييقه. ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿آيَاتٍ﴾ الذي نصبها ﴿إِنَّ﴾ فهي اسمها مؤخرًا، و﴿فِي ذَلِكَ﴾ خبرها مقدم.
وقوله: ﴿لَآيَاتٍ﴾ أي: لعلامات دالة على أن الله سبحانه له التصرف المطلق في عباده. أظن أننا نرى أحيانًا بعض الناس يسعى بقدر ما يستطيع في أسباب الرزق، ومع ذلك لا يمكن، تجده يبيع، ويشتري، ويسافر يضرب في الأرض يبتغي من فضل الله، ومع هذا ليس كثر المال، مُضيَّقًا عليه، وتجد بعض الناس يسعى سعيًا بسيطًا ولكن الله تعالى يُبارك له في سعيه حتى يكون عنده رزق كثير؛ مما يدل على أن الأمور لا تُنَال بالكسب، الكسب سبب لكن فوق ذلك إرادة الله عز وجل.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بهذا، بهذه الرؤية، وهذا التفكُّر، أما غير المؤمن فإنه لا ينتفع بهذا؛ ولذلك تجد هؤلاء الذين لا يُؤمنون إذا حصل مثل هذه الأمور ينسبونها إلى الطبيعة، إذا كثر المطر قالوا: هذا بسبب كذا، وإذا قلَّ قالوا: هذا بسبب كذا، ونحن لا ننكر أن الأمور لها أسباب، ولكننا نُنكر أن تكون الأسباب هي الفاعلة، فإن الفاعل هو الله عز وجل، وما الأسباب إلا وسائل يُستدل بها على حكمة الله سبحانه وتعالى، وأنه حكيم، حيث ربط المسببات بأسبابها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم ٣٧] ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الروم ٣٨] إلى آخره. ﴿آتِ﴾ بمعنى أعطِ؛ لأنها من الرباعي لو كانت من الثلاثي لكانت بمعنى جِئ، لكنها من الرباعي الذي بمعنى أعطى.
وقوله: ﴿آتِ﴾ الخطاب مفرد، فهل هو للرسول ﷺ شخصيًّا أو لكل من يتوجه إليه الخطاب؟ قلنا: إن للعلماء في هذا رأيين إلا ما دل الدليل على أنه خاص بالرسول ﷺ فهذا يختص به، مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] هذا خاص بالرسول ﷺ، ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾ [الضحى ٨] ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] وما أشبه ذلك.
* الطالب: عائلًا؟
* الشيخ: وجدك الرسول، لكنه أغنى بك.
* الطالب: (...).
* الشيخ: وقوله: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى﴾ ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾ أي: صاحب القرابة؛ ولهذا قال المؤلف: (القرابة)، فالقربى هنا بمعنى القرابة. ﴿حَقَّهُ﴾ من البر والصلة. وأحق الناس بذلك الأم والأب وإن علوا، وصِلتهما تسمى بِرًّا؛ لأنه يجب أن تكون أعلى من غيرهما، والبر كثرة الخير، وغيرهما يسمى صلة؛ لأن المقصود الوصل فقط بخلاف الأب والأم، فـ(حقه) هنا مجمل، ولكنه مُبيَّن بنصوص أخرى من القرآن والسنة؛ وهو أن حق الأبوين البر، وحق غيرهما الصلة، فيمكن أن يكون قول المؤلف: (من البر والصلة) على سبيل التوزيع، من البر في الأبوين والصلة في غيرهما، في أولي الأرحام. قال: ﴿آتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾.
وقوله: ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾ يعم كل قريب ولو كان كافرًا؛ لأن العلة القرابة ليست الإسلام، لو قال: آتِ المؤمن حقه، قلنا: العلة الإيمان، فيختص الحكم به.
﴿آتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ المسكين هو الفقير، وهنا أطلق المسكين والمراد به الفقير والمسكين في آية الصدقة، وقد مر علينا أن المسكين إذا أُطلق يشمل الفقير، والفقير إذا أُطلق يشمل المسكين، وإذا قُرِنا جميعًا افترقا.
والمسكين له حق، ما حقه؟ حقه دفع حاجته؛ لأنه فقير، قال أهل العلم: وإطعام الجائع وكسوة العاري فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ المسافر، وسُمِّي ابن سبيل لملازمته له، والسبيل الطريق، وكل من لازم شيئًا يسمى ابنًا له، قالوا كما يقال: ابن الماء لطيره، طير الماء يسمى ابن الماء، ويقال للرجل الذي يكثر السفر في الليل: ابن الليالي، وما أشبه ذلك، فالابن لكل من لازم الشيء قال: من الصدقة، هذا تفسير لحق المسكين وابن السبيل، وقيل: المراد بابن السبيل الضيف؛ لأنه عابر سبيل ولكن الصحيح أنه المسافر، ويشمل الضيف ولَّا لا؟ يشمل الضيف؛ لأن الضيف مسافر.
قال: (وأمة النبي ﷺ تبع له في ذلك). أفادنا المؤلف في هذه الجملة أن الخطاب في قوله: ﴿فَآتِ﴾ مُوَجَّه للرسول ﷺ شخصيًّا، والأمة تبع له. وقد سبق لنا أن وجه ذلك؛ أن الرسول عليه الصلاة والسلام هو زعيم أمته، فوُجِّه الخطاب إليه وإن كان شاملًا، أو أنه خاص به، ويكون أمته تبعًا له على سبيل التأسي به.
قال: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٨].
﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه إتيان، أو إيتاء ذي القربى حقه.
﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ ﴿خَيْرٌ﴾ كلمة ﴿خَيْرٌ﴾ هنا يُراد بها التفضيل ولَّا اسم وليست بتفضيل؟ قلنا فيما سبق: إن خيرًا وشرًّا تستعملان اسمي تفضيل، وتستعملان اسمًا مجردًا عن التفضيل كما في قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨] هذا ليس المراد به التفضيل. كذلك هنا قال: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٨] الظاهر أنه لا يراد بها التفضيل، وإنما المراد أن هذا خير ضد الشر لكنه قُيِّد بقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾، وهذا دليل على الإخلاص؛ يعني خير للمخلصين الذين يريدون وجه الله، أما غير المخلص فإنه ليس خيرًا له، لكن هل هو خير للمؤمن؟
(...) تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء ١١٤] فجعل الله تعالى ذلك خيرًا مطلقًا، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فجعل هذا الشيء خيرًا مطلقًا لما فيه من النفع المتعدِّي، ولكنه لا يكون خيرًا للفاعل إلا بنية الإخلاص، وأظن هذا ظاهرًا، لو أنك تصدقت على شخص بدراهم أو بثوب يلبسه انتفع ولَّا لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: طيب هل تنتفع أنت؟ قد تنتفع وقد تنضر، وقد لا تنتفع، ولا تنضر، إن فعلت ذلك رياءً انضررت، وإن فعلته إخلاصًا انتفعت، وإن فعلته مجرد سجية وطبيعة فإنك لا تنتفع؛ ولهذا قال هنا: ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٨] قال المؤلف: (أي: ثوابه بما يعملون)؛ (أي: ثوابه). هذا تفسير لا يُناسب الصحيح، وإنما هو على طريقة أهل التأويل الذين لا يؤمنون بالصفات الخبرية التي أخبر الله بها عن نفسه كالوجه واليدين والقدم، وما أشبهها، فتفسير الوجه بالثواب خطأ، وليس على طريق أهل السنة والجماعة، بل هو على طريق أهل البدع المؤولين الذين يسمون أنفسهم مؤولين وهم في الحقيقة مُحرِّفون، والصواب أن المراد بوجه الله وجهه الذي هو صفته، وأن في الآيات إشارة إلى أن من فعل مثل هذه الأمور لله فإنه سوف يرى الله عز وجل ويلقاه كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة وإجماع السلف أن المؤمنين يرون ربهم كما يرون القمر ليلة البدر.
* الطالب: شيخ، قلنا: إنه ينتفع بما أعطى، فليقل: ذلك خير للذين يريدون وجه الله، يعني المسألة (...)؟
* الشيخ: لا، يُنتفع بها، كيف ما ينتفع؟!
* الطالب: أقول: يُنتفع، لكن الآية مرادها؟
* الشيخ: إي، نقول: ما يكون خير إلا لمن يريدون وجه الله، هذا بالنسبة للمعطي، أما بالنسبة للمُعْطَى فهو خير له، حتى لو يعطيه إنسانًا كافرًا، لو يعطي كافر شخصًا مالًا انتفع به، وصار خيرًا.
* الطالب: لكن الآية يعني كان معناها أنها نفع للمعطي.
* الشيخ: نعم، هي ما تكون خيرًا للمعطي إلا بالنية، المعطي ما تكون إلا بالنية، أما بالنسبة للمُعْطَى فهي خير على كل حال، فالله ما ذكر في الآية هنا الخير للمعطِي إلا بهذه النية، أما المعطَى فلا شك أنه له خير على كل حال كما تفسره آية النساء.
* الطالب: (...) ثواب الله، ما يشمل رؤية الله (...) يلتمس له العذر؟
* الشيخ: لا، معروف الطريق.
* الطالب: سورة الإنسان التي تدل على ذلك في قوله تعالى: (...).
* الشيخ: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٣]، الأولى ناضرة بالضاد بمعنى حسنة وبهية، والثانية بالظاء؛ لأنها من النظر بالعين.
قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم ٣٨] أولاء مبتدأ، و﴿هُمُ﴾ ضمير فصل، و﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبره، المفلح هو الذي فاز بالمطلوب، ونجا من المهروب، مِن (أفلح) إذا فاز، وأصل الفلاح البقاء، كما قال الشاعر:
.......................... ∗∗∗ وَالْمُسْيُ وَالصُّبْحُ لَا فَلَاحَمَعَهْ
يعني لا بقاء، ولكنه صار شاملًا لكل ما حصل به المطلوب ونجا به من المرغوب.
وقوله: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الجملة اسمية تدل على أن الفلاح لازم لهم، ضمير الفصل هل هو اسم ولَّا حرف؟ لا، الصحيح أنه حرف لا محل له من الإعراب، ولا يُعرب؛ لأن ما الفائدة من ضمير الفصل؟ الفائدة الحصر فقط له ثلاث فوائد؛ الأولى: الحصر، والثانية: التوكيد، والثالثة: الفرق بين الصفة والخبر، مثال ذلك: إذا قلت: زيدٌ العاقلُ، زيدٌ: مبتدأ، والعاقل: خبر. لكن يحتمل أن تكون العاقل صفة لزيد، وأن الخبر ما بعد زيد العاقل محمود مثلًا، فإذا قلت: زيد هو العاقل تعين أن تكون العاقل خبرًا؛ ولهذا قيل له: إنه ضمير فصل؛ لأنه يفصل ويميز بين التابع اللي هو النعت وبين الخبر، أما إفادته للتوكيد واضحة فإن قولك: زيد هو العاقل أقوى في الدلالة على الحصر من قولك: زيد العاقل، أما كونه لا محل له من الإعراب فلاحظ في القرآن: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠].
لو كان له محل من الإعراب لقال: إن كانوا هم الغالبون، يكون هم: مبتدأ، والغالبون: خبر، والجملة خبر كان، فدل هذا على أنه لا محل له من الإعراب وهو على المشهور عند النحويين حرف؛ يعني جِيء به للفصل.
* الطالب: سلمك الله، الضمير إذا أطلق عليه كلمة الضمير، والضمائر كلها أسماء، فإذا كان حرف (...).
* الشيخ: صورة الضمير، لكن معناه ليس معنى الضمير الذي يكون اسمًا (...)
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم ٣٦].
* يستفاد منه هذه الآية الكريمة: (...) ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٥٥].
* يستفاد من هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى قد يجعل النعم سببًا للكفر فيكون الكفر معنًى لها؛ لقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [الروم ٣٤]؛ لأن ذكرنا أن اللام هنا للعاقبة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب إذا جعلنا الباء في قوله: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ سببية أما إن جعلناها للاختصاص فليس فيه دليل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما أصابنا من نِعَم فإنه من الله؛ لقوله: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾.
* ومنها: تحذير الكافرين، وأن انبساطهم بنعم الله سبحانه وتعالى ضرر عليهم؛ لقوله: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
* ومنها: بلاغة القرآن؛ وذلك بالانتقال من الغَيْبَة إلى الخطاب الذي يسمى في اصطلاح البلاغيين (...)؛ لأنه سبق لنا فوائد الانتقال.
* الطالب: والعكس يا شيخ؟
* الشيخ: إلا.. كيف؟
* ومنها: إثبات الجزاء. من أين نأخذه؟ من قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
ثم قال عز وجل: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم ٣٥].
* من فوائد هذه الآية: أن أولئك المشركين ليس لهم حجة على شركهم؛ لقوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾.
* ومن فوائدها: أن من صنع شيئًا بدليل فلا لوم عليه. من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ يعني لو كان لهم سلطان ما نلومهم، ولا نعذبهم.
* ومنها: أن المجتهد المتأول لا إثم عليه، لماذا؟ لاعتماده في اجتهاده على دليل؛ لأنه استند إلى دليل؛ ولهذا لم يُضمِّن النبي ﷺ أسامة بن زيد، لم يضمنه الرجل الذي قتله بعد أن قال: لا إله إلا الله، السبب؛ لأنه متأوِّل. ولم يُلزِم عمار بن ياسر بقضاء الصلاة حين تيمم عن الجنابة بالتقلب على الأرض والتمرغ فيها، لماذا؟ لأنه مُتأوِّل، ولم يلزم المرأة المستحاضة بقضاء الصلاة وهي تتركها وقت الاستحاضة؛ لأنها متأولة، وعلى هذا فكل متأول يظن أنه على صواب فإنه لا إثم عليه، لكن هل هذا يشمل الأصول والفروع أو هو خاص بفروع الدين؟
قال شيخ الإسلام: إنه يشمل الأصول والفروع، وأنكر شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن يكون الدين منقسم إلى أصول وفروع، وقال: إن هذا التقسيم لا أصل له، لا في الكتاب ولا في السنة، فهذه الصلاة عند المقسِّمين، الصلاة عندهم من قِسْم الأصول ولَّا من قسم الفروع؟ الفروع، وهي من آصل الأصول، هي الركن الثاني من أركان الإسلام، ومع ذلك هي عندهم من قسم الفروع، وأشياء يختلفون فيها وهي عندهم من قسم الأصول، ويرون أن الاختلاف فيها مساغ؛ كاختلافهم في رؤية النبي ﷺ ربه، واختلافهم في نعيم القبر وعذاب القبر في بعض الصور، وما أشبه ذلك مما هو من العقائد، ومع ذلك يرون أن الاختلاف فيه سائغ.
فالشاهد أن المدار كله على قاعدة من قواعد الشرع، وهي قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، فمن اجتهد في طلب الحق وتحرَّاه، ولكنه لم يُوفَّق له مع حُسْن النية وصحة المسلك، هل نقول: هذا آثِم؟ ما يمكن، يعني عندنا مثلًا فيه علماء أجلة نشهد لهم بالدين، والصلاح، وحب الإسلام، والانتصار للإسلام، ومع ذلك هم مخالفون للسلف في العقيدة، ونحبهم، ولا نؤثمهم، مِثْل مَنْ؟ كابن حجر، وابن الجوزي، وكذلك النووي، وطوائف من العلماء معروفون بالصلاح والإصلاح وحب الخير، ونعلم أنهم مجتهدون، مع أن الإنسان الذي تبين له الحق ولكنه عاند وأصر هذا يُعامَل بما يقتضيه عناده وإصراره.
وهنا الآن الذي قال الله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ هي في مسألة أصولية، في الشرك، لو كان لهم حجة يعتمدون عليها ما استحقوا العذاب ولا اللوم، ولكن ليس لهم حجة.
قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم ٣٥]
* يستفاد منها أيضًا: أنه لا بد أن يكون السلطان أو الحجة التي يحتجون بها واضحة؛ لقوله: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾، والتعبير بالكلام هو أوضح ما يكون من الإظهار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ظهور عدل الله سبحانه وتعالى، وإلا لكان عز وجل يعذبهم بدون أن يقيم عليهم الحجة، ولكن لإظهار عدله سبحانه وتعالى صار يطالب بالحجة هؤلاء مع العلم أنه لا حجة لهم، ومن هذا النوع الموازين يوم القيامة، والكتب يوم القيامة، كل هذا لإظهار عدل الله، وإلا فالله تعالى له الحكم وإليه المنتهى، قادر على أن يُعذِّب بدون ميزان وبدون كتاب، ولكنه سبحانه وتعالى بكمال عدله يُعطَى الإنسان كتابه ويقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤].
قال بعض السلف: لقد أنصفك من جعلك حسيبًا على نفسك، صحيح، لو تتذكر الحساب بينك وبين واحد معاملة وحساب صادر ووارد، قلت: خذ الدفتر وأنت حاسب، أيش يكون هذا عدل ولَّا لا؟ عدل بخلاف ما لو ما أجملت الحساب وقلت: عليك كذا ولك كذا، قد يكون في هذا شُبْهة، لكن يعطيك الدفتر ويقول: أنت حاسب نفسك، هذا غاية الإنصاف.
فيه بعده: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم ٣٦].
* يستفاد من الآية الكريمة: أن الرحمة من الله تفضلًا منه وامتنانًا كيف ذلك؟ أن كونها من كقوله: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا﴾. وأما كونها تفضلًا فلأنه لم يذكر لها سببًا تفضلًا وامتنانًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذم الفرح إذا كان على سبيل الأشر والبطر، قد تقولون: من أين نأخذه من الآية؟
* طالب: من قوله: ﴿فَرِحُوا﴾ يا شيخ.
* الشيخ: إي، لكن تقييد الفرح بالأشر والبطر من قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ يمكن يُؤخذ أن الفرح المذموم من الصفة التي بعده.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن السيئة لا تُضاف إلى الله؛ لأنه قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ ولم يقل: وما أصبناهم.
فإن قال قائل: ما تقولون في قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء ٧٨]. فما هو الجمع؟
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب هنا قلنا: إن السيئة لا تضاف إلى الله؛ أي أن إيقاعها سيئة ولَّا لا؟ إيقاعها ليس بسيئة، هي سيئة لكن إيجادها ليس بسيئة، بل ولحكمة، فالشيء بنفسه قد يكون سوءًا لكن بالنسبة لفعل الفاعل لا يكون فعل الفاعل سوءًا، هذا رجل لُدِغَ ابنه، واحتاج الابن إلى كي، فأحمى الحديدة في النار وكواه، فصرخ الابن فرحًا أو ألمًا؟ ألمًا، إذن هذه سيئة ولَّا لا؟ لكن كي والده إياه سيئة ولَّا حسنة؟ حسنة.
فحينئذٍ يجب أن نعرف الفرق بين الفعل والمفعول، فالسوء والشر إنما هو بالنسبة لمفعول الله من الصفات المنفصلة عن الله، أما بالنسبة للفعل الذي هو فعل نفسه فإنه لا يمكن أن يكون شرًّا أبدًا بل هو خير، ويمكن أن تقول: إن الخير نوعان: خير لذاته، وخير لغيره، فما كان شرًّا في نفسه وقدَّره الله فهو خير لغيره، وما كان خيرًا في نفسه فهو خير، واضح، ممكن نقول هكذا؟ فإذن لنا عن هذا جوابان؛ الجواب الأول: أن يُقال: إن الشر ليس في فعل الله، بل هو في مفعوله، أما إيجاد الله له فهو خير لما يتضمنه من الحكمة البالغة، هذا واحد ونظيره كَيُّ الإنسان ابنه ليُشفى من المرض فهو في ذاته الكي شر، لكن بالنسبة لفعل الأب له خير، هذا وجه.
أو يقال: إن الخير نوعان؛ خير لذاته، وخير لغيره، فما كان خيرًا محضًا فهو خير لذاته كالمطر، والنبات، والأمن، وما أشبه ذلك وما كان شرًّا لذاته فهو خير لغيره، إذا كان الشر خيرًا لغيره صار بهذا خيرًا، فالجدب والقحط والخوف وما أشبه ذلك خير؛ لأنه يؤدي إلى خير كما قال الله عز وجل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: فهمنا الآن أن السوء لا يضاف إلى الله، وإنما يضاف إلى مفعولاته.
* من فوائد الآية الكريمة: أن السوء لا ينال الناس إلا بأعمالهم؛ لقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ طيب سؤال هل هذا يشمل السوء في الأمور الدينية والأمور الدنيوية أو في الأمور الدنيوية فقط؟ فيهما جميعًا؛ فالجدب والقحط بسبب الأعمال السيئة والمعاصي، كذلك زيغ القلب بسبب المعاصي ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥].
إذن المصائب الدينية والدنيوية كلها بسبب أعمالنا نحن، فلو استقمنا استقامت لنا الأمور، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال ٢٩] شوف فرقانًا، إذن التقوى سبب للعلم؛ لأن الفرقان ما يكون إلا بعلم يفرق الإنسان فيه بين النافع والضار والحق والباطل، إذن نقول: هذا يشمل أمور الدين وأمور الدنيا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم القنوط من رحمة الله، من أين يؤخذ؟ لأن الله أطلقه على سبيل الذم، ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾، هذا دليل على تحريمه، ودليل على تحريمه بالنظر أن القنوط يستلزم عدم الرجوع إلى الله؛ يعني إذا قنط من رحمة الله كيف يرجو رحمة الله؟ فيستحسر وييئس والعياذ بالله، ولا يتعرض لما فيه الرجاء والأمل.
* الطالب: شيخ، البلاء..
* الشيخ: البلاء بما يُؤلم هذا سوء، والبلاء بما يسر هذا ابتلاء وليس سوءًا.
* الطالب: المؤمن يُبتلى على قدر إيمانه؟
* الشيخ: يُبتلى على قدر إيمانه؛ لأنه أحيانًا يكون الابتلاء بالمصائب ليس من أجل عقوبة لكن من أجل التمثيل وهو البيان، وهذا مر علينا أنه قد يقع ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١] ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ [البقرة ٢١٤].
وقلنا: إن الابتلاء مع استقامة الحال ليس المراد به تكفير سيئة حصلت بل المراد به رفع درجات؛ لأن الصبر ما يكون إلا على بلوى، والصبر مرتبة عالية ما ينال إلا بمشقة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الاختيار في البحث؛ لقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الروم ٣٦]. فيكون في ذلك رد لقول مَنْ؟ الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان ما له اختيار في العمل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُعاقَب على أعمال القلوب، أو قد يُذم على أعمال القلوب؛ لأن القنوط من أعمال القلوب؛ إذ إنه أشد اليأس ومحله القلب.
إلى الغيبة، ففيه تعلية للشأن مثل التعبير بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ [غافر ٦٠]، ما قال: وقلت لكم، أو أقول لكم؛ تعظيمًا لشأنه تعالى، ويش يصير المراد بذلك؟ تعظيم شأن هؤلاء الذين أرادوا وجه الله عز وجل بكونهم حصلوا على مضاعفة الأجر والثواب بخلاف الأولين.
ثم قال تعالى: (﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ ممن أشركتم بالله ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ) يقول المؤلف: (لا ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ به).
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ يعني: أوجدكم من العدم، لكن الخلق ليس مجرد الإيجاد بل هو الإيجاد بتقديرٍ، بل إن بعضهم قال: إن الخلق في الأصل هو التقدير، واستدلوا لذلك بقول الشاعر:
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَاخَـــــــــــــــــــــــــــلَقْتَ ∗∗∗ وَبَعْضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَايَفْرِي
ويش معنى (ما خلقتَ)؟ أي: ما قدَّرتَ، ولكن الصحيح أنه يطلق على الإيجاد المسبوق للتقدير، فمعنى ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أوجدكم إيجادًا مسبوقًا بالتقدير والإحكام والإتقان. وهذا مسلم ولَّا لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: حتى عند المشركين؟ حتى عندهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، ولا يمكن لأحد إلا المجنون أن يدعي أنه خلق نفسه، أبدًا، أو يدَّعي أنه خُلِقَ بدون خالق، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور ٣٥]؟ لا. فأنت ما خلقك أبوك، ولا خلقتك أمك، ولا خلقك أحد من البشر، ولا من غير البشر سوى الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر مُسَلَّم.
ثانيًا: ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾..
* طالب: الشيوعية يقولون: خلقتهم الحجارة (...).
* الشيخ: يقولون: إنها الطبيعة، فيعترفون بهؤلاء الخلق، لكن هؤلاء مكابرون لا عبرة بقولهم.
* طالب: أهل الطبيعة، ويش يصفون الخلق؟
* الشيخ: يقولون: هذا شيء وُجِد في الأزل على هذه الصفة وصار يتفاعل ويتوالد، وما أشبه ذلك.
* الطالب: لكن ما هم مقرين أن الله هو الخالق.
* الشيخ: لكن يقرون بموجد، ما يقولون: إن هذا الشيء مثلًا.. إن هذا الإنسان أو هذا الحيوان وُجِد هكذا صدفةً، يُقِرُّون بموجد وهي الطبيعة، فنقول لهم: هذه الطبيعة من الذي أوجدها؟
وقوله: ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ [الروم ٤٠]..
* طالب: (...) حقيقة الأمر (...).
* الشيخ: ﴿رَزَقَكُمْ﴾ أي: أعطاكم، والرزق في اللغة العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨] أعطوهم.
وهل أحد يدعي أن الرازق سوى الله؟ قد يدعي أحد، قد يقول: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ الله قال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾، فأنا رزقت هذا الإنسان أعطيته، فيقال: لكن من الذي خلق ما أعطيت؟ الله الذي رزقك هذا هو الله، ومهما كان من عمل بني آدم فإنما هو تحويل لا إيجاد، كل عمل بني آدم -حتى الصنائع والبناء وغير ذلك- ليس إلا مجرد تحويل؛ يعني: تغيير من شيء إلى شيء، وإلا فالأصل هو الله عز وجل، هو الخالق، وهو الموجد، هذا الرزق اللي أعطيت مثلًا، هذا الرجل أعطيته كيسًا من الطعام، صحيح أنك رزقته، لكن من الذي أوجد هذا الكيس؟ الله عز وجل، فإذن الرزق أصله من الله وإن كان قد يوجد على أيدي بعض الناس؛ لقوله تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» »[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله.]].
لكن يقال: من الذي خلق هذا الرزق؟ ومن الذي جلبه إليك؟ ومن الذي قدَّر أن تعطيه هذا؟ كله الجواب هو الله.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ يعني: بعد هذا الخلق والإمداد؛ الخلق إعداد، والرزق إمداد، الله عز وجل أوجدك وأعدك وهيأك، ثم أمدك بما به قوامك، بعد ذلك يميتكم، ﴿يُمِيتُكُمْ﴾ يعني: بعد الحياة الدنيا يكون الموت؛ وهو مفارقةُ الروحِ البدنَ مفارقةً تامةً، لأن النوم فيه مفارقة تفارق الروح البدن لكن ليست مفارقة تامة، أما الموت الذي هو الموت فهي مفارقة تامة، ولكنها تُعَاد إليه في قبره إعادةً برزخيةً لا كإعادتها في الدنيا.
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ الحياة الآخرة التي ليس بعدها فناء.
قال الله عز وجل: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ ﴿شُرَكَائِكُمْ﴾ هذه مضافة إلى المفعول ولَّا إلى الفاعل؟
* طالب: إلى الفاعل.
* الشيخ: ﴿مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ الذين أشركتموهم، فتكون مضافة إلى المفعول؛ يعني هل من هؤلاء الذين أشركتموهم بالله؟ ولهذا قال المؤلف: (ممن أشركتم بالله).
* طالب: أشركتم هذا (...).
* الشيخ: لا، أشركتم، لكن أشركتموهم، أصلًا ممن أشركتموهم.
* طالب: أن الإنسان يشرك.
* الشيخ: نعم، إذا أشرك فالمشرَك به مفعول، فمعنى ﴿شُرَكَائِكُمْ﴾ ليس معناه هم الذين أشركوكم، بل أنتم الذين أشركتموهم مع الله، فهو مضاف إلى مفعوله.
قال: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إعراب ﴿مَنْ يَفْعَلُ﴾، ويش محلها من الإعراب؟
* طالب: فعل الشرط.
* الشيخ: أي شرط؟
* طالب: (هل).
* الشيخ: لا، ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ﴾ (مَن) ويش إعرابها؟
* طالب: مفعول المصدر.
* الشيخ: لا، يحتمل أن تكون نكرة موصوفة، والتقدير: هل من شركائكم أحدٌ يفعل ذلك، ويحتمل أن تكون موصولة على أنها مبتدأ مؤخر؛ أي: الذي من شركائكم، هل الذي يفعل ذلك من شركائكم؟ والأول أحسن؛ أن تكون نكرة موصوفة؛ يعني: هل من شركائكم أحد يفعل من ذلك؟
وقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ (مِن) زائدة، وصحت زيادتها؛ لأن الاستفهام هنا بمعنى النفي، و(مِن) تزاد في النفي، كما قال ابن مالك:
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرّ ∗∗∗ نَكِرَةً كَـ(مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّ)
وقوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه ما هو؟ الخلق والرزق والإحياء والإماتة، فعلى هذا يكون الجواب عن كونه مفردًا مَذَكَّرًا مع أن السابق أربعة أشياء؛ جمع، يقال: لأنه أُوِّل بالمذكور، ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ أي: من ذلكم المذكور، فصحَّ أن يأتي اسم الإشارة مفردًا مذكرًا؛ لأنه عائد إلى المذكور.
وقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: ما يمكن يفعل هؤلاء أي شيء من هذه الأمور؛ لا الخلق، ولا الرزق، ولا الإحياء، ولا الإماتة. وهذا على سبيل التحدي، فإذا كانت هذه الآلهة التي أشركت بالله لا تفعل شيئًا من هذا، هل تصح أن تكون آلهة؟ لا، بل تأليهها باطل؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢].
يبقى النظر لو ادعى مدعٍ أنه يحيي ويميت؛ كالذي حاج إبراهيم في ربه، إبراهيم ﷺ قال له: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فما هو الجواب لو قال قائل: إن من المعبودين من يستطيع أن يحيي ويميت؟
نقول: هذه دعوى باطلة؛ لأن الإحياء والإماتة من الإنسان ليست إحياء وإماتة ولكنها فِعْلُ سببٍ يحصل به (...).
﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الروم ٣٨] إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: أن لهؤلاء الأصناف الثلاثة حق؛ القريب والمسكين وابن السبيل.
* ومن فوائدها: وجوب إيتاء هؤلاء حقهم. من أين تؤخذ؟ من (آت) الأمر، والأصل في الأمر الوجوب.
* ومن فوائدها: أن الأقرب فالأقرب أحق. من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾، لكن كيف الأخذ؟ الأخذ هو أن لدينا قاعدة سبق أن قررناها؛ وهي أن الحكم إذا عُلِّق على وصف فكل ما كان أكثر في هذا الوصف فهو أحق، إذا عُلِّق الحكم على وصف فكلما كان هذا الوصف أشد تمكنًا في شيء فهو أحق.
فمثلًا إذا قلت: أدِّبِ العاصي، عُلِّق التأديب بماذا؟ بالعصيان، ويش يقتضي؟ كل من كان أشد معصية كان أشد تأديبًا، أو لا؟ وإذا قلنا: أكرم المؤمن، صار معنى ذلك كل من كان أقوى إيمانًا صار أحق بالإكرام.
﴿ذَا الْقُرْبَى﴾ عُلِّق الحق بماذا؟ بالقرابة، فكلما كان أقرب كان أحق بالإيتاء.
وهذه القاعدة مفيدة لطالب العلم؛ أنه إذا عُلِّق الحكم على وصف قوي ذلك الحكم بقوة ذلك الوصف، نظرًا أن تعليقه بالوصف يفيد عِلِّيته، وهذا أيضًا القاعدة الثانية؛ أن تعليق الحكم بالوصف يفيد أن ذلك الوصف علة.
فمثلًا تقول: أكرم المؤمن. لماذا؟ لإيمانه. أدب الفاسق؛ لفسقه، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة ٦٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص ٧٧]، معناه: لإفسادهم، وهكذا نقول: إن تعليق الحكم بالوصف يدل على عِلِّية ذلك الوصف، وأنه علة الحكم، وبناء على هذه القاعدة تأتي القاعدة الأولى أيضًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل من كان أحق بالإحسان فهو أولى به؛ لأن المسكين أحق بالإحسان من الغني، وابن السبيل المسافر المنقطع به سفره أحق من غيره.
* من فوائد الآية الكريمة: أن النفع المتعدي خير في نفسه. وهل هو خير للفاعل؟ خير له بشرط، فهو خير بنفسه وإن لم ينتفع به الفاعل.
بناء على ذلك يتفرع على هذا أن ما يبذله الكفار من منافع للمسلمين هي خير للمسلمين، ما نقول: هذه صدرت من كافر فليست بخير، ما فيها خير، لا، لو أن أحدًا من الكفار أصلح طريقًا من الطرق من هذه الشركات الكافرة، هل يكون في هذا الإصلاح خير؟ نعم، خير لا شك فيه، لكن ليس خيرًا لهم إنما هو خير لغيرهم.
* ومن فوائد الآية: التنبيه على أهمية الإخلاص؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه كلما كان العمل أخلص لله كان أكثر خيرًا للفاعل. من أين نأخذ هذا الحكم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، إحنا أخذنا أنه فيه خير لمن أراد الإخلاص، لكن كلما كان أخلص كان أكثر خيرًا للفاعل، من القاعدة التي مرت علينا؛ أن هذا الحكم عُلِّق بعلة ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ﴾؛ لأن اسم الموصول مع صلته كاسم الفاعل تمامًا، فيكون خيرًا للذين يريدون، إذن فكلما كان الإنسان أخلص في إرادة وجه الله كان خيرًا، أكثر خيرًا له.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الوجه لله؛ لقوله: ﴿وَجْهَ اللَّهِ﴾.
ووجه الله عز وجل قال أهل العلم: إنه من الصفات الخبرية؛ لأن عندهم أن الصفات خبرية محضة، يعبِّرون عنها بالخبرية؛ لئلا يقعوا في المحذور، فلا يقولون: إنها بعضية -مثلًا- أو جزئية؛ لأن التبعض والتجزئة في ذات الله عز وجل محرَّم إطلاقه، فالوجه واليد والعين والساق والقدم كل هذه يُعَبَّر عنها بالصفات الخبرية، لكن السمع والعلم والقدرة والحياة ويش تسمى؟ صفات معنوية؛ صفات معانٍ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى رؤية الله عز وجل. كيف ذلك؟ لقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.
ولا شك أنه ثابت؛ رؤية الله عز وجل ثابتة بالقرآن والسنة وإجماع السلف، ففي القرآن قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣] ويش معنى (ناضرة) الأولى؟ من النضارة؛ وهي الحُسْن، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ بالظاء منين؟ من النظر؛ وهو الرؤية بالعين، وهذه الآية من أصرح ما في القرآن، وفيه آيات أخرى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين ٢٣]، وفيه آية ثالثة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]، فسرها النبي عليه الصلاة والسلام بأنها النظر إلى وجه الله[[أخرجه مسلم (١٨١ / ٢٩٧) من حديث صهيب.]]، وفيه آية رابعة: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥]، وفيه آية خامسة وهي قوله تعالى في الأنعام: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام ١٠٣] فإن هذه الآية تدل على الرؤية؛ لأن الله قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾، ونفي الإدراك يدل على ثبوت الأصل، ولو كان لا يُرَى لقال: لا تراه الأبصار، فنفي الأخص يقتضي وجود الأعم؛ ولهذا كانت هذه الآية التي يستدل بها أهل التعطيل على نفي رؤية الله صارت دليلًا عليهم لا دليلًا لهم.
طيب الفرق بين الصفات المعنوية والخبرية أن الصفات المعنوية تدل على معانٍ؛ كالسمع والبصر والعلم والقدرة وما أشبهها، وأما الصفات الخبرية فهي تدل على صفاتٍ هي أبعاض لنا، هي بالنسبة لنا أبعاض، فيَدُ الإنسان ووجه الإنسان وساق الإنسان وقَدَم الإنسان وعينه -مثلًا- هذه أبعاض له، لكن ما نسميها بالنسبة لله أبعاضًا، بل سماها أهل العلم الصفات الخبرية.
* طالب: في الحديث: «يوم القيامة الله سبحانه وتعالى يقول: من كان يعبد الطواغيت فليتبع الطواغيت، ومن كان يعبد الشمس فليتبع الشمس، فيأتيهم الله سبحانه وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، قال: ثم يأتيهم في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فينطلق ثم يتبعونه»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٧٣)، ومسلم (١٨٢ / ٢٩٩) من حديث أبي هريرة.]].
* الشيخ: لا، ما فيه: «فينطلق ثم يتبعونه».
* طالب: (...).
* الشيخ: فينطلق.
* طالب: فيتبعونه.
* الشيخ: الله؟
* طالب: يكشف عن ساق.
* الشيخ: «يُكْشَف عن ساق، فيسجد له كل من كان يسجد لله تعالى في الدنيا. » المهم على كل حال ويش الإشكال فيه؟
* طالب: الاستشكال كيف ينطلق فيتبعونه؟
* الشيخ: لا، هذه ما أدري، ما أعرفها، هذه تأكدها، إحنا ما نبحث فيها حتى تؤكد، ولا مرت عليَّ هذه، إنما مر علينا أن الأمم تتبع ما كانت تعبد حتى تُلْقَى في النار.
* طالب: كل إنسان إلى آلهته؟
* الشيخ: إي نعم، طيب.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الفلاح يكون بأمرين؛ بالإخلاص وفعل المأمور به. من أين نأخذه؟ من قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم ٣٨]، وهؤلاء المشار إليهم أتوا بالفعل والثاني الإخلاص.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ [الروم ٣٩]..
* طالب: ما الفائدة؟
* الشيخ: الفائدة أن الفلاح يكون بفعل المأمور به مع الإخلاص.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم ٣٩].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من بذل ماله من أجل الحصول على أمر الدنيا فإنه لا أجر له في ذلك. من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾، وهذا عكس الأولين الذين سبقوا في الآية السابقة، الذين أعطوا في الآية السابقة ويش يريدون؟ يريدون وجه الله، هؤلاء بالعكس، هؤلاء يريدون الازدياد بما أعطوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: التنبيه على أهمية الإخلاص؛ لقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: في الإخلاص مع العمل، العمل الصالح مع الإخلاص.
* من فوائد الآية الكريمة: التنبيه على الإخلاص. من أين تؤخذ؟ ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن مضاعفة الأعمال تكون بحسب الإخلاص؛ لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾، فقد رتَّب الله تعالى الإضعاف على إرادة وجه الله. وعلى ما قررنا في القاعدة قبل قليل: يكون كل من كان أخلص لله فعمله أكثر مضاعفة، وهذا أمر لا شك فيه؛ فإن مضاعفة الأعمال تكون بأسباب كثيرة؛ منها شرف الزمان، ومنها شرف المكان، ومنها شرف الفاعل، ومنها شرف العمل، ومنها الإخلاص، ومنها الاتباع، كل هذه الأسباب الستة من أسباب المضاعفة.
المضاعفة بسبب شرف الزمان مثل؟ كرمضان والعشر الأول من ذي الحجة، هذا لشرف الزمان.
والمكان كالحرمين والأقصى؛ فإن العمل فيها أشرف من غيرها، الصلاة في المساجد الثلاثة أشرف من غيرها.
ومنها الفاعل؛ كالصحابة الذين قال فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]].
ويُلْحَق بهذا العاملون في آخر الزمان في أيام الصبر الذين يتمسكون بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام مع تباعد الناس عنها، فإن هؤلاء يُضَاعَف لهم الأجر، وإن كانوا لا ينالون مرتبة الصحابة لكن يضاعف أجرهم بسبب ما يجدونه من الغرابة ومخالفة الناس لهم؛ لأنه لا أحد يشك أن الإنسان الذي يعمل في محيط يعملون كما يعمل أن العمل عليه هين، بل مخالفة الناس هي الصعبة، لكن عمل الإنسان في محيط لا يعملونه هذا هو الصعب والشاق، لا سيما أن المعارضة ستكون عنيفة؛ لأن هذا متمسك بطاعة الله، والمخالفون له على العكس، وأعنف صراع يكون بين المتخالفين هو ما يكون بين المتمسكين بدين الله والمتحللين منه. هذه ثلاثة، ويش بقي؟
* طالب: بقي العمل.
* الشيخ: تكون أيضًا المضاعفة بحسب العمل..
* طالب: كثرته.
* الشيخ: بحسب العمل، الكثرة ما هي واردة لكن جنس العمل، فالصلاة أفضل من غيرها، والفرض من كل عمل أفضل من نفله وأشرف، والجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، وهكذا، كما بينا لكم كثيرًا. هذه أربعة. والخامس؟
* طالب: الإخلاص.
* الشيخ: بحسب الإخلاص كما في هذه الآية، وكلما كان الإنسان أخلص ولو كان العمل واحدًا كان عمله أشرف من الآخر؛ ولهذا تجد رجلين ركبا سيارة واحدة، وخرجا ودخلا جميعًا في الحج أو في العمرة، ورجعا جميعًا على السيارة، وأفعالهما واحدة، وأقوالهما واحدة، وبينهما تفاوت أكثر مما بين المشرق والمغرب؛ بحسب الإخلاص لله.
والسادس: بحسب الاتباع؛ ولهذا «أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله الصلاة على وقتها»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٣٤)، ومسلم (٨٥ / ١٣٧) من حديث ابن مسعود.]]؛ لأنها حصلت على وجه المتابعة للرسول ﷺ.
هذه الأسباب في الشرف كلها مما يوجب للعبد العناية بأعماله، وأن يتحقق بما يستطيعه من هذه الأسباب.
* طالب: قوله (...) في أيام الصبر له أجر خمسين منكم، ويش..؟
* الشيخ: المعنى له أجر خمسين منكم في هذه الخصلة التي عانى بها وتعب، فأصل العمل -مثلًا- الصدقة مضاعفة بعشر أمثالها، عشر أمثال موجودة في الصحابة وموجودة في الزمن المتأخر هذا، لكنه يُضَاعف ذلك، يكون أجر هذا مثل أجر خمسين من الصحابة؛ لما يجده من المعاناة، لكن الكمية التي تحصل للصحابة التي لو أنفق أحدنا مثل أُحُد ما بلغ مُدِّ أحدهم ولا نصيفه، هذه خاصة بهم، فعندنا ثواب على أصل العمل، وثواب مضاعف بحسب العامل، فأصل العمل -كالصدقة مثلًا- يكون لهؤلاء المتأخرين أجر خمسين من عمل الصحابة باعتبار أصله لا باعتبار أنه وقع من الصحابة رضي الله عنهم.
* طالب: ما يرد على هذا قولهم أنهم قالوا:« منا أو منهم قال: «بَلْ مِنْكُمْ»؟
* الشيخ: إي نعم، ما يرد على هذا؛ لأننا نعتبر أصل العمل لا المضاعفة بحسب كونه صحابيًّا، فأصل العمل مثلًا الصحابي لولا الصحبة لكان له أجر أصل العمل فقط، فبالصحبة يزداد، فيكون معنى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» »[[أخرجه أبو داود (٤٣٤١) والترمذي (٣٠٥٨) وابن ماجه (٤٠٤١) من حديث أبي ثعلبة الخشني.]] يعني: باعتبار أصل العمل، ويجب الرجوع إلى هذا؛ لأنه لا يمكن الجمع بينه وبين هذا الحديث إلا على هذا الوجه.
* طالب: لماذا لم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام: خمسين عاملًا ولا يقول: خمسين صحابيًّا؟
* الشيخ: ما نقدر نقول: لماذا لم يقل؛ لأن المسألة الآن مسألة جمع، ولو كان الأمر واضحًا ما احتجنا نقول: ويش الجمع فيه؟ فما دام المسألة مسألة جمع يحتاج أنا نشوف أدنى دائرة يمكن أن تجمع بين النصين.
* طالب: الرسول من كان يخاطب؟
* الشيخ: الرسول يخاطب الصحابة.
* الطالب: وعندنا الصحابة يتفاضلون؟
* الشيخ: إي، معلوم أن الصحابة يتفاضلون، هو يخاطب خالد بن الوليد في مقابلة سبِّه لعبد الرحمن بن عوف، وعبد الرحمن بن عوف لا شك أنه من السابقين الأولين، وخالد بن الوليد متأخر إسلامه، وكان بينهما مسابة فقال له: «مَهْلًا يَا خَالِدُ، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]].
* طالب: (...).
* الشيخ: بالنسبة لمن دونه يلحق لا شك، لكن بالنسبة لمن فوقه فأهل الحديث أنه لا يلحق؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠]، ثم قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ [الروم ٤٠] إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالأجلى والأوضح؛ لأن الله استدل على بطلان آلهة المشركين بماذا؟ بأمر يقرونه هم، وآلهتهم ما تفعل، وهو الخلق والرزق والإماتة والإحياء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل؛ وذلك بالأمور الأربعة الخلق والرزق.. إلى آخره.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات أن ما اكتسبه الإنسان فهو من الله؛ لأن هذه الأربعة فيها ثلاثة ما أحد يماري فيها، ما هي؟ الخلق والإماتة والإحياء، لكن الرزق قد يماري فيه مُمَارٍ، قارون ويش قال؟ ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]، فقد فسَّره مجاهدٌ -أظن- على علم مني بوجوه المكاسب؛ يعني معناه أني أنا ماهر بمعرفة المكاسب، وحصلت هذا المال، ولكننا نقول: هذا التحصيل الذي حصلته بمهارتك من أين جاءك؟ من الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا الذي حصل لك بسبب، وخالق الأسباب هو الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لنا استجلاب الرزق من ربنا وحده؛ لقوله: ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾.
وإذا كان الأمر كذلك فإنه يترتب على هذا فائدة أخرى؛ وهي ألا نطلب رزقه بمعاصيه. ويش وجهه؟ إذا كنت تطلب الرزق من الله فهل من اللائق عقلًا أن تقدم له معصية ليرزقك؟
* طالب: لا.
* الشيخ: الذي يَسْتَدر الرزق من غيره ويش يُقدِّم؟ يقدم طاعته والخضوع له؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢، ٣]، إذن من استجلب رزق الله بمعاصيه فقد خالف الحكمة والصواب، أليس كذلك؟
فهؤلاء الذين يطلبون الرزق بالربا، ويطلبون الرزق بالغش، ويطلبونه بالكذب وغير ذلك من الوسائل المحرمة هم في الحقيقة أشبه ما يكونون بالمستهزئين بالله عز وجل الساخرين به، كأنهم يقولون: يا ربنا، إننا نعصيك لترزقنا، وهذا من أعظم ما يكون؛ ولهذا جعل الله الذين يطلبون زيادة المال بالربا، ويش جعلهم؟ محاربين له ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة ٢٧٨، ٢٧٩]، والربا -كما قال شيخ الإسلام- يقول: ما ورد في ذنب من الذنوب دون الشرك أعظم مما ورد في الربا، الذي أصبح عند الناس الآن من أسهل الأشياء وأبسطها، حتى كانوا يتعاطونه بالصراحة، ويتعاطونه بالتحيل، وتعاطيه بالتحيل أخف من تعاطيه بالصراحة، مثلما أن تعاطي الكفر بالنفاق أخف من تعاطيه بالكفر الصريح؛ لأن هذا المتحيل مخادع لله عز وجل، جمع -والعياذ بالله- بين مفسدة الربا ومفسدة الخداع والتحيل، فالرب عز وجل إذا حرَّم شيئًا ليس كغيره تخفى عليه الأشياء، فهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ونبيه عليه الصلاة والسلام وضَّح أن الأعمال بماذا؟ بالنيات.
فما دمت نويت الربا الآن لكن تحيلت عليه إدخال سلعة غير مقصودة، هذا تلاعب، استهزاء بآيات الله عز وجل، يأتي إليه يقول: أنا أبغي منك مئة ألف على أن تكون بمئة وعشرين ألفًا إلى سنة، طيب كيف الوصول إلى هذا؟ والله إحنا مسلمون، ما أقدر أعطيك المئة ألف نقدًا وأكتب عليك مئة وعشرين؛ لأننا نخشى الله، ولكن هنا طريق نلوذ من جهة أخرى ونجعل حاجزًا بيننا وبين الله، بماذا؟ بأي سلعة تتفق، نروح نشوف اللي عند الناس؛ وجدوا عند هذا سكرًا، قال: نشتري سكرًا، وجدوا عنده هيلًا، قالوا: نشتري هيلًا، وجدوا سيارات، نشتري سيارات، وجدوا أكياسًا لا يُدْرَى ما بوصفها فلعله أن يكون رملًا، قالوا: نشتري هذه الأكياس. أليس هذا هو الواقع؟ هذا هو الواقع.
ولهذا الآن ما ينظرون إلى هذه الأكياس ويش هي، يقولون: إنها أكياس سكر، وهو أكثر ما يكون في القبض أنه يمر يده عليها، ولَّا يعده؛ واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة.. إلى آخره، ويقولون: إن هذا هو القبض. فهل هذا قبض لغة أو عرفًا أو شرعًا؟ أبدًا، لا يُعَدُّ هذا قبضًا؛ لأن القبض معناه أن يكون الشيء في قبضتك، وهذا الشيء مركون في مكانه، تَرِدُ عليه عدة مبايعات في خلال ساعة أو ساعتين.
وهذه البَلِيَّة التي ابْتُلِي بها الناس الآن -نسأل الله أن ينقذهم منها- بَلِيَّة عظيمة، ويُقَبِّحها أنهم يعتقدون أنها حلال وأن عمل البنوك حرام، حتى إن بعضهم بيجيء يتغيظ ويتضجر: أعوذ بالله! شوفوا الحرام، الربا يُعْلَن صريحًا في البنوك، وهو ممن يتعامل بهذه المعاملة، يبكي غيره ولا يبكي نفسه، وهو أحق بأن يبكي نفسه.
فالمهم أننا نقول -خرجنا عن الموضوع-: إن الرزق إذا كان من الله عز وجل فإنه يجب عليك شرعًا وعقلًا أن تستمد هذا الرزق بماذا؟ بطاعة الله لا بمعصيته.
* طالب: طيب التورق -يا شيخ- ما يدخل في هذا؟
* الشيخ: التورق يقول شيخ الإسلام: إنه داخل في هذا، ويقول عنه تلميذه ابن القيم رحمه الله: إن شيخنا يُسْأَل عن هذا مرارًا فيصر على أنه حرام وأنه ربا، التورق غير شغل الناس الآن يقولون: هذا تورق، التورق قال العلماء (...) ومن احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مئة بمئة وعشرين فلا بأس به، وهي مسألة التورق، هذه عبارة الروض المربع شرح الزاد.
شوف الآن أولًا قالوا: (ومن احتاج) فعلمنا أنها ما تكون إلا للحاجة.
ثانيًا: (فاشترى ما يساوي مئة بمئة وعشرين) وقع العقد على عين المبيع، ولا قال: العشر إحدى عشر ولا اثنا عشر، وكلمة (اشترى) تُحْمل على الشراء الشرعي الذي يجمع الشروط، ومن جملتها العلم بالمبيع ونوعه وجنسه.. إلى آخره. وهل هذا موجود في عمل الناس الآن؟ أبدًا.
كذلك اشترى ما يساوي مئة بمئة وعشرين إلى أجل، هذه تنطبق؛ لأنهم يقولون: اثنا عشر، وثلاثة عشر، وإحدى عشر، حسب الاتفاق.
ثم نفس الفقهاء الذين أباحوا ذلك قالوا: يُكْرَه أن يقول في بيع المرابحة المعروف أن يقول: العشر إحدى عشر، وذكروا عن الإمام أحمد نصًّا بأنه يحرم أن يقول: العشر إحدى عشر حتى في غير مسألة التورق، بيع المرابحة الذي يعرفه بعضكم يَحْرُم فيه -على إحدى الروايات عن أحمد- أن يقول: العشر إحدى عشر، وهو يريد السلعة نفسها، ما يريد النقد، المذهب أنه يكره، والرواية الثانية عن أحمد أنه يحرم.
يعني أنا مثلًا اشتريت هذا الكتاب وأنت تبيع الكتاب، تبيع الكتاب نفسه ما تبيع دراهمه، فقلت لي: أبغي أشتريه منك مرابحة، قلت: ما يخالف، أنا شاريه بمئة، وأبيعه عليك على أن أربح بكل عشرة دراهم درهمًا. كم يكون المئة؟ مئة وعشرة. هذا جائز.
لكن لو قلت: أبغي أشتري منك العشرة أحد عشر، قالوا: إنه يكره على المذهب، ويحرم على الرواية الثانية، مع أنها من مسألة التورق.
فهؤلاء الناس الآن جمعوا بين أمرين؛ بين العشر بإحدى عشر أو اثني عشر وبين التورق، أما شغلنا الآن هو ما ينطبق عليه حتى على قول من يقول بجواز التورق.
ولاحظ أن الإمام أحمد عنه رواية ثانية، وعنه رواية بأنها جائزة، والرواية الثانية بأنها من مسائل العينة؛ التورق، ذكرها عنه شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكرها ابن القيم في تهذيب السنن أن مسألة التورق من مسائل العينة، والعينة معروف أنها حرام.
فالحاصل أننا الحقيقة في عصرنا الحاضر لما كان الناس ما يبالون إلا أن يكتسبوا المال، فجعلوا المال مقصودًا مخدومًا بعد أن كان وسيلة خادمًا، حقيقة المال أنه وسيلة خادم، ولكنا جعلناه الآن مقصودًا مخدومًا، وهذا من سفه الإنسان؛ أن يستخدمه مالُه الذي خُلِقَ له، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩].
* طالب: لكن واقع (...).
* الشيخ: لا، الراجح هو ما نعرف عنه شيئًا.
* طالب: الآن رؤية العين (...).
* الشيخ: تستعمل في الدول الكافرة، وهي طريق الإيداع الصحيح؛ لأن قولنا: إن البنوك الآن أني حطيت مالي وديعة عندهم، هذا ما هو صحيح، لا ينطبق عليه شرعًا معنى الوديعة، ويش معنى الوديعة شرعًا؟ أن تعطيه المال ليحفظه بعينه، ما هو بتعطيه مالك يحطه في صندوق وينتفع به، حتى إن العلماء قالوا: لو أن المودِع أَذِن للمودع بالانتفاع بالوديعة صارت قرضًا تثبت في ذمته، ففعل الناس الآن اللي يسمونه (...).
يأخذ سَلَمًا، السلم أني أعطي شخصًا دراهم نقدًا بسلعة مؤجلة، عكس الشراء إلى أجل أعطيك -مثلًا- عشرة آلاف ريال على أن تعطيني بعد سنة مئة كيس سكر، أو سيارة وصفها كذا وكذا، هذا ما فيه شيء؛ لأن الصحابة كانوا يفعلونه في عهد رسول الله ﷺ، كانوا يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي شَيْءٍ مَعْلُومْ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٤٠)، ومسلم (١٦٠٤ / ١٢٧) من حديث ابن عباس.]]، ووجه أن ما فيه شيء: لأن ما فيه ربح مضمون لأحد الطرفين، أو لا؟ أنا -مثلًا- إذا أعطيتك -مثلًا- عشرة آلاف ريال في سيارة إلى أجل، ما ندري أينا هل أنا اللي أربح ولا أنت، صح؛ لأنه عند انتهاء الأجل يمكن أجد السيارة بستة آلاف ريال، ويمكن ما أجدها إلا بخمسة عشر ألف ريال، إي نعم، وهذا لا بد أن يقع نادرًا أن تكون الأسعار إلى سنة لا تختلف.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف، إذا احتاج فلوسًا بيجيء لواحد يقول: تعالَ، الآن أعطنا فلوسًا بشيء مؤجل، وإلا يشتري المواد اللي يحتاج بثمن مؤجل أكثر من النقد.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا إذا اشترى السلعة بعينها يريدها بعينها، ما يتورق، التورق ما هو بيريد السلعة؛ ولهذا سمي تورقًا. مأخوذ من أين؟ من الورق؛ يعني هو لا يريد إلا الفضة، المتورق.
* طالب: بالنسبة للسلم هل يدخل فيه (...).
* الشيخ: ولهذا قال الفقهاء: لو أسلم في ثمن بستان معين ما صح؛ لأنه صار محله الآن البستان، ما صار في الذمة، أما إذا صار في الذمة فهذا ما فيه شيء، لا بد من تمام الشروط.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما تصح، ولا ثمنها.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما تجب؛ لأنه يبيع عليه أشياء بدون قبض ثمنها.
* طالب: (...).
* الشيخ: فهذا يمكن معناه أنه يحضره، وهو -مثلًا- امتنع، يتفقون معه على أننا اشترينا منك كذا وكذا؛ سيارات بكذا وكذا دراهم وهو ما سلمه الدراهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: أبدًا؛ ولهذا أحيانًا الدولة يكون مماطلتها أكثر من مماطلة الناس.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يصح هذا إلا لو كانت السيارات عنده وقال: حضرها، مثلًا لما أنه اتفق وإياهم حضر السيارات ثم أوقعوا العقد على أعيانهم، حينئذٍ يصح؛ لأنه يكون بيع عين بدين.
* طالب: وقعوا العقد على أوصافه؟
* الشيخ: لا، على أوصافه ما يصح؛ لأن المبيع الموصوف غير المعين محله الذمة، ما محله العين؛ فلهذا يكون العقد اللي وقع بين الرجل والحكومة عقد على شيء في ذمة بشيء في ذمة ما فيه شيء معين.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف، إذا حضر السلعة قال: هذه السلعة الآن، وأبيعها عليكم بكذا، وصار العقد بعد التحديد، ما يخالف، إذا صار أنه معناه التأمين بمعنى أنه حضر وبعد التحضير يجري عليه العقد فهذا لا بأس به؛ لأنه يكون بيع عين بدين وهو جائز.
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا عمدوه متى يجعلون التعاقد معه؟
* طالب: إذا عمدوه يقولون له مثلًا: بعد عشرة أيام تستلم الزيادة، وإذا سلم المستودع يروح يأخذ (...).
* الشيخ: ما هو الذي يعتبرونه عقدًا؟ هل يعتبرون العقد بعد حضورها ولَّا قبل؟ إن كان قبله فإنه لا يصح متى يعقدون، هل معناه يقول: حضر هنا، وإذا حضرت أنا بأشتريها منك بكذا وكذا؟ إذا حضرت نعطيك الثمن، إذن العقد قبل التحضير، وهذا نص العلماء على أنه لا يجوز، وهذا بيع دين بدين فلا يحل المحظور؛ لأنه ما وقع العقد على شيء معين، الآن كله في الذمم.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) تدري الآن لو بأبيع عليك الصاع بصاعين -والصاعين قيمتهم قيمة الصاع- ما فيه محظور، ما هي محرم، إحنا نتقيد فيما ورد به النص، اللي ورد به النص إما أن تكون السلعة مؤجلة، وإما أن يكون الثمن مؤجلًا، وإما أن يكون من الطرفين لا هذا ولا هذا، فهذا ما يجوز، وهذا منصوص عليه عند الفقهاء، أدنى طالب علم إذا قرأ في أول الروض المربع يعرف هذا؛ ولهذا قالوا من صور البيع (...)، ويش من صورها؟ بيع دين بعين بشرط الحضور وقبض أحد العوضين.
* من فوائد الآية الكريمة: قلنا: إنه ينبغي الاستدلال بما هو أجلى وأوضح في الاستدلال.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عجز هذه الآلهة عن فعل شيء يختص بالربوبية؛ لقوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم ٤٠]؛ لأن هذا الاستفهام -كما قررنا- بمعنى النفي.
* ومن فوائدها: ثبوت التلازم بين التوحيدين؛ توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وأن من أقرَّ بتوحيد الربوبية لزمه أن يقر بتوحيد الألوهية، وهذا المعنى قرَّره الله تعالى في عدة آيات.
* من فوائد الآية الكريمة: تنزيه الله سبحانه وتعالى عن كل نقص. من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.
* ومن فوائدها: أن المشركين بالله عز وجل قد وقعوا في تنقص الله؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الله تعالى يجمع فيما وصف وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات؛ النفي في قوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾، والإثبات في قوله: ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: قوة الإقناع في أسلوب القرآن؛ لأن مثل هذا التحدي ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذا أقوى ما يكون في الإقناع، كل منهم سيكون جوابه: لا، إذن لماذا تعبدونها مع الله؟!
هل يستفاد من هذه الآية استنباط أقسام التوحيد الثلاثة؟ الربوبية فهي موجود، والألوهية موجود، كيف ذلك؟ لاستلزام الإقرار بالربوبية للإقرار بالألوهية، ثم إن قوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ المقصود إبطال ألوهيتهم، والأسماء والصفات موجود في قوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، والله أعلم.
الروم 30:39
قال الله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الروم ٣٤] ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ اللام هنا للعاقبة؛ يعني أنهم بإشراكهم صار عاقبتهم الكفر بما آتاهم الله عز وجل، آتاهم أي: أعطاهم.
وقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ هل نقول: إن (الباء) للسببية أو إن (الباء) للتحقيق؛ بمعنى أنهم يكفرون بهذا الشيء؟ الجواب: يحتمل أن تكون للسببية أو بسبب ما آتاهم الله تعالى من الرحمة والإنقاذ من الشدة صار ذلك سببًا لأشرهم وبطرهم وكفرهم، كما هي عادة الإنسان إلا من عصمه الله عز وجل.
أو يقال: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أي: يكفروا بهذا الشيء الذي آتيناهم حيث لا يؤدون شكره، وكان الواجب عليهم أن يؤدوا الشكر لله سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ هذا يسمونه في البلاغة التفاتًا؛ لأنه لم يقل: وليتمتعوا كما قال في آية أخرى، ولكنه أمرهم أن يتمتعوا، والأمر هنا للتهديد كما قال المؤلف رحمه الله، قال: أي فآتيناهم، أُرِيد به التأكيد فتمتعوا، الأمر هنا للتهديد، وليس للإباحة، والدليل على ذلك قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبة تمتعكم فيه التفات عن الغَيْبة، وين الغَيْبة؟ ﴿لِيَكْفُرُوا﴾.
وقد سبق لنا أن الالتفات له فائدتان؛ فائدة لازمة في كل التفات، وهي التنبيه؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد استمر الإنسان فيه مُنساقًا معه، فإذا اختلف وقف، لماذا اختلف السياق؟ لماذا كانت الجملة للغائب، ثم صارت للمخاطب أو بالعكس؟ فيقف ويهتم ولا يتعمد، أما الفائدة الثانية فإنها تختلف بحسب السياق، الفائدة الثانية هنا في هذه الآية هو أنهم إذا قُوبلوا بالأمر: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ صار أشد وأبلغ تهديدًا مما إذا قال: وليتمتعوا.
وقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ قد قيل: إن (سوف) تفيد التحقيق لكنها تفيد أيضًا التراخي بخلاف السين فإنها تفيد التحقيق والفورية، وكل شيء بحسبه، وإنما كان كذلك هنا؛ لأن أشد العقاب الذي يأتيهم سيكون يوم القيامة، وهو متأخر، ثم قال تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ [الروم ٣٥].
* الطالب: (سوف) ماذا تفيد؟
* الشيخ: تفيد التحقيق والتراخي. قال: (﴿﴿أَمْ﴾ ﴾ بمعنى همزة الإنكار، ﴿﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ ﴾ حجة وكتاباً ﴿﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ ﴾ تكلم دلالة ﴿﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ ﴾ أي يأمرهم بالإشراك؟ لا) ﴿أَمْ﴾ هنا يقول المؤلف: إنها بمعنى الهمزة، همزة الإنكار، وهذا أحد القولين فيها، والقول الثاني أنها بمعنى (بل) والهمزة، فتكون مفيدة للإضراب، وهنا الإضراب الانتقالي؛ يعني بل أأنزلنا عليهم سلطانًا؟ والاستفهام إذا كان للإنكار فمعناه النفي؛ يعني هل نحن أنزلنا عليهم سلطانًا يؤيد شركهم، ويثبته ويقول: إنه حق؟ الجواب: لا، ما أنزلنا ذلك ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾.
يقول المؤلف: (﴿﴿سُلْطَانًا﴾ ﴾: حجة وكتابًا). والحجة تسمى سلطانًا؛ لأن المحتج بها له سلطة على المحجوج؛ فلهذا تسمى سلطانًا كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس ٦٨]. أي: حجة.
واعلم أن السلطان يطلق على عدة معانٍ، فيجمعها كلها السلطة على الشيء، فتارة تأتي بمعنى الحاكم، كقول الفقهاء وجاء في الحديث: «فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ»[[أخرجه الدارمي (٢٢٣٠) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. وكذلك: «إِنَّ اللَّهَ لَيَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ»[[ورد مسندًا من قول عمر رضي الله عنه، أخرجه الخطيب في تاريخه (٥/١٧٢) بسنده عن ابن عمر، قال: سمعت عمر بن الخطاب، يقول: لما يزع الله بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن.]].
وتأتي السلطان بمعنى الحُجَّة، وهو كثير، وتأتي بمعنى القدرة مثل قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣] أي: بقدرة وليس لكم قدرة، وكلها يجمعها هذا المعنى، السلطة التي بها السيطرة والغلبة.
وقوله: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ قال المؤلف: (تكلُّم دلالة، فهو يتكلم بلسان الحال، وليس بلسان المقال). هذا ما قاله المؤلف، ولكنه يحتمل أن تبقى على ظاهرها؛ لأن الذي ينزل من عند الله كلام الله، وكلام الله تعالى يصح أن يُنسب الكلام إليه كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية ٢٩] ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل ٧٦].
وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم ٣٥]. الباء هنا للاختصاص أيضًا، أي: يتكلمون بهذا الشيء، ويقول: إنه حق، والجواب: لا، إذن فليس عندهم حجة، لا عقلية ولا شرعية؛ أما العقلية فقد سبق أن فطرة الله سبحانه وتعالى كلها الإخلاص لله، وأما الشرعية فإنه لم يأتِ في كتاب من الكتب المنزلة أن الشرك حق، بل جميع الكتب المنزلة وجميع الرسل المرسلون، كلهم يقولون: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف ٥٩]. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥].
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا﴾ [الروم ٣٦]. ﴿إِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ﴾ كفار مكة وغيرهم، هذا أشد، جعلها عامة. وأفادنا المؤلف بقوله: (كفار مكة وغيرها) أن المراد بالناس هنا الكفار، فيكون من باب العام المستعمل في الخاص، وقد مر بنا كثيرًا أن العام يُستعمل في الخاص، والعام المراد به الخصوص غير العام المخصوص.
وقد سبق لنا في أصول الفقه الفرق بينهما بين العام المخصوص والعام الذي أُريد به الخصوص؛ فالعام الذي أريد به الخصوص لم يُرد معنى العموم فيه من أول الأمر، وإنما أُريد به المعنى الخاص فقط، فقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ [آل عمران ١٧٣] لم يُرد به عموم الناس من الأول، وأما العام الذي دخله التخصيص يعني العام المخصوص فهو أُريد به لعموم، وهو تناوله لجميع الأفراد، ثم أُخْرِج بعض أفراده من هذا الحكم فيكون عامًّا مخصوصًا، وعلى هذا فلا يمكن أن يستدل مستدل بالعام المراد به الخصوص، لا يمكن أن يستدل به على عموم الحكم؛ لأنه لم يُرد به العموم بخلاف الثاني العام المخصوص فإنه يمكن أن يستدل به على عموم الحكم، ويقول لمن أخرج شيئًا من أفراده: هات الدليل على التخصيص.
المراد بالناس هنا إذن: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا﴾ [الروم ٣٦] عام أُريد به الخصوص؛ يعني الكفار؛ لأن هذا الوصف لا ينطبق إلا عليهم، أما المؤمن فإنه إذا قضى الله له قضاءً لم يكن معاندًا له. إذا أذقنا الناس كفار مكة وغيرهم بالنصب، أنا قلت بالجر؟ الصواب بالنصب كفارَ مكة وغيرَهم رحمة نعمة.
﴿فَرِحُوا بِهَا﴾ فرح بطر. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ شدة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أي: ييئسون من الرحمة، ومن شأن المؤمن أن يشكر عند النعمة، ويرجو ربه عند الشدة.
قوله تعالى: ﴿رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا﴾ ﴿رَحْمَةً﴾ يشمل جميع النِّعم من مال، وأولاد، وأمْن، ورخاء في العيش، وغير ذلك، كل ما يكون، أو كل ما ينعم به الإنسان فإنه داخل في ذلك؛ ولهذا قال: (من نعمة).
وقوله: ﴿فَرِحُوا بِهَا﴾ أيدها المؤلف بقوله: (فرح بطر) احترازًا من الفرح بنعمة الله فرح شكر؛ لأن هذا لا يذم كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس ٥٨] فأمر الله تعالى أن نفرح بفضل الله ورحمته، وعلى هذا فالفرح نوعان؛ فرح بطر يؤدي إلى الأشر والاستكبار عن الحق والتَّعَلِّي عن الخلق، هذا هو المذموم، والثاني: فرح شُكْر، يكون الإنسان فرحًا بنعمة الله، لكن هذا الفرح يحمله على شكر النعمة؛ فهذا ليس بمذموم، وهو من طبيعة الإنسان، فإن الإنسان إذا رُزِق ولدًا فرح، وإذا رُزِق مالًا فرح، وإذا كان طالب علم فتوصَّل إلى مسألة من مسائل العلم فرح، فهو من الأمور الطبيعة لكن إن أدى الفرح إلى الأشر فإنه مُحرَّم ومذموم وإلا فلا، هذا الكراهة الداخلة.
وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ [الروم ٣٦] المراد بالسيئة هنا ما يسوؤه، وهو ضد الرحمة، مثل: فقر، وجدب، وخوف، فقدان مال، وما أشبه ذلك، هذه السيئة، وسمي سيئة؛ لأنه يسوؤهم.
وقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ الباء هنا للسببية؛ أي بسبب. و(ما) موصولة؛ أي بالذي، وعلى هذا فالعائد محذوف، والتقدير: بما قدمته أيديهم إذا هم يقنطون بما.
ولاحظ أن الله عز وجل أطلق الرحمة: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾، أما السيئة فقيدها بقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ وذلك لأن السيئات سببها أعمال العباد كما قال الله تعالى في الآية التالية إن شاء الله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠] ولهذا قال هنا: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [القصص ٤٧].
وقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ المراد بما قدموا، فعبر بالأيدي عن النفس؛ لأن غالب الأعمال بها، وهذا كثير في القرآن؛ أن الله تعالى يضيف الشيء إلى الأيدي، والمراد بها نفس العامل، بل إن الله أضاف الأيدي إلى نفسه، والمراد بها نفسه مثل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس ٧١].
فإن قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ ليس كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥] والفرق أن المراد بقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ أي: مما علمناه. وأما: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فأضاف الخَلْق إلى نفسه مُعدًّا إلى اليد بالباء، فصارت اليد حصل بها الفعل، وأما الخلق فهو مضاف إلى نفسه سبحانه وتعالى، أضافه إلى نفسه المقدسة وعدَّاه إلى اليد بالباء؛ ولهذا يغلط من جعل قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ مثل قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥].
إذن ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بما كسبوا، وعبر بالأيدي عن النفس؛ لأنها آلة الفعل غالبًا.
وقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم ٣٦] ﴿إِذَا﴾ فجائية واقعة في جواب الشرط، وهو قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾.
وقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أتى بالجملة الاسمية للدلالة على أنهم اتصفوا بذلك على سبيل الدوام، فهم دائمًا في قنوط ما دامت السيئة فيهم، والقنوط يقول المؤلف: (ييئسون) ولكنه تفسير فيه شيء من القصور؛ لأن القنوط ليس اليأس بل هو أشد اليأس؛ لأن اليأس إذا كان فيه شيء من الرجاء لا يسمى قنوطًا، وإن سُمِّيَ يأسًا لكن إذا بلغ اليأس غايته سُمِّي قنوطًا، وقد قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر ٥٦] الجاهلون بما لله عز وجل مِنَ الحكمة بما يجري على عباده من الضراء والسراء.
يقول المؤلف: (ومن شأن المؤمن أن يشكر عند النعمة، ويرجو ربه عند الشدة) وعلى هذا فتكون الآية فيمن؟ في الكفار.
(﴿﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ ﴾ يعلموا ﴿﴿أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ ﴾ يُوسِّعه ﴿﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ﴾ امتحانًا ﴿﴿وَيَقْدِرُ﴾ ﴾ يُضيِّقه لمن يشاء ابتلاءً).
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ قال المؤلف: (أولم يعلموا). وعلى هذا فالرؤية علمية، ويؤيد تفسير المؤلف أنها جاءت في آيات أخرى بـ(يعلموا)، وهي في سورة الزمر: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الزمر ٥٢]. ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ إذن فأحسن ما يُفسر به القرآن القرآن، وهو أعلى أنواع التفسير، ويمكن أن يقال: إن لكل آية معنى، فنُفسِّر الرؤية هنا برؤية البصر لا برؤية البصيرة التي هي العلم، ونفسرها هناك بالعلم كما هو لفظ الآية، ويكون البسط والتضييق معلومًا بالقلب مرئيًّا بالعين، فإن الإنسان أيضًا يرى بعينه كما يعلمه أيضًا بقلبه، وأيهما أعم (يعلموا) أو (يروا)؟
إذا لم نفسر (يروا) بـ(يعلموا)؟ العلم أعم؛ لأن العلم قد يكون بالرؤية، وقد يكون بالسماع.
قد لا أرى أن الله بسط الرزق لعباده وقدَرَه، لكنني أسمع أنه في البلاد الفلانية فقر، وفي البلاد الفلانية غِنى، وما أشبه ذلك، فالعلم أعم؛ وذلك لأن وسائل العلم متعددة بخلاف الرؤية فإن طريقها البصر، العلم كل الحواس الخمسة التي تعرفونها كلها تُوصِّل إلى العلم، فاللمس والشم والذوق والرؤية والسماع كلها تفيد العلم، فهو أعم؛ لأنه إذا رأى علم، لكن العلم أعم؛ لأن وسائله أكثر.
وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ البسط بمعنى التوسيع كما قال الله تعالى: ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [الروم ٤٨] يعني يوسعه.
وقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ سبق لنا أن كل شيء قيَّدَهُ الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، وليست مشيئة الله تعالى مشيئة مجردة؛ لأننا نعلم أن الله عز وجل حكيم، لا يفعل شيئًا، ولا يشرع شيئًا إلا لحكمة، فكلما مر عليك شيء مُقيَّد بالمشيئة فاعلم أنه مقيد بالحكمة.
﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قال المؤلف: (امتحانًا، ﴿﴿وَيَقْدِرُ﴾ ﴾ يُضيِّق لمن يشاء ابتلاءً)، ففرَّق المؤلف بين تضييق الرزق وبين بسطه، وجعل البسط امتحانًا والتضييق ابتلاءً، والصواب أنهما سواء كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]، وكلها ابتلاء، وقال سليمان عليه الصلاة والسلام: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠].
فالصواب أنها كلها ابتلاء والامتحان قريب من معنى الابتلاء، لكن الإصابة لبسط الرزق تقتضي شكرًا، وبتضييقه تقتضي صبرًا، هذا الفرق بينهما، والمؤمن يقوم بالوظيفتين، إن أصابته سراء شكر؛ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر؛ فكان خيرًا له، وهذا ليس إلا للمؤمن فقط.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الاستفهام هنا المراد به التقرير؛ يعني أنهم يرون أن الأمور بيد الله عز وجل، وأنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، فكيف يقطنون إذا أصابتهم السيئة؟ وكيف يفرحون ويفخرون إذا أصابتهم الرحمة؟ بل الواجب عليهم أن يعلموا أن ذلك بحكمة من الله سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الواو هنا حرف عطف وَلِيَت أداة استفهام، وأداة الاستفهام لها الصدارة، فإذن لم تُسبق الواو بشيء يُعطف عليها، فما هو الجواب؟ ذكرنا فيما سبق أن لعلماء النحو في مثل هذا التقييد قولين؛ القول الأول أن الواو عاطفة على مُقَدَّر بعد الهمزة، والثاني أن الواو عاطفة على ما سبق، وعلى هذا فتكون الهمزة مُقدَّمة قبل العاطف، وذكرنا أن هذا الرأي أولى؛ لأن الأول وإن كان جيدًا من حيث الأصول لكنه في بعض الأحيان يصعب على الإنسان أن يُقدِّر شيئًا يرى أنه مناسب للسياق، وعليه فيكون القول بأن الهمزة للاستفهام، وأن الواو مُقدَّرة قبلها؛ يعني (وألم يروا) أسهل.
﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الروم ٣٧] ولا شك أن بسط الرزق وتضييقه أنه ابتلاء من الله سبحانه وتعالى؛ وذلك لأن العبد أحيانًا يناسبه أن يبسط له الرزق، وأحيانًا بالعكس حسب ما تقتضيه الحكمة يحسن لهاذاك ما لم يحسن لهذا.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم ٣٧] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي في بسْط الرزق وتضييقه. ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿آيَاتٍ﴾ الذي نصبها ﴿إِنَّ﴾ فهي اسمها مؤخرًا، و﴿فِي ذَلِكَ﴾ خبرها مقدم.
وقوله: ﴿لَآيَاتٍ﴾ أي: لعلامات دالة على أن الله سبحانه له التصرف المطلق في عباده. أظن أننا نرى أحيانًا بعض الناس يسعى بقدر ما يستطيع في أسباب الرزق، ومع ذلك لا يمكن، تجده يبيع، ويشتري، ويسافر يضرب في الأرض يبتغي من فضل الله، ومع هذا ليس كثر المال، مُضيَّقًا عليه، وتجد بعض الناس يسعى سعيًا بسيطًا ولكن الله تعالى يُبارك له في سعيه حتى يكون عنده رزق كثير؛ مما يدل على أن الأمور لا تُنَال بالكسب، الكسب سبب لكن فوق ذلك إرادة الله عز وجل.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بهذا، بهذه الرؤية، وهذا التفكُّر، أما غير المؤمن فإنه لا ينتفع بهذا؛ ولذلك تجد هؤلاء الذين لا يُؤمنون إذا حصل مثل هذه الأمور ينسبونها إلى الطبيعة، إذا كثر المطر قالوا: هذا بسبب كذا، وإذا قلَّ قالوا: هذا بسبب كذا، ونحن لا ننكر أن الأمور لها أسباب، ولكننا نُنكر أن تكون الأسباب هي الفاعلة، فإن الفاعل هو الله عز وجل، وما الأسباب إلا وسائل يُستدل بها على حكمة الله سبحانه وتعالى، وأنه حكيم، حيث ربط المسببات بأسبابها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم ٣٧] ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الروم ٣٨] إلى آخره. ﴿آتِ﴾ بمعنى أعطِ؛ لأنها من الرباعي لو كانت من الثلاثي لكانت بمعنى جِئ، لكنها من الرباعي الذي بمعنى أعطى.
وقوله: ﴿آتِ﴾ الخطاب مفرد، فهل هو للرسول ﷺ شخصيًّا أو لكل من يتوجه إليه الخطاب؟ قلنا: إن للعلماء في هذا رأيين إلا ما دل الدليل على أنه خاص بالرسول ﷺ فهذا يختص به، مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] هذا خاص بالرسول ﷺ، ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾ [الضحى ٨] ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] وما أشبه ذلك.
* الطالب: عائلًا؟
* الشيخ: وجدك الرسول، لكنه أغنى بك.
* الطالب: (...).
* الشيخ: وقوله: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى﴾ ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾ أي: صاحب القرابة؛ ولهذا قال المؤلف: (القرابة)، فالقربى هنا بمعنى القرابة. ﴿حَقَّهُ﴾ من البر والصلة. وأحق الناس بذلك الأم والأب وإن علوا، وصِلتهما تسمى بِرًّا؛ لأنه يجب أن تكون أعلى من غيرهما، والبر كثرة الخير، وغيرهما يسمى صلة؛ لأن المقصود الوصل فقط بخلاف الأب والأم، فـ(حقه) هنا مجمل، ولكنه مُبيَّن بنصوص أخرى من القرآن والسنة؛ وهو أن حق الأبوين البر، وحق غيرهما الصلة، فيمكن أن يكون قول المؤلف: (من البر والصلة) على سبيل التوزيع، من البر في الأبوين والصلة في غيرهما، في أولي الأرحام. قال: ﴿آتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾.
وقوله: ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾ يعم كل قريب ولو كان كافرًا؛ لأن العلة القرابة ليست الإسلام، لو قال: آتِ المؤمن حقه، قلنا: العلة الإيمان، فيختص الحكم به.
﴿آتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ المسكين هو الفقير، وهنا أطلق المسكين والمراد به الفقير والمسكين في آية الصدقة، وقد مر علينا أن المسكين إذا أُطلق يشمل الفقير، والفقير إذا أُطلق يشمل المسكين، وإذا قُرِنا جميعًا افترقا.
والمسكين له حق، ما حقه؟ حقه دفع حاجته؛ لأنه فقير، قال أهل العلم: وإطعام الجائع وكسوة العاري فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ المسافر، وسُمِّي ابن سبيل لملازمته له، والسبيل الطريق، وكل من لازم شيئًا يسمى ابنًا له، قالوا كما يقال: ابن الماء لطيره، طير الماء يسمى ابن الماء، ويقال للرجل الذي يكثر السفر في الليل: ابن الليالي، وما أشبه ذلك، فالابن لكل من لازم الشيء قال: من الصدقة، هذا تفسير لحق المسكين وابن السبيل، وقيل: المراد بابن السبيل الضيف؛ لأنه عابر سبيل ولكن الصحيح أنه المسافر، ويشمل الضيف ولَّا لا؟ يشمل الضيف؛ لأن الضيف مسافر.
قال: (وأمة النبي ﷺ تبع له في ذلك). أفادنا المؤلف في هذه الجملة أن الخطاب في قوله: ﴿فَآتِ﴾ مُوَجَّه للرسول ﷺ شخصيًّا، والأمة تبع له. وقد سبق لنا أن وجه ذلك؛ أن الرسول عليه الصلاة والسلام هو زعيم أمته، فوُجِّه الخطاب إليه وإن كان شاملًا، أو أنه خاص به، ويكون أمته تبعًا له على سبيل التأسي به.
قال: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٨].
﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه إتيان، أو إيتاء ذي القربى حقه.
﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ ﴿خَيْرٌ﴾ كلمة ﴿خَيْرٌ﴾ هنا يُراد بها التفضيل ولَّا اسم وليست بتفضيل؟ قلنا فيما سبق: إن خيرًا وشرًّا تستعملان اسمي تفضيل، وتستعملان اسمًا مجردًا عن التفضيل كما في قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨] هذا ليس المراد به التفضيل. كذلك هنا قال: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٨] الظاهر أنه لا يراد بها التفضيل، وإنما المراد أن هذا خير ضد الشر لكنه قُيِّد بقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾، وهذا دليل على الإخلاص؛ يعني خير للمخلصين الذين يريدون وجه الله، أما غير المخلص فإنه ليس خيرًا له، لكن هل هو خير للمؤمن؟
(...) تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء ١١٤] فجعل الله تعالى ذلك خيرًا مطلقًا، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فجعل هذا الشيء خيرًا مطلقًا لما فيه من النفع المتعدِّي، ولكنه لا يكون خيرًا للفاعل إلا بنية الإخلاص، وأظن هذا ظاهرًا، لو أنك تصدقت على شخص بدراهم أو بثوب يلبسه انتفع ولَّا لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: طيب هل تنتفع أنت؟ قد تنتفع وقد تنضر، وقد لا تنتفع، ولا تنضر، إن فعلت ذلك رياءً انضررت، وإن فعلته إخلاصًا انتفعت، وإن فعلته مجرد سجية وطبيعة فإنك لا تنتفع؛ ولهذا قال هنا: ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٨] قال المؤلف: (أي: ثوابه بما يعملون)؛ (أي: ثوابه). هذا تفسير لا يُناسب الصحيح، وإنما هو على طريقة أهل التأويل الذين لا يؤمنون بالصفات الخبرية التي أخبر الله بها عن نفسه كالوجه واليدين والقدم، وما أشبهها، فتفسير الوجه بالثواب خطأ، وليس على طريق أهل السنة والجماعة، بل هو على طريق أهل البدع المؤولين الذين يسمون أنفسهم مؤولين وهم في الحقيقة مُحرِّفون، والصواب أن المراد بوجه الله وجهه الذي هو صفته، وأن في الآيات إشارة إلى أن من فعل مثل هذه الأمور لله فإنه سوف يرى الله عز وجل ويلقاه كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة وإجماع السلف أن المؤمنين يرون ربهم كما يرون القمر ليلة البدر.
* الطالب: شيخ، قلنا: إنه ينتفع بما أعطى، فليقل: ذلك خير للذين يريدون وجه الله، يعني المسألة (...)؟
* الشيخ: لا، يُنتفع بها، كيف ما ينتفع؟!
* الطالب: أقول: يُنتفع، لكن الآية مرادها؟
* الشيخ: إي، نقول: ما يكون خير إلا لمن يريدون وجه الله، هذا بالنسبة للمعطي، أما بالنسبة للمُعْطَى فهو خير له، حتى لو يعطيه إنسانًا كافرًا، لو يعطي كافر شخصًا مالًا انتفع به، وصار خيرًا.
* الطالب: لكن الآية يعني كان معناها أنها نفع للمعطي.
* الشيخ: نعم، هي ما تكون خيرًا للمعطي إلا بالنية، المعطي ما تكون إلا بالنية، أما بالنسبة للمُعْطَى فهي خير على كل حال، فالله ما ذكر في الآية هنا الخير للمعطِي إلا بهذه النية، أما المعطَى فلا شك أنه له خير على كل حال كما تفسره آية النساء.
* الطالب: (...) ثواب الله، ما يشمل رؤية الله (...) يلتمس له العذر؟
* الشيخ: لا، معروف الطريق.
* الطالب: سورة الإنسان التي تدل على ذلك في قوله تعالى: (...).
* الشيخ: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٣]، الأولى ناضرة بالضاد بمعنى حسنة وبهية، والثانية بالظاء؛ لأنها من النظر بالعين.
قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم ٣٨] أولاء مبتدأ، و﴿هُمُ﴾ ضمير فصل، و﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبره، المفلح هو الذي فاز بالمطلوب، ونجا من المهروب، مِن (أفلح) إذا فاز، وأصل الفلاح البقاء، كما قال الشاعر:
.......................... ∗∗∗ وَالْمُسْيُ وَالصُّبْحُ لَا فَلَاحَمَعَهْ
يعني لا بقاء، ولكنه صار شاملًا لكل ما حصل به المطلوب ونجا به من المرغوب.
وقوله: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الجملة اسمية تدل على أن الفلاح لازم لهم، ضمير الفصل هل هو اسم ولَّا حرف؟ لا، الصحيح أنه حرف لا محل له من الإعراب، ولا يُعرب؛ لأن ما الفائدة من ضمير الفصل؟ الفائدة الحصر فقط له ثلاث فوائد؛ الأولى: الحصر، والثانية: التوكيد، والثالثة: الفرق بين الصفة والخبر، مثال ذلك: إذا قلت: زيدٌ العاقلُ، زيدٌ: مبتدأ، والعاقل: خبر. لكن يحتمل أن تكون العاقل صفة لزيد، وأن الخبر ما بعد زيد العاقل محمود مثلًا، فإذا قلت: زيد هو العاقل تعين أن تكون العاقل خبرًا؛ ولهذا قيل له: إنه ضمير فصل؛ لأنه يفصل ويميز بين التابع اللي هو النعت وبين الخبر، أما إفادته للتوكيد واضحة فإن قولك: زيد هو العاقل أقوى في الدلالة على الحصر من قولك: زيد العاقل، أما كونه لا محل له من الإعراب فلاحظ في القرآن: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠].
لو كان له محل من الإعراب لقال: إن كانوا هم الغالبون، يكون هم: مبتدأ، والغالبون: خبر، والجملة خبر كان، فدل هذا على أنه لا محل له من الإعراب وهو على المشهور عند النحويين حرف؛ يعني جِيء به للفصل.
* الطالب: سلمك الله، الضمير إذا أطلق عليه كلمة الضمير، والضمائر كلها أسماء، فإذا كان حرف (...).
* الشيخ: صورة الضمير، لكن معناه ليس معنى الضمير الذي يكون اسمًا (...)
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم ٣٦].
* يستفاد منه هذه الآية الكريمة: (...) ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٥٥].
* يستفاد من هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى قد يجعل النعم سببًا للكفر فيكون الكفر معنًى لها؛ لقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [الروم ٣٤]؛ لأن ذكرنا أن اللام هنا للعاقبة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب إذا جعلنا الباء في قوله: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ سببية أما إن جعلناها للاختصاص فليس فيه دليل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما أصابنا من نِعَم فإنه من الله؛ لقوله: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾.
* ومنها: تحذير الكافرين، وأن انبساطهم بنعم الله سبحانه وتعالى ضرر عليهم؛ لقوله: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
* ومنها: بلاغة القرآن؛ وذلك بالانتقال من الغَيْبَة إلى الخطاب الذي يسمى في اصطلاح البلاغيين (...)؛ لأنه سبق لنا فوائد الانتقال.
* الطالب: والعكس يا شيخ؟
* الشيخ: إلا.. كيف؟
* ومنها: إثبات الجزاء. من أين نأخذه؟ من قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
ثم قال عز وجل: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم ٣٥].
* من فوائد هذه الآية: أن أولئك المشركين ليس لهم حجة على شركهم؛ لقوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾.
* ومن فوائدها: أن من صنع شيئًا بدليل فلا لوم عليه. من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ يعني لو كان لهم سلطان ما نلومهم، ولا نعذبهم.
* ومنها: أن المجتهد المتأول لا إثم عليه، لماذا؟ لاعتماده في اجتهاده على دليل؛ لأنه استند إلى دليل؛ ولهذا لم يُضمِّن النبي ﷺ أسامة بن زيد، لم يضمنه الرجل الذي قتله بعد أن قال: لا إله إلا الله، السبب؛ لأنه متأوِّل. ولم يُلزِم عمار بن ياسر بقضاء الصلاة حين تيمم عن الجنابة بالتقلب على الأرض والتمرغ فيها، لماذا؟ لأنه مُتأوِّل، ولم يلزم المرأة المستحاضة بقضاء الصلاة وهي تتركها وقت الاستحاضة؛ لأنها متأولة، وعلى هذا فكل متأول يظن أنه على صواب فإنه لا إثم عليه، لكن هل هذا يشمل الأصول والفروع أو هو خاص بفروع الدين؟
قال شيخ الإسلام: إنه يشمل الأصول والفروع، وأنكر شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن يكون الدين منقسم إلى أصول وفروع، وقال: إن هذا التقسيم لا أصل له، لا في الكتاب ولا في السنة، فهذه الصلاة عند المقسِّمين، الصلاة عندهم من قِسْم الأصول ولَّا من قسم الفروع؟ الفروع، وهي من آصل الأصول، هي الركن الثاني من أركان الإسلام، ومع ذلك هي عندهم من قسم الفروع، وأشياء يختلفون فيها وهي عندهم من قسم الأصول، ويرون أن الاختلاف فيها مساغ؛ كاختلافهم في رؤية النبي ﷺ ربه، واختلافهم في نعيم القبر وعذاب القبر في بعض الصور، وما أشبه ذلك مما هو من العقائد، ومع ذلك يرون أن الاختلاف فيه سائغ.
فالشاهد أن المدار كله على قاعدة من قواعد الشرع، وهي قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، فمن اجتهد في طلب الحق وتحرَّاه، ولكنه لم يُوفَّق له مع حُسْن النية وصحة المسلك، هل نقول: هذا آثِم؟ ما يمكن، يعني عندنا مثلًا فيه علماء أجلة نشهد لهم بالدين، والصلاح، وحب الإسلام، والانتصار للإسلام، ومع ذلك هم مخالفون للسلف في العقيدة، ونحبهم، ولا نؤثمهم، مِثْل مَنْ؟ كابن حجر، وابن الجوزي، وكذلك النووي، وطوائف من العلماء معروفون بالصلاح والإصلاح وحب الخير، ونعلم أنهم مجتهدون، مع أن الإنسان الذي تبين له الحق ولكنه عاند وأصر هذا يُعامَل بما يقتضيه عناده وإصراره.
وهنا الآن الذي قال الله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ هي في مسألة أصولية، في الشرك، لو كان لهم حجة يعتمدون عليها ما استحقوا العذاب ولا اللوم، ولكن ليس لهم حجة.
قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم ٣٥]
* يستفاد منها أيضًا: أنه لا بد أن يكون السلطان أو الحجة التي يحتجون بها واضحة؛ لقوله: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾، والتعبير بالكلام هو أوضح ما يكون من الإظهار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ظهور عدل الله سبحانه وتعالى، وإلا لكان عز وجل يعذبهم بدون أن يقيم عليهم الحجة، ولكن لإظهار عدله سبحانه وتعالى صار يطالب بالحجة هؤلاء مع العلم أنه لا حجة لهم، ومن هذا النوع الموازين يوم القيامة، والكتب يوم القيامة، كل هذا لإظهار عدل الله، وإلا فالله تعالى له الحكم وإليه المنتهى، قادر على أن يُعذِّب بدون ميزان وبدون كتاب، ولكنه سبحانه وتعالى بكمال عدله يُعطَى الإنسان كتابه ويقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤].
قال بعض السلف: لقد أنصفك من جعلك حسيبًا على نفسك، صحيح، لو تتذكر الحساب بينك وبين واحد معاملة وحساب صادر ووارد، قلت: خذ الدفتر وأنت حاسب، أيش يكون هذا عدل ولَّا لا؟ عدل بخلاف ما لو ما أجملت الحساب وقلت: عليك كذا ولك كذا، قد يكون في هذا شُبْهة، لكن يعطيك الدفتر ويقول: أنت حاسب نفسك، هذا غاية الإنصاف.
فيه بعده: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم ٣٦].
* يستفاد من الآية الكريمة: أن الرحمة من الله تفضلًا منه وامتنانًا كيف ذلك؟ أن كونها من كقوله: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا﴾. وأما كونها تفضلًا فلأنه لم يذكر لها سببًا تفضلًا وامتنانًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذم الفرح إذا كان على سبيل الأشر والبطر، قد تقولون: من أين نأخذه من الآية؟
* طالب: من قوله: ﴿فَرِحُوا﴾ يا شيخ.
* الشيخ: إي، لكن تقييد الفرح بالأشر والبطر من قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ يمكن يُؤخذ أن الفرح المذموم من الصفة التي بعده.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن السيئة لا تُضاف إلى الله؛ لأنه قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ ولم يقل: وما أصبناهم.
فإن قال قائل: ما تقولون في قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء ٧٨]. فما هو الجمع؟
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب هنا قلنا: إن السيئة لا تضاف إلى الله؛ أي أن إيقاعها سيئة ولَّا لا؟ إيقاعها ليس بسيئة، هي سيئة لكن إيجادها ليس بسيئة، بل ولحكمة، فالشيء بنفسه قد يكون سوءًا لكن بالنسبة لفعل الفاعل لا يكون فعل الفاعل سوءًا، هذا رجل لُدِغَ ابنه، واحتاج الابن إلى كي، فأحمى الحديدة في النار وكواه، فصرخ الابن فرحًا أو ألمًا؟ ألمًا، إذن هذه سيئة ولَّا لا؟ لكن كي والده إياه سيئة ولَّا حسنة؟ حسنة.
فحينئذٍ يجب أن نعرف الفرق بين الفعل والمفعول، فالسوء والشر إنما هو بالنسبة لمفعول الله من الصفات المنفصلة عن الله، أما بالنسبة للفعل الذي هو فعل نفسه فإنه لا يمكن أن يكون شرًّا أبدًا بل هو خير، ويمكن أن تقول: إن الخير نوعان: خير لذاته، وخير لغيره، فما كان شرًّا في نفسه وقدَّره الله فهو خير لغيره، وما كان خيرًا في نفسه فهو خير، واضح، ممكن نقول هكذا؟ فإذن لنا عن هذا جوابان؛ الجواب الأول: أن يُقال: إن الشر ليس في فعل الله، بل هو في مفعوله، أما إيجاد الله له فهو خير لما يتضمنه من الحكمة البالغة، هذا واحد ونظيره كَيُّ الإنسان ابنه ليُشفى من المرض فهو في ذاته الكي شر، لكن بالنسبة لفعل الأب له خير، هذا وجه.
أو يقال: إن الخير نوعان؛ خير لذاته، وخير لغيره، فما كان خيرًا محضًا فهو خير لذاته كالمطر، والنبات، والأمن، وما أشبه ذلك وما كان شرًّا لذاته فهو خير لغيره، إذا كان الشر خيرًا لغيره صار بهذا خيرًا، فالجدب والقحط والخوف وما أشبه ذلك خير؛ لأنه يؤدي إلى خير كما قال الله عز وجل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: فهمنا الآن أن السوء لا يضاف إلى الله، وإنما يضاف إلى مفعولاته.
* من فوائد الآية الكريمة: أن السوء لا ينال الناس إلا بأعمالهم؛ لقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ طيب سؤال هل هذا يشمل السوء في الأمور الدينية والأمور الدنيوية أو في الأمور الدنيوية فقط؟ فيهما جميعًا؛ فالجدب والقحط بسبب الأعمال السيئة والمعاصي، كذلك زيغ القلب بسبب المعاصي ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥].
إذن المصائب الدينية والدنيوية كلها بسبب أعمالنا نحن، فلو استقمنا استقامت لنا الأمور، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال ٢٩] شوف فرقانًا، إذن التقوى سبب للعلم؛ لأن الفرقان ما يكون إلا بعلم يفرق الإنسان فيه بين النافع والضار والحق والباطل، إذن نقول: هذا يشمل أمور الدين وأمور الدنيا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم القنوط من رحمة الله، من أين يؤخذ؟ لأن الله أطلقه على سبيل الذم، ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾، هذا دليل على تحريمه، ودليل على تحريمه بالنظر أن القنوط يستلزم عدم الرجوع إلى الله؛ يعني إذا قنط من رحمة الله كيف يرجو رحمة الله؟ فيستحسر وييئس والعياذ بالله، ولا يتعرض لما فيه الرجاء والأمل.
* الطالب: شيخ، البلاء..
* الشيخ: البلاء بما يُؤلم هذا سوء، والبلاء بما يسر هذا ابتلاء وليس سوءًا.
* الطالب: المؤمن يُبتلى على قدر إيمانه؟
* الشيخ: يُبتلى على قدر إيمانه؛ لأنه أحيانًا يكون الابتلاء بالمصائب ليس من أجل عقوبة لكن من أجل التمثيل وهو البيان، وهذا مر علينا أنه قد يقع ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١] ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ [البقرة ٢١٤].
وقلنا: إن الابتلاء مع استقامة الحال ليس المراد به تكفير سيئة حصلت بل المراد به رفع درجات؛ لأن الصبر ما يكون إلا على بلوى، والصبر مرتبة عالية ما ينال إلا بمشقة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الاختيار في البحث؛ لقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الروم ٣٦]. فيكون في ذلك رد لقول مَنْ؟ الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان ما له اختيار في العمل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُعاقَب على أعمال القلوب، أو قد يُذم على أعمال القلوب؛ لأن القنوط من أعمال القلوب؛ إذ إنه أشد اليأس ومحله القلب.
إلى الغيبة، ففيه تعلية للشأن مثل التعبير بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ [غافر ٦٠]، ما قال: وقلت لكم، أو أقول لكم؛ تعظيمًا لشأنه تعالى، ويش يصير المراد بذلك؟ تعظيم شأن هؤلاء الذين أرادوا وجه الله عز وجل بكونهم حصلوا على مضاعفة الأجر والثواب بخلاف الأولين.
ثم قال تعالى: (﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ ممن أشركتم بالله ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ) يقول المؤلف: (لا ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ به).
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ يعني: أوجدكم من العدم، لكن الخلق ليس مجرد الإيجاد بل هو الإيجاد بتقديرٍ، بل إن بعضهم قال: إن الخلق في الأصل هو التقدير، واستدلوا لذلك بقول الشاعر:
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَاخَـــــــــــــــــــــــــــلَقْتَ ∗∗∗ وَبَعْضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَايَفْرِي
ويش معنى (ما خلقتَ)؟ أي: ما قدَّرتَ، ولكن الصحيح أنه يطلق على الإيجاد المسبوق للتقدير، فمعنى ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أوجدكم إيجادًا مسبوقًا بالتقدير والإحكام والإتقان. وهذا مسلم ولَّا لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: حتى عند المشركين؟ حتى عندهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، ولا يمكن لأحد إلا المجنون أن يدعي أنه خلق نفسه، أبدًا، أو يدَّعي أنه خُلِقَ بدون خالق، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور ٣٥]؟ لا. فأنت ما خلقك أبوك، ولا خلقتك أمك، ولا خلقك أحد من البشر، ولا من غير البشر سوى الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر مُسَلَّم.
ثانيًا: ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾..
* طالب: الشيوعية يقولون: خلقتهم الحجارة (...).
* الشيخ: يقولون: إنها الطبيعة، فيعترفون بهؤلاء الخلق، لكن هؤلاء مكابرون لا عبرة بقولهم.
* طالب: أهل الطبيعة، ويش يصفون الخلق؟
* الشيخ: يقولون: هذا شيء وُجِد في الأزل على هذه الصفة وصار يتفاعل ويتوالد، وما أشبه ذلك.
* الطالب: لكن ما هم مقرين أن الله هو الخالق.
* الشيخ: لكن يقرون بموجد، ما يقولون: إن هذا الشيء مثلًا.. إن هذا الإنسان أو هذا الحيوان وُجِد هكذا صدفةً، يُقِرُّون بموجد وهي الطبيعة، فنقول لهم: هذه الطبيعة من الذي أوجدها؟
وقوله: ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ [الروم ٤٠]..
* طالب: (...) حقيقة الأمر (...).
* الشيخ: ﴿رَزَقَكُمْ﴾ أي: أعطاكم، والرزق في اللغة العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨] أعطوهم.
وهل أحد يدعي أن الرازق سوى الله؟ قد يدعي أحد، قد يقول: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ الله قال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾، فأنا رزقت هذا الإنسان أعطيته، فيقال: لكن من الذي خلق ما أعطيت؟ الله الذي رزقك هذا هو الله، ومهما كان من عمل بني آدم فإنما هو تحويل لا إيجاد، كل عمل بني آدم -حتى الصنائع والبناء وغير ذلك- ليس إلا مجرد تحويل؛ يعني: تغيير من شيء إلى شيء، وإلا فالأصل هو الله عز وجل، هو الخالق، وهو الموجد، هذا الرزق اللي أعطيت مثلًا، هذا الرجل أعطيته كيسًا من الطعام، صحيح أنك رزقته، لكن من الذي أوجد هذا الكيس؟ الله عز وجل، فإذن الرزق أصله من الله وإن كان قد يوجد على أيدي بعض الناس؛ لقوله تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» »[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله.]].
لكن يقال: من الذي خلق هذا الرزق؟ ومن الذي جلبه إليك؟ ومن الذي قدَّر أن تعطيه هذا؟ كله الجواب هو الله.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ يعني: بعد هذا الخلق والإمداد؛ الخلق إعداد، والرزق إمداد، الله عز وجل أوجدك وأعدك وهيأك، ثم أمدك بما به قوامك، بعد ذلك يميتكم، ﴿يُمِيتُكُمْ﴾ يعني: بعد الحياة الدنيا يكون الموت؛ وهو مفارقةُ الروحِ البدنَ مفارقةً تامةً، لأن النوم فيه مفارقة تفارق الروح البدن لكن ليست مفارقة تامة، أما الموت الذي هو الموت فهي مفارقة تامة، ولكنها تُعَاد إليه في قبره إعادةً برزخيةً لا كإعادتها في الدنيا.
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ الحياة الآخرة التي ليس بعدها فناء.
قال الله عز وجل: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ ﴿شُرَكَائِكُمْ﴾ هذه مضافة إلى المفعول ولَّا إلى الفاعل؟
* طالب: إلى الفاعل.
* الشيخ: ﴿مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ الذين أشركتموهم، فتكون مضافة إلى المفعول؛ يعني هل من هؤلاء الذين أشركتموهم بالله؟ ولهذا قال المؤلف: (ممن أشركتم بالله).
* طالب: أشركتم هذا (...).
* الشيخ: لا، أشركتم، لكن أشركتموهم، أصلًا ممن أشركتموهم.
* طالب: أن الإنسان يشرك.
* الشيخ: نعم، إذا أشرك فالمشرَك به مفعول، فمعنى ﴿شُرَكَائِكُمْ﴾ ليس معناه هم الذين أشركوكم، بل أنتم الذين أشركتموهم مع الله، فهو مضاف إلى مفعوله.
قال: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إعراب ﴿مَنْ يَفْعَلُ﴾، ويش محلها من الإعراب؟
* طالب: فعل الشرط.
* الشيخ: أي شرط؟
* طالب: (هل).
* الشيخ: لا، ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ﴾ (مَن) ويش إعرابها؟
* طالب: مفعول المصدر.
* الشيخ: لا، يحتمل أن تكون نكرة موصوفة، والتقدير: هل من شركائكم أحدٌ يفعل ذلك، ويحتمل أن تكون موصولة على أنها مبتدأ مؤخر؛ أي: الذي من شركائكم، هل الذي يفعل ذلك من شركائكم؟ والأول أحسن؛ أن تكون نكرة موصوفة؛ يعني: هل من شركائكم أحد يفعل من ذلك؟
وقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ (مِن) زائدة، وصحت زيادتها؛ لأن الاستفهام هنا بمعنى النفي، و(مِن) تزاد في النفي، كما قال ابن مالك:
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرّ ∗∗∗ نَكِرَةً كَـ(مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّ)
وقوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه ما هو؟ الخلق والرزق والإحياء والإماتة، فعلى هذا يكون الجواب عن كونه مفردًا مَذَكَّرًا مع أن السابق أربعة أشياء؛ جمع، يقال: لأنه أُوِّل بالمذكور، ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ أي: من ذلكم المذكور، فصحَّ أن يأتي اسم الإشارة مفردًا مذكرًا؛ لأنه عائد إلى المذكور.
وقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: ما يمكن يفعل هؤلاء أي شيء من هذه الأمور؛ لا الخلق، ولا الرزق، ولا الإحياء، ولا الإماتة. وهذا على سبيل التحدي، فإذا كانت هذه الآلهة التي أشركت بالله لا تفعل شيئًا من هذا، هل تصح أن تكون آلهة؟ لا، بل تأليهها باطل؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢].
يبقى النظر لو ادعى مدعٍ أنه يحيي ويميت؛ كالذي حاج إبراهيم في ربه، إبراهيم ﷺ قال له: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فما هو الجواب لو قال قائل: إن من المعبودين من يستطيع أن يحيي ويميت؟
نقول: هذه دعوى باطلة؛ لأن الإحياء والإماتة من الإنسان ليست إحياء وإماتة ولكنها فِعْلُ سببٍ يحصل به (...).
﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الروم ٣٨] إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: أن لهؤلاء الأصناف الثلاثة حق؛ القريب والمسكين وابن السبيل.
* ومن فوائدها: وجوب إيتاء هؤلاء حقهم. من أين تؤخذ؟ من (آت) الأمر، والأصل في الأمر الوجوب.
* ومن فوائدها: أن الأقرب فالأقرب أحق. من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾، لكن كيف الأخذ؟ الأخذ هو أن لدينا قاعدة سبق أن قررناها؛ وهي أن الحكم إذا عُلِّق على وصف فكل ما كان أكثر في هذا الوصف فهو أحق، إذا عُلِّق الحكم على وصف فكلما كان هذا الوصف أشد تمكنًا في شيء فهو أحق.
فمثلًا إذا قلت: أدِّبِ العاصي، عُلِّق التأديب بماذا؟ بالعصيان، ويش يقتضي؟ كل من كان أشد معصية كان أشد تأديبًا، أو لا؟ وإذا قلنا: أكرم المؤمن، صار معنى ذلك كل من كان أقوى إيمانًا صار أحق بالإكرام.
﴿ذَا الْقُرْبَى﴾ عُلِّق الحق بماذا؟ بالقرابة، فكلما كان أقرب كان أحق بالإيتاء.
وهذه القاعدة مفيدة لطالب العلم؛ أنه إذا عُلِّق الحكم على وصف قوي ذلك الحكم بقوة ذلك الوصف، نظرًا أن تعليقه بالوصف يفيد عِلِّيته، وهذا أيضًا القاعدة الثانية؛ أن تعليق الحكم بالوصف يفيد أن ذلك الوصف علة.
فمثلًا تقول: أكرم المؤمن. لماذا؟ لإيمانه. أدب الفاسق؛ لفسقه، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة ٦٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص ٧٧]، معناه: لإفسادهم، وهكذا نقول: إن تعليق الحكم بالوصف يدل على عِلِّية ذلك الوصف، وأنه علة الحكم، وبناء على هذه القاعدة تأتي القاعدة الأولى أيضًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل من كان أحق بالإحسان فهو أولى به؛ لأن المسكين أحق بالإحسان من الغني، وابن السبيل المسافر المنقطع به سفره أحق من غيره.
* من فوائد الآية الكريمة: أن النفع المتعدي خير في نفسه. وهل هو خير للفاعل؟ خير له بشرط، فهو خير بنفسه وإن لم ينتفع به الفاعل.
بناء على ذلك يتفرع على هذا أن ما يبذله الكفار من منافع للمسلمين هي خير للمسلمين، ما نقول: هذه صدرت من كافر فليست بخير، ما فيها خير، لا، لو أن أحدًا من الكفار أصلح طريقًا من الطرق من هذه الشركات الكافرة، هل يكون في هذا الإصلاح خير؟ نعم، خير لا شك فيه، لكن ليس خيرًا لهم إنما هو خير لغيرهم.
* ومن فوائد الآية: التنبيه على أهمية الإخلاص؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه كلما كان العمل أخلص لله كان أكثر خيرًا للفاعل. من أين نأخذ هذا الحكم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، إحنا أخذنا أنه فيه خير لمن أراد الإخلاص، لكن كلما كان أخلص كان أكثر خيرًا للفاعل، من القاعدة التي مرت علينا؛ أن هذا الحكم عُلِّق بعلة ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ﴾؛ لأن اسم الموصول مع صلته كاسم الفاعل تمامًا، فيكون خيرًا للذين يريدون، إذن فكلما كان الإنسان أخلص في إرادة وجه الله كان خيرًا، أكثر خيرًا له.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الوجه لله؛ لقوله: ﴿وَجْهَ اللَّهِ﴾.
ووجه الله عز وجل قال أهل العلم: إنه من الصفات الخبرية؛ لأن عندهم أن الصفات خبرية محضة، يعبِّرون عنها بالخبرية؛ لئلا يقعوا في المحذور، فلا يقولون: إنها بعضية -مثلًا- أو جزئية؛ لأن التبعض والتجزئة في ذات الله عز وجل محرَّم إطلاقه، فالوجه واليد والعين والساق والقدم كل هذه يُعَبَّر عنها بالصفات الخبرية، لكن السمع والعلم والقدرة والحياة ويش تسمى؟ صفات معنوية؛ صفات معانٍ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى رؤية الله عز وجل. كيف ذلك؟ لقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.
ولا شك أنه ثابت؛ رؤية الله عز وجل ثابتة بالقرآن والسنة وإجماع السلف، ففي القرآن قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣] ويش معنى (ناضرة) الأولى؟ من النضارة؛ وهي الحُسْن، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ بالظاء منين؟ من النظر؛ وهو الرؤية بالعين، وهذه الآية من أصرح ما في القرآن، وفيه آيات أخرى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين ٢٣]، وفيه آية ثالثة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]، فسرها النبي عليه الصلاة والسلام بأنها النظر إلى وجه الله[[أخرجه مسلم (١٨١ / ٢٩٧) من حديث صهيب.]]، وفيه آية رابعة: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥]، وفيه آية خامسة وهي قوله تعالى في الأنعام: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام ١٠٣] فإن هذه الآية تدل على الرؤية؛ لأن الله قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾، ونفي الإدراك يدل على ثبوت الأصل، ولو كان لا يُرَى لقال: لا تراه الأبصار، فنفي الأخص يقتضي وجود الأعم؛ ولهذا كانت هذه الآية التي يستدل بها أهل التعطيل على نفي رؤية الله صارت دليلًا عليهم لا دليلًا لهم.
طيب الفرق بين الصفات المعنوية والخبرية أن الصفات المعنوية تدل على معانٍ؛ كالسمع والبصر والعلم والقدرة وما أشبهها، وأما الصفات الخبرية فهي تدل على صفاتٍ هي أبعاض لنا، هي بالنسبة لنا أبعاض، فيَدُ الإنسان ووجه الإنسان وساق الإنسان وقَدَم الإنسان وعينه -مثلًا- هذه أبعاض له، لكن ما نسميها بالنسبة لله أبعاضًا، بل سماها أهل العلم الصفات الخبرية.
* طالب: في الحديث: «يوم القيامة الله سبحانه وتعالى يقول: من كان يعبد الطواغيت فليتبع الطواغيت، ومن كان يعبد الشمس فليتبع الشمس، فيأتيهم الله سبحانه وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، قال: ثم يأتيهم في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فينطلق ثم يتبعونه»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٧٣)، ومسلم (١٨٢ / ٢٩٩) من حديث أبي هريرة.]].
* الشيخ: لا، ما فيه: «فينطلق ثم يتبعونه».
* طالب: (...).
* الشيخ: فينطلق.
* طالب: فيتبعونه.
* الشيخ: الله؟
* طالب: يكشف عن ساق.
* الشيخ: «يُكْشَف عن ساق، فيسجد له كل من كان يسجد لله تعالى في الدنيا. » المهم على كل حال ويش الإشكال فيه؟
* طالب: الاستشكال كيف ينطلق فيتبعونه؟
* الشيخ: لا، هذه ما أدري، ما أعرفها، هذه تأكدها، إحنا ما نبحث فيها حتى تؤكد، ولا مرت عليَّ هذه، إنما مر علينا أن الأمم تتبع ما كانت تعبد حتى تُلْقَى في النار.
* طالب: كل إنسان إلى آلهته؟
* الشيخ: إي نعم، طيب.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الفلاح يكون بأمرين؛ بالإخلاص وفعل المأمور به. من أين نأخذه؟ من قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم ٣٨]، وهؤلاء المشار إليهم أتوا بالفعل والثاني الإخلاص.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ [الروم ٣٩]..
* طالب: ما الفائدة؟
* الشيخ: الفائدة أن الفلاح يكون بفعل المأمور به مع الإخلاص.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم ٣٩].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من بذل ماله من أجل الحصول على أمر الدنيا فإنه لا أجر له في ذلك. من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾، وهذا عكس الأولين الذين سبقوا في الآية السابقة، الذين أعطوا في الآية السابقة ويش يريدون؟ يريدون وجه الله، هؤلاء بالعكس، هؤلاء يريدون الازدياد بما أعطوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: التنبيه على أهمية الإخلاص؛ لقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: في الإخلاص مع العمل، العمل الصالح مع الإخلاص.
* من فوائد الآية الكريمة: التنبيه على الإخلاص. من أين تؤخذ؟ ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن مضاعفة الأعمال تكون بحسب الإخلاص؛ لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾، فقد رتَّب الله تعالى الإضعاف على إرادة وجه الله. وعلى ما قررنا في القاعدة قبل قليل: يكون كل من كان أخلص لله فعمله أكثر مضاعفة، وهذا أمر لا شك فيه؛ فإن مضاعفة الأعمال تكون بأسباب كثيرة؛ منها شرف الزمان، ومنها شرف المكان، ومنها شرف الفاعل، ومنها شرف العمل، ومنها الإخلاص، ومنها الاتباع، كل هذه الأسباب الستة من أسباب المضاعفة.
المضاعفة بسبب شرف الزمان مثل؟ كرمضان والعشر الأول من ذي الحجة، هذا لشرف الزمان.
والمكان كالحرمين والأقصى؛ فإن العمل فيها أشرف من غيرها، الصلاة في المساجد الثلاثة أشرف من غيرها.
ومنها الفاعل؛ كالصحابة الذين قال فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]].
ويُلْحَق بهذا العاملون في آخر الزمان في أيام الصبر الذين يتمسكون بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام مع تباعد الناس عنها، فإن هؤلاء يُضَاعَف لهم الأجر، وإن كانوا لا ينالون مرتبة الصحابة لكن يضاعف أجرهم بسبب ما يجدونه من الغرابة ومخالفة الناس لهم؛ لأنه لا أحد يشك أن الإنسان الذي يعمل في محيط يعملون كما يعمل أن العمل عليه هين، بل مخالفة الناس هي الصعبة، لكن عمل الإنسان في محيط لا يعملونه هذا هو الصعب والشاق، لا سيما أن المعارضة ستكون عنيفة؛ لأن هذا متمسك بطاعة الله، والمخالفون له على العكس، وأعنف صراع يكون بين المتخالفين هو ما يكون بين المتمسكين بدين الله والمتحللين منه. هذه ثلاثة، ويش بقي؟
* طالب: بقي العمل.
* الشيخ: تكون أيضًا المضاعفة بحسب العمل..
* طالب: كثرته.
* الشيخ: بحسب العمل، الكثرة ما هي واردة لكن جنس العمل، فالصلاة أفضل من غيرها، والفرض من كل عمل أفضل من نفله وأشرف، والجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، وهكذا، كما بينا لكم كثيرًا. هذه أربعة. والخامس؟
* طالب: الإخلاص.
* الشيخ: بحسب الإخلاص كما في هذه الآية، وكلما كان الإنسان أخلص ولو كان العمل واحدًا كان عمله أشرف من الآخر؛ ولهذا تجد رجلين ركبا سيارة واحدة، وخرجا ودخلا جميعًا في الحج أو في العمرة، ورجعا جميعًا على السيارة، وأفعالهما واحدة، وأقوالهما واحدة، وبينهما تفاوت أكثر مما بين المشرق والمغرب؛ بحسب الإخلاص لله.
والسادس: بحسب الاتباع؛ ولهذا «أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله الصلاة على وقتها»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٣٤)، ومسلم (٨٥ / ١٣٧) من حديث ابن مسعود.]]؛ لأنها حصلت على وجه المتابعة للرسول ﷺ.
هذه الأسباب في الشرف كلها مما يوجب للعبد العناية بأعماله، وأن يتحقق بما يستطيعه من هذه الأسباب.
* طالب: قوله (...) في أيام الصبر له أجر خمسين منكم، ويش..؟
* الشيخ: المعنى له أجر خمسين منكم في هذه الخصلة التي عانى بها وتعب، فأصل العمل -مثلًا- الصدقة مضاعفة بعشر أمثالها، عشر أمثال موجودة في الصحابة وموجودة في الزمن المتأخر هذا، لكنه يُضَاعف ذلك، يكون أجر هذا مثل أجر خمسين من الصحابة؛ لما يجده من المعاناة، لكن الكمية التي تحصل للصحابة التي لو أنفق أحدنا مثل أُحُد ما بلغ مُدِّ أحدهم ولا نصيفه، هذه خاصة بهم، فعندنا ثواب على أصل العمل، وثواب مضاعف بحسب العامل، فأصل العمل -كالصدقة مثلًا- يكون لهؤلاء المتأخرين أجر خمسين من عمل الصحابة باعتبار أصله لا باعتبار أنه وقع من الصحابة رضي الله عنهم.
* طالب: ما يرد على هذا قولهم أنهم قالوا:« منا أو منهم قال: «بَلْ مِنْكُمْ»؟
* الشيخ: إي نعم، ما يرد على هذا؛ لأننا نعتبر أصل العمل لا المضاعفة بحسب كونه صحابيًّا، فأصل العمل مثلًا الصحابي لولا الصحبة لكان له أجر أصل العمل فقط، فبالصحبة يزداد، فيكون معنى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» »[[أخرجه أبو داود (٤٣٤١) والترمذي (٣٠٥٨) وابن ماجه (٤٠٤١) من حديث أبي ثعلبة الخشني.]] يعني: باعتبار أصل العمل، ويجب الرجوع إلى هذا؛ لأنه لا يمكن الجمع بينه وبين هذا الحديث إلا على هذا الوجه.
* طالب: لماذا لم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام: خمسين عاملًا ولا يقول: خمسين صحابيًّا؟
* الشيخ: ما نقدر نقول: لماذا لم يقل؛ لأن المسألة الآن مسألة جمع، ولو كان الأمر واضحًا ما احتجنا نقول: ويش الجمع فيه؟ فما دام المسألة مسألة جمع يحتاج أنا نشوف أدنى دائرة يمكن أن تجمع بين النصين.
* طالب: الرسول من كان يخاطب؟
* الشيخ: الرسول يخاطب الصحابة.
* الطالب: وعندنا الصحابة يتفاضلون؟
* الشيخ: إي، معلوم أن الصحابة يتفاضلون، هو يخاطب خالد بن الوليد في مقابلة سبِّه لعبد الرحمن بن عوف، وعبد الرحمن بن عوف لا شك أنه من السابقين الأولين، وخالد بن الوليد متأخر إسلامه، وكان بينهما مسابة فقال له: «مَهْلًا يَا خَالِدُ، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]].
* طالب: (...).
* الشيخ: بالنسبة لمن دونه يلحق لا شك، لكن بالنسبة لمن فوقه فأهل الحديث أنه لا يلحق؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠]، ثم قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ [الروم ٤٠] إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالأجلى والأوضح؛ لأن الله استدل على بطلان آلهة المشركين بماذا؟ بأمر يقرونه هم، وآلهتهم ما تفعل، وهو الخلق والرزق والإماتة والإحياء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل؛ وذلك بالأمور الأربعة الخلق والرزق.. إلى آخره.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات أن ما اكتسبه الإنسان فهو من الله؛ لأن هذه الأربعة فيها ثلاثة ما أحد يماري فيها، ما هي؟ الخلق والإماتة والإحياء، لكن الرزق قد يماري فيه مُمَارٍ، قارون ويش قال؟ ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]، فقد فسَّره مجاهدٌ -أظن- على علم مني بوجوه المكاسب؛ يعني معناه أني أنا ماهر بمعرفة المكاسب، وحصلت هذا المال، ولكننا نقول: هذا التحصيل الذي حصلته بمهارتك من أين جاءك؟ من الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا الذي حصل لك بسبب، وخالق الأسباب هو الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لنا استجلاب الرزق من ربنا وحده؛ لقوله: ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾.
وإذا كان الأمر كذلك فإنه يترتب على هذا فائدة أخرى؛ وهي ألا نطلب رزقه بمعاصيه. ويش وجهه؟ إذا كنت تطلب الرزق من الله فهل من اللائق عقلًا أن تقدم له معصية ليرزقك؟
* طالب: لا.
* الشيخ: الذي يَسْتَدر الرزق من غيره ويش يُقدِّم؟ يقدم طاعته والخضوع له؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢، ٣]، إذن من استجلب رزق الله بمعاصيه فقد خالف الحكمة والصواب، أليس كذلك؟
فهؤلاء الذين يطلبون الرزق بالربا، ويطلبون الرزق بالغش، ويطلبونه بالكذب وغير ذلك من الوسائل المحرمة هم في الحقيقة أشبه ما يكونون بالمستهزئين بالله عز وجل الساخرين به، كأنهم يقولون: يا ربنا، إننا نعصيك لترزقنا، وهذا من أعظم ما يكون؛ ولهذا جعل الله الذين يطلبون زيادة المال بالربا، ويش جعلهم؟ محاربين له ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة ٢٧٨، ٢٧٩]، والربا -كما قال شيخ الإسلام- يقول: ما ورد في ذنب من الذنوب دون الشرك أعظم مما ورد في الربا، الذي أصبح عند الناس الآن من أسهل الأشياء وأبسطها، حتى كانوا يتعاطونه بالصراحة، ويتعاطونه بالتحيل، وتعاطيه بالتحيل أخف من تعاطيه بالصراحة، مثلما أن تعاطي الكفر بالنفاق أخف من تعاطيه بالكفر الصريح؛ لأن هذا المتحيل مخادع لله عز وجل، جمع -والعياذ بالله- بين مفسدة الربا ومفسدة الخداع والتحيل، فالرب عز وجل إذا حرَّم شيئًا ليس كغيره تخفى عليه الأشياء، فهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ونبيه عليه الصلاة والسلام وضَّح أن الأعمال بماذا؟ بالنيات.
فما دمت نويت الربا الآن لكن تحيلت عليه إدخال سلعة غير مقصودة، هذا تلاعب، استهزاء بآيات الله عز وجل، يأتي إليه يقول: أنا أبغي منك مئة ألف على أن تكون بمئة وعشرين ألفًا إلى سنة، طيب كيف الوصول إلى هذا؟ والله إحنا مسلمون، ما أقدر أعطيك المئة ألف نقدًا وأكتب عليك مئة وعشرين؛ لأننا نخشى الله، ولكن هنا طريق نلوذ من جهة أخرى ونجعل حاجزًا بيننا وبين الله، بماذا؟ بأي سلعة تتفق، نروح نشوف اللي عند الناس؛ وجدوا عند هذا سكرًا، قال: نشتري سكرًا، وجدوا عنده هيلًا، قالوا: نشتري هيلًا، وجدوا سيارات، نشتري سيارات، وجدوا أكياسًا لا يُدْرَى ما بوصفها فلعله أن يكون رملًا، قالوا: نشتري هذه الأكياس. أليس هذا هو الواقع؟ هذا هو الواقع.
ولهذا الآن ما ينظرون إلى هذه الأكياس ويش هي، يقولون: إنها أكياس سكر، وهو أكثر ما يكون في القبض أنه يمر يده عليها، ولَّا يعده؛ واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة.. إلى آخره، ويقولون: إن هذا هو القبض. فهل هذا قبض لغة أو عرفًا أو شرعًا؟ أبدًا، لا يُعَدُّ هذا قبضًا؛ لأن القبض معناه أن يكون الشيء في قبضتك، وهذا الشيء مركون في مكانه، تَرِدُ عليه عدة مبايعات في خلال ساعة أو ساعتين.
وهذه البَلِيَّة التي ابْتُلِي بها الناس الآن -نسأل الله أن ينقذهم منها- بَلِيَّة عظيمة، ويُقَبِّحها أنهم يعتقدون أنها حلال وأن عمل البنوك حرام، حتى إن بعضهم بيجيء يتغيظ ويتضجر: أعوذ بالله! شوفوا الحرام، الربا يُعْلَن صريحًا في البنوك، وهو ممن يتعامل بهذه المعاملة، يبكي غيره ولا يبكي نفسه، وهو أحق بأن يبكي نفسه.
فالمهم أننا نقول -خرجنا عن الموضوع-: إن الرزق إذا كان من الله عز وجل فإنه يجب عليك شرعًا وعقلًا أن تستمد هذا الرزق بماذا؟ بطاعة الله لا بمعصيته.
* طالب: طيب التورق -يا شيخ- ما يدخل في هذا؟
* الشيخ: التورق يقول شيخ الإسلام: إنه داخل في هذا، ويقول عنه تلميذه ابن القيم رحمه الله: إن شيخنا يُسْأَل عن هذا مرارًا فيصر على أنه حرام وأنه ربا، التورق غير شغل الناس الآن يقولون: هذا تورق، التورق قال العلماء (...) ومن احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مئة بمئة وعشرين فلا بأس به، وهي مسألة التورق، هذه عبارة الروض المربع شرح الزاد.
شوف الآن أولًا قالوا: (ومن احتاج) فعلمنا أنها ما تكون إلا للحاجة.
ثانيًا: (فاشترى ما يساوي مئة بمئة وعشرين) وقع العقد على عين المبيع، ولا قال: العشر إحدى عشر ولا اثنا عشر، وكلمة (اشترى) تُحْمل على الشراء الشرعي الذي يجمع الشروط، ومن جملتها العلم بالمبيع ونوعه وجنسه.. إلى آخره. وهل هذا موجود في عمل الناس الآن؟ أبدًا.
كذلك اشترى ما يساوي مئة بمئة وعشرين إلى أجل، هذه تنطبق؛ لأنهم يقولون: اثنا عشر، وثلاثة عشر، وإحدى عشر، حسب الاتفاق.
ثم نفس الفقهاء الذين أباحوا ذلك قالوا: يُكْرَه أن يقول في بيع المرابحة المعروف أن يقول: العشر إحدى عشر، وذكروا عن الإمام أحمد نصًّا بأنه يحرم أن يقول: العشر إحدى عشر حتى في غير مسألة التورق، بيع المرابحة الذي يعرفه بعضكم يَحْرُم فيه -على إحدى الروايات عن أحمد- أن يقول: العشر إحدى عشر، وهو يريد السلعة نفسها، ما يريد النقد، المذهب أنه يكره، والرواية الثانية عن أحمد أنه يحرم.
يعني أنا مثلًا اشتريت هذا الكتاب وأنت تبيع الكتاب، تبيع الكتاب نفسه ما تبيع دراهمه، فقلت لي: أبغي أشتريه منك مرابحة، قلت: ما يخالف، أنا شاريه بمئة، وأبيعه عليك على أن أربح بكل عشرة دراهم درهمًا. كم يكون المئة؟ مئة وعشرة. هذا جائز.
لكن لو قلت: أبغي أشتري منك العشرة أحد عشر، قالوا: إنه يكره على المذهب، ويحرم على الرواية الثانية، مع أنها من مسألة التورق.
فهؤلاء الناس الآن جمعوا بين أمرين؛ بين العشر بإحدى عشر أو اثني عشر وبين التورق، أما شغلنا الآن هو ما ينطبق عليه حتى على قول من يقول بجواز التورق.
ولاحظ أن الإمام أحمد عنه رواية ثانية، وعنه رواية بأنها جائزة، والرواية الثانية بأنها من مسائل العينة؛ التورق، ذكرها عنه شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكرها ابن القيم في تهذيب السنن أن مسألة التورق من مسائل العينة، والعينة معروف أنها حرام.
فالحاصل أننا الحقيقة في عصرنا الحاضر لما كان الناس ما يبالون إلا أن يكتسبوا المال، فجعلوا المال مقصودًا مخدومًا بعد أن كان وسيلة خادمًا، حقيقة المال أنه وسيلة خادم، ولكنا جعلناه الآن مقصودًا مخدومًا، وهذا من سفه الإنسان؛ أن يستخدمه مالُه الذي خُلِقَ له، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩].
* طالب: لكن واقع (...).
* الشيخ: لا، الراجح هو ما نعرف عنه شيئًا.
* طالب: الآن رؤية العين (...).
* الشيخ: تستعمل في الدول الكافرة، وهي طريق الإيداع الصحيح؛ لأن قولنا: إن البنوك الآن أني حطيت مالي وديعة عندهم، هذا ما هو صحيح، لا ينطبق عليه شرعًا معنى الوديعة، ويش معنى الوديعة شرعًا؟ أن تعطيه المال ليحفظه بعينه، ما هو بتعطيه مالك يحطه في صندوق وينتفع به، حتى إن العلماء قالوا: لو أن المودِع أَذِن للمودع بالانتفاع بالوديعة صارت قرضًا تثبت في ذمته، ففعل الناس الآن اللي يسمونه (...).
يأخذ سَلَمًا، السلم أني أعطي شخصًا دراهم نقدًا بسلعة مؤجلة، عكس الشراء إلى أجل أعطيك -مثلًا- عشرة آلاف ريال على أن تعطيني بعد سنة مئة كيس سكر، أو سيارة وصفها كذا وكذا، هذا ما فيه شيء؛ لأن الصحابة كانوا يفعلونه في عهد رسول الله ﷺ، كانوا يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي شَيْءٍ مَعْلُومْ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٤٠)، ومسلم (١٦٠٤ / ١٢٧) من حديث ابن عباس.]]، ووجه أن ما فيه شيء: لأن ما فيه ربح مضمون لأحد الطرفين، أو لا؟ أنا -مثلًا- إذا أعطيتك -مثلًا- عشرة آلاف ريال في سيارة إلى أجل، ما ندري أينا هل أنا اللي أربح ولا أنت، صح؛ لأنه عند انتهاء الأجل يمكن أجد السيارة بستة آلاف ريال، ويمكن ما أجدها إلا بخمسة عشر ألف ريال، إي نعم، وهذا لا بد أن يقع نادرًا أن تكون الأسعار إلى سنة لا تختلف.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف، إذا احتاج فلوسًا بيجيء لواحد يقول: تعالَ، الآن أعطنا فلوسًا بشيء مؤجل، وإلا يشتري المواد اللي يحتاج بثمن مؤجل أكثر من النقد.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا إذا اشترى السلعة بعينها يريدها بعينها، ما يتورق، التورق ما هو بيريد السلعة؛ ولهذا سمي تورقًا. مأخوذ من أين؟ من الورق؛ يعني هو لا يريد إلا الفضة، المتورق.
* طالب: بالنسبة للسلم هل يدخل فيه (...).
* الشيخ: ولهذا قال الفقهاء: لو أسلم في ثمن بستان معين ما صح؛ لأنه صار محله الآن البستان، ما صار في الذمة، أما إذا صار في الذمة فهذا ما فيه شيء، لا بد من تمام الشروط.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما تصح، ولا ثمنها.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما تجب؛ لأنه يبيع عليه أشياء بدون قبض ثمنها.
* طالب: (...).
* الشيخ: فهذا يمكن معناه أنه يحضره، وهو -مثلًا- امتنع، يتفقون معه على أننا اشترينا منك كذا وكذا؛ سيارات بكذا وكذا دراهم وهو ما سلمه الدراهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: أبدًا؛ ولهذا أحيانًا الدولة يكون مماطلتها أكثر من مماطلة الناس.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يصح هذا إلا لو كانت السيارات عنده وقال: حضرها، مثلًا لما أنه اتفق وإياهم حضر السيارات ثم أوقعوا العقد على أعيانهم، حينئذٍ يصح؛ لأنه يكون بيع عين بدين.
* طالب: وقعوا العقد على أوصافه؟
* الشيخ: لا، على أوصافه ما يصح؛ لأن المبيع الموصوف غير المعين محله الذمة، ما محله العين؛ فلهذا يكون العقد اللي وقع بين الرجل والحكومة عقد على شيء في ذمة بشيء في ذمة ما فيه شيء معين.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف، إذا حضر السلعة قال: هذه السلعة الآن، وأبيعها عليكم بكذا، وصار العقد بعد التحديد، ما يخالف، إذا صار أنه معناه التأمين بمعنى أنه حضر وبعد التحضير يجري عليه العقد فهذا لا بأس به؛ لأنه يكون بيع عين بدين وهو جائز.
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا عمدوه متى يجعلون التعاقد معه؟
* طالب: إذا عمدوه يقولون له مثلًا: بعد عشرة أيام تستلم الزيادة، وإذا سلم المستودع يروح يأخذ (...).
* الشيخ: ما هو الذي يعتبرونه عقدًا؟ هل يعتبرون العقد بعد حضورها ولَّا قبل؟ إن كان قبله فإنه لا يصح متى يعقدون، هل معناه يقول: حضر هنا، وإذا حضرت أنا بأشتريها منك بكذا وكذا؟ إذا حضرت نعطيك الثمن، إذن العقد قبل التحضير، وهذا نص العلماء على أنه لا يجوز، وهذا بيع دين بدين فلا يحل المحظور؛ لأنه ما وقع العقد على شيء معين، الآن كله في الذمم.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) تدري الآن لو بأبيع عليك الصاع بصاعين -والصاعين قيمتهم قيمة الصاع- ما فيه محظور، ما هي محرم، إحنا نتقيد فيما ورد به النص، اللي ورد به النص إما أن تكون السلعة مؤجلة، وإما أن يكون الثمن مؤجلًا، وإما أن يكون من الطرفين لا هذا ولا هذا، فهذا ما يجوز، وهذا منصوص عليه عند الفقهاء، أدنى طالب علم إذا قرأ في أول الروض المربع يعرف هذا؛ ولهذا قالوا من صور البيع (...)، ويش من صورها؟ بيع دين بعين بشرط الحضور وقبض أحد العوضين.
* من فوائد الآية الكريمة: قلنا: إنه ينبغي الاستدلال بما هو أجلى وأوضح في الاستدلال.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عجز هذه الآلهة عن فعل شيء يختص بالربوبية؛ لقوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم ٤٠]؛ لأن هذا الاستفهام -كما قررنا- بمعنى النفي.
* ومن فوائدها: ثبوت التلازم بين التوحيدين؛ توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وأن من أقرَّ بتوحيد الربوبية لزمه أن يقر بتوحيد الألوهية، وهذا المعنى قرَّره الله تعالى في عدة آيات.
* من فوائد الآية الكريمة: تنزيه الله سبحانه وتعالى عن كل نقص. من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.
* ومن فوائدها: أن المشركين بالله عز وجل قد وقعوا في تنقص الله؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الله تعالى يجمع فيما وصف وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات؛ النفي في قوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾، والإثبات في قوله: ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: قوة الإقناع في أسلوب القرآن؛ لأن مثل هذا التحدي ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذا أقوى ما يكون في الإقناع، كل منهم سيكون جوابه: لا، إذن لماذا تعبدونها مع الله؟!
هل يستفاد من هذه الآية استنباط أقسام التوحيد الثلاثة؟ الربوبية فهي موجود، والألوهية موجود، كيف ذلك؟ لاستلزام الإقرار بالربوبية للإقرار بالألوهية، ثم إن قوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ المقصود إبطال ألوهيتهم، والأسماء والصفات موجود في قوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، والله أعلم.
الروم 30:40
قال الله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الروم ٣٤] ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ اللام هنا للعاقبة؛ يعني أنهم بإشراكهم صار عاقبتهم الكفر بما آتاهم الله عز وجل، آتاهم أي: أعطاهم.
وقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ هل نقول: إن (الباء) للسببية أو إن (الباء) للتحقيق؛ بمعنى أنهم يكفرون بهذا الشيء؟ الجواب: يحتمل أن تكون للسببية أو بسبب ما آتاهم الله تعالى من الرحمة والإنقاذ من الشدة صار ذلك سببًا لأشرهم وبطرهم وكفرهم، كما هي عادة الإنسان إلا من عصمه الله عز وجل.
أو يقال: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أي: يكفروا بهذا الشيء الذي آتيناهم حيث لا يؤدون شكره، وكان الواجب عليهم أن يؤدوا الشكر لله سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ هذا يسمونه في البلاغة التفاتًا؛ لأنه لم يقل: وليتمتعوا كما قال في آية أخرى، ولكنه أمرهم أن يتمتعوا، والأمر هنا للتهديد كما قال المؤلف رحمه الله، قال: أي فآتيناهم، أُرِيد به التأكيد فتمتعوا، الأمر هنا للتهديد، وليس للإباحة، والدليل على ذلك قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبة تمتعكم فيه التفات عن الغَيْبة، وين الغَيْبة؟ ﴿لِيَكْفُرُوا﴾.
وقد سبق لنا أن الالتفات له فائدتان؛ فائدة لازمة في كل التفات، وهي التنبيه؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد استمر الإنسان فيه مُنساقًا معه، فإذا اختلف وقف، لماذا اختلف السياق؟ لماذا كانت الجملة للغائب، ثم صارت للمخاطب أو بالعكس؟ فيقف ويهتم ولا يتعمد، أما الفائدة الثانية فإنها تختلف بحسب السياق، الفائدة الثانية هنا في هذه الآية هو أنهم إذا قُوبلوا بالأمر: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ صار أشد وأبلغ تهديدًا مما إذا قال: وليتمتعوا.
وقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ قد قيل: إن (سوف) تفيد التحقيق لكنها تفيد أيضًا التراخي بخلاف السين فإنها تفيد التحقيق والفورية، وكل شيء بحسبه، وإنما كان كذلك هنا؛ لأن أشد العقاب الذي يأتيهم سيكون يوم القيامة، وهو متأخر، ثم قال تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ [الروم ٣٥].
* الطالب: (سوف) ماذا تفيد؟
* الشيخ: تفيد التحقيق والتراخي. قال: (﴿﴿أَمْ﴾ ﴾ بمعنى همزة الإنكار، ﴿﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ ﴾ حجة وكتاباً ﴿﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ ﴾ تكلم دلالة ﴿﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ ﴾ أي يأمرهم بالإشراك؟ لا) ﴿أَمْ﴾ هنا يقول المؤلف: إنها بمعنى الهمزة، همزة الإنكار، وهذا أحد القولين فيها، والقول الثاني أنها بمعنى (بل) والهمزة، فتكون مفيدة للإضراب، وهنا الإضراب الانتقالي؛ يعني بل أأنزلنا عليهم سلطانًا؟ والاستفهام إذا كان للإنكار فمعناه النفي؛ يعني هل نحن أنزلنا عليهم سلطانًا يؤيد شركهم، ويثبته ويقول: إنه حق؟ الجواب: لا، ما أنزلنا ذلك ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾.
يقول المؤلف: (﴿﴿سُلْطَانًا﴾ ﴾: حجة وكتابًا). والحجة تسمى سلطانًا؛ لأن المحتج بها له سلطة على المحجوج؛ فلهذا تسمى سلطانًا كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس ٦٨]. أي: حجة.
واعلم أن السلطان يطلق على عدة معانٍ، فيجمعها كلها السلطة على الشيء، فتارة تأتي بمعنى الحاكم، كقول الفقهاء وجاء في الحديث: «فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ»[[أخرجه الدارمي (٢٢٣٠) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. وكذلك: «إِنَّ اللَّهَ لَيَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ»[[ورد مسندًا من قول عمر رضي الله عنه، أخرجه الخطيب في تاريخه (٥/١٧٢) بسنده عن ابن عمر، قال: سمعت عمر بن الخطاب، يقول: لما يزع الله بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن.]].
وتأتي السلطان بمعنى الحُجَّة، وهو كثير، وتأتي بمعنى القدرة مثل قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣] أي: بقدرة وليس لكم قدرة، وكلها يجمعها هذا المعنى، السلطة التي بها السيطرة والغلبة.
وقوله: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ قال المؤلف: (تكلُّم دلالة، فهو يتكلم بلسان الحال، وليس بلسان المقال). هذا ما قاله المؤلف، ولكنه يحتمل أن تبقى على ظاهرها؛ لأن الذي ينزل من عند الله كلام الله، وكلام الله تعالى يصح أن يُنسب الكلام إليه كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية ٢٩] ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل ٧٦].
وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم ٣٥]. الباء هنا للاختصاص أيضًا، أي: يتكلمون بهذا الشيء، ويقول: إنه حق، والجواب: لا، إذن فليس عندهم حجة، لا عقلية ولا شرعية؛ أما العقلية فقد سبق أن فطرة الله سبحانه وتعالى كلها الإخلاص لله، وأما الشرعية فإنه لم يأتِ في كتاب من الكتب المنزلة أن الشرك حق، بل جميع الكتب المنزلة وجميع الرسل المرسلون، كلهم يقولون: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف ٥٩]. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥].
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا﴾ [الروم ٣٦]. ﴿إِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ﴾ كفار مكة وغيرهم، هذا أشد، جعلها عامة. وأفادنا المؤلف بقوله: (كفار مكة وغيرها) أن المراد بالناس هنا الكفار، فيكون من باب العام المستعمل في الخاص، وقد مر بنا كثيرًا أن العام يُستعمل في الخاص، والعام المراد به الخصوص غير العام المخصوص.
وقد سبق لنا في أصول الفقه الفرق بينهما بين العام المخصوص والعام الذي أُريد به الخصوص؛ فالعام الذي أريد به الخصوص لم يُرد معنى العموم فيه من أول الأمر، وإنما أُريد به المعنى الخاص فقط، فقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ [آل عمران ١٧٣] لم يُرد به عموم الناس من الأول، وأما العام الذي دخله التخصيص يعني العام المخصوص فهو أُريد به لعموم، وهو تناوله لجميع الأفراد، ثم أُخْرِج بعض أفراده من هذا الحكم فيكون عامًّا مخصوصًا، وعلى هذا فلا يمكن أن يستدل مستدل بالعام المراد به الخصوص، لا يمكن أن يستدل به على عموم الحكم؛ لأنه لم يُرد به العموم بخلاف الثاني العام المخصوص فإنه يمكن أن يستدل به على عموم الحكم، ويقول لمن أخرج شيئًا من أفراده: هات الدليل على التخصيص.
المراد بالناس هنا إذن: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا﴾ [الروم ٣٦] عام أُريد به الخصوص؛ يعني الكفار؛ لأن هذا الوصف لا ينطبق إلا عليهم، أما المؤمن فإنه إذا قضى الله له قضاءً لم يكن معاندًا له. إذا أذقنا الناس كفار مكة وغيرهم بالنصب، أنا قلت بالجر؟ الصواب بالنصب كفارَ مكة وغيرَهم رحمة نعمة.
﴿فَرِحُوا بِهَا﴾ فرح بطر. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ شدة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أي: ييئسون من الرحمة، ومن شأن المؤمن أن يشكر عند النعمة، ويرجو ربه عند الشدة.
قوله تعالى: ﴿رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا﴾ ﴿رَحْمَةً﴾ يشمل جميع النِّعم من مال، وأولاد، وأمْن، ورخاء في العيش، وغير ذلك، كل ما يكون، أو كل ما ينعم به الإنسان فإنه داخل في ذلك؛ ولهذا قال: (من نعمة).
وقوله: ﴿فَرِحُوا بِهَا﴾ أيدها المؤلف بقوله: (فرح بطر) احترازًا من الفرح بنعمة الله فرح شكر؛ لأن هذا لا يذم كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس ٥٨] فأمر الله تعالى أن نفرح بفضل الله ورحمته، وعلى هذا فالفرح نوعان؛ فرح بطر يؤدي إلى الأشر والاستكبار عن الحق والتَّعَلِّي عن الخلق، هذا هو المذموم، والثاني: فرح شُكْر، يكون الإنسان فرحًا بنعمة الله، لكن هذا الفرح يحمله على شكر النعمة؛ فهذا ليس بمذموم، وهو من طبيعة الإنسان، فإن الإنسان إذا رُزِق ولدًا فرح، وإذا رُزِق مالًا فرح، وإذا كان طالب علم فتوصَّل إلى مسألة من مسائل العلم فرح، فهو من الأمور الطبيعة لكن إن أدى الفرح إلى الأشر فإنه مُحرَّم ومذموم وإلا فلا، هذا الكراهة الداخلة.
وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ [الروم ٣٦] المراد بالسيئة هنا ما يسوؤه، وهو ضد الرحمة، مثل: فقر، وجدب، وخوف، فقدان مال، وما أشبه ذلك، هذه السيئة، وسمي سيئة؛ لأنه يسوؤهم.
وقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ الباء هنا للسببية؛ أي بسبب. و(ما) موصولة؛ أي بالذي، وعلى هذا فالعائد محذوف، والتقدير: بما قدمته أيديهم إذا هم يقنطون بما.
ولاحظ أن الله عز وجل أطلق الرحمة: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾، أما السيئة فقيدها بقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ وذلك لأن السيئات سببها أعمال العباد كما قال الله تعالى في الآية التالية إن شاء الله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠] ولهذا قال هنا: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [القصص ٤٧].
وقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ المراد بما قدموا، فعبر بالأيدي عن النفس؛ لأن غالب الأعمال بها، وهذا كثير في القرآن؛ أن الله تعالى يضيف الشيء إلى الأيدي، والمراد بها نفس العامل، بل إن الله أضاف الأيدي إلى نفسه، والمراد بها نفسه مثل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس ٧١].
فإن قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ ليس كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥] والفرق أن المراد بقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ أي: مما علمناه. وأما: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فأضاف الخَلْق إلى نفسه مُعدًّا إلى اليد بالباء، فصارت اليد حصل بها الفعل، وأما الخلق فهو مضاف إلى نفسه سبحانه وتعالى، أضافه إلى نفسه المقدسة وعدَّاه إلى اليد بالباء؛ ولهذا يغلط من جعل قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ مثل قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥].
إذن ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بما كسبوا، وعبر بالأيدي عن النفس؛ لأنها آلة الفعل غالبًا.
وقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم ٣٦] ﴿إِذَا﴾ فجائية واقعة في جواب الشرط، وهو قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾.
وقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أتى بالجملة الاسمية للدلالة على أنهم اتصفوا بذلك على سبيل الدوام، فهم دائمًا في قنوط ما دامت السيئة فيهم، والقنوط يقول المؤلف: (ييئسون) ولكنه تفسير فيه شيء من القصور؛ لأن القنوط ليس اليأس بل هو أشد اليأس؛ لأن اليأس إذا كان فيه شيء من الرجاء لا يسمى قنوطًا، وإن سُمِّيَ يأسًا لكن إذا بلغ اليأس غايته سُمِّي قنوطًا، وقد قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر ٥٦] الجاهلون بما لله عز وجل مِنَ الحكمة بما يجري على عباده من الضراء والسراء.
يقول المؤلف: (ومن شأن المؤمن أن يشكر عند النعمة، ويرجو ربه عند الشدة) وعلى هذا فتكون الآية فيمن؟ في الكفار.
(﴿﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ ﴾ يعلموا ﴿﴿أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ ﴾ يُوسِّعه ﴿﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ﴾ امتحانًا ﴿﴿وَيَقْدِرُ﴾ ﴾ يُضيِّقه لمن يشاء ابتلاءً).
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ قال المؤلف: (أولم يعلموا). وعلى هذا فالرؤية علمية، ويؤيد تفسير المؤلف أنها جاءت في آيات أخرى بـ(يعلموا)، وهي في سورة الزمر: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الزمر ٥٢]. ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ إذن فأحسن ما يُفسر به القرآن القرآن، وهو أعلى أنواع التفسير، ويمكن أن يقال: إن لكل آية معنى، فنُفسِّر الرؤية هنا برؤية البصر لا برؤية البصيرة التي هي العلم، ونفسرها هناك بالعلم كما هو لفظ الآية، ويكون البسط والتضييق معلومًا بالقلب مرئيًّا بالعين، فإن الإنسان أيضًا يرى بعينه كما يعلمه أيضًا بقلبه، وأيهما أعم (يعلموا) أو (يروا)؟
إذا لم نفسر (يروا) بـ(يعلموا)؟ العلم أعم؛ لأن العلم قد يكون بالرؤية، وقد يكون بالسماع.
قد لا أرى أن الله بسط الرزق لعباده وقدَرَه، لكنني أسمع أنه في البلاد الفلانية فقر، وفي البلاد الفلانية غِنى، وما أشبه ذلك، فالعلم أعم؛ وذلك لأن وسائل العلم متعددة بخلاف الرؤية فإن طريقها البصر، العلم كل الحواس الخمسة التي تعرفونها كلها تُوصِّل إلى العلم، فاللمس والشم والذوق والرؤية والسماع كلها تفيد العلم، فهو أعم؛ لأنه إذا رأى علم، لكن العلم أعم؛ لأن وسائله أكثر.
وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ البسط بمعنى التوسيع كما قال الله تعالى: ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [الروم ٤٨] يعني يوسعه.
وقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ سبق لنا أن كل شيء قيَّدَهُ الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، وليست مشيئة الله تعالى مشيئة مجردة؛ لأننا نعلم أن الله عز وجل حكيم، لا يفعل شيئًا، ولا يشرع شيئًا إلا لحكمة، فكلما مر عليك شيء مُقيَّد بالمشيئة فاعلم أنه مقيد بالحكمة.
﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قال المؤلف: (امتحانًا، ﴿﴿وَيَقْدِرُ﴾ ﴾ يُضيِّق لمن يشاء ابتلاءً)، ففرَّق المؤلف بين تضييق الرزق وبين بسطه، وجعل البسط امتحانًا والتضييق ابتلاءً، والصواب أنهما سواء كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]، وكلها ابتلاء، وقال سليمان عليه الصلاة والسلام: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠].
فالصواب أنها كلها ابتلاء والامتحان قريب من معنى الابتلاء، لكن الإصابة لبسط الرزق تقتضي شكرًا، وبتضييقه تقتضي صبرًا، هذا الفرق بينهما، والمؤمن يقوم بالوظيفتين، إن أصابته سراء شكر؛ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر؛ فكان خيرًا له، وهذا ليس إلا للمؤمن فقط.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الاستفهام هنا المراد به التقرير؛ يعني أنهم يرون أن الأمور بيد الله عز وجل، وأنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، فكيف يقطنون إذا أصابتهم السيئة؟ وكيف يفرحون ويفخرون إذا أصابتهم الرحمة؟ بل الواجب عليهم أن يعلموا أن ذلك بحكمة من الله سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الواو هنا حرف عطف وَلِيَت أداة استفهام، وأداة الاستفهام لها الصدارة، فإذن لم تُسبق الواو بشيء يُعطف عليها، فما هو الجواب؟ ذكرنا فيما سبق أن لعلماء النحو في مثل هذا التقييد قولين؛ القول الأول أن الواو عاطفة على مُقَدَّر بعد الهمزة، والثاني أن الواو عاطفة على ما سبق، وعلى هذا فتكون الهمزة مُقدَّمة قبل العاطف، وذكرنا أن هذا الرأي أولى؛ لأن الأول وإن كان جيدًا من حيث الأصول لكنه في بعض الأحيان يصعب على الإنسان أن يُقدِّر شيئًا يرى أنه مناسب للسياق، وعليه فيكون القول بأن الهمزة للاستفهام، وأن الواو مُقدَّرة قبلها؛ يعني (وألم يروا) أسهل.
﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الروم ٣٧] ولا شك أن بسط الرزق وتضييقه أنه ابتلاء من الله سبحانه وتعالى؛ وذلك لأن العبد أحيانًا يناسبه أن يبسط له الرزق، وأحيانًا بالعكس حسب ما تقتضيه الحكمة يحسن لهاذاك ما لم يحسن لهذا.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم ٣٧] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي في بسْط الرزق وتضييقه. ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿آيَاتٍ﴾ الذي نصبها ﴿إِنَّ﴾ فهي اسمها مؤخرًا، و﴿فِي ذَلِكَ﴾ خبرها مقدم.
وقوله: ﴿لَآيَاتٍ﴾ أي: لعلامات دالة على أن الله سبحانه له التصرف المطلق في عباده. أظن أننا نرى أحيانًا بعض الناس يسعى بقدر ما يستطيع في أسباب الرزق، ومع ذلك لا يمكن، تجده يبيع، ويشتري، ويسافر يضرب في الأرض يبتغي من فضل الله، ومع هذا ليس كثر المال، مُضيَّقًا عليه، وتجد بعض الناس يسعى سعيًا بسيطًا ولكن الله تعالى يُبارك له في سعيه حتى يكون عنده رزق كثير؛ مما يدل على أن الأمور لا تُنَال بالكسب، الكسب سبب لكن فوق ذلك إرادة الله عز وجل.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بهذا، بهذه الرؤية، وهذا التفكُّر، أما غير المؤمن فإنه لا ينتفع بهذا؛ ولذلك تجد هؤلاء الذين لا يُؤمنون إذا حصل مثل هذه الأمور ينسبونها إلى الطبيعة، إذا كثر المطر قالوا: هذا بسبب كذا، وإذا قلَّ قالوا: هذا بسبب كذا، ونحن لا ننكر أن الأمور لها أسباب، ولكننا نُنكر أن تكون الأسباب هي الفاعلة، فإن الفاعل هو الله عز وجل، وما الأسباب إلا وسائل يُستدل بها على حكمة الله سبحانه وتعالى، وأنه حكيم، حيث ربط المسببات بأسبابها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم ٣٧] ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الروم ٣٨] إلى آخره. ﴿آتِ﴾ بمعنى أعطِ؛ لأنها من الرباعي لو كانت من الثلاثي لكانت بمعنى جِئ، لكنها من الرباعي الذي بمعنى أعطى.
وقوله: ﴿آتِ﴾ الخطاب مفرد، فهل هو للرسول ﷺ شخصيًّا أو لكل من يتوجه إليه الخطاب؟ قلنا: إن للعلماء في هذا رأيين إلا ما دل الدليل على أنه خاص بالرسول ﷺ فهذا يختص به، مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] هذا خاص بالرسول ﷺ، ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾ [الضحى ٨] ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] وما أشبه ذلك.
* الطالب: عائلًا؟
* الشيخ: وجدك الرسول، لكنه أغنى بك.
* الطالب: (...).
* الشيخ: وقوله: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى﴾ ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾ أي: صاحب القرابة؛ ولهذا قال المؤلف: (القرابة)، فالقربى هنا بمعنى القرابة. ﴿حَقَّهُ﴾ من البر والصلة. وأحق الناس بذلك الأم والأب وإن علوا، وصِلتهما تسمى بِرًّا؛ لأنه يجب أن تكون أعلى من غيرهما، والبر كثرة الخير، وغيرهما يسمى صلة؛ لأن المقصود الوصل فقط بخلاف الأب والأم، فـ(حقه) هنا مجمل، ولكنه مُبيَّن بنصوص أخرى من القرآن والسنة؛ وهو أن حق الأبوين البر، وحق غيرهما الصلة، فيمكن أن يكون قول المؤلف: (من البر والصلة) على سبيل التوزيع، من البر في الأبوين والصلة في غيرهما، في أولي الأرحام. قال: ﴿آتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾.
وقوله: ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾ يعم كل قريب ولو كان كافرًا؛ لأن العلة القرابة ليست الإسلام، لو قال: آتِ المؤمن حقه، قلنا: العلة الإيمان، فيختص الحكم به.
﴿آتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ المسكين هو الفقير، وهنا أطلق المسكين والمراد به الفقير والمسكين في آية الصدقة، وقد مر علينا أن المسكين إذا أُطلق يشمل الفقير، والفقير إذا أُطلق يشمل المسكين، وإذا قُرِنا جميعًا افترقا.
والمسكين له حق، ما حقه؟ حقه دفع حاجته؛ لأنه فقير، قال أهل العلم: وإطعام الجائع وكسوة العاري فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ المسافر، وسُمِّي ابن سبيل لملازمته له، والسبيل الطريق، وكل من لازم شيئًا يسمى ابنًا له، قالوا كما يقال: ابن الماء لطيره، طير الماء يسمى ابن الماء، ويقال للرجل الذي يكثر السفر في الليل: ابن الليالي، وما أشبه ذلك، فالابن لكل من لازم الشيء قال: من الصدقة، هذا تفسير لحق المسكين وابن السبيل، وقيل: المراد بابن السبيل الضيف؛ لأنه عابر سبيل ولكن الصحيح أنه المسافر، ويشمل الضيف ولَّا لا؟ يشمل الضيف؛ لأن الضيف مسافر.
قال: (وأمة النبي ﷺ تبع له في ذلك). أفادنا المؤلف في هذه الجملة أن الخطاب في قوله: ﴿فَآتِ﴾ مُوَجَّه للرسول ﷺ شخصيًّا، والأمة تبع له. وقد سبق لنا أن وجه ذلك؛ أن الرسول عليه الصلاة والسلام هو زعيم أمته، فوُجِّه الخطاب إليه وإن كان شاملًا، أو أنه خاص به، ويكون أمته تبعًا له على سبيل التأسي به.
قال: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٨].
﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه إتيان، أو إيتاء ذي القربى حقه.
﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ ﴿خَيْرٌ﴾ كلمة ﴿خَيْرٌ﴾ هنا يُراد بها التفضيل ولَّا اسم وليست بتفضيل؟ قلنا فيما سبق: إن خيرًا وشرًّا تستعملان اسمي تفضيل، وتستعملان اسمًا مجردًا عن التفضيل كما في قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨] هذا ليس المراد به التفضيل. كذلك هنا قال: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٨] الظاهر أنه لا يراد بها التفضيل، وإنما المراد أن هذا خير ضد الشر لكنه قُيِّد بقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾، وهذا دليل على الإخلاص؛ يعني خير للمخلصين الذين يريدون وجه الله، أما غير المخلص فإنه ليس خيرًا له، لكن هل هو خير للمؤمن؟
(...) تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء ١١٤] فجعل الله تعالى ذلك خيرًا مطلقًا، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فجعل هذا الشيء خيرًا مطلقًا لما فيه من النفع المتعدِّي، ولكنه لا يكون خيرًا للفاعل إلا بنية الإخلاص، وأظن هذا ظاهرًا، لو أنك تصدقت على شخص بدراهم أو بثوب يلبسه انتفع ولَّا لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: طيب هل تنتفع أنت؟ قد تنتفع وقد تنضر، وقد لا تنتفع، ولا تنضر، إن فعلت ذلك رياءً انضررت، وإن فعلته إخلاصًا انتفعت، وإن فعلته مجرد سجية وطبيعة فإنك لا تنتفع؛ ولهذا قال هنا: ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٨] قال المؤلف: (أي: ثوابه بما يعملون)؛ (أي: ثوابه). هذا تفسير لا يُناسب الصحيح، وإنما هو على طريقة أهل التأويل الذين لا يؤمنون بالصفات الخبرية التي أخبر الله بها عن نفسه كالوجه واليدين والقدم، وما أشبهها، فتفسير الوجه بالثواب خطأ، وليس على طريق أهل السنة والجماعة، بل هو على طريق أهل البدع المؤولين الذين يسمون أنفسهم مؤولين وهم في الحقيقة مُحرِّفون، والصواب أن المراد بوجه الله وجهه الذي هو صفته، وأن في الآيات إشارة إلى أن من فعل مثل هذه الأمور لله فإنه سوف يرى الله عز وجل ويلقاه كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة وإجماع السلف أن المؤمنين يرون ربهم كما يرون القمر ليلة البدر.
* الطالب: شيخ، قلنا: إنه ينتفع بما أعطى، فليقل: ذلك خير للذين يريدون وجه الله، يعني المسألة (...)؟
* الشيخ: لا، يُنتفع بها، كيف ما ينتفع؟!
* الطالب: أقول: يُنتفع، لكن الآية مرادها؟
* الشيخ: إي، نقول: ما يكون خير إلا لمن يريدون وجه الله، هذا بالنسبة للمعطي، أما بالنسبة للمُعْطَى فهو خير له، حتى لو يعطيه إنسانًا كافرًا، لو يعطي كافر شخصًا مالًا انتفع به، وصار خيرًا.
* الطالب: لكن الآية يعني كان معناها أنها نفع للمعطي.
* الشيخ: نعم، هي ما تكون خيرًا للمعطي إلا بالنية، المعطي ما تكون إلا بالنية، أما بالنسبة للمُعْطَى فهي خير على كل حال، فالله ما ذكر في الآية هنا الخير للمعطِي إلا بهذه النية، أما المعطَى فلا شك أنه له خير على كل حال كما تفسره آية النساء.
* الطالب: (...) ثواب الله، ما يشمل رؤية الله (...) يلتمس له العذر؟
* الشيخ: لا، معروف الطريق.
* الطالب: سورة الإنسان التي تدل على ذلك في قوله تعالى: (...).
* الشيخ: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٣]، الأولى ناضرة بالضاد بمعنى حسنة وبهية، والثانية بالظاء؛ لأنها من النظر بالعين.
قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم ٣٨] أولاء مبتدأ، و﴿هُمُ﴾ ضمير فصل، و﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبره، المفلح هو الذي فاز بالمطلوب، ونجا من المهروب، مِن (أفلح) إذا فاز، وأصل الفلاح البقاء، كما قال الشاعر:
.......................... ∗∗∗ وَالْمُسْيُ وَالصُّبْحُ لَا فَلَاحَمَعَهْ
يعني لا بقاء، ولكنه صار شاملًا لكل ما حصل به المطلوب ونجا به من المرغوب.
وقوله: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الجملة اسمية تدل على أن الفلاح لازم لهم، ضمير الفصل هل هو اسم ولَّا حرف؟ لا، الصحيح أنه حرف لا محل له من الإعراب، ولا يُعرب؛ لأن ما الفائدة من ضمير الفصل؟ الفائدة الحصر فقط له ثلاث فوائد؛ الأولى: الحصر، والثانية: التوكيد، والثالثة: الفرق بين الصفة والخبر، مثال ذلك: إذا قلت: زيدٌ العاقلُ، زيدٌ: مبتدأ، والعاقل: خبر. لكن يحتمل أن تكون العاقل صفة لزيد، وأن الخبر ما بعد زيد العاقل محمود مثلًا، فإذا قلت: زيد هو العاقل تعين أن تكون العاقل خبرًا؛ ولهذا قيل له: إنه ضمير فصل؛ لأنه يفصل ويميز بين التابع اللي هو النعت وبين الخبر، أما إفادته للتوكيد واضحة فإن قولك: زيد هو العاقل أقوى في الدلالة على الحصر من قولك: زيد العاقل، أما كونه لا محل له من الإعراب فلاحظ في القرآن: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠].
لو كان له محل من الإعراب لقال: إن كانوا هم الغالبون، يكون هم: مبتدأ، والغالبون: خبر، والجملة خبر كان، فدل هذا على أنه لا محل له من الإعراب وهو على المشهور عند النحويين حرف؛ يعني جِيء به للفصل.
* الطالب: سلمك الله، الضمير إذا أطلق عليه كلمة الضمير، والضمائر كلها أسماء، فإذا كان حرف (...).
* الشيخ: صورة الضمير، لكن معناه ليس معنى الضمير الذي يكون اسمًا (...)
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم ٣٦].
* يستفاد منه هذه الآية الكريمة: (...) ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٥٥].
* يستفاد من هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى قد يجعل النعم سببًا للكفر فيكون الكفر معنًى لها؛ لقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [الروم ٣٤]؛ لأن ذكرنا أن اللام هنا للعاقبة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب إذا جعلنا الباء في قوله: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ سببية أما إن جعلناها للاختصاص فليس فيه دليل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما أصابنا من نِعَم فإنه من الله؛ لقوله: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾.
* ومنها: تحذير الكافرين، وأن انبساطهم بنعم الله سبحانه وتعالى ضرر عليهم؛ لقوله: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
* ومنها: بلاغة القرآن؛ وذلك بالانتقال من الغَيْبَة إلى الخطاب الذي يسمى في اصطلاح البلاغيين (...)؛ لأنه سبق لنا فوائد الانتقال.
* الطالب: والعكس يا شيخ؟
* الشيخ: إلا.. كيف؟
* ومنها: إثبات الجزاء. من أين نأخذه؟ من قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
ثم قال عز وجل: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم ٣٥].
* من فوائد هذه الآية: أن أولئك المشركين ليس لهم حجة على شركهم؛ لقوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾.
* ومن فوائدها: أن من صنع شيئًا بدليل فلا لوم عليه. من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ يعني لو كان لهم سلطان ما نلومهم، ولا نعذبهم.
* ومنها: أن المجتهد المتأول لا إثم عليه، لماذا؟ لاعتماده في اجتهاده على دليل؛ لأنه استند إلى دليل؛ ولهذا لم يُضمِّن النبي ﷺ أسامة بن زيد، لم يضمنه الرجل الذي قتله بعد أن قال: لا إله إلا الله، السبب؛ لأنه متأوِّل. ولم يُلزِم عمار بن ياسر بقضاء الصلاة حين تيمم عن الجنابة بالتقلب على الأرض والتمرغ فيها، لماذا؟ لأنه مُتأوِّل، ولم يلزم المرأة المستحاضة بقضاء الصلاة وهي تتركها وقت الاستحاضة؛ لأنها متأولة، وعلى هذا فكل متأول يظن أنه على صواب فإنه لا إثم عليه، لكن هل هذا يشمل الأصول والفروع أو هو خاص بفروع الدين؟
قال شيخ الإسلام: إنه يشمل الأصول والفروع، وأنكر شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن يكون الدين منقسم إلى أصول وفروع، وقال: إن هذا التقسيم لا أصل له، لا في الكتاب ولا في السنة، فهذه الصلاة عند المقسِّمين، الصلاة عندهم من قِسْم الأصول ولَّا من قسم الفروع؟ الفروع، وهي من آصل الأصول، هي الركن الثاني من أركان الإسلام، ومع ذلك هي عندهم من قسم الفروع، وأشياء يختلفون فيها وهي عندهم من قسم الأصول، ويرون أن الاختلاف فيها مساغ؛ كاختلافهم في رؤية النبي ﷺ ربه، واختلافهم في نعيم القبر وعذاب القبر في بعض الصور، وما أشبه ذلك مما هو من العقائد، ومع ذلك يرون أن الاختلاف فيه سائغ.
فالشاهد أن المدار كله على قاعدة من قواعد الشرع، وهي قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، فمن اجتهد في طلب الحق وتحرَّاه، ولكنه لم يُوفَّق له مع حُسْن النية وصحة المسلك، هل نقول: هذا آثِم؟ ما يمكن، يعني عندنا مثلًا فيه علماء أجلة نشهد لهم بالدين، والصلاح، وحب الإسلام، والانتصار للإسلام، ومع ذلك هم مخالفون للسلف في العقيدة، ونحبهم، ولا نؤثمهم، مِثْل مَنْ؟ كابن حجر، وابن الجوزي، وكذلك النووي، وطوائف من العلماء معروفون بالصلاح والإصلاح وحب الخير، ونعلم أنهم مجتهدون، مع أن الإنسان الذي تبين له الحق ولكنه عاند وأصر هذا يُعامَل بما يقتضيه عناده وإصراره.
وهنا الآن الذي قال الله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ هي في مسألة أصولية، في الشرك، لو كان لهم حجة يعتمدون عليها ما استحقوا العذاب ولا اللوم، ولكن ليس لهم حجة.
قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم ٣٥]
* يستفاد منها أيضًا: أنه لا بد أن يكون السلطان أو الحجة التي يحتجون بها واضحة؛ لقوله: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾، والتعبير بالكلام هو أوضح ما يكون من الإظهار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ظهور عدل الله سبحانه وتعالى، وإلا لكان عز وجل يعذبهم بدون أن يقيم عليهم الحجة، ولكن لإظهار عدله سبحانه وتعالى صار يطالب بالحجة هؤلاء مع العلم أنه لا حجة لهم، ومن هذا النوع الموازين يوم القيامة، والكتب يوم القيامة، كل هذا لإظهار عدل الله، وإلا فالله تعالى له الحكم وإليه المنتهى، قادر على أن يُعذِّب بدون ميزان وبدون كتاب، ولكنه سبحانه وتعالى بكمال عدله يُعطَى الإنسان كتابه ويقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤].
قال بعض السلف: لقد أنصفك من جعلك حسيبًا على نفسك، صحيح، لو تتذكر الحساب بينك وبين واحد معاملة وحساب صادر ووارد، قلت: خذ الدفتر وأنت حاسب، أيش يكون هذا عدل ولَّا لا؟ عدل بخلاف ما لو ما أجملت الحساب وقلت: عليك كذا ولك كذا، قد يكون في هذا شُبْهة، لكن يعطيك الدفتر ويقول: أنت حاسب نفسك، هذا غاية الإنصاف.
فيه بعده: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم ٣٦].
* يستفاد من الآية الكريمة: أن الرحمة من الله تفضلًا منه وامتنانًا كيف ذلك؟ أن كونها من كقوله: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا﴾. وأما كونها تفضلًا فلأنه لم يذكر لها سببًا تفضلًا وامتنانًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذم الفرح إذا كان على سبيل الأشر والبطر، قد تقولون: من أين نأخذه من الآية؟
* طالب: من قوله: ﴿فَرِحُوا﴾ يا شيخ.
* الشيخ: إي، لكن تقييد الفرح بالأشر والبطر من قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ يمكن يُؤخذ أن الفرح المذموم من الصفة التي بعده.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن السيئة لا تُضاف إلى الله؛ لأنه قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ ولم يقل: وما أصبناهم.
فإن قال قائل: ما تقولون في قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء ٧٨]. فما هو الجمع؟
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب هنا قلنا: إن السيئة لا تضاف إلى الله؛ أي أن إيقاعها سيئة ولَّا لا؟ إيقاعها ليس بسيئة، هي سيئة لكن إيجادها ليس بسيئة، بل ولحكمة، فالشيء بنفسه قد يكون سوءًا لكن بالنسبة لفعل الفاعل لا يكون فعل الفاعل سوءًا، هذا رجل لُدِغَ ابنه، واحتاج الابن إلى كي، فأحمى الحديدة في النار وكواه، فصرخ الابن فرحًا أو ألمًا؟ ألمًا، إذن هذه سيئة ولَّا لا؟ لكن كي والده إياه سيئة ولَّا حسنة؟ حسنة.
فحينئذٍ يجب أن نعرف الفرق بين الفعل والمفعول، فالسوء والشر إنما هو بالنسبة لمفعول الله من الصفات المنفصلة عن الله، أما بالنسبة للفعل الذي هو فعل نفسه فإنه لا يمكن أن يكون شرًّا أبدًا بل هو خير، ويمكن أن تقول: إن الخير نوعان: خير لذاته، وخير لغيره، فما كان شرًّا في نفسه وقدَّره الله فهو خير لغيره، وما كان خيرًا في نفسه فهو خير، واضح، ممكن نقول هكذا؟ فإذن لنا عن هذا جوابان؛ الجواب الأول: أن يُقال: إن الشر ليس في فعل الله، بل هو في مفعوله، أما إيجاد الله له فهو خير لما يتضمنه من الحكمة البالغة، هذا واحد ونظيره كَيُّ الإنسان ابنه ليُشفى من المرض فهو في ذاته الكي شر، لكن بالنسبة لفعل الأب له خير، هذا وجه.
أو يقال: إن الخير نوعان؛ خير لذاته، وخير لغيره، فما كان خيرًا محضًا فهو خير لذاته كالمطر، والنبات، والأمن، وما أشبه ذلك وما كان شرًّا لذاته فهو خير لغيره، إذا كان الشر خيرًا لغيره صار بهذا خيرًا، فالجدب والقحط والخوف وما أشبه ذلك خير؛ لأنه يؤدي إلى خير كما قال الله عز وجل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: فهمنا الآن أن السوء لا يضاف إلى الله، وإنما يضاف إلى مفعولاته.
* من فوائد الآية الكريمة: أن السوء لا ينال الناس إلا بأعمالهم؛ لقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ طيب سؤال هل هذا يشمل السوء في الأمور الدينية والأمور الدنيوية أو في الأمور الدنيوية فقط؟ فيهما جميعًا؛ فالجدب والقحط بسبب الأعمال السيئة والمعاصي، كذلك زيغ القلب بسبب المعاصي ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥].
إذن المصائب الدينية والدنيوية كلها بسبب أعمالنا نحن، فلو استقمنا استقامت لنا الأمور، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال ٢٩] شوف فرقانًا، إذن التقوى سبب للعلم؛ لأن الفرقان ما يكون إلا بعلم يفرق الإنسان فيه بين النافع والضار والحق والباطل، إذن نقول: هذا يشمل أمور الدين وأمور الدنيا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم القنوط من رحمة الله، من أين يؤخذ؟ لأن الله أطلقه على سبيل الذم، ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾، هذا دليل على تحريمه، ودليل على تحريمه بالنظر أن القنوط يستلزم عدم الرجوع إلى الله؛ يعني إذا قنط من رحمة الله كيف يرجو رحمة الله؟ فيستحسر وييئس والعياذ بالله، ولا يتعرض لما فيه الرجاء والأمل.
* الطالب: شيخ، البلاء..
* الشيخ: البلاء بما يُؤلم هذا سوء، والبلاء بما يسر هذا ابتلاء وليس سوءًا.
* الطالب: المؤمن يُبتلى على قدر إيمانه؟
* الشيخ: يُبتلى على قدر إيمانه؛ لأنه أحيانًا يكون الابتلاء بالمصائب ليس من أجل عقوبة لكن من أجل التمثيل وهو البيان، وهذا مر علينا أنه قد يقع ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١] ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ [البقرة ٢١٤].
وقلنا: إن الابتلاء مع استقامة الحال ليس المراد به تكفير سيئة حصلت بل المراد به رفع درجات؛ لأن الصبر ما يكون إلا على بلوى، والصبر مرتبة عالية ما ينال إلا بمشقة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الاختيار في البحث؛ لقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الروم ٣٦]. فيكون في ذلك رد لقول مَنْ؟ الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان ما له اختيار في العمل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُعاقَب على أعمال القلوب، أو قد يُذم على أعمال القلوب؛ لأن القنوط من أعمال القلوب؛ إذ إنه أشد اليأس ومحله القلب.
إلى الغيبة، ففيه تعلية للشأن مثل التعبير بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ [غافر ٦٠]، ما قال: وقلت لكم، أو أقول لكم؛ تعظيمًا لشأنه تعالى، ويش يصير المراد بذلك؟ تعظيم شأن هؤلاء الذين أرادوا وجه الله عز وجل بكونهم حصلوا على مضاعفة الأجر والثواب بخلاف الأولين.
ثم قال تعالى: (﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ ممن أشركتم بالله ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ) يقول المؤلف: (لا ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ به).
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ يعني: أوجدكم من العدم، لكن الخلق ليس مجرد الإيجاد بل هو الإيجاد بتقديرٍ، بل إن بعضهم قال: إن الخلق في الأصل هو التقدير، واستدلوا لذلك بقول الشاعر:
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَاخَـــــــــــــــــــــــــــلَقْتَ ∗∗∗ وَبَعْضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَايَفْرِي
ويش معنى (ما خلقتَ)؟ أي: ما قدَّرتَ، ولكن الصحيح أنه يطلق على الإيجاد المسبوق للتقدير، فمعنى ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أوجدكم إيجادًا مسبوقًا بالتقدير والإحكام والإتقان. وهذا مسلم ولَّا لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: حتى عند المشركين؟ حتى عندهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، ولا يمكن لأحد إلا المجنون أن يدعي أنه خلق نفسه، أبدًا، أو يدَّعي أنه خُلِقَ بدون خالق، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور ٣٥]؟ لا. فأنت ما خلقك أبوك، ولا خلقتك أمك، ولا خلقك أحد من البشر، ولا من غير البشر سوى الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر مُسَلَّم.
ثانيًا: ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾..
* طالب: الشيوعية يقولون: خلقتهم الحجارة (...).
* الشيخ: يقولون: إنها الطبيعة، فيعترفون بهؤلاء الخلق، لكن هؤلاء مكابرون لا عبرة بقولهم.
* طالب: أهل الطبيعة، ويش يصفون الخلق؟
* الشيخ: يقولون: هذا شيء وُجِد في الأزل على هذه الصفة وصار يتفاعل ويتوالد، وما أشبه ذلك.
* الطالب: لكن ما هم مقرين أن الله هو الخالق.
* الشيخ: لكن يقرون بموجد، ما يقولون: إن هذا الشيء مثلًا.. إن هذا الإنسان أو هذا الحيوان وُجِد هكذا صدفةً، يُقِرُّون بموجد وهي الطبيعة، فنقول لهم: هذه الطبيعة من الذي أوجدها؟
وقوله: ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ [الروم ٤٠]..
* طالب: (...) حقيقة الأمر (...).
* الشيخ: ﴿رَزَقَكُمْ﴾ أي: أعطاكم، والرزق في اللغة العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨] أعطوهم.
وهل أحد يدعي أن الرازق سوى الله؟ قد يدعي أحد، قد يقول: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ الله قال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾، فأنا رزقت هذا الإنسان أعطيته، فيقال: لكن من الذي خلق ما أعطيت؟ الله الذي رزقك هذا هو الله، ومهما كان من عمل بني آدم فإنما هو تحويل لا إيجاد، كل عمل بني آدم -حتى الصنائع والبناء وغير ذلك- ليس إلا مجرد تحويل؛ يعني: تغيير من شيء إلى شيء، وإلا فالأصل هو الله عز وجل، هو الخالق، وهو الموجد، هذا الرزق اللي أعطيت مثلًا، هذا الرجل أعطيته كيسًا من الطعام، صحيح أنك رزقته، لكن من الذي أوجد هذا الكيس؟ الله عز وجل، فإذن الرزق أصله من الله وإن كان قد يوجد على أيدي بعض الناس؛ لقوله تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» »[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله.]].
لكن يقال: من الذي خلق هذا الرزق؟ ومن الذي جلبه إليك؟ ومن الذي قدَّر أن تعطيه هذا؟ كله الجواب هو الله.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ يعني: بعد هذا الخلق والإمداد؛ الخلق إعداد، والرزق إمداد، الله عز وجل أوجدك وأعدك وهيأك، ثم أمدك بما به قوامك، بعد ذلك يميتكم، ﴿يُمِيتُكُمْ﴾ يعني: بعد الحياة الدنيا يكون الموت؛ وهو مفارقةُ الروحِ البدنَ مفارقةً تامةً، لأن النوم فيه مفارقة تفارق الروح البدن لكن ليست مفارقة تامة، أما الموت الذي هو الموت فهي مفارقة تامة، ولكنها تُعَاد إليه في قبره إعادةً برزخيةً لا كإعادتها في الدنيا.
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ الحياة الآخرة التي ليس بعدها فناء.
قال الله عز وجل: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ ﴿شُرَكَائِكُمْ﴾ هذه مضافة إلى المفعول ولَّا إلى الفاعل؟
* طالب: إلى الفاعل.
* الشيخ: ﴿مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ الذين أشركتموهم، فتكون مضافة إلى المفعول؛ يعني هل من هؤلاء الذين أشركتموهم بالله؟ ولهذا قال المؤلف: (ممن أشركتم بالله).
* طالب: أشركتم هذا (...).
* الشيخ: لا، أشركتم، لكن أشركتموهم، أصلًا ممن أشركتموهم.
* طالب: أن الإنسان يشرك.
* الشيخ: نعم، إذا أشرك فالمشرَك به مفعول، فمعنى ﴿شُرَكَائِكُمْ﴾ ليس معناه هم الذين أشركوكم، بل أنتم الذين أشركتموهم مع الله، فهو مضاف إلى مفعوله.
قال: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إعراب ﴿مَنْ يَفْعَلُ﴾، ويش محلها من الإعراب؟
* طالب: فعل الشرط.
* الشيخ: أي شرط؟
* طالب: (هل).
* الشيخ: لا، ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ﴾ (مَن) ويش إعرابها؟
* طالب: مفعول المصدر.
* الشيخ: لا، يحتمل أن تكون نكرة موصوفة، والتقدير: هل من شركائكم أحدٌ يفعل ذلك، ويحتمل أن تكون موصولة على أنها مبتدأ مؤخر؛ أي: الذي من شركائكم، هل الذي يفعل ذلك من شركائكم؟ والأول أحسن؛ أن تكون نكرة موصوفة؛ يعني: هل من شركائكم أحد يفعل من ذلك؟
وقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ (مِن) زائدة، وصحت زيادتها؛ لأن الاستفهام هنا بمعنى النفي، و(مِن) تزاد في النفي، كما قال ابن مالك:
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرّ ∗∗∗ نَكِرَةً كَـ(مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّ)
وقوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه ما هو؟ الخلق والرزق والإحياء والإماتة، فعلى هذا يكون الجواب عن كونه مفردًا مَذَكَّرًا مع أن السابق أربعة أشياء؛ جمع، يقال: لأنه أُوِّل بالمذكور، ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ أي: من ذلكم المذكور، فصحَّ أن يأتي اسم الإشارة مفردًا مذكرًا؛ لأنه عائد إلى المذكور.
وقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: ما يمكن يفعل هؤلاء أي شيء من هذه الأمور؛ لا الخلق، ولا الرزق، ولا الإحياء، ولا الإماتة. وهذا على سبيل التحدي، فإذا كانت هذه الآلهة التي أشركت بالله لا تفعل شيئًا من هذا، هل تصح أن تكون آلهة؟ لا، بل تأليهها باطل؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢].
يبقى النظر لو ادعى مدعٍ أنه يحيي ويميت؛ كالذي حاج إبراهيم في ربه، إبراهيم ﷺ قال له: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فما هو الجواب لو قال قائل: إن من المعبودين من يستطيع أن يحيي ويميت؟
نقول: هذه دعوى باطلة؛ لأن الإحياء والإماتة من الإنسان ليست إحياء وإماتة ولكنها فِعْلُ سببٍ يحصل به (...).
﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الروم ٣٨] إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: أن لهؤلاء الأصناف الثلاثة حق؛ القريب والمسكين وابن السبيل.
* ومن فوائدها: وجوب إيتاء هؤلاء حقهم. من أين تؤخذ؟ من (آت) الأمر، والأصل في الأمر الوجوب.
* ومن فوائدها: أن الأقرب فالأقرب أحق. من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾، لكن كيف الأخذ؟ الأخذ هو أن لدينا قاعدة سبق أن قررناها؛ وهي أن الحكم إذا عُلِّق على وصف فكل ما كان أكثر في هذا الوصف فهو أحق، إذا عُلِّق الحكم على وصف فكلما كان هذا الوصف أشد تمكنًا في شيء فهو أحق.
فمثلًا إذا قلت: أدِّبِ العاصي، عُلِّق التأديب بماذا؟ بالعصيان، ويش يقتضي؟ كل من كان أشد معصية كان أشد تأديبًا، أو لا؟ وإذا قلنا: أكرم المؤمن، صار معنى ذلك كل من كان أقوى إيمانًا صار أحق بالإكرام.
﴿ذَا الْقُرْبَى﴾ عُلِّق الحق بماذا؟ بالقرابة، فكلما كان أقرب كان أحق بالإيتاء.
وهذه القاعدة مفيدة لطالب العلم؛ أنه إذا عُلِّق الحكم على وصف قوي ذلك الحكم بقوة ذلك الوصف، نظرًا أن تعليقه بالوصف يفيد عِلِّيته، وهذا أيضًا القاعدة الثانية؛ أن تعليق الحكم بالوصف يفيد أن ذلك الوصف علة.
فمثلًا تقول: أكرم المؤمن. لماذا؟ لإيمانه. أدب الفاسق؛ لفسقه، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة ٦٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص ٧٧]، معناه: لإفسادهم، وهكذا نقول: إن تعليق الحكم بالوصف يدل على عِلِّية ذلك الوصف، وأنه علة الحكم، وبناء على هذه القاعدة تأتي القاعدة الأولى أيضًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل من كان أحق بالإحسان فهو أولى به؛ لأن المسكين أحق بالإحسان من الغني، وابن السبيل المسافر المنقطع به سفره أحق من غيره.
* من فوائد الآية الكريمة: أن النفع المتعدي خير في نفسه. وهل هو خير للفاعل؟ خير له بشرط، فهو خير بنفسه وإن لم ينتفع به الفاعل.
بناء على ذلك يتفرع على هذا أن ما يبذله الكفار من منافع للمسلمين هي خير للمسلمين، ما نقول: هذه صدرت من كافر فليست بخير، ما فيها خير، لا، لو أن أحدًا من الكفار أصلح طريقًا من الطرق من هذه الشركات الكافرة، هل يكون في هذا الإصلاح خير؟ نعم، خير لا شك فيه، لكن ليس خيرًا لهم إنما هو خير لغيرهم.
* ومن فوائد الآية: التنبيه على أهمية الإخلاص؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه كلما كان العمل أخلص لله كان أكثر خيرًا للفاعل. من أين نأخذ هذا الحكم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، إحنا أخذنا أنه فيه خير لمن أراد الإخلاص، لكن كلما كان أخلص كان أكثر خيرًا للفاعل، من القاعدة التي مرت علينا؛ أن هذا الحكم عُلِّق بعلة ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ﴾؛ لأن اسم الموصول مع صلته كاسم الفاعل تمامًا، فيكون خيرًا للذين يريدون، إذن فكلما كان الإنسان أخلص في إرادة وجه الله كان خيرًا، أكثر خيرًا له.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الوجه لله؛ لقوله: ﴿وَجْهَ اللَّهِ﴾.
ووجه الله عز وجل قال أهل العلم: إنه من الصفات الخبرية؛ لأن عندهم أن الصفات خبرية محضة، يعبِّرون عنها بالخبرية؛ لئلا يقعوا في المحذور، فلا يقولون: إنها بعضية -مثلًا- أو جزئية؛ لأن التبعض والتجزئة في ذات الله عز وجل محرَّم إطلاقه، فالوجه واليد والعين والساق والقدم كل هذه يُعَبَّر عنها بالصفات الخبرية، لكن السمع والعلم والقدرة والحياة ويش تسمى؟ صفات معنوية؛ صفات معانٍ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى رؤية الله عز وجل. كيف ذلك؟ لقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.
ولا شك أنه ثابت؛ رؤية الله عز وجل ثابتة بالقرآن والسنة وإجماع السلف، ففي القرآن قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣] ويش معنى (ناضرة) الأولى؟ من النضارة؛ وهي الحُسْن، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ بالظاء منين؟ من النظر؛ وهو الرؤية بالعين، وهذه الآية من أصرح ما في القرآن، وفيه آيات أخرى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين ٢٣]، وفيه آية ثالثة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]، فسرها النبي عليه الصلاة والسلام بأنها النظر إلى وجه الله[[أخرجه مسلم (١٨١ / ٢٩٧) من حديث صهيب.]]، وفيه آية رابعة: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥]، وفيه آية خامسة وهي قوله تعالى في الأنعام: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام ١٠٣] فإن هذه الآية تدل على الرؤية؛ لأن الله قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾، ونفي الإدراك يدل على ثبوت الأصل، ولو كان لا يُرَى لقال: لا تراه الأبصار، فنفي الأخص يقتضي وجود الأعم؛ ولهذا كانت هذه الآية التي يستدل بها أهل التعطيل على نفي رؤية الله صارت دليلًا عليهم لا دليلًا لهم.
طيب الفرق بين الصفات المعنوية والخبرية أن الصفات المعنوية تدل على معانٍ؛ كالسمع والبصر والعلم والقدرة وما أشبهها، وأما الصفات الخبرية فهي تدل على صفاتٍ هي أبعاض لنا، هي بالنسبة لنا أبعاض، فيَدُ الإنسان ووجه الإنسان وساق الإنسان وقَدَم الإنسان وعينه -مثلًا- هذه أبعاض له، لكن ما نسميها بالنسبة لله أبعاضًا، بل سماها أهل العلم الصفات الخبرية.
* طالب: في الحديث: «يوم القيامة الله سبحانه وتعالى يقول: من كان يعبد الطواغيت فليتبع الطواغيت، ومن كان يعبد الشمس فليتبع الشمس، فيأتيهم الله سبحانه وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، قال: ثم يأتيهم في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فينطلق ثم يتبعونه»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٧٣)، ومسلم (١٨٢ / ٢٩٩) من حديث أبي هريرة.]].
* الشيخ: لا، ما فيه: «فينطلق ثم يتبعونه».
* طالب: (...).
* الشيخ: فينطلق.
* طالب: فيتبعونه.
* الشيخ: الله؟
* طالب: يكشف عن ساق.
* الشيخ: «يُكْشَف عن ساق، فيسجد له كل من كان يسجد لله تعالى في الدنيا. » المهم على كل حال ويش الإشكال فيه؟
* طالب: الاستشكال كيف ينطلق فيتبعونه؟
* الشيخ: لا، هذه ما أدري، ما أعرفها، هذه تأكدها، إحنا ما نبحث فيها حتى تؤكد، ولا مرت عليَّ هذه، إنما مر علينا أن الأمم تتبع ما كانت تعبد حتى تُلْقَى في النار.
* طالب: كل إنسان إلى آلهته؟
* الشيخ: إي نعم، طيب.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الفلاح يكون بأمرين؛ بالإخلاص وفعل المأمور به. من أين نأخذه؟ من قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم ٣٨]، وهؤلاء المشار إليهم أتوا بالفعل والثاني الإخلاص.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ [الروم ٣٩]..
* طالب: ما الفائدة؟
* الشيخ: الفائدة أن الفلاح يكون بفعل المأمور به مع الإخلاص.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم ٣٩].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من بذل ماله من أجل الحصول على أمر الدنيا فإنه لا أجر له في ذلك. من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾، وهذا عكس الأولين الذين سبقوا في الآية السابقة، الذين أعطوا في الآية السابقة ويش يريدون؟ يريدون وجه الله، هؤلاء بالعكس، هؤلاء يريدون الازدياد بما أعطوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: التنبيه على أهمية الإخلاص؛ لقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: في الإخلاص مع العمل، العمل الصالح مع الإخلاص.
* من فوائد الآية الكريمة: التنبيه على الإخلاص. من أين تؤخذ؟ ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن مضاعفة الأعمال تكون بحسب الإخلاص؛ لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾، فقد رتَّب الله تعالى الإضعاف على إرادة وجه الله. وعلى ما قررنا في القاعدة قبل قليل: يكون كل من كان أخلص لله فعمله أكثر مضاعفة، وهذا أمر لا شك فيه؛ فإن مضاعفة الأعمال تكون بأسباب كثيرة؛ منها شرف الزمان، ومنها شرف المكان، ومنها شرف الفاعل، ومنها شرف العمل، ومنها الإخلاص، ومنها الاتباع، كل هذه الأسباب الستة من أسباب المضاعفة.
المضاعفة بسبب شرف الزمان مثل؟ كرمضان والعشر الأول من ذي الحجة، هذا لشرف الزمان.
والمكان كالحرمين والأقصى؛ فإن العمل فيها أشرف من غيرها، الصلاة في المساجد الثلاثة أشرف من غيرها.
ومنها الفاعل؛ كالصحابة الذين قال فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]].
ويُلْحَق بهذا العاملون في آخر الزمان في أيام الصبر الذين يتمسكون بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام مع تباعد الناس عنها، فإن هؤلاء يُضَاعَف لهم الأجر، وإن كانوا لا ينالون مرتبة الصحابة لكن يضاعف أجرهم بسبب ما يجدونه من الغرابة ومخالفة الناس لهم؛ لأنه لا أحد يشك أن الإنسان الذي يعمل في محيط يعملون كما يعمل أن العمل عليه هين، بل مخالفة الناس هي الصعبة، لكن عمل الإنسان في محيط لا يعملونه هذا هو الصعب والشاق، لا سيما أن المعارضة ستكون عنيفة؛ لأن هذا متمسك بطاعة الله، والمخالفون له على العكس، وأعنف صراع يكون بين المتخالفين هو ما يكون بين المتمسكين بدين الله والمتحللين منه. هذه ثلاثة، ويش بقي؟
* طالب: بقي العمل.
* الشيخ: تكون أيضًا المضاعفة بحسب العمل..
* طالب: كثرته.
* الشيخ: بحسب العمل، الكثرة ما هي واردة لكن جنس العمل، فالصلاة أفضل من غيرها، والفرض من كل عمل أفضل من نفله وأشرف، والجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، وهكذا، كما بينا لكم كثيرًا. هذه أربعة. والخامس؟
* طالب: الإخلاص.
* الشيخ: بحسب الإخلاص كما في هذه الآية، وكلما كان الإنسان أخلص ولو كان العمل واحدًا كان عمله أشرف من الآخر؛ ولهذا تجد رجلين ركبا سيارة واحدة، وخرجا ودخلا جميعًا في الحج أو في العمرة، ورجعا جميعًا على السيارة، وأفعالهما واحدة، وأقوالهما واحدة، وبينهما تفاوت أكثر مما بين المشرق والمغرب؛ بحسب الإخلاص لله.
والسادس: بحسب الاتباع؛ ولهذا «أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله الصلاة على وقتها»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٣٤)، ومسلم (٨٥ / ١٣٧) من حديث ابن مسعود.]]؛ لأنها حصلت على وجه المتابعة للرسول ﷺ.
هذه الأسباب في الشرف كلها مما يوجب للعبد العناية بأعماله، وأن يتحقق بما يستطيعه من هذه الأسباب.
* طالب: قوله (...) في أيام الصبر له أجر خمسين منكم، ويش..؟
* الشيخ: المعنى له أجر خمسين منكم في هذه الخصلة التي عانى بها وتعب، فأصل العمل -مثلًا- الصدقة مضاعفة بعشر أمثالها، عشر أمثال موجودة في الصحابة وموجودة في الزمن المتأخر هذا، لكنه يُضَاعف ذلك، يكون أجر هذا مثل أجر خمسين من الصحابة؛ لما يجده من المعاناة، لكن الكمية التي تحصل للصحابة التي لو أنفق أحدنا مثل أُحُد ما بلغ مُدِّ أحدهم ولا نصيفه، هذه خاصة بهم، فعندنا ثواب على أصل العمل، وثواب مضاعف بحسب العامل، فأصل العمل -كالصدقة مثلًا- يكون لهؤلاء المتأخرين أجر خمسين من عمل الصحابة باعتبار أصله لا باعتبار أنه وقع من الصحابة رضي الله عنهم.
* طالب: ما يرد على هذا قولهم أنهم قالوا:« منا أو منهم قال: «بَلْ مِنْكُمْ»؟
* الشيخ: إي نعم، ما يرد على هذا؛ لأننا نعتبر أصل العمل لا المضاعفة بحسب كونه صحابيًّا، فأصل العمل مثلًا الصحابي لولا الصحبة لكان له أجر أصل العمل فقط، فبالصحبة يزداد، فيكون معنى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» »[[أخرجه أبو داود (٤٣٤١) والترمذي (٣٠٥٨) وابن ماجه (٤٠٤١) من حديث أبي ثعلبة الخشني.]] يعني: باعتبار أصل العمل، ويجب الرجوع إلى هذا؛ لأنه لا يمكن الجمع بينه وبين هذا الحديث إلا على هذا الوجه.
* طالب: لماذا لم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام: خمسين عاملًا ولا يقول: خمسين صحابيًّا؟
* الشيخ: ما نقدر نقول: لماذا لم يقل؛ لأن المسألة الآن مسألة جمع، ولو كان الأمر واضحًا ما احتجنا نقول: ويش الجمع فيه؟ فما دام المسألة مسألة جمع يحتاج أنا نشوف أدنى دائرة يمكن أن تجمع بين النصين.
* طالب: الرسول من كان يخاطب؟
* الشيخ: الرسول يخاطب الصحابة.
* الطالب: وعندنا الصحابة يتفاضلون؟
* الشيخ: إي، معلوم أن الصحابة يتفاضلون، هو يخاطب خالد بن الوليد في مقابلة سبِّه لعبد الرحمن بن عوف، وعبد الرحمن بن عوف لا شك أنه من السابقين الأولين، وخالد بن الوليد متأخر إسلامه، وكان بينهما مسابة فقال له: «مَهْلًا يَا خَالِدُ، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]].
* طالب: (...).
* الشيخ: بالنسبة لمن دونه يلحق لا شك، لكن بالنسبة لمن فوقه فأهل الحديث أنه لا يلحق؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠]، ثم قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ [الروم ٤٠] إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالأجلى والأوضح؛ لأن الله استدل على بطلان آلهة المشركين بماذا؟ بأمر يقرونه هم، وآلهتهم ما تفعل، وهو الخلق والرزق والإماتة والإحياء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل؛ وذلك بالأمور الأربعة الخلق والرزق.. إلى آخره.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات أن ما اكتسبه الإنسان فهو من الله؛ لأن هذه الأربعة فيها ثلاثة ما أحد يماري فيها، ما هي؟ الخلق والإماتة والإحياء، لكن الرزق قد يماري فيه مُمَارٍ، قارون ويش قال؟ ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]، فقد فسَّره مجاهدٌ -أظن- على علم مني بوجوه المكاسب؛ يعني معناه أني أنا ماهر بمعرفة المكاسب، وحصلت هذا المال، ولكننا نقول: هذا التحصيل الذي حصلته بمهارتك من أين جاءك؟ من الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا الذي حصل لك بسبب، وخالق الأسباب هو الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لنا استجلاب الرزق من ربنا وحده؛ لقوله: ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾.
وإذا كان الأمر كذلك فإنه يترتب على هذا فائدة أخرى؛ وهي ألا نطلب رزقه بمعاصيه. ويش وجهه؟ إذا كنت تطلب الرزق من الله فهل من اللائق عقلًا أن تقدم له معصية ليرزقك؟
* طالب: لا.
* الشيخ: الذي يَسْتَدر الرزق من غيره ويش يُقدِّم؟ يقدم طاعته والخضوع له؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢، ٣]، إذن من استجلب رزق الله بمعاصيه فقد خالف الحكمة والصواب، أليس كذلك؟
فهؤلاء الذين يطلبون الرزق بالربا، ويطلبون الرزق بالغش، ويطلبونه بالكذب وغير ذلك من الوسائل المحرمة هم في الحقيقة أشبه ما يكونون بالمستهزئين بالله عز وجل الساخرين به، كأنهم يقولون: يا ربنا، إننا نعصيك لترزقنا، وهذا من أعظم ما يكون؛ ولهذا جعل الله الذين يطلبون زيادة المال بالربا، ويش جعلهم؟ محاربين له ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة ٢٧٨، ٢٧٩]، والربا -كما قال شيخ الإسلام- يقول: ما ورد في ذنب من الذنوب دون الشرك أعظم مما ورد في الربا، الذي أصبح عند الناس الآن من أسهل الأشياء وأبسطها، حتى كانوا يتعاطونه بالصراحة، ويتعاطونه بالتحيل، وتعاطيه بالتحيل أخف من تعاطيه بالصراحة، مثلما أن تعاطي الكفر بالنفاق أخف من تعاطيه بالكفر الصريح؛ لأن هذا المتحيل مخادع لله عز وجل، جمع -والعياذ بالله- بين مفسدة الربا ومفسدة الخداع والتحيل، فالرب عز وجل إذا حرَّم شيئًا ليس كغيره تخفى عليه الأشياء، فهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ونبيه عليه الصلاة والسلام وضَّح أن الأعمال بماذا؟ بالنيات.
فما دمت نويت الربا الآن لكن تحيلت عليه إدخال سلعة غير مقصودة، هذا تلاعب، استهزاء بآيات الله عز وجل، يأتي إليه يقول: أنا أبغي منك مئة ألف على أن تكون بمئة وعشرين ألفًا إلى سنة، طيب كيف الوصول إلى هذا؟ والله إحنا مسلمون، ما أقدر أعطيك المئة ألف نقدًا وأكتب عليك مئة وعشرين؛ لأننا نخشى الله، ولكن هنا طريق نلوذ من جهة أخرى ونجعل حاجزًا بيننا وبين الله، بماذا؟ بأي سلعة تتفق، نروح نشوف اللي عند الناس؛ وجدوا عند هذا سكرًا، قال: نشتري سكرًا، وجدوا عنده هيلًا، قالوا: نشتري هيلًا، وجدوا سيارات، نشتري سيارات، وجدوا أكياسًا لا يُدْرَى ما بوصفها فلعله أن يكون رملًا، قالوا: نشتري هذه الأكياس. أليس هذا هو الواقع؟ هذا هو الواقع.
ولهذا الآن ما ينظرون إلى هذه الأكياس ويش هي، يقولون: إنها أكياس سكر، وهو أكثر ما يكون في القبض أنه يمر يده عليها، ولَّا يعده؛ واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة.. إلى آخره، ويقولون: إن هذا هو القبض. فهل هذا قبض لغة أو عرفًا أو شرعًا؟ أبدًا، لا يُعَدُّ هذا قبضًا؛ لأن القبض معناه أن يكون الشيء في قبضتك، وهذا الشيء مركون في مكانه، تَرِدُ عليه عدة مبايعات في خلال ساعة أو ساعتين.
وهذه البَلِيَّة التي ابْتُلِي بها الناس الآن -نسأل الله أن ينقذهم منها- بَلِيَّة عظيمة، ويُقَبِّحها أنهم يعتقدون أنها حلال وأن عمل البنوك حرام، حتى إن بعضهم بيجيء يتغيظ ويتضجر: أعوذ بالله! شوفوا الحرام، الربا يُعْلَن صريحًا في البنوك، وهو ممن يتعامل بهذه المعاملة، يبكي غيره ولا يبكي نفسه، وهو أحق بأن يبكي نفسه.
فالمهم أننا نقول -خرجنا عن الموضوع-: إن الرزق إذا كان من الله عز وجل فإنه يجب عليك شرعًا وعقلًا أن تستمد هذا الرزق بماذا؟ بطاعة الله لا بمعصيته.
* طالب: طيب التورق -يا شيخ- ما يدخل في هذا؟
* الشيخ: التورق يقول شيخ الإسلام: إنه داخل في هذا، ويقول عنه تلميذه ابن القيم رحمه الله: إن شيخنا يُسْأَل عن هذا مرارًا فيصر على أنه حرام وأنه ربا، التورق غير شغل الناس الآن يقولون: هذا تورق، التورق قال العلماء (...) ومن احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مئة بمئة وعشرين فلا بأس به، وهي مسألة التورق، هذه عبارة الروض المربع شرح الزاد.
شوف الآن أولًا قالوا: (ومن احتاج) فعلمنا أنها ما تكون إلا للحاجة.
ثانيًا: (فاشترى ما يساوي مئة بمئة وعشرين) وقع العقد على عين المبيع، ولا قال: العشر إحدى عشر ولا اثنا عشر، وكلمة (اشترى) تُحْمل على الشراء الشرعي الذي يجمع الشروط، ومن جملتها العلم بالمبيع ونوعه وجنسه.. إلى آخره. وهل هذا موجود في عمل الناس الآن؟ أبدًا.
كذلك اشترى ما يساوي مئة بمئة وعشرين إلى أجل، هذه تنطبق؛ لأنهم يقولون: اثنا عشر، وثلاثة عشر، وإحدى عشر، حسب الاتفاق.
ثم نفس الفقهاء الذين أباحوا ذلك قالوا: يُكْرَه أن يقول في بيع المرابحة المعروف أن يقول: العشر إحدى عشر، وذكروا عن الإمام أحمد نصًّا بأنه يحرم أن يقول: العشر إحدى عشر حتى في غير مسألة التورق، بيع المرابحة الذي يعرفه بعضكم يَحْرُم فيه -على إحدى الروايات عن أحمد- أن يقول: العشر إحدى عشر، وهو يريد السلعة نفسها، ما يريد النقد، المذهب أنه يكره، والرواية الثانية عن أحمد أنه يحرم.
يعني أنا مثلًا اشتريت هذا الكتاب وأنت تبيع الكتاب، تبيع الكتاب نفسه ما تبيع دراهمه، فقلت لي: أبغي أشتريه منك مرابحة، قلت: ما يخالف، أنا شاريه بمئة، وأبيعه عليك على أن أربح بكل عشرة دراهم درهمًا. كم يكون المئة؟ مئة وعشرة. هذا جائز.
لكن لو قلت: أبغي أشتري منك العشرة أحد عشر، قالوا: إنه يكره على المذهب، ويحرم على الرواية الثانية، مع أنها من مسألة التورق.
فهؤلاء الناس الآن جمعوا بين أمرين؛ بين العشر بإحدى عشر أو اثني عشر وبين التورق، أما شغلنا الآن هو ما ينطبق عليه حتى على قول من يقول بجواز التورق.
ولاحظ أن الإمام أحمد عنه رواية ثانية، وعنه رواية بأنها جائزة، والرواية الثانية بأنها من مسائل العينة؛ التورق، ذكرها عنه شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكرها ابن القيم في تهذيب السنن أن مسألة التورق من مسائل العينة، والعينة معروف أنها حرام.
فالحاصل أننا الحقيقة في عصرنا الحاضر لما كان الناس ما يبالون إلا أن يكتسبوا المال، فجعلوا المال مقصودًا مخدومًا بعد أن كان وسيلة خادمًا، حقيقة المال أنه وسيلة خادم، ولكنا جعلناه الآن مقصودًا مخدومًا، وهذا من سفه الإنسان؛ أن يستخدمه مالُه الذي خُلِقَ له، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩].
* طالب: لكن واقع (...).
* الشيخ: لا، الراجح هو ما نعرف عنه شيئًا.
* طالب: الآن رؤية العين (...).
* الشيخ: تستعمل في الدول الكافرة، وهي طريق الإيداع الصحيح؛ لأن قولنا: إن البنوك الآن أني حطيت مالي وديعة عندهم، هذا ما هو صحيح، لا ينطبق عليه شرعًا معنى الوديعة، ويش معنى الوديعة شرعًا؟ أن تعطيه المال ليحفظه بعينه، ما هو بتعطيه مالك يحطه في صندوق وينتفع به، حتى إن العلماء قالوا: لو أن المودِع أَذِن للمودع بالانتفاع بالوديعة صارت قرضًا تثبت في ذمته، ففعل الناس الآن اللي يسمونه (...).
يأخذ سَلَمًا، السلم أني أعطي شخصًا دراهم نقدًا بسلعة مؤجلة، عكس الشراء إلى أجل أعطيك -مثلًا- عشرة آلاف ريال على أن تعطيني بعد سنة مئة كيس سكر، أو سيارة وصفها كذا وكذا، هذا ما فيه شيء؛ لأن الصحابة كانوا يفعلونه في عهد رسول الله ﷺ، كانوا يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي شَيْءٍ مَعْلُومْ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٤٠)، ومسلم (١٦٠٤ / ١٢٧) من حديث ابن عباس.]]، ووجه أن ما فيه شيء: لأن ما فيه ربح مضمون لأحد الطرفين، أو لا؟ أنا -مثلًا- إذا أعطيتك -مثلًا- عشرة آلاف ريال في سيارة إلى أجل، ما ندري أينا هل أنا اللي أربح ولا أنت، صح؛ لأنه عند انتهاء الأجل يمكن أجد السيارة بستة آلاف ريال، ويمكن ما أجدها إلا بخمسة عشر ألف ريال، إي نعم، وهذا لا بد أن يقع نادرًا أن تكون الأسعار إلى سنة لا تختلف.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف، إذا احتاج فلوسًا بيجيء لواحد يقول: تعالَ، الآن أعطنا فلوسًا بشيء مؤجل، وإلا يشتري المواد اللي يحتاج بثمن مؤجل أكثر من النقد.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا إذا اشترى السلعة بعينها يريدها بعينها، ما يتورق، التورق ما هو بيريد السلعة؛ ولهذا سمي تورقًا. مأخوذ من أين؟ من الورق؛ يعني هو لا يريد إلا الفضة، المتورق.
* طالب: بالنسبة للسلم هل يدخل فيه (...).
* الشيخ: ولهذا قال الفقهاء: لو أسلم في ثمن بستان معين ما صح؛ لأنه صار محله الآن البستان، ما صار في الذمة، أما إذا صار في الذمة فهذا ما فيه شيء، لا بد من تمام الشروط.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما تصح، ولا ثمنها.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما تجب؛ لأنه يبيع عليه أشياء بدون قبض ثمنها.
* طالب: (...).
* الشيخ: فهذا يمكن معناه أنه يحضره، وهو -مثلًا- امتنع، يتفقون معه على أننا اشترينا منك كذا وكذا؛ سيارات بكذا وكذا دراهم وهو ما سلمه الدراهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: أبدًا؛ ولهذا أحيانًا الدولة يكون مماطلتها أكثر من مماطلة الناس.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يصح هذا إلا لو كانت السيارات عنده وقال: حضرها، مثلًا لما أنه اتفق وإياهم حضر السيارات ثم أوقعوا العقد على أعيانهم، حينئذٍ يصح؛ لأنه يكون بيع عين بدين.
* طالب: وقعوا العقد على أوصافه؟
* الشيخ: لا، على أوصافه ما يصح؛ لأن المبيع الموصوف غير المعين محله الذمة، ما محله العين؛ فلهذا يكون العقد اللي وقع بين الرجل والحكومة عقد على شيء في ذمة بشيء في ذمة ما فيه شيء معين.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف، إذا حضر السلعة قال: هذه السلعة الآن، وأبيعها عليكم بكذا، وصار العقد بعد التحديد، ما يخالف، إذا صار أنه معناه التأمين بمعنى أنه حضر وبعد التحضير يجري عليه العقد فهذا لا بأس به؛ لأنه يكون بيع عين بدين وهو جائز.
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا عمدوه متى يجعلون التعاقد معه؟
* طالب: إذا عمدوه يقولون له مثلًا: بعد عشرة أيام تستلم الزيادة، وإذا سلم المستودع يروح يأخذ (...).
* الشيخ: ما هو الذي يعتبرونه عقدًا؟ هل يعتبرون العقد بعد حضورها ولَّا قبل؟ إن كان قبله فإنه لا يصح متى يعقدون، هل معناه يقول: حضر هنا، وإذا حضرت أنا بأشتريها منك بكذا وكذا؟ إذا حضرت نعطيك الثمن، إذن العقد قبل التحضير، وهذا نص العلماء على أنه لا يجوز، وهذا بيع دين بدين فلا يحل المحظور؛ لأنه ما وقع العقد على شيء معين، الآن كله في الذمم.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) تدري الآن لو بأبيع عليك الصاع بصاعين -والصاعين قيمتهم قيمة الصاع- ما فيه محظور، ما هي محرم، إحنا نتقيد فيما ورد به النص، اللي ورد به النص إما أن تكون السلعة مؤجلة، وإما أن يكون الثمن مؤجلًا، وإما أن يكون من الطرفين لا هذا ولا هذا، فهذا ما يجوز، وهذا منصوص عليه عند الفقهاء، أدنى طالب علم إذا قرأ في أول الروض المربع يعرف هذا؛ ولهذا قالوا من صور البيع (...)، ويش من صورها؟ بيع دين بعين بشرط الحضور وقبض أحد العوضين.
* من فوائد الآية الكريمة: قلنا: إنه ينبغي الاستدلال بما هو أجلى وأوضح في الاستدلال.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عجز هذه الآلهة عن فعل شيء يختص بالربوبية؛ لقوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم ٤٠]؛ لأن هذا الاستفهام -كما قررنا- بمعنى النفي.
* ومن فوائدها: ثبوت التلازم بين التوحيدين؛ توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وأن من أقرَّ بتوحيد الربوبية لزمه أن يقر بتوحيد الألوهية، وهذا المعنى قرَّره الله تعالى في عدة آيات.
* من فوائد الآية الكريمة: تنزيه الله سبحانه وتعالى عن كل نقص. من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.
* ومن فوائدها: أن المشركين بالله عز وجل قد وقعوا في تنقص الله؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الله تعالى يجمع فيما وصف وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات؛ النفي في قوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾، والإثبات في قوله: ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: قوة الإقناع في أسلوب القرآن؛ لأن مثل هذا التحدي ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذا أقوى ما يكون في الإقناع، كل منهم سيكون جوابه: لا، إذن لماذا تعبدونها مع الله؟!
هل يستفاد من هذه الآية استنباط أقسام التوحيد الثلاثة؟ الربوبية فهي موجود، والألوهية موجود، كيف ذلك؟ لاستلزام الإقرار بالربوبية للإقرار بالألوهية، ثم إن قوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ المقصود إبطال ألوهيتهم، والأسماء والصفات موجود في قوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، والله أعلم.
الروم 30:41
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١] ﴿ظَهَرَ﴾ بمعنى بان واتضح، وقوله: ﴿الْفَسَادُ﴾ ضد الصلاح، وهو من كل شيء بحسبه؛ ففساد الزروع بيبسها وتلفها بالعواصف والأمطار المغرقة والبرد المتلف، وكذلك فساد المواشي بهلاكها ومرضها، وفساد الثمار بنقصها، وما أشبه ذلك، المهم الفساد في كل شيء بحسبه.
وهل الفساد هنا يراد به الفساد الحسي أو يشمل الفساد الحسي والمعنوي؟ الصحيح أنه يشمل الفساد الحسي والمعنوي؛ فالحسي ما ذكرنا أمثلته قبل، والمعنوي هو كثرة المعاصي والفسوق وانتشارها بين الناس وعدم المبالاة بها حتى يصبح المنكر معروفًا والمعروف منكرًا، فإن هذا من أعظم الفساد، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦]، قال العلماء: لا تفسدوها بالمعاصي.
وقوله: ﴿فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ يقول المؤلف: (﴿الْبَرِّ﴾ القِفَار) أي: الفيافي الخارجة عن المدن والسكان، هذا البَر، وقيل: المراد بالبَر ما ليس ببحر، فيشمل المدن والأمصار والقفار وغيرها.
وقوله: (بقحط المطر وقلَّة النبات، ﴿وَالْبَحْرِ﴾ أي: البلاد التي على الأنهار بقلَّة مائها) فمشى المؤلف رحمه الله على أن المراد بالبَر ما سوى العمران، والمراد بالبحر العمران الذي على شواطئ البحار، وبهذا قال كثير من المفسرين، ولكن الصواب أن المراد بالبَر ما سوى البحر، والمراد بالبحر الماء؛ لأن ما ذكرناه هنا أعم مما ذكره المؤلف وغيره، وهو الأظهر أيضًا؛ فإن البحر إذا أُطْلِق في القرآن ويش يُرَاد به؟ يُرَاد به الماء، ففساد البر -كما قال المؤلف- بالقحط وقلة النبات، وفساد النبات أيضًا بعد وجوده؛ ولهذا أرسل الله على آل فرعون، أرسل الله عليهم الجراد والقمل والضفادع والدم، أربع آفات؛ الجراد يفسد الزروع بعد خروجها ويأكلها، القُمَّل يفسد القوت، إذا حُصِد (...) جاءه القُمَّل؛ وهو السوس الذي يتلفه، والضفادع بماذا؟ بالماء، امتلأت مياههم ضفادع حتى إن الإنسان ما يستطيع يشرب من الماء -والعياذ بالله- من الضفادع، والدم الصحيح أن المراد به النزيف، وإن كان بعض العلماء يقول: إن المراد بالدم أن الماء يكون عند آل فرعون كالدم، والصواب أنه النزيف؛ لأن الله ذكر إفساد الماء بماذا؟ بالضفادع، فكان القوت من أوله إلى آخره وغايته وهو الدم؛ لأن الدم يكون من القوت، فصارت الأقوات -والعياذ بالله- لا تنفعهم؛ لا قبل دخولها أجوافهم، ولا بعد الدخول.
* طالب: القُمَّل -يا شيخ- القَمْل ولَّا غيره؟
* الشيخ: لا، القُمَّل ما يسكن من السوس في القوت، يسمونه عندنا الخيش، عبارة عن دودة تكون في الحبوب تفسده وتأكله، المهم هذا من الفساد في البر.
الفساد في البحر بماذا؟ قال العلماء: يكون بموت الحيتان وفسادها، وكذلك تغير المياه وعدم اطرادها كالعادة، هذا من الفساد في البحر.
وقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١] ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ الباء للسببية، و(ما) يحتمل أن تكون مصدرية، ويحتمل أن تكون موصولة؛ إذا كانت موصولة فلا بد لها من عائد محذوف، والتقدير: بما كسبته أيدي الناس، وإن كانت مصدرية ما تحتاج إلى عائد، ويكون المعنى: بكسب أيدي الناس.
وقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ قال المؤلف: (من المعاصي)، و﴿أَيْدِي النَّاسِ﴾ جمع (يد)، والمراد ما كسبوا، وهذا من أساليب اللغة العربية أن يُعَبَّر باليد عن صاحب اليد، وليس المراد ما كسبت اليد فقط؛ لأن المعاصي ما تكون بالأيدي فقط، تكون باليد، وبالرجل، وبالعين، وباللسان، وبالأذن، جميع الحواس، كل الحواس يمكن للإنسان أن يعمل بها المعصية، فيكون المراد بالأيدي هنا الأنفس لا اليد التي هي عضو من أعضاء البدن.
* طالب: ممكن هذا مجاز يا شيخ؟
* الشيخ: لا، ما هو مجاز؛ لأنها بسياقها دالة على أن المراد ما كسبوه فلا تكون مجازًا، أما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة ٣٣] فالمراد بـ﴿أَيْدِيهِمْ﴾ الأعضاء، فالكلمة في سياقها حقيقة في معناها.
ولهذا لو أراد أحد أن يصرف قوله: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ إلى أن المعنى: أو تقطع أبدانهم ما استطاع، كما أنه لو أراد أن يجعل ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ بما كسبت اليد نفسها فقط دون بقية الأعضاء ما استطاع.
وهذا هو وجه قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنه لا مجاز في القرآن ولا في اللغة العربية؛ لأنه إذا كانت الكلمة قد تعين معناها بسياقها صارت بمقتضى هذا السياق حقيقةً في هذا المعنى، وحينئذ ما نحتاج إلى تأويل.
وقوله: ﴿النَّاسِ﴾ تقدم لنا مرارًا وتكرارًا أن أصلها (أناس) لكنها حذفت الهمزة للتخفيف، كما هي في قوله: شر وخير، وأصلها أشر وأخير، وكما هي في قوله: الله فإن أصله الإله. هكذا قيل في الله، وفي النفس من هذا شيء.
قال: (﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ بالياء والنون ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ ) ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ اللام هنا للتعليل، وما هو المعلَّل؟ المعلل متعلق هذه اللام، واللام متعلقة بماذا؟ بـ﴿ظَهَرَ﴾، هذا هو المعلل، ظهر لكذا؛ أي لأجل أن يذيقهم. وفيها قراءتان سبعيتان؛ وهي ﴿لِنُذِيقَهُمْ﴾ مضافًا فيها الفعل إلى الله عز وجل، أو ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ مضافًا فيها الفعل إلى ضمير الغائب، ومع ذلك فإن هذا الغائب يعود إلى من؟ يعود إلى الله سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ يُعَبَّر دائمًا بالإذاقة عن الإصابة؛ لأن الذوق هو أعلى أنواع الإدراك الحسي، فإن الإنسان يسمع بالشيء، ثم يراه، ثم يذوقه، أقول لك: عندي تفاحة، إدراكك للتفاحة الآن بالسماع، ثم أخرجها وأريك إياها يكون بالرؤيا، وأيهما أقوى؟ الرؤيا أقوى من السماع، ثم أعطيكها فتأكلها، ويش يصير هذا؟ بالذوق، وهذا أعلى ما يكون؛ لأني إذا قلت: عندي تفاحة ولا شفتها أنت يحتمل أن قولي هذا كذب، وإذا أريتك إياها ولكنك ما ذقتها يحتمل أن تكون نباتًا آخر يشبه التفاحة، ويحتمل أن تكون من التفاح الصناعي الذي يصنعونه من البلاستيك تشاهده كأنها تفاح حقيقي، فإذا ذقتها صارت حق اليقين؛ ولهذا يعبر الله عز وجل دائمًا عن الإصابة بالإذاقة؛ لأنها أعلى أنواع الإدراك.
وقوله: (﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أي: عقوبته) لأن الذي عملوا غير الفساد الظاهر في البر والبحر ولكن الفساد هو عقوبته.
لكن يقول قائل: لماذا عبَّر عن العقوبة بالفعل؟ نقول: عبَّر عن العقوبة بالفعل بعض الذي عملوا لوجهين:
الوجه الأول: بيان سبب هذه العقوبة.
الوجه الثاني: أن هذه العقوبة بقدر العمل تمامًا؛ ولذلك عبَّر عنها بالعمل إشارةً إلى أنها بقدره ليس بها ظلم، وهذا كثير في القرآن يعبِّر الله تعالى عن العقوبة بالفعل من أجل هذين الوجهين:
الوجه الأول: بيان أن سبب العقوبة هذا العمل.
والثاني: أن العقوبة بقدر العمل.
وقوله: ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ يعني: لا كله، إي نعم، لا كل؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر ٤٥]، وقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠]، وهذا حق لو أن الله تعالى آخذ الناس بقدر ذنوبهم ما ترك عليها من دابَّة، كان كل الناس يموتون ولا يبقون، ولكنه سبحانه وتعالى يصيبهم ببعض ذنوبهم فقط.
الحكمة قال: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١] (يتوبون)، و(لعل) هنا للتعليل، وكلما جاءت (لعل) في كلام الله فإنها للتعليل أو توقُّع الشيء إذا كان من المتوقع؛ أي: لأجل أن يرجعوا إلى الله عز وجل.
وهذه من حكم الله؛ أن الله تعالى يبتلي العباد بالضراء لأجل أن يرجعوا إلى الله، وكم من إنسان صارت عقوبته بالضراء سببًا لرجوعه إلى ربه، بل إنها أحيانًا تكون سببًا مباشرًا، ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ أين يذهبون؟ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان ٣٢]، هذا رجوع، لكنهم -والعياذ بالله- إذا نجوا عادوا إلى كفرهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
قال الله تعالى: (﴿قُلْ﴾ لكفار مكة ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ [الروم ٤٢]) الخطاب في قوله: ﴿قُلْ﴾ للرسول عليه الصلاة والسلام، ويحتمل أن يكون له ولكل من دعا إلى شريعته ودعا الناس إلى الاتعاظ والاعتبار.
وقوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ السير معناه المشي، و﴿فِي الْأَرْضِ﴾ (في) بمعنى (على)؛ يعني: على الأرض، وليس المراد في داخلها، وقيل: إن (في) للظرفية، وإن الظرف يختلف بحسب المظروف وبحسب الظرف أيضًا، يعني مثلًا إذا قلنا: الماء في الكوز، صار في جوف الكوز، كوز ماء؛ الكأس أو الطاس مثلًا أو القِدر، فهنا صار الماء في جوفه، وإذا قلنا: الكتابة في الورق؛ اختلفت، وإذا قلنا: الوجه في المرآة؛ اختلفت، فيرى بعض العلماء أن (في) هنا للظرفية ولكن ظرف كل شيء بحسبه.
والسير المأمور به هنا لا أحد يتصور أن المراد أن احفروا لكم خندقًا في الأرض وادخلوا فيه، ما أحد يتصور هذا، فهنا وجهان في كلمة (في):
الوجه الأول: أن تُجْعَل بمعنى (على)؛ سيروا على الأرض، أي: على ظهرها.
الوجه الثاني: أن تُجْعَل (في) للظرفية، ويقال: إن ظرفية بكل مكان بحسبه. هذا تفسير (في).
تفسير ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿سِيرُوا﴾ هل المراد السير بالأقدام أو السير بالعقول؛ بالتفكير؟ كلهن، يشمل السير بالأبدان بأن يذهب الإنسان إلى مساكن القوم ليتعظ ويعتبر، أو السير بالقلوب؛ بأن يقرأ تواريخهم وأحداثهم حتى يعتبر بهم. وكم من سير بالقلب صار أعظم من السير بالقدم، ولكن السير بالقدم لأجل التفرج والنزهة هذا محرم، كما يفعله بعض الناس الآن؛ يذهبون إلى ديار ثمود من أجل التفرج والنزهة والاطلاع على ما لهم من قوة سابقة، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلَّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠ / ٣٨) من حديث ابن عمر.]]. أين الذين يذهبون إلى ديار ثمود وهم يبكون؟ والرسول ﷺ لما مرَّ بها في ذهابه إلى تبوك مشى مسرعًا وقنَّع رأسه، نزلها عليه الصلاة والسلام وأسرع، وعلى هذا فنقول: إذا سرت في أرض هؤلاء المعاقَبين فسرْ سيرَ متعظٍ معتبرٍ، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ ﴿فَانْظُرُوا﴾ نظر اعتبار وتفكر ولَّا نظر عين؟ على حسب ما قلنا في السير؛ إن كان سيرًا بالقدم فهو نظر بالعين، إن كان سيرًا بالقلب فهو نظر بعين البصيرة؛ التفكر والتأمل. ويمكن أن نقول أيضًا: إن حتى إذا فسرنا السير هنا بالسير الحسي على الأقدام فإنه لا بد أن يكون مقرونًا بالنظر بعين البصيرة والاعتبار؛ إذ النظر بالعين المجردة لا يفيد شيئًا.
﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ ويش محل (كيف) من الإعراب؟ محلها النصب خبر (كان) مقدمًا، و(عاقبة) اسمها، والجملة معلِّقة عن العمل، معلِّقة لكلمة (انظروا)، الجملة المعلِّقة في تأويل الاسم المفرد، والتقدير: فانظروا حالهم كيف كان.
وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ (عاقبة) هنا مصدر؛ ولهذا ذُكِّر الفعل، أي بمعنى عقبى، ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ (من) حرف جر، و(قبل) اسم مرفوع بـ(من) وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره.
* طالب: مبني على الضم لقطعه عن الإضافة.
* الشيخ: إي، مبني على الضم لقطعه عن الإضافة.
* طالب: (...).
* الشيخ: حذف المضاف ونوي معناه فيُبْنَى على الضم؛ لأنهم يقولون في (قبلُ) و(بعد): إن وُجِد المضاف لفظًا فهي معربة غير منونة، وإن حُذِف لفظًا ومعنى فهي معربة منونة. هذان حالان متقابلان؛ إذا وُجِد المضاف إليه فهي معربة غير منونة، تقول: أتيت من قبلِ زيدٍ ومن بعدِه، وإذا حذف المضاف لفظًا ومعنى فهي معربة منونة.
وإذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي لفظه فهي معربة غير منونة كما لو وُجِد لفظه معربة غير منونة، وإذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه فهي مبنية على الضم، إي نعم، لها أربع حالات.
﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ كأن الإنسان يتوقع: فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم أُهْلِكوا وأُتْلِفوا وما أشبه ذلك، ولكن البيان جاء على غير المتوقع، ماذا تتوقعون أنتم لما قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الروم ٩]؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، (...) تتوقعون: أهلكناهم ودمرناهم وما أشبه ذلك، يعني هذه عاقبتهم، لكن جاء الأمر على خلاف المتوقع ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ جاء مبينًا لسبب هذه العاقبة؛ لأنها هي الحال التي عليها هؤلاء المكذبون وهو الشرك؛ يعني فأنتم الآن مشركون، وهم كانوا مشركين فدُمِّروا، فمعنى ذلك أن عاقبتكم أنتم ستكون مثلهم مآلها التدمير والهلاك، وهذا من بلاغة القرآن أن الله تعالى ذكر سبب هلاك أولئك القوم الذي كان عليه،
الآن هؤلاء المخاطبون مشركون، كانوا على الشرك إلى الآن، ما وجدوا العاقبة، لكن إذا علموا أن سبب عاقبة هؤلاء هو الشرك فلا شك إذا كان لهم عقول أن ينتهوا عن الشرك.
﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ يقول: (فأُهْلِكوا بإشراكهم، ومساكنهم ومنازلهم خاوية)، قوله تعالى: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ طيب والبعض الآخر؟ ظاهر الآية الكريمة أن البعض الآخر -وهو الأقل- لم يكن مشركًا، فهاهنا إشكال: هل أُهْلِك الموحدون مع المشركين، مع أن الله تعالى ذكر في آيات كثيرة في الأمم السابقة ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف ٦٤]، ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر ٦١]، فظاهره أن المؤمنين لم يهلكوا، أو نقول: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ [الروم ٤٢] باعتبار القادة والرؤساء الذين يعرفون أنهم على شرك، أما العامة الذين لا يدرون فهم تابعون وراضون وإن لم يكن عندهم شرك، لكن هم يظنون أن هذا هو الحق، فأي الاحتمالين أولى؟ أو احتمال ثالث؛ أن يقال: إن الله تعالى أمرنا أن ننظر كيف كان عاقبة السابقين، وإذا نظرنا وجدنا أن أكثرهم مشرك فأُهْلِك، وأن المؤمن نجا، فيكون في هذا تحذير من الشرك وترغيب في الإيمان والتوحيد؟
فهاهنا ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول: أن الجميع أُهْلِك، وهذا يشكل عليه آيات كثيرة في أن الله تعالى أنجى المؤمنين. هذا واحد.
الوجه الثاني: أن المراد بـ﴿أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ الذين يعرفون أنهم على شرك دون الغوغاء والعامة الذين لا يدرون ما هم عليه وإنما هم أتباع كل ناعق.
الوجه الثالث: أن يقال: العاقبة حميدة وذميمة، والله يقول: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾، ونحن نعلم أن من حكمة الله عز وجل أن يجازي المشرك على شركه والمؤمن على إيمانه، وحينئذٍ يكون في الآية ترغيب في الإيمان والتوحيد وترهيب عن الشرك والكفر، فأي الاحتمالات أولى؟
الظاهر أن الأخير أولى؛ يعني: ينظروا كيف كان عاقبة السابقين، وأن من كان مشركًا منهم أُخِذ بشركه، ومن كان مؤمنًا نُجِّي بإيمانه؛ من أجل أن يؤمنوا هم، ومن أجل أن يثبت المؤمنون من هذه الأمة على إيمانهم.
وقال المؤلف: (فأُهْلِكوا بإشراكهم، ومساكنهم ومنازلهم خاوية) هذا هو الواقع، فقوم صالح، مثلًا صالح والذين معه نجوا ولَّا ما نجوا؟ نجوا، وقومهم أخذتهم الرجفة والصيحة، فأصبحوا في دارهم جاثمين، ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل ٥٢] تجدها الآن خاوية ولم تُسْكَن -فيما نعلم- بعدهم، ما سكنت إلى الآن.
ثم قال تعالى: (﴿فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ الْقَيِّم﴾ دِين الْإِسْلَام) (أقم) الخطاب لمن؟ للرسول ﷺ أو لكل من يتوجه إليه الخطاب، وقد سبق توجيه القول الأول؛ إذا جعلنا الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام فإما أن يكون المراد به الرسول نفسه، وتكون أمته تبعًا له، وإما أن يراد به الرسول والأمة، لكن خوطب به الرسول؛ لأنه زعيمهم وإمامهم.
وقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ الْقَيِّم﴾ ما المراد بالوجه، هل المراد الاتجاه أو المراد الوجه الحسي الذي في الرأس؟ الظاهر المراد الاتجاه؛ لأن الوجه يراد به الجهة، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٥]، فإنه سبق لنا أن فيها قولين للمفسرين: قول: إن المراد به وجه الله الحقيقي، وقول: إن المراد به الجهة، فلا شك أن الوجه يراد به الجهة.
وقوله: ﴿لِلدِّينِ الْقَيِّم﴾..
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، إذا قلنا: إن المراد بالوجه الجهة -جهته للدين- شمل ما إذا كان الوجه الحسي بما يطلب منه الاتجاه للقبلة.
وقوله: ﴿لِلدِّينِ الْقَيِّم﴾ ما المراد بالدين هنا؟ المراد بالدين العمل، وقد سبق لنا أن الدين في القرآن يُرَاد به العمل والجزاء، فقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧] المراد بالدين الجزاء، وأما ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣] ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران ١٩] فالمراد به العمل، كما في هذه الآية.
وقوله: ﴿الْقَيِّم﴾ ويش ضده؟ المعوج، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام ١٥٣].
* طالب: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف ١، ٢].
* الشيخ: نعم الكتاب قيمًا، لكن نريد الدين ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام ١٦١]؛ يعني: قيم، فدين الإسلام دين مستقيم ليس فيه اعوجاج؛ لا بالنسبة لمعاملة الله عز وجل وهي العبادة، ولا بالنسبة لمعاملة المخلوق؛ ولهذا تجد في المعاملات حرَّم الكذب والغش والخديعة وما أشبه ذلك، وحرم الجور والظلم وتحريم تقتيل الأولاد وما أشبه ذلك؛ لأن كل هذا خلاف الاستقامة، وفي العبادات حرَّم الشرك والابتداع؛ لما في ذلك من انحراف عن الصراط المستقيم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران ١٩] هذا يشمل العقيدة، ويشمل الأعمال الظاهرة، مثلما قلنا فيما سبق: إن الإسلام إذا قُرِن بالإيمان صار الإسلام الأعمال الظاهرة والإيمان الأعمال الباطنة، وإذا أُفْرِد أحدهما شمل الآخر.
(﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم ٤٣] وهو يوم القيامة ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ )، قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ متعلق بـ(أقم)؛ يعني: أقمه من قبل هذا اليوم، وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ نُكِّر للتعظيم؛ لأن هذا اليوم كما وصفه الله عز وجل في قوله: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٥، ٦].
وقوله: ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ﴾ (مرد) هذا مصدر ميمي ولَّا؟ نعم مصدر ميمي؛ أي: لا رَدَّ له، يعني ما يمكن أن يرد هذا، جوابه لأن الله تعالى قضى به.
وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ متعلق بصفة لقوله: ﴿يَوْمٌ﴾ هذه صفة، متعلق بصفة لـ﴿يَوْمٌ﴾؛ يعني: من قبل أن يأتي يوم من الله؛ يعني هذا اليوم من الله لا من غيره.
ويحتمل أن يكون متعلقًا بـ﴿يَأْتِي﴾ أن يأتي من الله يومٌ، والأول أبلغ؛ أن يكون صفة لـ﴿يَوْمٌ﴾؛ لأن كونه من الله يدل على عظمته، وأنه لا يمكن أن يرد هذا اليوم.
وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ إذا قال قائل: هذه الآية خُوطب بها الناس في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ومعلوم أن القيامة ما تقوم في عهد الرسول ﷺ، فكيف قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾؟
فالجواب على هذا أن نقول: إن الموت واقع حتى في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن مات قامت قيامته وانقطع عمله، فلا فرق بين من يموت في ذلك الوقت وبين من يموت وهو آخر الناس موتًا بالنسبة لانقطاع العمل، كل منهم انقطع عمله، فكأنه -أي كأن من يموت في عهد الرسول ﷺ- بلغ يوم القيامة؛ ولهذا يقول العلماء: إن موت الإنسان قيامة بالنسبة إليه، وهو قيامة صغرى بالنسبة إلى عموم الناس؛ لأن العمل انقطع، انتهى.
وقوله: ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يفيد بأن هذا أمر لا بد أن يقع، وهو كذلك؛ لأن يوم القيامة هو الذي من أجله خُلِق الناس لعبادة الله، وجزاؤها يكون يوم القيامة.
قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ قال: (فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد، ومعناه: يتفرقون بعد الحساب إلى الجنة والنار) ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ (إذ) منونة، والتنوين هنا عوض عن جملة؛ يعني: يوم إذ يأتي يصدعون.
ويقول المؤلف: (فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد) ويش معنى (إدغام التاء في الأصل في الصاد)؟ أصلها يتصدعون، فقوله: (إدغام التاء في الأصل) أي: باعتبار الأصل؛ يعني أن الصاد التي أدغمت في أختها أصلها تاء، فأدغمت بها بعد قلبها صادًا، ومعنى ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ يتفرقون.
* طالب: أصله صدع يتصدع.
* الشيخ: أصلها يتصدعون، ومعنى التصدع التفرق، ومنه: تصدع الأرض؛ لأن تصدعها تتفرق أجزاؤها، فتنفجر، فهم يوم القيامة..
أن الفساد سببه أعمال بني آدم؛ لقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١]، ويدل لهذا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلل والأسباب، وأن أفعال الله عز وجل معلَّلة، لا بد لها من علة. من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾. ولا شك أن أفعال الله تعالى وأحكامه معللة؛ لأن من أسمائه الحكيم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس لا يعاقبون إلا بأسبابهم؛ لقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾، فيتفرع على ذلك أن من أراد أن ترفع عنه العقوبة فليتب إلى الله؛ فإن التوبة من أسباب رفع العقوبة وجلب المثوبة، ولهذا قال هود لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود ٥٢] وقال نوح لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح ١٠- ١٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل، وبقدر العمل؛ لقوله: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم ٤١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان سعة رحمة الله، وأن رحمته سبقت غضبه؛ لقوله: ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾، ولو أن الغضب كان بقدر الرحمة لكان الله يذيقنا كل الذي عملنا، ولو كان غالبًا للرحمة لكان يذيقنا أكثر مما عملنا أو لا؟
فالأمور ثلاثة الآن: إذاقة البعض أو المثل أو الأكثر، المثل أو الأكثر ممتنع، وإنما يذيق الله تعالى البعض لأنه ثبت في الحديث الصحيح: «أَنَّ اللهَ تَعَالَى كَتَبَ كِتَابًا عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (٢٧٥١ / ١٥) من حديث أبي هريرة.]]، ولولا هذا لكان الله تعالى يؤاخذ الناس بما عملوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العقوبات قد تكون سببًا للرجوع إلى الله، من أين؟ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]، كما أنها قد تكون بالعكس، قد تكون سببًا في الازدياد في العتو والنفور، والعياذ بالله، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج ١١] والجامع بين هذه الآية والتي نحن نفسر أن يقال: إن العقوبات على سبيل العموم مفيدة، لكن على سبيل الخصوص قد لا تفيد؛ لأن الله قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ﴾ من الناس، على أن قوله: ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ يحتمل أن يراد بها فتنة الدين بحيث ما يكون عنده مقاومة، فيقع في الهاوية والعياذ بالله، لكن الأظهر أنها عامة ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥].
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ [الروم ٤٢]:
* في هذه الآية الكريمة: الأمر بالاعتبار بما جرى للسابقين ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾.
* وفيه من فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يقرأ كتب التاريخ الماضية للاعتبار، ولكن كما نعلم جميعًا كتب التاريخ بعضها مزيف، ليس على حقيقته، فمصدر التاريخ في الأمم السابقة ما أخبر الله به ورسوله، قال الله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، فنفى أن يكون لأحد علم بهم إلا الله، إذن من أين نأخذ أخبارهم؟ ما دام ما يعلمهم إلا الله نأخذها من الله إما من الكتاب أو من السنة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أسباب هلاك الأمم السابقين كان إشراك أكثرهم؛ لقوله: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾.
* ومنها أن العقوبة إذا حلت قد تصيب الصالح وغيره؛ لأنه قال: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ يعني والبعض لم يشرك.
* ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال ٢٥]، وقد ينجي الله المؤمنين كما أنجى الله تعالى الرسل ومن آمن معهم، أنجاهم.
ثم قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ إلى آخره [الروم: ٤٣]:
* في هذا وجوب الاتجاه إلى الدين ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾، ويلزم من وجوب الاتجاه إليه وجوب الإعراض عما سواه؛ لأن الوجهة واحدة؛ إما إلى هنا وإما إلى هنا، فإذا لزم أن تتجه إلى الدين لزم أن تنحرف عن غيره.
* ومن فوائد الآية: تحريم الحكم بغير ما أنزل الله؛ لأنه مخالف للاتجاه إلى الدين القيم، والحكم بغير ما أنزل الله منه ما يكون كفرًا، ومنه ما يكون فسقًا، ومنه ما يكو ظلمًا؛ كما ذكر الله تعالى ذلك في سورة المائدة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، وفي الآية الثانية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]، وفي الآية الثالثة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧]، وهذه الأوصاف تتنزل على حال الحاكم، فقد يكون كافرًا أو ظالمًا أو فاسقًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الدين قيم، ويش معنى قيم؟ معتدل لا اعوجاج فيه، لا في جانب العبادة ولا في جانب المعاملة.
* ومن فوائدها: أنك إذا ظننت أن في الدين ما يخالف الاستقامة فاعلم أنك قاصر؛ إما في علمك وإما في فهمك، وجه ذلك أن الله وصف هذا الدين بأنه قيم، كل شيء تستعرضه في دين الله فيبدو لك أنه ليس على الاستقامة فاعلم أنك مخطئ؛ لقصور علمك، أو لقصور فهمك، والإنسان يُؤتَى من هاتين الناحيتين؛ إما لقصور علمه، ما عنده علم، وإما لقصور فهمه، عنده علم لكن ما يفهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن أمر بشيء أن يذكر ما يغري به ويرغب فيه، من أين يؤخذ؟
* طالب: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ﴾ [الروم ٤٣].
* الشيخ: لا، نعم هذا صحيح لكن قبل ذلك لقوله: ﴿الْقَيِّمِ﴾، فالإنسان إذا عرف أنه قيم لا شك أنه يتجه إليه، فأنت إذا أردت أن تأمر بشيء فاذكر الأسباب التي توجب للناس الإقبال عليه بأوصافه المحبوبة وثمراته الحميدة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الجمع بين الترغيب والترهيب: الترغيب ﴿الْقَيِّمِ﴾، والترهيب ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم ٤٣].
* ومن فوائدها: إثبات يوم القيامة وأنه آتٍ لا محالة ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: أن يوم القيامة يوم عظيم، من أين؟ من تنكير يوم ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾، والتنكير يفيد التعظيم، ويدل لذلك -لعظم هذا اليوم- قوله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٤ - ٦].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم ٤٣]، فلا أحد يستطيع أن يمنع ما أراد الله، ولا أن يجلب ما لم يرد الله أبدًا «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣ / ١٣٧) من حديث المغيرة بن شعبة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس يوم القيامة ينقسمون ويتفرقون؛ لقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾، فيه في الآية الأولى أول ما أخذنا ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ فيها دليل على بطلان مذهب الجبرية، كيف؟ الجبرية يقولون: إن الإنسان مجبَر على عمله، ما هو يفعل باختياره، ولا يضاف الفعل إليه، إلا على سبيل المجاز، فيقال: صلى، صام، زكى، مجازًا لا حقيقة، الآية الكريمة ترد عليهم من وجهين:
الوجه الأول: قوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ فأضاف الكسب إلى أيدي الناس.
الوجه الثاني: أن الله تعالى عاقبهم على هذا الفعل، ولو كانوا مجبرين عليه لكانت عقوبتهم ظلمًا لهم، كيف يعاقبون على ما ليس باختيارهم؟ ففيها رد من وجهين؛ وجه لفظي، وهو إضافة الكسب إلى أيديهم، ووجه معنوي، وهو أنه يلزم من عقوبتهم على ذلك لو كانوا مجبرين أن يكون الله تعالى ظالمًا لهم، والله تعالى ليس بظلام للعبيد، وكذلك أيضًا يؤخذ من قوله: ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أضاف العمل إليهم.
الروم 30:42
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١] ﴿ظَهَرَ﴾ بمعنى بان واتضح، وقوله: ﴿الْفَسَادُ﴾ ضد الصلاح، وهو من كل شيء بحسبه؛ ففساد الزروع بيبسها وتلفها بالعواصف والأمطار المغرقة والبرد المتلف، وكذلك فساد المواشي بهلاكها ومرضها، وفساد الثمار بنقصها، وما أشبه ذلك، المهم الفساد في كل شيء بحسبه.
وهل الفساد هنا يراد به الفساد الحسي أو يشمل الفساد الحسي والمعنوي؟ الصحيح أنه يشمل الفساد الحسي والمعنوي؛ فالحسي ما ذكرنا أمثلته قبل، والمعنوي هو كثرة المعاصي والفسوق وانتشارها بين الناس وعدم المبالاة بها حتى يصبح المنكر معروفًا والمعروف منكرًا، فإن هذا من أعظم الفساد، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦]، قال العلماء: لا تفسدوها بالمعاصي.
وقوله: ﴿فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ يقول المؤلف: (﴿الْبَرِّ﴾ القِفَار) أي: الفيافي الخارجة عن المدن والسكان، هذا البَر، وقيل: المراد بالبَر ما ليس ببحر، فيشمل المدن والأمصار والقفار وغيرها.
وقوله: (بقحط المطر وقلَّة النبات، ﴿وَالْبَحْرِ﴾ أي: البلاد التي على الأنهار بقلَّة مائها) فمشى المؤلف رحمه الله على أن المراد بالبَر ما سوى العمران، والمراد بالبحر العمران الذي على شواطئ البحار، وبهذا قال كثير من المفسرين، ولكن الصواب أن المراد بالبَر ما سوى البحر، والمراد بالبحر الماء؛ لأن ما ذكرناه هنا أعم مما ذكره المؤلف وغيره، وهو الأظهر أيضًا؛ فإن البحر إذا أُطْلِق في القرآن ويش يُرَاد به؟ يُرَاد به الماء، ففساد البر -كما قال المؤلف- بالقحط وقلة النبات، وفساد النبات أيضًا بعد وجوده؛ ولهذا أرسل الله على آل فرعون، أرسل الله عليهم الجراد والقمل والضفادع والدم، أربع آفات؛ الجراد يفسد الزروع بعد خروجها ويأكلها، القُمَّل يفسد القوت، إذا حُصِد (...) جاءه القُمَّل؛ وهو السوس الذي يتلفه، والضفادع بماذا؟ بالماء، امتلأت مياههم ضفادع حتى إن الإنسان ما يستطيع يشرب من الماء -والعياذ بالله- من الضفادع، والدم الصحيح أن المراد به النزيف، وإن كان بعض العلماء يقول: إن المراد بالدم أن الماء يكون عند آل فرعون كالدم، والصواب أنه النزيف؛ لأن الله ذكر إفساد الماء بماذا؟ بالضفادع، فكان القوت من أوله إلى آخره وغايته وهو الدم؛ لأن الدم يكون من القوت، فصارت الأقوات -والعياذ بالله- لا تنفعهم؛ لا قبل دخولها أجوافهم، ولا بعد الدخول.
* طالب: القُمَّل -يا شيخ- القَمْل ولَّا غيره؟
* الشيخ: لا، القُمَّل ما يسكن من السوس في القوت، يسمونه عندنا الخيش، عبارة عن دودة تكون في الحبوب تفسده وتأكله، المهم هذا من الفساد في البر.
الفساد في البحر بماذا؟ قال العلماء: يكون بموت الحيتان وفسادها، وكذلك تغير المياه وعدم اطرادها كالعادة، هذا من الفساد في البحر.
وقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١] ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ الباء للسببية، و(ما) يحتمل أن تكون مصدرية، ويحتمل أن تكون موصولة؛ إذا كانت موصولة فلا بد لها من عائد محذوف، والتقدير: بما كسبته أيدي الناس، وإن كانت مصدرية ما تحتاج إلى عائد، ويكون المعنى: بكسب أيدي الناس.
وقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ قال المؤلف: (من المعاصي)، و﴿أَيْدِي النَّاسِ﴾ جمع (يد)، والمراد ما كسبوا، وهذا من أساليب اللغة العربية أن يُعَبَّر باليد عن صاحب اليد، وليس المراد ما كسبت اليد فقط؛ لأن المعاصي ما تكون بالأيدي فقط، تكون باليد، وبالرجل، وبالعين، وباللسان، وبالأذن، جميع الحواس، كل الحواس يمكن للإنسان أن يعمل بها المعصية، فيكون المراد بالأيدي هنا الأنفس لا اليد التي هي عضو من أعضاء البدن.
* طالب: ممكن هذا مجاز يا شيخ؟
* الشيخ: لا، ما هو مجاز؛ لأنها بسياقها دالة على أن المراد ما كسبوه فلا تكون مجازًا، أما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة ٣٣] فالمراد بـ﴿أَيْدِيهِمْ﴾ الأعضاء، فالكلمة في سياقها حقيقة في معناها.
ولهذا لو أراد أحد أن يصرف قوله: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ إلى أن المعنى: أو تقطع أبدانهم ما استطاع، كما أنه لو أراد أن يجعل ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ بما كسبت اليد نفسها فقط دون بقية الأعضاء ما استطاع.
وهذا هو وجه قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنه لا مجاز في القرآن ولا في اللغة العربية؛ لأنه إذا كانت الكلمة قد تعين معناها بسياقها صارت بمقتضى هذا السياق حقيقةً في هذا المعنى، وحينئذ ما نحتاج إلى تأويل.
وقوله: ﴿النَّاسِ﴾ تقدم لنا مرارًا وتكرارًا أن أصلها (أناس) لكنها حذفت الهمزة للتخفيف، كما هي في قوله: شر وخير، وأصلها أشر وأخير، وكما هي في قوله: الله فإن أصله الإله. هكذا قيل في الله، وفي النفس من هذا شيء.
قال: (﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ بالياء والنون ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ ) ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ اللام هنا للتعليل، وما هو المعلَّل؟ المعلل متعلق هذه اللام، واللام متعلقة بماذا؟ بـ﴿ظَهَرَ﴾، هذا هو المعلل، ظهر لكذا؛ أي لأجل أن يذيقهم. وفيها قراءتان سبعيتان؛ وهي ﴿لِنُذِيقَهُمْ﴾ مضافًا فيها الفعل إلى الله عز وجل، أو ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ مضافًا فيها الفعل إلى ضمير الغائب، ومع ذلك فإن هذا الغائب يعود إلى من؟ يعود إلى الله سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ يُعَبَّر دائمًا بالإذاقة عن الإصابة؛ لأن الذوق هو أعلى أنواع الإدراك الحسي، فإن الإنسان يسمع بالشيء، ثم يراه، ثم يذوقه، أقول لك: عندي تفاحة، إدراكك للتفاحة الآن بالسماع، ثم أخرجها وأريك إياها يكون بالرؤيا، وأيهما أقوى؟ الرؤيا أقوى من السماع، ثم أعطيكها فتأكلها، ويش يصير هذا؟ بالذوق، وهذا أعلى ما يكون؛ لأني إذا قلت: عندي تفاحة ولا شفتها أنت يحتمل أن قولي هذا كذب، وإذا أريتك إياها ولكنك ما ذقتها يحتمل أن تكون نباتًا آخر يشبه التفاحة، ويحتمل أن تكون من التفاح الصناعي الذي يصنعونه من البلاستيك تشاهده كأنها تفاح حقيقي، فإذا ذقتها صارت حق اليقين؛ ولهذا يعبر الله عز وجل دائمًا عن الإصابة بالإذاقة؛ لأنها أعلى أنواع الإدراك.
وقوله: (﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أي: عقوبته) لأن الذي عملوا غير الفساد الظاهر في البر والبحر ولكن الفساد هو عقوبته.
لكن يقول قائل: لماذا عبَّر عن العقوبة بالفعل؟ نقول: عبَّر عن العقوبة بالفعل بعض الذي عملوا لوجهين:
الوجه الأول: بيان سبب هذه العقوبة.
الوجه الثاني: أن هذه العقوبة بقدر العمل تمامًا؛ ولذلك عبَّر عنها بالعمل إشارةً إلى أنها بقدره ليس بها ظلم، وهذا كثير في القرآن يعبِّر الله تعالى عن العقوبة بالفعل من أجل هذين الوجهين:
الوجه الأول: بيان أن سبب العقوبة هذا العمل.
والثاني: أن العقوبة بقدر العمل.
وقوله: ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ يعني: لا كله، إي نعم، لا كل؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر ٤٥]، وقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠]، وهذا حق لو أن الله تعالى آخذ الناس بقدر ذنوبهم ما ترك عليها من دابَّة، كان كل الناس يموتون ولا يبقون، ولكنه سبحانه وتعالى يصيبهم ببعض ذنوبهم فقط.
الحكمة قال: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١] (يتوبون)، و(لعل) هنا للتعليل، وكلما جاءت (لعل) في كلام الله فإنها للتعليل أو توقُّع الشيء إذا كان من المتوقع؛ أي: لأجل أن يرجعوا إلى الله عز وجل.
وهذه من حكم الله؛ أن الله تعالى يبتلي العباد بالضراء لأجل أن يرجعوا إلى الله، وكم من إنسان صارت عقوبته بالضراء سببًا لرجوعه إلى ربه، بل إنها أحيانًا تكون سببًا مباشرًا، ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ أين يذهبون؟ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان ٣٢]، هذا رجوع، لكنهم -والعياذ بالله- إذا نجوا عادوا إلى كفرهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
قال الله تعالى: (﴿قُلْ﴾ لكفار مكة ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ [الروم ٤٢]) الخطاب في قوله: ﴿قُلْ﴾ للرسول عليه الصلاة والسلام، ويحتمل أن يكون له ولكل من دعا إلى شريعته ودعا الناس إلى الاتعاظ والاعتبار.
وقوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ السير معناه المشي، و﴿فِي الْأَرْضِ﴾ (في) بمعنى (على)؛ يعني: على الأرض، وليس المراد في داخلها، وقيل: إن (في) للظرفية، وإن الظرف يختلف بحسب المظروف وبحسب الظرف أيضًا، يعني مثلًا إذا قلنا: الماء في الكوز، صار في جوف الكوز، كوز ماء؛ الكأس أو الطاس مثلًا أو القِدر، فهنا صار الماء في جوفه، وإذا قلنا: الكتابة في الورق؛ اختلفت، وإذا قلنا: الوجه في المرآة؛ اختلفت، فيرى بعض العلماء أن (في) هنا للظرفية ولكن ظرف كل شيء بحسبه.
والسير المأمور به هنا لا أحد يتصور أن المراد أن احفروا لكم خندقًا في الأرض وادخلوا فيه، ما أحد يتصور هذا، فهنا وجهان في كلمة (في):
الوجه الأول: أن تُجْعَل بمعنى (على)؛ سيروا على الأرض، أي: على ظهرها.
الوجه الثاني: أن تُجْعَل (في) للظرفية، ويقال: إن ظرفية بكل مكان بحسبه. هذا تفسير (في).
تفسير ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿سِيرُوا﴾ هل المراد السير بالأقدام أو السير بالعقول؛ بالتفكير؟ كلهن، يشمل السير بالأبدان بأن يذهب الإنسان إلى مساكن القوم ليتعظ ويعتبر، أو السير بالقلوب؛ بأن يقرأ تواريخهم وأحداثهم حتى يعتبر بهم. وكم من سير بالقلب صار أعظم من السير بالقدم، ولكن السير بالقدم لأجل التفرج والنزهة هذا محرم، كما يفعله بعض الناس الآن؛ يذهبون إلى ديار ثمود من أجل التفرج والنزهة والاطلاع على ما لهم من قوة سابقة، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلَّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠ / ٣٨) من حديث ابن عمر.]]. أين الذين يذهبون إلى ديار ثمود وهم يبكون؟ والرسول ﷺ لما مرَّ بها في ذهابه إلى تبوك مشى مسرعًا وقنَّع رأسه، نزلها عليه الصلاة والسلام وأسرع، وعلى هذا فنقول: إذا سرت في أرض هؤلاء المعاقَبين فسرْ سيرَ متعظٍ معتبرٍ، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ ﴿فَانْظُرُوا﴾ نظر اعتبار وتفكر ولَّا نظر عين؟ على حسب ما قلنا في السير؛ إن كان سيرًا بالقدم فهو نظر بالعين، إن كان سيرًا بالقلب فهو نظر بعين البصيرة؛ التفكر والتأمل. ويمكن أن نقول أيضًا: إن حتى إذا فسرنا السير هنا بالسير الحسي على الأقدام فإنه لا بد أن يكون مقرونًا بالنظر بعين البصيرة والاعتبار؛ إذ النظر بالعين المجردة لا يفيد شيئًا.
﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ ويش محل (كيف) من الإعراب؟ محلها النصب خبر (كان) مقدمًا، و(عاقبة) اسمها، والجملة معلِّقة عن العمل، معلِّقة لكلمة (انظروا)، الجملة المعلِّقة في تأويل الاسم المفرد، والتقدير: فانظروا حالهم كيف كان.
وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ (عاقبة) هنا مصدر؛ ولهذا ذُكِّر الفعل، أي بمعنى عقبى، ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ (من) حرف جر، و(قبل) اسم مرفوع بـ(من) وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره.
* طالب: مبني على الضم لقطعه عن الإضافة.
* الشيخ: إي، مبني على الضم لقطعه عن الإضافة.
* طالب: (...).
* الشيخ: حذف المضاف ونوي معناه فيُبْنَى على الضم؛ لأنهم يقولون في (قبلُ) و(بعد): إن وُجِد المضاف لفظًا فهي معربة غير منونة، وإن حُذِف لفظًا ومعنى فهي معربة منونة. هذان حالان متقابلان؛ إذا وُجِد المضاف إليه فهي معربة غير منونة، تقول: أتيت من قبلِ زيدٍ ومن بعدِه، وإذا حذف المضاف لفظًا ومعنى فهي معربة منونة.
وإذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي لفظه فهي معربة غير منونة كما لو وُجِد لفظه معربة غير منونة، وإذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه فهي مبنية على الضم، إي نعم، لها أربع حالات.
﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ كأن الإنسان يتوقع: فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم أُهْلِكوا وأُتْلِفوا وما أشبه ذلك، ولكن البيان جاء على غير المتوقع، ماذا تتوقعون أنتم لما قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الروم ٩]؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، (...) تتوقعون: أهلكناهم ودمرناهم وما أشبه ذلك، يعني هذه عاقبتهم، لكن جاء الأمر على خلاف المتوقع ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ جاء مبينًا لسبب هذه العاقبة؛ لأنها هي الحال التي عليها هؤلاء المكذبون وهو الشرك؛ يعني فأنتم الآن مشركون، وهم كانوا مشركين فدُمِّروا، فمعنى ذلك أن عاقبتكم أنتم ستكون مثلهم مآلها التدمير والهلاك، وهذا من بلاغة القرآن أن الله تعالى ذكر سبب هلاك أولئك القوم الذي كان عليه،
الآن هؤلاء المخاطبون مشركون، كانوا على الشرك إلى الآن، ما وجدوا العاقبة، لكن إذا علموا أن سبب عاقبة هؤلاء هو الشرك فلا شك إذا كان لهم عقول أن ينتهوا عن الشرك.
﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ يقول: (فأُهْلِكوا بإشراكهم، ومساكنهم ومنازلهم خاوية)، قوله تعالى: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ طيب والبعض الآخر؟ ظاهر الآية الكريمة أن البعض الآخر -وهو الأقل- لم يكن مشركًا، فهاهنا إشكال: هل أُهْلِك الموحدون مع المشركين، مع أن الله تعالى ذكر في آيات كثيرة في الأمم السابقة ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف ٦٤]، ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر ٦١]، فظاهره أن المؤمنين لم يهلكوا، أو نقول: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ [الروم ٤٢] باعتبار القادة والرؤساء الذين يعرفون أنهم على شرك، أما العامة الذين لا يدرون فهم تابعون وراضون وإن لم يكن عندهم شرك، لكن هم يظنون أن هذا هو الحق، فأي الاحتمالين أولى؟ أو احتمال ثالث؛ أن يقال: إن الله تعالى أمرنا أن ننظر كيف كان عاقبة السابقين، وإذا نظرنا وجدنا أن أكثرهم مشرك فأُهْلِك، وأن المؤمن نجا، فيكون في هذا تحذير من الشرك وترغيب في الإيمان والتوحيد؟
فهاهنا ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول: أن الجميع أُهْلِك، وهذا يشكل عليه آيات كثيرة في أن الله تعالى أنجى المؤمنين. هذا واحد.
الوجه الثاني: أن المراد بـ﴿أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ الذين يعرفون أنهم على شرك دون الغوغاء والعامة الذين لا يدرون ما هم عليه وإنما هم أتباع كل ناعق.
الوجه الثالث: أن يقال: العاقبة حميدة وذميمة، والله يقول: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾، ونحن نعلم أن من حكمة الله عز وجل أن يجازي المشرك على شركه والمؤمن على إيمانه، وحينئذٍ يكون في الآية ترغيب في الإيمان والتوحيد وترهيب عن الشرك والكفر، فأي الاحتمالات أولى؟
الظاهر أن الأخير أولى؛ يعني: ينظروا كيف كان عاقبة السابقين، وأن من كان مشركًا منهم أُخِذ بشركه، ومن كان مؤمنًا نُجِّي بإيمانه؛ من أجل أن يؤمنوا هم، ومن أجل أن يثبت المؤمنون من هذه الأمة على إيمانهم.
وقال المؤلف: (فأُهْلِكوا بإشراكهم، ومساكنهم ومنازلهم خاوية) هذا هو الواقع، فقوم صالح، مثلًا صالح والذين معه نجوا ولَّا ما نجوا؟ نجوا، وقومهم أخذتهم الرجفة والصيحة، فأصبحوا في دارهم جاثمين، ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل ٥٢] تجدها الآن خاوية ولم تُسْكَن -فيما نعلم- بعدهم، ما سكنت إلى الآن.
ثم قال تعالى: (﴿فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ الْقَيِّم﴾ دِين الْإِسْلَام) (أقم) الخطاب لمن؟ للرسول ﷺ أو لكل من يتوجه إليه الخطاب، وقد سبق توجيه القول الأول؛ إذا جعلنا الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام فإما أن يكون المراد به الرسول نفسه، وتكون أمته تبعًا له، وإما أن يراد به الرسول والأمة، لكن خوطب به الرسول؛ لأنه زعيمهم وإمامهم.
وقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ الْقَيِّم﴾ ما المراد بالوجه، هل المراد الاتجاه أو المراد الوجه الحسي الذي في الرأس؟ الظاهر المراد الاتجاه؛ لأن الوجه يراد به الجهة، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٥]، فإنه سبق لنا أن فيها قولين للمفسرين: قول: إن المراد به وجه الله الحقيقي، وقول: إن المراد به الجهة، فلا شك أن الوجه يراد به الجهة.
وقوله: ﴿لِلدِّينِ الْقَيِّم﴾..
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، إذا قلنا: إن المراد بالوجه الجهة -جهته للدين- شمل ما إذا كان الوجه الحسي بما يطلب منه الاتجاه للقبلة.
وقوله: ﴿لِلدِّينِ الْقَيِّم﴾ ما المراد بالدين هنا؟ المراد بالدين العمل، وقد سبق لنا أن الدين في القرآن يُرَاد به العمل والجزاء، فقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧] المراد بالدين الجزاء، وأما ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣] ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران ١٩] فالمراد به العمل، كما في هذه الآية.
وقوله: ﴿الْقَيِّم﴾ ويش ضده؟ المعوج، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام ١٥٣].
* طالب: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف ١، ٢].
* الشيخ: نعم الكتاب قيمًا، لكن نريد الدين ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام ١٦١]؛ يعني: قيم، فدين الإسلام دين مستقيم ليس فيه اعوجاج؛ لا بالنسبة لمعاملة الله عز وجل وهي العبادة، ولا بالنسبة لمعاملة المخلوق؛ ولهذا تجد في المعاملات حرَّم الكذب والغش والخديعة وما أشبه ذلك، وحرم الجور والظلم وتحريم تقتيل الأولاد وما أشبه ذلك؛ لأن كل هذا خلاف الاستقامة، وفي العبادات حرَّم الشرك والابتداع؛ لما في ذلك من انحراف عن الصراط المستقيم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران ١٩] هذا يشمل العقيدة، ويشمل الأعمال الظاهرة، مثلما قلنا فيما سبق: إن الإسلام إذا قُرِن بالإيمان صار الإسلام الأعمال الظاهرة والإيمان الأعمال الباطنة، وإذا أُفْرِد أحدهما شمل الآخر.
(﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم ٤٣] وهو يوم القيامة ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ )، قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ متعلق بـ(أقم)؛ يعني: أقمه من قبل هذا اليوم، وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ نُكِّر للتعظيم؛ لأن هذا اليوم كما وصفه الله عز وجل في قوله: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٥، ٦].
وقوله: ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ﴾ (مرد) هذا مصدر ميمي ولَّا؟ نعم مصدر ميمي؛ أي: لا رَدَّ له، يعني ما يمكن أن يرد هذا، جوابه لأن الله تعالى قضى به.
وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ متعلق بصفة لقوله: ﴿يَوْمٌ﴾ هذه صفة، متعلق بصفة لـ﴿يَوْمٌ﴾؛ يعني: من قبل أن يأتي يوم من الله؛ يعني هذا اليوم من الله لا من غيره.
ويحتمل أن يكون متعلقًا بـ﴿يَأْتِي﴾ أن يأتي من الله يومٌ، والأول أبلغ؛ أن يكون صفة لـ﴿يَوْمٌ﴾؛ لأن كونه من الله يدل على عظمته، وأنه لا يمكن أن يرد هذا اليوم.
وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ إذا قال قائل: هذه الآية خُوطب بها الناس في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ومعلوم أن القيامة ما تقوم في عهد الرسول ﷺ، فكيف قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾؟
فالجواب على هذا أن نقول: إن الموت واقع حتى في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن مات قامت قيامته وانقطع عمله، فلا فرق بين من يموت في ذلك الوقت وبين من يموت وهو آخر الناس موتًا بالنسبة لانقطاع العمل، كل منهم انقطع عمله، فكأنه -أي كأن من يموت في عهد الرسول ﷺ- بلغ يوم القيامة؛ ولهذا يقول العلماء: إن موت الإنسان قيامة بالنسبة إليه، وهو قيامة صغرى بالنسبة إلى عموم الناس؛ لأن العمل انقطع، انتهى.
وقوله: ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يفيد بأن هذا أمر لا بد أن يقع، وهو كذلك؛ لأن يوم القيامة هو الذي من أجله خُلِق الناس لعبادة الله، وجزاؤها يكون يوم القيامة.
قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ قال: (فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد، ومعناه: يتفرقون بعد الحساب إلى الجنة والنار) ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ (إذ) منونة، والتنوين هنا عوض عن جملة؛ يعني: يوم إذ يأتي يصدعون.
ويقول المؤلف: (فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد) ويش معنى (إدغام التاء في الأصل في الصاد)؟ أصلها يتصدعون، فقوله: (إدغام التاء في الأصل) أي: باعتبار الأصل؛ يعني أن الصاد التي أدغمت في أختها أصلها تاء، فأدغمت بها بعد قلبها صادًا، ومعنى ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ يتفرقون.
* طالب: أصله صدع يتصدع.
* الشيخ: أصلها يتصدعون، ومعنى التصدع التفرق، ومنه: تصدع الأرض؛ لأن تصدعها تتفرق أجزاؤها، فتنفجر، فهم يوم القيامة..
أن الفساد سببه أعمال بني آدم؛ لقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١]، ويدل لهذا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلل والأسباب، وأن أفعال الله عز وجل معلَّلة، لا بد لها من علة. من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾. ولا شك أن أفعال الله تعالى وأحكامه معللة؛ لأن من أسمائه الحكيم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس لا يعاقبون إلا بأسبابهم؛ لقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾، فيتفرع على ذلك أن من أراد أن ترفع عنه العقوبة فليتب إلى الله؛ فإن التوبة من أسباب رفع العقوبة وجلب المثوبة، ولهذا قال هود لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود ٥٢] وقال نوح لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح ١٠- ١٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل، وبقدر العمل؛ لقوله: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم ٤١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان سعة رحمة الله، وأن رحمته سبقت غضبه؛ لقوله: ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾، ولو أن الغضب كان بقدر الرحمة لكان الله يذيقنا كل الذي عملنا، ولو كان غالبًا للرحمة لكان يذيقنا أكثر مما عملنا أو لا؟
فالأمور ثلاثة الآن: إذاقة البعض أو المثل أو الأكثر، المثل أو الأكثر ممتنع، وإنما يذيق الله تعالى البعض لأنه ثبت في الحديث الصحيح: «أَنَّ اللهَ تَعَالَى كَتَبَ كِتَابًا عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (٢٧٥١ / ١٥) من حديث أبي هريرة.]]، ولولا هذا لكان الله تعالى يؤاخذ الناس بما عملوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العقوبات قد تكون سببًا للرجوع إلى الله، من أين؟ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]، كما أنها قد تكون بالعكس، قد تكون سببًا في الازدياد في العتو والنفور، والعياذ بالله، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج ١١] والجامع بين هذه الآية والتي نحن نفسر أن يقال: إن العقوبات على سبيل العموم مفيدة، لكن على سبيل الخصوص قد لا تفيد؛ لأن الله قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ﴾ من الناس، على أن قوله: ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ يحتمل أن يراد بها فتنة الدين بحيث ما يكون عنده مقاومة، فيقع في الهاوية والعياذ بالله، لكن الأظهر أنها عامة ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥].
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ [الروم ٤٢]:
* في هذه الآية الكريمة: الأمر بالاعتبار بما جرى للسابقين ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾.
* وفيه من فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يقرأ كتب التاريخ الماضية للاعتبار، ولكن كما نعلم جميعًا كتب التاريخ بعضها مزيف، ليس على حقيقته، فمصدر التاريخ في الأمم السابقة ما أخبر الله به ورسوله، قال الله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، فنفى أن يكون لأحد علم بهم إلا الله، إذن من أين نأخذ أخبارهم؟ ما دام ما يعلمهم إلا الله نأخذها من الله إما من الكتاب أو من السنة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أسباب هلاك الأمم السابقين كان إشراك أكثرهم؛ لقوله: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾.
* ومنها أن العقوبة إذا حلت قد تصيب الصالح وغيره؛ لأنه قال: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ يعني والبعض لم يشرك.
* ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال ٢٥]، وقد ينجي الله المؤمنين كما أنجى الله تعالى الرسل ومن آمن معهم، أنجاهم.
ثم قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ إلى آخره [الروم: ٤٣]:
* في هذا وجوب الاتجاه إلى الدين ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾، ويلزم من وجوب الاتجاه إليه وجوب الإعراض عما سواه؛ لأن الوجهة واحدة؛ إما إلى هنا وإما إلى هنا، فإذا لزم أن تتجه إلى الدين لزم أن تنحرف عن غيره.
* ومن فوائد الآية: تحريم الحكم بغير ما أنزل الله؛ لأنه مخالف للاتجاه إلى الدين القيم، والحكم بغير ما أنزل الله منه ما يكون كفرًا، ومنه ما يكون فسقًا، ومنه ما يكو ظلمًا؛ كما ذكر الله تعالى ذلك في سورة المائدة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، وفي الآية الثانية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]، وفي الآية الثالثة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧]، وهذه الأوصاف تتنزل على حال الحاكم، فقد يكون كافرًا أو ظالمًا أو فاسقًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الدين قيم، ويش معنى قيم؟ معتدل لا اعوجاج فيه، لا في جانب العبادة ولا في جانب المعاملة.
* ومن فوائدها: أنك إذا ظننت أن في الدين ما يخالف الاستقامة فاعلم أنك قاصر؛ إما في علمك وإما في فهمك، وجه ذلك أن الله وصف هذا الدين بأنه قيم، كل شيء تستعرضه في دين الله فيبدو لك أنه ليس على الاستقامة فاعلم أنك مخطئ؛ لقصور علمك، أو لقصور فهمك، والإنسان يُؤتَى من هاتين الناحيتين؛ إما لقصور علمه، ما عنده علم، وإما لقصور فهمه، عنده علم لكن ما يفهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن أمر بشيء أن يذكر ما يغري به ويرغب فيه، من أين يؤخذ؟
* طالب: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ﴾ [الروم ٤٣].
* الشيخ: لا، نعم هذا صحيح لكن قبل ذلك لقوله: ﴿الْقَيِّمِ﴾، فالإنسان إذا عرف أنه قيم لا شك أنه يتجه إليه، فأنت إذا أردت أن تأمر بشيء فاذكر الأسباب التي توجب للناس الإقبال عليه بأوصافه المحبوبة وثمراته الحميدة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الجمع بين الترغيب والترهيب: الترغيب ﴿الْقَيِّمِ﴾، والترهيب ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم ٤٣].
* ومن فوائدها: إثبات يوم القيامة وأنه آتٍ لا محالة ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: أن يوم القيامة يوم عظيم، من أين؟ من تنكير يوم ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾، والتنكير يفيد التعظيم، ويدل لذلك -لعظم هذا اليوم- قوله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٤ - ٦].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم ٤٣]، فلا أحد يستطيع أن يمنع ما أراد الله، ولا أن يجلب ما لم يرد الله أبدًا «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣ / ١٣٧) من حديث المغيرة بن شعبة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس يوم القيامة ينقسمون ويتفرقون؛ لقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾، فيه في الآية الأولى أول ما أخذنا ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ فيها دليل على بطلان مذهب الجبرية، كيف؟ الجبرية يقولون: إن الإنسان مجبَر على عمله، ما هو يفعل باختياره، ولا يضاف الفعل إليه، إلا على سبيل المجاز، فيقال: صلى، صام، زكى، مجازًا لا حقيقة، الآية الكريمة ترد عليهم من وجهين:
الوجه الأول: قوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ فأضاف الكسب إلى أيدي الناس.
الوجه الثاني: أن الله تعالى عاقبهم على هذا الفعل، ولو كانوا مجبرين عليه لكانت عقوبتهم ظلمًا لهم، كيف يعاقبون على ما ليس باختيارهم؟ ففيها رد من وجهين؛ وجه لفظي، وهو إضافة الكسب إلى أيديهم، ووجه معنوي، وهو أنه يلزم من عقوبتهم على ذلك لو كانوا مجبرين أن يكون الله تعالى ظالمًا لهم، والله تعالى ليس بظلام للعبيد، وكذلك أيضًا يؤخذ من قوله: ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أضاف العمل إليهم.
الروم 30:43
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١] ﴿ظَهَرَ﴾ بمعنى بان واتضح، وقوله: ﴿الْفَسَادُ﴾ ضد الصلاح، وهو من كل شيء بحسبه؛ ففساد الزروع بيبسها وتلفها بالعواصف والأمطار المغرقة والبرد المتلف، وكذلك فساد المواشي بهلاكها ومرضها، وفساد الثمار بنقصها، وما أشبه ذلك، المهم الفساد في كل شيء بحسبه.
وهل الفساد هنا يراد به الفساد الحسي أو يشمل الفساد الحسي والمعنوي؟ الصحيح أنه يشمل الفساد الحسي والمعنوي؛ فالحسي ما ذكرنا أمثلته قبل، والمعنوي هو كثرة المعاصي والفسوق وانتشارها بين الناس وعدم المبالاة بها حتى يصبح المنكر معروفًا والمعروف منكرًا، فإن هذا من أعظم الفساد، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦]، قال العلماء: لا تفسدوها بالمعاصي.
وقوله: ﴿فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ يقول المؤلف: (﴿الْبَرِّ﴾ القِفَار) أي: الفيافي الخارجة عن المدن والسكان، هذا البَر، وقيل: المراد بالبَر ما ليس ببحر، فيشمل المدن والأمصار والقفار وغيرها.
وقوله: (بقحط المطر وقلَّة النبات، ﴿وَالْبَحْرِ﴾ أي: البلاد التي على الأنهار بقلَّة مائها) فمشى المؤلف رحمه الله على أن المراد بالبَر ما سوى العمران، والمراد بالبحر العمران الذي على شواطئ البحار، وبهذا قال كثير من المفسرين، ولكن الصواب أن المراد بالبَر ما سوى البحر، والمراد بالبحر الماء؛ لأن ما ذكرناه هنا أعم مما ذكره المؤلف وغيره، وهو الأظهر أيضًا؛ فإن البحر إذا أُطْلِق في القرآن ويش يُرَاد به؟ يُرَاد به الماء، ففساد البر -كما قال المؤلف- بالقحط وقلة النبات، وفساد النبات أيضًا بعد وجوده؛ ولهذا أرسل الله على آل فرعون، أرسل الله عليهم الجراد والقمل والضفادع والدم، أربع آفات؛ الجراد يفسد الزروع بعد خروجها ويأكلها، القُمَّل يفسد القوت، إذا حُصِد (...) جاءه القُمَّل؛ وهو السوس الذي يتلفه، والضفادع بماذا؟ بالماء، امتلأت مياههم ضفادع حتى إن الإنسان ما يستطيع يشرب من الماء -والعياذ بالله- من الضفادع، والدم الصحيح أن المراد به النزيف، وإن كان بعض العلماء يقول: إن المراد بالدم أن الماء يكون عند آل فرعون كالدم، والصواب أنه النزيف؛ لأن الله ذكر إفساد الماء بماذا؟ بالضفادع، فكان القوت من أوله إلى آخره وغايته وهو الدم؛ لأن الدم يكون من القوت، فصارت الأقوات -والعياذ بالله- لا تنفعهم؛ لا قبل دخولها أجوافهم، ولا بعد الدخول.
* طالب: القُمَّل -يا شيخ- القَمْل ولَّا غيره؟
* الشيخ: لا، القُمَّل ما يسكن من السوس في القوت، يسمونه عندنا الخيش، عبارة عن دودة تكون في الحبوب تفسده وتأكله، المهم هذا من الفساد في البر.
الفساد في البحر بماذا؟ قال العلماء: يكون بموت الحيتان وفسادها، وكذلك تغير المياه وعدم اطرادها كالعادة، هذا من الفساد في البحر.
وقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١] ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ الباء للسببية، و(ما) يحتمل أن تكون مصدرية، ويحتمل أن تكون موصولة؛ إذا كانت موصولة فلا بد لها من عائد محذوف، والتقدير: بما كسبته أيدي الناس، وإن كانت مصدرية ما تحتاج إلى عائد، ويكون المعنى: بكسب أيدي الناس.
وقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ قال المؤلف: (من المعاصي)، و﴿أَيْدِي النَّاسِ﴾ جمع (يد)، والمراد ما كسبوا، وهذا من أساليب اللغة العربية أن يُعَبَّر باليد عن صاحب اليد، وليس المراد ما كسبت اليد فقط؛ لأن المعاصي ما تكون بالأيدي فقط، تكون باليد، وبالرجل، وبالعين، وباللسان، وبالأذن، جميع الحواس، كل الحواس يمكن للإنسان أن يعمل بها المعصية، فيكون المراد بالأيدي هنا الأنفس لا اليد التي هي عضو من أعضاء البدن.
* طالب: ممكن هذا مجاز يا شيخ؟
* الشيخ: لا، ما هو مجاز؛ لأنها بسياقها دالة على أن المراد ما كسبوه فلا تكون مجازًا، أما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة ٣٣] فالمراد بـ﴿أَيْدِيهِمْ﴾ الأعضاء، فالكلمة في سياقها حقيقة في معناها.
ولهذا لو أراد أحد أن يصرف قوله: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ إلى أن المعنى: أو تقطع أبدانهم ما استطاع، كما أنه لو أراد أن يجعل ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ بما كسبت اليد نفسها فقط دون بقية الأعضاء ما استطاع.
وهذا هو وجه قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنه لا مجاز في القرآن ولا في اللغة العربية؛ لأنه إذا كانت الكلمة قد تعين معناها بسياقها صارت بمقتضى هذا السياق حقيقةً في هذا المعنى، وحينئذ ما نحتاج إلى تأويل.
وقوله: ﴿النَّاسِ﴾ تقدم لنا مرارًا وتكرارًا أن أصلها (أناس) لكنها حذفت الهمزة للتخفيف، كما هي في قوله: شر وخير، وأصلها أشر وأخير، وكما هي في قوله: الله فإن أصله الإله. هكذا قيل في الله، وفي النفس من هذا شيء.
قال: (﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ بالياء والنون ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ ) ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ اللام هنا للتعليل، وما هو المعلَّل؟ المعلل متعلق هذه اللام، واللام متعلقة بماذا؟ بـ﴿ظَهَرَ﴾، هذا هو المعلل، ظهر لكذا؛ أي لأجل أن يذيقهم. وفيها قراءتان سبعيتان؛ وهي ﴿لِنُذِيقَهُمْ﴾ مضافًا فيها الفعل إلى الله عز وجل، أو ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ مضافًا فيها الفعل إلى ضمير الغائب، ومع ذلك فإن هذا الغائب يعود إلى من؟ يعود إلى الله سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ يُعَبَّر دائمًا بالإذاقة عن الإصابة؛ لأن الذوق هو أعلى أنواع الإدراك الحسي، فإن الإنسان يسمع بالشيء، ثم يراه، ثم يذوقه، أقول لك: عندي تفاحة، إدراكك للتفاحة الآن بالسماع، ثم أخرجها وأريك إياها يكون بالرؤيا، وأيهما أقوى؟ الرؤيا أقوى من السماع، ثم أعطيكها فتأكلها، ويش يصير هذا؟ بالذوق، وهذا أعلى ما يكون؛ لأني إذا قلت: عندي تفاحة ولا شفتها أنت يحتمل أن قولي هذا كذب، وإذا أريتك إياها ولكنك ما ذقتها يحتمل أن تكون نباتًا آخر يشبه التفاحة، ويحتمل أن تكون من التفاح الصناعي الذي يصنعونه من البلاستيك تشاهده كأنها تفاح حقيقي، فإذا ذقتها صارت حق اليقين؛ ولهذا يعبر الله عز وجل دائمًا عن الإصابة بالإذاقة؛ لأنها أعلى أنواع الإدراك.
وقوله: (﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أي: عقوبته) لأن الذي عملوا غير الفساد الظاهر في البر والبحر ولكن الفساد هو عقوبته.
لكن يقول قائل: لماذا عبَّر عن العقوبة بالفعل؟ نقول: عبَّر عن العقوبة بالفعل بعض الذي عملوا لوجهين:
الوجه الأول: بيان سبب هذه العقوبة.
الوجه الثاني: أن هذه العقوبة بقدر العمل تمامًا؛ ولذلك عبَّر عنها بالعمل إشارةً إلى أنها بقدره ليس بها ظلم، وهذا كثير في القرآن يعبِّر الله تعالى عن العقوبة بالفعل من أجل هذين الوجهين:
الوجه الأول: بيان أن سبب العقوبة هذا العمل.
والثاني: أن العقوبة بقدر العمل.
وقوله: ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ يعني: لا كله، إي نعم، لا كل؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر ٤٥]، وقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠]، وهذا حق لو أن الله تعالى آخذ الناس بقدر ذنوبهم ما ترك عليها من دابَّة، كان كل الناس يموتون ولا يبقون، ولكنه سبحانه وتعالى يصيبهم ببعض ذنوبهم فقط.
الحكمة قال: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١] (يتوبون)، و(لعل) هنا للتعليل، وكلما جاءت (لعل) في كلام الله فإنها للتعليل أو توقُّع الشيء إذا كان من المتوقع؛ أي: لأجل أن يرجعوا إلى الله عز وجل.
وهذه من حكم الله؛ أن الله تعالى يبتلي العباد بالضراء لأجل أن يرجعوا إلى الله، وكم من إنسان صارت عقوبته بالضراء سببًا لرجوعه إلى ربه، بل إنها أحيانًا تكون سببًا مباشرًا، ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ أين يذهبون؟ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان ٣٢]، هذا رجوع، لكنهم -والعياذ بالله- إذا نجوا عادوا إلى كفرهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
قال الله تعالى: (﴿قُلْ﴾ لكفار مكة ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ [الروم ٤٢]) الخطاب في قوله: ﴿قُلْ﴾ للرسول عليه الصلاة والسلام، ويحتمل أن يكون له ولكل من دعا إلى شريعته ودعا الناس إلى الاتعاظ والاعتبار.
وقوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ السير معناه المشي، و﴿فِي الْأَرْضِ﴾ (في) بمعنى (على)؛ يعني: على الأرض، وليس المراد في داخلها، وقيل: إن (في) للظرفية، وإن الظرف يختلف بحسب المظروف وبحسب الظرف أيضًا، يعني مثلًا إذا قلنا: الماء في الكوز، صار في جوف الكوز، كوز ماء؛ الكأس أو الطاس مثلًا أو القِدر، فهنا صار الماء في جوفه، وإذا قلنا: الكتابة في الورق؛ اختلفت، وإذا قلنا: الوجه في المرآة؛ اختلفت، فيرى بعض العلماء أن (في) هنا للظرفية ولكن ظرف كل شيء بحسبه.
والسير المأمور به هنا لا أحد يتصور أن المراد أن احفروا لكم خندقًا في الأرض وادخلوا فيه، ما أحد يتصور هذا، فهنا وجهان في كلمة (في):
الوجه الأول: أن تُجْعَل بمعنى (على)؛ سيروا على الأرض، أي: على ظهرها.
الوجه الثاني: أن تُجْعَل (في) للظرفية، ويقال: إن ظرفية بكل مكان بحسبه. هذا تفسير (في).
تفسير ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿سِيرُوا﴾ هل المراد السير بالأقدام أو السير بالعقول؛ بالتفكير؟ كلهن، يشمل السير بالأبدان بأن يذهب الإنسان إلى مساكن القوم ليتعظ ويعتبر، أو السير بالقلوب؛ بأن يقرأ تواريخهم وأحداثهم حتى يعتبر بهم. وكم من سير بالقلب صار أعظم من السير بالقدم، ولكن السير بالقدم لأجل التفرج والنزهة هذا محرم، كما يفعله بعض الناس الآن؛ يذهبون إلى ديار ثمود من أجل التفرج والنزهة والاطلاع على ما لهم من قوة سابقة، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلَّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠ / ٣٨) من حديث ابن عمر.]]. أين الذين يذهبون إلى ديار ثمود وهم يبكون؟ والرسول ﷺ لما مرَّ بها في ذهابه إلى تبوك مشى مسرعًا وقنَّع رأسه، نزلها عليه الصلاة والسلام وأسرع، وعلى هذا فنقول: إذا سرت في أرض هؤلاء المعاقَبين فسرْ سيرَ متعظٍ معتبرٍ، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ ﴿فَانْظُرُوا﴾ نظر اعتبار وتفكر ولَّا نظر عين؟ على حسب ما قلنا في السير؛ إن كان سيرًا بالقدم فهو نظر بالعين، إن كان سيرًا بالقلب فهو نظر بعين البصيرة؛ التفكر والتأمل. ويمكن أن نقول أيضًا: إن حتى إذا فسرنا السير هنا بالسير الحسي على الأقدام فإنه لا بد أن يكون مقرونًا بالنظر بعين البصيرة والاعتبار؛ إذ النظر بالعين المجردة لا يفيد شيئًا.
﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ ويش محل (كيف) من الإعراب؟ محلها النصب خبر (كان) مقدمًا، و(عاقبة) اسمها، والجملة معلِّقة عن العمل، معلِّقة لكلمة (انظروا)، الجملة المعلِّقة في تأويل الاسم المفرد، والتقدير: فانظروا حالهم كيف كان.
وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ (عاقبة) هنا مصدر؛ ولهذا ذُكِّر الفعل، أي بمعنى عقبى، ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ (من) حرف جر، و(قبل) اسم مرفوع بـ(من) وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره.
* طالب: مبني على الضم لقطعه عن الإضافة.
* الشيخ: إي، مبني على الضم لقطعه عن الإضافة.
* طالب: (...).
* الشيخ: حذف المضاف ونوي معناه فيُبْنَى على الضم؛ لأنهم يقولون في (قبلُ) و(بعد): إن وُجِد المضاف لفظًا فهي معربة غير منونة، وإن حُذِف لفظًا ومعنى فهي معربة منونة. هذان حالان متقابلان؛ إذا وُجِد المضاف إليه فهي معربة غير منونة، تقول: أتيت من قبلِ زيدٍ ومن بعدِه، وإذا حذف المضاف لفظًا ومعنى فهي معربة منونة.
وإذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي لفظه فهي معربة غير منونة كما لو وُجِد لفظه معربة غير منونة، وإذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه فهي مبنية على الضم، إي نعم، لها أربع حالات.
﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ كأن الإنسان يتوقع: فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم أُهْلِكوا وأُتْلِفوا وما أشبه ذلك، ولكن البيان جاء على غير المتوقع، ماذا تتوقعون أنتم لما قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الروم ٩]؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، (...) تتوقعون: أهلكناهم ودمرناهم وما أشبه ذلك، يعني هذه عاقبتهم، لكن جاء الأمر على خلاف المتوقع ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ جاء مبينًا لسبب هذه العاقبة؛ لأنها هي الحال التي عليها هؤلاء المكذبون وهو الشرك؛ يعني فأنتم الآن مشركون، وهم كانوا مشركين فدُمِّروا، فمعنى ذلك أن عاقبتكم أنتم ستكون مثلهم مآلها التدمير والهلاك، وهذا من بلاغة القرآن أن الله تعالى ذكر سبب هلاك أولئك القوم الذي كان عليه،
الآن هؤلاء المخاطبون مشركون، كانوا على الشرك إلى الآن، ما وجدوا العاقبة، لكن إذا علموا أن سبب عاقبة هؤلاء هو الشرك فلا شك إذا كان لهم عقول أن ينتهوا عن الشرك.
﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ يقول: (فأُهْلِكوا بإشراكهم، ومساكنهم ومنازلهم خاوية)، قوله تعالى: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ طيب والبعض الآخر؟ ظاهر الآية الكريمة أن البعض الآخر -وهو الأقل- لم يكن مشركًا، فهاهنا إشكال: هل أُهْلِك الموحدون مع المشركين، مع أن الله تعالى ذكر في آيات كثيرة في الأمم السابقة ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف ٦٤]، ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر ٦١]، فظاهره أن المؤمنين لم يهلكوا، أو نقول: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ [الروم ٤٢] باعتبار القادة والرؤساء الذين يعرفون أنهم على شرك، أما العامة الذين لا يدرون فهم تابعون وراضون وإن لم يكن عندهم شرك، لكن هم يظنون أن هذا هو الحق، فأي الاحتمالين أولى؟ أو احتمال ثالث؛ أن يقال: إن الله تعالى أمرنا أن ننظر كيف كان عاقبة السابقين، وإذا نظرنا وجدنا أن أكثرهم مشرك فأُهْلِك، وأن المؤمن نجا، فيكون في هذا تحذير من الشرك وترغيب في الإيمان والتوحيد؟
فهاهنا ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول: أن الجميع أُهْلِك، وهذا يشكل عليه آيات كثيرة في أن الله تعالى أنجى المؤمنين. هذا واحد.
الوجه الثاني: أن المراد بـ﴿أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ الذين يعرفون أنهم على شرك دون الغوغاء والعامة الذين لا يدرون ما هم عليه وإنما هم أتباع كل ناعق.
الوجه الثالث: أن يقال: العاقبة حميدة وذميمة، والله يقول: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾، ونحن نعلم أن من حكمة الله عز وجل أن يجازي المشرك على شركه والمؤمن على إيمانه، وحينئذٍ يكون في الآية ترغيب في الإيمان والتوحيد وترهيب عن الشرك والكفر، فأي الاحتمالات أولى؟
الظاهر أن الأخير أولى؛ يعني: ينظروا كيف كان عاقبة السابقين، وأن من كان مشركًا منهم أُخِذ بشركه، ومن كان مؤمنًا نُجِّي بإيمانه؛ من أجل أن يؤمنوا هم، ومن أجل أن يثبت المؤمنون من هذه الأمة على إيمانهم.
وقال المؤلف: (فأُهْلِكوا بإشراكهم، ومساكنهم ومنازلهم خاوية) هذا هو الواقع، فقوم صالح، مثلًا صالح والذين معه نجوا ولَّا ما نجوا؟ نجوا، وقومهم أخذتهم الرجفة والصيحة، فأصبحوا في دارهم جاثمين، ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل ٥٢] تجدها الآن خاوية ولم تُسْكَن -فيما نعلم- بعدهم، ما سكنت إلى الآن.
ثم قال تعالى: (﴿فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ الْقَيِّم﴾ دِين الْإِسْلَام) (أقم) الخطاب لمن؟ للرسول ﷺ أو لكل من يتوجه إليه الخطاب، وقد سبق توجيه القول الأول؛ إذا جعلنا الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام فإما أن يكون المراد به الرسول نفسه، وتكون أمته تبعًا له، وإما أن يراد به الرسول والأمة، لكن خوطب به الرسول؛ لأنه زعيمهم وإمامهم.
وقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ الْقَيِّم﴾ ما المراد بالوجه، هل المراد الاتجاه أو المراد الوجه الحسي الذي في الرأس؟ الظاهر المراد الاتجاه؛ لأن الوجه يراد به الجهة، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٥]، فإنه سبق لنا أن فيها قولين للمفسرين: قول: إن المراد به وجه الله الحقيقي، وقول: إن المراد به الجهة، فلا شك أن الوجه يراد به الجهة.
وقوله: ﴿لِلدِّينِ الْقَيِّم﴾..
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، إذا قلنا: إن المراد بالوجه الجهة -جهته للدين- شمل ما إذا كان الوجه الحسي بما يطلب منه الاتجاه للقبلة.
وقوله: ﴿لِلدِّينِ الْقَيِّم﴾ ما المراد بالدين هنا؟ المراد بالدين العمل، وقد سبق لنا أن الدين في القرآن يُرَاد به العمل والجزاء، فقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧] المراد بالدين الجزاء، وأما ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣] ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران ١٩] فالمراد به العمل، كما في هذه الآية.
وقوله: ﴿الْقَيِّم﴾ ويش ضده؟ المعوج، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام ١٥٣].
* طالب: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف ١، ٢].
* الشيخ: نعم الكتاب قيمًا، لكن نريد الدين ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام ١٦١]؛ يعني: قيم، فدين الإسلام دين مستقيم ليس فيه اعوجاج؛ لا بالنسبة لمعاملة الله عز وجل وهي العبادة، ولا بالنسبة لمعاملة المخلوق؛ ولهذا تجد في المعاملات حرَّم الكذب والغش والخديعة وما أشبه ذلك، وحرم الجور والظلم وتحريم تقتيل الأولاد وما أشبه ذلك؛ لأن كل هذا خلاف الاستقامة، وفي العبادات حرَّم الشرك والابتداع؛ لما في ذلك من انحراف عن الصراط المستقيم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران ١٩] هذا يشمل العقيدة، ويشمل الأعمال الظاهرة، مثلما قلنا فيما سبق: إن الإسلام إذا قُرِن بالإيمان صار الإسلام الأعمال الظاهرة والإيمان الأعمال الباطنة، وإذا أُفْرِد أحدهما شمل الآخر.
(﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم ٤٣] وهو يوم القيامة ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ )، قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ متعلق بـ(أقم)؛ يعني: أقمه من قبل هذا اليوم، وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ نُكِّر للتعظيم؛ لأن هذا اليوم كما وصفه الله عز وجل في قوله: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٥، ٦].
وقوله: ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ﴾ (مرد) هذا مصدر ميمي ولَّا؟ نعم مصدر ميمي؛ أي: لا رَدَّ له، يعني ما يمكن أن يرد هذا، جوابه لأن الله تعالى قضى به.
وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ متعلق بصفة لقوله: ﴿يَوْمٌ﴾ هذه صفة، متعلق بصفة لـ﴿يَوْمٌ﴾؛ يعني: من قبل أن يأتي يوم من الله؛ يعني هذا اليوم من الله لا من غيره.
ويحتمل أن يكون متعلقًا بـ﴿يَأْتِي﴾ أن يأتي من الله يومٌ، والأول أبلغ؛ أن يكون صفة لـ﴿يَوْمٌ﴾؛ لأن كونه من الله يدل على عظمته، وأنه لا يمكن أن يرد هذا اليوم.
وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ إذا قال قائل: هذه الآية خُوطب بها الناس في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ومعلوم أن القيامة ما تقوم في عهد الرسول ﷺ، فكيف قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾؟
فالجواب على هذا أن نقول: إن الموت واقع حتى في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن مات قامت قيامته وانقطع عمله، فلا فرق بين من يموت في ذلك الوقت وبين من يموت وهو آخر الناس موتًا بالنسبة لانقطاع العمل، كل منهم انقطع عمله، فكأنه -أي كأن من يموت في عهد الرسول ﷺ- بلغ يوم القيامة؛ ولهذا يقول العلماء: إن موت الإنسان قيامة بالنسبة إليه، وهو قيامة صغرى بالنسبة إلى عموم الناس؛ لأن العمل انقطع، انتهى.
وقوله: ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يفيد بأن هذا أمر لا بد أن يقع، وهو كذلك؛ لأن يوم القيامة هو الذي من أجله خُلِق الناس لعبادة الله، وجزاؤها يكون يوم القيامة.
قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ قال: (فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد، ومعناه: يتفرقون بعد الحساب إلى الجنة والنار) ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ (إذ) منونة، والتنوين هنا عوض عن جملة؛ يعني: يوم إذ يأتي يصدعون.
ويقول المؤلف: (فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد) ويش معنى (إدغام التاء في الأصل في الصاد)؟ أصلها يتصدعون، فقوله: (إدغام التاء في الأصل) أي: باعتبار الأصل؛ يعني أن الصاد التي أدغمت في أختها أصلها تاء، فأدغمت بها بعد قلبها صادًا، ومعنى ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ يتفرقون.
* طالب: أصله صدع يتصدع.
* الشيخ: أصلها يتصدعون، ومعنى التصدع التفرق، ومنه: تصدع الأرض؛ لأن تصدعها تتفرق أجزاؤها، فتنفجر، فهم يوم القيامة..
أن الفساد سببه أعمال بني آدم؛ لقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١]، ويدل لهذا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلل والأسباب، وأن أفعال الله عز وجل معلَّلة، لا بد لها من علة. من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾. ولا شك أن أفعال الله تعالى وأحكامه معللة؛ لأن من أسمائه الحكيم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس لا يعاقبون إلا بأسبابهم؛ لقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾، فيتفرع على ذلك أن من أراد أن ترفع عنه العقوبة فليتب إلى الله؛ فإن التوبة من أسباب رفع العقوبة وجلب المثوبة، ولهذا قال هود لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود ٥٢] وقال نوح لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح ١٠- ١٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل، وبقدر العمل؛ لقوله: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم ٤١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان سعة رحمة الله، وأن رحمته سبقت غضبه؛ لقوله: ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾، ولو أن الغضب كان بقدر الرحمة لكان الله يذيقنا كل الذي عملنا، ولو كان غالبًا للرحمة لكان يذيقنا أكثر مما عملنا أو لا؟
فالأمور ثلاثة الآن: إذاقة البعض أو المثل أو الأكثر، المثل أو الأكثر ممتنع، وإنما يذيق الله تعالى البعض لأنه ثبت في الحديث الصحيح: «أَنَّ اللهَ تَعَالَى كَتَبَ كِتَابًا عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (٢٧٥١ / ١٥) من حديث أبي هريرة.]]، ولولا هذا لكان الله تعالى يؤاخذ الناس بما عملوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العقوبات قد تكون سببًا للرجوع إلى الله، من أين؟ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]، كما أنها قد تكون بالعكس، قد تكون سببًا في الازدياد في العتو والنفور، والعياذ بالله، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج ١١] والجامع بين هذه الآية والتي نحن نفسر أن يقال: إن العقوبات على سبيل العموم مفيدة، لكن على سبيل الخصوص قد لا تفيد؛ لأن الله قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ﴾ من الناس، على أن قوله: ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ يحتمل أن يراد بها فتنة الدين بحيث ما يكون عنده مقاومة، فيقع في الهاوية والعياذ بالله، لكن الأظهر أنها عامة ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥].
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ [الروم ٤٢]:
* في هذه الآية الكريمة: الأمر بالاعتبار بما جرى للسابقين ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾.
* وفيه من فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يقرأ كتب التاريخ الماضية للاعتبار، ولكن كما نعلم جميعًا كتب التاريخ بعضها مزيف، ليس على حقيقته، فمصدر التاريخ في الأمم السابقة ما أخبر الله به ورسوله، قال الله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، فنفى أن يكون لأحد علم بهم إلا الله، إذن من أين نأخذ أخبارهم؟ ما دام ما يعلمهم إلا الله نأخذها من الله إما من الكتاب أو من السنة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أسباب هلاك الأمم السابقين كان إشراك أكثرهم؛ لقوله: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾.
* ومنها أن العقوبة إذا حلت قد تصيب الصالح وغيره؛ لأنه قال: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ يعني والبعض لم يشرك.
* ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال ٢٥]، وقد ينجي الله المؤمنين كما أنجى الله تعالى الرسل ومن آمن معهم، أنجاهم.
ثم قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ إلى آخره [الروم: ٤٣]:
* في هذا وجوب الاتجاه إلى الدين ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾، ويلزم من وجوب الاتجاه إليه وجوب الإعراض عما سواه؛ لأن الوجهة واحدة؛ إما إلى هنا وإما إلى هنا، فإذا لزم أن تتجه إلى الدين لزم أن تنحرف عن غيره.
* ومن فوائد الآية: تحريم الحكم بغير ما أنزل الله؛ لأنه مخالف للاتجاه إلى الدين القيم، والحكم بغير ما أنزل الله منه ما يكون كفرًا، ومنه ما يكون فسقًا، ومنه ما يكو ظلمًا؛ كما ذكر الله تعالى ذلك في سورة المائدة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، وفي الآية الثانية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]، وفي الآية الثالثة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧]، وهذه الأوصاف تتنزل على حال الحاكم، فقد يكون كافرًا أو ظالمًا أو فاسقًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الدين قيم، ويش معنى قيم؟ معتدل لا اعوجاج فيه، لا في جانب العبادة ولا في جانب المعاملة.
* ومن فوائدها: أنك إذا ظننت أن في الدين ما يخالف الاستقامة فاعلم أنك قاصر؛ إما في علمك وإما في فهمك، وجه ذلك أن الله وصف هذا الدين بأنه قيم، كل شيء تستعرضه في دين الله فيبدو لك أنه ليس على الاستقامة فاعلم أنك مخطئ؛ لقصور علمك، أو لقصور فهمك، والإنسان يُؤتَى من هاتين الناحيتين؛ إما لقصور علمه، ما عنده علم، وإما لقصور فهمه، عنده علم لكن ما يفهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن أمر بشيء أن يذكر ما يغري به ويرغب فيه، من أين يؤخذ؟
* طالب: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ﴾ [الروم ٤٣].
* الشيخ: لا، نعم هذا صحيح لكن قبل ذلك لقوله: ﴿الْقَيِّمِ﴾، فالإنسان إذا عرف أنه قيم لا شك أنه يتجه إليه، فأنت إذا أردت أن تأمر بشيء فاذكر الأسباب التي توجب للناس الإقبال عليه بأوصافه المحبوبة وثمراته الحميدة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الجمع بين الترغيب والترهيب: الترغيب ﴿الْقَيِّمِ﴾، والترهيب ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم ٤٣].
* ومن فوائدها: إثبات يوم القيامة وأنه آتٍ لا محالة ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: أن يوم القيامة يوم عظيم، من أين؟ من تنكير يوم ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾، والتنكير يفيد التعظيم، ويدل لذلك -لعظم هذا اليوم- قوله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٤ - ٦].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم ٤٣]، فلا أحد يستطيع أن يمنع ما أراد الله، ولا أن يجلب ما لم يرد الله أبدًا «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣ / ١٣٧) من حديث المغيرة بن شعبة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس يوم القيامة ينقسمون ويتفرقون؛ لقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾، فيه في الآية الأولى أول ما أخذنا ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ فيها دليل على بطلان مذهب الجبرية، كيف؟ الجبرية يقولون: إن الإنسان مجبَر على عمله، ما هو يفعل باختياره، ولا يضاف الفعل إليه، إلا على سبيل المجاز، فيقال: صلى، صام، زكى، مجازًا لا حقيقة، الآية الكريمة ترد عليهم من وجهين:
الوجه الأول: قوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ فأضاف الكسب إلى أيدي الناس.
الوجه الثاني: أن الله تعالى عاقبهم على هذا الفعل، ولو كانوا مجبرين عليه لكانت عقوبتهم ظلمًا لهم، كيف يعاقبون على ما ليس باختيارهم؟ ففيها رد من وجهين؛ وجه لفظي، وهو إضافة الكسب إلى أيديهم، ووجه معنوي، وهو أنه يلزم من عقوبتهم على ذلك لو كانوا مجبرين أن يكون الله تعالى ظالمًا لهم، والله تعالى ليس بظلام للعبيد، وكذلك أيضًا يؤخذ من قوله: ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أضاف العمل إليهم.
الروم 30:44
قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [الروم ٤٤] يقول المؤلف: (وبال كفره وهو النار)، هذا كالتفصيل لقوله تعالى: ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾؛ لأن يصدعون يتفرقون بحسب أعمالهم، فقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ هذه نشوف الإعراب: ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ (من) شرطية، وفعل الشرط (كفر)، وجوابه جملة (فعليه كفره)، وقوله: ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ جملة خبرية مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ قوله: ﴿كُفْرُهُ﴾، والخبر قوله: ﴿فَعَلَيْهِ﴾ مقدم، وفائدة التقديم الحصر.
﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم ٤٤] مثلها شرطية، وجواب الشرط قوله: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾، وقدم المعمول وهو (لأنفسهم يمهدون) للحصر، وهي فائدة معنوية، ولمراعاة الفواصل، وهي فائدة لفظية؛ لأنه لو قال: فيمهدون لأنفسهم استقام الكلام، لكنه قدم لهاتين الفائدتين.
يقول الله عز وجل: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ نعم يعني أي إنسان يكفر فإن وبال كفره عليه لا يضر إلا نفسه، ويكون على غيره ولَّا لا؟ لا يكون على غيره إلا أن يكون ذلك الغير سببًا فيه، فإن كان سببًا فيه صار عليه مثل وزره، قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣]، وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]].
فإذا قيل: هل هذا يناقض الآية ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [الروم ٤٤]؟
فالجواب: لا يناقضها؛ لأنه إذا كان هو السبب فإن ذلك من عمله، لكن صورة المسألة مختلفة أنه عمل غيره وعمل نفسه، إنما حقيقة الأمر أن الدال على الكفر فاعل لما يؤزر عليه.
قال: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم ٤٤] (يوطئون منازلهم في الجنة) من عمل صالحًا، الكفر في اللغة العربية الكفر: هو الستر، ومنه الكُفُرَّى الذي هو غلاف طلع النخل، ويسمى بلغتنا العامية الكافور، غلاف طلع النخل، هذا يستر الطلع، فالكفر في الأصل هو هذا، والمراد به الخروج عن طاعة الله؛ لأن الخارج عن طاعة الله قد ستر ما أنعم الله به عليه من العقل والعلم وما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ العمل الصالح قال أهل العلم: هو ما جمع شرطين أساسيين: أحدهما: الإخلاص، والثاني: المتابعة للرسول ﷺ، ويش ضد الإخلاص؟ ضده الشرك، والمتابعة ضدها الابتداع، فمثلًا إذا وجدنا رجلًا يصلي الصلاة المعتادة لكنه يرائي الناس بها فعمله ليس بصالح، ويش الذي فقد منه؟ الإخلاص، وإذا وجدنا رجلًا قد أحدث نوعًا من العبادات لم يرد به الشرع، لكنه مخلص، يريد بذلك وجه الله، وتجده خاشعًا يبكي ويتأثر بهذه العبادة، لكنها على غير شريعة الله، فهذا عبادته باطلة؛ لفقد المتابعة للرسول ﷺ، ومن ذلك ما إذا أخرج العبادات المشروعة عما شرعت عليه، هي عبادة مشروعة في الأصل لكن أخرجها عما كانت عليه، فإنه لا يُقبل عمله، كما لو صلى الصلاة بعد خروج وقتها متعمدًا بدون عذر فهذا يقبل منه؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لماذا؟ لأنه ما فيه متابعة، هو مخلص، لكنه غير متابع، وكذلك لو صلى صلاة بغير طمأنينة، لو صلى صلاة ما يطمئن فيها، إذا قال: سمع الله لمن حمده على طول سجد، إذا قام من السجود على طول سجد الثانية، فصلاته باطلة، لو صلى إلى يوم الدين ما قبل الله منه، لماذا؟ لعدم المتابعة، ولهذا لما صلى رجل صلاة لا يطمئن فيها قال له النبي ﷺ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧ / ٤٥ ) من حديث أبي هريرة.]]، فنفى عنه الفعل لانتفاء صحته، وإلَّا هو مصل الآن لكن ما هي صلاة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، هو لو سألته: لماذا صليت؟ قال: ما صليت إلا لله، لكنه خالف أمر الله.
* طالب: ما ينافي الإخلاص هذا؟
* الشيخ: لا، ما ينافي الإخلاص، الإخلاص في القلب؛ لأنه ما قام يصلي علشان الناس، ما همه الناس يقولون: صلى ولَّا ما صلى، صلى لله لكنه خالف أمر الله.
* طالب: هل يلزم أن يفقه ما يقول المصلي؟
* الشيخ: لا، ما هو لازم، ليس بلازم، بس أفضل أن يفقه ما يقول إذا كان قلبه حاضرًا، يعني خاشعًا في صلاته حاضر القلب، فهو أفضل.
* طالب: وخاشع القلب الآن يخشع لأشياء خارج الصلاة ولَّا.
* الشيخ: ويش لون يعني.
* طالب: أي مثلًا وهو يصلي يتفكر مثلًا في..
* الشيخ: لا، لا يخشع في أمور داخل الصلاة، يعني يستحضر ما يقول في صلاته، وما يفعل في صلاته، ما هو مثلًا يروح يتذكر جلسة كان فيها خاشعًا فيما سبق.
* طالب: لا مثلًا يتذكر القبور مثلًا الجنة والنار.
* الشيخ: إي ما يصح إلا إذا مرت به، مرت به مثلًا في أثناء قراءته.
يقول: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ إذن العمل الصالح ما هو؟ هو الذي جمع بين شرطين: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول ﷺ.
﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ المهد والتمهيد بمعنى التوطئة، ومنه قولهم: هذا طريق ممهَّد، يعني: موطأ محسن لأجل أن تطأه الأقدام، فمعنى ﴿يَمْهَدُونَ﴾ أي: يحسنون الشيء حتى يكون موطئًا لهم؛ وذلك لأن الذين يعملون صالحًا يتوصلون بعملهم الصالح إلى دخول الجنة، فيسهل لهم الطريق الذي يوصلهم إليها.
وقوله: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ تقديم المعمول يفيد الحصر، فإذا قال قائل: هل هذا ينافي ما ثبت فيه الحديث من أن «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فِي الْإِسْلَامِ فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]، نقول: لا ينافيه؛ لأن الذين يعملون حسنة يسنون الحسنات، عملوا ولَّا لا؟ عملوا، فتوبعوا على ذلك، فالأجر الذي حصل لهم من أجل اتباع غيرهم لهم هو في الحقيقة من فعلهم، قال الله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم ٤٥].
قال: (متعلق بيصدعون) دائما نشوف العلماء إذا جاء ظرف أو جار ومجرور يقولون: متعلق بكذا، متعلق، ويش معنى متعلق؟ يعني أن هذا هو الذي عمل فيه؛ لأن الجار والمجرور والظرف بمنزلة المفعول به، والمفعول به لا بد له من عامل يعمل به، فإذا قال: متعلق بكذا يعني أن هذا هو الذي عمل فيه، ولا بد لكل جار أو ظرف لا بد له من متعلق:
لَا بُدَّ لِلْجَـــــــــــــارِ مِنَ التَّعلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعناهُ نَحْوُ مُرْتَقِي
فإذن معنى قوله: (متعلق بيصدعون) أن العامل في كلمة (ليجزي) قوله: ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾، وهذا رأي المؤلف.
ويَحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿يَأْتِيَ﴾، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لأن التصدع في الحقيقة هو نفس الجزاء، فكيف يكون الشيء علة لنفسه، هذا ما يبعد كلام المؤلف، لكن إذا قيل: يأتي هذا اليوم لأجل المجازاة، صار المعنى مستقيمًا واضحًا، فإذا قلنا: إن هذه اللام (ليجزي) لأن اللام حرف جر، إذا قلنا: إنها متعلقة بـ(يأتي) فهو أوضح من قولنا: إنها متعلقة بـ(يصدعون)؛ لأن نفس التصدع والتفريغ الذي يؤوي إلى النار هو نفس الجزاء.
وقال بعض العلماء، بعض المعربين: إنه خبر لمبتدأ محذوف، فهو متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: ذلك ليجزي، والمشار إليه ما سبق، وهذا أيضًا وجيه جدًّا أن يجعل متعلقًا بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف.
قلنا: إن اللام في (ليجزي) حرف جر، والمعلوم أن حروف الجر لا تدخل إلا على الأسماء، وقد تبين لكم بأن من علامات الاسم الجر، دخول (...) عليه، الآجرومية، يقول: الاسم يُعرف بالخفض، والتنوين، ودخول الألف واللام، وحروف الخفض.
فكيف صح أن نقول: إن اللام في قوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ حرف جر، مع أنها داخلة على فعل؟ نقول: لأن هذا الفعل بمنزلة الاسم؛ إذ إنه فعل مقدر فيه (أن)؛ لأن التقدير: لأن يجزي، و(أن) مصدرية تحول الفعل إلى مصدر، والمصدر اسم ولَّا غير اسم؟ المصدر اسم، فعليه يكون المعنى: لجزائه، لجزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات إلى آخره، عرفتم الآن؟ فإذا دخلت اللام -لام التعليل- على الفعل فإنه يقدر بينها وبين الفعل (أن) المصدرية: لأن يجزي، وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الفاعل -فاعل الجزاء- هو الله سبحانه وتعالى، وهو ضمير مستتر يعود عليه.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، على أنه منصوب بـ(أن) مضمرة بعد اللام: ليجزي، واللام جارة لما بعدها، باعتبار أن الفعل سيكون مصدرًا.
* طالب: لكن هى نفسها حرف جر.
* الشيخ: إي هي نفسها حرف جر.
* طالب: هي نفسها لام التعليل التي تنصب الفعل المضارع.
* الشيخ: هي نفسها لام التعليل التي ينصب الفعل المضارع بـ(أن) بعدها على رأي البصريين.
* طالب: (...) لام التعليل.
* الشيخ: لا، اللام هي واحدة، ولام التعليل كما تدخل على الفعل تدخل على الأسماء، فلو قلت: جئت لإكرامك فهي لام التعليل، وجئت لأكرمك هي لام التعليل.
وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الجزاء بمعنى المكافأة، يعني ليكافئهم ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (يثيبهم) هذا تفسير للجزاء بمعنى الإثابة، والثواب هو المكافأة، وسُمي ثوابًا لأنه من ثاب يثوب إذا رجع؛ لأنه يرجع إلى الإنسان جزاء عمله، وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ انتبهوا لهذين الشرطين: إيمان وعمل صالح، فالإيمان وحده ما يكفي، والعمل الصالح وحده لا يكفي، هذا إذا قُرن الإيمان بالعمل، أما إذا قيل: عمل صالح يكفي، أو إيمان يدخل فيه العمل، الإيمان يكون بالقلب، فمن لا إيمان في قلبه لو عمل من الصالحات ما عمل لم ينفعه، المنافق يذكر الله ويصلي وينفق ولَّا لا؟ وربما يخرج في الجهاد، ينفعه عمله؟ لماذا؟ لأنه لا إيمان في قلبه.
الإنسان اللي عنده إيمان بالله سبحانه وتعالى لكنه لم يعمل عملًا صالحًا، ما عمل عملًا صالحًا.
* طالب: ممكن.
* الشيخ: ممكن أيش؟ ممكن يجزى إلا في واحدة فقط، وهي الصلاة، فإنه إذا لم يعملها لا ينفعه إيمان؛ لأنه قد دلت الأدلة على أن هذا العمل وإن كان عملًا بدنيًّا ولكنه يكفر الإنسان بتركه كفرًا مخرِجًا عن الملة، أما غير الصلاة من الأعمال فقد قال عبد الله بن شقيق: «كان أصحاب النبي ﷺ لا يَرَوْنَ شيئًا من العمل تَرْكُه كُفرٌ إلا الصلاة »[[أخرجه الترمذي (٢٦٢٢) من حديث عبد الله بن شقيق.]] يعني لو لم يزكِّ فإنه لا يخرج من الإيمان، لو لم يصم فإنه لا يخرج من الإيمان، لو لم يحج فإنه لا يخرج من الإيمان، هذا هو الصحيح، وعن الإمام أحمد رواية أن جميع أركان الإسلام إذا تركها الإنسان متهاونًا فهو كافر، فإذا لم يزكِّ فهو كافر، إذا لم يصم فهو كافر، إذا لم يحج فهو كافر، يقول: لأن الركن عليه الاعتماد، ركن الشيء عليه اعتماد الشيء، فإذا لم يوجد الركن ما قام الشيء، وهذا لا شك أنه له وجه، لكن الأدلة تمنع من القول بهذا؛ فإن حديث أبي هريرة في الصحيح فيمن لا يؤدي زكاته ذكر النبي عليه الصلاة والسلام عقوبته ثم قال: «ثُمَّ يَرَى سَبِيلهُ إِمَّا إِلَى الْجنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ»[[أخرجه مسلم (٩٨٧ / ٢٦) من حديث أبي هريرة.]]. فقوله: «يَرَى سَبِيلهُ إِمَّا إِلَى الْجنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» » يدل على أنه لا يكفر بمنع الزكاة، ويش وجهه؟ لأنه لو كفر بذلك ما صار له سبيل إلى الجنة، فإذا لم يكفر بترك الزكاة فما دونها من باب أولى، ولا شك أن أركان الإسلام التي دون الزكاة أنها دونها، فالصيام دون الزكاة، والحج دون الزكاة.
فإن قال قائل: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧] فإن ظاهره من كفر فلم يحج فإن الله غني عن العالمين؟
فالجواب أن يقال: المراد بالكفر هنا سوى الكفر الأكبر، يعني كفرًا دون كفر، ولهذا ما قال: ومن لم يحج فهو الكافر، أو وترك الحج هو الكفر كما قال في الصلاة، و(كفر) فعل، والفعل يدل على الإطلاق ولا يدل على العموم، فهذا الجواب عن هذه الآية، والذين قالوا: إنه يكفر بترك الحج احتجوا بهذه الآية.
* طالب: يقول علي بن أبي طالب:« «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا»[[أخرجه الدارمي في السنن (١٨٢٦) من حديث أبي أمامة الباهلي.]].
* الشيخ: هذا عمر بن الخطاب، وهذا يقال من باب التهديد، أو أن هذا رأي له، وهذا أيضًا إن صح الحديث؛ لأن في الحديث مقالًا، لكن إن صح فهو يُحمَل على أن المراد أن هذا من باب التحذير، أو أنه رأي له كما رآه غيره من أهل العلم.
* طالب: يا شيخ قوله: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مات ميتة جاهلية».
* الشيخ: اللي أفهم من الحديث «مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ»[[أخرجه مسلم (١٩١٠ / ١٥٨) من حديث أبي هريرة. ]] مات ميتة جاهليةً ما يمنع أن الإنسان مات ميتة جاهلية؛ لأنه فعل فعلًا من أفعال الجاهلية، حيث لم يقم بواجب الجهاد.
* طالب: طيب يا شيخ عيسى عليه السلام يقول يوم القيامة: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي﴾ [المائدة ١١٧] بعدين آخره قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٨] يعني كأنه يرد الغفران عيسى عليه الصلاة والسلام أنها شيئان، ذكر العذاب والغفران مثل الحديث الذي ذكرتم يعني.
* الشيخ: ويش وجه الإشكال؟
* طالب: الإشكال إما يرى سبيله إلى النار أو الجنة؟
* الشيخ: لا؛ لأن هذا ما هو بهذا خبر؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام يقول: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة ١١٧] ثم بين ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ وقد استحقوا ذلك ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٨].
* طالب: وكيف المشركون يعني.
* الشيخ: لا، يعني إن تغفر لهم بمعنى أني أنا ما أعلم هل هم أشركوا ولَّا فعلوا ذنوبًا أخرى يستحقون بها المغفرة.
* طالب: (...) ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ للناس للعموم ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة ١١٦، ١١٧] هذا الأمر ﴿رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [المائدة ١١٧، ١١٨] هؤلاء الناس الذين هم عبادك يعبدونني وأمي أو يتخذوني إلهين من دون الله، بعدين قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المائدة ١١٨] (...).
* الشيخ: (﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ [الروم ٤٦] تعالى) من للتبعيض وآياته مجرور بمن و ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ [الروم ٤٦] هذه فعل مؤول بالمصدر هو المبتدأ، أي: من آياته إرسال الرياح ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ حال من الرياح، يقول الله عز وجل في هذه الآية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ أي بعض آياته؛ لأن (من) هنا للتبعيض؛ وذلك لأن آيات الله عز وجل لا يمكن إحصاؤها ولا حصرها:
وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الوَاحِدُ
كل شيء، لو أراد الإنسان أن يحصي آيات الله عز وجل التي في جسمه هو فقط ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، فكيف بآيات الله تعالى التي ملأت الكون، ولهذا تأتي (من) الدالة على التبعيض، وقوله: ﴿آيَاتِهِ﴾ أي علاماته.
واعلم أن كل آية فإنها تدل على العلم، وتدل على القدرة، وتدل على الحكمة، هذا لا بد منه، لا بد من ذلك في كل آية؛ أنها تكون آية –علامة- على هذه الأمور الثلاثة: العلم والقدرة والحكمة، ثم تختص بعض الآيات بما تختص به؛ إما أن تكون مثلًا اللي بعدها رحمة، أو بعدها شيء يدل على السلطان والعظمة، المهم أن لكل آية شيئًا خاصًّا وشيئًا عامًّا، فالشيء العام هو هذه الثلاثة: العلم والقدرة والحكمة ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم ٤٦]، يضاف إلى هذه الثلاث الرحمة؛ لأن هذه الرياح تبشر بالمطر، وقوله: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ والإرسال بمعنى الإطلاق، ومنه قول الشاعر: (فأَرْسَلَها العِراكَ).
يعني أطلقها، ومنه قول الفرضيين: دين مرسل، يعني: مطلق ليس به رهن.
﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ يعني يطلقها سبحانه وتعالى، والرياح جمع ريح، وهي الأهوية، واعلم أن الريح تُذكر مفردة وتُذكر مجموعة، فإذا ذُكرت مجموعة فإنها تكون غالبًا للرحمة، وإذا ذُكرت مفردة فإنها تكون غالبًا للعقاب ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ريح [الحاقة: ٦]، ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات ٤١] ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف ٢٤] وما أشبه ذلك، ولكنها -أعني الريح- قد تُفرَد وتكون في مقام النعمة، لا سيما إذا وصفت بما يدل على ذلك؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢] هنا الريح عقوبة ولَّا نعمة؟ نعمة، وإنما كانت نعمة لأنها وصف طيبة، وأيضًا بالنسبة للسفن هل الأولى اختلاف الرياح أو اتحاد الريح؟ اتحادها؛ لأنها إذا اختلفت اختلف سير السفينة، فيما سبق لما كانت السفن شراعية، هنا الرياح في مقام النعمة، ولهذا جمعت الرياح، ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ حال من الرياح، أى تبشر بالخير، ولهذا بعض الرياح إذا هبت استبشر الناس؛ لأن الله سبحانه وتعالى أجرى العادة أن هذه الريح المعينة يتكون منها السحاب ثم المطر، وأحيانًا يستبشرون بالريح إذا رأوها تجمع السحاب، تجمعه وتكثفه، استبشروا بها. وقوله: ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ البشارة هي الإخبار بما يَسُرُّ غالبًا، وسُميت بشارة لأنها تؤثر على البشرة، فالإنسان إذا استبشر ينير وجهه ويسفر، وتجد عليه علامة البشرى. وقد تطلق البشارة بما يسوء؛ كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١]، ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ قال: (بمعنى لتبشركم بالمطر) شوف المؤلف -رحمه الله- فسر اسم الفاعل بالفعل المعلل، وقال: (بمعنى لتبشركم) لأجل أن يسهل العطف في قوله: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾؛ لأن (مبشرات) و(ليذيقكم) يجد الإنسان بينهما فجوة، هذه الفجوة أراد المؤلف أن يقربها بقوله: بمعنى ليبشركم بها، ولكن الصحيح عندي أن (مبشرات) على حالها تعتبر اسمًا، ولكننا نقدِّر فعلًا يناسب ما بعده لأجل أن يصح عطف الفعل عليه، والذي أرى أن يُقدر: لتستبشروا بها مبشرات لتستبشروا بها وليذيقكم من رحمته، أو نجعل: لتبشركم كما قال المؤلف ما نجعلها بمعنى مبشرات، بل نجعلها فعلًا مستقلًّا قدرناه ليصح العطف في قوله: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾.
وقوله: (﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾ بها ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ المطر والخصب) تقدم لنا أن الله تعالى يعبر عن الإصابة بالإذاقة؛ لأنها أعلى أنواع الإصابة وأبلغها، ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾ بها ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ يقول: المطر والخصب، ففسر الرحمة بأثرها، وعلى هذا فتكون الرحمة في هذه الآية مخلوقة ولَّا صفة من صفات الله؟ تكون مخلوقة، وهذا الذي فسرها به محتمل؛ لأن الله تعالى قد يطلق الرحمة على الشيء المخلوق الذي يكون من آثار رحمته كما ثبت في الحديث الصحيح أن الله قال للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.]]، ومن المعلوم أنه سبحانه وتعالى لم يرد أنها رحمته التي هي صفته؛ لأن الجنة مخلوق بائن، ولكن أراد أنها من أثر رحمته، أو مقتضى رحمته، فهنا يصح أن نقول: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي من هذا المطر والخصب، وتكون الرحمة هنا مخلوقًا من المخلوقات، ويحتمل أن تكون الرحمة (...).
وإن جعلناها الصفة فهي للابتداء، يعني ليذيقكم نعمة صادرة من هذه الرحمة (﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ السفن بها ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بإرادته ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ تَطْلُبُوا ﴿مِنْ فَضْله﴾ الرزق بالتجارة في البحر ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ) قوله: ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ يقول: (السفن بها) بها: الضمير يعود على الرياح، فالله تعالى يرسل الرياح لتسير بها المياه في أجواء السماء، وهو السحاب، ويرسل الرياح لتسير بها السفن في البحار، وكل من السحاب ومن السفن يحمل نعمًا كثيرة، السفن ماذا تحمل؟ تحمل الأرزاق والأناسي والحيوان وغيرها، والسحب تحمل الماء الذي هو مادة الحياة ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة ٦٨، ٦٩]. ففي الرياح إذن فائدتان: تسيير السحب في أجواء السماء، وتسيير السفن في أجواء البحار.
وقوله: ﴿الْفُلْكُ﴾ واحد ولَّا جماعة؟ تصلح لهذا ولهذا، الفلك تصلح للجمع وللمفرد، أو لا؟
* طالب: في القرآن موجود.
* الشيخ: في القرآن موجود، هات مثالًا لها للمفرد؟
* طالب: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ [النحل ١٤] هذه للجماعة أصلها يا شيخ، ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة ١٦٤] هذا مفرد.
* طالب آخر: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [هود ٣٧].
* الشيخ: لا.
* طالب آخر: في قصة نوح عليه السلام: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ﴾ [هود ٣٨].
* الشيخ: هذه الإجابة.
* طالب آخر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ﴾ [لقمان ٣١].
* الشيخ: على كل حال المثال الذي ذكره أيضًا صحيح ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢] هذا جمع ولَّا مفرد؟ جمع ﴿فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ﴾ ما قال: في الفلك وجرى.
* طالب: مفرد يا شيخ ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء ١١٩].
* الشيخ: نعم ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر ١٢] أيضًا جمع.
على كل حال الفلك صالحة للمفرد وللجماعة.
ذكر الفقهاء كلمة ذكرتها لكم سابقًا فقالوا: إن الأحدب ينوي الركوع بقلبه، الأحدب ما هو قائم حتى يركع، ينوي بقلبه، قال بعض الفقهاء: فهو شبيه للفلك في اللغة العربية، يعني انحناء هذا الأحدب شبيه بالفلك في اللغة العربية، ما يعرف إلا بالنية، فالفلك صالح للمفرد وللجماعة، ولا يعرف إلا بالنية أو القرينة، هذا المسكين اللي أحدب في حال الركوع ما الذي يعلمنا أنه راكع أو غير راكع؟ فركوعه وقيامه سواء، وهذه يمكن أن يستدل بها على ما ذكر عن الكسائي يقول: إن الإنسان إذا أتقن شيئًا من العلم أمكنه أن يفهم غيره من العلوم، وذكروا قصة أنه كان هو وأبو يوسف عند الرشيد أحد خلفاء بني العباس، وأنهما تناظرا في مسألة، فقال له أبو يوسف، يقول للكسائي: ما رأيك لو سها الإنسان في سجود السهو؟ هل نحوك يعلمك حكم هذه المسألة، قال: نعم، إذا سها في سجود السهو فإنه لا يسجد، قال: أين القاعدة في نحوك؟ قال: عندنا قاعدة في النحو أن المصغر لا يصغر. فاستدل بأن سجود السهو صلاة مصغرة، فإذا سها فيه ما عاد (...) هذا واقع أو غير واقع، الله أعلم، ذكروها.
يقول: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ [الروم ٤٨] ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ قال (بإرادته)، والصحيح: بأمره، من الأمر الذي هو بالقول، وليس المراد بالإرادة فقط؛ لأن الفلك ما تعلم عما يريد الله عز وجل، لكنها إنما تأتمر بأمره القولي، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢] فكل مراد الله إن لم يقترن بالقول فإنه لا يقع، وكيف تحدث الكائنات بمجرد إرادة لا يعلم بها إلا الله، فلا بد من قول، فالصواب أن المراد بأمره أمره القولي؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، ولا يمنع ذلك أن يكون هذا الجريان بأمره بأسباب محسوسة معلومة لنا؛ لأن المقدر للأسباب هو الله عز وجل، فهو سبحانه وتعالى يخلق ويسخر ولكن بأسباب ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم ٤٦]، كل هذا مما خلقه الله عز وجل لهذه الحكم العظيمة.
(﴿وَلِتَبْتَغُوا﴾ تطلبوا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ الرزق بالتجارة في البحر) وهو كذلك، وكم من أناس كانت تجارتهم في البحار ينقلون الأرزاق من جهة إلى جهة بواسطة هذه السفن، لولا هذه السفن لكان من المتعذر أن تنتقل الأرزاق من الجهة التي خلف البحر إلى جهة أخرى، ولكن الله عز وجل جعل هذه السفن لأجل أن تنقل هذه الأرزاق والنعم.
(﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم ٤٦] هذه النعم يا أهل مكة فتوحدونه)، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، (لعل) هذه معناها التعليل، (تشكرون) الشكر هو القيام بطاعة المنعم، ويكون باللسان وبالقلب وبالجوارح، الشكر يكون باللسان والقلب والجوارح، وهو القيام بطاعة المنعم، فأما الشكر بالقلب فأن يؤمن الإنسان بأن هذه النعمة من الله عز وجل، هو الذي أمده بها، وهو الذي يسرها له، وهو الذي جلبها إليه، هذا بالقلب.
والشكر باللسان أن يحمد الله عليها، فإن هذا من شكر النعمة، وأن يتحدث بها اعترافًا لله بالفضل، لا افتخارًا بها على غيره، وأما الشكر بالجوارح فأن يقوم لله تعالى بالعمل البدني من صلاة وزكاة وصيام وحج وغيرها، ولهذا يقول الشاعر:
أَفَادَتْــــــــــــكُمُالنَّعْمَــــــــــــــــــــــــاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا
فيدي الجوارح، ولساني القول، والضمير المحجب القلب، ما هي الواسطة بين الحمد والشكر؟ أو النسبة بين الحمد والشكر؟
نقول: الحمد أعم من حيث السبب، والشكر أعم من حيث التعلق؛ لأن الحمد يكون باللسان، ويكون على النعم، وعلى كمال صفات المحمود، يعني أنه يحمد المحمود على نعمه وإحسانه على الحامد، وعلى كمال صفاته، وأما في المتعلق فإنه يتعلق باللسان، خاصة الحمد يكون باللسان فقط، وربما يكون بالقلب أيضًا بأن يعتقد الإنسان كمال هذا المحمود، لكنه لا يسمى حمدًا لغةً إلا باللسان، وأما الشكر فهو أخص من الحمد باعتبار سببه، وأعم باعتبار متعلقه، كيف أخص باعتبار سببه؟ لأن سببه النعمة فقط، الإنعام على الشاكر هذا السبب نعم، وإلا لو كان الإنسان المحمود من أكمل الناس، وهو ما أعطاك شيئًا هل تشكره ولَّا لا؟ ما تشكره، الشكر يكون على النعم، فهو أخص من حيث السبب، ويكون بالقلب واللسان والجوارح، فهو من حيث المتعلق أعم، إذن النسبة بينهما العموم والخصوص الوجهي.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الشكر قلنا: هو القيام بطاعة المنعم، صح هذا، بالمعنى العام، لكن شكر النعمة الخاصة يكون بالقيام بوظيفتها من الطاعة، شكر النعمة الخاصة يكون بالقيام بوظيفتها الخاصة، مثلًا شكر الإنسان ربه على العلم يكون بماذا؟ بالعمل به وتعليمه، هذا شكر خاص لنعمة خاصة، شكر الإنسان ربه على المسكن مثلًا يكون بطاعته في هذا المسكن، بألا يكون فيه مثلًا إسراف ولا تبذير وما أشبه ذلك، فالشكر هنا له إذن معنيان: المعنى العام هو القيام بأيش؟ بطاعة المنعم، والمعنى الخاص هو القيام بطاعة الله تعالى فيما يتعلق بهذه النعمة الخاصة، وكل نعمة لها شكر خاص.
* * *
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ [الروم ٤٧] إلى آخره، اللام في قوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ موطئة للقسم، يعني أنها جواب لقسم محذوف، التقدير: والله لقد، وبهذا نعرف أن الجملة هنا مؤكدة بثلاثة أمور؛ وهي القسم واللام و(قد) ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾.
من المشهور المعروف عند أهل العلم أن الرسول من أُوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه؛ لأنه مرسل، وهذا الصنف من الناس هو أعلى أنواع الأصناف من بني آدم، هم أعلى الأنواع، ويليهم الأنبياء، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون، فأعلى أجناس البشر الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأنهم جمعوا بين الاختصاص بالرسالة والعبادة ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] ما يعطي الرسالة إلا لمن هو أهل لها، فأحق الناس بالرسالة بلا شك هم هؤلاء الأعيان الذين أرسلهم الله عز وجل، ولا يمكن أن يكون أحد من الناس أحق منهم بها.
وبهذا نعرف ضلال، بل وكفر من قالوا: إن علي بن أبي طالب أحق بالرسالة من محمد ﷺ؛ لأنهم في ذلك طعنوا في الله عز وجل، ونسبوه إلى ما لا يليق به؛ لأنه إذا كان أعطى الرسالة محمدًا وعلي أولى بها، فهو إما جاهل بالأحقية وإما غير مريد لإعطاء الحق أهله، وكلا الأمرين بالنسبة إلى الله محال وممتنع، وأي أحد يصف الله بهذا أو بما يستلزم هذا فإنه كافر بلا شك.
إذن الرسل عليهم الصلاة والسلام هم أشرف الخلق، أشرف أصناف الخلق، وهم أحق الناس بالرسالة بلا شك، ولا أحد أحق منهم، ويوجد والعياذ بالله بعض الناس الفلاسفة يرون أن الرسل من آخر مراتب الخلق، ويقولون: إن الولي أفضل من النبي، والنبي أفضل من الرسول؛ لأن الولي خاص الخاصة، ولي على اسمه، والنبي له مزية في الوحي، والرسول بمنزلة الخادم الذي في البيت يرسل ليشتري الحوائج، شوف والعياذ بالله الضلال، ويقولون فيما يقولون:
مَقامُ النُّبُـــــــــــــــــــــــــــوَّةِ فيبَرْزَخٍ ∗∗∗ فُوَيْق الرَّسُول ودُونَ الوَلِي
شوف أعوذ بالله، مقام النبوة في برزخ فويق الرسول يعني فوق الرسول شوية، وبالنسبة للولي ودون الولي دون منحط بعيد عن الولي، وعلى هذا فتكون رتبة الولاية عندهم أعلى شيء، وهذا لا شك أنه كفر، بل نقول: إن مقام الرسالة فوق كل شيء، ثم النبوة، ثم الولاية؛ لأن الرسول جامع بين الرسالة والنبوة والولاية، أليس كذلك؟ والنبي له النبوة والولاية، والولي له الولاية دون النبوة والرسالة، ومعلوم أنه كلما ازدادت صفة الكمال في شخص كان أكمل من غيره.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ والقوم هم الطائفة الذين ينتسب إليهم الإنسان؛ لأن بهم قوامه، فهو يقوم بهم، وهم به يقومون. وقوله: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ لأنه ما من رسول أرسل سوى رسول الله ﷺ إلا ورسالته خاصة؛ كما ثبت في الحديث الصحيح حديث جابر: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله.]].
﴿إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ﴾ الفاعل للرسل والمفعول للقوم (﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالحُجَج الواضحات على صِدقهم في رِسالتهم إليهم فكذَّبوهم). قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هل المراد البينات، معلوم أنها الواضحات، لكن هل المراد بالبينات هنا ما يبين صدق رسالتهم، فيكون المراد بها المعجزات التي أيدوا بها، أو المراد بالبينات أي بالشرائع البينات الظاهرة التي كل من استقرأها عرف أنها من عند الله، أو المراد الأمران؟
المراد الأمران، فالرسل أتوا بالآيات البينات التي تؤيدهم، وتدل على صدقهم، وأتوا أيضًا بالبينات، بالشرائع البينة الظاهرة التي يعلم أنها من عند الله عز وجل، فالباء إذن في قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ تكون للمصاحبة، يعني أرسلوا رسالة مصحوبة بالبينات، أو للاختصاص على القول بأن المراد بالبينات الشرائع، وهذا من حكمة الله عز وجل ورحمته؛ أن الله ما أرسل رسولًا إلا أيده بآية من حكمته ورحمته؛ لأنه لو جاء الرسول بدون آية إلى الناس وقال: أنا رسول الله بدون آية يقبلون ولَّا لا؟ من طبيعة البشر ألا يقبل حتى يعرف، كما أنه لو جاء واحد من الناس وقال: ترى أنا عالم عندي علم بالشرع فاستفتوني، أي شيء تستفتوني أفتيكم، يطيعونه ولَّا لا؟ أبدًا ما يطيعونه حتى يمتحنوه ويسألوه، فكيف عاد بالذي يدعي أنه يوحى إليه؟ ما يقبل، إلا إذا جاء بآية، فهذا من حكمة الله، من رحمته أيضًا؛ لئلا يعاقب أحدًا بذنب بدون حجة؛ لأنه لو أرسل الرسل بدون آيات وكذبهم الأمم لكانوا معذورين بالتكذيب؛ لعدم وجود الآية، وقد لا يعذرون لأنهم يجب عليهم أن يستسلموا، لكن من رحمته أنه قال: جعلنا معهم آيات بينات ليطمئن الناس إليهم ويؤمنوا بهم عن اقتناع.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ [الروم ٤٧]، ﴿مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا﴾ ربما يستفاد من كلمة (من قبلك) أنه لا رسول بعده، كما سنذكره إن شاء الله تعالى في الفوائد، ونناقش هذه الفائدة ﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾، ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾ الانتقام هو الأخذ بالعقوبة، وهذا من فعل الله، وليس من أسمائه، ولهذا الحديث الذي فيه سياق الأسماء الحسنى[[أخرجه الترمذي (٣٥٠٧) من حديث أبي هريرة.]] وهي مدرجة ما صحت عن النبي ﷺ، فيها أن من أسمائه المنتقم، وليس من أسمائه، بل هو من أوصافه وأفعاله، ولهذا ما جاء مطلقًا، قال: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة ٢٢] فهو فعل، وقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ ما هو الإجرام؟ الإجرام فعل الجرم، والجرم كل ما يكون سببًا في الإثم فهو الجرم، والمراد بالإجرام هنا الكفر، وفهم من الآية الكريمة ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ أن من لم يجرم لم ينتقم منه، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧]، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ﴾ نصر ويش إعرابها؟ اسم (كان)، أين خبرها؟ حقًّا، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا أحسن ما يكون في إعراب الآية، وأوجه ما يكون، وأسهل ما يكون، وإلا ففيه أوجه أخرى.
قوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾ الحق بمعنى الشيء الثابت اللازم ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المؤمنين بما يجب الإيمان به؛ من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، فأوجب الله عز وجل على نفسه أن ينصر المؤمنين، أوجب، كان حقا علينا، التزام وضمان من الله عز وجل، ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بماذا نصر المؤمنين؟
نصر المؤمنين أي منعهم من أعدائهم، وذلك بأن يجعل لهم من النصر الحسي والمعنوي ما تكون العاقبة لهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١.
فإن قال قائل: هذا الحق الذي التزم الله به قد يشكل علينا أن الله تعالى يخذل المؤمنين أحيانًا، كما في أحد مثلًا؛ فإن النصر في أحد لمن؟ لقريش وأتباعهم، فما هو الجواب عن هذه الآية؟
نقول: إن الجواب أن نصر قريش على الرسول ﷺ ليس نصرًا دائمًا كانت العاقبة فيه لهم، بل إن هذا في الحقيقة من نصر المؤمنين عليهم، وإذا شئت أن يتبين لك ذلك فاقرأ ما (...) الله به هذه الغزوة في سورة آل عمران من جملة ما ذكر من الحكم ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤١] يمحق الكافرين إذن فهو نصر لجلبهم؛ لأنهم لو هزموا في كل مقام ما قاموا ولا حاربوا، لكن إذا صار لهم شيء من النصر فإن ذلك يغريهم بالقتال حتى تكون العاقبة للمؤمنين ويبيدهم الله عز وجل.
ومنها أيضا نصر المؤمنين على أنفسهم؛ لأنهم ما أتاهم ما أتاهم في أُحد إلا بسبب مخالفتهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ١٥٢]، فهنا يعرفون قدر المعصية وأنه يفوت بها من المحبوب ما (...). فالحاصل أن هذه الآية على بابها أن الله تعالى ينصر المؤمنين حقًّا عليه أوجبه هو بنفسه على نفسه؛ كما في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام ٥٤]. قال: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم ٤٤].
* من فوائد هذه الآية: الجمع بين الترغيب والترهيب الترهيب في قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ والترغيب في قوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن شؤم الكافر لا يتعداه إلى غيره؛ لقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ وتقديم الخبر يدل على الحصر.
* ومن فوائد الآية: أنه لا يتم الثواب إلا بالعمل الصالح المبني على أمرين؛ وهما الإخلاص لله تعالى، والمتابعة لرسوله ﷺ؛ لقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾.
* ومن فوائدها: أن الحزم والكياسة في العمل الصالح؛ لقوله: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾؛ لأنهم إذا فعلوا ذلك استراحوا في المستقبل؛ إذ إنهم وطؤوا لأنفسهم منزلًا هو خير المنازل.
وقد ذكرنا ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: جمع بينها وبين قوله ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]، وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣]، وقوله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل ٢٥] ويش ذكرنا الجمع؟
* طالب: أن هذه الأعمال السيئة هي من أعمالهم أنفسهم.
* الشيخ: نعم لأنهم هم السبب.
* طالب: في إضلال هؤلاء.
* الشيخ: نعم، ثم قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [الروم ٤٥].
* يستفاد من هذه الآية: إثبات العلل في أفعال الله؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقد انقسم الناس في هذا إلى ثلاثة أقسام: قسم أنكروا العلل في أفعال الله وفي شرعه وقالوا: إنه سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم بما شاء بدون أي علة أو حكمة، مثل؟ كالجبرية.
وقسم آخر أثبتوا العلل في أفعال الله وقالوا: إن الله تعالى لا يفعل إلا لحكمة، ولا يشرع إلا لحكمة، لكنهم جعلوا تلك العلل موجبة وقالوا: يجب عليه أن يفعل كذا لكذا، وهؤلاء المعتزلة.
وقسم ثالث توسطوا وقالوا: أفعال الله تعالى لحكمة، وشرائعه لحكمة، لكن ليست هذه الحكمة موجبة، بل الذي أوجب على نفسه الحكمة هو الله، والحكمة من مقتضى اسمه الحكيم، فتكون واجبة ليست بإيجاب أحد ولكنها بمقتضى كونه حكيمًا، هو الذي أوجبها على نفسه، وهذا القول هو الصحيح، وإذا قلنا به فإننا لا يمكن أن نعترض على أي حكم من أحكام الله كونيًّا كان أم قدريًّا؛ لأننا نعلم أن الذي أوجب أن تقترن أفعاله وشرائعه بالحكم من هو؟ الله، لا نحن، فلا نقول: إن الله يجب عليه فعل الأصلح، ولا فعل الصلاح إيجابًا مستقلًّا عن إرادته، وهذا القول هو الحق. إذن نأخذ منه أن جميع أفعال الله وأحكام الله كلها معللة بالحكمة بمقتضى اسمه الحكيم.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء ليس واجبًا على الله؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم ٤٥]، لكنه أوجبه على نفسه، في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ٥٤] أوجبه هو سبحانه وتعالى على نفسه، ولهذا قال الشاعر:
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ كَلَّا وَلَا عَمَلٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ؎إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الْكَرِيمُ الْوَاسِعُ
وابن القيم رحمه الله نظم معنى هذين البيتين لكنه علل فقال:
مَا لِلعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِ؎إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُــوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَالْفَضْلُلِلْمَنَّــــــــــــــــــــــــــــــــانِ
فقيد المطلَق في البيتين السابقين أنه هو الذي أوجب ذلك تفضلًا منه سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله، من أين تؤخذ؟ ﴿لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ بس هذا نفي، كيف نأخذ منه الإثبات؟ لأنه إذا انتفى محبته عن الكافرين لزم محبته للمؤمنين، فإن لم يكن؛ لم يكن فرق بين المؤمنين وبين الكافرين، لو كانت المحبة منتفية في هؤلاء وهؤلاء ما كان بينهم فرق، أليس كذلك؟
ولهذا استدل أهل العلم على إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥] قالوا: فلما حجب هؤلاء في حال السخط دل على أنه لا يحجب الآخرون في مقام الرضا.
إذن نأخذ من هذه الآية إثبات المحبة، وهي كما سبق الكلام عليه صفة ثابتة لله على وجه الحقيقة، وليست بمعنى الثواب ولا إرادة الثواب، وإنما ذلك من لازمها ومقتضاها، إذا أحب قومًا أثابهم، ولا يثيبهم إلا بإرادة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الإيمان والعمل الصالح، الله ما قال: آمنوا واعملوا، لكن ذكر الجزاء يستلزم الحث على الفعل، وهذا أحد الطرق التي يستدل بها على أن الشيء مأمور به، لا تظن أن الشيء المأمور به هو ما جاء بالصيغة افعل، بل الأمر يستفاد من عدة أمور، فإذا ورد الترغيب في شيء فهو مأمور به.
إذن يستفاد من هذا الحث على الإيمان والعمل الصالح.
* ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: ذم الكفر، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾، فإذا نفى الله المحبة عن هؤلاء فإنه يقتضي ذم عملهم.
* ومنها أن الحكم إذا علق بمشتق، وهذه فائدة أصولية، إذا علق الحكم بمشتق فهو دليل على أن ذلك المشتق هو علة الحكم، مثلًا لا يحب الكافرين لماذا؟ لكفرهم، فالحكم هنا علق على وصف، فيقال: لا يحبهم لكفرهم، إذن فالكفر علة انتفاء المحبة؛ كما لو قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف ٤]، ما هي العلة في المحبة؟ القتال في سبيله صفًّا، وهكذا جميع حُكْم يُعلَّق بمشتق فإنه يدل على عِلية ذلك الشيء.
* يستفاد أيضًا من الآية فائدة: وهي اعتبار اللازم، بمعنى أنه إذا لزم من الشيء كذا وكذا فإنه يثبت هذا اللازم تبعًا لثبوت الملزوم، فمثلًا لاحظوا في المؤمنين ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ما قال: إنه يحب ولا يحب الكافرين، قال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ المقابل ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ويش يلزم منه؟ ألا يجزيهم من فضله، وإنما يعاملهم بماذا؟ بعدله، فعقاب الكافرين مأخوذ من لازم انتفاء المحبة، ودلالة التلازم هذه مفيدة جدًّا لطالب العلم دلالة التلازم؛ أنه يلزم من كذا وكذا كذا وكذا، لكن لا بد من شرطين:
الشرط الأول: أن يكون اللازم صحيحًا، فإن كان اللازم فاسدًا فإنه ليس بلازم، حتى لو ادعى الإنسان أنه لازم فليس بلازم.
الشرط الثاني: أن يكون ذلك في كلام الله وكلام رسوله ﷺ.
أما الشرط الأول أن يكون التلازم صحيحًا فإننا نحترز به عما إذا كان التلازم غير صحيح، مثلًا أهل التعطيل الذين أنكروا الصفات أو بعضها ما شبهتهم في الإنكار؟ قالوا: إنه يلزم التمثيل فهل هذا اللازم صحيح؟ ليس بصحيح، ولذلك ما نقول إنه يلزم من إثبات الصفات التمثيل؛ لأنه ليس بلازم.
في كلام الله وكلام رسوله إذا كان اللازم صحيحًا فهو حق، ويكون النص دالًّا عليه، لكن في كلام غيره لا يكون اللازم قولًا لصاحب القول الملزوم، ولهذا العلماء عندهم ترجمة في هذه المسألة: هل لازم القول قول أو ليس بقول؟ منهم من قال: إن لازم القول ليس بقول، ومنهم من قال: إن لازم القول قول، والصحيح أن لازم القول في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ قول، لكن بشرط أن يكون اللازم صحيحًا، لماذا يكون قولًا؟ لأن الله عز وجل يعلم ما يترتب على كلامه من اللوازم، وإذا لم ينفها الله دل ذلك على ثبوتها، لكن الإنسان البشر هل يعلم ما يلزم على قوله؟ أحيانًا يقول الإنسان قولًا يظنه صوابًا، ويكون هذا القول يلزم منه أمور فاسدة، يلزم منه لزومًا صحيحًا حقيقيًّا أمور فاسدة، لو نُبه القائل لها ماذا يصنع؟ لرجع عن قوله، فلذلك نقول: إن لازم القول في غير كتاب الله وسنة رسوله ليس بقول صحيح أنه يستدل به على بطلان القول، لكن ما يقال: إنه قول فلان.
فالحاصل أن هذه المسألة ينبغي التنبه لها، وإنما نقول بذلك لأن الإنسان بشر لا يحيط بما يستلزمه كلامه من اللوازم الصحيحة أو اللوازم الباطلة، الآن نشوف كثيرًا ما يأمر الإنسان بشيء أو ينهى عن شيء في أولاده، ثم إذا فعلوه علم أنه يستلزم مفسدة، فيرجع عنه، هذا اللازم هل كان عالمًا به من قبل؟ لو كان عالما ما أمرهم، وكثيرًا ما ينهاهم عن شيء ثم إذا تركوه رأى في ذلك مفسدة، استلزم مفسدة ما كان يعلم بها حين النهي، فتجده يرجع.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، لازم القول في كتاب الله وسنة رسوله قول، لكن بشرط أن يكون التلازم صحيحًا، أما في غيره فليس كذلك، ليس بقول.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم ٤٦].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هناك علامات ودلالات على وجود الخالق، وعلى علمه وقدرته وحكمته. هذه الآيات التي تعرَّف الله بها لعباده هذه من نعمة الله عليهم أن الله تعالى يريهم آياته ليقوموا بشكره ويعترفوا بفضله.
* من فوائد هذه الآية التي نحن فيها زيادة على الآيات الثلاث التي ذكرنا من آياته: ثبوت الرحمة؛ لقوله: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾، هذه الرياح لو اجتمع الخلق كلهم على أن ينفخوا بجميع وسائل النفخ هل يستطيعون أن يغطوا بهذا النفخ بلدًا واحدًا؟ ما يستطيعون، والرب جلت قدرته يغمر ما شاء أن يغمر بهذه الريح التي قد تقلع الأشجار، وتهدم الديار، أليس هذا دليلًا على قدرة الله العظيمة؟ نعم، وكونها مبشرات فيه إثبات الرحمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: نعمة الله سبحانه وتعالى على العباد بالفلك التي تجري بأمره، لولا أن الله سبحانه وتعالى يسر من الأسباب ما يكون به ذلك ما عرف الناس كيف يتعدون من بر إلى بر بواسطة البحر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ظهور الآيات للإنسان سبب لشكر نعمة الله عليه، من أين نأخذها؟ من قوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات العلل والحكم في أفعال الله لقوله: (ولعل)؛ لأنها للتعليل.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الروم ٤٧] إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: تسلية الرسول ﷺ وتحذير المخالفين له؛ تسليته بمن سبقه من الرسل؛ فقد كذبوا وأوذوا، فإذا علم أن أحدًا شاركه في ذلك هان عليه الأمر؛ لأن كل إنسان يتسلى بما أصاب غيره بمثله، أو بما أصيب به غيره بمثله، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩].
.. شأن مَن قَبْله من الرسل.
* ومن فوائدها: تحذيرُ المخالفين له؛ لقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ [الروم ٤٧].
* ومن فوائد الآية أيضًا: رحمةُ الله عبادَه بإرسال الرُّسُل؛ إذْ لولا هذه الرسالة ما عرف الناسُ كيف يعبدون الله عز وجل، بل ولا عرفوا ما عرفوا مِن تفاصيل أسمائه وصفاته كما سبق في درس التوحيد، فالرُّسُل رحمةٌ عظيمةٌ للخَلْق كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧].
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الانتقام من المكذِّبين كان بسبب فِعْلهم؛ لقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾؛ أي: لإجرامهم، فهُم السبب.
* ومن فوائدها: أنَّ الرِّسالات السابقة خاصَّةٌ.
* طالب: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾.
* الشيخ: لقوله: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾، ويُبَيِّنه الحديثُ الثابتُ في الصحيحين: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣)، من حديث جابر بن عبد الله.]].
* ومن فوائد الآية: أنَّ الله تعالى ما أرسلَ الرُّسُل إلا ببيِّناتٍ تشهد بصِدْقهم وبشرائعَ بيِّنةٍ لا تُوجب لَبْسًا على المتَّبِعين، من أين تؤخذ؟ ﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الروم ٤٧] أي: بالآيات البيِّنات الدالَّة على صِدْقهم، وبالشرائع البيِّنات الواضحة التي لا تقتضي لَبْسًا على المتَّبِع.
قال أهلُ العلم: وآياتُ الأنبياء على حسب عَصْرهم؛ ففي عَهْد موسى انتشرَ السِّحْرُ وكَثُر، فأعطاه الله تعالى من الآيات ما تُبْطل السِّحْر، وليستْ بسِحْر، أعطاه الله تعالى اليدَ، وأعطاه العصا.
قالوا: وفي عَهْد عيسى تقدَّم الطبُّ، فأعطاه الله من الآيات ما لا يمكن للطبِّ أنْ يقوم به، وهو إبراءُ الأَكْمهِ والأبرصِ، وإحياءُ الموتى وإخراجُهم من قبورهم، هذا ما يمكن يقوم به الطبُّ أبدًا، الميِّت لا يمكن يحيا بالطبِّ. وقالوا أيضًا: إنَّ الأبرص لا يمكن شفاؤه بالطبِّ.
الأَكْمه مَن هو؟ قالوا: إنَّه الذي خُلِقَ بلا عينٍ، هذا يُمْكن فيما سبق من العصور ما يُمْكن أنْ يُوضع له عين، لكن الآن إذا وُجِد مكانُ العين يُمْكن يُوضَع له عين بالطبِّ، لكنْ إذا لم يوجَد، مثلًا خَلَقَه اللَّهُ عز وجل بدون أنْ يخلق له مكانًا للعين، ما يُمْكن أن يُوضع له عين.
في عَهْد الرسول ﷺ قالوا: إنَّ البلاغة بلغتْ أَعْلى ذروتها، فكان مِن أَعْظم آيات الرسول عليه الصلاة والسلام هذا القرآن الذي أَعْجَزَ البُلَغاء والفُصَحاء، بل تحدَّى اللَّهُ به كلَّ الجنِّ والإنسِ؛ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ لا انفرادًا ولا تعاوُنًا، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨].
* طالب: شيخ، اللي يقولون بالإعجاز العلمي للقرآن يستخدمون هذا المعنى (...).
* الشيخ: (...)؟
* طالب: أن الإعجاز من جنس ما تفوَّق فيه كلُّ قوم، فيقولون: الآن زالت الآن البلاغة عند الناس، ما يعرفون (...) أوجُه البلاغة (...)، ولكن الآن طغى العلم (...) إشارات علمية ليصدق (...).
* الشيخ: إي نعم، يمكن، هذا ليس يبعد، أقول: ليس ببعيد، إي نعم، يمكن يكون صحيحًا أن القرآن في كلِّ عصرٍ يكون معجزةً بما تناسب العصر؛ لأنه نَزَلَ لجميع الخلْق إلى يوم القيامة، فلا يبعد هذا، القرآن بكل (...)، لكنْ في ذلك الوقت أشدُّ ما فيه البلاغة.
* وفيه أيضًا: إثباتُ فِعْل الانتقام لله عز جل؛ ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾.
* وفيه أيضًا: إثباتُ العظمة؛ لقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾ و﴿أَرْسَلْنَا﴾، فإن هذا للتعظيم وليس للتعدُّد بإجماع المسلمين أنَّه للتعظيم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الله أوجبَ على نفسه نَصْرَ المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧].
* ومنها: أنَّ هذا النصر لا بدَّ أنْ يكون؛ لأنه أتى بصيغة التعظيم: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾، ولم يَقُل: عَلَيَّ، بل قال: ﴿عَلَيْنَا﴾ إشارةً إلى أنَّ هذا الحقَّ لا بدَّ أن يكون؛ لأن الله تعالى أعظمُ مِن كلِّ شيء.
* وفيه أيضًا: دليلٌ على أنَّ غير المؤمنين لا يُنصَرون؛ لقوله: ﴿حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
فإذا أَوْرَدَ إنسانٌ علينا ما حَصَلَ من الانتصارات الخاطفة للكفار، فما هو الجواب؟
* طالب: استدراجٌ من الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: أنَّ هذا استدراجٌ من الله عز وجل حتى يتمَّ النصرُ للمؤمنين في النهاية.
* طالب: قد يكون تأديبًا للمؤمنين.
* الشيخ: إي نعم وقد يكون من مصلحة المؤمنين لأن (...) نصر لأنفسهم على أنفسهم، ثم إنَّه لا يدومُ هذا النصرُ أبدًا، العاقبة لا بدَّ أن تكون للمؤمنين.
وقال بعض أهل العلم: إنَّ النصر نوعان: نَصْرٌ بالحجَّة والبُرهان، ونَصْرٌ بالسيف والسِّنان.
فأمَّا النصر بالحجَّة والبُرهان فهو مضمونٌ وثابتٌ ولا فيه استثناء، أو لا؟ لأنَّ الحجَّة والبُرهان مع المؤمنين على كلِّ حال، حتى لو هُزِموا عسكريًّا فإنَّ الحجَّة والبُرهان معهم، غالبون بِحُجَّتهم وبُرهانهم، وهذا لا استثناء فيه.
والثاني بالنَّصْر العسكري؛ يعني بالسيف والسِّنان، وإحنا نقول الآن: بالطائرة والقنابل وما أشبهها، هذا قد يحصُل نصرٌ لغير المؤمنين امتحانًا للمؤمنين واستدراجًا للكافرين.
ثم قال عز وجل..
* طالب: شيخ، ذكرتَ أمس هل يؤخذ منها أن الرسول خاتم الأنبياء؟
* الشيخ: إي نعم، ما تقولون؟ هل يؤخذ منها أن الرسول ﷺ خاتم الأنبياء، ﴿مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا﴾؟
* طلبة: ما يَلْزم.
* الشيخ: يعني ما يَلْزم ألَّا يكون بعده أحد؟
* طالب: إي نعم، من هذه الآية.
* الشيخ: إي، معلوم، من هذه الآية.
* طالب: (...) ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾.
* الشيخ: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾، إي، هذه تدلُّ على أنَّ رسالتهم خاصَّة، لكن هل تدلُّ على أنه انتهى؟
* طالب: (...) كافَّة إلى الناس (...).
* طالب آخر: القاديان يستدلُّون بهذه الآية (...) آية النحل: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل ٢].
* الشيخ: على أيش؟ (...) القاديانية؟
* طالب: الرسالة جارية، ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ (...) صيغة الاستقبال ..
* الشيخ: هذا كفر.
* الطالب: تدل على (...) عندهم، عند القاديانية.
* الشيخ: الكلام على أن هذه الآية هل تدلُّ على خَتْم الرسالة بالرسول ﷺ لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ أو لا تدلُّ، الوجْه الذي ذَكَره يقول: قد تدلُّ من حيث إن الرسول مُرْسَل إلى الناس عامَّةً، والعموم هذا يشمل العموم في الوقت والمكان والأُمَم، وهذا يستلزم ألَّا يوجد رسولٌ بَعْده، لو وُجِدَ رسولٌ بَعْدُ انتفى العموم إلى الناس كافَّة، صار معناه أن الرسول اللي بَعْدَه يكون رسولًا إلى هؤلاء الناس دون محمد عليه الصلاة والسلام.
* طالب: بس يا شيخ هذا ما فيه دليل على أنه أُرْسِل إلى الناس كافَّة (...).
* الشيخ: لا، فيه (...)؛ لأنَّه إذا لم يكن آخِرهم فالذي يأتي مِن بَعْدِهِ صارَ أُرْسِل إلى بعض الناس وهم الذين تأخَّروا، طيب، على كلِّ حالٍ أخْذُها فيه شيءٌ من الغموض، والأمرُ في هذا واضحٌ، والغريبُ أنَّ بعض الناس -على سبيل الاستطراد- أنْكَرَ نزول عيسى بن مريم ﷺ وقال: إنَّنا لو قُلنا بنزوله لَكان ذلك تكذيبًا للقرآن؛ ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠]، ماذا تقولون؟
* طالب: لكن في آية قال: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف ٦١] هذا يدلُّ على نزوله، والشيء الثاني يا شيخ يُنكرون مَجِيء المهدي.
* الشيخ: (...) لا تُدخل مسألة في مسألة، أقول: هل استدلالهم بالآية الكريمة صحيح ولَّا لا؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: غير صحيح؛ لأن عيسى ما ينزل مُشَرِّعًا، وإنما ينزل تابعًا للرسول ﷺ ولا يُنْشِئ ولا شيئًا من الشريعة، حتى كَسْر الصليب وقَتْل الخنزير، هذا أَخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام فأَقَرَّه؛ يعني يُقال: إنه يأتي ويحكم بذلك، ولا يَقْبل إلا الإسلام، ما فيه جِزية بعد نزول عيسى، ما فيه أخْذ جِزية ولا عَهْد، ما فيه إلا الإسلام[[أخرج البخاري (٢٤٧٦)، ومسلم (١٥٥ / ٢٤٢) واللفظ له، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ».]]، فيقال: إن هذا ليس شرعًا جديدًا ناسخًا لشَرْعِ الرسول عليه الصلاة والسلام، بلْ هو شَرْعٌ مقرَّر من الرسول ﷺ، أليس كذلك؟ الرسولُ أخبر بأنَّه سيفعلُ هذا مقرِّرًا له، فهو لم يَنْزل على أنَّه رسولٌ بشرعٍ جديدٍ، بل على أنَّه تابعٌ للرسول عليه الصلاة والسلام، ولعلَّ هذا -والله أعلم- ليتحقَّق ما أخبرَ اللَّهُ به بالفعل؛ ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران ٨١]، هذا خَبَرٌ من الله عز وجل، لكنْ هل نحن عَلِمْنا هذا بأنَّ نبيًّا من الأنبياء تابعَ الرسولَ فِعْلًا؟ لا، لكن نزول عيسى ومتابعته لرسالة الرسول عليه الصلاة والسلام تكون هذه حقَّ اليقين؛ لأن الآية -آية آل عمران- فيها علم اليقين، فإذا وُجِدَ ذلك بالفِعْل صار أيش؟ صار حقَّ اليقين، فهذا من الحكمة في نزوله ﷺ في آخِر الزمان.
وأيضًا عندنا أحاديثُ واضحةٌ صحيحةٌ صريحةٌ مُتَلَقَّاةٌ بالقَبول عند أهل العلم، فكيف يُنكِر ذلك؟! ولكن -والعياذ بالله- بعض الناس يأتي بقاعدةٍ من أَفْسَدِ القواعدِ وأَبْطَلِ القواعدِ، وهي أنَّ العقيدة لا تَثْبُت بأخبار الآحاد ولو كان الخبرُ صحيحًا، وهذا في الحقيقة مزلةٌ مِمَّن قاله؛ لأننا نقول له: أنت تُثبت مِن الأحكام العملية تُثبت الحكم العملي بدليلٍ لا يصل إلى درجة الصحة، تُثبته بدليل يصل إلى درجة الْحُسْن، وربما يكون إلى درجة الْحُسْن عندك أنت وعند غيرك لا يصل إلى درجة الْحُسْن، وإثبات الحكم العملي مستلزم للعقيدة؛ لأنَّ تنفيذه مقتضى الإيمان، ولأنَّ الإنسان لا يعمل بهذا إلا بعد أن يعتقد أنه من شريعة الله، وإلا لَمَا عَمِل به، فهناك عقيدة سابقة أنَّ هذا من حُكم الله ومن شريعة الله، وأنَّه مقرِّبٌ إلى الله، وأنَّه عبادةٌ لله، ثم العمل به.
ثم ما هذا؟! إذا أخذْنا بذلك لَزِم أن نُنكر أشياء كثيرة مِمَّا يتعلَّق بالأمور العِلمية؛ لأن الشرع -كما تعلمون- إمَّا أُمُور عِلمية أو أُمُور عملية، والصواب بلا شك أنَّه لا فرق بينهما، وأنَّ ما صحَّ عن رسول الله ﷺ فإنَّه يجب الإيمان به عقيدةً وعملًا، وإذا شئتَ مَزِيدَ إيضاحٍ فاقرأ ما كتبه ابن القيِّم رحمه الله في آخِر الصواعق المرسلة، فإنَّه تكلَّم على هذه المسألة كلامًا شافيًا.
* طالب: هو متواتر ياشيخ.
* الشيخ: واللهِ ما أدري هل يصل إلى حدِّ التواتر ولَّا لا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إنْ يتواتر إذن يكون يفيد العلم اليقيني ولا أحد (...).
* طالب: بالنسبة إلى نزول عيسى بن مريم (...)، هل أنَّه سبحانه وتعالى يُلْهمه الصواب في (...).
* الشيخ: الظاهر -والله أعلم- لأن القرآن والسُّنة محفوظات إلى ذلك الوقت، والعجيب أن بعضهم ذَكَر من شُبَه إنكار نزوله قال: إن لُغة عيسى سريانية، ولغة الرسول ﷺ عربية، كيف ينزل ويحكم بالشريعة وهو سرياني؟! هذه شُبَهة هذه؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ويش الجواب؟ نقول: نعم الجواب بالتسليم (...)؛ أولًا: فيه الآن ناس يتكلمون باللغة العربية وهم مسلمون ملتزمون بأحكام الإسلام، قائمون به على أَتَمِّ وجْه، ولُغتهم غير عربية. والثاني: أنَّ الله على كلِّ شيءٍ قدير، يمكن يكون لسانه عربيًا، إذا كان بالممارسة والمخالطة ينقلب لسانُ الإنسان مِن سرياني إلى عربي، فكيف عاد بقدرة الله! لكن سبحان الله العظيم، الإنسان إذا اشتهى شيئًا أتى بشبه ما تنطلي على أحد (...).
* * *
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧] أخذنا فوائدها؟ ويش هي؟
* طالب: (...) تحذير المخالفين له (...).
أنَّ الرسالات السابقة خاصَّة (...).
أنَّ الله أوجبَ على نفسه نَصْرَ المؤمنين، وهو لا بدَّ أن يكون، وغير المؤمنين لا يُنصرون.
(...) أحيانًا وهو (...).
* الشيخ: فيها فائدة أيضًا.
* من فوائد الآية أيضًا: أنَّ على الله حقًّا أوجبه على نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾، فإذا قُلنا: هل يجب على الله شيءٌ؟ نقول: أمَّا بعقولنا فلا يجب على الله شيءٌ، وأمَّا أنْ يُوجِب هو على نفسه شيئًا فهذا أمرٌ واقِع.
* ومن فوائدها أيضًا: فضيلةُ الإيمان وأنَّه سببٌ للنصر؛ ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
الروم 30:45
قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [الروم ٤٤] يقول المؤلف: (وبال كفره وهو النار)، هذا كالتفصيل لقوله تعالى: ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾؛ لأن يصدعون يتفرقون بحسب أعمالهم، فقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ هذه نشوف الإعراب: ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ (من) شرطية، وفعل الشرط (كفر)، وجوابه جملة (فعليه كفره)، وقوله: ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ جملة خبرية مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ قوله: ﴿كُفْرُهُ﴾، والخبر قوله: ﴿فَعَلَيْهِ﴾ مقدم، وفائدة التقديم الحصر.
﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم ٤٤] مثلها شرطية، وجواب الشرط قوله: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾، وقدم المعمول وهو (لأنفسهم يمهدون) للحصر، وهي فائدة معنوية، ولمراعاة الفواصل، وهي فائدة لفظية؛ لأنه لو قال: فيمهدون لأنفسهم استقام الكلام، لكنه قدم لهاتين الفائدتين.
يقول الله عز وجل: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ نعم يعني أي إنسان يكفر فإن وبال كفره عليه لا يضر إلا نفسه، ويكون على غيره ولَّا لا؟ لا يكون على غيره إلا أن يكون ذلك الغير سببًا فيه، فإن كان سببًا فيه صار عليه مثل وزره، قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣]، وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]].
فإذا قيل: هل هذا يناقض الآية ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [الروم ٤٤]؟
فالجواب: لا يناقضها؛ لأنه إذا كان هو السبب فإن ذلك من عمله، لكن صورة المسألة مختلفة أنه عمل غيره وعمل نفسه، إنما حقيقة الأمر أن الدال على الكفر فاعل لما يؤزر عليه.
قال: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم ٤٤] (يوطئون منازلهم في الجنة) من عمل صالحًا، الكفر في اللغة العربية الكفر: هو الستر، ومنه الكُفُرَّى الذي هو غلاف طلع النخل، ويسمى بلغتنا العامية الكافور، غلاف طلع النخل، هذا يستر الطلع، فالكفر في الأصل هو هذا، والمراد به الخروج عن طاعة الله؛ لأن الخارج عن طاعة الله قد ستر ما أنعم الله به عليه من العقل والعلم وما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ العمل الصالح قال أهل العلم: هو ما جمع شرطين أساسيين: أحدهما: الإخلاص، والثاني: المتابعة للرسول ﷺ، ويش ضد الإخلاص؟ ضده الشرك، والمتابعة ضدها الابتداع، فمثلًا إذا وجدنا رجلًا يصلي الصلاة المعتادة لكنه يرائي الناس بها فعمله ليس بصالح، ويش الذي فقد منه؟ الإخلاص، وإذا وجدنا رجلًا قد أحدث نوعًا من العبادات لم يرد به الشرع، لكنه مخلص، يريد بذلك وجه الله، وتجده خاشعًا يبكي ويتأثر بهذه العبادة، لكنها على غير شريعة الله، فهذا عبادته باطلة؛ لفقد المتابعة للرسول ﷺ، ومن ذلك ما إذا أخرج العبادات المشروعة عما شرعت عليه، هي عبادة مشروعة في الأصل لكن أخرجها عما كانت عليه، فإنه لا يُقبل عمله، كما لو صلى الصلاة بعد خروج وقتها متعمدًا بدون عذر فهذا يقبل منه؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لماذا؟ لأنه ما فيه متابعة، هو مخلص، لكنه غير متابع، وكذلك لو صلى صلاة بغير طمأنينة، لو صلى صلاة ما يطمئن فيها، إذا قال: سمع الله لمن حمده على طول سجد، إذا قام من السجود على طول سجد الثانية، فصلاته باطلة، لو صلى إلى يوم الدين ما قبل الله منه، لماذا؟ لعدم المتابعة، ولهذا لما صلى رجل صلاة لا يطمئن فيها قال له النبي ﷺ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧ / ٤٥ ) من حديث أبي هريرة.]]، فنفى عنه الفعل لانتفاء صحته، وإلَّا هو مصل الآن لكن ما هي صلاة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، هو لو سألته: لماذا صليت؟ قال: ما صليت إلا لله، لكنه خالف أمر الله.
* طالب: ما ينافي الإخلاص هذا؟
* الشيخ: لا، ما ينافي الإخلاص، الإخلاص في القلب؛ لأنه ما قام يصلي علشان الناس، ما همه الناس يقولون: صلى ولَّا ما صلى، صلى لله لكنه خالف أمر الله.
* طالب: هل يلزم أن يفقه ما يقول المصلي؟
* الشيخ: لا، ما هو لازم، ليس بلازم، بس أفضل أن يفقه ما يقول إذا كان قلبه حاضرًا، يعني خاشعًا في صلاته حاضر القلب، فهو أفضل.
* طالب: وخاشع القلب الآن يخشع لأشياء خارج الصلاة ولَّا.
* الشيخ: ويش لون يعني.
* طالب: أي مثلًا وهو يصلي يتفكر مثلًا في..
* الشيخ: لا، لا يخشع في أمور داخل الصلاة، يعني يستحضر ما يقول في صلاته، وما يفعل في صلاته، ما هو مثلًا يروح يتذكر جلسة كان فيها خاشعًا فيما سبق.
* طالب: لا مثلًا يتذكر القبور مثلًا الجنة والنار.
* الشيخ: إي ما يصح إلا إذا مرت به، مرت به مثلًا في أثناء قراءته.
يقول: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ إذن العمل الصالح ما هو؟ هو الذي جمع بين شرطين: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول ﷺ.
﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ المهد والتمهيد بمعنى التوطئة، ومنه قولهم: هذا طريق ممهَّد، يعني: موطأ محسن لأجل أن تطأه الأقدام، فمعنى ﴿يَمْهَدُونَ﴾ أي: يحسنون الشيء حتى يكون موطئًا لهم؛ وذلك لأن الذين يعملون صالحًا يتوصلون بعملهم الصالح إلى دخول الجنة، فيسهل لهم الطريق الذي يوصلهم إليها.
وقوله: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ تقديم المعمول يفيد الحصر، فإذا قال قائل: هل هذا ينافي ما ثبت فيه الحديث من أن «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فِي الْإِسْلَامِ فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]، نقول: لا ينافيه؛ لأن الذين يعملون حسنة يسنون الحسنات، عملوا ولَّا لا؟ عملوا، فتوبعوا على ذلك، فالأجر الذي حصل لهم من أجل اتباع غيرهم لهم هو في الحقيقة من فعلهم، قال الله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم ٤٥].
قال: (متعلق بيصدعون) دائما نشوف العلماء إذا جاء ظرف أو جار ومجرور يقولون: متعلق بكذا، متعلق، ويش معنى متعلق؟ يعني أن هذا هو الذي عمل فيه؛ لأن الجار والمجرور والظرف بمنزلة المفعول به، والمفعول به لا بد له من عامل يعمل به، فإذا قال: متعلق بكذا يعني أن هذا هو الذي عمل فيه، ولا بد لكل جار أو ظرف لا بد له من متعلق:
لَا بُدَّ لِلْجَـــــــــــــارِ مِنَ التَّعلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعناهُ نَحْوُ مُرْتَقِي
فإذن معنى قوله: (متعلق بيصدعون) أن العامل في كلمة (ليجزي) قوله: ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾، وهذا رأي المؤلف.
ويَحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿يَأْتِيَ﴾، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لأن التصدع في الحقيقة هو نفس الجزاء، فكيف يكون الشيء علة لنفسه، هذا ما يبعد كلام المؤلف، لكن إذا قيل: يأتي هذا اليوم لأجل المجازاة، صار المعنى مستقيمًا واضحًا، فإذا قلنا: إن هذه اللام (ليجزي) لأن اللام حرف جر، إذا قلنا: إنها متعلقة بـ(يأتي) فهو أوضح من قولنا: إنها متعلقة بـ(يصدعون)؛ لأن نفس التصدع والتفريغ الذي يؤوي إلى النار هو نفس الجزاء.
وقال بعض العلماء، بعض المعربين: إنه خبر لمبتدأ محذوف، فهو متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: ذلك ليجزي، والمشار إليه ما سبق، وهذا أيضًا وجيه جدًّا أن يجعل متعلقًا بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف.
قلنا: إن اللام في (ليجزي) حرف جر، والمعلوم أن حروف الجر لا تدخل إلا على الأسماء، وقد تبين لكم بأن من علامات الاسم الجر، دخول (...) عليه، الآجرومية، يقول: الاسم يُعرف بالخفض، والتنوين، ودخول الألف واللام، وحروف الخفض.
فكيف صح أن نقول: إن اللام في قوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ حرف جر، مع أنها داخلة على فعل؟ نقول: لأن هذا الفعل بمنزلة الاسم؛ إذ إنه فعل مقدر فيه (أن)؛ لأن التقدير: لأن يجزي، و(أن) مصدرية تحول الفعل إلى مصدر، والمصدر اسم ولَّا غير اسم؟ المصدر اسم، فعليه يكون المعنى: لجزائه، لجزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات إلى آخره، عرفتم الآن؟ فإذا دخلت اللام -لام التعليل- على الفعل فإنه يقدر بينها وبين الفعل (أن) المصدرية: لأن يجزي، وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الفاعل -فاعل الجزاء- هو الله سبحانه وتعالى، وهو ضمير مستتر يعود عليه.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، على أنه منصوب بـ(أن) مضمرة بعد اللام: ليجزي، واللام جارة لما بعدها، باعتبار أن الفعل سيكون مصدرًا.
* طالب: لكن هى نفسها حرف جر.
* الشيخ: إي هي نفسها حرف جر.
* طالب: هي نفسها لام التعليل التي تنصب الفعل المضارع.
* الشيخ: هي نفسها لام التعليل التي ينصب الفعل المضارع بـ(أن) بعدها على رأي البصريين.
* طالب: (...) لام التعليل.
* الشيخ: لا، اللام هي واحدة، ولام التعليل كما تدخل على الفعل تدخل على الأسماء، فلو قلت: جئت لإكرامك فهي لام التعليل، وجئت لأكرمك هي لام التعليل.
وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الجزاء بمعنى المكافأة، يعني ليكافئهم ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (يثيبهم) هذا تفسير للجزاء بمعنى الإثابة، والثواب هو المكافأة، وسُمي ثوابًا لأنه من ثاب يثوب إذا رجع؛ لأنه يرجع إلى الإنسان جزاء عمله، وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ انتبهوا لهذين الشرطين: إيمان وعمل صالح، فالإيمان وحده ما يكفي، والعمل الصالح وحده لا يكفي، هذا إذا قُرن الإيمان بالعمل، أما إذا قيل: عمل صالح يكفي، أو إيمان يدخل فيه العمل، الإيمان يكون بالقلب، فمن لا إيمان في قلبه لو عمل من الصالحات ما عمل لم ينفعه، المنافق يذكر الله ويصلي وينفق ولَّا لا؟ وربما يخرج في الجهاد، ينفعه عمله؟ لماذا؟ لأنه لا إيمان في قلبه.
الإنسان اللي عنده إيمان بالله سبحانه وتعالى لكنه لم يعمل عملًا صالحًا، ما عمل عملًا صالحًا.
* طالب: ممكن.
* الشيخ: ممكن أيش؟ ممكن يجزى إلا في واحدة فقط، وهي الصلاة، فإنه إذا لم يعملها لا ينفعه إيمان؛ لأنه قد دلت الأدلة على أن هذا العمل وإن كان عملًا بدنيًّا ولكنه يكفر الإنسان بتركه كفرًا مخرِجًا عن الملة، أما غير الصلاة من الأعمال فقد قال عبد الله بن شقيق: «كان أصحاب النبي ﷺ لا يَرَوْنَ شيئًا من العمل تَرْكُه كُفرٌ إلا الصلاة »[[أخرجه الترمذي (٢٦٢٢) من حديث عبد الله بن شقيق.]] يعني لو لم يزكِّ فإنه لا يخرج من الإيمان، لو لم يصم فإنه لا يخرج من الإيمان، لو لم يحج فإنه لا يخرج من الإيمان، هذا هو الصحيح، وعن الإمام أحمد رواية أن جميع أركان الإسلام إذا تركها الإنسان متهاونًا فهو كافر، فإذا لم يزكِّ فهو كافر، إذا لم يصم فهو كافر، إذا لم يحج فهو كافر، يقول: لأن الركن عليه الاعتماد، ركن الشيء عليه اعتماد الشيء، فإذا لم يوجد الركن ما قام الشيء، وهذا لا شك أنه له وجه، لكن الأدلة تمنع من القول بهذا؛ فإن حديث أبي هريرة في الصحيح فيمن لا يؤدي زكاته ذكر النبي عليه الصلاة والسلام عقوبته ثم قال: «ثُمَّ يَرَى سَبِيلهُ إِمَّا إِلَى الْجنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ»[[أخرجه مسلم (٩٨٧ / ٢٦) من حديث أبي هريرة.]]. فقوله: «يَرَى سَبِيلهُ إِمَّا إِلَى الْجنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» » يدل على أنه لا يكفر بمنع الزكاة، ويش وجهه؟ لأنه لو كفر بذلك ما صار له سبيل إلى الجنة، فإذا لم يكفر بترك الزكاة فما دونها من باب أولى، ولا شك أن أركان الإسلام التي دون الزكاة أنها دونها، فالصيام دون الزكاة، والحج دون الزكاة.
فإن قال قائل: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧] فإن ظاهره من كفر فلم يحج فإن الله غني عن العالمين؟
فالجواب أن يقال: المراد بالكفر هنا سوى الكفر الأكبر، يعني كفرًا دون كفر، ولهذا ما قال: ومن لم يحج فهو الكافر، أو وترك الحج هو الكفر كما قال في الصلاة، و(كفر) فعل، والفعل يدل على الإطلاق ولا يدل على العموم، فهذا الجواب عن هذه الآية، والذين قالوا: إنه يكفر بترك الحج احتجوا بهذه الآية.
* طالب: يقول علي بن أبي طالب:« «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا»[[أخرجه الدارمي في السنن (١٨٢٦) من حديث أبي أمامة الباهلي.]].
* الشيخ: هذا عمر بن الخطاب، وهذا يقال من باب التهديد، أو أن هذا رأي له، وهذا أيضًا إن صح الحديث؛ لأن في الحديث مقالًا، لكن إن صح فهو يُحمَل على أن المراد أن هذا من باب التحذير، أو أنه رأي له كما رآه غيره من أهل العلم.
* طالب: يا شيخ قوله: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مات ميتة جاهلية».
* الشيخ: اللي أفهم من الحديث «مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ»[[أخرجه مسلم (١٩١٠ / ١٥٨) من حديث أبي هريرة. ]] مات ميتة جاهليةً ما يمنع أن الإنسان مات ميتة جاهلية؛ لأنه فعل فعلًا من أفعال الجاهلية، حيث لم يقم بواجب الجهاد.
* طالب: طيب يا شيخ عيسى عليه السلام يقول يوم القيامة: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي﴾ [المائدة ١١٧] بعدين آخره قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٨] يعني كأنه يرد الغفران عيسى عليه الصلاة والسلام أنها شيئان، ذكر العذاب والغفران مثل الحديث الذي ذكرتم يعني.
* الشيخ: ويش وجه الإشكال؟
* طالب: الإشكال إما يرى سبيله إلى النار أو الجنة؟
* الشيخ: لا؛ لأن هذا ما هو بهذا خبر؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام يقول: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة ١١٧] ثم بين ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ وقد استحقوا ذلك ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٨].
* طالب: وكيف المشركون يعني.
* الشيخ: لا، يعني إن تغفر لهم بمعنى أني أنا ما أعلم هل هم أشركوا ولَّا فعلوا ذنوبًا أخرى يستحقون بها المغفرة.
* طالب: (...) ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ للناس للعموم ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة ١١٦، ١١٧] هذا الأمر ﴿رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [المائدة ١١٧، ١١٨] هؤلاء الناس الذين هم عبادك يعبدونني وأمي أو يتخذوني إلهين من دون الله، بعدين قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المائدة ١١٨] (...).
* الشيخ: (﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ [الروم ٤٦] تعالى) من للتبعيض وآياته مجرور بمن و ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ [الروم ٤٦] هذه فعل مؤول بالمصدر هو المبتدأ، أي: من آياته إرسال الرياح ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ حال من الرياح، يقول الله عز وجل في هذه الآية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ أي بعض آياته؛ لأن (من) هنا للتبعيض؛ وذلك لأن آيات الله عز وجل لا يمكن إحصاؤها ولا حصرها:
وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الوَاحِدُ
كل شيء، لو أراد الإنسان أن يحصي آيات الله عز وجل التي في جسمه هو فقط ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، فكيف بآيات الله تعالى التي ملأت الكون، ولهذا تأتي (من) الدالة على التبعيض، وقوله: ﴿آيَاتِهِ﴾ أي علاماته.
واعلم أن كل آية فإنها تدل على العلم، وتدل على القدرة، وتدل على الحكمة، هذا لا بد منه، لا بد من ذلك في كل آية؛ أنها تكون آية –علامة- على هذه الأمور الثلاثة: العلم والقدرة والحكمة، ثم تختص بعض الآيات بما تختص به؛ إما أن تكون مثلًا اللي بعدها رحمة، أو بعدها شيء يدل على السلطان والعظمة، المهم أن لكل آية شيئًا خاصًّا وشيئًا عامًّا، فالشيء العام هو هذه الثلاثة: العلم والقدرة والحكمة ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم ٤٦]، يضاف إلى هذه الثلاث الرحمة؛ لأن هذه الرياح تبشر بالمطر، وقوله: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ والإرسال بمعنى الإطلاق، ومنه قول الشاعر: (فأَرْسَلَها العِراكَ).
يعني أطلقها، ومنه قول الفرضيين: دين مرسل، يعني: مطلق ليس به رهن.
﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ يعني يطلقها سبحانه وتعالى، والرياح جمع ريح، وهي الأهوية، واعلم أن الريح تُذكر مفردة وتُذكر مجموعة، فإذا ذُكرت مجموعة فإنها تكون غالبًا للرحمة، وإذا ذُكرت مفردة فإنها تكون غالبًا للعقاب ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ريح [الحاقة: ٦]، ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات ٤١] ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف ٢٤] وما أشبه ذلك، ولكنها -أعني الريح- قد تُفرَد وتكون في مقام النعمة، لا سيما إذا وصفت بما يدل على ذلك؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢] هنا الريح عقوبة ولَّا نعمة؟ نعمة، وإنما كانت نعمة لأنها وصف طيبة، وأيضًا بالنسبة للسفن هل الأولى اختلاف الرياح أو اتحاد الريح؟ اتحادها؛ لأنها إذا اختلفت اختلف سير السفينة، فيما سبق لما كانت السفن شراعية، هنا الرياح في مقام النعمة، ولهذا جمعت الرياح، ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ حال من الرياح، أى تبشر بالخير، ولهذا بعض الرياح إذا هبت استبشر الناس؛ لأن الله سبحانه وتعالى أجرى العادة أن هذه الريح المعينة يتكون منها السحاب ثم المطر، وأحيانًا يستبشرون بالريح إذا رأوها تجمع السحاب، تجمعه وتكثفه، استبشروا بها. وقوله: ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ البشارة هي الإخبار بما يَسُرُّ غالبًا، وسُميت بشارة لأنها تؤثر على البشرة، فالإنسان إذا استبشر ينير وجهه ويسفر، وتجد عليه علامة البشرى. وقد تطلق البشارة بما يسوء؛ كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١]، ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ قال: (بمعنى لتبشركم بالمطر) شوف المؤلف -رحمه الله- فسر اسم الفاعل بالفعل المعلل، وقال: (بمعنى لتبشركم) لأجل أن يسهل العطف في قوله: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾؛ لأن (مبشرات) و(ليذيقكم) يجد الإنسان بينهما فجوة، هذه الفجوة أراد المؤلف أن يقربها بقوله: بمعنى ليبشركم بها، ولكن الصحيح عندي أن (مبشرات) على حالها تعتبر اسمًا، ولكننا نقدِّر فعلًا يناسب ما بعده لأجل أن يصح عطف الفعل عليه، والذي أرى أن يُقدر: لتستبشروا بها مبشرات لتستبشروا بها وليذيقكم من رحمته، أو نجعل: لتبشركم كما قال المؤلف ما نجعلها بمعنى مبشرات، بل نجعلها فعلًا مستقلًّا قدرناه ليصح العطف في قوله: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾.
وقوله: (﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾ بها ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ المطر والخصب) تقدم لنا أن الله تعالى يعبر عن الإصابة بالإذاقة؛ لأنها أعلى أنواع الإصابة وأبلغها، ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾ بها ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ يقول: المطر والخصب، ففسر الرحمة بأثرها، وعلى هذا فتكون الرحمة في هذه الآية مخلوقة ولَّا صفة من صفات الله؟ تكون مخلوقة، وهذا الذي فسرها به محتمل؛ لأن الله تعالى قد يطلق الرحمة على الشيء المخلوق الذي يكون من آثار رحمته كما ثبت في الحديث الصحيح أن الله قال للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.]]، ومن المعلوم أنه سبحانه وتعالى لم يرد أنها رحمته التي هي صفته؛ لأن الجنة مخلوق بائن، ولكن أراد أنها من أثر رحمته، أو مقتضى رحمته، فهنا يصح أن نقول: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي من هذا المطر والخصب، وتكون الرحمة هنا مخلوقًا من المخلوقات، ويحتمل أن تكون الرحمة (...).
وإن جعلناها الصفة فهي للابتداء، يعني ليذيقكم نعمة صادرة من هذه الرحمة (﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ السفن بها ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بإرادته ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ تَطْلُبُوا ﴿مِنْ فَضْله﴾ الرزق بالتجارة في البحر ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ) قوله: ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ يقول: (السفن بها) بها: الضمير يعود على الرياح، فالله تعالى يرسل الرياح لتسير بها المياه في أجواء السماء، وهو السحاب، ويرسل الرياح لتسير بها السفن في البحار، وكل من السحاب ومن السفن يحمل نعمًا كثيرة، السفن ماذا تحمل؟ تحمل الأرزاق والأناسي والحيوان وغيرها، والسحب تحمل الماء الذي هو مادة الحياة ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة ٦٨، ٦٩]. ففي الرياح إذن فائدتان: تسيير السحب في أجواء السماء، وتسيير السفن في أجواء البحار.
وقوله: ﴿الْفُلْكُ﴾ واحد ولَّا جماعة؟ تصلح لهذا ولهذا، الفلك تصلح للجمع وللمفرد، أو لا؟
* طالب: في القرآن موجود.
* الشيخ: في القرآن موجود، هات مثالًا لها للمفرد؟
* طالب: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ [النحل ١٤] هذه للجماعة أصلها يا شيخ، ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة ١٦٤] هذا مفرد.
* طالب آخر: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [هود ٣٧].
* الشيخ: لا.
* طالب آخر: في قصة نوح عليه السلام: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ﴾ [هود ٣٨].
* الشيخ: هذه الإجابة.
* طالب آخر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ﴾ [لقمان ٣١].
* الشيخ: على كل حال المثال الذي ذكره أيضًا صحيح ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢] هذا جمع ولَّا مفرد؟ جمع ﴿فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ﴾ ما قال: في الفلك وجرى.
* طالب: مفرد يا شيخ ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء ١١٩].
* الشيخ: نعم ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر ١٢] أيضًا جمع.
على كل حال الفلك صالحة للمفرد وللجماعة.
ذكر الفقهاء كلمة ذكرتها لكم سابقًا فقالوا: إن الأحدب ينوي الركوع بقلبه، الأحدب ما هو قائم حتى يركع، ينوي بقلبه، قال بعض الفقهاء: فهو شبيه للفلك في اللغة العربية، يعني انحناء هذا الأحدب شبيه بالفلك في اللغة العربية، ما يعرف إلا بالنية، فالفلك صالح للمفرد وللجماعة، ولا يعرف إلا بالنية أو القرينة، هذا المسكين اللي أحدب في حال الركوع ما الذي يعلمنا أنه راكع أو غير راكع؟ فركوعه وقيامه سواء، وهذه يمكن أن يستدل بها على ما ذكر عن الكسائي يقول: إن الإنسان إذا أتقن شيئًا من العلم أمكنه أن يفهم غيره من العلوم، وذكروا قصة أنه كان هو وأبو يوسف عند الرشيد أحد خلفاء بني العباس، وأنهما تناظرا في مسألة، فقال له أبو يوسف، يقول للكسائي: ما رأيك لو سها الإنسان في سجود السهو؟ هل نحوك يعلمك حكم هذه المسألة، قال: نعم، إذا سها في سجود السهو فإنه لا يسجد، قال: أين القاعدة في نحوك؟ قال: عندنا قاعدة في النحو أن المصغر لا يصغر. فاستدل بأن سجود السهو صلاة مصغرة، فإذا سها فيه ما عاد (...) هذا واقع أو غير واقع، الله أعلم، ذكروها.
يقول: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ [الروم ٤٨] ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ قال (بإرادته)، والصحيح: بأمره، من الأمر الذي هو بالقول، وليس المراد بالإرادة فقط؛ لأن الفلك ما تعلم عما يريد الله عز وجل، لكنها إنما تأتمر بأمره القولي، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢] فكل مراد الله إن لم يقترن بالقول فإنه لا يقع، وكيف تحدث الكائنات بمجرد إرادة لا يعلم بها إلا الله، فلا بد من قول، فالصواب أن المراد بأمره أمره القولي؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، ولا يمنع ذلك أن يكون هذا الجريان بأمره بأسباب محسوسة معلومة لنا؛ لأن المقدر للأسباب هو الله عز وجل، فهو سبحانه وتعالى يخلق ويسخر ولكن بأسباب ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم ٤٦]، كل هذا مما خلقه الله عز وجل لهذه الحكم العظيمة.
(﴿وَلِتَبْتَغُوا﴾ تطلبوا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ الرزق بالتجارة في البحر) وهو كذلك، وكم من أناس كانت تجارتهم في البحار ينقلون الأرزاق من جهة إلى جهة بواسطة هذه السفن، لولا هذه السفن لكان من المتعذر أن تنتقل الأرزاق من الجهة التي خلف البحر إلى جهة أخرى، ولكن الله عز وجل جعل هذه السفن لأجل أن تنقل هذه الأرزاق والنعم.
(﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم ٤٦] هذه النعم يا أهل مكة فتوحدونه)، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، (لعل) هذه معناها التعليل، (تشكرون) الشكر هو القيام بطاعة المنعم، ويكون باللسان وبالقلب وبالجوارح، الشكر يكون باللسان والقلب والجوارح، وهو القيام بطاعة المنعم، فأما الشكر بالقلب فأن يؤمن الإنسان بأن هذه النعمة من الله عز وجل، هو الذي أمده بها، وهو الذي يسرها له، وهو الذي جلبها إليه، هذا بالقلب.
والشكر باللسان أن يحمد الله عليها، فإن هذا من شكر النعمة، وأن يتحدث بها اعترافًا لله بالفضل، لا افتخارًا بها على غيره، وأما الشكر بالجوارح فأن يقوم لله تعالى بالعمل البدني من صلاة وزكاة وصيام وحج وغيرها، ولهذا يقول الشاعر:
أَفَادَتْــــــــــــكُمُالنَّعْمَــــــــــــــــــــــــاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا
فيدي الجوارح، ولساني القول، والضمير المحجب القلب، ما هي الواسطة بين الحمد والشكر؟ أو النسبة بين الحمد والشكر؟
نقول: الحمد أعم من حيث السبب، والشكر أعم من حيث التعلق؛ لأن الحمد يكون باللسان، ويكون على النعم، وعلى كمال صفات المحمود، يعني أنه يحمد المحمود على نعمه وإحسانه على الحامد، وعلى كمال صفاته، وأما في المتعلق فإنه يتعلق باللسان، خاصة الحمد يكون باللسان فقط، وربما يكون بالقلب أيضًا بأن يعتقد الإنسان كمال هذا المحمود، لكنه لا يسمى حمدًا لغةً إلا باللسان، وأما الشكر فهو أخص من الحمد باعتبار سببه، وأعم باعتبار متعلقه، كيف أخص باعتبار سببه؟ لأن سببه النعمة فقط، الإنعام على الشاكر هذا السبب نعم، وإلا لو كان الإنسان المحمود من أكمل الناس، وهو ما أعطاك شيئًا هل تشكره ولَّا لا؟ ما تشكره، الشكر يكون على النعم، فهو أخص من حيث السبب، ويكون بالقلب واللسان والجوارح، فهو من حيث المتعلق أعم، إذن النسبة بينهما العموم والخصوص الوجهي.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الشكر قلنا: هو القيام بطاعة المنعم، صح هذا، بالمعنى العام، لكن شكر النعمة الخاصة يكون بالقيام بوظيفتها من الطاعة، شكر النعمة الخاصة يكون بالقيام بوظيفتها الخاصة، مثلًا شكر الإنسان ربه على العلم يكون بماذا؟ بالعمل به وتعليمه، هذا شكر خاص لنعمة خاصة، شكر الإنسان ربه على المسكن مثلًا يكون بطاعته في هذا المسكن، بألا يكون فيه مثلًا إسراف ولا تبذير وما أشبه ذلك، فالشكر هنا له إذن معنيان: المعنى العام هو القيام بأيش؟ بطاعة المنعم، والمعنى الخاص هو القيام بطاعة الله تعالى فيما يتعلق بهذه النعمة الخاصة، وكل نعمة لها شكر خاص.
* * *
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ [الروم ٤٧] إلى آخره، اللام في قوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ موطئة للقسم، يعني أنها جواب لقسم محذوف، التقدير: والله لقد، وبهذا نعرف أن الجملة هنا مؤكدة بثلاثة أمور؛ وهي القسم واللام و(قد) ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾.
من المشهور المعروف عند أهل العلم أن الرسول من أُوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه؛ لأنه مرسل، وهذا الصنف من الناس هو أعلى أنواع الأصناف من بني آدم، هم أعلى الأنواع، ويليهم الأنبياء، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون، فأعلى أجناس البشر الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأنهم جمعوا بين الاختصاص بالرسالة والعبادة ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] ما يعطي الرسالة إلا لمن هو أهل لها، فأحق الناس بالرسالة بلا شك هم هؤلاء الأعيان الذين أرسلهم الله عز وجل، ولا يمكن أن يكون أحد من الناس أحق منهم بها.
وبهذا نعرف ضلال، بل وكفر من قالوا: إن علي بن أبي طالب أحق بالرسالة من محمد ﷺ؛ لأنهم في ذلك طعنوا في الله عز وجل، ونسبوه إلى ما لا يليق به؛ لأنه إذا كان أعطى الرسالة محمدًا وعلي أولى بها، فهو إما جاهل بالأحقية وإما غير مريد لإعطاء الحق أهله، وكلا الأمرين بالنسبة إلى الله محال وممتنع، وأي أحد يصف الله بهذا أو بما يستلزم هذا فإنه كافر بلا شك.
إذن الرسل عليهم الصلاة والسلام هم أشرف الخلق، أشرف أصناف الخلق، وهم أحق الناس بالرسالة بلا شك، ولا أحد أحق منهم، ويوجد والعياذ بالله بعض الناس الفلاسفة يرون أن الرسل من آخر مراتب الخلق، ويقولون: إن الولي أفضل من النبي، والنبي أفضل من الرسول؛ لأن الولي خاص الخاصة، ولي على اسمه، والنبي له مزية في الوحي، والرسول بمنزلة الخادم الذي في البيت يرسل ليشتري الحوائج، شوف والعياذ بالله الضلال، ويقولون فيما يقولون:
مَقامُ النُّبُـــــــــــــــــــــــــــوَّةِ فيبَرْزَخٍ ∗∗∗ فُوَيْق الرَّسُول ودُونَ الوَلِي
شوف أعوذ بالله، مقام النبوة في برزخ فويق الرسول يعني فوق الرسول شوية، وبالنسبة للولي ودون الولي دون منحط بعيد عن الولي، وعلى هذا فتكون رتبة الولاية عندهم أعلى شيء، وهذا لا شك أنه كفر، بل نقول: إن مقام الرسالة فوق كل شيء، ثم النبوة، ثم الولاية؛ لأن الرسول جامع بين الرسالة والنبوة والولاية، أليس كذلك؟ والنبي له النبوة والولاية، والولي له الولاية دون النبوة والرسالة، ومعلوم أنه كلما ازدادت صفة الكمال في شخص كان أكمل من غيره.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ والقوم هم الطائفة الذين ينتسب إليهم الإنسان؛ لأن بهم قوامه، فهو يقوم بهم، وهم به يقومون. وقوله: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ لأنه ما من رسول أرسل سوى رسول الله ﷺ إلا ورسالته خاصة؛ كما ثبت في الحديث الصحيح حديث جابر: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله.]].
﴿إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ﴾ الفاعل للرسل والمفعول للقوم (﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالحُجَج الواضحات على صِدقهم في رِسالتهم إليهم فكذَّبوهم). قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هل المراد البينات، معلوم أنها الواضحات، لكن هل المراد بالبينات هنا ما يبين صدق رسالتهم، فيكون المراد بها المعجزات التي أيدوا بها، أو المراد بالبينات أي بالشرائع البينات الظاهرة التي كل من استقرأها عرف أنها من عند الله، أو المراد الأمران؟
المراد الأمران، فالرسل أتوا بالآيات البينات التي تؤيدهم، وتدل على صدقهم، وأتوا أيضًا بالبينات، بالشرائع البينة الظاهرة التي يعلم أنها من عند الله عز وجل، فالباء إذن في قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ تكون للمصاحبة، يعني أرسلوا رسالة مصحوبة بالبينات، أو للاختصاص على القول بأن المراد بالبينات الشرائع، وهذا من حكمة الله عز وجل ورحمته؛ أن الله ما أرسل رسولًا إلا أيده بآية من حكمته ورحمته؛ لأنه لو جاء الرسول بدون آية إلى الناس وقال: أنا رسول الله بدون آية يقبلون ولَّا لا؟ من طبيعة البشر ألا يقبل حتى يعرف، كما أنه لو جاء واحد من الناس وقال: ترى أنا عالم عندي علم بالشرع فاستفتوني، أي شيء تستفتوني أفتيكم، يطيعونه ولَّا لا؟ أبدًا ما يطيعونه حتى يمتحنوه ويسألوه، فكيف عاد بالذي يدعي أنه يوحى إليه؟ ما يقبل، إلا إذا جاء بآية، فهذا من حكمة الله، من رحمته أيضًا؛ لئلا يعاقب أحدًا بذنب بدون حجة؛ لأنه لو أرسل الرسل بدون آيات وكذبهم الأمم لكانوا معذورين بالتكذيب؛ لعدم وجود الآية، وقد لا يعذرون لأنهم يجب عليهم أن يستسلموا، لكن من رحمته أنه قال: جعلنا معهم آيات بينات ليطمئن الناس إليهم ويؤمنوا بهم عن اقتناع.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ [الروم ٤٧]، ﴿مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا﴾ ربما يستفاد من كلمة (من قبلك) أنه لا رسول بعده، كما سنذكره إن شاء الله تعالى في الفوائد، ونناقش هذه الفائدة ﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾، ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾ الانتقام هو الأخذ بالعقوبة، وهذا من فعل الله، وليس من أسمائه، ولهذا الحديث الذي فيه سياق الأسماء الحسنى[[أخرجه الترمذي (٣٥٠٧) من حديث أبي هريرة.]] وهي مدرجة ما صحت عن النبي ﷺ، فيها أن من أسمائه المنتقم، وليس من أسمائه، بل هو من أوصافه وأفعاله، ولهذا ما جاء مطلقًا، قال: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة ٢٢] فهو فعل، وقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ ما هو الإجرام؟ الإجرام فعل الجرم، والجرم كل ما يكون سببًا في الإثم فهو الجرم، والمراد بالإجرام هنا الكفر، وفهم من الآية الكريمة ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ أن من لم يجرم لم ينتقم منه، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧]، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ﴾ نصر ويش إعرابها؟ اسم (كان)، أين خبرها؟ حقًّا، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا أحسن ما يكون في إعراب الآية، وأوجه ما يكون، وأسهل ما يكون، وإلا ففيه أوجه أخرى.
قوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾ الحق بمعنى الشيء الثابت اللازم ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المؤمنين بما يجب الإيمان به؛ من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، فأوجب الله عز وجل على نفسه أن ينصر المؤمنين، أوجب، كان حقا علينا، التزام وضمان من الله عز وجل، ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بماذا نصر المؤمنين؟
نصر المؤمنين أي منعهم من أعدائهم، وذلك بأن يجعل لهم من النصر الحسي والمعنوي ما تكون العاقبة لهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١.
فإن قال قائل: هذا الحق الذي التزم الله به قد يشكل علينا أن الله تعالى يخذل المؤمنين أحيانًا، كما في أحد مثلًا؛ فإن النصر في أحد لمن؟ لقريش وأتباعهم، فما هو الجواب عن هذه الآية؟
نقول: إن الجواب أن نصر قريش على الرسول ﷺ ليس نصرًا دائمًا كانت العاقبة فيه لهم، بل إن هذا في الحقيقة من نصر المؤمنين عليهم، وإذا شئت أن يتبين لك ذلك فاقرأ ما (...) الله به هذه الغزوة في سورة آل عمران من جملة ما ذكر من الحكم ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤١] يمحق الكافرين إذن فهو نصر لجلبهم؛ لأنهم لو هزموا في كل مقام ما قاموا ولا حاربوا، لكن إذا صار لهم شيء من النصر فإن ذلك يغريهم بالقتال حتى تكون العاقبة للمؤمنين ويبيدهم الله عز وجل.
ومنها أيضا نصر المؤمنين على أنفسهم؛ لأنهم ما أتاهم ما أتاهم في أُحد إلا بسبب مخالفتهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ١٥٢]، فهنا يعرفون قدر المعصية وأنه يفوت بها من المحبوب ما (...). فالحاصل أن هذه الآية على بابها أن الله تعالى ينصر المؤمنين حقًّا عليه أوجبه هو بنفسه على نفسه؛ كما في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام ٥٤]. قال: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم ٤٤].
* من فوائد هذه الآية: الجمع بين الترغيب والترهيب الترهيب في قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ والترغيب في قوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن شؤم الكافر لا يتعداه إلى غيره؛ لقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ وتقديم الخبر يدل على الحصر.
* ومن فوائد الآية: أنه لا يتم الثواب إلا بالعمل الصالح المبني على أمرين؛ وهما الإخلاص لله تعالى، والمتابعة لرسوله ﷺ؛ لقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾.
* ومن فوائدها: أن الحزم والكياسة في العمل الصالح؛ لقوله: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾؛ لأنهم إذا فعلوا ذلك استراحوا في المستقبل؛ إذ إنهم وطؤوا لأنفسهم منزلًا هو خير المنازل.
وقد ذكرنا ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: جمع بينها وبين قوله ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]، وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣]، وقوله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل ٢٥] ويش ذكرنا الجمع؟
* طالب: أن هذه الأعمال السيئة هي من أعمالهم أنفسهم.
* الشيخ: نعم لأنهم هم السبب.
* طالب: في إضلال هؤلاء.
* الشيخ: نعم، ثم قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [الروم ٤٥].
* يستفاد من هذه الآية: إثبات العلل في أفعال الله؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقد انقسم الناس في هذا إلى ثلاثة أقسام: قسم أنكروا العلل في أفعال الله وفي شرعه وقالوا: إنه سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم بما شاء بدون أي علة أو حكمة، مثل؟ كالجبرية.
وقسم آخر أثبتوا العلل في أفعال الله وقالوا: إن الله تعالى لا يفعل إلا لحكمة، ولا يشرع إلا لحكمة، لكنهم جعلوا تلك العلل موجبة وقالوا: يجب عليه أن يفعل كذا لكذا، وهؤلاء المعتزلة.
وقسم ثالث توسطوا وقالوا: أفعال الله تعالى لحكمة، وشرائعه لحكمة، لكن ليست هذه الحكمة موجبة، بل الذي أوجب على نفسه الحكمة هو الله، والحكمة من مقتضى اسمه الحكيم، فتكون واجبة ليست بإيجاب أحد ولكنها بمقتضى كونه حكيمًا، هو الذي أوجبها على نفسه، وهذا القول هو الصحيح، وإذا قلنا به فإننا لا يمكن أن نعترض على أي حكم من أحكام الله كونيًّا كان أم قدريًّا؛ لأننا نعلم أن الذي أوجب أن تقترن أفعاله وشرائعه بالحكم من هو؟ الله، لا نحن، فلا نقول: إن الله يجب عليه فعل الأصلح، ولا فعل الصلاح إيجابًا مستقلًّا عن إرادته، وهذا القول هو الحق. إذن نأخذ منه أن جميع أفعال الله وأحكام الله كلها معللة بالحكمة بمقتضى اسمه الحكيم.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء ليس واجبًا على الله؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم ٤٥]، لكنه أوجبه على نفسه، في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ٥٤] أوجبه هو سبحانه وتعالى على نفسه، ولهذا قال الشاعر:
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ كَلَّا وَلَا عَمَلٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ؎إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الْكَرِيمُ الْوَاسِعُ
وابن القيم رحمه الله نظم معنى هذين البيتين لكنه علل فقال:
مَا لِلعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِ؎إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُــوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَالْفَضْلُلِلْمَنَّــــــــــــــــــــــــــــــــانِ
فقيد المطلَق في البيتين السابقين أنه هو الذي أوجب ذلك تفضلًا منه سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله، من أين تؤخذ؟ ﴿لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ بس هذا نفي، كيف نأخذ منه الإثبات؟ لأنه إذا انتفى محبته عن الكافرين لزم محبته للمؤمنين، فإن لم يكن؛ لم يكن فرق بين المؤمنين وبين الكافرين، لو كانت المحبة منتفية في هؤلاء وهؤلاء ما كان بينهم فرق، أليس كذلك؟
ولهذا استدل أهل العلم على إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥] قالوا: فلما حجب هؤلاء في حال السخط دل على أنه لا يحجب الآخرون في مقام الرضا.
إذن نأخذ من هذه الآية إثبات المحبة، وهي كما سبق الكلام عليه صفة ثابتة لله على وجه الحقيقة، وليست بمعنى الثواب ولا إرادة الثواب، وإنما ذلك من لازمها ومقتضاها، إذا أحب قومًا أثابهم، ولا يثيبهم إلا بإرادة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الإيمان والعمل الصالح، الله ما قال: آمنوا واعملوا، لكن ذكر الجزاء يستلزم الحث على الفعل، وهذا أحد الطرق التي يستدل بها على أن الشيء مأمور به، لا تظن أن الشيء المأمور به هو ما جاء بالصيغة افعل، بل الأمر يستفاد من عدة أمور، فإذا ورد الترغيب في شيء فهو مأمور به.
إذن يستفاد من هذا الحث على الإيمان والعمل الصالح.
* ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: ذم الكفر، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾، فإذا نفى الله المحبة عن هؤلاء فإنه يقتضي ذم عملهم.
* ومنها أن الحكم إذا علق بمشتق، وهذه فائدة أصولية، إذا علق الحكم بمشتق فهو دليل على أن ذلك المشتق هو علة الحكم، مثلًا لا يحب الكافرين لماذا؟ لكفرهم، فالحكم هنا علق على وصف، فيقال: لا يحبهم لكفرهم، إذن فالكفر علة انتفاء المحبة؛ كما لو قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف ٤]، ما هي العلة في المحبة؟ القتال في سبيله صفًّا، وهكذا جميع حُكْم يُعلَّق بمشتق فإنه يدل على عِلية ذلك الشيء.
* يستفاد أيضًا من الآية فائدة: وهي اعتبار اللازم، بمعنى أنه إذا لزم من الشيء كذا وكذا فإنه يثبت هذا اللازم تبعًا لثبوت الملزوم، فمثلًا لاحظوا في المؤمنين ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ما قال: إنه يحب ولا يحب الكافرين، قال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ المقابل ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ويش يلزم منه؟ ألا يجزيهم من فضله، وإنما يعاملهم بماذا؟ بعدله، فعقاب الكافرين مأخوذ من لازم انتفاء المحبة، ودلالة التلازم هذه مفيدة جدًّا لطالب العلم دلالة التلازم؛ أنه يلزم من كذا وكذا كذا وكذا، لكن لا بد من شرطين:
الشرط الأول: أن يكون اللازم صحيحًا، فإن كان اللازم فاسدًا فإنه ليس بلازم، حتى لو ادعى الإنسان أنه لازم فليس بلازم.
الشرط الثاني: أن يكون ذلك في كلام الله وكلام رسوله ﷺ.
أما الشرط الأول أن يكون التلازم صحيحًا فإننا نحترز به عما إذا كان التلازم غير صحيح، مثلًا أهل التعطيل الذين أنكروا الصفات أو بعضها ما شبهتهم في الإنكار؟ قالوا: إنه يلزم التمثيل فهل هذا اللازم صحيح؟ ليس بصحيح، ولذلك ما نقول إنه يلزم من إثبات الصفات التمثيل؛ لأنه ليس بلازم.
في كلام الله وكلام رسوله إذا كان اللازم صحيحًا فهو حق، ويكون النص دالًّا عليه، لكن في كلام غيره لا يكون اللازم قولًا لصاحب القول الملزوم، ولهذا العلماء عندهم ترجمة في هذه المسألة: هل لازم القول قول أو ليس بقول؟ منهم من قال: إن لازم القول ليس بقول، ومنهم من قال: إن لازم القول قول، والصحيح أن لازم القول في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ قول، لكن بشرط أن يكون اللازم صحيحًا، لماذا يكون قولًا؟ لأن الله عز وجل يعلم ما يترتب على كلامه من اللوازم، وإذا لم ينفها الله دل ذلك على ثبوتها، لكن الإنسان البشر هل يعلم ما يلزم على قوله؟ أحيانًا يقول الإنسان قولًا يظنه صوابًا، ويكون هذا القول يلزم منه أمور فاسدة، يلزم منه لزومًا صحيحًا حقيقيًّا أمور فاسدة، لو نُبه القائل لها ماذا يصنع؟ لرجع عن قوله، فلذلك نقول: إن لازم القول في غير كتاب الله وسنة رسوله ليس بقول صحيح أنه يستدل به على بطلان القول، لكن ما يقال: إنه قول فلان.
فالحاصل أن هذه المسألة ينبغي التنبه لها، وإنما نقول بذلك لأن الإنسان بشر لا يحيط بما يستلزمه كلامه من اللوازم الصحيحة أو اللوازم الباطلة، الآن نشوف كثيرًا ما يأمر الإنسان بشيء أو ينهى عن شيء في أولاده، ثم إذا فعلوه علم أنه يستلزم مفسدة، فيرجع عنه، هذا اللازم هل كان عالمًا به من قبل؟ لو كان عالما ما أمرهم، وكثيرًا ما ينهاهم عن شيء ثم إذا تركوه رأى في ذلك مفسدة، استلزم مفسدة ما كان يعلم بها حين النهي، فتجده يرجع.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، لازم القول في كتاب الله وسنة رسوله قول، لكن بشرط أن يكون التلازم صحيحًا، أما في غيره فليس كذلك، ليس بقول.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم ٤٦].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هناك علامات ودلالات على وجود الخالق، وعلى علمه وقدرته وحكمته. هذه الآيات التي تعرَّف الله بها لعباده هذه من نعمة الله عليهم أن الله تعالى يريهم آياته ليقوموا بشكره ويعترفوا بفضله.
* من فوائد هذه الآية التي نحن فيها زيادة على الآيات الثلاث التي ذكرنا من آياته: ثبوت الرحمة؛ لقوله: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾، هذه الرياح لو اجتمع الخلق كلهم على أن ينفخوا بجميع وسائل النفخ هل يستطيعون أن يغطوا بهذا النفخ بلدًا واحدًا؟ ما يستطيعون، والرب جلت قدرته يغمر ما شاء أن يغمر بهذه الريح التي قد تقلع الأشجار، وتهدم الديار، أليس هذا دليلًا على قدرة الله العظيمة؟ نعم، وكونها مبشرات فيه إثبات الرحمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: نعمة الله سبحانه وتعالى على العباد بالفلك التي تجري بأمره، لولا أن الله سبحانه وتعالى يسر من الأسباب ما يكون به ذلك ما عرف الناس كيف يتعدون من بر إلى بر بواسطة البحر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ظهور الآيات للإنسان سبب لشكر نعمة الله عليه، من أين نأخذها؟ من قوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات العلل والحكم في أفعال الله لقوله: (ولعل)؛ لأنها للتعليل.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الروم ٤٧] إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: تسلية الرسول ﷺ وتحذير المخالفين له؛ تسليته بمن سبقه من الرسل؛ فقد كذبوا وأوذوا، فإذا علم أن أحدًا شاركه في ذلك هان عليه الأمر؛ لأن كل إنسان يتسلى بما أصاب غيره بمثله، أو بما أصيب به غيره بمثله، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩].
.. شأن مَن قَبْله من الرسل.
* ومن فوائدها: تحذيرُ المخالفين له؛ لقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ [الروم ٤٧].
* ومن فوائد الآية أيضًا: رحمةُ الله عبادَه بإرسال الرُّسُل؛ إذْ لولا هذه الرسالة ما عرف الناسُ كيف يعبدون الله عز وجل، بل ولا عرفوا ما عرفوا مِن تفاصيل أسمائه وصفاته كما سبق في درس التوحيد، فالرُّسُل رحمةٌ عظيمةٌ للخَلْق كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧].
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الانتقام من المكذِّبين كان بسبب فِعْلهم؛ لقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾؛ أي: لإجرامهم، فهُم السبب.
* ومن فوائدها: أنَّ الرِّسالات السابقة خاصَّةٌ.
* طالب: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾.
* الشيخ: لقوله: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾، ويُبَيِّنه الحديثُ الثابتُ في الصحيحين: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣)، من حديث جابر بن عبد الله.]].
* ومن فوائد الآية: أنَّ الله تعالى ما أرسلَ الرُّسُل إلا ببيِّناتٍ تشهد بصِدْقهم وبشرائعَ بيِّنةٍ لا تُوجب لَبْسًا على المتَّبِعين، من أين تؤخذ؟ ﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الروم ٤٧] أي: بالآيات البيِّنات الدالَّة على صِدْقهم، وبالشرائع البيِّنات الواضحة التي لا تقتضي لَبْسًا على المتَّبِع.
قال أهلُ العلم: وآياتُ الأنبياء على حسب عَصْرهم؛ ففي عَهْد موسى انتشرَ السِّحْرُ وكَثُر، فأعطاه الله تعالى من الآيات ما تُبْطل السِّحْر، وليستْ بسِحْر، أعطاه الله تعالى اليدَ، وأعطاه العصا.
قالوا: وفي عَهْد عيسى تقدَّم الطبُّ، فأعطاه الله من الآيات ما لا يمكن للطبِّ أنْ يقوم به، وهو إبراءُ الأَكْمهِ والأبرصِ، وإحياءُ الموتى وإخراجُهم من قبورهم، هذا ما يمكن يقوم به الطبُّ أبدًا، الميِّت لا يمكن يحيا بالطبِّ. وقالوا أيضًا: إنَّ الأبرص لا يمكن شفاؤه بالطبِّ.
الأَكْمه مَن هو؟ قالوا: إنَّه الذي خُلِقَ بلا عينٍ، هذا يُمْكن فيما سبق من العصور ما يُمْكن أنْ يُوضع له عين، لكن الآن إذا وُجِد مكانُ العين يُمْكن يُوضَع له عين بالطبِّ، لكنْ إذا لم يوجَد، مثلًا خَلَقَه اللَّهُ عز وجل بدون أنْ يخلق له مكانًا للعين، ما يُمْكن أن يُوضع له عين.
في عَهْد الرسول ﷺ قالوا: إنَّ البلاغة بلغتْ أَعْلى ذروتها، فكان مِن أَعْظم آيات الرسول عليه الصلاة والسلام هذا القرآن الذي أَعْجَزَ البُلَغاء والفُصَحاء، بل تحدَّى اللَّهُ به كلَّ الجنِّ والإنسِ؛ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ لا انفرادًا ولا تعاوُنًا، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨].
* طالب: شيخ، اللي يقولون بالإعجاز العلمي للقرآن يستخدمون هذا المعنى (...).
* الشيخ: (...)؟
* طالب: أن الإعجاز من جنس ما تفوَّق فيه كلُّ قوم، فيقولون: الآن زالت الآن البلاغة عند الناس، ما يعرفون (...) أوجُه البلاغة (...)، ولكن الآن طغى العلم (...) إشارات علمية ليصدق (...).
* الشيخ: إي نعم، يمكن، هذا ليس يبعد، أقول: ليس ببعيد، إي نعم، يمكن يكون صحيحًا أن القرآن في كلِّ عصرٍ يكون معجزةً بما تناسب العصر؛ لأنه نَزَلَ لجميع الخلْق إلى يوم القيامة، فلا يبعد هذا، القرآن بكل (...)، لكنْ في ذلك الوقت أشدُّ ما فيه البلاغة.
* وفيه أيضًا: إثباتُ فِعْل الانتقام لله عز جل؛ ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾.
* وفيه أيضًا: إثباتُ العظمة؛ لقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾ و﴿أَرْسَلْنَا﴾، فإن هذا للتعظيم وليس للتعدُّد بإجماع المسلمين أنَّه للتعظيم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الله أوجبَ على نفسه نَصْرَ المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧].
* ومنها: أنَّ هذا النصر لا بدَّ أنْ يكون؛ لأنه أتى بصيغة التعظيم: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾، ولم يَقُل: عَلَيَّ، بل قال: ﴿عَلَيْنَا﴾ إشارةً إلى أنَّ هذا الحقَّ لا بدَّ أن يكون؛ لأن الله تعالى أعظمُ مِن كلِّ شيء.
* وفيه أيضًا: دليلٌ على أنَّ غير المؤمنين لا يُنصَرون؛ لقوله: ﴿حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
فإذا أَوْرَدَ إنسانٌ علينا ما حَصَلَ من الانتصارات الخاطفة للكفار، فما هو الجواب؟
* طالب: استدراجٌ من الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: أنَّ هذا استدراجٌ من الله عز وجل حتى يتمَّ النصرُ للمؤمنين في النهاية.
* طالب: قد يكون تأديبًا للمؤمنين.
* الشيخ: إي نعم وقد يكون من مصلحة المؤمنين لأن (...) نصر لأنفسهم على أنفسهم، ثم إنَّه لا يدومُ هذا النصرُ أبدًا، العاقبة لا بدَّ أن تكون للمؤمنين.
وقال بعض أهل العلم: إنَّ النصر نوعان: نَصْرٌ بالحجَّة والبُرهان، ونَصْرٌ بالسيف والسِّنان.
فأمَّا النصر بالحجَّة والبُرهان فهو مضمونٌ وثابتٌ ولا فيه استثناء، أو لا؟ لأنَّ الحجَّة والبُرهان مع المؤمنين على كلِّ حال، حتى لو هُزِموا عسكريًّا فإنَّ الحجَّة والبُرهان معهم، غالبون بِحُجَّتهم وبُرهانهم، وهذا لا استثناء فيه.
والثاني بالنَّصْر العسكري؛ يعني بالسيف والسِّنان، وإحنا نقول الآن: بالطائرة والقنابل وما أشبهها، هذا قد يحصُل نصرٌ لغير المؤمنين امتحانًا للمؤمنين واستدراجًا للكافرين.
ثم قال عز وجل..
* طالب: شيخ، ذكرتَ أمس هل يؤخذ منها أن الرسول خاتم الأنبياء؟
* الشيخ: إي نعم، ما تقولون؟ هل يؤخذ منها أن الرسول ﷺ خاتم الأنبياء، ﴿مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا﴾؟
* طلبة: ما يَلْزم.
* الشيخ: يعني ما يَلْزم ألَّا يكون بعده أحد؟
* طالب: إي نعم، من هذه الآية.
* الشيخ: إي، معلوم، من هذه الآية.
* طالب: (...) ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾.
* الشيخ: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾، إي، هذه تدلُّ على أنَّ رسالتهم خاصَّة، لكن هل تدلُّ على أنه انتهى؟
* طالب: (...) كافَّة إلى الناس (...).
* طالب آخر: القاديان يستدلُّون بهذه الآية (...) آية النحل: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل ٢].
* الشيخ: على أيش؟ (...) القاديانية؟
* طالب: الرسالة جارية، ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ (...) صيغة الاستقبال ..
* الشيخ: هذا كفر.
* الطالب: تدل على (...) عندهم، عند القاديانية.
* الشيخ: الكلام على أن هذه الآية هل تدلُّ على خَتْم الرسالة بالرسول ﷺ لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ أو لا تدلُّ، الوجْه الذي ذَكَره يقول: قد تدلُّ من حيث إن الرسول مُرْسَل إلى الناس عامَّةً، والعموم هذا يشمل العموم في الوقت والمكان والأُمَم، وهذا يستلزم ألَّا يوجد رسولٌ بَعْده، لو وُجِدَ رسولٌ بَعْدُ انتفى العموم إلى الناس كافَّة، صار معناه أن الرسول اللي بَعْدَه يكون رسولًا إلى هؤلاء الناس دون محمد عليه الصلاة والسلام.
* طالب: بس يا شيخ هذا ما فيه دليل على أنه أُرْسِل إلى الناس كافَّة (...).
* الشيخ: لا، فيه (...)؛ لأنَّه إذا لم يكن آخِرهم فالذي يأتي مِن بَعْدِهِ صارَ أُرْسِل إلى بعض الناس وهم الذين تأخَّروا، طيب، على كلِّ حالٍ أخْذُها فيه شيءٌ من الغموض، والأمرُ في هذا واضحٌ، والغريبُ أنَّ بعض الناس -على سبيل الاستطراد- أنْكَرَ نزول عيسى بن مريم ﷺ وقال: إنَّنا لو قُلنا بنزوله لَكان ذلك تكذيبًا للقرآن؛ ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠]، ماذا تقولون؟
* طالب: لكن في آية قال: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف ٦١] هذا يدلُّ على نزوله، والشيء الثاني يا شيخ يُنكرون مَجِيء المهدي.
* الشيخ: (...) لا تُدخل مسألة في مسألة، أقول: هل استدلالهم بالآية الكريمة صحيح ولَّا لا؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: غير صحيح؛ لأن عيسى ما ينزل مُشَرِّعًا، وإنما ينزل تابعًا للرسول ﷺ ولا يُنْشِئ ولا شيئًا من الشريعة، حتى كَسْر الصليب وقَتْل الخنزير، هذا أَخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام فأَقَرَّه؛ يعني يُقال: إنه يأتي ويحكم بذلك، ولا يَقْبل إلا الإسلام، ما فيه جِزية بعد نزول عيسى، ما فيه أخْذ جِزية ولا عَهْد، ما فيه إلا الإسلام[[أخرج البخاري (٢٤٧٦)، ومسلم (١٥٥ / ٢٤٢) واللفظ له، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ».]]، فيقال: إن هذا ليس شرعًا جديدًا ناسخًا لشَرْعِ الرسول عليه الصلاة والسلام، بلْ هو شَرْعٌ مقرَّر من الرسول ﷺ، أليس كذلك؟ الرسولُ أخبر بأنَّه سيفعلُ هذا مقرِّرًا له، فهو لم يَنْزل على أنَّه رسولٌ بشرعٍ جديدٍ، بل على أنَّه تابعٌ للرسول عليه الصلاة والسلام، ولعلَّ هذا -والله أعلم- ليتحقَّق ما أخبرَ اللَّهُ به بالفعل؛ ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران ٨١]، هذا خَبَرٌ من الله عز وجل، لكنْ هل نحن عَلِمْنا هذا بأنَّ نبيًّا من الأنبياء تابعَ الرسولَ فِعْلًا؟ لا، لكن نزول عيسى ومتابعته لرسالة الرسول عليه الصلاة والسلام تكون هذه حقَّ اليقين؛ لأن الآية -آية آل عمران- فيها علم اليقين، فإذا وُجِدَ ذلك بالفِعْل صار أيش؟ صار حقَّ اليقين، فهذا من الحكمة في نزوله ﷺ في آخِر الزمان.
وأيضًا عندنا أحاديثُ واضحةٌ صحيحةٌ صريحةٌ مُتَلَقَّاةٌ بالقَبول عند أهل العلم، فكيف يُنكِر ذلك؟! ولكن -والعياذ بالله- بعض الناس يأتي بقاعدةٍ من أَفْسَدِ القواعدِ وأَبْطَلِ القواعدِ، وهي أنَّ العقيدة لا تَثْبُت بأخبار الآحاد ولو كان الخبرُ صحيحًا، وهذا في الحقيقة مزلةٌ مِمَّن قاله؛ لأننا نقول له: أنت تُثبت مِن الأحكام العملية تُثبت الحكم العملي بدليلٍ لا يصل إلى درجة الصحة، تُثبته بدليل يصل إلى درجة الْحُسْن، وربما يكون إلى درجة الْحُسْن عندك أنت وعند غيرك لا يصل إلى درجة الْحُسْن، وإثبات الحكم العملي مستلزم للعقيدة؛ لأنَّ تنفيذه مقتضى الإيمان، ولأنَّ الإنسان لا يعمل بهذا إلا بعد أن يعتقد أنه من شريعة الله، وإلا لَمَا عَمِل به، فهناك عقيدة سابقة أنَّ هذا من حُكم الله ومن شريعة الله، وأنَّه مقرِّبٌ إلى الله، وأنَّه عبادةٌ لله، ثم العمل به.
ثم ما هذا؟! إذا أخذْنا بذلك لَزِم أن نُنكر أشياء كثيرة مِمَّا يتعلَّق بالأمور العِلمية؛ لأن الشرع -كما تعلمون- إمَّا أُمُور عِلمية أو أُمُور عملية، والصواب بلا شك أنَّه لا فرق بينهما، وأنَّ ما صحَّ عن رسول الله ﷺ فإنَّه يجب الإيمان به عقيدةً وعملًا، وإذا شئتَ مَزِيدَ إيضاحٍ فاقرأ ما كتبه ابن القيِّم رحمه الله في آخِر الصواعق المرسلة، فإنَّه تكلَّم على هذه المسألة كلامًا شافيًا.
* طالب: هو متواتر ياشيخ.
* الشيخ: واللهِ ما أدري هل يصل إلى حدِّ التواتر ولَّا لا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إنْ يتواتر إذن يكون يفيد العلم اليقيني ولا أحد (...).
* طالب: بالنسبة إلى نزول عيسى بن مريم (...)، هل أنَّه سبحانه وتعالى يُلْهمه الصواب في (...).
* الشيخ: الظاهر -والله أعلم- لأن القرآن والسُّنة محفوظات إلى ذلك الوقت، والعجيب أن بعضهم ذَكَر من شُبَه إنكار نزوله قال: إن لُغة عيسى سريانية، ولغة الرسول ﷺ عربية، كيف ينزل ويحكم بالشريعة وهو سرياني؟! هذه شُبَهة هذه؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ويش الجواب؟ نقول: نعم الجواب بالتسليم (...)؛ أولًا: فيه الآن ناس يتكلمون باللغة العربية وهم مسلمون ملتزمون بأحكام الإسلام، قائمون به على أَتَمِّ وجْه، ولُغتهم غير عربية. والثاني: أنَّ الله على كلِّ شيءٍ قدير، يمكن يكون لسانه عربيًا، إذا كان بالممارسة والمخالطة ينقلب لسانُ الإنسان مِن سرياني إلى عربي، فكيف عاد بقدرة الله! لكن سبحان الله العظيم، الإنسان إذا اشتهى شيئًا أتى بشبه ما تنطلي على أحد (...).
* * *
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧] أخذنا فوائدها؟ ويش هي؟
* طالب: (...) تحذير المخالفين له (...).
أنَّ الرسالات السابقة خاصَّة (...).
أنَّ الله أوجبَ على نفسه نَصْرَ المؤمنين، وهو لا بدَّ أن يكون، وغير المؤمنين لا يُنصرون.
(...) أحيانًا وهو (...).
* الشيخ: فيها فائدة أيضًا.
* من فوائد الآية أيضًا: أنَّ على الله حقًّا أوجبه على نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾، فإذا قُلنا: هل يجب على الله شيءٌ؟ نقول: أمَّا بعقولنا فلا يجب على الله شيءٌ، وأمَّا أنْ يُوجِب هو على نفسه شيئًا فهذا أمرٌ واقِع.
* ومن فوائدها أيضًا: فضيلةُ الإيمان وأنَّه سببٌ للنصر؛ ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.