Tafsir Ibn Uthaymeen — الأحزاب 33:1 – الأحزاب 33:13
المحتويات
الأحزاب 33:1
يقول الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب ١]، البسملة تقدم الكلام عليها من حيث المعنى ومن حيث الإعراب، وقلنا في الإعراب: إنها جارٌّ ومجرور متعلِّق بمحذوف، وأنه ينبغي أن يُقَدَّر ذلك المحذوف فعلًا خاصًّا متأخِّرًا.
مثال ذلك: عندما تريد أن تقرأ تقول: بسم الله الرحمن الرحيم، يكون التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، وهو أحسن من أن تقول: التقدير ابتدائي بسم الله الرحمن الرحيم، أو: التقدير أبتدئ بسم الله الرحمن الرحيم، لماذا؟ لأننا إذا قَدَّرْنَاه فعلًا خاصًّا كان أدلَّ على المقصود؛ فإن كلمة (ابتداء) عامة في كل ما يُبْتَدَأ به، لكن إذا عَيَّنْتَ الفعل وقلت: باسم الله أقرأ، كان أدل على المقصود، هذا واحد.
نقدِّره فعلًا؛ لأن الأصل في الأعمال هي الأفعال، ولهذا تعمل بدون شرط، وأما ما يعمل من الأسماء فإنه لا يعمل إلا بشروط، كاسم الفاعل واسم المفعول والمصدر، وما أشبه ذلك، نجعله متأخِّرًا لسببين:
السبب الأول: التبرك بالبداءة باسم الله، والثاني: الدلالة على الحصر؛ لأن تأخير العامل يدل على الحصر، أو بعبارة أعم؛ لأن تأخير ما حقه التقديم يدل على الحصر.
إذن نقول في البسملة كلما جاءت: متعلِّقة بماذا؟ بمحذوف، ويقدَّر هذا المحذوف فعلًا خاصًّا متأخِّرًا.
عندما تريد أن تتوضأ كيف نقدِّر؟ باسم الله أتوضأ، عندما يريد الإنسان أن يذبح ذبيحة يقول: التقدير باسم الله أذبح، وعلى هذا فَقِسْ.
يقول الله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وهنا (اسم) مضاف إلى (الله) وهو مفرد، فيُفِيد العموم، ولهذا قدَّرَه الشُّرَّاح بأن المعنى: بكل اسم من أسماء الله، والاسم مأخوذ من السمو وهو الارتفاع، وقيل: من السِّمَة وهي العلامة، ولو قيل بأنه مأخوذ من هذا وهذا لم يكن بعيدًا؛ لأنه يُظْهِر المسمي فيكون فيه معنى الارتفاع، ولأنه يُمَيِّزه فيكون فيه معنى العلامة، وأسماء الله تعالى تقدم الكلام عليها في درس التوحيد، لا حاجة إلى الكلام عليها هنا.
﴿الله﴾ عَلَمٌ على ذات الله سبحانه وتعالى، وهو أصل الأعلام، أسماء الله كما نعرف أعلام وأوصاف، لكن أصلها كلمة (الله)، ولهذا تأتي الأسماء دائمًا تبعًا لها فهي الأصل، وربما تأتي لفظ الجلالة تابعة لغيرها من الأسماء، مثل: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [إبراهيم ١، ٢]، فهنا (الله) تابعة لما قبلها.
وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان مشتقان مِن ؟ من الرحمة، لكن الأول منهما يدل على الرحمة باعتبارها وصفًا لله، والثاني يدل على الرحمة باعتبارها فعلًا له، فهو رحمن وهو رحيم، مُتَّصِف بالرحمة، وفاعل للرحمة، يعني أنه سبحانه وتعالى مع كونه رحيمًا فإنه يرحم، وهذا الذي قَرَّرْتُه هو ما قرره ابن القيم رحمه الله في الفرق بين الرحمن وبين الرحيم، وإن كان بعض العلماء يفرِّق بينهما بأن الرحمن ذو الرحمة العامة، والرحيم ذو الرحمة الخاصة، ويقول: إنه يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]، لكن المعنى الذي أشار إليه ابن القيم أبلغ وأحسن، ولهذا جاءت (الرحمن) على وزن فَعْلَان، وهذا الوزن يدل غالبًا على السعة والامتلاء، فهو سبحانه وتعالى واسع الرحمة، وهو سبحانه وتعالى يرحم من يشاء، كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١].
والبسملة آية من كتاب الله، تأتي في مبتدأ كل سورة، إلا في سورة براءة؛ فإنه ليس فيها بسملة، وذكر أهل العلم أن سبب سقوط البسملة في (براءة) أن الصحابة رضي الله عنهم أشكل عليهم هل هي من سورة الأنفال، أو هي سورة مستقلة، فجعلوا بينهما فاصلًا ولم يكتبوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وهذا واضح، لكن أوضح منه أنه لو كانت البسملة قد نزلت بين سورة الأنفال و(براءة) لم يمكن أن تسقط؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]، لكن لما أشكل على الصحابة هل هي مستقلة (براءة) أو من سورة الأنفال وضعوا الفاصل فقط.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾، النداء هنا للنبي صلي الله عليه وسلم بوصفه نبيًّا، وقد يناديه الله تعالى بوصفه رسولًا، فيخاطبه سبحانه وتعالى بوصفه رسولًا في مقام الرسالة كما في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧].
والنبي مشتَقّ، أصلها: النبيء، وقيل: أصلها: النَّبِيُو، بالواو، فعلى القول الأول يكون مشتقًّا من النبأ، وأُبْدِلَت الهمزة بالياء تخفيفًا، وعلى القول الثاني يكون مشتقًّا من النَّبْوَة وهي الارتفاع، ولا شك أن مقام النبوة أنه مقام رفيع، وأن النبي مُخْبِرٌ ومُخْبَرٌ أيضًا، فهو فَعِيل بمعنى فاعل وبمعنى مفعول.
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، والمراد به نبينا محمد ﷺ، يقول: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾، ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾: دُمْ على تقواه، صَرَفَها المؤلف عن ظاهر لفظها؛ لأنك إذا أمرت أحدًا بشيء فالأصل أنه غير مُتَلَبِّس به، فإذا قلت: يا فلان قُمْ، فهل هو قائم، ولَّا لا؟ لا، هذا هو الأصل، الأصل أن الأمر إنشاء ما لم يكن، فإذا قلت: يا فلان قم، أو يا فلان اقعد، فإنه حين توجيه الأمر إليه ليس متصفًا بهذا الوصف، أليس كذلك؟
النبي عليه الصلاة والسلام قال الله له: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾، فلو أخذنا بظاهر العبارة لكان النبي صلي الله عليه وسلم حين توجيه الخطاب إليه لم يكن مُتَّقِيًا، وهذا أمر لا يمكن، لذلك يكون معنى ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ أي: دم على تقواه، ومن هنا نأخذ أن الأمر بالشيء قد يكون أمرًا بتجديده، وقد يكون أمرًا بالاستمرار عليه، عرفتم؟
وقد يكون أمرًا بالتفصيل لهذا المأمور به، فمثلًا إذا قلت: يا أيها المؤمن آمِنْ، فالمعنى: دُمْ على إيمانك وحَقِّقْه.
وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ﴾ [النساء ١٣٦]، الأمر هنا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ﴾، أي: دُومُوا عليه، لكن فيه تفصيل، يعني: آمَنُوا مُجْمَلًا، ثم قال: ﴿آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ﴾.
فصار إذن توجيه الأمر في الأصل يوجَّه الأمر في الأصل إلى مَن لم يكن مُتَلَبِّسًا به، هذا هو الأصل، وقد يوجَّه إليه لطلب الاستمرار، وقد يوجَّه إليه لبيان التفصيل، كما في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وقوله: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ دائمًا تأتي التقوى في القرآن الكريم كثيرًا، فما معنى التقوى، ومن أين هي مشتقة؟ نقول: هي مشتقة من الوقاية، ولهذا يقولون: إن أصل التاء فيها واو، فتَقْوَى بمعنى وَقْوَى هذا أصلها، وإذا كانت بمعنى الوقاية فإن التقوى هي أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله عز وجل، ولا وقاية من عذاب الله إلا بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وعلى هذا فنقول: إن المراد بالتقوى فِعْل أوامر الله واجتناب نواهيه.
ومن المعلوم أننا إذا قلنا: فِعْل أوامر الله، أوامر مضاف إلى الله، أن الإنسان سينوي بهذا الفعل امتثال أمر الله، وكذلك إذا قلنا: اجتناب نَهْي الله، فإن الإنسان سيجتنبه؛ لأن الله نهى عنه؛ لأن مجرد الفعل بدون نية ليس بتقوى، ومجرد الترك بدون نية ليس بتقوى، لكن لما كان الفعل والترك مضافًا إلى الله صار لا بد فيه من النية.
﴿اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فيما يخالف شريعتك، ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ عَطْف قولِه: ﴿وَلَا تُطِعِ﴾ على ﴿اتَّقِ اللهَ﴾ من باب عطف الخاص على العام؛ لأن ترك طاعة هؤلاء من تقوى الله عز وجل، فيكون عطفه على التقوى من باب عطف الخاص على العام، وهذا كثير في القرآن والسنة وكلام العرب.
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، الكافر هو الذي صرَّح بكفره وأعلنه، وأما المنافق فهو الذي أخفى كُفْرَه، وأَظْهَرَ أنه مؤمن، فمن اين اشتُقّ الكفر أو الكافر؟
يقولون: إن الكُفْر في الأصل الستر، ومنه: الكُفُرَّى وهو غلاف الطلع؛ لأنه يستره، هذا في الأصل، وسُمِّي الذي لا يؤمن بالله كافرًا لأنه سَتَرَ نعمة الله عز وجل، وجحد شريعته، فصار بذلك ساترًا للحق، وساترًا للنعمة التي أنعم الله بها عليه، وأما النفاق فإنه مأخوذ من نَافِقَاء اليربوع، اليربوع دويبة معروفة تتخذ بيتًا في الأرض، وتحفر الجحر وتجعل له بابًا، وتجعل في آخره بابًا مُغْلَقًا بشيء من التراب، بمعنى أنها تحفر، إذا وصلت إلى منتهى الحجر حفرت إلى أن يبقى عليها شيء قليل من طبقة الأرض، بحيث إذا دفعته برأسها، أو إذا دفعه برأسه انفتح، هذه هي النافقاء، لماذا يصنع ذلك؟ لأجل إذا حُجِرَ من باب الْجُحْر خرج من هذا، فهكذا المنافق إذا خُوطِب بالإيمان قال: إنه مؤمن، فتخلَّص، كما أنه إذا أتى إلى قومه يقول: إنه كافر، فيتخلَّص من ملامة هؤلاء وملامة هؤلاء.
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، معلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يطيع الكافر، لكن الذي قد يمكن أن يطيع المنافق؛ لأن المنافق لا يُحِسّ بنفاقه وكفره، ولا يُعْلَم عنه، فقد يغتر به الإنسان، فلهذا قدَّم الله الكافرين هنا على المنافقين، مع أنه في باب الوعيد يقدِّم المنافقين على الكافرين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء ١٤٠]، وقال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ [الأحزاب ٧٣].
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ يقول المؤلف: (فيما يخالف شريعتك)، هذا القيد يقتضي تخصيص النهي، مع أن النهي مطلَق ﴿لَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، فما الذي حمل المؤلف على أن يقيِّده بما يخالف الشريعة؟ حمله على ذلك لأنه لو فُرِضَ أن الكافر أو المنافق أَمَرَ بما يوافق الشريعة لكان لزامًا علينا أن نطيعه، لا لأنه أَمَرَ، ولكن لأن هذا مقتضى الشريعة، هذا وجه.
ووجه آخر هو أن يقال: إن تقييد المؤلف ذلك بيان للواقع؛ لأن الكافر والمنافق لعداوتهما لشريعة النبي صلي الله عليه وسلم لا يمكن أن يأمر إلا بما يخالف الشريعة، فيكون هذا القيد بيانًا للواقع، والقيد الذي يكون بيانًا للواقع لا يقيِّد؛ لأنه لا يراد.
وأظن أن في ذلك أمثلة مرت علينا كثيرًا، فمن يأتي لي بمثال يكون فيه القيد بيانًا للواقع وغير مراد؟ (...) إلى شيء لا ينفعهم، ولكن هذا بيان للوقع.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ٢١]، فإن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قَيْد مُبَيِّن للواقع، وليس المعنى أن هناك ربًّا لم يخلق وربًّا خلق، واضح؟ الأمثلة في هذا كثيرة، فهنا يمكن أن نحمل كلام المؤلف في قوله: (فيما يخالف شريعتك ) على أنه بيان للواقع، وهو أن الكافر والمنافق لا يمكن أن يأمران إلا بما يخالف الشريعة؛ لأن الكافر كافر بها، والمنافق أيضًا كافر بها لكنه يُظْهِر الإيمان.
ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بما يكون قبل كونه، ﴿حَكِيمًا﴾ فيما يخلقه، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ هذه الجملة محلها أو موضعها مما قبلها في المعنى تعليلية، ووجه كونها تعليلًا لما قبلها أن الله لَمَّا أمر نبيه ﷺ بالتقوى، ونهاه عن طاعة الكافرين بَيَّنَ أن هذا الأمر والنهي صادر عن علم وحكمة، وأنه سبحانه وتعالى أعلم بما يكيده هؤلاء الأعداء من الكفار والمنافقين، فلا تطعهم فليسوا أهل نصر لك أبدًا.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بما يكون قبل كونه، هل هذا التقييد صحيح؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ليش؟ لأنه عليم بما يكون قبل كونه وبعد كونه حال كونه موجودًا، وبعد كونه حال كونه معدومًا، فإن علم الله تعالى يتعلق بالأشياء في أحوالها الثلاث؛ قبل الوجود، وحين الوجود، وبعد العدم، ولَّا لا؟
قبل الوجود وحين الوجود وبعد العدم، عرفتم؟ عِلْم المخلوق لا يتعلق بالأشياء في هذه الأحوال كلها، قبل الوجود معلوم أنه لا يعلمه، وحين الوجود يعلمه –مثلًا-، لنفرض أنه يعلمه، وبعد العدم قد ينساه، ولَّا لا؟ فعلم المخلوق محفوف بنقصين: جهل سابق، ونسيان لاحق، أما الله عز وجل فإن علمه كامل جملة وتفصيلًا في جميع الأحوال، قبل الوجود، وحين الوجود، وبعد العدم، ولهذا قال موسى عليه السلام: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ [طـه ٥٢]، فنفى عنه الضلال الذي هو الجهل، والنسيان الذي هو الذهول عن الشيء بعد علمه.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ إذا نقول: ﴿عَلِيمًا﴾ بما يكون قبل كونه، وبما يكون حين كونه، وبما يكون بعد عدمه، في كل الأحوال.
﴿حَكِيمًا﴾ مرت علينا كثيرًا، وبَيَّنَّا أنه مشتق من الحكمة والْحُكْم، من الحكمة والحكم، وأن حكم الله عز وجل كوني وشرعي، وأن الحكمة نوعان أيضًا: غائية وصورية؛ صورية مو معناها أنها بالصورة فقط، لكن كون الشيء على هذه الصورة حكمة، والغاية منه حكمة أخرى.
فإذا كان كذلك فكم تكون الأقسام؟ أربعة؟ نعم، نشوف: حُكْم مشتمل على الحكمة في صورته وغايته، حكم كوني، حكم شرعي مشتمل على الحكمة في صورته وفي غايته، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، وهنا إشكال في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ﴾؛ لأن المعروف أن الشيء الماضي قد مضى، ﴿كَانَ عَلِيمًا﴾ فهل يفيد أنه الآن ليس بعليم ؟ لا، لماذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما هو هذا؛ لأن (كان) قد تكون مسلوبة الزمان، ويُقْصَد بها اتصاف اسمها بخبرها، وتَحَقُّق ذلك الاتصاف بدون أن يلاحظ الزمن فيها، عرفتم؟ وهي كلما جاءت بالنسبة إلى الله تعالى وأسمائه وصفاته فإنها على هذا الباب، أيش؟ أنها تفيد تحقُّق اتصاف الموصوف الذي هو اسمها بصفته وهو خبرها، بقطع النظر عن الزمان، فعليه نقول: إن الفعل هنا مسلوب الزمان، يعني: لم يزل ولا يزال عليمًا حكيمًا.
العلم والحكمة من الصفات الذاتية أو الفعلية ؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: من الصفات الذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال عليمًا، ولم يزل ولا يزال حكيمًا، والله أعلم. (...)
وفي لفظ ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ، ﴿يَعْمَلُونَ﴾ حسب النسخة اللي عندي.
﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأحزاب ٢]، نقول في ﴿اتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ كما قلنا في ﴿اتَّقِ اللهَ﴾، يعني: استمر على اتباعه واتباع ما يوحَى إلى النبي ﷺ بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام يشمل اتباعه بالتبليغ، واتباعه بالدعوة، واتباعه بالعمل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام مأمور بالأمور الثلاثة؛ مأمور بتبليغه، وبالدعوة إليه، وبالعمل به.
وقوله: ﴿مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ الوحي في الأصل الإعلام بسرعة وخفاء، الإعلام بسرعة وخفاء يسمى وحيًا، والمراد به هنا إبلاغ النبي ﷺ ما شَرَعَه الله سبحانه وتعالى، سواء كان بواسطة أو بغير واسطة.
ومعلوم أن إبلاغ الله سبحانه وتعالى لنبيه ﷺ الوحي ظاهر أو لا، هو ظاهر للناس؟ لا؛ لأن الرسول ما يُعْرَف أنه يوحَى إليه إلا بما يظهر من علامات الوحي، لكن لا ندري كيف يُوحَى إليه لولا أنه أخبرنا بذلك.
وقوله: ﴿مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾، (ما) هذه اسم موصول من صِيَغ العموم تشمل كل ما يُوحَى إلى النبي ﷺ.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ يفيد أن هؤلاء الكافرين والمنافقين كانوا يحاولون من النبي ﷺ أن يخالف شريعته، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام قد لا يعلم بذلك، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: هؤلاء الكفار والمنافقون، ﴿بِمَا يعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ، والخبير مشتق من الخبرة، وهي العلم ببواطن الأمور، ولهذا سُمِّي صاحب الحرث والزرع سُمِّي خبيرًا، وسُمِّيَت المزارعة مخابرة؛ لأن الحب يُدْفَن في الأرض فيكون باطنًا غير ظاهر، فالخبير هو العليم بماذا؟ ببواطن الأمور.
إذن الخبير أَخَصّ من العليم؛ لأن العليم يشمل العالم بظواهر الأمور وببواطنها، لكن الخبير أخص؛ هو العالم ببواطن الأمور، والعالم بالبواطن عالم بالظواهر من باب أولى.
وعندي يقول المؤلف: (وفي قراءة بالفوقانية)، فيقال: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، (في قراءة) اصطلاح المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: (في قراءة) فهي سبعية، وإذا قال: قُرِئَ فهي شاذة، وعلى هذا ففي الآية قراءتان سبعيتان.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أنا عندي (في قراءة بالفوقانية) عندكم (بالتحتانية)؟
* طالب: لا، بالفوقانية.
* الشيخ: بالفوقانية؛ لأن المؤلف أثبت ﴿يَعْمَلُونَ﴾، هنا نقول: في الآية قراءتان سبعيتان تجوز القراءة بكل منهما، وعندما نقول: تجوز، فليس معناه أن القراءة بهذا وبهذا على حد سواء، لكن المعنى أن القراءة بهما غير ممنوعة؛ لأن الأفضل أن تقرأ بهذه تارة وبهذه تارة، فإن اختلاف القراءات كاختلاف العبادات، وقد ذكرنا أن الأفضل في العبادات الواردة على وجوه متنوعة، أيش الأفضل؟ أن تأتي بهذه مرة وبهذه مرة، لأجل أن تكون قد عملت بالسنة في جميع وجوهها، كذلك في القراءات الأفضل أن تأتي بهذه مرة وبهذه أخرى، بشرط أن تكون عالِمًا بالقراءة، ولكن هذا القول الذي نقوله إنما هو في قراءة الإنسان الخاصة، أما قراءته على العامة فإنه لا ينبغي أن يخرج عن القراءة الموجودة بين أيديهم، لماذا؟ لأن العامي لا يدرك هذه القراءات، أو لا يدرك اختلاف هذه القراءات، فإذا قرأت القرآن بغير ما بين يديه فإنه سيُنْكِر عليك، لكن هذا الإنكار ربما تجيب عنه، لكن سيقع في نفسه شيء من الشك، يقول: إذن القرآن ما ضُبِط، ما دام واحد يقرأ بهذا، وواحد يقرأ بهذا معناه لم يُضْبَط القرآن، فيقع في قلبه شيء من الشك، ولهذا ينبغي لنا أن نُحَدِّث الناس بما تدركه عقولهم، كما في حديث علي: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ»[[أخرجه البخاري (١٢٧) عن علي رضي الله عنه موقوفًا.]].
فالحاصل أن الإنسان طالب العلم الذي يعرف القراءات ينبغي له أن يقرأ أحيانًا بهذه وأحيانًا بهذه، ولكن هل يجمع بين القراءتين؟ يعني –مثلًا- هنا أقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، لا، الأفضل يأتي بهذا مرة وبهذا مرة؛ لأنك إذا جمعت بين القراءتين فقد خالفت، إذ إن مَن قرأها بالتاء لا يقرؤها بالياء، فكيف تجمع بينهما؟
ولكن بعض أهل العلم يقول: لا بأس أن تجمع بين القراءتين، سواء كانت منفصلة أو غير منفصلة، بمعنى أنه يجوز أن تقرأ بالقراءتين في الآية الواحدة، ويجوز أن تقرأ في آية بقراءة قارئ، وفي آية أخرى بقراءة قارئ آخر.
أما الثانية -وهي أن تقرأ في آية بقراءة قارئ، وفي آية أخرى بقراءة قارئ آخر- فهي جائزة، أما الجمع بين القراءتين في آية واحدة وفي تلاوة واحدة فإن في جوازه نظرًا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني –مثلًا- تقرأ هنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ على قراءة أحد القراء، ثم تأتي –مثلًا- في قراءة ثانية تخالفه في آية أخرى فتقرأ بها. (...)
هل مجرد النداء يعتبر تعظيمًا؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: النداء (...).
* الشيخ: أحسنت، من ندائه بوصف النبوة، مع أن الأنبياء الذين سِوَاه يناديهم الله تعالى بأسمائهم: يا موسي، يا عيسى، وما أشبه ذلك، أما النبي عليه الصلاة والسلام ما ناداه إلا بوصف النبوة أو الرسالة.
فإن قلت: أليس الله قد قال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران ١٤٤]، وقال: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح ٢٩]؟
* الطالب: هذا ليس مقام نداء وخطاب.
* الشيخ: نعم، هذا ليس مقام نداء وخطاب، لكن هو مقام خبر.
* ويُسْتَفَاد من الآية الكريمة: وجوب التقوى.
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿اتَّقِ اللهَ﴾، نعم.
* ويستفاد منها: وجوب التقوى على الأمة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا كان الرسول ﷺ يُؤْمَر بالتقوى فغيره من باب أولى، هذا وجه، وجه آخر؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أن الخطاب الموجَّه للرسول عليه الصلاة والسلام موجَّه له ولأمته، ما لم يقم دليل على تخصيصه.
بهذه المناسبة الخطابات الموجَّهة للرسول عليه الصلاة والسلام إما أن يقوم دليل على العموم، أن يكون في نفس الخطاب ما يدل على العموم، أو فيه ما يدل على الخصوص، أو فيه ما لا يدل على هذا ولا على هذا، فالذي فيه ما يدل على العموم للعموم، ومن يأتي بمثال له؟
* طالب: الخصوص؟
* الشيخ: لا، العموم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا ما فيه دليل على العموم.
* طالب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
* الشيخ: نعم، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١]، أو فيه ما يدل على الخصوص؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، صح، له أمثلة كثيرة، أو فيه ما لا يدل على هذا ولا هذا؟ مثل هذه الآية، ولكن حكمها عام، حكمها عام للنبي ﷺ ولأمته، واضح؟
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن النبي ﷺ عبد مأمور مكلَّف، مِن؟
* طالب: بأمره بالتقوى وعدم إطاعة الكافرين والمنافقين.
* الشيخ: نعم، أحسنت، بأمره بالتقوى وعدم إطاعة الكافرين والمنافقين.
* ويستفاد من ذلك: أن الإنسان مهما بلغ من المرتبة فإن التكاليف لا تسقط عنه؟
* طالب: ذلك أن (...).
* الشيخ: وعلى هذا يتفرع على هذه الفائدة بيان ضلال أولئك لصوفية الذين يقولون: إن الإنسان إذا وصل إلى درجة المعايَنَة سقطت عنه التكاليف، ولَّا لا؟ لأننا نقول: لا أحد يبلغ مرتبة النبي ﷺ عند الله عز وجل، ومع ذلك لم تسقط عنه التكاليف.
فإن قالوا: إن الله يقول: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر ٩٩]، يعني: حتى تصل إلى درجة اليقين ثم تنتهي عن العبادة، فبماذا نجيبهم؟
* طالب: المراد باليقين هنا الموت.
* الشيخ: هل عندك دليل على أن اليقين هو الموت؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هم يقولون: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾: حتى تصل إلى درجة اليقين ثم قف، فنحن الآن نريد أن نجد دليلًا يدل على أن اليقين هو الموت.
* الطالب: قول بعض السلف: وجَاهَد في الله حق جهاده حتى آتاه اليقين.
* الشيخ: لا، هذا قول السلف، نبغي من الكتاب أو من السنة.
* طالب: ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾.
* الشيخ: نعم، قولهم –أي: أصحاب الجحيم-: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر ٤٦، ٤٧]، أتاهم اليقين يعني أنهم وصلوا إلى درجة اليقين؟ أبدًا، ماتوا على التكذيب، ولا وصلوا إلى درجة اليقين، وإذا كان هؤلاء يقولون: إننا وصلنا إلى درجة يقين يكونون به من أصحاب الجحيم، فنحن نوافقهم على ذلك، واضح؟
* ويستفاد من الآية الكريمة: تحريم طاعة الكافرين والمنافقين والركون إليهم؛ لقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾.
* ويستفاد منها: أن الكافر والمنافق لا يمكن أن يكون ناصحًا للمؤمنين أبدًا.
* طالب: هنا (...).
* الشيخ: نعم، ولو كان يمكن أن يكون فيه النصح ما نهى عن طاعتهم مطلقًا؛ لأن الناصح يطاع.
* ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: العليم، والحكيم.
والسؤال الآن: هل علم الله عز وجل خاصّ بالماضي والحاضر، أو شامل؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: سؤال لم يرد في الشرح، هل عِلْم الله عز وجل متعلق بالواجب، أو بالمستحيل، أو بالممكن، أو بالجميع؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ممكن يكون في السماوات والأرض غالب غير الله؟ غير ممكن، وكذلك ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون ٩١]، هذا بالمستحيل، مثال تعلّق عِلْم الله بالواجب؟ كثير هذا كثير جدًّا.
* طالب: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [المجادلة ٧].
* الشيخ: لا.
* طالب: يعلم (...).
* الشيخ: يا إخواني، كل ما أخبر الله به عن نفسه فهو من العلم بالواجب؛ لأن الله يجب له صفات الكمال، فإذا أخبر عن نفسه بهذه الصفات صار متعلقًا بالواجب، أما الممكن فهو مثل ما قال الأخ: ﴿اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد ٨]، هذا من الممكن ولَّا من الواجب؟ من الممكن؛ لأن حَمْل الأنثى وغَيْض الأرحام وزيادة الأرحام ممكن ولَّا واجب ولَّا جائز؟ ممكن.
إذن فصار عِلْم الله شاملًا لكل شيء جملةً وتفصيلًا، حاضرًا ومستقبلًا وماضيًا، واجبًا وممكنًا وجائزًا، ولهذا يقول السفاريني في عقيدته:
وَالْعِلْمُ وَالْكَلَامُ قَدْ تَعَلَّقَا ∗∗∗ بِكُلِّ شَيْءٍ يَا خَلِيلِي مُطْلَقَا
* طالب: (...).
* الشيخ: الواجب عندهم ضد المستحيل والممكن؛ لأنهم يقولون: الأشياء على ثلاثة أمور؛ إما واجبة، يعني لا بد من وجودها، ما هو بالواجب اللي يُثَاب فاعله ويستحق العقاب تاركه، الواجب الذي لا بد منه، والمستحيل الذي لا يمكن، والممكن الذي جائز الوقوع وعدمه.
* ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب اتِّباع ما أُنْزِل على النبي ﷺ، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾.
* الشيخ: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾، فإن قلت: هل هذا على العموم؛ أنه يجب اتباع ما أنزل على الرسول؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: إذن يجب أن نرفع الأيدي في الصلاة، ويجب أن نُسَبِّح أكثر من مرة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إذن معناه نقول: هذا يُسْتَثْنَى منه ما قام الدليل على أنه ليس بواجب، لكن ما صحّ عن الرسول عليه الصلاة والسلام ولو كان غير واجب يجب اعتقاد مشروعيته، حتى وإن كان غير واجب الفعل، أفهمتم الآن؟
فعندنا اعتقاد المشروعية، وتنفيذ هذا المشروع، تنفيذ المشروع على حسب ما جاءت به الأدلة؛ إما واجب وإما مستحب، وأما اعتقاد المشروعية فيما صح فهو واجب.
فمثلًا: يجب عليَّ أن أعتقد مشروعية مجافاة العضدين عن الجنبين في السجود، ونعتقد مشروعية الالتفات في الصلاة عند السلام، لكن فِعْل ذلك يتوقف على الأدلة التفصيلية، إن دلت الأدلة على وجوبه فهو واجب، وإن دَلَّت على أنه مستحب فهو مستحب.
* ويستفاد من الآية الكريمة: ثبوت رسالة النبي ﷺ ونبوته.
* طالب: ﴿مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾.
* الشيخ: لقوله: ﴿مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، ومن أول الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، نعم.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن لله تعالى ربوبية خاصة بالنسبة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، وقد مَرَّ علينا كثيرًا أن الربوبية نوعان والعبودية نوعان؛ ربوبية عامة وربوبية خاصة، فمثال الربوبية العامة قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [مريم ٦٥]، هذه عامة ولَّا خاصة؟ عامة.
ومثال الخصوصية مثل هذه الآية: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢]، وكذلك العبودية نوعان: عامة وخاصة، فالعامة مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر ٤٤] عام.
والخاصة: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء ١]، المراد الرسول عليه الصلاة والسلام.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن عِلْم الله تعالى شامل للأمور الباطنة؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
* ويستفاد منها: تحذير الإنسان من المخالفة.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، نقول: تحذير الإنسان من المخالفة.
* طالب: (...).
* الشيخ: لأن هذا يوجِب أننا لا نخالف الله، ما دمنا نعلم أنه خبير بما نعمل فإنه لا يمكن أن نخالف الله عز وجل، واضح؟ مثل ما لو قلت –مثلًا-: اذهب وأنا أعلم ما تفعل، أيش المراد بهذا؟ التهديد والتحذير من المخالفة، فكل نص يأتي يُبَيِّن الله فيه أنه يعلم ما نعمل فهو تحذير لنا من مخالفته. (...)
الأحزاب 33:2
يقول الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب ١]، البسملة تقدم الكلام عليها من حيث المعنى ومن حيث الإعراب، وقلنا في الإعراب: إنها جارٌّ ومجرور متعلِّق بمحذوف، وأنه ينبغي أن يُقَدَّر ذلك المحذوف فعلًا خاصًّا متأخِّرًا.
مثال ذلك: عندما تريد أن تقرأ تقول: بسم الله الرحمن الرحيم، يكون التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، وهو أحسن من أن تقول: التقدير ابتدائي بسم الله الرحمن الرحيم، أو: التقدير أبتدئ بسم الله الرحمن الرحيم، لماذا؟ لأننا إذا قَدَّرْنَاه فعلًا خاصًّا كان أدلَّ على المقصود؛ فإن كلمة (ابتداء) عامة في كل ما يُبْتَدَأ به، لكن إذا عَيَّنْتَ الفعل وقلت: باسم الله أقرأ، كان أدل على المقصود، هذا واحد.
نقدِّره فعلًا؛ لأن الأصل في الأعمال هي الأفعال، ولهذا تعمل بدون شرط، وأما ما يعمل من الأسماء فإنه لا يعمل إلا بشروط، كاسم الفاعل واسم المفعول والمصدر، وما أشبه ذلك، نجعله متأخِّرًا لسببين:
السبب الأول: التبرك بالبداءة باسم الله، والثاني: الدلالة على الحصر؛ لأن تأخير العامل يدل على الحصر، أو بعبارة أعم؛ لأن تأخير ما حقه التقديم يدل على الحصر.
إذن نقول في البسملة كلما جاءت: متعلِّقة بماذا؟ بمحذوف، ويقدَّر هذا المحذوف فعلًا خاصًّا متأخِّرًا.
عندما تريد أن تتوضأ كيف نقدِّر؟ باسم الله أتوضأ، عندما يريد الإنسان أن يذبح ذبيحة يقول: التقدير باسم الله أذبح، وعلى هذا فَقِسْ.
يقول الله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وهنا (اسم) مضاف إلى (الله) وهو مفرد، فيُفِيد العموم، ولهذا قدَّرَه الشُّرَّاح بأن المعنى: بكل اسم من أسماء الله، والاسم مأخوذ من السمو وهو الارتفاع، وقيل: من السِّمَة وهي العلامة، ولو قيل بأنه مأخوذ من هذا وهذا لم يكن بعيدًا؛ لأنه يُظْهِر المسمي فيكون فيه معنى الارتفاع، ولأنه يُمَيِّزه فيكون فيه معنى العلامة، وأسماء الله تعالى تقدم الكلام عليها في درس التوحيد، لا حاجة إلى الكلام عليها هنا.
﴿الله﴾ عَلَمٌ على ذات الله سبحانه وتعالى، وهو أصل الأعلام، أسماء الله كما نعرف أعلام وأوصاف، لكن أصلها كلمة (الله)، ولهذا تأتي الأسماء دائمًا تبعًا لها فهي الأصل، وربما تأتي لفظ الجلالة تابعة لغيرها من الأسماء، مثل: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [إبراهيم ١، ٢]، فهنا (الله) تابعة لما قبلها.
وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان مشتقان مِن ؟ من الرحمة، لكن الأول منهما يدل على الرحمة باعتبارها وصفًا لله، والثاني يدل على الرحمة باعتبارها فعلًا له، فهو رحمن وهو رحيم، مُتَّصِف بالرحمة، وفاعل للرحمة، يعني أنه سبحانه وتعالى مع كونه رحيمًا فإنه يرحم، وهذا الذي قَرَّرْتُه هو ما قرره ابن القيم رحمه الله في الفرق بين الرحمن وبين الرحيم، وإن كان بعض العلماء يفرِّق بينهما بأن الرحمن ذو الرحمة العامة، والرحيم ذو الرحمة الخاصة، ويقول: إنه يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]، لكن المعنى الذي أشار إليه ابن القيم أبلغ وأحسن، ولهذا جاءت (الرحمن) على وزن فَعْلَان، وهذا الوزن يدل غالبًا على السعة والامتلاء، فهو سبحانه وتعالى واسع الرحمة، وهو سبحانه وتعالى يرحم من يشاء، كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١].
والبسملة آية من كتاب الله، تأتي في مبتدأ كل سورة، إلا في سورة براءة؛ فإنه ليس فيها بسملة، وذكر أهل العلم أن سبب سقوط البسملة في (براءة) أن الصحابة رضي الله عنهم أشكل عليهم هل هي من سورة الأنفال، أو هي سورة مستقلة، فجعلوا بينهما فاصلًا ولم يكتبوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وهذا واضح، لكن أوضح منه أنه لو كانت البسملة قد نزلت بين سورة الأنفال و(براءة) لم يمكن أن تسقط؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]، لكن لما أشكل على الصحابة هل هي مستقلة (براءة) أو من سورة الأنفال وضعوا الفاصل فقط.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾، النداء هنا للنبي صلي الله عليه وسلم بوصفه نبيًّا، وقد يناديه الله تعالى بوصفه رسولًا، فيخاطبه سبحانه وتعالى بوصفه رسولًا في مقام الرسالة كما في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧].
والنبي مشتَقّ، أصلها: النبيء، وقيل: أصلها: النَّبِيُو، بالواو، فعلى القول الأول يكون مشتقًّا من النبأ، وأُبْدِلَت الهمزة بالياء تخفيفًا، وعلى القول الثاني يكون مشتقًّا من النَّبْوَة وهي الارتفاع، ولا شك أن مقام النبوة أنه مقام رفيع، وأن النبي مُخْبِرٌ ومُخْبَرٌ أيضًا، فهو فَعِيل بمعنى فاعل وبمعنى مفعول.
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، والمراد به نبينا محمد ﷺ، يقول: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾، ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾: دُمْ على تقواه، صَرَفَها المؤلف عن ظاهر لفظها؛ لأنك إذا أمرت أحدًا بشيء فالأصل أنه غير مُتَلَبِّس به، فإذا قلت: يا فلان قُمْ، فهل هو قائم، ولَّا لا؟ لا، هذا هو الأصل، الأصل أن الأمر إنشاء ما لم يكن، فإذا قلت: يا فلان قم، أو يا فلان اقعد، فإنه حين توجيه الأمر إليه ليس متصفًا بهذا الوصف، أليس كذلك؟
النبي عليه الصلاة والسلام قال الله له: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾، فلو أخذنا بظاهر العبارة لكان النبي صلي الله عليه وسلم حين توجيه الخطاب إليه لم يكن مُتَّقِيًا، وهذا أمر لا يمكن، لذلك يكون معنى ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ أي: دم على تقواه، ومن هنا نأخذ أن الأمر بالشيء قد يكون أمرًا بتجديده، وقد يكون أمرًا بالاستمرار عليه، عرفتم؟
وقد يكون أمرًا بالتفصيل لهذا المأمور به، فمثلًا إذا قلت: يا أيها المؤمن آمِنْ، فالمعنى: دُمْ على إيمانك وحَقِّقْه.
وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ﴾ [النساء ١٣٦]، الأمر هنا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ﴾، أي: دُومُوا عليه، لكن فيه تفصيل، يعني: آمَنُوا مُجْمَلًا، ثم قال: ﴿آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ﴾.
فصار إذن توجيه الأمر في الأصل يوجَّه الأمر في الأصل إلى مَن لم يكن مُتَلَبِّسًا به، هذا هو الأصل، وقد يوجَّه إليه لطلب الاستمرار، وقد يوجَّه إليه لبيان التفصيل، كما في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وقوله: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ دائمًا تأتي التقوى في القرآن الكريم كثيرًا، فما معنى التقوى، ومن أين هي مشتقة؟ نقول: هي مشتقة من الوقاية، ولهذا يقولون: إن أصل التاء فيها واو، فتَقْوَى بمعنى وَقْوَى هذا أصلها، وإذا كانت بمعنى الوقاية فإن التقوى هي أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله عز وجل، ولا وقاية من عذاب الله إلا بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وعلى هذا فنقول: إن المراد بالتقوى فِعْل أوامر الله واجتناب نواهيه.
ومن المعلوم أننا إذا قلنا: فِعْل أوامر الله، أوامر مضاف إلى الله، أن الإنسان سينوي بهذا الفعل امتثال أمر الله، وكذلك إذا قلنا: اجتناب نَهْي الله، فإن الإنسان سيجتنبه؛ لأن الله نهى عنه؛ لأن مجرد الفعل بدون نية ليس بتقوى، ومجرد الترك بدون نية ليس بتقوى، لكن لما كان الفعل والترك مضافًا إلى الله صار لا بد فيه من النية.
﴿اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فيما يخالف شريعتك، ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ عَطْف قولِه: ﴿وَلَا تُطِعِ﴾ على ﴿اتَّقِ اللهَ﴾ من باب عطف الخاص على العام؛ لأن ترك طاعة هؤلاء من تقوى الله عز وجل، فيكون عطفه على التقوى من باب عطف الخاص على العام، وهذا كثير في القرآن والسنة وكلام العرب.
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، الكافر هو الذي صرَّح بكفره وأعلنه، وأما المنافق فهو الذي أخفى كُفْرَه، وأَظْهَرَ أنه مؤمن، فمن اين اشتُقّ الكفر أو الكافر؟
يقولون: إن الكُفْر في الأصل الستر، ومنه: الكُفُرَّى وهو غلاف الطلع؛ لأنه يستره، هذا في الأصل، وسُمِّي الذي لا يؤمن بالله كافرًا لأنه سَتَرَ نعمة الله عز وجل، وجحد شريعته، فصار بذلك ساترًا للحق، وساترًا للنعمة التي أنعم الله بها عليه، وأما النفاق فإنه مأخوذ من نَافِقَاء اليربوع، اليربوع دويبة معروفة تتخذ بيتًا في الأرض، وتحفر الجحر وتجعل له بابًا، وتجعل في آخره بابًا مُغْلَقًا بشيء من التراب، بمعنى أنها تحفر، إذا وصلت إلى منتهى الحجر حفرت إلى أن يبقى عليها شيء قليل من طبقة الأرض، بحيث إذا دفعته برأسها، أو إذا دفعه برأسه انفتح، هذه هي النافقاء، لماذا يصنع ذلك؟ لأجل إذا حُجِرَ من باب الْجُحْر خرج من هذا، فهكذا المنافق إذا خُوطِب بالإيمان قال: إنه مؤمن، فتخلَّص، كما أنه إذا أتى إلى قومه يقول: إنه كافر، فيتخلَّص من ملامة هؤلاء وملامة هؤلاء.
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، معلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يطيع الكافر، لكن الذي قد يمكن أن يطيع المنافق؛ لأن المنافق لا يُحِسّ بنفاقه وكفره، ولا يُعْلَم عنه، فقد يغتر به الإنسان، فلهذا قدَّم الله الكافرين هنا على المنافقين، مع أنه في باب الوعيد يقدِّم المنافقين على الكافرين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء ١٤٠]، وقال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ [الأحزاب ٧٣].
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ يقول المؤلف: (فيما يخالف شريعتك)، هذا القيد يقتضي تخصيص النهي، مع أن النهي مطلَق ﴿لَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، فما الذي حمل المؤلف على أن يقيِّده بما يخالف الشريعة؟ حمله على ذلك لأنه لو فُرِضَ أن الكافر أو المنافق أَمَرَ بما يوافق الشريعة لكان لزامًا علينا أن نطيعه، لا لأنه أَمَرَ، ولكن لأن هذا مقتضى الشريعة، هذا وجه.
ووجه آخر هو أن يقال: إن تقييد المؤلف ذلك بيان للواقع؛ لأن الكافر والمنافق لعداوتهما لشريعة النبي صلي الله عليه وسلم لا يمكن أن يأمر إلا بما يخالف الشريعة، فيكون هذا القيد بيانًا للواقع، والقيد الذي يكون بيانًا للواقع لا يقيِّد؛ لأنه لا يراد.
وأظن أن في ذلك أمثلة مرت علينا كثيرًا، فمن يأتي لي بمثال يكون فيه القيد بيانًا للواقع وغير مراد؟ (...) إلى شيء لا ينفعهم، ولكن هذا بيان للوقع.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ٢١]، فإن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قَيْد مُبَيِّن للواقع، وليس المعنى أن هناك ربًّا لم يخلق وربًّا خلق، واضح؟ الأمثلة في هذا كثيرة، فهنا يمكن أن نحمل كلام المؤلف في قوله: (فيما يخالف شريعتك ) على أنه بيان للواقع، وهو أن الكافر والمنافق لا يمكن أن يأمران إلا بما يخالف الشريعة؛ لأن الكافر كافر بها، والمنافق أيضًا كافر بها لكنه يُظْهِر الإيمان.
ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بما يكون قبل كونه، ﴿حَكِيمًا﴾ فيما يخلقه، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ هذه الجملة محلها أو موضعها مما قبلها في المعنى تعليلية، ووجه كونها تعليلًا لما قبلها أن الله لَمَّا أمر نبيه ﷺ بالتقوى، ونهاه عن طاعة الكافرين بَيَّنَ أن هذا الأمر والنهي صادر عن علم وحكمة، وأنه سبحانه وتعالى أعلم بما يكيده هؤلاء الأعداء من الكفار والمنافقين، فلا تطعهم فليسوا أهل نصر لك أبدًا.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بما يكون قبل كونه، هل هذا التقييد صحيح؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ليش؟ لأنه عليم بما يكون قبل كونه وبعد كونه حال كونه موجودًا، وبعد كونه حال كونه معدومًا، فإن علم الله تعالى يتعلق بالأشياء في أحوالها الثلاث؛ قبل الوجود، وحين الوجود، وبعد العدم، ولَّا لا؟
قبل الوجود وحين الوجود وبعد العدم، عرفتم؟ عِلْم المخلوق لا يتعلق بالأشياء في هذه الأحوال كلها، قبل الوجود معلوم أنه لا يعلمه، وحين الوجود يعلمه –مثلًا-، لنفرض أنه يعلمه، وبعد العدم قد ينساه، ولَّا لا؟ فعلم المخلوق محفوف بنقصين: جهل سابق، ونسيان لاحق، أما الله عز وجل فإن علمه كامل جملة وتفصيلًا في جميع الأحوال، قبل الوجود، وحين الوجود، وبعد العدم، ولهذا قال موسى عليه السلام: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ [طـه ٥٢]، فنفى عنه الضلال الذي هو الجهل، والنسيان الذي هو الذهول عن الشيء بعد علمه.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ إذا نقول: ﴿عَلِيمًا﴾ بما يكون قبل كونه، وبما يكون حين كونه، وبما يكون بعد عدمه، في كل الأحوال.
﴿حَكِيمًا﴾ مرت علينا كثيرًا، وبَيَّنَّا أنه مشتق من الحكمة والْحُكْم، من الحكمة والحكم، وأن حكم الله عز وجل كوني وشرعي، وأن الحكمة نوعان أيضًا: غائية وصورية؛ صورية مو معناها أنها بالصورة فقط، لكن كون الشيء على هذه الصورة حكمة، والغاية منه حكمة أخرى.
فإذا كان كذلك فكم تكون الأقسام؟ أربعة؟ نعم، نشوف: حُكْم مشتمل على الحكمة في صورته وغايته، حكم كوني، حكم شرعي مشتمل على الحكمة في صورته وفي غايته، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، وهنا إشكال في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ﴾؛ لأن المعروف أن الشيء الماضي قد مضى، ﴿كَانَ عَلِيمًا﴾ فهل يفيد أنه الآن ليس بعليم ؟ لا، لماذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما هو هذا؛ لأن (كان) قد تكون مسلوبة الزمان، ويُقْصَد بها اتصاف اسمها بخبرها، وتَحَقُّق ذلك الاتصاف بدون أن يلاحظ الزمن فيها، عرفتم؟ وهي كلما جاءت بالنسبة إلى الله تعالى وأسمائه وصفاته فإنها على هذا الباب، أيش؟ أنها تفيد تحقُّق اتصاف الموصوف الذي هو اسمها بصفته وهو خبرها، بقطع النظر عن الزمان، فعليه نقول: إن الفعل هنا مسلوب الزمان، يعني: لم يزل ولا يزال عليمًا حكيمًا.
العلم والحكمة من الصفات الذاتية أو الفعلية ؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: من الصفات الذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال عليمًا، ولم يزل ولا يزال حكيمًا، والله أعلم. (...)
وفي لفظ ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ، ﴿يَعْمَلُونَ﴾ حسب النسخة اللي عندي.
﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأحزاب ٢]، نقول في ﴿اتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ كما قلنا في ﴿اتَّقِ اللهَ﴾، يعني: استمر على اتباعه واتباع ما يوحَى إلى النبي ﷺ بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام يشمل اتباعه بالتبليغ، واتباعه بالدعوة، واتباعه بالعمل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام مأمور بالأمور الثلاثة؛ مأمور بتبليغه، وبالدعوة إليه، وبالعمل به.
وقوله: ﴿مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ الوحي في الأصل الإعلام بسرعة وخفاء، الإعلام بسرعة وخفاء يسمى وحيًا، والمراد به هنا إبلاغ النبي ﷺ ما شَرَعَه الله سبحانه وتعالى، سواء كان بواسطة أو بغير واسطة.
ومعلوم أن إبلاغ الله سبحانه وتعالى لنبيه ﷺ الوحي ظاهر أو لا، هو ظاهر للناس؟ لا؛ لأن الرسول ما يُعْرَف أنه يوحَى إليه إلا بما يظهر من علامات الوحي، لكن لا ندري كيف يُوحَى إليه لولا أنه أخبرنا بذلك.
وقوله: ﴿مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾، (ما) هذه اسم موصول من صِيَغ العموم تشمل كل ما يُوحَى إلى النبي ﷺ.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ يفيد أن هؤلاء الكافرين والمنافقين كانوا يحاولون من النبي ﷺ أن يخالف شريعته، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام قد لا يعلم بذلك، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: هؤلاء الكفار والمنافقون، ﴿بِمَا يعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ، والخبير مشتق من الخبرة، وهي العلم ببواطن الأمور، ولهذا سُمِّي صاحب الحرث والزرع سُمِّي خبيرًا، وسُمِّيَت المزارعة مخابرة؛ لأن الحب يُدْفَن في الأرض فيكون باطنًا غير ظاهر، فالخبير هو العليم بماذا؟ ببواطن الأمور.
إذن الخبير أَخَصّ من العليم؛ لأن العليم يشمل العالم بظواهر الأمور وببواطنها، لكن الخبير أخص؛ هو العالم ببواطن الأمور، والعالم بالبواطن عالم بالظواهر من باب أولى.
وعندي يقول المؤلف: (وفي قراءة بالفوقانية)، فيقال: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، (في قراءة) اصطلاح المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: (في قراءة) فهي سبعية، وإذا قال: قُرِئَ فهي شاذة، وعلى هذا ففي الآية قراءتان سبعيتان.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أنا عندي (في قراءة بالفوقانية) عندكم (بالتحتانية)؟
* طالب: لا، بالفوقانية.
* الشيخ: بالفوقانية؛ لأن المؤلف أثبت ﴿يَعْمَلُونَ﴾، هنا نقول: في الآية قراءتان سبعيتان تجوز القراءة بكل منهما، وعندما نقول: تجوز، فليس معناه أن القراءة بهذا وبهذا على حد سواء، لكن المعنى أن القراءة بهما غير ممنوعة؛ لأن الأفضل أن تقرأ بهذه تارة وبهذه تارة، فإن اختلاف القراءات كاختلاف العبادات، وقد ذكرنا أن الأفضل في العبادات الواردة على وجوه متنوعة، أيش الأفضل؟ أن تأتي بهذه مرة وبهذه مرة، لأجل أن تكون قد عملت بالسنة في جميع وجوهها، كذلك في القراءات الأفضل أن تأتي بهذه مرة وبهذه أخرى، بشرط أن تكون عالِمًا بالقراءة، ولكن هذا القول الذي نقوله إنما هو في قراءة الإنسان الخاصة، أما قراءته على العامة فإنه لا ينبغي أن يخرج عن القراءة الموجودة بين أيديهم، لماذا؟ لأن العامي لا يدرك هذه القراءات، أو لا يدرك اختلاف هذه القراءات، فإذا قرأت القرآن بغير ما بين يديه فإنه سيُنْكِر عليك، لكن هذا الإنكار ربما تجيب عنه، لكن سيقع في نفسه شيء من الشك، يقول: إذن القرآن ما ضُبِط، ما دام واحد يقرأ بهذا، وواحد يقرأ بهذا معناه لم يُضْبَط القرآن، فيقع في قلبه شيء من الشك، ولهذا ينبغي لنا أن نُحَدِّث الناس بما تدركه عقولهم، كما في حديث علي: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ»[[أخرجه البخاري (١٢٧) عن علي رضي الله عنه موقوفًا.]].
فالحاصل أن الإنسان طالب العلم الذي يعرف القراءات ينبغي له أن يقرأ أحيانًا بهذه وأحيانًا بهذه، ولكن هل يجمع بين القراءتين؟ يعني –مثلًا- هنا أقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، لا، الأفضل يأتي بهذا مرة وبهذا مرة؛ لأنك إذا جمعت بين القراءتين فقد خالفت، إذ إن مَن قرأها بالتاء لا يقرؤها بالياء، فكيف تجمع بينهما؟
ولكن بعض أهل العلم يقول: لا بأس أن تجمع بين القراءتين، سواء كانت منفصلة أو غير منفصلة، بمعنى أنه يجوز أن تقرأ بالقراءتين في الآية الواحدة، ويجوز أن تقرأ في آية بقراءة قارئ، وفي آية أخرى بقراءة قارئ آخر.
أما الثانية -وهي أن تقرأ في آية بقراءة قارئ، وفي آية أخرى بقراءة قارئ آخر- فهي جائزة، أما الجمع بين القراءتين في آية واحدة وفي تلاوة واحدة فإن في جوازه نظرًا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني –مثلًا- تقرأ هنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ على قراءة أحد القراء، ثم تأتي –مثلًا- في قراءة ثانية تخالفه في آية أخرى فتقرأ بها. (...)
هل مجرد النداء يعتبر تعظيمًا؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: النداء (...).
* الشيخ: أحسنت، من ندائه بوصف النبوة، مع أن الأنبياء الذين سِوَاه يناديهم الله تعالى بأسمائهم: يا موسي، يا عيسى، وما أشبه ذلك، أما النبي عليه الصلاة والسلام ما ناداه إلا بوصف النبوة أو الرسالة.
فإن قلت: أليس الله قد قال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران ١٤٤]، وقال: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح ٢٩]؟
* الطالب: هذا ليس مقام نداء وخطاب.
* الشيخ: نعم، هذا ليس مقام نداء وخطاب، لكن هو مقام خبر.
* ويُسْتَفَاد من الآية الكريمة: وجوب التقوى.
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿اتَّقِ اللهَ﴾، نعم.
* ويستفاد منها: وجوب التقوى على الأمة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا كان الرسول ﷺ يُؤْمَر بالتقوى فغيره من باب أولى، هذا وجه، وجه آخر؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أن الخطاب الموجَّه للرسول عليه الصلاة والسلام موجَّه له ولأمته، ما لم يقم دليل على تخصيصه.
بهذه المناسبة الخطابات الموجَّهة للرسول عليه الصلاة والسلام إما أن يقوم دليل على العموم، أن يكون في نفس الخطاب ما يدل على العموم، أو فيه ما يدل على الخصوص، أو فيه ما لا يدل على هذا ولا على هذا، فالذي فيه ما يدل على العموم للعموم، ومن يأتي بمثال له؟
* طالب: الخصوص؟
* الشيخ: لا، العموم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا ما فيه دليل على العموم.
* طالب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
* الشيخ: نعم، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١]، أو فيه ما يدل على الخصوص؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، صح، له أمثلة كثيرة، أو فيه ما لا يدل على هذا ولا هذا؟ مثل هذه الآية، ولكن حكمها عام، حكمها عام للنبي ﷺ ولأمته، واضح؟
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن النبي ﷺ عبد مأمور مكلَّف، مِن؟
* طالب: بأمره بالتقوى وعدم إطاعة الكافرين والمنافقين.
* الشيخ: نعم، أحسنت، بأمره بالتقوى وعدم إطاعة الكافرين والمنافقين.
* ويستفاد من ذلك: أن الإنسان مهما بلغ من المرتبة فإن التكاليف لا تسقط عنه؟
* طالب: ذلك أن (...).
* الشيخ: وعلى هذا يتفرع على هذه الفائدة بيان ضلال أولئك لصوفية الذين يقولون: إن الإنسان إذا وصل إلى درجة المعايَنَة سقطت عنه التكاليف، ولَّا لا؟ لأننا نقول: لا أحد يبلغ مرتبة النبي ﷺ عند الله عز وجل، ومع ذلك لم تسقط عنه التكاليف.
فإن قالوا: إن الله يقول: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر ٩٩]، يعني: حتى تصل إلى درجة اليقين ثم تنتهي عن العبادة، فبماذا نجيبهم؟
* طالب: المراد باليقين هنا الموت.
* الشيخ: هل عندك دليل على أن اليقين هو الموت؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هم يقولون: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾: حتى تصل إلى درجة اليقين ثم قف، فنحن الآن نريد أن نجد دليلًا يدل على أن اليقين هو الموت.
* الطالب: قول بعض السلف: وجَاهَد في الله حق جهاده حتى آتاه اليقين.
* الشيخ: لا، هذا قول السلف، نبغي من الكتاب أو من السنة.
* طالب: ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾.
* الشيخ: نعم، قولهم –أي: أصحاب الجحيم-: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر ٤٦، ٤٧]، أتاهم اليقين يعني أنهم وصلوا إلى درجة اليقين؟ أبدًا، ماتوا على التكذيب، ولا وصلوا إلى درجة اليقين، وإذا كان هؤلاء يقولون: إننا وصلنا إلى درجة يقين يكونون به من أصحاب الجحيم، فنحن نوافقهم على ذلك، واضح؟
* ويستفاد من الآية الكريمة: تحريم طاعة الكافرين والمنافقين والركون إليهم؛ لقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾.
* ويستفاد منها: أن الكافر والمنافق لا يمكن أن يكون ناصحًا للمؤمنين أبدًا.
* طالب: هنا (...).
* الشيخ: نعم، ولو كان يمكن أن يكون فيه النصح ما نهى عن طاعتهم مطلقًا؛ لأن الناصح يطاع.
* ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: العليم، والحكيم.
والسؤال الآن: هل علم الله عز وجل خاصّ بالماضي والحاضر، أو شامل؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: سؤال لم يرد في الشرح، هل عِلْم الله عز وجل متعلق بالواجب، أو بالمستحيل، أو بالممكن، أو بالجميع؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ممكن يكون في السماوات والأرض غالب غير الله؟ غير ممكن، وكذلك ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون ٩١]، هذا بالمستحيل، مثال تعلّق عِلْم الله بالواجب؟ كثير هذا كثير جدًّا.
* طالب: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [المجادلة ٧].
* الشيخ: لا.
* طالب: يعلم (...).
* الشيخ: يا إخواني، كل ما أخبر الله به عن نفسه فهو من العلم بالواجب؛ لأن الله يجب له صفات الكمال، فإذا أخبر عن نفسه بهذه الصفات صار متعلقًا بالواجب، أما الممكن فهو مثل ما قال الأخ: ﴿اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد ٨]، هذا من الممكن ولَّا من الواجب؟ من الممكن؛ لأن حَمْل الأنثى وغَيْض الأرحام وزيادة الأرحام ممكن ولَّا واجب ولَّا جائز؟ ممكن.
إذن فصار عِلْم الله شاملًا لكل شيء جملةً وتفصيلًا، حاضرًا ومستقبلًا وماضيًا، واجبًا وممكنًا وجائزًا، ولهذا يقول السفاريني في عقيدته:
وَالْعِلْمُ وَالْكَلَامُ قَدْ تَعَلَّقَا ∗∗∗ بِكُلِّ شَيْءٍ يَا خَلِيلِي مُطْلَقَا
* طالب: (...).
* الشيخ: الواجب عندهم ضد المستحيل والممكن؛ لأنهم يقولون: الأشياء على ثلاثة أمور؛ إما واجبة، يعني لا بد من وجودها، ما هو بالواجب اللي يُثَاب فاعله ويستحق العقاب تاركه، الواجب الذي لا بد منه، والمستحيل الذي لا يمكن، والممكن الذي جائز الوقوع وعدمه.
* ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب اتِّباع ما أُنْزِل على النبي ﷺ، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾.
* الشيخ: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾، فإن قلت: هل هذا على العموم؛ أنه يجب اتباع ما أنزل على الرسول؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: إذن يجب أن نرفع الأيدي في الصلاة، ويجب أن نُسَبِّح أكثر من مرة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إذن معناه نقول: هذا يُسْتَثْنَى منه ما قام الدليل على أنه ليس بواجب، لكن ما صحّ عن الرسول عليه الصلاة والسلام ولو كان غير واجب يجب اعتقاد مشروعيته، حتى وإن كان غير واجب الفعل، أفهمتم الآن؟
فعندنا اعتقاد المشروعية، وتنفيذ هذا المشروع، تنفيذ المشروع على حسب ما جاءت به الأدلة؛ إما واجب وإما مستحب، وأما اعتقاد المشروعية فيما صح فهو واجب.
فمثلًا: يجب عليَّ أن أعتقد مشروعية مجافاة العضدين عن الجنبين في السجود، ونعتقد مشروعية الالتفات في الصلاة عند السلام، لكن فِعْل ذلك يتوقف على الأدلة التفصيلية، إن دلت الأدلة على وجوبه فهو واجب، وإن دَلَّت على أنه مستحب فهو مستحب.
* ويستفاد من الآية الكريمة: ثبوت رسالة النبي ﷺ ونبوته.
* طالب: ﴿مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾.
* الشيخ: لقوله: ﴿مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، ومن أول الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، نعم.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن لله تعالى ربوبية خاصة بالنسبة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، وقد مَرَّ علينا كثيرًا أن الربوبية نوعان والعبودية نوعان؛ ربوبية عامة وربوبية خاصة، فمثال الربوبية العامة قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [مريم ٦٥]، هذه عامة ولَّا خاصة؟ عامة.
ومثال الخصوصية مثل هذه الآية: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢]، وكذلك العبودية نوعان: عامة وخاصة، فالعامة مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر ٤٤] عام.
والخاصة: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء ١]، المراد الرسول عليه الصلاة والسلام.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن عِلْم الله تعالى شامل للأمور الباطنة؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
* ويستفاد منها: تحذير الإنسان من المخالفة.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، نقول: تحذير الإنسان من المخالفة.
* طالب: (...).
* الشيخ: لأن هذا يوجِب أننا لا نخالف الله، ما دمنا نعلم أنه خبير بما نعمل فإنه لا يمكن أن نخالف الله عز وجل، واضح؟ مثل ما لو قلت –مثلًا-: اذهب وأنا أعلم ما تفعل، أيش المراد بهذا؟ التهديد والتحذير من المخالفة، فكل نص يأتي يُبَيِّن الله فيه أنه يعلم ما نعمل فهو تحذير لنا من مخالفته. (...)
الأحزاب 33:3
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ : في أمرك، ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾: حافظًا لك. هذا مبتدأ درس اليوم، ﴿تَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ التوكل بمعنى الاعتماد مع الثقة، ولهذا فَسَّرُوه بأنه صِدْق الاعتماد على الله في جَلْب المنافع ودَفْع المضارّ، مع الثقة بالله عز وجل بأن يكون القلب معتمدًا على الله لا على غيره في جلب المنافع، وفي دفع المضارّ، مع ثقته بالله سبحانه وتعالى، يعني: واثقًا بأن الله تعالى سيكفيه، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]: كافيه، فإذا صدقتَ الله عز وجل في أنه سبحانه وتعالى سيكفيك فهذا هو تمام التوكل.
وقوله: ﴿تَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ جاءت هذه في القرآن في عدة مواضع، ومنها قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود ١٢٣]، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة ٢٣]، وعلى هذا فيكون التوكل من العبادة؛ لأن الله تعالى أمر به، وما أمر الله به شرعًا فهو من العبادة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد أقسام التوكل.
وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب ٣]، الباء يقول أهل الإعراب: إنها زائدة لتحسين اللفظـ، وأن لفظ الجلالة هو الفاعل، والتقدير: وكفى اللهُ وكيلًا، ووكيلًا حال من الفاعل، والمعنى: ما أعظم كفاية الله تعالى في هذا الشيء، إن كان ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء ٧٩]، فهو: ما أعظم كفاية الله تعالى في شهادته.
أقول: فيه آيات، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ المعنى: ما أعظم كفاية الله في شهادته، ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾: ما أعظم كفاية الله في وكالته.
وقوله: ﴿وَكِيلًا﴾ يقول المؤلف: حافظًا لك، وعلى هذا ففَعِيل هنا بمعنى فاعل، وليست بمعنى مفعول؛ لأن الوكيل إذا قلت: وَكَّلْتُ هذا الوكيل، فإن وكيلًا بمعنى مفعول؛ لأنه الْمُوَكَّل، لكن هنا بمعنى فاعل، أي أنه حافظ، فالاعتماد من الإنسان، والحماية والحفظ من الله.
ويدل لتفسير المؤلف قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣] أي: كافيه، وسوف يقوم سبحانه وتعالى بحفظه، وبتحقيق ما توكل به عليه.
قال المؤلف: (وأمته تبع له في ذلك كله)، إنما قال هذا؛ لأن الخطاب في الآيات موجَّه لمن؟ للنبي ﷺ، فأُمَّتُه تَبَعٌ له، من أين علمنا أن أمته تبعٌ له؟
علمنا ذلك من طريقين، أو من أحد طريقين:
الطريق الأول: أن الله أمرنا بالتأسي به، فكل أَمْر مُوَجَّه للرسول ﷺ لا يدل الدليل على تخصيصه به فهو لنا أيضًا، نحن مأمورون باتباعه، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١].
ثانيًا: أنه من المعروف في الخطاب أن الخطاب الموجَّه إلى المتبوع خطاب له ولتابعه، ولهذا يقول –مثلًا- يقول القائد لضابط في الجيش: اذهب إلى المكان الفلاني، هل هو يريد: اذهب أنت بنفسك، ولَّا أنت بِمَن تَبِعك ؟ أنت بمن تبعك.
فالخطاب في اللغة العربية إذا وُجِّه للمتبوع فهو له وللتابع، فصار وجه كَوْن الأمة تبعًا للرسول ﷺ في هذه الأوامر، وما تضمنته من النهي، وجه ذلك، أو له طريقان:
الطريق الأول: أننا أُمِرْنَا باتباع الرسول ﷺ.
والطريق الثاني: أن الخطاب الموجَّه للمتبوع له ولتابعه.
ثم قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب ٤]، ﴿ما﴾ نافية، ولفظ الجلالة فاعل، و﴿مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ مفعول ﴿جَعَلَ﴾، الأول ولَّا الثاني ؟ الأول مؤخَّر، ومفعولها الثاني قوله: ﴿لِرَجُلٍ﴾، و﴿مِنْ﴾ هنا نقول: إنها زائدة من حيث الإعراب، فنعرب ﴿قَلْبَيْنِ﴾ على أنها مفعول به منصوب، وعلامة نصبه -هذه المشكلة- الفتحة ما يمكن، ياء مقدَّرة على هذه الياء التي جُلِبَت لماذا؟ جُلِبَت للحرف؛ لأن عَمَل الأداة الظاهرة أقوى من عمل الأداة الباطنة، يعني –مثلًا- ﴿جَعَلَ﴾ تنصب ﴿قَلْبَيْنِ﴾، لكن تعرَّض لها -أو عَارَضها بالأصح- عارضها عامل أقوى مباشر وهو حرف الجر، فيقولون: إن الياء هذه ليست ياء النصب، لكنها ياء حرف الجر الزائد.
وعلى هذا فنقول: علامة نصبه ياء مقدَّرة في مكان الياء الموجودة التي اجتُلِبَت من أجل حرف الجر الزائد.
قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ﴾، هذا الجعل كوني أو شرعي؟ هذا الجعل كوني؛ لأن الْجَعْل الذي يضاف إلى الله ينقسم إلى قسمين: جَعْل شرعي، بمعنى: ما شرع، وجَعْل كوني، بمعنى: ما خَلَق.
مثال الجعل الشرعي: قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة ١٠٣]، هذا جعل شرعي، ويش الدليل؟ الدليل أنه كونًا واقع مجعول، لكنه شرعًا لم يُجْعَل، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾.
وأما الْجَعْل الكوني فهو كثير، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء ٦]، ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ١٠ ١١].
وفي هذه الآية الكريمة: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ من أيهما؟ من الكوني، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ﴾، وأكَّد الله هذا النفي بحرف الجر الزائد؛ لأن الحروف الزوائد من أدوات التوكيد.
إذن محال أن يكون في الإنسان قلبان، في الإنسان الواحد قلبان محال، ولكن هل هذه الجملة مرادة لذاتها أو مرادة لغيرها؟
يرى المؤلف وجماعة من علماء التفسير أنها مرادة لذاتها، وأنها نفي لأمر قد ادُّعِيَ، ولهذا قال ردًّا على مَن قال من الكفار: إن له قلبين يعقل بكل منهما أفضل من عقل محمد ﷺ، هذا ما ذهب إليه جماعة من أهل العلم، يعني أن هذا نفيٌ لأمر ادُّعِيَ، وهو رجل من الكفار، يقول: إن له قلبين، وإذا كان له قلبان كان له عقلان، وإذا كان له عقلان كان أفضل من النبي ﷺ؛ لأنه ما له إلا قلب واحد.
وذهب بعض المفسرين، وعلى رأسهم الزهري رحمه الله، إلى أن هذه الجملة ليست مقصودة لذاتها؛ لأنها أمر معلوم؛ لأنه ليس لإنسان قلبان، لكنها توطئة وتمهيد لما يأتي بعدها؛ لأنه ذُكِرَ في الآية الكريمة ثلاثة أشياء: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، فكما أنكم تُقِرُّون بأنه لا قلبين لرجل في جوفه، فكذلك ليست الزوجة أمًّا؛ لأن الله لم يجعل للإنسان أُمَّين، كما أنه ليس له قلبان، وكذلك ليس هناك ابن غير حقيقي، يعني ليس للإنسان ابن خُلِق من مائه وابن نُسِب إليه ولم يُخْلَق من مائه، بل إن ابنك مَن خُلِقَ من مائك، واضح؟
وهذا ما اختاره ابن كثير رحمه الله، على أن هذه الجملة توطئة؛ لأن انتفاء القلبين في الجوف الواحد أمر معلوم، والقصة التي ذَكَرُوها يُنْظَر في صحتها، وحتى لو صحَّت فإن هذا الذي يقول: إن له قلبين، ادعاؤه أن له قلبين يدل على أنه لا قلب له؛ لأن هذا أمر مستحيل.
يقول الله عز وجل: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، فهل قوله: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ قَيْد، يُعْتَبر قيدًا شرطيًّا له مفهوم، فيقال لك: إن له قلبين خارج جوفه؟ لا، ولكنها لبيان الواقع؛ لأن من المعلوم أن القلوب في الأجواف، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام ٣٨]؛ لأن قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ كقول الإنسان: ولا ماشٍ يمشي برجلين، لبيان الواقع.
وإن كان بعض المتأخرين في قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ قال: إنها قَيْد شرطي لتُخْرِج الطائر المعروف؛ لأنها تطير بغير جناحين، وقد يقال: إن هذا ليس بصحيح، حتى الطائرة الآن تطير بجناحيها، أين النفاثات التي تطير بها؟ في الجناحين، والمراوح اللي كانت في الأول هي نفس الجناحين، لكن لا شك أن الطائرة ما هي من الأمم التي هي أمثالنا، بل هي من صنعنا.
إذن قوله تعالى: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ لبيان الواقع، ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي﴾، يقول: (بهمز وياء وبلا ياء)، بهمز وياء (اللائي)، وبلا ياء يعني بهمز بلا ياء، فتكون (اللاءِ) و(اللاءِ) كما نعرف جميعًا جَمْع لأيش؟ جمع (التي)، ولَّا لا؟ فهي مثل (الذين) في الذكور، جمع؟ نعم.
(اللائي) يقول: عندي (﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ بلا ألف قبل الهاء، وبها والتاء الثانية في الأصل مُدْغَمَة في الظاء) ﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ هذه قراءة، والثانية يقول: بلا ألف قبل الهاء، (وبها) يعني: بألف قبل الهاء، أيش تكون: ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ، هذه قراءتان، وإلى الآن ما جاء المؤلف بالقراءة المشهورة عندنا وهي ﴿تُظَاهِرُونَ﴾، فيكون في الآية ثلاث قراءات: ﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ والثالثة ﴿تُظَاهِرُونَ﴾ و﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ﴿وتَظَّهَّرُونَ﴾ يقول: إن التاء مُدْغَمَة في الظاء، وأصلها: تَتَظَاهَرُون أو: تَتَظَهَّرُون، لكن صارت ﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ ، أُدْغِمَت التاء في الظاء.
ما معنى ﴿تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ﴾، أي: تقولون: إنهنّ عليكم كظهور أمهاتكم، وهذه صيغة طلاق في الجاهلية، إذا أراد الإنسان أن يطلق امرأته طلاقًا بائنًا قال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فتطلق طلاقًا بائنًا؛ لأن ظهر أمه لا يحل له بحال من الأحوال، وخَصَّ الظهر؛ لأنه محل الركوب، والإنسان يركب زوجته أو تركبه؟ إي نعم يركبها؛ لأنها فراش، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام.
إذن ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ، أيش معنى ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ؟ أي: تقولون لهن: أنتن علينا كظهر أُمِّنَا، وهذه الجملة يعتبرها أهل الجاهلية طلاقًا بائنًا، أما في الإسلام فليست بطلاق، ما هي في الإسلام؟ ظِهَار، يعني أنها مُوجِبَة لتحريم المرأة حتى يفعل الإنسان ما أمره الله به، كما في سورة المجادلة.
﴿تَظَّاهَرُونَ مِنْهُنَّ﴾ بقول الواحد –مثلًا- لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ويمكن أن يقول غير هذه العبارة؟ يمكن أن يقول: أنتِ عليَّ كظهر أختي، ويمكن أن يقول: أنتِ عليَّ كبطن أمي، فالعبرة بالمعنى لا بالصيغة، وقد مر علينا في كتاب الظِّهَار أن يُشَبِّه الرجلُ زوجتَه بمن تَحْرُم عليه تحريمًا مؤبَّدًا بنسب أو سبب مباح، المهم تحريمًا مؤبدًا، هذا هو الظهار عند أهل العلم، وسبق الخلاف فيما لو حرَّمها أو لو ظاهَر منها وشبَّهَها بمن تحرُم عليه تحريمًا إلى أَمَد.
* الطالب: (...).
* الشيخ: القراءة السبعية تارة يحيل لها على هذا وهذا بدون ما يقولون: وفي قراءة، وتارة يقولون: وفي قراءة، يقول: (بقول الرجل –مثلًا- لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي).
﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ ويش اللي نصبها؟ ﴿جَعَلَ﴾، أين المفعول الأول ؟ ﴿أَزْوَاجَكُمُ﴾، و﴿اللَّائِي﴾ صفتها، و﴿تُظَاهِرُونَ﴾ صلة للموصول، و﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ المفعول الثاني، و﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أي: كالأمهات في تحريمها بذلك المُعَدّ في الجاهلية طلاقًا، وإنما تجب به الكفارة بشرطه كما ذُكِرَ في سورة المجادلة.
في الإسلام ليس بطلاق، ولكنه تحريم تجب به الكفارة بشرطه، وهو العَوْد؛ لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة ٣]. (...)
﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، ما أخذنا من الفوائد، أو لا؟
* طالب: ما كملنا الآية.
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾.
* الشيخ: ما كمَّلنا، نكمل.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، نحن ما كملنا المناقشة، ما هي المظاهَرة في القراءة التي فيها الزيادة؛ لأن فيها زيادة حرف، والحرف فيه عشر حسنات، عرفتم؟ فعلى هذا القول أيّ القراءات الثلاثة تختارون؟
* طالب: ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ .
* الشيخ: ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ؛ لأن هذه أكثرها حروفًا، ومن العلماء من يقول: الأفضل أن تقرأ بكل قراءة، أن تأخذ بكل قراءة، تقرأ بهذه مرة وبهذه مرة، أيهما أرجح؟ الصحيح الأخير أنك تقرأ بهذه مرة وبهذه مرة إذا كنت تعرف؛ لأن كل قراءة فقد صحَّت عن النبي ﷺ فينبغي أن تقرأ بها لفائدتين، ما ذكرنا إلا واحدة، لفائدتين:
الفائدة الأولى: العمل بكل السُنَّتَيْن.
الفائدة الثانية: حِفْظ هذه القراءات، ولذلك نحن الآن لما كنا نعتمد على القراءة التي عندنا ما نعرف القراءات الأخرى، فإذا قيل للإنسان: ينبغي لك أن تقرأ بكل قراءة صحّت، فإن هذا يكون فيه حفظ للقراءات، ولهذا ينبغي للصغار منا، ولَّا عاد الكبار صعب عليهم الحفظ، لكن الصغار ينبغي لهم أن يحرصوا على القراءات، وأن يتعلموها من أجل أن يعملوا بالسنة هذه ما تبقى مهجورة، إي نعم.
قوله: ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ إعرابها؟ (...)
﴿أَبْنَاءَكُمْ﴾ قال المؤلف: (جمع دعِيٍّ، وهو مَن يُدْعَى لغير أبيه ابنًا له)، أدعياء جمع دَعِيّ، كأغنياء جمع غني، وأَكْفِيَاء جمع كَفِيّ، ولها أمثلة، و(دَعِيّ) فعيل بمعنى مفعول، وأصلها دَعِيُو، بالواو، لكن قُلِبَت الواو ياءً لعلة تصريفية.
إذن (دَعِيّ) بمعنى مدعو، والدعاء في الأصل طلب الإقبال، والمراد بادِّعاء هنا النسبة، بأن يُنْسَب إلى غير أبيه، فيقال: هذا ابن فلان، وليس ابنًا له حقيقةً، هؤلاء الأدعياء ما جعلهم الله تعالى أبناءً، شرعًا أو قدرًا؟ لا شرعًا ولا قدرًا، أما لا قدرًا فواضح؛ أنه ما هو بأبناء قدرًا، وأما شرعًا فهنا نفى الله عنهم، نفاه، قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، فإذا كان الأدعياء ليسوا أبناءً لا قدرًا ولا شرعًا فإنه لا يَرِد الذهنُ أو لا يتوجَّه الذهن إليهم شرعًا.
هذه الكلمة التي أقولها يتبين بها ضعف قول مَن يقول (...) في قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] يقول: إن قوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ إنها قَيْد يُحْتَرَز به عن ابن التبني؛ لأننا نقول: ابن التبني لا يدخل في الابن أصلًا، فلا يذهب إليه الوهم حتى نقول: إنه يحتاج إلى قيد يُحْتَرَز به عنه، وسبق أن بحثنا هذه المسألة في باب المحرَّمات في النكاح.
المهم أن الأدعياء ما جعلهم الله أبناء، لا شرعًا ولا قدرًا، وكانوا في الجاهلية يَدْعُون الإنسان لغير أبيه، يكون هذا الرجل شريفًا وذا نسب، وهذا الدَّعِيّ وضيعًا نسبُه عند الناس ليس بذاك الشيء، أو ليس له نسب معلوم، فيُدْعَى إلى هذا الأب من أجل رفعته، فأبطل الله ذلك؛ لأن دعوة الإنسان إلى غير أبيه يترتب عليها أمور، كل ما يترتب على النسب من تحريم وتحليل وإرث ونفقات وغيرها كلها ربما تنتقل إلى هذا الدَّعِيّ بسبب أنه دُعِيَ إلى هذا الرجل، فلذلك منع الله تعالى ذلك شرعًا؛ لأن تسمية الشيء باسمٍ بعيد عن حقيقته هذا يوجِب أن تنقلب الأوضاع، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ، يَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَهِيَ تُعْتِم بِإِبِلِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ فِي كِتَابِ اللهِ الْعِشَاءُ»[[أخرجه مسلم (٢٢٨ /٦٤٤) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ]].
فكل الأشياء التي ربما إذا سُمِّيَت باسم آخر ربما تختلف أحكامها فإن الشرع نهانا.
﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ حقيقةً، حقيقة تفسير لأبناء، يعني: ما جعلهم أبناء على وجه الحقيقة.
﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾، أي: اليهود والمنافقين، ﴿ذَلِكُمْ﴾ المؤلف يريد أن يكون الخطاب هنا لليهود والمنافقين، والصواب أنه عائد لكل مَن دعا شخصًا لغير أبيه من الأدعياء سواء كان من المنافقين أو من اليهود أو من المشركين، أو من المسلمين، فإن هذا قول يقوله الإنسان بفيه، وليس حقيقةً، هو نفسه يعلم أن هذا الدَّعِيَّ ليس ابنًا لهذا المدعو إليه، فكيف يقول ما يعتقد أن الأمر بخلافه؟
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أتى بضمير الجمع في الخطاب؛ لأن المخاطَبِين جماعة، وقد مَرَّ علينا في اسم الإشارة أن اسم الإشارة يراعَى به المشار إليه، والكاف يراعى بها المخاطب، هنا المشار إليه مفرد مُذَكَّر، وهو دعوة الرجل إلى غير أبيه، والمخاطَبُون جماعة ذكور.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذه نبغي نتكلم عليها في الفوائد إن شاء الله.
﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ يعني: تقولونه بألسنتكم وأنتم تعرفون الحقيقة أنها ليست كذلك.
قال المؤلف رحمه الله: أي اليهود والمنافقين، ليش جعلها بالياء؟ لأنها تفسير لقوله: ﴿قَوْلُكُمْ﴾ بالكاف وهي مجرورة، قالوا: لَمَّا تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش التي كانت امرأة زيد بن حارثة الذي تَبَنَّاه النبي ﷺ قالوا: تزوَّج محمد امرأة ابنه، فأَكْذَبَهُم الله تعالى في ذلك.
* طالب: (...).
* الشيخ: قالوا: تزوج -أي اليهود والمنافقين- كلام المؤلف بعيد من ظاهر الآية؛ إذ إن كلام المؤلف يقول: إنهم بعد أن تزوَّج النبي عليه الصلاة والسلام زينب بنت جحش، وكانت في الأول عند زيد بن حارثة قالوا هذا القول، والآية ما فيها إشارة للقصة إطلاقًا، إنما الآية يتحدث الله فيها عن أيش؟ عن ابن التبني، ما تحدَّث الله تعالى ولا أشار إلى تزوُّج الرجل بزوجة ابنه الذي تَبَنَّاه، لكن هذه ستأتينا إن شاء الله في الآية، فالصواب أن الآية إنما هي في نسبة الإنسان إلى غير أبيه تبنيًا.
(﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ في ذلك، ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾: سبيل الحق).
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، المؤلف قيده فقال: (في ذلك)، والصواب عدم القيد، حتى وإن كان السبب هو هذا؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ما هو الحق الذي يقوله الله عز وجل فيما يقوله؟ فسَّره الله تعالى في القرآن نفسه، فقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، هذا هو الحق الذي يقوله الله عز وجل، صدق في الأخبار، وعدل في الأحكام، فكل ما قاله الله عز وجل فهو دائر بين أمرين؛ إما خبر، وإما حكم، الخبر أَحَقِّيَّتُه الصدق، والحكم أحقيته العدل، خير ما يُفَسَّر به القرآن القرآن، ولهذا إذا قال قائل: ما هو الحق في قول الله ؟ نقول: الحق في قول الله هو ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾.
وقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، لم يقل: ويهدي السبيل؛ لأن الجملة الثانية تتعدى للغير، فهناك هادٍ ومَهْدِيّ ومَهْدِيٌّ فيه ولَّا إليه ؟ إليه وفيه أيضًا، هناك هادٍ وهو الله، ومَهْدِيّ وهو الإنسان –مثلًا-، ومَهْدِيٌّ إليه وفيه أيضًا، وهو الدين، السبيل الْمُوصِل إلى الله عز وجل، مَهْدِيٌّ إليه هذه هداية الدلالة، ومَهْدِيٌّ فيه هذه هداية التوفيق؛ لأنك تقول: دَلَلْتُه إلى كذا، وهديته في كذا، بمعنى: جعلته عاملًا فيه، وهذا هو الحكمة في أن الله عز وجل قال في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦]، ولم يقل: إلى الصراط، ليش؟ لأجل يعم الهداية إليه بالدلالة إليه وبيانه، والثاني: هداية فيه بالعمل به، وهذا هو مقصود كل داعٍ يدعو الله عز وجل بالهداية أن الله يهديه إلى الشيء فيعرفه ويعلمه، ويهديه فيه فلا يضل عنه، واضح؟
﴿يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيّ سبيل يراد بهذه الآية؟ ﴿السَّبِيلَ﴾ (أل) هذه للعهد الذهني، والمراد سبيل الله عز وجل، ويش الدليل لمراد سيبل الله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣].
إذن السبيل التي يهدي الله إليها هي سبيل الله عز وجل، وهي طريق الحق، ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، ومن جملة ذلك أنه سبحانه وتعالى لم يجعل الزوجات التي يظاهرون منهن أزواجُهن لم يجعلهن أمهات، ولم يجعل الأدعياء أبناء، فقال الحق في ذلك، وهدانا السبيل في ذلك، فالزوجة زوجة، والابن الدَّعِيّ ليس ابنًا، والله يقول: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب ٥]، قال المؤلف في التفسير: (لكن ادعوهم لآبائهم )، لماذا أتى بالاستدراك: (لكن ادعوهم لآبائهم)، في ظني أنه لا حاجة للاستدراك، وأن الجملة استئنافية، لَمَّا أبطل الله سبحانه وتعالى أن يكون هؤلاء الأدعياء أبناءً أَمَرَ بأن ندعوهم لآبائهم، وكأن المؤلف رحمه الله لما كانت الآية الثانية: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ لَمَّا كانت غير مقابلة لما نَفَاه الله في الأول، يعنى: ما جعل أدعياءكم أبناءكم، لكن جعلهم أبناء آبائهم، فادعوهم لآبائهم، رأى رحمه الله أن هذا هو وجه الاستدراك، ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، لكن جعلهم أبناءً لآبائهم فادعوهم لآبائهم.
نقول: هذا لا حاجة إليه، فالجملة استئنافية ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، أي: انسبوهم لآبائهم، فقولوا: يا ابن فلان، وكلمة (آبائهم) جمع أبٍ، هل المراد بالجمع هنا باعتبار الْمَدْعُوِّين، يعني لأن الناس كثيرون، أو أن المراد آباؤهم بالنسبة لكل شخص، بمعنى أن الإنسان يُنْسَب إلى أبيه وجده وأبي جده، وهكذا، أو شامل للأمرين؟
هو شامل للأمرين، فالإنسان يُدْعَى إلى أبيه يقال: فلان ابن فلان ابن فلان، الرسول عليه الصلاة والسلام محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، بل إنه عليه الصلاة والسلام قال: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣١٥)، ومسلم (١٧٧٦ / ٧٨) عن البراء بن عازب رضي الله عنه. ]]، ومحمد عندنا الألفية: قال محمد، وهو ويش اسمه؟ محمد بن عبد الله، أبوه عبد الله، فهو فيما يظهر أنه شامل، يعني أنه جُمِعَ باعتبار أفراد الناس، وجُمِعَ باعتبار الآباء؛ لأن الآباء أبٌ أدنى وأب فوق.
قال: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾، ﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على المصدر المفهوم من قوله: ﴿ادْعُوهُمْ﴾، أي: ﴿هُوَ﴾ أي: دعاؤهم، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨]، ﴿هُوَ﴾ أي: العدل المفهوم من الفعل، فهنا ﴿هُوَ﴾ أي: دعاؤهم لآبائهم، ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: أعدل.
فسَّرها بعضهم باسم الفاعل، اسم الفاعل هو قاسط عند الله، يعني: هو العدل عند الله عز وجل، وإنما لجأ إلى ذلك؛ لأن المعروف أن اسم التفضيل يشترك في أصل معناه المفضَّل والمفضَّل عليه، فإذا قلت: فلان أشجع من فلان، فكلاهما شجاع، لكن هذا أشجع، فهنا إذا جعلنا اسم التفضيل على بابه وقلنا: دعاؤهم لآبائهم أقسط عند الله من دعائهم لمن تبنَّاهم، صار في دعائهم لمن تبنَّاهم عدل، مع أنه لا عدل فيه.
ولذلك قال بعض المفسرين: إن أفعل التفضيل هنا بمعنى اسم الفاعل، حتى لا يكون في الطرف الثاني منه شيء.
وقال بعض المفسرين: هو على بابه، واللغة العربية تأتي باسم التفضيل دائمًا فيما ليس في الطرف الآخر منه شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾، مع أن أصحاب النار لا خير في مستقرهم، وعلى هذا فنقول: إبقاء الآية على ظاهرها يكون أَوْلَى، فإذا قيل ذلك فإنه يَرِدُ علينا سؤال: لماذا عَبَّرَ بأفعل التفضيل في طرف ليس في الطرف الآخر منه شيء؟
قلنا: لبيان أن هذا غاية ما يكون من العدل، انتبه، فتكون فائدتها أن دعاءهم لآبائهم أعدل شيء، وهو غاية ما يكون من العدل، فاسم التفضيل هنا باعتبار المعنى، أي أن هذا أعدل شيءٍ.
وكلمة ﴿أَقْسَطُ﴾ اسم تفضيل من الثلاثي ولَّا من الرباعي؟ من الثلاثي؛ لأن اسم التفضيل ما يُصَاغ إلا من الاسم الثلاثي:
وَصُغْهُمَا مِنْ ذِي ثَلَاثٍ صُرِّفَا ∗∗∗ ...................
ثم إن الرباعي من هذه المادة ليس بمعنى العدل، بل بمعنى الجور، كذا؟ الرباعي بمعنى الجور؟ انتبه، إذن بالعكس؛ القاسط هو الجائر، والمقسط هو العادل، أو لا؟
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات ٩].
إذن يَرِدُ علينا إشكال في مسألة ﴿أَقْسَطُ﴾ هنا، ﴿هُوَ أَقْسَطُ﴾، فنقول في الجواب عنه: إن في هذا دليلًا على صحة مذهب الكوفيين الذين يقولون بجواز صيغة اسم التفضيل من غير الثلاثي، يقولون: ﴿أَقْسَطُ﴾ من باب الإقساط، يعنى أن ذلك أعدل.
وقوله: ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ يعني: في حكمه؛ لأن الحكم حكم الله عز وجل يضاف إليه، وهذا نظير قوله تعالى في الذين يرمون المحصنات، يقول: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور ١٣]، شوف تأمل قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾، إحنا انتقلنا الآن عن الآية، إذا قذف رجل امرأة بالزنا فهو باعتبار الواقع قد يكون حقًّا، وقد يكون كذبًا، أو لا؟ يعني: قد يكون حقًّا إنها زنت، وقد يكون كذبًا، لكنها في حكم الله؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، في حكم الله كذب، ولهذا قال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ما قال: فأولئك هم الكاذبون؛ لأنه قد يكون حقيقة باعتبار الواقع، لكن في شرع الله كاذبون، ﴿فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، ولهذا يجب عليهم حد القذف إذا لم يأتوا بأربعة شهداء.
﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب ٥]، إن لم تعلموا آباء مَن؟ أباء هؤلاء الأدعياء، ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾، يعني: وليسوا أبناءهم، يعني حتى في الحال التي لا يُعْرَف لهذا الرجل أبٌ فإنه لا يجوز أن يُنْسَب إلى غير أبيه، ولكن يكون أخًا لنا في الدين، ومولًى لنا إذا كان قد دخل في ملكنا ثم حررناه مثلًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في قصة اختصام علي وجعفر وزيد بن حارثة، قال لزيد: «أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا»[[أخرجه البخاري (٢٦٩٩) عن البراء بن عازب رضي الله عنه. ]]، فهو أخي في الدين وليس ابنًا لي، وهو أيضًا مولاي إذا كنت قد أعتقته، ولو لم أعرف أباه فإنه لا يُنْسَب إلَيَّ.
ولهذا تجدون العلماء رحمهم الله الذين يكتبون أسماء الرجال عندما ينسبون أحدًا من الموالي إلى مَن أعتقه يقول: القرشي مولاهم –مثلًا-، التميمي مولاهم، لأنه لو يقال: القرشي فقط أيش يظن الظان؟ أنه قرشي حقيقة، فإذا قال: مولاهم، يعني أنه نُسِبَ إليهم؛ لكونه مولًى لهم، ومولى القوم منهم، حتى إن العلماء قالوا في الصدقة قالوا: إنها تَحْرُم على موالي بني هاشم؛ لأن مولى القوم منهم، لكنه لا يُنْسَبُون إليهم نسبًا حقيقيًّا، بل لا بد من أن يقيد.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: بنو عمكم (...).
* الشيخ: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما له وجه.
* الطالب: (...) أن أبا زيد بن حارثة قَدِم للنبي من (...) فقال (...) فخيَّره النبي ﷺ (...)؟
* الشيخ: إي هذا لَمَّا قَدِم أبوه وعمه؟
* الطالب: فعُرِف أبوه وطلبه أبوه.
* الشيخ: سبب تَبَنِّيه، هذا كان في أول الإسلام ثم أُبْطِل، منسوخة. (...) ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ لكن بس (...).
وهي وجوب تقديم الوحي على الرأي؛ لقوله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ [الأحزاب ٢]، فإن هذا الخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ وإلى أُمَّته بالأَوْلَى، فيفيد وجوب تقديم الوحي على الرأي.
وتقديم الرأي على الوحي له أقسام، منها ما يصل إلى الكفر، ومنها ما هو دون ذلك، فالذين يُقَدِّمُون الرأي على الوحي مع علمهم بالوحي معتقدين أن غير الوحي مساوٍ له، أو أكمل منه، أو أنه يجوز الحكم بالرأي المخالف للوحي مع العلم به، هؤلاء يعتبرون كفارًا.
في هذه الأحوال الثلاث إذا اعتقدوا أن الرأي أكمل وأنفع من الوحي، أو أنه مساوٍ له، أو أنه يجوز تقديمه على الوحي مع العلم به، فهؤلاء كفار؛ لأنهم حَكَمُوا بغير ما أنزل الله، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤].
وأما مَن قَدَّمُوه بتأويلٍ ظنًّا منهم أن ذلك لا يخالف الوحي، أو أنه طريق يُوصِلُهم إلى الوحي، فهؤلاء لا يصلون إلى درجة الكفر، وذلك مثل كثير من المتعصبين للمذاهب، فإنهم لا يرون أن هذه المذاهب خارجة عن الوحي، وإنما يرون أن ذلك طريق إلى العمل بالوحي، فيقولون: هذا إمامنا أعلم منا وأفهم، فنتبعه ونتهم رأينا بالنسبة إلى رأيه، وإلا فنحن متمسكون بشريعة الله، ومُحَكِّمُون لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
هؤلاء نقول: إنه إذا تَبَيَّن لهم الحق وجب عليهم اتباعه، ولو خالف متبوعهم من الأئمة، وذلك لأن الحق لا يخطئ، والأئمة يخطؤون، ولا يمكن أن يَدَّعِي العصمة لأحد من البشر إلا رسولَ الله ﷺ، لا يمكن أن يدَّعِي العصمة إلا رجل ضالّ، الذي يدَّعي العصمة لغير الرسل رجل ضالّ، كما يفعل الرافضة بأئمتهم، وهذا ضلال بَيِّن؛ لأن أئمتهم قد يخطؤون كما يخطئ غيرهم.
وقد مر علينا ما وقع لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو إمام الأئمة بالنسبة لأولئك القوم أنه أخطأ حين أعطاه النبي عليه الصلاة والسلام حُلَّة من حرير فلبسها، فقال:« «إِنَّنِي مَا أَعْطَيْتُكَهَا لِتَلْبَسَهَا، وَإِنَّمَا تُعْطِيَهَا الْفَوَاطِمَ»[[أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٦٩) بلفظ: «إني لم أكسكها لتلبسها، إنما كسوتكها لتجعلها خمرًا بين الفواطم». ]]، وكذلك ما هو مشهور عنه من أن المرأة إذا كانت حاملًا وتُوُفِّي عنها زوجها فإنها تَعْتَدّ بأطول الأجلين، وهذا مخالف للسنة الصحيحة الصريحة.
والحاصل أننا نقول: إن في الآية الكريمة: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأحزاب ٢] وجوب تقديم الوحي على الرأي، وأنه يجب الحكم بما جاء به الشرع مطلقًا، سواء خالف رأي متبوعيك أم لم يخالف.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب ٣]، هذا مبتدأ الفوائد؟
في هذا دليل على وجوب التوكل على الله، وقد ذكرنا في كتاب التوحيد أن التوكل ينقسم إلى أقسام:
أحدها: توكل العبادة، وهو شعور الإنسان بافتقاره إلى المتوكَّل عليه وذُلِّه بين يديه، وهذا لا يجوز صرفه لغير الله، وصرفه لغير الله شرك؛ لأنه إشراك بالله فيما لا يستحقه إلا الله، وهو شرك أكبر ولَّا أصغر؟ شرك أكبر.
والثاني: الاعتماد على الغير الذي جعلته نائبًا عن نفسك، فهذا جائز، وقد وقع حتى من الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه وَكَّلَ عروة بن الجعد على أن يشتري له أضحية، وكان له وكيل في خيبر، وكذلك وَكَّلَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ذبح ما بقي من الهدي، وهو جائز ولا إشكال فيه، ووَكَّل علي بن أبي طالب حين ذهب إلى تبوك أن يكون خليفة له في أهله، وموسى عليه الصلاة والسلام وَكَّل هارون حين ذهب إلى الطور، وقال: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف ١٤٢].
إذن هذا جائز ولا إشكال فيه؛ لوقوعه من الأنبياء، ولأنه عقد من العقود، والأصل في العقود الحِلّ إلا ما قام الدليل على منعه.
والثالث: أن يعتمد على مَن لا يصح الاعتماد عليه، على قوة سرية نعلم أنه لا أثر لها في هذا الاعتماد، وهذا شرك قد يكون أكبر وقد يكون أصغر، مثل اعتماد أولئك الذين يتوسَّلون بالأموات، ويعتقدون أن في الاعتماد عليهم خيرًا، هؤلاء قد يصل بهم الأمر إلى الشرك الأكبر، وإلا فمجرد اعتمادهم عليهم شرك ولا يحل.
الرابع: أن يعتمد على قوة ظاهرة مؤثِّرة، لكنه يعتمد عليها لا باعتبار أنها نائبة عنه، بل باعتبار أنها مُجْدِيَة له، وأنها مصدر سعادته وفلاحه ورزقه، وما أشبه ذلك، فهذا مكروه، وقد يصل إلى درجة التحريم، كاعتماد الإنسان على الراتب وعلى المعاش من الوزارة التي يعمل فيها والإدارة والرئاسة، وما أشبه ذلك، فإن هذا فيه نوع من الشعور بالافتقار إلى هذا الشيء والتذلُّل له.
ولذلك تجد الذين ابتُلُوا بهذا النوع تجدهم يحابون من كانوا يعتمدون عليه، يحابون كبراءهم من الوزراء وغير ذلك، يحابونهم في أمر لا يجوز، أما مجاملتهم فيما هو جائز فهذا أمر لا بأس به، لكن محاباتهم في المحرَّم هذا لا يجوز، لكن هذا قد يقع؛ لأنهم يشعرون بأنهم مفتقرون إلى هؤلاء، فهذا أقل أحواله الكراهة، والإنسان ينبغي له أن يكون عزيز النفس، لا يعتمد إلا على ربه سبحانه وتعالى.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن كفاية الله عز وجل فوق كل كفاية؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب ٣] ، زعم بعض أهل العلم أن مثل هذا التركيب يفيد التعجب، يعني: ما أعظم من كفاية الله! وتوكَّل على الله فما أعظم كفاية الله سبحانه وتعالى! وهذا ليس ببعيد؛ أنّ كَوْن هذه الصيغة تُحَوَّل من: وكفى الله وكيلًا إلى: ﴿وكفى بالله وكيلًا﴾ لا يبعد أن يكون المراد بذلك بيان المبالغة في كفايته سبحانه وتعالى، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣].
ثم قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤].
يستفاد من هذا السياق أن القرآن قد بلغ الغاية القصوى في الإقناع وإقامة البرهان.
وجه ذلك أنه قَدَّمَ الدليل على المدلول بصورة لا يَمْتَرِي فيها أحد، ما هي؟ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، فإن هذا أمر معلوم ولا يتنازع فيه اثنان؛ أنه ليس للإنسان إلا قلب واحد، ما فيه قلبان، لماذا؟ لأن هذين القلبين إن اتفقا على أمر واحد صار القلب الثاني لا فائدة منه، أو لا؟ وان اختلفَا تناقضَا في عين واحدة، فماذا يصنع الإنسان، هل يتبع القلب الأيمن ولَّا يتبع القلب الأيسر؟ يبقى محتارًا، لذلك ما جعل الله لرجل من قلبين، ما فيه إلا قلب واحد فقط؛ لأنه في جسم واحد.
وتأمل قوله: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ يستفاد منها فائدة غير أنها بيان للواقع، يستفاد أن الجوف الواحد لا يتناسب معه إلا قلب واحد، وإلا لكان القلبان في جوفين لا في جوف واحد، فصار فيها فائدة غير ما سبق، وهي أنها بيان للواقع، بأن الجوف الواحد لا يمكن أن يديره إلا قلب واحد.
في الآية الكريمة سياق الشيء بالبرهان، أو إثبات الشيء بالبرهان الذي يكون قاطعًا لا يَمْتَرِي فيه أحد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المرأة المظاهَر منها ليست أمًّا؛ لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾.
* يتفرع على هذه الآية: أن جَعْلَها أُمًّا في الظهار كذب وزور ومنكر، ولهذا قال الله تعالى في آية الظهار: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة ٢]، فهو منكر لمخالفة الشرع، وزُور لمخالفة الواقع والحقيقة.
* يستفاد من الآية الكريمة: الإشارة أو التنبيه على تحريم الظهار؛ لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ﴾ ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾، فإذا كان الله ما جعل ذلك فإنه لا يحل لنا أن نجعل شيئًا لم يجعله الله؛ لأن الأمر إلى الله وحده.
* ويستفاد من الآية ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾: أن الأبناء الأدعياء ليسوا بأبناء حقيقةً ولا شرعًا، فهم ليسوا أبناء قدرًا، وليسوا أبناء شرعًا، ولهذا قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾.
* ويستفاد منها: أنه إذا لم يكن الابن الدَّعِيّ ابنًا لا شرعًا ولا حقيقة فإنه لا يحتاج إلى قَيْد يُخْرِجُه من معنى البنوة، لماذا لا يحتاج؟ لأنه غير داخل فيها أصلًا حتى نحتاج إلى قيد نخرجه به.
* ويتفرع على هذه الفائدة: بيان ضعف قول مَن يقول: إن الاحتراز في قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] إن الاحتراز في قوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ عن ابن التبني؛ لأننا نقول: إنه أصلًا لم يدخل حتى يحتاج إلى قيد يُخْرِجُه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يقول قولًا لا يعتقده، ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب ٤].
* ويستفاد منها: أنه ليس من الرجولة، وليس من العقل أن يقول الإنسان قولًا بِفِيه وهو لا يعتقده بقلبه؛ لأن المراد من قوله تعالى: ﴿قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ المراد به التنديد بهم والتوبيخ لهم، كيف تقولون شيئًا بأفواهكم وأنتم تعترفون بقلوبكم أنه ليس موافقًا للواقع؟ ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن قول الله عز وجل كله حق ليس فيه باطل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ [الأحزاب ٤]، والحق سبق أنه في كلام الله هو الصدق والعدل؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، وهو باعتبار الخبر صدق وباعتبار الحكم عدل.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن كلام الله عز وجل ليس فيه تناقض؛ لقوله: ﴿يَقُولُ الْحَقَّ﴾، والتناقض ما يكون إلا في الباطل، فالحق لا يمكن أن يتناقض، واضح؟
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن ما وصف الله به نفسه في كتابه فهو على حقيقته، وليس فيه تحريف أو تأويل؛ لأنه لو كان على خلاف ظاهره لكان ظاهره يدل على أيش؟ على باطل، إذا قلنا: إنه على خلاف الظاهر لزم أن يكون دالًّا على باطل، إذا كان المراد بآيات الصفات خلاف ظاهرها صار ظاهرها يدل على حق ولَّا على باطل؟
إذا قلنا: إن المراد بآيات الصفات خلاف الظاهر، صار الظاهر باطلًا؛ لأنه خلاف المراد، وهذا ينافي قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، فهو سبحانه وتعالى لا يقول إلا الحق.
* ويستفاد من الآية: أنه مع ظهور أن الله يقول الحق فإن الناس لا يتفقون عليه؛ لقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب ٤]، يعني حتى مع أن الله لا يقول إلا الحق فليس كل أحد يهتدي لذلك، بل الهداية بيد الله عز وجل.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أنه يجب على المرء أن يلجأ إلى ربه سبحانه وتعالى في سؤاله الهداية؛ لقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، وتأمل تغيير الصيغة حيث قال: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، ثم قال: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، ولم يقل: ويهدي السبيل، لأجل أن تكون الجملة الثانية مستقلة بركنيها بمبتدئها وخبرها؛ لأن قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي﴾، ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَهْدِي﴾ خبره، فكانت الجملة مستقلة عن الأولى؛ لأن ذلك أبلغ في بيان أن الهداية بيد الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن طريق الحق واحد؛ لقوله: ﴿السَّبِيلَ﴾، وهو مفرد، وهكذا تجدون أن السبل تأتي جمعًا فيما يخالف الحق، كذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مثل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام ١٥٣]، فالصراط أَفْرَدَه، أما الصراط الآخر أو المخالف لصراط الله فهو جمع، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾، وإذا جاء طريق الحق مجموعًا فالمراد تنوُّع شرائعه، وكذلك الوَلِيّ، الكفار ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة ٢٥٧]؛ لأن سبل غير الحق متنوعة كل نوع منها عليه طاغوت يدعو إليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة التي بعدها: وجوب دعوة الإنسان إلى أبيه ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، يعني: انسبوهم لآبائهم لفظًا وحقيقةً، أما لفظًا فتقول: يا فلان بن فلان، انسبه إلى أبيه، وأما حقيقة أن تعتقد أن البنوة الحق إنما هي لِمَن؟ للأب الحقيقي الذي وُلِدَ الإنسان من صلبه، لا للأب الذي ادُّعِيَ أنه أب.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لا ينبغي أن يُدْعَى الإنسان لغير أبيه، وهذا نوعان:
أحدهما: أن يُدْعَى لغير أبيه لفظًا وحقيقة، فهذا لا يجوز، بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل ذلك من الكفر، إذا ادَّعَى الإنسان إلى غير أبيه وهو يعلمه فإن ذلك كفر، «فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٦٨)، ومسلم (٦٢ / ١١٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه: «لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر».]].
الثاني: أن يَدَّعِيَ إلى غير أبيه لفظًا، ولكن لا تثبت أحكام البنوة إطلاقًا إلى مَن ادعى إليه، فهذا نقول: إنه خلافُ ما أمر الله به.
ولكن أهل العلم يقولون: إن الإنسان إذا اشتهر به مع عدم الالتفات إلى أحكامه ومقتضياته فإنه جائز، وذكروا لذلك مثل المقداد بن الأسود، فإن المقداد بن الأسود ليس أبوه هو الأسود، ولكن الأسود كان قد تَبَنَّاه، واشتهر بهذه الكنية، واستمر عليه حتى أبطل الله التبني، ولكن بقي مشهورًا بذلك، قالوا: فهذا لا يضر؛ لأنه انتفت عنه أحكام التبني ولم يَبْقَ إلا اللفظ.
ومع هذا فإن الأفضل بلا شك هو أن يُدْعَى إلى أبيه، لكن المشكل أن الشيء إذا اشتهر فوصفته بغير ما اشتهر به حصل بذلك الالتباس، الآن لو قلنا: عن عبد الرحمن بن صخر، أن النبي ﷺ قال كذا وكذا، يمكن أن كثيرًا من الناس لا يدري من هو، لكن إذا قلت: عن أبي هريرة كلنا يعرفه.
وفي الآية الكريمة دليل على أن الأعمال تتفاضل عند الله؛ لقوله: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، يعني: أبلغ في العدل، ووجه ذلك أن هذا الرجل الدَّعِيّ كوننا ننسبه إلى غير أبيه هو باعتبار أبيه ظلم ولَّا لا؟ ظلم، كيف تنسبه إلى شخص ما أتى من صلبه وتَحْرِم مَن أتى من صلبه من دعوته إليه؟ هذا لا شك أنه جور، ولهذا قلنا في الدرس الماضي: إن اسم التفضيل هنا ليس في الطرف الآخر منه شيء؛ لأنه ليس فيه أي عدل في أن تنسب الإنسان إلى غير أبيه، وقلنا: إن فائدة التفضيل هنا بيان أن هذا الشيء قد بلغ الغاية في العدل؛ لأن هذا جِيءَ به باسم التفضيل، ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾، هل أخذنا الجملة التي بعدها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: له أب فإنه يُدْعَى بأُخُوَّة الدين، والولاية في الدين؛ لقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب ٥]، أما كونهم إخوانًا لنا في الدين فظاهر، وأما كونهم موالي فإن كان عتيقًا للمرء فهو مولى له بالعتق، وإن لم يكن عتيقًا فهو مولى له في الدين؛ لأن المؤمنين كما قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾ [التوبة ٧١]، فهم إخوانكم ومواليكم، فتدعوه بـ: يا أخي، لو قلت: يا ابن أخي، يصح؟ يصح.
المؤلف يقول: (﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾: بنو عمكم)، فجعل الولاية هنا ولاية النسب وليست ولاية الدين، لكن في النفس من هذا من الشيء، فالولاية إما ولاية دين وإما ولاية عتق، فأما ولاية العتق فواضح أن العتيق مولًى لمن أعتقه، وأما ولاية الدين فظاهر أيضًا أن كل مؤمن وليٌّ لأخيه المؤمن، أما ولاية النسب كقوله: بنو عمكم، فهذه إن كانت اللغة العربية يأتي فيها مثل هذا التعبير فنحن نقبل ذلك؛ لأن القرآن عربي، ولا مانع من أن يكون للفظ الواحد عدة معانٍ إذا كانت لا تناقض بينها، الآن انتهى الوقت.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
الأحزاب 33:4
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ : في أمرك، ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾: حافظًا لك. هذا مبتدأ درس اليوم، ﴿تَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ التوكل بمعنى الاعتماد مع الثقة، ولهذا فَسَّرُوه بأنه صِدْق الاعتماد على الله في جَلْب المنافع ودَفْع المضارّ، مع الثقة بالله عز وجل بأن يكون القلب معتمدًا على الله لا على غيره في جلب المنافع، وفي دفع المضارّ، مع ثقته بالله سبحانه وتعالى، يعني: واثقًا بأن الله تعالى سيكفيه، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]: كافيه، فإذا صدقتَ الله عز وجل في أنه سبحانه وتعالى سيكفيك فهذا هو تمام التوكل.
وقوله: ﴿تَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ جاءت هذه في القرآن في عدة مواضع، ومنها قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود ١٢٣]، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة ٢٣]، وعلى هذا فيكون التوكل من العبادة؛ لأن الله تعالى أمر به، وما أمر الله به شرعًا فهو من العبادة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد أقسام التوكل.
وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب ٣]، الباء يقول أهل الإعراب: إنها زائدة لتحسين اللفظـ، وأن لفظ الجلالة هو الفاعل، والتقدير: وكفى اللهُ وكيلًا، ووكيلًا حال من الفاعل، والمعنى: ما أعظم كفاية الله تعالى في هذا الشيء، إن كان ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء ٧٩]، فهو: ما أعظم كفاية الله تعالى في شهادته.
أقول: فيه آيات، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ المعنى: ما أعظم كفاية الله في شهادته، ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾: ما أعظم كفاية الله في وكالته.
وقوله: ﴿وَكِيلًا﴾ يقول المؤلف: حافظًا لك، وعلى هذا ففَعِيل هنا بمعنى فاعل، وليست بمعنى مفعول؛ لأن الوكيل إذا قلت: وَكَّلْتُ هذا الوكيل، فإن وكيلًا بمعنى مفعول؛ لأنه الْمُوَكَّل، لكن هنا بمعنى فاعل، أي أنه حافظ، فالاعتماد من الإنسان، والحماية والحفظ من الله.
ويدل لتفسير المؤلف قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣] أي: كافيه، وسوف يقوم سبحانه وتعالى بحفظه، وبتحقيق ما توكل به عليه.
قال المؤلف: (وأمته تبع له في ذلك كله)، إنما قال هذا؛ لأن الخطاب في الآيات موجَّه لمن؟ للنبي ﷺ، فأُمَّتُه تَبَعٌ له، من أين علمنا أن أمته تبعٌ له؟
علمنا ذلك من طريقين، أو من أحد طريقين:
الطريق الأول: أن الله أمرنا بالتأسي به، فكل أَمْر مُوَجَّه للرسول ﷺ لا يدل الدليل على تخصيصه به فهو لنا أيضًا، نحن مأمورون باتباعه، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١].
ثانيًا: أنه من المعروف في الخطاب أن الخطاب الموجَّه إلى المتبوع خطاب له ولتابعه، ولهذا يقول –مثلًا- يقول القائد لضابط في الجيش: اذهب إلى المكان الفلاني، هل هو يريد: اذهب أنت بنفسك، ولَّا أنت بِمَن تَبِعك ؟ أنت بمن تبعك.
فالخطاب في اللغة العربية إذا وُجِّه للمتبوع فهو له وللتابع، فصار وجه كَوْن الأمة تبعًا للرسول ﷺ في هذه الأوامر، وما تضمنته من النهي، وجه ذلك، أو له طريقان:
الطريق الأول: أننا أُمِرْنَا باتباع الرسول ﷺ.
والطريق الثاني: أن الخطاب الموجَّه للمتبوع له ولتابعه.
ثم قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب ٤]، ﴿ما﴾ نافية، ولفظ الجلالة فاعل، و﴿مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ مفعول ﴿جَعَلَ﴾، الأول ولَّا الثاني ؟ الأول مؤخَّر، ومفعولها الثاني قوله: ﴿لِرَجُلٍ﴾، و﴿مِنْ﴾ هنا نقول: إنها زائدة من حيث الإعراب، فنعرب ﴿قَلْبَيْنِ﴾ على أنها مفعول به منصوب، وعلامة نصبه -هذه المشكلة- الفتحة ما يمكن، ياء مقدَّرة على هذه الياء التي جُلِبَت لماذا؟ جُلِبَت للحرف؛ لأن عَمَل الأداة الظاهرة أقوى من عمل الأداة الباطنة، يعني –مثلًا- ﴿جَعَلَ﴾ تنصب ﴿قَلْبَيْنِ﴾، لكن تعرَّض لها -أو عَارَضها بالأصح- عارضها عامل أقوى مباشر وهو حرف الجر، فيقولون: إن الياء هذه ليست ياء النصب، لكنها ياء حرف الجر الزائد.
وعلى هذا فنقول: علامة نصبه ياء مقدَّرة في مكان الياء الموجودة التي اجتُلِبَت من أجل حرف الجر الزائد.
قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ﴾، هذا الجعل كوني أو شرعي؟ هذا الجعل كوني؛ لأن الْجَعْل الذي يضاف إلى الله ينقسم إلى قسمين: جَعْل شرعي، بمعنى: ما شرع، وجَعْل كوني، بمعنى: ما خَلَق.
مثال الجعل الشرعي: قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة ١٠٣]، هذا جعل شرعي، ويش الدليل؟ الدليل أنه كونًا واقع مجعول، لكنه شرعًا لم يُجْعَل، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾.
وأما الْجَعْل الكوني فهو كثير، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء ٦]، ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ١٠ ١١].
وفي هذه الآية الكريمة: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ من أيهما؟ من الكوني، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ﴾، وأكَّد الله هذا النفي بحرف الجر الزائد؛ لأن الحروف الزوائد من أدوات التوكيد.
إذن محال أن يكون في الإنسان قلبان، في الإنسان الواحد قلبان محال، ولكن هل هذه الجملة مرادة لذاتها أو مرادة لغيرها؟
يرى المؤلف وجماعة من علماء التفسير أنها مرادة لذاتها، وأنها نفي لأمر قد ادُّعِيَ، ولهذا قال ردًّا على مَن قال من الكفار: إن له قلبين يعقل بكل منهما أفضل من عقل محمد ﷺ، هذا ما ذهب إليه جماعة من أهل العلم، يعني أن هذا نفيٌ لأمر ادُّعِيَ، وهو رجل من الكفار، يقول: إن له قلبين، وإذا كان له قلبان كان له عقلان، وإذا كان له عقلان كان أفضل من النبي ﷺ؛ لأنه ما له إلا قلب واحد.
وذهب بعض المفسرين، وعلى رأسهم الزهري رحمه الله، إلى أن هذه الجملة ليست مقصودة لذاتها؛ لأنها أمر معلوم؛ لأنه ليس لإنسان قلبان، لكنها توطئة وتمهيد لما يأتي بعدها؛ لأنه ذُكِرَ في الآية الكريمة ثلاثة أشياء: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، فكما أنكم تُقِرُّون بأنه لا قلبين لرجل في جوفه، فكذلك ليست الزوجة أمًّا؛ لأن الله لم يجعل للإنسان أُمَّين، كما أنه ليس له قلبان، وكذلك ليس هناك ابن غير حقيقي، يعني ليس للإنسان ابن خُلِق من مائه وابن نُسِب إليه ولم يُخْلَق من مائه، بل إن ابنك مَن خُلِقَ من مائك، واضح؟
وهذا ما اختاره ابن كثير رحمه الله، على أن هذه الجملة توطئة؛ لأن انتفاء القلبين في الجوف الواحد أمر معلوم، والقصة التي ذَكَرُوها يُنْظَر في صحتها، وحتى لو صحَّت فإن هذا الذي يقول: إن له قلبين، ادعاؤه أن له قلبين يدل على أنه لا قلب له؛ لأن هذا أمر مستحيل.
يقول الله عز وجل: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، فهل قوله: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ قَيْد، يُعْتَبر قيدًا شرطيًّا له مفهوم، فيقال لك: إن له قلبين خارج جوفه؟ لا، ولكنها لبيان الواقع؛ لأن من المعلوم أن القلوب في الأجواف، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام ٣٨]؛ لأن قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ كقول الإنسان: ولا ماشٍ يمشي برجلين، لبيان الواقع.
وإن كان بعض المتأخرين في قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ قال: إنها قَيْد شرطي لتُخْرِج الطائر المعروف؛ لأنها تطير بغير جناحين، وقد يقال: إن هذا ليس بصحيح، حتى الطائرة الآن تطير بجناحيها، أين النفاثات التي تطير بها؟ في الجناحين، والمراوح اللي كانت في الأول هي نفس الجناحين، لكن لا شك أن الطائرة ما هي من الأمم التي هي أمثالنا، بل هي من صنعنا.
إذن قوله تعالى: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ لبيان الواقع، ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي﴾، يقول: (بهمز وياء وبلا ياء)، بهمز وياء (اللائي)، وبلا ياء يعني بهمز بلا ياء، فتكون (اللاءِ) و(اللاءِ) كما نعرف جميعًا جَمْع لأيش؟ جمع (التي)، ولَّا لا؟ فهي مثل (الذين) في الذكور، جمع؟ نعم.
(اللائي) يقول: عندي (﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ بلا ألف قبل الهاء، وبها والتاء الثانية في الأصل مُدْغَمَة في الظاء) ﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ هذه قراءة، والثانية يقول: بلا ألف قبل الهاء، (وبها) يعني: بألف قبل الهاء، أيش تكون: ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ، هذه قراءتان، وإلى الآن ما جاء المؤلف بالقراءة المشهورة عندنا وهي ﴿تُظَاهِرُونَ﴾، فيكون في الآية ثلاث قراءات: ﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ والثالثة ﴿تُظَاهِرُونَ﴾ و﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ﴿وتَظَّهَّرُونَ﴾ يقول: إن التاء مُدْغَمَة في الظاء، وأصلها: تَتَظَاهَرُون أو: تَتَظَهَّرُون، لكن صارت ﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ ، أُدْغِمَت التاء في الظاء.
ما معنى ﴿تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ﴾، أي: تقولون: إنهنّ عليكم كظهور أمهاتكم، وهذه صيغة طلاق في الجاهلية، إذا أراد الإنسان أن يطلق امرأته طلاقًا بائنًا قال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فتطلق طلاقًا بائنًا؛ لأن ظهر أمه لا يحل له بحال من الأحوال، وخَصَّ الظهر؛ لأنه محل الركوب، والإنسان يركب زوجته أو تركبه؟ إي نعم يركبها؛ لأنها فراش، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام.
إذن ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ، أيش معنى ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ؟ أي: تقولون لهن: أنتن علينا كظهر أُمِّنَا، وهذه الجملة يعتبرها أهل الجاهلية طلاقًا بائنًا، أما في الإسلام فليست بطلاق، ما هي في الإسلام؟ ظِهَار، يعني أنها مُوجِبَة لتحريم المرأة حتى يفعل الإنسان ما أمره الله به، كما في سورة المجادلة.
﴿تَظَّاهَرُونَ مِنْهُنَّ﴾ بقول الواحد –مثلًا- لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ويمكن أن يقول غير هذه العبارة؟ يمكن أن يقول: أنتِ عليَّ كظهر أختي، ويمكن أن يقول: أنتِ عليَّ كبطن أمي، فالعبرة بالمعنى لا بالصيغة، وقد مر علينا في كتاب الظِّهَار أن يُشَبِّه الرجلُ زوجتَه بمن تَحْرُم عليه تحريمًا مؤبَّدًا بنسب أو سبب مباح، المهم تحريمًا مؤبدًا، هذا هو الظهار عند أهل العلم، وسبق الخلاف فيما لو حرَّمها أو لو ظاهَر منها وشبَّهَها بمن تحرُم عليه تحريمًا إلى أَمَد.
* الطالب: (...).
* الشيخ: القراءة السبعية تارة يحيل لها على هذا وهذا بدون ما يقولون: وفي قراءة، وتارة يقولون: وفي قراءة، يقول: (بقول الرجل –مثلًا- لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي).
﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ ويش اللي نصبها؟ ﴿جَعَلَ﴾، أين المفعول الأول ؟ ﴿أَزْوَاجَكُمُ﴾، و﴿اللَّائِي﴾ صفتها، و﴿تُظَاهِرُونَ﴾ صلة للموصول، و﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ المفعول الثاني، و﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أي: كالأمهات في تحريمها بذلك المُعَدّ في الجاهلية طلاقًا، وإنما تجب به الكفارة بشرطه كما ذُكِرَ في سورة المجادلة.
في الإسلام ليس بطلاق، ولكنه تحريم تجب به الكفارة بشرطه، وهو العَوْد؛ لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة ٣]. (...)
﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، ما أخذنا من الفوائد، أو لا؟
* طالب: ما كملنا الآية.
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾.
* الشيخ: ما كمَّلنا، نكمل.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، نحن ما كملنا المناقشة، ما هي المظاهَرة في القراءة التي فيها الزيادة؛ لأن فيها زيادة حرف، والحرف فيه عشر حسنات، عرفتم؟ فعلى هذا القول أيّ القراءات الثلاثة تختارون؟
* طالب: ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ .
* الشيخ: ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ؛ لأن هذه أكثرها حروفًا، ومن العلماء من يقول: الأفضل أن تقرأ بكل قراءة، أن تأخذ بكل قراءة، تقرأ بهذه مرة وبهذه مرة، أيهما أرجح؟ الصحيح الأخير أنك تقرأ بهذه مرة وبهذه مرة إذا كنت تعرف؛ لأن كل قراءة فقد صحَّت عن النبي ﷺ فينبغي أن تقرأ بها لفائدتين، ما ذكرنا إلا واحدة، لفائدتين:
الفائدة الأولى: العمل بكل السُنَّتَيْن.
الفائدة الثانية: حِفْظ هذه القراءات، ولذلك نحن الآن لما كنا نعتمد على القراءة التي عندنا ما نعرف القراءات الأخرى، فإذا قيل للإنسان: ينبغي لك أن تقرأ بكل قراءة صحّت، فإن هذا يكون فيه حفظ للقراءات، ولهذا ينبغي للصغار منا، ولَّا عاد الكبار صعب عليهم الحفظ، لكن الصغار ينبغي لهم أن يحرصوا على القراءات، وأن يتعلموها من أجل أن يعملوا بالسنة هذه ما تبقى مهجورة، إي نعم.
قوله: ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ إعرابها؟ (...)
﴿أَبْنَاءَكُمْ﴾ قال المؤلف: (جمع دعِيٍّ، وهو مَن يُدْعَى لغير أبيه ابنًا له)، أدعياء جمع دَعِيّ، كأغنياء جمع غني، وأَكْفِيَاء جمع كَفِيّ، ولها أمثلة، و(دَعِيّ) فعيل بمعنى مفعول، وأصلها دَعِيُو، بالواو، لكن قُلِبَت الواو ياءً لعلة تصريفية.
إذن (دَعِيّ) بمعنى مدعو، والدعاء في الأصل طلب الإقبال، والمراد بادِّعاء هنا النسبة، بأن يُنْسَب إلى غير أبيه، فيقال: هذا ابن فلان، وليس ابنًا له حقيقةً، هؤلاء الأدعياء ما جعلهم الله تعالى أبناءً، شرعًا أو قدرًا؟ لا شرعًا ولا قدرًا، أما لا قدرًا فواضح؛ أنه ما هو بأبناء قدرًا، وأما شرعًا فهنا نفى الله عنهم، نفاه، قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، فإذا كان الأدعياء ليسوا أبناءً لا قدرًا ولا شرعًا فإنه لا يَرِد الذهنُ أو لا يتوجَّه الذهن إليهم شرعًا.
هذه الكلمة التي أقولها يتبين بها ضعف قول مَن يقول (...) في قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] يقول: إن قوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ إنها قَيْد يُحْتَرَز به عن ابن التبني؛ لأننا نقول: ابن التبني لا يدخل في الابن أصلًا، فلا يذهب إليه الوهم حتى نقول: إنه يحتاج إلى قيد يُحْتَرَز به عنه، وسبق أن بحثنا هذه المسألة في باب المحرَّمات في النكاح.
المهم أن الأدعياء ما جعلهم الله أبناء، لا شرعًا ولا قدرًا، وكانوا في الجاهلية يَدْعُون الإنسان لغير أبيه، يكون هذا الرجل شريفًا وذا نسب، وهذا الدَّعِيّ وضيعًا نسبُه عند الناس ليس بذاك الشيء، أو ليس له نسب معلوم، فيُدْعَى إلى هذا الأب من أجل رفعته، فأبطل الله ذلك؛ لأن دعوة الإنسان إلى غير أبيه يترتب عليها أمور، كل ما يترتب على النسب من تحريم وتحليل وإرث ونفقات وغيرها كلها ربما تنتقل إلى هذا الدَّعِيّ بسبب أنه دُعِيَ إلى هذا الرجل، فلذلك منع الله تعالى ذلك شرعًا؛ لأن تسمية الشيء باسمٍ بعيد عن حقيقته هذا يوجِب أن تنقلب الأوضاع، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ، يَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَهِيَ تُعْتِم بِإِبِلِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ فِي كِتَابِ اللهِ الْعِشَاءُ»[[أخرجه مسلم (٢٢٨ /٦٤٤) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ]].
فكل الأشياء التي ربما إذا سُمِّيَت باسم آخر ربما تختلف أحكامها فإن الشرع نهانا.
﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ حقيقةً، حقيقة تفسير لأبناء، يعني: ما جعلهم أبناء على وجه الحقيقة.
﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾، أي: اليهود والمنافقين، ﴿ذَلِكُمْ﴾ المؤلف يريد أن يكون الخطاب هنا لليهود والمنافقين، والصواب أنه عائد لكل مَن دعا شخصًا لغير أبيه من الأدعياء سواء كان من المنافقين أو من اليهود أو من المشركين، أو من المسلمين، فإن هذا قول يقوله الإنسان بفيه، وليس حقيقةً، هو نفسه يعلم أن هذا الدَّعِيَّ ليس ابنًا لهذا المدعو إليه، فكيف يقول ما يعتقد أن الأمر بخلافه؟
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أتى بضمير الجمع في الخطاب؛ لأن المخاطَبِين جماعة، وقد مَرَّ علينا في اسم الإشارة أن اسم الإشارة يراعَى به المشار إليه، والكاف يراعى بها المخاطب، هنا المشار إليه مفرد مُذَكَّر، وهو دعوة الرجل إلى غير أبيه، والمخاطَبُون جماعة ذكور.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذه نبغي نتكلم عليها في الفوائد إن شاء الله.
﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ يعني: تقولونه بألسنتكم وأنتم تعرفون الحقيقة أنها ليست كذلك.
قال المؤلف رحمه الله: أي اليهود والمنافقين، ليش جعلها بالياء؟ لأنها تفسير لقوله: ﴿قَوْلُكُمْ﴾ بالكاف وهي مجرورة، قالوا: لَمَّا تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش التي كانت امرأة زيد بن حارثة الذي تَبَنَّاه النبي ﷺ قالوا: تزوَّج محمد امرأة ابنه، فأَكْذَبَهُم الله تعالى في ذلك.
* طالب: (...).
* الشيخ: قالوا: تزوج -أي اليهود والمنافقين- كلام المؤلف بعيد من ظاهر الآية؛ إذ إن كلام المؤلف يقول: إنهم بعد أن تزوَّج النبي عليه الصلاة والسلام زينب بنت جحش، وكانت في الأول عند زيد بن حارثة قالوا هذا القول، والآية ما فيها إشارة للقصة إطلاقًا، إنما الآية يتحدث الله فيها عن أيش؟ عن ابن التبني، ما تحدَّث الله تعالى ولا أشار إلى تزوُّج الرجل بزوجة ابنه الذي تَبَنَّاه، لكن هذه ستأتينا إن شاء الله في الآية، فالصواب أن الآية إنما هي في نسبة الإنسان إلى غير أبيه تبنيًا.
(﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ في ذلك، ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾: سبيل الحق).
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، المؤلف قيده فقال: (في ذلك)، والصواب عدم القيد، حتى وإن كان السبب هو هذا؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ما هو الحق الذي يقوله الله عز وجل فيما يقوله؟ فسَّره الله تعالى في القرآن نفسه، فقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، هذا هو الحق الذي يقوله الله عز وجل، صدق في الأخبار، وعدل في الأحكام، فكل ما قاله الله عز وجل فهو دائر بين أمرين؛ إما خبر، وإما حكم، الخبر أَحَقِّيَّتُه الصدق، والحكم أحقيته العدل، خير ما يُفَسَّر به القرآن القرآن، ولهذا إذا قال قائل: ما هو الحق في قول الله ؟ نقول: الحق في قول الله هو ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾.
وقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، لم يقل: ويهدي السبيل؛ لأن الجملة الثانية تتعدى للغير، فهناك هادٍ ومَهْدِيّ ومَهْدِيٌّ فيه ولَّا إليه ؟ إليه وفيه أيضًا، هناك هادٍ وهو الله، ومَهْدِيّ وهو الإنسان –مثلًا-، ومَهْدِيٌّ إليه وفيه أيضًا، وهو الدين، السبيل الْمُوصِل إلى الله عز وجل، مَهْدِيٌّ إليه هذه هداية الدلالة، ومَهْدِيٌّ فيه هذه هداية التوفيق؛ لأنك تقول: دَلَلْتُه إلى كذا، وهديته في كذا، بمعنى: جعلته عاملًا فيه، وهذا هو الحكمة في أن الله عز وجل قال في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦]، ولم يقل: إلى الصراط، ليش؟ لأجل يعم الهداية إليه بالدلالة إليه وبيانه، والثاني: هداية فيه بالعمل به، وهذا هو مقصود كل داعٍ يدعو الله عز وجل بالهداية أن الله يهديه إلى الشيء فيعرفه ويعلمه، ويهديه فيه فلا يضل عنه، واضح؟
﴿يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيّ سبيل يراد بهذه الآية؟ ﴿السَّبِيلَ﴾ (أل) هذه للعهد الذهني، والمراد سبيل الله عز وجل، ويش الدليل لمراد سيبل الله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣].
إذن السبيل التي يهدي الله إليها هي سبيل الله عز وجل، وهي طريق الحق، ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، ومن جملة ذلك أنه سبحانه وتعالى لم يجعل الزوجات التي يظاهرون منهن أزواجُهن لم يجعلهن أمهات، ولم يجعل الأدعياء أبناء، فقال الحق في ذلك، وهدانا السبيل في ذلك، فالزوجة زوجة، والابن الدَّعِيّ ليس ابنًا، والله يقول: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب ٥]، قال المؤلف في التفسير: (لكن ادعوهم لآبائهم )، لماذا أتى بالاستدراك: (لكن ادعوهم لآبائهم)، في ظني أنه لا حاجة للاستدراك، وأن الجملة استئنافية، لَمَّا أبطل الله سبحانه وتعالى أن يكون هؤلاء الأدعياء أبناءً أَمَرَ بأن ندعوهم لآبائهم، وكأن المؤلف رحمه الله لما كانت الآية الثانية: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ لَمَّا كانت غير مقابلة لما نَفَاه الله في الأول، يعنى: ما جعل أدعياءكم أبناءكم، لكن جعلهم أبناء آبائهم، فادعوهم لآبائهم، رأى رحمه الله أن هذا هو وجه الاستدراك، ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، لكن جعلهم أبناءً لآبائهم فادعوهم لآبائهم.
نقول: هذا لا حاجة إليه، فالجملة استئنافية ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، أي: انسبوهم لآبائهم، فقولوا: يا ابن فلان، وكلمة (آبائهم) جمع أبٍ، هل المراد بالجمع هنا باعتبار الْمَدْعُوِّين، يعني لأن الناس كثيرون، أو أن المراد آباؤهم بالنسبة لكل شخص، بمعنى أن الإنسان يُنْسَب إلى أبيه وجده وأبي جده، وهكذا، أو شامل للأمرين؟
هو شامل للأمرين، فالإنسان يُدْعَى إلى أبيه يقال: فلان ابن فلان ابن فلان، الرسول عليه الصلاة والسلام محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، بل إنه عليه الصلاة والسلام قال: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣١٥)، ومسلم (١٧٧٦ / ٧٨) عن البراء بن عازب رضي الله عنه. ]]، ومحمد عندنا الألفية: قال محمد، وهو ويش اسمه؟ محمد بن عبد الله، أبوه عبد الله، فهو فيما يظهر أنه شامل، يعني أنه جُمِعَ باعتبار أفراد الناس، وجُمِعَ باعتبار الآباء؛ لأن الآباء أبٌ أدنى وأب فوق.
قال: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾، ﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على المصدر المفهوم من قوله: ﴿ادْعُوهُمْ﴾، أي: ﴿هُوَ﴾ أي: دعاؤهم، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨]، ﴿هُوَ﴾ أي: العدل المفهوم من الفعل، فهنا ﴿هُوَ﴾ أي: دعاؤهم لآبائهم، ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: أعدل.
فسَّرها بعضهم باسم الفاعل، اسم الفاعل هو قاسط عند الله، يعني: هو العدل عند الله عز وجل، وإنما لجأ إلى ذلك؛ لأن المعروف أن اسم التفضيل يشترك في أصل معناه المفضَّل والمفضَّل عليه، فإذا قلت: فلان أشجع من فلان، فكلاهما شجاع، لكن هذا أشجع، فهنا إذا جعلنا اسم التفضيل على بابه وقلنا: دعاؤهم لآبائهم أقسط عند الله من دعائهم لمن تبنَّاهم، صار في دعائهم لمن تبنَّاهم عدل، مع أنه لا عدل فيه.
ولذلك قال بعض المفسرين: إن أفعل التفضيل هنا بمعنى اسم الفاعل، حتى لا يكون في الطرف الثاني منه شيء.
وقال بعض المفسرين: هو على بابه، واللغة العربية تأتي باسم التفضيل دائمًا فيما ليس في الطرف الآخر منه شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾، مع أن أصحاب النار لا خير في مستقرهم، وعلى هذا فنقول: إبقاء الآية على ظاهرها يكون أَوْلَى، فإذا قيل ذلك فإنه يَرِدُ علينا سؤال: لماذا عَبَّرَ بأفعل التفضيل في طرف ليس في الطرف الآخر منه شيء؟
قلنا: لبيان أن هذا غاية ما يكون من العدل، انتبه، فتكون فائدتها أن دعاءهم لآبائهم أعدل شيء، وهو غاية ما يكون من العدل، فاسم التفضيل هنا باعتبار المعنى، أي أن هذا أعدل شيءٍ.
وكلمة ﴿أَقْسَطُ﴾ اسم تفضيل من الثلاثي ولَّا من الرباعي؟ من الثلاثي؛ لأن اسم التفضيل ما يُصَاغ إلا من الاسم الثلاثي:
وَصُغْهُمَا مِنْ ذِي ثَلَاثٍ صُرِّفَا ∗∗∗ ...................
ثم إن الرباعي من هذه المادة ليس بمعنى العدل، بل بمعنى الجور، كذا؟ الرباعي بمعنى الجور؟ انتبه، إذن بالعكس؛ القاسط هو الجائر، والمقسط هو العادل، أو لا؟
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات ٩].
إذن يَرِدُ علينا إشكال في مسألة ﴿أَقْسَطُ﴾ هنا، ﴿هُوَ أَقْسَطُ﴾، فنقول في الجواب عنه: إن في هذا دليلًا على صحة مذهب الكوفيين الذين يقولون بجواز صيغة اسم التفضيل من غير الثلاثي، يقولون: ﴿أَقْسَطُ﴾ من باب الإقساط، يعنى أن ذلك أعدل.
وقوله: ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ يعني: في حكمه؛ لأن الحكم حكم الله عز وجل يضاف إليه، وهذا نظير قوله تعالى في الذين يرمون المحصنات، يقول: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور ١٣]، شوف تأمل قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾، إحنا انتقلنا الآن عن الآية، إذا قذف رجل امرأة بالزنا فهو باعتبار الواقع قد يكون حقًّا، وقد يكون كذبًا، أو لا؟ يعني: قد يكون حقًّا إنها زنت، وقد يكون كذبًا، لكنها في حكم الله؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، في حكم الله كذب، ولهذا قال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ما قال: فأولئك هم الكاذبون؛ لأنه قد يكون حقيقة باعتبار الواقع، لكن في شرع الله كاذبون، ﴿فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، ولهذا يجب عليهم حد القذف إذا لم يأتوا بأربعة شهداء.
﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب ٥]، إن لم تعلموا آباء مَن؟ أباء هؤلاء الأدعياء، ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾، يعني: وليسوا أبناءهم، يعني حتى في الحال التي لا يُعْرَف لهذا الرجل أبٌ فإنه لا يجوز أن يُنْسَب إلى غير أبيه، ولكن يكون أخًا لنا في الدين، ومولًى لنا إذا كان قد دخل في ملكنا ثم حررناه مثلًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في قصة اختصام علي وجعفر وزيد بن حارثة، قال لزيد: «أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا»[[أخرجه البخاري (٢٦٩٩) عن البراء بن عازب رضي الله عنه. ]]، فهو أخي في الدين وليس ابنًا لي، وهو أيضًا مولاي إذا كنت قد أعتقته، ولو لم أعرف أباه فإنه لا يُنْسَب إلَيَّ.
ولهذا تجدون العلماء رحمهم الله الذين يكتبون أسماء الرجال عندما ينسبون أحدًا من الموالي إلى مَن أعتقه يقول: القرشي مولاهم –مثلًا-، التميمي مولاهم، لأنه لو يقال: القرشي فقط أيش يظن الظان؟ أنه قرشي حقيقة، فإذا قال: مولاهم، يعني أنه نُسِبَ إليهم؛ لكونه مولًى لهم، ومولى القوم منهم، حتى إن العلماء قالوا في الصدقة قالوا: إنها تَحْرُم على موالي بني هاشم؛ لأن مولى القوم منهم، لكنه لا يُنْسَبُون إليهم نسبًا حقيقيًّا، بل لا بد من أن يقيد.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: بنو عمكم (...).
* الشيخ: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما له وجه.
* الطالب: (...) أن أبا زيد بن حارثة قَدِم للنبي من (...) فقال (...) فخيَّره النبي ﷺ (...)؟
* الشيخ: إي هذا لَمَّا قَدِم أبوه وعمه؟
* الطالب: فعُرِف أبوه وطلبه أبوه.
* الشيخ: سبب تَبَنِّيه، هذا كان في أول الإسلام ثم أُبْطِل، منسوخة. (...) ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ لكن بس (...).
وهي وجوب تقديم الوحي على الرأي؛ لقوله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ [الأحزاب ٢]، فإن هذا الخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ وإلى أُمَّته بالأَوْلَى، فيفيد وجوب تقديم الوحي على الرأي.
وتقديم الرأي على الوحي له أقسام، منها ما يصل إلى الكفر، ومنها ما هو دون ذلك، فالذين يُقَدِّمُون الرأي على الوحي مع علمهم بالوحي معتقدين أن غير الوحي مساوٍ له، أو أكمل منه، أو أنه يجوز الحكم بالرأي المخالف للوحي مع العلم به، هؤلاء يعتبرون كفارًا.
في هذه الأحوال الثلاث إذا اعتقدوا أن الرأي أكمل وأنفع من الوحي، أو أنه مساوٍ له، أو أنه يجوز تقديمه على الوحي مع العلم به، فهؤلاء كفار؛ لأنهم حَكَمُوا بغير ما أنزل الله، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤].
وأما مَن قَدَّمُوه بتأويلٍ ظنًّا منهم أن ذلك لا يخالف الوحي، أو أنه طريق يُوصِلُهم إلى الوحي، فهؤلاء لا يصلون إلى درجة الكفر، وذلك مثل كثير من المتعصبين للمذاهب، فإنهم لا يرون أن هذه المذاهب خارجة عن الوحي، وإنما يرون أن ذلك طريق إلى العمل بالوحي، فيقولون: هذا إمامنا أعلم منا وأفهم، فنتبعه ونتهم رأينا بالنسبة إلى رأيه، وإلا فنحن متمسكون بشريعة الله، ومُحَكِّمُون لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
هؤلاء نقول: إنه إذا تَبَيَّن لهم الحق وجب عليهم اتباعه، ولو خالف متبوعهم من الأئمة، وذلك لأن الحق لا يخطئ، والأئمة يخطؤون، ولا يمكن أن يَدَّعِي العصمة لأحد من البشر إلا رسولَ الله ﷺ، لا يمكن أن يدَّعِي العصمة إلا رجل ضالّ، الذي يدَّعي العصمة لغير الرسل رجل ضالّ، كما يفعل الرافضة بأئمتهم، وهذا ضلال بَيِّن؛ لأن أئمتهم قد يخطؤون كما يخطئ غيرهم.
وقد مر علينا ما وقع لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو إمام الأئمة بالنسبة لأولئك القوم أنه أخطأ حين أعطاه النبي عليه الصلاة والسلام حُلَّة من حرير فلبسها، فقال:« «إِنَّنِي مَا أَعْطَيْتُكَهَا لِتَلْبَسَهَا، وَإِنَّمَا تُعْطِيَهَا الْفَوَاطِمَ»[[أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٦٩) بلفظ: «إني لم أكسكها لتلبسها، إنما كسوتكها لتجعلها خمرًا بين الفواطم». ]]، وكذلك ما هو مشهور عنه من أن المرأة إذا كانت حاملًا وتُوُفِّي عنها زوجها فإنها تَعْتَدّ بأطول الأجلين، وهذا مخالف للسنة الصحيحة الصريحة.
والحاصل أننا نقول: إن في الآية الكريمة: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأحزاب ٢] وجوب تقديم الوحي على الرأي، وأنه يجب الحكم بما جاء به الشرع مطلقًا، سواء خالف رأي متبوعيك أم لم يخالف.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب ٣]، هذا مبتدأ الفوائد؟
في هذا دليل على وجوب التوكل على الله، وقد ذكرنا في كتاب التوحيد أن التوكل ينقسم إلى أقسام:
أحدها: توكل العبادة، وهو شعور الإنسان بافتقاره إلى المتوكَّل عليه وذُلِّه بين يديه، وهذا لا يجوز صرفه لغير الله، وصرفه لغير الله شرك؛ لأنه إشراك بالله فيما لا يستحقه إلا الله، وهو شرك أكبر ولَّا أصغر؟ شرك أكبر.
والثاني: الاعتماد على الغير الذي جعلته نائبًا عن نفسك، فهذا جائز، وقد وقع حتى من الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه وَكَّلَ عروة بن الجعد على أن يشتري له أضحية، وكان له وكيل في خيبر، وكذلك وَكَّلَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ذبح ما بقي من الهدي، وهو جائز ولا إشكال فيه، ووَكَّل علي بن أبي طالب حين ذهب إلى تبوك أن يكون خليفة له في أهله، وموسى عليه الصلاة والسلام وَكَّل هارون حين ذهب إلى الطور، وقال: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف ١٤٢].
إذن هذا جائز ولا إشكال فيه؛ لوقوعه من الأنبياء، ولأنه عقد من العقود، والأصل في العقود الحِلّ إلا ما قام الدليل على منعه.
والثالث: أن يعتمد على مَن لا يصح الاعتماد عليه، على قوة سرية نعلم أنه لا أثر لها في هذا الاعتماد، وهذا شرك قد يكون أكبر وقد يكون أصغر، مثل اعتماد أولئك الذين يتوسَّلون بالأموات، ويعتقدون أن في الاعتماد عليهم خيرًا، هؤلاء قد يصل بهم الأمر إلى الشرك الأكبر، وإلا فمجرد اعتمادهم عليهم شرك ولا يحل.
الرابع: أن يعتمد على قوة ظاهرة مؤثِّرة، لكنه يعتمد عليها لا باعتبار أنها نائبة عنه، بل باعتبار أنها مُجْدِيَة له، وأنها مصدر سعادته وفلاحه ورزقه، وما أشبه ذلك، فهذا مكروه، وقد يصل إلى درجة التحريم، كاعتماد الإنسان على الراتب وعلى المعاش من الوزارة التي يعمل فيها والإدارة والرئاسة، وما أشبه ذلك، فإن هذا فيه نوع من الشعور بالافتقار إلى هذا الشيء والتذلُّل له.
ولذلك تجد الذين ابتُلُوا بهذا النوع تجدهم يحابون من كانوا يعتمدون عليه، يحابون كبراءهم من الوزراء وغير ذلك، يحابونهم في أمر لا يجوز، أما مجاملتهم فيما هو جائز فهذا أمر لا بأس به، لكن محاباتهم في المحرَّم هذا لا يجوز، لكن هذا قد يقع؛ لأنهم يشعرون بأنهم مفتقرون إلى هؤلاء، فهذا أقل أحواله الكراهة، والإنسان ينبغي له أن يكون عزيز النفس، لا يعتمد إلا على ربه سبحانه وتعالى.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن كفاية الله عز وجل فوق كل كفاية؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب ٣] ، زعم بعض أهل العلم أن مثل هذا التركيب يفيد التعجب، يعني: ما أعظم من كفاية الله! وتوكَّل على الله فما أعظم كفاية الله سبحانه وتعالى! وهذا ليس ببعيد؛ أنّ كَوْن هذه الصيغة تُحَوَّل من: وكفى الله وكيلًا إلى: ﴿وكفى بالله وكيلًا﴾ لا يبعد أن يكون المراد بذلك بيان المبالغة في كفايته سبحانه وتعالى، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣].
ثم قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤].
يستفاد من هذا السياق أن القرآن قد بلغ الغاية القصوى في الإقناع وإقامة البرهان.
وجه ذلك أنه قَدَّمَ الدليل على المدلول بصورة لا يَمْتَرِي فيها أحد، ما هي؟ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، فإن هذا أمر معلوم ولا يتنازع فيه اثنان؛ أنه ليس للإنسان إلا قلب واحد، ما فيه قلبان، لماذا؟ لأن هذين القلبين إن اتفقا على أمر واحد صار القلب الثاني لا فائدة منه، أو لا؟ وان اختلفَا تناقضَا في عين واحدة، فماذا يصنع الإنسان، هل يتبع القلب الأيمن ولَّا يتبع القلب الأيسر؟ يبقى محتارًا، لذلك ما جعل الله لرجل من قلبين، ما فيه إلا قلب واحد فقط؛ لأنه في جسم واحد.
وتأمل قوله: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ يستفاد منها فائدة غير أنها بيان للواقع، يستفاد أن الجوف الواحد لا يتناسب معه إلا قلب واحد، وإلا لكان القلبان في جوفين لا في جوف واحد، فصار فيها فائدة غير ما سبق، وهي أنها بيان للواقع، بأن الجوف الواحد لا يمكن أن يديره إلا قلب واحد.
في الآية الكريمة سياق الشيء بالبرهان، أو إثبات الشيء بالبرهان الذي يكون قاطعًا لا يَمْتَرِي فيه أحد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المرأة المظاهَر منها ليست أمًّا؛ لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾.
* يتفرع على هذه الآية: أن جَعْلَها أُمًّا في الظهار كذب وزور ومنكر، ولهذا قال الله تعالى في آية الظهار: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة ٢]، فهو منكر لمخالفة الشرع، وزُور لمخالفة الواقع والحقيقة.
* يستفاد من الآية الكريمة: الإشارة أو التنبيه على تحريم الظهار؛ لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ﴾ ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾، فإذا كان الله ما جعل ذلك فإنه لا يحل لنا أن نجعل شيئًا لم يجعله الله؛ لأن الأمر إلى الله وحده.
* ويستفاد من الآية ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾: أن الأبناء الأدعياء ليسوا بأبناء حقيقةً ولا شرعًا، فهم ليسوا أبناء قدرًا، وليسوا أبناء شرعًا، ولهذا قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾.
* ويستفاد منها: أنه إذا لم يكن الابن الدَّعِيّ ابنًا لا شرعًا ولا حقيقة فإنه لا يحتاج إلى قَيْد يُخْرِجُه من معنى البنوة، لماذا لا يحتاج؟ لأنه غير داخل فيها أصلًا حتى نحتاج إلى قيد نخرجه به.
* ويتفرع على هذه الفائدة: بيان ضعف قول مَن يقول: إن الاحتراز في قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] إن الاحتراز في قوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ عن ابن التبني؛ لأننا نقول: إنه أصلًا لم يدخل حتى يحتاج إلى قيد يُخْرِجُه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يقول قولًا لا يعتقده، ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب ٤].
* ويستفاد منها: أنه ليس من الرجولة، وليس من العقل أن يقول الإنسان قولًا بِفِيه وهو لا يعتقده بقلبه؛ لأن المراد من قوله تعالى: ﴿قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ المراد به التنديد بهم والتوبيخ لهم، كيف تقولون شيئًا بأفواهكم وأنتم تعترفون بقلوبكم أنه ليس موافقًا للواقع؟ ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن قول الله عز وجل كله حق ليس فيه باطل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ [الأحزاب ٤]، والحق سبق أنه في كلام الله هو الصدق والعدل؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، وهو باعتبار الخبر صدق وباعتبار الحكم عدل.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن كلام الله عز وجل ليس فيه تناقض؛ لقوله: ﴿يَقُولُ الْحَقَّ﴾، والتناقض ما يكون إلا في الباطل، فالحق لا يمكن أن يتناقض، واضح؟
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن ما وصف الله به نفسه في كتابه فهو على حقيقته، وليس فيه تحريف أو تأويل؛ لأنه لو كان على خلاف ظاهره لكان ظاهره يدل على أيش؟ على باطل، إذا قلنا: إنه على خلاف الظاهر لزم أن يكون دالًّا على باطل، إذا كان المراد بآيات الصفات خلاف ظاهرها صار ظاهرها يدل على حق ولَّا على باطل؟
إذا قلنا: إن المراد بآيات الصفات خلاف الظاهر، صار الظاهر باطلًا؛ لأنه خلاف المراد، وهذا ينافي قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، فهو سبحانه وتعالى لا يقول إلا الحق.
* ويستفاد من الآية: أنه مع ظهور أن الله يقول الحق فإن الناس لا يتفقون عليه؛ لقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب ٤]، يعني حتى مع أن الله لا يقول إلا الحق فليس كل أحد يهتدي لذلك، بل الهداية بيد الله عز وجل.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أنه يجب على المرء أن يلجأ إلى ربه سبحانه وتعالى في سؤاله الهداية؛ لقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، وتأمل تغيير الصيغة حيث قال: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، ثم قال: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، ولم يقل: ويهدي السبيل، لأجل أن تكون الجملة الثانية مستقلة بركنيها بمبتدئها وخبرها؛ لأن قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي﴾، ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَهْدِي﴾ خبره، فكانت الجملة مستقلة عن الأولى؛ لأن ذلك أبلغ في بيان أن الهداية بيد الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن طريق الحق واحد؛ لقوله: ﴿السَّبِيلَ﴾، وهو مفرد، وهكذا تجدون أن السبل تأتي جمعًا فيما يخالف الحق، كذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مثل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام ١٥٣]، فالصراط أَفْرَدَه، أما الصراط الآخر أو المخالف لصراط الله فهو جمع، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾، وإذا جاء طريق الحق مجموعًا فالمراد تنوُّع شرائعه، وكذلك الوَلِيّ، الكفار ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة ٢٥٧]؛ لأن سبل غير الحق متنوعة كل نوع منها عليه طاغوت يدعو إليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة التي بعدها: وجوب دعوة الإنسان إلى أبيه ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، يعني: انسبوهم لآبائهم لفظًا وحقيقةً، أما لفظًا فتقول: يا فلان بن فلان، انسبه إلى أبيه، وأما حقيقة أن تعتقد أن البنوة الحق إنما هي لِمَن؟ للأب الحقيقي الذي وُلِدَ الإنسان من صلبه، لا للأب الذي ادُّعِيَ أنه أب.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لا ينبغي أن يُدْعَى الإنسان لغير أبيه، وهذا نوعان:
أحدهما: أن يُدْعَى لغير أبيه لفظًا وحقيقة، فهذا لا يجوز، بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل ذلك من الكفر، إذا ادَّعَى الإنسان إلى غير أبيه وهو يعلمه فإن ذلك كفر، «فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٦٨)، ومسلم (٦٢ / ١١٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه: «لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر».]].
الثاني: أن يَدَّعِيَ إلى غير أبيه لفظًا، ولكن لا تثبت أحكام البنوة إطلاقًا إلى مَن ادعى إليه، فهذا نقول: إنه خلافُ ما أمر الله به.
ولكن أهل العلم يقولون: إن الإنسان إذا اشتهر به مع عدم الالتفات إلى أحكامه ومقتضياته فإنه جائز، وذكروا لذلك مثل المقداد بن الأسود، فإن المقداد بن الأسود ليس أبوه هو الأسود، ولكن الأسود كان قد تَبَنَّاه، واشتهر بهذه الكنية، واستمر عليه حتى أبطل الله التبني، ولكن بقي مشهورًا بذلك، قالوا: فهذا لا يضر؛ لأنه انتفت عنه أحكام التبني ولم يَبْقَ إلا اللفظ.
ومع هذا فإن الأفضل بلا شك هو أن يُدْعَى إلى أبيه، لكن المشكل أن الشيء إذا اشتهر فوصفته بغير ما اشتهر به حصل بذلك الالتباس، الآن لو قلنا: عن عبد الرحمن بن صخر، أن النبي ﷺ قال كذا وكذا، يمكن أن كثيرًا من الناس لا يدري من هو، لكن إذا قلت: عن أبي هريرة كلنا يعرفه.
وفي الآية الكريمة دليل على أن الأعمال تتفاضل عند الله؛ لقوله: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، يعني: أبلغ في العدل، ووجه ذلك أن هذا الرجل الدَّعِيّ كوننا ننسبه إلى غير أبيه هو باعتبار أبيه ظلم ولَّا لا؟ ظلم، كيف تنسبه إلى شخص ما أتى من صلبه وتَحْرِم مَن أتى من صلبه من دعوته إليه؟ هذا لا شك أنه جور، ولهذا قلنا في الدرس الماضي: إن اسم التفضيل هنا ليس في الطرف الآخر منه شيء؛ لأنه ليس فيه أي عدل في أن تنسب الإنسان إلى غير أبيه، وقلنا: إن فائدة التفضيل هنا بيان أن هذا الشيء قد بلغ الغاية في العدل؛ لأن هذا جِيءَ به باسم التفضيل، ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾، هل أخذنا الجملة التي بعدها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: له أب فإنه يُدْعَى بأُخُوَّة الدين، والولاية في الدين؛ لقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب ٥]، أما كونهم إخوانًا لنا في الدين فظاهر، وأما كونهم موالي فإن كان عتيقًا للمرء فهو مولى له بالعتق، وإن لم يكن عتيقًا فهو مولى له في الدين؛ لأن المؤمنين كما قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾ [التوبة ٧١]، فهم إخوانكم ومواليكم، فتدعوه بـ: يا أخي، لو قلت: يا ابن أخي، يصح؟ يصح.
المؤلف يقول: (﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾: بنو عمكم)، فجعل الولاية هنا ولاية النسب وليست ولاية الدين، لكن في النفس من هذا من الشيء، فالولاية إما ولاية دين وإما ولاية عتق، فأما ولاية العتق فواضح أن العتيق مولًى لمن أعتقه، وأما ولاية الدين فظاهر أيضًا أن كل مؤمن وليٌّ لأخيه المؤمن، أما ولاية النسب كقوله: بنو عمكم، فهذه إن كانت اللغة العربية يأتي فيها مثل هذا التعبير فنحن نقبل ذلك؛ لأن القرآن عربي، ولا مانع من أن يكون للفظ الواحد عدة معانٍ إذا كانت لا تناقض بينها، الآن انتهى الوقت.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
الأحزاب 33:5
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ : في أمرك، ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾: حافظًا لك. هذا مبتدأ درس اليوم، ﴿تَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ التوكل بمعنى الاعتماد مع الثقة، ولهذا فَسَّرُوه بأنه صِدْق الاعتماد على الله في جَلْب المنافع ودَفْع المضارّ، مع الثقة بالله عز وجل بأن يكون القلب معتمدًا على الله لا على غيره في جلب المنافع، وفي دفع المضارّ، مع ثقته بالله سبحانه وتعالى، يعني: واثقًا بأن الله تعالى سيكفيه، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]: كافيه، فإذا صدقتَ الله عز وجل في أنه سبحانه وتعالى سيكفيك فهذا هو تمام التوكل.
وقوله: ﴿تَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ جاءت هذه في القرآن في عدة مواضع، ومنها قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود ١٢٣]، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة ٢٣]، وعلى هذا فيكون التوكل من العبادة؛ لأن الله تعالى أمر به، وما أمر الله به شرعًا فهو من العبادة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد أقسام التوكل.
وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب ٣]، الباء يقول أهل الإعراب: إنها زائدة لتحسين اللفظـ، وأن لفظ الجلالة هو الفاعل، والتقدير: وكفى اللهُ وكيلًا، ووكيلًا حال من الفاعل، والمعنى: ما أعظم كفاية الله تعالى في هذا الشيء، إن كان ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء ٧٩]، فهو: ما أعظم كفاية الله تعالى في شهادته.
أقول: فيه آيات، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ المعنى: ما أعظم كفاية الله في شهادته، ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾: ما أعظم كفاية الله في وكالته.
وقوله: ﴿وَكِيلًا﴾ يقول المؤلف: حافظًا لك، وعلى هذا ففَعِيل هنا بمعنى فاعل، وليست بمعنى مفعول؛ لأن الوكيل إذا قلت: وَكَّلْتُ هذا الوكيل، فإن وكيلًا بمعنى مفعول؛ لأنه الْمُوَكَّل، لكن هنا بمعنى فاعل، أي أنه حافظ، فالاعتماد من الإنسان، والحماية والحفظ من الله.
ويدل لتفسير المؤلف قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣] أي: كافيه، وسوف يقوم سبحانه وتعالى بحفظه، وبتحقيق ما توكل به عليه.
قال المؤلف: (وأمته تبع له في ذلك كله)، إنما قال هذا؛ لأن الخطاب في الآيات موجَّه لمن؟ للنبي ﷺ، فأُمَّتُه تَبَعٌ له، من أين علمنا أن أمته تبعٌ له؟
علمنا ذلك من طريقين، أو من أحد طريقين:
الطريق الأول: أن الله أمرنا بالتأسي به، فكل أَمْر مُوَجَّه للرسول ﷺ لا يدل الدليل على تخصيصه به فهو لنا أيضًا، نحن مأمورون باتباعه، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١].
ثانيًا: أنه من المعروف في الخطاب أن الخطاب الموجَّه إلى المتبوع خطاب له ولتابعه، ولهذا يقول –مثلًا- يقول القائد لضابط في الجيش: اذهب إلى المكان الفلاني، هل هو يريد: اذهب أنت بنفسك، ولَّا أنت بِمَن تَبِعك ؟ أنت بمن تبعك.
فالخطاب في اللغة العربية إذا وُجِّه للمتبوع فهو له وللتابع، فصار وجه كَوْن الأمة تبعًا للرسول ﷺ في هذه الأوامر، وما تضمنته من النهي، وجه ذلك، أو له طريقان:
الطريق الأول: أننا أُمِرْنَا باتباع الرسول ﷺ.
والطريق الثاني: أن الخطاب الموجَّه للمتبوع له ولتابعه.
ثم قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب ٤]، ﴿ما﴾ نافية، ولفظ الجلالة فاعل، و﴿مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ مفعول ﴿جَعَلَ﴾، الأول ولَّا الثاني ؟ الأول مؤخَّر، ومفعولها الثاني قوله: ﴿لِرَجُلٍ﴾، و﴿مِنْ﴾ هنا نقول: إنها زائدة من حيث الإعراب، فنعرب ﴿قَلْبَيْنِ﴾ على أنها مفعول به منصوب، وعلامة نصبه -هذه المشكلة- الفتحة ما يمكن، ياء مقدَّرة على هذه الياء التي جُلِبَت لماذا؟ جُلِبَت للحرف؛ لأن عَمَل الأداة الظاهرة أقوى من عمل الأداة الباطنة، يعني –مثلًا- ﴿جَعَلَ﴾ تنصب ﴿قَلْبَيْنِ﴾، لكن تعرَّض لها -أو عَارَضها بالأصح- عارضها عامل أقوى مباشر وهو حرف الجر، فيقولون: إن الياء هذه ليست ياء النصب، لكنها ياء حرف الجر الزائد.
وعلى هذا فنقول: علامة نصبه ياء مقدَّرة في مكان الياء الموجودة التي اجتُلِبَت من أجل حرف الجر الزائد.
قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ﴾، هذا الجعل كوني أو شرعي؟ هذا الجعل كوني؛ لأن الْجَعْل الذي يضاف إلى الله ينقسم إلى قسمين: جَعْل شرعي، بمعنى: ما شرع، وجَعْل كوني، بمعنى: ما خَلَق.
مثال الجعل الشرعي: قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة ١٠٣]، هذا جعل شرعي، ويش الدليل؟ الدليل أنه كونًا واقع مجعول، لكنه شرعًا لم يُجْعَل، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾.
وأما الْجَعْل الكوني فهو كثير، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء ٦]، ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ١٠ ١١].
وفي هذه الآية الكريمة: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ من أيهما؟ من الكوني، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ﴾، وأكَّد الله هذا النفي بحرف الجر الزائد؛ لأن الحروف الزوائد من أدوات التوكيد.
إذن محال أن يكون في الإنسان قلبان، في الإنسان الواحد قلبان محال، ولكن هل هذه الجملة مرادة لذاتها أو مرادة لغيرها؟
يرى المؤلف وجماعة من علماء التفسير أنها مرادة لذاتها، وأنها نفي لأمر قد ادُّعِيَ، ولهذا قال ردًّا على مَن قال من الكفار: إن له قلبين يعقل بكل منهما أفضل من عقل محمد ﷺ، هذا ما ذهب إليه جماعة من أهل العلم، يعني أن هذا نفيٌ لأمر ادُّعِيَ، وهو رجل من الكفار، يقول: إن له قلبين، وإذا كان له قلبان كان له عقلان، وإذا كان له عقلان كان أفضل من النبي ﷺ؛ لأنه ما له إلا قلب واحد.
وذهب بعض المفسرين، وعلى رأسهم الزهري رحمه الله، إلى أن هذه الجملة ليست مقصودة لذاتها؛ لأنها أمر معلوم؛ لأنه ليس لإنسان قلبان، لكنها توطئة وتمهيد لما يأتي بعدها؛ لأنه ذُكِرَ في الآية الكريمة ثلاثة أشياء: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، فكما أنكم تُقِرُّون بأنه لا قلبين لرجل في جوفه، فكذلك ليست الزوجة أمًّا؛ لأن الله لم يجعل للإنسان أُمَّين، كما أنه ليس له قلبان، وكذلك ليس هناك ابن غير حقيقي، يعني ليس للإنسان ابن خُلِق من مائه وابن نُسِب إليه ولم يُخْلَق من مائه، بل إن ابنك مَن خُلِقَ من مائك، واضح؟
وهذا ما اختاره ابن كثير رحمه الله، على أن هذه الجملة توطئة؛ لأن انتفاء القلبين في الجوف الواحد أمر معلوم، والقصة التي ذَكَرُوها يُنْظَر في صحتها، وحتى لو صحَّت فإن هذا الذي يقول: إن له قلبين، ادعاؤه أن له قلبين يدل على أنه لا قلب له؛ لأن هذا أمر مستحيل.
يقول الله عز وجل: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، فهل قوله: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ قَيْد، يُعْتَبر قيدًا شرطيًّا له مفهوم، فيقال لك: إن له قلبين خارج جوفه؟ لا، ولكنها لبيان الواقع؛ لأن من المعلوم أن القلوب في الأجواف، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام ٣٨]؛ لأن قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ كقول الإنسان: ولا ماشٍ يمشي برجلين، لبيان الواقع.
وإن كان بعض المتأخرين في قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ قال: إنها قَيْد شرطي لتُخْرِج الطائر المعروف؛ لأنها تطير بغير جناحين، وقد يقال: إن هذا ليس بصحيح، حتى الطائرة الآن تطير بجناحيها، أين النفاثات التي تطير بها؟ في الجناحين، والمراوح اللي كانت في الأول هي نفس الجناحين، لكن لا شك أن الطائرة ما هي من الأمم التي هي أمثالنا، بل هي من صنعنا.
إذن قوله تعالى: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ لبيان الواقع، ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي﴾، يقول: (بهمز وياء وبلا ياء)، بهمز وياء (اللائي)، وبلا ياء يعني بهمز بلا ياء، فتكون (اللاءِ) و(اللاءِ) كما نعرف جميعًا جَمْع لأيش؟ جمع (التي)، ولَّا لا؟ فهي مثل (الذين) في الذكور، جمع؟ نعم.
(اللائي) يقول: عندي (﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ بلا ألف قبل الهاء، وبها والتاء الثانية في الأصل مُدْغَمَة في الظاء) ﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ هذه قراءة، والثانية يقول: بلا ألف قبل الهاء، (وبها) يعني: بألف قبل الهاء، أيش تكون: ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ، هذه قراءتان، وإلى الآن ما جاء المؤلف بالقراءة المشهورة عندنا وهي ﴿تُظَاهِرُونَ﴾، فيكون في الآية ثلاث قراءات: ﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ والثالثة ﴿تُظَاهِرُونَ﴾ و﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ﴿وتَظَّهَّرُونَ﴾ يقول: إن التاء مُدْغَمَة في الظاء، وأصلها: تَتَظَاهَرُون أو: تَتَظَهَّرُون، لكن صارت ﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ ، أُدْغِمَت التاء في الظاء.
ما معنى ﴿تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ﴾، أي: تقولون: إنهنّ عليكم كظهور أمهاتكم، وهذه صيغة طلاق في الجاهلية، إذا أراد الإنسان أن يطلق امرأته طلاقًا بائنًا قال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فتطلق طلاقًا بائنًا؛ لأن ظهر أمه لا يحل له بحال من الأحوال، وخَصَّ الظهر؛ لأنه محل الركوب، والإنسان يركب زوجته أو تركبه؟ إي نعم يركبها؛ لأنها فراش، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام.
إذن ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ، أيش معنى ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ؟ أي: تقولون لهن: أنتن علينا كظهر أُمِّنَا، وهذه الجملة يعتبرها أهل الجاهلية طلاقًا بائنًا، أما في الإسلام فليست بطلاق، ما هي في الإسلام؟ ظِهَار، يعني أنها مُوجِبَة لتحريم المرأة حتى يفعل الإنسان ما أمره الله به، كما في سورة المجادلة.
﴿تَظَّاهَرُونَ مِنْهُنَّ﴾ بقول الواحد –مثلًا- لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ويمكن أن يقول غير هذه العبارة؟ يمكن أن يقول: أنتِ عليَّ كظهر أختي، ويمكن أن يقول: أنتِ عليَّ كبطن أمي، فالعبرة بالمعنى لا بالصيغة، وقد مر علينا في كتاب الظِّهَار أن يُشَبِّه الرجلُ زوجتَه بمن تَحْرُم عليه تحريمًا مؤبَّدًا بنسب أو سبب مباح، المهم تحريمًا مؤبدًا، هذا هو الظهار عند أهل العلم، وسبق الخلاف فيما لو حرَّمها أو لو ظاهَر منها وشبَّهَها بمن تحرُم عليه تحريمًا إلى أَمَد.
* الطالب: (...).
* الشيخ: القراءة السبعية تارة يحيل لها على هذا وهذا بدون ما يقولون: وفي قراءة، وتارة يقولون: وفي قراءة، يقول: (بقول الرجل –مثلًا- لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي).
﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ ويش اللي نصبها؟ ﴿جَعَلَ﴾، أين المفعول الأول ؟ ﴿أَزْوَاجَكُمُ﴾، و﴿اللَّائِي﴾ صفتها، و﴿تُظَاهِرُونَ﴾ صلة للموصول، و﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ المفعول الثاني، و﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أي: كالأمهات في تحريمها بذلك المُعَدّ في الجاهلية طلاقًا، وإنما تجب به الكفارة بشرطه كما ذُكِرَ في سورة المجادلة.
في الإسلام ليس بطلاق، ولكنه تحريم تجب به الكفارة بشرطه، وهو العَوْد؛ لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة ٣]. (...)
﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، ما أخذنا من الفوائد، أو لا؟
* طالب: ما كملنا الآية.
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾.
* الشيخ: ما كمَّلنا، نكمل.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، نحن ما كملنا المناقشة، ما هي المظاهَرة في القراءة التي فيها الزيادة؛ لأن فيها زيادة حرف، والحرف فيه عشر حسنات، عرفتم؟ فعلى هذا القول أيّ القراءات الثلاثة تختارون؟
* طالب: ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ .
* الشيخ: ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ؛ لأن هذه أكثرها حروفًا، ومن العلماء من يقول: الأفضل أن تقرأ بكل قراءة، أن تأخذ بكل قراءة، تقرأ بهذه مرة وبهذه مرة، أيهما أرجح؟ الصحيح الأخير أنك تقرأ بهذه مرة وبهذه مرة إذا كنت تعرف؛ لأن كل قراءة فقد صحَّت عن النبي ﷺ فينبغي أن تقرأ بها لفائدتين، ما ذكرنا إلا واحدة، لفائدتين:
الفائدة الأولى: العمل بكل السُنَّتَيْن.
الفائدة الثانية: حِفْظ هذه القراءات، ولذلك نحن الآن لما كنا نعتمد على القراءة التي عندنا ما نعرف القراءات الأخرى، فإذا قيل للإنسان: ينبغي لك أن تقرأ بكل قراءة صحّت، فإن هذا يكون فيه حفظ للقراءات، ولهذا ينبغي للصغار منا، ولَّا عاد الكبار صعب عليهم الحفظ، لكن الصغار ينبغي لهم أن يحرصوا على القراءات، وأن يتعلموها من أجل أن يعملوا بالسنة هذه ما تبقى مهجورة، إي نعم.
قوله: ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ إعرابها؟ (...)
﴿أَبْنَاءَكُمْ﴾ قال المؤلف: (جمع دعِيٍّ، وهو مَن يُدْعَى لغير أبيه ابنًا له)، أدعياء جمع دَعِيّ، كأغنياء جمع غني، وأَكْفِيَاء جمع كَفِيّ، ولها أمثلة، و(دَعِيّ) فعيل بمعنى مفعول، وأصلها دَعِيُو، بالواو، لكن قُلِبَت الواو ياءً لعلة تصريفية.
إذن (دَعِيّ) بمعنى مدعو، والدعاء في الأصل طلب الإقبال، والمراد بادِّعاء هنا النسبة، بأن يُنْسَب إلى غير أبيه، فيقال: هذا ابن فلان، وليس ابنًا له حقيقةً، هؤلاء الأدعياء ما جعلهم الله تعالى أبناءً، شرعًا أو قدرًا؟ لا شرعًا ولا قدرًا، أما لا قدرًا فواضح؛ أنه ما هو بأبناء قدرًا، وأما شرعًا فهنا نفى الله عنهم، نفاه، قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، فإذا كان الأدعياء ليسوا أبناءً لا قدرًا ولا شرعًا فإنه لا يَرِد الذهنُ أو لا يتوجَّه الذهن إليهم شرعًا.
هذه الكلمة التي أقولها يتبين بها ضعف قول مَن يقول (...) في قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] يقول: إن قوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ إنها قَيْد يُحْتَرَز به عن ابن التبني؛ لأننا نقول: ابن التبني لا يدخل في الابن أصلًا، فلا يذهب إليه الوهم حتى نقول: إنه يحتاج إلى قيد يُحْتَرَز به عنه، وسبق أن بحثنا هذه المسألة في باب المحرَّمات في النكاح.
المهم أن الأدعياء ما جعلهم الله أبناء، لا شرعًا ولا قدرًا، وكانوا في الجاهلية يَدْعُون الإنسان لغير أبيه، يكون هذا الرجل شريفًا وذا نسب، وهذا الدَّعِيّ وضيعًا نسبُه عند الناس ليس بذاك الشيء، أو ليس له نسب معلوم، فيُدْعَى إلى هذا الأب من أجل رفعته، فأبطل الله ذلك؛ لأن دعوة الإنسان إلى غير أبيه يترتب عليها أمور، كل ما يترتب على النسب من تحريم وتحليل وإرث ونفقات وغيرها كلها ربما تنتقل إلى هذا الدَّعِيّ بسبب أنه دُعِيَ إلى هذا الرجل، فلذلك منع الله تعالى ذلك شرعًا؛ لأن تسمية الشيء باسمٍ بعيد عن حقيقته هذا يوجِب أن تنقلب الأوضاع، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ، يَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَهِيَ تُعْتِم بِإِبِلِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ فِي كِتَابِ اللهِ الْعِشَاءُ»[[أخرجه مسلم (٢٢٨ /٦٤٤) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ]].
فكل الأشياء التي ربما إذا سُمِّيَت باسم آخر ربما تختلف أحكامها فإن الشرع نهانا.
﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ حقيقةً، حقيقة تفسير لأبناء، يعني: ما جعلهم أبناء على وجه الحقيقة.
﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾، أي: اليهود والمنافقين، ﴿ذَلِكُمْ﴾ المؤلف يريد أن يكون الخطاب هنا لليهود والمنافقين، والصواب أنه عائد لكل مَن دعا شخصًا لغير أبيه من الأدعياء سواء كان من المنافقين أو من اليهود أو من المشركين، أو من المسلمين، فإن هذا قول يقوله الإنسان بفيه، وليس حقيقةً، هو نفسه يعلم أن هذا الدَّعِيَّ ليس ابنًا لهذا المدعو إليه، فكيف يقول ما يعتقد أن الأمر بخلافه؟
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أتى بضمير الجمع في الخطاب؛ لأن المخاطَبِين جماعة، وقد مَرَّ علينا في اسم الإشارة أن اسم الإشارة يراعَى به المشار إليه، والكاف يراعى بها المخاطب، هنا المشار إليه مفرد مُذَكَّر، وهو دعوة الرجل إلى غير أبيه، والمخاطَبُون جماعة ذكور.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذه نبغي نتكلم عليها في الفوائد إن شاء الله.
﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ يعني: تقولونه بألسنتكم وأنتم تعرفون الحقيقة أنها ليست كذلك.
قال المؤلف رحمه الله: أي اليهود والمنافقين، ليش جعلها بالياء؟ لأنها تفسير لقوله: ﴿قَوْلُكُمْ﴾ بالكاف وهي مجرورة، قالوا: لَمَّا تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش التي كانت امرأة زيد بن حارثة الذي تَبَنَّاه النبي ﷺ قالوا: تزوَّج محمد امرأة ابنه، فأَكْذَبَهُم الله تعالى في ذلك.
* طالب: (...).
* الشيخ: قالوا: تزوج -أي اليهود والمنافقين- كلام المؤلف بعيد من ظاهر الآية؛ إذ إن كلام المؤلف يقول: إنهم بعد أن تزوَّج النبي عليه الصلاة والسلام زينب بنت جحش، وكانت في الأول عند زيد بن حارثة قالوا هذا القول، والآية ما فيها إشارة للقصة إطلاقًا، إنما الآية يتحدث الله فيها عن أيش؟ عن ابن التبني، ما تحدَّث الله تعالى ولا أشار إلى تزوُّج الرجل بزوجة ابنه الذي تَبَنَّاه، لكن هذه ستأتينا إن شاء الله في الآية، فالصواب أن الآية إنما هي في نسبة الإنسان إلى غير أبيه تبنيًا.
(﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ في ذلك، ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾: سبيل الحق).
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، المؤلف قيده فقال: (في ذلك)، والصواب عدم القيد، حتى وإن كان السبب هو هذا؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ما هو الحق الذي يقوله الله عز وجل فيما يقوله؟ فسَّره الله تعالى في القرآن نفسه، فقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، هذا هو الحق الذي يقوله الله عز وجل، صدق في الأخبار، وعدل في الأحكام، فكل ما قاله الله عز وجل فهو دائر بين أمرين؛ إما خبر، وإما حكم، الخبر أَحَقِّيَّتُه الصدق، والحكم أحقيته العدل، خير ما يُفَسَّر به القرآن القرآن، ولهذا إذا قال قائل: ما هو الحق في قول الله ؟ نقول: الحق في قول الله هو ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾.
وقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، لم يقل: ويهدي السبيل؛ لأن الجملة الثانية تتعدى للغير، فهناك هادٍ ومَهْدِيّ ومَهْدِيٌّ فيه ولَّا إليه ؟ إليه وفيه أيضًا، هناك هادٍ وهو الله، ومَهْدِيّ وهو الإنسان –مثلًا-، ومَهْدِيٌّ إليه وفيه أيضًا، وهو الدين، السبيل الْمُوصِل إلى الله عز وجل، مَهْدِيٌّ إليه هذه هداية الدلالة، ومَهْدِيٌّ فيه هذه هداية التوفيق؛ لأنك تقول: دَلَلْتُه إلى كذا، وهديته في كذا، بمعنى: جعلته عاملًا فيه، وهذا هو الحكمة في أن الله عز وجل قال في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦]، ولم يقل: إلى الصراط، ليش؟ لأجل يعم الهداية إليه بالدلالة إليه وبيانه، والثاني: هداية فيه بالعمل به، وهذا هو مقصود كل داعٍ يدعو الله عز وجل بالهداية أن الله يهديه إلى الشيء فيعرفه ويعلمه، ويهديه فيه فلا يضل عنه، واضح؟
﴿يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيّ سبيل يراد بهذه الآية؟ ﴿السَّبِيلَ﴾ (أل) هذه للعهد الذهني، والمراد سبيل الله عز وجل، ويش الدليل لمراد سيبل الله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣].
إذن السبيل التي يهدي الله إليها هي سبيل الله عز وجل، وهي طريق الحق، ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، ومن جملة ذلك أنه سبحانه وتعالى لم يجعل الزوجات التي يظاهرون منهن أزواجُهن لم يجعلهن أمهات، ولم يجعل الأدعياء أبناء، فقال الحق في ذلك، وهدانا السبيل في ذلك، فالزوجة زوجة، والابن الدَّعِيّ ليس ابنًا، والله يقول: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب ٥]، قال المؤلف في التفسير: (لكن ادعوهم لآبائهم )، لماذا أتى بالاستدراك: (لكن ادعوهم لآبائهم)، في ظني أنه لا حاجة للاستدراك، وأن الجملة استئنافية، لَمَّا أبطل الله سبحانه وتعالى أن يكون هؤلاء الأدعياء أبناءً أَمَرَ بأن ندعوهم لآبائهم، وكأن المؤلف رحمه الله لما كانت الآية الثانية: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ لَمَّا كانت غير مقابلة لما نَفَاه الله في الأول، يعنى: ما جعل أدعياءكم أبناءكم، لكن جعلهم أبناء آبائهم، فادعوهم لآبائهم، رأى رحمه الله أن هذا هو وجه الاستدراك، ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، لكن جعلهم أبناءً لآبائهم فادعوهم لآبائهم.
نقول: هذا لا حاجة إليه، فالجملة استئنافية ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، أي: انسبوهم لآبائهم، فقولوا: يا ابن فلان، وكلمة (آبائهم) جمع أبٍ، هل المراد بالجمع هنا باعتبار الْمَدْعُوِّين، يعني لأن الناس كثيرون، أو أن المراد آباؤهم بالنسبة لكل شخص، بمعنى أن الإنسان يُنْسَب إلى أبيه وجده وأبي جده، وهكذا، أو شامل للأمرين؟
هو شامل للأمرين، فالإنسان يُدْعَى إلى أبيه يقال: فلان ابن فلان ابن فلان، الرسول عليه الصلاة والسلام محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، بل إنه عليه الصلاة والسلام قال: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣١٥)، ومسلم (١٧٧٦ / ٧٨) عن البراء بن عازب رضي الله عنه. ]]، ومحمد عندنا الألفية: قال محمد، وهو ويش اسمه؟ محمد بن عبد الله، أبوه عبد الله، فهو فيما يظهر أنه شامل، يعني أنه جُمِعَ باعتبار أفراد الناس، وجُمِعَ باعتبار الآباء؛ لأن الآباء أبٌ أدنى وأب فوق.
قال: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾، ﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على المصدر المفهوم من قوله: ﴿ادْعُوهُمْ﴾، أي: ﴿هُوَ﴾ أي: دعاؤهم، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨]، ﴿هُوَ﴾ أي: العدل المفهوم من الفعل، فهنا ﴿هُوَ﴾ أي: دعاؤهم لآبائهم، ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: أعدل.
فسَّرها بعضهم باسم الفاعل، اسم الفاعل هو قاسط عند الله، يعني: هو العدل عند الله عز وجل، وإنما لجأ إلى ذلك؛ لأن المعروف أن اسم التفضيل يشترك في أصل معناه المفضَّل والمفضَّل عليه، فإذا قلت: فلان أشجع من فلان، فكلاهما شجاع، لكن هذا أشجع، فهنا إذا جعلنا اسم التفضيل على بابه وقلنا: دعاؤهم لآبائهم أقسط عند الله من دعائهم لمن تبنَّاهم، صار في دعائهم لمن تبنَّاهم عدل، مع أنه لا عدل فيه.
ولذلك قال بعض المفسرين: إن أفعل التفضيل هنا بمعنى اسم الفاعل، حتى لا يكون في الطرف الثاني منه شيء.
وقال بعض المفسرين: هو على بابه، واللغة العربية تأتي باسم التفضيل دائمًا فيما ليس في الطرف الآخر منه شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾، مع أن أصحاب النار لا خير في مستقرهم، وعلى هذا فنقول: إبقاء الآية على ظاهرها يكون أَوْلَى، فإذا قيل ذلك فإنه يَرِدُ علينا سؤال: لماذا عَبَّرَ بأفعل التفضيل في طرف ليس في الطرف الآخر منه شيء؟
قلنا: لبيان أن هذا غاية ما يكون من العدل، انتبه، فتكون فائدتها أن دعاءهم لآبائهم أعدل شيء، وهو غاية ما يكون من العدل، فاسم التفضيل هنا باعتبار المعنى، أي أن هذا أعدل شيءٍ.
وكلمة ﴿أَقْسَطُ﴾ اسم تفضيل من الثلاثي ولَّا من الرباعي؟ من الثلاثي؛ لأن اسم التفضيل ما يُصَاغ إلا من الاسم الثلاثي:
وَصُغْهُمَا مِنْ ذِي ثَلَاثٍ صُرِّفَا ∗∗∗ ...................
ثم إن الرباعي من هذه المادة ليس بمعنى العدل، بل بمعنى الجور، كذا؟ الرباعي بمعنى الجور؟ انتبه، إذن بالعكس؛ القاسط هو الجائر، والمقسط هو العادل، أو لا؟
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات ٩].
إذن يَرِدُ علينا إشكال في مسألة ﴿أَقْسَطُ﴾ هنا، ﴿هُوَ أَقْسَطُ﴾، فنقول في الجواب عنه: إن في هذا دليلًا على صحة مذهب الكوفيين الذين يقولون بجواز صيغة اسم التفضيل من غير الثلاثي، يقولون: ﴿أَقْسَطُ﴾ من باب الإقساط، يعنى أن ذلك أعدل.
وقوله: ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ يعني: في حكمه؛ لأن الحكم حكم الله عز وجل يضاف إليه، وهذا نظير قوله تعالى في الذين يرمون المحصنات، يقول: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور ١٣]، شوف تأمل قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾، إحنا انتقلنا الآن عن الآية، إذا قذف رجل امرأة بالزنا فهو باعتبار الواقع قد يكون حقًّا، وقد يكون كذبًا، أو لا؟ يعني: قد يكون حقًّا إنها زنت، وقد يكون كذبًا، لكنها في حكم الله؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، في حكم الله كذب، ولهذا قال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ما قال: فأولئك هم الكاذبون؛ لأنه قد يكون حقيقة باعتبار الواقع، لكن في شرع الله كاذبون، ﴿فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، ولهذا يجب عليهم حد القذف إذا لم يأتوا بأربعة شهداء.
﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب ٥]، إن لم تعلموا آباء مَن؟ أباء هؤلاء الأدعياء، ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾، يعني: وليسوا أبناءهم، يعني حتى في الحال التي لا يُعْرَف لهذا الرجل أبٌ فإنه لا يجوز أن يُنْسَب إلى غير أبيه، ولكن يكون أخًا لنا في الدين، ومولًى لنا إذا كان قد دخل في ملكنا ثم حررناه مثلًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في قصة اختصام علي وجعفر وزيد بن حارثة، قال لزيد: «أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا»[[أخرجه البخاري (٢٦٩٩) عن البراء بن عازب رضي الله عنه. ]]، فهو أخي في الدين وليس ابنًا لي، وهو أيضًا مولاي إذا كنت قد أعتقته، ولو لم أعرف أباه فإنه لا يُنْسَب إلَيَّ.
ولهذا تجدون العلماء رحمهم الله الذين يكتبون أسماء الرجال عندما ينسبون أحدًا من الموالي إلى مَن أعتقه يقول: القرشي مولاهم –مثلًا-، التميمي مولاهم، لأنه لو يقال: القرشي فقط أيش يظن الظان؟ أنه قرشي حقيقة، فإذا قال: مولاهم، يعني أنه نُسِبَ إليهم؛ لكونه مولًى لهم، ومولى القوم منهم، حتى إن العلماء قالوا في الصدقة قالوا: إنها تَحْرُم على موالي بني هاشم؛ لأن مولى القوم منهم، لكنه لا يُنْسَبُون إليهم نسبًا حقيقيًّا، بل لا بد من أن يقيد.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: بنو عمكم (...).
* الشيخ: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما له وجه.
* الطالب: (...) أن أبا زيد بن حارثة قَدِم للنبي من (...) فقال (...) فخيَّره النبي ﷺ (...)؟
* الشيخ: إي هذا لَمَّا قَدِم أبوه وعمه؟
* الطالب: فعُرِف أبوه وطلبه أبوه.
* الشيخ: سبب تَبَنِّيه، هذا كان في أول الإسلام ثم أُبْطِل، منسوخة. (...) ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ لكن بس (...).
وهي وجوب تقديم الوحي على الرأي؛ لقوله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ [الأحزاب ٢]، فإن هذا الخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ وإلى أُمَّته بالأَوْلَى، فيفيد وجوب تقديم الوحي على الرأي.
وتقديم الرأي على الوحي له أقسام، منها ما يصل إلى الكفر، ومنها ما هو دون ذلك، فالذين يُقَدِّمُون الرأي على الوحي مع علمهم بالوحي معتقدين أن غير الوحي مساوٍ له، أو أكمل منه، أو أنه يجوز الحكم بالرأي المخالف للوحي مع العلم به، هؤلاء يعتبرون كفارًا.
في هذه الأحوال الثلاث إذا اعتقدوا أن الرأي أكمل وأنفع من الوحي، أو أنه مساوٍ له، أو أنه يجوز تقديمه على الوحي مع العلم به، فهؤلاء كفار؛ لأنهم حَكَمُوا بغير ما أنزل الله، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤].
وأما مَن قَدَّمُوه بتأويلٍ ظنًّا منهم أن ذلك لا يخالف الوحي، أو أنه طريق يُوصِلُهم إلى الوحي، فهؤلاء لا يصلون إلى درجة الكفر، وذلك مثل كثير من المتعصبين للمذاهب، فإنهم لا يرون أن هذه المذاهب خارجة عن الوحي، وإنما يرون أن ذلك طريق إلى العمل بالوحي، فيقولون: هذا إمامنا أعلم منا وأفهم، فنتبعه ونتهم رأينا بالنسبة إلى رأيه، وإلا فنحن متمسكون بشريعة الله، ومُحَكِّمُون لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
هؤلاء نقول: إنه إذا تَبَيَّن لهم الحق وجب عليهم اتباعه، ولو خالف متبوعهم من الأئمة، وذلك لأن الحق لا يخطئ، والأئمة يخطؤون، ولا يمكن أن يَدَّعِي العصمة لأحد من البشر إلا رسولَ الله ﷺ، لا يمكن أن يدَّعِي العصمة إلا رجل ضالّ، الذي يدَّعي العصمة لغير الرسل رجل ضالّ، كما يفعل الرافضة بأئمتهم، وهذا ضلال بَيِّن؛ لأن أئمتهم قد يخطؤون كما يخطئ غيرهم.
وقد مر علينا ما وقع لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو إمام الأئمة بالنسبة لأولئك القوم أنه أخطأ حين أعطاه النبي عليه الصلاة والسلام حُلَّة من حرير فلبسها، فقال:« «إِنَّنِي مَا أَعْطَيْتُكَهَا لِتَلْبَسَهَا، وَإِنَّمَا تُعْطِيَهَا الْفَوَاطِمَ»[[أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٦٩) بلفظ: «إني لم أكسكها لتلبسها، إنما كسوتكها لتجعلها خمرًا بين الفواطم». ]]، وكذلك ما هو مشهور عنه من أن المرأة إذا كانت حاملًا وتُوُفِّي عنها زوجها فإنها تَعْتَدّ بأطول الأجلين، وهذا مخالف للسنة الصحيحة الصريحة.
والحاصل أننا نقول: إن في الآية الكريمة: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأحزاب ٢] وجوب تقديم الوحي على الرأي، وأنه يجب الحكم بما جاء به الشرع مطلقًا، سواء خالف رأي متبوعيك أم لم يخالف.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب ٣]، هذا مبتدأ الفوائد؟
في هذا دليل على وجوب التوكل على الله، وقد ذكرنا في كتاب التوحيد أن التوكل ينقسم إلى أقسام:
أحدها: توكل العبادة، وهو شعور الإنسان بافتقاره إلى المتوكَّل عليه وذُلِّه بين يديه، وهذا لا يجوز صرفه لغير الله، وصرفه لغير الله شرك؛ لأنه إشراك بالله فيما لا يستحقه إلا الله، وهو شرك أكبر ولَّا أصغر؟ شرك أكبر.
والثاني: الاعتماد على الغير الذي جعلته نائبًا عن نفسك، فهذا جائز، وقد وقع حتى من الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه وَكَّلَ عروة بن الجعد على أن يشتري له أضحية، وكان له وكيل في خيبر، وكذلك وَكَّلَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ذبح ما بقي من الهدي، وهو جائز ولا إشكال فيه، ووَكَّل علي بن أبي طالب حين ذهب إلى تبوك أن يكون خليفة له في أهله، وموسى عليه الصلاة والسلام وَكَّل هارون حين ذهب إلى الطور، وقال: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف ١٤٢].
إذن هذا جائز ولا إشكال فيه؛ لوقوعه من الأنبياء، ولأنه عقد من العقود، والأصل في العقود الحِلّ إلا ما قام الدليل على منعه.
والثالث: أن يعتمد على مَن لا يصح الاعتماد عليه، على قوة سرية نعلم أنه لا أثر لها في هذا الاعتماد، وهذا شرك قد يكون أكبر وقد يكون أصغر، مثل اعتماد أولئك الذين يتوسَّلون بالأموات، ويعتقدون أن في الاعتماد عليهم خيرًا، هؤلاء قد يصل بهم الأمر إلى الشرك الأكبر، وإلا فمجرد اعتمادهم عليهم شرك ولا يحل.
الرابع: أن يعتمد على قوة ظاهرة مؤثِّرة، لكنه يعتمد عليها لا باعتبار أنها نائبة عنه، بل باعتبار أنها مُجْدِيَة له، وأنها مصدر سعادته وفلاحه ورزقه، وما أشبه ذلك، فهذا مكروه، وقد يصل إلى درجة التحريم، كاعتماد الإنسان على الراتب وعلى المعاش من الوزارة التي يعمل فيها والإدارة والرئاسة، وما أشبه ذلك، فإن هذا فيه نوع من الشعور بالافتقار إلى هذا الشيء والتذلُّل له.
ولذلك تجد الذين ابتُلُوا بهذا النوع تجدهم يحابون من كانوا يعتمدون عليه، يحابون كبراءهم من الوزراء وغير ذلك، يحابونهم في أمر لا يجوز، أما مجاملتهم فيما هو جائز فهذا أمر لا بأس به، لكن محاباتهم في المحرَّم هذا لا يجوز، لكن هذا قد يقع؛ لأنهم يشعرون بأنهم مفتقرون إلى هؤلاء، فهذا أقل أحواله الكراهة، والإنسان ينبغي له أن يكون عزيز النفس، لا يعتمد إلا على ربه سبحانه وتعالى.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن كفاية الله عز وجل فوق كل كفاية؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب ٣] ، زعم بعض أهل العلم أن مثل هذا التركيب يفيد التعجب، يعني: ما أعظم من كفاية الله! وتوكَّل على الله فما أعظم كفاية الله سبحانه وتعالى! وهذا ليس ببعيد؛ أنّ كَوْن هذه الصيغة تُحَوَّل من: وكفى الله وكيلًا إلى: ﴿وكفى بالله وكيلًا﴾ لا يبعد أن يكون المراد بذلك بيان المبالغة في كفايته سبحانه وتعالى، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣].
ثم قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤].
يستفاد من هذا السياق أن القرآن قد بلغ الغاية القصوى في الإقناع وإقامة البرهان.
وجه ذلك أنه قَدَّمَ الدليل على المدلول بصورة لا يَمْتَرِي فيها أحد، ما هي؟ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، فإن هذا أمر معلوم ولا يتنازع فيه اثنان؛ أنه ليس للإنسان إلا قلب واحد، ما فيه قلبان، لماذا؟ لأن هذين القلبين إن اتفقا على أمر واحد صار القلب الثاني لا فائدة منه، أو لا؟ وان اختلفَا تناقضَا في عين واحدة، فماذا يصنع الإنسان، هل يتبع القلب الأيمن ولَّا يتبع القلب الأيسر؟ يبقى محتارًا، لذلك ما جعل الله لرجل من قلبين، ما فيه إلا قلب واحد فقط؛ لأنه في جسم واحد.
وتأمل قوله: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ يستفاد منها فائدة غير أنها بيان للواقع، يستفاد أن الجوف الواحد لا يتناسب معه إلا قلب واحد، وإلا لكان القلبان في جوفين لا في جوف واحد، فصار فيها فائدة غير ما سبق، وهي أنها بيان للواقع، بأن الجوف الواحد لا يمكن أن يديره إلا قلب واحد.
في الآية الكريمة سياق الشيء بالبرهان، أو إثبات الشيء بالبرهان الذي يكون قاطعًا لا يَمْتَرِي فيه أحد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المرأة المظاهَر منها ليست أمًّا؛ لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾.
* يتفرع على هذه الآية: أن جَعْلَها أُمًّا في الظهار كذب وزور ومنكر، ولهذا قال الله تعالى في آية الظهار: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة ٢]، فهو منكر لمخالفة الشرع، وزُور لمخالفة الواقع والحقيقة.
* يستفاد من الآية الكريمة: الإشارة أو التنبيه على تحريم الظهار؛ لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ﴾ ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾، فإذا كان الله ما جعل ذلك فإنه لا يحل لنا أن نجعل شيئًا لم يجعله الله؛ لأن الأمر إلى الله وحده.
* ويستفاد من الآية ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾: أن الأبناء الأدعياء ليسوا بأبناء حقيقةً ولا شرعًا، فهم ليسوا أبناء قدرًا، وليسوا أبناء شرعًا، ولهذا قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾.
* ويستفاد منها: أنه إذا لم يكن الابن الدَّعِيّ ابنًا لا شرعًا ولا حقيقة فإنه لا يحتاج إلى قَيْد يُخْرِجُه من معنى البنوة، لماذا لا يحتاج؟ لأنه غير داخل فيها أصلًا حتى نحتاج إلى قيد نخرجه به.
* ويتفرع على هذه الفائدة: بيان ضعف قول مَن يقول: إن الاحتراز في قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] إن الاحتراز في قوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ عن ابن التبني؛ لأننا نقول: إنه أصلًا لم يدخل حتى يحتاج إلى قيد يُخْرِجُه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يقول قولًا لا يعتقده، ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب ٤].
* ويستفاد منها: أنه ليس من الرجولة، وليس من العقل أن يقول الإنسان قولًا بِفِيه وهو لا يعتقده بقلبه؛ لأن المراد من قوله تعالى: ﴿قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ المراد به التنديد بهم والتوبيخ لهم، كيف تقولون شيئًا بأفواهكم وأنتم تعترفون بقلوبكم أنه ليس موافقًا للواقع؟ ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن قول الله عز وجل كله حق ليس فيه باطل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ [الأحزاب ٤]، والحق سبق أنه في كلام الله هو الصدق والعدل؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، وهو باعتبار الخبر صدق وباعتبار الحكم عدل.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن كلام الله عز وجل ليس فيه تناقض؛ لقوله: ﴿يَقُولُ الْحَقَّ﴾، والتناقض ما يكون إلا في الباطل، فالحق لا يمكن أن يتناقض، واضح؟
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن ما وصف الله به نفسه في كتابه فهو على حقيقته، وليس فيه تحريف أو تأويل؛ لأنه لو كان على خلاف ظاهره لكان ظاهره يدل على أيش؟ على باطل، إذا قلنا: إنه على خلاف الظاهر لزم أن يكون دالًّا على باطل، إذا كان المراد بآيات الصفات خلاف ظاهرها صار ظاهرها يدل على حق ولَّا على باطل؟
إذا قلنا: إن المراد بآيات الصفات خلاف الظاهر، صار الظاهر باطلًا؛ لأنه خلاف المراد، وهذا ينافي قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، فهو سبحانه وتعالى لا يقول إلا الحق.
* ويستفاد من الآية: أنه مع ظهور أن الله يقول الحق فإن الناس لا يتفقون عليه؛ لقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب ٤]، يعني حتى مع أن الله لا يقول إلا الحق فليس كل أحد يهتدي لذلك، بل الهداية بيد الله عز وجل.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أنه يجب على المرء أن يلجأ إلى ربه سبحانه وتعالى في سؤاله الهداية؛ لقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، وتأمل تغيير الصيغة حيث قال: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، ثم قال: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، ولم يقل: ويهدي السبيل، لأجل أن تكون الجملة الثانية مستقلة بركنيها بمبتدئها وخبرها؛ لأن قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي﴾، ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَهْدِي﴾ خبره، فكانت الجملة مستقلة عن الأولى؛ لأن ذلك أبلغ في بيان أن الهداية بيد الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن طريق الحق واحد؛ لقوله: ﴿السَّبِيلَ﴾، وهو مفرد، وهكذا تجدون أن السبل تأتي جمعًا فيما يخالف الحق، كذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مثل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام ١٥٣]، فالصراط أَفْرَدَه، أما الصراط الآخر أو المخالف لصراط الله فهو جمع، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾، وإذا جاء طريق الحق مجموعًا فالمراد تنوُّع شرائعه، وكذلك الوَلِيّ، الكفار ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة ٢٥٧]؛ لأن سبل غير الحق متنوعة كل نوع منها عليه طاغوت يدعو إليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة التي بعدها: وجوب دعوة الإنسان إلى أبيه ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، يعني: انسبوهم لآبائهم لفظًا وحقيقةً، أما لفظًا فتقول: يا فلان بن فلان، انسبه إلى أبيه، وأما حقيقة أن تعتقد أن البنوة الحق إنما هي لِمَن؟ للأب الحقيقي الذي وُلِدَ الإنسان من صلبه، لا للأب الذي ادُّعِيَ أنه أب.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لا ينبغي أن يُدْعَى الإنسان لغير أبيه، وهذا نوعان:
أحدهما: أن يُدْعَى لغير أبيه لفظًا وحقيقة، فهذا لا يجوز، بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل ذلك من الكفر، إذا ادَّعَى الإنسان إلى غير أبيه وهو يعلمه فإن ذلك كفر، «فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٦٨)، ومسلم (٦٢ / ١١٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه: «لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر».]].
الثاني: أن يَدَّعِيَ إلى غير أبيه لفظًا، ولكن لا تثبت أحكام البنوة إطلاقًا إلى مَن ادعى إليه، فهذا نقول: إنه خلافُ ما أمر الله به.
ولكن أهل العلم يقولون: إن الإنسان إذا اشتهر به مع عدم الالتفات إلى أحكامه ومقتضياته فإنه جائز، وذكروا لذلك مثل المقداد بن الأسود، فإن المقداد بن الأسود ليس أبوه هو الأسود، ولكن الأسود كان قد تَبَنَّاه، واشتهر بهذه الكنية، واستمر عليه حتى أبطل الله التبني، ولكن بقي مشهورًا بذلك، قالوا: فهذا لا يضر؛ لأنه انتفت عنه أحكام التبني ولم يَبْقَ إلا اللفظ.
ومع هذا فإن الأفضل بلا شك هو أن يُدْعَى إلى أبيه، لكن المشكل أن الشيء إذا اشتهر فوصفته بغير ما اشتهر به حصل بذلك الالتباس، الآن لو قلنا: عن عبد الرحمن بن صخر، أن النبي ﷺ قال كذا وكذا، يمكن أن كثيرًا من الناس لا يدري من هو، لكن إذا قلت: عن أبي هريرة كلنا يعرفه.
وفي الآية الكريمة دليل على أن الأعمال تتفاضل عند الله؛ لقوله: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، يعني: أبلغ في العدل، ووجه ذلك أن هذا الرجل الدَّعِيّ كوننا ننسبه إلى غير أبيه هو باعتبار أبيه ظلم ولَّا لا؟ ظلم، كيف تنسبه إلى شخص ما أتى من صلبه وتَحْرِم مَن أتى من صلبه من دعوته إليه؟ هذا لا شك أنه جور، ولهذا قلنا في الدرس الماضي: إن اسم التفضيل هنا ليس في الطرف الآخر منه شيء؛ لأنه ليس فيه أي عدل في أن تنسب الإنسان إلى غير أبيه، وقلنا: إن فائدة التفضيل هنا بيان أن هذا الشيء قد بلغ الغاية في العدل؛ لأن هذا جِيءَ به باسم التفضيل، ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾، هل أخذنا الجملة التي بعدها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: له أب فإنه يُدْعَى بأُخُوَّة الدين، والولاية في الدين؛ لقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب ٥]، أما كونهم إخوانًا لنا في الدين فظاهر، وأما كونهم موالي فإن كان عتيقًا للمرء فهو مولى له بالعتق، وإن لم يكن عتيقًا فهو مولى له في الدين؛ لأن المؤمنين كما قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾ [التوبة ٧١]، فهم إخوانكم ومواليكم، فتدعوه بـ: يا أخي، لو قلت: يا ابن أخي، يصح؟ يصح.
المؤلف يقول: (﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾: بنو عمكم)، فجعل الولاية هنا ولاية النسب وليست ولاية الدين، لكن في النفس من هذا من الشيء، فالولاية إما ولاية دين وإما ولاية عتق، فأما ولاية العتق فواضح أن العتيق مولًى لمن أعتقه، وأما ولاية الدين فظاهر أيضًا أن كل مؤمن وليٌّ لأخيه المؤمن، أما ولاية النسب كقوله: بنو عمكم، فهذه إن كانت اللغة العربية يأتي فيها مثل هذا التعبير فنحن نقبل ذلك؛ لأن القرآن عربي، ولا مانع من أن يكون للفظ الواحد عدة معانٍ إذا كانت لا تناقض بينها، الآن انتهى الوقت.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
الأحزاب 33:6
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ : في أمرك، ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾: حافظًا لك. هذا مبتدأ درس اليوم، ﴿تَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ التوكل بمعنى الاعتماد مع الثقة، ولهذا فَسَّرُوه بأنه صِدْق الاعتماد على الله في جَلْب المنافع ودَفْع المضارّ، مع الثقة بالله عز وجل بأن يكون القلب معتمدًا على الله لا على غيره في جلب المنافع، وفي دفع المضارّ، مع ثقته بالله سبحانه وتعالى، يعني: واثقًا بأن الله تعالى سيكفيه، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]: كافيه، فإذا صدقتَ الله عز وجل في أنه سبحانه وتعالى سيكفيك فهذا هو تمام التوكل.
وقوله: ﴿تَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ جاءت هذه في القرآن في عدة مواضع، ومنها قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود ١٢٣]، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة ٢٣]، وعلى هذا فيكون التوكل من العبادة؛ لأن الله تعالى أمر به، وما أمر الله به شرعًا فهو من العبادة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد أقسام التوكل.
وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب ٣]، الباء يقول أهل الإعراب: إنها زائدة لتحسين اللفظـ، وأن لفظ الجلالة هو الفاعل، والتقدير: وكفى اللهُ وكيلًا، ووكيلًا حال من الفاعل، والمعنى: ما أعظم كفاية الله تعالى في هذا الشيء، إن كان ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء ٧٩]، فهو: ما أعظم كفاية الله تعالى في شهادته.
أقول: فيه آيات، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ المعنى: ما أعظم كفاية الله في شهادته، ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾: ما أعظم كفاية الله في وكالته.
وقوله: ﴿وَكِيلًا﴾ يقول المؤلف: حافظًا لك، وعلى هذا ففَعِيل هنا بمعنى فاعل، وليست بمعنى مفعول؛ لأن الوكيل إذا قلت: وَكَّلْتُ هذا الوكيل، فإن وكيلًا بمعنى مفعول؛ لأنه الْمُوَكَّل، لكن هنا بمعنى فاعل، أي أنه حافظ، فالاعتماد من الإنسان، والحماية والحفظ من الله.
ويدل لتفسير المؤلف قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣] أي: كافيه، وسوف يقوم سبحانه وتعالى بحفظه، وبتحقيق ما توكل به عليه.
قال المؤلف: (وأمته تبع له في ذلك كله)، إنما قال هذا؛ لأن الخطاب في الآيات موجَّه لمن؟ للنبي ﷺ، فأُمَّتُه تَبَعٌ له، من أين علمنا أن أمته تبعٌ له؟
علمنا ذلك من طريقين، أو من أحد طريقين:
الطريق الأول: أن الله أمرنا بالتأسي به، فكل أَمْر مُوَجَّه للرسول ﷺ لا يدل الدليل على تخصيصه به فهو لنا أيضًا، نحن مأمورون باتباعه، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١].
ثانيًا: أنه من المعروف في الخطاب أن الخطاب الموجَّه إلى المتبوع خطاب له ولتابعه، ولهذا يقول –مثلًا- يقول القائد لضابط في الجيش: اذهب إلى المكان الفلاني، هل هو يريد: اذهب أنت بنفسك، ولَّا أنت بِمَن تَبِعك ؟ أنت بمن تبعك.
فالخطاب في اللغة العربية إذا وُجِّه للمتبوع فهو له وللتابع، فصار وجه كَوْن الأمة تبعًا للرسول ﷺ في هذه الأوامر، وما تضمنته من النهي، وجه ذلك، أو له طريقان:
الطريق الأول: أننا أُمِرْنَا باتباع الرسول ﷺ.
والطريق الثاني: أن الخطاب الموجَّه للمتبوع له ولتابعه.
ثم قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب ٤]، ﴿ما﴾ نافية، ولفظ الجلالة فاعل، و﴿مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ مفعول ﴿جَعَلَ﴾، الأول ولَّا الثاني ؟ الأول مؤخَّر، ومفعولها الثاني قوله: ﴿لِرَجُلٍ﴾، و﴿مِنْ﴾ هنا نقول: إنها زائدة من حيث الإعراب، فنعرب ﴿قَلْبَيْنِ﴾ على أنها مفعول به منصوب، وعلامة نصبه -هذه المشكلة- الفتحة ما يمكن، ياء مقدَّرة على هذه الياء التي جُلِبَت لماذا؟ جُلِبَت للحرف؛ لأن عَمَل الأداة الظاهرة أقوى من عمل الأداة الباطنة، يعني –مثلًا- ﴿جَعَلَ﴾ تنصب ﴿قَلْبَيْنِ﴾، لكن تعرَّض لها -أو عَارَضها بالأصح- عارضها عامل أقوى مباشر وهو حرف الجر، فيقولون: إن الياء هذه ليست ياء النصب، لكنها ياء حرف الجر الزائد.
وعلى هذا فنقول: علامة نصبه ياء مقدَّرة في مكان الياء الموجودة التي اجتُلِبَت من أجل حرف الجر الزائد.
قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ﴾، هذا الجعل كوني أو شرعي؟ هذا الجعل كوني؛ لأن الْجَعْل الذي يضاف إلى الله ينقسم إلى قسمين: جَعْل شرعي، بمعنى: ما شرع، وجَعْل كوني، بمعنى: ما خَلَق.
مثال الجعل الشرعي: قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة ١٠٣]، هذا جعل شرعي، ويش الدليل؟ الدليل أنه كونًا واقع مجعول، لكنه شرعًا لم يُجْعَل، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾.
وأما الْجَعْل الكوني فهو كثير، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء ٦]، ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ١٠ ١١].
وفي هذه الآية الكريمة: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ من أيهما؟ من الكوني، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ﴾، وأكَّد الله هذا النفي بحرف الجر الزائد؛ لأن الحروف الزوائد من أدوات التوكيد.
إذن محال أن يكون في الإنسان قلبان، في الإنسان الواحد قلبان محال، ولكن هل هذه الجملة مرادة لذاتها أو مرادة لغيرها؟
يرى المؤلف وجماعة من علماء التفسير أنها مرادة لذاتها، وأنها نفي لأمر قد ادُّعِيَ، ولهذا قال ردًّا على مَن قال من الكفار: إن له قلبين يعقل بكل منهما أفضل من عقل محمد ﷺ، هذا ما ذهب إليه جماعة من أهل العلم، يعني أن هذا نفيٌ لأمر ادُّعِيَ، وهو رجل من الكفار، يقول: إن له قلبين، وإذا كان له قلبان كان له عقلان، وإذا كان له عقلان كان أفضل من النبي ﷺ؛ لأنه ما له إلا قلب واحد.
وذهب بعض المفسرين، وعلى رأسهم الزهري رحمه الله، إلى أن هذه الجملة ليست مقصودة لذاتها؛ لأنها أمر معلوم؛ لأنه ليس لإنسان قلبان، لكنها توطئة وتمهيد لما يأتي بعدها؛ لأنه ذُكِرَ في الآية الكريمة ثلاثة أشياء: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، فكما أنكم تُقِرُّون بأنه لا قلبين لرجل في جوفه، فكذلك ليست الزوجة أمًّا؛ لأن الله لم يجعل للإنسان أُمَّين، كما أنه ليس له قلبان، وكذلك ليس هناك ابن غير حقيقي، يعني ليس للإنسان ابن خُلِق من مائه وابن نُسِب إليه ولم يُخْلَق من مائه، بل إن ابنك مَن خُلِقَ من مائك، واضح؟
وهذا ما اختاره ابن كثير رحمه الله، على أن هذه الجملة توطئة؛ لأن انتفاء القلبين في الجوف الواحد أمر معلوم، والقصة التي ذَكَرُوها يُنْظَر في صحتها، وحتى لو صحَّت فإن هذا الذي يقول: إن له قلبين، ادعاؤه أن له قلبين يدل على أنه لا قلب له؛ لأن هذا أمر مستحيل.
يقول الله عز وجل: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، فهل قوله: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ قَيْد، يُعْتَبر قيدًا شرطيًّا له مفهوم، فيقال لك: إن له قلبين خارج جوفه؟ لا، ولكنها لبيان الواقع؛ لأن من المعلوم أن القلوب في الأجواف، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام ٣٨]؛ لأن قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ كقول الإنسان: ولا ماشٍ يمشي برجلين، لبيان الواقع.
وإن كان بعض المتأخرين في قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ قال: إنها قَيْد شرطي لتُخْرِج الطائر المعروف؛ لأنها تطير بغير جناحين، وقد يقال: إن هذا ليس بصحيح، حتى الطائرة الآن تطير بجناحيها، أين النفاثات التي تطير بها؟ في الجناحين، والمراوح اللي كانت في الأول هي نفس الجناحين، لكن لا شك أن الطائرة ما هي من الأمم التي هي أمثالنا، بل هي من صنعنا.
إذن قوله تعالى: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ لبيان الواقع، ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي﴾، يقول: (بهمز وياء وبلا ياء)، بهمز وياء (اللائي)، وبلا ياء يعني بهمز بلا ياء، فتكون (اللاءِ) و(اللاءِ) كما نعرف جميعًا جَمْع لأيش؟ جمع (التي)، ولَّا لا؟ فهي مثل (الذين) في الذكور، جمع؟ نعم.
(اللائي) يقول: عندي (﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ بلا ألف قبل الهاء، وبها والتاء الثانية في الأصل مُدْغَمَة في الظاء) ﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ هذه قراءة، والثانية يقول: بلا ألف قبل الهاء، (وبها) يعني: بألف قبل الهاء، أيش تكون: ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ، هذه قراءتان، وإلى الآن ما جاء المؤلف بالقراءة المشهورة عندنا وهي ﴿تُظَاهِرُونَ﴾، فيكون في الآية ثلاث قراءات: ﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ والثالثة ﴿تُظَاهِرُونَ﴾ و﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ﴿وتَظَّهَّرُونَ﴾ يقول: إن التاء مُدْغَمَة في الظاء، وأصلها: تَتَظَاهَرُون أو: تَتَظَهَّرُون، لكن صارت ﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ ، أُدْغِمَت التاء في الظاء.
ما معنى ﴿تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ﴾، أي: تقولون: إنهنّ عليكم كظهور أمهاتكم، وهذه صيغة طلاق في الجاهلية، إذا أراد الإنسان أن يطلق امرأته طلاقًا بائنًا قال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فتطلق طلاقًا بائنًا؛ لأن ظهر أمه لا يحل له بحال من الأحوال، وخَصَّ الظهر؛ لأنه محل الركوب، والإنسان يركب زوجته أو تركبه؟ إي نعم يركبها؛ لأنها فراش، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام.
إذن ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ، أيش معنى ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ؟ أي: تقولون لهن: أنتن علينا كظهر أُمِّنَا، وهذه الجملة يعتبرها أهل الجاهلية طلاقًا بائنًا، أما في الإسلام فليست بطلاق، ما هي في الإسلام؟ ظِهَار، يعني أنها مُوجِبَة لتحريم المرأة حتى يفعل الإنسان ما أمره الله به، كما في سورة المجادلة.
﴿تَظَّاهَرُونَ مِنْهُنَّ﴾ بقول الواحد –مثلًا- لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ويمكن أن يقول غير هذه العبارة؟ يمكن أن يقول: أنتِ عليَّ كظهر أختي، ويمكن أن يقول: أنتِ عليَّ كبطن أمي، فالعبرة بالمعنى لا بالصيغة، وقد مر علينا في كتاب الظِّهَار أن يُشَبِّه الرجلُ زوجتَه بمن تَحْرُم عليه تحريمًا مؤبَّدًا بنسب أو سبب مباح، المهم تحريمًا مؤبدًا، هذا هو الظهار عند أهل العلم، وسبق الخلاف فيما لو حرَّمها أو لو ظاهَر منها وشبَّهَها بمن تحرُم عليه تحريمًا إلى أَمَد.
* الطالب: (...).
* الشيخ: القراءة السبعية تارة يحيل لها على هذا وهذا بدون ما يقولون: وفي قراءة، وتارة يقولون: وفي قراءة، يقول: (بقول الرجل –مثلًا- لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي).
﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ ويش اللي نصبها؟ ﴿جَعَلَ﴾، أين المفعول الأول ؟ ﴿أَزْوَاجَكُمُ﴾، و﴿اللَّائِي﴾ صفتها، و﴿تُظَاهِرُونَ﴾ صلة للموصول، و﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ المفعول الثاني، و﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أي: كالأمهات في تحريمها بذلك المُعَدّ في الجاهلية طلاقًا، وإنما تجب به الكفارة بشرطه كما ذُكِرَ في سورة المجادلة.
في الإسلام ليس بطلاق، ولكنه تحريم تجب به الكفارة بشرطه، وهو العَوْد؛ لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة ٣]. (...)
﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، ما أخذنا من الفوائد، أو لا؟
* طالب: ما كملنا الآية.
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾.
* الشيخ: ما كمَّلنا، نكمل.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، نحن ما كملنا المناقشة، ما هي المظاهَرة في القراءة التي فيها الزيادة؛ لأن فيها زيادة حرف، والحرف فيه عشر حسنات، عرفتم؟ فعلى هذا القول أيّ القراءات الثلاثة تختارون؟
* طالب: ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ .
* الشيخ: ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ؛ لأن هذه أكثرها حروفًا، ومن العلماء من يقول: الأفضل أن تقرأ بكل قراءة، أن تأخذ بكل قراءة، تقرأ بهذه مرة وبهذه مرة، أيهما أرجح؟ الصحيح الأخير أنك تقرأ بهذه مرة وبهذه مرة إذا كنت تعرف؛ لأن كل قراءة فقد صحَّت عن النبي ﷺ فينبغي أن تقرأ بها لفائدتين، ما ذكرنا إلا واحدة، لفائدتين:
الفائدة الأولى: العمل بكل السُنَّتَيْن.
الفائدة الثانية: حِفْظ هذه القراءات، ولذلك نحن الآن لما كنا نعتمد على القراءة التي عندنا ما نعرف القراءات الأخرى، فإذا قيل للإنسان: ينبغي لك أن تقرأ بكل قراءة صحّت، فإن هذا يكون فيه حفظ للقراءات، ولهذا ينبغي للصغار منا، ولَّا عاد الكبار صعب عليهم الحفظ، لكن الصغار ينبغي لهم أن يحرصوا على القراءات، وأن يتعلموها من أجل أن يعملوا بالسنة هذه ما تبقى مهجورة، إي نعم.
قوله: ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ إعرابها؟ (...)
﴿أَبْنَاءَكُمْ﴾ قال المؤلف: (جمع دعِيٍّ، وهو مَن يُدْعَى لغير أبيه ابنًا له)، أدعياء جمع دَعِيّ، كأغنياء جمع غني، وأَكْفِيَاء جمع كَفِيّ، ولها أمثلة، و(دَعِيّ) فعيل بمعنى مفعول، وأصلها دَعِيُو، بالواو، لكن قُلِبَت الواو ياءً لعلة تصريفية.
إذن (دَعِيّ) بمعنى مدعو، والدعاء في الأصل طلب الإقبال، والمراد بادِّعاء هنا النسبة، بأن يُنْسَب إلى غير أبيه، فيقال: هذا ابن فلان، وليس ابنًا له حقيقةً، هؤلاء الأدعياء ما جعلهم الله تعالى أبناءً، شرعًا أو قدرًا؟ لا شرعًا ولا قدرًا، أما لا قدرًا فواضح؛ أنه ما هو بأبناء قدرًا، وأما شرعًا فهنا نفى الله عنهم، نفاه، قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، فإذا كان الأدعياء ليسوا أبناءً لا قدرًا ولا شرعًا فإنه لا يَرِد الذهنُ أو لا يتوجَّه الذهن إليهم شرعًا.
هذه الكلمة التي أقولها يتبين بها ضعف قول مَن يقول (...) في قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] يقول: إن قوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ إنها قَيْد يُحْتَرَز به عن ابن التبني؛ لأننا نقول: ابن التبني لا يدخل في الابن أصلًا، فلا يذهب إليه الوهم حتى نقول: إنه يحتاج إلى قيد يُحْتَرَز به عنه، وسبق أن بحثنا هذه المسألة في باب المحرَّمات في النكاح.
المهم أن الأدعياء ما جعلهم الله أبناء، لا شرعًا ولا قدرًا، وكانوا في الجاهلية يَدْعُون الإنسان لغير أبيه، يكون هذا الرجل شريفًا وذا نسب، وهذا الدَّعِيّ وضيعًا نسبُه عند الناس ليس بذاك الشيء، أو ليس له نسب معلوم، فيُدْعَى إلى هذا الأب من أجل رفعته، فأبطل الله ذلك؛ لأن دعوة الإنسان إلى غير أبيه يترتب عليها أمور، كل ما يترتب على النسب من تحريم وتحليل وإرث ونفقات وغيرها كلها ربما تنتقل إلى هذا الدَّعِيّ بسبب أنه دُعِيَ إلى هذا الرجل، فلذلك منع الله تعالى ذلك شرعًا؛ لأن تسمية الشيء باسمٍ بعيد عن حقيقته هذا يوجِب أن تنقلب الأوضاع، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ، يَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَهِيَ تُعْتِم بِإِبِلِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ فِي كِتَابِ اللهِ الْعِشَاءُ»[[أخرجه مسلم (٢٢٨ /٦٤٤) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ]].
فكل الأشياء التي ربما إذا سُمِّيَت باسم آخر ربما تختلف أحكامها فإن الشرع نهانا.
﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ حقيقةً، حقيقة تفسير لأبناء، يعني: ما جعلهم أبناء على وجه الحقيقة.
﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾، أي: اليهود والمنافقين، ﴿ذَلِكُمْ﴾ المؤلف يريد أن يكون الخطاب هنا لليهود والمنافقين، والصواب أنه عائد لكل مَن دعا شخصًا لغير أبيه من الأدعياء سواء كان من المنافقين أو من اليهود أو من المشركين، أو من المسلمين، فإن هذا قول يقوله الإنسان بفيه، وليس حقيقةً، هو نفسه يعلم أن هذا الدَّعِيَّ ليس ابنًا لهذا المدعو إليه، فكيف يقول ما يعتقد أن الأمر بخلافه؟
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أتى بضمير الجمع في الخطاب؛ لأن المخاطَبِين جماعة، وقد مَرَّ علينا في اسم الإشارة أن اسم الإشارة يراعَى به المشار إليه، والكاف يراعى بها المخاطب، هنا المشار إليه مفرد مُذَكَّر، وهو دعوة الرجل إلى غير أبيه، والمخاطَبُون جماعة ذكور.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذه نبغي نتكلم عليها في الفوائد إن شاء الله.
﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ يعني: تقولونه بألسنتكم وأنتم تعرفون الحقيقة أنها ليست كذلك.
قال المؤلف رحمه الله: أي اليهود والمنافقين، ليش جعلها بالياء؟ لأنها تفسير لقوله: ﴿قَوْلُكُمْ﴾ بالكاف وهي مجرورة، قالوا: لَمَّا تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش التي كانت امرأة زيد بن حارثة الذي تَبَنَّاه النبي ﷺ قالوا: تزوَّج محمد امرأة ابنه، فأَكْذَبَهُم الله تعالى في ذلك.
* طالب: (...).
* الشيخ: قالوا: تزوج -أي اليهود والمنافقين- كلام المؤلف بعيد من ظاهر الآية؛ إذ إن كلام المؤلف يقول: إنهم بعد أن تزوَّج النبي عليه الصلاة والسلام زينب بنت جحش، وكانت في الأول عند زيد بن حارثة قالوا هذا القول، والآية ما فيها إشارة للقصة إطلاقًا، إنما الآية يتحدث الله فيها عن أيش؟ عن ابن التبني، ما تحدَّث الله تعالى ولا أشار إلى تزوُّج الرجل بزوجة ابنه الذي تَبَنَّاه، لكن هذه ستأتينا إن شاء الله في الآية، فالصواب أن الآية إنما هي في نسبة الإنسان إلى غير أبيه تبنيًا.
(﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ في ذلك، ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾: سبيل الحق).
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، المؤلف قيده فقال: (في ذلك)، والصواب عدم القيد، حتى وإن كان السبب هو هذا؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ما هو الحق الذي يقوله الله عز وجل فيما يقوله؟ فسَّره الله تعالى في القرآن نفسه، فقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، هذا هو الحق الذي يقوله الله عز وجل، صدق في الأخبار، وعدل في الأحكام، فكل ما قاله الله عز وجل فهو دائر بين أمرين؛ إما خبر، وإما حكم، الخبر أَحَقِّيَّتُه الصدق، والحكم أحقيته العدل، خير ما يُفَسَّر به القرآن القرآن، ولهذا إذا قال قائل: ما هو الحق في قول الله ؟ نقول: الحق في قول الله هو ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾.
وقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، لم يقل: ويهدي السبيل؛ لأن الجملة الثانية تتعدى للغير، فهناك هادٍ ومَهْدِيّ ومَهْدِيٌّ فيه ولَّا إليه ؟ إليه وفيه أيضًا، هناك هادٍ وهو الله، ومَهْدِيّ وهو الإنسان –مثلًا-، ومَهْدِيٌّ إليه وفيه أيضًا، وهو الدين، السبيل الْمُوصِل إلى الله عز وجل، مَهْدِيٌّ إليه هذه هداية الدلالة، ومَهْدِيٌّ فيه هذه هداية التوفيق؛ لأنك تقول: دَلَلْتُه إلى كذا، وهديته في كذا، بمعنى: جعلته عاملًا فيه، وهذا هو الحكمة في أن الله عز وجل قال في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦]، ولم يقل: إلى الصراط، ليش؟ لأجل يعم الهداية إليه بالدلالة إليه وبيانه، والثاني: هداية فيه بالعمل به، وهذا هو مقصود كل داعٍ يدعو الله عز وجل بالهداية أن الله يهديه إلى الشيء فيعرفه ويعلمه، ويهديه فيه فلا يضل عنه، واضح؟
﴿يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيّ سبيل يراد بهذه الآية؟ ﴿السَّبِيلَ﴾ (أل) هذه للعهد الذهني، والمراد سبيل الله عز وجل، ويش الدليل لمراد سيبل الله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣].
إذن السبيل التي يهدي الله إليها هي سبيل الله عز وجل، وهي طريق الحق، ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، ومن جملة ذلك أنه سبحانه وتعالى لم يجعل الزوجات التي يظاهرون منهن أزواجُهن لم يجعلهن أمهات، ولم يجعل الأدعياء أبناء، فقال الحق في ذلك، وهدانا السبيل في ذلك، فالزوجة زوجة، والابن الدَّعِيّ ليس ابنًا، والله يقول: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب ٥]، قال المؤلف في التفسير: (لكن ادعوهم لآبائهم )، لماذا أتى بالاستدراك: (لكن ادعوهم لآبائهم)، في ظني أنه لا حاجة للاستدراك، وأن الجملة استئنافية، لَمَّا أبطل الله سبحانه وتعالى أن يكون هؤلاء الأدعياء أبناءً أَمَرَ بأن ندعوهم لآبائهم، وكأن المؤلف رحمه الله لما كانت الآية الثانية: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ لَمَّا كانت غير مقابلة لما نَفَاه الله في الأول، يعنى: ما جعل أدعياءكم أبناءكم، لكن جعلهم أبناء آبائهم، فادعوهم لآبائهم، رأى رحمه الله أن هذا هو وجه الاستدراك، ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، لكن جعلهم أبناءً لآبائهم فادعوهم لآبائهم.
نقول: هذا لا حاجة إليه، فالجملة استئنافية ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، أي: انسبوهم لآبائهم، فقولوا: يا ابن فلان، وكلمة (آبائهم) جمع أبٍ، هل المراد بالجمع هنا باعتبار الْمَدْعُوِّين، يعني لأن الناس كثيرون، أو أن المراد آباؤهم بالنسبة لكل شخص، بمعنى أن الإنسان يُنْسَب إلى أبيه وجده وأبي جده، وهكذا، أو شامل للأمرين؟
هو شامل للأمرين، فالإنسان يُدْعَى إلى أبيه يقال: فلان ابن فلان ابن فلان، الرسول عليه الصلاة والسلام محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، بل إنه عليه الصلاة والسلام قال: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣١٥)، ومسلم (١٧٧٦ / ٧٨) عن البراء بن عازب رضي الله عنه. ]]، ومحمد عندنا الألفية: قال محمد، وهو ويش اسمه؟ محمد بن عبد الله، أبوه عبد الله، فهو فيما يظهر أنه شامل، يعني أنه جُمِعَ باعتبار أفراد الناس، وجُمِعَ باعتبار الآباء؛ لأن الآباء أبٌ أدنى وأب فوق.
قال: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾، ﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على المصدر المفهوم من قوله: ﴿ادْعُوهُمْ﴾، أي: ﴿هُوَ﴾ أي: دعاؤهم، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨]، ﴿هُوَ﴾ أي: العدل المفهوم من الفعل، فهنا ﴿هُوَ﴾ أي: دعاؤهم لآبائهم، ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: أعدل.
فسَّرها بعضهم باسم الفاعل، اسم الفاعل هو قاسط عند الله، يعني: هو العدل عند الله عز وجل، وإنما لجأ إلى ذلك؛ لأن المعروف أن اسم التفضيل يشترك في أصل معناه المفضَّل والمفضَّل عليه، فإذا قلت: فلان أشجع من فلان، فكلاهما شجاع، لكن هذا أشجع، فهنا إذا جعلنا اسم التفضيل على بابه وقلنا: دعاؤهم لآبائهم أقسط عند الله من دعائهم لمن تبنَّاهم، صار في دعائهم لمن تبنَّاهم عدل، مع أنه لا عدل فيه.
ولذلك قال بعض المفسرين: إن أفعل التفضيل هنا بمعنى اسم الفاعل، حتى لا يكون في الطرف الثاني منه شيء.
وقال بعض المفسرين: هو على بابه، واللغة العربية تأتي باسم التفضيل دائمًا فيما ليس في الطرف الآخر منه شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾، مع أن أصحاب النار لا خير في مستقرهم، وعلى هذا فنقول: إبقاء الآية على ظاهرها يكون أَوْلَى، فإذا قيل ذلك فإنه يَرِدُ علينا سؤال: لماذا عَبَّرَ بأفعل التفضيل في طرف ليس في الطرف الآخر منه شيء؟
قلنا: لبيان أن هذا غاية ما يكون من العدل، انتبه، فتكون فائدتها أن دعاءهم لآبائهم أعدل شيء، وهو غاية ما يكون من العدل، فاسم التفضيل هنا باعتبار المعنى، أي أن هذا أعدل شيءٍ.
وكلمة ﴿أَقْسَطُ﴾ اسم تفضيل من الثلاثي ولَّا من الرباعي؟ من الثلاثي؛ لأن اسم التفضيل ما يُصَاغ إلا من الاسم الثلاثي:
وَصُغْهُمَا مِنْ ذِي ثَلَاثٍ صُرِّفَا ∗∗∗ ...................
ثم إن الرباعي من هذه المادة ليس بمعنى العدل، بل بمعنى الجور، كذا؟ الرباعي بمعنى الجور؟ انتبه، إذن بالعكس؛ القاسط هو الجائر، والمقسط هو العادل، أو لا؟
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات ٩].
إذن يَرِدُ علينا إشكال في مسألة ﴿أَقْسَطُ﴾ هنا، ﴿هُوَ أَقْسَطُ﴾، فنقول في الجواب عنه: إن في هذا دليلًا على صحة مذهب الكوفيين الذين يقولون بجواز صيغة اسم التفضيل من غير الثلاثي، يقولون: ﴿أَقْسَطُ﴾ من باب الإقساط، يعنى أن ذلك أعدل.
وقوله: ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ يعني: في حكمه؛ لأن الحكم حكم الله عز وجل يضاف إليه، وهذا نظير قوله تعالى في الذين يرمون المحصنات، يقول: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور ١٣]، شوف تأمل قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾، إحنا انتقلنا الآن عن الآية، إذا قذف رجل امرأة بالزنا فهو باعتبار الواقع قد يكون حقًّا، وقد يكون كذبًا، أو لا؟ يعني: قد يكون حقًّا إنها زنت، وقد يكون كذبًا، لكنها في حكم الله؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، في حكم الله كذب، ولهذا قال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ما قال: فأولئك هم الكاذبون؛ لأنه قد يكون حقيقة باعتبار الواقع، لكن في شرع الله كاذبون، ﴿فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، ولهذا يجب عليهم حد القذف إذا لم يأتوا بأربعة شهداء.
﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب ٥]، إن لم تعلموا آباء مَن؟ أباء هؤلاء الأدعياء، ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾، يعني: وليسوا أبناءهم، يعني حتى في الحال التي لا يُعْرَف لهذا الرجل أبٌ فإنه لا يجوز أن يُنْسَب إلى غير أبيه، ولكن يكون أخًا لنا في الدين، ومولًى لنا إذا كان قد دخل في ملكنا ثم حررناه مثلًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في قصة اختصام علي وجعفر وزيد بن حارثة، قال لزيد: «أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا»[[أخرجه البخاري (٢٦٩٩) عن البراء بن عازب رضي الله عنه. ]]، فهو أخي في الدين وليس ابنًا لي، وهو أيضًا مولاي إذا كنت قد أعتقته، ولو لم أعرف أباه فإنه لا يُنْسَب إلَيَّ.
ولهذا تجدون العلماء رحمهم الله الذين يكتبون أسماء الرجال عندما ينسبون أحدًا من الموالي إلى مَن أعتقه يقول: القرشي مولاهم –مثلًا-، التميمي مولاهم، لأنه لو يقال: القرشي فقط أيش يظن الظان؟ أنه قرشي حقيقة، فإذا قال: مولاهم، يعني أنه نُسِبَ إليهم؛ لكونه مولًى لهم، ومولى القوم منهم، حتى إن العلماء قالوا في الصدقة قالوا: إنها تَحْرُم على موالي بني هاشم؛ لأن مولى القوم منهم، لكنه لا يُنْسَبُون إليهم نسبًا حقيقيًّا، بل لا بد من أن يقيد.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: بنو عمكم (...).
* الشيخ: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما له وجه.
* الطالب: (...) أن أبا زيد بن حارثة قَدِم للنبي من (...) فقال (...) فخيَّره النبي ﷺ (...)؟
* الشيخ: إي هذا لَمَّا قَدِم أبوه وعمه؟
* الطالب: فعُرِف أبوه وطلبه أبوه.
* الشيخ: سبب تَبَنِّيه، هذا كان في أول الإسلام ثم أُبْطِل، منسوخة. (...) ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ لكن بس (...).
وهي وجوب تقديم الوحي على الرأي؛ لقوله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ [الأحزاب ٢]، فإن هذا الخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ وإلى أُمَّته بالأَوْلَى، فيفيد وجوب تقديم الوحي على الرأي.
وتقديم الرأي على الوحي له أقسام، منها ما يصل إلى الكفر، ومنها ما هو دون ذلك، فالذين يُقَدِّمُون الرأي على الوحي مع علمهم بالوحي معتقدين أن غير الوحي مساوٍ له، أو أكمل منه، أو أنه يجوز الحكم بالرأي المخالف للوحي مع العلم به، هؤلاء يعتبرون كفارًا.
في هذه الأحوال الثلاث إذا اعتقدوا أن الرأي أكمل وأنفع من الوحي، أو أنه مساوٍ له، أو أنه يجوز تقديمه على الوحي مع العلم به، فهؤلاء كفار؛ لأنهم حَكَمُوا بغير ما أنزل الله، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤].
وأما مَن قَدَّمُوه بتأويلٍ ظنًّا منهم أن ذلك لا يخالف الوحي، أو أنه طريق يُوصِلُهم إلى الوحي، فهؤلاء لا يصلون إلى درجة الكفر، وذلك مثل كثير من المتعصبين للمذاهب، فإنهم لا يرون أن هذه المذاهب خارجة عن الوحي، وإنما يرون أن ذلك طريق إلى العمل بالوحي، فيقولون: هذا إمامنا أعلم منا وأفهم، فنتبعه ونتهم رأينا بالنسبة إلى رأيه، وإلا فنحن متمسكون بشريعة الله، ومُحَكِّمُون لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
هؤلاء نقول: إنه إذا تَبَيَّن لهم الحق وجب عليهم اتباعه، ولو خالف متبوعهم من الأئمة، وذلك لأن الحق لا يخطئ، والأئمة يخطؤون، ولا يمكن أن يَدَّعِي العصمة لأحد من البشر إلا رسولَ الله ﷺ، لا يمكن أن يدَّعِي العصمة إلا رجل ضالّ، الذي يدَّعي العصمة لغير الرسل رجل ضالّ، كما يفعل الرافضة بأئمتهم، وهذا ضلال بَيِّن؛ لأن أئمتهم قد يخطؤون كما يخطئ غيرهم.
وقد مر علينا ما وقع لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو إمام الأئمة بالنسبة لأولئك القوم أنه أخطأ حين أعطاه النبي عليه الصلاة والسلام حُلَّة من حرير فلبسها، فقال:« «إِنَّنِي مَا أَعْطَيْتُكَهَا لِتَلْبَسَهَا، وَإِنَّمَا تُعْطِيَهَا الْفَوَاطِمَ»[[أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٦٩) بلفظ: «إني لم أكسكها لتلبسها، إنما كسوتكها لتجعلها خمرًا بين الفواطم». ]]، وكذلك ما هو مشهور عنه من أن المرأة إذا كانت حاملًا وتُوُفِّي عنها زوجها فإنها تَعْتَدّ بأطول الأجلين، وهذا مخالف للسنة الصحيحة الصريحة.
والحاصل أننا نقول: إن في الآية الكريمة: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأحزاب ٢] وجوب تقديم الوحي على الرأي، وأنه يجب الحكم بما جاء به الشرع مطلقًا، سواء خالف رأي متبوعيك أم لم يخالف.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب ٣]، هذا مبتدأ الفوائد؟
في هذا دليل على وجوب التوكل على الله، وقد ذكرنا في كتاب التوحيد أن التوكل ينقسم إلى أقسام:
أحدها: توكل العبادة، وهو شعور الإنسان بافتقاره إلى المتوكَّل عليه وذُلِّه بين يديه، وهذا لا يجوز صرفه لغير الله، وصرفه لغير الله شرك؛ لأنه إشراك بالله فيما لا يستحقه إلا الله، وهو شرك أكبر ولَّا أصغر؟ شرك أكبر.
والثاني: الاعتماد على الغير الذي جعلته نائبًا عن نفسك، فهذا جائز، وقد وقع حتى من الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه وَكَّلَ عروة بن الجعد على أن يشتري له أضحية، وكان له وكيل في خيبر، وكذلك وَكَّلَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ذبح ما بقي من الهدي، وهو جائز ولا إشكال فيه، ووَكَّل علي بن أبي طالب حين ذهب إلى تبوك أن يكون خليفة له في أهله، وموسى عليه الصلاة والسلام وَكَّل هارون حين ذهب إلى الطور، وقال: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف ١٤٢].
إذن هذا جائز ولا إشكال فيه؛ لوقوعه من الأنبياء، ولأنه عقد من العقود، والأصل في العقود الحِلّ إلا ما قام الدليل على منعه.
والثالث: أن يعتمد على مَن لا يصح الاعتماد عليه، على قوة سرية نعلم أنه لا أثر لها في هذا الاعتماد، وهذا شرك قد يكون أكبر وقد يكون أصغر، مثل اعتماد أولئك الذين يتوسَّلون بالأموات، ويعتقدون أن في الاعتماد عليهم خيرًا، هؤلاء قد يصل بهم الأمر إلى الشرك الأكبر، وإلا فمجرد اعتمادهم عليهم شرك ولا يحل.
الرابع: أن يعتمد على قوة ظاهرة مؤثِّرة، لكنه يعتمد عليها لا باعتبار أنها نائبة عنه، بل باعتبار أنها مُجْدِيَة له، وأنها مصدر سعادته وفلاحه ورزقه، وما أشبه ذلك، فهذا مكروه، وقد يصل إلى درجة التحريم، كاعتماد الإنسان على الراتب وعلى المعاش من الوزارة التي يعمل فيها والإدارة والرئاسة، وما أشبه ذلك، فإن هذا فيه نوع من الشعور بالافتقار إلى هذا الشيء والتذلُّل له.
ولذلك تجد الذين ابتُلُوا بهذا النوع تجدهم يحابون من كانوا يعتمدون عليه، يحابون كبراءهم من الوزراء وغير ذلك، يحابونهم في أمر لا يجوز، أما مجاملتهم فيما هو جائز فهذا أمر لا بأس به، لكن محاباتهم في المحرَّم هذا لا يجوز، لكن هذا قد يقع؛ لأنهم يشعرون بأنهم مفتقرون إلى هؤلاء، فهذا أقل أحواله الكراهة، والإنسان ينبغي له أن يكون عزيز النفس، لا يعتمد إلا على ربه سبحانه وتعالى.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن كفاية الله عز وجل فوق كل كفاية؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب ٣] ، زعم بعض أهل العلم أن مثل هذا التركيب يفيد التعجب، يعني: ما أعظم من كفاية الله! وتوكَّل على الله فما أعظم كفاية الله سبحانه وتعالى! وهذا ليس ببعيد؛ أنّ كَوْن هذه الصيغة تُحَوَّل من: وكفى الله وكيلًا إلى: ﴿وكفى بالله وكيلًا﴾ لا يبعد أن يكون المراد بذلك بيان المبالغة في كفايته سبحانه وتعالى، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣].
ثم قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤].
يستفاد من هذا السياق أن القرآن قد بلغ الغاية القصوى في الإقناع وإقامة البرهان.
وجه ذلك أنه قَدَّمَ الدليل على المدلول بصورة لا يَمْتَرِي فيها أحد، ما هي؟ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، فإن هذا أمر معلوم ولا يتنازع فيه اثنان؛ أنه ليس للإنسان إلا قلب واحد، ما فيه قلبان، لماذا؟ لأن هذين القلبين إن اتفقا على أمر واحد صار القلب الثاني لا فائدة منه، أو لا؟ وان اختلفَا تناقضَا في عين واحدة، فماذا يصنع الإنسان، هل يتبع القلب الأيمن ولَّا يتبع القلب الأيسر؟ يبقى محتارًا، لذلك ما جعل الله لرجل من قلبين، ما فيه إلا قلب واحد فقط؛ لأنه في جسم واحد.
وتأمل قوله: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ يستفاد منها فائدة غير أنها بيان للواقع، يستفاد أن الجوف الواحد لا يتناسب معه إلا قلب واحد، وإلا لكان القلبان في جوفين لا في جوف واحد، فصار فيها فائدة غير ما سبق، وهي أنها بيان للواقع، بأن الجوف الواحد لا يمكن أن يديره إلا قلب واحد.
في الآية الكريمة سياق الشيء بالبرهان، أو إثبات الشيء بالبرهان الذي يكون قاطعًا لا يَمْتَرِي فيه أحد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المرأة المظاهَر منها ليست أمًّا؛ لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾.
* يتفرع على هذه الآية: أن جَعْلَها أُمًّا في الظهار كذب وزور ومنكر، ولهذا قال الله تعالى في آية الظهار: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة ٢]، فهو منكر لمخالفة الشرع، وزُور لمخالفة الواقع والحقيقة.
* يستفاد من الآية الكريمة: الإشارة أو التنبيه على تحريم الظهار؛ لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ﴾ ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾، فإذا كان الله ما جعل ذلك فإنه لا يحل لنا أن نجعل شيئًا لم يجعله الله؛ لأن الأمر إلى الله وحده.
* ويستفاد من الآية ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾: أن الأبناء الأدعياء ليسوا بأبناء حقيقةً ولا شرعًا، فهم ليسوا أبناء قدرًا، وليسوا أبناء شرعًا، ولهذا قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾.
* ويستفاد منها: أنه إذا لم يكن الابن الدَّعِيّ ابنًا لا شرعًا ولا حقيقة فإنه لا يحتاج إلى قَيْد يُخْرِجُه من معنى البنوة، لماذا لا يحتاج؟ لأنه غير داخل فيها أصلًا حتى نحتاج إلى قيد نخرجه به.
* ويتفرع على هذه الفائدة: بيان ضعف قول مَن يقول: إن الاحتراز في قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] إن الاحتراز في قوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ عن ابن التبني؛ لأننا نقول: إنه أصلًا لم يدخل حتى يحتاج إلى قيد يُخْرِجُه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يقول قولًا لا يعتقده، ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب ٤].
* ويستفاد منها: أنه ليس من الرجولة، وليس من العقل أن يقول الإنسان قولًا بِفِيه وهو لا يعتقده بقلبه؛ لأن المراد من قوله تعالى: ﴿قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ المراد به التنديد بهم والتوبيخ لهم، كيف تقولون شيئًا بأفواهكم وأنتم تعترفون بقلوبكم أنه ليس موافقًا للواقع؟ ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن قول الله عز وجل كله حق ليس فيه باطل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ [الأحزاب ٤]، والحق سبق أنه في كلام الله هو الصدق والعدل؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، وهو باعتبار الخبر صدق وباعتبار الحكم عدل.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن كلام الله عز وجل ليس فيه تناقض؛ لقوله: ﴿يَقُولُ الْحَقَّ﴾، والتناقض ما يكون إلا في الباطل، فالحق لا يمكن أن يتناقض، واضح؟
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن ما وصف الله به نفسه في كتابه فهو على حقيقته، وليس فيه تحريف أو تأويل؛ لأنه لو كان على خلاف ظاهره لكان ظاهره يدل على أيش؟ على باطل، إذا قلنا: إنه على خلاف الظاهر لزم أن يكون دالًّا على باطل، إذا كان المراد بآيات الصفات خلاف ظاهرها صار ظاهرها يدل على حق ولَّا على باطل؟
إذا قلنا: إن المراد بآيات الصفات خلاف الظاهر، صار الظاهر باطلًا؛ لأنه خلاف المراد، وهذا ينافي قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، فهو سبحانه وتعالى لا يقول إلا الحق.
* ويستفاد من الآية: أنه مع ظهور أن الله يقول الحق فإن الناس لا يتفقون عليه؛ لقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب ٤]، يعني حتى مع أن الله لا يقول إلا الحق فليس كل أحد يهتدي لذلك، بل الهداية بيد الله عز وجل.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أنه يجب على المرء أن يلجأ إلى ربه سبحانه وتعالى في سؤاله الهداية؛ لقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، وتأمل تغيير الصيغة حيث قال: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، ثم قال: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، ولم يقل: ويهدي السبيل، لأجل أن تكون الجملة الثانية مستقلة بركنيها بمبتدئها وخبرها؛ لأن قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي﴾، ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَهْدِي﴾ خبره، فكانت الجملة مستقلة عن الأولى؛ لأن ذلك أبلغ في بيان أن الهداية بيد الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن طريق الحق واحد؛ لقوله: ﴿السَّبِيلَ﴾، وهو مفرد، وهكذا تجدون أن السبل تأتي جمعًا فيما يخالف الحق، كذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مثل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام ١٥٣]، فالصراط أَفْرَدَه، أما الصراط الآخر أو المخالف لصراط الله فهو جمع، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾، وإذا جاء طريق الحق مجموعًا فالمراد تنوُّع شرائعه، وكذلك الوَلِيّ، الكفار ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة ٢٥٧]؛ لأن سبل غير الحق متنوعة كل نوع منها عليه طاغوت يدعو إليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة التي بعدها: وجوب دعوة الإنسان إلى أبيه ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، يعني: انسبوهم لآبائهم لفظًا وحقيقةً، أما لفظًا فتقول: يا فلان بن فلان، انسبه إلى أبيه، وأما حقيقة أن تعتقد أن البنوة الحق إنما هي لِمَن؟ للأب الحقيقي الذي وُلِدَ الإنسان من صلبه، لا للأب الذي ادُّعِيَ أنه أب.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لا ينبغي أن يُدْعَى الإنسان لغير أبيه، وهذا نوعان:
أحدهما: أن يُدْعَى لغير أبيه لفظًا وحقيقة، فهذا لا يجوز، بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل ذلك من الكفر، إذا ادَّعَى الإنسان إلى غير أبيه وهو يعلمه فإن ذلك كفر، «فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٦٨)، ومسلم (٦٢ / ١١٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه: «لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر».]].
الثاني: أن يَدَّعِيَ إلى غير أبيه لفظًا، ولكن لا تثبت أحكام البنوة إطلاقًا إلى مَن ادعى إليه، فهذا نقول: إنه خلافُ ما أمر الله به.
ولكن أهل العلم يقولون: إن الإنسان إذا اشتهر به مع عدم الالتفات إلى أحكامه ومقتضياته فإنه جائز، وذكروا لذلك مثل المقداد بن الأسود، فإن المقداد بن الأسود ليس أبوه هو الأسود، ولكن الأسود كان قد تَبَنَّاه، واشتهر بهذه الكنية، واستمر عليه حتى أبطل الله التبني، ولكن بقي مشهورًا بذلك، قالوا: فهذا لا يضر؛ لأنه انتفت عنه أحكام التبني ولم يَبْقَ إلا اللفظ.
ومع هذا فإن الأفضل بلا شك هو أن يُدْعَى إلى أبيه، لكن المشكل أن الشيء إذا اشتهر فوصفته بغير ما اشتهر به حصل بذلك الالتباس، الآن لو قلنا: عن عبد الرحمن بن صخر، أن النبي ﷺ قال كذا وكذا، يمكن أن كثيرًا من الناس لا يدري من هو، لكن إذا قلت: عن أبي هريرة كلنا يعرفه.
وفي الآية الكريمة دليل على أن الأعمال تتفاضل عند الله؛ لقوله: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، يعني: أبلغ في العدل، ووجه ذلك أن هذا الرجل الدَّعِيّ كوننا ننسبه إلى غير أبيه هو باعتبار أبيه ظلم ولَّا لا؟ ظلم، كيف تنسبه إلى شخص ما أتى من صلبه وتَحْرِم مَن أتى من صلبه من دعوته إليه؟ هذا لا شك أنه جور، ولهذا قلنا في الدرس الماضي: إن اسم التفضيل هنا ليس في الطرف الآخر منه شيء؛ لأنه ليس فيه أي عدل في أن تنسب الإنسان إلى غير أبيه، وقلنا: إن فائدة التفضيل هنا بيان أن هذا الشيء قد بلغ الغاية في العدل؛ لأن هذا جِيءَ به باسم التفضيل، ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾، هل أخذنا الجملة التي بعدها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: له أب فإنه يُدْعَى بأُخُوَّة الدين، والولاية في الدين؛ لقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب ٥]، أما كونهم إخوانًا لنا في الدين فظاهر، وأما كونهم موالي فإن كان عتيقًا للمرء فهو مولى له بالعتق، وإن لم يكن عتيقًا فهو مولى له في الدين؛ لأن المؤمنين كما قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾ [التوبة ٧١]، فهم إخوانكم ومواليكم، فتدعوه بـ: يا أخي، لو قلت: يا ابن أخي، يصح؟ يصح.
المؤلف يقول: (﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾: بنو عمكم)، فجعل الولاية هنا ولاية النسب وليست ولاية الدين، لكن في النفس من هذا من الشيء، فالولاية إما ولاية دين وإما ولاية عتق، فأما ولاية العتق فواضح أن العتيق مولًى لمن أعتقه، وأما ولاية الدين فظاهر أيضًا أن كل مؤمن وليٌّ لأخيه المؤمن، أما ولاية النسب كقوله: بنو عمكم، فهذه إن كانت اللغة العربية يأتي فيها مثل هذا التعبير فنحن نقبل ذلك؛ لأن القرآن عربي، ولا مانع من أن يكون للفظ الواحد عدة معانٍ إذا كانت لا تناقض بينها، الآن انتهى الوقت.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
الأحزاب 33:7
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ : في أمرك، ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾: حافظًا لك. هذا مبتدأ درس اليوم، ﴿تَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ التوكل بمعنى الاعتماد مع الثقة، ولهذا فَسَّرُوه بأنه صِدْق الاعتماد على الله في جَلْب المنافع ودَفْع المضارّ، مع الثقة بالله عز وجل بأن يكون القلب معتمدًا على الله لا على غيره في جلب المنافع، وفي دفع المضارّ، مع ثقته بالله سبحانه وتعالى، يعني: واثقًا بأن الله تعالى سيكفيه، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]: كافيه، فإذا صدقتَ الله عز وجل في أنه سبحانه وتعالى سيكفيك فهذا هو تمام التوكل.
وقوله: ﴿تَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ جاءت هذه في القرآن في عدة مواضع، ومنها قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود ١٢٣]، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة ٢٣]، وعلى هذا فيكون التوكل من العبادة؛ لأن الله تعالى أمر به، وما أمر الله به شرعًا فهو من العبادة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد أقسام التوكل.
وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب ٣]، الباء يقول أهل الإعراب: إنها زائدة لتحسين اللفظـ، وأن لفظ الجلالة هو الفاعل، والتقدير: وكفى اللهُ وكيلًا، ووكيلًا حال من الفاعل، والمعنى: ما أعظم كفاية الله تعالى في هذا الشيء، إن كان ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء ٧٩]، فهو: ما أعظم كفاية الله تعالى في شهادته.
أقول: فيه آيات، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ المعنى: ما أعظم كفاية الله في شهادته، ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾: ما أعظم كفاية الله في وكالته.
وقوله: ﴿وَكِيلًا﴾ يقول المؤلف: حافظًا لك، وعلى هذا ففَعِيل هنا بمعنى فاعل، وليست بمعنى مفعول؛ لأن الوكيل إذا قلت: وَكَّلْتُ هذا الوكيل، فإن وكيلًا بمعنى مفعول؛ لأنه الْمُوَكَّل، لكن هنا بمعنى فاعل، أي أنه حافظ، فالاعتماد من الإنسان، والحماية والحفظ من الله.
ويدل لتفسير المؤلف قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣] أي: كافيه، وسوف يقوم سبحانه وتعالى بحفظه، وبتحقيق ما توكل به عليه.
قال المؤلف: (وأمته تبع له في ذلك كله)، إنما قال هذا؛ لأن الخطاب في الآيات موجَّه لمن؟ للنبي ﷺ، فأُمَّتُه تَبَعٌ له، من أين علمنا أن أمته تبعٌ له؟
علمنا ذلك من طريقين، أو من أحد طريقين:
الطريق الأول: أن الله أمرنا بالتأسي به، فكل أَمْر مُوَجَّه للرسول ﷺ لا يدل الدليل على تخصيصه به فهو لنا أيضًا، نحن مأمورون باتباعه، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١].
ثانيًا: أنه من المعروف في الخطاب أن الخطاب الموجَّه إلى المتبوع خطاب له ولتابعه، ولهذا يقول –مثلًا- يقول القائد لضابط في الجيش: اذهب إلى المكان الفلاني، هل هو يريد: اذهب أنت بنفسك، ولَّا أنت بِمَن تَبِعك ؟ أنت بمن تبعك.
فالخطاب في اللغة العربية إذا وُجِّه للمتبوع فهو له وللتابع، فصار وجه كَوْن الأمة تبعًا للرسول ﷺ في هذه الأوامر، وما تضمنته من النهي، وجه ذلك، أو له طريقان:
الطريق الأول: أننا أُمِرْنَا باتباع الرسول ﷺ.
والطريق الثاني: أن الخطاب الموجَّه للمتبوع له ولتابعه.
ثم قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب ٤]، ﴿ما﴾ نافية، ولفظ الجلالة فاعل، و﴿مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ مفعول ﴿جَعَلَ﴾، الأول ولَّا الثاني ؟ الأول مؤخَّر، ومفعولها الثاني قوله: ﴿لِرَجُلٍ﴾، و﴿مِنْ﴾ هنا نقول: إنها زائدة من حيث الإعراب، فنعرب ﴿قَلْبَيْنِ﴾ على أنها مفعول به منصوب، وعلامة نصبه -هذه المشكلة- الفتحة ما يمكن، ياء مقدَّرة على هذه الياء التي جُلِبَت لماذا؟ جُلِبَت للحرف؛ لأن عَمَل الأداة الظاهرة أقوى من عمل الأداة الباطنة، يعني –مثلًا- ﴿جَعَلَ﴾ تنصب ﴿قَلْبَيْنِ﴾، لكن تعرَّض لها -أو عَارَضها بالأصح- عارضها عامل أقوى مباشر وهو حرف الجر، فيقولون: إن الياء هذه ليست ياء النصب، لكنها ياء حرف الجر الزائد.
وعلى هذا فنقول: علامة نصبه ياء مقدَّرة في مكان الياء الموجودة التي اجتُلِبَت من أجل حرف الجر الزائد.
قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ﴾، هذا الجعل كوني أو شرعي؟ هذا الجعل كوني؛ لأن الْجَعْل الذي يضاف إلى الله ينقسم إلى قسمين: جَعْل شرعي، بمعنى: ما شرع، وجَعْل كوني، بمعنى: ما خَلَق.
مثال الجعل الشرعي: قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة ١٠٣]، هذا جعل شرعي، ويش الدليل؟ الدليل أنه كونًا واقع مجعول، لكنه شرعًا لم يُجْعَل، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾.
وأما الْجَعْل الكوني فهو كثير، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء ٦]، ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ١٠ ١١].
وفي هذه الآية الكريمة: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ من أيهما؟ من الكوني، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ﴾، وأكَّد الله هذا النفي بحرف الجر الزائد؛ لأن الحروف الزوائد من أدوات التوكيد.
إذن محال أن يكون في الإنسان قلبان، في الإنسان الواحد قلبان محال، ولكن هل هذه الجملة مرادة لذاتها أو مرادة لغيرها؟
يرى المؤلف وجماعة من علماء التفسير أنها مرادة لذاتها، وأنها نفي لأمر قد ادُّعِيَ، ولهذا قال ردًّا على مَن قال من الكفار: إن له قلبين يعقل بكل منهما أفضل من عقل محمد ﷺ، هذا ما ذهب إليه جماعة من أهل العلم، يعني أن هذا نفيٌ لأمر ادُّعِيَ، وهو رجل من الكفار، يقول: إن له قلبين، وإذا كان له قلبان كان له عقلان، وإذا كان له عقلان كان أفضل من النبي ﷺ؛ لأنه ما له إلا قلب واحد.
وذهب بعض المفسرين، وعلى رأسهم الزهري رحمه الله، إلى أن هذه الجملة ليست مقصودة لذاتها؛ لأنها أمر معلوم؛ لأنه ليس لإنسان قلبان، لكنها توطئة وتمهيد لما يأتي بعدها؛ لأنه ذُكِرَ في الآية الكريمة ثلاثة أشياء: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، فكما أنكم تُقِرُّون بأنه لا قلبين لرجل في جوفه، فكذلك ليست الزوجة أمًّا؛ لأن الله لم يجعل للإنسان أُمَّين، كما أنه ليس له قلبان، وكذلك ليس هناك ابن غير حقيقي، يعني ليس للإنسان ابن خُلِق من مائه وابن نُسِب إليه ولم يُخْلَق من مائه، بل إن ابنك مَن خُلِقَ من مائك، واضح؟
وهذا ما اختاره ابن كثير رحمه الله، على أن هذه الجملة توطئة؛ لأن انتفاء القلبين في الجوف الواحد أمر معلوم، والقصة التي ذَكَرُوها يُنْظَر في صحتها، وحتى لو صحَّت فإن هذا الذي يقول: إن له قلبين، ادعاؤه أن له قلبين يدل على أنه لا قلب له؛ لأن هذا أمر مستحيل.
يقول الله عز وجل: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، فهل قوله: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ قَيْد، يُعْتَبر قيدًا شرطيًّا له مفهوم، فيقال لك: إن له قلبين خارج جوفه؟ لا، ولكنها لبيان الواقع؛ لأن من المعلوم أن القلوب في الأجواف، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام ٣٨]؛ لأن قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ كقول الإنسان: ولا ماشٍ يمشي برجلين، لبيان الواقع.
وإن كان بعض المتأخرين في قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ قال: إنها قَيْد شرطي لتُخْرِج الطائر المعروف؛ لأنها تطير بغير جناحين، وقد يقال: إن هذا ليس بصحيح، حتى الطائرة الآن تطير بجناحيها، أين النفاثات التي تطير بها؟ في الجناحين، والمراوح اللي كانت في الأول هي نفس الجناحين، لكن لا شك أن الطائرة ما هي من الأمم التي هي أمثالنا، بل هي من صنعنا.
إذن قوله تعالى: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ لبيان الواقع، ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي﴾، يقول: (بهمز وياء وبلا ياء)، بهمز وياء (اللائي)، وبلا ياء يعني بهمز بلا ياء، فتكون (اللاءِ) و(اللاءِ) كما نعرف جميعًا جَمْع لأيش؟ جمع (التي)، ولَّا لا؟ فهي مثل (الذين) في الذكور، جمع؟ نعم.
(اللائي) يقول: عندي (﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ بلا ألف قبل الهاء، وبها والتاء الثانية في الأصل مُدْغَمَة في الظاء) ﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ هذه قراءة، والثانية يقول: بلا ألف قبل الهاء، (وبها) يعني: بألف قبل الهاء، أيش تكون: ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ، هذه قراءتان، وإلى الآن ما جاء المؤلف بالقراءة المشهورة عندنا وهي ﴿تُظَاهِرُونَ﴾، فيكون في الآية ثلاث قراءات: ﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ والثالثة ﴿تُظَاهِرُونَ﴾ و﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ﴿وتَظَّهَّرُونَ﴾ يقول: إن التاء مُدْغَمَة في الظاء، وأصلها: تَتَظَاهَرُون أو: تَتَظَهَّرُون، لكن صارت ﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ ، أُدْغِمَت التاء في الظاء.
ما معنى ﴿تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ﴾، أي: تقولون: إنهنّ عليكم كظهور أمهاتكم، وهذه صيغة طلاق في الجاهلية، إذا أراد الإنسان أن يطلق امرأته طلاقًا بائنًا قال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فتطلق طلاقًا بائنًا؛ لأن ظهر أمه لا يحل له بحال من الأحوال، وخَصَّ الظهر؛ لأنه محل الركوب، والإنسان يركب زوجته أو تركبه؟ إي نعم يركبها؛ لأنها فراش، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام.
إذن ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ، أيش معنى ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ؟ أي: تقولون لهن: أنتن علينا كظهر أُمِّنَا، وهذه الجملة يعتبرها أهل الجاهلية طلاقًا بائنًا، أما في الإسلام فليست بطلاق، ما هي في الإسلام؟ ظِهَار، يعني أنها مُوجِبَة لتحريم المرأة حتى يفعل الإنسان ما أمره الله به، كما في سورة المجادلة.
﴿تَظَّاهَرُونَ مِنْهُنَّ﴾ بقول الواحد –مثلًا- لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ويمكن أن يقول غير هذه العبارة؟ يمكن أن يقول: أنتِ عليَّ كظهر أختي، ويمكن أن يقول: أنتِ عليَّ كبطن أمي، فالعبرة بالمعنى لا بالصيغة، وقد مر علينا في كتاب الظِّهَار أن يُشَبِّه الرجلُ زوجتَه بمن تَحْرُم عليه تحريمًا مؤبَّدًا بنسب أو سبب مباح، المهم تحريمًا مؤبدًا، هذا هو الظهار عند أهل العلم، وسبق الخلاف فيما لو حرَّمها أو لو ظاهَر منها وشبَّهَها بمن تحرُم عليه تحريمًا إلى أَمَد.
* الطالب: (...).
* الشيخ: القراءة السبعية تارة يحيل لها على هذا وهذا بدون ما يقولون: وفي قراءة، وتارة يقولون: وفي قراءة، يقول: (بقول الرجل –مثلًا- لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي).
﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ ويش اللي نصبها؟ ﴿جَعَلَ﴾، أين المفعول الأول ؟ ﴿أَزْوَاجَكُمُ﴾، و﴿اللَّائِي﴾ صفتها، و﴿تُظَاهِرُونَ﴾ صلة للموصول، و﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ المفعول الثاني، و﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أي: كالأمهات في تحريمها بذلك المُعَدّ في الجاهلية طلاقًا، وإنما تجب به الكفارة بشرطه كما ذُكِرَ في سورة المجادلة.
في الإسلام ليس بطلاق، ولكنه تحريم تجب به الكفارة بشرطه، وهو العَوْد؛ لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة ٣]. (...)
﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، ما أخذنا من الفوائد، أو لا؟
* طالب: ما كملنا الآية.
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾.
* الشيخ: ما كمَّلنا، نكمل.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، نحن ما كملنا المناقشة، ما هي المظاهَرة في القراءة التي فيها الزيادة؛ لأن فيها زيادة حرف، والحرف فيه عشر حسنات، عرفتم؟ فعلى هذا القول أيّ القراءات الثلاثة تختارون؟
* طالب: ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ .
* الشيخ: ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ؛ لأن هذه أكثرها حروفًا، ومن العلماء من يقول: الأفضل أن تقرأ بكل قراءة، أن تأخذ بكل قراءة، تقرأ بهذه مرة وبهذه مرة، أيهما أرجح؟ الصحيح الأخير أنك تقرأ بهذه مرة وبهذه مرة إذا كنت تعرف؛ لأن كل قراءة فقد صحَّت عن النبي ﷺ فينبغي أن تقرأ بها لفائدتين، ما ذكرنا إلا واحدة، لفائدتين:
الفائدة الأولى: العمل بكل السُنَّتَيْن.
الفائدة الثانية: حِفْظ هذه القراءات، ولذلك نحن الآن لما كنا نعتمد على القراءة التي عندنا ما نعرف القراءات الأخرى، فإذا قيل للإنسان: ينبغي لك أن تقرأ بكل قراءة صحّت، فإن هذا يكون فيه حفظ للقراءات، ولهذا ينبغي للصغار منا، ولَّا عاد الكبار صعب عليهم الحفظ، لكن الصغار ينبغي لهم أن يحرصوا على القراءات، وأن يتعلموها من أجل أن يعملوا بالسنة هذه ما تبقى مهجورة، إي نعم.
قوله: ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ إعرابها؟ (...)
﴿أَبْنَاءَكُمْ﴾ قال المؤلف: (جمع دعِيٍّ، وهو مَن يُدْعَى لغير أبيه ابنًا له)، أدعياء جمع دَعِيّ، كأغنياء جمع غني، وأَكْفِيَاء جمع كَفِيّ، ولها أمثلة، و(دَعِيّ) فعيل بمعنى مفعول، وأصلها دَعِيُو، بالواو، لكن قُلِبَت الواو ياءً لعلة تصريفية.
إذن (دَعِيّ) بمعنى مدعو، والدعاء في الأصل طلب الإقبال، والمراد بادِّعاء هنا النسبة، بأن يُنْسَب إلى غير أبيه، فيقال: هذا ابن فلان، وليس ابنًا له حقيقةً، هؤلاء الأدعياء ما جعلهم الله تعالى أبناءً، شرعًا أو قدرًا؟ لا شرعًا ولا قدرًا، أما لا قدرًا فواضح؛ أنه ما هو بأبناء قدرًا، وأما شرعًا فهنا نفى الله عنهم، نفاه، قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، فإذا كان الأدعياء ليسوا أبناءً لا قدرًا ولا شرعًا فإنه لا يَرِد الذهنُ أو لا يتوجَّه الذهن إليهم شرعًا.
هذه الكلمة التي أقولها يتبين بها ضعف قول مَن يقول (...) في قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] يقول: إن قوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ إنها قَيْد يُحْتَرَز به عن ابن التبني؛ لأننا نقول: ابن التبني لا يدخل في الابن أصلًا، فلا يذهب إليه الوهم حتى نقول: إنه يحتاج إلى قيد يُحْتَرَز به عنه، وسبق أن بحثنا هذه المسألة في باب المحرَّمات في النكاح.
المهم أن الأدعياء ما جعلهم الله أبناء، لا شرعًا ولا قدرًا، وكانوا في الجاهلية يَدْعُون الإنسان لغير أبيه، يكون هذا الرجل شريفًا وذا نسب، وهذا الدَّعِيّ وضيعًا نسبُه عند الناس ليس بذاك الشيء، أو ليس له نسب معلوم، فيُدْعَى إلى هذا الأب من أجل رفعته، فأبطل الله ذلك؛ لأن دعوة الإنسان إلى غير أبيه يترتب عليها أمور، كل ما يترتب على النسب من تحريم وتحليل وإرث ونفقات وغيرها كلها ربما تنتقل إلى هذا الدَّعِيّ بسبب أنه دُعِيَ إلى هذا الرجل، فلذلك منع الله تعالى ذلك شرعًا؛ لأن تسمية الشيء باسمٍ بعيد عن حقيقته هذا يوجِب أن تنقلب الأوضاع، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ، يَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَهِيَ تُعْتِم بِإِبِلِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ فِي كِتَابِ اللهِ الْعِشَاءُ»[[أخرجه مسلم (٢٢٨ /٦٤٤) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ]].
فكل الأشياء التي ربما إذا سُمِّيَت باسم آخر ربما تختلف أحكامها فإن الشرع نهانا.
﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ حقيقةً، حقيقة تفسير لأبناء، يعني: ما جعلهم أبناء على وجه الحقيقة.
﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾، أي: اليهود والمنافقين، ﴿ذَلِكُمْ﴾ المؤلف يريد أن يكون الخطاب هنا لليهود والمنافقين، والصواب أنه عائد لكل مَن دعا شخصًا لغير أبيه من الأدعياء سواء كان من المنافقين أو من اليهود أو من المشركين، أو من المسلمين، فإن هذا قول يقوله الإنسان بفيه، وليس حقيقةً، هو نفسه يعلم أن هذا الدَّعِيَّ ليس ابنًا لهذا المدعو إليه، فكيف يقول ما يعتقد أن الأمر بخلافه؟
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أتى بضمير الجمع في الخطاب؛ لأن المخاطَبِين جماعة، وقد مَرَّ علينا في اسم الإشارة أن اسم الإشارة يراعَى به المشار إليه، والكاف يراعى بها المخاطب، هنا المشار إليه مفرد مُذَكَّر، وهو دعوة الرجل إلى غير أبيه، والمخاطَبُون جماعة ذكور.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذه نبغي نتكلم عليها في الفوائد إن شاء الله.
﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ يعني: تقولونه بألسنتكم وأنتم تعرفون الحقيقة أنها ليست كذلك.
قال المؤلف رحمه الله: أي اليهود والمنافقين، ليش جعلها بالياء؟ لأنها تفسير لقوله: ﴿قَوْلُكُمْ﴾ بالكاف وهي مجرورة، قالوا: لَمَّا تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش التي كانت امرأة زيد بن حارثة الذي تَبَنَّاه النبي ﷺ قالوا: تزوَّج محمد امرأة ابنه، فأَكْذَبَهُم الله تعالى في ذلك.
* طالب: (...).
* الشيخ: قالوا: تزوج -أي اليهود والمنافقين- كلام المؤلف بعيد من ظاهر الآية؛ إذ إن كلام المؤلف يقول: إنهم بعد أن تزوَّج النبي عليه الصلاة والسلام زينب بنت جحش، وكانت في الأول عند زيد بن حارثة قالوا هذا القول، والآية ما فيها إشارة للقصة إطلاقًا، إنما الآية يتحدث الله فيها عن أيش؟ عن ابن التبني، ما تحدَّث الله تعالى ولا أشار إلى تزوُّج الرجل بزوجة ابنه الذي تَبَنَّاه، لكن هذه ستأتينا إن شاء الله في الآية، فالصواب أن الآية إنما هي في نسبة الإنسان إلى غير أبيه تبنيًا.
(﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ في ذلك، ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾: سبيل الحق).
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، المؤلف قيده فقال: (في ذلك)، والصواب عدم القيد، حتى وإن كان السبب هو هذا؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ما هو الحق الذي يقوله الله عز وجل فيما يقوله؟ فسَّره الله تعالى في القرآن نفسه، فقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، هذا هو الحق الذي يقوله الله عز وجل، صدق في الأخبار، وعدل في الأحكام، فكل ما قاله الله عز وجل فهو دائر بين أمرين؛ إما خبر، وإما حكم، الخبر أَحَقِّيَّتُه الصدق، والحكم أحقيته العدل، خير ما يُفَسَّر به القرآن القرآن، ولهذا إذا قال قائل: ما هو الحق في قول الله ؟ نقول: الحق في قول الله هو ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾.
وقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، لم يقل: ويهدي السبيل؛ لأن الجملة الثانية تتعدى للغير، فهناك هادٍ ومَهْدِيّ ومَهْدِيٌّ فيه ولَّا إليه ؟ إليه وفيه أيضًا، هناك هادٍ وهو الله، ومَهْدِيّ وهو الإنسان –مثلًا-، ومَهْدِيٌّ إليه وفيه أيضًا، وهو الدين، السبيل الْمُوصِل إلى الله عز وجل، مَهْدِيٌّ إليه هذه هداية الدلالة، ومَهْدِيٌّ فيه هذه هداية التوفيق؛ لأنك تقول: دَلَلْتُه إلى كذا، وهديته في كذا، بمعنى: جعلته عاملًا فيه، وهذا هو الحكمة في أن الله عز وجل قال في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦]، ولم يقل: إلى الصراط، ليش؟ لأجل يعم الهداية إليه بالدلالة إليه وبيانه، والثاني: هداية فيه بالعمل به، وهذا هو مقصود كل داعٍ يدعو الله عز وجل بالهداية أن الله يهديه إلى الشيء فيعرفه ويعلمه، ويهديه فيه فلا يضل عنه، واضح؟
﴿يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيّ سبيل يراد بهذه الآية؟ ﴿السَّبِيلَ﴾ (أل) هذه للعهد الذهني، والمراد سبيل الله عز وجل، ويش الدليل لمراد سيبل الله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣].
إذن السبيل التي يهدي الله إليها هي سبيل الله عز وجل، وهي طريق الحق، ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، ومن جملة ذلك أنه سبحانه وتعالى لم يجعل الزوجات التي يظاهرون منهن أزواجُهن لم يجعلهن أمهات، ولم يجعل الأدعياء أبناء، فقال الحق في ذلك، وهدانا السبيل في ذلك، فالزوجة زوجة، والابن الدَّعِيّ ليس ابنًا، والله يقول: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب ٥]، قال المؤلف في التفسير: (لكن ادعوهم لآبائهم )، لماذا أتى بالاستدراك: (لكن ادعوهم لآبائهم)، في ظني أنه لا حاجة للاستدراك، وأن الجملة استئنافية، لَمَّا أبطل الله سبحانه وتعالى أن يكون هؤلاء الأدعياء أبناءً أَمَرَ بأن ندعوهم لآبائهم، وكأن المؤلف رحمه الله لما كانت الآية الثانية: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ لَمَّا كانت غير مقابلة لما نَفَاه الله في الأول، يعنى: ما جعل أدعياءكم أبناءكم، لكن جعلهم أبناء آبائهم، فادعوهم لآبائهم، رأى رحمه الله أن هذا هو وجه الاستدراك، ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، لكن جعلهم أبناءً لآبائهم فادعوهم لآبائهم.
نقول: هذا لا حاجة إليه، فالجملة استئنافية ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، أي: انسبوهم لآبائهم، فقولوا: يا ابن فلان، وكلمة (آبائهم) جمع أبٍ، هل المراد بالجمع هنا باعتبار الْمَدْعُوِّين، يعني لأن الناس كثيرون، أو أن المراد آباؤهم بالنسبة لكل شخص، بمعنى أن الإنسان يُنْسَب إلى أبيه وجده وأبي جده، وهكذا، أو شامل للأمرين؟
هو شامل للأمرين، فالإنسان يُدْعَى إلى أبيه يقال: فلان ابن فلان ابن فلان، الرسول عليه الصلاة والسلام محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، بل إنه عليه الصلاة والسلام قال: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣١٥)، ومسلم (١٧٧٦ / ٧٨) عن البراء بن عازب رضي الله عنه. ]]، ومحمد عندنا الألفية: قال محمد، وهو ويش اسمه؟ محمد بن عبد الله، أبوه عبد الله، فهو فيما يظهر أنه شامل، يعني أنه جُمِعَ باعتبار أفراد الناس، وجُمِعَ باعتبار الآباء؛ لأن الآباء أبٌ أدنى وأب فوق.
قال: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾، ﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على المصدر المفهوم من قوله: ﴿ادْعُوهُمْ﴾، أي: ﴿هُوَ﴾ أي: دعاؤهم، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨]، ﴿هُوَ﴾ أي: العدل المفهوم من الفعل، فهنا ﴿هُوَ﴾ أي: دعاؤهم لآبائهم، ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: أعدل.
فسَّرها بعضهم باسم الفاعل، اسم الفاعل هو قاسط عند الله، يعني: هو العدل عند الله عز وجل، وإنما لجأ إلى ذلك؛ لأن المعروف أن اسم التفضيل يشترك في أصل معناه المفضَّل والمفضَّل عليه، فإذا قلت: فلان أشجع من فلان، فكلاهما شجاع، لكن هذا أشجع، فهنا إذا جعلنا اسم التفضيل على بابه وقلنا: دعاؤهم لآبائهم أقسط عند الله من دعائهم لمن تبنَّاهم، صار في دعائهم لمن تبنَّاهم عدل، مع أنه لا عدل فيه.
ولذلك قال بعض المفسرين: إن أفعل التفضيل هنا بمعنى اسم الفاعل، حتى لا يكون في الطرف الثاني منه شيء.
وقال بعض المفسرين: هو على بابه، واللغة العربية تأتي باسم التفضيل دائمًا فيما ليس في الطرف الآخر منه شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾، مع أن أصحاب النار لا خير في مستقرهم، وعلى هذا فنقول: إبقاء الآية على ظاهرها يكون أَوْلَى، فإذا قيل ذلك فإنه يَرِدُ علينا سؤال: لماذا عَبَّرَ بأفعل التفضيل في طرف ليس في الطرف الآخر منه شيء؟
قلنا: لبيان أن هذا غاية ما يكون من العدل، انتبه، فتكون فائدتها أن دعاءهم لآبائهم أعدل شيء، وهو غاية ما يكون من العدل، فاسم التفضيل هنا باعتبار المعنى، أي أن هذا أعدل شيءٍ.
وكلمة ﴿أَقْسَطُ﴾ اسم تفضيل من الثلاثي ولَّا من الرباعي؟ من الثلاثي؛ لأن اسم التفضيل ما يُصَاغ إلا من الاسم الثلاثي:
وَصُغْهُمَا مِنْ ذِي ثَلَاثٍ صُرِّفَا ∗∗∗ ...................
ثم إن الرباعي من هذه المادة ليس بمعنى العدل، بل بمعنى الجور، كذا؟ الرباعي بمعنى الجور؟ انتبه، إذن بالعكس؛ القاسط هو الجائر، والمقسط هو العادل، أو لا؟
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات ٩].
إذن يَرِدُ علينا إشكال في مسألة ﴿أَقْسَطُ﴾ هنا، ﴿هُوَ أَقْسَطُ﴾، فنقول في الجواب عنه: إن في هذا دليلًا على صحة مذهب الكوفيين الذين يقولون بجواز صيغة اسم التفضيل من غير الثلاثي، يقولون: ﴿أَقْسَطُ﴾ من باب الإقساط، يعنى أن ذلك أعدل.
وقوله: ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ يعني: في حكمه؛ لأن الحكم حكم الله عز وجل يضاف إليه، وهذا نظير قوله تعالى في الذين يرمون المحصنات، يقول: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور ١٣]، شوف تأمل قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾، إحنا انتقلنا الآن عن الآية، إذا قذف رجل امرأة بالزنا فهو باعتبار الواقع قد يكون حقًّا، وقد يكون كذبًا، أو لا؟ يعني: قد يكون حقًّا إنها زنت، وقد يكون كذبًا، لكنها في حكم الله؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، في حكم الله كذب، ولهذا قال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ما قال: فأولئك هم الكاذبون؛ لأنه قد يكون حقيقة باعتبار الواقع، لكن في شرع الله كاذبون، ﴿فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، ولهذا يجب عليهم حد القذف إذا لم يأتوا بأربعة شهداء.
﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب ٥]، إن لم تعلموا آباء مَن؟ أباء هؤلاء الأدعياء، ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾، يعني: وليسوا أبناءهم، يعني حتى في الحال التي لا يُعْرَف لهذا الرجل أبٌ فإنه لا يجوز أن يُنْسَب إلى غير أبيه، ولكن يكون أخًا لنا في الدين، ومولًى لنا إذا كان قد دخل في ملكنا ثم حررناه مثلًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في قصة اختصام علي وجعفر وزيد بن حارثة، قال لزيد: «أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا»[[أخرجه البخاري (٢٦٩٩) عن البراء بن عازب رضي الله عنه. ]]، فهو أخي في الدين وليس ابنًا لي، وهو أيضًا مولاي إذا كنت قد أعتقته، ولو لم أعرف أباه فإنه لا يُنْسَب إلَيَّ.
ولهذا تجدون العلماء رحمهم الله الذين يكتبون أسماء الرجال عندما ينسبون أحدًا من الموالي إلى مَن أعتقه يقول: القرشي مولاهم –مثلًا-، التميمي مولاهم، لأنه لو يقال: القرشي فقط أيش يظن الظان؟ أنه قرشي حقيقة، فإذا قال: مولاهم، يعني أنه نُسِبَ إليهم؛ لكونه مولًى لهم، ومولى القوم منهم، حتى إن العلماء قالوا في الصدقة قالوا: إنها تَحْرُم على موالي بني هاشم؛ لأن مولى القوم منهم، لكنه لا يُنْسَبُون إليهم نسبًا حقيقيًّا، بل لا بد من أن يقيد.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: بنو عمكم (...).
* الشيخ: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما له وجه.
* الطالب: (...) أن أبا زيد بن حارثة قَدِم للنبي من (...) فقال (...) فخيَّره النبي ﷺ (...)؟
* الشيخ: إي هذا لَمَّا قَدِم أبوه وعمه؟
* الطالب: فعُرِف أبوه وطلبه أبوه.
* الشيخ: سبب تَبَنِّيه، هذا كان في أول الإسلام ثم أُبْطِل، منسوخة. (...) ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ لكن بس (...).
وهي وجوب تقديم الوحي على الرأي؛ لقوله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ [الأحزاب ٢]، فإن هذا الخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ وإلى أُمَّته بالأَوْلَى، فيفيد وجوب تقديم الوحي على الرأي.
وتقديم الرأي على الوحي له أقسام، منها ما يصل إلى الكفر، ومنها ما هو دون ذلك، فالذين يُقَدِّمُون الرأي على الوحي مع علمهم بالوحي معتقدين أن غير الوحي مساوٍ له، أو أكمل منه، أو أنه يجوز الحكم بالرأي المخالف للوحي مع العلم به، هؤلاء يعتبرون كفارًا.
في هذه الأحوال الثلاث إذا اعتقدوا أن الرأي أكمل وأنفع من الوحي، أو أنه مساوٍ له، أو أنه يجوز تقديمه على الوحي مع العلم به، فهؤلاء كفار؛ لأنهم حَكَمُوا بغير ما أنزل الله، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤].
وأما مَن قَدَّمُوه بتأويلٍ ظنًّا منهم أن ذلك لا يخالف الوحي، أو أنه طريق يُوصِلُهم إلى الوحي، فهؤلاء لا يصلون إلى درجة الكفر، وذلك مثل كثير من المتعصبين للمذاهب، فإنهم لا يرون أن هذه المذاهب خارجة عن الوحي، وإنما يرون أن ذلك طريق إلى العمل بالوحي، فيقولون: هذا إمامنا أعلم منا وأفهم، فنتبعه ونتهم رأينا بالنسبة إلى رأيه، وإلا فنحن متمسكون بشريعة الله، ومُحَكِّمُون لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
هؤلاء نقول: إنه إذا تَبَيَّن لهم الحق وجب عليهم اتباعه، ولو خالف متبوعهم من الأئمة، وذلك لأن الحق لا يخطئ، والأئمة يخطؤون، ولا يمكن أن يَدَّعِي العصمة لأحد من البشر إلا رسولَ الله ﷺ، لا يمكن أن يدَّعِي العصمة إلا رجل ضالّ، الذي يدَّعي العصمة لغير الرسل رجل ضالّ، كما يفعل الرافضة بأئمتهم، وهذا ضلال بَيِّن؛ لأن أئمتهم قد يخطؤون كما يخطئ غيرهم.
وقد مر علينا ما وقع لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو إمام الأئمة بالنسبة لأولئك القوم أنه أخطأ حين أعطاه النبي عليه الصلاة والسلام حُلَّة من حرير فلبسها، فقال:« «إِنَّنِي مَا أَعْطَيْتُكَهَا لِتَلْبَسَهَا، وَإِنَّمَا تُعْطِيَهَا الْفَوَاطِمَ»[[أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٦٩) بلفظ: «إني لم أكسكها لتلبسها، إنما كسوتكها لتجعلها خمرًا بين الفواطم». ]]، وكذلك ما هو مشهور عنه من أن المرأة إذا كانت حاملًا وتُوُفِّي عنها زوجها فإنها تَعْتَدّ بأطول الأجلين، وهذا مخالف للسنة الصحيحة الصريحة.
والحاصل أننا نقول: إن في الآية الكريمة: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأحزاب ٢] وجوب تقديم الوحي على الرأي، وأنه يجب الحكم بما جاء به الشرع مطلقًا، سواء خالف رأي متبوعيك أم لم يخالف.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب ٣]، هذا مبتدأ الفوائد؟
في هذا دليل على وجوب التوكل على الله، وقد ذكرنا في كتاب التوحيد أن التوكل ينقسم إلى أقسام:
أحدها: توكل العبادة، وهو شعور الإنسان بافتقاره إلى المتوكَّل عليه وذُلِّه بين يديه، وهذا لا يجوز صرفه لغير الله، وصرفه لغير الله شرك؛ لأنه إشراك بالله فيما لا يستحقه إلا الله، وهو شرك أكبر ولَّا أصغر؟ شرك أكبر.
والثاني: الاعتماد على الغير الذي جعلته نائبًا عن نفسك، فهذا جائز، وقد وقع حتى من الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه وَكَّلَ عروة بن الجعد على أن يشتري له أضحية، وكان له وكيل في خيبر، وكذلك وَكَّلَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ذبح ما بقي من الهدي، وهو جائز ولا إشكال فيه، ووَكَّل علي بن أبي طالب حين ذهب إلى تبوك أن يكون خليفة له في أهله، وموسى عليه الصلاة والسلام وَكَّل هارون حين ذهب إلى الطور، وقال: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف ١٤٢].
إذن هذا جائز ولا إشكال فيه؛ لوقوعه من الأنبياء، ولأنه عقد من العقود، والأصل في العقود الحِلّ إلا ما قام الدليل على منعه.
والثالث: أن يعتمد على مَن لا يصح الاعتماد عليه، على قوة سرية نعلم أنه لا أثر لها في هذا الاعتماد، وهذا شرك قد يكون أكبر وقد يكون أصغر، مثل اعتماد أولئك الذين يتوسَّلون بالأموات، ويعتقدون أن في الاعتماد عليهم خيرًا، هؤلاء قد يصل بهم الأمر إلى الشرك الأكبر، وإلا فمجرد اعتمادهم عليهم شرك ولا يحل.
الرابع: أن يعتمد على قوة ظاهرة مؤثِّرة، لكنه يعتمد عليها لا باعتبار أنها نائبة عنه، بل باعتبار أنها مُجْدِيَة له، وأنها مصدر سعادته وفلاحه ورزقه، وما أشبه ذلك، فهذا مكروه، وقد يصل إلى درجة التحريم، كاعتماد الإنسان على الراتب وعلى المعاش من الوزارة التي يعمل فيها والإدارة والرئاسة، وما أشبه ذلك، فإن هذا فيه نوع من الشعور بالافتقار إلى هذا الشيء والتذلُّل له.
ولذلك تجد الذين ابتُلُوا بهذا النوع تجدهم يحابون من كانوا يعتمدون عليه، يحابون كبراءهم من الوزراء وغير ذلك، يحابونهم في أمر لا يجوز، أما مجاملتهم فيما هو جائز فهذا أمر لا بأس به، لكن محاباتهم في المحرَّم هذا لا يجوز، لكن هذا قد يقع؛ لأنهم يشعرون بأنهم مفتقرون إلى هؤلاء، فهذا أقل أحواله الكراهة، والإنسان ينبغي له أن يكون عزيز النفس، لا يعتمد إلا على ربه سبحانه وتعالى.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن كفاية الله عز وجل فوق كل كفاية؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب ٣] ، زعم بعض أهل العلم أن مثل هذا التركيب يفيد التعجب، يعني: ما أعظم من كفاية الله! وتوكَّل على الله فما أعظم كفاية الله سبحانه وتعالى! وهذا ليس ببعيد؛ أنّ كَوْن هذه الصيغة تُحَوَّل من: وكفى الله وكيلًا إلى: ﴿وكفى بالله وكيلًا﴾ لا يبعد أن يكون المراد بذلك بيان المبالغة في كفايته سبحانه وتعالى، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣].
ثم قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤].
يستفاد من هذا السياق أن القرآن قد بلغ الغاية القصوى في الإقناع وإقامة البرهان.
وجه ذلك أنه قَدَّمَ الدليل على المدلول بصورة لا يَمْتَرِي فيها أحد، ما هي؟ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، فإن هذا أمر معلوم ولا يتنازع فيه اثنان؛ أنه ليس للإنسان إلا قلب واحد، ما فيه قلبان، لماذا؟ لأن هذين القلبين إن اتفقا على أمر واحد صار القلب الثاني لا فائدة منه، أو لا؟ وان اختلفَا تناقضَا في عين واحدة، فماذا يصنع الإنسان، هل يتبع القلب الأيمن ولَّا يتبع القلب الأيسر؟ يبقى محتارًا، لذلك ما جعل الله لرجل من قلبين، ما فيه إلا قلب واحد فقط؛ لأنه في جسم واحد.
وتأمل قوله: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ يستفاد منها فائدة غير أنها بيان للواقع، يستفاد أن الجوف الواحد لا يتناسب معه إلا قلب واحد، وإلا لكان القلبان في جوفين لا في جوف واحد، فصار فيها فائدة غير ما سبق، وهي أنها بيان للواقع، بأن الجوف الواحد لا يمكن أن يديره إلا قلب واحد.
في الآية الكريمة سياق الشيء بالبرهان، أو إثبات الشيء بالبرهان الذي يكون قاطعًا لا يَمْتَرِي فيه أحد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المرأة المظاهَر منها ليست أمًّا؛ لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾.
* يتفرع على هذه الآية: أن جَعْلَها أُمًّا في الظهار كذب وزور ومنكر، ولهذا قال الله تعالى في آية الظهار: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة ٢]، فهو منكر لمخالفة الشرع، وزُور لمخالفة الواقع والحقيقة.
* يستفاد من الآية الكريمة: الإشارة أو التنبيه على تحريم الظهار؛ لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ﴾ ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾، فإذا كان الله ما جعل ذلك فإنه لا يحل لنا أن نجعل شيئًا لم يجعله الله؛ لأن الأمر إلى الله وحده.
* ويستفاد من الآية ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾: أن الأبناء الأدعياء ليسوا بأبناء حقيقةً ولا شرعًا، فهم ليسوا أبناء قدرًا، وليسوا أبناء شرعًا، ولهذا قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾.
* ويستفاد منها: أنه إذا لم يكن الابن الدَّعِيّ ابنًا لا شرعًا ولا حقيقة فإنه لا يحتاج إلى قَيْد يُخْرِجُه من معنى البنوة، لماذا لا يحتاج؟ لأنه غير داخل فيها أصلًا حتى نحتاج إلى قيد نخرجه به.
* ويتفرع على هذه الفائدة: بيان ضعف قول مَن يقول: إن الاحتراز في قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] إن الاحتراز في قوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ عن ابن التبني؛ لأننا نقول: إنه أصلًا لم يدخل حتى يحتاج إلى قيد يُخْرِجُه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يقول قولًا لا يعتقده، ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب ٤].
* ويستفاد منها: أنه ليس من الرجولة، وليس من العقل أن يقول الإنسان قولًا بِفِيه وهو لا يعتقده بقلبه؛ لأن المراد من قوله تعالى: ﴿قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ المراد به التنديد بهم والتوبيخ لهم، كيف تقولون شيئًا بأفواهكم وأنتم تعترفون بقلوبكم أنه ليس موافقًا للواقع؟ ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن قول الله عز وجل كله حق ليس فيه باطل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ [الأحزاب ٤]، والحق سبق أنه في كلام الله هو الصدق والعدل؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، وهو باعتبار الخبر صدق وباعتبار الحكم عدل.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن كلام الله عز وجل ليس فيه تناقض؛ لقوله: ﴿يَقُولُ الْحَقَّ﴾، والتناقض ما يكون إلا في الباطل، فالحق لا يمكن أن يتناقض، واضح؟
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن ما وصف الله به نفسه في كتابه فهو على حقيقته، وليس فيه تحريف أو تأويل؛ لأنه لو كان على خلاف ظاهره لكان ظاهره يدل على أيش؟ على باطل، إذا قلنا: إنه على خلاف الظاهر لزم أن يكون دالًّا على باطل، إذا كان المراد بآيات الصفات خلاف ظاهرها صار ظاهرها يدل على حق ولَّا على باطل؟
إذا قلنا: إن المراد بآيات الصفات خلاف الظاهر، صار الظاهر باطلًا؛ لأنه خلاف المراد، وهذا ينافي قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، فهو سبحانه وتعالى لا يقول إلا الحق.
* ويستفاد من الآية: أنه مع ظهور أن الله يقول الحق فإن الناس لا يتفقون عليه؛ لقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب ٤]، يعني حتى مع أن الله لا يقول إلا الحق فليس كل أحد يهتدي لذلك، بل الهداية بيد الله عز وجل.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أنه يجب على المرء أن يلجأ إلى ربه سبحانه وتعالى في سؤاله الهداية؛ لقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، وتأمل تغيير الصيغة حيث قال: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، ثم قال: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، ولم يقل: ويهدي السبيل، لأجل أن تكون الجملة الثانية مستقلة بركنيها بمبتدئها وخبرها؛ لأن قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي﴾، ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَهْدِي﴾ خبره، فكانت الجملة مستقلة عن الأولى؛ لأن ذلك أبلغ في بيان أن الهداية بيد الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن طريق الحق واحد؛ لقوله: ﴿السَّبِيلَ﴾، وهو مفرد، وهكذا تجدون أن السبل تأتي جمعًا فيما يخالف الحق، كذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مثل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام ١٥٣]، فالصراط أَفْرَدَه، أما الصراط الآخر أو المخالف لصراط الله فهو جمع، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾، وإذا جاء طريق الحق مجموعًا فالمراد تنوُّع شرائعه، وكذلك الوَلِيّ، الكفار ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة ٢٥٧]؛ لأن سبل غير الحق متنوعة كل نوع منها عليه طاغوت يدعو إليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة التي بعدها: وجوب دعوة الإنسان إلى أبيه ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، يعني: انسبوهم لآبائهم لفظًا وحقيقةً، أما لفظًا فتقول: يا فلان بن فلان، انسبه إلى أبيه، وأما حقيقة أن تعتقد أن البنوة الحق إنما هي لِمَن؟ للأب الحقيقي الذي وُلِدَ الإنسان من صلبه، لا للأب الذي ادُّعِيَ أنه أب.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لا ينبغي أن يُدْعَى الإنسان لغير أبيه، وهذا نوعان:
أحدهما: أن يُدْعَى لغير أبيه لفظًا وحقيقة، فهذا لا يجوز، بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل ذلك من الكفر، إذا ادَّعَى الإنسان إلى غير أبيه وهو يعلمه فإن ذلك كفر، «فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٦٨)، ومسلم (٦٢ / ١١٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه: «لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر».]].
الثاني: أن يَدَّعِيَ إلى غير أبيه لفظًا، ولكن لا تثبت أحكام البنوة إطلاقًا إلى مَن ادعى إليه، فهذا نقول: إنه خلافُ ما أمر الله به.
ولكن أهل العلم يقولون: إن الإنسان إذا اشتهر به مع عدم الالتفات إلى أحكامه ومقتضياته فإنه جائز، وذكروا لذلك مثل المقداد بن الأسود، فإن المقداد بن الأسود ليس أبوه هو الأسود، ولكن الأسود كان قد تَبَنَّاه، واشتهر بهذه الكنية، واستمر عليه حتى أبطل الله التبني، ولكن بقي مشهورًا بذلك، قالوا: فهذا لا يضر؛ لأنه انتفت عنه أحكام التبني ولم يَبْقَ إلا اللفظ.
ومع هذا فإن الأفضل بلا شك هو أن يُدْعَى إلى أبيه، لكن المشكل أن الشيء إذا اشتهر فوصفته بغير ما اشتهر به حصل بذلك الالتباس، الآن لو قلنا: عن عبد الرحمن بن صخر، أن النبي ﷺ قال كذا وكذا، يمكن أن كثيرًا من الناس لا يدري من هو، لكن إذا قلت: عن أبي هريرة كلنا يعرفه.
وفي الآية الكريمة دليل على أن الأعمال تتفاضل عند الله؛ لقوله: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، يعني: أبلغ في العدل، ووجه ذلك أن هذا الرجل الدَّعِيّ كوننا ننسبه إلى غير أبيه هو باعتبار أبيه ظلم ولَّا لا؟ ظلم، كيف تنسبه إلى شخص ما أتى من صلبه وتَحْرِم مَن أتى من صلبه من دعوته إليه؟ هذا لا شك أنه جور، ولهذا قلنا في الدرس الماضي: إن اسم التفضيل هنا ليس في الطرف الآخر منه شيء؛ لأنه ليس فيه أي عدل في أن تنسب الإنسان إلى غير أبيه، وقلنا: إن فائدة التفضيل هنا بيان أن هذا الشيء قد بلغ الغاية في العدل؛ لأن هذا جِيءَ به باسم التفضيل، ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾، هل أخذنا الجملة التي بعدها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: له أب فإنه يُدْعَى بأُخُوَّة الدين، والولاية في الدين؛ لقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب ٥]، أما كونهم إخوانًا لنا في الدين فظاهر، وأما كونهم موالي فإن كان عتيقًا للمرء فهو مولى له بالعتق، وإن لم يكن عتيقًا فهو مولى له في الدين؛ لأن المؤمنين كما قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾ [التوبة ٧١]، فهم إخوانكم ومواليكم، فتدعوه بـ: يا أخي، لو قلت: يا ابن أخي، يصح؟ يصح.
المؤلف يقول: (﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾: بنو عمكم)، فجعل الولاية هنا ولاية النسب وليست ولاية الدين، لكن في النفس من هذا من الشيء، فالولاية إما ولاية دين وإما ولاية عتق، فأما ولاية العتق فواضح أن العتيق مولًى لمن أعتقه، وأما ولاية الدين فظاهر أيضًا أن كل مؤمن وليٌّ لأخيه المؤمن، أما ولاية النسب كقوله: بنو عمكم، فهذه إن كانت اللغة العربية يأتي فيها مثل هذا التعبير فنحن نقبل ذلك؛ لأن القرآن عربي، ولا مانع من أن يكون للفظ الواحد عدة معانٍ إذا كانت لا تناقض بينها، الآن انتهى الوقت.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
الأحزاب 33:8
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ : في أمرك، ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾: حافظًا لك. هذا مبتدأ درس اليوم، ﴿تَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ التوكل بمعنى الاعتماد مع الثقة، ولهذا فَسَّرُوه بأنه صِدْق الاعتماد على الله في جَلْب المنافع ودَفْع المضارّ، مع الثقة بالله عز وجل بأن يكون القلب معتمدًا على الله لا على غيره في جلب المنافع، وفي دفع المضارّ، مع ثقته بالله سبحانه وتعالى، يعني: واثقًا بأن الله تعالى سيكفيه، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]: كافيه، فإذا صدقتَ الله عز وجل في أنه سبحانه وتعالى سيكفيك فهذا هو تمام التوكل.
وقوله: ﴿تَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ جاءت هذه في القرآن في عدة مواضع، ومنها قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود ١٢٣]، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة ٢٣]، وعلى هذا فيكون التوكل من العبادة؛ لأن الله تعالى أمر به، وما أمر الله به شرعًا فهو من العبادة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد أقسام التوكل.
وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب ٣]، الباء يقول أهل الإعراب: إنها زائدة لتحسين اللفظـ، وأن لفظ الجلالة هو الفاعل، والتقدير: وكفى اللهُ وكيلًا، ووكيلًا حال من الفاعل، والمعنى: ما أعظم كفاية الله تعالى في هذا الشيء، إن كان ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء ٧٩]، فهو: ما أعظم كفاية الله تعالى في شهادته.
أقول: فيه آيات، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ المعنى: ما أعظم كفاية الله في شهادته، ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾: ما أعظم كفاية الله في وكالته.
وقوله: ﴿وَكِيلًا﴾ يقول المؤلف: حافظًا لك، وعلى هذا ففَعِيل هنا بمعنى فاعل، وليست بمعنى مفعول؛ لأن الوكيل إذا قلت: وَكَّلْتُ هذا الوكيل، فإن وكيلًا بمعنى مفعول؛ لأنه الْمُوَكَّل، لكن هنا بمعنى فاعل، أي أنه حافظ، فالاعتماد من الإنسان، والحماية والحفظ من الله.
ويدل لتفسير المؤلف قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣] أي: كافيه، وسوف يقوم سبحانه وتعالى بحفظه، وبتحقيق ما توكل به عليه.
قال المؤلف: (وأمته تبع له في ذلك كله)، إنما قال هذا؛ لأن الخطاب في الآيات موجَّه لمن؟ للنبي ﷺ، فأُمَّتُه تَبَعٌ له، من أين علمنا أن أمته تبعٌ له؟
علمنا ذلك من طريقين، أو من أحد طريقين:
الطريق الأول: أن الله أمرنا بالتأسي به، فكل أَمْر مُوَجَّه للرسول ﷺ لا يدل الدليل على تخصيصه به فهو لنا أيضًا، نحن مأمورون باتباعه، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب ٢١].
ثانيًا: أنه من المعروف في الخطاب أن الخطاب الموجَّه إلى المتبوع خطاب له ولتابعه، ولهذا يقول –مثلًا- يقول القائد لضابط في الجيش: اذهب إلى المكان الفلاني، هل هو يريد: اذهب أنت بنفسك، ولَّا أنت بِمَن تَبِعك ؟ أنت بمن تبعك.
فالخطاب في اللغة العربية إذا وُجِّه للمتبوع فهو له وللتابع، فصار وجه كَوْن الأمة تبعًا للرسول ﷺ في هذه الأوامر، وما تضمنته من النهي، وجه ذلك، أو له طريقان:
الطريق الأول: أننا أُمِرْنَا باتباع الرسول ﷺ.
والطريق الثاني: أن الخطاب الموجَّه للمتبوع له ولتابعه.
ثم قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب ٤]، ﴿ما﴾ نافية، ولفظ الجلالة فاعل، و﴿مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ مفعول ﴿جَعَلَ﴾، الأول ولَّا الثاني ؟ الأول مؤخَّر، ومفعولها الثاني قوله: ﴿لِرَجُلٍ﴾، و﴿مِنْ﴾ هنا نقول: إنها زائدة من حيث الإعراب، فنعرب ﴿قَلْبَيْنِ﴾ على أنها مفعول به منصوب، وعلامة نصبه -هذه المشكلة- الفتحة ما يمكن، ياء مقدَّرة على هذه الياء التي جُلِبَت لماذا؟ جُلِبَت للحرف؛ لأن عَمَل الأداة الظاهرة أقوى من عمل الأداة الباطنة، يعني –مثلًا- ﴿جَعَلَ﴾ تنصب ﴿قَلْبَيْنِ﴾، لكن تعرَّض لها -أو عَارَضها بالأصح- عارضها عامل أقوى مباشر وهو حرف الجر، فيقولون: إن الياء هذه ليست ياء النصب، لكنها ياء حرف الجر الزائد.
وعلى هذا فنقول: علامة نصبه ياء مقدَّرة في مكان الياء الموجودة التي اجتُلِبَت من أجل حرف الجر الزائد.
قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ﴾، هذا الجعل كوني أو شرعي؟ هذا الجعل كوني؛ لأن الْجَعْل الذي يضاف إلى الله ينقسم إلى قسمين: جَعْل شرعي، بمعنى: ما شرع، وجَعْل كوني، بمعنى: ما خَلَق.
مثال الجعل الشرعي: قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة ١٠٣]، هذا جعل شرعي، ويش الدليل؟ الدليل أنه كونًا واقع مجعول، لكنه شرعًا لم يُجْعَل، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾.
وأما الْجَعْل الكوني فهو كثير، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء ٦]، ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ١٠ ١١].
وفي هذه الآية الكريمة: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ من أيهما؟ من الكوني، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ﴾، وأكَّد الله هذا النفي بحرف الجر الزائد؛ لأن الحروف الزوائد من أدوات التوكيد.
إذن محال أن يكون في الإنسان قلبان، في الإنسان الواحد قلبان محال، ولكن هل هذه الجملة مرادة لذاتها أو مرادة لغيرها؟
يرى المؤلف وجماعة من علماء التفسير أنها مرادة لذاتها، وأنها نفي لأمر قد ادُّعِيَ، ولهذا قال ردًّا على مَن قال من الكفار: إن له قلبين يعقل بكل منهما أفضل من عقل محمد ﷺ، هذا ما ذهب إليه جماعة من أهل العلم، يعني أن هذا نفيٌ لأمر ادُّعِيَ، وهو رجل من الكفار، يقول: إن له قلبين، وإذا كان له قلبان كان له عقلان، وإذا كان له عقلان كان أفضل من النبي ﷺ؛ لأنه ما له إلا قلب واحد.
وذهب بعض المفسرين، وعلى رأسهم الزهري رحمه الله، إلى أن هذه الجملة ليست مقصودة لذاتها؛ لأنها أمر معلوم؛ لأنه ليس لإنسان قلبان، لكنها توطئة وتمهيد لما يأتي بعدها؛ لأنه ذُكِرَ في الآية الكريمة ثلاثة أشياء: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، فكما أنكم تُقِرُّون بأنه لا قلبين لرجل في جوفه، فكذلك ليست الزوجة أمًّا؛ لأن الله لم يجعل للإنسان أُمَّين، كما أنه ليس له قلبان، وكذلك ليس هناك ابن غير حقيقي، يعني ليس للإنسان ابن خُلِق من مائه وابن نُسِب إليه ولم يُخْلَق من مائه، بل إن ابنك مَن خُلِقَ من مائك، واضح؟
وهذا ما اختاره ابن كثير رحمه الله، على أن هذه الجملة توطئة؛ لأن انتفاء القلبين في الجوف الواحد أمر معلوم، والقصة التي ذَكَرُوها يُنْظَر في صحتها، وحتى لو صحَّت فإن هذا الذي يقول: إن له قلبين، ادعاؤه أن له قلبين يدل على أنه لا قلب له؛ لأن هذا أمر مستحيل.
يقول الله عز وجل: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، فهل قوله: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ قَيْد، يُعْتَبر قيدًا شرطيًّا له مفهوم، فيقال لك: إن له قلبين خارج جوفه؟ لا، ولكنها لبيان الواقع؛ لأن من المعلوم أن القلوب في الأجواف، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام ٣٨]؛ لأن قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ كقول الإنسان: ولا ماشٍ يمشي برجلين، لبيان الواقع.
وإن كان بعض المتأخرين في قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ قال: إنها قَيْد شرطي لتُخْرِج الطائر المعروف؛ لأنها تطير بغير جناحين، وقد يقال: إن هذا ليس بصحيح، حتى الطائرة الآن تطير بجناحيها، أين النفاثات التي تطير بها؟ في الجناحين، والمراوح اللي كانت في الأول هي نفس الجناحين، لكن لا شك أن الطائرة ما هي من الأمم التي هي أمثالنا، بل هي من صنعنا.
إذن قوله تعالى: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ لبيان الواقع، ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي﴾، يقول: (بهمز وياء وبلا ياء)، بهمز وياء (اللائي)، وبلا ياء يعني بهمز بلا ياء، فتكون (اللاءِ) و(اللاءِ) كما نعرف جميعًا جَمْع لأيش؟ جمع (التي)، ولَّا لا؟ فهي مثل (الذين) في الذكور، جمع؟ نعم.
(اللائي) يقول: عندي (﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ بلا ألف قبل الهاء، وبها والتاء الثانية في الأصل مُدْغَمَة في الظاء) ﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ هذه قراءة، والثانية يقول: بلا ألف قبل الهاء، (وبها) يعني: بألف قبل الهاء، أيش تكون: ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ، هذه قراءتان، وإلى الآن ما جاء المؤلف بالقراءة المشهورة عندنا وهي ﴿تُظَاهِرُونَ﴾، فيكون في الآية ثلاث قراءات: ﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ والثالثة ﴿تُظَاهِرُونَ﴾ و﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ﴿وتَظَّهَّرُونَ﴾ يقول: إن التاء مُدْغَمَة في الظاء، وأصلها: تَتَظَاهَرُون أو: تَتَظَهَّرُون، لكن صارت ﴿تَظَّهَّرُونَ﴾ ، أُدْغِمَت التاء في الظاء.
ما معنى ﴿تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ﴾، أي: تقولون: إنهنّ عليكم كظهور أمهاتكم، وهذه صيغة طلاق في الجاهلية، إذا أراد الإنسان أن يطلق امرأته طلاقًا بائنًا قال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فتطلق طلاقًا بائنًا؛ لأن ظهر أمه لا يحل له بحال من الأحوال، وخَصَّ الظهر؛ لأنه محل الركوب، والإنسان يركب زوجته أو تركبه؟ إي نعم يركبها؛ لأنها فراش، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام.
إذن ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ، أيش معنى ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ؟ أي: تقولون لهن: أنتن علينا كظهر أُمِّنَا، وهذه الجملة يعتبرها أهل الجاهلية طلاقًا بائنًا، أما في الإسلام فليست بطلاق، ما هي في الإسلام؟ ظِهَار، يعني أنها مُوجِبَة لتحريم المرأة حتى يفعل الإنسان ما أمره الله به، كما في سورة المجادلة.
﴿تَظَّاهَرُونَ مِنْهُنَّ﴾ بقول الواحد –مثلًا- لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ويمكن أن يقول غير هذه العبارة؟ يمكن أن يقول: أنتِ عليَّ كظهر أختي، ويمكن أن يقول: أنتِ عليَّ كبطن أمي، فالعبرة بالمعنى لا بالصيغة، وقد مر علينا في كتاب الظِّهَار أن يُشَبِّه الرجلُ زوجتَه بمن تَحْرُم عليه تحريمًا مؤبَّدًا بنسب أو سبب مباح، المهم تحريمًا مؤبدًا، هذا هو الظهار عند أهل العلم، وسبق الخلاف فيما لو حرَّمها أو لو ظاهَر منها وشبَّهَها بمن تحرُم عليه تحريمًا إلى أَمَد.
* الطالب: (...).
* الشيخ: القراءة السبعية تارة يحيل لها على هذا وهذا بدون ما يقولون: وفي قراءة، وتارة يقولون: وفي قراءة، يقول: (بقول الرجل –مثلًا- لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي).
﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ ويش اللي نصبها؟ ﴿جَعَلَ﴾، أين المفعول الأول ؟ ﴿أَزْوَاجَكُمُ﴾، و﴿اللَّائِي﴾ صفتها، و﴿تُظَاهِرُونَ﴾ صلة للموصول، و﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ المفعول الثاني، و﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أي: كالأمهات في تحريمها بذلك المُعَدّ في الجاهلية طلاقًا، وإنما تجب به الكفارة بشرطه كما ذُكِرَ في سورة المجادلة.
في الإسلام ليس بطلاق، ولكنه تحريم تجب به الكفارة بشرطه، وهو العَوْد؛ لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة ٣]. (...)
﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، ما أخذنا من الفوائد، أو لا؟
* طالب: ما كملنا الآية.
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾.
* الشيخ: ما كمَّلنا، نكمل.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، نحن ما كملنا المناقشة، ما هي المظاهَرة في القراءة التي فيها الزيادة؛ لأن فيها زيادة حرف، والحرف فيه عشر حسنات، عرفتم؟ فعلى هذا القول أيّ القراءات الثلاثة تختارون؟
* طالب: ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ .
* الشيخ: ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ ؛ لأن هذه أكثرها حروفًا، ومن العلماء من يقول: الأفضل أن تقرأ بكل قراءة، أن تأخذ بكل قراءة، تقرأ بهذه مرة وبهذه مرة، أيهما أرجح؟ الصحيح الأخير أنك تقرأ بهذه مرة وبهذه مرة إذا كنت تعرف؛ لأن كل قراءة فقد صحَّت عن النبي ﷺ فينبغي أن تقرأ بها لفائدتين، ما ذكرنا إلا واحدة، لفائدتين:
الفائدة الأولى: العمل بكل السُنَّتَيْن.
الفائدة الثانية: حِفْظ هذه القراءات، ولذلك نحن الآن لما كنا نعتمد على القراءة التي عندنا ما نعرف القراءات الأخرى، فإذا قيل للإنسان: ينبغي لك أن تقرأ بكل قراءة صحّت، فإن هذا يكون فيه حفظ للقراءات، ولهذا ينبغي للصغار منا، ولَّا عاد الكبار صعب عليهم الحفظ، لكن الصغار ينبغي لهم أن يحرصوا على القراءات، وأن يتعلموها من أجل أن يعملوا بالسنة هذه ما تبقى مهجورة، إي نعم.
قوله: ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ إعرابها؟ (...)
﴿أَبْنَاءَكُمْ﴾ قال المؤلف: (جمع دعِيٍّ، وهو مَن يُدْعَى لغير أبيه ابنًا له)، أدعياء جمع دَعِيّ، كأغنياء جمع غني، وأَكْفِيَاء جمع كَفِيّ، ولها أمثلة، و(دَعِيّ) فعيل بمعنى مفعول، وأصلها دَعِيُو، بالواو، لكن قُلِبَت الواو ياءً لعلة تصريفية.
إذن (دَعِيّ) بمعنى مدعو، والدعاء في الأصل طلب الإقبال، والمراد بادِّعاء هنا النسبة، بأن يُنْسَب إلى غير أبيه، فيقال: هذا ابن فلان، وليس ابنًا له حقيقةً، هؤلاء الأدعياء ما جعلهم الله تعالى أبناءً، شرعًا أو قدرًا؟ لا شرعًا ولا قدرًا، أما لا قدرًا فواضح؛ أنه ما هو بأبناء قدرًا، وأما شرعًا فهنا نفى الله عنهم، نفاه، قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، فإذا كان الأدعياء ليسوا أبناءً لا قدرًا ولا شرعًا فإنه لا يَرِد الذهنُ أو لا يتوجَّه الذهن إليهم شرعًا.
هذه الكلمة التي أقولها يتبين بها ضعف قول مَن يقول (...) في قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] يقول: إن قوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ إنها قَيْد يُحْتَرَز به عن ابن التبني؛ لأننا نقول: ابن التبني لا يدخل في الابن أصلًا، فلا يذهب إليه الوهم حتى نقول: إنه يحتاج إلى قيد يُحْتَرَز به عنه، وسبق أن بحثنا هذه المسألة في باب المحرَّمات في النكاح.
المهم أن الأدعياء ما جعلهم الله أبناء، لا شرعًا ولا قدرًا، وكانوا في الجاهلية يَدْعُون الإنسان لغير أبيه، يكون هذا الرجل شريفًا وذا نسب، وهذا الدَّعِيّ وضيعًا نسبُه عند الناس ليس بذاك الشيء، أو ليس له نسب معلوم، فيُدْعَى إلى هذا الأب من أجل رفعته، فأبطل الله ذلك؛ لأن دعوة الإنسان إلى غير أبيه يترتب عليها أمور، كل ما يترتب على النسب من تحريم وتحليل وإرث ونفقات وغيرها كلها ربما تنتقل إلى هذا الدَّعِيّ بسبب أنه دُعِيَ إلى هذا الرجل، فلذلك منع الله تعالى ذلك شرعًا؛ لأن تسمية الشيء باسمٍ بعيد عن حقيقته هذا يوجِب أن تنقلب الأوضاع، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ، يَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَهِيَ تُعْتِم بِإِبِلِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ فِي كِتَابِ اللهِ الْعِشَاءُ»[[أخرجه مسلم (٢٢٨ /٦٤٤) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ]].
فكل الأشياء التي ربما إذا سُمِّيَت باسم آخر ربما تختلف أحكامها فإن الشرع نهانا.
﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ حقيقةً، حقيقة تفسير لأبناء، يعني: ما جعلهم أبناء على وجه الحقيقة.
﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾، أي: اليهود والمنافقين، ﴿ذَلِكُمْ﴾ المؤلف يريد أن يكون الخطاب هنا لليهود والمنافقين، والصواب أنه عائد لكل مَن دعا شخصًا لغير أبيه من الأدعياء سواء كان من المنافقين أو من اليهود أو من المشركين، أو من المسلمين، فإن هذا قول يقوله الإنسان بفيه، وليس حقيقةً، هو نفسه يعلم أن هذا الدَّعِيَّ ليس ابنًا لهذا المدعو إليه، فكيف يقول ما يعتقد أن الأمر بخلافه؟
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أتى بضمير الجمع في الخطاب؛ لأن المخاطَبِين جماعة، وقد مَرَّ علينا في اسم الإشارة أن اسم الإشارة يراعَى به المشار إليه، والكاف يراعى بها المخاطب، هنا المشار إليه مفرد مُذَكَّر، وهو دعوة الرجل إلى غير أبيه، والمخاطَبُون جماعة ذكور.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذه نبغي نتكلم عليها في الفوائد إن شاء الله.
﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ يعني: تقولونه بألسنتكم وأنتم تعرفون الحقيقة أنها ليست كذلك.
قال المؤلف رحمه الله: أي اليهود والمنافقين، ليش جعلها بالياء؟ لأنها تفسير لقوله: ﴿قَوْلُكُمْ﴾ بالكاف وهي مجرورة، قالوا: لَمَّا تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش التي كانت امرأة زيد بن حارثة الذي تَبَنَّاه النبي ﷺ قالوا: تزوَّج محمد امرأة ابنه، فأَكْذَبَهُم الله تعالى في ذلك.
* طالب: (...).
* الشيخ: قالوا: تزوج -أي اليهود والمنافقين- كلام المؤلف بعيد من ظاهر الآية؛ إذ إن كلام المؤلف يقول: إنهم بعد أن تزوَّج النبي عليه الصلاة والسلام زينب بنت جحش، وكانت في الأول عند زيد بن حارثة قالوا هذا القول، والآية ما فيها إشارة للقصة إطلاقًا، إنما الآية يتحدث الله فيها عن أيش؟ عن ابن التبني، ما تحدَّث الله تعالى ولا أشار إلى تزوُّج الرجل بزوجة ابنه الذي تَبَنَّاه، لكن هذه ستأتينا إن شاء الله في الآية، فالصواب أن الآية إنما هي في نسبة الإنسان إلى غير أبيه تبنيًا.
(﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ في ذلك، ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾: سبيل الحق).
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، المؤلف قيده فقال: (في ذلك)، والصواب عدم القيد، حتى وإن كان السبب هو هذا؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ما هو الحق الذي يقوله الله عز وجل فيما يقوله؟ فسَّره الله تعالى في القرآن نفسه، فقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، هذا هو الحق الذي يقوله الله عز وجل، صدق في الأخبار، وعدل في الأحكام، فكل ما قاله الله عز وجل فهو دائر بين أمرين؛ إما خبر، وإما حكم، الخبر أَحَقِّيَّتُه الصدق، والحكم أحقيته العدل، خير ما يُفَسَّر به القرآن القرآن، ولهذا إذا قال قائل: ما هو الحق في قول الله ؟ نقول: الحق في قول الله هو ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾.
وقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، لم يقل: ويهدي السبيل؛ لأن الجملة الثانية تتعدى للغير، فهناك هادٍ ومَهْدِيّ ومَهْدِيٌّ فيه ولَّا إليه ؟ إليه وفيه أيضًا، هناك هادٍ وهو الله، ومَهْدِيّ وهو الإنسان –مثلًا-، ومَهْدِيٌّ إليه وفيه أيضًا، وهو الدين، السبيل الْمُوصِل إلى الله عز وجل، مَهْدِيٌّ إليه هذه هداية الدلالة، ومَهْدِيٌّ فيه هذه هداية التوفيق؛ لأنك تقول: دَلَلْتُه إلى كذا، وهديته في كذا، بمعنى: جعلته عاملًا فيه، وهذا هو الحكمة في أن الله عز وجل قال في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦]، ولم يقل: إلى الصراط، ليش؟ لأجل يعم الهداية إليه بالدلالة إليه وبيانه، والثاني: هداية فيه بالعمل به، وهذا هو مقصود كل داعٍ يدعو الله عز وجل بالهداية أن الله يهديه إلى الشيء فيعرفه ويعلمه، ويهديه فيه فلا يضل عنه، واضح؟
﴿يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيّ سبيل يراد بهذه الآية؟ ﴿السَّبِيلَ﴾ (أل) هذه للعهد الذهني، والمراد سبيل الله عز وجل، ويش الدليل لمراد سيبل الله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣].
إذن السبيل التي يهدي الله إليها هي سبيل الله عز وجل، وهي طريق الحق، ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، ومن جملة ذلك أنه سبحانه وتعالى لم يجعل الزوجات التي يظاهرون منهن أزواجُهن لم يجعلهن أمهات، ولم يجعل الأدعياء أبناء، فقال الحق في ذلك، وهدانا السبيل في ذلك، فالزوجة زوجة، والابن الدَّعِيّ ليس ابنًا، والله يقول: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب ٥]، قال المؤلف في التفسير: (لكن ادعوهم لآبائهم )، لماذا أتى بالاستدراك: (لكن ادعوهم لآبائهم)، في ظني أنه لا حاجة للاستدراك، وأن الجملة استئنافية، لَمَّا أبطل الله سبحانه وتعالى أن يكون هؤلاء الأدعياء أبناءً أَمَرَ بأن ندعوهم لآبائهم، وكأن المؤلف رحمه الله لما كانت الآية الثانية: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ لَمَّا كانت غير مقابلة لما نَفَاه الله في الأول، يعنى: ما جعل أدعياءكم أبناءكم، لكن جعلهم أبناء آبائهم، فادعوهم لآبائهم، رأى رحمه الله أن هذا هو وجه الاستدراك، ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، لكن جعلهم أبناءً لآبائهم فادعوهم لآبائهم.
نقول: هذا لا حاجة إليه، فالجملة استئنافية ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، أي: انسبوهم لآبائهم، فقولوا: يا ابن فلان، وكلمة (آبائهم) جمع أبٍ، هل المراد بالجمع هنا باعتبار الْمَدْعُوِّين، يعني لأن الناس كثيرون، أو أن المراد آباؤهم بالنسبة لكل شخص، بمعنى أن الإنسان يُنْسَب إلى أبيه وجده وأبي جده، وهكذا، أو شامل للأمرين؟
هو شامل للأمرين، فالإنسان يُدْعَى إلى أبيه يقال: فلان ابن فلان ابن فلان، الرسول عليه الصلاة والسلام محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، بل إنه عليه الصلاة والسلام قال: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣١٥)، ومسلم (١٧٧٦ / ٧٨) عن البراء بن عازب رضي الله عنه. ]]، ومحمد عندنا الألفية: قال محمد، وهو ويش اسمه؟ محمد بن عبد الله، أبوه عبد الله، فهو فيما يظهر أنه شامل، يعني أنه جُمِعَ باعتبار أفراد الناس، وجُمِعَ باعتبار الآباء؛ لأن الآباء أبٌ أدنى وأب فوق.
قال: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾، ﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على المصدر المفهوم من قوله: ﴿ادْعُوهُمْ﴾، أي: ﴿هُوَ﴾ أي: دعاؤهم، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨]، ﴿هُوَ﴾ أي: العدل المفهوم من الفعل، فهنا ﴿هُوَ﴾ أي: دعاؤهم لآبائهم، ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: أعدل.
فسَّرها بعضهم باسم الفاعل، اسم الفاعل هو قاسط عند الله، يعني: هو العدل عند الله عز وجل، وإنما لجأ إلى ذلك؛ لأن المعروف أن اسم التفضيل يشترك في أصل معناه المفضَّل والمفضَّل عليه، فإذا قلت: فلان أشجع من فلان، فكلاهما شجاع، لكن هذا أشجع، فهنا إذا جعلنا اسم التفضيل على بابه وقلنا: دعاؤهم لآبائهم أقسط عند الله من دعائهم لمن تبنَّاهم، صار في دعائهم لمن تبنَّاهم عدل، مع أنه لا عدل فيه.
ولذلك قال بعض المفسرين: إن أفعل التفضيل هنا بمعنى اسم الفاعل، حتى لا يكون في الطرف الثاني منه شيء.
وقال بعض المفسرين: هو على بابه، واللغة العربية تأتي باسم التفضيل دائمًا فيما ليس في الطرف الآخر منه شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾، مع أن أصحاب النار لا خير في مستقرهم، وعلى هذا فنقول: إبقاء الآية على ظاهرها يكون أَوْلَى، فإذا قيل ذلك فإنه يَرِدُ علينا سؤال: لماذا عَبَّرَ بأفعل التفضيل في طرف ليس في الطرف الآخر منه شيء؟
قلنا: لبيان أن هذا غاية ما يكون من العدل، انتبه، فتكون فائدتها أن دعاءهم لآبائهم أعدل شيء، وهو غاية ما يكون من العدل، فاسم التفضيل هنا باعتبار المعنى، أي أن هذا أعدل شيءٍ.
وكلمة ﴿أَقْسَطُ﴾ اسم تفضيل من الثلاثي ولَّا من الرباعي؟ من الثلاثي؛ لأن اسم التفضيل ما يُصَاغ إلا من الاسم الثلاثي:
وَصُغْهُمَا مِنْ ذِي ثَلَاثٍ صُرِّفَا ∗∗∗ ...................
ثم إن الرباعي من هذه المادة ليس بمعنى العدل، بل بمعنى الجور، كذا؟ الرباعي بمعنى الجور؟ انتبه، إذن بالعكس؛ القاسط هو الجائر، والمقسط هو العادل، أو لا؟
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات ٩].
إذن يَرِدُ علينا إشكال في مسألة ﴿أَقْسَطُ﴾ هنا، ﴿هُوَ أَقْسَطُ﴾، فنقول في الجواب عنه: إن في هذا دليلًا على صحة مذهب الكوفيين الذين يقولون بجواز صيغة اسم التفضيل من غير الثلاثي، يقولون: ﴿أَقْسَطُ﴾ من باب الإقساط، يعنى أن ذلك أعدل.
وقوله: ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ يعني: في حكمه؛ لأن الحكم حكم الله عز وجل يضاف إليه، وهذا نظير قوله تعالى في الذين يرمون المحصنات، يقول: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور ١٣]، شوف تأمل قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾، إحنا انتقلنا الآن عن الآية، إذا قذف رجل امرأة بالزنا فهو باعتبار الواقع قد يكون حقًّا، وقد يكون كذبًا، أو لا؟ يعني: قد يكون حقًّا إنها زنت، وقد يكون كذبًا، لكنها في حكم الله؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، في حكم الله كذب، ولهذا قال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ما قال: فأولئك هم الكاذبون؛ لأنه قد يكون حقيقة باعتبار الواقع، لكن في شرع الله كاذبون، ﴿فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، ولهذا يجب عليهم حد القذف إذا لم يأتوا بأربعة شهداء.
﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب ٥]، إن لم تعلموا آباء مَن؟ أباء هؤلاء الأدعياء، ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾، يعني: وليسوا أبناءهم، يعني حتى في الحال التي لا يُعْرَف لهذا الرجل أبٌ فإنه لا يجوز أن يُنْسَب إلى غير أبيه، ولكن يكون أخًا لنا في الدين، ومولًى لنا إذا كان قد دخل في ملكنا ثم حررناه مثلًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في قصة اختصام علي وجعفر وزيد بن حارثة، قال لزيد: «أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا»[[أخرجه البخاري (٢٦٩٩) عن البراء بن عازب رضي الله عنه. ]]، فهو أخي في الدين وليس ابنًا لي، وهو أيضًا مولاي إذا كنت قد أعتقته، ولو لم أعرف أباه فإنه لا يُنْسَب إلَيَّ.
ولهذا تجدون العلماء رحمهم الله الذين يكتبون أسماء الرجال عندما ينسبون أحدًا من الموالي إلى مَن أعتقه يقول: القرشي مولاهم –مثلًا-، التميمي مولاهم، لأنه لو يقال: القرشي فقط أيش يظن الظان؟ أنه قرشي حقيقة، فإذا قال: مولاهم، يعني أنه نُسِبَ إليهم؛ لكونه مولًى لهم، ومولى القوم منهم، حتى إن العلماء قالوا في الصدقة قالوا: إنها تَحْرُم على موالي بني هاشم؛ لأن مولى القوم منهم، لكنه لا يُنْسَبُون إليهم نسبًا حقيقيًّا، بل لا بد من أن يقيد.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: بنو عمكم (...).
* الشيخ: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما له وجه.
* الطالب: (...) أن أبا زيد بن حارثة قَدِم للنبي من (...) فقال (...) فخيَّره النبي ﷺ (...)؟
* الشيخ: إي هذا لَمَّا قَدِم أبوه وعمه؟
* الطالب: فعُرِف أبوه وطلبه أبوه.
* الشيخ: سبب تَبَنِّيه، هذا كان في أول الإسلام ثم أُبْطِل، منسوخة. (...) ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ لكن بس (...).
وهي وجوب تقديم الوحي على الرأي؛ لقوله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ [الأحزاب ٢]، فإن هذا الخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ وإلى أُمَّته بالأَوْلَى، فيفيد وجوب تقديم الوحي على الرأي.
وتقديم الرأي على الوحي له أقسام، منها ما يصل إلى الكفر، ومنها ما هو دون ذلك، فالذين يُقَدِّمُون الرأي على الوحي مع علمهم بالوحي معتقدين أن غير الوحي مساوٍ له، أو أكمل منه، أو أنه يجوز الحكم بالرأي المخالف للوحي مع العلم به، هؤلاء يعتبرون كفارًا.
في هذه الأحوال الثلاث إذا اعتقدوا أن الرأي أكمل وأنفع من الوحي، أو أنه مساوٍ له، أو أنه يجوز تقديمه على الوحي مع العلم به، فهؤلاء كفار؛ لأنهم حَكَمُوا بغير ما أنزل الله، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤].
وأما مَن قَدَّمُوه بتأويلٍ ظنًّا منهم أن ذلك لا يخالف الوحي، أو أنه طريق يُوصِلُهم إلى الوحي، فهؤلاء لا يصلون إلى درجة الكفر، وذلك مثل كثير من المتعصبين للمذاهب، فإنهم لا يرون أن هذه المذاهب خارجة عن الوحي، وإنما يرون أن ذلك طريق إلى العمل بالوحي، فيقولون: هذا إمامنا أعلم منا وأفهم، فنتبعه ونتهم رأينا بالنسبة إلى رأيه، وإلا فنحن متمسكون بشريعة الله، ومُحَكِّمُون لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
هؤلاء نقول: إنه إذا تَبَيَّن لهم الحق وجب عليهم اتباعه، ولو خالف متبوعهم من الأئمة، وذلك لأن الحق لا يخطئ، والأئمة يخطؤون، ولا يمكن أن يَدَّعِي العصمة لأحد من البشر إلا رسولَ الله ﷺ، لا يمكن أن يدَّعِي العصمة إلا رجل ضالّ، الذي يدَّعي العصمة لغير الرسل رجل ضالّ، كما يفعل الرافضة بأئمتهم، وهذا ضلال بَيِّن؛ لأن أئمتهم قد يخطؤون كما يخطئ غيرهم.
وقد مر علينا ما وقع لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو إمام الأئمة بالنسبة لأولئك القوم أنه أخطأ حين أعطاه النبي عليه الصلاة والسلام حُلَّة من حرير فلبسها، فقال:« «إِنَّنِي مَا أَعْطَيْتُكَهَا لِتَلْبَسَهَا، وَإِنَّمَا تُعْطِيَهَا الْفَوَاطِمَ»[[أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٦٩) بلفظ: «إني لم أكسكها لتلبسها، إنما كسوتكها لتجعلها خمرًا بين الفواطم». ]]، وكذلك ما هو مشهور عنه من أن المرأة إذا كانت حاملًا وتُوُفِّي عنها زوجها فإنها تَعْتَدّ بأطول الأجلين، وهذا مخالف للسنة الصحيحة الصريحة.
والحاصل أننا نقول: إن في الآية الكريمة: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأحزاب ٢] وجوب تقديم الوحي على الرأي، وأنه يجب الحكم بما جاء به الشرع مطلقًا، سواء خالف رأي متبوعيك أم لم يخالف.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب ٣]، هذا مبتدأ الفوائد؟
في هذا دليل على وجوب التوكل على الله، وقد ذكرنا في كتاب التوحيد أن التوكل ينقسم إلى أقسام:
أحدها: توكل العبادة، وهو شعور الإنسان بافتقاره إلى المتوكَّل عليه وذُلِّه بين يديه، وهذا لا يجوز صرفه لغير الله، وصرفه لغير الله شرك؛ لأنه إشراك بالله فيما لا يستحقه إلا الله، وهو شرك أكبر ولَّا أصغر؟ شرك أكبر.
والثاني: الاعتماد على الغير الذي جعلته نائبًا عن نفسك، فهذا جائز، وقد وقع حتى من الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه وَكَّلَ عروة بن الجعد على أن يشتري له أضحية، وكان له وكيل في خيبر، وكذلك وَكَّلَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ذبح ما بقي من الهدي، وهو جائز ولا إشكال فيه، ووَكَّل علي بن أبي طالب حين ذهب إلى تبوك أن يكون خليفة له في أهله، وموسى عليه الصلاة والسلام وَكَّل هارون حين ذهب إلى الطور، وقال: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف ١٤٢].
إذن هذا جائز ولا إشكال فيه؛ لوقوعه من الأنبياء، ولأنه عقد من العقود، والأصل في العقود الحِلّ إلا ما قام الدليل على منعه.
والثالث: أن يعتمد على مَن لا يصح الاعتماد عليه، على قوة سرية نعلم أنه لا أثر لها في هذا الاعتماد، وهذا شرك قد يكون أكبر وقد يكون أصغر، مثل اعتماد أولئك الذين يتوسَّلون بالأموات، ويعتقدون أن في الاعتماد عليهم خيرًا، هؤلاء قد يصل بهم الأمر إلى الشرك الأكبر، وإلا فمجرد اعتمادهم عليهم شرك ولا يحل.
الرابع: أن يعتمد على قوة ظاهرة مؤثِّرة، لكنه يعتمد عليها لا باعتبار أنها نائبة عنه، بل باعتبار أنها مُجْدِيَة له، وأنها مصدر سعادته وفلاحه ورزقه، وما أشبه ذلك، فهذا مكروه، وقد يصل إلى درجة التحريم، كاعتماد الإنسان على الراتب وعلى المعاش من الوزارة التي يعمل فيها والإدارة والرئاسة، وما أشبه ذلك، فإن هذا فيه نوع من الشعور بالافتقار إلى هذا الشيء والتذلُّل له.
ولذلك تجد الذين ابتُلُوا بهذا النوع تجدهم يحابون من كانوا يعتمدون عليه، يحابون كبراءهم من الوزراء وغير ذلك، يحابونهم في أمر لا يجوز، أما مجاملتهم فيما هو جائز فهذا أمر لا بأس به، لكن محاباتهم في المحرَّم هذا لا يجوز، لكن هذا قد يقع؛ لأنهم يشعرون بأنهم مفتقرون إلى هؤلاء، فهذا أقل أحواله الكراهة، والإنسان ينبغي له أن يكون عزيز النفس، لا يعتمد إلا على ربه سبحانه وتعالى.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن كفاية الله عز وجل فوق كل كفاية؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب ٣] ، زعم بعض أهل العلم أن مثل هذا التركيب يفيد التعجب، يعني: ما أعظم من كفاية الله! وتوكَّل على الله فما أعظم كفاية الله سبحانه وتعالى! وهذا ليس ببعيد؛ أنّ كَوْن هذه الصيغة تُحَوَّل من: وكفى الله وكيلًا إلى: ﴿وكفى بالله وكيلًا﴾ لا يبعد أن يكون المراد بذلك بيان المبالغة في كفايته سبحانه وتعالى، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣].
ثم قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤].
يستفاد من هذا السياق أن القرآن قد بلغ الغاية القصوى في الإقناع وإقامة البرهان.
وجه ذلك أنه قَدَّمَ الدليل على المدلول بصورة لا يَمْتَرِي فيها أحد، ما هي؟ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، فإن هذا أمر معلوم ولا يتنازع فيه اثنان؛ أنه ليس للإنسان إلا قلب واحد، ما فيه قلبان، لماذا؟ لأن هذين القلبين إن اتفقا على أمر واحد صار القلب الثاني لا فائدة منه، أو لا؟ وان اختلفَا تناقضَا في عين واحدة، فماذا يصنع الإنسان، هل يتبع القلب الأيمن ولَّا يتبع القلب الأيسر؟ يبقى محتارًا، لذلك ما جعل الله لرجل من قلبين، ما فيه إلا قلب واحد فقط؛ لأنه في جسم واحد.
وتأمل قوله: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ يستفاد منها فائدة غير أنها بيان للواقع، يستفاد أن الجوف الواحد لا يتناسب معه إلا قلب واحد، وإلا لكان القلبان في جوفين لا في جوف واحد، فصار فيها فائدة غير ما سبق، وهي أنها بيان للواقع، بأن الجوف الواحد لا يمكن أن يديره إلا قلب واحد.
في الآية الكريمة سياق الشيء بالبرهان، أو إثبات الشيء بالبرهان الذي يكون قاطعًا لا يَمْتَرِي فيه أحد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المرأة المظاهَر منها ليست أمًّا؛ لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾.
* يتفرع على هذه الآية: أن جَعْلَها أُمًّا في الظهار كذب وزور ومنكر، ولهذا قال الله تعالى في آية الظهار: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة ٢]، فهو منكر لمخالفة الشرع، وزُور لمخالفة الواقع والحقيقة.
* يستفاد من الآية الكريمة: الإشارة أو التنبيه على تحريم الظهار؛ لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ﴾ ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾، فإذا كان الله ما جعل ذلك فإنه لا يحل لنا أن نجعل شيئًا لم يجعله الله؛ لأن الأمر إلى الله وحده.
* ويستفاد من الآية ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾: أن الأبناء الأدعياء ليسوا بأبناء حقيقةً ولا شرعًا، فهم ليسوا أبناء قدرًا، وليسوا أبناء شرعًا، ولهذا قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾.
* ويستفاد منها: أنه إذا لم يكن الابن الدَّعِيّ ابنًا لا شرعًا ولا حقيقة فإنه لا يحتاج إلى قَيْد يُخْرِجُه من معنى البنوة، لماذا لا يحتاج؟ لأنه غير داخل فيها أصلًا حتى نحتاج إلى قيد نخرجه به.
* ويتفرع على هذه الفائدة: بيان ضعف قول مَن يقول: إن الاحتراز في قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] إن الاحتراز في قوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ عن ابن التبني؛ لأننا نقول: إنه أصلًا لم يدخل حتى يحتاج إلى قيد يُخْرِجُه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يقول قولًا لا يعتقده، ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب ٤].
* ويستفاد منها: أنه ليس من الرجولة، وليس من العقل أن يقول الإنسان قولًا بِفِيه وهو لا يعتقده بقلبه؛ لأن المراد من قوله تعالى: ﴿قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ المراد به التنديد بهم والتوبيخ لهم، كيف تقولون شيئًا بأفواهكم وأنتم تعترفون بقلوبكم أنه ليس موافقًا للواقع؟ ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن قول الله عز وجل كله حق ليس فيه باطل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ [الأحزاب ٤]، والحق سبق أنه في كلام الله هو الصدق والعدل؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، وهو باعتبار الخبر صدق وباعتبار الحكم عدل.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن كلام الله عز وجل ليس فيه تناقض؛ لقوله: ﴿يَقُولُ الْحَقَّ﴾، والتناقض ما يكون إلا في الباطل، فالحق لا يمكن أن يتناقض، واضح؟
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن ما وصف الله به نفسه في كتابه فهو على حقيقته، وليس فيه تحريف أو تأويل؛ لأنه لو كان على خلاف ظاهره لكان ظاهره يدل على أيش؟ على باطل، إذا قلنا: إنه على خلاف الظاهر لزم أن يكون دالًّا على باطل، إذا كان المراد بآيات الصفات خلاف ظاهرها صار ظاهرها يدل على حق ولَّا على باطل؟
إذا قلنا: إن المراد بآيات الصفات خلاف الظاهر، صار الظاهر باطلًا؛ لأنه خلاف المراد، وهذا ينافي قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، فهو سبحانه وتعالى لا يقول إلا الحق.
* ويستفاد من الآية: أنه مع ظهور أن الله يقول الحق فإن الناس لا يتفقون عليه؛ لقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب ٤]، يعني حتى مع أن الله لا يقول إلا الحق فليس كل أحد يهتدي لذلك، بل الهداية بيد الله عز وجل.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أنه يجب على المرء أن يلجأ إلى ربه سبحانه وتعالى في سؤاله الهداية؛ لقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، وتأمل تغيير الصيغة حيث قال: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، ثم قال: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، ولم يقل: ويهدي السبيل، لأجل أن تكون الجملة الثانية مستقلة بركنيها بمبتدئها وخبرها؛ لأن قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي﴾، ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَهْدِي﴾ خبره، فكانت الجملة مستقلة عن الأولى؛ لأن ذلك أبلغ في بيان أن الهداية بيد الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن طريق الحق واحد؛ لقوله: ﴿السَّبِيلَ﴾، وهو مفرد، وهكذا تجدون أن السبل تأتي جمعًا فيما يخالف الحق، كذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مثل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام ١٥٣]، فالصراط أَفْرَدَه، أما الصراط الآخر أو المخالف لصراط الله فهو جمع، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾، وإذا جاء طريق الحق مجموعًا فالمراد تنوُّع شرائعه، وكذلك الوَلِيّ، الكفار ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة ٢٥٧]؛ لأن سبل غير الحق متنوعة كل نوع منها عليه طاغوت يدعو إليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة التي بعدها: وجوب دعوة الإنسان إلى أبيه ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، يعني: انسبوهم لآبائهم لفظًا وحقيقةً، أما لفظًا فتقول: يا فلان بن فلان، انسبه إلى أبيه، وأما حقيقة أن تعتقد أن البنوة الحق إنما هي لِمَن؟ للأب الحقيقي الذي وُلِدَ الإنسان من صلبه، لا للأب الذي ادُّعِيَ أنه أب.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لا ينبغي أن يُدْعَى الإنسان لغير أبيه، وهذا نوعان:
أحدهما: أن يُدْعَى لغير أبيه لفظًا وحقيقة، فهذا لا يجوز، بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل ذلك من الكفر، إذا ادَّعَى الإنسان إلى غير أبيه وهو يعلمه فإن ذلك كفر، «فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٦٨)، ومسلم (٦٢ / ١١٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه: «لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر».]].
الثاني: أن يَدَّعِيَ إلى غير أبيه لفظًا، ولكن لا تثبت أحكام البنوة إطلاقًا إلى مَن ادعى إليه، فهذا نقول: إنه خلافُ ما أمر الله به.
ولكن أهل العلم يقولون: إن الإنسان إذا اشتهر به مع عدم الالتفات إلى أحكامه ومقتضياته فإنه جائز، وذكروا لذلك مثل المقداد بن الأسود، فإن المقداد بن الأسود ليس أبوه هو الأسود، ولكن الأسود كان قد تَبَنَّاه، واشتهر بهذه الكنية، واستمر عليه حتى أبطل الله التبني، ولكن بقي مشهورًا بذلك، قالوا: فهذا لا يضر؛ لأنه انتفت عنه أحكام التبني ولم يَبْقَ إلا اللفظ.
ومع هذا فإن الأفضل بلا شك هو أن يُدْعَى إلى أبيه، لكن المشكل أن الشيء إذا اشتهر فوصفته بغير ما اشتهر به حصل بذلك الالتباس، الآن لو قلنا: عن عبد الرحمن بن صخر، أن النبي ﷺ قال كذا وكذا، يمكن أن كثيرًا من الناس لا يدري من هو، لكن إذا قلت: عن أبي هريرة كلنا يعرفه.
وفي الآية الكريمة دليل على أن الأعمال تتفاضل عند الله؛ لقوله: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، يعني: أبلغ في العدل، ووجه ذلك أن هذا الرجل الدَّعِيّ كوننا ننسبه إلى غير أبيه هو باعتبار أبيه ظلم ولَّا لا؟ ظلم، كيف تنسبه إلى شخص ما أتى من صلبه وتَحْرِم مَن أتى من صلبه من دعوته إليه؟ هذا لا شك أنه جور، ولهذا قلنا في الدرس الماضي: إن اسم التفضيل هنا ليس في الطرف الآخر منه شيء؛ لأنه ليس فيه أي عدل في أن تنسب الإنسان إلى غير أبيه، وقلنا: إن فائدة التفضيل هنا بيان أن هذا الشيء قد بلغ الغاية في العدل؛ لأن هذا جِيءَ به باسم التفضيل، ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾، هل أخذنا الجملة التي بعدها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: له أب فإنه يُدْعَى بأُخُوَّة الدين، والولاية في الدين؛ لقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب ٥]، أما كونهم إخوانًا لنا في الدين فظاهر، وأما كونهم موالي فإن كان عتيقًا للمرء فهو مولى له بالعتق، وإن لم يكن عتيقًا فهو مولى له في الدين؛ لأن المؤمنين كما قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾ [التوبة ٧١]، فهم إخوانكم ومواليكم، فتدعوه بـ: يا أخي، لو قلت: يا ابن أخي، يصح؟ يصح.
المؤلف يقول: (﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾: بنو عمكم)، فجعل الولاية هنا ولاية النسب وليست ولاية الدين، لكن في النفس من هذا من الشيء، فالولاية إما ولاية دين وإما ولاية عتق، فأما ولاية العتق فواضح أن العتيق مولًى لمن أعتقه، وأما ولاية الدين فظاهر أيضًا أن كل مؤمن وليٌّ لأخيه المؤمن، أما ولاية النسب كقوله: بنو عمكم، فهذه إن كانت اللغة العربية يأتي فيها مثل هذا التعبير فنحن نقبل ذلك؛ لأن القرآن عربي، ولا مانع من أن يكون للفظ الواحد عدة معانٍ إذا كانت لا تناقض بينها، الآن انتهى الوقت.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
الأحزاب 33:9
قال الله تعالى: (﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ من الملائكة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء، من حفر الخندق، وبالياء من تحزيب المشركين)، يعني: فيها قراءتان: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ و﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.
قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ ما هذه الريح؟ قلت لكم: إنها الريح الشرقية، ولهذا جاءت في الحديث: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٣٥)، ومسلم (٩٠٠ / ١٧)، عن ابن عباس رضي الله عنهما. ]]، الدَّبُور الريح الغربية.
يقول: (﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء من حفر الخندق)، ولكن هذا التخصيص للآية لا ينبغي، لماذا لا ينبغي؟ لأننا إذا خَصَّصْنَا العموم في الآية قَصَرْنَا معنى اللفظ، أو قصرنا اللفظ على بعض معناه، والصواب أنه ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من حفر الخندق وغيره من كل ما عملتم في هذه الغزوة.
(بَصِير) أي: عليم، أو ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ يعني: الجنود، ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾، فالله تعالى بما يعملون بصير، من التحزُّب على النبي ﷺ، والقدوم إلى بلد الرسول عليه الصلاة والسلام لأجل القضاء عليه على زعمهم.
قال الله تعالى: (﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب ١٠] من أعلى الوادي وأسفله، من المشرق والمغرِب)، جاؤوا من المشرق ومن المغرِب، جاءت قريش من الناحية الشمالية الشرقية، وجاءت غطفان ويهود بني قريظة من الناحية الجنوبية الغربية، فجاؤوا من فوق المسلمين ومن أسفل منهم.
وكما قلت لكم قبل قليل: إن الخندق من الحرة الشرقية إلى الحرة الغربية، كل الشمال الآن محفوظ بالخندق، هم جاؤوا من فوقهم ومن أسفل منهم؛ ليكونوا كفَكَّيِ الأسد، حتى يُطْبِقُوا على المدينة، هذا تخطيطهم، ولكن الله تعالى بما يعملون محيط.
يقول عز وجل: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ﴾، زاغ الشيء بمعنى: مال، ومنه زاغت الشمس، إذا مالت بالزوال، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم ١٧] أي: ما مال.
﴿الْأَبْصَارُ﴾، (أل) هنا للعهد، أيّ عهد هو؟ الذهني، يعني: زاغت الأبصار منكم، يقول المؤلف في تفسيرها: (مالت عن كل شيء إلى عَدُوِّها من كل جانب)، يعني: أن الأبصار ما صار لها نظر إلا هذا العدو، كل شيء غفلت عن النظر إليه، إلا هذا العدو.
وقد فَسَّرَها بعض المفسرين: ﴿زَاغَتِ﴾ بمعنى: مالت عن استقرارها، أي: شخصت من قوة الرعب، صار الإنسان لا ينظر إلا إلى هذا الذي أمامه، يراقبه ويخشى منه، وهذا شيء مشاهَد بطبيعة البشر أن الإنسان إذا خاف من شيء يتجه بصره إلى أي شيء؟ إلى هذا الشيء، إلى ناحيته، وتجد البصر -كما يقول العامة- لا يُغْضِي أبدًا منفتح، يخشى من المباغتة، فالأبصار زاغت، ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾، ﴿الْقُلُوبُ﴾ يعني: منكم، قلوبكم بلغت (﴿الْحَنَاجِرَ﴾ جمع حنجرة، وهي منتهى الحلقوم).
وقوله: (من شدة الخوف) تعليل لقوله: ﴿زَاغَتِ﴾ و﴿بَلَغَتِ﴾، ﴿الْحَنَاجِرَ﴾ جمع حنجرة، وهي منتهى الحلقوم، يعني من هنا، وهل هذا حقيقة ﴿بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾؟ قال بعضهم: إنها حقيقة، وأن الخائف اذا اشتدّ خوفه انتفخت رئته، فإذا انتفخت ضَيَّقَت على القلب فخرج، ارتفع، ولهذا يقال في الجبان أو في الخائف: انتفخ سَحره، يعني: رئته، والأصل حَمْل الشيء على حقيقته، ويجوز أن يكون هذا تصويرًا عن شدة الرعب، يعنى: حتى إنها من شدة الرعب زالت القلوب عن أماكنها، فلا تتنفس طبيعيًّا، ولا تنبض طبيعيًّا؛ لأنها زالت عن أماكنها.
ثم قال: (﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ المختلفة بالنصر واليأس)، هذا اختلاف نصر ويأس، ﴿تَظُنُّونَ﴾ أي: أنتم بالله ﴿الظُّنُونَا﴾ بالألف للإطلاق، والظنون هذه جمع ظَنّ، والمصدر لا يُجْمَع إلا إذا كان أنواعًا، أما إذا كان نوعًا واحدًا لا يمكن جمعه وإن كثر، لكن إذا كان أنواعًا صح جمعه، فهنا جُمِعَ الظن وهو مصدر؛ لتنوعه، يعني الظنون تدور في أفهامهم، أو في أفكارهم مختلفة طولًا وعرضًا: هل سيزول هؤلاء الأحزاب، هل سيقضون علينا، هل سننتصر؟ يعني تعرفون مقام الخوف ماذا يحدث للإنسان من الظنون والتفكيرات القريبة والبعيدة؛ منهم مَن ظن اليأس، أو أَيِس، قال: ما بعد هذا شيء، ومنهم مَن ظن النصر، كيف وأن النصر مع أن المقام حالك جدًّا؟ لأنه يؤمن بأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع اليسر يسرًا، ويقولون: نحن على حق، فإذا كنا على حق وصبرنا فإن النصر أيش؟ مضمون، فلذلك يظن النصر.
ومنهم أصحاب المادة والظواهر الحسية، يظنون أيش؟ الهلاك، ويَيْأَسُون من النصر؛ لأنهم ليس لديهم رصيد من الإيمان يعتمدون عليه، ولا شك أن في الذين خرجوا لهذا أن فيهم منافقين، كما سيظهر في القصة.
المهم أن الله قال: ﴿تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ وأَطْلَقَ ذلك، وأتى به بالجمع؛ لأجل أن يذهب الإنسان في تصور هذا الظن كلَّ مذهب، ظنون كثيرة مختلفة متضاربة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إلّا، بلى، كيف؟ ولهذا جاءت الظنون بالجمع.
قال: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، ﴿هُنَالِكَ﴾ هذه اسم إشارة إلى المكان ولَّا إلى الزمان؟ إلى المكان، أو الزمان، أو إليهما جميعًا، ﴿هُنَالِكَ﴾ تصلح للزمان وللمكان، لكن الأصل أنها للمكان، وتأتي للزمان.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٥]، أي: في ذلك الزمن خسر الكافرون، فـ﴿هُنَالِكَ﴾ (هنا) صالحة للزمان والمكان، واللام للبُعد، والكاف للخطاب، ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، اختُبِرُوا، والذي ابتلاهم مَن؟ الله عز وجل، اختبرهم، بِمَا حصل لهم من هذا الضيق العظيم الذي لا يمكن أن نعبر عنه بالنطق، ولا يمكن أن يُحس به إلا مَن وقع فيه، نحن هنا نعجز عن تصور تلك الحالة، ونعجز عن تصويرها، لكن اللي وقع فيها يدري عنها.
يقول: (﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، يقول: اختُبِرُوا ليتبين الْمُخْلِص من غيره، ﴿وَزُلْزِلُوا﴾: حُرِّكُوا، ﴿زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ من شدة الفزع).
ابتلاء عظيم وزلزال عظيم ابتُلُوا به، هذا الزلزال أصابهم، ليس زلزال الأرض، لكن زلزال النفوس، النفوس تزلزلت وحصل عليها شيء عظيم؛ لأنه اجتمع في هذه الغزوة اجتماع الأحزاب من العرب، ونقض بني قريظة، والجوع، والتعب، والإعياء، والبرد، كم؟ خمسة أشياء واحد منها يكفي في زلزلة النفس، فكيف إذا اجتمعت؟
الأمور صعبة، كان الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك المكان كان يَعْصِب على بطنه الحجر من الجوع، فكيف تتصور الحال؟ ما يمكن الإنسان يعبر عنها في الواقع، ولهذا قال: ﴿زُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ قويًّا عظيمًا، زلزل نفوسهم؛ لتَجَمُّع هذه الابتلاءات عليهم رضي الله عنهم.
ولهذا بزغ النفاق وتَكَلَّم المنافقون، ورأوا أن في هذا فرصة للكلام؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يَعِدُهُم النصر، حتى في تلك الغزوة يَعِدُهم النصر، وقصة الصخرة التي عجزوا عنها وتكسرت الفؤوس وتَعِبُوا حتى جاؤوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقالوا: يا رسول الله، أنت خططت لنا؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام خَطَّ لهم الخندق، مكان الخندق خطه بقدمه.
فمن حكمة الله عز وجل أنه صار الخط على هذه الصخرة التي عجزوا عنها، لكن لشدة امتثالهم رضي الله عنهم ما قالوا: نعطفه يمينًا أو يسارًا، لكنهم جاؤوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبروه، فنزل من عريشه الذي كان قد بُنِيَ له على تَلّ هنالك ليشرف على القوم، نزل وأخذ الْمِعْوَل فضربها ضربة، يقول ابن إسحاق: لَمَّا ضربها الضربة أضاءت إضاءة عظيمة كأنما نحن في نهار، واندكّ منها اندكّ، ثم ضربها وكَبَّر عليه الصلاة والسلام.
* طالب: بالليل؟
* الشيخ: بالليل، فكَبَّر، ثم ضربها الثانية فأضاءت وكَبَّر تكبيرة الفتح تكبيرة عظيمة، ثم ضربها الثالثة وكَبَّرَ، وقالوا: يا رسول الله لماذا صنعت هذا؟ قال: «رَأَيْتُ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى قُصُورَ الرُّومِ، وَفِي الثَّانِيَةِ قُصُورَ كِسْرَى، وَفِي الثَّالِثَةِ قُصُورَ صَنْعَاءَ –فِي الْيَمَنِ- وَأَنَّهَا سَتُفْتَحُ»[[أخرجه أحمد (١٨٦٩٤) عن البراء بن عازب رضي الله عنه، ولفظه: أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق، قال: وعرض لنا صخرة في مكان من الخندق، لا تأخذ فيها المعاول، قال: فشكوها إلى رسول الله ﷺ، فجاء رسول الله ﷺ، قال عوف: وأحسبه قال: وضع ثوبه ثم هبط إلى الصخرة، فأخذ المعول فقال: «باسم الله»، فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا»، ثم قال: «باسم الله»، وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا»، ثم قال: «باسم الله»، وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر، فقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا».]].
ويش يكون هذا؟ بشارة للمؤمنين ولَّا لا؟ بشارة وتقوية، لكن المنافقون -والعياذ بالله- الذين لا يثقون بوعد الله ورسوله قالوا: كيف هذا؟ الإنسان منا ما يستطيع يذهب إلى الغائط يقضي حاجته، كيف نملك قصور كسرى وقيصر وتُبَّع؟ هذا ما هو صحيح.
ولهذا يقول: (﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: ضعف اعتقاد، ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ بالنصر ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب ١٢]) -أعوذ بالله- كيف ينطق البشر بمثل هذا الكلام؟ لكن -والعياذ بالله- ما دامت قلوبهم منطوية على الكفر أو على الشك؛ لأن الذين في قلوبهم مرض عندهم شك، ضعف اعتقاد، والمنافقون عندهم كفر.
قالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾، سبحان الله العظيم! الله ورسوله يَعِدُكم غرورًا، ويكذب عليكم ويخدعكم؟! هذا لا يمكن، بل ما وعد الله ورسوله إلا حقًّا، ولكن لا يمكن أن تجني العسل إلا بعد ذَوْق شوك النحل، لا بد من تعب، ولا بد من صبر، مصابرة؛ لأنه لولا هذا ما عُرِفَ الصادق من الكاذب، ولا عُرِفَ المؤمن من الكافر، فلا بد من ابتلاء.
ولهذا.. بالمناسبة طلبة العلم قد يواجهون بعض المصاعب في الدعوة إلى الله عز وجل، قد يواجهون ذلك حتى في أنفسهم، ولكن عليهم أن يَصْبِرُوا وأن يتحمَّلُوا في الدعوة إلى الله؛ لأنهم ليسوا يدعون إلى سبيل فلان وفلان من سُبُل الطاغوت، لكن يدعون إلى سبيل الله التي توصلهم وتوصل عباد الله إلى الله عز وجل، فعليهم أن يصبروا، ليس بمجرد أن يقال لهم: أنت مطوّع، أنت متشدد، أنت فيك كذا وكذا، ينحسر ويَدَع، هذا ما هو صحيح، لا بد أن يصبر ويصابر، ويعمل بالحكمة وليس بالعنف، ولكل شيء.. مَرَّ علينا كثيرًا لكل شيء من الحالات منزلته.
والحاصل أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد وعد أصحابه بالنصر، فآمن بذلك المؤمنون، وتكلم المنافقون والذين في قلوبهم مرض بهذا الكلام، ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
وكذبوا والله، ما وعدهم الله ورسوله إلا الحق والصدق، وقد صار والحمد لله، فإن هذه الأمة -ولله الحمد- بما خَلَّفَه لها رسوله ﷺ من العلم والهدى، وبما قام به الخلفاء رضي الله عنهم، فَتَحُوا قصور قيصر وكسرى واليمن، وأُنْفِقَت كنوز كسرى وقيصر في سبيل الله، وجِيء بتاج كسرى من المدائن إلى المدينة، جيء به في خلافة عمر رضي الله عنه، فتحقَّق ما وعد الله ورسوله، وإن كان النبي عليه الصلاة والسلام تُوُفِّي قبل أن يحصل ذلك، لكن هو في الحقيقة هو الذي فتح هذا؛ لأن الصحابة ما فتحوها..
إلا بشريعة الله، بشريعة الله فتحوها، فصار ذلك نصرًا للنبي ﷺ؛ لأن النصر -كما نقول كثيرًا- ليس انتصار الإنسان بشخصه، بل انتصاره بما جاء به ودعا إليه، ولو كان على أيدي أتباعه، ولو كان ذلك من بعد موته، ما دام أن ما جاء به ينتصر، والله أعلم.
﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ﴾ [الأحزاب ١٠، ١١]، فإن وقفت قلت: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، والثالثة: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ﴾، يعني: وصلًا ووقفًا، ومثل ذلك قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب ٦٦]، ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب ٦٧]، فيها هذه القراءات الثلاث، إي نعم.
ما هي الظنون التي ظَنُّوها بالله عز وجل؟ نأخذ الفوائد إذن؟
* يستفاد من الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: بيان مِنَّة الله عز وجل على هذه الأمة أولها وآخرها بهذا الدفاع من الله سبحانه وتعالى عن المؤمنين.
وجهه: أن الله أمرنا بأن نذكر هذه النعمة.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن نعمة الله عز وجل إما إيجادُ محبوب، أو دفع مكروه، والذي في الآية من باب دفع المكروه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان شدة عداوة الكفار للمؤمنين؛ لأنهم تحزَّبُوا ضدهم، قد تكون هذه القبائل ليس بينها رابطة في حد ذاتها، ولكن من أجل أنها اتفقت في عداوتها للإسلام اجتمعت.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن اليهود لا عهد لهم، وأنهم أهل غدر وخيانة.
وجهه: نَقْض بني قريظة للعهد الذي بينهم وبين الرسول ﷺ، وكل القبائل الثلاثة من اليهود كلها عاهدت الرسول عليه الصلاة والسلام حين قدم المدينة، ومع ذلك فإنهم نقضوا العهد، بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، كلهم نقضوا العهد؛ لأن اليهود من أشد الناس غدرًا وكذبًا.
* ويستفاد من الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل، من قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ [الأحزاب ٩].
* ويستفاد منها: ما أشار إليه بعض أهل العلم من أن الريح إذا جاءت مُفْرَدَة فإنها تكون في العذاب، وإذا جاءت مجموعة فإنها تكون في الرحمة، إلا أنها قد تأتي مُفْرَدَة في الرحمة إذا وُصِفَت بما يدل على ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ [يونس ٢٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة جنود لله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب ٩]، فإن قلت: هنا ما أُضِيفَت إلى الله عز وجل، فكيف تقول: إنهم جنود الله؟ لأنه يقول: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾، أضاف إرسالهم إليه، وقد قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر ٣١].
فإن قلت: هل الرب عز وجل محتاج إلى جنود؟
فالجواب: طبعًا لا، ولا يمكن يكون محتاجًا، لكن لماذا سُمُّوا جنودًا مع أنه لا حاجة به إليهم؟
لأنهم يقومون بأمره، ويدافعون عن أوليائه، فهم بمنزلة الجنود، وإلا فالله عز وجل لا يحتاج إليهم ولا إلى غيرهم؛ لأنه غني عن كل أحد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس لا يرون الملائكة؛ لقوله: ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾، وهو كذلك، لكن قد يرونهم؛ مثلما رأى الناس جبريل حين جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، والساعة وأماراتها.
* ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: عموم علم الله سبحانه وتعالى بكل ما نعمل، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٩]، وهل يشمل ذلك عمل القلب؟ يشمله، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] ، وهو عمل قلب، أما عمل الجوارح فظاهر.
* ويستفاد من الآية الكريمة: الترغيب والترهيب، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾، فإن هذا فيه بالنسبة للعمل الصالح ترغيب، وأن هذا العمل لن يُهْدَر؛ لأنه معلوم عند الله سبحانه وتعالى، ولا بد أن يُجَازِي عليه، وترهيب لمن؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما نقول: الكفار، من عمل سيئة تهديد له، عندما تحدثك نفسك يومًا من الأيام بأن تعمل سيئة لأنه لا يطلع عليها أحد من الخلق فاذكر أن الله يطلع عليك، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾، ولهذا جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٧٩٦) عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه. ]]، ليس معك في مكانك، ولكنه معك وهو على عرشه سبحانه وتعالى مُحِيط بك.
وقال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب ١٠]، خمسة أشياء ذَكَّرَهُم الله بهم؛ ليتبين وجه النعمة.
* فيستفاد من الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن ذُكِّر أن يُذْكَر له وجه ما ذُكِّر به، أو لا؟ الإجمال ليس كالتفصيل.
إذن نأخذ من هذا فائدة؛ أنه ينبغي للمُذَكِّر أن يُفَصِّل فيما ذَكَّرَ به؛ ليكون ذلك أبلغ في تَذَكُّر المخاطب.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الحالة التي وقعت للمسلمين حالٌ عظيمة رهيبة، وأنهم لا يستطيعون أن يدفعوا بأنفسهم، وبهذا يتبين وجه نعمة الله سبحانه وتعالى عليهم؛ لأن الأعداء محيطون بهم، ولأن أبصارهم زاغت، وقلوبهم بلغت الحناجر، والأوهام والأفكار التي عندهم قد تكون قد دَوَّخَتْهم من هنا ومن هناك؛ لقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن المخاوف تُرْبِك الإنسان حتى في تصوراته؛ لقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، فإن الإنسان المستقر ما تكون عنده ظنون متباينة متعارضة؛ لأنه مستقر، لكن عندما يحصل الفزع وعندما يحصل الخوف تأتي الظنون من كل جانب، من كل وجه.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن خوف الإنسان الخوف الطبيعي من المخلوق لا يُعَدّ شركًا، من أين تؤخَذ؟ من قوله: ﴿زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾، فإن هذا من شدة الخوف، وهو خوف من مخلوق، لكن الباعث عليه الأمر الطبيعي، وإذا كان أمرًا طبيعيًّا فإنه لا يؤاخَذ به الإنسان، ولهذا وُصِفَت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، بل وُصِفَ به أولو العزم من الرسل، قال الله تعالى عن موسى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص ٢١]، ولما كَلَّفَه الله بالرسالة قال: ﴿أَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء ١٤]، فهذا خوف طبيعي ما يلام عليه الإنسان.
* وفي الآية الكريمة أيضًا دليل على أن الصحابة رضي الله عنهم على ما هم عليه من المرتبة العالية قد تعترضهم الظنون بسبب الضيق؛ لقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، وهو يخاطب المؤمنين، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب ٩]، فهم لشدة الضيق قد تعتريهم مثل هذه الوساوس، لكنها في الحقيقة سحابة صيف، عندما يرجع الإنسان إلى وعد الله عز وجل يزول عنه هذا كله ويتبدل.
ولهذا سيأتينا في سياق الآيات قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، سبحان الله! يرون هذه الأحزاب العظيمة ثم يُطَمْئِنُون أنفسَهم بأن هذا ما وعد الله ورسوله، وصدق الله ورسوله؛ لأن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وهم لَمَّا رأوا هذه الأحزاب العظيمة وما يترتب على وجودهم من الشدة والضيق عرفوا أن النصر قريب، فإن الله عز وجل قال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة ٢١٤]، شوف نصر الله قريب في مثل هذه الحالة، ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾.
إذا طَبَّقْت هذه على حال المؤمنين في وقت الأحزاب وجدت أنها تنطبق، آخر الآية: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، إذن صدق عليهم أن هذا ما وعد الله ورسوله، وصدق الله ورسوله في قرب النصر.
والحاصل أن مثل هذه الأمور التي تأتي عارضة ما تؤثر على مرتبة الإنسان وعلى حاله؛ لأنها تزول.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإنسان إذا غلبته الحال حتى وردت عليه مثل هذه الظنون فإنه لا يَحُطّ من مرتبته، لكن كما قلت قبل قليل: إذا استقرت به الحال وهدأت هذه الظنون عرف الحق.
* ويستفاد من الآية الكريمة من قوله: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب ١١] يستفاد منها: تصوير الحالة التي كان عليها المؤمنون في تلك اللحظة، وهو الابتلاء العظيم، هذا ابتلاء بالنسبة لما حصل من الأحداث، وبالنسبة لنفوسهم هل هي مستقرة؟
الجواب: لا، ﴿َزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾، فاجتمع عليهم الابتلاء الظاهري الذي يشاهَد بالعيان، والابتلاء الباطني الذي هو زلزلة النفوس وعدم استقرارها، ولهذا قال: ﴿زُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.
* وفي هذه الآية الكريمة أيضًا: بيان القاعدة العامة، وهو أن الله تعالى يذكر النِّعَم مضافةً إليه، ويذكر النقم غالبًا في البناء للمجهول؛ لأن هنا قال: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ﴾، ﴿وَزُلْزِلُوا﴾، ممن وقع ذلك؟ من الله سبحانه وتعالى، لكنه في مقام الخير يُضِيفُ الله سبحانه وتعالى الشيء إلى نفسه تمدحًا، وفي مقام خلاف ذلك تأتي الأفعال مبنية للمجهول.
وانظر إلى قول الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، ففي الشر قالوا: ﴿أُرِيدَ﴾، وفي الرَّشَد أضافوه إلى الله عز وجل؛ لأن الشر لا يضاف إلى الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) عن علي رضي الله عنه. ]]، فلا يجوز للإنسان أن يضيف الشر إلى الله أبدًا، فالشر إنما يكون في المفعولات لا في الفعل؛ لأن مفعولات الله عز وجل لها جهتان: جهة باعتبارها فعلًا لله، وجهة باعتبار ذاتها، أما باعتبار ذاتها –أي: ذات المفعولات- ففيها خير وشر بذاتها، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق١ ٢]، وأما باعتبارها فعلًا لله فليس فيها شر، واضح يا إخوان؟
باعتبارها فعلًا لله ما فيها شر، وباعتبار ذاتها فيها خير وشر، باعتبار الفعل ليس فيها شر؛ لأن الله ما قَدَّرَها إلا لحكمة، ثم لو تأملت الأشياء التي هي شر لوجدت أنها تتضمن خيرًا ولو كانت شرًّا، الفساد في البَرّ والبحر من الْجَدْب والفقر وغير ذلك شرّ، لكن مآله الخير، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب ١٢].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان أن المنافقين ينتهزون الفرص.
وجهه: أنهم في هذه الفرصة وحالهم الحال الضيقة الحالكة بدؤوا نشاطهم، وانتهزوا الفرصة، وقالوا: وين الوعد؟ ففيه دليل على أن المنافق على اسمه منافق، إن لم يجد فرصة سكت وصَانَع ودَاهَن، وإن وجد فرصة نطق وتكلم، وهذا دأبهم، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ١٤].
* ويستفاد من الآية الكريمة: الحذر من المنافقين؛ لأنهم لا يَأْلُون المؤمنين خبالًا، كلما وجدوا مطعنًا أو مكانًا للطعن هجموا، نسأل الله أن يُعِيذَنا منهم.
* ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن القلوب تنقسم إلى صحيحة ومريضة؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، وكذلك الأبدان تنقسم إلى مريضة وصحيحة، وانظر حال الناس اليوم هل هم أشد على مداواة القلوب من مداواة الأبدان، أو على مداواة الأبدان من مداواة القلوب؟ الأخير إلا مَن شاء الله، أكثر الناس اليوم حريصون على مداواة الأبدان التي مآلها أن تكون جيفة يأكلها الدود دون القلوب التي عليها مدار سعادة الدنيا والآخرة، تجد الإنسان يمرض قلبه، وربما يصل إلى درجة الاحتراق، ولكنه لا يبالي به، فإذا أصيب بشوكة في بدنه هرع إلى الأطباء، ولو حصل في ذلك مشقة وتعب.
ولكن العاقل المؤمن هو الذي يكون دائمًا في نظرٍ إلى قلبه ومرضه وصحته، وسلامته وعطبه، هذا هو المؤمن حقًّا، ولا شك أن القلب إذا صحَّ صَحَّ البدن، ولست أقول: صَحّ البدن أن المؤمن لا يمرض، لكن المؤمن لو مرض يرى أن في هذا المرض منفعة له ومصلحة، ولَّا لا؟ وبهذا يكون مرض بدنه صحة لقلبه؛ لما يحصل عنده من الصبر والرضا بالله عز وجل، وانتظار الفرج، وفعل الأسباب التي جعلها الله تعالى أسبابًا يعتمد على الله تعالى بما جعله سببًا.
الحاصل أن مرض القلب أخطر من مرض البدن بكثير، والعاقل يعتني بهذا عناية أشد.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الله تعالى ورسوله قد وَعَدَ المؤمنين بالنصر؛ لقوله: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ١٢]، والوعد مذكور في القرآن والسنة للمؤمنين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧]، شوف الوعد العظيم، ﴿حَقًّا عَلَيْنَا﴾ مُؤَكَّد، ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والملتزم بهذا يا إخواني هو الرب عز وجل الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، لكن مع الأسف الشديد أن كثيرًا من المؤمنين ما يلاحظون هذه الأشياء، مع أن الله تكفَّل بهذا.
وفي السنة قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣)، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]]، ونصره عليه الصلاة والسلام ليس نصرًا لذاته، ولكنه نصر لما جاء به، فيكون النصر له ولأمته من بعده أيضًا.
* ويستفاد من الآية الكريمة: بيان أن المنافق نظره قاصر، وكذلك مَن في قلبه مرض نظره قاصر.
وجهه: أنهم ما نظروا إلا إلى الساعة الحاضرة، ما فكروا في العاقبة، ومثل هذه الأمور التي تَرِد هذه أمور عوارض، لكن العاقبة للمتقين، فالأمور العوارض لا يَبْنِي عليها أحد إلا ضعيف البصيرة، حتى في أمور الدنيا أيضًا لا تنظر للأمور العارضة، فإن كما قيل: دوام الحال من المحال، ولكن ما دمت واثقًا بوعد الله عز وجل فَثِقْ أن هذا الوعد سوف يتحقق، لكن تعتريه عوارض بحكمة من حكم الله عز وجل يبتلي بها، ثم تكون العاقبة للمتقين، أظن انتهت الفوائد. (...).
عظيمة ما منهم أحد رجع عن دينه، لكن توجد كلمات –مثلًا- من ضعيف الإيمان لكنها لا تستقر.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، مع شدة دعاية المنافقين؛ لأن المنافقين لا شك أن عندهم دعاية عظيمة، ما هم ساكتين، لا يسكتون، لكن ما شاء الله، ثَبَّتَهم الله. (...)
﴿ ﴾
الأحزاب 33:10
قال الله تعالى: (﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ من الملائكة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء، من حفر الخندق، وبالياء من تحزيب المشركين)، يعني: فيها قراءتان: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ و﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.
قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ ما هذه الريح؟ قلت لكم: إنها الريح الشرقية، ولهذا جاءت في الحديث: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٣٥)، ومسلم (٩٠٠ / ١٧)، عن ابن عباس رضي الله عنهما. ]]، الدَّبُور الريح الغربية.
يقول: (﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء من حفر الخندق)، ولكن هذا التخصيص للآية لا ينبغي، لماذا لا ينبغي؟ لأننا إذا خَصَّصْنَا العموم في الآية قَصَرْنَا معنى اللفظ، أو قصرنا اللفظ على بعض معناه، والصواب أنه ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من حفر الخندق وغيره من كل ما عملتم في هذه الغزوة.
(بَصِير) أي: عليم، أو ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ يعني: الجنود، ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾، فالله تعالى بما يعملون بصير، من التحزُّب على النبي ﷺ، والقدوم إلى بلد الرسول عليه الصلاة والسلام لأجل القضاء عليه على زعمهم.
قال الله تعالى: (﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب ١٠] من أعلى الوادي وأسفله، من المشرق والمغرِب)، جاؤوا من المشرق ومن المغرِب، جاءت قريش من الناحية الشمالية الشرقية، وجاءت غطفان ويهود بني قريظة من الناحية الجنوبية الغربية، فجاؤوا من فوق المسلمين ومن أسفل منهم.
وكما قلت لكم قبل قليل: إن الخندق من الحرة الشرقية إلى الحرة الغربية، كل الشمال الآن محفوظ بالخندق، هم جاؤوا من فوقهم ومن أسفل منهم؛ ليكونوا كفَكَّيِ الأسد، حتى يُطْبِقُوا على المدينة، هذا تخطيطهم، ولكن الله تعالى بما يعملون محيط.
يقول عز وجل: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ﴾، زاغ الشيء بمعنى: مال، ومنه زاغت الشمس، إذا مالت بالزوال، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم ١٧] أي: ما مال.
﴿الْأَبْصَارُ﴾، (أل) هنا للعهد، أيّ عهد هو؟ الذهني، يعني: زاغت الأبصار منكم، يقول المؤلف في تفسيرها: (مالت عن كل شيء إلى عَدُوِّها من كل جانب)، يعني: أن الأبصار ما صار لها نظر إلا هذا العدو، كل شيء غفلت عن النظر إليه، إلا هذا العدو.
وقد فَسَّرَها بعض المفسرين: ﴿زَاغَتِ﴾ بمعنى: مالت عن استقرارها، أي: شخصت من قوة الرعب، صار الإنسان لا ينظر إلا إلى هذا الذي أمامه، يراقبه ويخشى منه، وهذا شيء مشاهَد بطبيعة البشر أن الإنسان إذا خاف من شيء يتجه بصره إلى أي شيء؟ إلى هذا الشيء، إلى ناحيته، وتجد البصر -كما يقول العامة- لا يُغْضِي أبدًا منفتح، يخشى من المباغتة، فالأبصار زاغت، ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾، ﴿الْقُلُوبُ﴾ يعني: منكم، قلوبكم بلغت (﴿الْحَنَاجِرَ﴾ جمع حنجرة، وهي منتهى الحلقوم).
وقوله: (من شدة الخوف) تعليل لقوله: ﴿زَاغَتِ﴾ و﴿بَلَغَتِ﴾، ﴿الْحَنَاجِرَ﴾ جمع حنجرة، وهي منتهى الحلقوم، يعني من هنا، وهل هذا حقيقة ﴿بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾؟ قال بعضهم: إنها حقيقة، وأن الخائف اذا اشتدّ خوفه انتفخت رئته، فإذا انتفخت ضَيَّقَت على القلب فخرج، ارتفع، ولهذا يقال في الجبان أو في الخائف: انتفخ سَحره، يعني: رئته، والأصل حَمْل الشيء على حقيقته، ويجوز أن يكون هذا تصويرًا عن شدة الرعب، يعنى: حتى إنها من شدة الرعب زالت القلوب عن أماكنها، فلا تتنفس طبيعيًّا، ولا تنبض طبيعيًّا؛ لأنها زالت عن أماكنها.
ثم قال: (﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ المختلفة بالنصر واليأس)، هذا اختلاف نصر ويأس، ﴿تَظُنُّونَ﴾ أي: أنتم بالله ﴿الظُّنُونَا﴾ بالألف للإطلاق، والظنون هذه جمع ظَنّ، والمصدر لا يُجْمَع إلا إذا كان أنواعًا، أما إذا كان نوعًا واحدًا لا يمكن جمعه وإن كثر، لكن إذا كان أنواعًا صح جمعه، فهنا جُمِعَ الظن وهو مصدر؛ لتنوعه، يعني الظنون تدور في أفهامهم، أو في أفكارهم مختلفة طولًا وعرضًا: هل سيزول هؤلاء الأحزاب، هل سيقضون علينا، هل سننتصر؟ يعني تعرفون مقام الخوف ماذا يحدث للإنسان من الظنون والتفكيرات القريبة والبعيدة؛ منهم مَن ظن اليأس، أو أَيِس، قال: ما بعد هذا شيء، ومنهم مَن ظن النصر، كيف وأن النصر مع أن المقام حالك جدًّا؟ لأنه يؤمن بأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع اليسر يسرًا، ويقولون: نحن على حق، فإذا كنا على حق وصبرنا فإن النصر أيش؟ مضمون، فلذلك يظن النصر.
ومنهم أصحاب المادة والظواهر الحسية، يظنون أيش؟ الهلاك، ويَيْأَسُون من النصر؛ لأنهم ليس لديهم رصيد من الإيمان يعتمدون عليه، ولا شك أن في الذين خرجوا لهذا أن فيهم منافقين، كما سيظهر في القصة.
المهم أن الله قال: ﴿تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ وأَطْلَقَ ذلك، وأتى به بالجمع؛ لأجل أن يذهب الإنسان في تصور هذا الظن كلَّ مذهب، ظنون كثيرة مختلفة متضاربة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إلّا، بلى، كيف؟ ولهذا جاءت الظنون بالجمع.
قال: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، ﴿هُنَالِكَ﴾ هذه اسم إشارة إلى المكان ولَّا إلى الزمان؟ إلى المكان، أو الزمان، أو إليهما جميعًا، ﴿هُنَالِكَ﴾ تصلح للزمان وللمكان، لكن الأصل أنها للمكان، وتأتي للزمان.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٥]، أي: في ذلك الزمن خسر الكافرون، فـ﴿هُنَالِكَ﴾ (هنا) صالحة للزمان والمكان، واللام للبُعد، والكاف للخطاب، ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، اختُبِرُوا، والذي ابتلاهم مَن؟ الله عز وجل، اختبرهم، بِمَا حصل لهم من هذا الضيق العظيم الذي لا يمكن أن نعبر عنه بالنطق، ولا يمكن أن يُحس به إلا مَن وقع فيه، نحن هنا نعجز عن تصور تلك الحالة، ونعجز عن تصويرها، لكن اللي وقع فيها يدري عنها.
يقول: (﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، يقول: اختُبِرُوا ليتبين الْمُخْلِص من غيره، ﴿وَزُلْزِلُوا﴾: حُرِّكُوا، ﴿زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ من شدة الفزع).
ابتلاء عظيم وزلزال عظيم ابتُلُوا به، هذا الزلزال أصابهم، ليس زلزال الأرض، لكن زلزال النفوس، النفوس تزلزلت وحصل عليها شيء عظيم؛ لأنه اجتمع في هذه الغزوة اجتماع الأحزاب من العرب، ونقض بني قريظة، والجوع، والتعب، والإعياء، والبرد، كم؟ خمسة أشياء واحد منها يكفي في زلزلة النفس، فكيف إذا اجتمعت؟
الأمور صعبة، كان الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك المكان كان يَعْصِب على بطنه الحجر من الجوع، فكيف تتصور الحال؟ ما يمكن الإنسان يعبر عنها في الواقع، ولهذا قال: ﴿زُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ قويًّا عظيمًا، زلزل نفوسهم؛ لتَجَمُّع هذه الابتلاءات عليهم رضي الله عنهم.
ولهذا بزغ النفاق وتَكَلَّم المنافقون، ورأوا أن في هذا فرصة للكلام؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يَعِدُهُم النصر، حتى في تلك الغزوة يَعِدُهم النصر، وقصة الصخرة التي عجزوا عنها وتكسرت الفؤوس وتَعِبُوا حتى جاؤوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقالوا: يا رسول الله، أنت خططت لنا؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام خَطَّ لهم الخندق، مكان الخندق خطه بقدمه.
فمن حكمة الله عز وجل أنه صار الخط على هذه الصخرة التي عجزوا عنها، لكن لشدة امتثالهم رضي الله عنهم ما قالوا: نعطفه يمينًا أو يسارًا، لكنهم جاؤوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبروه، فنزل من عريشه الذي كان قد بُنِيَ له على تَلّ هنالك ليشرف على القوم، نزل وأخذ الْمِعْوَل فضربها ضربة، يقول ابن إسحاق: لَمَّا ضربها الضربة أضاءت إضاءة عظيمة كأنما نحن في نهار، واندكّ منها اندكّ، ثم ضربها وكَبَّر عليه الصلاة والسلام.
* طالب: بالليل؟
* الشيخ: بالليل، فكَبَّر، ثم ضربها الثانية فأضاءت وكَبَّر تكبيرة الفتح تكبيرة عظيمة، ثم ضربها الثالثة وكَبَّرَ، وقالوا: يا رسول الله لماذا صنعت هذا؟ قال: «رَأَيْتُ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى قُصُورَ الرُّومِ، وَفِي الثَّانِيَةِ قُصُورَ كِسْرَى، وَفِي الثَّالِثَةِ قُصُورَ صَنْعَاءَ –فِي الْيَمَنِ- وَأَنَّهَا سَتُفْتَحُ»[[أخرجه أحمد (١٨٦٩٤) عن البراء بن عازب رضي الله عنه، ولفظه: أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق، قال: وعرض لنا صخرة في مكان من الخندق، لا تأخذ فيها المعاول، قال: فشكوها إلى رسول الله ﷺ، فجاء رسول الله ﷺ، قال عوف: وأحسبه قال: وضع ثوبه ثم هبط إلى الصخرة، فأخذ المعول فقال: «باسم الله»، فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا»، ثم قال: «باسم الله»، وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا»، ثم قال: «باسم الله»، وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر، فقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا».]].
ويش يكون هذا؟ بشارة للمؤمنين ولَّا لا؟ بشارة وتقوية، لكن المنافقون -والعياذ بالله- الذين لا يثقون بوعد الله ورسوله قالوا: كيف هذا؟ الإنسان منا ما يستطيع يذهب إلى الغائط يقضي حاجته، كيف نملك قصور كسرى وقيصر وتُبَّع؟ هذا ما هو صحيح.
ولهذا يقول: (﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: ضعف اعتقاد، ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ بالنصر ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب ١٢]) -أعوذ بالله- كيف ينطق البشر بمثل هذا الكلام؟ لكن -والعياذ بالله- ما دامت قلوبهم منطوية على الكفر أو على الشك؛ لأن الذين في قلوبهم مرض عندهم شك، ضعف اعتقاد، والمنافقون عندهم كفر.
قالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾، سبحان الله العظيم! الله ورسوله يَعِدُكم غرورًا، ويكذب عليكم ويخدعكم؟! هذا لا يمكن، بل ما وعد الله ورسوله إلا حقًّا، ولكن لا يمكن أن تجني العسل إلا بعد ذَوْق شوك النحل، لا بد من تعب، ولا بد من صبر، مصابرة؛ لأنه لولا هذا ما عُرِفَ الصادق من الكاذب، ولا عُرِفَ المؤمن من الكافر، فلا بد من ابتلاء.
ولهذا.. بالمناسبة طلبة العلم قد يواجهون بعض المصاعب في الدعوة إلى الله عز وجل، قد يواجهون ذلك حتى في أنفسهم، ولكن عليهم أن يَصْبِرُوا وأن يتحمَّلُوا في الدعوة إلى الله؛ لأنهم ليسوا يدعون إلى سبيل فلان وفلان من سُبُل الطاغوت، لكن يدعون إلى سبيل الله التي توصلهم وتوصل عباد الله إلى الله عز وجل، فعليهم أن يصبروا، ليس بمجرد أن يقال لهم: أنت مطوّع، أنت متشدد، أنت فيك كذا وكذا، ينحسر ويَدَع، هذا ما هو صحيح، لا بد أن يصبر ويصابر، ويعمل بالحكمة وليس بالعنف، ولكل شيء.. مَرَّ علينا كثيرًا لكل شيء من الحالات منزلته.
والحاصل أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد وعد أصحابه بالنصر، فآمن بذلك المؤمنون، وتكلم المنافقون والذين في قلوبهم مرض بهذا الكلام، ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
وكذبوا والله، ما وعدهم الله ورسوله إلا الحق والصدق، وقد صار والحمد لله، فإن هذه الأمة -ولله الحمد- بما خَلَّفَه لها رسوله ﷺ من العلم والهدى، وبما قام به الخلفاء رضي الله عنهم، فَتَحُوا قصور قيصر وكسرى واليمن، وأُنْفِقَت كنوز كسرى وقيصر في سبيل الله، وجِيء بتاج كسرى من المدائن إلى المدينة، جيء به في خلافة عمر رضي الله عنه، فتحقَّق ما وعد الله ورسوله، وإن كان النبي عليه الصلاة والسلام تُوُفِّي قبل أن يحصل ذلك، لكن هو في الحقيقة هو الذي فتح هذا؛ لأن الصحابة ما فتحوها..
إلا بشريعة الله، بشريعة الله فتحوها، فصار ذلك نصرًا للنبي ﷺ؛ لأن النصر -كما نقول كثيرًا- ليس انتصار الإنسان بشخصه، بل انتصاره بما جاء به ودعا إليه، ولو كان على أيدي أتباعه، ولو كان ذلك من بعد موته، ما دام أن ما جاء به ينتصر، والله أعلم.
﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ﴾ [الأحزاب ١٠، ١١]، فإن وقفت قلت: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، والثالثة: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ﴾، يعني: وصلًا ووقفًا، ومثل ذلك قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب ٦٦]، ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب ٦٧]، فيها هذه القراءات الثلاث، إي نعم.
ما هي الظنون التي ظَنُّوها بالله عز وجل؟ نأخذ الفوائد إذن؟
* يستفاد من الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: بيان مِنَّة الله عز وجل على هذه الأمة أولها وآخرها بهذا الدفاع من الله سبحانه وتعالى عن المؤمنين.
وجهه: أن الله أمرنا بأن نذكر هذه النعمة.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن نعمة الله عز وجل إما إيجادُ محبوب، أو دفع مكروه، والذي في الآية من باب دفع المكروه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان شدة عداوة الكفار للمؤمنين؛ لأنهم تحزَّبُوا ضدهم، قد تكون هذه القبائل ليس بينها رابطة في حد ذاتها، ولكن من أجل أنها اتفقت في عداوتها للإسلام اجتمعت.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن اليهود لا عهد لهم، وأنهم أهل غدر وخيانة.
وجهه: نَقْض بني قريظة للعهد الذي بينهم وبين الرسول ﷺ، وكل القبائل الثلاثة من اليهود كلها عاهدت الرسول عليه الصلاة والسلام حين قدم المدينة، ومع ذلك فإنهم نقضوا العهد، بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، كلهم نقضوا العهد؛ لأن اليهود من أشد الناس غدرًا وكذبًا.
* ويستفاد من الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل، من قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ [الأحزاب ٩].
* ويستفاد منها: ما أشار إليه بعض أهل العلم من أن الريح إذا جاءت مُفْرَدَة فإنها تكون في العذاب، وإذا جاءت مجموعة فإنها تكون في الرحمة، إلا أنها قد تأتي مُفْرَدَة في الرحمة إذا وُصِفَت بما يدل على ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ [يونس ٢٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة جنود لله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب ٩]، فإن قلت: هنا ما أُضِيفَت إلى الله عز وجل، فكيف تقول: إنهم جنود الله؟ لأنه يقول: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾، أضاف إرسالهم إليه، وقد قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر ٣١].
فإن قلت: هل الرب عز وجل محتاج إلى جنود؟
فالجواب: طبعًا لا، ولا يمكن يكون محتاجًا، لكن لماذا سُمُّوا جنودًا مع أنه لا حاجة به إليهم؟
لأنهم يقومون بأمره، ويدافعون عن أوليائه، فهم بمنزلة الجنود، وإلا فالله عز وجل لا يحتاج إليهم ولا إلى غيرهم؛ لأنه غني عن كل أحد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس لا يرون الملائكة؛ لقوله: ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾، وهو كذلك، لكن قد يرونهم؛ مثلما رأى الناس جبريل حين جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، والساعة وأماراتها.
* ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: عموم علم الله سبحانه وتعالى بكل ما نعمل، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٩]، وهل يشمل ذلك عمل القلب؟ يشمله، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] ، وهو عمل قلب، أما عمل الجوارح فظاهر.
* ويستفاد من الآية الكريمة: الترغيب والترهيب، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾، فإن هذا فيه بالنسبة للعمل الصالح ترغيب، وأن هذا العمل لن يُهْدَر؛ لأنه معلوم عند الله سبحانه وتعالى، ولا بد أن يُجَازِي عليه، وترهيب لمن؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما نقول: الكفار، من عمل سيئة تهديد له، عندما تحدثك نفسك يومًا من الأيام بأن تعمل سيئة لأنه لا يطلع عليها أحد من الخلق فاذكر أن الله يطلع عليك، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾، ولهذا جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٧٩٦) عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه. ]]، ليس معك في مكانك، ولكنه معك وهو على عرشه سبحانه وتعالى مُحِيط بك.
وقال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب ١٠]، خمسة أشياء ذَكَّرَهُم الله بهم؛ ليتبين وجه النعمة.
* فيستفاد من الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن ذُكِّر أن يُذْكَر له وجه ما ذُكِّر به، أو لا؟ الإجمال ليس كالتفصيل.
إذن نأخذ من هذا فائدة؛ أنه ينبغي للمُذَكِّر أن يُفَصِّل فيما ذَكَّرَ به؛ ليكون ذلك أبلغ في تَذَكُّر المخاطب.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الحالة التي وقعت للمسلمين حالٌ عظيمة رهيبة، وأنهم لا يستطيعون أن يدفعوا بأنفسهم، وبهذا يتبين وجه نعمة الله سبحانه وتعالى عليهم؛ لأن الأعداء محيطون بهم، ولأن أبصارهم زاغت، وقلوبهم بلغت الحناجر، والأوهام والأفكار التي عندهم قد تكون قد دَوَّخَتْهم من هنا ومن هناك؛ لقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن المخاوف تُرْبِك الإنسان حتى في تصوراته؛ لقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، فإن الإنسان المستقر ما تكون عنده ظنون متباينة متعارضة؛ لأنه مستقر، لكن عندما يحصل الفزع وعندما يحصل الخوف تأتي الظنون من كل جانب، من كل وجه.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن خوف الإنسان الخوف الطبيعي من المخلوق لا يُعَدّ شركًا، من أين تؤخَذ؟ من قوله: ﴿زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾، فإن هذا من شدة الخوف، وهو خوف من مخلوق، لكن الباعث عليه الأمر الطبيعي، وإذا كان أمرًا طبيعيًّا فإنه لا يؤاخَذ به الإنسان، ولهذا وُصِفَت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، بل وُصِفَ به أولو العزم من الرسل، قال الله تعالى عن موسى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص ٢١]، ولما كَلَّفَه الله بالرسالة قال: ﴿أَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء ١٤]، فهذا خوف طبيعي ما يلام عليه الإنسان.
* وفي الآية الكريمة أيضًا دليل على أن الصحابة رضي الله عنهم على ما هم عليه من المرتبة العالية قد تعترضهم الظنون بسبب الضيق؛ لقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، وهو يخاطب المؤمنين، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب ٩]، فهم لشدة الضيق قد تعتريهم مثل هذه الوساوس، لكنها في الحقيقة سحابة صيف، عندما يرجع الإنسان إلى وعد الله عز وجل يزول عنه هذا كله ويتبدل.
ولهذا سيأتينا في سياق الآيات قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، سبحان الله! يرون هذه الأحزاب العظيمة ثم يُطَمْئِنُون أنفسَهم بأن هذا ما وعد الله ورسوله، وصدق الله ورسوله؛ لأن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وهم لَمَّا رأوا هذه الأحزاب العظيمة وما يترتب على وجودهم من الشدة والضيق عرفوا أن النصر قريب، فإن الله عز وجل قال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة ٢١٤]، شوف نصر الله قريب في مثل هذه الحالة، ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾.
إذا طَبَّقْت هذه على حال المؤمنين في وقت الأحزاب وجدت أنها تنطبق، آخر الآية: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، إذن صدق عليهم أن هذا ما وعد الله ورسوله، وصدق الله ورسوله في قرب النصر.
والحاصل أن مثل هذه الأمور التي تأتي عارضة ما تؤثر على مرتبة الإنسان وعلى حاله؛ لأنها تزول.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإنسان إذا غلبته الحال حتى وردت عليه مثل هذه الظنون فإنه لا يَحُطّ من مرتبته، لكن كما قلت قبل قليل: إذا استقرت به الحال وهدأت هذه الظنون عرف الحق.
* ويستفاد من الآية الكريمة من قوله: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب ١١] يستفاد منها: تصوير الحالة التي كان عليها المؤمنون في تلك اللحظة، وهو الابتلاء العظيم، هذا ابتلاء بالنسبة لما حصل من الأحداث، وبالنسبة لنفوسهم هل هي مستقرة؟
الجواب: لا، ﴿َزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾، فاجتمع عليهم الابتلاء الظاهري الذي يشاهَد بالعيان، والابتلاء الباطني الذي هو زلزلة النفوس وعدم استقرارها، ولهذا قال: ﴿زُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.
* وفي هذه الآية الكريمة أيضًا: بيان القاعدة العامة، وهو أن الله تعالى يذكر النِّعَم مضافةً إليه، ويذكر النقم غالبًا في البناء للمجهول؛ لأن هنا قال: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ﴾، ﴿وَزُلْزِلُوا﴾، ممن وقع ذلك؟ من الله سبحانه وتعالى، لكنه في مقام الخير يُضِيفُ الله سبحانه وتعالى الشيء إلى نفسه تمدحًا، وفي مقام خلاف ذلك تأتي الأفعال مبنية للمجهول.
وانظر إلى قول الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، ففي الشر قالوا: ﴿أُرِيدَ﴾، وفي الرَّشَد أضافوه إلى الله عز وجل؛ لأن الشر لا يضاف إلى الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) عن علي رضي الله عنه. ]]، فلا يجوز للإنسان أن يضيف الشر إلى الله أبدًا، فالشر إنما يكون في المفعولات لا في الفعل؛ لأن مفعولات الله عز وجل لها جهتان: جهة باعتبارها فعلًا لله، وجهة باعتبار ذاتها، أما باعتبار ذاتها –أي: ذات المفعولات- ففيها خير وشر بذاتها، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق١ ٢]، وأما باعتبارها فعلًا لله فليس فيها شر، واضح يا إخوان؟
باعتبارها فعلًا لله ما فيها شر، وباعتبار ذاتها فيها خير وشر، باعتبار الفعل ليس فيها شر؛ لأن الله ما قَدَّرَها إلا لحكمة، ثم لو تأملت الأشياء التي هي شر لوجدت أنها تتضمن خيرًا ولو كانت شرًّا، الفساد في البَرّ والبحر من الْجَدْب والفقر وغير ذلك شرّ، لكن مآله الخير، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب ١٢].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان أن المنافقين ينتهزون الفرص.
وجهه: أنهم في هذه الفرصة وحالهم الحال الضيقة الحالكة بدؤوا نشاطهم، وانتهزوا الفرصة، وقالوا: وين الوعد؟ ففيه دليل على أن المنافق على اسمه منافق، إن لم يجد فرصة سكت وصَانَع ودَاهَن، وإن وجد فرصة نطق وتكلم، وهذا دأبهم، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ١٤].
* ويستفاد من الآية الكريمة: الحذر من المنافقين؛ لأنهم لا يَأْلُون المؤمنين خبالًا، كلما وجدوا مطعنًا أو مكانًا للطعن هجموا، نسأل الله أن يُعِيذَنا منهم.
* ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن القلوب تنقسم إلى صحيحة ومريضة؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، وكذلك الأبدان تنقسم إلى مريضة وصحيحة، وانظر حال الناس اليوم هل هم أشد على مداواة القلوب من مداواة الأبدان، أو على مداواة الأبدان من مداواة القلوب؟ الأخير إلا مَن شاء الله، أكثر الناس اليوم حريصون على مداواة الأبدان التي مآلها أن تكون جيفة يأكلها الدود دون القلوب التي عليها مدار سعادة الدنيا والآخرة، تجد الإنسان يمرض قلبه، وربما يصل إلى درجة الاحتراق، ولكنه لا يبالي به، فإذا أصيب بشوكة في بدنه هرع إلى الأطباء، ولو حصل في ذلك مشقة وتعب.
ولكن العاقل المؤمن هو الذي يكون دائمًا في نظرٍ إلى قلبه ومرضه وصحته، وسلامته وعطبه، هذا هو المؤمن حقًّا، ولا شك أن القلب إذا صحَّ صَحَّ البدن، ولست أقول: صَحّ البدن أن المؤمن لا يمرض، لكن المؤمن لو مرض يرى أن في هذا المرض منفعة له ومصلحة، ولَّا لا؟ وبهذا يكون مرض بدنه صحة لقلبه؛ لما يحصل عنده من الصبر والرضا بالله عز وجل، وانتظار الفرج، وفعل الأسباب التي جعلها الله تعالى أسبابًا يعتمد على الله تعالى بما جعله سببًا.
الحاصل أن مرض القلب أخطر من مرض البدن بكثير، والعاقل يعتني بهذا عناية أشد.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الله تعالى ورسوله قد وَعَدَ المؤمنين بالنصر؛ لقوله: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ١٢]، والوعد مذكور في القرآن والسنة للمؤمنين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧]، شوف الوعد العظيم، ﴿حَقًّا عَلَيْنَا﴾ مُؤَكَّد، ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والملتزم بهذا يا إخواني هو الرب عز وجل الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، لكن مع الأسف الشديد أن كثيرًا من المؤمنين ما يلاحظون هذه الأشياء، مع أن الله تكفَّل بهذا.
وفي السنة قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣)، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]]، ونصره عليه الصلاة والسلام ليس نصرًا لذاته، ولكنه نصر لما جاء به، فيكون النصر له ولأمته من بعده أيضًا.
* ويستفاد من الآية الكريمة: بيان أن المنافق نظره قاصر، وكذلك مَن في قلبه مرض نظره قاصر.
وجهه: أنهم ما نظروا إلا إلى الساعة الحاضرة، ما فكروا في العاقبة، ومثل هذه الأمور التي تَرِد هذه أمور عوارض، لكن العاقبة للمتقين، فالأمور العوارض لا يَبْنِي عليها أحد إلا ضعيف البصيرة، حتى في أمور الدنيا أيضًا لا تنظر للأمور العارضة، فإن كما قيل: دوام الحال من المحال، ولكن ما دمت واثقًا بوعد الله عز وجل فَثِقْ أن هذا الوعد سوف يتحقق، لكن تعتريه عوارض بحكمة من حكم الله عز وجل يبتلي بها، ثم تكون العاقبة للمتقين، أظن انتهت الفوائد. (...).
عظيمة ما منهم أحد رجع عن دينه، لكن توجد كلمات –مثلًا- من ضعيف الإيمان لكنها لا تستقر.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، مع شدة دعاية المنافقين؛ لأن المنافقين لا شك أن عندهم دعاية عظيمة، ما هم ساكتين، لا يسكتون، لكن ما شاء الله، ثَبَّتَهم الله. (...)
﴿ ﴾
الأحزاب 33:11
قال الله تعالى: (﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ من الملائكة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء، من حفر الخندق، وبالياء من تحزيب المشركين)، يعني: فيها قراءتان: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ و﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.
قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ ما هذه الريح؟ قلت لكم: إنها الريح الشرقية، ولهذا جاءت في الحديث: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٣٥)، ومسلم (٩٠٠ / ١٧)، عن ابن عباس رضي الله عنهما. ]]، الدَّبُور الريح الغربية.
يقول: (﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء من حفر الخندق)، ولكن هذا التخصيص للآية لا ينبغي، لماذا لا ينبغي؟ لأننا إذا خَصَّصْنَا العموم في الآية قَصَرْنَا معنى اللفظ، أو قصرنا اللفظ على بعض معناه، والصواب أنه ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من حفر الخندق وغيره من كل ما عملتم في هذه الغزوة.
(بَصِير) أي: عليم، أو ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ يعني: الجنود، ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾، فالله تعالى بما يعملون بصير، من التحزُّب على النبي ﷺ، والقدوم إلى بلد الرسول عليه الصلاة والسلام لأجل القضاء عليه على زعمهم.
قال الله تعالى: (﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب ١٠] من أعلى الوادي وأسفله، من المشرق والمغرِب)، جاؤوا من المشرق ومن المغرِب، جاءت قريش من الناحية الشمالية الشرقية، وجاءت غطفان ويهود بني قريظة من الناحية الجنوبية الغربية، فجاؤوا من فوق المسلمين ومن أسفل منهم.
وكما قلت لكم قبل قليل: إن الخندق من الحرة الشرقية إلى الحرة الغربية، كل الشمال الآن محفوظ بالخندق، هم جاؤوا من فوقهم ومن أسفل منهم؛ ليكونوا كفَكَّيِ الأسد، حتى يُطْبِقُوا على المدينة، هذا تخطيطهم، ولكن الله تعالى بما يعملون محيط.
يقول عز وجل: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ﴾، زاغ الشيء بمعنى: مال، ومنه زاغت الشمس، إذا مالت بالزوال، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم ١٧] أي: ما مال.
﴿الْأَبْصَارُ﴾، (أل) هنا للعهد، أيّ عهد هو؟ الذهني، يعني: زاغت الأبصار منكم، يقول المؤلف في تفسيرها: (مالت عن كل شيء إلى عَدُوِّها من كل جانب)، يعني: أن الأبصار ما صار لها نظر إلا هذا العدو، كل شيء غفلت عن النظر إليه، إلا هذا العدو.
وقد فَسَّرَها بعض المفسرين: ﴿زَاغَتِ﴾ بمعنى: مالت عن استقرارها، أي: شخصت من قوة الرعب، صار الإنسان لا ينظر إلا إلى هذا الذي أمامه، يراقبه ويخشى منه، وهذا شيء مشاهَد بطبيعة البشر أن الإنسان إذا خاف من شيء يتجه بصره إلى أي شيء؟ إلى هذا الشيء، إلى ناحيته، وتجد البصر -كما يقول العامة- لا يُغْضِي أبدًا منفتح، يخشى من المباغتة، فالأبصار زاغت، ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾، ﴿الْقُلُوبُ﴾ يعني: منكم، قلوبكم بلغت (﴿الْحَنَاجِرَ﴾ جمع حنجرة، وهي منتهى الحلقوم).
وقوله: (من شدة الخوف) تعليل لقوله: ﴿زَاغَتِ﴾ و﴿بَلَغَتِ﴾، ﴿الْحَنَاجِرَ﴾ جمع حنجرة، وهي منتهى الحلقوم، يعني من هنا، وهل هذا حقيقة ﴿بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾؟ قال بعضهم: إنها حقيقة، وأن الخائف اذا اشتدّ خوفه انتفخت رئته، فإذا انتفخت ضَيَّقَت على القلب فخرج، ارتفع، ولهذا يقال في الجبان أو في الخائف: انتفخ سَحره، يعني: رئته، والأصل حَمْل الشيء على حقيقته، ويجوز أن يكون هذا تصويرًا عن شدة الرعب، يعنى: حتى إنها من شدة الرعب زالت القلوب عن أماكنها، فلا تتنفس طبيعيًّا، ولا تنبض طبيعيًّا؛ لأنها زالت عن أماكنها.
ثم قال: (﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ المختلفة بالنصر واليأس)، هذا اختلاف نصر ويأس، ﴿تَظُنُّونَ﴾ أي: أنتم بالله ﴿الظُّنُونَا﴾ بالألف للإطلاق، والظنون هذه جمع ظَنّ، والمصدر لا يُجْمَع إلا إذا كان أنواعًا، أما إذا كان نوعًا واحدًا لا يمكن جمعه وإن كثر، لكن إذا كان أنواعًا صح جمعه، فهنا جُمِعَ الظن وهو مصدر؛ لتنوعه، يعني الظنون تدور في أفهامهم، أو في أفكارهم مختلفة طولًا وعرضًا: هل سيزول هؤلاء الأحزاب، هل سيقضون علينا، هل سننتصر؟ يعني تعرفون مقام الخوف ماذا يحدث للإنسان من الظنون والتفكيرات القريبة والبعيدة؛ منهم مَن ظن اليأس، أو أَيِس، قال: ما بعد هذا شيء، ومنهم مَن ظن النصر، كيف وأن النصر مع أن المقام حالك جدًّا؟ لأنه يؤمن بأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع اليسر يسرًا، ويقولون: نحن على حق، فإذا كنا على حق وصبرنا فإن النصر أيش؟ مضمون، فلذلك يظن النصر.
ومنهم أصحاب المادة والظواهر الحسية، يظنون أيش؟ الهلاك، ويَيْأَسُون من النصر؛ لأنهم ليس لديهم رصيد من الإيمان يعتمدون عليه، ولا شك أن في الذين خرجوا لهذا أن فيهم منافقين، كما سيظهر في القصة.
المهم أن الله قال: ﴿تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ وأَطْلَقَ ذلك، وأتى به بالجمع؛ لأجل أن يذهب الإنسان في تصور هذا الظن كلَّ مذهب، ظنون كثيرة مختلفة متضاربة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إلّا، بلى، كيف؟ ولهذا جاءت الظنون بالجمع.
قال: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، ﴿هُنَالِكَ﴾ هذه اسم إشارة إلى المكان ولَّا إلى الزمان؟ إلى المكان، أو الزمان، أو إليهما جميعًا، ﴿هُنَالِكَ﴾ تصلح للزمان وللمكان، لكن الأصل أنها للمكان، وتأتي للزمان.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٥]، أي: في ذلك الزمن خسر الكافرون، فـ﴿هُنَالِكَ﴾ (هنا) صالحة للزمان والمكان، واللام للبُعد، والكاف للخطاب، ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، اختُبِرُوا، والذي ابتلاهم مَن؟ الله عز وجل، اختبرهم، بِمَا حصل لهم من هذا الضيق العظيم الذي لا يمكن أن نعبر عنه بالنطق، ولا يمكن أن يُحس به إلا مَن وقع فيه، نحن هنا نعجز عن تصور تلك الحالة، ونعجز عن تصويرها، لكن اللي وقع فيها يدري عنها.
يقول: (﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، يقول: اختُبِرُوا ليتبين الْمُخْلِص من غيره، ﴿وَزُلْزِلُوا﴾: حُرِّكُوا، ﴿زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ من شدة الفزع).
ابتلاء عظيم وزلزال عظيم ابتُلُوا به، هذا الزلزال أصابهم، ليس زلزال الأرض، لكن زلزال النفوس، النفوس تزلزلت وحصل عليها شيء عظيم؛ لأنه اجتمع في هذه الغزوة اجتماع الأحزاب من العرب، ونقض بني قريظة، والجوع، والتعب، والإعياء، والبرد، كم؟ خمسة أشياء واحد منها يكفي في زلزلة النفس، فكيف إذا اجتمعت؟
الأمور صعبة، كان الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك المكان كان يَعْصِب على بطنه الحجر من الجوع، فكيف تتصور الحال؟ ما يمكن الإنسان يعبر عنها في الواقع، ولهذا قال: ﴿زُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ قويًّا عظيمًا، زلزل نفوسهم؛ لتَجَمُّع هذه الابتلاءات عليهم رضي الله عنهم.
ولهذا بزغ النفاق وتَكَلَّم المنافقون، ورأوا أن في هذا فرصة للكلام؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يَعِدُهُم النصر، حتى في تلك الغزوة يَعِدُهم النصر، وقصة الصخرة التي عجزوا عنها وتكسرت الفؤوس وتَعِبُوا حتى جاؤوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقالوا: يا رسول الله، أنت خططت لنا؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام خَطَّ لهم الخندق، مكان الخندق خطه بقدمه.
فمن حكمة الله عز وجل أنه صار الخط على هذه الصخرة التي عجزوا عنها، لكن لشدة امتثالهم رضي الله عنهم ما قالوا: نعطفه يمينًا أو يسارًا، لكنهم جاؤوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبروه، فنزل من عريشه الذي كان قد بُنِيَ له على تَلّ هنالك ليشرف على القوم، نزل وأخذ الْمِعْوَل فضربها ضربة، يقول ابن إسحاق: لَمَّا ضربها الضربة أضاءت إضاءة عظيمة كأنما نحن في نهار، واندكّ منها اندكّ، ثم ضربها وكَبَّر عليه الصلاة والسلام.
* طالب: بالليل؟
* الشيخ: بالليل، فكَبَّر، ثم ضربها الثانية فأضاءت وكَبَّر تكبيرة الفتح تكبيرة عظيمة، ثم ضربها الثالثة وكَبَّرَ، وقالوا: يا رسول الله لماذا صنعت هذا؟ قال: «رَأَيْتُ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى قُصُورَ الرُّومِ، وَفِي الثَّانِيَةِ قُصُورَ كِسْرَى، وَفِي الثَّالِثَةِ قُصُورَ صَنْعَاءَ –فِي الْيَمَنِ- وَأَنَّهَا سَتُفْتَحُ»[[أخرجه أحمد (١٨٦٩٤) عن البراء بن عازب رضي الله عنه، ولفظه: أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق، قال: وعرض لنا صخرة في مكان من الخندق، لا تأخذ فيها المعاول، قال: فشكوها إلى رسول الله ﷺ، فجاء رسول الله ﷺ، قال عوف: وأحسبه قال: وضع ثوبه ثم هبط إلى الصخرة، فأخذ المعول فقال: «باسم الله»، فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا»، ثم قال: «باسم الله»، وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا»، ثم قال: «باسم الله»، وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر، فقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا».]].
ويش يكون هذا؟ بشارة للمؤمنين ولَّا لا؟ بشارة وتقوية، لكن المنافقون -والعياذ بالله- الذين لا يثقون بوعد الله ورسوله قالوا: كيف هذا؟ الإنسان منا ما يستطيع يذهب إلى الغائط يقضي حاجته، كيف نملك قصور كسرى وقيصر وتُبَّع؟ هذا ما هو صحيح.
ولهذا يقول: (﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: ضعف اعتقاد، ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ بالنصر ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب ١٢]) -أعوذ بالله- كيف ينطق البشر بمثل هذا الكلام؟ لكن -والعياذ بالله- ما دامت قلوبهم منطوية على الكفر أو على الشك؛ لأن الذين في قلوبهم مرض عندهم شك، ضعف اعتقاد، والمنافقون عندهم كفر.
قالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾، سبحان الله العظيم! الله ورسوله يَعِدُكم غرورًا، ويكذب عليكم ويخدعكم؟! هذا لا يمكن، بل ما وعد الله ورسوله إلا حقًّا، ولكن لا يمكن أن تجني العسل إلا بعد ذَوْق شوك النحل، لا بد من تعب، ولا بد من صبر، مصابرة؛ لأنه لولا هذا ما عُرِفَ الصادق من الكاذب، ولا عُرِفَ المؤمن من الكافر، فلا بد من ابتلاء.
ولهذا.. بالمناسبة طلبة العلم قد يواجهون بعض المصاعب في الدعوة إلى الله عز وجل، قد يواجهون ذلك حتى في أنفسهم، ولكن عليهم أن يَصْبِرُوا وأن يتحمَّلُوا في الدعوة إلى الله؛ لأنهم ليسوا يدعون إلى سبيل فلان وفلان من سُبُل الطاغوت، لكن يدعون إلى سبيل الله التي توصلهم وتوصل عباد الله إلى الله عز وجل، فعليهم أن يصبروا، ليس بمجرد أن يقال لهم: أنت مطوّع، أنت متشدد، أنت فيك كذا وكذا، ينحسر ويَدَع، هذا ما هو صحيح، لا بد أن يصبر ويصابر، ويعمل بالحكمة وليس بالعنف، ولكل شيء.. مَرَّ علينا كثيرًا لكل شيء من الحالات منزلته.
والحاصل أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد وعد أصحابه بالنصر، فآمن بذلك المؤمنون، وتكلم المنافقون والذين في قلوبهم مرض بهذا الكلام، ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
وكذبوا والله، ما وعدهم الله ورسوله إلا الحق والصدق، وقد صار والحمد لله، فإن هذه الأمة -ولله الحمد- بما خَلَّفَه لها رسوله ﷺ من العلم والهدى، وبما قام به الخلفاء رضي الله عنهم، فَتَحُوا قصور قيصر وكسرى واليمن، وأُنْفِقَت كنوز كسرى وقيصر في سبيل الله، وجِيء بتاج كسرى من المدائن إلى المدينة، جيء به في خلافة عمر رضي الله عنه، فتحقَّق ما وعد الله ورسوله، وإن كان النبي عليه الصلاة والسلام تُوُفِّي قبل أن يحصل ذلك، لكن هو في الحقيقة هو الذي فتح هذا؛ لأن الصحابة ما فتحوها..
إلا بشريعة الله، بشريعة الله فتحوها، فصار ذلك نصرًا للنبي ﷺ؛ لأن النصر -كما نقول كثيرًا- ليس انتصار الإنسان بشخصه، بل انتصاره بما جاء به ودعا إليه، ولو كان على أيدي أتباعه، ولو كان ذلك من بعد موته، ما دام أن ما جاء به ينتصر، والله أعلم.
﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ﴾ [الأحزاب ١٠، ١١]، فإن وقفت قلت: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، والثالثة: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ﴾، يعني: وصلًا ووقفًا، ومثل ذلك قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب ٦٦]، ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب ٦٧]، فيها هذه القراءات الثلاث، إي نعم.
ما هي الظنون التي ظَنُّوها بالله عز وجل؟ نأخذ الفوائد إذن؟
* يستفاد من الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: بيان مِنَّة الله عز وجل على هذه الأمة أولها وآخرها بهذا الدفاع من الله سبحانه وتعالى عن المؤمنين.
وجهه: أن الله أمرنا بأن نذكر هذه النعمة.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن نعمة الله عز وجل إما إيجادُ محبوب، أو دفع مكروه، والذي في الآية من باب دفع المكروه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان شدة عداوة الكفار للمؤمنين؛ لأنهم تحزَّبُوا ضدهم، قد تكون هذه القبائل ليس بينها رابطة في حد ذاتها، ولكن من أجل أنها اتفقت في عداوتها للإسلام اجتمعت.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن اليهود لا عهد لهم، وأنهم أهل غدر وخيانة.
وجهه: نَقْض بني قريظة للعهد الذي بينهم وبين الرسول ﷺ، وكل القبائل الثلاثة من اليهود كلها عاهدت الرسول عليه الصلاة والسلام حين قدم المدينة، ومع ذلك فإنهم نقضوا العهد، بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، كلهم نقضوا العهد؛ لأن اليهود من أشد الناس غدرًا وكذبًا.
* ويستفاد من الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل، من قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ [الأحزاب ٩].
* ويستفاد منها: ما أشار إليه بعض أهل العلم من أن الريح إذا جاءت مُفْرَدَة فإنها تكون في العذاب، وإذا جاءت مجموعة فإنها تكون في الرحمة، إلا أنها قد تأتي مُفْرَدَة في الرحمة إذا وُصِفَت بما يدل على ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ [يونس ٢٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة جنود لله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب ٩]، فإن قلت: هنا ما أُضِيفَت إلى الله عز وجل، فكيف تقول: إنهم جنود الله؟ لأنه يقول: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾، أضاف إرسالهم إليه، وقد قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر ٣١].
فإن قلت: هل الرب عز وجل محتاج إلى جنود؟
فالجواب: طبعًا لا، ولا يمكن يكون محتاجًا، لكن لماذا سُمُّوا جنودًا مع أنه لا حاجة به إليهم؟
لأنهم يقومون بأمره، ويدافعون عن أوليائه، فهم بمنزلة الجنود، وإلا فالله عز وجل لا يحتاج إليهم ولا إلى غيرهم؛ لأنه غني عن كل أحد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس لا يرون الملائكة؛ لقوله: ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾، وهو كذلك، لكن قد يرونهم؛ مثلما رأى الناس جبريل حين جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، والساعة وأماراتها.
* ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: عموم علم الله سبحانه وتعالى بكل ما نعمل، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٩]، وهل يشمل ذلك عمل القلب؟ يشمله، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] ، وهو عمل قلب، أما عمل الجوارح فظاهر.
* ويستفاد من الآية الكريمة: الترغيب والترهيب، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾، فإن هذا فيه بالنسبة للعمل الصالح ترغيب، وأن هذا العمل لن يُهْدَر؛ لأنه معلوم عند الله سبحانه وتعالى، ولا بد أن يُجَازِي عليه، وترهيب لمن؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما نقول: الكفار، من عمل سيئة تهديد له، عندما تحدثك نفسك يومًا من الأيام بأن تعمل سيئة لأنه لا يطلع عليها أحد من الخلق فاذكر أن الله يطلع عليك، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾، ولهذا جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٧٩٦) عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه. ]]، ليس معك في مكانك، ولكنه معك وهو على عرشه سبحانه وتعالى مُحِيط بك.
وقال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب ١٠]، خمسة أشياء ذَكَّرَهُم الله بهم؛ ليتبين وجه النعمة.
* فيستفاد من الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن ذُكِّر أن يُذْكَر له وجه ما ذُكِّر به، أو لا؟ الإجمال ليس كالتفصيل.
إذن نأخذ من هذا فائدة؛ أنه ينبغي للمُذَكِّر أن يُفَصِّل فيما ذَكَّرَ به؛ ليكون ذلك أبلغ في تَذَكُّر المخاطب.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الحالة التي وقعت للمسلمين حالٌ عظيمة رهيبة، وأنهم لا يستطيعون أن يدفعوا بأنفسهم، وبهذا يتبين وجه نعمة الله سبحانه وتعالى عليهم؛ لأن الأعداء محيطون بهم، ولأن أبصارهم زاغت، وقلوبهم بلغت الحناجر، والأوهام والأفكار التي عندهم قد تكون قد دَوَّخَتْهم من هنا ومن هناك؛ لقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن المخاوف تُرْبِك الإنسان حتى في تصوراته؛ لقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، فإن الإنسان المستقر ما تكون عنده ظنون متباينة متعارضة؛ لأنه مستقر، لكن عندما يحصل الفزع وعندما يحصل الخوف تأتي الظنون من كل جانب، من كل وجه.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن خوف الإنسان الخوف الطبيعي من المخلوق لا يُعَدّ شركًا، من أين تؤخَذ؟ من قوله: ﴿زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾، فإن هذا من شدة الخوف، وهو خوف من مخلوق، لكن الباعث عليه الأمر الطبيعي، وإذا كان أمرًا طبيعيًّا فإنه لا يؤاخَذ به الإنسان، ولهذا وُصِفَت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، بل وُصِفَ به أولو العزم من الرسل، قال الله تعالى عن موسى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص ٢١]، ولما كَلَّفَه الله بالرسالة قال: ﴿أَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء ١٤]، فهذا خوف طبيعي ما يلام عليه الإنسان.
* وفي الآية الكريمة أيضًا دليل على أن الصحابة رضي الله عنهم على ما هم عليه من المرتبة العالية قد تعترضهم الظنون بسبب الضيق؛ لقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، وهو يخاطب المؤمنين، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب ٩]، فهم لشدة الضيق قد تعتريهم مثل هذه الوساوس، لكنها في الحقيقة سحابة صيف، عندما يرجع الإنسان إلى وعد الله عز وجل يزول عنه هذا كله ويتبدل.
ولهذا سيأتينا في سياق الآيات قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، سبحان الله! يرون هذه الأحزاب العظيمة ثم يُطَمْئِنُون أنفسَهم بأن هذا ما وعد الله ورسوله، وصدق الله ورسوله؛ لأن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وهم لَمَّا رأوا هذه الأحزاب العظيمة وما يترتب على وجودهم من الشدة والضيق عرفوا أن النصر قريب، فإن الله عز وجل قال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة ٢١٤]، شوف نصر الله قريب في مثل هذه الحالة، ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾.
إذا طَبَّقْت هذه على حال المؤمنين في وقت الأحزاب وجدت أنها تنطبق، آخر الآية: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، إذن صدق عليهم أن هذا ما وعد الله ورسوله، وصدق الله ورسوله في قرب النصر.
والحاصل أن مثل هذه الأمور التي تأتي عارضة ما تؤثر على مرتبة الإنسان وعلى حاله؛ لأنها تزول.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإنسان إذا غلبته الحال حتى وردت عليه مثل هذه الظنون فإنه لا يَحُطّ من مرتبته، لكن كما قلت قبل قليل: إذا استقرت به الحال وهدأت هذه الظنون عرف الحق.
* ويستفاد من الآية الكريمة من قوله: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب ١١] يستفاد منها: تصوير الحالة التي كان عليها المؤمنون في تلك اللحظة، وهو الابتلاء العظيم، هذا ابتلاء بالنسبة لما حصل من الأحداث، وبالنسبة لنفوسهم هل هي مستقرة؟
الجواب: لا، ﴿َزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾، فاجتمع عليهم الابتلاء الظاهري الذي يشاهَد بالعيان، والابتلاء الباطني الذي هو زلزلة النفوس وعدم استقرارها، ولهذا قال: ﴿زُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.
* وفي هذه الآية الكريمة أيضًا: بيان القاعدة العامة، وهو أن الله تعالى يذكر النِّعَم مضافةً إليه، ويذكر النقم غالبًا في البناء للمجهول؛ لأن هنا قال: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ﴾، ﴿وَزُلْزِلُوا﴾، ممن وقع ذلك؟ من الله سبحانه وتعالى، لكنه في مقام الخير يُضِيفُ الله سبحانه وتعالى الشيء إلى نفسه تمدحًا، وفي مقام خلاف ذلك تأتي الأفعال مبنية للمجهول.
وانظر إلى قول الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، ففي الشر قالوا: ﴿أُرِيدَ﴾، وفي الرَّشَد أضافوه إلى الله عز وجل؛ لأن الشر لا يضاف إلى الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) عن علي رضي الله عنه. ]]، فلا يجوز للإنسان أن يضيف الشر إلى الله أبدًا، فالشر إنما يكون في المفعولات لا في الفعل؛ لأن مفعولات الله عز وجل لها جهتان: جهة باعتبارها فعلًا لله، وجهة باعتبار ذاتها، أما باعتبار ذاتها –أي: ذات المفعولات- ففيها خير وشر بذاتها، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق١ ٢]، وأما باعتبارها فعلًا لله فليس فيها شر، واضح يا إخوان؟
باعتبارها فعلًا لله ما فيها شر، وباعتبار ذاتها فيها خير وشر، باعتبار الفعل ليس فيها شر؛ لأن الله ما قَدَّرَها إلا لحكمة، ثم لو تأملت الأشياء التي هي شر لوجدت أنها تتضمن خيرًا ولو كانت شرًّا، الفساد في البَرّ والبحر من الْجَدْب والفقر وغير ذلك شرّ، لكن مآله الخير، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب ١٢].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان أن المنافقين ينتهزون الفرص.
وجهه: أنهم في هذه الفرصة وحالهم الحال الضيقة الحالكة بدؤوا نشاطهم، وانتهزوا الفرصة، وقالوا: وين الوعد؟ ففيه دليل على أن المنافق على اسمه منافق، إن لم يجد فرصة سكت وصَانَع ودَاهَن، وإن وجد فرصة نطق وتكلم، وهذا دأبهم، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ١٤].
* ويستفاد من الآية الكريمة: الحذر من المنافقين؛ لأنهم لا يَأْلُون المؤمنين خبالًا، كلما وجدوا مطعنًا أو مكانًا للطعن هجموا، نسأل الله أن يُعِيذَنا منهم.
* ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن القلوب تنقسم إلى صحيحة ومريضة؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، وكذلك الأبدان تنقسم إلى مريضة وصحيحة، وانظر حال الناس اليوم هل هم أشد على مداواة القلوب من مداواة الأبدان، أو على مداواة الأبدان من مداواة القلوب؟ الأخير إلا مَن شاء الله، أكثر الناس اليوم حريصون على مداواة الأبدان التي مآلها أن تكون جيفة يأكلها الدود دون القلوب التي عليها مدار سعادة الدنيا والآخرة، تجد الإنسان يمرض قلبه، وربما يصل إلى درجة الاحتراق، ولكنه لا يبالي به، فإذا أصيب بشوكة في بدنه هرع إلى الأطباء، ولو حصل في ذلك مشقة وتعب.
ولكن العاقل المؤمن هو الذي يكون دائمًا في نظرٍ إلى قلبه ومرضه وصحته، وسلامته وعطبه، هذا هو المؤمن حقًّا، ولا شك أن القلب إذا صحَّ صَحَّ البدن، ولست أقول: صَحّ البدن أن المؤمن لا يمرض، لكن المؤمن لو مرض يرى أن في هذا المرض منفعة له ومصلحة، ولَّا لا؟ وبهذا يكون مرض بدنه صحة لقلبه؛ لما يحصل عنده من الصبر والرضا بالله عز وجل، وانتظار الفرج، وفعل الأسباب التي جعلها الله تعالى أسبابًا يعتمد على الله تعالى بما جعله سببًا.
الحاصل أن مرض القلب أخطر من مرض البدن بكثير، والعاقل يعتني بهذا عناية أشد.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الله تعالى ورسوله قد وَعَدَ المؤمنين بالنصر؛ لقوله: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ١٢]، والوعد مذكور في القرآن والسنة للمؤمنين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧]، شوف الوعد العظيم، ﴿حَقًّا عَلَيْنَا﴾ مُؤَكَّد، ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والملتزم بهذا يا إخواني هو الرب عز وجل الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، لكن مع الأسف الشديد أن كثيرًا من المؤمنين ما يلاحظون هذه الأشياء، مع أن الله تكفَّل بهذا.
وفي السنة قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣)، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]]، ونصره عليه الصلاة والسلام ليس نصرًا لذاته، ولكنه نصر لما جاء به، فيكون النصر له ولأمته من بعده أيضًا.
* ويستفاد من الآية الكريمة: بيان أن المنافق نظره قاصر، وكذلك مَن في قلبه مرض نظره قاصر.
وجهه: أنهم ما نظروا إلا إلى الساعة الحاضرة، ما فكروا في العاقبة، ومثل هذه الأمور التي تَرِد هذه أمور عوارض، لكن العاقبة للمتقين، فالأمور العوارض لا يَبْنِي عليها أحد إلا ضعيف البصيرة، حتى في أمور الدنيا أيضًا لا تنظر للأمور العارضة، فإن كما قيل: دوام الحال من المحال، ولكن ما دمت واثقًا بوعد الله عز وجل فَثِقْ أن هذا الوعد سوف يتحقق، لكن تعتريه عوارض بحكمة من حكم الله عز وجل يبتلي بها، ثم تكون العاقبة للمتقين، أظن انتهت الفوائد. (...).
عظيمة ما منهم أحد رجع عن دينه، لكن توجد كلمات –مثلًا- من ضعيف الإيمان لكنها لا تستقر.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، مع شدة دعاية المنافقين؛ لأن المنافقين لا شك أن عندهم دعاية عظيمة، ما هم ساكتين، لا يسكتون، لكن ما شاء الله، ثَبَّتَهم الله. (...)
﴿ ﴾
الأحزاب 33:12
قال الله تعالى: (﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ من الملائكة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء، من حفر الخندق، وبالياء من تحزيب المشركين)، يعني: فيها قراءتان: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ و﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.
قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ ما هذه الريح؟ قلت لكم: إنها الريح الشرقية، ولهذا جاءت في الحديث: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٣٥)، ومسلم (٩٠٠ / ١٧)، عن ابن عباس رضي الله عنهما. ]]، الدَّبُور الريح الغربية.
يقول: (﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء من حفر الخندق)، ولكن هذا التخصيص للآية لا ينبغي، لماذا لا ينبغي؟ لأننا إذا خَصَّصْنَا العموم في الآية قَصَرْنَا معنى اللفظ، أو قصرنا اللفظ على بعض معناه، والصواب أنه ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من حفر الخندق وغيره من كل ما عملتم في هذه الغزوة.
(بَصِير) أي: عليم، أو ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ يعني: الجنود، ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾، فالله تعالى بما يعملون بصير، من التحزُّب على النبي ﷺ، والقدوم إلى بلد الرسول عليه الصلاة والسلام لأجل القضاء عليه على زعمهم.
قال الله تعالى: (﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب ١٠] من أعلى الوادي وأسفله، من المشرق والمغرِب)، جاؤوا من المشرق ومن المغرِب، جاءت قريش من الناحية الشمالية الشرقية، وجاءت غطفان ويهود بني قريظة من الناحية الجنوبية الغربية، فجاؤوا من فوق المسلمين ومن أسفل منهم.
وكما قلت لكم قبل قليل: إن الخندق من الحرة الشرقية إلى الحرة الغربية، كل الشمال الآن محفوظ بالخندق، هم جاؤوا من فوقهم ومن أسفل منهم؛ ليكونوا كفَكَّيِ الأسد، حتى يُطْبِقُوا على المدينة، هذا تخطيطهم، ولكن الله تعالى بما يعملون محيط.
يقول عز وجل: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ﴾، زاغ الشيء بمعنى: مال، ومنه زاغت الشمس، إذا مالت بالزوال، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم ١٧] أي: ما مال.
﴿الْأَبْصَارُ﴾، (أل) هنا للعهد، أيّ عهد هو؟ الذهني، يعني: زاغت الأبصار منكم، يقول المؤلف في تفسيرها: (مالت عن كل شيء إلى عَدُوِّها من كل جانب)، يعني: أن الأبصار ما صار لها نظر إلا هذا العدو، كل شيء غفلت عن النظر إليه، إلا هذا العدو.
وقد فَسَّرَها بعض المفسرين: ﴿زَاغَتِ﴾ بمعنى: مالت عن استقرارها، أي: شخصت من قوة الرعب، صار الإنسان لا ينظر إلا إلى هذا الذي أمامه، يراقبه ويخشى منه، وهذا شيء مشاهَد بطبيعة البشر أن الإنسان إذا خاف من شيء يتجه بصره إلى أي شيء؟ إلى هذا الشيء، إلى ناحيته، وتجد البصر -كما يقول العامة- لا يُغْضِي أبدًا منفتح، يخشى من المباغتة، فالأبصار زاغت، ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾، ﴿الْقُلُوبُ﴾ يعني: منكم، قلوبكم بلغت (﴿الْحَنَاجِرَ﴾ جمع حنجرة، وهي منتهى الحلقوم).
وقوله: (من شدة الخوف) تعليل لقوله: ﴿زَاغَتِ﴾ و﴿بَلَغَتِ﴾، ﴿الْحَنَاجِرَ﴾ جمع حنجرة، وهي منتهى الحلقوم، يعني من هنا، وهل هذا حقيقة ﴿بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾؟ قال بعضهم: إنها حقيقة، وأن الخائف اذا اشتدّ خوفه انتفخت رئته، فإذا انتفخت ضَيَّقَت على القلب فخرج، ارتفع، ولهذا يقال في الجبان أو في الخائف: انتفخ سَحره، يعني: رئته، والأصل حَمْل الشيء على حقيقته، ويجوز أن يكون هذا تصويرًا عن شدة الرعب، يعنى: حتى إنها من شدة الرعب زالت القلوب عن أماكنها، فلا تتنفس طبيعيًّا، ولا تنبض طبيعيًّا؛ لأنها زالت عن أماكنها.
ثم قال: (﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ المختلفة بالنصر واليأس)، هذا اختلاف نصر ويأس، ﴿تَظُنُّونَ﴾ أي: أنتم بالله ﴿الظُّنُونَا﴾ بالألف للإطلاق، والظنون هذه جمع ظَنّ، والمصدر لا يُجْمَع إلا إذا كان أنواعًا، أما إذا كان نوعًا واحدًا لا يمكن جمعه وإن كثر، لكن إذا كان أنواعًا صح جمعه، فهنا جُمِعَ الظن وهو مصدر؛ لتنوعه، يعني الظنون تدور في أفهامهم، أو في أفكارهم مختلفة طولًا وعرضًا: هل سيزول هؤلاء الأحزاب، هل سيقضون علينا، هل سننتصر؟ يعني تعرفون مقام الخوف ماذا يحدث للإنسان من الظنون والتفكيرات القريبة والبعيدة؛ منهم مَن ظن اليأس، أو أَيِس، قال: ما بعد هذا شيء، ومنهم مَن ظن النصر، كيف وأن النصر مع أن المقام حالك جدًّا؟ لأنه يؤمن بأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع اليسر يسرًا، ويقولون: نحن على حق، فإذا كنا على حق وصبرنا فإن النصر أيش؟ مضمون، فلذلك يظن النصر.
ومنهم أصحاب المادة والظواهر الحسية، يظنون أيش؟ الهلاك، ويَيْأَسُون من النصر؛ لأنهم ليس لديهم رصيد من الإيمان يعتمدون عليه، ولا شك أن في الذين خرجوا لهذا أن فيهم منافقين، كما سيظهر في القصة.
المهم أن الله قال: ﴿تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ وأَطْلَقَ ذلك، وأتى به بالجمع؛ لأجل أن يذهب الإنسان في تصور هذا الظن كلَّ مذهب، ظنون كثيرة مختلفة متضاربة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إلّا، بلى، كيف؟ ولهذا جاءت الظنون بالجمع.
قال: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، ﴿هُنَالِكَ﴾ هذه اسم إشارة إلى المكان ولَّا إلى الزمان؟ إلى المكان، أو الزمان، أو إليهما جميعًا، ﴿هُنَالِكَ﴾ تصلح للزمان وللمكان، لكن الأصل أنها للمكان، وتأتي للزمان.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٥]، أي: في ذلك الزمن خسر الكافرون، فـ﴿هُنَالِكَ﴾ (هنا) صالحة للزمان والمكان، واللام للبُعد، والكاف للخطاب، ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، اختُبِرُوا، والذي ابتلاهم مَن؟ الله عز وجل، اختبرهم، بِمَا حصل لهم من هذا الضيق العظيم الذي لا يمكن أن نعبر عنه بالنطق، ولا يمكن أن يُحس به إلا مَن وقع فيه، نحن هنا نعجز عن تصور تلك الحالة، ونعجز عن تصويرها، لكن اللي وقع فيها يدري عنها.
يقول: (﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، يقول: اختُبِرُوا ليتبين الْمُخْلِص من غيره، ﴿وَزُلْزِلُوا﴾: حُرِّكُوا، ﴿زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ من شدة الفزع).
ابتلاء عظيم وزلزال عظيم ابتُلُوا به، هذا الزلزال أصابهم، ليس زلزال الأرض، لكن زلزال النفوس، النفوس تزلزلت وحصل عليها شيء عظيم؛ لأنه اجتمع في هذه الغزوة اجتماع الأحزاب من العرب، ونقض بني قريظة، والجوع، والتعب، والإعياء، والبرد، كم؟ خمسة أشياء واحد منها يكفي في زلزلة النفس، فكيف إذا اجتمعت؟
الأمور صعبة، كان الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك المكان كان يَعْصِب على بطنه الحجر من الجوع، فكيف تتصور الحال؟ ما يمكن الإنسان يعبر عنها في الواقع، ولهذا قال: ﴿زُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ قويًّا عظيمًا، زلزل نفوسهم؛ لتَجَمُّع هذه الابتلاءات عليهم رضي الله عنهم.
ولهذا بزغ النفاق وتَكَلَّم المنافقون، ورأوا أن في هذا فرصة للكلام؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يَعِدُهُم النصر، حتى في تلك الغزوة يَعِدُهم النصر، وقصة الصخرة التي عجزوا عنها وتكسرت الفؤوس وتَعِبُوا حتى جاؤوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقالوا: يا رسول الله، أنت خططت لنا؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام خَطَّ لهم الخندق، مكان الخندق خطه بقدمه.
فمن حكمة الله عز وجل أنه صار الخط على هذه الصخرة التي عجزوا عنها، لكن لشدة امتثالهم رضي الله عنهم ما قالوا: نعطفه يمينًا أو يسارًا، لكنهم جاؤوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبروه، فنزل من عريشه الذي كان قد بُنِيَ له على تَلّ هنالك ليشرف على القوم، نزل وأخذ الْمِعْوَل فضربها ضربة، يقول ابن إسحاق: لَمَّا ضربها الضربة أضاءت إضاءة عظيمة كأنما نحن في نهار، واندكّ منها اندكّ، ثم ضربها وكَبَّر عليه الصلاة والسلام.
* طالب: بالليل؟
* الشيخ: بالليل، فكَبَّر، ثم ضربها الثانية فأضاءت وكَبَّر تكبيرة الفتح تكبيرة عظيمة، ثم ضربها الثالثة وكَبَّرَ، وقالوا: يا رسول الله لماذا صنعت هذا؟ قال: «رَأَيْتُ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى قُصُورَ الرُّومِ، وَفِي الثَّانِيَةِ قُصُورَ كِسْرَى، وَفِي الثَّالِثَةِ قُصُورَ صَنْعَاءَ –فِي الْيَمَنِ- وَأَنَّهَا سَتُفْتَحُ»[[أخرجه أحمد (١٨٦٩٤) عن البراء بن عازب رضي الله عنه، ولفظه: أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق، قال: وعرض لنا صخرة في مكان من الخندق، لا تأخذ فيها المعاول، قال: فشكوها إلى رسول الله ﷺ، فجاء رسول الله ﷺ، قال عوف: وأحسبه قال: وضع ثوبه ثم هبط إلى الصخرة، فأخذ المعول فقال: «باسم الله»، فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا»، ثم قال: «باسم الله»، وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا»، ثم قال: «باسم الله»، وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر، فقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا».]].
ويش يكون هذا؟ بشارة للمؤمنين ولَّا لا؟ بشارة وتقوية، لكن المنافقون -والعياذ بالله- الذين لا يثقون بوعد الله ورسوله قالوا: كيف هذا؟ الإنسان منا ما يستطيع يذهب إلى الغائط يقضي حاجته، كيف نملك قصور كسرى وقيصر وتُبَّع؟ هذا ما هو صحيح.
ولهذا يقول: (﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: ضعف اعتقاد، ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ بالنصر ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب ١٢]) -أعوذ بالله- كيف ينطق البشر بمثل هذا الكلام؟ لكن -والعياذ بالله- ما دامت قلوبهم منطوية على الكفر أو على الشك؛ لأن الذين في قلوبهم مرض عندهم شك، ضعف اعتقاد، والمنافقون عندهم كفر.
قالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾، سبحان الله العظيم! الله ورسوله يَعِدُكم غرورًا، ويكذب عليكم ويخدعكم؟! هذا لا يمكن، بل ما وعد الله ورسوله إلا حقًّا، ولكن لا يمكن أن تجني العسل إلا بعد ذَوْق شوك النحل، لا بد من تعب، ولا بد من صبر، مصابرة؛ لأنه لولا هذا ما عُرِفَ الصادق من الكاذب، ولا عُرِفَ المؤمن من الكافر، فلا بد من ابتلاء.
ولهذا.. بالمناسبة طلبة العلم قد يواجهون بعض المصاعب في الدعوة إلى الله عز وجل، قد يواجهون ذلك حتى في أنفسهم، ولكن عليهم أن يَصْبِرُوا وأن يتحمَّلُوا في الدعوة إلى الله؛ لأنهم ليسوا يدعون إلى سبيل فلان وفلان من سُبُل الطاغوت، لكن يدعون إلى سبيل الله التي توصلهم وتوصل عباد الله إلى الله عز وجل، فعليهم أن يصبروا، ليس بمجرد أن يقال لهم: أنت مطوّع، أنت متشدد، أنت فيك كذا وكذا، ينحسر ويَدَع، هذا ما هو صحيح، لا بد أن يصبر ويصابر، ويعمل بالحكمة وليس بالعنف، ولكل شيء.. مَرَّ علينا كثيرًا لكل شيء من الحالات منزلته.
والحاصل أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد وعد أصحابه بالنصر، فآمن بذلك المؤمنون، وتكلم المنافقون والذين في قلوبهم مرض بهذا الكلام، ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
وكذبوا والله، ما وعدهم الله ورسوله إلا الحق والصدق، وقد صار والحمد لله، فإن هذه الأمة -ولله الحمد- بما خَلَّفَه لها رسوله ﷺ من العلم والهدى، وبما قام به الخلفاء رضي الله عنهم، فَتَحُوا قصور قيصر وكسرى واليمن، وأُنْفِقَت كنوز كسرى وقيصر في سبيل الله، وجِيء بتاج كسرى من المدائن إلى المدينة، جيء به في خلافة عمر رضي الله عنه، فتحقَّق ما وعد الله ورسوله، وإن كان النبي عليه الصلاة والسلام تُوُفِّي قبل أن يحصل ذلك، لكن هو في الحقيقة هو الذي فتح هذا؛ لأن الصحابة ما فتحوها..
إلا بشريعة الله، بشريعة الله فتحوها، فصار ذلك نصرًا للنبي ﷺ؛ لأن النصر -كما نقول كثيرًا- ليس انتصار الإنسان بشخصه، بل انتصاره بما جاء به ودعا إليه، ولو كان على أيدي أتباعه، ولو كان ذلك من بعد موته، ما دام أن ما جاء به ينتصر، والله أعلم.
﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ﴾ [الأحزاب ١٠، ١١]، فإن وقفت قلت: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، والثالثة: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ﴾، يعني: وصلًا ووقفًا، ومثل ذلك قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب ٦٦]، ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب ٦٧]، فيها هذه القراءات الثلاث، إي نعم.
ما هي الظنون التي ظَنُّوها بالله عز وجل؟ نأخذ الفوائد إذن؟
* يستفاد من الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: بيان مِنَّة الله عز وجل على هذه الأمة أولها وآخرها بهذا الدفاع من الله سبحانه وتعالى عن المؤمنين.
وجهه: أن الله أمرنا بأن نذكر هذه النعمة.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن نعمة الله عز وجل إما إيجادُ محبوب، أو دفع مكروه، والذي في الآية من باب دفع المكروه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان شدة عداوة الكفار للمؤمنين؛ لأنهم تحزَّبُوا ضدهم، قد تكون هذه القبائل ليس بينها رابطة في حد ذاتها، ولكن من أجل أنها اتفقت في عداوتها للإسلام اجتمعت.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن اليهود لا عهد لهم، وأنهم أهل غدر وخيانة.
وجهه: نَقْض بني قريظة للعهد الذي بينهم وبين الرسول ﷺ، وكل القبائل الثلاثة من اليهود كلها عاهدت الرسول عليه الصلاة والسلام حين قدم المدينة، ومع ذلك فإنهم نقضوا العهد، بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، كلهم نقضوا العهد؛ لأن اليهود من أشد الناس غدرًا وكذبًا.
* ويستفاد من الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل، من قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ [الأحزاب ٩].
* ويستفاد منها: ما أشار إليه بعض أهل العلم من أن الريح إذا جاءت مُفْرَدَة فإنها تكون في العذاب، وإذا جاءت مجموعة فإنها تكون في الرحمة، إلا أنها قد تأتي مُفْرَدَة في الرحمة إذا وُصِفَت بما يدل على ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ [يونس ٢٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة جنود لله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب ٩]، فإن قلت: هنا ما أُضِيفَت إلى الله عز وجل، فكيف تقول: إنهم جنود الله؟ لأنه يقول: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾، أضاف إرسالهم إليه، وقد قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر ٣١].
فإن قلت: هل الرب عز وجل محتاج إلى جنود؟
فالجواب: طبعًا لا، ولا يمكن يكون محتاجًا، لكن لماذا سُمُّوا جنودًا مع أنه لا حاجة به إليهم؟
لأنهم يقومون بأمره، ويدافعون عن أوليائه، فهم بمنزلة الجنود، وإلا فالله عز وجل لا يحتاج إليهم ولا إلى غيرهم؛ لأنه غني عن كل أحد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس لا يرون الملائكة؛ لقوله: ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾، وهو كذلك، لكن قد يرونهم؛ مثلما رأى الناس جبريل حين جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، والساعة وأماراتها.
* ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: عموم علم الله سبحانه وتعالى بكل ما نعمل، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٩]، وهل يشمل ذلك عمل القلب؟ يشمله، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] ، وهو عمل قلب، أما عمل الجوارح فظاهر.
* ويستفاد من الآية الكريمة: الترغيب والترهيب، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾، فإن هذا فيه بالنسبة للعمل الصالح ترغيب، وأن هذا العمل لن يُهْدَر؛ لأنه معلوم عند الله سبحانه وتعالى، ولا بد أن يُجَازِي عليه، وترهيب لمن؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما نقول: الكفار، من عمل سيئة تهديد له، عندما تحدثك نفسك يومًا من الأيام بأن تعمل سيئة لأنه لا يطلع عليها أحد من الخلق فاذكر أن الله يطلع عليك، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾، ولهذا جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٧٩٦) عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه. ]]، ليس معك في مكانك، ولكنه معك وهو على عرشه سبحانه وتعالى مُحِيط بك.
وقال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب ١٠]، خمسة أشياء ذَكَّرَهُم الله بهم؛ ليتبين وجه النعمة.
* فيستفاد من الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن ذُكِّر أن يُذْكَر له وجه ما ذُكِّر به، أو لا؟ الإجمال ليس كالتفصيل.
إذن نأخذ من هذا فائدة؛ أنه ينبغي للمُذَكِّر أن يُفَصِّل فيما ذَكَّرَ به؛ ليكون ذلك أبلغ في تَذَكُّر المخاطب.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الحالة التي وقعت للمسلمين حالٌ عظيمة رهيبة، وأنهم لا يستطيعون أن يدفعوا بأنفسهم، وبهذا يتبين وجه نعمة الله سبحانه وتعالى عليهم؛ لأن الأعداء محيطون بهم، ولأن أبصارهم زاغت، وقلوبهم بلغت الحناجر، والأوهام والأفكار التي عندهم قد تكون قد دَوَّخَتْهم من هنا ومن هناك؛ لقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن المخاوف تُرْبِك الإنسان حتى في تصوراته؛ لقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، فإن الإنسان المستقر ما تكون عنده ظنون متباينة متعارضة؛ لأنه مستقر، لكن عندما يحصل الفزع وعندما يحصل الخوف تأتي الظنون من كل جانب، من كل وجه.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن خوف الإنسان الخوف الطبيعي من المخلوق لا يُعَدّ شركًا، من أين تؤخَذ؟ من قوله: ﴿زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾، فإن هذا من شدة الخوف، وهو خوف من مخلوق، لكن الباعث عليه الأمر الطبيعي، وإذا كان أمرًا طبيعيًّا فإنه لا يؤاخَذ به الإنسان، ولهذا وُصِفَت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، بل وُصِفَ به أولو العزم من الرسل، قال الله تعالى عن موسى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص ٢١]، ولما كَلَّفَه الله بالرسالة قال: ﴿أَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء ١٤]، فهذا خوف طبيعي ما يلام عليه الإنسان.
* وفي الآية الكريمة أيضًا دليل على أن الصحابة رضي الله عنهم على ما هم عليه من المرتبة العالية قد تعترضهم الظنون بسبب الضيق؛ لقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، وهو يخاطب المؤمنين، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب ٩]، فهم لشدة الضيق قد تعتريهم مثل هذه الوساوس، لكنها في الحقيقة سحابة صيف، عندما يرجع الإنسان إلى وعد الله عز وجل يزول عنه هذا كله ويتبدل.
ولهذا سيأتينا في سياق الآيات قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، سبحان الله! يرون هذه الأحزاب العظيمة ثم يُطَمْئِنُون أنفسَهم بأن هذا ما وعد الله ورسوله، وصدق الله ورسوله؛ لأن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وهم لَمَّا رأوا هذه الأحزاب العظيمة وما يترتب على وجودهم من الشدة والضيق عرفوا أن النصر قريب، فإن الله عز وجل قال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة ٢١٤]، شوف نصر الله قريب في مثل هذه الحالة، ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾.
إذا طَبَّقْت هذه على حال المؤمنين في وقت الأحزاب وجدت أنها تنطبق، آخر الآية: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، إذن صدق عليهم أن هذا ما وعد الله ورسوله، وصدق الله ورسوله في قرب النصر.
والحاصل أن مثل هذه الأمور التي تأتي عارضة ما تؤثر على مرتبة الإنسان وعلى حاله؛ لأنها تزول.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإنسان إذا غلبته الحال حتى وردت عليه مثل هذه الظنون فإنه لا يَحُطّ من مرتبته، لكن كما قلت قبل قليل: إذا استقرت به الحال وهدأت هذه الظنون عرف الحق.
* ويستفاد من الآية الكريمة من قوله: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب ١١] يستفاد منها: تصوير الحالة التي كان عليها المؤمنون في تلك اللحظة، وهو الابتلاء العظيم، هذا ابتلاء بالنسبة لما حصل من الأحداث، وبالنسبة لنفوسهم هل هي مستقرة؟
الجواب: لا، ﴿َزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾، فاجتمع عليهم الابتلاء الظاهري الذي يشاهَد بالعيان، والابتلاء الباطني الذي هو زلزلة النفوس وعدم استقرارها، ولهذا قال: ﴿زُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.
* وفي هذه الآية الكريمة أيضًا: بيان القاعدة العامة، وهو أن الله تعالى يذكر النِّعَم مضافةً إليه، ويذكر النقم غالبًا في البناء للمجهول؛ لأن هنا قال: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ﴾، ﴿وَزُلْزِلُوا﴾، ممن وقع ذلك؟ من الله سبحانه وتعالى، لكنه في مقام الخير يُضِيفُ الله سبحانه وتعالى الشيء إلى نفسه تمدحًا، وفي مقام خلاف ذلك تأتي الأفعال مبنية للمجهول.
وانظر إلى قول الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، ففي الشر قالوا: ﴿أُرِيدَ﴾، وفي الرَّشَد أضافوه إلى الله عز وجل؛ لأن الشر لا يضاف إلى الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) عن علي رضي الله عنه. ]]، فلا يجوز للإنسان أن يضيف الشر إلى الله أبدًا، فالشر إنما يكون في المفعولات لا في الفعل؛ لأن مفعولات الله عز وجل لها جهتان: جهة باعتبارها فعلًا لله، وجهة باعتبار ذاتها، أما باعتبار ذاتها –أي: ذات المفعولات- ففيها خير وشر بذاتها، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق١ ٢]، وأما باعتبارها فعلًا لله فليس فيها شر، واضح يا إخوان؟
باعتبارها فعلًا لله ما فيها شر، وباعتبار ذاتها فيها خير وشر، باعتبار الفعل ليس فيها شر؛ لأن الله ما قَدَّرَها إلا لحكمة، ثم لو تأملت الأشياء التي هي شر لوجدت أنها تتضمن خيرًا ولو كانت شرًّا، الفساد في البَرّ والبحر من الْجَدْب والفقر وغير ذلك شرّ، لكن مآله الخير، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب ١٢].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان أن المنافقين ينتهزون الفرص.
وجهه: أنهم في هذه الفرصة وحالهم الحال الضيقة الحالكة بدؤوا نشاطهم، وانتهزوا الفرصة، وقالوا: وين الوعد؟ ففيه دليل على أن المنافق على اسمه منافق، إن لم يجد فرصة سكت وصَانَع ودَاهَن، وإن وجد فرصة نطق وتكلم، وهذا دأبهم، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ١٤].
* ويستفاد من الآية الكريمة: الحذر من المنافقين؛ لأنهم لا يَأْلُون المؤمنين خبالًا، كلما وجدوا مطعنًا أو مكانًا للطعن هجموا، نسأل الله أن يُعِيذَنا منهم.
* ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن القلوب تنقسم إلى صحيحة ومريضة؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، وكذلك الأبدان تنقسم إلى مريضة وصحيحة، وانظر حال الناس اليوم هل هم أشد على مداواة القلوب من مداواة الأبدان، أو على مداواة الأبدان من مداواة القلوب؟ الأخير إلا مَن شاء الله، أكثر الناس اليوم حريصون على مداواة الأبدان التي مآلها أن تكون جيفة يأكلها الدود دون القلوب التي عليها مدار سعادة الدنيا والآخرة، تجد الإنسان يمرض قلبه، وربما يصل إلى درجة الاحتراق، ولكنه لا يبالي به، فإذا أصيب بشوكة في بدنه هرع إلى الأطباء، ولو حصل في ذلك مشقة وتعب.
ولكن العاقل المؤمن هو الذي يكون دائمًا في نظرٍ إلى قلبه ومرضه وصحته، وسلامته وعطبه، هذا هو المؤمن حقًّا، ولا شك أن القلب إذا صحَّ صَحَّ البدن، ولست أقول: صَحّ البدن أن المؤمن لا يمرض، لكن المؤمن لو مرض يرى أن في هذا المرض منفعة له ومصلحة، ولَّا لا؟ وبهذا يكون مرض بدنه صحة لقلبه؛ لما يحصل عنده من الصبر والرضا بالله عز وجل، وانتظار الفرج، وفعل الأسباب التي جعلها الله تعالى أسبابًا يعتمد على الله تعالى بما جعله سببًا.
الحاصل أن مرض القلب أخطر من مرض البدن بكثير، والعاقل يعتني بهذا عناية أشد.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الله تعالى ورسوله قد وَعَدَ المؤمنين بالنصر؛ لقوله: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ١٢]، والوعد مذكور في القرآن والسنة للمؤمنين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧]، شوف الوعد العظيم، ﴿حَقًّا عَلَيْنَا﴾ مُؤَكَّد، ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والملتزم بهذا يا إخواني هو الرب عز وجل الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، لكن مع الأسف الشديد أن كثيرًا من المؤمنين ما يلاحظون هذه الأشياء، مع أن الله تكفَّل بهذا.
وفي السنة قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣)، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ]]، ونصره عليه الصلاة والسلام ليس نصرًا لذاته، ولكنه نصر لما جاء به، فيكون النصر له ولأمته من بعده أيضًا.
* ويستفاد من الآية الكريمة: بيان أن المنافق نظره قاصر، وكذلك مَن في قلبه مرض نظره قاصر.
وجهه: أنهم ما نظروا إلا إلى الساعة الحاضرة، ما فكروا في العاقبة، ومثل هذه الأمور التي تَرِد هذه أمور عوارض، لكن العاقبة للمتقين، فالأمور العوارض لا يَبْنِي عليها أحد إلا ضعيف البصيرة، حتى في أمور الدنيا أيضًا لا تنظر للأمور العارضة، فإن كما قيل: دوام الحال من المحال، ولكن ما دمت واثقًا بوعد الله عز وجل فَثِقْ أن هذا الوعد سوف يتحقق، لكن تعتريه عوارض بحكمة من حكم الله عز وجل يبتلي بها، ثم تكون العاقبة للمتقين، أظن انتهت الفوائد. (...).
عظيمة ما منهم أحد رجع عن دينه، لكن توجد كلمات –مثلًا- من ضعيف الإيمان لكنها لا تستقر.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، مع شدة دعاية المنافقين؛ لأن المنافقين لا شك أن عندهم دعاية عظيمة، ما هم ساكتين، لا يسكتون، لكن ما شاء الله، ثَبَّتَهم الله. (...)
﴿ ﴾
الأحزاب 33:13
﴿قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: ١٣]، ﴿وَإِذْ قَالَتْ﴾ هذه معطوفة على ما سبق، ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ يعني: واذكر هذه القولة المنكَرَة، ﴿إِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ الطائفة: الجماعة من الناس، و﴿مِنْهُمْ﴾ الضمير يعود على المنافقين كما قال المؤلف: (﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ أي: من المنافقين).
﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ يثرب يقول: هي أرض المدينة، وقيل: هي المدينة نفسها، فأهل العلم بالتاريخ اختلفوا هل يثرب اسم للمكان والمنطقة التي فيها المدينة، أو أن يثرب هي نفس المدينة؟ وظاهر الحديث أن يثرب هي المدينة.
وقوله: (﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾: هي أرض المدينة، ولم تُصْرَف للعَلَمِيَّة ووزن الفعل)، يعني: ممنوعة من الصرف لهاتين العِلَّتَيْن العلمية ووزن الفعل، ويدل على أنها ممنوعة من الصرف أنها جُرَّت بالفتحة؛ لأنه مضاف إليها، وحق المضاف إليه أن يكون مجرورًا، وهنا الكلمة مفتوحة؛ لأنها تُجَرّ بالفتحة كسائر الأسماء التي لا تنصرف.
وقول المؤلف: (للعَلَمِيَّة ووزن الفعل)؛ لأن يثرب التي هي اسم على وزن يثرب الذي هو فعل، ولها علة أخرى غير وزن الفعل، وهي التأنيث، العَلَمِيَّة والتأنيث؛ لأنها اسم لبقعة، وكأن المؤلف رحمه الله قال: (للعلمية ووزن الفعل) ليشير إلى أن هذه الكلمة (يثرب) مأخوذة من التثريب، وهو اللوم والتوبيخ، وما أشبه ذلك من الكلمات التي فيها عَتْب، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٧١)، ومسلم (١٣٨٢ / ٤٨٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهذا دليل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام كَرِهَ أن تسمى يثرب، وهو أحد القولين في المسألة.
وأما الحديث الذي رُوِيَ: «مَنْ قَالَ لِلْمَدِينَةِ: يَثْرِبُ، فَلْيَسْتَغْفِرِ اللهَ»[[أخرجه أبو يعلى في مسنده (١٦٨٨) عن البراء بن عازب رضي الله عنه. ]]، فهو ضعيف، لكن يكفي عنه هذا الحديث الذي في الصحيحين، «يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٧١)، ومسلم (١٣٨٢ / ٤٨٨)، عن أبي هريرة رضي الله عنه. ]].
الحاصل أن قوله: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ كأن المؤلف رحمه الله اختار أن يقول أنه لم يؤخَذ من فعل لهذا السبب.
(﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ بضم الميم وفتحها، أي: لا إقامة ولا مكانة)، (مُقام) بضم الميم وفتحها، أيش معنى كلام المؤلف؟ هي قراءتان ﴿لَا مُقَامَ﴾ و﴿لَا مَقَامَ﴾ قال: (لا إقامة ولا مكانة)؛ (لا إقامة) تفسير للضم ﴿مُقَامَ﴾؛ لأنه من الرباعي، والرباعي يقال في مصدره الميمي: (مُقام)، و﴿مَقام﴾ : لا مكانة، على أنها اسم مكان، واسم المكان بفتح الميم، المعنى: لا موضع للإقامة، على كونها اسم مكان، أو لا إقامة لكم، لماذا يقولون: لا مُقَام لكم؟ لأنهم يريدون الفرار، ولا يريدون البقاء مع النبي ﷺ في القتال؛ إذ إنهم منافقون، والمنافق ليس صبورًا على القتال، بل لا يريد القتال، ولو ظهر الأمر في يده لقاتل مَن؟ المسلمين.
وفي قوله: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ إشارة واضحة إلى القومية والعصبية؛ لأنه دعاهم باسم الوطن، ما قال: يا إخوتنا، ولا قال: يا أيها المسلمون، إنما قال: يا أهل يثرب؛ لأنه ليس عنده دين يقاتل من أجله، وإنما هو قوميّ يريد الحمية فقط.
﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾، إلى أين؟ يقول المؤلف: (إلى منازلكم من المدينة، وكانوا خرجوا مع النبي ﷺ إلى سلع -جبل خارج المدينة- للقتال).
وقوله: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ حسب ما يُعْرَف في اللغة العربية إنه نفي عامّ؛ لأن (لا) النافية للجنس تفيد العموم، يعني: ما فيها أي مقام على أي حال من الأحوال فارجعوا، ومثل هذا التعبير إذا قيل لقوم ليس في قلوبهم إيمان لا يُبْقِي منهم أحدًا، لا بد أن يرجعوا.
ثم قال الله عز وجل بناء على هذا الأمر وأنه لا مقام لهم، قال: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾، هؤلاء أهون من الأولين؛ لأن الأولين دَعَوْا إلى الفرار بدون استئذان، قالوا: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾، أما هؤلاء فإنهم يستأذنون النبي ﷺ، ولكن استئذانهم للرسول عليه الصلاة والسلام ليس كاستئذان المؤمنين الذين إذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، لكنهم يستأذنون خداعًا وتمويهًا، ولهذا يقول: ﴿يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾، أي: من المنافقين، النبي ﷺ إلى الرجوع ﴿يَقُولُونَ﴾.
﴿يَسْتَأْذِنُ﴾ بمعنى: يطلب الإذن؛ لأن استفعل تأتي كثيرًا بمعنى: طلب الشيء، ومنه: اسْتَغْفَرَ؛ طلب المغفرة، واستعتب؛ طلب العتب والعظة.
وقوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ الجملة إما أنها حال من ﴿فَرِيقٌ﴾، يعني: حال كونهم يقولون، وإما أن تكون عطف بيان أو بدلًا من قوله: ﴿يَسْتَأْذِنُ﴾، وكلاهما له وجه؛ أما على قولنا: إنها حال، فلأن النكرة هنا وُصِفَت، والنكرة إذا وُصِفَت تخصصت، فجاز وقوع الحال منها، أليس هذا؟ وأما على قولنا بأنها بدل أو عطف بيان فعلى حد قول ابن مالك رحمه الله، ماذا قال؟
وَيُبْدَلُ الْفِعْلُ مِنَ الْفِعْلِ كَمَنْ ∗∗∗ يَصِلْ إِلَيْنَا يَسْتَعِنْ بِنَا يُعَنْ
إذن يجوز فيها وجهان؛ أن تكون بدلًا من قوله: ﴿يَسْتَأْذِنُ﴾، وأن تكون عطف بيان مثل البدل، وأن تكون حالًا من فاعل ﴿يَسْتَأْذِنُ﴾.
﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ قال: (غير حصينة يُخْشَى عليها)، يقولون للرسول عليه الصلاة والسلام في مبرر الاستئذان: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ ونخشى عليها من العدو، والعورة هنا يعني غيرة حصينة؛ لأن الحصن يحميها ويسترها، كما يستر الثوب عورة الرجل، فهذا معنى قولهم: إنها عورة، يعني: مكشوفة لا يمكن أن نأمن من هجوم العدو عليها.
وفي قراءة لكنها غير سبعية (عَوِرَةٌ) بكسر الواو، أي: معيبة.
قال الله تعالى مبطلًا دعواهم: (﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ﴾: ما ﴿يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ )، هنا ينبغي الوقوف على قوله: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾؛ لأنك لو وصلت لأَوْهَم أن قوله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ من قول المنافقين، فيكون في ذلك تناقض وفساد للمعنى، فتقف ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾، ثم تستأنف القراءة وتقول: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾.
وقوله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ أحب أن نسمع إعرابها من واحد منكم يا نحاة البصرة.
* طالب: (...).
* الشيخ: مبنية على الكسر؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: على السكون.
* الطالب: الفتح.
* الشيخ: الفتح؟ صح.
* طالب: (...).
* الشيخ: زائد إعرابًا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لو قال قائل: مَن الذي يقول: إنها حجازية؛ لأن النص ليس بظاهر على الخبر، أفلا يجوز أن تكون ﴿بِعَوْرَةٍ﴾ خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل؟ فبماذا نجيبه؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما الدليل؟ نريد شاهدًا من القرآن يؤيد قولك.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ فنصب، فدلّ ذلك على أن القرآن نزل بمقتضى لغة الحجازيين.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، ﴿إِنْ﴾ قال المؤلف: ما، (ما) هذه أيش معناها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: تفسير لـ﴿إِنْ﴾؟ إذن (إن) هنا أيش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نافية؛ لأنها فُسِّرَت بـ(ما)، و(ما) نافية، ويدل لذلك إتيان ﴿إِلَّا﴾ بعدها، ولَّا لا؟ ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، فهذا دليل على أنها نافية، و(إن) تأتي نافية كما هنا، وتأتي شرطية، ويش مثاله؟ ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ [الأنفال ١٩]، وتأتي مخففة من الثقيلة، مثل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذه (أَنْ).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، هذه شرطية.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (أنْ).
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه ٦٣] هذه مخففة من الثقيلة، هذه ثلاث، وتأتي زائدة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذه (أنْ)، ما يخالف، لو ما فيه غير القرآن، ائتوا لنا بشيء من كلام العرب ولّا من غير القرآن.
* الطالب: (...).
* الشيخ:
.... مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ
هذه زائدة، أو لا؟ يعني: ما إن أنتم، أي: ما أنتم، ما الذي يُعَيِّن هذه المعاني؟ الذي يُعَيِّنُه السياق، وهذا باتفاق العلماء، أي: أن وجود الألفاظ المشتركة التي تتعين بالسياق ثابت في اللغة العربية.
لكنهم اختلفوا في مسألة الحقيقة والمجاز؛ فمنهم من أثبت ذلك، ومنهم من نفى، وقالوا: إن المجاز والحقيقة كالاشتراك في المعنى، والاشتراك أنتم تقولون به، وهذا هو القول الراجح كما سبق عدة مرات بأن الصحيح أنه لا مجاز في اللغة العربية.
يقول: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ﴾ هذا كلام الله عز وجل، ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، يعني: ما ﴿يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، وهذه الجملة كما تشاهدون جملة حصرية، يعني: تفيد الحصر، أي أن هؤلاء ما لهم إرادة أبدًا سوى الفرار من القتال، فالبيوت مُحَصَّنَة، ولا يُخْشَى عليها أكثر مما يُخْشَى على المدينة، وليس لهم أي عذر إلا عذرًا واحدًا، وهو الفرار من القتال؛ لأنهم لا يريدون مواجهة العدو، بل هم العدو، كما قال الله عنهم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ [الأحزاب ١٤]، ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ﴾، ﴿لَوْ﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط فيها ﴿دُخِلَتْ﴾، وجواب الشرط ﴿لَآتَوْهَا﴾.
﴿لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ الفاعل فَسَّرَه المؤلف بالمدينة، يعني: لو دُخِلَت المدينة عليهم من أقطارها، وتفسيره إياها بالمدينة يؤيده قوله في أول الآية: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾، وفَسَّرَه بعضهم بالبيوت، أي: ولو دُخِلَتْ عليهم البيوت من أقطارها.
ويؤيد هذا التفسير قولهم: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾، لكن يرجِّح الأول؛ أنها المدينة، قوله: ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾؛ لأن الغالب أن كلمة ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ ما تأتي للبيوت؛ لأن البيوت صغيرة، فجهاتها لا يُطْلَق عليها قطر، وإنما الأقطار إنما تكون للشيء الكبير.
ولهذا قال: (﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾، أي: نواحيها)، يعني لو دَخَلَ العدو المدينة من نواحيها كلها، أو من أي ناحية منها، (﴿ثُمَّ سُئِلُوا﴾ أي: سألهم الداخلون ﴿الْفِتْنَةَ﴾، ﴿لَآتَوْهَا﴾ بالمد والقصر، أي: أَعْطَوْهَا وفعلوها).
﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ الفاعل مَن؟ نائب الفاعل المنافقون، لكن مَن السائل الفاعل في المعنى الداخل للمدينة من أقطارها، لو سألهم هذا الداخل الفتنة، الفتنة يقول المؤلف: (الشرك)، والدليل على أن الفتنة بمعنى الشرك قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة ١٩٣]، أي: لا يكون شرك.
وقال الإمام أحمد رحمه الله في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور ٦٣]، قال: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشِّرْك، هؤلاء لو دُخِلَت عليهم المدينة لم يكن عندهم إخلاص في الإسلام وبقاء عليه، بمجرد ما يسألهم الداخلون الكفرَ يوافقون عليه؛ لأنهم قوم لا يريدون إلا الدنيا فقط، يريدون أن يعيشوا في الدنيا ولو عيشة الحمار، أما أن يعيشوا عيشة المؤمنين فإنهم لا يريدون هذا، ولذلك يقول: ﴿لَوْ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾، (...).
قصر، و(آتوها) هذا المد، والفرق بينهما أن (أتى) بمعنى: جاء، و(آتى) بمعنى: أعطى، وتفسير القراءتين أو مجموع التفسير يدل على أنهم يُعْطُون ما سُئِلُوا، ويأتون إليه بانقياد، يعني أتى الشيء يعني: جاءهم باختياره، وآتاه بمعنى أعطاه ولو عن كُرْه، ولكن مع ذلك هؤلاء قوم يُعْطُون ما سُئِلُوا أيش؟ عن اختيار، ولهذا في القراءة الثانية ﴿لَأَتَوْهَا﴾ لجاؤوها.
فصار هؤلاء القوم الذين يَعْتَذِرُون، أو الذين يستأذنون النبي ﷺ بحجة أن بيوتهم عورة، صار الأمر خلاف ما قالوا؛ لأن الله أَخْبَرَ عنهم، وهو سبحانه وتعالى أعلم بما في قلوبهم، وهذا من اطِّلَاع الله تعالى على ما في القلوب، أخبر عن أمر مستقبل لم يقع يصدر ممن؟ من قوم لا نعلم نحن ما في قلوبهم، ولكن الله يعلم، والله عز وجل يعلم ماذا يحدث من عبده لو حصل لهم ما يحصل به هذا القصد.
بل إنه سبحانه وتعالى يعلم أبلغ من ذلك، قال عن الذين يقولون: إنهم لو رُدُّوا إلى الدنيا لعملوا صالحًا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨]؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم ما في قلب الإنسان، قال: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾، ﴿لَأَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ ، تلبثوا بمعنى: تَرَيَّثُوا، يعني: لا يتريثون في إعطاء الفتنة وقبولها إلا يسيرًا.
قوله: ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ قيل: إن هذا بمعنى إلا عدمًا؛ لأن اليسير والقليل قد يراد به العدم.
وقال بعضهم: ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ أي: إلا قليلًا على وجه الحقيقة، وهذا الزمن اليسير هو ما بين السؤال والجواب، يعني: ما بين أن يُسْأَلُوا ثم يُجِيبُوا، هذه المسافة من المدة طويلة ولَّا لا؟ قصيرة جدًّا، هي كالمسافة التي بين قول القائل: بعتك هذا الشيء، فيقول المشتري: قبلت، يعني أنهم -والعياذ بالله- لا يتلبثون ولا يتريثون أبدًا، بل يقبلون فورًا، ليس بين قبولهم وسؤال الفتنة إلا ما بين مُدَّتَيِ السؤال والجواب.
وفي الحقيقة أن هذه المدة القصيرة كالعدم، ولهذا فُسِّرَ قوله: ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ يعني: إلا عدمًا.
﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب ١٥]، ﴿وَلَقَدْ كَانُوا﴾ الجملة هذه مُؤَكَّدَة بكم من مؤكد؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الواو ما هي مؤكدة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: باللام وقد، أيش بعد؟ نحن قلنا: ثلاثة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: قسم مُقَدَّر، كلما جاء مثل هذا التعبير في القرآن فإنه مُؤَكَّد بالمؤكدات الثلاثة، يعني: والله لقد كانوا عاهدوا الله من قبل، القَسَم تقدَّم لنا أن الله تعالى يُقْسِم عن الشيء لا في جانب الإنكار، ولكن في جانب الأهمية، وقد يقسم عليه في جانب الإنكار مثل: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن ٧].
هنا أَكَّدَ الله تعالى هذا العهد منهم أنهم عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار، وهذا العهد بينهم وبين الرسول عليه الصلاة والسلام، والمعاهدة مع الرسول ﷺ معاهدة مع الله، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح ١٠]، فهم عاهَدُوا الرسول عليه الصلاة والسلام ألَّا يَفِرُّوا ولا يُوَلُّون الأدبار، ولكنهم نقضوا العهد؛ لأن نقض العهد والخيانة والكذب من خصال مَن؟ مِن خصال المنافقين، تلك سجية فيهم، نسأل الله العافية.
﴿عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾، ما محل قوله: ﴿لَا يُوَلُّونَ﴾ من الإعراب؟ قال بعضهم: إنه لا محل لها من الإعراب؛ لأنها جواب لقوله: (عاهد)، وقال بعضهم: إنها بيان للمعاهدة، يعني: إن المعاهدة اللي وقعت أنهم لا يُوَلُّون الأدبار.
كلمة ﴿لَا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾ تحتاج إلى مفعولين؛ المفعول الأول الأدبار، والمفعول الثاني محذوف، والتقدير: لا يولون عَدُوَّهم أدبارَهم، تولية الدُّبُر معناه: الانصراف والانحراف، فبدلًا من أن تكون وجوههم نحو العدو تكون أدبارهم نحو العدو، فهم أقسموا بالأول وعاهدوا أنهم لا يولون الأدبار عند ملاقاة الأعداء، ولكنهم نقضوا العهد، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ قال المؤلف: (﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ عن الوفاء به).
فعلى هذا تكون المسؤولية ما هي عن العهد نفسه، بل عن الوفاء به، فالعهد مسؤول، يعني مسؤول عن الوفاء به، والسؤال عن الوفاء به سؤال عن وقوعه أيضًا، فيقال –مثلًا-: أليس بيني وبينك عهد؟ ألم تنقض العهد؟ فيكون السؤال عن نفس العهد وعن الوفاء به، هذه المسؤولية متى تكون؟ في الدنيا أو في الآخرة؟
أما المسؤولية التي بين الإنسان وبين ربه فإنها في الآخرة، وأما المسؤولية التي تكون بينه وبين الناس فهي في الدنيا يطالَب بالوفاء بالعهد، ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ [الأحزاب ١٦]، ﴿لَنْ﴾ تفيد ثلاثة أشياء، يذكرها لنا الأخ.
* طالب: (...).
* الشيخ: النفي، والنصب.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: والاستقبال، يعني أن الفعل المضارع محتمل لأن يكون للحال أو للاستقبال، فإذا دخلت عليه (لن) تَعَيَّنَ أن يكون للاستقبال، وهل (لن) للنفي المؤبَّد؟ يعني تستلزم وتقتضي النفي المؤبد؟ ولَّا تكون للتأبيد ولغير التأبيد؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: دائمًا لغير التأبيد؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: وتكون للتأبيد؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني تكون لهذا ولهذا؟ هات مثالًا على التأبيد؟
* طالب: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة ٢٤]؟
* الشيخ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾، والآية اللي معنا للتأبيد، ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾، وتأتي لغير التأبيد؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الظاهر أنها للتأبيد هنا، أو ربما يضرونهم بأكثر من الأذى، أيش تقولون في هذه الآية، هل هي للتأبيد ولَّا لغير التأبيد؟ ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران ١١١] هل إنهم قد يَضُرُّون المؤمنين بغير الأذى، أو لا يضرونهم إلا أذى؟
* طالب: (...).
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة ٩٥] هذه للتأبيد؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما هو قد يتمنون الموت؟ في عذاب النار يتمنون الموت.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، في الدنيا ما يتمنون الموت، ولكن حتى في الدنيا مؤكَّدة بقوله: أبدًا، الصحيح أن (لن) لا تقتضي التأبيد، كما قال ابن مالك:
وَمَنْ رَأَى النَّفْيَ بِلَنْ مُؤَبَّدَا ∗∗∗ فَقَوْلَهُ ارْدُدْ وَسِوَاهُ فَاعْضُدَا
ما يمكن أن تأتي للتأبيد أبدًا، يعنى معناه لا تستلزم التأبيد، وإلا قد تفيده، ولهذا قال أهل السنة: إن قول الله تعالى لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ لا يستلزم أنه لا يرى الله لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأما المعتزلة ومُنْكِرُو رؤية الله سبحانه وتعالى فإنهم يقولون: (لَنْ) تفيد التأبيد، فتدل على أن الله لا يُرَى أبدًا، إي نعم.
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ يعني: فإن لم تَفِرُّوا من الموت أو القتل نفعكم الفرار؟ هذا القيد لبيان الواقع؛ لأنه لا فرار إلا إذا فَرُّوا، فهو لا ينفعهم أي شيء من الموت أو القتل.
قال: ﴿وَإِذًا﴾ يعني: لو فُرِضَ أنكم فررتم من الموت أو القتل، (﴿وَإِذًا﴾ إن فررتم ﴿لَا تُمَتَّعُونَ﴾ فِي الدنيا بعد فراركم، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ بقية آجالكم).
يعني: على فَرْض أنكم فررتم من الموت أو من القتل، فهل ستبقون في الحياة؟ لا، ما يبقون، إن فَرُّوا لا يُمَتَّعُون إلا قليلًا، وهو بقية آجالهم، هذا على تقدير فرارهم، وحينئذ ما الفائدة من أن يَدَعَ الإنسان القتال المفروض عليه ويُوَلِّي الدُّبُر لأمر قد ينفعه وقد لا ينفعه، قد يموت في حال التولي، وقد يبقى ويُعَمَّر، لكن لو بقي وعُمِّرَ سيبقى أبدًا؟ لا، لا يُمَتَّع إلا قليلًا، مهما طال الأمد به فإنه قليل، ولهذا الدنيا كلها بالنسبة للآخرة ليست بشيء، قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى١٦ ١٧].
وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن موضع سَوْط الإنسان في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، فمتاع الدنيا في الحقيقة ليس بشيء بالنسبة لوقت الآخرة، ولهذا قال: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
ثم هناك شيء آخر لو قُتِلُوا في سبيل الله فإنهم قُتِلُوا ولكنهم أحياء، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ١٥٤]، هذا القول باللسان نُهِينَا عنه، وحتى الظن بالقلب نُهِينَا عنه، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران ١٦٩].
فلا يجوز القول ولا الحسبان بأن مَن قُتِلَ في سبيل يكون ميتًا، بل هو ميت البدن، لكنه حَيّ الروح حياة برزخية، وليست كحياة الدنيا، ولو كانت كحياة الدنيا ما جاز أن يُدْفَن هؤلاء؛ لأننا لو دَفَنَّاهم وهم أحياء حياة دنيوية لكنا قد قتلناهم وأهلكناهم، وبهذا نعرف ضلال مَن قالوا: إنهم أحياء يَسْأَلُون لك إذا سألتهم أن يدعوا الله لك، ويجيبونك، ويتوصَّلُون بهذا الشيء إلى الإشراك بهم، وبالأنبياء، وبمن يدعونهم أولياء.
* طالب: (...).
* الشيخ: لأجل تعميم الأحوال، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة ٨]، أو يقال أيضًا: هؤلاء الذين جاؤوا للقتال قد يموتون بدون قتل.
* الطالب: (...).
* الشيخ: خاص بالشهداء ومَن هو أفضل منهم، هذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون هذا خاصًّا بالشهداء؛ لأن الشهداء تعرَّضُوا للموت ابتغاء وجه الله، وبعض أهل العلم يقول: إذا ثبت هذا للشهداء في الحياة البرزخية، فلمن هو أفضل منهم أثبت، مثل الصديقين والأنبياء.
ولكن عندي أن فيه احتمالًا بأن هذا خاص بالشهداء، وذلك لأن الشهيد ليس كغيره، الشهيد عَرَّض نفسه للموت، وباع نفسه، فيجازَى بأن يكون حيًّا، لكن المشهور أنّ مَن هو أعلى من الشهداء له ذلك الحكم، والأنبياء لهم خصيصة أخرى أيضًا ما هي بغيرهم، وهي أن الأرض لا تأكل أجسادهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يحصل لهم هذا (...)، هم عَرَّضُوا أنفسهم لكنهم ما قُتِلُوا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما نجزم بهذا الشيء، والمسألة فيها كما قلت، رأي أكثر أهل العلم الذين اطلعت عليهم أنهم يقولون: إن مَن كان أعلى منهم مرتبة فهو أولى منهم بذلك. (...)
﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة ٨٨]، ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء ٤٦]، ومثل هذا التعبير ذَكَرَ المفسرون أنه يراد به العدم، يعني: لا يؤمنون أبدًا.
﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾، انتهينا من التي قبلها؟
* في هذه الآية الكريمة: بيان إرجاف المنافقين بالمؤمنين، والإرجاف هو أن يذكر الإنسان ما يكون به الخوف والقلق، هذا الإرجاف، وفيه في باب القتال مُرْجِف ومُخَذِّل، والفرق بينهما أن الْمُرْجِف مَن يُخَوِّف، والْمُخَذِّل مَن يُقَلِّل الرغبة في الخير، هذا الفرق بينهما، فالمرجف يُرْهِبهم، وأما الْمُخَذِّل فهو يثبط عزيمتهم، يقول: مال هي مآل؟ أيش الفائدة وأيش كذا وكذا؟ فبينهما فرق، هؤلاء مُرْجِفُون ولَّا مُخَذِّلُون ؟ مُرْجِفُون، ما فيه مقام هنا؛ لأنه خطر عليكم، ولهذا قالوا: ﴿فَارْجِعُوا﴾، فيستفاد منه أن المنافقين من شأنهم الإرجاف بالمؤمنين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاعتزاز بالوطن من صفات المنافقين؛ لقول لقولهم: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾، وقصدهم بذلك إِحْمَاءُ حَمِيَّتهم الوطنية، وأما الحديث الذي يُرْوَى: «حُبُّ الْوَطَنِ مِنَ الْإِيمَانِ»[[انظر كشف الخفاء (١ / ٣٩٨). ]] فإنه كذب على الرسول عليه الصلاة والسلام، ما هو صحيح.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تسمية المدينة بيثرب، هكذا استدل به بعضهم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما يستفاد؟ وجه قول هذا القائل: إن الله تعالى حكاه عنهم وأقَرَّه، ولكن بعض أهل العلم قال: لا يدل على ذلك، بل إنما يدل على العكس، وأما تسميتها بيثرب إنما يكون من المنافقين؛ لأن الله تعالى يحكي الكفر عن الكافرين، يحكي كل ما يقوله هؤلاء الكفار من المنافقين وغيرهم، وهل ما حكاه عنهم من الكفر إقرار له؟ لا.
إذن يستفاد من الآية أن تسمية المدينة بيثرب من شأن المنافقين، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٧١)، ومسلم (١٣٨٢ / ٤٨٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهذا واضح بأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يَرْتَضِ هذه التسمية.
* ويتفرع على هذا الفائدة: بيان ما كان عليه من أولئك المؤرِّخِين، لا نقول: العرب، نقول: الإسلاميين الذين هم إمَّعَة، جاء المستشرقون فكانوا يتحدثون عن الرسول عليه الصلاة والسلام باسم محمد فقط، قالوا: محمد، كما قال الكفار في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ويتحدثون عن المدينة بأنها يثرب، فجاء هؤلاء المساكين يُقَلِّدُون أولئك المستشرقين، فصاروا يُعَبِّرُون عن الرسول بكلمة محمد، ويعبرون عن المدينة بكلمة يثرب، وكأن هذا هو الفخر والرقي.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أولئك الْمُرْجِفِين لم يقتصروا على الإرجاف، بل ضَلَّلُوا الناس بقولهم: ﴿فَارْجِعُوا﴾.
* ويتفرع على هذا: أن كل مَن دعا إلى الرجوع عن الحق ففيه شبه بمن؟ بالمنافقين؛ لقوله: ﴿فَارْجِعُوا﴾، هؤلاء أَرْجَفُوا أولًا، ثم دَعَوْا إلى الترك، ﴿فَارْجِعُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ إلى آخره: بيان مَكْر المنافقين، حيث جاؤوا يستأذنون الرسول ﷺ تمويهًا، وإلا ليس في نيتهم البقاء، لكن يُمَوِّهُون، ﴿يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾، ففيه دليل على تمويه المنافق، وإظهار حاله بحال المؤمن المنقاد الذي لا ينصرف إلا بعد الاستئذان، مع أن الاستئذان في مثل هذا الأمر، أو في مثل هذا الحال من شأن مَن؟ الاستئذان بالحق من شأن المؤمنين، أو لا؟ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور ٦٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من شأن المنافقين الكذب؛ لقوله: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾، وهم كاذبون.
* ومن فوائدها: بيان إحاطة علم الله تعالى بما في القلوب؛ لقوله: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، أما قوله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾، فهذا قد يُعْلَم؛ لأنه ظاهر أن البيوت حصينة، ولا عليها من العدو، لكن ﴿إِنْ يُرِيدُونَ﴾، الإرادة في القلب لا يعلمها إلا الله عز وجل، أو صاحبها، أو مَن أطلعه الله تعالى عليها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تكذيب الناطق بالباطل، شوف الآن هل يصح التعبير بكلمة وجوب، أو نقول: مشروعية؟
هو إن نظرنا إلى أن الباطل يجب إبطاله قلنا: يجب، لكن الكلام على هل يؤخذ من الآية؟ الآية فيها مشروعية ذلك، إبطال قول الناطق بالباطل؛ لأن الله تعالى أبطله في قوله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ إلى آخره.
* يستفاد من الآية الكريمة: أن المنافقين أشد الناس ذعرًا؛ لقوله: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ﴾، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾؛ لأن عندهم ذعرًا من هؤلاء الذين دخلوا من أقطارها.
* ويستفاد من الآية أيضًا: قرب المنافقين من الكفر والشرك؛ لقوله: ﴿سُئِلُوا﴾ ﴿لَآتَوْهَا﴾ مُبَادِرِين، ما يتلبثون ويقولون: ننظر في الأمر، لا.
وهل يستفاد من هذه الآية أنه لا حكم للإكراه، وأن الإنسان إذا كَفَرَ مُكْرَهًا فإنه يترتب على كفره حكم الكافر، ولَّا لا؟ أقول: هل يستفاد من الآية أنه لا حكم للإكراه، وأن مَن كفر مُكْرَهًا فعليه الإثم؟ ما يستفاد، لماذا؟ لأنه هؤلاء سُئِلُوا ما أُكْرِهُوا، بمجرد السؤال وافقوا، فليس فيه معارضة لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل ١٠٦] لا يعارض هذه الآية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن المنافق حياته حياة مادية، يريد أن يعيش سواء كان كافرًا أو غير كافر.
وجهه من الآية: لأن هؤلاء إذا سُئِلُوا الفتنة أَتَوْها، إذن فإيمانهم ليس إيمانًا حقيقيًّا، وإلا المؤمن الحقيقي لو سُئِلَ الشرك ما أشرك.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب ١٥].
* يستفاد من الآية الكريمة: أن المنافقين أصحاب غدر وخيانة؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾، وهم الآن يحاولون الإدبار، لكنهم يُمَوِّهُون بسؤال النبي ﷺ واستئذانه.
* إذن يتفرع على هذه الفائدة: أن كل مَن نقض العهد ففيه شبه من المنافقين، واليهود أيضًا، ولهذا« جاء الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ»، » وَمِنْهَا: «إِذَا عَاهَدَ غَدَرَ»[[أخرجه أحمد (٦٨٧٩) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. ]].
* يتفرع على ذلك: أنه إذا كان الغدر من صفات المنافقين فالواجب على المؤمن البعد عنه، لو لم يكن من الغدر إلا أنه من صفات المنافقين لكان ذلك كافيًا في وجوب البعد والحذر منه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: استهانة المنافق بحق الله عز وجل؛ لقوله: ﴿عَاهَدُوا اللَّهَ﴾، يعني: نَقْضُ العهد مع الإنسان مثلك قد يكون أهون، لكن نقض العهد مع الله عز وجل أشد وأعظم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم تولية الأدبار عند ملاقاة العدو.
وجه ذلك أن الله تعالى ذَكَرَ هذا عن المنافقين تحذيرًا منه، وقد دَلَّت الآية الكريمة في سورة الأنفال على أنه من كبائر الذنوب؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال١٥ ١٦]، وجاء في الأحاديث في عَدِّ ذلك من الموبقات، يعني: المهلكات؛ لأنه من الكبائر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحساب؛ لقوله: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾، فكل ما بينك وبين الله عز وجل من الحقوق فإنك مسؤول عنه يوم القيامة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف٦ ٧].
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
* في الآية هذه: دليل على أنه لا فرار من قدر الله؛ لقوله: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾.
قوله: ﴿مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ متعلِّق بـ﴿فَرَرْتُمْ﴾ وإلا بـ﴿الْفِرَارُ﴾؟ هذه جملة معترضة في الواقع ما من الفوائد، ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ متعلقة بـ﴿فَرَرْتُمْ﴾ وإلا بـ﴿الْفِرَارُ﴾؟ قل لن ينفعكم الفرار من الموت أو القتل إن فررتم، وتكون الجملة الشرطية ﴿إِنْ فَرَرْتُمْ﴾ جملة معترضة، وهذا أوضح في المعنى.
* يستفاد منها: أنه لا فرار من قدر الله.
هل يستفاد من الآية الكريمة إبطال الأسباب؟ يعني الإنسان لو رأى نارًا تلتهم الشجر مُقْبِلَة عنه هل يهرب ولَّا لا؟ يهرب، إذن يهرب وربما ينجو، هي غير هذه، لكن ما هو الْمَخْلَص؟
يعني لو قال قائل: هذه الآية تنفي العمل بالسبب؟
فالجواب على ذلك أن نقول: إذا كان العمل بالسبب مُبْطِلًا لحكم شرعي فإنه لا يجوز، كهذه الآية، أو كهذه الحال، فإبطال الأسباب القدرية بانتهاك الأحكام الشرعية هذا لا يجوز، يعني كون أن الإنسان يترك الحكم الشرعي الواجب خوفًا من آثاره جائز له؟ ليس بجائز.
لكن سبب حقيقي مأذون فيه شرعًا يُفْعَل ولَّا لا؟ إذا كان سببًا حقيقيًّا مأذونًا فيه شرعًا فلتفعله، ما نقول للرجل: إذا رأيت النار مقبلة عليك قِف لا تَفِر لا ينفعك الفرار، هذا ما هو صحيح، بل نقول: في هذه الحال فرّ؛ لأن هذا سبب مباح مأذون فيه شرعي، وسبب حقيقي، لكن نبغي نجعل الأسباب مُعَطِّلة للأحكام الشرعية هذا لا يجوز.
* ويستفاد من الآية الكريمة: بيان نفوذ حكم الله عز وجل الشرعي والقدري؛ أما القدري فلا إرادة لك فيه، وأما الشرعي فلك فيه إرادة، ولهذا نقول بالنسبة للشرعي: وجوب تنفيذ حكم الله الشرعي؛ لأن الله تعالى عاب هؤلاء الفارِّين لكون فرارهم يتضمن إسقاط حكم شرعي، إي نعم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن البقاء في الدنيا وإن طال فهو قليل؛ لقوله: ﴿وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء ٧٧].
* ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء الذين فَرُّوا للإبقاء على حياتهم، يؤخَذ من أمر الله نبيَّه أن يقول لهم: ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾، وهذا لا شك أنه على سبيل التوبيخ لهم، ولهذا قال: ﴿وَإِذًا﴾، يعني: لو فررتم ونجوتم من هذه الحادثة ما تنجون من الموت، ﴿لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، نعم من جبن المنافقين أنهم أهل جبن وذل وخوف ورعب.
وهذا أيضًا يترتب عليه مشكلة، وهي أن الخوف من الموت أمر طبيعي، قال الله تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص ٣٣]، وهذه فيها إشكال.
* طالب: (...).
* الشيخ: كلمة (...) يقول: ويش الفرق بين إنه يقول: هذا غير هذا، ما يكفي.
* الطالب: (...).
* الشيخ: وجه المعارضة أنه خاف من القتل، وهؤلاء خافوا من القتل، القتل -كما أشرنا إليه قبل قليل- الخوف من القتل الذي يستلزم إبطال حكم شرعي هذا ما يجوز، أما هذا خافَ من القتل؛ لأنه تسبب له وهو ممكن أن يُقْتَل، ولَّا لا؟ موسى، إي نعم، ممكن أن يُقْتَل؛ لأنه فعل ما يستلزم القتل عند هؤلاء. (...)
فنقول: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب ١٧].
قال المؤلف في معنى ﴿يَعْصِمُكُمْ﴾: (يجيركم)، ولكن الصواب أن المراد بها: يمنعكم؛ لأن العصمة هي المنع، ومنه المعصوم، يعني: الممنوع من الخطأ، فالصواب أن ﴿يَعْصِمُكُمْ﴾ أي: يمنعكم من الله.
وقوله: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي﴾، هذا إعراب ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ مَن يعربها لنا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هو مستتر وجوبًا، وإن ابتُدِئَ بالياء فمستتر جوازًا، وإن افتُتِح بالتاء فعلى حسب الحال؛ قد يكون وجوبًا مثل: تشكر أنت، وقد يكون جوازًا مثل: تشكر هي،
﴿ذَا﴾ الآن اختلف الرجلان في إعرابها؛ أحدهما قال: إنها اسم إشارة، والثاني قال: إنها ملغاة، أيهما الصواب؟ الصواب أنها ملغاة؛ لأنها إذا جاء بعدها اسم موصول فإنها تكون ملغاة، مثل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ﴾ [البقرة ٢٥٥]، ومثل: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾.
وقوله: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾ الاستفهام هنا يراد به النفي، يعني: لا أحد يعصمكم، وإذا جاء النفي بصيغة الاستفهام فإنه أبلغ من النفي المجرد؛ لأنه يكون نفيًا مُشْرَبًا بالتحدي، كأنه يقول: أَخْبِرُونِي أيعصمكم أحد من الله إن أراد بكم سوءًا، عرفتم؟ هذه قاعدة في كل ما يكون فيه الاستفهام بمعنى النفي، أن نقول: عُدِلَ عن النفي المحض إلى الاستفهام؛ ليكون مُشْرَبًا معنى التحدي.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: يمنعكم منه، ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾، أيش الجواب؟ لا أحد، يقول: (﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾: هلاكًا أو هزيمة)؛ (هلاكًا) إذا لم يكن هناك قتال، أو كان قتال فقُتِلْتُم، (أو هزيمة) إذا غُلِبْتُم وبقيتم، وكل ذلك سوء، لكنه سوء بالنسبة للمكلَّف، أما بالنسبة لفعل الله عز وجل فإنه خير؛ لأنه لحكمة.
﴿أَوْ أَرَادَ﴾ قال المؤلف: (أو يصيبكم بسوء إن أراد الله بكم رحمة)، المؤلف رحمه الله قَدَّر هذه الجملة؛ لأنه رحمه الله ذكي جدًّا، قال: (أو يصيبكم بسوء)، (يصيبكم) معطوفة على (يعصمكم)، يعني: أو مَن ذا الذي يصيبكم بسوء إن أراد الله بكم رحمة خيرًا، والجواب أيضًا كالسابق: لا أحد، وإنما قَدَّرَ المؤلف: أو يصيبكم بسوء، على خلاف ظاهر السياق؛ لأن الرحمة لا تُعَدّ مصيبة حتى تحتاج إلى العصمة، فإنه إذا أراد الله بالإنسان رحمة ما يقال: مَن ذا الذي يعصمه منها، ليش؟ لأن الرحمة مطلوبة، لا يتطلب الإنسان فيها أحدًا يعصمه منها، فلهذا قَدَّرَ قوله: (أو يصيبكم بسوء) يعني: لا يصيبكم أحد بسوء إن أراد الله بكم رحمة.
ولكن الصحيح أنه لا حاجة إلى هذا التقدير، إذا جعلنا العصمة بمعنى المنع، فالمعنى: مَن الذي يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءًا، ومن الذي يمنعكم من رحمته إن أراد بكم رحمة، فالفرار لا يمنعكم من السوء الذي أراده الله بكم، والبقاء لا يجلب لكم الرحمة التي أراد الله بكم، فالكل بيد الله عز وجل، لا ينفعكم الفرار ولا البقاء.
وقوله: ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ قال المؤلف: (خيرًا)، وإذا كنا فَسَّرْنَا الأول بالهلاك والهزيمة فالمراد بالخير هنا النصر والبقاء.
قال الله تعالى: (﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غيره، ﴿وَلِيًّا﴾ ينفعهم، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يدفع الضر عنهم).
﴿لَا يَجِدُونَ لَهُمْ﴾ أي: هؤلاء الذين فَرُّوا من القتال لن يجدوا أحدًا ينفعهم أو يجلب لهم الخير، أو يدفع عنهم الضرر، ﴿لَا يَجِدُونَ﴾ ﴿وَلِيًّا﴾، والولي هو مَن يتولى أمرك ويعتني بك، فهؤلاء لا يجدون أحدًا سوى الله.
وقوله: ﴿وَلِيًّا﴾ يعني: بالولاية العامة؛ لأن ولاية الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: ولاية عامة تشمل كل أحد، وولاية خاصة للمؤمنين فقط، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة ٢٥٧]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد ١١].
أما بمعنى العامّ فمثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦٢]، فإن هذه الولاية العامة؛ لأن الله تعالى وَلِيّ على كل أحد في المعنى العامّ الذي هو التدبير والملك والسلطان.
وقوله: ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾..
.. ﴿مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج ٧١]: هو الذي ينصرك عند ملاقاة الأعداء فيمنعك منهم، فهؤلاء ليس لهم أحد يتولاهم بِجَلْب الخير لهم، ولا ينصرهم بدفع الضرر عنهم؛ لأن الأمر كله لله.
ثم قال تعالى: (﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾ [الأحزاب ١٨]: المثبطين ﴿مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ) [الأحزاب: ١٨]، ﴿قَدْ﴾ هنا للتحقيق، والأصل أنها إذا دخلت على المضارع تكون لأيش؟ للتحقيق ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾، والأصل أنها إذا دخلت على المضارع تكون للتقليل، كما يقال: قد يجود البخيل، لكن هنا للتحقيق؛ لأن علم الله عز وجل مُحَقَّق، وليس للتقليل، وإنما جاءت ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾ دون (قد علم)؛ ليفيد أن علم الله عز وجل مستمر بهم من ذلك الوقت إلى يوم القيامة؛ فإن الله تعالى عالم بهم وبأحوالهم وتقلباتهم.
وقوله: ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾ قال المؤلف: (الْمُثَبِّطِين)؛ لأن الْمُثَبِّط يُعَوِّق الإنسان الْمُثَبَّط، أي: يَحُول دونه ودون مراده، وهو ما يسمى عند الفقهاء بأيش؟ بالْمُخَذِّل، الفقهاء يقولون في باب الجهاد: يجب على الإمام أن يَمْنَع الْمُخَذِّل والْمُرْجِف، فالمخذِّل الذي يُثَبِّط العزائم، يقول: ما له داعٍ الجهاد، وليس عندنا استعداد، وما أشبه ذلك، والْمُرْجِف هو الذي يُرْهِب من الأعداء ويُخَوِّف منهم، يقول: أعداؤكم كثيرون، وأسلحتهم قوية، وما أشبه ذلك.
* طالب: (...).
* الشيخ: الْمُعَوِّق يعني؟ ما فيه مانع، هذا التعبير بالمعنى.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ماه في شك أنه أحسن، لكن لأجل التفصيل؛ لأن الْمُعَوِّق قد لا يفهمه كل أحد.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، هنا المعوّق يختص بالمثبِّط، ﴿الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لعلك تريد أن (هل) تأتي للتحقيق، هذا صحيح.
يقول تعالى: ﴿الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾، الخطاب لمن؟ للنبي عليه الصلاة والسلام والصحابة، فهذا موجود في الصحابة مَن يُعَوِّق.
(﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ﴾: تعالوا ﴿إِلَيْنَا﴾ ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾: القتال، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ رياءً وسمعة).
﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾، ﴿الْقَائِلِينَ﴾ معطوف على ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾، يعني: ويعلم القائلين لإخوانهم: هَلُمَّ إلينا، وهذا غير التعويق؛ لأن المعوِّق هو الذي يعرف الشيء الذي يُعَوِّق الإنسان، لكن لا يدعوه، ولكن هؤلاء يقولون لإخوانهم، فهو أبلغ من التعويق.
وقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ هذه غير المعوِّقين، فليس عطف صفة، ولكنه عطف ذات، والأصل في التعاطف أن يكون لتغير الذوات، وقد يكون لتغير الصفات، وقد يكون لتغير؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا ، ما أسرع ما تنسون، العطف للتغاير؛ إما في الذات أو في الصفات.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، أو اللفظ يا إخواني، كل يوم يَقْرَع أسماعكم:
................... ∗∗∗ أَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا
هذا ما هو تغيُّر معنى، المعنى واحد، لكن تغير لفظ.
وقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾، هذا في المنافقين، وسُمُّوا إخوانهم في النسب، وليسوا إخوانهم في الدين، اللهم إلا أن يُرَادَ الأخوة الظاهرة، فإن هؤلاء يتظاهرون بأنهم مؤمنون.
﴿هَلُمَّ﴾: تعالوا إلينا، ﴿هَلُمَّ﴾ هل هي فعل أمر، أو اسم فعل أمر؟ اسم فعل أمر، نعم؛ لأنه ليس كل ما دَلَّ على الطلب فهو فعل أمر، المصدر قد يدل على الطلب كما لو قلت: ضربًا زيدًا، لكن ما دلَّ على الطلب بذاته، يعني بغير أداة خارجية فإما أن يَقْبَل علامة فعل الأمر أو لا، فإن قَبِلَها فهو فعل أمر، وإن لم يَقْبَل فهو اسم فعل أمر، أو قد يكون مصدرًا نائبًا عن الأمر، عرفتم؟
وقولنا: بغير أداة خارجية، احترازًا من المضارع المقرون بلام الأمر، المضارع المقرون بلام الأمر يدل على الأمر، لكن لا بذاته، بل بأداة أخرى خارجية، وهي اللام؛ لام الأمر.
﴿هَلُمَّ﴾ هنا اسم فعل أمر؛ لأن عيسى نقول له: هلم إلينا، هلم إلى الدرس، وأحمد وعيسى جميعًا نقول لهما: هلم إلينا، جميعًا، ونضم إليهما الأخ، ونقول: هلم إلى الدرس، ما تَغَيَّر، مفرد مثنى وجمع، ولم يتغير، ولَّا لا؟
أمّا لو كنا نخاطب واحدًا فنقول: هلم إلينا، ونخاطب اثنين فنقول: هَلُمَّا إلينا، ونخاطب ثلاثة فنقول: هَلُمُّوا إلينا، لكان فعل أمر، ولهذا نقول: قم، وقومَا، وقوموا، فهي إذن اسم فعل أمر تخاطب بها الواحد والاثنين والجماعة ولا تتغير، هذا على لغة أهل الحجاز.
أما بنو تميم فإنها عندهم فعل أمر، ولهذا يقولون للواحد: هلم إلينا، وللاثنين: هَلُمَّا إلينا، وللجماعة: هَلُمُّوا إلينا، فهي فعل أمر.
هنا يدلنا على أنها اسم فعل أمر؛ لأنها لو كانت فعل أمر لقال: هَلُمُّوا إلينا، يعني: تعالوا، هذا بالنسبة لغيرهم، يَدْعُون غيرهم إلى ترك القتال: تعالوا، هم.. قال: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ﴿لَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾ يعني: القتال، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾، والقليل هنا قد يكون المراد به العدم، وقد يكون المراد به الشيء اليسير، القِلَّة، ويمكن أن يراد به العدم بالنسبة لقوم، والقلة بالنسبة لآخرين من المنافقين؛ لأن من المنافقين مَن لا يحضر القتال أصلًا، ومنهم مَن يحضر قليلًا للرياء والسمعة.
ومعلوم أن مَن يلاحظ الرياء والسمعة فإنه إذا كان في محل يجد الرياء والسمعة حضر، وإذا كان في محل لا يجد رياء ولا سمعة لم يحضر.
ما الفرق بين الرياء والسمعة؟ الرياء يعود إلى الأفعال، والسمعة يعود إلى الأقوال؛ لأن الأفعال تُرَى، والأقوال تُسْمَع، ولهذا جاء في الحديث: «مَنْ رَاءَى رَاءَى اللهُ بِهِ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٦ / ٤٧) من حديث عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولفظه: «من سَمَّع سَمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به».]]، فإذا تكلم شخص بِذِكْر ورفع صوته ليُسْمَع فيُثْنَى عليه به، فبماذا نصف فعله؟ سمعة، وإذا قام يصلي ليراه الناس فهو رياء.
وقد يطلق الرياء عليهما جميعًا، لكن عندما يجتمعان يكون الرياء يتعلق بالأفعال والسمعة بالأقوال، يقول: (رياءً وسمعة).
(﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب ١٩] بالمعاونة، جمع شحيح، وهو حال من ضميرِ ﴿يَأْتُونَ﴾ )، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾، أشحة هذه جمع شحيح، والشحيح هو المانع مع الحرص، والبخيل هو المانع بدون حرص، فإذا كان الإنسان مَنُوعًا جَمُوعًا، يعني مع الحرص، يسمى ذلك شحيحًا، وإذا كان بخيلًا لكنه ليس ذلك الرجل الذي يكون حريصًا على جمع المال –مثلًا- فإنه يسمى بخيلًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام مُحَذِّرًا من الشح: «اتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٨ / ٥٦) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ولفظه: «...واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم». ]].
يقول: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾، ما الذي نصبها؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال منين؟ نُصِبَت على الحال من فاعل ﴿يَأْتُونَ﴾، يعني: لا يأتون إلا قليلًا، ومع ذلك يأتون أشحةً عليكم، يعني: وهم أَشِحَّاء عليكم لا يريدون أن تَصِلُوا إلى خير، بل يحبون أن يمنعوا كل خير عنكم.
﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ [الأحزاب ١٩]، ﴿جَاءَ الْخَوْفُ﴾ الخوف ليست ذاتًا تأتي، لكنه معنى يأتي، والمجيء يكون للمعاني ويكون للذوات، فتقول: جاءه المرض، وتقول: جاء زيد، المجيء هنا أُسْنِدَ إلى معنى، جاء الخوف ممن؟ هو عامّ، إذا جاء الخوف، سواء كان من الأعداء الذين حضروا إلى المدينة، أو الخوف من الرسول عليه الصلاة والسلام فيما يَطَّلِع على أحوالهم، يخافون من أن يفضحهم الله تعالى بأفعالهم، أو يسلِّط عليهم رسوله.
يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾، الخطاب هنا هل هو للرسول ﷺ، أو لكل مَن يتوجه إليه الخطاب؟ يحتمل أن يكون للرسول عليه الصلاة والسلام، وهو الأقرب، ويحتمل أن يكون لكل مَن يوجه إليه الخطاب.
وقوله: ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾، الرؤية هنا بصرية، وعلى هذا فلا تنصب إلا مفعولًا واحدًا وهو الهاء، ويكون جملة ﴿يَنْظُرُونَ﴾ حالًا من الهاء، رأيتهم حال كونهم ينظرون إليك، ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾؛ لأن الخائف غالبًا يركز على مَن؟ على جهة الخوف، سواء كان شخصًا أو أشخاصًا، ينظر إلى الجهة التي هي مصدر الخوف، وتدور عينه على غير نظر سليم، يعني كأنها تدور بغير اختيارها من شدة الخوف، ثم شَبَّهَ حالهم بعد أن شَبَّه أبصارهم، قال: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، قال المؤلف: ( كنظر أو كدوران).
فإن كانت ﴿كَالَّذِي﴾ عائدة على ﴿يَنْظُرُونَ﴾ قَدَّرْنا: نظر، وإن كانت عائدة على ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ قَدَّرْنَا: كدوران، ولكن الذي يناسب القرآن الأول؛ نظر، كما قال تعالى في سورة القتال: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد ٢٠]، وربما نقول: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ ليس عائدًا على النظر، وإنما هو عائد على حالهم، يعني: كالإنسان الْمَغْشِيّ عليه من الموت لا يستطيعون أن يتكلموا؛ لأن أرياقهم يبست، ودماءهم غارت بسبب الخوف، إذا جاء الخوف فإنها تتغير أبصارهم، وتتغير أحوالهم أيضًا، كالذي يُغْشَى عليه من الموت، والذي يُغْشَى عليه من الموت لا شك أنه يصفر وجهه، وأنه لا يدري ما يفعل، ولا يستطيع أن ينطق في الغالب، ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾ قال المؤلف: من سكراته، (أي: سكراته)، ﴿يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، ﴿مِنَ﴾ هنا للسببية، وهل تأتي (مِن) للسببية؟
الجواب: نعم، تأتي في مواضع كثيرة، والأصل فيها أنها للابتداء، حتى زعم بعض النحويين أنها في كل مكان تكون للابتداء، حتى فيما إذا كانت سببية قال: لأنها لابتداء السبب، لكن الصحيح ما ذهب إليه ابن مالك وغيره من النحويين أنها تأتي لمعانٍ كثيرة، قال:
بَعِّضْ وَبَيِّنْ وَابْتَدِئْ فِي الْأَمْكِنَه ∗∗∗ فِي (مِنْ) وَقَدْ تَأْتِي لِبَدْءِ الْأَزْمِنَه؎وَزِيدَ فِي نَفْــيٍ وَشِبْهِهِفَجَـــــــــــــــــــــرّ ∗∗∗ نَكِرَةً كَمَــــا لِبَاغٍ مِـــــــــــــنْمَــــــــــــــفَرّ
قال: (﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ وحِيزَت الغنائم، ﴿سَلَقُوكُمْ﴾: آذَوْكُم أو ضربوكم، ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ أي: الغنيمة يطلبونها، ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ حقيقةً، ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ ).
﴿إِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ صار هؤلاء الذين كانوا حين الخوف كالمغشيّ عليه من الموت صاروا ينطقون بطلاقة، ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ يعني: أصابوكم بشدة، ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: شديدة قوية، والمراد بالألسنة هنا الكلام؛ لأن الكلام يُعَبَّر عنه باللسان، المعنى أنهم يجادِلُون ويناظرون، ويقولون: نحن معكم، نحن نساعد، نحن خرجنا، وما أشبه ذلك، كما قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [النساء ١٤١]، وأَبْدَوْا وأعادوا في غَلَبَتِهم للمسلمين؛ لأنه لا شك أن الإنسان قد يغلب خصمه بالكلام، كما قال الله تعالى في قصة داود: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٣]: غلبني، والإنسان اللَّسِن الذي عنده بيان وعنده فصاحة قد يغلب ولو كان على باطل، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٨٠)، ومسلم (١٧١٣ / ٤) من حديث أم سلمة رضي الله عنها. ]]، وإن كان على باطل، فالإنسان قد يغلب ببيانه الحقَّ، ولهذا كما تعلمون جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥٧٦٧) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ]].
هؤلاء المنافقون الذين في حال الخوف على الصورة التي صَوَّرَها الله عز وجل، ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، لكن إذا ذهب الخوف واطمأنوا ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾، يعني: أصابوكم بشدة بهذه الألسنة الحِدَاد، ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾، هذه حال من الواو في قوله: ﴿سَلَقُوكُمْ﴾.
﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾، ما المراد بالخير هنا؟ يقول المؤلف: الغنائم التي أصابها المسلمون بانتصارهم، قال: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ حقيقة، ولو آمنوا ما فعلوا هذا الفعل، ما كانوا يخافون من البعث، ولا كانوا يَدَّعُون ما لا يستحقون فيما إذا انتهت المعركة.
﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أيش معنى أحبطها؟ يعني: أبطلها حتى لا ينتفعوا بها.
(﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ الإحباطُ ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ بإرادته)، نعم هو يسير على الله عز وجل؛ لأنه سبحانه وتعالى لا يخشى من أحد، كما قال تعالى في قوم صالح: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس ١٤، ١٥]، ما يخاف سبحانه وتعالى من عاقبتها، بخلاف غيره، بخلاف المخلوق، المخلوق قد يُنَكِّل بشخص ويعاقبه، لكنه يخشى من عاقبته، يخشى من قبيلته، يخشى من الغدر به، وما أشبه ذلك، أما الرب عز وجل فإنّ كل أمر يسير عليه، ولا يخاف من أحد حين ينتقم منه. (...)
لها معنيان، تارة تكون بمعنى احْضُر، وتارة تكون بمعنى أَحْضِرْ، في هذه الآية بمعنى (...).
هذا مبتدأ الفوائد؟ متأكدون؟
قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ﴾ [الأحزاب ١٧] إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: نفاذ حكم الله، أن حكم الله نافذ في الخلق، لا يمنعه أحد.
وجه ذلك: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾، والاستفهام هنا -كما سبق- بمعنى النفي.
* ومن فوائدها: إثبات الإرادة لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾.
* ومن فوائدها: الرد على بعض طوائف القَدَرِيَّة الذين يقولون: إن الله لا يريد السوء، يريد الخير، لكن لا يريد السوء؛ لقوله: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾.
وفي الآية إشكال، وهو أن ظاهرها أن الله يريد السوء، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» »[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ]]، فما هو الجواب؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: هذا سوء بالنسبة للمخلوق، أما بالنسبة للخالق (...).
* الشيخ: نعم، نقول: السوء بالنسبة للمفعولات، أما بالنسبة لفعل الله نفسه الذي هو فِعْلُه فليس بسوءٍ، المرض –مثلًا- سوء بالنسبة للعبد، يسوؤه ولا يَسُرُّه، لكنه بالنسبة لتقدير الله له خير وحكمة، كما أشرنا إلى هذا كثيرًا.
إذن فنقول في الجواب على هذا الإشكال: إن السوء عائدٌ إلى المفعول لا إلى الفعل الذي هو تقدير الله، ونظير ذلك لو أن أبًا شفيقًا رحيمًا أُصِيبَ ولده بداء، فكواه بالحديدة الْمُحْمَاة على النار لكان هذا لا شك يسوء الولد؛ لأنه يؤلمه ويوجعه، لكنه إساءة إليه ولَّا لا؟ لا، هو بالنسبة لفعل الأب ليس إساءة، بل هو خير، وإن كان يؤلم الولد.
* طالب: شيخ، هل يؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]؟
* الشيخ: لا، بل من قبيل أن هذا.. هذا منفصل عن هذا.
* الطالب: (...) يكون الخطاب بالنسبة لحال المخاطب.
* الشيخ: لا، بل ما هو (...) حقيقة الأمر، فإن السوء ليس إلى الله، يعني معناه أن أفعال الله ليست هي نفسها السوء، السوء يكون في المفعولات فقط .
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل لا مانع لما أعطى ولما مُعْطِيَ لما منع؛ لقوله: ﴿ِإنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾، فلا أحد يمنع ما أعطاه الله، ولا أحد يعطي ما منعه الله، وعلى هذا قوله عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣ / ١٣٧) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. ]].
* ومن فوائدها: أن فيها حثًّا على تعلق الإنسان بالله سبحانه وتعالى دون غيره؛ لقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾، فإذا كان الأمر كله بيد الله فإن الإنسان يتعلق بربه دون غيره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أولئك الكفار لن يجدوا أحدًا ينصرهم أو يتولاهم دون الله؛ لقوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، فيترتب على ذلك قَطْع كل عُلْقَة تكون بين المشركين وبين أصنامهم، وأن أصنامهم لا تنفعهم مهما كان الأمر.
ولكنه يَرِدُ على هذا إشكال، وهو أن هؤلاء الذين يدعون الأصنام قد يحصل لهم ما دَعَوْا به هذه الأصنام، فكيف نقول: إنها لا تنفعهم؟
فالجواب أن هذا قد يقع ابتلاءً وامتحانًا من الله عز وجل، ونحن نعلم أن هذا لم يحصل بهذه الأصنام، أو بدعاء هذه الأصنام، وإنما حصل عنده، وما حصل عند الشيء ليس كالذي حصل بالشيء، واضح؟
فإن قلت: نحن لا نقبل منك هذا؛ أنه حصل لا بدعائهم، ما دام الرجل دَعَا ثم حصل مراده، كيف تقول: إنه من أمر خارج ليس من دعائهم؟ فما هو الجواب؟
* طالب: مُقَدَّر.
* الشيخ: ما يخالف، ما.. نعلم يكون مُقَدَّرًا، هذا رجل دعا هذا القبر وحصل ما أراد.
* طالب: ما يعرف أن هذا الدعاء عند القبر مُحَرَّم شرعًا؟
* الشيخ: لا، دعا القبر لا عند القبر، دعا صاحب القبر.
* الطالب: محرَّم شرعًا ولا يحصل منه هذا.
* الشيخ: هو يقول لك: حصل، قال: يا سيدي يا مولاي يا فلان يا فلان أنا فقير أرجو أن تعطيني مالًا، في اليوم نفسه مات قريبُه الذي خلَّف ملايين، ولا يعصبه إلا هو، حصل.
* الطالب: من تقدير الله.
* الشيخ: أنت تقول: من تقدير الله، وهو يقول: هذا من الولي.
* الطالب: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم ٤٤].
* الشيخ: يقول: مين قال لكم: إنه استدراج.
* الطالب: من باب البلوى.
* الشيخ: إي نعم، هو ابتلاء يا إخواني، ولكن (...).
* طالب: (...) يعتبر فتنة لهؤلاء.
* الشيخ: هو فتنة وامتحان، وإحنا قلنا له: هذه فتنة، ودعاؤك لم تُحَصِّل منه شيئًا، لكن هذا حصل عند دعائك لا بدعائك، فقال: تبًّا لكم، ما تعرفون قَدْر الأولياء، وأنا دعوت وحصل لي مرادي.
* الطالب: تجيئه مرة واحدة ما تيجيئه ..
* الشيخ: يقول: ما لي حاجة، وربما نتحداه ونقول: ادع مرة أخرى، فيأتي القدر موافقًا (...).
* الطالب: كل هذا ليس بيده لا حول ولا قوة، لو كان لَمَنَعَ الموت عن نفسه.
* الشيخ: كل هذه عللٌ عليلة، يا إخواني، إحنا قلنا لكم: الله عز وجل قَطَعَ كل تعلق بغيره، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف ٥]، إحنا نعلم بالآية الكريمة أن هذا ما يستجيب لك إلى يوم القيامة، وقال: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر ١٤]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ٢٢ ٢٣]، هذه آيات واضحة جدًّا أنه ما يمكن يستجيب، إذا لم يمكن أن يستجيب له فنعلم علم اليقين أن هذا الذي حصل ليس بدعاء هذا الولي؛ لأن الله نفى أن يستجيب له.
* طالب: هو بعينه.
* الشيخ: عنده في وقت الدعاء فقط، وليس بالدعاء، فعند الشيء يعني أنه قريب منه، وهذا مَرَّ علينا أظن مذهب مَن؟
* طالب: الأشاعرة.
* الشيخ: الأشاعرة، يقولون: إن الأسباب لا تُؤَثِّر بنفسها، وإنما يحصل التأثير عندها لا بها، إي نعم، فلما ضربت الزجاجة بالحجر وانكسرت قالوا: ما انكسر هذا من ارتطام الزجاجة بالحجر، حصل عنده، عند ارتطامها به ولكن ليس به، على كل حال ما هذا ..
ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأحزاب ١٨] إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: إحاطة علم الله سبحانه وتعالى بكل شيء؛ لأن هذه مسألة جزئية من العالم، قول هؤلاء: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ وتعويقهم فَرْد من أفراد العالم، جزء بسيط لا يُنْسَب إلى العالم، ومع ذلك يعلمه الله، والعالِم بالدقيق عالِم بالجليل من باب أولى، نعم، ففيها اثبات إحاطة علم الله بكل شيء جملة وتفصيلًا.
* ومن فوائدها: ثبوت علم الله في المستقبل؛ لأنها جاءت بصيغة المضارع.
* ومنها: التهديد والتحذير من التعويق عن القتال. وجهه؟
* طالب: ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾.
* الشيخ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾، وهذا من أجل تهديدهم حتى لا يفعلوا ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تعاون المنافقين بعضهم مع بعض؛ لقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾، وإذا كان كذلك فإن ﴿الْقَائِلِينَ﴾ تكون عطفًا على ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾ من باب عطف الصفات، وذكرنا في التفسير أنها محتملة أن تكون عطف الصفات أو عطف الذوات، فإن كانت عطف الصفات صار الْمُعَوِّقُون هم القائلين، وإن كان عطف ذوات صاروا قسمين؛ مُعَوِّق وقائل، فالْمُعَوِّق قد يدعو ويقول: ارْمِ، اترك، وقد لا يدعو، ولكن على كل حال هي في المنافقين؛ لأن آخر الآية يُبْطِل الاحتمال الذي ذكرناه أمس بأن تكون في أحد من المؤمنين.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن أولئك المعوِّقين لغيرهم هم بأنفسهم جبناء؛ لقوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فهم جبناء ومُخَذِّلُون مُرْجِفُون.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن كل إنسان يصاحب غيرَه ويمتزج به؛ لقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾، فإن هذه أخوة في الشر والنفاق، وليست في الإيمان.
ثم قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأحزاب ١٩] إلى آخره.
* في هذه الآية: دليل على بُخْل المنافقين بما ينفع المؤمنين، وأنهم لا يأتونهم إلا عن كراهية كالشحيح في بذل المال؛ لقوله: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾.
* ومنها: جبن المنافقين، وأنهم في غاية الجبن؛ لقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾، إلى آخره.
وبهذا نعرف أنهم أحق الناس بما وصفوا به النبي ﷺ وأصحابه، حيث قالوا: ما رأينا مثل قُرَّائِنَا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب أَلْسُنًا ولا أجبن عند اللقاء. فنقول: إن هذه الأوصاف أنتم أحق الناس بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: شدة فزع المنافقين عند الخوف؛ لأن تصويرهم بهذه الصورة يدل على الفزع العظيم الذي ينالهم عند الخوف.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: شدة محبة المنافقين للحياة؛ لأنهم إنما بلغوا هذا المبلغ بالخوف حرصًا على الحياة وخوفًا من الموت بالقتال.
* ومن فوائد الآية الكريمة: قوة تصوير القرآن للأحوال الواقعة؛ لأن هذه الصورة التي ذكر الله صورة مدهشة، تجعل الإنسان يتخيل شدة فزعهم كأنها رأي عين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن للموت سكرات؛ لقوله: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، وهذا بالنسبة للموت العادي، أما الموت المباغِت قد لا يكون فيه سكرات، قد يموت الإنسان بغتة، كالذي يحصل بالحوادث وسكتات القلوب وما أشبهها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الجبناء المنافقين إذا ذهب الخوف على أنهم حين الخوف كالأموات، أو كالذي يغشى عليه من الموت، إذا ذهب صاروا أبطال الكلام، وأمراء الفصاحة والتسلط؛ لقوله: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ﴾، تو ما يجيء كلامهمن إذا راح الخوف بدؤوا يتكلمون.
* ومن فوائدها: شدة المنافقين على المؤمنين، وأنهم عليهم أشداء غلاظ؛ لقوله: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾.
* ومن فوائدها: أن المنافقين كما قال الشاعر:
أَسَدٌ عَلَيَّ وَفِي الْحُرُوبِ نَعَامَةٌ ∗∗∗ ........................
على المؤمنين أسود، بالباطل طبعًا ما هو بالحق، وعند الكفار نعام، تعرفون النعامة مِن جُبْنِها إذا رأت الصيَّاد قالت: هذا بيقتلني، ولكن أدخل رأسي بالتراب علشان ما أشوفه، إي نعم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عِلْم الله سبحانه وتعالى بما في القلوب، ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾؛ لأن الظاهر لنا أنهم مؤمنون، لكنهم في الواقع غير مؤمنين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من هذه الصفات التي يتصف بها المنافق حتى وإن كان الإنسان مؤمنًا، لماذا؟ لأنها صفات غير المؤمنين؛ لقوله: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾، والمؤمن مَنْهِيٌّ عن الاتصاف بصفات غير المؤمنين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكُفْر مُحْبِط للعمل، سواء كان ظاهرًا أم باطنًا؛ لقوله: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾.
وفي الجملة من هذه الآية إشكال؛ لأن الإحباط فَرْع عن قيام الشيء، وهم منافقون أعمالهم باطلة من الأصل، فكيف نجيب عن هذا؟
الجواب أن يقال: إن الإحباط نوعان: إحباط ما تم، وإحباط ما لم يتم، فإحباط ما تَمّ ظاهر، إذا تَمّ الشيء فأُلْغِي، وإحباط ما لم يتم أن يكون من الأصل حابطًا، ومنه قول بعض الفقهاء: إذا لم يُكَبِّر تكبيرة الإحرام بطلت صلاته، فنحن نقول هنا: ما صَلَّى حتى تبطل، لكن هذا بطلان ما لم يَتِمّ ولم يكن.
أو جواب ثانٍ؛ أن نقول: أحبط الله أعمالهم، إن أعمالهم ظاهرها الصحة، أو لا؟ لأنها من قوم يَدَّعُون الإسلام، ويفعلونها على ظاهر الشرع، لكنها في الواقع باطلة لعدم الأساس.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أهمية الإخلاص لله عز وجل؛ لقوله: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ﴾، فجعل الإحباط فرعًا عن عدم الإيمان، وهذا يدل على أن الركيزة الأصلية للأعمال هي الإيمان.
هل يؤخذ من الآية الكريمة أن الأعمال تزداد قوة بقوة الإيمان وفضلًا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: كيف ذلك؟ لأنه لما حَبِط العمل لعدم الإيمان دَلَّ هذا على أنه يقوى بقوة الإيمان، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الصحابة: «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ]]، ما هو العمل واحد الآن، لكن العامل مختلف، فرقٌ بين مَن يعمل بإيمان راسخ قوي كأنما يشاهد الثواب له بعينه، وبين شخص ليس على هذه الحال.
فإذن تفاضُل الأعمال يكون مبنيًّا على تفاضل ما في القلوب، «ويُذْكَر عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: والله ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة، ولكنه سبقهم بما وَقَرَ في قلبه رضي الله عنه»[[أخرجه الحكيم الترمذي (٣ / ٥٥) عن أبي بكر بن عبد الله المزني.]] من الإيمان العظيم الراسخ.
ولا يقال: إن هذا فتح باب للعصاة الذي إذا قال له قائل: اتق الله اترك المعصية، اتق الله أَقِم الواجب، قال: التقوى هاهنا، ثم ضرب على صدره ضربة ينخرق، التقوى هاهنا، ماذا نقول له؟ نقول: التقوى هاهنا صحيح، لكن هذه كلمة حق أريد بها باطل، ونقول له: لو اتقى ما هاهنا لاتقى ما هاهنا؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما. ]]، لو صلح ما هاهنا لصلح الظاهر.
فالحاصل أن هذه الآية واضحة، الدليل فيها دليل واضح على أن الأعمال تتفاضل بحسب ما في القلوب من الإيمان ولَّا لا؟ وأتيت لكم بشاهد من الحديث، وهو قوله عليه الصلاة والسلام في الصحابة: «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، مُدَّ أحدهم من الذهب، ولَّا مُدَّ أحدهم من الطعام؟ يحتمل.
بعضهم يقول: مُدَّ أحدهم من الطعام؛ لأنه هو اللي جرت العادة أن يُكَالَ، يعني لو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ واحد منهم من التمر؛ لأنه هو الذي يكال عادة.
وبعضهم يقول: ما بلغ مُدَّ أحدهم من الذهب؛ لأن التفاضل بين الطعام والذهب بعيد، لكن التفاضل بين الذهب القليل والذهب الكثير. (...)