Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — الروم 30:46 – لقمان 31:12

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. الروم 30:46
  2. الروم 30:47
  3. الروم 30:48
  4. الروم 30:49
  5. الروم 30:50
  6. الروم 30:51
  7. الروم 30:52
  8. الروم 30:53
  9. الروم 30:54
  10. لقمان 31:1
  11. لقمان 31:2
  12. لقمان 31:3
  13. لقمان 31:4
  14. لقمان 31:5
  15. لقمان 31:6
  16. لقمان 31:7
  17. لقمان 31:8
  18. لقمان 31:9
  19. لقمان 31:10
  20. لقمان 31:11
  21. لقمان 31:12

الروم 30:46

قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [الروم ٤٤] يقول المؤلف: (وبال كفره وهو النار)، هذا كالتفصيل لقوله تعالى: ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾؛ لأن يصدعون يتفرقون بحسب أعمالهم، فقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ هذه نشوف الإعراب: ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ (من) شرطية، وفعل الشرط (كفر)، وجوابه جملة (فعليه كفره)، وقوله: ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ جملة خبرية مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ قوله: ﴿كُفْرُهُ﴾، والخبر قوله: ﴿فَعَلَيْهِ﴾ مقدم، وفائدة التقديم الحصر. ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم ٤٤] مثلها شرطية، وجواب الشرط قوله: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾، وقدم المعمول وهو (لأنفسهم يمهدون) للحصر، وهي فائدة معنوية، ولمراعاة الفواصل، وهي فائدة لفظية؛ لأنه لو قال: فيمهدون لأنفسهم استقام الكلام، لكنه قدم لهاتين الفائدتين. يقول الله عز وجل: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ نعم يعني أي إنسان يكفر فإن وبال كفره عليه لا يضر إلا نفسه، ويكون على غيره ولَّا لا؟ لا يكون على غيره إلا أن يكون ذلك الغير سببًا فيه، فإن كان سببًا فيه صار عليه مثل وزره، قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣]، وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]. فإذا قيل: هل هذا يناقض الآية ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [الروم ٤٤]؟ فالجواب: لا يناقضها؛ لأنه إذا كان هو السبب فإن ذلك من عمله، لكن صورة المسألة مختلفة أنه عمل غيره وعمل نفسه، إنما حقيقة الأمر أن الدال على الكفر فاعل لما يؤزر عليه. قال: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم ٤٤] (يوطئون منازلهم في الجنة) من عمل صالحًا، الكفر في اللغة العربية الكفر: هو الستر، ومنه الكُفُرَّى الذي هو غلاف طلع النخل، ويسمى بلغتنا العامية الكافور، غلاف طلع النخل، هذا يستر الطلع، فالكفر في الأصل هو هذا، والمراد به الخروج عن طاعة الله؛ لأن الخارج عن طاعة الله قد ستر ما أنعم الله به عليه من العقل والعلم وما أشبه ذلك. وقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ العمل الصالح قال أهل العلم: هو ما جمع شرطين أساسيين: أحدهما: الإخلاص، والثاني: المتابعة للرسول ﷺ، ويش ضد الإخلاص؟ ضده الشرك، والمتابعة ضدها الابتداع، فمثلًا إذا وجدنا رجلًا يصلي الصلاة المعتادة لكنه يرائي الناس بها فعمله ليس بصالح، ويش الذي فقد منه؟ الإخلاص، وإذا وجدنا رجلًا قد أحدث نوعًا من العبادات لم يرد به الشرع، لكنه مخلص، يريد بذلك وجه الله، وتجده خاشعًا يبكي ويتأثر بهذه العبادة، لكنها على غير شريعة الله، فهذا عبادته باطلة؛ لفقد المتابعة للرسول ﷺ، ومن ذلك ما إذا أخرج العبادات المشروعة عما شرعت عليه، هي عبادة مشروعة في الأصل لكن أخرجها عما كانت عليه، فإنه لا يُقبل عمله، كما لو صلى الصلاة بعد خروج وقتها متعمدًا بدون عذر فهذا يقبل منه؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لماذا؟ لأنه ما فيه متابعة، هو مخلص، لكنه غير متابع، وكذلك لو صلى صلاة بغير طمأنينة، لو صلى صلاة ما يطمئن فيها، إذا قال: سمع الله لمن حمده على طول سجد، إذا قام من السجود على طول سجد الثانية، فصلاته باطلة، لو صلى إلى يوم الدين ما قبل الله منه، لماذا؟ لعدم المتابعة، ولهذا لما صلى رجل صلاة لا يطمئن فيها قال له النبي ﷺ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧ / ٤٥ ) من حديث أبي هريرة.]]، فنفى عنه الفعل لانتفاء صحته، وإلَّا هو مصل الآن لكن ما هي صلاة. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، هو لو سألته: لماذا صليت؟ قال: ما صليت إلا لله، لكنه خالف أمر الله. * طالب: ما ينافي الإخلاص هذا؟ * الشيخ: لا، ما ينافي الإخلاص، الإخلاص في القلب؛ لأنه ما قام يصلي علشان الناس، ما همه الناس يقولون: صلى ولَّا ما صلى، صلى لله لكنه خالف أمر الله. * طالب: هل يلزم أن يفقه ما يقول المصلي؟ * الشيخ: لا، ما هو لازم، ليس بلازم، بس أفضل أن يفقه ما يقول إذا كان قلبه حاضرًا، يعني خاشعًا في صلاته حاضر القلب، فهو أفضل. * طالب: وخاشع القلب الآن يخشع لأشياء خارج الصلاة ولَّا. * الشيخ: ويش لون يعني. * طالب: أي مثلًا وهو يصلي يتفكر مثلًا في.. * الشيخ: لا، لا يخشع في أمور داخل الصلاة، يعني يستحضر ما يقول في صلاته، وما يفعل في صلاته، ما هو مثلًا يروح يتذكر جلسة كان فيها خاشعًا فيما سبق. * طالب: لا مثلًا يتذكر القبور مثلًا الجنة والنار. * الشيخ: إي ما يصح إلا إذا مرت به، مرت به مثلًا في أثناء قراءته. يقول: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ إذن العمل الصالح ما هو؟ هو الذي جمع بين شرطين: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول ﷺ. ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ المهد والتمهيد بمعنى التوطئة، ومنه قولهم: هذا طريق ممهَّد، يعني: موطأ محسن لأجل أن تطأه الأقدام، فمعنى ﴿يَمْهَدُونَ﴾ أي: يحسنون الشيء حتى يكون موطئًا لهم؛ وذلك لأن الذين يعملون صالحًا يتوصلون بعملهم الصالح إلى دخول الجنة، فيسهل لهم الطريق الذي يوصلهم إليها. وقوله: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ تقديم المعمول يفيد الحصر، فإذا قال قائل: هل هذا ينافي ما ثبت فيه الحديث من أن «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فِي الْإِسْلَامِ فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]، نقول: لا ينافيه؛ لأن الذين يعملون حسنة يسنون الحسنات، عملوا ولَّا لا؟ عملوا، فتوبعوا على ذلك، فالأجر الذي حصل لهم من أجل اتباع غيرهم لهم هو في الحقيقة من فعلهم، قال الله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم ٤٥]. قال: (متعلق بيصدعون) دائما نشوف العلماء إذا جاء ظرف أو جار ومجرور يقولون: متعلق بكذا، متعلق، ويش معنى متعلق؟ يعني أن هذا هو الذي عمل فيه؛ لأن الجار والمجرور والظرف بمنزلة المفعول به، والمفعول به لا بد له من عامل يعمل به، فإذا قال: متعلق بكذا يعني أن هذا هو الذي عمل فيه، ولا بد لكل جار أو ظرف لا بد له من متعلق: لَا بُدَّ لِلْجَـــــــــــــارِ مِنَ التَّعلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعناهُ نَحْوُ مُرْتَقِي فإذن معنى قوله: (متعلق بيصدعون) أن العامل في كلمة (ليجزي) قوله: ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾، وهذا رأي المؤلف. ويَحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿يَأْتِيَ﴾، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لأن التصدع في الحقيقة هو نفس الجزاء، فكيف يكون الشيء علة لنفسه، هذا ما يبعد كلام المؤلف، لكن إذا قيل: يأتي هذا اليوم لأجل المجازاة، صار المعنى مستقيمًا واضحًا، فإذا قلنا: إن هذه اللام (ليجزي) لأن اللام حرف جر، إذا قلنا: إنها متعلقة بـ(يأتي) فهو أوضح من قولنا: إنها متعلقة بـ(يصدعون)؛ لأن نفس التصدع والتفريغ الذي يؤوي إلى النار هو نفس الجزاء. وقال بعض العلماء، بعض المعربين: إنه خبر لمبتدأ محذوف، فهو متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: ذلك ليجزي، والمشار إليه ما سبق، وهذا أيضًا وجيه جدًّا أن يجعل متعلقًا بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف. قلنا: إن اللام في (ليجزي) حرف جر، والمعلوم أن حروف الجر لا تدخل إلا على الأسماء، وقد تبين لكم بأن من علامات الاسم الجر، دخول (...) عليه، الآجرومية، يقول: الاسم يُعرف بالخفض، والتنوين، ودخول الألف واللام، وحروف الخفض. فكيف صح أن نقول: إن اللام في قوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ حرف جر، مع أنها داخلة على فعل؟ نقول: لأن هذا الفعل بمنزلة الاسم؛ إذ إنه فعل مقدر فيه (أن)؛ لأن التقدير: لأن يجزي، و(أن) مصدرية تحول الفعل إلى مصدر، والمصدر اسم ولَّا غير اسم؟ المصدر اسم، فعليه يكون المعنى: لجزائه، لجزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات إلى آخره، عرفتم الآن؟ فإذا دخلت اللام -لام التعليل- على الفعل فإنه يقدر بينها وبين الفعل (أن) المصدرية: لأن يجزي، وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الفاعل -فاعل الجزاء- هو الله سبحانه وتعالى، وهو ضمير مستتر يعود عليه. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، على أنه منصوب بـ(أن) مضمرة بعد اللام: ليجزي، واللام جارة لما بعدها، باعتبار أن الفعل سيكون مصدرًا. * طالب: لكن هى نفسها حرف جر. * الشيخ: إي هي نفسها حرف جر. * طالب: هي نفسها لام التعليل التي تنصب الفعل المضارع. * الشيخ: هي نفسها لام التعليل التي ينصب الفعل المضارع بـ(أن) بعدها على رأي البصريين. * طالب: (...) لام التعليل. * الشيخ: لا، اللام هي واحدة، ولام التعليل كما تدخل على الفعل تدخل على الأسماء، فلو قلت: جئت لإكرامك فهي لام التعليل، وجئت لأكرمك هي لام التعليل. وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الجزاء بمعنى المكافأة، يعني ليكافئهم ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (يثيبهم) هذا تفسير للجزاء بمعنى الإثابة، والثواب هو المكافأة، وسُمي ثوابًا لأنه من ثاب يثوب إذا رجع؛ لأنه يرجع إلى الإنسان جزاء عمله، وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ انتبهوا لهذين الشرطين: إيمان وعمل صالح، فالإيمان وحده ما يكفي، والعمل الصالح وحده لا يكفي، هذا إذا قُرن الإيمان بالعمل، أما إذا قيل: عمل صالح يكفي، أو إيمان يدخل فيه العمل، الإيمان يكون بالقلب، فمن لا إيمان في قلبه لو عمل من الصالحات ما عمل لم ينفعه، المنافق يذكر الله ويصلي وينفق ولَّا لا؟ وربما يخرج في الجهاد، ينفعه عمله؟ لماذا؟ لأنه لا إيمان في قلبه. الإنسان اللي عنده إيمان بالله سبحانه وتعالى لكنه لم يعمل عملًا صالحًا، ما عمل عملًا صالحًا. * طالب: ممكن. * الشيخ: ممكن أيش؟ ممكن يجزى إلا في واحدة فقط، وهي الصلاة، فإنه إذا لم يعملها لا ينفعه إيمان؛ لأنه قد دلت الأدلة على أن هذا العمل وإن كان عملًا بدنيًّا ولكنه يكفر الإنسان بتركه كفرًا مخرِجًا عن الملة، أما غير الصلاة من الأعمال فقد قال عبد الله بن شقيق: «كان أصحاب النبي ﷺ لا يَرَوْنَ شيئًا من العمل تَرْكُه كُفرٌ إلا الصلاة »[[أخرجه الترمذي (٢٦٢٢) من حديث عبد الله بن شقيق.]] يعني لو لم يزكِّ فإنه لا يخرج من الإيمان، لو لم يصم فإنه لا يخرج من الإيمان، لو لم يحج فإنه لا يخرج من الإيمان، هذا هو الصحيح، وعن الإمام أحمد رواية أن جميع أركان الإسلام إذا تركها الإنسان متهاونًا فهو كافر، فإذا لم يزكِّ فهو كافر، إذا لم يصم فهو كافر، إذا لم يحج فهو كافر، يقول: لأن الركن عليه الاعتماد، ركن الشيء عليه اعتماد الشيء، فإذا لم يوجد الركن ما قام الشيء، وهذا لا شك أنه له وجه، لكن الأدلة تمنع من القول بهذا؛ فإن حديث أبي هريرة في الصحيح فيمن لا يؤدي زكاته ذكر النبي عليه الصلاة والسلام عقوبته ثم قال: «ثُمَّ يَرَى سَبِيلهُ إِمَّا إِلَى الْجنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ»[[أخرجه مسلم (٩٨٧ / ٢٦) من حديث أبي هريرة.]]. فقوله: «يَرَى سَبِيلهُ إِمَّا إِلَى الْجنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» » يدل على أنه لا يكفر بمنع الزكاة، ويش وجهه؟ لأنه لو كفر بذلك ما صار له سبيل إلى الجنة، فإذا لم يكفر بترك الزكاة فما دونها من باب أولى، ولا شك أن أركان الإسلام التي دون الزكاة أنها دونها، فالصيام دون الزكاة، والحج دون الزكاة. فإن قال قائل: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧] فإن ظاهره من كفر فلم يحج فإن الله غني عن العالمين؟ فالجواب أن يقال: المراد بالكفر هنا سوى الكفر الأكبر، يعني كفرًا دون كفر، ولهذا ما قال: ومن لم يحج فهو الكافر، أو وترك الحج هو الكفر كما قال في الصلاة، و(كفر) فعل، والفعل يدل على الإطلاق ولا يدل على العموم، فهذا الجواب عن هذه الآية، والذين قالوا: إنه يكفر بترك الحج احتجوا بهذه الآية. * طالب: يقول علي بن أبي طالب:« «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا»[[أخرجه الدارمي في السنن (١٨٢٦) من حديث أبي أمامة الباهلي.]]. * الشيخ: هذا عمر بن الخطاب، وهذا يقال من باب التهديد، أو أن هذا رأي له، وهذا أيضًا إن صح الحديث؛ لأن في الحديث مقالًا، لكن إن صح فهو يُحمَل على أن المراد أن هذا من باب التحذير، أو أنه رأي له كما رآه غيره من أهل العلم. * طالب: يا شيخ قوله: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مات ميتة جاهلية». * الشيخ: اللي أفهم من الحديث «مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ»[[أخرجه مسلم (١٩١٠ / ١٥٨) من حديث أبي هريرة. ]] مات ميتة جاهليةً ما يمنع أن الإنسان مات ميتة جاهلية؛ لأنه فعل فعلًا من أفعال الجاهلية، حيث لم يقم بواجب الجهاد. * طالب: طيب يا شيخ عيسى عليه السلام يقول يوم القيامة: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي﴾ [المائدة ١١٧] بعدين آخره قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٨] يعني كأنه يرد الغفران عيسى عليه الصلاة والسلام أنها شيئان، ذكر العذاب والغفران مثل الحديث الذي ذكرتم يعني. * الشيخ: ويش وجه الإشكال؟ * طالب: الإشكال إما يرى سبيله إلى النار أو الجنة؟ * الشيخ: لا؛ لأن هذا ما هو بهذا خبر؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام يقول: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة ١١٧] ثم بين ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ وقد استحقوا ذلك ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٨]. * طالب: وكيف المشركون يعني. * الشيخ: لا، يعني إن تغفر لهم بمعنى أني أنا ما أعلم هل هم أشركوا ولَّا فعلوا ذنوبًا أخرى يستحقون بها المغفرة. * طالب: (...) ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ للناس للعموم ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة ١١٦، ١١٧] هذا الأمر ﴿رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [المائدة ١١٧، ١١٨] هؤلاء الناس الذين هم عبادك يعبدونني وأمي أو يتخذوني إلهين من دون الله، بعدين قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المائدة ١١٨] (...). * الشيخ: (﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ [الروم ٤٦] تعالى) من للتبعيض وآياته مجرور بمن و ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ [الروم ٤٦] هذه فعل مؤول بالمصدر هو المبتدأ، أي: من آياته إرسال الرياح ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ حال من الرياح، يقول الله عز وجل في هذه الآية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ أي بعض آياته؛ لأن (من) هنا للتبعيض؛ وذلك لأن آيات الله عز وجل لا يمكن إحصاؤها ولا حصرها: وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الوَاحِدُ كل شيء، لو أراد الإنسان أن يحصي آيات الله عز وجل التي في جسمه هو فقط ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، فكيف بآيات الله تعالى التي ملأت الكون، ولهذا تأتي (من) الدالة على التبعيض، وقوله: ﴿آيَاتِهِ﴾ أي علاماته. واعلم أن كل آية فإنها تدل على العلم، وتدل على القدرة، وتدل على الحكمة، هذا لا بد منه، لا بد من ذلك في كل آية؛ أنها تكون آية –علامة- على هذه الأمور الثلاثة: العلم والقدرة والحكمة، ثم تختص بعض الآيات بما تختص به؛ إما أن تكون مثلًا اللي بعدها رحمة، أو بعدها شيء يدل على السلطان والعظمة، المهم أن لكل آية شيئًا خاصًّا وشيئًا عامًّا، فالشيء العام هو هذه الثلاثة: العلم والقدرة والحكمة ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم ٤٦]، يضاف إلى هذه الثلاث الرحمة؛ لأن هذه الرياح تبشر بالمطر، وقوله: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ والإرسال بمعنى الإطلاق، ومنه قول الشاعر: (فأَرْسَلَها العِراكَ). يعني أطلقها، ومنه قول الفرضيين: دين مرسل، يعني: مطلق ليس به رهن. ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ يعني يطلقها سبحانه وتعالى، والرياح جمع ريح، وهي الأهوية، واعلم أن الريح تُذكر مفردة وتُذكر مجموعة، فإذا ذُكرت مجموعة فإنها تكون غالبًا للرحمة، وإذا ذُكرت مفردة فإنها تكون غالبًا للعقاب ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ريح [الحاقة: ٦]، ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات ٤١] ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف ٢٤] وما أشبه ذلك، ولكنها -أعني الريح- قد تُفرَد وتكون في مقام النعمة، لا سيما إذا وصفت بما يدل على ذلك؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢] هنا الريح عقوبة ولَّا نعمة؟ نعمة، وإنما كانت نعمة لأنها وصف طيبة، وأيضًا بالنسبة للسفن هل الأولى اختلاف الرياح أو اتحاد الريح؟ اتحادها؛ لأنها إذا اختلفت اختلف سير السفينة، فيما سبق لما كانت السفن شراعية، هنا الرياح في مقام النعمة، ولهذا جمعت الرياح، ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ حال من الرياح، أى تبشر بالخير، ولهذا بعض الرياح إذا هبت استبشر الناس؛ لأن الله سبحانه وتعالى أجرى العادة أن هذه الريح المعينة يتكون منها السحاب ثم المطر، وأحيانًا يستبشرون بالريح إذا رأوها تجمع السحاب، تجمعه وتكثفه، استبشروا بها. وقوله: ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ البشارة هي الإخبار بما يَسُرُّ غالبًا، وسُميت بشارة لأنها تؤثر على البشرة، فالإنسان إذا استبشر ينير وجهه ويسفر، وتجد عليه علامة البشرى. وقد تطلق البشارة بما يسوء؛ كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١]، ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ قال: (بمعنى لتبشركم بالمطر) شوف المؤلف -رحمه الله- فسر اسم الفاعل بالفعل المعلل، وقال: (بمعنى لتبشركم) لأجل أن يسهل العطف في قوله: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾؛ لأن (مبشرات) و(ليذيقكم) يجد الإنسان بينهما فجوة، هذه الفجوة أراد المؤلف أن يقربها بقوله: بمعنى ليبشركم بها، ولكن الصحيح عندي أن (مبشرات) على حالها تعتبر اسمًا، ولكننا نقدِّر فعلًا يناسب ما بعده لأجل أن يصح عطف الفعل عليه، والذي أرى أن يُقدر: لتستبشروا بها مبشرات لتستبشروا بها وليذيقكم من رحمته، أو نجعل: لتبشركم كما قال المؤلف ما نجعلها بمعنى مبشرات، بل نجعلها فعلًا مستقلًّا قدرناه ليصح العطف في قوله: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. وقوله: (﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾ بها ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ المطر والخصب) تقدم لنا أن الله تعالى يعبر عن الإصابة بالإذاقة؛ لأنها أعلى أنواع الإصابة وأبلغها، ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾ بها ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ يقول: المطر والخصب، ففسر الرحمة بأثرها، وعلى هذا فتكون الرحمة في هذه الآية مخلوقة ولَّا صفة من صفات الله؟ تكون مخلوقة، وهذا الذي فسرها به محتمل؛ لأن الله تعالى قد يطلق الرحمة على الشيء المخلوق الذي يكون من آثار رحمته كما ثبت في الحديث الصحيح أن الله قال للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.]]، ومن المعلوم أنه سبحانه وتعالى لم يرد أنها رحمته التي هي صفته؛ لأن الجنة مخلوق بائن، ولكن أراد أنها من أثر رحمته، أو مقتضى رحمته، فهنا يصح أن نقول: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي من هذا المطر والخصب، وتكون الرحمة هنا مخلوقًا من المخلوقات، ويحتمل أن تكون الرحمة (...). وإن جعلناها الصفة فهي للابتداء، يعني ليذيقكم نعمة صادرة من هذه الرحمة (﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ السفن بها ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بإرادته ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ تَطْلُبُوا ﴿مِنْ فَضْله﴾ الرزق بالتجارة في البحر ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ) قوله: ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ يقول: (السفن بها) بها: الضمير يعود على الرياح، فالله تعالى يرسل الرياح لتسير بها المياه في أجواء السماء، وهو السحاب، ويرسل الرياح لتسير بها السفن في البحار، وكل من السحاب ومن السفن يحمل نعمًا كثيرة، السفن ماذا تحمل؟ تحمل الأرزاق والأناسي والحيوان وغيرها، والسحب تحمل الماء الذي هو مادة الحياة ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة ٦٨، ٦٩]. ففي الرياح إذن فائدتان: تسيير السحب في أجواء السماء، وتسيير السفن في أجواء البحار. وقوله: ﴿الْفُلْكُ﴾ واحد ولَّا جماعة؟ تصلح لهذا ولهذا، الفلك تصلح للجمع وللمفرد، أو لا؟ * طالب: في القرآن موجود. * الشيخ: في القرآن موجود، هات مثالًا لها للمفرد؟ * طالب: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ [النحل ١٤] هذه للجماعة أصلها يا شيخ، ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة ١٦٤] هذا مفرد. * طالب آخر: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [هود ٣٧]. * الشيخ: لا. * طالب آخر: في قصة نوح عليه السلام: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ﴾ [هود ٣٨]. * الشيخ: هذه الإجابة. * طالب آخر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ﴾ [لقمان ٣١]. * الشيخ: على كل حال المثال الذي ذكره أيضًا صحيح ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢] هذا جمع ولَّا مفرد؟ جمع ﴿فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ﴾ ما قال: في الفلك وجرى. * طالب: مفرد يا شيخ ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء ١١٩]. * الشيخ: نعم ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر ١٢] أيضًا جمع. على كل حال الفلك صالحة للمفرد وللجماعة. ذكر الفقهاء كلمة ذكرتها لكم سابقًا فقالوا: إن الأحدب ينوي الركوع بقلبه، الأحدب ما هو قائم حتى يركع، ينوي بقلبه، قال بعض الفقهاء: فهو شبيه للفلك في اللغة العربية، يعني انحناء هذا الأحدب شبيه بالفلك في اللغة العربية، ما يعرف إلا بالنية، فالفلك صالح للمفرد وللجماعة، ولا يعرف إلا بالنية أو القرينة، هذا المسكين اللي أحدب في حال الركوع ما الذي يعلمنا أنه راكع أو غير راكع؟ فركوعه وقيامه سواء، وهذه يمكن أن يستدل بها على ما ذكر عن الكسائي يقول: إن الإنسان إذا أتقن شيئًا من العلم أمكنه أن يفهم غيره من العلوم، وذكروا قصة أنه كان هو وأبو يوسف عند الرشيد أحد خلفاء بني العباس، وأنهما تناظرا في مسألة، فقال له أبو يوسف، يقول للكسائي: ما رأيك لو سها الإنسان في سجود السهو؟ هل نحوك يعلمك حكم هذه المسألة، قال: نعم، إذا سها في سجود السهو فإنه لا يسجد، قال: أين القاعدة في نحوك؟ قال: عندنا قاعدة في النحو أن المصغر لا يصغر. فاستدل بأن سجود السهو صلاة مصغرة، فإذا سها فيه ما عاد (...) هذا واقع أو غير واقع، الله أعلم، ذكروها. يقول: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ [الروم ٤٨] ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ قال (بإرادته)، والصحيح: بأمره، من الأمر الذي هو بالقول، وليس المراد بالإرادة فقط؛ لأن الفلك ما تعلم عما يريد الله عز وجل، لكنها إنما تأتمر بأمره القولي، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢] فكل مراد الله إن لم يقترن بالقول فإنه لا يقع، وكيف تحدث الكائنات بمجرد إرادة لا يعلم بها إلا الله، فلا بد من قول، فالصواب أن المراد بأمره أمره القولي؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، ولا يمنع ذلك أن يكون هذا الجريان بأمره بأسباب محسوسة معلومة لنا؛ لأن المقدر للأسباب هو الله عز وجل، فهو سبحانه وتعالى يخلق ويسخر ولكن بأسباب ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم ٤٦]، كل هذا مما خلقه الله عز وجل لهذه الحكم العظيمة. (﴿وَلِتَبْتَغُوا﴾ تطلبوا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ الرزق بالتجارة في البحر) وهو كذلك، وكم من أناس كانت تجارتهم في البحار ينقلون الأرزاق من جهة إلى جهة بواسطة هذه السفن، لولا هذه السفن لكان من المتعذر أن تنتقل الأرزاق من الجهة التي خلف البحر إلى جهة أخرى، ولكن الله عز وجل جعل هذه السفن لأجل أن تنقل هذه الأرزاق والنعم. (﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم ٤٦] هذه النعم يا أهل مكة فتوحدونه)، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، (لعل) هذه معناها التعليل، (تشكرون) الشكر هو القيام بطاعة المنعم، ويكون باللسان وبالقلب وبالجوارح، الشكر يكون باللسان والقلب والجوارح، وهو القيام بطاعة المنعم، فأما الشكر بالقلب فأن يؤمن الإنسان بأن هذه النعمة من الله عز وجل، هو الذي أمده بها، وهو الذي يسرها له، وهو الذي جلبها إليه، هذا بالقلب. والشكر باللسان أن يحمد الله عليها، فإن هذا من شكر النعمة، وأن يتحدث بها اعترافًا لله بالفضل، لا افتخارًا بها على غيره، وأما الشكر بالجوارح فأن يقوم لله تعالى بالعمل البدني من صلاة وزكاة وصيام وحج وغيرها، ولهذا يقول الشاعر: أَفَادَتْــــــــــــكُمُالنَّعْمَــــــــــــــــــــــــاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا فيدي الجوارح، ولساني القول، والضمير المحجب القلب، ما هي الواسطة بين الحمد والشكر؟ أو النسبة بين الحمد والشكر؟ نقول: الحمد أعم من حيث السبب، والشكر أعم من حيث التعلق؛ لأن الحمد يكون باللسان، ويكون على النعم، وعلى كمال صفات المحمود، يعني أنه يحمد المحمود على نعمه وإحسانه على الحامد، وعلى كمال صفاته، وأما في المتعلق فإنه يتعلق باللسان، خاصة الحمد يكون باللسان فقط، وربما يكون بالقلب أيضًا بأن يعتقد الإنسان كمال هذا المحمود، لكنه لا يسمى حمدًا لغةً إلا باللسان، وأما الشكر فهو أخص من الحمد باعتبار سببه، وأعم باعتبار متعلقه، كيف أخص باعتبار سببه؟ لأن سببه النعمة فقط، الإنعام على الشاكر هذا السبب نعم، وإلا لو كان الإنسان المحمود من أكمل الناس، وهو ما أعطاك شيئًا هل تشكره ولَّا لا؟ ما تشكره، الشكر يكون على النعم، فهو أخص من حيث السبب، ويكون بالقلب واللسان والجوارح، فهو من حيث المتعلق أعم، إذن النسبة بينهما العموم والخصوص الوجهي. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الشكر قلنا: هو القيام بطاعة المنعم، صح هذا، بالمعنى العام، لكن شكر النعمة الخاصة يكون بالقيام بوظيفتها من الطاعة، شكر النعمة الخاصة يكون بالقيام بوظيفتها الخاصة، مثلًا شكر الإنسان ربه على العلم يكون بماذا؟ بالعمل به وتعليمه، هذا شكر خاص لنعمة خاصة، شكر الإنسان ربه على المسكن مثلًا يكون بطاعته في هذا المسكن، بألا يكون فيه مثلًا إسراف ولا تبذير وما أشبه ذلك، فالشكر هنا له إذن معنيان: المعنى العام هو القيام بأيش؟ بطاعة المنعم، والمعنى الخاص هو القيام بطاعة الله تعالى فيما يتعلق بهذه النعمة الخاصة، وكل نعمة لها شكر خاص. * * * ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ [الروم ٤٧] إلى آخره، اللام في قوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ موطئة للقسم، يعني أنها جواب لقسم محذوف، التقدير: والله لقد، وبهذا نعرف أن الجملة هنا مؤكدة بثلاثة أمور؛ وهي القسم واللام و(قد) ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾. من المشهور المعروف عند أهل العلم أن الرسول من أُوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه؛ لأنه مرسل، وهذا الصنف من الناس هو أعلى أنواع الأصناف من بني آدم، هم أعلى الأنواع، ويليهم الأنبياء، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون، فأعلى أجناس البشر الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأنهم جمعوا بين الاختصاص بالرسالة والعبادة ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] ما يعطي الرسالة إلا لمن هو أهل لها، فأحق الناس بالرسالة بلا شك هم هؤلاء الأعيان الذين أرسلهم الله عز وجل، ولا يمكن أن يكون أحد من الناس أحق منهم بها. وبهذا نعرف ضلال، بل وكفر من قالوا: إن علي بن أبي طالب أحق بالرسالة من محمد ﷺ؛ لأنهم في ذلك طعنوا في الله عز وجل، ونسبوه إلى ما لا يليق به؛ لأنه إذا كان أعطى الرسالة محمدًا وعلي أولى بها، فهو إما جاهل بالأحقية وإما غير مريد لإعطاء الحق أهله، وكلا الأمرين بالنسبة إلى الله محال وممتنع، وأي أحد يصف الله بهذا أو بما يستلزم هذا فإنه كافر بلا شك. إذن الرسل عليهم الصلاة والسلام هم أشرف الخلق، أشرف أصناف الخلق، وهم أحق الناس بالرسالة بلا شك، ولا أحد أحق منهم، ويوجد والعياذ بالله بعض الناس الفلاسفة يرون أن الرسل من آخر مراتب الخلق، ويقولون: إن الولي أفضل من النبي، والنبي أفضل من الرسول؛ لأن الولي خاص الخاصة، ولي على اسمه، والنبي له مزية في الوحي، والرسول بمنزلة الخادم الذي في البيت يرسل ليشتري الحوائج، شوف والعياذ بالله الضلال، ويقولون فيما يقولون: مَقامُ النُّبُـــــــــــــــــــــــــــوَّةِ فيبَرْزَخٍ ∗∗∗ فُوَيْق الرَّسُول ودُونَ الوَلِي شوف أعوذ بالله، مقام النبوة في برزخ فويق الرسول يعني فوق الرسول شوية، وبالنسبة للولي ودون الولي دون منحط بعيد عن الولي، وعلى هذا فتكون رتبة الولاية عندهم أعلى شيء، وهذا لا شك أنه كفر، بل نقول: إن مقام الرسالة فوق كل شيء، ثم النبوة، ثم الولاية؛ لأن الرسول جامع بين الرسالة والنبوة والولاية، أليس كذلك؟ والنبي له النبوة والولاية، والولي له الولاية دون النبوة والرسالة، ومعلوم أنه كلما ازدادت صفة الكمال في شخص كان أكمل من غيره. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ والقوم هم الطائفة الذين ينتسب إليهم الإنسان؛ لأن بهم قوامه، فهو يقوم بهم، وهم به يقومون. وقوله: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ لأنه ما من رسول أرسل سوى رسول الله ﷺ إلا ورسالته خاصة؛ كما ثبت في الحديث الصحيح حديث جابر: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]. ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ﴾ الفاعل للرسل والمفعول للقوم (﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالحُجَج الواضحات على صِدقهم في رِسالتهم إليهم فكذَّبوهم). قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هل المراد البينات، معلوم أنها الواضحات، لكن هل المراد بالبينات هنا ما يبين صدق رسالتهم، فيكون المراد بها المعجزات التي أيدوا بها، أو المراد بالبينات أي بالشرائع البينات الظاهرة التي كل من استقرأها عرف أنها من عند الله، أو المراد الأمران؟ المراد الأمران، فالرسل أتوا بالآيات البينات التي تؤيدهم، وتدل على صدقهم، وأتوا أيضًا بالبينات، بالشرائع البينة الظاهرة التي يعلم أنها من عند الله عز وجل، فالباء إذن في قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ تكون للمصاحبة، يعني أرسلوا رسالة مصحوبة بالبينات، أو للاختصاص على القول بأن المراد بالبينات الشرائع، وهذا من حكمة الله عز وجل ورحمته؛ أن الله ما أرسل رسولًا إلا أيده بآية من حكمته ورحمته؛ لأنه لو جاء الرسول بدون آية إلى الناس وقال: أنا رسول الله بدون آية يقبلون ولَّا لا؟ من طبيعة البشر ألا يقبل حتى يعرف، كما أنه لو جاء واحد من الناس وقال: ترى أنا عالم عندي علم بالشرع فاستفتوني، أي شيء تستفتوني أفتيكم، يطيعونه ولَّا لا؟ أبدًا ما يطيعونه حتى يمتحنوه ويسألوه، فكيف عاد بالذي يدعي أنه يوحى إليه؟ ما يقبل، إلا إذا جاء بآية، فهذا من حكمة الله، من رحمته أيضًا؛ لئلا يعاقب أحدًا بذنب بدون حجة؛ لأنه لو أرسل الرسل بدون آيات وكذبهم الأمم لكانوا معذورين بالتكذيب؛ لعدم وجود الآية، وقد لا يعذرون لأنهم يجب عليهم أن يستسلموا، لكن من رحمته أنه قال: جعلنا معهم آيات بينات ليطمئن الناس إليهم ويؤمنوا بهم عن اقتناع. وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ [الروم ٤٧]، ﴿مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا﴾ ربما يستفاد من كلمة (من قبلك) أنه لا رسول بعده، كما سنذكره إن شاء الله تعالى في الفوائد، ونناقش هذه الفائدة ﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾، ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾ الانتقام هو الأخذ بالعقوبة، وهذا من فعل الله، وليس من أسمائه، ولهذا الحديث الذي فيه سياق الأسماء الحسنى[[أخرجه الترمذي (٣٥٠٧) من حديث أبي هريرة.]] وهي مدرجة ما صحت عن النبي ﷺ، فيها أن من أسمائه المنتقم، وليس من أسمائه، بل هو من أوصافه وأفعاله، ولهذا ما جاء مطلقًا، قال: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة ٢٢] فهو فعل، وقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ ما هو الإجرام؟ الإجرام فعل الجرم، والجرم كل ما يكون سببًا في الإثم فهو الجرم، والمراد بالإجرام هنا الكفر، وفهم من الآية الكريمة ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ أن من لم يجرم لم ينتقم منه، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧]، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ﴾ نصر ويش إعرابها؟ اسم (كان)، أين خبرها؟ حقًّا، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا أحسن ما يكون في إعراب الآية، وأوجه ما يكون، وأسهل ما يكون، وإلا ففيه أوجه أخرى. قوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾ الحق بمعنى الشيء الثابت اللازم ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المؤمنين بما يجب الإيمان به؛ من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، فأوجب الله عز وجل على نفسه أن ينصر المؤمنين، أوجب، كان حقا علينا، التزام وضمان من الله عز وجل، ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بماذا نصر المؤمنين؟ نصر المؤمنين أي منعهم من أعدائهم، وذلك بأن يجعل لهم من النصر الحسي والمعنوي ما تكون العاقبة لهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١. فإن قال قائل: هذا الحق الذي التزم الله به قد يشكل علينا أن الله تعالى يخذل المؤمنين أحيانًا، كما في أحد مثلًا؛ فإن النصر في أحد لمن؟ لقريش وأتباعهم، فما هو الجواب عن هذه الآية؟ نقول: إن الجواب أن نصر قريش على الرسول ﷺ ليس نصرًا دائمًا كانت العاقبة فيه لهم، بل إن هذا في الحقيقة من نصر المؤمنين عليهم، وإذا شئت أن يتبين لك ذلك فاقرأ ما (...) الله به هذه الغزوة في سورة آل عمران من جملة ما ذكر من الحكم ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤١] يمحق الكافرين إذن فهو نصر لجلبهم؛ لأنهم لو هزموا في كل مقام ما قاموا ولا حاربوا، لكن إذا صار لهم شيء من النصر فإن ذلك يغريهم بالقتال حتى تكون العاقبة للمؤمنين ويبيدهم الله عز وجل. ومنها أيضا نصر المؤمنين على أنفسهم؛ لأنهم ما أتاهم ما أتاهم في أُحد إلا بسبب مخالفتهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ١٥٢]، فهنا يعرفون قدر المعصية وأنه يفوت بها من المحبوب ما (...). فالحاصل أن هذه الآية على بابها أن الله تعالى ينصر المؤمنين حقًّا عليه أوجبه هو بنفسه على نفسه؛ كما في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام ٥٤]. قال: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم ٤٤]. * من فوائد هذه الآية: الجمع بين الترغيب والترهيب الترهيب في قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ والترغيب في قوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن شؤم الكافر لا يتعداه إلى غيره؛ لقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ وتقديم الخبر يدل على الحصر. * ومن فوائد الآية: أنه لا يتم الثواب إلا بالعمل الصالح المبني على أمرين؛ وهما الإخلاص لله تعالى، والمتابعة لرسوله ﷺ؛ لقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾. * ومن فوائدها: أن الحزم والكياسة في العمل الصالح؛ لقوله: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾؛ لأنهم إذا فعلوا ذلك استراحوا في المستقبل؛ إذ إنهم وطؤوا لأنفسهم منزلًا هو خير المنازل. وقد ذكرنا ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: جمع بينها وبين قوله ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]، وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣]، وقوله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل ٢٥] ويش ذكرنا الجمع؟ * طالب: أن هذه الأعمال السيئة هي من أعمالهم أنفسهم. * الشيخ: نعم لأنهم هم السبب. * طالب: في إضلال هؤلاء. * الشيخ: نعم، ثم قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [الروم ٤٥]. * يستفاد من هذه الآية: إثبات العلل في أفعال الله؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقد انقسم الناس في هذا إلى ثلاثة أقسام: قسم أنكروا العلل في أفعال الله وفي شرعه وقالوا: إنه سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم بما شاء بدون أي علة أو حكمة، مثل؟ كالجبرية. وقسم آخر أثبتوا العلل في أفعال الله وقالوا: إن الله تعالى لا يفعل إلا لحكمة، ولا يشرع إلا لحكمة، لكنهم جعلوا تلك العلل موجبة وقالوا: يجب عليه أن يفعل كذا لكذا، وهؤلاء المعتزلة. وقسم ثالث توسطوا وقالوا: أفعال الله تعالى لحكمة، وشرائعه لحكمة، لكن ليست هذه الحكمة موجبة، بل الذي أوجب على نفسه الحكمة هو الله، والحكمة من مقتضى اسمه الحكيم، فتكون واجبة ليست بإيجاب أحد ولكنها بمقتضى كونه حكيمًا، هو الذي أوجبها على نفسه، وهذا القول هو الصحيح، وإذا قلنا به فإننا لا يمكن أن نعترض على أي حكم من أحكام الله كونيًّا كان أم قدريًّا؛ لأننا نعلم أن الذي أوجب أن تقترن أفعاله وشرائعه بالحكم من هو؟ الله، لا نحن، فلا نقول: إن الله يجب عليه فعل الأصلح، ولا فعل الصلاح إيجابًا مستقلًّا عن إرادته، وهذا القول هو الحق. إذن نأخذ منه أن جميع أفعال الله وأحكام الله كلها معللة بالحكمة بمقتضى اسمه الحكيم. * من فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء ليس واجبًا على الله؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم ٤٥]، لكنه أوجبه على نفسه، في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ٥٤] أوجبه هو سبحانه وتعالى على نفسه، ولهذا قال الشاعر: مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ كَلَّا وَلَا عَمَلٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ؎إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الْكَرِيمُ الْوَاسِعُ وابن القيم رحمه الله نظم معنى هذين البيتين لكنه علل فقال: مَا لِلعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِ؎إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُــوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَالْفَضْلُلِلْمَنَّــــــــــــــــــــــــــــــــانِ فقيد المطلَق في البيتين السابقين أنه هو الذي أوجب ذلك تفضلًا منه سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله، من أين تؤخذ؟ ﴿لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ بس هذا نفي، كيف نأخذ منه الإثبات؟ لأنه إذا انتفى محبته عن الكافرين لزم محبته للمؤمنين، فإن لم يكن؛ لم يكن فرق بين المؤمنين وبين الكافرين، لو كانت المحبة منتفية في هؤلاء وهؤلاء ما كان بينهم فرق، أليس كذلك؟ ولهذا استدل أهل العلم على إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥] قالوا: فلما حجب هؤلاء في حال السخط دل على أنه لا يحجب الآخرون في مقام الرضا. إذن نأخذ من هذه الآية إثبات المحبة، وهي كما سبق الكلام عليه صفة ثابتة لله على وجه الحقيقة، وليست بمعنى الثواب ولا إرادة الثواب، وإنما ذلك من لازمها ومقتضاها، إذا أحب قومًا أثابهم، ولا يثيبهم إلا بإرادة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الإيمان والعمل الصالح، الله ما قال: آمنوا واعملوا، لكن ذكر الجزاء يستلزم الحث على الفعل، وهذا أحد الطرق التي يستدل بها على أن الشيء مأمور به، لا تظن أن الشيء المأمور به هو ما جاء بالصيغة افعل، بل الأمر يستفاد من عدة أمور، فإذا ورد الترغيب في شيء فهو مأمور به. إذن يستفاد من هذا الحث على الإيمان والعمل الصالح. * ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: ذم الكفر، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾، فإذا نفى الله المحبة عن هؤلاء فإنه يقتضي ذم عملهم. * ومنها أن الحكم إذا علق بمشتق، وهذه فائدة أصولية، إذا علق الحكم بمشتق فهو دليل على أن ذلك المشتق هو علة الحكم، مثلًا لا يحب الكافرين لماذا؟ لكفرهم، فالحكم هنا علق على وصف، فيقال: لا يحبهم لكفرهم، إذن فالكفر علة انتفاء المحبة؛ كما لو قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف ٤]، ما هي العلة في المحبة؟ القتال في سبيله صفًّا، وهكذا جميع حُكْم يُعلَّق بمشتق فإنه يدل على عِلية ذلك الشيء. * يستفاد أيضًا من الآية فائدة: وهي اعتبار اللازم، بمعنى أنه إذا لزم من الشيء كذا وكذا فإنه يثبت هذا اللازم تبعًا لثبوت الملزوم، فمثلًا لاحظوا في المؤمنين ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ما قال: إنه يحب ولا يحب الكافرين، قال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ المقابل ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ويش يلزم منه؟ ألا يجزيهم من فضله، وإنما يعاملهم بماذا؟ بعدله، فعقاب الكافرين مأخوذ من لازم انتفاء المحبة، ودلالة التلازم هذه مفيدة جدًّا لطالب العلم دلالة التلازم؛ أنه يلزم من كذا وكذا كذا وكذا، لكن لا بد من شرطين: الشرط الأول: أن يكون اللازم صحيحًا، فإن كان اللازم فاسدًا فإنه ليس بلازم، حتى لو ادعى الإنسان أنه لازم فليس بلازم. الشرط الثاني: أن يكون ذلك في كلام الله وكلام رسوله ﷺ. أما الشرط الأول أن يكون التلازم صحيحًا فإننا نحترز به عما إذا كان التلازم غير صحيح، مثلًا أهل التعطيل الذين أنكروا الصفات أو بعضها ما شبهتهم في الإنكار؟ قالوا: إنه يلزم التمثيل فهل هذا اللازم صحيح؟ ليس بصحيح، ولذلك ما نقول إنه يلزم من إثبات الصفات التمثيل؛ لأنه ليس بلازم. في كلام الله وكلام رسوله إذا كان اللازم صحيحًا فهو حق، ويكون النص دالًّا عليه، لكن في كلام غيره لا يكون اللازم قولًا لصاحب القول الملزوم، ولهذا العلماء عندهم ترجمة في هذه المسألة: هل لازم القول قول أو ليس بقول؟ منهم من قال: إن لازم القول ليس بقول، ومنهم من قال: إن لازم القول قول، والصحيح أن لازم القول في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ قول، لكن بشرط أن يكون اللازم صحيحًا، لماذا يكون قولًا؟ لأن الله عز وجل يعلم ما يترتب على كلامه من اللوازم، وإذا لم ينفها الله دل ذلك على ثبوتها، لكن الإنسان البشر هل يعلم ما يلزم على قوله؟ أحيانًا يقول الإنسان قولًا يظنه صوابًا، ويكون هذا القول يلزم منه أمور فاسدة، يلزم منه لزومًا صحيحًا حقيقيًّا أمور فاسدة، لو نُبه القائل لها ماذا يصنع؟ لرجع عن قوله، فلذلك نقول: إن لازم القول في غير كتاب الله وسنة رسوله ليس بقول صحيح أنه يستدل به على بطلان القول، لكن ما يقال: إنه قول فلان. فالحاصل أن هذه المسألة ينبغي التنبه لها، وإنما نقول بذلك لأن الإنسان بشر لا يحيط بما يستلزمه كلامه من اللوازم الصحيحة أو اللوازم الباطلة، الآن نشوف كثيرًا ما يأمر الإنسان بشيء أو ينهى عن شيء في أولاده، ثم إذا فعلوه علم أنه يستلزم مفسدة، فيرجع عنه، هذا اللازم هل كان عالمًا به من قبل؟ لو كان عالما ما أمرهم، وكثيرًا ما ينهاهم عن شيء ثم إذا تركوه رأى في ذلك مفسدة، استلزم مفسدة ما كان يعلم بها حين النهي، فتجده يرجع. * طالب: (...). * الشيخ: لا، لازم القول في كتاب الله وسنة رسوله قول، لكن بشرط أن يكون التلازم صحيحًا، أما في غيره فليس كذلك، ليس بقول. ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم ٤٦]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هناك علامات ودلالات على وجود الخالق، وعلى علمه وقدرته وحكمته. هذه الآيات التي تعرَّف الله بها لعباده هذه من نعمة الله عليهم أن الله تعالى يريهم آياته ليقوموا بشكره ويعترفوا بفضله. * من فوائد هذه الآية التي نحن فيها زيادة على الآيات الثلاث التي ذكرنا من آياته: ثبوت الرحمة؛ لقوله: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾، هذه الرياح لو اجتمع الخلق كلهم على أن ينفخوا بجميع وسائل النفخ هل يستطيعون أن يغطوا بهذا النفخ بلدًا واحدًا؟ ما يستطيعون، والرب جلت قدرته يغمر ما شاء أن يغمر بهذه الريح التي قد تقلع الأشجار، وتهدم الديار، أليس هذا دليلًا على قدرة الله العظيمة؟ نعم، وكونها مبشرات فيه إثبات الرحمة. * ومن فوائد الآية الكريمة: نعمة الله سبحانه وتعالى على العباد بالفلك التي تجري بأمره، لولا أن الله سبحانه وتعالى يسر من الأسباب ما يكون به ذلك ما عرف الناس كيف يتعدون من بر إلى بر بواسطة البحر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ظهور الآيات للإنسان سبب لشكر نعمة الله عليه، من أين نأخذها؟ من قوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. * ومن فوائدها: إثبات العلل والحكم في أفعال الله لقوله: (ولعل)؛ لأنها للتعليل. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الروم ٤٧] إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: تسلية الرسول ﷺ وتحذير المخالفين له؛ تسليته بمن سبقه من الرسل؛ فقد كذبوا وأوذوا، فإذا علم أن أحدًا شاركه في ذلك هان عليه الأمر؛ لأن كل إنسان يتسلى بما أصاب غيره بمثله، أو بما أصيب به غيره بمثله، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩]. .. شأن مَن قَبْله من الرسل. * ومن فوائدها: تحذيرُ المخالفين له؛ لقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ [الروم ٤٧]. * ومن فوائد الآية أيضًا: رحمةُ الله عبادَه بإرسال الرُّسُل؛ إذْ لولا هذه الرسالة ما عرف الناسُ كيف يعبدون الله عز وجل، بل ولا عرفوا ما عرفوا مِن تفاصيل أسمائه وصفاته كما سبق في درس التوحيد، فالرُّسُل رحمةٌ عظيمةٌ للخَلْق كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الانتقام من المكذِّبين كان بسبب فِعْلهم؛ لقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾؛ أي: لإجرامهم، فهُم السبب. * ومن فوائدها: أنَّ الرِّسالات السابقة خاصَّةٌ. * طالب: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾. * الشيخ: لقوله: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾، ويُبَيِّنه الحديثُ الثابتُ في الصحيحين: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣)، من حديث جابر بن عبد الله.]]. * ومن فوائد الآية: أنَّ الله تعالى ما أرسلَ الرُّسُل إلا ببيِّناتٍ تشهد بصِدْقهم وبشرائعَ بيِّنةٍ لا تُوجب لَبْسًا على المتَّبِعين، من أين تؤخذ؟ ﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الروم ٤٧] أي: بالآيات البيِّنات الدالَّة على صِدْقهم، وبالشرائع البيِّنات الواضحة التي لا تقتضي لَبْسًا على المتَّبِع. قال أهلُ العلم: وآياتُ الأنبياء على حسب عَصْرهم؛ ففي عَهْد موسى انتشرَ السِّحْرُ وكَثُر، فأعطاه الله تعالى من الآيات ما تُبْطل السِّحْر، وليستْ بسِحْر، أعطاه الله تعالى اليدَ، وأعطاه العصا. قالوا: وفي عَهْد عيسى تقدَّم الطبُّ، فأعطاه الله من الآيات ما لا يمكن للطبِّ أنْ يقوم به، وهو إبراءُ الأَكْمهِ والأبرصِ، وإحياءُ الموتى وإخراجُهم من قبورهم، هذا ما يمكن يقوم به الطبُّ أبدًا، الميِّت لا يمكن يحيا بالطبِّ. وقالوا أيضًا: إنَّ الأبرص لا يمكن شفاؤه بالطبِّ. الأَكْمه مَن هو؟ قالوا: إنَّه الذي خُلِقَ بلا عينٍ، هذا يُمْكن فيما سبق من العصور ما يُمْكن أنْ يُوضع له عين، لكن الآن إذا وُجِد مكانُ العين يُمْكن يُوضَع له عين بالطبِّ، لكنْ إذا لم يوجَد، مثلًا خَلَقَه اللَّهُ عز وجل بدون أنْ يخلق له مكانًا للعين، ما يُمْكن أن يُوضع له عين. في عَهْد الرسول ﷺ قالوا: إنَّ البلاغة بلغتْ أَعْلى ذروتها، فكان مِن أَعْظم آيات الرسول عليه الصلاة والسلام هذا القرآن الذي أَعْجَزَ البُلَغاء والفُصَحاء، بل تحدَّى اللَّهُ به كلَّ الجنِّ والإنسِ؛ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ لا انفرادًا ولا تعاوُنًا، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]. * طالب: شيخ، اللي يقولون بالإعجاز العلمي للقرآن يستخدمون هذا المعنى (...). * الشيخ: (...)؟ * طالب: أن الإعجاز من جنس ما تفوَّق فيه كلُّ قوم، فيقولون: الآن زالت الآن البلاغة عند الناس، ما يعرفون (...) أوجُه البلاغة (...)، ولكن الآن طغى العلم (...) إشارات علمية ليصدق (...). * الشيخ: إي نعم، يمكن، هذا ليس يبعد، أقول: ليس ببعيد، إي نعم، يمكن يكون صحيحًا أن القرآن في كلِّ عصرٍ يكون معجزةً بما تناسب العصر؛ لأنه نَزَلَ لجميع الخلْق إلى يوم القيامة، فلا يبعد هذا، القرآن بكل (...)، لكنْ في ذلك الوقت أشدُّ ما فيه البلاغة. * وفيه أيضًا: إثباتُ فِعْل الانتقام لله عز جل؛ ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾. * وفيه أيضًا: إثباتُ العظمة؛ لقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾ و﴿أَرْسَلْنَا﴾، فإن هذا للتعظيم وليس للتعدُّد بإجماع المسلمين أنَّه للتعظيم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الله أوجبَ على نفسه نَصْرَ المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧]. * ومنها: أنَّ هذا النصر لا بدَّ أنْ يكون؛ لأنه أتى بصيغة التعظيم: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾، ولم يَقُل: عَلَيَّ، بل قال: ﴿عَلَيْنَا﴾ إشارةً إلى أنَّ هذا الحقَّ لا بدَّ أن يكون؛ لأن الله تعالى أعظمُ مِن كلِّ شيء. * وفيه أيضًا: دليلٌ على أنَّ غير المؤمنين لا يُنصَرون؛ لقوله: ﴿حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فإذا أَوْرَدَ إنسانٌ علينا ما حَصَلَ من الانتصارات الخاطفة للكفار، فما هو الجواب؟ * طالب: استدراجٌ من الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: أنَّ هذا استدراجٌ من الله عز وجل حتى يتمَّ النصرُ للمؤمنين في النهاية. * طالب: قد يكون تأديبًا للمؤمنين. * الشيخ: إي نعم وقد يكون من مصلحة المؤمنين لأن (...) نصر لأنفسهم على أنفسهم، ثم إنَّه لا يدومُ هذا النصرُ أبدًا، العاقبة لا بدَّ أن تكون للمؤمنين. وقال بعض أهل العلم: إنَّ النصر نوعان: نَصْرٌ بالحجَّة والبُرهان، ونَصْرٌ بالسيف والسِّنان. فأمَّا النصر بالحجَّة والبُرهان فهو مضمونٌ وثابتٌ ولا فيه استثناء، أو لا؟ لأنَّ الحجَّة والبُرهان مع المؤمنين على كلِّ حال، حتى لو هُزِموا عسكريًّا فإنَّ الحجَّة والبُرهان معهم، غالبون بِحُجَّتهم وبُرهانهم، وهذا لا استثناء فيه. والثاني بالنَّصْر العسكري؛ يعني بالسيف والسِّنان، وإحنا نقول الآن: بالطائرة والقنابل وما أشبهها، هذا قد يحصُل نصرٌ لغير المؤمنين امتحانًا للمؤمنين واستدراجًا للكافرين. ثم قال عز وجل.. * طالب: شيخ، ذكرتَ أمس هل يؤخذ منها أن الرسول خاتم الأنبياء؟ * الشيخ: إي نعم، ما تقولون؟ هل يؤخذ منها أن الرسول ﷺ خاتم الأنبياء، ﴿مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا﴾؟ * طلبة: ما يَلْزم. * الشيخ: يعني ما يَلْزم ألَّا يكون بعده أحد؟ * طالب: إي نعم، من هذه الآية. * الشيخ: إي، معلوم، من هذه الآية. * طالب: (...) ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾. * الشيخ: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾، إي، هذه تدلُّ على أنَّ رسالتهم خاصَّة، لكن هل تدلُّ على أنه انتهى؟ * طالب: (...) كافَّة إلى الناس (...). * طالب آخر: القاديان يستدلُّون بهذه الآية (...) آية النحل: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل ٢]. * الشيخ: على أيش؟ (...) القاديانية؟ * طالب: الرسالة جارية، ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ (...) صيغة الاستقبال .. * الشيخ: هذا كفر. * الطالب: تدل على (...) عندهم، عند القاديانية. * الشيخ: الكلام على أن هذه الآية هل تدلُّ على خَتْم الرسالة بالرسول ﷺ لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ أو لا تدلُّ، الوجْه الذي ذَكَره يقول: قد تدلُّ من حيث إن الرسول مُرْسَل إلى الناس عامَّةً، والعموم هذا يشمل العموم في الوقت والمكان والأُمَم، وهذا يستلزم ألَّا يوجد رسولٌ بَعْده، لو وُجِدَ رسولٌ بَعْدُ انتفى العموم إلى الناس كافَّة، صار معناه أن الرسول اللي بَعْدَه يكون رسولًا إلى هؤلاء الناس دون محمد عليه الصلاة والسلام. * طالب: بس يا شيخ هذا ما فيه دليل على أنه أُرْسِل إلى الناس كافَّة (...). * الشيخ: لا، فيه (...)؛ لأنَّه إذا لم يكن آخِرهم فالذي يأتي مِن بَعْدِهِ صارَ أُرْسِل إلى بعض الناس وهم الذين تأخَّروا، طيب، على كلِّ حالٍ أخْذُها فيه شيءٌ من الغموض، والأمرُ في هذا واضحٌ، والغريبُ أنَّ بعض الناس -على سبيل الاستطراد- أنْكَرَ نزول عيسى بن مريم ﷺ وقال: إنَّنا لو قُلنا بنزوله لَكان ذلك تكذيبًا للقرآن؛ ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠]، ماذا تقولون؟ * طالب: لكن في آية قال: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف ٦١] هذا يدلُّ على نزوله، والشيء الثاني يا شيخ يُنكرون مَجِيء المهدي. * الشيخ: (...) لا تُدخل مسألة في مسألة، أقول: هل استدلالهم بالآية الكريمة صحيح ولَّا لا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: غير صحيح؛ لأن عيسى ما ينزل مُشَرِّعًا، وإنما ينزل تابعًا للرسول ﷺ ولا يُنْشِئ ولا شيئًا من الشريعة، حتى كَسْر الصليب وقَتْل الخنزير، هذا أَخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام فأَقَرَّه؛ يعني يُقال: إنه يأتي ويحكم بذلك، ولا يَقْبل إلا الإسلام، ما فيه جِزية بعد نزول عيسى، ما فيه أخْذ جِزية ولا عَهْد، ما فيه إلا الإسلام[[أخرج البخاري (٢٤٧٦)، ومسلم (١٥٥ / ٢٤٢) واللفظ له، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ».]]، فيقال: إن هذا ليس شرعًا جديدًا ناسخًا لشَرْعِ الرسول عليه الصلاة والسلام، بلْ هو شَرْعٌ مقرَّر من الرسول ﷺ، أليس كذلك؟ الرسولُ أخبر بأنَّه سيفعلُ هذا مقرِّرًا له، فهو لم يَنْزل على أنَّه رسولٌ بشرعٍ جديدٍ، بل على أنَّه تابعٌ للرسول عليه الصلاة والسلام، ولعلَّ هذا -والله أعلم- ليتحقَّق ما أخبرَ اللَّهُ به بالفعل؛ ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران ٨١]، هذا خَبَرٌ من الله عز وجل، لكنْ هل نحن عَلِمْنا هذا بأنَّ نبيًّا من الأنبياء تابعَ الرسولَ فِعْلًا؟ لا، لكن نزول عيسى ومتابعته لرسالة الرسول عليه الصلاة والسلام تكون هذه حقَّ اليقين؛ لأن الآية -آية آل عمران- فيها علم اليقين، فإذا وُجِدَ ذلك بالفِعْل صار أيش؟ صار حقَّ اليقين، فهذا من الحكمة في نزوله ﷺ في آخِر الزمان. وأيضًا عندنا أحاديثُ واضحةٌ صحيحةٌ صريحةٌ مُتَلَقَّاةٌ بالقَبول عند أهل العلم، فكيف يُنكِر ذلك؟! ولكن -والعياذ بالله- بعض الناس يأتي بقاعدةٍ من أَفْسَدِ القواعدِ وأَبْطَلِ القواعدِ، وهي أنَّ العقيدة لا تَثْبُت بأخبار الآحاد ولو كان الخبرُ صحيحًا، وهذا في الحقيقة مزلةٌ مِمَّن قاله؛ لأننا نقول له: أنت تُثبت مِن الأحكام العملية تُثبت الحكم العملي بدليلٍ لا يصل إلى درجة الصحة، تُثبته بدليل يصل إلى درجة الْحُسْن، وربما يكون إلى درجة الْحُسْن عندك أنت وعند غيرك لا يصل إلى درجة الْحُسْن، وإثبات الحكم العملي مستلزم للعقيدة؛ لأنَّ تنفيذه مقتضى الإيمان، ولأنَّ الإنسان لا يعمل بهذا إلا بعد أن يعتقد أنه من شريعة الله، وإلا لَمَا عَمِل به، فهناك عقيدة سابقة أنَّ هذا من حُكم الله ومن شريعة الله، وأنَّه مقرِّبٌ إلى الله، وأنَّه عبادةٌ لله، ثم العمل به. ثم ما هذا؟! إذا أخذْنا بذلك لَزِم أن نُنكر أشياء كثيرة مِمَّا يتعلَّق بالأمور العِلمية؛ لأن الشرع -كما تعلمون- إمَّا أُمُور عِلمية أو أُمُور عملية، والصواب بلا شك أنَّه لا فرق بينهما، وأنَّ ما صحَّ عن رسول الله ﷺ فإنَّه يجب الإيمان به عقيدةً وعملًا، وإذا شئتَ مَزِيدَ إيضاحٍ فاقرأ ما كتبه ابن القيِّم رحمه الله في آخِر الصواعق المرسلة، فإنَّه تكلَّم على هذه المسألة كلامًا شافيًا. * طالب: هو متواتر ياشيخ. * الشيخ: واللهِ ما أدري هل يصل إلى حدِّ التواتر ولَّا لا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إنْ يتواتر إذن يكون يفيد العلم اليقيني ولا أحد (...). * طالب: بالنسبة إلى نزول عيسى بن مريم (...)، هل أنَّه سبحانه وتعالى يُلْهمه الصواب في (...). * الشيخ: الظاهر -والله أعلم- لأن القرآن والسُّنة محفوظات إلى ذلك الوقت، والعجيب أن بعضهم ذَكَر من شُبَه إنكار نزوله قال: إن لُغة عيسى سريانية، ولغة الرسول ﷺ عربية، كيف ينزل ويحكم بالشريعة وهو سرياني؟! هذه شُبَهة هذه؟ * طالب: لا. * الشيخ: ويش الجواب؟ نقول: نعم الجواب بالتسليم (...)؛ أولًا: فيه الآن ناس يتكلمون باللغة العربية وهم مسلمون ملتزمون بأحكام الإسلام، قائمون به على أَتَمِّ وجْه، ولُغتهم غير عربية. والثاني: أنَّ الله على كلِّ شيءٍ قدير، يمكن يكون لسانه عربيًا، إذا كان بالممارسة والمخالطة ينقلب لسانُ الإنسان مِن سرياني إلى عربي، فكيف عاد بقدرة الله! لكن سبحان الله العظيم، الإنسان إذا اشتهى شيئًا أتى بشبه ما تنطلي على أحد (...). * * * قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧] أخذنا فوائدها؟ ويش هي؟ * طالب: (...) تحذير المخالفين له (...). أنَّ الرسالات السابقة خاصَّة (...). أنَّ الله أوجبَ على نفسه نَصْرَ المؤمنين، وهو لا بدَّ أن يكون، وغير المؤمنين لا يُنصرون. (...) أحيانًا وهو (...). * الشيخ: فيها فائدة أيضًا. * من فوائد الآية أيضًا: أنَّ على الله حقًّا أوجبه على نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾، فإذا قُلنا: هل يجب على الله شيءٌ؟ نقول: أمَّا بعقولنا فلا يجب على الله شيءٌ، وأمَّا أنْ يُوجِب هو على نفسه شيئًا فهذا أمرٌ واقِع. * ومن فوائدها أيضًا: فضيلةُ الإيمان وأنَّه سببٌ للنصر؛ ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

الروم 30:47

قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [الروم ٤٤] يقول المؤلف: (وبال كفره وهو النار)، هذا كالتفصيل لقوله تعالى: ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾؛ لأن يصدعون يتفرقون بحسب أعمالهم، فقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ هذه نشوف الإعراب: ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ (من) شرطية، وفعل الشرط (كفر)، وجوابه جملة (فعليه كفره)، وقوله: ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ جملة خبرية مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ قوله: ﴿كُفْرُهُ﴾، والخبر قوله: ﴿فَعَلَيْهِ﴾ مقدم، وفائدة التقديم الحصر. ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم ٤٤] مثلها شرطية، وجواب الشرط قوله: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾، وقدم المعمول وهو (لأنفسهم يمهدون) للحصر، وهي فائدة معنوية، ولمراعاة الفواصل، وهي فائدة لفظية؛ لأنه لو قال: فيمهدون لأنفسهم استقام الكلام، لكنه قدم لهاتين الفائدتين. يقول الله عز وجل: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ نعم يعني أي إنسان يكفر فإن وبال كفره عليه لا يضر إلا نفسه، ويكون على غيره ولَّا لا؟ لا يكون على غيره إلا أن يكون ذلك الغير سببًا فيه، فإن كان سببًا فيه صار عليه مثل وزره، قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣]، وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]. فإذا قيل: هل هذا يناقض الآية ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [الروم ٤٤]؟ فالجواب: لا يناقضها؛ لأنه إذا كان هو السبب فإن ذلك من عمله، لكن صورة المسألة مختلفة أنه عمل غيره وعمل نفسه، إنما حقيقة الأمر أن الدال على الكفر فاعل لما يؤزر عليه. قال: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم ٤٤] (يوطئون منازلهم في الجنة) من عمل صالحًا، الكفر في اللغة العربية الكفر: هو الستر، ومنه الكُفُرَّى الذي هو غلاف طلع النخل، ويسمى بلغتنا العامية الكافور، غلاف طلع النخل، هذا يستر الطلع، فالكفر في الأصل هو هذا، والمراد به الخروج عن طاعة الله؛ لأن الخارج عن طاعة الله قد ستر ما أنعم الله به عليه من العقل والعلم وما أشبه ذلك. وقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ العمل الصالح قال أهل العلم: هو ما جمع شرطين أساسيين: أحدهما: الإخلاص، والثاني: المتابعة للرسول ﷺ، ويش ضد الإخلاص؟ ضده الشرك، والمتابعة ضدها الابتداع، فمثلًا إذا وجدنا رجلًا يصلي الصلاة المعتادة لكنه يرائي الناس بها فعمله ليس بصالح، ويش الذي فقد منه؟ الإخلاص، وإذا وجدنا رجلًا قد أحدث نوعًا من العبادات لم يرد به الشرع، لكنه مخلص، يريد بذلك وجه الله، وتجده خاشعًا يبكي ويتأثر بهذه العبادة، لكنها على غير شريعة الله، فهذا عبادته باطلة؛ لفقد المتابعة للرسول ﷺ، ومن ذلك ما إذا أخرج العبادات المشروعة عما شرعت عليه، هي عبادة مشروعة في الأصل لكن أخرجها عما كانت عليه، فإنه لا يُقبل عمله، كما لو صلى الصلاة بعد خروج وقتها متعمدًا بدون عذر فهذا يقبل منه؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لماذا؟ لأنه ما فيه متابعة، هو مخلص، لكنه غير متابع، وكذلك لو صلى صلاة بغير طمأنينة، لو صلى صلاة ما يطمئن فيها، إذا قال: سمع الله لمن حمده على طول سجد، إذا قام من السجود على طول سجد الثانية، فصلاته باطلة، لو صلى إلى يوم الدين ما قبل الله منه، لماذا؟ لعدم المتابعة، ولهذا لما صلى رجل صلاة لا يطمئن فيها قال له النبي ﷺ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧ / ٤٥ ) من حديث أبي هريرة.]]، فنفى عنه الفعل لانتفاء صحته، وإلَّا هو مصل الآن لكن ما هي صلاة. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، هو لو سألته: لماذا صليت؟ قال: ما صليت إلا لله، لكنه خالف أمر الله. * طالب: ما ينافي الإخلاص هذا؟ * الشيخ: لا، ما ينافي الإخلاص، الإخلاص في القلب؛ لأنه ما قام يصلي علشان الناس، ما همه الناس يقولون: صلى ولَّا ما صلى، صلى لله لكنه خالف أمر الله. * طالب: هل يلزم أن يفقه ما يقول المصلي؟ * الشيخ: لا، ما هو لازم، ليس بلازم، بس أفضل أن يفقه ما يقول إذا كان قلبه حاضرًا، يعني خاشعًا في صلاته حاضر القلب، فهو أفضل. * طالب: وخاشع القلب الآن يخشع لأشياء خارج الصلاة ولَّا. * الشيخ: ويش لون يعني. * طالب: أي مثلًا وهو يصلي يتفكر مثلًا في.. * الشيخ: لا، لا يخشع في أمور داخل الصلاة، يعني يستحضر ما يقول في صلاته، وما يفعل في صلاته، ما هو مثلًا يروح يتذكر جلسة كان فيها خاشعًا فيما سبق. * طالب: لا مثلًا يتذكر القبور مثلًا الجنة والنار. * الشيخ: إي ما يصح إلا إذا مرت به، مرت به مثلًا في أثناء قراءته. يقول: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ إذن العمل الصالح ما هو؟ هو الذي جمع بين شرطين: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول ﷺ. ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ المهد والتمهيد بمعنى التوطئة، ومنه قولهم: هذا طريق ممهَّد، يعني: موطأ محسن لأجل أن تطأه الأقدام، فمعنى ﴿يَمْهَدُونَ﴾ أي: يحسنون الشيء حتى يكون موطئًا لهم؛ وذلك لأن الذين يعملون صالحًا يتوصلون بعملهم الصالح إلى دخول الجنة، فيسهل لهم الطريق الذي يوصلهم إليها. وقوله: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ تقديم المعمول يفيد الحصر، فإذا قال قائل: هل هذا ينافي ما ثبت فيه الحديث من أن «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فِي الْإِسْلَامِ فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]، نقول: لا ينافيه؛ لأن الذين يعملون حسنة يسنون الحسنات، عملوا ولَّا لا؟ عملوا، فتوبعوا على ذلك، فالأجر الذي حصل لهم من أجل اتباع غيرهم لهم هو في الحقيقة من فعلهم، قال الله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم ٤٥]. قال: (متعلق بيصدعون) دائما نشوف العلماء إذا جاء ظرف أو جار ومجرور يقولون: متعلق بكذا، متعلق، ويش معنى متعلق؟ يعني أن هذا هو الذي عمل فيه؛ لأن الجار والمجرور والظرف بمنزلة المفعول به، والمفعول به لا بد له من عامل يعمل به، فإذا قال: متعلق بكذا يعني أن هذا هو الذي عمل فيه، ولا بد لكل جار أو ظرف لا بد له من متعلق: لَا بُدَّ لِلْجَـــــــــــــارِ مِنَ التَّعلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعناهُ نَحْوُ مُرْتَقِي فإذن معنى قوله: (متعلق بيصدعون) أن العامل في كلمة (ليجزي) قوله: ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾، وهذا رأي المؤلف. ويَحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿يَأْتِيَ﴾، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لأن التصدع في الحقيقة هو نفس الجزاء، فكيف يكون الشيء علة لنفسه، هذا ما يبعد كلام المؤلف، لكن إذا قيل: يأتي هذا اليوم لأجل المجازاة، صار المعنى مستقيمًا واضحًا، فإذا قلنا: إن هذه اللام (ليجزي) لأن اللام حرف جر، إذا قلنا: إنها متعلقة بـ(يأتي) فهو أوضح من قولنا: إنها متعلقة بـ(يصدعون)؛ لأن نفس التصدع والتفريغ الذي يؤوي إلى النار هو نفس الجزاء. وقال بعض العلماء، بعض المعربين: إنه خبر لمبتدأ محذوف، فهو متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: ذلك ليجزي، والمشار إليه ما سبق، وهذا أيضًا وجيه جدًّا أن يجعل متعلقًا بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف. قلنا: إن اللام في (ليجزي) حرف جر، والمعلوم أن حروف الجر لا تدخل إلا على الأسماء، وقد تبين لكم بأن من علامات الاسم الجر، دخول (...) عليه، الآجرومية، يقول: الاسم يُعرف بالخفض، والتنوين، ودخول الألف واللام، وحروف الخفض. فكيف صح أن نقول: إن اللام في قوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ حرف جر، مع أنها داخلة على فعل؟ نقول: لأن هذا الفعل بمنزلة الاسم؛ إذ إنه فعل مقدر فيه (أن)؛ لأن التقدير: لأن يجزي، و(أن) مصدرية تحول الفعل إلى مصدر، والمصدر اسم ولَّا غير اسم؟ المصدر اسم، فعليه يكون المعنى: لجزائه، لجزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات إلى آخره، عرفتم الآن؟ فإذا دخلت اللام -لام التعليل- على الفعل فإنه يقدر بينها وبين الفعل (أن) المصدرية: لأن يجزي، وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الفاعل -فاعل الجزاء- هو الله سبحانه وتعالى، وهو ضمير مستتر يعود عليه. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، على أنه منصوب بـ(أن) مضمرة بعد اللام: ليجزي، واللام جارة لما بعدها، باعتبار أن الفعل سيكون مصدرًا. * طالب: لكن هى نفسها حرف جر. * الشيخ: إي هي نفسها حرف جر. * طالب: هي نفسها لام التعليل التي تنصب الفعل المضارع. * الشيخ: هي نفسها لام التعليل التي ينصب الفعل المضارع بـ(أن) بعدها على رأي البصريين. * طالب: (...) لام التعليل. * الشيخ: لا، اللام هي واحدة، ولام التعليل كما تدخل على الفعل تدخل على الأسماء، فلو قلت: جئت لإكرامك فهي لام التعليل، وجئت لأكرمك هي لام التعليل. وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الجزاء بمعنى المكافأة، يعني ليكافئهم ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (يثيبهم) هذا تفسير للجزاء بمعنى الإثابة، والثواب هو المكافأة، وسُمي ثوابًا لأنه من ثاب يثوب إذا رجع؛ لأنه يرجع إلى الإنسان جزاء عمله، وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ انتبهوا لهذين الشرطين: إيمان وعمل صالح، فالإيمان وحده ما يكفي، والعمل الصالح وحده لا يكفي، هذا إذا قُرن الإيمان بالعمل، أما إذا قيل: عمل صالح يكفي، أو إيمان يدخل فيه العمل، الإيمان يكون بالقلب، فمن لا إيمان في قلبه لو عمل من الصالحات ما عمل لم ينفعه، المنافق يذكر الله ويصلي وينفق ولَّا لا؟ وربما يخرج في الجهاد، ينفعه عمله؟ لماذا؟ لأنه لا إيمان في قلبه. الإنسان اللي عنده إيمان بالله سبحانه وتعالى لكنه لم يعمل عملًا صالحًا، ما عمل عملًا صالحًا. * طالب: ممكن. * الشيخ: ممكن أيش؟ ممكن يجزى إلا في واحدة فقط، وهي الصلاة، فإنه إذا لم يعملها لا ينفعه إيمان؛ لأنه قد دلت الأدلة على أن هذا العمل وإن كان عملًا بدنيًّا ولكنه يكفر الإنسان بتركه كفرًا مخرِجًا عن الملة، أما غير الصلاة من الأعمال فقد قال عبد الله بن شقيق: «كان أصحاب النبي ﷺ لا يَرَوْنَ شيئًا من العمل تَرْكُه كُفرٌ إلا الصلاة »[[أخرجه الترمذي (٢٦٢٢) من حديث عبد الله بن شقيق.]] يعني لو لم يزكِّ فإنه لا يخرج من الإيمان، لو لم يصم فإنه لا يخرج من الإيمان، لو لم يحج فإنه لا يخرج من الإيمان، هذا هو الصحيح، وعن الإمام أحمد رواية أن جميع أركان الإسلام إذا تركها الإنسان متهاونًا فهو كافر، فإذا لم يزكِّ فهو كافر، إذا لم يصم فهو كافر، إذا لم يحج فهو كافر، يقول: لأن الركن عليه الاعتماد، ركن الشيء عليه اعتماد الشيء، فإذا لم يوجد الركن ما قام الشيء، وهذا لا شك أنه له وجه، لكن الأدلة تمنع من القول بهذا؛ فإن حديث أبي هريرة في الصحيح فيمن لا يؤدي زكاته ذكر النبي عليه الصلاة والسلام عقوبته ثم قال: «ثُمَّ يَرَى سَبِيلهُ إِمَّا إِلَى الْجنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ»[[أخرجه مسلم (٩٨٧ / ٢٦) من حديث أبي هريرة.]]. فقوله: «يَرَى سَبِيلهُ إِمَّا إِلَى الْجنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» » يدل على أنه لا يكفر بمنع الزكاة، ويش وجهه؟ لأنه لو كفر بذلك ما صار له سبيل إلى الجنة، فإذا لم يكفر بترك الزكاة فما دونها من باب أولى، ولا شك أن أركان الإسلام التي دون الزكاة أنها دونها، فالصيام دون الزكاة، والحج دون الزكاة. فإن قال قائل: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧] فإن ظاهره من كفر فلم يحج فإن الله غني عن العالمين؟ فالجواب أن يقال: المراد بالكفر هنا سوى الكفر الأكبر، يعني كفرًا دون كفر، ولهذا ما قال: ومن لم يحج فهو الكافر، أو وترك الحج هو الكفر كما قال في الصلاة، و(كفر) فعل، والفعل يدل على الإطلاق ولا يدل على العموم، فهذا الجواب عن هذه الآية، والذين قالوا: إنه يكفر بترك الحج احتجوا بهذه الآية. * طالب: يقول علي بن أبي طالب:« «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا»[[أخرجه الدارمي في السنن (١٨٢٦) من حديث أبي أمامة الباهلي.]]. * الشيخ: هذا عمر بن الخطاب، وهذا يقال من باب التهديد، أو أن هذا رأي له، وهذا أيضًا إن صح الحديث؛ لأن في الحديث مقالًا، لكن إن صح فهو يُحمَل على أن المراد أن هذا من باب التحذير، أو أنه رأي له كما رآه غيره من أهل العلم. * طالب: يا شيخ قوله: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مات ميتة جاهلية». * الشيخ: اللي أفهم من الحديث «مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ»[[أخرجه مسلم (١٩١٠ / ١٥٨) من حديث أبي هريرة. ]] مات ميتة جاهليةً ما يمنع أن الإنسان مات ميتة جاهلية؛ لأنه فعل فعلًا من أفعال الجاهلية، حيث لم يقم بواجب الجهاد. * طالب: طيب يا شيخ عيسى عليه السلام يقول يوم القيامة: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي﴾ [المائدة ١١٧] بعدين آخره قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٨] يعني كأنه يرد الغفران عيسى عليه الصلاة والسلام أنها شيئان، ذكر العذاب والغفران مثل الحديث الذي ذكرتم يعني. * الشيخ: ويش وجه الإشكال؟ * طالب: الإشكال إما يرى سبيله إلى النار أو الجنة؟ * الشيخ: لا؛ لأن هذا ما هو بهذا خبر؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام يقول: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة ١١٧] ثم بين ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ وقد استحقوا ذلك ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٨]. * طالب: وكيف المشركون يعني. * الشيخ: لا، يعني إن تغفر لهم بمعنى أني أنا ما أعلم هل هم أشركوا ولَّا فعلوا ذنوبًا أخرى يستحقون بها المغفرة. * طالب: (...) ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ للناس للعموم ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة ١١٦، ١١٧] هذا الأمر ﴿رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [المائدة ١١٧، ١١٨] هؤلاء الناس الذين هم عبادك يعبدونني وأمي أو يتخذوني إلهين من دون الله، بعدين قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المائدة ١١٨] (...). * الشيخ: (﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ [الروم ٤٦] تعالى) من للتبعيض وآياته مجرور بمن و ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ [الروم ٤٦] هذه فعل مؤول بالمصدر هو المبتدأ، أي: من آياته إرسال الرياح ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ حال من الرياح، يقول الله عز وجل في هذه الآية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ أي بعض آياته؛ لأن (من) هنا للتبعيض؛ وذلك لأن آيات الله عز وجل لا يمكن إحصاؤها ولا حصرها: وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الوَاحِدُ كل شيء، لو أراد الإنسان أن يحصي آيات الله عز وجل التي في جسمه هو فقط ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، فكيف بآيات الله تعالى التي ملأت الكون، ولهذا تأتي (من) الدالة على التبعيض، وقوله: ﴿آيَاتِهِ﴾ أي علاماته. واعلم أن كل آية فإنها تدل على العلم، وتدل على القدرة، وتدل على الحكمة، هذا لا بد منه، لا بد من ذلك في كل آية؛ أنها تكون آية –علامة- على هذه الأمور الثلاثة: العلم والقدرة والحكمة، ثم تختص بعض الآيات بما تختص به؛ إما أن تكون مثلًا اللي بعدها رحمة، أو بعدها شيء يدل على السلطان والعظمة، المهم أن لكل آية شيئًا خاصًّا وشيئًا عامًّا، فالشيء العام هو هذه الثلاثة: العلم والقدرة والحكمة ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم ٤٦]، يضاف إلى هذه الثلاث الرحمة؛ لأن هذه الرياح تبشر بالمطر، وقوله: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ والإرسال بمعنى الإطلاق، ومنه قول الشاعر: (فأَرْسَلَها العِراكَ). يعني أطلقها، ومنه قول الفرضيين: دين مرسل، يعني: مطلق ليس به رهن. ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ يعني يطلقها سبحانه وتعالى، والرياح جمع ريح، وهي الأهوية، واعلم أن الريح تُذكر مفردة وتُذكر مجموعة، فإذا ذُكرت مجموعة فإنها تكون غالبًا للرحمة، وإذا ذُكرت مفردة فإنها تكون غالبًا للعقاب ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ريح [الحاقة: ٦]، ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات ٤١] ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف ٢٤] وما أشبه ذلك، ولكنها -أعني الريح- قد تُفرَد وتكون في مقام النعمة، لا سيما إذا وصفت بما يدل على ذلك؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢] هنا الريح عقوبة ولَّا نعمة؟ نعمة، وإنما كانت نعمة لأنها وصف طيبة، وأيضًا بالنسبة للسفن هل الأولى اختلاف الرياح أو اتحاد الريح؟ اتحادها؛ لأنها إذا اختلفت اختلف سير السفينة، فيما سبق لما كانت السفن شراعية، هنا الرياح في مقام النعمة، ولهذا جمعت الرياح، ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ حال من الرياح، أى تبشر بالخير، ولهذا بعض الرياح إذا هبت استبشر الناس؛ لأن الله سبحانه وتعالى أجرى العادة أن هذه الريح المعينة يتكون منها السحاب ثم المطر، وأحيانًا يستبشرون بالريح إذا رأوها تجمع السحاب، تجمعه وتكثفه، استبشروا بها. وقوله: ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ البشارة هي الإخبار بما يَسُرُّ غالبًا، وسُميت بشارة لأنها تؤثر على البشرة، فالإنسان إذا استبشر ينير وجهه ويسفر، وتجد عليه علامة البشرى. وقد تطلق البشارة بما يسوء؛ كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١]، ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ قال: (بمعنى لتبشركم بالمطر) شوف المؤلف -رحمه الله- فسر اسم الفاعل بالفعل المعلل، وقال: (بمعنى لتبشركم) لأجل أن يسهل العطف في قوله: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾؛ لأن (مبشرات) و(ليذيقكم) يجد الإنسان بينهما فجوة، هذه الفجوة أراد المؤلف أن يقربها بقوله: بمعنى ليبشركم بها، ولكن الصحيح عندي أن (مبشرات) على حالها تعتبر اسمًا، ولكننا نقدِّر فعلًا يناسب ما بعده لأجل أن يصح عطف الفعل عليه، والذي أرى أن يُقدر: لتستبشروا بها مبشرات لتستبشروا بها وليذيقكم من رحمته، أو نجعل: لتبشركم كما قال المؤلف ما نجعلها بمعنى مبشرات، بل نجعلها فعلًا مستقلًّا قدرناه ليصح العطف في قوله: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. وقوله: (﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾ بها ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ المطر والخصب) تقدم لنا أن الله تعالى يعبر عن الإصابة بالإذاقة؛ لأنها أعلى أنواع الإصابة وأبلغها، ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾ بها ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ يقول: المطر والخصب، ففسر الرحمة بأثرها، وعلى هذا فتكون الرحمة في هذه الآية مخلوقة ولَّا صفة من صفات الله؟ تكون مخلوقة، وهذا الذي فسرها به محتمل؛ لأن الله تعالى قد يطلق الرحمة على الشيء المخلوق الذي يكون من آثار رحمته كما ثبت في الحديث الصحيح أن الله قال للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.]]، ومن المعلوم أنه سبحانه وتعالى لم يرد أنها رحمته التي هي صفته؛ لأن الجنة مخلوق بائن، ولكن أراد أنها من أثر رحمته، أو مقتضى رحمته، فهنا يصح أن نقول: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي من هذا المطر والخصب، وتكون الرحمة هنا مخلوقًا من المخلوقات، ويحتمل أن تكون الرحمة (...). وإن جعلناها الصفة فهي للابتداء، يعني ليذيقكم نعمة صادرة من هذه الرحمة (﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ السفن بها ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بإرادته ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ تَطْلُبُوا ﴿مِنْ فَضْله﴾ الرزق بالتجارة في البحر ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ) قوله: ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ يقول: (السفن بها) بها: الضمير يعود على الرياح، فالله تعالى يرسل الرياح لتسير بها المياه في أجواء السماء، وهو السحاب، ويرسل الرياح لتسير بها السفن في البحار، وكل من السحاب ومن السفن يحمل نعمًا كثيرة، السفن ماذا تحمل؟ تحمل الأرزاق والأناسي والحيوان وغيرها، والسحب تحمل الماء الذي هو مادة الحياة ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة ٦٨، ٦٩]. ففي الرياح إذن فائدتان: تسيير السحب في أجواء السماء، وتسيير السفن في أجواء البحار. وقوله: ﴿الْفُلْكُ﴾ واحد ولَّا جماعة؟ تصلح لهذا ولهذا، الفلك تصلح للجمع وللمفرد، أو لا؟ * طالب: في القرآن موجود. * الشيخ: في القرآن موجود، هات مثالًا لها للمفرد؟ * طالب: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ [النحل ١٤] هذه للجماعة أصلها يا شيخ، ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة ١٦٤] هذا مفرد. * طالب آخر: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [هود ٣٧]. * الشيخ: لا. * طالب آخر: في قصة نوح عليه السلام: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ﴾ [هود ٣٨]. * الشيخ: هذه الإجابة. * طالب آخر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ﴾ [لقمان ٣١]. * الشيخ: على كل حال المثال الذي ذكره أيضًا صحيح ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢] هذا جمع ولَّا مفرد؟ جمع ﴿فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ﴾ ما قال: في الفلك وجرى. * طالب: مفرد يا شيخ ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء ١١٩]. * الشيخ: نعم ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر ١٢] أيضًا جمع. على كل حال الفلك صالحة للمفرد وللجماعة. ذكر الفقهاء كلمة ذكرتها لكم سابقًا فقالوا: إن الأحدب ينوي الركوع بقلبه، الأحدب ما هو قائم حتى يركع، ينوي بقلبه، قال بعض الفقهاء: فهو شبيه للفلك في اللغة العربية، يعني انحناء هذا الأحدب شبيه بالفلك في اللغة العربية، ما يعرف إلا بالنية، فالفلك صالح للمفرد وللجماعة، ولا يعرف إلا بالنية أو القرينة، هذا المسكين اللي أحدب في حال الركوع ما الذي يعلمنا أنه راكع أو غير راكع؟ فركوعه وقيامه سواء، وهذه يمكن أن يستدل بها على ما ذكر عن الكسائي يقول: إن الإنسان إذا أتقن شيئًا من العلم أمكنه أن يفهم غيره من العلوم، وذكروا قصة أنه كان هو وأبو يوسف عند الرشيد أحد خلفاء بني العباس، وأنهما تناظرا في مسألة، فقال له أبو يوسف، يقول للكسائي: ما رأيك لو سها الإنسان في سجود السهو؟ هل نحوك يعلمك حكم هذه المسألة، قال: نعم، إذا سها في سجود السهو فإنه لا يسجد، قال: أين القاعدة في نحوك؟ قال: عندنا قاعدة في النحو أن المصغر لا يصغر. فاستدل بأن سجود السهو صلاة مصغرة، فإذا سها فيه ما عاد (...) هذا واقع أو غير واقع، الله أعلم، ذكروها. يقول: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ [الروم ٤٨] ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ قال (بإرادته)، والصحيح: بأمره، من الأمر الذي هو بالقول، وليس المراد بالإرادة فقط؛ لأن الفلك ما تعلم عما يريد الله عز وجل، لكنها إنما تأتمر بأمره القولي، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢] فكل مراد الله إن لم يقترن بالقول فإنه لا يقع، وكيف تحدث الكائنات بمجرد إرادة لا يعلم بها إلا الله، فلا بد من قول، فالصواب أن المراد بأمره أمره القولي؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، ولا يمنع ذلك أن يكون هذا الجريان بأمره بأسباب محسوسة معلومة لنا؛ لأن المقدر للأسباب هو الله عز وجل، فهو سبحانه وتعالى يخلق ويسخر ولكن بأسباب ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم ٤٦]، كل هذا مما خلقه الله عز وجل لهذه الحكم العظيمة. (﴿وَلِتَبْتَغُوا﴾ تطلبوا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ الرزق بالتجارة في البحر) وهو كذلك، وكم من أناس كانت تجارتهم في البحار ينقلون الأرزاق من جهة إلى جهة بواسطة هذه السفن، لولا هذه السفن لكان من المتعذر أن تنتقل الأرزاق من الجهة التي خلف البحر إلى جهة أخرى، ولكن الله عز وجل جعل هذه السفن لأجل أن تنقل هذه الأرزاق والنعم. (﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم ٤٦] هذه النعم يا أهل مكة فتوحدونه)، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، (لعل) هذه معناها التعليل، (تشكرون) الشكر هو القيام بطاعة المنعم، ويكون باللسان وبالقلب وبالجوارح، الشكر يكون باللسان والقلب والجوارح، وهو القيام بطاعة المنعم، فأما الشكر بالقلب فأن يؤمن الإنسان بأن هذه النعمة من الله عز وجل، هو الذي أمده بها، وهو الذي يسرها له، وهو الذي جلبها إليه، هذا بالقلب. والشكر باللسان أن يحمد الله عليها، فإن هذا من شكر النعمة، وأن يتحدث بها اعترافًا لله بالفضل، لا افتخارًا بها على غيره، وأما الشكر بالجوارح فأن يقوم لله تعالى بالعمل البدني من صلاة وزكاة وصيام وحج وغيرها، ولهذا يقول الشاعر: أَفَادَتْــــــــــــكُمُالنَّعْمَــــــــــــــــــــــــاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا فيدي الجوارح، ولساني القول، والضمير المحجب القلب، ما هي الواسطة بين الحمد والشكر؟ أو النسبة بين الحمد والشكر؟ نقول: الحمد أعم من حيث السبب، والشكر أعم من حيث التعلق؛ لأن الحمد يكون باللسان، ويكون على النعم، وعلى كمال صفات المحمود، يعني أنه يحمد المحمود على نعمه وإحسانه على الحامد، وعلى كمال صفاته، وأما في المتعلق فإنه يتعلق باللسان، خاصة الحمد يكون باللسان فقط، وربما يكون بالقلب أيضًا بأن يعتقد الإنسان كمال هذا المحمود، لكنه لا يسمى حمدًا لغةً إلا باللسان، وأما الشكر فهو أخص من الحمد باعتبار سببه، وأعم باعتبار متعلقه، كيف أخص باعتبار سببه؟ لأن سببه النعمة فقط، الإنعام على الشاكر هذا السبب نعم، وإلا لو كان الإنسان المحمود من أكمل الناس، وهو ما أعطاك شيئًا هل تشكره ولَّا لا؟ ما تشكره، الشكر يكون على النعم، فهو أخص من حيث السبب، ويكون بالقلب واللسان والجوارح، فهو من حيث المتعلق أعم، إذن النسبة بينهما العموم والخصوص الوجهي. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الشكر قلنا: هو القيام بطاعة المنعم، صح هذا، بالمعنى العام، لكن شكر النعمة الخاصة يكون بالقيام بوظيفتها من الطاعة، شكر النعمة الخاصة يكون بالقيام بوظيفتها الخاصة، مثلًا شكر الإنسان ربه على العلم يكون بماذا؟ بالعمل به وتعليمه، هذا شكر خاص لنعمة خاصة، شكر الإنسان ربه على المسكن مثلًا يكون بطاعته في هذا المسكن، بألا يكون فيه مثلًا إسراف ولا تبذير وما أشبه ذلك، فالشكر هنا له إذن معنيان: المعنى العام هو القيام بأيش؟ بطاعة المنعم، والمعنى الخاص هو القيام بطاعة الله تعالى فيما يتعلق بهذه النعمة الخاصة، وكل نعمة لها شكر خاص. * * * ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ [الروم ٤٧] إلى آخره، اللام في قوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ موطئة للقسم، يعني أنها جواب لقسم محذوف، التقدير: والله لقد، وبهذا نعرف أن الجملة هنا مؤكدة بثلاثة أمور؛ وهي القسم واللام و(قد) ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾. من المشهور المعروف عند أهل العلم أن الرسول من أُوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه؛ لأنه مرسل، وهذا الصنف من الناس هو أعلى أنواع الأصناف من بني آدم، هم أعلى الأنواع، ويليهم الأنبياء، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون، فأعلى أجناس البشر الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأنهم جمعوا بين الاختصاص بالرسالة والعبادة ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] ما يعطي الرسالة إلا لمن هو أهل لها، فأحق الناس بالرسالة بلا شك هم هؤلاء الأعيان الذين أرسلهم الله عز وجل، ولا يمكن أن يكون أحد من الناس أحق منهم بها. وبهذا نعرف ضلال، بل وكفر من قالوا: إن علي بن أبي طالب أحق بالرسالة من محمد ﷺ؛ لأنهم في ذلك طعنوا في الله عز وجل، ونسبوه إلى ما لا يليق به؛ لأنه إذا كان أعطى الرسالة محمدًا وعلي أولى بها، فهو إما جاهل بالأحقية وإما غير مريد لإعطاء الحق أهله، وكلا الأمرين بالنسبة إلى الله محال وممتنع، وأي أحد يصف الله بهذا أو بما يستلزم هذا فإنه كافر بلا شك. إذن الرسل عليهم الصلاة والسلام هم أشرف الخلق، أشرف أصناف الخلق، وهم أحق الناس بالرسالة بلا شك، ولا أحد أحق منهم، ويوجد والعياذ بالله بعض الناس الفلاسفة يرون أن الرسل من آخر مراتب الخلق، ويقولون: إن الولي أفضل من النبي، والنبي أفضل من الرسول؛ لأن الولي خاص الخاصة، ولي على اسمه، والنبي له مزية في الوحي، والرسول بمنزلة الخادم الذي في البيت يرسل ليشتري الحوائج، شوف والعياذ بالله الضلال، ويقولون فيما يقولون: مَقامُ النُّبُـــــــــــــــــــــــــــوَّةِ فيبَرْزَخٍ ∗∗∗ فُوَيْق الرَّسُول ودُونَ الوَلِي شوف أعوذ بالله، مقام النبوة في برزخ فويق الرسول يعني فوق الرسول شوية، وبالنسبة للولي ودون الولي دون منحط بعيد عن الولي، وعلى هذا فتكون رتبة الولاية عندهم أعلى شيء، وهذا لا شك أنه كفر، بل نقول: إن مقام الرسالة فوق كل شيء، ثم النبوة، ثم الولاية؛ لأن الرسول جامع بين الرسالة والنبوة والولاية، أليس كذلك؟ والنبي له النبوة والولاية، والولي له الولاية دون النبوة والرسالة، ومعلوم أنه كلما ازدادت صفة الكمال في شخص كان أكمل من غيره. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ والقوم هم الطائفة الذين ينتسب إليهم الإنسان؛ لأن بهم قوامه، فهو يقوم بهم، وهم به يقومون. وقوله: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ لأنه ما من رسول أرسل سوى رسول الله ﷺ إلا ورسالته خاصة؛ كما ثبت في الحديث الصحيح حديث جابر: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]. ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ﴾ الفاعل للرسل والمفعول للقوم (﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالحُجَج الواضحات على صِدقهم في رِسالتهم إليهم فكذَّبوهم). قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هل المراد البينات، معلوم أنها الواضحات، لكن هل المراد بالبينات هنا ما يبين صدق رسالتهم، فيكون المراد بها المعجزات التي أيدوا بها، أو المراد بالبينات أي بالشرائع البينات الظاهرة التي كل من استقرأها عرف أنها من عند الله، أو المراد الأمران؟ المراد الأمران، فالرسل أتوا بالآيات البينات التي تؤيدهم، وتدل على صدقهم، وأتوا أيضًا بالبينات، بالشرائع البينة الظاهرة التي يعلم أنها من عند الله عز وجل، فالباء إذن في قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ تكون للمصاحبة، يعني أرسلوا رسالة مصحوبة بالبينات، أو للاختصاص على القول بأن المراد بالبينات الشرائع، وهذا من حكمة الله عز وجل ورحمته؛ أن الله ما أرسل رسولًا إلا أيده بآية من حكمته ورحمته؛ لأنه لو جاء الرسول بدون آية إلى الناس وقال: أنا رسول الله بدون آية يقبلون ولَّا لا؟ من طبيعة البشر ألا يقبل حتى يعرف، كما أنه لو جاء واحد من الناس وقال: ترى أنا عالم عندي علم بالشرع فاستفتوني، أي شيء تستفتوني أفتيكم، يطيعونه ولَّا لا؟ أبدًا ما يطيعونه حتى يمتحنوه ويسألوه، فكيف عاد بالذي يدعي أنه يوحى إليه؟ ما يقبل، إلا إذا جاء بآية، فهذا من حكمة الله، من رحمته أيضًا؛ لئلا يعاقب أحدًا بذنب بدون حجة؛ لأنه لو أرسل الرسل بدون آيات وكذبهم الأمم لكانوا معذورين بالتكذيب؛ لعدم وجود الآية، وقد لا يعذرون لأنهم يجب عليهم أن يستسلموا، لكن من رحمته أنه قال: جعلنا معهم آيات بينات ليطمئن الناس إليهم ويؤمنوا بهم عن اقتناع. وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ [الروم ٤٧]، ﴿مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا﴾ ربما يستفاد من كلمة (من قبلك) أنه لا رسول بعده، كما سنذكره إن شاء الله تعالى في الفوائد، ونناقش هذه الفائدة ﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾، ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾ الانتقام هو الأخذ بالعقوبة، وهذا من فعل الله، وليس من أسمائه، ولهذا الحديث الذي فيه سياق الأسماء الحسنى[[أخرجه الترمذي (٣٥٠٧) من حديث أبي هريرة.]] وهي مدرجة ما صحت عن النبي ﷺ، فيها أن من أسمائه المنتقم، وليس من أسمائه، بل هو من أوصافه وأفعاله، ولهذا ما جاء مطلقًا، قال: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة ٢٢] فهو فعل، وقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ ما هو الإجرام؟ الإجرام فعل الجرم، والجرم كل ما يكون سببًا في الإثم فهو الجرم، والمراد بالإجرام هنا الكفر، وفهم من الآية الكريمة ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ أن من لم يجرم لم ينتقم منه، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧]، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ﴾ نصر ويش إعرابها؟ اسم (كان)، أين خبرها؟ حقًّا، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا أحسن ما يكون في إعراب الآية، وأوجه ما يكون، وأسهل ما يكون، وإلا ففيه أوجه أخرى. قوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾ الحق بمعنى الشيء الثابت اللازم ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المؤمنين بما يجب الإيمان به؛ من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، فأوجب الله عز وجل على نفسه أن ينصر المؤمنين، أوجب، كان حقا علينا، التزام وضمان من الله عز وجل، ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بماذا نصر المؤمنين؟ نصر المؤمنين أي منعهم من أعدائهم، وذلك بأن يجعل لهم من النصر الحسي والمعنوي ما تكون العاقبة لهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١. فإن قال قائل: هذا الحق الذي التزم الله به قد يشكل علينا أن الله تعالى يخذل المؤمنين أحيانًا، كما في أحد مثلًا؛ فإن النصر في أحد لمن؟ لقريش وأتباعهم، فما هو الجواب عن هذه الآية؟ نقول: إن الجواب أن نصر قريش على الرسول ﷺ ليس نصرًا دائمًا كانت العاقبة فيه لهم، بل إن هذا في الحقيقة من نصر المؤمنين عليهم، وإذا شئت أن يتبين لك ذلك فاقرأ ما (...) الله به هذه الغزوة في سورة آل عمران من جملة ما ذكر من الحكم ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤١] يمحق الكافرين إذن فهو نصر لجلبهم؛ لأنهم لو هزموا في كل مقام ما قاموا ولا حاربوا، لكن إذا صار لهم شيء من النصر فإن ذلك يغريهم بالقتال حتى تكون العاقبة للمؤمنين ويبيدهم الله عز وجل. ومنها أيضا نصر المؤمنين على أنفسهم؛ لأنهم ما أتاهم ما أتاهم في أُحد إلا بسبب مخالفتهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ١٥٢]، فهنا يعرفون قدر المعصية وأنه يفوت بها من المحبوب ما (...). فالحاصل أن هذه الآية على بابها أن الله تعالى ينصر المؤمنين حقًّا عليه أوجبه هو بنفسه على نفسه؛ كما في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام ٥٤]. قال: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم ٤٤]. * من فوائد هذه الآية: الجمع بين الترغيب والترهيب الترهيب في قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ والترغيب في قوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن شؤم الكافر لا يتعداه إلى غيره؛ لقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ وتقديم الخبر يدل على الحصر. * ومن فوائد الآية: أنه لا يتم الثواب إلا بالعمل الصالح المبني على أمرين؛ وهما الإخلاص لله تعالى، والمتابعة لرسوله ﷺ؛ لقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾. * ومن فوائدها: أن الحزم والكياسة في العمل الصالح؛ لقوله: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾؛ لأنهم إذا فعلوا ذلك استراحوا في المستقبل؛ إذ إنهم وطؤوا لأنفسهم منزلًا هو خير المنازل. وقد ذكرنا ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: جمع بينها وبين قوله ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]، وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣]، وقوله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل ٢٥] ويش ذكرنا الجمع؟ * طالب: أن هذه الأعمال السيئة هي من أعمالهم أنفسهم. * الشيخ: نعم لأنهم هم السبب. * طالب: في إضلال هؤلاء. * الشيخ: نعم، ثم قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [الروم ٤٥]. * يستفاد من هذه الآية: إثبات العلل في أفعال الله؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقد انقسم الناس في هذا إلى ثلاثة أقسام: قسم أنكروا العلل في أفعال الله وفي شرعه وقالوا: إنه سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم بما شاء بدون أي علة أو حكمة، مثل؟ كالجبرية. وقسم آخر أثبتوا العلل في أفعال الله وقالوا: إن الله تعالى لا يفعل إلا لحكمة، ولا يشرع إلا لحكمة، لكنهم جعلوا تلك العلل موجبة وقالوا: يجب عليه أن يفعل كذا لكذا، وهؤلاء المعتزلة. وقسم ثالث توسطوا وقالوا: أفعال الله تعالى لحكمة، وشرائعه لحكمة، لكن ليست هذه الحكمة موجبة، بل الذي أوجب على نفسه الحكمة هو الله، والحكمة من مقتضى اسمه الحكيم، فتكون واجبة ليست بإيجاب أحد ولكنها بمقتضى كونه حكيمًا، هو الذي أوجبها على نفسه، وهذا القول هو الصحيح، وإذا قلنا به فإننا لا يمكن أن نعترض على أي حكم من أحكام الله كونيًّا كان أم قدريًّا؛ لأننا نعلم أن الذي أوجب أن تقترن أفعاله وشرائعه بالحكم من هو؟ الله، لا نحن، فلا نقول: إن الله يجب عليه فعل الأصلح، ولا فعل الصلاح إيجابًا مستقلًّا عن إرادته، وهذا القول هو الحق. إذن نأخذ منه أن جميع أفعال الله وأحكام الله كلها معللة بالحكمة بمقتضى اسمه الحكيم. * من فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء ليس واجبًا على الله؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم ٤٥]، لكنه أوجبه على نفسه، في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ٥٤] أوجبه هو سبحانه وتعالى على نفسه، ولهذا قال الشاعر: مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ كَلَّا وَلَا عَمَلٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ؎إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الْكَرِيمُ الْوَاسِعُ وابن القيم رحمه الله نظم معنى هذين البيتين لكنه علل فقال: مَا لِلعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِ؎إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُــوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَالْفَضْلُلِلْمَنَّــــــــــــــــــــــــــــــــانِ فقيد المطلَق في البيتين السابقين أنه هو الذي أوجب ذلك تفضلًا منه سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله، من أين تؤخذ؟ ﴿لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ بس هذا نفي، كيف نأخذ منه الإثبات؟ لأنه إذا انتفى محبته عن الكافرين لزم محبته للمؤمنين، فإن لم يكن؛ لم يكن فرق بين المؤمنين وبين الكافرين، لو كانت المحبة منتفية في هؤلاء وهؤلاء ما كان بينهم فرق، أليس كذلك؟ ولهذا استدل أهل العلم على إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥] قالوا: فلما حجب هؤلاء في حال السخط دل على أنه لا يحجب الآخرون في مقام الرضا. إذن نأخذ من هذه الآية إثبات المحبة، وهي كما سبق الكلام عليه صفة ثابتة لله على وجه الحقيقة، وليست بمعنى الثواب ولا إرادة الثواب، وإنما ذلك من لازمها ومقتضاها، إذا أحب قومًا أثابهم، ولا يثيبهم إلا بإرادة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الإيمان والعمل الصالح، الله ما قال: آمنوا واعملوا، لكن ذكر الجزاء يستلزم الحث على الفعل، وهذا أحد الطرق التي يستدل بها على أن الشيء مأمور به، لا تظن أن الشيء المأمور به هو ما جاء بالصيغة افعل، بل الأمر يستفاد من عدة أمور، فإذا ورد الترغيب في شيء فهو مأمور به. إذن يستفاد من هذا الحث على الإيمان والعمل الصالح. * ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: ذم الكفر، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾، فإذا نفى الله المحبة عن هؤلاء فإنه يقتضي ذم عملهم. * ومنها أن الحكم إذا علق بمشتق، وهذه فائدة أصولية، إذا علق الحكم بمشتق فهو دليل على أن ذلك المشتق هو علة الحكم، مثلًا لا يحب الكافرين لماذا؟ لكفرهم، فالحكم هنا علق على وصف، فيقال: لا يحبهم لكفرهم، إذن فالكفر علة انتفاء المحبة؛ كما لو قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف ٤]، ما هي العلة في المحبة؟ القتال في سبيله صفًّا، وهكذا جميع حُكْم يُعلَّق بمشتق فإنه يدل على عِلية ذلك الشيء. * يستفاد أيضًا من الآية فائدة: وهي اعتبار اللازم، بمعنى أنه إذا لزم من الشيء كذا وكذا فإنه يثبت هذا اللازم تبعًا لثبوت الملزوم، فمثلًا لاحظوا في المؤمنين ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ما قال: إنه يحب ولا يحب الكافرين، قال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ المقابل ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ويش يلزم منه؟ ألا يجزيهم من فضله، وإنما يعاملهم بماذا؟ بعدله، فعقاب الكافرين مأخوذ من لازم انتفاء المحبة، ودلالة التلازم هذه مفيدة جدًّا لطالب العلم دلالة التلازم؛ أنه يلزم من كذا وكذا كذا وكذا، لكن لا بد من شرطين: الشرط الأول: أن يكون اللازم صحيحًا، فإن كان اللازم فاسدًا فإنه ليس بلازم، حتى لو ادعى الإنسان أنه لازم فليس بلازم. الشرط الثاني: أن يكون ذلك في كلام الله وكلام رسوله ﷺ. أما الشرط الأول أن يكون التلازم صحيحًا فإننا نحترز به عما إذا كان التلازم غير صحيح، مثلًا أهل التعطيل الذين أنكروا الصفات أو بعضها ما شبهتهم في الإنكار؟ قالوا: إنه يلزم التمثيل فهل هذا اللازم صحيح؟ ليس بصحيح، ولذلك ما نقول إنه يلزم من إثبات الصفات التمثيل؛ لأنه ليس بلازم. في كلام الله وكلام رسوله إذا كان اللازم صحيحًا فهو حق، ويكون النص دالًّا عليه، لكن في كلام غيره لا يكون اللازم قولًا لصاحب القول الملزوم، ولهذا العلماء عندهم ترجمة في هذه المسألة: هل لازم القول قول أو ليس بقول؟ منهم من قال: إن لازم القول ليس بقول، ومنهم من قال: إن لازم القول قول، والصحيح أن لازم القول في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ قول، لكن بشرط أن يكون اللازم صحيحًا، لماذا يكون قولًا؟ لأن الله عز وجل يعلم ما يترتب على كلامه من اللوازم، وإذا لم ينفها الله دل ذلك على ثبوتها، لكن الإنسان البشر هل يعلم ما يلزم على قوله؟ أحيانًا يقول الإنسان قولًا يظنه صوابًا، ويكون هذا القول يلزم منه أمور فاسدة، يلزم منه لزومًا صحيحًا حقيقيًّا أمور فاسدة، لو نُبه القائل لها ماذا يصنع؟ لرجع عن قوله، فلذلك نقول: إن لازم القول في غير كتاب الله وسنة رسوله ليس بقول صحيح أنه يستدل به على بطلان القول، لكن ما يقال: إنه قول فلان. فالحاصل أن هذه المسألة ينبغي التنبه لها، وإنما نقول بذلك لأن الإنسان بشر لا يحيط بما يستلزمه كلامه من اللوازم الصحيحة أو اللوازم الباطلة، الآن نشوف كثيرًا ما يأمر الإنسان بشيء أو ينهى عن شيء في أولاده، ثم إذا فعلوه علم أنه يستلزم مفسدة، فيرجع عنه، هذا اللازم هل كان عالمًا به من قبل؟ لو كان عالما ما أمرهم، وكثيرًا ما ينهاهم عن شيء ثم إذا تركوه رأى في ذلك مفسدة، استلزم مفسدة ما كان يعلم بها حين النهي، فتجده يرجع. * طالب: (...). * الشيخ: لا، لازم القول في كتاب الله وسنة رسوله قول، لكن بشرط أن يكون التلازم صحيحًا، أما في غيره فليس كذلك، ليس بقول. ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم ٤٦]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هناك علامات ودلالات على وجود الخالق، وعلى علمه وقدرته وحكمته. هذه الآيات التي تعرَّف الله بها لعباده هذه من نعمة الله عليهم أن الله تعالى يريهم آياته ليقوموا بشكره ويعترفوا بفضله. * من فوائد هذه الآية التي نحن فيها زيادة على الآيات الثلاث التي ذكرنا من آياته: ثبوت الرحمة؛ لقوله: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾، هذه الرياح لو اجتمع الخلق كلهم على أن ينفخوا بجميع وسائل النفخ هل يستطيعون أن يغطوا بهذا النفخ بلدًا واحدًا؟ ما يستطيعون، والرب جلت قدرته يغمر ما شاء أن يغمر بهذه الريح التي قد تقلع الأشجار، وتهدم الديار، أليس هذا دليلًا على قدرة الله العظيمة؟ نعم، وكونها مبشرات فيه إثبات الرحمة. * ومن فوائد الآية الكريمة: نعمة الله سبحانه وتعالى على العباد بالفلك التي تجري بأمره، لولا أن الله سبحانه وتعالى يسر من الأسباب ما يكون به ذلك ما عرف الناس كيف يتعدون من بر إلى بر بواسطة البحر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ظهور الآيات للإنسان سبب لشكر نعمة الله عليه، من أين نأخذها؟ من قوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. * ومن فوائدها: إثبات العلل والحكم في أفعال الله لقوله: (ولعل)؛ لأنها للتعليل. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الروم ٤٧] إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: تسلية الرسول ﷺ وتحذير المخالفين له؛ تسليته بمن سبقه من الرسل؛ فقد كذبوا وأوذوا، فإذا علم أن أحدًا شاركه في ذلك هان عليه الأمر؛ لأن كل إنسان يتسلى بما أصاب غيره بمثله، أو بما أصيب به غيره بمثله، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩]. .. شأن مَن قَبْله من الرسل. * ومن فوائدها: تحذيرُ المخالفين له؛ لقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ [الروم ٤٧]. * ومن فوائد الآية أيضًا: رحمةُ الله عبادَه بإرسال الرُّسُل؛ إذْ لولا هذه الرسالة ما عرف الناسُ كيف يعبدون الله عز وجل، بل ولا عرفوا ما عرفوا مِن تفاصيل أسمائه وصفاته كما سبق في درس التوحيد، فالرُّسُل رحمةٌ عظيمةٌ للخَلْق كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الانتقام من المكذِّبين كان بسبب فِعْلهم؛ لقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾؛ أي: لإجرامهم، فهُم السبب. * ومن فوائدها: أنَّ الرِّسالات السابقة خاصَّةٌ. * طالب: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾. * الشيخ: لقوله: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾، ويُبَيِّنه الحديثُ الثابتُ في الصحيحين: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣)، من حديث جابر بن عبد الله.]]. * ومن فوائد الآية: أنَّ الله تعالى ما أرسلَ الرُّسُل إلا ببيِّناتٍ تشهد بصِدْقهم وبشرائعَ بيِّنةٍ لا تُوجب لَبْسًا على المتَّبِعين، من أين تؤخذ؟ ﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الروم ٤٧] أي: بالآيات البيِّنات الدالَّة على صِدْقهم، وبالشرائع البيِّنات الواضحة التي لا تقتضي لَبْسًا على المتَّبِع. قال أهلُ العلم: وآياتُ الأنبياء على حسب عَصْرهم؛ ففي عَهْد موسى انتشرَ السِّحْرُ وكَثُر، فأعطاه الله تعالى من الآيات ما تُبْطل السِّحْر، وليستْ بسِحْر، أعطاه الله تعالى اليدَ، وأعطاه العصا. قالوا: وفي عَهْد عيسى تقدَّم الطبُّ، فأعطاه الله من الآيات ما لا يمكن للطبِّ أنْ يقوم به، وهو إبراءُ الأَكْمهِ والأبرصِ، وإحياءُ الموتى وإخراجُهم من قبورهم، هذا ما يمكن يقوم به الطبُّ أبدًا، الميِّت لا يمكن يحيا بالطبِّ. وقالوا أيضًا: إنَّ الأبرص لا يمكن شفاؤه بالطبِّ. الأَكْمه مَن هو؟ قالوا: إنَّه الذي خُلِقَ بلا عينٍ، هذا يُمْكن فيما سبق من العصور ما يُمْكن أنْ يُوضع له عين، لكن الآن إذا وُجِد مكانُ العين يُمْكن يُوضَع له عين بالطبِّ، لكنْ إذا لم يوجَد، مثلًا خَلَقَه اللَّهُ عز وجل بدون أنْ يخلق له مكانًا للعين، ما يُمْكن أن يُوضع له عين. في عَهْد الرسول ﷺ قالوا: إنَّ البلاغة بلغتْ أَعْلى ذروتها، فكان مِن أَعْظم آيات الرسول عليه الصلاة والسلام هذا القرآن الذي أَعْجَزَ البُلَغاء والفُصَحاء، بل تحدَّى اللَّهُ به كلَّ الجنِّ والإنسِ؛ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ لا انفرادًا ولا تعاوُنًا، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]. * طالب: شيخ، اللي يقولون بالإعجاز العلمي للقرآن يستخدمون هذا المعنى (...). * الشيخ: (...)؟ * طالب: أن الإعجاز من جنس ما تفوَّق فيه كلُّ قوم، فيقولون: الآن زالت الآن البلاغة عند الناس، ما يعرفون (...) أوجُه البلاغة (...)، ولكن الآن طغى العلم (...) إشارات علمية ليصدق (...). * الشيخ: إي نعم، يمكن، هذا ليس يبعد، أقول: ليس ببعيد، إي نعم، يمكن يكون صحيحًا أن القرآن في كلِّ عصرٍ يكون معجزةً بما تناسب العصر؛ لأنه نَزَلَ لجميع الخلْق إلى يوم القيامة، فلا يبعد هذا، القرآن بكل (...)، لكنْ في ذلك الوقت أشدُّ ما فيه البلاغة. * وفيه أيضًا: إثباتُ فِعْل الانتقام لله عز جل؛ ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾. * وفيه أيضًا: إثباتُ العظمة؛ لقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾ و﴿أَرْسَلْنَا﴾، فإن هذا للتعظيم وليس للتعدُّد بإجماع المسلمين أنَّه للتعظيم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الله أوجبَ على نفسه نَصْرَ المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧]. * ومنها: أنَّ هذا النصر لا بدَّ أنْ يكون؛ لأنه أتى بصيغة التعظيم: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾، ولم يَقُل: عَلَيَّ، بل قال: ﴿عَلَيْنَا﴾ إشارةً إلى أنَّ هذا الحقَّ لا بدَّ أن يكون؛ لأن الله تعالى أعظمُ مِن كلِّ شيء. * وفيه أيضًا: دليلٌ على أنَّ غير المؤمنين لا يُنصَرون؛ لقوله: ﴿حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فإذا أَوْرَدَ إنسانٌ علينا ما حَصَلَ من الانتصارات الخاطفة للكفار، فما هو الجواب؟ * طالب: استدراجٌ من الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: أنَّ هذا استدراجٌ من الله عز وجل حتى يتمَّ النصرُ للمؤمنين في النهاية. * طالب: قد يكون تأديبًا للمؤمنين. * الشيخ: إي نعم وقد يكون من مصلحة المؤمنين لأن (...) نصر لأنفسهم على أنفسهم، ثم إنَّه لا يدومُ هذا النصرُ أبدًا، العاقبة لا بدَّ أن تكون للمؤمنين. وقال بعض أهل العلم: إنَّ النصر نوعان: نَصْرٌ بالحجَّة والبُرهان، ونَصْرٌ بالسيف والسِّنان. فأمَّا النصر بالحجَّة والبُرهان فهو مضمونٌ وثابتٌ ولا فيه استثناء، أو لا؟ لأنَّ الحجَّة والبُرهان مع المؤمنين على كلِّ حال، حتى لو هُزِموا عسكريًّا فإنَّ الحجَّة والبُرهان معهم، غالبون بِحُجَّتهم وبُرهانهم، وهذا لا استثناء فيه. والثاني بالنَّصْر العسكري؛ يعني بالسيف والسِّنان، وإحنا نقول الآن: بالطائرة والقنابل وما أشبهها، هذا قد يحصُل نصرٌ لغير المؤمنين امتحانًا للمؤمنين واستدراجًا للكافرين. ثم قال عز وجل.. * طالب: شيخ، ذكرتَ أمس هل يؤخذ منها أن الرسول خاتم الأنبياء؟ * الشيخ: إي نعم، ما تقولون؟ هل يؤخذ منها أن الرسول ﷺ خاتم الأنبياء، ﴿مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا﴾؟ * طلبة: ما يَلْزم. * الشيخ: يعني ما يَلْزم ألَّا يكون بعده أحد؟ * طالب: إي نعم، من هذه الآية. * الشيخ: إي، معلوم، من هذه الآية. * طالب: (...) ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾. * الشيخ: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾، إي، هذه تدلُّ على أنَّ رسالتهم خاصَّة، لكن هل تدلُّ على أنه انتهى؟ * طالب: (...) كافَّة إلى الناس (...). * طالب آخر: القاديان يستدلُّون بهذه الآية (...) آية النحل: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل ٢]. * الشيخ: على أيش؟ (...) القاديانية؟ * طالب: الرسالة جارية، ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ (...) صيغة الاستقبال .. * الشيخ: هذا كفر. * الطالب: تدل على (...) عندهم، عند القاديانية. * الشيخ: الكلام على أن هذه الآية هل تدلُّ على خَتْم الرسالة بالرسول ﷺ لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ أو لا تدلُّ، الوجْه الذي ذَكَره يقول: قد تدلُّ من حيث إن الرسول مُرْسَل إلى الناس عامَّةً، والعموم هذا يشمل العموم في الوقت والمكان والأُمَم، وهذا يستلزم ألَّا يوجد رسولٌ بَعْده، لو وُجِدَ رسولٌ بَعْدُ انتفى العموم إلى الناس كافَّة، صار معناه أن الرسول اللي بَعْدَه يكون رسولًا إلى هؤلاء الناس دون محمد عليه الصلاة والسلام. * طالب: بس يا شيخ هذا ما فيه دليل على أنه أُرْسِل إلى الناس كافَّة (...). * الشيخ: لا، فيه (...)؛ لأنَّه إذا لم يكن آخِرهم فالذي يأتي مِن بَعْدِهِ صارَ أُرْسِل إلى بعض الناس وهم الذين تأخَّروا، طيب، على كلِّ حالٍ أخْذُها فيه شيءٌ من الغموض، والأمرُ في هذا واضحٌ، والغريبُ أنَّ بعض الناس -على سبيل الاستطراد- أنْكَرَ نزول عيسى بن مريم ﷺ وقال: إنَّنا لو قُلنا بنزوله لَكان ذلك تكذيبًا للقرآن؛ ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠]، ماذا تقولون؟ * طالب: لكن في آية قال: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف ٦١] هذا يدلُّ على نزوله، والشيء الثاني يا شيخ يُنكرون مَجِيء المهدي. * الشيخ: (...) لا تُدخل مسألة في مسألة، أقول: هل استدلالهم بالآية الكريمة صحيح ولَّا لا؟ * طلبة: لا. * الشيخ: غير صحيح؛ لأن عيسى ما ينزل مُشَرِّعًا، وإنما ينزل تابعًا للرسول ﷺ ولا يُنْشِئ ولا شيئًا من الشريعة، حتى كَسْر الصليب وقَتْل الخنزير، هذا أَخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام فأَقَرَّه؛ يعني يُقال: إنه يأتي ويحكم بذلك، ولا يَقْبل إلا الإسلام، ما فيه جِزية بعد نزول عيسى، ما فيه أخْذ جِزية ولا عَهْد، ما فيه إلا الإسلام[[أخرج البخاري (٢٤٧٦)، ومسلم (١٥٥ / ٢٤٢) واللفظ له، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ».]]، فيقال: إن هذا ليس شرعًا جديدًا ناسخًا لشَرْعِ الرسول عليه الصلاة والسلام، بلْ هو شَرْعٌ مقرَّر من الرسول ﷺ، أليس كذلك؟ الرسولُ أخبر بأنَّه سيفعلُ هذا مقرِّرًا له، فهو لم يَنْزل على أنَّه رسولٌ بشرعٍ جديدٍ، بل على أنَّه تابعٌ للرسول عليه الصلاة والسلام، ولعلَّ هذا -والله أعلم- ليتحقَّق ما أخبرَ اللَّهُ به بالفعل؛ ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران ٨١]، هذا خَبَرٌ من الله عز وجل، لكنْ هل نحن عَلِمْنا هذا بأنَّ نبيًّا من الأنبياء تابعَ الرسولَ فِعْلًا؟ لا، لكن نزول عيسى ومتابعته لرسالة الرسول عليه الصلاة والسلام تكون هذه حقَّ اليقين؛ لأن الآية -آية آل عمران- فيها علم اليقين، فإذا وُجِدَ ذلك بالفِعْل صار أيش؟ صار حقَّ اليقين، فهذا من الحكمة في نزوله ﷺ في آخِر الزمان. وأيضًا عندنا أحاديثُ واضحةٌ صحيحةٌ صريحةٌ مُتَلَقَّاةٌ بالقَبول عند أهل العلم، فكيف يُنكِر ذلك؟! ولكن -والعياذ بالله- بعض الناس يأتي بقاعدةٍ من أَفْسَدِ القواعدِ وأَبْطَلِ القواعدِ، وهي أنَّ العقيدة لا تَثْبُت بأخبار الآحاد ولو كان الخبرُ صحيحًا، وهذا في الحقيقة مزلةٌ مِمَّن قاله؛ لأننا نقول له: أنت تُثبت مِن الأحكام العملية تُثبت الحكم العملي بدليلٍ لا يصل إلى درجة الصحة، تُثبته بدليل يصل إلى درجة الْحُسْن، وربما يكون إلى درجة الْحُسْن عندك أنت وعند غيرك لا يصل إلى درجة الْحُسْن، وإثبات الحكم العملي مستلزم للعقيدة؛ لأنَّ تنفيذه مقتضى الإيمان، ولأنَّ الإنسان لا يعمل بهذا إلا بعد أن يعتقد أنه من شريعة الله، وإلا لَمَا عَمِل به، فهناك عقيدة سابقة أنَّ هذا من حُكم الله ومن شريعة الله، وأنَّه مقرِّبٌ إلى الله، وأنَّه عبادةٌ لله، ثم العمل به. ثم ما هذا؟! إذا أخذْنا بذلك لَزِم أن نُنكر أشياء كثيرة مِمَّا يتعلَّق بالأمور العِلمية؛ لأن الشرع -كما تعلمون- إمَّا أُمُور عِلمية أو أُمُور عملية، والصواب بلا شك أنَّه لا فرق بينهما، وأنَّ ما صحَّ عن رسول الله ﷺ فإنَّه يجب الإيمان به عقيدةً وعملًا، وإذا شئتَ مَزِيدَ إيضاحٍ فاقرأ ما كتبه ابن القيِّم رحمه الله في آخِر الصواعق المرسلة، فإنَّه تكلَّم على هذه المسألة كلامًا شافيًا. * طالب: هو متواتر ياشيخ. * الشيخ: واللهِ ما أدري هل يصل إلى حدِّ التواتر ولَّا لا. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إنْ يتواتر إذن يكون يفيد العلم اليقيني ولا أحد (...). * طالب: بالنسبة إلى نزول عيسى بن مريم (...)، هل أنَّه سبحانه وتعالى يُلْهمه الصواب في (...). * الشيخ: الظاهر -والله أعلم- لأن القرآن والسُّنة محفوظات إلى ذلك الوقت، والعجيب أن بعضهم ذَكَر من شُبَه إنكار نزوله قال: إن لُغة عيسى سريانية، ولغة الرسول ﷺ عربية، كيف ينزل ويحكم بالشريعة وهو سرياني؟! هذه شُبَهة هذه؟ * طالب: لا. * الشيخ: ويش الجواب؟ نقول: نعم الجواب بالتسليم (...)؛ أولًا: فيه الآن ناس يتكلمون باللغة العربية وهم مسلمون ملتزمون بأحكام الإسلام، قائمون به على أَتَمِّ وجْه، ولُغتهم غير عربية. والثاني: أنَّ الله على كلِّ شيءٍ قدير، يمكن يكون لسانه عربيًا، إذا كان بالممارسة والمخالطة ينقلب لسانُ الإنسان مِن سرياني إلى عربي، فكيف عاد بقدرة الله! لكن سبحان الله العظيم، الإنسان إذا اشتهى شيئًا أتى بشبه ما تنطلي على أحد (...). * * * قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧] أخذنا فوائدها؟ ويش هي؟ * طالب: (...) تحذير المخالفين له (...). أنَّ الرسالات السابقة خاصَّة (...). أنَّ الله أوجبَ على نفسه نَصْرَ المؤمنين، وهو لا بدَّ أن يكون، وغير المؤمنين لا يُنصرون. (...) أحيانًا وهو (...). * الشيخ: فيها فائدة أيضًا. * من فوائد الآية أيضًا: أنَّ على الله حقًّا أوجبه على نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾، فإذا قُلنا: هل يجب على الله شيءٌ؟ نقول: أمَّا بعقولنا فلا يجب على الله شيءٌ، وأمَّا أنْ يُوجِب هو على نفسه شيئًا فهذا أمرٌ واقِع. * ومن فوائدها أيضًا: فضيلةُ الإيمان وأنَّه سببٌ للنصر؛ ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

الروم 30:48

ثم قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [الروم ٤٨]. قال المؤلف: (تُزْعِجُه)؛ لأنه مأخوذٌ من: أَثَارَ الصيدَ؛ إذا أَزْعَجَه. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ يعني: يَبْعثها كيف شاء سبحانه وتعالى. ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ قال المؤلف: فـ(تُزعجه)، كإثارة الصيد، فإنَّ إثارة الصيد من مكانه تعني إزعاجه حتى يقوم. وقوله: ﴿سَحَابًا﴾ السحاب هو المعروف؛ هو الغيم. ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (من قِلَّة وكَثْرة). ﴿فَيَبْسُطُهُ﴾ البَسْط معناه النَّشْر، ﴿كَيْفَ يَشَاء﴾ هذه تعود إلى كيفيَّة هذا النَّشْر؛ قد يكون واسعًا، وقد يكون قليلًا، وقد يكون كثيفًا، وقد يكون خفيفًا، ولهذا قال (﴿﴿وَيَجْعَلهُ كِسَفًا﴾ ﴾ بفتح السِّين وسكونها: قِطَعًا متفرِّقة). بفتح السين يعني ﴿كِسَفًا﴾، وسكونها يعني ﴿كِسْفًا﴾، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤] ﴿كِسْفًا﴾. والكِسَف معناه: القِطَع، وكأنَّ المؤلف رحمه الله يريد أنْ يُبَيِّن أنَّ السحاب قد يكون واسعًا منتشرًا مبسوطًا، وقد يكون قليلًا قِطَعًا متفرِّقة. وقال بعض المفسرين: معنى كونه ﴿كِسَفًا﴾ أنَّه قِطَعٌ متراكبةٌ بعضُها فوق بعض حتى يَسْوَدَّ ويَدْلَهِمَّ ويَحْصل فيه الرعْدُ والبَرْقُ، وهذا أَوْلى أنَّ المراد بالكِسَف يعني القِطَع المتراكبة التي يركب بعضُها بعضًا حتى تَدْلَهِمَّ وتَسْوَدَّ، وهذا في الغالب أكثرُ مطرًا. يقول: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ ﴿فَتَرَى﴾ الخطاب لكلِّ مَن يتأتَّى خطابُه؛ لأن هذه الرؤية ليست خاصَّةً بالرسول ﷺ. وقوله: ﴿الْوَدْقَ﴾ يعني (الْمَطَر)؛ يعني حبَّات المطَر تُسَمَّى وَدْقًا. ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ (أي وَسَطِه)، وقيل: من بَيْنِه؛ من بين هذا السحاب. وقوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ إذا قال قائلٌ: نحن لا نراها بأعيُننا المجرَّدة، ما نرى أنَّ المطر يتخلَّل هذا السحاب (...). فيقال: إنَّه خَبَر صِدْق، فيكون أيش؟ يكون كالمشاهَد؛ ما دام الله تعالى أخبر به فإننا كأنَّما نشاهده بأعيُننا، ثم إنَّه في الوقت الحاضر وُجِدت الآلاتُ القويَّة التي يستطيع الإنسانُ بها أنْ يرى كيف يخرج هذا المطر؛ هذه النُّقَط، مِن خلال السحاب. وقوله: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ﴾ (بالودْق) ﴿مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده إذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ هذه جملة شرطية؛ ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ﴾ (إذا) تدلُّ على أن هؤلاء الذين أُصِيبوا بالمطر أنَّهم في غاية الاشتياق إليه، ولهذا بمجرَّد ما يصيبهم يَحْصل الاستبشار. وقولُنا: (بمجرَّد) ليس نتيجةً عن ترتُّب جواب الشرط على فِعْل الشرط، ولكنه نتيجةٌ لذلك وزيادة أَمْرٍ آخَر وهو الإتيانُ بـ﴿إذَا﴾ الفجائية التي تدلُّ على المفاجأة والسرعة. إذَنْ (إذا) تفيد الشرط، وفِعْل الشرط هو ﴿أَصَابَ﴾، وجواب الشرط جملة ﴿هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ المصدَّرة بـ﴿إذَا﴾ الفجائية. قلنا: إنَّ هذا التعبير يدلُّ على أنَّ هؤلاء في غاية ما يكون من الاشتياق إلى نُزول الغيث؛ وجْهُ ذلك استبشارُهم بمجرَّد الإصابة، وليس استبشارًا عاديًّا كترتُّب الجواب على فِعْل الشرط، ولكنَّه أَبْلَغ لأنه أتى بـ﴿إذَا﴾ الفجائية الدالَّة على المبادرة بوجود ذلك الشيء. وقوله: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ قال المؤلف: (يَفْرحون بالمطَر)، وهو أشدُّ مِن مجرَّد الفرح، الاستبشار أشدُّ من مجرَّد الفرح، بل هو يستبشرُ بنفسه وربما يُهَنِّئ غيرَه ويُبَشِّره، ولهذا في المطر في أيام الموسم -موسم المطر- تجد مثلًا الناس إذا رأى بعضُهم بعضًا -لا سيَّما الذين يأتون من البراري- يقول: أُبَشِّرك أنَّه نزل مَطَرٌ وأنَّه كثيرٌ. أو حسب ما يكون، فالاستبشارُ هنا أَبْلغ من مجرَّد الفرح، لكن المؤلف رحمه الله ربما يفسِّره بالتقريب. وقوله: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ لا ما يشاء الناس؛ فالذي يُنزل الغيثَ هو الله عز وجل، وليس أحدٌ يستطيع أن يُنزله، وأمَّا ما ذُكِر من أنهم الآن يُسَلِّطون مواد كيماوية على السحاب فينزل المطر، فإنَّنا نقول: إن صحَّ هذا الأمر فمَن الذي خَلَق هذا المطر؟ الله سبحانه وتعالى، والذي أَوْجَدَ هذا السحابَ هو الله سبحانه وتعالى، وكَوْنُهم يتوصَّلون إلى أسبابٍ يتبخَّر بها هذا السحاب حتى ينزل مطرًا هذا لا يُنافي أنْ يكون الله عز وجل هو الذي يُنَزِّل الغيثَ، ثم إنَّ الآية: ﴿يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [الشورى ٢٨] أَبْلَغ مِن: يُنَزِّل المطرَ؛ إذْ إنَّ المطر قد ينزل ولا يكون غيثًا؛ كما ثبت في صحيح مسلم[[(٢٩٠٤ / ٤٤) من حديث أبي هريرة.]] «لَيْسَ السَّنَةُ أَلَّا تُمْطَرُوا، إِنَّمَا السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتَ الْأَرْضُ» (السَّنَة) ويش معناها؟ الجدْب والقَحْط؛ يعني: ما هو بَس أنَّه ما يأتي المطر، السَّنَة الحقيقيَّة أنْ يأتي ولا يحصل نباتٌ. وقوله: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ المراد بالعِباد هُنا جمع عَبْد، وهي العُبودية الخاصَّة ولَّا العامَّة؟ العامَّة، لماذا؟ لأنَّ المطر يَنْزل على المؤمنين وعلى الكافرين، نعم، بل ربما يكون نُزوله على الكافرين أكثرَ وأغدقَ وأشدَّ استمرارًا؛ امتحانًا لهم، لتُعَجَّل لهم طيِّباتُهم في حياتهم الدنيا، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ أي: بهذه الطيِّبات ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأحقاف ٢٠] إلى آخِره. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا﴾ [الروم ٤٩] قال المؤلف: (وقد ﴿﴿كَانُوا﴾ ﴾)، (قد)؛ قدَّر ﴿إِنْ﴾ بـ(قد)، وتَبِع في ذلك البغوي، والمؤلف الجلالين مأخوذ من البغوي؛ يعني كأنه مختصر له؛ لأنك إذا تأمَّلْتَ تفسيره -رحمه الله- وجدتَ أنَّه هو تفسير البغوي بعينه، لكن البغوي مبسوطٌ وهذا مختصَر. هو قال: (﴿﴿إِنْ﴾ ﴾ قد)، ولا أحد من أهل النحو قال بهذا القول، إلَّا أنْ يقوله على سبيل التفسير فقط، والصواب الذي لا شك فيه هو أنَّ ﴿إِنْ﴾ هنا مخفَّفة من الثقيلة كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤]، وعلى هذا فنقول: إنَّ أصلها (إنَّ) فخُفِّفت، واسمها أين هو؟ * طلبة: ضمير الشأن. * الشيخ: ضمير الشأن، اسمها ضمير الشأن محذوف، والتقدير: وإنَّهم. وقد سبق لنا أنَّ القول الصحيح فيه من أقوال النحويين أنَّ ضمير الشان لا يُقَدَّر مفردًا مذكرًا، وإنما يُقَدَّر بحسب السياق، فهو ضميرٌ مُقَدَّرٌ بحسب السياق؛ إنْ كان السياق يقتضي التأنيثَ فهو مؤنَّث، يقتضي التذكيرَ فهو مذكَّر، يقتضي الجمعَ فهو مجموعٌ، يقتضي التثنية فهو مثنى[[الصحيح أنَّ ضمير الشأن يختلف حسب السياق تذكيرًا وتأنيثًا، ولكنه لا يُثنَّى ولا يُجمع. انظر حاشية الصبان على الأشموني (١ / ٣٧٠).]]، إذَنْ أصْله: وإنَّهم كانوا. لكن خُفِّفتْ (إنَّ) فحُذِف اسمها على أنَّه ضمير الشأن. ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ [الروم ٤٩]، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيش؟ المطر. مِن أين نعرف أنَّه المطر؟ هل سبق التحدُّث عن تنزيل المطر؟ الجواب: نعم، في قوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾؛ فإنَّ الودْق إذا خرج من خلال السحاب أين يذهب؟ ينزل إلى الأرض. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ يُعبِّر الله عز وجل عن نُزول المطر بالإنزال والتنزيل؛ وذلك لأن المطر أحيانًا يأتي دفعةً واحدةً بكثرةٍ وغزارةٍ فيكون إنزالًا، وأحيانًا يأتي بالتدريج ضعيفًا متقطِّعًا فيُسَمَّى تنزيلًا؛ لأنَّ التنزيل معناه إنزالُ الشيءِ شيئًا فشيئًا، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾. * طالب: بالنسبة (...) التنزيل والإنزال (...) باعتبار المطر ككُلٍّ نقول: نزل، باعتبار يعني أفراده .. * الشيخ: لا، أَنْزل. * طالب: باعتبار أفراده.. * الشيخ: لا، باعتبار الكثرة والتفريق. * طالب: (...) السحابة هذه في الوقت وبعد أيام.. * الشيخ: بعد أيام يأتي، ثم يأتي أيضًا بقليلٍ أحيانًا؛ يعني مثلًا يكون المطر يومين، ثلاثة، ولكنَّه قليلٌ، وأحيانًا يأتي كما أنتم تشاهدون سُحُبًا عظيمةً كأنها أفواهُ القِرَب. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾، كلمة ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ اختلفَ فيها أهل العلم؛ فقال بعضُهم كما قال المؤلف: إنها (تأكيد)؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران ١٨٨]، كرَّرَ الفِعل توكيدًا، هذا قول، وهو الذي مشى عليه المؤلف وعليه أكثر المفسرين أنَّ قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل أن يُنَزَّل عليهم، فكأنَّه قال: وإنْ كانوا مِن قبل أن يُنَزَّل عليهم مِن قبل أن يُنَزَّل عليهم لَمُبلسين، فيكون تكرارها للتوكيد. وقال بعضُ المفسرين: إنها كُرِّرت للتأسيس لا للتوكيد. ومعلومٌ أنَّه إذا دار الكلام بين أن يكون توكيدًا وأن يكون تأسيسًا فالأصل التأسيسُ؛ يعني الأصل عدم التوكيد؛ لأن التوكيد تكرار، والأصل عدم التكرار، فيرى بعضُ المفسرين أنها ليست للتوكيد وأنَّها للتأسيس. خُذوا بالكم من الفرق (...) العلماء رحمهم الله، الفرق بين التوكيد والتأسيس أن التوكيد معناه أنَّ هذا هو الأول، والتأسيس معناه أنَّ هذا غير الأول وأنَّه كلامٌ مستقلٌّ. على القول بأنه تأسيسٌ ما معناه؟ قال بعضهم: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل الاستبشار؛ وإن كانوا من قبل أنْ يُنَزَّل عليهم من قبل الاستبشار لَمُبلسين، فذَكَر الله لهم حالينِ قبل الاستبشار وبعده، فهمتم؟ وهذا ما مشى عليه أبو السعود، وهو جيِّد ولا فيه إشكال من حيث التصوُّر والمعنى، (...) المعنى وإنْ كانوا من قبل إنزال المطر من قبل ذلك الاستبشار لَمُبلسين، فنبَّههم الله على حالهم قبل الاستبشار، وهو الإبلاس، وعلى حالهم بعد ذلك. وقال بعضهم: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قَبْلِ قَبْلِ أنْ ينزل عليهم؛ ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ يعني: وإنْ كانوا من قبل أنْ يُنَزَّل عليهم ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قَبْلِ ذلك القَبْل، فيجعلون الضمير في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ ليس عائدًا إلى المطر ولا عائدًا إلى الاستبشار، وإنما يجعلونه عائدًا إلى القَبْل، فالمعنى على هذا: وإنْ كانوا مِن قَبْل أنْ يُنَزَّل عليهم مِن قَبْل ذلك القَبْل لَمُبلسين، فيكون فائدتها أن الإبلاس مستمرٌّ معهم من قديم الزمان، فيأتي موسمٌ لا يأتي فيه مطرٌ فيُبلسون، ثم يأتي موسمٌ آخَر فيُبلسون، ثم يأتي موسمٌ آخَر فيُبلسون ... وهكذا، ومعلومٌ أنَّه إذا تكرَّرت مواسمُ ولَمْ يأتِ مطرٌ كان أشدَّ في الإبلاس، فيكون المعنى أنَّ هذا الاستبشار أنَّه أتى بعد يأسٍ مرَّتينِ فأكثر، وهذا أيضًا ذكره ابن كثير رحمه الله في تفسيره، فصار لدينا في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ كم قولًا؟ ثلاثة أقوال: القول الأول: أنَّها توكيد. والثاني: أنَّ الضمير يعود على الاستبشار. والثالث: أن الضمير يعود على القَبْل؛ أي: وإن كانوا من قَبْل أنْ يُنَزَّل عليهم من قَبْل ذلك القَبْل أيضًا لَمُبلسين. أمَّا قوله: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ فهي بالنصب خبرًا لـ(كان)، وين (كان)؟ ﴿وَإِنْ كَانُوا﴾، واقترنت اللام بها من أجْل ﴿إِنْ﴾، والاقتران هنا واجب ولَّا جائز؟ * طالب: لا، واجب. * طالب آخر: لا، جائز. * الشيخ: لا جائز، ولا واجب. * الطالب: لا، جائز. * الشيخ: أنت قلت: لا جائز، وهذا يقول: لا واجب. لا وهو واجب، لا وهو جائز. * طالب: واجب. * الشيخ: طيب، ما هو سبب الوجوب؟ * طالب: المخفَّفة من الثقيلة لا بدَّ أنْ تقترن بها اللام. * الشيخ: لا بدَّ أنْ تقترن بها اللام؟ * الطالب: (...). * الشيخ: وما هو وجه الجواز؟ * طالب: وجه الجواز أن (إنْ) تشتبه (...)، يجب اقتران (إن) المخففة إذا اشتبهت بـ(ما). * الشيخ: من أين تعرف ذلك من كلام ابن مالك؟ * طالب: من قوله: وَخُفِّفَتْ (إِنَّ) فَقَـــلَّ الْعَـــمَلُ ∗∗∗ وَتَـــــلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَـــا تُهْمَلُ؎وَرُبَّمَــا اسْتُــــغْنِيَ عَنْهَــا إِنْ بَدَا ∗∗∗ مَــــا نَاطِـــــــــقٌ أَرَادَهُمُعْتَمِـــــدَا * الشيخ: وأنت ما تقول في هذه الحجة؟ طيب، الآن لو أسقطْناها أَلَا تشتبه (إن) المخفَّفة بـ(إن) النافية؛ يعني لو كانت: وما كانوا من قَبْل أن يُنَزَّل عليهم مُبْلسين؟ تشتبه؛ يعني يستبشرون مع أنهم ما أَبْلسوا ولا أَيِسوا، ربما يقع هذا، يعني يستبشرون وإنْ كان ما عندهم يأسٌ من قَبْلُ، فالظاهرُ الوجوبُ لا للعِلَّة التي ذَكَر؛ لأنه ظنَّ أنَّه يجب الاقترانُ مطلقًا، ولكنَّه يجب؛ لأنها قد تشتبه بـ(إن) النافية، أمَّا إذا لم تشتبهْ فهو ما يجب الاقتران. هل هناك شاهدٌ من الإعراب لذلك؟ إي نعم قول الشاعر: ........................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَالْمَعَادِنِ هو يفتخر بأنَّه من بني مالكٍ ثم يقول: (وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ)، هُنا ما يمكن أن تشتبه (إنْ) بـ(ما) لماذا؟ لأنه لا يمكن أنْ يفتخر بقومٍ يسلب عنهم كَرَم المعدن، أو لا؟ لو تقول: أنا -مَثَلًا- من قبيلة، هذه القبيلة ما كانت كرامَ المعادن. يصلح؟! ما يستقيم. الحاصل أنَّ اللام هنا للتوكيد، ويُسمِّيها بعضُ العلماء: لام الفَرْق؛ اللام الفارقة، وهذا أدقُّ في التعبير، وهي مع كونها فارقةً تفيد التوكيد، وإنما سَمَّوها اللام الفارقة لأنها تفرق بين (إن) النافية وبين (إن) المخفَّفة. طيب، إذا قال قائل: هل يمكن أن تقترن باللام مع كون (إن) بمعنى النفي؟ فالجواب: لا، وهذا هو السرُّ في أنها فارقةٌ لا يمكن أن تقترن بها اللام؛ لأن اللام تفيد توكيد الإثبات، والنفيُ بخلاف ذلك؛ النفي يفيد النفي. قال: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ يقول: (آيِسِينَ مِن إنْزالِهِ). والإبلاس مِثْل القنوط؛ أشدُّ اليأس، ومنه سُمِّي إبليس -نعوذ بالله منه- لأنه أيش؟ مُبْلِسٌ آيِسٌ من رحمة الله. ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ آيِسين من نُزوله. ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم ٥٠] ﴿فَانْظُرْ﴾ الخطاب لِمَن؟ * طالب: للرسول. * الشيخ: للإنسان، لا، ما هو للرسول، الخطابُ للإنسان، لِمَن يتأتَّى خطابُه، الرسول ﷺ وغيره؛ لأنه قال بالأول: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾، ثم قال هنا: ﴿فَانْظُرْ﴾ أي: انظر أيُّها الإنسان (إلى ﴿﴿أَثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ ﴾، وفي قراءة) يقول المؤلف: (﴿﴿آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ ﴾). شوف الرسم العثماني، من فوائد التزامه أنَّه لا يتغيَّر بتغيُّر القراءات، ﴿آثَارِ﴾ على مقتضى قواعد الرسم العصرية كيف تكتب؟ بألف بين الثاء والراء، لكنَّها على قواعد المصحف العثماني يُكْتَب فيها ألف؟ لا، (أَثَر) ثاء وراء، فتصلح ﴿آثَارِ﴾ وتصلح ﴿﴿أَثَرِ﴾ ﴾. وقوله: ﴿إِلَى آثَارِ﴾ و﴿﴿إِلَى أَثَرِ﴾ ﴾ لا فرق بينهما في الجملة من حيث المعنى؛ لأن ﴿آثَارِ﴾ مضاف فيفيد العموم، و﴿﴿أَثَرِ﴾ ﴾ مضاف فيفيد العموم؛ لأن المفرد إذا أُضِيف أفادَ العموم، فـ﴿﴿أَثَرِ﴾ ﴾ و﴿آثَارِ﴾ من حيث الجملة لا فرق بينهما؛ لأن ﴿﴿أَثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ ﴾ بمعنى ﴿آثَارِ﴾، لكن الفرق بينهما من حيث المعنى الخاصِّ أنَّ ﴿﴿أَثَرِ﴾ ﴾ يشمل الجنس باعتباره شيئًا واحدًا، وأمَّا ﴿آثَارِ﴾ فتشمل الجنس باعتباره أنواعًا. كيف باعتباره أنواعًا؟ مِثْل أَثَر المطر يخرج به الزرعُ، ويخرج به الشجرُ، ويخرج به شيءٌ صغيرٌ وشيءٌ كبيرٌ، وشيءٌ له أشجارٌ مُفَتَّحةٌ، وشيءٌ له أشجارٌ دقيقةٌ كالعيدان، فلهذا تُعتبر هذه آثارًا باعتبار أنواعها. ثم أيضًا الآثارُ تختلف من أرضٍ إلى أرضٍ؛ هذه الأرض تُنبت كذا، وهذه الأرض تُنبت كذا، هذه ينبت فيها الكَلَأ وهذه لا ينبت، ... وهكذا، فهي آثارٌ باعتبار الأنواع، أمَّا باعتبار الجنس وأنَّ كله حَصَلَ بسبب المطر فهو شيءٌ واحدٌ، وهذا هو الفرق الخاصُّ بين ﴿﴿أَثَرِ﴾ ﴾ و﴿آثَارِ﴾. (﴿﴿آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ ﴾ أي: نِعمته بالمطر). وقد سبق لنا أنَّ الرحمة في مِثْل هذا يصحُّ أنْ تكون اسمًا للمخلوق ويصحُّ أنْ تكون من صفات الله؛ فإنْ كان المرادُ الأَثَرَ المباشرَ فالمرادُ بالرحمة المطَرُ؛ لأن هذا النبات نَبَتَ بماذا؟ بالمطر، وإنْ كان المرادُ السببَ غير المباشر فالمراد بالرحمة صفةُ اللهِ؛ يعني لكون الله جل وعلا رحيمًا فهذه من آثار الرحمة أنَّه يُنزل المطر، وتَنْبت به الأرضُ، ويزول به القَحْط، فالآيةُ صالحةٌ لهذا ولهذا. قال: ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم ٥٠] هذا مما يرجِّح أنَّ المرادَ بالرحمة الصفةُ؛ رحمة الله، ﴿كَيْفَ يُحْيِ﴾ هو؛ أي: بالرحمة سبحانه وتعالى، ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ﴾ يجعلها حيَّةً ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ قال المؤلف: (أي: يُبْسها)، وحياةُ كلِّ شيءٍ بِحَسَبه؛ فالأرض اليابسة اللي ما فيها خضراء تُسمَّى ميتة، ما فيها شيءٌ حيٌّ، فإذا نَزَلَ عليها المطرُ وحيي النباتُ سُمِّيتْ حيَّة. ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وهذا دليلٌ على قدرة الربِّ عز وجل وعلى رحمته؛ لأنه مَن يقدر على أن يَفْلق النواةَ والحبَّ في باطن الأرض حتى يخرج منه هذا النباتُ النَّامي؟ أحد يقدر على هذا؟ ما أحد يقدر؛ لهذا قد جاء في الحديث الصحيح القدسي: «فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٥٩)، ومسلم (٢١١١ / ١٠١)، من حديث أبي هريرة.]]، ما يستطيعون، ما يستطيع أحدٌ أن يخلق هذا؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام ٩٥]. ﴿كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْض بَعْد مَوْتهَا﴾ ﴿كَيْفَ﴾ يعني: انظر إلى الكيفية والقُدرة، كيف هذه الأرض اللى كانت غبراء كأنها محترقة أصبحت الآن روضةً خضراء! (أي: يُبْسها بأنْ تنبتْ). قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [الروم ٥٠] ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ المشار إليه (...). * * * (...) يكون عبثًا، يُخلق بَشَر عاقل، يعرف، ويعقل، ويتصرَّف، ويقتل بعضُه بعضًا، وينهب بعضُه بعضًا، ويسالم بعضُه بعضًا، والنتيجة أنْ يكونوا تُرابًا، هذا لا يمكن أبدًا؛ يعني لو تصوَّره إنسانٌ أدنى تصوُّر لَوجد أنَّ العقل يدلُّ دلالةً قطعيَّةً على أنَّه لا بُدَّ من بعثٍ و(...)، وإلا لَكانت الدنيا كلُّها عبثًا؛ ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]. ألسْنا مثلًا نشاهد مَن يخالفنا في العمل، مَن يخالفنا في الأخلاق، مَن يخالفنا في العقيدة، ونتألَّم من ذلك ولَّا لا؟ نعم، لولا أنَّ الله يُسَلِّي الرسولَ ﷺ: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣] وما أشبهَ ذلك مما يُسَلِّيه به لَتقطَّع قلبُه عليه الصلاة والسلام، نحن الآن نتألَّم لِمَن يخالفنا في العقيدة، لِمَن يخالفنا في الأخلاق، لِمَن يخالفنا في الأعمال، نتألَّم لا شكَّ، هذا الأَلَم يؤثِّر علينا، ولكن يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ لكن هناك فارقٌ ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء ١٠٤]، فالحاصل أنَّ هذا الكون العظيم ما يمكن أن يكون عَبَثًا هكذا؛ يحيا ثم يكون ترابًا، فالله عز وجل يُحيي الموتى، ليس بني آدم فقط، ولكن بنو آدم وغيرهم؛ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام ٣٨] ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير ٥] وأخبرَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنَّ البهائم يُقْتَصُّ من القَرْناء للجَلْحاء[[أخرجه مسلم (٢٥٨٢ / ٦٠) من حديث أبي هريرة.]]، حتى البهائم يُقضى بينها، واضح يا جماعة؟ ولهذا نقول: ﴿الْمَوْتَى﴾ لا يختصُّ بالإنسان فقط، بل بالإنسان وغير الإنسان؛ ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [الروم ٥٠]. ثم أكَّدَ هذا أيضًا -إحياء الموتى- بمؤكِّد آخَر؛ بالجملة التي بعده، وهو قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم ٥٠]، فإذَنْ أُكِّد إحياءُ الموتى بمؤكِّدينِ لفظيَّينِ ومؤكِّدينِ معنويَّينِ. وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كلُّ شيءٍ اللَّهُ قادرٌ عليه، كلُّ شيءٍ بدون استثناء، كلُّ ما تتعلَّق به القدرة ويمكن أنْ يكون قادر عليه؛ فإنَّ الله تعالى قادر، على كلِّ شيءٍ قدير، ليس على ما يشاء فقط، بلْ على ما يشاء وما لا يشاء، فهداية الكافر الذي مات على كُفره الله قادرٌ عليها ولَّا لا؟ * طلبة: نعم قادر. * الشيخ: وشاءَها؟ ما شاءَها، وهو قادرٌ عليها، فلا تختصُّ قدرته بما شاءه، وبهذا نعرف أن تعبير بعض الناس أنَّه على ما يشاء قدير، أنَّه لا ينبغي، بلْ قُل كما قال الله عن نفسه: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]. وأمَّا حديث الرجل الذي يبعثه الله يوم القيامة فذكر القصَّة، وفيها أنَّ الله قال له: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»[[أخرجه مسلم (١٨٧ / ٣١٠) من حديث ابن مسعود.]]، فهذه ليس المراد بها وَصْف الله بالقدرة مطلقًا، بل وَصْف الله بالقدرة على هذا الشيء المعيَّن الذي استبعده المخاطَب، فالله يقول: قد شِئْتُه فأنا قادرٌ عليه، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]، فالقيد بالمشيئة هنا ليس عائدًا على القدرة، لكنَّه عائدٌ على الجمع، الشيءُ المعيَّن ممكن أن تقيِّده بالقدرة، أمَّا إذا أردتَ وَصْفَ الله بالقدرة فلا تقيِّدها بالمشيئة، ففرقٌ بين أن تُعَلَّق القدرة بشيءٍ معيَّن خاصٍّ وبين أن تُذكر على سبيل الوصف العام لله، إذا كانت وصفًا عامًّا لا؛ فالله تعالى ما ذكر قَيْد المشيئة أبدًا؛ ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان ٥٤]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧]، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٨٤] وما أشبهَ ذلك. والقدرة ضدُّ العجز؛ انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤]، وأفاد العلم هُنا لأنَّ العاجز قد يعجز لعدم عِلْمه بالشيء؛ واحد مهندس لكنْ فيه روماتيزم ما يقدر يتحرَّك، مهندس تمام، قلنا له: اصنع السيارة هذه، يقدر ولَّا لا؟ ما يقدر. ليش؟ ما عنده القدرة، عاجزٌ؛ لأنه ما يقدر يتحرَّك. وآخَر نشيط يحمل الحجر الذي أكبر منه، لكنه ما يعرف الصناعة هذه، قلنا له: اصنع السيارة، قال: ما أقدر. ليش؟ لعدم العلم، فانتفاء القدرة قد يكون لعدم العلم وقد يكون لعدم القدرة، ما عنده عِلم، ما عنده شيء؛ يعني عاجز. طيب، (...) تفسير هذا في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ آخر سورة المائدة ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٢٠] يقرِّر عبارة منكَرة، هو ما أرادَ بها سوءًا -الله أعلم- ما أراد بها سوءًا فقال: (وخصَّ العقلُ ذاتَه فليس عليها بقادر). (خصَّ العقلُ ذاتَه) يعني أنَّ العقل يقتضي تخصيص ذات الله، فالله ما يقدر عليها. صحيح هذا؟ * طالب: ما هو بصحيح. * الشيخ: هذا ليس بصحيح، بل الله على كلِّ شيءٍ قدير، ولهذا الله تعالى استوى على العرش، بفِعْله ولَّا لا؟ بفعله وقدرته، يَنْزل إلى السماء الدنيا، يأتي للفصل بين عباده، يتكلَّم بما أراد، كل هذا مِمَّا يتعلَّق بذاته وهو قادرٌ عليه. فإنْ قال قائلٌ: الله يقدر على إماتة فلان، هل يقدر على أن يُميت نفسَه؟ هذا ما يمكن، لا لانتفاء القدرة، لكن لأنَّ هذا أمرٌ لا يليق به، وهو أشدُّ من العجز، فنقول: امتناع هذا لأنَّه مستحيلٌ على الله عز وجل، ولهذا السفَّاريني رحمه الله في العقيدة لَمَّا ذكر صفة القدرة قال: بِقُــــدْرَةٍ تَعَلَّــــقَتْ بِمُمْـــكِنِ ∗∗∗ ..................... أمَّا المستحيل فهو مستحيلٌ ما يمكن، المستحيل أصلُه مستحيلٌ ما تتعلَّق به القدرة، يُقال: إنَّ الشيطان إذا مات العالِمُ يفرح فرحًا عظيمًا، وإذا مات العُبَّاد يعني ما يُهِمُّه، قال جنوده له: كيف تفرح بموت العالِم هذا الفرح ولا تفرح في موت العابد اللي طول النهار بمحرابه. قال: نعم؛ لأن العالِم أشدُّ علينا من العابد، وإذا شئتم أنا الآن أضربُ لكم مثلًا. فذهب إلى العابد وقال له: هل يقدر الله عز وجل أنْ يجعل السماواتِ والأرضَ في جوف بيضة. قال العابد: لا، ما يقدر. قال: هل يقدر الله يَخْلق مثلَه. قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، يُمكن يقدر يَخْلق مثلَه. صح هذا؟! هذا لا يصح وغير ممكن، فذهب إلى العالِم فقال مثلَ هذا القول، قال: أمَّا خَلْق المثْل فهذا شيءٌ مستحيلٌ، ولا يمكن للمخلوق أن يكون مثل الخالق أبدًا مهما كان، وأمَّا كونه يجعل السماواتِ والأرضَ في جوف بيضةٍ فهو على كلِّ شيءٍ قدير. المسكين العابد كَفَرَ من وجهين: أثبتَ ما لا يمكن، ونَفَى ما يمكن، وهذا حقيقةً .. يعني العُبَّاد مِثْل ما قال سُفيان بن عيينة؛ يقول: «مَن فَسَدَ من عُبَّادنا ففيه شبهٌ من النصارى، ومَن فَسَدَ من علمائنا ففيه شبهٌ من اليهود»[[انظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٢ / ١٤٢).]]. واليهود أخبثُ من النصارى لا شكَّ؛ لأن العالِم فسادُه -والعياذ بالله- عن عِلْم، والعابد فسادُه عن جَهْل، وما كان عن جَهْلٍ فهو أهونُ مِمَّا كان عن عِلْم. * طالب: بالنسبة لقول مَن قال: إنَّه على ما يشاء قدير، ما يمكن نستخلص قاعدة أنَّ الصفات الذاتية (...) الصفات الفعلية (...) المشيئة عمومًا. * الشيخ: (...)، القاعدة عندهم أن الصفات الذاتية هي اللازمة للذات، والفعلية ما تتعلَّق بالمشيئة هذه قاعدتهم. * طالب: بالنسبة للتنزيل والإنزال في القرآن، كيف يُجاب عن ذلك؟ * الشيخ: أيُّ آية؟ * طالب: في القرآن، في نفس القرآن وَرَدَ أنَّه نزَّله، وقال: تنزيل، كيف الفرق؟ * الشيخ: المراد إذا وَرَدَ أنَّه نزل مثل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر ١] يكون المراد ابتداءُ إنزاله؛ يعني أنْزلنا الجملة منه، ما هو كله، وأمَّا التنزيل فهو باعتبار مجموعِهِ يكون نازلًا شيئًا فشيئًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦] مع أنَّه قد يأتي التنزيل لشيءٍ وَقَعَ جملةً واحدةً مثل قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [النساء ١٤٠]، فعلى هذا تكون القاعدة التي ذكرها أهل العلم في هذه المسألة قاعدة أغلبية ما هي لازمة. * * * ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [الروم ٤٨] إلى آخره. * يُستفاد من هذه الآية الكريمة: * أولًا: كمال قُدرة الله عز وجل بإرسال الرياح، وإثارتها السُّحُبَ، وارتفاعها في الجوِّ وبَسْطها فيها، وجعلها كِسفًا، ونزول المطر منها، نعم، كم هذه من وجه؟ يُستفاد منه كمال قدرة الله من عِدَّة أَوْجُه: أولًا: إرسال الرياح، إثارتها السحاب، بَسْطه في السماء، جَعْله كِسفًا، نزول المطر منه؛ من خمسة أوجُه. * من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ السماء يُطلق على كلِّ ما علا؛ لقوله: ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ﴾؛ فإنه لا يُبْسط في السماء التي هي السقف المحفوظ، وإنما يُبْسط في الجوِّ العالي. * ومن فوائدها: حِكمة الله عز وجل في نزول المطر من أعلى؛ لأنَّه إذا نزل من أعلى عَمَّ النازلَ والمرتفعَ، بخلاف ما لو كان يجري في الأرض فإنَّه يُغرق النازلَ قبل أن يصِلَ إلى العالي. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيانُ شِدَّة افتقار الخلْق إلى رحمة الله؛ لقوله: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. * ومنها: إثباتُ المشيئة؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومنها: إثباتُ العبوديَّة العامَّة؛ لقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾. * ومنها -ولننظر هل تصلح الفائدة هذه ولَّا لا- منها: جواز الاستبشار بالمطر وأنْ يُبَشِّر الناسُ بعضَهم بعضًا به. أو ما يمكن؟ المهمُّ هل يمكن يؤخَذ منه جواز الاستبشار بالمطر، أو يُقال: إنَّ هذا خبرٌ عن واقعٍ فلا يتأتَّى منه الحكم؟ فيه احتمال أنْ يُؤخَذ منه جوازُ الاستبشار بالمطر، وفيه احتمال أنْ يكون هذا بيانًا للواقع فلا يؤخَذ منه حكمٌ، وغايةُ ما فيه أنْ يُقال: إنَّه مُباح؛ لأن الله تعالى ذكره ولم يُنكره. * ومن فوائد الآية: بيانُ رحمة الله عز وجل لكَونِ المطر ينزل نُقَطًا لا أنَّه ينزل دفعةً واحدةً؛ لقوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾؛ لأنه لو نَزَل هكذا كأفواهِ القِرَب أو كالأوديةِ التي تمشي لَكان أيش؟ لَكان مدمِّرًا للمنازل، مدمِّرًا للأشجار، مؤثِّرًا على مَن ينزل عليه من الحيوان، ولكنَّ الله عز وجل جعله بهذا الرذاذ. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم ٤٩]. * في هذا: بيانُ حال العبد قَبْل نُزول المطر وأنَّ العبد ضعيفٌ؛ لقوله: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾، فإنَّه ضعيفٌ، إذا أُصِيب بشيءٍ أَيِسَ واستبعدَ الفَرَج، ولكن الله عز وجل يُزيل عنه هذا الأمرَ؛ قال: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾. طيب، مِن أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم ٥٠] في هذه الآية الأمرُ بالنظر، ويكون بالعين الباصرة، وبعين البصيرة أيضًا؛ فالأمر هنا بالنظر للوجهين جميعًا، الإنسان ينظر بعينه الباصرة وبعين البصيرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ النظر كما يكون نافعًا للإنسان فهو مأمورٌ به شرعًا؛ أي بمعنى: ثوابُ الإنسان أو إثابةُ الإنسان على النظر في آيات الله؛ لأنه مأمورٌ به. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ الآثار التي تنتج عن المطر كلها من رحمة الله؛ إحياء الأرض بالنبات وكثرة المياه فيها كلُّه من رحمة الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ قدرة الله سبحانه وتعالى على إحياء الموتى؛ لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾. * ومن فوائدها: الاستدلالُ بالمحسوسِ المنظورِ على المحسوسِ المنتظَر، كيف؟ المحسوسُ المنظورُ ما يَحْصل من حياة الأرض، والمحسوسُ المنتظَر ما يَحْصل من إحياء الموتى. * ومنها: أنَّه لا بدَّ أن يكون الدليلُ أَجْلَى وأَظْهر من المدلول عليه؛ بمعنى أنَّه لا يمكن أنْ نستدلَّ بالأَخْفى على الأظهر والأوضح؛ لأن الدليل معرِّفٌ للمدلول ومبيِّنٌ له، فكيف يمكن أن تستدلَّ بشيءٍ خَفِيٍّ على شيءٍ واضحٍ؟! أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: * ومن فوائد الآية الكريمة: رحمةُ الله تعالى بعباده؛ حيث يضرب لهم الأمثال، ويُبين لهم الأدلَّة ليتوصَّلوا إلى اليقين بما يجب الإيمان به؛ لأنه يكفي أنْ يقول الله عز وجل: آمِنُوا بأنِّي أُحيي الموتى، يكفي في إقامة الحجَّة عليهم، لكن مِن رحمته أنَّه يُبين لنا ويضرب لنا الأمثالَ لنَصِل إلى درجة اليقين بما أخبرنا به، مِن أين نأخذه؟ من قوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: نعمةُ الله على العِباد بإحياء الأرض؛ لقوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. * ومنها: أنَّ الجماد يُوصَف بالحياة والموت، ففيه ردٌّ على الفلاسفة الذين يقولون: إنَّ الجماد لا يمكن أن يوصَف بالحياة والموت لأنه غير قابلٍ لها. فنقول: إنَّ الله تعالى وَصَفَ الجمادَ بأنَّه حيٌّ وميتٌ كما في هذه الآية، وكما في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل ٢٠، ٢١] مع أنها أصنامٌ من الأحجار والأشجار وما أشبهها. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت صفة القدرة وعمومها؛ لقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، لا يُعجزه شيءٌ في السماوات ولا في الأرض.

الروم 30:49

ثم قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [الروم ٤٨]. قال المؤلف: (تُزْعِجُه)؛ لأنه مأخوذٌ من: أَثَارَ الصيدَ؛ إذا أَزْعَجَه. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ يعني: يَبْعثها كيف شاء سبحانه وتعالى. ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ قال المؤلف: فـ(تُزعجه)، كإثارة الصيد، فإنَّ إثارة الصيد من مكانه تعني إزعاجه حتى يقوم. وقوله: ﴿سَحَابًا﴾ السحاب هو المعروف؛ هو الغيم. ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (من قِلَّة وكَثْرة). ﴿فَيَبْسُطُهُ﴾ البَسْط معناه النَّشْر، ﴿كَيْفَ يَشَاء﴾ هذه تعود إلى كيفيَّة هذا النَّشْر؛ قد يكون واسعًا، وقد يكون قليلًا، وقد يكون كثيفًا، وقد يكون خفيفًا، ولهذا قال (﴿﴿وَيَجْعَلهُ كِسَفًا﴾ ﴾ بفتح السِّين وسكونها: قِطَعًا متفرِّقة). بفتح السين يعني ﴿كِسَفًا﴾، وسكونها يعني ﴿كِسْفًا﴾، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤] ﴿كِسْفًا﴾. والكِسَف معناه: القِطَع، وكأنَّ المؤلف رحمه الله يريد أنْ يُبَيِّن أنَّ السحاب قد يكون واسعًا منتشرًا مبسوطًا، وقد يكون قليلًا قِطَعًا متفرِّقة. وقال بعض المفسرين: معنى كونه ﴿كِسَفًا﴾ أنَّه قِطَعٌ متراكبةٌ بعضُها فوق بعض حتى يَسْوَدَّ ويَدْلَهِمَّ ويَحْصل فيه الرعْدُ والبَرْقُ، وهذا أَوْلى أنَّ المراد بالكِسَف يعني القِطَع المتراكبة التي يركب بعضُها بعضًا حتى تَدْلَهِمَّ وتَسْوَدَّ، وهذا في الغالب أكثرُ مطرًا. يقول: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ ﴿فَتَرَى﴾ الخطاب لكلِّ مَن يتأتَّى خطابُه؛ لأن هذه الرؤية ليست خاصَّةً بالرسول ﷺ. وقوله: ﴿الْوَدْقَ﴾ يعني (الْمَطَر)؛ يعني حبَّات المطَر تُسَمَّى وَدْقًا. ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ (أي وَسَطِه)، وقيل: من بَيْنِه؛ من بين هذا السحاب. وقوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ إذا قال قائلٌ: نحن لا نراها بأعيُننا المجرَّدة، ما نرى أنَّ المطر يتخلَّل هذا السحاب (...). فيقال: إنَّه خَبَر صِدْق، فيكون أيش؟ يكون كالمشاهَد؛ ما دام الله تعالى أخبر به فإننا كأنَّما نشاهده بأعيُننا، ثم إنَّه في الوقت الحاضر وُجِدت الآلاتُ القويَّة التي يستطيع الإنسانُ بها أنْ يرى كيف يخرج هذا المطر؛ هذه النُّقَط، مِن خلال السحاب. وقوله: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ﴾ (بالودْق) ﴿مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده إذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ هذه جملة شرطية؛ ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ﴾ (إذا) تدلُّ على أن هؤلاء الذين أُصِيبوا بالمطر أنَّهم في غاية الاشتياق إليه، ولهذا بمجرَّد ما يصيبهم يَحْصل الاستبشار. وقولُنا: (بمجرَّد) ليس نتيجةً عن ترتُّب جواب الشرط على فِعْل الشرط، ولكنه نتيجةٌ لذلك وزيادة أَمْرٍ آخَر وهو الإتيانُ بـ﴿إذَا﴾ الفجائية التي تدلُّ على المفاجأة والسرعة. إذَنْ (إذا) تفيد الشرط، وفِعْل الشرط هو ﴿أَصَابَ﴾، وجواب الشرط جملة ﴿هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ المصدَّرة بـ﴿إذَا﴾ الفجائية. قلنا: إنَّ هذا التعبير يدلُّ على أنَّ هؤلاء في غاية ما يكون من الاشتياق إلى نُزول الغيث؛ وجْهُ ذلك استبشارُهم بمجرَّد الإصابة، وليس استبشارًا عاديًّا كترتُّب الجواب على فِعْل الشرط، ولكنَّه أَبْلَغ لأنه أتى بـ﴿إذَا﴾ الفجائية الدالَّة على المبادرة بوجود ذلك الشيء. وقوله: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ قال المؤلف: (يَفْرحون بالمطَر)، وهو أشدُّ مِن مجرَّد الفرح، الاستبشار أشدُّ من مجرَّد الفرح، بل هو يستبشرُ بنفسه وربما يُهَنِّئ غيرَه ويُبَشِّره، ولهذا في المطر في أيام الموسم -موسم المطر- تجد مثلًا الناس إذا رأى بعضُهم بعضًا -لا سيَّما الذين يأتون من البراري- يقول: أُبَشِّرك أنَّه نزل مَطَرٌ وأنَّه كثيرٌ. أو حسب ما يكون، فالاستبشارُ هنا أَبْلغ من مجرَّد الفرح، لكن المؤلف رحمه الله ربما يفسِّره بالتقريب. وقوله: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ لا ما يشاء الناس؛ فالذي يُنزل الغيثَ هو الله عز وجل، وليس أحدٌ يستطيع أن يُنزله، وأمَّا ما ذُكِر من أنهم الآن يُسَلِّطون مواد كيماوية على السحاب فينزل المطر، فإنَّنا نقول: إن صحَّ هذا الأمر فمَن الذي خَلَق هذا المطر؟ الله سبحانه وتعالى، والذي أَوْجَدَ هذا السحابَ هو الله سبحانه وتعالى، وكَوْنُهم يتوصَّلون إلى أسبابٍ يتبخَّر بها هذا السحاب حتى ينزل مطرًا هذا لا يُنافي أنْ يكون الله عز وجل هو الذي يُنَزِّل الغيثَ، ثم إنَّ الآية: ﴿يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [الشورى ٢٨] أَبْلَغ مِن: يُنَزِّل المطرَ؛ إذْ إنَّ المطر قد ينزل ولا يكون غيثًا؛ كما ثبت في صحيح مسلم[[(٢٩٠٤ / ٤٤) من حديث أبي هريرة.]] «لَيْسَ السَّنَةُ أَلَّا تُمْطَرُوا، إِنَّمَا السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتَ الْأَرْضُ» (السَّنَة) ويش معناها؟ الجدْب والقَحْط؛ يعني: ما هو بَس أنَّه ما يأتي المطر، السَّنَة الحقيقيَّة أنْ يأتي ولا يحصل نباتٌ. وقوله: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ المراد بالعِباد هُنا جمع عَبْد، وهي العُبودية الخاصَّة ولَّا العامَّة؟ العامَّة، لماذا؟ لأنَّ المطر يَنْزل على المؤمنين وعلى الكافرين، نعم، بل ربما يكون نُزوله على الكافرين أكثرَ وأغدقَ وأشدَّ استمرارًا؛ امتحانًا لهم، لتُعَجَّل لهم طيِّباتُهم في حياتهم الدنيا، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ أي: بهذه الطيِّبات ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأحقاف ٢٠] إلى آخِره. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا﴾ [الروم ٤٩] قال المؤلف: (وقد ﴿﴿كَانُوا﴾ ﴾)، (قد)؛ قدَّر ﴿إِنْ﴾ بـ(قد)، وتَبِع في ذلك البغوي، والمؤلف الجلالين مأخوذ من البغوي؛ يعني كأنه مختصر له؛ لأنك إذا تأمَّلْتَ تفسيره -رحمه الله- وجدتَ أنَّه هو تفسير البغوي بعينه، لكن البغوي مبسوطٌ وهذا مختصَر. هو قال: (﴿﴿إِنْ﴾ ﴾ قد)، ولا أحد من أهل النحو قال بهذا القول، إلَّا أنْ يقوله على سبيل التفسير فقط، والصواب الذي لا شك فيه هو أنَّ ﴿إِنْ﴾ هنا مخفَّفة من الثقيلة كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤]، وعلى هذا فنقول: إنَّ أصلها (إنَّ) فخُفِّفت، واسمها أين هو؟ * طلبة: ضمير الشأن. * الشيخ: ضمير الشأن، اسمها ضمير الشأن محذوف، والتقدير: وإنَّهم. وقد سبق لنا أنَّ القول الصحيح فيه من أقوال النحويين أنَّ ضمير الشان لا يُقَدَّر مفردًا مذكرًا، وإنما يُقَدَّر بحسب السياق، فهو ضميرٌ مُقَدَّرٌ بحسب السياق؛ إنْ كان السياق يقتضي التأنيثَ فهو مؤنَّث، يقتضي التذكيرَ فهو مذكَّر، يقتضي الجمعَ فهو مجموعٌ، يقتضي التثنية فهو مثنى[[الصحيح أنَّ ضمير الشأن يختلف حسب السياق تذكيرًا وتأنيثًا، ولكنه لا يُثنَّى ولا يُجمع. انظر حاشية الصبان على الأشموني (١ / ٣٧٠).]]، إذَنْ أصْله: وإنَّهم كانوا. لكن خُفِّفتْ (إنَّ) فحُذِف اسمها على أنَّه ضمير الشأن. ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ [الروم ٤٩]، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيش؟ المطر. مِن أين نعرف أنَّه المطر؟ هل سبق التحدُّث عن تنزيل المطر؟ الجواب: نعم، في قوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾؛ فإنَّ الودْق إذا خرج من خلال السحاب أين يذهب؟ ينزل إلى الأرض. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ يُعبِّر الله عز وجل عن نُزول المطر بالإنزال والتنزيل؛ وذلك لأن المطر أحيانًا يأتي دفعةً واحدةً بكثرةٍ وغزارةٍ فيكون إنزالًا، وأحيانًا يأتي بالتدريج ضعيفًا متقطِّعًا فيُسَمَّى تنزيلًا؛ لأنَّ التنزيل معناه إنزالُ الشيءِ شيئًا فشيئًا، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾. * طالب: بالنسبة (...) التنزيل والإنزال (...) باعتبار المطر ككُلٍّ نقول: نزل، باعتبار يعني أفراده .. * الشيخ: لا، أَنْزل. * طالب: باعتبار أفراده.. * الشيخ: لا، باعتبار الكثرة والتفريق. * طالب: (...) السحابة هذه في الوقت وبعد أيام.. * الشيخ: بعد أيام يأتي، ثم يأتي أيضًا بقليلٍ أحيانًا؛ يعني مثلًا يكون المطر يومين، ثلاثة، ولكنَّه قليلٌ، وأحيانًا يأتي كما أنتم تشاهدون سُحُبًا عظيمةً كأنها أفواهُ القِرَب. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾، كلمة ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ اختلفَ فيها أهل العلم؛ فقال بعضُهم كما قال المؤلف: إنها (تأكيد)؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران ١٨٨]، كرَّرَ الفِعل توكيدًا، هذا قول، وهو الذي مشى عليه المؤلف وعليه أكثر المفسرين أنَّ قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل أن يُنَزَّل عليهم، فكأنَّه قال: وإنْ كانوا مِن قبل أن يُنَزَّل عليهم مِن قبل أن يُنَزَّل عليهم لَمُبلسين، فيكون تكرارها للتوكيد. وقال بعضُ المفسرين: إنها كُرِّرت للتأسيس لا للتوكيد. ومعلومٌ أنَّه إذا دار الكلام بين أن يكون توكيدًا وأن يكون تأسيسًا فالأصل التأسيسُ؛ يعني الأصل عدم التوكيد؛ لأن التوكيد تكرار، والأصل عدم التكرار، فيرى بعضُ المفسرين أنها ليست للتوكيد وأنَّها للتأسيس. خُذوا بالكم من الفرق (...) العلماء رحمهم الله، الفرق بين التوكيد والتأسيس أن التوكيد معناه أنَّ هذا هو الأول، والتأسيس معناه أنَّ هذا غير الأول وأنَّه كلامٌ مستقلٌّ. على القول بأنه تأسيسٌ ما معناه؟ قال بعضهم: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل الاستبشار؛ وإن كانوا من قبل أنْ يُنَزَّل عليهم من قبل الاستبشار لَمُبلسين، فذَكَر الله لهم حالينِ قبل الاستبشار وبعده، فهمتم؟ وهذا ما مشى عليه أبو السعود، وهو جيِّد ولا فيه إشكال من حيث التصوُّر والمعنى، (...) المعنى وإنْ كانوا من قبل إنزال المطر من قبل ذلك الاستبشار لَمُبلسين، فنبَّههم الله على حالهم قبل الاستبشار، وهو الإبلاس، وعلى حالهم بعد ذلك. وقال بعضهم: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قَبْلِ قَبْلِ أنْ ينزل عليهم؛ ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ يعني: وإنْ كانوا من قبل أنْ يُنَزَّل عليهم ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قَبْلِ ذلك القَبْل، فيجعلون الضمير في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ ليس عائدًا إلى المطر ولا عائدًا إلى الاستبشار، وإنما يجعلونه عائدًا إلى القَبْل، فالمعنى على هذا: وإنْ كانوا مِن قَبْل أنْ يُنَزَّل عليهم مِن قَبْل ذلك القَبْل لَمُبلسين، فيكون فائدتها أن الإبلاس مستمرٌّ معهم من قديم الزمان، فيأتي موسمٌ لا يأتي فيه مطرٌ فيُبلسون، ثم يأتي موسمٌ آخَر فيُبلسون، ثم يأتي موسمٌ آخَر فيُبلسون ... وهكذا، ومعلومٌ أنَّه إذا تكرَّرت مواسمُ ولَمْ يأتِ مطرٌ كان أشدَّ في الإبلاس، فيكون المعنى أنَّ هذا الاستبشار أنَّه أتى بعد يأسٍ مرَّتينِ فأكثر، وهذا أيضًا ذكره ابن كثير رحمه الله في تفسيره، فصار لدينا في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ كم قولًا؟ ثلاثة أقوال: القول الأول: أنَّها توكيد. والثاني: أنَّ الضمير يعود على الاستبشار. والثالث: أن الضمير يعود على القَبْل؛ أي: وإن كانوا من قَبْل أنْ يُنَزَّل عليهم من قَبْل ذلك القَبْل أيضًا لَمُبلسين. أمَّا قوله: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ فهي بالنصب خبرًا لـ(كان)، وين (كان)؟ ﴿وَإِنْ كَانُوا﴾، واقترنت اللام بها من أجْل ﴿إِنْ﴾، والاقتران هنا واجب ولَّا جائز؟ * طالب: لا، واجب. * طالب آخر: لا، جائز. * الشيخ: لا جائز، ولا واجب. * الطالب: لا، جائز. * الشيخ: أنت قلت: لا جائز، وهذا يقول: لا واجب. لا وهو واجب، لا وهو جائز. * طالب: واجب. * الشيخ: طيب، ما هو سبب الوجوب؟ * طالب: المخفَّفة من الثقيلة لا بدَّ أنْ تقترن بها اللام. * الشيخ: لا بدَّ أنْ تقترن بها اللام؟ * الطالب: (...). * الشيخ: وما هو وجه الجواز؟ * طالب: وجه الجواز أن (إنْ) تشتبه (...)، يجب اقتران (إن) المخففة إذا اشتبهت بـ(ما). * الشيخ: من أين تعرف ذلك من كلام ابن مالك؟ * طالب: من قوله: وَخُفِّفَتْ (إِنَّ) فَقَـــلَّ الْعَـــمَلُ ∗∗∗ وَتَـــــلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَـــا تُهْمَلُ؎وَرُبَّمَــا اسْتُــــغْنِيَ عَنْهَــا إِنْ بَدَا ∗∗∗ مَــــا نَاطِـــــــــقٌ أَرَادَهُمُعْتَمِـــــدَا * الشيخ: وأنت ما تقول في هذه الحجة؟ طيب، الآن لو أسقطْناها أَلَا تشتبه (إن) المخفَّفة بـ(إن) النافية؛ يعني لو كانت: وما كانوا من قَبْل أن يُنَزَّل عليهم مُبْلسين؟ تشتبه؛ يعني يستبشرون مع أنهم ما أَبْلسوا ولا أَيِسوا، ربما يقع هذا، يعني يستبشرون وإنْ كان ما عندهم يأسٌ من قَبْلُ، فالظاهرُ الوجوبُ لا للعِلَّة التي ذَكَر؛ لأنه ظنَّ أنَّه يجب الاقترانُ مطلقًا، ولكنَّه يجب؛ لأنها قد تشتبه بـ(إن) النافية، أمَّا إذا لم تشتبهْ فهو ما يجب الاقتران. هل هناك شاهدٌ من الإعراب لذلك؟ إي نعم قول الشاعر: ........................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَالْمَعَادِنِ هو يفتخر بأنَّه من بني مالكٍ ثم يقول: (وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ)، هُنا ما يمكن أن تشتبه (إنْ) بـ(ما) لماذا؟ لأنه لا يمكن أنْ يفتخر بقومٍ يسلب عنهم كَرَم المعدن، أو لا؟ لو تقول: أنا -مَثَلًا- من قبيلة، هذه القبيلة ما كانت كرامَ المعادن. يصلح؟! ما يستقيم. الحاصل أنَّ اللام هنا للتوكيد، ويُسمِّيها بعضُ العلماء: لام الفَرْق؛ اللام الفارقة، وهذا أدقُّ في التعبير، وهي مع كونها فارقةً تفيد التوكيد، وإنما سَمَّوها اللام الفارقة لأنها تفرق بين (إن) النافية وبين (إن) المخفَّفة. طيب، إذا قال قائل: هل يمكن أن تقترن باللام مع كون (إن) بمعنى النفي؟ فالجواب: لا، وهذا هو السرُّ في أنها فارقةٌ لا يمكن أن تقترن بها اللام؛ لأن اللام تفيد توكيد الإثبات، والنفيُ بخلاف ذلك؛ النفي يفيد النفي. قال: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ يقول: (آيِسِينَ مِن إنْزالِهِ). والإبلاس مِثْل القنوط؛ أشدُّ اليأس، ومنه سُمِّي إبليس -نعوذ بالله منه- لأنه أيش؟ مُبْلِسٌ آيِسٌ من رحمة الله. ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ آيِسين من نُزوله. ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم ٥٠] ﴿فَانْظُرْ﴾ الخطاب لِمَن؟ * طالب: للرسول. * الشيخ: للإنسان، لا، ما هو للرسول، الخطابُ للإنسان، لِمَن يتأتَّى خطابُه، الرسول ﷺ وغيره؛ لأنه قال بالأول: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾، ثم قال هنا: ﴿فَانْظُرْ﴾ أي: انظر أيُّها الإنسان (إلى ﴿﴿أَثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ ﴾، وفي قراءة) يقول المؤلف: (﴿﴿آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ ﴾). شوف الرسم العثماني، من فوائد التزامه أنَّه لا يتغيَّر بتغيُّر القراءات، ﴿آثَارِ﴾ على مقتضى قواعد الرسم العصرية كيف تكتب؟ بألف بين الثاء والراء، لكنَّها على قواعد المصحف العثماني يُكْتَب فيها ألف؟ لا، (أَثَر) ثاء وراء، فتصلح ﴿آثَارِ﴾ وتصلح ﴿﴿أَثَرِ﴾ ﴾. وقوله: ﴿إِلَى آثَارِ﴾ و﴿﴿إِلَى أَثَرِ﴾ ﴾ لا فرق بينهما في الجملة من حيث المعنى؛ لأن ﴿آثَارِ﴾ مضاف فيفيد العموم، و﴿﴿أَثَرِ﴾ ﴾ مضاف فيفيد العموم؛ لأن المفرد إذا أُضِيف أفادَ العموم، فـ﴿﴿أَثَرِ﴾ ﴾ و﴿آثَارِ﴾ من حيث الجملة لا فرق بينهما؛ لأن ﴿﴿أَثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ ﴾ بمعنى ﴿آثَارِ﴾، لكن الفرق بينهما من حيث المعنى الخاصِّ أنَّ ﴿﴿أَثَرِ﴾ ﴾ يشمل الجنس باعتباره شيئًا واحدًا، وأمَّا ﴿آثَارِ﴾ فتشمل الجنس باعتباره أنواعًا. كيف باعتباره أنواعًا؟ مِثْل أَثَر المطر يخرج به الزرعُ، ويخرج به الشجرُ، ويخرج به شيءٌ صغيرٌ وشيءٌ كبيرٌ، وشيءٌ له أشجارٌ مُفَتَّحةٌ، وشيءٌ له أشجارٌ دقيقةٌ كالعيدان، فلهذا تُعتبر هذه آثارًا باعتبار أنواعها. ثم أيضًا الآثارُ تختلف من أرضٍ إلى أرضٍ؛ هذه الأرض تُنبت كذا، وهذه الأرض تُنبت كذا، هذه ينبت فيها الكَلَأ وهذه لا ينبت، ... وهكذا، فهي آثارٌ باعتبار الأنواع، أمَّا باعتبار الجنس وأنَّ كله حَصَلَ بسبب المطر فهو شيءٌ واحدٌ، وهذا هو الفرق الخاصُّ بين ﴿﴿أَثَرِ﴾ ﴾ و﴿آثَارِ﴾. (﴿﴿آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ ﴾ أي: نِعمته بالمطر). وقد سبق لنا أنَّ الرحمة في مِثْل هذا يصحُّ أنْ تكون اسمًا للمخلوق ويصحُّ أنْ تكون من صفات الله؛ فإنْ كان المرادُ الأَثَرَ المباشرَ فالمرادُ بالرحمة المطَرُ؛ لأن هذا النبات نَبَتَ بماذا؟ بالمطر، وإنْ كان المرادُ السببَ غير المباشر فالمراد بالرحمة صفةُ اللهِ؛ يعني لكون الله جل وعلا رحيمًا فهذه من آثار الرحمة أنَّه يُنزل المطر، وتَنْبت به الأرضُ، ويزول به القَحْط، فالآيةُ صالحةٌ لهذا ولهذا. قال: ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم ٥٠] هذا مما يرجِّح أنَّ المرادَ بالرحمة الصفةُ؛ رحمة الله، ﴿كَيْفَ يُحْيِ﴾ هو؛ أي: بالرحمة سبحانه وتعالى، ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ﴾ يجعلها حيَّةً ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ قال المؤلف: (أي: يُبْسها)، وحياةُ كلِّ شيءٍ بِحَسَبه؛ فالأرض اليابسة اللي ما فيها خضراء تُسمَّى ميتة، ما فيها شيءٌ حيٌّ، فإذا نَزَلَ عليها المطرُ وحيي النباتُ سُمِّيتْ حيَّة. ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وهذا دليلٌ على قدرة الربِّ عز وجل وعلى رحمته؛ لأنه مَن يقدر على أن يَفْلق النواةَ والحبَّ في باطن الأرض حتى يخرج منه هذا النباتُ النَّامي؟ أحد يقدر على هذا؟ ما أحد يقدر؛ لهذا قد جاء في الحديث الصحيح القدسي: «فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٥٩)، ومسلم (٢١١١ / ١٠١)، من حديث أبي هريرة.]]، ما يستطيعون، ما يستطيع أحدٌ أن يخلق هذا؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام ٩٥]. ﴿كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْض بَعْد مَوْتهَا﴾ ﴿كَيْفَ﴾ يعني: انظر إلى الكيفية والقُدرة، كيف هذه الأرض اللى كانت غبراء كأنها محترقة أصبحت الآن روضةً خضراء! (أي: يُبْسها بأنْ تنبتْ). قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [الروم ٥٠] ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ المشار إليه (...). * * * (...) يكون عبثًا، يُخلق بَشَر عاقل، يعرف، ويعقل، ويتصرَّف، ويقتل بعضُه بعضًا، وينهب بعضُه بعضًا، ويسالم بعضُه بعضًا، والنتيجة أنْ يكونوا تُرابًا، هذا لا يمكن أبدًا؛ يعني لو تصوَّره إنسانٌ أدنى تصوُّر لَوجد أنَّ العقل يدلُّ دلالةً قطعيَّةً على أنَّه لا بُدَّ من بعثٍ و(...)، وإلا لَكانت الدنيا كلُّها عبثًا؛ ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]. ألسْنا مثلًا نشاهد مَن يخالفنا في العمل، مَن يخالفنا في الأخلاق، مَن يخالفنا في العقيدة، ونتألَّم من ذلك ولَّا لا؟ نعم، لولا أنَّ الله يُسَلِّي الرسولَ ﷺ: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣] وما أشبهَ ذلك مما يُسَلِّيه به لَتقطَّع قلبُه عليه الصلاة والسلام، نحن الآن نتألَّم لِمَن يخالفنا في العقيدة، لِمَن يخالفنا في الأخلاق، لِمَن يخالفنا في الأعمال، نتألَّم لا شكَّ، هذا الأَلَم يؤثِّر علينا، ولكن يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ لكن هناك فارقٌ ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء ١٠٤]، فالحاصل أنَّ هذا الكون العظيم ما يمكن أن يكون عَبَثًا هكذا؛ يحيا ثم يكون ترابًا، فالله عز وجل يُحيي الموتى، ليس بني آدم فقط، ولكن بنو آدم وغيرهم؛ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام ٣٨] ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير ٥] وأخبرَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنَّ البهائم يُقْتَصُّ من القَرْناء للجَلْحاء[[أخرجه مسلم (٢٥٨٢ / ٦٠) من حديث أبي هريرة.]]، حتى البهائم يُقضى بينها، واضح يا جماعة؟ ولهذا نقول: ﴿الْمَوْتَى﴾ لا يختصُّ بالإنسان فقط، بل بالإنسان وغير الإنسان؛ ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [الروم ٥٠]. ثم أكَّدَ هذا أيضًا -إحياء الموتى- بمؤكِّد آخَر؛ بالجملة التي بعده، وهو قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم ٥٠]، فإذَنْ أُكِّد إحياءُ الموتى بمؤكِّدينِ لفظيَّينِ ومؤكِّدينِ معنويَّينِ. وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كلُّ شيءٍ اللَّهُ قادرٌ عليه، كلُّ شيءٍ بدون استثناء، كلُّ ما تتعلَّق به القدرة ويمكن أنْ يكون قادر عليه؛ فإنَّ الله تعالى قادر، على كلِّ شيءٍ قدير، ليس على ما يشاء فقط، بلْ على ما يشاء وما لا يشاء، فهداية الكافر الذي مات على كُفره الله قادرٌ عليها ولَّا لا؟ * طلبة: نعم قادر. * الشيخ: وشاءَها؟ ما شاءَها، وهو قادرٌ عليها، فلا تختصُّ قدرته بما شاءه، وبهذا نعرف أن تعبير بعض الناس أنَّه على ما يشاء قدير، أنَّه لا ينبغي، بلْ قُل كما قال الله عن نفسه: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]. وأمَّا حديث الرجل الذي يبعثه الله يوم القيامة فذكر القصَّة، وفيها أنَّ الله قال له: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»[[أخرجه مسلم (١٨٧ / ٣١٠) من حديث ابن مسعود.]]، فهذه ليس المراد بها وَصْف الله بالقدرة مطلقًا، بل وَصْف الله بالقدرة على هذا الشيء المعيَّن الذي استبعده المخاطَب، فالله يقول: قد شِئْتُه فأنا قادرٌ عليه، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]، فالقيد بالمشيئة هنا ليس عائدًا على القدرة، لكنَّه عائدٌ على الجمع، الشيءُ المعيَّن ممكن أن تقيِّده بالقدرة، أمَّا إذا أردتَ وَصْفَ الله بالقدرة فلا تقيِّدها بالمشيئة، ففرقٌ بين أن تُعَلَّق القدرة بشيءٍ معيَّن خاصٍّ وبين أن تُذكر على سبيل الوصف العام لله، إذا كانت وصفًا عامًّا لا؛ فالله تعالى ما ذكر قَيْد المشيئة أبدًا؛ ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان ٥٤]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧]، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٨٤] وما أشبهَ ذلك. والقدرة ضدُّ العجز؛ انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤]، وأفاد العلم هُنا لأنَّ العاجز قد يعجز لعدم عِلْمه بالشيء؛ واحد مهندس لكنْ فيه روماتيزم ما يقدر يتحرَّك، مهندس تمام، قلنا له: اصنع السيارة هذه، يقدر ولَّا لا؟ ما يقدر. ليش؟ ما عنده القدرة، عاجزٌ؛ لأنه ما يقدر يتحرَّك. وآخَر نشيط يحمل الحجر الذي أكبر منه، لكنه ما يعرف الصناعة هذه، قلنا له: اصنع السيارة، قال: ما أقدر. ليش؟ لعدم العلم، فانتفاء القدرة قد يكون لعدم العلم وقد يكون لعدم القدرة، ما عنده عِلم، ما عنده شيء؛ يعني عاجز. طيب، (...) تفسير هذا في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ آخر سورة المائدة ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٢٠] يقرِّر عبارة منكَرة، هو ما أرادَ بها سوءًا -الله أعلم- ما أراد بها سوءًا فقال: (وخصَّ العقلُ ذاتَه فليس عليها بقادر). (خصَّ العقلُ ذاتَه) يعني أنَّ العقل يقتضي تخصيص ذات الله، فالله ما يقدر عليها. صحيح هذا؟ * طالب: ما هو بصحيح. * الشيخ: هذا ليس بصحيح، بل الله على كلِّ شيءٍ قدير، ولهذا الله تعالى استوى على العرش، بفِعْله ولَّا لا؟ بفعله وقدرته، يَنْزل إلى السماء الدنيا، يأتي للفصل بين عباده، يتكلَّم بما أراد، كل هذا مِمَّا يتعلَّق بذاته وهو قادرٌ عليه. فإنْ قال قائلٌ: الله يقدر على إماتة فلان، هل يقدر على أن يُميت نفسَه؟ هذا ما يمكن، لا لانتفاء القدرة، لكن لأنَّ هذا أمرٌ لا يليق به، وهو أشدُّ من العجز، فنقول: امتناع هذا لأنَّه مستحيلٌ على الله عز وجل، ولهذا السفَّاريني رحمه الله في العقيدة لَمَّا ذكر صفة القدرة قال: بِقُــــدْرَةٍ تَعَلَّــــقَتْ بِمُمْـــكِنِ ∗∗∗ ..................... أمَّا المستحيل فهو مستحيلٌ ما يمكن، المستحيل أصلُه مستحيلٌ ما تتعلَّق به القدرة، يُقال: إنَّ الشيطان إذا مات العالِمُ يفرح فرحًا عظيمًا، وإذا مات العُبَّاد يعني ما يُهِمُّه، قال جنوده له: كيف تفرح بموت العالِم هذا الفرح ولا تفرح في موت العابد اللي طول النهار بمحرابه. قال: نعم؛ لأن العالِم أشدُّ علينا من العابد، وإذا شئتم أنا الآن أضربُ لكم مثلًا. فذهب إلى العابد وقال له: هل يقدر الله عز وجل أنْ يجعل السماواتِ والأرضَ في جوف بيضة. قال العابد: لا، ما يقدر. قال: هل يقدر الله يَخْلق مثلَه. قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، يُمكن يقدر يَخْلق مثلَه. صح هذا؟! هذا لا يصح وغير ممكن، فذهب إلى العالِم فقال مثلَ هذا القول، قال: أمَّا خَلْق المثْل فهذا شيءٌ مستحيلٌ، ولا يمكن للمخلوق أن يكون مثل الخالق أبدًا مهما كان، وأمَّا كونه يجعل السماواتِ والأرضَ في جوف بيضةٍ فهو على كلِّ شيءٍ قدير. المسكين العابد كَفَرَ من وجهين: أثبتَ ما لا يمكن، ونَفَى ما يمكن، وهذا حقيقةً .. يعني العُبَّاد مِثْل ما قال سُفيان بن عيينة؛ يقول: «مَن فَسَدَ من عُبَّادنا ففيه شبهٌ من النصارى، ومَن فَسَدَ من علمائنا ففيه شبهٌ من اليهود»[[انظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٢ / ١٤٢).]]. واليهود أخبثُ من النصارى لا شكَّ؛ لأن العالِم فسادُه -والعياذ بالله- عن عِلْم، والعابد فسادُه عن جَهْل، وما كان عن جَهْلٍ فهو أهونُ مِمَّا كان عن عِلْم. * طالب: بالنسبة لقول مَن قال: إنَّه على ما يشاء قدير، ما يمكن نستخلص قاعدة أنَّ الصفات الذاتية (...) الصفات الفعلية (...) المشيئة عمومًا. * الشيخ: (...)، القاعدة عندهم أن الصفات الذاتية هي اللازمة للذات، والفعلية ما تتعلَّق بالمشيئة هذه قاعدتهم. * طالب: بالنسبة للتنزيل والإنزال في القرآن، كيف يُجاب عن ذلك؟ * الشيخ: أيُّ آية؟ * طالب: في القرآن، في نفس القرآن وَرَدَ أنَّه نزَّله، وقال: تنزيل، كيف الفرق؟ * الشيخ: المراد إذا وَرَدَ أنَّه نزل مثل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر ١] يكون المراد ابتداءُ إنزاله؛ يعني أنْزلنا الجملة منه، ما هو كله، وأمَّا التنزيل فهو باعتبار مجموعِهِ يكون نازلًا شيئًا فشيئًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦] مع أنَّه قد يأتي التنزيل لشيءٍ وَقَعَ جملةً واحدةً مثل قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [النساء ١٤٠]، فعلى هذا تكون القاعدة التي ذكرها أهل العلم في هذه المسألة قاعدة أغلبية ما هي لازمة. * * * ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [الروم ٤٨] إلى آخره. * يُستفاد من هذه الآية الكريمة: * أولًا: كمال قُدرة الله عز وجل بإرسال الرياح، وإثارتها السُّحُبَ، وارتفاعها في الجوِّ وبَسْطها فيها، وجعلها كِسفًا، ونزول المطر منها، نعم، كم هذه من وجه؟ يُستفاد منه كمال قدرة الله من عِدَّة أَوْجُه: أولًا: إرسال الرياح، إثارتها السحاب، بَسْطه في السماء، جَعْله كِسفًا، نزول المطر منه؛ من خمسة أوجُه. * من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ السماء يُطلق على كلِّ ما علا؛ لقوله: ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ﴾؛ فإنه لا يُبْسط في السماء التي هي السقف المحفوظ، وإنما يُبْسط في الجوِّ العالي. * ومن فوائدها: حِكمة الله عز وجل في نزول المطر من أعلى؛ لأنَّه إذا نزل من أعلى عَمَّ النازلَ والمرتفعَ، بخلاف ما لو كان يجري في الأرض فإنَّه يُغرق النازلَ قبل أن يصِلَ إلى العالي. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيانُ شِدَّة افتقار الخلْق إلى رحمة الله؛ لقوله: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. * ومنها: إثباتُ المشيئة؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومنها: إثباتُ العبوديَّة العامَّة؛ لقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾. * ومنها -ولننظر هل تصلح الفائدة هذه ولَّا لا- منها: جواز الاستبشار بالمطر وأنْ يُبَشِّر الناسُ بعضَهم بعضًا به. أو ما يمكن؟ المهمُّ هل يمكن يؤخَذ منه جواز الاستبشار بالمطر، أو يُقال: إنَّ هذا خبرٌ عن واقعٍ فلا يتأتَّى منه الحكم؟ فيه احتمال أنْ يُؤخَذ منه جوازُ الاستبشار بالمطر، وفيه احتمال أنْ يكون هذا بيانًا للواقع فلا يؤخَذ منه حكمٌ، وغايةُ ما فيه أنْ يُقال: إنَّه مُباح؛ لأن الله تعالى ذكره ولم يُنكره. * ومن فوائد الآية: بيانُ رحمة الله عز وجل لكَونِ المطر ينزل نُقَطًا لا أنَّه ينزل دفعةً واحدةً؛ لقوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾؛ لأنه لو نَزَل هكذا كأفواهِ القِرَب أو كالأوديةِ التي تمشي لَكان أيش؟ لَكان مدمِّرًا للمنازل، مدمِّرًا للأشجار، مؤثِّرًا على مَن ينزل عليه من الحيوان، ولكنَّ الله عز وجل جعله بهذا الرذاذ. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم ٤٩]. * في هذا: بيانُ حال العبد قَبْل نُزول المطر وأنَّ العبد ضعيفٌ؛ لقوله: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾، فإنَّه ضعيفٌ، إذا أُصِيب بشيءٍ أَيِسَ واستبعدَ الفَرَج، ولكن الله عز وجل يُزيل عنه هذا الأمرَ؛ قال: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾. طيب، مِن أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم ٥٠] في هذه الآية الأمرُ بالنظر، ويكون بالعين الباصرة، وبعين البصيرة أيضًا؛ فالأمر هنا بالنظر للوجهين جميعًا، الإنسان ينظر بعينه الباصرة وبعين البصيرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ النظر كما يكون نافعًا للإنسان فهو مأمورٌ به شرعًا؛ أي بمعنى: ثوابُ الإنسان أو إثابةُ الإنسان على النظر في آيات الله؛ لأنه مأمورٌ به. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ الآثار التي تنتج عن المطر كلها من رحمة الله؛ إحياء الأرض بالنبات وكثرة المياه فيها كلُّه من رحمة الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ قدرة الله سبحانه وتعالى على إحياء الموتى؛ لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾. * ومن فوائدها: الاستدلالُ بالمحسوسِ المنظورِ على المحسوسِ المنتظَر، كيف؟ المحسوسُ المنظورُ ما يَحْصل من حياة الأرض، والمحسوسُ المنتظَر ما يَحْصل من إحياء الموتى. * ومنها: أنَّه لا بدَّ أن يكون الدليلُ أَجْلَى وأَظْهر من المدلول عليه؛ بمعنى أنَّه لا يمكن أنْ نستدلَّ بالأَخْفى على الأظهر والأوضح؛ لأن الدليل معرِّفٌ للمدلول ومبيِّنٌ له، فكيف يمكن أن تستدلَّ بشيءٍ خَفِيٍّ على شيءٍ واضحٍ؟! أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: * ومن فوائد الآية الكريمة: رحمةُ الله تعالى بعباده؛ حيث يضرب لهم الأمثال، ويُبين لهم الأدلَّة ليتوصَّلوا إلى اليقين بما يجب الإيمان به؛ لأنه يكفي أنْ يقول الله عز وجل: آمِنُوا بأنِّي أُحيي الموتى، يكفي في إقامة الحجَّة عليهم، لكن مِن رحمته أنَّه يُبين لنا ويضرب لنا الأمثالَ لنَصِل إلى درجة اليقين بما أخبرنا به، مِن أين نأخذه؟ من قوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: نعمةُ الله على العِباد بإحياء الأرض؛ لقوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. * ومنها: أنَّ الجماد يُوصَف بالحياة والموت، ففيه ردٌّ على الفلاسفة الذين يقولون: إنَّ الجماد لا يمكن أن يوصَف بالحياة والموت لأنه غير قابلٍ لها. فنقول: إنَّ الله تعالى وَصَفَ الجمادَ بأنَّه حيٌّ وميتٌ كما في هذه الآية، وكما في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل ٢٠، ٢١] مع أنها أصنامٌ من الأحجار والأشجار وما أشبهها. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت صفة القدرة وعمومها؛ لقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، لا يُعجزه شيءٌ في السماوات ولا في الأرض.

الروم 30:50

ثم قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [الروم ٤٨]. قال المؤلف: (تُزْعِجُه)؛ لأنه مأخوذٌ من: أَثَارَ الصيدَ؛ إذا أَزْعَجَه. ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ يعني: يَبْعثها كيف شاء سبحانه وتعالى. ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ قال المؤلف: فـ(تُزعجه)، كإثارة الصيد، فإنَّ إثارة الصيد من مكانه تعني إزعاجه حتى يقوم. وقوله: ﴿سَحَابًا﴾ السحاب هو المعروف؛ هو الغيم. ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (من قِلَّة وكَثْرة). ﴿فَيَبْسُطُهُ﴾ البَسْط معناه النَّشْر، ﴿كَيْفَ يَشَاء﴾ هذه تعود إلى كيفيَّة هذا النَّشْر؛ قد يكون واسعًا، وقد يكون قليلًا، وقد يكون كثيفًا، وقد يكون خفيفًا، ولهذا قال (﴿﴿وَيَجْعَلهُ كِسَفًا﴾ ﴾ بفتح السِّين وسكونها: قِطَعًا متفرِّقة). بفتح السين يعني ﴿كِسَفًا﴾، وسكونها يعني ﴿كِسْفًا﴾، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤] ﴿كِسْفًا﴾. والكِسَف معناه: القِطَع، وكأنَّ المؤلف رحمه الله يريد أنْ يُبَيِّن أنَّ السحاب قد يكون واسعًا منتشرًا مبسوطًا، وقد يكون قليلًا قِطَعًا متفرِّقة. وقال بعض المفسرين: معنى كونه ﴿كِسَفًا﴾ أنَّه قِطَعٌ متراكبةٌ بعضُها فوق بعض حتى يَسْوَدَّ ويَدْلَهِمَّ ويَحْصل فيه الرعْدُ والبَرْقُ، وهذا أَوْلى أنَّ المراد بالكِسَف يعني القِطَع المتراكبة التي يركب بعضُها بعضًا حتى تَدْلَهِمَّ وتَسْوَدَّ، وهذا في الغالب أكثرُ مطرًا. يقول: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ ﴿فَتَرَى﴾ الخطاب لكلِّ مَن يتأتَّى خطابُه؛ لأن هذه الرؤية ليست خاصَّةً بالرسول ﷺ. وقوله: ﴿الْوَدْقَ﴾ يعني (الْمَطَر)؛ يعني حبَّات المطَر تُسَمَّى وَدْقًا. ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ (أي وَسَطِه)، وقيل: من بَيْنِه؛ من بين هذا السحاب. وقوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ إذا قال قائلٌ: نحن لا نراها بأعيُننا المجرَّدة، ما نرى أنَّ المطر يتخلَّل هذا السحاب (...). فيقال: إنَّه خَبَر صِدْق، فيكون أيش؟ يكون كالمشاهَد؛ ما دام الله تعالى أخبر به فإننا كأنَّما نشاهده بأعيُننا، ثم إنَّه في الوقت الحاضر وُجِدت الآلاتُ القويَّة التي يستطيع الإنسانُ بها أنْ يرى كيف يخرج هذا المطر؛ هذه النُّقَط، مِن خلال السحاب. وقوله: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ﴾ (بالودْق) ﴿مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده إذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ هذه جملة شرطية؛ ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ﴾ (إذا) تدلُّ على أن هؤلاء الذين أُصِيبوا بالمطر أنَّهم في غاية الاشتياق إليه، ولهذا بمجرَّد ما يصيبهم يَحْصل الاستبشار. وقولُنا: (بمجرَّد) ليس نتيجةً عن ترتُّب جواب الشرط على فِعْل الشرط، ولكنه نتيجةٌ لذلك وزيادة أَمْرٍ آخَر وهو الإتيانُ بـ﴿إذَا﴾ الفجائية التي تدلُّ على المفاجأة والسرعة. إذَنْ (إذا) تفيد الشرط، وفِعْل الشرط هو ﴿أَصَابَ﴾، وجواب الشرط جملة ﴿هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ المصدَّرة بـ﴿إذَا﴾ الفجائية. قلنا: إنَّ هذا التعبير يدلُّ على أنَّ هؤلاء في غاية ما يكون من الاشتياق إلى نُزول الغيث؛ وجْهُ ذلك استبشارُهم بمجرَّد الإصابة، وليس استبشارًا عاديًّا كترتُّب الجواب على فِعْل الشرط، ولكنَّه أَبْلَغ لأنه أتى بـ﴿إذَا﴾ الفجائية الدالَّة على المبادرة بوجود ذلك الشيء. وقوله: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ قال المؤلف: (يَفْرحون بالمطَر)، وهو أشدُّ مِن مجرَّد الفرح، الاستبشار أشدُّ من مجرَّد الفرح، بل هو يستبشرُ بنفسه وربما يُهَنِّئ غيرَه ويُبَشِّره، ولهذا في المطر في أيام الموسم -موسم المطر- تجد مثلًا الناس إذا رأى بعضُهم بعضًا -لا سيَّما الذين يأتون من البراري- يقول: أُبَشِّرك أنَّه نزل مَطَرٌ وأنَّه كثيرٌ. أو حسب ما يكون، فالاستبشارُ هنا أَبْلغ من مجرَّد الفرح، لكن المؤلف رحمه الله ربما يفسِّره بالتقريب. وقوله: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ لا ما يشاء الناس؛ فالذي يُنزل الغيثَ هو الله عز وجل، وليس أحدٌ يستطيع أن يُنزله، وأمَّا ما ذُكِر من أنهم الآن يُسَلِّطون مواد كيماوية على السحاب فينزل المطر، فإنَّنا نقول: إن صحَّ هذا الأمر فمَن الذي خَلَق هذا المطر؟ الله سبحانه وتعالى، والذي أَوْجَدَ هذا السحابَ هو الله سبحانه وتعالى، وكَوْنُهم يتوصَّلون إلى أسبابٍ يتبخَّر بها هذا السحاب حتى ينزل مطرًا هذا لا يُنافي أنْ يكون الله عز وجل هو الذي يُنَزِّل الغيثَ، ثم إنَّ الآية: ﴿يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [الشورى ٢٨] أَبْلَغ مِن: يُنَزِّل المطرَ؛ إذْ إنَّ المطر قد ينزل ولا يكون غيثًا؛ كما ثبت في صحيح مسلم[[(٢٩٠٤ / ٤٤) من حديث أبي هريرة.]] «لَيْسَ السَّنَةُ أَلَّا تُمْطَرُوا، إِنَّمَا السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتَ الْأَرْضُ» (السَّنَة) ويش معناها؟ الجدْب والقَحْط؛ يعني: ما هو بَس أنَّه ما يأتي المطر، السَّنَة الحقيقيَّة أنْ يأتي ولا يحصل نباتٌ. وقوله: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ المراد بالعِباد هُنا جمع عَبْد، وهي العُبودية الخاصَّة ولَّا العامَّة؟ العامَّة، لماذا؟ لأنَّ المطر يَنْزل على المؤمنين وعلى الكافرين، نعم، بل ربما يكون نُزوله على الكافرين أكثرَ وأغدقَ وأشدَّ استمرارًا؛ امتحانًا لهم، لتُعَجَّل لهم طيِّباتُهم في حياتهم الدنيا، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ أي: بهذه الطيِّبات ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأحقاف ٢٠] إلى آخِره. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا﴾ [الروم ٤٩] قال المؤلف: (وقد ﴿﴿كَانُوا﴾ ﴾)، (قد)؛ قدَّر ﴿إِنْ﴾ بـ(قد)، وتَبِع في ذلك البغوي، والمؤلف الجلالين مأخوذ من البغوي؛ يعني كأنه مختصر له؛ لأنك إذا تأمَّلْتَ تفسيره -رحمه الله- وجدتَ أنَّه هو تفسير البغوي بعينه، لكن البغوي مبسوطٌ وهذا مختصَر. هو قال: (﴿﴿إِنْ﴾ ﴾ قد)، ولا أحد من أهل النحو قال بهذا القول، إلَّا أنْ يقوله على سبيل التفسير فقط، والصواب الذي لا شك فيه هو أنَّ ﴿إِنْ﴾ هنا مخفَّفة من الثقيلة كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤]، وعلى هذا فنقول: إنَّ أصلها (إنَّ) فخُفِّفت، واسمها أين هو؟ * طلبة: ضمير الشأن. * الشيخ: ضمير الشأن، اسمها ضمير الشأن محذوف، والتقدير: وإنَّهم. وقد سبق لنا أنَّ القول الصحيح فيه من أقوال النحويين أنَّ ضمير الشان لا يُقَدَّر مفردًا مذكرًا، وإنما يُقَدَّر بحسب السياق، فهو ضميرٌ مُقَدَّرٌ بحسب السياق؛ إنْ كان السياق يقتضي التأنيثَ فهو مؤنَّث، يقتضي التذكيرَ فهو مذكَّر، يقتضي الجمعَ فهو مجموعٌ، يقتضي التثنية فهو مثنى[[الصحيح أنَّ ضمير الشأن يختلف حسب السياق تذكيرًا وتأنيثًا، ولكنه لا يُثنَّى ولا يُجمع. انظر حاشية الصبان على الأشموني (١ / ٣٧٠).]]، إذَنْ أصْله: وإنَّهم كانوا. لكن خُفِّفتْ (إنَّ) فحُذِف اسمها على أنَّه ضمير الشأن. ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ [الروم ٤٩]، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيش؟ المطر. مِن أين نعرف أنَّه المطر؟ هل سبق التحدُّث عن تنزيل المطر؟ الجواب: نعم، في قوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾؛ فإنَّ الودْق إذا خرج من خلال السحاب أين يذهب؟ ينزل إلى الأرض. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ يُعبِّر الله عز وجل عن نُزول المطر بالإنزال والتنزيل؛ وذلك لأن المطر أحيانًا يأتي دفعةً واحدةً بكثرةٍ وغزارةٍ فيكون إنزالًا، وأحيانًا يأتي بالتدريج ضعيفًا متقطِّعًا فيُسَمَّى تنزيلًا؛ لأنَّ التنزيل معناه إنزالُ الشيءِ شيئًا فشيئًا، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾. * طالب: بالنسبة (...) التنزيل والإنزال (...) باعتبار المطر ككُلٍّ نقول: نزل، باعتبار يعني أفراده .. * الشيخ: لا، أَنْزل. * طالب: باعتبار أفراده.. * الشيخ: لا، باعتبار الكثرة والتفريق. * طالب: (...) السحابة هذه في الوقت وبعد أيام.. * الشيخ: بعد أيام يأتي، ثم يأتي أيضًا بقليلٍ أحيانًا؛ يعني مثلًا يكون المطر يومين، ثلاثة، ولكنَّه قليلٌ، وأحيانًا يأتي كما أنتم تشاهدون سُحُبًا عظيمةً كأنها أفواهُ القِرَب. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾، كلمة ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ اختلفَ فيها أهل العلم؛ فقال بعضُهم كما قال المؤلف: إنها (تأكيد)؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران ١٨٨]، كرَّرَ الفِعل توكيدًا، هذا قول، وهو الذي مشى عليه المؤلف وعليه أكثر المفسرين أنَّ قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل أن يُنَزَّل عليهم، فكأنَّه قال: وإنْ كانوا مِن قبل أن يُنَزَّل عليهم مِن قبل أن يُنَزَّل عليهم لَمُبلسين، فيكون تكرارها للتوكيد. وقال بعضُ المفسرين: إنها كُرِّرت للتأسيس لا للتوكيد. ومعلومٌ أنَّه إذا دار الكلام بين أن يكون توكيدًا وأن يكون تأسيسًا فالأصل التأسيسُ؛ يعني الأصل عدم التوكيد؛ لأن التوكيد تكرار، والأصل عدم التكرار، فيرى بعضُ المفسرين أنها ليست للتوكيد وأنَّها للتأسيس. خُذوا بالكم من الفرق (...) العلماء رحمهم الله، الفرق بين التوكيد والتأسيس أن التوكيد معناه أنَّ هذا هو الأول، والتأسيس معناه أنَّ هذا غير الأول وأنَّه كلامٌ مستقلٌّ. على القول بأنه تأسيسٌ ما معناه؟ قال بعضهم: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل الاستبشار؛ وإن كانوا من قبل أنْ يُنَزَّل عليهم من قبل الاستبشار لَمُبلسين، فذَكَر الله لهم حالينِ قبل الاستبشار وبعده، فهمتم؟ وهذا ما مشى عليه أبو السعود، وهو جيِّد ولا فيه إشكال من حيث التصوُّر والمعنى، (...) المعنى وإنْ كانوا من قبل إنزال المطر من قبل ذلك الاستبشار لَمُبلسين، فنبَّههم الله على حالهم قبل الاستبشار، وهو الإبلاس، وعلى حالهم بعد ذلك. وقال بعضهم: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قَبْلِ قَبْلِ أنْ ينزل عليهم؛ ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ يعني: وإنْ كانوا من قبل أنْ يُنَزَّل عليهم ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قَبْلِ ذلك القَبْل، فيجعلون الضمير في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ ليس عائدًا إلى المطر ولا عائدًا إلى الاستبشار، وإنما يجعلونه عائدًا إلى القَبْل، فالمعنى على هذا: وإنْ كانوا مِن قَبْل أنْ يُنَزَّل عليهم مِن قَبْل ذلك القَبْل لَمُبلسين، فيكون فائدتها أن الإبلاس مستمرٌّ معهم من قديم الزمان، فيأتي موسمٌ لا يأتي فيه مطرٌ فيُبلسون، ثم يأتي موسمٌ آخَر فيُبلسون، ثم يأتي موسمٌ آخَر فيُبلسون ... وهكذا، ومعلومٌ أنَّه إذا تكرَّرت مواسمُ ولَمْ يأتِ مطرٌ كان أشدَّ في الإبلاس، فيكون المعنى أنَّ هذا الاستبشار أنَّه أتى بعد يأسٍ مرَّتينِ فأكثر، وهذا أيضًا ذكره ابن كثير رحمه الله في تفسيره، فصار لدينا في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ كم قولًا؟ ثلاثة أقوال: القول الأول: أنَّها توكيد. والثاني: أنَّ الضمير يعود على الاستبشار. والثالث: أن الضمير يعود على القَبْل؛ أي: وإن كانوا من قَبْل أنْ يُنَزَّل عليهم من قَبْل ذلك القَبْل أيضًا لَمُبلسين. أمَّا قوله: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ فهي بالنصب خبرًا لـ(كان)، وين (كان)؟ ﴿وَإِنْ كَانُوا﴾، واقترنت اللام بها من أجْل ﴿إِنْ﴾، والاقتران هنا واجب ولَّا جائز؟ * طالب: لا، واجب. * طالب آخر: لا، جائز. * الشيخ: لا جائز، ولا واجب. * الطالب: لا، جائز. * الشيخ: أنت قلت: لا جائز، وهذا يقول: لا واجب. لا وهو واجب، لا وهو جائز. * طالب: واجب. * الشيخ: طيب، ما هو سبب الوجوب؟ * طالب: المخفَّفة من الثقيلة لا بدَّ أنْ تقترن بها اللام. * الشيخ: لا بدَّ أنْ تقترن بها اللام؟ * الطالب: (...). * الشيخ: وما هو وجه الجواز؟ * طالب: وجه الجواز أن (إنْ) تشتبه (...)، يجب اقتران (إن) المخففة إذا اشتبهت بـ(ما). * الشيخ: من أين تعرف ذلك من كلام ابن مالك؟ * طالب: من قوله: وَخُفِّفَتْ (إِنَّ) فَقَـــلَّ الْعَـــمَلُ ∗∗∗ وَتَـــــلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَـــا تُهْمَلُ؎وَرُبَّمَــا اسْتُــــغْنِيَ عَنْهَــا إِنْ بَدَا ∗∗∗ مَــــا نَاطِـــــــــقٌ أَرَادَهُمُعْتَمِـــــدَا * الشيخ: وأنت ما تقول في هذه الحجة؟ طيب، الآن لو أسقطْناها أَلَا تشتبه (إن) المخفَّفة بـ(إن) النافية؛ يعني لو كانت: وما كانوا من قَبْل أن يُنَزَّل عليهم مُبْلسين؟ تشتبه؛ يعني يستبشرون مع أنهم ما أَبْلسوا ولا أَيِسوا، ربما يقع هذا، يعني يستبشرون وإنْ كان ما عندهم يأسٌ من قَبْلُ، فالظاهرُ الوجوبُ لا للعِلَّة التي ذَكَر؛ لأنه ظنَّ أنَّه يجب الاقترانُ مطلقًا، ولكنَّه يجب؛ لأنها قد تشتبه بـ(إن) النافية، أمَّا إذا لم تشتبهْ فهو ما يجب الاقتران. هل هناك شاهدٌ من الإعراب لذلك؟ إي نعم قول الشاعر: ........................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَالْمَعَادِنِ هو يفتخر بأنَّه من بني مالكٍ ثم يقول: (وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ)، هُنا ما يمكن أن تشتبه (إنْ) بـ(ما) لماذا؟ لأنه لا يمكن أنْ يفتخر بقومٍ يسلب عنهم كَرَم المعدن، أو لا؟ لو تقول: أنا -مَثَلًا- من قبيلة، هذه القبيلة ما كانت كرامَ المعادن. يصلح؟! ما يستقيم. الحاصل أنَّ اللام هنا للتوكيد، ويُسمِّيها بعضُ العلماء: لام الفَرْق؛ اللام الفارقة، وهذا أدقُّ في التعبير، وهي مع كونها فارقةً تفيد التوكيد، وإنما سَمَّوها اللام الفارقة لأنها تفرق بين (إن) النافية وبين (إن) المخفَّفة. طيب، إذا قال قائل: هل يمكن أن تقترن باللام مع كون (إن) بمعنى النفي؟ فالجواب: لا، وهذا هو السرُّ في أنها فارقةٌ لا يمكن أن تقترن بها اللام؛ لأن اللام تفيد توكيد الإثبات، والنفيُ بخلاف ذلك؛ النفي يفيد النفي. قال: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ يقول: (آيِسِينَ مِن إنْزالِهِ). والإبلاس مِثْل القنوط؛ أشدُّ اليأس، ومنه سُمِّي إبليس -نعوذ بالله منه- لأنه أيش؟ مُبْلِسٌ آيِسٌ من رحمة الله. ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ آيِسين من نُزوله. ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم ٥٠] ﴿فَانْظُرْ﴾ الخطاب لِمَن؟ * طالب: للرسول. * الشيخ: للإنسان، لا، ما هو للرسول، الخطابُ للإنسان، لِمَن يتأتَّى خطابُه، الرسول ﷺ وغيره؛ لأنه قال بالأول: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾، ثم قال هنا: ﴿فَانْظُرْ﴾ أي: انظر أيُّها الإنسان (إلى ﴿﴿أَثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ ﴾، وفي قراءة) يقول المؤلف: (﴿﴿آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ ﴾). شوف الرسم العثماني، من فوائد التزامه أنَّه لا يتغيَّر بتغيُّر القراءات، ﴿آثَارِ﴾ على مقتضى قواعد الرسم العصرية كيف تكتب؟ بألف بين الثاء والراء، لكنَّها على قواعد المصحف العثماني يُكْتَب فيها ألف؟ لا، (أَثَر) ثاء وراء، فتصلح ﴿آثَارِ﴾ وتصلح ﴿﴿أَثَرِ﴾ ﴾. وقوله: ﴿إِلَى آثَارِ﴾ و﴿﴿إِلَى أَثَرِ﴾ ﴾ لا فرق بينهما في الجملة من حيث المعنى؛ لأن ﴿آثَارِ﴾ مضاف فيفيد العموم، و﴿﴿أَثَرِ﴾ ﴾ مضاف فيفيد العموم؛ لأن المفرد إذا أُضِيف أفادَ العموم، فـ﴿﴿أَثَرِ﴾ ﴾ و﴿آثَارِ﴾ من حيث الجملة لا فرق بينهما؛ لأن ﴿﴿أَثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ ﴾ بمعنى ﴿آثَارِ﴾، لكن الفرق بينهما من حيث المعنى الخاصِّ أنَّ ﴿﴿أَثَرِ﴾ ﴾ يشمل الجنس باعتباره شيئًا واحدًا، وأمَّا ﴿آثَارِ﴾ فتشمل الجنس باعتباره أنواعًا. كيف باعتباره أنواعًا؟ مِثْل أَثَر المطر يخرج به الزرعُ، ويخرج به الشجرُ، ويخرج به شيءٌ صغيرٌ وشيءٌ كبيرٌ، وشيءٌ له أشجارٌ مُفَتَّحةٌ، وشيءٌ له أشجارٌ دقيقةٌ كالعيدان، فلهذا تُعتبر هذه آثارًا باعتبار أنواعها. ثم أيضًا الآثارُ تختلف من أرضٍ إلى أرضٍ؛ هذه الأرض تُنبت كذا، وهذه الأرض تُنبت كذا، هذه ينبت فيها الكَلَأ وهذه لا ينبت، ... وهكذا، فهي آثارٌ باعتبار الأنواع، أمَّا باعتبار الجنس وأنَّ كله حَصَلَ بسبب المطر فهو شيءٌ واحدٌ، وهذا هو الفرق الخاصُّ بين ﴿﴿أَثَرِ﴾ ﴾ و﴿آثَارِ﴾. (﴿﴿آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ ﴾ أي: نِعمته بالمطر). وقد سبق لنا أنَّ الرحمة في مِثْل هذا يصحُّ أنْ تكون اسمًا للمخلوق ويصحُّ أنْ تكون من صفات الله؛ فإنْ كان المرادُ الأَثَرَ المباشرَ فالمرادُ بالرحمة المطَرُ؛ لأن هذا النبات نَبَتَ بماذا؟ بالمطر، وإنْ كان المرادُ السببَ غير المباشر فالمراد بالرحمة صفةُ اللهِ؛ يعني لكون الله جل وعلا رحيمًا فهذه من آثار الرحمة أنَّه يُنزل المطر، وتَنْبت به الأرضُ، ويزول به القَحْط، فالآيةُ صالحةٌ لهذا ولهذا. قال: ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم ٥٠] هذا مما يرجِّح أنَّ المرادَ بالرحمة الصفةُ؛ رحمة الله، ﴿كَيْفَ يُحْيِ﴾ هو؛ أي: بالرحمة سبحانه وتعالى، ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ﴾ يجعلها حيَّةً ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ قال المؤلف: (أي: يُبْسها)، وحياةُ كلِّ شيءٍ بِحَسَبه؛ فالأرض اليابسة اللي ما فيها خضراء تُسمَّى ميتة، ما فيها شيءٌ حيٌّ، فإذا نَزَلَ عليها المطرُ وحيي النباتُ سُمِّيتْ حيَّة. ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وهذا دليلٌ على قدرة الربِّ عز وجل وعلى رحمته؛ لأنه مَن يقدر على أن يَفْلق النواةَ والحبَّ في باطن الأرض حتى يخرج منه هذا النباتُ النَّامي؟ أحد يقدر على هذا؟ ما أحد يقدر؛ لهذا قد جاء في الحديث الصحيح القدسي: «فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٥٩)، ومسلم (٢١١١ / ١٠١)، من حديث أبي هريرة.]]، ما يستطيعون، ما يستطيع أحدٌ أن يخلق هذا؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام ٩٥]. ﴿كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْض بَعْد مَوْتهَا﴾ ﴿كَيْفَ﴾ يعني: انظر إلى الكيفية والقُدرة، كيف هذه الأرض اللى كانت غبراء كأنها محترقة أصبحت الآن روضةً خضراء! (أي: يُبْسها بأنْ تنبتْ). قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [الروم ٥٠] ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ المشار إليه (...). * * * (...) يكون عبثًا، يُخلق بَشَر عاقل، يعرف، ويعقل، ويتصرَّف، ويقتل بعضُه بعضًا، وينهب بعضُه بعضًا، ويسالم بعضُه بعضًا، والنتيجة أنْ يكونوا تُرابًا، هذا لا يمكن أبدًا؛ يعني لو تصوَّره إنسانٌ أدنى تصوُّر لَوجد أنَّ العقل يدلُّ دلالةً قطعيَّةً على أنَّه لا بُدَّ من بعثٍ و(...)، وإلا لَكانت الدنيا كلُّها عبثًا؛ ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]. ألسْنا مثلًا نشاهد مَن يخالفنا في العمل، مَن يخالفنا في الأخلاق، مَن يخالفنا في العقيدة، ونتألَّم من ذلك ولَّا لا؟ نعم، لولا أنَّ الله يُسَلِّي الرسولَ ﷺ: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣] وما أشبهَ ذلك مما يُسَلِّيه به لَتقطَّع قلبُه عليه الصلاة والسلام، نحن الآن نتألَّم لِمَن يخالفنا في العقيدة، لِمَن يخالفنا في الأخلاق، لِمَن يخالفنا في الأعمال، نتألَّم لا شكَّ، هذا الأَلَم يؤثِّر علينا، ولكن يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ لكن هناك فارقٌ ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء ١٠٤]، فالحاصل أنَّ هذا الكون العظيم ما يمكن أن يكون عَبَثًا هكذا؛ يحيا ثم يكون ترابًا، فالله عز وجل يُحيي الموتى، ليس بني آدم فقط، ولكن بنو آدم وغيرهم؛ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام ٣٨] ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير ٥] وأخبرَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنَّ البهائم يُقْتَصُّ من القَرْناء للجَلْحاء[[أخرجه مسلم (٢٥٨٢ / ٦٠) من حديث أبي هريرة.]]، حتى البهائم يُقضى بينها، واضح يا جماعة؟ ولهذا نقول: ﴿الْمَوْتَى﴾ لا يختصُّ بالإنسان فقط، بل بالإنسان وغير الإنسان؛ ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [الروم ٥٠]. ثم أكَّدَ هذا أيضًا -إحياء الموتى- بمؤكِّد آخَر؛ بالجملة التي بعده، وهو قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم ٥٠]، فإذَنْ أُكِّد إحياءُ الموتى بمؤكِّدينِ لفظيَّينِ ومؤكِّدينِ معنويَّينِ. وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كلُّ شيءٍ اللَّهُ قادرٌ عليه، كلُّ شيءٍ بدون استثناء، كلُّ ما تتعلَّق به القدرة ويمكن أنْ يكون قادر عليه؛ فإنَّ الله تعالى قادر، على كلِّ شيءٍ قدير، ليس على ما يشاء فقط، بلْ على ما يشاء وما لا يشاء، فهداية الكافر الذي مات على كُفره الله قادرٌ عليها ولَّا لا؟ * طلبة: نعم قادر. * الشيخ: وشاءَها؟ ما شاءَها، وهو قادرٌ عليها، فلا تختصُّ قدرته بما شاءه، وبهذا نعرف أن تعبير بعض الناس أنَّه على ما يشاء قدير، أنَّه لا ينبغي، بلْ قُل كما قال الله عن نفسه: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]. وأمَّا حديث الرجل الذي يبعثه الله يوم القيامة فذكر القصَّة، وفيها أنَّ الله قال له: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»[[أخرجه مسلم (١٨٧ / ٣١٠) من حديث ابن مسعود.]]، فهذه ليس المراد بها وَصْف الله بالقدرة مطلقًا، بل وَصْف الله بالقدرة على هذا الشيء المعيَّن الذي استبعده المخاطَب، فالله يقول: قد شِئْتُه فأنا قادرٌ عليه، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]، فالقيد بالمشيئة هنا ليس عائدًا على القدرة، لكنَّه عائدٌ على الجمع، الشيءُ المعيَّن ممكن أن تقيِّده بالقدرة، أمَّا إذا أردتَ وَصْفَ الله بالقدرة فلا تقيِّدها بالمشيئة، ففرقٌ بين أن تُعَلَّق القدرة بشيءٍ معيَّن خاصٍّ وبين أن تُذكر على سبيل الوصف العام لله، إذا كانت وصفًا عامًّا لا؛ فالله تعالى ما ذكر قَيْد المشيئة أبدًا؛ ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان ٥٤]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧]، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٨٤] وما أشبهَ ذلك. والقدرة ضدُّ العجز؛ انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤]، وأفاد العلم هُنا لأنَّ العاجز قد يعجز لعدم عِلْمه بالشيء؛ واحد مهندس لكنْ فيه روماتيزم ما يقدر يتحرَّك، مهندس تمام، قلنا له: اصنع السيارة هذه، يقدر ولَّا لا؟ ما يقدر. ليش؟ ما عنده القدرة، عاجزٌ؛ لأنه ما يقدر يتحرَّك. وآخَر نشيط يحمل الحجر الذي أكبر منه، لكنه ما يعرف الصناعة هذه، قلنا له: اصنع السيارة، قال: ما أقدر. ليش؟ لعدم العلم، فانتفاء القدرة قد يكون لعدم العلم وقد يكون لعدم القدرة، ما عنده عِلم، ما عنده شيء؛ يعني عاجز. طيب، (...) تفسير هذا في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ آخر سورة المائدة ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٢٠] يقرِّر عبارة منكَرة، هو ما أرادَ بها سوءًا -الله أعلم- ما أراد بها سوءًا فقال: (وخصَّ العقلُ ذاتَه فليس عليها بقادر). (خصَّ العقلُ ذاتَه) يعني أنَّ العقل يقتضي تخصيص ذات الله، فالله ما يقدر عليها. صحيح هذا؟ * طالب: ما هو بصحيح. * الشيخ: هذا ليس بصحيح، بل الله على كلِّ شيءٍ قدير، ولهذا الله تعالى استوى على العرش، بفِعْله ولَّا لا؟ بفعله وقدرته، يَنْزل إلى السماء الدنيا، يأتي للفصل بين عباده، يتكلَّم بما أراد، كل هذا مِمَّا يتعلَّق بذاته وهو قادرٌ عليه. فإنْ قال قائلٌ: الله يقدر على إماتة فلان، هل يقدر على أن يُميت نفسَه؟ هذا ما يمكن، لا لانتفاء القدرة، لكن لأنَّ هذا أمرٌ لا يليق به، وهو أشدُّ من العجز، فنقول: امتناع هذا لأنَّه مستحيلٌ على الله عز وجل، ولهذا السفَّاريني رحمه الله في العقيدة لَمَّا ذكر صفة القدرة قال: بِقُــــدْرَةٍ تَعَلَّــــقَتْ بِمُمْـــكِنِ ∗∗∗ ..................... أمَّا المستحيل فهو مستحيلٌ ما يمكن، المستحيل أصلُه مستحيلٌ ما تتعلَّق به القدرة، يُقال: إنَّ الشيطان إذا مات العالِمُ يفرح فرحًا عظيمًا، وإذا مات العُبَّاد يعني ما يُهِمُّه، قال جنوده له: كيف تفرح بموت العالِم هذا الفرح ولا تفرح في موت العابد اللي طول النهار بمحرابه. قال: نعم؛ لأن العالِم أشدُّ علينا من العابد، وإذا شئتم أنا الآن أضربُ لكم مثلًا. فذهب إلى العابد وقال له: هل يقدر الله عز وجل أنْ يجعل السماواتِ والأرضَ في جوف بيضة. قال العابد: لا، ما يقدر. قال: هل يقدر الله يَخْلق مثلَه. قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، يُمكن يقدر يَخْلق مثلَه. صح هذا؟! هذا لا يصح وغير ممكن، فذهب إلى العالِم فقال مثلَ هذا القول، قال: أمَّا خَلْق المثْل فهذا شيءٌ مستحيلٌ، ولا يمكن للمخلوق أن يكون مثل الخالق أبدًا مهما كان، وأمَّا كونه يجعل السماواتِ والأرضَ في جوف بيضةٍ فهو على كلِّ شيءٍ قدير. المسكين العابد كَفَرَ من وجهين: أثبتَ ما لا يمكن، ونَفَى ما يمكن، وهذا حقيقةً .. يعني العُبَّاد مِثْل ما قال سُفيان بن عيينة؛ يقول: «مَن فَسَدَ من عُبَّادنا ففيه شبهٌ من النصارى، ومَن فَسَدَ من علمائنا ففيه شبهٌ من اليهود»[[انظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٢ / ١٤٢).]]. واليهود أخبثُ من النصارى لا شكَّ؛ لأن العالِم فسادُه -والعياذ بالله- عن عِلْم، والعابد فسادُه عن جَهْل، وما كان عن جَهْلٍ فهو أهونُ مِمَّا كان عن عِلْم. * طالب: بالنسبة لقول مَن قال: إنَّه على ما يشاء قدير، ما يمكن نستخلص قاعدة أنَّ الصفات الذاتية (...) الصفات الفعلية (...) المشيئة عمومًا. * الشيخ: (...)، القاعدة عندهم أن الصفات الذاتية هي اللازمة للذات، والفعلية ما تتعلَّق بالمشيئة هذه قاعدتهم. * طالب: بالنسبة للتنزيل والإنزال في القرآن، كيف يُجاب عن ذلك؟ * الشيخ: أيُّ آية؟ * طالب: في القرآن، في نفس القرآن وَرَدَ أنَّه نزَّله، وقال: تنزيل، كيف الفرق؟ * الشيخ: المراد إذا وَرَدَ أنَّه نزل مثل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر ١] يكون المراد ابتداءُ إنزاله؛ يعني أنْزلنا الجملة منه، ما هو كله، وأمَّا التنزيل فهو باعتبار مجموعِهِ يكون نازلًا شيئًا فشيئًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦] مع أنَّه قد يأتي التنزيل لشيءٍ وَقَعَ جملةً واحدةً مثل قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [النساء ١٤٠]، فعلى هذا تكون القاعدة التي ذكرها أهل العلم في هذه المسألة قاعدة أغلبية ما هي لازمة. * * * ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [الروم ٤٨] إلى آخره. * يُستفاد من هذه الآية الكريمة: * أولًا: كمال قُدرة الله عز وجل بإرسال الرياح، وإثارتها السُّحُبَ، وارتفاعها في الجوِّ وبَسْطها فيها، وجعلها كِسفًا، ونزول المطر منها، نعم، كم هذه من وجه؟ يُستفاد منه كمال قدرة الله من عِدَّة أَوْجُه: أولًا: إرسال الرياح، إثارتها السحاب، بَسْطه في السماء، جَعْله كِسفًا، نزول المطر منه؛ من خمسة أوجُه. * من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ السماء يُطلق على كلِّ ما علا؛ لقوله: ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ﴾؛ فإنه لا يُبْسط في السماء التي هي السقف المحفوظ، وإنما يُبْسط في الجوِّ العالي. * ومن فوائدها: حِكمة الله عز وجل في نزول المطر من أعلى؛ لأنَّه إذا نزل من أعلى عَمَّ النازلَ والمرتفعَ، بخلاف ما لو كان يجري في الأرض فإنَّه يُغرق النازلَ قبل أن يصِلَ إلى العالي. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيانُ شِدَّة افتقار الخلْق إلى رحمة الله؛ لقوله: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. * ومنها: إثباتُ المشيئة؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومنها: إثباتُ العبوديَّة العامَّة؛ لقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾. * ومنها -ولننظر هل تصلح الفائدة هذه ولَّا لا- منها: جواز الاستبشار بالمطر وأنْ يُبَشِّر الناسُ بعضَهم بعضًا به. أو ما يمكن؟ المهمُّ هل يمكن يؤخَذ منه جواز الاستبشار بالمطر، أو يُقال: إنَّ هذا خبرٌ عن واقعٍ فلا يتأتَّى منه الحكم؟ فيه احتمال أنْ يُؤخَذ منه جوازُ الاستبشار بالمطر، وفيه احتمال أنْ يكون هذا بيانًا للواقع فلا يؤخَذ منه حكمٌ، وغايةُ ما فيه أنْ يُقال: إنَّه مُباح؛ لأن الله تعالى ذكره ولم يُنكره. * ومن فوائد الآية: بيانُ رحمة الله عز وجل لكَونِ المطر ينزل نُقَطًا لا أنَّه ينزل دفعةً واحدةً؛ لقوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾؛ لأنه لو نَزَل هكذا كأفواهِ القِرَب أو كالأوديةِ التي تمشي لَكان أيش؟ لَكان مدمِّرًا للمنازل، مدمِّرًا للأشجار، مؤثِّرًا على مَن ينزل عليه من الحيوان، ولكنَّ الله عز وجل جعله بهذا الرذاذ. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم ٤٩]. * في هذا: بيانُ حال العبد قَبْل نُزول المطر وأنَّ العبد ضعيفٌ؛ لقوله: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾، فإنَّه ضعيفٌ، إذا أُصِيب بشيءٍ أَيِسَ واستبعدَ الفَرَج، ولكن الله عز وجل يُزيل عنه هذا الأمرَ؛ قال: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾. طيب، مِن أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم ٥٠] في هذه الآية الأمرُ بالنظر، ويكون بالعين الباصرة، وبعين البصيرة أيضًا؛ فالأمر هنا بالنظر للوجهين جميعًا، الإنسان ينظر بعينه الباصرة وبعين البصيرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ النظر كما يكون نافعًا للإنسان فهو مأمورٌ به شرعًا؛ أي بمعنى: ثوابُ الإنسان أو إثابةُ الإنسان على النظر في آيات الله؛ لأنه مأمورٌ به. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ الآثار التي تنتج عن المطر كلها من رحمة الله؛ إحياء الأرض بالنبات وكثرة المياه فيها كلُّه من رحمة الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ قدرة الله سبحانه وتعالى على إحياء الموتى؛ لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾. * ومن فوائدها: الاستدلالُ بالمحسوسِ المنظورِ على المحسوسِ المنتظَر، كيف؟ المحسوسُ المنظورُ ما يَحْصل من حياة الأرض، والمحسوسُ المنتظَر ما يَحْصل من إحياء الموتى. * ومنها: أنَّه لا بدَّ أن يكون الدليلُ أَجْلَى وأَظْهر من المدلول عليه؛ بمعنى أنَّه لا يمكن أنْ نستدلَّ بالأَخْفى على الأظهر والأوضح؛ لأن الدليل معرِّفٌ للمدلول ومبيِّنٌ له، فكيف يمكن أن تستدلَّ بشيءٍ خَفِيٍّ على شيءٍ واضحٍ؟! أليس كذلك؟ * طالب: بلى. * الشيخ: * ومن فوائد الآية الكريمة: رحمةُ الله تعالى بعباده؛ حيث يضرب لهم الأمثال، ويُبين لهم الأدلَّة ليتوصَّلوا إلى اليقين بما يجب الإيمان به؛ لأنه يكفي أنْ يقول الله عز وجل: آمِنُوا بأنِّي أُحيي الموتى، يكفي في إقامة الحجَّة عليهم، لكن مِن رحمته أنَّه يُبين لنا ويضرب لنا الأمثالَ لنَصِل إلى درجة اليقين بما أخبرنا به، مِن أين نأخذه؟ من قوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: نعمةُ الله على العِباد بإحياء الأرض؛ لقوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. * ومنها: أنَّ الجماد يُوصَف بالحياة والموت، ففيه ردٌّ على الفلاسفة الذين يقولون: إنَّ الجماد لا يمكن أن يوصَف بالحياة والموت لأنه غير قابلٍ لها. فنقول: إنَّ الله تعالى وَصَفَ الجمادَ بأنَّه حيٌّ وميتٌ كما في هذه الآية، وكما في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل ٢٠، ٢١] مع أنها أصنامٌ من الأحجار والأشجار وما أشبهها. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت صفة القدرة وعمومها؛ لقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، لا يُعجزه شيءٌ في السماوات ولا في الأرض.

الروم 30:51

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ [الروم ٥١]. ﴿وَلَئِنْ﴾ اللام هُنا لام قَسَمٍ دخلتْ على (إن) الشرطية، ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا﴾، وقوله: ﴿لَظَلُّوا﴾ هذا هو الجواب، لكنَّه جوابٌ لأيِّهما: للشرط أو للقَسَم؟ جوابٌ للقَسَم؛ لأنَّه لو كان جوابًا للشرط ما احتاج إلى اللام، فعلٌ ماضٍ يُجاب به الشرطُ بدون واسطة، وأيضًا فإنَّ القاعدة عند أهل العلم بالعربية أنَّه إذا اجتمع شرطٌ وقَسَمٌ يُحذَف جوابُ المتأخِّر منهما قال ابن مالك: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــوَابَ مَــا أَخَّـــــرْتَ فَـــهْوَمُلْــــتَزَمْ (...) دلَّ عليه اللام الموطئة للقَسَم، وفيه شرط (إنْ)، والجواب الآن للقَسَم: ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾، وجوابُ الشرط محذوفٌ دلَّ عليه جوابُ القَسَم. ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ شوف الفرق؛ في الأول يقول الله عز وجل: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾، وهُنا قال: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ مفردًا، وقد ذكرنا سابقًا أنَّ الجمع يكون رحمةً والإفراد يكون عذابًا، هذا الغالب. ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ (رَأَوْهُ) الضمير لا يعود على الريح، لكنَّه يعود على ما حَيِيَ بالماء الذي نَزَل من السماء؛ لأنه تقدَّم لنا ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؛ يعني: ولَئِنْ أرسلْنا ريحًا فرأوْا هذا الذي حَيِيَ ﴿مُصْفَرًّا﴾ يعني: يابسًا حطيمًا بهذه الرياح ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾. نقرأ كلام المؤلف: (﴿﴿وَلَئِنْ﴾ ﴾ لام قَسَم ﴿﴿أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ ﴾ مُضِرَّة عَلَى نَبَاتٍ ﴿﴿فَرَأَوْهُ﴾ ﴾) الضمير يعود على أيش؟ على النبات (﴿﴿مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ ﴾ صاروا، جواب القَسَم ﴿﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ ﴾ أي: بعد اصفراره ﴿﴿يَكْفُرُونَ﴾ ﴾ يجحدون النعمةَ بالمطر). يعني أنَّ الله عز وجل إذا أحيا الأرضَ بعد موتها وأرسلَ عليها ريحًا فاصْفَرَّ النباتُ، وبعد اصفراره سيتلفُ امتحانًا منه جل وعلا لَكانوا من بعد هذا الاستبشار وبعد أنْ رأوا آثارَ الرحمة صاروا يكفرون. ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ يقولون: كيف هذا؟! يأتي المطر وينزل وتحيا الأرضُ، ثم تأتي هذه الريح فتُهلكه؟! فيكفرون -والعياذ بالله- وينسون نعمةَ الله السابقة، ينسونها، وهذا من الامتحان، وهو داخلٌ في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج ١١]، وكان عليهم إذا أرسلَ اللَّهُ هذه الريحَ واصفرَّ النباتُ بها، كان عليهم أنْ يقابلوا ذلك بالصبر لا بالكُفر، بالصبر على هذه البليَّة؛ لأنَّ الصبر .. يُوَفَّى الصابر أجْرَه بغير حساب، وربما تزول هذه المحنةُ إلى نعمةٍ أخرى؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل ١٢٦]، ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٦]، ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران ١٨٦]، فالمؤمن يصبر عند البلاء ويَشكر عند الرخاء. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، على (...). قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [الروم ٥٢]، ﴿إِنَّكَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ويجوز أن يكون الخطاب عامًّا لكلِّ مَن يتأتَّى خطابُه. ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يعني: لا تُسمِعهم سماعًا ينتفعون به، أو: لا تُسمِعهم حين الدعوة، والأقرب الأول؛ لأنه ليس من المعقول أنَّ أحدًا يَقِف على الأموات ويقول: يا أيُّها الناس اعبُدوا الله واتَّقوه، هذا ليس بمعقول، لكنْ لو فُرِض أنَّه دعا فهل يسمعون سماعًا ينتفعون به؟ الجواب: لا، لا يسمعون سماعًا ينتفعون به. فإذا قال قائل: هذا تقييدٌ للآية، الآية مُطْلقة ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، فكيف ساغ لكم أنْ تُقَيِّدوها بقولكم: سماعًا ينتفعون به؟ نقول: إنَّ هذا -أعني نَفْي السماع- يُطلق على نَفْي السماع النافع؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، يسمعون بآذانهم لكنْ لا يسمعون سماعًا ينتفعون به، ولا نحمله على الإطلاق؛ لأن سماع الموتى قد وَرَدَت به الآثارُ؛ فإنَّ رسول الله ﷺ ثَبَتَ عنه «أنَّه وَقَفَ على أصحاب قَلِيب بدرٍ من المشركين، وجعل يدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَ، يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا». فقال عمر: يا رسول الله، ما تُخاطب من قومٍ قد جيَّفوا!» -يعني: كيف تُخاطب الجِيَف؛ موتى؟!- «فقال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨)، من حديث أبي طلحة.]]، يعني: هم يسمعون أشدَّ من سماعكم، فإذَنْ ثَبَتَ أنَّ الموتى يسمعون، وكذلك صحَّح ابنُ عبد البَرِّ حديثًا وَرَدَ عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنَّه «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَى مَيِّتٍ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»[[أخرجه ابن عبد البر في الاستذكار (١ / ١٨٥) من حديث ابن عباس.]]، وهذا ذكره ابنُ القيم في كتاب الروح، وذكر تصحيح ابن عبد البر له ولم يتعقَّبْه، وعلى هذا فهُم يسمعون، لكنَّهم لا ينتفعون بهذا السماع. وردتْ آثار أيضًا عن الصحابة في هذا الأمر ذَكَرها ابنُ القيم رحمه الله عند هذه الآية، وثَبَتَ أيضًا في الصحيح أنَّ الإنسان إذا انصرفَ عنه أصحابُه بعد الدَّفْن حتى إنَّه لَيَسْمع قَرْعَ نعالهم أتاه مَلَكان[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠ / ٧٠)، من حديث أنس بن مالك.]]. يسمع قَرْع نعالهم على الأرض كما يمشي الإنسانُ على السقْف فنسمع مَشْيه على السقف، وهذا أيضًا يسمع قَرْع النعال، (...) قرع النعال، ولكن الله تعالى يجعلهم يسمعون ذلك. فالحاصل أننا نقول: كلُّ هذا يؤيِّد أنَّ المعنى ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يعني: سماعًا ينتفعون به، ومعلومٌ أنَّ الرسول ﷺ ما دعا الموتى، ما ذهبَ إلى القبور يدعوهم، ولكن الذين يدعوهم مِن الأحياء كالموتى لا يستجيبون ولا ينتفعون بالدَّعوة. يقول عز وجل: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾، ﴿الصُّمَّ﴾ مفعولٌ أول، و﴿الدُّعَاءَ﴾ مفعولٌ ثانٍ، أمَّا ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الأولى فقد حُذِف المفعولُ الثاني؛ لأن هذا فَضْلة، وقد سبق لنا أنَّه يجوز حذفُ الفَضْلة ولو بلا دليل. وقال: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ ﴿الصُّمَّ﴾ جمع أَصَمَّ، وهو الذي لا يسمع، اللي ما يسمع ما تُسمِعه، لا سيَّما إذا اقترنَ به الإدبار؛ ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾، وهذا أشدُّ ما يكون بالنسبة للأصَمِّ بانتفاء السماع عنه، الأصَمُّ لا يسمع ولو كان مقابلًا لك، فكيف إذا أَدْبر! يكون (...)، ولهذا الأصمُّ إذا كان أمامك ودعَوْتَه بصوتٍ ما فربما يسمع، لكن إذا ولَّى مهما دعَوْتَه ما يسمع إلَّا إذا أدركْتَه فمسكتَه، فالصُّمُّ إذا ولَّوا مدبرين ما يسمعون، وإنما قيَّد الله عز وجل الصُّمَّ بهذه الحال لأنها هي الحال التي لا يسمعون بها مطلقًا، بخلاف ما إذا كانوا أمامك فإنَّهم قد يسمعون ويستدلُّون على ما تقول بحركات شفتيك. ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ قال المؤلف: (بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية بينها وبين الياء). ﴿الدُّعَاءَ إِذَا﴾ هذا أيش؟ تحقيق؛ ﴿الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا﴾. الثاني: تسهيل الثانية بينها -أي: بين الهمزة المحقَّقة- وبين الياء؛ أي: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ اِذَا﴾ خَلِّها بين الهمزة وبين الياء، والقراءتانِ سبعيَّتانِ. ثم قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ [الروم ٥٣] شوف الآن، انتقال؛ الموتى، الصُّم، العُمْي. ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ ﴿مَا﴾ حجازيَّة، و﴿أَنْتَ﴾ اسمها، والباء حرف جرٍّ زائد، و(هادِ) خبرها. ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ﴾ اسم فاعل ﴿بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ العُمْي جمع أَعْمى؛ لأن (أَفْعَل) جمعه (فُعْل)؛ قال ابن مالك: فُعْـــــلٌ لِنَحْــــــوِ أَحْمَرٍ وَحَمْرَا ∗∗∗ ..................... (أَحْمَر) مثل (أَعْمَى)، و(حمراء) مثل (عَمْياء)، فـ(عُمْي) جمعٌ للذكور والإناث. ﴿بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ ويش معنى ﴿ضَلَالَتِهِمْ﴾؟ يعني: عن مَتَاهتهم، إذا تاهوا في الطريق ما أنت بِهادي العمي عنها، فكذلك هؤلاء الذين عَمُوا عن الحقِّ -والعياذ بالله- فلا يَرَوْن، وصمُّوا عنه فلا يسمعون، وماتوا عنه فلا يفقهون، هؤلاء أيضًا لا تستطيع أن تهديهم، أو لا؟ فتأمَّل الآن في مسألة الموت ومسألة الصَّمَم قال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾، وفي باب العَمَى قال: ﴿مَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ ما قال: ما أنت بمسمع؛ السبب: لأنَّ البصر يتعلَّق به الدلالة، وهي الهداية، بخلاف الصَّمَم يتعلَّق به السمع. (﴿﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ﴾ ﴾ مَا ﴿﴿تُسْمِعُ﴾ ﴾ سَمَاعَ إفهامٍ وقَبُولٍ ﴿﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ ﴾ القرآن ﴿﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴾ [الروم: ٥٣]). ﴿إِنْ﴾ قال المؤلف: (ما)، ويش معنى (﴿﴿إِنْ﴾ ﴾ مَا)؟ (ما) هذه تفسيرية، ولهذا ما تُدغَم بـ(إنْ)، ما يقال: (إمَّا)، بل يقال: (إنْ) ثم يقال: (ما) على سبيل الإظهار؛ لأن (ما) تفسيرٌ لها، فهي هي، ﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما). ﴿﴿تُسْمِعُ﴾ ﴾ قال المؤلف: (سَمَاعَ إفهامٍ وقَبُول). ما تسمع (﴿﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ ﴾ القرآن﴿﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴾) أي: فبناءً على إيمانهم هم مُسْلمون مُنْقادون؛ لأنَّه كلَّما تمَّ الإيمانُ تمَّ الانقياد، فكلَّما كان الإنسان أقوى إيمانًا فإنَّه يكون أعظمَ انقيادًا، ولهذا الإيمانُ يستلزم الإسلام، كلُّ مؤمنٍ مُسْلم، ولا عَكْس؛ ما كلُّ مُسْلمٍ مؤمنًا، قد يستسلم الإنسانُ ظاهرًا وقلْبُه منطوٍ على الكفر -والعياذُ بالله- بخلاف الإيمان، ولهذا رتَّب على الإيمان رتَّب عليه الإسلامَ بالفاء ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فهُم مِن أجْل إيمانهم مسلمون منقادون. قوله ﴿إلَّا مَنْ يُؤْمِن بِآيَاتِنَا﴾ قال المؤلف: إنَّه القرآن، مع أنَّ (آيات) جمعٌ وليست مفردًا، فما هو الجواب عن قول المؤلف؟ الجواب عن قول المؤلف أنَّ فيه قصورًا، والحقُّ أنَّ المراد بالآيات ما هو أعمُّ من القرآن؛ فيشمل جميع الكُتُب المنزلة، ويشمل كذلك الآيات الكونية بأنْ يؤمن بأنَّ هذا الكون خَلَقَه اللَّهُ عز وجل؛ لأنَّ مِن الناس مَن لا يؤمن بالآيات الكونية؛ شوف ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ ويش يقولون؟ ﴿سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤]، شيء طبيعي، الكون يقولون: مادَّة وطبيعة تتفاعل ويَنْتج بعضُها من بعض، وما أشبهَ ذلك، ما آمَنوا بالآيات. الآيات الشرعيَّة كذلك أيضًا؛ مِن الناس مَن لا يؤمن بها، يُكَذِّب بأخبارها ويستكبر عن أحكامها، وهذا كثير. إذَنْ الصوابُ أنَّ المراد بقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ ما يشمل الآياتِ الشرعيَّة كلَّها بكلِّ الكُتُب النازلة والآياتِ الكونية كلَّها؛ لأن مِن الناس مَن يُنكر الآيات الكونية كما تعلمون. فإذا قال قائل: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ معناه أنَّ المؤمن سامعٌ، فكيف يقول: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾ والمؤمن سامعٌ؟! فكيف تجيب عن هذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن مَن يؤمن سامعٌ، تُسمع مَن يؤمن. * طالب: (...) أنَّه قابل للدعوة (...). * طالب آخر: قابل للسماع و(...). * الشيخ: الجواب عن هذا مِن أحد وجهين: إمَّا أنْ يُقال: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾ أي: إلا مَن كان مستعدًّا للإيمان بما تقول ومكتوبًا عند الله عز وجل أنَّه مؤمن، وهذا أمرٌ غير معلومٍ للرسول عليه الصلاة والسلام، لكن يجب عليه أن يَبْذل الدعوة فيسمعها مَن كان في علم الله أنَّه مؤمنٌ وكان مستعدًّا للإيمان، هذا وجه. أو يُقال: إنَّ الدين شرائع، ليس شيئًا واحدًا، بل هو شرائع وشعائر متعدِّدة، فالذي ينتفع بهذه الشعائر ويطبِّقها مَن؟ هو المؤمن بها، هذا المؤمن اللي وقع الإيمانُ منه فِعْلًا هو الذي يسمع كلَّ ما دعا إليه الرسول ﷺ من جميع شرائع الدين، وعلى قول مَن يُثبتون للدين أصولًا وفروعًا نقول: أصول الدين وفُروعه. لكن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إنَّ تقسيم الدين إلى أصولٍ وفُروعٍ قولٌ مبتدَعٌ لا دليل عليه، وهو صحيح، لكن ما تجد في القرآن والسُّنَّة أصولًا وفروعًا، فيها ما يدلُّ على الرُّكْنية -مثلًا- وعلى أنَّ هذا رُكْنٌ كما في قوله: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨)، ومسلم (١٦ / ٢٠)، من حديث ابن عمر.]]، أمَّا أن نقول: أصول وفروع! لأن شيخ الإسلام -رحمه الله- أَنْكَر هذا لا لأنَّه مجرَّد اصطلاح، لا مشاحَّة في الاصطلاح، لكنَّه تُوُصِّل به إلى أمورٍ منكرةٍ فقالوا مَثَلًا: لا نحتجُّ بأخبار الآحاد في أُصول الدين، وجعلوا هذا بابًا يَلِجُون به إلى إنكار الصفات وإلى إنكار ما وَرَدَ في أخبار اليوم الآخِر وما أشبهَ ذلك. المهم صار قوله: ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾ ويش هو الجواب عليه؟ من أحد وجهين؛ الأول: إلا مَن كان مستعدًّا للإيمان بحيث إنَّ الله قدَّر له ذلك فهذا يسمع وينتفع. أو: ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾ مَن كان الآن مؤمنًا لكنَّه يسمع ما يتلقَّى بعد ذلك من شعائر الإسلام وشرائعه. ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾، المؤمن مسلمٌ ظاهرًا وباطنًا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: والمنافق؟ * طالب: ظاهرًا لا باطنًا. * الشيخ: مسلمٌ ظاهرًا لا باطنًا. والمعلن بكفره؟ * طلبة: ظاهرًا وباطنًا. * الشيخ: ظاهرًا وباطنًا؛ ليس مؤمنًا لا ظاهرًا ولا باطنًا، والناس ما يخرجون عن هذه الأقسام الثلاثة: مَن كَفَرَ ظاهرًا وباطنًا، ومَن آمَنَ ظاهرًا وباطنًا، ومَن آمَن ظاهرًا لا باطنًا. فيه قِسمة رابعة لكن ما تمكن، وهي: مَن آمَنَ باطنًا لا ظاهرًا، هذا ما يمكن، صحيحٌ أنَّه قد يكون ضعيفَ الإيمان فتجد فيه مخالفات في ظاهرِهِ كالمؤمن الفاسق؛ أمَّا أنَّه يكون ليس عنده إسلامٌ أبدًا فهذا ما يمكن. * طالب: ما يُطلق عليه أنه (...). * الشيخ: ما أعلم. * الطالب: (...). * الشيخ: هو مسلم ظاهرًا، لكن فيه مانع من إظهاره. * الطالب: (...). * الشيخ: (...) لأن هذا كفر؛ لأنه جعله كفرًا (...). * * * (...) ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾، هذه الجملة. (...) الباصرة، ويحتمل أنَّها عَمَى البصيرة، وأيًّا كان سواء كان حِسِّيًّا أو معنويًّا -وهو ظاهر السياق- فإنَّ معنى ذلك أنَّ الرسول ﷺ لا يملك أنْ يهدي هؤلاء، وفيها (...). قوله: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾، ما نوع هذه الجملة (...). * * * ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ [الروم ٥٤] هذه الآية سِيقَتْ لبيان حال الإنسان وكمال قدرة الله عز وجل. قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، و﴿الَّذِي﴾ خبره. ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ يُقال بفتح الضاد وبضمِّها، ضمُّها لغة الحجازيِّين، وفَتْحها لغة بني تميم، ولهذا يُروى عن ابن عمر رضي الله عنه أنَّه قال: «أقرأَني رسولُ الله ﷺ:» ﴿مِنْ ضُعْفٍ﴾ [[أخرجه أبو داود (٣٩٧٨)، والترمذي (٢٩٣٦)، من حديث ابن عمر.]]، بضم الضاد؛ ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضُعْفٍ﴾، لكن الحديث ضعيف، إنَّما ذكروا الضَّادَ مفتوحةً ومضمومةً؛ قراءتانِ سبعيَّتانِ، والفتح لُغة بني تميم، والضمُّ لغة الحجازيِّين. * طالب: مَن قرأها برواية حفصٍ بالضم، هل نقول: غلط، ولَّا .. ؟ * الشيخ: صح، أيُّ إنسان يقرأ بكل قراءة ثابتة فهو صحيح. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ ما هو الضَّعف؟ يقول: الماء؛ (ماء مَهِين). فجعل الضعف هو النُّطْفة؛ لأنه كما قال الله عز وجل: ﴿مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨]، و﴿مِنْ﴾ هنا للابتداء كقوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء ٣٧]، وقيل: المراد بالضعف ضَعْفُه بعد نَفْخ الروح فيه؛ إذْ إنَّه حالُ النُّطْفة جمادٌ لا يوصَف بأنه ضعيفٌ ولا أنَّه قويٌّ، ولكن المراد بالضعف بعد نَفْخ الروح فيه، عرفتم؟ وهذا هو الصحيح؛ فإنَّ الإنسان ما يكون خلقًا تامًّا إلا بعد نَفْخ الروح، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون ١٤]، هذا الإنشاء هو أول ما يكون به الإنسانُ إنسانًا؛ لأن الإنسانَ إنسانٌ ببَدَنِه ورُوحه، وعلى هذا نقول: المراد بالضعف بعد نَفْخ الروحِ فيه؛ ضَعْف الطفولة، ويبتدئُ من كَوْنه حيًّا في بطْن أُمِّه، وهذا ظاهرٌ لا يحتاج إلى دليل؛ الإنسانُ الصغيرُ ضعيفٌ، ثم بعد ذلك .. والضعف أيضًا بقُواه الحسِّيَّة وقُواه المعنويَّة، فهو ضعيفٌ في التفكير، وهي القُوى المعنويَّة، والعقل، وما أشبهَ ذلك.

الروم 30:52

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ [الروم ٥١]. ﴿وَلَئِنْ﴾ اللام هُنا لام قَسَمٍ دخلتْ على (إن) الشرطية، ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا﴾، وقوله: ﴿لَظَلُّوا﴾ هذا هو الجواب، لكنَّه جوابٌ لأيِّهما: للشرط أو للقَسَم؟ جوابٌ للقَسَم؛ لأنَّه لو كان جوابًا للشرط ما احتاج إلى اللام، فعلٌ ماضٍ يُجاب به الشرطُ بدون واسطة، وأيضًا فإنَّ القاعدة عند أهل العلم بالعربية أنَّه إذا اجتمع شرطٌ وقَسَمٌ يُحذَف جوابُ المتأخِّر منهما قال ابن مالك: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــوَابَ مَــا أَخَّـــــرْتَ فَـــهْوَمُلْــــتَزَمْ (...) دلَّ عليه اللام الموطئة للقَسَم، وفيه شرط (إنْ)، والجواب الآن للقَسَم: ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾، وجوابُ الشرط محذوفٌ دلَّ عليه جوابُ القَسَم. ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ شوف الفرق؛ في الأول يقول الله عز وجل: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾، وهُنا قال: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ مفردًا، وقد ذكرنا سابقًا أنَّ الجمع يكون رحمةً والإفراد يكون عذابًا، هذا الغالب. ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ (رَأَوْهُ) الضمير لا يعود على الريح، لكنَّه يعود على ما حَيِيَ بالماء الذي نَزَل من السماء؛ لأنه تقدَّم لنا ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؛ يعني: ولَئِنْ أرسلْنا ريحًا فرأوْا هذا الذي حَيِيَ ﴿مُصْفَرًّا﴾ يعني: يابسًا حطيمًا بهذه الرياح ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾. نقرأ كلام المؤلف: (﴿﴿وَلَئِنْ﴾ ﴾ لام قَسَم ﴿﴿أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ ﴾ مُضِرَّة عَلَى نَبَاتٍ ﴿﴿فَرَأَوْهُ﴾ ﴾) الضمير يعود على أيش؟ على النبات (﴿﴿مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ ﴾ صاروا، جواب القَسَم ﴿﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ ﴾ أي: بعد اصفراره ﴿﴿يَكْفُرُونَ﴾ ﴾ يجحدون النعمةَ بالمطر). يعني أنَّ الله عز وجل إذا أحيا الأرضَ بعد موتها وأرسلَ عليها ريحًا فاصْفَرَّ النباتُ، وبعد اصفراره سيتلفُ امتحانًا منه جل وعلا لَكانوا من بعد هذا الاستبشار وبعد أنْ رأوا آثارَ الرحمة صاروا يكفرون. ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ يقولون: كيف هذا؟! يأتي المطر وينزل وتحيا الأرضُ، ثم تأتي هذه الريح فتُهلكه؟! فيكفرون -والعياذ بالله- وينسون نعمةَ الله السابقة، ينسونها، وهذا من الامتحان، وهو داخلٌ في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج ١١]، وكان عليهم إذا أرسلَ اللَّهُ هذه الريحَ واصفرَّ النباتُ بها، كان عليهم أنْ يقابلوا ذلك بالصبر لا بالكُفر، بالصبر على هذه البليَّة؛ لأنَّ الصبر .. يُوَفَّى الصابر أجْرَه بغير حساب، وربما تزول هذه المحنةُ إلى نعمةٍ أخرى؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل ١٢٦]، ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٦]، ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران ١٨٦]، فالمؤمن يصبر عند البلاء ويَشكر عند الرخاء. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، على (...). قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [الروم ٥٢]، ﴿إِنَّكَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ويجوز أن يكون الخطاب عامًّا لكلِّ مَن يتأتَّى خطابُه. ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يعني: لا تُسمِعهم سماعًا ينتفعون به، أو: لا تُسمِعهم حين الدعوة، والأقرب الأول؛ لأنه ليس من المعقول أنَّ أحدًا يَقِف على الأموات ويقول: يا أيُّها الناس اعبُدوا الله واتَّقوه، هذا ليس بمعقول، لكنْ لو فُرِض أنَّه دعا فهل يسمعون سماعًا ينتفعون به؟ الجواب: لا، لا يسمعون سماعًا ينتفعون به. فإذا قال قائل: هذا تقييدٌ للآية، الآية مُطْلقة ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، فكيف ساغ لكم أنْ تُقَيِّدوها بقولكم: سماعًا ينتفعون به؟ نقول: إنَّ هذا -أعني نَفْي السماع- يُطلق على نَفْي السماع النافع؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، يسمعون بآذانهم لكنْ لا يسمعون سماعًا ينتفعون به، ولا نحمله على الإطلاق؛ لأن سماع الموتى قد وَرَدَت به الآثارُ؛ فإنَّ رسول الله ﷺ ثَبَتَ عنه «أنَّه وَقَفَ على أصحاب قَلِيب بدرٍ من المشركين، وجعل يدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَ، يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا». فقال عمر: يا رسول الله، ما تُخاطب من قومٍ قد جيَّفوا!» -يعني: كيف تُخاطب الجِيَف؛ موتى؟!- «فقال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨)، من حديث أبي طلحة.]]، يعني: هم يسمعون أشدَّ من سماعكم، فإذَنْ ثَبَتَ أنَّ الموتى يسمعون، وكذلك صحَّح ابنُ عبد البَرِّ حديثًا وَرَدَ عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنَّه «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَى مَيِّتٍ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»[[أخرجه ابن عبد البر في الاستذكار (١ / ١٨٥) من حديث ابن عباس.]]، وهذا ذكره ابنُ القيم في كتاب الروح، وذكر تصحيح ابن عبد البر له ولم يتعقَّبْه، وعلى هذا فهُم يسمعون، لكنَّهم لا ينتفعون بهذا السماع. وردتْ آثار أيضًا عن الصحابة في هذا الأمر ذَكَرها ابنُ القيم رحمه الله عند هذه الآية، وثَبَتَ أيضًا في الصحيح أنَّ الإنسان إذا انصرفَ عنه أصحابُه بعد الدَّفْن حتى إنَّه لَيَسْمع قَرْعَ نعالهم أتاه مَلَكان[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠ / ٧٠)، من حديث أنس بن مالك.]]. يسمع قَرْع نعالهم على الأرض كما يمشي الإنسانُ على السقْف فنسمع مَشْيه على السقف، وهذا أيضًا يسمع قَرْع النعال، (...) قرع النعال، ولكن الله تعالى يجعلهم يسمعون ذلك. فالحاصل أننا نقول: كلُّ هذا يؤيِّد أنَّ المعنى ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يعني: سماعًا ينتفعون به، ومعلومٌ أنَّ الرسول ﷺ ما دعا الموتى، ما ذهبَ إلى القبور يدعوهم، ولكن الذين يدعوهم مِن الأحياء كالموتى لا يستجيبون ولا ينتفعون بالدَّعوة. يقول عز وجل: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾، ﴿الصُّمَّ﴾ مفعولٌ أول، و﴿الدُّعَاءَ﴾ مفعولٌ ثانٍ، أمَّا ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الأولى فقد حُذِف المفعولُ الثاني؛ لأن هذا فَضْلة، وقد سبق لنا أنَّه يجوز حذفُ الفَضْلة ولو بلا دليل. وقال: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ ﴿الصُّمَّ﴾ جمع أَصَمَّ، وهو الذي لا يسمع، اللي ما يسمع ما تُسمِعه، لا سيَّما إذا اقترنَ به الإدبار؛ ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾، وهذا أشدُّ ما يكون بالنسبة للأصَمِّ بانتفاء السماع عنه، الأصَمُّ لا يسمع ولو كان مقابلًا لك، فكيف إذا أَدْبر! يكون (...)، ولهذا الأصمُّ إذا كان أمامك ودعَوْتَه بصوتٍ ما فربما يسمع، لكن إذا ولَّى مهما دعَوْتَه ما يسمع إلَّا إذا أدركْتَه فمسكتَه، فالصُّمُّ إذا ولَّوا مدبرين ما يسمعون، وإنما قيَّد الله عز وجل الصُّمَّ بهذه الحال لأنها هي الحال التي لا يسمعون بها مطلقًا، بخلاف ما إذا كانوا أمامك فإنَّهم قد يسمعون ويستدلُّون على ما تقول بحركات شفتيك. ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ قال المؤلف: (بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية بينها وبين الياء). ﴿الدُّعَاءَ إِذَا﴾ هذا أيش؟ تحقيق؛ ﴿الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا﴾. الثاني: تسهيل الثانية بينها -أي: بين الهمزة المحقَّقة- وبين الياء؛ أي: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ اِذَا﴾ خَلِّها بين الهمزة وبين الياء، والقراءتانِ سبعيَّتانِ. ثم قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ [الروم ٥٣] شوف الآن، انتقال؛ الموتى، الصُّم، العُمْي. ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ ﴿مَا﴾ حجازيَّة، و﴿أَنْتَ﴾ اسمها، والباء حرف جرٍّ زائد، و(هادِ) خبرها. ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ﴾ اسم فاعل ﴿بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ العُمْي جمع أَعْمى؛ لأن (أَفْعَل) جمعه (فُعْل)؛ قال ابن مالك: فُعْـــــلٌ لِنَحْــــــوِ أَحْمَرٍ وَحَمْرَا ∗∗∗ ..................... (أَحْمَر) مثل (أَعْمَى)، و(حمراء) مثل (عَمْياء)، فـ(عُمْي) جمعٌ للذكور والإناث. ﴿بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ ويش معنى ﴿ضَلَالَتِهِمْ﴾؟ يعني: عن مَتَاهتهم، إذا تاهوا في الطريق ما أنت بِهادي العمي عنها، فكذلك هؤلاء الذين عَمُوا عن الحقِّ -والعياذ بالله- فلا يَرَوْن، وصمُّوا عنه فلا يسمعون، وماتوا عنه فلا يفقهون، هؤلاء أيضًا لا تستطيع أن تهديهم، أو لا؟ فتأمَّل الآن في مسألة الموت ومسألة الصَّمَم قال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾، وفي باب العَمَى قال: ﴿مَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ ما قال: ما أنت بمسمع؛ السبب: لأنَّ البصر يتعلَّق به الدلالة، وهي الهداية، بخلاف الصَّمَم يتعلَّق به السمع. (﴿﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ﴾ ﴾ مَا ﴿﴿تُسْمِعُ﴾ ﴾ سَمَاعَ إفهامٍ وقَبُولٍ ﴿﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ ﴾ القرآن ﴿﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴾ [الروم: ٥٣]). ﴿إِنْ﴾ قال المؤلف: (ما)، ويش معنى (﴿﴿إِنْ﴾ ﴾ مَا)؟ (ما) هذه تفسيرية، ولهذا ما تُدغَم بـ(إنْ)، ما يقال: (إمَّا)، بل يقال: (إنْ) ثم يقال: (ما) على سبيل الإظهار؛ لأن (ما) تفسيرٌ لها، فهي هي، ﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما). ﴿﴿تُسْمِعُ﴾ ﴾ قال المؤلف: (سَمَاعَ إفهامٍ وقَبُول). ما تسمع (﴿﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ ﴾ القرآن﴿﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴾) أي: فبناءً على إيمانهم هم مُسْلمون مُنْقادون؛ لأنَّه كلَّما تمَّ الإيمانُ تمَّ الانقياد، فكلَّما كان الإنسان أقوى إيمانًا فإنَّه يكون أعظمَ انقيادًا، ولهذا الإيمانُ يستلزم الإسلام، كلُّ مؤمنٍ مُسْلم، ولا عَكْس؛ ما كلُّ مُسْلمٍ مؤمنًا، قد يستسلم الإنسانُ ظاهرًا وقلْبُه منطوٍ على الكفر -والعياذُ بالله- بخلاف الإيمان، ولهذا رتَّب على الإيمان رتَّب عليه الإسلامَ بالفاء ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فهُم مِن أجْل إيمانهم مسلمون منقادون. قوله ﴿إلَّا مَنْ يُؤْمِن بِآيَاتِنَا﴾ قال المؤلف: إنَّه القرآن، مع أنَّ (آيات) جمعٌ وليست مفردًا، فما هو الجواب عن قول المؤلف؟ الجواب عن قول المؤلف أنَّ فيه قصورًا، والحقُّ أنَّ المراد بالآيات ما هو أعمُّ من القرآن؛ فيشمل جميع الكُتُب المنزلة، ويشمل كذلك الآيات الكونية بأنْ يؤمن بأنَّ هذا الكون خَلَقَه اللَّهُ عز وجل؛ لأنَّ مِن الناس مَن لا يؤمن بالآيات الكونية؛ شوف ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ ويش يقولون؟ ﴿سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤]، شيء طبيعي، الكون يقولون: مادَّة وطبيعة تتفاعل ويَنْتج بعضُها من بعض، وما أشبهَ ذلك، ما آمَنوا بالآيات. الآيات الشرعيَّة كذلك أيضًا؛ مِن الناس مَن لا يؤمن بها، يُكَذِّب بأخبارها ويستكبر عن أحكامها، وهذا كثير. إذَنْ الصوابُ أنَّ المراد بقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ ما يشمل الآياتِ الشرعيَّة كلَّها بكلِّ الكُتُب النازلة والآياتِ الكونية كلَّها؛ لأن مِن الناس مَن يُنكر الآيات الكونية كما تعلمون. فإذا قال قائل: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ معناه أنَّ المؤمن سامعٌ، فكيف يقول: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾ والمؤمن سامعٌ؟! فكيف تجيب عن هذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن مَن يؤمن سامعٌ، تُسمع مَن يؤمن. * طالب: (...) أنَّه قابل للدعوة (...). * طالب آخر: قابل للسماع و(...). * الشيخ: الجواب عن هذا مِن أحد وجهين: إمَّا أنْ يُقال: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾ أي: إلا مَن كان مستعدًّا للإيمان بما تقول ومكتوبًا عند الله عز وجل أنَّه مؤمن، وهذا أمرٌ غير معلومٍ للرسول عليه الصلاة والسلام، لكن يجب عليه أن يَبْذل الدعوة فيسمعها مَن كان في علم الله أنَّه مؤمنٌ وكان مستعدًّا للإيمان، هذا وجه. أو يُقال: إنَّ الدين شرائع، ليس شيئًا واحدًا، بل هو شرائع وشعائر متعدِّدة، فالذي ينتفع بهذه الشعائر ويطبِّقها مَن؟ هو المؤمن بها، هذا المؤمن اللي وقع الإيمانُ منه فِعْلًا هو الذي يسمع كلَّ ما دعا إليه الرسول ﷺ من جميع شرائع الدين، وعلى قول مَن يُثبتون للدين أصولًا وفروعًا نقول: أصول الدين وفُروعه. لكن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إنَّ تقسيم الدين إلى أصولٍ وفُروعٍ قولٌ مبتدَعٌ لا دليل عليه، وهو صحيح، لكن ما تجد في القرآن والسُّنَّة أصولًا وفروعًا، فيها ما يدلُّ على الرُّكْنية -مثلًا- وعلى أنَّ هذا رُكْنٌ كما في قوله: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨)، ومسلم (١٦ / ٢٠)، من حديث ابن عمر.]]، أمَّا أن نقول: أصول وفروع! لأن شيخ الإسلام -رحمه الله- أَنْكَر هذا لا لأنَّه مجرَّد اصطلاح، لا مشاحَّة في الاصطلاح، لكنَّه تُوُصِّل به إلى أمورٍ منكرةٍ فقالوا مَثَلًا: لا نحتجُّ بأخبار الآحاد في أُصول الدين، وجعلوا هذا بابًا يَلِجُون به إلى إنكار الصفات وإلى إنكار ما وَرَدَ في أخبار اليوم الآخِر وما أشبهَ ذلك. المهم صار قوله: ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾ ويش هو الجواب عليه؟ من أحد وجهين؛ الأول: إلا مَن كان مستعدًّا للإيمان بحيث إنَّ الله قدَّر له ذلك فهذا يسمع وينتفع. أو: ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾ مَن كان الآن مؤمنًا لكنَّه يسمع ما يتلقَّى بعد ذلك من شعائر الإسلام وشرائعه. ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾، المؤمن مسلمٌ ظاهرًا وباطنًا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: والمنافق؟ * طالب: ظاهرًا لا باطنًا. * الشيخ: مسلمٌ ظاهرًا لا باطنًا. والمعلن بكفره؟ * طلبة: ظاهرًا وباطنًا. * الشيخ: ظاهرًا وباطنًا؛ ليس مؤمنًا لا ظاهرًا ولا باطنًا، والناس ما يخرجون عن هذه الأقسام الثلاثة: مَن كَفَرَ ظاهرًا وباطنًا، ومَن آمَنَ ظاهرًا وباطنًا، ومَن آمَن ظاهرًا لا باطنًا. فيه قِسمة رابعة لكن ما تمكن، وهي: مَن آمَنَ باطنًا لا ظاهرًا، هذا ما يمكن، صحيحٌ أنَّه قد يكون ضعيفَ الإيمان فتجد فيه مخالفات في ظاهرِهِ كالمؤمن الفاسق؛ أمَّا أنَّه يكون ليس عنده إسلامٌ أبدًا فهذا ما يمكن. * طالب: ما يُطلق عليه أنه (...). * الشيخ: ما أعلم. * الطالب: (...). * الشيخ: هو مسلم ظاهرًا، لكن فيه مانع من إظهاره. * الطالب: (...). * الشيخ: (...) لأن هذا كفر؛ لأنه جعله كفرًا (...). * * * (...) ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾، هذه الجملة. (...) الباصرة، ويحتمل أنَّها عَمَى البصيرة، وأيًّا كان سواء كان حِسِّيًّا أو معنويًّا -وهو ظاهر السياق- فإنَّ معنى ذلك أنَّ الرسول ﷺ لا يملك أنْ يهدي هؤلاء، وفيها (...). قوله: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾، ما نوع هذه الجملة (...). * * * ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ [الروم ٥٤] هذه الآية سِيقَتْ لبيان حال الإنسان وكمال قدرة الله عز وجل. قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، و﴿الَّذِي﴾ خبره. ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ يُقال بفتح الضاد وبضمِّها، ضمُّها لغة الحجازيِّين، وفَتْحها لغة بني تميم، ولهذا يُروى عن ابن عمر رضي الله عنه أنَّه قال: «أقرأَني رسولُ الله ﷺ:» ﴿مِنْ ضُعْفٍ﴾ [[أخرجه أبو داود (٣٩٧٨)، والترمذي (٢٩٣٦)، من حديث ابن عمر.]]، بضم الضاد؛ ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضُعْفٍ﴾، لكن الحديث ضعيف، إنَّما ذكروا الضَّادَ مفتوحةً ومضمومةً؛ قراءتانِ سبعيَّتانِ، والفتح لُغة بني تميم، والضمُّ لغة الحجازيِّين. * طالب: مَن قرأها برواية حفصٍ بالضم، هل نقول: غلط، ولَّا .. ؟ * الشيخ: صح، أيُّ إنسان يقرأ بكل قراءة ثابتة فهو صحيح. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ ما هو الضَّعف؟ يقول: الماء؛ (ماء مَهِين). فجعل الضعف هو النُّطْفة؛ لأنه كما قال الله عز وجل: ﴿مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨]، و﴿مِنْ﴾ هنا للابتداء كقوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء ٣٧]، وقيل: المراد بالضعف ضَعْفُه بعد نَفْخ الروح فيه؛ إذْ إنَّه حالُ النُّطْفة جمادٌ لا يوصَف بأنه ضعيفٌ ولا أنَّه قويٌّ، ولكن المراد بالضعف بعد نَفْخ الروح فيه، عرفتم؟ وهذا هو الصحيح؛ فإنَّ الإنسان ما يكون خلقًا تامًّا إلا بعد نَفْخ الروح، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون ١٤]، هذا الإنشاء هو أول ما يكون به الإنسانُ إنسانًا؛ لأن الإنسانَ إنسانٌ ببَدَنِه ورُوحه، وعلى هذا نقول: المراد بالضعف بعد نَفْخ الروحِ فيه؛ ضَعْف الطفولة، ويبتدئُ من كَوْنه حيًّا في بطْن أُمِّه، وهذا ظاهرٌ لا يحتاج إلى دليل؛ الإنسانُ الصغيرُ ضعيفٌ، ثم بعد ذلك .. والضعف أيضًا بقُواه الحسِّيَّة وقُواه المعنويَّة، فهو ضعيفٌ في التفكير، وهي القُوى المعنويَّة، والعقل، وما أشبهَ ذلك.

الروم 30:53

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ [الروم ٥١]. ﴿وَلَئِنْ﴾ اللام هُنا لام قَسَمٍ دخلتْ على (إن) الشرطية، ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا﴾، وقوله: ﴿لَظَلُّوا﴾ هذا هو الجواب، لكنَّه جوابٌ لأيِّهما: للشرط أو للقَسَم؟ جوابٌ للقَسَم؛ لأنَّه لو كان جوابًا للشرط ما احتاج إلى اللام، فعلٌ ماضٍ يُجاب به الشرطُ بدون واسطة، وأيضًا فإنَّ القاعدة عند أهل العلم بالعربية أنَّه إذا اجتمع شرطٌ وقَسَمٌ يُحذَف جوابُ المتأخِّر منهما قال ابن مالك: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــوَابَ مَــا أَخَّـــــرْتَ فَـــهْوَمُلْــــتَزَمْ (...) دلَّ عليه اللام الموطئة للقَسَم، وفيه شرط (إنْ)، والجواب الآن للقَسَم: ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾، وجوابُ الشرط محذوفٌ دلَّ عليه جوابُ القَسَم. ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ شوف الفرق؛ في الأول يقول الله عز وجل: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾، وهُنا قال: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ مفردًا، وقد ذكرنا سابقًا أنَّ الجمع يكون رحمةً والإفراد يكون عذابًا، هذا الغالب. ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ (رَأَوْهُ) الضمير لا يعود على الريح، لكنَّه يعود على ما حَيِيَ بالماء الذي نَزَل من السماء؛ لأنه تقدَّم لنا ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؛ يعني: ولَئِنْ أرسلْنا ريحًا فرأوْا هذا الذي حَيِيَ ﴿مُصْفَرًّا﴾ يعني: يابسًا حطيمًا بهذه الرياح ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾. نقرأ كلام المؤلف: (﴿﴿وَلَئِنْ﴾ ﴾ لام قَسَم ﴿﴿أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ ﴾ مُضِرَّة عَلَى نَبَاتٍ ﴿﴿فَرَأَوْهُ﴾ ﴾) الضمير يعود على أيش؟ على النبات (﴿﴿مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ ﴾ صاروا، جواب القَسَم ﴿﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ ﴾ أي: بعد اصفراره ﴿﴿يَكْفُرُونَ﴾ ﴾ يجحدون النعمةَ بالمطر). يعني أنَّ الله عز وجل إذا أحيا الأرضَ بعد موتها وأرسلَ عليها ريحًا فاصْفَرَّ النباتُ، وبعد اصفراره سيتلفُ امتحانًا منه جل وعلا لَكانوا من بعد هذا الاستبشار وبعد أنْ رأوا آثارَ الرحمة صاروا يكفرون. ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ يقولون: كيف هذا؟! يأتي المطر وينزل وتحيا الأرضُ، ثم تأتي هذه الريح فتُهلكه؟! فيكفرون -والعياذ بالله- وينسون نعمةَ الله السابقة، ينسونها، وهذا من الامتحان، وهو داخلٌ في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج ١١]، وكان عليهم إذا أرسلَ اللَّهُ هذه الريحَ واصفرَّ النباتُ بها، كان عليهم أنْ يقابلوا ذلك بالصبر لا بالكُفر، بالصبر على هذه البليَّة؛ لأنَّ الصبر .. يُوَفَّى الصابر أجْرَه بغير حساب، وربما تزول هذه المحنةُ إلى نعمةٍ أخرى؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل ١٢٦]، ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٦]، ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران ١٨٦]، فالمؤمن يصبر عند البلاء ويَشكر عند الرخاء. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، على (...). قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [الروم ٥٢]، ﴿إِنَّكَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ويجوز أن يكون الخطاب عامًّا لكلِّ مَن يتأتَّى خطابُه. ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يعني: لا تُسمِعهم سماعًا ينتفعون به، أو: لا تُسمِعهم حين الدعوة، والأقرب الأول؛ لأنه ليس من المعقول أنَّ أحدًا يَقِف على الأموات ويقول: يا أيُّها الناس اعبُدوا الله واتَّقوه، هذا ليس بمعقول، لكنْ لو فُرِض أنَّه دعا فهل يسمعون سماعًا ينتفعون به؟ الجواب: لا، لا يسمعون سماعًا ينتفعون به. فإذا قال قائل: هذا تقييدٌ للآية، الآية مُطْلقة ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، فكيف ساغ لكم أنْ تُقَيِّدوها بقولكم: سماعًا ينتفعون به؟ نقول: إنَّ هذا -أعني نَفْي السماع- يُطلق على نَفْي السماع النافع؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، يسمعون بآذانهم لكنْ لا يسمعون سماعًا ينتفعون به، ولا نحمله على الإطلاق؛ لأن سماع الموتى قد وَرَدَت به الآثارُ؛ فإنَّ رسول الله ﷺ ثَبَتَ عنه «أنَّه وَقَفَ على أصحاب قَلِيب بدرٍ من المشركين، وجعل يدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَ، يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا». فقال عمر: يا رسول الله، ما تُخاطب من قومٍ قد جيَّفوا!» -يعني: كيف تُخاطب الجِيَف؛ موتى؟!- «فقال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨)، من حديث أبي طلحة.]]، يعني: هم يسمعون أشدَّ من سماعكم، فإذَنْ ثَبَتَ أنَّ الموتى يسمعون، وكذلك صحَّح ابنُ عبد البَرِّ حديثًا وَرَدَ عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنَّه «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَى مَيِّتٍ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»[[أخرجه ابن عبد البر في الاستذكار (١ / ١٨٥) من حديث ابن عباس.]]، وهذا ذكره ابنُ القيم في كتاب الروح، وذكر تصحيح ابن عبد البر له ولم يتعقَّبْه، وعلى هذا فهُم يسمعون، لكنَّهم لا ينتفعون بهذا السماع. وردتْ آثار أيضًا عن الصحابة في هذا الأمر ذَكَرها ابنُ القيم رحمه الله عند هذه الآية، وثَبَتَ أيضًا في الصحيح أنَّ الإنسان إذا انصرفَ عنه أصحابُه بعد الدَّفْن حتى إنَّه لَيَسْمع قَرْعَ نعالهم أتاه مَلَكان[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠ / ٧٠)، من حديث أنس بن مالك.]]. يسمع قَرْع نعالهم على الأرض كما يمشي الإنسانُ على السقْف فنسمع مَشْيه على السقف، وهذا أيضًا يسمع قَرْع النعال، (...) قرع النعال، ولكن الله تعالى يجعلهم يسمعون ذلك. فالحاصل أننا نقول: كلُّ هذا يؤيِّد أنَّ المعنى ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يعني: سماعًا ينتفعون به، ومعلومٌ أنَّ الرسول ﷺ ما دعا الموتى، ما ذهبَ إلى القبور يدعوهم، ولكن الذين يدعوهم مِن الأحياء كالموتى لا يستجيبون ولا ينتفعون بالدَّعوة. يقول عز وجل: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾، ﴿الصُّمَّ﴾ مفعولٌ أول، و﴿الدُّعَاءَ﴾ مفعولٌ ثانٍ، أمَّا ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الأولى فقد حُذِف المفعولُ الثاني؛ لأن هذا فَضْلة، وقد سبق لنا أنَّه يجوز حذفُ الفَضْلة ولو بلا دليل. وقال: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ ﴿الصُّمَّ﴾ جمع أَصَمَّ، وهو الذي لا يسمع، اللي ما يسمع ما تُسمِعه، لا سيَّما إذا اقترنَ به الإدبار؛ ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾، وهذا أشدُّ ما يكون بالنسبة للأصَمِّ بانتفاء السماع عنه، الأصَمُّ لا يسمع ولو كان مقابلًا لك، فكيف إذا أَدْبر! يكون (...)، ولهذا الأصمُّ إذا كان أمامك ودعَوْتَه بصوتٍ ما فربما يسمع، لكن إذا ولَّى مهما دعَوْتَه ما يسمع إلَّا إذا أدركْتَه فمسكتَه، فالصُّمُّ إذا ولَّوا مدبرين ما يسمعون، وإنما قيَّد الله عز وجل الصُّمَّ بهذه الحال لأنها هي الحال التي لا يسمعون بها مطلقًا، بخلاف ما إذا كانوا أمامك فإنَّهم قد يسمعون ويستدلُّون على ما تقول بحركات شفتيك. ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ قال المؤلف: (بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية بينها وبين الياء). ﴿الدُّعَاءَ إِذَا﴾ هذا أيش؟ تحقيق؛ ﴿الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا﴾. الثاني: تسهيل الثانية بينها -أي: بين الهمزة المحقَّقة- وبين الياء؛ أي: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ اِذَا﴾ خَلِّها بين الهمزة وبين الياء، والقراءتانِ سبعيَّتانِ. ثم قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ [الروم ٥٣] شوف الآن، انتقال؛ الموتى، الصُّم، العُمْي. ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ ﴿مَا﴾ حجازيَّة، و﴿أَنْتَ﴾ اسمها، والباء حرف جرٍّ زائد، و(هادِ) خبرها. ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ﴾ اسم فاعل ﴿بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ العُمْي جمع أَعْمى؛ لأن (أَفْعَل) جمعه (فُعْل)؛ قال ابن مالك: فُعْـــــلٌ لِنَحْــــــوِ أَحْمَرٍ وَحَمْرَا ∗∗∗ ..................... (أَحْمَر) مثل (أَعْمَى)، و(حمراء) مثل (عَمْياء)، فـ(عُمْي) جمعٌ للذكور والإناث. ﴿بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ ويش معنى ﴿ضَلَالَتِهِمْ﴾؟ يعني: عن مَتَاهتهم، إذا تاهوا في الطريق ما أنت بِهادي العمي عنها، فكذلك هؤلاء الذين عَمُوا عن الحقِّ -والعياذ بالله- فلا يَرَوْن، وصمُّوا عنه فلا يسمعون، وماتوا عنه فلا يفقهون، هؤلاء أيضًا لا تستطيع أن تهديهم، أو لا؟ فتأمَّل الآن في مسألة الموت ومسألة الصَّمَم قال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾، وفي باب العَمَى قال: ﴿مَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ ما قال: ما أنت بمسمع؛ السبب: لأنَّ البصر يتعلَّق به الدلالة، وهي الهداية، بخلاف الصَّمَم يتعلَّق به السمع. (﴿﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ﴾ ﴾ مَا ﴿﴿تُسْمِعُ﴾ ﴾ سَمَاعَ إفهامٍ وقَبُولٍ ﴿﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ ﴾ القرآن ﴿﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴾ [الروم: ٥٣]). ﴿إِنْ﴾ قال المؤلف: (ما)، ويش معنى (﴿﴿إِنْ﴾ ﴾ مَا)؟ (ما) هذه تفسيرية، ولهذا ما تُدغَم بـ(إنْ)، ما يقال: (إمَّا)، بل يقال: (إنْ) ثم يقال: (ما) على سبيل الإظهار؛ لأن (ما) تفسيرٌ لها، فهي هي، ﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما). ﴿﴿تُسْمِعُ﴾ ﴾ قال المؤلف: (سَمَاعَ إفهامٍ وقَبُول). ما تسمع (﴿﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ ﴾ القرآن﴿﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴾) أي: فبناءً على إيمانهم هم مُسْلمون مُنْقادون؛ لأنَّه كلَّما تمَّ الإيمانُ تمَّ الانقياد، فكلَّما كان الإنسان أقوى إيمانًا فإنَّه يكون أعظمَ انقيادًا، ولهذا الإيمانُ يستلزم الإسلام، كلُّ مؤمنٍ مُسْلم، ولا عَكْس؛ ما كلُّ مُسْلمٍ مؤمنًا، قد يستسلم الإنسانُ ظاهرًا وقلْبُه منطوٍ على الكفر -والعياذُ بالله- بخلاف الإيمان، ولهذا رتَّب على الإيمان رتَّب عليه الإسلامَ بالفاء ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فهُم مِن أجْل إيمانهم مسلمون منقادون. قوله ﴿إلَّا مَنْ يُؤْمِن بِآيَاتِنَا﴾ قال المؤلف: إنَّه القرآن، مع أنَّ (آيات) جمعٌ وليست مفردًا، فما هو الجواب عن قول المؤلف؟ الجواب عن قول المؤلف أنَّ فيه قصورًا، والحقُّ أنَّ المراد بالآيات ما هو أعمُّ من القرآن؛ فيشمل جميع الكُتُب المنزلة، ويشمل كذلك الآيات الكونية بأنْ يؤمن بأنَّ هذا الكون خَلَقَه اللَّهُ عز وجل؛ لأنَّ مِن الناس مَن لا يؤمن بالآيات الكونية؛ شوف ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ ويش يقولون؟ ﴿سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤]، شيء طبيعي، الكون يقولون: مادَّة وطبيعة تتفاعل ويَنْتج بعضُها من بعض، وما أشبهَ ذلك، ما آمَنوا بالآيات. الآيات الشرعيَّة كذلك أيضًا؛ مِن الناس مَن لا يؤمن بها، يُكَذِّب بأخبارها ويستكبر عن أحكامها، وهذا كثير. إذَنْ الصوابُ أنَّ المراد بقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ ما يشمل الآياتِ الشرعيَّة كلَّها بكلِّ الكُتُب النازلة والآياتِ الكونية كلَّها؛ لأن مِن الناس مَن يُنكر الآيات الكونية كما تعلمون. فإذا قال قائل: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ معناه أنَّ المؤمن سامعٌ، فكيف يقول: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾ والمؤمن سامعٌ؟! فكيف تجيب عن هذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن مَن يؤمن سامعٌ، تُسمع مَن يؤمن. * طالب: (...) أنَّه قابل للدعوة (...). * طالب آخر: قابل للسماع و(...). * الشيخ: الجواب عن هذا مِن أحد وجهين: إمَّا أنْ يُقال: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾ أي: إلا مَن كان مستعدًّا للإيمان بما تقول ومكتوبًا عند الله عز وجل أنَّه مؤمن، وهذا أمرٌ غير معلومٍ للرسول عليه الصلاة والسلام، لكن يجب عليه أن يَبْذل الدعوة فيسمعها مَن كان في علم الله أنَّه مؤمنٌ وكان مستعدًّا للإيمان، هذا وجه. أو يُقال: إنَّ الدين شرائع، ليس شيئًا واحدًا، بل هو شرائع وشعائر متعدِّدة، فالذي ينتفع بهذه الشعائر ويطبِّقها مَن؟ هو المؤمن بها، هذا المؤمن اللي وقع الإيمانُ منه فِعْلًا هو الذي يسمع كلَّ ما دعا إليه الرسول ﷺ من جميع شرائع الدين، وعلى قول مَن يُثبتون للدين أصولًا وفروعًا نقول: أصول الدين وفُروعه. لكن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إنَّ تقسيم الدين إلى أصولٍ وفُروعٍ قولٌ مبتدَعٌ لا دليل عليه، وهو صحيح، لكن ما تجد في القرآن والسُّنَّة أصولًا وفروعًا، فيها ما يدلُّ على الرُّكْنية -مثلًا- وعلى أنَّ هذا رُكْنٌ كما في قوله: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨)، ومسلم (١٦ / ٢٠)، من حديث ابن عمر.]]، أمَّا أن نقول: أصول وفروع! لأن شيخ الإسلام -رحمه الله- أَنْكَر هذا لا لأنَّه مجرَّد اصطلاح، لا مشاحَّة في الاصطلاح، لكنَّه تُوُصِّل به إلى أمورٍ منكرةٍ فقالوا مَثَلًا: لا نحتجُّ بأخبار الآحاد في أُصول الدين، وجعلوا هذا بابًا يَلِجُون به إلى إنكار الصفات وإلى إنكار ما وَرَدَ في أخبار اليوم الآخِر وما أشبهَ ذلك. المهم صار قوله: ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾ ويش هو الجواب عليه؟ من أحد وجهين؛ الأول: إلا مَن كان مستعدًّا للإيمان بحيث إنَّ الله قدَّر له ذلك فهذا يسمع وينتفع. أو: ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾ مَن كان الآن مؤمنًا لكنَّه يسمع ما يتلقَّى بعد ذلك من شعائر الإسلام وشرائعه. ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾، المؤمن مسلمٌ ظاهرًا وباطنًا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: والمنافق؟ * طالب: ظاهرًا لا باطنًا. * الشيخ: مسلمٌ ظاهرًا لا باطنًا. والمعلن بكفره؟ * طلبة: ظاهرًا وباطنًا. * الشيخ: ظاهرًا وباطنًا؛ ليس مؤمنًا لا ظاهرًا ولا باطنًا، والناس ما يخرجون عن هذه الأقسام الثلاثة: مَن كَفَرَ ظاهرًا وباطنًا، ومَن آمَنَ ظاهرًا وباطنًا، ومَن آمَن ظاهرًا لا باطنًا. فيه قِسمة رابعة لكن ما تمكن، وهي: مَن آمَنَ باطنًا لا ظاهرًا، هذا ما يمكن، صحيحٌ أنَّه قد يكون ضعيفَ الإيمان فتجد فيه مخالفات في ظاهرِهِ كالمؤمن الفاسق؛ أمَّا أنَّه يكون ليس عنده إسلامٌ أبدًا فهذا ما يمكن. * طالب: ما يُطلق عليه أنه (...). * الشيخ: ما أعلم. * الطالب: (...). * الشيخ: هو مسلم ظاهرًا، لكن فيه مانع من إظهاره. * الطالب: (...). * الشيخ: (...) لأن هذا كفر؛ لأنه جعله كفرًا (...). * * * (...) ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾، هذه الجملة. (...) الباصرة، ويحتمل أنَّها عَمَى البصيرة، وأيًّا كان سواء كان حِسِّيًّا أو معنويًّا -وهو ظاهر السياق- فإنَّ معنى ذلك أنَّ الرسول ﷺ لا يملك أنْ يهدي هؤلاء، وفيها (...). قوله: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾، ما نوع هذه الجملة (...). * * * ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ [الروم ٥٤] هذه الآية سِيقَتْ لبيان حال الإنسان وكمال قدرة الله عز وجل. قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، و﴿الَّذِي﴾ خبره. ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ يُقال بفتح الضاد وبضمِّها، ضمُّها لغة الحجازيِّين، وفَتْحها لغة بني تميم، ولهذا يُروى عن ابن عمر رضي الله عنه أنَّه قال: «أقرأَني رسولُ الله ﷺ:» ﴿مِنْ ضُعْفٍ﴾ [[أخرجه أبو داود (٣٩٧٨)، والترمذي (٢٩٣٦)، من حديث ابن عمر.]]، بضم الضاد؛ ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضُعْفٍ﴾، لكن الحديث ضعيف، إنَّما ذكروا الضَّادَ مفتوحةً ومضمومةً؛ قراءتانِ سبعيَّتانِ، والفتح لُغة بني تميم، والضمُّ لغة الحجازيِّين. * طالب: مَن قرأها برواية حفصٍ بالضم، هل نقول: غلط، ولَّا .. ؟ * الشيخ: صح، أيُّ إنسان يقرأ بكل قراءة ثابتة فهو صحيح. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ ما هو الضَّعف؟ يقول: الماء؛ (ماء مَهِين). فجعل الضعف هو النُّطْفة؛ لأنه كما قال الله عز وجل: ﴿مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨]، و﴿مِنْ﴾ هنا للابتداء كقوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء ٣٧]، وقيل: المراد بالضعف ضَعْفُه بعد نَفْخ الروح فيه؛ إذْ إنَّه حالُ النُّطْفة جمادٌ لا يوصَف بأنه ضعيفٌ ولا أنَّه قويٌّ، ولكن المراد بالضعف بعد نَفْخ الروح فيه، عرفتم؟ وهذا هو الصحيح؛ فإنَّ الإنسان ما يكون خلقًا تامًّا إلا بعد نَفْخ الروح، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون ١٤]، هذا الإنشاء هو أول ما يكون به الإنسانُ إنسانًا؛ لأن الإنسانَ إنسانٌ ببَدَنِه ورُوحه، وعلى هذا نقول: المراد بالضعف بعد نَفْخ الروحِ فيه؛ ضَعْف الطفولة، ويبتدئُ من كَوْنه حيًّا في بطْن أُمِّه، وهذا ظاهرٌ لا يحتاج إلى دليل؛ الإنسانُ الصغيرُ ضعيفٌ، ثم بعد ذلك .. والضعف أيضًا بقُواه الحسِّيَّة وقُواه المعنويَّة، فهو ضعيفٌ في التفكير، وهي القُوى المعنويَّة، والعقل، وما أشبهَ ذلك.

الروم 30:54

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ [الروم ٥١]. ﴿وَلَئِنْ﴾ اللام هُنا لام قَسَمٍ دخلتْ على (إن) الشرطية، ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا﴾، وقوله: ﴿لَظَلُّوا﴾ هذا هو الجواب، لكنَّه جوابٌ لأيِّهما: للشرط أو للقَسَم؟ جوابٌ للقَسَم؛ لأنَّه لو كان جوابًا للشرط ما احتاج إلى اللام، فعلٌ ماضٍ يُجاب به الشرطُ بدون واسطة، وأيضًا فإنَّ القاعدة عند أهل العلم بالعربية أنَّه إذا اجتمع شرطٌ وقَسَمٌ يُحذَف جوابُ المتأخِّر منهما قال ابن مالك: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــوَابَ مَــا أَخَّـــــرْتَ فَـــهْوَمُلْــــتَزَمْ (...) دلَّ عليه اللام الموطئة للقَسَم، وفيه شرط (إنْ)، والجواب الآن للقَسَم: ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾، وجوابُ الشرط محذوفٌ دلَّ عليه جوابُ القَسَم. ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ شوف الفرق؛ في الأول يقول الله عز وجل: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾، وهُنا قال: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ مفردًا، وقد ذكرنا سابقًا أنَّ الجمع يكون رحمةً والإفراد يكون عذابًا، هذا الغالب. ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ (رَأَوْهُ) الضمير لا يعود على الريح، لكنَّه يعود على ما حَيِيَ بالماء الذي نَزَل من السماء؛ لأنه تقدَّم لنا ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؛ يعني: ولَئِنْ أرسلْنا ريحًا فرأوْا هذا الذي حَيِيَ ﴿مُصْفَرًّا﴾ يعني: يابسًا حطيمًا بهذه الرياح ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾. نقرأ كلام المؤلف: (﴿﴿وَلَئِنْ﴾ ﴾ لام قَسَم ﴿﴿أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ ﴾ مُضِرَّة عَلَى نَبَاتٍ ﴿﴿فَرَأَوْهُ﴾ ﴾) الضمير يعود على أيش؟ على النبات (﴿﴿مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ ﴾ صاروا، جواب القَسَم ﴿﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ ﴾ أي: بعد اصفراره ﴿﴿يَكْفُرُونَ﴾ ﴾ يجحدون النعمةَ بالمطر). يعني أنَّ الله عز وجل إذا أحيا الأرضَ بعد موتها وأرسلَ عليها ريحًا فاصْفَرَّ النباتُ، وبعد اصفراره سيتلفُ امتحانًا منه جل وعلا لَكانوا من بعد هذا الاستبشار وبعد أنْ رأوا آثارَ الرحمة صاروا يكفرون. ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ يقولون: كيف هذا؟! يأتي المطر وينزل وتحيا الأرضُ، ثم تأتي هذه الريح فتُهلكه؟! فيكفرون -والعياذ بالله- وينسون نعمةَ الله السابقة، ينسونها، وهذا من الامتحان، وهو داخلٌ في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج ١١]، وكان عليهم إذا أرسلَ اللَّهُ هذه الريحَ واصفرَّ النباتُ بها، كان عليهم أنْ يقابلوا ذلك بالصبر لا بالكُفر، بالصبر على هذه البليَّة؛ لأنَّ الصبر .. يُوَفَّى الصابر أجْرَه بغير حساب، وربما تزول هذه المحنةُ إلى نعمةٍ أخرى؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل ١٢٦]، ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٦]، ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران ١٨٦]، فالمؤمن يصبر عند البلاء ويَشكر عند الرخاء. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، على (...). قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [الروم ٥٢]، ﴿إِنَّكَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ويجوز أن يكون الخطاب عامًّا لكلِّ مَن يتأتَّى خطابُه. ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يعني: لا تُسمِعهم سماعًا ينتفعون به، أو: لا تُسمِعهم حين الدعوة، والأقرب الأول؛ لأنه ليس من المعقول أنَّ أحدًا يَقِف على الأموات ويقول: يا أيُّها الناس اعبُدوا الله واتَّقوه، هذا ليس بمعقول، لكنْ لو فُرِض أنَّه دعا فهل يسمعون سماعًا ينتفعون به؟ الجواب: لا، لا يسمعون سماعًا ينتفعون به. فإذا قال قائل: هذا تقييدٌ للآية، الآية مُطْلقة ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، فكيف ساغ لكم أنْ تُقَيِّدوها بقولكم: سماعًا ينتفعون به؟ نقول: إنَّ هذا -أعني نَفْي السماع- يُطلق على نَفْي السماع النافع؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، يسمعون بآذانهم لكنْ لا يسمعون سماعًا ينتفعون به، ولا نحمله على الإطلاق؛ لأن سماع الموتى قد وَرَدَت به الآثارُ؛ فإنَّ رسول الله ﷺ ثَبَتَ عنه «أنَّه وَقَفَ على أصحاب قَلِيب بدرٍ من المشركين، وجعل يدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَ، يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا». فقال عمر: يا رسول الله، ما تُخاطب من قومٍ قد جيَّفوا!» -يعني: كيف تُخاطب الجِيَف؛ موتى؟!- «فقال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨)، من حديث أبي طلحة.]]، يعني: هم يسمعون أشدَّ من سماعكم، فإذَنْ ثَبَتَ أنَّ الموتى يسمعون، وكذلك صحَّح ابنُ عبد البَرِّ حديثًا وَرَدَ عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنَّه «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَى مَيِّتٍ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»[[أخرجه ابن عبد البر في الاستذكار (١ / ١٨٥) من حديث ابن عباس.]]، وهذا ذكره ابنُ القيم في كتاب الروح، وذكر تصحيح ابن عبد البر له ولم يتعقَّبْه، وعلى هذا فهُم يسمعون، لكنَّهم لا ينتفعون بهذا السماع. وردتْ آثار أيضًا عن الصحابة في هذا الأمر ذَكَرها ابنُ القيم رحمه الله عند هذه الآية، وثَبَتَ أيضًا في الصحيح أنَّ الإنسان إذا انصرفَ عنه أصحابُه بعد الدَّفْن حتى إنَّه لَيَسْمع قَرْعَ نعالهم أتاه مَلَكان[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠ / ٧٠)، من حديث أنس بن مالك.]]. يسمع قَرْع نعالهم على الأرض كما يمشي الإنسانُ على السقْف فنسمع مَشْيه على السقف، وهذا أيضًا يسمع قَرْع النعال، (...) قرع النعال، ولكن الله تعالى يجعلهم يسمعون ذلك. فالحاصل أننا نقول: كلُّ هذا يؤيِّد أنَّ المعنى ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يعني: سماعًا ينتفعون به، ومعلومٌ أنَّ الرسول ﷺ ما دعا الموتى، ما ذهبَ إلى القبور يدعوهم، ولكن الذين يدعوهم مِن الأحياء كالموتى لا يستجيبون ولا ينتفعون بالدَّعوة. يقول عز وجل: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾، ﴿الصُّمَّ﴾ مفعولٌ أول، و﴿الدُّعَاءَ﴾ مفعولٌ ثانٍ، أمَّا ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الأولى فقد حُذِف المفعولُ الثاني؛ لأن هذا فَضْلة، وقد سبق لنا أنَّه يجوز حذفُ الفَضْلة ولو بلا دليل. وقال: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ ﴿الصُّمَّ﴾ جمع أَصَمَّ، وهو الذي لا يسمع، اللي ما يسمع ما تُسمِعه، لا سيَّما إذا اقترنَ به الإدبار؛ ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾، وهذا أشدُّ ما يكون بالنسبة للأصَمِّ بانتفاء السماع عنه، الأصَمُّ لا يسمع ولو كان مقابلًا لك، فكيف إذا أَدْبر! يكون (...)، ولهذا الأصمُّ إذا كان أمامك ودعَوْتَه بصوتٍ ما فربما يسمع، لكن إذا ولَّى مهما دعَوْتَه ما يسمع إلَّا إذا أدركْتَه فمسكتَه، فالصُّمُّ إذا ولَّوا مدبرين ما يسمعون، وإنما قيَّد الله عز وجل الصُّمَّ بهذه الحال لأنها هي الحال التي لا يسمعون بها مطلقًا، بخلاف ما إذا كانوا أمامك فإنَّهم قد يسمعون ويستدلُّون على ما تقول بحركات شفتيك. ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ قال المؤلف: (بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية بينها وبين الياء). ﴿الدُّعَاءَ إِذَا﴾ هذا أيش؟ تحقيق؛ ﴿الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا﴾. الثاني: تسهيل الثانية بينها -أي: بين الهمزة المحقَّقة- وبين الياء؛ أي: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ اِذَا﴾ خَلِّها بين الهمزة وبين الياء، والقراءتانِ سبعيَّتانِ. ثم قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ [الروم ٥٣] شوف الآن، انتقال؛ الموتى، الصُّم، العُمْي. ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ ﴿مَا﴾ حجازيَّة، و﴿أَنْتَ﴾ اسمها، والباء حرف جرٍّ زائد، و(هادِ) خبرها. ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ﴾ اسم فاعل ﴿بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ العُمْي جمع أَعْمى؛ لأن (أَفْعَل) جمعه (فُعْل)؛ قال ابن مالك: فُعْـــــلٌ لِنَحْــــــوِ أَحْمَرٍ وَحَمْرَا ∗∗∗ ..................... (أَحْمَر) مثل (أَعْمَى)، و(حمراء) مثل (عَمْياء)، فـ(عُمْي) جمعٌ للذكور والإناث. ﴿بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ ويش معنى ﴿ضَلَالَتِهِمْ﴾؟ يعني: عن مَتَاهتهم، إذا تاهوا في الطريق ما أنت بِهادي العمي عنها، فكذلك هؤلاء الذين عَمُوا عن الحقِّ -والعياذ بالله- فلا يَرَوْن، وصمُّوا عنه فلا يسمعون، وماتوا عنه فلا يفقهون، هؤلاء أيضًا لا تستطيع أن تهديهم، أو لا؟ فتأمَّل الآن في مسألة الموت ومسألة الصَّمَم قال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾، وفي باب العَمَى قال: ﴿مَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ ما قال: ما أنت بمسمع؛ السبب: لأنَّ البصر يتعلَّق به الدلالة، وهي الهداية، بخلاف الصَّمَم يتعلَّق به السمع. (﴿﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ﴾ ﴾ مَا ﴿﴿تُسْمِعُ﴾ ﴾ سَمَاعَ إفهامٍ وقَبُولٍ ﴿﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ ﴾ القرآن ﴿﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴾ [الروم: ٥٣]). ﴿إِنْ﴾ قال المؤلف: (ما)، ويش معنى (﴿﴿إِنْ﴾ ﴾ مَا)؟ (ما) هذه تفسيرية، ولهذا ما تُدغَم بـ(إنْ)، ما يقال: (إمَّا)، بل يقال: (إنْ) ثم يقال: (ما) على سبيل الإظهار؛ لأن (ما) تفسيرٌ لها، فهي هي، ﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما). ﴿﴿تُسْمِعُ﴾ ﴾ قال المؤلف: (سَمَاعَ إفهامٍ وقَبُول). ما تسمع (﴿﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ ﴾ القرآن﴿﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴾) أي: فبناءً على إيمانهم هم مُسْلمون مُنْقادون؛ لأنَّه كلَّما تمَّ الإيمانُ تمَّ الانقياد، فكلَّما كان الإنسان أقوى إيمانًا فإنَّه يكون أعظمَ انقيادًا، ولهذا الإيمانُ يستلزم الإسلام، كلُّ مؤمنٍ مُسْلم، ولا عَكْس؛ ما كلُّ مُسْلمٍ مؤمنًا، قد يستسلم الإنسانُ ظاهرًا وقلْبُه منطوٍ على الكفر -والعياذُ بالله- بخلاف الإيمان، ولهذا رتَّب على الإيمان رتَّب عليه الإسلامَ بالفاء ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فهُم مِن أجْل إيمانهم مسلمون منقادون. قوله ﴿إلَّا مَنْ يُؤْمِن بِآيَاتِنَا﴾ قال المؤلف: إنَّه القرآن، مع أنَّ (آيات) جمعٌ وليست مفردًا، فما هو الجواب عن قول المؤلف؟ الجواب عن قول المؤلف أنَّ فيه قصورًا، والحقُّ أنَّ المراد بالآيات ما هو أعمُّ من القرآن؛ فيشمل جميع الكُتُب المنزلة، ويشمل كذلك الآيات الكونية بأنْ يؤمن بأنَّ هذا الكون خَلَقَه اللَّهُ عز وجل؛ لأنَّ مِن الناس مَن لا يؤمن بالآيات الكونية؛ شوف ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ ويش يقولون؟ ﴿سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤]، شيء طبيعي، الكون يقولون: مادَّة وطبيعة تتفاعل ويَنْتج بعضُها من بعض، وما أشبهَ ذلك، ما آمَنوا بالآيات. الآيات الشرعيَّة كذلك أيضًا؛ مِن الناس مَن لا يؤمن بها، يُكَذِّب بأخبارها ويستكبر عن أحكامها، وهذا كثير. إذَنْ الصوابُ أنَّ المراد بقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ ما يشمل الآياتِ الشرعيَّة كلَّها بكلِّ الكُتُب النازلة والآياتِ الكونية كلَّها؛ لأن مِن الناس مَن يُنكر الآيات الكونية كما تعلمون. فإذا قال قائل: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ معناه أنَّ المؤمن سامعٌ، فكيف يقول: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾ والمؤمن سامعٌ؟! فكيف تجيب عن هذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي، لكن مَن يؤمن سامعٌ، تُسمع مَن يؤمن. * طالب: (...) أنَّه قابل للدعوة (...). * طالب آخر: قابل للسماع و(...). * الشيخ: الجواب عن هذا مِن أحد وجهين: إمَّا أنْ يُقال: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾ أي: إلا مَن كان مستعدًّا للإيمان بما تقول ومكتوبًا عند الله عز وجل أنَّه مؤمن، وهذا أمرٌ غير معلومٍ للرسول عليه الصلاة والسلام، لكن يجب عليه أن يَبْذل الدعوة فيسمعها مَن كان في علم الله أنَّه مؤمنٌ وكان مستعدًّا للإيمان، هذا وجه. أو يُقال: إنَّ الدين شرائع، ليس شيئًا واحدًا، بل هو شرائع وشعائر متعدِّدة، فالذي ينتفع بهذه الشعائر ويطبِّقها مَن؟ هو المؤمن بها، هذا المؤمن اللي وقع الإيمانُ منه فِعْلًا هو الذي يسمع كلَّ ما دعا إليه الرسول ﷺ من جميع شرائع الدين، وعلى قول مَن يُثبتون للدين أصولًا وفروعًا نقول: أصول الدين وفُروعه. لكن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إنَّ تقسيم الدين إلى أصولٍ وفُروعٍ قولٌ مبتدَعٌ لا دليل عليه، وهو صحيح، لكن ما تجد في القرآن والسُّنَّة أصولًا وفروعًا، فيها ما يدلُّ على الرُّكْنية -مثلًا- وعلى أنَّ هذا رُكْنٌ كما في قوله: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨)، ومسلم (١٦ / ٢٠)، من حديث ابن عمر.]]، أمَّا أن نقول: أصول وفروع! لأن شيخ الإسلام -رحمه الله- أَنْكَر هذا لا لأنَّه مجرَّد اصطلاح، لا مشاحَّة في الاصطلاح، لكنَّه تُوُصِّل به إلى أمورٍ منكرةٍ فقالوا مَثَلًا: لا نحتجُّ بأخبار الآحاد في أُصول الدين، وجعلوا هذا بابًا يَلِجُون به إلى إنكار الصفات وإلى إنكار ما وَرَدَ في أخبار اليوم الآخِر وما أشبهَ ذلك. المهم صار قوله: ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾ ويش هو الجواب عليه؟ من أحد وجهين؛ الأول: إلا مَن كان مستعدًّا للإيمان بحيث إنَّ الله قدَّر له ذلك فهذا يسمع وينتفع. أو: ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾ مَن كان الآن مؤمنًا لكنَّه يسمع ما يتلقَّى بعد ذلك من شعائر الإسلام وشرائعه. ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾، المؤمن مسلمٌ ظاهرًا وباطنًا؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: والمنافق؟ * طالب: ظاهرًا لا باطنًا. * الشيخ: مسلمٌ ظاهرًا لا باطنًا. والمعلن بكفره؟ * طلبة: ظاهرًا وباطنًا. * الشيخ: ظاهرًا وباطنًا؛ ليس مؤمنًا لا ظاهرًا ولا باطنًا، والناس ما يخرجون عن هذه الأقسام الثلاثة: مَن كَفَرَ ظاهرًا وباطنًا، ومَن آمَنَ ظاهرًا وباطنًا، ومَن آمَن ظاهرًا لا باطنًا. فيه قِسمة رابعة لكن ما تمكن، وهي: مَن آمَنَ باطنًا لا ظاهرًا، هذا ما يمكن، صحيحٌ أنَّه قد يكون ضعيفَ الإيمان فتجد فيه مخالفات في ظاهرِهِ كالمؤمن الفاسق؛ أمَّا أنَّه يكون ليس عنده إسلامٌ أبدًا فهذا ما يمكن. * طالب: ما يُطلق عليه أنه (...). * الشيخ: ما أعلم. * الطالب: (...). * الشيخ: هو مسلم ظاهرًا، لكن فيه مانع من إظهاره. * الطالب: (...). * الشيخ: (...) لأن هذا كفر؛ لأنه جعله كفرًا (...). * * * (...) ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾، هذه الجملة. (...) الباصرة، ويحتمل أنَّها عَمَى البصيرة، وأيًّا كان سواء كان حِسِّيًّا أو معنويًّا -وهو ظاهر السياق- فإنَّ معنى ذلك أنَّ الرسول ﷺ لا يملك أنْ يهدي هؤلاء، وفيها (...). قوله: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾، ما نوع هذه الجملة (...). * * * ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ [الروم ٥٤] هذه الآية سِيقَتْ لبيان حال الإنسان وكمال قدرة الله عز وجل. قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، و﴿الَّذِي﴾ خبره. ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ يُقال بفتح الضاد وبضمِّها، ضمُّها لغة الحجازيِّين، وفَتْحها لغة بني تميم، ولهذا يُروى عن ابن عمر رضي الله عنه أنَّه قال: «أقرأَني رسولُ الله ﷺ:» ﴿مِنْ ضُعْفٍ﴾ [[أخرجه أبو داود (٣٩٧٨)، والترمذي (٢٩٣٦)، من حديث ابن عمر.]]، بضم الضاد؛ ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضُعْفٍ﴾، لكن الحديث ضعيف، إنَّما ذكروا الضَّادَ مفتوحةً ومضمومةً؛ قراءتانِ سبعيَّتانِ، والفتح لُغة بني تميم، والضمُّ لغة الحجازيِّين. * طالب: مَن قرأها برواية حفصٍ بالضم، هل نقول: غلط، ولَّا .. ؟ * الشيخ: صح، أيُّ إنسان يقرأ بكل قراءة ثابتة فهو صحيح. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ ما هو الضَّعف؟ يقول: الماء؛ (ماء مَهِين). فجعل الضعف هو النُّطْفة؛ لأنه كما قال الله عز وجل: ﴿مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨]، و﴿مِنْ﴾ هنا للابتداء كقوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء ٣٧]، وقيل: المراد بالضعف ضَعْفُه بعد نَفْخ الروح فيه؛ إذْ إنَّه حالُ النُّطْفة جمادٌ لا يوصَف بأنه ضعيفٌ ولا أنَّه قويٌّ، ولكن المراد بالضعف بعد نَفْخ الروح فيه، عرفتم؟ وهذا هو الصحيح؛ فإنَّ الإنسان ما يكون خلقًا تامًّا إلا بعد نَفْخ الروح، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون ١٤]، هذا الإنشاء هو أول ما يكون به الإنسانُ إنسانًا؛ لأن الإنسانَ إنسانٌ ببَدَنِه ورُوحه، وعلى هذا نقول: المراد بالضعف بعد نَفْخ الروحِ فيه؛ ضَعْف الطفولة، ويبتدئُ من كَوْنه حيًّا في بطْن أُمِّه، وهذا ظاهرٌ لا يحتاج إلى دليل؛ الإنسانُ الصغيرُ ضعيفٌ، ثم بعد ذلك .. والضعف أيضًا بقُواه الحسِّيَّة وقُواه المعنويَّة، فهو ضعيفٌ في التفكير، وهي القُوى المعنويَّة، والعقل، وما أشبهَ ذلك.

لقمان 31:1

وهذا تأديب من الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام ولغيره أيضًا، أن الإنسان يصبر ولا يستخفنه الذين لا يُوقنون بما وعد الله الصابرين، وهذا يقع لكثير من الناس، تجد بعض الناس مثلًا يحصل له ما يحصل من الأمور، ثم يجيه السفهاء وأمثالهم ويقول: افعل كذا، افعل كذا، افعل كذا، افرض مثلًا أن له جارًا يؤذيه، يأتي بعض الناس يقول: كيف تحمل من جاره هذه الأذية؟ أو كيف تحمَّل من صاحبك هذه الأذية، أو من أهلك، أو ما أشبه ذلك؟ فيستخفونه فلا يصبر، ولكن الذي ينبغي للإنسان العاقل ألا يستخفه أولئك القوم الذين لا يوقنون بما وعد الله به الصابرين بل يصبر ولا يهمه كلام الناس حتى يحقق الله له ما وعده، وبهذا انتهت سورة الروم، ننتقل بعدها إلى سورة لقمان. يقول: (وهي مكية) المكي أرجح الأقوال الذي عليه الجمهور أن ما نزل بعد وصول الرسول ﷺ إلى المدينة فهو مدني ولو نزل بمكة، وما نزل قبل وصوله إلى المدينة فهو مكي، هذا هو القول الراجح، فعلى هذا المعتبر الزمن ولَّا المكان؟ الزمن، وهذا أريح أيضًا للإنسان. يقول: (مكية إلا ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧]). وفي نسخة: (أو إلا). وبينهما فرق؛ لأن قول المؤلف: (إلا ولو أن) هذا اقتصار على قول واحد وجزم به، أما على النسخة الثانية: (أو إلا) فهو إشارة إلى أن في المسألة قولين، وأنه لم يجزم بأحدهما، والصحيح أنه ما سبق لنا أن السورة إذا كانت مكية فإننا لا نستثني منها شيئًا إلا بنص صريح واضح، وإذا كانت مدنية فإننا لا نستثني منها شيئًا إلا بنص صريح واضح؛ لأن الأصل أن السورة تكون متتالية، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام يضع كل آية في مكانها، أو يأمر بوضعها، وعلى هذا فنقول: إن جاء من أثبت أن قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان ٢٧] نزلت بعد الهجرة إن أثبت ذلك بنص فعلى العين والرأس، وإلا فالأصل أن السورة كاملة مكية. قال: (بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم﴾ [لقمان ١] الله أعلم بمراده) تقدم الكلام على البسملة إعرابًا ومعنًى وحكمًا أو لا؟ فإعرابها أنها جار ومجرور متعلق بمحذوف؛ فعل مؤخر مناسب للمقام، المحذوف فعل مؤخر مناسب للمقام، الآن بنقرأ هذه السورة يكون التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، نبغي نفسر نقول: بسم الله الرحمن الرحيم أُفسِّر، يبغي يتوضأ الإنسان يقول: باسم الله أتوضأ، مر علينا هذا؟ لماذا قدرناه فعلًا؟ لماذا اخترنا أن يكون تقديره فعلًا؟ * طالب: ما مر علينا. * الشيخ: ما مر؟ * الطالب: ما سمعته. * طالب آخر: لأن التقدير يدل على إجابة (...) تقديره فعلًا يعني، أما الجملة الاسمية فالاستمرار. * الشيخ: غير؛ لأن الأصل في العامل أن يكون فعلًا لا سيما وأنه محذوف، هذا واحد، لماذا قدرناه خاصًّا، ما قلنا مثلًا: بسم الله الرحمن الرحيم أبتدئ، بل قلنا: إن كنت بتقرأ قدِّر أقرأ، تبغي تأكل قدِّر آكل، تبغي تشرب قدِّر أشرب، فلماذا اخترنا أن يكون تقديره خاصًّا؟ * طالب: ليناسب كل حال بعينه. * الشيخ: لأجل أن يناسب كل حال بعينه؛ ولأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٨٥)، ومسلم (١٩٦٠ / ٣) من حديث جندب بن عبد الله.]]. فهو إشارة إلى أنه يُقدَّر الفعل المحذوف بما يناسب الفعل المبتدأ به، ولماذا اخترنا أن يكون تقديره متأخرًا؟ * طالب: البداءة باسم الله. * الشيخ: طيب، ودنا أحد غيره. * طالب: ذكرها. * الشيخ: ما الذي ذكره أخبرنا به؟ * الطالب: البداءة باسم الله. * الشيخ: البداءة باسم الله، وغير؟ ولإفادة الاختصاص؛ لأن تقديم المعمول يفيد الحصر والاختصاص، فكأنك تقول: لا أبتدئ إلا باسم الله، هذا هو السبب في أن نقدره متأخرًا لأجل البداءة باسم الله، ولإفادة الحصر والاختصاص. اسم مضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه، و(الرحمن) صفة لله، و(الرحيم) صفة لله أيضًا، واضح؟ هذا إعرابها، أما حكمها فإنها آية من كتاب الله، تكلم الله بها، وأنزلها على الرسول ﷺ، لكنها ليست آية من السورة إنما جُعِلت علامة على انتهاء السورة التي قبلها وابتداء السورة التي بعدها، أو على الأصح علامة على ابتداء السورة فقط لئلا يرد علينا الفاتحة فإنه ليس قبلها شيء، فهي علامة على ابتداء السورة وليست منها، وتجدون في المصاحف أنه لم يُكتب عليها رقم إلا في الفاتحة فإنها رقمت، والسبب أن الفاتحة ذهب كثير من أهل العلم إلى أن البسملة منها، والصواب أنها ليست منها كغيرها، وأن أول آية في سورة الفاتحة هي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة ٢ - ٦] كم دولا؟ * طلبة: خمس. * الشيخ: خمس، الفاتحة سبع آيات، وين السابعة؟ * طلبة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧]. * الشيخ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هذه السادسة، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ هذه السابعة كذا؟ إي نعم، هذا هو الصحيح مع أنكم تجدونه في المصاحف ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧] آية واحدة بناءً على أن البسملة هي الآية الأولى. * طالب: رأيت أنا بعض المصاحف الباكستانية مكتوبة مثلما قلت. * الشيخ: إي، عجيب! هذا على القول الراجح، أما حكمها باعتبار تلاوتها في الصلاة فإن قلنا: إنها من الفاتحة فهي آية منها ولا بد من قراءتها، وتُقرأ جهرًا كما يجهر بالفاتحة، وإذا قلنا: ليست منها فإنه لا تجب قراءتها ولا يُجهَر بها. * طالب: القراءة في غير الصلاة، هل في غير الصلاة تجهر (...)؟ * الشيخ: قال ﴿الم﴾ [لقمان ١] الله أعلم بمراده به. ﴿الم﴾ ثلاثة حروف هجائية، يقول المؤلف: (الله أعلم بمراده به) وفي هذا إثبات بأن الله أراد به شيئًا لكنه لا يُعلم. المؤلف بكلامه هذا أو من كلامه هذا نأخذ أنه يرى أن لهذه الحروف معنى، ولكن الله أعلم به، وقال بعض أهل العلم: إن لها معنى، وجعلوا يتخبطون بهذا المعنى، ويجعلونها رموزًا لما جعلوها له، وقال مجاهد: إنه لا معنى لها، فنقول: أصلًا لا معنى لها، ما نقول: الله أعلم بما أراد؛ وذلك لأن القرآن نزل باللغة العربية كما قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥]، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف ٢]، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، واللغة العربية ليس لهذه الحروف فيها معنى، وعلى هذا فنقول: إنه لا معنى لها، نقول ذلك؛ لأن هذا هو مقتضى اللغة العربية التي نزل بها القرآن. فإذا قال قائل: إذا قلت: لا معنى لها كيف يسوغ لك أن تجزم بنفي المعنى؟ أقول: نعم، يسوغ لي ذلك؛ لأن القرآن باللغة العربية، وهذه الحروف الهجائية بمقتضى اللغة العربية ليس لها معنى فأجزم بذلك؛ لأن القرآن باللغة العربية، إذا كان الأمر هكذا فما هو الفائدة من وجودها في القرآن؟ هذه هي التي قد نقول: الله أعلم بذلك، ولكن بعض أهل العلم التمس لهذا حكمة بأنه إشارة إلى أن هذا القرآن الذي أعجزكم ما أتى بحروف جديدة حتى تقول: والله هذه ليست من حروفنا، وإنما هو من الحروف التي يتركب منها الكلام العربي ومع ذلك أعجزكم. قالوا: ولهذا لا يأتي الابتداء بهذه الحروف الهجائية إلا وبعده ذكر القرآن أو ما هو من خصائص القرآن: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] وتأملها تمشي معه. فيه بعض السور مثل: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم ١ - ٢] ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت ١ - ٢] ما فيها ذكر القرآن لكن فيها ذكر ما هو من خصائصه فـ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ هذا من أمور الغيب ولا يعلم إلا بالوحي، و﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت ٢] هذا فيه إخبار عمن سبق وهو من أمور الغيب أيضًا، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت ٣]. وعلى كل حال هذا اللي ذكرناه أخيرًا هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وسبقه إليه الزمخشري في كتابه الكشاف، قال: ﴿تِلْكَ﴾ أي هذه الآيات آيات الكتاب القرآن الحكيم ذي الحكمة، والإضافة بمعنى (مِنْ). ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ ﴿تِلْكَ﴾ المشار إليه آيات القرآن، وتجدون أن الإشارة هنا بصيغة البعيد، والقرآن ليس بعيدًا؛ لأنه بين أيدينا، ولكنه عالي المرتبة؛ فلهذا أُشِير إليه بإشارة البعيد. وقوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ أي المكتوب وهو القرآن، وذكرنا فيما سبق أنه مكتوب في ثلاثة مواضع في اللوح المحفوظ، في الصحف التي بأيدي الملائكة، في الصحف التي بأيدينا. وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ الإضافة هنا يقول المؤلف: إنها على تقدير (مِنْ)، يعني آيات من الكتاب، والآيات -كما مر علينا- كونية وشرعية، وآيات الكتاب من الشرعية ولَّا من الكونية؟ من الشرعية. وقوله: ﴿الْحَكِيمِ﴾ قال المؤلف: (ذي الحكمة) ولكن يمكن أن يقال: ذي الحكمة والحُكم أيضًا؛ لأنه مرجع الناس في الحكم؛ ولأنه يشتمل على الحكمة، وهو أيضًا صالح لأن يُجعل بمعنى المحكم، فيكون فَعيل بمعنى (مُفْعَل)، القرآن إذن حكيم لاشتماله على الحكمة وعلى الحكم بين الناس: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء ١٠٥]. وقوله: ﴿﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ ﴾ (بالرفع) هذه محلها من الإعراب خبر مبتدأ محذوف قدَّره المؤلف بقوله: (هو هُدًى ورحمة) هدى بمعنى دلالة، ورحمة بمعنى أن الله رحم به الخلق حيث أنزله عليهم، فالقرآن هداية ورحمة، من تمسك به نجا واهتدى، فلا يضل من تمسك بهذا القرآن، ولا يشقى؛ لأنه هدى ورحمة، وعلى هذا فنقول لكل إنسان أراد العلم: عليك بالقرآن؛ لأنه هدى، ولكل إنسان أراد الرحمة: عليك بالقرآن؛ لأنه هدى. ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ [لقمان ٣] ولكن ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ الذين أحسنوا في عبادة الله، وأحسنوا إلى عباد الله، والإحسان ضد الإساءة، والإساءة تكون إما بترك الواجب، أو بفعل المحرم، فمن ترك ما أوجب الله عليه لنفسه من الصلاة وغيرها فليس بمحسن، ومن فعل ما حرم الله عليه فليس بمحسِن، ومن ترك ما يجب له للناس من صلة الرحم، وبر الوالدين، والإحسان إليهم فليس بمحسن، ومن اعتدى عليهم فليس بمحسن. وقوله: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ يستفاد منه أنه كلما ازداد الإنسان إحسانًا ازداد انتفاعًا بالقرآن بالهداية والرحمة بناءً على ما سبق من القاعدة أن الحكم إذا عُلِّق بوصف كان يقوى بحسب وجود ذلك الوصف. وقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ طيب وغير المحسنين لا يهتدون به ولا يرحمون؟ نعم؛ لأن المحسنين هم الذين ينتفعون بذلك، وإلا فهو هدى للناس كلهم، مصدر هداية للجميع، لكن لا ينتفع به إلا الذين أحسنوا. (وفي قراءة العامة بالنصب حالًا من الآيات) غريب هذا التعبير من المؤلف: (وفي قراءة العامة) يفهم منه من لا يعرف الاصطلاح أن المراد بالعامة مَنْ؟ * طالب: ما سوى العلماء. * الشيخ: عامة الناس، ما سوى العلماء، وهذا ليس كذلك، إنما مراده بالعامة يعني عامة القراء ما عدا قارئًا واحدًا الذي قرأ بالرفع ولا عامة القراء وأكثرهم على النصب: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ (بالنصب حالًا من الآيات العامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة). ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [لقمان ٢] حال كونها هدى ورحمة. فإذا قال قائل: الحال تحتاج إلى عامل مثل الظرف، والجار والمجرور، والمفعول به، فما هو العامل؟ هو العامل فيها ما في ﴿تِلْكَ﴾ من معنى الإشارة. ﴿تِلْكَ﴾ اسم وجامد غير مشتق لكنه بمعنى أشير، فإذا قلت: هذا زيد، المعنى أشير إليه فـ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ بمعنى أشير إلى هذه الآيات، فلما كانت متضمنة لمعنى الفعل صارت صالحة لأن تكون عاملًا في الحال. ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [لقمان ٤] (بيان للمحسنين) وعلى هذا فلا تكون صفة، ما تكون نعتًا بل تكون بيانًا؛ أي عطف بيان، من هم المحسنون؟ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ يعني يأتون بها قويمة تامة و﴿الصَّلَاةَ﴾ يشمل الفريضة والتطوع، إقامتها بفعل الواجبات، وترك المفسدِات، وكذلك تتم الإقامة بفعل المكملات والمستحبات، ويؤتون الزكاة أي يعطونها، والزكاة -كما سبق- هي جزء مقدر شرعًا في مال خاص لطائفة مخصوصة. وأين مفعول (يؤتون) الثاني؟ مفعولها الثاني محذوف، التقدير: ويؤتون الزكاة أهلها، وإنما جاز حذفه؛ لأنه فضلة، وقد سبق أن جميع المفاعيل الفضلة يجوز حذفها. وقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ سُمِّي هذا المال المؤُدَّى زكاة؛ لأنها تزكو بها أخلاق المزكِّي، ويزكو بها المال أيضًا ويزيد؛ لأن الزكاة في اللغة النماء والزيادة. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ولم يذكر الله عز وجل من الأفعال إلا الصلاة والزكاة، والقَرْن بينهما في القرآن كثير؛ وذلك لأنهما آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، وتركهما جميعًا موجب للكفر، وترك واحدة منهما؛ الصلاة الصحيح أنه يكفر، والزكاة الصحيح أنه لا يكفر، وقد سبق الكلام على هذا. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان ٤] ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، و﴿بِالْآخِرَةِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ﴿يُوقِنُونَ﴾، و﴿هُمْ﴾ الثانية يقول المؤلف: (هم الثاني تأكيد) تأكيد لأيش؟ لـ﴿هُمْ﴾ الأولى تأكيد لفظي ولَّا معنوي؟ لفظي، قال ابن مالك: وَمَــا مِنَ التَّـــــوْكِيدِ لَفْظِيٌّ يَجِي ∗∗∗ مُكَرَّرًا كَقَوْلِكَ: (ادْرُجِيادْرُجِي) قوله: ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾ بالآخرة، المراد بالآخرة يوم القيامة، وسمي آخِرة؛ لأنه آخر ما يكون، فالإنسان له أربع مراحل؛ المرحلة الأولى في بطن أمه، والمرحلة الثانية في الدنيا، والمرحلة الثالثة في البرزخ، والمرحلة الرابعة والأخيرة يوم القيامة. وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ الإيمان بالآخرة ليس معناه أن تؤمن بأن القيامة ستقوم فقط، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: وقد دخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. فيشمل فتنة القبر، وعذاب القبر، ونعيم القبر، والصراط، والحساب، والميزان، والكتب التي تُنشر يوم القيامة، وغير ذلك. قال: ﴿بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٤ - ٥] القرآن الكريم أحيانًا يكرر الآيات بعينها، تكرير الآيات بعينها هذا موجود في القرآن، هذه مكررة في سورة البقرة وإن كان فيها اختلاف يسير في الآية الأولى التي قبلها، أما قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٤ - ٥] هي آية واحدة. قوله: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أتى بـ(على) الدالة على الاستعلاء؛ يعني أنهم على هدى يسيرون عليه وهم به عالون مرتفعون لارتفاع مرتبتهم. وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٥] هذه الجملة جملة اسمية مؤكد خبرها بضمير الفصل وهو قوله: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فإن ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل، وقد سبق لنا أن ضمير الفصل يفيد ثلاث فوائد (...) هذه ثلاث فوائد لضمير الفصل، إذا قلت: زيد القائم، هذه مبتدأ وخبر، لكن يحتمل أن تكون القائم صفة لزيد، وأن الخبر منتظر، زيد القائم فاضلٌ مثلًا. فإذا قلت: زيد هو القائم تعيَّن أن تكون القائم خبرًا، ففصلت الآن بين الصفة والخبر، كذلك إذا قلت: زيدٌ هو القائم فإنه يفيد الحصر، زيد هو يعني لا غيره هو القائم، كذلك إذا قلت: زيد هو القائم أوكد من قولك: زيد القائم، أبلغ في التوكيد. فهنا: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٥] يعني لا غيرهم، والمفلح يقول المؤلف: (هو الفائز) وما معنى الفائز؟ الفائز السعيد، وما معنى السعيد؟ * طالب: الحاصل على خيري الدنيا والآخرة. * الشيخ: يقولون: إن المفلح هو من أدرك المطلوب ونجا من المرهوب، هذا المفلح، من أدرك المطلوب اللي هو يبغي، ونجا من المرهوب، فحصل له ما يريد، وسَلِم مما لا يريد. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٥] ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان ٦]. (مِن) للتبعيض ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ إلى آخره (...) * طالب: الراوي غلب (...). * الشيخ: على كل حال (...) ونمشي على الأدلة الواضحة، ونترك هذا المشتبه. * * * قال الله تعالى -بسم الله الرحمن الرحيم-: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في إنزال هذه الحروف الهجائية وهي ﴿الم﴾ وما أشبهها. * ومن فوائدها: أن الله عز وجل يتكلم بحرف، وكذلك بصوت؛ لأن ﴿الم﴾ من كلام الله، وهي حروف، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وقد تقدم لنا البحث فيه مرارًا، وأن أهل السنة والجماعة يقولون: إن كلام الله عز وجل بحرف وصوت. * ومن فوائد الآية الكريمة: علو شأن هذا القرآن؛ لقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن آية وعلامة على مُنْزِلِه؛ لقوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ وسبق لنا أن الإضافة على تقدير (مِنْ) فهي إضافة جنسية، القرآن آية على مُنزِله جل وعلا من أي ناحية؟ من صِدْق أخباره ومطابقتها للواقع، ومن حُسْن قصصه وحبها للنفوس، وعدم مللها منها؛ لأنه ما من كلام يُرد إلا ويمل إلا القرآن. الثالث: من حيث الأحكام حيث إنها أحكام عادلة نافعة للعباد في معاشهم ومعادهم؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن مكتوب كما هو مقروء؛ لقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. * ومن فوائدها: الثناء على القرآن بهذا الوصف العظيم وهو الحكيم. * ومن فوائدها أيضًا: أنه لا يوجد في القرآن خبر سيق عبثًا، ولا حكم أُثبِت عبثًا منين نأخذه؟ من الحكيم؛ لأن العبث يُنافي الحكمة، ولا يمكن أن يكون في القرآن شيء عبثًا لا خبرًا ولا حكمًا. ثم قال تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ وفيها قراءتان كما سبق ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ و﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾. * فمن فوائد الآية الكريمة: الترغيب في هذا القرآن؛ لقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾، وكل أحد منا يطلب الهدى والرحمة، فهو هدى في العلم ورحمة في العمل؛ إذ إن العامل به ينال رحمة الله، والمهتدي به على هُدًى وبصيرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم جمع الخير كله فهو علم نافع، أيش بعد؟ وعمل صالح؛ لأنه علم نافع بقوله: ﴿هُدًى﴾ وعمل صالح بقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ لأن الرحمة لا تُنال إلا بالعمل الصالح. * ومنها: الحث على الإحسان؛ لقوله: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾. * ومنها: أن الإحسان سبب لنيل العِلم والعمل الصالح لما جعله ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ لمن؟ ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾. * ومنها: أنه كلما ازداد إحسان العبد ازداد علمه وعمله الصالح؛ لأن الحكم إذا عُلِّق على وصف ازداد بزيادته ونقص بنقصه كما تقدم. * ومن فوائد الآية التي بعدها: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ من فوائدها أن إقامة الصلاة من الإحسان؛ لأن ما بعدها بيان لها: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن الصلاة أحب الأعمال إلى الله؛ لأن الله قدمها على إيتاء الزكاة مع أن إيتاء الزكاة فيه نفع متعد للغير، ولكن الصلاة أحب إلى الله منها وأفضل. * ومنها: الحث على إقامة الصلاة من أين نأخذها؟ من ثناء الله على المقيمين لها، والثناء لا يكون إلا على فعل شيء محبوب مرغوب إلى الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضل إيتاء الزكاة، وأنها تلي الصلاة في الفضيلة؛ لقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. * ومِن فوائد الآية الكريمة: الثناء على مَن أيَقَنَ بِالآخرة؛ لقوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. * ومِن فوائدها: إثباتُ البَعْث ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. ثُم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. * يُستفاد مِن هذه الآية الكريمة: أنَّ المتصفين بما تقدَّم هم الذين على الهُدى، فيتفرع على ذلك * فائدة أخرى: أنَّ مَن خالف فيما تقدم فليس على هُدى، وأنَّه فاته من الهدى بِقدر ما فاته مِن العَمَل واليقين. * ومِن فوائد الآية الكريمة: إظهار فضل الله عزَّ وجلّ على هؤلاء الفُضَلاء؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾. * ومِن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن رُبوبِيَّة الله عز وجل نَوعان: عامة وخاصة، فالعامة لِجميع الخلق: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [مريم ٦٥] والخاصة للمؤمنين. * ومِن فوائد الآية الكريمة: أنَّ بهذه الأعمالِ الفاضلة الجليلة والاعتقاداتِ النافعة يَحصُلُ الفَلاح؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. * ومِن فوائدها: أنَّه لا سبيلَ إلى الفلاح إلا بذلك، وَجهُه؟ الحصر؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (...) ثم ننتقل الآن إلى الدرس الجديد في قوله: (سورة السجدة) سورة السجدة هذه مضافة، الإضافة هنا بيانية، يعني: السورة التي تُذْكَر فيها السجدة، والسجدة ستأتي إن شاء الله تعالى في أثنائها، وهي مكية، ثلاثون آية، وكل سورة مبتدأة بالحروف الهجائية فهي مكية إلا سورتان، ما هما؟ البقرة وآل عمران فإنهما مدنيتان، وإلا فكل سورة ابتُدِئَت بالحروف الهجائية فهي مكية. * طالب: تسميتها سجدة هذا (...). * الشيخ: إلا، كان النبي يقرأ في فجر يوم الجمعة (الم تنزيل) السجدة. * طالب: فيها (...) يعني دليل أنها (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: هذا (...) أنه مختلف يسجد فيها أو.. هي نفس السورة هذه (...). * الشيخ: قال: (﴿الم﴾ الله أعلم بمراده به)، وسبق لنا أن العلماء انقسموا في ذلك ثلاثة أقسام؛ قسم ادَّعى أن لهذه الحروف معانِيَ، وأنها رموز لتلك المعاني، وهذا قول لا دليل عليه، وهو ضعيف، بل باطل، والقول الثاني: أن لها معاني لكن الله أعلم بها، فتكون من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، والقسم الثالث: يقولون: إنه ليس لها معاني أصلًا؛ لأن القرآن نزل باللسان العربي، واللسان العربي لا يكون لهذه الحروف معاني أبدًا، وهذا قول مجاهد وهو الصحيح، أنه لا معاني لها. فإن قال قائل: كيف تجزمون بأنه لا معاني لها والنفي يحتاج إلى حجة؟ قلنا: نجزم بذلك لأن القرآن نزل بلسان عربي مُبِين.

لقمان 31:2

وهذا تأديب من الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام ولغيره أيضًا، أن الإنسان يصبر ولا يستخفنه الذين لا يُوقنون بما وعد الله الصابرين، وهذا يقع لكثير من الناس، تجد بعض الناس مثلًا يحصل له ما يحصل من الأمور، ثم يجيه السفهاء وأمثالهم ويقول: افعل كذا، افعل كذا، افعل كذا، افرض مثلًا أن له جارًا يؤذيه، يأتي بعض الناس يقول: كيف تحمل من جاره هذه الأذية؟ أو كيف تحمَّل من صاحبك هذه الأذية، أو من أهلك، أو ما أشبه ذلك؟ فيستخفونه فلا يصبر، ولكن الذي ينبغي للإنسان العاقل ألا يستخفه أولئك القوم الذين لا يوقنون بما وعد الله به الصابرين بل يصبر ولا يهمه كلام الناس حتى يحقق الله له ما وعده، وبهذا انتهت سورة الروم، ننتقل بعدها إلى سورة لقمان. يقول: (وهي مكية) المكي أرجح الأقوال الذي عليه الجمهور أن ما نزل بعد وصول الرسول ﷺ إلى المدينة فهو مدني ولو نزل بمكة، وما نزل قبل وصوله إلى المدينة فهو مكي، هذا هو القول الراجح، فعلى هذا المعتبر الزمن ولَّا المكان؟ الزمن، وهذا أريح أيضًا للإنسان. يقول: (مكية إلا ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧]). وفي نسخة: (أو إلا). وبينهما فرق؛ لأن قول المؤلف: (إلا ولو أن) هذا اقتصار على قول واحد وجزم به، أما على النسخة الثانية: (أو إلا) فهو إشارة إلى أن في المسألة قولين، وأنه لم يجزم بأحدهما، والصحيح أنه ما سبق لنا أن السورة إذا كانت مكية فإننا لا نستثني منها شيئًا إلا بنص صريح واضح، وإذا كانت مدنية فإننا لا نستثني منها شيئًا إلا بنص صريح واضح؛ لأن الأصل أن السورة تكون متتالية، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام يضع كل آية في مكانها، أو يأمر بوضعها، وعلى هذا فنقول: إن جاء من أثبت أن قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان ٢٧] نزلت بعد الهجرة إن أثبت ذلك بنص فعلى العين والرأس، وإلا فالأصل أن السورة كاملة مكية. قال: (بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم﴾ [لقمان ١] الله أعلم بمراده) تقدم الكلام على البسملة إعرابًا ومعنًى وحكمًا أو لا؟ فإعرابها أنها جار ومجرور متعلق بمحذوف؛ فعل مؤخر مناسب للمقام، المحذوف فعل مؤخر مناسب للمقام، الآن بنقرأ هذه السورة يكون التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، نبغي نفسر نقول: بسم الله الرحمن الرحيم أُفسِّر، يبغي يتوضأ الإنسان يقول: باسم الله أتوضأ، مر علينا هذا؟ لماذا قدرناه فعلًا؟ لماذا اخترنا أن يكون تقديره فعلًا؟ * طالب: ما مر علينا. * الشيخ: ما مر؟ * الطالب: ما سمعته. * طالب آخر: لأن التقدير يدل على إجابة (...) تقديره فعلًا يعني، أما الجملة الاسمية فالاستمرار. * الشيخ: غير؛ لأن الأصل في العامل أن يكون فعلًا لا سيما وأنه محذوف، هذا واحد، لماذا قدرناه خاصًّا، ما قلنا مثلًا: بسم الله الرحمن الرحيم أبتدئ، بل قلنا: إن كنت بتقرأ قدِّر أقرأ، تبغي تأكل قدِّر آكل، تبغي تشرب قدِّر أشرب، فلماذا اخترنا أن يكون تقديره خاصًّا؟ * طالب: ليناسب كل حال بعينه. * الشيخ: لأجل أن يناسب كل حال بعينه؛ ولأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٨٥)، ومسلم (١٩٦٠ / ٣) من حديث جندب بن عبد الله.]]. فهو إشارة إلى أنه يُقدَّر الفعل المحذوف بما يناسب الفعل المبتدأ به، ولماذا اخترنا أن يكون تقديره متأخرًا؟ * طالب: البداءة باسم الله. * الشيخ: طيب، ودنا أحد غيره. * طالب: ذكرها. * الشيخ: ما الذي ذكره أخبرنا به؟ * الطالب: البداءة باسم الله. * الشيخ: البداءة باسم الله، وغير؟ ولإفادة الاختصاص؛ لأن تقديم المعمول يفيد الحصر والاختصاص، فكأنك تقول: لا أبتدئ إلا باسم الله، هذا هو السبب في أن نقدره متأخرًا لأجل البداءة باسم الله، ولإفادة الحصر والاختصاص. اسم مضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه، و(الرحمن) صفة لله، و(الرحيم) صفة لله أيضًا، واضح؟ هذا إعرابها، أما حكمها فإنها آية من كتاب الله، تكلم الله بها، وأنزلها على الرسول ﷺ، لكنها ليست آية من السورة إنما جُعِلت علامة على انتهاء السورة التي قبلها وابتداء السورة التي بعدها، أو على الأصح علامة على ابتداء السورة فقط لئلا يرد علينا الفاتحة فإنه ليس قبلها شيء، فهي علامة على ابتداء السورة وليست منها، وتجدون في المصاحف أنه لم يُكتب عليها رقم إلا في الفاتحة فإنها رقمت، والسبب أن الفاتحة ذهب كثير من أهل العلم إلى أن البسملة منها، والصواب أنها ليست منها كغيرها، وأن أول آية في سورة الفاتحة هي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة ٢ - ٦] كم دولا؟ * طلبة: خمس. * الشيخ: خمس، الفاتحة سبع آيات، وين السابعة؟ * طلبة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧]. * الشيخ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هذه السادسة، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ هذه السابعة كذا؟ إي نعم، هذا هو الصحيح مع أنكم تجدونه في المصاحف ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧] آية واحدة بناءً على أن البسملة هي الآية الأولى. * طالب: رأيت أنا بعض المصاحف الباكستانية مكتوبة مثلما قلت. * الشيخ: إي، عجيب! هذا على القول الراجح، أما حكمها باعتبار تلاوتها في الصلاة فإن قلنا: إنها من الفاتحة فهي آية منها ولا بد من قراءتها، وتُقرأ جهرًا كما يجهر بالفاتحة، وإذا قلنا: ليست منها فإنه لا تجب قراءتها ولا يُجهَر بها. * طالب: القراءة في غير الصلاة، هل في غير الصلاة تجهر (...)؟ * الشيخ: قال ﴿الم﴾ [لقمان ١] الله أعلم بمراده به. ﴿الم﴾ ثلاثة حروف هجائية، يقول المؤلف: (الله أعلم بمراده به) وفي هذا إثبات بأن الله أراد به شيئًا لكنه لا يُعلم. المؤلف بكلامه هذا أو من كلامه هذا نأخذ أنه يرى أن لهذه الحروف معنى، ولكن الله أعلم به، وقال بعض أهل العلم: إن لها معنى، وجعلوا يتخبطون بهذا المعنى، ويجعلونها رموزًا لما جعلوها له، وقال مجاهد: إنه لا معنى لها، فنقول: أصلًا لا معنى لها، ما نقول: الله أعلم بما أراد؛ وذلك لأن القرآن نزل باللغة العربية كما قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥]، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف ٢]، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، واللغة العربية ليس لهذه الحروف فيها معنى، وعلى هذا فنقول: إنه لا معنى لها، نقول ذلك؛ لأن هذا هو مقتضى اللغة العربية التي نزل بها القرآن. فإذا قال قائل: إذا قلت: لا معنى لها كيف يسوغ لك أن تجزم بنفي المعنى؟ أقول: نعم، يسوغ لي ذلك؛ لأن القرآن باللغة العربية، وهذه الحروف الهجائية بمقتضى اللغة العربية ليس لها معنى فأجزم بذلك؛ لأن القرآن باللغة العربية، إذا كان الأمر هكذا فما هو الفائدة من وجودها في القرآن؟ هذه هي التي قد نقول: الله أعلم بذلك، ولكن بعض أهل العلم التمس لهذا حكمة بأنه إشارة إلى أن هذا القرآن الذي أعجزكم ما أتى بحروف جديدة حتى تقول: والله هذه ليست من حروفنا، وإنما هو من الحروف التي يتركب منها الكلام العربي ومع ذلك أعجزكم. قالوا: ولهذا لا يأتي الابتداء بهذه الحروف الهجائية إلا وبعده ذكر القرآن أو ما هو من خصائص القرآن: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] وتأملها تمشي معه. فيه بعض السور مثل: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم ١ - ٢] ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت ١ - ٢] ما فيها ذكر القرآن لكن فيها ذكر ما هو من خصائصه فـ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ هذا من أمور الغيب ولا يعلم إلا بالوحي، و﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت ٢] هذا فيه إخبار عمن سبق وهو من أمور الغيب أيضًا، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت ٣]. وعلى كل حال هذا اللي ذكرناه أخيرًا هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وسبقه إليه الزمخشري في كتابه الكشاف، قال: ﴿تِلْكَ﴾ أي هذه الآيات آيات الكتاب القرآن الحكيم ذي الحكمة، والإضافة بمعنى (مِنْ). ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ ﴿تِلْكَ﴾ المشار إليه آيات القرآن، وتجدون أن الإشارة هنا بصيغة البعيد، والقرآن ليس بعيدًا؛ لأنه بين أيدينا، ولكنه عالي المرتبة؛ فلهذا أُشِير إليه بإشارة البعيد. وقوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ أي المكتوب وهو القرآن، وذكرنا فيما سبق أنه مكتوب في ثلاثة مواضع في اللوح المحفوظ، في الصحف التي بأيدي الملائكة، في الصحف التي بأيدينا. وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ الإضافة هنا يقول المؤلف: إنها على تقدير (مِنْ)، يعني آيات من الكتاب، والآيات -كما مر علينا- كونية وشرعية، وآيات الكتاب من الشرعية ولَّا من الكونية؟ من الشرعية. وقوله: ﴿الْحَكِيمِ﴾ قال المؤلف: (ذي الحكمة) ولكن يمكن أن يقال: ذي الحكمة والحُكم أيضًا؛ لأنه مرجع الناس في الحكم؛ ولأنه يشتمل على الحكمة، وهو أيضًا صالح لأن يُجعل بمعنى المحكم، فيكون فَعيل بمعنى (مُفْعَل)، القرآن إذن حكيم لاشتماله على الحكمة وعلى الحكم بين الناس: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء ١٠٥]. وقوله: ﴿﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ ﴾ (بالرفع) هذه محلها من الإعراب خبر مبتدأ محذوف قدَّره المؤلف بقوله: (هو هُدًى ورحمة) هدى بمعنى دلالة، ورحمة بمعنى أن الله رحم به الخلق حيث أنزله عليهم، فالقرآن هداية ورحمة، من تمسك به نجا واهتدى، فلا يضل من تمسك بهذا القرآن، ولا يشقى؛ لأنه هدى ورحمة، وعلى هذا فنقول لكل إنسان أراد العلم: عليك بالقرآن؛ لأنه هدى، ولكل إنسان أراد الرحمة: عليك بالقرآن؛ لأنه هدى. ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ [لقمان ٣] ولكن ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ الذين أحسنوا في عبادة الله، وأحسنوا إلى عباد الله، والإحسان ضد الإساءة، والإساءة تكون إما بترك الواجب، أو بفعل المحرم، فمن ترك ما أوجب الله عليه لنفسه من الصلاة وغيرها فليس بمحسن، ومن فعل ما حرم الله عليه فليس بمحسِن، ومن ترك ما يجب له للناس من صلة الرحم، وبر الوالدين، والإحسان إليهم فليس بمحسن، ومن اعتدى عليهم فليس بمحسن. وقوله: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ يستفاد منه أنه كلما ازداد الإنسان إحسانًا ازداد انتفاعًا بالقرآن بالهداية والرحمة بناءً على ما سبق من القاعدة أن الحكم إذا عُلِّق بوصف كان يقوى بحسب وجود ذلك الوصف. وقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ طيب وغير المحسنين لا يهتدون به ولا يرحمون؟ نعم؛ لأن المحسنين هم الذين ينتفعون بذلك، وإلا فهو هدى للناس كلهم، مصدر هداية للجميع، لكن لا ينتفع به إلا الذين أحسنوا. (وفي قراءة العامة بالنصب حالًا من الآيات) غريب هذا التعبير من المؤلف: (وفي قراءة العامة) يفهم منه من لا يعرف الاصطلاح أن المراد بالعامة مَنْ؟ * طالب: ما سوى العلماء. * الشيخ: عامة الناس، ما سوى العلماء، وهذا ليس كذلك، إنما مراده بالعامة يعني عامة القراء ما عدا قارئًا واحدًا الذي قرأ بالرفع ولا عامة القراء وأكثرهم على النصب: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ (بالنصب حالًا من الآيات العامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة). ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [لقمان ٢] حال كونها هدى ورحمة. فإذا قال قائل: الحال تحتاج إلى عامل مثل الظرف، والجار والمجرور، والمفعول به، فما هو العامل؟ هو العامل فيها ما في ﴿تِلْكَ﴾ من معنى الإشارة. ﴿تِلْكَ﴾ اسم وجامد غير مشتق لكنه بمعنى أشير، فإذا قلت: هذا زيد، المعنى أشير إليه فـ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ بمعنى أشير إلى هذه الآيات، فلما كانت متضمنة لمعنى الفعل صارت صالحة لأن تكون عاملًا في الحال. ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [لقمان ٤] (بيان للمحسنين) وعلى هذا فلا تكون صفة، ما تكون نعتًا بل تكون بيانًا؛ أي عطف بيان، من هم المحسنون؟ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ يعني يأتون بها قويمة تامة و﴿الصَّلَاةَ﴾ يشمل الفريضة والتطوع، إقامتها بفعل الواجبات، وترك المفسدِات، وكذلك تتم الإقامة بفعل المكملات والمستحبات، ويؤتون الزكاة أي يعطونها، والزكاة -كما سبق- هي جزء مقدر شرعًا في مال خاص لطائفة مخصوصة. وأين مفعول (يؤتون) الثاني؟ مفعولها الثاني محذوف، التقدير: ويؤتون الزكاة أهلها، وإنما جاز حذفه؛ لأنه فضلة، وقد سبق أن جميع المفاعيل الفضلة يجوز حذفها. وقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ سُمِّي هذا المال المؤُدَّى زكاة؛ لأنها تزكو بها أخلاق المزكِّي، ويزكو بها المال أيضًا ويزيد؛ لأن الزكاة في اللغة النماء والزيادة. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ولم يذكر الله عز وجل من الأفعال إلا الصلاة والزكاة، والقَرْن بينهما في القرآن كثير؛ وذلك لأنهما آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، وتركهما جميعًا موجب للكفر، وترك واحدة منهما؛ الصلاة الصحيح أنه يكفر، والزكاة الصحيح أنه لا يكفر، وقد سبق الكلام على هذا. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان ٤] ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، و﴿بِالْآخِرَةِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ﴿يُوقِنُونَ﴾، و﴿هُمْ﴾ الثانية يقول المؤلف: (هم الثاني تأكيد) تأكيد لأيش؟ لـ﴿هُمْ﴾ الأولى تأكيد لفظي ولَّا معنوي؟ لفظي، قال ابن مالك: وَمَــا مِنَ التَّـــــوْكِيدِ لَفْظِيٌّ يَجِي ∗∗∗ مُكَرَّرًا كَقَوْلِكَ: (ادْرُجِيادْرُجِي) قوله: ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾ بالآخرة، المراد بالآخرة يوم القيامة، وسمي آخِرة؛ لأنه آخر ما يكون، فالإنسان له أربع مراحل؛ المرحلة الأولى في بطن أمه، والمرحلة الثانية في الدنيا، والمرحلة الثالثة في البرزخ، والمرحلة الرابعة والأخيرة يوم القيامة. وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ الإيمان بالآخرة ليس معناه أن تؤمن بأن القيامة ستقوم فقط، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: وقد دخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. فيشمل فتنة القبر، وعذاب القبر، ونعيم القبر، والصراط، والحساب، والميزان، والكتب التي تُنشر يوم القيامة، وغير ذلك. قال: ﴿بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٤ - ٥] القرآن الكريم أحيانًا يكرر الآيات بعينها، تكرير الآيات بعينها هذا موجود في القرآن، هذه مكررة في سورة البقرة وإن كان فيها اختلاف يسير في الآية الأولى التي قبلها، أما قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٤ - ٥] هي آية واحدة. قوله: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أتى بـ(على) الدالة على الاستعلاء؛ يعني أنهم على هدى يسيرون عليه وهم به عالون مرتفعون لارتفاع مرتبتهم. وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٥] هذه الجملة جملة اسمية مؤكد خبرها بضمير الفصل وهو قوله: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فإن ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل، وقد سبق لنا أن ضمير الفصل يفيد ثلاث فوائد (...) هذه ثلاث فوائد لضمير الفصل، إذا قلت: زيد القائم، هذه مبتدأ وخبر، لكن يحتمل أن تكون القائم صفة لزيد، وأن الخبر منتظر، زيد القائم فاضلٌ مثلًا. فإذا قلت: زيد هو القائم تعيَّن أن تكون القائم خبرًا، ففصلت الآن بين الصفة والخبر، كذلك إذا قلت: زيدٌ هو القائم فإنه يفيد الحصر، زيد هو يعني لا غيره هو القائم، كذلك إذا قلت: زيد هو القائم أوكد من قولك: زيد القائم، أبلغ في التوكيد. فهنا: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٥] يعني لا غيرهم، والمفلح يقول المؤلف: (هو الفائز) وما معنى الفائز؟ الفائز السعيد، وما معنى السعيد؟ * طالب: الحاصل على خيري الدنيا والآخرة. * الشيخ: يقولون: إن المفلح هو من أدرك المطلوب ونجا من المرهوب، هذا المفلح، من أدرك المطلوب اللي هو يبغي، ونجا من المرهوب، فحصل له ما يريد، وسَلِم مما لا يريد. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٥] ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان ٦]. (مِن) للتبعيض ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ إلى آخره (...) * طالب: الراوي غلب (...). * الشيخ: على كل حال (...) ونمشي على الأدلة الواضحة، ونترك هذا المشتبه. * * * قال الله تعالى -بسم الله الرحمن الرحيم-: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في إنزال هذه الحروف الهجائية وهي ﴿الم﴾ وما أشبهها. * ومن فوائدها: أن الله عز وجل يتكلم بحرف، وكذلك بصوت؛ لأن ﴿الم﴾ من كلام الله، وهي حروف، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وقد تقدم لنا البحث فيه مرارًا، وأن أهل السنة والجماعة يقولون: إن كلام الله عز وجل بحرف وصوت. * ومن فوائد الآية الكريمة: علو شأن هذا القرآن؛ لقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن آية وعلامة على مُنْزِلِه؛ لقوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ وسبق لنا أن الإضافة على تقدير (مِنْ) فهي إضافة جنسية، القرآن آية على مُنزِله جل وعلا من أي ناحية؟ من صِدْق أخباره ومطابقتها للواقع، ومن حُسْن قصصه وحبها للنفوس، وعدم مللها منها؛ لأنه ما من كلام يُرد إلا ويمل إلا القرآن. الثالث: من حيث الأحكام حيث إنها أحكام عادلة نافعة للعباد في معاشهم ومعادهم؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن مكتوب كما هو مقروء؛ لقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. * ومن فوائدها: الثناء على القرآن بهذا الوصف العظيم وهو الحكيم. * ومن فوائدها أيضًا: أنه لا يوجد في القرآن خبر سيق عبثًا، ولا حكم أُثبِت عبثًا منين نأخذه؟ من الحكيم؛ لأن العبث يُنافي الحكمة، ولا يمكن أن يكون في القرآن شيء عبثًا لا خبرًا ولا حكمًا. ثم قال تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ وفيها قراءتان كما سبق ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ و﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾. * فمن فوائد الآية الكريمة: الترغيب في هذا القرآن؛ لقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾، وكل أحد منا يطلب الهدى والرحمة، فهو هدى في العلم ورحمة في العمل؛ إذ إن العامل به ينال رحمة الله، والمهتدي به على هُدًى وبصيرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم جمع الخير كله فهو علم نافع، أيش بعد؟ وعمل صالح؛ لأنه علم نافع بقوله: ﴿هُدًى﴾ وعمل صالح بقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ لأن الرحمة لا تُنال إلا بالعمل الصالح. * ومنها: الحث على الإحسان؛ لقوله: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾. * ومنها: أن الإحسان سبب لنيل العِلم والعمل الصالح لما جعله ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ لمن؟ ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾. * ومنها: أنه كلما ازداد إحسان العبد ازداد علمه وعمله الصالح؛ لأن الحكم إذا عُلِّق على وصف ازداد بزيادته ونقص بنقصه كما تقدم. * ومن فوائد الآية التي بعدها: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ من فوائدها أن إقامة الصلاة من الإحسان؛ لأن ما بعدها بيان لها: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن الصلاة أحب الأعمال إلى الله؛ لأن الله قدمها على إيتاء الزكاة مع أن إيتاء الزكاة فيه نفع متعد للغير، ولكن الصلاة أحب إلى الله منها وأفضل. * ومنها: الحث على إقامة الصلاة من أين نأخذها؟ من ثناء الله على المقيمين لها، والثناء لا يكون إلا على فعل شيء محبوب مرغوب إلى الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضل إيتاء الزكاة، وأنها تلي الصلاة في الفضيلة؛ لقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. * ومِن فوائد الآية الكريمة: الثناء على مَن أيَقَنَ بِالآخرة؛ لقوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. * ومِن فوائدها: إثباتُ البَعْث ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. ثُم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. * يُستفاد مِن هذه الآية الكريمة: أنَّ المتصفين بما تقدَّم هم الذين على الهُدى، فيتفرع على ذلك * فائدة أخرى: أنَّ مَن خالف فيما تقدم فليس على هُدى، وأنَّه فاته من الهدى بِقدر ما فاته مِن العَمَل واليقين. * ومِن فوائد الآية الكريمة: إظهار فضل الله عزَّ وجلّ على هؤلاء الفُضَلاء؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾. * ومِن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن رُبوبِيَّة الله عز وجل نَوعان: عامة وخاصة، فالعامة لِجميع الخلق: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [مريم ٦٥] والخاصة للمؤمنين. * ومِن فوائد الآية الكريمة: أنَّ بهذه الأعمالِ الفاضلة الجليلة والاعتقاداتِ النافعة يَحصُلُ الفَلاح؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. * ومِن فوائدها: أنَّه لا سبيلَ إلى الفلاح إلا بذلك، وَجهُه؟ الحصر؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (...) ثم ننتقل الآن إلى الدرس الجديد في قوله: (سورة السجدة) سورة السجدة هذه مضافة، الإضافة هنا بيانية، يعني: السورة التي تُذْكَر فيها السجدة، والسجدة ستأتي إن شاء الله تعالى في أثنائها، وهي مكية، ثلاثون آية، وكل سورة مبتدأة بالحروف الهجائية فهي مكية إلا سورتان، ما هما؟ البقرة وآل عمران فإنهما مدنيتان، وإلا فكل سورة ابتُدِئَت بالحروف الهجائية فهي مكية. * طالب: تسميتها سجدة هذا (...). * الشيخ: إلا، كان النبي يقرأ في فجر يوم الجمعة (الم تنزيل) السجدة. * طالب: فيها (...) يعني دليل أنها (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: هذا (...) أنه مختلف يسجد فيها أو.. هي نفس السورة هذه (...). * الشيخ: قال: (﴿الم﴾ الله أعلم بمراده به)، وسبق لنا أن العلماء انقسموا في ذلك ثلاثة أقسام؛ قسم ادَّعى أن لهذه الحروف معانِيَ، وأنها رموز لتلك المعاني، وهذا قول لا دليل عليه، وهو ضعيف، بل باطل، والقول الثاني: أن لها معاني لكن الله أعلم بها، فتكون من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، والقسم الثالث: يقولون: إنه ليس لها معاني أصلًا؛ لأن القرآن نزل باللسان العربي، واللسان العربي لا يكون لهذه الحروف معاني أبدًا، وهذا قول مجاهد وهو الصحيح، أنه لا معاني لها. فإن قال قائل: كيف تجزمون بأنه لا معاني لها والنفي يحتاج إلى حجة؟ قلنا: نجزم بذلك لأن القرآن نزل بلسان عربي مُبِين.

لقمان 31:3

وهذا تأديب من الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام ولغيره أيضًا، أن الإنسان يصبر ولا يستخفنه الذين لا يُوقنون بما وعد الله الصابرين، وهذا يقع لكثير من الناس، تجد بعض الناس مثلًا يحصل له ما يحصل من الأمور، ثم يجيه السفهاء وأمثالهم ويقول: افعل كذا، افعل كذا، افعل كذا، افرض مثلًا أن له جارًا يؤذيه، يأتي بعض الناس يقول: كيف تحمل من جاره هذه الأذية؟ أو كيف تحمَّل من صاحبك هذه الأذية، أو من أهلك، أو ما أشبه ذلك؟ فيستخفونه فلا يصبر، ولكن الذي ينبغي للإنسان العاقل ألا يستخفه أولئك القوم الذين لا يوقنون بما وعد الله به الصابرين بل يصبر ولا يهمه كلام الناس حتى يحقق الله له ما وعده، وبهذا انتهت سورة الروم، ننتقل بعدها إلى سورة لقمان. يقول: (وهي مكية) المكي أرجح الأقوال الذي عليه الجمهور أن ما نزل بعد وصول الرسول ﷺ إلى المدينة فهو مدني ولو نزل بمكة، وما نزل قبل وصوله إلى المدينة فهو مكي، هذا هو القول الراجح، فعلى هذا المعتبر الزمن ولَّا المكان؟ الزمن، وهذا أريح أيضًا للإنسان. يقول: (مكية إلا ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧]). وفي نسخة: (أو إلا). وبينهما فرق؛ لأن قول المؤلف: (إلا ولو أن) هذا اقتصار على قول واحد وجزم به، أما على النسخة الثانية: (أو إلا) فهو إشارة إلى أن في المسألة قولين، وأنه لم يجزم بأحدهما، والصحيح أنه ما سبق لنا أن السورة إذا كانت مكية فإننا لا نستثني منها شيئًا إلا بنص صريح واضح، وإذا كانت مدنية فإننا لا نستثني منها شيئًا إلا بنص صريح واضح؛ لأن الأصل أن السورة تكون متتالية، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام يضع كل آية في مكانها، أو يأمر بوضعها، وعلى هذا فنقول: إن جاء من أثبت أن قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان ٢٧] نزلت بعد الهجرة إن أثبت ذلك بنص فعلى العين والرأس، وإلا فالأصل أن السورة كاملة مكية. قال: (بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم﴾ [لقمان ١] الله أعلم بمراده) تقدم الكلام على البسملة إعرابًا ومعنًى وحكمًا أو لا؟ فإعرابها أنها جار ومجرور متعلق بمحذوف؛ فعل مؤخر مناسب للمقام، المحذوف فعل مؤخر مناسب للمقام، الآن بنقرأ هذه السورة يكون التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، نبغي نفسر نقول: بسم الله الرحمن الرحيم أُفسِّر، يبغي يتوضأ الإنسان يقول: باسم الله أتوضأ، مر علينا هذا؟ لماذا قدرناه فعلًا؟ لماذا اخترنا أن يكون تقديره فعلًا؟ * طالب: ما مر علينا. * الشيخ: ما مر؟ * الطالب: ما سمعته. * طالب آخر: لأن التقدير يدل على إجابة (...) تقديره فعلًا يعني، أما الجملة الاسمية فالاستمرار. * الشيخ: غير؛ لأن الأصل في العامل أن يكون فعلًا لا سيما وأنه محذوف، هذا واحد، لماذا قدرناه خاصًّا، ما قلنا مثلًا: بسم الله الرحمن الرحيم أبتدئ، بل قلنا: إن كنت بتقرأ قدِّر أقرأ، تبغي تأكل قدِّر آكل، تبغي تشرب قدِّر أشرب، فلماذا اخترنا أن يكون تقديره خاصًّا؟ * طالب: ليناسب كل حال بعينه. * الشيخ: لأجل أن يناسب كل حال بعينه؛ ولأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٨٥)، ومسلم (١٩٦٠ / ٣) من حديث جندب بن عبد الله.]]. فهو إشارة إلى أنه يُقدَّر الفعل المحذوف بما يناسب الفعل المبتدأ به، ولماذا اخترنا أن يكون تقديره متأخرًا؟ * طالب: البداءة باسم الله. * الشيخ: طيب، ودنا أحد غيره. * طالب: ذكرها. * الشيخ: ما الذي ذكره أخبرنا به؟ * الطالب: البداءة باسم الله. * الشيخ: البداءة باسم الله، وغير؟ ولإفادة الاختصاص؛ لأن تقديم المعمول يفيد الحصر والاختصاص، فكأنك تقول: لا أبتدئ إلا باسم الله، هذا هو السبب في أن نقدره متأخرًا لأجل البداءة باسم الله، ولإفادة الحصر والاختصاص. اسم مضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه، و(الرحمن) صفة لله، و(الرحيم) صفة لله أيضًا، واضح؟ هذا إعرابها، أما حكمها فإنها آية من كتاب الله، تكلم الله بها، وأنزلها على الرسول ﷺ، لكنها ليست آية من السورة إنما جُعِلت علامة على انتهاء السورة التي قبلها وابتداء السورة التي بعدها، أو على الأصح علامة على ابتداء السورة فقط لئلا يرد علينا الفاتحة فإنه ليس قبلها شيء، فهي علامة على ابتداء السورة وليست منها، وتجدون في المصاحف أنه لم يُكتب عليها رقم إلا في الفاتحة فإنها رقمت، والسبب أن الفاتحة ذهب كثير من أهل العلم إلى أن البسملة منها، والصواب أنها ليست منها كغيرها، وأن أول آية في سورة الفاتحة هي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة ٢ - ٦] كم دولا؟ * طلبة: خمس. * الشيخ: خمس، الفاتحة سبع آيات، وين السابعة؟ * طلبة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧]. * الشيخ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هذه السادسة، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ هذه السابعة كذا؟ إي نعم، هذا هو الصحيح مع أنكم تجدونه في المصاحف ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧] آية واحدة بناءً على أن البسملة هي الآية الأولى. * طالب: رأيت أنا بعض المصاحف الباكستانية مكتوبة مثلما قلت. * الشيخ: إي، عجيب! هذا على القول الراجح، أما حكمها باعتبار تلاوتها في الصلاة فإن قلنا: إنها من الفاتحة فهي آية منها ولا بد من قراءتها، وتُقرأ جهرًا كما يجهر بالفاتحة، وإذا قلنا: ليست منها فإنه لا تجب قراءتها ولا يُجهَر بها. * طالب: القراءة في غير الصلاة، هل في غير الصلاة تجهر (...)؟ * الشيخ: قال ﴿الم﴾ [لقمان ١] الله أعلم بمراده به. ﴿الم﴾ ثلاثة حروف هجائية، يقول المؤلف: (الله أعلم بمراده به) وفي هذا إثبات بأن الله أراد به شيئًا لكنه لا يُعلم. المؤلف بكلامه هذا أو من كلامه هذا نأخذ أنه يرى أن لهذه الحروف معنى، ولكن الله أعلم به، وقال بعض أهل العلم: إن لها معنى، وجعلوا يتخبطون بهذا المعنى، ويجعلونها رموزًا لما جعلوها له، وقال مجاهد: إنه لا معنى لها، فنقول: أصلًا لا معنى لها، ما نقول: الله أعلم بما أراد؛ وذلك لأن القرآن نزل باللغة العربية كما قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥]، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف ٢]، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، واللغة العربية ليس لهذه الحروف فيها معنى، وعلى هذا فنقول: إنه لا معنى لها، نقول ذلك؛ لأن هذا هو مقتضى اللغة العربية التي نزل بها القرآن. فإذا قال قائل: إذا قلت: لا معنى لها كيف يسوغ لك أن تجزم بنفي المعنى؟ أقول: نعم، يسوغ لي ذلك؛ لأن القرآن باللغة العربية، وهذه الحروف الهجائية بمقتضى اللغة العربية ليس لها معنى فأجزم بذلك؛ لأن القرآن باللغة العربية، إذا كان الأمر هكذا فما هو الفائدة من وجودها في القرآن؟ هذه هي التي قد نقول: الله أعلم بذلك، ولكن بعض أهل العلم التمس لهذا حكمة بأنه إشارة إلى أن هذا القرآن الذي أعجزكم ما أتى بحروف جديدة حتى تقول: والله هذه ليست من حروفنا، وإنما هو من الحروف التي يتركب منها الكلام العربي ومع ذلك أعجزكم. قالوا: ولهذا لا يأتي الابتداء بهذه الحروف الهجائية إلا وبعده ذكر القرآن أو ما هو من خصائص القرآن: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] وتأملها تمشي معه. فيه بعض السور مثل: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم ١ - ٢] ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت ١ - ٢] ما فيها ذكر القرآن لكن فيها ذكر ما هو من خصائصه فـ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ هذا من أمور الغيب ولا يعلم إلا بالوحي، و﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت ٢] هذا فيه إخبار عمن سبق وهو من أمور الغيب أيضًا، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت ٣]. وعلى كل حال هذا اللي ذكرناه أخيرًا هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وسبقه إليه الزمخشري في كتابه الكشاف، قال: ﴿تِلْكَ﴾ أي هذه الآيات آيات الكتاب القرآن الحكيم ذي الحكمة، والإضافة بمعنى (مِنْ). ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ ﴿تِلْكَ﴾ المشار إليه آيات القرآن، وتجدون أن الإشارة هنا بصيغة البعيد، والقرآن ليس بعيدًا؛ لأنه بين أيدينا، ولكنه عالي المرتبة؛ فلهذا أُشِير إليه بإشارة البعيد. وقوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ أي المكتوب وهو القرآن، وذكرنا فيما سبق أنه مكتوب في ثلاثة مواضع في اللوح المحفوظ، في الصحف التي بأيدي الملائكة، في الصحف التي بأيدينا. وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ الإضافة هنا يقول المؤلف: إنها على تقدير (مِنْ)، يعني آيات من الكتاب، والآيات -كما مر علينا- كونية وشرعية، وآيات الكتاب من الشرعية ولَّا من الكونية؟ من الشرعية. وقوله: ﴿الْحَكِيمِ﴾ قال المؤلف: (ذي الحكمة) ولكن يمكن أن يقال: ذي الحكمة والحُكم أيضًا؛ لأنه مرجع الناس في الحكم؛ ولأنه يشتمل على الحكمة، وهو أيضًا صالح لأن يُجعل بمعنى المحكم، فيكون فَعيل بمعنى (مُفْعَل)، القرآن إذن حكيم لاشتماله على الحكمة وعلى الحكم بين الناس: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء ١٠٥]. وقوله: ﴿﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ ﴾ (بالرفع) هذه محلها من الإعراب خبر مبتدأ محذوف قدَّره المؤلف بقوله: (هو هُدًى ورحمة) هدى بمعنى دلالة، ورحمة بمعنى أن الله رحم به الخلق حيث أنزله عليهم، فالقرآن هداية ورحمة، من تمسك به نجا واهتدى، فلا يضل من تمسك بهذا القرآن، ولا يشقى؛ لأنه هدى ورحمة، وعلى هذا فنقول لكل إنسان أراد العلم: عليك بالقرآن؛ لأنه هدى، ولكل إنسان أراد الرحمة: عليك بالقرآن؛ لأنه هدى. ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ [لقمان ٣] ولكن ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ الذين أحسنوا في عبادة الله، وأحسنوا إلى عباد الله، والإحسان ضد الإساءة، والإساءة تكون إما بترك الواجب، أو بفعل المحرم، فمن ترك ما أوجب الله عليه لنفسه من الصلاة وغيرها فليس بمحسن، ومن فعل ما حرم الله عليه فليس بمحسِن، ومن ترك ما يجب له للناس من صلة الرحم، وبر الوالدين، والإحسان إليهم فليس بمحسن، ومن اعتدى عليهم فليس بمحسن. وقوله: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ يستفاد منه أنه كلما ازداد الإنسان إحسانًا ازداد انتفاعًا بالقرآن بالهداية والرحمة بناءً على ما سبق من القاعدة أن الحكم إذا عُلِّق بوصف كان يقوى بحسب وجود ذلك الوصف. وقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ طيب وغير المحسنين لا يهتدون به ولا يرحمون؟ نعم؛ لأن المحسنين هم الذين ينتفعون بذلك، وإلا فهو هدى للناس كلهم، مصدر هداية للجميع، لكن لا ينتفع به إلا الذين أحسنوا. (وفي قراءة العامة بالنصب حالًا من الآيات) غريب هذا التعبير من المؤلف: (وفي قراءة العامة) يفهم منه من لا يعرف الاصطلاح أن المراد بالعامة مَنْ؟ * طالب: ما سوى العلماء. * الشيخ: عامة الناس، ما سوى العلماء، وهذا ليس كذلك، إنما مراده بالعامة يعني عامة القراء ما عدا قارئًا واحدًا الذي قرأ بالرفع ولا عامة القراء وأكثرهم على النصب: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ (بالنصب حالًا من الآيات العامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة). ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [لقمان ٢] حال كونها هدى ورحمة. فإذا قال قائل: الحال تحتاج إلى عامل مثل الظرف، والجار والمجرور، والمفعول به، فما هو العامل؟ هو العامل فيها ما في ﴿تِلْكَ﴾ من معنى الإشارة. ﴿تِلْكَ﴾ اسم وجامد غير مشتق لكنه بمعنى أشير، فإذا قلت: هذا زيد، المعنى أشير إليه فـ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ بمعنى أشير إلى هذه الآيات، فلما كانت متضمنة لمعنى الفعل صارت صالحة لأن تكون عاملًا في الحال. ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [لقمان ٤] (بيان للمحسنين) وعلى هذا فلا تكون صفة، ما تكون نعتًا بل تكون بيانًا؛ أي عطف بيان، من هم المحسنون؟ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ يعني يأتون بها قويمة تامة و﴿الصَّلَاةَ﴾ يشمل الفريضة والتطوع، إقامتها بفعل الواجبات، وترك المفسدِات، وكذلك تتم الإقامة بفعل المكملات والمستحبات، ويؤتون الزكاة أي يعطونها، والزكاة -كما سبق- هي جزء مقدر شرعًا في مال خاص لطائفة مخصوصة. وأين مفعول (يؤتون) الثاني؟ مفعولها الثاني محذوف، التقدير: ويؤتون الزكاة أهلها، وإنما جاز حذفه؛ لأنه فضلة، وقد سبق أن جميع المفاعيل الفضلة يجوز حذفها. وقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ سُمِّي هذا المال المؤُدَّى زكاة؛ لأنها تزكو بها أخلاق المزكِّي، ويزكو بها المال أيضًا ويزيد؛ لأن الزكاة في اللغة النماء والزيادة. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ولم يذكر الله عز وجل من الأفعال إلا الصلاة والزكاة، والقَرْن بينهما في القرآن كثير؛ وذلك لأنهما آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، وتركهما جميعًا موجب للكفر، وترك واحدة منهما؛ الصلاة الصحيح أنه يكفر، والزكاة الصحيح أنه لا يكفر، وقد سبق الكلام على هذا. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان ٤] ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، و﴿بِالْآخِرَةِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ﴿يُوقِنُونَ﴾، و﴿هُمْ﴾ الثانية يقول المؤلف: (هم الثاني تأكيد) تأكيد لأيش؟ لـ﴿هُمْ﴾ الأولى تأكيد لفظي ولَّا معنوي؟ لفظي، قال ابن مالك: وَمَــا مِنَ التَّـــــوْكِيدِ لَفْظِيٌّ يَجِي ∗∗∗ مُكَرَّرًا كَقَوْلِكَ: (ادْرُجِيادْرُجِي) قوله: ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾ بالآخرة، المراد بالآخرة يوم القيامة، وسمي آخِرة؛ لأنه آخر ما يكون، فالإنسان له أربع مراحل؛ المرحلة الأولى في بطن أمه، والمرحلة الثانية في الدنيا، والمرحلة الثالثة في البرزخ، والمرحلة الرابعة والأخيرة يوم القيامة. وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ الإيمان بالآخرة ليس معناه أن تؤمن بأن القيامة ستقوم فقط، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: وقد دخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. فيشمل فتنة القبر، وعذاب القبر، ونعيم القبر، والصراط، والحساب، والميزان، والكتب التي تُنشر يوم القيامة، وغير ذلك. قال: ﴿بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٤ - ٥] القرآن الكريم أحيانًا يكرر الآيات بعينها، تكرير الآيات بعينها هذا موجود في القرآن، هذه مكررة في سورة البقرة وإن كان فيها اختلاف يسير في الآية الأولى التي قبلها، أما قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٤ - ٥] هي آية واحدة. قوله: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أتى بـ(على) الدالة على الاستعلاء؛ يعني أنهم على هدى يسيرون عليه وهم به عالون مرتفعون لارتفاع مرتبتهم. وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٥] هذه الجملة جملة اسمية مؤكد خبرها بضمير الفصل وهو قوله: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فإن ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل، وقد سبق لنا أن ضمير الفصل يفيد ثلاث فوائد (...) هذه ثلاث فوائد لضمير الفصل، إذا قلت: زيد القائم، هذه مبتدأ وخبر، لكن يحتمل أن تكون القائم صفة لزيد، وأن الخبر منتظر، زيد القائم فاضلٌ مثلًا. فإذا قلت: زيد هو القائم تعيَّن أن تكون القائم خبرًا، ففصلت الآن بين الصفة والخبر، كذلك إذا قلت: زيدٌ هو القائم فإنه يفيد الحصر، زيد هو يعني لا غيره هو القائم، كذلك إذا قلت: زيد هو القائم أوكد من قولك: زيد القائم، أبلغ في التوكيد. فهنا: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٥] يعني لا غيرهم، والمفلح يقول المؤلف: (هو الفائز) وما معنى الفائز؟ الفائز السعيد، وما معنى السعيد؟ * طالب: الحاصل على خيري الدنيا والآخرة. * الشيخ: يقولون: إن المفلح هو من أدرك المطلوب ونجا من المرهوب، هذا المفلح، من أدرك المطلوب اللي هو يبغي، ونجا من المرهوب، فحصل له ما يريد، وسَلِم مما لا يريد. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٥] ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان ٦]. (مِن) للتبعيض ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ إلى آخره (...) * طالب: الراوي غلب (...). * الشيخ: على كل حال (...) ونمشي على الأدلة الواضحة، ونترك هذا المشتبه. * * * قال الله تعالى -بسم الله الرحمن الرحيم-: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في إنزال هذه الحروف الهجائية وهي ﴿الم﴾ وما أشبهها. * ومن فوائدها: أن الله عز وجل يتكلم بحرف، وكذلك بصوت؛ لأن ﴿الم﴾ من كلام الله، وهي حروف، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وقد تقدم لنا البحث فيه مرارًا، وأن أهل السنة والجماعة يقولون: إن كلام الله عز وجل بحرف وصوت. * ومن فوائد الآية الكريمة: علو شأن هذا القرآن؛ لقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن آية وعلامة على مُنْزِلِه؛ لقوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ وسبق لنا أن الإضافة على تقدير (مِنْ) فهي إضافة جنسية، القرآن آية على مُنزِله جل وعلا من أي ناحية؟ من صِدْق أخباره ومطابقتها للواقع، ومن حُسْن قصصه وحبها للنفوس، وعدم مللها منها؛ لأنه ما من كلام يُرد إلا ويمل إلا القرآن. الثالث: من حيث الأحكام حيث إنها أحكام عادلة نافعة للعباد في معاشهم ومعادهم؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن مكتوب كما هو مقروء؛ لقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. * ومن فوائدها: الثناء على القرآن بهذا الوصف العظيم وهو الحكيم. * ومن فوائدها أيضًا: أنه لا يوجد في القرآن خبر سيق عبثًا، ولا حكم أُثبِت عبثًا منين نأخذه؟ من الحكيم؛ لأن العبث يُنافي الحكمة، ولا يمكن أن يكون في القرآن شيء عبثًا لا خبرًا ولا حكمًا. ثم قال تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ وفيها قراءتان كما سبق ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ و﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾. * فمن فوائد الآية الكريمة: الترغيب في هذا القرآن؛ لقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾، وكل أحد منا يطلب الهدى والرحمة، فهو هدى في العلم ورحمة في العمل؛ إذ إن العامل به ينال رحمة الله، والمهتدي به على هُدًى وبصيرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم جمع الخير كله فهو علم نافع، أيش بعد؟ وعمل صالح؛ لأنه علم نافع بقوله: ﴿هُدًى﴾ وعمل صالح بقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ لأن الرحمة لا تُنال إلا بالعمل الصالح. * ومنها: الحث على الإحسان؛ لقوله: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾. * ومنها: أن الإحسان سبب لنيل العِلم والعمل الصالح لما جعله ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ لمن؟ ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾. * ومنها: أنه كلما ازداد إحسان العبد ازداد علمه وعمله الصالح؛ لأن الحكم إذا عُلِّق على وصف ازداد بزيادته ونقص بنقصه كما تقدم. * ومن فوائد الآية التي بعدها: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ من فوائدها أن إقامة الصلاة من الإحسان؛ لأن ما بعدها بيان لها: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن الصلاة أحب الأعمال إلى الله؛ لأن الله قدمها على إيتاء الزكاة مع أن إيتاء الزكاة فيه نفع متعد للغير، ولكن الصلاة أحب إلى الله منها وأفضل. * ومنها: الحث على إقامة الصلاة من أين نأخذها؟ من ثناء الله على المقيمين لها، والثناء لا يكون إلا على فعل شيء محبوب مرغوب إلى الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضل إيتاء الزكاة، وأنها تلي الصلاة في الفضيلة؛ لقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. * ومِن فوائد الآية الكريمة: الثناء على مَن أيَقَنَ بِالآخرة؛ لقوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. * ومِن فوائدها: إثباتُ البَعْث ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. ثُم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. * يُستفاد مِن هذه الآية الكريمة: أنَّ المتصفين بما تقدَّم هم الذين على الهُدى، فيتفرع على ذلك * فائدة أخرى: أنَّ مَن خالف فيما تقدم فليس على هُدى، وأنَّه فاته من الهدى بِقدر ما فاته مِن العَمَل واليقين. * ومِن فوائد الآية الكريمة: إظهار فضل الله عزَّ وجلّ على هؤلاء الفُضَلاء؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾. * ومِن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن رُبوبِيَّة الله عز وجل نَوعان: عامة وخاصة، فالعامة لِجميع الخلق: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [مريم ٦٥] والخاصة للمؤمنين. * ومِن فوائد الآية الكريمة: أنَّ بهذه الأعمالِ الفاضلة الجليلة والاعتقاداتِ النافعة يَحصُلُ الفَلاح؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. * ومِن فوائدها: أنَّه لا سبيلَ إلى الفلاح إلا بذلك، وَجهُه؟ الحصر؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (...) ثم ننتقل الآن إلى الدرس الجديد في قوله: (سورة السجدة) سورة السجدة هذه مضافة، الإضافة هنا بيانية، يعني: السورة التي تُذْكَر فيها السجدة، والسجدة ستأتي إن شاء الله تعالى في أثنائها، وهي مكية، ثلاثون آية، وكل سورة مبتدأة بالحروف الهجائية فهي مكية إلا سورتان، ما هما؟ البقرة وآل عمران فإنهما مدنيتان، وإلا فكل سورة ابتُدِئَت بالحروف الهجائية فهي مكية. * طالب: تسميتها سجدة هذا (...). * الشيخ: إلا، كان النبي يقرأ في فجر يوم الجمعة (الم تنزيل) السجدة. * طالب: فيها (...) يعني دليل أنها (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: هذا (...) أنه مختلف يسجد فيها أو.. هي نفس السورة هذه (...). * الشيخ: قال: (﴿الم﴾ الله أعلم بمراده به)، وسبق لنا أن العلماء انقسموا في ذلك ثلاثة أقسام؛ قسم ادَّعى أن لهذه الحروف معانِيَ، وأنها رموز لتلك المعاني، وهذا قول لا دليل عليه، وهو ضعيف، بل باطل، والقول الثاني: أن لها معاني لكن الله أعلم بها، فتكون من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، والقسم الثالث: يقولون: إنه ليس لها معاني أصلًا؛ لأن القرآن نزل باللسان العربي، واللسان العربي لا يكون لهذه الحروف معاني أبدًا، وهذا قول مجاهد وهو الصحيح، أنه لا معاني لها. فإن قال قائل: كيف تجزمون بأنه لا معاني لها والنفي يحتاج إلى حجة؟ قلنا: نجزم بذلك لأن القرآن نزل بلسان عربي مُبِين.

لقمان 31:4

وهذا تأديب من الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام ولغيره أيضًا، أن الإنسان يصبر ولا يستخفنه الذين لا يُوقنون بما وعد الله الصابرين، وهذا يقع لكثير من الناس، تجد بعض الناس مثلًا يحصل له ما يحصل من الأمور، ثم يجيه السفهاء وأمثالهم ويقول: افعل كذا، افعل كذا، افعل كذا، افرض مثلًا أن له جارًا يؤذيه، يأتي بعض الناس يقول: كيف تحمل من جاره هذه الأذية؟ أو كيف تحمَّل من صاحبك هذه الأذية، أو من أهلك، أو ما أشبه ذلك؟ فيستخفونه فلا يصبر، ولكن الذي ينبغي للإنسان العاقل ألا يستخفه أولئك القوم الذين لا يوقنون بما وعد الله به الصابرين بل يصبر ولا يهمه كلام الناس حتى يحقق الله له ما وعده، وبهذا انتهت سورة الروم، ننتقل بعدها إلى سورة لقمان. يقول: (وهي مكية) المكي أرجح الأقوال الذي عليه الجمهور أن ما نزل بعد وصول الرسول ﷺ إلى المدينة فهو مدني ولو نزل بمكة، وما نزل قبل وصوله إلى المدينة فهو مكي، هذا هو القول الراجح، فعلى هذا المعتبر الزمن ولَّا المكان؟ الزمن، وهذا أريح أيضًا للإنسان. يقول: (مكية إلا ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧]). وفي نسخة: (أو إلا). وبينهما فرق؛ لأن قول المؤلف: (إلا ولو أن) هذا اقتصار على قول واحد وجزم به، أما على النسخة الثانية: (أو إلا) فهو إشارة إلى أن في المسألة قولين، وأنه لم يجزم بأحدهما، والصحيح أنه ما سبق لنا أن السورة إذا كانت مكية فإننا لا نستثني منها شيئًا إلا بنص صريح واضح، وإذا كانت مدنية فإننا لا نستثني منها شيئًا إلا بنص صريح واضح؛ لأن الأصل أن السورة تكون متتالية، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام يضع كل آية في مكانها، أو يأمر بوضعها، وعلى هذا فنقول: إن جاء من أثبت أن قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان ٢٧] نزلت بعد الهجرة إن أثبت ذلك بنص فعلى العين والرأس، وإلا فالأصل أن السورة كاملة مكية. قال: (بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم﴾ [لقمان ١] الله أعلم بمراده) تقدم الكلام على البسملة إعرابًا ومعنًى وحكمًا أو لا؟ فإعرابها أنها جار ومجرور متعلق بمحذوف؛ فعل مؤخر مناسب للمقام، المحذوف فعل مؤخر مناسب للمقام، الآن بنقرأ هذه السورة يكون التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، نبغي نفسر نقول: بسم الله الرحمن الرحيم أُفسِّر، يبغي يتوضأ الإنسان يقول: باسم الله أتوضأ، مر علينا هذا؟ لماذا قدرناه فعلًا؟ لماذا اخترنا أن يكون تقديره فعلًا؟ * طالب: ما مر علينا. * الشيخ: ما مر؟ * الطالب: ما سمعته. * طالب آخر: لأن التقدير يدل على إجابة (...) تقديره فعلًا يعني، أما الجملة الاسمية فالاستمرار. * الشيخ: غير؛ لأن الأصل في العامل أن يكون فعلًا لا سيما وأنه محذوف، هذا واحد، لماذا قدرناه خاصًّا، ما قلنا مثلًا: بسم الله الرحمن الرحيم أبتدئ، بل قلنا: إن كنت بتقرأ قدِّر أقرأ، تبغي تأكل قدِّر آكل، تبغي تشرب قدِّر أشرب، فلماذا اخترنا أن يكون تقديره خاصًّا؟ * طالب: ليناسب كل حال بعينه. * الشيخ: لأجل أن يناسب كل حال بعينه؛ ولأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٨٥)، ومسلم (١٩٦٠ / ٣) من حديث جندب بن عبد الله.]]. فهو إشارة إلى أنه يُقدَّر الفعل المحذوف بما يناسب الفعل المبتدأ به، ولماذا اخترنا أن يكون تقديره متأخرًا؟ * طالب: البداءة باسم الله. * الشيخ: طيب، ودنا أحد غيره. * طالب: ذكرها. * الشيخ: ما الذي ذكره أخبرنا به؟ * الطالب: البداءة باسم الله. * الشيخ: البداءة باسم الله، وغير؟ ولإفادة الاختصاص؛ لأن تقديم المعمول يفيد الحصر والاختصاص، فكأنك تقول: لا أبتدئ إلا باسم الله، هذا هو السبب في أن نقدره متأخرًا لأجل البداءة باسم الله، ولإفادة الحصر والاختصاص. اسم مضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه، و(الرحمن) صفة لله، و(الرحيم) صفة لله أيضًا، واضح؟ هذا إعرابها، أما حكمها فإنها آية من كتاب الله، تكلم الله بها، وأنزلها على الرسول ﷺ، لكنها ليست آية من السورة إنما جُعِلت علامة على انتهاء السورة التي قبلها وابتداء السورة التي بعدها، أو على الأصح علامة على ابتداء السورة فقط لئلا يرد علينا الفاتحة فإنه ليس قبلها شيء، فهي علامة على ابتداء السورة وليست منها، وتجدون في المصاحف أنه لم يُكتب عليها رقم إلا في الفاتحة فإنها رقمت، والسبب أن الفاتحة ذهب كثير من أهل العلم إلى أن البسملة منها، والصواب أنها ليست منها كغيرها، وأن أول آية في سورة الفاتحة هي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة ٢ - ٦] كم دولا؟ * طلبة: خمس. * الشيخ: خمس، الفاتحة سبع آيات، وين السابعة؟ * طلبة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧]. * الشيخ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هذه السادسة، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ هذه السابعة كذا؟ إي نعم، هذا هو الصحيح مع أنكم تجدونه في المصاحف ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧] آية واحدة بناءً على أن البسملة هي الآية الأولى. * طالب: رأيت أنا بعض المصاحف الباكستانية مكتوبة مثلما قلت. * الشيخ: إي، عجيب! هذا على القول الراجح، أما حكمها باعتبار تلاوتها في الصلاة فإن قلنا: إنها من الفاتحة فهي آية منها ولا بد من قراءتها، وتُقرأ جهرًا كما يجهر بالفاتحة، وإذا قلنا: ليست منها فإنه لا تجب قراءتها ولا يُجهَر بها. * طالب: القراءة في غير الصلاة، هل في غير الصلاة تجهر (...)؟ * الشيخ: قال ﴿الم﴾ [لقمان ١] الله أعلم بمراده به. ﴿الم﴾ ثلاثة حروف هجائية، يقول المؤلف: (الله أعلم بمراده به) وفي هذا إثبات بأن الله أراد به شيئًا لكنه لا يُعلم. المؤلف بكلامه هذا أو من كلامه هذا نأخذ أنه يرى أن لهذه الحروف معنى، ولكن الله أعلم به، وقال بعض أهل العلم: إن لها معنى، وجعلوا يتخبطون بهذا المعنى، ويجعلونها رموزًا لما جعلوها له، وقال مجاهد: إنه لا معنى لها، فنقول: أصلًا لا معنى لها، ما نقول: الله أعلم بما أراد؛ وذلك لأن القرآن نزل باللغة العربية كما قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥]، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف ٢]، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، واللغة العربية ليس لهذه الحروف فيها معنى، وعلى هذا فنقول: إنه لا معنى لها، نقول ذلك؛ لأن هذا هو مقتضى اللغة العربية التي نزل بها القرآن. فإذا قال قائل: إذا قلت: لا معنى لها كيف يسوغ لك أن تجزم بنفي المعنى؟ أقول: نعم، يسوغ لي ذلك؛ لأن القرآن باللغة العربية، وهذه الحروف الهجائية بمقتضى اللغة العربية ليس لها معنى فأجزم بذلك؛ لأن القرآن باللغة العربية، إذا كان الأمر هكذا فما هو الفائدة من وجودها في القرآن؟ هذه هي التي قد نقول: الله أعلم بذلك، ولكن بعض أهل العلم التمس لهذا حكمة بأنه إشارة إلى أن هذا القرآن الذي أعجزكم ما أتى بحروف جديدة حتى تقول: والله هذه ليست من حروفنا، وإنما هو من الحروف التي يتركب منها الكلام العربي ومع ذلك أعجزكم. قالوا: ولهذا لا يأتي الابتداء بهذه الحروف الهجائية إلا وبعده ذكر القرآن أو ما هو من خصائص القرآن: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] وتأملها تمشي معه. فيه بعض السور مثل: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم ١ - ٢] ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت ١ - ٢] ما فيها ذكر القرآن لكن فيها ذكر ما هو من خصائصه فـ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ هذا من أمور الغيب ولا يعلم إلا بالوحي، و﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت ٢] هذا فيه إخبار عمن سبق وهو من أمور الغيب أيضًا، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت ٣]. وعلى كل حال هذا اللي ذكرناه أخيرًا هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وسبقه إليه الزمخشري في كتابه الكشاف، قال: ﴿تِلْكَ﴾ أي هذه الآيات آيات الكتاب القرآن الحكيم ذي الحكمة، والإضافة بمعنى (مِنْ). ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ ﴿تِلْكَ﴾ المشار إليه آيات القرآن، وتجدون أن الإشارة هنا بصيغة البعيد، والقرآن ليس بعيدًا؛ لأنه بين أيدينا، ولكنه عالي المرتبة؛ فلهذا أُشِير إليه بإشارة البعيد. وقوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ أي المكتوب وهو القرآن، وذكرنا فيما سبق أنه مكتوب في ثلاثة مواضع في اللوح المحفوظ، في الصحف التي بأيدي الملائكة، في الصحف التي بأيدينا. وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ الإضافة هنا يقول المؤلف: إنها على تقدير (مِنْ)، يعني آيات من الكتاب، والآيات -كما مر علينا- كونية وشرعية، وآيات الكتاب من الشرعية ولَّا من الكونية؟ من الشرعية. وقوله: ﴿الْحَكِيمِ﴾ قال المؤلف: (ذي الحكمة) ولكن يمكن أن يقال: ذي الحكمة والحُكم أيضًا؛ لأنه مرجع الناس في الحكم؛ ولأنه يشتمل على الحكمة، وهو أيضًا صالح لأن يُجعل بمعنى المحكم، فيكون فَعيل بمعنى (مُفْعَل)، القرآن إذن حكيم لاشتماله على الحكمة وعلى الحكم بين الناس: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء ١٠٥]. وقوله: ﴿﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ ﴾ (بالرفع) هذه محلها من الإعراب خبر مبتدأ محذوف قدَّره المؤلف بقوله: (هو هُدًى ورحمة) هدى بمعنى دلالة، ورحمة بمعنى أن الله رحم به الخلق حيث أنزله عليهم، فالقرآن هداية ورحمة، من تمسك به نجا واهتدى، فلا يضل من تمسك بهذا القرآن، ولا يشقى؛ لأنه هدى ورحمة، وعلى هذا فنقول لكل إنسان أراد العلم: عليك بالقرآن؛ لأنه هدى، ولكل إنسان أراد الرحمة: عليك بالقرآن؛ لأنه هدى. ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ [لقمان ٣] ولكن ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ الذين أحسنوا في عبادة الله، وأحسنوا إلى عباد الله، والإحسان ضد الإساءة، والإساءة تكون إما بترك الواجب، أو بفعل المحرم، فمن ترك ما أوجب الله عليه لنفسه من الصلاة وغيرها فليس بمحسن، ومن فعل ما حرم الله عليه فليس بمحسِن، ومن ترك ما يجب له للناس من صلة الرحم، وبر الوالدين، والإحسان إليهم فليس بمحسن، ومن اعتدى عليهم فليس بمحسن. وقوله: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ يستفاد منه أنه كلما ازداد الإنسان إحسانًا ازداد انتفاعًا بالقرآن بالهداية والرحمة بناءً على ما سبق من القاعدة أن الحكم إذا عُلِّق بوصف كان يقوى بحسب وجود ذلك الوصف. وقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ طيب وغير المحسنين لا يهتدون به ولا يرحمون؟ نعم؛ لأن المحسنين هم الذين ينتفعون بذلك، وإلا فهو هدى للناس كلهم، مصدر هداية للجميع، لكن لا ينتفع به إلا الذين أحسنوا. (وفي قراءة العامة بالنصب حالًا من الآيات) غريب هذا التعبير من المؤلف: (وفي قراءة العامة) يفهم منه من لا يعرف الاصطلاح أن المراد بالعامة مَنْ؟ * طالب: ما سوى العلماء. * الشيخ: عامة الناس، ما سوى العلماء، وهذا ليس كذلك، إنما مراده بالعامة يعني عامة القراء ما عدا قارئًا واحدًا الذي قرأ بالرفع ولا عامة القراء وأكثرهم على النصب: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ (بالنصب حالًا من الآيات العامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة). ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [لقمان ٢] حال كونها هدى ورحمة. فإذا قال قائل: الحال تحتاج إلى عامل مثل الظرف، والجار والمجرور، والمفعول به، فما هو العامل؟ هو العامل فيها ما في ﴿تِلْكَ﴾ من معنى الإشارة. ﴿تِلْكَ﴾ اسم وجامد غير مشتق لكنه بمعنى أشير، فإذا قلت: هذا زيد، المعنى أشير إليه فـ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ بمعنى أشير إلى هذه الآيات، فلما كانت متضمنة لمعنى الفعل صارت صالحة لأن تكون عاملًا في الحال. ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [لقمان ٤] (بيان للمحسنين) وعلى هذا فلا تكون صفة، ما تكون نعتًا بل تكون بيانًا؛ أي عطف بيان، من هم المحسنون؟ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ يعني يأتون بها قويمة تامة و﴿الصَّلَاةَ﴾ يشمل الفريضة والتطوع، إقامتها بفعل الواجبات، وترك المفسدِات، وكذلك تتم الإقامة بفعل المكملات والمستحبات، ويؤتون الزكاة أي يعطونها، والزكاة -كما سبق- هي جزء مقدر شرعًا في مال خاص لطائفة مخصوصة. وأين مفعول (يؤتون) الثاني؟ مفعولها الثاني محذوف، التقدير: ويؤتون الزكاة أهلها، وإنما جاز حذفه؛ لأنه فضلة، وقد سبق أن جميع المفاعيل الفضلة يجوز حذفها. وقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ سُمِّي هذا المال المؤُدَّى زكاة؛ لأنها تزكو بها أخلاق المزكِّي، ويزكو بها المال أيضًا ويزيد؛ لأن الزكاة في اللغة النماء والزيادة. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ولم يذكر الله عز وجل من الأفعال إلا الصلاة والزكاة، والقَرْن بينهما في القرآن كثير؛ وذلك لأنهما آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، وتركهما جميعًا موجب للكفر، وترك واحدة منهما؛ الصلاة الصحيح أنه يكفر، والزكاة الصحيح أنه لا يكفر، وقد سبق الكلام على هذا. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان ٤] ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، و﴿بِالْآخِرَةِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ﴿يُوقِنُونَ﴾، و﴿هُمْ﴾ الثانية يقول المؤلف: (هم الثاني تأكيد) تأكيد لأيش؟ لـ﴿هُمْ﴾ الأولى تأكيد لفظي ولَّا معنوي؟ لفظي، قال ابن مالك: وَمَــا مِنَ التَّـــــوْكِيدِ لَفْظِيٌّ يَجِي ∗∗∗ مُكَرَّرًا كَقَوْلِكَ: (ادْرُجِيادْرُجِي) قوله: ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾ بالآخرة، المراد بالآخرة يوم القيامة، وسمي آخِرة؛ لأنه آخر ما يكون، فالإنسان له أربع مراحل؛ المرحلة الأولى في بطن أمه، والمرحلة الثانية في الدنيا، والمرحلة الثالثة في البرزخ، والمرحلة الرابعة والأخيرة يوم القيامة. وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ الإيمان بالآخرة ليس معناه أن تؤمن بأن القيامة ستقوم فقط، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: وقد دخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. فيشمل فتنة القبر، وعذاب القبر، ونعيم القبر، والصراط، والحساب، والميزان، والكتب التي تُنشر يوم القيامة، وغير ذلك. قال: ﴿بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٤ - ٥] القرآن الكريم أحيانًا يكرر الآيات بعينها، تكرير الآيات بعينها هذا موجود في القرآن، هذه مكررة في سورة البقرة وإن كان فيها اختلاف يسير في الآية الأولى التي قبلها، أما قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٤ - ٥] هي آية واحدة. قوله: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أتى بـ(على) الدالة على الاستعلاء؛ يعني أنهم على هدى يسيرون عليه وهم به عالون مرتفعون لارتفاع مرتبتهم. وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٥] هذه الجملة جملة اسمية مؤكد خبرها بضمير الفصل وهو قوله: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فإن ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل، وقد سبق لنا أن ضمير الفصل يفيد ثلاث فوائد (...) هذه ثلاث فوائد لضمير الفصل، إذا قلت: زيد القائم، هذه مبتدأ وخبر، لكن يحتمل أن تكون القائم صفة لزيد، وأن الخبر منتظر، زيد القائم فاضلٌ مثلًا. فإذا قلت: زيد هو القائم تعيَّن أن تكون القائم خبرًا، ففصلت الآن بين الصفة والخبر، كذلك إذا قلت: زيدٌ هو القائم فإنه يفيد الحصر، زيد هو يعني لا غيره هو القائم، كذلك إذا قلت: زيد هو القائم أوكد من قولك: زيد القائم، أبلغ في التوكيد. فهنا: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٥] يعني لا غيرهم، والمفلح يقول المؤلف: (هو الفائز) وما معنى الفائز؟ الفائز السعيد، وما معنى السعيد؟ * طالب: الحاصل على خيري الدنيا والآخرة. * الشيخ: يقولون: إن المفلح هو من أدرك المطلوب ونجا من المرهوب، هذا المفلح، من أدرك المطلوب اللي هو يبغي، ونجا من المرهوب، فحصل له ما يريد، وسَلِم مما لا يريد. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٥] ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان ٦]. (مِن) للتبعيض ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ إلى آخره (...) * طالب: الراوي غلب (...). * الشيخ: على كل حال (...) ونمشي على الأدلة الواضحة، ونترك هذا المشتبه. * * * قال الله تعالى -بسم الله الرحمن الرحيم-: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في إنزال هذه الحروف الهجائية وهي ﴿الم﴾ وما أشبهها. * ومن فوائدها: أن الله عز وجل يتكلم بحرف، وكذلك بصوت؛ لأن ﴿الم﴾ من كلام الله، وهي حروف، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وقد تقدم لنا البحث فيه مرارًا، وأن أهل السنة والجماعة يقولون: إن كلام الله عز وجل بحرف وصوت. * ومن فوائد الآية الكريمة: علو شأن هذا القرآن؛ لقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن آية وعلامة على مُنْزِلِه؛ لقوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ وسبق لنا أن الإضافة على تقدير (مِنْ) فهي إضافة جنسية، القرآن آية على مُنزِله جل وعلا من أي ناحية؟ من صِدْق أخباره ومطابقتها للواقع، ومن حُسْن قصصه وحبها للنفوس، وعدم مللها منها؛ لأنه ما من كلام يُرد إلا ويمل إلا القرآن. الثالث: من حيث الأحكام حيث إنها أحكام عادلة نافعة للعباد في معاشهم ومعادهم؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن مكتوب كما هو مقروء؛ لقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. * ومن فوائدها: الثناء على القرآن بهذا الوصف العظيم وهو الحكيم. * ومن فوائدها أيضًا: أنه لا يوجد في القرآن خبر سيق عبثًا، ولا حكم أُثبِت عبثًا منين نأخذه؟ من الحكيم؛ لأن العبث يُنافي الحكمة، ولا يمكن أن يكون في القرآن شيء عبثًا لا خبرًا ولا حكمًا. ثم قال تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ وفيها قراءتان كما سبق ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ و﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾. * فمن فوائد الآية الكريمة: الترغيب في هذا القرآن؛ لقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾، وكل أحد منا يطلب الهدى والرحمة، فهو هدى في العلم ورحمة في العمل؛ إذ إن العامل به ينال رحمة الله، والمهتدي به على هُدًى وبصيرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم جمع الخير كله فهو علم نافع، أيش بعد؟ وعمل صالح؛ لأنه علم نافع بقوله: ﴿هُدًى﴾ وعمل صالح بقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ لأن الرحمة لا تُنال إلا بالعمل الصالح. * ومنها: الحث على الإحسان؛ لقوله: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾. * ومنها: أن الإحسان سبب لنيل العِلم والعمل الصالح لما جعله ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ لمن؟ ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾. * ومنها: أنه كلما ازداد إحسان العبد ازداد علمه وعمله الصالح؛ لأن الحكم إذا عُلِّق على وصف ازداد بزيادته ونقص بنقصه كما تقدم. * ومن فوائد الآية التي بعدها: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ من فوائدها أن إقامة الصلاة من الإحسان؛ لأن ما بعدها بيان لها: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن الصلاة أحب الأعمال إلى الله؛ لأن الله قدمها على إيتاء الزكاة مع أن إيتاء الزكاة فيه نفع متعد للغير، ولكن الصلاة أحب إلى الله منها وأفضل. * ومنها: الحث على إقامة الصلاة من أين نأخذها؟ من ثناء الله على المقيمين لها، والثناء لا يكون إلا على فعل شيء محبوب مرغوب إلى الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضل إيتاء الزكاة، وأنها تلي الصلاة في الفضيلة؛ لقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. * ومِن فوائد الآية الكريمة: الثناء على مَن أيَقَنَ بِالآخرة؛ لقوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. * ومِن فوائدها: إثباتُ البَعْث ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. ثُم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. * يُستفاد مِن هذه الآية الكريمة: أنَّ المتصفين بما تقدَّم هم الذين على الهُدى، فيتفرع على ذلك * فائدة أخرى: أنَّ مَن خالف فيما تقدم فليس على هُدى، وأنَّه فاته من الهدى بِقدر ما فاته مِن العَمَل واليقين. * ومِن فوائد الآية الكريمة: إظهار فضل الله عزَّ وجلّ على هؤلاء الفُضَلاء؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾. * ومِن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن رُبوبِيَّة الله عز وجل نَوعان: عامة وخاصة، فالعامة لِجميع الخلق: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [مريم ٦٥] والخاصة للمؤمنين. * ومِن فوائد الآية الكريمة: أنَّ بهذه الأعمالِ الفاضلة الجليلة والاعتقاداتِ النافعة يَحصُلُ الفَلاح؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. * ومِن فوائدها: أنَّه لا سبيلَ إلى الفلاح إلا بذلك، وَجهُه؟ الحصر؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (...) ثم ننتقل الآن إلى الدرس الجديد في قوله: (سورة السجدة) سورة السجدة هذه مضافة، الإضافة هنا بيانية، يعني: السورة التي تُذْكَر فيها السجدة، والسجدة ستأتي إن شاء الله تعالى في أثنائها، وهي مكية، ثلاثون آية، وكل سورة مبتدأة بالحروف الهجائية فهي مكية إلا سورتان، ما هما؟ البقرة وآل عمران فإنهما مدنيتان، وإلا فكل سورة ابتُدِئَت بالحروف الهجائية فهي مكية. * طالب: تسميتها سجدة هذا (...). * الشيخ: إلا، كان النبي يقرأ في فجر يوم الجمعة (الم تنزيل) السجدة. * طالب: فيها (...) يعني دليل أنها (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: هذا (...) أنه مختلف يسجد فيها أو.. هي نفس السورة هذه (...). * الشيخ: قال: (﴿الم﴾ الله أعلم بمراده به)، وسبق لنا أن العلماء انقسموا في ذلك ثلاثة أقسام؛ قسم ادَّعى أن لهذه الحروف معانِيَ، وأنها رموز لتلك المعاني، وهذا قول لا دليل عليه، وهو ضعيف، بل باطل، والقول الثاني: أن لها معاني لكن الله أعلم بها، فتكون من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، والقسم الثالث: يقولون: إنه ليس لها معاني أصلًا؛ لأن القرآن نزل باللسان العربي، واللسان العربي لا يكون لهذه الحروف معاني أبدًا، وهذا قول مجاهد وهو الصحيح، أنه لا معاني لها. فإن قال قائل: كيف تجزمون بأنه لا معاني لها والنفي يحتاج إلى حجة؟ قلنا: نجزم بذلك لأن القرآن نزل بلسان عربي مُبِين.

لقمان 31:5

وهذا تأديب من الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام ولغيره أيضًا، أن الإنسان يصبر ولا يستخفنه الذين لا يُوقنون بما وعد الله الصابرين، وهذا يقع لكثير من الناس، تجد بعض الناس مثلًا يحصل له ما يحصل من الأمور، ثم يجيه السفهاء وأمثالهم ويقول: افعل كذا، افعل كذا، افعل كذا، افرض مثلًا أن له جارًا يؤذيه، يأتي بعض الناس يقول: كيف تحمل من جاره هذه الأذية؟ أو كيف تحمَّل من صاحبك هذه الأذية، أو من أهلك، أو ما أشبه ذلك؟ فيستخفونه فلا يصبر، ولكن الذي ينبغي للإنسان العاقل ألا يستخفه أولئك القوم الذين لا يوقنون بما وعد الله به الصابرين بل يصبر ولا يهمه كلام الناس حتى يحقق الله له ما وعده، وبهذا انتهت سورة الروم، ننتقل بعدها إلى سورة لقمان. يقول: (وهي مكية) المكي أرجح الأقوال الذي عليه الجمهور أن ما نزل بعد وصول الرسول ﷺ إلى المدينة فهو مدني ولو نزل بمكة، وما نزل قبل وصوله إلى المدينة فهو مكي، هذا هو القول الراجح، فعلى هذا المعتبر الزمن ولَّا المكان؟ الزمن، وهذا أريح أيضًا للإنسان. يقول: (مكية إلا ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧]). وفي نسخة: (أو إلا). وبينهما فرق؛ لأن قول المؤلف: (إلا ولو أن) هذا اقتصار على قول واحد وجزم به، أما على النسخة الثانية: (أو إلا) فهو إشارة إلى أن في المسألة قولين، وأنه لم يجزم بأحدهما، والصحيح أنه ما سبق لنا أن السورة إذا كانت مكية فإننا لا نستثني منها شيئًا إلا بنص صريح واضح، وإذا كانت مدنية فإننا لا نستثني منها شيئًا إلا بنص صريح واضح؛ لأن الأصل أن السورة تكون متتالية، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام يضع كل آية في مكانها، أو يأمر بوضعها، وعلى هذا فنقول: إن جاء من أثبت أن قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان ٢٧] نزلت بعد الهجرة إن أثبت ذلك بنص فعلى العين والرأس، وإلا فالأصل أن السورة كاملة مكية. قال: (بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم﴾ [لقمان ١] الله أعلم بمراده) تقدم الكلام على البسملة إعرابًا ومعنًى وحكمًا أو لا؟ فإعرابها أنها جار ومجرور متعلق بمحذوف؛ فعل مؤخر مناسب للمقام، المحذوف فعل مؤخر مناسب للمقام، الآن بنقرأ هذه السورة يكون التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، نبغي نفسر نقول: بسم الله الرحمن الرحيم أُفسِّر، يبغي يتوضأ الإنسان يقول: باسم الله أتوضأ، مر علينا هذا؟ لماذا قدرناه فعلًا؟ لماذا اخترنا أن يكون تقديره فعلًا؟ * طالب: ما مر علينا. * الشيخ: ما مر؟ * الطالب: ما سمعته. * طالب آخر: لأن التقدير يدل على إجابة (...) تقديره فعلًا يعني، أما الجملة الاسمية فالاستمرار. * الشيخ: غير؛ لأن الأصل في العامل أن يكون فعلًا لا سيما وأنه محذوف، هذا واحد، لماذا قدرناه خاصًّا، ما قلنا مثلًا: بسم الله الرحمن الرحيم أبتدئ، بل قلنا: إن كنت بتقرأ قدِّر أقرأ، تبغي تأكل قدِّر آكل، تبغي تشرب قدِّر أشرب، فلماذا اخترنا أن يكون تقديره خاصًّا؟ * طالب: ليناسب كل حال بعينه. * الشيخ: لأجل أن يناسب كل حال بعينه؛ ولأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٨٥)، ومسلم (١٩٦٠ / ٣) من حديث جندب بن عبد الله.]]. فهو إشارة إلى أنه يُقدَّر الفعل المحذوف بما يناسب الفعل المبتدأ به، ولماذا اخترنا أن يكون تقديره متأخرًا؟ * طالب: البداءة باسم الله. * الشيخ: طيب، ودنا أحد غيره. * طالب: ذكرها. * الشيخ: ما الذي ذكره أخبرنا به؟ * الطالب: البداءة باسم الله. * الشيخ: البداءة باسم الله، وغير؟ ولإفادة الاختصاص؛ لأن تقديم المعمول يفيد الحصر والاختصاص، فكأنك تقول: لا أبتدئ إلا باسم الله، هذا هو السبب في أن نقدره متأخرًا لأجل البداءة باسم الله، ولإفادة الحصر والاختصاص. اسم مضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه، و(الرحمن) صفة لله، و(الرحيم) صفة لله أيضًا، واضح؟ هذا إعرابها، أما حكمها فإنها آية من كتاب الله، تكلم الله بها، وأنزلها على الرسول ﷺ، لكنها ليست آية من السورة إنما جُعِلت علامة على انتهاء السورة التي قبلها وابتداء السورة التي بعدها، أو على الأصح علامة على ابتداء السورة فقط لئلا يرد علينا الفاتحة فإنه ليس قبلها شيء، فهي علامة على ابتداء السورة وليست منها، وتجدون في المصاحف أنه لم يُكتب عليها رقم إلا في الفاتحة فإنها رقمت، والسبب أن الفاتحة ذهب كثير من أهل العلم إلى أن البسملة منها، والصواب أنها ليست منها كغيرها، وأن أول آية في سورة الفاتحة هي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة ٢ - ٦] كم دولا؟ * طلبة: خمس. * الشيخ: خمس، الفاتحة سبع آيات، وين السابعة؟ * طلبة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧]. * الشيخ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هذه السادسة، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ هذه السابعة كذا؟ إي نعم، هذا هو الصحيح مع أنكم تجدونه في المصاحف ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧] آية واحدة بناءً على أن البسملة هي الآية الأولى. * طالب: رأيت أنا بعض المصاحف الباكستانية مكتوبة مثلما قلت. * الشيخ: إي، عجيب! هذا على القول الراجح، أما حكمها باعتبار تلاوتها في الصلاة فإن قلنا: إنها من الفاتحة فهي آية منها ولا بد من قراءتها، وتُقرأ جهرًا كما يجهر بالفاتحة، وإذا قلنا: ليست منها فإنه لا تجب قراءتها ولا يُجهَر بها. * طالب: القراءة في غير الصلاة، هل في غير الصلاة تجهر (...)؟ * الشيخ: قال ﴿الم﴾ [لقمان ١] الله أعلم بمراده به. ﴿الم﴾ ثلاثة حروف هجائية، يقول المؤلف: (الله أعلم بمراده به) وفي هذا إثبات بأن الله أراد به شيئًا لكنه لا يُعلم. المؤلف بكلامه هذا أو من كلامه هذا نأخذ أنه يرى أن لهذه الحروف معنى، ولكن الله أعلم به، وقال بعض أهل العلم: إن لها معنى، وجعلوا يتخبطون بهذا المعنى، ويجعلونها رموزًا لما جعلوها له، وقال مجاهد: إنه لا معنى لها، فنقول: أصلًا لا معنى لها، ما نقول: الله أعلم بما أراد؛ وذلك لأن القرآن نزل باللغة العربية كما قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥]، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف ٢]، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، واللغة العربية ليس لهذه الحروف فيها معنى، وعلى هذا فنقول: إنه لا معنى لها، نقول ذلك؛ لأن هذا هو مقتضى اللغة العربية التي نزل بها القرآن. فإذا قال قائل: إذا قلت: لا معنى لها كيف يسوغ لك أن تجزم بنفي المعنى؟ أقول: نعم، يسوغ لي ذلك؛ لأن القرآن باللغة العربية، وهذه الحروف الهجائية بمقتضى اللغة العربية ليس لها معنى فأجزم بذلك؛ لأن القرآن باللغة العربية، إذا كان الأمر هكذا فما هو الفائدة من وجودها في القرآن؟ هذه هي التي قد نقول: الله أعلم بذلك، ولكن بعض أهل العلم التمس لهذا حكمة بأنه إشارة إلى أن هذا القرآن الذي أعجزكم ما أتى بحروف جديدة حتى تقول: والله هذه ليست من حروفنا، وإنما هو من الحروف التي يتركب منها الكلام العربي ومع ذلك أعجزكم. قالوا: ولهذا لا يأتي الابتداء بهذه الحروف الهجائية إلا وبعده ذكر القرآن أو ما هو من خصائص القرآن: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] وتأملها تمشي معه. فيه بعض السور مثل: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم ١ - ٢] ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت ١ - ٢] ما فيها ذكر القرآن لكن فيها ذكر ما هو من خصائصه فـ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ هذا من أمور الغيب ولا يعلم إلا بالوحي، و﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت ٢] هذا فيه إخبار عمن سبق وهو من أمور الغيب أيضًا، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت ٣]. وعلى كل حال هذا اللي ذكرناه أخيرًا هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وسبقه إليه الزمخشري في كتابه الكشاف، قال: ﴿تِلْكَ﴾ أي هذه الآيات آيات الكتاب القرآن الحكيم ذي الحكمة، والإضافة بمعنى (مِنْ). ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ ﴿تِلْكَ﴾ المشار إليه آيات القرآن، وتجدون أن الإشارة هنا بصيغة البعيد، والقرآن ليس بعيدًا؛ لأنه بين أيدينا، ولكنه عالي المرتبة؛ فلهذا أُشِير إليه بإشارة البعيد. وقوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ أي المكتوب وهو القرآن، وذكرنا فيما سبق أنه مكتوب في ثلاثة مواضع في اللوح المحفوظ، في الصحف التي بأيدي الملائكة، في الصحف التي بأيدينا. وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ الإضافة هنا يقول المؤلف: إنها على تقدير (مِنْ)، يعني آيات من الكتاب، والآيات -كما مر علينا- كونية وشرعية، وآيات الكتاب من الشرعية ولَّا من الكونية؟ من الشرعية. وقوله: ﴿الْحَكِيمِ﴾ قال المؤلف: (ذي الحكمة) ولكن يمكن أن يقال: ذي الحكمة والحُكم أيضًا؛ لأنه مرجع الناس في الحكم؛ ولأنه يشتمل على الحكمة، وهو أيضًا صالح لأن يُجعل بمعنى المحكم، فيكون فَعيل بمعنى (مُفْعَل)، القرآن إذن حكيم لاشتماله على الحكمة وعلى الحكم بين الناس: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء ١٠٥]. وقوله: ﴿﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ ﴾ (بالرفع) هذه محلها من الإعراب خبر مبتدأ محذوف قدَّره المؤلف بقوله: (هو هُدًى ورحمة) هدى بمعنى دلالة، ورحمة بمعنى أن الله رحم به الخلق حيث أنزله عليهم، فالقرآن هداية ورحمة، من تمسك به نجا واهتدى، فلا يضل من تمسك بهذا القرآن، ولا يشقى؛ لأنه هدى ورحمة، وعلى هذا فنقول لكل إنسان أراد العلم: عليك بالقرآن؛ لأنه هدى، ولكل إنسان أراد الرحمة: عليك بالقرآن؛ لأنه هدى. ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ [لقمان ٣] ولكن ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ الذين أحسنوا في عبادة الله، وأحسنوا إلى عباد الله، والإحسان ضد الإساءة، والإساءة تكون إما بترك الواجب، أو بفعل المحرم، فمن ترك ما أوجب الله عليه لنفسه من الصلاة وغيرها فليس بمحسن، ومن فعل ما حرم الله عليه فليس بمحسِن، ومن ترك ما يجب له للناس من صلة الرحم، وبر الوالدين، والإحسان إليهم فليس بمحسن، ومن اعتدى عليهم فليس بمحسن. وقوله: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ يستفاد منه أنه كلما ازداد الإنسان إحسانًا ازداد انتفاعًا بالقرآن بالهداية والرحمة بناءً على ما سبق من القاعدة أن الحكم إذا عُلِّق بوصف كان يقوى بحسب وجود ذلك الوصف. وقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ طيب وغير المحسنين لا يهتدون به ولا يرحمون؟ نعم؛ لأن المحسنين هم الذين ينتفعون بذلك، وإلا فهو هدى للناس كلهم، مصدر هداية للجميع، لكن لا ينتفع به إلا الذين أحسنوا. (وفي قراءة العامة بالنصب حالًا من الآيات) غريب هذا التعبير من المؤلف: (وفي قراءة العامة) يفهم منه من لا يعرف الاصطلاح أن المراد بالعامة مَنْ؟ * طالب: ما سوى العلماء. * الشيخ: عامة الناس، ما سوى العلماء، وهذا ليس كذلك، إنما مراده بالعامة يعني عامة القراء ما عدا قارئًا واحدًا الذي قرأ بالرفع ولا عامة القراء وأكثرهم على النصب: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ (بالنصب حالًا من الآيات العامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة). ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [لقمان ٢] حال كونها هدى ورحمة. فإذا قال قائل: الحال تحتاج إلى عامل مثل الظرف، والجار والمجرور، والمفعول به، فما هو العامل؟ هو العامل فيها ما في ﴿تِلْكَ﴾ من معنى الإشارة. ﴿تِلْكَ﴾ اسم وجامد غير مشتق لكنه بمعنى أشير، فإذا قلت: هذا زيد، المعنى أشير إليه فـ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ بمعنى أشير إلى هذه الآيات، فلما كانت متضمنة لمعنى الفعل صارت صالحة لأن تكون عاملًا في الحال. ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [لقمان ٤] (بيان للمحسنين) وعلى هذا فلا تكون صفة، ما تكون نعتًا بل تكون بيانًا؛ أي عطف بيان، من هم المحسنون؟ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ يعني يأتون بها قويمة تامة و﴿الصَّلَاةَ﴾ يشمل الفريضة والتطوع، إقامتها بفعل الواجبات، وترك المفسدِات، وكذلك تتم الإقامة بفعل المكملات والمستحبات، ويؤتون الزكاة أي يعطونها، والزكاة -كما سبق- هي جزء مقدر شرعًا في مال خاص لطائفة مخصوصة. وأين مفعول (يؤتون) الثاني؟ مفعولها الثاني محذوف، التقدير: ويؤتون الزكاة أهلها، وإنما جاز حذفه؛ لأنه فضلة، وقد سبق أن جميع المفاعيل الفضلة يجوز حذفها. وقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ سُمِّي هذا المال المؤُدَّى زكاة؛ لأنها تزكو بها أخلاق المزكِّي، ويزكو بها المال أيضًا ويزيد؛ لأن الزكاة في اللغة النماء والزيادة. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ولم يذكر الله عز وجل من الأفعال إلا الصلاة والزكاة، والقَرْن بينهما في القرآن كثير؛ وذلك لأنهما آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، وتركهما جميعًا موجب للكفر، وترك واحدة منهما؛ الصلاة الصحيح أنه يكفر، والزكاة الصحيح أنه لا يكفر، وقد سبق الكلام على هذا. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان ٤] ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، و﴿بِالْآخِرَةِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ﴿يُوقِنُونَ﴾، و﴿هُمْ﴾ الثانية يقول المؤلف: (هم الثاني تأكيد) تأكيد لأيش؟ لـ﴿هُمْ﴾ الأولى تأكيد لفظي ولَّا معنوي؟ لفظي، قال ابن مالك: وَمَــا مِنَ التَّـــــوْكِيدِ لَفْظِيٌّ يَجِي ∗∗∗ مُكَرَّرًا كَقَوْلِكَ: (ادْرُجِيادْرُجِي) قوله: ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾ بالآخرة، المراد بالآخرة يوم القيامة، وسمي آخِرة؛ لأنه آخر ما يكون، فالإنسان له أربع مراحل؛ المرحلة الأولى في بطن أمه، والمرحلة الثانية في الدنيا، والمرحلة الثالثة في البرزخ، والمرحلة الرابعة والأخيرة يوم القيامة. وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ الإيمان بالآخرة ليس معناه أن تؤمن بأن القيامة ستقوم فقط، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: وقد دخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. فيشمل فتنة القبر، وعذاب القبر، ونعيم القبر، والصراط، والحساب، والميزان، والكتب التي تُنشر يوم القيامة، وغير ذلك. قال: ﴿بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٤ - ٥] القرآن الكريم أحيانًا يكرر الآيات بعينها، تكرير الآيات بعينها هذا موجود في القرآن، هذه مكررة في سورة البقرة وإن كان فيها اختلاف يسير في الآية الأولى التي قبلها، أما قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٤ - ٥] هي آية واحدة. قوله: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أتى بـ(على) الدالة على الاستعلاء؛ يعني أنهم على هدى يسيرون عليه وهم به عالون مرتفعون لارتفاع مرتبتهم. وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٥] هذه الجملة جملة اسمية مؤكد خبرها بضمير الفصل وهو قوله: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فإن ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل، وقد سبق لنا أن ضمير الفصل يفيد ثلاث فوائد (...) هذه ثلاث فوائد لضمير الفصل، إذا قلت: زيد القائم، هذه مبتدأ وخبر، لكن يحتمل أن تكون القائم صفة لزيد، وأن الخبر منتظر، زيد القائم فاضلٌ مثلًا. فإذا قلت: زيد هو القائم تعيَّن أن تكون القائم خبرًا، ففصلت الآن بين الصفة والخبر، كذلك إذا قلت: زيدٌ هو القائم فإنه يفيد الحصر، زيد هو يعني لا غيره هو القائم، كذلك إذا قلت: زيد هو القائم أوكد من قولك: زيد القائم، أبلغ في التوكيد. فهنا: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٥] يعني لا غيرهم، والمفلح يقول المؤلف: (هو الفائز) وما معنى الفائز؟ الفائز السعيد، وما معنى السعيد؟ * طالب: الحاصل على خيري الدنيا والآخرة. * الشيخ: يقولون: إن المفلح هو من أدرك المطلوب ونجا من المرهوب، هذا المفلح، من أدرك المطلوب اللي هو يبغي، ونجا من المرهوب، فحصل له ما يريد، وسَلِم مما لا يريد. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٥] ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان ٦]. (مِن) للتبعيض ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ إلى آخره (...) * طالب: الراوي غلب (...). * الشيخ: على كل حال (...) ونمشي على الأدلة الواضحة، ونترك هذا المشتبه. * * * قال الله تعالى -بسم الله الرحمن الرحيم-: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في إنزال هذه الحروف الهجائية وهي ﴿الم﴾ وما أشبهها. * ومن فوائدها: أن الله عز وجل يتكلم بحرف، وكذلك بصوت؛ لأن ﴿الم﴾ من كلام الله، وهي حروف، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وقد تقدم لنا البحث فيه مرارًا، وأن أهل السنة والجماعة يقولون: إن كلام الله عز وجل بحرف وصوت. * ومن فوائد الآية الكريمة: علو شأن هذا القرآن؛ لقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن آية وعلامة على مُنْزِلِه؛ لقوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ وسبق لنا أن الإضافة على تقدير (مِنْ) فهي إضافة جنسية، القرآن آية على مُنزِله جل وعلا من أي ناحية؟ من صِدْق أخباره ومطابقتها للواقع، ومن حُسْن قصصه وحبها للنفوس، وعدم مللها منها؛ لأنه ما من كلام يُرد إلا ويمل إلا القرآن. الثالث: من حيث الأحكام حيث إنها أحكام عادلة نافعة للعباد في معاشهم ومعادهم؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن مكتوب كما هو مقروء؛ لقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. * ومن فوائدها: الثناء على القرآن بهذا الوصف العظيم وهو الحكيم. * ومن فوائدها أيضًا: أنه لا يوجد في القرآن خبر سيق عبثًا، ولا حكم أُثبِت عبثًا منين نأخذه؟ من الحكيم؛ لأن العبث يُنافي الحكمة، ولا يمكن أن يكون في القرآن شيء عبثًا لا خبرًا ولا حكمًا. ثم قال تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ وفيها قراءتان كما سبق ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ و﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾. * فمن فوائد الآية الكريمة: الترغيب في هذا القرآن؛ لقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾، وكل أحد منا يطلب الهدى والرحمة، فهو هدى في العلم ورحمة في العمل؛ إذ إن العامل به ينال رحمة الله، والمهتدي به على هُدًى وبصيرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم جمع الخير كله فهو علم نافع، أيش بعد؟ وعمل صالح؛ لأنه علم نافع بقوله: ﴿هُدًى﴾ وعمل صالح بقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ لأن الرحمة لا تُنال إلا بالعمل الصالح. * ومنها: الحث على الإحسان؛ لقوله: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾. * ومنها: أن الإحسان سبب لنيل العِلم والعمل الصالح لما جعله ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ لمن؟ ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾. * ومنها: أنه كلما ازداد إحسان العبد ازداد علمه وعمله الصالح؛ لأن الحكم إذا عُلِّق على وصف ازداد بزيادته ونقص بنقصه كما تقدم. * ومن فوائد الآية التي بعدها: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ من فوائدها أن إقامة الصلاة من الإحسان؛ لأن ما بعدها بيان لها: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن الصلاة أحب الأعمال إلى الله؛ لأن الله قدمها على إيتاء الزكاة مع أن إيتاء الزكاة فيه نفع متعد للغير، ولكن الصلاة أحب إلى الله منها وأفضل. * ومنها: الحث على إقامة الصلاة من أين نأخذها؟ من ثناء الله على المقيمين لها، والثناء لا يكون إلا على فعل شيء محبوب مرغوب إلى الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضل إيتاء الزكاة، وأنها تلي الصلاة في الفضيلة؛ لقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. * ومِن فوائد الآية الكريمة: الثناء على مَن أيَقَنَ بِالآخرة؛ لقوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. * ومِن فوائدها: إثباتُ البَعْث ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. ثُم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. * يُستفاد مِن هذه الآية الكريمة: أنَّ المتصفين بما تقدَّم هم الذين على الهُدى، فيتفرع على ذلك * فائدة أخرى: أنَّ مَن خالف فيما تقدم فليس على هُدى، وأنَّه فاته من الهدى بِقدر ما فاته مِن العَمَل واليقين. * ومِن فوائد الآية الكريمة: إظهار فضل الله عزَّ وجلّ على هؤلاء الفُضَلاء؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾. * ومِن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن رُبوبِيَّة الله عز وجل نَوعان: عامة وخاصة، فالعامة لِجميع الخلق: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [مريم ٦٥] والخاصة للمؤمنين. * ومِن فوائد الآية الكريمة: أنَّ بهذه الأعمالِ الفاضلة الجليلة والاعتقاداتِ النافعة يَحصُلُ الفَلاح؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. * ومِن فوائدها: أنَّه لا سبيلَ إلى الفلاح إلا بذلك، وَجهُه؟ الحصر؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (...) ثم ننتقل الآن إلى الدرس الجديد في قوله: (سورة السجدة) سورة السجدة هذه مضافة، الإضافة هنا بيانية، يعني: السورة التي تُذْكَر فيها السجدة، والسجدة ستأتي إن شاء الله تعالى في أثنائها، وهي مكية، ثلاثون آية، وكل سورة مبتدأة بالحروف الهجائية فهي مكية إلا سورتان، ما هما؟ البقرة وآل عمران فإنهما مدنيتان، وإلا فكل سورة ابتُدِئَت بالحروف الهجائية فهي مكية. * طالب: تسميتها سجدة هذا (...). * الشيخ: إلا، كان النبي يقرأ في فجر يوم الجمعة (الم تنزيل) السجدة. * طالب: فيها (...) يعني دليل أنها (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: هذا (...) أنه مختلف يسجد فيها أو.. هي نفس السورة هذه (...). * الشيخ: قال: (﴿الم﴾ الله أعلم بمراده به)، وسبق لنا أن العلماء انقسموا في ذلك ثلاثة أقسام؛ قسم ادَّعى أن لهذه الحروف معانِيَ، وأنها رموز لتلك المعاني، وهذا قول لا دليل عليه، وهو ضعيف، بل باطل، والقول الثاني: أن لها معاني لكن الله أعلم بها، فتكون من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، والقسم الثالث: يقولون: إنه ليس لها معاني أصلًا؛ لأن القرآن نزل باللسان العربي، واللسان العربي لا يكون لهذه الحروف معاني أبدًا، وهذا قول مجاهد وهو الصحيح، أنه لا معاني لها. فإن قال قائل: كيف تجزمون بأنه لا معاني لها والنفي يحتاج إلى حجة؟ قلنا: نجزم بذلك لأن القرآن نزل بلسان عربي مُبِين.

لقمان 31:6

وهذا تأديب من الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام ولغيره أيضًا، أن الإنسان يصبر ولا يستخفنه الذين لا يُوقنون بما وعد الله الصابرين، وهذا يقع لكثير من الناس، تجد بعض الناس مثلًا يحصل له ما يحصل من الأمور، ثم يجيه السفهاء وأمثالهم ويقول: افعل كذا، افعل كذا، افعل كذا، افرض مثلًا أن له جارًا يؤذيه، يأتي بعض الناس يقول: كيف تحمل من جاره هذه الأذية؟ أو كيف تحمَّل من صاحبك هذه الأذية، أو من أهلك، أو ما أشبه ذلك؟ فيستخفونه فلا يصبر، ولكن الذي ينبغي للإنسان العاقل ألا يستخفه أولئك القوم الذين لا يوقنون بما وعد الله به الصابرين بل يصبر ولا يهمه كلام الناس حتى يحقق الله له ما وعده، وبهذا انتهت سورة الروم، ننتقل بعدها إلى سورة لقمان. يقول: (وهي مكية) المكي أرجح الأقوال الذي عليه الجمهور أن ما نزل بعد وصول الرسول ﷺ إلى المدينة فهو مدني ولو نزل بمكة، وما نزل قبل وصوله إلى المدينة فهو مكي، هذا هو القول الراجح، فعلى هذا المعتبر الزمن ولَّا المكان؟ الزمن، وهذا أريح أيضًا للإنسان. يقول: (مكية إلا ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧]). وفي نسخة: (أو إلا). وبينهما فرق؛ لأن قول المؤلف: (إلا ولو أن) هذا اقتصار على قول واحد وجزم به، أما على النسخة الثانية: (أو إلا) فهو إشارة إلى أن في المسألة قولين، وأنه لم يجزم بأحدهما، والصحيح أنه ما سبق لنا أن السورة إذا كانت مكية فإننا لا نستثني منها شيئًا إلا بنص صريح واضح، وإذا كانت مدنية فإننا لا نستثني منها شيئًا إلا بنص صريح واضح؛ لأن الأصل أن السورة تكون متتالية، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام يضع كل آية في مكانها، أو يأمر بوضعها، وعلى هذا فنقول: إن جاء من أثبت أن قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان ٢٧] نزلت بعد الهجرة إن أثبت ذلك بنص فعلى العين والرأس، وإلا فالأصل أن السورة كاملة مكية. قال: (بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم﴾ [لقمان ١] الله أعلم بمراده) تقدم الكلام على البسملة إعرابًا ومعنًى وحكمًا أو لا؟ فإعرابها أنها جار ومجرور متعلق بمحذوف؛ فعل مؤخر مناسب للمقام، المحذوف فعل مؤخر مناسب للمقام، الآن بنقرأ هذه السورة يكون التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، نبغي نفسر نقول: بسم الله الرحمن الرحيم أُفسِّر، يبغي يتوضأ الإنسان يقول: باسم الله أتوضأ، مر علينا هذا؟ لماذا قدرناه فعلًا؟ لماذا اخترنا أن يكون تقديره فعلًا؟ * طالب: ما مر علينا. * الشيخ: ما مر؟ * الطالب: ما سمعته. * طالب آخر: لأن التقدير يدل على إجابة (...) تقديره فعلًا يعني، أما الجملة الاسمية فالاستمرار. * الشيخ: غير؛ لأن الأصل في العامل أن يكون فعلًا لا سيما وأنه محذوف، هذا واحد، لماذا قدرناه خاصًّا، ما قلنا مثلًا: بسم الله الرحمن الرحيم أبتدئ، بل قلنا: إن كنت بتقرأ قدِّر أقرأ، تبغي تأكل قدِّر آكل، تبغي تشرب قدِّر أشرب، فلماذا اخترنا أن يكون تقديره خاصًّا؟ * طالب: ليناسب كل حال بعينه. * الشيخ: لأجل أن يناسب كل حال بعينه؛ ولأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٨٥)، ومسلم (١٩٦٠ / ٣) من حديث جندب بن عبد الله.]]. فهو إشارة إلى أنه يُقدَّر الفعل المحذوف بما يناسب الفعل المبتدأ به، ولماذا اخترنا أن يكون تقديره متأخرًا؟ * طالب: البداءة باسم الله. * الشيخ: طيب، ودنا أحد غيره. * طالب: ذكرها. * الشيخ: ما الذي ذكره أخبرنا به؟ * الطالب: البداءة باسم الله. * الشيخ: البداءة باسم الله، وغير؟ ولإفادة الاختصاص؛ لأن تقديم المعمول يفيد الحصر والاختصاص، فكأنك تقول: لا أبتدئ إلا باسم الله، هذا هو السبب في أن نقدره متأخرًا لأجل البداءة باسم الله، ولإفادة الحصر والاختصاص. اسم مضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه، و(الرحمن) صفة لله، و(الرحيم) صفة لله أيضًا، واضح؟ هذا إعرابها، أما حكمها فإنها آية من كتاب الله، تكلم الله بها، وأنزلها على الرسول ﷺ، لكنها ليست آية من السورة إنما جُعِلت علامة على انتهاء السورة التي قبلها وابتداء السورة التي بعدها، أو على الأصح علامة على ابتداء السورة فقط لئلا يرد علينا الفاتحة فإنه ليس قبلها شيء، فهي علامة على ابتداء السورة وليست منها، وتجدون في المصاحف أنه لم يُكتب عليها رقم إلا في الفاتحة فإنها رقمت، والسبب أن الفاتحة ذهب كثير من أهل العلم إلى أن البسملة منها، والصواب أنها ليست منها كغيرها، وأن أول آية في سورة الفاتحة هي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة ٢ - ٦] كم دولا؟ * طلبة: خمس. * الشيخ: خمس، الفاتحة سبع آيات، وين السابعة؟ * طلبة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧]. * الشيخ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هذه السادسة، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ هذه السابعة كذا؟ إي نعم، هذا هو الصحيح مع أنكم تجدونه في المصاحف ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧] آية واحدة بناءً على أن البسملة هي الآية الأولى. * طالب: رأيت أنا بعض المصاحف الباكستانية مكتوبة مثلما قلت. * الشيخ: إي، عجيب! هذا على القول الراجح، أما حكمها باعتبار تلاوتها في الصلاة فإن قلنا: إنها من الفاتحة فهي آية منها ولا بد من قراءتها، وتُقرأ جهرًا كما يجهر بالفاتحة، وإذا قلنا: ليست منها فإنه لا تجب قراءتها ولا يُجهَر بها. * طالب: القراءة في غير الصلاة، هل في غير الصلاة تجهر (...)؟ * الشيخ: قال ﴿الم﴾ [لقمان ١] الله أعلم بمراده به. ﴿الم﴾ ثلاثة حروف هجائية، يقول المؤلف: (الله أعلم بمراده به) وفي هذا إثبات بأن الله أراد به شيئًا لكنه لا يُعلم. المؤلف بكلامه هذا أو من كلامه هذا نأخذ أنه يرى أن لهذه الحروف معنى، ولكن الله أعلم به، وقال بعض أهل العلم: إن لها معنى، وجعلوا يتخبطون بهذا المعنى، ويجعلونها رموزًا لما جعلوها له، وقال مجاهد: إنه لا معنى لها، فنقول: أصلًا لا معنى لها، ما نقول: الله أعلم بما أراد؛ وذلك لأن القرآن نزل باللغة العربية كما قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥]، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف ٢]، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، واللغة العربية ليس لهذه الحروف فيها معنى، وعلى هذا فنقول: إنه لا معنى لها، نقول ذلك؛ لأن هذا هو مقتضى اللغة العربية التي نزل بها القرآن. فإذا قال قائل: إذا قلت: لا معنى لها كيف يسوغ لك أن تجزم بنفي المعنى؟ أقول: نعم، يسوغ لي ذلك؛ لأن القرآن باللغة العربية، وهذه الحروف الهجائية بمقتضى اللغة العربية ليس لها معنى فأجزم بذلك؛ لأن القرآن باللغة العربية، إذا كان الأمر هكذا فما هو الفائدة من وجودها في القرآن؟ هذه هي التي قد نقول: الله أعلم بذلك، ولكن بعض أهل العلم التمس لهذا حكمة بأنه إشارة إلى أن هذا القرآن الذي أعجزكم ما أتى بحروف جديدة حتى تقول: والله هذه ليست من حروفنا، وإنما هو من الحروف التي يتركب منها الكلام العربي ومع ذلك أعجزكم. قالوا: ولهذا لا يأتي الابتداء بهذه الحروف الهجائية إلا وبعده ذكر القرآن أو ما هو من خصائص القرآن: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] وتأملها تمشي معه. فيه بعض السور مثل: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم ١ - ٢] ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت ١ - ٢] ما فيها ذكر القرآن لكن فيها ذكر ما هو من خصائصه فـ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ هذا من أمور الغيب ولا يعلم إلا بالوحي، و﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت ٢] هذا فيه إخبار عمن سبق وهو من أمور الغيب أيضًا، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت ٣]. وعلى كل حال هذا اللي ذكرناه أخيرًا هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وسبقه إليه الزمخشري في كتابه الكشاف، قال: ﴿تِلْكَ﴾ أي هذه الآيات آيات الكتاب القرآن الحكيم ذي الحكمة، والإضافة بمعنى (مِنْ). ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ ﴿تِلْكَ﴾ المشار إليه آيات القرآن، وتجدون أن الإشارة هنا بصيغة البعيد، والقرآن ليس بعيدًا؛ لأنه بين أيدينا، ولكنه عالي المرتبة؛ فلهذا أُشِير إليه بإشارة البعيد. وقوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ أي المكتوب وهو القرآن، وذكرنا فيما سبق أنه مكتوب في ثلاثة مواضع في اللوح المحفوظ، في الصحف التي بأيدي الملائكة، في الصحف التي بأيدينا. وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ الإضافة هنا يقول المؤلف: إنها على تقدير (مِنْ)، يعني آيات من الكتاب، والآيات -كما مر علينا- كونية وشرعية، وآيات الكتاب من الشرعية ولَّا من الكونية؟ من الشرعية. وقوله: ﴿الْحَكِيمِ﴾ قال المؤلف: (ذي الحكمة) ولكن يمكن أن يقال: ذي الحكمة والحُكم أيضًا؛ لأنه مرجع الناس في الحكم؛ ولأنه يشتمل على الحكمة، وهو أيضًا صالح لأن يُجعل بمعنى المحكم، فيكون فَعيل بمعنى (مُفْعَل)، القرآن إذن حكيم لاشتماله على الحكمة وعلى الحكم بين الناس: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء ١٠٥]. وقوله: ﴿﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ ﴾ (بالرفع) هذه محلها من الإعراب خبر مبتدأ محذوف قدَّره المؤلف بقوله: (هو هُدًى ورحمة) هدى بمعنى دلالة، ورحمة بمعنى أن الله رحم به الخلق حيث أنزله عليهم، فالقرآن هداية ورحمة، من تمسك به نجا واهتدى، فلا يضل من تمسك بهذا القرآن، ولا يشقى؛ لأنه هدى ورحمة، وعلى هذا فنقول لكل إنسان أراد العلم: عليك بالقرآن؛ لأنه هدى، ولكل إنسان أراد الرحمة: عليك بالقرآن؛ لأنه هدى. ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ [لقمان ٣] ولكن ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ الذين أحسنوا في عبادة الله، وأحسنوا إلى عباد الله، والإحسان ضد الإساءة، والإساءة تكون إما بترك الواجب، أو بفعل المحرم، فمن ترك ما أوجب الله عليه لنفسه من الصلاة وغيرها فليس بمحسن، ومن فعل ما حرم الله عليه فليس بمحسِن، ومن ترك ما يجب له للناس من صلة الرحم، وبر الوالدين، والإحسان إليهم فليس بمحسن، ومن اعتدى عليهم فليس بمحسن. وقوله: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ يستفاد منه أنه كلما ازداد الإنسان إحسانًا ازداد انتفاعًا بالقرآن بالهداية والرحمة بناءً على ما سبق من القاعدة أن الحكم إذا عُلِّق بوصف كان يقوى بحسب وجود ذلك الوصف. وقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ طيب وغير المحسنين لا يهتدون به ولا يرحمون؟ نعم؛ لأن المحسنين هم الذين ينتفعون بذلك، وإلا فهو هدى للناس كلهم، مصدر هداية للجميع، لكن لا ينتفع به إلا الذين أحسنوا. (وفي قراءة العامة بالنصب حالًا من الآيات) غريب هذا التعبير من المؤلف: (وفي قراءة العامة) يفهم منه من لا يعرف الاصطلاح أن المراد بالعامة مَنْ؟ * طالب: ما سوى العلماء. * الشيخ: عامة الناس، ما سوى العلماء، وهذا ليس كذلك، إنما مراده بالعامة يعني عامة القراء ما عدا قارئًا واحدًا الذي قرأ بالرفع ولا عامة القراء وأكثرهم على النصب: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ (بالنصب حالًا من الآيات العامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة). ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [لقمان ٢] حال كونها هدى ورحمة. فإذا قال قائل: الحال تحتاج إلى عامل مثل الظرف، والجار والمجرور، والمفعول به، فما هو العامل؟ هو العامل فيها ما في ﴿تِلْكَ﴾ من معنى الإشارة. ﴿تِلْكَ﴾ اسم وجامد غير مشتق لكنه بمعنى أشير، فإذا قلت: هذا زيد، المعنى أشير إليه فـ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ بمعنى أشير إلى هذه الآيات، فلما كانت متضمنة لمعنى الفعل صارت صالحة لأن تكون عاملًا في الحال. ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [لقمان ٤] (بيان للمحسنين) وعلى هذا فلا تكون صفة، ما تكون نعتًا بل تكون بيانًا؛ أي عطف بيان، من هم المحسنون؟ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ يعني يأتون بها قويمة تامة و﴿الصَّلَاةَ﴾ يشمل الفريضة والتطوع، إقامتها بفعل الواجبات، وترك المفسدِات، وكذلك تتم الإقامة بفعل المكملات والمستحبات، ويؤتون الزكاة أي يعطونها، والزكاة -كما سبق- هي جزء مقدر شرعًا في مال خاص لطائفة مخصوصة. وأين مفعول (يؤتون) الثاني؟ مفعولها الثاني محذوف، التقدير: ويؤتون الزكاة أهلها، وإنما جاز حذفه؛ لأنه فضلة، وقد سبق أن جميع المفاعيل الفضلة يجوز حذفها. وقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ سُمِّي هذا المال المؤُدَّى زكاة؛ لأنها تزكو بها أخلاق المزكِّي، ويزكو بها المال أيضًا ويزيد؛ لأن الزكاة في اللغة النماء والزيادة. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ولم يذكر الله عز وجل من الأفعال إلا الصلاة والزكاة، والقَرْن بينهما في القرآن كثير؛ وذلك لأنهما آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، وتركهما جميعًا موجب للكفر، وترك واحدة منهما؛ الصلاة الصحيح أنه يكفر، والزكاة الصحيح أنه لا يكفر، وقد سبق الكلام على هذا. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان ٤] ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، و﴿بِالْآخِرَةِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ﴿يُوقِنُونَ﴾، و﴿هُمْ﴾ الثانية يقول المؤلف: (هم الثاني تأكيد) تأكيد لأيش؟ لـ﴿هُمْ﴾ الأولى تأكيد لفظي ولَّا معنوي؟ لفظي، قال ابن مالك: وَمَــا مِنَ التَّـــــوْكِيدِ لَفْظِيٌّ يَجِي ∗∗∗ مُكَرَّرًا كَقَوْلِكَ: (ادْرُجِيادْرُجِي) قوله: ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾ بالآخرة، المراد بالآخرة يوم القيامة، وسمي آخِرة؛ لأنه آخر ما يكون، فالإنسان له أربع مراحل؛ المرحلة الأولى في بطن أمه، والمرحلة الثانية في الدنيا، والمرحلة الثالثة في البرزخ، والمرحلة الرابعة والأخيرة يوم القيامة. وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ الإيمان بالآخرة ليس معناه أن تؤمن بأن القيامة ستقوم فقط، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: وقد دخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. فيشمل فتنة القبر، وعذاب القبر، ونعيم القبر، والصراط، والحساب، والميزان، والكتب التي تُنشر يوم القيامة، وغير ذلك. قال: ﴿بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٤ - ٥] القرآن الكريم أحيانًا يكرر الآيات بعينها، تكرير الآيات بعينها هذا موجود في القرآن، هذه مكررة في سورة البقرة وإن كان فيها اختلاف يسير في الآية الأولى التي قبلها، أما قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٤ - ٥] هي آية واحدة. قوله: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أتى بـ(على) الدالة على الاستعلاء؛ يعني أنهم على هدى يسيرون عليه وهم به عالون مرتفعون لارتفاع مرتبتهم. وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٥] هذه الجملة جملة اسمية مؤكد خبرها بضمير الفصل وهو قوله: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فإن ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل، وقد سبق لنا أن ضمير الفصل يفيد ثلاث فوائد (...) هذه ثلاث فوائد لضمير الفصل، إذا قلت: زيد القائم، هذه مبتدأ وخبر، لكن يحتمل أن تكون القائم صفة لزيد، وأن الخبر منتظر، زيد القائم فاضلٌ مثلًا. فإذا قلت: زيد هو القائم تعيَّن أن تكون القائم خبرًا، ففصلت الآن بين الصفة والخبر، كذلك إذا قلت: زيدٌ هو القائم فإنه يفيد الحصر، زيد هو يعني لا غيره هو القائم، كذلك إذا قلت: زيد هو القائم أوكد من قولك: زيد القائم، أبلغ في التوكيد. فهنا: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٥] يعني لا غيرهم، والمفلح يقول المؤلف: (هو الفائز) وما معنى الفائز؟ الفائز السعيد، وما معنى السعيد؟ * طالب: الحاصل على خيري الدنيا والآخرة. * الشيخ: يقولون: إن المفلح هو من أدرك المطلوب ونجا من المرهوب، هذا المفلح، من أدرك المطلوب اللي هو يبغي، ونجا من المرهوب، فحصل له ما يريد، وسَلِم مما لا يريد. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان ٥] ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان ٦]. (مِن) للتبعيض ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ إلى آخره (...) * طالب: الراوي غلب (...). * الشيخ: على كل حال (...) ونمشي على الأدلة الواضحة، ونترك هذا المشتبه. * * * قال الله تعالى -بسم الله الرحمن الرحيم-: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في إنزال هذه الحروف الهجائية وهي ﴿الم﴾ وما أشبهها. * ومن فوائدها: أن الله عز وجل يتكلم بحرف، وكذلك بصوت؛ لأن ﴿الم﴾ من كلام الله، وهي حروف، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وقد تقدم لنا البحث فيه مرارًا، وأن أهل السنة والجماعة يقولون: إن كلام الله عز وجل بحرف وصوت. * ومن فوائد الآية الكريمة: علو شأن هذا القرآن؛ لقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن آية وعلامة على مُنْزِلِه؛ لقوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ وسبق لنا أن الإضافة على تقدير (مِنْ) فهي إضافة جنسية، القرآن آية على مُنزِله جل وعلا من أي ناحية؟ من صِدْق أخباره ومطابقتها للواقع، ومن حُسْن قصصه وحبها للنفوس، وعدم مللها منها؛ لأنه ما من كلام يُرد إلا ويمل إلا القرآن. الثالث: من حيث الأحكام حيث إنها أحكام عادلة نافعة للعباد في معاشهم ومعادهم؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن مكتوب كما هو مقروء؛ لقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. * ومن فوائدها: الثناء على القرآن بهذا الوصف العظيم وهو الحكيم. * ومن فوائدها أيضًا: أنه لا يوجد في القرآن خبر سيق عبثًا، ولا حكم أُثبِت عبثًا منين نأخذه؟ من الحكيم؛ لأن العبث يُنافي الحكمة، ولا يمكن أن يكون في القرآن شيء عبثًا لا خبرًا ولا حكمًا. ثم قال تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ وفيها قراءتان كما سبق ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ و﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾. * فمن فوائد الآية الكريمة: الترغيب في هذا القرآن؛ لقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾، وكل أحد منا يطلب الهدى والرحمة، فهو هدى في العلم ورحمة في العمل؛ إذ إن العامل به ينال رحمة الله، والمهتدي به على هُدًى وبصيرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم جمع الخير كله فهو علم نافع، أيش بعد؟ وعمل صالح؛ لأنه علم نافع بقوله: ﴿هُدًى﴾ وعمل صالح بقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ لأن الرحمة لا تُنال إلا بالعمل الصالح. * ومنها: الحث على الإحسان؛ لقوله: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾. * ومنها: أن الإحسان سبب لنيل العِلم والعمل الصالح لما جعله ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ لمن؟ ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾. * ومنها: أنه كلما ازداد إحسان العبد ازداد علمه وعمله الصالح؛ لأن الحكم إذا عُلِّق على وصف ازداد بزيادته ونقص بنقصه كما تقدم. * ومن فوائد الآية التي بعدها: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ من فوائدها أن إقامة الصلاة من الإحسان؛ لأن ما بعدها بيان لها: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ﴾. * ومن فوائد الآية: أن الصلاة أحب الأعمال إلى الله؛ لأن الله قدمها على إيتاء الزكاة مع أن إيتاء الزكاة فيه نفع متعد للغير، ولكن الصلاة أحب إلى الله منها وأفضل. * ومنها: الحث على إقامة الصلاة من أين نأخذها؟ من ثناء الله على المقيمين لها، والثناء لا يكون إلا على فعل شيء محبوب مرغوب إلى الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضل إيتاء الزكاة، وأنها تلي الصلاة في الفضيلة؛ لقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. * ومِن فوائد الآية الكريمة: الثناء على مَن أيَقَنَ بِالآخرة؛ لقوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. * ومِن فوائدها: إثباتُ البَعْث ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. ثُم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. * يُستفاد مِن هذه الآية الكريمة: أنَّ المتصفين بما تقدَّم هم الذين على الهُدى، فيتفرع على ذلك * فائدة أخرى: أنَّ مَن خالف فيما تقدم فليس على هُدى، وأنَّه فاته من الهدى بِقدر ما فاته مِن العَمَل واليقين. * ومِن فوائد الآية الكريمة: إظهار فضل الله عزَّ وجلّ على هؤلاء الفُضَلاء؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾. * ومِن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن رُبوبِيَّة الله عز وجل نَوعان: عامة وخاصة، فالعامة لِجميع الخلق: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [مريم ٦٥] والخاصة للمؤمنين. * ومِن فوائد الآية الكريمة: أنَّ بهذه الأعمالِ الفاضلة الجليلة والاعتقاداتِ النافعة يَحصُلُ الفَلاح؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. * ومِن فوائدها: أنَّه لا سبيلَ إلى الفلاح إلا بذلك، وَجهُه؟ الحصر؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (...) ثم ننتقل الآن إلى الدرس الجديد في قوله: (سورة السجدة) سورة السجدة هذه مضافة، الإضافة هنا بيانية، يعني: السورة التي تُذْكَر فيها السجدة، والسجدة ستأتي إن شاء الله تعالى في أثنائها، وهي مكية، ثلاثون آية، وكل سورة مبتدأة بالحروف الهجائية فهي مكية إلا سورتان، ما هما؟ البقرة وآل عمران فإنهما مدنيتان، وإلا فكل سورة ابتُدِئَت بالحروف الهجائية فهي مكية. * طالب: تسميتها سجدة هذا (...). * الشيخ: إلا، كان النبي يقرأ في فجر يوم الجمعة (الم تنزيل) السجدة. * طالب: فيها (...) يعني دليل أنها (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: هذا (...) أنه مختلف يسجد فيها أو.. هي نفس السورة هذه (...). * الشيخ: قال: (﴿الم﴾ الله أعلم بمراده به)، وسبق لنا أن العلماء انقسموا في ذلك ثلاثة أقسام؛ قسم ادَّعى أن لهذه الحروف معانِيَ، وأنها رموز لتلك المعاني، وهذا قول لا دليل عليه، وهو ضعيف، بل باطل، والقول الثاني: أن لها معاني لكن الله أعلم بها، فتكون من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، والقسم الثالث: يقولون: إنه ليس لها معاني أصلًا؛ لأن القرآن نزل باللسان العربي، واللسان العربي لا يكون لهذه الحروف معاني أبدًا، وهذا قول مجاهد وهو الصحيح، أنه لا معاني لها. فإن قال قائل: كيف تجزمون بأنه لا معاني لها والنفي يحتاج إلى حجة؟ قلنا: نجزم بذلك لأن القرآن نزل بلسان عربي مُبِين. 3470

لقمان 31:7

3470

لقمان 31:8

3470

لقمان 31:9

3470

لقمان 31:10

3470

لقمان 31:11

قال: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان ١١] المشار إليه ما سبق؛ وهي خلق السماوات بغير عمد، وإلقاء الرواسي في الأرض، وبث الدابة. ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة ١٦٤]، واستنزال الماء من السماء، والإنبات فيها من كل زوج كريم، هذه خمسة أشياء مُشاهَدة محسوسة؛ ولهذا أشار إليها بالإشارة الحسية فقال: (﴿﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ ﴾ أي مخلوقه) فهو من باب إطلاق المصدر، وإرادة اسم المفعول، وليس المراد به خلق الله الذي هو فعله؛ فإن فعله لا يُشاهَد، وأن المشاهد مفعوله. (﴿﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ ﴾ أي مخلوقه. ﴿﴿فَأَرُونِي﴾ ﴾ قال: أخبروني يا أهل مكة ﴿﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ﴾) قوله: ﴿فَأَرُونِي﴾ فسر الرؤية هنا بالإخبار، الإراءة بالإخبار، ولكن الأولى إبقاؤها على ظاهرها أن المراد بالإراءة يعني: أبصروني، أروني شيئًا خلقه أحد سوى الله عز وجل. وقوله: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان ١١] أبلغ من تفسير المؤلف بقوله: (أخبروني)؛ لأن التحدي فيها ظاهر؛ إذ من الممكن أن يخبروه بأمر وهم كاذبون، فيقولون: نعم، إن في كذا وكذا، خلقه كذا وكذا. لكن إذا قال: أروني. بالتحدي بما يُرى فحينئذٍ يُبهتون. وقوله: (أروني) قال: (يا أهل مكة) بناءً على أن كل خطاب في سورة مكية يتعلق بالكفار فالمراد به أهل مكة، والصواب أنه عام حتى يمكن الآن أن نقول بهذا التحدي في عصرنا الحاضر، والأمر هنا في قوله: (أروني) الأمر لماذا؟ لأي شيء؟ للتعجيز والتهديد. (﴿﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ﴾ [لقمان: ١١] غيره، أي: آلهتكم حتى أشركتموها به تعالى) يعني أروني ماذا خلقوا، فإذا أريتموني أنها خلقت شيئًا فإنه قد يكون عذرًا لكم في تشريكها مع الله تعالى في العبادة، أما والأمر ليس كذلك، ولا يمكن أن يوجد خالق سوى الرب عز وجل فإنه لا يجوز أن يُعبد معه غيره؛ لأنه إذا أقررتم بأنه لا خالق إلا الله يجب أن تقروا بأنه لا معبود إلا الله، وأنه كما أقررتم بالربوبية يجب أن تقروا بالألوهية. وقوله: ﴿مَاذَا خَلَقَ﴾ يقول: ((ما) استفهام إنكار مبتدأ، و(ذا) بمعنى (الذي) بصلته خبره، و(أروني) مُعلَّق عن العمل، وما بعده سد مسد المفعولين). قوله: ﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أعربها المؤلف إعرابًا صحيحًا (ماذا خلق) يقول: (ما) اسم استفهام، و(ذا) اسم موصول مبني على السكون في محل رفع، و(خلق) فعل ماضٍ، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف، والتقدير: ماذا خَلَقَهُ الذين من دونه، والجملة ﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ جملة الاستفهام مُعلَّقة عن العمل، عن عمل أيش؟ (أروني). وقوله: (وما بعده سد مسد المفعولين) هذا إذا قلنا: إن الرؤية بمعنى العلم، أما إذا قلنا: إن الرؤية بمعنى رؤية البصر فإن ما بعده سد مسد مفعول واحد فقط، هذا الإعراب الذي ذكره المؤلف هل في كلام ابن مالك ما يدل عليه في الألفية؟ ما هو؟ * طالب: (...). * الشيخ: أعربها على أنها غير ملغاة، وهل يجوز إلغاؤها؟ الجواب: نعم، يجوز، بل قد يقال: إن إلغاءها أولى؛ لأنك إذا ألغيتها جعلت ﴿مَاذَا﴾ مفعولًا مقدمًا لـ﴿خَلَقَ﴾، وحينئذٍ يكون ما نحتاج إلى هذا، والأصل عدم الحذف، وقد سبق لكم أن إلغاءها له وجهان: إما أن تقول (ما) اسم استفهام، و(ذا) زائدة، أو تقول: ﴿مَاذَا﴾ جميعًا اسم استفهام. وقوله تعالى: ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان ١١] أي من سوى الله عز وجل، وهذا التحدي، وكل تحدٍّ في القرآن لا يمكن أن يكون موجودًا؛ لأنه لو كان الشيء ممكنًا لكان التحدي لغوًا لا فائدة فيه. قال الله عز وجل: ﴿بَلِ﴾ قال المؤلف: (للانتقال ﴿﴿الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ﴾ [لقمان: ١١] بَيِّن بإشراكهم وأنتم منهم) يعني معناه الأمر واضح، وأنه لا خالق إلا الله، وأنه لا يمكن أن يوجد أحد يخلق، ولكن استمرار المشركين في شركهم يعتبر ظلمًا وضلالًا مبينًا؛ ولهذا قال: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ﴾ أي المشركون الذين أشركوا مع الله في العبادة مع أنهم مؤمنون بأنه لا شريك له في الخلق ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان ١١] قال المؤلف: (بَيِّن). وكلمة ﴿مُبِينٍ﴾ تأتي بمعنى (بَيِّن) أي ظاهر، وبمعنى مُظْهِر؛ لأنها مشتقة من (أبان) الرباعي، و(أبان) الرباعي يأتي متعديًا، ويأتي لازمًا، فيأتي (أبان) بمعنى (بان)، أي ظهر، وحينئذٍ يكون لازمًا، ويأتي بمعنى (أظهر)، أبان الشيء أظهره، وحينئذٍ يكون متعديًا، في هذه الآية: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان ١١] من اللازم ولَّا من المتعدي؟ من اللازم. ولهذا فسَّرها بقوله: (بَيِّن) نريد مثالًا لها من المتعدي؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...) المتعدي. * الطالب: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة ٧٧]: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف ١] يجوز الأمران البَيِّن في نفسه، المبين للحق. * الشيخ: إي نعم، ومثله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥] أي مُظْهر، فالحاصل أن ﴿مُبِينٍ﴾ لا تظنوا أنها دائمًا متعدية، قد تكون لازمة بمعنى (بين)، وقد تكون متعدية بمعنى مُظهِر. ثم قال تعالى: (﴿﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ ﴾ [لقمان: ١٢] منها العلم والدِّيانة والإصابة في القول، وحِكَمُه كثيرة مأثورة). ﴿﴿وَلَقَدْ﴾ ﴾ الجملة هذه مؤكدة بثلاثة مؤكدات، هي؟ * طالب: اللام، وقد، والقسم. * الشيخ: نعم، اللام، وقد، والقسم. وقوله: ﴿آتَيْنَا﴾ أي أعطينا، وهذا الإعطاء إعطاء كوني آتاه الله تعالى الشيء إيتاءً كونيًّا. وقوله: ﴿لُقْمَانَ﴾ هو اسم رجل، وأكثر أهل العلم على أنه رجل أعطاه الله تعالى حِكمة ودراية في الأمور، وليس نبيًّا، قال ابن كثير: إنه أكثر الناس على أنه ليس بنبي، ويُرْوى عن عكرمة -إن صح عنه- هكذا قال: إنه نبي[[ذكره ابن كثير (٦ / ٣٣٤).]]، ولكن الصحيح أنه ليس بنبي، وإنما هو رجل حكيم ذو أمر رشيد، أعطاه الله تعالى هذه الحكمة كما قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة ٢٦٩]. * طالب: شيخ، (...) بعضهم يقول: لقمان الحكيم هو هذا ولَّا غيره؟ * الشيخ: لا، هذا هو. * الطالب: كيف يكون يعني إخبار عن الرسول ولَّا إسرائيليات؟ * الشيخ: ويش هو؟ * الطالب: (...) لقمان الحكيم، قال لقمان الحكيم (...)؟ * الشيخ: هذا مما يؤثر عن حكمته (...) صحيح ولَّا لا؟ قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان ١٢] ما هي الحكمة؟ الحكمة في الأصل هي موافقة الصواب، وبمعنى هذا قولهم: إنها وضْع الأشياء في مواضعها، فصاحب الرأي الرشيد والتصرف السديد هذا يعتبر حكيمًا؛ لأنه يضع الأشياء في مواضعها كذا؟! ويش اللي ذكرنا في الحكمة؟ تفسيرها؟ * طالب: (...) الأشياء في مواضعها. * الشيخ: هذه واحد، والثاني؟ * الطالب: (...) الحكيم (...). * الشيخ: لا، نريد الحكمة فقط، ما نريد الحكيم، الحكمة ما هي؟ قيل: إنها وضع الأشياء في مواضعها، هذا واحد، وقيل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما ذهبت يمينًا أو شمالًا؟ قيل: إنها موافقة الصواب، وهما بمعنى واحد؛ لأن موافقة الصواب هو وضع الشيء في مواضعه، طيب يقول: منها العلم. * الطالب: تعتبر مضمونها ولا تفسير يا شيخ؟ * الشيخ: لا، هذا معناها، منها العلم والديانة، العلم حكمة ولَّا لا؟ أو تنال به الحكمة؟ تُنال به الحكمة. والثاني: الديانة نعم حكمة. والثالث: الإصابة في القول، وهذا أيضًا حكمة. وكذلك الإصابة في الفعل حكمة. قال: (وحكمه كثيرة مأثورة كان يُفتي قبل بعثة داود، وأدرك بعثته، وأخذ عنه العلم، وترك الفتيا وقال في ذلك: ألا أكتفي إذا كُفيت. وقيل له: أي الناس شر؟ قال: الذي لا يُبالي إن رآه الناس مسيئًا) (...) قال: كفيت. هذه من الحكمة أن الإنسان إذا كُفي يكتفي؛ لأنه إذا كفي، ثم عمل بما كفي فيه لم يكن منه إلا إضاعة الوقت والتعب. وأما (أي الناس شر؟ فقال: الذي لا يبالي إن رآه الناس مسيئًا) هذا قد يُنازع فيه؛ لأن هذا الذي لا يُبالي إن رآه الناس مسيئًا يُعتبر فاقد الحياء فقط، ولا يعتبر شر الناس، شر الناس -في الواقع- هو الذي يُشرك بالله عز وجل، هذا شر الناس؛ لأن هذا أظلم الناس؛ فيكون شر الناس. ثم إن هذه المقولة اللي ذكرها المؤلف أو هاتين الجملتين قد تكون صحيحة إلى لقمان، وقد تكون غير صحيحة، يعني ما يجزم؛ لأنه ما هناك سند صحيح إلى لقمان متصل، ولم يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك عنه، ومثل جميع الأخبار السابقة إذا لم تكن عن طريق الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه يُنظر فيها؛ لأنها تأتينا بغير إسناد، تُؤخذ عن أهل الكتاب، وأهل الكتاب غير مأمونين. * الطالب: ما يؤخذ منها حكمة يا شيخ؟ * طالب: ثم ترك الفتيا (...) داود على قول المؤلف (...). * الشيخ: وقال: (...) نعم، في كل شيء يُفتى به المرء ما له داعي يتعلق منه. * طالب: (...). * الشيخ: والله ما أعرف هذا ابن كثير ما ذكر هذا الأثر. * الطالب: يا شيخ، قوله: حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج (...). * الشيخ: يمكن أن (...) عنه، ويمكن أن (...)؛ لأن بني إسرائيل عندهم كتاب وأثارة من علم، وإلا غيرهم قد لا يكون لهم شيء، ولكن كل الأحاديث عمن سبق لا تخلو من ثلاث أحوال كما هو معروف، إما أن توافق الشرع أو تخالفه، أو لا يكون فيها موافقة ولا مخالفة فما وافق الشرع فهو مقبول، وما خالفه فهو مردود، وما لم يكن فيه مخالفة ولا موافقة فإنه لا يُصدَّق ولا يُكذَّب. يقول: (﴿﴿أَنِ﴾ ﴾ أي: وقلنا له: ﴿﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ ﴾ [لقمان: ١٢] على ما أعطاك من الحكمة). قوله: (﴿﴿آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ ﴾ [لقمان: ١٢]). ثم قال: (﴿﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ ﴾). لو أن أحدًا قال: إن قوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ تفسير للحكمة؛ يعني ﴿أَنِ﴾ هنا تفسير للحكمة، لم يكن بعيدًا، أما المؤلف فيرى أنها مفعول لقول محذوف تقديره: وقلنا له: أن اشكر لله، يعني على ما آتاك من الحكمة، أما على الاحتمال الأول الذي هو ظاهر القرآن ولا يحتاج إلى تقدير فالأمر ظاهر أن شكر نعمة الله من الحكمة بل هو رأس الحكمة. وقوله: ﴿﴿اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ ﴾ اللام هنا للاختصاص والاستحقاق؛ لأنه لا يختص بالشكر المطلق، ولا يستحق الشكر المطلق إلا الله سبحانه وتعالى، والشكر هو القيام بطاعة المنعِم اعترافًا بالقلب، وثناءً باللسان، وطاعة بالأركان، فمتعلق الشكر ثلاثة: اللسان، والقلب، والجوارح، وسببه واحد وهو النعمة؛ ولهذا كان بينه وبين الحمد عموم وخصوص، فمن جهة السبب الحمد أعم، ومن جهة المتعلَّق الشكر أعم، كيف ذلك؟ الحمد سببه أمران: كمال المحمود، وإنعام المحمود؛ ولهذا تحمد الله عز وجل على كماله، وتحمده على إنعامه، ولكن الحمد يختص بماذا؟ من حيث المتعلق؟ يختص باللسان فقط، أما الشكر فإنه من حيث السبب أخص؛ لأنه لا يكون إلا في مقابلة نعمة لكن من حيث المتعلَّق أعم، يكون بالقلب، واللسان، والجوارح، وعليه قول الشاعر: أَفَادَتْكُمُ النَّعْـمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا وقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان ١٢]. قلنا: إن اللام هنا للاختصاص، ويش بعد؟ والاستحقاق فيجب على العبد أن يُخلص الشكر له، وأن يعتقد بقلبه أنه لا يستحق الشكر المطلق إلا الله. قال: (﴿﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ ﴾ [لقمان: ١٢]؛ لأن ثواب شكره له. ﴿﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ ﴾ النعمة ﴿﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ ﴾ عن خلقه، ﴿﴿حَمِيدٌ﴾ ﴾ محمود في صنعه). ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ﴾ الجملة هذه شرطية فعل الشرط فيها مجزوم بـ(من)، و(﴿﴿وَمَنْ يَشْكُرْ﴾ ﴾. وجواب الشرط جملة قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾، و(إنما) أداة حصر، و﴿يَشْكُرُ﴾ فعل مضارع، ولكن هل يُقال: إن ﴿يَشْكُرُ﴾ هو الجواب أو الجملة؟ الجملة. وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ كيف قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؟ قد (...) أن المتوقع أن يقول: (ومن يشكر فإنما يشكر لله)، ولكن نقول مثلما قال المؤلف: إن معنى قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: أنه يعود ثواب الشكر إليه فهو لمصلحته، وليس الشكر يعود إلى الله عز وجل فينتفع به؛ لأنه سبحانه وتعالى لا ينتفع بالطاعة، ولا يتضرر بالمعصية، وإنما يعود إليك أنت نفسك. ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ وهو ضد الشكر ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ غني عنه، إذا كفر نعمة الله. ﴿حَمِيدٌ﴾ فعيل بمعنى مفعول، ويجوز أن يكون ﴿حَمِيدٌ﴾ بمعنى فاعل (حامد)، فهو سبحانه وتعالى محمود وحامد؛ لأنه سبحانه وتعالى يصف من يستحق الصفات الكاملة بما يستحقون؛ ولهذا أثنى على أنبيائه وعلى أوليائه، وهذا حمْد لهم، وهو أيضًا محمود من عباده فهو (فعيل) بمعنى (فاعل)، وبمعنى (مفعول)، وجه ارتباط الجملة جملة الجواب الشرط: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان ١٢]، وجه ارتباطها بالشرط ظاهر؛ يعني من كفر فإنه لن يضر الله، ولن ينقص من ملكه؛ لأنه غني، وكذلك لم يكن في ذلك قصور من حكمته؛ لأنه جل وعلا حميد، فإيجاد الشاكرين مما يُحمد الله عليه، وإيجاد الكافرين مما يُحمد الله عليه، ولولا هذا ما عُرف قدر الشكر، ولا عُرف أيضًا مضرة الكفر، لولا هذا لكان الناس على حد سواء لا يتميز فيهم الطيب من الخبيث. ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ الغني من أسماء الله، والحميد من أسمائه أيضًا. قال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان ١٤] واذكر إذ قال. * طالب: (...). * الشيخ: لا، من كفر عام، لكن لما كان في سياق الحكمة التي أوتيها لقمان على تفسير المؤلف جعلها خاصة بالمال يقول: واذكر ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ﴾ [لقمان ١٣]. * الطالب: يقول: محمود في صنعه بس. * الشيخ: إي نعم، هذا قصور ﴿حَمِيدٌ﴾ يقول المؤلف: إنها (محمود في صنعه) والصواب أنه محمود في صنعه وشرعه، وفي جميع صفاته، فهو محمود على صفاته الكاملة، وعلى أفعاله وعلى شرعه. قال: (واذكر ﴿﴿إِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ﴾ ﴾ [لقمان: ١٣] تصغير إشفاق ﴿﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ﴾ ﴾ بالله ﴿﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ﴾ فرجع إليه وأسلم). قوله: (واذكر إذ قال) أفادنا المؤلف أن (إذ) مفعول لفعل محذوف، أو ظرف متعلق بفعل محذوف، يعني اذكر هذا الوقت الذي قال فيه لقمان لابنه إلى آخره. وقوله: ﴿إِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ﴾ جملة ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ حالية، حال من فاعل ﴿قَالَ﴾، وهو لقمان، يعني والحال أنه يعظ فيه ابنه، والموعظة هي التذكير المقرون بالتخويف أو الترغيب، قال له: ﴿يَا بُنَيَّ﴾ قال المؤلف: إنه هو (تصغير إشفاق) وهو كذلك، وليس تصغير احتقار؛ لأن المقام لا يقتضيه، ولكنه تصغير إشفاق عليه. ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ هذا مقول القول في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ﴾، ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أي لا تجعل معه شريكًا في ماذا؟ في العبادة، وفي الخلق والتقدير، وفي أسمائه وصفاته؛ لأن التوحيد -كما هو معروف عند أهل العلم- ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، فالشرك بالله أن يُشرك بالله تعالى في أحد هذه الأقسام، فمن اعتقد أن مع الله خالقًا فهو مشرك في الربوبية، ومن اعتقد أن مع الله من يستحق أن يُعبد فهو شرك ألوهية، ومن اعتقد أن لله مماثلًا في أسمائه وصفاته فهو من باب الشرك في الأسماء والصفات. قال: (﴿﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ﴾ ﴾ [لقمان: ١٣] بالله ﴿﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ﴾) أكد لقمان كون الشرك ظلمًا بمؤكدين وهما ﴿إِنَّ﴾ واللام. وقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ الجملة تعليل لما قبلها؛ وهو قوله: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ فجمع له لقمان بين الحكم والحِكمة، نهاه عن الشرك وبَيَّن أنه ظلم عظيم، والظلم في الأصل النقص ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي لم تنقص، وأما في الشرع فإن الظلم هو نقْص كل ذي حق حقه، وعلى هذا فالشرك نقص في حق الله عز وجل. وقوله: ﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ هذا من باب تعظيم الشرك والحذَر منه، ولا يوجد أعظم ظلمًا من الشرك؛ لأنه مهما كان فإن ظلم الشرك أعظم من كل شيء؛ فالذي خلقك أوجدك من العدم، والذي أمدَّك بما تقوم به حياتك هو الله عز وجل، والذي أعدَّك وجعلك مستعدًّا لما تنتفع به هو الله فهو الْموجِد الْمُعِد الْمُمِد، إذا كان كذلك فهل يوجد أحد أعظم حقًّا عليك من الله؟ لا يوجد، فإذا نقصت الله حقه كان ذلك أعظم الظلم؛ ولهذا من كان إليك أكثر إحسانًا فإن إساءتك إليه تكون أعظم من غيره، الذي يحسن إليك ويعطيك ويربيك، ثم تسيء إليه أعظم مما لو أسأت إلى أحد لم يكن منه ذلك. (﴿﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ﴾ فرجع إليه وأسلم) من اللي رجع؟ الابن، وعلى كل حال ما نعرف عاد هل إن هذه المسألة كما قال المؤلف أن الابن كان مشركًا، فلما وعظه أبوه رجع فأسلم، أو أنه -أي الابن- خاف عليه أبوه من الشرك فنهاه عنه، وبيَّن له أن الشرك لظلم عظيم، ولا يلزم من النهي عن الشرك أن يكون الإنسان قد أشرك؛ لأنه قد يُنهى عن الشيء خوفًا من وقوعه، لا رفعًا لما وقع منه، وهذا أمر موجود مطرد في القرآن، وفي السنة، وفي كلام الناس، تقول للرجل مثلًا: لا تصاحِب الأشرار، هل يلزم من هذا النهي أن يكون مصاحبًا لهم؟ ما يلزم، قد يكون نهيًا لما يُخاف أن يحصل منه، فكلمة ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ ليست صريحة في أن الابن قد وقع في الشرك حتى يقال: إنه رجع وأسلم، بل قد يكون أبوه نهاه عن الشرك خوفًا من أن يقع فيه، والعِلم عند الله. ثم قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان ١٤] هذه الجملة ليست من كلام لقمان، بل هي من كلام الله عز وجل، فهي معترضة بين كلام لقمان الأول، (...) عز وجل دائمًا يقرن حق الوالدين بحقه ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء ٢٣]، ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام ١٥١]. (﴿﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ ﴾ [لقمان: ١٤] أمرناه أن يبرهما) أمرناه، ففسر المؤلف الوصية بالأمر، ولكنها أخص من الأمر المطلق، الوصية عهد بما ينبغي الاعتناء به ليست مجرد أمر بل هي عهد بما ينبغي الاعتناء به، (...) في الغذاء؛ ولهذا تحتاج المرأة الحامل إلى غذاء أكثر، ومن ثم أباح الشرع لها أن تفطر في رمضان؛ من أجل ألا ينقص الغذاء عليها فتتعب هي ويتضرر الجنين، وهذه من حكمة الله عز وجل، كذلك أيضًا يلحقها وهن عند الطلق، أو لا؟ الطلق يُؤلِم ويُوجِع، ليس بالأمر الهيِّن؛ لأن الطلق -بإذن الله- يأتي من أجل أن ينقلب الجنين حتى يستعد للخروج، الجنين الآن في بطن أمه؛ وضعه أن رأسه إلى جهة رأس الأم ووجهه إلى جهة ظهر الأم، وظهره إلى جهة بطنها، فهو معاكس لأمه في الاستقبال، وهذه من الحكمة؛ لأنه إذا كان وجهه إلى الظهر صار الظهر حاميًا له؛ لأنه عظام يحمي وجه الجنين، لو كان وجه الجنين إلى وجه أمه كان ما هناك شيء يحميه، وكان أدنى -مثلًا- ضربة أو شيء تصيب وجهه، لكن من حكمة الله عز وجل أنه جعله هكذا، ولذلك قال العلماء: لو ماتت امرأة كافرة كتابية حامل بولد من مسلم، كيف تُدفن؟ * طالب: يجعل ظهرها إلى القبلة. * الشيخ: تدفن على جنبها الأيمن وظهرها إلى القبلة. * الطالب: الأيمن ولَّا الأيسر؟ ما يصير على الأيسر؟ * الشيخ: لا، الأيمن، مو بالأيمن؟ * الطالب: يصير الأيسر؟ * طالب آخر: (...). * الشيخ: إي نعم، على جنبها الأيسر، إن أمكن أن تُدْفن وحدها، لا في مقابر المسلمين ولا في مقابر الكفار فهو أولى، فإن تعذر فإنها تُدفن في مقابر المسلمين على جنبها الأيسر ليكون الولد على الجنب الأيمن مستقبل القبلة. طيب الطلق يحصل عند انقلاب هذا الولد، هذا الولد سينقلب عند الوضع لأجل أن يكون رأسه هو الأسبق حتى يخرج، أول ما يخرج من الجنين هو الرأس، تتألم من هذا الطلق بلا شك، ثم عند الولادة أيضًا تتألم ولَّا لا؟ نعم، تتألم ويلحقها ضعف، وربما يلحقها إغماء وتعب، وربما تموت، فالله تعالى يُذكِّر الإنسان حال الأم في هذه الأحوال التي كلها أحوال ضعْف على ضعْف. * طالب: بعضهم يقول: ينقلب في الشهر السابع.. * الشيخ: لا، المعروف أنه ينقلب عند الولادة وأن هذا الطلق منه. قال: (﴿﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ ﴾ [لقمان: ١٤] أي ضعفت للحمل، وضعفت للطلق، وضعفت للولادة. ﴿﴿وَفِصَالُهُ﴾ ﴾ [لقمان: ١٤] أي فطامه ﴿﴿فِي عَامَيْنِ﴾ ﴾) ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْن﴾ يقول المؤلف: (فطامه) لكن مضافًا إليها مدة الحمل أو لا؟ مضافًا إليها مدة الحمل ولا مخرج منها مدة الحمل؟ * الطالب: مخرج. * الشيخ: مخرج منها مدة الحمل؛ لأن الله قال في آية أخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف ١٥]، فإذا أسقطنا أقل مدة الحمل ستة أشهر بقي أربعة وعشرون شهرًا وهي عامان. * طالب: ﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ المراد بـ على (...). * الشيخ: الاستعلاء يعني: وهنًا مضافًا على وهن، مثلما تقول مثلًا: وضعت كيسًا على كيس ولبنةً على لبنة وما أشبه ذلك. * الطالب: والوهن (...) وهن قديم، ولا وهن حديث (...) بسبب الحمل ضعف.. * الشيخ: كله بسبب الحمل، قال: بس ها ذاك عند نشئه، والثاني عند الطلق، والثالث عند الولادة. ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْن﴾ [لقمان ١٤] (وقلنا له: ﴿﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ ﴾ [لقمان: ١٤]) (فصاله في عامين) يعني أنه لا ينفصل من أمه إلا بعد عامين فيضاف إلى الحمل مدة الفصال، مدة الفصال فيها تعب ولَّا لا ؟ فيها تعب لا شك، تُرضِعه، وتسهر لسهره، ويتألم قلبها لألمه، وتُصلح شأنه من تنظيفه، وتنظيف ثيابه، وحمله عند البكاء وغير ذلك، إذن فهي في تعب من حين يُحمل إلى أن يُفصل بعد ولادته في عامين، ولم يذكر الله سبحانه وتعالى في حق الأب شيئًا فما تقولون؟ ليبين. لأن الأب في الغالب يُتَّقى ويخشى، فلا حاجة إلى أن يُبيَّن ما يناله من ابنه حتى يكون حافزًا للابن على القيام بحقه، لكن الأم لما كانت ضعيفة وربما يتهاون الإنسان بحقها ذكر الله سبحانه وتعالى من أحوالها ما يكون سببًا لقيام الابن بواجبه، وهذا ترونه كثيرًا في القرآن، الشيء الذي يُخشى فيه التهاون يؤكد، مثال ذلك الوصية والدين في التركة أيهما يُقدَّم؟ يُقدَّم الدَّيْن على الوصية بالإجماع، ومع ذلك ذكر الله تعالى الوصية في آيات المواريث قبل الدَّيْن، قدَّمها في الذكر على الدَّيْن، لماذا؟ لأن الوصية حق قد يتهاون به الورثة، والدين لو تهاون به الورثة فوراءه. * طالب: من يُطالب به. * الشيخ: من يطالب به، صاحبه، فالله عز وجل قد يدعم الأشياء التي يخشى فيها التهاون بأوصاف تحمل على القيام بما ينبغي أن يقوم به، فهنا لما كانت الأم ضعيفة، وكان الإنسان قد يَعتدي عليها وعلى حقها أكثر ذكر الله تعالى من أسباب بِرِّها الموجِبة ما لم يذكره في حق الأب، وأظننا كلنا نعلم أن الابن دائمًا يعتدي على أمه بالسب والشتم، وربما بالضرب، لكن على أبيه ما يستطيع، ولا يعتدي عليه كمثل اعتدائه على أمه، وإذا لم يقم بحقه فإن أباه يفرض ذلك عليه، فلهذا ذكر الله تعالى هذه الصفات في الأم؛ ليكون حثًّا لنا على القيام بحقها (...). * * * ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [لقمان ١٠]. * يستفاد منها: إثبات خلق الله للسماوات، ويتفرع على هذه الفائدة إبطال قول الفلاسفة بقِدم الأفلاك، الفلاسفة يقولون: إن الأفلاك قديمة، وأنها لا تتغير؛ لأن القديم عندهم الذي لا ابتداء له، وما لا ابتداء له لا انتهاء له، فيكون في هذا إبطال لقول الفلاسفة: إن الأفلاك قديمة، وأنها لا تتغير، ومن ثم أنكروا إنكارًا شديدًا انشقاق القمر، وقالوا: القمر ما يمكن ينشق؛ لأنه من الأفلاك، وإنما معنى قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١] أي بان صدق الرسالة، وأنكروا الأحاديث الواردة في ذلك والتي تلقتها الأمة بالقبول. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل في خلق هذه السماوات العظيمة ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات ٤٧]. * ويستفاد منها: بيان القدرة من وجه آخر، وهي أن هذه السماوات العظيمة والسقف الواسع بغير عمد؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [لقمان ١٠]، وأظننا لو رأينا بناءً واسعًا ما فيه أعمدة لكنا نتعجب من هذا البناء كيف هذا البناء الواسع ما فيه عمد مع أن بناء السماء أوسع وأعظم ومع ذلك بغير عمد؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِي﴾ بيان حكمة الله ورحمته في إلقاء الرواسي، كذا؟ و(رحمته) لئلا تميد بالخلق. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الأرض تدور. * طالب: لا. * الشيخ: طيب، نشوف الآن نحط المعدن على النار ونصهره ونشوف الزيف من الحقيقي. * يستفاد من الآية: أن الأرض تدور، كيف ذلك؟ يقولون: لأن قوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان ١٠] يدل على وجود أصل الحركة؛ لأن نفي الأخص يدل على وجود الأعم، ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام ١٠٣] حيث كان دليلًا على وجود أصل الرؤية أو لا؟ قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام ١٠٣] مو هو دليل على أن الرؤية موجودة؟ ولهذا الآية استدل بها أهل السنة على إثبات رؤية الله، وأهل البدعة على نفي رؤية الله، ولكن الصواب مع أهل السنة؛ لأن نفي الأخص يقتضي وجود الأعم؛ إذ ليس من المعقول أن يُنفى الأخص مع انتفاء الأعم، ثم لا يتطرق له، لو كان الأعم منتفيًا لوجب أن يُنفى الأعم لأجل يدخل فيه الأخص، لو كان الله لا يُرى لقال عز وجل: لا تراه الأبصار. حتى تنتفي الرؤية، وينتفي الإدراك من باب أولى، أليس كذلك؟ فلما قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ عُلِم أن أصل الرؤية موجود لكنه لا يُدرك سبحانه وتعالى. هنا لما قال: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ -والْمَيدان الاضطراب- عُلِم أن أصل الحركة موجودة، لكن هذه الرواسي لأجل اتزان الحركة حتى لا تضطرب، هذا هو تقدير من يرى أن في الآية دليلًا على أن الأرض تدور، أما الذين يقولون: فيه دليل على أن الأرض لا تدور فيقولون: إننا لا نُسلِّم أن الْمَيَدَان بمعنى الاضطراب بل نقول: إن الميَدَان هو الحركة ﴿أَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ [لقمان ١٠] أن ترسو ولا تتحرك، فيفسرون الميدان بأصل أو بمطلق الحركة، وإذا كان الأمر كذلك فإن الواجب أن نرجع إلى اللغة العربية، فإذا كانت اللغة العربية تدل على أن الميدان هو الاضطراب، فنحن نقول: إن فيها دليلًا على وجود أصل الحركة، وإذا كانت اللغة العربية تقول: إن الميدان هي الحركة فإننا نقول: فيه دليل على أنها لا تدور. ونحن إذا قلنا: إنها تدور، لا ينقص الله شيئًا، بل هو في الواقع زيادة في قدرته سبحانه وتعالى حيث تدور هذه الأرض بجميع ما فيها من بحار وأنهار وأشجار ومدر وحجر، وكل شيء، تدور ومع ذلك بهذا الاتزان البديع الذي لا يتغير، هذا دليل على قدرة الله عز وجل، كما أن سكونها وهي على الماء دليل على قدرة الله سبحانه وتعالى، لكن الشيء الذي يجب أن يُنكر حتى يتبين لنا كالشمس هو القول بأن اختلاف الليل والنهار بسبب دوران الأرض، هذا لا نُسلِّم به، بل نقول: إن الليل والنهار بسبب دوران الشمس على الأرض؛ لأن هذا هو ظاهر القرآن، ولا يمكن أن نتزحزح عنه إلا بدليل نشوفه مثل الشمس، فإن الله عز وجل أثبت الفعل للشمس: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف ١٧] ولم يقل: إذا طلع الكهف عليها يتزاور، وأثبت ﴿تَزَاوَرُ﴾، ولو كانت الحركة للأرض لكانت الأرض هي التي تزاور. ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ﴾ [الكهف ١٧] هذا الفعل الثالث، ولو كان الأرض هي اللي تدور التي يكون بدورانها اختلاف الليل والنهار لقال: وإذا غربت الأرض، أو خفي جزء الأرض، أو ما أشبه ذلك. و(تقرضهم) نفس الشيء فعل، والنبي عليه الصلاة والسلام أخبر لما قال لأبي ذر: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٩)، ومسلم (١٥٩ / ٢٥٠) من حديث أبي ذر.]]. لما غربت الشمس. فأخبر أنها تذهب هي بنفسها، فالصواب -بلا شك- هو هذا إلا إذا ظهر لنا دليل مثل الشمس فإنه يمكن أن تؤول هذه الآيات إلى أن المعنى غربت وطلعت باعتبار رؤية الرائي، وإن كان الرائي هو اللي طالع، أنت تسير في سيارة، وفي سيرك طلع عليك مثلًا ناقة تقول: طلعت عليَّ ولَّا لا؟ بينما أسير إذ طلع عليَّ ناقة ما هي (...)، تقول: طلعت عليَّ مع أنك أنت اللي طلع عليها، هذا ممكن لغةً، لكن ما دمنا لم نتيقن هذا الأمر، وإنما هي نظريات من قوم لا يؤمنون بالقرآن ولا بالشرائع، فإننا لا نقبل ذلك منهم بل نأخذ بظاهر كلام الله عز وجل. فإن قال قائل: إن قولكم هذا يناقض قولكم بإمكان دوران الأرض؟ لأنه إذا أمكن دوران الأرض لزم أن يكون تعاقب الليل والنهار بسبب دورانها. فنقول: إن هذا لا يلزمنا؛ لأنه من الممكن أن يدور هذا وهذا، وتكون حركة الشمس ودورانها أسرع، وإذا كان أسرع لزم من ذلك أن تطوف بالأرض ولو مع دوران الأرض؛ يعني ممكن تكون الأرض تدور قليلًا، وهذه تكون أكثر فيمكنها أن تلف على الأرض. فالحاصل أن هذه المسائل لا شك أن الواجب على المؤمن أن يأخذ بظاهر القرآن والسنة، هذا الواجب، في الأمور الغيبية، وفي الأمور التي لا يمكنه إدراكها حسًّا، ثم إذا تبين له بعد ذلك بالحس أن ظاهر القرآن غير مراد فإننا يجوز لنا، بل يجب علينا أن نؤول ظاهر القرآن، لماذا؟ لأنه لا يمكن أن يتعارض القرآن مع الواقع، مستحيل هذا، ولو أننا جوَّزنا ذلك عقلًا للزم أن يكون في القرآن ما هو كذب؛ لأن الكذب هو خلاف الواقع، وهذا أمر مستحيل. ولذلك يجب علينا -يا إخواننا- أمام هذه النظريات أن نجعلها كأحاديث بني إسرائيل ما وافق القرآن فهو حق وأخذنا به، ولكننا لا نأخذ به على أنه هو الذي أثبته بل على أن القرآن هو الذي أثبته، وإنما نقول ذلك لئلا يكون لهم الفضل علينا. ثانيًا: ما خالف القرآن وجب علينا رده. الثالث: ما لا نعلم موافقته للقرآن ولا مخالفته، فهذا العقل والشرع يقتضي أن نتوقف ونقول: إننا لا نصدق ولا نكذب، وحينئذٍ يحتاج الإنسان طالب العلم إلى أن يتعمق ويتأمل وينظر نظرًا عميقًا جدًّا في نصوص الكتاب والسنة حتى لا يحكم بأن الواقع يخالفها فيكون في ذلك رد فعل لمن لا يؤمنون بالإسلام؛ يعني مثلًا لو أن أحدًا أنكر مثل هذه النظريات بدون تأمل في دلالة الكتاب والسنة، أنكرها على طول كما يفعل من بعض العامة فهذا -في الحقيقة- ليس من خدمة الإسلام، هذا أخذ الإنسان خنجرًا بيده، وطعن به صدره وهو لا يشعر، فالواجب تجاه هذه الأمور -مثلما قلت لكم- أن نعرضها على الكتاب والسنة، فما وافق الكتاب والسنة فهو حق؛ لكونه وافق الكتاب والسنة، وما خالفهما فهو باطل، وما لا تُعْلم موافقته ولا مخالفته فالواجب فيه التوقُّف، وأن يقول الإنسان: إن تبين لي بحسب إدراكي أنا، وإن كان علمي قاصرًا في هذه العلوم فأنا أصدق به، إذا لم يظهر لي فأنا لست ملزمًا بأن أصدق أو أكذب، أقف من هذا موقف المحايد، وهذا هو العقل وهو الشرع. * طالب: يا شيخ، هذه النظرية هذه تخالف القرآن. * الشيخ: ويش هي؟ * الطالب: لأن يقولون: الشمس ثابتة، والأرض هي اللي تدور عليها. * الشيخ: إحنا ما قلنا: مسألة الشمس ثابتة أبطلناها قلنا: هذا ما يجوز. * الطالب: طيب هذه نظرية؟ * الشيخ: هذه نبطلها، مع أنهم يقولون: إن الشمس ما هي بثابتة. * الطالب: كيف؟ * الشيخ: إنها تدور في الأوج العالي تسير سيرًا عظيمًا، قرأت كتيبًا صغيرًا اسمه علم الفلك القديم يقول: تنطلق في الثانية ما أدري والله آلاف الملايين الأميال في الثانية، إي بس هذا.. * الطالب: (...). * الشيخ: ما ندري.. * الطالب: أحيانًا يقولون: ثابتة، وأحيانًا يقولون.. * الشيخ: والله أنا ما رأيت أن أحدًا يقول: ثابتة. * الطالب: الميدان الفرق (...). * الشيخ: اللي يظهر لي من لفظه، وأنا ما راجعت في الحقيقة كتب اللغة، لكن اللي يظهر من لفظه إن (ماد، يميد) بمعنى اضطرب، تحرك باضطراب، وعلى كل حال الآن هذه نضعها بين أيديكم لمراجعة ما يمكن من كتب اللغة، وإن شاء الله تأتونا بالنتيجة بعد. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل في نشر هذه الدواب في الأرض؛ لقوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة ١٦٤] أي: نشر، وجه دلالتها على القدرة اختلاف هذه الدواب في أجناسها وأنواعها وأشكالها وأحوالها ولَّا لا؟ وقد سبق لنا بيان بعض الحكم في خلق ما هو ضار منها، وذكرنا أظن كم حكمة؟ * طالب: ثلاثة. * الشيخ: لا، إما ستة أو سبعة، ذكرنا عدة حكم في خلق هذا الضار. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله أيضًا وحكمته ورحمته في إنزال الماء من السماء، القدرة أننا نجد هذا الماء ينزل من فوق، فمعنى ذلك أن بحارًا عظيمة تطوف بالأرض بين السماء والأرض، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور ٤٣] سبحان الله، جبال بين السماء والأرض من البرد، ينطلق منها هذه الأجزاء حتى ينزل على الأرض، ولو شاء الله تعالى لأنزل الجبل جميعًا على الأرض. * قلنا فيها أيضًا: دليل على الرحمة حيث كان نزوله من العلو لأجل يشمل المرتفع والمنخفض. * وفيه أيضًا: دليل على الرحمة أن هذا الماء لنا فيه فائدتان عظيمتان: إنبات ما ينبت منه، والثاني: خزنه في الأرض. و﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِين﴾ [الحجر ٢٢]، وقال تعالى في آية أخرى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر ٢١]، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة ٦٨، ٦٩] ففيه إذن مادة حياة الإنسان في طعامه وفي شرابه. * طالب: ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون ١٨]. * الشيخ: نعم. * ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ [لقمان ١٠] من أين نأخذ إثبات الأسباب؟ من فاء السببية ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾، وإثبات الأسباب من حكمة الله عز وجل فالمنكِر للأسباب طاعن في حكمة الله لا شك؛ لأن الله حكيم جل وعلا. القدرة أن من يجد هذا ما ينزل من فوق، فمعنى ذلك أن بحارًا عظيمة تطوف بالأرض بين السماء والأرض، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور ٤٣]، سبحان الله! جبال بين السماء والأرض من البرد، ينطلق منها هذه الأجزاء حتى ينزل على الأرض، ولو شاء الله تعالى لأنزل الجبل جميعًا على الأرض. قلنا: فيه أيضًا دليل على الرحمة، حيث كان نزوله من العلو، لأجل يشمل المرتفع والمنخفض، وفي هذا دليل على الرحمة، أما هذا الماء لنا فيه فائدتان عظيمتان: إنبات ما ينبت منه. والثاني: خزنه في الأرض ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر ٢٢]، وقال تعالى في آية أخرى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر ٢١]، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة ٦٨، ٦٩]. ففيه إذن مادة حياة الإنسان، وفيه طعامه، وفيه شرابه. * ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ [لقمان ١٠] منين نأخذ إثبات الأسباب؟ من فاء السببية ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾، وإثبات الأسباب من حكمة الله عز وجل، فالمنكر للأسباب طاعن في حكمة الله لا شك؛ لأن الله حكيم جل وعلا، كل شيء عنده بسبب لتقوم الأشياء وتمشي على نظام. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل على تصنيف هذا النبات مع أن أرضه واحدة وماءه واحد، من قوله: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي من كل صنف، ترى هذه الشجرة كبيرة، وهذه صغيرة، هذه خضراء، وهذه بنية، هذه زهرتها بيضاء، وهذه صفراء بلون آخر؛ ألوان مختلفة مع أن الماء واحد والأرض واحدة، وهذا دليل على كمال قدرة الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا النابت فيه منفعتان لنا، وهما: النظر إليه والبهجة والسرور به، ولهذا إذا وقف الإنسان على روضة معشبة تتكفأ الرياح أزهارها يجد سرورًا وأنسًا. ثانيًا: ما يحصل من هذا النبات من المنافع لنا ولبهائمنا، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٢٦ - ٣٢] (...). في قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ أن السماوات أجرام مفتوحة، ومن أنكرها، أنكر أن السماء (...) مكذب للقرآن، والمكذب للقرآن يكون كافرًا، وهذه مسألة خطيرة؛ لأن من لا يؤمنون بالله واليوم الآخر لا يقرون بأن هناك أجرامًا سماوية، يقولون: أفلاك، ومجرات، ونجوم، وما أشبه ذلك، ولا يقرون بالسماء، والذي يصدقهم في ذلك مكذب للقرآن فيكون كافرًا به والعياذ بالله (...). * * * قال الله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان ١١]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية؛ لقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ يعني مخلوقًا، وهم يقرون بأنه خلْق الله، فإذا أقروا به لزمهم الإقرار بتوحيد الألوهية؛ وعلى هذا فنقول: يؤخذ من هذه الآية الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، ولهذا نظائر في القرآن، منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١] فقال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ يستدل بكونه ربًّا خالقًا على أنه يجب أن تكون العبادة له وحده، وهذا دليل عقلي ملزم. * ومن فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالأظهر على ما يقره الخصم، فإن هذا استدلال بأمر ظاهر واضح على أمر ينكره الخصم وهو إنكار انفراد الله تعالى بالألوهية. * ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال التحدي في المناظرة؛ لقوله: ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أولئك المنكرين لتوحيد الألوهية ظالمون، وفي ضلال مبين؛ لقوله تعالى: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان ١١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: عجز جميع الأصنام المعبودة أن يخلقوا مثل خلق الله؛ لقوله: ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾. وإذا كانت عجزت عن الخلق، كانت غير مستحقة للعبادة. قال الله عز وجل: ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣] زد على ذلك: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان ١٢] الآية إلى آخره. في هذه الآية الكريمة بيان منة الله سبحانه وتعالى على لقمان في إعطائه الحكمة ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾. * ومن فوائدها: أن الحكمة قد ينالها من ليس بنبي؛ لأن لقمان على قول الجمهور ليس نبيًّا. * ومن فوائدها: وجوب الشكر لله؛ لقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ﴾. * ومنها؛ أي من الفوائد: أن شكر الله من الحكمة؛ لأن قوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ﴾ هذا من تفسير الحكمة، فالشكر لله لا شك أنه من الحكمة؛ لأن الحكمة هي موافقة الصواب، أو وضع الشيء في موضعه، ولا شك في أن شكر الله موافق للصواب، وأنه وضْع للشيء في موضعه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشاكر ثوابه لنفسه ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾. * ومنها: أن الله تعالى لا ينتفع بطاعة الطائعين، فطاعة الطائعين لأنفسهم، يتفرع على هذه الفائدة أن أمر الله عز وجل عباده بعبادته أنه مجرد إحسان إليهم؛ لأن هذا النفع لهم، كما لو كنت تربي الصغير وتقول: كل من هذا الطعام، والبس هذا الثوب، واشرب هذا الماء، فأنت تأمره، لكن الأمر لمصلحته هو. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافر لا يضر الله شيئًا؛ لقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. وفي الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل؛ وهما الغني والحميد، وإثبات ما تضمنه من صفات، وهي الغنى والحمد سواء كان حامدًا أو محمودًا. * ومن فوائدها: اتصاف الله تعالى بالصفة المركبة من الوصفين، وهما الغنى والحمد، فليس كل غني يحمد، وليس كل محمود غنيًّا. أما الله عز وجل فقد اجتمع في حقه الغنى مع الحمد، وذلك لكمال جوده وكرمه سبحانه وتعالى. * طالب: (...)؟ * الشيخ: منة الله على لقمان بالحكمة. * الطالب: يعني كل حكيم على أن (...) لم يقل.. * الشيخ: ممكن يؤخذ من قوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان ١٢]. كما أمره بالشكر بإتيان الحكمة يمكن يقال: يؤخذ منها أن كل من من الله عليه بالحكمة فعليه أن يشكر الله أكثر من غيره. * طالب: (...). * الشيخ: مدح الحكمة، نحن ذكرنا منة الله على لقمان بالحكمة هذه نعمة، أما مدحها فظاهر فيها أن الحكمة من أفضل ما يعطى الإنسان. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان ١٣]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: ملاطفة المخاطب باستدعاء قبوله لما يوجه إليه؛ لقوله: ﴿يَا بُنَيَّ﴾ فإن هذا من باب الملاطفة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أهمية هذه النصيحة؛ لأنها صدرت من أب مشفق إلى ابنه، فإذن هي من أهم ما يكون من الوصايا. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم الشرك بالله؛ لقوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾، هل يكفي هذا التعبير أن أقول: تحريم الشرك؟ * طالب: الغالب.. * الشيخ: لا، وأنا أظن بعدين. نقول: نعم، يكفي؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [الأعراف ٣٣]. قد يقول قائل: إذا سمع أني أقول: إن الشرك حرام، قال: ما يكفي أن تقول: بس حرام! يكفي؛ لأن الله قال هذا، لكنه أشد المحرمات إثمًا وظلمًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب توحيد الله عز وجل؛ لأن النهي عن الشرك ويش يقتضي؟ وجوب التوحيد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشرك ظلم عظيم؛ لقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي قرن الأحكام بعللها، للفوائد التي سبقت، من أين يؤخذ؟ قوله: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أهم ما ينبغي العناية به التركيز على التوحيد وعدم الشرك؛ لأنه ذكر: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ فبدأ به قبل كل شيء، وكان الرسول ﷺ إذا بعث أحدًا يدعو إلى الإسلام يأمره أول ما يبدأ به الدعوة إلى التوحيد؛ لأنها هي الأصل إذا لم يكن عند الإنسان توحيد فمن يعبد؟ لا بد أن يركز على التوحيد، ولكن لكل مقام مقال. إذا كنا في بلد يكثر فيها الشرك فإنه ينبغي أن يكون كلامنا في التوحيد أكثر، إذا كان في بلد بالعكس، لكن عندهم مخالفات في أمور أخرى، ينبغي أن يركز عليها أكثر، وذلك مأخوذ من طريقة القرآن. ففي مكة كان التركيز على التوحيد في آيات القرآن أكثر، وفي المدينة كان التركيز على المعاملات وصور العبادات أكثر، فلكل مقام مقال؛ ولذلك قد يعترض بعض الناس ويقول: لماذا لا تكثرون كلامكم في التوحيد؟ (...) ولا سيما في نفس (...)؟ نقول: إن الكلام في التوحيد لا شك أنه مهم، وأنه أهم الأشياء لكن إذا كنا في قوم قد وحدوا -ولله الحمد- وعرفوا الأمر وهم بعيدون عن الشرك، وإنما يخالفون في أمور أخرى دون الشرك، فنحن نركز على ما فيها من المخالفة على أنه لو طرأ ما (...) التوحيد يجب أن يركز عليه، كما يوجد في الآونة الأخيرة من ظهور بعض الأشياء الشركية والبدعية، من هذه (...) اللي فيها أذكار وأوراد كلها كذب، أو غالبها كذب، فيجب أن يركز عليها. كذلك أيضًا وجد تمائم تعلق، تمائم من النحاس يقال: إنها تنفع من الروماتيزم، هذا أيضًا نوع من الشرك، وكذلك أيضًا ما وجد من قضية الدبلة وما يتعلق بها؛ الرجل يكتب اسمه على خاتم امرأته، وهي تكتب اسمها على خاتم زوجها، ويعتقدون هذا موجب المحبة والاقتران كأنه رباط. هذا أيضًا من الشرك، وهو من التِّوَلة. إذا طرأت مثل هذه الأمور يجب أن تحارب، وأن يركز عليها، وأن يكثر القول فيها حتى لا تنتشر، فالمهم أنه لكل مقام مقال، كما قيل. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: توجيه المواعظ من الآباء إلى أبنائهم، وأن هذا من الحكمة، أو لا؟ لقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ [لقمان ١٣]. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان الموجه أن يقرن توجيهه بالموعظة؛ لقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾، فهل يكفي مثلًا أن تقول للإنسان: هذا حرام، وهذا واجب، أو ينظر في حال الشخص؟ نعم، ينظر في حال الشخص، من الناس من يكفي أن تقول له: إنه حرام أو واجب، ويمتثل، ومن الناس من لا يكفي أن تقول: هذا حرام أو واجب حتى تقرن ذلك له بموعظة فتقول: اتقِ الله، كيف تصر على هذا وهو معصية لله ورسوله؟ وما أشبه ذلك. فالمهم أنه لكل مقام مقال، وكذلك أيضًا تذكر ما ورد به من الوعيد بالقرآن والسنة، كما لو فرض أنك توجه نصيحة إلى رجل مغمور بالمعاملة في الربا، فهذا ما يكفي أنك تقول له: حرام؛ لأنه عارف، ما أحد يشك أن الربا حرام، لكن يحتاج إلى موعظة تُلَيِّن قلبه للحق، وتقربه من الله. * * * ثم قال الله عز وجل: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان ١٤]. * من فوائد الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بمعاملة الوالدين؛ ولهذا أوصى بها سبحانه وتعالى وصية. * ومن فوائدها: أنه سبحانه أرحم بالوالدين من أولادهما، أو لا؟ لأن الله أوصى الأولاد بالوالدين، إذن فهو أرحم بالوالدين من الأولاد، كما قلنا في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء ١١] أن في الآية دليلًا على أن الله أرحم بالولد من والديه. * فمن فوائد الآية الكريمة: بيان عِظَم حقوق الوالدين؛ ولهذا جعلها الله تعالى وصية، والوصية -كما سبق في التفسير- هي أن يعهد إلى شخص بأمر هام فضلًا عن عظم حقوق الوالدين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن يذكر المخاطب ما يحمله على امتثال ما وكل إليه؛ لقوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي تقوية الجانب الضعيف، بما يقويه من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ فإن الله تعالى ذكر ما يحصل للأم إغراءً بالقيام بحقها، ولم يذكر ما يحصل للأب؛ لأنه كما قلنا في التفسير الأم ضعيفة تحتاج إلى من يقوي جانبها. وهل يُستفاد منه أن حق الأم أوجب من حق الأب؟ * طلبة: لا. * الشيخ: كيف؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، الحديث واضح، لكن من الآية. * طالب: ذكر العلماء (...). * الشيخ: لأنه ذكر ما تعانيه الأم من مشاق إشارة إلى أنها أحق؛ لأنه بالنسبة للأب ما يجد في ابنه من هذه المشاق، ولكن الأم هي التي تجد، صحيح أن الأب قد يتحمل مشاق أخرى وحصول النفقة وما أشبه ذلك. لكن الأم، الألم البدني ما يكون بالأب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للأم أن تصبر على ما ينالها من مشقة الحمل؛ لأنه أمر طبيعي؛ لقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾. * يتفرع من هذه الفائدة: بيان خطأ بعض النساء اليوم اللاتي لا يقدرن على وهن الحمل، فتجد المرأة تستعمل حبوبًا لمنع الحمل، تقول: لأن الحمل تعب ومشقة، وما أشبه ذلك. وبعض النساء يحاولن أن يلدن عن طريق العملية، تقول: لأنه أخف، كل هذا فرارًا مما جبلت عليه المرأة من الضعف عند الحمل وعند الطلق، وعند الولادة. نعم، إذا احتاج الأمر إلى عملية فهذا لا بأس به للضرورة، وإلا فإنه لا ينبغي ذلك؛ لأن هذا خلاف ما فطر الله عليه المرأة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أقل الحمل ستة أشهر من قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾. وقد قال تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف ١٥]، فإذا خصمت عامين من ثلاثين شهرًا كم بقي؟ * طالب: ستة. * الشيخ: بقي ستة أشهر. وذكر ابن قتيبة في المعارف أن عبد الملك بن مروان ولد من ستة أشهر وهو الخليفة المحنك كما هو معروف، ولد لستة أشهر، ويقول الخبراء في هذه الأمور: إنه إذا ولد لستة أشهر يمكن يعيش، لكن لسبعة أشهر قد لا يعيش. وهذا حكمة (...). * طالب: احتمال أنه ما يعيش. * الشيخ: (...). للوالدين كما يجب الشكر لله؛ لقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾. * ومنها: أنَّ شكر الله تعالى مُقدَّم على غيره؛ لأنه قدَّمه في قوله: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ فقدَّم الشكر له على شكر الوالدين مع عِظم حقهما. * ومِن فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الأمور إلى الله؛ في قوله: ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، وتقديم الخبر يدل على الحصر أنه إلى الله وحده. * ومِن فوائد الآية الكريمة: التحذير والتخويف من المخالفة؛ لأن قوله: ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ يعني وسأحاسبك أيها الإنسان، فصلة هذه الجملة بما قبلها أنها تُفيد التهديد والتحذير للمخالف.

لقمان 31:12

قال: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان ١١] المشار إليه ما سبق؛ وهي خلق السماوات بغير عمد، وإلقاء الرواسي في الأرض، وبث الدابة. ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة ١٦٤]، واستنزال الماء من السماء، والإنبات فيها من كل زوج كريم، هذه خمسة أشياء مُشاهَدة محسوسة؛ ولهذا أشار إليها بالإشارة الحسية فقال: (﴿﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ ﴾ أي مخلوقه) فهو من باب إطلاق المصدر، وإرادة اسم المفعول، وليس المراد به خلق الله الذي هو فعله؛ فإن فعله لا يُشاهَد، وأن المشاهد مفعوله. (﴿﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ ﴾ أي مخلوقه. ﴿﴿فَأَرُونِي﴾ ﴾ قال: أخبروني يا أهل مكة ﴿﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ﴾) قوله: ﴿فَأَرُونِي﴾ فسر الرؤية هنا بالإخبار، الإراءة بالإخبار، ولكن الأولى إبقاؤها على ظاهرها أن المراد بالإراءة يعني: أبصروني، أروني شيئًا خلقه أحد سوى الله عز وجل. وقوله: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان ١١] أبلغ من تفسير المؤلف بقوله: (أخبروني)؛ لأن التحدي فيها ظاهر؛ إذ من الممكن أن يخبروه بأمر وهم كاذبون، فيقولون: نعم، إن في كذا وكذا، خلقه كذا وكذا. لكن إذا قال: أروني. بالتحدي بما يُرى فحينئذٍ يُبهتون. وقوله: (أروني) قال: (يا أهل مكة) بناءً على أن كل خطاب في سورة مكية يتعلق بالكفار فالمراد به أهل مكة، والصواب أنه عام حتى يمكن الآن أن نقول بهذا التحدي في عصرنا الحاضر، والأمر هنا في قوله: (أروني) الأمر لماذا؟ لأي شيء؟ للتعجيز والتهديد. (﴿﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ﴾ [لقمان: ١١] غيره، أي: آلهتكم حتى أشركتموها به تعالى) يعني أروني ماذا خلقوا، فإذا أريتموني أنها خلقت شيئًا فإنه قد يكون عذرًا لكم في تشريكها مع الله تعالى في العبادة، أما والأمر ليس كذلك، ولا يمكن أن يوجد خالق سوى الرب عز وجل فإنه لا يجوز أن يُعبد معه غيره؛ لأنه إذا أقررتم بأنه لا خالق إلا الله يجب أن تقروا بأنه لا معبود إلا الله، وأنه كما أقررتم بالربوبية يجب أن تقروا بالألوهية. وقوله: ﴿مَاذَا خَلَقَ﴾ يقول: ((ما) استفهام إنكار مبتدأ، و(ذا) بمعنى (الذي) بصلته خبره، و(أروني) مُعلَّق عن العمل، وما بعده سد مسد المفعولين). قوله: ﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أعربها المؤلف إعرابًا صحيحًا (ماذا خلق) يقول: (ما) اسم استفهام، و(ذا) اسم موصول مبني على السكون في محل رفع، و(خلق) فعل ماضٍ، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف، والتقدير: ماذا خَلَقَهُ الذين من دونه، والجملة ﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ جملة الاستفهام مُعلَّقة عن العمل، عن عمل أيش؟ (أروني). وقوله: (وما بعده سد مسد المفعولين) هذا إذا قلنا: إن الرؤية بمعنى العلم، أما إذا قلنا: إن الرؤية بمعنى رؤية البصر فإن ما بعده سد مسد مفعول واحد فقط، هذا الإعراب الذي ذكره المؤلف هل في كلام ابن مالك ما يدل عليه في الألفية؟ ما هو؟ * طالب: (...). * الشيخ: أعربها على أنها غير ملغاة، وهل يجوز إلغاؤها؟ الجواب: نعم، يجوز، بل قد يقال: إن إلغاءها أولى؛ لأنك إذا ألغيتها جعلت ﴿مَاذَا﴾ مفعولًا مقدمًا لـ﴿خَلَقَ﴾، وحينئذٍ يكون ما نحتاج إلى هذا، والأصل عدم الحذف، وقد سبق لكم أن إلغاءها له وجهان: إما أن تقول (ما) اسم استفهام، و(ذا) زائدة، أو تقول: ﴿مَاذَا﴾ جميعًا اسم استفهام. وقوله تعالى: ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان ١١] أي من سوى الله عز وجل، وهذا التحدي، وكل تحدٍّ في القرآن لا يمكن أن يكون موجودًا؛ لأنه لو كان الشيء ممكنًا لكان التحدي لغوًا لا فائدة فيه. قال الله عز وجل: ﴿بَلِ﴾ قال المؤلف: (للانتقال ﴿﴿الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ﴾ [لقمان: ١١] بَيِّن بإشراكهم وأنتم منهم) يعني معناه الأمر واضح، وأنه لا خالق إلا الله، وأنه لا يمكن أن يوجد أحد يخلق، ولكن استمرار المشركين في شركهم يعتبر ظلمًا وضلالًا مبينًا؛ ولهذا قال: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ﴾ أي المشركون الذين أشركوا مع الله في العبادة مع أنهم مؤمنون بأنه لا شريك له في الخلق ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان ١١] قال المؤلف: (بَيِّن). وكلمة ﴿مُبِينٍ﴾ تأتي بمعنى (بَيِّن) أي ظاهر، وبمعنى مُظْهِر؛ لأنها مشتقة من (أبان) الرباعي، و(أبان) الرباعي يأتي متعديًا، ويأتي لازمًا، فيأتي (أبان) بمعنى (بان)، أي ظهر، وحينئذٍ يكون لازمًا، ويأتي بمعنى (أظهر)، أبان الشيء أظهره، وحينئذٍ يكون متعديًا، في هذه الآية: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان ١١] من اللازم ولَّا من المتعدي؟ من اللازم. ولهذا فسَّرها بقوله: (بَيِّن) نريد مثالًا لها من المتعدي؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...) المتعدي. * الطالب: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة ٧٧]: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف ١] يجوز الأمران البَيِّن في نفسه، المبين للحق. * الشيخ: إي نعم، ومثله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥] أي مُظْهر، فالحاصل أن ﴿مُبِينٍ﴾ لا تظنوا أنها دائمًا متعدية، قد تكون لازمة بمعنى (بين)، وقد تكون متعدية بمعنى مُظهِر. ثم قال تعالى: (﴿﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ ﴾ [لقمان: ١٢] منها العلم والدِّيانة والإصابة في القول، وحِكَمُه كثيرة مأثورة). ﴿﴿وَلَقَدْ﴾ ﴾ الجملة هذه مؤكدة بثلاثة مؤكدات، هي؟ * طالب: اللام، وقد، والقسم. * الشيخ: نعم، اللام، وقد، والقسم. وقوله: ﴿آتَيْنَا﴾ أي أعطينا، وهذا الإعطاء إعطاء كوني آتاه الله تعالى الشيء إيتاءً كونيًّا. وقوله: ﴿لُقْمَانَ﴾ هو اسم رجل، وأكثر أهل العلم على أنه رجل أعطاه الله تعالى حِكمة ودراية في الأمور، وليس نبيًّا، قال ابن كثير: إنه أكثر الناس على أنه ليس بنبي، ويُرْوى عن عكرمة -إن صح عنه- هكذا قال: إنه نبي[[ذكره ابن كثير (٦ / ٣٣٤).]]، ولكن الصحيح أنه ليس بنبي، وإنما هو رجل حكيم ذو أمر رشيد، أعطاه الله تعالى هذه الحكمة كما قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة ٢٦٩]. * طالب: شيخ، (...) بعضهم يقول: لقمان الحكيم هو هذا ولَّا غيره؟ * الشيخ: لا، هذا هو. * الطالب: كيف يكون يعني إخبار عن الرسول ولَّا إسرائيليات؟ * الشيخ: ويش هو؟ * الطالب: (...) لقمان الحكيم، قال لقمان الحكيم (...)؟ * الشيخ: هذا مما يؤثر عن حكمته (...) صحيح ولَّا لا؟ قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان ١٢] ما هي الحكمة؟ الحكمة في الأصل هي موافقة الصواب، وبمعنى هذا قولهم: إنها وضْع الأشياء في مواضعها، فصاحب الرأي الرشيد والتصرف السديد هذا يعتبر حكيمًا؛ لأنه يضع الأشياء في مواضعها كذا؟! ويش اللي ذكرنا في الحكمة؟ تفسيرها؟ * طالب: (...) الأشياء في مواضعها. * الشيخ: هذه واحد، والثاني؟ * الطالب: (...) الحكيم (...). * الشيخ: لا، نريد الحكمة فقط، ما نريد الحكيم، الحكمة ما هي؟ قيل: إنها وضع الأشياء في مواضعها، هذا واحد، وقيل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما ذهبت يمينًا أو شمالًا؟ قيل: إنها موافقة الصواب، وهما بمعنى واحد؛ لأن موافقة الصواب هو وضع الشيء في مواضعه، طيب يقول: منها العلم. * الطالب: تعتبر مضمونها ولا تفسير يا شيخ؟ * الشيخ: لا، هذا معناها، منها العلم والديانة، العلم حكمة ولَّا لا؟ أو تنال به الحكمة؟ تُنال به الحكمة. والثاني: الديانة نعم حكمة. والثالث: الإصابة في القول، وهذا أيضًا حكمة. وكذلك الإصابة في الفعل حكمة. قال: (وحكمه كثيرة مأثورة كان يُفتي قبل بعثة داود، وأدرك بعثته، وأخذ عنه العلم، وترك الفتيا وقال في ذلك: ألا أكتفي إذا كُفيت. وقيل له: أي الناس شر؟ قال: الذي لا يُبالي إن رآه الناس مسيئًا) (...) قال: كفيت. هذه من الحكمة أن الإنسان إذا كُفي يكتفي؛ لأنه إذا كفي، ثم عمل بما كفي فيه لم يكن منه إلا إضاعة الوقت والتعب. وأما (أي الناس شر؟ فقال: الذي لا يبالي إن رآه الناس مسيئًا) هذا قد يُنازع فيه؛ لأن هذا الذي لا يُبالي إن رآه الناس مسيئًا يُعتبر فاقد الحياء فقط، ولا يعتبر شر الناس، شر الناس -في الواقع- هو الذي يُشرك بالله عز وجل، هذا شر الناس؛ لأن هذا أظلم الناس؛ فيكون شر الناس. ثم إن هذه المقولة اللي ذكرها المؤلف أو هاتين الجملتين قد تكون صحيحة إلى لقمان، وقد تكون غير صحيحة، يعني ما يجزم؛ لأنه ما هناك سند صحيح إلى لقمان متصل، ولم يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك عنه، ومثل جميع الأخبار السابقة إذا لم تكن عن طريق الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه يُنظر فيها؛ لأنها تأتينا بغير إسناد، تُؤخذ عن أهل الكتاب، وأهل الكتاب غير مأمونين. * الطالب: ما يؤخذ منها حكمة يا شيخ؟ * طالب: ثم ترك الفتيا (...) داود على قول المؤلف (...). * الشيخ: وقال: (...) نعم، في كل شيء يُفتى به المرء ما له داعي يتعلق منه. * طالب: (...). * الشيخ: والله ما أعرف هذا ابن كثير ما ذكر هذا الأثر. * الطالب: يا شيخ، قوله: حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج (...). * الشيخ: يمكن أن (...) عنه، ويمكن أن (...)؛ لأن بني إسرائيل عندهم كتاب وأثارة من علم، وإلا غيرهم قد لا يكون لهم شيء، ولكن كل الأحاديث عمن سبق لا تخلو من ثلاث أحوال كما هو معروف، إما أن توافق الشرع أو تخالفه، أو لا يكون فيها موافقة ولا مخالفة فما وافق الشرع فهو مقبول، وما خالفه فهو مردود، وما لم يكن فيه مخالفة ولا موافقة فإنه لا يُصدَّق ولا يُكذَّب. يقول: (﴿﴿أَنِ﴾ ﴾ أي: وقلنا له: ﴿﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ ﴾ [لقمان: ١٢] على ما أعطاك من الحكمة). قوله: (﴿﴿آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ ﴾ [لقمان: ١٢]). ثم قال: (﴿﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ ﴾). لو أن أحدًا قال: إن قوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ تفسير للحكمة؛ يعني ﴿أَنِ﴾ هنا تفسير للحكمة، لم يكن بعيدًا، أما المؤلف فيرى أنها مفعول لقول محذوف تقديره: وقلنا له: أن اشكر لله، يعني على ما آتاك من الحكمة، أما على الاحتمال الأول الذي هو ظاهر القرآن ولا يحتاج إلى تقدير فالأمر ظاهر أن شكر نعمة الله من الحكمة بل هو رأس الحكمة. وقوله: ﴿﴿اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ ﴾ اللام هنا للاختصاص والاستحقاق؛ لأنه لا يختص بالشكر المطلق، ولا يستحق الشكر المطلق إلا الله سبحانه وتعالى، والشكر هو القيام بطاعة المنعِم اعترافًا بالقلب، وثناءً باللسان، وطاعة بالأركان، فمتعلق الشكر ثلاثة: اللسان، والقلب، والجوارح، وسببه واحد وهو النعمة؛ ولهذا كان بينه وبين الحمد عموم وخصوص، فمن جهة السبب الحمد أعم، ومن جهة المتعلَّق الشكر أعم، كيف ذلك؟ الحمد سببه أمران: كمال المحمود، وإنعام المحمود؛ ولهذا تحمد الله عز وجل على كماله، وتحمده على إنعامه، ولكن الحمد يختص بماذا؟ من حيث المتعلق؟ يختص باللسان فقط، أما الشكر فإنه من حيث السبب أخص؛ لأنه لا يكون إلا في مقابلة نعمة لكن من حيث المتعلَّق أعم، يكون بالقلب، واللسان، والجوارح، وعليه قول الشاعر: أَفَادَتْكُمُ النَّعْـمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا وقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان ١٢]. قلنا: إن اللام هنا للاختصاص، ويش بعد؟ والاستحقاق فيجب على العبد أن يُخلص الشكر له، وأن يعتقد بقلبه أنه لا يستحق الشكر المطلق إلا الله. قال: (﴿﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ ﴾ [لقمان: ١٢]؛ لأن ثواب شكره له. ﴿﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ ﴾ النعمة ﴿﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ ﴾ عن خلقه، ﴿﴿حَمِيدٌ﴾ ﴾ محمود في صنعه). ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ﴾ الجملة هذه شرطية فعل الشرط فيها مجزوم بـ(من)، و(﴿﴿وَمَنْ يَشْكُرْ﴾ ﴾. وجواب الشرط جملة قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾، و(إنما) أداة حصر، و﴿يَشْكُرُ﴾ فعل مضارع، ولكن هل يُقال: إن ﴿يَشْكُرُ﴾ هو الجواب أو الجملة؟ الجملة. وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ كيف قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؟ قد (...) أن المتوقع أن يقول: (ومن يشكر فإنما يشكر لله)، ولكن نقول مثلما قال المؤلف: إن معنى قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: أنه يعود ثواب الشكر إليه فهو لمصلحته، وليس الشكر يعود إلى الله عز وجل فينتفع به؛ لأنه سبحانه وتعالى لا ينتفع بالطاعة، ولا يتضرر بالمعصية، وإنما يعود إليك أنت نفسك. ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ وهو ضد الشكر ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ غني عنه، إذا كفر نعمة الله. ﴿حَمِيدٌ﴾ فعيل بمعنى مفعول، ويجوز أن يكون ﴿حَمِيدٌ﴾ بمعنى فاعل (حامد)، فهو سبحانه وتعالى محمود وحامد؛ لأنه سبحانه وتعالى يصف من يستحق الصفات الكاملة بما يستحقون؛ ولهذا أثنى على أنبيائه وعلى أوليائه، وهذا حمْد لهم، وهو أيضًا محمود من عباده فهو (فعيل) بمعنى (فاعل)، وبمعنى (مفعول)، وجه ارتباط الجملة جملة الجواب الشرط: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان ١٢]، وجه ارتباطها بالشرط ظاهر؛ يعني من كفر فإنه لن يضر الله، ولن ينقص من ملكه؛ لأنه غني، وكذلك لم يكن في ذلك قصور من حكمته؛ لأنه جل وعلا حميد، فإيجاد الشاكرين مما يُحمد الله عليه، وإيجاد الكافرين مما يُحمد الله عليه، ولولا هذا ما عُرف قدر الشكر، ولا عُرف أيضًا مضرة الكفر، لولا هذا لكان الناس على حد سواء لا يتميز فيهم الطيب من الخبيث. ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ الغني من أسماء الله، والحميد من أسمائه أيضًا. قال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان ١٤] واذكر إذ قال. * طالب: (...). * الشيخ: لا، من كفر عام، لكن لما كان في سياق الحكمة التي أوتيها لقمان على تفسير المؤلف جعلها خاصة بالمال يقول: واذكر ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ﴾ [لقمان ١٣]. * الطالب: يقول: محمود في صنعه بس. * الشيخ: إي نعم، هذا قصور ﴿حَمِيدٌ﴾ يقول المؤلف: إنها (محمود في صنعه) والصواب أنه محمود في صنعه وشرعه، وفي جميع صفاته، فهو محمود على صفاته الكاملة، وعلى أفعاله وعلى شرعه. قال: (واذكر ﴿﴿إِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ﴾ ﴾ [لقمان: ١٣] تصغير إشفاق ﴿﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ﴾ ﴾ بالله ﴿﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ﴾ فرجع إليه وأسلم). قوله: (واذكر إذ قال) أفادنا المؤلف أن (إذ) مفعول لفعل محذوف، أو ظرف متعلق بفعل محذوف، يعني اذكر هذا الوقت الذي قال فيه لقمان لابنه إلى آخره. وقوله: ﴿إِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ﴾ جملة ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ حالية، حال من فاعل ﴿قَالَ﴾، وهو لقمان، يعني والحال أنه يعظ فيه ابنه، والموعظة هي التذكير المقرون بالتخويف أو الترغيب، قال له: ﴿يَا بُنَيَّ﴾ قال المؤلف: إنه هو (تصغير إشفاق) وهو كذلك، وليس تصغير احتقار؛ لأن المقام لا يقتضيه، ولكنه تصغير إشفاق عليه. ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ هذا مقول القول في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ﴾، ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أي لا تجعل معه شريكًا في ماذا؟ في العبادة، وفي الخلق والتقدير، وفي أسمائه وصفاته؛ لأن التوحيد -كما هو معروف عند أهل العلم- ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، فالشرك بالله أن يُشرك بالله تعالى في أحد هذه الأقسام، فمن اعتقد أن مع الله خالقًا فهو مشرك في الربوبية، ومن اعتقد أن مع الله من يستحق أن يُعبد فهو شرك ألوهية، ومن اعتقد أن لله مماثلًا في أسمائه وصفاته فهو من باب الشرك في الأسماء والصفات. قال: (﴿﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ﴾ ﴾ [لقمان: ١٣] بالله ﴿﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ﴾) أكد لقمان كون الشرك ظلمًا بمؤكدين وهما ﴿إِنَّ﴾ واللام. وقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ الجملة تعليل لما قبلها؛ وهو قوله: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ فجمع له لقمان بين الحكم والحِكمة، نهاه عن الشرك وبَيَّن أنه ظلم عظيم، والظلم في الأصل النقص ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي لم تنقص، وأما في الشرع فإن الظلم هو نقْص كل ذي حق حقه، وعلى هذا فالشرك نقص في حق الله عز وجل. وقوله: ﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ هذا من باب تعظيم الشرك والحذَر منه، ولا يوجد أعظم ظلمًا من الشرك؛ لأنه مهما كان فإن ظلم الشرك أعظم من كل شيء؛ فالذي خلقك أوجدك من العدم، والذي أمدَّك بما تقوم به حياتك هو الله عز وجل، والذي أعدَّك وجعلك مستعدًّا لما تنتفع به هو الله فهو الْموجِد الْمُعِد الْمُمِد، إذا كان كذلك فهل يوجد أحد أعظم حقًّا عليك من الله؟ لا يوجد، فإذا نقصت الله حقه كان ذلك أعظم الظلم؛ ولهذا من كان إليك أكثر إحسانًا فإن إساءتك إليه تكون أعظم من غيره، الذي يحسن إليك ويعطيك ويربيك، ثم تسيء إليه أعظم مما لو أسأت إلى أحد لم يكن منه ذلك. (﴿﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ﴾ فرجع إليه وأسلم) من اللي رجع؟ الابن، وعلى كل حال ما نعرف عاد هل إن هذه المسألة كما قال المؤلف أن الابن كان مشركًا، فلما وعظه أبوه رجع فأسلم، أو أنه -أي الابن- خاف عليه أبوه من الشرك فنهاه عنه، وبيَّن له أن الشرك لظلم عظيم، ولا يلزم من النهي عن الشرك أن يكون الإنسان قد أشرك؛ لأنه قد يُنهى عن الشيء خوفًا من وقوعه، لا رفعًا لما وقع منه، وهذا أمر موجود مطرد في القرآن، وفي السنة، وفي كلام الناس، تقول للرجل مثلًا: لا تصاحِب الأشرار، هل يلزم من هذا النهي أن يكون مصاحبًا لهم؟ ما يلزم، قد يكون نهيًا لما يُخاف أن يحصل منه، فكلمة ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ ليست صريحة في أن الابن قد وقع في الشرك حتى يقال: إنه رجع وأسلم، بل قد يكون أبوه نهاه عن الشرك خوفًا من أن يقع فيه، والعِلم عند الله. ثم قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان ١٤] هذه الجملة ليست من كلام لقمان، بل هي من كلام الله عز وجل، فهي معترضة بين كلام لقمان الأول، (...) عز وجل دائمًا يقرن حق الوالدين بحقه ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء ٢٣]، ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام ١٥١]. (﴿﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ ﴾ [لقمان: ١٤] أمرناه أن يبرهما) أمرناه، ففسر المؤلف الوصية بالأمر، ولكنها أخص من الأمر المطلق، الوصية عهد بما ينبغي الاعتناء به ليست مجرد أمر بل هي عهد بما ينبغي الاعتناء به، (...) في الغذاء؛ ولهذا تحتاج المرأة الحامل إلى غذاء أكثر، ومن ثم أباح الشرع لها أن تفطر في رمضان؛ من أجل ألا ينقص الغذاء عليها فتتعب هي ويتضرر الجنين، وهذه من حكمة الله عز وجل، كذلك أيضًا يلحقها وهن عند الطلق، أو لا؟ الطلق يُؤلِم ويُوجِع، ليس بالأمر الهيِّن؛ لأن الطلق -بإذن الله- يأتي من أجل أن ينقلب الجنين حتى يستعد للخروج، الجنين الآن في بطن أمه؛ وضعه أن رأسه إلى جهة رأس الأم ووجهه إلى جهة ظهر الأم، وظهره إلى جهة بطنها، فهو معاكس لأمه في الاستقبال، وهذه من الحكمة؛ لأنه إذا كان وجهه إلى الظهر صار الظهر حاميًا له؛ لأنه عظام يحمي وجه الجنين، لو كان وجه الجنين إلى وجه أمه كان ما هناك شيء يحميه، وكان أدنى -مثلًا- ضربة أو شيء تصيب وجهه، لكن من حكمة الله عز وجل أنه جعله هكذا، ولذلك قال العلماء: لو ماتت امرأة كافرة كتابية حامل بولد من مسلم، كيف تُدفن؟ * طالب: يجعل ظهرها إلى القبلة. * الشيخ: تدفن على جنبها الأيمن وظهرها إلى القبلة. * الطالب: الأيمن ولَّا الأيسر؟ ما يصير على الأيسر؟ * الشيخ: لا، الأيمن، مو بالأيمن؟ * الطالب: يصير الأيسر؟ * طالب آخر: (...). * الشيخ: إي نعم، على جنبها الأيسر، إن أمكن أن تُدْفن وحدها، لا في مقابر المسلمين ولا في مقابر الكفار فهو أولى، فإن تعذر فإنها تُدفن في مقابر المسلمين على جنبها الأيسر ليكون الولد على الجنب الأيمن مستقبل القبلة. طيب الطلق يحصل عند انقلاب هذا الولد، هذا الولد سينقلب عند الوضع لأجل أن يكون رأسه هو الأسبق حتى يخرج، أول ما يخرج من الجنين هو الرأس، تتألم من هذا الطلق بلا شك، ثم عند الولادة أيضًا تتألم ولَّا لا؟ نعم، تتألم ويلحقها ضعف، وربما يلحقها إغماء وتعب، وربما تموت، فالله تعالى يُذكِّر الإنسان حال الأم في هذه الأحوال التي كلها أحوال ضعْف على ضعْف. * طالب: بعضهم يقول: ينقلب في الشهر السابع.. * الشيخ: لا، المعروف أنه ينقلب عند الولادة وأن هذا الطلق منه. قال: (﴿﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ ﴾ [لقمان: ١٤] أي ضعفت للحمل، وضعفت للطلق، وضعفت للولادة. ﴿﴿وَفِصَالُهُ﴾ ﴾ [لقمان: ١٤] أي فطامه ﴿﴿فِي عَامَيْنِ﴾ ﴾) ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْن﴾ يقول المؤلف: (فطامه) لكن مضافًا إليها مدة الحمل أو لا؟ مضافًا إليها مدة الحمل ولا مخرج منها مدة الحمل؟ * الطالب: مخرج. * الشيخ: مخرج منها مدة الحمل؛ لأن الله قال في آية أخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف ١٥]، فإذا أسقطنا أقل مدة الحمل ستة أشهر بقي أربعة وعشرون شهرًا وهي عامان. * طالب: ﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ المراد بـ على (...). * الشيخ: الاستعلاء يعني: وهنًا مضافًا على وهن، مثلما تقول مثلًا: وضعت كيسًا على كيس ولبنةً على لبنة وما أشبه ذلك. * الطالب: والوهن (...) وهن قديم، ولا وهن حديث (...) بسبب الحمل ضعف.. * الشيخ: كله بسبب الحمل، قال: بس ها ذاك عند نشئه، والثاني عند الطلق، والثالث عند الولادة. ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْن﴾ [لقمان ١٤] (وقلنا له: ﴿﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ ﴾ [لقمان: ١٤]) (فصاله في عامين) يعني أنه لا ينفصل من أمه إلا بعد عامين فيضاف إلى الحمل مدة الفصال، مدة الفصال فيها تعب ولَّا لا ؟ فيها تعب لا شك، تُرضِعه، وتسهر لسهره، ويتألم قلبها لألمه، وتُصلح شأنه من تنظيفه، وتنظيف ثيابه، وحمله عند البكاء وغير ذلك، إذن فهي في تعب من حين يُحمل إلى أن يُفصل بعد ولادته في عامين، ولم يذكر الله سبحانه وتعالى في حق الأب شيئًا فما تقولون؟ ليبين. لأن الأب في الغالب يُتَّقى ويخشى، فلا حاجة إلى أن يُبيَّن ما يناله من ابنه حتى يكون حافزًا للابن على القيام بحقه، لكن الأم لما كانت ضعيفة وربما يتهاون الإنسان بحقها ذكر الله سبحانه وتعالى من أحوالها ما يكون سببًا لقيام الابن بواجبه، وهذا ترونه كثيرًا في القرآن، الشيء الذي يُخشى فيه التهاون يؤكد، مثال ذلك الوصية والدين في التركة أيهما يُقدَّم؟ يُقدَّم الدَّيْن على الوصية بالإجماع، ومع ذلك ذكر الله تعالى الوصية في آيات المواريث قبل الدَّيْن، قدَّمها في الذكر على الدَّيْن، لماذا؟ لأن الوصية حق قد يتهاون به الورثة، والدين لو تهاون به الورثة فوراءه. * طالب: من يُطالب به. * الشيخ: من يطالب به، صاحبه، فالله عز وجل قد يدعم الأشياء التي يخشى فيها التهاون بأوصاف تحمل على القيام بما ينبغي أن يقوم به، فهنا لما كانت الأم ضعيفة، وكان الإنسان قد يَعتدي عليها وعلى حقها أكثر ذكر الله تعالى من أسباب بِرِّها الموجِبة ما لم يذكره في حق الأب، وأظننا كلنا نعلم أن الابن دائمًا يعتدي على أمه بالسب والشتم، وربما بالضرب، لكن على أبيه ما يستطيع، ولا يعتدي عليه كمثل اعتدائه على أمه، وإذا لم يقم بحقه فإن أباه يفرض ذلك عليه، فلهذا ذكر الله تعالى هذه الصفات في الأم؛ ليكون حثًّا لنا على القيام بحقها (...). * * * ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [لقمان ١٠]. * يستفاد منها: إثبات خلق الله للسماوات، ويتفرع على هذه الفائدة إبطال قول الفلاسفة بقِدم الأفلاك، الفلاسفة يقولون: إن الأفلاك قديمة، وأنها لا تتغير؛ لأن القديم عندهم الذي لا ابتداء له، وما لا ابتداء له لا انتهاء له، فيكون في هذا إبطال لقول الفلاسفة: إن الأفلاك قديمة، وأنها لا تتغير، ومن ثم أنكروا إنكارًا شديدًا انشقاق القمر، وقالوا: القمر ما يمكن ينشق؛ لأنه من الأفلاك، وإنما معنى قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١] أي بان صدق الرسالة، وأنكروا الأحاديث الواردة في ذلك والتي تلقتها الأمة بالقبول. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل في خلق هذه السماوات العظيمة ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات ٤٧]. * ويستفاد منها: بيان القدرة من وجه آخر، وهي أن هذه السماوات العظيمة والسقف الواسع بغير عمد؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [لقمان ١٠]، وأظننا لو رأينا بناءً واسعًا ما فيه أعمدة لكنا نتعجب من هذا البناء كيف هذا البناء الواسع ما فيه عمد مع أن بناء السماء أوسع وأعظم ومع ذلك بغير عمد؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِي﴾ بيان حكمة الله ورحمته في إلقاء الرواسي، كذا؟ و(رحمته) لئلا تميد بالخلق. * ويستفاد من الآية الكريمة: أن الأرض تدور. * طالب: لا. * الشيخ: طيب، نشوف الآن نحط المعدن على النار ونصهره ونشوف الزيف من الحقيقي. * يستفاد من الآية: أن الأرض تدور، كيف ذلك؟ يقولون: لأن قوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان ١٠] يدل على وجود أصل الحركة؛ لأن نفي الأخص يدل على وجود الأعم، ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام ١٠٣] حيث كان دليلًا على وجود أصل الرؤية أو لا؟ قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام ١٠٣] مو هو دليل على أن الرؤية موجودة؟ ولهذا الآية استدل بها أهل السنة على إثبات رؤية الله، وأهل البدعة على نفي رؤية الله، ولكن الصواب مع أهل السنة؛ لأن نفي الأخص يقتضي وجود الأعم؛ إذ ليس من المعقول أن يُنفى الأخص مع انتفاء الأعم، ثم لا يتطرق له، لو كان الأعم منتفيًا لوجب أن يُنفى الأعم لأجل يدخل فيه الأخص، لو كان الله لا يُرى لقال عز وجل: لا تراه الأبصار. حتى تنتفي الرؤية، وينتفي الإدراك من باب أولى، أليس كذلك؟ فلما قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ عُلِم أن أصل الرؤية موجود لكنه لا يُدرك سبحانه وتعالى. هنا لما قال: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ -والْمَيدان الاضطراب- عُلِم أن أصل الحركة موجودة، لكن هذه الرواسي لأجل اتزان الحركة حتى لا تضطرب، هذا هو تقدير من يرى أن في الآية دليلًا على أن الأرض تدور، أما الذين يقولون: فيه دليل على أن الأرض لا تدور فيقولون: إننا لا نُسلِّم أن الْمَيَدَان بمعنى الاضطراب بل نقول: إن الميَدَان هو الحركة ﴿أَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ [لقمان ١٠] أن ترسو ولا تتحرك، فيفسرون الميدان بأصل أو بمطلق الحركة، وإذا كان الأمر كذلك فإن الواجب أن نرجع إلى اللغة العربية، فإذا كانت اللغة العربية تدل على أن الميدان هو الاضطراب، فنحن نقول: إن فيها دليلًا على وجود أصل الحركة، وإذا كانت اللغة العربية تقول: إن الميدان هي الحركة فإننا نقول: فيه دليل على أنها لا تدور. ونحن إذا قلنا: إنها تدور، لا ينقص الله شيئًا، بل هو في الواقع زيادة في قدرته سبحانه وتعالى حيث تدور هذه الأرض بجميع ما فيها من بحار وأنهار وأشجار ومدر وحجر، وكل شيء، تدور ومع ذلك بهذا الاتزان البديع الذي لا يتغير، هذا دليل على قدرة الله عز وجل، كما أن سكونها وهي على الماء دليل على قدرة الله سبحانه وتعالى، لكن الشيء الذي يجب أن يُنكر حتى يتبين لنا كالشمس هو القول بأن اختلاف الليل والنهار بسبب دوران الأرض، هذا لا نُسلِّم به، بل نقول: إن الليل والنهار بسبب دوران الشمس على الأرض؛ لأن هذا هو ظاهر القرآن، ولا يمكن أن نتزحزح عنه إلا بدليل نشوفه مثل الشمس، فإن الله عز وجل أثبت الفعل للشمس: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف ١٧] ولم يقل: إذا طلع الكهف عليها يتزاور، وأثبت ﴿تَزَاوَرُ﴾، ولو كانت الحركة للأرض لكانت الأرض هي التي تزاور. ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ﴾ [الكهف ١٧] هذا الفعل الثالث، ولو كان الأرض هي اللي تدور التي يكون بدورانها اختلاف الليل والنهار لقال: وإذا غربت الأرض، أو خفي جزء الأرض، أو ما أشبه ذلك. و(تقرضهم) نفس الشيء فعل، والنبي عليه الصلاة والسلام أخبر لما قال لأبي ذر: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٩)، ومسلم (١٥٩ / ٢٥٠) من حديث أبي ذر.]]. لما غربت الشمس. فأخبر أنها تذهب هي بنفسها، فالصواب -بلا شك- هو هذا إلا إذا ظهر لنا دليل مثل الشمس فإنه يمكن أن تؤول هذه الآيات إلى أن المعنى غربت وطلعت باعتبار رؤية الرائي، وإن كان الرائي هو اللي طالع، أنت تسير في سيارة، وفي سيرك طلع عليك مثلًا ناقة تقول: طلعت عليَّ ولَّا لا؟ بينما أسير إذ طلع عليَّ ناقة ما هي (...)، تقول: طلعت عليَّ مع أنك أنت اللي طلع عليها، هذا ممكن لغةً، لكن ما دمنا لم نتيقن هذا الأمر، وإنما هي نظريات من قوم لا يؤمنون بالقرآن ولا بالشرائع، فإننا لا نقبل ذلك منهم بل نأخذ بظاهر كلام الله عز وجل. فإن قال قائل: إن قولكم هذا يناقض قولكم بإمكان دوران الأرض؟ لأنه إذا أمكن دوران الأرض لزم أن يكون تعاقب الليل والنهار بسبب دورانها. فنقول: إن هذا لا يلزمنا؛ لأنه من الممكن أن يدور هذا وهذا، وتكون حركة الشمس ودورانها أسرع، وإذا كان أسرع لزم من ذلك أن تطوف بالأرض ولو مع دوران الأرض؛ يعني ممكن تكون الأرض تدور قليلًا، وهذه تكون أكثر فيمكنها أن تلف على الأرض. فالحاصل أن هذه المسائل لا شك أن الواجب على المؤمن أن يأخذ بظاهر القرآن والسنة، هذا الواجب، في الأمور الغيبية، وفي الأمور التي لا يمكنه إدراكها حسًّا، ثم إذا تبين له بعد ذلك بالحس أن ظاهر القرآن غير مراد فإننا يجوز لنا، بل يجب علينا أن نؤول ظاهر القرآن، لماذا؟ لأنه لا يمكن أن يتعارض القرآن مع الواقع، مستحيل هذا، ولو أننا جوَّزنا ذلك عقلًا للزم أن يكون في القرآن ما هو كذب؛ لأن الكذب هو خلاف الواقع، وهذا أمر مستحيل. ولذلك يجب علينا -يا إخواننا- أمام هذه النظريات أن نجعلها كأحاديث بني إسرائيل ما وافق القرآن فهو حق وأخذنا به، ولكننا لا نأخذ به على أنه هو الذي أثبته بل على أن القرآن هو الذي أثبته، وإنما نقول ذلك لئلا يكون لهم الفضل علينا. ثانيًا: ما خالف القرآن وجب علينا رده. الثالث: ما لا نعلم موافقته للقرآن ولا مخالفته، فهذا العقل والشرع يقتضي أن نتوقف ونقول: إننا لا نصدق ولا نكذب، وحينئذٍ يحتاج الإنسان طالب العلم إلى أن يتعمق ويتأمل وينظر نظرًا عميقًا جدًّا في نصوص الكتاب والسنة حتى لا يحكم بأن الواقع يخالفها فيكون في ذلك رد فعل لمن لا يؤمنون بالإسلام؛ يعني مثلًا لو أن أحدًا أنكر مثل هذه النظريات بدون تأمل في دلالة الكتاب والسنة، أنكرها على طول كما يفعل من بعض العامة فهذا -في الحقيقة- ليس من خدمة الإسلام، هذا أخذ الإنسان خنجرًا بيده، وطعن به صدره وهو لا يشعر، فالواجب تجاه هذه الأمور -مثلما قلت لكم- أن نعرضها على الكتاب والسنة، فما وافق الكتاب والسنة فهو حق؛ لكونه وافق الكتاب والسنة، وما خالفهما فهو باطل، وما لا تُعْلم موافقته ولا مخالفته فالواجب فيه التوقُّف، وأن يقول الإنسان: إن تبين لي بحسب إدراكي أنا، وإن كان علمي قاصرًا في هذه العلوم فأنا أصدق به، إذا لم يظهر لي فأنا لست ملزمًا بأن أصدق أو أكذب، أقف من هذا موقف المحايد، وهذا هو العقل وهو الشرع. * طالب: يا شيخ، هذه النظرية هذه تخالف القرآن. * الشيخ: ويش هي؟ * الطالب: لأن يقولون: الشمس ثابتة، والأرض هي اللي تدور عليها. * الشيخ: إحنا ما قلنا: مسألة الشمس ثابتة أبطلناها قلنا: هذا ما يجوز. * الطالب: طيب هذه نظرية؟ * الشيخ: هذه نبطلها، مع أنهم يقولون: إن الشمس ما هي بثابتة. * الطالب: كيف؟ * الشيخ: إنها تدور في الأوج العالي تسير سيرًا عظيمًا، قرأت كتيبًا صغيرًا اسمه علم الفلك القديم يقول: تنطلق في الثانية ما أدري والله آلاف الملايين الأميال في الثانية، إي بس هذا.. * الطالب: (...). * الشيخ: ما ندري.. * الطالب: أحيانًا يقولون: ثابتة، وأحيانًا يقولون.. * الشيخ: والله أنا ما رأيت أن أحدًا يقول: ثابتة. * الطالب: الميدان الفرق (...). * الشيخ: اللي يظهر لي من لفظه، وأنا ما راجعت في الحقيقة كتب اللغة، لكن اللي يظهر من لفظه إن (ماد، يميد) بمعنى اضطرب، تحرك باضطراب، وعلى كل حال الآن هذه نضعها بين أيديكم لمراجعة ما يمكن من كتب اللغة، وإن شاء الله تأتونا بالنتيجة بعد. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل في نشر هذه الدواب في الأرض؛ لقوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة ١٦٤] أي: نشر، وجه دلالتها على القدرة اختلاف هذه الدواب في أجناسها وأنواعها وأشكالها وأحوالها ولَّا لا؟ وقد سبق لنا بيان بعض الحكم في خلق ما هو ضار منها، وذكرنا أظن كم حكمة؟ * طالب: ثلاثة. * الشيخ: لا، إما ستة أو سبعة، ذكرنا عدة حكم في خلق هذا الضار. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله أيضًا وحكمته ورحمته في إنزال الماء من السماء، القدرة أننا نجد هذا الماء ينزل من فوق، فمعنى ذلك أن بحارًا عظيمة تطوف بالأرض بين السماء والأرض، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور ٤٣] سبحان الله، جبال بين السماء والأرض من البرد، ينطلق منها هذه الأجزاء حتى ينزل على الأرض، ولو شاء الله تعالى لأنزل الجبل جميعًا على الأرض. * قلنا فيها أيضًا: دليل على الرحمة حيث كان نزوله من العلو لأجل يشمل المرتفع والمنخفض. * وفيه أيضًا: دليل على الرحمة أن هذا الماء لنا فيه فائدتان عظيمتان: إنبات ما ينبت منه، والثاني: خزنه في الأرض. و﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِين﴾ [الحجر ٢٢]، وقال تعالى في آية أخرى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر ٢١]، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة ٦٨، ٦٩] ففيه إذن مادة حياة الإنسان في طعامه وفي شرابه. * طالب: ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون ١٨]. * الشيخ: نعم. * ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ [لقمان ١٠] من أين نأخذ إثبات الأسباب؟ من فاء السببية ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾، وإثبات الأسباب من حكمة الله عز وجل فالمنكِر للأسباب طاعن في حكمة الله لا شك؛ لأن الله حكيم جل وعلا. القدرة أن من يجد هذا ما ينزل من فوق، فمعنى ذلك أن بحارًا عظيمة تطوف بالأرض بين السماء والأرض، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور ٤٣]، سبحان الله! جبال بين السماء والأرض من البرد، ينطلق منها هذه الأجزاء حتى ينزل على الأرض، ولو شاء الله تعالى لأنزل الجبل جميعًا على الأرض. قلنا: فيه أيضًا دليل على الرحمة، حيث كان نزوله من العلو، لأجل يشمل المرتفع والمنخفض، وفي هذا دليل على الرحمة، أما هذا الماء لنا فيه فائدتان عظيمتان: إنبات ما ينبت منه. والثاني: خزنه في الأرض ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر ٢٢]، وقال تعالى في آية أخرى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر ٢١]، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة ٦٨، ٦٩]. ففيه إذن مادة حياة الإنسان، وفيه طعامه، وفيه شرابه. * ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ [لقمان ١٠] منين نأخذ إثبات الأسباب؟ من فاء السببية ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾، وإثبات الأسباب من حكمة الله عز وجل، فالمنكر للأسباب طاعن في حكمة الله لا شك؛ لأن الله حكيم جل وعلا، كل شيء عنده بسبب لتقوم الأشياء وتمشي على نظام. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل على تصنيف هذا النبات مع أن أرضه واحدة وماءه واحد، من قوله: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي من كل صنف، ترى هذه الشجرة كبيرة، وهذه صغيرة، هذه خضراء، وهذه بنية، هذه زهرتها بيضاء، وهذه صفراء بلون آخر؛ ألوان مختلفة مع أن الماء واحد والأرض واحدة، وهذا دليل على كمال قدرة الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا النابت فيه منفعتان لنا، وهما: النظر إليه والبهجة والسرور به، ولهذا إذا وقف الإنسان على روضة معشبة تتكفأ الرياح أزهارها يجد سرورًا وأنسًا. ثانيًا: ما يحصل من هذا النبات من المنافع لنا ولبهائمنا، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٢٦ - ٣٢] (...). في قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ أن السماوات أجرام مفتوحة، ومن أنكرها، أنكر أن السماء (...) مكذب للقرآن، والمكذب للقرآن يكون كافرًا، وهذه مسألة خطيرة؛ لأن من لا يؤمنون بالله واليوم الآخر لا يقرون بأن هناك أجرامًا سماوية، يقولون: أفلاك، ومجرات، ونجوم، وما أشبه ذلك، ولا يقرون بالسماء، والذي يصدقهم في ذلك مكذب للقرآن فيكون كافرًا به والعياذ بالله (...). * * * قال الله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان ١١]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية؛ لقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ يعني مخلوقًا، وهم يقرون بأنه خلْق الله، فإذا أقروا به لزمهم الإقرار بتوحيد الألوهية؛ وعلى هذا فنقول: يؤخذ من هذه الآية الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، ولهذا نظائر في القرآن، منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١] فقال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ يستدل بكونه ربًّا خالقًا على أنه يجب أن تكون العبادة له وحده، وهذا دليل عقلي ملزم. * ومن فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالأظهر على ما يقره الخصم، فإن هذا استدلال بأمر ظاهر واضح على أمر ينكره الخصم وهو إنكار انفراد الله تعالى بالألوهية. * ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال التحدي في المناظرة؛ لقوله: ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أولئك المنكرين لتوحيد الألوهية ظالمون، وفي ضلال مبين؛ لقوله تعالى: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان ١١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: عجز جميع الأصنام المعبودة أن يخلقوا مثل خلق الله؛ لقوله: ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾. وإذا كانت عجزت عن الخلق، كانت غير مستحقة للعبادة. قال الله عز وجل: ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣] زد على ذلك: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان ١٢] الآية إلى آخره. في هذه الآية الكريمة بيان منة الله سبحانه وتعالى على لقمان في إعطائه الحكمة ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾. * ومن فوائدها: أن الحكمة قد ينالها من ليس بنبي؛ لأن لقمان على قول الجمهور ليس نبيًّا. * ومن فوائدها: وجوب الشكر لله؛ لقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ﴾. * ومنها؛ أي من الفوائد: أن شكر الله من الحكمة؛ لأن قوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ﴾ هذا من تفسير الحكمة، فالشكر لله لا شك أنه من الحكمة؛ لأن الحكمة هي موافقة الصواب، أو وضع الشيء في موضعه، ولا شك في أن شكر الله موافق للصواب، وأنه وضْع للشيء في موضعه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشاكر ثوابه لنفسه ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾. * ومنها: أن الله تعالى لا ينتفع بطاعة الطائعين، فطاعة الطائعين لأنفسهم، يتفرع على هذه الفائدة أن أمر الله عز وجل عباده بعبادته أنه مجرد إحسان إليهم؛ لأن هذا النفع لهم، كما لو كنت تربي الصغير وتقول: كل من هذا الطعام، والبس هذا الثوب، واشرب هذا الماء، فأنت تأمره، لكن الأمر لمصلحته هو. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافر لا يضر الله شيئًا؛ لقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. وفي الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل؛ وهما الغني والحميد، وإثبات ما تضمنه من صفات، وهي الغنى والحمد سواء كان حامدًا أو محمودًا. * ومن فوائدها: اتصاف الله تعالى بالصفة المركبة من الوصفين، وهما الغنى والحمد، فليس كل غني يحمد، وليس كل محمود غنيًّا. أما الله عز وجل فقد اجتمع في حقه الغنى مع الحمد، وذلك لكمال جوده وكرمه سبحانه وتعالى. * طالب: (...)؟ * الشيخ: منة الله على لقمان بالحكمة. * الطالب: يعني كل حكيم على أن (...) لم يقل.. * الشيخ: ممكن يؤخذ من قوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان ١٢]. كما أمره بالشكر بإتيان الحكمة يمكن يقال: يؤخذ منها أن كل من من الله عليه بالحكمة فعليه أن يشكر الله أكثر من غيره. * طالب: (...). * الشيخ: مدح الحكمة، نحن ذكرنا منة الله على لقمان بالحكمة هذه نعمة، أما مدحها فظاهر فيها أن الحكمة من أفضل ما يعطى الإنسان. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان ١٣]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: ملاطفة المخاطب باستدعاء قبوله لما يوجه إليه؛ لقوله: ﴿يَا بُنَيَّ﴾ فإن هذا من باب الملاطفة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أهمية هذه النصيحة؛ لأنها صدرت من أب مشفق إلى ابنه، فإذن هي من أهم ما يكون من الوصايا. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم الشرك بالله؛ لقوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾، هل يكفي هذا التعبير أن أقول: تحريم الشرك؟ * طالب: الغالب.. * الشيخ: لا، وأنا أظن بعدين. نقول: نعم، يكفي؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [الأعراف ٣٣]. قد يقول قائل: إذا سمع أني أقول: إن الشرك حرام، قال: ما يكفي أن تقول: بس حرام! يكفي؛ لأن الله قال هذا، لكنه أشد المحرمات إثمًا وظلمًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب توحيد الله عز وجل؛ لأن النهي عن الشرك ويش يقتضي؟ وجوب التوحيد. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشرك ظلم عظيم؛ لقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي قرن الأحكام بعللها، للفوائد التي سبقت، من أين يؤخذ؟ قوله: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أهم ما ينبغي العناية به التركيز على التوحيد وعدم الشرك؛ لأنه ذكر: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ فبدأ به قبل كل شيء، وكان الرسول ﷺ إذا بعث أحدًا يدعو إلى الإسلام يأمره أول ما يبدأ به الدعوة إلى التوحيد؛ لأنها هي الأصل إذا لم يكن عند الإنسان توحيد فمن يعبد؟ لا بد أن يركز على التوحيد، ولكن لكل مقام مقال. إذا كنا في بلد يكثر فيها الشرك فإنه ينبغي أن يكون كلامنا في التوحيد أكثر، إذا كان في بلد بالعكس، لكن عندهم مخالفات في أمور أخرى، ينبغي أن يركز عليها أكثر، وذلك مأخوذ من طريقة القرآن. ففي مكة كان التركيز على التوحيد في آيات القرآن أكثر، وفي المدينة كان التركيز على المعاملات وصور العبادات أكثر، فلكل مقام مقال؛ ولذلك قد يعترض بعض الناس ويقول: لماذا لا تكثرون كلامكم في التوحيد؟ (...) ولا سيما في نفس (...)؟ نقول: إن الكلام في التوحيد لا شك أنه مهم، وأنه أهم الأشياء لكن إذا كنا في قوم قد وحدوا -ولله الحمد- وعرفوا الأمر وهم بعيدون عن الشرك، وإنما يخالفون في أمور أخرى دون الشرك، فنحن نركز على ما فيها من المخالفة على أنه لو طرأ ما (...) التوحيد يجب أن يركز عليه، كما يوجد في الآونة الأخيرة من ظهور بعض الأشياء الشركية والبدعية، من هذه (...) اللي فيها أذكار وأوراد كلها كذب، أو غالبها كذب، فيجب أن يركز عليها. كذلك أيضًا وجد تمائم تعلق، تمائم من النحاس يقال: إنها تنفع من الروماتيزم، هذا أيضًا نوع من الشرك، وكذلك أيضًا ما وجد من قضية الدبلة وما يتعلق بها؛ الرجل يكتب اسمه على خاتم امرأته، وهي تكتب اسمها على خاتم زوجها، ويعتقدون هذا موجب المحبة والاقتران كأنه رباط. هذا أيضًا من الشرك، وهو من التِّوَلة. إذا طرأت مثل هذه الأمور يجب أن تحارب، وأن يركز عليها، وأن يكثر القول فيها حتى لا تنتشر، فالمهم أنه لكل مقام مقال، كما قيل. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: توجيه المواعظ من الآباء إلى أبنائهم، وأن هذا من الحكمة، أو لا؟ لقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ [لقمان ١٣]. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان الموجه أن يقرن توجيهه بالموعظة؛ لقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾، فهل يكفي مثلًا أن تقول للإنسان: هذا حرام، وهذا واجب، أو ينظر في حال الشخص؟ نعم، ينظر في حال الشخص، من الناس من يكفي أن تقول له: إنه حرام أو واجب، ويمتثل، ومن الناس من لا يكفي أن تقول: هذا حرام أو واجب حتى تقرن ذلك له بموعظة فتقول: اتقِ الله، كيف تصر على هذا وهو معصية لله ورسوله؟ وما أشبه ذلك. فالمهم أنه لكل مقام مقال، وكذلك أيضًا تذكر ما ورد به من الوعيد بالقرآن والسنة، كما لو فرض أنك توجه نصيحة إلى رجل مغمور بالمعاملة في الربا، فهذا ما يكفي أنك تقول له: حرام؛ لأنه عارف، ما أحد يشك أن الربا حرام، لكن يحتاج إلى موعظة تُلَيِّن قلبه للحق، وتقربه من الله. * * * ثم قال الله عز وجل: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان ١٤]. * من فوائد الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بمعاملة الوالدين؛ ولهذا أوصى بها سبحانه وتعالى وصية. * ومن فوائدها: أنه سبحانه أرحم بالوالدين من أولادهما، أو لا؟ لأن الله أوصى الأولاد بالوالدين، إذن فهو أرحم بالوالدين من الأولاد، كما قلنا في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء ١١] أن في الآية دليلًا على أن الله أرحم بالولد من والديه. * فمن فوائد الآية الكريمة: بيان عِظَم حقوق الوالدين؛ ولهذا جعلها الله تعالى وصية، والوصية -كما سبق في التفسير- هي أن يعهد إلى شخص بأمر هام فضلًا عن عظم حقوق الوالدين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن يذكر المخاطب ما يحمله على امتثال ما وكل إليه؛ لقوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي تقوية الجانب الضعيف، بما يقويه من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ فإن الله تعالى ذكر ما يحصل للأم إغراءً بالقيام بحقها، ولم يذكر ما يحصل للأب؛ لأنه كما قلنا في التفسير الأم ضعيفة تحتاج إلى من يقوي جانبها. وهل يُستفاد منه أن حق الأم أوجب من حق الأب؟ * طلبة: لا. * الشيخ: كيف؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، الحديث واضح، لكن من الآية. * طالب: ذكر العلماء (...). * الشيخ: لأنه ذكر ما تعانيه الأم من مشاق إشارة إلى أنها أحق؛ لأنه بالنسبة للأب ما يجد في ابنه من هذه المشاق، ولكن الأم هي التي تجد، صحيح أن الأب قد يتحمل مشاق أخرى وحصول النفقة وما أشبه ذلك. لكن الأم، الألم البدني ما يكون بالأب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للأم أن تصبر على ما ينالها من مشقة الحمل؛ لأنه أمر طبيعي؛ لقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾. * يتفرع من هذه الفائدة: بيان خطأ بعض النساء اليوم اللاتي لا يقدرن على وهن الحمل، فتجد المرأة تستعمل حبوبًا لمنع الحمل، تقول: لأن الحمل تعب ومشقة، وما أشبه ذلك. وبعض النساء يحاولن أن يلدن عن طريق العملية، تقول: لأنه أخف، كل هذا فرارًا مما جبلت عليه المرأة من الضعف عند الحمل وعند الطلق، وعند الولادة. نعم، إذا احتاج الأمر إلى عملية فهذا لا بأس به للضرورة، وإلا فإنه لا ينبغي ذلك؛ لأن هذا خلاف ما فطر الله عليه المرأة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أقل الحمل ستة أشهر من قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾. وقد قال تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف ١٥]، فإذا خصمت عامين من ثلاثين شهرًا كم بقي؟ * طالب: ستة. * الشيخ: بقي ستة أشهر. وذكر ابن قتيبة في المعارف أن عبد الملك بن مروان ولد من ستة أشهر وهو الخليفة المحنك كما هو معروف، ولد لستة أشهر، ويقول الخبراء في هذه الأمور: إنه إذا ولد لستة أشهر يمكن يعيش، لكن لسبعة أشهر قد لا يعيش. وهذا حكمة (...). * طالب: احتمال أنه ما يعيش. * الشيخ: (...). للوالدين كما يجب الشكر لله؛ لقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾. * ومنها: أنَّ شكر الله تعالى مُقدَّم على غيره؛ لأنه قدَّمه في قوله: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ فقدَّم الشكر له على شكر الوالدين مع عِظم حقهما. * ومِن فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الأمور إلى الله؛ في قوله: ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، وتقديم الخبر يدل على الحصر أنه إلى الله وحده. * ومِن فوائد الآية الكريمة: التحذير والتخويف من المخالفة؛ لأن قوله: ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ يعني وسأحاسبك أيها الإنسان، فصلة هذه الجملة بما قبلها أنها تُفيد التهديد والتحذير للمخالف.